######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021712 #META# 000.BookURI :: #0630.IbnAthirCizzDin.Kamil #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 630 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الكامل في التاريخ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 10 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021712 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21712 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21712 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عمر عبد السلام تدمري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1417هـ / 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله القديم فلا أول لوجوده الدائم الكريم ~~فلا آخر لبقائه ولا نهاية لجوده الملك حقا فلا تدرك العقول حقيقة كنهه ~~القادر فكل ما في العالم من أثر قدرته المقدس فلا تقرب الحوادث حماه المنزه ~~عن التغيير فلا ينجو منه سواه مصرف الخلائق بين رفع وخفض وبسط وقبض وإبرام ~~ونقض وإماتة وإحياء وإيجاد وإفناء وإسعاد وإضلال وإعزاز وإذلال يؤتي الملك ~~من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل ~~شيء قدير مبيد القرون السالفة والأمم الخالفة لم يمنعهم منه ما اتخذوه ~~معقلا وحرزا ف {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98] ، بتقديره ~~النفع والضر (له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين أحمده على ما أولى من ~~نعمه وأجذل للناس من قسمه وأصلي على رسوله محمد سيد العرب والعجم المبعوث ~~إلى جميع الأمم وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ومصابيح الظلم صلى الله عليه ~~وعليهم وسلم # أما بعد فإني لم أزل محبا لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها مؤثرا ~~للاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها، مائلا إلى المعارف والآداب والتجارب ~~المودعة في مطاويها، فلما تأملتها رأيتها متباينة في تحصيل الغرض يكاد جوهر ~~المعرفة بها يستحيل # PageV01P005 # إلى العرض، فمن بين مطول قد استقصى الطرق والروايات، ومختصر قد أخل بكثير ~~مما هو آت، ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحادثات والمشهور من الكائنات، ~~وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وترك ~~تسطيرها أحرى، كقولهم خلع فلان الذمي صاحب العيار وزاد رطلا في الأسعار، ~~وأكرم فلان وأهين فلان، وقد أرخ كل منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذيل عليه ~~وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه. # والشرقي منهم قد أخل بذكر أخبار الغرب، والغربي قد أهمل أحوال الشرق؛ ~~فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخا متصلا إلى وقته يحتاج إلى مجلدات ~~كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال. # فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف ms0001 تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب ~~وما بينهما، ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وآتي فيه بالحوادث ~~والكائنات من أول الزمان، متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا. # ولا أقول إني أتيت على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ، فإن من هو ~~بالموصل لا بد أن يشذ عنه ما هو بأقصى الشرق والغرب ولكن أقول إنني قد جمعت ~~في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد ومن تأمله علم صحة ذلك. # فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب ~~المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع # PageV01P006 # تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات ~~عدد كل رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها وربما زاد الشيء اليسير أو ~~نقصه فقصدت أتم الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت ~~كل شيء مكانه فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا ~~على ما تراه. # فلما فرغت منه وأخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ~~ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه ووضعت كل شيء منها موضعه إلا ما يتعلق ~~بما جرى بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني لم أضف إلى ما ~~نقله أبو جعفر شيئا إلا ما فيه زيادة بيان أو اسم إنسان أو ما لا يطعن على ~~أحد منهم في نقله، وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن ~~حقا الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا. # على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم ~~بصدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه، ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ولا ~~كمن يجمع الحصبا واللآلي. # ورأيتهم أيضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر ~~أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يحصل منها على غرض ولا تفهم إلا بعد إمعان ~~النظر، فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيء منها ms0002 في أي شهر أو سنة ~~كانت فأتت متناسقة متتابعة قد أخذ بعضها برقاب بعض. # وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصها فأما الحوادث # PageV01P007 # الصغار التي لا يحتمل منها كل شيء ترجمة فإنني أفردت لجميعها ترجمة واحدة ~~في آخر كل سنة فأقول: ذكر عدة حوادث وإذا ذكرت بعض من نبغ وملك قطرا من ~~البلاد ولم تطل أيامه فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء ~~أمره لأن إذا تفرق خبره لم يعرف للجهل به. # وذكرت في آخر كل سنة من توفي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء ~~وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخط المختلفة في اللفظ الواردة فيه ~~بالحروف ضبطا يزيل الإشكال ويغني عن الإنقاط والأشكال. # فلما جمعت أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت ~~ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت. # ثم إن نفرا من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خلاني ممن أرى محادثتهم ~~نهاية أوطاري وأعدهم من أماثل مجالسي وسماري رغبوا إلي في أن يسمعوه مني ~~ليرووه عني فاعتذرت بالإعراض عنه وعدم الفراغ منه، فإنني لم أعاود مطالعة ~~مسودته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو ولا أسقطت منها ما يحتاج إلى ~~إسقاط ومحو، وطالت المراجعة مدة وهم للطلب ملازمون وعن الإعراض معرضون ~~وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه وإثبات ما تمس الحاجة إليه وحذف ما لا ~~بد من اطراحه والعزم على إتمامه فاتر والعجز ظاهر للاشتغال بما لا بد منه ~~لعدم المعين والمظاهر ولهموم توالت ونوائب تتابعت فأنا ملازم الإهمال ~~والتواني، فلا أقول: إني لأسير إليه سير الشواني. # فبينما الأمر كذلك إذ برز أمر من طاعته فرض واجب واتباع أمره حكم لازب، ~~من # PageV01P008 # أعلاق الفضل بإقباله عليها نافقة وأرواح الجهل بإعراضه عنها نافقةمن أحيا ~~المكارم وكانت أمواتا وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتا من عم رعيته ~~عدله ونواله وشملهم إحسانه وإفضاله، مولانا مالك الملك الرحيم العالم ~~المؤيد المنصور المظفر بدر الدين ركن الإسلام والمسلمين محيي العدل في ~~العالمين خلد ms0003 الله دولته. # فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل وأبطلت رداء الكسل وألقيت الدواة وأصلحت ~~القلم وقلت: هذا أوان الشد فاشتدي زيم وجعلت الفراغ أهم مطلب وإذا أراد ~~الله أمرايأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقا، ومن العجب أن السكيت يروم أن ~~يجيء سابقا ونصبت نفسي غرضا للسهام وجعلتها مظنة لأقوال اللوام لأن المآخذ ~~إذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب ~~الذي تكررت مطالعته وتنقيحه وأجيد تأليفه وتصحيحه فهي بغيره أولى وبه أحرى ~~على أني مقر بالتقصير فلا أقول إن الغلط سهو جرى به القلم، بل أعترف بأن ما ~~أجهل أكثر مما أعلم. # وقد سميته اسما يناسب معناه وهو: الكامل في التاريخ ولقد رأيت جماعة ممن ~~يدعي المعرفة والدراية ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية يحتقر التواريخ ~~ويزديها ويعرض عنها ويلغيها ظنا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص ~~والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار وهذه حال من اقتصر على القشر ~~دون اللب نظره، وأصبح مخشلبا جوهره، ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا ~~مستقيما علم أن فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة، وها ~~نحن نذكر شيئا مما ظهر لنا فيها ونكل إلى قريحة الناظر فيه معرفة باقيها. # فأما فوائدها الدنيوية فمنها: أن الإنسان لا يخفى أنه يحب البقاء ويؤثر ~~أن يكون # PageV01P009 # في زمرة الأحياء فيا ليت شعري! أي فرق بين ما رآه أمس أو سه وبين ما قرأه ~~في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدمين؟ فإذا طالعها فكأنه ~~عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضرهم. # ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة ~~أهل الجور والعدوان ورآها مدونة في الكتب يتناقلها الناس فيرويها خلف عن ~~سلف، ونظروا إل ما أعقبت من سوء الذكر وقبيح الأحدوثة وخراب البلاد وهلاك ~~العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال استقبحوها وأعرضوا عنها واطرحوها. وإذا ~~رأوا سيرة الولاة العادلين وحسنها وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، ~~وأن بلادهم وممالكهم عمرت وأموالهم درت استحسنوا ذلك ورغبوا فيه وثابروا ~~عليه وتركوا ما ms0004 ينافيه هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي ~~دفعوا بها مضرات الأعداء وخلصوا بها من المهالك واستصانوا نفائس المدن ~~وعظيم الممالك ولو لم يكن فيها غير هذا لكفى به فخرا. # ومنها ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه ~~عواقبها، فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره فيزداد بذلك عقلا ويصبح ~~لأن يقتدى به أهلا، ولقد أحسن القائل حيث يقول شعرا: # رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع # فلا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # يعني بالمطبوع العقل الغريزي الذي خلقه الله تعالى للإنسان وبالمسموع ما ~~يزداد به العقل الغريزي من التجربة وجعله عقلا ثانيا توسعا وتعظيما له، ~~وإلا فهو زيادة في عقله الأول. # ومنها ما يتجمل به الإنسان في المجالس والمحافل من ذكر شيء من معارفها ~~ونقل طريفة من طرائفها فترى الأسماع مصغية إليه والوجوه مقبلة عليه والقلوب ~~متأملة مايورده ويصدره مستحسنة ما يذكره. # PageV01P010 # وأما الفوائد الأخروية: فمنها أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلب ~~الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسه ~~وذخائرهم وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من ~~نكدها غني ولا فقير، زهد فيها وأعرض عنها وأقبل على التزود للآخرة منها، ~~ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص وسلم أهلها من هذه النقائص، ولعل قائلا ~~يقول: ما نرى ناظرا فيها زهد في الدنيا وأقبل على الآخرة ورغب في درجاتها ~~العليا، فيا ليت شعري كم رأى هذا القائل قارئا للقرآن العزيز وهو سيد ~~المواعظ وأفصح الكلام يطلب به اليسير من هذا الحطام فإن القلوب مولعة بحب ~~العاجل. # ومنها التخلق بالصبر والتأسي وهما من محاسن الأخلاق فإن العاقل إذا رأى ~~أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم ولا ملك معظم بل ولا أحد من البشر علم ~~أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم. # شعرا: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد ms0005 # ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد {إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37] . فإن ظن هذا القائل أن الله سبحانه ~~أراد بذكرها الات والأسمار فقد تمسك من أقوال الزيغ بمحكم سببها حيث قالوا: ~~هذه {أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5] . # نسأل الله تعالى أن يرزقنا قلبا عقولا ولسانا صادقا ويوفقنا للسداد في ~~القول والعمل وهو حسبنا ونعم الوكيل. # PageV01P011 ### | [ذكر الوقت الذي ابتدئ فيه بعمل التاريخ في الإسلام] # قيل: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أمر بعمل ~~التاريخ. # والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب أمر بوضع التاريخ. # وسبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر: إنه يأتينا منك كتب ليس لها ~~تاريخ. فجمع الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ لمبعث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وقال بعضهم: أرخ لمهاجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~عمر: بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن مهاجرته فرق ~~بين الحق والباطل، قاله الشعبي. # وقال ميمون بن مهران: رفع إلى عمر صك محله شعبان، فقال: أي شعبان؟ أشعبان ~~الذي هو آت أم شعبان الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ضعوا للناس شيئا يعرفونه. فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم ~~فإنهم يؤرخون من عهد ذي القرنين. فقال: هذا يطول. فقال اكتبوا على تاريخ ~~الفرس. فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح تاريخ من كان قبله. فاجتمع رأيهم ~~على أن ينظروا كم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P012 # بالمدينة، فوجدوه عشر سنين، فكتبوا من هجرة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر فقال: أرخوا. فقال عمر: ما أرخوا؟ ~~فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن، فأرخوا. ~~فاتفقوا على الهجرة، ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: ~~فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام، فأجمعوا عليه. # وقال سعيد بن ms0006 المسيب: جمع عمر الناس فقال: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال ~~علي: من مهاجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفراقه أرض الشرك. ففعله ~~عمر. # وقال عمرو بن دينار: أول من أرخ يعلى بن أمية وهو باليمن. # وأما قبل الإسلام فقد كان بنو إبراهيم يؤرخون من نار إبراهيم إلى بنيان ~~البيت حتى بناه إبراهيم، وإسماعيل - عليهما السلام - ثم أرخ بنو إسماعيل من ~~بنيان البيت حتى تفرقوا، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، ومن ~~بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد، ونهد، وجهينة بني زيد من ~~تهامة حتى مات كعب بن لؤي، وأرخوا من موته إلى الفيل، ثم كان التاريخ من ~~الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة. # PageV01P013 # وقد كان كل طائفة من العرب تؤرخ بالحادثات المشهورة فيها، ولم يكن لهم ~~تاريخ يجمعهم، فمن ذلك قول بعضهم: # ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا # وقال الجعدي: # فمن يك سائلا عني فإني ... من الشبان أيام الخنان # وقال آخر: # وما هي إلا في إزار وعقلة ... بغار ابن همام على حي خثعما # وكل واحد أرخ بحادث مشهور عندهم، فلو كان لهم تاريخ يجمعهم لم يختلفوا في ~~التاريخ. والله أعلم. ### | [القول في الزمان] # PageV01P014 # الزمان عبارة عن ساعات الليل والنهار، وقد يقال ذلك للطويل والقصير ~~منهما. والعرب تقول: أتيتك زمان الصرام، وزمان الصرام يعني به وقت الصرام. ~~وكذلك: أتيتك أزمان الحجاج أمير. ويجمعون الزمان يريدون بذلك أن كل وقت من ~~أوقات إمارته زمن من الأزمنة. # القول في جميع الزمان من أوله إلى آخره # اختلف الناس في ذلك فقال ابن عباس من رواية سعيد بن جبير: سبعة آلاف سنة. # وقال وهب بن المنبه: ستة آلاف سنة. قال أبو جعفر: والصحيح من ذلك ما دل ~~على صحته الخبر الذي رواه ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «أجلكم في أجل من قبلكم، من صلاة العصر إلى مغرب الشمس» . # وروى نحو ms0007 هذا المعنى أنس، وأبو سعيد إلا أنهما قالا إنه قال: إلى غروب ~~الشمس، وبدل صلاة العصر: بعد صلاة العصر. وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة ~~والوسطى» . # PageV01P015 # وروى نحوه جابر بن سمرة، وأنس، وسهل بن سعد، وبريدة، والمستورد بن شداد، ~~وأشياخ من الأنصار كلهم عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -. # وهذه أخبار صحيحة. # قال: وقد زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة من لدن خلق ~~آدم إلى الهجرة أربعة آلاف سنة، وستمائة واثنتان وأربعون سنة. # وقالت اليونانية من النصارى: إن من خلق آدم إلى الهجرة خمسة آلاف سنة ~~وتسعمائة واثنتين وتسعين سنة وشهرا. # وزعم قائل أن اليهود إنما نقصوا من السنين دفعا منهم لنبوة عيسى، إذ كانت ~~صفته ومبعثه في التوراة، وقالوا: لم يأت الوقت الذي في التوراة أن عيسى ~~يكون فيه، فهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته. # قال: وأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال. # وقالت المجوس: إن قدر مدة الزمان من لدن ملك جيومرث إلى وقت الهجرة ثلاثة ~~آلاف ومائة وتسع وثلاثون سنة، وهم لا يذكرون مع ذلك شيئا يعرف فوق جيومرث ~~ويزعمون أنه هو آدم. # وأهل الأخبار مختلفون فيه، فمن قائل مثل قول المجوس، ومن قائل: إنه يسمى ~~بآدم بعد أن ملك الأقاليم السبعة وإنه حام بن يافث بن نوح، وكان بارا بنوح، ~~فدعا له ولذريته بطول العمر، والتمكين في البلاد، واتصال الملك، فاستجيب ~~له. فملك جيومرث وولده الفرس. ولم يزل الملك فيهم إلى أن دخل المسلمون ~~المدائن وغلبوهم # PageV01P016 # على ملكهم، ومن قائل غير ذلك، كذا قال أبو جعفر. # قلت: ثم ذكر أبو جعفر بعد هذا فصولا تتضمن الدلالة على حدوث الأزمان، ~~والأوقات، وهل خلق الله قبل خلق الزمان شيئا أم لا؟ وعلى فناء العالم، وأن ~~لا يبقى إلا الله تعالى، وأنه أحدث كل شيء، واستدل على ذلك بأشياء يطول ~~ذكرها، ولا يليق ذلك بالتواريخ لا سيما المختصرات ms0008 منه، فإنه بعلم الأصول ~~أولى. وقد فرغ المتكلمون منه في كتبهم، فرأينا تركه أولى. # (بريدة: بضم الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وآخره هاء) # PageV01P017 ### | [القول في ابتداء الخلق، وما كان أوله] # صح في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه عبادة بن ~~الصامت أنه سمعه يقول: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، وقال له: اكتب. ~~فجرى في تلك الساعة بما هو كائن» . وروي نحو ذلك عن ابن عباس. # وقال محمد بن إسحاق: أول ما خلق الله تعالى النور، والظلمة، فجعل الظلمة ~~ليلا أسود، وجعل النور نهارا أبيض مضيئا. والأول أصح للحديث، وابن إسحاق لم ~~يسند قوله إلى أحد. # واعترض أبو جعفر على نفسه بما روى سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس أنه قال: إن الله تعالى كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما ~~خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، وأجاب بأن هذا الحديث ~~إن كان صحيحا فقد رواه شعبة أيضا عن أبي هاشم، ولم يقل فيه: «إن الله كان ~~على عرشه» ، بل روى أنه قال: «أول ما خلق الله القلم» . # PageV01P018 # القول فيما خلق بعد القلم # ثم إن الله خلق - بعد القلم، وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة - سحابا رقيقا، وهو الغمام الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد «سأله أبو رزين العقيلي: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: ~~في غمام ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» . وهو الغمام ~~الذي ذكره الله في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~[البقرة: 210] . # قلت هذا فيه نظر، لأنه قد تقدم أن أول ما خلق الله تعالى القلم، وقال له: ~~اكتب. فجرى في تلك الساعة. ثم ذكر في أول هذا الفصل أن الله خلق بعد القلم، ~~وبعد أن جرى بما هو كائن سحابا، ومن المعلوم أن الكتابة لا بد فيها من آلة ms0009 ~~يكتب بها، وهو القلم، ومن شيء يكتب فيه، وهو الذي يعبر عنه ههنا باللوح ~~المحفوظ. وكان ينبغي أن يذكر اللوح المحفوظ ثانيا للقلم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ترك ذكره لأنه معلوم من مفهوم اللفظ بطريقة الملازمة. # ثم اختلف العلماء فيمن خلق الله بعد الغمام، فروى الضحاك بن مزاحم، عن ~~ابن عباس: أول ما خلق الله العرش، فاستوى عليه. # وقال آخرون: خلق الله الماء قبل العرش، وخلق العرش فوضعه على الماء، وهو ~~قول أبي صالح، عن ابن عباس، وقول ابن مسعود، ووهب بن منبه. # وقد قيل: إن الذي خلق الله تعالى بعد القلم الكرسي، ثم العرش، ثم الهواء، ~~ثم الظلمات، ثم الماء فوضع العرش عليه. # قال: وقول من قال: إن الماء خلق قبل العرش أولى بالصواب؛ لحديث أبي رزين ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين ~~خلق العرش ; قاله سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فإنه كان كذلك فقد خلقا قبل ~~العرش. # وقال غيره: إن الله خلق القلم قبل أن يخلق شيئا بألف عام. # PageV01P019 # واختلفوا أيضا في اليوم الذي ابتدأ الله تعالى فيه خلق السماوات والأرض، ~~فقال عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد: ابتداء الخلق يوم الأحد. # وقال محمد بن إسحاق: ابتداء الخلق يوم السبت. وكذلك قال أبو هريرة. # واختلفوا أيضا فيما خلق كل يوم، فقال عبد الله بن سلام: إن الله تعالى ~~بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات، ~~والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات يوم الخميس والجمعة، ففرغ ~~آخر ساعة من الجمعة فخلق فيها آدم - عليه السلام - فتلك الساعة التي تقوم ~~فيها الساعة. # ومثله قال ابن مسعود، وابن عباس من رواية أبي صالح عنه، إلا أنهما لم ~~يذكرا خلق آدم، ولا الساعة. # وقال ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة عنه: إن الله تعالى خلق الأرض ~~بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا ~~الأرض بعد ذلك، فذلك ms0010 قوله تعالى {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] ~~وهذا القول عندي هو الصواب. # وقال ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: إن الله تعالى وضع البيت على ~~الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت ~~البيت. ومثله قال ابن عمر. # وروى السدي، عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، ~~وعن ابن مسعود في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سماوات} [البقرة: 29] قال: إن الله عز وجل كان عرشه ~~على الماء، ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج ~~من الماء # PageV01P020 # دخانا، فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله ~~أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين: يوم الأحد، ويوم الاثنين. ~~فخلق الأرض على حوت، والحوت النون الذي ذكره الله تعالى في القرآن في قوله: ~~ن والقلم والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، ~~والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في ~~السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطربت، وتزلزلت الأرض، فأرسى عليها ~~الجبال، فقرت. والجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى {وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم} [الأنبياء: 31] . قال ابن عباس، والضحاك، ومجاهد، وكعب، ~~وغيرهم: كل يوم من هذه الأيام الستة التي خلق الله في السماء والأرض كألف ~~سنة. # قلت: أما ما ورد في هذه الأخبار من أن الله تعالى خلق الأرض في يوم كذا، ~~فإنما هو مجاز، وإلا فلم يكن ذلك الوقت أيام وليال، لأن الأيام عبارة عما ~~بين طلوع الشمس وغروبها، والليالي عبارة عما بين غروبها وطلوعها، ولم يكن ~~ذلك الوقت سماء، ولا شمس. وإنما المراد به أنه خلق كل شيء بمقدار يوم، ~~كقوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم: 62] وليس في الجنة بكرة ~~وعشي. # (سلام: والد عبد الله، بتخفيف اللام) . # القول في الليل والنهار، أيهما ms0011 خلق قبل صاحبه؟ # قد ذكرنا ما خلق الله تعالى من الأشياء قبل خلق الأوقات، وأن الأزمنة ~~والأوقات إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قطع الشمس، والقمر ~~درجات الفلك. # PageV01P021 # فلنذكر الآن بأي ذلك كان الابتداء، أبالليل أم بالنهار؟ فإن العلماء ~~اختلفوا في ذلك، فإن بعضهم يقول: إن الليل خلق قبل النهار، ويستدل على ذلك ~~بأن النهار من نور الشمس، فإذا غابت الشمس جاء الليل فبان بذلك أن النهار - ~~وهو النور - وارد على الظلمة التي هي الليل. وإذا لم يرد نور الشمس كان ~~الليل ثابتا، فدل ذلك على أن الليل هو الأول، وهذا قول ابن عباس. # وقال آخرون: كان النهار قبل الليل. واستدلوا بأن الله تعالى كان ولا شيء ~~معه، ولا ليل ولا نهار، وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه حتى خلق الليل. ~~قال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل، ولا نهار. نور السماوات من نور وجهه. # قال أبو جعفر: والأول أولى بالصواب للعلة المذكورة أولا، ولقوله تعالى: ~~{أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها - رفع سمكها فسواها - وأغطش ليلها وأخرج ~~ضحاها} [النازعات: 27 - 29] فبدأ بالليل قبل النهار. # قال عبيد بن عمير الحارثي: كنت عند علي فسأله ابن الكواء عن السواد الذي ~~في القمر، فقال: ذلك آية محيت، وقال ابن عباس مثله، وكذلك قال مجاهد، ~~وقتادة، وغيرهما، لذلك خلقهما الله تعالى الشمس أنور من القمر. # قلت: وروى أبو جعفر هاهنا حديثا طويلا في عدة أوراق عن ابن عباس، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلق الشمس، والقمر، وسيرهما، فإنهما على ~~عجلتين، لكل عجلة ثلاثمائة وستون عروة، يجرها بعددها من الملائكة، وإنهما ~~يسقطان عن العجلتين فيغوصان في بحر بين السماء والأرض، فذلك كسوفهما، ثم إن ~~الملائكة يخرجونها فذلك تجليتهما من الكسوف. وذكر الكواكب، وسيرها، وطلوع ~~الشمس من مغربها. ثم ذكر مدينة # PageV01P022 # بالمغرب تسمى جابرس وأخرى بالمشرق تسمى جابلق، ولكل واحدة منهما عشرة ~~آلاف باب، يحرس كل باب منها عشرة آلاف رجل، لا تعود الحراسة إليهم إلى يوم ms0012 ~~القيامة. # وذكر يأجوج ومأجوج، ومنسك وثاريس، إلى أشياء أخر لا حاجة إلى ذكرها، ~~فأعرضت عنها لمنافاتها العقول. ولو صح إسنادها لذكرناها، وقلنا به، ولكن ~~الحديث غير صحيح، ومثل هذا الأمر العظيم لا يجوز أن يسطر في الكتب بمثل هذا ~~الإسناد الضعيف. # وإذا كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله عز وجل في إنشاء ما ~~أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعه من سني الدنيا ومدة ~~أزمانها، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تاريخ ~~الملوك الجبابرة، والعاصية ربها والمطيعة ربها، وأزمان الرسل، والأنبياء، ~~وكنا قد أتينا على ذكر ما تصح به التأريخات وتعرف به الأوقات، وهو الشمس، ~~والقمر، فلنذكر الآن أول من أعطاه الله ملكا، وأنعم عليه فكفر نعمته، وجحد ~~ربوبيته، واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه، وأذله، ثم نتبعه ذكر من استن ~~سنته، واقتفى أثره وأحل الله به نعمته، ونذكر من كان بإزائه أو بعده من ~~الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، ومن الرسل والأنبياء، إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P023 ### | [قصة إبليس لعنه الله وابتداء أمره وإطغائه آدم عليه السلام] # فأولهم، وإمامهم، ورئيسهم إبليس. وكان الله تعالى قد حسن خلقه، وشرفه، ~~وملكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر، وجعله مع ذلك خازنا من خزان الجنة، ~~فاستكبر على ربه، وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده إلى عبادته، فمسخه ~~الله تعالى شيطانا رجيما، وشوه خلقه، وسلبه ما كان خوله، ولعنه، وطرده عن ~~سماواته في العاجل، ثم جعل مسكنه، ومسكن أتباعه في الآخرة نار جهنم، نعوذ ~~بالله تعالى من نار جهنم، ونعوذ بالله تعالى من غضبه، ومن الحور بعد الكور. # ونبدأ بذكر الأخبار عن السلف بما كان الله أعطاه من الكرامة، وبادعائه ما ~~لم يكن له، ونتبع ذلك بذكر أحداث في سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، ~~والسبب الذي به زال عنه، إن شاء الله تعالى. # ذكر الأخبار بما كان لإبليس - لعنه الله - من الملك، وذكر الأحداث في ~~ملكه # وروي عن ابن ms0013 عباس، وابن مسعود أن إبليس كان له ملك سماء الدنيا، وكان من ~~قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن. وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة. وكان ~~إبليس مع # PageV01P024 # ملكه خازنا، قال ابن عباس: ثم إنه عصى الله تعالى فمسخه شيطانا رجيما. # وروي عن قتادة في قوله تعالى: {ومن يقل منهم إني إله من دونه} [الأنبياء: ~~29] إنما كانت هذه الآية في إبليس خاصة لما قال لعنه الله تعالى وجعله ~~شيطانا رجيما، وقال: {فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء: 29] ~~وروي عن ابن جريج مثله. # وأما الأحداث التي كانت في ملكه، وسلطانه فمنها ما روي عن الضحاك، عن ابن ~~عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار ~~السموم من بين الملائكة، وكان خازنا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من ~~نور، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار ~~الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وخلق الإنسان من طين، فأول من سكن في الأرض ~~الجن، فاقتتلوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا، قال: فبعث الله ~~تعالى إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن، ~~فقاتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور، وأطراف الجبال. فلما فعل ~~ذلك اغتر في نفسه، وقال: قد صنعت ما لم يصنعه أحد. فاطلع الله تعالى على ~~ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه أحد من الملائكة الذين معه. وروي عن أنس نحوه. # وروى أبو صالح، عن ابن عباس، ومرة الهمداني، عن ابن مسعود أنهما قالا: ~~لما فرغ الله تعالى من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك ~~سماء الدنيا، وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن ~~لأنهم من خزنة الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في نفسه كبر، وقال: ما ~~أعطاني الله تعالى هذا الأمر إلا لمزية لي على الملائكة. فاطلع الله على ~~ذلك منه فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. # PageV01P025 # قال ابن عباس: ms0014 وكان اسمه عزازيل، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم ~~علما، فدعاه ذلك إلى الكبر. وهذا قول ثالث في سبب كبره. # وروى عكرمة، عن ابن عباس أن الله تعالى خلق خلقا، فقال: اسجدوا لآدم، ~~فقالوا: لا نفعل. فبعث عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر، فقال: إني ~~خالق بشرا من طين، فاسجدوا لآدم. فأبوا، فبعث الله تعالى عليهم نارا ~~فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء الملائكة، فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان ~~إبليس من أولئك الذين لم يسجدوا. # وقال شهر بن حوشب: إن إبليس كان من الجن الذين سكنوا الأرض، وطردتهم ~~الملائكة، وأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء. وروي عن سعيد بن مسعود ~~نحو ذلك. # وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كما قال الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] ~~وجائز أن يكون فسوقه من إعجابه بنفسه لكثرة عبادته، واجتهاده، وجائز أن ~~يكون لكونه من الجن. # (ومرة الهمداني، بسكون الميم، والدال المهملة نسبة إلى همدان: قبيلة ~~كبيرة من اليمن) # PageV01P026 ### | [ذكر خلق آدم عليه السلام] # ومن الأحاديث في سلطانه خلق أبينا آدم، عليه السلام. وذلك لما أراد الله ~~تعالى أن يطلع ملائكته على ما علم من انطواء إبليس على الكبر ولم يعلمه ~~الملائكة حتى دنا أمره من البوار وملكه من الزوال، فقال للملائكة: {إني ~~جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: ~~30] . فروي عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك للذي كانوا عهدوا من أمره ~~وأمر الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك، فقالوا لربهم تعالى: أتجعل فيها ~~من يكون مثل الجن الذين كانوا يسفكون الدماء فيها ويفسدون ويعصونك ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك؟ فقال الله لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] ~~، يعني من انطواء إبليس على الكبر والعزم على خلاف أمري واغتراره، وأنا مبد ~~ذلك لكم منه لتروه عيانا. فلما أراد الله أن يخلق آدم أمر جبرائيل أن يأتيه ~~بطين من الأرض، فقالت الأرض: أعوذ بالله ms0015 منك أن تنقص مني وتشينني. فرجع ولم ~~يأخذ منها شيئا، وقال: يا رب، إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل، ~~فاستعاذت منه فأعاذها، فرجع وقال مثل جبرائيل، فبعث إليها ملك الموت فعاذت ~~منه، فقال: أنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمر ربي، فأخذ من وجه الأرض ~~فخلطه ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء، وطينا ~~لازبا، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. # وروى أبو موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى ~~خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم ~~الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث، والطيب، ثم ~~بلت طينته حتى صارت # PageV01P027 # طينا لازبا، ثم تركت حتى صارت حمأ مسنونا، ثم تركت حتى صارت صلصالا، كما ~~قال ربنا، تبارك وتعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون} ~~[الحجر: 26] » . # واللازب: الطين الملتزب بعضه ببعض. ثم ترك حتى تغير، وأنتن، وصار حمأ ~~مسنونا، يعني منتنا، ثم صار صلصالا، وهو الذي له صوت. # وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. قال ابن عباس: أمر الله بتربة آدم ~~فرفعت، فخلق آدم من طين لازب من حمإ مسنون، وإنما كان حمأ مسنونا بعد ~~التزاب فخلق منه آدم بيده لئلا يتكبر إبليس عن السجود له. قال: فمكث أربعين ~~ليلة، وقيل: أربعين سنة، جسدا ملقى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ~~أي يصوت، قال: فهو قول الله تعالى: {من صلصال كالفخار} [الرحمن: 14] ، ~~يقول: منتن كالمنفوخ الذي ليس بمصمت، ثم يدخل من فيه فيخرج من دبره، ويدخل ~~من دبره، ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئا، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك ~~لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. فكانت الملائكة تمر به فتخافه، وكان إبليس ~~أشدهم منه خوفا. # فلما بلغ الحين الذي أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: {فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] فلما نفخ الروح فيه ~~دخلت من قبل رأسه، وكان لا يجري ms0016 شيء من الروح في جسده إلا صار لحما، فلما ~~دخلت الروح رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. # وقيل: بل ألهمه الله التحميد، فقال: الحمد لله رب العالمين. فقال الله ~~له: رحمك ربك يا آدم. فلما دخلت الروح عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما بلغت ~~جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، ~~فذلك يقول الله تعالى: # PageV01P028 # {خلق الإنسان من عجل} [الأنبياء: 37] . فسجد له الملائكة كلهم إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين. فقال الله له: يا إبليس ما منعك أن تسجد إذ ~~أمرتك؟ قال: أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين، فلم يسجد كبرا، ~~وبغيا، وحسدا. فقال الله له: {ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: ~~75] إلى قوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 85] . فلما فرغ ~~من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية، وأوقع اللعنة، وأيأسه من رحمته وجعله ~~شيطانا رجيما، وأخرجه من الجنة. # قال الشعبي: أنزل إبليس مشتمل الصماء عليه عمامة أعور في إحدى رجليه نعل. # وقال حميد بن هلال: نزل إبليس مختصرا فلذلك كره الاختصار في الصلاة، ولما ~~أنزل قال: يا رب، أخرجتني من الجنة لأجل آدم، وإني لا أقوى عليه إلا ~~بسلطانك. قال: فأنت مسلط. قال: زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. ~~قال: زدني. قال: صدورهم مساكن لك، وتجري منهم مجرى الدم. قال: زدني. قال: ~~أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم. # قال آدم: يا رب، قد أنظرته، وسلطته علي، وإنني لا أمتنع منه إلا بك. قال: ~~لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يا رب، زدني. ~~قال: الحسنة بعشر أمثالها، وأزيدها، والسيئة بواحدة، وأمحوها. قال: يا رب، ~~زدني. قال: {ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] قال: يا رب، زدني. قال: التوبة لا ~~أمنعها من ولدك ما كانت فيهم الروح. قال: يا رب، ms0017 زدني. قال: أغفر ولا ~~أبالي. قال: حسبي. # ثم قال الله لآدم: إيت أولئك النفر من الملائكة فقل السلام عليكم. فأتاهم ~~فسلم عليهم، فقالوا له: وعليك السلام ورحمة الله. ثم رجع إلى ربه فقال: هذه ~~تحيتك وتحية ذريتك بينهم. فلما امتنع إبليس من السجود وظهر للملائكة ما كان ~~مستترا عنهم علم الله آدم الأسماء كلها. # الأسماء التي علمها الله آدم # PageV01P029 # واختلفت العلماء في الأسماء، فقال الضحاك عن ابن عباس: علمه الأسماء كلها ~~التي تتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وجبل، وفرس، وحمار، ~~وأشباه ذلك، حتى الفسوة، والفسية. وقال مجاهد وسعيد بن جبير مثله. # وقال ابن زيد: علم أسماء ذريته. # وقال الربيع: علم أسماء الملائكة خاصة. فلما علمها عرض الله أهل الأسماء ~~على الملائكة فقال: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} [البقرة: 31] ~~إني إن جعلت الخليفة منكم أطعتموني، وقدستموني، ولم تعصوني، وإن جعلته من ~~غيركم أفسد فيها، وسفك الدماء، فإنكم إن لم تعلموا أسماء هؤلاء وأنتم ~~تشاهدونهم فبأن لا تعلموا ما يكون منكم ومن غيركم وهو مغيب عنكم أولى ~~وأحرى. وهذا قول ابن مسعود، ورواية أبي صالح، عن ابن عباس. # وروي عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: لما علم الله الملائكة بخلق آدم، ~~واستخلافه و {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] و ~~{قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما ~~يشاء فلن يخلق خلقا إلا كنا أكرم على الله منه، وأعلم منه. فلما خلقه ~~وأمرهم بالسجود له علموا أنه خير منهم، وأكرم على الله منهم، فقالوا: إن يك ~~خيرا منا وأكرم على الله منا فنحن أعلم منه. فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا بأن ~~علمه الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين} [البقرة: 31] إني لا أخلق أكرم منكم ولا أعلم منكم ففزعوا إلى ~~التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك ~~أنت العليم الحكيم} [البقرة: 32] . # PageV01P030 # قالا: وعلمه اسم كل شيء من هذه: الخيل، والبغال، ms0018 والإبل، والجن، والوحش، ~~وكل شيء. # ذكر إسكان آدم الجنة وإخراجه منها # فلما ظهر للملائكة من معصية إبليس وطغيانه ما كان مستترا عنهم وعاتبه ~~الله على معصيته بتركه السجود لآدم، فأصر على معصيته وأقام على غيه، لعنه ~~الله وأخرجه من الجنة وطرده منها وسلبه ما كان إليه من ملك سماء الدنيا ~~والأرض وخزن الجنة، فقال الله له: {فاخرج منها فإنك رجيم - وإن عليك اللعنة ~~إلى يوم الدين} [الحجر: 34 - 35] ، وأسكن آدم الجنة. # قال ابن عباس، وابن مسعود: فلما أسكن آدم الجنة كان يمشي فيها فردا ليس ~~له زوج يسكن إليها، فنام نومة واستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها ~~الله من ضلعه، فسألها، فقال: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: ~~لتسكن إلي. قالت له الملائكة لينظروا مبلغ علمه: ما اسمها؟ قال: حواء. ~~قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. وقال الله له: {ياآدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما} [البقرة: 35] . # وقال ابن إسحاق فيما بلغه عن أهل الكتاب وغيرهم، منهم عبد الله بن عباس ~~قال: ألقى الله تعالى على آدم النوم وأخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ~~ولأم مكانه لحما وخلق منه حواء وآدم نائم، فلما استيقظ رآها إلى جنبه، ~~فقال: لحمي، ودمي، وروحي، فسكن إليها، فلما زوجه الله تعالى وجعل له سكنا ~~من نفسه، قال له: {ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة - ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين} [البقرة: 35] . وعن مجاهد، وقتادة مثله. # فلما أسكن الله آدم وزوجته الجنة أطلق لهما أن يأكلا كل ما أرادا من كل ~~ثماره غير ثمرة شجرة واحدة، ابتلاء منه لهما وليمضي قضاؤه فيهما وفي ~~ذريتهما. فوسوس لهما الشيطان. وكان سبب وصوله إليهما أنه أراد دخول الجنة ~~فمنعته الخزنة، فأتى كل دابة من دواب الأرض # PageV01P031 # وعرض نفسه عليها أنها تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجته. فكل الدواب ~~أبى عليه حتى أتى الحية، وقال لها: أمنعك من ابن آدم، فأنت في ذمتي إن أنت ~~أدخلتني، فجعلته بين ms0019 نابين من أنيابها، ثم دخلت به، وكانت كاسية على أربع ~~قوائم من أحسن دابة خلقها الله كأنها بختية، فأعراها الله وجعلها تمشي على ~~بطنها. # قال ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتموها واخفروا ذمة عدو الله فيها. # فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فيها فناح عليهما نياحة أحزنتهما حين ~~سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما ~~فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس لهما وقال: ~~يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى، وقال {ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين - وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين} [الأعراف: 20 - 21] أن تكونا ملكين، أو تخلدان إن لم تكونا ملكين ~~في نعمة الجنة. يقول الله تعالى: {فدلاهما بغرور} [الأعراف: 22] . وكان ~~انفعال حواء لوسوسته أعظم، فدعاها آدم لحاجته. فقالت: لا، إلا أن تأتي ~~ههنا. فلما أتى قالت: لا! إلا أن تأكل من هذه الشجرة، وهي الحنطة. قال: ~~فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما، وكان لباسهما الظفر، فطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة، قيل: كان ورق التين، وكانت الشجرة من أكل منها أحدث. وذهب ~~آدم هاربا في الجنة، فناداه ربه: أن يا آدم مني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن ~~حياء منك. فقال: يا آدم، من أين أتيت؟ قال: من قبل حواء يا رب. فقال الله: ~~فإن علي أن أدميها في كل شهر وأن أجعلها سفيهة، وقد كنت خلقتها حليمة، وأن ~~أجعلها تحمل كرها وتضع كرها وتشرف على الموت مرارا، قد كنت جعلتها تحمل ~~يسرا وتضع يسرا، ولولا بليتها لكان النساء لا يحضن، ولكن حليمات ولكن يحملن ~~يسرا، ويضعن يسرا. # وقال الله تعالى له: لألعنن الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول بها ثمارها ~~شوكا. ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة أفضل من الطلح والسدر. # PageV01P032 # وقال للحية: دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة يتحول بها ~~قوائمك في بطنك، ولا يكون لك رزق إلا التراب. ms0020 أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، ~~حيث لقيت واحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك، اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو: آدم، وإبليس، والحية. فأهبطهم إلى الأرض، وسلب الله آدم وحواء كل ما ~~كانا فيه من النعمة، والكرامة. # قيل: كان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن ~~سقته حواء الخمر حتى سكر فلما سكر قادته إليها فأكل. # قلت: والعجب من سعيد كيف يقول هذا والله يقول في صفة خمر الجنة {لا فيها ~~غول} [الصافات: 47] . # ذكر اليوم الذي أسكن آدم فيه الجنة، واليوم الذي أخرج فيه منها، واليوم ~~الذي ناب فيه # روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير يوم طلعت فيه ~~الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تاب ~~الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة - يقللها - لا يوافقها عبد مسلم ~~يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه. قال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ~~ساعة هي، هي آخر ساعة من النهار» . # وقال أبو العالية: أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة، أو العاشرة منه، ~~وأهبط إلى الأرض لتسع ساعات مضين من ذلك اليوم، وكان مكثه في الجنة خمس ~~ساعات منه، وقيل: كان مكثه ثلاث ساعات منه. # فإن كان قائل هذا القول أراد أنه سكن الفردوس لساعتين مضتا من يوم الجمعة ~~من أيام الدنيا التي هي على ما هي به اليوم، فلم يبعد قوله من الصواب لأن ~~الأخبار كذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم بأن آدم خلق آخر ساعة من ~~اليوم السادس التي مقدار اليوم منها ألف سنة من سنيننا، فمعلوم أن الساعة ~~الواحدة من ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاما من أعوامنا، وقد ذكرنا أن آدم بعد ~~أن خمر ربنا طينته بقي قبل أن ينفخ فيه # PageV01P033 # الروح أربعين عاما، وذلك لا شك أنه عنى به أعوامنا، ثم بعد أن نفخ فيه ~~الروح إلى أن تناهى أمره، وأسكن الجنة، وأهبط إلى الأرض، غير مستنكر أن ms0021 ~~يكون مقدار ذلك من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة، وإن كان أراد أنه سكن الجنة ~~لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم منها ألف سنة ~~من سنيننا، فقد قال غير الحق، لأن كل من له قول في ذلك من أهل العلم يقول ~~إنه نفخ فيه الروح آخر نهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس. # وقد روى أبو صالح، عن ابن عباس أن مكث آدم كان في الجنة نصف يوم كان ~~مقداره خمسمائة عام، وهذا أيضا خلاف ما وردت به الأخبار عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعن العلماء. # ذكر الموضع الذي أهبط فيه آدم، وحواء من الأرض # قيل: ثم إن الله تعالى أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه، ~~وهو يوم الجمعة، مع زوجته حواء من السماء. # فقال علي، وابن عباس، وقتادة، وأبو العالية: إنه أهبط بالهند على جبل ~~يقال له نوذ من أرض سرنديب، وحواء بجدة. قال ابن عباس: فجاء في طلبها فكان ~~كلما وضع قدمه بموضع صار قرية، وما بين خطوتيه مفاوز، فسار حتى أتى جمعا ~~فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، وتعارفا بعرفات فلذلك سميت عرفات، ~~واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا. وأهبطت الحية بأصفهان، وإبليس بميسان. وقيل: ~~أهبط آدم بالبرية، وإبليس بالأبلة. # PageV01P034 # قال أبو جعفر: وهذا ما لا يوصل إلى معرفة صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة، ~~ولا نعلم خبرا في ذلك غير ما ورد في هبوط آدم بالهند، فإن ذلك مما لا يدفع ~~صحته علماء الإسلام. # قال ابن عباس: فلما أهبط آدم على جبل نوذ كانت رجلاه تمسان الأرض ورأسه ~~بالسماء يسمع تسبيح الملائكة، فكانت تهابه، فسألت الله أن ينقص من طوله ~~فنقص طوله إلى ستين ذراعا، فحزن آدم لما فاته من الأنس بأصوات الملائكة ~~وتسبيحهم، فقال: يا رب، كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك أدخلتني جنتك آكل ~~منها حيث شئت، وأسكن حيث شئت، فأهبطتني إلى الجبل المقدس فكنت أسمع أصوات ~~الملائكة وأجد ريح الجنة، فحططتني إلى ستين ms0022 ذراعا، فقد انقطع عني الصوت، ~~والنظر، وذهبت عني ريح الجنة! فأجابه الله تعالى: بمعصيتك يا آدم فعلت بك ~~ذلك. فلما رأى الله تعالى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن من ~~الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة، فأخذ كبشا، فذبحه، وأخذ صوفه. ~~فغزلته حواء، ونسجه آدم، فعمل لنفسه جبة، ولحواء درعا، وخمارا، فلبسا ذلك. # وقيل: أرسل إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه من جلود الضأن، والأنعام. # وقيل: كان ذلك لباس أولاده، وأما هو وحواء فكان لباسهما ما كانا خصفا من ~~ورق الجنة، فأوحى الله إلى آدم: إن لي حرما حيال عرشي فانطلق، وابن لي بيتا ~~فيه، ثم حف به كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي، فهنالك أستجيب لك، ولولدك من ~~كان منهم في طاعتي. فقال آدم يا رب، وكيف لي بذلك! لست أقوى عليه ولا أهتدي ~~إليه. فقيض الله ملكا فانطلق به نحو مكة، وكان آدم إذا مر بروضة قال للملك: ~~انزل بنا ههنا. فيقول الملك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزله آدم ~~عمرانا، وما عداه مفاوز. فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سينا، وطور ~~زيتون، ولبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به ~~الملك إلى عرفات، فأراه المناسك التي يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة ~~فطاف بالبيت أسبوعا، ثم رجع إلى الهند فمات على نوذ. # PageV01P035 # فعلى هذا القول أهبط حواء وآدم جميعا، وإن آدم بنى البيت، وهذا خلاف الذي ~~نذكره إن شاء الله تعالى منه: أن البيت أنزل من السماء. # وقيل: حج آدم من الهند أربعين حجة ماشيا. ولما نزل إلى الهند كان على ~~رأسه إكليل من شجر الجنة، فلما وصل إلى الأرض يبس فتساقط ورقه فنبتت منه ~~أنواع الطيب بالهند. # وقيل: بل الطيب من الورق الذي خصفه آدم وحواء عليهما. # وقيل: لما أمر بالخروج من الجنة جعل لا يمر بشجرة منها إلا أخذ منها غصنا ~~فهبط وتلك الأغصان معه فكان أصل الطيب بالهند منها، وزوده الله من ثمار ~~الجنة، ms0023 فثمارنا هذه منها، غير هذه تتغير، وتلك لا تتغير، وعلمه صنعة كل ~~شيء، ونزل معه من طيب الجنة، والحجر الأسود، وكان أشد بياضا من الثلج، وكان ~~من ياقوت الجنة، ونزل معه عصا موسى، وهي من آس الجنة، ومن لبان، وأنزل بعد ~~ذلك العلاة، والمطرقة، والكلبتان. # وكان حسن الصورة لا يشبهه من ولده غير يوسف. وأنزل عليه جبرائيل بصرة ~~فيها حنطة، فقال آدم: ما هذا؟ قال: هذا الذي أخرجك من الجنة فقال: ما أصنع ~~به؟ فقال: انثره في الأرض. ففعل، فأنبته الله من ساعته، ثم حصده، وجمعه، ~~وفركه، وذراه، وطحنه، وعجنه، وخبزه، كل ذلك بتعليم جبرائيل، وجمع له ~~جبرائيل الحجر والحديد، فقدحه، فخرجت منه النار، وعلمه جبرائيل صنعة ~~الحديد، والحراثة، وأنزل إليه ثورا، فكان يحرث عليه، قيل هو الشقاء الذي ~~ذكره الله تعالى بقوله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} [طه: 117] . # ثم إن الله أنزل آدم من الجبل وملكه الأرض وجميع ما عليها من الجن، ~~والدواب، والطير، وغير ذلك، فشكا إلى الله تعالى وقال: يا رب، أما في هذه ~~الأرض من يسبحك غيري، فقال الله تعالى: سأخرج من صلبك من يسبحني، ويحمدني، ~~وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري، وأجعل فيها بيتا أختصه بكرامتي، وأسميه ~~بيتي، وأجعله حرما آمنا، فمن حرمه بحرمتي فقد استوجب كرامتي، ومن أخاف أهله ~~فيه فقد خفر ذمتي، وأباح حرمتي، # PageV01P036 # أول بيت وضع للناس فمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلي، وزارني، وضافني، ~~ويحق على الكريم أن يكرم وفده، وأضيافه، وأن يسعف كلا بحاجته، تعمره أنت يا ~~آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم، والقرون، والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة. # ثم أمر آدم أن يأتي البيت الحرام، وكان قد أهبط من الجنة ياقوتة واحدة، ~~وقيل: درة واحدة، وبقي كذلك حتى أغرق الله قوم نوح - عليه السلام - فرفع ~~وبقي أساسه، فبوأ الله لإبراهيم - عليه السلام - فبناه على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # وسار آدم إلى البيت ليحجه، ويتوب عنده، وكان قد بكى هو وحواء على ~~خطيئتهما، وما فاتهما ms0024 من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين ~~يوما، ثم أكلا وشربا بعدها، ومكث آدم لم يقرب حواء مائة عام، فحج البيت، ~~وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وهو قوله تعالى {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] . # (نود بضم النون، وسكون الواو، وآخره دال مهملة) . # ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق # روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أخذ الله الميثاق على ذرية آدم ~~بنعمان من عرفة فأخرج من ظهره كل ذرية ذرأها إلى أن تقوم الساعة، فنثرهم ~~بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا وقال: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن ~~تقولوا يوم القيامة} [الأعراف: 172] إلى قوله: {بما فعل المبطلون} ~~[الأعراف: 173] . # (نعمان بفتح النون الأولى) . # وقيل عن ابن عباس أيضا: إنه أخذ عليهم الميثاق بدحنا، موضع. # PageV01P037 # وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه إلى الأرض من السماء، ثم ~~مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: ~~ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها كهيئة الذر سوداء، ~~فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك حين يقول: " أصحاب اليمين " و " أصحاب ~~الشمال "، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فأعطوه ~~الميثاق، طائفة طائعين، وطائفة على وجه التقية. # ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم في الدنيا # وكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهل العلم مختلفون في اسم ~~قابيل، فبعضهم يقول: قين، وبعضهم يقول: قائين، وبعضهم يقول قاين، وبعضهم ~~يقول: قابيل. # واختلفوا أيضا في سبب قتله، فقيل: كان سببه أن آدم كان يغشى حواء في ~~الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له فيها بقابيل بن آدم وتوأمته، فلم تجد ~~عليهما وحما، ولا وصبا، ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما ~~لطهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة، وهبطا إلى الأرض فاطمأنا بها تغشاها ~~فحملت بهابيل، وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم، والوصب، والطلق حين ولدتهما، ~~ورأت معهما الدم، ms0025 وكانت حواء فيما يذكرون لا تحمل إلا توأما ذكرا وأنثى، ~~فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنا، وكان الولد ~~منهم أي أخواته شاء تزوج إلا توأمته التي تولد معه، فإنها لا تحل له، وذلك ~~أنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، وأمهم حواء، فأمر آدم ابنه قابيل أن ~~ينكح توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة أخيه قابيل. # وقيل: بل كان آدم غائبا، وكان لما أراد السير قال للسماء: احفظي ولدي ~~بالأمانة، فأبت، وقال للأرض فأبت، وللجبال فأبت، وقال لقابيل، فقال: نعم ~~تذهب وترجع وستجده كما يسرك. فانطلق آدم فكان ما نذكره. # PageV01P038 # وفيه قال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} ~~[الأحزاب: 72] . فلما قال آدم لقابيل وهابيل في معنى نكاح أختيهما ما قال ~~لهما سلم هابيل لذلك ورضي به، وأبى ذلك قابيل وكرهه تكرها عن أخت هابيل ~~ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض فأنا ~~أحق بأختي. # وقال بعض أهل العلم: إن أخت قابيل كانت من أحسن الناس فضن بها على أخيه، ~~وأرادها لنفسه، وإنهما لم يكونا من ولادة الجنة إنما كانا من ولادة الأرض، ~~والله أعلم. # فقال له أبوه آدم: يا بني، إنها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك من أبيه. ~~فقال له أبوه: يا بني، فقرب قربانا، ويقرب أخوك هابيل قربانا، فأيكما قبل ~~الله قربانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بذر الأرض وهابيل على رعاية ~~الماشية، فقرب قابيل قمحا، وقرب هابيل أبكار غنمه. وقيل: قرب بقرة، فأرسل ~~الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل ~~القربان إذا قبله الله، فلما قبل الله قربان هابيل، وكان في ذلك القضاء له ~~بأخت قابيل، غضب قابيل، وغلب عليه الكبر، واستحوذ عليه الشيطان، وقال: ~~لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. قال هابيل: {إنما يتقبل الله من المتقين - لئن ~~بسطت إلي يدك لتقتلني ما ms0026 أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} [المائدة: 27 - 28] ~~إلى قوله {فطوعت له نفسه قتل أخيه} [المائدة: 30] فاتبعه وهو في ماشيته ~~فقتله، فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن، فقال: {واتل عليهم نبأ ابني ~~آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} [المائدة: ~~27] إلى آخر القصة. # PageV01P039 # قال: فلما قتله سقط في يده ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما يزعمون ~~أول قتيل من بني آدم، {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من ~~النادمين} [المائدة: 31] إلى قوله {لمسرفون} [المائدة: 32] . فلما قتل أخاه ~~قال الله تعالى: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: لا أدري، ما كنت عليه ~~رقيبا! فقال الله تعالى: إن صوت دم أخيك يناديني من الأرض الآن، أنت ملعون ~~من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا ~~تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض. فقال قابيل: عظمت خطيئتي ~~إن لم تغفرها. # قيل: كان قتله عند عقبة حراء. ثم نزل من الجبل آخذا بيد أخته قليما فهرب ~~بها إلى عدن من اليمن. # قال ابن عباس: لما قتل أخاه أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل نود إلى ~~الحضيض، فقال له آدم: اذهب فلا تزال مرعوبا لا تأمن من تراه. فكان لا يمر ~~به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ~~ابنه: هذا أبوك قابيل فارمه، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن ~~الأعمى لأبيه: قتلت أباك! فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات. فقال: يا ويلتي ~~قتلت أبي برميتي وبني بلطمتي. # ولما قتل هابيل كان عمره عشرين سنة، وكان لقابيل يوم قتله خمس وعشرون ~~سنة. # وقال الحسن: كان الرجلان اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله: ~~{واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} [المائدة: 27] من بني إسرائيل، ولم يكونا ~~من بني آدم لصلبه، وكان آدم أول ms0027 من مات. # وقال أبو جعفر: الصحيح عندنا أنهما ابنا آدم لصلبه للحديث الصحيح عن # PageV01P040 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ~~ابن آدم الأول كفل منها، وذلك لأنه أول من سن القتل فبان لهذا أنهما لصلب ~~آدم، فإن القتل مازال بين بني آدم قبل بني إسرائيل» . وفي هذا الحديث أنه ~~أول من سن القتل، ومن الدليل على أنه مات من ذرية آدم قبله ما ورد في تفسير ~~قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} [الأعراف: 189] إلى قوله: {جعلا ~~له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190] . # عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم قالوا: كانت حواء تلد لآدم ~~فتعبدهم، أي تسميهم عبد الله، وعبد الرحمن، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، ~~فأتاها إبليس فقال: لو سميتهما بغير هذه الأسماء لعاش ولدكما. فولدت ولدا ~~فسمته عبد الحارث، وهو اسم إبليس، فنزلت: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} ~~[الأعراف: 189] الآيات. وقد روي هذا المعنى مرفوعا. # قلت: إنما كان الله تعالى يميت أولادهم أولا، وأحيا هذا المسمى بعبد ~~الحارث امتحانا واختبارا، وإن كان الله تعالى يعلم الأشياء بغير امتحان، ~~لكن علما لا يتعلق به الثواب والعقاب. ومن الدليل على أن القاتل والمقتول ~~ابنا آدم لصلبه ما رواه العلماء عن علي بن أبي طالب أن آدم قال لما قتل ~~هابيل: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح # في أبيات غيرها. # PageV01P041 # وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيومرث هو آدم، وزعم بعضهم أنه ابن آدم ~~لصلبه من حواء، وقالوا فيه أقوالا كثيرة يطول بذكرها الكتاب إذ كان قصدنا ~~ذكر الملوك وأيامهم، ولم يكن ذكر الاختلاف في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له ~~الكتاب، فإن ذكرنا من ذلك شيئا فلتعريف من ذكرنا ليعرفه من لم يكن عارفا ~~به. # وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ~~ووافق علماء الفرس على اسمه، وخالفهم في ms0028 عينه وصفته، فزعم أن جيومرث الذي ~~زعمت الفرس أنه آدم، إنما هو حام بن يافث بن نوح، وأنه كان معمرا سيدا نزل ~~جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق، وتملك بها وبفارس، وعظم أمره ~~وأمر ولده حتى ملكوا بابل، وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها، وابتنى ~~جيومرث المدن، والحصون، وأعد السلاح، واتخذ الحيل، وتجبر في آخر أمره، ~~وتسمى بآدم، وقال: من سماني بغيره قتلته، وتزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهن ~~نسله، وأن ماري ابنه وماريانة أخته ممن كانا ولدا في آخر عمره، فأعجب بهما ~~وقدمهما، فصار الملوك من نسلهما. # قال أبو جعفر: وإنما ذكرت من أمر جيومرث في هذا الموضع ما ذكرت لأنه لا ~~تدافع بين علماء الأمم أنه أبو الفرس من العجم، وإنما اختلفوا فيه هل هو ~~آدم أبو البشر، أم غيره على ما ذكرنا؟ ومع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم ~~يزل منتظما على سياق متصل بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار ~~بمرو أيام عثمان بن عفان، والتاريخ على أسماء ملوكهم أسهل بيانا، وأقرب إلى ~~التحقيق منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم، إذ لا يعلم أمة من الأمم الذين ~~ينتسبون إلى آدم دامت لهم المملكة واتصل الملك لملوكهم يأخذه آخرهم عن ~~أولهم، وغابرهم عن سالفهم سواهم. # وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم، وأعمار من بعده من ولده ~~من الملوك، والأنبياء، وجيومرث أبي الفرس، فأذكر ما اختلفوا فيه من أمرهم ~~إلى الحال التي اجتمعوا # PageV01P042 # عليها، واتفقوا على ملك منهم في زمان بعينه أنه هو الملك في ذلك الزمان ~~إن شاء الله. # وكان آدم مع ما أعطاه الله تعالى من ملك الأرض نبيا رسولا إلى ولده، ~~وأنزل الله عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم بيده علمه إياها جبرائيل. # «وروى أبو ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الأنبياء مائة ~~ألف وأربعة وعشرون ألفا. قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا، يعني كثيرا، ms0029 طيبا قال: قلت: من أولهم؟ قال: ~~آدم. قال: قلت: يا رسول الله، وهو نبي مرسل؟ قال: نعم، خلقه الله بيده، ~~ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلا، وكان ممن أنزل عليه تحريم الميتة، والدم، ~~ولحم الخنزير، وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة» . # PageV01P043 ### | [ذكر ولادة شيث] # ومن الأحداث في أيامه ولادة شيث، وكانت بعد مضي مائة وعشرين سنة لآدم، ~~وبعد قتل هابيل بخمس سنين، وقيل: ولد فردا بغير توأم. وتفسير شيث: هبة ~~الله، ومعناه أنه خلف من هابيل، وهو وصي آدم. وقال ابن عباس: كان معه توأم. ~~ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى شيث وعلمه ساعات الليل، والنهار، وعبادة ~~الخلوة في كل ساعة منها وأعلمه بالطوفان، وصارت الرياسة بعد آدم إليه، ~~وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وإليه أنساب بني آدم كلهم اليوم. # وأما الفرس الذين قالوا إن جيومرث هو آدم، فإنهم قالوا: ولد لجيومرث ~~ابنته ميشان أخت ميشى، وتزوج ميشى أخته ميشان، فولدت له سيامك، وسيامي، ~~فولد لسيامك بن جيومرث أفروال، ودقس، وبواسب، وأجراب، وأوراش، وأمهم # PageV01P044 # جميعا سيامي ابنة ميشى، وهي أخت أبيهم. # وذكروا أن الأرض كلها سبعة أقاليم، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه ~~الناس برا وبحرا فهو من إقليم واحد وسكانه ولد أفروال بن سيامك من أفرى ~~ابنة سيامك أوشهنج بيشداد الملك، وهو الذي خلف جده جيومرث في الملك، وهو ~~أول من جمع ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره. # وكان بعضهم يزعم أن أوشهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء. # وأما ابن الكلبي فإنه زعم أن أول من ملك الأرض أوشهنج بن عابر بن شالخ بن ~~أرفخشذ بن سام بن نوح، قال: والفرس تزعم أنه كان بعد آدم بمائتي سنة، وإنما ~~كان بعد نوح بمائتي سنة، ولم تعرف الفرس ما كان قبل نوح. # والذي ذكره هشام بن الكلبي لا وجه له، لأن أوشهنج مشهور عند الفرس، وكل ~~قوم أعلم بأنسابهم، وأيامهم من غيرهم. # قال: وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أوشهنج هذا هو مهلائيل، وأن أباه أفروال ~~هو ms0030 قينان، وأن سيامك هو أنوش أبو فينان، وأن ميشى هو شيث أبو أنوش، وأن ~~جيومرث هو آدم. فإن كان الأمر كما زعم فلا شك أن أوشهنج كان في زمن آدم ~~رجلا، وذلك لأن مهلائيل فيما ذكر في الكتب الأولى كانت ولادة أمه دينة ابنة ~~براكيل بن محويل بن # PageV01P045 # حنوخ بن قين بن آدم إياه بعدما مضى من عمر آدم ثلاثمائة سنة وخمس وتسعون ~~سنة، وقد كان له حين وفاة أبيه آدم ستمائة سنة وخمس وستون سنة، على حساب أن ~~عمر آدم كان ألف سنة، وقد زعمت الفرس أن ملك أوشهنج كان أربعين سنة، فإن ~~كان الأمر على ما ذكره النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت فما يبعد من قال: إن ~~ملكه كان بعد وفاة آدم بمائتي سنة. ### | [ذكر وفاة آدم عليه السلام] # ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوما، وأوصى إلى ابنه شيث وأمره أن يخفي علمه عن ~~قابيل، وولده لأنه قتل هابيل حسدا منه له حين خصه آدم بالعلم، فأخفى شيث ~~وولده ما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به. # وقد روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله ~~تعالى لآدم حين خلقه: ائت أولئك النفر من الملائكة قل السلام عليكم، فأتاهم ~~فسلم عليهم، وقالوا له: عليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال له: ~~هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم. ثم قبض له يديه، فقال له خذ واختر. فقال: ~~أحببت يمين ربي وكلتا يديه يمين، ففتحها له فإذا فيها صورة آدم وذريته ~~كلهم، وإذا كل رجل منهم مكتوب عنده أجله، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة، ~~وإذا قوم عليهم النور، فقال: يا رب، من هؤلاء الذين عليهم النور؟ فقال: ~~هؤلاء الأنبياء والرسل الذين أرسلهم إلى عبادي، وإذا فيهم رجل هو من أضوئهم ~~نورا ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة. فقال آدم: يا رب، هذا من أضوئهم ~~ولم تكتب له إلا أربعين سنة، بعد أن أعلمه ms0031 أنه داود - عليه السلام - فقال: ~~ذلك ما كتبت له. فقال: يا رب، انقص له من عمري ستين سنة. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " فلما أهبط إلى # PageV01P046 # الأرض كان يعد أيامه، فلما أتاه ملك الموت لقبضه قال له آدم: عجلت يا ملك ~~الموت! قد بقي من عمري ستون سنة. فقال له ملك الموت: ما بقي شيء، سألت ربك ~~أن يكتبه لابنك داود. فقال: ما فعلت! " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته فحينئذ وضع الله الكتاب وأمر ~~بالشهود» ". # وروي عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية الدين قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن أول من جحد آدم ثلاث مرار، وإن الله لما خلقه مسح ظهره ~~فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم، فرأى منهم رجلا ~~يزهر، قال: أي رب، أي بني هذا؟ قال: ابنك داود. قال: كم عمره؟ قال: ستون ~~سنة. قال: زده من العمر. قال الله تعالى: لا، إلا أن تزيده أنت. وكان عمر ~~آدم ألف سنة، فوهب له أربعين سنة، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه ~~الملائكة، فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه، فقال: قد بقي من عمري ~~أربعون سنة. قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت، ولا وهبت له ~~شيئا. فأنزل الله عليه الكتاب، وأقام الملائكة شهودا. فأكمل لآدم ألف سنة، ~~وأكمل لداود مائة سنة» ". # وروي مثل هذا عن جماعة، منهم سعيد بن جبير، وقال ابن عباس: كان عمر آدم ~~تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة، وأهل التوراة يزعمون أن عمر آدم تسعمائة سنة ~~وثلاثون سنة، والأخبار عن رسول الله والعلماء ما ذكرنا، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أعلم الخلق. # وعلى رواية أبي هريرة التي فيها أن آدم وهب داود من عمره ستين سنة لم يكن ~~كثير اختلاف بين الحديثين، وما في التوراة من أن عمره كان تسعمائة وثلاثين ~~سنة، فلعل الله ذكر عمره في التوراة سوى ما وهبه لداود. ms0032 # قال ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه قال: بلغني أن آدم حين مات بعث # PageV01P047 # الله بكفنه وحنوطه من الجنة، ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه. # وروى أبي بن كعب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن آدم حين حضرته ~~الوفاة بعث الله إليه بحنوطه، وكفنه من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت ~~لتدخل دونهم، فقال: خلي عني، وعن رسل ربي، فما لقيت ما لقيت إلا منك، ولا ~~أصابني ما أصابني إلا فيك. فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وترا، وكفنوه في ~~وتر من الثياب، ثم لحدوا له ودفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده» . # قال ابن عباس: لما مات آدم قال شيث لجبرائيل: صل عليه. فقال: تقدم أنت ~~فصل على أبيك. فكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وأما خمس ~~وعشرون فتفضيلا لآدم. # وقيل: دفن في غار في جبل أبي قبيس يقال له غار الكنز. وقال ابن عباس: لما ~~خرج نوح من السفينة دفن آدم ببيت المقدس. # وكانت وفاته يوم الجمعة، كما تقدم، وذكر أن حواء عاشت بعده سنة، ثم ماتت ~~فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت إلى وقت الطوفان، واستخرجهما نوح، ~~وجعلهما في تابوت، ثم حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الأرض الماء ردهما ~~إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان، قال: وكانت حواء فيما ذكر قد غزلت، ~~ونسجت، وعجنت، وخبزت، وعملت أعمال النساء كلها. # وإذ قد فرغنا من ذكر آدم وعدوه إبليس، وذكر أخبارهما، وما صنع الله بعدوه ~~إبليس حين تجبر، وتكبر من تعجيل العقوبة، وطغى وبغى، من الطرد، والإبعاد، ~~والنظرة إلى يوم # PageV01P048 # الدين، وما صنع بآدم إذ أخطأ ونسي من تعجيل العقوبة له، ثم تغمده إياه ~~بالرحمة إذ تاب من زلته - فأرجع إلى ذكر قابيل وشيث ابني آدم وأولادهما، إن ~~شاء الله. # PageV01P049 ### | [ذكر شيث بن آدم عليه السلام] # قد ذكرنا بعض أمره وأنه كان وصي آدم في مخلفيه بعد مضيه لسبيله. وما أنزل ~~الله عليه من الصحف. # وقيل: إنه لم يزل ms0033 مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات، وإنه كان جمع ما ~~أنزل عليه وعلى أبيه آدم من الصحف وعمل بما فيها، وإنه بنى الكعبة بالحجارة ~~والطين. # وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم تزل القبة التي جعل الله لآدم ~~مكان البيت إلى أيام الطوفان فرفعها الله حين أرسل الطوفان. وقيل: إن شيثا ~~لما مرض أوصى إلى ابنه أنوش ومات فدفن مع أبويه بغار أبي قبيس، وكان مولده ~~لمضي مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم، وقيل غير ذلك، وقد تقدم، ~~وكانت وفاته وقد أتت عليه تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة. وقام أنوش بن شيث ~~بعد موت أبيه بسياسة الملك وتدبير من تحت يديه من رعيته مقام أبيه لا يوقف ~~منه تغيير، ولا تبديل، فكان جميع عمر أنوش تسعمائة وخمس سنين، وكان مولده ~~بعد أن أمضى من عمر أبيه شيث ستمائة سنة وخمس سنين، وهذا قول أهل التوراة. # وقال ابن عباس: ولد لشيث أنوش وولد معه نفر كثير، وإليه أوصى شيث، ثم ولد ~~لأنوش بن شيث ابنه قينان من أخته نعمة بنت شيث بعد مضي تسعين سنة من عمر # PageV01P050 # أنوش، وولد معه نفر كثير، وإليه الوصية، وولد قينان مهلائيل، ونفرا كثيرا ~~معه، وإليه الوصية، وولد مهلائيل يرد، وهو اليارد. ونفرا معه، وإليه ~~الوصية، فولد يرد حنوخ، وهو إدريس النبي، ونفرا معه، وإليه الوصية، وولد ~~حنوخ متوشلخ ونفرا معه، وإليه الوصية. # وأما التوراة ففيها أن مهلائيل ولد بعد أن مضى من عمر آدم - عليه السلام ~~- ثلاثمائة وخمس وتسعون سنة، ومن عمر قينان سبعون، وولد يرد لمهلائيل بعدما ~~مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة، فكان على منهاج أبيه، غير أن ~~الأحداث بدأت في زمانه. # PageV01P051 ### | [ذكر الأحداث التي كانت من لدن ملك شيث إلى أن ملك يرد] # ذكر أن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس، فقال ~~له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها، ~~فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك. ms0034 فبنى بيت نار، فهو أول من نصب نارا وعبدها. # وقال ابن إسحاق: إن قينا، وهو قابيل، نكح أخته أشوث بنت آدم فولدت له ~~رجلا وامرأة: حنوخ بن قين وعذب بنت قين، فنكح حنوخ أخته عذب فولدت ثلاثة ~~بنين وامرأة: غيرد ومحويل، وأنوشيل، وموليث ابنة حنوخ، فنكح أنوشيل بن حنوخ ~~أخته موليث، وولدت له رجلا اسمه لامك، فنكح لامك امرأتين اسم إحداهما عدى ~~والأخرى صلى، فولدت عدى تولين بن لامك، فكان أول من سكن القباب واقتنى ~~المال، وتوبلين فكان أول من ضرب بالونج والصنج، وولدت رجلا اسمه توبلقين، ~~وكان أول من عمل النحاس، والحديد، وكان أولادهم فراعنة وجبابرة، وكانوا قد ~~أعطوا بسطة في الخلق. # قال: ثم انقرض ولد قين، ولم يتركوا عقبا إلا قليلا، وذرية آدم كلها جهلت ~~أنسابهم، وانقطع نسلهم إلا ما كان من شيث، فمنه كان النسل، وأنساب الناس ~~اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم، ولم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وولده إلا ~~ما حكيت. # PageV01P052 # وقال غيره من أهل التوراة: إن أول من اتخذ الملاهي من ولد قابيل رجل يقال ~~له ثوبال بن قابيل، اتخذها في زمان مهلائيل بن قينان، اتخذ المزامير، ~~والطنابير، والطبول، والعيدان، والمعازف، فانهمك ولد قابيل في اللهو. ~~وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من ولد شيث، فهم منهم مائة رجل بالنزول إليهم ~~وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد فوعظهم ونهاهم فلم يقبلوا، ~~ونزلوا إلى ولد قابيل فأعجبوا بما رأوا منهم، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم ~~وبين ذلك لدعوة سبقت من آبائهم فلما أبطئوا ظن من بالجبل ممن كان في نفسه ~~زيغ أنهم أقاموا اغتباطا، فتسللوا ينزلون من الجبل ورأوا اللهو فأعجبهم، ~~ووافقوا نساء من ولد قابيل متشرعات إليهم وصرن معهم، وانهمكوا في الطغيان، ~~وفشت الفحشاء، وشرب الخمر فيهم. # وهذا القول غير بعيد من الحق، وذلك أنه قد روي عن جماعة من سلف علمائنا ~~المسلمين نحو منه، وإن لم يكونوا بينوا زمان من حدث ذلك في ملكه، إلا أنهم ~~ذكروا أن ذلك كان فيما ms0035 بين آدم ونوح، منهم ابن عباس، أو مثله. # ومثله روى الحكم بن عتيبة، عن أبيه مع اختلاف قريب من القولين، والله ~~أعلم. # وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان، وأنه هو أوشهنج ~~الذي ملك الأقاليم السبعة، وبينت قول من خالفهم. # وقال هشام بن الكلبي: إنه أول من بنى البناء، واستخرج المعادن وأمر أهل ~~زمانه باتخاذ المساجد، وبنى مدينتين كانتا أول ما بني على ظهر الأرض من ~~المدائن، وهما مدينة بابل، وهي بالعراق، ومدينة السوس بخوزستان، وكان ملكه ~~أربعين سنة. # وقال غيره: هو أول من استنبط الحديد وعمل منه الأدوات للصناعات، وقدر ~~المياه في مواقع المنافع، وحض الناس على الزراعة، واعتماد الأعمال، وأمر ~~بقتل السباع الضارية، واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش، وبذبح البقر، ~~والغنم، والوحش، وأكل لحومها، وإنه بنى مدينة الري. # PageV01P053 # قالوا: وهي أول مدينة بنيت بعد مدينة جيومرث التي كان يسكنها بدنباوند. ~~وقالوا: إنه أول من وضع الأحكام، والحدود. وكان ملقبا بذلك يدعى بيشداد، ~~ومعناه بالفارسية أول من حكم بالعدل، وذلك أن " بيش " معناه أول، و " داد " ~~معناه عدل وقضى. وهو أول من استخدم الجواري وأول من قطع الشجر وجعله في ~~البناء، وذكروا أنه نزل الهند وتنقل في البلاد وعقد على رأسه تاجا، وذكروا ~~أنه قهر إبليس وجنوده ومنعهم الاختلاط بالناس، وتوعدهم على ذلك وقتل ~~مردتهم، فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال، فلما مات عادوا. # وقيل: إنه سمى شرار الناس شياطين واستخدمهم، وملك الأقاليم كلها. وإنه ~~كان بين مولد أوشهنج وموت جيومرث مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة. # (عتيبة بالعين، وبعدها تاء فوقها نقطتان، وياء تحتها نقطتان، وباء موحدة) ~~. # PageV01P054 ### | [ذكر يرد] # وقيل يارد بن مهلائيل، أمه خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن حنوخ بن ~~قين بن آدم، ولد بعدما مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة، وفي أيامه ~~عملت الأصنام، وعاد من عاد عن الإسلام. ثم نكح يرد، في قول ابن إسحاق - وهو ~~ابن مائة واثنتين وستين سنة - بركتا ابنة الدرمسيل بن محويل بن حنوخ ms0036 بن قين ~~بن آدم، فولدت له حنوخ، وهو إدريس النبي، فكان أول بني آدم أعطي النبوة وخط ~~بالقلم، وأول من نظر في علوم النجوم، والحساب. وحكماء اليونانيين يسمونه ~~هرمس الحكيم، وهو عظيم عندهم، فعاش يرد بعد مولد إدريس ثمانمائة سنة، وولد ~~له بنون وبنات، فكان عمره تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة. # وقيل: أنزل على إدريس ثلاثون صحيفة، وهو أول من جاهد في سبيل الله وقطع ~~الثياب وخاطها، وأول من سبى من ولد قابيل بن آدم فاسترق منهم، وكان وصي ~~والده يرد فيما كان آباؤه وصوا به إليه، وفيما أوصى بعضهم بعضا. # وتوفي آدم بعد أن مضى من عمر إدريس ثلاثمائة وثماني سنين. # ودعا إدريس قومه ووعظهم، وأمرهم بطاعة الله تعالى ومعصية الشيطان، وأن لا ~~يلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه. # قال: وفي التوراة أن الله رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة من # PageV01P055 # عمره، وبعد أن مضى من عمر أبيه خمسمائة سنة وسبع وعشرون سنة، فعاش أبوه ~~بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر، من الرسل أربعة سريانيون: ~~آدم، وشيث، ونوح، وحنوخ، وهو أول من خط بالقلم، وأنزل الله عليه ثلاثين ~~صحيفة» . وقيل: إن الله أرسله إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمع له علم ~~الماضين وزاده ثلاثين صحيفة. وقال بعضهم: ملك بيوراسب في عهد إدريس، وكان ~~قد وقع عليه من كلام آدم، فاتخذه سحرا، وكان بيوراسب يعمل به. # (يارد بياء معجمة باثنتين من تحتها، وراء مهملة، وذال معجمة. وحنوخ بحاء ~~مهملة مفتوحة، ونون بعدها واو، وخاء معجمة، وقيل بخائين معجمتين) . # PageV01P056 ### | [ذكر ملك طهمورث] # زعمت الفرس أنه ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان، يعني خير أهل ~~الأرض، ابن حبايداد بن أوشهنج، وقيل في نسبه غير ذلك. # وزعم الفرس أيضا أنه ملك الأقاليم السبعة وعقد على رأسه تاجا، وكان ~~محمودا في ملكه مشفقا على رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها وتنقل في ~~البلدان، وأنه وثب ms0037 بإبليس حتى ركبه فطاف عليه في أداني الأرض، وأقاصيها، ~~وأفزعه ومردته حتى تفرقوا، وكان أول من اتخذ الصوف، والشعر للبس، والفرش ~~وأول من اتخذ زينة الملوك من الخيل، والبغال، والحمير، وأمر باتخاذ الكلاب ~~فحفظ المواشي وغيرها، وأخذ الجوارح للصيد، وكتب بالفارسية، وأن بيوراسب ظهر ~~في أول سنة من ملكه ودعا إلى ملة الصابئين. # كذا قال أبو جعفر، وغيره من العلماء: إنه ركب إبليس وطاف عليه، والعهدة ~~عليهم، وإنما نحن نقلنا ما قالوه. # قال ابن الكلبي: أول ملوك الأرض من بابل طهمورث، وكان لله مطيعا، وكان ~~ملكه أربعين سنة، وهو أول من كتب بالفارسية، وفي أيامه عبدت الأصنام، وأول ~~ما عرف الصوم في ملكه. وسببه أن قوما فقراء تعذر عليهم القوت فأمسكوا ~~نهارا، وأكلوا ليلا ما يمسك رمقهم، ثم اعتقدوه تقربا إلى الله وجاءت ~~الشرائع به. # PageV01P057 ### | [ذكر حنوخ وهو إدريس عليه السلام] # ثم نكح حنوخ بن يرد هدانة - وتقال أذانة - ابنة باويل بن محويل بن حنوخ ~~بن قين بن آدم، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له متوشلخ بن حنوخ، فعاش ~~بعدما ولد متوشلخ ثلاثمائة سنة، ثم رفع واستخلفه حنوخ على أمر ولده، وأمر ~~الله، وأوصاه وأهل بيته قبل أن يرفع وأعلمهم أن الله سوف يعذب ولد قابيل ~~ومن خالطهم، ونهاهم عن مخالطتهم، وإنه كان أول من ركب الخيل ; لأنه سلك رسم ~~أبيه حنوخ في الجهاد، ثم نكح متوشلخ عربا ابنة عزازيل بن أنوشيل بن حنوخ بن ~~قين، وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة، فولدت له لمك بن متوشلخ، فعاش ~~بعدما ولد له لمك سبعمائة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش متوشلخ ~~تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة. # ثم مات وأوصى إلى ابنه لمك فكان لمك يعظ قومه وينهاهم عن مخالطة ولد ~~قابيل، فلم يقبلوا حتى نزل إليهم جميع من كان معهم في الجبل. # وقيل: كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك يقال له صابي، وبه سمي الصابئون. # قلت: محويل بحاء مهملة، وباء معجمة باثنتين من تحت. وقين بقاف، ms0038 وياء ~~معجمة باثنتين من تحت. ومتوشلخ بفتح الميم، وبالتاء المعجمة باثنتين من ~~فوق، والشين المعجمة، وبحاء مهملة، وقيل خاء معجمة. # PageV01P058 # ونكح لمك بن متوشلخ قينوش ابنة براكيل بن محويل بن حنوخ بن قين، وهو ابن ~~مائة سنة وسبع وثمانين سنة، فولدت له نوح بن لمك، وهو النبي، فعاش لمك بعد ~~مولد نوح خمسمائة سنة وخمسا وتسعين سنة وولد له بنون وبنات ثم مات. # ونكح نوح بن لمك عزرة بنت براكيل بن محويل بن حنوخ بن قين، وهو ابن ~~خمسمائة سنة، فولدت له ولده ساما، وحاما، ويافث بني نوح. # وكان مولد نوح بعد موت آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، ولما أدرك قال له ~~أبوه لمك: قد علمت أنه لم يبق في هذا الجبل غيرنا فلا تستوحش ولا تتبع ~~الأمة الخاطئة. وكان نوح يدعو قومه ويعظهم فيستخفون به. # وقيل: كان نوح في عهد بيوراسب وكانوا قومه فدعاهم إلى الله تسعمائة وستة ~~وخمسين سنة كلما مضى قرن اتبعهم قرن على ملة واحدة من الكفر حتى أنزل الله ~~عليهم العذاب. # وقال ابن عباس فيما رواه ابن الكلبي، عن أبي صالح عنه: فولد لمك نوحا، ~~وكان له يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن في ذلك الزمان أحد ينهى ~~عن منكر، فبعث الله إليهم نوحا وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم مائة ~~وعشرين سنة، ثم أمره الله بصنعة الفلك فصنعها، وركبها وهو ابن ستمائة سنة، ~~وغرق من غرق، ثم مكث من بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. # وروي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة ~~الحق، وأن الكفر بالله حدث في القرن الذي بعث فيه إليهم نوح، فأرسله الله، ~~وهو أول نبي بعث بالإنذار، والدعاء إلى التوحيد، وهو قول ابن عباس، وقتادة. # PageV01P059 ### | [ذكر ملك جمشيد] # وأما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جمشيد، والشيد عندهم ~~الشعاع، وجم القمر، لقبوه بذلك لجماله، وهو جم بن ويونجهان، وهو أخو ~~طهمورث. # وقيل: إنه ملك الأقاليم السبعة وسخر له ms0039 ما فيها من الجن والإنس، وعقد ~~التاج على رأسه، وأمر لسنة مضت من ملكه إلى سنة خمس منه بعمل السيوف ~~والدروع وسائر الأسلحة وآلة الصناع من الحديد، ومن سنة خمسين من ملكه إلى ~~سنة مائة بعمل الإبريسم، وغزله، والقطن، والكتان، وكل ما يستطاع غزله ~~وحياكة ذلك وصبغه ألوانا ولبسه، ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنف ~~الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة فقهاء، وطبقة كتاب، وصناع، وطبقة ~~حراثين، واتخذ منهم خدما، ووضع لكل أمر خاتما مخصوصا به، فكتب على خاتم ~~الحرب: الرفق والمداراة، وعلى خاتم الخراج: العمارة والعدل، وعلى خاتم ~~البريد والرسل: الصدق والأمانة، وعلى خاتم المظالم: السياسة والانتصاف، ~~وبقيت رسوم الخواتيم حتى محاها الإسلام. # ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حارب الشياطين وأذلهم وقهرهم ~~وسخروا له. # ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة وكل الشياطين بقطع ~~الأحجار والصخور من الجبال وعمل الرخام، والجص، والكلس، والبناء بذلك ~~الحمامات، والنقل من البحار، والجبال، والمعادن، والذهب، والفضة، وسائر ما ~~يذاب من الجواهر، وأنواع الطيب، والأدوية، فنفذوا في ذلك بأمره، ثم أمر ~~فصنعت له عجلة من # PageV01P060 # الزجاج، فأصفد فيها الشياطين، وركبها، وأقبل عليها في الهواء من دنباوند ~~إلى بابل في يوم واحد، وهو يوم هرمزروز وافروز دين ماه، فاتخذ الناس ذلك ~~اليوم عيدا وخمسة أيام بعده. وكتب إلى الناس في اليوم السادس يخبرهم أنه قد ~~سار فيهم بسيرة ارتضاها الله، فكان من جزائه إياه عليها أنه قد جنبهم الحر، ~~والبرد، والأسقام، والهرم، والحسد، فمكث الناس ثلاثمائة سنة بعد الثلاثمائة ~~والست عشرة سنة لا يصيبهم شيء مما ذكر. # ثم بنى قنطرة على دجلة فبقيت دهرا طويلا حتى خربها الإسكندر، وأراد ~~الملوك عمل مثلها فعجزوا فعدلوا إلى عمل الجسور من الخشب. ثم إن جما بطر ~~نعمة الله عليه وجمع الإنس، والجن، والشياطين، وأخبرهم أنه وليهم، ومانعهم ~~بقوته من الأسقام، والهرم، والموت، وتمادى في غيه، فلم يحر أحد منهم جوابا، ~~وفقد مكانه بهاءه وعزه، وتخلت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم ms0040 بسياسة ~~أمره، فأحس بذلك بيوراسب الذي تسمى الضحاك، فابتدر إلى جم لينتهسه، فهرب ~~منه، ثم ظفر به بعد ذلك بيوراسب فاسترط أمعاءه، ونشره بمنشار. # وقيل إنه ادعى الربوبية فوثب عليه أخوه ليقتله، واسمه أسغتور، فتوارى عنه ~~مائة سنة، فخرج عليه في تواريه بيوراسب فغلبه على ملكه. # وقيل كان ملكه سبعمائة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر. # قلت: وهذا الفصل من حديث جم قد أتينا به تاما بعد أن كنا عازمين على تركه ~~لما فيه من الأشياء التي تمجها الأسماع، وتأباها العقول، والطباع، فإنها من ~~خرافات الفرس مع أشياء أخر قد تقدمت قبلها، وإنما ذكرناها ليعلم جهل الفرس، ~~فإنهم كثيرا ما يشنعون على العرب بجهلهم، وما بلغوا هذا ولأنا لو كنا تركنا ~~هذا الفصل لخلا من شيء نذكره من أخبارهم. # PageV01P061 ### | [ذكر الأحداث التي كانت في زمن نوح عليه السلام] # قد اختلف العلماء في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح، فمنهم من قال ~~إنهم كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله تعالى من ركوب الفواحش، ~~والكفر، وشرب الخمور، والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله. # ومنهم من قال: إنهم كانوا أهل طاعة. وبيوراسب أول من أظهر القول بمذهب ~~الصابئين، وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح، وسنذكر أخبار بيوراسب فيما ~~بعد. # وأما كتاب الله، قال: فينطق بأنهم أهل أوثان، قال تعالى: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا} ~~[نوح: 23] . # قلت: لا تناقض بين هذه الأقاويل الثلاثة، فإن القول الحق الذي لا يشك فيه ~~هو أنهم كانوا أهل أوثان يعبدونها، كما نطق به القرآن، وهو مذهب طائفة من ~~الصابئين، فإن أصل مذهب الصابئين عبادة الروحانيين، وهم الملائكة لتقربهم ~~إلى الله تعالى زلفى، فإنهم اعترفوا بصانع العالم وأنه حكيم قادر مقدس، إلا ~~أنهم قالوا الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى معرفة جلاله، وإنما ~~نتقرب إليه بالوسائط المقربة لديه، وهم الروحانيون، وحيث لم يعاينوا ~~الروحانيين تقربوا إليهم بالهياكل، وهي الكواكب السبعة السيارة لأنها مدبرة ~~لهذا العالم ms0041 عندهم، ثم ذهبت طائفة منهم، وهم أصحاب الأشخاص، حيث رأوا أن ~~الهياكل تطلع وتغرب وترى ليلا ولا ترى نهارا - إلى وضع الأصنام لتكون نصب ~~أعينهم ليتوسلوا بها إلى الهياكل، والهياكل إلى الروحانيين، والروحانيون ~~إلى صانع العالم، فهذا كان أصل وضع الأصنام أولا، وقد كان أخيرا في العرب ~~من هو على هذا الاعتقاد، وقال تعالى: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} [الزمر: 3] فقد حصل من عبادة # PageV01P062 # الأصنام مذهب الصابئين، والكفر والفواحش، وغير ذلك من المعاصي. # فلما تمادى قوم نوح على كفرهم، وعصيانهم بعث الله إليهم نوحا يحذرهم ~~بأسه، ونقمته ويدعوهم إلى التوبة، والرجوع إلى الحق، والعمل بما أمر الله ~~تعالى، وأرسل نوح وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. # وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالى أرسل نوحا وهو ابن ثلاثمائة وخمسين ~~سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين ~~سنة، وقيل غير ذلك، وقد تقدم. # قال ابن إسحاق وغيره: إن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى ~~عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لي ولقومي فإنهم لا يعلمون! حتى إذا ~~تمادوا في معصيتهم وعظمت منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن اشتد عليه ~~البلاء، وانتظر النجل بعد النجل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي كان ~~قبله حتى إن كان الآخر ليقول: قد كان هذا مع آبائنا، وأجدادنا مجنونا لا ~~يقبلون منه شيئا، وكان يضرب ويلف، ويلقى في بيته، يرون أنه قد مات، فإذا ~~أفاق اغتسل وخرج إليهم يدعوهم إلى الله، فلما طال ذلك عليه، ورأى الأولاد ~~شرا من الآباء قال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن تك لك فيهم حاجة ~~فاهدهم، وإن يك غير ذلك فصيرني إلى أن تحكم فيهم. فأوحى إليه: إنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: {رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ، إلى آخر القصة. فلما شكا إلى ~~الله ms0042 واستنصره عليهم، أوحى الله إليه أن: اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون. فأقبل نوح على عمل الفلك ولها عن دعاء ~~قومه وجعل يهيئ عتاد الفلك من الخشب، والحديد، والقار، وغيرها مما لا يصلحه ~~سواه، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه، فيقول: {إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون} [هود: 38] . # قال: ويقولون: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة! وأعقم الله أرحام النساء ~~فلا يولد # PageV01P063 # لهم، وصنع الفلك من خشب الساج، وأمره أن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه ~~خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا. # وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وطولها في ~~السماء ثلاثين ذراعا. # وقال الحسن: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، والله ~~أعلم. # وأمر نوحا أن يجعله ثلاث طبقات: سفلى، ووسطى، وعليا، ففعل نوح كما أمره ~~الله تعالى حتى إذا فرغ منه، وقد عهد الله إليه {حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ~~آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] ، وقد جعل التنور آية فيما بينه ~~وبينه. فلما فار التنور وكان فيما قيل من حجارة كان لحواء. # وقال ابن عباس: كان ذلك تنورا من أرض الهند. # وقال مجاهد، والشعبي: كان التنور بأرض الكوفة، وأخبرته زوجته بفوران ~~الماء من التنور، وأمر الله جبرائيل فرفع الكعبة إلى السماء الرابعة، وكانت ~~من ياقوت الجنة، كما ذكرناه، وخبأ الحجر الأسود بجبل أبي قبيس، فبقي فيه ~~إلى أن بنى إبراهيم البيت فأخذه فجعله موضعه، ولما فار التنور حمل نوح من ~~أمر الله بحمله، وكانوا أولاده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة ~~أناسي، فكانوا مع نوح ثلاثة عشر. # PageV01P064 # وقال ابن عباس: كان في السفينة ثمانون رجلا، أحدهم جرهم، كلهم بنو شيث، ~~وقال قتادة: كانوا ثمانية أنفس: نوح، وامرأته، وثلاثة بنوه، ونساؤهم. وقال ~~الأعمش: كانوا سبعة، ولم يذكر فيهم زوج نوح. وحمل معه جسد آدم، ms0043 ثم أدخل ما ~~أمر الله به من الدواب، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرا، وكان آخر من دخل ~~السفينة الحمار، فلما دخل صدره تعلق إبليس بذنبه فلم ترتفع رجلاه، فجعل نوح ~~يأمره بالدخول فلا يستطيع حتى قال: ادخل وإن كان الشيطان معك. فقال كلمة ~~زلت على لسانه، فلما قالها دخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك يا عدو ~~الله؟ فقال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟ فتركه. # ولما أمر نوح بإدخال الحيوان السفينة قال: أي رب، كيف أصنع بالأسد ~~والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب، والطير والهر؟ قال: الذي ألقى بينهما ~~العداوة هو يؤلف بينها. فألقى الحمى على الأسد، وشغله بنفسه، ولذلك قيل: # وما الكلب محموما وإن طال عمره ... ولكنما الحمى على الأسد الورد # وجعل نوح الطير في الطبق الأسفل من السفينة، وجعل الوحش في الطبق الأوسط، ~~وركب هو ومن معه من بني آدم في الطبق الأعلى. فلما اطمأن نوح في الفلك، ~~وأدخل فيه كل من أمر به، وكان ذلك بعد ستمائة سنة من عمره في قول بعضهم، ~~وفي قول بعضهم ما ذكرناه، وحمل معه من حمل - جاء الماء كما قال تعالى: ~~{ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر - وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر} [القمر: 11 - 12] . فكان بين أن أرسل الماء وبين أن احتمل ~~الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة، وكثر، واشتد، وارتفع، وطمى، وغطى ~~نوح عليه وعلى من معه # PageV01P065 # طبق السفينة، وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه الذي ~~هلك، وكان في معزل: {يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} [هود: 42] وكان ~~كافرا، {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} [هود: 43] ، وكان عهد الجبال ~~وهي حرز وملجأ. فقال نوح {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال ~~بينهما الموج فكان من المغرقين} [هود: 43] . وعلا الماء على رءوس الجبال، ~~فكان على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا، فهلك ما على وجه الأرض من ~~حيوان ونبات، فلم يبق إلا نوح ومن معه، ms0044 وإلا عوج بن عنق، فيما زعم أهل ~~التوراة، وكان بين إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال. # قال ابن عباس: أرسل الله المطر أربعين يوما، فأقبلت الوحش حين أصابها ~~المطر والطين إلى نوح وسخرت له، فحمل منها كما أمره الله، فركبوا فيها لعشر ~~ليال مضين من رجب، وكان ذلك لثلاث عشرة خلت من آب، وخرجوا منها يوم عاشوراء ~~من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء. وكان الماء نصفين: نصف من السماء ~~ونصف من الأرض، وطافت السفينة بالأرض كلها لا تستقر حتى أتت الحرم فلم ~~تدخله، ودارت بالحرم أسبوعا، ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى ~~الجودي، وهو جبل بقردى بأرض الموصل، فاستقرت عليه، فقيل عند ذلك: {بعدا ~~للقوم الظالمين} [هود: 44] ، ولما استقرت قيل: {ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي وغيض الماء} [هود: 44] ، نشفته الأرض، وأقام نوح في الفلك إلى أن غاض ~~الماء، فلما خرج منها اتخذ بناحية من قردى من أرض الجزيرة موضعا وابتنى ~~قرية سموها ثمانين؛ وهي الآن تسمى بسوق الثمانين لأن كل واحد ممن معه بنى ~~لنفسه بيتا، وكانوا ثمانين رجلا. # قال بعض أهل التوراة: لم يولد لنوح إلا بعد الطوفان. # PageV01P066 # وقيل: إن ساما ولد قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة، وقيل: إن اسم ولده الذي ~~أغرق كان كنعان وهو يام. # وأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ويقولون لم يزل الملك فينا من عهد ~~جيومرث، وهو آدم، قالوا: ولو كان كذلك لكان نسب القوم قد انقطع وملكهم قد ~~اضمحل، وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، ~~وأن مساكن ولد جيومرث كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وقول الله تعالى ~~أصدق في أن ذرية نوح هم الباقون فلم يعقب أحد ممن كان معه في السفينة غير ~~ولده سام، وحام، ويافث. ولما حضرت نوحا الوفاة قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ ~~قال: كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. وأوصى إلى ابنه سام، ~~وكان أكبر ولده. # PageV01P067 ### | [ذكر بيوراسب وهو ms0045 الازدهاق الذي يسميه العرب الضحاك] # وأهل اليمن يدعون أن الضحاك منهم، وأنه أول الفراعنة، وكان ملك مصر لما ~~قدمها إبراهيم الخليل. # والفرس تذكر أنه منهم وتنسبه إليهم، وأنه بيوراسب بن أرونداسب بن رينكار ~~بن وندريشتك بن يارين بن فروال بن سيامك بن ميشى بن جيومرث، ومنهم من ينسبه ~~غير هذه النسبة، وزعم أهل الأخبار أنه ملك الأقاليم السبعة، وأنه كان ساحرا ~~فاجرا. # قال هشام بن الكلبي: ملك الضحاك بعد جم فيما يزعمون - والله أعلم - ألف ~~سنة، ونزل السواد في قرية يقال لها برس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرض ~~كلها، وسار بالجور والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أول من سن الصلب، ~~والقطع، وأول من وضع العشور، وضرب الدراهم، وأول من تغنى وغني له. # قال: وبلغنا أن الضحاك هو نمرود، وأن إبراهيم - عليه السلام - ولد في ~~زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه. # PageV01P068 # وتزعم الفرس أن الملك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنج، وجم، وطهمورث، ~~وأن الضحاك كان غاضبا، وأنه غصب أهل الأرض بسحره، وخبثه، وهول عليهم ~~بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه. # وقال كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين كل ~~واحدة منهما كرأس الثعبان، وكان يسترهما بالثياب، ويذكر على طريق التهويل ~~أنهما حيتان تقتضيانه الطعام، وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاعتا، ولقي ~~الناس منه جهدا شديدا، وذبح الصبيان لأن اللحمتين اللتين كانتا على منكبيه ~~كانتا تضطربان فإذا طلاهما بدماغ إنسان سكنتا، فكان يذبح كل يوم رجلين، فلم ~~يزل الناس كذلك حتى إذا أراد الله هلاكه وثب رجل من العامة من أهل أصبهان ~~يقال له كابي بسبب ابنين له أخذهما أصحاب بيوراسب بسبب اللحمتين اللتين على ~~منكبيه، وأخذ كابي عصا كانت بيده فعلق بطرفها جرابا كان معه ثم نصب ذلك ~~كالعلم ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته. فأسرع إلى إجابته خلق كثير ~~لما كانوا فيه من البلاء، وفنون الجور. فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك ~~العلم فعظموه، وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم ms0046 الأكبر الذي ~~يتبركون به وسموه درفش كابيان، فكانوا لا يسيرونه إلا في الأمور الكبار ~~العظام، ولا يرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور الكبار. # وكان من خبر كابي أنه من أهل أصبهان، فثار بمن اتبعه، فالتفت الخلائق ~~إليه. فلما أشرف الضحاك قذف في قلب الضحاك منه الرعب، فهرب عن منازله وخلى ~~مكانه. فاجتمع الأعجام إلى كابي، فأعلمهم أنه لا يتعرض للملك لأنه ليس من ~~أهله، وأمرهم أن يملكوا بعض ولد جم لأنه ابن الملك أوشهنق الأكبر بن فروال ~~الذي رسم الملك وسبق في القيام به. وكان أفريدون بن أثغيان مستخفيا من ~~الضحاك، فوافى كابي ومن معه، فاستبشروا بموافاته فملكوه، وصار كابي والوجوه ~~لأفريدون أعوانا على أمره. # PageV01P069 # فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك احتوى على منازل الضحاك وسار ~~في أسره فأسره بدنباوند في جبالها. # وبعض المجوس تزعم أنه وكل به قوما من الجن، وبعضهم يقول: إنه لقي سليمان ~~بن داود، وحبسه سليمان في جبل دنباوند، وكان ذلك الزمان بالشام، فما برح ~~بيوراسب بحبسه يجره حتى حمله إلى خراسان. فلما عرف سليمان ذلك أمر الجن ~~فأوثقوه حتى لا يزول، وعملوا عليه طلسما كرجلين يدقان باب الغار الذي حبس ~~فيه أبدا لئلا يخرج، فإنه عندهم لا يموت. # وهذا أيضا من أكاذيب الفرس الباردة، ولهم فيه أكاذيب أعجب من هذا تركنا ~~ذكرها. # وبعض الفرس يزعم أن أفريدون قتله يوم النيروز، فقال العجم عند قتله: ~~إمروز نوروز، أي استقبلنا الدهر بيوم جديد، فاتخذوه عيدا، وكان أسره يوم ~~المهرجان، فقال العجم: آمد مهرجان لقتل من كان يذبح. # وزعموا أنهم لم يسمعوا في أمور الضحاك بشيء يستحسن غير شيء واحد، وهو أن ~~بليته لما اشتدت ودام جوره وتراسل الوجوه في أمره فأجمعوا على المصير إلى ~~بابه فوافاه الوجوه، فاتفقوا على أن يدخل عليه كابي الأصبهاني، فدخل عليه ~~ولم يسلم، فقال: أيها الملك، أي السلام أسلم عليك؟ سلام من يملك الأقاليم ~~كلها أم سلام من يملك هذا الإقليم؟ فقال: بل سلام من يملك الأقاليم ms0047 لأني ~~ملك الأرض. فقال كابي: إذ كنت تملك الأقاليم كلها فلم خصصتنا بأثقالك، ~~وأسبابك من بينهم، ولم لا تقسم الأمور بيننا وبينهم؟ وعدد عليه أشياء ~~كثيرة، فصدقه، فعمل كلامه في الضحاك، فأقر بالإساءة وتألف القوم، ووعدهم ~~بما يحبون وأمرهم بالانصراف ليعودوا ويقضي حوائجهم، ثم ينصرفوا إلى بلادهم. # وكانت أمه حاضرة تسمع معاتبتهم، وكانت شرا منه، فلما خرج القوم دخلت ~~مغتاظة من احتماله وحلمه عنهم فوبخته وقالت له: ألا أهلكتهم، وقطعت أيديهم؟ ~~فلما أكثرت # PageV01P070 # عليه قال لها: يا هذه، لا تفكري في شيء إلا سبقت إليه، إلا أن القوم ~~بدهوني بالحق وقرعوني به، فكلما هممت بهم تخيل لي الحق بمنزلة جبل بيني ~~وبينهم فما أمكنني فيه شيء. ثم جلس لأهل النواحي فوفى لهم بما وعدهم وقضى ~~أكثر حوائجهم. # وقال بعضهم: كان ملكه ستمائة سنة، وكان عمره ألف سنة، وإنه كان في باقي ~~عمره شبيها بالملك لقدرته ونفوذ أمره، وقيل: كان ملكه ألف سنة ومائة سنة. # وإنما ذكرنا خبر بيوراسب ههنا لأن بعضهم يزعم أن نوحا كان في زمانه، ~~وإنما أرسل إليه وإلى أهل مملكته. # وقيل إنه هو الذي بنى مدينة بابل، ومدينة صور، ومدينة دمشق. # PageV01P071 ### | [ذكر ذرية نوح عليه السلام] # «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم ~~الباقين} [الصافات: 77] ، إنهم سام، وحام، ويافث» وقال وهب بن منبه: إن سام ~~بن نوح أبو العرب، وفارس، والروم، وإن حاما أبو السودان، وإن يافث أبو ~~الترك ويأجوج ومأجوج. وقيل إن القبط من ولد قوط بن حام، وإنما كان السواد ~~من نسل حام لأن نوحا نام فانكشفت سوءته فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ~~ويافث فألقيا عليها ثوبا، فلما استيقظ علم ما صنع حام، وإخوته فدعا عليهم. # قال ابن إسحاق: فكانت امرأة سام بن نوح صلب ابنة بتاويل بن محويل بن ~~حانوخ بن قين بن آدم فولدت له نفرا: أرفخشذ، وأسود، ولاود، وإرم. قال: ولا ~~أدري أإرم لأم أرفخشذ وإخوته أم لا؟ فمن ولد لاود بن سام فارس، وجرجان، ~~وطسم، ms0048 وعمليق، وهو أبو العماليق، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال ~~لهم الكنعانيون، والفراعنة بمصر، وكان أهل البحرين، وعمان منهم ويسمون ~~جاشم. وكان منهم بنو أميم بن لاود أهل وبار بأرض الرمل، وهي بين اليمامة ~~والشحر، وكانوا قد كثروا فأصابتهم نقمة من الله من معصية أصابوها فهلكوا ~~وبقيت منهم بقية، وهم الذين يقال لهم النسناس، وكان طسم ساكني اليمامة إلى ~~البحرين، فكانت طسم، والعماليق # PageV01P072 # وأميم، وجاشم قوما عربا لسانهم عربي، ولحقت عبيل بيثرب قبل أن تبنى. ~~ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء. وانحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا ~~منها عبيلا فنزلوا موضع الجحفة، فأقبل سيل فاجتحفهم، أي أهلكهم، فسميت ~~الجحفة. # قال: وولد إرم بن سام عوضا وغاثرا وحويلا، فولد عوض غاثرا، وعادا، ~~وعبيلا، وولد غاثر بن إرم ثمود وجديسا، وكانوا عربا يتكلمون بهذا اللسان ~~المضري. وكانت العرب تقول لهذه الأمم ولجرهم العرب العاربة. ويقولون لبني ~~إسماعيل العرب المعربة، لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين ~~أظهرهم. فكانت عاد بهذا الرمل إلى حضرموت. وكانت ثمود بالحجر بين الحجاز ~~والشام إلى وادي القرى. ولحقت جديس بطسم، وكانوا معهم باليمامة إلى ~~البحرين، واسم اليمامة إذ ذاك جو. وسكنت جاشم عمان. # والنبط من ولد نبيط بن ماش بن إرم بن سام. والفرس بنو فارس بن تيرش بن ~~ماسور بن سام. # قال: وولد لأرفخشذ بن سام ابنه قينان، كان ساحرا، وولد لقينان شالخ بن ~~أرفخشذ من غير ذكر قينان لما ذكر من سحره. وولد لشالخ غابر، ولغابر فالغ، ~~ومعناه القاسم، لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه، وقحطان بن غابر، ~~فولد لقحطان يعرب ويقظان، فنزلا اليمن، وكان أول من سكن اليمن، وأول من سلم ~~عليه ب أبيت اللعن. وولد لفالغ بن غابر أرغو، وولد لأرغو ساروغ، وولد ~~لساروغ ناخور، وولد # PageV01P073 # لناخور تارخ، واسمه بالعربية آزر. وولد لآزر إبراهيم، عليه السلام. وولد ~~لأرفخشذ أيضا نمرود، وقيل هو نمرود بن كوش بن حام بن نوح. # قال هشام بن الكلبي: السند، والهند بنو توقير بن يقطن بن ms0049 غابر بن شالخ بن ~~أرفخشذ بن سام بن نوح، وجرهم من ولد يقطن بن غابر. وحضرموت بن يقطن، ويقطن ~~هو قحطان في قول من نسبه إلى غير إسماعيل. # والبربر من ولد ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لاود بن سام ~~بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو فريقش بن صيفي بن سبإ. # وأما يافث فمن ولده جامر، وموعع، ومورك، وبوان، وفوبا، وماشج، وتيرش، فمن ~~ولد جامر ملوك فارس في قول، ومن ولد تيرش الترك، والخزر، ومن ولد ماشج ~~الأشبان، ومن ولد موعع يأجوج ومأجوج، ومن ولد بوان الصقالبة وبرجان. ~~والأشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ولد العيص ~~بن إسحاق وغيرهم. وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة سام، وحام، ويافث أرضا ~~فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها. # ومن ولد يافث الروم، وهم بنو لنطى بن يونان بن يافث بن نوح. # وأما حام فولد له كوش، ومصرايم، وقوط، وكنعان، فمن ولد كوش نمرود بن كوش، # PageV01P074 # وقيل: هو من ولد سام، وصارت بقية ولد حام بالسواحل من النوبة، والحبشة، ~~والزنج، ويقال: إن مصرايم ولد القبط والبربر. # وأما قوط فقيل إنه سار إلى الهند، والسند فنزلها وأهلها من ولده. # وأما الكنعانيون فلحق بعضهم بالشام، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ~~ونفوهم عنها وصار الشام لبني إسرائيل. ثم وثبت الروم على بني إسرائيل ~~فأجلوهم عن الشام إلى العراق إلا قليلا منهم. # ثم جاءت العرب فغلبوا على الشام. وكان يقال لعاد عاد إرم، فلما هلكوا قيل ~~لثمود ثمود إرم قال: وزعم أهل التوراة أن أرفخشذ ولد لسام بعد أن مضى من ~~عمر سام مائة سنة وسنتان، وكان جميع عمر سام ستمائة سنة. # ثم ولد لأرفخشذ قينان بعد أن مضى من عمر أرفخشذ خمس وثلاثون سنة، وكان ~~عمره أربعمائة وثمانيا وثلاثين سنة. ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مضى من عمره ~~تسع وثلاثون سنة، ولم تذكر مدة عمر قينان في الكتب لما ذكرنا من سحره. ثم ~~ولد ms0050 لشالخ غابر بعدما مضى من عمره ثلاثون سنة، وكان عمره كله أربعمائة ~~وثلاثا وثلاثين سنة. ثم ولد لغابر فالغ، وأخوه قحطان، وكان مولد فالغ بعد ~~الطوفان بمائة وأربعين سنة، وكان عمره أربعمائة وأربعا وسبعين سنة. ثم ولد ~~لفالغ أرغو بعد ثلاثين سنة من عمر فالغ، وكان عمره مائتين وتسعا وثلاثين ~~سنة. وولد لأرغو ساروغ بعدما مضى من عمره اثنتان وثلاثون سنة، وكان عمره ~~مائتين وتسعا وثلاثين سنة، وولد لساروغ ناخور بعد ثلاثين سنة من عمره، وكان ~~عمره كله مائتين وثلاثين سنة. ثم ولد لناخور تارخ أبو إبراهيم # PageV01P075 # بعدما مضى من عمره سبع وعشرون سنة، وكان عمره كله مائتين وثمانيا وأربعين ~~سنة. وولد لتارخ - وهو آزر - إبراهيم عليه السلام. وكان بين الطوفان ومولد ~~إبراهيم ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف ~~سنة وثلاثمائة وسبع وثلاثين سنة. # وولد لقحطان بن غابر يعرب، فولد ليعرب يشجب، فولد يشجب سبأ، فولد سبأ ~~حمير، وكهلان، وعمرا، والأشعر، وأنمار، ومرا، فولد عمرو بن سبإ عديا، وولد ~~عدي لخما، وجذاما. # PageV01P076 ### | [ذكر ملك أفريدون] # وهو أفريدون بن أثغيان، وهو من ولد جم شيد. وقد زعم بعض نسابة الفرس أن ~~نوحا هو أفريدون الذي قهر الضحاك، وسلبه ملكه، وزعم بعضهم أن أفريدون هو ذو ~~القرنين صاحب إبراهيم الذي ذكره الله في كلامه العزيز، وإنما ذكرته في هذا ~~الموضع لأن قصته في أولاده الثلاثة شبيهة بقصة نوح على ما سيأتي ولحسن ~~سيرته، وهلاك الضحاك على يديه، ولأنه قيل إن هلاك الضحاك كان على يد نوح. # وأما باقي نسابة الفرس فإنهم ينسبون أفريدون إلى جم شيد الملك، وكان ~~بينهما عشرة آباء كلهم يسمى أثغيان خوفا من الضحاك، وإنما كانوا يتميزون ~~بألقاب لقبوها، فكان يقال لأحدهم أثغيان صاحب البقر الحمر، وأثغيان صاحب ~~البقر البلق، وأشباه ذلك، وكان أفريدون أول من ذلل الفيلة، وامتطاها، ونتج ~~البغال، واتخذ الإوز، والحمام، وعمل الترياق، ورد المظالم، وأمر الناس ~~بعبادة الله، والإنصاف، والإحسان، ورد على الناس ما كان الضحاك غصبه من ms0051 ~~الأرض وغيرها، إلا ما لم يجد له صاحبا فإنه وقفه على المساكين. # وقيل: إنه أول من سمي الصوفي، وهو أول من نظر في علم الطب. ومكان له ~~ثلاثة بنين، اسم الأكبر شرم، والثاني طوج، والثالث إيرج، فخاف أن يختلفوا ~~بعده فقسم ملكه بينهم أثلاثا، وجعل ذلك في سهام كتب أسماءهم عليها، وأمر كل ~~واحد منهم فأخذ # PageV01P077 # سهما، فصارت الروم، وناحية العرب لشرم، وصارت الترك، والصين لطوج، وصارت ~~العراق، والسند، والهند، والحجاز، وغيرها لإيرج، وهو الثالث، وكان يحبه، ~~وأعطاه التاج والسرير، ومات أفريدون ونشبت العداوة بين أولاده وأولادهم من ~~بعدهم، ولم يزل التحاسد ينمو بينهم إلى أن وثب طوج، وشرم على أخيهما إيرج، ~~فقتلاه، وقتلا ابنين كانا لإيرج، وملكا الأرض بينهما ثلاثمائة سنة. ولم يزل ~~أفريدون يتبع من بقي بالسواد من آل نمرود والنبط وغيرهم حتى أتى على وجوههم ~~ومحا أعلامهم، وكان ملكه خمسمائة سنة. # PageV01P078 ### | [ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم] # قد ذكرنا ما كان من أمر نوح، وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده، ومساكن كل ~~فريق منهم، فكان ممن طغى وبغى فأرسل إليهم رسولا فكذبوه فأهلكهم الله، هذان ~~الحيان من ولد إرم بن سام بن نوح، أحدهما عاد، والثاني ثمود. # فأما عاد فهو عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح، وهو عاد الأولى، وكانت ~~مساكنهم ما بين الشحر، وعمان، وحضرموت بالأحقاف، فكانوا جبارين طوال القامة ~~لم يكن مثلهم، يقول الله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بسطة، فأرسل الله إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود ~~بن عاد بن عوض. # ومن الناس من يزعم أنه هود وهو غابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ~~وكانوا أهل أوثان ثلاثة، يقال لأحدها ضرا، وللآخر ضمور، وللثالث الهبا، ~~فدعاهم إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون غيره، وترك ظلم الناس، ~~فكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة! ولم يؤمن بهود منهم إلا قليل. # وكان من أمرهم ما ذكره ابن إسحاق قال: إن عادا ms0052 أصابهم قحط تتابع عليهم ~~بتكذيبهم هودا، فلما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة يستسقون لكم، ~~فبعثوا # PageV01P079 # قيل بن عير، ولقيم بن هزال، ومرثد بن سعد، وكان مسلما يكتم إسلامه، ~~وجلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر، ولقمان بن عاد بن فلان بن عاد الأكبر ~~في سبعين رجلا من قومهم، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر بظاهر مكة ~~خارجا عن الحرم، فأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره لأن لقيم بن هزال كان تزوج ~~هزيلة بنت بكر أخت معاوية، فأولدها أولادا كانوا عند خالهم معاوية بمكة، ~~وهم عبيد، وعمرو، وعامر، وعمير بنو لقيم، وهو عاد الآخرة التي بقيت بعد عاد ~~الأولى، فلما نزلوا على معاوية أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم ~~الجرادتان - قينتان لمعاوية - فلما رأى معاوية طول مقامهم وتركهم ما أرسلوا ~~له شق عليه ذلك، وقال: هلك أخوالي، واستحيا أن يأمر الوفد بالخروج إلى ما ~~بعثوا له، فذكر ذلك للجرادتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قائله ~~لعلهم يتحركون ; فقال معاوية: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يصبحنا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما # في أبيات ذكرها. والهينمة: الكلام الخفي. # فلما غنتهم الجرادتان ذلك الشعر وسمعه القوم، قال بعضهم لبعض: يا قوم، ~~بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم فأبطأتم عليهم فادخلوا ~~الحرم، واستسقوا لقومكم. فقال مرثد بن سعد: إنهم والله لا يسقون بدعائهم، ~~ولكن أطيعوا نبيكم، فأنتم تسقون، وأظهر إسلامه عند ذلك. فقال جلهمة بن ~~الخيبري خال معاوية، لمعاوية بن بكر: احبس عنا مرثد بن سعد. وخرجوا إلى مكة ~~يستسقون بها لعاد، فدعوا الله تعالى لقومهم، واستسقوا، فأنشأ الله سحائب ~~ثلاثا بيضاء، وحمراء، وسوداء، ونادى مناد منها: يا قيل، اختر لنفسك وقومك. ~~فقال: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر ماء، فناداه # PageV01P080 # مناد اختر رمادا رمدادا، لا تبقي من عاد أحدا، لا ولدا تترك ولا والدا ~~إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهدى. # وبنو اللوذية: بنو لقيم بن هزال، ms0053 كانوا بمكة عند خالهم معاوية بن بكر. # وساق الله السحابة السوداء بما فيها من العذاب إلى عاد، فخرجت عليهم من ~~واد يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا بها وقالوا: {هذا عارض ممطرنا} ~~[الأحقاف: 24] يقول الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~- تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 24 - 25] أي كل شيء أمرت به. وكان أول ~~من رأى ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها فهدد، فلما رأت ~~ما فيها صاحت وصعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت ريحا فيها ~~كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فلما خرجت الريح من الوادي قال سبعة رهط ~~منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها. فجعلت الريح ~~تدخل تحت الواحد منهم فتحمله فتدق عنقه، وبقي الخلجان فمال إلى الجبل وقال: # لم يبق إلا الخلجان نفسه ... يا لك من يوم دهاني أمسه # بثابت الوطء شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه # فقال له هود: أسلم تسلم. فقال: وما لي؟ قال: الجنة. فقال: فما هؤلاء ~~الذين في السحاب كأنهم البخت؟ قال: الملائكة. قال: أيعيذني ربك منهم إن ~~أسلمت؟ قال: هل رأيت ملكا يعيذ من جنده؟ قال: لو فعل ما رضيت. # ثم جاءت الريح وألحقته بأصحابه و {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما} [الحاقة: 7] ، كما قال تعالى. والحسوم: الدائمة. فلم تدع من عاد ~~أحدا إلا هلك، واعتزل هود والمؤمنون في حظيرة لم يصبه ومن معه منها إلا ~~تليين الجلود، وإنها لتمر # PageV01P081 # من عاد بالظعن وما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. وعاد وفد عاد إلى ~~معاوية بن بكر فنزلوا عليه، فأتاهم رجل على ناقة فأخبرهم بمصاب عاد وسلامة ~~هود. # قال: وكان قد قيل للقمان بن عاد: اختر لنفسك إلا أنه لا سبيل إلى الخلود. ~~فقال: يا رب أعطني عمرا. فقيل له: اختر. فاختار عمر سبعة أنسر. فعمر فيما ~~يزعمون عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ الذكر حين يخرج من بيضته حتى إذا ~~مات أخذ غيره، وكان يعيش ms0054 كل نسر ثمانين سنة، فلما مات السابع مات لقمان ~~معه، وكان السابع يسمى لبدا. قال: وكان عمر هود مائة وخمسين سنة. وقبره ~~بحضرموت، وقيل بالحجر من مكة، فلما هلكوا أرسل الله طيرا سودا فنقلتهم إلى ~~البحر، فذلك قوله تعالى: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] . ولم ~~تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة، فذلك قوله ~~{فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 6] . وكانت الريح تقلع الشجرة العظيمة ~~بعروقها وتهدم البيت على من فيه. # وأما ثمود فهم ولد ثمود بن جاثر بن إرم بن سام، وكانت مساكن ثمود بالحجر ~~بين الحجاز، والشام، وكانوا بعد عاد قد كثروا، وكفروا، وعتوا، فبعث الله ~~إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود، وقيل: أسف بن ~~كماشج بن إرم بن ثمود - يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة ~~فقالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا الآية، وكان الله قد أطال ~~أعمارهم حتى إن كان أحدهم يبني البيت من المدر فينهدم وهو حي، فلما رأوا ~~ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فارهين فنحتوها، وكانوا في سعة من معايشهم، ولم ~~يزل صالح يدعوهم فلم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم ~~بالدعاء، والتحذير، والتخويف سألوه، فقالوا: يا صالح، اخرج # PageV01P082 # معنا إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم، فأرنا آية فتدعو ~~إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال: ~~نعم، فخرجوا بأصنامهم، وصالح معهم، فدعوا أصنامهم أن لا يستجاب لصالح ما ~~يدعو به، وقال له سيد قومه: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة ~~ناقة جوفاء عشراء، فإن فعلت ذلك صدقناك. # فأخذ عليهم مواثيق بذلك، وأتى الصخرة، وصلى، ودعا ربه - عز وجل - فإذا هي ~~تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم انفجرت وخرجت من وسطها الناقة كما طلبوا وهم ~~ينظرون، ثم نتجت سقبا مثلها في العظم، فآمن به سيد قومه، واسمه جندع بن ~~عمرو، ورهط من قومه، فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: ms0055 {هذه ناقة لها شرب ~~ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] ، ومتى عقرتموها أهلككم الله. فكان ~~شربها يوما وشربهم يوما معلوما، فإذا كان يوم شربها خلوا بينها وبين الماء ~~وحلبوها لبنها، وملأوا كل وعاء، وإناء، وإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ~~فلم تشرب منه شيئا وتزودوا من الماء للغد. # فأوحى الله إلى صالح أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما ~~كنا لنفعل. قال: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها. قالوا: ~~وما علامته؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه! قال: فإنه غلام أشقر، أزرق، أصهب، ~~أحمر. قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن رغب له عن ~~المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا فزوج أحدهما ابنه بابنة الآخر فولد ~~بينهما المولود، فلما قال لهم صالح إنما يعقرها مولود فيكم اختاروا قوابل ~~من القرية وجعلوا معهن شرطا يطوفون القرية فإذا وجدوا امرأة تلد نظروا ~~ولدها ما هو، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة، وقلن: هذا الذي يريد نبي ~~الله صالح، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينهم وبينه وقالا: لو أراد ~~صالح هذا لقتلناه. فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ~~فاجتمع تسعة رهط منهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كانوا قتلوا أبناءهم حين ~~ولدوا خوفا أن يكون عاقر الناقة منهم، ثم ندموا فأقسموا ليقتلن صالحا، ~~وأهله، وقالوا: نخرج فترى الناس أننا نريد السفر فنأتي الغار الذي على طريق ~~صالح فنكون فيه، فإذا جاء الليل وخرج صالح إلى مسجده قتلناه، ثم رجعنا إلى ~~الغار، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقلنا ما شهدنا قتله فيصدقنا قومه. وكان ~~صالح لا يبيت معهم، كان يخرج إلى مسجد له # PageV01P083 # يعرف بمسجد صالح فيبيت فيه، فلما دخلوا الغار سقطت عليهم صخرة فقتلتهم، ~~فانطلق رجال ممن عرف الحال إلى الغار فرأوهم هلكى، فعادوا يصيحون: إن صالحا ~~أمرهم بقتل أولادهم، ثم قتلهم. # وقيل: إنما كان تقاسم التسعة على قتل صالح بعد عقر الناقة وإنذار صالح ~~إياهم بالعذاب، وذلك أن التسعة الذين ms0056 عقروا الناقة قالوا: تعالوا فلنقتل ~~صالحا فإن كان صادقا عجلنا قتله، وإن كان كاذبا ألحقناه بالناقة، فأتوه ~~ليلا في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فهلكوا، فأتى أصحابهم فرأوهم هلكى ~~فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، وأرادوا قتله، فمنعهم عشيرته وقالوا: إنه قد ~~أنذركم العذاب، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم غضبا، وإن كان كاذبا فنحن ~~نسلمه إليكم، فعادوا عنه، فعلى القول الأول يكون التسعة الذين تقاسموا غير ~~الذين عقروا الناقة، والثاني أصح، والله أعلم. # وأما سبب قتل الناقة فقيل: إن قدار بن سالف جلس مع نفر يشربون الخمر فلم ~~يقدروا على ماء يمزجون به خمرهم لأنه كان يوم شرب الناقة، فحرض بعضهم بعضا ~~على قتلها. # وقيل: إن ثمودا كان فيهم امرأتان يقال لإحداهما قطام، وللأخرى قبال، وكان ~~قدار يهوى قطام، ومصدع يهوى قبال، ويجتمعان بهما، ففي بعض الليالي قالتا ~~لقدار ومصدع: لا سبيل لكما إلينا حتى تقتلا الناقة، فقالا: نعم، وخرجا ~~وجمعا أصحابهما وقصدا الناقة وهي على حوضها، فقال الشقي لأحدهم: اذهب ~~فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فأضرب عنه، وبعث آخر فأعظم ذلك وجعل لا يبعث ~~أحدا إلا تعاظمه قتلها حتى مشى هو إليها فتطاول فضرب عرقوبها، فوقعت تركض، ~~وكان قتلها يوم الأربعاء، واسمه بلغتهم جبار، وكان هلاكهم يوم الأحد، وهو ~~عندهم أول، فلما قتلت أتى رجل منهم صالحا فقال: أدرك الناقة فقد عقروها، ~~فأقبل وخرجوا يتلقونه، ويعتذرون إليه: يا نبي الله إنما عقرها فلان، إنه لا ~~ذنب لنا! قال: انظروا هل تدركون فصيلها؟ فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع ~~عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه، ولما رأى الفصيل أمه تضطرب قصد جبلا يقال له ~~القارة قصيرا فصعده، وذهبوا يطلبونه، فأوحى الله إلى الجبل فطال في # PageV01P084 # السماء حتى ما يناله الطير، ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى ~~سالت دموعه ثم استقبل صالحا فرغا ثلاثا، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم ~~{تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] ، وآية العذاب ~~أن وجوهكم تصبح في اليوم الأول مصفرة، وتصبح في اليوم الثاني محمرة، ms0057 وتصبح ~~في اليوم الثالث مسودة. فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق صغيرهم ~~وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة، ~~فلما أصبحوا في اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فتكفنوا ~~وتحنطوا، وكان حنوطهم الصبر، والمر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوا ~~أنفسهم إلى الأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء والأرض لا يدرون من أين ~~يأتيهم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت ~~كالصاعقة، فتقطعت قلوبهم في صدورهم {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} [هود: 67] ~~وأهلك الله من كان بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا كان في الحرم فمنعه ~~الحرم. قيل: ومن هو؟ قيل: هو أبو رغال، وهو أبو ثقيف في قول. # ولما سار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك أتى على قرية ثمود، فقال ~~لأصحابه: «لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها، وأراهم مرتقى ~~الفصيل في الجبل، وأراهم الفج الذي كانت الناقة ترد منه الماء» . # وأما صالح - عليه السلام - فإنه سار إلى الشام، فنزل فلسطين، ثم انتقل ~~إلى مكة فأقام بها يعبد الله حتى مات، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وكان قد ~~أقام في قومه يدعوهم عشرين سنة. # وأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أنه لا ذكر لعاد، وهود، وثمود، وصالح في ~~التوراة، قال: وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل ~~- عليه السلام -. # قلت: وليس إنكارهم ذلك بأعجب من إنكارهم نبوة إبراهيم الخليل ورسالته، ~~وكذلك إنكارهم حال المسيح - عليه السلام -. # PageV01P085 ### | [ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام ومن كان في عصره من ملوك العجم] # وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن غابر بن شالخ ~~بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح - عليه السلام -. واختلف في الموضع الذي ~~كان فيه والموضع الذي ولد فيه، فقيل: ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: ولد ~~ببابل، وقيل: بكوثى، وقيل: بحران، ولكن أباه نقله. # قال عامة أهل العلم: كان مولده في عهد نمرود بن كوش. # ويقول عامة أهل ms0058 الأخبار: إن نمرود كان عاملا للازدهاق الذي زعم بعض من ~~زعم أن نوحا أرسل إليه. وأما جماعة من سلف من العلماء فإنهم يقولون: كان ~~ملكا برأسه. # قال ابن إسحاق: وكان ملكه قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، ~~قال: ويقال: لم يجتمع ملك الأرض إلا لثلاثة ملوك: نمرود، وذي القرنين، ~~وسليمان بن داود، وأضاف غيره إليهم بختنصر، وسنذكر بطلان هذا القول. # فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم حجة على خلقه ورسولا إلى عباده، ولم يكن ~~فيما بينه وبين نوح نبي إلا هود، وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم أتى أصحاب ~~النجوم نمرود، فقالوا له: إنا نجد غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم ~~يفارق دينكم ويكسر # PageV01P086 # أصنامكم في شهر كذا من سنة كذا. فلما دخلت السنة التي ذكروا حبس نمرود ~~الحبالى عنده إلا أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنه لم يظهر عليها أثره، ~~فذبح كل غلام ولد في ذلك الوقت. فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى ~~مغارة كانت قريبة منها فولدت إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم ~~سدت عليه المغارة، ثم سعت إلى بيتها راجعة، ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل، ~~فكان يشب في اليوم ما يشب غيره في الشهر، وكانت تجده حيا يمص إبهامه جعل ~~الله رزقه فيها. # وكان آزر سأل أم إبراهيم عن حملها فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها، وقيل: ~~بل علم آزر بولادة إبراهيم، وكتمه حتى نسي الملك ذكر ذلك، فقال آزر: إن لي ~~ابنا قد خبأته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ فقالوا: لا. فانطلق ~~فأخرجه من السرب فلما نظر إلى الدواب، وإلى الخلق، ولم يكن رأى قبل ذلك غير ~~أبيه وأمه، جعل يسأل أباه عما يراه، فيقول أبوه: هذا بعير، أو بقرة، أو غير ~~ذلك. فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب! وكان خروجه بعد غروب ~~الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: {هذا ربي} ~~[الأنعام: 76] . فلم يلبث أن غاب، فقال: {لا ms0059 أحب الآفلين} [الأنعام: 76] . ~~وكان خروجه في آخر الشهر فلهذا رأى الكوكب قبل القمر. # وقيل: كان تفكر وعمره خمسة عشر شهرا، قال لأمه وهو في المغارة أخرجيني ~~أنظر، فأخرجته عشاء فنظر فرأى الكوكب وتفكر في خلق السماوات والأرض وقال في ~~الكوكب ما تقدم، {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} [الأنعام: 77] . فلما جاء النهار وطلعت ~~الشمس رأى نورا أعظم من كل ما رأى فقال: {هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ~~ياقوم إني بريء مما تشركون} [الأنعام: 78] . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه وقد ~~عرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبرته أمه بما كانت ~~صنعت من كتمان حاله، فسره ذلك. # وكان آزر يصنع الأصنام التي يعبدونها ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فكان ~~إبراهيم يقول: من يشتري ما لا يضره وما لا ينفعه؟ فلا يشتريها منه أحد، ~~وكان يأخذها، وينطلق بها إلى # PageV01P087 # نهر فيصوب رءوسها فيه ويقول: اشربي! استهزاء بقومه. حتى فشا ذلك عنه في ~~قومه، غير أنه لم يبلغ خبره نمرود. فلما بدا لإبراهيم أن يدعو قومه إلى ترك ~~ما هم عليه ويأمرهم بعبادة الله تعالى دعا أباه إلى التوحيد فلم يجبه، ودعا ~~قومه، فقالوا: من تعبد أنت؟ قال: رب العالمين. قالوا: نمرود؟ قال: بل أعبد ~~الذي خلقني. فظهر أمره. وبلغ نمرود أن إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف ~~الأصنام التي يعبدونها ليلزمهم الحجة، فجعل يتوقع فرصة ينتهي بها ليفعل ~~بأصنامهم ذلك، فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، أي طعين، ليهربوا منه ~~إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم ليخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم. وكان لهم ~~عيد يخرجون إليه جميعهم. فلما خرجوا قال هذه المقالة فلم يخرج معهم إلى ~~العيد، وخالف إلى أصنامهم وهو يقول: {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: ~~57] فسمعه ضعفى الناس ومن هو في آخرهم، ورجع إلى الأصنام وهي في بهو عظيم ~~بعضها إلى جنب بعض لكل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم ms0060 قد ~~جعلوا طعاما بين يدي آلهتهم، وقالوا: نترك الآلهة إلى حين نرجع فتأكله. ~~فلما نظر إبراهيم إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون فلما لم ~~يجبه أحد قال: {ما لكم لا تنطقون - فراغ عليهم ضربا باليمين} [الصافات: 92 ~~- 93] ، فكسرها بفأس في يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم ~~تركهن. # فلما رجع قومه، ورأوا ما فعل بأصنامهم راعهم ذلك، وأعظموه، وقالوا: {من ~~فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين - قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم} [الأنبياء: 59 - 60] يعنون يسبها ويعيبها، ولم نسمع ذلك من غيره ~~وهو الذي نظنه صنع بها هذا. وبلغ ذلك نمرود وأشرف قومه، فقالوا: {فأتوا به ~~على أعين الناس لعلهم يشهدون} [الأنبياء: 61] ما نفعل به، وقيل: يشهدون ~~عليه، كرهوا أن يأخذوه بغير نية، فلما أتي به، واجتمع له قومه عند ملكهم ~~نمرود، وقالوا: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم - قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 62 - 63] ، غضب من أن يعبدوا هذه ~~الصغار وهو أكبر منها فكسرها، # PageV01P088 # فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرها إلى أنفسهم فيما بينهم، ~~فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال. ثم قالوا، وعرفوا أنها لا تضر ~~ولا تنفع ولا تبطش: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} [الأنبياء: 65] ، أي لا ~~يتكلمون، فتخبرنا من صنع هذا بها وما تبطش بالأيدي فنصدقك. يقول الله ~~تعالى: {ثم نكسوا على رءوسهم} [الأنبياء: 65] في الحجة عليهم لإبراهيم، ~~فقال لهم إبراهيم عند قولهم " ما هؤلاء ينطقون ": {أفتعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} ~~[الأنبياء: 66] # ثم إن نمرود قال لإبراهيم: أرأيت إلهك الذي تعبد وتدعو إلى عبادته ما هو؟ ~~قال: {ربي الذي يحيي ويميت} [البقرة: 258] . قال نمرود: أنا أحيي وأميت. ~~قال إبراهيم: وكيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل فأقتل أحدهما ~~فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته. فقال إبراهيم: {فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت ms0061 بها من المغرب فبهت} [البقرة: 258] عند ذلك ~~نمرود ولم يرجع إليه شيئا. ثم إنه وأصحابه أجمعوا على قتل إبراهيم، فقالوا: ~~{حرقوه وانصروا آلهتكم} [الأنبياء: 68] # قال عبد الله بن عمر: أشار بتحريقه رجل من أعراب فارس، قيل له: وللفرس ~~أعراب؟ قال: نعم، الأكراد هم أعرابهم. قيل: كان اسمه هيزن فخسف به فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # فأمر نمرود بجمع الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتنذر ب: إن ~~بلغت ما تطلب لتحتطب لنار إبراهيم، حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه، ~~وأشعلوا النار حتى إن كانت الطير لتمر بها فتحترق من شدتها وحرها، فلما ~~أجمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثقلين إلى ~~الله صيحة واحدة: أي ربنا! إبراهيم، ليس في أرضك من يعبدك غيره يحرق بالنار ~~فيك فأذن لنا في نصره! قال الله تعالى: إن استغاث بشيء منكم فلينصره وإن لم ~~يدع غيري فأنا له. فلما رفعوه على # PageV01P089 # رأس البنيان رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنت ~~الواحد في الأرض، حسبي الله ونعم الوكيل. وعرض له جبرائيل وهو يوثق فقال: ~~ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: أما إليك فلا. فقذفوه في النار فناداها، فقال: ~~{يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} [الأنبياء: 69] . وقيل: ناداها ~~جبرائيل، فلو لم يتبع بردها سلام لمات إبراهيم من شدة بردها، فلم يبق يومئذ ~~نار إلا طفئت ظنت أنها هي. وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها ~~إلى جنبه يؤنسه. # فمكث نمرود أياما لا يشك أن النار قد أكلت إبراهيم، فرأى كأنه نظر فيها ~~وهي تحرق بعضها بعضا وإبراهيم جالس إلى جنبه رجل مثله. فقال لقومه: لقد ~~رأيت كأن إبراهيم حي ولقد شبه علي، ابنوا لي صرحا يشرف بي على النار، فبنوا ~~له وأشرف منه فرأى إبراهيم جالسا وإلى جانبه رجل في صورته، فناداه نمرود: ~~يا إبراهيم، كبير إلهك الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بينك وبين ما أرى، هل ~~تستطيع أن تخرج منها؟ قال: ms0062 نعم. قال: أتخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا. ~~فقام إبراهيم فخرج منها، فلما خرج قال له: يا إبراهيم، من الرجل الذي رأيت ~~معك مثل صورتك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني. قال نمرود: إني ~~مقرب من إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته وما صنع بك حين أبيت إلا ~~عبادته. # فقال إبراهيم: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شيء من دينك. فقال: يا ~~إبراهيم، لا أستطيع ترك ملكي. وقرب أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، ومنعه ~~الله منه. وآمن مع إبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف ~~من نمرود وملئهم، وآمن له لوط بن هاران، وهو ابن أخي إبراهيم، وكان لهم أخ ~~ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وهو أبو بتويل، وبتويل أبو لابان وأبو ربقا ~~امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، ولابان أبو ليا وراحيل زوجتي يعقوب. ~~وآمنت به سارة، وهي ابنة عمه، # PageV01P090 # وهي سارة ابنة هاران الأكبر عم إبراهيم، وقيل: كانت ابنة ملك حران. فآمنت ~~بالله تعالى مع إبراهيم. # ذكر هجرة إبراهيم - عليه السلام - ومن آمن معه # ثم إن إبراهيم والذين اتبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم، فخرج مهاجرا ~~حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد ~~بن عولج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وقيل: كان أخا الضحاك استعمله على ~~مصر، وكانت سارة من أحسن النساء وجها، وكانت لا تعصي إبراهيم شيئا، فلما ~~وصفت لفرعون أرسل إلى إبراهيم فقال: من هذه التي معك؟ قال: أختي، يعني في ~~الإسلام، وتخوف إن قال هي امرأتي أن يقتله. فقال له: زينها وأرسلها إلي. ~~فأمر بذلك إبراهيم، فتزينت، وأرسلها إليه، فلما دخلت عليه أهوى بيده إليها، ~~وكان إبراهيم حين أرسلها قام يصلي، فلما أهوى إليها أخذ أخذا شديدا، فقال: ~~ادعي الله ولا أضرك. فدعت له، فأرسل فأهوى إليها، فأخذ أخذا شديدا، فقال: ~~ادعي الله ولا أضرك. فدعت له، فأرسل، ثم فعل ms0063 ذلك الثالثة، فذكر مثل ~~المرتين، فدعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان وإنك أتيتني بشيطان! ~~أخرجها، وأعطها هاجر، ففعل، فأقبلت بهاجر، فلما أحس إبراهيم بها انفتل من ~~صلاته، فقال: مهيم! فقالت: كفى الله كيد الكافرين وأخدم هاجر. # وكان أبو هريرة يقول: تلك أمكم يا بني ماء السماء. وروى أبو هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث مرات، ~~اثنتين في ذات الله، قوله: {إني سقيم} [الصافات: 89] ، وقوله: {بل فعله ~~كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] ، وقوله في سارة: هي أختي» . # PageV01P091 ### | [ذكر ولادة إسماعيل عليه السلام وحمله إلى مكة] # قيل: كانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: خذها لعل ~~الله يرزقك منها ولدا، وكانت سارة قد منعت الولد حتى أسنت، فوقع إبراهيم ~~على هاجر فولدت إسماعيل، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~استفتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» ، يعني ولادة هاجر. # فكان إبراهيم قد خرج بها إلى الشام من مصر خوفا من فرعون، فنزل السبع من ~~أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع مسيرة يوم وليلة، فبعثه الله ~~نبيا، وكان إبراهيم قد اتخذ بالسبع بئرا ومسجدا وكان ماء البئر معينا ~~طاهرا، فآذاه أهل السبع، فانتقل عنهم، فنضب الماء فاتبعوه يسألونه العود ~~إليهم، فلم يفعل وأعطاهم سبعة أعنز، وقال: إذا أوردتموها الماء ظهر حتى ~~يكون معينا طاهرا فاشربوا منه، ولا تغترف منه امرأة حائض. فخرجوا بالأعنز، ~~فلما وقفت على الماء ظهر إليها، وكانوا يشربون منه، إلى أن غرفت منه امرأة ~~طامث فعاد الماء إلى الذي هو عليه اليوم. وأقام إبراهيم بين الرملة، وإيليا ~~ببلد يقال له قط أو قط. # قال: فلما ولد إسماعيل حزنت سارة حزنا شديدا، فوهبها الله إسحاق، وعمرها ~~سبعون سنة، فعمر إبراهيم مائة وعشرون سنة، فلما كبر إسماعيل، وإسحاق ~~اختصما، فغضبت سارة على هاجر فأخرجتها، ثم أعادتها، فغارت منها فأخرجتها، ~~وحلفت لتقطعن منها بضعة، فتركت أنفها وأذنها لئلا تشينها، ثم خفضتها، فمن ~~ثم خفض النساء. # PageV01P092 # وقيل: كان ms0064 إسماعيل صغيرا، وإنما أخرجتها سارة غيرة منها، وهو الصحيح. ~~وقالت سارة: لا تساكنني في بلد. فأوحى الله إلى إبراهيم أن تأتي بمكة، وليس ~~بها يومئذ نبت، فجاء إبراهيم بإسماعيل وأمه هاجر فوضعهما بمكة بموضع زمزم، ~~فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم، من أمرك أن تتركنا بأرض ليس فيها زرع، ~~ولا ضرع، ولا ماء، ولا زاد، ولا أنيس؟ قال: ربي أمرني. قالت: فإنه لن ~~يضيعنا. فلما ولى قال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: ~~37] الآية. # فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض برجله، فانطلقت هاجر حتى صعدت الصفا ~~لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا، فانحدرت إلى الوادي فسعت حتى أتت المروة، ~~فاستشرفت هل ترى شيئا فلم تر شيئا، ففعلت ذلك سبع مرات، فذلك أصل السعي، ثم ~~جاءت إلى إسماعيل وهو يدحض الأرض بقدميه وقد نبعت العين، وهي زمزم، فجعلت ~~تفحص الأرض بيدها عن الماء، وكلما اجتمع أخذته وجعلته في سقائها. قال: فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يرحمها الله! لو تركتها لكانت عينا سائحة» ~~. # وكانت جرهم بواد قريب من مكة ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت ~~جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر، ~~فقالوا: لو شئت لكنا معك فآنسناك والماء ماؤك. قالت: نعم. فكانوا معها حتى ~~شب إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فتعلم العربية منهم هو ~~وأولاده، فهم العرب المتعربة. # واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم ~~وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ~~ههنا، ذهب يتصيد. وكان إسماعيل يخرج من الحرم يتصيد، ثم يرجع. قال إبراهيم: ~~هل عندك ضيافة؟ قالت: ليس عندي ضيافة وما عندي أحد. فقال إبراهيم: إذا جاء ~~زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له فليغير عتبة بابه. # وعاد إبراهيم، وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل عندك أحد؟ # PageV01P093 # قالت: ms0065 جاءني شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، قال: فما قال لك؟ قالت: ~~أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه. فطلقها وتزوج أخرى. # فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، ~~فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، ~~فقال لامرأته أين صاحبك؟ قالت: ذهب ليتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله ~~تعالى، فانزل يرحمك الله. فقال لها: فعندك ضيافة؟ قالت: نعم. قال: فهل عندك ~~خبز، أو بر، أو شعير، أو تمر؟ قال: فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما ~~بالبركة، ولو جاءت يومئذ بخبز، أو تمر، أو بر، أو شعير لكانت أكثر أرض الله ~~من ذلك، فقالت: انزل حتى أغسل رأسك. فلم ينزل. فجاءته بالمقام بالإناء ~~فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه فيه، فغسلت شق رأسه ~~الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر ففعلت به كذلك. فقال لها: إذا جاء ~~زوجك فأقرئيه عني السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. # فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، ~~شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، فقال لي كذا وكذا. وقلت له كذا وكذا، ~~وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه، وهو يقرئك السلام ويقول: قد استقامت عتبة ~~بابك. قال: ذلك إبراهيم. # وقيل: إن الذي أنبع الماء جبرائيل، فإنه نزل إلى هاجر وهي تسعى في الوادي ~~فسمعت حسه فقالت: قد أسمعتني فأغثني فقد هلكت أنا ومن معي. فجاء بها إلى ~~موضع زمزم، فضرب بقدمه، ففارت عينا، فتعجلت، فجعلت تفرغ في شنها. فقال لها: ~~لا تخافي الظمأ. # PageV01P094 ### | [ذكر عمارة البيت الحرام بمكة] # قيل: ثم أمر الله إبراهيم ببناء البيت الحرام، فضاق بذلك ذرعا فأرسل الله ~~السكينة، وهي ريح خجوج، وهي اللينة الهبوب، لها رأسان، فسار معها إبراهيم ~~حتى انتهت إلى موضع البيت فتطوت عليه كطي الحجفة، فأمر إبراهيم أن يبني حيث ~~تستقر السكينة، فبنى إبراهيم. # وقيل: أرسل الله مثل الغمامة له رأس فكلمه وقال: يا إبراهيم، ابن ms0066 على ~~ظلي، أو على قدري، ولا تزد، ولا تنقص، فبنى. وهذان القولان نقلا عن علي. ~~وقال السدي: الذي دله على موضع البيت هو جبرائيل. # فسار إبراهيم إلى مكة، فلما وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلا له وراء زمزم، ~~فقال له: يا إسماعيل، إن الله قد أمرني أن أبني له بيتا. قال إسماعيل: فأطع ~~ربك. فقال إبراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه. قال: إذن أفعل. فقام معه ~~فجعل إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة. ثم قال إبراهيم لإسماعيل: ~~إيتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علما. فناداه أبو قبيس: إن لك ~~عندي وديعة، وقيل: بل جبرائيل أخبره بالحجر الأسود، فأخذه ووضعه موضعه، ~~وكانا كلما بنيا دعوا الله: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} ~~[البقرة: 127] . # فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر، وهو مقام ~~إبراهيم، فجعل يناوله، فلما فرغ من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس ~~بالحج، فقال إبراهيم: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فنادى: ~~أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق! فسمعه ما بين ~~السماء والأرض وما من أصلاب # PageV01P095 # الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى ~~يوم القيامة، فأجيب لبيك لبيك! ثم خرج بإسماعيل معه إلى التروية فنزل به ~~منى، ومن معه من المسلمين، فصلى بهم الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء ~~الآخرة، ثم بات حتى أصبح، فصلى بهم الفجر، ثم سار إلى عرفة، فأقام بهم هناك ~~حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر، والعصر، ثم راح بهم إلى الموقف ~~من عرفة الذي يقف عليه الإمام، فوقف به على الأراك، فلما غربت الشمس دفع به ~~ومن معه حتى أتى المزدلفة، فجمع بها الصلاتين المغرب، والعشاء الآخرة، ثم ~~بات بها ومن معه، حتى إذا طلع الفجر صلى الغداة، ثم وقف على قزح حتى إذا ~~أسفر دفع به وبمن معه يريه، ويعلمه كيف يصنع، حتى رمى الجمرة، وأراه ~~المنحر، ثم نحر وحلق، ms0067 وأراه كيف يطوف، ثم عاد به إلى منى ليريه كيف رمي ~~الجمار حتى فرغ من الحج. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن جبرائيل هو الذي أرى إبراهيم ~~كيف يحج» ، ورواه عنه ابن عمر. # ولم يزل البيت على ما بناه إبراهيم - عليه السلام - إلى أن هدمته قريش ~~سنة خمس وثلاثين من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P096 ### | [ذكر قصة الذبح] # واختلف السلف من المسلمين في الذبيح، فقال بعضهم: هو إسماعيل. وقال ~~بعضهم: هو إسحاق. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلا القولين، ~~ولو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره. # فأما الحديث في أن الذبيح إسحاق فقد روى الأحنف، عن العباس بن عبد ~~المطلب، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكر فيه: « {وفديناه ~~بذبح عظيم} [الصافات: 107] هو إسحاق» ، وقد روي هذا الحديث عن العباس من ~~قوله لم يرفعه. # وأما الحديث الآخر في أن الذبيح إسماعيل فقد روى الصنابحي قال: «كنا عند ~~معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عد علي مما ~~أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك - صلى الله عليه وسلم - فقيل ~~لمعاوية، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب نذر إن سهل الله حفر زمزم أن ~~يذبح أحد أولاده، فخرج السهم على عبد الله أبي النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ففداه بمائة بعير» ، وسنذكره إن شاء الله، والذبيح الثاني إسماعيل. # ذكر من قال إنه إسحاق # ذهب عمر بن الخطاب، وعلي، والعباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله - رضي ~~الله عنهم - فيما رواه عنه عكرمة، وعبد الله بن مسعود، وكعب، وابن سابط، ~~وابن أبي الهذيل، ومسروق إلى أن الذبيح إسحاق، عليه السلام. # PageV01P097 # حدث عمرو بن أبي سفيان بن أبي أسيد بن أبي جارية الثقفي أن كعبا قال لأبي ~~هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم؟ قال: بلى. قال كعب: لما ms0068 رأى إبراهيم ~~ذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لم أفتتن أحدا منهم بعد ذلك أبدا، فتمثل ~~رجلا يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة ~~إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت: لبعض حاجته. قال: ~~لا والله إنما غدا به ليذبحه! قالت سارة: لم يكن ليذبح ولده. قال الشيطان: ~~بلى والله لأنه زعم أن الله قد أمره بذلك. قالت سارة: فهذا أحسن أن يطيع ~~ربه. ثم خرج الشيطان، فأدرك إسحاق وهو مع أبيه، فقال له: إن إبراهيم يريد ~~أن يذبحك. قال إسحاق: ما كان ليفعل. قال: بلى والله إنه زعم أن ربه أمر ~~بذلك. قال إسحاق: فوالله لئن أمره ربه بذلك ليطيعنه! فتركه ولحق إبراهيم، ~~فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: لبعض حاجتي. قال: لا والله إنما تريد ~~ذبحه! قال: ولم؟ قال: لأنك زعمت أن الله أمر بذلك. قال إبراهيم: فوالله إن ~~كان الله أمرني بذلك لأفعلن. # فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه أعفاه الله من ذلك، وفداه بذبح عظيم، ~~وأوحى الله إلى إسحاق: إني معطيك دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم ~~فأيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة. # قال عبيد بن عمير: قال موسى: يا رب يقولون يا إله إبراهيم، وإسحاق، ~~ويعقوب، فبم نالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني، ~~وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء ~~زادني حسن ظن بي. # (أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وجارية بالجيم) . # ذكر من قال إن الذبيح إسماعيل عليه السلام # روى سعيد بن جبير، ويوسف بن مهران، والشعبي، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح ~~كلهم عن ابن عباس أنه قال: إن الذبيح إسماعيل، وقال: زعمت اليهود أنه ~~إسحاق، وكذبت اليهود. # PageV01P098 # وقال أبو الطفيل، والشعبي: رأيت قرني الكبش في الكعبة. # قال محمد بن كعب: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من بنيه إسماعيل، وإنا ~~لنجد ذلك في كتاب الله في قصة الخبر ms0069 عن إبراهيم وما أمر به من ذبحه ابنه ~~أنه إسماعيل، وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم ~~قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] ، ويقول: {وبشرناه ~~بإسحاق نبيا} [الصافات: 112] ، {ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] بابن وابن ~~ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الله - عز وجل - ما وعده، وما ~~الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، فذكر ذلك محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز وهو ~~خليفة، فقال: إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت. # ذكر السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بالذبح وصفة الذبح # قيل: أمر الله إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه فيما ذكر أنه دعا الله ~~أن يهب له ولدا ذكرا صالحا، فقال: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات: 100] . ~~فلما بشرته الملائكة بغلام حليم قال: إذن هو ذبيح. فلما ولد الغلام وبلغ ~~معه السعي قيل له: أوف نذرك الذي نذرت. وهذا على قول من زعم أن الذبيح ~~إسحاق، وقائل هذا يزعم أن ذلك كان بالشام على ميلين من إيليا. وأما من زعم ~~أنه إسماعيل فيقول: إن ذلك كان بمكة. # قال محمد بن إسحاق: إن إبراهيم قال لابنه حين أمر بذبحه: يا بني، خذ ~~الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب لأهلك. فلما توجه اعترضه ~~إبليس ليصده عن ذلك، فقال: إليك عني يا عدو الله! فوالله لأمضين لأمر الله! ~~فاعترض إسماعيل فأعلمه ما يريد إبراهيم يصنع به، فقال: سمعا لأمر ربي ~~وطاعة. فذهب إلى هاجر فأعلمها، فقالت: إن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر ~~الله. فرجع بغيظه لم يصب منهم شيئا. # فلما خلا إبراهيم بالشعب، وهو شعب ثبير، قال له: {يابني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين} [الصافات: 102] . # PageV01P099 # ثم قال له يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصبك من دمي شيء فينتقص ~~أجري، فإن الموت شديد، واشحذ شفرتك حتى تريحني، فإذا أضجعتني ms0070 فكبني على ~~وجهي فإني أخشى إن نظرت في وجهي أنك تدرك رحمة فتحول بينك وبين أمر الله، ~~وإن رأيت أن ترد قميصي إلى هاجر أمي فعسى أن يكون أسلى لها عني، فافعل. ~~فقال إبراهيم: نعم المعين أنت، أي بني، على أمر الله! # فربطه كما أمره، ثم حد شفرته {وتله للجبين} [الصافات: 103] ، ثم أدخل ~~الشفرة لحلقه، فقلبها الله لقفاها، ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه، فنودي: {أن ~~ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 104] ، هذه ذبيحتك فداء لابنك ~~فاذبحها. # وقيل: جعل الله على حلقه صحيفة نحاس. قال ابن عباس: خرج عليه كبش من ~~الجنة قد رعى فيها أربعين خريفا، وقيل: هو الكبش الذي قربه هابيل، وقال علي ~~- عليه السلام -: كان كبشا أقرن أعين أبيض. وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا ~~بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير فذبحه، قيل بالمقام، وقيل: بمنى في ~~المنحر. # ذكر ما امتحن الله به إبراهيم، عليه السلام # بعد ابتلاء الله تعالى إبراهيم بما كان من نمرود، وذبح ولده بعد أن رجا ~~نفعه ابتلاه الله بالكلمات التي أخبر أنه ابتلاه بهن فقال تعالى: {وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة: 124] . # PageV01P100 # واختلف السلف من العلماء الأئمة في هذه الكلمات. فقال ابن عباس من رواية ~~عكرمة عنه في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة: ~~124] : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم. وقال الله: {وإبراهيم ~~الذي وفى} [النجم: 37] ، قال: والكلمات عشر في " براءة "، وهي: {العابدون ~~الحامدون} [التوبة: 112] الآية، وعشر في " الأحزاب "، وهي {إن المسلمين ~~والمسلمات} [الأحزاب: 35] الآية، وعشر في " المؤمنين " من أولها إلى قوله ~~تعالى: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: 34] . وقال آخرون: هي عشر ~~خصال. # قال ابن عباس من رواية طاوس، وغيره عنه: الكلمات عشر، وهي خمس في الرأس: ~~قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق شعر الرأس، وخمس في الجسد، ~~وهي: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط. ~~وقال آخرون: هي مناسك الحج. وقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: ~~124] وهو قول أبي صالح، ومجاهد. ms0071 وقال آخرون: هي ستة، وهي: الكواكب، والقمر، ~~والشمس، والنار، والهجرة، والختان. # وذبح ابنه، وهو قول الحسن، قال: ابتلاه بذلك فعرف أن ربه دائم لا يزول ~~فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض وهاجر من وطنه، وأراد ذبح ابنه وختن ~~نفسه. # PageV01P101 # وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه في التاريخ المختصر، وإنما ذكرنا هذا ~~القدر لئلا يخلو من فصول الكتاب. # PageV01P102 ### | [ذكر عدو الله نمرود وهلاكه] # ونرجع الآن إلى خبر عدو الله نمرود، وما آل إليه أمره في دنياه، وتمرده ~~على الله تعالى، وإملاء الله له، وكان أول جبار في الأرض، وكان إحراقه ~~إبراهيم ما قدمنا ذكره، فأخرج إبراهيم - عليه السلام - من مدينته وحلف أنه ~~يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرخ نسور فرباهن باللحم، والخمر حتى كبرن، ~~وغلظن، فقرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت فأخذ معه رجلا ومعه لحم لهن، ~~فطرن به حتى إذا ذهبن أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدب كالنمل، ثم رفع ~~لهن اللحم ونظر إلى الأرض فرآها يحيط بها بحر كأنها فلك في ماء، ثم رفع ~~طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع وألقى اللحم، فاتبعته ~~النسور منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهن فزعت ~~الجبال وكادت تزول ولم يفعلن، وذلك قول الله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول ~~منه الجبال} [إبراهيم: 46] . وكانت طيرورتهن من بيت المقدس، ووقوعهن في جبل ~~الدخان. # فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى علا وارتقى فوقه ~~ينظر إلى إله إبراهيم بزعمه وأحدث، ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانهم من ~~القواعد من أساس الصرح فسقط وتبلبلت الألسن يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة ~~وسبعين لسانا، وكان لسان الناس قبل ذلك سريانيا. # هكذا روي أنه لم يحدث، وهذا ليس بشيء، فإن الطبع البشري لم يخل منه إنسان ~~حتى الأنبياء - صلوات الله عليهم - وهم أكثر اتصالا بالعالم العلوي، وأشرف ~~أنفسا، ومع هذا فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوطون، فلو نجا منه أحد لكان ~~الأنبياء أولى # PageV01P103 # لشرفهم وقربهم من الله ms0072 تعالى: وإن كان لكثرة ملكه فالصحيح أنه لم يملك ~~مستقلا، ولو ملك مستقلا لكان الإسكندر أكثر ملكا منه ومع هذا فلم يقل فيه ~~شيء من هذا. # قال زيد بن أسلم: إن الله تعالى بعث إلى نمرود بعد إبراهيم ملكا يدعوه ~~إلى الله أربع مرات، فأبى، وقال: أرب غيري؟ فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ~~ثلاثة أيام، فجمع جموعه، ففتح الله عليه بابا من البعوض، فطلعت الشمس فلم ~~يروها من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلتهم ولم يبق منهم إلا العظام، ~~والملك كما هو لم يصبه شيء، فأرسل الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث ~~يضرب رأسه بالمطارق فأرحم الناس به من يجمع يديه ويضرب بهما رأسه، وكان ~~ملكه ذلك أربعمائة سنة، وأماته الله تعالى، وهو الذي بنى الصرح. # وقال جماعة: إن نمرود بن كنعان ملك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعه ~~أهل العلم بالسير، وأخبار الملوك، وذلك أنهم لا ينكرون أن مولد إبراهيم كان ~~أيام الضحاك الذي ذكرنا بعض أخباره فيما مضى، وأنه كان ملك شرق الأرض ~~وغربها. # وقول القائل إن الضحاك الذي ملك الأرض هو نمرود ليس بصحيح، لأن أهل العلم ~~المتقدمين يذكرون أن نسب نمرود في النبط معروف، وأن نسب الضحاك في الفرس ~~مشهور، وإنما الضحاك استعمل نمرود على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله ~~وولده عمالا على ذلك، وكان هو يتنقل في البلاد، وكان وطنه ووطن أجداده ~~دنباوند من جبال طبرستان، وهناك رمى به أفريدون حين ظفر به، وكذلك بختنصر. # ذكر بعضهم أنه ملك الأرض جميعها وليس كذلك، وإنما كان إصبهبذ ما بين ~~الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب، لأن لهراسب كان مشتغلا ~~بقتال # PageV01P104 # الترك مقيما بإزائهم ببلخ، وهو بناها لما تطاول مقامه هناك لحرب الترك، ~~ولم يملك أحد من النبط شبرا من الأرض مستقلا برأسه فكيف الأرض جميعها؟ ! ~~وإنما تطاولت مدة نمرود بالسواد أربعمائة سنة ثم دخل من نسله بعد هلاكه جيل ~~يقال له نبط بن قعود ملك بعده مائة سنة، ثم ms0073 كداوص بن نبط ثمانين سنة، ثم ~~بالش بن كداوص مائة وعشرين سنة، ثم نمرود بن بالش سنة وشهرا، فذلك سبعمائة ~~سنة وسنة وشهد أيام الضحاك، وظن الناس في نمرود ما ذكرناه، فلما ملك ~~أفريدون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وقتل فيهم مقتلة ~~عظيمة. # PageV01P105 ### | [ذكر قصة لوط وقومه] # قد ذكرنا مهاجر لوط مع إبراهيم - عليه السلام - إلى مصر، وعودهم إلى ~~الشام، ومقام لوط بسدوم. # فلما أقام بها أرسله الله إلى أهلها، وكانوا أهل كفر بالله تعالى، وركوب ~~فاحشة، كما قال تعالى: {إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين - أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} ~~[العنكبوت: 28 - 29] . فكان قطعهم السبيل أنهم كانوا يأخذون المسافر إذا مر ~~بهم ويعملون به ذلك العمل الخبيث، وهو اللواطة، وأما إتيانهم المنكر في ~~ناديهم فقيل كانوا يحذفون من مر بهم ويسخرون منهم، وقيل: كانوا يتضارطون في ~~مجالسهم، وقيل: كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم. # وكان لوط يدعوهم إلى عبادة الله وينهاهم عن الأمور التي يكرهها الله منهم ~~من قطع السبيل، وركوب الفواحش، وإتيان الذكور في الأدبار، ويتوعدهم على ~~إصرارهم، وترك التوبة بالعذاب الأليم، فلا يزجرهم ذلك ولا يزيدهم وعظه إلا ~~تماديا، واستعجالا لعقاب الله إنكارا منهم لوعيده، ويقولون له: ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين. حتى سأل لوط النصرة عليهم لما تطاول عليه أمرهم ~~وتماديهم في غيهم. # PageV01P106 # فبعث الله، لما أراد هلاكهم ونصر رسوله، جبرائيل وملكين آخرين معه، ~~أحدهما ميكائيل، والآخر إسرافيل، فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال ~~وأمرهم أن يبدءوا بإبراهيم، وسارة ويبشرون بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. # فلما نزلوا على إبراهيم، وكان الضيف قد أبطأ عنه خمسة عشر يوما حتى شق ~~ذلك عليه، وكان يضيف من نزل به، وقد وسع الله عليه الرزق، فرح بهم ورأى ~~ضيفا لم ير مثلهم حسنا وجمالا، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا ~~بيدي. فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين قد حنذه، أي أنضجه، فقربه إليهم، ~~فأمسكوا ms0074 أيديهم عنه، {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته} [هود: 70] سارة قائمة فضحكت ~~لما عرفت من أمر الله ولما تعلم من قوم لوط {فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب} [هود: 71] فقالت وصكت وجهها: {أألد وأنا عجوز} [هود: 72] ، ~~إلى قوله: {حميد مجيد} [هود: 73] . وكانت ابنة تسعين سنة وإبراهيم ابن ~~عشرين ومائة. # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى} [هود: 74] ذهب يجادل جبرائيل ~~في قوم لوط، فقال له: أرأيت إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان ~~فيهم خمسون من المسلمين لم يعذبهم؟ قال: وأربعون. قالوا: وأربعون؟ قال: ~~وثلاثون، حتى بلغ عشرة. قالوا: وإن كان فيهم عشرة؟ قال: ما قوم لا يكون ~~فيهم عشرة فيهم خير! ثم قال: {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [العنكبوت: 32] . # ثم مضت الملائكة نحو سدوم قرية لوط، فلما انتهوا إليها لقوا لوطا في أرض ~~له يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع ~~شهادات، فأتوه فقالوا: إنا متضيفوك الليلة، فانطلق بهم، فلما مشى ساعة ~~التفت إليهم فقال لهم: # PageV01P107 # أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض إنسانا ~~أخبث منهم، حتى قال ذلك أربع مرات. # وقيل: بل لقوا ابنته فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم لا ~~تدخلوا حتى آتيكم. خافت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك ~~فتيانا على باب المدينة ما رأيت أصبح وجوها منهم لئلا يأخذهم قومك ~~فيفضحوهم. وكان قومه قد نهوه أن يضيف رجلا، فجاء بهم فلم يعلم إلا أهل بيت ~~لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت لهم: قد نزل بنا قوم ما رأيت أحسن ~~وجوها منهم، ولا أطيب رائحة. فجاءه قومه يهرعون إليه. فقال: يا قوم {اتقوا ~~الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد} [هود: 78] . فنهاهم ورغبهم ~~وقال: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [هود: ms0075 78] مما تريدون. {قالوا لقد علمت ما ~~لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد - أولم ننهك عن العالمين} [الحجر: ~~79 - 70] ، فلما لم يقبلوا منه {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} ~~[هود: 80] يعني لو أن لي أنصارا أو عشيرة يمنعوني منكم. فلما قال ذلك وجد ~~عليه الرسل، فقالوا: إن ركنك لشديد ولم يبعث الله نبيا إلا في ثروة من قومه ~~ومنعة من عشيرته. وأغلق لوط الباب، فعالجوه، وفتح لوط الباب، فدخلوا، ~~واستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له فبسط جناحيه ففقأ أعينهم وخرجوا ~~يدوس بعضهم بعضا عميانا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم في ~~الأرض! وقالوا للوط: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك - واتبع أدبارهم - وامضوا حيث تؤمرون} ~~[الحجر: 81 - 65] . # فأخرجهم الله إلى الشام، وقال لوط: أهلكوهم الساعة، فقالوا لم نؤمر إلا ~~بالصبح، {أليس الصبح بقريب} [هود: 81] . فلما كان الصبح أدخل جبرائيل - ~~وقيل ميكائيل - جناحه في أرضهم وقراهم الخمس فرفعها حتى سمع أهل السماء ~~صياح ديكتهم ونباح # PageV01P108 # كلابهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل فأهلكت ~~من لم يكن بالقرى. وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه! فأدركها حجر ~~فقتلها. ونجى الله لوطا وأهله إلا امرأته. # وذكر أنه كان فيها أربعمائة ألف. وكان إبراهيم يتشرف عليها ويقول: سدوم ~~يوما هالك. # ومدائن قوم لوط خمس: سدوم، وصبعة، وعمرة، ودوما، وصعوة، وسدوم هي القرية ~~العظمى. # قوله {يهرعون إليه} [هود: 78] ، هو مشي بين الهرولة والجمز. # PageV01P109 ### | [ذكر وفاة سارة زوج إبراهيم عليه السلام وذكر أولاده وأزواجه] # لا يدفع أحد من أهل العلم أن سارة توفيت بالشام ولها مائة وسبع وعشرون ~~سنة، وقيل: إنها كانت بقرية الجبابرة من أرض كنعان، وقيل: عاشت هاجر بعد ~~سارة مدة. # والصحيح أن هاجر توفيت قبل سارة، كما ذكرنا في مسير إبراهيم إلى مكة، وهو ~~الصحيح إن شاء الله تعالى. # فلما ماتت سارة تزوج بعدها قطورا ابنة يقطن امرأة ms0076 من الكنعانيين فولدت له ~~ستة نفر: نفشان، ومران، ومديان، ومدن، ونشق، وسرح، وكان جميع أولاد إبراهيم ~~مع إسماعيل وإسحاق ثمانية نفر، وكان إسماعيل بكره، وقيل في عدد أولاده غير ~~ذلك. فالبربر من ولد نفشان، وأهل مدين قوم شعيب من ولد مديان. وقيل: تزوج ~~بعد قطورا امرأة أخرى اسمها حجون ابنة أهير. # ذكر وفاة إبراهيم، وعدد ما أنزل عليه # قيل: لما أراد الله قبض روح إبراهيم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ ~~هرم، فرآه إبراهيم وهو يطعم الناس وهو شيخ كبير في الحر، فبعث إليه بحمار ~~فركبه حتى أتاه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها في ~~عينه وأذنه، ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم سأل ~~ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال: يا شيخ مالك تصنع ~~هذا؟ قال: يا إبراهيم الكبر. قال: ابن # PageV01P110 # كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين. فقال إبراهيم: إنما بيني وبين أن ~~أصير هكذا سنتان، اللهم اقبضني إليك! فقام الشيخ وقبض روحه ومات وهو ابن ~~مائتي سنة. # وقيل: مائة وخمس وسبعين سنة، وهذا عندي فيه نظر لأن إبراهيم لا يخلو أن ~~يكون قد رأى من هو أكبر منه بسنتين أو أكثر من ذلك، فإن من عاش مائتي سنة ~~كيف لا يرى من هو أكبر منه بهذا القدر القريب؟ ولكن هكذا روي، ثم إنه قد ~~بلغ عمر نوح ولم يصبه شيء مما رأى بذلك الرجل. # وروى أبو ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وأنزل الله على ~~إبراهيم عشر صحائف، قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: ~~كانت أمثالا كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع ~~الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ~~ولو كانت من كافر. # وكان فيها أمثال، منها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون ~~له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها ms0077 في صنع الله، وساعة يحاسب ~~فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب. وعلى ~~العاقل أن يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة في غير ~~محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ~~ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.» # وهو أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من اتخذ السراويل، إلى غير ~~ذلك من الأقاويل. # PageV01P111 ### | [ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم] # قد ذكرنا فيما مضى سبب إسكان إسماعيل الحرم وتزوجه امرأة من جرهم، وفراقه ~~إياها بأمر إبراهيم، ثم تزوج أخرى، وهي السيدة بنت مضاض الجرهمي، وهي التي ~~قال لها: قولي لزوجك: قد رضيت لك عتبة بابك، فولدت لإسماعيل اثني عشر رجلا: ~~نابت، وقيدار، وإذيل، وميشا، ومسمع، ورما، وماش، وآذر، وقطورا، وقافس، ~~وطميا، وقيدمان. # وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون سبعا وثلاثين ومائة سنة. ومن نابت وقيدار ~~ابني إسماعيل نشر الله العرب، وأرسله الله تعالى إلى العماليق وقبائل ~~اليمن. وقد ينطق أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت. # ولما حضرت إسماعيل الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته من العيص بن ~~إسحاق، ودفن عند قبر أمه هاجر بالحجر. # PageV01P112 ### | [ذكر إسحاق بن إبراهيم وأولاده] # قيل: ونكح إسحاق رفقا بنت بتويل فولدت له عيصا ويعقوب توأمين، وإن عيصا ~~كان أكبرهما، وكان عمر إسحاق لما ولد له ستين سنة. # ثم نكح عيص بن إسحاق نسمة بنت عمه إسماعيل فولدت له الروم بن عيص، وكل ~~بني الأصفر من ولده، وزعم بعض الناس أن أشبان من ولده. # ونكح يعقوب بن إسحاق، وهو إسرائيل، ابنة خاله ليا بنت لبان بن بتويل ~~فولدت له روبيل، وكان أكبر ولده، وشمعون، ولاوي ويهوذا، وزبالون، ولشحر، ~~وقيل ويشحر، ثم توفيت ليا فتزوج أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وهو ~~بالعربية شداد، وولد له من سريتين أربعة نفر: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ~~وكان ليعقوب اثنا عشر رجلا. # قال السدي: تزوج إسحاق بجارية فحملت بغلامين، فلما أرادت أن تضع أراد ms0078 ~~يعقوب أن يخرج قبل عيص، فقال عيص: والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي # PageV01P113 # ولأقتلنها. فتأخر يعقوب وخرج عيص، وأخذ يعقوب بعقب عيص، فسمي يعقوب وسمي ~~أخوه عيصا لعصيانه. وكان عيص أحبهما إلى أبيه ويعقوب أحبهما إلى أمه. وكان ~~عيص صاحب صيد، فقال له إسحاق لما كبر وعمي. يا بني أطعمني لحم صيد واقترب ~~مني أدعو لك بدعاء دعا لي به أبي. وكان عيص رجلا أشعر، وكان يعقوب أجرد، ~~وسمعت أمهما ذلك وقالت ليعقوب: يا بني، اذبح شاة، واشوها، والبس جلدها ~~وقربها إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا ~~أبتاه كل. قال: من أنت؟ قال: أنا ابنك عيص. فمسحه إسحاق، فقال: المس مس عيص ~~والريح ريح يعقوب. قالت أمه: إنه عيص فكل. فأكل ودعا له أن يجعل الله في ~~ذريته الأنبياء والملوك. # وقام يعقوب وجاء عيص، وكان في الصيد، فقال لأبيه: قد جئتك بالصيد الذي ~~طلبت. فقال: يا بني قد سبقك أخوك. فحلف عيص ليقتلن يعقوب. فقال: يا بني، قد ~~بقيت لك دعوة، فدعا له أن يكون ذريته عدد التراب وأن لا يملكهم غيرهم. # وهرب يعقوب خوفا من أخيه إلى خاله، وكان يسري بالليل ويكمن بالنهار، ~~فلذلك سمي إسرائيل. # ثم إن يعقوب تزوج ابنتي خاله جمع بينهما، فلذلك قال الله تعالى: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] . وولد له منهما، فماتت ~~راحيل في نفاسها ببنيامين. # وأراد يعقوب الرجوع إلى بيت المقدس فأعطاه خاله قطيع غنم، فلما ارتحلوا ~~لم يكن لهم نفقة، فقالت زوجة يعقوب ليوسف: اسرق صنما من أصنام أبي نستنفق ~~منه. فسرق صنما من أصنام أبيها. # وأحب يعقوب يوسف وأخاه بنيامين حبا شديدا ليتمهما، وقال يعقوب لراع من ~~الرعاة: إذا أتاكم أحد يسألكم من أنتم، فقولوا: نحن ليعقوب عبد عيص. فلقيهم ~~عيص، فسألهم فأجابه الراعي بذلك الجواب، فكف عيص عن يعقوب ونزل يعقوب ~~الشام، ومات إسحاق بالشام، وعمره مائة وستون سنة ودفن عند أبيه إبراهيم، ~~عليه السلام. # PageV01P114 ### | [قصة ms0079 أيوب عليه السلام] # وهو رجل من الروم من ولد عيص، وهو أيوب بن موص بن رازج بن عيص بن إسحاق ~~بن إبراهيم، وقيل: موص بن روعيل بن عيص. وكانت زوجته التي أمر أن يضربها ~~بالضغث ليا ابنة يعقوب بن إسحاق، وقيل: هي رحمة ابنة أفراهيم بن يوسف، ~~وكانت أمه من ولد لوط، وكان دينه التوحيد والإصلاح بين الناس، وإذا أراد ~~حاجة سجد ثم طلبها. # وكان من حديثه وسبب بلائه أن إبليس سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب ~~حين ذكره الله فحسده، وسأل الله أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلطه على ~~ماله حسب، فجمع إبليس عظماء أصحابه من العفاريت، وكان لأيوب البثنية جميعها ~~من # PageV01P115 # أعمال دمشق بما فيها، وكان له فيها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها ~~خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة الفدان أتان، ولكل أتان ~~ولد، واثنان وما فوق ذلك، فلما جمعهم إبليس قال: ما عندكم من القوة ~~والمعرفة، فإني قد تسلطت على مال أيوب. فقال كل منهم قولا، فأرسلهم، ~~فأهلكوا ماله كله، وأيوب يحمد الله ولا يرجع عن الجد في عبادته، والشكر له ~~على ما أعطاه، والصبر على ما ابتلاه. # فلما رأى ذلك إبليس من أمره سأل الله أن يسلطه على ولده، فسلطه عليهم ولم ~~يجعل له سلطانا على جسده ولا عقله وقلبه، فأهلك ولده كلهم، ثم جاء إليه ~~متمثلا بمعلمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب ~~فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه فسر بذلك إبليس. # ثم إن أيوب ندم لذلك وجد واستغفر، فصعد حفظته من الملائكة بتوبته إلى ~~الله قبل إبليس، فلما لم يرجع أيوب عن عبادة ربه والصبر على ما ابتلاه به ~~سأل الله تعالى أن يسلطه على جسده، فسلطه على جسده، فسلطه عليه خلا لسانه ~~وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك سلطانا. فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره ~~نفخة اشتعل منها جسده وصار أمره إلى أن انتثر لحمه وامتلأ جسده دودا، فإن ~~كانت ms0080 الدودة لتسقط من جسده فيردها إليه ويقول: كلي من رزق الله، وأصابه ~~الجذام، وكان أشد من ذلك عليه أنه كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم ~~يتفقأ، وأنتن حتى لم يطق أحد يشم ريحه، فأخرجه أهل القرية منها إلى الكناسة ~~خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته، وكانت تختلف إليه بما يصلحه، فبقي ~~مطروحا على الكناسة سبع سنين ما يسأل الله أن يكشف ما به، وما على وجه ~~الأرض أكرم على الله منه. # وقيل: كان سبب بلائه أن أرض الشام أجدبت فأرسل فرعون إلى أيوب أن هلم ~~إلينا فإن لك عندنا سعة، فأقبل بأهله وخيله وماشيته، فأقطعهم فرعون ~~القطائع. ثم إن شعيبا النبي دخل إلى فرعون فقال: يا فرعون، أما تخاف أن ~~يغضب الله غضبة # PageV01P116 # فيغضب لغضبه أهل السماء، وأهل الأرض والبحار، والجبال؟ وأيوب ساكت لا ~~يتكلم، فلما خرجا أوحى الله إلى أيوب: يا أيوب، سكت عن فرعون لذهابك إلى ~~أرضه، استعد للبلاء. فقال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم وأؤوي الغريب، وأشبع ~~الجائع، وأكفي الأرملة؟ فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف من الصواعق يقولون: ~~من فعل بك ذلك يا أيوب؟ فأخذ ترابا فوضعه على رأسه وقال: أنت يا رب، فأوحى ~~الله إليه: استعد للبلاء. قال: فديني؟ قال: أسلمه لك. قال: فما أبالي. # وقيل: كان السبب غير ذلك، وهو نحو مما ذكرنا. # فلما ابتلاه الله واشتد عليه البلاء قالت له امرأته: إنك رجل مجاب الدعوة ~~فادع الله أن يشفيك. فقال: كنا في النعماء سبعين سنة فلنصبر في البلاء ~~سبعين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة. # وقيل: إنما أقسم ليجلدنها لأن إبليس ظهر لها وقال: بم أصابكم ما أصابكم؟ ~~قالت: بقدر الله. قال: وهذا أيضا بقدر الله فاتبعيني، فاتبعته، فأراها جميع ~~ما ذهب منهم في واد، وقال: اسجدي لي وأرده عليكم. فقالت: إن لي زوجا ~~أستأمره. فلما أخبرت أيوب قال: ألم تعلمي أن ذلك الشيطان؟ لئن شفيت لأجلدنك ~~مائة جلدة، وأبعدها، وقال لها: طعامك وشرابك علي حرام لا أذوق ms0081 مما تأتيني ~~به شيئا فابعدي عني فلا أراك. فذهبت عنه، فلما رأى أيوب أن امرأته قد طردها ~~وليس عنده طعام، ولا شراب، ولا صديق خر ساجدا، وقال: رب {أني مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83] كرر ذلك. فقيل له: ارفع رأسك فقد ~~استجيب لك، {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} [ص: 42] ، ورد الله إليه ~~جسده وصورته. # PageV01P117 # وأما امرأته فقالت: كيف أتركه، وليس عنده أحد، يموت جوعا وتأكله السباع؟ ~~فرجعت إليه فرأت أيوب وقد عوفي، فلم تعرفه، فعجبت حيث لم تره على حاله، ~~فقالت له: يا عبد الله، هل رأيت ذلك الرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ قال: وهل ~~تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم. قال: هو أنا. فعرفته. # وقيل: إنما قال: مسني الضر لما وصل الدود إلى لسانه وقلبه خاف أن يبطل عن ~~ذكر الله تعالى والفكر. ورد الله إليه أهله ومثلهم معهم، قيل هم بأعيانهم، ~~وقيل: رد الله إليه امرأته ورد إليها شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا ~~وأنزل الله إليه ملكا فقال: يا أيوب، إن الله يقرئك السلام لصبرك على ~~البلاء. اخرج إلى أندرك. فخرج إليه، فبعث الله سحابة فألقت عليه جرادا من ~~ذهب، وكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره، فقال الملك: أما تشبع ~~من الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال: إن هذه البركة من بركات ربي لست أشبع ~~منها. # وعاش أيوب بعد أن رفع عنه البلاء سبعين سنة، ولما عوفي أمره الله أن يأخذ ~~عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ليبر من يمينه، ففعل ذلك. # وقول أيوب: رب إني مسني الضر، دعاء ليس بشكوى، ودليله قوله تعالى: ~~{فاستجبنا له} [الأنبياء: 84] . # وكان من دعاء أيوب: أعوذ بالله من جار عينه تراني إن رأى حسنة سترها وإن ~~رأى سيئة ذكرها. وقيل: كان سبب دعائه أنه كان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه ~~اسم أحدهم بلدد # PageV01P118 # والآخر اليفر، والثالث صافر، فانطلقوا إليه وهو في البلاء فبكتوه أشد ~~تبكيت، وقالوا له: لقد أذنبت ذنبا ما أذنبه أحد، فلهذا لم ms0082 يكشف العذاب عنك. ~~وطال الجدال بينهم وبينه، فقال فتى كان معهم لهم كلاما يرد عليهم، فقال: قد ~~تركتم من القول أحسنه، ومن الرأي أصوبه، ومن الأمر أجمله، وقد كان لأيوب ~~عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون حق من انتقصتم وحرمة ~~من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من ~~خلقه يومكم هذا؟ ثم لم تعلموا ولم يعلمكم الله أنه سخط شيئا من أمره ولا ~~أنه نزع شيئا من الكرامة التي كرم الله بها عباده ولا أن أيوب فعل غير الحق ~~في طول ما صحبتموه، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في نفوسكم، ~~فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين وليس ~~بلاؤه لأولئك دليلا على سخطه عليهم ولا على هوانهم عليه ولكنها كرامة وخيرة ~~لهم. وأطال في هذا النحو من الكلام. # ثم قال لهم: وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يكل ألسنتكم ~~ويكسر قلوبكم ويقطع حجتكم، ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشيته عن ~~الكلام من غير عي ولا بكم؟ وإنهم لهم الفصحاء الألباء العالمون بالله ~~وآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، وطاشت ~~أحلامهم، وعقولهم فزعا من الله وهيبة له، فإذا أفاقوا استبقوا إلى الله ~~بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين وإنهم لأبرار، ومع المقصرين ~~وإنهم لأكياس أتقياء، ولكنهم لا يستكثرون لله - عز وجل - الكثير ولا يرضون ~~له القليل ولا يدلون عليه بالأعمال فهم أينما لقيتهم خائفون مهيمون وجلون. # فلما سمع أيوب كلامه قال: إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير، ~~والكبير، فمتى كانت في القلب ظهرت على اللسان ولا تكون الحكمة من قبل السن، ~~والشيبة، ولا طول التجربة، وإذا جعل الله تعالى عبدا حكيما عند الصبا لم ~~تسقط منزلته عند الحكام. ثم أقبل على الثلاثة، فقال: رهبتم قبل أن ~~تسترهبوا، وبكيتم قبل أن # PageV01P119 # تضربوا، كيف بكم لو قلت لكم تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو ~~قربوا ms0083 قربانا لعل الله أن يتقبل ويرضى عني؟ وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم فظننتم ~~أنكم عوفيتم بإحسانكم فبغيتم وتعززتم، لو صدقتم ونظرتم بينكم وبين ربكم ~~لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني ~~وأنا مسموع كلامي، معروف من حقي، منتصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ~~ولا كلام معكم، فأنتم أشد علي من مصيبتي. # ثم أعرض عنهم، وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه، فقال: رب، لأي شيء ~~خلقتني! ليتني إن كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ملقاة، ويا ليتني ~~عرفت الذنب الذي أذنبت فصرفت وجهك الكريم عني! لو كنت أمتني فالموت أجمل ~~بي! ألم أكن للغريب دارا، وللمسكين قرارا، ولليتيم وليا، وللأرملة قيما؟ ~~إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي! جعلتني ~~للبلاء غرضا فقد وقع علي البلاء لو سلطته على جبل لضعف عن حمله فكيف يحمله ~~ضعفي! ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة ~~فيمنها علي ويعيرني! هلك أولادي، ولو بقي أحدهم أعانني. فقد ملتني أهلي ~~وعقني أرحامي فتنكرت معارفي، ورغب عني صديقي، وجحدت حقوقي، ونسيت صنائعي. ~~أصرخ فلا يصرخونني، وأعتذر فلا يعذرونني. دعوت غلامي فلم يجبني، وتضرعت إلى ~~أمتي فلم ترحمني، وإن قضاءك هو الذي آذاني وأقمأني، وإن سلطانك هو الذي ~~أسقمني. فلو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم ملء ~~فمي، ثم كان ينبغي للعبد أن يحاج مولاه عن نفسه - لرجوت أن تعافيني عند ~~ذلك، ولكنه ألقاني وعلا عني فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر ~~إلي فرحمني، ولا دنا مني فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي. # فلما قال أيوب ذلك أظلتهم غمامة ونودي منها: يا أيوب إن الله يقول قد ~~دنوت منك ولم أزل منك قريبا، فقم فأدل بحجتك، وتكلم ببراءتك، وقم مقام ~~جبار، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار. تجعل الزيار في فم الأسد، ~~واللجام في فم التنين، # PageV01P120 # وتكيل مكيالا من النور، وتزن مثقالا من الريح، ms0084 وتصر صرة من الشمس، وترد ~~أمس. لقد منتك نفسك أمرا لا تبلغه بمثل قوتك. أردت أن تكابرني بضعفك أم ~~تخاصمني بعيك أم تحاجني بخطلك! أين أنت مني يوم خلقت الأرض؟ هل علمت بأي ~~مقدار قدرتها؟ أين كنت معي يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ولا ~~بدعائم تحملها؟ هل تبلغ حكمتك أن تجري نورها، أو تسير نجومها، أو يختلف ~~بأمرك ليلها ونهارها؟ وذكر أشياء من مصنوعات الله. # فقال أيوب: قصرت عن هذا الأمر! ليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم ~~بشيء يسخطك! إلهي اجتمع علي البلاء، وأنا أعلم أن كل الذي ذكرت صنع يديك، ~~وتدبير حكمتك لا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية، تعلم ما تخفي القلوب، وقد ~~علمت بلائي ما لم أكن أعلمه. كنت أسمع بسطوتك سمعا فأما الآن فهو نظر ~~العين. وإنما تكلمت بما تكلمت به لتعذرني، وسكت لترحمني، وقد وضعت يدي على ~~فمي، وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب خدي فدسست فيه وجهي فلا أعود لشيء ~~تكرهه. ودعا. # فقال الله: يا أيوب، نفذ فيك حكمي، وسبقت رحمتي غضبي، قد غفرت لك ورددت ~~عليك أهلك، ومالك، ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وعبرة لأهل البلاء وعزاء ~~للصابرين، ف {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} [ص: 42] فيه شفاء، وقرب عن ~~أصحابك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. فركض برجله فانفجرت له عين ~~ماء، فاغتسل فيها، فرفع الله عنه البلاء، ثم خرج فجلس وأقبلت امرأته فسألته ~~عنه فقال: هل تعرفينه؟ قالت: نعم، مالي لا أعرفه! فتبسم، فعرفته بضحكه، ~~فاعتنقته فلم تفارقه من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد. # وإنما ذكرته قبل يوسف وقصته لما ذكر بعضهم من أمره وأنه كان نبيا في عهد ~~يعقوب. # PageV01P121 # وذكر أن عمر أيوب كان ثلاثا وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته إلى ابنه ~~حومل، وأن الله بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل، وكان مقيما ~~بالشام حتى مات، وكان عمره خمسا وسبعين سنة، فأوصى إلى ابنه عبدان، وأن ms0085 ~~الله بعث بعده شعيب بن ضيعون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم - عليه ~~السلام -. # PageV01P122 ### | [ذكر قصة يوسف عليه السلام] # ذكروا أن إسحاق توفي وعمره ستون ومائة سنة، وقبره عند أبيه إبراهيم، قبره ~~ابناه يعقوب وعيص في مزرعة حبرون، وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، ~~وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه شطر الحسن، وكان يعقوب قد دفعه إلى أخته ~~ابنة إسحاق تحضنه، فأحبته حبا شديدا وأحبه يعقوب أيضا حبا شديدا، فقال ~~لأخته: يا أخية، سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة. فقالت: ~~والله ما أنا بتاركته ساعة. فأصر يعقوب على أخذه منها، فقالت: اتركه عندي ~~أياما لعل ذلك يسليني، ثم عمدت إلى منطقة إسحاق، وكانت عندها، لأنها كانت ~~أكبر ولده، فحزمتها على وسط يوسف ثم قالت: قد فقدت المنطقة فانظروا من ~~أخذها. فالتمست، فقالت: اكشفوا أهل هذا البيت. فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، ~~وكان من مذهبهم أن صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد، فأخذت ~~يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها. فهذا الذي تأول إخوة ~~يوسف: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77] وقيل في سرقته غير هذا، ~~وقد تقدم. # فلما رأى إخوة يوسف محبة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم. # PageV01P123 # ثم إن يوسف رأى في منامه كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد له، فقصها ~~على أبيه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة. فقال له أبوه: {يابني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} [يوسف: 5] . ~~ثم عبر له رؤياه. فقال {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: ~~6] . # وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لأبيه فقال لها يعقوب: اكتمي ما قال يوسف ~~ولا تخبري أولادك. قالت: نعم. فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم ~~بالرؤيا، فازدادوا حسدا وكراهة له، وقالوا: ما عنى بالشمس غير أبينا، ولا ~~بالقمر غيرك، ولا بالكواكب غيرنا، إن ابن راحيل يريد أن يتملك علينا ويقول ~~أنا ms0086 سيدكم. وتآمروا بينهم أن يفرقوا بينه وبين أبيه، وقالوا: {ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين} [يوسف: 8] في خطإ بين ~~في إيثارهما علينا {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا ~~من بعده قوما صالحين} [يوسف: 9] أي تائبين. # فقال قائل منهم، وهو يهودا، وكان أفضلهم وأعقلهم: لا تقتلوا يوسف فإن ~~القتل عظيم، {وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة} [يوسف: 10] ، وأخذ ~~عليهم العهود أنهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك أن يدخلوا على يعقوب ~~ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية، وأقبلوا إليه ووقفوا بين يديه، ~~وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا منه حاجة، فلما رآهم قال: ما حاجتكم؟ {قالوا ~~ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} [يوسف: 11] نحفظه حتى ~~نرده {أرسله معنا} [يوسف: 12] إلى الصحراء {غدا يرتع ويلعب وإنا له ~~لحافظون} [يوسف: 12] . فقال لهم يعقوب: {إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} [يوسف: 13] لا تشعرون، وإنما قال لهم ذلك ~~لأنه كان رأى في منامه كأن يوسف على رأس جبل وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا ~~عليه ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، وكأن الأرض انشقت فذهب فيها فلم ~~يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام، فلذلك خاف عليه الذئب. # PageV01P124 # فقال له بنوه: {لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون} [يوسف: 14] . ~~فاطمأن إليهم، فقال يوسف: يا أبت أرسلني معهم، قال: أو تحب ذلك؟ قال: نعم. ~~فأذن له، فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه، فلما برزوا إلى البرية أظهروا ~~له العداوة وجعل بعض إخوته يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم ~~رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ~~ما يصنع بابنك بنو الإماء. # فلما كادوا يقتلونه قال لهم يهودا: أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه؟ ~~فانطلقوا به إلى الجب، فأوثقوه كتافا ونزعوا قميصه، وألقوه فيه، فقال: يا ~~إخوتاه، ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب! فقالوا: ادع الشمس والقمر ~~والأحد ms0087 عشر كوكبا تؤنسك. قال: إني لم أر شيئا، فدلوه في الجب، فلما بلغ ~~نصفه ألقوه، أرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة ~~فأقام عليها، ثم نادوه فظن أنهم قد رحموه فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه ~~بالحجارة فمنعهم يهودا. # ثم أوحى الله إليه: {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} [يوسف: 15] ~~بالوحي، وقيل لا يشعرون أنه يوسف. # والجب بأرض بيت المقدس معروف. # ثم عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون فقالوا: {ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا ~~يوسف عند متاعنا فأكله الذئب} [يوسف: 17] . فقال لهم أبوهم: {بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل} [يوسف: 18] . ثم قال لهم: أروني قميصه. فأروه. ~~فقال: تالله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا! أكل ابني ولم يشق قميصه! ثم صاح وخر ~~مغشيا عليه ساعة، فلما أفاق بكى بكاء طويلا فأخذ القميص يقبله ويشمه. # وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام، وأرسل الله ملكا فحل كتافه، ثم {جاءت ~~سيارة فأرسلوا واردهم} [يوسف: 19] ، وهو الذي يتقدم إلى الماء، {فأدلى ~~دلوه} [يوسف: 19] إلى البئر، فتعلق به # PageV01P125 # يوسف فأخرجه من الجب، و {قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة} [يوسف: 19] ~~يعني الوارد وأصحابه خافوا أن يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة أشركونا فيه ~~فقالوا: إن أهل الماء استبضعونا هذا الغلام. # وجاء يهودا بطعام ليوسف فلم يره في الجب فنظر فرآه عند مالك في المنزل ~~فأخبر إخوته بذلك، فأتوا مالكا وقالوا: هذا عبد آبق منا. وخافهم يوسف فلم ~~يذكر حاله، واشتروه من إخوته بثمن بخس، قيل عشرون درهما، وقيل أربعون درهما ~~وذهبوا به إلى مصر، فكساه مالك، وعرضه للبيع، فاشتراه قطفير وقيل أطفير، ~~وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من ~~العمالقة، قيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حي، وملك ~~بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف فلم يؤمن. # فلما اشترى يوسف وأتى به إلى منزله قال لامرأته، واسمها راعيل {أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا} [يوسف: 21] [فيكفينا] إذا [هو بلغ و] فهم الأمور بعض ~~ما ms0088 نحن بسبيله {أو نتخذه ولدا} [يوسف: 21] ، وكان لا يأتي النساء، وكانت ~~امرأته حسناء ناعمة في ملك ودنيا. # فلما خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل ~~النبوة، وراودته راعيل عن نفسه وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى ~~نفسها، فقال: {معاذ الله إنه ربي} [يوسف: 23] يعني أن زوجك سيدي {أحسن ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون} [يوسف: 23] ، يعني أن خيانته ظلم، وجعلت تذكر ~~محاسنه وتشوقه إلى نفسها، فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ~~ينتثر من جسدي. قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيل من ~~جسدي. قالت: ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب. فلم تزل به حتى همت وهم بها ~~وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب قد عض على إصبعه # PageV01P126 # يقول: يا يوسف لا تواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو ~~السماء لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وسقط إلى الأرض. # وقيل: جلس بين رجليها فرأى في الحائط: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا} [الإسراء: 32] . فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد الباب، ~~فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قبل ظهره فقدته، {وألفيا سيدها ~~لدى الباب} [يوسف: 25]- وابن عمها معه، فقالت له - {ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا إلا أن يسجن} [يوسف: 25] . قال يوسف: بل {هي راودتني عن نفسي} [يوسف: ~~26] فهربت منها فأدركتني فقدت قميصي. قال لها ابن عمها: تبيان هذا في ~~القميص فإن كان قد من قبل فصدقت، وإن كان قد من دبر فكذبت، فأتي بالقميص ~~فوجده قد من دبر فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} [يوسف: 28] . # وقيل: كان الشاهد صبيا في المهد. قال ابن عباس: تكلم أربعة في المهد وهم ~~صغار، ابن ماشطة امرأة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم. # وقال زوجها ليوسف: {أعرض عن هذا} [هود: 76] أي ذكر ما كان منها فلا تذكره ~~لأحد، ثم قال لزوجته. {استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} [يوسف: ms0089 29] # وتحدثت النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز، وبلغ ذلك امرأة العزيز، {أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] يتكئن عليه [من] وسائد، وحضرن، وقدمت ~~لهن أترنجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا لقطع الأترنج، وقد أجلست يوسف في غير ~~المجلس الذي هن فيه وقالت له: {اخرج عليهن} [يوسف: 31]- فخرج - {فلما رأينه ~~أكبرنه} [يوسف: 31]- وأعظمنه - {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] # PageV01P127 # بالسكاكين ولا يشعرن، وقلن: معاذ الله {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} ~~[يوسف: 31] # فلما حل بهن ما حل من قطعهن أيديهن وذهاب عقولهن، وعرفن خطأهن فيما قلن ~~أقرت على نفسها، وقالت: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} [يوسف: 32] . ~~فاختار يوسف السجن على معصية الله فقال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] . {فاستجاب له ربه فصرف ~~عنه كيدهن} [يوسف: 34] . ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى الآيات من القميص، ~~وخمش الوجه، وشهادة الطفل، وتقطيع النسوة أيديهن في ترك يوسف مطلقا. # وقيل: إنها شكت إلى زوجها، وقالت: إن هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم ~~أنني راودته عن نفسه، فسجنه سبع سنين. فلما حبس يوسف أدخل معه السجن فتيان ~~من أصحاب فرعون مصر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، لأنهما نقل ~~عنهما أنهما يريدا أن يسما الملك، فلما دخل يوسف السجن قال: إني أعبر ~~الأحلام. فقال أحد الفتيين للآخر: هلم فلنجربه. قال الخباز: {إني أراني ~~أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} [يوسف: 36] وقال الآخر {إني أراني أعصر ~~خمرا} [يوسف: 36] . فقال لهما يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] . كره أن يعبر لهما ما سألاه عنه، وأخذ ~~في غير ذلك وقال: {ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار} [يوسف: 39] وكان اسم الخباز مخلت، واسم الآخر نبو، فلم يدعاه حتى ~~أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه، فقال: {أما أحدكما} [يوسف: 41] ، وهو الذي ~~رأى أنه يعصر الخمر، {فيسقي ربه خمرا} [يوسف: 41] ، يعني ms0090 سيده الملك، {وأما ~~الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} [يوسف: 41] # PageV01P128 # فلما عبر لهما قالا: ما رأينا شيئا! قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ~~[يوسف: 41] . ثم قال لنبو، وهو الذي ظن أنه ناج منهما: {اذكرني عند ربك} ~~[يوسف: 42] الملك، وأخبره أني محبوس ظلما. {فأنساه الشيطان ذكر ربه} [يوسف: ~~42] غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فأوحى الله إليه: يا يوسف، اتخذت من ~~دوني وكيلا! لأطيلن حبسك. فلبث في السجن سبع سنين. # ثم إن الملك، وهو الريان بن الوليد بن الهروان بن أراشة بن فاران بن عمرو ~~بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى رؤيا هائلة، رأى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف، ورأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة ~~والحازة والعافة فقصها عليهم، فقالوا: {أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين - وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف: 44 - 45]- أي حين - ~~{أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني} [يوسف: 45] . فأرسلوه إلى يوسف، فقص عليه ~~الرؤيا، فقال: {تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا ~~مما تأكلون - ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون - ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [يوسف: ~~47 - 49] ، فإن البقر السمان: السنون المخاصيب، والبقرات العجاف: السنون ~~المحول، وكذلك السنبلات الخضر واليابسات، فعاد نبو إلى الملك فأخبره، فعلم ~~أن قول يوسف حق، فقال: {ائتوني به} [يوسف: 50] . فلما أتاه الرسول ودعاه ~~إلى الملك لم يخرج معه وقال: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن} [يوسف: 50] فلما رجع الرسول من عند يوسف سأل الملك أولئك ~~النسوة فقلن: {حاش لله ما علمنا عليه من سوء} [يوسف: 51] ولكن امرأة # PageV01P129 # العزيز خبرتنا أنها راودته عن نفسه، فقالت امرأة العزيز: {أنا راودته عن ~~نفسه} [يوسف: 51] . فقال يوسف: إنما رددت الرسل ليعلم سيدي {أني لم أخنه ~~بالغيب} [يوسف: 52] في زوجته. فلما قال ذلك، قال له جبرائيل: ولا حين هممت ~~بها؟ فقال يوسف: {وما أبرئ نفسي إن ms0091 النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] . # فلما ظهر للملك براءة يوسف وأمانته قال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي} ~~[يوسف: 54] . فلما جاءه الرسول خرج معه ودعا لأهل السجن وكتب على بابه: هذا ~~قبر الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء. # ثم اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك، فلما وصل إليه و {كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] . فقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض} [يوسف: ~~55] . فاستعمله بعد سنة ولو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته، فسلم خزائنه كلها بعد سنة وجعل القضاء إليه وحكمه نافذا، ورد إليه ~~عمل قطفير سيده بعد أن هلك، وكان هلاكه في تلك الليالي، وقيل: بل عزله ~~فرعون وولى يوسف عمله، والأول أصح لأن يوسف تزوج امرأته، على ما نذكره. # ولما ولي يوسف عمل مصر دعا الملك ريان إلى الإيمان، فآمن ثم توفي، ثم ملك ~~بعده مصر قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن ~~عملاق، فدعاه يوسف إلى الإيمان، فلم يؤمن، وتوفي يوسف في ملكه. # ثم إن الملك الريان زوج يوسف راعيل امرأة سيده، فلما دخل بها قال: أليس ~~هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة ~~حسناء جميلة في # PageV01P130 # ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك فغلبتني ~~نفسي. ووجدها بكرا، فولدت له ولدين إفرائيم ومنشا. # فلما ولي يوسف خزائن أرضه ومضت السنون السبع المخصبات وجمع فيها الطعام ~~في سنبله ودخلت السنون المجدبة وقحط الناس، وأصابهم الجوع، وأصاب بلاد ~~يعقوب التي هو بها بعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فلما ~~دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، وإنما أنكروه لبعد عهدهم منه ولتغير ~~لبسته، فإنه لبس ثياب الملوك، فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما شأنكم. ~~قالوا: نحن من الشام جئنا نمتار الطعام. قال: كذبتم، أنتم عيون، فأخبروني ~~خبركم. قالوا: نحن عشرة أولاد رجل واحد صديق، كنا اثني عشر، وإنه كان لنا ~~أخ فخرج معنا في البرية ms0092 فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن ~~أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فأتوني به أنظر إليه {فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون - قالوا سنراود عنه أباه} [يوسف: 60 ~~- 61] . قال: فاجعلوا بعضكم عندي رهينة حتى ترجعوا. فوضعوا شمعون، أصابته ~~القرعة، وجهزهم يوسف بجهازهم، وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم، يعني ثمن ~~الطعام، في رحالهم لعلهم يرجعون، لما علم أن أمانتهم وديانتهم تحملهم على ~~رد البضاعة فيرجعون إليه لأجلها. # وقيل: رد مالهم لأنه خشي أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى، ~~فإذا رأوا معهم بضاعة عادوا. وكان يوسف حين رأى ما بالناس من الجهد قد أسى ~~بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا. # فلما رجعوا إلى أبيهم بأحمالهم قالوا: يا أبانا إن عزيز مصر قد أكرمنا ~~كرامة لو أنه بعض أولاد يعقوب ما زاد على كرامته، وإنه ارتهن شمعون، وقال: ~~ائتوني بأخيكم الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم، {فإن لم تأتوني به فلا كيل ~~لكم عندي ولا تقربون} [يوسف: 60] . # PageV01P131 # قال: {هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل - ولما فتحوا متاعهم ~~وجدوا بضاعتهم ردت إليهم - قالوا ياأبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ~~ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير} [يوسف: 64 - 65] ، قال يعقوب: ~~{ذلك كيل يسير} [يوسف: 65] ، فقال يعقوب: {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول ~~وكيل} [يوسف: 66] . ثم أوصاهم أبوهم بعد أن أذن لأخيهم في الرحيل معهم ~~{وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} [يوسف: 67] ، ~~خاف عليهم العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، ففعلوا كما أمرهم أبوهم، {ولما ~~دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} [يوسف: 69] وعرفه وأنزلهم منزلا وأجرى عليهم ~~الوظائف وقدم لهم الطعام وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، ~~فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه! فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا ~~وحيدا، فأجلسه ms0093 معه وقعد يؤاكله. فلما كان الليل جاءهم بالفراش وقال: لينم ~~كل أخوين منكم على فراش، وبقي بنيامين وحده، فقال: هذا ينام معي، فبات معه ~~على فراشه، فبقي يشمه ويضمه إليه حتى أصبح، وذكر له بنيامين حزنه على يوسف، ~~فقال له: أتحب أن أكون أخاك عوض أخيك الذاهب؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخا ~~مثلك! ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل. فبكى يوسف وقام إليه فعانقه، وقال له: ~~إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن ~~إلينا، ولا تعلمهم بما علمتك. # وقيل: لما دخلوا على يوسف نقر الصواع وقال: إنه يخبرني أنكم كنتم اثني ~~عشر رجلا وأنكم بعتم أخاكم. فلما سمعه بنيامين سجد له وقال: سل صواعك هذا ~~عن أخي أحي هو؟ فنقره، ثم قال: هو حي، وستراه. قال: فاصنع بي ما شئت فإنه ~~إن علم بي فسوف يستقدني، قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ وخرج إليهم، قال: ~~فلما حمل يوسف إبل إخوته من الميرة جعل الإناء الذي يكيل به الطعام، وهو ~~الصواع، وكان من فضة، في رحل أخيه. # PageV01P132 # وقيل: كان إناء يشرب فيه. ولم يشعر أخوه بذلك. # وقيل: إن بنيامين لما علم أن يوسف أخوه قال: لا أفارقك. قال يوسف: أخاف ~~غم أبوينا ولا يمكنني حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع. قال: افعل. قال: ~~فإني أجعل الصواع في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لآخذك منهم. قال: افعل: ~~فلما ارتحلوا {أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف: 70] . {قالوا ~~تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} [يوسف: 73] لأننا ~~رددنا ثمن الطعام إلى يوسف. فلما قالوا ذلك {قالوا فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين - قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} [يوسف: 74 - 75] تأخذونه ~~لكم. {فبدأ بأوعيتهم} [يوسف: 76] ففتشها {قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من ~~وعاء أخيه} [يوسف: 76] . فقالوا: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: ~~77] ، يعنون يوسف، وكانت سرقته حين سرق صنما لجده أبي أمه فكسره فعيروه ~~بذلك، وقيل ms0094 ما تقدم ذكره من المنطقة. # فلما استخرجت السرقة من رحل الغلام قال إخوته: يا بني راحيل، لا يزال لنا ~~منكم بلاء! فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء! وضع هذا ~~الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. # فأخذ يوسف أخاه بحكم إخوته، فلما رأوا أنهم لا سبيل لهم عليه سألوه أن ~~يتركه لهم و {قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه} ~~[يوسف: 78] . فقال: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} [يوسف: ~~79] . فلما أيسوا من خلاصه خلصوا نجيا لا يختلط بهم غيرهم، فقال كبيرهم، ~~وهو شمعون: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} [يوسف: 80] # PageV01P133 # أن نأتيه بأخينا إلا أن يحاط بنا، ومن قبل هذه المرة {ما فرطتم في يوسف ~~فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80] بالخروج، وقيل: بالحرب، ~~فارجعوا إلى أبيكم فقصوا عليه خبركم. # فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه بخبر بنيامين وتخلف شمعون {قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} [يوسف: 83] بيوسف ~~وأخيه وشمعون، ثم أعرض عنهم، وقال: واحزناه على يوسف! {وابيضت عيناه من ~~الحزن فهو كظيم} [يوسف: 84] مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه: {تالله ~~تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا} [يوسف: 85]- أي: دنفا - {أو تكون من ~~الهالكين} [يوسف: 85] . فأجابهم يعقوب فقال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون} [يوسف: 86] من صدق رؤيا يوسف. # وقيل: بلغ من وجد يعقوب وجد سبعين مبتلى، وأعطي على ذلك أجر مائة شهيد. # قيل: دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب، قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من ~~السن ما بلغ أبوك! فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف. ~~فأوحى الله إليه: أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة فاغفرها. قال: قد ~~غفرتها لك. فكان يعقوب إذا سئل بعد ذلك قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله} [يوسف: 86] فأوحى الله إليه: لو كانا ميتين لأحييتهما ms0095 لك، إنما ~~ابتليتك لأنك قد شويت وقترت على جارك ولم تطعمه. # وقيل: كان سبب ابتلائه أنه كان له بقرة لها عجول فذبح عجولها بين يديها ~~وهي تخور فلم يرحمها يعقوب، فابتلي بفقد أعز ولده عنده، وقيل: ذبح شاة، ~~فقام ببابه مسكين فلم يطعمه منها، فأوحى الله إليه في ذلك # PageV01P134 # وأعلمه أنه سبب ابتلائه، فصنع طعاما ونادى: من كان صائما فليفطر عند ~~يعقوب. # ثم إن يعقوب أمر بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتجسس ~~الأخبار عن يوسف وأخيه، فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف، وقالوا: {ياأيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة} [يوسف: 88]- يعني قليلة - ~~{فأوف لنا الكيل} [يوسف: 88] ، قيل: كانت بضاعتهم دراهم زيوفا، وقيل: كانت ~~سمنا وصوفا، وقيل غير ذلك، {وتصدق علينا} [يوسف: 88] بفضل ما بين الجيد ~~والرديء، وقيل: برد أخينا علينا. فلما سمع كلامهم غلبته نفسه فارفض دمعه ~~باكيا ثم باح لهم بالذي كان يكتم، وقيل: إنما أظهر لهم ذلك لأن أباه كتب ~~إليه، حين قيل له إنه أخذ ابنه لأنه سرق - كتابا: # من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز ~~مصر المظهر العدل # أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، وأما جدي فشدت يداه ورجلاه، ~~وألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه، ووضع ~~السكين على حلقه ليذبح ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي ~~إلي فذهب به إخوته إلى البرية فعادوا ومعهم قميصه ملطخا بدم، وقالوا: أكله ~~الذئب، وكان لي ابن آخر أخوه لأمه فكنت أتسلى به فذهبوا به، ثم رجعوا، ~~وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته، وإنا أهل بيت لا نسرق، ولا نلد سارقا، فإن ~~رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. # فلما قرأ الكتاب لم يتمالك أن بكى وأظهر لهم فقال: {هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون - قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي ~~قد من الله علينا} [يوسف: 89 - 90] بأن ms0096 جمع بيننا، فاعتذروا و {قالوا تالله ~~لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين - قال لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف: ~~91 - 92] . # PageV01P135 # أي لا أذكر لكم ذنبكم، {يغفر الله لكم} [يوسف: 92] ، ثم سألهم عن أبيه، ~~فقالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن، فقال: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه ~~على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين} [يوسف: 93] . فقال يهودا: أنا ~~أذهب به لأني ذهبت إليه بالقميص ملطخا بالدم وأخبرته أن يوسف أكله الذئب، ~~فأنا أخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته. وكان هو البشير. # {ولما فصلت العير} [يوسف: 94] عن مصر حملت الريح إلى يعقوب ريح يوسف، ~~وبينهما ثمانون فرسخا، يوسف بمصر ويعقوب بأرض كنعان. فقال يعقوب: {إني لأجد ~~ريح يوسف لولا أن تفندون} [يوسف: 94] ؟ فقال له من حضره من أولاده: {تالله ~~إنك} [يوسف: 95] من ذكر يوسف {لفي ضلالك القديم - فلما أن جاء البشير} ~~[يوسف: 95 - 96] بقميص يوسف ألقاه على وجه يعقوب فعاد بصيرا و {قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} [يوسف: 96] ، يعني تصديق الله تأويل ~~رؤيا يوسف، و {لما أن جاء البشير} [يوسف: 96] قال له يعقوب: كيف تركت يوسف؟ ~~قال: إنه ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك! على أي دين تركته؟ قال: على ~~الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. فلما رأى من عنده من أولاده قميص يوسف ~~وخبره قالوا له: {ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا - قال سوف أستغفر لكم} [يوسف: ~~97 - 98] أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة. # ثم ارتحل يعقوب وولده، فلما دنا من مصر خرج يوسف يتلقاه ومعه أهل مصر، ~~وكانوا يعظمونه، فلما دنا أحدهما من صاحبه نظر يعقوب إلى الناس والخيل، ~~وكان يعقوب يمشي ويتوكأ على ابنه يهودا، فقال له: يا بني هذا فرعون مصر. ~~قال: لا، هذا ابنك يوسف. فلما قرب منه أراد يوسف أن يبدأه بالسلام، فمنع من ~~ذلك، فقال له يعقوب: # PageV01P136 # السلام عليك يا مذهب الأحزان، لأنه لم يفارقه الحزن والبكاء مدة غيبة ~~يوسف عنه. # قال: فلما دخلوا مصر رفع أبويه، يعني أمه وأباه، وقيل: ms0097 كانت خالته. وكانت ~~أمه قد ماتت، وخر له يعقوب وأمه وإخوته سجدا، وكان السجود تحية الناس ~~للملوك، ولم يرد بالسجود وضع الجبهة على الأرض، فإن ذلك لا يجوز إلا لله ~~تعالى، وإنما أراد الخضوع والتواضع والانحناء عند السلام كما يفعل الآن ~~بالملوك. والعرش: السرير. وقال: {ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ~~ربي حقا} [يوسف: 100] . # وكان بين رؤيا يوسف ومجيء يعقوب أربعون سنة، وقيل: ثمانون سنة، فإنه ألقي ~~في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقيه وهو ابن سبع وتسعين وعاش بعد جمع شمله ~~ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وأوصى إلى أخيه يهودا. وقيل ~~كانت غيبة يوسف عن يعقوب ثماني عشرة سنة. وقيل: إن يوسف دخل مصر وله سبع ~~عشرة سنة، واستوزره فرعون بعد ثلاث عشرة سنة من قدومه إلى مصر، وكانت مدة ~~غيبته عن يعقوب اثنتين وعشرين سنة، وكان مقام يعقوب بمصر وأهله معه سبع ~~عشرة سنة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. # ولما مات يعقوب أوصى إلى يوسف أن يدفنه مع أبيه إسحاق، ففعل يوسف، فسار ~~به إلى الشام فدفنه عند أبيه، ثم عاد إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل من مصر ~~ويدفن عند آبائه، فحمله موسى لما خرج ببني إسرائيل. # وولد يوسف إفرائيم ومنشى، فولد لإفرائيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، وولد ~~لمنشى موسى، قبل موسى بن عمران، وزعم أهل التوراة أنه موسى الخضر، وولد له ~~رحمة امرأة أيوب في قول. # PageV01P137 ### | [قصة شعيب عليه السلام] # قيل: إن اسم شعيب يثرون بن صيفون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، ~~وقيل: هو شعيب بن ميكيل من ولد مدين، وقيل: لم يكن شعيب من ولد إبراهيم، ~~وإنما هو ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى الشام، ولكنه ابن بنت لوط، ~~فجدة شعيب ابنة لوط، وكان ضرير البصر، وهو معنى قوله تعالى: {وإنا لنراك ~~فينا ضعيفا} [هود: 91] ، أي ضرير البصر. # PageV01P138 # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكره قال: «ذاك خطيب الأنبياء» ، ~~بحسن مراجعته قومه، ms0098 وإن الله أرسله إلى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة. # والأيكة: شجر ملتف، وكانوا أهل كفر بالله، وبخس للناس في المكاييل ~~والموازين، وإفساد أموالهم، وكان الله وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في ~~العيش استدراجا لهم منه مع كفرهم بالله، فقال لهم شعيب: {ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم محيط} [هود: 84] . # فلما طال تماديهم في غيهم وضلالهم ولم يزدهم تذكير شعيب إياهم وتحذيره ~~عذاب الله إياهم إلا تماديا، ولما أراد إهلاكهم سلط عليهم عذاب يوم الظلة، ~~وهو ما ذكره ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان ~~عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] . فقال: بعث الله عليهم وقدة وحرا شديدا ~~فأخذ بأنفسهم، فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة ~~فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا ~~تحتها، فأرسل الله عليهم نارا. قال عبد الله بن عباس: فذلك {عذاب يوم ~~الظلة} [الشعراء: 189] . # وقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب ~~الأيكة وكانت الأيكة من شجر ملتف، فلما أراد الله أن يعذبهم بعث عليهم حرا ~~شديدا ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، ~~فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارا، قال: فذلك قوله: {فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة} [الشعراء: 189] . # وأما أهل مدين فمنهم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل، فعذبهم الله ~~بالرجفة، وهي الزلزلة، فأهلكوا. # قال بعض العلماء: كان قوم شعيب عطلوا حدا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم ~~عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم ~~في الرزق، حتى إذا أراد هلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا ولا ~~ينفعهم ظل ولا ماء حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجد روحا فنادى ~~أصحابه: هلموا # PageV01P139 # إلى الروح، فذهبوا إليه سراعا حتى إذا اجتمعوا إليها ألهبها الله عليهم ~~نارا، فذلك عذاب يوم الظلة. # وقد ms0099 روى عامر، عن ابن عباس أنه قال له: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فكذبه. ~~وقال مجاهد: عذاب يوم الظلة هو إظلال العذاب على قوم شعيب. وقال زيد بن ~~أسلم في قوله تعالى: {ياشعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87] ، قال: مما كان ينهاهم عنه قطع ~~الدراهم. # PageV01P140 ### | [قصة الخضر وخبره مع موسى] # قال أهل الكتاب: إن موسى صاحب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف بن يعقوب، ~~والحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن موسى صاحب الخضر هو ~~موسى بن عمران على ما نذكره. وكان الخضر ممن كان أيام أفريدون الملك بن ~~أثغيان في قول علماء أهل الكتب الأول قبل موسى بن عمران. # وقيل: إنه بلغ مع ذي القرنين الأكبر الذي كان في أيام إبراهيم الخليل، ~~وإنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة فشرب من مائه ولا يعلم ذو القرنين ومن ~~معه، فخلد وهو حي عندهم إلى الآن. # وزعم بعضهم: أنه كان من ولد من آمن مع إبراهيم، وهاجر معه، واسمه بليا بن ~~ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكا ~~عظيما. وقال آخرون: ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم أفريدون بن ~~أثغيان، وعلى # PageV01P141 # مقدمته كان الخضر. # قال عبد الله بن شوذب: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان ~~كل عام بالموسم. # وقال ابن إسحاق: استخلف الله على بني إسرائيل رجلا منهم يقال له ناشية بن ~~أموص، فبعث الله لهم الخضر معه نبيا، قال: واسم الخضر فيما يقول بنو ~~إسرائيل إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران، وبين هذا الملك وبين ~~أفريدون أكثر من ألف عام. # وقول من قال إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى ~~بن عمران أشبه للحديث الصحيح أن موسى بن عمران أمره الله بطلب الخضر، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعلم الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل ms0100 أن ~~يكون الخضر على مقدمة ذي القرنين قبل موسى، وأنه شرب من ماء الحياة فطال ~~عمره، ولم يرسل في أيام إبراهيم، وبعث في أيام ناشية بن أموص، وكان ناشية ~~هذا في أيام بشتاسب بن لهراسب، والحديث ما رواه أبي بن كعب، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير: قلت ل ابن عباس: إن نوفا يزعم أن ~~الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران. قال: كذب عدو الله، حدثني أبي بن كعب، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبا، ~~فقيل له: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، ~~فقال: يا رب، هل هناك أعلم مني؟ قال: بلى، عبد لي بمجمع البحرين. قال: يا ~~رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيث تفقده فهو هناك. فأخذ ~~حوتا فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني. فانطلقا ~~يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا الصخرة، وذلك الماء، وهو ماء الحياة، فمن ~~شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فمس الحوت منه فحيي، وكان موسى ~~راقدا، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج في البحر، فأمسك الله عنه جرية الماء ~~فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرب، وكان لهما عجبا، ثم انطلقا، فلما كان # PageV01P142 # حين الغداء قال موسى لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} ~~[الكهف: 62] ) . # قال: ولم يجد موسى النصب حتى تجاوز حيث أمره الله، فقال: {أرأيت إذ أوينا ~~إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ~~في البحر عجبا - قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} [الكهف: 63 - ~~64] . قال: يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجى بثوبه، فسلم ~~موسى عليه. فقال: وأنى بأرضنا السلام! قال: أنا موسى. قال: موسى بني ~~إسرائيل؟ قال: نعم. قال: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا ~~تعلمه، وأنت على علم من علم الله ms0101 لا أعلمه. قال: فإني أتبعك على أن تعلمني ~~مما علمت رشدا. {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ~~[الكهف: 70] . فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ثم ركبا سفينة، فجاء عصفور ~~فقعد على حرف السفينة فنقر في الماء، فقال الخضر لموسى ما ينقص علمي وعلمك ~~من علم الله إلا مقدار ما نقر هذا العصفور من البحر. # قال: فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يوتد وتدا أو ينزع تختا ~~منها. فقال له موسى: حملنا بغير نول فتخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئا ~~إمرا} [الكهف: 71] {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا - قال لا تؤاخذني ~~بما نسيت} [الكهف: 72 - 73] . قال: وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال: ~~فخرجا فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، ~~فقال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا} [الكهف: 74] ~~{قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا - قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا - فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما} [الكهف: 75 - 77] فلم # PageV01P143 # يجدا أحدا يطعمهما ولا يسقيهما، {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} ~~[الكهف: 77] فقال له موسى: لم يضيفونا ولم ينزلونا، {لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا - قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا - أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ~~يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 77 - 79]- وفي قراءة أبي: سفينة صالحة {وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما - وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ~~في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا} [الكهف: 80 - 82] إلى ~~{ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82] .» # فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علما. # قيل ل ابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر، فقال: شرب الفتى من الماء فخلد، ~~فأخذه العالم ms0102 فطابق به سفينته، ثم أرسلها في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم ~~القيامة. # الحديث يدل على أن الخضر كان قبل موسى وفي أيامه، ويدل على خطإ من قال ~~إنه إرميا، لأن إرميا كان أيام بختنصر، وبين أيام موسى وبختنصر من المدة ما ~~لا يشكل على عالم بأيام الناس، فإن موسى إنما نبئ في أيام منوجهر، وكان ~~ملكه بعد جده أفريدون. # PageV01P144 ### | [ذكر الخبر عن منوجهر والحوادث في أيامه] # ثم ملك بعد أفريدون بن أثغيان بن كاو منوجهر، وهو من ولد إيرج بن ~~أفريدون، وكان مولده بدنباوند، وقيل بالري فلما ولد منوجهر أخفى أمره خوفا ~~من طوج وسلم عليه، ولما كبر منوجهر سار إلى جده أفريدون فتوسم فيه الخير، ~~وجعل له ما كان جعله لجده إيرج من المملكة وتوجه بتاجه. # وقد زعم بعضهم أن منوجهر بن شجر بن أفريقش بن إسحاق بن إبراهيم انتقل ~~إليه الملك، واستشهد بقول جرير بن عطية: # PageV01P145 # وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين السنورا # إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهرمزان وقيصرا # وكان كتاب فيهم ونبوة ... وكانوا بإصطخر الملوك وتسترا # فيجمعنا والغر أبناء فارس أب ... لا نبالي بعده من تأخرا أبونا # خليل الله والله ربنا رضينا ... بما أعطى الإله وقدرا # وأما الفرس فتنكر هذا النسب ولا تعرف له ملكا إلا في أولاد أفريدون ولا ~~تقر بالملك لغيرهم. # قلت: والحق ما قاله الفرس، فإن أسماء ملوكهم قبل الإسكندر معروفة وبعد ~~أيامه ملوك الطوائف، وإذا كان منوجهر أيام موسى، وكل ما بين موسى وإسحاق ~~خمسة آباء معروفون، ولم يزالوا بمصر، ففي أي زمان كثروا وانتشروا، وملكوا ~~بلاد الفرس؟ ومن أين لجرير هذا العلم حتى يكون قوله حجة، ولا سيما وقد جعل ~~الجميع أبناء إسحاق! # قال هشام بن الكلبي: ملك طوج وسلم الأرض بعد أخيهما إيرج ثلاثمائة سنة، ~~ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة، ثم وثب به ابن لطوج التركي على رأس ثمانين # PageV01P146 # سنة فنفاه عن بلاد العراق اثنتي عشرة سنة، ثم أديل منه منوجهر فنفاه عن ~~بلاده ms0103 وعاد إلى ملكه، وملك بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة. # وكان منوجهر يوصف بالعدل والإحسان، وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة ~~الحرب، وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وأمر أهلها بطاعته، ~~ويقال: إن موسى ظهر في سنة ستين من ملكه. # وقال غير هشام: إنه لما ملك سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده إيرج بن ~~أفريدون، فقتل طوج بن أفريدون وأخاه سلما، ثم إن أفراسياب بن فشنج بن رستم ~~بن ترك، الذي ينسب إليه الأتراك من ولد طوج بن أفريدون، حارب منوجهر بعد ~~قتله طوج بستين سنة وحاصره بطبرستان، ثم اصطلحا على أن يجعلا حد ما بين ~~ملكيهما منتهى رمية سهم رجل من أصحاب منوجهر اسمه إيرشى، وكان راميا شديد ~~النزع، فرمى سهما من طبرستان فوقع بنهر بلخ، وصار النهر حد ما بين الترك ~~ولد طوج وعمل منوجهر. # قلت: وهذا من أعجب ما يتداوله الفرس في أكاذيبهم، أن رمية سهم تبلغ هذا ~~كله. # وقد ذكر أن منوجهر اشتق من الفرات ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما وأمر ~~بعمارة الأرض. # وقيل: إن الترك تناولت من أطراف رعيته بعد خمس وثلاثين سنة من ملكه، فوبخ ~~قومه وقال لهم: أيها الناس، إنكم لم تلدوا الناس كلهم وإنما الناس ناس ما ~~عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم، وقد نالت الترك من أطرافكم وليس ذلك ~~إلا بترككم # PageV01P147 # جهاد عدوكم، وإن الله أعطانا هذا الملك ليبلونا أنشكر أم نكفر فيعاقبنا، ~~فإذا كان غد فاحضروا. # فحضر الناس والأشراف، فقام على قدميه، فقام له الناس، فقال: اقعدوا، إنما ~~قمت لأسمعكم. فجلسوا. فقال: أيها الناس، إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم، ~~والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو ~~مطلوبا، ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أعجز ممن هو في ~~يد طالبه، وإن التفكر نور، والغفلة ظلمة، فالضلالة جهالة، وقد ورد الأول ~~ولا بد للآخر من اللحاق بالأول. إن الله أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله ~~إلهام ms0104 الرشد، والصدق واليقين، وإنه لا بد أن يكون للملك على أهل مملكته حق ~~ولأهل مملكته عليه حق، فحق الملك عليهم أن يطيعوه، ويناصحوه، ويقاتلوا ~~عدوه، وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها إذ لا معول لهم إلا ~~عليها، وإنه خازنهم، وحق الرعية على الملك أن ينظر إليهم ويرفق بهم ولا ~~يحملهم على ما لا يطيقون، وإن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم أن يسقط عنهم ~~خراج ما نقص، وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عمارتهم، ثم يأخذ ~~منهم بعد ذلك قدر ما لا يجحف بهم في سنة أو سنتين. ألا وإن الملك ينبغي أن ~~يكون فيه ثلاث خصال: أن يكون صدوقا لا يكذب، وأن يكون سخيا لا يبخل، وأن ~~يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة، والخراج يأتيه، فلا يستأثر عن ~~جنده ورعيته بما هم أهل له، وأن يكثر العفو فإنه لا ملك أقوى ولا أبقى من ~~ملك العفو، فإن الملك إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. # ألا وإن الترك قد طمعت فيكم فاكفونا، فإنما تكفون أنفسكم، وقد أمرت لكم ~~بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأي، وإنما لي من هذا الملك اسمه مع ~~الطاعة منكم. ألا وإنما الملك ملك إذا أطيع، فإن خولف فهو مملوك وليس بملك. ~~ألا وإن أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر، والراحة إلى اليقين، فمن ~~قتل في مجاهدة العدو رجوت له بفوز رضوان الله، وإنما هذه الدنيا سفر لأهلها ~~لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها. وهي خطبة طويلة. # PageV01P148 # ثم أمر بالطعام فأكلوا وشربوا، وخرجوا وهم له شاكرون مطيعون. # وكان ملكه مائة وعشرين سنة. # وزعم ابن الكلبي أن الرايش، واسمه الحرث بن قيس بن صيفي بن سبإ بن يعرب ~~بن قحطان، وكان قد ملك اليمن بعد يعرب بن قحطان، كان ملكه باليمن أيام ملك ~~منوجهر، وإنما سمي الرايش لغنيمة غنمها فأدخلها اليمن فسمي الرايش، ثم غزا ~~الهند فقتل بها وأسر وغنم، ورجع إلى اليمن، ثم سار على جبلي طيئ، ms0105 ثم على ~~الأنبار، ثم على الموصل ووجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر ~~بن العطاف، فدخل على الترك بأرض أذربيجان فقتل المقاتلة وسبى الذرية وكتب ~~ما كان من مسيره على حجرين، وهما معروفان بأذربيجان. # ثم ملك بعده ابنه أبرهة، ولقبه ذو المنار، وإنما لقب بذلك لأنه غزا بلاد ~~المغرب، ووغل فيها برا وبحرا، وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنى المنار ~~ليهتدوا بها. # وقد زعم أهل اليمن انه وجه ابنه العبد بن أبرهة في غزواته إلى ناحية من ~~أقاصي المغرب فغنم، وقدم بسبي له وحشة منكرة، فذعر الناس منهم، فسمي ذو ~~الأذعار، فأبرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في البلاد. # وإنما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن ههنا لقول من زعم أن الرايش كان أيام ~~منوجهر وأن ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس. # PageV01P149 ### | [قصة موسى عليه السلام ونسبه وما كان في أيامه من الأحداث] # قيل: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم، وولد لاوي ليعقوب وهو ابن تسع وثمانين سنة، وولد قاهث للاوي وهو ~~ابن ست وأربعين سنة، وولد لقاهث يصهر، وولد عمران ليصهر وله ستون سنة، وكان ~~عمره جميعه مائة وثلاثين سنة. # وأم موسى يوخابد. واسم امرأته صفورا بنت شعيب النبي. # وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني، ~~وكانت امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف ~~الأول. # وقيل: كانت من بني إسرائيل، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس فرعون مصر مات ~~وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان عمره طويلا، وكان أعتى من قابوس ~~وأفجر، وأمر أن يأتيه هو وهارون بالرسالة. ويقال: إن الوليد تزوج آسية بعد ~~أخيه، ثم سار موسى إلى فرعون رسولا مع # PageV01P150 # هارون، فكان من مولد موسى إلى أن أخرج ببني إسرائيل من مصر ثمانون سنة. ~~ثم سار إلى التيه بعد أن مضى وعبر البحر، وكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا ~~مع يوشع بن ms0106 نون أربعين سنة، فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته مائة وعشرين ~~سنة. # قال ابن عباس، وغيره، دخل حديث بعضهم في بعض: إن الله تعالى لما قبض يوسف ~~وهلك الملك الذي كان معه وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل ~~لم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف، ~~ويعقوب، وإسحاق، وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام حتى كان فرعون موسى، وكان ~~أعتاهم على الله وأعظمهم قولا وأطولهم عمرا، واسمه فيما ذكر الوليد بن ~~مصعب، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل يعذبهم ويجعلهم خولا ويسومهم سوء ~~العذاب. # فلما أراد الله أن يستنقذهم بلغ موسى الأشد وأعطي الرسالة، وكان شأن ~~فرعون قبل ولادة موسى أنه رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى ~~اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، ~~فدعا السحرة، والحزاة، والكهنة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا ~~البلد، يعنون بيت المقدس، الذي جاء بنو إسرائيل منه، رجل يكون على وجهه ~~هلاك مصر، فأمر أن لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح ويترك الجواري. # وقيل: إنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه فقالوا: اعلم ~~أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه ~~يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويبدل دينك. فأمر بقتل كل مولود في بني ~~إسرائيل. # وقيل: بل تذاكر فرعون وجلساؤه معا ما وعد الله - عز وجل - إبراهيم أن ~~يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك، ~~وقد كانوا يظنونه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا وعد الله ~~إبراهيم. فقال فرعون: كيف # PageV01P151 # ترون؟ فأجمعوا على أن يبعث رجالا يقتلون كل مولود في بني إسرائيل، وقال ~~للقبط: انظروا مماليككم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل ~~يلون ذلك، فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، فذلك حين يقول الله - عز وجل ~~-: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ms0107 منهم يذبح ~~أبناءهم} [القصص: 4] ، فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح وكان يأمر ~~بتعذيب الحبالى حتى يضعن، فكان يشق القصب ويوقف المرأة عليه فيقطع أقدامهن، ~~وكانت المرأة تضع فتتقي بولدها القصب، وقذف الله الموت في مشيخة بني ~~إسرائيل، فدخل رءوس القبط على فرعون وكلموه، وقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع ~~فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا، تذبح الصغار وتفني الكبار، فلو ~~أنك كتبت تبقي من أولادهم، فأمرهم أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فلما كان في ~~تلك السنة التي تركوا فيها ولد هارون، وولد موسى في السنة التي يقتلون ~~فيها، وهي السنة المقبلة. فلما أرادت أمه وضعه حزنت من شأنه، فأوحى الله ~~إليها، أي ألهمها: {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} [القصص: 7]- ~~وهو النيل - {ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} ~~[القصص: 7] . # فلما وضعته أرضعته ثم دعت نجارا فجعل له تابوتا، وجعل مفتاح التابوت من ~~داخل وجعلته فيه وألقته في اليم، فلما توارى عنها أتاها إبليس، فقالت في ~~نفسها: ما الذي صنعت بنفسي! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ~~ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه. فلما ألقته قالت لأخته - واسمها مريم - ~~قصيه - يعني قصي أثره - {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون} [القصص: 11] أنها ~~أخته، فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند ~~دور فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى ~~آسية، وظنن أن فيه مالا، فلما فتح ونظرت إليه آسية وقعت عليها رحمته ~~وأحبته، فلما أخبرت به فرعون، وأتته به قالت: {قرة عين لي ولك لا تقتلوه} ~~[القصص: 9] . فقال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. # PageV01P152 # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون ~~له قرة عين كما أقرت لهداه الله كما هداها» . # وأراد أن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون ~~هذا من بني إسرائيل ms0108 وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا، فذلك قوله - عز وجل ~~-: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] . وأرادوا له ~~المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، فذلك قوله: {وحرمنا عليه المراضع من ~~قبل فقالت} [القصص: 12]- أخته مريم - {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون} [القصص: 12] . فأخذوها، وقالوا: ما يدريك ما نصحهم له؟ هل ~~يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك. فقالت: نصحهم له، وشفقتهم عليه، ورغبتهم في قضاء ~~حاجة الملك، ورجاء منفعته. فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، ~~فلما أعطته ثديها أخذه منها، فكادت تقول: هذا ابني، فعصمها الله. # وإنما سمي موسى لأنه وجد في ماء وشجر، والماء بالقبطية مو، والشجر سا. ~~فذلك قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن} [القصص: 13] . # وكان غيبته عنها ثلاثة أيام، وأخذته معها إلى بيتها، واتخذه فرعون ولدا ~~فدعي ابن فرعون، فلما تحرك الغلام حملته أمه إلى آسية، فأخذته ترقصه وتلعب ~~به وناولته فرعون، فلما أخذه إليه أخذ الغلام بلحيته فنتفها، قال فرعون: ~~علي بالذباحين يذبحونه، هو هذا! قالت آسية: {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا} [القصص: 9] ، إنما هو صبي لا يعقل وإنما فعل هذا من جهل، ولقد ~~علمت أنه ليس في مصر امرأة أكثر حليا مني، أنا أضع له حليا من ياقوت وجمرا ~~فإن أخذ الياقوتة فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فأخرجت له ~~ياقوتها ووضعت له طشتا من جمر فجاء جبريل فوضع يده على جمرة فأخذها فطرحها ~~موسى في فمه، فأحرقت لسانه، فهو الذي يقول الله تعالى: {واحلل عقدة من ~~لساني يفقهوا قولي} [طه: 27] . فدرأت عن موسى القتل. # وكبر موسى، وكان يركب مركب فرعون ويلبس ما يلبس، وإنما يدعى موسى بن # PageV01P153 # فرعون، وامتنع به بنو إسرائيل ولم يبق قبطي يظلم إسرائيليا خوفا منه. # ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له: فرعون قد ~~ركب، فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف - وهذه منف ms0109 (بفتح ~~الميم وسكون النون) - مصر القديمة التي هي مصر يوسف الصديق، وهي الآن قرية ~~كبيرة، فدخل نصف النهار، وقد أغلقت أسواقها، {على حين غفلة من أهلها فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته} [القصص: 15] يقول هذا إسرائيلي قيل إنه ~~السامري {وهذا من عدوه} [القصص: 15] يقول من القبط {فاستغاثه الذي من شيعته ~~على الذي من عدوه} [القصص: 15] ، فغضب موسى لأنه تناوله وهو يعلم منزلة ~~موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، وكان قد حماهم من القبط، وكان الناس لا ~~يعلمون أنه منهم بل كانوا يظنون أن ذلك بسبب الرضاع. فلما اشتد غضبه وكزه ~~فقضى عليه، قال: إن {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين - قال رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [القصص: 15 - 16] ، أوحى ~~الله تعالى إلى موسى: وعزتي لو أن النفس التي قتلت أقرت لي ساعة واحدة أني ~~خالق رازق لأذقتك العذاب. {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} ~~[القصص: 17] . فأصبح في المدينة خائفا يترقب أن يؤخذ، {فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه} [القصص: 18]- يقول يستعينه - {قال له موسى إنك لغوي مبين} ~~[القصص: 18] . ثم أقبل لينصره، فلما نظر إلى موسى وقد أقبل نحوه ليبطش ~~بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي خاف أن يقتله من أجل أنه أغلظ له في الكلام ~~قال: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} [القصص: 19] . فترك القبطي، فذهب ~~فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعون، وقال: خذوه فإنه ~~صاحبنا. فجاء رجل فأخبره، وقال له: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج} ~~[القصص: 20] . # قيل: كان حزقيل مؤمن آل فرعون، كان على بقية من دين إبراهيم - عليه ~~السلام - وكان أول من آمن بموسى. فلما أخبره خرج من بينهم {خائفا يترقب قال ~~رب نجني من القوم الظالمين} [القصص: 21] . وأخذ في ثنيات الطريق، فجاءه ملك ~~على فرس # PageV01P154 # وفي يده عنزة، وهي الحربة الصغيرة، فلما رآه موسى سجد له من ms0110 الفرق. فقال ~~له: لا تسجد لي ولكن اتبعني، فهداه نحو مدين. وقال موسى وهو متوجه إليها: ~~{عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} [القصص: 22] . فانطلق به الملك حتى انتهى ~~به إلى مدين، فكان قد سار وليس معه طعام، وكان يأكل ورق الشجر، ولم يكن له ~~قوة على المشي، فما بلغ مدين حتى سقط خف قدمه. {ولما ورد ماء} [القصص: 23]- ~~قصد الماء - {مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان} [القصص: 23] ، أي تحبسان غنمهما، وهما ابنتا شعيب النبي، وقيل: ~~ابنتا يثرون، وهو ابن أخي شعيب، فلما رآهما موسى سألهما: {ما خطبكما قالتا ~~لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} [القصص: 23] . فرحمهما موسى فأتى ~~البئر فاقتلع صخرة عليها كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها ~~فسقى لهما غنمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض. وقصد ~~موسى شجرة هناك ليستظل بها فقال: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} ~~[القصص: 24] # قال ابن عباس: لقد قال موسى ذلك ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه ~~من شدة الجوع لفعل وما سأل إلا أكلة. # فلما رجع الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه، فأعاد إحداهما إلى ~~موسى تستدعيه، فأتته، وقالت له: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} ~~[القصص: 25] . فقام معها، فمشت بين يديه، فضربت الريح ثوبها فحكى عجيزتها، ~~فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق، فإنا أهل بيت لا ننظر في أعقاب ~~النساء. # فلما أتاه {وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} [القصص: ~~25] . قالت إحداهما، وهي التي أحضرته: {ياأبت استأجره إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين} [القصص: 26] . قال لها أبوها: القوة قد رأيتها فما يدريك ~~بأمانته؟ فذكرت له ما أمرها به من المشي خلفه. فقال له أبوها: {إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني} [القصص: 27]- نفسك - {ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك} [القصص: 27] . فقال له موسى: {ذلك بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ms0111 ما نقول وكيل} [القصص: 28] . فأقام ~~عنده # PageV01P155 # يومه، فلما أمسى أحضر شعيب العشاء، فامتنع موسى من الأكل، فقال: ولم ذلك؟ ~~قال: إنا من أهل بيت لا نأخذ على اليسير من عمل الآخرة الدنيا بأسرها. فقال ~~شعيب: ليس لذلك أطعمتك إنما هذه عادتي وعادة آبائي، فأكل، وازدادت رغبة ~~شعيب في موسى فزوجه ابنته التي أحضرته، واسمها صفورا، وأمرها أن تأتيه ~~بعصا، وكانت تلك العصا قد استودعها إياه ملك في صورة رجل، فدفعتها إليه، ~~فلما رآها أبوها أمرها بردها، والإتيان بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ ~~غيرها، فلم تقع بيدها سواها، وجعل يرددها، وكل ذلك لا يخرج بيدها غيرها، ~~فأخذها موسى ليرعى بها فندم أبوها حيث أخذها وخرج إليه ليأخذها منه حيث هي ~~وديعة، فلما رآه موسى يريد أخذها منه مانعه، فحكما أول رجل يلقاهما، ~~فأتاهما ملك في صورة آدمي فقضى بينهما أن يضعها موسى في الأرض، فمن حملها ~~فهي له، فألقاها موسى فلم يطق أبوها حملها وأخذها موسى بيده فتركها له، ~~وكانت من عوسج لها شعبتان وفي رأسها محجن. وقيل: كانت من آس الجنة، حملها ~~آدم معه. وقيل في أخذها غير ذلك. # وأقام موسى عند شعيب يرعى له غنمه عشر سنين، وسار بأهله في زمن شتاء ~~وبرد، فلما كانت الليلة التي أراد الله - عز وجل - لموسى كرامته، وابتداءه ~~فيها بنبوته، وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، وكانت امرأته ~~حاملا، فأخذها الطلق في ليلة شاتية ذات مطر، ورعد، وبرق، فأخرج زنده ليقدح ~~نارا لأهله ليصطلوا ويبيتوا حتى يصبح ويعلم وجه طريقه، فأصلد زنده فقدح حتى ~~أعيا، فرفعت له نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله، ف {قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر} [القصص: 29] ، فإن لم ~~أجد خبرا {آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون} [النمل: 7] . فحين قصدها رآها ~~نورا ممتدا من السماء إلى شجرة عظيمة من العوسج، وقيل من العناب، فتحير ~~موسى وخاف حين رأى نارا عظيمة بغير دخان وهي تلتهب في شجرة خضراء لا تزداد ms0112 ~~النار إلا عظما، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة، فلما دنا منها استأخرت عنه، ~~ففزع ورجع، فنودي منها، فلما سمع الصوت استأنس فعاد، {فلما أتاها نودي من ~~شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة} [القصص: 30] . # PageV01P156 # {أن بورك من في النار ومن حولها - ياموسى إني أنا الله رب العالمين} ~~[القصص: 8 - 30] ، فلما سمع النداء ورأى تلك الهيبة علم أنه ربه تعالى، ~~فخفق قلبه وكل لسانه، وضعفت قوته، وصار حيا كميت إلا أن الروح يتردد فيه، ~~فأرسل الله إليه ملكا يشد قلبه، فلما ثاب إليه عقله نودي: {فاخلع نعليك إنك ~~بالوادي المقدس طوى} [طه: 12] ، وإنما أمر بخلع نعليه لأنهما كانتا من جلد ~~حمار ميت، وقيل: لينال قدمه الأرض المباركة، ثم قال له تسكينا لقلبه: {وما ~~تلك بيمينك ياموسى - قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي} [طه: 17 - ~~18] ، يقول: أضرب الشجر فيسقط ورقه للغنم، {ولي فيها مآرب أخرى} [طه: 18] ~~أحمل عليها المزود والسقاء. # وكانت تضيء لموسى في الليلة المظلمة، وكانت إذا أعوزه الماء أدلاها في ~~البئر فينال الماء ويصير في رأسها شبه الدلو، وكان إذا اشتهى فاكهة غرسها ~~في الأرض فنبتت لها أغصان تحمل الفاكهة لوقتها. # قال له: ألقها يا موسى. فألقاها موسى، فإذا هي حية تسعى عظيمة الجثة في ~~خفة حركة الجان، فلما رآها موسى {ولى مدبرا ولم يعقب} [النمل: 10] ، فنودي: ~~{ياموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} [النمل: 10] ، أقبل (ولا تخف ~~{سنعيدها سيرتها الأولى} [طه: 21] عصا، وإنما أمره الله بإلقاء العصا حتى ~~إذا ألقاها عند فرعون لا يخاف منها، فلما أقبل قال: خذها ولا تخف وأدخل يدك ~~في فيها. وكان على موسى جبة صوف، فلف يده بكمه وهو لها هائب، فنودي ألق كمك ~~عن يدك، فألقاه، وأدخل يده بين لحييها، فلما أدخل يده عادت عصا كما كانت لا ~~ينكر منها شيئا. # ثم قال له: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [النمل: 12] ، ~~يعني برصا، فأدخلها وأخرجها بيضاء من غير سوء مثل الثلج لها نور، ثم ردها ms0113 ~~فعادت كما كانت. فقيل له: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين - قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون - وأخي ~~هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني} [القصص: 32 - 34] ، أي ~~يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون. # PageV01P157 # {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] . # فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا، فتضيف على أمه وهو ~~لا يعرفهم ولا يعرفونه، فجاء هارون فسألها عنه، فأخبرته أنه ضيف، فدعاه ~~فأكل معه، وسأله هارون: من أنت؟ قال: أنا موسى. فاعتنقا. # وقيل: إن الله ترك موسى سبعة أيام ثم قال: أجب ربك فيما كلمك. فقال: {رب ~~اشرح لي صدري} [طه: 25] الآيات. فأمره بالمسير إلى فرعون، ولم يزل أهله ~~مكانهم لا يدرون ما فعل حتى مر راع من أهل مدين فعرفهم فاحتملهم إلى مدين، ~~فكانوا عند شعيب حتى بلغهم خبر موسى بعدما فلق البحر، فساروا إليه. # وأما موسى فإنه سار إلى مصر، وأوحى الله إلى هارون يعلمه بقفول موسى ~~ويأمره بتلقيه، فخرج من مصر فالتقى به، قال موسى: يا هارون، إن الله تعالى ~~قد أرسلنا إلى فرعون فانطلق معي إليه. قال: سمعا وطاعة، فلما جاء إلى بيت ~~هارون وأظهر أنهما ينطلقان إلى فرعون سمعت ذلك ابنة هارون فصاحت أمهما ~~فقالت: أنشدكما الله أن لا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما جميعا! فأبيا فانطلقا ~~إليه ليلا، فضربا بابه، فقال فرعون لبوابه: من هذا الذي يضرب بابي هذه ~~الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما، فقال له موسى: إنا رسولا رب ~~العالمين، فأخبر فرعون، فأدخلا إليه. # وقيل إن موسى وهارون مكثا سنتين يغدوان إلى باب فرعون ويروحان يلتمسان ~~الدخول إليه فلم يجسر أحد يخبره بشأنهما، حتى أخبره مسخرة كان يضحكه بقوله، ~~فأمر حينئذ فرعون بإدخالهما. فلما دخلا قال له موسى: {إني رسول من رب ~~العالمين} [الأعراف: 104] . فعرفه فرعون، فقال له: {ألم نربك فينا وليدا ~~ولبثت ms0114 فينا من عمرك سنين - وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين - قال ~~فعلتها إذا وأنا من الضالين - ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما} ~~[الشعراء: 18 - 21]- يعني النبوة - {وجعلني من المرسلين} [الشعراء: 21] . ~~فقال له فرعون: {إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين - فألقى عصاه ~~فإذا هي ثعبان مبين} [الأعراف: 106 - 107] # PageV01P158 # قد فتح فاه فوضع اللحي الأسفل في الأرض والأعلى على القصر وتوجه نحو ~~فرعون ليأخذه، فخافه فرعون ووثب فزعا فأحدث في ثيابه، ثم بقي بضعة وعشرين ~~يوما يجيء بطنه حتى كاد يهلك، وناشده فرعون بربه تعالى أن يرد الثعبان، ~~فأخذه موسى فعاد عصا. ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء كالثلج لها نور ~~يتلألأ، ثم ردها فعادت إلى ما كانت عليه من لونها، ثم أخرجها الثانية لها ~~نور ساطع في السماء تكل منه الأبصار قد أضاءت ما حولها يدخل نورها البيوت ~~ويرى من الكوى ومن وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى ~~في جيبه وأخرجها فإذا هي على لونها. # وأوحى الله تعالى إلى موسى وهارون أن قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى، فقال له موسى: هل لك في أن أعطيك شبابك فلا تهرم، وملكك فلا ينزع، ~~وأرد إليك لذة المناكح، والمشارب، والركوب، فإذا مت دخلت الجنة وتؤمن بي؟ ~~فقال: لا حتى يأتي هامان، فلما حضر هامان عرض عليه قول موسى، فعجزه، وقال ~~له: تصير تعبد بعد أن كنت تعبد! ثم قال له: أنا أرد عليك شبابك، فعمل له ~~الوسمة فخضبه بها، فهو أول من خضب بالسواد، فلما رآه موسى هاله ذلك، فأوحى ~~الله إليه: لا يهولنك ما ترى فلن يلبث إلا قليلا. فلما سمع فرعون ذلك خرج ~~إلى قومه فقال: {إن هذا لساحر عليم} [الأعراف: 109] . وأراد قتله. فقال ~~مؤمن آل فرعون، واسمه خربيل: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات} [غافر: 28] وقال الملأ من قوم فرعون: {أرجه وأخاه وابعث في ~~المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} [الشعراء: 36] . ففعل وجمع ms0115 السحرة، ~~فكانوا سبعين ساحرا، وقيل: اثنين وسبعين، وقيل: خمسة عشر ألفا، وقيل ثلاثين ~~ألفا، # PageV01P159 # فوعدهم فرعون واتعدوا يوم عيد كان لفرعون، فصفهم فرعون وجمع الناس، وجاء ~~موسى ومعه أخوه هارون وبيده عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف ~~قومه، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب} [طه: 61] . فقال السحرة بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر! ثم قالوا: ~~لنأتينك بسحر لم تر مثله، {وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} [الشعراء: ~~44] . فقال له السحرة: {ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} ~~[الأعراف: 115] . قال: {بل ألقوا} [طه: 66] . {فألقوا حبالهم وعصيهم} ~~[الشعراء: 44] فإذا هي في رأي العين حيات أمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب ~~بعضها بعضا، فأوجس موسى خوفا، فأوحى الله إليه: أن ألق ما في يمينك تلقف ما ~~صنعوا، فألقى عصاه من يده فصارت ثعبانا عظيما فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم ~~وعصيهم، وهي كالحيات في أعين الناس، فجعلت تلقفها وتبتلعها حتى لم تبق منها ~~شيئا، ثم أخذ موسى عصاه فإذا هي في يده كما كانت. # وكان رئيس السحرة أعمى، فقال له أصحابه: إن عصا موسى صارت ثعبانا عظيما ~~وتلقف حبالنا وعصينا. فقال لهم: ولم يبق لها أثر ولا عادت إلى حالها الأول؟ ~~فقالوا: لا. فقال: هذا ليس بسحر. فخر ساجدا وتبعه السحرة أجمعون، و {قالوا ~~آمنا برب العالمين - رب موسى وهارون} [الأعراف: 121 - 122] قال فرعون ~~{آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] . فقطعهم وقتلهم وهم ~~يقولون: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] ، فكانوا أول ~~النهار كفارا وآخر النهار شهداء. # وكان خربيل مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل: # PageV01P160 # كان من القبط، وقيل: هو النجار الذي صنع التابوت الذي جعل فيه موسى وألقي ~~في النيل، فلما رأى غلبة موسى السحرة أظهر إيمانه، وقيل: أظهر إيمانه قبل ~~فقتل وصلب مع السحرة، وكان له امرأة مؤمنة تكتم ms0116 إيمانها أيضا، وكانت ماشطة ~~ابنة فرعون، فبينما هي تمشطها إذ وقع المشط من يدها، فقالت بسم الله. فقالت ~~ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا بل ربي وربك ورب أبيك. فأخبرت أباها بذلك، فدعا ~~بها وبولدها، وقال لها: من ربك؟ قالت: ربي وربك الله. فأمر بتنور نحاس ~~فأحمي ليعذبها وأولادها. فقالت: لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: تجمع ~~عظامي وعظام ولدي فتدفنها. قال: ذلك لك، فأمر بأولادها فألقوا في التنور ~~واحدا واحدا، وكان آخر أولادها صبيا صغيرا، فقال: اصبري يا أماه، فإنك على ~~الحق، فألقيت في التنور مع ولدها. # وكانت آسية امرأة فرعون من بني إسرائيل، وقيل: كانت من غيرهم، وكانت ~~مؤمنة تكتم إيمانها، فلما قتلت الماشطة رأت آسية الملائكة تعرج بروحها، كشف ~~الله عن بصيرتها، وكانت تنظر إليها وهي تعذب، فلما رأت الملائكة قوي ~~إيمانها وازدادت يقينا وتصديقا لموسى، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون ~~فأخبرها خبر الماشطة. قالت له آسية: الويل لك! ما أجرأك على الله، فقال ~~لها: لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة؟ فقالت: ما بي جنون، ولكني ~~آمنت بالله تعالى ربي وربك ورب العالمين. # فدعا فرعون أمها، وقال لها: إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم ~~لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى. فخلت بها أمها، وأرادتها على موافقة ~~فرعون، فأبت وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله! فأمر فرعون حتى مدت بين ~~يديه أربعة أوتاد وعذبت حتى ماتت، فلما عاينت الموت قالت: {رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين} [التحريم: ~~11] . فكشف الله عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعد لها من الكرامة، فضحكت ~~فقال فرعون: انظروا إلى الجنون الذي بها! تضحك # PageV01P161 # وهي في العذاب! ثم ماتت. # ولما رأى فرعون قومه قد دخلهم الرعب من موسى خاف أن يؤمنوا به ويتركوا ~~عبادته فاحتال لنفسه، وقال لوزيره: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا. فأمر هامان بعمل الآجر، وهو أول من عمله، وجمع ~~الصناع ms0117 وعمله في سبع سنين، وارتفع البنيان ارتفاعا لم يبلغه بنيان آخر، فشق ~~ذلك على موسى واستعظمه، فأوحى الله إليه: أن دعه وما يريد فإني مستدرجه ~~ومبطل ما عمله ساعة واحدة. فلما تم بناؤه أمر الله جبرائيل فخربه وأهلك كل ~~من عمل فيه من صانع ومستعمل. فلما رأى فرعون ذلك من صنع الله أمر أصحابه ~~بالشدة على بني إسرائيل، وعلى موسى، ففعلوا ذلك، وصاروا يكلفون بني إسرائيل ~~من العمل ما لا يطيقونه، وكان الرجال والنساء في شدة، وكانوا قبل ذلك ~~يطعمون بني إسرائيل إذا استعملوهم، فصاروا لا يطعمونهم شيئا، فيعودون بأسوإ ~~حال يريدون يكسبون ما يقوتهم، فشكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم: {استعينوا ~~بالله واصبروا} [الأعراف: 128] ، {إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] ، {عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] . # فلما أبى فرعون وقومه إلا الثبات على الكفر، تابع الله عليه الآيات، ~~فأرسل عليهم الطوفان، وهو المطر المتتابع، فغرق كل شيء لهم. فقالوا: يا ~~موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فكشف ~~الله عنهم ونبتت زروعهم، فقالوا: ما يسرنا أنا لم نمطر. فبعث الله عليهم ~~الجراد فأكل زروعهم،، فسألوا موسى أن يكشف ما بهم ويؤمنوا به، فدعا الله ~~فكشفه، فلم يؤمنوا وقالوا: قد بقي من زروعنا بقية. فأرسل الله عليهم الدبا، ~~وهو القمل، فأهلك الزروع والنبات أجمع، وكان يهلك أطعمتهم، ولم يقدروا أن ~~يحترزوا منه، فسألوا موسى أن يكشف عنهم، ففعل، فلم يؤمنوا، فأرسل الله ~~عليهم الضفادع، وكانت تسقط في قدورهم وأطعمتهم وملأت البيوت عليهم، فسألوا ~~موسى أن يكشف عنهم ليؤمنوا به ففعل، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، ~~فصارت مياه الفرعونيين دما، وكان الفرعوني والإسرائيلي يستقيان من ماء ~~واحد، فيأخذ الإسرائيلي ماء ويأخذ الفرعوني دما، وكان الإسرائيلي يأخذ ~~الماء من فمه فيمجه في فم الفرعوني فيصير دما، فبقي ذلك سبعة أيام، فسألوا ~~موسى أن يكشف عنهم # PageV01P162 # ليؤمنوا، ففعل فلم يؤمنوا. # فلما يئس من إيمانهم ومن إيمان فرعون دعا موسى وأمن هارون ms0118 فقال: {ربنا ~~إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ~~ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم} [يونس: 88] . فاستجاب الله لهما، فمسخ الله أموالهم، ما عدا خيلهم ~~وجواهرهم وزينتهم حجارة، والنخل، والأطعمة، والدقيق، وغير ذلك، فكانت إحدى ~~الآيات التي جاء بها موسى. # فلما طال الأمر على موسى أوحى الله إليه يأمره بالمسير ببني إسرائيل وأن ~~يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب ويدفنه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عنه فلم ~~يعرفه إلا امرأة عجوز فأرته مكانه في النيل، فاستخرجه موسى، وهو في صندوق ~~مرمر، فأخذه معه فسار، وأمر بني إسرائيل أن يستعيروا من حلي القبط ما ~~أمكنهم، ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا. # وخرج موسى ببني إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون، وكان موسى على ساقة بني ~~إسرائيل، وهارون على مقدمتهم، وكان بنو إسرائيل لما ساروا من مصر ستمائة ~~ألف وعشرين ألفا وتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان، {فلما تراءى الجمعان قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء: 61] يا موسى! {أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعد ما جئتنا} [الأعراف: 129] ، أما الأول فكانوا يذبحون أبناءنا ~~ويستحيون نساءنا، وأما الآن فيدركنا فرعون فيقتلنا. قال موسى: {كلا إن معي ~~ربي سيهدين} [الشعراء: 62] . # وبلغ بنو إسرائيل إلى البحر وبقي بين أيديهم وفرعون من ورائهم، فأيقنوا ~~بالهلاك، فتقدم موسى فضرب البحر بعصاه فانفلق، {فكان كل فرق كالطود العظيم} ~~[الشعراء: 63] ، وصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق، فقال كل سبط: قد ~~هلك أصحابنا. فأمر الله الماء فصار كالشباك، فكان كل سبط يرى من عن يمينه ~~وعن شماله حتى خرجوا، ودنا فرعون وأصحابه من البحر فرأى الماء على هيئته ~~والطرق فيه، فقال # PageV01P163 # لأصحابه: ألا ترون البحر قد فرق مني وانفتح لي حتى أدرك أعدائي؟ فلما وقف ~~فرعون على أفواه الطرق لم تقتحمه خيله، فنزل جبرائيل على فرس أنثى وديق، ~~فشمت الحصن ريحها فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم ~~أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم فأغرقهم، ms0119 وبنو إسرائيل ينظرون إليهم. # وانفرد جبرائيل بفرعون يأخذ من حمأة البحر فيجعلها في فيه، وقال حين ~~أدركه الغرق: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وغرق، فبعث ~~الله إليه ميكائيل يعيره، فقال له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} ~~[يونس: 91] . وقال جبرائيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لو رأيتني وأنا ~~أدس من حمأة البحر في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها. # فلما نجا بنو إسرائيل قالوا: إن فرعون لم يغرق. فدعا موسى فأخرج الله ~~فرعون غريقا، فأخذه بنو إسرائيل يتمثلون به، ثم ساروا فأتوا على قوم يعبدون ~~الأصنام فقالوا {ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} ~~[الأعراف: 138] . فتركوا ذلك. # ثم بعث موسى جندين عظيمين كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون، وهي ~~يومئذ خالية من أهلها قد أهلك الله عظماءهم ورؤساءهم، ولم يبق غير النساء، ~~والصبيان والزمنى، والمرضى، والمشايخ، والعاجزين، فدخلوا البلاد وغنموا ~~الأموال وحملوا ما أطاقوا وباعوا ما عجزوا عن حمله من غيرهم، وكان على ~~الجندين يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا. # وكان موسى قد وعده الله وهو بمصر أنه إذا خرج مع بني إسرائيل منها وأهلك ~~الله عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله فرعون ~~وأنجى بني # PageV01P164 # إسرائيل قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا. فسأل موسى ربه ذلك، ~~فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ويتطهر ويطهر ثيابه ويأتي إلى الجبل - جبل طور ~~سينا - ليكلمه ويعطيه الكتاب، فصام ثلاثين يوما أولها أول ذي القعدة، وسار ~~إلى الجبل واستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، فلما قصد الجبل أنكر ريح ~~فمه فتسوك بعود خرنوب، وقيل: تسوك بلحاء شجرة، فأوحى الله إليه: أما علمت ~~أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ وأمره أن يصوم عشرة أيام أخرى، ~~فصامها، وهي عشر ذي الحجة، {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] . # ففي تلك الليالي العشر افتتن بنو إسرائيل لأن الثلاثين انقضت ولم يرجع ~~إليهم موسى، وكان ms0120 السامري من أهل باجرمى، وقيل: من بني إسرائيل. # فقال هارون: يا بني إسرائيل إن الغنائم لا تحل لكم، والحلي الذي ~~استعرتموه من القبط غنيمة، فاحفروا حفرة وألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى ~~فيه رأيه، ففعلوا ذلك، وجاء السامري بقبضة من التراب الذي أخذه من أثر حافر ~~فرس جبرائيل، فألقاه فيه فصار الحلي عجلا جسدا له خوار، وقيل: إن الحلي ~~ألقي في النار فذاب فألقى السامري ذلك التراب فصار الحلي عجلا جسدا له ~~خوار، وقيل: كان يخور، ويمشي، وقيل: ما خار إلا مرة واحدة ولم يعد، وقيل: ~~إن السامري صاغ العجل من ذلك الحلي في ثلاثة أيام، ثم قذف فيه التراب، فقام ~~له خوار. # فلما رأوه قال لهم السامري: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] موسى ~~وتركه # PageV01P165 # ههنا وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه، فقال لهم هارون: {ياقوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} [طه: 90] ، فأطاعه بعضهم ~~وعصاه بعضهم، فأقام بمن معه ولم يقاتلهم. ولما ناجى الله تعالى موسى قال ~~له: {وما أعجلك عن قومك ياموسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ~~- قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك} [طه: 83 - 85]- يا موسى - {وأضلهم ~~السامري} [طه: 85] . فقال موسى: يا ربي هذا السامري قد أمرهم أن يتخذوا ~~العجل، من نفخ فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت إذا أضللتهم. # ثم إن موسى لما كلمه الله تعالى أحب أن ينظر إليه قال: {رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين} [الأعراف: 143] . وأعطاه الألواح فيها الحلال والحرام ~~والمواعظ، وعاد موسى ولا يقدر أحد أن ينظر إليه، وكان يجعل عليه حريرة نحو ~~أربعين يوما، ثم يكشفها لما تغشاه من النور، فلما وصل إلى قومه ورأى ~~عبادتهم العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، {قال ياابن ~~أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت ms0121 أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ~~ترقب قولي} [طه: 94] . فترك هارون وأقبل على السامري، وقال: {فما خطبك ~~ياسامري - قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ~~وكذلك سولت لي نفسي - قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} [طه: 95 ~~- 97] . ثم أخذ العجل وبرده بالمبارد وأحرقه، وأمر السامري فبال عليه، ~~وذراه في البحر. # فلما ألقى موسى الألواح ذهب ستة أسباعها وبقي سبع، وطلب بنو إسرائيل ~~التوبة # PageV01P166 # فأبى الله أن يقبل توبتهم وقال لهم موسى: {ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ، فاقتتل ~~الذين عبدوه والذين لم يعبدوه، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، فقتل منهم ~~سبعون ألفا، وقام موسى، وهارون يدعوان الله، فعفا عنهم وأمرهم بالكف عن ~~القتال وتاب عليهم، وأراد موسى قتل السامري فأمره الله بتركه وقال: إنه ~~سخي، فلعنه موسى. # ثم إن موسى اختار من قومه سبعين رجلا من أخيارهم، وقال لهم: انطلقوا معي ~~إلى الله فتوبوا مما صنعتم، وصوموا، وتطهروا. وخرج بهم إلى طور سينا ~~للميقات الذي وقته الله له. فقالوا: اطلب أن نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. ~~فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ودخل فيه موسى، ~~وقال للقوم: ادنوا، فدنوا حتى دخلوا في الغمام، فوقعوا سجودا، فسمعوه وهو ~~يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، ~~فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] فأخذتهم ~~الصاعقة فماتوا جميعا. فقام موسى يناشد الله تعالى ويدعوه ويقول: يا رب، ~~اخترت أخيار بني إسرائيل وأعود إليهم وليسوا معي فلا يصدقونني. ولم يزل ~~يتضرع حتى رد الله إليهم أرواحهم فعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف ~~يحيون. فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاكه، فادعه ~~يجعلنا أنبياء. فدعا الله فجعلهم أنبياء. # وقيل: أمر السبعين كان قبل أن يتوب الله على بني إسرائيل، فلما مضوا ~~للميقات واعتذروا قبل توبتهم وأمرهم أن يقتل ms0122 بعضهم بعضا، والله أعلم. # ولما رجع موسى إلى بني إسرائيل ومعه التوراة أبوا أن يقبلوها ويعملوا بما ~~فيها للأثقال والشدة التي جاء بها، وأمر الله جبرائيل فقطع جبلا من فلسطين ~~على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، ورفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل ~~مثل الظلة، # PageV01P167 # وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر من خلفهم، فقال لهم موسى: خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واسمعوا فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به، وإلا رضختم بهذا ~~الجبل وغرقتم في هذا البحر وأحرقتم بهذه النار. فلما رأوا أن لا مهرب لهم ~~قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنة ~~في اليهود يسجدون على جانب وجوههم وقالوا: سمعنا وأطعنا. # ولما رجع موسى من المناجاة بقي أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات، وقيل: ~~ما رآه إلا عمي، فجعل على وجهه ورأسه برنسا لئلا يرى وجهه. # ثم إن رجلا من بني إسرائيل قتل ابن عم له ولم يكن له وارث غيره ليرث ماله ~~وحمله وألقاه بموضع آخر، ثم أصبح يطلب دمه عند موسى من بعض بني إسرائيل، ~~فجحدوا فسأل موسى ربه، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: {أتتخذنا هزوا قال ~~أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] المستهزئين. فقالوا له: ما ~~هي؟ ولو ذبحوا بقرة ما لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، وإنما ~~كان تشديدهم لأن رجلا منهم كان برا بأمه وكان له بقرة على النعت المذكور ~~فنفعه بره بأمه، فلم يجدوا على هذه الصفة المذكورة إلا بقرته، فباعها منهم ~~بملء جلدها ذهبا، فلما سألوا موسى عنها قال {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} ~~[البقرة: 68] يقول: لا كبيرة ولا صغيرة نصف بين السنين. {قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما لونها - قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ~~- قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا} [البقرة: 69 - ~~70] ، {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا ~~شية فيها} [البقرة: 71]- يعني ms0123 لا عيب فيها، وقيل لا بياض فيها - {قالوا ~~الآن جئت بالحق} [البقرة: 71] . وطلبوها فلم يجدوا إلا بقرة ذلك الرجل ~~البار بأمه، فاشتروها، فغال بها حتى أخذ ملء جلدها ذهبا، فذبحوها وضربوا ~~القتيل بلسانها، وقيل: بغيره، فحيي وقام وقال: قتلني فلان. ثم مات. # PageV01P168 ### | [ذكر أمر بني إسرائيل في التيه ووفاة هارون عليه السلام] # ثم إن الله تعالى أمر موسى - عليه السلام - أن يسير ببني إسرائيل إلى ~~أريحا بلد الجبارين، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى كانوا قريبا منهم، ~~فبعث موسى اثني عشر نقيبا من سائر أسباط بني إسرائيل، فساروا ليأتوا بخبر ~~الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عناق فأخذ الاثني عشر ~~فحملهم وانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون ~~أنهم يريدون أن يقتلونا، وأراد أن يطأهم برجله، فمنعته امرأته، وقالت: ~~أطلقهم ليرجعوا ويخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فلما خرجوا قال بعضهم ~~لبعض: إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر هؤلاء لا يقدموا عليهم، فاكتموا ~~الأمر عنهم، وتعاهدوا على ذلك ورجعوا، فنكث عشرة منهم العهد وأخبروا بما ~~رأوا، وكتم رجلان منهم، وهما: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا ختن موسى، ولم ~~يخبروا إلا موسى وهارون، فلما سمع بنو إسرائيل الخبر عن الجبارين امتنعوا ~~عن المسير إليهم. فقال لهم موسى: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين - قالوا ياموسى إن فيها ~~قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون - ~~قال رجلان} [المائدة: 21 - 23]- وهما يوشع، وكالب - {من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون - قالوا ياموسى ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ~~[المائدة: 23 - 24] . # PageV01P169 # فغضب موسى، فدعا عليهم، فقال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] ، وكانت عجلة من موسى. فقال الله ~~تعالى: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] . ~~فندم موسى حينئذ. ms0124 فقالوا له: فكيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله المن والسلوى. # فأما المن فقيل هو كالصمغ وطعمه كالشهد يقع على الأشجار، وقيل: هو ~~الترنجبين، وقيل: هو الخبز الرقاق، وقيل: هو عسل كان ينزل لكل إنسان صاع، ~~وأما السلوى فهو طائر يشبه السمانى. فقالوا: أين الشراب؟ فأمر موسى فضرب ~~بعصاه الحجر {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} [البقرة: 60] لكل سبط عين. ~~فقالوا: أين الظل؟ فظلل عليهم الغمام فقالوا: أين اللباس؟ فكانت ثيابهم ~~تطول معهم ولا يتمزق لهم ثوب. ثم قالوا: {ياموسى لن نصبر على طعام واحد ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها ~~وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم} [البقرة: 61] . فلما خرجوا من التيه رفع عنهم المن والسلوى. # ثم إن موسى التقى هو وعوج بن عناق، فوثب موسى عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة ~~أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله. وقيل: عاش عوج ثلاثة آلاف ~~سنة. # ثم إن الله أوحى إلى موسى: إني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا. فانطلقا ~~نحوه فإذا هم فيه بشجرة لم يروا مثلها وفيه بيت مبني، وسرير عليه فرش، وريح ~~طيبة، # PageV01P170 # فلما رآه هارون أعجبه، قال: يا موسى إني أريد أن أنام على هذا السرير. ~~فقال له موسى: نم. قال: إني أخاف رب هذا البيت أن يأتي فيغضب علي. قال ~~موسى: لا تخف أنا أكفيك. قال: فنم معي. فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما ~~وجد حسه قال: يا موسى خدعتني! فتوفي ورفع على السرير إلى السماء. ورجع موسى ~~إلى بني إسرائيل، فقال له بنو إسرائيل: إنك قتلت هارون لحبنا إياه. فقال: ~~ويحكم أفترون أني أقتل أخي! فلما أكثروا عليه صلى ودعا الله، فنزل بالسرير ~~حتى نظروا إليه ما بين السماء والأرض، فأخبرهم أنه مات وأن موسى لم يقتله، ~~فصدقوه، وكان موته في التيه. # PageV01P171 ### | [ذكر وفاة موسى عليه السلام] # قيل: بينما موسى - عليه السلام - يمشي ومعه يوشع بن نون فتاه إذ أقبلت ms0125 ~~ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة، فالتزم موسى، وقال: لا ~~تقوم الساعة وأنا ملتزم نبي الله، فاستل موسى من تحت القميص وبقي القميص في ~~يدي يوشع. فلما جاء يوشع بالقميص أخذه بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله! ~~فقال: ما قتلته ولكنه استل مني. فلم يصدقوه. قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ~~ثلاثة أيام، فوكلوا به من يحفظه، فدعا الله، فأتى كل رجل كان يحرسه في ~~المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه. # وقيل: إن موسى كره الموت فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فأوحى الله إلى ~~يوشع بن نون، وكان يغدو عليه ويروح، ويقول له موسى: يا نبي الله، ما أحدث ~~الله إليك؟ فقال له يوشع بن نون: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل ~~كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله لك؟ ولا يذكر له شيئا. فلما رأى موسى ذلك ~~كره الحياة وأحب الموت. # وقيل: إنه مر منفردا برهط من الملائكة يحفرون قبرا، فعرفهم فوقف عليهم، ~~فلم ير أحسن منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والبهجة. فقال لهم: يا ~~ملائكة الله، لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: نحفره لعبد كريم على ربه. ~~فقال: إن هذا العبد له منزل كريم ما رأيت مضجعا، ولا مدخلا مثله. فقال: ~~أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك وتنفس ~~أسهل تنفس تتنفسه. فنزل فيه وتوجه إلى ربه، ثم تنفس، فقبض الله روحه، ثم ~~سوت الملائكة عليه التراب. # PageV01P172 # وكان - صلى الله عليه وسلم - زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله إنما ~~كان يستظل في عريش ويأكل ويشرب من نقير من حجر تواضعا إلى الله تعالى. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أرسل ملك الموت ليقبض روحه ~~فلطمه ففقأ عينه، فعاد، وقال: يا رب، أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت. قال ~~الله: ارجع له وقل له يضع يده على ظهر ثور وله بكل شعرة تحت يده سنة، وخيره ms0126 ~~بين ذلك وبين أن يموت الآن. فأتاه ملك الموت وخيره، فقال له: فما بعد ذلك؟ ~~قال: الموت. قال: فالآن إذن. فقبض روحه» . وهذا القول صحيح قد صح النقل به ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان موته في التيه أيضا. # وقيل: بل هو الذي فتح مدينة الجبارين على ما نذكره. # وكان جميع عمر موسى مائة وعشرين سنة، من ذلك في ملك أفريدون عشرون، وفي ~~ملك منوجهر مائة سنة، وكان ابتداء أمره منذ بعثه الله إلى أن قبضه في ملك ~~منوجهر. # ثم نبئ بعده يوشع بن نون فكان في زمن منوجهر عشرين سنة، وفي زمن أفراسياب ~~سبع سنين. # PageV01P173 ### | [ذكر يوشع بن نون عليه السلام وفتح مدينة الجبارين] # لما توفي بعث الله يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل - عليه السلام - نبيا إلى بني إسرائيل وأمره بالمسير إلى ~~أريحا مدينة الجبارين، واختلف العلماء في فتحها على يد من كان. فقال ابن ~~عباس: إن موسى، وهارون توفيا في التيه، وتوفي فيه كل من دخله، وقد جاوز ~~العشرين سنة، غير يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، فلما انقضى أربعون سنة أوحى ~~الله إلى يوشع بن نون فأمره بالمسير إليها وفتحها، ففتحها، ومثله قال ~~قتادة، والسدي، وعكرمة. # وقال آخرون: إن موسى عاش حتى خرج من التيه، وسار إلى مدينة الجبارين، ~~وعلى مقدمته يوشع بن نون ففتحها، وهو قول ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: سار ~~موسى بن عمران إلى أرض كنعان لقتال الجبارين، فقدم يوشع بن نون، وكالب بن ~~يوفنا، وهو صهره على أخته مريم بنت عمران، فلما بلغوها اجتمع الجبارون إلى ~~بلعم بن باعور، وهو من ولد لوط، فقالوا له: إن موسى قد جاء ليقتلنا ويخرجنا ~~من ديارنا فادع الله عليهم. وكان بلعم يعرف اسم الله الأعظم، فقال لهم: كيف ~~أدعو على نبي الله والمؤمنين، ومعهم الملائكة؟ ! فراجعوه في ذلك وهو يمتنع ~~عليهم، فأتوا امرأته وأهدوا لها هدية، فقبلتها، وطلبوا إليها أن تحسن ~~لزوجها أن يدعو # PageV01P174 # على بني ms0127 إسرائيل، فقالت له في ذلك، فامتنع، فلم يزل به حتى قال: أستخير ~~الله. فاستخار الله تعالى، فنهاه في المنام، فأخبرها بذلك، فقالت: راجع ربك ~~فعاود الاستخارة فلم يرد إليه جواب. فقالت: لو أراد ربك لنهاك، ولم تزل ~~تخدعه حتى أجابهم، فركب حمارا له متوجها إلى جبل مشرف على بني إسرائيل ليقف ~~عليه ويدعو عليهم، فلما سار عليه إلا قليلا حتى ربض الحمار، فنزل عنه وضربه ~~حتى قام فركبه فسار به قليلا فبرك، فعل ذلك ثلاث مرات، فلما اشتد ضربه في ~~الثالثة أنطقه الله فقال له: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟ أما ترى الملائكة ~~تردني؟ فلم يرجع، فأطلق الله الحمار حينئذ، فسار عليه حتى أشرف على بني ~~إسرائيل، فكان كلما أراد أن يدعو عليهم ينصرف لسانه إلى الدعاء لهم، وإذا ~~أراد أن يدعو لقومه انقلب دعاؤه عليهم، فقالوا له في ذلك، فقال: هذا شيء ~~غلبنا الله عليه، واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال: الآن قد ذهبت مني ~~الدنيا والآخرة، ولم يبق غير المكر والحيلة. # وأمرهم أن يزينوا نساءهم ويعطوهن السلع للبيع ويرسلوهن إلى العسكر، ولا ~~تمنع امرأة نفسها ممن يريدها. وقال: إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا ~~ذلك، ودخل النساء عسكر بني إسرائيل، فأخذ رمزى بن شلوم، وهو رأس سبط شمعون ~~بن يعقوب امرأة وأتى بها موسى، فقال له: أظنك تقول هذا حرام فوالله لا ~~نطيعك، ثم أدخلها خيمته فوقع عليها، فأنزل الله عليهم الطاعون، وكان فنحاص ~~بن العزار بن هارون صاحب أمر عمه موسى غائبا، فلما جاء رأى الطاعون قد ~~استقر في بني إسرائيل، وأخبر الخبر، وكان ذا قوة وبطش، فقصد زمرى فرآه وهو ~~مضاجع المرأة، فطعنها بحربة في يده فانتظمها، ورفع الطاعون، وقد هلك في تلك ~~الساعة عشرون ألفا، وقيل: سبعون ألفا فأنزل الله في بلعم: {واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} [الأعراف: ~~175] . # ثم إن موسى قدم يوشع إلى أريحا في بني إسرائيل فدخلها وقتل بها الجبارين، ~~وبقيت منهم بقية، وقد ms0128 قاربت الشمس الغروب، فخشي أن يدركه الليل فيعجزوه، ~~فدعا الله تعالى أن يحبس عليهم الشمس، ففعل وحبسها حتى استأصلهم، ودخلها ~~موسى فأقام بها ما شاء الله أن يقيم، وقبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من ~~الخلق. # PageV01P175 # وأما من زعم أن موسى كان قد توفي قبل ذلك فقال: إن الله أمر يوشع بالمسير ~~إلى مدينة الجبارين، فسار ببني إسرائيل، ففارقه رجل يقال له بلعم بن باعور، ~~وكان يعرف الاسم الأعظم، وساق من حديثه نحو ما تقدم. # فلما ظفر يوشع بالجبارين أدركه المساء ليلة السبت فدعا الله فرد الشمس ~~عليه وزاد في النهار ساعة فهزم الجبارين ودخل مدينتهم، وجمع غنائمهم ~~ليأخذها القربان، فلم تأت النار، فقال يوشع: فيكم غلول فبايعوني، فبايعوه، ~~فلصقت يده في يد من غل، فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت فجعله في ~~القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلتهما. # وقيل: بل حصرها ستة أشهر، فلما كان السابع تقدموا إلى المدينة وصاحوا ~~صيحة واحدة فسقط السور، فدخلوها وهزموا الجبارين، وقتلوا فيهم فأكثروا. ثم ~~اجتمع جماعة من ملوك الشام، وقصدوا يوشع فقاتلهم، وهزمهم، وهرب الملوك إلى ~~غار، فأمر بهم يوشع بن نون، فقتلوا، وصلبوا. ثم ملك الشام جميعه فصار لبني ~~إسرائيل وفرق عماله فيه. ثم توفاه الله فاستخلف على بني إسرائيل كالب بن ~~يوفنا، وكان عمر يوشع مائة وستا وعشرين سنة، وكان قيامه بالأمر بعد موسى ~~سبعا وعشرين سنة. # وأما من بقي من الجبارين فإن إفريقش بن قيس بن صيفي بن سبإ بن كعب بن زيد ~~بن حمير بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجها إلى إفريقية ~~فاحتملهم من سواحل الشام فقدم بهم إفريقية فافتتحها، وقتل ملكه جرجير، ~~وأسكنهم إياها، فهم البرابرة. وأقام من حمير في البربر صنهاجة وكتامة، فهم ~~فيهم إلى اليوم. # PageV01P176 ### | [ذكر أمر قارون] # وكان قارون بن يصهر بن قاهث، وهو ابن عم موسى بن عمران بن قاهث، وقيل: ~~كان عم موسى، والأول أصح. وكان عظيم المال كثير الكنوز. # قيل إن مفاتيح خزائنه ms0129 كانت تحمل على أربعين بغلا، فبغى على قومه بكثرة ~~ماله، فوعظوه، ونهوه، وقالوا له ما قص الله تعالى في كتابه: {لا تفرح إن ~~الله لا يحب الفرحين - وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين} [القصص: 76 - 77] ، فأجابهم جواب مغتر لحلم الله عنه فقال: إنما ~~أوتيته - يعني المال والخزائن - على علم عندي، قيل على خبر ومعرفة مني، ~~وقيل: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا. # فلم يرجع عن غيه ولكنه تمادى في طغيانه حتى خرج على قومه في زينته، وهي ~~أنه ركب برذونا أبيض بمراكب الأرجوان المذهبة، وعليه الثياب المعصفرة، وقد ~~حمل معه ثلاثمائة جارية على مثل برذونه وأربعة آلاف من أصحابه، وبنى داره، ~~وضرب عليها صفائح الذهب، وعمل لها بابا من ذهب، فتمنى أهل الغفلة والجهل ~~مثل ما له، فنهاهم أهل العلم بالله. # PageV01P177 # وأمره الله تعالى بالزكاة، فجاء إلى موسى من كل ألف دينار دينار، وعلى ~~هذا من كل ألف شيء شيء، فلما عاد إلى بيته وجده كثيرا، فجمع نفرا يثق بهم ~~من بني إسرائيل فقال: إن موسى أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أخذ ~~أموالكم. فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، فمرنا بما شئت. فقال: آمركم أن تحضروا ~~فلانة البغي فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها، ففعلوا ذلك، فأجابتهم إليه. # ثم أتى موسى، فقال: إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم. فخرج إليهم، ~~فقال: من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة ~~جلدة، وإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ ~~فقال: نعم. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. فقال ادعوها فإن ~~قالت فهو كما قالت. # فلما جاءت قال لها موسى: أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقت: أنا ~~فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، كذبوا، ولكن جعلوا لي جعلا على أن أقذفك. ~~فسجد ودعا عليهم، فأوحى ms0130 الله إليه: مر الأرض بما شئت تطعك. فقال: يا أرض ~~خذيهم. # وقيل: إن هذا الأمر بلغ موسى، فدعا الله تعالى عليه، فأوحى الله إليه: مر ~~الأرض بما شئت تطعك. فجاء موسى إلى قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجهه، ~~فقال له: يا موسى ارحمني. فقال موسى: يا أرض خذيهم. فاضطربت داره وساخت ~~بقارون، وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول: يا موسى ارحمني. قال يا أرض ~~خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. فلم يزل يستعطفه وهو يقول: يا أرض خذيهم، حتى ~~خسف بهم، فأوحى الله إلى موسى: ما أفظك! أما وعزتي لو إياي نادى لأجبته، ~~ولا أعيد الأرض تطيع أحدا أبدا بعدك، فهو يخسف به كل يوم، فلما أنزل الله ~~نقمته حمد المؤمنون الله، وعرف الذين تمنوا مكانه بالأمس خطأ أنفسهم ~~واستغفروا، وتابوا. # PageV01P178 ### | [ذكر من ملك من الفرس بعد منوجهر] # لما هلك منوجهر ملك فارس سار أفراسياب بن فشنج بن رستم ملك الترك إلى ~~مملكة الفرس، واستولى عليها وسار إلى أرض بابل وأكثر المقام بها ~~وبمهرجانقذق، وأكثر الفساد في مملكة فارس، وعظم ظلمه، وأخرب ما كان عامرا، ~~ودفن الأنهار، والقنى، وقحط الناس سنة خمس من ملكه، إلى أن خرج عن مملكة ~~فارس ولم يزل الناس منه في أعظم البلية إلى أن ملك زو بن طهماسب. # وكان منوجهر قد سخط على ولده طهماسب ونفاه عن بلاده، فأقام في بلاد الترك ~~عند ملك لهم يقال له: وامن، وتزوج ابنته، فولدت له زو بن طهماسب، وكان ~~المنجمون قد قالوا لأبيها: إن ابنته تلد ولدا يقتله، فسجنها، فلما تزوجها ~~طهماسب وولدت منه كتمت أمرها وولدها، ثم إن منوجهر رضي عن طهماسب، وأحضره ~~إليه، فاحتال في إخراج زوجته وابنه زو من محبسهما، فوصلت إليه، ثم إن زوا ~~فيما ذكر قتل جده وامن في بعض الحروب الترك وطرد أفراسياب التركي عن مملكة ~~فارس حتى رده إلى الترك بعد حروب جرت بينهما، فكانت غلبة أفراسياب على ~~أقاليم بابل ومملكة الفرس اثنتي عشرة سنة من لدن توفي منوجهر إلى أن أخرجه ms0131 ~~عنها زو، وكان إخراجه عنها روزابان من شهر أبان ماه، فاتخذ لهم هذا اليوم ~~عيدا وجعلوه الثالث لعيديهم النوروز والمهرجان. # PageV01P179 # وكان زو محمودا في ملكه محسنا إلى رعيته فأمر بإصلاح ما كان أفرسياب ~~أفسده من مملكتهم، وبعمارة الحصون، وإخراج المياه التي غور طرقها، حتى عادت ~~البلاد إلى أحسن ما كانت. ووضع عن الناس الخراج سبع سنين، فعمرت البلاد في ~~ملكه وكثرت المعايش، واستخرج بالسواد نهرا وسماه الزاب، وبنى عليه مدينة ~~وهي التي تسمى العتيقة، وجعل لها طسوج الزاب الأعلى، وطسوج الزاب الأوسط، ~~وطسوج الزاب الأسفل، وكان أول من اتخذ ألوان الطبيخ وأمر بها وبأصناف ~~الأطعمة، وأعطى جنوده ما غنم من الترك وغيرهم. # وكان جميع ملكه إلى أن انقضت مدته ثلاث سنين، وكان كرشاسب بن أنوط وزيره ~~في ملكه ومعينه فيه، وقيل: كان شريكه في الملك، والأول أصح، وكان عظيم ~~الشأن في فارس إلا أنه لم يملك. # PageV01P180 ### | [ذكر ملك كيقباذ] # ثم ملك بعد زو كيقباذ بن راع بن ميسرة بن نوذر بن منوجهر، وقدر مياه ~~الأنهار والعيون لشرب الأرض، وسمى البلاد بأسمائها، وحدها بحدودها، وكور ~~الكور، وبين حيز كل كورة، وأخذ العشر من غلاتها لأرزاق الجند، وكان - فيما ~~ذكر - كيقباذ حريصا على عمارة البلاد، ومنعها من العدو، كثير الكنوز، وقيل: ~~إن الملوك الكيانية وأبناءهم من نسله. جرت بينهم وبين الترك حروب كثيرة، ~~فكان مقيما بالقرب من نهر بلخ، وهو جيحون، لمنع الترك من تطرق شيء من ~~بلاده. وكان ملكه مائة سنة. # PageV01P181 ### | [ذكر الأحداث في بني إسرائيل في عهد زو وكيقباذ ونبوة حزقيل] # لما توفي يوشع بن نون قام بأمر بني إسرائيل بعده كالب بن يوفنا، ثم حزقيل ~~بن نورى، وهو الذي يقال له ابن العجوز، وإنما قيل له ذلك لأن أمه سألت الله ~~الولد وقد كبرت، فوهبه الله لها، وهو الذي دعا للقوم الموتى فأحياهم الله. # وكان سبب ذلك: أن قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون، فهرب عامة ~~أهلها ونزلوا ناحية، فهلك أكثر من بقي بالقرية وسلم الآخرون، فلما ارتفع ms0132 ~~الطاعون رجعوا. فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا ولو صنعنا ~~ما صنعوا بقينا. فوقع الطاعون من قابل، فهرب عامة أهلها، وهم بضعة وثلاثون ~~ألفا، وقيل ثلاثة آلاف، وقيل: أربعة آلاف، وقيل غير ذلك، حتى نزلوا ذلك ~~المكان، فصاح بهم ملك فماتوا ونخرت عظامهم، فمر بهم حزقيل، فلما رآهم جعل ~~يتفكر في بعثهم، فأوحى الله إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم. ~~فقيل: ناد، فنادى: يا أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت ~~العظام تطير بعضها إلى بعض حتى صارت أجسادا من عظام. ثم نادى يا أيتها ~~العظام إن الله أمرك أن تكتسي فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها. ثم ~~نادى: يا أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك. فعادت الأجساد ~~أحياء، وقالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت! فرجعوا إلى ~~قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ~~ثوبا إلا عاد كفنا دسما، ثم ماتوا ثم مات حزقيل، ولم تذكر مدته في بني ~~إسرائيل. # PageV01P182 # وقيل: كانوا قوم حزقيل، فلما أن ماتوا بكى حزقيل، وقال: يا رب، كنت في ~~قوم يعبدونك ويذكرونك، فبقيت وحيدا! فقال الله: أتحب أن أحييهم؟ قال: نعم. ~~قال: فإني قد جعلت حياتهم إليك. فقال حزقيل: احيوا بإذن الله تعالى، ~~فعاشوا. # PageV01P183 ### | [ذكر إلياس عليه السلام] # لما توفي حزقيل كثرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله وعبدوا ~~الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العزاز بن هارون بن ~~عمران نبيا، وكان الأنبياء في بني إسرائيل بعد موسى بن عمران يبعثون بتجديد ~~ما نسوا من التوراة. # وكان إلياس مع ملك من ملوكهم يقال له أخاب، وكان يسمع منه ويصدقه، وكان ~~إلياس يقيم له أمره وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه يقال له بعل، ~~فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وهم لا يسمعون إلا من ذلك الملك، وكان ملوك بني ~~إسرائيل متفرقة كل ملك قد تغلب على ناحية يأكلها، فقال ذلك الملك ms0133 الذي كان ~~إلياس معه: والله ما أرى الذي تدعو إليه باطلا لأني أرى فلانا وفلانا - يعد ~~ملوك بني إسرائيل - قد عبدوا الأوثان فلم يضرهم ذلك شيئا، يأكلون، ويشربون، ~~ويتمتعون ما ينقص ذلك من دنياهم وما نرى لنا عليهم من فضل. # ففارقه إلياس وهو يسترجع، فعبد ذلك الملك الأوثان أيضا، وكان للملك جار ~~صالح مؤمن يكتم إيمانه، وله بستان إلى جانب دار الملك والملك يحسن جواره، ~~وللملك زوجة عظيمة الشر والكفر، فقالت له ليأخذ بستان الرجل، فلم يفعل، ~~فكانت تخلف زوجها إذا سار عن بلده وتظهر للناس، فغاب مرة فوضعت امرأته على ~~صاحب البستان من شهد عليه أنه سب الملك، فقتلته وأخذت بستانه، فلما عاد ~~الملك غضب من ذلك واستعظمه وأنكره فقالت: فات أمره. فأوحى الله إلى إلياس ~~يأمره أن يقول للملك وامرأته أن يردا البستان على ورثة صاحبه، فإن لم يفعلا ~~غضب عليهما، وأهلكهما في # PageV01P184 # البستان ولم يتمتعا به إلا قليلا. # فأخبرهما إلياس بذلك فلم يراجعا الحق. فلما رأى إلياس أن بني إسرائيل قد ~~أبوا إلا الكفر والظلم دعا عليهم، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فهلكت ~~الماشية، والطيور، والهوام، والشجر، وجهد الناس جهدا شديدا، واستخفى إلياس ~~خوفا من بني إسرائيل، فكان يأتيه رزقه، ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني ~~إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب به ضر شديد، فدعا له فعوفي من الضر ~~الذي كان به واتبع إلياس، وكان معه وصحبه وصدقه، وكان إلياس قد كبر، فأوحى ~~الله إليه: إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق من البهائم، والدواب، والطير ~~وغيرها، ولم يعص سوى بني إسرائيل. فقال إلياس: أي ربي، دعني أكن أنا الذي ~~أدعو لهم وأبتهج بالفرج لعلهم يرجعون. فجاء إلياس إليهم، وقال لهم: إنكم قد ~~هلكتم وهلكت الدواب بخطاياكم، فإن أحببتم أن تعلموا أن الله ساخط عليكم ~~بفعلكم، وأن الذي أدعوكم إليه هو الحق فاخرجوا بأصنامكم وادعوها ; فإن ~~استجابت لكم فذلك الحق كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ~~فنزعتم ودعوت ms0134 الله ففرج عنكم. # قالوا: أنصفت. فخرجوا بأصنامهم فدعوها فلم تستجب لهم، ولم يفرج عنهم. ~~فقالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله لنا. فدعا لهم بالفرج وأن يسقوا، ~~فخرجت سحابة مثل الترس، وعظمت وهم ينظرون، ثم أرسل الله منها المطر، فحييت ~~بلادهم، وفرج الله عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فلم ينزعوا ولم يراجعوا ~~الحق، فلما رأى ذلك إلياس سأل الله أن يقبضه فيريحه منهم، فكساه الله الريش ~~وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار ملكيا إنسيا سماويا ~~أرضيا، وسلط الله على الملك وقومه عدوا فظفر بهم، وقتل الملك وزوجته بذلك ~~البستان وألقاهما فيه حتى بليت لحومهما. # PageV01P185 ### | [ذكر نبوة اليسع عليه السلام وأخذ التابوت من بني إسرائيل] # فلما انقطع إلياس عن بني إسرائيل بعث الله اليسع، فكان فيهم ما شاء الله، ~~ثم قبضه الله وعظمت فيهم الأحداث وعندهم التابوت يتوارثونه، فيه السكينة ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فكانوا لا يلقاهم عدو ~~فيقدمون التابوت إلا هزم الله العدو، وكانت السكينة شبه رأس هر، فإذا صرخت ~~في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح. # ثم خلف فيها ملك يقال له إيلاف، وكان الله يمنعهم ويحميهم، فلما عظمت ~~أحداثهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت، فاقتتلوا فغلبهم عدوهم ~~على التابوت وأخذه منهم وانهزموا، فلما علم ملكهم أن التابوت أخذ مات كمدا، ~~ودخل العدو أرضهم ونهب وسبى، وعاد، فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف، ~~وكانوا يتمادون أحيانا في غيهم فيسلط الله عليهم من ينتقم منهم، فإذا ~~راجعوا التوبة كف الله عنهم شر عدوهم، فكان هذا حالهم من لدن توفي يوشع بن ~~نون إلى أن بعث الله أشمويل وملكهم طالوت، ورد عليهم التابوت. # وكانت مدة ما بين وفاة يوشع، الذي كان يلي أمر بني إسرائيل بعضها القضاة، ~~وبعضها الملوك، وبعضها المتغلبون إلى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوة إلى ~~أشمويل أربعمائة سنة وستين سنة. # فكان أول من سلط عليهم رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلهم # PageV01P186 # ثماني سنين، ms0135 ثم أنقذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل فقام بأمرهم ~~أربعين سنة. # ثم سلط عليهم ملك يقال له عجلون، فملكهم ثماني عشرة سنة، ثم استنقذهم منه ~~رجل من سبط بنيامين يقال له أهوذ، وقام بأمرهم ثمانين سنة. # ثم سلط عليهم رجل من الكنعانيين يقال له يابين، فملكهم عشرين سنة ~~واستنقذهم منه امرأة من بني أنبيائهم يقال لها دبورا، ودبر الأمر رجل من ~~قبلها يقال له باراق أربعين سنة. # ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط فملكوهم سبع سنين، واستنقذهم رجل يقال له ~~جدعون بن بواش من ولد نفتالي بن يعقوب، فدبر أمرهم أربعين سنة وتوفي، ودبر ~~أمرهم بعده ابنه أبيمالخ ثلاث سنين، ثم دبرهم بعده فولع بن فوا ابن خال ~~أبيمالخ، ويقال ابن عمه، ثلاثا وعشرين سنة، ثم دبر أمرهم بعده رجل يقال له ~~يائير اثنتين وعشرين سنة. # ثم ملكهم قوم من أهل فلسطين بني عمون ثماني عشرة سنة، ثم قام بأمرهم رجل ~~منهم يقال له يفتح ست سنين. ثم دبر أمرهم بعده يبحسون سبع سنين. ثم بعده ~~آلون عشر سنين. ثم بعده لترون، ويسميه بعضهم عكرون ثماني سنين ثم قهرهم أهل ~~فلسطين وملكوهم أربعين سنة. ثم وليهم شمسون عشرين سنة. ثم بقوا بعده # PageV01P187 # عشر سنين بغير مدبر ولا رئيس. # ثم قام بأمرهم بعد ذلك عالي الكاهن. وفي أيامه غلب أهل فلسطين على ~~التابوت في قول، فلما مضى من وقت قيامه أربعون سنة بعث أشمويل نبيا فدبرهم ~~عشر سنين. ثم سألوا أشمويل أن يبعث لهم ملكا يقاتل بهم أعداءهم. # PageV01P188 ### | [ذكر حال أشمويل وطالوت] # كان من خبر أشمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء وطمع ~~فيهم الأعداء، وأخذ التابوت منهم، فصاروا بعده لا يلقون ملكا إلا خائفين، ~~فقصدهم جالوت ملك الكنعانيين، وكان ملكه ما بين مصر وفلسطين، فظفر بهم فضرب ~~عليهم الجزية، وأخذ منهم التوراة، فدعوا الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون ~~معه، وكان سبط النبوة هلكوا فلم يبق منهم غير امرأة حبلى، فحبسوها في بيت ms0136 ~~خيفة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، ~~فولدت غلاما سمته أشمويل، ومعناه: سمع الله دعائي. # وسبب هذه التسمية أنها كانت عاقرا، وكان لزوجها امرأة أخرى قد ولدت له ~~عشرة أولاد فبغت عليها بكثرة الأولاد، فانكسرت العجوز ودعت الله أن يرزقها ~~ولدا، فرحم الله انكسارها وحاضت لوقتها وقرب منها زوجها، فحملت، فلما انقضت ~~مدة الحمل ولدت غلاما فسمته أشمويل، فلما كبر أسلمته في بيت المقدس يتعلم ~~التوراة، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه. # فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتاه جبرائيل وهو يصلي فناداه بصوت يشبه صوت ~~الشيخ، فجاء إليه، فقال: ما تريد؟ فكره أن يقول لم أدعك فيفزع، فقال: ارجع # PageV01P189 # فنم. فرجع، فعاد جبرائيل لمثلها، فجاء إلى الشيخ، فقال له: يا بني عد ~~فإذا دعوتك فلا تجبني. فلما كانت الثالثة ظهر له جبرائيل وأمره بإنذار ~~قومه، وأعلمه أن الله بعثه رسولا، فدعاهم فكذبوه، ثم أطاعوه، وأقام يدير ~~أمرهم عشر سنين، وقيل: أربعين سنة. # وكان العمالقة مع ملكهم جالوت قد عظمت نكايتهم في بني إسرائيل حتى كادوا ~~يهلكونهم، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل ~~الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] . # فدعا الله فأرسل إليه عصا وقرنا فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم يكون في ~~طوله طول هذه العصا، وإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك ~~بني إسرائيل فادهن رأسه به وملكه عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا ~~مثلها، وكان طالوت دباغا. وقيل كان سقاء يسقي الماء ويبيعه، فضل حماره ~~فانطلق يطلبه، فلما اجتاز بالمكان الذي فيه أشمويل دخل يسأله أن يدعو له ~~ليرد الله حماره، فلما دخل نش الدهن، فقاسوه بالعصا فكان مثلها، {وقال لهم ~~نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} [البقرة: 247] ، وهو بالسريانية شاول ~~بن قيس بن أنمار بن ضرار بن يحرف بن يفتح ms0137 بن أيش بن بنيامين بن يعقوب بن ~~إسحاق. # PageV01P190 # فقالوا له: ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة ولم يؤت طالوت ~~سعة من المال فنتبعه. # فقال أشمويل: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم} ~~[البقرة: 247] . فقالوا إن كنت صادقا فأت بآية. فقال: {إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله ~~الملائكة} [البقرة: 248] . والسكينة رأس هر، وقيل طشت من ذهب يغسل فيها ~~قلوب الأنبياء، وقيل غير ذلك، وفيه الألواح وهي من در، وياقوت، وزبرجد، ~~وأما البقية فهي عصا موسى، ورضاضة الألواح. # فحملته الملائكة وأتت به إلى طالوت نهارا بين السماء والأرض والناس ~~ينظرون، فأخرجه طالوت إليهم، فأقروا بملكه ساخطين وخرجوا معه كارهين، وهم ~~ثمانون ألفا. فلما خرجوا قال لهم طالوت: {إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه ~~فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} [البقرة: 249] . وهو نهر فلسطين، وقيل: ~~الأردن، فشربوا منه إلا قليلا، وهم أربعة آلاف، فمن شرب منه عطش ومن لم ~~يشرب منه إلا غرفة روي، {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} [البقرة: 249] . ~~لقيهم جالوت، وكان ذا بأس شديد، فلما رأوه رجع أكثرهم و {قالوا لا طاقة لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] ، ولم يبق معه غير ثلاثمائة وبضعة عشر ~~عدد أهل بدر، فلما رجع من رجع قالوا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] . وكان فيهم إيشى أبو داود ومعه من ~~أولاده ثلاثة عشر ابنا، وكان داود أصغر بنيه، وقد خلفه يرعى لهم ويحمل لهم ~~الطعام، وكان قد قال لأبيه ذات يوم: يا أبتاه، ما أرمي # PageV01P191 # بقذافتي شيئا إلا صرعته. ثم قال له: لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا ~~رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم أخفه، ثم أتاه يوما آخر فقال: إني لأمشي ~~بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي. فقال له: أبشر، فإن هذا خير ~~أعطاكه الله. # فأرسل الله إلى النبي الذي مع طالوت قرنا فيه ms0138 دهن وتنور من حديد، فبعث به ~~إلى طالوت، وقال له: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا الدهن على رأسه ~~فيغلي حتى يسيل من القرن، ولا يجاوز رأسه إلى وجهه ويبقى على رأسه كهيئة ~~الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم ~~يوافقه منهم أحد، فأحضر داود من رعيه، فمر في طريقه بثلاثة أحجار، فكلمته ~~وقلن: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، فأخذهن فجعلهن في مخلاته، وكان طالوت ~~قد قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في مملكتي. # فلما جاء داود، وضعوا القرن على رأسه، فغلى حتى ادهن منه ولبس التنور ~~فملأه، وكان داود مسقاما أزرق مصفارا، فلما دخل في التنور تضايق عليه حتى ~~ملأه، فرح أشمويل وطالوت وبنو إسرائيل بذلك وتقدموا إلى جالوت، وتصافوا ~~للقتال، وخرج داود نحو جالوت وأخذ الأحجار ووضعها في قذافته ورمى بها ~~جالوت، فوقع الحجر بين عينيه فنقب رأسه فقتله، ولم يزل الحجر يقتل كل من ~~أصابه ينفذ منه إلى غيره، فانهزم عسكر جالوت بإذن الله ورجع طالوت فأنكح ~~ابنته داود وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه. # فحسده طالوت، وأراد قتله غيلة، فعلم ذلك داود ففارقه، ووضع في مضجعه زق ~~خمر وسجاه، ودخل طالوت إلى منام داود، وقد هرب داود، فضرب الزق ضربة خرقه، ~~فوقعت قطرة من الخمر في فيه، فقال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه الخمر! ~~فلما أصبح طالوت علم أنه لم يصنع شيئا، فخاف داود أن يغتاله فشدد حجابه ~~وحراسه. # ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين فوق رأسه وعند ~~رجليه، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فقال: يرحم الله داود! هو خير مني، ~~ظفرت # PageV01P192 # به وأردت قتله وظفر بي فكف عني. وأذكى عليه العيون فلم يظفروا به. # وركب طالوت يوما فرأى داود فركض في أثره، فهرب داود منه واختفى في غار في ~~الجبل، فعمى الله أثره على طالوت. # ثم إن طالوت قتل العلماء حتى لم يبق أحد إلا ms0139 امرأة كانت تعرف اسم الله ~~الأعظم فسلمها إلى رجل يقتلها، فرحمها وتركها وأخفى أمرها. # ثم إن طالوت ندم وأراد التوبة وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، فكان كل ~~ليلة يخرج إلى القبور فيبكي ويقول: أنشد الله عبدا علم لي توبة إلا أخبرني ~~بها. فلما أكثر ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما رضيت قتلنا أحياء حتى ~~تؤذينا أمواتا! فازداد بكاء وحزنا، فرحمه الرجل الذي أمره بقتل تلك المرأة ~~فقال له: إن دللتك على عالم لعلك تقتله! قال: لا. فأخذ عليه العهود ~~والمواثيق ثم أخبره بتلك المرأة فقال: سلها هل لي من توبة؟ فحضر عندها ~~وسألها هل له عندها من توبة؟ فقالت: ما أعلم له من توبة، ولكن هل تعلمون ~~قبر نبي؟ قالوا: نعم، قبر يوشع بن نون. فانطلقت وهم معها فدعت، فخرج يوشع، ~~فلما رآهم قال: ما بالكم؟ قالوا: جئنا نسألك هل لطالوت من توبة؟ قال: ما ~~أعلم له توبة إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلوا في سبيل الله ~~حتى تقتل أولاده، ثم يقاتل هو حتى يقتل، فعسى أن يكون له توبة، ثم سقط ~~ميتا. ورجع طالوت أحزن مما كان يخاف ألا يتابعه ولده، فبكى حتى سقطت أشفار ~~عينيه ونحل جسمه، فسأله بنوه عن حاله، فأخبرهم، فتجهزوا للغزو فقاتلوا بين ~~يديه حتى قتلوا، ثم قاتل هو بعدهم حتى قتل. # وقيل: إن النبي الذي بعث لطالوت حتى أخبره بتوبته اليسع، وقيل: أشمويل، ~~والله أعلم. # وكانت مدة ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة. # PageV01P193 ### | [ذكر ملك داود] # هو داود بن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نوذب بن رام ~~بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق، وكان قصيرا أزرق قليل الشعر. # فلما قتل طالوت أتى بنو إسرائيل داود، فأعطوه خزائن طالوت وملكوه عليهم. # وقيل: إن داود ملك قبل أن يقتل جالوت، وسبب ملكه حينئذ أن الله أوصى إلى ~~أشمويل ليأمر طالوت بغزو مدين وقتل من بها، فسار إليها وقتل من بها ms0140 إلا ~~ملكهم، فإنه أخذه أسيرا، فأوحى الله إلى أشمويل: قل لطالوت آمرك بأمر ~~فتركته! لأنزعن الملك منك ومن بنيك ثم لا يعود فيكم إلى يوم القيامة. وأمر ~~أشمويل بتمليك داود، فملكه وسار إلى جالوت فقتله، والله أعلم. # PageV01P194 # فلما ملك بني إسرائيل جعله الله نبيا وملكا، وأنزل عليه الزبور، وعلمه ~~صنعة الدروع، وهو أول من عملها، وألان له الحديد، وأمر الجبال والطير ~~يسبحون معه إذا سبح، ولم يعط الله أحدا مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور تدنو ~~الوحوش حتى يأخذ بأعناقها وإنها لمصيخة تسمع صوته. # وكان شديد الاجتهاد كثير العبادة والبكاء، وكان يقوم الليل ويصوم نصف ~~الدهر، وكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، وكان يأكل من كسب يده. # وفي ملكه مسخ أهل أيلة قردة، وسبب ذلك أنهم كانوا تأتيهم يوم السبت حيتان ~~البحر كثيرا، فإذا كان غير يوم السبت لا يجيء إليهم منها شيء، فعملوا على ~~جانب البحر حياضا كبيرة، وأجروا إليها الماء، فإذا كان آخر نهار يوم الجمعة ~~فتحوا الماء إلى الحياض فتدخلها الحيتان ولا تقدر على الخروج عنها، ~~فيأخذونها يوم الأحد، فنهاهم بعض أهلها فلم ينتهوا، فمسخهم الله قردة وبقوا ~~ثلاثة أيام وهلكوا. # ذكر فتنته بزوجة أوريا # ثم إن الله ابتلاه بزوجة أوريا. # وكان سبب ذلك أنه قد قسم زمانه ثلاثة أيام، يوما يقضي فيه بين الناس، ~~ويوما يخلو فيه للعبادة، ويوما يخلو فيه مع نسائه، وكان له تسع وتسعون ~~امرأة، وكان يحسد فضل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فقال: أي ربي، أرى الخير قد ~~ذهب به آبائي فأعطني مثل ما أعطيتهم! فأوحى الله إليه: إن آباءك ابتلوا ~~ببلاء فصبروا، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي ~~يعقوب بحزنه على يوسف. فقال: رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم، وأعطني بمثل ما ~~أعطيتهم. فأوحى الله إليه: إنك مبتلى فاحترس. # PageV01P195 # وقيل: كان سبب البلية أنه حدث نفسه أنه يطيق أن يقطع يوما بغير مقارفة ~~سوء، فلما كان اليوم الذي يخلو فيه للعبادة عزم على أن يقطع ذلك اليوم بغير ~~سوء وأغلق ms0141 بابه، وأقبل على العبادة، فإذا هو بحمامة من ذهب فيها كل لون حسن ~~قد وقعت بين يديه، فأهوى ليأخذها، فطارت غير بعيد من غير أن ييأس من أخذها، ~~فما زال يتبعها وهي تفر منه حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه حسنها، فلما ~~رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك رغبة، فسأل ~~عنها، فأخبر أن زوجها بثغر كذا فبعث إلى صاحب الثغر بأن يقدم أوريا بين يدي ~~التابوت في الحرب، وكان كل من يتقدم بين يدي التابوت لا ينهزم، إما أن يظفر ~~أو يقتل، ففعل ذلك به فقتل. # وقيل: إن داود لما نظر إلى المرأة فأعجبته سأل عن زوجها، فقيل: إنه في ~~جيش كذا، فكتب إلى صاحب الجيش أن يبعثه في سرية إلى عدو كذا، ففعل ذلك، ~~ففتح الله عليه، فكتب إلى داود فأمر داود أن يرسل أيضا إلى عدو كذا أشد ~~منه، ففعل، فظفر، فأمر داود أن يرسل إلى عدو ثالث، ففعل، فقتل أوريا في ~~المرة الثالثة، فلما قتل تزوج داود امرأته، وهي أم سليمان في قول قتادة. # وقيل: إن خطيئة داود كانت أنه لما بلغه حسن امرأة أوريا تمنى أن تكون له ~~حلالا، فاتفق أن أوريا سار إلى الجهاد فقتل فلم يجد له من الهم ما وجده ~~لغيره، فبينما داود في المحراب يوم عبادته وقد أغلق الباب إذ دخل عليه ~~ملكان أرسلهما الله إليه من غير الباب، فراعه ذلك فقالا: {لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق - إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} [ص: 22 - 23] ، أي قهرني، وأخذ ~~نعجتي، فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق، إني أردت أن أكمل نعاجي مائة فأخذت ~~نعجته. فقال داود: إذا لا ندعك # PageV01P196 # وذاك، فقال الملك: ما أنت بقادر عليه. قال داود: فإن لم ترد عليه ماله ~~ضربنا منك هذا وهذا، وأومأ إلى أنفه وجبهته. قال: يا داود أنت أحق أن يضرب ~~منك هذا وهذا حيث لك تسع ms0142 وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة فلم ~~تزل به حتى قتل وتزوجت امرأته. ثم غابا عنه. # فعرف ما ابتلي به وما وقع فيه، فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا ~~لحاجة لا بد منها، وأدام البكاء حتى نبت من دموعه عشب غطى رأسه، ثم نادى: ~~يا رب، قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته بشيء. ~~فنودي: أجائع فتطعم، أم مريض فتشفى، أم مظلوم فتنصر؟ قال: فنحب نحبة هاج ما ~~نبت، فعند ذلك قبل الله توبته، وأوحى إليه: ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا ~~رب، كيف أعلم أنك قد غفرت لي؟ وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء ~~أوريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول: يا رب، ~~سل هذا فيم قتلني. فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوته وأستوهبك منه فيهبك ~~لي فأهبه بذلك الجنة. قال: يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي. # قال: فما استطاع داود بعدها أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى ~~قبض. ونقش خطيئته في يده، فكان إذا رآها اضطربت يده، وكان يؤتى بالشراب ~~ليشربه فكان يشرب نصفه أو ثلثيه فيذكر خطيئته فينتحب حتى تكاد مفاصله يزول ~~بعضها من بعض، ثم يملأ الإناء من دموعه. وكان يقال: إن دمعة داود تعدل دموع ~~الخلائق، وهو يجيء يوم القيامة وخطيئته مكتوبة في كفه فيقول: يا رب، ذنبي ~~قدمني، فيقدم، فلا يأمن فيقول: يا رب، أخرني، فلا يأمن. # وأزالت الخطيئة طاعة داود عن بني إسرائيل واستخفوا بأمره، ووثب عليه ابن ~~له يقال له إيشى، وأمه ابنة طالوت فدعا إلى نفسه، فكثر أتباعه من أهل الزيغ ~~من بني إسرائيل، فلما تاب الله على داود اجتمع إليه طائفة من الناس فحارب ~~ابنه حتى هزمه # PageV01P197 # ووجه إليه بعض قواده وأمره بالرفق به والتلطف لعله يأسره ولا يقتله، ~~وطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فقتله، فحزن عليه داود حزنا شديدا ~~وتنكر لذلك القائد. # ذكر بناء بيت ms0143 المقدس، ووفاة داود، عليه السلام # قيل: أصاب الناس في زمان داود طاعون جارف، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس، ~~وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء، فلهذا قصده ليدعو فيه، فلما وقف ~~موضع الصخرة دعا الله تعالى في كشف الطاعون عنهم، فاستجاب له ورفع الطاعون، ~~فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا، وكان الشروع في بنائه إحدى عشرة سنة مضت من ~~ملكه، وتوفي قبل أن يستتم بناءه، وأوصى إلى سليمان بإتمامه وقتل القائد ~~الذي قتل أخاه إيشى بن داود. # فلما توفي داود، ودفنه سليمان، تقدم بإنفاذ أمره، فقتل القائد، واستتم ~~بناء المسجد، بناه بالرخام، وزخرفه بالذهب، ورصعه بالجواهر، وقوي على ذلك ~~جميعه بالجن والشياطين، فلما فرغ اتخذ ذلك اليوم عيدا عظيما، وقرب قربانا، ~~فتقبله الله منه، وكان ابتداؤه أولا ببناء المدينة، فلما فرغ منها ابتدأ ~~بعمارة المسجد، وقد أكثر الناس في صفة البناء مما يستبعد ولا حاجة إلى ~~ذكره. # وقيل: إن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارة المسجد، وكان داود أراد أن يبنيه ~~فأوحى الله إليه: إن هذا بيت مقدس وإنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه، ~~ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من الدماء. فلما ملك سليمان بناه. # ثم إن داود توفي وكان له جارية تغلق الأبواب كل ليلة وتأتيه بالمفاتيح ~~فيقوم إلى عبادته، فأغلقتها ليلة فرأت في الدار رجلا فقالت: من أدخلك ~~الدار؟ فقال: أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن. فسمع داود قوله فقال: أنت ~~ملك الموت؟ قال: نعم. قال: فهلا أرسلت إلي لأستعد للموت؟ قال: قد أرسلت ~~إليك كثيرا. قال: من كان رسولك؟ قال: أين أبوك، وأخوك، وجارك، ومعارفك؟ ~~قال: ماتوا. قال: فهم كانوا رسلي إليك لأنك تموت كما ماتوا! ثم قبضه. فلما ~~مات ورث سليمان ملكه وعلمه ونبوته. # PageV01P198 # وكان له تسعة عشر ولدا، فورثه سليمان دونهم. وكان عمر داود لما توفي مائة ~~سنة، صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت مدة ملكه أربعين سنة. # PageV01P199 ### | [ذكر ملك سليمان بن داود عليه السلام] # لما توفي داود ملك بعده ابنه ms0144 سليمان على بني إسرائيل، وكان ابن ثلاث عشرة ~~سنة، وآتاه الله مع الملك النبوة، وسأل الله أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده، فاستجاب له وسخر له الإنس، والجن، والشياطين، والطير، والريح، ~~فكان إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى ~~يجلس. وقيل: إنما سخر له الريح، والجن، والشياطين، والطير، وغير ذلك بعد أن ~~زال ملكه، وأعاده الله سبحانه إليه على ما نذكره. # وكان أبيض جسيما كثير الشعر يلبس البياض، وكان أبوه يستشيره في حياته ~~ويرجع إلى قوله، فمن ذلك ما قصه الله في كتابه في قوله: {وداود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث} [الأنبياء: 78] ، الآية. وكان خبره: أن غنما دخلت كرما ~~فأكلت عناقيده وأفسدته، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: أو غير ~~ذلك: أن تسلم الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم # PageV01P200 # عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها إلى أن ~~يعود كرمه إلى حاله، ثم يأخذ كرمه، ويدفع الغنم إلى صاحبها. فأمضى داود ~~قوله. وقال الله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~[الأنبياء: 79] . # قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن كل مجتهد في الأحكام الفروعية مصيب، ~~فإن داود أخطأ الحكم الصحيح عند الله تعالى وأصابه سليمان، فقال الله ~~تعالى: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] . وكان سليمان يأكل من كسب ~~يده، وكان كثير الغزو، وكان إذا أراد الغزو أمر بعمل بساط من خشب يسع عسكره ~~ويركبون عليه هم ودوابهم وما يحتاجون إليه، ثم أمر الريح فحملته فسارت في ~~غدوته مسيرة شهر وفي روحته كذلك، وكان له ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سرية، ~~وأعطاه الله أجرا أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا حملته الريح إليه فيعلم ما ~~يقول. # ذكر ما جرى له مع بلقيس # نذكر أولا ما قيل في نسبها وملكها، ثم ما جرى له معها، فنقول قد اختلف ~~العلماء في اسم آبائها، فقيل: إنها هي بلقمة ابنة ليشرح بن الحارث بن قيس ~~بن صيفي بن سبإ بن يشجب بن ms0145 يعرب بن قحطان، وقيل: هي بلقمة ابنة هادد، واسمه ~~ليشرح بن تبع ذي الأذعار بن تبع ذي المنار بن تبع الرايش، وقيل في نسبها ~~غير ذلك لا حاجة إلى ذكره. # PageV01P201 # وقد اختلف الناس في التبابعة وتقديم بعضهم على بعض وزيادة في عددهم ~~ونقصان، اختلافا لا يحصل الناظر فيه على طائل، وكذا أيضا اختلفوا في نسبها ~~اختلافا كثيرا، وقال كثير من الرواة: إن أمها جنية ابنة ملك الجن واسمها ~~رواحة بنت السكن. وقيل: اسم أمها يلقمة بنت عمرو بن عمير الجني، وإنما نكح ~~أبوها إلى الجن لأنه قال: ليس في الإنس لي كفوة، فخطب إلى الجن فزوجوه. # واختلفوا في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب إليهم فقيل: إنه كان لهجا ~~بالصيد، فربما اصطاد الجن على صور الظباء فيخلي عنهن فظهر له ملك الجن ~~وشكره على ذلك واتخذه صديقا، فخطب ابنته، فأنكحه على أن يعطيه ساحل البحر ~~ما بين يبرين إلى عدن، وقيل: إن أباها خرج يوما متصيدا فرأى حيتين تقتتلان ~~بيضاء وسوداء وقد ظهرت السوداء على البيضاء فأمر بقتل السوداء، وحمل ~~البيضاء وصب عليها الماء، فأفاقت، فأطلقها وعاد إلى داره وجلس منفردا، وإذا ~~معه شاب جميل، فذعر منه، فقال له: لا تخف أنا الحية التي أنجيتني، والأسود ~~الذي قتلته غلام لنا تمرد علينا وقتل عدة من أهل بيتي، وعرض عليه المال ~~وعلم الطب، فقال: أما المال فلا حاجة لي به، وأما الطب فهو قبيح بالملك، ~~ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها، فزوجه على شرط أن لا يغير عليها شيئا تعمله ~~ومتى غير عليها فارقته، فأجابه إلى ذلك، فحملت منه فولدت له غلاما فألقته ~~في النار فجزع لذلك وسكت للشرط، ثم حملت منه فولدت جارية فألقتها إلى كلبة ~~فأخذتها، فعظم ذلك عليه وصبر للشرط، ثم إنه عصى عليه بعض أصحابه فجمع عسكره ~~فسار إليه ليقاتله وهي معه، فانتهى إلى مفازة، فلما توسطها # PageV01P202 # رأى جميع ما معهم من الزاد يخلط بالتراب، وإذا الماء يصب من القرب ~~والمزاود. فأيقنوا بالهلاك وعلموا أنه من فعال ms0146 الجن عن أمر زوجته فضاق ذرعا ~~عن حمل ذلك، فأتاها وجلس وأومأ إلى الأرض وقال: يا أرض، صبرت لك على إحراق ~~ابني وإطعام الكلبة ابنتي، ثم أنت الآن قد فجعتنا بالزاد والماء وقد أشرفنا ~~على الهلاك! # فقالت المرأة: لو صبرت لكان خيرا لك، وسأخبرك: إن عدوك خدع وزيرك فجعل ~~السم في الأزواد والمياه ليقتلك وأصحابك، فمر وزيرك ليشرب من الماء ويأكل ~~من الزاد، فأمره فامتنع، فقتله، ودلتهم على الماء والميرة من قريب وقالت: ~~أما ابنك فدفعته إلى حاضنة تربيه وقد مات، وأما ابنتك فهي باقية، وإذا ~~بجويرية قد خرجت من الأرض، وهي بلقيس، وفارقته امرأته وسار إلى عدوه فظفر ~~به. # وقيل في سبب نكاحه إليهم غير ذلك، والجميع حديث خرافة لا أصل له ولا ~~حقيقة. # وأما ملكها اليمن فقيل: إن أباها فوض إليها الملك فملكت بعده، وقيل: بل ~~مات عن غير وصية بالملك لأحد فأقام الناس ابن أخ له، وكان فاحشا خبيثا ~~فاسقا لا يبلغه عن بنت قيل ولا ملك ذات جمال إلا أحضرها وفضحها، حتى انتهى ~~إلى بلقيس بنت عمه، فأراد ذلك منها فوعدته أن يحضر عندها إلى قصرها وأعدت ~~له رجلين من أقاربها وأمرتهما بقتله إذا دخل إليها وانفرد بها، فلما دخل ~~إليها وثبا عليه فقتلاه. فلما قتل أحضرت وزراءه فقرعتهم، فقالت: أما كان ~~فيكم من يأنف لكريمته، وكرائم عشيرته! ثم أرتهم إياه قتيلا، وقالت: اختاروا ~~رجلا تملكونه. فقالوا: لا نرضى بغيرك، فملكوها. # وقيل: إن أباها لم يكن ملكا، وإنما كان وزير الملك، وكان الملك خبيثا، ~~قبيح السيرة يأخذ بنات الأقيال، والأعيان، والأشراف، وإنها قتلته، فملكها ~~الناس عليهم. # وكذلك أيضا عظموا ملكها وكثرة جندها فقيل: كان تحت يدها أربعمائة ملك، كل ~~ملك منهم على كورة، مع كل ملك منهم أربعة آلاف مقاتل، وكان لها ثلاثمائة ~~وزير يتدبرون ملكها، وكان لها اثنا عشر قائدا يقود كل قائد منهم اثني عشر ~~ألف مقاتل. # PageV01P203 # وبالغ آخرون مبالغة تدل على سخف عقولهم وجهلهم، قالوا: كان لها اثنا عشر ~~ألف قيل، تحت يد ms0147 كل قيل مائة ألف مقاتل، مع كل مقاتل سبعون ألف جيش، في كل ~~جيش سبعون ألف مبارز، ليس فيهم إلا أبناء خمس وعشرين سنة. وما أظن الساعة ~~راوي هذا الكذب الفاحش عرف الحساب حتى يعلم مقدار جهله، ولو عرف مبلغ العدد ~~لأقصر عن إقدامه على هذا القول السخيف، فإن أهل الأرض لا يبلغون جميعهم، ~~شبابهم وشيوخهم، وصبيانهم ونساؤهم هذا العدد، فكيف أن يكونوا أبناء خمس ~~وعشرين سنة! فيا ليت شعري كم يكون غيرهم ممن ليس من أسنانهم، وكم تكون ~~الرعية وأرباب الحرف والفلاحة وغير ذلك، وإنما الجند بعض أهل البلاد، وإن ~~كان الحاصل من اليمن قد قل في زماننا فإن رقعة أرضه لم تصغر، وهي لا تسع ~~هذا العدد قياما كل واحد إلى جانب الآخر. # ثم إنهم قالوا: أنفقت على كوة بيتها التي تدخل الشمس منها فتسجد لها ~~ثلاثمائة ألف أوقية من الذهب، وقالوا غير ذلك، وذكروا من أمر عرشها ما ~~يناسب كثرة جيشها، فلا نطول بذكره. وقد تواطئوا على الكذب والتلاعب بعقول ~~الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال العقلاء لهم، وإنما ذكرنا هذا على ~~قبحه ليقف بعض من كان يصدق به عليه فينتهي إلى الحق. # وأما سبب مجيئها إلى سليمان وإسلامها فإنه طلب الهدهد فلم يره، وإنما ~~طلبه لأن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض فيعلم هل في تلك الأرض ماء أم لا، ~~وهل هو قريب أم بعيد، فبينما سليمان في بعض مغازيه احتاج إلى الماء فلم ~~يعلم أحد ممن معه بعده، فطلب الهدهد ليسأله عن ذلك فلم يره. وقيل: بل نزلت ~~الشمس إلى سليمان، فنظر ليرى من أين نزلت لأن الطير كانت تظله، فرأى موضع ~~الهدهد فارغا، فقال: {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين} [النمل: 21] . # PageV01P204 # وكان الهدهد قد مر على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف قصرها، فمال إلى ~~الخضرة، فرأى فيه هدهدا فقال له: أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟ فقال ~~له: ومن سليمان؟ فذكر له حاله وما سخر له من الطير وغيره، ms0148 فعجب من ذلك. ~~فقال له هدهد سليمان: وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة ~~{وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} [النمل: 23] . وجعلوا الشكر لله أن سجدوا ~~للشمس من دونه، وكان عرشها سريرا من ذهب، مكلل بالجواهر النفيسة من ~~اليواقيت والزبرجد واللؤلؤ. # ثم إن الهدهد عاد إلى سليمان فأخبره بعذره في تأخيره، فقال له: اذهب ~~بكتابي هذا فألقه إليها، فوافاها وهي في قصرها فألقاه في حجرها، فأخذته ~~وقرأته، وأحضرت قومها وقالت: {إني ألقي إلي كتاب كريم - إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم - الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين - ياأيها ~~الملأ} [النمل: 29 - 32] . . . . {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} [النمل: ~~32] # {قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} ~~[النمل: 33] قالت وإني مرسلة إليهم بهدية فإن قبلها فهو من ملوك الدنيا ~~فنحن أعز منه وأقوى، وإن لم يقبلها فهو نبي من الله. # فلما جاءت الهدية إلى سليمان قال للرسل: {أتمدونني بمال فما آتاني الله ~~خير مما آتاكم} [النمل: 36]- إلى قوله -: {وهم صاغرون} [النمل: 37] ، فلما ~~رجع الرسل إليها سارت إليه وأخذت معها الأقيال من قومها، وهم القواد، وقدمت ~~عليه، فلما قاربته وصارت منه على نحو فرسخ قال لأصحابه: {أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين - قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك} [النمل: 38 - 39] ، # PageV01P205 # يعني قبل أن تقوم في الوقت الذي تقصد فيه بيتك للغداء. قال سليمان: أريد ~~أسرع من ذلك. ف {قال الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40]- وهو آصف بن ~~برخيا، وكان يعرف اسم الله الأعظم - {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} ~~[النمل: 40] ، وقال له انظر إلى السماء وأدم النظر فلا ترد طرفك حتى أحضره ~~عندك. وسجد ودعا، فرأى سليمان العرش قد نبع من تحت سريره، فقال: {هذا من ~~فضل ربي ليبلوني أأشكر} [النمل: 40] إذ أتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي {أم ~~أكفر} [النمل: 40] إذ جعل تحت يدي من هو أقدر مني على إحضاره. # فلما ms0149 جاءت قيل: {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} [النمل: 42] ولقد تركته في ~~حصون وعنده جنود تحفظه فكيف جاء إلى ههنا؟ # فقال سليمان للشياطين: ابنوا لي صرحا تدخل علي فيه بلقيس. فقال بعضهم: إن ~~سليمان قد سخر له ما سخر وبلقيس ملكة سبإ ينكحها فتلد غلاما فلا ننفك من ~~العبودية أبدا، وكانت امرأة شعراء الساقين، فقال للشياطين: ابنوا له بنيانا ~~يرى ذلك منها فلا يتزوجها، فبنوا له صرحا من قوارير خضر وجعلوا له طوابيق ~~من قوارير بيض، فبقي كأنه الماء، وجعلوا تحت الطوابيق صور دواب البحر من ~~السمك وغيره، وقعد سليمان على كرسي، ثم أمر فأدخلت بلقيس عليه، فلما أرادت ~~أن تدخله ورأت صور السمك ودواب الماء حسبته لجة ماء فكشفت عن ساقيها لتدخل، ~~فلما رآها سليمان صرف نظره عنها وقال {إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] . # فاستشار سليمان في شيء يزيل الشعر ولا يضر الجسد، فعمل له الشياطين ~~النورة، فهي أول ما عملت النورة، # PageV01P206 # ونكحها سليمان وأحبها حبا شديدا وردها إلى ملكها باليمن، فكان يزورها كل ~~شهر مرة يقيم عندها ثلاثة أيام. # وقيل: إنه أمرها أن تنكح رجلا من قومها فامتنعت وأنفت من ذلك فقال: لا ~~يكون في الإسلام إلا ذلك. فقالت: إن كان لا بد من ذلك فزوجني ذا تبع ملك ~~همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على الملك، وأمر ~~الجن من أهل اليمن بطاعته، فاستعملهم ذو تبع، فعملوا له عدة حصون باليمن، ~~منها سلحين، ومراوح، وفليون، وهنيدة، وغيرها، فلما مات سليمان لم يطيعوا ذا ~~تبع وانقضى ملك ذي تبع، وملك بلقيس مع ملك سليمان. # وقيل: إن بلقيس ماتت قبل سليمان بالشام وإنه دفنها بتدمر، وأخفى قبرها. # ذكر غزوته أبا زوجته جرادة ونكاحها، وعبادة الصنم في داره، وأخذ خاتمه، ~~وعوده إليه # قيل: سمع سليمان بملك في جزيرة من جزائر البحر وشدة ملكه، وعظم شأنه، ولم ~~يكن للناس إليه سبيل، فخرج سليمان إلى تلك الجزيرة ms0150 وحملته الريح حتى نزل ~~بجنوده بها فقتل ملكها وغنم ما فيها وغنم بنتا للملك لم ير الناس مثلها ~~حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها للإسلام، فأسلمت على قلة رغبة فيه، ~~وأحبها حبا شديدا، وكانت لا يذهب حزنها ولا تزال تبكي، فقال لها: ويحك ما ~~هذا الحزن، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إني أذكر أبي وملكه وما أصابه ~~فيحزنني ذلك. قال: فقد أبدلك الله ملكا خيرا من ملكه وهداك إلى الإسلام. ~~قالت: إنه كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى، فلو أمرت الشياطين فصوروا ~~صورته في داري أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك حزني. # PageV01P207 # فأمر الشياطين فعملوا لها مثل صورته لا تنكر منها شيئا، وألبستها ثيابا ~~مثل ثياب أبيها، وكانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في جواريها فتسجد ~~له ويسجدن معها، وتروح عشية ويرحن، فتفعل مثل ذلك، ولا يعلم سليمان بشيء من ~~أمرها أربعين صباحا. # وبلغ الخبر آصف بن برخيا، وكان صديقا، وكان لا يرد من منازل سليمان أي ~~وقت أراد من ليل أو نهار سواء كان سليمان حاضرا أو غائبا. فأتاه، فقال: يا ~~نبي الله قد كبر سني ودق عظمي، وقد حان مني ذهاب عمري وقد أحببت أن أقوم ~~مقاما أذكر فيه أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما ~~يجهلون. قال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام آصف خطيبا فيهم فذكر من مضى ~~من الأنبياء وأثنى عليهم حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في ~~صغرك، وأبعدك من كل ما يكره في صغرك. ثم انصرف. # فملئ سليمان غضبا، فأرسل إليه وقال له: يا آصف لما ذكرتني جعلت تثني علي ~~في صغري وسكت عما سوى ذلك، فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ قال: إن غير الله ~~ليعبد في دارك أربعين يوما في هوى امرأة. قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد ~~علمت أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك، ودخل داره وكسر الصنم وعاقب تلك المرأة ~~وجواريها. ثم أمر بثياب الطهارة فأتي بها، وهي ثياب ms0151 تغزلها الأبكار اللائي ~~لم يحضن ولم تمسها امرأة ذات دم، فلبسها وخرج إلى الصحراء، وفرش الرماد، ثم ~~أقبل تائبا إلى الله وتمعك في الرماد بثيابه تذللا لله تعالى وتضرعا، وبكى ~~واستغفر يومه ذلك ثم عاد إلى داره. # وكانت أم ولد له لا يثق إلا بها يسلم خاتمه إليها، وكان لا ينزعه إلا عند ~~دخوله الخلاء، وإذا أراد يصيب امرأة فيسلمه إليها حتى يتطهر، وكان ملكه في ~~خاتمه، فدخل في بعض تلك الأيام الخلاء وسلم خاتمه إليها، فأتاها شيطان اسمه ~~صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم وخرج إلى كرسي سليمان، وهو في صورة سليمان، ~~فجلس عليه، وعكفت عليه الإنس والجن والطير. وخرج سليمان وقد تغيرت حالته ~~وهيئته، فقال: خاتمي! قالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان. قالت: كذبت لست # PageV01P208 # بسليمان! قد جاء سليمان وأخذ خاتمه مني وهو جالس على سريره! فعرف سليمان ~~خطيئته فخرج وجعل يقول لبني إسرائيل: أنا سليمان، فيحثون عليه التراب، فلما ~~رأى ذلك قصد البحر وجعل ينقل سمك الصيادين ويعطونه كل يوم سمكتين يبيع ~~إحداهما بخبز ويأكل الأخرى، فبقي كذلك أربعين يوما. # ثم إن آصف وعظماء بني إسرائيل أنكروا حكم الشيطان المشتبه بسليمان، فقال ~~آصف: يا بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان ما رأيت؟ قالوا: نعم. ~~قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه وأسألهن هل أنكرن ما أنكرنا منه. فدخل ~~عليهن وسألهن، فذكرن أشد مما عنده، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا ~~لهو البلاء المبين. # ثم خرج إلى بني إسرائيل فأخبرهم، فلما رأى الشيطان أنهم قد علموا به طار ~~من مجلسه فمر بالبحر فألقى الخاتم فيه، فبلعته سمكة، واصطادها صياد، وحمل ~~له سليمان يومه ذلك فأعطاه سمكتين، تلك السمكة إحداهما. فأخذها فشقها ~~ليصلحها، ويأكلها فرأى خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في إصبعه وخر لله ~~ساجدا، وعكفت عليه الإنس والجن والطير، وأقبل عليه الناس ورجع إلى ملكه، ~~وأظهر التوبة من ذنبه، وبث الشياطين في إحضار صخر الذي أخذ الخاتم، ~~فأحضروه، فثقب له صخرة، وجعله فيها وسد النقب ms0152 بالحديد والرصاص، وألقاه في ~~البحر. # وكان مقامه في الملك أربعين يوما، بمقدار عبادة الصنم في دار سليمان. # وقيل: كان السبب في ذهاب ملكه أن امرأة له كانت أبر نسائه عنده تسمى ~~جرادة ولا يأتمن على خاتمه سواها، فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان حكومة، ~~وأنا أحب أن تقضي له. فقال: أفعل، ولم يفعل، فابتلي، وأعطاها خاتمه، ودخل ~~الخلاء، فخرج الشيطان في صورته فأخذه، وخرج سليمان بعده فطلب الخاتم، ~~فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا، وخرج من مكانه تائها وبقي الشيطان أربعين يوما ~~يحكم بين الناس، ففطنوا له وأحدقوا به ونشروا التوراة فقرءوها، فطار من بين ~~أيديهم، وألقى الخاتم في البحر، فابتلعه حوت، ثم إن سليمان قصد صيادا وهو ~~جائع فاستطعمه، وقال: أنا سليمان، فكذبه، وضربه فشجه، فجعل يغسل الدم، فلام ~~الصيادون صاحبهم، وأعطوه سمكتين # PageV01P209 # إحداهما التي ابتلعت الخاتم، فشق بطنها، وأخذ الخاتم، فرد الله إليه ~~ملكه، فاعتذروا إليه، فقال: لا أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان ~~منكم. # وسخر الله له الجن والشياطين والريح، ولم يكن سخرها له قبل ذلك، وهو أشبه ~~بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي إنك أنت الوهاب - فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب - ~~والشياطين كل بناء وغواص - وآخرين مقرنين في الأصفاد} [ص: 35 - 38] . # وقيل في سبب زوال ملكه غير ذلك، والله أعلم. # ذكر وفاة سليمان # لما أراد الله إلى سليمان الملك لبث فيه مطاعا، والجن تعمل له {ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات} [سبأ: 13] وغير ذلك ويعذب ~~من الشياطين من شاء ويطلب من شاء، حتى إذا دنا أجله وكان عادته إذا صلى كل ~~يوم رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء ~~أنت؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ ~~رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: الخرنوبة. فقال لها: لأي شيء ~~أنت؟ قالت: لخراب ms0153 هذا البيت - يعني بيت المقدس - فقال سليمان: ما كان الله ~~ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب البيت! وقلعها، ثم قال: ~~اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب. # وكان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر ~~والشهرين، وأقل وأكثر، يدخل معه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي ~~فيها، فبينما هو قائم يصلي متوكئا على عصاه أدركه أجله فمات، ولا تعلم به ~~الشياطين ولا الجن، وهم في ذلك يعملون خوفا منه، فأكلت الأرضة عصاه فانكسرت ~~فسقط، فعلموا أنه مات، وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب ولو علموا الغيب ~~ما لبثوا في العذاب المهين # PageV01P210 # ومقاساة الأعمال الشاقة. # ولما سقط أراد بنو إسرائيل أن يعلموا مذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا ~~يوما وليلة فأكلت منها، فحسبوا بنسبته فكان أكل تلك العصا في سنة، ثم إن ~~الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو ~~كنت تشربين الشراب لأتيناك بأطيب الشراب، ولكنا سننقل لك الماء والطين، فهم ~~ينقلون إليها ذلك حيث كانت. ألم تر إلى الطين يكون في وسط الخشبة؟ فهو ما ~~ينقلونه لها! # قيل: إن الجن والشياطين شكوا ما يلحقهم من التعب، والنصب إلى بعض أولي ~~التجربة منهم، وقيل: كان إبليس، فقال لهم: ألستم تنصرفون بأحمال وتعودون ~~بغير أحمال؟ قالوا: بلى. قال: فلكم في كل ذلك راحة، فحملت الريح الكلام، ~~فألقته في أذن سليمان، فأمر الموكلين بهم أنهم إذا جاءوا بالأحمال، والآلات ~~التي يبنى بها إلى موضع البناء، والعمل يحملهم من هناك في عودهم ما يلقونه ~~من المواضع التي فيها الأعمال ليكون أشق عليهم وأسرع في العمل، فاجتازوا ~~بذلك الذي شكوا إليه حالهم فأعلموه حالهم فقال لهم: انتظروا الفرج فإن ~~الأمور إذا تناهت تغيرت، فلم تطل مدة سليمان بعد ذلك حتى مات، وكان مدة ~~عمره ثلاثا وخمسين سنة، وملكه أربعين سنة. # PageV01P211 ### | [ذكر من ملك من الفرس بعد كيقباذ] # لما توفي كيقباذ ملك بعده ابنه كيكاووس بن كينية بن ms0154 كيقباذ، فلما ملك حمى ~~بلاده وقتل جماعة من عظماء البلاد المجاورة له، وكان يسكن بنواحي بلخ، وولد ~~له ولد سماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن داستان بن نريمان بن جوذنك بن ~~كرشاسب، وكان إصبهبذ سجستان وما يليها، وجعله عنده ليربيه، فأحسن تربيته ~~وعلمه العلوم والفروسية والآداب وما يحتاج الملوك إليه، فلما كمل ما أراد ~~حمله إلى أبيه، فلما رآه سر به صورة ومعنى. # وكان أبوه كيكاووس قد تزوج ابنة أفراسياب ملك الترك، وقيل إنها ابنة ملك ~~اليمن، فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها، فامتنع، فسعت به إلى أبيه حتى أفسدته ~~عليه، فسأل سياوخش رستم الشديد ليتوصل مع أبيه لينفذه إلى محاربة أفراسياب ~~بسبب منعه بعض ما كان قد استقر بينهما، وأراد البعد عن أبيه ليأمن كيد ~~امرأته، ففعل ذلك رستم، فسيره أبوه وضم إليه جيشا كثيفا فسار إلى بلاد ~~الترك للقاء أفراسياب، فلما سار إلى تلك الناحية جرى بينهما صلح، فكتب ~~سياوخش إلى أبيه يعرفه ما جرى بينه وبين أفراسياب من الصلح، فكتب إليه ~~والده يأمره بمناهضة أفراسياب ومحاربته وفسخ الصلح، فاستقبح سياوخش الغدر ~~وأنف منه، فلم ينفذ ما أمره به، ورأى أن ذلك من فعل زوجة والده ليقبح فعله، ~~فراسل أفراسياب في الأمان لنفسه لينتقل إليه، # PageV01P212 # فأجابه أفراسياب إلى ذلك، وكان السفير في ذلك قيران بن ويسعان، ودخل ~~سياوخش إلى بلاد الترك، فأكرمه أفراسياب وأنزله وأجرى عليه وزوجه بنتا له ~~يقال لها وسفافريد، وهي أم كيخسرو، فظهر له من أدب سياوخش ومعرفته بالملك ~~وشجاعته ما خاف على ملكه منه، وزاد الفساد بينهما بسعي ابني أفراسياب وأخيه ~~كيدر حسدا منهم لسياوخش، فأمرهم أفراسياب بقتله فقتلوه ومثلوا به، وكانت ~~زوجته ابنة أفراسياب حاملة منه بابنه كيخسرو فطلبوا الحيلة في إسقاط ما في ~~بطنها، فلم يسقط، فأنكر قيران الذي كان أمان سياوخش على يده قتله وحذر ~~عاقبته، والأخذ بثأره من والده كيكاووس ومن رستم، وأخذ زوجة سياوخش إليه ~~لتضع ما في بطنها ويقتله، فلما وضعت رق قيران لها وللمولود ولم يقتله وستر ms0155 ~~أمره حتى بلغ، فسير كيكاووس إلى بلاد الترك من كشف أمره وأخذه إليه. # وحين بلغ خبر قتله إلى فارس لبس شادوس بن جودرز السواد حزنا، وهو أول من ~~لبسه، ودخل على كيكاووس فقال له: ما هذا؟ فقال: إن هذا اليوم يوم ظلام ~~وسواد. # ثم إن كيكاووس لما علم بقتل ابنه سير الجيوش مع رستم الشديد وطوس إصبهبذ ~~أصبهان لمحاربة أفراسياب، فدخلا بلاد الترك، فقتلا وأسرا وأثخنا فيها، وجرى ~~لهما مع أفراسياب حروب شديدة قتل فيها ابنا أفراسياب وأخوه الذين أشاروا ~~بقتل سياوخش. # وزعمت الفرس أن الشياطين كانت مسخرة له، وأنها بنت له مدينة طولها في ~~زعمهم ثلاثمائة فرسخ وبنوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه، وسورا من فضة، ~~وكانت الشياطين تنقلها بين السماء والأرض وما بينهما، وأن كيكاووس لا يأكل ~~ولا يشرب ولا يحدث. ثم إن الله أرسل إلى المدينة من يخربها فعجزت الشياطين ~~عن # PageV01P213 # المنع عنها، فقتل كيكاووس جماعة من رؤسائهم. # وقال بعض العلماء بأخبار المتقدمين: إنما سخر له فعل الشياطين بأمر ~~سليمان بن داود، وكان مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظهر عليه، فلم يزل ~~كذلك حتى حدثته نفسه بالصعود إلى السماء، فسار من خراسان إلى بابل، وأعطاه ~~الله تعالى قوة ارتفع بها ومن معه حتى بلغوا السحاب، ثم سلبهم الله تلك ~~القوة، فسقطوا وهلكوا وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ. # وهذا جميعه من أكاذيب الفرس الباردة. # ثم إن كيكاووس بعد هذه الحادثة تمزق ملكه وكثرت الخوارج عليه وصاروا ~~يغزونه، فيظفر مرة ويظفرون أخرى. # ثم غزا بلاد اليمن وملكها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن ~~الرايش، فلما ورد اليمن خرج إليه ذو الأذعار، وكان قد أصابه الفالج، فلم ~~يكن يغزو، فلما وطئ كيكاووس بلاده خرج إليه بنفسه وعساكره وظفر بكيكاووس ~~فأسره واستباح عسكره، وحبسه في بئر وأطبق عليه. فسار رستم من سجستان إلى ~~اليمن وأخرج كيكاووس وأخذه، وأراد ذو الأذعار منعه فجمع العساكر وأراد ~~القتال ثم خاف البوار فاصطلحا على أخذ كيكاووس والعود إلى بلاد الفرس، ms0156 ~~فأخذه وأعاده إلى ملكه، فأقطعه كيكاووس سجستان وزابلستان، وهي من أعمال ~~غزنة، وأزال عنه اسم العبودية، ثم توفي كيكاووس، وكان ملكه خمسمائة وخمسين ~~سنة. # PageV01P214 ### | [ذكر خبر كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس] # لما مات كيكاووس ملك بعده ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس وأمه ~~وسفافريد ابنة أفراسياب ملك الترك، فلما ملك كتب إلى الإصبهبذين جميعهم أن ~~يأتوا بعساكرهم جميعها، فلما اجتمعوا جهزوا ثلاثين ألفا مع طوس، وأمره ~~بدخول بلاد الترك، وأن لا يمر بقرية ولا مدينة لهم إلا قتل كل من فيها إلا ~~مدينة من مدنهم كان بها أخ له اسمه فيروزد بن سياوخش، كان أبوه قد تزوج أمه ~~في بعض مدائن الترك، فاجتاز طوس بها فجرى بينه وبين فيروزد حرب قتل فيها ~~فيروزد، فبلغ خبره كيخسرو فعظم عليه وكتب إلى عم له كان مع طوس يأمره ~~بالقبض على طوس وإرساله مقيدا والقيام بأمر الجيش. ففعل ذلك وسار بالعسكر ~~نحو أفراسياب، فسير أفراسياب العساكر إليه فاقتتلوا قتالا شديدا كثرت فيه ~~القتلى وانحازت الفرس إلى رءوس الجبال وعادوا إلى كيخسرو، فوبخ عمه ولامه ~~واهتم بغزو الترك، فأمر بجمع العساكر جميعها وأن لا يختلف أحد، فلما ~~اجتمعوا أعلمهم أنه يريد قصد بلاد الترك من أربعة وجوه، فسير جودرز في أعظم ~~العساكر وأمره بالدخول إلى بلاد الترك مما يلي بلخ، وأعطاه درفش كابيان، ~~وهو العلم الأكبر الذي لهم، وكانوا لا يرسلونه إلا مع بعض أبناء الملوك ~~لأمر عظيم، وسير عسكرا آخر من ناحية الصين، وسير عسكرا آخر مما يلي الخزر، ~~وعسكرا آخر بين هذين العسكرين، فدخلت العساكر بلاد الترك من كل جهاتها ~~وأخربتها، لا سيما جودرز، فإنه قتل وأخرب وسبى، وتبعه كيخسرو بنفسه في ~~طريقه، فوصل إليه وقد قتل جماعة كثيرة من أهل أفراسياب وأثخن فيهم، ورآه قد ~~قتل خمسمائة ألف ونيفا وستين # PageV01P215 # ألفا وأسر ثلاثين ألفا، وغنم ما لا يحد ولا يحصى، وعرض عليه من قتل من ~~أهل أفراسياب وطراخنته، فعظم جودرز عنده، وشكره، وقطعه أصبهان، وجرجان، ~~ووردت عليه الكتب الواردة من ms0157 عساكره الداخلة من تلك الوجوه إلى الترك بما ~~قتلوا وغنموا، وأخربوا وأنهم هزموا لأفراسياب عسكرا بعد عسكر، فكتب إليهم ~~أن يجدوا في محاربتهم ويوافوه بموضع سماه لهم. # فلما بلغ أفراسياب قتل من قتل من طراخنته، وأهله، وعساكره عظم ذلك عليه ~~فسقط في يديه، ولم يكن بقي عنده من أولاده غير ولده شيده، فوجهه في جيش نحو ~~كيخسرو، فسار إليه فاقتتلوا قتالا شديدا أربعة أيام ثم انهزمت الترك وتبعهم ~~الفرس يقتلونهم ويأسرون، وأدركوا ابن أفراسياب فقتلوه، وسمع أفراسياب ~~بالحادثة وقتل ابنه، فأقبل فيمن عنده من العساكر فلقي كيخسرو فاقتتلوا ~~قتالا شديدا لم يسمع بمثله، واشتد الأمر فانهزم أفراسياب، وكثر القتل في ~~الترك فقتل منهم مائة ألف، وجد كيخسرو في طلب أفراسياب، ولم يزل يهرب من ~~بلد إلى بلد حتى بلغ أذربيجان فاستتر، وظفر به وأتي به إلى كيخسرو، فلما ~~حضر عنده سأله عن غدره بأبيه، فلم يكن له حجة ولا عذر، فأمر بقتله، فذبح ~~كما ذبح سياوخش، ثم انصرف من أذربيجان مظفرا منصورا فرحا. # فلما قتل أفراسياب ملك الترك بعده أخوه كي سواسف، فلما توفي ملك بعده ~~ابنه جرازسف، وكان جبارا عاتيا # فلما فرغ كيخسرو من الأخذ بثأر أبيه واستقر في ملكه زهد في الدنيا وترك ~~الملك، وتنسك، واجتهد أهله، وأصحابه به ليلازم الملك فلم يفعل، فقالوا: ~~فاعهد إلى من يقوم بالملك بعدك فعهد إلى لهراسب، وفارقهم كيخسرو وغاب عنهم، ~~فلا يدرى ما كان منه ولا أين مات. وبعض يقول غير ذلك. # وكان ملكه ستين سنة، وملك بعده لهراسب. # PageV01P216 ### | [ذكر أمر بني إسرائيل بعد سليمان] # قيل ثم ملك بعد سليمان على بني إسرائيل ابنه رحبعم بن سليمان وكان ملكه ~~سبع عشرة سنة، ثم افترقت ممالك بني إسرائيل بعد رحبعم، فملك أبيا بن رحبعم ~~سبط يهوذا وبنيامين دون سائر الأسباط، وذلك أن سائر الأسباط ملكوا عليهم ~~يوربعم بن بايعا عبد سليمان بسبب القربان الذي كانت جرادة زوجة سليمان فيما ~~زعموا قربته في داره للصنم، فتوعده الله تعالى أن ينزع بعض الملك عن ms0158 ولده، ~~فكان ملك أبيا بن رحبعم ثلاث سنين، ثم ملك أسا بن أبيا أمر السبطين اللذين ~~كان أبوه يملكهما إحدى وأربعين سنة، # PageV01P217 # وكان رجلا صالحا، وكان أعرج. # ذكر محاربة أسا بن أبيا ورزح الهندي # قيل: كان أسا بن أبيا رجلا صالحا، وكان أبوه قد عبد الأصنام ودعا الناس ~~إلى عبادتها، فلما ملك ابنه أسا أمر مناديا فنادى: ألا إن الكفر قد مات ~~وأهله، وعاش الإيمان وأهله، فليس كافر في بني إسرائيل يطلع رأسه بكفر إلا ~~قتلته، فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تمطر ~~الحجارة والنار من السماء إلى الأرض إلا بترك طاعة الله والعمل بمعصيته! ~~وشدد في ذلك. # فأتى بعضهم ممن كان يعبد الأصنام ويعمل بالمعاصي إلى أم أسا الملك، وكانت ~~تعبد الأصنام، فشكوا إليها، فجاءت إليه ونهته عما كان يفعله وبالغت في ~~زجره، فلم يصغ إلى قولها بل تهددها على عبادة الأصنام وأظهر البراءة منها، ~~فحينئذ أيس الناس منه وانتزح من كان يخافه وساروا إلى الهند. # وكان بالهند ملك يقال له رزح، وكان جبارا عاتيا عظيم السلطان قد أطاعه ~~أكثر البلاد، وكان يدعو الناس إلى عبادته، فوصل إليه أولئك النفر من بني ~~إسرائيل وشكوا إليه ملكهم ووصفوا له البلاد وكثرتها وقلة عسكرها، وضعف ~~ملكها، وأطمعوه فيها. # فأرسل الجواسيس فأتوه بأخبارها، فلما تيقن الخير جمع العساكر وسار إلى ~~الشام في البحر، وقال له بنو إسرائيل: إن لأسا صديقا ينصره ويعينه، قال: ~~فأين أسا وصديقه من كثرة عساكري وجنودي! # PageV01P218 # وبلغ خبره إلى أسا، فتضرع إلى الله وأظهر الضعف والعجز عن الهندي وسأل ~~الله النصرة عليه، فاستجاب الله له وأراه في المنام: إني سأظهر من قدرتي في ~~رزح الهندي وعساكره ما أكفيك شرهم وأغنمكم أموالهم حتى يعلم أعداؤك أن ~~صديقك لا يطاق وليه ولا ينهزم جنده. # ثم سار رزح حتى أرسى بالساحل، وسار إلى بيت المقدس، فلما صار على مرحلتين ~~منه فرق عساكره، فامتلأت منهم تلك الأرض وملئت قلوب بني إسرائيل رعبا، وبعث ~~أسا العيون فعادوا وأخبروه من ms0159 كثرتهم بما لم يسمع بمثله، وسمع الخبر بنو ~~إسرائيل فصاحوا، وبكوا، وودع بعضهم بعضا وعزموا على أن يخرجوا إلى رزح ~~ويستسلموا إليه وينقادوا له. فقال لهم ملكهم: إن ربي وعدني بالظفر ولا خلف ~~لوعده، فعاودوا الدعاء والتضرع. ففعلوا ودعوا جميعهم وتضرعوا، فزعموا أن ~~الله أوحى إليه: يا أسا، إن الحبيب لا يسلم حبيبه، وأنا الذي أكفيك عدوك ~~فإنه لا يهون من توكل علي، ولا يضعف من تقوى بي وقد كنت تذكرني في الرخاء ~~فلا أسلمك في الشدة، وسأرسل بعض الزبانية يقتلون أعدائي. فاستبشر وأخبر بني ~~إسرائيل فأما المؤمنون فاستبشروا وأما المنافقون فكذبوه. # وأمره الله بالخروج إلى رزح في عساكره، فخرج في نفر يسير، فوقفوا على ~~رابية من الأرض ينظرون إلى عساكره، فلما رآهم رزح احتقرهم واستصغرهم وقال: ~~إنما خرجت من بلادي وجمعت عساكري وأنفقت أموالي لهذه الطائفة! ودعا النفر ~~من بني إسرائيل الذين قصدوه، والجواسيس الذين أرسلهم ليختبروا له وقال: ~~كذبتموني، وأخبرتموني بكثرة بني إسرائيل حتى جمعت العساكر، وفرقت أموالي! ~~ثم أمر بهم فقتلوا، وأرسل إلى أسا يقول له: أين صديقك الذي ينصرك ويخلصك من ~~سطوتي؟ فأجابه أسا: يا شقي، إنك لا تعلم ما تقول! أتريد أن تغالب الله ~~بقوتك أم تكاثره بقلتك؟ وهو معي في موقفي هذا، ولن يغلب أحد كان الله معه، ~~وستعلم ما يحل بك! # فغضب رزح من قوله وصف عساكره وخرج إلى قتال أسا وأمر الرماة فرموهم ~~بالسهام، وبعث الله من الملائكة مددا لبني إسرائيل، فأخذوا السهام ورموا ~~بها الهنود، فقتلت كل إنسان منهم نشابته، فقتل جميع الرماة، فضج بنو ~~إسرائيل بالتسبيح والدعاء، وتراءت الملائكة للهنود، فلما رآهم رزح ألقى ~~الله الرعب في قلبه وسقط في يده ونادى # PageV01P219 # في عساكره يأمرهم بالحملة عليهم، ففعلوا فقتلتهم الملائكة ولم يبق منهم ~~غير رزح وعبيده ونسائه، فلما رأى ذلك ولى هاربا وهو يقول: قتلني صديق أسا. # فلما رآه أسا مدبرا قال: اللهم إنك لم تهلكه استنفر علينا نائبه. وبلغ ~~رزح ومن معه إلى البحر فركبوا السفن، فلما سارت بهم ms0160 أرسل الله عليهم الرياح ~~فأغرقتهم أجمعين. # ثم ملك بعد أسا ابنه سافاط إلى أن هلك خمسا وعشرين سنة، ثم ملكت عزليا ~~بنت عمرم أم أخزيا، وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل ولم يبق منهم إلا ~~يواش بن أخزيا، وهو ابن ابنها، فإنه ستر عنها، ثم قتلها يواش وأصحابه، وكان ~~ملكها سبع سنين، ثم ملك يواش أربعين سنة. ثم قتله أصحابه وهو الذي قتل ~~جدته، ثم ملك عوزيا بن أمصيا بن يواش. ويقال له غوزيا، إلى أن توفي اثنتين ~~وخمسين سنة. # PageV01P220 # ثم ملك يوثام بن عوزيا إلى أن توفي. ست عشرة سنة، ثم ملك حزقيا بن أحاز ~~إلى أن توفي. فيقال: إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرع إلى ~~ربه فزاده، وأمر شعيا بإعلامه ذلك، وقيل إن صاحب شعيا في هذه القصة اسمه ~~صدقيا، على ما يرد ذكره. # PageV01P221 ### | [ذكر شعيا والملك الذي معه من بني إسرائيل ومسير سنحاريب إلى بني إسرائيل] # قيل: كان الله تعالى قد أوحى إلى موسى ما ذكر في القرآن: {وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا - فإذا جاء وعد ~~أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا - ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا - إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~- عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} [الإسراء: ~~4 - 8] . # فكثر في بني إسرائيل الأحداث والذنوب، وكان الله يتجاوز عنهم متعطفا ~~عليهم، وكان من أول ما أنزل الله عليه عقوبة لذنوبهم أن ملكا منهم يقال له ~~صدقية، وكانت عادتهم إذا ملك عليهم رجل بعث الله إليه نبيا يرشده ويوحي ~~إليه ما يريد، ولم يكن لهم غير شريعة التوراة، فلما ملك صدقية بعث الله ~~تعالى إليه شعيا، وهو الذي بشر بعيسى وبمحمد - عليهما السلام - فلما قارب ~~أن ينقضي ملكه عظمت ms0161 الأحداث في بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم سنحاريب ملك ~~بابل في عساكر يغص بها الفضاء، فسار حتى نزل بيت المقدس وأحاط به وملك بني ~~إسرائيل مريض في ساقه قرحة، فأتاه النبي شعيا وقال له: إن الله يأمرك أن ~~توصي وتعهد فإنك ميت، فأقبل الملك على الدعاء والتضرع، فاستجاب الله له، ~~فأوحى الله له إلى شعيا أنه قد زاد في عمر الملك # PageV01P222 # صدقية خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب، فلما قال له ذلك زال عنه ~~الألم وجاءته الصحة. # ثم إن الله أرسل على عساكر سنحاريب ملكا صاح بهم فماتوا غير ستة نفر، ~~منهم: سنحاريب، وخمسة من كتابه، أحدهم بختنصر في قول بعضهم. فخرج صدقية ~~وبنو إسرائيل إلى معسكرهم فغنموا ما فيه والتمسوا سنحاريب فلم يجدوه، فأرسل ~~الطلب في أثره فوجدوه ومعه أصحابه، فأخذوهم وقيدوهم وحملوهم إليه، فقال ~~لسنحاريب: كيف رأيت صنع ربنا بك؟ فقال: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم فلم ~~أسمع ذلك، فطاف بهم حول بيت المقدس ثم سجنهم. # فأوحى الله إلى شعيا يأمر الملك بإطلاق سنحاريب ومن معه، فأطلقهم، فعادوا ~~إلى بابل وأخبرهم قومهم بما فعل الله بهم وبعساكرهم، وبقي بعد ذلك سبع سنين ~~ثم مات. # وقد زعم بعض أهل الكتاب أن بني إسرائيل سار إليهم قبل سنحاريب ملك من ~~ملوك بابل يقال له كفرو، وكان بختنصر ابن عمه وكاتبه، وأن الله أرسل عليهم ~~ريحا فأهلكت جيشه وأفلت هو وكاتبه، وأن هذا البابلي قتله ابن له، وأن ~~بختنصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الذي قتله، وأن سنحاريب سار بعد ذلك وكان ملكه ~~بنينوى وغزا مع ملك أذربيجان يومئذ بنو إسرائيل، فأوقع بهم ثم اختلف ~~سنحاريب وملك أذربيجان وتحاربا حتى تفانى عسكرهما، فخرج بنو إسرائيل وغنموا ~~ما معهم. # وقيل: كان ملك سنحاريب إلى أن توفي تسعا وعشرين سنة، وكان ملك بني ~~إسرائيل الذي حصره سنحاريب حزقيا، فلما توفي حزقيا ملك بعده ابنه منشى خمسا ~~وخمسين سنة. # PageV01P223 # ثم ملك بعده آمون إلى أن قتله أصحابه اثنتي عشرة سنة، ثم ملك ابنه ms0162 يوشيا ~~إلى أن قتله فرعون مصر الأجدع إحدى وثلاثين سنة، ثم ملك بعده ابنه ياهو ~~أحاز بن يوشيا، فعزله فرعون الأجدع واستعمل بعده يوياقيم بن ياهو أحاز ووظف ~~عليه خراجا يحمله إليه، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه ~~يوياحين، فغزاه بختنصر وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه، وملك بعده ~~يقونيا ابن عمه، وسماه صدقية، وخالفه فغزاه وظفر به وحمله إلى بابل وذبح ~~ولده بين يديه وسمل عينيه، وخرب بيت المقدس والهيكل، وسبى بني إسرائيل، ~~وحملهم إلى بابل، فمكثوا إلى أن عادوا إليه، على ما نذكره إن شاء الله، ~~وكان جميع ملك صدقية إحدى عشرة سنة. # وقيل: إن شعيا أوحى الله إليه ليقوم في بني إسرائيل يذكرهم بما يوحي الله ~~على لسانه لما كثرت فيهم الأحداث، ففعل، فعدوا عليه ليقتلوه، فهرب منهم، ~~فلقيته شجرة فانفلقت له، فدخلها، وأخذ الشيطان بهدب ثوبه وأراه بني ~~إسرائيل، فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه في وسطها. # وقيل في أسماء ملوكهم غير ذلك، تركناه كراهة التطويل ولعدم الثقة بصحة ~~النقل به. # PageV01P224 ### | [ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشت] # قد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد إلى ابن عمه لهراسب بن كيوخى بن ~~كيكاووس، فهو ابن كيكاووس، فلما ملك اتخذ سريرا من ذهب وكلله بأنواع ~~الجواهر وبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء، ودون الدواوين، ~~وقوى ملكه بانتخابه الجنود، وعمر الأرض، وجبى الخراج لأرزاق الجند. # واشتدت شوكة الترك في زمانه فنزل مدينة بلخ لقتالهم، وكان محمودا عند أهل ~~مملكته شديد القمع لأعدائه المجاورين له، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمة، ~~عظيم البنيان، وشق عدة أنهار، وعمر البلاد وحمل إليه ملوك الهند، والروم، ~~والمغرب الخراج، وكاتبوه بالتمليك هيبة له وحذرا منه. # ثم إنه تنسك، وفارق الملك، واشتغل بالعبادة، واستخلف ابنه بشتاسب في ~~الملك، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وملك بعده ابنه بشتاسب، وفي أيامه ظهر ~~زرادشت بن سقيمان الذي ادعى # PageV01P225 # النبوة وتبعه المجوس. # وكان زرادشت فيما يزعم أهل الكتاب من أهل ms0163 فلسطين يخدم لبعض تلامذة إرميا ~~النبي خاصا به، فخانه وكذب عليه، فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان ~~وشرع بها دين المجوس. # وقيل: إنه من العجم. وصنف كتابا وطاف به الأرض، فما عرف أحد معناه، وزعم ~~أنها لغة سماوية خوطب بها، وسماه: أشتا، فسار من أذربيجان إلى فارس، فلم ~~يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه، فسار إلى الهند وعرضه على ملوكها، ثم أتى الصين ~~والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم، وقصد فرغانة، فأراد ملكها أن ~~يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب، فأمر بحبسه، فحبس مدة. # وشرح زرادشت كتابه وسماه: زند، ومعناه: التفسير، ثم شرح الزند بكتاب ~~سماه: بازند، يعني: تفسير التفسير. وفيه علوم مختلفة كالرياضيات، وأحكام ~~النجوم، والطب، وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء. وفي ~~كتابه: تمسكوا بما جئتكم به إلى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر، يعني محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - وذلك على ألف سنة وستمائة سنة. وبسبب ذلك وقعت ~~البغضاء بين المجوس والعرب. ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أن من جملة ~~الأسباب الموجبة لغزوه العرب هذا القول، والله أعلم. # ثم إن بشتاسب أحضر زرادشت، وهو ببلخ، فلما قدم عليه شرع له دينه، فأعجبه ~~واتبعه وقهر الناس على اتباعه، وقتل منهم خلقا كثيرا حتى قبلوه ودانوا به. # PageV01P226 # وأما المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان، وأنه نزل على الملك من سقف ~~إيوانه، وبيده كبة من نار يلعب بها ولا تحرقه، وكل من أخذها من يده لم ~~تحرقه، وأنه اتبعه الملك، ودان بدينه، وبنى بيوت النيران في البلاد، وأشعل ~~من تلك النار في بيوت النيران، فيزعمون أن النيران التي في بيوت عباداتهم ~~من تلك إلى الآن. # وكذبوا فإن النار التي للمجوس طفئت في جميع البيوت لما بعث الله محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وكان ظهور زرادشت بعد مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسب، وأتاه بكتاب زعم أنه ~~وحي من الله تعالى، وكتب في جلد اثني عشر ألف بقرة حفرا ms0164 ونقشا بالذهب، ~~فجعله بشتاسب في موضع بإصطخر ومنع من تعليمه العامة. # وكان بشتاسب وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة. وسيرد باقي أخباره. # PageV01P227 ### | [ذكر مسير بختنصر إلى بني إسرائيل] # قد اختلف العلماء في الوقت الذي أرسل فيه بختنصر على بني إسرائيل، فقيل: ~~كان في عهد إرميا النبي، ودانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشائيل. وقيل: إنما ~~أرسله الله على بني إسرائيل لما قتلوا يحيى بن زكريا. والأول أكثر. # وكان ابتداء أمر بختنصر ما ذكره سعيد بن جبير قال: كان رجل من بني ~~إسرائيل يقرأ الكتب، فلما بلغ إلى قوله تعالى: {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي ~~بأس شديد} [الإسراء: 5] . قال: أي رب، أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني ~~إسرائيل على يده، فأري في المنام مسكينا يقال له بختنصر ببابل فسار على ~~سبيل التجارة إلى بابل، وجعل يدعو المساكين ويسأل عنهم حتى دلوه على ~~بختنصر، فأرسل من يحضره، فرآه صعلوكا مريضا فقام عليه في مرضه يعالجه حتى ~~برأ، فلما برأ أعطاه نفقة وعزم على السفر، فقال له بختنصر وهو يبكي: فعلت ~~معي ما فعلت ولا أقدر على مجازاتك! قال # PageV01P228 # الإسرائيلي: بلى تقدر عليه؛ تكتب لي كتابا إن ملكت أطلقتني. فقال: ~~أتستهزئ بي؟ فقال: إنما هذا أمر لا محالة كائن. # ثم إن ملك الفرس أحب أن يطلع على أحوال الشام، فأرسل إنسانا يثق به ~~ليتعرف له أخبار وحال من فيه، فسار إليه ومعه بختنصر فقير لم يخرج إلا ~~للخدمة. فلما قدم الشام رأى أكبر بلاد الله خيلا، ورجالا، وسلاحا، ففت ذلك ~~في ذرعه، فلم يسأل عن شيء، وجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول لهم: ما ~~منعكم أن تغزوا بابل، فلو غزوتموها ما دون بيت مالها شيء! فكلهم يقول له: ~~لا نحسن القتال، ولا نراه فلما عادوا أخبر الطليعة بما رأوا من الرجال ~~والسلاح والخيل، وأرسل بختنصر إلى الملك يطلب إليه أن يحضره ليعرفه جلية ~~الحال، فأحضره، فأخبره بما كان جميعه، ثم إن الملك أراد أن يبعث عسكرا إلى ~~الشام أربعة آلاف راكب جريدة، واستشار فيمن يكون ms0165 عليهم، فأشاروا ببعض ~~أصحابه، فقال: لا بل بختنصر، فجعله عليهم. فساروا فغنموا وأوقعوا ببعض ~~البلاد وعادوا سالمين. # ثم إن لهراسب استعمله إصبهبذا على ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي ~~دجلة، وكان السبب في مسيره إلى بني إسرائيل أنه لما استعمله لهراسب كما ~~ذكرنا سار إلى الشام فصالحه أهل دمشق وبيت المقدس، فعاد عنهم وأخذ رهائنهم، ~~فلما عاد من القدس إلى طبرية وثب بنو إسرائيل على ملكهم الذي صالح بختنصر ~~فقتلوه، وقالوا: داهنت أهل بابل وخذلتنا، فلما سمع بختنصر بذلك قتل الرهائن ~~الذين معه وعاد إلى القدس فأخربه. # وقيل: إن الذي استعمله إنما كان الملك بهمن بن بشتاسب بن لهراسب، وكان ~~بختنصر قد خدم جده، وأباه، وخدمه، وعمر عمرا طويلا. فأرسل بهمن رسلا إلى ~~ملك بني إسرائيل ببيت المقدس فقتلهم الإسرائيلي، فغضب بهمن من ذلك واستعمل # PageV01P229 # بختنصر على أقاليم بابل وسيره في الجنود الكثيرة، فعمل بهم ما نذكره. # هذه الأسباب الظاهرة، وإنما السبب الكلي الذي أحدث هذه الأسباب الموجبة ~~للانتقام من بني إسرائيل هو معصية الله تعالى ومخالفة أوامره، وكانت سنة ~~الله تعالى في بني إسرائيل أنه إذا ملك عليهم ملكا أرسل معه نبيا يرشده ~~ويهديه إلى أحكام التوراة. فلما كان قبل مسير بختنصر إليهم كثرت فيهم ~~الأحداث والمعاصي، وكان الملك فيهم يقونيا بن يوياقيم، فبعث الله إليه ~~إرميا، قيل: هو الخضر - عليه السلام - فأقام فيهم يدعوهم إلى الله وينهاهم ~~عن المعاصي ويذكر لهم نعمة الله عليهم بإهلاك سنحاريب، فلم يرعووا، فأمره ~~الله أن يحذرهم عقوبته وأنه إن لم يراجعوا الطاعة سلط عليهم من يقتلهم ~~ويسبي ذراريهم ويخرب مدينتهم، ويستعبدهم ويأتيهم بجنود ينزع من قلوبهم ~~الرأفة والرحمة، فلم يراجعوها، فأرسل الله إليه: لأقيضن لهم فتنة تذر ~~الحليم حيران فيها ويضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم، ولأسلطن عليهم ~~جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد ~~الليل، وعساكر مثل قطع السحاب، يهلك بني إسرائيل وينتقم منهم ويخرب بيت ~~المقدس. # فلما سمع إرميا ذلك صاح ms0166 وبكى وشق ثيابه. وجعل الرماد على رأسه وتضرع إلى ~~الله في رفع ذلك عنهم في أيامه. # فأوحى الله إليه: وعزتي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر ~~من قبلك ذلك. ففرح إرميا، وقال: لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ~~بهلاك بني إسرائيل أبدا. # وأتى ملك بني إسرائيل فأعلمه بما أوحي إليه، فاستبشر وفرح، ثم لبثوا بعد ~~هذا الوحي ثلاث سنين ولم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر، وذلك حين ~~اقترب هلاكهم، # PageV01P230 # فقل الوحي حيث لم يكونوا هم يتذكرون. فقال لهم ملكهم: يا بني إسرائيل، ~~انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يأتيكم عذاب الله! فلم ينتهوا، فألقى الله في ~~قلب بختنصر أن يسير إلى بني إسرائيل ببيت المقدس، فسار في العساكر الكثيرة ~~التي تملأ الفضاء. # وبلغ ملك بني إسرائيل الخبر، فاستدعى إرميا النبي، فلما حضر عنده قال له: ~~يا إرميا، أين ما زعمت أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك بيت المقدس حتى يكون ~~الأمر منك؟ فقال إرميا: إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. # فلما قرب الأجل ودنا انقطاع ملكهم، وأراد الله إهلاكهم أرسل الله ملكا في ~~صورة آدمي إلى إرميا، وقال له: استفته، فأتاه، وقال له: يا إرميا، أنا رجل ~~من بني إسرائيل أستفتيك في ذوي رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به وأتيت ~~لهم حسنا، وكرامة فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا سخطا لي وسوء سيرة معي ~~فأفتني فيهم. فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله به أن ~~تصله. فانصرف عنه الملك، ثم عاد إليه بعد أيام في تلك الصورة، فقال له ~~إرميا: أما طهرت أخلاقهم وما رأيت منهم ما تريد؟ فقال والذي بعثك بالحق ما ~~أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى ذوي رحمه إلا وقد أتيتها إليهم، وأفضل ~~من ذلك فلم يزدادوا إلا سوء سيرة. فقال: ارجع إلى أهلك، وأحسن إليهم. فقام ~~الملك من عنده فلبث أياما، ونزل بختنصر على بيت المقدس بأكثر من الجراد، ~~ففزع منهم بنو ms0167 إسرائيل، وقال ملكهم لإرميا: أين ما وعدك ربك؟ فقال: إني ~~بربي واثق. # ثم إن الملك الذي أرسله الله يستفتي إرميا عاد إليه وهو قاعد على جدار ~~بيت المقدس فقال مثل قوله الأول وشكا أهله وجورهم وقال له: يا نبي الله، كل ~~شيء كنت أصبر عليه قبل اليوم لأن ذلك كان فيه سخطي، وقد رأيتهم اليوم على ~~عمل عظيم من سخط الله تعالى، فلو كانوا على ما كانوا عليه اليوم لم يشتد ~~عليه غضبي، وإنما غضبت اليوم لله وأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله ~~الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم أن يهلكوا. فقال إرميا: يا ملك ~~السماوات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ~~ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فيه أرسل الله صاعقة من السماء في بيت ~~المقدس، والتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها. # فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال: يا ملك # PageV01P231 # السماوات والأرض، يا أرحم الراحمين! أين ميعادك، أيا رب، الذي وعدتني به؟ ~~فأوحى الله إليه أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت رسولنا، ~~فاستيقن أنها فتياه وأن السائل كان من عند الله، وخرج إرميا حتى خالط ~~الوحش. # ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، ~~وخرب بيت المقدس وأمر جنوده، فحملوا التراب وألقوه فيه حتى ملئوه، ثم انصرف ~~راجعا إلى بابل وأخذ معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم فجمعوا من كان في بيت ~~المقدس كلهم، فاجتمعوا واختار منهم مائة ألف صبي فقسمهم على الملوك والقواد ~~الذين كانوا معه، وكان من أولئك الغلمان دانيال النبي، وحنانيا، وعزاريا، ~~وميشائيل، وقسم بني إسرائيل ثلاث فرق، فقتل ثلثا، وأقر بالشام ثلثا، وسبى ~~ثلثا، ثم عمر الله بعد ذلك إرميا، فهو الذي رئي بفلوات الأرض والبلدان. # ثم إن بختنصر عاد إلى بابل وأقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم. ثم رأى ~~رؤيا، فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئا ms0168 أنساه ما رأى، فدعا دانيال، ~~وحنانيا، وعزاريا، وميشائيل، وقال: أخبروني عن رؤيا رأيتها فأنسيتها. ولئن ~~لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم! فخرجوا من عنده ودعوا الله ~~وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها، فأعلمهم الذي سألهم عنه، فجاءوا إلى ~~بختنصر فقالوا رأيت تمثالا. قال: صدقتم. قالوا: قدماه، وساقاه من فخار، ~~وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد، ~~فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك أرسل الله عليه صخرة من السماء فدقته، وهي ~~التي أنستك الرؤيا! قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: أريت ملك الملوك، ~~وبعضهم كان ألين ملكا من بعض، وبعضهم كان أحسن ملكا من بعض، وبعضهم أشد، ~~وكان أول الملك الفخار، وهو أضعفه وألينه، ثم كان فوقه النحاس، وهو أفضل ~~منه وأشد، ثم كان فوق النحاس الفضة، وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوقها ~~الذهب، وهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد، وهو ملكك، فهو أشد الملوك ~~وأعز، وكانت الصخرة التي رأيت قد أرسل الله من السماء فدقت ذلك جميعه نبيا ~~يبعثه الله من السماء ويصير الأمر إليه. # فلما عبر دانيال ومن معه رؤيا بختنصر قربهم وأدناهم واستشارهم في أمره، # PageV01P232 # فحسدهم أصحابه، وسعوا بهم إليه، وقالوا عنهم ما أوحشه منهم فأمر، فحفر ~~لهم أخدود، وألقاهم فيه، وهم ستة رجال، وألقى معهم سبعا ضاريا ليأكلهم، ثم ~~قال أصحاب بختنصر: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم راحوا ~~فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا، ووجدوا معهم ~~رجلا سابعا، فخرج إليهم السابع، وكان ملكا من الملائكة، فلطم بختنصر لطمة ~~فمسخه وصار في الوحش في صورة أسد، وهو مع ذلك يعقل ما يعقله الإنسان، ثم ~~رده الله إلى صورة الإنس وأعاد عليه ملكه، فلما عاد إلى ملكه كان دانيال ~~وأصحابه أكرم الناس عليه، فعاد الفرس وسعوا بهم إلى بختنصر، وقالوا له في ~~سعايتهم: إن دانيال إذا شرب الخمر لا يملك نفسه من كثرة البول، وكان ذلك ~~عندهم عارا، فصنع لهم بختنصر طعاما وأحضره ms0169 عنده وقال للبواب: انظر أول من ~~خرج ليبول فاقتله، وإن قال لك: أنا بختنصر، فقل له: كذبت، بختنصر أمرني ~~بقتلك واقتله. # فحبس الله عن دانيال البول، وكان أول من قام من الجمع بختنصر فقام مدلا ~~أنه الملك، وكان ذلك ليلا، فلما رآه البواب شد عليه ليقتله، فقال له: أنا ~~بختنصر! فقال: كذبت، بختنصر أمرني بقتلك، وقتله. # وقيل في سبب قتله: إن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت إلى ~~رأسه، فكان لا يقر ولا يسكن حتى يدق رأسه، فلما حضره الموت قال لأهله: شقوا ~~رأسي فانظروا ما هذا الذي قتلني، فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة بأم ~~رأسه، ليري الله العباد قدرته وسلطانه وضعف بختنصر، لما تجبر قتله بأضعف ~~مخلوقاته، تبارك الذي بيده ملكوت كل شيء يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. # وأما دانيال فإنه أقام بأرض بابل، وانتقل عنها، ومات ودفن بالسوس من ~~أعمال خوزستان. # PageV01P233 # ولما أراد الله تعالى أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس كان بختنصر قد ~~مات، فإنه عاش بعد تخريب بيت المقدس أربعين سنة، في قول بعض أهل العلم، ~~وملك بعده ابن له يقال له أولمردج، فلما ملك تخلط في أمره، فعزله ملك الفرس ~~حينئذ، وهو مختلف فيه على ما ذكرناه، واستعمل بعده داريوش على بابل، ~~والشام، وبقي ثلاثين سنة، ثم عزله واستعمل مكانه أخشويرش، فبقي أربع عشرة ~~سنة، ثم ملك ابنه كيرش العلمي، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان قد تعلم ~~التوراة ودان باليهودية، وفهم عن دانيال ومن معه مثل حنانيا، وعزاريا، ~~وغيرهما، فسألوه أن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس، فقال: لو كان بقي ~~منكم ألف نبي ما فارقتكم، وولى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره، وأمره ~~أن يقسم ما غنمه بختنصر من بني إسرائيل عليهم، وأمره بعمارة بيت المقدس، ~~فعمر في أيامه، وعاد إليه بنو إسرائيل. # وهذه المدة لهؤلاء الملوك معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة إلى بختنصر، ~~وكان ملك كيرش اثنتين وعشرين سنة. # وقيل: إن الذي أمر بعود بني ms0170 إسرائيل إلى الشام بشتاسب بن لهراسب، وكان قد # PageV01P234 # بلغه خراب بلاد الشام، وأنها لم يبق منها من بني إسرائيل أحد فنادى في ~~أرض بابل: من شاء من بني إسرائيل أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملك عليهم ~~رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس، فرجعوا وعمروه. # وكان إرميا بن خلقيا من سبط هارون بن عمران، فلما وطئ بختنصر الشام وخرب ~~بيت المقدس وقتل بني إسرائيل وسباهم، فارق البلاد واختلط بالوحش، فلما عاد ~~بختنصر إلى بابل أقبل إرميا على حمار له معه عصير عنب وفي يده سلة تين فرأى ~~بيت المقدس خرابا، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة ~~عام} [البقرة: 259] ثم أمات حماره، وأعمى عنه العيون، فلما انعمر بيت ~~المقدس أحيا الله من إرميا عينيه، ثم أحيا جسده، وهو ينظر إليه، وقيل له: ~~{كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] . قيل: {بل لبثت مائة ~~عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} [البقرة: 259]- ويتغير {وانظر إلى ~~حمارك} [البقرة: 259] فنظر إلى عظام حماره وهي تجتمع بعضها إلى بعض، ثم كسي ~~لحما، ثم قام حيا بإذن الله، ونظر إلى المدينة وهي تبنى، وقد كثر فيها بنو ~~إسرائيل وتراجعوا إليها من البلاد، وكان عهدهم خرابا، وأهلها ما بين قتيل ~~وأسير، فلما رآها عامرة {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] ~~. # وقيل: إن الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه كان عزيرا، فلما عاش قصد ~~منزله من بيت المقدس على وهم منه فرأى عنده عجوزا عمياء زمنة كانت جارية ~~له، ولها من العمر مائة وعشرون سنة، فقال لها: هذا منزل عزير؟ قالت: نعم، ~~وبكت وقالت: ما أرى أحدا يذكر عزيرا غيرك! فقال: أنا عزير. فقالت: إن عزيرا ~~كان مجاب الدعوة، فادع الله لي بالعافية، فدعا لها فعاد بصرها وقامت ومشت، ~~فلما رأته عرفته. وكان لعزير ولد وله من العمر مائة وثماني عشرة سنة، وله ~~أولاد شيوخ، فذهبت # PageV01P235 # إليهم الجارية وأخبرتهم به، فجاءوا، فلما رأوه عرفه ابنه بشامة ms0171 كانت في ~~ظهره. # وقيل: إن عزيرا كان مع بني إسرائيل بالعراق، فعاد إلى بيت المقدس فجدد ~~لبني إسرائيل التوراة لأنهم عادوا إلى بيت المقدس، ولم يكن معهم التوراة ~~لأنها كانت قد أخذت فيما أخذ وأحرقت وعدمت، وكان عزير قد أخذ مع السبي، ~~فلما عاد عزير إلى بيت المقدس مع بني إسرائيل جعل يبكي ليلا نهارا وانفرد ~~عن الناس، فبينما هو كذلك في حزنه إذ أقبل إليه رجل، وهو جالس، فقال: يا ~~عزير ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فعدم. قال: ~~فتريد أن يرده الله عليكم؟ قال: نعم. قال: فارجع، وصم، وتطهر، والميعاد ~~بيننا غدا هذا المكان. ففعل عزير ذلك وأتى المكان فانتظره، وأتاه ذلك الرجل ~~بإناء فيه ماء، وكان ملكا بعثه الله في صورة رجل، فسقاه من ذلك الإناء، ~~فتمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها ~~بحلالها وحرامها وحدودها، فأحبوه حبا شديدا لم يحبوا شيئا قط مثله، وأصلح ~~أمرهم، وأقام عزير بينهم، ثم قبضه الله إليه على ذلك، وحدثت فيهم الأحداث، ~~حتى قال بعضهم: عزير ابن الله. ولم يزل بنو إسرائيل ببيت المقدس، وعادوا ~~وكثروا حتى غلبت عليهم الروم زمن ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة. # وقد اختلف العلماء في أمر بختنصر، وعمارة بيت المقدس اختلافا كثيرا تركنا ~~ذكره اختصارا. # ذكر غزو بختنصر العرب # قيل: أوحى الله إلى برخيا بن حنيا يأمره أن يقول لبختنصر ليغزو العرب ~~فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم، ويستبيح أموالهم عقوبة لهم على كفرهم. فقال ~~برخيا لبختنصر ما أمر به، فابتدأ بمن في بلاده من تجار العرب فأخذهم وبنى ~~لهم حيرا # PageV01P236 # بالنجف وحبسهم فيه ووكل بهم، وانتشر الخبر في العرب، فخرجت إليه الطوائف ~~منهم مستأمنين، فقبلهم وعفا عنهم فأنزلهم السواد، فابتنوا الأنبار وخلى عن ~~أهل الحيرة فاتخذوها منزلا حياة بختنصر. # فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار، وهذا أول سكنى العرب السواد بالحيرة ~~والأنبار. وسار إلى العرب بنجد والحجاز، فأوحى الله إلى برخيا وإرميا ~~يأمرهما أن ms0172 يسيرا إلى معد بن عدنان فيأخذاه ويحملاه إلى حران، وأعلمهما أنه ~~يخرج من نسله محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يختم به الأنبياء، فسارا ~~تطوى لهما المنازل والأرض حتى سبقا بختنصر إلى معد فحملاه إلى حران في ~~ساعتهما، ولمعد حينئذ اثنتا عشرة سنة، وسار بختنصر فلقي جموع العرب فقاتلهم ~~فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وسار إلى الحجاز فجمع عدنان العرب والتقى هو ~~وبختنصر بذات عرق فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عدنان وتبعه بختنصر إلى ~~حصون هناك، واجتمع عليه العرب وخندق كل واحد من الفريقين على نفسه وأصحابه، ~~فكمن بختنصر كمينا، وهو أول كمين عمل، وأخذتهم السيوف، فنادوه بالويل، ونهى ~~عدنان عن بختنصر، وبختنصر عن عدنان، فافترقا. # فلما رجع بختنصر خرج معد بن عدنان مع الأنبياء حتى أتى مكة، فأقام ~~أعلامها، وحج معه الأنبياء، وخرج معد حتى أتى ريسوت وسأل عمن بقي من ولد ~~الحرث بن مضاض الجرهمي، فقيل له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معد ابنته ~~معانة، فولدت له نزار بن معد. # PageV01P237 ### | [ذكر بشتاسب والحوادث في ملكه وقتل أبيه لهراسب] # لما ملك بشتاسب بن لهراسب ضبط الملك وقرر قوانينه وابتنى بفارس مدينة فسا ~~ورتب سبعة من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كل واحد منهم مملكة على قدر ~~مرتبته، ثم إنه أرسل إلى ملك الترك، واسمه خرزاسف، وهو أخو أفراسياب، ~~وصالحه، واستقر الصلح على أن يكون لبشتاسب دابة واقفة على باب ملك الترك لا ~~تزال على عادتها على أبواب الملوك، فلما جاء زرادشت إلى بشتاسب واتبعه على ~~ما ذكرناه أشار زرادشت على بشتاسب بنقض الصلح مع ملك الترك، وقال: أنا أعين ~~لك طالعا تسير فيه إلى الحرب فتظفر، وهذا أول وقت وضعت فيه الاختيارات ~~للملوك بالنجوم. # وكان زرادشت عالما بالنجوم جيد المعرفة بها، فأجابه بشتاسب إلى ذلك، ~~فأرسل إلى الدابة التي بباب ملك الترك وإلى الموكل بها فصرفهما، فغضب ملك ~~الترك وأرسل إليه يتهدده وينكر عليه ذلك ويأمره بإنفاذ زرادشت إليه وإن لم ~~يفعل غزاه وقتله وأهل بيته. # فكتب إليه بشتاسب كتابا غليظا ms0173 يؤذنه فيه بالحرب، وسار كل واحد منهما إلى ~~صاحبه والتقيا، واقتتلا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على الترك، وقتلوا قتلا ~~ذريعا. ومروا منهزمين، وعاد بشتاسب إلى بلخ، وعظم أمر زرادشت عند الفرس، ~~وعظم شأنه حيث كان هذا الظفر بقوله. # وكان أعظم الناس غناء في هذه الحرب إسفنديار بن بشتاسب، فلما انجلت # PageV01P238 # الحرب سعى الناس بين بشتاسب وابنه إسفنديار، وقالوا: يريد الملك لنفسه، ~~فندبه لحرب بعد حرب، ثم أخذه وحبسه مقيدا. # ثم إن بشتاسب سار إلى ناحية كرمان، وسجستان، وسار إلى جبل يقال له طمبدر ~~لدراسة دينه، والتنسك هناك، وخلف أباه لهراسب ببلخ شيخا قد أبطله الكبر ~~وترك بها خزائنه، وأولاده، ونساءه، فبلغت الأخبار إلى ملك الترك خرزاسف، ~~فلما تحققها جمع عساكره وحشد وسار إلى بلخ، وانتهز الفرصة بغيبة بشتاسب عن ~~مملكته، ولما بلغ بلخ ملكها وقتل لهراسب وولدين لبشتاسب والهرابذة، وأحرق ~~الدواوين وهدم بيوت النيران، وأرسل السرايا إلى البلاد، فقتلوا وسبوا ~~وأخربوا، وسبى ابنتين لبشتاسب إحداهما خمانى، وأخذ علمهم الأكبر المعروف ~~بدرفش كابيان، وسار متبعا لبشتاسب، وهرب بشتاسب من بين يديه فتحصن بتلك ~~الجبال مما يلي فارس، وضاق ذرعا بما نزل به. # فلما اشتد عليه الأمر أرسل إلى ابنه إسفنديار مع عالمهم جاماسب، فأخرجه ~~من محبسه واعتذر إليه ووعده أن يعهد إليه بالملك من بعده، فلما سمع ~~إسفنديار كلامه سجد له ونهض من عنده وجمع من عنده من الجند وبات ليلته ~~مشغولا بالتجهز وسار من الغد نحو عسكر الترك وملكهم، والتقوا، واقتتلوا، ~~والتحمت الحرب، وحمي الوطيس، وحمل إسفنديار على جانب من العسكر فأثر فيه ~~ووهنه وتابع الحملات، وفشا في الترك أن إسفنديار هو المتولي لحربهم، ~~فانهزموا لا يلوون على شيء، وانصرف إسفنديار وقد ارتجع درفش كابيان. # فلما دخل على أبيه استبشر به وأمره باتباع الترك، ووصاه بقتل ملكهم ومن ~~قدر عليه من أهله، ويقتل من الترك من أمكنه قتله وأن يستنفذ السبايا، ~~والغنائم التي أخذت من بلادهم، فسار إسفنديار، ودخل بلاد الترك وقتل وسبى ~~وأخرب وبلغ مدينتهم العظمى ودخلها عنوة، وقتل ms0174 الملك وإخوته، ومقاتلته، ~~واستباح أمواله، وسبى نساءه، واستنقذ أختيه ودوخ البلاد، وانتهى إلى آخر ~~حدود بلاد الترك وإلى التبت، وأقطع بلاد الترك، وجعل كل ناحية إلى رجل من ~~وجوه الترك بعد أن آمنهم ووظف عليهم خراجا يحملونه كل سنة إلى أبيه بشتاسب، # PageV01P239 # ثم عاد إلى بلخ. # فحسده أبوه بما ظهر منه من حفظ الملك والظفر بالترك، وأسر ذلك في نفسه، ~~وأمره بالتجهز والمسير إلى قتال رستم الشديد بسجستان، وقال له: هذا رستم ~~متوسط بلادنا ولا يعطينا الطاعة لأن الملك كيكاووس أعتقه فأقطعه إياها، وقد ~~ذكرنا ذلك في ملك كيكاووس، وكان غرض بشتاسب أن يقتله رستم أو يقتل هو رستم، ~~فإنه كان أيضا شديد الكراهة لرستم، فجمع العساكر وسار إلى رستم لينزع ~~سجستان منه، فخرج إليه رستم وقاتله فقتل إسفنديار؛ قتله رستم. # ومات بشتاسب، وكان ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وقيل مائة وعشرين سنة، ~~وقيل مائة وخمسين سنة. # وقيل: إنه جاءه رجل من بني إسرائيل زعم أنه نبي أرسل إليه واجتمع به ~~ببلخ، فكان يتكلم بالعبري، وزرادشت نبي المجوس يعبر عنه، وجاماسب العالم هو ~~حاضر معهم يترجم أيضا عن الإسرائيلي، وكان بشتاسب ومن قبله من آبائه وسائر ~~الفرس يدينون بدين الصابئة قبل زرادشت. # PageV01P240 ### | [ذكر الخبر عن ملوك بلاد اليمن من أيام كيكاووس إلى أيام بهمن بن إسفنديار] # قد مضى ذكر الخبر عمن زعم أن كيكاووس كان في عهد سليمان بن داود، وقد ~~ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت إيلشرح، ~~وصار الملك بعد بلقيس إلى ياسر بن عمرو بن يعفر، الذي يقال له أنعم ~~لإنعامه. قال أهل اليمن: إنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له ~~وادي الرمل. ولم يبلغه أحد قبله، فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة ~~الرمل، فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا يقال له عمرو أن يعبر ~~هو وأصحابه، فعبروا، فلم يرجعوا، فلما رأى ذلك أمر بنصب صنم نحاس، فصنع ثم ~~نصب على صخرة ms0175 على شفير الوادي وكتب على صدره بالمسند، هذا الصنم لياسر أنعم ~~الحميري، ليس وراءه مذهب فلا يتكلفن أحد ذلك فيعطب. # وقيل: إن وراء ذلك الرمل قوما من أمة موسى، وهم الذين عنى الله بقوله: ~~{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] ، والله أعلم. # ثم ملك بعده تبع، وهو تبان، وهو أسعد، وهو أبو كرب بن ملكيكرب تبع بن # PageV01P241 # زيد بن عمرو بن تبع، وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرايش بن ~~قيس بن صيفي بن سبإ، وكان يقال له الزايد، وكان تبع هذا في أيام بشتاسب، ~~وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، وأنه شخص متوجها من اليمن في الطريق ~~الذي سلكه الرايش حتى خرج على جبلي طيئ، ثم سار يريد الأنبار، فلما انتهى ~~إلى موضع الحيرة تحير، وكان ليلا، فأقام بمكانه، فسمي ذلك المكان بالحيرة، ~~وخلف به قوما من الأزد، ولخم، وجذام وعاملة، وقضاعة، فبنوا وأقاموا به. ثم ~~انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ، وكلب، والسكون، وبلحرث بن كعب، وإياد، ثم ~~توجه إلى الموصل، ثم إلى أذربيجان، فلقي الترك فهزمهم، فقتل المقاتلة وسبى ~~الذرية، ثم عاد إلى اليمن، فهابته الملوك وأهدوا إليه. # وقدمت عليه هدية ملك الهند، وفيها تحف كثيرة من الحرير والمسك والعود ~~وسائر طرف الهند، فرأى ما لم ير مثله، فقال للرسول: كل هذا في بلدكم؟ فقال: ~~أكثره من بلد الصين، ووصف له بلاد الصين فحلف ليغزونها، فسار بحمير حتى أتى ~~إلى الركائك وأصحاب القلانس السود، ووجه رجلا من أصحابه يقال له ثابت نحو ~~الصين في جمع عظيم، فأصيب، فسار تبع حتى دخل الصين، فقتل مقاتلتها، واكتسح ~~ما وجد فيها، وكان مسيره ومقامه، ورجعته في سبع سنين. # ثم إنه خلف بالتبت اثني عشر ألف فارس من حمير، فهم أهل التبت، ويزعمون # PageV01P242 # أنهم عرب، وألوانهم ألوان العرب وخلقهم. # هكذا ذكر، وقد خالف هذه الرواية كثير من أصحاب السير والتواريخ، وكل واحد ~~منهم خالف الآخر، وقدم بعضهم من أخره الآخر، فلم يحصل منهم كثير ms0176 فائدة، ~~ولكن ننقل ما وجدنا مختصرا. # PageV01P243 ### | [ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خمانى] # ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن بن إسفنديار، وكان مظفرا في ~~مغازيه، وملك أكثر من أبيه، وقيل: إنه ابتنى بالسواد مدينة وسماها أياوان ~~أردشير، وهي القرية المعروفة بهمينيا بالزاب الأعلى، وابتنى بكور دجلة ~~الأبلة، وسار إلى سجستان طالبا بثأر أبيه، فقتل رستم وأباه دستان وابنه ~~فرامرز. # وبهمن هو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأحرار أردشير بن ~~بابك وولده، وأم دارا خمانى ابنة بهمن، فهي أخته وأمه. # وغزا بهمن رومية الداخلة في ألف ألف مقاتل، وكان ملوك الأرض يحملون إليه ~~الإتاوة، وكان أعظم ملوك الفرس شأنا وأفضلهم تدبيرا. # وكانت أم بهمن من نسل بنيامين بن يعقوب، وأم ابنه ساسان من نسل سليمان بن ~~داود. # PageV01P244 # وكان ملك بهمن مائة وعشرين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وكان متواضعا مرضيا ~~فيهم، وكانت كتبه تخرج: من عبد الله خادم الله السائس لأموركم. # ثم ملكت بعده ابنته خمانى، ملكوها حبا لأبيها ولعقلها وفروسيتها، وكانت ~~تلقب بشهرزاد، وقيل: إنها ملكت لأنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن ~~يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك، ففعل بهمن وعقد التاج عليه حملا في ~~بطنها، وساسان بن بهمن رجل يتصنع للملك، فلما رأى فعل أبيه لحق بإصطخر ~~وتزهد ولحق برءوس الجبال واتخذ غنما، وكان يتولاها بنفسه، فاستبشعت العامة ~~ذلك منه. # وهلك بهمن وابنه دارا في بطن أمه، فملكوها، ووضعته بعد أشهر من ملكها، ~~فأنفت من إظهار ذلك وجعلته في تابوت وجعلت معه جواهر وأجرته في نهر الكر من ~~إصطخر، وقيل: بنهر بلخ. # وسار التابوت إلى طحان من أهل إصطخر، ففرح لما فيه من الجواهر، فحضنته ~~امرأته، ثم ظهر أمره حين شب، فأقرت خمانى بإساءتها، فلما تكامل امتحن فوجد ~~على غاية ما يكون أبناء الملوك، فحولت التاج إليه وسارت إلى فارس وبنت ~~مدينة إصطخر، وكانت قد أوتيت ظفرا وأغزت الروم وشغلت الأعداء من تطرق ~~بلادها، وخففت عن رعيتها الخراج، وكان ملكها ثلاثين سنة. # وقيل: ms0177 إن خمانى أم دارا حضنته حتى كبر فسلمت الملك إليه وعزلت نفسها، ~~فضبط الملك بشجاعة وحزم. # ونرجع إلى # PageV01P245 # ذكر بني إسرائيل ومقابلة تاريخ أيامهم إلى حين تصرمها ومدة من كان أيامهم ~~من ملوك الفرس. # قد ذكرنا فيما مضى سبب انصراف من انصرف إلى بيت المقدس من سبايا بني ~~إسرائيل الذين كان بختنصر سباهم، وكان ذلك في أيام كيرش بن أخشويرش، وملكه ~~ببابل من قبل بهمن، وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خمانى، وكانت مدة ~~خراب بيت المقدس من لدن خربه بختنصر مائة سنة، كل ذلك في أيام بهمن بعضه ~~وفي أيام ابنته خمانى بعضه، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ذكر الاختلاف. # وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب، وأنكر عليه قوله ولم يملك كيرش منفردا ~~قط. # ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله كان فيهم عزيز، وكان الملك عليهم بعد ~~ذلك من قبل الفرس إما رجل منهم وإما رجل من بني إسرائيل، إلى أن صار الملك ~~بناحيتهم لليونانية والروم لسبب غلبة الإسكندر على الناحية حين قتل دارا بن ~~دارا وكان جملة مدة ذلك فيما قيل ثمانيا وثمانين سنة. # PageV01P246 ### | [ذكر خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين] # وملك دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان يلقب جهرازاد، يعني كريم الطبع، ~~فنزل ببابل، وكان ضابطا لملكه قاهرا لمن حوله من الملوك، يؤدون إليه ~~الخراج، وبنى بفارس مدينة سماها دارابجرد، وحذف دواب البرد ورتبها، وكان ~~معجبا بابنه دارا ومن حبه له سماه باسم نفسه وصير له الملك بعده. # وكان ملكه اثنتي وعشر سنة. # ثم ملك بعده ابنه دارا وبنى بأرض الجزيرة بالقرب من نصيبين مدينة دارا ~~وهي مشهورة إلى الآن، واستوزر إنسانا لا يصلح لها، فأفسد قلبه على أصحابه، ~~فقتل رؤساء عسكره واستوحش منه الخاصة والعامة، وكان شابا غرا جميلا حقودا ~~جبارا سيئ السيرة في رعيته. # وكان ملكه أربع عشرة سنة. # PageV01P247 ### | [ذكر إسكندر ذي القرنين] # كان فيلفوس أبو الإسكندر اليوناني من أهل بلدة يقال لها مقدونية، كان ms0178 ~~ملكا عليها وعلى بلاد أخرى، فصالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة. ~~فلما هلك فيلفوس ملك بعده ابنه الإسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع، فقوي ~~على دارا فلم يحمل إليه من الخراج شيئا وكان الخراج الذي يحمله بيضا من ذهب ~~فسخط عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في ترك حمل الخراج، وبعث إليه ~~بصولجان وكرة وقفيز من سمسم، وكتب إليه: إنه صبي، وإنه ينبغي له أن يلعب ~~بالصولجان، والكرة، ويترك الملك، وإن لم يفعل ذلك واستعصى عليه بعث من ~~يأتيه به في وثاق، وإن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه. # فكتب إليه الإسكندر: إنه قد فهم ما كتب به، وقد نظر إلى ما ذكر في كتابه ~~من إرساله الصولجان، والكرة، وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان ~~واحترازه إياها، وشبه الأرض بالكرة، وأنه يجر ملك دارا إلى ملكه، وتيمنه ~~بالسمسم الذي بعث كتيمنه بالصولجان، والكرة لدسمه وبعده من المرارة ~~والحرافة، وبعث إليه بصرة فيها خردل، وأعلمه في ذلك أن ما بعث به إليه قليل ~~ولكنه مر حريف، وأن جنوده مثله. فلما وصل كتابه إلى دارا تأهب لمحاربته. # PageV01P248 # وقد زعم بعض العلماء بأخبار الأولين أن الإسكندر الذي حارب دارا بن دارا ~~هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه، وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم ~~الإسكندر، وهي ابنة ملك الروم، فلما حملت إليه وجد نتن ريحها وسهكها، فأمر ~~أن يحتال لذلك منها، فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها ~~بالفارسية سندر، فغسلت بمائها فأذهب ذلك كثيرا من نتنها ولم يذهب كله، ~~وانتهت نفسه عنها، فردها إلى أهلها، وقد علقت منه فولدت عند أهلها غلاما ~~فسمته باسم الشجرة التي غسلت بمائها مضافا إلى اسمها. # وقد هلك أبوها وملك الإسكندر بعده، فمنع الخراج الذي كان يؤديه جده إلى ~~دارا، فأرسل يطلبه، وكان بيضا من ذهب، فأجابه إني قد ذبحت الدجاجة التي ~~كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها، فإن أحببت وادعناك، وإن أحببت ناجزناك. # ثم خاف ms0179 الإسكندر من الحرب فطلب الصلح، فاستشار دارا أصحابه، فأشاروا عليه ~~بالحرب لفساد قلوبهم عليه، فعند ذلك ناجزه دارا القتال، فكتب الإسكندر إلى ~~حاجبي دارا وحكمهما على الفتك بدارا، فاحتكما شيئا، ولم يشترطا أنفسهما. ~~فلما التقيا للحرب طعن دارا حاجباه في الوقعة، وكانت الحرب بينهما سنة، ~~فانهزم أصحاب دارا ولحقه الإسكندر وهو بآخر رمق. # وقيل: بل فتك به رجلان من حرسه من أهل همذان حبا للراحة من ظلمه، وكان ~~فتكهما به لما رأيا عسكره قد انهزم عنه، ولم يكن ذلك بأمر الإسكندر، وكان ~~قد أمر الإسكندر مناديا ينادي عند هزيمة عسكر دارا أن يؤسر دارا ولا يقتل، ~~فأخبر بقتله، فنزل إليه ومسح التراب عن وجهه وجعل رأسه في حجره، وقال له: ~~إنما قتلك أصحابك وإنني لم أهم بقتلك قط، ولقد كنت أرغب بك يا شريف الأشراف ~~ويا ملك الملوك وحر الأحرار عن هذا المصرع، فأوص بما أحببت، فأوصاه دارا أن ~~يتزوج ابنته روشنك ويرعى حقها ويعظم قدرها، ويستبقي أحرار فارس ويأخذ له ~~بثأره ممن قتله. ففعل الإسكندر ذلك أجمع وقتل حاجبي دارا، وقال لهما: إنكما ~~لم تشترطا نفوسكما، فقتلهما بعد أن وفى لهما بما ضمن لهما، وقال: ليس ينبغي ~~أن يستبقى قاتل الملوك إلا بذمة لا تخفر. # PageV01P249 # وكان التقاؤهما بناحية خراسان مما يلي الخزر، وقيل ببلاد الجزيرة عند ~~دارا. # وكان ملك الروم قبل الإسكندر متفرقا فاجتمع، وملك فارس مجتمعا فتفرق. ~~وحمل الإسكندر كتبا، وعلوما لأهل فارس من علوم، ونجوم، وحكمة، ونقله إلى ~~الرومية. وقد ذكرنا قول من قال إن الإسكندر أخو دارا لأبيه، وأما أهل الروم ~~وكثير من أهل الأنساب فيزعمون أنه الإسكندر بن فيلفوس، وقيل: فيلبوس بن ~~مطريوس، وقيل: ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن منطون بن رومي بن ليطى بن ~~يوناق بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن روميط بن زنط بن توقيل بن رومي بن ~~الأصفر بن أليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. # فجمع بعد هلك دارا ملك دارا فملك العراق، والشام، والروم، ومصر، ~~والجزيرة، وعرض ms0180 جنده فوجدهم على ما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل، منهم من ~~جنده ثمانمائة ألف رجل، ومن جند دارا ستمائة ألف رجل، وتقدم بهدم حصون فارس ~~وبيوت النيران وقتل الهرابذة، وأحرق كتبهم، واستعمل على مملكة فارس رجالا، ~~وسار قدما إلى أرض الهند، فقتل ملكها، وفتح مدنها، وخرب بيوت الأصنام، ~~وأحرق كتب علومهم، ثم سار منها إلى الصين، فلما وصل إليها أتاه حاجبه في ~~الليل وقال: هذا رسول ملك الصين، فأحضره فسلم وطلب الخلوة، ففتشوه فلم يروا ~~معه شيئا، فخرج من كان # PageV01P250 # عند الإسكندر، فقال: أنا ملك الصين جئت أسألك عن الذي تريده، فإن كان مما ~~يمكن عمله عملته وتركت الحرب. فقال له الإسكندر: ما الذي آمنك مني؟ قال: ~~علمت أنك عاقل حكيم ولم يكن بيني وبينك عداوة ولا ذحل، وأنت تعلم أنك إن ~~قتلتني لم يكن قتلي سببا لتسليم أهل الصين ملكي إليك، ثم إنك تنسب إلى ~~الغدر. # فعلم أنه عاقل فقال له: أريد منك ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلا ونصف ~~الارتفاع لكل سنة. قال: قد أجبتك ولكن اسألني كيف حالي، قال: كيف حالك؟ ~~قال: أكون أول قتيل لمحارب وأول أكلة لمفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع ~~سنتين؟ قال: يكون حالي أصلح قليلا. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة؟ قال: ~~يبقى ملكي وتذهب لذاتي. قال: وأنا أترك لك ما مضى وآخذ الثلث كل سنة فكيف ~~يكون حالك قال: يكون السدس للفقراء والمساكين ومصالح البلاد، والسدس لي، ~~والثلث للعسكر، والثلث لك. قال: قد قنعت منك بذلك. فشكره وعاد، وسمع العسكر ~~بذلك ففرحوا بالصلح. # فلما كان الغد خرج ملك الصين بعسكر عظيم أحاط بعسكر الإسكندر، فركب ~~الإسكندر والناس، فظهر ملك الصين على الفيل وعلى رأسه التاج، فقال له ~~الإسكندر: أغدرت؟ قال: لا ولكني أردت أن تعلم أني لم أطعك من ضعف ولكني لما ~~رأيت العالم العلوي مقبلا عليك أردت طاعته بطاعتك، والقرب منه بالقرب منك، ~~فقال له الإسكندر: لا يسام مثلك الجزية، فما رأيت بيني وبينك من يستحق ~~الفضل والوصف بالعقل غيرك، ms0181 وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف ~~عنك. فقال له ملك الصين: فلست تخسر، وبعث إليه بضعف ما كان قرره، وسار ~~الإسكندر عنه من يومه ودانت له عامة الأرضين في الشرق والغرب وملك التبت ~~وغيرها. # PageV01P251 # فلما فرغ من بلاد المغرب والمشرق وما بينهما قصد بلاد الشام، وملك تلك ~~البلاد، ودان له من بها من الأمم المختلفة إلى أن اتصل بديار يأجوج ومأجوج ~~وقد اختلفت الأقوال فيهم، والصحيح أنهم نوع من الترك لهم شوكة وفيهم شر، ~~وهم كثيرون، وكانوا يفسدون فيما يجاورهم من الأرض، ويخربون ما قدروا عليه ~~من البلاد، ويؤذون من يقرب منهم. فلما رأى أهل تلك البلاد الإسكندر شكوا ~~إليه من شرهم، كما أخبر الله عنهم في قوله: {ثم أتبع سببا - حتى إذا بلغ ~~بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا - قالوا ياذا القرنين ~~إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا - قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ~~ردما} [الكهف: 92 - 95] . يقول ما مكنني فيه ربي خير من خرجكم، ولكن ~~أعينوني بالقوة، والقوة الفعلة والصناع، والآلة التي يبنى بها، فقال: ~~{آتوني زبر الحديد} [الكهف: 96] ، أي قطع الحديد، فآتوه بها، فحفر الأساس ~~حتى بلغ الماء، ثم جعل الحديد والحطب صفوفا بعضها فوق بعض {حتى إذا ساوى ~~بين الصدفين} [الكهف: 96] ، وهما جبلان، أشعل النار في الحطب فحمي الحديد ~~وأفرغ عليه القطر، وهو النحاس المذاب، فصار موضع الحطب وبين قطع الحديد، ~~فبقي كأنه برد محبر من حمرة النحاس وسواد الحديد، وجعل أعلاه شرفا من ~~الحديد فامتنعت يأجوج ومأجوج من الخروج إلى البلاد المجاورة لهم. قال الله ~~تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا} [الكهف: 97] . # فلما فرغ من أمر السد دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي، والشمس # PageV01P252 # جنوبية، فلهذا كانت ظلمة، وإلا فليس في الأرض موضع إلا وتطلع الشمس عليه ~~أبدا. فلما دخل الظلمات أخذ معه أربعمائة من أصحابه يطلب عين الخلد، فسار ms0182 ~~فيها ثمانية عشر يوما، ثم خرج ولم يظفر بها، وكان الخضر على مقدمته، فظفر ~~بها وسبح فيها وشرب منها، والله أعلم. # ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور بعلة الخوانيق، وكان عمره ستا ~~وثلاثين سنة في قول، ودفن في تابوت من ذهب مرصع بالجواهر، وطلي بالصبر لئلا ~~يتغير وحمل إلى أمه بالإسكندرية. # وكان ملكه أربع عشرة سنة، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه. وبنى ~~اثنتي عشرة مدينة، منها: أصبهان، وهي التي يقال لها جي، ومدينة هراة، ومرو، ~~وسمرقند، وبنى بالسواد مدينة لروشنك ابنة دارا، وبأرض اليونان مدينة، وبمصر ~~الإسكندرية. # فلما مات الإسكندر طاف به من معه من الحكماء اليونانيين والفرس والهند ~~وغيرهم، فكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، فوقفوا عليه، فقال كبيرهم: ليتكلم ~~كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا، ووضع يده على ~~التابوت، وقال: أصبح آسر الأسراء أسيرا. وقال آخر: هذا الملك كان يخبئ ~~الذهب فقد صار الذهب يخبؤه. وقال آخر: ما أزهد الناس في هذا الجسد وما ~~أرغبهم في التابوت. وقال آخر: من أعجب العجب أن القوي قد غلب، والضعفاء ~~لاهون مغترون. وقال آخر: هذا الذي جعل أجله ضمانا وجعل أمله عيانا، هلا ~~باعدت من أجلك لتبلغ بعض أملك، بل هلا حققت من أملك بالامتناع من فوت أجلك. # PageV01P253 # وقال آخر: أيها الساعي المنتصب، ما خذلك عند الاحتياج إليه، فغودرت عليك ~~أوزاره، وقارفت آثامه، فجمعت لغيرك وإثمه عليك. # وقال آخر: قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك، فمن كان له ~~معقول فليعقل، ومن كان معتبرا فليعتبر. # وقال آخر: رب هائب لك يخافك من ورائك وهو اليوم بحضرتك ولا يخافك. # رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم. # وقال آخر: كم أماتت هذه النفس لئلا تموت وقد ماتت. # وقال آخر، وكان صاحب كتب الحكمة: قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك فاليوم لا ~~أقدر على الدنو منك. # وقال آخر: هذا يوم عظيم أقبل من شره ما كان مدبرا، ms0183 وأدبر من خيره ما كان ~~مقبلا، فمن كان باكيا على من زال ملكه فليبك. # وقال آخر: يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعفت آثار ~~مملكتك كما عفت آثار الذباب. # وقال آخر: يا من ضاقت عليه الأرض طولا وعرضا ليت شعري كيف حالك بما احتوى ~~عليك منها! # وقال آخر: اعجبوا ممن كان هذا سبيله كيف شهر نفسه بجمع الأموال الحطام ~~البائد، والهشيم النافذ. وقال آخر: أيها الجمع الحافل، والملقى الفاضل لا ~~ترغبوا فيما لا يدوم سروره، وتنقطع لذته، فقد بان لكم الصلاح، والرشاد من ~~الغي والفساد. وقال آخر انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وظل الغمام كيف ~~انجلى. # وقال آخر: يا من كان غضبه الموت هلا غضبت على الموت! # PageV01P254 # وقال آخر: قد رأيتم هذا الملك الماضي فليتعظ به هذا الملك الباقي. # وقال آخر: إن الذي كانت الآذان تنصت له قد سكت فليتكلم الآن كل ساكت. # وقال آخر: سيلحق بك من سره موتك كما لحقت بمن سرك موته. # وقال آخر: ما لك لا تقل عضوا من أعضائك وقد كنت تستقل بملك الأرض! بل ما ~~لك لا ترغب عن ضيق المكان الذي أنت فيه وقد كنت ترغب عن رحب البلاد! # وقال آخر: إن دنيا يكون هذا في آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها. # وقال صاحب مائدته: قد فرشت النمارق، ونضدت النضائد، ولا أرى عميد القوم. ~~وقال صاحب بيت ماله: قد كنت تأمرني بالادخار فإلى من أدفع ذخائرك؟ # وقال آخر: هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طويت منها سبعة أشبار ولو كنت ~~بذلك موقنا لم تحمل على نفسك في الطلب. # وقالت زوجته روشنك: ما كنت أحسب أن غالب دارا يغلب، فإن الكلام الذي سمعت ~~منكم فيه شماتة، فقد خلف الكأس الذي شرب منه ليشربه الجماعة. وقالت أمه حين ~~بلغها موته: لئن فقدت من ابني أمره لم يفقد من قلبي ذكره. # فهذا كلام الحكماء فيه مواعظ وحكم حسنة فلهذا أثبتها. # ومن حيل الإسكندر في حروبه أنه لما حارب دارا خرج إلى بين ms0184 الصفين وأمر ~~مناديا فنادى: يا معشر الفرس، قد علمتم ما كتبتم إلينا وما كتبنا إليكم من ~~الأمان، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل فإنه يرى منا الوفاء. فاتهمت ~~الفرس بعضها بعضا واضطربوا. # ومن حيله أنه تلقاه ملك الهند بالفيلة، فنفرت خيل أصحابه عنها، فعاد عنه ~~وأمر باتخاذ فيلة من نحاس وألبسها السلاح وجعلها مع الخيل حتى ألفتها، ثم ~~عاد # PageV01P255 # إلى الهند، فخرج إليه ملك الهند، فأمر الإسكندر بتلك الفيلة فملئت بطونها ~~من النفط والكبريت، وجرت على العجل في وسط المعركة ومعها جمع من أصحابه، ~~فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار في تلك الفيلة، فلما حميت انكشف أصحابه ~~عنها وغشيتها فيلة الهند، فضربتها بخراطيمها فاحترقت وولت هاربة راجعة إلى ~~الهند، فانهزموا بين يديها. # ومن حيله أنه أنزل على مدينة حصينة وكان بها كثير من الأقوات وبها عيون ~~ماء، فعاد عنها فأرسل إليها قوما على هيئة التجار ومعهم أمتعة يبيعونها ~~وأمرهم بمشترى الطعام والمغالات في ثمنها، فإذا صار عندهم أحرقوه وهربوا، ~~ففعلوا ذلك وهربوا إليه فأنفذ السرايا إلى سواد تلك المدينة وأمرهم بالغارة ~~مرة بعد أخرى، فهربوا ودخلوا البلد ليحتموا به، فسار الإسكندر إليهم، فلم ~~يمتنعوا عليه. # وكتب إلى أرسطا طاليس يذكر له أنه من خاصة الروم جماعة لهم همم بعيدة ~~ونفوس كبيرة وشجاعة، وأنه يخافهم على نفسه ويكره قتلهم بالظنة. فكتب إليه ~~أرسطا طاليس: فهمت كتابك، فإن ما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد ~~الهمة وكبر النفس، والغدر من دناءة النفس وخستها، وأما شجاعتهم ونقص ~~عقولهم، فمن كانت هذه حاله فرفهه في معيشته واخصصه بحسان النساء، فإن ~~رفاهية العيش تميت الشجاعة، وتحبب السلامة، وإياك والقتل فإنه ذلة لا ~~تستقال وذنب لا يغفر، وعاقب بدون القتل تكن قادرا على العفو، فما أحسن ~~العفو من القادر، وليحسن خلقك تخلص لك النيات بالمحبة، ولا تؤثر نفسك على ~~أصحابك، فليس مع الاستئثار محبة، ولا مع المؤاساة بغضة. # وكتب إلى أرسطا طاليس أيضا لما ملك بلاد فارس يذكر أنه رأى بإيران شهر ~~رجالا ذوي ms0185 رأي، وصرامة، وشجاعة، وجمال، وأنساب رفيعة، وأنه إنما ملكهم ~~بالحظ # PageV01P256 # والإنفاق، وأنه لا يأمن - إن سافر عنهم فأفرغهم - وثوبهم وأنه لا يكفى ~~شرهم ببوارهم. فكتب إليه: قد فهمت كتابك في رجال فارس، فأما قتلهم فهو من ~~الفساد والبغي الذي لا يؤمن عاقبته، ولو قتلتهم لأنبت أهل البلد أمثالهم ~~وصار جميع أهل البلد أعداءك بالطبع وأعداء عقبك لأنك تكون قد وترتهم بغير ~~حرب، وأما إخراجك إياهم من عسكرك فمخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكني أشير عليك ~~برأي هو أبلغ من القتل، وهو أن تستدعي منهم أولاد الملوك ومن يصلح للملك ~~فتقلدهم البلدان وتجعل كل واحد منهم ملكا برأسه فتتفرق كلمتهم ويقع بأسهم ~~بينهم ويجتمعون على الطاعة والمحبة لك ويرون أنفسهم صنيعتك. ففعل الإسكندر ~~ذلك، فهم ملوك الطوائف، وقيل في ملوك الطوائف غير هذا السبب، ونحن نذكره إن ~~شاء الله. # PageV01P257 ### | [ذكر من ملك من قومه بعد الإسكندر] # لما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه الإسكندروس، فأبى واختار العبادة، ~~فملكت اليونان فيما قيل بطليموس بن لاغوس، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، ~~ثم ملك بعده بطليموس فيلوذفوس، وكان ملكه أربعين سنة، ثم ملك بعده بطليموس ~~أوراغاطس أربعا وعشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس فيلافطر إحدى وعشرين سنة، ~~ثم ملك بعده بطليموس إفيفانس اثنتين وعشرين سنة. # PageV01P258 # ثم ملك بعده بطليموس أوراغاطس تسعا وعشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس ساطر ~~سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده بطليموس الإخشندر إحدى عشرة سنة، ثم ملك بعده ~~بطليموس الذي اختفى عن ملكه ثماني سنين، ثم ملكت بعده قالوبطرى سبع عشرة ~~سنة، وكانت من الحكماء، وهؤلاء كلهم من اليونان، وكل من كان بعد الإسكندر ~~كان يدعى بطليموس كما كانت تدعى ملوك فارس أكاسرة وملوك الروم قياصرة. # وقد ذكر بعض العلماء أن بطليموس صاحب المجسطي وغيره من الكتب لم يكن من ~~هؤلاء الملوك، وإنما كان أيام ملوك الروم على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ثم ملك الشام فيما بعد قالوبطرى ملوك الروم، فكان أول من ملك منهم جايوس ~~يولوس خمس سنين، ثم ms0186 ملك بعده أغسطوس ستا وخمسين سنة، فلما مضى من ملكه ~~اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى ابن مريم - عليه السلام - وقيل: كان بين مولده ~~وقيام الإسكندر ثلاثمائة وثلاث سنين. # PageV01P259 ### | [ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر وهم ملوك الطوائف] # لما مات الإسكندر ملك بلاد الفرس بعده ملوك الطوائف، وقد تقدم ذكر السبب ~~في تمليكهم. # وقيل: كان السبب في ذلك أن الإسكندر لما ملك بلاد الفرس ووصل إلى ما أراد ~~كتب إلى أرسطاطاليس الحكيم: إني قد وترت جميع من في بلاد المشرق وقد خشيت ~~أن يتفقوا بعدي على قصد بلادنا وإيذاء قومنا، وقد هممت أن أقتل أولاد من ~~قتلت من الملوك وألحقهم بآبائهم، فما ترى؟ # فكتب إليه: إنك إن قتلت أبناء الملوك أفضى الملك إلى السفل والأنذال، ~~والسفل إذا ملكوا قدروا، وإذا قدروا طغوا وبغوا وظلموا، وما يخشى من معرتهم ~~أكثر، والرأي أن تجمع أبناء الملوك فتملك كل واحد منهم بلدا واحدا وكورة ~~واحدة، فإن كل واحد منهم يقوم في وجه الآخر يمنعه عن بلوغ غرضه خوفا على ما ~~بيده فتتولد العداوة بينهم فيشتغل بعضهم ببعض فلا يتفرغون إلى من بعد عنهم. # فعندها قسم الإسكندر بلاد المشرق على ملوك الطوائف ونقل عن بلدانهم ~~النجوم والحكمة، وكان من حالهم بعد الإسكندر ما ذكره أرسطاطاليس، واشتغلوا ~~عن قصد اليونان. # وكان أرسطاطاليس من أفضل الحكماء وأعلمهم، وكان الإسكندر يصدر عن رأيه ~~وأخذ الحكمة عن أفلاطون تلميذ سقراط، وسقراط تلميذ أوسيلاوس في الطبيعيات ~~دون غيرها، ومعناه رأس السباع، وكان أوسيلاوس تلميذ أنكساغورس، إلا أن ~~أرسطاطاليس # PageV01P260 # خالف أستاذه في عدة مسائل، فلما قيل له في ذلك قال: أفلاطون صديق والحق ~~صديق، إلا أن الحق أولى بالصداقة منه. # وقد اختلف العلماء في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الإسكندر وعدد ~~ملوك الطوائف الذين ملكوا إقليم بابل، فقال هشام بن الكلبي وغيره: ملك بعد ~~الإسكندر بلاقس سلبقس، ثم أنطيخس، وهو الذي بنى مدينة أنطاكية. # وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة أربعا وخمسين سنة، وكانوا يتطرقون ~~الجبال، وناحية الأهواز، وفارس. ms0187 # ذكر ملك أشك بن أشكان # ثم خرج رجل يقال له أشك، وهو من ولد دارا الأكبر، وكان مولده ومنشؤه ~~بالري، فجمع جمعا كبيرا وسار يريد أنطيخس، وزحف إليه أنطيخس والتقيا ببلاد ~~الموصل، فقتل أنطيخس، وملك أشك السواد وصار بيده من الموصل إلى الري، ~~وأصبهان، وعظمته سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه وفعله، وبدءوا به كتبهم، ~~وسموه ملكا من غير أن يعزل أحدا منهم، ثم ملك بعده ابنه سابور بن أشك. # ذكر ملك جودرز # ثم ملك بعد سابور جودرز بن أشكان، وهو الذي غزا بني إسرائيل في المرة ~~الثانية. # PageV01P261 # وسبب تسليط الله إياه عليهم قتلهم يحيى بن زكرياء، فأكثر القتل فيهم، فلم ~~يعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى، ورفع الله منهم النبوة ونزل بهم الذل. # وقيل: إن الذي غزا بني إسرائيل طيطوس بن إسفيانوس ملك الروم فقتلهم ~~وسباهم وخرب بيت المقدس، وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يطلبون ثأر أنطيخس، ~~وملك بابل حينئذ " بلاش أبو أردوان " الذي قتله " أردشير بن بابك "، فكتب ~~بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما أجمعت عليه الروم من غزو بلادهم وما حشدوا ~~وجمعوا وأنه إن عجز منهم ظفروا بهم جميعا. # فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر ~~قوته، فاجتمع عنده أربعمائة ألف رجل، فولى عليهم صاحب الحضر، وكان له ما ~~بين السواد والجزيرة، فلقي الروم وقتل ملكهم واستباح عسكرهم، وذلك الذي هيج ~~الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها، وكان الذي أنشأها ~~قسطنطين الملك، وهو أول من تنصر من ملوك الروم وأجلى من بقي من بني إسرائيل ~~عن فلسطين والشام لقتلهم عيسى بزعمهم، وأخذ الخشبة التي يزعمون أنهم صلبوا ~~المسيح عليها، فعظمها الروم وأدخلوها خزائنهم وهي عندهم إلى اليوم. # ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير بن بابك. ولم يبين هشام مدة ~~ملكهم. # وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس: ملك بلادهم بعد الإسكندر ملوك من ~~غير الفرس كانوا يطيعون كل من ملك بلاد الجبل، وهم الأشغانيون الذين يدعون ~~ملوك ms0188 الطوائف، وكان ملكهم مائتي سنة، وقيل: كان ملكهم ثلاثمائة وأربعين ~~سنة، ملك من هذه السنين أشك بن أشكان عشرين سنة، ثم ابنه سابور ستين سنة، ~~وفي إحدى وأربعين سنة من ملكه ظهر المسيح # PageV01P262 # عيسى ابن مريم - عليه السلام - وإن " تيطوس بن إسفيانوس " ملك رومية غزا ~~بيت المقدس بعد ارتفاع المسيح بنحو من أربعين سنة فملك المدينة وقتل، وسبى، ~~وأخرب المدينة، ثم ملك جودرز بن أشغانان الأكبر عشر سنين، ثم ملك بيرن ~~الأشغاني إحدى وعشرين سنة، ثم ملك جودرز الأشغاني تسع عشرة سنة، ثم ملك ~~نرسي الأشغاني أربعين سنة، ثم ملك هرمز الأشغاني سبع عشرة سنة، ثم ملك ~~أردوان الأشغاني اثنتي عشرة سنة، ثم ملك كسرى الأشغاني أربعين سنة، ثم ملك ~~بلاش الأشغاني أربعا وعشرين سنة، ثم ملك أردوان الأصغر ثلاث عشرة سنة، ثم ~~ملك أردشير بن بابك. # وقال بعضهم: ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق ~~الإسكندر المملكة بينهم، وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه عليها ~~ما خلا السواد، فإنه كان أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم. # PageV01P263 # وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك قد ملك الجبال وأصبهان، ثم غلب ~~ولده بعد ذلك على السواد، وكانوا ملوكا عليها، وعلى الماهات، والجبال، ~~وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف ; لأن العادة جرت بتقديمه وتقديم ~~ولده، ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك، فاقتصرنا على ذكرهم دون غيرهم، ~~فكانت مدة ملوك الطوائف مائتي سنة وستين سنة، وقيل: ثلاثمائة وأربعا ~~وأربعين سنة، وقيل: خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة، والله أعلم. # فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت بعد أولادهم الغلبة على السواد ~~أشك بن حره، وهو من ولد إسفنديار بن بشتاسب في قول، وبعض الفرس زعم أن أشك ~~بن دارا، وقال بعضهم: أشك بن أشكان الكبير، هو من ولد كيكاووس، وكان ملكه ~~عشرين سنة، ثم ملك بعد أشك ابنه إحدى وعشرين سنة، ثم ملك ابنه سابور ثلاثين ~~سنة، ثم ملك ابنه جودرز عشر سنين، ثم ملك ms0189 ابنه بيرن إحدى وعشرين سنة، ثم ~~ملك ابنه جودرز الأصغر تسع عشرة سنة، ثم ابنه نرسي أربعين سنة، ثم هرمز بن ~~بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة، ثم أردوان الأكبر بن أشكان اثنتي عشرة سنة، # PageV01P264 # ثم كسرى بن أشكان أربعين سنة، ثم أردوان الأصغر بن بلاش ثلاث عشرة سنة ~~وكان أعظم ملوك الأشكانية وأظهرهم، وأعزهم قهرا للملوك، ثم ملك أردشير بن ~~بابك وجمع مملكة الفرس على ما نذكره إن شاء الله. # وقد عد بعضهم في أسماء الملوك غير ما ذكرنا لا حاجة إلى الإطالة بذكره، ~~وقد ذكرنا بعض ما قيل عند ملك أردشير بن بابك. # PageV01P265 ### | [ذكر الأحداث أيام ملوك الطوائف فمن ذلك ذكر المسيح عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء عليه السلام] # إنما جمعنا هذين الأمرين العظيمين في هذه الترجمة لتعلق أحدهما بالآخر، ~~فنقول كان عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وكان آل ماثان رءوس بني ~~إسرائيل وأحبارهم، وكان متزوجا بحنة بنت فاقود، وكان زكرياء بن برخيا ~~متزوجا بأختها إيشاع، وقيل: كانت إيشاع أخت مريم بنت عمران، وكانت حنة قد ~~كبرت وعجزت ولم تلد ولدا، فبينما هي في ظل شجرة أبصرت طائرا يزق فرخا له ~~فاشتهت الولد فدعت الله أن يهب لها ولدا ونذرت إن يرزقها ولدا أن تجعله من ~~سدنة بيت المقدس وخدمه، فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو، وكان النذر ~~المحرر عندهم أن يجعل للكنيسة يقوم بخدمتها ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ~~فإذا بلغ خير، فإن أحب أن يقيم فيها أقام، وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء. ~~ولم يكن يحرر إلا الغلمان، لأن الإناث لا يصلحن لذلك لما يصيبهن من الحيض ~~والأذى. # ثم هلك عمران وحنة حامل بمريم، فلما وضعتها إذا [هي] أنثى فقالت عند ذلك ~~{رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} [آل عمران: ~~36] في # PageV01P266 # خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، {وإني سميتها مريم} [آل عمران: 36] ، ~~وهي بلغتهم العبادة. # ثم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند ms0190 الأحبار أبناء هارون، ~~وهم يلون من بيت المقدس ما يلي بنو شيبة من الكعبة. فقالت: دونكم هذه ~~المنذورة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم. فقال زكرياء: أنا ~~أحق بها لأن خالتها عندي. فقالوا لكنا نقترع عليها. فألقوا أقلامهم في نهر ~~جار، قيل هو نهر الأردن، فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها ~~التوراة، فارتفع قلم زكرياء فوق الماء ورسبت أقلامهم، فأخذها وكفلها وضمها ~~إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها حتى كبرت، فبنى لها غرفة في المسجد لا يرقى ~~إليها إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في ~~الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فيقول: أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله. ~~فلما رأى زكرياء ذلك منها دعا الله تعالى ورجا الولد حيث رأى فاكهة الصيف ~~في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فقال: إن الذي فعل هذا بمريم قادر على ~~أن يصلح زوجتي حتى تلد. ف {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعاء} [آل عمران: 38] . # فبينما هو يصلي في المذبح الذي لهم إذا هو برجل شاب، وهو جبرائيل، ففزع ~~زكرياء منه، فقال له: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} [آل ~~عمران: 39] ، يعني عيسى ابن مريم - عليه السلام - ويحيى أول من آمن بعيسى ~~وصدقه، وذلك أن أمه كانت حاملا به فاستقبلت مريم وهي حامل بعيسى فقالت لها: ~~يا مريم أحامل أنت؟ فقالت: لماذا تسأليني؟ فقالت إني أرى ما في بطني يسجد ~~لما في بطنك، فذلك تصديقه. # وقيل: صدق المسيح - عليه السلام - وله ثلاث سنين، وسماه الله تعالى ~~[يحيى] ولم يكن قبله من تسمى هذا الاسم، قال الله تعالى: {لم نجعل له من ~~قبل سميا} [مريم: 7] . وقال تعالى: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا} [مريم: 15] . قيل: أوحش ما يكون ابن آدم في هذه الأيام الثلاثة، ~~فسلمه الله تعالى من وحشتها، وإنما ولد يحيى قبل المسيح بثلاث سنين، وقيل ~~بستة أشهر، وكان لا يأتي # PageV01P267 # النساء، ولا يلعب مع الصبيان. # {قال ms0191 رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} [آل عمران: 40] ~~؟ وكان عمره اثنتين وتسعين سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، وكانت امرأته ابنة ~~ثمان وتسعين سنة. فقيل له: {كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] . ~~وإنما قال ذلك استخبارا هل يرزق الولد من امرأته العاقر أم غيرها، لا ~~إنكارا لقدرة الله تعالى. {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] . قال: أمسك الله لسانه عقوبة لسؤاله ~~الآية، والرمز الإشارة. # فلما ولد رآه أبوه حسن الصورة، قليل الشعر، قصير الأصابع، مقرون ~~الحاجبين، دقيق الصوت، قويا في طاعة الله مذ كان صبيا، قال الله تعالى: ~~{وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: 12] . # قيل: إنه قال له يوما الصبيان أمثاله: يا يحيى اذهب بنا نلعب. فقال لهم: ~~ما للعب خلقت. وكان يأكل العشب وأوراق الشجر، وقيل كان يأكل خبز الشعير، ~~ومر به إبليس ومعه رغيف شعير فقال: أنت تزعم أنك زاهد وقد ادخرت رغيف شعير؟ ~~فقال يحيى: يا ملعون هو القوت، فقال إبليس: إن الأقل من القوت يكفي لمن ~~يموت. فأوحى الله إليه: اعقل ما يقول لك. # ونبئ صغيرا فكان يدعو الناس إلى عبادة الله، ولبس الشعر، فلم يكن له ~~دينار ولا درهم ولا مسكن يسكن إليه، أينما جنه الليل أقام، ولم يكن له عبد ~~ولا أمة، واجتهد في العبادة، فنظر يوما إلى بدنه وقد نحل فبكى، فأوحى الله ~~إليه يا يحيى أتبكي لما نحل من جسمك؟ وعزتي وجلالي لو اطلعت في النار ~~اطلاعة لتدرعت الحديد عوض الشعر! فبكى حتى أكلت الدموع لحم خديه وبدت ~~أضراسه للناظرين. فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه وأقبل زكرياء ومعه الأحبار فقال: ~~يا بني ما يدعوك إلى هذا؟ قال: أنت أمرتني بذلك حيث قلت: إن بين الجنة ~~والنار عقبة لا يجوزها إلا الباكون من خشية # PageV01P268 # الله. فقال: فابك واجتهد إذن. فصنعت له أمه قطعتي لبد على خديه تواريان ~~أضراسه، فكان يبكي حتى يبلهما، وكان زكرياء إذا أراد يعظ الناس نظر فإن كان ms0192 ~~يحيى حاضرا لم يذكر جنة ولا نارا. # وبعث الله عيسى رسولا نسخ بعض أحكام التوراة، فكان مما نسخ أنه حرم نكاح ~~بنت الأخ، وكان لملكهم - واسمه هيرودس - بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، ~~فنهاه يحيى عنها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها لها فلما بلغ ذلك أمها قالت ~~لها: إذا سألك الملك ما حاجتك فقولي أن تذبح يحيى بن زكرياء. فلما دخلت ~~عليه وسألها ما حاجتك؟ قالت: أريد أن تذبح يحيى بن زكرياء. فقال: اسألي غير ~~هذا. قالت: ما أسألك غيره. فلما أبت دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه، فلما رأت ~~الرأس قالت: اليوم قرت عيني! فصعدت إلى سطح قصرها فسقطت منه إلى الأرض ولها ~~كلاب ضارية تحته، فوثبت الكلاب عليها وأكلتها وهي تنظر، وكان آخر ما أكل ~~منها عيناها لتعتبر. فلما قتل بذرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي ~~حتى بعث الله بختنصر عليهم فجاءته امرأة فدلته على ذلك الدم، فألقى الله في ~~قلبه أن يقتل منهم على ذلك الدم حتى يسكن، فقتل منهم سبعين ألفا حتى سكن ~~الدم. # وقال السدي نحو هذا، غير أنه قال: أراد الملك أن يتزوج بنت امرأة له، ~~فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت المرأة من الملك قتل يحيى، فأرسل إليه فقتله ~~وأحضر رأسه في طست وهو يقول له: لا تحل لك، فبقي دمه يغلي، فطرح عليه تراب ~~حتى بلغ سور المدينة، فلم يسكن الدم. فسلط الله عليهم بختنصر في جمع عظيم ~~فحصرهم فلم يظفر بهم، فأراد الرجوع فأتته امرأة من بني إسرائيل فقالت: ~~بلغني أنك تريد العود! قال: نعم، قد طال المقام وجاع الناس وقلت الميرة بهم ~~وضاق عليهم، فقالت: إن فتحت لك المدينة أتقتل من آمرك بقتله وتكف إذا ~~أمرتك؟ قال: نعم. قالت: اقسم جندك أربعة أقسام على نواحي المدينة، ثم ~~ارفعوا أيديكم إلى السماء وقولوا: اللهم إنا نستفتحك على دم يحيى بن ~~زكرياء، ففعلوا، فخرب سور المدينة، فدخلوها، فأمرتهم العجوز أن يقتلوا على ~~دم يحيى بن زكرياء حتى يسكن، فلم يزل ms0193 يقتل حتى قتل سبعين # PageV01P269 # ألفا وسكن الدم، فأمرته بالكف، وكف. # وخرب بيت المقدس، وأمر أن تلقى فيه الجيف، وعاد ومعه دانيال وغيره من ~~وجوه بني إسرائيل، منهم عزريا، وميشائيل، ورأس الجالوت. فكان دانيال أكرم ~~الناس عليه، فحسدهم المجوس وسعوا بهم إلى بختنصر، وذكر نحو ما تقدم من ~~إلقائهم إلى السبع ونزول الملك عليهم ومسخ بختنصر ومقامه في الوحش سبع ~~سنين. # وهذا القول وما لم نذكره من الروايات من أن بختنصر هو الذي خرب بيت ~~المقدس، وقتل بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء باطل عند أهل السير ~~والتاريخ وأهل العلم بأمور الماضين، وذلك أنهم أجمعين مجمعون على أن بختنصر ~~غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد ~~إرميا وقتل يحيى أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة عند اليهود والنصارى، ~~ويذكرون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم مبين، وتوافقهم المجوس في مدة غزو بختنصر ~~بني إسرائيل إلى موت الإسكندر، وتخالفهم في مدة ما بين موت الإسكندر ومولد ~~يحيى، فيزعمون أن مدة ذلك كانت إحدى وخمسين سنة. # وأما ابن إسحاق فإنه قال: الحق أن بني إسرائيل عمروا بيت المقدس بعد ~~مرجعهم من بابل وكثروا، ثم عادوا يحدثون الأحداث ويعود الله سبحانه عليهم ~~ويبعث فيهم الرسل، ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله ~~فيهم زكرياء وابنه يحيى وعيسى ابن مريم - عليهم السلام - فقتلوا يحيى ~~وزكرياء، فابتعث # PageV01P270 # الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له جودرس، فسار إليهم حتى دخل عليهم ~~الشام، فلما دخل عليهم بيت المقدس قال لقائد عظيم من عسكره اسمه نبوزاذان، ~~وهو صاحب الفيل: إني كنت حلفت لئن أنا ظفرت ببني إسرائيل لأقتلنهم حتى تسيل ~~دماؤهم في وسط عسكري إلى أن أجد من لا أقتله، وأمره أن يدخل المدينة ~~ويقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل نبوزاذان المدينة فأقام في المدينة التي ~~يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي، فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن ~~هذا الدم يغلي؟ فقالوا: هذا دم قربان لنا لم يقبل ms0194 فلذلك هو يغلي. فقال: ما ~~صدقتموني الخبر! فقالوا: إنه قد انقطع منا الملك والنبوة فلذلك لم يقبل ~~منا. فذبح منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رءوسهم، فلم يهدأ، ~~فأمر بسبعمائة من علمائهم فذبحوا على الدم، فلم يهدأ. فلما رأى الدم لا ~~يبرد قال لهم: يا بني إسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ~~ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم، قبل أن لا أدع منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا ~~إلا قتلته. # فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر وقالوا: هذا [دم] نبي كان ينهانا ~~عن كثير مما يسخط الله، ويخبرنا بخبركم، فلم نصدقه، وقتلناه فهذا دمه. ~~فقال: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء. قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ~~انتقم ربكم منكم، وخر ساجدا، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا ~~من ههنا من جيش جودرس. ففعلوا، وخلا في بني إسرائيل ثم قال للدم: يا يحيى، ~~قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم، فاهدأ بإذن الله ~~قبل أن لا يبقى من قومك أحد. فسكن الدم، ورفع نبوزاذان القتل، وقال: آمنت ~~بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره. ثم قال لبني ~~إسرائيل: إن جودرس أمرني أن # PageV01P271 # أقتل فيكم حتى تسيل دماؤكم في عسكره، ولست أستطيع أن أعصيه. قالوا: افعل. ~~فأمرهم أن يحفروا حفيرة، وأمر بالخيل، والبغال، والحمير، والبقر، والغنم، ~~والإبل فذبحها حتى كثر الدم وأجرى عليه ماء، فسار الدم في العسكر، فأمر ~~بالقتلى الذين كان قتلهم، فألقوا فوق المواشي، فلما نظر جودرس إلى الدم قد ~~بلغ عسكره أرسل إلى نبوزاذان: أن ارفع القتل عنهم فقد انتقمت منهم بما ~~فعلوا. # وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل، يقول الله تعالى لنبيه ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا - فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ms0195 - ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا - إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا - عسى ربكم أن ~~يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} [الإسراء: 4 - 8] ، و " ~~عسى " [وعد] من الله حق. # وكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم رد الله سبحانه لهم الكرة، ثم ~~كانت الوقعة الأخيرة جودرس وجنوده، وكانت أعظم الوقعتين، فبها كان خراب ~~بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، يقول الله تعالى: {وليتبروا ما ~~علوا تتبيرا} [الإسراء: 7] . # وزعم بعض أهل العلم أن قتل يحيى كان أيام أردشير بن بابك، وقيل: كان قتله ~~قبل رفع المسيح - عليه السلام - بسنة ونصف، والله أعلم. # ذكر قتل زكرياء # لما قتل يحيى وسمع أبوه بقتله فر هاربا فدخل بستانا عند بيت المقدس فيه ~~أشجار، فأرسل الملك في طلبه، فمر زكرياء بالشجرة. فنادته: هلم إلي يا نبي ~~الله! فلما أتاها انشقت فدخلها، فانطبقت عليه وبقي في وسطها. فأتى عدو الله ~~إبليس فأخذ # PageV01P272 # هدب ردائه فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، فقال لهم: ما تريدون؟ ~~قالوا نلتمس زكرياء. فقال: إنه سحر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها، قالوا: لا ~~نصدقك! قال: فإن لي علامة تصدقوني بها، فأراهم طرف ردائه، فأخذوا الفئوس ~~وقطعوا الشجرة باثنتين وشقوها بالمنشار، فمات زكرياء فيها، فسلط الله عليهم ~~أخبث أهل الأرض فانتقم به منهم. # وقيل: إن السبب في قتله أن إبليس جاء إلى مجالس بني إسرائيل فقذف زكرياء ~~بمريم وقال لهم: ما أحبلها غيره، وهو الذي كان يدخل عليها، فطلبوه فهرب، ~~وذكر من دخوله الشجرة نحو ما تقدم. # PageV01P273 ### | [ذكر ولادة المسيح عليه السلام ونبوته إلى آخر أمره] # كانت ولادة المسيح أيام ملوك الطوائف. قالت المجوس: كان ذلك بعد خمس ~~وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، وبعد إحدى وخمسين سنة مضت من ملك ~~الأشكانيين. وقالت النصارى: إن ولادته كانت لمضي ثلاثمائة وثلاث وستين سنة ~~من وقت غلبة الإسكندر على أرض ms0196 بابل، وزعموا أن مولد يحيى كان قبل مولد ~~المسيح بستة أشهر، وأن مريم، عليها السلام، حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، ~~وقيل خمس عشرة، وقيل: عشرون، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة ~~وأياما، وأن مريم عاشت بعده ست سنين، فكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة، وأن ~~يحيى قتل قبل أن يرفع المسيح، وأتت المسيح النبوة والرسالة وعمره ثلاثون ~~سنة. # وقد ذكرنا حال مريم في خدمة الكنيسة، وكانت هي وابن عمها يوسف بن يعقوب ~~بن ماثان النجار يليان خدمة الكنيسة، وكان يوسف حكيما نجارا يعمل بيديه ~~ويتصدق بذلك. # وقالت النصارى: إن مريم كان قد تزوجها يوسف ابن عمها إلا أنه لم يقربها ~~إلا بعد رفع المسيح، والله أعلم. # وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف ابن عمها أخذ كل واحد منهما قلته # PageV01P274 # وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستعذبان منه ثم يرجعان إلى الكنيسة، ~~فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبريل نفد ماؤها فقالت ليوسف ليذهب معها إلى ~~الماء، فقال: عندي من الماء ما يكفيني إلى غد، فأخذت قلتها وانطلقت وحدها ~~حتى دخلت المغارة، فوجدت جبرائيل قد مثله الله لها بشرا سويا، فقال لها: يا ~~مريم إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا. {قالت إني أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] أي مطيعا لله، وقيل: هو اسم رجل بعينه، وتحسبه ~~رجلا، {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا - قالت أنى يكون لي غلام ~~ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} [مريم: 19 - 20]- أي زانية - {قال كذلك قال ~~ربك} [مريم: 21] ، إلى قوله {أمرا مقضيا} [مريم: 21] # فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله، ونفخ في جيب درعها ثم انصرف عنها وقد ~~حملت بالمسيح، وملأت قلتها وعادت، وكان لا يعلم في أهل زمانها أعبد منها ~~ومن ابن عمها يوسف النجار، وكان معها، وهو أول من أنكر حملها، فلما رأى ~~الذي بها استعظمه ولم يدر على ماذا يضع ذلك منها، فإذا أراد يتهمها ذكر ~~صلاحها وأنها لم تغب عنه ms0197 ساعة قط، وإذا أراد يبرئها رأى الذي بها، فلما ~~اشتد ذلك عليه كلمها فكان أول كلامه لها أن قال لها: إنه قد وقع من أمرك ~~شيء قد حرصت على أن أميته وأكتمه فغلبني. فقالت: قل قولا جميلا. فقال: ~~حدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل ينبت شجر بغير غيث ~~يصيبه؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد بغير ذكر؟ قالت له: نعم، ألم تعلم أن ~~الله أنبت الزرع يوم خلقه بغير بذر! ألم تعلم أن الله خلق الشجر من غير ~~مطر! وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده! ~~أو تقول لن يقدر الله على أن ينبت حتى يستعين بالبذر والمطر! قال يوسف: لا ~~أقول هكذا ولكني أقول إن الله يقدر على ما يشاء، إنما يقول لذلك كن فيكون. ~~قالت له: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء من غير ذكر ولا أنثى! قال: بلى، ~~فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله لا يسعه أن يسألها ~~عنه لما رأى من كتمانها له. # PageV01P275 # وقيل: إنها خرجت إلى جانب الحجرات لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجابا من ~~الجدران، فلما طهرت إذا برجل معها، وذكر الآيات، فلما حملت أتتها خالتها ~~امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة ~~زكرياء: إني حبلى. فقالت لها مريم: وأنا أيضا حبلى. قالت امرأة زكرياء: ~~فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. # وولدت امرأة زكرياء يحيى. وقد اختلف في مدة حملها، فقيل: تسعة أشهر، وهو ~~قول النصارى، وقيل ثمانية أشهر، فكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود ~~لثمانية أشهر غيره، وقيل: ستة أشهر، وقيل ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة، ~~وهو أشبه بظاهر القرآن العزيز لقوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} ~~[مريم: 22] عقبة بالفاء. # فلما أحست مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي فأتت أقصاه فأجاءها المخاض ~~إلى جذع النخلة قالت - وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس - يا ليتني ms0198 مت ~~قبل هذا وكنت نسيا منسيا، يعني نسي ذكري وأثري فلا يرى لي أثر ولا عين. ~~قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وحدثته، فإذا كان عندنا إنسان سمعت ~~تسبيحه في بطني. فناداها جبرائيل من تحتها - أي من أسفل الجبل - أن لا ~~تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهو النهر الصغير، أجراه تحتها، فمن قرأ: من ~~تحتها، بكسر الميم، جعل المنادي جبرائيل، ومن فتحها قال إنه عيسى، أنطقه ~~الله، # PageV01P276 # وهزي إليك بجذع النخلة، كان جذعا مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة، وقيل: كان ~~مقطوعا فلما أجهدها الطلق احتضنته فاستقام واخضر وأرطب، فقيل لها: {وهزي ~~إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] فهزته فتساقط الرطب فقال لها: {فكلي واشربي ~~وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا} [مريم: 26] ، وكان من صام في ذلك الزمان لا يتكلم حتى يمسي. # فلما ولدته ذهب إبليس فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون ~~بدعوتها، فأتت به قومها تحمله # وقيل: إن يوسف النجار تركها في مغارة أربعين يوما ثم جاء بها إلى أهلها، ~~فلما رأوها قالوا لها: {يامريم لقد جئت شيئا فريا - ياأخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [مريم: 27 - 28] فما بالك أنت؟ وكان من ~~نسل هارون أخي موسى، كذا قيل. # قلت: إنها ليست من نسل هارون إنما هي من سبط يهوذا بن يعقوب من نسل ~~سليمان بن داود، وإنما كانوا يدعون بالصالحين، وهارون من ولد لاوي بن ~~يعقوب. # قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام فأشارت ~~إليه، فغضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زنائها. {قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] ، فتكلم عيسى فقال: {إني عبد الله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا - وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما ~~دمت حيا} [مريم: 30 - 31] . فكان أول ما تكلم به العبودية ليكون أبلغ في ~~الحجة على من يعتقد أنه إله. # PageV01P277 # وكان قومها قد أخذوا الحجارة ليرجموها، فلما ms0199 تكلم ابنها تركوها. ثم لم ~~يتكلم بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان، وقال بنو إسرائيل: ما أحبلها ~~غير زكرياء فإنه هو الذي كان يدخل عليها ويخرج من عندها، فطلبوه ليقتلوه، ~~ففر منهم، ثم أدركوه فقتلوه. # وقيل في سبب قتله غير ذلك، وقد تقدم ذكره. # وقيل: إنه لما دنا نفاسها أوحى الله إليها: أن اخرجي من أرض قومك فإنهم ~~إذا ظفروا بك عيروك وقتلوك وولدك. فاحتملها يوسف النجار وسار بها إلى أرض ~~مصر، فلما وصلا إلى تخوم مصر أدركها المخاض، فلما وضعت وهي محزونة قيل لها: ~~لا تحزني الآية إلى (إنسيا) ، فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء، ~~وأصبحت الأصنام منكوسة على رءوسها، وفزعت الشياطين فجاءوا إلى إبليس، فلما ~~رأى جماعتهم سألهم فأخبروه، فقال: قد حدث في الأرض حادث، فطار عند ذلك وغاب ~~عنهم فمر بالمكان الذي ولد فيه عيسى فرأى الملائكة محدقين فيه، فعلم أن ~~الحدث فيه، ولم تمكنه الملائكة من الدنو من عيسى، فعاد إلى أصحابه وأعلمهم ~~بذلك وقال لهم: ما ولدت امرأة إلا وأنا حاضر، وإني لأرجو أن أضل به أكثر ~~ممن يهتدي. # واحتملته مريم إلى أرض مصر فمكثت اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، فكانت ~~تلتقط السنبل والمهد في منكبيها. # قلت: والقول الأول في ولادته بأرض قومها للقرآن أصح لقوله تعالى: {فأتت ~~به قومها تحمله} [مريم: 27] ، وقوله {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} ~~[مريم: 29] . # وقيل: إن مريم حملت المسيح إلى مصر بعد ولادته ومعها يوسف النجار، وهي ~~الربوة التي ذكرها الله تعالى، وقيل: الربوة دمشق، وقيل: بيت المقدس، وقيل ~~غير ذلك، فكان سبب ذلك الخوف من ملك بني إسرائيل، وكان من الروم، واسمه # PageV01P278 # هيرودس، فإن اليهود أغروه بقتله، فساروا إلى مصر وأقاموا بها اثنتي عشرة ~~سنة إلى أن مات ذلك الملك، وعادوا إلى الشام، وقيل: إن هيرودس لم يرد قتله ~~ولم يسمع به إلا بعد رفعه، وإنما خافوا اليهود عليه، والله أعلم. # ذكر نبوة المسيح وبعض معجزاته # لما كانت مريم بمصر نزلت على دهقان، وكانت ms0200 داره يأوي إليها الفقراء ~~والمساكين، فسرق له مال، فلم يتهم المساكين، فحزنت مريم فلما رأى عيسى حزن ~~أمه قال: أتريدين أن أدله على ماله؟ قالت: نعم. قال: إنه أخذه الأعمى ~~والمقعد، اشتركا فيه، حمل الأعمى المقعد فأخذه، فقيل للأعمى ليحمل المقعد، ~~فأظهر العجز، فقال له المسيح: كيف قويت على حمله البارحة لما أخذتما المال؟ ~~فاعترفا وأعاداه. # ونزل بالدهقان أضياف ولم يكن عندهم شراب، فاهتم لذلك، فلما رآه عيسى دخل ~~بيتا للدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشي، ~~فامتلأت شرابا، وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة. # وكان في الكتاب يحدث الصبيان بما يصنع أهلوهم وبما كانوا يأكلون. # قال وهب: بينما عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبي فضربه برجله ~~فقتله فألقاه بين رجلي المسيح متلطخا بالدم، فانطلقوا به إلى الحاكم في ذلك ~~البلد فقالوا: قتل صبيا، فسأله الحاكم، فقال: ما قتلته. فأرادوا أن يبطشوا ~~به، فقال: إيتوني بالصبي حتى أسأله من قتله، فتعجبوا من قوله، وأحضروا عنده ~~القتيل، فدعا الله فأحياه، فقال: من قتلك؟ فقال: قتلني فلان، يعني الذي ~~قتله. فقال بنو إسرائيل للقتيل: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم، ثم مات ~~الغلام من ساعته. # وقال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى صباغ يتعلم عنده، فاجتمع عند الصباغ ثياب # PageV01P279 # وعرض له حاجة، فقال للمسيح: هذه ثياب مختلفة الألوان وقد جعلت في كل ثوب ~~منها خيطا على اللون الذي يصبغ به فاصبغها حتى أعود من حاجتي هذه. فأخذها ~~المسيح وألقاها في جب واحد، فلما عاد الصباغ سأله عن الثياب فقال: صبغتها. ~~فقال: أين هي؟ قال: في هذا الجب، فقال: كلها؟ قال: نعم. قال: لقد أفسدتها ~~على أصحابها! وتغيظ عليه، فقال له المسيح: لا تعجل وانظر إليها، وقام ~~وأخرجها كل ثوب منها على اللون الذي أراد صاحبه، فتعجب الصباغ منه وعلم أن ~~ذلك من الله تعالى. # ولما عاد عيسى وأمه إلى الشام نزلا بقرية يقال لها ناصرة، وبها سميت ~~النصارى، فأقام إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فأوحى ms0201 الله إليه أن يبرز للناس ~~ويدعوهم إلى الله تعالى ويداوي المرضى والزمنى والأبرص وغيرهم من المرضى، ~~ففعل ما أمر به، وأحبه الناس، وكثر أتباعه وعلا ذكره. # وحضر يوما طعام بعض الملوك كان دعا الناس إليه، فقعد على قصعة يأكل منها ~~ولا تنقص، فقال الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم. فنزل الملك عن ملكه ~~واتبعه نفر من أصحابه فكانوا الحواريين. # وقيل: إن الحواريين هم الصباغ الذي تقدم ذكره وأصحاب له، وقيل: كانوا ~~صيادين، وقيل: قصارين، وقيل: ملاحين، والله أعلم. وكانت عدتهم اثني عشر ~~رجلا، وكانوا إذا جاعوا أو عطشوا قالوا: يا روح الله قد جعنا وعطشنا، فيضرب ~~يده إلى الأرض فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين وما يشربون. فقالوا: من أفضل ~~منا، إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا! فقال: أفضل منكم من يأكل من كسب يده، ~~فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة. # ولما أرسله الله أظهر من المعجزات أنه صور من طين صورة طائر ثم نفخ فيه # PageV01P280 # فيصير طائرا بإذن الله، وقيل هو الخفاش. # وكان غالبا على زمانه الطب فأتاهم بما أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى ~~تعجيزا لهم، فممن أحياه " عازر "، وكان صديقا لعيسى، فمرض، فأرسلت أخته إلى ~~عيسى أن عازر يموت، فسار إليه وبينهما ثلاثة أيام، فوصل وقد مات منذ ثلاثة ~~أيام، فأتى قبره فدعا له فعاش، وبقي حتى ولد له. وأحيا امرأة وعاشت وولد ~~لها. وأحيا سام بن نوح، كان يوما مع الحواريين يذكر نوحا والغرق والسفينة ~~فقالوا: لو بعثت لنا من شهد ذلك! فأتى تلا وقال: هذا قبر سام بن نوح، ثم ~~دعا الله فعاش، وقال: قد قامت القيامة؟ فقال المسيح: لا ولكن دعوت الله ~~فأحياك، فسألوه، فأخبرهم، ثم عاد ميتا. # وأحيا عزيرا النبي، قال له بنو إسرائيل: أحي لنا عزيرا وإلا أحرقناك. ~~فدعا الله فعاش، فقالوا: ما تشهد لهذا الرجل؟ قال: أشهد أنه عبد الله ~~ورسوله. وأحيا يحيى بن زكرياء. وكان يمشي على الماء. # ذكر نزول المائدة # وكان من المعجزات العظيمة نزول المائدة. # وسبب ذلك: أن الحواريين قالوا له: يا ms0202 عيسى {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا ~~مائدة من السماء} [المائدة: 112] فدعا عيسى فقال: {اللهم ربنا أنزل علينا ~~مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} [المائدة: 114] فأنزل الله ~~المائدة عليها خبز ولحم يأكلون منها ولا تنفد، فقال لهم: إنها مقيمة ما لم ~~تدخروا منها. فما مضى يومهم حتى ادخروا. # PageV01P281 # وقيل: أقبلت الملائكة تحمل المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى ~~وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، وقيل: كان عليها من ~~ثمار الجنة، وقيل: كانت تمد بكل طعام إلا اللحم، وقيل: كانت سمكة فيها طعم ~~كل شيء، فلما أكلوا منها، وهم خمسة آلاف، وزادت حتى بلغ الطعام ركبهم، ~~قالوا: نشهد أنك رسول الله، ثم تفرقوا فتحدثوا بذلك. فكذب به من لم يشهده، ~~وقالوا: سحر أعينكم، فافتتن بعضهم وكفر، فمسخوا خنازير ليس فيهم امرأة ولا ~~صبي، فبقوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا ولم يتوالدوا. # وقيل: كانت المائدة سفرة حمراء تحتها غمامة وفوقها غمامة وهم ينظرون ~~إليها تنزل حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من ~~الشاكرين! اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة ولا عقوبة! واليهود ينظرون ~~إلى شيء لم يروا مثله ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحها. فقال شمعون: يا روح ~~الله، أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال المسيح: لا من طعام الدنيا ~~ولا من طعام الآخرة، إنما هو شيء خلقه الله بقدرته. فقال لهم: كلوا مما ~~سألتم. فقالوا له: كل أنت يا روح. فقال: معاذ الله أن آكل منها! فلم يأكل ~~ولم يأكلوا منها، فدعا المرضى، والزمنى، والفقراء، فأكلوا منها، وهم ألف ~~وثلاثمائة، فشبعوا، وهي بحالها لم تنقص، فصح المرضى، والزمنى، واستغنى ~~الفقراء، ثم صعدت وهم ينظرون إليها حتى توارت، وندم الحواريون حيث لم ~~يأكلوا منها. # وقيل: إنها نزلت أربعين يوما، كانت تنزل يوما وتنقطع يوما، وأمر الله ~~عيسى أن يدعو إليها الفقراء دون الأغنياء، ففعل ذلك، فاشتد على الأغنياء ~~وجحدوا نزولها وشكوا في ذلك وشككوا غيرهم فيها، فأوحى الله إلى عيسى: إني ms0203 ~~شرطت أن أعذب المكذبين عذابا لا أعذب به أحدا من العالمين، فمسخ منهم ~~ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين رجلا فأصبحوا خنازير. فلما رأى الناس ذلك فزعوا ~~إلى عيسى وبكوا، وبكى عيسى على الممسوخين. فلما أبصرت الخنازير عيسى بكوا ~~وطافوا وهو يدعوهم بأسمائهم ويشيرون # PageV01P282 # برءوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. # ذكر رفع المسيح إلى السماء ونزوله إلى أمه وعوده إلى السماء # قيل: إن عيسى استقبله ناس من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن ~~الساحرة الفاعل ابن الفاعلة! وقذفوه وأمه، فسمع ذلك ودعا عليهم، فاستجاب ~~الله دعاءه ومسخهم خنازير، فلما رأى ذلك رأس بني إسرائيل فزع وخاف وجمع ~~كلمة اليهود على قتله، فاجتمعوا عليه، فسألوه، فقال: يا معشر اليهود، إن ~~الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته، وثاروا إليه ليقتلوه، فبعث إليه جبرائيل ~~فأدخله في خوخة إلى بيت فيها روزنة في سقفها فرفعه إلى السماء من تلك ~~الروزنة، فأمر رأس اليهود رجلا من أصحابه اسمه " قطيبانوس " أن يدخل إليه ~~فيقتله. فدخل فلم ير أحدا، وألقى الله عليه شبح المسيح، فخرج إليهم فظنوه ~~عيسى، فقتلوه، وصلبوه. # وقيل: إن عيسى قال لأصحابه: أيكم يريد أن يلقى عليه شبهي وهو مقتول؟ فقال ~~رجل منهم: أنا يا روح الله. فألقي عليه شبهه، فقتل وصلب. # وقيل: إن الذي شبه بعيسى وصلب رجل إسرائيلي اسمه يوشع أيضا. # وقيل: لما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدنيا جزع من الموت فدعا ~~الحواريين فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما ~~اجتمعوا عشاهم، وقام يخدمهم. فلما فرغوا أخذ يغسل أيديهم بيده ويمسحها ~~بثيابه، فتعاظموا ذلك وكرهوا. فقال: من يرد علي الليلة شيئا مما أصنع فليس ~~مني، فأقروه حتى فرغ من ذلك، ثم قال: أما ما خدمتكم على الطعام وغسلت بيدي ~~فليكن لكم بي أسوة فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وأما حاجتي التي أستغيثكم ~~عليها فتدعون الله # PageV01P283 # لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء أخذهم ~~النوم حتى ما يستطيعون الدعاء، فجعل يوقظهم ms0204 ويقول: سبحان الله ما تصبرون لي ~~ليلة! قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نقدر ~~عليه الليلة، وكلما أردنا الدعاء حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي ~~ويتفرق الغنم، وجعل ينعى نفسه، ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ~~ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. # فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون، أحد الحواريين، ~~وقالوا: هذا صاحبه. # واختلف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء، فقيل: رفع ولم يمت، وقيل: ~~توفاه الله ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات، ثم أحياه ورفعه، ولما رفع إلى ~~السماء قال الله له: انزل، فلما قالوا لشمعون عن المسيح جحد، وقال: ما أنا ~~بصاحبه! فتركوه. فعلوا ذلك ثلاثا. فلما سمع صياح الديك بكى وأحزنه ذلك. # وأتى أحد الحواريين إلى اليهود فدلهم على المسيح، وأعطوه ثلاثين درهما، ~~فأتى معهم إلى البيت الذي فيه المسيح، فدخله، فرفع الله المسيح، وألقى شبهه ~~على الذي دلهم عليه، فأخذوه، وأوثقوه، وقادوه، وهم يقولون له: أنت كنت تحيي ~~الموتى، وتفعل كذا وكذا فهلا تنجي نفسك؟ وهو يقول: أنا الذي أدلكم عليه، ~~فلم يصغوا إلى قوله، ووصلوا به إلى الخشبة وصلبوه عليها. # وقيل: إن اليهود لما دلهم عليه الحواري اتبعوه، وأخذوه من البيت الذي كان ~~فيه ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله ملائكة فحالوا بينهم وبينه، وألقى ~~شبه المسيح على الذي دلهم عليه، فأخذوه ليصلبوه، فقال: أنا الذي دلكم عليه، ~~فلم يلتفتوا إليه فقتلوه وصلبوه عليها. ورفع الله المسيح إليه بعد أن توفاه ~~ثلاث ساعات، # PageV01P284 # وقيل: سبع ساعات، ثم أحياه ورفعه، ثم قال له: انزل إلى مريم فإنه لم يبك ~~عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها. فنزل عليها بعد سبعة أيام، فاشتعل ~~الجبل حين هبط نورا، وهي عند المصلوب تبكي ومعها امرأة كان أبرأها من ~~الجنون، فقال: ما شأنكما تبكيان؟ قالتا: عليك! قال: إني رفعني الله إليه ~~ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، وأمرها فجمعت له الحواريين، فبثهم ~~في الأرض رسلا عن ms0205 الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله ~~إليه وأكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار مع ~~الملائكة، فهو معهم، فصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا. # فتفرق الحواريون حيث أمرهم، فتلك الليلة التي أهبطه الله فيها هي التي ~~تدخن فيها النصارى. # وتعدى اليهود على بقية الحواريين يعذبونهم ويشتمونهم، فسمع بذلك ملك ~~الروم، واسمه " هيرودس "، وكانوا تحت يده، وكان صاحب وثن، فقيل له: إن رجلا ~~كان في بني إسرائيل وكان يفعل الآيات من إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين ~~والإخبار عن الغيوب فعدوا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله. فقال ~~الملك: ويحكم ما منعكم أن تذكروا هذا من أمره، فوالله لو علمت ما خليت ~~بينهم وبينه! ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيدي اليهود، وسألهم عن دين ~~عيسى، فأخبروه، وتابعهم على دينهم، واستنزل المصلوب الذي شبه لهم فغيبه، ~~وأخذ الخشبة التي صلب عليها فأكرمها، وصانها وعدا على بني إسرائيل فقتل ~~منهم قتلى كثيرة، فمن هناك كان أصل النصرانية في الروم. # وقيل: كان هذا الملك هيرودس ينوب عن الملك الأعظم الملقب قيصر، واسمه ~~طيباريوس، وكان هذا أيضا يسمى ملكا. وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة، ~~منها إلى ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام. # PageV01P285 ### | [ذكر من ملك من الروم بعد رفع المسيح إلى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم] # زعموا أن ملك الشام جميعه صار بعد طيباريوس إلى ولده جايوس وكان ملكه ~~أربع سنين، ثم ملك بعده ابن له آخر اسمه قلوديوس أربع عشرة سنة، ثم ملك ~~بعده نيرون الذي قتل بطرس وبولس فصلبهما منكسين أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده ~~بوطلايس أربعة أشهر، ثم إسفسيانوس، وهذا الذي وجه ابنه طيطوس إلى البيت ~~المقدس فهدمه وقتل من بني إسرائيل غضبا للمسيح، ثم ملك ابنه طيطوس، ثم ملك ~~أخوه دومطيانوس ست عشرة سنة. # PageV01P286 # ثم ملك بعده نارواس ست سنين، ثم ملك من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة، ثم ~~ملك بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة، ثم ملك ms0206 من بعده أنطونينوس بن بطيانوس ~~اثنتين وعشرين سنة، ثم ملك مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده ~~قومودوس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك من بعده فرطيناجوس ستة أشهر، ثم ملك بعده ~~سيواروش أربع عشرة سنة، ثم ملك بعده أنطيناوس سبع سنين، ثم ملك من بعده ~~مرقيانوس ست سنين، ثم ملك من بعده أنطينانوس أربع سنين، وفي ملكه مات ~~جالينوس الطبيب. # PageV01P287 # ثم ملك الخسندروس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك مكسيمانوس ثلاث سنين، ثم ملك ~~جورديانوس ست سنين، ثم فيلفوس سبع سنين، ثم ملك داقيوس ست سنين، ثم ملك ~~قالوس ست سنين، ثم ملك والريبانوس وقالينوس خمس عشرة سنة، ثم ملك قلوديوس ~~سنة، ثم ملك قريطاليوس شهرين، ثم ملك أورليانوس خمس سنين، ثم ملك طيقطوس ~~ستة أشهر، ثم ملك فولورنوس خمسة وعشرين يوما، ثم ملك فروبوس ست سنين. # PageV01P288 # ثم ملك دقلطيانوس ست سنين، ثم ملك مخسيميانوس عشرين سنة، ثم قسطنطين ~~ثلاثين سنة، ثم ملك يليانوس سنتين، ثم ملك يويانوس سنة، ثم ملك والنطيانوس ~~وغرطيانوس عشر سنين، ثم ملك خرطيانوس ووالنطيانوس الصغير سنة، ثم ملك ~~تياداسيس الأكبر سبع عشرة سنة، ثم أرقاديوس وأنوريوس عشرين سنة، ثم ملك ~~تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة، ثم ملك مرقيانوس سبع سنين، ثم ~~لاو ست عشرة سنة، ثم ملك زانون ثماني عشرة سنة، ثم ملك أنسطاس سبعا وعشرين ~~سنة، ثم ملك يوسطنيانوس تسع سنين، ثم ملك يوسطنيانوس الشيخ عشرين سنة، ثم ~~ملك يوسطينس اثنتي عشرة سنة، ثم ملك طيباريوس ست سنين، ثم مريقيش وتاداسيس ~~ابنه عشرين سنة، ثم ملك فوقا الذي قتل سبع سنين وستة أشهر، ثم هرقل الذي ~~كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين. # فمن لدن عمر البيت المقدس بعد أن أخربه بختنصر إلى الهجرة، على قولهم، # PageV01P289 # ألف سنة ونيف، ومن ملك الإسكندر إليها تسعمائة ونيف وعشرون سنة، فمن ذلك ~~من وقت ظهوره إلى مولد عيسى - عليه السلام - ثلاثمائة سنة وثلاث سنين، ومن ~~مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة. ومن وقت ارتفاعه ms0207 اثنتان وثلاثون ~~سنة، ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر. # هذا الذي ذكره أبو جعفر من عدد ملوك الروم، وقد أخلى ذكرهم عن شيء من ~~الحوادث التي كانت في أيامهم، وقد سطرها غيره من العلماء بالتاريخ وخالفه ~~في كثير منها ووافقه في الباقي مع مخالفة الاسم وأضاف إلى أسمائهم ذكر شيء ~~من الحوادث في أيامهم، وأنا أذكره مختصرا، إن شاء الله. # PageV01P290 ### | [ذكر ملوك الروم وهم ثلاث طبقات، فالطبقة الأولى الصابئون] # ذكر غير واحد من علماء التاريخ أن الروم غلبت اليونان، وهم ولد صوفير، ~~والإسرائيليون يدعون أن صوفير هو الأصفر بن نفر بن عيص بن إسحاق بن ~~إبراهيم، وكانوا ينزلون رومية قبل غلبتهم على اليونان، وكانوا يدينون قبل ~~النصرانية بمذهب الصابئين، ولهم أصنام يعبدونها على عادة الصابئين. فكان ~~أول ملوكهم برومية غاليوس، وكان ملكه ثماني عشرة سنة. # وقيل: كان ملك قبله روملس وأرمانوس، وهما بنياها، وإليهما نسبت، وأضيف ~~الروم إليها، وإنما غاليوس أول من يعد في التاريخ لشهرته، ثم ملك بعده ~~يوليوس أربع سنين وأربعة أشهر، ثم ملك أوغسطس، ومعناه الصباء، وهو أول من ~~سمي قيصر. وتفسير ذلك أنه شق عنه بطن أمه لأنها ماتت وهي حامل به، فأخرج من ~~بطنها، ثم صار ذلك لقبا لملوكهم، وكان ملكه ستا وخمسين سنة وخمسة أشهر، ~~وأكثر المؤرخين يبتدئون باسمه لأنه أول من خرج من رومية وسير الجنود برا ~~وبحرا، وغزا اليونانيين، واستولى على ملكهم، وقتل قلوبطرة آخر ملوكهم، ~~واستولى على الإسكندرية ونقل ما فيها إلى رومية، وملك الشام، واضمحل ملك ~~اليونانيين، ودخلوا في الروم، واستخلف على البيت المقدس هيرودس بن أنطيقوس، ~~ولاثنتين وأربعين سنة من ملكه كانت ولادة المسيح، وهو الذي بنى قيصارية. # PageV01P291 # ثم ملك بعده طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة، وهو الذي بنى مدينة طبرية، ~~فأضيفت إليه، وعربها العرب، وفي ملكه رفع المسيح - عليه السلام - وملك بعد ~~رفعه ثلاث سنين. # ثم ملك بعده ابنه غاليوس أربع سنين، وهو الذي قتل إصطفنوس رئيس الشمامسة ~~عند النصارى ويعقوب أخا يوحنا بن زبدي، ms0208 وهما من الحواريين، وقتل خلقا من ~~النصارى، وهو أول الملوك من عباد الأصنام قتل النصارى. # ثم ملك قلوديوس بن طيباريوس أربع عشرة سنة، وفي ملكه حبس شمعون الصفا، ثم ~~خلص شمعون من الحبس وسار إلى أنطاكية، فدعا إلى النصرانية، ثم سار إلى ~~رومية فدعا أهلها أيضا، فأجابته زوجة الملك وسارت إلى البيت المقدس وأخرجت ~~الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت في أيدي اليهود، ~~فأخذتها وردتها إلى النصارى. # ثم ملك نيرون ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وفي آخر ملكه قتل بطرس وبولس ~~بمدينة رومية وصلبهما منكسين، وفي أيامه ظفرت اليهود بيعقوب بن يوسف، وهو ~~أول الأساقفة بالبيت المقدس، فقتلوه وأخذوا خشبة الصليب فدفنوها، وفي أيامه ~~كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب الجغرافيا في صورة الأرض. # ثم ملك بعده غلباس سبعة أشهر، ثم ملك أوثون ثلاثة أشهر، ثم ملك بيطاليس ~~أحد عشر شهرا، ثم ملك إسباسيانوس تسع سنين وسبعة أشهر، وفي أيامه خالف ~~البيت المقدس قيصر فحصرهم وافتتح المدينة عنوة وقتل كثيرا من أهلها من ~~اليهود # PageV01P292 # والنصارى وعمهم الأذى في أيامه. # ثم ملك ابنه طيطوس سنتين وثلاثة أشهر، وفي أيامه أظهر مرقيون مقالته ~~بالاثنين، وهما: الخير والشر، وبعد ثالث بينهما، وإليه تنسب المرقونية، وهو ~~من أهل حران. # ثم ملك ذومطيانش بن إسباسيانوس خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، ولتسع سنين من ~~ملكه نفى يوحنا الحواري كاتب الإنجيل إلى جزيرة في البحر ثم رده. # ثم ملك نرواس سنة وخمسة أشهر. # ثم ملك طرايانوس تسع عشرة سنة، وفي السادسة من ملكه توفي يوحنا كاتب ~~الإنجيل بمدينة أفسيس. # ثم ملك إيليا أندريانوس عشرين سنة، وقتل من اليهود والنصارى خلقا كثيرا ~~لخلاف كان منهم عليه، وأخرب البيت المقدس، وهو آخر خرابه، فلما مضى من ملكه ~~ثماني سنين عمره أيضا وسماه إيليا، فبقي الاسم عليه فكان قبل ذلك يسمى ~~أورشلم، وأسكن المدينة جماعة من الروم واليونان، وبنى هيكلا عظيما للزهرة، ~~وكان عالي البنيان، فهدم من أعلاه كثير. # وهو باق إلى يومنا هذا، وهو سنة ثلاث وستمائة، ms0209 وقد رأيته، وهو محكم ~~البناء، ولا أدري كيف نسب إلى داود وقد بني بعده بدهر طويل، على أنني سمعت ~~بالبيت المقدس من جماعة يذكرون أن داود بناه وكان يتفرغ فيه لعبادته. # وفي أيام هذا الملك كان ساقيدس الفيلسوف الصامت. # PageV01P293 # ثم ملك أنطنينس بيوس اثنتين وعشرين سنة، وفي أيامه كان بطليموس صاحب ~~المجسطي والجغرافيا وغيرهما. # وقيل: إنه من ولد قلوديوس، ولهذا قيل له القلودي نسبة إليه، وهو السادس ~~من ملوك الروم. ودليل كونه في هذا الزمان وليس من ملوك اليونان أنه ذكر في ~~كتاب المجسطي أنه رصد الشمس بالإسكندرية سنة ثمانمائة وثمانين لبختنصر، ~~وكان من ملك بختنصر إلى قتل دارا أربعمائة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة ~~عشر يوما، ومن قتل دارا إلى زوال ملك قلوبطرة الملكة آخر ملوك اليونان على ~~يد أوغسطس مائتا سنة وست وثمانون سنة، ومذ غلبة أوغسطس إلى أنطنينوس مائة ~~وسبع وستون سنة، فمذ ملك بختنصر إلى أدريانوس ثمانمائة وثلاث وثمانون سنة ~~تقريبا، وهذا موافق لما حكاه بطليموس. # قال: ومن زعم أن ابن قلوبطرة آخر ملوك اليونانيين فقد أبطل ذكر هذا بعض ~~العلماء بالتاريخ وعد ملوك اليونان وذكر مدة ملكهم على ما قال، وأما أبو ~~جعفر الطبري فإنه ذكر في مدة ملكهم مائتي سنة وسبعا وعشرين سنة، على ما ~~تقدم ذكره. # ثم ملك بعده مرقس، ويسمى أورليوس، تسع عشرة سنة، وفي ملكه أظهر ابن ديصان ~~مقالته، وكان أسقفا بالرهاء، وهو من القائلين بالاثنين، ونسب إلى نهر على ~~باب الرهاء يسمى ديصان وجد عليه منبوذا، وبنى على هذا النهر كنيسة. # ثم ملك قومودوس اثنتي عشرة سنة، وفي أيامه كان جالينوس قد أدرك # PageV01P294 # بطليموسالقلودي، وكان دين النصرانية قد ظهر في أيامه وذكرهم في كتابه: في ~~جوامع كتاب أفلاطون في السياسة. # ثم ملك برطينقش ثلاثة أشهر، ثم ملك يوليانوس شهرين، ثم ملك سيوارس سبع ~~عشرة سنة، وشمل اليهود والنصارى في أيامه القتل والتشريد، وبنى بالإسكندرية ~~هيكلا عظيما سماه هيكل الآلهة. # ثم ملك أنطونيوس ست سنين، ثم ملك مقرونيوس سنة وشهرين، ثم ms0210 ملك أنطونيوس ~~الثاني أربع سنين، ثم ملك الأكصندروس، ويلقب مامياس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك ~~مقسميانوس ثلاث سنين، ثم ملك مقسموس ثلاثة أشهر، ثم ملك غرديانوس ست سنين، ~~ثم ملك فيلبوس ست سنين، وتنصر وترك دين الصابئين وتبعه كثير من أهل مملكته ~~واختلفوا لذلك، وكان فيمن خالفه بطريق يقال له داقيوس، قتل فيلبوس واستولى ~~على الملك. # PageV01P295 # ثم ملك بعد فيلبوس داقيوس سنتين وتتبع النصارى، فهرب منه أصحاب الكهف إلى ~~غار في جبل شرقي مدينة أفسيس، وقد خربت المدينة، وكان لبثهم فيه مائة ~~وخمسين سنة. # وهذا باطل لأنه على هذا السياق من حين رفع المسيح إلى الآن نحو مائتي سنة ~~وخمس عشرة سنة، وكان لبث أصحاب الكهف على ما نطق به القرآن المجيد ثلاث ~~مائة سنين وازدادوا تسعا فذلك خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، فعلى هذا يكون ~~ظهورهم قبل الإسلام بنحو ستين سنة، وقد ذكرنا من لدن ظهورهم إلى الهجرة ~~زيادة على مائتي سنة، فهذه الجملة أكثر من الفترة بين المسيح والنبي - ~~عليهما الصلاة والسلام - إلا أن هذا الناقل قد ذكر أن غيبتهم كانت مائة ~~وخمسين سنة على ما نراه مذكورا، وفيه مخالفة للقرآن، ولولا نص القرآن لكان ~~استقام له ما يريد. # ثم ملك بعده غاليوس سنتين، وكان شريكه في الملك يوليانوس، ملك خمس عشرة ~~سنة، ثم ملك قلوديوس، ثم ملك ابنه أورليانوس ست سنين، ثم ملك طافسطوس وأخوه ~~فورس تسعة أشهر، ثم بروبس تسع سنين. # PageV01P296 # ثم ملك قاروس سنتين وخمسة أشهر، ثم ملك دقلطيانوس سبع عشرة سنة، ثم ملك ~~مقسيمانوس وشاركه مقسنطيوس، ثم اقتتلا فاقتسما الملك، فملك الأب على الشام ~~وبلاد الجزيرة وبعض الروم، وملك الابن رومية وما اتصل بها من أرض الفرنج، ~~وملكا تسع سنين، وتملك معهما قسطنس أبو قسطنطين بلاد بوزنطيا وما يليها، ~~وهي نواحي القسطنطينية، ولم تكن بنيت حينئذ، ثم مات قسطنس وملك بعده ابنه ~~قسطنطين المعروف بأمه هيلانى، وهو الذي تنصر. # قال: ومن أول ملوك الروم إلى هاهنا كانوا شبيها بملوك الطوائف، لا ينضبط ~~عددهم، وقد ms0211 اختلف الناس فيهم كاختلافهم في ملوك الطوائف، وإنما الذي يعول ~~عليه من قسطنطين إلى هرقل الذي بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - في أيامه، ~~ولقد صدق قائل هذا فإن فيه من الاختلاف والتناقض ما ذكرنا بعضه عند ذكر ~~دقيوس وأصحاب الكهف، ولهذه العلة لم يذكر الطبري أصحاب الكهف في زمان أي ~~الملوك كانوا، وإنما ذكرناه نحن لما في أيام الملوك من الحوادث. # PageV01P297 ### | [الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة] # ثم ملك قسطنطين المعروف بأمه هيلانى في جميع بلاد الروم، وجرى بينه وبين ~~مقسيمانوس وابنه حروب كثيرة، فلما ماتا استولى على الملك وتفرد به، وكان ~~ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وهو الذي تنصر من ملوك الروم وقاتل ~~عليها حتى قبلها الناس ودانوا بها إلى هذا الوقت. # وقد اختلفوا في سبب تنصره، فقيل: إنه كان به برص وأرادوا نزعه فأشار عليه ~~بعض وزرائه ممن كان يكتم النصرانية بإحداث دين يقاتل عليه ثم حسن له ~~النصرانية ليساعده من دان به، ففعل ذلك. فتبعه النصارى من الروم مع أصحابه ~~وخاصته، فقوي بهم وقهر من خالفه. # وقيل: إنه سير عساكر على أسماء أصنامهم، فانهزمت العساكر، وكان لهم سبعة ~~أصنام على أسماء الكواكب السبعة على عادة الصابئين، فقال له وزير له يكتم ~~النصرانية في هذا وأزرى بالأصنام وأشار إليه بالنصرانية. فأجابه، فظفر، ~~ودام ملكه، وقيل غير ذلك. # وهو الذي بنى مدينة القسطنطينية لثلاث سنين خلت من ملكه بمكانها الآن، ~~اختاره لحصانته، وهي على الخليج الآخذ من البحر الأسود إلى بحر الروم، ~~والمدينة # PageV01P298 # على البر المتصل برومية وبلاد الفرنج والأندلس، والروم تسميها استنبول، ~~يعني مدينة الملك. # ولعشرين سنة مضت من ملكه كان السنهودس الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم، ~~ومعناه الاجتماع، فيه ألفان وثمانية وأربعون أسقفا، فاختار منهم ثلاثمائة ~~وثمانية عشر أسقفا متفقين غير مختلفين، فحرموا آريوس الإسكندراني الذي يضاف ~~إليه الآريوسية من النصارى، ووضع شرائع النصرانية بعد أن لم تكن، وكان رئيس ~~هذا المجمع بطرق الإسكندرية. # وفي السنة السابعة من ملكه سارت أمه هيلانى الرهاوية، كان ms0212 أبوه سباها من ~~الرهاء، فأولدها هذا الملك، فسارت إلى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي ~~تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وجعلت ذلك اليوم عيدا، فهو عيد الصليب، ~~وبنت الكنيسة المعروفة بقمامة، وتسمى القيامة، وهي إلى وقتنا هذا يحجها ~~أنواع النصارى. # وقيل: كان مسيرها بعد ذلك لأن ابنها دان النصرانية في قول بعضهم بعد ~~عشرين سنة من ملكه. وفي السنة الحادية والعشرين من ملكه طبق جميع مماليكه ~~بالبيع هو وأمه، منها: كنيسة حمص، وكنيسة الرهاء، وهي من العجائب. # ثم ملك بعده قسطنطين أنطاكية أربعا وعشرين سنة بعهد من أبيه إليه وسلم ~~إليه القسطنطينية، وإلى أخيه قسطنس أنطاكية، والشام، ومصر، والجزيرة، وإلى ~~أخيه قسطوس رومية وما يليها من بلاد الفرنج والصقالبة، وأخذ عليهما ~~المواثيق بالانقياد لأخيهما قسطنطين. # ثم ملك بعده يوليانوس ابن أخيه سنتين، وكان يدين بمذهب الصابئين ويخفي ~~ذلك. فلما ملك أظهرها وخرب البيع وقتل النصارى، وهو الذي سار إلى العراق ~~أيام # PageV01P299 # سابور بن أردشير فقتل بسهم غرب، وقد ذكر أبو جعفر خبر هذا الملك مع سابور ~~ذي الأكتاف وهو بعد سابور بن أردشير. # ثم ملك بعده يونيانوس سنة فأظهر دين النصرانية ودان بها وعاد من العراق. # ثم ملك بعده ولنطيوش اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر، ثم ملك والنس ثلاث سنين ~~وثلاثة أشهر، ثم ملك والنطيانوس ثلاث سنين. ثم ملك تدوس الكبير، ومعناه ~~عطية الله، تسع عشرة سنة، وفي ملكه كان السنهودس الثاني بمدينة ~~القسطنطينية، اجتمع فيه مائة وخمسون أسقفا لعنوا مقدونس وأشياعه، وكان فيه ~~بطرق الإسكندرية وبطرق أنطاكية وبطرق البيت المقدس، والمدن التي يكون فيها ~~كراسي البطرق أربع: إحداهما رومية، وهي لبطرس الحواري، والثانية ~~الإسكندرية، وهي لمرقس أحد أصحاب الأناجيل الأربعة، والثالثة القسطنطينية، ~~والرابعة أنطاكية، وهي لبطرس أيضا، ولثماني سنين من ملكه ظهر أصحاب الكهف. # ثم ظهر بعده أرقاديوس بن تدوس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك تدوس الصغير بن تدوس ~~الكبير اثنتين وأربعين سنة، ولإحدى وعشرين # PageV01P300 # سنة من ملكه كان السنهودس الثالث بمدينة أفسس، وحضر هذا المجمع مائتا ~~أسقف، وكان ms0213 سببه ما ظهر من نسطورس بطرق القسطنطينية، وهو رأس النسطورية من ~~النصارى، من مخالفة مذهبهم فلعنوه ونفوه، فسار إلى صعيد مصر فأقام ببلاد ~~إخميم، ومات بقرية يقال لها سيصلح، وكثر أتباعه، وصار بسبب ذلك بينهم وبين ~~مخالفيهم حرب وقتال، ثم دثرت مقالته إلى أن أحياها برصوما مطران نصيبين ~~قديما. # ومن العجائب أن الشهرستاني مصنف كتاب: " نهاية الإقدام في الأصول "، ~~ومصنف كتاب: " الملل والنحل "، في ذكر المذاهب والآراء القديمة والجديدة، ~~ذكر فيه أن نسطور كان أيام المأمون، وهذا تفرد به، ولا أعلم له في ذلك ~~موافقا. # ثم ملك بعده مرقيان ست سنين، وفي أول سنة من ملكه كان السنهودس الرابع ~~على تسقرس بطرق القسطنطينية، اجتمع فيه ثلاثمائة وثلاثون أسقفا، وفي هذا ~~المجمع خالفت اليعقوبية سائر النصارى. # ثم ملك ليون ست عشرة سنة، ثم ملك ليون الصغير سنة، وكان يعقوبي المذهب، ~~ثم ملك زينون سبع سنين، وكان يعقوبيا، فزهد في الملك فاستخلف ابنا له # PageV01P301 # فهلك، فعاد إلى الملك، ثم ملك نسطاس سبعا وعشرين سنة، وكان يعقوبي ~~المذهب، وهو الذي بنى عمورية، فلما حفر أساسها أصاب فيه مالا وفى بالنفقة ~~على بنائها وفضل منه شيء بنى به بيعا وأديرة. # ثم ملك يوسطين سبع سنين، وأكثر القتل في اليعقوبية. # ثم ملك يوسطانوس تسعا وعشرين سنة، وبنى بالرهاء كنيسة عجيبة، وفي أيامه ~~كان السنهودس الخامس بالقسطنطينية، فحرموا أدريحا أسقف منبج لقوله بتناسخ ~~الأرواح في أجساد الحيوان، وأن الله يفعل ذلك جزاء ما ارتكبوه. وفي أيامه ~~كان بين اليعاقبة والملكية ببلاد مصر فتن، وفي أيامه ثار اليهود بالبيت ~~المقدس وجبل الخليل على النصارى فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وبنى الملك من ~~البيع والأديرة شيئا كثيرا. # ثم ملك يوسطينوس ثلاث عشرة سنة، وفي أيامه كان كسرى أنوشروان، ثم ملك ~~طبايوس ثلاث سنين وثمانية أشهر، وكان بينه وبين أنوشروان مراسلات ومهاداة، ~~وكان مغرى بالبناء وتحسينه وتزويقه. # ثم ملك موريق عشرين سنة وأربعة أشهر، وفي أيامه ظهر رجل من أهل مدينة # PageV01P302 # حماة يعرف بمارون إليه تنسب المارونية من النصارى، وأحدث ms0214 رأيا يخالف من ~~تقدمه، وتبعه خلق كثير بالشام، ثم إنهم انقرضوا ولم يعرف الآن منهم أحد. # وهذا موريق هو الذي قصده كسرى أبرويز حين انهزم من بهرام جوبين فزوجه ~~ابنته وأمده بعساكره وأعاده إلى ملكه، على ما نذكره إن شاء الله. # ثم ملك بعده فوقاس، وكان من بطارقة موريق، فوثب به فاغتاله فقتله وملك ~~الروم بعده، وكان ملكه ثماني سنين وأربعة أشهر، ولما ملك تتبع ولد موريق ~~وحاشيته بالقتل، فلما بلغ ذلك أبرويز غضب وسير الجنود إلى الشام ومصر ~~فاحتوى عليهما وقتلوا من النصارى خلقا كثيرا، وسيرد ذلك عند ذكر أبرويز. # ثم ملك هرقل، وكان سبب ملكه أن عساكر الفرس لما فتكت في الروم ساروا حتى ~~نزلوا على خليج القسطنطينية وحصروها، وكان هرقل يحمل الميرة في البحر إلى ~~أهلها، فحسن موقع ذلك من الروم وبانت شهامته وشجاعته وأحبه الروم فحملهم ~~على الفتك بفوقاس، وذكرهم سوء آثاره، ففعلوا ذلك وقتلوه وملكوا عليهم هرقل. ### | [ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الروم بعد الهجرة] # PageV01P303 # فأولهم هرقل، قد ذكر سبب ملكه، وكان مدة ملكه خمسا وعشرين سنة، وقيل: ~~إحدى وثلاثين سنة، وفي أيامه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه ملك ~~المسلمون الشام. # ثم ملك بعده ابنه قسطنطين، وقيل: هو ابن أخيه قسطنطين، وكان ملكه تسع ~~سنين وستة أشهر، وسيرد خبره عند ذكر غزاة الصواري، إن شاء الله. # وفي أيامه كان السنهودس السادس على لعن رجل يقال له قورس الإسكندراني ~~خالف الملكية ووافق المارونية. # ثم ملك بعده ابنه قسطا خمس عشرة سنة في خلافة علي - عليه السلام - ~~ومعاوية. ثم ملك هرقل الأصغر بن قسطنطين أربع سنين وثلاثة أشهر. ثم ملك ~~قسطنطين بن قسطا ثلاث عشرة سنة بعض أيام معاوية وأيام يزيد وابنه معاوية ~~ومروان بن الحكم وصدرا من أيام عبد الملك. # PageV01P304 # ثم ملك أسطينان، المعروف بالأخرم، تسع سنين أيام عبد الملك، ثم خلعه ~~الروم وخرموا أنفه وحمل إلى بعض الجزائر، فهرب ولحق بملك الخزر واستنجده ~~فلم ينجده، فانتقل إلى ملك برجان. ثم ملك بعده لونطش ms0215 ثلاث سنين أيام عبد ~~الملك، ثم ترك الملك وترهب. ثم ملك ابسمير، المعروف بالطرسوسي، سبع سنين، ~~فقصده أسطينان ومعه برجان وجرى بينهما حروب كثيرة، وظفر به أسطينان وخلعه ~~وعاد إلى ملكه، فكان ذلك أيام الوليد بن عبد الملك. واستقر أسطينان، وكان ~~قد شرط لملك برجان أن يحمل إليه خراجا كل سنة، فعسف الروم وقتل بها خلقا ~~كثيرا، فاجتمعوا عليه وقتلوه، فكان ملكه الثاني سنتين ونصفا، وكان قتله أول ~~دولة سليمان بن عبد الملك. ثم ملك نسطاس بن فيلفوس، وكان في أيامه اختلاف ~~بين الروم فخلعوه ونفوه. # ثم ملك تيدوس المعروف بالأرمني في أيام سليمان بن عبد الملك أيضا، وهو ~~الذي حصره مسلمة بن عبد الملك. ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين لضعفه عن ~~الملك، وضمن اليون للروم رد المسلمين عن القسطنطينية فملكوه، فكان ملكه ستا ~~وعشرين سنة، ومات في السنة التي بويع فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك. # ثم ملك بعده ابنه قسطنطين إحدى وعشرين سنة، وفي أيامه انقرضت الدولة ~~الأموية وتوفي لعشر سنين مضت من أيام المنصور. # PageV01P305 # ثم ملك بعده ابنه اليون تسع عشرة سنة وأربعة أشهر بقية أيام المنصور، ~~وتوفي في خلافة المهدي. # ثم ملك بعده ريني امرأة اليون بن قسطنطين، ومعها ابنها قسطنطين بن اليون، ~~وهي تدبر الأمر بقية أيام المهدي والهادي وصدرا من خلافة الرشيد. فلما كبر ~~ابنها أفسد ما بينه وبين الرشيد، وكانت أمه مهادنة له، فقصده الرشيد وجرى ~~له معه وقعة، فانهزم وكاد يؤخذ، فكحلته أمه وانفردت بالملك بعده خمس سنين ~~وهادنت الرشيد. # ثم ملك بعدها نقفور، أخذ الملك منها، وكان ملكه سبع سنين وثلاثة أشهر، ~~وهو نقفور أبو استبراق، وكنت قد رأيته مضبوطا بكثير من الكتب بسكون القاف، ~~حتى رأيت رجلا زعم أن اسمه نقفور، بفتح القاف. # وعهد نقفور إلى ابنه استبراق بالملك بعده، وهو أول من فعل ذلك في الروم، ~~ولم يكن يعرف قبله، وكانت ملوك الروم قبل نقفور تحلق لحاها، وكذلك ملك ~~الفرس، فلم يفعله نقفور. وكانت ملوك الروم قبله ms0216 تكتب: من فلان ملك ~~النصرانية، فكتب نقفور: من فلان ملك الروم، وقال: لست ملك النصرانية كلها. # وكانت الروم تسمي العرب سارقيوس، يعني عبيد سارة، بسبب هاجر أم إسماعيل، ~~فنهاهم عن ذلك وجرى بين نقفور وبين برجان حرب سنة ثلاث وتسعين ومائة فقتل ~~فيها. # ثم ملك بعده ابنه استبرق بعهد من أبيه إليه، وكان ملكه شهرين. # ثم ملك بعده ميخائيل بن جرجس، وهو ابن عم نقفور، وقيل: ابن استبرق، وكان ~~ملكه سنتين في أيام الأمين، وقيل: أكثر من ذلك، فوثب به اليون المعروف ~~بالبطريق، وغلب على الأمر وحبسه. # PageV01P306 # ثم ملك بعده اليون البطريق سبع سنين وثلاثة أشهر، فوثب به أصحاب ميخائيل ~~في خلاص صاحبهم، وقتل اليون ثم فتح لهم ذلك، وعاد ميخائيل إلى الملك. # وقيل: إنه كان قد ترهب أيام اليون، وكان ملكه هذه الدفعة الثانية تسع ~~سنين، وقيل أكثر من ذلك. # ثم ملك بعده ابنه نوفيل بن ميخائيل أربع عشرة سنة، وهو الذي فتح زبطرة، ~~وسار المعتصم بسبب ذلك وفتح عمورية، وكان موته أيام الواثق. # ثم ملك بعده ابنه ميخائيل ثمانيا وعشرين سنة، وكانت أمه تدبر الملك معه، ~~وأراد قتلها فترهبت، وخرج عليه رجل من أهل عمورية من أبناء الملوك السالفة ~~يعرف بابن بقراط، فلقيه ميخائيل فيمن عنده من أسارى المسلمين، فظفر به ~~ميخائيل فمثل به، ثم خرج عليه بسيل الصقلبي فاستولى على الملك، وقتل ~~ميخائيل سنة ثلاث وخمسين ومائتين. # ثم ملك بعده بسيل الصقلبي عشرين سنة أيام المعتز والمهتدي وصدرا من أيام ~~المعتمد، وكانت أمه صقلبية فنسب إليها. # وقد خلط " حمزة الأصفهاني " فيه فقال عند ذكر ميخائيل: ثم انتقل الملك ~~عند الروم وصار في الصقلب، فقتله بسيل الصقلبي ظنا منه أن أباه كان صقلبيا. # PageV01P307 # ثم ملك بعده ابنه اليون بن بسيل ستا وعشرين سنة أيام المعتمد والمعتضد ~~والمكتفي وصدرا من أيام المقتدر، وقيل: إن وفاته كانت سنة سبع وتسعين ~~ومائتين. # ثم ملك أخوه الإكسندروس سنة وشهرين، ومات بالدبيلة، وقيل: إنه اغتيل لسوء ~~سيرته. # ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون، ms0217 وهو صبي، وتولى له الأمر بطريق البحر، ~~واسمه ارمانوس، وشرط على نفسه شروطا، منها: أنه لا يطلب الملك ولا يلبس ~~التاج لا هو ولا أحد من أولاده، فلم يمض غير سنتين حتى خوطب هو وأولاده ~~بالملوك، وجلس مع قسطنطين على السرير، وكان له ثلاثة من الولد، فخصى أحدهم ~~وجعله بطرقا ليأمن من المنازعة، فإن البطرق يحكم على الملك، فبقي على حاله ~~إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة # PageV01P308 # من الهجرة، فاتفق ابناه مع قسطنطين على إزالة أبيهما، فدخلا عليه وقبضاه، ~~وسيراه إلى دير له في جزيرة بالقرب من القسطنطينية نحو أربعين يوما وأرادا ~~الفتك به، فسبقهما إلى ذلك وقبض عليهما وسيرهما إلى جزيرتين في البحر، فوثب ~~أحدهما بالموكل به فقتله، وأخذه أهل تلك الجزيرة فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى ~~قسطنطين الملك، فجزع لقتله. # وأما ارمانوس فقد مات بعد أربع سنين من ترهبه. ودام ملك قسطنطين بقية ~~أيام المقتدر والقاهر والراضي والمستكفي وبعض أيام المطيع، ثم خرج على ~~قسطنطين هذا قسطنطين بن أندرونقس، وكان أبوه قد توجه إلى المكتفي سنة أربع ~~وتسعين ومائتين وأسلم على يده وتوفي. فهرب ابنه هذا على طريق أرمينية ~~وأذربيجان إلى بلاد الروم، فاجتمع عليه خلق كثير وكثر أتباعه، فسار إلى ~~القسطنطينية ونازع الملك قسطنطين في ملكه، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، فظفر ~~به الملك فقتله. # وخرج عن طاعته أيضا صاحب رومية، وهي كرسي ملك الإفرنج، وتسمى بالملك، ~~ولبس ثياب الملوك. وكانوا قبل ذلك يطيعون ملوك الروم أصحاب القسطنطينية ~~ويصدرون عن أمرهم، فلما كان سنة أربعين وثلاثمائة قوي ملك رومية، فخرج عن ~~طاعته، فأرسل إليه قسطنطين العساكر يقاتلونه ومن معه من الفرنج، فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزمت الروم وعادت إلى القسطنطينية منكوبة فكف حينئذ قسطنطين ~~عن معارضته ورضي بالمسالمة وجرى بينهما مصاهرة، فزوج قسطنطين ابنه أرمانوس ~~بابنة ملك رومية. # ولم يزل أمر الإفرنج بعد هذا يقوى ويزداد ويتسع ملكهم كالاستيلاء على ~~بلاد الأندلس، على ما نذكره وكأخذهم جزيرة صقلية وبلاد ساحل الشام والبيت ~~المقدس، على ما نذكره، وفي آخر الأمر ملكوا القسطنطينية سنة إحدى ms0218 وستمائة، ~~على ما نذكره إن شاء الله. # ومما ينبغي أن يلحق بهذا أن الطوائف من الترك اجتمعت، منهم البجناك ~~والبختي وغيرهما، وقصدوا مدينة للروم قديمة تسمى وليدر سنة اثنتين وعشرين # PageV01P309 # وثلاثمائة وحصروها، فبلغ خبرهم إلى أرميانوس، فسير إليهم عسكرا كثيفا ~~فيهم من المتنصرة اثنا عشر ألفا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الروم، ~~واستولى الترك على المدينة وخربوها بعد أن أكثروا القتل فيها والسبي ~~والنهب، ثم ساروا إلى القسطنطينية وحصروها أربعين يوما، وأغاروا على بلاد ~~الروم واتصلت غاراتهم إلى بلاد الإفرنج، ثم عادوا راجعين. # PageV01P310 ### | [ذكر وصول قبائل العرب إلى العراق ونزولهم الحيرة] # قال ابن الكلبي لما مات بخت نصر انضم الذين أسكنهم الحيرة من العرب إلى ~~أهل الأنبار، وبقيت الحيرة خرابا دهرا طويلا، وأهلها بالأنبار لا يطلع ~~عليهم قادم، فلما كثر أولاد معد بن عدنان، ومن كان معهم من قبائل العرب ~~ومزقتهم الحروب، خرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من اليمن ومشارف الشام، ~~وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا بالبحرين وبها جماعة من الأزد. # وكان الذين أقبلوا من تهامة مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم أسد بن وبرة بن ~~قضاعة، ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم في جماعة من قومهم، والحيقاد بن الحنق ~~بن عمير بن قبيص بن معد بن عدنان في قبيص كلها، ولحق بهم غطفان بن عمرو بن ~~الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن ~~عدنان وغيره من إياد، فاجتمع بالبحرين قبائل من العرب وتحالفوا على التنوخ، ~~وهو المقام، وتعاقدوا على التناصر والتساعد، فصاروا يدا واحدة وضمهم اسم ~~تنوخ، وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم، ودعا مالك بن زهير جذيمة الأبرش بن ~~مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي إلى التنوخ معه، وزوجه أخته لميس، فتنخ ~~جذيمة، وكان # PageV01P311 # اجتماعهم أيام ملوك الطوائف، وإنما سموا ملوك الطوائف لأن كل ملك منهم ~~كان ملكه على طائفة قليلة من الأرض. # قال: ثم تطلعت أنفس من كان بالبحرين إلى ريف العراق، فطمعوا في ms0219 غلبة ~~الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه لاختلاف بين ملوك ~~الطوائف، فأجمعوا على المسير إلى العراق، فكان أول من طلع منهم الحيقاد ابن ~~الحنق في جماعة من قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين - وهم الذين ~~ملكوا أرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل - يقاتلون الأردوانيين - وهم ~~ملوك الطوائف - وهو ما بين نفر - وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلة - ~~فدفعوهم عن بلادهم، والأرمانيون من بقايا إرم فلهذا سموا الأرمانيين، وهم ~~نبط السواد. # ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله وغيرهما من تنوخ إلى الأنبار على ~~ملك الأرمانيين، وطلع نمارة ومن معه إلى نفر على ملك الأردوانيين، وكانوا ~~لا يدينون للأعاجم حتى قدمها تبع، وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه، ~~فخلف بها من لم يكن فيه قوة من عسكره، وسار تبع ثم رجع إليهم فأقرهم على ~~حالهم، ورجع إلى اليمن وفيهم من كل القبائل، ونزلت تنوخ من الأنبار إلى ~~الحيرة في الأخبية لا يسكنون بيوت المدر، وكان أول من ملك منهم مالك بن ~~فهم، وكان منزله مما يلي الأنبار. # ثم مات مالك، فملك بعده أخوه عمرو بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي، ثم مات ~~فملك بعده جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم. وقيل: إن جذيمة من العادية الأولى ~~من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح - عليه السلام - والله أعلم. # ذكر جذيمة الأبرش # PageV01P312 # قال: وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، ~~وأول من اجتمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان ~~به برص فكنت العرب عنه، فقيل: الوضاح، والأبرش، إعظاما له. # وكانت منازله ما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وعين التمر وأطراف البر ~~إلى العمير وخفية، وتجبى إليه الأموال، وتفد إليه الوفود. # وكان غزا طسما وجديسا في منازلهم من اليمامة، فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي ~~كرب قد أغار عليهم فعاد بمن معه، وأصاب حسان سرية لجذيمة فاجتاحها. # وكان له صنمان يقال ms0220 لهما الضيزنان، وكانت إياد بعين أباغ، فذكر لجذيمة ~~غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له: عدي بن نصر بن ربيعة، له جمال ~~وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعثت إياد من سرق صنميه وحملهما إلى إياد، فأرسلت ~~إليه: إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا، فإن أوثقت لنا أن لا ~~تغزونا دفعناهما إليك. قال: وتدفعون معهما عدي بن نصر، فأجابوه # PageV01P313 # إلى ذلك وأرسلوه مع الصنمين فضمه إلى نفسه وولاه شرابه. # فأبصرته رقاش أخت جذيمة فعشقته وراسلته ليخطبها إلى جذيمة، فقال: لا ~~أجترئ على ذلك ولا أطمع فيه. قالت: إذا جلس على شرابه فاسقه صرفا واسق ~~القوم ممزوجا، فإذا أخذت الخمر فيه فاخطبني إليه فلن يردك، فإذا زوجك فأشهد ~~القوم. # ففعل عدي ما أمرته، فأجابه جذيمة وأملكه إياها، فانصرف إليها فأعرس بها ~~من ليلته وأصبح بالخلوق، فقال له جذيمة، وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا ~~عدي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. قال: من زوجكما ويحك! ~~قال: الملك. فندم جذيمة وأكب على الأرض متفكرا، وهرب عدي، فلم ير له أثر ~~ولم يسمع له بذكر، فأرسل إليها جذيمة: خبريني وأنت لا تكذبيني أبحر زنيت أم ~~بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد أم بدون فأنت أهل لدون. # فقالت: لا بل أنت زوجتني امرأ عربيا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي. فكف ~~عنها وعذرها. # ورجع عدي إلى إياد فكان فيهم. فخرج يوما مع فتية متصيدين، فرمى به فتى ~~منهم في ما بين جبلين، فتنكس فمات. # فحملت رقاش فولدت غلاما فسمته عمرا، فلما ترعرع وشب ألبسته وعطرته ~~وأزارته خاله، فلما رآه أحبه وجعله مع ولده، وخرج جذيمة متبديا بأهله وولده ~~في سنة خصيبة، فأقام في روضة ذات زهر وغدر، فخرج ولده وعمرو معهم يجتنون ~~الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها، ~~فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون، وعمرو يقول: # هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده في فيه. # PageV01P314 # فضمه جذيمة إليه والتزمه وسر بقوله وفعله، وأمر فجعل له ms0221 حلي من فضة وطوق، ~~فكان أول عربي ألبس طوقا. # فبينا هو على أحسن حالة إذ استطارته الجن، فطلبه جذيمة في الآفاق زمانا ~~فلم يقدر عليه، ثم أقبل رجلان من بلقين قضاعة، يقال لهما: مالك وعقيل ابنا ~~فارج بن مالك من الشام يريدان جذيمة، وأهديا له طرفا، فنزلا منزلا ومعهما ~~قينة لهما تسمى أم عمرو، فقدمت طعاما. فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان ~~قد تلبد شعره وطالت أظافره وساءت حاله، فجلس ناحية عنهما ومد يده يطلب ~~الطعام، فناولته القينة كراعا فأكلها، ثم مد يده ثانية، فقالت: لا تعط ~~العبد كراعا فيطمع في الذراع! فذهبت مثلا، ثم سقتهما من شراب معها وأوكت ~~زقها، فقال عمرو بن عدي: # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا # فسألاه عن نفسه، فقال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإني أنا عمرو بن عدي ~~بن تنوخية اللخمي، وغدا ما ترياني في نمارة غير معصي. # فنهضا وغسلا رأسه وأصلحا حاله وألبساه ثيابا وقالا: ما كنا لنهدي لجذيمة ~~أنفس من ابن أخته! فخرجا به إلى جذيمة، فسر به سرورا شديدا وقال: لقد رأيته ~~يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب من عيني وقلبي إلى الساعة، وأعادوا عليه الطوق، ~~فنظر إليه وقال: " شب عمرو عن الطوق "، وأرسلها مثلا، وقال لمالك وعقيل: ~~حكمكما. قالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت، فهما ندمانا جذيمة اللذان ~~يضربان مثلا. # PageV01P315 # وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشام عمرو بن الظرب بن حسان بن ~~أذينة العمليقي من عاملة العمالقة، فتحارب هو وجذيمة، فقتل عمرو وانهزمت ~~عساكره، وعاد جذيمة سالما. # وملكت بعد عمرو ابنته الزباء، واسمها نائلة، وكان جنود الزباء بقايا ~~العماليق وغيرهم، وكان لها من الفرات إلى تدمر. فلما استجمع لها أمرها ~~واستحكم ملكها اجتمعت لغزو جذيمة تطلب بثأر أبيها، فقالت لها أختها ربيبة، ~~وكانت عاقلة: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده والحرب سجال، وأشارت ~~بترك الحرب وإعمال الحيلة. فأجابتها إلى ذلك، وكتبت إلى ms0222 جذيمة تدعوه إلى ~~نفسها وملكها، وكتبت إليه أنها لم تجد ملك النساء إلا قبحا في السماع وضعفا ~~في السلطان، وأنها لم تجد لملكها ولا لنفسها كفوا غيره. # فلما انتهى كتاب الزباء إليه استخف ما دعته إليه وجمع إليه ثقاته، وهو ~~ببقية من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه واستشارهم، فأجمع رأيهم على ~~أن يسير إليها ويستولي على ملكها. # وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد من لخم، وكان سعد تزوج أمة لجذيمة ~~فولدت له قصيرا، وكان أريبا حازما ناصحا لجذيمة قريبا منه، فخالفهم فيما ~~أشاروا به عليه وقال: رأي فاتر، وغدر حاضر، فذهبت مثلا، وقال لجذيمة: ~~اكتبها إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك وقد ~~وترتها وقتلت أباها. # فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير وقال له: لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا ~~في الضح، فذهبت مثلا. # ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره، فشجعه على المسير وقال: إن ~~نمارة قومي مع الزباء فلو رأوك صاروا معك، فأطاعه. # PageV01P316 # فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر فذهبتا ~~مثلا. # واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه، وعمرو بن عبد الجن على خيوله معه، ~~وسار في وجوه أصحابه، فلما نزل الفرضة قال لقصير: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت ~~الرأي، فذهبت مثلا. # واستقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير كيف ترى؟ قال: خطر ~~يسير، وخطب كبير، فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة ~~صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك فإن القوم غادرون، فاركب العصا، وكانت ~~فرسا لجذيمة لا تجارى، فإني راكبها ومسايرك عليها. # فلقيته الكتائب فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر إليه جذيمة ~~موليا على متنها، فقال: " ويل أمه حزما على متن العصا! " فذهبت مثلا. وقال: ~~" يا ضل من تجري به العصا " وجرت به إلى غروب الشمس، ثم نفقت وقد قطعت أرضا ~~بعيدة، فبنى عليها برجا يقال له برج العصا، مثل تضربه. # وقالت العرب: " خير ما جاءت به ms0223 العصا ". مثل تضربه. # وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء، فلما رأته تكشفت، ~~فإذا هي مضفورة الإسب، والإسب بالباء الموحدة هو شعر الإست، وقالت له: " يا ~~جذيمة أدأب عروس ترى؟ " فذهبت مثلا. فقال: " بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر ~~غدر أرى " فذهبت مثلا. فقالت له: " أما وإلهي ما بنا من عدم مواس، ولا قلة ~~أواس، ولكنها شيمة من أناس ". فذهبت مثلا. وقالت له: أنبئت أن # PageV01P317 # دماء الملوك شفاء من الكلب. ثم أجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعد ~~له، وسقته الخمر حتى أخذت منه مأخذها ثم أمرت براهشيه فقطعا، وقدمت إليه ~~الطست، وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه. وكانت ~~الملوك لا تقتل بضرب الرقبة إلا في قتال تكرمة للملك. فلما ضعفت يداه ~~سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال جذيمة: ~~" دعوا دما ضيعه أهله ". فذهبت مثلا. # فهلك جذيمة، وخرج قصير من الحي الذين هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على ~~عمرو بن عدي، وهو بالحيرة، فوجده قد اختلف هو وعمرو بن عبد الجن فأصلح ~~بينهما، وأطاع الناس عمرو بن عدي، وقال له قصير: تهيأ واستعد ولا تطل دم ~~خالك. فقال: " كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ " فذهبت مثلا. # وكانت الزباء سألت كهنة عن أمرها وهلاكها، فقالوا لها: نرى هلاكك بسبب ~~عمرو بن عدي، ولكن حتفك بيدك، فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها إلى حصن ~~لها داخل مدينتها، ثم قالت: إن فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني، ودعت رجلا ~~مصورا حاذقا، فأرسلته إلى عمرو بن عدي متنكرا وقالت له: صوره جالسا وقائما ~~ومتفضلا ومتنكرا ومتسلحا بهيئته ولبسه ولونه ثم أقبل إلي. ففعل المصور ما ~~أوصته الزباء وعاد إليها، وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي فلا تراه على حال إلا ~~عرفته وحذرته. # وقال قصير لعمرو: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها. فقال عمرو: ما أنا ~~بفاعل. فقال قصير: " خل عني إذا وخلاك ذم "، فذهبت ms0224 مثلا. فقال عمرو: فأنت ~~أبصر، فجدع قصير أنفه ودق بظهره وخرج كأنه هارب، وأظهر أن عمرا فعل ذلك به، ~~وسار حتى قدم على الزباء، فقيل لها: إن قصيرا بالباب، فأمرت به فأدخل ~~عليها، فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب، فقالت: " لأمر ما جدع قصير أنفه "، ~~فذهبت مثلا. قالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني غدرت خاله ~~وزينت له المسير إليك ومالأتك عليه ; ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك، وعرفت ~~أني لا أكون مع أحد # PageV01P318 # هو أثقل عليه منك. فأكرمته، وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي ~~والتجربة والمعرفة بأمور الملك. # فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالا ~~كثيرة، ولي بها طرائف وعطر، فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها ~~وصنوف ما يكون بها من التجارات فتصيبين أرباحا وبعض ما لا غناء للملوك عنه. ~~فسرحته ودفعت إليه أموالا وجهزت معه عيرا، فسار حتى قدم العراق وأتى عمرو ~~بن عدي متخفيا وأخبره الخبر وقال: جهزني بالبز والطرف وغير ذلك، لعل الله ~~يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك. فأعطاه حاجته، فرجع بذلك كله إلى ~~الزباء فعرضه عليها، فأعجبها وسرها وازدادت به ثقة، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر ~~مما جهزته به في المرة الأولى. فسار حتى قدم العراق وحمل من عند عمرو حاجته ~~ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه، ثم عاد الثالثة فأخبر عمرا الخبر وقال: ~~اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيء لهم الغرائر - وهو أول من عملها - واحمل كل ~~رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رءوسهما من باطنهما. وقال له: إذا ~~دخلت مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها، وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا ~~بأهل المدينة، فمن قاتلهم قاتلوه، وإن أقبلت الزباء تريد نفقها قتلتها. # ففعل عمرو ذلك وساروا، فلما كانوا قريبا من الزباء، تقدم قصير إليها ~~فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج وتنظر إلى ~~الإبل وما عليها، وكان قصير يكمن النهار ويسير ms0225 الليل، وهو أول من فعل ذلك، ~~فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض، فقالت: يا قصير # ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا # أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا # PageV01P319 # ودخلت الإبل المدينة، فلما توسطتها أنيخت وخرج الرجال من الغرائر، ودل ~~قصير عمرا على باب النفق وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح، وقام ~~عمرو على باب النفق. وأقبلت الزباء تريد الخروج من النفق، فلما أبصرت عمرا ~~قائما على باب النفق عرفته بالصورة التي عملها المصور، فمصت سما كان في ~~خاتمها، فقالت: " بيدي لا بيد عمرو "! فذهبت مثلا. وتلقاها عمرو بالسيف ~~فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة ثم عاد إلى العراق. وصار الملك بعد جذيمة ~~لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك ~~بن عمرو بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، فلم ~~يزل ملكا حتى مات، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وثماني عشرة سنة، ~~منها أيام ملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وأيام أردشير بن بابك أربع عشرة ~~سنة وعشرة أشهر، وأيام ابنه سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران، وكان ~~منفردا بملكه يغزو المغازي، ولا يدين لملوك الطوائف إلى أن ملك أردشير بن ~~بابك أهل فارس. ولم يزل الملك في ولده إلى أن كان آخرهم النعمان بن المنذر، ~~إلى أيام ملوك كندة، على ما نذكره إن شاء الله. # وقيل في سبب مسير ولد نصر بن ربيعة إلى العراق غير ما تقدم، وهو رؤيا ~~رآها ربيعة، وسيرد ذكرها عند أمر الحبشة، إن شاء الله تعالى. ### | [ذكر طسم وجديس وكانوا أيام ملوك الطوائف] # PageV01P320 # كان طسم بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح، وجديس بن عامر بن أزهر بن سام ابني ~~عم، وكانت مساكنهم موضع اليمامة، وكان اسمها حينئذ جوا، وكانت من أخصب ~~البلاد وأكثرها خيرا، وكان ملكهم أيام ملوك الطوائف عمليق، وكان ظالما قد ~~تمادى في الظلم والغشم والسيرة الكثيرة القبح، ms0226 وإن امرأة من جديس يقال لها ~~هزيلة طلقها زوجها وأراد أخذ ولدها منها فخاصمته إلى عمليق وقالت: أيها ~~الملك حملته تسعا، ووضعته دفعا، وأرضعته شفعا، حتى إذا تمت أوصاله، ودنا ~~فصاله، أراد أن يأخذه مني كرها، ويتركني بعده ورها. فقال زوجها: أيها الملك ~~إنها أعطيت مهرها كاملا، ولم أصب منها طائلا، إلا وليدا خاملا، فافعل ما ~~كنت فاعلا. فأمر الملك بالغلام فصار في غلمانه، وأن تباع المرأة وزوجها ~~فيعطى الزوج خمس ثمنها وتعطى المرأة عشر ثمن زوجها، فقالت هزيلة: # أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأنفذ حكما في هزيلة ظالما # لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ولا كنت فيمن يبرم الحكم عالما # ندمت ولم أندم وأنى بعترتي ... وأصبح بعلي في الحكومة نادما # فلما سمع عمليق قولها، أمر أن لا تزوج بكر من جديس وتهدى إلى زوجها حتى # PageV01P321 # يفترعها، فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلا، ولم يزل يفعل ذلك حتى زوجت ~~الشموس، وهي عفيرة بنت عباد أخت الأسود، فلما أرادوا حملها إلى زوجها ~~انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها الفتيان، فلما دخلت عليه ~~افترعها وخلى سبيلها، فخرجت إلى قومها في دمائها وقد شقت درعها من قبل ودبر ~~والدم يبين وهي في أقبح منظر تقول: # لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس # يرضى بذا يا قوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر # وقالت أيضا لتحرض قومها: # أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد النمل # وتصبح تمشي في الدماء عفيرة جهارا ... وزفت في النساء إلى بعل # ولو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر بذا الفعل # فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل # وإلا فخلوا بطنها وتحملوا ... إلى بلد قفر وموتوا من الهزل # فللبين خير من مقام على الأذى ... وللموت خير من مقام على الذل # وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه فكونوا ... نساء لا تعاب من الكحل # PageV01P322 # ودونكم طيب النساء فإنما خلقتم # لأثواب العروس وللغسل ... فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا # ويختال يمشي بيننا مشية الفحل # فلما ms0227 سمع أخوها الأسود قولها، وكان سيدا مطاعا، قال لقومه: يا معشر جديس ~~إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم إلا بملك صاحبهم علينا وعليهم، ~~ولولا عجزنا لما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا لانتصفنا منه، فأطيعوني ~~فيما آمركم فإنه عز الدهر. # وقد حمي جديس لما سمعوا من قولها فقالوا: نطيعك ولكن القوم أكثر منا! ~~قال: فإني أصنع للملك طعاما وأدعوه وأهله إليه، فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ~~أخذنا سيوفنا وقتلناهم. فقالوا: افعل. فصنع طعاما فأكثر وجعله بظاهر البلد ~~ودفن هو وقومه سيوفهم في الرمل ودعا الملك وقومه، فجاءوا يرفلون في حللهم، ~~فلما أخذوا مجالسهم ومدوا أيديهم يأكلون، أخذت جديس سيوفهم من الرمل ~~وقتلوهم وقتلوا ملكهم وقتلوا بعد ذلك السفلة. # ثم إن بقية طسم قصدوا حسان بن تبع ملك اليمن فاستنصروه، فسار إلى ~~اليمامة، فلما كان منها على مسيرة ثلاث قال له بعضهم: إن لي أختا متزوجة من ~~جديس يقال لها اليمامة تبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإني أخاف أن تنذر القوم ~~بك، فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه. # فأمرهم حسان بذلك، فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس: لقد سارت إليكم ~~حمير. قالوا: وما ترين؟ قالت: أرى رجلا في شجرة معه كتف يتعرقها أو نعل ~~يخصفها، وكان كذلك، فكذبوها، فصبحهم حسان فأبادهم، وأتي حسان باليمامة ففقأ ~~عينها، فإذا فيها عروق سود، فقال: ما هذا؟ قالت: حجر أسود كنت أكتحل به ~~يقال له الإثمد، وكانت أول من اكتحل به. وبهذه اليمامة سميت اليمامة، وقد ~~أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم. # PageV01P323 # ولما هلكت جديس هرب الأسود قاتل عمليق إلى جبلي طيء فأقام بهما، ذلك قبل ~~أن تنزلهما طيء، وكانت طيء تنزل الجرف من اليمن، وهو الآن لمراد وهمدان. ~~وكان يأتي إلى طيء بعير أزمان الخريف عظيم السمن ويعود عنهم، ولم يعلموا من ~~أين يأتي، ثم إنهم اتبعوه يسيرون بسيره حتى هبط بهم على أجأ وسلمى جبلي ~~طيء، وهما بقرب فيد، فرأوا فيهما النخل والمراعي الكثيرة ورأوا الأسود بن ~~عفار، فقتلوه، وأقامت ms0228 طيء بالجبلين بعده، فهم هناك إلى الآن، وهذا أول ~~مخرجهم إليهما. # PageV01P324 ### | [ذكر أصحاب الكهف وكانوا أيام ملوك الطوائف] # كان أصحاب الكهف أيام ملك اسمه دقيوس، ويقال دقيانوس، وكانوا بمدينة ~~للروم اسمها أفسوس، وملكهم يعبد الأصنام، وكانوا فتية آمنوا بربهم كما ذكر ~~الله - تعالى فقال: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} ~~[الكهف: 9] ، والرقيم خبرهم كتب في لوح، وجعل على باب الكهف الذي أووا ~~إليه، وقيل: كتبه بعض أهل زمانهم وجعله في البناء وفيه أسماؤهم وفي أيام من ~~كانوا وسبب وصولهم إلى الكهف. # وكانت عدتهم، فيما ذكر ابن عباس، سبعة وثامنهم كلبهم، وقال: إنا من ~~القليل الذين تعلمونهم. وقال ابن إسحاق: كانوا ثمانية، فعلى قوله يكون ~~تاسعهم كلبهم. # وكانوا من الروم، وكانوا يعبدون الأوثان، فهداهم الله، وكانت شريعتهم ~~شريعة عيسى، عليه السلام. # وزعم بعضهم أنهم كانوا قبل المسيح، وأن المسيح أعلم قومه بهم، وأن الله ~~بعثهم من رقدتهم بعد رفع المسيح، والأول أصح. # وكان سبب إيمانهم أنه جاء حواري من أصحاب عيسى إلى مدينتهم فأراد أن ~~يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد حتى يسجد له، فلم يدخلها ~~وأتى حماما قريبا من المدينة، فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام البركة ~~وعلقه # PageV01P325 # الفتية، فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه. ~~فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام، فعيره الحواري ~~فاستحيا، ثم رجع مرة أخرى فعيره فسبه وانتهره ودخل الحمام ومعه المرأة، ~~فماتا في الحمام، فقيل للملك: إن الذي بالحمام قتلهما، فطلب فلم يوجد، ~~فقيل: من كان يصحبه؟ فذكر الفتية، فطلبوا فهربوا، فمروا بصاحب لهم على ~~حالهم في زرع له فذكروا له أمرهم. فسار معهم وتبعهم الكلب الذي له، حتى ~~آواهم الليل إلى الكهف، فقالوا: نبيت ههنا حتى نصبح ثم نرى رأينا، فدخلوه ~~فرأوا عنده عين ماء وثمارا، فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء، فلما جنهم ~~الليل ضرب الله على آذانهم ووكل بهم ملائكة يقلبونهم ذات اليمين وذات ~~الشمال ms0229 لئلا تأكل الأرض أجسادهم، وكانت الشمس تطلع عليهم. # وسمع الملك دقيانوس خبرهم فخرج في أصحابه يتبعون أثرهم حتى وجدهم قد ~~دخلوا الكهف، وأمر أصحابه بالدخول إليهم وإخراجهم. فكلما أراد رجل أن يدخل ~~فأرعب فعاد، فقال بعضهم: أليس لو كنت ظفرت بهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن ~~عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا. ففعل، فبقوا زمانا بعد زمان. # ثم إن راعيا أدركه المطر فقال: لو فتحت باب هذا الكهف فأدخلت غنمي فيه، ~~ففتحه، فرد الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق ~~ليشتري لهم طعاما، واسمه تمليخا، فلما أتى باب المدينة رأى ما أنكره حتى ~~دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما. فقال: فمن أين لك هذه الدراهم؟ ~~قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس ثم أصبحوا فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت ~~على عهد الملك الفلاني. فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فسأله عنها، ~~فأعاد عليه حالهم. فقال الملك: أين أصحابك؟ قال: انطلقوا معي. فانطلقوا معه ~~حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم لئلا يسمعوا ~~أصواتكم فيخافوا ظنا منهم أن دقيانوس قد علم بهم، فدخل عليهم وأخبرهم ~~الخبر، فسجدوا شكرا لله وسألوه أن يتوفاهم، فاستجاب لهم. فضرب على أذنه ~~وآذانهم، وأراد الملك الدخول عليهم فكانوا كلما دخل عليهم رجل أرعب، فلم ~~يقدروا أن يدخلوا عليهم، فعاد عنهم، فبنوا عليهم كنيسة يصلون فيها. # PageV01P326 # قال عكرمة: لما بعثهم الله كان الملك حينئذ مؤمنا، وكان قد اختلف أهل ~~مملكته في الروح والجسد وبعثهما، فقال قائل: يبعث الله الروح دون الجسد. ~~وقال قائل: يبعثان جميعا، فشق ذلك على الملك فلبس المسوح وسأل الله أن يبين ~~له الحق، فبعث الله أصحاب الكهف بكرة، فلما بزغت الشمس قال بعضهم لبعض: قد ~~غفلنا هذه الليلة عن العبادة، فقاموا إلى الماء، وكان عند الكهف عين وشجرة، ~~فإذا العين قد غارت والأشجار قد يبست، فقال بعضهم لبعض: إن أمرنا لعجب! هذه ~~العين غارت وهذه الأشجار يبست في ليلة واحدة! وألقى الله عليهم الجوع، ~~فقالوا ms0230 أيكم يذهب {إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ~~وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} [الكهف: 19] . # فدخل أحدهم يشتري الطعام، فلما رأى السوق عرف طرقها وأنكر الوجوه ورأى ~~الإيمان ظاهرا بها، فأتى رجلا يشتري منه، فأنكر الدراهم، فرفعه إلى الملك، ~~فقال الفتى: أليس ملككم فلان؟ فقال الرجل: لا بل فلان فعجب لذلك. فلما أحضر ~~عند الملك أخبره بخبر أصحابه، فجمع الملك الناس وقال لهم: إنكم قد اختلفتم ~~في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية هذا الرجل من قوم فلان، يعني ~~الملك الذي مضى. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك والناس ~~معه، فلما انتهى إلى الكهف قال الفتى للملك: ذروني أسبقكم إلى أصحابي ~~أعرفهم خبركم لئلا يخافوا إذا سمعوا وقع حواف دوابكم وأصواتكم فيظنوكم ~~دقيانوس. فقال: افعل، فسبقهم إلى أصحابه ودخل على أصحابه فأخبرهم الخبر، ~~فعلموا حينئذ مقدار لبثهم في الكهف وبكوا فرحا ودعوا الله أن يميتهم ولا ~~يراهم أحد ممن جاءهم، فماتوا لساعتهم، فضرب الله على أذنه وآذانهم معه. ~~فلما استبطأوه دخلوا إلى الفتية فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئا غير أنها ~~لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية لكم. ورأى الملك تابوتا من نحاس مختوما ~~بخاتم، ففتحه، فرأى فيه لوحا من رصاص مكتوبا فيه أسماء الفتية، وأنهم هربوا ~~من دقيانوس الملك مخافة على نفوسهم ودينهم فدخلوا هذا الكهف. فلما علم ~~دقيانوس بمكانهم بالكهف سده عليهم. فليعلم من يقرأ كتابنا هذا شأنهم. # فلما قرأوه عجبوا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم هذه الآية للبعث ورفعوا ~~أصواتهم بالتحميد والتسبيح. # PageV01P327 # وقيل: إن الملك ومن معه دخلوا على الفتية فرأوهم أحياء مشرقة وجوههم ~~وألوانهم لم تبل ثيابهم، وأخبرهم الفتية بما لقوا من ملكهم دقيانوس، ~~واعتنقهم الملك، وقعدوا معه يسبحون الله ويذكرونه. ثم قالوا له: نستودعك ~~الله. ورجعوا إلى مضاجعهم كما كانوا، فعمل الملك لكل رجل منهم تابوتا من ~~الذهب، فلما نام رآهم في منامه وقالوا: إننا لم نخلق من الذهب إنما خلقنا ~~من التراب وإليه نصير، فعمل لهم حينئذ ms0231 توابيت من خشب، فحجبهم الله بالرعب، ~~وبنى الملك على باب الكهف مسجدا وجعل لهم عيدا عظيما. # وأسماء الفتية: مكسلمينيا ويمليخا ومرطوس ونيرويس وكسطومس ودينموس ~~وريطوفس وقالوس ومخسيلمينيا، وهذه تسعة أسماء، وهي أتم الروايات، والله ~~أعلم، وكلبهم قطمير. # PageV01P328 ### | [ذكر يونس بن متى] # وكان أمره من الأحداث أيام ملوك الطوائف. # قيل: لم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه إلا عيسى بن مريم ويونس بن متى، ~~وهي أمه، وكان من قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى، وكان قومه يعبدون ~~الأصنام، فبعثه الله إليهم بالنهي عن عبادتها والأمر بالتوحيد، فأقام فيها ~~ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم، فلم يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا ~~عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت على عبادي! ارجع إليهم فادعهم أربعين ~~يوما، فدعاهم سبعة وثلاثين يوما، فلم يجيبوه فقال لهم: إن العذاب يأتيكم ~~إلى ثلاثة أيام، وآية ذلك ألوانكم تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، ~~فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم ~~فأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب يصبحكم. # فلما كانت ليلة الأربعين أيقن يونس بنزول العذاب، فخرج من بين أظهرهم. ~~فلما كان الغد تغشاهم العذاب فوق رءوسهم، خرج عليهم غيم أسود هائل يدخن ~~دخانا شديدا، ثم نزل إلى المدينة فاسودت منه سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا ~~بالهلاك، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فألهمهم الله التوبة، فأخلصوا النية في ~~ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فما نفعل؟ فقال: آمنوا بالله ~~وتوبوا وقولوا: يا حي يا قيوم، يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي ~~لا إله إلا أنت. فخرجوا من القرية إلى مكان رفيع في براز من الأرض، وفرقوا ~~بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله واستقالوه # PageV01P329 # وردوا المظالم جميعا حتى إن كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى ~~صاحبه. # فكشف الله عنهم العذاب، وكان يوم عاشوراء يوم الأربعاء، وقيل: للنصف من ~~شوال يوم الأربعاء، وانتظر يونس الخبر عن ms0232 القرية وأهلها حتى مر به مار ~~فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: تابوا إلى الله فقبل منهم وأخر عنهم ~~العذاب. فغضب يونس عند ذلك فقال: والله لا أرجع كذابا! ، ولم تكن قرية رد ~~الله عنهم العذاب بعدما غشيهم إلا قوم يونس، ومضى غاضبا لربه. وكان في حدة ~~وعجلة وقلة صبر، ولذلك نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون مثله، ~~فقال تعالى: {ولا تكن كصاحب الحوت} [القلم: 48] . # ولما مضى ظن أن الله لا يقدر عليه، أي يقضي عليه العقوبة، وقيل: يضيق ~~عليه الحبس، فسار حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح، وقيل: بل ~~وقفت فلم تسر، فقال من فيها: هذه بخطيئة أحدكم! فقال يونس: هذه خطيئتي ~~فألقوني في البحر، فأبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم {فساهم فكان من المدحضين} ~~[الصافات: 141] ، فلم يلقوه، وفعلوا ذلك ثلاثا ولم يلقوه، فألقى نفسه في ~~البحر، وذلك تحت الليل، فالتقمه الحوت، فأوحى الله إلى الحوت أن يأخذه ولا ~~يخمش له لحما ولا يكسر له عظما، فأخذه وعاد إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى ~~إليه سمع يونس حسا فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه في بطن الحوت: إن ~~هذا تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، ~~فقالوا: ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة. فقال: ذلك عبدي يونس عصاني ~~فحبسته في بطن الحوت في البحر. فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد له كل ~~يوم عمل صالح؟ فشفعوا له عند ذلك، {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87]- ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ~~وظلمة الليل -! وكان قد سبق له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه: {فلولا ~~أنه كان من المسبحين - للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} [الصافات: 143 - 144] ~~وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} ~~[الصافات: 145] ، ألقي على ساحل البحر # PageV01P330 # وهو كالصبي المنفوس، ومكث في بطن الحوت أربعين يوما، وقيل: عشرين يوما، ~~وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، والله ms0233 أعلم. # وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهو القرع، يتقطر إليه من اللبن، وقيل: ~~هيأ الله له أروية وحشية، فكانت ترضعه بكرة وعشية حتى رجعت إليه قوته وصار ~~يمشي، فرجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست، فحزن وبكى عليها، فعاتبه ~~الله، وقيل له: أتبكي وتحزن على الشجرة ولا تحزن على مائة ألف وزيادة أردت ~~أن تهلكهم! . # ثم إن الله أمره أن يأتي قومه فيخبرهم أن الله تاب عليهم، فعمد إليهم، ~~فلقي راعيا، فسأله عن قوم يونس، فأخبره أنهم على رجاء أن يرجع إليهم ~~رسولهم، قال: فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له ~~عنزا من غنمه والبقعة التي كانا فيها وشجرة هناك، وقال: كل هذه تشهد لك، ~~فرجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه رأى يونس، فهموا به، فقال: لا تعجلوا حتى ~~أصبح. فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها، فشهدت ~~له، وكذلك الشاة والشجرة وكان يونس قد اختفى هناك. فلما شهدت الشاة قالت ~~لهم: إن أردتم نبي الله فهو بمكان كذا وكذا فأتوه، فلما رأوه قبلوا يديه ~~ورجليه وأدخلوه المدينة بعد امتناع، فمكث مع أهله وولده أربعين يوما وخرج ~~سائحا، وخرج الملك معه يصحبه، وسلم الملك إلى الراعي، فأقام يدبر أمرهم ~~أربعين سنة بعد ذلك. ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. # PageV01P331 # وقال ابن عباس وشهر بن حوشب: كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، وقالا: ~~كذلك: أخبر الله تعالى في سورة الصافات فإنه قال: {فنبذناه بالعراء وهو ~~سقيم - وأنبتنا عليه شجرة من يقطين - وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} ~~[الصافات: 145 - 147] . وقال شهر: إن جبرائيل أتى يونس فقال له: انطلق إلى ~~أهل نينوى فأنذرهم العذاب فإنه قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل ~~من ذلك. قال: قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب وانطلق ~~إلى السفينة فركب، فلما ركب احتبست، قال: فساهموا، فسهم، فجاءت الحوت، ~~فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس من رزقك إنما جعلناك له حرزا، فالتقمه ms0234 الحوت ~~وانطلق به من ذلك المكان حتى مر به الأبلة، ثم انطلق به على دجلة حتى ألقاه ~~بنينوى. # PageV01P332 ### | [ومما كان من الأحداث أيام ملوك الطوائف] # إرسال الله تعالى الرسل الثلاثة إلى مدينة أنطاكية، وكانوا من الحواريين ~~أصحاب المسيح، وأرسل أولا اثنين، وقد اختلف في أسمائهما، فقدما أنطاكية ~~فرأيا عندها شيخا يرعى غنما، وهو حبيب النجار، فسلما عليه، فقال: من أنتما؟ ~~قالا: رسولا عيسى ندعوكم إلى عبادة الله تعالى. قال: معكما آية؟ قالا: نعم، ~~نحن نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. قال حبيب إن لي ابنا ~~مريضا منذ سنين، وأتى بهما منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت صحيحا، ففشا ~~الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان لهم ملك ~~اسمه أنطيخس يعبد الأصنام، فبلغ إليه خبرهما، فدعاهما، فقال: من أنتما؟ ~~قالا: رسل عيسى ندعوك إلى الله تعالى. قال: فما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه ~~والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله. فقال: قوما حتى ننظر في أمركما، فقاما، ~~فضربهما العامة. # وقيل: إنهما قدما المدينة فبقيا مدة لا يصلان إلى الملك، فخرج الملك ~~يوما، فكبرا وذكرا الله، فغضب وحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما ~~كذبا وضربا بعث المسيح شمعون رأس الحواريين لينصرهما، فدخل البلد متنكرا ~~وعاشر حاشية الملك، فرفعوا خبره إلى الملك، فأحضره ورضي عشرته وأنس به ~~وأكرمه، فقال له يوما: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما ~~حين دعواك إلى دينهما فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب ~~بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك أن يحضرهما حتى نسمع كلامهما، فدعاهما ~~الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء ولا شريك ~~له. قال: فوصفاه وأوجزا. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: ~~فما آيتكما؟ قالا: ما تتمناه. # PageV01P333 # فأمر الملك، فجيء بغلام مطموس العينين موضعهما كاللحمة، فما زالا يدعوان ~~ربهما حتى انشق موضع البصر، وأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه ~~فصارتا مقلتين يبصر بهما. فعجب الملك لذلك فقال: ms0235 إن قدر إلهكما الذي ~~تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إن إلهنا قادر على كل شيء. ~~فقال الملك: إن هاهنا ميتا منذ سبعة أيام فلم ندفنه حتى يرجع أبوه وهو ~~غائب، فأحضر الميت وقد تغيرت ريحه، فدعوا الله تعالى علانية وشمعون يدعو ~~سرا، فقام الميت فقال لقومه: إني مت مشركا وأدخلت في أودية من النار وأنا ~~أحذركم ما أنتم فيه. ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه ~~يشفع لهؤلاء الثلاثة. فقال الملك: ومن هم؟ فقال: هذا، وأومأ إلى شمعون، ~~وهذان، وأشار إليهما، فعجب الملك، فحينئذ دعا شمعون الملك إلى دينه، فآمن ~~قومه، وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون. وقيل: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه ~~على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبا النجار، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى ~~إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين، فذلك قوله تعالى: {إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} [يس: 14] ، وهو شمعون، فأضاف ~~الله تعالى الإرسال إلى نفسه، وإنما أرسلهم المسيح لأنه أرسلهم بإذن الله ~~تعالى. # فلما كذبهم أهل المدينة، حبس الله عنهم المطر، فقال أهلها للرسل: {إنا ~~تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} [يس: 18] ، ~~فلما حضر حبيب، وكان مؤمنا يكتم إيمانه، وكان يجمع كسبه كل يوم وينفق على ~~عياله نصفه ويتصدق بنصفه، فقال: {ياقوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20] . فقال ~~قومه: وأنت مخالف لربنا ومؤمن بإله هؤلاء؟ فقال: {وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني وإليه ترجعون} [يس: 22] ، فلما قال ذلك قتلوه، فأوجب الله له الجنة، ~~فذلك قوله تعالى: {قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون - بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين} [يس: 26 - 27] # PageV01P334 # وأرسل الله عليهم صيحة فماتوا. # ومما كان من الأحداث شمسون # وكان من قرية من قرى الروم قد آمن، وكانوا يعبدون الأصنام، وكان على ~~أميال من المدينة، وكان يغزوهم وحده ويقاتلهم بلحي جمل. فكان إذا عطش انفجر ~~له من الحجر الذي فيه ماء عذب فيشرب منه، وكان قد أعطي قوة لا يوثقه ms0236 حديد ~~ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم ويصيب منهم ولا يقدرون منه على شيء، فجعلوا ~~لامرأته جعلا لتوثقه لهم، فأجابتهم إلى ذلك، فأعطوها حبلا وثيقا، فتركته ~~حتى نام وشدت يديه، فاستيقظ وجذبه، فسقط الحبل من يديه، فأرسلت إليهم ~~فأعلمتهم، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فتركتها في يديه وعنقه وهو نائم، ~~فاستيقظ وجذبها فسقطت من عنقه ويديه، فقال لها في المرتين: ما حملك على ما ~~صنعت؟ فقالت: أريد أجرب قوتك وما رأيت مثلك في الدنيا فهل في الأرض شيء ~~يغلبك؟ قال: نعم شيء واحد، فلم تزل تسأله حتى قال لها: ويحك لا يضبطني إلا ~~شعري! فلما نام أوثقت يديه بشعر رأسه، وكان كثيرا، فأرسلت إليهم، فجاءوا ~~فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه وأقاموه للناس. وجاء الملك لينظر ~~إليه، وكانت المدينة على أساطين، فدعا الله شمسون أن يسلطه عليهم، فأمر أن ~~يأخذ بعمودين من عمد المدينة فيجذبهما، ورد إليه بصره وما أصابوه من جسده، ~~وجذب العمودين فوقعت المدينة بالملك والناس وهلك من فيها هدما. وكان شمسون ~~أيام ملوك الطوائف. # ومما كان من الأحداث أيضا جرجيس # قيل: كان بالموصل ملك يقال له دازانه، وكان جبارا عاتيا، وكان جرجيس رجلا ~~صالحا من أهل فلسطين يكتم إيمانه مع أصحاب له صالحين، وكانوا قد أدركوا ~~بقايا من # PageV01P335 # الحواريين فأخذوا عنهم، وكان جرجيس كثير التجارة عظيم الصدقة، وربما نفد ~~ماله في الصدقة ثم يعود يكتسب مثله، ولولا الصدقة لكان الفقر أحب إليه من ~~الغنى، وكان يخاف بالشام أن يفتتن عن دينه، فقصد الموصل ومعه هدية لملكها ~~لئلا يجعل لأحد عليه سبيلا، فجاءه حين جاءه، وقد أحضر عظماء قومه وأوقد ~~نارا وأعد أصنافا من العذاب وأمر بصنم له يقال له أفلون فنصب، فمن لم يسجد ~~له عذبه وألقي في النار. # فلما رأى جرجيس ما يصنع استعظمه وحدث نفسه بجهاده، فعمد إلى المال الذي ~~معه فقسمه في أهل ملته وأقبل عليه وهو شديد الغضب فقال له: اعلم أنك عبد ~~مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك شيئا، وأن فوقك ms0237 ربا هو الذي خلقك ~~ورزقك، فأخذ في ذكر عظمة الله تعالى وعيب صنمه. فأجابه الملك بأن سأله من ~~هو؟ ومن أين هو؟ . فقال جرجيس: أنا عبد الله وابن أمته من التراب خلقت ~~وإليه أعود. فدعاه الملك إلى عبادة صنمه وقال له: لو كان ربك ملك الملكوت ~~لرؤي عليك أثره كما ترى على من حولي من ملوك قومي. فأجابه جرجيس بتعظيم أمر ~~الله وتمجيده وقال له: تعبد أفلون الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني من رب ~~العالمين، أم تعبد الذي قامت بأمره السماوات والأرض، أم تعبد طرقلينا عظيم ~~قومك من الناس - عليه السلام - فإنه كان آدميا يأكل ويشرب فأكرمه الله بأن ~~جعله إنسيا ملكيا، أم تعبد عظيم قومك مخليطيس أيضا وما نال بولايتك من عيسى ~~عليه السلام! وذكر من معجزاته وما خصه الله به من الكرامة. # فقال له الملك: إنك أتيتنا بأشياء لا نعلمها! ثم خيره بين العذاب والسجود # PageV01P336 # للصنم. فقال جرجيس: إن كان صنمك هو الذي رفع السماء، وعدد أشياء من قدرة ~~الله، عز وجل، فقد أصبت ونصحت، وإلا فاخسأ أيها الملعون. # فلما سمع الملك أمر بحبسه، ومشط جسده بأمشاط الحديد حتى تقطع لحمه ~~وعروقه، وينضح بالخل والخردل، فلم يمت. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة ~~مسامير من حديد فأحميت حتى صارت نارا ثم سمر بها رأسه، فسال دماغه، فحفظه ~~الله تعالى. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعله ~~نارا ثم أدخله فيه وأطبق عليه حتى برد. فلما رأى ذلك لم يقتله دعاه وقال ~~له: ألم تجد ألم هذا العذاب؟ قال: إن إلهي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج ~~عليك. # فأيقن الملك بالشر وخافه على نفسه وملكه فأجمع رأيه على أن يخلده في ~~السجن، فقال الملأ من قومه: إنك إن تركته في السجن طليقا يكلم الناس ويميل ~~بهم عليك، ولكن يعذب بعذاب يمنعه من الكلام. فأمر به فبطح في السجن على ~~وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أوتادا من حديد، ثم أمر بأسطوان ms0238 من رخام حمله ~~ثمانية عشر رجلا فوضع على ظهره، فظل يومه ذلك تحت الحجر، فلما أدركه الليل ~~أرسل الله إليه ملكا، وذلك أول ما أيد بالملائكة، فأول ما جاءه الوحي قلع ~~عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه، فلما أصبح أخرجه من ~~السجن فقال له: الحق بعدوك فجاهده، فإني قد ابتليتك به سبع سنين يعذبك ~~ويقتلك فيهن أربع مرات في كل ذلك أرد إليك روحك، فإذا كانت القتلة الرابعة ~~تقبلت روحك وأوفيتك أجرك. # فلم يشعر الملك إلا وقد وقف جرجيس على رأسه يدعوه إلى الله، فقال له: ~~أجرجيس؟ قال: نعم. قال: من أخرجك من السجن؟ قال: أخرجني من سلطانه فوق ~~سلطانك! # فملئ غيظا ودعا بأصناف العذاب ومدوه بين خشبتين ووضعوا على رأسه سيفا ثم ~~وشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين، ثم قطعوهما قطعا، وكان له سبعة أسد ~~ضارية في جب فألقوا جسده إليها، فلما رأته خضعت برءوسها وقامت على براثنها ~~لا تألو أن تقيه الأذى الذي تحتها، فظل يومه تحتها ميتا، فكانت أول ميتة # PageV01P337 # ذاقها. فلما أدركه الليل جمع الله جسده وسواه ورد فيه روحه وأخرجه من قعر ~~الجب. فلما أصبحوا أقبل جرجيس، وهم في عيد لهم صنعوه فرحا بموت جرجيس، فلما ~~نظروا إليه مقبلا قالوا: ما أشبه هذا بجرجيس! قال الملك: هو هو! قال جرجيس: ~~أنا هو حقا، بئس القوم أنتم! قتلتم ومثلتم فرد الله روحي إلي! هلموا إلى ~~هذا الرب العظيم الذي أراكم قدرته. فقالوا: ساحر سحر أعينكم وأيديكم عنه، ~~فجعلوا من ببلادهم من السحرة، فلما جاءوا قال الملك لكبيرهم: اعرض علي من ~~سحرك ما يسرى به عني. فدعا بثور فنفخ في أذنيه فإذا هو ثوران، ودعا ببذر ~~فحرث وزرع وحصد ودق وذري وطحن وخبز وأكل من ساعته. فقال له الملك: هل تقدر ~~أن تمسخه كلبا؟ قال: ادع لي بقدح من ماء، فأتي به، فنفث فيه الساحر ثم قال ~~الملك لجرجيس: اشربه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فقال له الساحر: ماذا ~~تجد؟ قال: ما أجد ms0239 إلا خيرا! كنت عطشان فلطف الله بي فسقاني. وأقبل الساحر ~~على الملك وقال: لو كنت تقاسي جبارا مثلك لغلبته وإنما تقاسي جبار السماء ~~والأرض. # وكانت أتت جرجيس امرأة من الشام، وهو في أشد العذاب، فقالت له: إنه لم ~~يكن لي مال إلا ثورا أعيش به من حرثه فمات، وجئتك لترحمني وتسأل الله أن ~~يحيي ثوري. فأعطاها عصا وقال: اذهبي إلى ثورك فاضربيه بهذه العصا وقولي له: ~~احي بإذن الله. فأخذت العصا وأتت مصرع الثور فرأت روقيه وشعر ذنبه فجمعتها ~~ثم قرعتها بالعصا وقالت ما أمرها به جرجيس، فعاش ثورها، وجاء الخبر بذلك. # فلما قال الساحر ما قال، قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم بعد الملك: ~~اسمعوا مني. قالوا: نعم. قال: إنكم قد وضعتم أمره على السحر، وإنه لم يعذب ~~ولم يقتل، فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدفع عن نفسه أو أحيا ميتا؟ وذكر ~~الثور وإحياءه، فقالوا له: إن كلامك كلام رجل قد أصغى إليه. فقال: قد آمنت ~~به وأشهد الله أني بريء مما تعبدون! فقام إليه الملك وأصحابه بالخناجر ~~فقطعوا لسانه بالخناجر، فلم يلبث أن مات، # PageV01P338 # وقيل: أصابه الطاعون فأعجله قبل أن يتكلم، وكتموا شأنه، فكشفه جرجيس ~~للناس، فاتبعه أربعة آلاف وهو ميت، فقتلهم الملك بأنواع العذاب حتى أفناهم، ~~وقال له رجل من عظماء أصحاب الملك: يا جرجيس إنك زعمت أن إلهك يبدأ الخلق ~~ثم يعيده، وإني أسألك أمرا إن فعله إلهك آمنت به وصدقتك وكفيتك قومي. هذا ~~تحتنا أربعة عشر منيرا ومائدة وأقداح وصحاف من خشب يابس، وهو من أشجار شتى، ~~فادع ربك أن يعيدها خضرا كما بدأها، يعرف كل عود بلونه وورقه وزهره وثمره. ~~قال جرجيس: قد سألت أمرا عزيزا علي وعليك، وإنه على الله يسير، ودعا الله ~~فما برحوا حتى اخضرت وساخت عروقها وتشعبت ونبت ورقها وزهرها حتى عرفوا كل ~~عود باسمه. # فقال الذي سأله هذا: أنا أتولى عذابه. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور ~~مجوف ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا وأدخل جرجيس ms0240 في وسطها ثم أوقد ~~تحت الصورة النار حتى التهبت وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها. ~~فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا ورعدا وبرقا وسحابا مظلما وأظلم ما بين ~~السماء والأرض وبقوا أياما متحيرين، فأرسل الله ميكائيل، فاحتمل تلك ~~الصورة، فلما أقلها ضرب بها الأرض، ففزع من روعتها كل من سمعها وانكسرت، ~~وخرج منها جرجيس حيا، فلما وقف وكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء ~~والأرض. # قال له عظيم من عظمائهم: ادع الله بأن يحيي موتانا من هذه القبور. فأمر ~~جرجيس بالقبور فنبشت وهي عظام رفات، ثم دعا فلم يبرحوا حتى نظروا إلى سبعة ~~عشر إنسانا، تسعة رجال وخمس نسوة وثلاثة صبية وفيهم شيخ كبير. فقال له ~~جرجيس: متى مت؟ فقال: في زمان كذا وكذا، فإذا هو أربعمائة عام. # فلما رأى ذلك الملك قال: لم يبق من عذابكم شيء إلا وقد عذبتموه وأصحابه ~~به إلا الجوع والعطش، فعذبوه به. فعمدوا إلى بيت عجوز فقيرة، وكان لها ابن ~~أعمى أبكم مقعد، فحصروه فيه، فلا يصل إليه طعام ولا شراب. # PageV01P339 # فلما جاع قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: لا والذي يحلف به ما ~~لنا عهد بالطعام من كذا وكذا وسأخرج لألتمس لك شيئا. فقال لها: هل تعبدين ~~الله؟ قالت: لا. فدعاها فآمنت، وانطلقت تطلب له شيئا، وفي بيتها دعامة من ~~خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فدعا الله فاخضرت تلك الدعامة وأنبتت كل فاكهة ~~تؤكل وتعرف، فظهر للدعامة فروع من فوق البيت تظله وما حوله، وعادت العجوز ~~وهو يأكل رغدا. فلما رأت الذي حدث في بيتها قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت ~~الجوع، فادع هذا الرب العظيم أن يشفي ابني. قال: أدنيه مني، فأدنته، فبصق ~~في عينيه فأبصر، فنفث في أذنيه فسمع. قالت له: أطلق لسانه ورجليه. قال لها: ~~أخريه فإن له يوما عظيما. # ورأى الملك الشجرة فقال: أرى شجرة ما كنت أعهدها! قالوا: تلك الشجرة نبتت ~~لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع وقد شبع منها وأشبعت العجوز، ms0241 وشفى ~~لها ابنها. # فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة أن تقطع، فلما هموا بقطعها أيبسها الله ~~وتركوها. وأمر بجرجيس فبطح على وجهه، وأمر بعجل فأوقر أسطوانا وجعل في أسفل ~~العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهض بالعجل نهضة واحدة وجرجيس ~~تحتها، فانقطع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعه فأحرقت حتى صارت رمادا، وبعث بالرماد ~~مع رجال فذروه في البحر، فلم يبرحوا حتى سمعوا صوتا من السماء: يا بحر إن ~~الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده. فأرسل ~~الرياح فجمعته كما كان قبل أن يذروه، والذين ذروه قيام لم يبرحوا، وخرج ~~جرجيس حيا مغبرا، فرجعوا ورجع معهم وأخبروا الملك خبر الصوت والرياح. فقال ~~له الملك: هل لك فيما هو خير لي ولك؟ ولولا أن يقال إنك غلبتني لآمنت بك، ~~ولكن اسجد لصنمي سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة وأنا أفعل ما يسرك. فطمع ~~جرجيس في إهلاك الصنم حين يراه وإيمان الملك عند ذلك، فقال له: أفعل - ~~خديعة منه - وأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح. # ففرح الملك بذلك وقبل يديه ورجليه وطلب منه أن يكون يومه وليلته عنده، ~~ففعل، فأخلى له الملك بيتا ودخله جرجيس، فلما جاء الليل قام يصلي ويقرأ ~~الزبور، وكان حسن الصوت، فلما سمعته امرأة الملك استجابت له وآمنت به وكتمت ~~إيمانها، فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها. # PageV01P340 # وقيل للعجوز: إن جرجيس قد افتتن وطمع في الملك. فخرجت تحمل ابنها على ~~عاتقها في أعراضهم توبخ جرجيس، فلما دخل بيت الأصنام نظر فإذا العجوز ~~وابنها أقرب الناس إليه، فدعا ابنها، فأجابه وما تكلم قبل ذلك قط، ثم نزل ~~على عاتق أمه يمشي على قدميه سويتين وما وطئ الأرض قط. فلما وقف بين يدي ~~جرجيس قال له: ادع لي هذه الأصنام، وهي على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما، ~~وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فدعاها، فأقبلت تتدحرج إليه. فلما انتهت ~~إليه ركض برجله الأرض فخسف بها وبمنابرها، فقال له الملك: يا جرجيس ms0242 خدعتني ~~وأهلكت أصنامي! فقال له: فعلت ذلك عمدا لتعتبر وتعلم أنها لو كانت آلهة ~~لامتنعت مني. فلما قال هذا قالت امرأة الملك وأظهرت إسلامها، وعدت عليهم ~~أفعال جرجيس وقالت: ما تنظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتهلكون كما هلكت ~~أصنامكم. فقال الملك: ما أسرع ما أضلك هذا الساحر! ثم أمر بها فعلقت على ~~خشبة، ثم مشط لحمها بمشاط الحديد، فلما آلمها العذاب قالت لجرجيس: ادع الله ~~أن يخفف علي الألم. فقال: انظري فوقك. فنظرت فضحكت. فقال لها الملك: ما ~~يضحكك؟ قالت: أرى على رأسي ملكين معهما تاج من حلي الجنة ينتظران خروج روحي ~~ليزيناني به ويصعدا بها إلى الجنة. فلما ماتت أقبل جرجيس على الدعاء وقال: ~~اللهم أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني أفضل منازل الشهداء، وهذا آخر أيامي، ~~فأسألك أن تنزل بهؤلاء المنكرين من سطوتك وعقوبتك ما لا قبل لهم به، فأمطر ~~الله عليهم النار فأحرقتهم. فلما احترقوا بحرها عمدوا إليه فضربوه بالسيوف ~~فقتلوه، وهي القتلة الرابعة. فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها رفعت من ~~الأرض وجعل عاليها سافلها، فلبث زمانا يخرج من تحتها دخان منتن. # وكان جميع من آمن به وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك. # PageV01P341 ### | [ذكر خالد بن سنان العبسي] # وممن كان في الفترة خالد بن سنان العبسي، قيل: كان نبيا، وكان من معجزاته ~~أن نارا ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يتمجسون، فأخذ خالد عصاه ~~ودخلها حتى توسطها ففرقها، وهو يقول: بدا بدا، كل هدى مؤدى، لأدخلنها وهي ~~تلظى، ولأخرجن منها وثيابي تندى. ثم إنها طفئت وهو في وسطها. # فلما حضرته الوفاة قال لأهله: إذا دفنت فإنه ستجيء عانة من حمير يقدمها ~~عير أبتر فيضرب قبري بحافره، فإذا رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخبركم ~~بجميع ما هو كائن. فلما مات ودفنوه رأوا ما قال، فأرادوا نبشه، فكره ذلك ~~بعضهم قالوا: نخاف إن نبشناه أن تسبنا العرب بأنا نبشنا ميتا لنا فتركوه. # فقيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: ( «ذلك نبي ضيعه قومه» ) ~~. # PageV01P342 # وأتت ابنته النبي ms0243 - صلى الله عليه وسلم - فآمنت به. # كذا قيل إنه آخر الحوادث أيام ملوك الطوائف، ولا وجه له، فإن من أدركت ~~ابنته النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون بعد اجتماع الملك لأردشير بن بابك ~~بدهر طويل. # ونرجع إلى أخبار ملوك الفرس لسياق التاريخ، ونقدم قبل ذكرهم عدد الملوك ~~الأشغانية من ملوك الطوائف وطبقات ملوك الفرس، إن شاء الله تعالى. ### | [ذكر طبقات ملوك الفرس] # الطبقة الأولى الفيشداذية # PageV01P343 # ملوك الأرض بعد جيومرث أوشهنج، وملك فيشداذ أربعين سنة، ومعنى فيشداذ أول ~~حاكم. # ملك بعده طهمورث بن يوجهان ثلاثين سنة. # ثم ملك أخوه جمشيد سبعمائة وست عشرة سنة. # ثم ملك بيوراسف بن أرونداسف ألف سنة. # ثم ملك أفريدون بن أثغيان خمسمائة سنة. # ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة. # ثم ملك أفراسياب التركي اثنتي عشرة سنة. # PageV01P344 # ثم ملك زو بن تهماسف ثلاث سنين. # ثم ملك كرشاسب تسع سنين. # الطبقة الثانية الكيانية # ثم ملك كيقباذ مائة وستا وعشرين سنة. # ثم ملك كيكاووس مائة وخمسين سنة. # ثم ملك كيخسرو ثمانين سنة. # ثم ملك كي لهراسب مائة وعشرين سنة. # ثم ملك كي بشتاسب مائة وعشرين سنة. # ثم ملك كي بهمن مائة واثنتي عشرة سنة. # ثم ملكت خماني جهرزاد ثلاثين سنة. # ثم ملك أخوها دار بن بهمن اثنتي عشرة سنة. ثم ملك ابنه دارا بن دارا أربع ~~عشرة سنة، وهو الذي أخذ الإسكندر الملك منه. # PageV01P345 # وكان ملك الإسكندر بعده أربع عشرة سنة. # الطبقة الثالثة الأشغانية # وهم الذين استولوا على العراق والجبال، وكان سائر ملوك الطوائف يعظمونهم. ~~فأول ملوك الأشغانيين أيام ملوك الطوائف أشك ملك اثنتين وخمسين سنة. # ثم ملك ابنه شابور بن أشك أربعا وعشرين سنة. # ثم ملك ابنه جوذرز بن شابور، وهو الذي غزا بني إسرائيل بعد قتل يحيى بن ~~زكرياء، خمسين سنة. # ثم ملك ابن أخيه وبحن بن بلاش إحدى وعشرين سنة. # ثم ملك جوذرز بن وبحن تسع عشرة سنة. # ثم ملك أخوه نرسي ثلاثين سنة. # ثم ملك عمه هرمزان بن بلاش بن شابور تسع عشرة سنة. # ثم ms0244 ملك ابنه فيروز بن هرمزان اثنتي عشرة سنة. # ثم ملك ابنه خسرو أربعين سنة. # PageV01P346 # ثم ملك أخوه بلاش بن فيروز أربعا وعشرين سنة. # ثم ملك ابنه أردوان بن بلاش خمسا وخمسين سنة. # وقد ذكر بعضهم أنه ملك بعد هرمزان بن بلاش أردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة. # وقيل في عدد ملوك الطوائف غير ذلك، والفرس تعترف باضطراب التاريخ عليهم ~~في أيام ملوك الطوائف وملك بيوراسف وملك أفراسياب التركي لأنهم زال الملك ~~عنهم ولم يمكن ضبطه. # الطبقة الرابعة الساسانية # فأولهم أردشير بن بابك. ### | [ذكر أخبار أردشير بن بابك وملوك الفرس] # PageV01P347 # قيل: لما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل، في قول النصارى وأهل الكتب ~~الأول، خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس: مائتان وست وستون، ~~وثب أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ~~ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب - وقيل في نسبته غير ذلك، يريد ~~الأخذ بثأر الملك دارا بن دارا، ورد الملك إلى أهله، وإلى ما لم يزل عليه ~~أيام سلفه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد. # وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها: طيزوده من رستاق إصطخر، ~~وكان جده ساسان شجاعا مغرى بالصيد، وتزوج امرأة من نسل ملوك فارس يعرفون ~~بالبادرنجيين، وكان قيما على بيت نار بإصطخر يقال لها بيت نارهيد، فولدت له ~~بابك، فلما كبر قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير. # وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البادرنجيين يقال له جوزهر، وكان له خصي ~~اسمه تيرى قد صيره أرجيدا بداربجرد. فلما أتى لأردشير سبع سنين قدمه أبوه ~~إلى # PageV01P348 # جوزهر وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيبا له وأرجيدا بعده في موضعه، ~~فأجابه وأرسله إلى تيرى، فقبله وتبناه. # فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر وحسن قيامه به، وأعلمه قوم من المنجمين ~~صلاح مولده وأنه يملك البلاد، فازداد في الخير، ورأى في منامه ملكا جلس عند ~~رأسه فقال له: إن الله ms0245 يملكك البلاد، فقويت نفسه قوة لم يعهدها، وكان أول ~~ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد يسمى خوبابان فقتل ملكها، واسمه ~~فاسين، ثم سار إلى موضع يقال له كوسن فقتل ملكها، واسمه منوجهر ثم سار إلى ~~موضع يقال له لزويز فقتل ملكها، واسمه دارا وجعل في هذه المواضع قوما من ~~قبله، وكتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب بجوزهر، وهو بالبيضاء، ~~ففعل ذلك وقتل جوزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أردوان ملك الجبال وما يتصل بها ~~يتضرع إليه ويسأله في تتويج ابنه سابور بتاج جوزهر، فمنعه من ذلك وهدده، ~~فلم يحفل بابك بذلك وهلك في ثلاثة أيام، فتتوج سابور بن بابك بالتاج وملك ~~مكان أبيه، وكتب إلى أردشير يستدعيه، فامتنع، فغضب سابور وجمع جموعا وسار ~~بهم نحوه ليحاربهم، وخرج من إصطخر وبها عدة من أصحابه وإخوانه وأقاربه ~~وفيهم من هو أكبر سنا منه، فأخذوا التاج والسرير وسلموها إلى أردشير، فتتوج ~~وافتتح أمره بجد وقوة وجعل له وزيرا ورتب موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم ~~كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعة كثيرة منهم، وعصى عليه أهل دارابجرد فعاد ~~إليهم فافتتحها وقتل جماعة من أهلها، ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له ~~بلاش فاقتتلا قتالا شديدا، وقاتل أردشير بنفسه وأسر بلاش، فاستولى على ~~المدينة وجعل فيها ابنا له اسمه أردشير أيضا. # وكان في سواحل بحر فارس ملك اسمه اسيون يعظم فسار إليه أردشير فقتله # PageV01P349 # وقتل من معه واستخرج له أموالا عظيمة. # وكتب إلى جماعة من الملوك، منهم: مهرك صاحب ابرساس من أردشير خرة، يدعوهم ~~إلى الطاعة، فلم يفعلوا، فسار إليهم فقتل مهرك، ثم سار إلى جور فأسسها وبنى ~~الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك. # فبينا هو كذلك إذ ورد إليه رسول أردوان بكتاب، فجمع الناس فقرأه عليهم، ~~فإذا فيه: إنك عدوت قدرك واجتلبت حتفك أيها الكردي! من أذن لك في التاج ~~والبلاد؟ ومن أمرك ببناء المدينة؟ وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك الأهواز ~~ليأتيه به في وثاق. # فكتب إليه: إن ms0246 الله حباني بالتاج وملكني البلاد، وأنا أرجو أن يمكنني منك ~~فأبعث برأسك إلى بيت النار الذي أسسته. # وسار أردشير نحو إصطخر وخلف وزيره أبرسام بأردشير خرة، فلم يلبث إلا ~~قليلا حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز وعوده منكوبا، ثم سار ~~إلى أصبهان فملكها وقتل ملكها، وعاد إلى فارس وتوجه إلى محاربة نيروفر صاحب ~~الأهواز، وسار إلى أرجان وإلى ميسان وطاسار، ثم إلى سرق، فوقف على شاطئ ~~دجيل فظفر بالمدينة، وابتنى مدينة سوق الأهواز، وعاد إلى فارس بالغنائم، ثم ~~عاد من فارس إلى الأهواز على طريق جره وكازرون، وقتل ملك ميسان، وبنى هناك ~~كرخ ميسان وعاد إلى فارس. # فأرسل إلى أردوان يؤذنه بالحرب ويقول له ليعين موضعا للقتال. فكتب إليه ~~أردوان: إني أوافيك في صحراء هرمزجان لانسلاخ مهرماه. فوافاه أردشير قبل ~~الوقت # PageV01P350 # وخندق على نفسه واحتوى على الماء، ووافاه أردوان وملك الأرمانيين، وكانا ~~يتحاربان على الملك فاصطلحا على أردشير وحارباه، وهما متساندان يقاتله هذا ~~يوما وهذا يوما، فإذا كان يوم بابا ملك الأرمانيين لم يقم له أردشير، وإذا ~~كان يوم أردوان لم يقم لأردشير، فصالح أردشير ملك الأرمانيين على أن يكف ~~عنه ويفرغ أردشير لأردوان، فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له، وأطاعه ~~بابا وسمي أردشير: شاهنشاه. # ثم سار إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ~~ففتحها عنوة، وسار إلى السواد من الموصل فملكه، وبنى على شاطئ دجلة قبالة ~~طيسفون، وهي المدينة التي في شرق المدائن مدينة غريبة، وسماها به أردشير، ~~وعاد من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم إلى جرجان، ثم إلى ~~نيسابور ومرو وبلخ وخوارزم، وعاد إلى فارس، ونزل جور فجاءه رسل ملك كوسان ~~وملك طوران وملك مكران بالطاعة. # ثم سار من جور إلى البحرين، فاضطر ملكها إلى أن رمى بنفسه من حصنه فهلك. ~~وعاد إلى المدائن فتوج ابنه سابور بتاجه في حياته وبنى ثماني مدن، منها: ~~مدينة الخط بالبحرين، ومدينة بهرسير مقابل المدائن. وكان اسمه به أردشير ~~فعربت به سير، وأردشير ms0247 خرة، هي مدينة فيروزاباذ، سماها عضد الدولة بن بويه ~~كذلك، وبنى بكرمان مدينة أردشير على دجلة عند البصرة، والبصريون يسمونها ~~بهمن شير، وفرات ميسان أيضا، وبنى رامهرمز بخوزستان، وبنى سوق الأهواز، ~~وبالموصل بودر أردشير، وهي حزة. # ولم يزل محمود السيرة مظفرا منصورا لا ترد له راية، ومدن المدن، وكور ~~الكور، ورتب المراتب وعمر البلاد. # وكان ملكه من قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة ~~وعشرة أشهر. # ولما استولى أردشير على العراق كره كثير من تنوخ المقام في مملكته، فخرج ~~من كان منهم من قضاعة إلى الشام، ودان له أهل الحيرة والأنبار، وقد كانت ~~الحيرة # PageV01P351 # والأنبار بنيتا زمن بخت نصر، فخربت الحيرة لتحول أهلها إلى الأنبار، ~~وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة زمن عمرو بن عدي، ~~فعمرت خمسمائة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها أهل الإسلام. # ذكر ملك سابور بن أردشير بن بابك # ولما هلك أردشير بن بابك قام بالملك بعده ابنه سابور، وكان أردشير قد ~~أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم بسبب ألية آلاها جده ساسان بن أردشير بن ~~بهمن، فإنه أقسم أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خزة ~~أحدا، وأوجب ذلك على عقبه، فكان أول من ملك من عقبه أردشير، فقتلهم جميعا ~~نساءهم ورجالهم، غير أن جارية وجدها في دار المملكة فأعجبته، وكانت ابنة ~~الملك المقتول، فسألها عن نسبها، فذكرت أنها خادم لبعض نساء الملك. فسألها ~~أبكر أم ثيب، فأخبرته أنها بكر، فاتخذها لنفسه وواقعها، فعلقت منه، فلما ~~أمنت منه بحبلها أخبرته أنها من ولد أشك، فنفر منها ودعا هرجد بن أسام، ~~وكان شيخا مسنا، فأخبره الخبر، وقال له ليقتلها ليبر قسم جده. فأخذها الشيخ ~~ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى، فأتى بالقوابل فشهدن بحبلها، فأودعها سربا في ~~الأرض ثم قطع مذاكيره ووضعها في حق وختم عليه، وحضر عند الملك فقال: ما ~~فعلت؟ فقال: استودعتها بطن الأرض، ودفع الحق إليه، وسأل أن يختمه بخاتمه ms0248 ~~ويودعه بعض خزائنه، ففعل. # ثم وضعت الجارية غلاما، فكره الشيخ أن يسمى ابن الملك دونه، وخاف يعلمه ~~به وهو صغير، فأخذ له الطالع وسماه شابور، ومعناه ابن الملك، فيكون اسما ~~وصفة، وهو أول من سمي بهذا الاسم. # وبقي أردشير لا يولد له، فدخل الشيخ الذي عنده الصبي يوما فوجده محزونا، ~~فقال له: ما يحزن الملك؟ فقال: ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت ~~وصفا لي ملك آبائي ثم أهلك وليس لي عقب فيه. فقال له الشيخ: سرك الله أيها ~~الملك وعمرك! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع لي بالحق الذي استودعتك أرك # PageV01P352 # برهان ذلك. فدعا أردشير بالحق وفتحه، فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه: ~~لما أخبرتني ابنة الملك أشك التي علقت من ملك الملوك حين أمر بقتلها لم ~~أستحل إتلاف زرع الملك الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمر وتبرأنا إليه من ~~أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا. # فأمره أردشير أن يجعل مع سابور مائة غلام، وقيل: ألف غلام من أشباهه في ~~الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم زي، ففعل الشيخ. فلما ~~نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، ثم أعطوا صوالجة وكرة، فلعبوا ~~بالكرة وهو في الإيوان، فدخلت الكرة الإيوان، فهاب الغلمان أن يدخلوه، ~~وأقدم سابور من بينهم ودخل، فاستدل بإقدامه مع ما كان من قبوله له حين رآه ~~أنه ابنه، فقال له أردشير: ما اسمك؟ قال: شاه بور. # فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده، وكان عاقلا ~~بليغا فاضلا، فلما ملك ووضع التاج على رأسه فرق الأموال على الناس من قرب ~~ومن بعد، وأحسن إليهم، فبان فضل سيرته وفاق جميع الملوك. # وبنى مدينة نيسابور، ومدينة سابور بفارس، وبنى فيروز سابور، وهي الأنبار، ~~وبنى جنديسابور. # وقيل: إنه حاصر الروم بنصيبين، وفيها جمع من الروم مدة، ثم أتاه من ناحية ~~خراسان ما احتاج إلى مشاهدته، فسار إليها وأحكم أمرها، ثم عاد إلى نصيبين، ~~فزعموا أن سورها تصدع وانفرجت منه فرجة ms0249 دخل منها، وقتل وسبى وغنم وتجاوزها ~~إلى بلاد الشام فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة، منها فالوقية وقدوقية، وحاصر ~~ملكا للروم بأنطاكية، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه فأسكنهم مدينة ~~جنديسابور. # PageV01P353 # ذكر خبر مدينة الحضر # كانت بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها ملك ~~يقال له الساطرون، وكان من الجرامقة، والعرب تسميه الضيزن، وهو من قضاعة، ~~وكان قد ملك الجزيرة وكثر جنده، وإنه تطرق بعض السواد إذ كان سابور ~~بخراسان، فلما عاد سابور أخبر بما كان منه، فسار إليه وحاصره أربع سنين، ~~وقيل: سنتين، لا يقدر على هدم حصنه ولا الوصول إليه. # وكان للضيزن بنت تسمى النضيرة، فحاضت، فأخرجت إلى ربض المدينة، وكذلك كان ~~يفعل بالنساء، وكانت من أجمل النساء، وكان سابور من أجمل الناس، فرأى كل ~~واحد منهما صاحبه فتعاشقا، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم ~~به سور المدينة؟ فقال: أحكمك وأرفعك على نسائي. فقالت: عليك بحمامة ورقاء ~~مطوقة فاكتب على رجلها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على سور ~~المدينة فيخرب، وكان ذلك طلسم ذلك البلد. ففعل وتداعت المدينة، فدخلها عنوة ~~وقتل الضيزن وأصحابه، فلم يبق منهم أحد يعرف اليوم، وأخرب المدينة واحتمل ~~النضيرة فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضور، فالتمس ما يؤذيها ~~فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكن بطنها، فقال لها: ما كان يغذوك به أبوك؟ ~~قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر. فقال: وأبيك لأنا ~~أحدث عهدا بك وآثر لك من أبيك! فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثم عصب غدائرها ~~بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعا، وقد أكثر الشعراء ذكر الضيزن في أشعارهم. # PageV01P354 # وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق وادعى النبوة، وتبعه خلق كثير، وهم ~~الذين يسمون المانوية. # وكان ملكه ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما، وقيل: إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر ~~وتسعة أيام. # ذكر ملك ابنه هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك # وكان يشبه في خلقه بأردشير غير لاحق به في تدبيره، وكان ms0250 من البطش والجرأة ~~على أمر عظيم، وكانت أمه من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير وتتبع نسله ~~فقتلهم، لأن المنجمين أخبروه أنه يكون من نسله من يملك، فهربت أمه إلى ~~البادية وأقامت عند بعض الرعاء، وخرج سابور متصيدا، فاشتد به العطش وارتفعت ~~له الأخبية التي فيها أم هرمز، فقصدها وطلب الماء، فناولته المرأة، فرأى ~~منها جمالا فائقا، فلم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها، فقال بعضهم: ~~إنها ابنته، فتزوجها وسار بها إلى منزله، وكسيت ونظفت، فأرادها فامتنعت ~~عليه مدة، فلما طال عليه سألها عن سبب ذلك فأخبرته أنها ابنة مهرك، وأنها ~~تفعل ذلك إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت له ~~هرمز، فستر أمره حتى صار له سنون. # فركب أردشير يوما إلى منزل ابنه سابور لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله ~~مفاجأة، فلما استقر خرج هرمز وبيده صولجان وهو يصيح في أثر الكرة، فلما رآه ~~أردشير أنكره ووقف على المشابه التي فيه من حسن الوجه وعبالة الخلق وأمور ~~غيرها، فاستدناه أردشير وسأل عنه سابور، فخرج مفكرا على سبيل الإقرار ~~بالخطإ، وأخبر أباه أردشير الخبر، فسر، وأخبره أنه قد تحقق الذي ذكره ~~المنجمون في ولد مهرك، وأن ذلك # PageV01P355 # قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه. # فلما ملك سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها، فقهر الأعداء واستقل ~~بالأمر، فوشى به الوشاة إلى سابور أنه على عزم أن يأخذ الملك منه، وسمع ~~هرمز بذلك فقيل إنه قطع يده وأرسلها إلى أبيه، فكتب إليه بما بلغه وأنه فعل ~~ذلك إزالة للتهمة لأن رسمهم أنهم كانوا لا يملكون ذا عاهة، فلما وصلت يده ~~إلى سابور تقطع أسفا، وأرسل إلى هرمز يعلمه ما ناله لذلك، وعقد له على ~~الملك وملكه، ولما ملك عدل في رعيته، وكان صادقا، وسلك سبيل آبائه وكور ~~كورة رامهرمز. وكان ملكه سنة وعشرة أيام. # ذكر ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابور # وكان حليما متأنيا حسن السيرة، وقتل ماني الزنديق وسلخه وحشا جلده تبنا ~~وعلق على باب من ms0251 أبواب جنديسابور يسمى باب ماني. # وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. وكان عامل سابور بن أردشير ~~وابنه هرمز وبهرام بن هرمز - بعد مهلك عمرو بن عدي على ربيعة ومضر وسائر من ~~ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ - ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ ~~القيس البدء، وهو أول من تنصر من آل نصر بن ربيعة وعمال الفرس، وعاش مملكا ~~في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة، منها في زمن سابور بن أردشير ثلاثا ~~وعشرين سنة وشهرا، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام ~~ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز ثماني ~~عشرة سنة. # ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير # PageV01P356 # وكان ملكه حسنا، وكان عالما بالأمور، فلما عقد له التاج وعدهم بحسن ~~السيرة، واختلف في سني ملكه، فقيل ثماني عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة، ~~والله أعلم. # ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور # فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء، فأحسن الرد، وكان قبل أن يقضى ~~إليه مملكا على سجستان، وكان ملكه أربع سنين. # ذكر ملك نرسي بن بهرام # وهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه الأشراف ~~والعظماء فدعوا له، فوعدهم خيرا وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال: لن نضيع شكر ~~ما أنعم الله به علينا. وكان ملكه تسع سنين. # ذكر ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز # وكان الناس قد وجلوا منه لفظاظته، فأعلمهم أنه قد علم بما كانوا يخافون ~~من شدة # PageV01P357 # ولايته، وأن الله قد أبدل ما كان فيه من الفظاظة رقة ورأفة، وساسهم أرق ~~سياسة، وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل، ثم هلك ولا ~~ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى، ~~وقيل: إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل، وولدت المرأة سابور ذا الأكتاف. # وكان ملك هرمز ست سنين ms0252 وخمسة أشهر، وقيل سبع سنين وخمسة أشهر. # وأسماء الملوك من سابور بن أردشير إلى هاهنا لم يحذف منها شيء. # ذكر ملك ابنه سابور ذي الأكتاف # وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك، ~~وقيل: ملك بوصية أبيه له، فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق، ~~وتقلد الوزراء والكتاب ما كانوا يعملونه في ملك أبيه. # وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد، فطمعت في مملكتهم الترك والعرب ~~والروم، وكانت العرب أقرب إلى بلاد فارس، فسار جمع عظيم منهم في البحر من ~~عبد القيس والبحرين إلى بلاد فارس وسواحل أردشير خرة، وغلبوا أهلها على ~~مواشيهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد، وغلبت إياد على سواد العراق وأكثروا ~~الفساد فيهم، فمكثوا حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم. # فلما ترعرع سابور وكبر كان أول ما عرف من حسن فهمه أنه سمع في البحر ~~ضوضاء وأصواتا فسأل عن ذلك فقيل: إن الناس يزدحمون في الجسر الذي على دجلة ~~مقبلين ومدبرين، فأمر بعمل جسر آخر يكون أحدهما للمقبلين والآخر للمدبرين، ~~فاستبشر الناس بذلك. # PageV01P358 # فلما بلغ ست عشرة سنة وقوي على حمل السلاح، جمع رؤساء أصحابه فذكر لهم ما ~~اختل من أمرهم، وأنه يريد الذب عنهم ويشخص إلى بعض الأعداء، فدعا له الناس ~~وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما يريد، فأبى واختار ~~من عسكره ألف رجل، فسألوه الازدياد، فلم يفعل، وسار بهم ونهاهم على الإبقاء ~~على أحد من العرب، وقصد بلاد فارس فأوقع بالعرب وهم غارون فقتل وأسر وأكثر. ~~ثم قطع البحر إلى الخط فقتل من بالبحرين لم يلتفت إلى غنيمة، وسار إلى هجر ~~وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فقتل منهم حتى سالت دماؤهم على ~~الأرض، وأباد عبد القيس، وقصد اليمامة وأكثر في أهلها القتل، وغور مياه ~~العرب، وقصد بكرا وتغلب فيما بين مناظر الشام والعراق فقتل وسبى، وغور ~~مياههم، وسار إلى قرب المدينة ففعل كذلك، وكان ينزع أكتاف رؤسائهم ويقتلهم ~~إلى ms0253 أن هلك فسموه سابور ذا الأكتاف لهذا. # وانتقلت إياد حينئذ إلى الجزيرة، وصارت تغير على السواد، فجهز سابور ~~إليهم الجيوش، وكان لقيط الإيادي معهم، فكتب إلى إياد: # سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد. # بأن الليث كسرى قد أتاكم # فلا يشغلكم سوق النقاد. # PageV01P359 # أتاكم منهم سبعون ألفا ... يزجون الكتائب كالجراد. # فلم يقبلوا منه وداموا على الغارة، فكتب إليهم أيضا: # أبلغ إيادا وطول في سراتهم أني ... أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا. # وهي قصيدة مشهورة من أجود ما قيل في صفة الحرب. فلم يحذروا، وأوقع بهم ~~سابور وأبادهم قتلا إلا من لحق بأرض الروم. فهذا فعله بالعرب. # وأما الروم فإن سابور كان هادن ملكهم، وهو قسطنطين، وهو أول من تنصر من ~~ملوك الروم، ونحن نذكر سبب تنصره عند الفراغ من ذكر سابور إن شاء الله. ~~ومات قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له، فملكوا، وملكت الروم ~~عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له إليانوس، وكان على ملة الروم الأولى ~~ويكتم ذلك، فلما ملك أظهر دينه، وأعاد ملة الروم، وأخرب البيع وقتل ~~الأساقفة، ثم جمع جموعا من الروم والخزر وسار نحو سابور. # واجتمعت العرب للانتقام من سابور، فاجتمع في عسكر إليانوس منهم خلق كثير، ~~وعادت عيون سابور إليه فاختلفوا في الأخبار، فسار سابور بنفسه مع جماعة من ~~ثقاته نحو الروم، فلما قرب من يوسانوس، وهو على مقدمة إليانوس، اختفى وأرسل ~~بعض من معه إلى الروم، فأخذوا وأقر بعضهم على سابور، فأرسل يوسانوس إليه ~~سرا ينذره، فارتحل سابور إلى عسكره، وتحارب هو والعرب والروم، فانهزم عسكره ~~وقتل منهم مقتلة عظيمة، وملكت الروم مدينة طيسفون، وهي المدائن الشرقية، ~~وملكوا أيضا أموال سابور وخزائنه. # PageV01P360 # وكتب سابور إلى جنوده وقواده يعلمهم ما لقي من الروم والعرب، ويستحثهم ~~على المسير إليه، فاجتمعوا إليه وعاد واستنقذ مدينة طيسفون، ونزل إليانوس ~~مدينة بهرسير، واختلف الرسل بينهما، فبينما إليانوس جالس أصابه سهم لا يعرف ~~راميه فقتله، فسقط في أيدي الروم، ويئسوا من الخلاص من ms0254 بلاد الفرس، فطلبوا ~~من يوسانوس أن يملك عليهم، فلم يفعل وأبى إلا أن يعودوا إلى النصرانية، ~~فأخبروه أنهم على ملته، وإنما كتموا ذلك خوفا من إليانوس. فملك عليهم. # وأرسل سابور إلى الروم يتهددهم، ويطلب الذي ملك عليهم ليجتمع به، فسار ~~إليه يوسانوس في ثمانين رجلا، فتلقاه سابور وتساجدا وطعما، وقوى سابور أمر ~~يوسانوس بجهده، وقال للروم: إنكم أخربتم بلادنا وأفسدتم فيها، فإما أن ~~تعطونا قيمة ما أهلكتم وإما أن تعوضونا نصيبين، وكانت قديما للفرس، فغلبت ~~الروم عليها، فدفعوها إليهم، وتحول أهلها عنها، فحول إليها سابور اثني عشر ~~ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما، وعادت الروم إلى بلادهم، وهلك ملكهم ~~بعد ذلك بيسير. # وقيل: إن سابور سار إلى حد الروم وأعلم أصحابه أنه على قصد الروم مختفيا ~~لمعرفة أحوالهم وأخبار مدنهم، وسار إليهم، فجال فيهم حينا، وبلغه أن قيصر ~~أولم وجمع الناس فحضر بزي سائل لينظر إلى قيصر على الطعام، ففطن به وأخذ ~~وأدرج في جلد ثور. # وسار قيصر بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحال، فقتل وأخرب حتى ~~بلغ جنديسابور، فتحصن أهلها وحاصرها، فبينما هو يحاصرها إذ غفل الموكلون ~~بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد ~~الذي عليه زيتا كان بقربهم، ففعلوا، ولان الجلد وانسل منه وسار إلى المدينة ~~وأخبر حراسها فأدخلوه، فارتفعت أصوات أهلها، فاستيقظ الروم، وجمع سابور من ~~بها وعباهم، وخرج إلى الروم سحر تلك الليلة، فقتلهم وأسر قيصر وغنم أمواله ~~ونساءه وأثقله بالحديد، وأمره بعمارة ما أخرب، وألزمه بنقل التراب من بلد ~~الروم ليبني ما هدم المنجنيق من جنديسابور، وأن يغرس الزيتون مكان النخل، ~~ثم قطع عقبه وبعث به إلى الروم على حمار وقال: هذا جزاؤك ببغيك علينا، ~~فأقام مدة ثم غزا فقتل وسبى سبايا أسكنهم مدينة بناها بناحية السوس سماها ~~إيران شهر سابور، وبنى مدينة نيسابور بخراسان في # PageV01P361 # قول، وبالعراق بزرج سابور. وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة. # وهلك في أيامه امرؤ القيس بن عمرو بن عدي عامله ms0255 على العرب، فاستعمل ابنه ~~عمرو بن امرئ القيس، فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير ~~بن هرمز وبعض أيام سابور بن سابور. # وكانت ولايته ثلاثين سنة. # سبب تنصر قسطنطين # وأما سبب تنصر قسطنطين، فإنه كان قد كبر سنه وساء خلقه وظهر به وضح كبير، ~~فأرادت الروم خلعه وترك ماله عليه، فشاور نصحاءه، فقالوا له: لا طاقة لك ~~بهم فقد أجمعوا على خلعك، وإنما تحتال عليهم بالدين. وكانت النصرانية قد ~~ظهرت، وهي خفية. # وقالوا له: استمهلهم حتى تزور البيت المقدس، فإذا زرته دخلت في دين ~~النصرانية وحملت الناس عليه، فإنهم يعترفون، فتقاتل من عصاك بمن أطاعك، وما ~~قاتل قوم على دين إلا نصروا. ففعل ذلك، فأطاعه عالم عظيم وخالفه خلق كثير ~~وأقاموا على دين اليونانية، فقاتلهم وظفر بهم، فقتلهم فأحرق كتبهم وحكمتهم ~~وبنى القسطنطينية ونقل الناس إليها، وكانت رومية دار ملكهم، وبقي ملكه ~~عليه، وغلب على الشام # PageV01P362 # وكان الأكاسرة قبل سابور ذي الأكتاف ينزلون طيسفون، وهي المدينة الغربية ~~من المدائن، فلما نشأ سابور بنى الإيوان بالمدائن الشرقية وانتقل إليه وصار ~~هو دار الملك، وهو باق إلى الآن، ونحن في سنة خمس وعشرين وستمائة. # ذكر ملك أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك أخي ~~سابور # فلما ملك واستقر له الملك عطف على العظماء وذوي الرئاسة فقتل منهم خلقا ~~كثيرا، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه. # ذكر ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف # فلما ملك بعد خلع عمه استبشر الناس بعود ملك أبيه إليه، وكتب إلى العمال ~~بالعدل والرفق بالرعية وأمر بذلك وزراءه وحاشيته، وأطاعه عمه المخلوع ~~وأحبته رعيته، ثم إن العظماء وأهل الشرف قطعوا أطناب خيمة كان فيها فسقطت ~~عليه فقتلته. # وكان ملكه خمس سنين. # ذكر ملك أخيه بهرام بن سابور ذي الأكتاف # وكان يلقب كرمان شاه، لأن أباه ملكه كرمان في حياته، فكتب إلى القواد ~~كتابا # PageV01P363 # يحثهم على الطاعة، وكان محمودا في أموره، وبنى بكرمان مدينة. وثار به ناس ~~من الفتاك ms0256 فقتله أحدهم بنشابة. # وكان ملكه إحدى عشرة سنة. # ذكر ملك يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف # ومن أهل العلم من يقول إن يزدجرد هذا هو أخو بهرام كرمان شاه بن سابور لا ~~ابنه، وكان فظا غليظا ذا عيوب كثيرة يضع الشيء في غير مواضعه، كثير الرؤية ~~في الصغائر، واستعمال كل ما عنده في المواربة والدهاء والمخاتلة، مع فطنة ~~بجهات الشر وعجب به، وكان غلقا سيء الخلق، لا يغفر الصغيرة من الزلات، ولا ~~يقبل شفاعة أحد من الناس وإن كان قريبا منه، كثير التهمة، ولا يأتمن أحدا ~~على شيء، ولم يكن يكافئ أحدا على حسن البلاء، وإن هو أولى الخسيس من العرف ~~استعظمه، وإذا بلغه أن أحدا من أصحابه صافى أحدا من أهل صناعته نحاه عن ~~خدمته. وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب، وقد مهر في صنوف من العلم، ~~واستوزر نرسي حكيم زمانه، وكان فاضلا قد كمل أدبه، ولقبه هزار بيده، فأمل ~~الناس أن يصلح نرسي منه، فكان ما أملوه بعيدا. # فلما استوى له الملك واشتدت شوكته هابته الأشراف والعظماء، وحمل على ~~الضعفاء فأكثر من سفك الدماء. # فلما ابتليت الرعية به، شكوا ما نزل بهم منه إلى الله تعالى، وسألوه ~~تعجيل إنقاذهم # PageV01P364 # منه، فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا لم ير مثله، ~~فأخبر به، فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه، فلم يقدر أحد على ذلك، فأعلم ~~بذلك، فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه، فلما رفع ذنبه ليثفره رمحه على ~~فؤاده رمحة هلك منها مكانه، وملأ الفرس فروجه جريا ولم يعلم له خبر، وكان ~~ذلك من صنع الله ورأفته بهم. # وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما. # وأما العرب، فقيل: إنه لما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدي ~~في عهد سابور استخلف سابور على عمله أوس بن قلام، وهو من العماليق، فملك ~~خمس سنين وقتل في عهد بهرام بن سابور، فاستخلف بعده في عمله امرؤ القيس ms0257 بن ~~عمرو بن امرئ القيس البدء، فبقي خمسا وعشرين سنة، وهلك أيام يزدجرد الأثيم. # فاستخلف بعده في عمله ابنه النعمان وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن ~~شيبان، وهو صاحب الخورنق. وسبب بنائه له أن يزدجرد الأثيم كان لا يبقى له ~~ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح، فدل على ظاهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور ~~إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأمره بإخراجه إلى بوادي ~~العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا اسمه سنمار. فلما فرغ من بنائه تعجبوا ~~منه، فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري لعملته يدور مع الشمس. فقال: وإنك ~~تقدر على ما هو أفضل منه! ثم أمر به فألقي من رأس الخورنق فهلك، فضربت ~~العرب بجزائه المثل، وهو مذكور في أشعارها. # وغزا النعمان هذا الشام مرارا، وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم، وجعل ~~معه # PageV01P365 # ملك فارس كتيبتين يقال إحداها دوس وهي لتنوخ، وللأخرى الشهباء وهي لفارس، ~~فكان يغزو بها الشام ومن لم يطعه من العرب. # ثم إنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من ~~البساتين والأنهار في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ذلك. فقال لوزيره: هل ~~رأيت مثل هذا المنظر قط؟ قال: لا لو كان يدوم. قال: فما الذي يدوم؟ قال: ما ~~عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال ذلك؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله. ~~فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج هاربا لا يعلم به، فأصبح الناس فلم ~~يروه. # وكان ملكه إلى أن تركه وساح تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر، من ذلك في أيام ~~يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة. # وأما علماء الفرس فإنهم يقولون غير هذا، وسيرد ذكره. # ذكر ملك بهرام بن يزدجرد الأثيم # لما ولد يزدجرد جور اختار لحضانته العرب، فدعا بالمنذر بن النعمان ~~واستحضنه بهرام وشرفه وكرمه وملكه على العرب، فسار به المنذر واختار لرضاعه ~~ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة من بنات الأشراف، منهن ms0258 ~~عربيتان وعجمية، فأرضعنه ثلاث سنين. فلما بلغ خمس سنين أحضر له مؤدبين ~~فعلموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك، وأحضر حكيما من حكماء ~~الفرس فتعلم ووعى كل ما علمه بأدنى تعليم. فلما بلغ اثنتي عشرة سنة تعلم كل ~~ما أفيد وفاق معلميه، فأمرهم المنذر بالانصراف، وأحضر معلمي الفروسية فأخذ ~~عنهم كل ما ينبغي له، ثم صرفهم، ثم أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس ~~أشقر للمنذر وأقبل باقي الخيل بداد بداد، فقرب المنذر الفرس بيده إليه، ~~فقبله وركبه يوما للصيد، فبصر بعانة حمر وحش، فرمى عليها وقصدها وإذا هو ~~بأسد قد أخذ عيرا منها فتناول ظهره # PageV01P366 # بفيه، فرماه بهرام بسهم فنفذ في الأسد والعير ووصل إلى الأرض فساخ السهم ~~إلى ثلثه، فرآه من معه فعجبوا منه، ثم أقبل على الصيد واللهو والتلذذ. # فمات أبوه وهو عند المنذر، فتعاهد العلماء وأهل الشرف على أن لا يملكوا ~~أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، فاجتمعت الكلمة على صرف الملك عن بهرام ~~لنشوئه في العرب وتخلقه بأخلاقهم، ولأنه من ولد يزدجرد، وملكوا رجلا من عقب ~~أردشير بن بابك يقال له كسرى. فانتهى هلاك يزدجرد وتمليك كسرى إلى بهرام، ~~فدعا بالمنذر وابنه النعمان وناس من أشراف العرب وعرفهم إحسان والده إليهم ~~وشدته على الفرس، وأخبرهم الخبر. فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف ~~الحيلة فيه، وجهز عشرة آلاف فارس ووجههم مع ابنه النعمان إلى طيسفون وبهر ~~سير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، ويرسل طلائعه إليهما، وأن ~~يقاتل من قاتله ويغير على البلاد، ففعل ذلك، وأرسل عظماء فارس حوابى صاحب ~~رسائل يزدجرد إلى المنذر يعلمه أمر النعمان، فلما ورد حوابى قال له: الق ~~الملك بهرام. فدخل عليه، فراعه ما رأى منه، فأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام ~~ذلك فكلمه ووعده أحسن الوعد ورده إلى المنذر وقال له: أجبه. فلما سمع حوابى ~~مقالة المنذر وتذكر ما رأى من بهرام علم أن جميع من تشاور في صرف الملك عن ~~بهرام محجوج، فقال للمنذر: سر إلى مدينة ms0259 الملوك فيجتمع إليك الأشراف ~~والعظماء، وتشاوروا في ذلك فلن يخالفوا ما تشير به. # وسار المنذر بعد عود حوابى من عنده بيوم بثلاثين ألفا من فرسان العرب إلى ~~مدينتي الملك بهرام، فجمع الناس، وصعد بهرام على منبر من ذهب مكلل ~~بالجواهر، وتكلم عظماء الفرس فذكروا فظاظة يزدجرد - أبي بهرام - وسوء ~~سيرته، وكثرة قتله وإخراب البلاد، وأنهم لهذا السبب صرفوا الملك عن ولده. # فقال بهرام: لست أكذبكم، ومازلت زاريا عليه ذلك، ولم أزل أسأل الله أن ~~يمكنني لأصلح ما أفسد، ومع هذا فإذا أتى على ملكي سنة ولم أف بما أعد تبرأت ~~من الملك طائعا، وأنا راض بأن تجعلوا التاج وزينة الملك بين أسدين ضاريين ~~فمن تناولهما كان الملك له. فأجابوه إلى ذلك، ووضعوا التاج والزينة بين ~~أسدين، وحضر # PageV01P367 # موبذان موبذ فقال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة. فقال كسرى: أنت أولى ~~لأنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب. فحمل بهرام جرزا وتوجه نحو التاج، ~~فبدر إليه أحد الأسدين فوثب بهرام فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه وجعل ~~يضرب رأسه بالجرز الذي معه. ثم وثب الأسد الآخر عليه، فقبض أذنيه بيده، ولم ~~يزل يضرب رأسه برأس الأسد الآخر الذي تحته حتى دمغهما، ثم قتلهما بالجرز ~~الذي معه، وتناول بعد ذلك التاج والزينة. فكان أول من أطاعه كسرى، وقال ~~جميع من حضر: قد أذعنا لك ورضينا بك ملكا، وإن العظماء والوزراء والأشراف ~~سألوا المنذر ليكلم بهرام في العفو عنهم. فسأل المنذر الملك بهرام ذلك ~~فأجابه. # وملك بهرام وهو ابن عشرين سنة، وأمر أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس ~~يعدهم بالخير ويأمرهم بتقوى الله، ولم يزل مدة ملكه يؤثر اللهو على ما ~~سواه، حتى طمع فيه من حوله من الملوك في بلاده. # وكان أول من سبق إلى قصده خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتي ألف ~~وخمسين ألفا من الترك، فعظم ذلك على الفرس، ودخل العظماء على بهرام وحذروه ~~فتمادى في لهوه، ثم تجهز وسار إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتصيد ~~بأرمينية في ms0260 سبعة رهط من العظماء وثلاثمائة من ذوي البأس والنجدة، واستخلف ~~أخاه نرسي، فما شك الناس في أنه هرب من عدوه، فاتفق رأي جمهورهم على ~~الانقياد إلى خاقان، وبذل الخراج له خوفا على نفوسهم وبلادهم. # فبلغ ذلك خاقان فأمن ناحيتهم، وسار بهرام من أذربيجان إلى خاقان في تلك ~~العدة، فثبت للقتال وقتل خاقان بيده وقتل جنده وانهزم من سلم من القتل، ~~وأمعن بهرام في طلبهم يقتل ويأسر ويغنم ويسبي، وعاد جنده سالمين، وظفر بتاج ~~خاقان وإكليله، وغلب على طرف من بلاده، واستعمل عليها مرزبانا، وأتاه رسل ~~الترك خاضعين مطيعين، وجعلوا بينهم حدا لا يعدونه، وأرسل إلى ما وراء النهر ~~قائدا من قواده فقتل وسبى وغنم، وعاد بهرام إلى العراق، وولى أخاه نرسي ~~خراسان وأمره أن ينزل مدينة بلخ. # PageV01P368 # واتصل به أن بعض رؤساء الديلم جمع جمعا كثيرا وأغار على الري وأعمالها، ~~فغنم وسبى وخرب البلاد، وقد عجز أصحابه في الثغر عن دفعه، وقد قرروا عليهم ~~إتاوة يدفعونها إليه، فعظم ذلك عليه وسير مرزبانا إلى الري في عسكر كثيف، ~~وأمره أن يضع على الديلمي من يطمعه في البلاد ويغريه بقصدها، ففعل ذلك، ~~فجمع الديلمي جموعه وسار إلى الري، فأرسل المرزبان إلى بهرام جور يعلمه ~~خبره، فكتب إليه يأمره بالمسير نحو الديلمي والمقام بموضع سماه له، ثم سار ~~جريدة في نفر من خواصه، فأدرك عسكره بذلك المكان، والديلمي لا يعلم بوصوله، ~~وهو قد قوي طمعه لذلك، فعبى بهرام أصحابه وسار نحو الديلم، فلقيهم وباشر ~~القتال بنفسه، فأخذ رئيسهم أسيرا، وانهزم عسكره، فأمر بهرام بالنداء فيهم ~~بالأمان لمن عاد إليه، فعاد الديلم جميعهم، فآمنهم ولم يقتل منهم أحدا، ~~وأحسن إليهم، وعادوا إلى أحسن طاعة، وأبقى على رئيسهم، وصار من خواصه. # وقيل: كانت هذه الحادثة قبل حرب الترك، والله أعلم. # ولما ظفر بالديلم أمر ببناء مدينة سماها فيروز بهرام، فبنيت له هي ~~ورستاقها. واستوزر نرسي، فأعلمه أنه ماض إلى الهند متخفيا، فسار إلى الهند ~~وهو لا يعرفه أحد، غير أن الهند يرون شجاعته وقتله السباع. ms0261 ثم إن فيلا ظهر ~~وقطع السبيل وقتل خلقا كثيرا، فاستدل عليه، فسمع الملك خبره فأرسل معه من ~~يأتيه بخبره. فانتهى بهرام والهندي معه إلى الأجمة، فصعد الهندي شجرة ومضى ~~بهرام فاستخرج الفيل وخرج وله صوت شديد، فلما قرب منه رماه بسهم بين عينيه ~~كاد يغيب، ووقذه بالنشاب وأخذ مشفره، ولم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز ~~رأسه وأخرجه. # وأعلم الهندي ملكهم بما رأى، فأكرمه وأحسن إليه وسأله عن حاله، فذكر أن ~~ملك فارس سخط عليه فهرب إلى جواره، وكان لهذا الملك عدو فقصده، فاستسلم ~~الملك وأراد أن يطيع ويبذل الخراج، فنهاه بهرام وأشار بمحاربته، فلما ~~التقوا قال لأساورة الهندي: احفظوا لي ظهري، ثم حمل عليهم فجعل يضرب في ~~أعراضهم ويرميهم # PageV01P369 # بالنشاب حتى انهزموا، وغنم أصحاب بهرام ما كان في عسكر عدوه، فأعطى بهرام ~~الديبل ومكران وأنكحه ابنته، فأمر بتلك البلاد فضمت إلى مملكة الفرس. # وعاد بهرام مسرورا وأغزى نرسي بلاد الروم في أربعين ألفا، وأمره أن يطالب ~~ملك الروم بالإتاوة، فسار إلى القسطنطينية، فهادنه ملك الروم، فانصرف بكل ~~ما أراد إلى بهرام. # وقيل: إنه لما فرغ من خاقان والروم، سار بنفسه إلى بلاد اليمن، ودخل بلاد ~~السودان، فقتل مقاتلتهم، وسبى لهم خلقا كثيرا، وعاد إلى مملكته. # ثم إنه في آخر ملكه خرج إلى الصيد، فشد على عنز فأمعن في طلبه، فارتطم في ~~جب فغرق، فبلغ والدته ذلك، فسارت إلى ذلك الموضع وأمرت بإخراجه، فنقلوا من ~~الجب طينا كثيرا حتى صار إكاما عظاما ولم يقدروا عليه. # وكان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، وقيل: ثلاثا وعشرين ~~سنة. # هكذا ذكر أبو جعفر في اسم بهرام جور أن أباه أسلمه إلى المنذر بن ~~النعمان، كما تقدم، وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم ابنه بهرام إلى النعمان ~~بن امرئ القيس، ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذلك، إلا أنه لم ~~ينسب كل قول إلى قائله. # ذكر ابنه يزدجرد بن بهرام جور # PageV01P370 # لما لبس التاج جلس للناس ووعدهم، وذكر ms0262 أباه ومناقبه، وأعلمهم أنهم إن ~~فقدوا منه طول جلوسه لهم فإن خلوته في مصالحهم وكيد أعدائهم، وأنه قد ~~استوزر نرسي صاحب أبيه. وعدل في رعيته وقمع أعداءه وأحسن إلى جنده. # وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز، وللآخر فيروز، وكان لهرمز سجستان، فغلب ~~على الملك بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز ولحق ببلاد الهياطلة واستنجد ~~ملكهم، فأمده بعد أن دفع له الطالقان، فأقبل بهم فقتل أخاه بالري، وكانا من ~~أم واحدة، وقيل: لم يقتله وإنما أسره وأخذ الملك منه. # وكان الروم منعوا الخراج عن يزدجرد، فوجه إليهم نرسي في العدة التي أنفذه ~~أبوه فيها فبلغ إرادته. # وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر، وقيل: تسع عشرة سنة. # ذكر ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام بعد أن قتل أخاه هرمز وثلاثة من أهل ~~بيته # ولما ظفر فيروز بأخيه وملك، أظهر العدل وأحسن السيرة، وكان يتدين، إلا ~~أنه كان محدودا مشئوما على رعيته، وقحطت البلاد في زمانه سبع سنين متوالية، ~~وغارت الأنهار والقني، وقل ماء دجلة، ومحلت الأشجار، وهاجت عامة الزروع في ~~السهل والجبل من بلاده، وماتت الطيور والوحوش، وعم أهل البلاد الجوع والجهد ~~الشديد، فكتب إلى # PageV01P371 # جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا مؤونة، وتقدم إليهم ~~بأن كل من عنده طعام مذخور يواسي به الناس، وأن يكون حال الغني والفقير ~~واحدا، وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسانا مات جوعا بمدينة أو قرية عاقبهم ونكل ~~بهم، وساس الناس سياسة لم يعطب أحد جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق أردشير ~~خرة، وابتهل فيروز إلى الله بالدعاء، فأزال ذلك القحط وعادت بلاده إلى ما ~~كانت عليه. # فلما حيي الناس والبلاد وأثخن في أعدائه سار مريدا حرب الهياطلة، فلما ~~سمع إخشنوار ملكهم خافه، فقال له بعض أصحابه اقطع يدي ورجلي وألقني على ~~الطريق، وأحسن إلى عيالي لأحتال على فيروز. ففعل ذلك، واجتاز به فيروز ~~فسأله عن حاله فقال له: إني قلت لإخشنوار لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا، ~~وإني أدلك ms0263 على طريق لم يسلكها ملك وهي أقرب. فاغتر فيروز بذلك وتبعه، فسار ~~به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة، حتى إذا علم أنهم لا يقدرون على ~~الخلاص أعلمهم حاله. فقال أصحاب فيروز لفيروز: حذرناك فلم تحذر، فليس إلا ~~التقدم على كل حال، فتقدموا أمامهم فوصلوا إلى عدوهم وهم هلكى عطشى وقتل ~~العطش منهم كثيرا. فلما أشرفوا على تلك الحال صالحوا إخشنوار على أن يخلي ~~سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له فيروز أنه لا يغزو بلاده، فاصطلحا، وكتب ~~فيروز كتابا بالصلح وعاد. # فلما استقر في مملكته حملته الأنفة على معاودة إخشنوار، فنهاه وزراؤه عن ~~نقض العهد، فلم يقبل وسار نحوه، فلما تقاربا أمر إخشنوار فحفر خلف عسكره ~~خندقا عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغطاه بخشب ضعيف وتراب، ثم عاد ~~وراءه، فلما سمع فيروز بذلك اعتقده هزيمة فتبعه، ولا يعلم عسكر فيروز ~~بالخندق، فسقط هو وأصحابه فيه فهلكوا، وعاد إخشنوار إلى عسكر فيروز، وأخذ ~~كل ما فيه، وأسر نساءه وموبذان موبذ ثم استخرج جثة فيروز وجثة كل من سقط ~~معه فجعلها في النواويس. # وقيل: إن فيروز لما انتهى إلى الخندق الذي حفره إخشنوار ولم يكن مغطى عقد ~~عليه قناطر وجعل عليها أعلاما له ولأصحابه يقصدونها في عودهم وجاز إلى ~~القوم. فلما التقى العسكران احتج عليه إخشنوار بالعهود التي بينهما، وحذره ~~عاقبة الغدر، فلم يرجع، فنهاه أصحابه فلم ينته، فضعفت نياتهم في القتال. ~~فلما أبى إلا القتال رفع إخشنوار نسخة العهد على رمح وقال: اللهم خذ ما في ~~هذا الكتاب وقلده بغيه. # PageV01P372 # فقاتله فانهزم فيروز وعسكره فضلوا عن مواضع القناطر فسقطوا في الخندق، ~~فهلك فيروز وأكثر عسكره، وغلب إخشنوار على عامة خراسان. فسار إليه رجل من ~~أهل فارس يقال له سوخرا، وكان فيهم عظيما وخرج كالمحتسب. # وقيل: بل كان فيروز استخلفه على ملكه لما سار، وكان له سجستان، فلقي صاحب ~~الهياطلة فأخرجه من خراسان واستعاد منه كل ما أخذ من عسكر فيروز مما هو في ~~عسكره من السبي وغيره وعاد ms0264 إلى بلاده، فعظمته الفرس إلى غاية لم يكن فوقه ~~إلا الملك، وكانت مملكة الهياطلة طخارستان، فكان فيروز قد أعطى ملكهم لما ~~ساعده على حرب أخيه الطالقان. # وكان ملك فيروز ستا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة. # PageV01P373 ### | [ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروز] # كان يخدم ملوك حمير أبناء الأشراف من حمير وغيرهم، وكان ممن يخدم حسان بن ~~تبع عمرو بن حجر الكندي سيد كندة، فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع ~~اصطنع عمرو بن حجر، وزوجه ابنة أخيه حسان، ولم يطمع في التزوج إلى ذلك ~~البيت أحد من العرب، فولدت الحارث بن عمرو. # وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب، وإنما ملكوه لأن أولاد عمرو ~~كانوا صغارا، وكان الجن قبل ذلك قد استهامت تبع بن حسان، وكان عبد كلال على ~~دين النصرانية الأولى ويكتم ذلك، ورجع تبع بن حسان من استهامته وهو أعلم ~~الناس بما كان قبله، فملك اليمن، وهابته حمير، فبعث ابن أخته الحارث بن ~~عمرو بن حجر في جيش إلى الحيرة، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن ~~الشقيقة، فقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وأفلت المنذر بن النعمان ~~الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر بن قاسط، فذهب ملك آل النعمان وملك ~~الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون، قاله بعضهم. # وقال ابن الكلبي: ملك بعد النعمان المنذر بن النعمان بن المنذر بن ~~النعمان أربعا وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور ثماني سنين، وفي زمن ~~يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة، # PageV01P374 # وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده الأسود بن المنذر ~~عشرين سنة، منها في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن فيروز ~~أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين. # وهكذا ذكر أبو جعفر هاهنا أن الحارث بن عمرو قتل النعمان بن امرئ القيس، ~~وأخذ بلاده وانقرض ملك أهل بيته، وذكر فيما تقدم أن المنذر بن النعمان أو ~~النعمان، على ms0265 الاختلاف المذكور، هو الذي جمع العساكر وملك بهرام جور على ~~الفرس، ثم ساق فيما بعد ملوك الحيرة من أولاد النعمان هذا إلى آخرهم، ولم ~~يقطع ملكهم بالحارث بن عمرو، وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن مضبوطة على ~~الحقيقة، فقال كل واحد ما نقل إليه من غير تحقيق. # وقيل غير ذلك، وسنذكره في مقتل حجر بن عمرو والد امرئ القيس في أيام ~~العرب إن شاء الله. # والصحيح أن ملوك كندة: عمرو والحارث كانوا بنجد على العرب، وأما اللخميون ~~ملوك الحيرة المناذرة فلم يزالوا عليها إلى أن ملك قباذ الفرس وأزالهم، ~~واستعمل الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة، ثم أعاد أنوشروان الحيرة إلى ~~اللخميين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك بلاش بن فيروز بن يزدجرد # ثم ملك بعد فيروز ابنه بلاش، وجرى بينه وبين أخيه قباذ منازعة استظهر ~~فيها قباذ وملك، فلما ملك بلاش أكرم سوخرا وأحسن إليه لما كان منه، ولم يزل ~~حسن السيرة حريصا على العمارة، وكان لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله إلا ~~عاقب صاحب تلك # PageV01P375 # القرية على تركه سد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى مفارقة أوطانهم، وبنى مدينة ~~ساباط بقرب المدائن، وكان ملكه أربع سنين. # ذكر ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد # وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه، قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه ~~بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة من أصحابه متنكرين، وفيهم ~~زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفسه إلى النكاح، فشكا ذلك إلى زرمهر وطلب منه ~~امرأة، فسار إلى امرأة صاحب المنزل، وكان من الأساورة، وكان لها بنت حسناء، ~~فخطبها منها وأطمعها وزوجها، فزوجا قباذ بها، فدخل بها من ليلته، فحملت ~~بأنوشروان، وأمر لها بجائزة سنية وردها، وسألتها أمها عن قباذ وحاله. فذكرت ~~أنها لا تعرف من حاله شيئا غير أن سراويله منسوجة بالذهب، فعلمت أنه من ~~أبناء الملوك. # ومضى قباذ إلى خاقان واستنصره على أخيه، فأقام عنده أربع سنين وهو يعده، ~~ثم أرسل معه جيشا. فلما ms0266 صار بالقرب من الناحية التي بها زوجته سأل عنها ~~فأحضرت ومعها أنوشروان وأعلمته أنه ابنه. وورد الخبر بذلك المكان أن أخاه ~~بلاش قد هلك، فتيمن بالمولود وحمله وأمه على مراكب نساء الملوك واستوثق له ~~الملك وخص سوخرا وشكر لولده خدمته. وتولى سوخرا الأمر، فمال الناس إليه ~~وتهاونوا بقباذ، فلم يحتمل ذلك. فكتب إلى سابور الرازي، وهو أصبهبذ ديار ~~الجبل، ويقال للبيت الذي هو منه مهران، فاستقدمه ومعه جنده، فتقدم إليه ~~فأعلمه عزمه على قتل سوخرا وأمره بكتمان ذلك، فأتاه يوما سابور وسوخرا عند ~~قباذ فألقى في عنقه وهقا، وأخذه وحبسه ثم خنقه قباذ وأرسله إلى أهله وقدم ~~عوضه سابور الرازي. # PageV01P376 # وفي أيامه ظهر مزدك، وابتدع ووافق زرادشت في بعض ما جاء به، وزاد ونقص، ~~وزعم أنه يدعو إلى شريعة إبراهيم الخليل حسب ما دعا إليه زرادشت، واستحل ~~المحارم والمنكرات، وسوى بين الناس في الأموال والنساء والعبيد والإماء ; ~~حتى لا يكون لأحد على أحد فضل في شيء البتة، فكثر أتباعه من السفلة ~~والأغتام، فصاروا عشرات ألوف، فكان مزدك يأخذ امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر، ~~وكذا في الأموال والعبيد والإماء وغيرها من الضياع والعقار، فاستولى وعظم ~~شأنه وتبعه الملك قباذ. فقال يوما لقباذ: اليوم نوبتي من امرأتك أم ~~أنوشروان. فأجابه إلى ذلك، فقام أنوشروان إليه ونزع خفيه بيده وقبل رجليه ~~وشفع إليه حتى لا يتعرض لأمه، وله حكمه في سائر ملكه، فتركها. # وحرم ذباحة الحيوان وقال: يكفي في طعام الإنسان ما تنبته الأرض وما يتولد ~~من الحيوان كالبيض واللبن والسمن والجبن، فعظمت البلية به على الناس فصار ~~الرجل لا يعرف ولده والولد لا يعرف أباه. # فلما مضى عشر سنين من ملك قباذ، اجتمع موبذان موبذ والعظماء وخلعوه ~~وملكوا عليه أخاه جامسب وقالوا له: إنك قد أثمت باتباعك مزدك وبما عمل ~~أصحابه بالناس، وليس ينجيك إلا إباحة نفسك ونسائك، وأرادوه على أن يسلم ~~نفسه إليهم ليذبحوه ويقربوه إلى النار، فامتنع من ذلك، فحبسوه وتركوه لا ~~يصل إلى أحد. فخرج زرمهر بن سوخرا، فقتل ms0267 من المزدكية خلقا، وأعاد قباذ إلى ~~ملكه وأزال أخاه جامسب. ثم إن قباذ قتل بعد ذلك زرمهر. # وقيل: لما حبس قباذ وتولى أخوه دخلت أخت لقباذ عليه كأنها تزوره، ثم لفته ~~في بساط وحمله غلام، فلما خرج من السجن سأله السجان عما معه، فقالت: هو ~~موحل كنت أحيض فيه، فلم يمس البساط، فمضى الغلام بقباذ، وهرب قباذ فلحق ~~بملك الهياطلة يستجيشه، فلما صار بإيران شهر، وهي نيسابور، نزل برجل من ~~أهلها، له ابنة بكر حسنة جميلة فنكحها، وهي أم كسرى أنوشروان، فكان نكاحه ~~إياها في هذه السفرة لا في تلك، في قول بعضهم، وعاد أنوشروان فغلب أخاه ~~جامسب على الملك، وكان ملك جامسب على ست سنين. # PageV01P377 # وغزا قباذ بعد ذلك الروم، ففتح مدينة آمد، وبنى مدينة أرجان ومدينة حلوان ~~ومات، فملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، فكان ملك قباذ مع سني أخيه جامسب ~~ثلاثا وأربعين سنة، فتولى أنوشروان ما كان أبوه أمر له به. # وفي أيامه خرجت الخزر فأغارت على بلاده، فبلغت الدينور، فوجه قباذ قائدا ~~من عظماء قواده في اثني عشر ألفا، فوطئ بلاد أران، وفتح ما بين النهر ~~المعروف بالرس إلى شروان، ثم إن قباذ لحق به، فبنى بأران مدينة البيلقان ~~ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، وغيرهما، وبقي الخزر، ثم بنى سدا للان ~~فيما بين أرض شروان وباب اللان، وبنى على السد مدنا كثيرة خربت بعد بناء ~~الباب والأبواب. ### | [ذكر حوادث العرب أيام قباذ] # PageV01P378 # لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر بن ~~امرئ القيس، كما ذكرناه، وبعث إليه قباذ: إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي ~~كان قبلك عهد، وأحب لقاءك، وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ~~ويداري أعداءه. فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات ~~أحد من العرب، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا ~~على السواد، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث، فاستدعاه فحضر، فقال له: ~~إن لصوصا من العرب صنعت كذا ms0268 وكذا. فقال: ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا ~~بالمال والجنود. وطلب منه شيئا من السواد، فأعطاه ستة طساسيج. # وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع، وهو باليمن، يطمعه في بلاد العجم، فسار ~~تبع حتى نزل الحيرة، وأرسل ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ، فحاربه فهزمه ~~شمر حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، ثم وجه تبع شمرا إلى خراسان، ووجه ~~ابنه حسان إلى السغد، وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليها، وكان كل واحد ~~منهما في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا. # وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم، فنزل على القسطنطينية، فأعطوه الطاعة ~~والإتاوة، ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه طاعون، فوثب الروم عليهم ~~فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد. # وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها، فلم يظفر بها، وسمع أن ملكها ~~أحمق وأن له ابنة، وهي التي تقضي الأمور، فأرسل إليها هدية عظيمة، وقال ~~لها: إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهبا وفضة ~~وأنا أدفعها إليك # PageV01P379 # وأمضي إلى الصين، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك. # فلما بلغتها الرسالة قالت: قد أجبته فليبعث المال، فأرسل أربعة آلاف ~~تابوت في كل تابوت رجلان. ولسمرقند أربعة أبواب، ولكل باب ألفا رجل، وجعل ~~العلامة بينهما أن يضرب بالجرس، فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل ~~أهلها وحوى ما فيها، وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن ~~تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها حتى ماتا، وكان مقامهما فيما قيل ~~إحدى وعشرين سنة. # وقيل: عادا في طريقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر، ثم ~~انصرفوا جميعا إلى بلادهم، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازيا ~~بعده. # وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة، وقيل تهود. # قال ابن إسحاق: كان تبع الآخر، وهو تبان أسعد أبو كرب، حين أقبل من ~~المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها في ~~بدايته لم يهج أهلها، ms0269 وخلف عندهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها عازما على ~~تخريبها واستئصال أهلها، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو بن ~~الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله، وكانوا يقاتلونه ~~نهارا ويقرونه ليلا. فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان، ~~فقالا له: قد سمعنا ما تريد أن تفعل، وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه، ~~ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال: ولم ذلك؟ فقالا: إنها مهاجر نبي من قريش ~~تكون داره. فانتهى عما كان يريد وأعجبه فاتبعهما على دينهما، واسمهما كعب ~~وأسد، وكان تبع وقومه أصحاب أوثان. # وسار من المدينة إلى مكة، وهي طريقه، فكسا الكعبة الوصائل والملاء، وكان ~~أول # PageV01P380 # من كساها، وجعل لها بابا ومفتاحا، وخرج متوجها إلى اليمن، فدعا قومه إلى ~~اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار، وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما ~~يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فقال لقومه: أنصفتم. فخرج قومه ~~بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج النار، ~~فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال ~~حمير، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما، فأصفقت حمير على دينه. # وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهنا، فقال له تبع: ~~هل تجد لقومي ملكا يوازي ملكي؟ قال: لا إلا لملك غسان. قال: فهل تجد ملكا ~~يزيد عليه؟ قال: أجده لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف بالزبور، وفضلت أمته ~~في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجيء، أحد بني ~~لؤي، ثم أحد بني قصي! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم. # ثم ملك بعد تبع هذا، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب، ربيعة بن نصر ~~اللخمي، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد. # فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا إلا ~~أحضره وقال لهم: رأيت رؤيا ms0270 هالتني فأخبروني بتأويلها. فقالوا: اقصصها ~~علينا. فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، فلما قال ذلك ~~قال له رجل منهم: إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك ~~عما سألت. واسم سطيح ربيع بن ربيعة، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن ~~عدي، وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار. # PageV01P381 # فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه ~~وتأويلها. فقال: رأيت حمحمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض بهمة، فأكلت منها كل ~~ذات جمجمة؟ قال له الملك: ما أخطأت منها شيئا، فما عندك من تأويلها؟ . ~~فقال: أحلف ما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين ~~إلى جرش. قال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع، فمتى يكون أفي زماني ~~أم بعده؟ . قال: بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين. قال: هل ~~يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ . قال: بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين، ~~ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين. قال الملك: ومن الذي يلي ذلك؟ . ~~قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال: ~~فيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ . قال: بل ينقطع، يقطعه نبي زكي، يأتيه ~~الوحي من العلي، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك ~~في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه ~~الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما ~~تخبرنا يا سطيح؟ . قال: نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك ~~به لحق. # ثم قدم عليه شق فقال: يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن ~~تأويلها # PageV01P382 # وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان. قال: نعم، رأيت جمجمة، ~~خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة. # فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت شيئا، ms0271 فما تأويلها؟ . قال: أحلف بما ~~بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليملكن ما بين أبين إلى ~~نجران. قال الملك: وأبيك يا شق! إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن؟ . قال: بعدك ~~بزمان، ثم يستنقظكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقكم أشد الهوان، وهو غلام ليس ~~بدني ولا مزن، يخرج من بيت ذي يزن. قال: فهل يدوم سلطانه أم ينقطع؟ . قال: ~~بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك ~~فيه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ . قال: يوم تجزى فيه الولاة، ويدعى ~~من السماء بدعوات، ويسمع منها الأحياء والأموات، ويجتمع فيه الناس للميقات. # فلما فرغ من مسألتهما جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، فمن ~~بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن ~~المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ~~ربيعة بن نصر ذلك الملك. # فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن كرب بن ~~ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هيج أمر الحبشة، وتحول الملك ~~عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم، كما ~~كانت التبابعة تفعل. فلما كان بالعراق قبلت قبائل العرب المسير معه، فكلموا ~~أخاه عمرا في قتل حسان وتمليكه، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين ~~الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه، فعمد ذو رعين إلى صفيحة فكتب ~~فيها: # PageV01P383 # ألا من يشتري سهرا بنوم # سعيد من يبيت قرير عين. # فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين. # ثم ختمها وأتى بها عمرا فقال: ضع هذه عندك، ففعل. فلما بلغ حسان ما أجمع ~~عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو: # يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود. # فأبى إلا قتله، فقتله بموضع رحبة مالك، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل. # ثم عاد إلى اليمن فمنع النوم منه، فسأل الأطباء ms0272 وغيرهم عما به وشكا إليهم ~~السهر، فقال له قائل منهم: ما قتل أحد أخاه أو ذا رحم بغيا إلا منع عنه ~~النوم. فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه، حتى خلص إلى ذي رعين، ~~فلما أراد قتله قال: إن لي عندك براءة. قال: وما هي؟ . قال: أخرج الكتاب ~~الذي استودعتك. فأخرجه فإذا فيه البيتان، فكف عن قتله، ولم يلبث عمرو أن ~~هلك، فتفرقت حمير عند ذلك. # قلت: هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري، وملك تبع البلاد من بعد ~~قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش، وفساده أشهر من أن يذكر، فلولا أننا ~~شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء ~~لكان الإعراض عنه أولى. ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري، ولا ~~خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان معلوم، ~~وكان ملكه مدة معلومة، كما ذكرناه قبل، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه ~~الرواية. # ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، وهذا أشهر من: قفا نبك، ولو كان # PageV01P384 # ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير، كيف كان ملك ابنه بعده وتمكن في ~~الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج! . # ثم ذكر أيضا أن تبعا وجه ابنه حسان إلى الصين، وشمرا إلى سمرقند وابن ~~أخيه إلى الروم، وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها، فيا ليت ~~شعري! ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها، ~~وجيش مع تبع، وجيش مع حسان يسير بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ~~ومقاتلته، وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده، ~~ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها، وجيش مع يعفر يسير بهم ~~إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها ~~وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها، واليمن من أقل ~~بلادهم عددا وجنودا، فلم ms0273 يقدروا على ذلك، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن ~~مع تبع؟ ! هذا مما تأباه العقول، وتمجه الأسماع. # ثم إنه قال: إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل ~~قباذ، يعني أيام ابنه أنوشروان، وكان ملكه سبعا وأربعين سنة. # ولا خلاف أيضا أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه وكان آخر ~~ملوكهم ذا نواس. وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس، وانقطع نظامهم حتى ~~طمعت الحبشة فيه وملكته، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ. # وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ، ويكون تبع هو ~~الذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن؟ هذا ~~مردود محال وقوعه. # وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان انقراض ملكهم ~~في آخر ملك أنوشروان، والخبر في ذلك مشهور، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر. # PageV01P385 # ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون، فكيف يستقيم ~~أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة ~~وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفا وأربعين سنة؟ وهذا أعجب إن ~~مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة، ولو فكر أبو جعفر في ~~ذلك لاستحيا من نقله. # وأعجب من هذا أنه قال: ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي، وهذا ~~ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، وكان ملك عمرو الحيرة بعد خاله ~~جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة، وبين ~~أردشير وقباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل؟ ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه ~~الحادثة بقوله: ذكر الحوادث أيام قباذ، لكان يحتمل تأويلا فيه، ثم ما قنع ~~بذلك حتى قال، بعد أن قص مسير تبع: وقتل قباذ وملك البلاد. # وأما ابن إسحاق فإنه قال: إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع ~~الأخير، ويعني بقوله: ms0274 " تبع الأخير " أنه آخر من سار إلى المشرق وملك ~~البلاد. # فإن ابن إسحاق وغيره يقولون: إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك ~~بعده عدة تبابعة، ثم اختل أمرهم زمانا طويلا، حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت ~~إلى اليمن. فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ، فلا شك أن تبعا الأخير ~~الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية، ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة ~~من ملك بني العباس، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضا مما ~~بعدها، حتى يستقيم هذا القول. # ثم إنه قال: إن عمرو بن طلة الأنصاري خرج إلى تبع، وعمرو هذا قيل إنه ~~أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - شيخا كبيرا ومات عند مرجعه من غزوة بدر. # PageV01P386 # ومن الدليل على بطلانه أيضا أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت ~~الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم: كنتم أقل الأمم وأذلها ~~وأحقرها، والعرب تقر لهم بذلك، فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب: ~~إننا بالأمس قتلنا ملككم، وملكنا بلادكم، واستبحنا حريمكم وأموالكم، فسكوت ~~العرب عند ذلك وإقرارهم للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه، على أن الفرس لا ~~تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه، فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع ~~من عهد جيومرث، الذي هو آدم في قول بعضهم، إلى أن جاء الإسلام، إلا أيام ~~ملوك الطوائف، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع ~~انقطاعا كليا، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد ~~اختلافا كثيرا، فقيل: شمر بن غش، وقيل: تبع أسعد، وأنه بعث إلى سمرقند شمرا ~~ذا الجناح، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها. وهذا القدر كاف ~~في كشف الخطأ فيه. ### | [ذكر ملك لخيعة] # PageV01P387 # فلما هلك عمرو وتفرقت حمير، وثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت ~~المملكة يقال له: لخيعة نوف ذو شناتر فملكهم، في قول ابن إسحاق، فقتل ~~خيارهم وعبث ببيوت ms0275 أهل المملكة منهم، وكان امرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل ~~عمل قوم لوط، فكان إذا سمع بغلام من أبناء الملوك أنه قد بلغ، أرسل إليه ~~فوقع عليه في مشربة لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع إلى حرسه وجنده قد أخذ ~~سواكا في فيه يعلمهم أنه قد فرغ منه، ثم يخلي سبيله فيفضحه. # ذكر ملك ذي نواس وقصة أصحاب الأخدود # كان من أبناء الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد بن كرب، وكان صغيرا حين ~~أصيب أخوه حسان، فشب غلاما جميلا ذا هيئة، فبعث إليه لخيعة ليفعل به ما كان ~~يفعل بغيره، فأخذ سكينا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع ~~رسوله، فلما خلا به في المشربة قتله ذو نواس بالسكين ثم احتز رأسه فجعله في ~~كوة مشربته التي يطلع منها، # PageV01P388 # ثم أخذ سواكه فجعله في فيه، ثم خرج، فقالوا له: ذو نواس أرطب أم يباس؟ ~~فقال: سل نخماس، است رطبان ذو نواس لا باس. # فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخيعة مقطوع، فخرجت حمير ~~والحرس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فملكوه حيث أراحهم من لخيعة، واجتمعوا ~~عليه، وكان يهوديا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على استقامة، ~~لهم رئيس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان أصل النصرانية بنجران. # قال وهب بن منبه: إن رجلا من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيميون، وكان ~~رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا لا يعرف بقرية ~~إلا خرج منها إلى غيرها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يعمل الطين، ~~ويعظم الأحد لا يعمل فيه شيئا، ويخرج إلى الصحراء يصلي جميع نهاره، فنزل ~~قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن به رجل اسمه صالح فأحبه حبا ~~شديدا، وكان يتبعه حيث ذهب لا يفطن به فيميون، حتى خرج مرة يوم الأحد إلى ~~الصحراء واتبعه صالح، وفيميون لا يعلم. فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا، ~~وقام فيميون يصلي، فبينما هو ms0276 يصلي إذ أقبل نحوه تنين، فلما رآه فيميون دعا ~~عليه فمات، ورآه صالح ولم يدر ما أصابه، فخاف على فيميون فصاح يا فيميون، ~~التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى أمسى، وعرف أن ~~صالحا عرفه، فكلمه صالح وقال له: يعلم الله أنني ما أحببت شيئا حبك قط، وقد ~~أردت صحبتك حيثما كنت. قال: افعل. فلزمه صالح. # وكان إذا ما جاءه العبد به ضر شفي إذا دعا له، وإذا دعي إلى أحد به ضر لم ~~يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فجعل ابنه في حجرة ألقى عليه ثوبا ~~ثم قال لفيميون: قد أردت أن تعمل في بيتي عملا، فانطلق إليه لأشارطك عليه، ~~فانطلق معه، فلما # PageV01P389 # دخل الحجرة ألقى الرجل الثوب عن ابنه، وطلب إليه أن يدعو له، فدعا له ~~فأبصر. # وعرف فيميون أنه قد عرف بالقرية، فخرج هو وصالح ومر بشجرة عظيمة بالشام. ~~فناداه رجل وقال: ما زلت أنتظرك، لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت، قال: ~~فمات، فواراه فيميون وانصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، وأخذهما ~~بعض العرب فباعوهما بنجران، وأهل نجران على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين ~~أظهرهم، لها عيد كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وحلي ~~جميل، فعكفوا عليها يوما، فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر ~~صالحا، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلي في بيته، استسرج له البيت حتى ~~يصبح من غير مصباح. فلما رأى سيده ذلك أعجبه، فسأله عن دينه فأخبره، وعاب ~~دين سيده. وقال له: لو دعوت إلهي الذي أعبد لأهلك النخلة. فقال: افعل فإنك ~~إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه. فصلى فيميون ودعا الله تعالى، ~~فأرسل الله عليها ريحا فجففتها وألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على ~~دينه، فحملهم على شريعة من دين عيسى ودخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت ~~على أهل دينهم بكل أرض. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران. # وقال محمد بن ms0277 كعب القرظي: كان أهل نجران يعبدون الأوثان، وكان في قرية من ~~قراها ساحر، كان أهل نجران يرسلون أولادهم يعلمهم السحر فلما نزلها فيميون، ~~وهو رجل كان يعبد الله على دين عيسى ابن مريم - عليه السلام - فإذا عرف في ~~قرية خرج منها إلى غيرها، وكان مجاب الدعوة يبرئ المرضى، وله كرامات، فوصل ~~نجران فسكن خيمة بين نجران وبين الساحر، فأرسل الثامر ابنه عبد الله مع ~~الغلمان إلى الساحر، فاجتاز بفيميون فرأى ما أعجبه من صلاته، فجعل يجلس ~~إليه ويستمع منه، فأسلم معه ووحد الله تعالى وعبده، وجعل يسأله عن الاسم ~~الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال: لن تحتمله، والثامر يعتقد أن ابنه ~~يختلف إلى الساحر مع الغلمان. فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن عليه ~~بالاسم الأعظم عمد إلى قداح فكتب عليها أسماء الله جميعها، ثم ألقاها في ~~النار واحدا واحدا، حتى إذا ألقى القدح الذي عليه الاسم الأعظم وثب منها ~~فلم تضره شيئا، # PageV01P390 # فأخذه وعاد إلى صاحبه فأخبره الخبر، فقال له: أمسك على نفسك، وما أظن أن ~~تفعل، فكان عبد الله لا يلقى أحدا إذا أتى نجران به ضر إلا قال: يا عبد ~~الله أتدخل في ديني حتى أدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: ~~نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له عبد الله فيشفى، حتى لم يبق أحد من أهل ~~نجران ممن به ضر إلا أتاه واتبعه ودعا له فعوفي. # فرفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ~~ديني، لأمثلن بك! فقال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسله إلى الجبل الطويل ~~فيلقى من رأسه فيقع على الأرض ليس به بأس، فأرسله إلى مياه نجران، وهي بحور ~~لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال عبد ~~الله بن الثامر: إنك لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن كما آمنت، فإنك ~~إذا فعلت قتلتني. فوحد الله الملك، ثم ضربه بعصا بيده فشجه شجة غير كبيرة ~~فقتله، ms0278 فهلك الملك مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر. # قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده، فجمعهم ثم دعاهم إلى اليهودية وخيرهم ~~بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل ~~بالسيف، حتى قتل قريبا من عشرين ألفا. # وقال ابن عباس: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نواس واسمه يوسف ~~بن شرحبيل، وكان قبل مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبعين سنة، وكان ~~له ساحر حاذق. فلما كبر قال للملك: إني كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، ~~فبعث إليه غلاما اسمه عبد الله بن الثامر ليعلمه، فجعل يختلف إلى الساحر، ~~وكان في طريقه راهب حسن القراءة، فقعد إليه الغلام، فأعجبه أمره، فكان إذا ~~جاء إلى المعلم يدخل إلى الراهب فيقعد عنده، فإذا جاء من عنده إلى المعلم ~~ضربه وقال له: ما الذي حبسك؟ وإذا انقلب إلى أبيه دخل إلى الراهب فيضربه ~~أبوه ويقول: ما الذي أبطأ بك؟ فشكا الغلام ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا ~~أتيت المعلم فقل حبسني أبي، وإذا أتيت أباك فقل حبسني المعلم. # وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس، فمر بها الغلام فرماها ~~بحجر # PageV01P391 # فقتلها، وأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: إن لك لشأنا، وإنك ستبتلى ~~فإن ابتليت فلا تدلن علي. وصار الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي الناس. # وكان للملك ابن عم أعمى، فسمع بالغلام وقتل الحية فقال: ادع الله أن يرد ~~علي بصري. فقال الغلام: إن رد الله عليك بصرك تؤمن به؟ قال: نعم. قال: ~~اللهم إن كان صادقا فاردد عليه بصره، فعاد إليه بصره، ثم دخل على الملك، ~~فلما رآه تعجب منه وسأله، فلم يخبره، وألح عليه فدله على الغلام، فجيء به، ~~فقال له: لقد بلغ من سحرك ما أرى. فقال: أنا لا أشفي أحدا إنما يشفي الله ~~من يشاء، فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء به، فقال له: ارجع عن ~~دينك، فأبى، فأمر به فوضع المنشار على رأسه فشق بنصفين، ثم قال ms0279 للغلام: ~~ارجع عن دينك، فأبى، فأرسله إلى جبل فقال: اللهم اكفنيهم! فرجف بهم الجبل ~~وهلكوا. # ورجع الغلام إلى الملك، فسأله عن أصحابه، فقال: كفانيهم الله. فغاظه ذلك ~~وأرسله في سفينة إلى البحر ليلقوه فيه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم! ~~فغرقوا ونجا، وجاء إلى الملك فقال: اقتلوه بالسيف، فضربوه فنبا عنه. وفشا ~~خبره في اليمن، فأعظمه الناس وعلموا أنه على الحق، فقال الغلام للملك: إنك ~~لن تقدر على قتلي إلا أن تجمع أهل مملكتك وترميني بسهم وتقول: بسم الله رب ~~الغلام. ففعل ذلك فقتله. فقال الناس: آمنا برب الغلام! فقيل للملك: قد نزل ~~بك ما تحذر. فأغلق أبواب المدينة وخد أخدودا وملأه نارا وعرض الناس، فمن ~~رجع عن دينه تركه، ومن لم يرجع ألقاه في الأخدود فأحرقه. # وكانت امرأة مؤمنة، وكان لها ثلاث بنين، أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ~~ارجعي وإلا قتلتك أنت وأولادك، فأبت، فألقى ابنيها الكبيرين، فأبت، ثم أخذ ~~الصغير ليلقيه فهمت بالرجوع. قال لها الصغير: يا أماه لا ترجعي عن دينك، لا ~~بأس عليك! فألقاه وألقاها في أثره، وهذا الطفل أحد من تكلم صغيرا. # قيل: حفر رجل خربة بنجران في زمن عمر بن الخطاب، فرأى عبد الله بن الثامر ~~واضعا يده على ضربة في رأسه، فإذا رفعت عنها يده جرت دما، وإذا أرسلت يده ~~ردها إليها وهو قاعد، فكتب فيه إلى عمر، فأمر بتركه على حاله. # PageV01P392 # ذكر ملك الحبشة اليمن # قيل: لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن ~~النصرانية، أفلت منهم رجل يقال له: دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم، فقدم على ~~قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم. فقال له قيصر: بعدت ~~بلادك عنا، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب ~~منكم. فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ~~ألفا وأمر عليهم رجلا يقال له أرياط، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فساروا في ~~البحر حتى نزلوا بساحل اليمن، وجمع ms0280 ذو نواس جنوده فاجتمعوا، ولم يكن له حرب ~~غير أنه ناوش شيئا من قتال ثم انهزموا، ودخلها أرياط. فلما رأى ذو نواس ما ~~نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق، ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالهم، ~~وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم، ثم أقام بها وذل أهلها. # وقيل: إن الحبشة لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن، كتب ذو نواس إلى ~~أقيال اليمن يدعوهم إلى الاجتماع على عدوهم، فلم يجيبوه وقالوا: يقاتل كل ~~رجل عن بلاده. فصنع مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال: هذه ~~مفاتيح خزائن الأموال باليمن، فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية، فأجابوه ~~إلى ذلك وساروا معه إلى صنعاء، فقال لكبيرهم: وجه أصحابك لقبض الخزائن. ~~فتفرق أصحابه ودفع إليهم المفاتيح، وكتب إلى الأقيال يقتل كل ثور أسود، ~~فقتلت الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد. # فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفا مع أرياط والأشرم، فملك البلاد ~~وأقام بها سنين، ونازعه أبرهة الأشرم، وكان في جنده، فمال إليه طائفة منهم، ~~وبقي أرياط في طائفة، وسار أحدهما إلى الآخر، وأرسل أبرهة: إنك لن تصنع بأن ~~تلقي الحبشة بعضها على بعضها شيئا، فيهلكوا، ولكن ابرز إلي فأينا قهر صاحبه ~~استولى على جنده. # PageV01P393 # فتبارزا، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة، فوقعت على رأسه فشرمت أنفه ~~وعينه، فسمي الأشرم. وحمل غلام لأبرهة يقال له عتودة، كان قد تركه كمينا من ~~خلف أرياط، على أرياط فقتله، واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة: ~~احتكم. فقال: لا تدخل عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله، فأجابه إلى ~~ذلك، فبقي يفعل بهم هذا الفعل حينا، ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله، فسر ~~أبرهة بقتله وقال: لو علمت أنه يحتكم هكذا لم أحكمه. # ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضبا شديدا وحلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ ~~أرضه ويجز ناصيته، فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ~~ناصيته وأرسلها أيضا، وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره وترابه ليبر قسمه بوضع ~~التراب تحت ms0281 قدميه، فرضي عنه وأقره على عمله. # فلما استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن، فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي جدن ~~ونكحها، فولدت له مسروقا وكانت قد ولدت لذي يزن ولدا اسمه معدي كرب، وهو ~~سيف، فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له ~~إلى كسرى كتابا يعلمه محله وشرفه وحاجته، فقال: إني أفد إلى الملك كل سنة ~~وهذا وقتها، فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه، فأكرمه وعظمه وذكر ~~حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة، واستنصره عليهم، وأطمعه في اليمن وكثرة ~~مالها، فقال له كسرى أنوشروان: إني لأحب أن أسعفك بحاجتك ولكن المسالك ~~إليها صعبة وسأنظر، وأمر بإنزاله، فأقام عنده حتى هلك. # ونشأ ابنه معدي كرب ذي يزن في حجرة أبرهة، وهو يحسب أنه أبوه، فسبه ابن ~~لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه عن أبيه، فصدقته، وأقام حتى مات أبرهة وابنه ~~يكسوم وسار عن اليمن، ففعل ما نذكره إن شاء الله. ### | [ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم] # PageV01P394 # لما لبس التاج خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما ابتلوا به من ~~فساد أمورهم ودينهم وأولادهم، وأعلمهم أنه يصلح ذلك، ثم أمر برءوس المزدكية ~~فقتلوا وقسمت أموالهم في أهل الحاجة. # وكان سبب قتلهم أن قباذ كان، كما ذكرنا، قد اتبع مزدك على دينه وما دعاه ~~إليه، وأطاعه في كل ما يأمره به من الزندقة وغيرها مما ذكرنا أيام قباذ، ~~وكان المنذر بن ماء السماء يومئذ عاملا على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ ~~إلى ذلك، فأبى، فدعا الحارث بن عمرو الكندي، فأجابه، فسدد له ملكه وطرد ~~المنذر عن مملكته، وكانت أم أنوشروان يوما بين يدي قباذ، فدخل عليه مزدك. ~~فلما رأى أم أنوشروان قال لقباذ: ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها. فقال ~~دونكها. فوثب إليه أنوشروان، ولم يزل يسأله ويتضرع إليه أن يهب له أمه حتى ~~قبل رجله، فتركها فحاك ذلك في نفسه. # فهلك قباذ ms0282 على تلك الحال وملك أنوشروان، فجلس للملك، ولما بلغ المنذر ~~هلاك قباذ أقبل إلى أنوشروان، وقد علم خلافه على أبيه في مذهبه واتباع ~~مزدك، فإن أنوشروان كان منكرا لهذا المذهب كارها له، ثم إن أنوشروان أذن ~~للناس إذنا عاما، ودخل عليه مزدك، ثم دخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: إني ~~كنت تمنيت أمنيتين، أرجو أن يكون الله - عز وجل - قد جمعها إلي. فقال مزدك: ~~وما هما أيها الملك؟ . # PageV01P395 # قال: تمنيت أن أملك وأستعمل هذا الرجل الشريف، يعني المنذر، وأن أقتل هذه ~~الزنادقة. فقال مزدك: أوتستطيع أن تقتل الناس كلهم؟ فقال: وإنك هاهنا يا ~~ابن الزانية! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي ~~هذا. وأمر به فقتل وصلب. وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان وإلى المدائن ~~في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم، وسمي يومئذ أنوشروان. # وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو، فبلغه ذلك وهو بالأنبار، فخرج هاربا في ~~صحابته وماله وولده، فمر بالثوية، فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد ~~وبهراء، فلحق بأرض كلب ونجا وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية ~~وأربعين نفسا من بني آكل المرار فقدموا بهم على المنذر، فضرب رقابهم بجفر ~~الأملاك في ديار بني مرين العباديين بين دير بني هند والكوفة، فذلك قول ~~عمرو بن كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا. # وفيهم يقول امرؤ القيس: # ملوك من بني حجر بن عمرو ... يساقون العشية يقتلونا. # فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا # ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن في الدماء مرملينا # تظل الطير عاكفة عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا # PageV01P396 # ولما قتل أنوشروان مزدك وأصحابه، أمر بقتل جماعة ممن دخل على الناس في ~~أموالهم، ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلفوا فيه أن يلحق بمن ~~هو منهم إذا لم يعرف أبوه، وأن يعطى نصيبا من ملك الرجل الذي يسند إليه إذا ~~قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ مهرها من الغالب، ثم تخير ~~المرأة بين الإقامة عنده وبين ms0283 فراقه إلا أن يكون لها زوج فترد إليه. # وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء، وجهزهن من ~~بيت المال، وأنكح نساءهم من الأشراف، واستعان بأبنائهم في أعماله، وعمر ~~الجسور والقناطر، وأصلح الخراب، وتفقد الأساورة وأعطاهم، وبنى في الطرق ~~القصور والحصون، وتخير الولاة والعمال والحكام، واقتدى بسيرة أردشير، ~~وارتجع بلادا كانت مملكة الفرس، منها: السند وسندوست والرخج وزابلستان ~~وطخارستان، وأعظم القتل في البازر وأجلى بقيتهم عن بلاده. # واجتمع أبخز وبنجر وبلنجر واللان على قصد بلاده، فقصدوا أرمينية للغارة ~~على أهلها، وكان الطريق سهلا، فأمهلهم كسرى حتى توغلوا في البلاد وأرسل ~~إليهم جنودا، فقاتلوهم فأهلكوهم ما خلا عشرة آلاف رجل أسروا فأسكنوا ~~أذربيجان. # وكان لكسرى أنوشروان ولد هو أكبر أولاده اسمه أنوشزاد، فبلغه عنه أنه ~~زنديق، فسيره إلى جنديسابور وجعل معه جماعة يثق بدينهم ليصلحوا دينه وأدبه. ~~فبينما هم عنده إذ بلغه خبر مرض والده لما دخل بلاد الروم، فوثب بمن عنده ~~فقتلهم وأخرج أهل السجون فاستعان بهم وجمع عنده جموعا من الأشرار، فأرسل ~~إليهم نائب أبيه بالمدائن عسكرا، فحصروه بجنديسابور، وأرسل الخبر إلى كسرى، ~~فكتب إليه يأمره بالجد في أمره وأخذه أسيرا، فاشتد الحصار حينئذ عليه ودخل ~~العساكر المدينة عنوة فقتلوا بها خلقا كثيرا وأسروا أنوشزاد، فبلغه خبر جده ~~لأمه الداور الرازي، فوثب بعامل سجستان # PageV01P397 # وقاتله، فهزمه العامل، فالتجأ إلى مدينة الرخج وامتنع بها، ثم كتب إلى ~~كسرى يعتذر ويسأله أن ينفذ إليه من يسلم له البلد، ففعل وآمنه. # وكان الملك فيروز قد بنى بناحية صول واللان بناء يحصن به بلاده، وبنى ~~عليه ابنه قباذ زيادة، فلما ملك كسرى أنوشروان بنى في ناحية صول وجرجان ~~بناء كثيرا وحصونا حصن بها بلاده جميعها. # وإن سيجيور خاقان قصد بلاده، وكان أعظم الترك، واستمال الخزر وأبخز ~~وبلنجر، فأطاعوه، فأقبل في عدد كثير وكتب إلى كسرى يطلب منه الإتاوة ~~ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه كسرى إلى شيء مما طلب لتحصينه بلاده، وإن ثغر ~~أرمينية قد حصنه، فصار يكتفي بالعدد اليسير، فقصده ms0284 خاقان فلم يقدر على شيء ~~منه، وعاد خائبا، وهذا خاقان هو الذي قتل ورد ملك الهياطلة وأخذ كثيرا من ~~بلادهم. # ذكر ملك كسرى بلاد الروم # كان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة، فوقع بين رجل من ~~العرب، كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من ~~لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ~~يقال له المنذر بن النعمان، فتنة، فأغار خالد على ابن النعمان، فقتل من ~~أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أمواله ; فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما ~~من العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد، وسأله أن يأمر خالدا برد ما ~~غنم إلى المنذر، ويدفع له دية من قتل من أصحابه، وينصفه من خالد، وإنه إن ~~لم يفعل ينقض الصلح. ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل ~~به. # PageV01P398 # فاستعد كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفا، وكان طريقه على ~~الجزيرة، فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء، وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب ~~وأنطاكية، وكانت أفضل مدائن الشام وفامية وحمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه ~~المدائن عنوة، واحتوى كل ما فيها من الأموال والعروض، وسبى أهل مدينة ~~أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة ~~طيسفون على بناء مدينة أنطاكية وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور ~~لها خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج ~~النهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين ~~نقلهم إليها من أنطاكية الأرزاق، وولى القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ~~ليستأنسوا به لموافقته على الدين. # وأما سائر مدن الشام ومضر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة ~~حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده، فكانوا ~~يحملونها كل عام. # وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم وأخذ منهم بثأر رعيته، ~~ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم، وعاد إلى المدائن وقد ملك ما دون هقلة وما ms0285 ~~بينه وبين البحرين وعمان. وملك النعمان بن المنذر على الحيرة وأكرمه، وسار ~~نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز، وكان أنوشروان قد صاهر خاقان قبل ذلك، ~~ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراء النهر ~~وأنزل جنوده فرغانة، ثم عاد إلى المدائن، وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده ~~إلى اليمن، فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد. # وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة، وقيل: سبعا وأربعين سنة. # وكان مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر ملكه. # PageV01P399 # وقيل: ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان، وولد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سنة اثنتين وأربعين من ملكه. # قال هشام بن الكلبي: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر ~~أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان سبع سنين، ثم ملك بعده النعمان بن الأسود ~~أربع سنين، ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي اللخمي ثلاث سنين، ~~ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ولقب ذا القرنين لضفيرتين كانتا له، ~~وأمه ماء السماء، وهي ماوية ابنة عمرو بن جشم بن النمر بن قاسط، تسعا ~~وأربعين سنة، ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر ست عشرة سنة. # قال: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ولايته ولد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وذلك أيام أنوشروان عام الفيل. # فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند، وهي أرض ~~الجوهر، قائدا من قواده من جند كثيف، فقاتل ملكها، فقتله واستولى عليها، ~~وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر كثيرة. # ولم يكن ببلاد فارس بنات آوى، فجاءت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى ~~أنوشروان، فشق عليه ذلك وأحضر موبذان موبذ وقال له: قد بلغنا تساقط هذه ~~السباع إلى بلادنا وقد تعاظمنا ذلك، فأخبرنا برأيك فيها. فقال: سمعت ~~فقهاءنا يقولون: متى لم يغلب العدل الجور في البلاد بل جار أهلها، غزاهم ~~أعداؤهم وأتاهم ما يكرهون. فلم يلبث كسرى ms0286 أن أتاه أن فتيانا من الترك قد ~~غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وعماله أن # PageV01P400 # لا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منها إلا به، ففعلوا ~~ما أمرهم، فصرف الله ذلك العدو عنهم من غير حرب. # ذكر ما فعله أنوشروان بأرمينية وأذربيجان # كانت أرمينية وأذربيجان بعضها للروم وبعضها للخزر، فبنى قباذ سورا مما ~~يلي بعض تلك الناحية، فلما توفي وملك ابنه أنوشروان وقوي أمره وغزا فرغانة ~~والبرجان، وعاد بنى الشابران ومدينة مسقط ومدينة الباب والأبواب، وإنما ~~سميت أبوابا لأنها بنيت على طريق في الجبل، وأسكن المدن قوما سماهم ~~السياسجين، وبنى غير هذه المدن، وبنى لكل باب قصرا من حجارة، وبنى بأرض ~~جرزان مدينة سغدبيل وأنزلها السغد وأبناء فارس، وبنى باب اللان، وفتح جميع ~~ما كان بأرض الروم من أرمينية، وعمر مدينة أردبيل وعدة حصون، وكتب إلى ملك ~~الترك يسأله الموادعة والاتفاق ويخطب إليه ابنته، ورغب في صهره، وتزوج كل ~~واحد بابنة الآخر. # فأما كسرى فإنه أرسل إلى خاقان ملك الترك بنتا كانت قد تبنتها بعض نسائه ~~وذكر أنها ابنته، وأرسل ملك الترك ابنته، واجتمعا، فأمر أنوشروان جماعة من ~~ثقاته أن يكبسوا طرفا من عسكر الترك ويحرقوا فيه، ففعلوا، فلما أصبحوا شكا ~~ملك الترك ذلك، فأنكر أن يكون له علم به، ثم أمر بمثل ذلك بعد ليال، فضج ~~التركي، فرفق به أنوشروان، فاعتذر إليه، ثم أمر أنوشروان أن تلقى النار في ~~ناحية من عسكره فيها أكواخ من حشيش، فلما أصبح شكا إلى التركي، قال: ~~كافأتني بالتهمة! فحلف التركي أنه لم يعلم بشيء من ذلك، فقال أنوشروان له: ~~إن جندنا قد كرهوا صلحنا لانقطاع العطاء والغارات، ولا آمن أن يحدثوا حدثا ~~يفسد قلوبنا فنعود إلى العداوة، والرأي أن تأذن لي في بناء سور يكون بيني ~~وبينك نجعل عليه أبوابا فلا يدخل إليك إلا من تريده ولا يدخل إلينا إلا من ~~نريده. فأجابه إلى ذلك. # وبنى أنوشروان السور من البحر وألحقه برءوس الجبال، وعمل عليه أبواب ~~الحديد ووكل به من يحرسه. ms0287 فقيل لملك الترك: إنه خدعك وزوجك غير ابنته # PageV01P401 # وتحصن منك فلم تقدر له على حيلة. # وملك أنوشروان ملوكا رتبهم على النواحي، فمنهم صاحب السرير، وفيلان شاه، ~~واللكز ومسقط وغيرها، ولم تزل أرمينية بأيدي الفرس حتى ظهر الإسلام، فرفض ~~كثير من السياسجين حصونهم ومدائنهم حتى خربت واستولى عليها الخزر والروم، ~~وجاء الإسلام وهي كذلك. # ذكر أمر الفيل # لما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به، بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير ~~مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك كنيسة ~~لم ير مثلها، ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب. # فلما تحدثت العرب بذلك غضب رجل من النسأة من بني فقيم، فخرج حتى أتاها ~~فقعد فيها وتغوط، ثم لحق بأهله، فأخبر بذلك أبرهة، وقيل له: إنه فعل رجل من ~~أهل البيت، الذي تحجه العرب بمكة، غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ~~ففعل هذا. # فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وأمر الحبشة فتجهزت، وخرج معه ~~بالفيل واسمه محمود. # PageV01P402 # وقيل: كان معه ثلاثة عشر فيلا وهي تتبع محمودا، وإنما وحد الله - سبحانه ~~- الفيل لأنه عنى به كبيرها محمودا، وقيل في عددهم غير ذلك. # فلما سار سمعت العرب به، فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج عليه رجل ~~من أشراف اليمن يقال له ذو نفر وقاتله، فهزم ذو نفر وأخذ أسيرا، فأراد قتله ~~ثم تركه محبوسا عنده، ثم مضى على وجهه، فخرج عليه نفيل بن حبيب الخثعمي ~~فقاتله، فانهزم نفيل وأخذ أسيرا، فضمن لأبرهة أن يدله على الطريق، فتركه ~~وسار حتى إذا مر على الطائف بعثت معه ثقيف أبا رغال يدله على الطريق حتى ~~أنزله بالمغمس، فلما نزله مات أبو رغال، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ~~يرجم. # وبعث أبرهة الأسود بن مقصود إلى مكة، فساق أموال أهلها وأصاب فيها مائتي ~~بعير لعبد المطلب بن هاشم، ثم أرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة فقال: سل ~~عن سيد قريش وقل له: إني لم آت لحربكم إنما جئت ms0288 لهدم هذا البيت، فإن لم ~~تمنعوا عنه فلا حاجة لي بقتالكم. # فلما بلغ عبد المطلب ما أمره قال له: والله ما نريد حربه، هذا بيت الله ~~وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه يمنع بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ~~ما عندنا من دفع، فقال له: انطلق معي إلى الملك. فانطلق معه عبد المطلب حتى ~~أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان له صديقا، فدل عليه، وهو في محبسه، فقال ~~له: هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن ~~يقتله؟ ولكن أنيس سائس الفيل صديق لي فأوصيه بك وأعظم حقك، وأسأله أن ~~يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده إن قدر. قال: حسبي. ~~فبعث ذو نفر إلى أنيس، فحضره وأوصاه بعبد المطلب وأعلمه أنه سيد قريش. فكلم ~~أنيس أبرهة وقال: هذا سيد قريش يستأذن، فأذن له. # وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه ونزل # PageV01P403 # عن سريره إليه وجلس معه على بساط وأجلسه إلى جنبه وقال لترجمانه: قل له ~~ما حاجتك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي أن يرد علي مائتي ~~بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم ~~زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في إبلك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد ~~جئت لهدمه؟ . قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه. قال: ما كان ~~ليمنع مني، وأمر برد إبله، فلما أخذها قلدها وجعلها هديا، وبثها في الحرام ~~لكي يصاب منها شيء فيغضب الله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر، ~~وأمرهم بالخروج معه من مكة، والتحرز في رءوس الجبال خوفا من معرة الجيش، ثم ~~قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ~~ويستنصرونه على أبرهة، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: # يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا. # إن عدو البيت من عاداكا # امنعهم أن يخربوا ms0289 قراكا. # وقال أيضا: # لاهم إن العبد يمنع ... رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدرا محالك # PageV01P404 # ولئن فعلت فإنه # أمر تتم به فعالك ... أنت الذي إن جاء با # غ نرتجيك له كذلك ... ولوا ولم يحووا سوى # خزي وتهلكهم هنالك ... لم أستمع يوما بأرجس # منهم يبغوا قتالك ... جروا جموع بلادهم # والفيل كي يسبوا عيالك ... عمدوا حماك بكيدهم # جهلا وما رقبوا جلالك # ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف ~~الجبال، فتحرزوا بها ينتظرون ما يفعل أبرهة بمكة إذا دخل. # فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وكان اسمه محمودا، وأبرهة ~~مجمع لهدم البيت والعود إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب ~~الخثعمي فمسك بأذنه وقال: ارجع محمود، ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد ~~الله الحرام! ثم أرسل أذنه، فألقى الفيل نفسه إلى الأرض واشتد نفيل فصعد ~~الجبل، فضربوا الفيل، فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه ~~إلى الشام ففعل كذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فسقط ~~إلى الأرض. # وأرسل الله عليهم طيرا أبابيل من البحر، أمثال الخطاطيف، مع كل طير منها ~~ثلاثة أحجار تحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه، فقذفتهم بها وهي مثل ~~الحمص والعدس لا تصيب أحدا منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وأرسل الله سيلا ~~ألقاهم في البحر وخرج من سلم مع أبرهة هاربا يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه ~~ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ~~ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب # وقال أيضا: # PageV01P405 # ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا # أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا # ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا # إذا لعذرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي لما قد فات بينا # حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا # وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن ms0290 علي للحبشان دينا # وأصيب أبرهة في جسده فسقطت أعضاؤه عضوا عضوا، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل ~~الفرخ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. # فلما هلك ملك ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، وذلت حمير واليمن له، ~~ونكحت الحبشة نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين ~~العرب. # ولما أهلك الله الحبشة، وعاد ملكهم ومعه من سلم منهم، ونزل عبد المطلب من ~~الغد إليهم لينظر ما يصنعون ومعه أبو مسعود الثقفي لم يسمعا حسا، فدخلا ~~معسكرهم فرأيا القوم هلكى، فاحتفر عبد المطلب حفرتين ملأهما ذهبا وجوهرا له ~~ولأبي مسعود ونادى في الناس، فتراجعوا فأصابوا من فضلهما شيئا كثيرا، فبقي ~~عبد المطلب في غنى من ذلك المال حتى مات. # وبعث الله السيل فألقى الحبشة في البحر، ولما رد الله الحبشة عن الكعبة # PageV01P406 # وأصابهم ما أصابهم عظمت العرب قريشا، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم. ثم مات ~~يكسوم وملك بعده أخوه مسروق. # ذكر عود اليمن إلى حمير وإخراج الحبشة عنه # لما هلك يكسوم ملك اليمن أخوه مسروق بن أبرهة، وهو الذي قتله وهرز، فلما ~~اشتد البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن، وكنيته أبو مرة، وقيل: كنية ~~ذي يزن أبو مرة، حتى قدم على قيصر، وتنكب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فإنه ~~كان قصد كسرى أنوشروان لما أخذت زوجته يستنصره على الحبشة، فوعده، فأقام ذو ~~يزن عنده، فمات على بابه. وكان ابنه سيف مع أمه في حجر أبرهة، وهو يحسب أنه ~~ابنه، فسبه ولد أبرهة وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة ~~بينهما، فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم. # ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين، ~~فعاد إلى كسرى، فاعترضه يوما وقد ركب فقال له: إن لي عندك ميراثا، فدعا به ~~كسرى لما نزل فقال له: من أنت وما ميراثك؟ قال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي ~~وعدته النصرة فمات ببابك، فتلك العدة حق لي وميراث. فرق كسرى له وقال ms0291 له: ~~بعدت بلادك عنا وقل خيرها والمسلك إليها وعر ولست أغرر بجيشي. وأمر له ~~بمال، فخرج وجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس، فسمع كسرى فسأله ما حمله ~~على ذلك، فقال: لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان، ~~وإن جبال بلادنا ذهب وفضة. # فأعجب كسرى بقوله وقال: يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني، واستشار وزراءه ~~في توجيه الجند معه، فقال له موبذان موبذ: أيها الملك: إن لهذا الغلام حقا ~~بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة، وفي سجونك رجال ذوو ~~نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرا كان للملك، وإن هلكوا ~~فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم. # فقال كسرى: هذا الرأي. فأمر بمن في السجون، فأحضروا، فكانوا ثمانمائة، ~~فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز. # PageV01P407 # وقيل: بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث أحدثه فحبسه، وكان يعدله ~~بألف أسوار، وأمر بحملهم في ثماني سفن، فركبوا البحر، فغرقت سفينتان وخرجوا ~~بساحل حضرموت، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من ~~الحبشة وحمير والأعراب، وجعل وهرز البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع ~~أصحابه في النجاة، وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على ~~أبدانهم، وقال لأصحابه: إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم، ~~وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ~~ذلك، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري، فانظروا ما ~~حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه. قالوا: بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر. ~~وقال لسيف بن ذي يزن: ما عندك؟ قال: ما شئت من رجل عربي وسيف عربي، ثم أجعل ~~رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال: أنصفت. # فجمع إليه سيف من استطاع من قومه، فكان أول من لحقه السكاسك من كندة، ~~وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده، فعبأ وهرز أصحابه وأمرهم أن ~~يوتروا قسيهم، ms0292 وقال: إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقا. # وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه، وهو على فيل، وعلى رأسه تاج، وبين ~~عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئا. # وكان وهرز كل بصره، فقال: أروني عظيمهم. فقال: هذا صاحب الفيل، ثم ركب ~~فرسا، فقالوا: ركب فرسا، ثم انتقل إلى بغلة، فقال وهرز: ذل وذل ملكه! وقال ~~وهرز: ارفعوا لي حاجبي، وكان قد سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما له ~~بعصابة، ثم جعل نشابة في كبد فرسه وقال: أشيروا إلى مسروق، فأشاروا إليه، ~~فقال لهم: سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أؤذنكم، ~~فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبته ~~فاحملوا عليهم. ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه، ورمى أصحابه، فقتل مسروق ~~وجماعة من أصحابه، فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته، وحملت الفرس ~~عليهم # PageV01P408 # فلم يكن دون الهزيمة شيء، وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى. # وقال وهرز: كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحدا. وهرب رجل ~~من الأعراب يوما وليلة، ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال: لأمك الويل! ~~أبعد أم طول مسير! . # وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف. # وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ~~ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم ابنه يكسوم، ثم مسروق بن أبرهة، وقيل: كان ملكهم ~~نحوا من مائتي سنة، وقيل غير ذلك، والأول أصح. # فلما ملك وهرز اليمن، أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك، وبعث إليه بأموال، وكتب ~~إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن - وبعضهم يقول: معدي كرب بن سيف بن ~~ذي يزن - على اليمن وأرضها، وفرض عليه كسرى جزية وخراجا معلوما في كل عام، ~~فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى، وأقام سيف على اليمن ملكا يقتل الحبشة، ويبقر ~~بطون الحبالى عن الحمل، ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولا، فاتخذ منهم ~~جمازين يسعون بين يديه بالحراب، فمكث غير ms0293 كثير، ثم إنه خرج يوما والحبشة ~~يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه، فكان ملكه خمس عشرة سنة، ~~ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم ~~وهرز في أربعة آلاف فارس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من ~~أسود إلا قتله صغيرا أو كبيرا، ولا يدع رجلا جعدا قط شرك فيه السودان إلا # PageV01P409 # قتله، وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره، وكتب إلى كسرى يخبره، فأقره على ~~ملك اليمن، فكان يجبيها لكسرى حتى هلك، وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن ~~وهرز حتى هلك، ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان، ثم أمر بعده خر خسره ~~بن التينجان بن المرزبان. # ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن، فلما قدم تلقاه رجل من ~~عظماء الفرس فألقى عليه سيفا كان لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القتل ~~وعزله عن اليمن، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله نبيه ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إن أنوشروان استعمل بعد وهرز زرين، وكان مسرفا، إذا أراد أن يركب ~~قتل قتيلا ثم سار بين أوصاله، فمات أنوشروان وهو على اليمن، فعزله ابنه ~~هرمز. # وقد اختلفوا في ولاة اليمن للأكاسرة اختلافا كثيرا لم أر لذكره فائدة. # ذكر ما أحدثه قريش بعد الفيل # لما كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب، فقالوا لهم: ~~أهل الله وقطنه يحامي عنهم، فاجتمعت قريش بينها وقالوا: نحن بنو إبراهيم - ~~عليه السلام - وأهل الحرم وولاة البيت وقاطنو مكة، فليس لأحد من العرب مثل ~~منزلتنا، ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا، فهلموا فلنتفق على ائتلاف ~~أننا لا نعظم شيئا من الحل كما يعظم الحرم، فإننا إذا فعلنا ذلك استخفت ~~العرب بنا وبحرمنا وقالوا: قد عظمت قريش من الحل مثل ما عظمت من الحرم، ~~فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر ~~والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن # PageV01P410 # يقفوا عليها وأن ms0294 يفيضوا منها. # وقالوا: نحن أهل الحرم فلا نعظم غيره، ونحن الحمس، وأصل الحماسة الشدة ~~أنهم تشددوا في دينهم، وجعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحل ~~مثل ما لهم بولادتهم، ودخل معهم في ذلك كنانة وخزاعة وعامر لولادة لهم، ثم ~~ابتدعوا فقالوا: لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط، ولا يسلأوا السمن وهم ~~حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إلا بيوت الأدم ما كانوا حرما. # وقالوا: ولا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في ~~الحرام إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت طوافهم إذا قدموا إلا ~~في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن أنف أحد من عظمائهم أن ~~يطوف عريانا إذا لم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف ~~ولا يمسها هو ولا أحد غيره، وكانوا يسمونها اللقى. # فدانت العرب لهم بذلك، فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم، ويتركون أزوادهم ~~التي جاءوا بها من الحل، ويشترون من طعام الحرم ويأكلونه. # هذا في الرجال. وأما النساء فكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعها ~~مفرجا ثم تطوف فيه وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - فنسخه، فأفاض من ~~عرفات، وطاف الحجاج بالثياب التي معهم من الحل، وأكلوا من طعام الحل، في ~~الحرم أيام الحج، وأنزل الله تعالى في ذلك: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] ، أراد بالناس العرب، أمر ~~قريشا أن يفيضوا من عرفات، وأنزل الله تعالى في اللباس والطعام الذي من ~~الحل وتركهم إياه في الحرم: {يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا} [الأعراف: 31]- إلى قوله -: (لقوم يعلمون) . # ذكر حلف المطيبين والأحلاف # PageV01P411 # قد ذكرنا ما كان قصي أعطى ولده عبد الدار من الحجابة والسقاية والرفادة ~~والندوة واللواء، ثم إن هاشما وعبد شمس والمطلب ونوفلا بني عبد مناف بن قصي ~~رأوا أنهم أحق ms0295 بذلك من بني عبد الدار لشرفهم عليهم ولفضلهم في قومهم، ~~وأرادوا أخذ ذلك منهم، فتفرقت عند ذلك قريش، كانت طائفة مع بني عبد مناف، ~~وطائفة مع بني عبد الدار يرون أنه لا يجوز أن يؤخذ منهم ما كان قصي جعله ~~لهم ; إذ كان أمر قصي فيهم شرعا متبعا معرفة منهم لفضله تيمنا بأمره. # وكان صاحب أمر بني عبد مناف الذي قام في المنع عنهم عامر بن هاشم بن عبد ~~مناف بن عبد الدار، فاجتمع بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن ~~كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر مع بني عبد ~~مناف، واجتمع بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد ~~الدار، وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر من ذلك، فلم يكونوا مع أحد ~~الفريقين، وعقد كل طائفة بينهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم ~~بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة، فأخرجت بنو عبد مناف بن قصي جفنة مملوءة طيبا، ~~قيل: إن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم، فوضعوها في المسجد وغمسوا ~~أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا، ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، ~~فسموا بذلك المطيبين. # وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم من القبائل عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا ~~ولا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف، ثم تصافوا للقتال وأجمعوا على الحرب، ~~فبينما هم على ذلك إذ تداعوا للصلح، على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية ~~والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فاصطلحوا ورضي ~~كل واحد من الفريقين بذلك وتحاجزوا عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا حتى ~~جاء الإسلام وهم على ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «ما كان ~~من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة # PageV01P412 # ولا حلف في الإسلام» ) . # فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف لأن عبد شمس كان كثير الأسفار ~~قليل المال كثير العيال، وكان هاشم موسرا جوادا. # وكان ينبغي ms0296 أن نذكر هذا قبل الفيل وما أحدثه قريش، وإنما أخرناه للزوم ~~تلك الحوادث بعضها ببعض. # ذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجند # كان ملوك الفرس يأخذون من غلات كورهم قبل ملك كسرى الخمس والسدس، على قدر ~~شربها وعمارتها، ومن الجزية شيئا معلوما، فأمر الملك قباذ بمسح الأرضين ~~ليصح الخراج عليها، فمات قبل الفراغ من ذلك، فلما ملك أنوشروان أمر ~~باستتمام ذلك، ووضع الخراج على الحنطة والشعير والكرم والرطب والنخل ~~والزيتون والأرز، على كل نوع من هذه الأنواع شيئا معلوما، ويؤخذ في السنة ~~في ثلاث أنجم، وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب. # وكتب كسرى إلى القضاة في البلاد نسخة بالخراج، ليمتنع العمال من الزيادة ~~عليه، وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته جائحة بقدر جائحته، وألزموا الناس ~~الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والهرابذة والكتاب ومن في خدمة ~~الملك، كل إنسان على قدرته من اثني عشر درهما، وثمانية دراهم، وستة دراهم، ~~وأربعة دراهم. وأسقطها عمر عمن لم يبلغ عشرين سنة أو جاوز خمسين سنة. # ثم إن كسرى ولى رجلا من الكتاب - من الكفاة والنبلاء اسمه بابك - عرض ~~جيشه، فطلب من كسرى التمكن من شغله إلى ذلك، فتقدم ببناء مصطبة موضع عرض ~~الجيش وفرشها، ثم نادى أن يحضر الجند بسلاحهم وكراعهم للعرض، فحضروا، فحيث ~~لم ير معهم كسرى أمرهم بالانصراف، فعل ذلك يومين، ثم أمر فنودي في اليوم ~~الثالث أن لا يختلف أحد ولا من أكرم بتاج، فسمع كسرى فحضر وقد لبس التاج ~~والسلاح، # PageV01P413 # ثم أتى بابك ليعرض عليه، فرأى سلاحه تاما ما عدا وترين للقوس كان عادتهم ~~أن يستظهروا بهما، فلم يرهما بابك معه فلم يجز على اسمه وقال له: هلم كل ما ~~يلزمك. فذكر كسرى الوترين فتعلقهما، ثم نادى منادي بابك وقال: للكمي السيد، ~~سيدة الكماة، أربعة آلاف درهم، وأجاز على اسمه. فلما قام عن مجلسه حضر عند ~~كسرى يعتذر إليه من غلظته عليه، وذكر له أن أمره لا يتم إلا بما فعل. فقال ~~كسرى: ما غلظ ms0297 علينا أمر نريد به إصلاح دولتنا. # ومن كلام كسرى: الشكر والنعمة كفتان ككفتي الميزان، أيهما رجح بصاحبه ~~احتاج الأخف، إلا أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم كثيرة ~~والشكر قليلا انقطع الحمد، فكثير النعم يحتاج إلى كثير من الشكر، وكلما زيد ~~في الشكر ازدادت النعم وجاوزته، ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه ~~بالفعل، ونظرت أحب الأعمال إلى الله فوجدته الشيء الذي أقام به السماوات ~~والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية، وهو الحق والعدل، ~~فلزمته. # ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس ~~والدواب والطير وجميع الحيوانات. ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء ~~لأهل العمارة، وأهل العمارة أجراء للمقاتلة، فأما المقاتلة فإنهم يطلبون ~~أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم، ~~فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم، فإن العمارة والأمن والسلامة في ~~النفس والمال لا يتم إلا بهم. # ورأيت المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد ~~إلا بأهل الخراج والعمارة، فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم ~~وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤونتهم وعمارتهم ولم أجحف ~~بواحد من الجانبين، ورأيت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين واليدين ~~المتساعدتين # PageV01P414 # والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى. # ونظرنا في سير آبائنا فلم نترك منها شيئا يقترن بالثواب من الله والذكر ~~الجميل بين الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه، ولا فسادا ~~إلا أعرضنا عنه، ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآباء. # ونظرت في سير أهل الهند والروم وأخذنا محمودها، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ~~ما تميل إليه أهواؤنا، وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر ~~البلدان. # فانظر إلى هذا الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على ~~منع النفس، ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم ~~الساعة. # وكان لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لابنه هرمز. # وكان مولد ms0298 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل، وذلك لمضي اثنتين ~~وأربعين سنة من ملكه، وفي هذا العام كان يوم ذي جبلة، وهو يوم من أيام ~~العرب المذكورة. ### | [ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم] # PageV01P415 # قال قيس بن مخرمة وقباث بن أشيم وابن عباس وابن إسحاق: «إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولد عام الفيل» . # قال ابن الكلبي: ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنوشروان، وولد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سنة اثنتين وأربعين من سلطانه، وأرسله الله تعالى ~~لمضي اثنتين وعشرين من ملك كسرى أبرويز بن كسرى هرمز بن كسرى أنوشروان، ~~فهاجر لثنتين وثلاثين سنة مضت من ملك أبرويز. # قال ابن إسحاق: «ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين ~~لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وكان مولده بالدار التي تعرف بدار ابن ~~يوسف» . قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهبها عقيل بن أبي طالب، ~~فلم تزل في يده حتى توفي، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، فبنى ~~داره التي يقال لها دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيت في الدار، حتى أخرجته ~~الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيه. وقيل: ولد لعشر خلون منه، وقيل: لليلتين ~~خلتا منه. # PageV01P416 # قال ابن إسحاق: إن آمنة ابنة وهب أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت تحدث أنها أتيت في منامها لما حملت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض قولي أعيذه بالواحد من ~~شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور ~~بصرى من أرض الشام. # فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب: إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر ~~إليه، فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه وما أمرت أن ~~تسميه. # وقال عثمان بن أبي العاص: حدثتني أمي ms0299 أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فما شيء أن أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني ~~لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي. # وأول من أرضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ~~ابن له يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت ~~بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فكانت ثويبة تأتي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمكة قبل أن يهاجر فيكرمها وتكرمها خديجة، فأرسلت إلى أبي ~~لهب أن يبيعها إياها لتعتقها، فأبى، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المدينة أعتقها أبو لهب، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يبعث إليها بالصلة، إلى أن بلغه خبر وفاتها منصرفه من خيبر، فسأل عن ابنها ~~مسروح، فقيل: توفي قبلها، فسأل: هل لها من قرابة؟ فقيل: لم يبق لها أحد. # ثم أرضعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ثويبة حليمة بنت أبي ~~ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة من بني سعد بن بكر بن هوزان، واسم ~~زوجها الذي أرضعته بلبنه الحارث بن عبد العزى، واسم إخوته من الرضاعة: عبد ~~الله، وأنيسة، وجذامة، وهي الشيماء، عرفت بذلك، وكانت الشيماء تحضنه مع ~~أمها حليمة. # PageV01P417 # وقدمت حليمة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تزوج خديجة، ~~فأكرمها ووصلها، وتوفيت قبل فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، ~~فلما فتح مكة، قدمت عليه أخت لها فسألها عنها، فأخبرته بموتها، فذرفت ~~عيناه، فسألها عمن خلفت، فأخبرته، فسألته نحلة وحاجة فوصلها. # وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: كانت حليمة السعدية تحدث أنها خرجت ~~من بلدها مع نسوة يلتمسن الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئا. قالت: ~~فخرجت على أتان لنا قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ~~ليلتنا أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع، وما في ثديي ما يغنيه، ~~وما في شارفنا ms0300 ما يغذوه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فلقد أذمت أتاني بالركب ~~حتى شق عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا ~~إنما نرجو المعروف من أبي الصبي. فكنا نقول: يتيم فما عسى أن تصنع أمه ~~وجده! فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت ~~لصاحبي، وكان معي: إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله ~~لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه! قال: افعلي فعسى أن الله يجعل لنا فيه ~~بركة. قالت: فذهبت فأخذته، فلما أخذته ووضعته في حجري أقبل عليه ثدياي مما ~~شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كان ابني ~~ينام قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها حافل، فحلب منها ثم شرب ~~حتى روي، ثم سقاني فشربت حتى شبعنا. قالت: يقول لي صاحبي: تعلمين والله يا ~~حليمة لقد أخذت نسمة مباركة! قلت: والله لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا، فركبت ~~أتاني وحملته عليها فلم يلحقني شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ~~ابنة أبي ذؤيب اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول: ~~بلى والله لهي هي، فيقلن: إن لها شأنا، ثم # PageV01P418 # قدمنا منازلنا من بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت ~~غنمي تروح علي حين قدمنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا ~~يجدها في ضرع، حتى إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا ~~حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب! فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة من لبن، ~~وتروح غنمي شباعا لبنا. # فلم نزل نتعرف البركة من الله والزيادة في الخير حتى مضت سنتان وفصلته، ~~وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، ~~فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه عندنا لما كنا نرى من بركته، ms0301 ~~فكلمنا أمه في تركه عندنا، فأجابت. # قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مر مع أخيه في بهم لنا ~~خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذلك أخي القرشي قد جاءه ~~رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه! قالت: فخرجنا نشتد ~~فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته أنا وأبوه وقلنا له: مالك يا ~~بني؟ قال: جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا به شيئا لا أدري ما هو. ~~قالت: فرجعنا إلى خبائنا، وقال لي أبوه: والله لقد خشيت أن يكون هذا الغلام ~~قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك. # قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه. فقالت: ما أقدمك يا ظئر به وقد كنت ~~حريصة على مكثه عندك؟ قالت: قلت: قد بلغ الله بابني، وقضيت الذي علي، ~~وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين. قالت: ما هذا بشأنك فاصدقيني! ~~ولم تدعني حتى أخبرتها. قالت: فتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت: كلا ~~والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لابني لشأنا، أفلا أخبرك؟ قلت: بلى. قالت: ~~رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من الشام، ثم حملت به ~~فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر، ثم وقع حين وضعته وإنه ~~لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة. # وكانت مدة رضاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنتين، وردته حليمة إلى ~~أمه وجده # PageV01P419 # عبد المطلب وهو ابن خمس سنين في قول. # وقال شداد بن أوس: «بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~أقبل شيخ من بني عامر، وهو ملك قومه وسيدهم شيخ كبير، متوكئا على عصا فمثل ~~قائما وقال: يا ابن عبد المطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله أرسلك بما ~~أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنك فهت بعظيم، ألا ~~وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان وما ~~لك وللنبوة، وإن لكل ms0302 قول حقيقة، فما حقيقة قولك وبدء شأنك؟ # فأعجب النبي، صلى الله عليه وسلم، بمساءلته ثم قال: يا أخا بني عامر ~~اجلس. فجلس، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: إن حقيقة قولي وبدء شأني ~~أني دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، وكنت بكر أمي، وحملتني كأثقل ما ~~تحمل النساء، ثم رأت في منامها أن الذي في بطنها نور، قالت: فجعلت أتبع ~~بصري النور وهو يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها، ثم إنها ~~ولدتني فنشأت، فلما نشأت بغضت إلي الأوثان والشعر، فكنت مسترضعا في بني سعد ~~بن بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي مع أتراب من الصبيان إذ أتانا ~~ثلاثة رهط معهم طست من ذهب مملوء ثلجا فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي ~~هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم ~~إلى هذا الغلام فإنه ليس له أب وما يرد عليكم قتله؟ فلما رأى الصبيان الرهط ~~لا يردون جوابا انطلقوا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على ~~القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدري ~~إلى منتهى عانتي، فأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء بطني ~~فغسلها بالثلج فأنعم غسلها، ثم أخرج قلبي فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء ~~فرمى بها، قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بخاتم في يده من ~~نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورا، وذلك نور النبوة ~~والحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا، ثم قال ~~الثالث لصاحبه: تنح، فتنحى عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ~~فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضا لطيفا ثم قال ~~للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه ~~بمائة من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف من # PageV01P420 # أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: دعوه فلو وزنته بأمته كلهم لرجح ms0303 بهم. ~~ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب، لم ترع، ~~إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عينك. # قال: فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم، وإذا ظئري أمام ~~الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبوا علي وقبلوا رأسي ~~وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظئري: يا وحيداه! فانكبوا ~~علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا حبذا أنت من وحيد، وما ~~أنت بوحيد! إن الله معك! ثم قالت ظئري: يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك ~~فقتلت لضعفك! فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا: ~~حبذا أنت من يتيم! ما أكرمك على الله! لو تعلم ما يراد بك من الخير! قال: ~~فوصلوا بي إلى شفير الوادي. فلما بصرت بي ظئري قالت: يا بني ألا أراك حيا ~~بعد! فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها، فوالذي نفسي بيده إني لفي ~~حجرها وقد ضمتني إليها، وإن يدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم، وظننت أن ~~القوم يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن، ~~انطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت: ما هذا! ليس بي شيء ~~مما يذكر، إن إرادتي سليمة، وفؤادي صحيح ليس في قلبة. فقال أبي من الرضاع: ~~ألا ترون كلامه صحيحا؟ إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس. فاتفقوا على أن ~~يذهبوا بي إلى الكاهن، فذهبوا بي إليه. فلما قصوا عليه قصتي قال: اسكتوا ~~حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم. فقصصت عليه أمري من أوله إلى ~~آخره، فلما سمع قولي وثب إلي وضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب ~~اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه! فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك ليبدلن ~~دينكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط. # فانتزعتني ظئري وقالت: لأنت أجن وأعته من ابني هذا فاطلب لنفسك من يقتلك، ~~فإنا غير قاتليه! # PageV01P421 # ثم ردوني ms0304 إلى أهلي، فأصبحت مفزعا مما فعل بي، وأثر الشق ما بين صدري إلى ~~عانتي كأنه الشراك، فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر. # فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن أمرك حق، فأنبئني بأشياء ~~أسألك عنها. قال: سل. قال: أخبرني ما يزيد في العلم؟ . قال: التعلم. قال: ~~فما يدل على العلم؟ . قال النبي - صلى الله عليه وسلم: السؤال. قال: ~~فأخبرني ماذا يزيد في الشيء؟ . قال: التمادي. قال: فأخبرني هل ينفع البر مع ~~الفجور؟ . قال: نعم، التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر ~~العبد الله عند الرخاء أعانه عند البلاء. فقال العامري: فكيف ذلك؟ . قال: ~~ذلك بأن الله - عز وجل - يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع ~~له خوفين، إن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي في حظيرة القدس، فيدوم ~~له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق، وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع ~~عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه. # قال: يا ابن عبد المطلب أخبرني إلام تدعو؟ . قال: أدعو إلى عبادة الله ~~وحده لا شريك له، وأن تخلع الأنداد، وتكفر باللات والعزى، وتقر بما جاء من ~~عند الله من كتاب ورسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، وتصوم شهرا من ~~السنة، وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله تعالى بها ويطيب لك مالك، وتحج البيت ~~إذا وجدت إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت والبعث بعد الموت، ~~وبالجنة والنار. قال: يا ابن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فما لي؟ فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم: {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء من تزكى} [طه: 76] . # فقال: هل مع هذا من الدنيا شيء؟ فإنه يعجبني الوطأة من العيش. # PageV01P422 # قال النبي - صلى الله عليه وسلم: النصر والتمكن في البلاد. فأجاب وأناب» ~~. # قال ابن إسحاق: هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمنة بنت وهب بن عبد ~~مناف بن زهرة حامل ms0305 به. # قال هشام بن محمد: توفي عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله بعدما أتى ~~على رسول الله ثمانية وعشرون يوما. # وقال الواقدي: الثبت عندنا أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في ~~عير لقريش، ونزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن بدار النابغة، ~~الدار الصغرى. # قال ابن إسحاق: وتوفيت أمه آمنة وله ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، ~~كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني النجار تزيره إياهم فماتت وهي ~~راجعة، وقيل: إنها أتت المدينة تزور قبر زوجها عبد الله، ومعها رسول الله ~~وأم أيمن حاضنة رسول الله، فلما عادت ماتت بالأبواء. # وقيل: إن عبد المطلب زار أخواله من بني النجار، وحمل معه آمنة ورسول ~~الله، فلما رجع توفيت بمكة، ودفنت في شعب أبي ذر، والأول أصح. # ولما سارت قريش إلى أحد هموا باستخراجها من قبرها، فقال بعضهم: إن النساء ~~عورة وربما أصاب محمد من نسائكم، فكفهم الله بهذا القول إكراما لأم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم. # قال ابن إسحاق: وتوفي عبد المطلب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ~~ثماني سنين، وقيل: ابن عشر سنين. # PageV01P423 # ولما مات عبد المطلب صار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجر عمه ~~أبي طالب بوصية من عبد المطلب إليه بذلك لما كان يرى من بره به وشفقته ~~وحنوه عليه، فيصبح ولد أبي طالب غمصا رمصا، ويصبح رسول الله صقيلا دهينا. ### | [ذكر قتل تميم بالمشقر] # قال هشام: أرسل وهرز بأموال وطرف من اليمن إلى كسرى، فلما كانت ببلاد ~~تميم دعا صعصعة بن ناجية المجاشعي، جد الفرزدق الشاعر، بني تميم إلى الوثوب ~~عليها، فأبوا، فقال: كأني بأبي بكر بن وائل وقد انتهبوا، فاستعانوا بها على ~~حربكم، فلما سمعوا ذلك وثبوا عليها وأخذوها، وأخذ رجل من بني سليط يقال له ~~النطف خرجا فيه جوهر، فكان يقال: " أصاب فلان كنز النطف " فصار مثلا. # وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فكساهم وحملهم وسار ~~معهم حتى دخل على ms0306 كسرى، فأعجب به كسرى ودعا بعقد من در فعقد على رأسه، فمن ~~ثم سمي هوذة " ذا التاج "، وسأله كسرى عن تميم هل من قومه أو بينه وبينهم ~~سلم؟ فقال: لا بيننا إلا الموت. قال: قد أدركت ثأرك، وأراد إرسال الجنود ~~إلى تميم، فقيل له: إن ماءهم قليل، وبلادهم بلاد سوء، وأشير عليه أن يرسل ~~إلى عامله بالبحرين، وهو إزاد فيروز بن جشيش الذي سمته العرب المكعبر، ~~وإنما سمي بذلك لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل، فأمره بقتل بني تميم، ففعل، ~~ووجه إليه رسولا، ودعا هوذة وجدد له كرامة وصلة، وأمره بالمسير مع رسوله، ~~فأقبلا إلى المكعبر أيام اللقاط، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة واللقاط، ~~فأمر المكعبر مناديا ينادي: ليحضر من كان هاهنا من بني تميم، فإن الملك قد ~~أمر لهم بميرة وطعام. فحضروا ودخلوا المشقر، وهو حصن، فلما دخلوا قتل ~~المكعبر رجالهم واستبقى غلمانهم، وقتل يومئذ قعنب الرياحي، وكان فارس ~~يربوع، وجعل الغلمان في السفن وعبر بهم إلى فارس. # PageV01P424 # قال هبيرة بن حدير العدوي: رجع إلينا بعدما فتحت إصطخر عدة منهم، وشد رجل ~~من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج، واستوهب ~~هوذة من المكعبر مائة أسير منهم فأطلقهم. # (حدير بضم الحاء المهملة، وفتح الدال) . ### | [ذكر ملك ابنه هرمز بن أنوشروان] # وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، وكان هرمز بن كسرى أديبا ذا نية في الإحسان ~~إلى الضعفاء والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه مثل ذلك، ~~وكان عادلا بلغ من عدله أنه ركب ذات يوم إلى ساباط المدائن فاجتاز بكروم، ~~فاطلع أسوار من أساورته في كرم وأخذ منه عناقيد حصرم، فلزمه حافظ الكروم ~~وصرخ، فبلغ من خوف الأسوار من عقوبة كسرى هرمز أن دفع إلى حافظ الكرم، ~~منطعة محلاة بذهب عوضا من الحصرم فتركه. # وقيل: كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله، وكان داهيا ردي ~~النية، قد نزع إلى أخواله الترك، وإنه قتل العلماء وأهل البيوتات والشرف ~~ثلاثة عشر ألف رجل ms0307 وستمائة رجل، ولم يكن له رأي إلا في تألف السفلة. وحبس ~~كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم وحرم الجنود، ففسد عليه كثير ممن كان ~~حوله، وخرج عليه شابه ملك الترك في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة ست عشرة من ~~ملكه، فوصل هراة وباذغيس، وأرسل إلى هرمز والفرس يأمرهم بإصلاح الطرق ليجوز ~~إلى بلاد الروم. # PageV01P425 # ووصل ملك الروم في ثمانين ألفا إلى الضواحي قاصدا له، ووصل ملك الخزر إلى ~~الباب والأبواب في جمع عظيم، فإن جمعا من العرب شنوا الغارة على السواد. ~~فأرسل هرمز بهرام خشنش، ويعرف بجوبين، في اثني عشر ألفا من المقاتلة ~~اختارهم من عسكره، فسار مجدا وواقع شابه ملك الترك فقتله برمية رماها ~~واستباح عسكره، ثم وافاه برموده بن شابه فهزمه أيضا وحصره في بعض الحصون ~~حتى استسلم، فأرسله إلى هرمز أسيرا وغنم ما في الحصن، فكان عظيما. # ثم خاف بهرام ومن معه هرمز، فخلعوه وساروا نحو المدائن، وأظهروا أن ابنه ~~أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، وكان غرض ~~بهرام أن يستوحش هرمز من ابنه أبرويز، ويستوحش ابنه منه فيختلفا، فإن ظفر ~~أبرويز بأبيه كان أمره على بهرام سهلا، وإن ظفر أبوه به نجا بهرام والكلمة ~~مختلفة، فينال من هرمز غرضه، وكان يحدث نفسه بالاستقلال بالملك. فلما علم ~~أبرويز ذلك خاف أباه، فهرب إلى أذربيجان، فاجتمع عليه عدة من المرازبة ~~والأصبهبذين، ووثب العظماء بالمدائن، وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز، ~~فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله، وبلغ أبرويز الخبر فأقبل ~~من أذربيجان إلى دار الملك. # وكان ملك هرمز إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر، وقيل: اثنتي عشرة سنة، ولم يسمل ~~من ملوك الفرس غيره لا قبله ولا بعده. # ومن محاسن السير ما حكي عنه أنه لما فرغ من بناء داره التي تشرف على دجلة ~~مقابل المدائن عمل وليمة عظيمة وأحضر الناس من الأطراف، فأكلوا، ثم قال ~~لهم: هل # PageV01P426 # رأيتم في هذه الدار عيبا؟ فكلهم قال: لا عيب فيها. فقام رجل وقال: فيها ms0308 ~~ثلاثة عيوب فاحشة، أحدها: أن الناس يجعلون دورهم في الدنيا، وأنت جعلت ~~الدنيا في دارك، فقد أفرطت في توسيع صحونها وبيوتها، فتتمكن الشمس في الصيف ~~والسموم، فيؤذي ذلك أهلها، ويكثر فيها في الشتاء البرد. # والثاني: أن الملوك يتوصلون في البناء على الأنهار ; لتزول همومهم ~~وأفكارهم بالنظر إلى المياه، ويترطب الهواء، وتضيء أبصارهم، وأنت قد تركت ~~دجلة وبنيتها في القفر. # والثالث: أنك جعلت حجرة النساء مما يلي الشمال من مساكن الرجال، وهو أدوم ~~هبوبا، فلا يزال الهواء يجيء بأصوات النساء وريح طيبهن، وهذا ما تمنعه ~~الغيرة والحمية. # فقال هرمز: أما سعة الصحون والمجالس فخير المساكن ما سافر فيه البصر، ~~وشدة الحر والبرد يدفعان بالخيش والملابس والنيران. # وأما مجاورة الماء فكنت عند أبي وهو يشرف على دجلة، فغرقت سفينة تحته ~~فاستغاث من بها إليه، وأبي يتأسف عليهم ويصيح بالسفن التي تحت داره ~~ليلحقوه، فإلى أن لحقوهم غرق جميعهم، فجعلت في نفسي أنني لا أجاور سلطانا ~~هو أقوى مني. # وأما عمل حجرة النساء في جهة الشمال، فقصدنا به أن الشمال أرق هواء، وأقل ~~وخامة، والنساء يلازمن البيوت، فعمل لذلك. # وأما الغيرة فإن الرجال لا يخلون بالنساء، وكل من يدخل هذه الدار إنما هو ~~مملوك وعبد لقيم، وأما أنت فما أخرج هذا منك إلا بغض لي، فأخبرني عن سببه. # فقال الرجل: لي قرية ملك كنت أنفق حاصلها على عيالي، فغلبني المرزبان ~~فأخذها مني، فقصدتك أتظلم منذ سنتين فلم أصل إليك، فقصدت وزيرك وتظلمت إليه ~~فلم ينصفني، وأنا أؤدي خراج القرية حتى لا يزول اسمي عنها، وهذا غاية الظلم ~~أن يكون غيري يأخذ دخلها وأنا أؤدي خراجها. # PageV01P427 # فسأل هرمز وزيره فصدقه وقال: خفت أعلمك فيؤذيني المرزبان. فأمر هرمز أن ~~يؤخذ من المرزبان ضعف ما أخذ، وأن يستخدمه صاحب القرية في أي شغل شاء ~~سنتين، وعزل وزيره، وقال في نفسه: إذا كان الوزير يراقب الظالم فالأحرى أن ~~غيره يراقبه، فأمر باتخاذ صندوق، وكان يقفله ويختمه بخاتم ويترك على باب ~~داره وفيه خرق يلقى فيه رقاع المتظلمين، ms0309 وكان يفتحه كل أسبوع ويكشف ~~المظالم، فأفكر وقال: أريد أعرف ظلم الرعية ساعة فساعة، فاتخذ سلسلة طرفها ~~في مجلسه في السقف، والطرف الآخر خارج الدار في روزنة وفيها جرس، وكان ~~المتظلم يحرك السلسلة فيحرك الجرس فيحضره ويكشف ظلامته. ### | [ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز] # وكان من أشد ملوكهم بطشا، وأنفذهم رأيا، وبلغ من البأس والنجدة وجمع ~~الأموال ومساعدة الأقدار ما لم يبلغه ملك قبله، ولذلك لقب أبرويز، ومعناه ~~المظفر، وكان في حياة أبيه قد سعى به بهرام جوبين إلى أبيه أنه يريد الملك ~~لنفسه، فلما علم ذلك سار إلى أذربيجان سرا، وقيل غير ذلك، وقد تقدم، فلما ~~وصلها بايعه من كان بها من العظماء، واجتمع من بالمدائن على خلع أبيه، فلما ~~سمع أبرويز بادر الوصول إلى المدائن قبل بهرام جوبين، فدخلها قبله ولبس ~~التاج وجلس على السرير، ثم دخل على أبيه، وكان قد سمل، فأعلمه أنه بريء مما ~~فعل به، وإنما كان هربه للخوف منه، فصدقه وسأله أن يرسل إليه كل يوم من ~~يؤنسه، وأن ينتقم ممن خلعه وسمل عينيه، فاعتذر بقرب بهرام منه في العساكر ~~وأنه لا يقدر على أن ينتقم ممن فعل به ذلك إلا بعد الظفر ببهرام. # وسار بهرام إلى النهروان وسار أبرويز إليه، فالتقيا هناك، ورأى أبرويز من ~~أصحابه فتورا في القتال فانهزم، ودخل على أبيه وعرفه الحال، فاستشاره فأشار ~~عليه بقصد موريق ملك الروم، وجهز ثانيا وسار في عدة يسيرة، فيهم خالاه ~~بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف من معه أن بهرام ~~يرد هرمز إلى الملك # PageV01P428 # ويرسل إلى ملك الروم في ردهم فيردهم إليه، فاستأذنوا أبرويز في قتل أبيه ~~هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من معهم إلى هرمز فقتلوه ~~خنقا، ثم رجعوا إلى أبرويز وساروا مجدين إلى أن جاوزوا الفرات، ودخلوا ديرا ~~يستريحون فيه، فلما دخلوا غشيتهم خيل بهرام جوبين ومقدمها رجل اسمه بهرام ~~بن سياوش، فقال بندويه لأبرويز: احتل لنفسك. قال: ما عندي حيلة! قال ~~بندويه: أنا ms0310 أبذل نفسي دونك، وطلب منه بزته فلبسها، وخرج أبرويز ومن معه من ~~الدير وتواروا بالجبل، ووافى بهرام الدير فرأى بندويه فوق الدير وعليه بزة ~~أبرويز، فاعتقده هو وسأله أن ينظره إلى غد ليصير إليه سلما، ففعل، ثم ظهر ~~من الغد على حيلته فحمله إلى بهرام جوبين فحبسه، ودخل بهرام جوبين دار ~~الملك وقعد على السرير ولبس التاج، فانصرفت الوجوه عنه، لكن الناس أطاعوه ~~خوفا، وواطأ بهرام بن سياوش بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فعلم بهرام ~~جوبين بذلك فقتل بهرام وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان. # وسار أبرويز إلى أنطاكية، وأرسل أصحابه إلى الملك، فوعده النصرة وتزوج ~~أبرويز ابنة الملك موريق، واسمها مريم، وجهز معه العساكر الكثيرة، فبلغت ~~عدتهم سبعين ألفا فيهم رجل يعد بألف مقاتل، فرتبهم أبرويز وسار بهم إلى ~~أذربيجان، فوافاه بندويه وغيره من المقدمين والأساورة في أربعين ألف فارس ~~من أصبهان وفارس وخراسان، وسار إلى المدائن. وخرج بهرام جوبين نحوه، فجرى ~~بينهما حرب شديدة، فقتل فيها الفارس الرومي الذي يعد بألف فارس. # ثم انهزم بهرام جوبين، وسار إلى الترك، وسار أبرويز من المعركة ودخل ~~المدائن وفرق الأموال في الروم، فبلغت جملتها عشرين ألف ألف فأعادهم إلى ~~بلادهم. # وأقام بهرام جوبين عند الترك مكرما، فأرسل أبرويز إلى زوجة الملك، وأجزل ~~لها الهدية من الجواهر وغيرها، وطلب منها قتل بهرام، فوضعت عليه من قتله، ~~فاشتد قتله على ملك الترك، ثم علم أن زوجته قتلته فطلقها. ثم إن أبرويز قتل ~~بندويه، وأراد قتل بسطام فهرب منه إلى طبرستان لحصانتها، فوضع أبرويز عليه ~~فقتله. # وأما الروم فإنهم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك أبرويز، ~~وقتلوه وملكوا عليهم بطريقا اسمه فوقاس، فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب ~~إلى # PageV01P429 # كسرى أبرويز، فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ~~ثلاثة نفر من قواده وأساورته. # أما أحدهم فكان يقال له بوران، وجهه في جيش منها إلى الشام، فدخلها حتى ~~دخل إلى البيت المقدس، فأخذ خشبة الصليب التي تزعم النصارى أن المسيح ms0311 - ~~عليه السلام - صلب عليها فأرسلها إلى كسرى أبرويز. # وأما القائد الثاني فكان يقال له شاهين، فسيره في جيش آخر إلى مصر، ~~فافتتحها وأرسل مفاتيح الإسكندرية إلى أبرويز. # وأما القائد الثالث، وهو أعظمهم، فكان يقال له فرخان، وتدعى مرتبته ~~شهربراز، وجعل مرجع القائدين الأولين إليه. # وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيبا، فأحضرها أبرويز وقال لها: إني أريد ~~أن أوجه جيشا إلى الروم، أستعمل عليه بعض بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل؟ . ~~فقالت: أما فلان فأروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وأما فرخان فهو أنفذ من ~~سنان، وأما شهربراز فهو أحلم من كذا. # فقال: قد استعملت الحليم، فولاه أمر الجيش، فسار إلى الروم فقتلهم، وخرب ~~مدائنهم، وقطع أشجارهم، وسار في بلادهم إلى القسطنطينية، حتى نزل على ~~خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب، فلم يخضع لابن موريق أحد ولا أطاعه، ~~غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم بعده هرقل، وهو الذي أخذ ~~المسلمون الشام منه. # فلما رأى هرقل ما أهم الروم من النهب والقتل والبلاء تضرع إلى الله تعالى ~~ودعاه، فرأى في منامه رجلا كث اللحية رفيع المجلس عليه بزة حسنة، فدخل ~~عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك، ~~فاستيقظ، فلم # PageV01P430 # يقص رؤياه، فرأى في الليلة الثانية ذلك الرجل جالسا في مجلسه، وقد دخل ~~الرجل الثالث وبيده سلسلة، فألقاها في عنق ذلك الرجل وسلمه إلى هرقل وقال: ~~قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه، فإنك مدال عليه، وبالغ أمنيتك في أعدائك. ~~فقص حينئذ هذه الرؤيا على عظماء الروم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل ~~وأخلف ابنا له على القسطنطينية، وسلك غير الطريق الذي عليه شهربراز، وسار ~~حتى أوغل في بلاد أرمينية، وقصد الجزيرة فنزل نصيبين، فأرسل إليه كسرى جندا ~~وأمرهم بالمقام بالموصل، وأرسل إلى شهربراز يستحثه على القدوم ليتضافرا على ~~قتال هرقل. # وقيل في مسيره غير هذا، وهو أن شهربراز سار إلى بلاد الروم فوطئ الشام ~~حتى وصل إلى أذرعات، ولقي جيوش الروم بها فهزمها وظفر ms0312 بها وسبى وغنم وعظم ~~شأنه. # ثم إن فرخان أخا شهربراز شرب الخمر يوما وقال: لقد رأيت في المنام كأني ~~جالس على سرير كسرى، فبلغ الخبر كسرى فكتب إلى أخيه شهربراز يأمره بقتله، ~~فعاوده وأعلمه شجاعته ونكايته في العدو، فعاد كسرى وكتب إليه بقتله، ~~فراجعه، فكتب إليه الثالثة، فلم يفعل، فكتب كسرى بعزل شهربراز وولاية فرخان ~~العسكر، فأطاع شهربراز فلما جلس على سرير الإمارة ألقى إليه القاصد بولايته ~~كتابا صغيرا من كسرى يأمره بقتل شهربراز فعزم على قتله، فقال له شهربراز: ~~أمهلني حتى أكتب وصيتي، فأمهله، فأحضر درجا وأخرج منه كتب كسرى الثلاثة ~~وأطلعه عليها وقال: أنا راجعت فيك ثلاث مرات ولم أقتلك، وأنت تقتلني في مرة ~~واحدة، فاعتذر أخوه إليه وأعاده إلى الإمارة واتفقا على موافقة ملك الروم ~~على كسرى، فأرسل شهربراز إلى هرقل: إن لي إليك حاجة لا يبلغها البريد ولا ~~تسعها الصحف، فالقني في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل ~~قيصر في جيوشه جميعها، ووضع عيونه تأتيه بخبر شهربراز، وخاف أن يكون مكيدة، ~~فأتته عيونه فأخبروه أنه في خمسين فارسيا، فحضر عنده في مثلها، واجتمعا ~~وبينهما ترجمان فقال له: أنا وأخي خربنا بلادك وفعلنا ما علمت، وقد حسدنا ~~كسرى وأراد قتلنا، وقد خلعناه ونحن نقاتل معك. ففرح هرقل بذلك واتفقا # PageV01P431 # عليه وقتلا الترجمان لئلا يفشي سرهما، وسار هرقل في جيشه إلى نصيبين. # وبلغ كسرى أبرويز الخبر وأرسل لمحاربة هرقل قائدا من قواده اسمه راهزار ~~في اثني عشر ألفا، وأمره أن يقيم بنينوى من أرض الموصل على دجلة يمنع هرقل ~~من أن يجوزها، وأقام هو بدسكرة الملك، فأرسل راهزار العيون، فأخبروه أن ~~هرقل في سبعين ألف مقاتل، فأرسل إلى كسرى يعرفه ذلك، وأنه يعجز عن قتال هذا ~~الجمع الكثير، فلم يعذره وأمره بقتاله، فأطاع وعبى جنده، وسار هرقل نحو ~~جنود كسرى، وقطع دجلة من غير الموضع الذي فيه راهزار، فقصده راهزار ولقيه، ~~فاقتتلوا، فقتل راهزار وستة آلاف من أصحابه وانهزم الباقون. # وبلغ الخبر أبرويز وهو بدسكرة الملك، ms0313 فهده ذلك وعاد إلى المدائن، وتحصن ~~بها لعجزه عن محاربة هرقل، وكتب إلى قواد الجند الذين انهزموا يتهددهم ~~بالعقوبة فأحوجهم إلى الخلاف عليه، على ما نذكره إن شاء الله. وسار هرقل ~~حتى قارب المدائن ثم عاد إلى بلاده. # وكان سبب عوده أن كسرى لما عجز عن هرقل أعمل الحيلة، فكتب كتابا إلى ~~شهربراز يشكره ويثني عليه ويقول له: أحسنت في فعل ما أمرتك به من مواصلة ~~ملك الروم وتمكينه من البلاد، والآن قد أوغل وأمكن من نفسه، فتجيء أنت من ~~خلفه وأنا من بين يديه، ويكون اجتماعنا عليه يوم كذا فلا يفلت منهم أحد. ثم ~~جعل الكتاب في عكاز أبنوس، وأحضر راهبا كان في دير عند المدائن وقال له: لي ~~إليك حاجة. فقال الراهب: الملك أكبر من أن يكون له إلي حاجة ولكنني عبده. ~~قال: إن الروم قد نزلوا قريبا منا، وقد حفظوا الطرق عنا، ولي إلى أصحابي ~~الذين بالشام حاجة، وأنت نصراني إذا جزت على الروم لا ينكرونك، وقد كتبت ~~كتابا وهو في هذه العكازة فتوصله إلى شهربراز، وأعطاه مائتي دينار. فأخذ ~~الكتاب وفتحه وقرأه ثم أعاده وسار، فلما صار بالعسكر ورأى الروم والرهبان ~~والنواقيس رق قلبه وقال: أنا شر الناس إن أهلكت النصرانية! فأقبل إلى سرادق ~~الملك وأنهى حاله وأوصل الكتاب إليه. فقرأه ثم أحضر أصحابه رجلا قد أخذوه ~~من طريق الشام قد واطأه كسرى ومعه كتاب # PageV01P432 # قد افتعله على لسان شهربراز إلى كسرى يقول: إنني مازلت أخادع ملك الروم، ~~حتى اطمأن إلي، وجاز إلى البلاد كما أمرتني، فيعرفني الملك في أي يوم يكون ~~لقاؤه، حتى أهجم أنا عليه من ورائه والملك من بين يديه، فلا يسلم هو ولا ~~أصحابه، وآمره أن يتعمد طريقا يؤخذ فيها. # فلما قرأ ملك الروم الكتاب الثاني تحقق الخبر، فعاد شبه المنهزم مبادرا ~~إلى بلاده، ووصل خبر عودة ملك الروم إلى شهربراز، فأراد أن يستدرك ما فرط ~~منه، فعارض الروم فقتل منهم قتلا ذريعا وكتب إلى كسرى: إنني عملت الحيلة ~~على الروم حتى ms0314 صاروا في العراق، وأنفذ من رءوسهم شيئا كثيرا. # وفي هذه الحادثة أنزل الله تعالى: {الم - غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون} [الروم: 1 - 3] ، يعني بأدنى الأرض أذرعات، وهي أدنى ~~أرض الروم إلى العرب، وكانت الروم قد هزمت بها في بعض حروبها. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون قد ساءهم ظفر الفرس أولا ~~بالروم ; لأن الروم أهل كتاب، وفرح الكفار لأن المجوس أميون مثلهم، فلما ~~نزلت هذه الآيات راهن أبو بكر الصديق أبي بن خلف على أن الظفر يكون للروم ~~إلى تسع سنين، والرهن مائة بعير، فغلبه أبو بكر، ولم يكن الرهن ذلك الوقت ~~حراما، فلما ظفرت الروم أتى الخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الحديبية. ### | [ذكر ما رأى كسرى من الآيات بسبب رسول الله - صلى الله عليه وسلم] # PageV01P433 # فمن ذلك أن كسرى أبرويز سكن دجلة العوراء، وأنفق عليها من الأموال ما لا ~~يحصى كثرة، وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة ~~وستون رجلا من الحزاة من بين كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب ~~اسمه السايب، بعث به باذان من اليمن، وكان كسرى إذا أحزنه أمر جمعهم فقال: ~~انظروا في هذا الأمر ما هو. # فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أصبح كسرى وقد انقصم طاق ~~ملكه من غير ثقل، وانحرفت عليه دجلة العوراء، فلما رأى ذلك حزنه فقال: ~~انقصم طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت دجلة العوراء " شاه بشكست "، يقول: ~~الملك انكسر. ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، وفيهم السايب، فقال لهم: انظروا ~~في هذا الأمر. فنظروا في أمره فأخذت عليه أقطار السماء وأظلمت الأرض، فلم ~~يمض لهم ما راموه، وبات السايب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض ينظر، فرأى ~~برقا من قبل الحجاز استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضة ~~خضراء، فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق ~~تخصب عليه الأرض كأفضل ما أخصبت على ملك. ms0315 # فلما خلص الكهان والمنجمون والسحار بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم، ورأى ~~السايب ما رأى، قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر ~~جاء من السماء، وإنه لنبي بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره، ولئن ~~نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له: قد ~~نظرنا فوجدنا أن وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس، فلما ~~اختلف الليل والنهار وقعت النحوس # PageV01P434 # مواقعها فزال كل ما وضع عليها، وإنا نحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا ~~يزول، فحسبوا وأمروه بالبناء، فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر فأنفق ~~عليها أموالا جليلة حتى إذا فرغ منها قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم، ~~فجلس في أساورته، فبينما هو هناك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يخرج إلا ~~بآخر رمق. فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقتل منهم قريبا من مائة ~~وقال: قربتكم وأجريت عليكم الأرزاق ثم أنتم تلعبون بي! فقالوا: أيها الملك ~~أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس ~~عليه، فخاف فركب فرسا وسار على البناء فبينما هو يسير انتسفته دجلة فلم ~~يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم وقال: لأقتلنكم أجمعين أو لتصدقوني. فصدقوه ~~الأمر، فقال: ويحكم هلا بينتم لي فأرى فيه رأيي؟ قالوا: منعنا الخوف. ~~فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته، وكان ذلك سبب البطائح، ولم تكن قبل ذلك ~~وكانت الأرض كلها عامرة. # فلما جاءت سنة ست من الهجرة أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد ~~الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، فزادت الفرات والدجلة زيادة عظيمة لم ير ~~قبلها ولا بعدها مثلها، فانبثقت البثوق وانتسفت ما كان بناه كسرى واجتهد أن ~~يكسرها فغلبه الماء، كما بينا، ومال إلى موضع البطائح فطما الماء على ~~الزروع وغرق عدة طساسيج، ثم دخلت العرب أرض الفرس، وشغلتهم عن عملها ~~بالحروب واتسع الخرق. فلما كان زمن الحجاج تفجرت بثوق أخر فلم يسدها مضارة ~~للدهاقين لأنه اتهمهم بممالأة ابن الأشعث، فعظم الخطب ms0316 فيها وعجز الناس عن ~~عملها، فبقيت على ذلك إلى الآن. # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت ~~إيوانه الذي لا يدخل عليه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا ~~بالهاجرة في ساعته التي يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ ~~فقال: بهل بهل! وانصرف عنه فدعا بحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال: من أدخل ~~هذا الرجل؟ فقالوا: ما دخل علينا أحد ولا رأيناه! حتى إذا كان العام المقبل ~~أتاه في تلك الساعة وقال له: أتسلم أو أكسر العصا؟ فقال: بهل بهل! وتغيظ ~~على حجابه وحراسه. فلما كان العام # PageV01P435 # الثالث أتاه فقال: أتسلم أو أكسر العصا؟ فقال: بهل بهل! فكسر العصا ثم ~~خرج. فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه. # وقال الحسن البصري: «قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له: يا ~~رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال: (بعث إليه ملكا، فأخرج يده إليه ~~من جدار بيته تلألأ نورا، فلما رآها فزع فقال له: لا ترع يا كسرى! إن الله ~~قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك. قال: سأنظر) » . # ذكر وقعة ذي قار وسببه # ذكروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لما بلغه ما كان من ظفر ~~ربيعة بجيش كسرى: (هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجم وبي نصروا) » . ~~فحفظ ذلك منه، وكان يوم الواقعة. # قال هشام بن محمد: كان عدي بن زيد التميمي وأخوه عمار، وهو أبي، وعمرو، ~~وهو سمي، يكونون مع الأكاسرة ولهم إليهم انقطاع، وكان المنذر بن المنذر لما ~~ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد، وكان له غير النعمان أحد عشر ولدا ~~وكانوا يسمون الأشاهب لجمالهم. فلما مات المنذر بن المنذر وخلف أولاده أراد ~~كسرى بن هرمز أن يملك على العرب من يختاره، فأحضر عدي بن زيد وسأله عن ~~أولاد المنذر، فقال: هم رجال، فأمره بإحضارهم. فكتب عدي ms0317 فأحضرهم وأنزلهم، ~~وكان يفضل إخوة النعمان عليه ويريهم أنه لا يرجو النعمان ويخلو بواحد واحد ~~ويقول له: إذا سألك الملك أتكفونني العرب؟ قولوا: نكفيكهم إلا النعمان. ~~وقال للنعمان: إذا سألك الملك عن إخوتك فقل له: إذا عجزت عن إخوتي فأنا عن ~~غيرهم أعجز. # وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان داهيا شاعرا، ~~وكان # PageV01P436 # يقول للأسود بن المنذر: قد عرفت أني أرجوك وعيني إليك، وإنني أريدك أن ~~تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبدا! فلم يلتفت إلى قوله. # فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يحضرهم، أحضرهم رجلا رجلا وسألهم كسرى: ~~أتكفونني العرب؟ فقالوا: نعم إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا ~~دميما أحمر أبرش قصيرا فقال له: أتكفيني إخوتك والعرب؟ قال: نعم، وإن عجزت ~~عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز. فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف ~~درهم، فقال عدي بن مرينا للأسود: دونك فقد خالفت الرأي. # ثم صنع عدي بن زيد طعاما ودعا عدي بن مرينا إليه وقال: إني عرفت أن صاحبك ~~الأسود كان أحب إليك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، ~~وإني أحب ألا تحقد علي، وإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وحلف ~~لابن مرينا أن لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا، فقام ابن مرينا وحلف أنه لا ~~يزال يهجوه ويبغيه الغوائل. وسار النعمان حتى نزل الحيرة، وقال ابن مرينا ~~للأسود: إذا فاتك فلا تعجز أن تطلب بثأرك من عدي فإن معدا لا ينام مكرها، ~~وأمرتك بمعصيته فخالفتني، وأريد أن لا يأتيك من مالك شيء إلا عرضته علي. ~~ففعل. # وكان ابن مرينا كثير المال، وكان لا يخلي النعمان يوما من هدية وطرفة، ~~فصار من أكرم الناس عليه، وكان إذا ذكر عدي بن زيد وصفه وقال: إلا أنه فيه ~~مكر وخديعة، واستمال أصحاب النعمان، فمالوا إليه، وواضعهم على أن قالوا ~~للنعمان: إن عدي بن زيد يقول إنك عامله، ولم يزالوا بالنعمان حتى ms0318 أضغنوه ~~عليه، فأرسل إلى عدي يستزيره، فاستأذن عدي كسرى في ذلك فأذن له، فلما أتاه ~~لم ينظر إليه حتى حبسه ومنع من الدخول عليه، فجعل عدي يقول الشعر وهو في ~~السجن، وبلغ النعمان قوله فندم على حبسه إياه وخاف منه إذا أطلقه. # فكتب عدي إلى أخيه أبي أبياتا يعلمه بحاله، فلما قرأ أبياته وكتابه كلم ~~كسرى فيه، فكتب إلى النعمان وأرسل رجلا في إطلاق عدي، وتقدم أخو عدي إلى ~~الرسول بالدخول إلى عدي قبل النعمان، ففعل ودخل على عدي، وأعلمه أنه أرسل ~~لإطلاقه، # PageV01P437 # فقال له عدي: لا تخرج من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله، فإنك إن خرجت من ~~عندي قتلني، فلم يفعل، ودخل أعداء عدي على النعمان فأعلموه الحال وخوفوه من ~~إطلاقه، فأرسلهم إليه فخنقوه ثم دفنوه. # وجاء الرسول فدخل على النعمان بالكتاب فقال: نعم وكرامة، وبعث إليه ~~بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال: إذا أصبحت ادخل إليه فخذه. فلما أصبح ~~الرسول غدا إلى السجن فلم ير عديا، وقال له الحرس: إنه مات منذ أيام. فرجع ~~إلى النعمان وأخبره أنه رآه بالأمس ولم يره اليوم، فقال: كذبت! وزاده رشوة ~~واستوثق منه أن لا يخبر كسرى، إلا أنه مات قبل وصوله إلى النعمان. قال: ~~وندم النعمان على قتله، واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم هيبة شديدة. ~~فخرج النعمان في بعض صيده، فرأى ابنا لعدي يقال له زيد، فكلمه وفرح به فرحا ~~شديدا، واعتذر إليه من أمر أبيه وسيره، إلى كسرى ووصفه له، وطلب إليه أن ~~يجعله مكان أبيه، ففعل كسرى، وكان يلي ما يكتب إلى العرب خاصة، وسأله كسرى ~~عن النعمان فأحسن الثناء عليه، وأقام عند الملك سنوات بمنزلة أبيه، وكان ~~يكثر الدخول على كسرى. # وكان لملوك الأعاجم صفة للنساء مكتوبة عندهم، وكانوا يبعثون في طلب من ~~يكون على هذه الصفة من النساء ولا يقصدون العرب، فقال له زيد بن عدي: إني ~~أعرف عند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه أكثر من عشرين امرأة على هذه ~~الصفة. قال: فتكتب فيهن. قال: أيها ms0319 الملك إن شر شيء في العرب، وفي النعمان ~~أنهم يتكرمون بأنفسهم عن العجم، فأنا أكره أن تعنتهن، وإن قدمت أنا عليه لم ~~يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي رجلا يفقه العربية، فبعث معه رجلا جلدا، ~~فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على النعمان. قال له زيد: إن الملك احتاج إلى ~~نساء لأهله وولده وأراد كرامتك فبعث إليك. قال: وما هؤلاء النسوة؟ قال: هذه ~~صفتهن قد جئنا بها. # وكانت الصفة أن المنذر أهدى إلى أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على ~~الحارث بن أبي شمر الغساني، وكتب يصفها أنها معتدلة الخلق، نقية اللون ~~والثغر، بيضاء، وطفاء، قمراء، دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، زجاء # PageV01P438 # برجاء، أسيلة الخد، شهية القد، جثيلة الشعر، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، ~~عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة ~~الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، ~~رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة، ~~مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، ~~بضة المتجرد، سموع للسيد، ليست بخنساء ولا سفعاء، ذليلة الأنف، عزيزة ~~النفر، لم تغذ في بؤس، حيية، رزينة، ركينة، # PageV01P439 # كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، ~~قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، ~~صناع الكفين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت وتشين العدو، إن أردتها ~~اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، ويحمر خداها، وتذبذب شفتاها، ~~وتبادر الوثبة، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست. # فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة، فبقيت إلى أيام كسرى بن هرمز. فقرأ ~~زيد هذه الصفة على النعمان، فشق ذلك عليه وقال لزيد، والرسول يسمع: أما في ~~عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم! قال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: ~~البقر. # وأنزلهما يومين وكتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد ~~اعذرني عنده. # فلما عاد إلى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتني به؟ قال: قد قلت للملك ~~وعرفته بخلهم ms0320 بنسائهم على غيرهم وأن ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم، وسل هذا ~~الرسول عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن ذلك. فسأل الرسول، فقال: إنه قال: ~~أما في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فعرف الغضب في وجهه ~~ووقع في قلبه وقال: رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا فصار أمره إلى التباب. # وبلغ هذا الكلام النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهرا والنعمان يستعد، حتى ~~أتاه كتاب كسرى يستدعيه. فحين وصل الكتاب أخذ سلاحه وما قوي عليه، ثم # PageV01P440 # لحق بجبلي طيء، وكان متزوجا إليهم، وطلب منهم أن يمنعوه. فأبوا عليه خوفا ~~من كسرى، فأقبل وليس أحد من العرب يقبله، حتى نزل في ذي قار في بني شيبان ~~سرا، فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو الشيباني وكان سيدا منيعا، والبيت ~~من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين، وكان ~~كسرى قد أطعمه الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا ~~يمنعه مما يمنع منه أهله، فأودعه أهله وماله، وفيه أربعمائة درع، وقيل: ~~ثمانمائة درع. # وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال: انج ~~نعيم. فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت ~~بأبيك. فقال له زيد: امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر ~~الأرن. # فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده، وبعث به إلى خانقين حتى وقع ~~الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط ببيت الأعشى وهو يقول: # فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق # PageV01P441 # وكان موته قبل الإسلام. # فلما مات استعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه ~~النعمان. وكان كسرى اجتاز به لما سار إلى ملك الروم فأهدى له هدية، فشكر ~~ذلك له وأرسل إليه، فبعث كسرى بأن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه، فبعث ~~إياس إلى هانئ بن مسعود ms0321 الشيباني يأمره بإرسال ما استودعه النعمان، فأبى ~~هانئ أن يسلم ما عنده. فلما أبى هانئ غضب كسرى، وعنده النعمان بن زرعة ~~التغلبي، وهو يحب هلاك بكر بن وائل، فقال لكسرى: أمهلهم حتى يقيظوا ~~ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت. # فصبر كسرى حتى جاءوا حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة ~~يخيرهم واحدة من ثلاث: إما أن يعطوا بأيديهم، وإما أن يتركوا ديارهم، وإما ~~أن يحاربوا. فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة العجلي، فأشار بالحرب، فآذنوا ~~الملك بالحرب، فأرسل كسرى إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش، ومعه مرازبة ~~الفرس والهامرز التستري وغيره من العرب تغلب وإياد وقيس بن مسعود بن قيس بن ~~ذي الجدين، وكان على طف سفوان، فأرسل الفيول، وكان قد بعث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقسم هانئ بن مسعود دروع النعمان وسلاحه. # فلما دنت الفرس من بني شيبان قال هانئ بن مسعود: يا معشر بكر، إنه لا ~~طاقة لكم في قتال كسرى فاركنوا إلى الفلاة. فسارع الناس إلى ذلك، فوثب ~~حنظلة بن ثعلبة العجلي وقال: يا هانئ أردت نجاءنا فألقيتنا في الهلكة، ورد ~~الناس وقطع وضن الهوادج، وهي الحزم للرجال، فسمي مقطع الوضن، وضرب على نفسه ~~قبة، وأقسم ألا يفر حتى تفر القبة، فرجع الناس واستقوا ماء لنصف شهر. ~~فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو، فانهزمت العجم خوفا من العطش إلى الجبابات، ~~فتبعتهم بكر وعجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا، واضطمت عليهم جنود العجم، فقال ~~الناس: هلكت عجل. # PageV01P442 # ثم حملت بكر فوجدت عجلا تقاتل، وامرأة منهم تقول: # إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيها فداء لكم بني عجل # فقاتلوهم ذلك اليوم، ومالت العجم إلى بطحاء ذي قار خوفا من العطش، فأرسلت ~~إياد إلى بكر، وكانوا مع الفرس، وقالوا لهم: إن شئتم هربنا الليلة، وإن ~~شئتم أقمنا ونفر حين تلاقون الناس. فقالوا: بل تقيمون وتنهزمون إذا ~~التقينا. وقال زيد بن حسان السكوني، وكان حليفا لبني شيبان: أطيعوني ~~واكتموا لهم ففعلوا، ثم قاتلوا وحرض بعضهم بعضا، وقالت ابنة ms0322 القرين ~~الشيبانية: # ويها بني شيبان صفا بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف # فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبهم لتخف أيديهم لضرب ~~السيوف، فجالدوهم وبارز الهامرز، فبرز إليه برد بن حارثة اليشكري فقتله ~~برد، ثم حملت ميسرة بكر وميمنتها، وخرج الكمين فشدوا على قلب الجيش وفيهم ~~إياس بن قبيصة الطائي، وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، فانهزمت الفرس ~~واتبعتهم بكر تقتل ولا تلتفت إلى سلب وغنيمة. وقال الشعراء في وقعة ذي قار ~~فأكثروا. ### | [ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هند] # PageV01P443 # قد ذكرنا من ملك من آل نصر بن ربيعة إلى هلاك عمرو بن هند. فلما هلك عمرو ~~ملك موضعه أخوه قابوس بن المنذر أربع سنين، من ذلك أيام أنوشروان ثمانية ~~أشهر، وفي أيام هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر. # ثم ولي بعد قابوس السهرب. # ثم ملك بعده المنذر بن النعمان أربع سنين. # ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك في ~~زمان هرمز سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمان ابنه أبرويز أربع عشرة سنة ~~وأربعة أشهر. # ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرخان في زمان كسرى بن هرمز أربع ~~عشرة سنة، ولثمانية أشهر من ولاية إياس بعث النبي - صلى الله عليه وسلم. # PageV01P444 # ثم ولي ازادبه بن مابيان الهمداني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمان كسرى بن ~~هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمان شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، ~~وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر، وفي زمن بوران دخت ابنة كسرى ~~شهرا. # ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر، وهو الذي يسميه العرب المغرور الذي ~~قتل بالبحرين يوم جواثاء. وكانت ولايته إلى أن قدم عليه خالد بن الوليد ~~الحيرة ثمانية أشهر، وكان آخر من بقي من آل نصر، وانقرض ملكهم مع انقراض ~~ملك فارس، فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام عشرون ملكا ملكوا خمسمائة سنة ~~واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر. # ذكر المروزان وولايته اليمن من قبل هرمز # قال هشام: ms0323 استعمل كسرى هرمز المروزان بعد عزل زرين عن اليمن، وأقام ~~باليمن حتى ولد له فيها، ثم إن أهل جبل يقال له المضايع منعوه الخراج، ~~فقصدهم فرأى جبلهم لا يقدر عليه لحصانته وله طريق واحد يحميه رجل واحد، ~~وكان يحاذي ذلك الجبل جبل آخر، وقد قارب هذا الجبل، فأجرى فرسه فعبر به ذلك ~~المضيق، فلما رأته حمير قالوا: هذا شيطان! وملك حصنهم وأدوا الخراج، وأرسل ~~إلى كسرى يعلمه، فاستدعاه إليه فاستخلف ابنه خرخسره على اليمن وسار إليه ~~فمات في الطريق، وعزل كسرى خرخسره عن اليمن وولى باذان، وهو آخر من قدم ~~اليمن من ولاة العجم. # ذكر قتل كسرى أبرويز # PageV01P445 # كان كسرى قد طغى لكثرة ماله وما فتحه من بلاد العدو ومساعدة الأقدار وشره ~~على أموال الناس، ففسدت قلوبهم. # وقيل: كانت له اثنا عشر ألف امرأة، وقيل: ثلاثة آلاف امرأة، يطؤهن، وألوف ~~جوار، وكان له خمسون ألف دابة، وكان أرغب الناس في الجواهر والأواني وغير ~~ذلك. # وقيل: إنه أمر أن يحصى ما جبي من خراج بلاده في سنة ثماني عشرة من ملكه، ~~فكان من الورق مائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال، وإنه احتقر الناس ~~وأمر رجلا اسمه زاذان بقتل كل مقيد في سجونه، فبلغوا ستة وثلاثين ألفا، فلم ~~يقدم زاذان على قتلهم، فصاروا أعداء له، وكان أمر بقتل المنهزمين من الروم ~~فصاروا أيضا أعداء له، واستعمل رجلا على استخلاص بواقي الخراج، فعسف الناس ~~وظلمهم، ففسدت نياتهم، ومضى ناس من العظماء إلى بابل، فأحضروا ولده شيرويه ~~بن أبرويز، فإن كسرى كان قد ترك أولاده بها ومنعهم من التصرف، وجعل عندهم ~~من يؤدبهم، فوصل إلى بهرسير فدخلها ليلا فأخرج من كان في سجونها، واجتمع ~~إليه أيضا الذين كان كسرى أمر بقتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه، وساروا حين ~~أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب حرسه، خرج كسرى إلى بستان قريب من قصره هاربا ~~فأخذ أسيرا، وملكوا ابنه، فأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه، ثم قتلته ~~الفرس وساعدهم ابنه، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة. # ولمضي ms0324 اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما هاجر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة. # قيل: وكان لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا، وكان أكبرهم شهريار، وكانت ~~شيرين قد تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام يكون خراب ~~هذا المجلس وذهاب الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فمنع ولده عن ~~النساء لذلك حتى شكا شهريار إلى شيرين الشبق، فأرسلت إليه جارية كانت ~~تحجمها، وكانت # PageV01P446 # تظن أنها لا تلد، فلما وطئها علقت بيزدجرد فكتمته خمس سنين، ثم إنها رأت ~~من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت: أيسرك أن ترى لبعض بنيك ولدا؟ قال: ~~نعم، فأتته بيزدجرد، فأحبه وقربه، فبينما هو يلعب ذات يوم ذكر ما قيل، فأمر ~~به، فجرد من ثيابه، فرأى النقص في أحد وركيه فأراد قتله، فمنعته شيرين ~~وقالت: إن كان الأمر في الملك قد حضر فلا مرد له، فأمرت به فحمل إلى ~~سجستان، وقيل: بل تركته في السواد في قرية يقال لها خمانية. ولما قتل كسرى ~~أبرويز بن هرمز ملك ابنه شيرويه. # ذكر ملك كسرى شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان # لما ملك شيرويه بن أبرويز وأمه مريم ابنة موريق ملك الروم واسمه قباذ، ~~دخل عليه العظماء والأشراف فقالوا: لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن ~~تقتل كسرى ونحن عبيدك، وإما أن نخلعك ونطيعه. # فانكسر شيرويه ونقل أباه من دار الملك إلى موضع آخر حبسه فيه، ثم جمع ~~العظماء وقال: قد رأينا الإرسال إلى كسرى بما كان من إساءته ونوقفه على ~~أشياء منها. فأرسل إليه رجلا يقال له أستاذ خشنش كان يلي تدبير المملكة، ~~وقال له: قل لأبينا الملك عن رسالتنا: إن سوء أعمالك فعل بك ما ترى، منها ~~جرأتك على أبيك، وسملك عينيه وقتلك إياه، ومنها سوء صنيعك إلينا معشر ~~أبنائك في منعنا من مجالسة الناس وكل ما لنا فيه دعة، ومنها إساءتك إلى من ~~خلدت في السجون، ومنها إساءتك إلى النساء تأخذهن لنفسك وتركك العطف عليهن، ~~ومنعهن ممن ms0325 يعاشرهن ويرزقن منه الولد، ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة من ~~العنف والغلظة والفظاظة، ومنها جمع الأموال في شدة وعنف من أربابها، ومنها ~~تجميرك الجنود في ثغور الروم وغيرها، وتفريقك بينهم وبين أهليهم، ومنها ~~غدرك بموريق ملك الروم مع إحسانه إليك وحسن بلائه عندك وتزويجه # PageV01P447 # إياك بابنته، ومنعك إياه خشبة الصليب التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك ~~إليها حاجة، فإن كان لك حجة تذكرها فافعل، وإن لم يكن لك حجة فتب إلى الله ~~تعالى حتى يأمر فيك بأمره. # قال: فجاء الرسول إلى كسرى أبرويز فأدى إليه الرسالة، فقال أبرويز: قل ~~عني لشيرويه القصير العمر، لا ينبغي لأحد أن يتوب من أجل الصغير من الذنب، ~~إلا بعد أن يتيقنه فضلا عن عظيمه ما ذكرت وكثرت منا، ولو كنا كما تقول لم ~~يكن لك أيها الجاهل أن تنشر عنا مثل هذا العظيم الذي يوجب علينا القتل، لما ~~يلزمك في ذلك من العيوب، فإن قضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من ~~أبيه، وينفونه من مضامة أهل الأخيار ومجالستهم فضلا عن أن يملك، مع أنه قد ~~بلغ منا بحمد الله من إصلاحنا أنفسنا وأبناءنا ورعيتنا ما ليس في شيء منه ~~تقصير، ونحن نشرح الحال فيما لزمنا من الذنوب لتزداد علما بجهلك. فمن ~~جوابنا: أن الأشرار أغروا كسرى هرمز والدنا بنا حتى اتهمنا، فرأينا من سوء ~~رأيه فينا ما يخوفنا منه، فاعتزلنا بابه إلى أذربيجان، وقد استفاض ذلك، ~~فلما انتهك منه ما انتهك شخصنا إلى بابه، فهجم المنافق بهرام علينا فأجلانا ~~عن المملكة، فسرنا إلى الروم وعدنا إلى ملكنا واستحكم أمرنا، فبدأنا بأخذ ~~الثأر ممن قتل أبانا أو شرك في دمه. # وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا، فإننا وكلنا بكم من يكفكم عن الانتشار فيما ~~لا يعنيكم فتتأذى بكم الرعية والبلاد، وكنا أقمنا لكم النفقات الواسعة ~~وجميع ما تحتاجون إليه، وأما أنت خاصة فإن المنجمين قضوا في مولدك أنك مثرب ~~علينا، وأن يكون ذلك بسببك، وإن ملك الهند كتب إليك كتابا وأهدى لك ms0326 هدية، ~~فقرأنا الكتاب فإذا هو يبشرك بالملك بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكنا، وقد ~~ختمنا على الكتاب وعلى مولدك وهما عند شيرين، فإن أحببت أن تقرأهما فافعل، ~~فلم يمنعنا ذلك عن برك والإحسان إليك فضلا عن قتلك. # وأما ما ذكرت عمن خلدناه في السجون، فجوابنا: إننا لم نحبس إلا من وجب ~~عليه القتل أو قطع بعض الأطراف، وقد كان الموكلون بهم والوزراء يأمروننا ~~بقتل من وجب قتله قبل أن يحتالوا لأنفسهم، فكنا بحبنا الاستبقاء وكراهتنا ~~لسفك الدماء نتأنى # PageV01P448 # بهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن أخرجتهم من محبسهم عصيت ربك، ولتجدن ~~غب ذلك. # أما قولك: إنا جمعنا الأموال، وأنواع الجواهر والأمتعة بأعنف جمع وأشد ~~إلحاح، فاعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم الملك بعد الله تعالى الأموال ~~والجنود، وخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفه الأعداء، ولا يقدر على كفهم وردعهم ~~عما يريدونه إلا بالجنود والأسلحة والعدد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمال، ~~وقد كان أسلافنا جمعوا الأموال والسلاح وغير ذلك فأغار المنافق بهرام ومن ~~معه على ذلك إلا اليسير، فلما ارتجعنا ملكنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة، ~~أرسلنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين وقامرسانين، فكفوا الأعداء وأغاروا على ~~بلادهم، ووصل إلينا غنائم بلادهم من أصناف الأموال والأمتعة ما لا يعلمه ~~إلا الله تعالى، وقد بلغنا أنك هممت بتفريق هذه الأموال على رأي الأشرار ~~المستوجبين للقتل، ونحن نعلمك أن هذه الأموال لم تجتمع إلا بعد الكد والتعب ~~والمخاطرة بالنفوس، فلا تفعل ذلك فإنها كهف ملكك وبلادك وقوة على عدوك. # فلما انصرف أستاذ خشنش إلى شيرويه قص عليه جواب أبيه، ثم إن عظماء الفرس ~~عادوا إلى شيرويه فقالوا: إما أن تأمر بقتل أبيك وإما أن نطيعه ونخلعك، ~~فأمر بقتله على كره منه وانتدب لقتله رجالا ممن وترهم كسرى أبرويز، وكان ~~الذي باشر قتله شاب يقال له مهرهرمز بن مردانشاه من ناحية نيمروذ. # فلما قتل شق شيرويه ثيابه وبكى ولطم وجهه، وحملت جنازته وتبعها العظماء ~~وأشراف الناس، فلما دفن أمر شيرويه بقتل مهرهرمز قاتل أبيه. وكان ms0327 ملكه ~~ثمانيا وثلاثين سنة. # ثم إن شيرويه قتل إخوته، فهلك منهم سبعة عشر أخا ذوو شجاعة وأدب، بمشورة ~~وزيره فيروز. # وابتلي شيرويه بالأمراض، ولم يلتذ بشيء من الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة ~~الملك، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا. # ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من قتل إخوته دخلت عليه بوران وآزرميدخت ~~أختاه # PageV01P449 # فأغلظتا له وقالتا: حملك الحرص على الملك الذي لا يتم لك على قتل أبيك ~~وإخوتك. فلما سمع ذلك بكى بكاء شديدا ورمى التاج عن رأسه ولم يزل مهموما ~~مدنفا. ويقال: إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته. وفشا الطاعون في أيامه ~~فهلك من الفرس أكثرهم، ثم هلك هو. وكان ملكه ثمانية أشهر. # ذكر ملك أردشير # وكان عمره سبع سنين. # فلما توفي شيرويه ملك الفرس عليهم ابنه أردشير، وحضنه رجل يقال له بهادر ~~جسنس، مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ~~ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير. # وكان شهربراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى أبرويز، وكان قد صلح له ~~بعده ما فعل بالروم مما ذكرناه، وكان ينفذ له الخلع والهدايا، وكان أبرويز ~~وشيرويه يكاتبانه ويستشيرانه، فلما لم يشاوره عظماء الفرس في تمليك أردشير ~~اتخذ ذلك ذريعة إلى التعنت، وبسط يده في القتل، وجعله سببا للطمع في الملك ~~احتقارا لأردشير لصغر سنه، فأقبل بجنده نحو المدائن، فتحول أردشير وبهادر ~~جسنس ومن بقي من نسل الملك إلى مدينة طيسفون، فحاصرهم شهربراز ونصب عليهم ~~المجانيق فلم يظفر بشيء، فأتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رئيس الحرس ~~وأصبهبذ نيمروذ، حتى فتحا له باب المدينة فدخلها، وقتل جماعة من الرؤساء ~~وأخذ أموالهم وقتل بعض أصحابه أردشير في إيوان خسروشاه قباذ بأمر شهربراز. # وكان ملكه سنة وستة أشهر. # PageV01P450 # ذكر ملك شهربراز # ولم يكن من بيت الملك. # لما قتل أردشير جلس شهربراز، واسمه فرخان، على تخت المملكة، فحين جلس ~~عليه ضرب عليه بطنه فاشتد ذلك. ثم عوفي. # وتعاهد ثلاثة إخوة من أهل إصطخر على قتله غضبا لقتل ms0328 أردشير، وكانوا في ~~حرسه، وكان الحرس يقفون سماطين إذا ركب الملك عليهم السلاح وبأيديهم السيوف ~~والرماح، فإذا حاذى الملك بعضهم وضع جبهته على ترسه فوق الترس كهيئة ~~السجود. فركب شهربراز يوما فوقف الإخوة الثلاثة بعضهم قريب من بعض، فلما ~~حاذاهم طعنوه فسقط ميتا، فشدوا في رجله حبلا وجروه، وساعدهم بعض العظماء ~~وتساعدوا على قتل جماعة قتلوا أردشير، وكان جميع ملكه أربعين يوما. # ذكر ملك بوران ابنة أبرويز بن هرمز بن أنوشروان # لما قتل شهربراز ملكت الفرس بوران، لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلا ~~يملكونه. فلما ملكت أحسنت السيرة في رعيتها وعدلت فيهم، فأصلحت القناطر، ~~ووضعت ما بقي من الخراج، وردت خشبة الصليب على ملك الروم، وكانت مملكتها ~~سنة وأربعة أشهر. # ثم ملك بعدها رجل يقال له خشنشبنده من بني عم أبرويز الأبعدين، وكان ملكه ~~أقل من شهر، وقتله الجند لأنهم أنكروا سيرته. # ذكر ملك آزرميدخت ابنة أبرويز # لما قتل خشنشبنده ملكت الفرس آزرميدخت ابنة أبرويز، وكانت من أجمل ~~النساء، وكان عظيم الفرس يومئذ فرخهرمز أصبهبذ خراسان، فأرسل إليها ~~يختطبها، فقالت: إن # PageV01P451 # التزوج للملكة غير جائز، وغرضك قضاء حاجتك مني فصر إلي وقت كذا. ففعل ~~وسار إليها تلك الليلة، فتقدمت إلى صاحب حرسها أن يقتله، فقتله وطرح في ~~رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا رأوه قتيلا فغيبوه. # وكان ابنه رستم، وهو الذي قاتل المسلمين بالقادسية، خليفة أبيه بخراسان، ~~فسار في عسكر حتى نزل بالمدائن، وسمل عيني آزرميدخت وقتلها، وقيل: بل سمت. ~~وكان ملكها ستة أشهر. # قيل: ثم أتى رجل يقال له كسرى بن مهرجسنس من عقب أردشير بن بابك، كان ~~ينزل الأهواز، فملكه العظماء ولبس التاج وقتل بعد أيام. # وقيل: إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاد خسرو من ولد أبرويز، وأمه كردية ~~أخت بسطام، وقيل: وجد بحصن الحجارة بقرب نصيبين، فمكث أياما يسيرة ثم خلعوه ~~وقتلوه. وكان ملكه ستة أشهر. # وقال الذين قالوا ملك كسرى بن مهرجسنس: إنه لما قتل طلب عظماء الفرس من ~~له نسب بين المملكة ولو من النساء، ms0329 فأتوا برجل كان يسكن ميسان يقال له ~~فيروز بن مهران جسنس، ويسمى أيضا جسنسنده، أمه صهار بخت ابنة يزدانزان بن ~~أنوشروان فملكوه، وكان ضخم الرأس. فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج! ~~فتطيروا من كلامه فقتلوه في الحال، وقيل كان قتله بعد أيام. # ذكر ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز # ثم إن الفرس اضطرب أمرهم، ودخل المسلمون بلادهم فطلبوا أحدا من بين ~~المملكة ليملكوه ويقاتلوا بين يديه ويحفظوا بلادهم، فظفروا بيزدجرد بن ~~شهريار بن أبرويز بإصطخر، فأخذوه وساروا به إلى المدائن فملكوه واستقر في ~~الملك، غير أن ملكه كان # PageV01P452 # كالخيال عند ملك أهل بيته. وكان الوزراء والعظماء يدبرون ملكه لحداثة سنه ~~وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليهم الأعداء وتطرقوا بلادهم، وغزت العرب ~~بلاده بعد أن مضى من ملكه سنتان. وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين ~~سنة، وبقي من أخباره ما نذكره إن شاء الله في موضعه من فتوح المسلمين. # هذا آخر ملوك الفرس ونذكر بعده التواريخ الإسلامية على سياقة سني الهجرة، ~~ونقدم قبل ذلك الأيام المشهورة للعرب في الجاهلية، ثم نأتي بعدها بالحوادث ~~الإسلامية إن شاء الله تعالى. ### | [ذكر أيام العرب في الجاهلية] # PageV01P453 # لم يذكر أبو جعفر من أيامها غير يوم ذي قار، وجذيمة الأبرش، والزباء، ~~وطسم، وجديس، وما ذكر ذلك إلا حيث أنهم ملوك، فأغفل ما سوى ذلك. ونحن نذكر ~~الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثير وقتال شديد، ~~ولم أعرج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر، ~~فنقول، وبالله التوفيق: # ذكر حرب زهير بن جناب الكلبي مع غطفان وبكر وتغلب وبني القين # كان زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة ~~الكلبي أحد من اجتمعت عليه قضاعة، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه، وعاش مائتين ~~وخمسين سنة، أوقع فيها مائتي وقعة، وقيل: عاش أربعمائة وخمسين سنة، وكان ~~شجاعا مظفرا ميمون النقيبة. # PageV01P454 # وكان سبب غزاته غطفان أن بني بغيض بن ريث بن غطفان ms0330 حين خرجوا من تهامة ~~ساروا بأجمعهم، فتعرضت لهم صداء، وهي قبيلة من مذحج، فقاتلوهم، وبنو بغيض ~~سائرون بأهليهم وأموالهم، فقاتلوهم عن حريمهم فظهروا على صداء وفتكوا فيهم، ~~فعزت بغيض بذلك وأثرت وكثرت أموالها. فلما رأوا ذلك قالوا: والله لنتخذن ~~حرما مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائذه، فبنوا حرما ووليه بنو مرة بن ~~عوف، فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن جناب قال: والله لا يكون ذلك ~~أبدا وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرما أبدا. فنادى في قومه فاجتمعوا ~~إليه، فقام فيهم فذكر حال غطفان وما بلغه عنهم وقال: إن أعظم مأثرة يدخرها ~~هو وقومه أن يمنعوهم من ذلك، فأجابوا، فغزا بهم غطفان وقاتلهم أبرح قتال ~~وأشده، وظفر بهم زهير وأصاب حاجته منهم وأخذ فارسا منهم في حرمهم فقتله ~~وعطل ذلك الحرم. ثم من على غطفان ورد النساء وأخذ الأموال، وقال زهير في ~~ذلك: # فلم تصبر لنا غطفان لما ... تلاقينا وأحرزت النساء # فلولا الفضل منا ما رجعتم ... إلى عذراء شيمتها الحياء # فدونكم ديونا فاطلبوها ... وأوتارا ودونكم اللقاء # فإنا حيث لا يخفى عليكم ... ليوث حين يحتضر اللواء # فقد أضحى لحي بني جناب ... فضاء الأرض والماء الرواء # نفينا نخوة الأعداء عنا ... بأرماح أسنتها ظماء # ولولا صبرنا يوم التقينا ... لقينا مثل ما لقيت صداء # غداة تضرعوا لبني بغيض ... وصدق الطعن للنوكى شفاء # وأما حربه مع بكر وتغلب ابني وائل، فكان سببها أن أبرهة حين طلع إلى نجد ~~أتاه زهير، فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أمره على بكر وتغلب ابني ~~وائل، # PageV01P455 # فوليهم حتى أصابتهم سنة فاشتد عليهم ما يطلب منهم من الخراج، فأقام بهم ~~زهير في الحرب ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم، فكادت مواشيهم تهلك. ~~فلما رأى ذلك ابن زيابة أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وكان فاتكا، أتى زهيرا ~~وهو نائم، فاعتمد التيمي بالسيف على بطن زهير فمر فيها حتى خرج من ظهره ~~مارقا بين الصفاق، وسلمت أمعاؤه وما في بطنه، وظن التيمي أنه قد ms0331 قتله، وعلم ~~زهير أنه قد سلم فلم يتحرك لئلا يجهز عليه، فسكت. فانصرف التيمي إلى قومه ~~فأعلمهم أنه قتل زهيرا، فسرهم ذلك. # ولم يكن مع زهير إلا نفر من قومه، فأمرهم أن يظهروا أنه ميت وأن يستأذنوا ~~بكرا وتغلب في دفنه فإذا أذنوا دفنوا ثيابا ملفوفة وساروا به مجدين إلى ~~قومهم، ففعلوا ذلك. فأذنت لهم بكر وتغلب في دفنه، فحفروا وعمقوا ودفنوا ~~ثيابا ملفوفة لم يشك من رآها أن فيها ميتا، ثم ساروا مجدين إلى قومهم، فجمع ~~لهم زهير الجموع، وبلغهم الخبر فقال ابن زيابة: # طعنة ما طعنت في غلس اللي ... ل زهيرا وقد توافى الخصوم # حين يحمي له المواسم بكر ... أين بكر وأين منها الحلوم # خانني السيف إذ طعنت ... زهيرا وهو سيف مضلل مشؤوم # وجمع زهير من قدر عليه من أهل اليمن، وغزا بكرا وتغلب، وكانوا علموا به، ~~فقاتلهم قتالا شديدا انهزمت به بكر، وقاتلت تغلب بعدها فانهزمت أيضا، وأسر ~~كليب ومهلهل ابنا ربيعة وأخذت الأموال وكثرت القتلى في بني تغلب وأسر جماعة ~~من فرسانهم ووجوههم، فقال زهير في ذلك من قصيدة: # أين أين الفرار من حذر ... المو ت إذا يتقون بالأسلاب # PageV01P456 # إذ أسرنا مهلهلا وأخاه وابن ... عمرو في القيد وابن شهاب # وسبينا من تغلب كل بيضا ... ء رقود الضحى برود الرضاب # حين تدعو مهلهلا يال بكر ... ها أهذي حفيظة الأحساب # ويحكم ويحكم أبيح حماكم يا ... بني تغلب أنا ابن رضاب # وهم هاربون في كل فج ... كشريد النعام فوق الروابي # واستدارت رحى المنايا ... عليهم بليوث من عامر وجناب # فهم بين هارب ليس يألو ... وقتيل معفر في التراب # فضل العز عزنا حين نسمو ... مثل فضل السماء فوق السحاب # وأما حربه مع بني القين بن جسر فكان سببها أن أختا لزهير كانت متزوجة ~~فيهم. فجاء رسولها إلى زهير ومعه صرة فيها رمل، وصرة فيها شوك قتاد، فقال ~~زهير: إنها تخبركم أنه يأتيكم عدو كثير ذو شوكة شديدة، فاحتملوا. فقال ~~الجلاح بن عوف السحمي: لا نحتمل لقول امرأة، فظعن زهير وأقام الجلاح، ms0332 وصبحه ~~الجيش فقتلوا عامة قوم الجلاح وذهبوا بأموالهم وماله. ومضى زهير فاجتمع مع ~~عشيرته من بني جناب، وبلغ الجيش خبره فقصدوه، فقاتلهم وصبر لهم فهزمهم وقتل ~~رئيسهم، فانصرفوا عنه خائبين. # ولما طال عمر زهير وكبرت سنه استخلف ابن أخيه عبد الله بن عليم، فقال ~~زهير يوما: ألا إن الحي ظاعن. فقال عبد الله: ألا إن الحي مقيم. فقال زهير: ~~من هذا المخالف علي؟ . # PageV01P457 # فقالوا: ابن أخيك عبد الله بن عليم. فقال: أعدى الناس للمرء ابن أخيه. ثم ~~شرب الخمر صرفا حتى مات. # وممن شرب الخمر صرفا حتى مات عمرو بن كلثوم التغلبي، وأبو عامر ملاعب ~~الأسنة العامري. ### | [ذكر يوم البردان] # فكان من حديثه أن زياد بن الهبولة ملك الشام،، وكان من سليح بن حلوان بن ~~عمران بن الحاف بن قضاعة. فأغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث ~~الكندي، ملك عرب بنجد ونواحي العراق وهو يلقب آكل المرار، وكان حجر قد أغار ~~في كندة وربيعة على البحرين، فبلغ زيادا خبرهم فسار إلى أهل حجر وربيعة ~~وأموالهم، وهم خلوف ورجالهم في غزاتهم المذكورة، فأخذ الحريم والأموال، ~~وسبى فيهم هندا بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية. # وسمع حجر وكندة وربيعة بغارة زياد، فعادوا عن غزوهم في طلب ابن الهبولة، ~~ومع حجر أشراف ربيعة عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان. وعمرو بن أبي ربيعة بن ~~ذهل بن شيبان وغيرهما، فأدركوا عمرا بالبردان دون عين أباغ وقد أمن الطلب، ~~فنزل حجر في سفح جبل، ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل بالصحصحان ~~على ماء يقال له حفير. فتعجل عوف بن محلم وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن ~~شيبان وقالا لحجر: إنا متعجلان إلى زياد لعلنا نأخذ منه بعض ما أصاب منا. ~~فسارا إليه، وكان بينه وبين عوف إخاء، فدخل عليه وقال له: يا خير الفتيان ~~اردد علي امرأتي أمامة. فردها عليه وهي حامل، فولدت له بنتا أراد عوف أن ~~يئدها فاستوهبها منه عمرو بن أبي ربيعة وقال: # PageV01P458 # لعلها ms0333 تلد أناسا، فسميت أم أناس، فتزوجها الحارث بن عمرو بن حجر آكل ~~المرار، فولدت عمرا، ويعرف بابن أم أناس. # ثم إن عمرو بن أبي ربيعة قال لزياد: يا خير الفتيان اردد علي ما أخذت من ~~إبلي. فردها عليه وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو فقال له ~~زياد: يا عمرو لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم ~~أنتم! فقال له عمرو: لقد أعطيت قليلا، وسميت جليلا، وجررت على نفسك ويلا ~~طويلا! ولتجدن منه، ولا والله لا تبرح حتى أروي سناني من دمك! ثم ركض فرسه ~~حتى صار إلى حجر، فلم يوضح له الخبر، فأرسل سدوس بن شيبان بن ذهل وصليع بن ~~عبد غنم يتجسسان له الخبر ويعلمان علم العسكر، فخرجا حتى هجما على عسكره ~~ليلا وقد قسم الغنيمة وجيء بالشمع فأطعم الناس تمرا وسمنا، فلما أكل الناس ~~نادى: من جاء بحزمة حطب فله قدرة تمر. فجاء سدوس وصليع بحطب وأخذا قدرتين ~~من تمر وجلسا قريبا من قبته. ثم انصرف صليع إلى حجر فأخبره بعسكر زياد ~~وأراه التمر. # وأما سدوس فقال: لا أبرح حتى آتيه بأمر جلي. وجلس مع القوم يتسمع ما ~~يقولون، وهند امرأة حجر خلف زياد، فقالت لزياد: إن هذا التمر أهدي إلى حجر ~~من هجر، والسمن من دومة الجندل. ثم تفرق أصحاب زياد عنه، فضرب سدوس يده إلى ~~جليس له وقال له: من أنت؟ مخافة أن يستنكره الرجل. فقال: أنا فلان بن فلان. ~~ودنا سدوس من قبة زياد بحيث يسمع كلامه، ودنا زياد من امرأة حجر فقبلها ~~وداعبها وقال لها: ما ظنك الآن بحجر؟ فقالت: ما هو ظن ولكنه يقين، إنه ~~والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر، يعني قصور الشام، وكأني به في ~~فوارس من بني شيبان يذمرهم ويذمرونه، وهو شديد الكلب تزبد شفتاه كأنه بعير ~~أكل مرارا، فالنجاء النجاء! فإن وراءك طالبا حثيثا، وجمعا كثيفا، وكيدا ~~متينا، ورأيا صليبا فرفع يده فلطمها ثم قال لها: ما قلت هذا إلا من ms0334 عجبك به ~~وحبك له! فقالت: والله ما أبغضت أحدا بغضي له # PageV01P459 # ولا رأيت رجلا أحزم منه نائما ومستيقظا، إن كان لتنام عيناه فبعض أعضائه ~~مستيقظ! وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسا من لبن، فبينا هو ذات ~~ليلة نائم وأنا قريب منه أنظر إليه، إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه، ~~فمال إلى يده فقبضها، فمال إلى رجله فقبضها، فمال إلى العس فشربه ثم مجه. ~~فقلت: يستيقظ فيشربه فيموت فأستريح منه فانتبه من نومه فقال: علي بالإناء، ~~فناولته فشمه ثم ألقاه فهريق. فقال: أين ذهب الأسود؟ فقلت: ما رأيته. فقال: ~~كذبت والله! وذلك كله يسمعه سدوس، فسار حتى أتى حجرا، فلما دخل عليه وقال: # أتاك المرجفون بأمر غيب ... على دهش وجئتك باليقين # فمن يك قد أتاك بأمر لبس ... فقد آتي بأمر مستبين # ثم قص عليه ما سمع، فجعل حجر يعبث بالمرار ويأكل منه غضبا وأسفا، ولا ~~يشعر أنه يأكله من شدة الغضب، فلما فرغ سدوس من حديثه وجد حجر المرار فسمي ~~يومئذ آكل المرار، والمرار نبت شديد المرارة لا تأكله دابة إلا قتلها. # ثم أمر حجر فنودي في الناس، وركب وسار إلى زياد فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم زياد وأهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، واستنقذت بكر وكندة ما كان ~~بأيديهم من الغنائم والسبي، وعرف سدوس زيادا فحمل عليه فاعتنقه وصرعه وأخذه ~~أسيرا، فلما رآه عمرو بن أبي ربيعة حسده فطعن زيادا فقتله. فغضب سدوس وقال: ~~قتلت أسيري وديته دية ملك، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس ~~بدية ملك وأعانهم من ماله. وأخذ حجر زوجته هندا فربطها في فرسين ثم ركضها ~~حتى قطعاها، ويقال: بل أحرقها، وقال فيها: # إن من غره النساء بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور # حلوة العين والحديث ومر ... كل شيء أجن منها الضمير # كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب حبها خيتعور # ثم عاد إلى الحيرة. # PageV01P460 # قلت: هكذا قال بعض العلماء إن زياد بن هبولة السليحي ملك الشام غزا حجرا، ~~وهذا غير صحيح ms0335 لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشام مما يلي البر من فلسطين ~~إلى قنسرين والبلاد للروم، ومنهم أخذت غسان هذه البلاد، وكلهم كانوا عمالا ~~لملوك الروم كما كان ملوك الحيرة عمالا لملوك الفرس على البر والعرب، ولم ~~يكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشام ولا بشبر واحد على سبيل التفرد ~~والاستقلال. # وقولهم: ملك الشام، غير صحيح، وزياد بن هبولة السليحي ملك مشارف الشام ~~أقدم من حجر الذي ملك الحيرة والعرب بالعراق أيام قباذ أبي أنوشروان. وبين ~~ملك قباذ والهجرة نحو مائة وثلاثين سنة، وقد ملكت غسان أطراف الشام بعد ~~سليح ستمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، وأقل ما سمعت فيه ثلاثمائة سنة وست ~~عشرة سنة، وكانوا بعد سليح ولم يكن زياد آخر ملوك سليح، فتزيد المدة زيادة ~~أخرى، وهذا تفاوت كثير فكيف يستقيم أن يكون ابن هبولة الملك أيام حجر حتى ~~يغير عليه؟ ! وحيث أطبقت رواة العرب على هذه الغزاة فلا بد من توجيهها، ~~وأصلح ما قيل فيه: إن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسا على قوم أو ~~متغلبا على بعض أطراف الشام حتى يستقيم هذا القول، والله أعلم. # وقولهم أيضا: إن حجرا عاد إلى الحيرة، لا يستقيم أيضا لأن ملوك الحيرة من ~~ولد عدي بن نصر اللخمي لم ينقطع ملكهم لها إلا أيام قباذ، فإنه استعمل ~~الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار كما ذكرناه قبل. فلما ولي أنوشروان عزل ~~الحارث وأعاد اللخميين، ويشبه أن يكون بعض الكنديين قد ذكر هذا تعصبا، ~~والله أعلم. # إن أبا عبيدة ذكر هذا اليوم ولم يذكر أن ابن هبولة من سليح بل قال: هو ~~غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان، ولم يذكر عوده إلى الحيرة، فزال هذا ~~الوهم. # وسليح بفتح السين المهملة، وكسر اللام، وآخره حاء مهملة. ### | [ذكر مقتل حجر أبي امرئ القيس والحروب الحادثة بمقتله إلى أن مات امرؤ القيس] # نذكر أولا سبب ملكهم العرب بنجد ونسوق الحادثة إلى قتله وما يتصل به ~~فنقول: # PageV01P461 # كان سفهاء بكر قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم ms0336 على الأمر وأكل القوي ~~الضعيف، فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكوا عليهم ملكا يأخذ للضعيف من ~~القوي. فنهاهم العرب وعرفوا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه ~~يطيعه قوم ويخالفه آخرون، فساروا إلى بعض تبابعة اليمن، وكانوا للعرب ~~بمنزلة الخلفاء للمسلمين، وطلبوا منه أن يملك عليهم ملكا، فملك عليهم حجر ~~بن عمرو آكل المرار، فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما ~~كان بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل. # فلما مات صار عمرو بن حجر آكل المرار، وهو المقصور، ملكا بعد أبيه، وإنما ~~قيل له المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، وكان أخوه معاوية، وهو الجون، على ~~اليمامة. فلما مات عمرو ملك بعده ابنه الحارث، وكان شديد الملك بعيد الصوت، ~~فلما ملك قباذ بن فيروز الفرس خرج في أيامه مزدك فدعا الناس إلى الزندقة، ~~كما ذكرناه، فأجابه قباذ إلى ذلك، وكان المنذر بن ماء السماء عاملا ~~للأكاسرة على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ إلى الدخول معه، فامتنع، فدعا ~~الحارث بن عمرو إلى ذلك فأجابه، فاستعمله على الحيرة وطرد المنذر عن ~~مملكته. # وقيل في تملكه غير ذلك، وقد ذكرناه أيام قباذ. # فبقوا كذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بعد أبيه فقتل مزدك وأصحابه ~~وأعاد المنذر بن ماء السماء إلى ولاية الحيرة وطلب الحارث بن عمرو، وكان ~~بالأنبار، وبها منزله، فهرب بأولاده وماله وهجائنه، وتبعه المنذر بالخيل من ~~تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب فنجا، وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت تغلب ~~ثمانية وأربعين نفسا من بني آكل المرار، فيهم عمرو ومالك ابنا الحارث، ~~فقدموا بهم على المنذر، فقتلهم في ديار بني مرينا، وفيهم يقول عمرو بن ~~كلثوم: # PageV01P462 # فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا # وفيهم يقول امرؤ القيس: # ملوك من بني حجر بن ... عمرو يساقون العشية يقتلونا # فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا # ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن في الدماء مرملينا # تظل الطير عاكفة عليهم ... وتنتزع الحواجب ms0337 والعيونا # وأقام الحارث بديار كلب، فتزعم كلب أنهم قتلوه، وعلماء كندة تزعم أنه خرج ~~يتصيد، فتبع تيسا من الظباء فأعجزه، فأقسم أن لا يأكل شيئا إلا من كبده، ~~فطلبته الخيل، فأتي به بعد ثلاثة، وقد كاد يهلك جوعا، فشوي له بطنه فأكل ~~فلذة من كبده حارة فمات. # ولما كان الحارث بالحيرة أتاه أشراف عدة قبائل من نزار فقالوا: إنا في ~~طاعتك وقد وقع بيننا من الشر بالقتل ما تعلم ونخاف الفناء فوجه معنا بنيك ~~ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض. ففرق أولاده في قبائل العرب، فملك ابنه ~~حجرا على بني أسد بن خزيمة وغطفان، وملك ابنه شرحبيل، وهو الذي قتل يوم ~~الكلاب، على بكر بن وائل بأسرها وعلى غيرها، وملك ابنه معدي كرب، وهو ~~غلفاء، وإنما قيل له غلفاء لأنه كان يغلف رأسه بالطيب، على قيس عيلان ~~وطوائف غيرهم، وملك ابنه سلمة على تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد ~~مناة من تميم. # فبقي حجر في بني أسد وله عليهم جائزة وإتاوة كل سنة لما يحتاج إليه، فبقي ~~كذلك دهرا، ثم بعث إليهم من يجبي ذلك منهم، وكانوا بتهامة، وطردوا رسله # PageV01P463 # وضربوهم، فبلغ ذلك حجرا، فسار إليهم بجند من ربيعة، وجند من جند أخيه من ~~قيس وكنانة، فأتاهم فأخذ سرواتهم وخيارهم، وجعل يقتلهم بالعصا وأباح ~~الأموال، وسيرهم إلى تهامة، وحبس منهم جماعة من أشرافهم، منهم عبيد بن ~~الأبرص الشاعر، فقال شعرا يستعطفه لهم، فرق لهم وأرسل من يردهم، فلما صاروا ~~على يوم منه تكهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة بن عامر الأسدي، فقال لهم: من ~~الملك الصلهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، هذا دمه يتثعب، ~~وهو غدا أول من يستلب؟ قالوا: ومن هو؟ قال: لولا تجيش نفس خاشيه، لأخبرتكم ~~أنه حجر ضاحيه، فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا إلى عسكر حجر فهجموا عليه في ~~قبته فقتلوه، طعنه علباء بن الحارث الكاهلي فقتله، وكان حجر قتل أباه، فلما ~~قتل قالت بنو أسد: يا معشر كنانة وقيس أنتم إخواننا ms0338 وبنو عمنا، والرجل بعيد ~~النسب منا ومنكم، وقد رأيتم سيرته وما كان يصنع بكم هو وقومه فانتهبوهم. ~~فشدوا على هجائنه فانتهبوها، ولفوه في ريطة بيضاء وألقوه على الطريق، فلما ~~رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه وأجار عمرو بن مسعود عياله. # وقيل: إن حجرا لما رأى اجتماع بني أسد عليه خافهم فاستجار عويمر بن شجنة ~~أحد بني عطارد بن كعب بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله، وقال ~~لبني أسد: إن كان هذا شأنكم فإني مرتحل عنكم ومخليكم وشأنكم. فوادعوه على ~~ذلك وسار عنهم وأقام في قومه مدة، ثم جمع لهم جمعا عظيما وأقبل إليهم مدلا ~~بمن معه، فتآمر بنو أسد وقالوا: والله لئن قهركم ليحكمن عليكم حكم الصبي، ~~فما خير # PageV01P464 # العيش حينئذ فموتوا كراما. فاجتمعوا وساروا إلى حجر فلقوه فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وكان صاحب أمرهم علباء بن الحارث، فحمل على حجر فطعنه فقتله، ~~وانهزمت كندة ومن معهم، وأسر بنو أسد من أهل بيت حجر وغنموا حتى ملأوا ~~أيديهم من الغنائم، وأخذوا جواريه ونساءه وما معهم فاقتسموه بينهم. # وقيل: إن حجرا أخذ أميرا في المعركة وجعل في قبة، فوثب عليه ابن أخت ~~علباء فضربه بحديدة كانت معه لأن حجرا كان قتل أباه، فلما جرحه لم يقض ~~عليه، فأوصى حجر ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع، وكان ~~أكبر أولاده، فإن بكى وجزع فاتركه واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ ~~القيس، وكان أصغرهم، فأيهم لم يجزع فادفع إليه خيلي وسلاحي ووصيتي. وقد كان ~~بين وصيته من قتله وكيف كان خبره. # فانطلق الرجل بوصيته إلى ابنه نافع فوضع التراب على رأسه ثم أتاهم كلهم، ~~ففعلوا مثله حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلعب معه ~~بالنرد، فقال: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ ~~القيس: اضرب، فضرب حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد دستك، ثم سأل الرسول عن ~~أمر أبيه كله، فأخبره، فقال له: الخمر والنساء علي حرام حتى أقتل ms0339 من بني ~~أسد مائة وأطلق مائة. # وكان حجر قد طرد امرأ القيس لقوله الشعر، وكان يأنف منه، وكانت أم امرئ ~~القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث أخت كليب بن وائل، وكان يسير في أحياء ~~العرب يشرب الخمر على الغدران ويتصيد، فأتاه خبر قتل أبيه وهو بدمون من أرض ~~اليمن، فلما سمع الخبر قال: # تطاول الليل علينا دمون دمون ... إنا معشر يمانون # إننا لقومنا محبون # ثم قال ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، " اليوم ~~خمر وغدا أمر ". فذهبت مثلا. # PageV01P465 # ثم ارتحل حتى نزل ببكر وتغلب، فسألهم النصر على بني أسد، فأجابوه. فبعث ~~العيون إلى بني أسد، فنذروا به، فلجأوا إلى بني كنانة، وعيون امرئ القيس ~~معهم، فقال لهم علباء بن الحارث: اعلموا أن عيون امرئ القيس قد عادوا إليه ~~بخبركم وأنكم عند بني كنانة، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة. فارتحلوا. ~~وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب وغيرهم حتى انتهى إلى بني كنانة، ~~وهو يظنهم بني أسد فوضع السلاح فيهم وقال: يا لثارات الهمام! فقيل له: أبيت ~~اللعن! لسنا لك بثأر، نحن بنو كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد ساروا ~~بالأمس. فتبع بني أسد، ففاتوه ليلتهم، وقال في ذلك: # ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب # يعني ببني أبيهم كنانة، فإن أسدا وكنانة ابني خزيمة هما أخوان. وقوله: ~~ولو أدركنه صفر الوطاب، قيل: كانوا قتلوه واستاقوا إبله فصفرت وطابه من ~~اللبن، أي خلت، وقيل: كانوا قتلوه فخلا جلده، وهو وطابه، من دمه بقتله. # فسار امرؤ القيس في آثار بني أسد فأدركهم ظهرا، وقد تقطعت خيله وهلكوا ~~عطشا، وبنو أسد نازلون على الماء، فقاتلهم حتى كثرت القتلى بينهم وهربت بنو ~~أسد. فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم وقالوا: قد أصبت ثأرك. فقال: لا ~~والله. فقالوا: بلى ولكنك رجل مشؤوم وكرهوا قتلهم بني كنانة فانصرفوا ms0340 عنه، ~~ومضى إلى # PageV01P466 # أزد شنوءة يستنصرهم، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا. فسار ~~عنهم ونزل بقيل يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وكان بينهما قرابة. ~~فاستنصره على بني أسد، فأمده بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل ~~امرئ القيس، وملك بعده رجل من حمير يقال له قرمل، فزود امرأ القيس ثم سير ~~معه ذلك الجيش، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر غيرهم من قبائل اليمن، فسار ~~بهم إلى بني أسد وظفر بهم. # ثم إن المنذر طلب امرأ القيس ولج في طلبه ووجه الجيوش إليه، فلم يكن ~~لامرئ القيس بهم طاقة وتفرق عنه من كان معه من حمير وغيرهم، فنجا في جماعة ~~من أهله ونزل بالحارث بن شهاب اليربوعي، وهو أبو عتيبة بن الحارث، فأرسل ~~إليه المنذر يتوعده بالقتال إن لم يسلمهم إليه، فسلمهم، ونجا امرؤ القيس ~~ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وابنته هند ابنة امرئ القيس وأدراعه وسلاحه ~~وماله، فخرج ونزل على سعد بن الضباب الإيادي سيد قومه، فأجاره، ومدحه امرؤ ~~القيس، ثم تحول عنه ونزل على المعلى بن تيم الطائي فأقام عنده واتخذ إبلا ~~هناك، فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها، فأعطاه بنو نبهان ~~معزى يحلبها فقال: # إذا ما لم يكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي # الأبيات. # ثم رحل عنهم ونزل بعامر بن جوين، فأراد أن يغلب امرأ القيس على ماله ~~وأهله، فعلم امرؤ القيس بذلك فانتقل إلى رجل من بني ثعل يقال له حارثة بن ~~مر فاستجاره، فأجاره. فوقعت بين عامر بن جوين والثعلي حرب، وكانت أمور ~~كثيرة، فلما رأى امرؤ القيس أن الحرب قد وقعت بين طيء بسببه، خرج من عندهم ~~فقصد السموأل بن عادياء # PageV01P467 # اليهودي، فأكرمه وأنزله، فأقام عنده امرؤ القيس ما شاء الله، ثم طلب منه ~~أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر، ففعل ذلك، وسار ~~إلى الحارث وأودع أهله وأدراعه عند السموأل، فلما وصل إلى قيصر أكرمه. # فبلغ ذلك بني أسد فأرسلوا ms0341 رجلا منهم يقال له الطماح، كان امرؤ القيس قتل ~~أخا له، فوصل الأسدي، وقد سير قيصر مع امرئ القيس جيشا كثيفا فيهم جماعة من ~~أبناء الملوك. فلما سار امرؤ القيس، قال الطماح لقيصر: إن امرأ القيس غوي ~~عاهر، وقد ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، وقال فيها أشعارا أشهرها في ~~العرب، فبعث إليه قيصر بحلة وشي منسوجة بالذهب، مسمومة، وكتب إليه: إني ~~أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فالبسها واكتب إلي بخبرك من ~~منزل منزل. فلبسها امرؤ القيس وسر بذلك، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فلذلك ~~سمي ذا القروح، فقال امرؤ القيس في ذلك: # لقد طمح الطماح من نحو أرضه ... ليلبسني مما يلبس أبؤسا # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # فلما وصل إلى موضع من بلاد الروم يقال له أنقرة احتضر بها، فقال: # رب خطبة مسحنفره # وطعنة مثعنجره # وجفنة متحيره # حلت بأرض أنقره. # ورأى قبر امرأة من بنات ملوك الروم وقد دفنت بجنب عسيب، وهو جبل، فقال: # أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب # PageV01P468 # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك. # ولما مات امرؤ القيس سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل بن ~~عادياء وطالبه بأدراع امرئ القيس، وكانت مائة درع، وبما له عنده، فلم يعطه، ~~فأخذ الحارث ابنا للسموأل، فقال: إما أن تسلم الأدراع وإما قتلت ابنك. فأبى ~~السموأل أن يسلم إليه شيئا، فقتل ابنه، فقال السموأل في ذلك: # وفيت بأدرع الكندي ... إني إذا ما ذم أقوام وفيت # وأوصى عاديا يوما بأن ... لا تهدم يا سموأل ما بنيت # بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت # وقد ذكر الأعشى هذه الحادثة، فقال: # كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتي خسف فقال ... له قل ما تشاء فإني سامع حار # فقال: # غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له: ms0342 اقتل أسيرك إني مانع جاري # وهي أكثر من هذا. ### | [يوم خزاز] # PageV01P469 # وكان من حديثه أن ملكا من ملوك اليمن كان في يديه أسارى من مضر وربيعة ~~وقضاعة، فوفد عليه وفد من وجوه بني معد، منهم: سدوس بن شيبان بن ذهل بن ~~ثعلبة، وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعوف بن عمرو بن جشم بن ربيعة بن زيد ~~بن مناة بن عامر الضحيان، وجشم بن ذهل بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن ~~عامر الضحيان، فلقيهم رجل من بهراء يقال له عبيد بن قراد، وكان في الأسارى، ~~وكان شاعرا، فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون فيه، فكلموا الملك فيه وفي ~~الأسارى، فوهبهم لهم، فقال عبيد بن قراد البهراوي: # نفسي الفداء لعوف الفعال ... وعوف ولابن هلال جشم # تداركني بعدما قد هوي ... ت مستمسكا بعراقي الوذم # ولولا سدوس وقد شمرت ... بي الحرب زلت بنعلي القدم # وناديت بهراء كي يسمعوا ... وليس بآذانهم من صمم # ومن قبلها عصمت قاسط ... معدا إذا ما عزيز أزم # فاحتبس الملك عنده بعض الوفد رهينة وقال للباقين: إيتوني برؤساء قومكم ~~لآخذ عليهم المواثيق بالطاعة لي وإلا قتلت أصحابكم. فرجعوا إلى قومهم ~~فأخبروهم الخبر، فبعث كليب وائل إلى ربيعة فجمعهم، واجتمعت عليه معد، وهو ~~أحد النفر الذين اجتمعت عليهم معد، على ما نذكره في مقتل كليب، فلما ~~اجتمعوا عليه سار بهم وجعل على مقدمته السفاح التغلبي، وهو سلمة بن خالد بن ~~كعب بن زهير بن تيم بن أسامة بن # PageV01P470 # مالك بن بكر بن حبيب بن تغلب، وأمرهم أن يوقدوا على خزاز نارا ليهتدوا ~~بها، وخزاز جبل بطخفة ما بين البصرة إلى مكة، وهو قريب من سالع، وهو جبل ~~أيضا، وقال له: إن غشيتك العدو فأوقد نارين. فبلغ مذحجا اجتماع ربيعة ~~ومسيرها فأقبلوا بجموعهم، واستنفروا من يليهم من قبائل اليمن وساروا إليهم، ~~فلما سمع أهل تهامة بمسير مذحج انضموا إلى ربيعة، ووصلت مذحج إلى خزاز ~~ليلا، فرفع السفاح نارين. فلما رأى كليب النارين أقبل إليهم بالجموع ~~فصحبهم، فالتقوا بخزاز ms0343 فاقتتلوا قتالا شديدا أكثروا فيه القتل، فانهزمت ~~مذحج وانفضت جموعها، فقال السفاح في ذلك: # وليلة بت أوقد في خزاز ... هديت كتائبا متحيرات # ضللن من السهاد وكن لولا ... سهاد القوم أحسب هاديات # وقال الفرزدق يخاطب جريرا ويهجوه: # لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... دخل العدو عليك كل مكان # ضربوا الصنائع والملوك ... وأوقدوا نارين أشرفتا على النيران # وقيل: إنه لم يعلم أحد من كان الرئيس يوم خزاز لأن عمرو بن كلثوم، وهو ~~ابن ابنة كليب، يقول: # ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا # فلو كان جده الرئيس لذكره ولم يفتخر بأنه رفد، ثم جعل من شهد خزازا ~~متساندين فقال: # فكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا # فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا # PageV01P471 # فقال له: استأثرت على إخوتك، يعني مضر، ولما ذكر جده في القصيدة قال: # ومنا قبله الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا # فلم يدع له الرياسة يوم خزاز، وهي أشرف ما كان يفتخر له به. # حبيب بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، ~~وآخره باء أخرى موحدة. ### | [ذكر مقتل كليب والأيام بين بكر وتغلب] # وكان من حديث الحرب التي وقعت بين بكر وتغلب ابني وائل بن هنب بن أفصى بن ~~دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بسبب قتل كليب، ~~واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن ~~غنم بن تغلب، وإنما لقب كليبا لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر ~~بروضة أو موضع يعجبه ضربه، ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي، فلا ~~يسمع عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه، وكان يقال له كليب وائل، ثم اختصروا ~~فقالوا كليب، فغلب عليه. # وكان لواء ربيعة بن نزار للأكبر فالأكبر من ولده، فكان اللواء في عنزة بن ~~أسد بن ربيعة، وكانت سنتهم أنهم يصفرون لحاهم ويقصون شواربهم، فلا يفعل ذلك ~~من ربيعة إلا من يخالفهم ms0344 ويريد حربهم. # ثم تحول اللواء في عبد قيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن ~~نزار، وكانت سنتهم إذا شتموا لطموا من شتمهم، وإذا لطموا قتلوا من لطمهم. # ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. # ثم تحول اللواء إلى بكر بن وائل، فساءوا غيرهم في فرخ طائر، وكانوا ~~يوثقون # PageV01P472 # الفرخ بقارعة الطريق، فإذا علم بمكانه لم يسلك أحد ذلك الطريق، ويسلك من ~~يريد الذهاب والمجيء عن يمينه ويساره. # ثم تحول اللواء إلى تغلب، فوليه وائل بن ربيعة، وكانت سنته ما ذكرناه من ~~جرو الكلب. # ولم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر، وهم: عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر بن ~~يشكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وهو الناس بن مضر - ~~بالنون - وهو أخو إلياس بن مضر، وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى ~~تهامة، وهي أول وقعة كانت بين تهامة واليمن. # والثاني: ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب، ~~وكان قائد معد يوم السلان بين أهل اليمامة واليمن. # والثالث: وائل بن ربيعة، وكان قائد معد يوم خزاز، ففض جموع اليمن فهزمهم، ~~وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته، وبقي زمانا من الدهر، ثم دخله زهو ~~شديد، وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى ~~حماه، وكان يقول: وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد، ولا يورد أحد مع إبله ~~ولا يوقد نارا مع ناره، ولا يمر أحد بين بيوته ولا يحتبى في مجلسه. # وكانت بنو جشم وبنو شيبان أخلاطا في دار واحدة إرادة الجماعة ومخافة ~~الفرقة، وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن شيبان بن ثعلبة، وهي أخت جساس بن مرة، ~~وحمى كليب أرضا من العالية في أول الربيع، وكان لا يقربها إلا محارب، ثم إن ~~رجلا يقال له سعد بن شميس بن طوق الجرمي نزل بالبسوس بنت منقذ التميمية ms0345 ~~خالة جساس بن مرة. وكان للجرمي ناقة اسمها سراب ترعى مع نوق جساس، وهي التي ~~ضربت العرب بها المثل فقالوا: " أشأم من سراب "، " وأشأم من # PageV01P473 # البسوس ". # فخرج كليب يوما يتعهد الإبل ومراعيها فأتاها وتردد فيها، وكانت إبله وإبل ~~جساس مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها، فقال له جساس، وهو معه: هذه ناقة ~~جارنا الجرمي. فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى. فقال جساس: لا ترعى ~~إبلي مرعى إلا وهذه معها، فقال كليب: لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها، فقال ~~جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن سنان رمحي في لبتك! ثم تفرقا، وقال ~~كليب لامرأته: أترين أن في العرب رجلا مانعا مني جاره؟ قالت: لا أعلمه إلا ~~جساسا، فحدثها الحديث. وكان بعد ذلك إذا أراد الخروج إلى الحمى منعته ~~وناشدته الله أن لا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساسا أن يسرح إبله. # ثم إن كليبا خرج إلى الحمى، وجعل يتصفح الإبل، فرأى ناقة الجرمي فرمى ~~ضرعها فأنفذه، فولت ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأى ما بها صرخ ~~بالذل، وسمعت البسوس صراخ جارها، فخرجت إليه فلما رأت ما بناقته وضعت يدها ~~على رأسها ثم صاحت: واذلاه! وجساس يراها ويسمع، فخرج إليها فقال لها: اسكتي ~~ولا تراعي، وسكن الجرمي، وقال لهما: إني سأقتل جملا أعظم من هذه الناقة، ~~سأقتل غلالا، وكان غلال فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما أراد جساس ~~بمقالته كليبا. # وكان لكليب عين يسمع ما يقولون، فأعاد الكلام على كليب، فقال: لقد اقتصر ~~من يمينه على غلال. ولم يزل جساس يطلب غرة كليب، فخرج كليب يوما آمنا، فلما ~~بعد عن البيوت ركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك كليبا، فوقف كليب. فقال له ~~جساس: يا كليب الرمح وراءك! فقال: إن كنت صادقا فأقبل إلي من أمامي، ولم ~~يلتفت إليه، فطعنه فأرداه عن فرسه، فقال: يا جساس أغثني بشربة من ماء، فلم ~~يأته بشيء، وقضى كليب نحبه. فأمر جساس رجلا كان معه اسمه عمرو بن الحارث ms0346 بن ~~ذهل بن شيبان فجعل عليه أحجارا لئلا تأكله السباع. وفي ذلك يقول مهلهل بن ~~ربيعة، أخو كليب: # قتيل ما قتيل المرء عمرو ... وجساس بن مرة ذي صريم # أصاب فؤاده بأصم لدن ... فلم يعطف هناك على حميم # PageV01P474 # فإن غدا وبعد غد لرهن ... لأمر ما يقام له عظيم # جسيما ما بكيت به كليبا ... إذا ذكر الفعال من الجسيم # سأشرب كأسها صرفا ... وأسقي بكأس غير منطقة مليم # ولما قتل جساس كليبا انصرف على فرسه يركضه وقد بدت ركبتاه، فلما نظر أبوه ~~مرة إلى ذلك قال: لقد أتاكم جساس بداهية، ما رأيته قط بادي الركبتين إلى ~~اليوم! فلما وقف على أبيه قال: ما لك يا جساس؟ قال: طعنت طعنة يجتمع بنو ~~وائل غدا لها رقصا. قال: ومن طعنت؟ لأمك الثكل! قال: قتلت كليبا. قال: ~~أفعلت؟ قال: نعم. قال: بئس والله ما جئت به قومك! فقال جساس: # تأهب عنك أهبة ذي امتناع ... فإن الأمر جل عن التلاحي # فإني قد جنيت عليك حربا ... تغص الشيخ بالماء القراح # فلما سمع أبوه قوله خاف خذلان قومه لما كان من لائمته إياه، فقال يجيبه: # فإن تك قد جنيت علي حربا ... تغص الشيخ بالماء القراح # جمعت بها يديك على كليب ... فلا وكل ولا رث السلاح # سألبس ثوبها وأذود عني ... بها عار المذلة والفضاح # ثم إن مرة دعا قومه إلى نصرته، فأجابوه وجلوا الأسنة وشحذوا السيوف ~~وقوموا الرماح وتهيأوا للرحلة إلى جماعة قومهم. # وكان همام بن مرة أخو جساس، ومهلهل أخو كليب في ذلك الوقت يشربان، فبعث ~~جساس إلى همام جارية لهم تخبره الخبر، فانتهت إليهما وأشارت إلى همام، فقام ~~إليها، فأخبرته، فقال له مهلهل: ما قالت لك الجارية؟ وكان بينهما عهد ألا ~~يكتم أحدهما صاحبه شيئا، فذكر له ما قالت الجارية، وأحب أن يعلمه ذلك في ~~مداعبة وهزل، فقال له مهلهل: است أخيك أضيق من ذلك! فأقبلا على شربهما، ~~فقال له مهلهل: اشرب، # PageV01P475 # فاليوم خمر وغدا أمر. فشرب همام وهو حذر خائف، فلما سكر مهلهل عاد همام ~~إلى أهله، ms0347 فساروا من ساعتهم إلى جماعة قومهم، وظهر أمر كليب، فذهبوا إليه ~~فدفنوه، فلما دفن شقت الجيوب وخمشت الوجوه وخرج الأبكار وذوات الخدود ~~العوائق إليه وقمن للمأتم، فقال النساء لأخت كليب: أخرجي جليلة أخت جساس ~~عنا، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا، وكانت امرأة كليب، كما ذكرنا، فقالت ~~لها أخت كليب: اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت قاتلنا، وشقيقة واترنا، فخرجت تجر ~~عطافها، فلقيها أبوها مرة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد، ~~وحزن الأبد، وفقد خليل، وقتل أخ عن قليل، وبين هذين غرس الأحقاد، وتفتت ~~الأكباد. فقال لها: أويكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات؟ فقالت: أمنية مخدوع ~~ورب الكعبة! ألبدن تدع لك تغلب دم ربها! # ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويل غدا لآل ~~مرة من الكرة بعد الكرة. فبلغ قولها جليلة، فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك ~~سترها وترقب وترها! أسعد الله أختي ألا قالت: نفرة الحياء وخوف الأعداء! ثم ~~أنشأت تقول: # يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي # إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي # جل عندي فعل جساس فيا ... حسرتا عما انجلى أو ينجلي # فعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي # لو بعين فقئت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل # PageV01P476 # تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم أذى ما تفتلي # يا قتيلا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعا من عل # هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول # ورماني قتله من كثب ... رمية المصمي به المستأصل # يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر برزء معضل # خصني قتل كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبل # ليس من يبكي ليوميه ... كمن إنما يبكي ليوم مقبل # يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل # ليته كان دما فاحتلبوا ... دررا منه دمي من أكحلي # إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي # وأما مهلهل، واسمه عدي، وقيل: امرؤ القيس، وهو خال ms0348 امرئ القيس بن حجر ~~الكندي وإنما لقب مهلهلا لأنه أول من هلهل الشعر وقصد القصائد، وأول من كذب ~~في شعره، فإنه لما صحا لم يرعه إلا النساء يصرخن: ألا إن كليبا قتل، فقال، ~~وهو أول شعر قيل في هذه الحادثة: # كنا نغار على العواتق أن ترى ... بالأمس خارجة عن الأوطان # فخرجن حيث ثوى كليب حسرا ... مستيقنات بعده بهوان # فترى الكواعب كالظباء عواطلا ... إذ حان مصرعه من الأكفان # يخمشن من أدم الوجوه حواسرا ... من بعده ويعدن بالأزمان # متسلبات نكدهن وقد روى ... أجوافهن بحرقة ووراني # ويقلن من للمستضيف إذا دعا ... أم من لخضب عوالي المران # أم لاتسار بالجزور إذا غدا ... ريح يقطع معقد الأشطان # PageV01P477 # أمن لإسباق الديات وجمعها ... ولفادحات نوائب الحدثان # كان الذخيرة للزمان فقد أتى ... فقدانه وأخل ركن مكاني # يا لهف نفسي من زمان فاجع ... ألقى علي بكلكل وجران # بمصيبة لا تستقال جليلة ... غلبت عزاء القوم والنسوان # هدت حصونا كن قبل ملاوذا ... لذوي الكهول معا وللشبان # أضحت وأضحى سورها من بعده ... متهدم الأركان والبنيان # فابكين سيد قومه واندبنه ... شدت عليه قباطي الأكفان # وابكين للأيتام لما أقحطوا ... وابكين عند تخاذل الجيران # وابكين مصرع جيده متزملا ... بدمائه فلذاك ما أبكاني # فلأتركن به قبائل تغلب ... قتلى بكل قرارة ومكان # قتلى تعاورها النسور أكفها ... ينهشنها وحواجل الغربان # ثم انطلق إلى المكان الذي قتل فيه كليب فرأى دمه، وأتى قبره فوقف عليه ثم ~~قال: # إن تحت التراب حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا معلاق # حية في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي # ثم جز شعره، وقصر ثوبه، وهجر النساء، وترك الغزل، وحرم القمار والشراب، ~~وجمع إليه قومه وأرسل رجالا منهم إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان ~~وهو في نادي قومه فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة وقطعتم ~~الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا نعرض عليك خلالا أربعا، لكم فيها مخرج، ولنا ~~فيها مقنع: إما أن تحيي لنا كليبا، أو تدفع إلينا قاتله جساسا فنقتله به، ~~أو هماما فإنه كفؤ له، أو ms0349 تمكننا من نفسك، فإن فيك وفاء لدمه. # PageV01P478 # فقال لهم: أما إحيائي كليبا فلست قادرا عليه، وأما دفعي جساسا إليكم فإنه ~~غلام طعن طعنة على عجل، وركب فرسه، فلا أدري أي بلاد قصد، وأما همام فإنه ~~أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره، ~~وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل فما أتعجل الموت، ~~ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم ~~فاقتلوه بصاحبكم وأما الأخرى فإني أدفع إليكم ألف ناقة سود الحدق حمر ~~الوبر. # فغضب القوم وقالوا: قد أسأت ببذل هؤلاء وتسومنا اللبن من دم كليب؟ ونشبت ~~الحرب بينهم. ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر ~~الحرب وكرهوا مساعدة بني شيبان على القتال وأعظموا قتل كليب، فتحولت لجيم ~~ويشكر، وكف الحارث بن عباد عن نصرهم ومعه أهل بيته، وقال مهلهل عدة قصائد ~~يرثي كليبا منها: # كليب لا خير في الدنيا ومن فيها ... إذ أنت خليتها فيمن يخليها # كليب أي فتى عز ومكرمة ... تحت السقائف إذ يعلوك سافيها # نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم # مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها ... الحزم والعزم كانا من صنيعته # ما كل آلائه يا قوم أحصيها ... القائد الخيل تردي في أعنتها # رهوا إذا الخيل لجت في تعاديها ... من خيل تغلب ما تلقى أسنتها # إلا وقد خضبوها من أعاديها ... يهزهزون من الخطي مدمجة # صما أنابيبها زرقا عواليها ... ليت السماء على من تحتها وقعت # وانشقت الأرض فانجابت بمن فيها ... لا أصلح الله منا من يصالحكم # ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها # فالتقوا في أول قتال كان بينهم - في قول - يوم عنيزة، وهي عند فلجة، ~~وكانا على السواء، فقال مهلهل: # PageV01P479 # كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير # ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # فتفرقوا ثم بقوا زمانا، ثم إنهم التقوا بماء يقال له النهي، كانت بنو ~~شيبان نازلة عليه، ويروى أنها أول وقعة كانت بينهم، وكان رئيس تغلب مهلهل، ms0350 ~~ورئيس شيبان الحارث بن مرة، وكانت الدائرة لبني تغلب، وكانت الشوكة في بني ~~شيبان، واستحر القتال فيهم إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة. # ثم التقوا بالذنائب، وهي أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتلت بكرا ~~مقتلة عظيمة، وقتل فيها شراحيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان، وهو جد ~~الحوفزان وجد معن بن زائدة، وقتل الحارث بن مرة بن ذهل بن شيبان، وقتل من ~~بني ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل وغيرهم من رؤساء بكر. # ثم التقوا يوم واردات فاقتتلوا قتالا شديدا فظفرت تغلب أيضا، وكثر القتل ~~في بكر، فقتل همام بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو جساس لأبيه وأمه، فمر مهلهل، ~~فلما رآه قتيلا قال: والله ما قتل بعد كليب أعز علي منك، والله لا تجتمع ~~بكر بعدكما على خير أبدا. # وقيل: إنما قتل يوم القصيبات، قبل يوم قضة، قتله ناشرة، وكان همام قد ~~التقطه ورباه وسماه ناشرة، وكان عنده. فلما شب علم أنه تغلبي، فلما كان هذا ~~اليوم جعل همام يقاتل فإذا عطش جاء إلى قرية له يشرب منها، فتغفله ناشرة ~~فقتله ولحق بقومه تغلب، وكاد جساس يؤخذ فسلم، فقال مهلهل: # PageV01P480 # لو # أن خيلي أدركتك وجدتهم ... مثل الليوث بستر غب عرين # ويقول فيها: # ولأوردن الخيل بطن أراكة ... ولأقضين بفعل ذاك ديوني # ولأقتلن جحاجحا من بكركم ... ولأبكين بها جفون عيون # حتى تظل الحاملات مخافة ... من وقعنا يقذفن كل جنين # وقيل في ترتيب الأيام غير ما ذكرنا، وسنذكره إن شاء الله تعالى. # وكان أبو نويرة التغلبي وغيره طلائع قومه، وكان جساس وغيره طلائع قومهم، ~~والتقى بعض الليالي جساس وأبو نويرة، فقال له أبو نويرة: اختر إما الصراع ~~أو الطعان أو المسايفة. فاختار جساس الصراع، فاصطرعا وأبطأ كل واحد منهم ~~على أصحاب حيه، وطلبوهما فأصابوهما وهما يصطرعان، وقد كاد جساس يصرعه، ~~ففرقوا بينهما. # وجعلت تغلب تطلب جساسا أشد الطلب، فقال له مرة: الحق بأخوالك بالشام، ~~فامتنع، فألح عليه أبوه فسيره ms0351 سرا في خمسة نفر: وبلغ الخبر إلى المهلهل، ~~فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلا من شجعان أصحابه فساروا مجدين، فأدركوا ~~جساسا، فقاتلهم فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين، وجرح جساس ~~جرحا شديدا مات منه، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضا، فعاد كل واحد من ~~السالمين إلى أصحابه. فلما سمع مرة قتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان ~~لم يقتل منهم أحدا. فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم، وقتل معه ~~خمسة عشر رجلا، ما شركه منا أحد في قتلهم وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك ~~مما يسكن قلبي عن جساس. # وقيل: إن جساسا آخر من قتل في حرب بكر وتغلب، وكان سبب قتله أن أخته ~~جليلة كانت تحت كليب وائل. فلما قتل كليب عادت إلى أبيها وهي حامل ووقعت ~~الحرب، وكان من الفريقين ما كان، ثم عادوا إلى الموادعة بعدما كادت الفئتان ~~تتفانيان، فولدت أخت جساس غلاما فسمته هجرسا، ورباه جساس، وكان لا يعرف # PageV01P481 # أبا غيره، فزوجه ابنته فوقع بين هجرس وبين رجل من بكر كلام، فقال له ~~البكري: ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك. فأمسك عنه ودخل إلى أمه كئيبا حزينا ~~فأخبرها الخبر. فلما نام إلى جنب امرأته رأت من همه وفكره ما أنكرته، فقصت ~~على أبيها جساس قصته، فقال: ثائر ورب الكعبة! وبات على مثل الرضف حتى أصبح، ~~فأحضر الهجرس فقال له: إنما أنت ولدي وأنت مني بالمكان الذي تعلم، وزوجتك ~~ابنتي، وقد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد ~~رأيت أن تدخل في ما دخل فيه الناس من الصلح، وأن تنطلق معي حتى نأخذ عليك ~~مثل ما أخذ علينا. فقال الهجرس: أنا فاعل. فحمله جساس على فرس فركبه ولبس ~~لأمته وقال: مثلي لا يأتي أهله بغير سلاحه، فخرجا حتى أتيا جماعة من ~~قومهما، فقص عليهم جساس القصة، وأعلمهم أن الهجرس يدخل في الذي دخل فيه ~~جماعتهم وقد حضر ليعقد ما عقدتم. فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ ms0352 ~~الهجرس بوسط رمحه ثم قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه لا ~~يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه، وكان ~~آخر قتيل في بكر. والأول أكثر. # ونرجع إلى سياقة الحديث. # فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى المهلهل: إنك قد تركت ثأرك وقتلت جساسا، ~~فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف وأصلح ذات البين فهو أصلح للحيين وأنكأ ~~لعدوهم، فلم يجب إلى ذلك. # وكان الحارث بن عباد قد اعتزل الحرب، فلم يشهدها، فلما قتل جساس وهمام ~~ابنا مرة حمل ابنه بجيرا، وهو ابن عمرو بن عباد أخي الحارث بن عباد، فلما ~~حمله على الناقة كتب معه إلى المهلهل: إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثأرك ~~سوى ما قتلت من بكر، وقد أرسلت ابني إليك فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين ~~الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من ~~كان بقاؤه خيرا لنا ولكم. فلما وقف على كتابه أخذ بجيرا فقتله وقال: بؤ ~~بشسع نعل كليب. فلما سمع أبوه بقتله ظن أنه قد قتله بأخيه ليصلح بين ~~الحيين، فقال: نعم القتيل قتيلا أصلح بين ابني وائل! فقيل: إنه قال: (بؤ ~~بشسع نعل كليب) ، فغضب عند ذلك الحارث بن عباد وقال: # PageV01P482 # قربا مربط النعامة مني لقحت ... حرب وائل عن حيال # قربا مربط النعامة مني ... شاب رأسي وأنكرتني رجالي # لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صالي # فأتوه بفرسه النعامة، ولم يكن في زمانها مثلها، فركبها وولي أمر بكر وشهد ~~حربهم، وكان أول يوم شهده يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وإنما قيل له ~~تحلاق اللمم لأن بكرا حلقوا رءوسهم ليعرف بعضهم بعضا إلا جحدر بن ضبيعة بن ~~قيس أبو المسامعة فقال لهم: أنا قصير فلا تشينوني، وأنا أشتري لمتي منكم ~~بأول فارس يطلع عليكم. فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله، وكان يرتجز ذلك اليوم ~~ويقول: # ردوا علي الخيل إن ألمت ... إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي # وقاتل يومئذ الحارث بن ms0353 عباد قتالا شديدا، فقتل في تغلب مقتلة عظيمة، وفيه ~~يقول طرفة: # سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم # يوم تبدي البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أفواج النعم # وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد مهلهلا، واسمه عدي، وهو لا يعرفه، فقال ~~له: دلني على عدي وأنا أخلي عنك. فقال له المهلهل: عليك عهد الله بذلك إن ~~دللتك عليه؟ قال: نعم. قال: فأنا عدي، فجز ناصيته وتركه، وقال في ذلك: # لهف نفسي على عدي ولم أع ... رف عديا إذ أمكنتني اليدان # PageV01P483 # وكانت الأيام التي اشتدت فيها الحرب بين الطائفتين خمسة أيام: يوم عنيزة ~~تكافأوا فيه وتناصفوا. ثم اليوم الثاني يوم واردات، كان لتغلب على بكر. ثم ~~اليوم الثالث الحنو، كان لبكر على تغلب. ثم اليوم الرابع يوم القصيبات، ~~أصيب بكر حتى ظنوا أنهم لم يستقيلوا. ثم اليوم الخامس يوم قضة، وهو يوم ~~التحالق، وشهده الحارث بن عباد. ثم كان بعد ذلك أيام دون هذه، منها: يوم ~~النقية، ويوم الفصيل لبكر على تغلب. # ثم لم يكن بينهما مزاحفة إنما كان مغاورات، ودامت الحرب بينهما أربعين ~~سنة. # ثم إن مهلهلا قال لقومه: قد رأيت أن تقبلوا على قومكم فإنهم يحبون ~~صلاحكم، وقد أتت على حربكم أربعون سنة، وما لمتكم على ما كان من طلبكم ~~بوتركم، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها، فكيف وقد ~~فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ونائحة لا تزال تصرخ في النواحي، ~~ودموع لا ترقأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة، ورماح مشرعة! وإن القوم ~~سيرجعون إليكم غدا بمودتهم ومواصلتهم وتتعطف الأرحام حتى تتواسوا في قبال ~~النعل، فكان كما قال. # ثم قال مهلهل: أما أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر ~~إلى قاتل كليب، وأخاف أن أحملكم على الاستئصال وأنا سائر إلى اليمن، ~~وفارقهم وسار إلى اليمن ونزل في جنب، وهي حي من مذحج، فخطبوا إليه ابنته، ~~فمنعهم، فأجبروه على تزويجها وساقوا إليه صداقها جلودا من أدم، فقال في ~~ذلك: # أعزر ms0354 على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم # أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم # PageV01P484 # لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم # الأراقم بطن من جشم بن تغلب، يعني حيث فقدت الأراقم، وهم عشيرتها، تزوجها ~~رجل من جنب بأدم. # ثم إن مهلهلا عاد إلى ديار قومه، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة البكري ~~أسيرا بنواحي هجر فأحسن إساره، فمر عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر، ~~وكان صديقا لمهلهل، فأهدى إليه وهو أسير زقا من خمر، فاجتمع إليه بنو مالك ~~فنحروا عنده بكرا وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له عمرو. فلما أخذ ~~فيهم الشراب تغنى مهلهل بما كان يقوله من الشعر وينوح به على أخيه كليب، ~~فسمع منه عمرو ذلك فقال: إنه لريان، والله لا يشرب عندي ماء حتى يرد زبيب، ~~وهو فحل كان له لا يرد إلا خمسا في حمارة القيظ، فطلب بنو مالك زبيبا وهم ~~حراص على أن يهلك مهلهل، فلم يقدروا عليه حتى مات مهلهل عطشا. # وقيل: إن ابنة خال المهلهل، وهي ابنة المجلل التغلبي، كانت امرأة عمرو، ~~وأرادت أن تأتي مهلهلا وهو أسير، فقال يذكرها: # طفلة ما ابنة المجلل بيضا ... ء لعوب لذيذة في العناق # فاذهبي ما إليك غير بعيد لا ... يؤاتي العناق من في الوثاق # ضربت نحرها إلي وقالت ... يا عدي لقد وقتك الأواقي # وهي أبيات ذوات عدد، فنقل شعره إلى عمرو بن مالك، فحلف عمرو أن لا يسقيه ~~الماء حتى يرد زبيب، فسأله الناس أن يورد زبيبا قبل وروده، ففعل وأورده ~~وسقاه حتى يتحلل من يمينه، ثم إنه سقى مهلهلا من ماء هناك هو أوخم المياه، ~~فمات مهلهل. # (عباد بضم العين، وفتح الباء الموحدة وتخفيفها) . ### | [ذكر الحرب بين الحارث الأعرج وبني تغلب] # PageV01P485 # قال أبو عبيدة: إن بكرا وتغلب ابني وائل اجتمعت للمنذر بن ماء السماء، ~~وذلك بعد حربهم، وكان الذي أصلح بينهم قيس بن شراحيل بن مرة بن همام، فغزا ~~بهم المنذر بني آكل المرار، وجعل ms0355 على بني بكر وتغلب ابنه عمرو بن هند، ~~وقال: أغز أخوالك. فغزاهم، فاقتتلوا، فانهزم بنو آكل المرار وأسروا، وجاءوا ~~بهم إلى المنذر فقتلهم. # ثم انتقضت تغلب على المنذر ولحقت بالشام، (ونحن نذكر سبب ذلك في أخبار ~~شيبان إن شاء الله) وعادت الحرب بينهم وبين بكر، فخرج ملك غسان بالشام، وهو ~~الحارث بن أبي شمر الغساني، فمر بأفاريق من تغلب، فلم يستقبلوه. وركب عمرو ~~بن كلثوم التغلبي فلقيه، فقال له: ما منع قومك أن يتلقوني؟ فقال: لم يعلموا ~~بمرورك، فقال: لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم أيقاظا لقدومي، فقال عمرو: ما ~~استيقظ قوم قط إلا نبل رأيهم وعزت جماعتهم، فلا توقظن نائمهم. فقال: كأنك ~~تتوعدني بهم، أما والله لتعلمن إذا أجالت غطاريف غسان الخيل في دياركم أن ~~أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها، تجتث أصولهم، وينفى فلهم إلى اليابس ~~الجرد والنازح الثمد. # ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه، وجمع قومه وقال: # ألا فاعلم أبيت اللعن أنا ... أبيت اللعن نأبى ما تريد # تعلم أن محملنا ثقيل ... وأن دبار كبتنا شديد # وأنا ليس حي من معد ... يقاومنا إذا لبس الحديد # فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم، ثم ~~انهزم الحارث وبنو غسان وقتل أخو الحارث في عدد كثير، فقال عمرو بن كلثوم: # PageV01P486 # هلا عطفت على أخيك إذا دعا بالثكل ... ويل أبيك يا ابن أبي شمر # فذق الذي جشمت نفسك واعترف ... فيها أخاك وعامر بن أبي حجر ### | [يوم عين أباغ] # وهو بين المنذر بن ماء السماء وبين الحارث الأعرج بن أبي شمر جبلة، وقيل: ~~أبو شمر عمرو بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث الأيهم بن ~~الحارث بن مارية الغساني، وقيل في نسبه غير ذلك، وقيل: هو أزدي تغلب على ~~غسان، والأول أكثر وأصح، وهو الذي طلب أدراع امرئ القيس من السموأل بن ~~عادياء وقتل ابنه، وقيل غيره، والله أعلم. # وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء ملك العرب سار من الحيرة في معد كلها ~~حتى نزل ms0356 بعين أباغ بذات الخيار، وأرسل إلى الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث ~~بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر الغساني ملك العرب بالشام: إما ~~أن تعطيني الفدية فأنصرف عنك بجنودي، وإما أن تأذن بحرب. # فأرسل إليه الحارث: أنظرنا ننظر في أمرنا. فجمع عساكره وسار نحو المنذر ~~وأرسل إليه يقول له: إنا شيخان فلا نهلك جنودي وجنودك، ولكن يخرج رجل من ~~ولدي ويخرج من ولدك، فمن قتل خرج عوضه آخر، وإذا فني أولادنا خرجت أنا إليك ~~فمن قتل صاحبه ذهب بالملك. فتعاهدا على ذلك، فعمد المنذر إلى رجل من شجعان ~~أصحابه فأمره أن يخرج فيقف بين الصفين ويظهر أنه ابن المنذر، فلما خرج أخرج ~~إليه الحارث ابنه أبا كرب، فلما رآه رجع إلى أبيه وقال: إن هذا ليس بابن ~~المنذر إنما هو عبده أو بعض شجعان أصحابه، فقال: يا بني أجزعت من الموت؟ ما ~~كان الشيخ ليغدر. فعاد إليه وقاتله فقتله الفارس وألقى رأسه بين يدي ~~المنذر، وعاد فأمر الحارث ابنا له آخر بقتاله والطلب بثأر أخيه، فخرج إليه، ~~فلما واقفه رجع إلى أبيه وقال: يا أبت هذا والله عبد المنذر. فقال: يا بني ~~ما كان الشيخ ليغدر. فعاد إليه فشد عليه فقتله. # فلما رأى ذلك شمر بن عمرو الحنفي، وكانت أمه غسانية، وهو مع المنذر، قال: ~~أيها الملك إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا الكرام، وقد غدرت بابن عمك ~~دفعتين، # PageV01P487 # فغضب المنذر وأمر بإخراجه، فلحق بعسكر الحارث فأخبره، فقال له: سل حاجتك. ~~فقال له: حلتك وخلتك. فلما كان الغد عبى الحارث أصحابه وحرضهم، وكان في ~~أربعين ألفا، واصطفوا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المنذر وهزمت ~~جيوشه، فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على بعير بمنزلة العدلين، وجعل ~~المنذر فوقهما فودا وقال: " يا لعلاوة دون العدلين "! فذهبت مثلا، وسار إلى ~~الحيرة فأنهبها وأحرقها ودفن ابنيه بها وبنى الغريين عليهما في قول بعضهم. ~~وفي ذلك اليوم يقول ابن أبي الرعلاء الضبياني: # كما تركنا بالعين عين أباغ ... من ملوك وسوقة أكفاء ms0357 # أمطرتهم سحائب الموت تترى ... إن في الموت راحة الأشقياء # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء ### | [يوم مرج حليمة وقتل المنذر بن المنذر بن ماء السماء] # لما قتل المنذر بن ماء السماء، على ما تقدم، ملك بعده ابنه المنذر وتلقب ~~الأسود، فلما استقر وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالبا ~~بثأر أبيه عنده، وبعث إليه: إنني قد أعددت لك الكهول على الفحول، فأجابه ~~الحارث: قد أعددت لك المرد على الجرد. فسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة، ~~فتركه من به من غسان للأسود. # وإنما سمي مرج حليمة بحليمة ابنة الحارث الغساني، وسنذكر خبرها عند ~~الفراغ من هذا اليوم. # ثم إن الحارث سار فنزل بالمرج أيضا، فأمر أهل القرى التي في المرج أن ~~يصنعوا # PageV01P488 # الطعام لعسكره، ففعلوا ذلك وحملوه في الجفان وتركوه في العسكر، فكان ~~الرجل يقاتل فإذا أراد الطعام جاء إلى تلك الجفان فأكل منها. فأقامت الحرب ~~بين الأسود والحارث أياما لم ينتصف بعضهم من بعض. فلما رأى الحارث ذلك قعد ~~في قصره ودعا ابنته هندا وأمرها فاتخذت طيبا كثيرا في الجفان وطيبت به ~~أصحابه، ثم نادى: يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هندا. فقال ~~لبيد بن عمرو الغساني لأبيه: يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول دونه لا ~~محالة، ولست أرضى فرسي فأعطني فرسك الزيتية. فأعطاه فرسه. فلما زحف الناس ~~واقتتلوا ساعة، شد لبيد على الأسود فضربه ضربة فألقاه عن فرسه، وانهزم ~~أصحابه في كل وجه، ونزل فاحتز رأسه وأقبل به إلى الحارث، وهو على قصره ينظر ~~إليهم، فألقى الرأس بين يديه. فقال له الحارث: شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها. ~~فقال: بل أنصرف فأواسي أصحابي بنفسي فإذا انصرف الناس انصرفت. فرجع فصادف ~~أخاه الأسود قد رجع إليه الناس وهو يقاتل وقد اشتدت نكايته، فتقدم لبيد ~~فقاتل فقتل، ولم يقتل في هذه الحرب بعد تلك الهزيمة غيره، وانهزمت لخم ~~هزيمة ثانية وقتلوا في كل وجه، وانصرفت غسان بأحسن ظفر. # وذكر أن الغبار في ms0358 هذا اليوم اشتد وكثر حتى ستر الشمس، وحتى ظهرت الكواكب ~~المتباعدة عن مطالع الشمس لكثرة العساكر، لأن الأسود سار بعرب العراق أجمع، ~~وسار الحارث بعرب الشام أجمع، وهذا اليوم من أشهر أيام العرب، وقد فخر به ~~بعض شعراء غسان فقال: # يوم وادي حليمة وازدلفنا ... بالعناجيج والرماح الظماء # إذ شحنا أكفنا من رقاق ... رق من وقعها سنا السحناء # وأتت هند بالخلوق إلى من ... كان ذا نجدة وفضل غناء # ونصبنا الجفان في ساحة ... المر ج فملنا إلى جفان ملاء # وقيل في قتله غير ما تقدم، ونحن نذكره. # قال بعض العلماء: وكان سببه أن الحارث بن أبي شمر جبلة بن الحارث الأعرج ~~الغساني خطب إلى المنذر بن المنذر اللخمي ابنته وقصد انقطاع الحرب بين لخم # PageV01P489 # وغسان، فزوجه المنذر ابنته هندا، وكانت لا تريد الرجال، فصنعت بجلدها ~~شبيها بالبرص وقالت لأبيها: أنا على هذه الحالة وتهديني لملك غسان؟ فندم ~~على تزويجها فأمسكها. ثم إن الحارث أرسل يطلبها فمنعها أبوها واعتل عليه. # ثم إن المنذر خرج غازيا، فبعث الحارث بن أبي شمر جيشا إلى الحيرة ~~فانتهبها وأحرقها. فانصرف المنذر من غزاته لما بلغه من الخبر، فسار يريد ~~غسان، وبلغ الخبر الحارث فجمع أصحابه وقومه فسار بهم، فتوافقوا بعين أباغ ~~فاصطفوا للقتال فاقتتلوا واشتد الأمر بين الطائفتين، فحملت ميمنة المنذر ~~على ميسرة الحارث، وفيها ابنه فقتلوه، وانهزمت الميسرة، وحملت ميمنة الحارث ~~على ميسرة المنذر فانهزم من بها وقتل مقدمها فروة بن مسعود بن عمرو بن أبي ~~ربيعة بن ذهل بن شيبان، وحملت غسان من القلب على المنذر فقتلوه وانهزم ~~أصحابه في كل وجه، فقتل منهم بشر كثير وأسر خلق كثير، منهم من بني تميم ثم ~~من بني حنظلة مائة أسير، منهم شأس بن عبدة، فوفد أخوه علقمة بن عبدة الشاعر ~~على الحارث يطلب إليه أن يطلق أخاه، ومدحه بقصيدته المشهورة التي أولها: # طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # تكلفني ليلى وقد شط أهلها ... وعادت عواد بيننا وخطوب # يقول فيها: # فإن تسألوني ms0359 بالنساء فإنني # بصير بأدواء النساء طبيب ... إذا شاب رأس المرء أو قل ماله # فليس له في ودهن نصيب ... يردن ثراء المال حيث وجدنه # وشرخ الشباب عندهن عجيب ... وقاتل من غسان أهل حفاظها # وهنب وقاس جالدت وشبيب # PageV01P490 # تخشخش أبدان الحديد عليهم كما ... خشخشت يبس الحصاد جنوب # فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمر كالقناة نجيب # وإلا كمي ذو حفاظ كأنه بما ... ابتل من حد الظبات خضيب # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # فلما بلغ إلى قوله: فحق لشأس من نداك ذنوب، قال الملك: إي والله وأذنبة، ~~ثم أطلق شأسا وقال له: إن شئت الحباء وإن شئت أسراء قومك؟ وقال لجلسائه: إن ~~اختار الحباء على قومه فلا خير فيه. فقال: أيها الملك ما كنت لأختار على ~~قومي شيئا. فأطلق له الأسرى من تميم وكساه وحباه، وفعل ذلك بالأسرى جميعهم ~~وزودهم زادا كثيرا. فلما بلغوا بلادهم أعطوا جميع ذلك لشأس وقالوا: أنت كنت ~~السبب في إطلاقنا فاستعن بهذا على دهرك، فحصل له مال كثير من إبل وكسوة ~~وغير ذلك. # (عبدة بفتح العين والباء الموحدة) . # وقيل في قتله: إنه جمع عسكرا ضخما وسار حتى نزل الشام، وسار ملك الشام، ~~وهو عند الأكثر الحارث بن أبي شمر، فنزل مرج حليمة، وهو ينسب إلى حليمة بنت ~~الملك، ونزل الملك اللخمي في مرج الصفر، فسير الحارث فارسين طليعة، أحدهما ~~فارس خصاف، وكانت فرسه تجري على ثلاث فلا تلحق، فسارا حتى خالطا القوم ~~وقربا من الملك وأمامه شمعة فقتلا حاملها. ففزع القوم فاضطربوا بأسيافهم ~~فقتل بعضهم بعضا حتى أصبحوا، وأتاهم رسل الحارث ملك غسان يبذل الصلح ~~والإتاوة وقال: إني باعث رءوس القبائل لتقرير الحال، وندب أصحابه، فانتدب ~~له مائة غلام، وقيل: ثمانون غلاما، فألبسهم السلاح وأمر ابنته حليمة أن ~~تطيبهم وتلبسهم، ففعلت. فلما مر بها لبيد بن عمرو فارس الزيتية قبلها، فأتت ~~أباها باكية، فقال: هو أسد القوم ولئن سلم لأنكحنه إياك، وأمره ms0360 على القوم ~~وساروا، فلما قاربوا العسكر العراقي جمع الملك رءوس أصحابه. وجاء الغسانيون ~~وعليهم السلاح، قد لبسوا فوقها الثياب والبرانس، فلما تتاموا عند الملك ~~أبدوا السلاح فقتلوا من وجدوا، وقتل لبيد بن عمرو ملك العراقيين وأحيط ~~بالغسانيين فقتلوا إلا لبيد بن عمرو، فإن فرسه لم تبرح، فاستوى عليها، وعاد # PageV01P491 # فأخبر الملك، فقال له: قد أنكحتك ابنتي حليمة. فقال: لا يتحدث الناس أني ~~فل مائة، ثم عاد إلى القوم فقاتل فقتل. وتفقد أهل العراق أشرافهم وإذا بهم ~~قد قتلوا فضعفت نفوسهم لذلك وزحفت إليهم غسان فانهزموا. # قلت: قد اختلف النسابون وأهل السير في مدة الأيام وتقديم بعضها على بعض، ~~واختلفوا أيضا في المقتول فيها، فمنهم من يقول: إن يوم حليمة هو اليوم الذي ~~قتل فيه المنذر بن ماء السماء، ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن ~~المنذر، ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحدا فيقول: لم ~~يقتل إلا المنذر بن ماء السماء. وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة، وقيل: إن ~~المقتول من ملوك الحيرة غيرهما، فالصحيح أن المقتول هو المنذر بن ماء ~~السماء لا شك فيه، وأما ابنه ففيه خلاف كثير، والأصح أنه لم يقتل، ومن أثبت ~~قتله اختلفوا في سببه، على ما ذكرناه. وإنما ذكرت اختلافهم والحادثة واحدة، ~~لأن كل سبب منها قد ذكره بعض العلماء، فمتى تركنا أحدهما ظن من ليس له ~~معرفة أن كل سبب منها حادث مستقل. وقد أهملناه، فأتينا بهما جميعا لذلك ~~ونبهنا عليه. ### | [ذكر قتل مضرط الحجارة] # وهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة، وكان يلقب مضرط ~~الحجارة لشدة ملكه وقوة سياسته، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن ~~آكل المرار، وهي عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث. # وكان سبب قتله أنه قال يوما لجلسائه: هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل ~~مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم ~~التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة، ms0361 وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم، ~~وابنها عمرو. # PageV01P492 # فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه، وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره، ~~ويأمر أن تزور أمه ليلى أم نفسه هندا بنت الحارث. فقدم عمرو بن كلثوم في ~~فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند ~~قدومه، فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، ~~فصنع لهم طعاما ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق، وجلس ~~هو وعمرو بن كلثوم وخواص أصحابه في السرادق، ولأمه هند قبة في جانب ~~السرادق، وليلى أم عمرو بن كلثوم معها في القبة، وقد قال مضرط الحجارة ~~لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك، فإذا دنا ~~الطرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء. # ففعلت هند ما أمرها به ابنها، فلما استدعي الطرف قالت هند لليلى: ناوليني ~~هذا الطبق. فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فألحت عليها. فقالت ليلى: ~~واذلاه يا آل تغلب! فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم، فثار الدم في وجهه والقوم ~~يشربون، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه، وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند ~~وهو معلق في السرادق، وليس هناك سيف غيره، فأخذه ثم ضرب به رأس مضرط ~~الحجارة فقتله، وخرج فنادى: يا آل تغلب! فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء ~~وساروا فلحقوا بالحيرة، فقال أفنون التغلبي: # لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق # فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا ... وأمسك من ندمانه بالمخنق ### | [يوم الكلاب الأول] # PageV01P493 # قال ابن الكلبي: أول من اشتد ملكه من كندة حجر آكل المرار بن عمرو بن ~~معاوية بن الحارث الكندي، فلما هلك ملك بعده ابنه عمرو مثل ملك أبيه فسمي ~~المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، فتزوج عمرو أم أناس بنت عوف بن محلم ~~الشيباني، فولدت له الحارث، فملك بعد أبيه أربعين سنة، وقيل: ستين سنة، ~~فخرج يتصيد فرأى عانة وهي حمر الوحش، فشد عليها، فانفرد ms0362 منها حمار، فتتبعه ~~وأقسم أن لا يأكل شيئا قبل كبده وهو بمسحلان، فطلبته الخيل ثلاثة أيام حتى ~~أدركته، فأتي به وقد كاد يموت من الجوع، فشوي على النار وأطعم من كبده وهي ~~حارة فمات. # وكان الحارث فرق بنيه في قبائل معد، فجعل حجرا في بني أسد وكنانة وهو ~~أكبر ولده، وجعل شرحبيل في بكر بن وائل وبني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن ~~تميم وبني أسيد بن عمرو بن تميم والرباب، وجعل سلمة وهو أصغرهم، في بني ~~تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد مناة بن تميم، وجعل ابنه معدي كرب، ~~ويعرف بغلفاء، في قيس عيلان، وقد تقدم هذا في قتل حجر أبي امرئ القيس، ~~وإنما أعدناه هاهنا للحاجة إليه. # فلما هلك الحارث تشتت أمر أولاده وتفرقت كلمتهم ومشى بينهم الرجال، وكانت ~~المغاورة بين الأحياء الذين معهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم ~~لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش. فسار شرحبيل فيمن معه من الجيوش فنزل ~~الكلاب، وهو # PageV01P494 # ماء بين البصرة والكوفة. وأقبل سلمة فيمن معه وفي الصنائع أيضا، وهم قوم ~~كانوا مع الملوك من شذاذ العرب، فأقبلوا إلى الكلاب، وعلى تغلب السفاح بن ~~خالد بن كعب بن زهير، فاقتتلوا قتالا شديدا، وثبت بعضهم لبعض. فلما كان آخر ~~النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل ~~وانهزموا، وثبتت بكر وانصرفت بنو سعد ومن معها عن تغلب وصبرت تغلب، ونادى ~~منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة: من ~~أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل. فاشتد القتال حينئذ كل يطلب أن يظفر ~~لعله يصل إلى قتل أحد الرجلين ليأخذ مائة من الإبل، فكانت الغلبة آخر ~~النهار لتغلب وسلمة، ومضى شرحبيل منهزما، فتبعه ذو السنينة التغلبي، فالتفت ~~إليه شرحبيل فضربه على ركبته فأطن رجله. # وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه، فقال لأخيه: قتلني الرجل! وهلك ذو ~~السنينة! فقال أبو حنش لشرحبيل: قتلني الله إن لم أقتلك! وحمل ms0363 عليه فأدركه، ~~فقال: يا أبا حنش اللبن اللبن! يعني الدية. فقال: قد هرقت لبنا كثيرا! ~~فقال: يا أبا حنش أملكا بسوقة؟ فقال: إن أخي ملكي. فطعنه فألقاه عن فرسه، ~~ونزل إليه فأخذ رأسه وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له، فأتاه به وألقاه بين ~~يديه، فقال سلمة: لو كنت ألقيته أرفق من هذا! وعرفت الندامة في وجه سلمة ~~والجزع عليه. فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة: # ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فما لك لا تجيء إلى الثواب # لتعلم أن خير الناس طرا ... قتيل بين أحجار الكلاب # تداعت حوله جشم بن بكر ... وأسلمه جعاسيس الرباب # فأجابه أبو حنش فقال: # أحاذر أن أجيئك ثم تحبو ... حباء أبيك يوم صنيبعات # وكانت غدرة شنعاء تهفو ... تقلدها أبوك إلى الممات # PageV01P495 # وكان سبب صنيبعات أن ابنا للحارث كان مسترضعا في تميم وبكر ولدغته حية ~~فمات، فأخذ خمسين رجلا من تميم وخمسين رجلا من بكر فقتلهم به. # ولما قتل شرحبيل قام بنو زيد مناة بن تميم دون أهله وعياله، فمنعوهم ~~وحالوا بين الناس وبينهم، حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم، ولما بلغ خبر قتله ~~أخاه معدي كرب، وهو غلفاء، قال يرثيه: # إن جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسر فوق الظراب # من حديث نمى إلي فما تر ... قأ عيني ولا أسيغ شرابي # مرة كالذعاف أكتمها النا ... س على حر ملة كالشهاب # من شرحبيل إذا تعاوره الأر ... ماح من بعد لذة وشباب # يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب # ثم طاعنت من ورائك حتى ... يبلغ الرحب أو تبز ثيابي # أحسنت وائل وعادتها الإح ... سان بالحنو يوم ضرب الرقاب # يوم فرت بنو تميم وولت ... خيلهم يكتسعن بالأذناب # وهي طويلة. # ثم إن تغلب أخرجوا سلمة من بينهم فلجأ إلى بكر بن وائل وانضم إليهم، ~~ولحقت تغلب بالمنذر بن امرئ القيس اللخمي. # (الكلاب: بضم الكاف. أسيد بن عمرو: بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، ~~وتشديد الياء المثناة من تحت. وذو السنينة: بضم السين المهملة، تصغير سن. # PageV01P496 # والرباب: بكسر الراء، ms0364 وتخفيف الباء الأولى الموحدة. ### | [يوم أوارة الأول] # وهو يوم كان بين المنذر بن امرئ القيس وبين بكر بن وائل. # وكان سببه أن تغلب لما أخرجت سلمة بن الحارث عنها، التجأ إلى بكر بن ~~وائل، كما ذكرناه آنفا، فلما صار عند بكر أذعنت له وحشدت عليه وقالوا: لا ~~يملكنا غيرك، فبعث إليهم المنذر يدعوهم إلى طاعته، فأبوا ذلك، فحلف المنذر ~~ليسيرن إليهم فإن ظفر بهم فليذبحنهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم ~~الحضيض. # وسار إليهم في جموعه، فالتقوا بأوارة فاقتتلوا قتالا شديدا وأجلت الواقعة ~~عن هزيمة بكر وأسر يزيد بن شرحبيل الكندي، فأمر المنذر بقتله، فقتل، وقتل ~~في المعركة بشر كثير، وأسر المنذر من بكر أسرى كثيرة فأمر بهم فذبحوا على ~~جبل أوارة، فجعل الدم يجمد. فقيل له: أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه ~~الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض! ولكن لو صببت عليه الماء! ففعل فسال الدم إلى ~~الحضيض، وأمر النساء أن يحرقن بالنار. # وكان رجل من قيس بن ثعلبة منقطعا إلى المنذر، فكلمه في سبي بكر بن وائل، ~~فأطلقهن المنذر، فقال الأعشى يفتخر بشفاعة القيسي إلى المنذر في بكر: # ومنا الذي أعطاه بالجمع ربه ... على فاقة وللملوك هباتها # سبايا بني شيبان يوم أوارة ... على النار إذ تجلى له فتياتها ### | [يوم أوارة الثاني] # كان عمرو بن المنذر اللخمي قد ترك ابنا له اسمه أسعد عند زرارة بن عدس ~~التميمي، فلما ترعرع مرت به ناقة سمينة فعبث بها فرمى ضرعها، فشد عليه ربها ~~سويد # PageV01P497 # أحد بني عبد الله بن دارم التميمي فقتله. وهرب فلحق بمكة فحالف قريشا. ~~وكان عمرو بن المنذر غزا قبل ذلك ومعه زرارة فأخفق، فلما كان حيال جبلي طيء ~~قال له زرارة: أي ملك إذا غزا لم يرجع ولم يصب، فمل على طيء فإنك بحيالها، ~~فمال إليهم فأسر وقتل وغنم، فكانت في صدور طيء على زرارة، فلما قتل سويد ~~أسعد، وزرارة يومئذ عند عمرو، قال له عمرو بن ملقط الطائي يحرض عمرا على ~~زرارة: # من مبلغ ms0365 عمرا بأن ال ... مرء لم يخلق صباره # ها إن عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أواره # فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره # فقال عمرو يا زرارة ما تقول؟ قال كذبت، قد علمت عداوتهم فيك. قال: صدقت. ~~فلما جن الليل سار زرارة مجدا إلى قومه ولم يلبث أن مرض. فلما حضرته الوفاة ~~قال لابنه: يا حاجب ضم إليك غلمتي في بني نهشل. وقال لابن أخيه عمرو بن ~~عمرو: عليك بعمرو بن ملقط فإنه حرض علي الملك. فقال له: يا عماه لقد أسندت ~~إلي أبعدهما شقة وأشدهما شوكة. # فلما مات زرارة تهيأ عمرو بن عمرو في جمع وغزا طيئا فأصاب الطريفين: طريف ~~بن مالك، وطريف بن عمرو، وقتل الملاقط، فقال علقمة بن عبدة في ذلك: # ونحن جلبنا من ضرية خيلنا ... نجنبها حد الإكام قطاطا # أصبنا الطريف والطريف بن مالك ... وكان شفاء الواصبين الملاقطا # فلما بلغ عمرو بن المنذر وفاة زرارة غزا بني دارم، وقد كان حلف ليقتلن ~~منهم مائة، فسار يطلبهم حتى بلغ أوارة، وقد نذروا به فتفرقوا. فأقام مكانه ~~وبث سراياه فيهم، # PageV01P498 # فأتوه بتسعة وتسعين رجلا سوى من قتلوه في غاراتهم فقتلهم، فجاء رجل من ~~البراجم شاعر ليمدحه فأخذه ليقتله ليتم مائة، ثم قال: " إن الشقي وافد ~~البراجم "! فذهبت مثلا. # وقيل: إنه نذر أن يحرقهم فلذلك سمي محرقا، فأحرق منهم تسعة وتسعين رجلا، ~~واجتاز رجل من البراجم فشم قتار اللحم فظن أن الملك يتخذ طعاما فقصده. ~~فقال: من أنت؟ فقال: أبيت اللعن أنا وافد البراجم. فقال: إن الشقي وافد ~~البراجم، ثم أمر به فقذف في النار، فقال جرير للفرزدق: # أين الذين بنار عمرو أحرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع # وصارت تميم بعد ذلك يعيرون بحب الأكل لطمع البرجمي في الأكل فقال بعضهم: # إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد # بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفق في البجاد # تراه ينقب البطحاء حولا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد # قيل: دخل الأحنف بن قيس على معاوية ms0366 بن أبي سفيان فقال له معاوية: ما ~~الشيء الملفق في البجاد يا أبا بحر؟ قال: السخينة يا أمير المؤمنين. ~~والسخينة: طعام تعير به قريش كما كانت تعير تميم بالملفق في البجاد. قال: ~~فلم ير متمازحان أوقر منهما. ### | [ذكر قتل زهير بن جذيمة وخالد بن جعفر بن كلاب والحارث بن ظالم المري وذكر يوم الرحرحان] # PageV01P499 # كان زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس ~~العبسي، وهو والد قيس بن زهير صاحب حرب داحس والغبراء، سيد قيس عيلان، ~~فتزوج إليه ملك الحيرة، وهو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر ~~لشرفه وسؤدده، فأرسل النعمان إلى زهير يستزيره بعض أولاده، فأرسل ابنه شأسا ~~فكان أصغر ولده، فأكرمه وحباه، فلما انصرف إلى أبيه كساه حللا وأعطاه مالا ~~طيبا. فخرج شأس يريد قومه فبلغ ماء من مياه غني بن أعصر فقتله رباح بن ~~الأشل الغنوي، وأخذ ما كان معه وهو يعرفه. # وقيل لزهير: إن شأسا أقبل من عند الملك وكان آخر العهد به بماء من مياه ~~غني. فسار زهير إلى ديار غني، وهم حلفاء في بني عامر ابن صعصعة، فاجتمعوا ~~عنده، فسألهم عن ابنه، فحلفوا أنهم لم يعلموا خبره، قال: لكني أعلمه، فقال ~~له أبو عامر: فما الذي يرضيك منا؟ قال: واحدة من ثلاث: إما تحيون ولدي، ~~وإما تسلمون إلي غنيا حتى أقتلهم بولدي، وإما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا ~~وبقيتم. فقالوا: ما جعلت لنا في هذه مخرجا، أما إحياء ولدك فلا يقدر عليه ~~إلا الله، وأما تسليم غني إليك فهم يمتنعون مما يمتنع منه الأحرار، وأما ~~الحرب بيننا فوالله إننا لنحب رضاك ونكره سخطك، ولكن إن شئت الدية، وإن شئت ~~تطلب قاتل ابنك فنسلمه إليك، أو تهب دمه فإنه لا يضيع في القرابة والجوار. ~~فقال: لا أفعل إلا ما ذكرت. فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على ~~أخواله من غني قال: والله ما رأينا كاليوم تعدي رجل على قومه فقال له زهير: ~~فهل ms0367 لك أن تكون طلبتي عندك وأترك غنيا؟ قال: نعم، فانصرف زهير وهو يقول: # فلولا كلاب قد أخذت قرينتي ... برد غني أعبدا ومواليا # PageV01P500 # ولكن حمتهم عصبة عامرية # يهزون في الأرض القصار العواليا ... مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى # أخوهم عزيز لا يخاف الأعاديا ... يقيمون في دار الحفاظ تكرما # إذا ما فني القوم أضحت خواليا # ثم إنه أرسل امرأة وأمرها أن تكتم نسبها وأعطاها لحم جزور سمينة وسيرها ~~إلى غني لتبيع اللحم بطيب وتسأل عن حال ولده. فانطلقت المرأة إلى غني وفعلت ~~ما أمرها، فانتهت إلى امرأة رباح بن الأشل وقالت لها: قد زوجت بنتا لي ~~وأبغي الطيب بهذا اللحم، فأعطتها طيبا وحدثتها بقتل زوجها شأسا. فعادت ~~المرأة إلى زهير وأخبرته، فجمع خيله وجعل يغير على غني حتى قتل منهم مقتلة ~~عظيمة، ووقعت الحرب بين بني عبس وبني عامر وعظم الشر. # ثم إن زهيرا خرج في أهل بيته في الشهر الحرام إلى عكاظ، فالتقى هو وخالد ~~بن جعفر بن كلاب، فقال له خالد: لقد طال شرنا منك يا زهير! فقال زهير: أما ~~والله ما دامت لي قوة أدرك بها ثأرا فلا انصرام له. # وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف، ~~وفي أنفسها منه غيظ وحقد، ثم عاد خالد وزهير إلى قومهما، فسبق خالد إلى ~~بلاد هوازن فجمع إليه قومه وندبهم إلى قتال زهير، فأجابوه وتأهبوا للحرب ~~وخرجوا يريدون زهيرا وهم على طريقه، وسار زهير حتى نزل على أطراف بلاد ~~هوازن، فقال له ابنه قيس: انج بنا من هذه الأرض فإنا قريب من عدونا. فقال ~~له: يا عاجز وما الذي تخوفني به من هوازن وتتقي شرها؟ فأنا أعلم الناس بها. ~~فقال ابنه: دع عنك اللجاج وأطعني وسر بنا، فإني خائف عاديتهم. # وكانت تماضر بنت الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية السلمية أم ولد زهير، ~~وقد أصاب بعض إخوتها دما فلحق ببني عامر، وكان فيهم، فأرسله خالد عينا ~~ليأتيه بخبر زهير، فخرج حتى أتاهم في منزلهم، فعلم ms0368 قيس بن زهير حاله، وأراد ~~هو وأبوه أن يوثقوه ويأخذوه معهم إلى أن يخرجوا من أرض هوازن، فمنعت أخته، ~~فأخذوا عليه العهود # PageV01P501 # ألا يخبر بهم وأطلقوه، فسار إلى خالد ووقف إلى شجرة يخبرها الخبر، فركب ~~خالد ومن معه إلى زهير، وهو غير بعيد منهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، والتقى ~~خالد وزهير فاقتتلا طويلا ثم تعانقا فسقطا على الأرض، وشد ورقاء بن زهير ~~على خالد وضربه بسيفه فلم يصنع شيئا لأنه قد ظاهر بين درعين، وحمل جندح بن ~~البكاء، وهو ابن امرأة خالد، على زهير فقتله، وهو وخالد يعتركان، فثار خالد ~~عنه وعادت هوازن إلى منازلها، وحمل بنو زهير أباهم إلى بلادهم، فقال ورقاء ~~بن زهير في ذلك: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر # إلى بطلين يعتران كلاهما ... يريد رياش السيف والسيف نادر # فشلت يميني يوم أضرب خالدا ... ويمنعه مني الحديد المظاهر # فيا ليت أني قبل أيام خالد ... وقبل زهير لم تلدني تماضر # لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني ... فماذا الذي ردت عليك البشائر؟ # فلا يدعني قومي صريحا بحرة ... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر # فطر خالد إن كنت تستطيع طيرة ... ولا تقعن إلا وقلبك حاذر # أتتك المنايا إن بقيت بضربة ... تفارق منها العيش والموت حاضر # وقال خالد يمن على هوازن بقتله زهيرا: # أبلغ هوازن كيف تكفر بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا # وقتلت ربهم زهيرا بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا # وجعلت مهر نسائهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائنا وبكارا # وكان زهير سيد غطفان، فعلم خالد أن غطفان ستطلبه بسيدها، فسار إلى # PageV01P502 # النعمان بن امرئ القيس بالحيرة فاستجاره، فأجاره. فضرب له قبة، وجمع بنو ~~زهير لهوازن، فقال الحارث بن ظالم المري: اكفوني حرب هوازن فأنا أكفيكم ~~خالد بن جعفر. # وسار الحارث حتى قدم على النعمان فدخل عليه وعنده خالد، وهما يأكلان ~~تمرا، فأقبل النعمان يسائله، فحسده خالد، فقال للنعمان: أبيت اللعن! هذا ~~رجل لي عنده يد عظيمة، قتلت زهيرا وهو سيد غطفان فصار هو سيدها. فقال ~~الحارث: سأجزيك على يدك عندي، وجعل الحارث ms0369 يتناول التمر ليأكله فيقع من بين ~~أصابعه من الغضب، فقال عروة لأخيه خالد: ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكا؟ ~~فقال خالد: وما يخوفني منه؟ فوالله لو رآني نائما ما أيقظني. # ثم خرج خالد وأخوه إلى قبتهما فشرجاها عليهما، ونام خالد وعروة عند رأسه ~~يحرسه، فلما أظلم الليل انطلق الحارث إلى خالد فقطع شرج القبة ودخلها وقال ~~لعروة: لئن تكلمت قتلتك! ثم أيقظ خالدا، فلما استيقظ قال: أتعرفني؟ قال: ~~أنت الحارث. قال: خذ جزاء يدك عندي! وضربه بسيفه المعلوب فقتله، ثم خرج من ~~القبة وركب راحلته وسار. # وخرج عروة من القبة يستغيث وأتى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر، فبث ~~الرجال في طلب الحارث. # قال الحارث: فلما سرت قليلا خفت أن أكون لم أقتله فعدت متنكرا واختلطت ~~بالناس ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول وعدت فلحقت بقومي، ~~فقال عبد الله بن جعدة الكلابي: # يا حار لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعشا ولا معزالا # شقت عليه الجعفرية جيبها ... جزعا وما تبكي هناك ضلالا # فانعوا أبا بحر بكل مجرب ... حران يحسب في القناة هلالا # PageV01P503 # فليقتلن بخالد سرواتكم # وليجعلن لظالم تمثالا # فأجابه الحارث: # تالله قد نبهته فوجدته ... رخو اليدين مواكلا عسقالا # فعلوته بالسيف أضرب رأسه ... حتى أضل بسلحه السربالا # فجعل النعمان يطلبه ليقتله بجاره، وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد، فلحق ~~بتميم فاستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، فأجاره على ~~النعمان وهوازن، فلما علم النعمان ذلك جهز جيشا إلى بني دارم عليهم ابن ~~الخمس التغلبي، وكان يطلب الحارث بدم أبيه لأنه كان قتله. # ثم إن الأحوص بن جعفر أخا خالد جمع بني عامر وسار بهم، فاجتمعوا هم وعسكر ~~النعمان على بني دارم وساروا، فلما صاروا بأدنى مياه بني دارم رأوا امرأة ~~تجني الكمأة ومعها جمل لها، فأخذها رجل من غني وتركها عنده. فلما كان الليل ~~نام فقامت إلى جملها فركبته، وسارت حتى صبحت بني دارم، وقصدت سيدهم زرارة ~~بن عدس فأخبرته الخبر وقالت: أخذني أمس قوم لا ms0370 يريدون غيرك ولا أعرفهم. ~~قال: فصفيهم لي. قالت: رأيت رجلا قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة، صغير ~~العينين، وعن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص وهو سيد القوم. قالت: ورأيت ~~رجلا قليل المنطق إذا تكلم اجتمع القوم كما تجتمع الإبل لفحلها، أحسن الناس ~~وجها، ومعه ابنان له يلازمانه. قال: ذلك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل. ~~قالت: ورأيت رجلا جسيما كأن لحيته محمرة معصفرة. قال: ذاك عوف بن الأحوص. ~~قالت: ورأيت رجلا هلقاما جسيما. قال: ذاك ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن ~~كلاب. قالت: ورأيت رجلا أسود أخنس قصيرا. # PageV01P504 # قال: ذاك ربيعة بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر. قالت: ورأيت رجلا أقرن ~~الحاجبين، كثير شعر السبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم. قال: ذاك جندح ~~بن البكاء. قالت: ورأيت رجلا صغير العينين، ضيق الجبهة، يقود فرسا له، معه ~~جفير لا يفارق يده. قال: ذاك ربيعة بن عقيل بن كعب. قالت: ورأيت رجلا معه ~~ابنان أصهبان، إذا أقبلا رماهما الناس بأبصارهم، فإذا أدبرا كانا كذلك. ~~قال: ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة. قالت: ورأيت ~~رجلا لا يقول كلمة إلا وهي أحد من شفرة. قال: ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب. # وأمرها زرارة فدخلت بيتها، وأرسل زرارة إلى الرعاء يأمرهم بإحضار الإبل، ~~ففعلوا. وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بغيض، وفرق الرسل في ~~بني مالك بن حنظلة فأتوه، فأخبرهم الخبر وأمرهم، فوجهوا أثقالهم إلى بلاد ~~بغيض، ففعلوا وباتوا معدين. # وأصبح بنو عامر وأخبرهم الغنوي حال الظعينة وهربها فسقط في أيديهم، ~~واجتمعوا يديرون الرأي، فقال بعضهم: كأني بالظعينة قد أتت قومها فأخبرتهم ~~الخبر، فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد بغيض، وباتوا معدين لكم في ~~السلاح، فاركبوا بنا في طلب نعمهم وأموالهم فإنهم لا يشعرون حتى نصيب ~~حاجتنا وننصرف. فركبوا يطلبون ظعن بني دارم، فلما أبطأ القوم عن زرارة قال ~~لقومه: إن القوم قد توجهوا إلى ظعنكم وأموالكم فسيروا إليهم. فساروا مجدين ~~فلحقوهم قبل ms0371 أن يصلوا إلى الظعن والنعم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتلت بنو ~~مالك بن حنظلة ابن الخمس التغلبي رئيس جيش النعمان، وأسرت بنو عامر معبد بن ~~زرارة، وصبر بنو دارم حتى انتصف النهار، وأقبل قيس بن زهير فيمن معه من ~~ناحية أخرى، فانهزمت بنو عامر وجيش النعمان وعادوا إلى بلادهم ومعبد أسير ~~مع بني عامر، فبقي معهم حتى مات. # وفي تلك الأيام أيضا مات زرارة بن عدس. # وقيل في استجارة الحارث ببني تميم غير ذلك، وهو أن النعمان طلب شيئا يغيظ ~~به # PageV01P505 # الحارث بعد قتل خالد وهربه، فقيل له: كان قصد الحيرة ونزل على عياض بن ~~ديهث التميمي وهو صديق له، فبعث إليه النعمان فأخذ إبلا له، فركب الحارث ~~وأتى الحيرة متخفيا واستنقذ ماله من الرعاء ورده عليه وطلب شيئا يغيظ به ~~النعمان، فرأى ابنه غضبان فضرب رأسه بالسيف فقتله، وبلغ النعمان الخبر فبعث ~~في طلبه فلم يدرك، فقال الحارث في ذلك: # أخصيي حمار بات يكدم نجمة ... أتؤكل جاراتي وجارك سالم # فإن تك أذوادا أصبت ونسوة ... فهذا ابن سلمى رأسه متفاقم # علوت بذي الحيات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه إلا الأكارم # فتكت به كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تحتويه الجماجم # بدأت بتلك وانثنيت بهذه ... وثالثة تبيض منها المقادم # حسبت أبا قابوس أنك مخفري ... ولما تذق ثكلا وأنفك راغم # PageV01P506 # كذا قال بعضهم، وقيل: إن المقتول كان شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وكان ~~الأسود قد ترك ابنه شرحبيل عند سنان بن أبي حارثة المري ترضعه زوجته. فمن ~~هناك كان لسنان مال كثير، وكان ابنه هرم يعطى منه، فجاء الحارث متخفيا ~~فاستعار سرج سنان ولا يعلم سنان، ثم أتى امرأة سنان فقال: يقول بعلك ابعثي ~~بشرحبيل بن الملك مع الحارث بن ظالم حتى يستأمن به ويتخفر به، وهذا سرجه ~~علامة. فزينته ودفعته إليه، فأخذه وقتله وهرب. # فغزا الأسود بني ذبيان وبني أسد بشط أربك، فقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى ~~واستأصل الأموال وأقسم ليقتلن الحارث، فسار الحارث متخفيا إلى الحيرة ليفتك ~~بالأسود، فبينما هو في منزله ms0372 إذ سمع صارخة تقول: أنا في جوار الحارث بن ~~ظالم، وعرف حالها، وكان الأسود قد أخذ لها صرمة من الإبل، فقال لها: انطلقي ~~غدا إلى مكان كذا، وأتاه الحارث. فلما وردت إبل النعمان أخذ مالها فسلمه ~~إليها وفيها ناقة تسمى اللقاع، فقال الحارث في ذلك: # إذا سمعت حنة اللقاع فادعي ... أبا ليلى فنعم الداعي # يمشي بغضب صارم قطاع ... يفري به مجامع الصداع # ثم أقبل يطلب مجيرا، فلم يجره أحد من الناس وقالوا: يجيرك على هوازن ~~والنعمان وقد قتلت ولده؟ فأتى زرارة بن عدس وضمرة بن ضمرة فأجاراه على جميع ~~الناس. # ثم إن عمرو بن الإطنابة الخزرجي لما بلغه قتل خالد بن جعفر، وكان صديقا ~~له، قال: والله لو وجده يقظان ما أقدم عليه، ولوددت أني لقيته. وبلغ الحارث ~~قوله وقال: والله لآتينه في رحل ولا ألقاه إلا ومعه سلاحه، فبلغ ذلك ابن ~~الإطنابة فقال أبياتا، منها: # أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النذور عليا # إنما تقتل النيام ولا تق ... تل يقظان ذا سلاح كميا # فبلغ الحارث شعره فسار إلى المدينة وسأل عن منزل ابن الإطنابة، فلما دنا ~~منه # PageV01P507 # نادى: يا ابن الإطنابة أغثني! فأتاه عمرو فقال: من أنت؟ قال: رجل من بني ~~فلان خرجت أريد بني فلان، فعرض لي قوم قريبا منك، فأخذوا ما كان معي فاركب ~~معي حتى نستنقذه. فركب معه ولبس سلاحه ومضى معه، فلما أبعد عن منزله عطف ~~عليه وقال: أنائم أنت أم يقظان؟ فقال: يقظان. فقال: أنا أبو ليلى وسيفي ~~المعلوب، فألقى ابن الإطنابة سيفه، وقيل: رمحه، وقال: قد أعجلتني فأمهلني ~~حتى آخذ سيفي. فقال: خذه. قال: أخاف أن تعجلني عن أخذه. قال: لك ذمة ظالم ~~لا أعجلك عن أخذه. # قال: فوذمة الإطنابة لا آخذه! فانصرف الحارث وهو يقول أبياتا، منها: # بلغتنا مقالة المرء عمرو ... فالتقينا وكان ذاك بديا # فهممنا بقتله إذ برزنا ... ووجدناه ذا سلاح كميا # غير ما نائم يروع بالفت ... ك ولكن مقلدا مشرفيا # فمننا عليه بعد علو ... بوفاء وكنت قدما وفيا # ثم ms0373 إن الحارث لما علم أن النعمان قد جد في طلبه، وهوازن لا تقعد عن الطلب ~~بثأر خالد، خرج متنكرا إلى الشام واستجار بيزيد بن عمرو، فأكرمه وأجاره. ~~وكان ليزيد ناقة محماة، في عنقها مدية وزناد وملح ليمتحن بذلك رعيته، فوحمت ~~زوجة الحارث واشتهت شحما ولحما، فأخذ الحارث الناقة فأدخلها شعبا فذبحها، ~~وحمل إلى امرأته من شحمها ولحمها ورفع منه. وفقدت الناقة فطلبت فوجدت عقيرة ~~بالوادي، فأرسل الملك إلى كاهن فسأله عنها، فذكر له أن الحارث نحرها، فأرسل ~~امرأة بطيب تشتري من لحمها من امرأة الحارث، فأدركها الحارث وقد اشترت ~~اللحم فقتلها ودفنها في البيت. فسأل الملك الكاهن عن المرأة، فقال: قتلها ~~من نحر الناقة، وإذا كرهت أن تفتش بيته فتأمر الرجل بالرحيل، فإذا رحل فتشت ~~بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة، وأحس الحارث ~~بالشر فعاد إلى الكاهن فقتله، فأخذ # PageV01P508 # الحارث وأحضر عند الملك، فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدر بي. ~~فقال: إن غدرت بك مرة واحدة فقد غدرت بي مرارا. فقتله. ### | [أيام داحس والغبراء، وهي بين عبس وذبيان] # وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليجهز ~~لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعا موصوفة. ~~فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن ~~لبون. ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضا أدراعا، ~~وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه. فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى ~~مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى ~~عيبته فقال: ما في حقيبتك؟ قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، ~~فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله. ~~فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في ~~طلبها، ولج الربيع في منعها. فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى ~~مكة وأقام ينتظر ms0374 غرة الربيع. # ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلإ، وأمر أهله فظعنوا، ~~وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيسا فسار في أهله وإخوته، فعارض ~~ظعائن الربيع، وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته. فقالت فاطمة أم ~~الربيع: ما تريد يا قيس؟ قال: أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بها بسبب درعي. ~~قالت: وهي في ضماني وخل عنا، ففعل. فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى ~~الدرع، فحلف أنه لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع، ~~فأغار على نعم الربيع فاستاق منها # PageV01P509 # أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلا، وتبعه الربيع ~~فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء. # وقيل: إن داحسا كان من خيل بني يربوع، وإن أباه كان أخذ فرسا لرجل من بني ~~ضبة يقال له أنيف بن جبلة، وكان الفرس يسمى السبط، وكانت أم داحس لليربوعي، ~~فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل. فلما كان الليل ~~عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير ~~فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة ~~من ذلك، فقال لهم: لا تعجلوا، دونكم نطفة فرسكم فخذوها. فقال القوم: قد ~~أنصف. فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، فلم تزد ~~الفرس إلا لقاحا فنتجت مهرا فسمي داحسا بهذا السبب. # فكان عند اليربوعي ابنان له، وأغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى، ~~ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما، ~~فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه، ~~وكان ذلك قبل أن يقع بينه وبين الربيع ما وقع. ثم جاء وفد بني يربوع في ~~فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين وأختيهما وقال: إن أتاني ~~الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا. فامتنع الغلامان من ذلك، فقال ~~شيخ من بني يربوع كان أسيرا عند ms0375 قيس، وبعث بها إلى الغلامين، وهي: # إن مهرا فدى الرباب وجملا ... وسعادا لخير مهر أناس # ادفعوا داحسا بهن سراعا ... إنها من فعالها الأكياس # دونها والذي يحج له النا ... س سبايا يبعن بالأفراس # إن قيسا يرى الجواد من الخي ... ل حياة في متلف الأنفاس # يشتري الطرف بالجراجرة الج ... لة يعطي عفوا بغير مكاس # فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء. # وقيل: إن قيسا أنزى داحسا على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء. # ثم إن قيسا أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخورا، فقال لهم: نحوا ~~كعبتكم عنا # PageV01P510 # وحرمكم وهاتوا ما شئتم. فقال له عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت ~~المعمور وبالحرم الآمن فبم نفاخرك؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، ~~وسر ذلك قريشا لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من ~~عندهم أولا وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا ~~في الحسب، وبنو عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع ~~الربيع أن يتناولنا معهم. فلحق قيس وإخوته ببني بدر، وقال في مسيره إليهم: # أسير إلى بني بدر بأمر ... هم فيه علينا بالخيار # فإن قبلوا الجوار فخير قوم ... وإن كرهوا الجوار فغير عار # أتينا الحارث الخير بن كعب ... بنجران وأي لجا بجار # فجاورنا الذين إذا أتاهم ... غريب حل في سعة القرار # فيأمن فيهم ويكون منهم ... بمنزلة الشعار من الدثار # وإن نفرد بحرب بني أبينا ... بلا جار فإن الله جاري # ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، ~~وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح ~~إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم ~~زمانا يكرمونه وإخوته، فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه ~~الأبيات: # ألا أبلغ بني بدر رسولا ... على ما كان من شنإ ووتر # بأني لم أزل لكم صديقا ... أدافع عن فزارة كل أمر # أسالم سلمكم ms0376 وأرد عنكم ... فوارس أهل نجران وحجر # وكان أبي ابن عمكم زياد ... صفي أبيكم بدر بن عمرو # فألجأتم أخا الغدرات قيسا ... فقد أفعمتم إيغار صدري # فحسبي من حذيفة ضم قيس ... وكان البدء من حمل بن بدر # فإما ترجعوا أرجع إليكم ... وإن تأبوا فقد أوسعت عذري # فلم يتغيروا عن جوار قيس. فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره ~~قيسا وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجة، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: ~~إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا على ما ~~يكون منه حتى أرجع، فإني قد عرفت الشر في وجهه، وليس يقدر على حاجته منكم ~~إلا أن تراهنوه على الخيل. وكان ذا رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة. # ثم إن فتى من عبس يقال له ورد بن مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: ~~لو # PageV01P511 # اتخذت من خيل قيس فحلا يكون أصلا لخيلك. فقال حذيفة: خيلي خير من خيل ~~قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، ~~والرهن عشرة أذواد. # وسار ورد فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في ~~بني بدر ووقعت معي، وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق، ونحن لا نقر له بضيم. ~~ورجع قيس من العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفك الرهن، فلم ~~يفعل. فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقر قيس أن السبق ~~لي وإلا فلا، فقال أبو جعدة الفزاري: # آل بدر دعوا الرهان فإنا ... قد مللنا اللجاج عند الرهان # ودعوا المرء في فزارة جارا ... إن ما غاب عنكم كالعيان # ليت شعري عن هاشم وحصين ... وابن عوف وحارث وسنان # حين يأتيهم لجاجك قيسا ... رأي صاح أتيت أم نشوان # وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال قيس: علام ~~تراهنني؟ قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، وقيل: كان ~~الرهن على فرسي داحس والغبراء. قال قيس: ms0377 داحس أسرع. وقال حذيفة: الغبراء ~~أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك، والأول أصح. ~~فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق. فقال حذيفة: الغاية من أبلى ~~إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوة، والسبق مائة بعير، وضمروا ~~الخيل. فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح، وتركوا ~~السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي، وأعدوا الأمناء على إرسال ~~الخيل. # وأقام حذيفة رجلا من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحسا في وادي ذات # PageV01P512 # الإصاد إن مر به سابقا فيرمي به إلى أسفل الوادي. # فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقا بينا، والناس ينظرون إليه، وقيس وحذيفة ~~على رأس الغاية في جميع قومهما. فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم ~~وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل. ~~وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق ~~واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا ~~أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء. فلما قربا من الناس وهما في وعث ~~من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس. " فقال رويدك يعلون الجدد ~~"، فذهبت مثلا. فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا. فقال ~~قيس: " ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين "، فذهبت مثلا. # ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضا، ~~ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، فأخبر الغلام قيسا بما صنع ~~بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظالما، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى ~~قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحسا واختلفوا. # وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني ~~به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما ~~لنا من ضمه من بد. # ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس ms0378 فجاء إلى قيس واعترف بما صنع فسبه حذيفة. # ثم إن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم ~~يزدادوا إلا بغيا عليه وإيذاء له. # ثم إن قيسا وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما الناس، ~~وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى قيس ~~يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله، وعادت فرسه إلى أبيه، ونادى ~~قيس: يا بني عبس الرحيل! فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده ~~قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خالية ورأى ~~ابنه قتيلا، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه. # وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجا في فزارة وهو نازل فيهم، فأرسل إليه ~~قيس: # PageV01P513 # أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت. فقال: إنما ذنب ~~قيس عليه، ولم يرحل فأرسل قيس إلى الربيع بن زياد يطلب منه العود إليه ~~والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكرا في ذلك. # ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس، وكان نازلا فيهم، فبلغ مقتله ~~بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عينا ~~يأتيه بخبره، فسمعه يقول: # أينجوا بنو بدر بمقتل مالك ... ويخذلنا في النائبات ربيع # وكان زياد قبله يتقى به ... من الدهر إن يوم ألم فظيع # فقل لربيع يحتذي فعل شيخه ... وما الناس إلا حافظ ومضيع # وإلا فما لي في البلاد إقامة ... وأمر بني بدر علي جميع # فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال: # منع الرقاد فما أغمض ساعة ... جزعا من الخبر العظيم الساري # أفبعد مقتل مالك بن زهير ... يرجو النساء عواقب الأطهار # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه ... ويقمن قبل تبلج الأسحار # يضربن حر وجوههن على فتى ... ضخم الدسيعة غير ما خوار # قد كن يكنن الوجوه تسترا ... فاليوم حين برزن للنظار # وهي طويلة. # PageV01P514 # فسمعها قيس ms0379 فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل ~~إليه قيس وقام الربيع فاعتنقا وبكيا، وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم ~~بعضهم بعضا فنزلوا. فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليك، ولم ~~يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا ~~بقومي وقومي بك، وقد أصاب القوم مالكا، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني ~~بدر نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا ~~والقوم في الدماء سواء، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن ~~خذلتني طمعوا في. فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما ~~لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي مالك وأنت ~~ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن ~~يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ~~ونخلو بحرب هوازن. وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاءوا ونزلوا مع الربيع، ~~وأنشدهم عنترة بن شداد مرثيته في مالك: # فلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان # فليتهما لم يطعما الدهر بعدها ... وليتهما لم يجمعا لرهان # وليتهما ماتا جميعا ببلدة ... وأخطاهما قيس فلا يريان # لقد جلبا جلبا لمصرع مالك ... وكان كريما ماجدا لهجان # وكان إذا ما كان يوم كريهة ... فقد علموا أني وهو فتيان # وكنا لدى الهيجاء نحمي نساءنا ... ونضرب عند الكرب كل بنان # فسوف ترى إن كنت بعدك باقيا ... وأمكنني دهري وطول زماني # فأقسم حقا لو بقيت لنظرة ... لقرت بها عيناك حين تراني # PageV01P515 # وبلغ حذيفة أن الربيع وقيسا اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء، وقيل: إن ~~بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جوارا من ~~حذيفة وأقام عندهم. فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام. ~~فقال حذيفة: ذلك لك. فانتقل الربيع من بني فزارة. فبلغ ذلك حمل ms0380 بن بدر فقال ~~لحذيفة أخيه: بئس الرأي رأيت قتلت مالكا وخليت سبيل الربيع! والله ليضرمنها ~~عليك نارا! فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر. # واتفق الربيع وقيس، وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس ~~قومهما واستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعما ورجالا، ~~فحميت عبس واجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة. فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء ~~يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل عوف ~~بن يزيد، قتله جندب بن خلف العبسي. وانهزمت فزارة وقتلوا قتلا ذريعا، وأسر ~~الربيع بن زياد حذيفة بن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على ~~حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما ~~أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه ~~عاقبة ذلك، فأبى إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئا ~~وبقي حذيفة أسيرا. # فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أن يهدروا دم بدر بن حذيفة ~~بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر ~~مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشارا كلها، وأربعة أعبد، وأهدر حذيفة دماء ~~من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر. # فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك وساءت مقالته في بني عبس، وركب قيس بن ~~زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه. فأجابهما إلى الاتفاق وأن ~~يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما، وكانت توالدت عنده. فبينا هم في ذلك إذ ~~جاءهم سنان بن أبي حارثة المري فقبح رأي حذيفة في الصلح وقال: إن كنت لا بد ~~فاعلا # PageV01P516 # فأعطهم إبلا عجافا مكان إبلهم واحبس أولادها. فوافق ذلك رأي حذيفة، فأبى ~~قيس وعمارة ذلك. # وقيل: إن الإبل التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقا من قيس. وقيل ~~أيضا: إن مالك بن زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة، قال حميد بن بدر في ~~ذلك: ms0381 # قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا ... ومن يبتدع شيئا سوى الحق يظلم # وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب، فتيسروا لها. # ثم إن الأنصار بلغهم ما عزموا عليه، فاتفق جماعة من رؤسائهم، وهم عمرو بن ~~الإطنابة، ومالك بن عجلان، وأحيحة بن الجلاح، وقيس بن الخطيم، وغيرهم، ~~وساروا ليصلحوا بينهم، فوصلوا إليهم وترددوا في الاتفاق، فلم يجب حذيفة إلى ~~ذلك وظهر لهم بغيه، فحذروه عاقبته وعادوا عنه. # وأغار حذيفة على عبس، وأغارت عبس على فزارة، وتفاقم الشر، وأرسل حذيفة ~~أخاه حملا فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان وشده وثاقا وحمله إلى حذيفة ~~فأطلقه ليرهنه ابنيه وجبير بن أخيه عمرو بن الأسلع، ففعل ريان ذلك، ثم سار ~~قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعا فيهم مالك بن بدر، فقتله وانهزمت فزارة، فأخذ ~~حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما يستغيثان: يا أبتاه! حتى ماتا، وأما ~~ابن أخيه فمنعه أخواله. # ولما قتل مالك والغلامان اشتدت الحرب بين الفريقين وأكثرها في فزارة ومن ~~معها. ففي بعض الأيام التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ودامت الحرب بينهم إلى ~~آخر النهار، # وأبصر ريان بن الأسلع زيد بن حذيفة فحمل عليه فقتله، وانهزمت فزارة ~~وذبيان، وأدرك الحارث بن بدر فقتل، ورجعت عبس سالمة لم يصب منها أحد. فلما ~~قتل زيد والحارث جمع حذيفة جميع بني ذبيان وبعث إلى أشجع وأسد بن خزيمة ~~فجمعهم، فبلغ ذلك بني عبس فضموا أطرافهم، وأشار قيس بن زهير بالسبق إلى ماء ~~العقيقة. ففعلوا ذلك، وسار حذيفة في جموعه إلى عبس، ومشى السفراء بينهم، ~~فحلف حذيفة: أنه لا يصلح حتى يشرب من ماء العقيقة. فأرسل إليه قيس منه في ~~سقاء وقال: لا أترك حذيفة # PageV01P517 # يخدعني. واصطلحوا على أن تعطي بنو عبس حذيفة ديات من قتل له، ووضعوا ~~الرهائن عنده إلى أن يجمعوا الديات، وهي عشر، وكانت الرهائن ابنا لقيس بن ~~زهير، وابنا للربيع بن زياد، فوضعوا أحدهما عند قطبة بن سنان والآخر عند ~~رجل من بكر بن وائل أعمى. فعير بعض الناس حذيفة بقبول الدية، فحضر هو وأخوه ms0382 ~~حمل عند قطبة بن سنان والبكري وقالا: ادفعا إلينا الغلامين لنكسوهما ~~ونسرحهما إلى أهلهما. فأما قطبة فدفع إليهما الغلام الذي عنده، وهو ابن ~~قيس، وأما البكري فامتنع من تسليم من عنده، فلما أخذا ابن قيس عادا فلقيا ~~في الطريق ابنا لعمارة بن زياد العبسي وابن عم له، فأخذاهما وقتلاهما مع ~~ابن قيس. # فلما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات، فحملوا عليه ~~الرجال واشتروا السلاح. ثم خرج قيس في الجماعة فلقوا ابنا لحذيفة ومعه ~~فوارس من ذبيان فقتلوهم. فجمع حذيفة وسار إلى عبس، وهو على ماء يقال له ~~عراعر، فاقتتلوا، فكان الظفر لفزارة ورجعت سالمة. # وجد حذيفة في الحرب وكرهها أخوه حمل وندم على ما كان، وقال لأخيه في ~~الصلح فلم يجب إلى ذلك، وجمع الجموع من أسد وذبيان وسائر بطون غطفان وسار ~~نحو بني عبس، فاجتمعت عبس وتشاوروا في أمرهم، فقال لهم قيس بن زهير: إنه قد ~~جاءكم ما لا قبل لكم به وليس لبني بدر إلا دماؤكم والزيادة عليكم، وأما من ~~سواهم فلا يريدون غير الأموال والغنيمة، والرأي أننا نترك الأموال بمكانها ~~ونترك معها فارسين على داحس وعلى فرس آخر جواد ونرحل نحن ونكون على مرحلة ~~من المال، فإذا جاء القوم إلى الأموال سار إلينا الفارسان فأعلمانا وصولهم، ~~فإن القوم يشتغلون بالنهب وحيازة الأموال، وإن نهاهم ذوو الرأي عن ذلك فإن ~~العامة تخالفهم وتنتقض تعبيتهم، ويشتغل كل إنسان بحفظ ما غنم ويعلقون ~~أسلحتهم على ظهور الإبل ويأمنون. فنعود نحن إليهم عند وصول الفارسين ~~فندركهم وهم على حال تفرق وتشتت فلا يكون لأحدهم همة إلا نفسه. # ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب، فنهاهم حذيفة وغيره فلم ~~يقبلوا منه، وكانوا على الحال الذي وصف قيس. وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد ~~وغيرهم، وبقي بنو فزارة في آخر الناس، فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك ~~بن # PageV01P518 # سبيع التغلبي سيد غطفان، وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة فوارس ~~وجد في الهرب. وبلغ خبره بني عبس، فتبعه ms0383 قيس بن زهير، والربيع بن زياد، ~~وقرواش بن عمرو بن الأسلع، وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه، وتبعوا ~~أثرهم في الليل وقال قيس: كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه، ~~فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء، ~~وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها، فحال قيس وأصحابه بينهم وبينها، وكان مع ~~حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم. فهجم عليهم قيس ~~والربيع ومن معهما وهم ينادون: لبيكم لبيكم! يعني أنهم يجيبون نداء الصبيان ~~لما قتلوا ينادون: يا أبتاه! فقال لهم قيس: يا بني بكر كيف رأيتم عاقبة ~~البغي؟ فناشدوهم الله والرحم، فلم يقبلوا منهم. ودار قرواش بن عمرو حتى وقف ~~خلف حذيفة فضربه فدق صلبه، وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر عنده في بيته، ~~وقتلوا حملا أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه. # وكان عدد من قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على ~~أربعمائة قتيل، وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلا، وكانت فزارة تسمي هذه ~~الوقعة البوار، وقال قيس بن زهير: # أقام على الهباءة خير ميت ... وأكرمه حذيفة لا يريم # لقد فجعت به قيس جميعا ... موالي القوم والقوم الصميم # وعم به لمقتله بعيد ... وخص به لمقتله حميم # وهي طويلة، وقال أيضا: # ألم تر أن خير الناس أمسى ... على جفر الهباءة لا يريم # فلولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم # ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم # PageV01P519 # وأكثروا القول في يوم الهباءة. # ثم إن عبسا ندمت على ما فعلت يوم الهباءة، ولام بعضهم بعضا، فاجتمعت ~~فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما نزل بهم، فأعظمه وذم ~~عبسا، وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر وفزارة وبث رسله. فاجتمع ~~من العرب خلق كثير لا يحصون، ونهى أصحابه عن التعرض للأموال والغنيمة ~~وأمرهم بالصبر، وساروا إلى بني عبس. فلما بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس: ms0384 ~~الرأي أننا لا نلقاهم، فإننا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذحول والطوائل، ~~وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرضون إليه ~~الآن، والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر، فإن ~~الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم، ويبقى أولو القوة والجلد على ظهور ~~الخيل ونماطلهم القتال، فإن أبوا إلا القتال كنا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا ~~وقاتلناهم وصبرنا لهم، فإن ظفرنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد ~~احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية. # ففعلوا ذلك، وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر ~~فاقتتلوا قتالا شديدا يومهم ذلك وافترقوا. فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء ~~فاقتتلوا أشد من اليوم الأول، وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة بن شداد. ~~فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه ~~حذيفة عن الصلح، وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم، فلم ~~يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث. فلما رأى فتور أصحابه وركونهم ~~إلى السلم رحل عائدا. فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر ~~وجاوروهم وبقوا معهم مدة، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ ~~أموالهم فرحلا عنهم، فتبعهم جمع من شيبان، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا، ~~فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ليحالفوا ملكهم، وهو معاوية بن الحارث ~~الكندي، فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلا، فبلغهم الخبر فساروا عنه ~~مجدين، وسار معاوية مجدا في أثرهم، فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا ~~عبسا إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب، فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالا ~~شديدا # PageV01P520 # فانهزم معاوية وأهل هجر، وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ما ~~أرادوا، ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عراعر عليه حي من كلب، فركبوا ~~ليقاتلوا بني عبس، فبرز الربيع وطلب رئيسهم، فبرز إليه، واسمه مسعود بن ~~مصاد. فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض، وأراد مسعود قتل الربيع، فانحسرت البيضة ~~عن رقبته، فرماه رجل من بني عبس ms0385 بسهم فقتله، فثار به الربيع فقطع رأسه، ~~وحملت عبس على كلب والرأس على رمح، فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم ~~وذراريهم، فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث ~~سنين، فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم، وقد تفرق كثير منهم ~~وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب، فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم ~~المقام عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم، ففعلوا وجاوروهم. # فلما انقضى الأمر بين ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبس وأرادوا اقتطاعهم، ~~فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من أموال ضبة، وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص ~~بن جعفر بن كلاب، فسر بهم ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن ~~لقيط بن زرارة يريد غزو بني عامر والأخذ بثأر أخيه معبد، فأقامت عبس عند ~~بني عامر، فقصدتهم تميم، وكانت وقعة شعب جبلة، وسنذكره إن شاء الله. # ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة وفيهم بنو عبس فاقتتلوا، فهزمت عامر ~~وأسر قرواش بن هني العبسي ولم يعرف، فلما قدموا به الحي عرفته امرأة منهم، ~~فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة فقتله. ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم ~~الرباب، فبغت تيم عليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا ~~من عبس مقتلة عظيمة. # ورحلت عبس وقد ملت الحرب وقلت الرجال والأموال وهلكت المواشي، فقال لهم ~~قيس: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى أخوالنا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء ~~مع غيرهم. فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وقيل: ~~على هرم بن سنان بن أبي حارثة ليلا، وكان عند حصن بن حذيفة بن بدر. فلما ~~عاد ورآهم رحب بهم وقال: من القوم؟ قالوا: إخوانك بنو عبس، وذكروا حاجتهم. ~~فقال: نعم وكرامة أعلم حصن بن حذيفة. فعاد إليه وقال: طرقت في حاجة، قال: ~~أعطيتها. قال: بنو # PageV01P521 # عبس وجدت وفودهم في منزلي. قال حصن: صالحوا قومكم، وأما أنا فلا أدي ولا ~~أتدي، قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس، فعاد إلى عبس وأخبرهم بقول حصن ms0386 ~~وأخذهم إليه، فلما رآهم قال قيس والربيع بن زياد: نحن ركبان الموت. قال: بل ~~ركبان السلم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم إليكم. ثم خرج ~~معهم حتى أتوا سنانا فقال له: قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم فإني سأعينك. ~~ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس. # وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانية ~~أبدا وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، ~~فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زمانا، فلقيه حوج بن ~~مالك العبدي فعرفه فقتله، وقال لا رحمني الله إن رحمتك. # وقيل: إن قيسا تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان، وولد له ~~ولد اسمه فضالة، فقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقد له على من معه ~~من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم. # انقضى حرب داحس والغبراء، والحمد لله. ### | [يوم شعب جبلة] # كان لقيط بن زرارة قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه ~~معبد بن زرارة، وقد ذكرنا موته عندهم أسيرا. فبينما هو يتجهز أتاه الخبر ~~بحلف بني عبس وبني عامر، فلم يطمع في القوم وأرسل إلى كل من كان بينه وبين ~~عبس ذحل يسأله الحلف والتظافر على غزو عبس وعامر. فاجتمعت إليه أسد وغطفان ~~وعمرو بن الجون ومعاوية بن الجون واستوثقوا واستكثروا وساروا، فعقد معاوية ~~بن الجون الألوية، فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون، وعقد ~~لعمرو بن تميم مع حاجب بن زرارة وعقد للرباب مع حسان بن همام، وعقد لجماعة ~~من بطون تميم مع # PageV01P522 # عمرو بن عدس، وعقد لحنظلة بأسرها مع لقيط بن زرارة، وكان مع لقيط ابنته ~~دختنوس، وكان يغزو بها معه ويرجع إلى رأيها. # وساروا في جمع عظيم لا يشكون في قتل عبس وعامر وإدراك ثأرهم. فلقي لقيط ~~في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي، وكان شريفا، فقال: ما منعك أن ~~تسير معنا في ms0387 غزاتنا؟ قال: أنا مشغول في طلب إبل لي. قال: لا بل تريد أن ~~تنذر بنا القوم، ولا أتركك حتى تحلف أنك لا تخبرهم، فحلف له، ثم سار عنه ~~وهو مغضب. فلما دنا من عامر أخذ خرقة فصر بها حنظلة وشوكا وترابا وخرقتين ~~يمانيتين وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم. ~~فأخذها معاوية بن قشير، فأتى بها حيث الأحوص بن جعفر وأخبره أن رجلا ألقاها ~~وهم يسقون. فقال الأحوص لقيس بن زهير العبسي: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: ~~هذا من صنع الله لنا، هذا رجل قد أخذ عليه عهد أن لا يكلمكم فأخبركم أن ~~أعداءكم قد غزوكم عدد التراب، وأن شوكتهم شديدة، وأما الحنظلة فهي رؤساء ~~القوم، وأما الخرقتان اليمانيتان فهما حيان من اليمن معهم، وأما الخرقة ~~الحمراء فهي حاجب بن زرارة، وأما الأحجار فهي عشر ليال يأتيكم القوم إليها، ~~قد أنذرتكم فكونوا أحرارا فاصبروا كما يصبر الأحرار الكرام. # قال الأحوص: فإنا فاعلون وآخذون برأيك، فإنه لم تنزل بك شدة إلا رأيت ~~المخرج منها. قال: فإذ قد رجعتم إلى رأيي فأدخلوا نعمكم شعب جبلة ثم ~~أظمئوها هذه الأيام ولا توردوها الماء، فإذا جاء القوم أخرجوا عليهم الإبل ~~وانخسوها بالسيوف والرماح فتخرج مذاعير عطاشا فتشغلهم وتفرق جمعهم واخرجوا ~~أنتم في آثارها واشفوا نفوسكم. ففعلوا ما أشار به. # وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطا فقال له: أنذرت القوم؟ فأعاد الحلف له أنه ~~لم يكلم أحدا منهم، فخلى عنه. فقالت دختنوس ابنة لقيط لأبيها: ردني إلى ~~أهلي، ولا # PageV01P523 # تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة، فاستحمقها وساءه كلامها وردها. ~~وسار حتى نزل على فم الشعب بعساكر جرارة كثيرة الصواهل وليس لهم هم إلا ~~الماء، فقصدوه. فقال لهم قيس: أخرجوا عليهم الآن الإبل، ففعلوا ذلك، فخرجت ~~الإبل مذاعير عطاشا وهم في أعراضها وأدبارها، فخبطت تميما ومن معها ~~وقطعتهم، وكانوا في الشعب، وأبرزتهم إلى الصحراء على غير تعبية. وشغلوا عن ~~الاجتماع إلى ألويتهم، وحملت عليهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالا شديدا ms0388 وكثرت ~~القتلى في تميم، وكان أول من قتل من رؤسائهم عمرو بن الجون، وأسر معاوية بن ~~الجون وعمرو بن عمرو بن عدس زوج تختنوس بنت لقيط، وأسر حاجب بن زرارة، ~~وانحاز لقيط بن زرارة، فدعا قومه وقد تفرقوا عنه، فاجتمع إليه نفر يسير، ~~فتحرز برايته فوق جرف ثم حمل فقتل فيهم ورجع وصاح: أنا لقيط، وحمل ثانية ~~فقتل وجرح وعاد، فكثر جمعه، فانحط الجرف بفرسه، وحمل عليه عنترة فطعنه طعنة ~~قصم بها صلبه، وضربه قيس بالسيف فألقاه متشحطا في دمه، فذكر ابنته دختنوس ~~فقال: يا ليت شعري عنك دختنوس إذا أتاها الخبر المرموس # أتحلق القرون أم تميس لا بل تميس إنها عروس # ثم مات وتمت الهزيمة على تميم وغطفان، ثم فدوا حاجبا بخمسمائة من الإبل، ~~وعاد من سلم إلى أهله. وقالت دختنوس ترثي أباها قصائد، منها: # عثر الأغر بخير خن ... دف كهلها وشبابها # وأضرها لعدوها ... وأفكها لرقابها # وقريعها ونجيبها ... في المطبقات ونابها # ورئيسها عند الملو ... ك وزين يوم خطابها # وأتمها نسبا إذا ... رجعت إلى أنسابها # PageV01P524 # فرعى عمودا للعشي # رة رافعا لنصابها ... ويعولها ويحوطها # ويذب عن أحسابها ... ويطا مواطن للعد # و فكان لا يمشي بها ... فعل المدل من الأسو # د لحينها وتبابها ... كالكوكب الدري في # سماء لا يخفى بها ... عبث الأغر به وك # ل منية لكتابها ... فرت بنو أسد فرا # ر الطير عن أربابها ... وهوازن أصحابهم # كالفأر في أذنابها # وذكر محمد بن إسحاق في يوم جبلة غير ما ذكرنا، قال: كان سببه أن بني خندف ~~كان لهم على قيس أكل تأكله القعدد من خندف، فكان ينتقل فيهم حتى انتهى إلى ~~تميم، ثم من تميم إلى بني عمرو بن تميم، وهم أقل بطن منهم وأذله، فأبت قيس ~~أن تعطي الأكل وامتنعت منه، فجمعت تميم وحالفت غيرها من العرب وساروا إلى ~~قيس، فذكر القصة نحو ما تقدم وخالف في البعض فلا حاجة إلى ذكره. # وفي هذا اليوم ولد عامر بن الطفيل العامري. # وقد قال بعض العلماء إن المجوسية كان يدين بها بعض العرب ms0389 بالبحرين، وكان ~~زرارة بن عدس وابناه حاجب ولقيط والأقرع بن حابس وغيرهم مجوسا، وإن لقيطا ~~تزوج ابنته دختنوس وسماها بهذا الاسم الفارسي، وإنه قتل وهي تحته، فقال في ~~ذلك: # يا ليت شعري عنك دختنوس # الأبيات. والأول أصح، والله أعلم. ### | [يوم ذات نكيف] # PageV01P525 # كان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من ~~قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعا وخططا بين ~~قريش. فلما كانوا على عهد عبد المطلب هموا بإخراج قريش من الحرم، وأن ~~يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه. وعدت بنو بكر على نعم لبني الهون بن خزيمة ~~فاطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش جموعهم واستعدت، وعقد عبد المطلب ~~الحلف بين قريش والأحابيش، وهم بنو الحارث بن عبد مناة وبنو الهون بن خزيمة ~~بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة، فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم، وعلى الناس ~~عبد المطلب، فاقتتلوا بذات نكيف، فانهزم بنو بكر وقتلوا قتلا ذريعا فلم ~~يعودوا لحرب قريش قال ابن شعلة الفهري: # فلله عينا من رأى من عصابة ... غوت غي بكر يوم ذات نكيف # أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا ... فكانوا لنا ضيفا بشر مضيف # فقتل يومئذ عبد بن السفاح القاري من القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء بن ~~قيس، واسم بلعاء مساحق. ويومئذ قيل: قد أنصف القارة من راماها، والقارة من ~~ولد الهون بن خزيمة، وهو من ولد عضل بن الديش، قال رجل منهم: # دعونا قارة لا تنفرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم # PageV01P526 # وقيل بهذا البيت سموا قارة، وكان يقال للقارة رماة الحدق. ### | [ذكر الفجار الأول والثاني] # أما الفجار الأول فلم يكن فيه كثير أمر ليذكر، وإنما ذكرناه لئلا يرى ذكر ~~الفجار الثاني وما كان فيه من الأمور العظيمة فيظن أن الأول مثله وقد ~~أهملناه، فلهذا ذكرناه. # قال ابن إسحاق: كان الفجار الأول بين قريش ومن معها من كنانة كلها وبين ~~قيس عيلان. وسببه أن رجلا من كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية ~~بن ms0390 بكر بن هوازن، فأعدم الكناني، فوافى النصري سوق عكاظ بقرد وقال: من ~~يبيعني مثل هذا بما لي على فلان الكناني؟ فعل ذلك تعييرا للكناني وقومه، ~~فمر به رجل من كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله أنفة مما قال النصري، فصرخ ~~النصري في قيس، وصرخ الكناني في كنانة، فاجتمع الناس وتحاوروا حتى كاد يكون ~~بينهم القتال ثم اصطلحوا. # وقيل: كان سببه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر وهي وضيئة ~~عليها برقع، فقالوا لها: اسفري لننظر إلى وجهك، فلم تفعل. فقام غلام منهم ~~فشك ذيل درعها إلى ظهرها ولم تشعر، فلما قامت انكشفت دبرها، فضحكوا وقالوا: ~~منعتنا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك. فصاحت المرأة: يا بني عامر ~~فضحت! فأتاها الناس واشتجروا حتى كاد يكون قتال، ثم رأوا أن الأمر يسير ~~فاصطلحوا. وقيل: بل قعد رجل من بني غفار يقال له أبو معشر بن مكرز، وكان ~~عازما منيعا # PageV01P527 # في نفسه، وكان بسوق عكاظ، فمد رجله ثم قال: نحن بنو مدركة بن خندف من ~~يطعنوا في عينه لا يطرف # ومن يكونوا قومه يغطرف كأنه لجة بحر مسدف # أنا والله أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف. فقام رجل من ~~قيس يقال له أحمر بن مازن فضربها بالسيف فخرشها خرشا غير كثير، فاختصم ~~الناس ثم اصطلحوا. - بنو نصر بالنون -. # وأما الفجار الثاني، وكان بعد الفيل بعشرين سنة، وبعد موت عبد المطلب ~~باثنتي عشرة سنة، ولم يكن في أيام العرب أشهر منه ولا أعظم، فإنما سمي ~~الفجار لما استحل الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم، وكان قبله يوم جبلة، ~~وهو مذكور في أيام العرب، والفجار أعظم منه. # وكان سببه أن البراض بن قيس بن رافع الكناني ثم الضمري كان رجلا فاتكا ~~خليعا قد خلعه قومه لكثرة شره، وكان يضرب المثل بفتكه فيقال: أفتك من ~~البراض. قال بعضهم: والفتى من تعرفته الليالي فهو فيها كالحية النضناض # كل يوم له بصرف الليالي فتكة مثل فتكة البراض # فخرج حتى قدم على النعمان ms0391 بن المنذر، وكان النعمان يبعث كل عام بلطيمة ~~للتجارة إلى عكاظ تباع له هناك، وكان عكاظ وذو المجاز ومجنة أسواقا تجتمع ~~بها العرب كل عام إذا حضر الموسم، فيأمن بعضهم بعضا حتى تنقضي أيامها، ~~وكانت مجنة بالظهران، وكانت عكاظ بين نخلة والطائف، وكان ذو المجاز بالجانب ~~الأيسر إذا وقفت على الموقف، فقال النعمان، وعنده البراض وعروة بن عتبة بن ~~جعفر بن كلاب # PageV01P528 # المعروف بالرحال، وإنما قيل له ذلك لكثرة رحلته إلى الملوك -: من يجيز لي ~~لطيمتي هذه حتى يبلغها عكاظ؟ فقال البراض: أنا أجيزها، أبيت اللعن، على ~~كنانة. فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على كنانة وقيس! فقال عروة: أكلب ~~خليع يجيزها لك، أبيت اللعن! أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم من أهل ~~تهامة وأهل نجد. فقال البراض، وغضب: وعلى كنانة تجيزها يا عروة؟ قال عروة: ~~وعلى الناس كلهم. # فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة الرحال وأمره بالمسير بها، وخرج البراض ~~يتبع أثره، وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه، حتى إذا كان عروة بين ظهري قومه ~~بواد يقال له تيمن بنواحي فدك أدركه البراض بن قيس فأخرج قداحه يستقسم بها ~~في قتل عروة، فمر به عروة فقال: ما تصنع يا براض؟ فقال: أستقسم في قتلك ~~أيؤذن لي أم لا. فقال عروة: استك أضيق من ذلك! فوثب إليه البراض بالسيف ~~فقتله. فلما رآه الذين يقومون على العير والأحمال قتيلا انهزموا، فاستاق ~~البراض العير وسار على وجهه إلى خيبر، وتبعه رجلان من قيس ليأخذاه، أحدهما ~~غنوي والآخر غطفاني، واسم الغنوي أسد بن جوين، واسم الغطفاني مساور بن ~~مالك، فلقيهما البراض بخيبر أول الناس فقال لهما: من الرجلان؟ قالا: من قيس ~~قدمنا لنقتل البراض. فأنزلهما وعقل راحلتيهما، ثم قال أيكما أجرأ عليه ~~وأجود سيفا؟ قال الغطفاني: أنا. فأخذه ومشى معه ليدله بزعمه على البراض، ~~فقال للغنوي: احفظ راحلتيكما، ففعل، وانطلق البراض بالغطفاني حتى أخرجه إلى ~~خربة في جانب خيبر خارجا من البيوت، فقال للغطفاني: هو في هذه الخربة إليها ~~يأوي فأمهلني حتى أنظر أهو ms0392 فيها. فوقف ودخل البراض ثم خرج فقال: هو فيها ~~وهو نائم، فأرني سيفك حتى أنظر إليه أضارب هو أم لا، فأعطاه سيفه، فضربه به ~~حتى قتله ثم أخفى السيف، وعاد إلى الغنوي فقال له: لم أر رجلا أجبن من ~~صاحبك، تركته في البيت الذي فيه البراض وهو نائم فلم يقدم عليه. فقال: انظر ~~لي من يحفظ الراحلتين حتى أمضي إليه فأقتله، فقال: دعهما وهما علي، ثم ~~انطلقا إلى الخربة، فقتله وسار بالعير إلى مكة، فلقي رجلا من بني أسد بن ~~خزيمة، فقال له البراض: هل لك إلى أن أجعل لك جعلا على أن تنطلق إلى حرب بن ~~أمية وقومي فإنهم قومي وقومك، لأن أسد بن خزيمة من خندف أيضا، فتخبرهم أن ~~البراض بن قيس قتل عروة الرحال، فليحذروا قيسا! وجعل له عشرا من الإبل. ~~فخرج # PageV01P529 # الأسدي حتى أتى عكاظ وبها جماعة من الناس، فأتى حرب بن أمية فأخبره ~~الخبر، فبعث إلى عبد الله بن جدعان التيمي وإلى هشام بن المغيرة المخزومي، ~~وهو والد أبي جهل، وهما من أشراف قريش وذوي السن منهم، وإلى كل قبيلة من ~~قريش أحضر منها رجلا، وإلى الحليس بن يزيد الحارثي، وهو سيد الأحابيش، ~~فأخبرهم أيضا. فتشاوروا وقالوا: نخشى من قيس أن يطلبوا ثأر صاحبهم منا ~~فإنهم لا يرضون أن يقتلوا به خليعا من بني ضمرة. فاتفق رأيهم على أن يأتوا ~~أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة، وهو يومئذ سيد قيس ~~وشريفها، فيقولوا له: إنه قد كان حدث بين نجد وتهامة وإنه لم يأتنا علمه ~~فأجز بين الناس حتى تعلم وتعلم. # فأتوه وقالوا له ذلك، فأجاز بين الناس وأعلم قومه ما قيل له، ثم قام نفر ~~من قريش فقالوا: يا أهل عكاظ إنه قد حدث في قومنا بمكة حدث أتانا خبره، ~~ونخشى إن تخلفنا عنهم أن يتفاقم الشر، فلا يروعنكم تحملنا. ثم ركبوا على ~~الصعب والذلول إلى مكة. فلما كان آخر اليوم أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة ~~الخبر فقال: غدرت ms0393 قريش وخدعني حرب بن أمية، والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدا. ~~ثم ركبوا في طلبهم حتى أدركوهم بنخلة فاقتتل القوم، فاشتعلت قريش فكادت ~~قريش تنهزم إلا أنها على حاميتها تبادر دخول الحرم ليأمنوا به. فلم يزالوا ~~كذلك حتى دخلوا الحرم مع الليل، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~معهم، وعمره عشرون سنة. # وقال الزهري: لم يكن معهم، ولو كان معهم لم ينهزموا، وهذه العلة ليست ~~بشيء، لأنه قد كان بعد الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون، وإذا كان في ~~جمع قبل الرسالة وانهزموا فغير بعيد. # ولما دخلت قريش الحرم عادت عنهم قيس وقالوا لهم: يا معشر قريش إنا لا ~~نترك دم عروة وميعادنا عكاظ في العام المقبل، وانصرفت إلى بلادها يحرض ~~بعضها بعضا ويبكون عروة الرحال. # ثم إن قيسا جمعت جموعها، ومعها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها، منهم ~~كنانة جميعها والأحابيش وأسد بن خزيمة، وفرقت قريش السلاح في الناس، فأعطى # PageV01P530 # عبد الله بن جدعان مائة رجل سلاحا تاما، وفعل الباقون مثله. # وخرجت قريش للموعد، على كل بطن منها رئيس، فكان على بني هاشم: الزبير بن ~~عبد المطلب ومعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخوته أبو طالب وحمزة ~~والعباس بنو عبد المطلب. وعلى بني أمية وأحلافها: حرب بن أمية. وعلى بني ~~عبد الدار: عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. وعلى بني أسد بن عبد ~~العزى: خويلد بن أسد. وعلى بني مخزوم: هشام بن المغيرة أبو أبي جهل. وعلى ~~بني تيم: عبد الله بن جدعان. وعلى بني جمح: معمر بن حبيب بن وهب. وعلى بني ~~سهم: العاص بن وائل. وعلى بني عدي: زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد. ~~وعلى بني عامر بن لؤي: عمرو بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو. وعلى بني فهر: ~~عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة. وعلى الأحابيش: الحليس بن يزيد وسفيان ~~بن عويف هما قائداهم، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة: كنانة وعضل ~~والقارة والديش من بني الهون بن ms0394 خزيمة والمصطلق بن خزاعة، وسموا بذلك ~~لحلفهم بني الحارث، والتحبش التجمع. وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس. وعلى بني ~~فراس بن غنم من كنانة: عمير بن قيس جذل الطعان. وعلى بني أسد بن خزيمة: بشر ~~بن أبي حازم. وكان على جماعة الناس حرب بن أمية لمكانه من عبد مناف سنا ~~ومنزلة. # وكانت قيس قد تقدمت إلى عكاظ قبل قريش، فعلى بني عامر ملاعب الأسنة: أبو # PageV01P531 # براء. وعلى بني نصر سعد وثقيف: سبيع بن ربيع بن معاوية. وعلى بني جشم: ~~الصمة والد دريد. وعلى غطفان: عوف بن أبي حارثة المري. وعلى بني سليم: عباس ~~بن زعل بن هني بن أنس. وعلى فهم وعدوان: كدام بن عمرو. # وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس. وكان مع حرب بن أمية إخوته: سفيان ~~وأبو سفيان والعاص وأبو العاص بنو أمية، فعقل حرب نفسه وقيد سفيان وأبو ~~العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا مكانه حتى نموت أو نظفر، فيومئذ ~~سموا العنابس، والعنبس الأسد. # واقتتل الناس قتالا شديدا، فكان الظفر أول النهار لقيس، وانهزم كثير من ~~بني كنانة وقريش. فانهزم بنو زهرة وبنو عدي، وقتل معمر بن حبيب الجمحي، ~~وانهزمت طائفة من بني فراس، وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل ~~قريش، ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار. ثم عاد ~~الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس فأكثروا، وحمي القتال واشتد الأمر، فقتل ~~يومئذ تحت راية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون، ~~فانهزمت قيس، وقتل من أشرافهم عباس بن زعل السلمي وغيره. فلما رأى أبو ~~السيد عم مالك بن عوف النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى: يا معشر بني ~~كنانة أسرفتم في القتل. فقال ابن جدعان: إنا معشر يسرف. # ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: ~~يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا. فعطفت عليه بنو نصر، وجشم، وسعد بن ~~بكر، وفهم، وعدوان، وانهزم باقي ms0395 قبائل قيس، فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه ~~الناس. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى فأي ~~الفريقين فضل له قتلى أخذ ديته من الفريق الآخر، فتعادوا القتلى فوجدوا ~~قريشا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلا، فرهن حرب بن أمية يومئذ ~~ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها، # PageV01P532 # ورهن غيره من الرؤساء، وانصرف الناس بعضهم عن بعض، ووضعوا الحرب وهدموا ~~ما بينهم من العداوة والشر، وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضا فيما كان ~~من أمر البراض وعروة. ### | [يوم ذي نجب] # وكان من حديث يوم ذي نجب أن بني عامر لما أصابوا من تميم ما أصابوا يوم ~~جبلة رجوا أن يستأصلوهم، فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي، وكان ملكا من ملوك ~~كندة، وهو حسان بن معاوية بن حجر فدعوه إلى أن يغزو معهم بني حنظلة من ~~تميم، فأخبروه أنهم قد قتلوا فرسانهم ورؤساءهم، فأقبل معهم بصنائعه ومن كان ~~معه. فلما أتى بني حنظلة خبر مسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو: يا بني مالك إنه ~~لا طاقة لكم بهذا الملك وما معه من العدد، فانتقلوا من مكانكم، وكانوا في ~~أعالي الوادي مما يلي مجيء القوم، وكانت بنو يربوع بأسفله، فتحولت بنو مالك ~~حتى نزلت خلف بني يربوع، وصارت بنو يربوع تلي الملك. # فلما رأوا ما صنع بنو مالك استعدوا وتقدموا إلى طريق الملك. فلما كان وجه ~~الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا، فلما رآهم بنو مالك ~~وصبرهم في القتال ساروا إليهم وشهدوا معهم القتال، فاقتتلوا مليا فضرب حشيش ~~بن نمران الرياحي ابن كبشة الملك على رأسه فصرعه، فمات، وقتل عبيدة بن مالك ~~بن جعفر، وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل، وقتل عمرو بن الأحوص بن جعفر ~~وكان رئيس عامر، وانهزم بنو عامر وصنائع ابن كبشة. # قال جرير في الإسلام يذكر اليوم بذي نجب: بذي نجب ذدنا وواكل مالك أخا لم ~~يكن عند الطعان بواكل # وكان يوم ذي نجب بعد يوم ذي جبلة ms0396 بسنة. # PageV01P533 # وبقي الأحوص بعد ابنه عمرو يسيرا وهلك أسفا عليه. ### | [يوم نعف قشاوة] # وهو يوم لشيبان على تميم. # قال أبو عبيدة: أغار بسطام بن قيس على بني يربوع من تميم وهو بنعف قشاوة، ~~فأتاهم ضحى، وهو يوم ريح ومطر، فوافق النعم حين سرح، فأخذه كله ثم كر ~~راجعا، وتداعت عليه بنو يربوع فلحقوه وفيهم عمارة بن عتيبة بن الحارث بن ~~شهاب، فكر عليه بسطام فقتله، ولحقهم مالك بن حطان اليربوعي فقتله، وأتاهم ~~أيضا بجبير بن أبي مليل فقتله بسطام، وقتلوا من يربوع جمعا وأسروا آخرين، ~~منهم: مليل بن أبي مليل، وسلموا وعادوا غانمين. فقال بعض الأسرى لبسطام: ~~أيسرك أن أبا مليل مكاني؟ قال: نعم. قال: فإن دللتك عليه أتطلقني الآن؟ ~~قال: نعم. قال: فإن ابنه بجيرا كان أحب خلق الله إليه وستجده الآن منكبا ~~عليه يقبله فخذه أسيرا. فعاد بسطام فرآه كما قال، فأخذه أسيرا وأطلق ~~اليربوعي. فقال له أبو مليل: قتلت بجيرا وأسرتني وابني مليلا! والله لا ~~أطعم الطعام أبدا وأنا موثق. فخشي بسطام أن يموت فأطلقه بغير فداء على أن ~~يفادي مليلا، وعلى أن لا يتبعه بدم ابنه بجير، ولا يبغيه غائلة، ولا يدل له ~~على عورة، ولا يغير عليه ولا على قومه أبدا، وعاهده على ذلك، فأطلقه وجز ~~ناصيته، فرجع إلى قومه وأراد الغدر ببسطام والنكث به، فأرسل بعض بني يربوع ~~إلى بسطام بخبره، فحذره، وقال متمم بن نويرة: أبلغ شهاب بني بكر وسيدها عني ~~بذاك أبا الصهباء بسطاما # أروي الأسنة من قومي فأنهلها ... فأصبحوا في بقيع الأرض نواما # PageV01P534 # لا يطبقون إذا هب النيام ولا # في مرقد يحلمون الدهر أحلاما ... أشجي تميمبن مر لا مكايدة # حتى استعادوا له أسرى وأنعاما ... هلا أسيرا فدتك النفس تطعمه # مما أراد وقدما كنت مطعاما # وهي أبيات عدة. ### | [يوم الغبيط] # وهو يوم كانت الحرب فيه بين بني شيبان وتميم، وأسر فيه بسطام بن قيس ~~الشيباني. # وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ومفروق بن عمرو ساروا في جمع ~~من بني ms0397 شيبان إلى بلاد تميم، فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ~~ضبة وثعلبة بن عدي بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا متجاورين ~~بصحراء فلج، فاقتتلوا، فانهزمت الثعالبة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم بنو ~~شيبان أموالهم، ومروا على بني مالك بن حنظلة من تميم، وهم بين صحراء فلج ~~وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم. فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة بن الحارث ~~بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع، وساروا في أثر بني شيبان، ومعه من ~~رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن نويرة، ~~فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم. وصبر الفريقان، ثم انهزمت شيبان واستعادت ~~تميم ما كانوا غنموه من أموالهم، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة بن حصية، ~~وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له: استأسر أبا الصهباء ~~فأنا خير لك من الفلاة والعطش، فاستأسر له بسطام بن قيس. فقال بنو ثعلبة ~~لعتبة: إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطاما، وهو # PageV01P535 # قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله. قال: إني ~~معيل وأنا أحب اللبن. قالوا: إنك تفاديه فيعود فيحربنا مالنا، فأبى عليهم ~~وسار به إلى بني عامر بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل، وإنما قصد عامرا لأن عمته ~~خولة بنت شهاب كانت ناكحا فيهم، فقال مالك بن نويرة في ذلك: # لله عتاب بن مية إذ ... رأى إلى ثأرنا في كفه يتلدد # أتحيي امرأ أردى بجيرا ومالكا ... وأتوى حريثا بعدما كان يقصد # ونحن ثأرنا قبل ذاك ابن أمه ... غداة الكلابيين والجمع يشهد # فلما توسط عتيبة بيوت بني عامر صاح بسطام: وا شيباناه! ولا شيبان لي ~~اليوم! فبعث إليه عامر بن الطفيل: إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني ~~سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف نفسك في الركي. فأتى عتيبة تابعه من الجن ~~فأخبره بذلك، فأمر ببيته فقوض. فركب فرسه وأخذ سلاحه ثم أتى مجلس بني جعفر، ~~وفيه عامر بن الطفيل الغنوي، فحياهم وقال: يا عامر قد ms0398 بلغني الذي أرسلت به ~~إلى بسطام فأنا مخيرك فيه خصالا ثلاثا. فقال عامر: وما هي؟ قال: إن شئت ~~فأعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك حتى أطلقه لك، فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر ~~من خلعته وخلعة أهل بيته. فقال عامر: هذا لا سبيل إليه. قال عتيبة: ضع رجلك ~~مكان رجله فلست عندي بشر منه. فقال: ما كنت لأفعل. قال عتيبة: تتبعني إذا ~~جاوزت هذه الرابية فتقارعني عنه على الموت. فقال عامر: هذه أبغضهن إلي. ~~فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثا فقال: ~~يا عتيبة هذا رحل أمك؟ قال: نعم. قال: ما رأيت رحل أم سيد قط مثل هذا. فقال ~~عتيبة: واللات والعزى لا أطلقك حتى تأتني أمك بحدجها، وكان كبيرا ذا ثمن ~~كثير، وهذا الذي أراد بسطام ليرغب فيه فلا يقتله. فأرسل بسطام فأحضر حدج ~~أمه وفادى نفسه بأربعمائة بعير، # PageV01P536 # وقيل بألف بعير، وثلاثين فرسا وهودج أمه وحدجها، وخلص من الأسر. فلما خلص ~~من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله، فعادت إليه عيونه فأخبروه أنها على ~~أرباب، فأغار عليها وأخذ الإبل كلها وما لهم معها. # (عتيبة بالتاء فوقها نقطتان، والياء تحتها نقطتان ساكنة، وفي آخرها باء ~~موحدة) . ### | [يوم لشيبان على بني تميم] # قال أبو عبيدة: خرج الأقرع بن حابس وأخوه فراس التميميان، وهما الأقرعان، ~~في بني مجاشع من تميم، وهما يريدان الغارة على بكر بن وائل ومعهما البروك ~~أبو جعل، فلقيهم بسطام بن قيس الشيباني وعمران بن مرة في بني بكر بن وائل ~~بزبالة، فاقتتلوا قتالا شديدا ظفرت فيه بكر وانهزمت تميم، وأسر الأقرعان ~~وأبو جعل وناس كثير، وافتدى الأقرعان نفسيهما من بسطام، وعاهداه على إرسال ~~الفداء، فأطلقهما، فبعدا ولم يرسلا شيئا، وكان في الأسرى إنسان من يربوع ~~فسمعه بسطام بن قيس في الليل يقول: فدى بوالدة علي شفيقة فكأنها حرض على ~~الأسقام # لو أنها علمت فيسكن جأشها ... أني سقطت على الفتى المنعام # إن الذي ترجين ثم إيابه سقط ... العشاء به على بسطام # سقط ms0399 العشاء به على متنعم ... سمح اليدين معاود الإقدام # فلما سمع بسطام ذلك منه قال له: وأبيك لا يخبر أمك عنك غيرك! وأطلقه. # وقال ابن رميض العنزي: جاءت هدايا من الرحمان مرسلة حتى أنيخت لدى أبيات ~~بسطام # جيش الهذيل وجيش الأقرعين ... معا وكبة الخيل والأذواد في عام # مسوم خيله تعدو مقانبه ... على الذوائب من أولاد همام # PageV01P537 # وقال أوس بن حجر: # وصبحنا عار طويل بناؤه نسب ... به ما لاح في الأفق كوكب # فلم أر يوما كان أكثر باكيا ... ووجها ترى فيه الكآبة تجنب # أصابوا البروك وابن حابس عنوة ... فظل لهم بالقاع يوم عصبصب # وإن أبا الصهباء في حومة الوغى ... إذا ازورت الأبطال ليث مجرب # وأبو الصهباء: هو بسطام بن قيس. وأكثر الشعراء في هذا اليوم في مدح بسطام ~~بن قيس، تركنا ذكره اختصارا. # (حجر: بفتح الحاء والجيم) . ### | [يوم مبائض] # وهو لشيبان على بني تميم. # قال أبو عبيدة: حج طريف بن تميم العنبري التميمي، وكان رجلا جسيما يلقب ~~مجدعا، وهو فارس قومه، ولقيه حمصيصة بن جندل الشيباني من بني أبي ربيعة، ~~وهو شاب قوي شجاع، وهو يطوف بالبيت، فأطال النظر إليه، فقال له طريف: لم ~~تشد نظرك إلي؟ قال حمصيصة: أريد أن أثبتك لعلي أن ألقاك في جيش فأقتلك. ~~فقال طريف: اللهم لا تحول الحول حتى ألقاه! ودعا حمصيصة مثله، فقال طريف: # أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم # لا تنكروني إنني أنا ذاكم شاكي ... السلاح وفي الحوادث معلم # PageV01P538 # حولي فوارس من أسيد شجعة # ومن الهجيم وحول بيتي خصم ... تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة # زعف ترد السيف وهو مثلم # في أبيات. # ثم إن بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وبني مرة بن ذهل بن شيبان كان بينهم ~~شر وخصام فاقتتلوا شيئا من قتال، ولم يكن بينهم دم. فقال هانئ بن مسعود، ~~رئيس بني أبي ربيعة، لقومه: إني أكره أن يتفاقم الشر بيننا، فارتحل بهم ~~فنزل على ماء يقال له مبائض، وهو قريب من مياه بني تميم، فأقاموا عليه ~~أشهرا، وبلغ خبرهم ms0400 بني تميم، فأرسل بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا حي منفرد وإن ~~اصطلمتموهم أوهنتم بكر بن وائل. # واجتمعوا وساروا على ثلاثة رؤساء: أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة، ~~وابن فدكى المنقري على بني سعد، وطريف بن تميم على بني عمرو بن تميم. فلما ~~قاربوا بني أبي ربيعة بلغهم الخبر فاستعدوا للقتال، فخطبهم هانئ بن مسعود ~~وحثهم على القتال، فقال: إذا أتوكم فقاتلوهم شيئا من قتال ثم انحازوا عنهم، ~~فإذا اشتغلوا بالنهب فعودوا إليهم، فإنكم تصيبون منهم حاجتكم. # وصبحهم بنو تميم والقوم حذرون فاقتتلوا قتالا شديدا، وفعلت بنو شيبان ما ~~أمرهم هانئ. فاشتغلت تميم بالغنيمة، ومر رجل منهم بابن لهانئ بن مسعود صبي ~~فأخذه وقال: حسبي هذا من الغنيمة، وسار به وبقيت تميم مع الغنيمة والسبي. ~~فعادت شيبان عليهم فهزموهم وقتلوهم وأسروهم كيف شاءوا، ولم تصب تميم ~~بمثلها، ولم يفلت منهم إلا القليل، ولم يلو أحد على أحد، وانهزم طريف ~~فاتبعه حمصيصة فقتله. واستردت شيبان الأهل والمال وأخذوا مع ذلك ما كان ~~معهم، وفادى هانئ ابن مسعود # PageV01P539 # ابنه بمائة بعير، وقال بعض شيبان في هذا اليوم: # ولقد دعوت طريف دعوة جاهل ... غر وأنت بمنظر لا تعلم # وأتيت حيا في الحروب محلهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم # فوجدتهم يرعون حول ديارهم ... بسلا إذا حام الفوارس أقدموا # وإذا اعتزوا بأبي ربيعة أقبلوا ... بكتيبة مثل النجوم تلملم # ساموك درعك والأغر كليهما ... وبنو أسيد أسلموك وخصم # وقال عمرو بن سواد يرثي طريفا: # لا تبعدن يا خير عمرو بن جندب ... لعمري لمن زار القبور ليبعدا # عظيم رماد النار لا متعبسا ... ولا مؤيسا منها إذا هو أوقدا # وما كان وقافا إذا الخيل أحجمت ... وما كان مبطانا إذا ما تجردا ### | [يوم الزويرين] # قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل قد أجدبت بلادهم فانتجعوا بلاد تميم بين ~~اليمامة وهجر، فلما تدانوا جعلوا لا يلقى بكري تميميا إلا قتله، ولا يلقى ~~تميمي بكريا إلا قتله، إذا أصاب أحدهما مال الآخر أخذه، حتى تفاقم الشر ~~وعظم، فخرج الحوفزان بن شريك والوادك بن الحارث ms0401 الشيبانيان ليغيرا على بني ~~دارم، فاتفق أن تميما في تلك الحال اجتمعت على جمع كثير من عمرو بن حنظلة ~~والرباب وسعد وغيرهما وسارت إلى بكر بن وائل، وعلى تميم أبو الرئيس ~~الحنظلي. فبلغ خبرهم بكر بن وائل # PageV01P540 # فتقدموا وعليهم الأصم عمرو بن قيس بن مسعود أبو مفروق وحنظلة بن سيار ~~العجلي وحمران بن عمرو العبسي، فلما التقوا جعلت تميم والرباب بعيرين ~~وجللوهما، وجعلوا عندهما من يحفظهما، وتركوهما بين الصفين معقولين وسموهما ~~زويرين، يعني إلهين، وقالوا: لا نفر حتى يفر هذان البعيران. فلما رأى أبو ~~مفروق البعيرين سأل عنهما فأعلم حالهما، فقال: أنا زويركم، وبرك بين الصفين ~~وقال: قاتلوا عني ولا تفروا حتى أفر. فاقتتل الناس قتالا شديدا، فوصلت ~~شيبان إلى البعيرين فأخذوهما فذبحوهما واشتد القتال عليهما، فانهزمت تميم ~~وقتل أبو الرئيس مقدمهم ومعه بشر كثير، واجترفت بكر أموالهم ونساءهم وأسروا ~~أسرى كثيرة، ووصل الحوفزان إلى النساء والأموال وعاد إلى أصحابه سالما، ~~وقال الأعشى في ذلك اليوم: # يا سلم لا تسألي عنا فلا كشفت ... عند اللقاء ولا سود مقاريف # نحن الذين هزمنا يوم صبحنا ... يوم الزويرين في جمع الأحاليف # ظلوا وظلت تكر الخيل وسطهم ... بالشيب منا وبالمرد الغطاريف # تستأنس الشرف الأعلى بأعينها لمح ... الصقور علت فوق الأظاليف # انسل عنها بسيل الصيف فانجردت ... تحت اللبود متون كالزحاليف # وقد أكثر الشعراء في هذا اليوم، لا سيما الأغلب العجلي، فمن ذلك أرجوزته ~~أولها: # إن سرك العز فجحجح بجشم # يقول فيها: # PageV01P541 # جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم ... شيخ لنا كالليث من باقي إرم # شيخ لنا معاود ضرب البهم ... يضرب بالسيف إذا الرمح انقصم # هل غير غار صك غارا فانهزم # الغاران: بكر وتميم. # وله الأرجوزة التي أولها: # يا رب حرب ثرة الأخلاف # يذكر فيها هذا اليوم. ### | [ذكر أسر حاتم طيء] # قال أبو عبيدة: أغار حاتم طيء بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم، ~~وانهزمت طيء وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة، وكان في الأسرى حاتم بن عبد الله ~~الطائي، فبقي موثقا عند رجل من عنيزة، فأتته امرأة منهم ms0402 اسمها عالية بناقة ~~فقالت له: افصد هذه، فنحرها، فلما رأتها منحورة صرخت، فقال حاتم: # عالي لا تلتد من عاليه ... إن الذي أهلكت من ماليه # إن ابن أسماء لكم ضامن ... حتى يؤدي آنس ناويه # لا أفصد الناقة في أنفها ... لكنني أوجرها العاليه # إني عن الفصد لفي مفخر ... يكره مني المفصد الآليه # والخيل إن شمص فرسانها ... تذكر عند الموت أمثاليه # وقال رميض العنزي يفتخر: # PageV01P542 # ونحن أسرنا حاتما وابن ظالم ... فكل ثوى في قيدنا وهو يخشع # وكعب إياد قد أسرنا وبعده ... أسرنا أبا حسان والخيل تطمع # وريان غادرنا بوج كأنه ... وأشياعه فيها صريم مصرع # وقال يحيى بن منصور الذهلي قصيدة يفتخر بأيام قومه، وهي طويلة، وفيها ~~آداب حسنة، تركناها كراهية التطويل، وأولها: # أمن عرفان منزلة ودار ... تعاورها البوارح والسواري # وقال أبو عبيدة: جاء الإسلام وليس في العرب أحد أعز دارا ولا أمنع جارا ~~ولا أكثر حليفا من شيبان. كانت عنينة من لخم في الأحلاف، وكانت درمكة بن ~~كندة في بني هند، وكانت عكرمة من طيء، وحوتكة من عذرة وبنانة، كل هؤلاء في ~~بني الحارث بن همام، وكانت عائذة من قريش، وضبة وحواس من كندة، هؤلاء في ~~بني أبي ربيعة، وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام، وكانت ~~وثيلة من ثعلبة، وبنو خيبري من طيء في بني تميم بن شيبان، وكانت عوف بن ~~حارث من كندة في بني محلم. كل هذه قبائل وبطون جاورت شيبان فعزت بها وكثرت. # PageV01P543 ### | [يوم مسحلان] # قال أبو عبيدة: غزا ربيعة بن زياد الكلبي في جيش من قومه، فلقي جيشا لبني ~~شيبان عامتهم بنو أبي ربيعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت بهم بنو شيبان ~~فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وذلك يوم مسحلان، وأسروا ناسا كثيرا، ~~وأخذوا ما كان معهم. وكان رئيس شيبان هؤلاء حيان بن عبد الله بن قيس ~~المحلمي، وقيل: كان رئيسهم زياد بن مرثد من بني أبي ربيعة، فقال شاعرهم: # سائل ربيعة حيث حل بجيشه ... مع الحي كلب حيث لبت فوارسه # عشية ولى جمعهم فتتابعوا ms0403 ... فصار إلينا نهبه وعوانسه # ثم إن الربيع بن زياد الكلبي نافر قومه وحاربهم فهزموه. فاعتزلهم وسار ~~حتى حل ببني شيبان، فاستجار برجل اسمه زياد من بني أبي ربيعة، فقتله بنو ~~أسعد بن همام، ثم إن شيبان حملوا ديته إلى كلب مائتي بعير فرضوا. ### | [حرب لسليم وشيبان] # قال أبو عبيدة: خرج جيش لبني سليم عليهم النصيب السلمي وهم يريدون الغارة ~~على بكر بن وائل. فلقيهم رجل من شيبان اسمه صليع بن عبد غنم وهو محرم على ~~فرس له يسمى البحراء، فقال لهم: أين تذهبون؟ قالوا: نريد الغارة على بني ~~شيبان. فقال لهم: مهلا فإني لكم ناصح، وإياكم وبني شيبان، فإني أقسم لكم ~~بالله لتأتينكم على ثلاثمائة فرس خصي سوى الفحول والإناث. فأبوا إلا الغارة ~~عليهم، فدفع صليع فرسه ركضا حتى أتى قومه فأنذرهم. فركبت شيبان واستعدوا، ~~فأتاهم بنو سليم وهم معدون، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت شيبان وانهزمت ~~سليم وقتل منهم مقتلة كثيرة، وأسر النصيب رئيسهم، أسره عمران بن مرة ~~الشيباني فضرب رقبته، فقال صليع: # PageV01P544 # نهيت بني زعل غداة لقيتهم ... وجيش نصيب والظنون تطاع # وقلت لهم: إن الحريب وراكسا ... به نعم ترعى المرار رتاع # ولكن فيه الموت يرتع سربه ... وحق لهم أن يقبلوا ويطاعوا # متى تأته تلقى على الماء حارثا ... وجيشا له يوفي بكل بقاع ### | [يوم جدود] # وهو يوم بين بكر بن وائل وبني منقر من تميم. # وكان من حديثه أن الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك الشيباني، كانت بينه ~~وبين بني سليط بن يربوع موادعة، فهم بالغدر بهم وجمع بني شيبان وذهلا ~~واللهازم، وعليهم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو. ثم غزا وهو يرجو أن ~~يصيب غرة من بني يربوع، فلما انتهى إلى بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث ~~بن شهاب فنادى في قومه، فحالوا بين الحوفزان وبين الماء، فقال لعتبة: إني ~~لا أرى معك إلا رهطك وأنا في طوائف من بني بكر، فلئن ظفرت بكم قل عددكم ~~وطمع فيكم عدوكم، ولئن ظفرتم بي ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي، ms0404 وما إياكم ~~أردت، فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر، ووالله لا نروع ~~يربوعا أبدا. فأخذ ما معهم من التمر وخلى سبيلهم. # فسارت بكر حتى أغاروا على بني ربيع بن الحارث، وهو مقاعس بجدود، وإنما ~~سمي مقاعسا لأنه تقاعس عن حلف بني سعد، فأغار عليهم وهم خلوف فأصاب سبيا ~~ونعما، فبعث بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب، فلم يجيبوهم، فأتى الصريخ بني ~~منقر بن عبيد فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل وهم مقاتلون، فما شعر ~~الحوفزان وهو في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان المنقري واقفا على ~~رأسه، فركب فرسه، فنادى الأهتم: يا آل سعد! ونادى الحوفزان: يا آل وائل! ~~ولحق بنو منقر فقاتلوا قتالا شديدا، فهزمت بكر وخلوا السبي والأموال، ~~وتبعتهم منقر، فمن قتيل وأسير، وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، ولم يكن ~~لقيس بن عاصم المنقري همة إلا الحوفزان، فتبعه على # PageV01P545 # مهر، والحوفزان على فرس فارج فلم يلحقه وقد قاربه. فلما خاف أن يفوته ~~حفزه بالرمح في ظهره فاحتفز بالطعنة ونجا، فسمي يومئذ الحوفزان، وقيل غير ~~هذا. # وقال الأهتم في أسره حمران: # نيطت بحمران المنية بعدما ... حشاه سنان من شراعة أزرق # دعا يال قيس واعتزيت لمنقر ... وكنت إذا لاقيت في الخيل أصدق # وقال سوار بن حيان المنقري يفتخر على رجل من بكر: # ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة كسته ... نجيعا من دم البطن أشكلا # وحمران قسرا أنزلته رماحنا ... فعالج غلا في ذراعيه مثقلا # فيا لك من أيام صدق نعدها ... كيوم جواثا والنباج ونيتلا # قضى الله أنا يوم تقتسم العلى ... أحق بها منكم فأعطى فأجزلا # فلست بمسطيع السماء ولم ... تجد لعز بناه الله فوقك منقلا # (منقر: بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، وربيع: بضم الراء، وفتح ~~الباء الموحدة) . # PageV01P546 ### | [يوم الإياد، وهو يوم أعشاش ويوم العظالى] # وإنما سمي يوم العظالى لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومفروق بن عمرو ~~تعاظلوا على الرياسة، وكانت بكر تحت يد كسرى وفارس، وكانوا يقرونهم ~~ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين ms0405 التمر في ثلاثمائة متساندين، وهم ~~يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن، فاجتمع بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد ~~في الحزن. فحلت بنو زبيد الحديقة، وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد، ~~فأقبل جيش بكر حتى نزلوا هضبة الخصي، فرأى بسطام السواد بالحديقة، وثم غلام ~~عرفه بسطام، وكان قد عرف غلمان بني ثعلبة حين أسره عتبة. فسأله بسطام عن ~~السواد الذي بالحديقة، فقال: هم بنو زبيد. قال: كم هم من بيت؟ قال: خمسون ~~بيتا. قال: فأين بنو عتيبة وبنو عبيد؟ قال: هم بروضة الثمد وسائر الناس ~~بخفاف، وهو موضع. فقال بسطام: أتطيعوني يا بني بكر؟ قالوا: نعم. قال: أرى ~~لكم أن تغنموا هذا الحي المتفرد بني زبيد وتعودوا سالمين. قالوا: وما يغني ~~بنو زبيد عنا؟ قال: إن في السلامة إحدى الغنيمتين. قالوا: إن عتيبة بن ~~الحارث قد مات. وقال مفروق: قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء! وقال هانئ: ~~اخسأ! فقال: إن أسيد بن جباة لا يفارق فرسه الشقراء ليلا # PageV01P547 # ونهارا، فإذا أحس بكم ركبها حتى يشرف على مليحة فينادي: يا آل ثعلبة، ~~فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة، ولم يبصر أحد منكم مصرع صاحبه، وقد عصيتموني ~~وأنا تابعكم وستعلمون. # فأغاروا على بني زبيد، وأقبلوا نحو بني عتيبة وبني عبيد، فأحست الشقراء ~~فرس أسيد بوقع الحوافر فنخست بحافرها، فركبها أسيد وتوجه نحو بني يربوع ~~بمليحة ونادى: يا سوء صباحاه! يا آل ثعلبة بن يربوع! فما ارتفع الضحى حتى ~~تلاحقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت شيبان بعد أن قتلت من تميم جماعة من ~~فرسانهم، وقتل من شيبان أيضا وأسر جماعة، منهم: هانئ بن قبيصة، ففدى نفسه ~~ونجا، فقال متمم بن نويرة في هذا اليوم: # لعمري لنعم الحي أسمع غدوة ... أسيد وقد جد الصراخ المصدق # وأسمع فتيانا كجنة عبقر ... لهم ريق عند الطعان ومصدق # أخذن بهم جنبي أفاق وبطنها ... فما رجعوا حتى أرقوا وأعتقوا # وقال العوام في هذا اليوم: # قبح الإله عصابة من وائل ... يوم الأفاقة أسلموا بسطاما # ورأى أبو الصهباء دون سوامهم ... طعنا يسلي نفسه وزحاما ms0406 # كنتم أسودا في الوغى فوجدتم ... يوم الأفاقة في الغبيط نعاما # وأكثر العوام الشعر في هذا اليوم. فلما ألح فيه أخذ بسطام إبله، فقالت ~~أمه: # أرى كل ذي شعر أصاب بشعره ... خلا أن عواما بما قال عيلا # فلا ينطقن شعرا يكون جوازه ... كما شعر عوام أعام وأرجلا ### | [يوم الشقيقة وقتل بسطام بن قيس] # PageV01P548 # هذا يوم بين شيبان وضبة بن أد، قتل فيه بسطام بن قيس سيد شيبان. # وكان سببه أن بسطام بن قيس بن مسعود بن خالد بن عبد الله ذي الجدين غزا ~~بني ضبة، ومعه أخوه السليل بن قيس، ومعه رجل يزجر الطير من بني أسد بن ~~خزيمة يسمى نقيدا. فلما كان بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا ~~أتاه، فقال له: الدلو تأتي الغرب المزله، فقص رؤياه على نقيد، فتطير وقال: ~~ألا قلت: ثم تعود باديا مبتله، فتفرط عنك النحوس. ومضى بسطام على وجهه، ~~فلما دنا من نقا يقال له الحسن في بلاد ضبة صعده ليرى، فإذا هو بنعم قد ملأ ~~الأرض، فيه ألف ناقة لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن سعد بن ضبة قد ~~فقأ عين فحلها. وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، إذا بلغت إبل أحدهم ألف ~~بعير فقأوا عين فحلها لترد عنها العين، وهي إبل مرتبعة، ومالك بن المنتفق ~~فيها على فرس له جواد. # فلما أشرف بسطام على النقا تخوف أن يروه فينذروا به فاضطجع وتدهدى حتى ~~بلغ الأرض وقال: يا بني شيبان لم أر كاليوم قط في الغرة وكثرة النعم. ونظر ~~نقيد إلى لحية بسطام معفرة بالتراب لما تدهدى فتطير له أيضا وقال: إن صدقت ~~الطير فهو أول من يقتل، وعزم الأسدي على فراقه، فأخذته رعدة تهيبا لفراقه ~~والانصراف عنه وقال له: ارجع يا أبا الصهباء، فإني أتخوف عليك أن تقتل، ~~فعصاه ففارقه نقيد. # وركب بسطام وأصحابه وأغاروا على الإبل واطردوها، وفيها فحل لمالك يقال له ~~أبو شاعر، وكان أعور، فنجا مالك على فرسه إلى قومه من ضبة حتى إذا أشرف على ms0407 ~~تعشار نادى: يا صباحاه! وعاد راجعا. وأدرك الفوارس القوم وهم يطردون النعم، ~~فجعل فحله أبو شاعر يشذ من النعم ليرجع وتتبعه الإبل، فكلما تبعته ناقة ~~عقرها بسطام. فلما رأى مالك ما يصنع بسطام وأصحابه قال: ماذا السفه يا ~~بسطام؟ لا تعقرها فإما لنا وإما # PageV01P549 # لك. فأبى بسطام، وكان في أخريات الناس على فرس أدهم يقال له الزعفران ~~يحمي أصحابه، فلما لحقت خيل ضبة قال لهم مالك: ارموا روايا القوم. فجعلوا ~~يرمونها فيشقونها. فلحقت بنو ثعلبة وفي أوائلهم عاصم بن خليفة الصباحي، ~~وكان ضعيف العقل، وكان قبل ذلك يعقب قناة له فيقال له: ما تصنع بها يا ~~عاصم؟ فيقول: أقتل عليها بسطاما، فيهزأون منه. فلما جاء الصريخ ركب فرس ~~أخيه بغير أمره ولحق الخيل فقال لرجل من ضبة: أيهم الرئيس؟ قال: صاحب الفرس ~~الأدهم. فعارضه عاصم حتى حاذاه، ثم حمل عليه فطعنه بالرمح في صماخ أذنه ~~أنفذ الطعنة إلى الجانب الآخر، وخر بسطام على شجرة يقال لها الألاءة. فلما ~~رأت ذلك شيبان خلوا سبيل النعم وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير. # وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شيبان، وكان عبد ~~الله بن غنمة الضبي مجاورا في شيبان، فخاف أن يقتل فقال يرثي بسطاما: # لأم الأرض ويل ما أجنت ... غداة أضر بالحسن السبيل # يقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل # أجدك لن تريه ولن نراه ... تخب به عذافرة ذمول # حقيبة بطنها بدن وسرج ... تعارضها مزببة زؤول # إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمر في جوانبه الخيول # لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول # PageV01P550 # لقد صمت بنو زيد بن عمرو # ولا يوفي ببسطام قتيل ... فخر على الألاءة لم يوسد # كأن جبينه سيف صقيل ... فإن يجزع عليه بنو أبيه # فقد فجعوا وفاتهم جليل ... بمطعام إذا الأشوال راحت # إلى الحجرات ليس لها فصيل # فلم يبق في بكر بن وائل بيت إلا وألقي لقتله لعلو محله، وقال شمعلة بن ~~الأخضر بن هبيرة الضبي يذكره: # فيوم شقيقة الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالا ms0408 قصارا # شككنا بالرماح، وهن زور ... صماخي كبشهم حتى استدارا # وأوجرناه أسمر ذا كعوب ... يشبه طوله مسدا مغارا # الشقيقة: أرض صلبة بين جبلي رمل. والحسنان: نقوا رمل كانت الوقعة عندهما. # وقالت أم بسطام بن قيس ترثيه: # ليبك ابن ذي الجدين بكر بن وائل ... فقد بان منها زينها وجمالها # إذا ما غدا فيهم غدوا وكأنهم ... نجوم سماء بينهن هلالها # فلله عينا من رأى مثله فتى ... إذا الخيل يوم الروع هب نزالها # عزيز المكر لا يهد جناحه ... وليث إذا الفتيان زلت نعالها # وحمال أثقال وعائد محجر ... تحل إليه كل ذاك رحالها # سيبكيك عان لم يجد من يفكه ... ويبكيك فرسان الوغى ورجالها # وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملة ضاعت وضاع عيالها # PageV01P551 # مفرج حومات الخطوب ومدرك ال # حروب إذا صالت وعز صيالها ... تغشى بها حينا كذاك ففجعت # تميم به أرماحها ونبالها ... فقد ظفرت منا تميم بعثرة # وتلك لعمري عثرة لا تقالها ... أصيبت به شيبان والحي يشكر # وطير يرى إرسالها وحبالها # (عنمة: بفتح العين المهملة، والنون) . ### | [يوم النسار] # النسار: أجبل متجاورة، وعندها كانت الوقعة، وهو موضع معروف عندهم. # وكان سبب ذلك اليوم أن بني تميم بن مر بن أد كانوا يأكلون عمومتهم ضبة بن ~~أد وبني عبد مناة بن أد، فأصابت ضبة رهطا من تميم. فطلبتهم تميم فانزاحت ~~جماعة الرباب، وهم تيم، وعدي، وثور أطحل، وعكل بنو عبد مناة بن أد وضبة بن ~~أد، وإنما سموا الرباب لأنهم غمسوا أيديهم في الرب حين تحالفوا، فلحقت ببني ~~أسد، وهم يومئذ حلفاء لبني ذبيان بن بغيض. فنادى صارخ بن ضبة: يا آل خندف! ~~فأصرختهم بنو أسد، وهو أول يوم تخندفت فيه ضبة واستمدوا حليفهم طيئا ~~وغطفان، فكان رئيس أسد يوم النسار عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر ~~بن قعين، وقيل: خالد بن نضلة، وكان رئيس الرباب الأسود بن المنذر أخو ~~النعمان، وليس بصحيح، وكان على الجماعة كلهم حصن بن حذيفة بن بدر، وفيه ~~يقول زهير بن أبي سلمى: # ومن مثل حصن في الحروب ومثله ms0409 ... لإنداد ضيم أو لأمر يحاوله # إذا حل أحياء الأحاليف حوله ... بذي نجب لجاته وصواهله # فلما بلغ بني تميم ذلك استمدوا بني عامر بن صعصعة، فأمدوهم. وكان حاجب بن ~~زرارة على بني تميم، وكان عامر بن صعصعة جوابا، وهو لقب مالك بن # PageV01P552 # كعب من بني أبي بكر بن كلاب، لأن بني جعفر كان جواب قد أخرجهم إلى بني ~~الحارث بن كعب فحالفوهم، وقيل: كان رئيس عامر شريح بن مالك القشيري. وسار ~~الجمعان فالتقوا بالنسار واقتتلوا، فصبرت عامر واستحر بهم القتل، وانفضت ~~تميم فنجت ولم يصب منهم كثير، وقتل شريح القشيري رأس بني عامر، وقتل عبيد ~~بن معاوية بن عبد الله بن كلاب وغيرهما، وأخذ عدة من أشراف نساء بني عامر، ~~منهن سلمى بنت المخلف، والعنقاء بنت همام وغيرهما، فقالت سلمى # تعير جوابا والطفيل: لحى الإله أبا ليلى ... بفرته يوم النسار وقنب العير ~~جوابا # كيف الفخار وقد كانت بمعترك ... يوم النسار بنو ذبيان أربابا # لم تمنعوا القوم إن أشلوا سوامكم ... ولا النساء وكان القوم أحرابا # وقال رجل يعير جوابا والطفيل بفراره عن امرأتيه: وفر عن ضرتيه وجه خارئة ~~ومالك فر قنب العير جواب # والقنب: غلاف الذكر، وجواب لقب لأنه كان يجوب الآثار، واسمه مالك. # وقال بشر بن أبي خازم في هزيمة حاجب: # وأفلت حاجب جوب العوالي ... على شقراء تلمع في السراب # ولو أدركن رأس بني تميم ... عفرن الوجه منه بالتراب # وكان يوم النسار بعد يوم جبلة وقتل لقيط بن زرارة. # (جواب: بفتح الجيم، وتشديد الواو، وآخره باء موحدة، وخازم بالخاء ~~المعجمة، والزاي) . # PageV01P553 ### | [يوم الجفار] # لما كان رأس الحول من يوم النسار اجتمع من العرب من كان شهد النسار، وكان ~~رؤساؤهم بالجفار الرؤساء الذين كانوا يوم النسار، إلا أن بني عامر قيل كان ~~رئيسهم بالجفار عبد الله بن جعدة بن كعب بن ربيعة، فالتقوا بالجفار ~~واقتتلوا، وصبرت تميم، فعظم فيها القتل وخاصة في بني عمرو بن تميم، وكان ~~يوم الجفار يسمى الصيلم لكثرة من قتل به، وقال بشر بن أبي خازم في عصبة ms0410 ~~تميم لبني عامر: # غضبت تميم أن يقتل عامر يوم ... النسار فأعقبوا بالصيلم # كنا إذا نفروا لحرب نفرة ... نشفي صداعهم برأس صلدم # نعلو الفوارس بالسيوف ونعتزي ... والخيل مشعلة النحور من الدم # يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... خبب السباع بكل ليث ضيغم # وهي عدة أبيات، وقال أيضا:. # يوم الجفار ويوم النسا ر كانا عذابا وكانا غراما # فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما # وأما بنو عامر بالجفار ... ويوم النسار فكانوا نعاما # فلما أكثر بشر على بني تميم، قيل له: ما لك ولتميم وهم أقرب الناس منك ~~أرحاما؟ فقال: إذا فرغت منهم فرغت من الناس ولم يبق أحد. # PageV01P554 ### | [يوم الصفقة والكلاب الثاني] # أما يوم الصفقة وسببه فإن باذان، نائب كسرى أبرويز بن هرمز باليمن، أرسل ~~إليه حملا من اليمن. فلما بلغ الحمل إلى نطاع من أرض نجد أغارت تميم عليه ~~وانتهبوه وسلبوا رسل كسرى وأساورته. فقدموا على هوذة بن علي الحنفي صاحب ~~اليمامة مسلوبين، فأحسن إليهم وكساهم. وقد كان قبل هذا إذا أرسل كسرى لطيمة ~~تباع باليمن يجهز رسله ويخفرهم ويحسن جوارهم، وكان كسرى يشتهي أن يراه ~~ليجازيه على فعله. فلما أحسن أخيرا إلى هؤلاء الرسل الذين أخذتهم تميم ~~قالوا له: إن الملك لا يزال يذكرك ويؤثر أن تقدم عليه، فسار معهم إليه. ~~فلما قدم عليه أكرمه وأحسن إليه، وجعل يحادثه لينظر عقله، فرأى ما سره، ~~فأمر له بمال كثير، وتوجه بتاج من تيجانه وأقطعه أموالا بهجر. # وكان هوذة نصرانيا، وأمره كسرى أن يغزو هو والمكعبر مع عساكر كسرى بني ~~تميم، فساروا إلى هجر ونزلوا بالمشقر. وخاف المكعبر وهوذة أن يدخلا بلاد ~~تميم لأنها لا تحتملها العجم وأهلها بها ممتنعون، فبعثا رجالا من بني تميم ~~يدعونهم إلى الميرة، وكانت شديدة، فأقبلوا على كل صعب وذلول، فجعل المكعبر ~~يدخلهم الحصن خمسة خمسة وعشرة عشرة وأقل وأكثر، يدخلهم من باب على أن ~~يخرجهم من آخر، فكل من دخل ضرب عنقه. فلما طال عليهم ورأوا أن الناس يدخلون ~~ولا يخرجون بعثوا رجالا يستعلمون الخبر، ms0411 فشد رجل من عبس فضرب السلسلة ~~فقطعها وخرج من كان بالباب. فأمر المكعبر بغلق الباب وقتل كل من كان ~~بالمدينة، وكان يوم الفصح، فاستوهب هوذة منه مائة رجل فكساهم وأطلقهم يوم ~~الفصح. فقال الأعشى من قصيدة يمدح هوذة: # بهم يقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا # فصار يوم المشقر مثلا، وهو يوم الصفقة إصفاق الباب، وهو إغلاقه. وكان يوم ~~الصفقة وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة بعد لم يهاجر. # وأما يوم الكلاب الثاني فإن رجلا من بني قيس بن ثعلبة قدم أرض نجران على ~~بني الحارث بن كعب، وهم أخواله، فسألوه عن الناس خلفه فحدثهم أنه أصفق على # PageV01P555 # بني تميم باب المشقر، وقتلت المقاتلة وبقيت أموالهم وذراريهم في مساكنهم ~~لا مانع لها. فاجتمعت بنو الحارث في مذحج، وأحلافها من نهد وجرم بن ربان، ~~فاجتمعوا في عسكر عظيم بلغوا ثمانية آلاف، ولا يعلم في الجاهلية جيش أكثر ~~منه ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جبلة، وساروا يريدون بني تميم، فحذرهم ~~كاهن كان مع بني الحارث واسمه سلمة بن المغفل وقال: إنكم تسيرون أعيانا، ~~وتغزون أحيانا، سعدا وريانا، وتردون مياهها جيابا، فتلقون عليها ضرابا، ~~وتكون غنيمتكم ترابا، فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميما. فعصوه وساروا إلى ~~عروة، فبلغ الخبر تميما. فاجتمع ذوو الرأي منهم إلى أكثم بن صيفي، وله ~~يومئذ مائة وتسعون سنة، فقالوا له: يا أبا جيدة حقق هذا الأمر فإنا قد ~~رضيناك رئيسا. فقال لهم: # وإن امرأ قد عاش تسعين حجة ... إلى مائة لم يسأم العيش جاهل # مضت مائتان غير عشر وفاؤها ... وذلك من عد الليالي قلائل # ثم قال لهم: لا حاجة لي في الرياسة ولكني أشير عليكم لينزل حنظلة بن مالك ~~بالدهناء، ولينزل سعد بن زيد مناة والرباب، وهم ضبة بن أد وثور وعكل وعدي ~~بنو عبد مناة بن أد: الكلاب، فأي الطريقين أخذ القوم كفى أحدهما صاحبه، ثم ~~قال لهم: احفظوا وصيتي لا تحضروا النساء الصفوف فإن نجاة اللئيم في نفسه ~~ترك ms0412 الحريم، وأقلوا الخلاف على أمرائكم، ودعوا كثرة الصياح في الحرب فإنه ~~من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، فإن أحمق الحمق الفجور، وأكيس الكيس ~~التقى، كونوا جميعا في الرأي، فإن الجميع معزز للجميع، وإياكم والخلاف فإنه ~~لا جماعة لمن اختلف، ولا تلبثوا ولا تسرعوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورب ~~عجلة تهب ريثا، وإذا عز أخوك فهن، البسوا جلود النمور وابرزوا للحرب، ~~وادرعوا الليل واتخذوه جملا، فإن الليل # PageV01P556 # أخفى للويل، والثبات أفضل من القوة، وأهنأ الظفر كثرة الأسرى، وخير ~~الغنيمة المال، ولا ترهبوا الموت عند الحرب، فإن الموت من ورائكم، وحب ~~الحياة لدى الحرب زلل، ومن خير أمرائكم النعمان بن مالك بن حارث بن جساس، ~~وهو من بني تميم بن عبد مناة بن أد. # فقبلوا مشورته، ونزلت عمرو بن حنظلة الدهناء، ونزلت سعد والرباب الكلاب، ~~وأقبلت مذحج ومن معها من قضاعة فقصدوا الكلاب، وبلغ سعدا والرباب الخبر. ~~فلما دنت مذحج نذرهم شميت بن زنباع اليربوعي، فركب جمله وقصد سعدا ونادى: ~~يا آل تميم يا صاحباه! فثار الناس، وانتهت مذحج إلى النعم فانتهبها الناس، ~~وراجزهم يقول: # في كل عام نعم ننتابه ... على الكلاب غيبت أصحابه # يسقط في آثاره غلابه # فلحق قيس بن عاصم المنقري والنعمان بن جساس ومالك بن المنتفق في سرعان ~~الناس، فأجابه قيس يقول: # عما قليل تلتحق أربابه ... مثل النجوم حسرا سحابه # ليمنعن النعم اغتصابه ... سعد وفرسان الوغى أربابه # ثم حمل عليهم قيس وهو يقول: # في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه # أربابه نوكى فلا يحمونه ... ولا يلاقون طعانا دونه # أنعم الأبناء تحسبونه ... هيهات هيهات لما ترجونه # PageV01P557 # فاقتتل القوم قتالا شديدا يومهم أجمع. فحمل يزيد بن شداد بن قنان الحارثي ~~على النعمان بن مالك بن جساس فرماه بسهم فقتله، وصارت الرياسة لقيس بن ~~عاصم، واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وباتوا يتحارسون. فلما أصبحوا غدوا ~~على القتال، وركب قيس بن عاصم، وركبت مذحج واقتتلوا أشد من القتال الأول، ~~فكان أول من انهزم من مذحج مدرج الرياح، وهو عامر بن المجون بن ms0413 عبد الله ~~الجرمي، وكان صاحب لوائهم، فألقى اللواء وهرب، فلحقه رجل من بني سعد فعقر ~~به دابته، فنزل يهرب ماشيا، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم عليكم الفرسان ~~ودعوا الرجالة فإنها لكم، وجعل يلتقط الأسارى، وأسر عبد يغوث بن الحارث بن ~~وقاص الحارثي رئيس مذحج، فقتل بالنعمان بن مالك بن جساس، وكان عبد يغوث ~~شاعرا، فشدوا لسانه قبل قتله لئلا يهجوهم، فأشار إليهم ليحلوا لسانهم ولا ~~يهجوهم، فحلوه، فقال شعرا: # ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم نفع ولا ليا # ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل ... وما لومي أخي من شماليا # فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران ألا تلاقيا # أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا # أقول وقد شدوا لساني بنسعة # معاشر تيم أطلقوا من لسانيا ... كأني لم أركب جوادا ولم أقل # لخيلي كري كرة من ورائيا # PageV01P558 # ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا # وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوا عليه وعاديا # لحى الله قوما بالكلاب شهدتهم ... صميمهم والتابعين المواليا # ولو شئت نجتني من القوم شطبة ... ترى خلفها الكمت العتاق تواليا # وكنت إذا ما الخيل شمصها القنا ... لبيقا بتصريف القناة بنانيا # فيا عاص فك القيد عني فإنني ... صبور على مر الحوادث ناكيا # فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدا ... وإن تطلقوني تحربوني ماليا # أبو كرب: بشر بن علقمة بن الحارث، والأيهمان: الأسود بن علقمة بن الحارث، ~~والعاقب وهو عبد المسيح بن الأبيض، وقيس بن معدي كرب، فزعموا أن قيسا قال: ~~لو جعلني أول القوم لافتديته بكل ما أملك. ثم قتل ولم يقبل له فدية. # (ربان بالراء والباء الموحدة) . ### | [يوم ظهر الدهناء] # وهو يوم بين طيء وأسد بن خزيمة. # وسبب ذلك أن أوس بن حارثة بن لأم الطائي كان سيدا مطاعا في قومه وجوادا ~~ومقداما، فوفد هو وحاتم الطائي على عمرو بن هند، فدعا عمرو أوسا فقال له: ~~أنت أفضل # PageV01P559 # أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن! إن حاتما أوحدها وأنا ms0414 أحدها، ولو ملكني حاتم ~~وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة. ثم دعا عمرو حاتما فقال له: أنت أفضل ~~أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن! إنما ذكرت أوسا ولأحد ولده أفضل مني. فاستحسن ~~ذلك منهما وحباهما وأكرمهما. # ثم إن وفود العرب من كل حي اجتمعت عند النعمان بن المنذر وفيهم أوس، فدعا ~~بحلة من حلل الملوك وقال للوفود: احضروا في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم. ~~فلما كان الغد حضر القوم جميعا إلا أوسا، فقيل له: لم تتخلف؟ فقال: إن كان ~~المراد غيري فأجمل الأشياء بي ألا أكون حاضرا، وإن كنت المراد فسأطلب. فلما ~~جلس النعمان ولم ير أوسا قال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنا مما ~~خفت. فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ~~ثلاثمائة ناقة. فقال: كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا ~~منه! ثم قال: # كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من أهل لأم بظهر الغيب تأتيني # فقال لهم بشر بن أبي خازم: أنا أهجوه لكم، فأعطوه النوق، وهجاه فأفحش في ~~هجائه وذكر أمه سعدى. فلما عرف أوس ذلك أغار على النوق فاكتسحها، وطلبه ~~فهرب منه والتجأ إلى بني أسد عشيرته، فمنعوه منه ورأوا تسليمه إليه عارا. ~~فجمع أوس جديلة طيء وسار بهم إلى أسد، فالتقوا بظهر الدهناء تلقاء تيماء ~~فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت بنو أسد وقتلوا قتلا ذريعا، وهرب بشر فجعل لا ~~يأتي حيا يطلب جوارهم إلا امتنع من إجارته على أوس. ثم نزل على جندب بن حصن ~~الكلابي بأعلى الصمان، فأرسل إليه أوس يطلب منه بشرا، فأرسله إليه. فلما ~~قدم به على أوس أشار عليه قومه بقتله، فدخل على أمه سعدى فاستشارها، فأشارت ~~أن يرد عليه ماله ويعفو عنه ويحبوه فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه. فقبل ما ~~أشارت به وخرج إليه وقال: يا بشر ما ترى أني صانع بك؟ فقال: # إني لأرجو منك يا أوس نعمة ... وإني لأخرى منك يا أوس راهب # وإني لأمحو بالذي أنت صادق ... به ms0415 كل ما قد قلت إذ أنا كاذب # PageV01P560 # فهل ينفعني اليوم عندك أنني # سأشكر إن أنعمت والشكر واجب ... فدى لابن سعدى اليوم كل عشيرتي # بني أسد أقصاهم والأقارب ... تداركني أوس بن سعدى بنعمة # وقد أمكنته من يدي العواقب # فمن عليه أوس وحمله على فرس جواد، ورد عليه ما كان أخذ منه، وأعطاه من ~~ماله مائة من الإبل، فقال بشر: لا جرم لا مدحت أحدا، حتى أموت غيرك، ومدحه ~~بقصيدته المشهورة التي أولها: # أتعرف من هنيدة رسم دار ... بحرجي ذروة فإلى لواها # ومنها منزل ببراق خبت ... عفت حقبا وغيرها بلاها # وهي طويلة. ### | [يوم الوقيط] # وكان من حديثه أن اللهازم تجمعت، وهي قيس وتيم اللات ابنا ثعلبة بن عكابة ~~بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ومعها عجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بن ~~نزار لتغير على بني تميم وهم غارون. فرأى ذلك الأعور وهو ناشب بن بشامة ~~العنبري، وكان أسيرا في قيس بن ثعلبة، فقال لهم: أعطوني رجلا أرسله إلى ~~أهلي أوصيهم ببعض حاجتي. فقالوا له: ترسله ونحن حضور؟ قال: نعم. فأتوه ~~بغلام مولد، فقال: أتيتموني بأحمق! فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق! فقال: ~~إني أراك مجنونا! قال: والله ما بي جنون! قال: أتعقل؟ قال: نعم إني لعاقل. ~~قال: فالنيران أكثر أم الكواكب؟ قال: الكواكب، وكل كثيرة، فملأ كفه رملا ~~وقال: كم في كفي؟ قال: لا # PageV01P561 # أدري فإنه لكثير. فأومأ إلى الشمس بيده وقال: ما تلك؟ قال: الشمس. قال: ~~ما أراك إلا عاقلا، اذهب إلى قومي فأبلغهم السلام، وقل لهم ليحسنوا إلى ~~أسيرهم فإني عند قوم يحسنون إلي ويكرموني، وقل لهم فليعروا جملي الأحمر، ~~ويركبوا ناقتي العيساء، وليرعوا حاجتي في بني مالك، وأخبرهم أن العوسج قد ~~أورق، وأن النساء قد اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فإنه مشؤوم مجدود، ~~وليطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون، واسألوا الحارث عن خبري. # وسار الرسول فأتى قومه فأبلغهم، فلم يدركوا ما أراد، فأحضروا الحارث ~~وقصوا عليه خبر الرسول. فقال للرسول: اقصص علي أول ms0416 قصتك. فقص عليه أول ما ~~كلمه حتى أتى على آخره. فقال: أبلغه التحية والسلام، وأخبره أنا نستوصي به. ~~فعاد الرسول، ثم قال لبني العنبر: إن صاحبكم قد بين لكم، وأما الرمل الذي ~~جعل في كفه فإنه يخبركم أنه قد أتاكم عدد لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ ~~إليها فإنه يقول ذلك أوضح من الشمس، وأما جمله الأحمر فالصمان فإنه يأمركم ~~أن تعروه، يعني ترحلوا عنه، وأما ناقته العيساء فإنه يأمركم أن تحترزوا في ~~الدهناء، وأما بنو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم معكم، وأما إيراق العوسج ~~فإن القوم قد لبسوا السلاح، وأما اشتكاء النساء فإنه يريد أن النساء قد ~~خرزن الشكاء، وهي أسقية الماء للغزو. # فحذر بنو العنبر وركبوا الدهناء وأنذروا بني مالك، فلم يقبلوا منهم. # ثم إن اللهازم وعجلا وعنزة أتوا بني حنظلة فوجدوا عمرا قد أجلت، فأوقعوا ~~ببني دارم بالوقيط، فاقتتلوا قتالا شديدا، وعظمت الحرب بينهم، فأسرت ربيعة ~~جماعة من رؤساء بني تميم، منهم ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة فجزوا ~~ناصيته وأطلقوه، وأسروا عثجل بن المأمون بن زرارة، وجويرة بن بدر بن عبد ~~الله بن دارم، ولم يزل في الوثاق حتى رآهم يوما يشربون فأنشأ يتغنى يسمعهم ~~ما يقول: # PageV01P562 # وقائلة ما غاله أن يزورنا وقد ... كنت عن تلك الزيارة في شغل # وقد أدركتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا ضعاف ولا عزل # سراع إلى الجلى بطاء عن الخنا رزان ... لدى النادي الباذين في غير ما جهل # لعلهم أن يمطروني بنعمة كما ... طاب ماء المزن في البلد المحل # قد ينعش الله الفتى بعد ذلة وقد ... تبتني الحسنى سراة بني عجل # فلما سمعوا الأبيات أطلقوه. # وأسر أيضا نعيم وعوف ابنا القعقاع بن معبد بن زرارة وغيرهما من سادات بني ~~تميم، وقتل حكيم بن جذيمة بن الأصيلع النهشلي، ولم يشهدها من نهشل غيره. ~~وعادت بكر فمرت بطريقها بعد الوقعة بثلاثة نفر من بني العنبر لم يكونوا ~~ارتحلوا مع قومهم، فلما رأوهم طردوا إبلهم فأحرزوها من بكر. # وأكثر الشعراء في هذا اليوم، ms0417 فمن ذلك قول أبي مهوش الفقعسي يعير تميما ~~بيوم الوقيط: # فما قاتلت يوم الوقيطين نهشل ... ولا الأنكد الشؤمى فقيم بن دارم # ولا قضبت عوف رجال مجاشع ... ولا قشر الأستاه غير البراجم # وقال أبو الطفيل عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد: # حكت تميم بركها لما التقت ... راياتنا ككواسر العقبان # دهموا الوقيط بجحفل جم الوغى ... ورماحها كنوازع الأشطان # PageV01P563 ### | [يوم المروت] # وهو يوم بين تميم وعامر بن صعصعة. # وكان سببه أنه التقى قعنب بن عتاب الرياحي وبحير بن عبد الله بن سلمة ~~العامري بعكاظ، فقال بحير لقعنب: ما فعلت فرسك البيضاء؟ قال: هي عندي، وما ~~سؤالك عنها؟ قال: لأنها نجتك من يوم كذا وكذا، فأنكر قعنب ذلك وتلاعنا ~~وتداعيا أن يجعل الله ميتة الكاذب بيد الصادق، فمكثا ما شاء الله. وجمع ~~بحير بني عامر وسار بهم فأغار على بني العنبر بن عمرو بن تميم بإرم الكلبة ~~وهم خلوف، فاستاق السبي والنعم ولم يلق قتالا شديدا، وأتى الصريخ بني ~~العنبر بن عمرو بن تميم، وبني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ~~وبني يربوع بن حنظلة، فركبوا في الطلب، فتقدمت عمرو بن تميم. # فلما انتهى بحير إلى المروت قال: يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا؟ ~~قالوا: نرى خيلا عارضة رماحها على كواهل خيلها. قال: هذه عمرو بن تميم ~~وليست بشيء، فلحق بهم بنو عمرو فقاتلوهم شيئا من قتال ثم صدروا عنهم، ومضى ~~بحير، ثم قال: يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا؟ قالوا: نرى خيلا ناصبة ~~رماحها. قال: هذه مالك بن حنظلة وليست بشيء، فلحقوا فقاتلوا شيئا من قتال ~~ثم صدروا عنهم، ومضى بحير وقال: يا بني عامر انظروا هل ترون شيئا؟ قالوا: ~~نرى خيلا ليست معها رماح وكأنما عليها الصبيان. قال: هذه يربوع رماحها بين ~~آذان خيلها، إياكم والموت الزؤام، فاصبروا ولا أرى أن تنجوا. # فكان أول من لحق من بني يربوع الواقعة وهو نعيم بن عتاب، وكان يسمى ~~الواقعة لبليته، فحمل على المثلم القشيري فأسره، ms0418 وحملت قشير على دوكس بن ~~واقد بن حوط فقتلوه، وأسر نعيم المصفى القشيري فقتله، وحمل كدام بن بجيلة ~~المازني على بحير فعانقه، ولم يكن لقعنب همة إلا بحير، فنظر إليه وإلى كدام ~~قد تعانقا فأقبل نحوهما، فقال كدام: يا قعنب أسيري. فقال قعنب: ماز رأسك ~~والسيف، يريد: يا مازني. فخلى عنه كدام وشد عليه قعنب فضربه فقتله، وحمل ~~قعنب أيضا على صهبان، وأم صهبان مازنية، فأسره، فقالت بنو مازن: يا قعنب ~~قتلت أسيرنا فأعطنا ابن # PageV01P564 # أخينا مكانه. فدفع إليهم صهبان في بحير، فرضوا بذلك، واستنقذت بنو يربوع ~~أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر وعادوا. # (بحير: بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة) . ### | [يوم فيف الريح] # وهو بين عامر بن صعصعة والحارث بن كعب، وكان خبره أن بني عامر كانت تطلب ~~بني الحارث بن كعب بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين بن يزيد بن شداد بن قنان ~~الحارثي، وهو ذو الغصة، واستعان بجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد ~~وصداء ونهد وخثعم وشهران وناهس. ثم أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون ~~مكانا يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى لا يفروا. فاجتمعت ~~بنو عامر، فقال لهم عامر بن الطفيل: أغيروا بنا على القوم، فإني أرجو أن ~~نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم، ولا تدعوهم يدخلون عليكم. فأجابوه إلى ذلك ~~وساروا إليهم. فلما دنوا من بني الحارث ومذحج ومن معهم أخبرتهم عيونهم ~~وعادت إليهم مشايخهم، فحذروا فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ~~يغادونهم القتال بفيف الريح، فالتقى الصميل بن الأعور الكلابي وعمرو بن ~~صبيح النهدي، فطعنه عمرو، فاعتنق الصميل فرسه وعاد، فلقيه رجل من خثعم ~~فقتله وأخذ درعه وفرسه. # وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر بن الطفيل فأبلوا بلاء حسنا، وسموا ذلك ~~اليوم حريجة الطعان لأنهم اجتمعوا برماحهم فصاروا بمنزلة الحرجة، وهي شجر ~~مجتمع. # وسبب اجتماعهم أن بني عامر جالوا جولة إلى موضع يقال له العرقوب، والتفت ~~عامر بن الطفيل فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في المعركة، فرجع وهو ~~يصيح: يا صباحاه! ms0419 يا نميراه! ولا نمير لي بعد اليوم! حتى اقتحم فرسه وسط ~~القوم، فقويت نفوسهم، وعادت بنو عامر وقد طعن عامر بن الطفيل ما بين ثغرة ~~نحره إلى سرته # PageV01P565 # عشرين طعنة. وكان عامر في ذلك اليوم يتعهد الناس فيقول: يا فلان ما رأيتك ~~فعلت شيئا، فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه، ومن لم يبل شيئا تقدم فأبلى، ~~فكان كل من أبلى بلاء حسنا أتاه، فأراه الدم على سنان رمحه أو سيفه، فأتاه ~~رجل من الحارثيين اسمه مسهر، فقال له: يا أبا علي انظر ما صنعت بالقوم! ~~انظر إلى رمحي! فلما أقبل عليه عامر لينظر، وجأه بالرمح في وجنته ففلقها ~~وفقأ عينه وترك رمحه وعاد إلى قومه. وإنما دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل بقومه، ~~فقال: هذا والله مبير قومي! فقال عامر بن الطفيل: # أتونا بشهران العريضة كلها ... وأكلب طرا في جياد السنور # لعمري وما عمري علي بهين ... لقد شان حر الوجه طعنة مسهر # فبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا ... جبانا وما أغنى لدى كل محضر # وأسرت بنو عامر يومئذ سيد مراد جريحا، فلما برأ من جراحته أطلق. # وممن أبلى يومئذ أربد بن قيس بن حر بن خالد بن جعفر، وعبيد بن شريح بن ~~الأحوص بن جعفر. # وقال لبيد بن ربيعة، ويقال إنها لعامر بن الطفيل: # أتونا بشهران العريضة كلها ... وأكلبها في مثل بكر بن وائل # فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا ... يبت عن قرى أضيافه غير غافل # أعاذل لو كان البداد لقوبلوا ... ولكن أتانا كل جن وخابل # وخثعم حي يعدلون بمذحج فهل ... نحن إلا مثل إحدى القبائل # وأسرع القتل في الفريقين جميعا، ثم إنهم افترقوا ولم يشتغل بعضهم عن بعض ~~بغنيمة، وكان الصبر فيها والشرف لبني عامر. # PageV01P566 ### | [يوم اليحاميم ويعرف أيضا بقارات حوق] # وهو بين قبائل طيء بعضها في بعض. # وكان سبب ذلك أن الحارث بن جبلة الغساني كان قد أصلح بين طيء. فلما هلك ~~عادت إلى حربها، فالتقت جديلة والغوث بموضع يقال له غرثان، فقتل قائد بني ~~جديلة وهو أسبع ms0420 بن عمرو بن لأم عم أوس بن خالد بن حارثة بن لأم، وأخذ رجل ~~من سنبس يقال له مصعب أذنيه فخصف بهما نعليه، وفي ذلك يقول أبو سروة ~~السنبسي: # نخصف بالآذان منكم نعالنا ... ونشرب كرها منكم في الجماجم # وتناقل الحيان في ذلك أشعارا كثيرة، وعظم ما صنعت الغوث على أوس بن خالد ~~بن لأم، وعزم على لقاء الحرب بنفسه، وكان لم يشهد الحروب المتقدمة هو ولا ~~أحد من رؤساء طيء كحاتم بن عبد الله وزيد الخيل وغيرهم من الرؤساء، فلما ~~تجهز أوس للحرب وأخذ في جمع جديلة ولفها قال أبو جابر: # أقيموا علينا القصد يا آل طيء ... وإلا فإن العلم عند التحاسب # فمن مثلنا إذا الحرب شمرت ... ومن مثلنا يوما إذا لم نحاسب # فإن تقطعيني أو تريدي مساءتي فقد ... قطع الخوف المخوف ركائبي # وبلغ الغوث جمع أوس لها وأوقدت النار على مناع، وهي ذروة أجأ، وذلك أول ~~يوم توقد عليه النار. فأقبلت قبائل الغوث، كل قبيلة وعليها رئيسها، منهم ~~زيد الخيل وحاتم، وأقبلت جديلة مجتمعة على أوس بن حارثة بن لأم، وحلف أوس ~~أن لا يرجع عن طيء حتى ينزل معها جبليها أجأ وسلمى وتجبي له أهلها، ~~وتزاحفوا والتقوا بقارات حوق على راياتهم فاقتتلوا قتالا شديدا ودارت الحرب # PageV01P567 # على بني كباد بن جندب فأبيروا. # قال عدي بن حاتم: إني لواقف يوم اليحاميم، والناس يقتتلون إذ نظرت إلى ~~زيد الخيل قد حضر ابنيه مكنفا وحريثا في شعب لا منفذ له وهو يقول: أي ابني ~~أبقيا على قومكما فإن اليوم يوم التفاني، فإن يكن هؤلاء أعماما فهؤلاء ~~أخوال. فقلت: كأنك قد كرهت قتال أخوالك! قال: فاحمرت عيناه غضبا، وتطاول ~~إلي حتى نظرت إلى ما تحته من سرجه فخفته، فضربت فرسي وتنحيت عنه، واشتغل ~~بنظره إلي عن ابنيه، فخرجا كالصقرين، وحمل قيس بن عازب على بحير بن زيد ~~الخيل بن حارثة بن لأم فضربه على رأسه ضربة عنق لها بحير فرسه وولى، ~~فانهزمت جديلة عند ذلك وقتل فيها قتل ذريع، فقال زيد الخيل: ms0421 # تجيء بني لأم جياد كأنها ... عصائب طير يوم طل وحاصب # فإن تنج منها لا يزل بك شامة ... أناء حيا بين الشجا والترائب # وفر ابن لأم واتقانا بظهره ... يردعه بالرمح قيس بن عازب # وجاءت بنو معن كأن سيوفهم ... مصابيح من سقف فليس بآيب # وما فر حتى أسلم ابن حمارس ... لوقعة مصقول من البيض قاضب # فلم تبق لجديلة بقية للحرب بعد يوم اليحاميم، فدخلوا بلاد كلب فحالفوهم ~~وأقاموا معهم. ### | [يوم ذي طلوح] # وهو يوم الصمد ويوم أود أيضا، وهو بين بكر وتميم، وكان من حديثه أن عميرة ~~بن طارق بن أرثم اليربوعي التميمي تزوج مرية بنت جابر العجلي أخت أبجر، ~~وسار إلى عجل ليبتني بأهله. وكان له في بني تميم امرأة أخرى تعرف بابنة # PageV01P568 # النطف من بني تميم، فأتى أبجر أخته يزورها وزوجها عندها. فقال لها أبجر: ~~إني لأرجو أن آتيك يا ابنة النطف امرأة عميرة. فقال له: ما أراك تبقي علي ~~حتى تسلبني أهلي. فندم أبجر وقال له: ما كنت لأغزو قومك ولكنني مستأسر في ~~هذا الحي من تميم. # وجمع أبجر والحوفزان بن شريك الشيباني، والحوفزان على شيبان والأبجر على ~~اللهازم، ووكلا بعميرة من يحرسه لئلا يأتي قومه فينذرهم. فسار الجيش، ~~فاحتال عميرة على الموكل بحفظه وهرب منه وجد السير إلى أن وصل إلى بني ~~يربوع فقال لهم: قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل، فأعلموا بني ثعلبة بطنا ~~منهم، فأرسلوا طليعة منهم فبقوا ثلاثة أيام، ووصلت بكر فركبت يربوع والتقوا ~~بذي طلوح. فركب عميرة ولقي أبجر فعرفه نفسه، والتقى القوم واقتتلوا فكان ~~الظفر ليربوع. وانهزمت بكر وأسر الحوفزان وابنه شريك وابن عنمة الشاعر، ~~وكان مع بني شيبان فافتكه متمم بن نويرة، وأسر أكثر الجيش البكري، وقال ابن ~~عنمة يشكر متمما: # جزى الله رب الناس عني متمما ... بخير الجزاء ما أعف وأجودا # أجيرت به أبناؤنا ودماؤنا ... وشارك في إطلاقنا وتفردا # أبا نهشل إني لكم غير كافر ... ولا جاعل من دونك المال سرمدا ### | [يوم أقرن] # قال أبو عبيدة: غزا عمرو بن عمرو ms0422 بن عدس التميمي بني عبس، فأخذ إبلهم ~~واستاق سبيهم وعاد، حتى إذا كان أسفل ثنية أقرن، نزل وابتنى بجارية من ~~السبي، ولحقه الطلب فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أنس الفوارس ابن زياد ~~العبسي عمرا وابنه حنظلة، واستردوا الغنيمة والسبي، فنعى جرير على بني دارم ~~ذلك فقال: أتنسون عمرا يوم برقة أقرن وحنظلة المقتول إذ هو يافعا # وكان عمرو أسلع أبرص، وكان هو ومن معه قد أخطأوا ثنية الطريق في عودهم # PageV01P569 # وسلكوا غير الطريق، فسقطوا من الجبل الذي سلكوه فلقوا شدة ففي ذلك يقول ~~عنترة: # كأن السرايا يوم نيق وصارة ... عصائب طير ينتحين لمشرب # شفى النفس مني أو دنا لشفائها ... تهورهم من حالق متصوب # وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... مراتب عمرو وسط نوح مسلب # وكانت أم سماعة بن عمرو من عبس، فزاره خاله فقتله بابنه، فقال في ذلك ~~مسكين الدارمي: # وقاتل خاله بأبيه منا ... سماعة لم يبع نسبا بخال ### | [يوم السلان] # قال أبو عبيدة: كان بنو عامر بن صعصعة حمسا، والحمس قريش ومن له فيهم ~~ولادة، والحمس متشددون في دينهم، وكانت عامر أيضا لقاحا لا يدينون للملوك. ~~فلما ملك النعمان بن المنذر ملكه كسرى أبرويز، وكان يجهز كل عام لطيمة، وهي ~~التجارة، لتباع بعكاظ، فعرضت بنو عامر لبعض ما جهزه فأخذوه. فغضب لذلك ~~النعمان وبعث إلى أخيه لأمه، وهو وبرة بن رومانس الكلبي، وبعث إلى صنائعه ~~ووضائعه، والصنائع من كان يصطنعه من العرب ليغزيه، والوضائع هم الذين كانوا ~~شبه المشايخ، وأرسل إلى بني ضبة بن أد وغيرهم من الرباب وتميم فجمعهم، ~~فأجابوه، فأتاه ضرار بن عمرو الضبي في تسعة من بنيه كلهم فوارس ومعه حبيش ~~بن دلف، وكان فارسا شجاعا، فاجتمعوا في جيش عظيم، فجهز النعمان معهم عيرا ~~وأمرهم بتسييرها وقال لهم: إذا # PageV01P570 # فرغتم من عكاظ وانسلخت الحرم ورجع كل قوم إلى بلادهم، فاقصدوا بني عامر ~~فإنهم قريب بنواحي السلان. فخرجوا وكتموا أمرهم وقالوا: خرجنا لئلا يعرض ~~أحد للطيمة الملك. # فلما فرغ الناس من عكاظ علمت قريش بحالهم، فأرسل عبد ms0423 الله بن جدعان قاصدا ~~إلى بني عامر يعلمهم الخبر، فسار إليهم وأخبرهم خبرهم فحذروا وتهيأوا للحرب ~~وتحرزوا ووضعوا العيون، وعاد عامر عليهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وأقبل ~~الجيش فالتقوا بالسلان فاقتتلوا قتالا شديدا. فبينا هم يقتتلون إذ نظر يزيد ~~بن عمرو بن خويلد الصعق إلى وبرة بن رومانس أخي النعمان فأعجبه هيئته، فحمل ~~عليه فأسره. فلما صار في أيديهم هم الجيش بالهزيمة، فنهاهم ضرار بن عمرو ~~الضبي وقام بأمر الناس فقاتل هو وبنوه قتالا شديدا، فلما رآه أبو براء عامر ~~بن مالك وما يصنع ببني عامر هو وبنوه حمل عليه، وكان أبو براء رجلا شديد ~~الساعد. فلما حمل على ضرار اقتتلا، فسقط ضرار إلى الأرض وقاتل عليه بنوه ~~حتى خلصوه وركب، وكان شيخا، فلما ركب قال: " من سره بنوه ساءته نفسه "، ~~فذهبت مثلا. يعني من سره بنوه إذا صاروا رجالا كبر وضعف فساءه ذلك. # وجعل أبو براء يلح على ضرار طمعا في فدائه، وجعل بنوه يحمونه. فلما رأى ~~ذلك أبو براء قال له: لتموتن أو لأموتن دونك فأحلني على رجل له فداء، فأومأ ~~ضرار إلى حبيش بن دلف وكان سيدا، فحمل عليه أبو براء فأسره، وكان حبيش أسود ~~نحيفا دميما، فلما رآه كذلك ظنه عبدا وأن ضرارا خدعه، فقال: إنا لله، أعزز ~~سائر القوم، ألا في الشؤم وقعت! فلما سمعها حبيش منه خاف أن يقتله فقال: ~~أيها الرجل إن كنت تريد اللبن، يعني الإبل، فقد أصبته. فافتدى نفسه ~~بأربعمائة بعير وهزم جيش النعمان. فلما رجع الفل إليه أخبروه بأسر أخيه، ~~وبقيام ضرار بأمر الناس، وما جرى له مع أبي براء، وافتدى وبرة بن رومانس ~~نفسه بألف بعير وفرس من يزيد بن الصعق، فاستغنى يزيد، وكان قبله خفيف ~~الحال، وقال لبيد يذكر أيام قومه: # PageV01P571 # إني امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد حنقت علي خصوم # يقول فيها: # وغداة قاع القريتين أتاهم # رهوا يلوح خلالها التسويم ... بكتائب رجح تعود كبشها # نطح الكباش كأنهن نجوم # قوله: قاع القريتين، يعني يوم السلان. # (حبيش بن ms0424 دلف بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وبالياء المثناة من ~~تحتها نقطتان، وآخره شين معجمة) . ### | [يوم ذي علق] # وهو يوم التقى فيه بنو عامر بن صعصعة وبنو أسد بذي علق فاقتتلوا اقتتالا ~~شديدا عظيما. قتل في المعركة ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري أبو ~~لبيد الشاعر وانهزمت عامر، فتبعهم خالد بن نضلة الأسدي وابنه حبيب والحارث ~~بن خالد بن المضلل، وأمعنوا في الطلب، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أبو ~~براء عامر بن مالك من وراء ظهورهم في نفر من أصحابه، فقال لخالد: يا أبا ~~معقل إن شئت أجزتنا وأجزناك حتى نحمل جرحانا وندفن قتلانا. قال: قد فعلت. ~~فتواقفوا. فقال له أبو براء: هل علمت ما فعل ربيعة؟ قال: نعم تركته قتيلا. ~~قال: ومن قتله؟ قال: ضربته أنا وأجهز عليه صامت بن الأفقم. فلما سمع أبو ~~براء بقتل ربيعة حمل على خالد هو ومن معه، فمانعهم خالد وصاحباه وأخذوا ~~سلاح حبيب بن خالد، ولحقهم بنو أسد فمنعوا أصحابهم وحموهم، فقال الجميح: # سائل معدا عن الفوارس لا ... أوفوا بجيرانهم ولا سلموا # يسعى بهم قرزل ويستمع ال ... ناس إليهم وتخفق اللمم # ركضا وقد غادروا ربيعة في ... الأثآر لما تقارب النسم # PageV01P572 # في صدره صعدة ويخلجه # بالرمح حران باسلا أضم # قرزل: فرس الطفيل والد عامر بن الطفيل. وقال لبيد من قصيدة يذكر أباه: # ولا من ربيع المقترين رزئته ... بذي علق فاقني حياءك واصبري ### | [يوم الرقم] # قال أبو عبيدة: غزت عامر بن صعصعة غطفان، ومع بني عامر يومئذ عامر بن ~~الطفيل شابا لم يرأس بعد، فبلغوا وادي الرقم، وبه بنو مرة بن عوف بن سعد ~~ومعهم قوم من أشجع بن ذئب بن غطفان وناس من فزارة بن ذبيان، فنذروا ببني ~~عامر وهجمت عليهم بنو عامر بالرقم، وهو واد بقرب تضرع، فالتقوا فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فأقبل عامر بن الطفيل فرأى امرأة من فزارة فسألها. فقالت: أنا ~~أسماء بنت نوفل الفزاري. وقيل: كانت أسماء بنت حصن بن حذيفة. فبينا عامر ~~يسألها خرج عليه المنهزمون من قومه ms0425 وبنو مرة في أعقابهم فلما رأى ذلك عامر ~~ألقى درعه إلى أسماء وولى منهزما، فأدتها إليه بعد ذلك، وتبعتهم مرة وعليهم ~~سنان بن حارثة بن أبي حارثة المري، وجعل الأشجعيون يذبحون كل من أسروه من ~~بني عامر لوقعة كانت أوقعتها بهم بنو عامر، فذلك البطن من بني أشجع يسمون ~~بني مذحج، فذبحوا سبعين رجلا منهم، فقال عامر بن الطفيل يذكر غطفان ويعرض ~~بأسماء: # قد ساءلت أسماء وهي خفية ... لضحائها أطردت أم لم أطرد # فلأبغينكم القنا وعوارضا ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد # ولأبرزن بمالك وبمالك ... وأخي المرورات الذي لم يسند # في أبيات عدة. فلما بلغ شعره غطفان هجاه منهم جماعة، وكان نابغة بني ~~ذبيان حينئذ غائبا عند ملوك غسان قد هرب من النعمان. فلما آمنه النعمان ~~وعاد سأل قومه عما هجوا به عامر بن الطفيل، فأنشدوه ما قالوا فيه وما قال ~~فيهم، فقال: لقد أفحشتم وليس # PageV01P573 # مثل عامر يهجى بمثل هذا، ثم قال يخطئ عامرا في ذكره امرأة من عقائلهم: # فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن مطية الجهل الشباب # فإنك سوف تحلم أو تباهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب # فكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب # فلا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهن باب # إلى آخرها. فلما سمعها عامر قال: ما هجيت قبلها. ### | [يوم ساحوق] # قال أبو عبيدة: غزت بنو ذبيان بني عامر وهم بساحوق، وعلى ذبيان سنان بن ~~أبي حارثة المري، وقد جهزهم وأعطاهم الخيل والإبل وزودهم، فأصابوا نعما ~~كثيرة وعادوا، فلحقتهم بنو عامر واقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزمت بنو عامر ~~وأصيب منهم رجال وركبوا الفلاة، فهلك أكثرهم عطشا، وكان الحر شديدا، وجعلت ~~ذبيان تدرك الرجل منهم فيقولون له: قف ولك نفسك وضع سلاحك، فيفعل. وكان ~~يوما عظيما على عامر، وانهزم عامر بن الطفيل وأخوه الحكم، ثم إن الحكم ضعف ~~وخاف أن يؤسر، فجعل في عنقه حبلا وصعد إلى شجرة وشده ودلى نفسه فاختنق، ~~وفعل مثله رجل من بني غني، فلما ألقى نفسه ندم فاضطرب، فأدركوه وخلصوه ms0426 ~~وعيروه بجزعه، وقال عروة بن الورد العبسي في ذلك: # ونحن صبحنا عامرا في ديارها ... علالة أرماح وضربا مذكرا # بكل رقاق الشفرتين مهند ... ولدن من الخطي قد طر أسمرا # عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغى كان أجدرا # PageV01P574 ### | [يوم أعيار ويوم النقيعة] # كان المثلم بن المشجر العائذي ثم الضبي مجاورا لبني عبس، فتقامر هو ~~وعمارة بن زياد، وهو أحد الكملة، فقمره عمارة حتى اجتمع عليه عشرة أبكر، ~~فطلب منه المثلم أن يخلي عنه حتى يأتي أهله فيرسل إليه بالذي له، فأبى ذلك، ~~فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم فأتى قومه فأخذ البكارة فأتى بها عمارة وافتك ~~ابنه. # فلما انطلق بابنه قال له في الطريق: يا أبتاه من معضال؟ قال: ذلك رجل من ~~بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة. قال شرحاف: فإني قد عرفت قاتله. قال ~~أبوه: ومن هو؟ قال: عمارة بن زياد سمعته يقول للقوم يوما وقد أخذ فيه ~~الشراب إنه قتله ولم يلق له طالبا. # ولبثوا بعد ذلك حينا وشب شرحاف. ثم إن عمارة جمع جمعا عظيما من عبس فأغار ~~بهم على بني ضبة فأخذوا إبلهم، وركبت بنو ضبة فأدركوهم في المرعى. فلما نظر ~~شرحاف إلى عمارة قال: يا عمارة أتعرفني؟ قال: من أنت؟ قال: أنا شرحاف، أد ~~إلي ابن عمي معضالا، لا مثله يوم قتلته! وحمل عليه فقتله، واقتتلت ضبة وعبس ~~قتالا شديدا واستنقذت ضبة الإبل، وقال شرحاف: # ألا أبلغ سراة بني بغيض بما ... لاقت سراة بني زياد # وما لاقت جذيمة إذ تحامي ... وما لاقى الفوارس من بجاد # تركنا بالنقيعة آل عبس ... شعاعا يقتلون بكل واد # وما إن فاتنا إلا شريد ... يؤم القفر في تيه البلاد # فسل عنا عمارة آل عبس ... وسل وردا وما كل بداد # تركتهم بوادي البطن ... رهنا لسيدان القرارة والجلاد # PageV01P575 ### | [يوم النباة] # قال أبو عبيدة: خرجت بنو عامر تريد غطفان لتدرك بثأرها يوم الرقم ويوم ~~ساحوق، فصادفت بني عبس وليس معهم أحد من غطفان، وكانت عبس لم تشهد يوم ~~الرقم ولا يوم ساحوق مع غطفان ms0427 ولم يعينوهم على بني عامر، وقيل: بل شهدها ~~أشجع وفزارة وغيرهما من بني غطفان على ما نذكره. # قال: وأغارت بنو عامر على نعم بني عبس وذبيان وأشجع، فأخذوها وعادوا ~~متوجهين إلى بلادهم فضلوا في الطريق، فسلكوا وادي النباة فأمعنوا فيه ولا ~~طريق لهم ولا مطلع حتى قاربوا آخره. وكاد الجبلان يلتقيان إذا هم بامرأة من ~~بني عبس تخبط الشجر لهم في قلة الجبل. فسألوها عن المطلع. فقالت لهم: ~~الفوارس المطلع، وكانت قد رأت الخيل قد أقبلت وهي على الجبل، ولم يرها بنو ~~عامر لأنهم في الوادي، فأرسلوا رجلا إلى قلة الجبل ينظر، فقال لهم: أرى ~~قوما كأنهم الصبيان على متون الخيل، أسنة رماحهم عند آذان خيلهم. قالوا: ~~تلك فزارة، قال: وأرى قوما بيضا جعادا كأن عليهم ثيابا حمرا. قالوا: تلك ~~أشجع. قال: وأرى قوما نسورا قد قلعوا خيولهم بسوادهم، كأنما يحملونها حملا ~~بأفخاذهم، آخذين بعوامل رماحهم يجرونها قالوا: تلك عبس، أتاكم الموت ~~الزؤام! ولحقهم الطلب بالوادي، فكان عامر بن الطفيل أول من سبق على فرسه ~~الورد ففات القوم، وأعيا فرسه الورد، وهو المربوق أيضا فعقره لئلا تفتحله ~~فزارة، واقتتل الناس، ودام القتال بينهم، فانهزمت عامر فقتل منهم مقتلة ~~كبيرة، قتل فيها من أشرافهم البراء بن عامر بن مالك، وبه يكنى أبوه، وقتل ~~نهشل وأنس وهزار بنو مرة بن أنس بن خالد بن جعفر، وقتلوا عبد الله بن ~~الطفيل أخا عامر، قتله الربيع بن زياد العبسي، وغيرهم كثير، وتمت الهزيمة ~~على بني عامر. # PageV01P576 ### | [يوم الفرات] # قال أبو عبيدة: أغار المثنى بن حارثة الشيباني، وهو ابن أخت عمران بن ~~مرة، على بني تغلب، وهم عند الفرات، وذلك قبيل الإسلام، فظفر بهم فقتل من ~~أخذ من مقاتلتهم، وغرق منهم ناس كثير في الفرات، وأخذ أموالهم وقسمها بين ~~أصحابه، فقال شاعرهم في ذلك: # ومنا الذي غشى الدليكة سيفه ... على حين أن أعيا الفرات كتائبه # ومنا الذي شد الركي ليستقي ... ويسقي محضا غير ضاف جوانبه # ومنا غريب الشام لم ير مثله ... أفك لعان قد تناءى ms0428 أقاربه # الدليكة: فرس المثنى بن حارثة، والذي شد الركي مرة بن همام، وغريب الشام ~~ابن القلوص بن النعمان بن ثعلبة. ### | [يوم بارق] # قال المفضل الضبي: إن بني تغلب والنمر بن قاسط وناسا من تميم اقتتلوا حتى ~~نزلوا ناحية بارق، وهي من أرض السواد، وأرسلوا وفدا منهم إلى بكر بن وائل ~~يطلبون إليهم الصلح، فاجتمعت شيبان ومن معهم، وأرادوا قصد تغلب ومن معهم، ~~فقال زيد بن شريك الشيباني: إني قد أجرت أخوالي وهم النمر بن قاسط، فأمضوا ~~جواره وساروا وأوقعوا ببني تغلب وتميم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم تصب ~~تغلب بمثلها، واقتسموا الأسرى والأموال، وكان من أعظم الأيام عليهم، قتل ~~الرجال ونهب الأموال وسبي الحريم، فقال أبو كلبة الشيباني: # وليلة بسعادى لم تدع سندا ... لتغلبي ولا أنفا ولا حسبا # والنمريون لولا سر من ولدوا ... من آل مرة شاع الحي منتهبا # PageV01P577 ### | [يوم طخفة] # وهو لبني يربوع على عساكر النعمان بن المنذر. # قال أبو عبيدة: وكان سبب هذه الحرب أن الردافة، وهي بمنزلة الوزارة، وكان ~~الرديف يجلس عن يمين الملك، كانت لبني يربوع من تميم يتوارثونها صغيرا عن ~~كبير. فلما كان أيام النعمان، وقيل أيام ابنه المنذر، سألها حاجب بن زرارة ~~الدارمي التميمي النعمان أن يجعلها للحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن ~~مجاشع الدارمي التميمي، فقال النعمان لبني يربوع في هذا، وطلب منهم أن ~~يجيبوا إلى ذلك، فامتنعوا، وكان منزلهم أسفل طخفة، فحيث امتنعوا من ذلك بعث ~~إليهم النعمان قابوس ابنه وحسانا أخاه ابني المنذر، قابوس على الناس، وحسان ~~على المقدمة، وضم إليهما جيشا كثيفا، منهم الصنائع والوضائع وناس من تميم ~~وغيرهم، فساروا حتى أتوا طخفة فالتقوا هم ويربوع واقتتلوا، وصبرت يربوع ~~وانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق أبو عميرة فرس قابوس فعقره وأسره، وأراد ~~أن يجز ناصيته، فقال: إن الملوك لا تجز نواصيها، فأرسله. وأما حسان فأسره ~~بشر بن عمرو بن جوين فمن عليه وأرسله. فعاد المنهزمون إلى النعمان، وكان ~~شهاب بن قيس بن كياس اليربوعي عند الملك، فقال له: ms0429 يا شهاب أدرك ابني وأخي، ~~فإن أدركتهما حيين فلبني يربوع حكمهم وأرد عليهم رفادتهم، وأترك لهم من ~~قتلوا وما غنموا، وأعطيهم ألفي بعير. فسار شهاب فوجدهما حيين فأطلقهما، ~~ووفى الملك لبني يربوع بما قال، ولم يعرض لهم في رفادتهم. # وقال مالك بن نويرة: # ونحن عقرنا مهر قابوس بعدما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب # عليه دلاص ذات نسج وسيفه ... جراز من الهندي أبيض مقضب # PageV01P578 # طلبنا بها إنا مداريك نيلها إذا # طلب الشأو البعيد المغرب ### | [يوم النباج وثيتل] # قال أبو عبيدة: غزا قيس بن عاصم المنقري ثم التميمي بمقاعس، وهم بطون من ~~تميم، وهم صريم وربيع وعبيد بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد، وغزا معه ~~سلامة بن ظرب الحماني في الحارث، وهم بطون من تميم أيضا، وهم حمان وربيعة ~~ومالك والأعرج بنو كعب بن سعد، فغزوا بكر بن وائل، فوجدوا اللهازم، وهم بنو ~~قيس وتيم اللات أبناء ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ومعهم ~~بنو ذهل بن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بالنباج وثيتل، ~~وبينهما روحة، فأغار قيس على النباج، ومضى سلامة إلى ثيتل ليغير على من ~~بها. فلما بلغ قيس إلى النباج سقى خيله ثم أراق ما معهم من الماء وقال لمن ~~معه: قاتلوا فالموت بين أيديكم والفلاة من ورائكم، فأغار على من به من بكر ~~صبحا، فقاتلوهم قتالا شديدا، وانهزمت بكر وأصيب من غنائمهم ما لا يحد كثرة. ~~فلما فرغ قيس من النهب عاد مسرعا إلى سلامة ومن معه نحو ثيتل فأدركهم، ولم ~~يغز سلامة على من به، فأغار عليهم قيس أيضا، فقاتلوه وانهزموا، وأصاب من ~~الغنائم نحو ما أصاب بالنباج، وجاء سلامة فقال: أغرتم على من كان لي، ~~فتنازعوا حتى كاد الشر يقع بينهم، ثم اتفقوا على تسليم الغنائم إليه، ففي ~~ذلك يقول ربيعة بن طريف: # فلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا غز عزيز ومعقل # وأنت الذي حربت بكر بن وائل ... وقد عضلت منها النباج ms0430 وثيتل # PageV01P579 # وقال قرة بن زيد بن عاصم: # أنا ابن الذي شق المزاد وقد ... رأى بثيتل أحياء اللهازم حضرا # فصبحهم بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلا الأسنة مصدرا # سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا # على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا ... إذا الماء من أعطافهن تحدرا # فلم يرها الراؤون إلا فجاءة ... يثرن عجاجا كالدواخن أكدرا # وحمران أدته إلينا رماحنا ... فنازع غلا في ذراعيه أسمرا # (ثيتل: بالثاء المثلثة المفتوحة، والياء المسكنة المثناة من تحتها، ~~والتاء المثناة من فوقها) . ### | [يوم فلج] # قال أبو عبيدة: هذا يوم لبكر بن وائل على بني تميم. # وسببه أن جمعا من بكر ساروا إلى الصعاب فشتوا بها، فلما انقضى الربيع ~~انصرفوا فمروا بالدو فلقوا ناسا من بني تميم من بني عمرو وحنظلة، فأغاروا ~~على نعم كثير لهم ومضوا، وأتى بني عمرو وحنظلة الصريخ، فاستجاشوا لقومهم ~~فأقبلوا في آثار بكر بن وائل، فساروا يومين وليلتين حتى جهدهم السير ~~وانحدروا في بطن # PageV01P580 # فلج، وكانوا قد خلفوا رجلين على فرسين سابقين ربيئة ليخبراهم بخبرهم إن ~~ساروا إليهم. فلما وصلت تميم إلى الرجلين أجريا فرسيهما وسارا مجدين فأنذرا ~~قومهما، فأتاهم الصريخ بمسير تميم عند وصولهم إلى فلج، فضرب حنظلة بن يسار ~~العجلي قبته، ونزل فنزل الناس معه وتهيأوا للقتال معه، ولحقت بنو تميم ~~فقاتلتهم بكر بن وائل قتالا شديدا، وحمل عرفجة بن بحير العجلي على خالد بن ~~مالك بن سلمة التميمي فطعنه وأخذه أسيرا، وقتل في المعركة ربعي بن مالك بن ~~سلمة، فانهزمت تميم وبلغت بكر بن وائل منها ما أرادت، ثم إن عرفجة أطلق ~~خالد بن مالك وجز ناصيته، فقال خالد: # وجدنا الرفد رفد بني لجيم ... إذا ما قلت الأرفاد زادا # هم ضربوا القباب ببطن فلج ... وذادوا عن محارمهم ذيادا # وهم منوا علي وأطلقوني ... وقد طاوعت في الجنب القيادا # أليسوا خير من ركب المطايا ... وأعظمهم إذا اجتمعوا رمادا # أليس هم عماد الحي بكرا ... إذا نزلت مجللة شدادا # وقال قيس بن عاصم يعير خالدا: # لو كنت حرا ms0431 يا ابن سلمى بن جندل ... نهضت ولم تقصد لسلمى بن جندل # فما بال أصداء بفلج غريبة ... تنادي مع الأطلال: يا لابن حنظل # صوادي لا مولى عزيز يجيبها ... ولا أسرة تسقي صداها بمنهل # وغادرت ربعيا بفلج ملحبا ... وأقبلت في أولى الرعيل المعجل # توائل من خوف الردى لا وقيته ... كما نالت الكدراء من حين أجدل # يعيره حيث لم يأخذ بثأر أخيه ربعي ومن قتل معه يوم فلج، ويقول: إن ~~أصداءهم تنادي ولا يسقيها أحد، على مذهب الجاهلية، ولولا التطويل لشرحناه ~~أبين من هذا. # PageV01P581 ### | [يوم الشيطين] # قال أبو عبيدة: كان الشيطان لبكر بن وائل، فلما ظهر الإسلام في نجد سارت ~~بكر قبل السواد، وبقي مقايس بن عمرو العائذي بن عائذة من قريش حليف بني ~~شيبان بالشيطين. فلما أقامت بكر في السواد لحقهم الوباء والطاعون الذي كان ~~أيام كسرى شيرويه، فعادوا هاربين فنزلوا لعلع، وهي مجدبة، وقد أخصب ~~الشيطان، فسارت تميم فنزلوا بها. # وبلغت أخبار الشيطين إلى بكر فاجتمعوا وقالوا: نغير على تميم، فإن في دين ~~ابن عبد المطلب، يعنون النبي، أن من قتل نفسا قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم ~~نسلم عليها، فارتحلوا من لعلع بالذراري والأموال ورئيسهم بشر بن مسعود بن ~~قيس بن خالد، فأتوا الشيطين في أربع ليال، والذي بينهما مسيرة ثماني ليال، ~~فسبقوا كل خبر حتى صبحوهم وهم لا يشعرون فقاتلوهم قتالا شديدا وصبرت تميم ~~ثم انهزمت، فقال رشيد بن رميض العنبري يفخر بذلك: # وما كان بين الشيطين ... ولعلع لنسوتنا إلا مناقل أربع # فجئنا بجمع لم ير الناس مثله ... يكاد له ظهر الوريعة يظلع # بأرعن دهم تنسل البلق وسطه ... له عارض فيه المنية تلمع # PageV01P582 # صبحنا به سعدا وعمرا ومالكا # فظل لهم يوم من الشر أشنع ... وذا حسب من آل ضبة غادروا # بجري كما يجري الفصيل المفزع ... تقصع يربوع بسرة أرضنا # وليس ليربوع بها متقصع # ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى بكر بن وائل على ما بأيديهم. # (الشيطان: بالشين المعجمة، والياء المشددة المثناة من تحتها، وبالطاء ~~المهملة، آخره ms0432 نون) . ### | [أيام الأنصار وهم الأوس والخزرج التي جرت بينهم] # الأنصار لقب قبيلتي الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو ~~مزيقاء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ~~ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن ~~يشجب بن يعرب بن قحطان، لقبهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~هاجر إليهم ومنعوه ونصروه. # وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد، ولذلك يقال لهم أبناء ~~قيلة. وإنما لقب ثعلبة العنقاء لطول عنقه، ولقب عمرو مزيقياء لأنه كان يمزق ~~عنه كل يوم حلة لئلا يلبسها أحد بعده، ولقب عامر ماء السماء لسماحته وبذله ~~كأنه ناب مناب المطر، وقيل لشرفه، ولقب امرؤ القيس البطريق لأنه أول من ~~استعان به بنو إسرائيل من العرب بعد بلقيس، فبطرقه رحبعم بن سليمان بن ~~داود، عليه السلام، فقيل له البطريق. # وكانت مساكن الأزد بمأرب من اليمن إلى أن أخبر الكهان عمرو بن عامر ~~مزيقياء # PageV01P583 # أن سيل العرم يخرب بلادهم، ويغرق أكثر أهلها عقوبة لهم بتكذيبهم رسل الله ~~تعالى إليهم. فلما علم ذلك عمرو باع ما له من مال وعقار، وسار عن مأرب هو ~~ومن تبعه، ثم تفرقوا في البلاد فسكن كل بطن ناحية اختاروها، فسكنت خزاعة ~~الحجاز، وسكنت غسان الشام. # ولما سار ثعلبة بن عمرو بن عامر فيمن معه اجتازوا بالمدينة، وكانت تسمى ~~يثرب، فتخلف بها الأوس والخزرج ابنا حارثة فيمن معهما، وكان فيها قرى ~~وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل وغيرهم، منهم قريظة والنضير ~~وبنو قينقاع وبنو ماسلة وزعورا وغيرهم، وقد بنوا لهم حصونا يجتمعون بها إذا ~~خافوا. فنزل عليهم الأوس والخزرج فابتنوا المساكن والحصون، إلا أن الغلبة ~~والحكم لليهود إلى أن كان من الفطيون ومالك بن العجلان ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى، فعادت الغلبة للأوس والخزرج، ولم يزالوا على حال اتفاق واجتماع ~~إلى أن حدث بينهم ### | حرب سمير، # على ما نذكره إن ms0433 شاء الله تعالى. ### | [ذكر غلبة الأنصار على المدينة وضعف أمر اليهود بها وقتل الفطيون] # قد ذكرنا أن الاستيلاء كان لليهود على المدينة لما نزلها الأنصار، ولم ~~يزل الأمر كذلك إلى أن ملك عليهم الفطيون اليهودي، وهو من بني إسرائيل ثم ~~من بني ثعلبة، وكان رجل سوء فاجرا، وكانت اليهود تدين له بأن لا تزوج امرأة ~~منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها، وقيل: إنه كان يفعل ذلك بالأوس والخزرج ~~أيضا. ثم إن أختا لمالك بن العجلان السالمي الخزرجي تزوجت، فلما كان زفافها ~~خرجت عن مجلس قومها وفيه أخوها مالك وقد كشفت عن ساقيها. فقال لها مالك لقد ~~جئت بسوء. قالت: الذي يراد بي # PageV01P584 # الليلة أشد من هذا، أدخل على غير زوجي! ثم عادت فدخل عليها أخوها فقال ~~لها: هل عندك من خبر؟ قالت: نعم، فما عندك؟ قال: أدخل مع النساء فإذا خرجن ~~ودخل عليك قتلته. قالت: افعل. فلما ذهب بها النساء إلى الفطيون انطلق مالك ~~معهن في زي امرأة ومعه سيفه، فلما خرج النساء من عندها ودخل عليها الفطيون ~~قتله مالك وخرج هاربا، فقال بعضهم في ذلك من أبيات: # هل كان للفطيون عقر نسائكم ... حكم النصيب فبئس حكم الحاكم # حتى حباه مالك بمرشة ... حمراء تضحك عن نجيع قاتم # ثم خرج مالك بن العجلان هاربا حتى دخل الشام، فدخل على ملك من ملوك غسان ~~يقال له أبو جبيلة، واسمه عبيد بن سالم بن مالك بن سالم، وهو أحد بني غضب ~~بن جشم بن الخزرج، وكان قد ملكهم وشرف فيهم. # وقيل: إنه لم يكن ملكا وإنما كان عظيما عند ملك غسان، وهو الصحيح، لأن ~~ملوك غسان لم يعرف فيهم هذا، وهو أيضا من الخزرج على ما ذكر. # فلما دخل عليه مالك شكا إليه ما كان من الفطيون، وأخبره بقتله، وأنه لا ~~يقدر على الرجوع، فعاهد الله أبو جبيلة ألا يمس طيبا ولا يأتي النساء حتى ~~يذل اليهود، ويكون الأوس والخزرج أعز أهلها. # ثم سار من الشام في جمع كثير، وأظهر أنه يريد اليمن، ms0434 حتى قدم المدينة ~~فنزل بذي حرض، وأعلم الأوس والخزرج ما عزم عليه، ثم أرسل إلى وجوه اليهود ~~يستدعيهم إليه، وأظهر لهم أنه يريد الإحسان إليهم، فأتاه أشرافهم في حشمهم ~~وخاصتهم، فلما اجتمعوا ببابه أمر بهم فأدخلوا رجلا رجلا وقتلهم عن آخرهم. ~~فلما فعل ذلك بهم صارت الأوس والخزرج أعز أهل المدينة، فشاركوا اليهود في ~~النخل والدور، ومدح الرمق بن زيد الخزرجي أبا جبيلة بقصيدة، منها: # وأبو جبيلة خير من ... يمشي وأوفاهم يمينا # PageV01P585 # وأبرهم برا وأع # ملهم بهدي الصالحينا ... أبقت لنا الأيام وال # حرب المهمة تعترينا ... كبشا له قرن يع # ض حسامه الذكر السنينا # فقال أبو جبيلة: عسل طيب في وعاء سوء، وكان الرمق رجلا ضئيلا، فقال ~~الرمق: إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. ورجع أبو جبيلة إلى الشام. # (حرض: بضم الحاء والراء المهملتين، وآخره ضاد معجمة) . ### | [حرب سمير] # ولم يزل الأنصار على حال اتفاق واجتماع، وكان أول اختلاف وقع بينهم وحرب ~~كانت لهم حرب سمير. # وكان سببها أن رجلا من بني ثعلبة من سعد بن ذبيان يقال له كعب بن العجلان ~~نزل على مالك بن العجلان السالمي فحالفه وأقام معه. فخرج كعب يوما إلى سوق ~~بني قينقاع فرأى رجلا من غطفان معه فرس وهو يقول: ليأخذ هذا الفرس أعز أهل ~~يثرب. فقال رجل: فلان. وقال رجل آخر: أحيحة بن الجلاح الأوسي. وقال غيرهما: ~~فلان بن فلان اليهودي أفضل أهلها. فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن ~~العجلان. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكا أفضلكم؟ فغضب من ذلك رجل من ~~الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير وشتمه وافترقا، وبقي كعب ما شاء ~~الله. # ثم قصد سوقا لهم بقبا فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله. وأخبر مالك ~~بن العجلان بقتله، فأرسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله، فأرسلوا: إنا لا ~~ندري من قتله. وترددت الرسل بينهم، هو يطلب سميرا وهم ينكرون قتله، ثم ~~عرضوا عليه الدية فقبلها. وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم. فأبى ~~مالك ms0435 إلا أخذ دية كاملة، وامتنعوا من ذلك وقالوا: نعطي دية الحليف، وهي ~~النصف. ولج الأمر بينهم حتى آل إلى المحاربة، فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا وافترقوا. ودخل فيها سائر بطون الأنصار، ثم التقوا مرة أخرى ~~واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وكان الظفر يومئذ للأوس. # PageV01P586 # فلما افترقوا أرسلت الأوس إلى مالك يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر بن ~~حرام النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر. فأجابهم إلى ذلك، فأتوا ~~المنذر، فحكم بينهم المنذر بأن يدوا كعبا حليف مالك دية الصريح ثم يعودوا ~~إلى سنتهم القديمة، فرضوا بذلك وحملوا الدية وافترقوا، وقد شبت البغضاء في ~~نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم. ### | [ذكر حرب كعب بن عمرو المازني] # ثم إن بني جحجبا من الأوس وبني مازن بن النجار من الخزرج وقع بينهم حرب، ~~كان سببها أن كعب بن عمرو المازني تزوج امرأة من بني سالم فكان يختلف ~~إليها. فأمر أحيحة بن الجلاح سيد بني جحجبا جماعة، فرصدوه حتى ظفروا به ~~فقتلوه، فبلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو، فأمر قومه فاستعدوا للقتال، وأرسل إلى ~~بني جحجبا يؤذنهم بالحرب. فالتقوا بالرحابة فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ~~بنو جحجبا ومن معهم، وانهزم معهم أحيحة، فطلبه عاصم بن عمرو فأدركه وقد دخل ~~حصنه، فرماه بسهم فوقع في باب الحصن، فقتل عاصم أخا لأحيحة. فمكثوا بعد ذلك ~~ليالي، فبلغ أحيحة أن عاصما يتطلبه ليجد له غرة فيقتله، فقال أحيحة: # نبئت أنك جئت تس ... ري بين داري والقبابه # فلقد وجدت بجانب ال ... ضحيان شبانا مهابه # فتيان حرب في الحدي ... د وشامرين كأسد غابه # هم نكبوك عن الطري ... ق فبت تركب كل لابه # أعصيم لا تجزع فإ ... ن الحرب ليست بالدعابه # فأنا الذي صبحتكم ... بالقوم إذ دخلوا الرحابه # وقتلت كعبا قبلها ... وعلوت بالسيف الذؤابه # فأجابه عاصم: # أبلغ أحيحة إن عرض ... ت بداره عني جوابه # PageV01P587 # وأنا الذي أعجلته ... عن مقعد ألهى كلابه # ورميته سهما فأخ ... طأه وأغلق ثم بابه # في أبيات. # ثم إن أحيحة أجمع أن يبيت بني النجار وعنده سلمى بنت ms0436 عمرو بن زيد ~~النجارية، وهي أم عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رضيت، ~~فلما جنها الليل وقد سهر معها أحيحة فنام، فلما نام سارت إلى بني النجار ~~فأعلمتهم، ثم رجعت، فحذروا، وغدا أحيحة بقومه مع الفجر، فلقيهم بنو النجار ~~في السلاح فكان بينهم شيء من قتال، وانحاز أحيحة، وبلغه أن سلمى أخبرتهم ~~فضربها حتى كسر يدها وأطلقها وقال أبياتا، منها: # لعمر أبيك ما يغني مكاني ... من الحلفاء آكلة غفول # تؤوم لا تقلص مشمعلا ... مع الفتيان مضجعه ثقيل # تنزع للجليلة حيث كانت ... كما يعتاد لقحته الفصيل # وقد أعددت للحدثان حصنا ... لو أن المرء ينفعه العقول # جلاه القين ثمت لم تخنه ... مضاربه ولاطته فلول # فهل من كاهن آوى إليه ... إذا ما حان من آل نزول # يراهنني ويرهنني بنيه ... وأرهنه بني بما أقول # فما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل # وما تدري وإن أجمعت أمرا ... بأي الأرض يدركك المقيل # وما تدري وإن أنتجت سقبا ... لغيرك أم يكون لك الفصيل # وما إن إخوة كبروا وطابوا ... لباقية، وأمهم هبول # ستثكل أو يفارقها بنوها ... بموت أو يجيء لهم قتول # PageV01P588 ### | [ذكر الحرب بين بني عمرو بن عوف وبني الحارث وهو يوم السرارة] # ثم إن بني عمرو بن عوف من الأوس وبني الحارث من الخزرج كان بينهما حرب ~~شديدة. # وكان سببها أن رجلا من بني عمرو قتله رجل من بني الحارث، فغدا بنو عمرو ~~على القاتل فقتلوه غيلة، فاستكشف أهله فعلموا كيف قتل، فتهيأوا للقتال ~~وأرسلوا إلى بني عمرو بن عوف يؤذنونهم بالحرب، فالتقوا بالسرارة، وعلى ~~الأوس حضير بن سماك والد أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عبد الله بن سلول أبو ~~الحباب الذي كان رأس المنافقين. فاقتتلوا قتالا شديدا صبر بعضهم لبعض أربعة ~~أيام، ثم انصرفت الأوس إلى دورها ففخرت الخزرج بذلك. وقال حسان بن ثابت في ~~ذلك: # فدى لبني النجار أمي وخالتي ... غداة لقوهم بالمثقفة السمر # وصرم من الأحياء عمرو بن مالك ... إذا ما دعوا كانت لهم دعوة النصر # فوالله لا ms0437 أنسى حياتي بلاءهم ... غداة رموا عمرا بقاصمة الظهر # وقال حسان أيضا: # لعمر أبيك الخير بالحق ما نبا ... علي لساني في الخطوب ولا يدي # لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي # فلا الجهد ينسيني حيائي وعفتي ... ولا وقعات الدهر يفللن مبردي # أكثر أهلي من عيال سواهم ... وأطوي على الماء القراح المبرد # ومنها: # وإني لمنجاء المطي على الوجى ... وإني لنزال لما لم أعود # وإني لقوال لذي اللوث مرحبا ... وأهلا إذا ما ريع من كل مرصد # PageV01P589 # وإني ليدعوني الندى فأجيبه ... وأضرب بيض العارض المتوقد # فلا تعجلن يا قيس واربع فإنما ... قصاراك أن تلقى بكل مهند # حسام وأرماح بأيدي أعزة ... متى ترهم يا ابن الخطيم تلبد # أسود لدى الأشبال يحمي عرينها ... مداعيس بالخطي في كل مشهد # وهي أبيات كثيرة. فأجابه قيس بن الخطيم: # تروح عن الحسناء أم أنت مغتدي ... وكيف انطلاق عاشق لم يزود # تراءت لنا يوم الرحيل بمقلتي ... شريد بملتف من السدر مفرد # وجيد كجيد الريم حال يزينه ... على النحر ياقوت وفص زبرجد # كأن الثريا فوق ثغرة نحرها ... توقد في الظلماء أي توقد # ألا إن بين الشرعبي وراتج ... ضرابا كتجذيم السيال المصعد # لنا حائطان الموت أسفل منهما ... وجمع متى تصرخ بيثرب يصعد # ترى اللابة السوداء يحمر لونها ... ويسهل منها كل ربع وفدفد # فإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتد # لساء عمرا ثورا شقيا موعظا ... ألد كأن رأسه رأس أصيد # كثير المنى بالزاد لا صبر عنده ... إذا جاع يوما يشتكيه ضحى الغد # وذي شيمة عسراء خالف شيمتي ... فقلت له دعني ونفسك أرشد # فما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود # متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... فإن قدت بالحق الرواسي تنقد # إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تدخل من الباب تهتد # وهي طويلة. # PageV01P590 # وقال عبيد بن ناقد: # لمن الديار كأنهن المذهب ... بليت وغيرها الدهور تقلب # يقول فيها في ذكر الوقعة: # لكن فرار أبي الحباب بنفسه ... يوم السرارة سيء منه الأقرب # ولى وألقى يوم ms0438 ذلك درعه ... إذ قيل جاء الموت خلفك يطلب # نجاك منا بعدما قد أشرعت ... فيك الرماح، هناك شد المذهب # وهي طويلة أيضا. وأبو الحباب هو عبد الله بن سلول. ### | [حرب الحصين بن الأسلت] # ثم كانت حرب بين بني وائل بن زيد الأوسيين وبين بني مازن بن النجار ~~الخزرجيين. # وكان سببها أن الحصين بن الأسلت الأوسي الوائلي نازع رجلا من بني مازن، ~~فقتله الوائلي ثم انصرف إلى أهله، فتبعه نفر من بني مازن فقتلوه. فبلغ ذلك ~~أخاه أبا قيس بن الأسلت، فجمع قومه وأرسل إلى بني مازن يعلمهم أنه على ~~حربهم. فتهيأوا للقتال، ولم يتخلف من الأوس والخزرج أحد، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، وقتل أبو قيس بن الأسلت الذين ~~قتلوا أخاه ثم انهزمت الأوس، فلام وحوح بن الأسلت أخاه أبا قيس وقال: لا ~~يزال منهزم من الخزرج، فقال أبو قيس لأخيه، ويكنى أبا حصين: # أبلغ أبا حصن وبع ... ض القول عندي ذو كباره # أن ابن أم المرء لي ... س من الحديد ولا الحجاره # ماذا عليكم أن يكو ... ن لكم بها رحلا عماره # يحمي ذماركم وبع ... ض القوم لا يحمي ذماره # يبني لكم خيرا وبنيا ... ن الكريم له آثاره # في أبيات. # PageV01P591 ### | [حرب ربيع الظفري] # ثم كانت حرب بين بني ظفر من الأوس وبين بني مالك بن النجار من الخزرج. # وكان سببها أن ربيعا الظفري كان يمر في مال لرجل من بني النجار إلى ملك ~~له، فمنعه النجاري، فتنازعا، فقتله ربيع، فجمع قومهما فاقتتلوا قتالا شديدا ~~كان أشد قتال بينهم، فانهزمت بنو مالك بن النجار، فقال قيس بن الخطيم ~~الأوسي في ذلك: # أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شأنها # فإن تمس شطت بها دارها ... وباح لك اليوم هجرانها # فما روضة من رياض القطا ... كأن المصابيح حوذانها # بأحسن منها ولا نزهة ... ولوج تكشف أدجانها # وعمرة من سروات النسا ... ينفخ بالمسك أردانها # منها: # ونحن الفوارس يوم الربي ... ع قد علموا كيف أبدانها # جنونا لحرب وراء الصري ... خ حتى تقصد مرانها # تراهن ms0439 يخلجن خلج الدلا ... يبادر بالنزع أشطانها # وهي طويلة. # فأجابه حسان بن ثابت الخزرجي بقصيدة أولها: # لقد هاج نفسك أشجانها ... وغادرها اليوم أديانها # ومنها: # ويثرب تعلم أنا بها ... إذا التبس الحق ميزانها # ويثرب تعلم أنا بها ... إذا أقحط القطر نوآنها # PageV01P592 # ويثرب تعلم إذ حاربت ... بأنا لدى الحرب فرسانها # ويثرب تعلم أن النبي ... ت عند الهزاهز ذلانها # ومنها: # متى ترنا الأوس في بيضنا ... نهز القنا تخب نيرانها # وتعط القياد على رغمها ... وتنزل ملهام عقبانها # فلا تفخرن التمس ملجأ ... فقد عاود الأوس أديانها ### | [حرب فارع بسبب الغلام القضاعي] # ومن أيامهم يوم فارع. وسببه أن رجلا من بني النجار أصاب غلاما من قضاعة ~~ثم من بلي، وكان عم الغلام جارا لمعاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأوسي ~~والد سعد بن معاذ، فأتى الغلام عمه يزوره فقتله النجاري. فأرسل معاذ إلى ~~بني النجار: أن ادفعوا إلي دية جاري أو ابعثوا إلي بقاتله أرى فيه رأيي. ~~فأبوا أن يفعلوا. فقال رجل من بني عبد الأشهل: والله إن لم تفعلوا لا نقتل ~~به إلا عامر بن الإطنابة، وعامر من أشراف الخزرج، فبلغ ذلك عامرا فقال: # ألا من مبلغ الأكفاء عني ... وقد تهدى النصيحة للنصيح # فإنكم وما ترجون شطري ... من القول المزجى والصريح # سيندم بعضكم عجلا عليه ... وما أثر اللسان إلى الجروح # أبت لي عزتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإعطائي على المكروه مالي ... وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح # بذي شطب كلون الملح صاف ... ونفس لا تقر على القبيح # فقال الربيع بن أبي الحقيق اليهودي في عراض قول عامر بن الإطنابة: # PageV01P593 # ألا من مبلغ الأكفاء عني ... فلا ظلم لدي ولا افتراء # فلست بغائظ الأكفاء ظلما ... وعندي للملامات اجتزاء # فلم أر مثل من يدنو لخسف ... له في الأرض سير واستواء # وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا عناء # وبعض القول ليس له عناج ... كمحض الماء ليس له إناء # وبعض خلائق ms0440 الأقوام داء ... كداء الشح ليس له دواء # وبعض الداء ملتمس شفاء ... وداء النوك ليس له شفاء # يحب المرء أن يلقى نعيما ... ويأبى الله إلا ما يشاء # ومن يك عاقلا لم يلق بؤسا ... ينخ يوما بساحته القضاء # تعاوره بنات الدهر حتى ... تثلمه كما ثلم الإناء # وكل شدائد نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء # فقل للمتقي عرض المنايا ... توق فليس ينفعك اتقاء # فما يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد ينمي لدى الجود الثراء # وليس بنافع ذا البخل مال ... ولا مزر بصاحبه الحباء # غني النفس ما استغنى بشيء ... وفقر النفس ما عمرت شقاء # يود المرء ما تفد الليالي ... كأن فناءهن له فناء # فلما رأى معاذ بن النعمان امتناع بني النجار من الدية أو تسليم القاتل ~~إليه تهيأ للحرب، وتجهز هو وقومه واقتتلوا عند فارع، وهو أطم حسان بن ثابت، ~~واشتد القتال بينهم وعادوا إلى أحسن ما كانوا عليه، فقال عامر بن الإطنابة ~~في ذلك: # صرمت ظليمة خلتي ومراسلي ... وتباعدت ضنا بزاد الراحل # جهلا وما تدري ظليمة أنني ... قد أستقل بصرم غير الواصل # ذلل ركابي حيث شئت مشيعي ... أني أروع قطا المكان الغافل # PageV01P594 # أظليم ما يدريك ربة خلة # حسن ترغمها كظبي الحائل ... قد بت مالكها وشارب قهوة # درياقة رويت منها واغلي ... بيضاء صافية يرى من دونها # قعر الإناء يضيء وجه الناهل ... وسراب هاجرة قطعت إذا جرى # فوق الإكام بذات لون باذل ... أجد مراحلها كأن عفاءها # سقطان من كتفي ظليم جافل ... فلنأكلن بناجز من مالنا # ولنشربن بدين عام قابل ... إني من القوم الذين إذا انتدوا # بدأوا ببر الله ثم النائل ... المانعين من الخنا جيرانهم # والحاشدين على طعام النازل ... والخالطين غنيهم بفقيرهم # والباذلين عطاءهم للسائل ... والضاربين الكبش يبرق بيضه # ضرب المهند عن حياض الناهل ... والعاطفين على المصاف خيولهم # والملحقين رماحهم بالقاتل ... والمدركين عدوهم بذحولهم # والنازلين لضرب كل منازل ... والقائلين معا خذوا أقرانكم # إن المنية من وراء الوائل ... خزر عيونهم إلى أعدائهم # يمشون مشي الأسد تحت الوابل ... ليسوا بأنكاس ولا ميل إذا # ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل ... لا ms0441 يطبعون وهم على أحسابهم # يشفون بالأحلام داء الجاهل ... والقائلين فلا يعاب خطيبهم # يوم المقالة بالكلام الفاصل # وإنما أثبتنا هذه الأبيات وليس فيها ذكر الوقعة لجودتها وحسنها. ### | [حرب حاطب] # ثم كانت الوقعة المعروفة بحاطب. وهو حاطب بن قيس من بني أمية بن زيد بن ~~مالك بن عوف الأوسي، وبينها وبين حرب سمير نحو مائة سنة. وكان بينهما أيام ~~ذكرنا المشهور منها وتركنا ما ليس بمشهور. وحرب حاطب آخر وقعة كانت بينهم ~~إلا يوم بعاث حتى جاء الله بالإسلام. # PageV01P595 # وكان سبب هذه الحرب أن حاطبا كان رجلا شريفا سيدا فأتاه رجل من بني ثعلبة ~~بن سعد بن ذبيان فنزل عليه، ثم إنه غدا يوما إلى سوق بني قينقاع، فرآه يزيد ~~بن الحارث المعروف بابن فسحم، وهي أمه، وهو من بني الحارث بن الخزرج. فقال ~~يزيد لرجل يهودي: لك ردائي إن كسعت هذا التغلبي. فأخذ رداءه وكسعه كسعة ~~سمعها من بالسوق. فنادى التغلبي: يا آل حاطب كسع ضيفك وفضح! وأخبر حاطب ~~بذلك، فجاء إليه فسأله من كسعه، فأشار إلى اليهودي، فضربه حاطب بالسيف فلق ~~هامته، فأخبر ابن فسحم الخبر، وقيل له: قتل اليهودي، قتله حاطب، فأسرع خلف ~~حاطب فأدركه وقد دخل بيوت أهله، فلقي رجلا من بني معاوية فقتله. فثارت ~~الحرب بين الأوس والخزرج واحتشدوا واجتمعوا والتقوا على جسر ردم بني الحارث ~~بن الخزرج. وكان على الخزرج هؤلاء عمرو بن النعمان البياضي، وعلى الأوس ~~حضير بن سماك الأشهلي. وقد كان ذهب ذكر ما وقع بينهم من الحروب فيمن حولهم ~~من العرب، فسار إليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وخيار بن مالك ~~بن حماد الفزاري، فقدما المدينة وتحدثا مع الأوس والخزرج في الصلح، وضمنا ~~أن يتحملا كل ما يدعي بعضهم على بعض، فأبوا، ووقعت الحرب عند الجسر، وشهدها ~~عيينة وخيار. فشاهدا من قتالهم وشدتها ما أيسا معه من الإصلاح بينهم، فكان ~~الظفر يومئذ للخزرج. وهذا اليوم من أشهر أيامهم، وكان بعده عدة وقائع كلها ~~من حرب حاطب، فمنها: ### | [يوم الربيع] # ثم ms0442 التقت الأنصار بعد يوم الجسر بالربيع، وهو حائط في ناحية السفح، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كاد يفني بعضهم بعضا، فانهزمت الأوس وتبعها ~~الخزرج حتى بلغوا دورهم، وكانوا قبل ذلك إذا انهزمت إحدى الطائفتين فدخلت ~~دورهم كفت الأخرى عن اتباعهم. فلما تبع الخزرج الأوس إلى دورهم طلبت الأوس ~~الصلح، فامتنعت بنو النجار من الخزرج عن إجابتهم. فحصنت الأوس النساء ~~والذراري في الآطام، وهي الحصون، ثم كفت عنهم الخزرج، فقال صخر بن سليمان ~~البياضي: # ألا أبلغا عني سويد بن صامت ... ورهط سويد بلغا وابن الاسلت # بأنا قتلنا بالربيع سراتكم ... وأفلت مجروحا به كل مفلت # PageV01P596 # فلولا حقوق في العشيرة إنها # أدلت بحق واجب إن أدلت ... لنالهم منا كما كان نالهم # مقانب خيل أهلكت حين حلت # فأجابه سويد بن الصامت: # ألا أبلغا عني صخيرا رسالة ... فقد ذقت حرب الأوس فيها ابن الاسلت # قتلنا سراياكم بقتلى سراتنا ... وليس الذي ينجو إليكم بمفلت # ومنها: ### | [يوم البقيع] # ثم التقت الأوس والخزرج ببقيع الغرقد فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الظفر ~~يومئذ للأوس، فقال عبيد بن ناقد الأوسي: # لما رأيت بني عوف وجمعهم ... جاءوا وجمع بني النجار قد حفلوا # دعوت قومي وسهلت الطريق لهم ... إلى المكان الذي أصحابه حللوا # جادت بأنفسها من مالك عصب ... يوم اللقاء فما خافوا ولا فشلوا # وعاوروكم كؤوس الموت إذ برزوا ... شطر النهار وحتى أدبر الأصل # حتى استقاموا وقد طال المراس بهم ... فكلهم من دماء القوم قد نهلوا # تكشف البيض عن قتلى أولي رحم ... لولا المسالم والأرحام ما نقلوا # تقول كل فتاة غاب قيمها ... أكل من خلفنا من قومنا قتلوا # لقد قتلتم كريما ذا محافظة ... قد كان حالفه القينات والحلل # جزل نوافله حلو شمائله ... ريان واغله تشقى به الإبل # الواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون. # فأجابه عبد الله بن رواحة الحارثي الخزرجي: # لما رأيت بني عوف وإخوتهم ... كعبا وجمع بني النجار قد حفلوا # PageV01P597 # قدما أباحوا حماكم بالسيوف ولم # يفعل بكم أحد مثل الذي فعلوا # وكان رئيس الأوس يومئذ في حرب حاطب أبو قيس بن الأسلت ms0443 الوائلي، فقام في ~~حربهم وهجر الراحة، فشحب وتغير. وجاء يوما إلى امرأته فأنكرته حتى عرفته ~~بكلامه، فقالت: لقد أنكرتك حتى تكلمت! فقال: # قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا فقد أبلغت أسماعي # واستنكرت له لونا شاحبا ... والحرب غول ذات أوجاع # من يذق الحرب يجد طعمها ... مرا وتتركه بجعجاع # قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع # أسعى على جل بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساعي # أعددت للأعداء موضونة ... فضفاضة كالنهي بالقاع # أحفزها عني بذي رونق ... مهند كاللمع قطاع # صدق حسام وادق حده ... ومنحن أسمر قراع # وهي طويلة. ثم إن أبا قيس بن الأسلت جمع الأوس وقال لهم: ما كنت رئيس قوم ~~قط إلا هزموا، فرئسوا عليكم من أحببتم، فرأسوا عليهم حضير الكتائب بن ~~السماك الأشهلي، وهو والد أسيد بن حضير. لولده صحبة، وهو بدري، فصار حضير ~~يلي أمورهم في حروبهم، فالتقى الأوس والخزرج بمكان يقال له الغرس، فكان ~~الظفر للأوس، ثم تراسلوا في الصلح فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى فمن كان ~~عليه الفضل أعطي الدية، فأفضلت الأوس على الخزرج ثلاثة نفر، فدفعت الخزرج ~~ثلاثة غلمة منهم رهنا بالديات، فغدرت الأوس فقتلت الغلمان. ### | [يوم الفجار الأول للأنصار] # وليس بفجار كنانة وقيس. فلما قتلت الأوس الغلمان جمعت الخزرج وحشدوا ~~والتقوا بالحدائق، وعلى الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول، وعلى الأوس أبو ~~قيس بن الأسلت، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كاد بعضهم يفني بعضا. وسمي ذلك ~~اليوم يوم الفجار لغدرهم بالغلمان، # PageV01P598 # وهو الفجار الأول، فكان قيس بن الخطيم في حائط له، فانصرف فوافق قومه قد ~~برزوا للقتال، فعجز عن أخذ سلاحه إلا السيف ثم خرج معهم، فعظم مقامه يومئذ ~~وأبلى بلاء حسنا وجرح جراحة شديدة، فمكث حينا يتداوى منها، وأمر أن يحتمي ~~عن الماء، فلذلك يقول عبد الله بن رواحة: # رميناك أيام الفجار فلم تزل ... حميا فمن يشرب فلست بشارب ### | [يوم معبس ومضرس] # ثم التقوا عند معبس ومضرس، وهما جداران، فكانت الخزرج وراء مضرس، وكانت ~~الأوس وراء معبس، فأقاموا أياما يقتتلون قتالا ms0444 شديدا، ثم انهزمت الأوس حتى ~~دخلت البيوت والآطام، وكانت هزيمة قبيحة لم ينهزموا مثلها. ثم إن بني عمرو ~~بن عوف وبني أوس مناة من الأوس وادعوا الخزرج، فامتنع من الموادعة بنو عبد ~~الأشهل وبنو ظفر وغيرهم من الأوس وقالوا: لا نصالح حتى ندرك ثأرنا من ~~الخزرج. فألحت الخزرج عليهم بالأذى والغارة حين وادعهم بنو عمرو بن عوف ~~وأوس مناة، فعزمت الأوس إلا من ذكرنا على الانتقال من المدينة، فأغارت بنو ~~سلمة على مال لبني الأشهل يقال له الرعل، فقاتلوهم عليه، فجرح سعد بن معاذ ~~الأشهلي جراحة شديدة، واحتمله بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي، فأجاره ~~وأجار الرعل من الحريق وقطع الأشجار، فلما كان يوم بعاث جازاه سعد على ما ~~نذكره إن شاء الله. # ثم سارت الأوس إلى مكة لتحالف قريشا على الخزرج، وأظهروا أنهم يريدون ~~العمرة. وكانت عادتهم أنه إذا أراد أحدهم العمرة أو الحج لم يعرض إليه ~~خصمه، ويعلق المعتمر على بيته كرانيف النخل ففعلوا ذلك وساروا إلى مكة ~~فقدموها وحالفوا قريشا وأبو جهل غائب. فلما قدم أنكر ذلك وقال لقريش: أما ~~سمعتم قول الأول: ويل للأهل من النازل! إنهم لأهل عدد وجلد، ولقل ما نزل ~~قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلدهم وغلبوهم عليه. قالوا: فما المخرج من ~~حلفهم؟ قال: أنا أكفيكموهم، ثم خرج حتى جاء الأوس فقال: إنكم حالفتم قومي ~~وأنا غائب، فجئت لأحالفكم وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على رأس ~~أمركم. إنا قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة ~~فيضرب عجيزتها، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا ~~حالفناكم، وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا. فقالوا: لا نقر بهذا. وكانت ~~الأنصار بأسرها فيهم غيرة شديدة، فردوا إليهم حلفهم وساروا إلى بلادهم، ~~فقال حسان بن ثابت يفتخر بما أصاب قومه من الأوس: # PageV01P599 # ألا أبلغ أبا قيس رسولا ... إذا ألقى لها سمعا تبين # فلست لحاصن إن لم تزركم ... خلال الدار مسبلة طحون # يدين لها العزيز إذا رآها ... ويهرب ms0445 من مخافتها القطين # تشيب الناهد العذراء منها ... ويسقط من مخافتها الجنين # يطوف بكم من النجار أسد ... كأسد الغيل مسكنها العرين # يظل الليث فيها مستكينا ... له في كل ملتفت أنين # كأن بهاءها للناظريها ... من الأثلات والبيض الفتين # كأنهم من الماذي عليهم ... جمال حين يجتلدون جون # فقد لاقاك قبل بعاث قتل ... وبعد بعاث ذل مستكين # وهي طويلة أيضا. ### | [يوم الفجار الثاني للأنصار] # كانت الأوس قد طلبت من قريظة والنضير أن يحالفوهم على الخزرج، فبلغ ذلك ~~الخزرج فأرسلوا إليهم يؤذنونهم بالحرب، فقالت اليهود: إنا لا نريد ذلك ~~فأخذت الخزرج رهنهم على الوفاء، وهم أربعون غلاما من قريظة والنضير، ثم إن ~~يزيد بن فسحم شرب يوما فسكر فتغنى بشعر يذكر فيه ذلك: # هلم إلى الأحلاف إذ رق عظمهم ... وإذ أصلحوا مالا لجذمان ضائعا # إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة ... بعثنا عليهم من بني العير جادعا # فأما الصريخ منهم فتحملوا ... وأما اليهود فاتخذنا بضائعا # أخذنا من الأولى اليهود عصابة ... لغدرهم كانوا لدينا ودائعا # PageV01P600 # فذلوا لرهن عندنا في جبالنا # مصانعة يخشون منا القوارعا ... وذاك بأنا حين نلقى عدونا # نصول بضرب يترك العز خاشعا # فبلغ قوله قريظة والنضير فغضبوا. وقال كعب بن أسد: نحن كما قال إن لم ~~نغر، فخالف الأوس على الخزرج. فلما سمعت الخزرج بذلك قتلوا كل من عندهم من ~~الرهن من أولاد قريظة والنضير. فأطلقوا نفرا، منهم: سليم بن أسد القرظي جد ~~محمد بن كعب بن سليم. واجتمعت الأوس وقريظة والنضير على حرب الخزرج ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وسمي ذلك الفجار الثاني لقتل الغلمان من اليهود. # وقد قيل في قتل الغلمان غير هذا، وهو: إن عمرو بن النعمان البياضي ~~الخزرجي قال لقومه بني بياضة: إن أباكم أنزلكم منزلة سوء، والله لا يمس ~~رأسي ماء حتى أنزلكم منازل قريظة والنضير أو أقتل رهنهم! وكانت منازل قريظة ~~والنضير خير البقاع، فأرسل إلى قريظة والنضير: إما أن تخلوا بيننا وبين ~~دياركم، وإما أن نقتل الرهن. فهموا بأن يخرجوا من ديارهم، فقال لهم كعب بن ~~أسد القرظي: يا قوم ms0446 امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان، ما هي إلا ليلة يصيب ~~فيها أحدكم امرأة حتى يولد له مثل أحدهم. فأرسلوا إليهم: إنا لا ننتقل عن ~~ديارنا فانظروا في رهننا فعوا لنا. فعدا عمرو بن النعمان على رهنهم فقتلهم، ~~وخالفه عبد الله بن أبي بن سلول فقال: هذا بغي وإثم، ونهاه عن قتلهم وقتال ~~قومه من الأوس وقال له: كأني بك وقد حملت قتيلا في عباءة يحملك أربعة رجال. ~~فلم يقتل هو ومن أطاعه أحدا من الغلمان وأطلقوهم، ومنهم: سليم بن أسد جد ~~محمد بن كعب. وحالفت حينئذ قريظة والنضير والأوس على الخزرج، وجرى بينهم ~~قتال سمي ذلك اليوم يوم الفجار الثاني. وهذا القول أشبه بأن يسمى اليوم ~~فجارا، وأما على القول الأول فإنما قتلوا الرهن جزاء الغدر من اليهود فليس ~~بفجار من الخزرج إلا أن يسمى فجارا لغدر اليهود. ### | [يوم بعاث] # ثم إن قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على الموازرة والتناصر، ~~واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم، ودخل معهم قبائل من اليهود غير من ذكرنا. ~~فلما سمعت بذلك # PageV01P601 # الخزرج جمعت وحشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة، وراسلت الأوس حلفاءها ~~من مزينة، ومكثوا يوما يتجهزون للحرب، والتقوا ببعاث، وهي من أعمال قريظة، ~~وعلى الأوس حضير الكتائب بن سماك والد أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن ~~النعمان البياضي، وتخلف عبد الله بن أبي بن سلول فيمن تبعه عن الخزرج، ~~وتخلف بنو حارثة بن الحارث عن الأوس. فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا ~~وصبروا جميعا. # ثم إن الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزمين نحو العريض، فلما رأى حضير ~~هزيمتهم برك وطعن قدمه بسنان رمحه وصاح: وا عقراه كعقر الجمل! والله لا ~~أعود حتى أقتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا. فعطفوا عليه ~~وقاتل عنه غلمان من بني عبد الأشهل يقال لهما محمود ويزيد ابنا خليفة حتى ~~قتلا، وأقبل سهم لا يدرى من رمى به فأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس ~~الخزرج فقتله، فبينا عبد الله بن أبي بن سلول يتردد راكبا قريبا ms0447 من بعاث ~~يتجسس الأخبار إذ طلع عليه بعمرو بن النعمان قتيلا في عباءة يحمله أربعة ~~رجال، كما كان قال له. فلما رآه قال: ذق وبال البغي! وانهزمت الخزرج، ووضعت ~~فيهم الأوس السلاح، فصاح صائح: يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم ~~فجوارهم خير من جوار الثعالب! فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم. وإنما سلبهم قريظة ~~والنضير، وحملت الأوس حضيرا مجروحا فمات. وأحرقت الأوس دور الخزرج ونخيلهم، ~~فأجار سعد بن معاذ الأشهلي أموال بني سلمة ونخيلهم ودورهم جزاء بما فعلوا ~~له في الرعل، وقد تقدم ذكره، ونجى يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن ~~قيس بن شماس الخزرجي، أخذه فجز ناصيته وأطلقه، وهي اليد التي جازاه بها ~~ثابت في الإسلام يوم بني القريظة، وسنذكره. # وكان يوم البعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، ثم جاء الإسلام ~~واتفقت الكلمة، واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله، وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # وأكثرت الأنصار الأشعار يوم البعاث، فمن ذلك قول قيس بن الخطيم الظفري ~~الأوسي: # أتعرف رسما كالطراز المذهب ... لعمرة ركبا غير موقف راكب # PageV01P602 # ديار التي كانت ونحن على منى # تحل بنا لولا رجاء الركائب ... تبدت لنا كالشمس تحت غمامة # بدا حاجب منها وضنت بحاجب # ومنها: # وكنت امرأ لا أبعث الحرب ظالما ... فلما أبوا شعلتها كل جانب # أذنت بدفع الحرب حربا رأيتها ... عن الدفع لا تزداد غير تقارب # فلما رأيت الحرب تجردت ... لبست مع البردين ثوب المحارب # مضعفة يغشى الأنامل ريعها ... كأن قتيريها عيون الجنادب # ترى قصد المران تلقى كأنها ... تذرع خرصان بأيدي الشواطب # وسامحني ملكاهنين ومالك ... وثعلبة الأخيار رهط القباقب # رجال متى يدعوا إلى الحرب يسرعوا ... كمشي الجمال المشعلات المصاعب # إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب # صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب # ظأرناكم بالبيض حتى لأنتم ... أذل من السقبان بين الحلائب # يجردن بيضا كل يوم كريهة ... ويرجعن حمرا جارحات المضارب # لقيتكم يوم الحدائق حاسرا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب # ويوم بعاث أسلمتنا سيوفنا ... إلى حسب في جذم غسان ثاقب ms0448 # قتلناكم يوم الفجار وقبله ... ويوم بعاث كان يوم التغالب # أتت عصب للأوس تخطر بالقنا ... كمشي الأسود في رشاش الأهاضب # فأجابه عبد الله بن رواحة: # أشاقتك ليلى في الخليط المجانب ... نعم، فرشاش الدمع في الصدر غالب # PageV01P603 # بكت إثر من شطت نواه ولم يقم ... لحاجة مخزون شكا الحب ناصب # لدن غدوة حتى إذا الشمس عارضت ... أراحت له من لبه كل عازب # نحامي على أحسابنا بتلادنا ... لمفتقر أو سائل الحق واجب # وأعمى هدته للسبيل سيوفنا ... وخصم أقمنا بعدما ثج ثاعب # ومعترك ضنك يرى الموت وسطه ... مشينا له مشي الجمال المصاعب # برجل ترى الماذي فوق جلودهم ... وبيضا نقيا مثل لون الكواكب # وهم حسر لا في الدروع تخالهم ... أسودا متى تنشا الرماح تضارب # معاقلهم في كل يوم كريهة ... مع الصدق منسوب السيوف القواضب # وهي طويلة. # وليلى التي شبب بها ابن رواحة هي أخت قيس بن الخطيم. وعمرة التي شبب بها ~~ابن الخطيم هي أخت عبد الله بن رواحة، وهي أم النعمان بن بشير الأنصاري. # (بعاث: بضم الباء الموحدة، وبالعين المهملة، وقال صاحب كتاب العين وحده: ~~وهو بالغين المعجمة) . ### | [ذكر غلبة ثقيف على الطائف والحرب بين الأحلاف وبني مالك] # كانت أرض الطائف قديما لعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر. فلما كثر ~~بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن ~~قيس بن عيلان غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد. وكان بنو عامر يصيفون ~~بالطائف، ويشتون بأرضهم من نجد، وكانت ثقيف حول الطائف. وقد اختلف الناس ~~فيهم، فمنهم من جعلهم من إياد فقال: ثقيف اسمه قسي بن نبت بن منبه بن منصور ~~بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن معد، ومنهم من جعلهم # PageV01P604 # من هوازن فقال: هو قيس بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن ~~خصفة بن قيس بن عيلان. # فرأت ثقيف البلاد فأعجبهم نباتها وطيب ثمرها، فقالوا لبني عامر: إن هذه ~~الأرض لا تصلح للزرع، وإنما هي أرض ضرع، ms0449 ونراكم على أن آثرتم الماشية على ~~الغراس، ونحن أناس ليست لنا مواش، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع بغير ~~مؤونة؟ تدفعون إلينا بلادكم هذه فنثيرها ونغرسها ونحفر فيها الأطواء ولا ~~نكلفكم مؤونة. نحن نكفيكم المؤونة والعمل، فإذا كان وقت إدراك الثمر كان ~~لكم النصف كاملا، ولنا النصف بما عملنا. # فرغب بنو عامر في ذلك وسلموا إليهم الأرض، فنزلت ثقيف الطائف واقتسموا ~~البلاد وعملوا الأرض وزرعوها من الأعناب والثمار، ووفوا بما شرطوا لبني ~~عامر حينا من الدهر، وكان بنو عامر يمنعون ثقيفا ممن أرادهم من العرب. # فلما كثرت ثقيف وشرفت حصنت بلادها وبنوا أسوارا على الطائف وحصنوه، ~~ومنعوا عامرا مما كانوا يحملونه إليهم عن نصف الثمار. وأراد بنو عامر أخذه ~~منهم فلم يقدروا عليه فقاتلوهم فلم يظفروا، وكانت ثقيف بطنين: الأحلاف وبني ~~مالك، وكان للأحلاف في هذا أثر عظيم، ولم تزل تعتد بذلك على بني مالك ~~فأقاموا كذلك. # ثم إن الأحلاف أثروا وكثرت خيلهم، فحموا لها حمى من أرض بني نصر بن ~~معاوية بن بكر بن هوازن يقال له جلذان، فغضب من ذلك بنو نصر وقاتلوهم عليه، ~~ولجت الحرب بينهم. وكان رأس بني نصر عفيف بن عوف بن عباد النصري ثم ~~اليربوعي، ورأس الأحلاف مسعود بن قعنب. فلما لجت الحرب بين بني نصر ~~والأحلاف اغتنم ذلك بنو مالك ورئيسهم جندب بن عوف بن الحارث بن مالك بن ~~حطيط بن جشم من ثقيف لضغائن كانت بينهم وبين الأحلاف، فحالفوا بني يربوع ~~على الأحلاف. # فلما سمعت الأحلاف بذلك اجتمعوا. وكان أول قتال كان بين الأحلاف وبين بني ~~مالك وحلفائهم من بني نصر يوم الطائف، واقتتلوا قتالا شديدا، فانتصر ~~الأحلاف وأخرجوهم منه إلى واد من وراء الطائف يقال له لحب، وقتل من بني ~~مالك وبني يربوع مقتلة عظيمة في شعب من شعاب ذلك الجبل يقال له الأبان. ثم ~~اقتتلوا بعد ذلك أياما # PageV01P605 # مسميات، منهن يوم غمر ذي كندة، من نحو نخلة، ومنهن يوم كرونا من نحو ~~حلوان، وصاح عفيف بن عوف اليربوعي في ذلك ms0450 اليوم صيحة يزعمون أن سبعين حبلى ~~منهم ألقت ما في بطنها، فاقتتلوا أشد قتال ثم افترقوا. فسارت بنو مالك ~~تبتغي الحلف من دوس وخثعم وغيرها على الأحلاف، وخرجت الأحلاف إلى المدينة ~~تبتغي الحلف من الأنصار على بني مالك، فقدم مسعود بن معتب على أحيحة بن ~~الجلاح أحد بني عمرو بن عوف من الأوس، وكان أشرف الأنصار في زمانه، فطلب ~~منه الحلف، فقال له أحيحة: والله ما خرج رجل من قومه إلى قوم قط بحلف أو ~~غيره إلا أقر لأولئك القوم بشر مما أنف منه من قومه، فقال له مسعود: إني ~~أخوك، وكان صديقا له، فقال: أخوك الذي تركته وراءك فارجع إليه، فانصرف عنه ~~وزوده بسلاح وزاد، وأعطاه غلاما كان يبني الآطام، يعني الحصون، بالمدينة، ~~فبنى لمسعود بن متعب أطما فكان أول أطم يبنى بالطائف، ثم بنيت الآطام بعده ~~بالطائف، ولم يكن بعد ذلك بينهم حرب تذكر. # وقالوا في حربهم أشعارا كثيرة، فمن ذلك قول محبر، وهو ربيعة بن سفيان أحد ~~بني عوف بن عقدة من الأحلاف: # وما كنت ممن أرث الشر بينهم ... ولكن مسعودا جناها وجندبا # قريعي ثقيف أنشبا الشر بينهم ... فلم يك عنها منزع حين أنشبا # عناقا ضروسا بين عوف ومالك ... شديدا لظاها تترك الطفل أشيبا # مضرمة شبا أشبا وقودها ... بأيديهما ما أورياها وأثقبا # أصابت براء من طوائف مالك ... وعوف بما جرا عليها وأجلبا # كجمثورة جاءوا تخطوا مآبنا ... إليهم وتدعو في اللقاء معتبا # وتدعو بني عوف بن عقدة في الوغى ... وتدعو علاجا والحليف المطيبا # حبيبا وحيا من رباب كتائبا ... وسعدا إذا الداعي إلى الموت ثوبا # وقوما بمكروثاء شنت معتب ... بغارتها فكان يوما عصبصبا # PageV01P606 # فأسقط أحبال النساء بصوته # عفيف إذا نادى بنصر فطربا # (عفيف هذا بضم العين وفتح الفاء) . # PageV01P607 ### | [نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده] # واسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد، وقد تقدم ذكر ولادته في ملك ~~كسرى أنوشروان، وهو محمد بن عبد الله، ويكنى عبد الله أبا قثم، وقيل: أبا ~~محمد، ms0451 وقيل: أبا أحمد بن عبد المطلب. # وكان عبد الله أصغر ولد أبيه، فكان هو - عبد الله - وأبو طالب - واسمه ~~عبد مناف - والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وأميمة، وبرة ولد عبد المطلب، ~~أمهم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة. # وكان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العنت في حفر زمزم، كما نذكره، لئن ~~ولد له عشرة نفر وبلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة له تعالى. ~~فلما بلغوا عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه وقالوا: كيف ~~نصنع؟ قال يأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه. ففعلوا وأتوه بالقداح، ~~فدخلوا على هبل في جوف الكعبة، وكان أعظم أصنامهم، وهو على بئر يجمع فيه ما ~~يهدى إلى الكعبة. # وكان عند هبل سبعة أقدح، في كل قدح كتاب، فقدح فيه العقل إذا اختلفوا # PageV01P608 # في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه " نعم " للأمر، ~~إذا أرادوه يضرب به، فإن خرج " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا "، فإذا ~~أرادوا أمرا ضربوا به، فإذا خرج " لا " لم يعملوا ذلك الأمر، وقدح فيه " ~~منكم "، وقدح فيه " ملصق "، وقدح فيه " من غيركم "، وقدح فيه " المياه ". ~~إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيث ما خرج ~~عملوا به. # وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا جارية، أو يدفنوا ميتا، أو ~~شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوه صاحب القداح ~~الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا ~~هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب ~~القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه " منكم " كان وسيطا، وإن خرج عليه " من ~~غيركم " كان حليفا، وإن خرج عليه " ملصق " كان على منزلته منهم، لا نسب له ~~ولا حلف، وإن خرج عليه شيء سوى هذا مما يعملون به، فإن خرج " نعم " عملوا ~~به، وإن خرج " لا " أخروه عامهم ذلك، حتى يأتوه ms0452 به مرة أخرى، ينتهون في ~~أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. # وقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني بقداحهم هذه. وأخبره بنذره ~~الذي نذر، وكان عبد الله أصغر بني أبيه وأحبهم إليه. فلما أخذ صاحب القداح ~~يضرب قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج قدح على ~~عبد الله. فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى إساف ونائلة، وهما الصنمان ~~اللذان ينحر الناس عندهما. فقامت قريش من أنديتها فقالوا: ما تريد؟ قال: ~~أذبحه، فقالت قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا ~~لا يزال الرجل منا يأتي بابنه حتى يذبحه. فقال له المغيرة بن عبد الله بن ~~عمرو بن محزوم: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا ~~فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها فإن ~~أمرتك بذبحه ذبحته، فإن أمرتك بما لك وله فيه فرج قبلته. # PageV01P609 # فانطلقوا إليها، وهي بخيبر، فقص عليها عبد المطلب خبره، فقالت: ارجعوا ~~اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها. ثم غدوا عليها فقالت: نعم، قد ~~جاءني الخبر، فكم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل، وكانت كذلك. قالت: ~~ارجعوا إلى بلادكم وقربوا عشرا من الإبل، واضربوا عليها وعليه بالقداح فإن ~~خرج على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم. وإن خرجت على الإبل فانحروها ~~فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم. # فخرجوا حتى أتوا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم ~~قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت القداح على عبد الله، فزادوا عشرا، ~~فخرجت القداح على عبد الله. فما برحوا يزيدون عشرا وتخرج القداح على عبد ~~الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل. # فقال من حضر: قد رضي ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى ~~أضرب ثلاث مرات. فضربوا ثلاثا، فخرجت القداح على الإبل، فنحرت ثم تركت لا ~~يصد عنها إنسان ولا سبع. # وأما تزويج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة ms0453 ابنة وهب أم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فإنه لما فرغ عبد المطلب من الإبل انصرف بابنه عبد الله ~~وهو آخذ بيده، فمر على أم قتال ابنة نوفل بن أسد أخت ورقة بن نوفل، وهي عند ~~البيت، فقالت له حين نظرت إليه وإلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع ~~أبي. قالت: لك عندي مثل الذي نحر عنك أبوك من الإبل وقع علي الآن. قال: إن ~~معي أبي لا أستطيع خلافه ولا فراقه. # فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو سيد بني ~~زهرة، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد ~~الدار بن قصي، وبرة لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب لبرة ~~بنت عوف بن عبيد بن عدي بن كعب # فدخل عبد الله عليها حين ملكها مكانها، فوقع عليها فحملت بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم # PageV01P610 # خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه نفسها بالأمس فقال لها: ما ~~لك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان ~~معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة. # وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني ~~إسماعيل. # وقيل: إن عبد المطلب خرج بابنه عبد الله ليزوجه، فمر به على كاهنة من ~~خثعم يقال لها فاطمة بنت مر، متهودة من أهل تبالة، فرأت في وجهه نورا وقالت ~~له: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فقال لها: أما ~~الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه # فكيف بالأمر الذي تبغينه # ثم قال لها: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه. فمضى فزوجه آمنة بنت وهب بن ~~عبد مناف بن زهرة. فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف، فمر بالخثعمية فدعته نفسه ~~إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت؟ فقالت: يا فتى ما أنا ~~بصاحبة ريبة، ms0454 ولكني رأيت في وجهك نورا يكون لي، فأبى الله إلا أن يجعله حيث ~~أراد، فما صنعت بعدي؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب. قالت فاطمة بنت مر: # إني رأيت مخيلة لمعت ... فتلألأت بحناتم القطر # فلمأتها نورا يضيء له ... ما حوله كإضاءة البدر # PageV01P611 # فرجوته فخرا أبوء به # ما كل قادح زنده يوري ... لله ما زهرية سلبت ثوبيك # ما استلبت وما تدري # وقالت أيضا في ذلك: # بني هاشم قد غادرت من ... أخيكم أمينة إذ للباه تعتركان # كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان # فما كل ما يحوي الفتى من ... تلاده لعزم ولا ما فاته لتوان # فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان # سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان # ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثان # وقيل: إن الذي اجتاز بها غير هذا، والله أعلم. # PageV01P612 # قال الزهري: أرسل عبد المطلب ابنه عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا ~~فمات بالمدينة. # وقيل: بل كان في الشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي ~~بها، ودفن في دار النابغة الجعدي، وله خمس وعشرون سنة، وقيل: ثمان وعشرون ~~سنة، وتوفي قبل أن يولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم # (عايذ بن عمران: بالذال المعجمة، والياء تحتها نقطتان. وعبيد: بفتح ~~العين، وكسر الباء الموحدة. وعويج: بفتح العين، وكسر الواو، وآخره جيم) ### | [ابن عبد المطلب] # واسمه شيبة، سمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة، وأمه سلمى بنت عمرو ~~بن زيد الخزرجية النجارية، ويكنى أبا الحارث، وإنما قيل له عبد المطلب لأن ~~أباه هاشما شخص في تجارة إلى الشام، فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد ~~الخزرجي من بني النجار، فرأى ابنته سلمى فأعجبته فتزوجها. # وشرط أبوها أن لا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهه وعاد من ~~الشام، فبنى بها في أهلها، ثم حملها إلى مكة فحملت. فلما أثقلت ردها إلى ~~أهلها، ومضى إلى الشام فمات بغزة. # فولدت له سلمى ms0455 عبد المطلب، فمكث بالمدينة سبع سنين. ثم إن رجلا من بني ~~الحارث بن عبد مناف مر بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا أصاب ~~قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: ~~أنا ابن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثي مكة قال للمطلب، وهو بالحجر: ~~يا أبا الحارث تعلم أني وجدت غلمانا بيثرب وفيهم ابن أخيك، ولا يحسن ترك ~~مثله. فقال المطلب: لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به. فأعطاه الحارثي ناقة ~~فركبها، وقدم المدينة عشاء فرأى غلمانا يضربون كرة، فعرف ابن أخيه فسأل عنه ~~فأخبر به، فأخذه وأركبه على عجز الناقة. # PageV01P613 # وقيل: بل أخذه بإذن أمه، وسار إلى مكة فقدمها ضحوة والناس في مجالسهم ~~فجعلوا يقولون له: من هذا وراءك؟ فيقول: هذا عبدي. حتى أدخله منزله على ~~امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم. # فقالت: من هذا الذي معك؟ قال: عبد لي. واشترى له حلة فلبسها، ثم خرج به ~~العشي فجلس إلى مجلس بني عبد مناف فأعلمهم أنه ابن أخيه، فكان بعد ذلك يطوف ~~بمكة فيقال: هذا عبد المطلب، لقوله هذا عبدي. # ثم أوقفه المطلب على ملك أبيه فسلمه إليه. فعرض له نوفل بن عبد مناف، وهو ~~عمه الآخر، بعد موت المطلب، في ركح له، وهو الفناء فأخذه، فمشى عبد المطلب ~~إلى رجالات قريش وسألهم النصرة على عمه، فقالوا له، ما ندخل بينك وبين عمك. ~~فكتب إلى أخواله من بني النجار يصف لهم حاله، فخرج أبو سعد بن عدس النجاري ~~في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح، فخرج عبد المطلب يتلقاه، فقال له: المنزل ~~يا خال! قال: حتى ألقى نوفلا. وأقبل حتى وقف على رأسه في الحجر مع مشايخ ~~قريش، فسل سيفه ثم قال: ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن ~~منك السيف! قال: فإني ورب هذه البنية أرد عليه ركحه، فأشهد عليه من حضر ثم ~~قال لعبد المطلب: المنزل يا ابن أخي. فأقام عنده ثلاثا، فاعتمروا وانصرفوا. # فدعا ذلك عبد ms0456 المطلب إلى الحلف، فدعا بشر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا ~~من رجالات خزاعة فحالفهم في الكعبة وكتبوا كتابا. # وكان إلى عبد المطلب السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه. ثم إنه ~~حفر زمزم، وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم، عليه السلام، التي أسقاه الله تعالى ~~منها، فدفنتها جرهم، وقد تقدم ذكر ذلك. # PageV01P614 ### | [سبب حفر بئر زمزم] # وكان سبب حفره إياها أنه قال: بينا أنا نائم بالحجر إذ أتاني آت فقال: ~~احفر طيبة. قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب فرجعت الغد إلى مضجعي فنمت ~~فيه، فجاءني فقال: احفر برة. قال: قلت: وما برة؟ قال: ثم ذهب عني، قال: ~~فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة. قال: ~~قلت: وما المضنونة؟ قال فذهب عني، فجاءني فقال: احفر زمزم، إنك إن حفرتها ~~لا تندم. فقلت. وما زمزم؟ قال: تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، ~~تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، يكون ~~ميراثا وعقدا محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة ~~الغراب الأعصم، عند قرية النمل. # فلما بين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ~~ابنه الحارث ليس له ولد غيره، فحفر بين إساف ونائلة في الموضع الذي تنحر ~~فيه قريش لأصنامها، وقد رأى الغراب ينقر هناك. فلما بدا له الطوي كبر، ~~فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: بئر أبينا إسماعيل، وإن ~~لنا فيها حقا فأشركنا معك. قال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم، ~~قالوا: فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من ~~شئتم. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، وكانت بمشارف الشام. # PageV01P615 # فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش ~~نفر، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام في ماء عبد المطلب ~~وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فطلبوا الماء ممن معهم من ms0457 قريش فلم ~~يسقوهم. فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: رأينا تبع لرأيك فمرنا بما شئت. ~~قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه حفرة، فكلما مات واحد واراه ~~أصحابه حتى يكون آخركم موتا وقد وارى الجميع، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ~~ركب. قالوا: نعم ما رأيت. ففعلوا ما أمرهم به. # ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا ~~نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز. فارتحلوا ومن معه من قبائل قريش ينظرون ~~إليهم، ثم ركب عبد المطلب، فلما انبعثت به راحلته انفجرت من تحت خفها عين ~~عذبة من ماء، فكبر وكبر أصحابه وشربوا وملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من ~~قريش فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله. فقال أصحابه: لا نسقيهم لأنهم ~~لم يسقونا. فلم يسمع منهم وقال: فنحن إذا مثلهم! فجاء أولئك القرشيون ~~وملأوا أسقيتهم وقالوا: قد والله قضى الله لك علينا يا عبد المطلب، والله ~~لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك ~~زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. # فرجعوا إليه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. # فلما فرغ من حفرها وجد الغزالين اللذين دفنتهما جرهم فيها، وهما من ذهب، ~~ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في ~~هذا شرك وحق. قال: لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها ~~بالقداح. فقالوا: فكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولكم قدحين، ولي ~~قدحين، فمن خرج قداحه على شيء أخذه، ومن تخلف قداحه فلا شيء له. قالوا: ~~أنصفت. ففعلوا ذلك وضربت القداح عند هبل، فخرج قدحا الكعبة على الغزالين، ~~وخرج قدحا عبد المطلب على الأسياف والأدراع، ولم يخرج لقريش شيء من القداح. ~~فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وجعل فيه الغزالين صفائح من ذهب، ~~فكان أول ذهب حليت به الكعبة. # PageV01P616 # وقيل: بل بقيا في الكعبة وسرقا، على ما نذكره. # وأقبل الناس والحجاج على بئر زمزم تبركا بها ورغبة فيها، وأعرضوا ms0458 عما ~~سواها من الآبار. # ولما رأى عبد المطلب تظاهر قريش عليه نذر لله تعالى: إن يرزقه عشرة من ~~الولدان يبلغون أن يمنعوه ويذبوا عنه نحر أحدهم قربانا لله تعالى. # وقد ذكر النذر في اسم عبد الله أبي النبي - صلى الله عليه وسلم. # وعبد المطلب أول من خضب بالوسمة، وهو السواد، لأن الشيب أسرع إليه. ### | [عبد المطلب وجاره اليهودي] # وكان لعبد المطلب جار يهودي يقال له أذينة يتجر وله مال كثير، فغاظ ذلك ~~حرب بن أمية، وكان نديم عبد المطلب، فأغرى به فتيانا من قريش ليقتلوه ~~ويأخذوا ماله، فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار وصخر بن عمرو بن كعب ~~التيمي جد أبي بكر - رضي الله عنه - لم يعرف عبد المطلب قاتليه، فلم يزل ~~يبحث حتى عرفهما، وإذا هما قد استجارا بحرب بن أمية، فأتى حربا ولامه ~~وطلبهما منه. فأخفاهما، فتغالظا في القول حتى تنافرا إلى النجاشي ملك ~~الحبشة، فلم يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى العدوي جد عمر بن ~~الخطاب. فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأوسم منك ~~وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك ملامة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، ~~وأطول منك مددا، وإني لأقول هذا وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، ~~جلد المريره، تحبك العشيره، ولكنك نافرت منفرا، فغضب حرب # PageV01P617 # وقال: من انتكاس الزمان أن جعلت حكما. فترك عبد المطلب منادمة حرب ونادم ~~عبد الله بن جدعان التيمي، وأخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عم ~~اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئا هلك فعزمه من ماله. # وهو أول من تحنث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين ~~جميع الشهر. # وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وكان قد عمي. وقيل غير ذلك. ### | [ابن هاشم] # واسم هاشم عمرو، وكنيته أبو نضلة، وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم ~~الثريد لقومه بمكة وأطعمه. # قال ابن الكلبي: كان هاشم أكبر ولد عبد مناف، والمطلب أصغرهم، أمه عاتكة ~~بنت مرة السلمية، ms0459 ونوفل، وأمه واقدة، وعبد شمس، فسادوا كلهم، وكان يقال لهم ~~المجبرون. وهم أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم ~~حبلا من الروم وغسان بالشام، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي بالحبشة، ~~وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة بالعراق، وأخذ لهم المطلب حبلا من حمير # PageV01P618 # باليمن، فاختلفت قريش بهذا السبب إلى هذه النواحي، فجبر الله بهم قريشا. # وقيل: إن عبد شمس وهاشما توأمان، وإن أحدهما ولد قبل الآخر وإصبع له ~~ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت، فسال الدم، فقيل يكون بينهما دم. # وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة، فحسده ~~أمية بن عبد شمس على رياسته ولإطعامه، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، ~~فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك ~~لسنه وقدره، فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة والجلاء عن مكة عشر ~~سنين، فرضي أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جد عمرو بن الحمق، ~~ومنزله بعسفان. # وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية، فقال ~~الكاهن: " والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من ~~طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، ~~أول منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر ". فقضى لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم ~~الإبل فنحرها وأطعمها، وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين. فكانت هذه أول ~~عداوة وقعت بين هاشم وأمية. # وكان يقال لهاشم والمطلب البدران لجمالهما. # ومات هاشم بغزة وله عشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة. # PageV01P619 # وهو أول من مات من بني عبد مناف ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد. ثم ~~مات، نوفل بسلمان من طريق العراق. ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت ~~الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب لصغر ابنه عبد المطلب بن هاشم. ### | [ابن عبد مناف] # واسمه المغيرة، وكنيته أبو عبد شمس، وكان يقال له القمر لجماله، وكانت ~~أمه حين ولدته دفعته إلى ms0460 مناف، صنم بمكة، تدينا بذلك، فغلب عليه عبد مناف. # وكان عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار بنو قصي إخوة، أمهم حبى ابنة حليل ~~بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة، وهو الذي عقد الحلف بين قريش ~~والأحابيش، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وبنو المصطلق من ~~خزاعة، وبنو الهون من خزيمة. # وكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين فسميت ابنين بإلهي وهما: عبد مناف، ~~وعبد العزى، وواحدا بداري وهو: عبد الدار، وواحدا بي، وهو عبد قصي. # (حليل: بضم الحاء المهملة، وفتح اللام الأولى. وحبشية: بضم الحاء) . ### | [ابن قصي] # واسمه زيد، وكنيته أبو المغيرة، وإنما قيل له قصي لأن ربيعة بن حرام بن ~~ضنة بن # PageV01P620 # عبد كبير بن عذرة بن سعد بن زيد تزوج أمه فاطمة ابنة سعد بن سيل، واسمه ~~جبر بن جمالة بن عوف، وهي أيضا أم أخيه زهرة، ونقلها إلى بلاد عذرة من ~~مشارف الشام، وحملت معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه لكبره، فولدت أمه ~~فاطمة لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فهو أخي قصي لأمه. # وكان لربيعة ثلاثة نفر من امرأة أخرى، وهم حن بن ربيعة ومحمود وجلهمة. # وقيل: إن حنا كان أخا قصي لأمه. فشب زيد في حجر ربيعة، فسمي قصيا لبعده ~~عن دار قومه، وكان قصي ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر، وكان بينه وبين رجل من ~~قضاعة شيء، فعيره القضاعي بالغربة، فرجع قصي إلى أمه وسألها عما قال، فقالت ~~له: يا بني أنت أكرم منه نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرة وقومك بمكة عند ~~البيت الحرام. # فصبر حتى دخل الشهر الحرام، وخرج مع حاج قضاعة، حتى قدم مكة وأقام مع ~~أخيه زهرة، ثم خطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى، فزوجه، وحليل ~~يومئذ يلي الكعبة. فولدت أولاده: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد ~~قصي، وكثر ماله وعظم شرفه. # وهلك حليل وأوصى بولاية البيت لابنته حبى، فقالت: إني لا أقدر على فتح ~~الباب وإغلاقه، فجعل فتح ms0461 الباب وإغلاقه إلى ابنه المحترش، وهو أبو غبشان. ~~فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وبعود، فضربت به العرب المثل فقالت: " ~~أخسر صفقة من أبي غبشان ". # فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه رزاحا، فحضر هو وإخوته ~~الثلاثة فيمن تبعه من قضاعة إلى نصرته، ومع قصي قومه بنو النضر، وتهيأ لحرب ~~خزاعة وبني بكر، وخرجت إليهم خزاعة فاقتتلوا قتالا شديدا، فكثرت القتلى في ~~الفريقين والجراح، ثم تداعوا إلى الصلح على أن يحكموا بينهم عمرو بن عوف بن ~~كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالبيت ~~ومكة من # PageV01P621 # خزاعة، وأن كل دم أصابه من خزاعة وبني بكرة موضوع فيشدخه تحت قدميه، وأن ~~كل دم أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة ففي ذلك الدية مؤداة، فسمي ~~بعمرو الشداخ بما شدخ من الدماء وما وضع منها. فولي قصي البيت وأمر مكة. # وقيل: إن حليل بن حبشية أوصى قصيا بذلك وقال: أنت أحق بولاية البيت من ~~خزاعة. فجمع قومه وأرسل إلى أخيه يستنصره، فحضر في قضاعة في الموسم، وخرجوا ~~إلى عرفات، وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصي مجمع على حربهم، وإنما ينتظر ~~فراغ الناس من حجهم. # فلما نزلوا منى ولم يبق إلا الصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفات ~~وتجيزهم إذا تفرقوا من منى، إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من ~~صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي، فإذا فرغوا من منى أخذت صوفة بناحيتي ~~العقبة وحبسوا الناس، فقالوا: " أجيزي صوفة "، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي ~~سبيل الناس فانطلقوا بعدهم. فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، ~~قد عرفت لها العرب ذلك، فهو دين في أنفسهم، فأتاهم قصي ومن معه من قومه ومن ~~قضاعة فمنعهم وقال: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه وقاتلهم قتالا شديدا، ~~فانهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم، وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو ~~بكر وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة. فلما انحازوا عنه بادأهم ms0462 فقاتلهم، ~~فكثر القتل في الفريقين وأجلى خزاعة عن البيت، وجمع قصي قومه إلى مكة من ~~الشعاب والأودية والجبال، فسمي مجمعا، ونزل بني بغيض بن عامر بن لؤي وبني ~~تيم الأدرم بن غالب بن فهر وبني محارب بن فهر وبني الحارث بن فهر، إلا بني ~~هلال بن أهيب رهط أبي عبيدة بن الجراح وإلا رهط عياض بن غنم، بظواهر مكة، ~~فسموا قريش الظواهر، وتسمى سائر بطون قريش قريش البطاح، وكانت قريش الظواهر ~~تغير وتغزو، وتسمى قريش البطاح الضب للزومها الحرم. # PageV01P622 # فلما ترك قصي قريشا بمكة وما حولها ملكوه عليهم. فكان أول ولد كعب بن لؤي ~~أصاب ملكا أطاعه به قومه، وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة ~~واللواء، فحاز شرف قريش كله، وقسم مكة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن ~~واستأذنوه في قطع الشجر، فمنعهم، فبنوا والشجر في منازلهم، ثم إنهم قطعوه ~~بعد موته. # وتيمنت قريش بأمره فما تنكح امرأة ولا رجل إلا في داره، ولا يتشاورون في ~~أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء للحرب إلا في داره، يعقده بعض ~~ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع إلا في داره، وكان أمره في قومه ~~كالدين المتبع في حياته وبعد موته. فاتخذ دار الندوة وبابها في المسجد، ~~وفيها كانت قريش تقضي أمورها. # فلما كبر قصي ورق، وكان ولده عبد الدار أكبر ولده، وكان ضعيفا، وكان عبد ~~مناف قد ساد في حياة أبيه وكذلك إخوته، قال قصي لعبد الدار: والله لألحقنك ~~بهم! فأعطاه دار الندوة والحجابة، وهي حجابة الكعبة، واللواء، وهو كان يعقد ~~لقريش ألويتهم والسقاية، كان يسقي الحاج، والرفادة، وهي خرج تخرجه قريش في ~~كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع منه طعاما للحاج يأكله الفقراء، ~~وكان قصي قد قال لقومه: إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله ~~وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج. ~~ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام منى، فجرى الأمر على ~~ذلك في الجاهلية ms0463 والإسلام إلى الآن، فهو الطعام الذي يصنعه الخلفاء كل عام ~~بمنى. # فأما الحجابة فهي في ولده إلى الآن، وهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ~~بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. # وأما اللواء فلم يزل في ولده إلى أن جاء الإسلام، فقال بنو عبد الدار: يا ~~رسول الله اجعل اللواء فينا. فقال: " الإسلام أوسع من ذلك ". فبطل. # وأما الرفادة والسقاية فإن بني عبد مناف بن قصي: عبد شمس، وهاشم، ~~والمطلب، ونوفل، أجمعوا أن يأخذوها من بني عبد الدار لشرفهم عليهم وفضلهم، ~~فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف، وطائفة مع بني عبد ~~الدار لا # PageV01P623 # يرون تغيير ما فعله قصي، وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هاشم بن ~~عبد مناف بن عبد الدار. # فكان بنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو ~~الحارث بن فهر مع بني عبد مناف، وكان بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو ~~عدي مع بني عبد الدار، فتحالف كل قوم حلفا مؤكدا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة ~~مملوءة طيبا فوضعوها عند الكعبة وتحالفوا وجعلوا أيديهم في الطيب، فسموا ~~المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم وتحالفوا فسموا الأحلاف، وتعبوا ~~للقتال، ثم تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، ~~فرضوا بذلك وتحاجز الناس عن الحرب واقترعوا عليها، فصارت لهاشم بن عبد ~~مناف، ثم بعده للمطلب بن عبد مناف، ثم لأبي طالب بن عبد المطلب، ولم يكن له ~~مال فادان من أخيه العباس بن عبد المطلب بن عبد مناف مالا فأنفقه، ثم عجز ~~عن الأداء فأعطى العباس السقاية والرفادة عوضا عن دينه، فوليها، ثم ابنه ~~عبد الله، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي بن سليمان ~~بن علي، ثم وليها المنصور وصار يليها الخلفاء. # وأما دار الندوة فلم تزل لعبد الدار، ثم لولده حتى باعها عكرمة بن عامر ~~بن هاشم بن عبد مناف بن ms0464 عبد الدار من معاوية فجعلها دار الإمارة بمكة، وهي ~~الآن في الحرم معروفة مشهورة. # ثم هلك قصي فأقام أمره في قومه من بعده ولده، وكان قصي لا يخالف سيرته ~~وأمره، ولما مات دفن بالحجون، فكانوا يزورون قبره ويعظمونه. # وحفر بمكة بئرا سماها العجول، وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة. # PageV01P624 # (سيل: بفتح السين المهملة، والياء المثناة التحتية. وحرام: بفتح الحاء ~~والراء المهملتين. ورزاح: بكسر الراء، وفتح الزاي، وبعد الألف حاء مهملة. ~~وحبى: بضم الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة. وملكان: بكسر الميم، وسكون ~~اللام. وأما ملكان بن حزم بن ريان، وملكان بن عباد بن عياض، فهما بفتح ~~الميم واللام) . # ابن كلاب # ويكنى أبا زهرة، وأم كلاب: هند بنت سرير بن ثعلبة الحارث بن فهر بن مالك، ~~وله أخوان لأبيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما أسماء بنت جارية ~~البارقية، وقيل: يقظة لهند بنت سرير أم كلاب. # (يقظة بالياء تحتها نقطتان، وبفتح القاف والظاء المعجمة) . # ابن مرة # ويكنى أبا يقظة، وأم مرة: مخشية ابنة شيبان بن محارب بن فهر، وأخواه ~~لأبيه وأمه: هصيص وعدي، وقيل: أم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب ~~بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان. # (هصيص: بضم الهاء، وفتح الصاد المهملة بعدها ياء تحتها نقطتان، وصاد ~~ثانية) . # PageV01P625 # ابن كعب # ويكنى أبا هصيص، وأم كعب معاوية ابنة كعب بن القين بن جسر القضاعية، وله ~~أخوان لأبيه وأمه، أحدهما عامر، والآخر سامة، ولهم من أبيهم أخ كان يقال له ~~عوف، أمه الباردة ابنة عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان، وانتمى ولده إلى ~~غطفان، وكان خرج مع أمه الباردة إلى غطفان، فتزوجها سعد بن ذبيان، فتبناه ~~سعد. # ولكعب أيضا أخوان من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمه ~~وهي ابنة الخمس بن قحافة من خثعم، والآخر سعد، ويقال له بنانة، وبنانة أمه، ~~فأهل البادية منهم في بني أسعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة، والحاضرة ~~ينتمون إلى قريش. ms0465 # وكان كعب عظيم القدر عند العرب، فلهذا أرخوا لموته إلى عام الفيل ثم ~~أرخوا بالفيل، وكان يخطب الناس أيام الحج، وخطبته مشهورة يخبر فيها بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم. # (جسر: بفتح الجيم، وسكون السين المهملة، وآخره راء) . # ابن لؤي # ويكنى أبا كعب، وأم لؤي عاتكة ابنة يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى ~~العواتك اللواتي # PageV01P626 # ولدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قريش، وله أخوان، أحدهما تيم ~~الأدرم، والدرم نقصان في الذقن، قيل: إنه كان ناقص اللحي، والآخر قيس، ولم ~~يبق منهم أحد، وآخر من مات منهم في زمن خالد بن عبد الله القسري، فبقي ~~ميراثه لا يدرى من يستحقه. # وقيل: إن أمهم سلمى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة الخزاعي. # (يخلد: بفتح الياء تحتها نقطتان، وسكون الخاء المعجمة، وبعد اللام دال ~~مهملة) . # ابن غالب # ويكنى أبا تيم، وأم غالب ليلى ابنة الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، ~~وإخوته من أبيه وأمه: الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب، وكانت محارب ~~والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح. # ابن فهر # ويكنى أبا غالب، وفهر هو جماع قريش، في قول هشام، وأمه جندلة بنت عامر بن ~~الحارث بن مضاض الجرهمي، وقيل غير ذلك. # وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان حسان - فيما قيل - أقبل من اليمن مع حمير # PageV01P627 # وغيرهم يريد أن ينقل أحجار الكعبة إلى اليمن، فنزل بنخلة، فاجتمع قريش ~~وكنانة وخزيمة وأسد وجذام وغيرهم، ورئيسهم فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وأسر حسان وانهزمت حمير، وبقي حسان بمكة ثلاث سنين، وافتدى نفسه ~~وخرج فمات بين مكة واليمن. # ابن مالك # وكنيته أبو الحارث، وأمه عاتكة بنت عدوان، وهو الحارث بن قيس عيلان، ~~ولقبها عكرشة، وقيل غير ذلك. # وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا. وقيل: لما جمعهم قصي قيل لهم ~~قريش، والتقرش التجمع. وقيل لما ملك قصي الحرم وفعل أفعالا جميلة قيل له ~~القرشي، وهو أول من سمي به، وهو من الاجتماع أيضا، أي لاجتماع خصال الخير ~~فيه، ms0466 وقد قيل في تسمية قريش أقوال كثيرة لا حاجة إلى ذكرها. # وقصي أول من أحدث وقود النار بالمزدلفة، وكانت توقد على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن بعده. # ابن النضر # ويكنى أبا يخلد، كني بابنه يخلد، واسم النضر قيس، وإنما قيل له النضر ~~لجماله، # PageV01P628 # وأمه برة ابنة مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر، وإخوته لأبيه وأمه: ~~نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخزمة وجرول وغزوان ~~وجدال، وأخوهم لأبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة وهي الذفراء، ابنة هني بن بلي ~~بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأخو عبد مناة لأمه: علي بن مسعود بن مازن ~~الغساني، وكان قد حضن أولاد أخيه عبد مناة فنسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة ~~بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله: # لله در بني عل ... ي أيم منهم وناكح # وقيل: تزوج امرأة عبد مناة فولدت له، وحضن بني عبد مناة فغلب على نسبهم، ~~ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله، فوداه أسد بن خزيمة. # ابن كنانة # ويكنى أبا النضر، وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس عيلان، وقيل: هند ابنة ~~عمرو بن قيس، وإخوته لأبيه أسد وأسدة، ويقال: إنه أبو جذام والهون، وأمهم ~~برة بنت مر، وهي أم النضر، خلف عليها بعد أبيه. # PageV01P629 # ابن خزيمة # ويكنى أبا أسد، وأمه سلمى ابنة أسلم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأمه: تغلب ~~بن حلوان بن عمران بن الحاف، وأخو خزيمة لأبيه وأمه: هذيل، وقيل: أمهما ~~سلمى بنت أسد بن ربيعة. # وخزيمة هو الذي نصب هبل على الكعبة، فكان يقال هبل خزيمة (أسلم) بضم ~~اللام. # ابن مدركة # واسمه عمرو، ويكنى أبا هذيل، وقيل: أبا خزيمة، وأمه خندف، وهي ليلى ابنة ~~حلوان بن عمران، وأمها ضرية ابنة ربيعة بن نزار، وبها سمي حمى ضرية. # وإخوة مدركة لأبيه وأمه: عامر، وهو طابخة، وعمير، وهو قمعة، يقال: إنه ~~أبو خزاعة. # قال هشام: خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو ms0467 ~~فأدركها فسمي " مدركة "، وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة، وانقمع عمير في ~~الخباء فسمي قمعة، وخرجت أمهم ليلى تمشي فقال لها إلياس: أين تخندفين؟ ~~فسميت خندفا، والخندفة: ضرب من المشي. # PageV01P630 # ابن إلياس # وكان يكنى أبا عمرو، وأمه الرباب ابنة حيدة بن معد، وأخوه لأبيه وأمه ~~الناس، بالنون، وهو عيلان، وسمي عيلان لفرس له كان يدعى عيلان، وقيل: لأنه ~~في أصل جبل يسمى عيلان، وقيل غير ذلك. # ولما توفي حزنت عليه خندف حزنا شديدا، فلم تقم حيث مات، ولم يظلها سقف ~~حتى هلكت، فضرب بها المثل، وتوفي يوم الخميس، فكانت تبكي كل خميس من غدوة ~~إلى الليل. # ابن مضر # وأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأمه إياد، ولهما أخوان من أبيهما: ربيعة ~~وأنمار، وأمهما جدالة ابنة وعلان من جرهم. # وذكر أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم فقال: ~~يا بني هذه القبة، وهي من أدم حمراء، وما أشبهها من مالي لمضر فسمي مضر ~~الحمراء، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة، وهذه الخادم وما ~~أشبهها من مالي لإياد، وكانت شمطاء، فأخذ البلق والنقد من غنمه، وهذه ~~البدرة والمجلس لأنمار يجلس عليه، فأخذ أنمار ما أصابه، فإن أشكل في ذلك ~~عليكم شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي. # فاختلفوا فتوجهوا إلى الأفعى الجرهمي، فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى ~~مضر كلأ قد رعي فقال: إن البعير الذي قد رعى هذا الكلأ لأعور. # وقال ربيعة: هو # PageV01P631 # أزور. وقال إياد: هو أبتر. وقال أنمار: هو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا ~~حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: ~~نعم. قال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم. وقال إياد: هو أبتر؟ قال: نعم. وقال ~~أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري، دلوني عليه، فحلفوا له ما رأوه، ~~فلزمهم، وقال: كيف أصدقكم وهذه صفة بعيري! # فساروا جميعا حتى قدموا نجران فنزلوا على الأفعى الجرهمي، فقص عليه صاحب ~~البعير حديثه، فقال لهم الجرهمي: كيف وصفتموه ms0468 ولم تروه؟ قال مضر: رأيته ~~يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة ~~والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور. وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع ~~بعره ولو كان أذنب لمصع به. وقال أنمار: وعرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان ~~الملتف، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه نبتا وأخبث. فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب ~~بعيرك فاطلبه. # ثم سألهم من هم، فأخبروه، فرحب بهم وقال: أتحتاجون أنتم إلي وأنتم كما ~~أرى؟ ودعا لهم بطعام فأكلوا وشربوا. فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا ~~أنها نبتت على قبر. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن ~~كلبة. وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي ينتمي ~~إليه. وقال أنمار: لم أر اليوم كلاما أنفع لحاجتنا من كلامنا. # وسمع الجرهمي الكلام فعجب، فأتى أمه وسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك ~~لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها فحملت به، وسأل ~~القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن ~~اللحم # PageV01P632 # فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة. # فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر؟ فقال: لأني أصابني عطش شديد. وقيل لربيعة ~~فيما قال، فذكر كلاما، وأتاهم الجرهمي وقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ~~قصتهم، فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والإبل، وهي حمر، لمضر، وقضى بالخباء ~~الأسود والخيل الدهم لربيعة، وقضى بالخادم، وكانت شمطاء، والماشية البلق ~~لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار. # ومضر أول من حدا، وكان سبب ذلك أنه سقط من بعيره فانكسرت يده فجعل يقول: ~~يا يداه يا يداه، فأتته الإبل من المرعى، فلما صلح وركب حدا وكان من أحسن ~~الناس صوتا. وقيل: بل انكسرت يد مولى له فصاح، فاجتمعت الإبل، فوضع مضر ~~الحداء وزاد الناس فيه. # وهو أول من قال حينئذ: " # بصبصن إذ حدين بالأذناب # "، فذهب مثلا. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما ~~مسلمان» . # ابن نزار # وقيل: كان يكنى أبا ms0469 إياد، وقيل: أبا ربيعة، وأمه معانة ابنة جوشم بن ~~جلهمة بن عمرو بن جرهم، وإخوته لأبيه وأمه: قنص وقناصة وسنام وجندة وجناد ~~وجنادة والقحم وعبيد الرماح # PageV01P633 # والغرف والعوف وشك وقضاعة، وبه كان يكنى معد، وعدة درجوا. # ابن معد # وأمه مهدة ابنة اللهم، ويقال اللهم، ويقال اللهم بن جلحب بن جديس وقيل بن ~~طسم، وإخوته من أبيه: الديث، وقيل: الديث هو عك، وعدن بن عدنان، قيل: هو ~~صاحب عدن وأبين، وإليه تنسب أبين، ودرج نسله ونسل عدن، وأد وأبي بن عدنان، ~~ودرج، والضحاك والغني. # فلحق ولد عدنان باليمن عند حرب بخت نصر، وحمل إرميا وبرخيا معدا إلى حران ~~فأسكناه بها. فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فرأى إخوته قد لحقوا باليمن. # ابن عدنان # ولعدنان أخوان يدعى أحدهما نبتا، والآخر عامرا، فنسب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يختلف الناسبون فيه إلى معد بن عدنان، على ما ذكرت، ~~ويختلفون فيما بعد ذلك اختلافا عظيما # PageV01P634 # لا يحصل منه على غرض، فتارة يجعل بعضهم بين عدنان وبين إسماعيل، عليه ~~السلام، أربعة آباء، ويجعل آخر بينهما أربعين أبا، ويختلفون أيضا في ~~الأسماء أشد من اختلافهم في العدد، فحيث رأيت الأمر كذلك لم أعرج على ذكر ~~شيء منه، ومنهم من يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نسبه حديثا ~~يصله بإسماعيل، ولا يصح في ذلك الحديث. ### | [ذكر الفواطم والعواتك] # وأما الفواطم اللائي ولدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخمس: قرشية ~~وقيسيتان ويمانيتان. # أما القرشية: فأم أبيه عبد الله بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن ~~عمران بن مخزوم المخزومية. # وأما القيسيتان: فأم عمرو بن عايذ بن فاطمة ابنة عبد الله بن رزاح بن ~~ربيعة بن جحوش بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها فاطمة بنت الحارث بن بهثة ~~بن سليم بن منصور. # وأما اليمانيتان: فأم قصي بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سيل بن أزد شنوءة، ~~وأم حبى بنت حليل بن حبشية بن كعب بن سلول، وهي أم ولد قصي فاطمة بنت ms0470 نصر ~~بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة الخزاعية. # وأما العواتك فاثنتا عشرة: اثنتان من قريش، وواحدة من بني يخلد ابن ~~النضر، وثلاث من سليم، وعدويتان، وهذلية، وقضاعية، وأسدية. # فأما القرشيتان: فأم أمه آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد # PageV01P635 # الدار، وأم برة أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى، وأم ريطة بنت كعب بن سعد ~~بن تيم، وأمه أميمة بنت عامر الخزاعية، وأمها عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ~~ضبة بن الحارث بن فهم، وأم هلال هند بنت هلال بن عامر بن صعصعة، وأم أهيب ~~بن ضبة عاتكة بنت غالب بن فهر، وأمها عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة. # وأما السلميات: فأم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ~~ذكوان بن بهثة بن سليم بن منصور، وأم عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج، ~~والثالثة أم جده لأمه وهب، وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال. # قلت: هكذا ذكر بعض العلماء عواتك سليم، وجعل أم عبد مناف عاتكة بنت مرة، ~~وليس بشيء، فإن أم عبد مناف حبى بنت حليل الخزاعية، وقال غيره: أم هاشم ~~عاتكة بنت مرة، وأم مرة بن هلال عاتكة بنت جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن ~~امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وأم هلال بن فالج عاتكة بنت عصية بن خفاف بن ~~امرئ القيس. # وأما العدويتان: فمن جهة أبيه عبد الله، فإن أم عبد الله فاطمة بنت عمرو، ~~وأم فاطمة تخمر بنت عبد قصي، وأمها هند بنت عبد الله بن الحارث بن وائلة بن ~~الظرب. وأمها زينب بنت مالك بن ناصرة بن كعب الفهمية. وأما عاتكة بنت عامر ~~بن الظرب بن عمرو بن عياذ بن بكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس ~~عيلان، وأم مالك بن النضر عاتكة، فهي عكرشة، وهي الحصان بنت عدوان. # PageV01P636 # وأما الأزدية: فأم النضر بن كنانة بنت مرة بن أد أخت تميم، وأمها ماوية ~~من بني ms0471 ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وأمها عاتكة بنت الأزد بن الغوث، وقد ولدته ~~هذه الأزدية مرة أخرى من قبل غالب بن فهر، فإن أم غالب ليلى بنت الحارث بن ~~تميم بن سعد بن هذيل، وأمها سلمى بنت طابخة بن إلياس بن مضر، وأمها عاتكة ~~بنت الأزد هذه. # وأما الهذلية: فعاتكة بنت سعد بن سيل، هي أم عبد الله بن رزام جد عمرو بن ~~عايذ بن عمران بن مخزوم لأمه، وعمرو جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أبو أمه. # وأما القضاعية: فأم كعب بن لؤي ماوية بنت القين بن جسر بن شيع الله بن ~~أسد بن وبرة، وأمها وحشية بنت ربيعة بن حرام بن ضنة العذرية، وأمها عاتكة ~~بنت رشدان بن قيس بن جهينة. # وأما الأسدية: فأم كلاب بن مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك ~~بن كلاب، وأمها عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة. # (وعايذ بن عمران: بالياء المثناة من تحتها، والذال المعجمة. وسعد بن سيل: ~~بفتح السين المهملة، والياء المثناة من تحتها المفتوحة. وحيي: بضم الحاء ~~المهملة، وبالياء المثناة من تحتها، وتشديد الياء الممالة. وحليل: بضم ~~الحاء المهملة، وبالياء المثناة من تحتها. وجسر: بفتح الجيم، وتسكين السين ~~المهملة. وحارثة: بالحاء المهملة، والثاء المثلثة. ووائلة بن الظرب: بالياء ~~المثناة من تحتها وضبة بن الحارث: بالضاد المعجمة المفتوحة، والباء المشددة ~~الموحدة. وشيع الله بالشين المعجمة المفتوحة، والياء المثناة من تحتها ~~الساكنة. وحرام: بفتح الحاء المهملة، والراء المهملة. وضنة العذري: بكسر ~~الضاد المعجمة، والنون المشددة. # وعصية: بالعين المهملة المضمومة، وفتح الصاد والياء المثناة من تحتها) . ### | [عدنا إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم] # PageV01P637 # توفي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين، وأوصى أبا طالب برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فكان أبو طالب هو الذي قام بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد جده، ثم إن أبا طالب خرج إلى الشام، فلما أراد المسير لزمه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فرق له وأخذه معه، ولرسول الله - صلى ms0472 الله ~~عليه وسلم - تسع سنين. فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال ~~له بحيرا في صومعة له، وكان ذا علم في النصرانية، ولم يزل بتلك الصومعة ~~راهب يصير إليه علمهم، وبها كتاب يتوارثونه. فلما رآهم بحيرا صنع لهم طعاما ~~كثيرا، وذلك لأنه رأى على رسول الله غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا ~~حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الشجرة وقد هصرت أغصانها حتى ~~استظل بها، فنزل إليهم من صومعته ودعاهم. فلما رأى بحيرا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها ~~من صفته. # فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أشياء من حاله في يقظته ونومه فوجدها بحيرا موافقة لما عنده من صفته، ثم ~~نظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال بحيرا لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام ~~منك؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخي، مات ~~أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود، فوالله ~~لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن له شأن عظيم. # PageV01P638 # فخرج به عمه حتى أقدمه مكة. # وقيل: بينما هو يقول لعمه في إعادته إلى مكة وتخوفهم عليه من الروم إذ ~~أقبل سبعة نفر من الروم، فقال لهم بحيرا: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءنا أن هذا ~~النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا بعثنا إلى ~~طريقك. قال أرأيتم أمرا أراده الله هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. ~~وتابعوا بحيرا وأقاموا عنده # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " «ما هممت بشيء مما كان الجاهلية ~~يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني ~~برسالته، قلت ليلة لغلام يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل ~~مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب. فقال: ms0473 أفعل. فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار ~~بمكة سمعت عزفا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب ~~الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبي فسألني ~~فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة، فأصابني مثل أول ليلة، ثم ~~ما هممت بعده بسوء» . # ذكر نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - خديجة # ونكح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد، وهو ابن خمس ~~وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة. # وسبب ذلك أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي كانت امرأة ~~تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم ~~منه، وكانت قريش تجارا، فلما بلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام ~~تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت # PageV01P639 # تعطي غيره مع غلامها ميسرة، فأجابها وخرج معه ميسرة حتى قدم الشام، فنزل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب، فأطلع ~~الراهب رأسه إلى ميسرة فقال: من هذا؟ قال ميسرة: هذا رجل من قريش. فقال ~~الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي. # ثم باع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشترى وعاد، فكان مسيرة إذا ~~كانت الهاجرة يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره. فلما قدم مكة ربحت ~~خديجة ربحا كثيرا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وما رأى من إظلال الملكين ~~إياه. # وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة مع ما أراده الله من كرامتها، ~~فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرضت عليه نفسها، وكانت أوسط ~~نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا، وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو ~~يقدر عليه. فلما أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأعمامه، وخرج ~~ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وغيرهما من عمومته حتى دخل على خويلد بن ~~أسد فخطبها إليه، ms0474 فتزوجها فولدت له أولاده كلهم، إلا إبراهيم: زينب، ورقية، ~~وأم كلثوم، وفاطمة، والقاسم، وبه كان يكنى، وعبد الله، والطاهر، والطيب. ~~وقيل: إن عبد الله ولد في الإسلام هو والطاهر والطيب، فأما القاسم والطاهر ~~والطيب فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن ~~معه. # وقيل: إن الذي زوجها عمها عمرو بن أسد، وإن أباها مات قبل الفجار. # قال الواقدي: وهو الصحيح، لأن أباها توفي قبل الفجار. # وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: إن معاوية ~~اشتراه وجعله مسجدا يصلى فيه. # وكان الرسول بين خديجة وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - نفيسة بنت منية ~~أخت يعلى بن منية، وأسلمت يوم الفتح، فبرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأكرمها. # منية بالنون الساكنة، والياء المثناة من تحتها. # PageV01P640 # ذكر حلف الفضول # قال ابن إسحاق: وكان نفر من جرهم وقطوراء يقال لهم: الفضيل بن الحارث ~~الجرهمي، والفضيل بن وداعة القطوري، والمفضل بن فضالة الجرهمي، اجتمعوا ~~فتحالفوا أن لا يقروا ببطن مكة ظالما، وقالوا لا ينبغي إلا ذلك لما عظم ~~الله من حقها، فقال عمرو بن عوف الجرهمي: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ألا ~~يقر ببطن مكة ظالم # أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا فالجار والمعتر فيهم سالم # ثم درس ذلك فلم يبق إلا ذكره في قريش. # ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا في دار عبد الله بن ~~جدعان لشرفه وسنه، وكانوا بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى ~~وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من ~~أهلها، أو # PageV01P641 # من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على ظلمه، حتى ترد عليه ~~مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وشهده رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال حين أرسله الله تعالى: " «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد ~~الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» ~~". # قال: وقال محمد بن إبراهيم بن ms0475 الحارث التيمي: كان بين الحسين بن علي بن ~~أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما، ~~والوليد يومئذ أمير على المدينة لعمه معاوية، فتحامل الوليد لسلطانه. فقال ~~له الحسين: أقسم بالله لتنصفني أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم لأعودن بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير، ~~وكان حاضرا: وأنا أحلف بالله لو دعا به لأجبته حتى ينصف من حقه أو نموت. ~~وبلغ المسور بن مخرمة الزهري فقال مثل ذلك، وبلغ عبد الرحمن بن عثمان بن ~~عبد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد ذلك أنصف الحسين من نفسه ~~حتى رضي. # ذكر هدم قريش الكعبة وبنائها # وفي سنة خمس وثلاثين من مولده - صلى الله عليه وسلم - هدمت قريش الكعبة. # وكان سبب هدمهم إياها أنها كانت رضيمة فوق القامة، فأرادوا رفعها ~~وتسقيفها، وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنزها وفيه غزالان من ذهب، ~~وكانا في بئر في جوف الكعبة. # وكان أمر غزالي الكعبة أن الله لما أمر إبراهيم وإسماعيل ببناء الكعبة ~~ففعلا ذلك، وقد تقدم ذكره، وأقام إسماعيل بمكة وكان يلي البيت حياته، وبعده ~~وليه ابنه نبت. فلما مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل غلبت جرهم على ولاية ~~البيت، فكان أول من وليه منهم مضاض، ثم ولده من بعده، حتى بغت جرهم، ~~واستحلوا حرمة البيت، فظلموا من # PageV01P642 # دخل مكة حتى قيل: إن إسافا ونائلة زنيا في البيت فمسخا حجرين. # وكانت خزاعة قد أقامت بتهامة بعد تفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، ~~فأرسل الله على جرهم الرعاف أفناهم، فاجتمعت خزاعة على إجلاء من بقي منهم، ~~ورئيس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة، فاقتتلوا. فلما أحس عامر بن الحارث ~~الجرهمي بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة والحجر الأسود يلتمس التوبة وهو يقول: # لاهم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك # بهم قديما عمرت بلادك # فلم تقبل توبته، فدفن غزالي الكعبة ببئر زمزم وطمها وخرج بمن بقي من جرهم ~~إلى ms0476 أرض جهينة، فجاءهم سيل فذهب بهم أجمعين، وقال عمرو بن الحارث: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # وولي البيت بعد جرهم عمرو بن ربيعة، وقيل: وليه عمرو بن الحارث الغساني، ~~ثم خزاعة بعده، غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالحج من ~~عرفة، وكان ذلك إلى الغوث بن مر بن أد، وهو صوفة. والثانية: الإفاضة من جمع ~~إلى منى، وكانت إلى بني زيد بن عدوان، وآخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة ~~عميلة بن الأعزل بن خالد. والثالثة: النسيء للشهور الحرم، فكان ذلك إلى ~~القلمس، وهو حذيفة بن فقيم # PageV01P643 # بن كنانة، ثم إلى بنيه من بعده، ثم صار ذلك إلى أبي ثمامة، وهو جنادة بن ~~عوف بن قلع بن حذيفة، وقام الإسلام وقد عادت الأشهر الحرم إلى أصلها فأبطل ~~الله - عز وجل - النسيء. # ثم وليت البيت بعد خزاعة قريش، وقد ذكرنا ذلك عند ذكر قصي بن كلاب. ثم ~~حفر عبد المطلب زمزم فأخرج الغزالين، كما تقدم. # وكان الذي وجد الغزالان عنده دويك، مولى لبني مليح بن خزاعة، فقطعت قريش ~~يده، وكان فيمن اتهم في ذلك: عامر بن الحارث بن نوفل، وأبو هارب بن عزيز، ~~وأبو لهب بن عبد المطلب. # وكان البحر قد ألقى سفينة إلى جدة لتاجر رومي فتحطمت، فأخذوا خشبها ~~فأعدوه لسقفها، فتهيأ لهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة ~~التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة، وكان لا يدنو ~~منها أحد إلا كشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما على جدار ~~الكعبة اختطفها طائر فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله - عز ~~وجل - قد رضي ما أردناه. # وكان ذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن خمس وثلاثين سنة، وبعد ~~الفجار بخمس عشرة سنة. # فلما أرادوا هدمها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول ~~حجرا ms0477 من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا ~~تدخلوا في بنائها إلا طيبا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة ~~أحد. # وقيل: إن الوليد بن المغيرة قال هذا. # ثم إن الناس هابوا هدمها فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم به، فأخذ ~~المعول فهدم، فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم ~~منها شيئا، فأصبح # PageV01P644 # الوليد سالما وغدا إلى عمله فهدم والناس معه، حتى انتهى الهدم إلى ~~الأساس، ثم أفضوا إلى حجارة خضر آخذ بعضها ببعض، فأدخل رجل من قريش عتلة ~~بين حجرين منها ليقلع به أحدهما. فلما تحرك الحجر انتقضت مكة بأسرها، ثم ~~جمعوا لبنائها ثم بنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن، فأرادت كل قبيلة رفعه ~~إلى موضعه حتى تحالفوا وتواعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة ~~دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا ~~لعقة الدم بذلك، فمكثوا على ذلك أربع ليال ثم تشاوروا. فقال أبو أمية بن ~~المغيرة - وكان أسن قريش: اجعلوا بينكم حكما أول من يدخل من باب المسجد ~~يقضي بينكم، فكان أول من دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوه ~~قالوا: هذا الأمين قد رضينا به، وأخبروه الخبر، فقال: «هلموا إلي ثوبا، ~~فأتي به، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من ~~الثوب ثم ارفعوه جميعا. فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه.» # PageV01P645 ### | [ذكر الوقت الذي أرسل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم] # بعث الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - لعشرين سنة مضت من ملك كسرى ~~أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وكان على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي عاملا ~~للفرس على العرب. # قال ابن عباس من راوية حمزة وعكرمة عنه وأنس بن مالك وعروة بن الزبير: ~~«إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث وأنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين ~~سنة» . # وقال ابن عباس من راوية عكرمة أيضا ms0478 عنه وسعيد بن المسيب: إنه «أنزل عليه ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثلاث وأربعين سنة» . # وكان نزول الوحي عليه يوم الاثنين بلا خلاف. واختلفوا في أي الأثانين كان ~~ذلك، فقال أبو قلابة الجرمي: أنزل الفرقان على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وقال آخرون: كان ذلك لتسع عشرة مضت من ~~رمضان. # وكان - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يظهر له جبرائيل يرى ويعاين آثارا من ~~آثار من يريد الله إكرامه # PageV01P646 # بفضله. وكان من ذلك ما ذكرت من شق الملكين بطنه واستخراجهما ما في قلبه ~~من الغل والدنس. # ومن ذلك أنه كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، فكان يلتفت يمينا ~~وشمالا فلا يرى أحدا، وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة قومها ~~بذلك. # «قال عامر بن ربيعة: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: إنا لننتظر نبيا من ~~ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه ~~وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك حياة ورأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما ~~نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلم. قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ~~ولا بكثر الشعر ولا بقليله، ولا يفارق عينه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، ~~واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه ويكرهون ما جاء به، ~~ويهاجر إلى يثرب فيظهر بها أمره، فإياك أن تنخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها ~~أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين ~~وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره. # قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول زيد ~~وأقرأته السلام. فرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترحم عليه ~~وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» . # وقال جبير بن مطعم: كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بشهر. نحرنا جزورا، فإذا صائح يصيح من جوف ms0479 الصنم: ~~اسمعوا إلى العجب، ذهب استراق الوحي، ونرمى بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، ~~مهاجره إلى يثرب. قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم. # والأخبار عن دلائل نبوته كثيرة، وقد صنف العلماء في ذلك كتبا كثيرة ذكروا ~~فيها كل عجيبة، ليس هذا موضع ذكرها. # PageV01P647 ### | [ذكر ابتداء الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم] # «قالت عائشة - رضي الله عنها: كان أول ما ابتدئ به رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب ~~إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى ~~أهله فيتزود لمثلها، حتى فجأة الحق، فأتاه جبرائيل فقال: يا محمد أنت رسول ~~الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فجثوت لركبتي ثم رجعت ترجف ~~بوادري، فدخلت على خديجة فقلت: زملوني زملوني! ثم ذهب عني الروع، ثم أتاني ~~فقال: يا محمد أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق، فتبدى ~~لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد أنا جبرائيل وأنت رسول الله، قال: اقرأ. ~~قلت: وما أقرأ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ، فقرأت. فأتيت خديجة، فقلت: لقد ~~أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، ~~فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري ~~الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن ~~عمها، وكان قد تنصر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فقالت: ~~اسمع من ابن أخيك. فسألني فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على ~~موسى بن عمران، ليتني كنت حيا حين يخرجك قومك. قلت: أمخرجي هم؟ قال: نعم، ~~إنه لم يجئ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا ~~مؤزرا» . # PageV01P648 # ثم إن أول ما نزل عليه من القرآن بعد اقرأ: {ن والقلم وما يسطرون} ~~[القلم: 1] (و {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] ، و ms0480 {والضحى} [الضحى: 1] . # «وقالت خديجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما تثبته فيما أكرمه ~~الله به من نبوته: يا ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا ~~جاءك؟ قال: نعم. فجاءه جبرائيل، فأعلمها. فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى، ~~فقام - صلى الله عليه وسلم - فجلس عليها. فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: ~~فتحول فاقعد على فخذي اليمنى. فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال نعم. فتحسرت ~~فألقت خمارها، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجرها، ثم قالت: هل ~~تراه؟ قال: لا. قالت: يا ابن عم اثبت وأبشر، فوالله إنه ملك، وما هو ~~بشيطان!» # «وقال يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن، قال: ~~نزلت {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] أول. قال: قلت: إنهم يقولون {اقرأ باسم ~~ربك} [العلق: 1] . قال: سألت جابر بن عبد الله قال: لا أحدثك إلا ما حدثنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت ~~فسمعت صوتا، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن يساري فلم أر شيئا، ~~ونظرت خلفي وأمامي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فإذا هو - يعني الملك - جالس ~~على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني، ~~وصبوا علي ماء ففعلوا، فنزلت: {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] » ، هذا حديث ~~صحيح. # قال هشام بن الكلبي: أتى جبرائيل النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما ~~أتاه ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله يوم الاثنين فعلمه ~~الوضوء والصلاة، وعلمه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ، # PageV01P649 # وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعون سنة. # قال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترة، فحزن ~~حزنا شديدا، وجعل يغدو إلى رءوس الجبال ليتردى منها، فكلما رقي ذروة جبل ~~تبدى له جبرائيل فيقول: إنك رسول الله حقا. فيسكن لذلك جأشه وترجع نفسه. ~~فلما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر قومه عذاب الله على ما ~~هم عليه من عبادة ms0481 الأصنام دون الله الذي خلقهم ورزقهم، وأن يحدث بنعمة ربه ~~عليه - وهي النبوة في قول ابن إسحاق - فكان يذكر ذلك سرا لمن يطمئن إليه من ~~أهله، فكان أول من آمن به وصدقه من خلق الله تعالى خديجة بنت خويلد زوجته. # قال الواقدي: أجمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خديجة. # ثم كان أول شيء فرض الله من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد ~~والبراءة من الأوثان: الصلاة، وأن الصلاة لما فرضت عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - أتاه جبرائيل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت ~~فيه عين، فتوضأ جبرائيل وهو ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله، ثم قام جبرائيل فصلى به، وصلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاته، ثم انصرف. وجاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى خديجة فعلمها الوضوء، ثم صلى بها فصلت بصلاته. ### | [ذكر المعراج برسول الله - صلى الله عليه وسلم] # اختلف الناس في وقت المعراج، فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بسنة ~~واحدة. # PageV01P650 # واختلفوا في الموضع الذي أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه، ~~فقيل: كان نائما بالمسجد في الحجر، فأسري به منه، وقيل: كان نائما في بيت ~~أم هانئ بنت أبي طالب، وقائل هذا يقول: الحرم كله مسجد. # وقد روى حديث المعراج جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة. # قالوا: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أتاني جبرائيل وميكائيل ~~فقالا: بأيهم أمرنا؟ فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاءا من القابلة وهم ~~ثلاثة، فألفوه وهو نائم، فقلبوه لظهره وشقوا بطنه، وجاءوا بماء زمزم فغسلوا ~~ما كان في بطنه من غل وغيره، وجاءوا بطست مملوء إيمانا وحكمة، فملئ قلبه ~~وبطنه إيمانا وحكمة. قال: وأخرجني جبرائيل من المسجد وإذا أنا بدابة، وهي ~~البراق، وهي فوق الحمار ودون البغل، يقوع خطوه عند منتهى طرفه، فقال: اركب، ~~فلما وضعت يدي عليه تشامس واستصعب. فقال جبرائيل: يا براق ما ركبك ms0482 نبي أكرم ~~على الله من محمد، فانصب عرقا وانخفض لي حتى ركبته، وسار بي جبرائيل نحو ~~المسجد الأقصى، فأتيت بإنائين أحدهما لبن والآخر خمر، فقيل لي: اختر ~~أحدهما، فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: أصبت الفطرة، أما إنك لو شربت الخمر ~~لغوت أمتك بعدك. # ثم سرنا فقال لي: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذه طيبة وإليها المهاجر. # ثم سرنا فقال لي: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذا طور سيناء حيث كلم ~~الله موسى، ثم سرنا فقال: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال: هذا بيت لحم حيث ~~ولد عيسى. ثم سرنا حتى أتينا بيت المقدس، فلما انتهينا إلى باب المسجد ~~أنزلني جبرائيل وربط البراق بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء. فلما دخلت ~~المسجد إذا أنا بالأنبياء حوالي، وقيل: بأرواح الأنبياء الذين بعثهم الله ~~قبلي، فسلموا علي، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: إخوانك من الأنبياء، ~~زعمت قريش أن لله شريكا، وزعمت النصارى أن لله ولدا، سل هؤلاء النبيين هل ~~كان لله - عز وجل - شريك أو ولد، فذلك قوله تعالى: {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] فأقروا # PageV01P651 # بالوحدانية لله - عز وجل - ثم جمعهم جبرائيل وقدمني فصليت بهم ركعتين # ثم انطلق بي جبرائيل إلى الصخرة فصعد بي عليها، فإذا معراج إلى السماء، ~~لا ينظر الناظرون إلى شيء أحسن منه ومنه تعرج الملائكة، أصله في صخرة بيت ~~المقدس ورأسه ملتصق بالسماء، فاحتملني جبرائيل ووضعني على جناحه وصعد بي ~~إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبرائيل. قيل: ومن معك؟ قال: ~~محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء! ففتح، ~~فدخلنا فإذا أنا برجل تام الخلقة عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله ~~باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك، وإذا نظر ~~إلى الباب الذي عن يساره بكى. فقلت: من هذا؟ وما هذان البابان؟ فقال: هذا ~~أبوك آدم، والباب الذي عن يمينه باب الجنة، فإذا ms0483 نظر إلى من يدخلها من ~~ذريته ضحك، والباب الذي عن يساره باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته ~~بكى وحزن. # ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: حياه الله، مرحبا ~~به ونعم المجيء جاء! ففتح لنا. فدخلنا فإذا بشابين، فقلت: يا جبرائيل من ~~هذان؟ فقال: هذان عيسى بن مريم ويحيى بن زكرياء. # ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ~~ومن معك؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به نعم المجيء ~~جاء! فدخلنا، فإذا أنا برجل قد فضل الناس بالحسن. قلت: من هذا يا جبرائيل؟ ~~قال: هذا أخوك يوسف. # ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم ~~المجيء جاء! فدخلنا، فإذا أنا برجل، فقلت: من هذا؟ قال: إدريس رفعه الله ~~مكانا عليا. # ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم ~~المجيء جاء! فدخلنا، فإذا رجل جالس وحوله قوم يقص عليهم. قلت: من هذا؟ قال: ~~هذا هارون والذين حوله بنو إسرائيل. # ثم صعد بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم ~~المجيء جاء! فدخلنا، فإذا أنا برجل جالس فجاوزناه، فبكى الرجل، فقلت: يا ~~جبرائيل من هذا؟ قال: هذا موسى. قلت: فما باله يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل ~~أني أكرم على الله من آدم، وهذا الرجل من بني آدم قد خلفني وراءه. # PageV01P652 # قال: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ms0484 ~~ونعم المجيء جاء! فدخلنا، فإذا رجل أشمط جالس على كرسي على باب الجنة، ~~وحوله قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء. فقام الذين في ~~ألوانهم شيء فاغتسلوا في نهر، وخرجوا وقد صارت وجوههم مثل وجوه أصحابهم. ~~فقلت: من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم، وهؤلاء البيض الوجوه قوم لم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم، وأما الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ~~فتابوا فتاب الله عليهم، وإذا إبراهيم مستند إلى بيت، فقال: هذا البيت ~~المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه. # قال: وأخذني جبرائيل فانتهينا إلى سدرة المنتهى، وإذا نبقها مثل قلال ~~هجر، يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فأما ~~الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، قال: وغشيها من نور ~~الله ما غشيها، وغشيها الملائكة كأنهم جراد من ذهب من خشية الله، وتحولت ~~حتى ما يستطيع أحد أن ينعتها، وقام جبرائيل في وسطها، فقال جبرائيل: تقدم ~~يا محمد. فتقدمت وجبرائيل معي إلى الحجاب، فأخذ بي ملك وتخلف عني جبرائيل، ~~فقلت: إلى أين؟ فقال: {وما منا إلا له مقام معلوم} [الصافات: 164] وهذا ~~منتهى الخلائق. # فلم أزل كذلك حتى وصلت إلى العرش، فاتضح كل شيء عند العرش، وكل لساني من ~~هيبة الرحمن، ثم أنطق الله لساني فقلت: التحيات المباركات والصلوات الطيبات ~~لله، وفرض الله علي وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسين صلاة. ورجعت إلى ~~جبرائيل فأخذ بيدي وأدخلني الجنة فرأيت القصور من الدر والياقوت والزبرجد، ~~ورأيت نهرا يخرج من أصله ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يجري على ~~رضراض من الدر والياقوت والمسك، فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، ثم عرض ~~علي النار، فنظرت إلى أغلالها وسلاسلها وحياتها وعقاربها وما فيها من ~~العذاب. # ثم أخرجني، فانحدرنا حتى أتينا موسى، فقال: ماذا فرض عليك وعلى أمتك؟ ~~قلت: خمسين صلاة. قال: فإني قد بلوت بني إسرائيل قبلك وعالجتهم أشد ~~المعالجة # PageV01P653 # على أقل من هذا فلم يفعلوا، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت ms0485 إلى ربي ~~وسألته، فخفف عني عشرا. فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع واسأله ~~التخفيف. فرجعت فخفف عني عشرا، فلم أزل بين ربي وموسى حتى جعلها خمسا، ~~فقال: ارجع فاسأله التخفيف، فقلت: إني قد استحييت من ربي وما أنا براجع، ~~فنوديت: إني قد فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، والخمس بخمسين، وقد أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي. # ثم انحدرت أنا وجبرائيل إلى مضجعي، وكان ذلك في ليلة واحدة. # فلما رجع إلى مكة علم أن الناس لا يصدقونه، فقعد في المسجد مغموما، فمر ~~به أبو جهل، فقال له كالمستهزئ: هل استفدت الليلة شيئا؟ قال: نعم، أسري بي ~~الليلة إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ فقال: نعم. فخاف أن ~~يخبر بذلك عنه فيجحده النبي، فقال: أتخبر قومك بذلك؟ فقال: نعم. فقال أبو ~~جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، فأقبلوا. فحدثهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فمن بين مصدق ومكذب، ومصفق وواضع يده على رأسه. وارتد الناس ممن كان ~~آمن به وصدقه. # وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: إن صاحبك يزعم كذا وكذا! ~~فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر ~~السماء في غدوة أو روحة، فسمي أبو بكر الصديق من يومئذ. # قالوا: فانعت لنا المسجد الأقصى. قال: فذهبت أنعت حتى التبس علي، قال: ~~فجيء بالمسجد. وإني أنظر إليه، فجعلت أنعته. قالوا: فأخبرنا عن عيرنا. قال: ~~قد مررت على عير بني فلان بالروحاء، وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه، ~~فأخذت قدحا فيه ماء فشربته، فسلوهم عن ذلك، ومررت بعير بني فلان وفلان، ~~فرأيت راكبا وقعودا بذي مر، فنفر بكرهما مني فسقط فلان فانكسرت يده، ~~فسلوهما. قال: ومررت بعيركم بالتنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان ~~مخيطتان، تطلع عليكم من طلوع الشمس. # فخرجوا إلى الثنية فجلسوا ينظرون طلوع الشمس ليكذبوه إذ قال قائل: هذه ~~الشمس قد طلعت. فقال آخر: والله هذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق كما ~~قال. فلم يفلحوا ms0486 وقالوا: إن هذا سحر مبين» . # PageV01P654 ### | [ذكر الاختلاف في أول من أسلم] # اختلف العلماء في أول من أسلم، مع الاتفاق على أن خديجة أول خلق الله ~~إسلاما، فقال قوم: أول ذكر آمن علي. روي عن علي - عليه السلام - أنه قال: ~~أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب ~~مفتر، صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الناس بسبع سنين. # وقال ابن عباس: أول من صلى علي. وقال جابر بن عبد الله: «بعث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء» . وقال زيد بن ~~الأرقم: أول من أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - علي. وقال عفيف ~~الكندي: كنت امرأ تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فأتيت العباس، فبينا نحن عنده ~~إذ خرج رجل فقام تجاه الكعبة يصلي، ثم خرجت امرأة تصلي معه، ثم خرج غلام ~~فقام يصلي معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله ~~ابن أخي، زعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته ~~خديجة آمنت به، وهذا الغلام علي بن أبي طالب آمن به، وايم الله ما أعلم على ~~ظهر الأرض أحدا على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة! قال عفيف: ليتني كنت ~~رابعا. # وقال محمد بن المنذر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم المدني # PageV01P655 # والكلبي: أول من أسلم علي. قال الكلبي: كان عمره تسع سنين، وقيل: إحدى ~~عشرة سنة. # وقال ابن إسحاق: أول من أسلم علي وعمره إحدى عشرة سنة. # وكان من نعمة الله عليه أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا ~~عيال كثيرة، فقال يوما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس: يا ~~عم إن أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب، فانطلقا ~~إليه وأعلماه ما أرادا، فقال أبو طالب: اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما، ~~فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا، وأخذ العباس جعفرا، فلم يزل ~~علي عند النبي ms0487 - صلى الله عليه وسلم - حتى أرسله الله فاتبعه. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الصلاة انطلق هو وعلي إلى ~~بعض الشعاب بمكة فيصليان ويعودان. فعثر عليهما أبو طالب فقال: يا ابن أخي ~~ما هذا الدين؟ قال: دين الله وملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني ~~الله تعالى به إلى العباد، وأنت أحق من دعوته إلى الهدى وأحق من أجابني. ~~قال: لا أستطيع أن أفارق دين آبائي، ولكن والله لا تخلص قريش إليك بشيء ~~تكرهه ما حييت. # فلم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. # قال: وقال أبو طالب لعلي: ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ قال: يا أبه! آمنت ~~بالله وبرسوله وصليت معه. فقال: أما إنه لا يدعونا إلا إلى الخير فالزمه. # وقيل: أول من أسلم أبو بكر - رضي الله عنه -. قال الشعبي: سألت ابن عباس ~~عن أول من أسلم، فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # PageV01P656 # خير البرية أتقاها وأعدلها # بعد النبي وأوفاها بما حملا ... الثاني التالي المحمود مشهده # وأول الناس منهم صدق الرسلا # وقال عمرو بن عبسة: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعكاظ فقلت: ~~يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر؟ قال: تبعني عليه حر وعبد، أبو بكر ~~وبلال. فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني ربع الإسلام. # وكان أبو ذر يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام، لم يسلم قبلي إلا النبي وأبو ~~بكر وبلال. وقال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من أسلم. # وقيل: أول من أسلم زيد بن حارثة. قال الزهري وسليمان بن يسار وعمران بن ~~أبي أنس وعروة بن الزبير: أول من أسلم زيد بن حارثة، وكان هو وعلي يلزمان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان صلى الله عليه وسلم، يخرج إلى الكعبة ~~أول النهار ويصلي صلاة الضحى، وكانت قريش لا تنكرها، وكان إذا صلى غيرها ~~قعد علي وزيد بن حارثة يرصدانه. # وقال ابن إسحاق: أول ذكر أسلم بعد النبي: علي وزيد ms0488 بن حارثة، ثم أسلم أبو ~~بكر وأظهر إسلامه، وكان مانعا لقومه محبا فيهم، وكان أعلمهم بأنساب قريش ~~وما كان فيها، وكان تاجرا يجتمع إليه قومه، فجعل يدعو من يثق به من قومه، ~~فأسلم على يديه عثمان # PageV01P657 # بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن ~~عبيد الله، فجاء بهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استجابوا له ~~فأسلموا وصلوا. وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا إلى الإسلام، ثم تتابع ~~الناس في الإسلام حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس. # قال الواقدي: وأسلم أبو ذر، قالوا رابعا أو خامسا، وأسلم عمرو بن عبسة ~~السلمي رابعا أو خامسا، وقيل: إن الزبير أسلم رابعا أو خامسا، وأسلم خالد ~~بن سعيد بن العاص خامسا. وقال ابن إسحاق: أسلم هو وزوجته همينة بنت خلف بن ~~أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة بعد جماعة كثيرة. ### | [ذكر أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإظهار دعوته] # ثم إن الله تعالى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد مبعثه بثلاث سنين ~~أن يصدع بما يؤمر، وكان قبل ذلك في السنين مستترا بدعوته لا يظهرها إلا لمن ~~يثق به، فكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا، فبينما ~~سعد بن أبي وقاص وعمار وابن مسعود وخباب وسعيد بن زيد يصلون في شعب اطلع ~~عليهم نفر من المشركين، منهم: أبو سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق، وغيرهما، ~~فسبوهم وعابوهم حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه، ~~فكان أول دم أريق في # PageV01P658 # الإسلام في قول. # قال ابن عباس: «لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] خرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه! ~~فاجتمعوا إليه فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد المطلب، يا بني ~~عبد مناف! فاجتمعوا إليه. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح ~~الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم ms0489 ~~بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، ~~فنزلت: {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] السورة» # وقال جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم: «لما أنزل الله على رسوله: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] ، اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا، فجلس في ~~بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا ولكن الله أمرني أن ~~أنذر عشيرتي الأقربين. فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم فإنه غير ~~مجيبك. فدعاهم - صلى الله عليه وسلم - فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن ~~عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك ~~وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأن ~~أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من ~~أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما ~~جئتهم به. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم في ذلك المجلس. # ثم دعاهم ثانية وقال: " الحمد لله، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له "، ثم قال: " إن الرائد لا يكذب ~~أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، ~~والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ~~وإنها الجنة أبدا والنار أبدا ". # فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا ~~لحديثك، # PageV01P659 # وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، ~~فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على ~~فراق دين عبد المطلب. # فقال أبو لهب: هذه والله السوأة! خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم. # فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا» . # «وقال علي بن أبي طالب: لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: ~~214] دعاني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا ms0490 علي إن الله أمرني أن ~~أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت ذرعا وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أر منهم ~~ما أكره، فصمت عليه حتى جاءني جبرائيل فقال: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر به ~~يعذبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من ~~لبن، واجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما ~~أمرني به ثم دعوتهم، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم ~~أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام ~~الذي صنعته لهم. فلما وضعته تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزة من ~~اللحم فنتفها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم الله، ~~فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم، وايم الله ~~الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم! ثم ~~قال: " اسق القوم "، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعا، وايم ~~الله إن كان الرجل الواحد ليشرب مثله! فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهد ما سحركم به صاحبكم. ~~فتفرق القوم ولم يكلمهم - صلى الله عليه وسلم - فقال: " الغد يا علي، إن ~~هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرقوا قبل أن أكلمهم، فعد لنا من ~~الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي ". # ففعل مثل ما فعل بالأمس، فأكلوا، وسقيتهم ذلك العس، فشربوا حتى رووا ~~جميعا وشبعوا، ثم تكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا بني ~~عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم ~~به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني # PageV01P660 # الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ~~ووصيتي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت - وإني لأحدثهم سنا، ~~وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا: أنا يا نبي ms0491 الله أكون وزيرك ~~عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له ~~وأطيعوا. قال فقام القوم يضحكون فيقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك ~~وتطيع» . # وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدع بما جاءه من عند الله، ~~وأن يبادئ الناس بأمره ويدعوهم إلى الله، فكان يدعو في أول ما نزلت عليه ~~النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء، ثم صدع بأمر الله ~~وبادأ قومه بالإسلام، فلم يبعدوا منه ولم يردوا عليه إلا بعض الرد، حتى ذكر ~~آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أجمعوا على خلافه إلا من عصمه الله منهم ~~بالإسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده شيء. # فلما رأت قريش أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يعتبهم من شيء يكرهونه، وأن ~~أبا طالب قد قام دونه ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب: ~~عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد ~~بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، ~~ومن مشى منهم، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، ~~وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، ~~فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه. فقال لهم أبو طالب قولا جميلا وردهم ~~ردا رفيقا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هو ~~عليه. # ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال فتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتذامروا فيه، فمشوا إلى أبي طالب مرة ~~أخرى فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا، وإنا قد اشتهيناك أن تنهى ابن ~~أخيك فلم تفعل، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيه ~~أحلامنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى ms0492 يهلك أحد الفريقين، أو ~~كما قالوا، ثم انصرفوا عنه. # فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وخذلانه، وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأعلمه ما قالت قريش وقال له: أبق على # PageV01P661 # نفسك وعلي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه بدو، وأنه خذله وقد ضعف عن نصرته، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: " «يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في ~~شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ". ثم ~~بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقام. فلما ولى ناداه أبو طالب، ~~فأقبل عليه وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء ~~أبدا» . # فلما علمت قريش أن أبا طالب لا يخذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنه يجمع لعداوتهم، مشوا بعمارة بن الوليد فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة ~~بن الوليد فتى قريش وأجملهم، فخذه فلك عقله ونصرته فاتخذه ولدا، وأسلم لنا ~~ابن أخيك هذا الذي سفه أحلامنا، وخالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك ~~نقتله، فإنما رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم ~~أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله لا يكون أبدا! فقال المطعم بن ~~عدي بن نوفل بن عبد مناف: والله لقد أنصفك قومك، وما أراك تريد أن تقبل ~~منهم! فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة ~~القوم علي، فاصنع ما بدا لك. # فاشتد الأمر عند ذلك، وتنابذ القوم، واشتدت على من في القبائل من الصحابة ~~الذين أسلموا، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنوهم ~~عن دينهم، ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب، وقام أبو طالب في بني هاشم ~~فدعاهم إلى منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابوا إلى ذلك، ~~واجتمعوا إليه إلا ما كان من أبي لهب. # فلما ms0493 رأى أبو طالب من قومه ما سره، أقبل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيهم. «وقد مشت قريش إلى أبي طالب عند موته وقالوا ~~له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، ~~وندعه وإلهه. فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه قال له: هؤلاء سروات قومك ~~يسألونك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك. قال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أي عم! أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها، كلمة يقولونها ~~تدين لهم بها العرب ويملكون رقاب العجم؟ " فقال أبو جهل: ما هي وأبيك ~~لنعطينكها وعشر أمثالها؟ قال: تقولون لا إله إلا الله، فنفروا وتفرقوا ~~وقالوا: سل غيرها. فقال: " لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم ~~غيرها ". قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك ~~الذي يأمرك بهذا! {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم} [ص: 6] ~~، # PageV01P662 # إلى قوله: (إلا اختلاق) ، وأقبل على عمه فقال: " قل كلمة أشهد لك بها يوم ~~القيامة ". قال: لولا أن تعيبكم بها العرب وتقول: جزع من الموت لأعطيتكها، ~~ولكن على ملة الأشياخ، فنزلت: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] » . ### | [ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين] # وهم الذين سبقوا إلى الإسلام، ولا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمنعون ~~بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه، فلما رأوا امتناع ~~من له عشيرة، وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين، فجعلوا ~~يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار ليفتنوهم عن ~~دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من يتصلب ~~في دينه ويعصمه الله منهم. # فمنهم: بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر، وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه ~~حمامة سبية أيضا، وهو من مولدي السراة، وكنيته أبو عبد الله، فصار بلال ~~لأمية بن خلف الجمحي، فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء ~~على وجهه وظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى ms0494 على صدره، ويقول: لا تزال ~~هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فكان ورقة بن نوفل يمر ~~به وهو يعذب وهو يقول: أحد أحد. فيقول: أحد أحد والله يا بلال. ثم يقول ~~لأمية: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا. فرآه أبو بكر يعذب ~~فقال لأمية بن خلف الجمحي: ألا تتقي الله في # PageV01P663 # هذا المسكين؟ فقال: أنت أفسدته فأبعدته. فقال: عندي غلام على دينك أسود ~~أجلد من هذا أعطيكه به. قال: قبلت. فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا ~~فأعتقه، فهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم. # ومنهم: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي، وهو بطن من مراد - وعنس هذا ~~بالنون - أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا، أسلم هو وصهيب في ~~يوم واحد، وكان ياسر حليفا لبني مخزوم، فكانوا يخرجون عمارا وأباه وأمه إلى ~~الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء، فمر بهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: " «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ". فمات ياسر في ~~العذاب، وأغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل، فطعنها في قبلها بحربة في يديه ~~فماتت، وهي أول شهيد في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار، بالحر تارة، ~~وبوضع الصخر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا ~~وتقول في اللات والعزى خيرا، ففعل، فتركوه فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يبكي. فقال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا. قال ~~فكيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنا بالإيمان. فقال: يا عمار فعد، فأنزل الله ~~تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فشهد المشاهد كلها ~~مع رسول الله # PageV01P664 # وقتل بصفين مع علي وقد جاوز التسعين، قيل بثلاث، وقيل بأربع سنين. # ومنهم: خباب بن الأرت، كان أبوه سواديا من كسكر، فسباه قوم من ربيعة، ~~وحملوه إلى مكة فباعوه من سباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني زهرة، ms0495 وسباع ~~هو الذي بارزه حمزة يوم أحد، وخباب تميمي، وكان إسلامه قديما، قيل: سادس ~~ستة قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، فأخذه الكفار ~~وعذبوه عذابا شديدا، فكانوا يعرونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف، وهي ~~الحجارة المحماة بالنار، ولووا رأسه، فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا منه، ~~وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل الكوفة، ~~ومات سنة ست وثلاثين. # ومنهم: صهيب بن سنان الرومي، ولم يكن روميا، وإنما نسب إليهم لأنهم سبوه ~~وباعوه، وقيل: لأنه كان أحمر اللون، وهو من النمر بن قاسط، كناه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أبا يحيى قبل أن يولد له، وكان ممن يعذب في الله، ~~فعذب عذابا شديدا. ولما أراد الهجرة منعته قريش، فافتدى نفسه منهم بماله ~~أجمع، وجعله عمر بن الخطاب عند موته يصلي بالناس إلى أن يستخلف بعض أهل ~~الشورى، وتوفي بالمدينة في شوال من سنة ثمان وثلاثين وعمره سبعون سنة. # وأما عامر بن فهيرة، فهو مولى الطفيل بن عبد الله الأزدي، وكان الطفيل ~~أخا عائشة # PageV01P665 # لأمها أم رومان، أسلم قديما قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دار الأرقم، وكان من المستضعفين يعذب في الله، فلم يرجع عن دينه، واشتراه ~~أبو بكر وأعتقه، فكان يرعى غنما له، وكان يروح بغنم أبي بكر إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وإلى أبي بكر لما كانا في الغار، وهاجر معهما إلى ~~المدينة يخدمهما، وشهد بدرا وأحدا، واستشهد يوم بئر معونة وله أربعون سنة. ~~ولما طعن قال: فزت ورب الكعبة! ولم توجد جثته لتدفن مع القتلى، فقيل: إن ~~الملائكة دفنته. # ومنهم: أبو فكيهة، واسمه أفلح، وقيل يسار، وكان عبدا لصفوان بن أمية بن ~~خلف الجمحي، أسلم مع بلال، فأخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلا، وأمر به ~~فجر ثم ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل فقال له أمية: أليس هذا ربك؟ فقال: ~~الله ربي وربك ورب هذا، فخنقه خنقا شديدا، ومعه أخوه أبي بن خلف ms0496 يقول: زده ~~عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد ~~مات، ثم أفاق، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه. # وقيل: إن بني عبد الدار كانوا يعذبونه، وإنما كان مولى لهم، وكانوا يضعون ~~الصخرة على صدره حتى دلع لسانه فلم يرجع عن دينه، وهاجر ومات قبل بدر. # ومنهم: لبينة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب، أسلمت قبل إسلام عمر ~~بن الخطاب، وكان عمر يعذبها حتى تفتن ثم يدعها، ويقول: إني لم أدعك إلا ~~سآمة، فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. # ومنهم: زنيرة، كانت لبني عدي، وكان عمر يعذبها، وقيل: كانت لبني مخزوم، ~~وكان أبو جهل يعذبها حتى عميت، فقال لها: إن اللات والعزى فعلا بك. فقالت: ~~وما # PageV01P666 # يدري اللات والعزى من يعبدهما؟ ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على رد ~~بصري، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا سحر محمد، ~~فاشتراها أبو بكر فأعتقها. # (زنيرة بكسر الزاي، وتشديد النون، وتسكين الياء المثناة من تحتها، وفتح ~~الراء) . # ومنهم: النهدية، مولاة لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار فأسلمت، ~~وكانت تعذبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يبتاعك بعض أصحاب محمد، ~~فابتاعها أبو بكر فأعتقها. # ومنهم: أم عبيس، بالباء الموحدة، وقيل: عنيس، بالنون، وهي أمة لبني زهرة، ~~فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. # وكان أبو جهل يأتي الرجل الشريف ويقول له: أتترك دينك ودين أبيك وهو خير ~~منك! ويقبح رأيه وفعله ويسفه حلمه ويضع شرفه، وإن كان تاجرا يقول: ستكسد ~~تجارتك ويهلك مالك، وإن كان ضعيفا أغرى به حتى يعذب. ### | [ذكر المستهزئين ومن كان أشد الأذى للنبي - صلى الله عليه وسلم] # وهم جماعة من قريش، فمنهم: عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، كان ~~شديدا عليه وعلى المسلمين، عظيم التكذيب له، دائم الأذى، فكان يطرح العذرة ~~والنتن على باب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان جاره، فكان ms0497 رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: أي جوار هذا يا بني عبد # PageV01P667 # المطلب! فرآه يوما حمزة فأخذ العذرة وطرحها على رأس أبي لهب فجعل ينفضها ~~عن رأسه ويقول: " صاحبي أحمق! " وأقصر عما كان يفعله، لكنه يضع من يفعل ~~ذلك. # ومات أبو لهب بمكة عند وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر بمرض يعرف ~~بالعدسة. # ومنهم: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو ابن خال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان من المستهزئين، وكان إذا رأى فقراء ~~المسلمين قال لأصحابه: هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى. وكان يقول ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد! وما أشبه ~~ذلك. فخرج من أهله فأصابه السموم فاسود وجهه، فلما عاد إليهم لم يعرفوه ~~وأغلقوا الباب دونه، فرجع متحيرا حتى مات عطشا. وقيل: إن جبرائيل أومأ إلى ~~السماء فأصابته الأكلة فامتلأ قيحا فمات. # ومنهم: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي، كان أحد المستهزئين ~~الذين يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن الغيطلة، وهي أمه، ~~وكان يأخذ حجرا يعبده، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني. وكان ~~يقول: قد غر محمد أصحابه، ووعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا ~~الدهر، وفيه نزلت: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] ، وأكل حوتا ~~مملوحا فلم يزل يشرب الماء حتى مات، وقيل: أخذته الذبحة، وقيل: امتلأ رأسه ~~قيحا فمات. # ومنهم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وكان الوليد يكنى أبا ~~عبد شمس، وهو العدل، لأنه كان عدل قريش كلها، لأن قريشا كانت تكسو البيت ~~جميعها # PageV01P668 # وكان الوليد يكسوه وحده، وهو الذي جمع قريشا وقال: إن الناس يأتونكم أيام ~~الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: ساحر، ويقول هذا: ~~كاهن، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحدا مما يقولون، ~~ولكن أصلح ما قيل فيه ساحر ; لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته. وقال أبو ~~جهل: لئن سب ms0498 محمد آلهتنا سببنا إلهه، فأنزل الله تعالى: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] . ومات بعد ~~الهجرة بعد ثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون، وكان مر برجل ~~من خزاعة يريش نبلا له فوطئ على سهم منها فخدشه، ثم أومأ جبرائيل إلى ذلك ~~الخدش بيده فانتقض ومات منه، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة، ~~فأعطت خزاعة ديته. # ومنهم: أمية وأبي ابنا خلف، وكانا على شر ما عليه أحد من أذى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وتكذيبه، جاء أبي إليه - صلى الله عليه وسلم - بعظم ~~فخذ ففته في يده وقال: زعمت أن ربك يحيي هذا العظم، فنزلت: {قال من يحيي ~~العظام وهي رميم} [يس: 78] . وصنع عقبة بن أبي معيط طعاما ودعا إليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا الله، ~~ففعل، فقام معه. فقال له أمية بن خلف: أقلت كذا وكذا؟ فقال: إنما قلت ذلك ~~لطعامنا، فنزلت: {ويوم يعض الظالم على يديه} [الفرقان: 27] . وقتل أمية يوم ~~بدر كافرا، قتله خبيب وبلال، وقيل: قتله رفاعة بن رافع الأنصاري. وأما أخوه ~~أبي فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، رماه بحربة فقتله. # ومنهم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وكان ممن يؤذي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ويعين أبا # PageV01P669 # جهل على أذاه، قتله حمزة يوم بدر. # ومنهم: العاص بن وائل السهمي، والد عمرو بن العاص، وكان من المستهزئين، ~~وهو القائل لما مات القاسم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم: إن محمدا أبتر ~~لا يعيش له ولد ذكر، فأنزل: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] . فركب حمارا ~~له فلما كان بشعب من شعاب مكة ربض به حماره، فلدغ في رجله فانتفخت حتى صارت ~~كعنق البعير، فمات منها بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثاني شهر ~~دخل المدينة وهو ابن خمس وثمانين سنة. # ومنهم: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد ms0499 مناف بن عبد الدار، يكنى ~~أبا قائد، وكان أشد قريش في تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - والأذى له ~~ولأصحابه. وكان ينظر في كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى، وسمع بذكر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقرب مبعثه، فقال: إن جاءنا نذير لنكونن أهدى ~~من إحدى الأمم، فنزلت: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [فاطر: 42] ، الآية. ~~وكان يقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين، فنزل فيه عدة آيات. أسره ~~المقداد يوم بدر وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه، فقتله ~~علي بن أبي طالب صبرا بالأثيل. # ومنهم: أبو جهل ابن هشام المخزومي، كان أشد الناس عداوة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأكثرهم أذى له ولأصحابه، واسمه عمرو، وكنيته أبو الحكم، وأما ~~أبو جهل فالمسلمون كنوه به، وهو الذي قتل سمية أم عمار بن ياسر، وأفعاله ~~مشهورة، وقتل ببدر، قتله ابنا عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود. # ومنهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وكانا على ما كان عليه أصحابهما ~~من أذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والطعن عليه، وكانا يلقيانه ~~فيقولان له: أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر. ~~فقتل منبه، قتله علي بن أبي طالب ببدر، وقتل # PageV01P670 # أيضا العاص بن منبه بن الحجاج، قتله أيضا علي ببدر، وهو صاحب ذي الفقار، ~~وقيل: منبه بن الحجاج صاحبه، وقيل: نبيه. # (نبيه بضم النون، وفتح الباء الموحدة) . # ومنهم: زهير بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، ~~وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرد ما جاء به ~~ويطعن عليه، إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة. واختلف في موته فقيل: سار ~~إلى بدر فمرض فمات، وقيل: أسر ببدر فأطلقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلما عاد مات بمكة، وقيل: حضر وقعة أحد فأصابه سهم فمات منه، وقيل: سار ~~إلى اليمن بعد الفتح فمات هناك كافرا. # ومنهم: عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو ms0500 بن أمية بن عبد ~~شمس، ويكنى أبا الوليد، وكان من أشد الناس أذى لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعداوة له وللمسلمين، عمد إلى مكتل فجعل فيه عذرة وجعله على باب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبصر به طليب بن عمير بن وهب بن عبد مناف ~~بن قصي، وأمه أروى بنت عبد المطلب، فأخذ المكتل منه وضرب به رأسه وأخذ ~~بأذنيه، فشكاه عقبة إلى أمه فقال: قد صار ابنك ينصر محمدا. فقالت: ومن أولى ~~به منا؟ أموالنا وأنفسنا دون محمد. وأسر عقبة ببدر فقتل صبرا، قتله عاصم بن ~~ثابت الأنصاري، فلما أراد قتله قال: يا محمد من للصبية؟ قال: النار. قتل ~~بالصفراء، وقيل بعرق الظبية، وصلب، وهو أول مصلوب في الإسلام. # ومنهم: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان من ~~المستهزئين، ويكنى أبا زمعة، وكان وأصحابه يتغامزون بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى ~~وقيصر، ويصفرون به ويصفقون، فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يعمى ويثكل ولده، فجلس في ظل شجرة # PageV01P671 # فجعل جبرائيل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها وبشوكها حتى عمي، وقيل: ~~أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتل ابنه ~~معه ببدر كافرا، قتله أبو دجانة، وقتل ابن ابنه عتيب، قتله حمزة وعلي، ~~اشتركا في قتله، وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله علي، وقيل: ~~هو الحارث بن الأسود، والأول أصح، وهو القائل: # أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود # ومات والناس يتجهزون إلى أحد وهو يحرض الكفار وهو مريض. # ومنهم: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، يكنى أبا الريان، وكان ممن ~~يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويشتمه ويسمعه ويكذبه، وأسر ببدر، ~~وقتل كافرا صبرا، قتله حمزة. # ومنهم: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيها، ~~فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار ms0501 جبرائيل إلى رأسه فامتلأ ~~قيحا فمات. # ومنهم: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، كان شديد العداوة، لقي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب، ~~فإن صرعتني علمت أنك صادق، ولم يكن يصرعه أحد، فصرعه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثلاث مرات، ودعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، ~~فقال: لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: أقبلي، فأقبلت تخد الأرض. فقال ركانة: ما رأيت سحرا أعظم من هذا، ~~مرها فلترجع، فأمرها فعادت، فقال: هذا سحر عظيم. # هؤلاء أشد عداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن عداهم من رؤساء ~~قريش كانوا أقل عداوة من هؤلاء، كعتبة وشيبة وغيرهما، وكان جماعة من قريش ~~من أشد الناس عليه فأسلموا، تركنا ذكرهم لذلك، منهم: أبو سفيان بن الحارث ~~بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي # PageV01P672 # أخو أم سلمة لأبيها، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبو سفيان بن حرب، والحكم بن أبي العاص، والد مروان، ~~وغيرهم، أسلموا يوم الفتح. ### | [ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة] # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو ~~فيه من العافية بمكانه من الله - عز وجل - وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على ~~أن يمنعهم قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة،، فإن فيها ملكا لا يظلم أحد ~~عنده، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» . # فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم، ~~فكانت أول هجرة في الإسلام، فخرج عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - معه، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة ~~بنت سهيل، والزبير بن العوام، وغيرهم تمام عشرة رجال، وقيل: أحد عشر رجلا ~~وأربع نسوة، وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة، وهي السنة الثانية من ~~إظهار الدعوة، فأقاموا ms0502 شعبان وشهر رمضان. # وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه لما رأى مباعدة قومه له شق عليه، وتمنى أن يأتيه الله بشيء ~~يقاربهم به، وحدث نفسه بذلك، فأنزل الله: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] ، ~~فلما وصل إلى قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: ~~19] ، ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه: تلك الغرانيق العلى، ~~وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت ذلك قريش سرهم، والمسلمون مصدقون بذلك لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتهمونه ولا يظنون به سهوا ولا خطأ. فلما ~~انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة، فإنه لم ~~يطق السجود لكبره، فأخذ كفا من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس. وبلغ ~~الخبر من بالحبشة من المسلمين أن قريشا أسلمت، فعاد منهم قوم وتخلف قوم، ~~وأتى جبرائيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما قرأ، فحزن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وخاف، فأنزل الله تعالى: # PageV01P673 # {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته} [الحج: 52] ، فذهب عنه الحزن والخوف. # واشتدت قريش على المسلمين، فلما قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكة ~~بلغهم أن إسلام أهل مكة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا، ~~فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، فأمن بذلك، ودخل أبو ~~حذيفة بن عتبة بجوار أبيه، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، ~~ثم قال: أكون في ذمة مشرك! جوار الله أعز، فرد عليه جواره، وكان لبيد بن ~~ربيعة ينشد قريشا قوله: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل. # PageV01P674 # فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فلما قال: # وكل نعيم لا محالة زائل. # قال: كذبت! نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كانت مجالسكم ~~هكذا، ولا كان السفه من شأنكم. فأخبروه خبره وخبر ذمته، فقام بعض بني ~~المغيرة فلطم عين عثمان، فضحك الوليد شماتة به ms0503 حيث رد جواره، وقال لعثمان: ~~ما كان أغناك عن هذا! فقال إن عيني الأخرى لمحتاجة إلى مثل ما نالت هذه. ~~فقال له: هل لك أن تعود إلى جواري؟ قال: لا أعود إلى جوار غير الله. فقام ~~سعد بن أبي وقاص إلى الذي لطم عين عثمان فكسر أنفه، فكان أول دم أريق في ~~الإسلام في قول. # وأقام المسلمون بمكة يؤذون، فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ~~ثانيا، فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة، فكمل بها تمام ~~اثنين وثمانين رجلا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم بمكة يدعو إلى ~~الله سرا وجهرا، فلما رأت قريش أنه لا سبيل لها إليه رموه بالسحر والكهانة ~~والجنون وأنه شاعر، وجعلوا يصدون عنه من خافوا أن يسمع قوله. # وكان أشد ما بلغوا منه ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «حضرت ~~قريش يوما بالحجر فذكروا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نال منهم وصبرهم ~~عليه، فبينما هم كذلك إذ طلع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشى حتى استلم ~~الركن، ثم مر بهم طائفا، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى ~~فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها، ثم الثالثة، فقال: أتسمعون يا معشر قريش؟ ~~والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فكأنما على رءوسهم الطير واقع ~~حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد. وانصرف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ ~~منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يقولون له: أنت الذي تقول ~~كذا وكذا؟ فيقول: أنا الذي أقول ذلك، فأخذ عقبة بن # PageV01P675 # أبي معيط بردائه، وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي: ويلكم! ~~(أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) ثم انصرفوا عنه» . هذا أشد ما بلغت عنه. ### | [ذكر إرسال قريش إلى النجاشي في طلب المهاجرين] # لما رأت ms0504 قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمنوا، وأن النجاشي قد ~~أحسن صحبتهم، ائتمروا بينهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية ~~ومعهما هدية إليه وإلى أعيان أصحابه، فسارا حتى وصلا الحبشة، فحملا إلى ~~النجاشي هديته وإلى أصحابه هداياهم وقالا لهم: إن ناسا من سفهائنا فارقوا ~~دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا ~~أنتم، وقد أرسلنا أشراف قومهم إلى الملك ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك ~~فيهم فأشيروا عليه بأن يرسلهم معنا من غير أن يكلمهم، وخافا أن يسمع ~~النجاشي كلام المسلمين أن لا يسلمهم. فوعدهما أصحاب النجاشي المساعدة على ~~ما يريدان. ثم إنهما حضرا عند النجاشي فأعلماه ما قد قالاه، فأشار أصحابه ~~بتسليم المسلمين إليهما. فغضب من ذلك وقال: لا والله لا أسلم قوما جاوروني ~~ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان، ~~فإن كانا صادقين سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ما يذكر هذان منعتهم ~~وأحسنت جوارهم. # ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم فحضروا، ~~وقد أجمعوا على صدقه فيما ساءه وسره، وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب. ~~فقال لهم النجاشي: ما # PageV01P676 # هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من ~~الملل؟ فقال جعفر: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ~~ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى ~~بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد ~~الله، وأن لا نشرك به شيئا، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق ~~الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ~~ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام. ~~وعدد عليه أمور الإسلام، قال: فآمنا به وصدقناه، وحرمنا ما حرم علينا، ~~وحللنا ما أحل لنا، فتعدى علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا ~~إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا ms0505 إلى ~~بلادك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. # فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم، فقرأ عليه سطرا ~~من (كهيعص) ، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به ~~عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدا! . # فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما يبيد ~~خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي أمية، وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإن ~~لهم أرحاما. # فلما كان الغد قال للنجاشي: إن هؤلاء يقولون في عيسىابن مريم قولا عظيما. ~~فأرسل النجاشي فسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا ~~به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء ~~البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. ~~فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون، ما ~~أحب أن لي جبلا من ذهب وأنني آذيت رجلا منكم. ورد هدية قريش وقال: ما أخذ ~~الله الرشوة مني حتى آخذها منكم، ولا أطاع الناس في حتى أطيعهم فيه. وأقام ~~المسلمون بخير دار. # وظهر ملك من الحبشة فنازع النجاشي في ملكه، فعظم ذلك على المسلمين، # PageV01P677 # وسار النجاشي إليه ليقاتله، وأرسل المسلمون الزبير بن العوام ليأتيهم ~~بخبره، وهم يدعون له، فاقتتلوا، فظفر النجاشي، فما سر المسلمون بشيء سرورهم ~~بظفره. # قيل: إن معنى قوله إن الله لم يأخذ الرشوة مني، أن أبا النجاشي لم يكن له ~~ولد غيره، وكان له عم قد أولد اثني عشر ولدا، فقالت الحبشة: لو قتلنا أبا ~~النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وكان أخوه وأولاده ~~يتوارثون الملك دهرا. فقتلوا أباه وملكوا عمه ومكثوا على ذلك حينا، وبقي ~~النجاشي عند عمه، وكان عاقلا، فغلب على أمر عمه، فخافت الحبشة أن يقتلهم ~~جزاء لقتل أبيه، فقالوا لعمه: إما أن تقتل النجاشي، وإما أن تخرجه من بين ~~أظهرنا فقد خفناه. فأجابهم إلى إخراجه من ms0506 بلادهم على كره منه، فخرجوا إلى ~~السوق فباعوه من تاجر بستمائة درهم. فسار به التاجر في سفينته. فلما جاء ~~العشاء هاجت سحابة فأصابت عمه بصاعقة، ففزعت الحبشة إلى أولاده، فإذا هم لا ~~خير فيهم، فهرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم: والله لا يقيم أمركم إلا ~~النجاشي، فإن كان لكم بالحبشة رأي فأدركوه. # فخرجوا في طلبه حتى أدركوه وملكوه. وجاء التاجر وقال لهم: إما أن تعطوني ~~مالي وإما أن أكلمه. فقالوا: كلمه. فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما بستمائة ~~درهم ثم أخذوا الغلام والمال. فقال النجاشي: إما أن تعطوه دراهمه وإما أن ~~يضع الغلام يده في يده فليذهبن به حيث شاء. فأعطوه دراهمه، فهذا معنى قوله. ~~فكان ذلك أول ما علم من عدله ودينه. # قال: ولما مات النجاشي كانوا لا يزالون يرون على قبره نورا. ### | [ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب] # ثم إن أبا جهل مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس عند الصفا، ~~فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها ~~تسمع ذلك. ثم انصرف عنه # PageV01P678 # فجلس في نادي قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل من ~~قنصة متوشحا قوسه، وكان إذا رجع لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان ~~يقف على أندية قريش ويسلم عليهم ويتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدهم شكيمة. ~~فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع إلى ~~بيته، قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن ~~هشام، فإنه سبه وآذاه، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. قال: فاحتمل حمزة ~~الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع ~~يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، حتى دخل المسجد، ~~فرآه جالسا في القوم، فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس فشجه شجة منكرة، وقال: ~~أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فاردد علي ms0507 إن استطعت. # وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا ~~عمارة فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه. # فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عز، ~~وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. # واجتمع يوما أصحابه فقالوا: ما سمعت قريش القرآن يجهر لها به، فمن رجل ~~يسمعهموه؟ فقال ابن مسعود: أنا. فقالوا: نخشى عليك إنما نريد من له عشيرة ~~يمنعونه. قال: إن الله سيمنعني. فغدا عليهم في الضحى، حتى أتى المقام وقريش ~~في أنديتها، ثم رفع صوته وقرأ سورة الرحمن، فلما علمت قريش أنه يقرأ القرآن ~~قاموا إليه يضربونه وهو يقرأ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، ~~فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم ~~اليوم، ولئن شئتم لأغادينهم. قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. ### | [ذكر إسلام عمر بن الخطاب] # ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلا، وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: أسلم بعد ~~أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وقيل: أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا، وإحدى ~~وعشرين امرأة. # PageV01P679 # وكان رجلا جلدا منيعا، وأسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة. وكان أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى أسلم عمر، ~~فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عندها، وصلى معه أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم. # وكان قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب، فقوي المسلمون بهما، وعلموا أنهما ~~سيمنعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين. # قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن ربيعة: إنا لنرحل إلى ~~أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف ~~علي، وكنا نلقى منه البلاء أذى وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: ~~قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله ~~لنا فرجا. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزنا. قالت: ms0508 فلما عاد ~~أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ ~~قلت: نعم. فقال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته ~~على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم، فصار على الكفار أشد منه على ~~المسلمين. # وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو ~~العدوي، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله ~~النحام العدوي قد أسلم أيضا وهو يخفي إسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن ~~الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما ومعه سيفه يريد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، ~~وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلا، فلقيه نعيم بن عبد الله ~~فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا الذي فرق أمر قريش وعاب دينها ~~فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي ~~على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهلي؟ ~~قال: ختنك وابن عمتك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما. # فرجع عمر إليهما وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما القرآن. فلما سمعوا حس ~~عمر تغيب خباب، وأخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذيها، وقد سمع عمر قراءة ~~خباب. فلما دخل قال: ما هذه الهينمة؟ قالا: ما سمعت شيئا؟ قال: بلى، قد ~~أخبرت # PageV01P680 # أنكما تابعتما محمدا، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته لتكفه، ~~فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته: قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، ~~فاصنع ما شئت. # ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وقال لها: أعطني هذه الصحيفة التي ~~سمعتكم تقرأون فيها الآن، حتى أنظر إلى ما جاء به محمد. قالت: إنا نخشاك ~~عليها، فحلف أنه يعيدها. قالت له: وقد طمعت في إسلامه: إنك نجس على شركك، ~~ولا يمسها إلا المطهرون، فقام فاغتسل. فأعطته الصحيفة وقرأها، وفيها: (طه) ms0509 ~~، وكان كاتبا، فلما قرأ بعضها قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ~~خباب خرج إليه وقال: يا عمر إني والله لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة ~~نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي ~~الحكم بن هشام» ، فالله الله يا عمر! فقال عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على ~~محمد حتى آتيه فأسلم. فدله خباب، فأخذ سيفه وجاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه فضرب عليهم الباب، فقام رجل منهم فنظر من خلل الباب، فرآه ~~متوشحا سيفه، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال حمزة: ائذن ~~له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن أراد شرا قتلناه بسيفه. # فأذن له، «فنهض إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لقيه فأخذ بمجامع ~~ردائه ثم جذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك؟ ما أراك تنتهي حتى ينزل الله ~~عليك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله جئت لأومن بالله وبرسوله، فكبر - صلى ~~الله عليه وسلم - تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم» . فلما أسلم قال: أي ~~قريش أنقل للحديث؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، فجاءه فأخبره بإسلامه، فمشى ~~إلى المسجد وعمر وراءه وصرخ: يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. فيقول ~~عمر من خلفه: كذب ولكني أسلمت، فقاموا، فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت ~~الشمس وأعيا، فقعد وهم على رأسه، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فلو كنا ~~ثلاثمائة نفر تركناها لكم أو تركتموها لنا، يعني مكة. # فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عليه حلة فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. ~~قال فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم ~~صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل. وكان الرجل العاص بن وائل السهمي. # قال عمر: لما أسلمت أتيت باب أبي جهل بن هشام فضربت عليه بابه، فخرج إلي ~~وقال: مرحبا بابن أخي! ما جاء بك؟ قلت: جئت لأخبرك أني قد أسلمت وآمنت # PageV01P681 # بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وصدقت ms0510 ما جاء به. قال: فضرب الباب في وجهي ~~وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت به! # وقيل في إسلامه غير هذا. ### | [ذكر أمر الصحيفة] # ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر، ~~وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من ~~منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون ~~فيه على: أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوهم ~~ولا يبتاعوا منهم شيئا. فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا ~~الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت قريش ذلك ~~انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا. # وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش، فلقي هندا بنت عتبة ~~فقال: كيف رأيت نصري اللات والعزى؟ قالت: لقد أحسنت. فأقاموا على ذلك سنتين ~~أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا. # وذكروا أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه قمح يريد به عمته ~~خديجة، وهي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب، فتعلق به وقال: ~~والله لا تبرح حتى أفضحك. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله؟ عنده ~~طعام لعمته أفتمنعه أن يحمله إليها؟ خل سبيله. فأبى أبو جهل، فنال منه، ~~فضربه أبو البختري بلحي جمل فشجه ووطئه وطأ شديدا، وحمزة ينظر إليهم، وهم ~~يكرهون أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فيشمت بهم هو والمسلمون. ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس سرا وجهرا، والوحي متتابع ~~إليه، فبقوا كذلك ثلاث سنين. # PageV01P682 # وقام في نقض الصحيفة نفر من قريش، وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن ~~الحارث بن عمرو بن لؤي، وهو ابن أخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لأمه، وكان ~~يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيدخل ~~الشعب. فلما رأى ms0511 ما هم فيه وطول المدة عليهم، مشى إلى زهير بن أبي أمية بن ~~المغيرة المخزومي، أخي أم سلمة، وكان شديد الغيرة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير ~~أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء وأخوالك حيث علمت؟ أما ~~إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم - يعني أبا جهل - ثم دعوته إلى ~~مثل ما دعاك إليه ما أجابك أبدا. فماذا أصنع؟ وإنما أنا رجل واحد، والله لو ~~كان معي رجل آخر لنقضتها. فقال: قد وجدت رجلا. قال: ومن هو؟ قال: أنا. قال ~~زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له: ~~أرضيت أن يهلك بطنان من بني عدي بن عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟ أما ~~والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ما أصنع؟ إنما ~~أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا قال: ابغنا ثالثا. ~~قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعا. فذهب ~~إلى أبي البختري بن هشام، وقال له نحوا مما قال للمطعم، قال: وهل من أحد ~~يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: أنا وزهير والمطعم. قال: ابغنا ~~خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم، ~~قال: وهل على هذا الأمر معين؟ قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا خطم الحجون ~~الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة. فقال ~~زهير: أنا أبدأكم. # فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس ~~فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا ~~يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو ~~جهل: كذبت # PageV01P683 # والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين ~~كتبت. قال أبو البختري: صدق ms0512 زمعة، لا نرضى ما كتب فيها. قال المطعم بن عدي: ~~صدقتما وكذب من قال غير ذلك. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: ~~هذا أمر قضي بليل. وأبو طالب في ناحية المسجد. # فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان: باسمك ~~اللهم، كانت تفتتح بها كتبها، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده. # وقيل: كان سبب خروجهم من الشعب أن الصحيفة لما كتبت وعلقت بالكعبة اعتزل ~~الناس بني هاشم وبني المطلب، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو ~~طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين، فأرسل الله الأرضة وأكلت ما فيها من ظلم ~~وقطيعة رحم، وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى، فجاء جبرائيل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأعلمه بذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه ~~أبي طالب، وكان أبو طالب لا يشك في قوله، فخرج من الشعب إلى الحرم، فاجتمع ~~الملأ من قريش، وقال: إن ابن أخي أخبرني أن الله أرسل على صحيفتكم الأرضة، ~~فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم، وتركت اسم الله تعالى، فأحضروها، فإن كان ~~صادقا علمتم أنكم ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا، وإن كان كاذبا علمنا أنكم ~~على حق وأنا على باطل. # فقاموا سراعا وأحضروها، فوجدوا الأمر كما قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقويت نفس أبي طالب واشتد صوته وقال: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم ~~والقطيعة. فنكسوا رءوسهم ثم قالوا: إنما يأتوننا بالسحر والبهتان، وقام ~~أولئك النفر في نقضها كما ذكرنا، وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ~~ما فيها من ظلم وقطيعة رحم أبياتا منها: # وقد كان في أمر الصحيفة عبرة ... متى ما يخبر غائب القوم يعجب # محا الله منهم كفرهم وعقوقهم ... وما نقموا من ناطق الحق معرب # فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا ... ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب # PageV01P684 ### | [ذكر وفاة أبي طالب وخديجة وعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه على العرب] # توفي أبو طالب وخديجة قبل ms0513 الهجرة بثلاث سنين وبعد خروجهم من الشعب، فتوفي ~~أبو طالب في شوال أو في ذي القعدة، وعمره بضع وثمانون سنة، وكانت خديجة ~~ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: كان بينهما خمسة وخمسون يوما، وقيل: ~~ثلاثة أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهلاكهما، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى ~~مات أبو طالب» ، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم ~~يكونوا يصلون إليه في حياته، حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه، وحتى «إن ~~بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يخرج ذلك على العود ويقول: أي جوار هذا يا بني عبد مناف! ثم يلقيه ~~بالطريق» . # فلما اشتد عليه الأمر بعد موت أبي طالب، خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف ~~يلتمس منهم النصر. فلما انتهى إليهم عمد إلى ثلاثة نفر منهم، وهم يومئذ ~~سادة ثقيف، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير، ~~فدعاهم إلى الله وكلمهم في نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه، ~~فقال أحدهم: مارد يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال آخر: أما وجد ~~الله من يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا ~~من الله - كما تقول - لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على ~~الله فما ينبغي لي أن أكلمك. # «فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: ~~إذا أبيتم فاكتموا علي ذلك، وكره أن يبلغ قومه، فلم يفعلوا وأغروا به ~~سفهاءهم. فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهو ~~البستان، وهما فيه، ورجع السفهاء عنه، وجلس إلى # PageV01P685 # ظل حبلة وقال: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، ~~اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد ~~يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري، ms0514 إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي! ولكن ~~عافيتك هي أوسع، إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل بي سخطك» ". # فلما رأى ابنا ربيعة ما لحقه تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ~~اسمه عداس فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، واذهب به إلى ذلك الرجل، ففعل ~~فلما وضعه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده فيه وقال: بسم ~~الله، ثم أكل، فقال عداس: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: " من أي بلاد أنت؟ وما دينك؟ " قال: ~~أنا نصراني من أهل نينوى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " أمن قرية ~~الصالح يونس بن متى؟ " قال له: وما يدريك ما يونس؟ قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: " ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي "، فأكب عداس على يدي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورجليه يقبلها فعاد. # فيقول ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس ~~قالا له: ويحك ما لك تقبل يديه ورجليه؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل. ~~قالا: ويحك إن دينك خير من دينه! # ثم «انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا إلى مكة حتى إذا كان ~~في جوف الليل قائما يصلي، فمر به نفر من الجن، وهم سبعة نفر من جن نصيبين، ~~رائحين إلى اليمن فاستمعوا له، فلما فرغ من صلواته ولوا إلى قومهم منذرين، ~~قد آمنوا وأجابوا» . # وذكر بعضهم «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عاد من ثقيف أرسل ~~إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه فأجاره، وأصبح المطعم قد لبس ~~سلاحه هو وبنوه وبنو # PageV01P686 # أخيه فدخلوا المسجد، فقال له أبو جهل: أمجير أم متابع؟ قال: بل مجير. ~~قال: قد أجرنا من أجرت فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وأقام بها. ~~فلما رآه أبو جهل ms0515 قال: هذا نبيكم يا عبد مناف. فقال عتبة بن ربيعة: وما ~~ينكر أن يكون منا نبي وملك؟ فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ~~فأتاهم فقال: " أما أنت يا عتبة فما حميت لله، وإنما حميت لنفسك، وأما أنت ~~يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا، وأما ~~أنتم يا معشر قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تنكرون ~~وأنتم كارهون. "، فكان الأمر كذلك» . # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه في المواسم على قبائل ~~العرب، فأتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله ~~وعرض نفسه عليهم، فأبوا عليه. فأتى كلبا، إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد ~~الله، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم، فلم يقبلوا ما عرض عليهم. ثم إنه ~~أتى بني حنيفة وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم. ~~ثم أتى بني عامر فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، «فقال له رجل منهم: ~~أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ ~~قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» . قال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك ~~فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك. # فلما رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم كبير فأخبروه خبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ونسبه، وضع يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل من تلاف؟ والذي ~~نفسي بيده ما تقولها إسماعيلي قط وإنها لحق، وأين كان رأيكم عنه! # ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على كل قادم له اسم ~~وشرف ويدعوه إلى الله. وكان كلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام تبعه عمه ~~أبو لهب، فإذا فرغ رسول الله - # PageV01P687 # صلى الله عليه وسلم - من كلامه يقول لهم أبو لهب: يا بني فلان، إنما ~~يدعوكم هذا إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن إلى ما ~~جاء به من الضلالة ms0516 والبدعة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له. ### | [ذكر أول عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه على الأنصار وإسلامهم] # فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بطن من الأوس مكة حاجا ومعتمرا، ~~وكان يسمى الكامل لجلده وشعره ونسبه، وهو القائل: # ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري # مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر # يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر # تبين لك العينان ما هو كاتم ... وما جن بالبغضاء والنظر الشزر # فرشني بخير طالما قد بريتني ... فخير الموالي من يريش ولا يبري # فتصدى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه ~~القرآن، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف وقدم المدينة، فلم ~~يلبث أن قتله الخزرج، قتل يوم بعاث، فكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم. # (بعاث بالباء الموحدة المضمومة، والعين المهملة، وهو الصحيح) # وقدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة مع فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس ~~بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال # PageV01P688 # لهم: هل لكم فيما هو خير لكم مما جئتم له؟ ودعاهم إلى الإسلام، وقرأ ~~عليهم القرآن، فقال إياس، وكان غلاما حدثا: هذا والله خير مما جئنا له. ~~فضرب وجهه أبو الحيسر بحفنة من البطحاء وقال: دعنا منك فلقد جئنا لغير هذا ~~فسكت إياس، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلبث إياس أن هلك، ~~فسمعه قومه يهلل الله ويكبره حتى مات، فما يشكون أنه مات مسلما. ### | [ذكر بيعة العقبة الأولى وإسلام سعد بن معاذ] # فلما أراد الله إظهار دينه وإنجاز وعده خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على القبائل كما ~~كان يفعله، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج، فدعاهم إلى الله، ~~وعرض عليهم الإسلام، وقد كانت يهود معهم ببلادهم، وكان هؤلاء ms0517 أهل أوثان، ~~فكانوا إذا كان بينهم شر تقول اليهود: إن نبيا يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه ~~قتل عاد وثمود. فقال أولئك النفر بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي توعدكم ~~به اليهود، فأجابوه وصدقوه وقالوا له: إن بين قومنا شرا، وعسى الله أن ~~يجمعهم بك، فإن اجتمعوا عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عنه، وكانوا سبعة ~~نفر من الخزرج: أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، ~~وهو ابن عفراء، كلاهما من بني النجار، ورافع بن مالك بن عجلان، وعامر بن ~~عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم، كلاهما من بني زريق، وقطبة بن عامر بن حديد بن ~~سواد من بني سلمة - سلمة هذا بكسر اللام - وعقبة بن عامر بن نابئ من بني ~~غنم، وجابر بن عبد الله بن رياب من بني عبيدة. # (رياب: بكسر الراء والياء المعجمة باثنتين من تحت والياء الموحدة) . # فلما قدموا المدينة ذكروا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوهم إلى ~~الإسلام حتى فشا فيهم، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار ~~اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، # PageV01P689 # وهي العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ~~ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، وذكوان بن عبد قيس ~~من بني زريق، وعبادة بن الصامت من بني عوف بن الخزرج، ويزيد بن ثعلبة بن ~~خزمة أبو عبد الرحمن من بلي حليف لهم، وعباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم، ~~وعقبة بن عامر بن نابئ، وقطبة بن عامر بن حديدة، وهؤلاء من الخزرج، وشهدها ~~من الأوس أبو الهيثم بن التيهان، حليف لبني عبد الأشهل، وعويم بن ساعدة ~~حليف لهم. # فانصرفوا عنه، وبعث - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن ~~عبد مناف بن عبد الدار وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، فنزل ~~بالمدينة على أسعد بن زرارة، فخرج به أسعد بن زرارة فجلس في دار بني ظفر، ~~واجتمع عليهما رجال ممن أسلم، فسمع به ms0518 سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما سيدا ~~بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك، فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين الذين أتيا ~~دارنا فانههما، فإنه لولا أسعد بن زرارة، وهو ابن خالتي، كفيتك ذلك، فأخذ ~~أسيد حربته ثم أقبل عليهما، فقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا عنا. ~~فقال مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره! ~~فقال أنصفت. ثم جلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، فقال: ما أحسن هذا وأجله! ~~كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثيابك ثم تشهد شهادة ~~الحق ثم تصلي ركعتين، ففعل ذلك وأسلم. ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن ~~تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ. # ثم انصرف إلى سعد وقومه، فلما نظر إليه سعد قال: أحلف بالله لقد جاءكم ~~بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم! فقال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت ~~الرجلين، والله ما رأيت بهما بأسا، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى ~~أسعد بن زرارة ليقتلوه، فقام سعد مغضبا مبادرا لخوفه مما ذكر له، ثم خرج ~~إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف ما أراد أسيد، فوقف عليهما وقال لأسعد بن ~~زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. فقال له مصعب: ~~أوتقعد فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره! فعرض عليه ~~مصعب الإسلام، وقرأ عليه القرآن فقال لهما: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا ~~الدين؟ فقالا له ما قالا لأسيد، فأسلم وتطهر، ثم عاد إلى نادي قومه ومعه ~~أسيد بن حضير، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري ~~منكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى ~~تؤمنوا # PageV01P690 # بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا ~~مسلما أو مسلمة. # ورجع مصعب إلى منزل أسعد، ولم يزل يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من ~~دور الأنصار ms0519 إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من بني أمية بن زيد ~~ووائل وواقف، فإنهم أطاعوا أبا قيس بن الأسلت، فوقف بهم عن الإسلام حتى ~~هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومضت بدر وأحد والخندق، وعاد مصعب إلى ~~مكة. # (أسيد: بضم الهمزة، وفتح السين، وحضير: بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد ~~المعجمة، وتسكين الياء تحتها نقطتان، وفي آخره راء) . ### | [ذكر بيعة العقبة الثانية] # لما فشا الإسلام في الأنصار اتفق جماعة منهم على المسير إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مستخفين لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم في ذي ~~الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريق بالعقبة. # فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه، مستخفين يتسللون حتى اجتمعوا ~~بالعقبة، وهم سبعون رجلا، معهم امرأتان: نسيبة بنت كعبأم عمارة وأسماء أم ~~عمرو بن عدي من بني سلمة وجاءهم رسول الله ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، ~~وهو كافر أحب أن يتوثق لابن أخيه، فكان العباس أول من تكلم فقال: يا معشر ~~الخزرج، وكانت العرب تسمي الخزرج والأوس به، إن محمدا منا حيث قد علمتم في ~~عز ومنعة، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له ~~بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن ~~فدعوه فإنه في عز ومنعة. # فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما ~~أحببت. # PageV01P691 # فتكلم وتلا القرآن، ورغب في الإسلام ثم قال: «تمنعوني مما تمنعون منه ~~نساءكم وأبناءكم» . # ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع ~~منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب. # فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين ~~الناس حبالا، وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن أظهرك الله - عز وجل ~~- أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ . # فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: بل الدم الدم، والهدم ~~الهدم، أنتم مني ms0520 وأنا منكم، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم. وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: " «أخرجوا إلي اثني عشر نقيبا يكونون على ~~قومهم» "، فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. # وقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون ~~علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون ~~أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو والله ~~خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو والله خير ~~الدنيا والآخرة. # قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول ~~الله؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبايعوه. # وما قال العباس بن عبادة ذلك إلا ليشد العقد له عليهم. وقيل: بل قاله ~~ليؤخر الأمر ليحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم. # فكان أول من بايعه أبو أمامة أسعد بن زرارة، وقيل: أبو الهيثم بن ~~التيهان، وقيل: البراء بن معرور. ثم تتابع القوم فبايعوا، فلما بايعوه صرخ ~~الشيطان من رأس العقبة: يا # PageV01P692 # أهل الجباجب، هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " أما والله لأفرغن لك أي عدو الله! " ثم ~~قال: " ارفضوا إلى رحالكم " فقال له العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق ~~نبيا لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. فقال: " لم نؤمر بذلك "، ~~فرجعوا. # فلما أصبحوا جاءهم جلة قريش فقالوا: قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا ~~تستخرجونه وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض ~~إلينا أن تنشب بيننا وبينهم الحرب منكم. فحلف من هنالك من مشركي الأنصار ما ~~كان هذا شيء. # فلما سار الأنصار من مكة قال البراء بن معرور: يا معشر الخزرج! قد رأيت ~~أن لا أستدبر الكعبة في صلاتي. فقالوا له: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يستقبل الشام، فنحن لا نخالفه، فكان يصلي إلى الكعبة، فلما قدم مكة ~~سأل رسول الله - صلى الله ms0521 عليه وسلم - عن ذلك فقال: لقد كنت على قبلة لو ~~صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله. فلما بايعوه ورجعوا إلى المدينة، كان ~~قدومهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بقية ذي ~~الحجة والمحرم وصفر، وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وقدمها لاثني ~~عشرة ليلة خلت منه. # وقد كانت قريش لما بلغهم إسلام من أسلم من الأنصار، اشتدوا على من بمكة ~~من المسلمين، وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وهي الفتنة الآخرة، ~~وأما الأولى فكانت قبل هجرة الحبشة. # وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى، فإن الأولى ~~كانت على بيعة النساء، وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود. # ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فكان ~~أول من قدمها أبو سلمة بن عبد الأسد، وكانت هجرته قبل البيعة بسنة، ثم هاجر ~~بعده عامر بن ربيعة حليف بني عدي مع امرأته ليلى ابنة أبي حثمة! ثم عبد ~~الله بن جحش ومعه أخوه أبو أحمد # PageV01P693 # وجميع أهله، فأغلقت دارهم، وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش ~~بن أبي ربيعة فنزلا في بني عمرو بن عوف، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن ~~هشام إلى عياش بن أبي ربيعة بالمدينة، وكان أخاهما لأمهما، فقال له: إن أمك ~~قد نذرت أنها لا تستظل ولا تمتشط. فرق لها وعاد. وتتابع الصحابة بالهجرة ~~إلى أن هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم. ### | [ذكر هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم] # لما تتابع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة أقام هو بمكة ~~ينتظر ما يؤمر به من ذلك، وتخلف معه علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق. فلما ~~رأت قريش ذلك حذروا خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا في دار ~~الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وتشاوروا فيها فدخل معهم إبليس في صورة شيخ ~~وقال: أنا من أهل نجد سمعت بخبركم فحضرت، وعسى أن لا تعدموا مني رأيا. ms0522 # وكانوا: عتبة، وشيبة، وأبا سفيان، وطعيمة بن عدي، وحبيب بن مطعم، والحارث ~~بن عامر، والنضر بن الحارث، وأبا البختري بن هشام، وربيعة بن الأسود، وحكيم ~~بن حزام، وأبا جهل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج، وأمية بن خلف، وغيرهم. # فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان، وما نأمنه على ~~الوثوب علينا بمن اتبعه، فأجمعوا فيه رأيا فقال بعضهم: احبسوه في الحديد ~~وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب الشعراء قبله. فقال النجدي: ما هذا ~~لكم برأي، لو حبستموه يخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن ~~يثبوا عليكم، فينتزعوه من أيديكم. فقال آخر: نخرجه وننفيه من بلدنا ولا ~~نبالي أين وقع إذا غاب عنا. فقال # PageV01P694 # النجدي: ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه؟ لو فعلتم ذلك لحل على حي من ~~أحياء العرب فيغلب عليهم بحلاوة منطقه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم ويأخذ ~~أمركم من أيديكم. فقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى نسيبا، ونعطي ~~كل فتى منهم سيفا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فإذا فعلوا ذلك تفرق ~~دمه في القبائل كلها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، ورضوا ~~منا بالعقل. فقال النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي! فتفرقوا على ذلك. # فأتى جبرائيل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تبت الليلة على ~~فراشك. فلما كان العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، ~~فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي بن أبي طالب: نم على ~~فراشي واتشح ببردي الأخضر، فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن ~~يؤدي ما عنده من وديعة وأمانة وغير ذلك. # وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ حفنة من تراب فجعله على ~~رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات من {يس والقرآن الحكيم} [يس: 1] ، إلى قوله: ~~{فهم لا يبصرون} [يس: 9] . ثم انصرف فلم يروه، فأتاهم آت فقال: ما تنتظرون؟ ~~فقالوا: محمدا. قال: خيبكم الله، خرج عليكم ولم ms0523 يترك أحدا منكم إلا جعل على ~~رأسه التراب وانطلق لحاجته! فوضعوا أيديهم على رءوسهم فرأوا التراب، وجعلوا ~~ينظرون فيرون عليا نائما وعليه برد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: ~~إن محمدا لنائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي عن الفراش، فعرفوه، ~~وأنزل الله في ذلك: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} ~~[الأنفال: 30] الآية. # وسأل أولئك الرهط عليا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا أدري، ~~أمرتموه بالخروج فخرج. فضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه، ~~ونجى الله رسوله من مكرهم وأمره بالهجرة، وقام علي يؤدي أمانة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ويفعل ما أمره. # وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئه أحد طرفي ~~النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرة أو عشية، حتى كان اليوم الذي أذن الله ~~فيه لرسوله بالهجرة فأتانا بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء هذه ~~الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل جلس # PageV01P695 # على السرير وقال: أخرج من عندك. قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ~~ذاك؟ قال: إن الله قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول ~~الله؟ ! قال: الصحبة، فبكى أبو بكر من الفرح، فاستأجرا عبد الله بن أرقد، ~~من بني الديل بن بكر، وكان مشركا، يدلهما على الطريق، ولم يعلم بخروج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - غير أبي بكر وعلي وآل أبي بكر، فأما علي فأمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخلف عنه حتى يؤدي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الودائع التي كانت عنده ثم يلحقه. # وخرجا من خوخة في بيت أبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور فدخلاه، ~~وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لهما بمكة نهاره ثم يأتيهما ليلا، ~~وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بها ليلا، وكانت ~~أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما مساء، فأقاما في الغار ثلاثا. ms0524 # وجعلت قريش مائة ناقة لمن رده عليهم. # وكان عبد الله بن أبي بكر إذا غدا من عندهما اتبع عامر بن فهيرة أثره ~~بالغنم حتى يعفي عليه. فلما مضت الثلاث وسكن الناس أتاهما دليلهما ~~ببعيريهما، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما بالثمن فركبه، ~~وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فحلت نطاقها ~~فجعلته عصاما وعلقت السفرة به، وكان يقال لأسماء: ذات النطاقين لذلك. # ثم ركبا وسارا، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة يخدمهما في الطريق، ~~فساروا ليلتهم ومن الغد إلى الظهر، ورأوا صخرة طويلة، فسوى أبو بكر عندها ~~مكانا ليقيل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليستظل بظلها، فنام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرسه أبو بكر حتى رحلوا بعدما زالت ~~الشمس. # وكانت قريش قد جعلت لمن يأتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دية، فتبعهم ~~سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فلحقهم وهم في أرض صلبة، فقال أبو بكر: يا ~~رسول الله، أدركنا الطلب! فقال: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ودعا ~~عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارتطمت فرسه # PageV01P696 # إلى بطنها وثار من تحتها مثل الدخان. فقال: ادع لي محمد ليخلصني الله، ~~ولك علي أن أرد عنك الطلب، فدعا له فتخلص، فعاد يتبعهم، فدعا عليه الثانية ~~فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى، فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من ~~دعائك علي، فادع لي ولك عهد الله أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وقرب من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: يا رسول الله خذ سهما من كنانتي، ~~وإن إبلي بمكان كذا فخذ منها ما أحببت. فقال: لا حاجة لي في إبلك. # فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا ~~سراقة إذا سورت بسواري كسرى؟ قال: كسرىبن هرمز» ؟ قال: نعم. فعاد سراقة ~~فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلا ~~رده. ms0525 # قالت أسماء بنت أبي بكر: «لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر فقالوا: أين أبوك؟ ~~قلت: لا أدري، فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمة طرح قرطي، وكان فاحشا خبيثا. ~~ومكثنا مليا لا ندري أين توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى ~~رجل من الجن من أسفل مكة، والناس يتبعونه يسمعون صوته ولا يرون شخصه وهو ~~يقول: # جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد # هما نزلا بالهدي واغتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد # ليهنئ بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد # PageV01P697 # قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا أن وجهه كان إلى المدينة» . # وقدم بهما دليلهما قباء فنزل على بني عمرو بن عوف لاثني عشرة ليلة خلت من ~~ربيع الأول يوم الاثنين حين كادت الشمس تعتدل، فنزل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على كلثوم بن الهدم، أخي بني عمرو بن عوف، وقيل: نزل على سعد ~~بن خيثمة، وكان عزبا، وكان ينزل عنده العزاب من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان يقال لبيته بيت العزاب، والله أعلم. # ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف بالسنح، وقيل: نزل على خارجة بن زيد أخي ~~بني الحارث بن الخزرج. # وأما علي فإنه لما فرغ من الذي أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~هاجر إلى المدينة، فكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى قدم المدينة وقد ~~تفطرت قدماه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: " ادعوا لي عليا ". قيل: لا ~~يقدر أن يمشي. فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتنقه، وبكى رحمة لما ~~بقدميه من الورم، وتفل في يديه وأمرهما على قدميه، فلم يشتكهما بعد حتى ~~قتل. ونزل بالمدينة على امرأة لا زوج لها، فرأى إنسانا يأتيها كل ليلة ~~ويعطيها شيئا فاستراب بها، فسألها عنه فقالت: هو سهل بن حنيف، قد علم أني ~~امرأة لا زوج لي فهو يكسر أصنام قومه ويحملها إلي ويقول: احتطبي ms0526 بهذه. فكان ~~علي يذكر ذلك عن سهل بن حنيف بعد موته. # وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء يوم الاثنين والثلاثاء ~~والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، وقيل: أقام عندهم أكثر ~~من ذلك. والله أعلم. وأدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة في ~~بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها ~~بالمدينة. # «قال ابن عباس: ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين، واستنبئ ~~يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقبض يوم ~~الاثنين» . # PageV01P698 # واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحي إليه، فقال أنس وابن عباس - ~~رضي الله عنهما - من رواية أبي سلمة عنه - وعائشة: إنه أقام بمكة عشر سنين. ~~ومثلهم قال من التابعين: ابن المسيب والحسن وعمر بن دينار. وقيل: أقام ثلاث ~~عشرة سنة، قاله ابن عباس من رواية أبي جمرة وعكرمة أيضا عنه، ولعل الذي قال ~~أقام عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة، فإنه بقي سنين يسيرة، ومما يقوي هذا ~~القول قول صرمة بن أبي أنس الأنصاري، شعر: # ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا # فهذا يدل على مقامه ثلاث عشرة سنة لأنه قد زاد على عشرة سنين، فلو كان ~~خمس عشرة لصح الوزن، وكذلك ست عشرة وسبع عشرة، وحيث لم يستقم الوزن بأن ~~يقول ثلاث عشرة قال: بضع عشرة، ولم ينقل في مقامه زيادة على عشر سنين إلا ~~ثلاث عشرة وخمس عشرة. # وقد روي عن قتادة قول غريب جدا، وذلك أنه قال: نزل القرآن على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بمكة ثماني سنين، ولم يوافقه غيره. # PageV01P699 ### | [ذكر ما كان من الأمور أول سنة من الهجرة] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | 1 - # ذكر ما كان من الأمور أول سنة من الهجرة # فمن ذلك تجميعه - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه الجمعة في اليوم الذي نزل ~~فيه من قباء في بني سالم في بطن واد لهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله - ~~صلى ms0527 الله عليه وسلم - في الإسلام وخطبهم، وهي أول خطبة. # وكان رجل من قباء يريد المدينة، فركب ناقته وأرخى زمامها، فكان لا يمر ~~بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة ~~والمنعة. # فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت ~~على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء، وهما ~~سهل وسهيل ابنا عمرو من بني النجار، فلما بركت لم ينزل عنها، ثم وثبت فسارت ~~غير بعيد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع لها زمامها لا يثنيها به، ~~فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ووضعت جرانها، فنزل ~~عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتمل أبو أيوب الأنصاري رحله، ~~وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المربد، فقال معاذ بن عفراء: هو ~~ليتيمين لي، وسأرضيهما من ثمنه، فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أي يبنى مسجدا، وأقام عند أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكنه. # وقيل: إن موضع المسجد كان لبني النجار فيه نخل وحرث وقبور المشركين، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به. فقالوا: لا يبغى به إلا ما ~~عند الله. فأمر به فبني مسجده، وكان قبله يصلي حيث أدركته الصلاة، وبناه هو ~~والمهاجرون والأنصار، وهو الصحيح. # PageV02P005 # وفيها بني مسجد قباء. # وفيها أيضا توفي كلثوم بن الهدم. وتوفي بعده أسعد بن زرارة، وكان نقيب ~~بني النجار، فاجتمع بنو النجار وطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقيم لهم نقيبا، فقال لهم: أنتم إخواني وأنا نقيبكم، فكان فضيلة لهم. # وفيها مات أبو أحيحة بالطائف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي ~~بمكة، مشركين. # وفيها بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعائشة بعد مقدمه المدينة ~~بثمانية أشهر، وقيل بسبعة أشهر في ذي القعدة، وقيل: في شوال، وكان تزوجها ~~بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة، وهي ابنة ست سنين، وقيل: ابنة ~~سبع سنين. # وفيها هاجرت سودة بنت ms0528 زمعةزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبناته ~~ما عدا زينب، وهاجر أيضا عيال أبي بكر ومعهم ابنه عبد الله، وطلحة بن عبيد ~~الله. # وفيها زيد في صلاة الحضر ركعتان بعد مقدمه المدينة بشهر. # وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وقيل: في السنة الثانية في شوال، وكان أول ~~مولود للمهاجرين بالمدينة. # وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة، وقيل: إن المختار بن ~~أبي عبيد وزياد بن أبيه ولدا فيها. # PageV02P006 # وفيها على رأس سبعة أشهر عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه حمزة ~~لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين، ليعرضوا عير قريش، فلقي أبا جهل في ~~ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان يحمل اللواء أبو مرثد، ~~وهو أول لواء عقده. # وفيها أيضا عقد لواء لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان أبيض يحمله مسطح ~~بن أثاثة، فالتقى هو والمشركون، فكان بينهم الرمي دون المسايفة، وكان سعد ~~بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان المقداد بن عمرو وعتبة بن ~~غزوان مسلمين وهما بمكة، فخرجا مع المشركين يتوصلان بذلك، فلما لقيهم ~~المسلمون انحازا إليهم. وقال بعضهم: كان لواء أبي عبيدة أول لواء عقده، ~~وإنما اشتبه ذلك لقرب بعضها ببعض، وكان على المشركين أبو سفيان بن حرب، ~~وقيل: مكرز بن حفص بن الأخيف، وقيل: عكرمة بن أبي جهل. # (والأخيف بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحتها) . # وفيها عقد لواء لسعد بن أبي وقاص وسيره إلى الأبواء، وكان يحمل اللواء ~~المقداد بن الأسود، وكان مسيره في ذي القعدة، وجميع من معه من المهاجرين، ~~فلم يلق حربا. # جعل الواقدي هذه السرايا جميعها في السنة الأولى من الهجرة، وجعلها ابن ~~إسحاق في السنة الثانية، فقال: على رأس اثني عشر شهرا من مقدم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المدينة خرج غازيا، واستخلف على المدينة سعد بن ~~عبادة، فبلغ ودان يريد قريشا وبني ضمرة من كنانة، وهي غزاة الأبواء، بينهما ~~ستة أميال، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورئيسهم مخشي بن ms0529 عمرو، ثم رجع إلى ~~المدينة ولم يلق كيدا، وذكر ابن إسحاق بعد # PageV02P007 # هذه الغزوة غزوة عبيدة بن الحارث، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب. # وفيها كان غزاة بواط، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مائتين من ~~أصحابه في شهر ربيع الآخر، يعني سنة اثنتين، يريد قريشا، حتى بلغ بواط من ~~ناحية رضوى، وكان في عير قريش أمية بن خلف الجمحي في مائة رجل، ومعهم ألفان ~~وخمسمائة بعير، فرجع ولم يلق كيدا، وكان يحمل لواء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ. # (بواط بفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة) . # وفيها غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة العشيرة من ينبع في ~~جمادى الأولى، يريد قريشا حين ساروا إلى الشام، فلما وصل العشيرة وادع بني ~~مدلج وحلفاءهم من ضمرة، ورجع ولم يلق كيدا، واستخلف على المدينة أبا سلمة ~~بن عبد الأسد، وكان يحمل لواءه حمزة، وفي هذه الغزوة كنى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عليا أبا تراب في قول بعضهم. # وفيها أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى بلغ واديا يقال له: سفوان، من ناحية بدر، وفاته كرز، ~~وكان لواؤه مع علي، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص في سرية ~~ثمانية رهط، فرجع # PageV02P008 # ولم يلق كيدا. # وفيها جاء أبو قيس بن الأسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض ~~عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تدعو إليه! سأنظر في أمري ثم أعود. فلقيه ~~عبد الله بن أبي المنافق فقال: كرهت قتال الخزرج. فقال أبو قيس: لا أسلم ~~إلى سنة، فمات في ذي القعدة. # PageV02P009 ### | [ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة] # [ذكر سرية عبد الله بن جحش] ### | 2 - # ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة # وفي هذه السنة غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول بعض أهل ~~السير، غزوة الأبواء، ms0530 ويقال: ودان، وبينهما ستة أميال، واستخلف رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على المدينة سعد بن عبادة، وكان لواؤه أبيض، مع حمزة ~~بن عبد المطلب، وقد تقدم ذكرها. ### | ذكر سرية عبد الله بن جحش # أمر رسول الله أبا عبيدة بن الجراح أن يتجهز للغزو، فتجهز، فلما أراد ~~المسير بكى صبابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث مكانه عبد ~~الله بن جحش في جمادى الآخرة، معه ثمانية رهط من المهاجرين، وقيل اثنا عشر ~~رجلا، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ~~فيمضي لما أمره به، ولا يكره أحدا من أصحابه، ففعل ذلك، ثم قرأ الكتاب وفيه ~~يأمره بنزول نخلة بين مكة والطائف فيرصد قريشا ويعلم أخبارهم، فأعلم ~~أصحابه، فساروا معه. # وأضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه، فتخلفا في ~~طلبه، ومضى عبد الله ونزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وغيره فيها ~~عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل، والحكم بن ~~كيسان، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد حلق رأسه. فلما رأوه قالوا: عمار لا ~~بأس عليكم منهم، وذلك آخر يوم من رجب، فرمى واقد بن عبد الله التيمي عمرو ~~بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم، وهرب نوفل، وغنم المسلمون ما ~~معهم، فقال عبد الله # PageV02P010 # بن جحش: إن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن ~~يفرض الخمس، وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون، وأول خمس في الإسلام. # وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسرى إلى المدينة. فلما قدموا ~~قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم بقتال في الشهر ~~الحرام» ، فوقف العير والأسيرين، فسقط في أيديهم، وعنفهم المسلمون، وقالت ~~قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. وقالت اليهود: تفاءل بذلك على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله؛ " ~~عمرو ": عمرت الحرب، و " الحضرمي ": حضرت الحرب، و " واقد ": وقدت الحرب. ms0531 ~~فأنزل الله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] الآية. فلما ~~نزل القرآن وفرج الله عن المسلمين قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~العير، وكانت أول غنيمة أصابوها، وفدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الأسيرين. فأما الحكم فأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتل ~~يوم بئر معونة. # وقيل: كان قتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذ العير آخر يوم من جمادى، وأول ~~ليلة من رجب. # وفيها صرفت القبلة من الشام إلى الكعبة، وكان أول ما فرضت القبلة إلى بيت ~~المقدس والنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وكان يحب استقبال الكعبة، وكان ~~يصلي بمكة ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. فلما هاجر إلى المدينة لم ~~يمكنه ذلك، وكان يؤثر أن يصرف إلى الكعبة، فأمره الله أن يستقبل الكعبة يوم ~~الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من قدومه المدينة. # PageV02P011 # وقيل: على رأس ستة عشر شهرا في صلاة الظهر. # وفيها أيضا في شعبان فرض صوم رمضان، وكان لما قدم المدينة رأى اليهود ~~تصوم عاشوراء، فصامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصوم عاشوراء ~~ولم ينههم. # وفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين. # وفيها خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى، فصلى بهم صلاة ~~العيد، وكان ذلك أول خرجة خرجها، وحملت بين يديه العنزة، وكانت للزبير؛ ~~وهبها له النجاشي، وهي اليوم للمؤذنين في المدينة. ### | [ذكر غزوة بدر الكبرى] # وفي السنة الثانية كانت وقعة بدر الكبرى في شهر رمضان في السابع عشر، ~~وقيل: التاسع عشر، وكانت يوم الجمعة. # وكان سببها قتل عمرو بن الحضرمي، وإقبال أبي سفيان بن حرب في عير لقريش ~~عظيمة من الشام وفيها أموال كثيرة، ومعها ثلاثون رجلا أو أربعون، وقيل: ~~قريبا من سبعين رجلا من قريش، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص، ~~فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندب المسلمين إليهم وقال: ~~هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا # PageV02P012 # إليها لعل الله أن ينفلكموها. ms0532 فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك ~~لأنهم لن يظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى حربا. # وكان أبو سفيان قد سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يريده، فحذر ~~واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة يستنفر قريشا ويخبرهم الخبر، ~~فخرج ضمضم إلى مكة. # وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا ~~أفزعتها، فقصتها على أخيها العباس واستكتمته خبرها، قالت: رأيت راكبا على ~~بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم ~~في ثلاث! قالت: فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد، فمثل بعيره على ~~الكعبة، ثم صرخ مثلها، ثم مثل بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها، ثم أخذ ~~صخرة عظيمة وأرسلها، فلما كانت بأسفل الوادي ارفضت، فما بقي بيت من مكة إلا ~~دخله فلقة منها. # فخرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان صديقه، فذكرها له ~~واستكتمه ذلك، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الخبر، فلقي أبو جهل العباس ~~فقال له: يا أبا الفضل، أقبل إلينا. قال: فلما فرغت من طوافي أقبلت إليه، ~~فقال لي: متى حدثت فيكم هذه النبية؟ وذكر رؤيا عاتكة، ثم قال: ما رضيتم أن ~~تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن حقا، وإلا ~~كتبنا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب. # قال العباس: فما كان مني إليه إلا أني جحدت ذلك وأنكرته، فلما أمسيت ~~أتاني نساء بني عبد المطلب وقلن لي: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في ~~رجالكم، وقد تناول نساءكم ولم تنكر عليه ذلك! قال: قلت: والله كان ذلك، ~~ولأتعرضن له، فإن عاد كفيتكموه. قال: فغدوت اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ~~وأنا مغضب أحب أن أدركه، فرأيته في المسجد، فمشيت نحوه أتعرض له ليعود ~~فأوقع به، فخرج نحو باب المسجد يشتد، قال: قلت: ما باله قاتله الله! أكل ~~هذا فرقا من أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ms0533 ضمضم بن عمرو وهو ~~يصرخ ببطن الوادي، واقفا على بعيره قد جدعه، وحول # PageV02P013 # رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان ~~قد عرض له محمد وأصحابه، لا أدري إن تدركوها، الغوث الغوث! فشغلني عنه ~~وشغله عني. # قال: فتجهز الناس سراعا ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبا لهب، وبعث ~~مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وعزم أمية بن خلف الجمحي على القعود، فإنه ~~كان شيخا ثقيلا بطيئا، فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها نار وما يتبخر ~~به وقال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء. فقال: قبحك الله، وقبح ~~ما جئت به! وتجهز وخرج معهم. وعزم عتبة بن ربيعة أيضا على القعود، فقال له ~~أخوه شيبة: إن فارقنا قومنا كان ذلك سبة علينا، فامض مع قومك، فمشى معهم. # فلما أجمعوا على المسير ذكروا ما بينهم وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة بن ~~الحارث، فخافوا أن يؤتوا من خلفهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم ~~المدلجي، وكان من أشراف كنانة، وقال: أنا جار لكم فاخرجوا سراعا. # وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وقيل: كانوا ألف رجل، وكانت خيلهم مائة فرس، ~~فنجا منها سبعون فرسا وغنم المسلمون ثلاثين فرسا، وكان مع المشركين سبعمائة ~~بعير. # وكان مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثلاث ليال خلون من شهر ~~رمضان في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وقيل: أربعة عشر، وقيل: بضعة عشر رجلا، ~~وقيل: ثمانية عشر، وقيل: كانوا سبعة وسبعين من المهاجرين، وقيل: ثلاثة ~~وثمانون والباقون من الأنصار. # فقيل: جميع من ضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهم من ~~المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الأوس أحد وسبعون رجلا، ومن الخزرج مائة ~~وسبعون رجلا، ولم يكن فيهم غير فارسين، أحدهما المقداد بن عمرو الكندي، ولا ~~خلاف فيه، والثاني قيل: كان الزبير بن العوام، وقيل كان مرثد بن أبي مرثد، ~~وقيل: المقداد وحده، وكانت الإبل سبعين بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها ~~البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة، فكان بين النبي ms0534 - صلى الله عليه ~~وسلم - وعلي وزيد بن حارثة بعير، وبين أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ~~بعير، وعلى # PageV02P014 # مثل هذا. # وكان فرس المقداد اسمه سبحة، وفرس الزبير اسمه السيل، وكان لواؤه مع مصعب ~~بن عميربن عبد الدار، ورايته مع علي بن أبي طالب، وعلى الساقة قيس بن أبي ~~صعصعة الأنصاري. # «فلما كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء ~~الجهنيين يتجسسان الأخبار عن أبي سفيان، ثم ارتحل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وترك الصفراء يسارا، وعاد إليه بسبس بن عمرو يخبره أن العير قد ~~قاربت بدرا، ولم يكن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين علم ~~بمسير قريش لمنع عيرهم، وكان قد بعث عليا والزبير وسعدا يلتمسون له الخبر ~~ببدر، فأصابوا راوية لقريش فيهم أسلم، غلام بني الجحجاح، وأبو يسار، غلام ~~بني العاص. فأتوا بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم يصلي، ~~فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما ~~وضربوهما ليخبروهما عن أبي سفيان. فقالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وفرغ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، ~~وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، إنهما لقريش، أخبراني أين قريش؟ قالا: هم ~~وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: كم عدتهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ~~ينحرون؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال: القوم بين تسعمائة إلى الألف. # ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~والوليد # PageV02P015 # وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، ~~والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ~~ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. # فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وقال: هذه مكة قد ~~ألقت إليكم أفلاذ كبدها» . «ثم استشار أصحابه، فقال أبو بكر فأحسن، ثم قال ~~عمر ms0535 فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله ~~فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي ~~بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك ~~من دونه حتى تبلغه» . # فدعا لهم بخير ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها ~~الناس - وإنما يريد الأنصار؛ لأنهم كانوا عدد الناس، وخاف أن لا يكون ~~الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة، وليس عليهم أن يسير بهم - ~~فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا ~~بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا، فامض يا رسول الله لما أمرت، فوالذي بعثك ~~بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تكون تلقى ~~العدو بنا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما ~~تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله!» # فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أبشروا؛ فإن الله قد وعدني ~~إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» . ثم انحط على بدر فنزل ~~قريبا منها. # وكان أبو سفيان قد ساحل وترك بدرا يسارا، ثم أسرع؛ فنجا، فلما رأى أنه قد ~~أحرز عيره أرسل إلى قريش وهم بالجحفة: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ~~فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر ~~موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام - فنقيم بها ثلاثا، فننحر ~~الجزر، ونطعم الطعام، # PageV02P016 # ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا. فقال الأخنس بن ~~شريق الثقفي - وكان حليفا لبني زهرة - بالجحفة: يا بني زهرة، قد نجى الله ~~أموالكم وصاحبكم فارجعوا، فرجعوا. فلم يشهدها زهري ولا عدوي، وشهدها سائر ~~بطون قريش. # ولما كانت قريش بالجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد ~~مناف ms0536 رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم رجلا أقبل على فرس ومعه بعير له، ~~فقال: قتل عتبة وشيبة وأبو جهل، وغيرهم ممن قتل يومئذ - ورأيته ضرب لبة ~~بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء إلا أصابه من دمه. # فقال أبو جهل: وهذا أيضا نبي من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول. # وكان بين طالب بن أبي طالب، وهو في القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: ~~والله قد عرفنا أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع، وقيل: إنما ~~كان خرج كرها، فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولا فيمن رجع إلى مكة، وهو ~~الذي يقول: # يا رب إما يغوون طالب ... في مقنب من هذه المقانب # فليكن المسلوب غير السالب ... وليكن المغلوب غير الغالب # ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي، وبعث الله السماء، وكان ~~الوادي دهسا، فأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منه ما لبد ~~لهم الأرض، ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشا منه ما لم يقدروا على أن يرحلوا ~~معه. فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبادرهم إلى الماء، حتى إذا ~~جاء أدنى ماء من بدر نزله، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: «يا رسول ~~الله، أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر، أم هو الرأي ~~والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، ~~فإن هذا ليس لك بمنزل، انهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء سواه من القوم ~~فننزله، ثم نعور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا ونملأه ماء، فنشرب ~~ماء ولا يشربون # PageV02P017 # ثم نقاتلهم. ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك» . # فلما نزل جاءه سعد بن معاذ فقال: «يا رسول الله، نبني لك عريشا من جريد ~~فتكون فيه ونترك عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا الله ~~عليهم كان ذلك مما أحببناه، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بما ~~وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن ms0537 بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا ~~أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويحاربون معك. ~~فأثنى عليه خيرا» . # ثم بني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريش، وأقبلت قريش بخيلائها ~~وفخرها، فلما رآها قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك ~~وتكذب رسولك! اللهم فنصرك الذي وعدتني! اللهم أحنهم الغداة. ورأى عتبة بن ~~ربيعة على جمل أحمر فقال: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل ~~الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» . # وكان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، أو أبوه إيماء، بعث إلى قريش حين ~~مروا به ابنا له بجزائر، أهداها لهم، وعرض عليهم المدد بالرجال والسلاح، ~~فقالت قريش: إن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف، وإن كنا نقاتل الله ~~كما زعم محمد فما لأحد بالله طاقة. فلما نزلت قريش أقبل جماعة، منهم حكيم ~~بن حزام، حتى وردوا حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم: «اتركوهم، فما شرب منه رجل إلا قتل يومئذ» ، إلا حكيم نجا ~~على فرس له يقال له: الوجيه، وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، وكان يقول إذا ~~اجتهد في يمينه: لا والذي نجاني يوم بدر. # ولما اطمأنت قريش بعثوا عمرو بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين، فجال بفرسه ~~حولهم ثم عاد فقال: هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون، # ولقد رأيت الولايا تحمل المنايا # ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، ليس لهم منعة إلا سيوفهم، والله لا # PageV02P018 # يقبل رجل منهم إلا يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا أعدادهم، فما خير العيش ~~بعد ذلك، فروا رأيكم. # فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في القوم، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا ~~أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، هل لك أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى ~~آخر الدهر؟ قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن ~~الحضرمي. قال: قد فعلت، علي دمه وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية - يعني ~~أبا جهل - فلا أخشى أن يفسد ms0538 أمر الناس غيره. فقام عتبة في الناس فقال: إنكم ~~ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموهم لا يزال رجل ~~ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه؛ قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من ~~عشيرته. قال حكيم بن حزام: فانطلقت إلى أبي جهل فوجدته قد نشل درعا وهو ~~يهيئها، فأعلمته ما قال عتبة، فقال: انتفخ - والله - سحره حين رأى محمدا ~~وأصحابه، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ~~ولكن رأى ابنه أبا حذيفة فيهم، وقد خافكم عليه. # ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع إلى مكة ~~بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر وصرخ: ~~واعمراه واعمراه! فحميت الحرب واستوسق الناس على الشر. # فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ سحره، قال: سيعلم المصفر استه من انتفخ ~~سحره، أنا أم هو! ثم التمس بيضة يدخلها رأسه فما وجد من عظم هامته، فاعتجر ~~ببرد له. # وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله ~~لأشربن من حوضهم ولأهدمنه، أو لأموتن دونه. فخرج إليه حمزة فضربه، فأطن ~~قدمه بنصف ساقه فوقع على الأرض، ثم حبا إلى الحوض فاقتحم فيه ليبر يمينه، ~~وتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. # ثم خرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج # PageV02P019 # إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة، كلهم من الأنصار ~~فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. فقالوا: أكفاء كرام، وما لنا بكم من ~~حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «قم ~~يا حمزة، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا علي، فقاموا ودنا بعضهم من بعض، ~~فبارز عبيدة بن الحارث بن المطلب - وكان أمير القوم - عتبة، وبارز حمزة ~~شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم ~~يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما ms0539 قد أثبت ~~صاحبه، وكر حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت ~~رجله، فلما أتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ألست شهيدا يا رسول ~~الله؟ قال: بلى» . قال: لو رآني أبو طالب لعلم أننا أحق منه بقوله: # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # ثم مات، وتزاحف القوم ودنا بعضهم من بعض، وأبو جهل يقول: # اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لم نعرف، فأحنه الغداة، فكان هو ~~المستفتح على نفسه. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه أن لا يحملوا حتى ~~يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. ونزل في العريش ~~ومعه أبو بكر وهو يدعو ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا ~~تعبد في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني، ولم يزل حتى سقط رداؤه، فوضعه ~~عليه أبو بكر، ثم قال له: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. وأغفى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش إغفاءة، وانتبه ثم قال: يا أبا ~~بكر، أتاك نصر الله، هذا جبرائيل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع، ~~وأنزل الله: {إذ تستغيثون ربكم} [الأنفال: 9] الآية. # وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر} [القمر: 45] ، وحرض المسلمين، وقال: والذي نفس محمد بيده، لا ~~يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله ~~الجنة» . فقال عمير بن الحمام الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن: بخ # PageV02P020 # بخ! ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء! ثم ألقى التمرات من ~~يده وقاتل حتى قتل. ورمي مهجع، مولى عمر بن الخطاب، بسهم فقتل، فكان أول ~~قتيل. ثم رمي حارثة بن سراقة الأنصاري فقتل، وقاتل عوف بن عفراء حتى قتل، ~~واقتتل الناس قتالا شديدا. فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفنة من ~~التراب ورمى بها قريشا وقال: شاهت الوجوه. وقال لأصحابه: شدوا عليهم، فكانت ~~الهزيمة، فقتل الله من قتل من المشركين، وأسر من أسر ms0540 منهم. # ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش وسعد بن معاذ قائم ~~على باب العريش متوشحا بالسيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يخافون عليه كرة العدو، فرأى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس من الأسر، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: «لكأنك تكره ذلك يا سعد؟ قال: أجل يا رسول ~~الله، أول وقعة أوقعها الله بالمشركين كان الإثخان أحب إلي من استبقاء ~~الرجال» . # وكان أول من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، وقريش محيطة به يقولون: ~~لا يخلص إلى أبي الحكم. قال معاذ: فجعلته من شأني، فلما أمكنني حملت عليه، ~~فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة فطرح يدي من عاتقي، ~~فتعلقت بجلدة من جثتي، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني ~~جعلت عليها رجلي، ثم تمطيت حتى طرحتها. # وعاش معاذ إلى زمان عثمان - رضي الله عنه -. # ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق، ثم مر به ~~ابن مسعود، «وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلتمس في القتلى، ~~فوجده بآخر رمق، قال: فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدو ~~الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد من رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرة؟ قلت: ~~لله ولرسوله. فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت - يا رويعي الغنم - مرتقى صعبا! ~~قال: فقلت: إني قاتلك. قال: ما أنت بأول عبد قتل سيده، أما إن أشد شيء ~~لقيته اليوم قتلك إياي، وألا قتلني رجل من المطيبين # PageV02P021 # الأحلاف. فضربه عبد الله، فوقع رأسه بين رجليه، فحمله إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فسجد شكرا لله» . # وكان عبد الرحمن بن عوف قد غنم أدراعا، فمر بأمية بن خلف وابنه علي، ~~فقالا له: نحن خير لك من هذه الأدراع. فطرح الأدراع وأخذ بيده وبيد ابنه ~~ومشى بهما، فقال له أمية: من الرجل ms0541 المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: حمزة ~~بن عبد المطلب. قال أمية: هو الذي فعل بنا الأفاعيل. # ورأى بلال أمية، وكان يعذبه بمكة، فيخرج به إلى رمضاء مكة، فيضجعه على ~~ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول: لا تزال هكذا حتى ~~تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد، فلما رآه بلال قال: أمية! رأس الكفر! ~~لا نجوت إن نجا! ثم صرخ: يا أنصار الله، رأس الكفر رأس الكفر أمية بن خلف، ~~لا نجوت إن نجا! فأحاط بهم المسلمون، وقتل أمية وابنه علي، وكان عبد الرحمن ~~يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري. # وقتل حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله علي بن أبي طالب. # ولما انهزم المشركون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقتل أبو ~~البختري بن هشام؛ لأنه كان أكف القوم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو بمكة، وكان ممن اهتم في نقض الصحيفة، فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف ~~الأنصار ومعه زميل له، فقال له: إن رسول الله قد نهى عن قتلك. فقال وزميلي؟ ~~فقال المجذر: لا والله. قال: إذا والله لأموتن أنا وهو، ولا تتحدث نساء ~~قريش أني تركت زميلي حرصا على الحياة. فقتله، ثم أخبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بخبره. # «وجيء بالعباس، أسره أبو اليسر، وكان مجموعا، وكان العباس جسيما، فقيل ~~لأبي اليسر: كيف أسرته؟ قال: أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، بهيئة كذا ~~وكذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم» . ~~«ولما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساهرا أول ~~ليلة، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ فقال: سمعت # PageV02P022 # تضور العباس في وثاقه، فمنع مني النوم. فقاموا إليه فأطلقوه، فنام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» . # «وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه يومئذ: قد عرفت ~~رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا كرها، فمن لقي منكم أحدا من بني ms0542 هاشم فلا ~~يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله؛ فإنه أخرج كرها. فقال أبو ~~حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل أبناءنا وآباءنا وإخواننا ونترك العباس؟ ~~والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف. فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~لعمر: يا أبا حفص، أما تسمع قول أبي حذيفة؟ أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ ~~فقال أبو حذيفة: لا أزال خائفا من تلك الكلمة، ولا يكفرها عني إلا الشهادة. ~~فقتل يوم اليمامة شهيدا. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لأصحابه: قد رأيت جبرائيل وعلى ثناياه النقع» . # «فقال رجل من بني غفار: أقبلت أنا وابن عم لي، فصعدنا جبلا يشرف بنا على ~~بدر ونحن مشركان، ننظر لمن تكون الدائرة فننتهب، فدنت منا سحابة، فسمعت ~~فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، قال: فأما ابن عمي فمات ~~مكانه، وأما أنا فكدت أهلك فتماسكت» . # وقال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه ~~قبل أن يصل سيفي إليه، فعرفت أنه قتله غيري. # وقال سهل بن حنيف: كان أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده ~~قبل أن يصل إليه السيف. # فلما هزم الله المشركين، وقتل منهم من قتل، وأسر من أسر، أمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن تطرح القتلى في القليب، فطرحوا فيه إلا أمية بن ~~خلف؛ فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا به ليخرجوه فتقطع، وطرحوا عليه من ~~التراب والحجارة ما غيبه، ولما ألقوا في القليب وقف عليهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم! ~~كذبتموني وصدقني الناس! ثم قال: يا عتبة، يا شيبة، يا أمية بن خلف، يا أبا ~~جهل بن هشام - وعدد من كان في القليب - هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني ~~وجدت ما وعدني ربي حقا. فقال له أصحابه: أتكلم قوما موتى؟ فقال: ما أنتم ~~بأسمع # PageV02P023 # لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» . # «ولما قال - صلى الله عليه وسلم ms0543 - لأهل القليب ما قال رأى في وجه أبي ~~حذيفة بن عتبة الكراهية وقد تغير، فقال: لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ ~~قال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي وفي مصرعه، ولكنه كان له عقل ~~وحلم وفضل، فكنت أرجو له الإسلام، فلما رأيت ما مات عليه من الكفر أحزنني ~~ذلك، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير» . # «ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر فجمع ما في العسكر، فاختلف ~~المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: والله ~~لولا نحن ما أصبتموه، نحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. وقال الذين ~~كانوا يحرسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في العريش: والله ما ~~أنتم بأحق به منا، لقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن له من يمنعه، ولكن ~~خفنا كرة العدو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقمنا دونه. فنزع ~~الله الأنفال من أيديهم وجعلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقسمها بين المسلمين على سواء» . # وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل ~~العالية، وزيد بن حارثة بشيرا إلى أهل السافلة من المدينة، فوصل زيد وقد ~~سووا التراب على رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت زوجة ~~عثمان بن عفان، خلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها وقسم له. # فلما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه الناس يهنئونه بما فتح ~~الله عليه، «فقال سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري: إن لقينا إلا عجائز صلعا ~~كالبدن المعقلة، فنحرناها. فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~يا ابن أخي، أولئك الملأ من قريش» . # وكان في الأسرى النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فأمر علي بن أبي ~~طالب بقتل النضر، فقتله بالصفراء، وأمر عاصم بن ثابت بقتل عقبة بن أبي ~~معيط، فلما أرادوا قتله جزع من القتل وقال: ما لي أسوة بهؤلاء؟ يعني ~~الأسرى، ms0544 ثم قال: يا محمد من للصبية؟ قال: النار، فقتله بعرق الظبية صبرا. # «وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، أسره مالك بن الدخشم الأنصاري، فلما أتي ~~به # PageV02P024 # النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عمر بن الخطاب: دعني أنزع ثنيتيه يا ~~رسول الله، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، وكان سهيل أعلم الشفة السفلى، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: دعه يا عمر؛ فسيقوم مقاما تحمده عليه، ~~فكان مقامه ذلك عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم» - وسنذكره عند خبر ~~الردة - إن شاء الله -. # ولما قدم به المدينة قالت له سودة بنت زمعة، زوج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم: أعطيتم بأيديكم كما تفعل النساء، ألا متم كراما! فسمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قولها فقال لها: «يا سودة، أعلى الله وعلى رسوله ~~تحرضين! فقالت: يا رسول الله، ما ملكت نفسي حين رأيته أن قلت ما قلت» . # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالأسرى خيرا» . وكان ~~أحدهم يؤثر أسيره بطعامه. # فكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي، فقالوا: ~~ما وراءك؟ قال: قتل عتبة وشيبة وأبو الحكم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج - وعدد ~~أشراف قريش - فقال صفوان بن أمية: والله إن يعقل فاسألوه عني. فقالوا: ما ~~فعل صفوان؟ قال: هو ذاك جالس في الحجر، وقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا. # ومات أبو لهب بمكة بعد وصول خبر مقتل قريش بتسعة أيام، وناحت قريش على ~~قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيشمت محمد وأصحابه، ولا تبعثوا في فداء ~~أسراكم، لا يشتط عليكم محمد. وكان الأسود بن عبد يغوث قد أصيب له ثلاثة من ~~ولده: زمعة، وعقيل، والحارث، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ ~~سمع نائحة، فقال لغلامه، وقد ذهب بصره: انظر هل أحل البكاء لعلي أبكي على ~~زمعة، فإن جوفي قد احترق. فرجع إليه وقال له: إنما هي امرأة تبكي على بعير ~~لها أضلته، فقال: # أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود # PageV02P025 # ولا ms0545 تبكي على بكر ولكن # على بدر تقاصرت الجدود ... على بدر سراة بني هصيص # ومخزوم ورهط أبي الوليد ... وبكي إن بكيت على عقيل # وبكي حارثا أسد الأسود ... وبكيهم ولا تسمي جميعا # فما لأبي حكيمة من نديد ... ألا قد ساد بعدهم أناس # ولولا يوم بدر لم يسودوا # يعني أبا سفيان. # ثم إن قريشا أرسلت في فداء الأسارى، فأول من فدي أبو وداعة السهمي، فداه ~~ابنه المطلب، وفدى العباس نفسه وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد ~~المطلب وحليفه عتبة بن عمرو بن جحدم، أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بذلك فقال: لا مال لي. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أين ~~المال الذي وضعته عند أم الفضل وقلت لها: إن أصبت فللفضل كذا، ولعبد الله ~~كذا؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك ~~رسول الله! وفدى نفسه وابني أخويه وحليفه، وكان قد أخذ مع العباس عشرون ~~أوقية من ذهب، فقال: احسبها في فدائي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ~~لا، ذاك شيء أعطاناه الله - عز وجل -» . # وكان في الأسارى عمرو بن أبي سفيان، أسره علي، فقيل لأبيه: أفد عمرا. ~~فقال: لا أجمع علي دمي ومالي، يقتل ابني حنظلة، وأفدي عمرا! فتركه ولم ~~يفكه. ثم إن سعد بن النعمان الأنصاري خرج إلى مكة معتمرا، فأخذه أبو سفيان، ~~وكانت قريش لا تعرض لحاج ولا معتمر. فحبسه أبو سفيان ليفدي به عمرا ابنه، ~~وقال: # PageV02P026 # أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا # فإن بني عمرو لئام أذلة ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا # فمشى بنو عمرو بن عوف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلبوا منه عمرو ~~بن أبي سفيان، ففادوا به سعدا. # «وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس زوج زينب ~~بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من أكثر رجال مكة مالا وأمانة ~~وتجارة، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة زوجة رسول ms0546 الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فسألته أن يزوجه زينب، ففعل قبل أن يوحى إليه، فلما أوحي إليه ~~آمنت به زينب، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغلوبا بمكة لم يقدر ~~أن يفرق بينهما، فلما خرجت قريش إلى بدر خرج معهم فأسر، فلما بعثت قريش في ~~فداء الأسارى بعثت زينب في فداء أبي العاص زوجها بقلادة لها كانت خديجة ~~أدخلتها معها، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق لها رقة ~~شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها، ~~فافعلوا. فأطلقوا لها أسيرها، وردوا القلادة» . # وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه أن يرسل زينب إليه بالمدينة، ~~وسار إلى مكة، وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة مولاه ~~ورجلا من الأنصار؛ ليصحبا زينب من مكة، فلما قدم أبو العاص أمرها باللحاق ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فتجهزت سرا، وأركبها كنانة بن الربيع - أخو ~~أبي العاص - بعيرا، وأخذ قوسه وخرج بها نهارا. فسمعت بها قريش، فخرجوا في ~~طلبها فلحقوها بذي طوى، وكانت حاملا فطرحت حملها لما رجعت لخوفها، ونثر ~~كنانة أسهمه ثم قال: والله لا يدنو مني أحد إلا وضعت فيه سهما! فأتاه أبو ~~سفيان بن حرب وقال: خرجت بها علانية، فيظن الناس أن ذلك عن ذل وضعف منا، ~~ولعمري ما لنا في حبسها حاجة، فارجع بالمرأة ليتحدث الناس أنا رددناها. ثم ~~أخرجها ليلا وسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأقامت عنده. # «فلما كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بأمواله وأموال رجال ~~من قريش، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذوا ما ~~معه وهرب منهم، فلما كان الليل أتى المدينة فدخل على زينب، فلما كان الصبح ~~خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، # PageV02P027 # فكبر وكبر الناس، فنادت زينب من صفة النساء: أيها الناس إني قد أجرت أبا ~~العاص. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: ms0547 والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ~~ذلك، وإنه ليجير على المسلمين أدناهم. وقال لزينب: لا يخلص إليك، فلا يحل ~~لك. وقال للسرية الذين أصابوه: إن رأيتم أن تردوا عليه الذي له فإنا نحب ~~ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم، وأنتم أحق به. قالوا: يا ~~رسول الله، بل نرده عليه. فردوا عليه ماله كله حتى الشظاظ، ثم عاد إلى مكة ~~فرد على الناس ما لهم وقال لهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~رسول الله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما ~~أردت أكل أموالكم. ثم خرج فقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه ~~أهله بالنكاح الأول، وقيل: بنكاح جديد» . # وجلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد بدر، وكان شيطانا ممن كان ~~يؤذي النبي وأصحابه، وكان ابن وهب في الأسارى، فقال صفوان: لا خير في العيش ~~بعد من أصيب ببدر. فقال عمير: صدقت، ولولا دين علي، وعيال أخشى ضيعتهم ~~لركبت إلى محمد حتى أقتله. فقال صفوان: دينك علي، وعيالك مع عيالي أسوتهم. ~~فسار إلى المدينة فقدمها، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب ~~بإدخاله عليه، فأخذ عمر بحمالة سيفه وقال لرجال معه من الأنصار: ادخلوا على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحذروا هذا الخبيث. فلما رآه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: اتركه، ثم قال: ادن يا عمير، ما جاء بك؟ ~~قال: جئت لهذا الأسير. قال: اصدقني. قال: ما جئت إلا لذلك. قال: بل قعدت ~~أنت وصفوان، وجرى بينكما كذا وكذا. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، هذا ~~الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا ~~له أسيره. ففعلوا. فقال: يا رسول الله، كنت شديد الأذى للمسلمين، فأحب أن ~~تأذن لي، فأقدم مكة فأدعو إلى الله وأوذي الكفار في دينهم كما كنت ms0548 أوذي ~~أصحابك. فأذن له، فكان صفوان يقول: أبشروا الآن بوقعة تأتيكم تنسيكم وقعة ~~بدر. # فلما قدم عمير أقام بها يدعو إلى الله، فأسلم معه ناس كثير، وكان يؤذي من ~~خالفه. # PageV02P028 # وقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يشاور أبا بكر وعمر وعليا في الأسارى، فأشار أبو بكر ~~بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~القتل، فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ~~[الأنفال: 67] إلى قوله: {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] ، ~~وكان الأسرى سبعين، فقتل من المسلمين عقوبة بالمفاداة يوم أحد سبعون، وكسرت ~~رباعية رسول الله، وهمشت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه وانهزم ~~أصحابه، فأنزل الله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} [آل ~~عمران: 165] . # وكان جميع من قتل من المسلمين ببدر أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، ~~وثمانية من الأنصار. # ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة استصغرهم، منهم: عبد الله بن ~~عمر، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وأسيد بن حضير. # وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثمانية نفر بسهم في الأنفال لم ~~يحضروا الوقعة، منهم: عثمان بن عفان، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خلفه على زوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمرضها، وطلحة ~~بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، كان أرسلهما يتجسسان خبر العير، وأبو لبابة، ~~خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي، خلفه على العالية، والحارث بن حاطب، رده ~~إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة، كسر بالروحاء، ~~وخوات بن جبير، كسر في بدر أسفل سيفه ذي الفقار، وكان لمنبه بن الحجاج، ~~وقيل كان للعاص بن منبه، قتله علي صبرا وأخذ سيفه ذا الفقار، فكان للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فوهبه لعلي. # (رحضة بفتح الراء المهملة، والحاء المهملة، والضاد المعجمة. والحبار بضم ~~الحاء المهملة، والباء الموحدة. وأسيد بن ms0549 حضير بضم الهمزة، والضاد المعجمة. ~~وخديج بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة) . # PageV02P029 ### | [ذكر غزوة بني القينقاع] # لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بدر أظهرت يهود له الحسد ~~بما فتح الله عليه، وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة ~~مهاجرا. # فلما بلغه حسدهم جمعهم بسوق بني قينقاع فقال لهم: احذروا ما نزل بقريش ~~وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل. فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت ~~قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. # فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه، فبينما هم على مجاهرتهم وكفرهم إذ ~~جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بني قينقاع، فجلست عند صائغ لأجل حلي لها، فجاء ~~رجل منهم فخل درعها إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا ~~منها، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وتحصنوا في حصونهم، فغزاهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فكتفوا وهو يريد قتلهم، ~~وكانوا حلفاء الخزرج، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول فكلمه فيهم، فلم ~~يجبه، فأدخل يده في جيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغضب رسول الله ~~وقال: ويحك أرسلني. فقال: لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي، أربعمائة حاسر، ~~وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني ~~والله لأخشى الدوائر. # فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: هم لك، خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم. # وغنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ما كان لهم من مال، ولم ~~يكن لهم أرضون إنما كانوا صاغة، وكان الذي أخرجهم عبادة بن الصامت ~~الأنصاري، فبلغ بهم ذباب، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا ~~إلا قليلا حتى هلكوا. # PageV02P030 # وكان قد استخلف على المدينة أبا لبابة، وكان لواء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مع حمزة، وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان أول خمس أخذه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0550 - وحضر الأضحى، وخرج إلى المصلى فصلى ~~بالمسلمين، وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بشاتين، وقيل بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذوو ~~اليسار. # وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم ~~بعد غزوة الكدر. # (ذباب بكسر الذال المعجمة، وباءين موحدتين) . ### | [ذكر غزوة الكدر] # قال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة اثنتين. # وقال الواقدي: كانت في المحرم سنة ثلاث. # وكان قد بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتماع بني سليم على ماء لهم ~~يقال له: الكدر، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الكدر فلم يلق ~~كيدا، وكان لواؤه مع علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ~~وعاد ومعه النعم والرعاء، وكان قدومه - في قول - لعشر ليال مضين من شوال. ~~وبعد قدومه أرسل غالب بن عبد الله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان، ~~فقتلوا فيهم وغنموا النعم، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، وعادوا منتصف ~~شوال # (الكدر بضم الكاف، وسكون الدال المهملة) . # PageV02P031 ### | [ذكر غزوة السويق] # كان أبو سفيان قد نذر بعد بدر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو ~~محمدا، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه حتى جاء المدينة ليلا، ~~واجتمع بسلام بن مشكم سيد النضير، فعلم منه خبر الناس، ثم خرج في ليلته ~~فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا العريض فحرقوا في نخلها، وقتلوا ~~رجلا من الأنصار وحليفا له، واسم الأنصاري معبد بن عمرو، وعادوا، ورأى أن ~~قد بر في يمينه. وجاء الصريخ، فركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه فأعجزهم. # وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق يتخففون منها للنجاة، وكان ذلك ~~عامة زادهم، فلذلك سميت غزوة السويق. # ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون قالوا: يا رسول ~~الله، أتطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: نعم. وقال أبو سفيان بمكة، وهو يتجهز: # كروا على يثرب وجمعهم ... فإن ما جمعوا لكم نفل # إن ms0551 يك يوم القليب كان لهم ... فإن ما بعده لكم دول # آليت لا أقرب النساء ولا ... يمس رأسي وجلدي الغسل # حتى تبيروا قبائل الأوس ... والخزرج، إن الفؤاد يشتعل # فأجابه كعب بن مالك بقوله: # يا لهف أم المسبحين على ... جيش ابن حرب بالحرة الفشل # إذ يطرحون الرجال من سئم الطي ... ر ترقى لقنة الجبل # PageV02P032 # جاءوا بجمع لو قيس مبركه # ما كان إلا كمفحص الدئل ... عار من النصر والثراء ومن # أبطال أهل البطحاء والأسل # وفي ذي الحجة منها مات عثمان بن مطغون فدفن بالبقيع، وجعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على رأس القبر حجرا علامة لقبره. # وقيل: إن الحسن بن علي ولد فيها. # وقيل: إن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة على رأس اثنين وعشرين شهرا، فإن كان ~~هذا صحيحا فالأول باطل. # وفي هذه السنة كتب المعاقلة وقربه بسيفه. # (سلام بتشديد اللام. ومشكم بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الكاف. ~~والعريض بضم العين المهملة، وفتح الراء، وآخره ضاد معجمة: واد بالمدينة) . # PageV02P033 ### | [ودخلت السنة الثالثة من الهجرة] ### | 3 - # ودخلت السنة الثالثة من الهجرة # في المحرم سنة ثلاث سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جمعا من بني ~~ثعلبة بن سعد بن ذبيان وبني محارب بن حفص تجمعوا ليصيبوا من المسلمين، فسار ~~إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا، فلما صار بذي القصة لقي رجلا من ثعلبة ~~فدعاه إلى الإسلام، فأسلم وأخبره أن المشركين أتاهم خبره فهربوا إلى رءوس ~~الجبال، فعاد ولم يلق كيدا، وكان مقامه اثني عشرة ليلة. # وفيها، في جمادى الأولى، غزا بني سليم ببحران، وسبب هذه الغزوة أن جمعا ~~من بني سليم تجمعوا ببحران من ناحية الفرع، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فسار إليهم في ثلاثمائة، فلما بلغ بحران وجدهم قد تفرقوا، فانصرف ~~ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. # (القصة بفتح القاف، والصاد المهملة. وبحران بالباء الموحدة، والحاء ~~المهملة الساكنة) . # ذكر قتل كعب بن الأشرف اليهودي # وفي هذه السنة قتل كعب بن الأشرف، ms0552 وهو أحد بني نبهان من طيئ، وكانت أمه # PageV02P034 # من بني النضير، وكان قد كبر عليه قتل من قتل ببدر من قريش، فسار إلى مكة ~~وحرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكى أصحاب بدر، وكان يشبب ~~بنساء المسلمين حتى آذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم: من لي من ابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك به، ~~أنا أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك. قال: يا رسول الله، لابد لنا ما ~~نقول. قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك. # فاجتمع محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، والحارث بن ~~أوس بن معاذ، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر، وأبو عبس بن جبر، ثم ~~قدموا إلى ابن الأشرف أبا نائلة، فتحدث معه ثم قال له: يا بن الأشرف، إني ~~قد جئتك لحاجة فاكتمها علي. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل شؤما على ~~العرب، قطع عنا السبل حتى ضاعت العيال، وجهدت البهائم. فقال كعب: قد كنت ~~أخبرتك بهذا. قال أبو نائلة: وأريد أن تبيعنا طعاما ونرهنك، ونوثق لك، ~~وتحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابي ~~على مثل رأيي، تبيعهم وتحسن، ونجعل عندك رهنا من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد ~~أبو نائلة بذكر الحلقة، وهي السلاح، أن لا ينكر السلاح إذا جاء مع أصحابه. ~~فقال: إن في الحلقة لوفاء. # فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم، فأخذوا السلاح وساروا إليه، وشيعهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بقيع الغرقد ودعا لهم. فلما انتهوا إلى ~~حصن كعب هتف به أبو نائلة، وكان كعب قريب عهد بعرس، فوثب إليه، وتحدثوا ~~ساعة، وسار معهم إلى شعب العجوز. ثم إن أبا نائلة أخذ برأس كعب وشم بيده ~~وقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعرف قط. ثم مشى ساعة وعاد لمثلها حتى اطمأن ~~كعب، ثم مشى ساعة وأخذ بفود رأسه، ثم قال: اضربوا عدو الله! ms0553 فاختلفت عليه ~~أسيافهم، فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي فأخذته، ~~وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال: فوضعته ~~في ثندؤته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ووقع عدو الله. # PageV02P035 # وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، أصابه أسيافنا، قال: فخرجنا على بعاث ~~وقد أبطأ علينا صاحبنا، فوقفنا له ساعة وقد نزفه الدم، ثم أتانا فاحتملناه ~~وجئنا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على ~~جرح صاحبنا وعدنا إلى أهلينا وقد خافت يهود، ليس بها يهودي إلا وهو يخاف ~~على نفسه. # قال: وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من ظفرتم به من رجال يهود ~~فاقتلوه» ، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي، وهو من تجار يهود، ~~فقتله، وكان يبايعهم، فقال له أخوه حويصة، وهو مشرك: يا عدو الله، قتلته! ~~أما والله لرب شحم في بطنك من ماله! وضربه، فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من ~~لو أمرني بقتلك لقتلتك. قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة. فقال: إن ~~دينا بلغ بك ما أرى لعجب. ثم أسلم. # (عبس بن جبر بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة. وجبر بالجيم، ~~والباء الموحدة، وسنينة تصغير سن) . # وفي ربيع الأول منها تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبنى بها في جمادى الآخرة. # وفيها ولد السائب بن يزيد ابن أخت نمير. # وقال الواقدي: وفيها غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة أنمار ~~يقال لها: ذو أمر، وقد ذكرنا قول ابن إسحاق قبل ذلك. # وفيها كان غزوة الفردة، وكان أميرها زيد بن حارثة، وهي أول سرية خرج فيها ~~زيد أميرا. # وكان من حديثها أن قريشا خافت من طريقها التي كانت تسلك إلى الشام بعد ~~بدر، # PageV02P036 # فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم جماعة فيهم صفوان بن أمية وأبو سفيان. ~~وكان عظيم تجارتهم الفضة، وكان دليلهم فرات بن حيان من بكر بن وائل، فبعث ~~رسول الله - صلى ms0554 الله عليه وسلم - زيدا، فلقيهم على ماء يقال له: الفردة، ~~فأصاب العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان الخمس عشرين ألفا، وقسم الأربعة الأخماس على السوية، وأتى ~~بفرات بن حيان أسيرا فأسلم، فأطلقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم. # (الفردة: ماء بنجد، وقد اختلف العلماء في ضبطه، فقيل فردة بالفاء ~~المفتوحة والراء الساكنة، وبه مات زيد الخيل، ويرد ذكره، وضبطه ابن الفرات ~~في غير موضع قردة بالقاف، وقال ابن إسحاق: وسير زيد بن حارثة إلى الفردة، ~~ماء من مياه نجد، ضبطه ابن الفرات أيضا بفتح الفاء والراء، فإن كانا مكانين ~~وإلا فقد ضبط ابن الفرات أحدهما خطأ) . # ذكر قتل أبي رافع # في هذه السنة في جمادى الآخرة قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي، ~~وكان يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قتل ~~كعب بن الأشرف، وكان قتلته من الأوس، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها ~~علينا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانا يتصاولان تصاول الفحلين، ~~فتذاكر الخزرج من يعادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كابن الأشرف، ~~فذكروا ابن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج عبد الله بن عتيك، ومسعود ~~بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، وخزاعي بن الأسود حليف لهم، وأمر ~~عليهم عبد الله بن عتيك، فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار أبي رافع ليلا ~~فلم يدعوا بابا في الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان في علية، فاستأذنوا ~~عليه، فخرجت امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: نفر من العرب يلتمسون الميرة. ~~قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فدخلوا. فلما دخلوا أغلقوا باب العلية، ~~ووجدوه على فراشه، وابتدروه، فصاحت المرأة، فجعل الرجل منهم يريد قتلها، # PageV02P037 # فيذكر نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم عن قتل النساء والصبيان، ~~فيمسك عنها، وضربوه بأسيافهم، وتحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه ms0555 ~~حتى أنفذه، ثم خرجوا من عنده. # وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثأ شديدا، ~~فاحتملوه واختفوا، وطلبتهم يهود في كل وجه فلم يروهم، فرجعوا إلى صاحبهم، ~~فقال المسلمون: كيف نعلم أن عدو الله قد مات؟ فعاد بعضهم ودخل في الناس، ~~فرأى الناس حوله وهو يقول: لقد عرفت صوت ابن عتيك، ثم قلت: أين ابن عتيك؟ ~~ثم صاحت امرأته وقالت: مات والله. قال: فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسي منها. ~~ثم عاد إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وسمع صوت الناعي يقول: أنعى أبا رافع ~~تاجر أهل الحجاز. وساروا حتى قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~واختلفوا في قتله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هاتوا أسيافكم، ~~فجاءوا بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر ~~العظام. # وقيل في قتله: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أبي رافع ~~اليهودي، وكان بأرض الحجاز رجالا من الأنصار، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، ~~وكان أبو رافع يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما دنوا منه غربت ~~الشمس، وراح الناس بسرجهم، فقال عبد الله بن عتيك لأصحابه: أقيموا مكانكم؛ ~~فإني أنطلق وأتلطف للبواب لعلي أدخل. فانطلق فأقبل حتى دنا من الباب فتقنع ~~بثوبه كأنه يقضي حاجته، فهتف به البواب: إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني ~~أريد أن أغلق الباب، فدخل وأغلق الباب وعلق المفاتيح على وتد، قال: فقمت ~~فأخذتها ففتحت بها الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده في علالي له. فلما أراد ~~النوم ذهب عنه السمار، فصعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته علي من ~~داخل، وقلت: إن علموا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله. قال: فانتهيت إليه، فإذا ~~هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أي هو. فقلت: أبا رافع! قال: من هذا؟ ~~فأهويت نحو الصوت فضربته ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنى عني شيئا وصاح، ~~فخرجت من البيت غير بعيد ثم دخلت عليه فقلت: ms0556 ما هذا الصوت؟ قال: لأمك ~~الويل! إن رجلا في البيت ضربني بالسيف. قال: فضربته فأثخنته فلم أقتله، ثم ~~وضعت حد السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح ~~الأبواب وأخرج حتى # PageV02P038 # انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي وأنا أظن أني انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ~~ليلة مقمرة وانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي وجلست عند الباب فقلت: والله لا ~~أبرح حتى أعلم أقتلته أم لا. فلما صاح الديك قام الناعي فقال: أنعى أبا ~~رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء! قد قتل الله أبا ~~رافع، فانتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته. فقال: ابسط رجلك. ~~فبسطتها فمسحها، فكأني لم أشتكها قط. # قيل: كان قتل أبي رافع في ذي الحجة سنة أربع من الهجرة، والله أعلم. # (سلام بتشديد اللام. وحقيق بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى، تصغير ~~حق) . # وفيها تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة بنت عمر بن الخطاب في ~~شعبان، وكانت قبله تحت خنيس (بضم الخاء المعجمة، وبالنون المفتوحة، وبالياء ~~المعجمة باثنتين من تحت، وبالسين المهملة) وهو ابن حذافة السهمي، فتوفي ~~فيها. ### | [ذكر غزوة أحد] # وفيها في شوال لسبع ليال خلون منه كانت وقعة أحد، وقيل للنصف منه، وكان ~~الذي هاجها وقعة بدر، فإنه لما أصيب من المشركين من أصيب ببدر مشى عبد الله ~~بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وغيرهم ممن أصيب آباؤهم ~~وأبناؤهم وإخوانهم بها، فكلموا أبا سفيان ومن كان له في تلك العير تجارة، ~~وسألوهم أن يعينوهم بذلك المال على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليدركوا ثأرهم منهم ففعلوا. # PageV02P039 # وتجهز الناس وأرسلوا أربعة نفر، وهم: عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، ~~وابن الزبعرى، وأبو عزة الجمحي، فساروا في العرب ليستنفروهم، فجمعوا جمعا ~~من ثقيف وكنانة وغيرهم، واجتمعت قريش بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة ~~وتهامة، ودعا جبير بن مطعم غلامه وحشي بن حرب، وكان حبشيا يقذف بالحربة قل ~~ما يخطئ، فقال له: اخرج مع ms0557 الناس، فإن قتلت عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت ~~عتيق. # وخرجوا معهم بالظعن لئلا يفروا، وكان أبو سفيان قائد الناس، فخرج بزوجته ~~هند بنت عتبة، وغيره من رؤساء قريش خرجوا بنسائهم، خرج عكرمة بن أبي جهل ~~بزوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وخرج الحارث بن المغيرة بفاطمة بنت ~~الوليد بن المغيرة أخت خالد، وخرج صفوان بن أمية ببريرة، وقيل: برزة بنت ~~مسعود الثقفية أخت عروة بن مسعود، وهي أم ابنه عبد الله بن صفوان، وخرج ~~عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم ولده عبيد الله بن عمرو، ~~وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد، وهي أم بنيه مسافع والجلاس وكلاب ~~وغيرهم. # وكان مع النساء الدفوف يبكين على قتلى بدر يحرضن بذلك المشركين. # وكان مع المشركين أبو عامر الراهب الأنصاري، وكان خرج إلى مكة مباعدا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه خمسون غلاما من الأوس، وقيل كانوا ~~خمسة عشر، وكان يعد قريشا أنه لو لقي محمدا لم يتخلف عنه من الأوس رجلان. ~~فلما التقى الناس بأحد كان أبو عامر أول من لقي في الأحابيش وعبدان أهل ~~مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. فقالوا: فلا أنعم الله بك عينا ~~يا فاسق! فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا حتى راضخهم ~~بالحجارة. وكانت هند كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت له: يا أبا دسمة، اشف ~~واستشف، وكان يكنى أبا دسمة. فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من ~~قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة. # فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون قال: إني رأيت ~~بقرا فأولتها خيرا، # PageV02P040 # ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها ~~المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فإن أقاموا أقاموا بشر ~~مقام، وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها. # وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يكره الخروج، وأشار ms0558 بالخروج جماعة ممن استشهد يومئذ. # وأقامت قريش يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وخرج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين صلى الجمعة فالتقوا يوم السبت نصف شوال. فلما لبس رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سلاحه وخرج ندم الذين كانوا أشاروا بالخروج ~~إلى قريش وقالوا: استكرهنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونشير عليه، ~~فالوحي يأتيه فيه، فاعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما شئت. فقال: لا ينبغي لنبي ~~أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. # فخرج في ألف رجل، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فلما كان بين ~~المدينة وأحد عاد عبد الله بن أبي بثلث الناس، فقال: أطاعهم وعصاني، وكان ~~يذكر من تبعه أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن حرام أخو بني سلمة ~~يذكرهم الله أن لا يخذلوا نبيهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما ~~أسلمناكم، وانصرفوا. فقال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم! # وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائة، فسار في حرة بني ~~حارثة وبين أموالهم، فمر بمال رجل من المنافقين يقال له مربع بن قيظي، وكان ~~ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه قام ~~يحثي التراب في وجوههم ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل ~~حائطي، وأخذ حفنة من تراب في يده وقال: لو أعلم أني لا أصيب غيرك لضربت به ~~وجهك. فابتدروه ليقتلوه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا؛ فهذا ~~الأعمى أعمى البصر والقلب. فضربه سعد بن زيد بقوس فشجه. # وذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف صاحبه، فاستله، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV02P041 # سيوفكم، فإني أرى السيوف ستسل اليوم. # وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بعدوة الوادي، وجعل ظهره ~~وعسكره إلى أحد. # وكان المشركون ثلاثة آلاف، منهم سبعمائة دارع، والخيل مائتي فرس، والظعن ~~خمس عشرة امرأة، وكان المسلمون مائة دارع، ولم يكن من الخيل غير فرسين، فرس ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفرس لأبي بردة ms0559 بن نيار، وعرض رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - المقاتلة فرد زيد بن ثابت، وابن عمر، وأسيد بن ~~حضير، والبراء بن عازب، وعرابة بن أوس، وأبا سعيد الخدري وغيرهم، وأجاز ~~جابر بن سمرة، ورافع بن خديج. # وأرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول: خلوا بيننا وبين ابن عمنا، فننصرف ~~عنكم فلا حاجة بنا إلى قتالكم. فردوا عليه بما يكره. # وتعبأ المشركون فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة ~~بن أبي جهل، وكان لواؤهم مع بني عبد الدار، فقال لهم أبو سفيان: إنما يؤتى ~~الناس من قبل راياتهم، فإما أن تكفونا وإما أن تخلوا بيننا وبين اللواء. ~~يحرضهم بذلك. فقالوا: ستعلم إذا التقينا كيف نصنع. وذلك أراد. # واستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وترك أحدا خلف ظهره، ~~وجعل وراءه الرماة، وهم خمسون رجلا، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوات ~~بن جبير، وقال له: انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك ~~إن كانت لنا أو علينا. وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين، ~~وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وأمر الزبير على الخيل ومعه المقداد، وخرج حمزة ~~بالجيش بين يديه. # وأقبل خالد وعكرمة فلقيهما الزبير والمقداد فهزما المشركين، وحمل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فهزموا أبا سفيان، وخرج طلحة بن عثمان صاحب ~~لواء المشركين وقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا ~~بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل أحد منكم يعجله سيفي ~~إلى الجنة أو يعجلني سيفه إلى النار؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب فضربه علي ~~فقطع رجله، فسقط وانكشفت عورته، فناشده الله والرحم فتركه، فكبر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وقال لعلي: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنه # PageV02P042 # ناشدني الله والرحم، فاستحييت منه. # وكان بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيف، فقال: من يأخذه بحقه؟ ~~فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم حتى قام أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول ~~الله؟ قال: تضرب به ms0560 العدو حتى تثخن. قال أنا آخذه. فأعطاه إياه. وكان ~~شجاعا، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء علم الناس أنه يقاتل، فعصب رأسه بها ~~وأخذ السيف، وجعل يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. فجعل لا يرتفع له شيء إلا حطمه ~~حتى انتهى إلى نسوة في سفح الجبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة تقول: # نحن بنات طارق نمشي على النمارق ... إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق # أو تدبروا نفارق فراق غير وامق # وتقول أيضا: # إيها بني عبد الدار ... إيها حماة الديار ضربا بكل بتار # فرفع السيف ليضربها، ثم أكرم سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يضرب به امرأة. وكانت المرأة هند، والنساء معها يضربن بالدفوف خلف الرجال ~~يحرضن. # واقتتل الناس قتالا شديدا، وأمعن في الناس حمزة وعلي، وأبو دجانة في رجال ~~المسلمين، وأنزل الله نصره على المسلمين، وكانت الهزيمة على المشركين، وهرب ~~النساء مصعدات في الجبل، ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون. فلما نظر بعض الرماة # PageV02P043 # إلى العسكر حين انكشف الكفار عنه أقبلوا يريدون النهب، وثبت طائفة ~~وقالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فأنزل الله: {منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152] ، يعني اتباع أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال ابن مسعود: وما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يريد الدنيا حتى نزلت الآية. # فلما فارق بعض الرماة مكانهم رأى خالد بن الوليد قلة من بقي من الرماة، ~~فحمل عليهم فقتلهم، وحمل على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلفهم. ~~فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تبادروا، فشدوا على المسلمين فهزموهم ~~وقتلوهم. # وقد كان المسلمون قتلوا أصحاب اللواء، فبقي مطروحا لا يدنو منه أحد، ~~فأخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته، فاجتمعت قريش حوله، وأخذه صؤاب ~~فقتل عليه، وكان الذي قتل أصحاب اللواء علي، قاله أبو رافع، قال: فلما ~~قتلهم أبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من المشركين، فقال لعلي: ~~احمل ms0561 عليهم، ففرقهم وقتل فيهم، ثم أبصر جماعة أخرى فقال له: احمل عليهم، ~~فحمل عليهم وفرقهم وقتل فيهم، فقال جبرائيل: يا رسول الله، هذه المؤاساة! ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنه مني وأنا منه. فقال جبرائيل: ~~وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. # وكسرت رباعية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السفلى، وشقت شفته، وكلم ~~في وجنته وجبهته في أصول شعره، وعلاه ابن قمئة بالسيف، وكان هو الذي أصابه، ~~وقيل: أصابه عتبة بن أبي وقاص، وقيل: عبد الله بن شهاب الزهري جد محمد بن ~~مسلم. # وقيل: إن عتبة بن أبي وقاص، وابن قمئة الليثي الأدرمي، من بني تيم بن ~~غالب - وكان أدرم ناقص الذقن - وأبي بن خلف الجمحي، وعبد الله بن حميد ~~الأسدي، أسد قريش تعاقدوا على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما ~~ابن شهاب فأصاب # PageV02P044 # جبهته، وأما عتبة فرماه بأربعة أحجار فكسر رباعيته اليمنى، وشق شفته، ~~وأما ابن قمئة، فكلم وجنته ودخل من حلق المغفر فيها، وعلاه بالسيف فلم يطق ~~أن يقطعه، فسقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجحشت ركبته، وأما أبي بن ~~خلف فشد عليه بحربة، فأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه وقتله ~~بها، وقيل: بل كانت حربة الزبير أخذها منه، وقيل: أخذها من الحارث بن ~~الصمة، وأما عبد الله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري. # ولما جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل الدم يسيل على وجهه وهو ~~يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟ ! ~~وقاتل دونه نفر خمسة من الأنصار فقتلوا، وترس أبو دجانة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بنفسه، فكان يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، ورمى سعد ~~بن أبي وقاص دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يناوله السهم ويقول: ارم فداك أبي وأمي. # وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، فردها رسول الله - صلى الله ms0562 عليه ~~وسلم - بيده، فكانت أحسن عينيه. # وقاتل مصعب بن عمير ومعه لواء المسلمين فقتل، قتله ابن قمئة الليثي، وهو ~~يظن أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجع إلى قريش وقال: قتلت محمدا. ~~فجعل الناس يقولون: قتل محمد، قتل محمد. # ولما قتل مصعب أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللواء علي بن أبي ~~طالب. وقاتل حمزة حتى مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني، فقال له حمزة: هلم ~~إلي يا ابن مقطعة البظور! وكانت أمه أم أنمار ختانة بمكة، فلما التقيا ضربه ~~حمزة فقتله. # قال وحشي: إني والله لأنظر إلى حمزة وهو يهذ الناس بسيفه هذا، ما يلقى ~~شيئا يمر به إلا قتله، وقتل سباع بن عبد العزى. قال: فهززت حربتي ودفعتها ~~عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته ~~حتى مات # PageV02P045 # فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، فرضي الله عن حمزة وأرضاه. # وقتل عاصم بن ثابت مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة بسهمين، فحملا إلى ~~أمهما سلافة، وأخبراها أن عاصما قتلهما، فنذرت إن أمكنها الله من رأسه أن ~~تشرب فيه الخمر. # وبرز عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان مع المشركين، وطلب المبارزة، فأراد أبو ~~بكر أن يبرز إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: شم سيفك، وأمتعنا ~~بك. # وانتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر وطلحة في رجال من ~~المهاجرين قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم؟ قالوا: قد قتل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: فما تصنعون بالحياة بعده! موتوا على ما مات عليه. ثم ~~استقبل القوم فقاتل حتى قتل، فوجد به سبعون ضربة وطعنة، وما عرفه إلا أخته، ~~عرفته بحسن بنانه. # وقيل: إن أنس بن النضر سمع نفرا من المسلمين يقولون لما سمعوا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قتل: ليت لنا من يأتي عبد الله بن أبي ابن سلول ليأخذ ~~لنا أمانا من أبي سفيان قبل أن يقتلونا. فقال لهم أنس: يا قوم إن كان محمد ms0563 ~~قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. اللهم إني ~~أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم قاتل حتى قتل. # وكان أول من عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كعب بن مالك، قال: ~~فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا! هذا رسول الله حي لم يقتل، ~~فأشار إليه: أنصت. فلما عرفه المسلمون نهضوا نحو الشعب ومعه علي وأبو بكر ~~وعمر وطلحة والزبير والحارث بن الصمة وغيرهم. فلما أسند إلى الشعب أدركه ~~أبي بن خلف وهو يقول: يا محمد، لا نجوت إن نجوت! فعطف عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فطعنه بالحربة في عنقه، وكان أبي يقول بمكة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. ~~فيقول له النبي - صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك - إن شاء الله تعالى -. ~~فلما رجع إلى قريش وقد خدشه # PageV02P046 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خدشا غير كبير قال: قتلني محمد. قالوا: ~~والله ما بك بأس. قال: إنه قد كان قال لي أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي ~~لقتلني! فمات عدو الله بسرف. # وقاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد قتالا شديدا، فرمى ~~بالنبل حتى فني نبله، وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره. ولما جرح رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل علي ينقل له الماء في درقته من المهراس ويغسله، ~~فلم ينقطع الدم، فأتت فاطمة وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت حصيرا وجعلت على ~~الجرح من رماده فانقطع الدم. # ورمى مالك بن زهير الحشمي النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتقاه طلحة ~~بيده، فأصاب السهم خنصره، وقيل: رماه حبان بن العرقة، فقال: حس، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: لو قال: باسم الله، لدخل الجنة والناس ينظرون ~~إليه. وقيل: إن يده شلت إلا السبابة والوسطى. والأول أثبت. # وصعد أبو سفيان ومعه جماعة من المشركين في الجبل، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: ms0564 ليس لهم أن يعلونا، فقاتلهم عمر وجماعة من المهاجرين حتى ~~أهبطوهم، ونهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصخرة ليعلوها، وكان ~~عليه درعان فلم يستطع، فجلس تحته طلحة حتى صعد، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: أوجب طلحة. # وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين، فيهم عثمان بن عفان وغيره، إلى الأعوص، ~~فأقاموا به ثلاثا ثم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم حين رآهم: ~~لقد ذهبتم فيها عريضة. # والتقى حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، وأبو سفيان بن حرب، فلما ~~استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وهو ابن شعوب، فدعاه أبو سفيان، فأتاه، ~~فضرب حنظلة فقتله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنه لتغسله ~~الملائكة، فسلوا أهله. فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب، سمع الهائعة. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة. # وقال أبو سفيان يذكر صبره ومعاونة ابن شعوب إياه على قتل حنظلة: # PageV02P047 # ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب # فما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم # وأدعي يال غالب وأدفعهم عني ... بركن صليب فبكي ولا ترعي مقالة عاذل # ولا تسأمي من عبرة ونحيب أباك ... وإخوانا لنا قد تتابعوا وحق لهم من ~~عبرة بنصيب # وسلي الذي قد كان في النفس أنني قتلت من النجار كل نجيب ... ومن هاشم ~~قرما نجيبا ومصعبا # وكان لدى الهيجاء غير هيوب ... ولو أنني لم أشف منهم قرونتي # لكانت شجا في القلب ذات ندوب # فأجابه حسان بقوله: # ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ... ولست لزور قلته بمصيب أتعجب # أن أقصدت حمزة منهم عشاء ... وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة ~~وابنه وشيبة # والحجاج وابن حبيب غداة دعا ... العاص عليا فراعه بضربة عضب بله بخضيب # ووقعت هند وصواحباتها على القتل يمثلن بهم، واتخذت هند من آذان الرجال ~~وآنافهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة ~~فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. # ثم أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم ms0565 محمد؟ ثلاثا، فقال رسول # PageV02P048 # الله - صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ~~ثلاثا. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: ~~أما هؤلاء فقد قتلوا. فقال عمر: كذبت، أي عدو الله، قد أبقى الله لك ما ~~يخزيك. فقال: اعل هبل، اعل هبل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~قولوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: إنا لنا العزى ولا عزى لكم. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال ~~أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ~~ليسمع كلامك. فقال: أنت أصدق من ابن قمئة! ثم قال: هذا بيوم بدر، والحرب ~~سجال، أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلا، والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ~~ولا أمرت. # واجتاز به الحليس بن زبان سيد الأحابيش وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح ~~ويقول: ذق عقق! فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ~~ترون. فقال أبو سفيان: اكتمها عني فإنها زلة. # وكانت أم أيمن حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونساء من الأنصار ~~يسقين الماء، فرماها حبان بن العرقة بسهم فأصاب ذيلها، فضحك، فدفع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى سعد بن أبي وقاص سهما وقال: ارمه. فرماه فأصابه، ~~فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: استقاد لها سعد، أجاب الله دعوتك ~~وسدد رميتك. # ثم انصرف أبو سفيان ومن معه وقال: إن موعدكم العام المقبل. ثم بعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عليا في أثرهم وقال: انظر فإن جنبوا الخيل ~~وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل فإنهم يريدون المدينة، ~~فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في أثرهم، فامتطوا ~~الإبل وجنبوا الخيل يريدون مكة، فأقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بالكتمان. # PageV02P049 # وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا أن ينظر ms0566 في القتلى، فرأى سعد ~~بن الربيع الأنصاري وبه رمق، فقال للذي رآه: أبلغ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عني السلام وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ ~~قومي السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أذى وفيكم عين تطرف. ثم مات. # ووجد حمزة ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به، فحين رآه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: لولا أن تحزن صفية أو تكون سنة بعدي لتركته ~~حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش لأمثلن ~~بثلاثين رجلا منهم. # وقال المسلمون: لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، فأنزل الله في ~~ذلك: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] الآية، فعفا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبر، ونهى عن المثلة. # وأقبلت صفية بنت عبد المطلب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لابنها الزبير ليردها؛ لئلا ترى ما بأخيها حمزة، فلقيها الزبير فأعلمها ~~بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنه بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في ~~الله قليل! فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرن. فأعلم الزبير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: خل سبيلها. فأتته وصلت عليه ~~واسترجعت، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به فدفن. # وكان في المسلمين رجل اسمه قزمان، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: إنه من أهل النار. فقاتل يوم أحد قتالا شديدا فقتل من المشركين ~~ثمانية أو تسعة، ثم جرح فحمل إلى داره، وقال له المسلمون: أبشر قزمان! قال: ~~بم أبشر، وأنا ما قاتلت إلا عن أحساب قومي؟ ثم اشتد عليه جرحه، فأخذ سهما ~~فقطع رواهشه، فنزف الدم فمات، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: أشهد أني رسول الله. # وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي، قال ذلك اليوم ليهود: يا معشر ~~يهود، # PageV02P050 # لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق. فقالوا: ms0567 إن اليوم السبت. فقال: لا سبت، ~~وأخذ سيفه وعدته وقال: إن قتلت فمالي لمحمد يصنع به ما يشاء، ثم غدا فقاتل ~~حتى قتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مخيريق خير يهود. # وقتل اليمان أبو حذيفة، قتله المسلمون، وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رفعه وثابت بن قيس بن وقش مع النساء، فقال أحدهما لصاحبه، وهما ~~شيخان: ما ننتظر؟ أفلا نأخذ أسيافنا فنلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ لعل الله أن يرزقنا الشهادة. ففعلا ودخلا في الناس ولا يعلم بهما، فأما ~~ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فاختلفت عليه سيوف المسلمين فقتلوه ولا ~~يعرفونه، فقال حذيفة: أبي أبي! فقالوا: والله ما عرفناه. فقال: يغفر الله ~~لكم. وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يديه، فتصدق حذيفة بديته ~~على المسلمين. # واحتمل بعض الناس قتلاهم إلى المدينة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بدفنهم حيث صرعوا، وأمر أن يدفن الاثنان والثلاثة في القبر الواحد، ~~وأن يقدم إلى القبلة أكثرهم قرآنا، وصلى عليه، فكان كلما أتي بشهيد جعل ~~حمزة معه وصلى عليهما، وقيل: كان يجمع تسعة من الشهداء وحمزة عاشرهم فيصلي ~~عليهم، ونزل في قبره علي وأبو بكر وعمر والزبير، وجلس رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على حفرته، وأمر أن يدفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام في ~~قبر واحد، وقال: كانا متصافيين في الدنيا. # فلما دفن الشهداء انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيته حمنة ~~بنت جحش، فنعى لها أخاها عبد الله، فاسترجعت له، ثم نعى لها خالها حمزة ~~فاستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فولولت وصاحت، فقال: إن زوج ~~المرأة منها لبمكان. # ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدار من دور الأنصار فسمع البكاء ~~والنوائح، فذرفت عيناه فبكى وقال: لكن حمزة لا بواكي له! فرجع سعد بن معاذ ~~إلى دار بني عبد الأشهل فأمر نساءهم أن يذهبن فيبكين على حمزة. # ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بامرأة من الأنصار ms0568 قد أصيب أبوها ~~وزوجها، فلما نعيا لها # PageV02P051 # قالت: ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هو بحمد الله كما ~~تحبين. قالت: أرونيه، فلما نظرت إليه قالت: كل مصيبة بعدك جلل. # وكان رجوعه إلى المدينة يوم السبت يوم الوقعة. # (نيار بالنون المكسورة، والياء تحتها نقطتان، وآخره راء. وجبير بضم ~~الجيم، تصغير جبر. وخوات بالخاء المعجمة والواو المشددة، وبعد الألف تاء ~~فوقها نقطتان. وحبان بكسر الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وآخره نون. ~~والحليس بضم الحاء المهملة تصغير حلس. وزبان بالزاي، والباء الموحدة، وآخره ~~نون) . ### | [ذكر غزوة حمراء الأسد] # لما كان الغد من يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالغزو وقال: لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فخرج ليظن الكفار به قوة، ~~وخرج معه جماعة جرحى يحملون نفوسهم، وساروا حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من ~~المدينة على سبعة أميال، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ومر به ~~معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بتهامة، وكان معبد مشركا، فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما ~~أصابك. ثم خرج من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقي أبا سفيان ومن معه ~~بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستأصلوا ~~المسلمين بزعمهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك؟ قال: محمد قد ~~خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، قد جمع معه من تخلف عنه وندموا ~~على ما صنعوا، وما ترحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله قد أجمعنا الرجعة ~~لنستأصل بقيتهم. قال: إني أنهاك عن هذا، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. # ومر بأبي سفيان ركب من عبد القيس فقال لهم: بلغوا عني محمدا رسالة، وأحمل # PageV02P052 # لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ. قالوا: نعم. قال: أخبروه أنا قد أجمعنا السير ~~إليه وإلى أصحابه لنستأصلهم. فمروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~بحمراء الأسد فأخبروه، فقال - صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله ونعم الوكيل. # ثم عاد إلى ms0569 المدينة، وظفر في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ~~وبأبي عزة عمرو بن عبيد الله الجمحي، وكان قد تخلف عن المشركين بحمراء ~~الأسد، ساروا وتركوه نائما، وكان أبو عزة قد أسر يوم بدر، فأطلقه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بغير فداء لأنه شكا إليه فقرا وكثرة عيال، فأخذ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه العهود أن لا يقاتله ولا يعين على ~~قتاله، فخرج معهم يوم أحد وحرض على المسلمين، فلما أتي به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له: يا محمد، امنن علي. قال: المؤمن لا يلدغ من جحر ~~مرتين. وأمر به فقتل. # وأما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي جدع أنف حمزة ~~ومثل به مع من مثل به، وكان قد أخطأ الطريق، فلما أصبح أتى دار عثمان بن ~~عفان، فلما رآه قال له عثمان: أهلكتني وأهلكت نفسك. فقال: أنت أقربهم مني ~~رحما، وقد جئتك لتجيرني. وأدخله عثمان داره، وقصد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليشفع فيه، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن ~~معاوية بالمدينة فاطلبوه. فأخرجوه من منزل عثمان، وانطلقوا به إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال عثمان: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له ~~أمانا فهبه لي، فوهبه له وأجله ثلاثة أيام، وأقسم لئن أقام بعدها ليقتلنه، ~~فجهزه عثمان وقال له: ارتحل. # وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية ~~ليعرف أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان اليوم الرابع قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم: إن معاوية يصبح قريبا ولم يبعد، فاطلبوه، فطلبه زيد ~~بن حارثة وعمار فأدركاه بالحماة، فقتلاه. # وهذا معاوية جد عبد الملك بن مروان بن الحكم لأمه. # وفيها قيل: ولد الحسن بن علي في النصف من شهر رمضان. # PageV02P053 # وفيها علقت فاطمة بالحسين، وكان بين ولادتها وحملها خمسون يوما. # وفيها حملت جميلة بنت عبد الله بن أبي بعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ~~غسيل الملائكة ms0570 في شوال. # PageV02P054 ### | [ودخلت السنة الرابعة من الهجرة] # [ذكر غزوة الرجيع] ### | 4 - # ودخلت السنة الرابعة من الهجرة ### | ذكر غزوة الرجيع # في هذه السنة في صفر كانت غزوة الرجيع. # وكان سببها أن رهطا من عضل والقارة قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالوا: إن فينا إسلاما، فابعث لنا نفرا يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا ~~القرآن. فبعث معهم ستة نفر، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقيل: مرثد بن أبي ~~مرثد، فلما كانوا بالهدأة غدروا واستصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم: بنو ~~لحيان، فبعثوا لهم مائة رجل، فالتجأ المسلمون إلى جبل، فاستنزلوهم وأعطوهم ~~العهد، فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، اللهم خبر نبيك عنا! ~~وقاتلهم هو ومرثد وخالد بن البكير، ونزل إليهم ابن الدثنة وخبيب بن عدي ~~ورجل آخر فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أتبعكم! ~~فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة فباعوهما بمكة، فأخذ خبيبا بنو الحارث ~~بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد، فأخذوه ليقتلوه ~~بالحارث، فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من بعضهن موسى يستحد بها ~~للقتل، فدب صبي لها فجلس # PageV02P055 # على فخذ خبيب والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ~~إن الغدر ليس من شأننا. فكانت المرأة تقول: ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، ~~لقد رأيته وما بمكة ثمرة، وإن في يده لقطفا من عنب يأكله، ما كان إلا رزقا ~~رزقه الله خبيبا. # فلما خرجوا من الحرم بخبيب ليقتلوه قال: ردوني أصل ركعتين، فتركوه، ~~فصلاهما، فجرت سنة لمن قتل صبرا، ثم قال خبيب: لولا أن تقولوا جزع، لزدت، ~~وقال أبياتا، منها: # ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شيء كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا! ثم صلبوه. # وأما عاصم بن ثابت فإنهم أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت ~~نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم؛ لأنه قتل ابنيها بأحد، فجاءت النحل ~~فمنعته، ms0571 فقالوا: دعوه حتى يمسي فنأخذه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما، ~~وكان عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، فمنعه الله في مماته كما ~~منع في حياته. # وأما ابن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم، ~~ليقتله بابنيه، فقال نسطاس: أنشدك الله أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك ~~نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: ما أحب أن محمدا الآن مكانه الذي هو فيه ~~تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس ~~أحدا يحب كحب أصحاب محمد محمدا. ثم قتله نسطاس. # PageV02P056 # (خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، بعدها ياء تحتها نقطتان، ~~وآخره باء موحدة أيضا، والبكير بضم الباء الموحدة، تصغير بكر) . # ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان # ولما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن ~~أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب، ~~قال عمرو: فخرجت أنا ومعي بعير لي وبرجل صاحبي علة، فكنت أحمله على بعيري ~~حتى جئنا بطن يأجج، فعقلنا بعيرنا في الشعب وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي ~~سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئا فالحق بالبعير، فاركبه والحق برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأخبره الخبر، وخل عني. وأوغل بالبلد يحث السياق. # فدخلنا مكة ومعي خنجر قد أعددته إن عاقني إنسان ضربته به، فقال لي صاحبي: ~~هل لك أن نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين؟ فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم وأنا ~~أعرف بها. فلم نزل حتى أتينا البيت فطفنا وصلينا، ثم خرجنا فمررنا بمجلس ~~لهم، فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية! فثار أهل مكة إلينا ~~وقالوا: ما جاء إلا لشر، وكان فاتكا متشيطنا في الجاهلية. فقلت لصاحبي: ~~النجاء! هذا الذي كنت أحذر، أما أبو سفيان فليس إليه سبيل، فانج بنفسك. # فخرجنا نشتد حتى صعدنا الجبل، فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا، ننتظر أن ~~يسكن الطلب. قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان ms0572 بن مالك التيمي يتخيل بفرس ~~له، فقام على باب الغار، فخرجت إليه فضربته بالخنجر، فصاح صيحة أسمع أهل ~~مكة، فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني، فوجدوه وبه رمق، فقالوا: من ضربك؟ قال: ~~عمرو بن أمية، ثم مات ولم يقدر يخبرهم بمكاني، وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي، ~~فاحتملوه. # ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا إلى التنعيم، فإذا ~~بخشبة خبيب وحوله حرس، فصعدت خشبته واحتملته على ظهري، فما مشيت به إلا نحو ~~أربعين خطوة حتى نذروا بي فطرحته، فاشتدوا في أثري، فأخذت الطريق فأعيوا ~~ورجعوا، وانطلق صاحبي فركب البعير وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبره، وأما خبيب فلم ير بعد ذلك وكأن الأرض ابتلعته. # PageV02P057 # قال: وسرت حتى دخلت غارا بضجنان ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذ دخل ~~علي رجل من بني الدئل أعور، طويل، يسوق غنما، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني ~~الدئل، فاضطجع معي ورفع عقيرته يتغنى ويقول: # ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا # ثم نام فقتلته ثم سرت، فإذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان أمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فرميت أحدهما بسهم فقتلته واستأسرت الآخر، فقدمت على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبرته الخبر، فضحك ودعا لي بخير. # وفي هذه السنة تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت خزيمة أم ~~المساكين من بني هلال في شهر رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث ~~فطلقها. # وولي المشركون الحج في هذه السنة. ### | [ذكر بئر معونة] # في هذه السنة في صفر قتل جمع من المسلمين ببئر معونة. # وكان سبب ذلك أن أبا براء بن عازب بن عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة، ~~سيد بني عامر بن صعصعة، قدم المدينة وأهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~هدية، فلم يقبلها وقال: يا أبا براء، لا أقبل هدية مشرك، ثم عرض عليه ~~الإسلام فلم يبعد عنه ولم يسلم، وقال: إن أمرك هذا حسن، فلو بعثت رجلا من ~~أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى أمرك ms0573 لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم: أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جار. # PageV02P058 # فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين رجلا، فيهم: المنذر بن عمرو ~~الأنصاري المعنق ليموت، والحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، ~~وغيرهم، وقيل: كانوا أربعين، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة بين أرض بني عامر ~~وحرة بني سليم، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر إلى الكتاب وعدا على ~~حرام فقتله، فلما طعنه قال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة! واستصرخ بني عامر، ~~فلم يجيبوه وقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، فاستصرخ بني سليم: عصية ~~ورعلا وذكوان، فأجابوه وخرجوا حتى أحاطوا بالمسلمين، فقاتلوهم حتى قتلوا عن ~~آخرهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم ~~الخندق. # وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار، فرأيا الطير تحوم على ~~العسكر فقالا: إن لها لشأنا، فأقبلا ينظران، فإذا القوم صرعى، وإذا الخيل ~~واقفة، فقال عمرو: نلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنخبره الخبر. ~~فقال الأنصاري: لا أرغب بنفسي عن موطن فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل حتى ~~قتل، فأخذوا عمرو بن أمية أسيرا. فلما علم عامر أنه من سعد أطلقه، وخرج ~~عمرو حتى إذا كان بالقرقرة لقي رجلين من بني عامر، فنزلا معه ومعهما عقد من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعلم به عمرو فقتلهما، ثم أخبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الخبر، فقال له: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. ثم قال ~~رسول الله: هذا عمل أبي براء، فشق عليه ذلك. # وكان فيمن قتل عامر بن فهيرة، فكان عامر بن الطفيل يقول: من الرجل منهم ~~لما قتل رفع بين السماء والأرض؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة. وقال حسان بن ~~ثابت يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل: # بني أم البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوائب ms0574 أهل نجد ... تهكم عامر بأبي براء ~~ليخفره وما خطأ كعمد # PageV02P059 # في أبيات له. فقال كعب بن مالك: # لقد طارت شعاعا كل وجه ... خفارة ما أجار أبو براء # في أبيات أخرى. # فلما بلغ ربيعة بن أبي براء ذلك حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فخر عن ~~فرسه، فقال: إن مت فدمي لعمي. وأنزل الله - عز وجل - في أهل بئر معونة ~~قرآنا: بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه. ثم نسخت. # (معونة بفتح الميم، وضم العين المهملة، وبعد الواو نون. وحرام بالحاء ~~المهملة، والراء. وملحان بكسر الميم، وبالحاء المهملة) . ### | [ذكر إجلاء بني النضير] # وكان سبب ذلك أن عامر بن الطفيل أرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يطلب دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، وقد ذكرنا ذلك. # فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني النضير يستعينهم فيها، ومعه ~~جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فقالوا: نعم نعينك على ما أحببت، ~~ثم خلا بعضهم ببعض وتآمروا على قتله، وهو جالس إلى جنب جدار، فقالوا: من ~~يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب له عمرو بن ~~جحاش، فنهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وقال: هو يعلم. فلم يقبلوا منه، وصعد ~~عمرو بن جحاش، فأتى الخبر من السماء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بما عزموا عليه، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيكم. # وخرج راجعا إلى المدينة، فلما أبطأ قام أصحابه في طلبه، فأخبرهم الخبر ~~وأمر المسلمين بحربهم، ونزل بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فقطع النخل وأحرق، ~~وأرسل # PageV02P060 # إليهم عبد الله بن أبي وجماعة معه: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، ~~وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم. # وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا السلاح، ~~فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان ممن سار ~~إلى خيبر كنانة ms0575 بن الربيع وحيي بن أخطب، وكان فيهم يومئذ أم عمرو صاحبة ~~عروة بن الورد التي ابتاعوا منه، وكانت غفارية. # فكانت أموال النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده يضعها حيث ~~شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا ~~دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما. ولم يسلم من بني النضير إلا يامين بن عمير بن ~~كعب، وهو ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعيد بن وهب، وأحرزا أموالهما. # واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت رايته مع علي بن أبي طالب. # (سلام بتشديد اللام. ومشكم بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، والكاف) . ### | [غزوة ذات الرقاع] # أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد بني النضير شهري ~~ربيع، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا، وهي ~~غزوة الرقاع، سميت بذلك لأجل جبل كانت الوقعة به، فيه سواد وبياض وحمرة، ~~فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلقي المشركين ولم يكن قتال، وخاف ~~الناس بعضهم بعضا، فنزلت صلاة الخوف، وقد اختلف الرواة في صلاة الخوف، وهو ~~مستقصى في كتب الفقه. # وجاء رجل من محارب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلب منه أن ينظر ~~إلى سيفه، فأعطاه السيف، فلما أخذه وهزه قال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: ~~لا. قال: أما تخافني وفي # PageV02P061 # يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني الله منك، فرد السيف إليه. # وأصاب المسلمون امرأة منهم، وكان زوجها غائبا، فلما أتى أهله أخبر الخبر، ~~فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دما، وخرج ~~يتبع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: من يحرسنا الليلة؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، ~~فأقاما بفم شعب نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضطجع المهاجري، ~~وحرس الأنصاري أول الليل وقام يصلي، وجاء زوج المرأة فرأى شخصه، فعرف أنه ~~ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فانتزعه وثبت قائما يصلي، ثم رماه بسهم ~~آخر فأصابه، ms0576 فنزعه وثبت يصلي، ثم رماه بالثالث فوضعه فيه، فانتزعه ثم ركع ~~وسجد، ثم أيقظ صاحبه وأعلمه، فوثب، فلما رآهما الرجل علم أنهما علما به، ~~فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري قال: سبحان الله! ألا أيقظتني أول ما رماك؟ ~~قال: كنت في سورة أقرأها، فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي أعلمتك، ~~وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها. # وقيل: إن هذه الغزوة كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة. ### | [ذكر غزوة بدر الثانية] # وسميت أيضا غزوة السويق. # وفي شعبان منها خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر لميعاد أبي ~~سفيان بن حرب حتى نزل بدرا، فأقام عليها ثماني ليال ينتظر أبا سفيان، وخرج ~~أبو سفيان في أهل مكة إلى مر الظهران، وقيل: إلى عسفان، ثم رجع ورجعت قريش ~~معه، فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. # واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة عبد الله بن ~~رواحة. # PageV02P062 # وفيها تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة. # وفيها أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب ~~يهود. # وفيها، في جمادى الأولى، مات عبد الله بن عثمان بن عفان، وأمه رقية بنت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان عمره ست سنين. # وفيها ولد الحسين بن علي بن أبي طالب، في قول. # وولي الحج فيها المشركون. # PageV02P063 ### | [الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة] ### | 5 - # الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة # فيها تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش، وهي ابنة ~~عمته، كان زوجها مولاه زيد بن حارثة، وكان يقال له: زيد بن محمد. فخرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يريده وعلى الباب ستر من شعر، فرفعته الريح ~~فرآها وهي حاسرة، فأعجبته وكرهت إلى زيد، فلم يستطع أن يقربها، فجاء إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم ms0577 - فأخبره، فقال: أرابك فيها شيء؟ قال: لا ~~والله. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله. ~~ففارقها زيد وحلت، وأنزل الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: من ~~يبشر زينب أن الله قد زوجنيها؟ وقرأ عليهم قوله - تعالى: {وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه} [الأحزاب: 37] الآية، فكانت زينب تفخر على نسائه وتقول: ~~زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من السماء. # وفيها كانت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول، وسببها أنه بلغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن بها جمعا من المشركين، فغزاهم، فلم يلق كيدا، وخلف على ~~المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وغنم المسلمون إبلا وغنما وجدت لهم. # وماتت أم سعد بن عبادة، وسعد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه ~~الغزاة. # وفيها وادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن الفزاري أن ~~يرعى بتغلمين وما والاها. # PageV02P064 # (عيينة بضم العين، تصغير عين) . ### | [ذكر غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب] # وكانت في شوال، وكان سببها أن نفرا من يهود من بني النضير، منهم: عبد ~~الله بن سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي ~~الحقيق، وغيرهم، حزبوا الأحزاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقالوا: نكون معكم حتى نستأصله، فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتوا على غطفان، ~~فدعوهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبروهم أن قريشا معهم ~~على ذلك، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان ~~وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في ~~مرة، ومسعر بن رخيلة الأشجعي في الأشجع. # فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفر الخندق، وأشار ~~به سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو يومئذ حر، فعمل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغبة في الأجر، ~~وحثا للمسلمين، وتسلل ms0578 عنه جماعة من المنافقين بغير علم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأنزل الله في ذلك: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا} [النور: 63] الآية. # وكان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لحاجة لابد منها يستأذن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيقضي حاجته ثم يعود، فأنزل الله - تعالى: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} [النور: 62] الآية. # وقسم الخندق بين المسلمين، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان، كل يدعيه ~~أنه منهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: سلمان منا، سلمان من أهل ~~البيت. وجعل لكل عشرة أربعين ذراعا، فكان سلمان، وحذيفة، والنعمان بن مقرن، ~~وعمرو بن عوف، وستة # PageV02P065 # من الأنصار - يعملون، فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول، فأعلموا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فهبط إليها ومعه سلمان، فأخذ المعول، وضرب الصخرة ضربة ~~صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والمسلمون، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك، ثم خرج وقد ~~صدعها، فسأله سلمان عما رأى من البرق، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ~~ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام والروم، ~~وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، وأخبرني أن ~~أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون. # وقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يعدكم الباطل، ويخبركم أنه ينظر من يثرب ~~الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل ~~الله: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا} [الأحزاب: 12] . # فأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة، في عشرة ~~آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وتهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم حتى ~~نزلوا إلى جنب أحد، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ~~فجعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، فنزل هناك، ورفع الذراري والنساء في ~~الآطام. # وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب ms0579 بن أسد سيد قريظة، وكان قد وادع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على قومه، فأغلق كعب حصنه ولم يأذن له، وقال: إنك ~~امرؤ مشئوم، وقد عاهدت محمدا ولم أر منه إلا الوفاء. قال حيي: يا كعب، قد ~~جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش وقادتها وسادتها، وغطفان بقادتها، ~~وقد عاهدوني أنهم لا يبرحون حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه. قال كعب: جئتني ~~بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي! ~~دعني ومحمدا. ولم يزل معه يفتله في الذروة والغارب حتى حمله على الغدر ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ففعل ونكث العهد، وعاهده حيي إن عادت قريش ~~وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني # PageV02P066 # ما أصابك. فعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن ~~أسفل منهم، ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والمشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم ~~حرب إلا الرمي بالنبل. # فلما اشتد البلاء بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عيينة بن حصن ~~والحارث بن عوف المري، قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن ~~يرجعا بمن معهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابا إلى ذلك، ~~فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ~~فقالا: يا رسول الله، شيء تحب أن تصنعه، أم شيء أمرك الله به، أو شيء تصنعه ~~لنا؟ قال: بل لكم، رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم ~~شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهم على الشرك، ولا يطمعون أن يأكلوا ~~منا تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا! ما ~~نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. # فترك ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم إن فوارس من قريش، منهم: عمرو بن عبد ود أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة ~~بن أبي ms0580 جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب الفهري ~~- خرجوا على خيولهم، واجتازوا ببني كنانة وقالوا: تجهزوا للحرب وستعلمون من ~~الفرسان. وكان عمرو بن عبد ود قد شهد بدرا كافرا، وقاتل حتى كثرت الجراح ~~فيه، فلم يشهد أحدا وشهد الخندق معلما حتى يعرف مكانه، وأقبل هو وأصحابه ~~حتى وقفوا على الخندق، ثم تيمموا مكانا ضيقا فاقتحموه، فجالت بهم خيولهم في ~~السبخة بين الخندق وسلع. # وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة، وكان ~~عمرو قد خرج معلما، فقال له علي: يا عمرو، إنك عاهدت أن لا يدعوك رجل من ~~قريش إلى خصلتين إلا أخذت إحداهما؟ قال: أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى ~~الله والإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال: ~~والله ما أحب أن أقتلك. قال علي: ولكني أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك، ~~فنزل عن فرسه وعقره، ثم أقبل على علي، فتجاولا، وقتله علي، وخرجت خيلهم ~~منهزمة، وقتل مع عمرو رجلان، قتل علي أحدهما، وأصاب آخر سهم، فمات منه ~~بمكة. # PageV02P067 # ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله، رماه حبان بن قيس بن العرقة بن عبد ~~مناف، من بني معيص، من عامر بن لؤي، والعرقة أمه، وإنما قيل لها العرقة ~~لطيب ريح عرقها، وهي قلابة بنت سعد بن سهم، وهي أم عبد مناف بن الحارث. ~~فلما رمى سعدا قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم: عرق الله وجهك في النار، ولم يقطع الأكحل من أحد إلا مات. فقال سعد: ~~اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن ~~أقاتلهم من قوم آذوا نبيك وكذبوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا فاجعله ~~لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. وكانوا حلفاءه ومواليه في ~~الجاهلية. # وقيل: إن الذي رمى سعدا هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، فلما قال ~~سعد ما قال انقطع ms0581 الدم. # وكانت صفية عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في فارع، حصن حسان بن ثابت، ~~وكان حسان فيه مع النساء؛ لأنه كان جبانا، قالت: فأتانا آت من اليهود فقلت ~~لحسان: هذا اليهودي يطوف بنا، ولا نأمنه أن يدل على عوراتنا، فانزل إليه ~~فاقتله. فقال: والله ما أنا بصاحب هذا. قالت: فأخذت عمودا ونزلت إليه ~~فقتلته، ثم رجعت فقلت لحسان: انزل إليه فخذ سلبه؛ فإنني يمنعني منه أنه ~~رجل. فقال: والله ما لي بسلبه من حاجة. # ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب ~~خدعة. فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: قد ~~عرفتم ودي إياكم. فقالوا: لست عندنا بمتهم. قال: قد ظاهرتم قريشا وغطفان ~~على حرب محمد، وليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا ~~تقدرون على أن تتحولوا منه، وإن قريشا وغطفان إن رأوا # PageV02P068 # نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين ~~محمد، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا منهم رهنا من ~~أشرافهم ثقة لكم حتى تناجزوا محمدا. قالوا: أشرت بالنصح. # ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي إياكم، ~~وفراقي محمدا، وقد بلغني أن قريظة ندموا، وقد أرسلوا إلى محمد: هل يرضيك ~~عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكم، فتضرب أعناقهم، ثم ~~نكون معك على من بقي منهم؟ فأجابهم: أن نعم. فإن طلبت قريظة منكم رهنا من ~~رجالكم، فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: أنتم ~~أهلي وعشيرتي. وقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم. # فلما كان ليلة السبت من شوال سنة خمس كان مما صنع الله لرسوله أن أرسل ~~أبو سفيان ورءوس غطفان إلى قريظة ms0582 عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، ~~وقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى ~~نناجز محمدا. فأرسلوا إليهم: إن اليوم السبت لا نعمل فيه شيئا، ولسنا نقاتل ~~معكم حتى تعطونا رهنا ثقة لنا، فإنا نخشى أن ترجعوا إلى بلادكم، وتتركونا ~~والرجل ونحن ببلاده. فلما أبلغتهم الرسل هذا الكلام، قالت قريش وغطفان: ~~والله لقد صدق نعيم بن مسعود، فأرسلوا إلى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم ~~رجلا واحدا. فقالت قريظة عند ذلك: إن الذي ذكر نعيم بن مسعود لحق. وخذل ~~الله بينهم، وبعث الله عليهم ريحا في ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ ~~قدورهم، وتطرح أبنيتهم. # فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلاف أمرهم دعا حذيفة بن ~~اليمان ليلا، فقال: انطلق إليهم، وانظر حالهم، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. ~~قال حذيفة: فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل فيهم ما تفعل، لا يقر ~~لهم قدر ولا بناء ولا نار. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر الرجل ~~أمر جليسه، قال: فأخذت بيد الرجل الذي بجانبي فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان. ~~ثم قال أبو سفيان: والله لقد هلك الخف والحافر، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من ~~هذه # PageV02P069 # الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس ~~عليه، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم، ولولا عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلي أن لا أحدث شيئا لقتلته. # قال حذيفة: فرجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم يصلي في مرط ~~لبعض نسائه، فأدخلني بين رجليه، وطرح علي طرف المرط، فلما سلم خبرته الخبر. # وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فعادوا راجعين إلى بلادهم، فلما عادوا قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. فكان كذلك حتى ~~فتح الله مكة. ### | [ذكر غزوة بني قريظة] # لما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد إلى المدينة، ووضع ~~المسلمون السلاح، وضرب على سعد بن معاذ قبة في المسجد ms0583 ليعوده من قريب، فلما ~~كان الظهر أتى جبرائيل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أقد وضعت ~~السلاح؟ قال: نعم. قال جبرائيل: ما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك ~~بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إليهم. «فأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مناديا فنادى: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني ~~قريظة. وقدم عليا إليهم برايته، وتلاحق الناس، ونزل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأتاه رجال بعد العشاء الأخيرة فصلوا العصر بها، وما عابهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وحاصر بني قريظة شهرا وخمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تبعث إلينا أبا لبابة بن عبد ~~المنذر، وهو أنصاري من الأوس، نستشيره، فأرسله، فلما رأوه قام عليه الرجال، ~~وبكى النساء والصبيان، فرق لهم، فقالوا: ننزل على حكم رسول الله. فقال: ~~نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى ~~عرفت أني خنت الله ورسوله، وقلت: والله لا أقمت بمكان عصيت الله فيه. ~~وانطلق على وجهه حتى ارتبط في المسجد، وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي. # PageV02P070 # فتاب الله عليه، وأطلقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الأوس: يا رسول ~~الله، افعل في موالينا ما فعلت في موالي الخزرج، يعني بني قينقاع، وقد تقدم ~~ذكرهم. فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم سعد بن معاذ؟ قالوا: بلى. فأتاه قومه ~~فاحتملوه على حمار، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهم يقولون: أبا عمرو، أحسن إلى مواليك. فلما كثروا عليه قال: قد آن لسعد ~~أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فعلم كثير منهم أنه يقتلهم، فلما انتهى سعد ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قوموا إلى سيدكم، أو قال: ~~خيركم، فقاموا إليه وأنزلوه، وقالوا: يا أبا عمرو، أحسن إلى مواليك، فقد رد ~~رسول الله - صلى الله عليه ms0584 وسلم - الحكم فيهم إليك. فقال سعد: عليكم عهد ~~الله وميثاقه، إن الحكم فيهم إلي؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الناحية الأخرى ~~التي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وغض بصره عن رسول الله إجلالا، ~~وقال: وعلى من هاهنا العهد أيضا؟ فقالوا: نعم. وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: نعم. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والنساء، ~~وتقسم الأموال، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم ~~بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» . # ثم استنزلوا، فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار. ثم خرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق، ثم بعث ~~إليهم فضرب أعناقهم فيها، وفيهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد سيدهم، وكانوا ~~ستمائة أو سبعمائة، وقيل: ما بين سبعمائة وثمانمائة، وأتي بحيي بن أخطب وهو ~~مكتوف، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: والله ما لمت نفسي في ~~عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل. ثم قال للناس: إنه لا بأس بأمر الله، كتاب ~~وقدر، وملحمة كتبت على بني إسرائيل. # فأجلس وضربت عنقه. ولم تقتل منهم إلا امرأة واحدة، قتلت بحدث أحدثته، ~~وقتلت أرفة بنت عارضة منهم. # PageV02P071 # وأسلم منهم ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد. # ثم «قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أموالهم، فكان للفارس ثلاثة ~~أسهم، للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل ممن ليس له فرس سهم» ، وكانت ~~الخيل ستة وثلاثين فرسا، وأخرج منها الخمس، وكان أول فيء وقع فيه السهمان ~~والخمس. # «واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ريحانة بنت عمرو بن ~~خنافة من بني قريظة، فأراد أن يتزوجها فقالت: اتركني في ملكك، فهو أخف علي ~~وعليك» . # فلما انقضى أمر قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، واستجاب الله دعاءه، وكان ~~في خيمته التي في المسجد، فحضره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ~~وعمر، وقالت عائشة: «سمعت بكاء أبي بكر وعمر عليه وأنا في حجرتي، وأما ~~النبي - صلى ms0585 الله عليه وسلم - فكان لا يبكي على أحد، كان إذا اشتد وجده أخذ ~~بلحيته» . # وكان فتح قريظة في ذي القعدة وصدر ذي الحجة، وقتل من المسلمين في الخندق ~~ستة نفر، وفي قريظة ثلاثة نفر. # PageV02P072 ### | [ودخلت سنة ست من الهجرة] # [ذكر غزوة بني لحيان] ### | 6 - # ودخلت سنة ست من الهجرة ### | ذكر غزوة بني لحيان # في جمادى الأولى منها خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني ~~لحيان يطلب بأصحاب الرجيع، خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام؛ ~~ليصيب من القوم غرة، وأغذ السير حتى نزل على غران منازل بني لحيان، وهي بين ~~أمج وعسفان، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فلما أخطأه ما أراد ~~منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل بعسفان، تخويفا لأهل مكة، وأرسل فارسين من ~~أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم عاد قافلا. # (غران بفتح العين المعجمة، وفتح الراء، وبعد الألف نون. وأمج بفتح الهمزة ~~والميم، وآخره جيم) . ### | [ذكر غزاة ذي قرد] # ثم قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فلم يقم إلا أياما ~~قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل غطفان على لقاح النبي، وأول ~~من نذر بهم سلمة بن الأكوع # PageV02P073 # الأسلمي، هكذا ذكرها أبو جعفر بعد غزوة بني لحيان عن ابن إسحاق، والرواية ~~الصحيحة عن سلمة: أنها كانت بعد مقدمه المدينة منصرفا من الحديبية، وبين ~~الوقعتين تفاوت. # قال سلمة بن الأكوع: «أقبلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المدينة بعد صلح الحديبية، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهره مع ~~رباح غلامه» ، وخرجت معه بفرس طلحة بن عبيد الله، فلما أصبحنا إذا عبد ~~الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. قلت: يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة، ~~وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المشركين قد أغاروا على سرحه، ثم ~~استقبلت الأكمة فناديت ثلاثة أصوات: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم ~~أرميهم بالنبل، ms0586 وأرتجز وأقول: # خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع # قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا خرج إلي فارس قعدت في أصل ~~شجرة فرميته فعقرت به، وإذا دخلوا في مضايق الجبل رميتهم بالحجارة من ~~فوقهم، فما زلت كذلك حتى ما تركت من ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعيرا إلا جعلته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، وألقوا أكثر من ثلاثين رمحا، ~~وثلاثين بردة يستخفون بها، لا يلقون شيئا إلا جعلت عليه أمارة، أي علامة، ~~حتى يعرفه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا انتهوا إلى ~~متضايق من ثنية أتاهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ممدا، فقعدوا يتضحون، ~~فلما رآني قال: ما هذا؟ قالوا: لقينا منه البرح، وقد استنقذ كل ما بأيدينا، ~~فما برحت مكاني حتى أبصرت فوارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخللون ~~الشجر، أولهم الأخرم الأسدي - واسمه محرز بن نضلة من أسد بن خزيمة - وعلى ~~أثره أبو قتادة، وعلى أثرهما المقداد بن عمرو الكندي، فأخذت بعنان الأخرم ~~وقلت: احذر القوم لا يقتطعوك حتى تلحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه، فقال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين ~~الشهادة. قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فعقر الأخرم بعبد ~~الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، ~~ولحق أبو قتادة فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن فطعنه، ~~فانطلقوا هاربين، قال سلمة: فوالذي # PageV02P074 # كرم وجه محمد لأتبعنهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى من أصحاب محمد ولا ~~غبارهم شيئا. # وعدلوا قبل غروب الشمس إلى غار فيه ماء، يقال له: ذو قرد، يشربون منه وهم ~~عطاش، فنظروا إلي أعدو في آثارهم، فحليتهم، فما ذاقوا منه قطرة، قال: ~~واشتدوا في ثنية ذي أبهر، فأرشق بعضهم بسهم، فيقع في نغض كتفه، فقلت: # خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع. # وإذا فرسان على الثنية، فجئت بهما أقودهما إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم ms0587 -. # ولحقني عمي عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وصليت ~~وشربت، ثم «جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على الماء الذي ~~حليتهم عنه بذي قرد، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ تلك ~~الإبل التي استنقذت من العدو، وكل رمح، وكل بردة، وإذا بلال قد نحر لهم ~~ناقة من الإبل وهو يشوي منها، فقلت: يا رسول الله، خلني أنتخب مائة رجل فلا ~~يبقى منهم عين تطرف. فضحك وقال: إنهم ليقرون بأرض غطفان، فجاء رجل من غطفان ~~فقال: نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا، فقالوا: ~~أتيتم، فخرجوا هاربين. # فلما أصبحنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا أبو قتادة، ~~وخير رجالنا سلمة بن الأكوع، ثم أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سهم الفارس، وسهم الراجل، ثم أردفني على العضباء. فبينما نحن نسير، وكان ~~رجل من الأنصار لا يسبق شدا، فقال: ألا من مسابق؟ مرارا، فقلت: يا رسول ~~الله، بأبي أنت وأمي، إيذن لي فلأسابق الرجل. قال: إن # PageV02P075 # شئت. قال: فطفرت وربطت شرفا أو شرفين فألحقه، فقلت: سبقتك والله! فسبقته ~~إلى المدينة، فلم نمكث بها إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر» . # وفي هذه الغزوة نودي: يا خيل الله اركبي، ولم يكن يقال قبلها. # (قرد بفتح القاف والراء) . ### | [ذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة] # ذكرت هذه الغزوة بعد غزوة ذي قرد، وكانت في شعبان من السنة (سنة ست) ، ~~وكان بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني المصطلق تجمعوا له، وكان ~~قائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلما سمع بهم خرج إليهم، فلقيهم بماء لهم يقال له: المريسيع، بناحية قديد، ~~فاقتتلوا، فانهزم المشركون وقتل من قتل منهم، وأصيب رجل من المسلمين من بني ~~ليث بن بكر اسمه هشام بن صبابة، أخو مقيس بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار ~~من رهط عبادة بن الصامت بسهم، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ. ms0588 # «وأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا كثيرة، فقسمها في ~~المسلمين، وفيهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فوقعت في السهم لثابت بن ~~قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته عن نفسها، فأتت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فاستعانته في كتابتها، فقال لها: هل لك في خير من ذلك؟ قالت: ~~وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. ~~ففعل، وسمع الناس الخبر، فقالوا: أصهار رسول الله، فأعتقوا أكثر من مائة ~~بيت من أهل بني المصطلق، فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها» . # وبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له ~~من بني غفار، يقال له: جهجاه، فازدحم هو وسنان الجهني، حليف بني عوف من ~~الخزرج، على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا ~~معشر المهاجرين! فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم ~~زيد بن أرقم، غلام حديث السن. فقال: أقد فعلوها! قد كاثرونا في بلادنا! أما ~~والله # PageV02P076 # {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] ! ثم ~~أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم ببلادكم، ~~وقاسمتموهم أموالكم! والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير ~~بلادكم. # فسمع ذلك زيد، فمشى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك عند فراغ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن ~~الخطاب فقال: يا رسول الله، مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: «كيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه! ولكن أذن ~~بالرحيل» . فارتحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها، ليقطع ما الناس فيه. # فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه وقال: يا رسول الله، لقد رحت في ساعة لم ~~تكن تروح فيها. فقال: أوما بلغك ما قال عبد الله بن أبي؟ قال: وماذا؟ قال ~~زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز ms0589 منها الأذل. قال أسيد: فأنت والله ~~تخرجه إن شئت، فإنك العزيز وهو الذليل، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، ~~فوالله لقد من الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك ~~قد استلبته ملكا. # وسمع عبد الله بن أبي أن زيدا أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله، ~~فمشى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلف بالله ما قلت ما قال، ولا ~~تكلمت به. وكان عبد الله في قومه شريفا، فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون ~~الغلام قد أخطأ، «وأنزل الله: {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] تصديقا ~~لزيد، فلما نزلت أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذن زيد وقال: هذا ~~الذي أوفى الله بأذنه» . # وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ما كان من أمر أبيه، فأتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي، ~~فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، وأخشى أن تأمر غيري بقتله، ~~فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر ~~فأدخل النار. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «بل نرفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا. ~~فكان بعد ذلك إذا أحدث حدثا عاتبه قومه، وعنفوه، وتوعدوه، # PageV02P077 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك ~~عنهم: كيف ترى ذلك يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له ~~آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: أمر رسول الله أعظم بركة من ~~أمري» . # وفيها قدم مقيس بن صبابة مسلما فيما يظهر، فقال: يا رسول الله، جئت ~~مسلما، وجئت أطلب دية أخي، وكان قتل خطأ، فأمر له بدية أخيه هشام بن صبابة، ~~وقد تقدم ذكر قتله آنفا، فأقام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ~~كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال: # شفى النفس أن قد بات في القاع مسندا ... تضرج ms0590 ثوبيه دماء الأخادع # وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحميني وطاء المضاجع # حللت به نذري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأصنام أول راجع # (مقيس بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح الياء تحتها نقطتان. وصبابة بصاد ~~مهملة، وبباءين موحدتين بينهما ألف. وأسيد بهمزة مضمومة. وحضير بضم الحاء ~~المهملة، وفتح الضاد) . ### | [حديث الإفك] # وكان حديث الإفك في غزوة بني المصطلق: # «لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ببعض الطريق، قال أهل ~~الإفك ما قالوا، وكان من حديثه ما روي عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها ~~معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه فخرج سهمي، فخرج بي معه، ~~وكانت النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يتفكهن # PageV02P078 # باللحم، وكنت إذا وصل بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون ~~بعيري، فيحملون الهودج وأنا فيه، فيضعونه على ظهر البعير، ثم يأخذون برأس ~~البعير ويسيرون. # قالت فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفره ذلك، وكان قريبا ~~من المدينة، بات بمنزل بعض الليل، ثم ارتحل هو والناس، وكنت قد خرجت لبعض ~~حاجتي وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار، انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت ~~التمست العقد فلم أجده، وأخذ الناس بالرحيل، فرجعت إلى المكان الذي كنت فيه ~~ألتمسه فوجدته، وجاء القوم الذين يرحلون بعيري، فأخذوا الهودج وهم يظنون ~~أني فيه، فاحتملوه على عادتهم وانطلقوا، ورجعت إلى المعسكر وما فيه داع ولا ~~مجيب، فتلففت بجلبابي واضطجعت مكاني، وعرفت أنهم يرجعون إلي إذا افتقدوني. # قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان تخلف عن ~~العسكر لحاجته، فلم يبت مع الناس، فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني، ~~وكان رآني قبل أن يضرب الحجاب، فلما رآني استرجع وقال: ما خلفك؟ قالت: فما ~~كلمته، ثم قرب البعير وقال: اركبي. فركبت، وأخذ برأس البعير مسرعا. # فلما نزل الناس واطمأنوا طلع الرجل يقودني، ms0591 فقال أهل الإفك في ما قالوا، ~~فارتعج العسكر، ولم أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى ~~شديدة، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى أبوي، ~~ولا يذكران لي منه شيئا، إلا أني أنكرت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بعض لطفه، فكان إذا دخل علي وأمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، ~~فوجدت في نفسي مما رأيت من جفائه، فاستأذنته في الانتقال إلى أمي لتمرضني، ~~فأذن لي، وانتقلت ولا أعلم بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ~~ليلة. # قالت: وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف، نعافها ونكرهها، إنما ~~كان النساء يخرجن كل ليلة، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي ~~رهم بن المطلب، وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق. قالت: فوالله إنها لتمشي ~~إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح. قالت: قلت: لعمر الله بئس ما قلت لرجل ~~من المهاجرين قد شهد بدرا! قالت: أوما بلغك الخبر؟ قلت: وما الخبر؟ ~~فأخبرتني بالذي كان. # قالت: # PageV02P079 # فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت، فما زلت أبكي حتى ظننت أن ~~البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: تحدث الناس بما تحدثوا ولا تذكرين لي من ذلك ~~شيئا؟ قالت: أي بنية، خفضي عليك، فوالله قل ما كانت امرأة حسناء عند رجل ~~يحبها لها ضرائر إلا كثرن، وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الناس فخطبهم، ولا أعلم بذلك، ثم قال: أيها الناس، ~~ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهن غير الحق، ويقولون ذلك لرجل ~~والله ما علمت عليه إلا خيرا، وما دخل بيتا من بيوتي إلا معي. # وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي ابن سلول في رجال من الخزرج، مع الذي ~~قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن زينب أختها كانت عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأشاعت من ذلك ما أشاعت؛ تضارني لأختها، فلما قال رسول الله ms0592 - ~~صلى الله عليه وسلم - تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن ~~يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فقال ~~سعد بن عبادة: والله ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنهم من الخزرج، ولو ~~كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت، ولكنك منافق تجادل عن ~~المنافقين. وتثاور الناس حتى كاد يكون بينهم شر، ونزل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ودعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة ~~فأثنى خيرا، وأما علي فقال: إن النساء لكثير، وسل الخادم تصدقك، فدعا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة يسألها، فقام إليها علي، فضربها ضربا ~~شديدا وهو يقول: اصدقي رسول الله. فقالت: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت ~~أعيب عليها إلا أنها كانت تنام عن عجينها، فيأتي الداجن فيأكله. # ثم دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي أبواي وامرأة من ~~الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة، إنه ~~قد كان ما بلغك من قول الناس، فإن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى الله. # قالت: فوالله لقد تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبوي أن ~~يجيباه، فلم يفعلا، فقلت: ألا تجيبانه؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه! ~~وما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أبي بكر تلك الأيام. فلما استعجما ~~بكيت ثم قلت: والله لا # PageV02P080 # أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله لئن أقررت - والله يعلم أني منه ~~بريئة - لتصدقني، ولئن أنكرت لا تصدقني. ثم التمست اسم يعقوب فلم أجده، ~~فقلت: ولكني أقول كما قال أبو يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون} [يوسف: 18] ، ولشأني كأني أصغر في نفسي أن ينزل الله في قرآنا يتلى، ~~ولكني كنت أرجو أن يرى رؤيا يكذب الله بها عني. # قالت: فوالله ما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه حتى جاءه ~~الوحي، فسجي بثوبه، فأما أنا فوالله ما فزعت ولا ms0593 باليت، قد عرفت أني بريئة، ~~وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يحقق الله ما قال الناس. # قالت: ثم سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه ليتحدر عنه مثل ~~الجمان، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله ~~براءتك. فقلت: بحمد الله! ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وذكر لهم ما أنزل الله ~~في من القرآن، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ~~وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم، وحلف أبو بكر لا ينفق على مسطح ~~أبدا، فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} [النور: 22] الآية، فقال أبو ~~بكر: إني أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته. ثم إن صفوان بن المعطل ~~اعترض حسان بن ثابت بالسيف فضربه، ثم قال: # تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر # فوثب ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه، وانطلق به إلى الحارث بن ~~الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ضرب حسان وما أراه ~~إلا قتله. فقال عبد الله: هل علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء ~~مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل. فأطلقه، فذكر ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ~~صفوان: هجاني يا رسول الله وآذاني، فضربته. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحسان: أحسن يا حسان. قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عوضا منها بيرحاء - وهي قصر بني حديلة، بالحاء ~~المهملة - وأعطاه شيرين - أمة قبطية، وهي أخت مارية أم إبراهيم ابن رسول ~~الله - فولدت له ابنه عبد الرحمن، وكان صفوان حصورا # PageV02P081 # لا يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا» . # (مسطح بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وبالطاء والحاء المهملتين) . ### | [ذكر عمرة الحديبية] # في هذه السنة خرج رسول الله ms0594 - صلى الله عليه وسلم - معتمرا في ذي القعدة، ~~لا يريد حربا، ومعه جماعة من المهاجرين والأنصار، ومن تبعه من الأعراب ألف ~~وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وقيل: ثلاثمائة، وساق الهدي معه سبعين ~~بدنة؛ ليعلم الناس أنه إنما جاء زائرا للبيت. فلما بلغ عسفان لقيه بسر بن ~~سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعوا بمسيرك، فاجتمعوا بذي ~~طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا، وقد قدموا خالد بن الوليد إلى كراع ~~الغميم. # وقيل: إن خالدا كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلما، وإنه أرسله، ~~فلقي عكرمة بن أبي جهل فهزمه. والأول أصح. # ولما بلغه بسر ما فعلت قريش، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا ~~ويح قريش، قد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن ~~أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين، والله ~~لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه ~~السالفة. # ثم خرج على غير الطريق التي هم بها، وسلك ذات اليمين، حتى سلك ثنية ~~المرار على مهبط الحديبية، فبركت به ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال: ما ~~خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني ~~فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا. فقالوا: ما ~~بالوادي ماء. فأخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب ~~من تلك القلب، فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالري حتى ضرب الناس عنه بعطن» ، ~~وكان اسم الذي أخذ السهم # PageV02P082 # ناجية بن عمير، سائق بدن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فبينما هم كذلك أتاهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه خزاعة، وكانت ~~خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تهامة، فقال: تركت كعب ~~بن لؤي، وعامر بن لؤي، قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، وهم مقاتلوك وصادوك ~~عن البيت. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نأت لقتال أحد، ولكنا ~~جئنا معتمرين، ms0595 وإن شاءت قريش ماددناهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن ~~أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي» . # فانطلق بديل إلى قريش فأعلمهم ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام ~~عروة بن مسعود الثقفي فقال: إن هذا الرجل عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ~~دعوني آته، فقالوا: ائته. فأتاه وكلمه، فقال له: يا محمد، جمعت أوشاب ~~الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش خرجت معها العوذ ~~المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله أنك لا تدخلها عليهم عنوة ~~أبدا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد تكشفوا عنك غدا. فقال أبو بكر: امصص بظر ~~اللات! أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم: هذا ابن أبي قحافة. فقال: أما والله لولا يد لك عندي لكفأتك بها. ثم ~~جعل يتناول لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يكلمه والمغيرة بن ~~شعبة واقف على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديد، فجعل يقرع ~~يده إذا تناولها ويقول له: اكفف يدك قبل أن لا تصل إليك، فقال عروة: من ~~هذا؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخيك المغيرة. فقال: أي غدر! ~~وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ - وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلا من بني ~~مالك وهرب، فتهايج الحيان بنو مالك رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، ~~فودى عروة للمقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر. # وطال الكلام بينهما: فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو مقالته ~~لبديل، فقال له عروة: يا محمد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من ~~العرب اجتاح أصله قبلك؟ وجعل يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فوالله لا يتنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف # PageV02P083 # أحدهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإن أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا ~~يقتتلون على وضوئه، وما يحدون النظر إليه؛ تعظيما له. # فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، ~~فوالله ما رأيت ms0596 ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا! وحدثهم ما ~~رأى، وما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فقال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة، وهو سيد الأحابيش: دعوني آته. ~~فقالوا: ائته. فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هذا فلان، هو ~~من قوم يعظمون البدن، فابعثوا الهدي في وجهه. فلما رأى الهدي رجع إلى قريش ~~ولم يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -» فقال: يا قوم، قد رأيت ما لا ~~يحل صده، الهدي في قلائده. فقالوا: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. ~~فقال: والله ما على هذا حالفناكم؛ أن تصدوا عن البيت من جاء معظما له، ~~والذي نفسي بيده لتخلن بين محمد وبين البيت، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل ~~واحد. قال: فقالوا: مه! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا. # «فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: افعل. فلما ~~أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: هذا رجل فاجر. فجعل ~~يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، ~~فلما جاء قال النبي: سهل أمركم» . # وقال ابن إسحاق: إن قريشا إنما بعثت سهيلا بعد رسالة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع عثمان بن عفان. قال: لما رجع عروة بن مسعود إلى قريش ~~بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش على ~~جمل له يقال له: الثعلب، ليبلغ عنه، فعقروا به جمل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش وخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر ليرسله ~~إلى مكة، فقال: ليس بمكة من بني عدي من يمنعني، وقد علمت قريش عداوتي لها، ~~وأخافها على نفسي، فأرسل عثمان فهو أعز بها مني. فدعا عثمان فأرسله ليبلغ ~~عنه، فانطلق، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فأجاره، فأتى أبا سفيان وعظماء ~~قريش فبلغهم عن رسول الله - صلى ms0597 الله عليه وسلم - فقالوا لعثمان حين فرغ من ~~أداء الرسالة: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف ~~به النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قد قتل، فقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم. # PageV02P084 # ثم دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة» ، وهي سمرة، لم يتخلف منهم ~~أحد إلا الجد بن قيس، وكان أول من بايعه رجل من بني أسد يقال له: أبو سنان. ~~ثم أتى الخبر أن عثمان لم يقتل. # ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليصالحه على أن يرجع عنهم عامه ذلك، فأقبل سهيل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأطال معه الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهم الصلح، «فدعا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، فقال: اكتب باسم الله ~~الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فكتبها، ~~ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو - فقال سهيل: ~~لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعلي: ~~امح رسول الله. فقال: لا أمحوك أبدا. فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وليس يحسن يكتب، فكتب موضع رسول الله: محمد بن عبد الله، وقال لعلي: ~~لتبلين بمثلها - اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وأنه من أتى منهم ~~رسول الله بغير إذن وليه رده إليهم، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم ~~يردوه عليه، ومن يحب أن يدخل في عهد رسول الله دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد ~~قريش دخل. # فدخلت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخلت بنو بكر في ~~عهد قريش، وأن يرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم عامه ذلك، فإذا ~~كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا وسلاح الراكب ~~السيوف في القرب. # فبينا النبي ms0598 - صلى الله عليه وسلم - يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل بن سهيل ~~بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشكون في الفتح؛ لرؤيا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى ~~كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد، قد تمت ~~القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت، وأخذه ليرده إلى قريش، ~~فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني! فزاد ~~الناس شرا إلى ما بهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: احتسب، فإن ~~الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد أعطينا القوم ~~عهودنا على ذلك، فلا نغدر بهم» . قال: فوثب عمر بن الخطاب يمشي مع أبي ~~جندل، ويقول له: اصبر واحتسب، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! ~~وأدنى قائم السيف منه رجاء أن يأخذه فيضرب به أباه، قال: فبخل الرجل بأبيه. # PageV02P085 # وشهد على الصلح جماعة من المسلمين، فيهم: أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وغيرهم، وجماعة من المشركين. # «فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من قضيته قال: قوموا فانحروا ثم ~~احلقوا» . فما قام أحد حتى قال ذلك مرارا، فلما لم يقم أحد منهم دخل على أم ~~سلمة فذكر لها ذلك، فقالت: يا نبي الله، اخرج، ولا تكلم أحدا منهم حتى تنحر ~~بدنك، وتحلق شعرك، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم ~~يقتل بعضا غما، فما فتح في الإسلام قبله فتح كان أعظم منه، حيث أمن الناس ~~كلهم، فدخل في الإسلام تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر. # فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جاءه أبو بصير عتبة ~~بن أسيد بن جارية الثقفي، وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه الأزهر بن ~~عبد عوف، والأخنس بن شريق، وبعثا فيه ms0599 رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى ~~لهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قد علمت أنا قد أعطينا ~~هؤلاء القوم عهدا، ولا يصلح الغدر في ديننا» . فانطلق معهما إلى ذي الحليفة ~~فجلسوا، وأخذ أبو بصير سيف أحدهما فقتله به، وخرج المولى سريعا إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبره بقتل صاحبه، ثم «أقبل أبو بصير فقال: يا رسول ~~الله، قد وفت ذمتك وأنجاني الله منهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان له رجال» ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده ~~إليهم، فخرج أبو بصير حتى نزل بناحية ذي المروة على ساحل البحر، على طريق ~~قريش إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة ذلك، فخرجوا إلى ~~أبي بصير، منهم أبو جندل، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا، فضيقوا على قريش ~~يعترضون العير تكون لهم، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وفيها نزلت سورة الفتح، وهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسوة ~~مؤمنات، فيهن أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فجاء أخوها عمارة والوليد ~~يطلبانها، فأنزل الله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} ~~[الممتحنة: 10] الآية، فلم يرسل امرأة مؤمنة إلى مكة، وأنزل الله {ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] فطلق عمر بن الخطاب امرأتين له، # PageV02P086 # إحداهما قريبة بنت أبي أمية، والثانية أم كلثوم بنت عمرو بن جرول ~~الخزاعي، وهما مشركتان، فتزوج أم كلثوم أبو جهم بن حذيفة بن غانم. # (بسر بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وآخره راء. بصير بالباء ~~الموحدة المفتوحة، والصاد المهملة المكسورة، والياء الساكنة تحتها نقطتان، ~~وآخره راء أيضا. وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وجارية بالجيم. والحليس ~~بضم الحاء المهملة، وفتح اللام، وبعده ياء تحتها نقطتان، وآخره سين مهملة) ~~. ### | [وفيها كانت عدة من سرايا وغزوات] # منها سرية عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر، فنذر ms0600 بهم القوم ~~فهربوا، فسعت الطلائع فوجدوا مائتي بعير، فأخذوها إلى المدينة، وكانت في ~~ربيع الآخر. # ومنها سرية محمد بن مسلمة، وأرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~عشرة فوارس في ربيع الأول إلى بني ثعلبة بن سعد، فكمن القوم له حتى نام هو ~~وأصحابه وظهروا عليهم، فقتل أصحابه، ونجا هو وحده جريحا. # ومنها سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر، في أربعين ~~رجلا، فهرب أهله منهم وأصابوا نعما ورجلا واحدا أسلم، فتركه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # PageV02P087 # ومنها سرية زيد بن حارثة بالجموم، فأصاب امرأة من مزينة اسمها حليمة، ~~فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى، فيهم زوجها، ~~فأطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجها معها. # ومنها سرية زيد أيضا إلى العيص في جمادى الأولى. # وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع، واستجار بزينب بنت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجارته. وقد تقدم ذكره في غزوة بدر. # ومنها سرية زيد أيضا إلى الطرف في جمادى الآخرة إلى بني ثعلبة، في خمسة ~~عشر رجلا، فهربوا منه، وأصاب من نعمهم عشرين بعيرا. # ومنها سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة. # وسببها أن رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبي، قدم على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في هدنة الحديبية، وأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~غلاما وأسلم، فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا ~~إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، ثم ساروا إلى حرة الرجلاء. # PageV02P088 # ثم إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من الشام من عند قيصر، حتى إذا كان بأرض ~~جذام أغار عليه الهنيد بن عوص، وابنه عوص بن الهنيد الضليعيان، وهو بطن من ~~جذام، فأخذا كل شيء معه، فبلغ ذلك نفرا من بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان ~~أسلم، فنفروا إلى الهنيد وابنه، واقتتلوا، فظفر بنو الضبيب، واستنقذوا كل ~~شيء أخذ من دحية، وردوه عليه، فخرج دحية حتى قدم على ms0601 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخبره خبره، وطلب منه دم الهنيد وابنه عوص، فأرسل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إليهم زيد بن حارثة في جيش، فأغاروا بالفضافض، وجمعوا ما ~~وجدوا من مال، وقتلوا الهنيد وابنه. # فلما سمع بذلك بنو الضبيب رهط رفاعة بن زيد، سار بعضهم إلى زيد بن حارثة ~~فقالوا: إنا قوم مسلمون. فقال زيد: فاقرءوا أم الكتاب، فقرأها حسان بن ملة. ~~فقال زيد: نادوا في الجيش: إن الله حرم علينا ما أخذ من طريق القوم التي ~~جاءوا منها، وأراد أن يسلم إليهم سباياهم، فأخبره بعض أصحابه عنهم بما أوجب ~~أن يحتاط، فتوقف في تسليم السبايا وقال: هم في حكم الله، ونهى الجيش أن ~~يهبطوا واديهم. # وعاد أولئك الركب الجذاميون إلى رفاعة بن زيد، وهو بكراع ربة لم يشعر ~~بشيء من أمرهم، فقال له بعضهم: إنك لجالس تحلب المعزى، ونساء جذام أسارى قد ~~غرهن كتابك الذي جئت به. فسار رفاعة والقوم معه إلى المدينة، وعرض كتاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقالوا: لنا من ~~كان حيا، ومن قتل فهو تحت أقدامنا، يعنون تركوا الطلب به. فأجابهم إلى ذلك ~~وأرسل معهم علي بن أبي طالب إلى زيد بن حارثة، فرد على القوم ما لهم حتى ~~كانوا ينتزعون لبد المرأة تحت الرحل، وأطلق الأسارى. # (ربة بالراء والباء الموحدة. والضبيب بضم الضاد المعجمة، تصغير ضب، وقيل: ~~هو بفتح الضاد، وكسر الباء، وآخره نون - نسبة إلى ضبيبة) . # ومنها سرية زيد أيضا إلى وادي القرى في رجب. # PageV02P089 # ومنها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان، فأسلموا، فتزوج ~~عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ رئيسهم، وهي أم أبي سلمة. # ومنها سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في شعبان، في مائة رجل، وذلك أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن حيا من بني سعد قد تجمعوا له، يريدون ~~أن يمدوا أهل خيبر، فسار إليهم علي فأصاب عينا لهم، فأخبره أنه سار إلى أهل ~~خيبر يعرض ms0602 عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. # ومنها سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة في رمضان، وكانت عجوزا كبيرة، فلقي ~~زيد بن فزارة بوادي القرى، فأصيب أصحابه وارتث زيد من بين القتلى، فنذر أن ~~لا يمس ماء من جنابة حتى يغزو فزارة، فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إليهم، فلقيهم بوادي القرى، فأصاب منهم وقتل وأسر أم قرفة، وهي فاطمة بنت ~~ربيعة بن بدر، عجوز كبيرة، وبنتا لها، فربط أم قرفة بين بعيرين فشقاها ~~نصفين، وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بابنتها، وكانت لسلمة بن ~~الأكوع، فأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه هبة، وأرسلها إلى حرب ~~بن أبي وهب، فولدت له عبد الله بن حرب. # وأما سلمة بن الأكوع فإنه جعل أمير هذه السرية أبا بكر، فروي عنه أنه ~~قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا أبا بكر، فغزونا ناسا من ~~بني فزارة، فشننا عليهم الغارة صلاة الصبح، فأخذت منهم جماعة وسقتهم إلى ~~أبي بكر، وفيها امرأة من بني فزارة معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو ~~بكر بنتها، فقدمت المدينة فلقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسوق فقال ~~لي: يا سلمة، لله أبوك، هب لي المرأة. فقلت: والله لقد أعجبتني وما كشفت ~~لها ثوبا. فسكت ثم عاد من الغد فوهبتها له، فبعث بها إلى مكة، ففادى بها ~~أسارى من المسلمين» . # PageV02P090 # ومنها سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الإبل في شوال. وبعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في عشرين فارسا. # وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي أقلح أخت عاصم، فولدت له ~~عاصما، فطلقها وتزوجها بعده يزيد بن جارية، فولدت له عبد الرحمن بن يزيد، ~~فهو أخو عاصم لأمه. # (جارية بالجيم، وبعد الراء ياء تحتها نقطتان) . # وفيها أجدب الناس جدبا شديدا، فاستسقى رسول الله بالناس في رمضان. ### | [ذكر مكاتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملوك] # وفيها ms0603 بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرسل إلى كسرى وقيصر ~~والنجاشي وغيرهم، وأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس بمصر، وأرسل شجاع بن ~~وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وأرسل دحية إلى قيصر، وأرسل ~~سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وبعث عبد الله بن حذافة إلى ~~كسرى، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى ~~المنذر بن ساوى أخي عبد القيس، وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان. والله أعلم. # وأما المقوقس فإنه قبل كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهدى إليه ~~أربع جوار، منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV02P091 # وأما قيصر، وهو هرقل، فإنه قبل كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وجعله بين فخذيه وخاصرته، وكتب إلى رجل برومية كان يقرأ الكتب يخبره شأنه، ~~فكتب إليه صاحب رومية: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه، فاتبعه وصدقه. ~~فجمع هرقل بطارقة الروم في الدسكرة، وغلقت أبوابها، ثم اطلع عليهم من علية، ~~وخافهم على نفسه، وقال لهم: قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه ~~والله النبي الذي نجده في كتابنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا ~~وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا الأبواب ليخرجوا، فقال: ردوهم ~~علي، وخافهم على نفسه، وقال لهم: إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم في ~~دينكم، وقد رأيت منكم ما سرني، فسجدوا له. وانطلق وقال لدحية: إني لأعلم أن ~~صاحبك نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى ~~ضغاطر الأسقف الأعظم في الروم، واذكر له أمر صاحبك، وانظر ما يقول لك. # فجاء دحية وأخبره بما جاء به من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~له ضغاطر: والله إن صاحبك نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا. ثم أخذ ~~عصاه وخرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب ~~من أحمد يدعونا إلى الله، وإني أشهد أن لا ms0604 إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله. قال: فوثبوا عليه فقتلوه. # فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر. قال: قد قلت: إنا نخافهم على أنفسنا. ~~وقال قيصر للروم: هلموا نعطيه الجزية، فأبوا، فقال: نعطيه أرض سورية، وهي ~~الشام، ونصالحه، فأبوا، واستدعى هرقل أبا سفيان، وكان بالشام تاجرا إلى ~~الشام في الهدنة، فحضر عنده ومعه جماعة من قريش أجلسهم هرقل خلفه، وقال: ~~إني سائله، فإن كذب فكذبوه. فقال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت، ~~فسأله عن النبي، قال: فصغرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي وقال: كيف نسبه ~~فيكم؟ قلت: هو أوسطنا نسبا. قال: هل كان من أهل بيته من يقول مثل قوله؟ ~~قلت: لا. قال: فهل له فيكم ملك سلبتموه إياه؟ قلت: لا. قال: فمن اتبعه ~~منكم؟ قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث. قال: فهل يحبه من يتبعه ويلزمه، أو ~~يقليه ويفارقه؟ قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فكيف الحرب بينكم وبينه؟ ~~قلت: سجال، يدال علينا، وندال عليه. قال: هل يغدر؟ # PageV02P092 # قال: فلم أجد شيئا أغمز به غيرها، قلت: لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن ~~غدره. قال: فما التفت إليها. # قال أبو سفيان: فقال لي هرقل: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه من أوسط الناس، ~~وكذلك الأنبياء، وسألتك هل قال أحد من أهل بيته مثل قوله، فهو متشبه به، ~~فزعمت أن لا، وسألتك هل سلبتموه ملكه فجاء بهذا لتردوا عليه ملكه، فزعمت أن ~~لا، وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين، وكذلك أتباع الرسل، ~~وسألتك عمن يتبعه أيحبه أم يفارقه، فزعمت أنهم يحبونه ولا يفارقونه، وكذلك ~~حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، وسألتك هل يغدر، فزعمت أن لا، ولئن ~~صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق ~~لشأنك. # قال: فخرجت وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى وأقول: أي عباد الله، لقد أمر أمر ~~ابن أبي كبشة، أصبح ملوك الروم يهابونه في سلطانهم. # قال: «وقدم عليه دحية بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ms0605 من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، ~~أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن إثم الأكارين عليك» ~~. # «وأما الحارث بن أبي شمر الغساني، فأتاه كتاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مع شجاع بن وهب، فلما قرأه قال: أنا سائر إليه، فلما بلغ قوله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: باد ملكه» . # وأما النجاشي، فإنه لما جاءه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - آمن به ~~واتبعه، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأرسل إليه ابنه في ستين من ~~الحبشة، فغرقوا في البحر، وأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة بالحبشة مع زوجها عبيد الله ~~بن جحش، فتنصر وتوفي بالحبشة، فخطبها النجاشي إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأجابت، وزوجها، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار، فلما سمع أبو ~~سفيان تزويج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة قال: ذاك الفحل لا ~~يقدع أنفه. # PageV02P093 # «وأما كسرى فجاءه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن ~~حذافة، فمزق الكتاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مزق ملكه. وكان ~~كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، ~~سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله، وإني أدعوك بدعاء الله، وإني رسول الله إلى الناس كافة، ~~لأنذر {من كان حيا ويحق القول على الكافرين} [يس: 70] ، فأسلم تسلم، وإن ~~توليت فإن إثم المجوس عليك» . # فلما قرأه شقه، قال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي! ثم كتب إلى باذان وهو ~~باليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، ~~فليأتياني به. فبعث باذان نابوه، وكان كاتبا حاسبا، ورجلا آخر من الفرس ~~يقال له: خرخسره، وكتب معهما يأمره بالمسير معهما إلى كسرى، وتقدم إلى ~~نابوه أن يأتيه بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعت قريش ms0606 بذلك ~~ففرحوا، وقالوا: أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. # فخرجا حتى «قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حلقا لحاهما، ~~وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: ويلكما، من أمركما بهذا؟ قالا: ~~ربنا - يعنيان الملك. فقال: لكن ربي أمرني أن أعفي لحيتي، وأقص شاربي» ، ~~فأعلماه بما قدما له وقالا: إن فعلت كتب باذان فيك إلى كسرى، وإن أبيت فهو ~~يهلكك ويهلك قومك. فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ارجعا حتى ~~تأتياني غدا. وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء: إن ~~الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، فدعاهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخبرهما بقتل كسرى، وقال لهما: إن ديني وسلطاني سيبلغ ملك ~~كسرى، وينتهي منتهى الخف والحافر، وأمرهما أن يقولا لباذان: أسلم، فإن أسلم ~~أقره على ما تحت يده، وأملكه على قومه. ثم أعطى خرخسره منطقة ذهب وفضة ~~أهداها له بعض الملوك» . # وخرجا فقدما على باذان وأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا كلام ملك، وإني ~~لأراه نبيا، ولننظرن، فإن كان ما قال حقا، فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى ~~فيه رأينا. فلم # PageV02P094 # يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه يخبره بقتل كسرى، وأنه قتله غضبا ~~للفرس لما استحل من قتل أشرافهم، ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن، وبالكف عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما أتاه كتاب شيرويه أسلم، وأسلم معه ~~أبناء من فارس. وكانت حمير تسمي خرخسره صاحب المعجزة، والمعجزة بلغة حمير ~~المنطقة. # وأما هوذة بن علي فكان ملك اليمامة، فلما أتاه سليط بن عمرو يدعوه إلى ~~الإسلام، وكان نصرانيا، أرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفدا فيهم ~~مجاعة بن مرارة والرجال بن عنفوة، يقول له: إن جعل الأمر له من بعده أسلم ~~وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~«لا، ولا كرامة، اللهم اكفنيه! فمات بعد قليل» . # وأما مجاعة والرجال فأسلما، وأقام الرجال عند رسول الله - صلى الله عليه ms0607 ~~وسلم - حتى قرأ سورة البقرة وغيرها، وتفقه وعاد إلى اليمامة، فارتد وشهد أن ~~رسول الله أشرك مسيلمة معه، فكانت فتنته أشد من فتنة مسيلمة. # (مجاعة بضم الميم وتشديد الجيم. والرجال بالجيم المشددة، وقيل بالحاء ~~المهملة المشددة. وعنفوة بضم العين، وسكون النون، وضم الفاء، وفتح الواو) . # وأما المنذر بن ساوى والي البحرين، فلما أتاه العلاء بن الحضرمي يدعوه ~~ومن معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، وكانت ولاية البحرين للفرس، فأسلم ~~المنذر بن ساوى، وأسلم جميع العرب بالبحرين. # فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر ~~على الجزية من كل حالم دينار، ولم يكن بالبحرين قتال، إنما بعضهم أسلم، ~~وبعضهم صالح. # وولي الحج في هذه السنة المشركون. # وفي هذه السنة ماتت أم رومان، وهي أم عائشة زوجة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # PageV02P095 ### | [ودخلت سنة سبع] # [ذكر غزوة خيبر] ### | 7 - # ودخلت سنة سبع ### | ذكر غزوة خيبر # لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية أقام بالمدينة ذا ~~الحجة وبعض المحرم، وسار إلى خيبر في ألف وأربعمائة رجل، معهم مائتا فارس، ~~وكان مسيره إلى خيبر في المحرم سنة سبع، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة ~~الغفاري، فمضى حتى نزل بجيشه بالرجيع؛ ليحول بين أهل خيبر وغطفان؛ لأنهم ~~كانوا مظاهرين لهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقصدت غطفان خيبر ~~ليظاهروا يهود عليه، ثم خافوا المسلمين أن يخلفوهم في أهليهم وأموالهم، ~~فرجعوا، ونزلوا بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويهود، «فسار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال في مسيره لعامر بن الأكوع، عم سلمة بن ~~عمرو بن الأكوع: احد لنا، فنزل، وحداهم يقول: # والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا # فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: رحمك الله! فقال له عمر: هلا ~~أمتعتنا به يا رسول الله! وكان إذا قالها لرجل قتل، فلما نازلوا خيبر بارز ~~عامر، فعاد عليه سيفه فجرحه جرحا # PageV02P096 # شديدا، فمات منه، فقال ms0608 الناس: إنه قتل نفسه. فقال سلمة ابن أخيه للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ما قالوا، فقال: كذبوا، بل له أجره مرتين. فلما أشرف ~~عليها قال لأصحابه: قفوا. ثم قال: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب ~~الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياض وما أذرين، نسألك ~~خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، ~~أقدموا بسم الله. وكان يقول ذلك لكل قرية يقدمها. # ونزل خيبر ليلا ولم يعلم أهلها، فخرجوا عند الصباح إلى عملهم بمساحيهم، ~~فلما رأوه عادوا وقالوا: محمد والخميس، يعنون الجيش، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم: الله أكبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم {فساء صباح المنذرين} ~~[الصافات: 177] » . # ثم حصرهم وضيق عليهم، وبدأ بالأموال يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا ~~حصنا، فكان أول حصن افتتحه حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن سلمة، ألقي عليه ~~منه رحى فقتلته، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب منهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن ~~الربيع بن أبي الحقيق، فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، ~~وفشت السبايا في المسلمين، وأكلوا لحوم الحمر الإنسية، فنهاهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عنها. # وكان الزبير بن باطا القرظي قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ~~يوم بعاث، فأطلقه، فلما كان الآن أتاه ثابت فقال له: أتعرفني؟ قال: وهل ~~يجهل مثلي مثلك! قال: أريد أن أجزيك بيدك عندي. قال: إن الكريم يجيز ~~الكريم. فأتى ثابت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كان للزبير عندي ~~يد أريد أن أجزيه بها فهبه لي. فوهبه له. فأتاه فقال له: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قد وهب لي دمك فهو لك. قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، ~~فاستوهب ثابت أهله وولده من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوهبهم له. ~~فقال الزبير: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فاستوهب ثابت ماله من رسول ms0609 الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فوهبه له، فمن عليه بالجميع. # فقال الزبير: أي ثابت، ما فعل الذي كان وجهه مرآة صقيلة، يتراءى فيها ~~عذارى الحي؛ كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي؛ حيي ~~بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا كررنا؛ ~~عزال بن سموال؟ قال. قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة، ~~وبني عمرو بن قريظة. قال: # PageV02P097 # ذهبوا. # قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم، فوالله ما في ~~العيش بعدهم خير. فقتله. # ثم افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب، وهو أكثرها طعاما ~~وودكا، ثم قصد حصنهم الوطيح والسلالم، وكانا آخر ما افتتح، فخرج منه مرحب ~~اليهودي وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تلهب # كان حماي كالحمى لا يقرب # وسأل المبارزة، فخرج إليه محمد بن سلمة وقال: أنا والله الموتور الثائر، ~~قتلوا أخي بالأمس. «فأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمبارزته وقال: ~~اللهم أعنه عليه» ، فخرج إليه فتقاتلا طويلا، ثم حمل مرحب على محمد بن سلمة ~~فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن ~~مسلمة حتى قتله. ثم خرج أخوه ياسر وهو يقول: # قد علمت خيبر أني ياسر شاكي السلاح بطل مغاور # وطلب المبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام، فقتله الزبير. # وقيل: إن الذي قتل مرحبا وأخذ الحصن - علي بن أبي طالب. وهو الأشهر ~~والأصح. # قال بريدة الأسلمي: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما أخذته ~~الشقيقة، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى ~~الناس، فأخذ أبو بكر الراية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نهض ~~فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر، فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال ~~الأول، ثم رجع، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما ~~والله لأعطينها غدا رجلا ms0610 يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة. ~~وليس ثم علي، # PageV02P098 # كان قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مقالته هذه تطاولت لها قريش، فأصبح فجاء علي على بعير له حتى أناخ ~~قريبا من خباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أرمد، قد عصب عينيه، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ قال: رمدت بعدك. فقال له: ادن ~~مني. فدنا منه، فتفل في عينيه، فما شكا وجعا حتى مضى لسبيله. ثم أعطاه ~~الراية» ، فنهض بها وعليه حلة حمراء، فأتى خيبر، فأشرف عليه رجل من يهود ~~فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: غلبتم يا معشر ~~يهود، وخرج مرحب صاحب الحصن، وعليه مغفر يماني قد نقبه مثل البيضة على ~~رأسه، وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # فقال علي: # أنا الذي سمتني أمي حيدره ... أكيلكم بالسيف كيل السندره # ليث بغابات شديد قسوره # فاختلفا ضربتين، فبدره علي فضربه، فقد الحجفة والمغفر ورأسه حتى وقع في ~~الأرض، وأخذ المدينة. # قال أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خرجنا مع علي حين ~~بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برايته إلى خيبر» ، فلما دنا من ~~الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه يهودي فطرح ترسه من يده، فتناول علي ~~بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح ~~الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على ~~أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه. # وكان فتحها في صفر. # «فلما فتحت خيبر جاء بلال بصفية وأخرى معها على قتلى يهود، فلما رأتهم ~~التي مع صفية صرخت وصكت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فاصطفى رسول الله # PageV02P099 # - صلى الله عليه وسلم - صفية، وأبعد الأخرى وقال: إنها شيطانة - لأجل ~~فعلها. وقال لبلال: أنزعت منك الرحمة؟ جئت بهما على قتلاهما!» # وكانت صفية قد رأت في منامها وهي عروس لكنانة ms0611 بن أبي الحقيق أن قمرا وقع ~~في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين محمدا. ~~ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فأتي بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبها أثر منها، وسألها فأخبرته، ودفع كنانة بن أبي الحقيق إلى محمد ~~بن مسلمة، فقتله بأخيه محمود. # وحاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصني أهل خيبر الوطيح والسلالم، ~~فلما أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، فأجابهم إلى ذلك، وكان ~~قد حاز الأموال كلها، الشق ونطاة والكتيبة، وجميع حصونهم. # فلما سمع بذلك أهل فدك بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسألونه أن يسيرهم ويخلوا له الأموال. ففعل ذلك، ولما نزل أهل خيبر على ذلك ~~سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعاملهم في الأموال على النصف، ~~وأن يخرجهم إذا شاء، فساقاهم على الأموال على الشرط الذي طلبوا، وفعل مثل ~~ذلك أهل فدك، وكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. # ولما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدت له زينب بنت الحارث ~~امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية مسمومة، فوضعتها بين يديه، فأخذ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، ~~فأكل بشر منها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الشاة تخبرني ~~أنها مسمومة، ثم دعا المرأة فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من ~~قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحنا منه. ~~فتجاوز عنها. ومات بشر من تلك الأكلة» . # PageV02P100 # «وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه: هذا ~~الأوان وجدت انقطاع أبهري من أكلة خيبر» . فكان المسلمون يرون أنه مات ~~شهيدا مع كرامة النبوة. ### | [ذكر غزوة وادي القرى] # ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر انصرف إلى وادي ~~القرى، فحاصر أهله ليالي، فافتتحه ms0612 عنوة، وفي حصاره قتل مدغم مولى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الذي أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، فقال ~~المسلمون: هنيئا له الجنة. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كلا، ~~والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتشتعل عليه نارا. وكان غلها من فيء ~~المسلمين يوم خيبر. فسمعه رجل فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لي ~~كنت أخذتهما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يقد لك مثلهما من ~~النار» . # وترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النخل والأرض في أيدي أهل الوادي، ~~وعاملهم نحو ما عامل أهل خيبر، فبقوا كذلك إلى أن ولي عمر الخلافة فأجلاهم، ~~وقيل: إنه لم يجلهم؛ لأنها خارجة عن الحجاز. # وفي هذه السفرة، أعني خيبر، نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، والقصة مشهورة. # وشهد معه نساء من نساء المسلمين، فرضخ لهن من الفيء. # قصة الحجاج بن علاط السلمي # وفي هذه السفرة قال الحجاج بن علاط السلمي لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: لي بمكة مال # PageV02P101 # عند صاحبتي أم شيبة ابنة أبي طلحة، وهي أم ابنه معرض بن الحجاج، ومال ~~متفرق بمكة، فأذن لي يا رسول الله. فأذن له. فقال: إنه لابد من أن أقول. ~~قال: قل. فقدم الحجاج مكة، فسأله أهل مكة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وما صنع بخيبر، ولم يكونوا علموا بإسلامه، فقال لهم: إن يهود هزمته ~~وأصحابه، وقتل أصحابه قتلا ذريعا، وأسر محمد، وقالت يهود: لن نقتله حتى ~~نبعث به إلى مكة فيقتلوه. فصاحوا بمكة بذلك، فقال: أعينوني في جمع مالي حتى ~~أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار. فجمعوه كله ~~كأحث شيء. فأتاه العباس وسأله عن الخبر، فأخبره بعد أن جمع ماله بفتح خيبر، ~~وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ صفية بنت حيي لنفسه، وأنه قدم لجمع ~~ماله، وسأله أن يكتم عنه ثلاثا خوف الطلب. فكتم العباس الخبر ثلاثا بعد ~~مسيره، ثم لبس حلة ms0613 له وخرج، فطاف بالكعبة، فلما رأته قريش قالوا: يا أبا ~~الفضل، هذا والله التجلد. قال: كلا والله! لقد افتتح محمد خيبر، وأخذ ابنة ~~ملكهم وأموالهم. وأخبرهم بخبر الحجاج. فقالوا: لو علمنا لكان له ولنا شأن. # ذكر مقاسم خيبر # وقسم من أموال خيبر الشق والنطاة بين المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله ~~والرسول، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فطعم أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وطعم رجال مشوا بين رسول الله وأهل فدك ~~بالصلح، وقسمت خيبر على أهل الحديبية، فأعطي الفرس سهمين والرجل سهما. وأقر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بخير، وأبو بكر بعده، وعمر صدرا من ~~إمارته حتى بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات ~~فيه: «لا يجتمع بجزيرة العرب دينان. فأجلى عمر من يهود من لم يكن معه عهد ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # (سلام بن مشكم بتشديد اللام، ومشكم بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة. ~~والحقيق بضم الحاء المهملة، وبقافين. وأخطب بالخاء المعجمة، وآخره باء ~~موحدة. ومعرور بالعين المهملة، وبعده راءان مهملتان. وعلاط بكسر العين ~~المهملة، وطاء مهملة) . # PageV02P102 ### | [ذكر فدك] # لما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر بعث محيصة بن مسعود ~~إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام، ورئيسهم يومئذ يوشع بن نون اليهودي، ~~فصالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نصف الأرض، فقبل منهم ذلك، ~~وكان نصف فدك خالصا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يوجف ~~المسملون عليه بخيل ولا ركاب، يصرف ما يأتيه منها على أبناء السبيل، ولم ~~يزل أهلها بها حتى استخلف عمر بن الخطاب، وأجلى يهود الحجاز، فبعث أبا ~~الهيثم بن التيهان، وسهل بن أبي حثمة، وزيد بن ثابت، فقوموا نصف تربتها ~~بقيمة عدل، فدفعها إلى يهود، وأجلاهم إلى الشام، ولم يزل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي - يصنعون صنيع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد وفاته. # فلما ولي معاوية الخلافة أقطعها مروان بن ms0614 الحكم، فوهبها مروان ابنيه عبد ~~الملك وعبد العزيز، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، وللوليد وسليمان ابني عبد ~~الملك بن مروان، فلما ولي الوليد الخلافة وهب نصيبه عمر بن عبد العزيز، ثم ~~ولي سليمان الخلافة، فوهب نصيبه منها أيضا عمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر ~~بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس، وأعلمهم أمر فدك، وأنه قد ردها إلى ما ~~كانت عليه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ~~فوليها أولاد فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أخذت منهم. # فلما كانت سنة عشر ومائتين ردها المأمون إليهم. # (محيصة بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء المثناة من تحت ~~وكسرها، وآخره صاد مهملة. والتيهان بفتح التاء فوقها نقطتان، وتشديد الياء ~~تحتها نقطتان) . # وفي هذه السنة رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنته زينب على أبي ~~العاص بن الربيع، زوجها، في المحرم. # وفيها قدم حاطب من عند المقوقس بمارية أم إبراهيم ابن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأختها شيرين، وبغلته دلدل، وحماره يعفور، وكسوة، فأسلمت ~~مارية وأختها قبل قدومهما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ مارية ~~لنفسه، ووهب شيرين حسان بن ثابت الأنصاري، فهي أم # PageV02P103 # ابنه عبد الرحمن، فهو وإبراهيم ابنا خالة. # وفيها اتخذ منبره، وقيل: إنه عمل سنة ثمان، وهو الثبت. # وفيها «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب في ثلاثين ~~رجلا إلى عجز هوازن» ، فهربوا منه ولم يلق كيدا. # وفيها كانت سرية بشير بن سعد والد النعمان بن بشيرالأنصاري إلى بني مرة ~~بفدك، في شعبان، في ثلاثين رجلا، أصيب أصحابه، وارتث في القتلى، ثم رجع إلى ~~المدينة. # وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى أرض بني مرة، «فأصاب مرداس ~~بن نهيك حليفا لهم من جهينة، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار. قال ~~أسامة: لما غشيناه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، ~~فلما قدمنا على النبي - صلى ms0615 الله عليه وسلم - أخبرناه الخبر فقال: كيف تصنع ~~بلا إله إلا الله» ! # وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله أيضا في مائة وثلاثين راكبا إلى بني ~~عبد بن ثعلبة، فأغار عليهم، واستاق النعم إلى المدينة. # وفيها كانت سرية بشير بن سعد إلى اليمن والجناب في شوال. # وكان سببها أن حسيل بن نويرة الأشجعي كان دليل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى # PageV02P104 # خيبر، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن جمعا من غطفان ~~بالجناب قد أمدهم عيينة بن حصن، وأمرهم بالمسير إلى المدينة، فبعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بشيرا فأصابوا نعما، وقتلوا مولى لعيينة، ثم لقوا جمع ~~عيينة، فهزمهم المسلمون، وانهزم عيينة، فلقيه الحارث بن عوف منهزما، فقال ~~له: قد آن لك أن تقصر عما مضى. # (حاطب بالحاء المهملة، وآخره باء موحدة. وبشير بفتح الباء الموحدة، وكسر ~~الشين المعجمة، وآخره راء، والد النعمان بن بشير. وعيينة بضم العين، وفتح ~~الياء المثناة تحتها نقطتان، وسكون الياء الثانية، وبعدها نون، تصغير عين) ~~. ### | [ذكر عمرة القضاء] # لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أقام بالمدينة جماديين ~~ورجبا وشعبان ورمضان وشوالا - يبعث السرايا، ثم خرج في ذي الحجة معتمرا ~~عمرة القضاء، وساق معه سبعين بدنة، وخرج معه المسلمون ممن كان معه في عمرته ~~الأولى. فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه في عسر وجهد، فاصطفوا له عند دار الندوة، فلما ~~دخلها اضطبع بردائه، فأخرج عضده اليمنى ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم اليوم ~~من نفسه قوة! ثم استلم الركن وخرج يهرول، ويهرول أصحابه معه» ، وكان بين ~~يديه لما دخل مكة عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته وهو يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله # يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله # نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # وتزوج النبي ms0616 - صلى الله عليه وسلم - في سفره هذا بميمونة بنت الحارث، ~~وأقام بمكة ثلاثا، فأرسل # PageV02P105 # المشركون إليه مع علي بن أبي طالب ليخرج عنهم. # فقال: ما عليهم لو أعرست بين أظهرهم، وصنعنا لهم طعاما، فحضروه معنا؟ ~~فقالوا: لا حاجة لنا في طعامه. فخرج عنهم وبنى بميمونة بسرف، ثم انصرف إلى ~~المدينة فأقام بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع، وبعث جيشه الذي ~~أصيب بمؤتة. # وولي تلك الحجة المشركون. # وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم، فلقوه فأصيب هو ~~وأصحابه، وقيل: بل نجا، وأصيب أصحابه. # PageV02P106 ### | [ودخلت سنة ثمان] # [غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوح] ### | 8 - # ودخلت سنة ثمان # فيها توفيت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم. قاله الواقدي. ### | غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوح # وفيها كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي الكلبي، كلب الليث، إلى بني ~~الملوح، فلقيه الحارث بن البرصاء الليثي، فأخذوه أسيرا، فقال: إنما جئت ~~لأسلم. فقال له غالب: إن كنت صادقا فلن يضرك رباط ليلة، وإن كنت كاذبا ~~استوثقنا منك. ووكل به بعض أصحابه وقال له: إن نازعك فخذ رأسه، وأمره ~~بالمقام إلى أن يعود، ثم ساروا حتى أتوا بطن الكديد، فنزلوا بعد العصر، ~~وأرسلوا جندب بن مكيث الجهني ربيئة لهم. قال: فقصدت تلا هناك يطلعني على ~~الحاضر، فانبطحت عليه، فخرج لي منهم رجل فرآني منبطحا، فأخذ قوسه وسهمين ~~فرماني بأحدهما، فوضعه في جنبي. قال: فنزعته ولم أتحرك، ثم رماني بالثاني ~~في رأس منكبي، قال: فنزعته ولم أتحرك. قال: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو ~~كان ربيئة لتحرك. قال: فأمهلناهم حتى راحت مواشيهم واحتلبوا، فشننا عليهم ~~الغارة فقتلنا منهم، واستقنا منهم النعم ورجعنا سراعا. وأتى صريخ القوم، ~~فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا إلا بطن الوادي من قديد بعث ~~الله من حيث شاء سحابا، ما رأينا قبل ذلك مطرا مثله، فجاء الوادي بما لا ~~يقدر أحد يجوزه، فلقد رأيتهم ينظرون إلينا ما يقدر ms0617 أحد يتقدم، وقدمنا ~~المدينة. وكان شعار المسلمين: أمت أمت، وكان عدتهم بضعة عشر رجلا. # PageV02P107 # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي إلى ~~البحرين، وبها المنذر بن ساوى، فصالح المنذر على أن على المجوس الجزية، ولا ~~تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. # وقيل: إن إرساله كان سنة ست من الهجرة مع الرسل الذين أرسلهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك، وقد تقدم ذلك. # وفيها كانت سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر في ربيع الأول، في أربعة عشر ~~رجلا، فأصابوا نعما، فكان سهم كل رجل منهم خمسة عشر بعيرا. # وفيها كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات الأطلاح في خمسة عشر رجلا، ~~فوجد بها جمعا كثيرا، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا، وقتلوا أصحاب ~~عمرو، ونجا حتى قدم المدينة. # وذات الأطلاح من ناحية الشام، وكانوا من قضاعة، ورئيسهم رجل يقال له: ~~سدوس. ### | [ذكر إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة] # في هذه السنة في صفر قدم عمرو بن العاص مسلما على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقدم معه خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري. # وكان سبب إسلام عمرو أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق قلت ~~لأصحابي: إني أرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، وإني قد رأيت أن نلحق ~~بالنجاشي، فإن # PageV02P108 # ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، وإن ظهر قومنا على محمد فنحن من قد ~~عرفوا. قالوا: إن هذا الرأي. قال: فجمعنا له أدما كثيرا، وخرجنا إلى ~~النجاشي، فإنا لعنده إذ وصل عمرو بن أمية الضمري رسولا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في أمر جعفر وأصحابه. قال: فدخلت على النجاشي، وطلبت منه أن ~~يسلم إلي عمرو بن أمية الضمري لأقتله؛ تقربا إلى قريش بمكة. فلما سمع كلامي ~~غضب وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، يعني النجاشي، فخفته، ثم قلت: والله ~~لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه ~~الناموس الأكبر الذي ms0618 كان يأتي موسى، لتقتله؟ قال: قلت: أيها الملك، أكذلك ~~هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على ~~من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: فقلت: فبايعني له على ~~الإسلام. فبسط يده فبايعته، ثم خرجت إلى أصحابي وكتمتهم إسلامي، وخرجت ~~عائدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقيني خالد بن الوليد، وذلك ~~قبل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد ~~استقام المنسم، إن الرجل لنبي، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ ! فقلت: ما جئت ~~إلا للإسلام. فقدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقدم خالد بن ~~الوليد فأسلم، ثم دنوت فأسلمت، وتقدم عثمان بن طلحة فأسلم. ### | [ذكر غزوة ذات السلاسل] # وفيها أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص إلى أرض بلي ~~وعذرة يدعو الناس إلى الإسلام، وكانت أمه من بلي، فتألفهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك، فسار حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له ~~السلاسل، وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل، فلما كان به خاف، فبعث إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمده، فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال ~~لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. فخرج أبو عبيدة، فلما قدم عليه قال عمرو: ~~إنما جئت مددا إلي. فقال له أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: لا تختلفا، فإن عصيتني أطعتك. قال: فأنا أمير عليك. قال: ~~فدونك. فصلى عمرو بالناس. # PageV02P109 # وفيها أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص إلى جيفر ~~وعياذ، ابني الجلندى بعمان، فآمنا وصدقا. وأخذ الجزية من المجوس. ### | [ذكر غزوة الخبط وغيرها] # وفيها كانت غزوة الخبط، وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، في ثلاثمائة من ~~المهاجرين والأنصار، وكانت في رجب، وزودهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- جرابا من تمر، فكان أبو عبيدة يقبض لهم قبضة، ثم تمرة ms0619 تمرة، فكان أحدهم ~~يلوكها ويشرب عليها الماء، فنفد ما في الجراب، فأكلوا الخبط وجاعوا جوعا ~~شديدا، فنحر لهم قيس بن سعد بن عبادة تسع جزائر فأكلوها، فنهاه أبو عبيدة، ~~فانتهى. ثم إن البحر ألقى إليهم حوتا ميتا، فأكلوا منها حتى شبعوا، ونصب ~~أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فيمر الراكب تحته. فلما قدموا المدينة ذكروا ذلك ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «كلوا رزقا أخرجه الله لكم» ، وأكل منه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكروا صنيع قيس بن سعد، فقال: إن الجواد ~~من شيمة أهل ذلك البيت. # وفيها كانت سرية وجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شعبان، ~~أميرها أبو قتادة ومعه عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وكان سببها أن رفاعة ~~بن قيس، أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من جشم نزل بالغابة يجمع لحرب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا قتادة ومن ~~معه ليأتوا منه بخبر، فوصلوا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس، فكمن كل واحد ~~منهم في ناحية، وكانوا ثلاثة، وقيل: كانوا ستة عشر رجلا، قال عبد الله بن ~~أبي حدرد: فكان لهم راع أبطأ عليهم، فخرج رفاعة بن قيس في طلبه ومعه سلاحه، ~~فرميته بسهم في فؤاده فما تكلم. قال: فأخذت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر ~~وكبرت، وكبر صاحباي، فوالله ما كان إلا النجاء، فأخذوا نساءهم وأبناءهم وما ~~خف عليهم، واستقنا الإبل الكثيرة والغنم، فجئنا بها رسول الله وبرأسه معي، ~~فأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا، ~~وكنت قد تزوجت وأخذت أهلي، وعدل البعير بعشر من الغنم. # وفيها أغزى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا قتادة أيضا إلى إضم، ~~ومعه محلم بن جثامة # PageV02P110 # الليثي قبل الفتح، فلقيهم عامر بن الأضبط الأشجعي على بعير له ومعه ~~متاعه، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة ~~لشيء كان بينهما، فقتله وأخذ بعيره، فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله ms0620 ~~عليه وسلم - أخبره الخبر، فنزل: {ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل ~~الله فتبينوا} [النساء: 94] ، الآية. # وقيل: كانت هذه السرية حين خرج إلى مكة في رمضان. ### | [ذكر غزوة مؤتة] # كان ينبغي أن نقدم هذه الغزوة على ما تقدم، وإنما أخرناها لتتصل الغزوات ~~العظيمة، فيتلو بعضها بعضا. # وكانت في جمادى الأولى من سنة ثمان، واستعمل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن ~~أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» . فقال جعفر: ما كنت أذهب أن تستعمل علي ~~زيدا، فقال: امض؛ فإنك لا تدري أي ذلك خير. فبكى الناس وقالوا: هلا متعتنا ~~بهم يا رسول الله؟ فأمسك، وكان إذا قال: فإن أصيب فلان فالأمير فلان - أصيب ~~كل من ذكره. # فتجهز الناس، وهم ثلاثة آلاف، وودعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والناس. فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى عبد الله، فقال له الناس: ما ~~يبكيك؟ فقال: ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكن سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ آية، وهي: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا} [مريم: 71] فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: ~~صحبكم الله، وردكم إلينا سالمين. # فقال عبد الله: # لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا # أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # PageV02P111 # حتى يقولوا إذا مروا على جدثي # أرشدك الله من غاز وقد رشدا # فلما ودعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاد قال عبد الله: خلف ~~السلام على امرئ ودعته في النخل خير مشيع وخليل # ثم ساروا حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل سار إليهم في مائة ألف من ~~الروم، ومائة ألف من المستعربة، من لخم وجذام وبلقين وبلي، عليهم رجل من ~~بلي يقال له: مالك بن رافلة، ونزلوا مآب من أرض البلقاء، فأقام المسلمون ~~بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نخبره الخبر وننتظر ms0621 أمره، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم ~~والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا ~~قوة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين. فقال ~~الناس: صدق والله، وساروا، وسمعه زيد بن أرقم - وكان يتيما في حجره، وقد ~~أردفه في مسيره ذلك على حقيبته - وهو يقول: # إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء # فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي # وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مشتهي الثواء # وردك كل ذي نسب قريب ... من الرحمن منقطع الإخاء # هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء # فلما سمعها زيد بكى، فخفقه بالدرة وقال: ما عليك يا لكع! يرزقني الله ~~الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل؟ ثم ساروا، فالتقتهم جموع الروم والعرب ~~بقرية من البلقاء يقال لها: مشارف، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: ~~مؤتة، فالتقى الناس عندها، وكان # PageV02P112 # على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري، وعلى ميسرتهم عباية بن مالك ~~الأنصاري، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل ~~بها وهو يقول: # يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها # والروم روم قد دنا عذابها # علي، إذ لاقيتها، ضرابها # فلما اشتد القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، ~~وكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام، فوجدوا به بضعا وثمانين بين رمية ~~وضربة وطعنة، فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم، فتردد بعض ~~التردد، ثم قال يخاطب نفسه: # أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لا لتكرهنه # إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه # قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه # وقال أيضا: # يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت # وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت # ثم نزل عن فرسه، وأتاه ms0622 ابن عم له بعرق من لحم فقال له: شد بهذا صلبك، فقد ~~لقيت ما لقيت. فأخذه فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر، فقال ~~لنفسه: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه وأخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل. # واشتد الأمر على المسلمين وكلب عليهم العدو، وقد كان قطبة بن قتادة قتل ~~قبل ذلك مالك بن رافلة قائد المستعربة. ثم إن الخبر جاء من السماء في ساعته ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - «فصعد المنبر وأمر فنودي: الصلاة جامعة، ~~فاجتمع الناس، فقال: باب خير! - # PageV02P113 # ثلاثا - أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم لقوا العدو، فقتل زيد شهيدا - ~~فاستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر، فشد على القوم حتى قتل شهيدا - فاستغفر ~~له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، وصمت حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا ~~أنه قد كان من عبد الله ما يكرهون، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~فقاتل القوم حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى الجنة على سرر من ذهب، ~~فرأيت في سرير ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل: ~~مضيا، وتردد بعض التردد ثم مضى» . # ولما قتل ابن رواحة أخذ الراية ثابت بن أرقم الأنصاري وقال: يا معشر ~~المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: رضينا بك. فقال: ما أنا بفاعل. ~~فاصطلحوا على خالد بن الوليد، فأخذ الراية، ودافع القوم، وانحازوا عنه، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ~~خالد بن الوليد» ، فعاد بالناس. فمن يومئذ سمي خالد سيف الله. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مر بي جعفر البارحة في نفر من ~~الملائكة له جناحان، مختضب القوادم بالدم» . # قالت أسماء: «أتاني النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد فرغت من اشتغالي، ~~وغسلت أولاد جعفر ودهنتهم، فأخذهم وشمهم ودمعت عيناه، فقلت: يا رسول الله، ~~أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم، أصيب هذا اليوم. ثم عاد إلى أهله فأمرهم أن ~~يصنعوا لآل جعفر طعاما، فهو أول ما عمل ms0623 في دين الإسلام» . قالت أسماء بنت ~~عميس: فقمت أصنع، واجتمع إلي النساء. فلما رجع الجيش ودنا من المدينة لقيهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، فأخذ عبد الله بن جعفر فحمله ~~بين يديه، فجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون: يا فرار، يا فرار! ~~ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار - إن ~~شاء الله تعالى -» . # PageV02P114 ### | [ذكر فتح مكة] # وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة مؤتة جمادى الآخرة ~~ورجبا، ثم إن بني بكر بن عبد مناة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة ~~يقال له: الوتير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبكر في عهد قريش في صلح الحديبية، وكان سبب ذلك أن رجلا من بني الحضرمي ~~اسمه مالك بن عباد، وكان حليفا للأسود بن رزن الدئلي، ثم البكري في ~~الجاهلية خرج تاجرا، فلما كان بأرض خزاعة قتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر ~~على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة على بني الأسود بن رزن، وهم سلمى، ~~وكلثوم، وذؤيب، فقتلوهم بعرفة، وكانوا من أشراف بني بكر، فبينما خزاعة وبكر ~~على ذلك جاء الإسلام واشتغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية ودخلت خزاعة ~~في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخلت بكر في عهد قريش، اغتنمت بكر ~~تلك الهدنة، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرهم بقتل بني الأسود، فخرج نوفل ~~بن معاوية الدئلي بمن تبعه من بكر حتى بيت خزاعة على ماء الوتير. # وقيل: كان سبب ذلك أن رجلا من خزاعة سمع رجلا من بكر ينشد هجاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فشجه، فهاج الشر بينهم، وثارت بكر بخزاعة حتى بيتوهم ~~بالوتير، وأعانت قريش بني بكر على خزاعة بسلاح ودواب، وقاتل معهم جماعة من ~~قريش مختفين، منهم: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهل بن عمرو، ~~فانحازت خزاعة إلى الحرم، وقتل منهم نفر. فلما دخلت خزاعة الحرم، قالت بكر: ~~يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك! ms0624 فقال: لا إله له اليوم، يا بني ~~بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرفون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ # فلما نقضت بكر وقريش العهد الذي بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج عمرو بن سالم الخزاعي، ثم الكعبي، حتى قدم على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة فوقف عليه، ثم قال: # PageV02P115 # لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا # فوالدا كنا وكنت ولدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا # فانصر رسول الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر ينمي صعدا # إن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا # فقتلونا ركعا وسجدا # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قد نصرت يا عمرو بن سالم! ثم عرض ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة ~~لتستهل بنصر بني كعب» . # وكان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم، فلهذا قال عمرو بن سالم: # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة، فنادوه وهو يغتسل، فقال: يا لبيكم! وخرج إليهم، ~~فأخبروه الخبر ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد قال «كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليجدد العهد خوفا، ويزيد في المدة» ~~. # ومضى بديل فلقي أبا سفيان بعسفان يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ليجدد العهد خوفا منه، فقال لبديل: من أين أقبلت؟ قال: من خزاعة في الساحل ~~وبطن هذا الوادي. قال: أوما أتيت محمدا؟ قال: لا. فقال أبو سفيان لأصحابه ~~لما راح بديل: انظروا بعر ناقته، فإن جاء المدينة لقد علف النوى. فنظروا ~~بعر الناقة، فرأوا فيه النوى. # PageV02P116 # ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل على ابنته ms0625 ~~أم حبيبة زوج النبي، فلما أراد أن يجلس على فراش رسول الله طوته عنه. فقال: ~~أرغبت به عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت: هو فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس، ~~فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم أتى أبا بكر فكلمه ~~ليكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر ~~فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! والله ~~لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج حتى أتى عليا وعنده فاطمة والحسن ~~غلام، فكلمه في ذلك، فقال له: والله لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه. فقال لفاطمة: يا بنت محمد، هل لك ~~أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب؟ فقالت: ما بلغ ابني ~~أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله أحد. فالتفت إلى علي فقال له: ~~أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: أنت سيد كنانة، فقم فأجر بين الناس ~~والحق بأرضك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، قد أجرت بين ~~الناس. ثم ركب بعيره وقدم مكة، وأخبر قريشا ما جرى له وما أشار به علي ~~عليه. فقالوا له: والله ما زاد على أن يسخر بك. # ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجهز وأمر الناس بالتجهز إلى ~~مكة، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها. فكتب ~~حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يعلمهم الخبر، وسيره مع امرأة من مزينه ~~اسمها كنود، وقيل: مع سارة مولاة لبني المطلب. فأرسل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عليا والزبير، فأدركاها وأخذا منها الكتاب، وجاءا به إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأحضر حاطبا وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: ~~والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما بدلت ولا ms0626 غيرت، ولكن لي بين أظهرهم أهل ~~وولد، وليس لي عشيرة، فصانعتهم عليهم. فقال عمر: دعني أضرب عنقه؛ فإنه قد ~~نافق. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله ~~قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وأنزل الله في ~~حاطب: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] ~~إلى آخر الآية» . # ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف على المدينة أبا رهم ~~كلثوم بن حصين # PageV02P117 # الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، وفتح مكة لعشر بقين منه، فصام حتى بلغ ~~ما بين عسفان وأمج، فأفطروا، واستوعب معه المهاجرون والأنصار، فسبعت سليم، ~~وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأدركه عيينة بن حصن الفزاري ~~والأقرع بن حابس، ولقيه العباس بن عبد المطلب بالسقيا، وقيل: بذي الحليفة، ~~مهاجرا، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرسل رحله إلى المدينة ~~ويعود معه، وقال له: أنت آخر المهاجرين، وأنا آخر الأنبياء. # ولقيه أيضا مخرمة بن نوفل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد ~~الله بن أمية بنيق العقاب، فالتمسا الدخول على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكلمته أم سلمة فيهما وقالت له: ابن عمك وابن عمتك. قال: لا حاجة لي ~~بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال. ~~فلما سمعا ذلك وكان مع أبي سفيان ابن له اسمه جعفر، فقال: والله ليأذن لي، ~~أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فرق لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدخلهما إليه، فأسلما. # وقيل: إن عليا قال لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: {تالله لقد آثرك الله ~~علينا وإن كنا لخاطئين} [يوسف: 91] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه فعلا ~~ولا قولا، ففعل ذلك. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {لا ms0627 تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 92] ، وقربهما، ~~فأسلما، «وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما مضى: # لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد # لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدي # وهاد هداني غير نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد # الأبيات. فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: أنت طردتني ~~كل مطرد؟» . # PageV02P118 # وقيل: إن أبا سفيان لم يرفع رأسه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حياء ~~منه. # وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظهران في عشرة آلاف فارس، من ~~بني غفار أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم سبعمائة، ومن ~~جهينة ألف وأربعمائة، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم، وطوائف من العرب، ~~ثم من تميم وأسد وقيس. # فلما نزل مر الظهران قال العباس بن عبد المطلب: يا هلاك قريش! والله لئن ~~بغتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلادها، فدخل عنوة، إنه لهلاك ~~قريش إلى آخر الدهر. فجلس على بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~أخرج لعلي أرى حطابا أو رجلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيأتونه ويستأمنونه. قال: فخرجت أطوف في الأراك إذ سمعت صوت ~~أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي؛ قد خرجوا يتجسسون. فقال ~~أبو سفيان: ما رأيت نيرانا أكثر من هذه. فقال بديل: هذه نيران خزاعة. فقال ~~أبو سفيان: خزاعة أذل من ذلك. فقلت: يا أبا حنظلة - يعني أبا سفيان كان ~~يكنى بذلك - فقال: أبو الفضل؟ ! قلت: نعم. قال: لبيك فداك أبي وأمي، ما ~~وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين أتاكم في ~~عشرة آلاف. قال: ما تأمرني؟ قلت: تركب معي، فأستأمن لك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني، فخرجت أركض به ~~نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ~~يقولون: عم رسول الله على ms0628 بغلة رسول الله، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، ~~فقال أبو سفيان: الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد! ثم اشتد نحو ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وركضت البغلة فسبقت عمر، ودخل عمر على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره وقال: دعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول ~~الله، إني قد أجرته. ثم أخذت برأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت: ~~لا يناجيه اليوم أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما ~~تصنع هذا إلا لأنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي ما قلت هذه ~~المقالة. فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من ~~إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد ~~آمناه حتى تغدو علي به بالغداة. فرجعت إلى منزلي وغدوت به على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ~~أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، بأبي وأمي يا رسول الله، لو كان مع الله ~~غيره لقد أغنى عني شيئا. فقال: ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ~~فقال: بأبي وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء. قال العباس: فقلت له: ويحك، ~~تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك! قال: فتشهد، وأسلم معه حكيم بن حزام، ~~وبديل بن ورقاء. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: اذهب فاحبس ~~أبا سفيان عند خطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله. # PageV02P119 # فقلت: يا رسول الله، إنه يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال: ~~من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل ~~المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. # قال: فخرجت به فحبسته عند خطم الجبل، فمرت عليه القبائل فيقول: من هؤلاء؟ ~~فأقول: أسلم. فيقول: ما لي ولأسلم. ويقول: من هؤلاء؟ فأقول: جهينة. فيقول: ~~ما ms0629 لي ولجهينة. حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء ~~مع المهاجرين والأنصار في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال: من هؤلاء؟ ~~فقلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار. فقال: ~~لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقلت: ويحك، إنها النبوة. فقال: نعم إذن. ~~فقلت: الحق بقومك سريعا فحذرهم. فخرج حتى أتى مكة ومعه حكيم بن حزام، فصرخ ~~في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فقالوا: ~~فمه. قال: من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو ~~آمن، ثم قال: يا معشر قريش، أسلموا تسلموا. # فأقبلت امرأته هند فأخذت بلحيته وقالت: يا آل غالب، اقتلوا هذا الشيخ ~~الأحمق. فقال: أرسلي لحيتي، وأقسم لئن أنت لم تسلمي لتضربن عنقك، ادخلي ~~بيتك! فتركته. # وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثرهما الزبير، وأمره أن يدخل ~~ببعض الناس من كداء، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل ~~ببعض الناس من كداء، فقال سعد حين وجهه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل ~~الحرمة. فسمعها رجل من المهاجرين، فأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال لعلي بن أبي طالب: أدركه، فخذ الراية منه، وكن أنت الذي تدخل بها، ~~وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من الليط في بعض الناس، وكان معه ~~أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب، وهو أول يوم أمر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد. # ولما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذي طوى وقف على راحلته ~~وهو معتجر ببرد خز # PageV02P120 # أحمر، وقد وضع رأسه تواضعا لله - تعالى - حين رأى ما أكرمه الله به من ~~الفتح، حتى إن أسفل لحيته ليمس واسطة الرحل، ثم تقدم ودخل من أذاخر ~~بأعلاها، وضربت قبته هناك. # وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو - قد جمعوا ناسا ~~بالخندمة ليقاتلوا، ومعهم الأحابيش، وبنو ms0630 بكر، وبنو الحارث بن عبد مناة، ~~فلقيهم خالد بن الوليد، فقاتلهم فقتل من المسلمين جابر بن حسيل الفهري، ~~وحبيش بن خالد، وهو الأشعر الكعبي، وسلمة بن الميلاء، وقتل من المشركين ~~ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزم المشركون. # وكان مع عكرمة حماس بن خالد الدئلي، وكان قد قال لامرأته: لآتينك بخادم ~~من أصحاب محمد، فلما عاد إليها منهزما قالت له، تستهزئ به: أين الخادم؟ ! ~~فقال: # فأنت لو شهدتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه # وأبو يزيد كالعجوز المؤتمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه # إذ ضربتنا بالسيوف المثلمه ... لهم زفير خلفنا وغمغمه # أبو يزيد هذا هو سهيل بن عمرو. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى أمرائه أن لا يقتلوا ~~أحدا إلا من قاتلهم، فلما انهزم المشركون، وأراد المسلمون دخول مكة - قام ~~في وجوههم نساء مشركات، يلطمن وجوه الخيل بالخمر، وقد نشرن شعورهن، فرآهن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أبو بكر، فتبسم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: يا أبا بكر، كيف قال حسان؟ فأنشده: # تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء # PageV02P121 # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتل ثمانية رجال وأربع ~~نسوة، فأما الرجال فمنهم عكرمة بن أبي جهل، كان يشبه أباه في إيذاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعداوته والإنفاق على محاربته، فلما فتح رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مكة خافه على نفسه، فهرب إلى اليمن، وأسلمت ~~أمرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له، وخرجت في طلبه ومعها غلام ~~لها رومي، فراودها عن نفسها، فأطمعته ولم تمكنه، حتى أتت حيا من العرب ~~فاستعانتهم عليه، فأوثقوه، وأدركت عكرمة وهو يريد ركوب البحر فقالت: جئتك ~~من عند أوصل الناس، وأحلمهم، وأكرمهم، وقد آمنك، فرجع، وأخبرته خبر الرومي، ~~فقتله قبل أن يسلم. فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سر به، ~~فأسلم وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر له، فاستغفر. # ومنهم صفوان بن أمية بن ms0631 خلف، وكان أيضا شديدا على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فهرب خوفا منه إلى جدة، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا رسول الله، إن ~~صفوان سيد قومي، وقد خرج هاربا منك فآمنه. قال: هو آمن، وأعطاه عمامته التي ~~دخل بها مكة ليعرف بها أمانه، فخرج بها عمير فأدركه بجدة، فأعلمه بأمانه ~~وقال: إنه أحلم الناس وأوصلهم، وإنه ابن عمك، وعزه عزك، وشرفه شرفك. قال: ~~إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك. فرجع صفوان وقال لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: إن هذا يزعم أنك آمنتني. قال: صدق. قال: اجعلني ~~بالخيار شهرين. قال: أنت فيه أربعة أشهر. فأقام معه كافرا، وشهد معه حنينا ~~والطائف، ثم أسلم وحسن إسلامه، وتوفي بمكة عند خروج الناس إلى البصرة ليوم ~~الجمل. # ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي، وكان قد أسلم وكتب ~~الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا أملى عليه: عزيز ~~حكيم، يكتب: عليم حكيم، وأشباه ذلك، ثم ارتد وقال لقريش: إني أكتب أحرف ~~محمد في قرآنه حيث شئت، ودينكم خير من دينه، فلما كان يوم الفتح فر إلى ~~عثمان بن عفان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه عثمان حتى اطمأن الناس، ثم ~~أحضره عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلب له الأمان، فصمت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - طويلا ثم آمنه، فأسلم وعاد، فلما انصرف قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: لقد صمت ليقتله أحدكم. فقال ~~أحدهم: هلا أومأت إلينا؟ فقال: « # PageV02P122 # ما كان للنبي أن يقتل بالإشارة، إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين» . # ومنهم عبد الله بن خطل، وكان قد أسلم، فأرسله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مصدقا ومعه رجل من الأنصار وغلام له رومي قد أسلم، فكان الرومي ~~يخدمه ويصنع الطعام، فنسي يوما أن يصنع له طعاما، فقتله وارتد، وكان له ~~قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتله سعيد بن حريث ~~المخزومي، أخو ms0632 عمرو بن حريث، وأبو برزة الأسلمي. # ومنهم الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، وكان يؤذي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمكة، وينشد الهجاء فيه، فلما كان يوم الفتح هرب من بيته، ~~فلقيه علي بن أبي طالب، فقتله. # ومنهم مقيس بن صبابة، وإنما أمر بقتله لأنه قتل الأنصاري الذي قتل أخاه ~~هشاما خطأ وارتد، فلما انهزم أهل مكة يوم الفتح اختفى بمكان هو وجماعة، ~~وشربوا الخمر، فعلم به نميلة بن عبد الله الكناني، فأتاه فضربه بالسيف حتى ~~قتله. # ومنهم عبد الله بن الزبعرى السهمي، وكان يهجو رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمكة ويعظم القول فيه، فهرب يوم الفتح هو وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزومي زوج أم هانئ بنت أبي طالب - إلى نجران، فأما هبيرة فأقام بها ~~مشركا حتى هلك، وأما ابن الزبعرى فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- واعتذر، فقبل عذره، فقال حين أسلم: # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور # إذ أباري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور # PageV02P123 # آمن اللحم والعظام بربي ... ثم نفسي الشهيد أنت النذير # في أشعار له كثيرة يعتذر فيها. # ومنهم وحشي بن حرب قاتل حمزة، فهرب يوم الفتح إلى الطائف، ثم قدم في وفد ~~أهله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أوحشي؟ ~~قال: نعم. قال: أخبرني كيف قتلت عمي؟ فأخبره، فبكى وقال: غيب وجهك عني» . ~~وهو أول من جلد في الخمر، وأول من لبس المعصفر المصقول في الشام. # وهرب حويطب بن عبد العزى، فرآه أبو ذر في حائط، فأخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بمكانه، فقال: أوليس قد آمنا الناس إلا من قد أمرنا بقتله؟ ~~فأخبره بذلك، فجاء إلى النبي فأسلم. قيل: إنه دخل يوما على مروان بن الحكم ~~وهو على المدينة، فقال له مروان: يا شيخ، تأخر إسلامك. فقال: لقد هممت به ms0633 ~~غير مرة فكان يصدني عنه أبوك. # فأما النساء فمنهن هند بنت عتبة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بقتلها لما فعلت بحمزة، ولما كانت تؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بمكة، فجاءت إليه مع النساء متخفية فأسلمت، وكسرت كل صنم في بيتها وقالت: ~~لقد كنا منكم في غرور، وأهدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جديين، ~~واعتذرت من قلة ولادة غنمها، فدعا لها بالبركة في غنمها فكثرت، فكانت تهب ~~وتقول: هذا من بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالحمد لله الذي ~~هدانا للإسلام. # ومنهن سارة، وهي مولاة عمرو بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهي التي ~~حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة في قول بعضهم، وكانت قدمت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مسلمة فوصلها، فعادت إلى مكة مرتدة، فأمر بقتلها، فقتلها ~~علي بن أبي طالب. # ومنهن قينتا عبد الله بن خطل، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأمر بقتلهما، فقتلت إحداهما واسمها قريبة، وفرت الأخرى وتنكرت ~~وجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P124 # فأسلمت، وبقيت إلى خلافة عمر بن الخطاب، فأوطأها رجل فرسه خطأ فماتت، ~~وقيل: بقيت إلى خلافة عثمان، فكسر رجل ضلعا من أضلاعها خطأ فماتت، فأغرمه ~~عثمان ديتها. # «ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة كانت عليه عمامة سوداء، ~~فوقف على باب الكعبة وقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، ~~وهزم الأحزاب وحده، ألا كل دم أو مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، ~~إلا سدانة البيت، وسقاية الحج. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل ~~بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذهبوا، فأنتم الطلقاء. ~~فعفا عنهم، وكان الله قد أمكنه منهم، وكانوا له فيئا، فلذلك سمي أهل مكة ~~الطلقاء. وطاف بالكعبة سبعا، ودخلها وصلى فيها، ورأى فيها صور الأنبياء، ~~فأمر بها فمحيت، وكان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، وكان بيده قضيب، ~~فكان يشير ms0634 به إلى الأصنام وهو يقرأ: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا} [الإسراء: 81] فلا يشير إلى صنم منها إلا سقط لوجهه. وقيل: بل ~~أمر بها وخدمت وكسرت» . # ثم جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبيعة على الصفا وعمر بن ~~الخطاب تحته، واجتمع الناس لبيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، فكانت ~~هذه بيعة الرجال. # وأما بيعة النساء، فإنه لما فرغ من الرجال بايع النساء، فأتاه منهن نساء ~~من نساء قريش، منهن أم هانئ بنت أبي طالب، وأم حبيب بنت العاص بن أمية، ~~وكانت عند عمرو بن عبد ود العامري، وأروى بنت أبي العيص عمة عتاب بن أسيد، ~~وأختها عاتكة بنت أبي العيص، وكانت عند المطلب بن أبي وداعة السهمي، وأمه ~~بنت عفان بن أبي العاص أخت عثمان، وكانت عند سعد حليف بني مخزوم، وهند بنت ~~عتبة، وكانت عند أبي سفيان، ويسيرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ~~وأم حكيم بنت # PageV02P125 # الحارث بن هشام، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل، وفاختة بنت الوليد بن ~~المغيرة أخت خالد، وكانت عند صفوان بن أمية بن خلف، وريطة بنت الحجاج، ~~وكانت عند عمرو بن العاص في غيرهن، وكانت هند متنكرة لصنيعها بحمزة، فهي ~~تخاف أن تؤخذ به، وقال لهن: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا. قالت ~~هند: إنك والله لتأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال، فسنؤتيكه. قال: ولا ~~تسرقن. قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة. فقال أبو ~~سفيان، وكان حاضرا: أما ما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: أهند؟ قالت أنا هند فاعف عما سلف، عفا الله عنك. قال ولا تزنين. ~~قالت: وهل تزني الحرة؟ قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت: ربيناهم صغارا، ~~وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر. قال: ولا تأتين ببهتان ~~تفترينه بين أيديكن وأرجلكن. قالت: والله إن إتيان البهتان ms0635 لقبيح، ولبعض ~~التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف. قالت ما جلسنا هذا المجلس ونحن ~~نريد أن نعصيك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: «بايعهن. ~~واستغفر لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يمس النساء، ولا يصافح امرأة، ولا تمسه امرأة إلا امرأة ~~أحلها الله له، أو ذات محرم منه» . # ولما جاء وقت الظهر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يؤذن ~~على ظهر الكعبة وقريش فوق الجبال، فمنهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أمن، ~~فلما أذن وقال: أشهد أن محمدا رسول الله، قالت جويرة بنت أبي جهل: لقد أكرم ~~الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة. وقيل: إنها قالت: لقد رفع الله ~~ذكر محمد، وأما نحن فسنصلي، ولكنا لا نحب من قتل الأحبة. # وقال خالد بن أسد، أخو عثمان بن أسد: لقد أكرم الله أبي، فلم ير هذا ~~اليوم. # وقال الحارث بن هشام: ليتني مت قبل هذا اليوم. # وقال جماعة نحو هذا القول. ثم أسلموا وحسن إسلامهم، ورضي الله عنهم. # (وأما الأسماء المشكلة، فحاطب بن أبي بلتعة بالحاء والطاء المهملتين، ~~والباء الموحدة، وبلتعة بالباء الموحدة، وبعد اللام تاء مثناة من فوقها. ~~وعيينة بن حصن # PageV02P126 # بضم العين المهملة، وياءين مثناتين من تحت، ثم نون، تصغير عين، وبديل بن ~~ورقاء بضم الباء الموحدة. وعتاب بالتاء فوقها نقطتان، وآخره باء موحدة. ~~وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين) . # وقول أم سلمة: ابن عمك وابن عمتك، فتعني بابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن ~~عبد المطلب، وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، وهو أخوها لأبيها، وكانت أمه ~~عاتكة بنت عبد المطلب. وقوله: قال في مكة ما قال: فإنه قال بمكة: لن نؤمن ~~لك حتى ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. وقد ~~غلط هنا بعض العلماء الكبار فقال: معنى قول أم سلمة: ابن عمتك، أن جدة ~~النبي أم عبد الله كانت مخزومية، وعبد الله بن ms0636 أبي أمية مخزومي، فعلى هذا ~~يكون ابن خالته لا ابن عمته، والصواب ما ذكرناه. # (وحبيش بن خالد بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة، ثم بالياء المثناة ~~من تحت، وآخره شين معجمة. ومقيس بن صبابة بكسر الميم، وسكون القاف، وبالياء ~~المثناة من تحت المفتوحة، وآخره سين مهملة. وصبابة بضم الصاد المهملة، ~~وباءين موحدتين بينهما ألف. خطم الجبل روي بالخاء المعجمة، وبالحاء ~~المهملة، فأما بالخاء المعجمة فهو الأنف الخارج من الجبل، وأما بالحاء ~~المهملة فهو الموضع الذي ثلم منه وقطع، فبقي منقطعا، وقد روي حطم الخيل ~~بالحاء المهملة، والخيل هذه هي التي تركب، يعني أنه يحبسه في الموضع الضيق ~~الذي يحطم الخيل فيه بعضها بعضا لضيقه) . ### | [ذكر غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة] # وفي هذه السنة كانت غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكة، يدعون الناس إلى ~~الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد، بعثه داعيا، ولم ~~يبعثه مقاتلا، فنزل على الغميصاء ماء من مياه جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن ~~كنانة، وكانت جذيمة أصابت في الجاهلية عوف بن # PageV02P127 # عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة عم خالد، كانا أقبلا ~~تاجرين من اليمن، فأخذت ما معهما وقتلتهما، فلما نزل خالد ذلك الماء أخذ ~~بنو جذيمة السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا. ~~فوضعوا السلاح، فأمر خالد بهم فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من ~~قتل. # فلما انتهى الخبر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه إلى السماء ~~ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد! ثم أرسل عليا ومعه مال، وأمره ~~أن ينظر في أمرهم، فودى لهم الدماء والأموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب، ~~وبقي معه من المال فضلة، فقال لهم علي: هل بقي لكم مال، أو دم لم يود؟ ~~قالوا: لا. قال: فإني أعطيتكم هذه البقية احتياطا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ففعل. ثم ms0637 رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، ~~فقال: أصبت، وأحسنت. # وقيل: إن خالدا اعتذر وقال: إن عبد الله بن حذافة السهمي أمره بذلك عن ~~رسول الله، وكان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد كلام في ذلك، فقال له: عملت ~~بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال خالد: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن: ~~كذبت، قد قتلت أنا قاتل أبي، ولكنك إنما ثأرت بعمك الفاكه، حتى كان بينهما ~~شر، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مهلا يا خالد، دع ~~عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت ~~غدوة أحدهم ولا روحته» . # قال عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي: كنت يومئذ في جند خالد، فأثرنا في أثر ~~ظعن مصعدة يسوق بهن فتية، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى ~~أدركناهم مضوا، ووقف لنا غلام شاب على الطريق، فلما انتهينا إليه جعل ~~يقاتلنا ويقول: # ارفعن أطراف الذيول وارتعن ... مشي حييات كأن لم تفزعن # إن تمنع اليوم النساء تمنعن # PageV02P128 # فقاتلناه طويلا فقتلناه، ومضينا حتى لحقنا الظعن، فخرج إلينا غلام كأنه ~~الأول فجعل يقاتلنا ويقول: # أقسم ما إن خادر ذو لبده ... يرزم بين أثلة ووهده # يفرس شبان الرجال وحده ... بأصدق الغداة مني نجده # فقاتلناه حتى قتلناه، وأدركنا الظعن فأخذناهن، فإذا فيهن غلام وضيء ~~الوجه، به صفرة كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله، فقال لنا: هل لكم ~~في خير؟ قلنا: ما هو؟ قال تدركون بي الظعن في أسفل الوادي، ثم تقتلوني. ~~قلنا: نفعل، فعارضنا الظعن، فلما كان بحيث يسمعن الصوت نادى بأعلى صوته: ~~اسلمي حبيش، على فقد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسانة، وقالت: وأنت ~~فاسلم على كثرة الأعداء، وشدة البلاء. قال: سلام عليك دهرا، وإن بقيت عصرا. ~~قالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا تترى، وثلاثا وترا. فقال: # إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلة الصدر # فأنت التي أخليت لحمي من دمي ... وعظمي، وأسبلت الدموع على نحري # فقالت له: # ونحن بكينا من ms0638 فراقك مرة ... وأخرى وواسيناك في العسر واليسر # وأنت فلم تبعد فنعم فتى الهوى ... جميل العفاف والمودة في ستر # فقال: # أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم # بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ... ألم يك حقا أن ينول عاشق # تكلف إدلاج السرى في الودائق # PageV02P129 # فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق # أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق # فإني لا سرا لدي أضعته ... ولا منظر مذ غبت عني برائق # على أن ما ناب العشيرة شاغل ... ولا ذكر إلا أن يكون لوامق # فقدموه فضربوا عنقه. # هذا الشعر لعبد الله بن علقمة الكناني، وكان من جذيمة مع حبيشة بنت حبيش ~~الكنانية أنه خرج مع أمه وهو غلام نحو المحتلم لتزور جارة لها، وكان لها ~~ابنة اسمها حبيشة بنت حبيش. فلما رآها عبد الله هويها ووقعت في نفسه، ~~وأقامت أمه عند جارتها، وعاد عبد الله إلى أهله. ثم عاد ليأخذ أمه بعد ~~يومين، فوجد حبيشة قد تزينت لأمر كان في الحي، فازداد بها عجبا، وانصرفت ~~أمه، فمشى معها وهو يقول: # وما أدري، بلى إني لأدري ... أصوب القطر أحسن أم حبيش # حبيشة والذي خلق البرايا ... وما إن عندنا للصب عيش # فسمعت أمه فتغافلت عنه. ثم إنه رأى ظبيا على ربوة فقال: # يا أمتا خبريني غير كاذبة ... وما يريد سئول الحق بالكذب # PageV02P130 # أتلك أحسن أم ظبي برابية # لا بل حبيشة في عيني وفي أربي # فزجرته أمه وقالت: ما أنت وهذا؟ وأنا قد زوجتك ابنة عمك، فهي من أجمل تلك ~~النساء. وأتت امرأة عمير فأخبرتها الخبر وقالت: زيني ابنتك له، ففعلت ~~وأدخلتها عليه، فأطرق. فقالت أمه: أيهما الآن أحسن؟ فقال: # إذا غيبت عني حبيشة مرة ... من الدهر لا أملك عزاء ولا صبرا # كأن الحشا حر السعير تحسه ... وقود الغضا والقلب مضطرم جمرا # وجعل يراسل الجارية وتراسله، فعلقته كما علقها، وأكثر قول الشعر فيها، ~~فمن ذلك: # حبيشة هل جدي وجدك جامع ... بشملكم شملي وأهلكم أهلي # وهل أنا ملتف بثوبك مرة ... بصحراء بين الأليتين إلى ms0639 النخل # فلما علم أهلها خبرهما حجبوها عنه، فازداد غرامه. فقالوا لها: عديه ~~السرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك الله إن أحببتني، فوالله ما على الأرض ~~أبغض إلي منك، ونحن قريب نسمع ما تقولين، فوعدته وجلسوا قريبا، فأقبل لموعد ~~لها. فلما دنا دمعت عيناها والتفتت إلى جنب أهلها وهم جلوس، فعرف أنهم ~~قريب، وبلغه الحال فقال: # فإن قلت ما قالوا لقد زدتني جوى ... على أنه لم يبق سر ولا ستر # ولم يك حبي عن نوال بذلته ... فيسليني عنك التجهم والهجر # وما أنس من الأشياء لا أنس ومقها ... ونظرتها حتى يغيبني القبر # PageV02P131 # وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إثر ذلك خالد بن الوليد، فكان منه ما ~~تقدم ذكره. # وفي هذه السنة تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مليكة ابنة داود ~~الليثية، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، فجاء إليها بعض أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلن لها: ألا تستحين تزوجين رجلا قتل أباك؟ فاستعاذت ~~منه، ففارقها. # وفيها هدم خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة، لخمس ليال بقين من رمضان، ~~وكان هذا البيت تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها، وكان سدنتها بنو شيبان بن ~~سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها بمسير خالد بن الوليد إليها علق ~~عليها سيفه وقال: # أيا عز شدي شدة لا شوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمري # فلما انتهى خالد إليها جعل السادن يقول: أعزى، بعض غضباتك، فخرجت امرأة ~~سوداء حبشية عريانة مولولة، فقتلها وكسر الصنم وهدم البيت، ثم رجع إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: «تلك العزى، لا تعبد أبدا» . # وفيها هدم عمرو بن العاص سواع، وكان برهاط لهذيل، فلما كسر الصنم أسلم ~~سادنه، ولم يجد في خزانته شيئا. # وفيها هدم سعد بن زيد الأشهلي مناة بالمشلل. ### | [ذكر غزوة هوازن بحنين] # وكانت في شوال، وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة ~~جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر، وكانوا مشفقين من ~~أن يغزوهم رسول الله ms0640 - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة، وقالوا: لا مانع ~~له من غزونا، والرأي أن نغزوه # PageV02P132 # قبل أن يغزونا. واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد ~~الأحلاف، وذو الخمار سبيع بن الحارث، وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك، ~~ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، ولم ~~يحضرها كعب ولا كلاب، وفي جشم دريد بن الصمة، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا ~~التيمن برأيه، وكان شيخا مجربا # فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حط ~~مع الناس أموالهم ونساءهم، فلما نزلوا أوطاس جمع الناس، وفيهم دريد بن ~~الصمة، فقال دريد: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا ~~حزن شرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، ~~وبكاء الصغير؟ قالوا: ساق مالك مع الناس ذلك. فقال: يا مالك، إن هذا يوم له ~~ما بعده، ما حملك على ما صنعت؟ قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن ~~حريمه وماله. قال دريد: راعي ضأن والله، هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت ~~لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. وقال: ~~ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الجد والحد، لو ~~كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ووددت أنكم فعلتم ما فعلا. ثم ~~قال: يا مالك، ارفع من معك إلى عليا بلادهم، ثم ألق الصباء على الخيل، فإن ~~كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال ~~مالك: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر ~~هوازن، أو لأتكين على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد فيها ~~ذكر. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني. # ثم قال مالك: أيها الناس، إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم، وشدوا ms0641 ~~عليهم شدة رجل واحد. # وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ما # PageV02P133 # شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن حل ~~بنا ما ترى! فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. # ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر هوازن أجمع المسير إليهم، ~~وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يومئذ مشرك: أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا. فقال له ~~صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة نؤديها إليك. قال: ليس بهذا ~~بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح. ثم سار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه، فكانوا اثني عشر ~~ألفا، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثرة من معه قال: لن نغلب ~~اليوم من قلة، وذلك قوله تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا} [التوبة: 25] ، وقيل: إنما قالها رجل من بكر. # واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من بمكة عتاب بن أسيد. # قال جابر: فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حطوط، إنما ننحدر ~~فيه انحدارا في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا ~~في شعابه ومضايقه، قد تهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا ~~الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على ~~أحد، وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين، ثم قال: «أيها ~~الناس، هلموا إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» ، قاله ثلاثا، ثم ~~احتملت الإبل بعضها بعضا، إلا أنه قد بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، ~~وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن، ~~وأسامة بن زيد. # قال: وكان رجل من هوازن على جمل ms0642 أحمر بيده راية سوداء أمام الناس، فإذا ~~أدرك رجلا طعنه ثم رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه، فحمل عليه علي فقتله. # ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو ~~سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، والأزلام معه. وقال كلدة بن ~~الحنبل، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه، وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا: الآن ~~بطل السحر. # PageV02P134 # فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي ~~من أن يربني رجل من هوازن! # وقال شيبة بن عثمان: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قتل بأحد، قال: ~~فأدرت به لأقتله، فأقبل شيء حتى تغش فؤادي، فلم أطق ذلك. # وكان العباس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - آخذا بحكمة بغلته دلدل وهو ~~عليها، وكان العباس جسيما شديد الصوت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة! ففعل، فأجابوه: ~~لبيك لبيك! فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر، فيأخذ سلاحه ثم ينزل ~~عنه ويؤم الصوت، فاجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل ~~فاستقبل بهم القوم وقاتلهم، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة ~~القتال قال: # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # الآن حمي الوطيس، وهو أول من قالها. واقتتل الناس قتالا شديدا، وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لبغلته دلدل: البدي دلدل، فوضعت بطنها على ~~الأرض، فأخذ حفنة من تراب، فرمى به في وجوههم، فكانت الهزيمة، فما رجع ~~الناس إلا والأسارى في الحبال عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد حتى سقط بين القوم، فإذا ~~نمل أسود مبثوث، فكانت الهزيمة. # ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا، فأما الأخلاف من ~~ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين؛ لأنهم انهزموا سريعا. وقصد بعض المشركين ~~الطائف ومعهم مالك بن عوف، واتبعت خيل رسول الله - صلى ms0643 الله عليه وسلم - ~~المشركين فقتلهم، فأدرك ربيعة بن يربوع السلمي دريد بن الصمة ولم يعرفه؛ ~~لأنه كان في شجار لكبره، وأناخ بعيره # PageV02P135 # فإذا هو شيخ كبير، فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ ~~فانتسب له، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا. فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ ~~سيفي فاضرب به، ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل ~~الرجال، وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت ~~فيه نساءك. فقتله. فلما أخبر أمه قالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ~~واستلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلا وحده، وقتلهم. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلا فله سلبه» . # وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلا، وأجهضه القتال عن أخذ سلبه، فأخذه غيره، ~~فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك قام أبو قتادة فقال: قتلت ~~قتيلا وأخذ غيري سلبه. فقال الذي أخذ السلب: هو عندي فارضه مني يا رسول ~~الله. فقال أبو بكر: لا والله، لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ~~تقاسمه، فرد عليه السلب. # وكان لبعض ثقيف غلام نصراني، فقتل، فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلى ~~ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغرل، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر العرب، إن ثقيفا لا ~~تختتن. فقال له المغيرة بن شعبة: لا تقل هذا، إنما هو غلام نصراني، وأراه ~~قتلى ثقيف مختتنين. # «ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق بامرأة مقتولة، فقال: ~~من قتلها؟ قالوا: خالد بن الوليد. فقال لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له: إن ~~رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا.» والعسيف الأجير. # وكان بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أبا عامر الأشعري، عم أبي موسى، فرمي أبو عامر بسهم، قيل رماه سلمة بن دريد ~~بن الصمة، وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر، وانهزم المشركون بأوطاس، ~~وظفر المسلمون بالغنائم ms0644 # PageV02P136 # والسبايا، فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى، فقالت لهم: ~~إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. فقالت له: إني أختك. قال: «وما علامة ذلك؟ قالت: عضة ~~عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ~~وخيرها فقال: إن أحببت فعندي مكرمة محببة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى ~~قومك. قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، ففعل» . # وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبايا والأموال، فجمعت إلى ~~الجعرانة، وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي. # واستشهد من المسلمين بحنين أيمن ابن أم أيمن، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن ~~المطلب بن عبد العزى، وغيرهما. ### | [ذكر حصار الطائف] # لما قدم المنهزمون من ثقيف ومن انضم إليهم من غيرهم إلى الطائف أغلقوا ~~عليهم مدينتهم، واستحصروا، وجمعوا ما يحتاجون إليه. فسار إليهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما كان ببحرة الرغاء قبل وصوله إلى الطائف قتل بها رجلا ~~من بني ليث قصاصا، كان قد قتل رجلا من هذيل فأمر بقتله، وهو أول دم أقيد به ~~في الإسلام، وسار إلى ثقيف فحصرهم بالطائف نيفا وعشرين يوما، ونصب عليهم ~~منجنيقا أشار به سلمان الفارسي، وقاتلهم قتالا شديدا، حتى إذا كان يوم ~~الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من المسلمين تحت دبابة عملوها، ثم زحفوا ~~بها إلى جدار الطائف، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة، فخرجوا من ~~تحتها، فرماهم من بالطائف بالنبل فقتلوا رجالا. فأمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقطع أعناب ثقيف، فقطعت. ونزل إلى رسول الله نفر من رقيق أهل ~~الطائف # PageV02P137 # فأعتقهم، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة، وإنما قيل له: أبو بكرة ~~ببكرة نزل فيها، وغيره. فلما أسلم أهل الطائف تكلمت سادات أولئك العبيد في ~~أن يردهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرق فقال: لا أفعل، أولئك ~~عتقاء الله. # ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول ~~الله، أعطني ms0645 إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة ~~بنت عقيل، وكانتا من أكثر النساء حليا. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: أرأيت إن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ فخرجت فذكرت ذلك لعمر بن ~~الخطاب. فدخل عليه عمر وقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة أنك قد ~~قلته؟ قال: قد قلته. قال: أفلا أؤذن بالرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى، فأذن ~~بالرحيل. # وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استشار نوفل بن معاوية الدثلي ~~في المقام عليهم. فقال: يا رسول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، ~~وإن تركته لم يضرك، فأذن بالرحيل. فلما رجع الناس «قال رجل: يا رسول الله، ~~ادع على ثقيف. قال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» . فلما رأت ثقيف الناس قد ~~رحلوا عنهم نادى سعيد بن عبيد الثقفي: ألا إن الحي مقيم. فقال عيينة بن ~~حصن: أجل والله، مجدة كراما. فقال رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، ~~أتمدحهم بالامتناع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني والله ما ~~جئت لأقاتل معكم ثقيفا، ولكني أردت أن أصيب من ثقيف جارية، لعلها تلد لي ~~رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير. # واستشهد بالطائف اثنا عشر رجلا، منهم عبد الله بن أمية المخزومي، وأمه ~~عاتكة بنت عبد المطلب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي بسهم فمات منه ~~بالمدينة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسائب بن الحارث بن ~~عدي، وغيرهم. # (وهذه بادية بنت غيلان قال فيها هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية: إن ~~فتح الله عليكم الطائف فسل رسول الله أن ينفلك بادية بنت غيلان، فإنها ~~هيفاء شموع نجلاء، إن تكلمت تغنت، وإن قامت تثنت، وإن مشت ارتجت، وإن قعدت ~~تبنت، تقبل بأربع، وتدبر بثمان، بثغر كالأقحوان، بين رجليها كالقعب المكفأ. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لقد علمت # PageV02P138 # الصفة. ومنعه من الدخول إلى نسائه) . ### | [ذكر قسمة غنائم حنين] # لما رحل رسول الله ms0646 - صلى الله عليه وسلم - من الطائف سار حتى نزل ~~الجعرانة، وأتته وفود هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، ~~إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، ~~وقام زهير بن صرد من بني سعد بن بكر، وهم الذين أرضعوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك وخالاتك ~~وحواضنك، ولو أنا أرضعنا الحارث بن أبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر ~~لرجونا عطفه، وأنت خير المكفولين! ثم قال: # امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر امنن على نسوة قد ~~عاقها قدر ممزق شملها في دهرها غير # في أبيات. فخيرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أبنائهم ونسائهم ~~وبين أموالهم، فاختاروا أبناءهم ونساءهم، فقال: أما ما كان لي ولبني عبد ~~المطلب فهو لكم، فإذا أنا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى ~~المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم وأسأل ~~فيكم. فلما صلى الظهر فعلوا ما أمرهم به، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وقال المهاجرون والأنصار: ما ~~كان لنا فهو لرسول الله. وقال الأقرع بن حابس: ما كان لي ولبني تميم فلا. ~~وقال عيينة بن حصن: ما كان لي ولفزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: ما كان لي ~~ولسليم فلا. فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله. فقال: وهنتموني. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من تمسك بحقه من السبي فله بكل إنسان ~~ست فرائض، من أول شيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم. # وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مالك بن عوف، فقيل: إنه ~~بالطائف. فقال: أخبروه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة ~~بعير. فأخبر مالك بذلك، فخرج من الطائف سرا ولحق برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله رسول الله - # PageV02P139 # صلى الله عليه وسلم - على قومه، وعلى من ms0647 أسلم من تلك القبائل التي حول ~~الطائف، فأعطاه أهله وماله ومائة بعير. وكان يقاتل بمن أسلم معه من ثمالة ~~وفهم وسلمة - ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم. # «ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رد سبايا هوازن ركب، ~~واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا، حتى ألقوه إلى شجرة، ~~فاختطف رداؤه، فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله لو كان لي عدد شجر ~~تهامة نعم لقسمتها عليكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا. ثم رفع ~~وبرة من سنام بعير وقال: ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، وهو ~~مردود عليكم» . ثم أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا من أشراف الناس، يتألفهم ~~على الإسلام، فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام، والعلاء بن ~~جارية الثقفي، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن ~~عبد العزى، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، ومالك بن عوف النصري، كل واحد ~~منهم مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، ~~وعمير بن وهب، وهشام بن عمرو، وسعيد بن يربوع، وأعطى العباس بن مرداس ~~أباعر، فسخطها وقال: # كانت نهابا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع # وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع # فأصبح نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع # وقد كنت في الحرب ذا تدرأ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع # إلا أفائل أعطيتها عديد قوائمها الأربع ... وما كان حصن ولا حابس # يفوقان مرداس في المجمع ... وما كنت دون امرئ منهما # ومن تضع اليوم لا يرفع # فأعطاه حتى رضي. # «وقال رجل من الصحابة: يا رسول الله، أعطيت عيينة والأقرع، وتركت جعيل بن # PageV02P140 # سراقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لجعيل خير ~~من طلاع الأرض رجالا، كلهم مثل عيينة والأقرع. ولكني تألفتهما، ووكلت جعيلا ~~إلى إسلامه. # وقيل: إن ذا الخويصرة التميمي في هذه القسمة قال لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: إنك لم ms0648 تعدل اليوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ومن ~~يعدل إذا لم أعدل؟ ! فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ ! فقال: دعوه، ستكون ~~له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية» . # وقيل إن هذا القول كان في مال بعث به علي من اليمن إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقسمه بين جماعة، منهم: عيينة، والأقرع، وزيد الخيل. # قال أبو سعيد الخدري: لما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى ~~من تلك الغنائم في قريش وقبائل العرب، ولم يعط الأنصار شيئا - وجدوا في ~~أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه. فأخبر ~~سعد بن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال له: فأين أنت يا ~~سعد؟ قال: أنا من قومي. قال: فاجمع قومك لي، فجمعهم. فأتاهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟ ألم آتكم ضلالا، فهداكم ~~الله بي؟ وفقراء، فأغناكم الله بي؟ وأعداء، فألف الله بين قلوبكم بي؟ ~~قالوا: بلى - والله - يا رسول الله، ولله ورسوله المن والفضل. فقال: ألا ~~تجيبوني؟ قالوا: بماذا نجيبك؟ فقال: والله لو شئتم لقلتم، فصدقتم: أتيتنا ~~مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك، أوجدتم ~~يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ~~ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا ~~برسول الله إلى رحالكم؟ والذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ~~ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا؛ لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم ~~الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى أخضلوا ~~لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. وتفرقوا» . # ثم اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجعرانة، وعاد إلى ~~المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد، وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس، ~~وحج عتاب بن أسيد بالناس، وحج # PageV02P141 # الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج، وعاد رسول الله - صلى ms0649 الله عليه ~~وسلم - إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجة. # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص إلى جيفر ~~وعياذ ابني الجلندى من الأزد بعمان مصدقا، فأخذ الصدقة من أغنيائهم، وردها ~~على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس، وهم كانوا أهل البلد وكان العرب ~~حولها. وقيل سنة سبع. # وفيها تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلابية، واسمها فاطمة بنت ~~الضحاك بن سفيان، فاختارت الدنيا، وقيل: إنها استعاذت منه ففارقها. # وفيها ولدت مارية إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي الحجة، ~~فدفعه إلى أم بردة بنت المنذر الأنصارية فكانت ترضعه، وزوجها البراء بن أوس ~~الأنصاري. وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأرسلت أبا رافع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشره بإبراهيم، فوهب له ~~مملوكا، وغار نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظم عليهن حين رزقت مارية ~~منه ولدا. # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عمير إلى ذات إطلاح ~~من الشام، إلى نفر من قضاعة يدعوهم إلى الإسلام، ومعه خمسة عشر رجلا، فوصل ~~إليهم فدعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، وكان رئيس قضاعة رجلا يقال له سدوس، ~~فقتلوا المسلمين ونجا عمير، فتقدم إلى المدينة. # وفيها بعث أيضا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر من تميم، فأغار ~~عليهم وسبى منهم نساء، وكان على عائشة عتق رقبة من بني إسماعيل، فقال لها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هذا سبي بني العنبر يقدم علينا، فنعطيك ~~إنسانا فتعتقينه. # PageV02P142 ### | [ثم دخلت سنة تسع] # [ذكر إسلام كعب بن زهير] ### | 9 - # ثم دخلت سنة تسع ### | ذكر إسلام كعب بن زهير # قيل: خرج كعب بن زهير بن أبي سلمى، وأبو سلمى ربيعة المزني، ومعه أخوه ~~بجير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال له بجير: اثبت في غنمنا حتى آتي هذا ~~الرجل، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسمع منه. فأقام كعب وسار ~~بجير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، وبلغ ذلك ms0650 كعبا فقال: # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء ويب غيرك دلكا # على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا # سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمور منها وعلكا # فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله غضب وأهدر دمه، فكتب ~~بذلك بجير إلى أخيه بعد عود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف، ~~وقال: النجاء النجاء، وما أدري أن تتفلت، ثم كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا ~~فأسلم، وأقبل إليه؛ فإنه لا يأخذ مع الإسلام بما كان قبله. فأسلم كعب، وجاء ~~حتى أناخ راحلته بباب المسجد، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ~~أصحابه، قال كعب: فعرفته بالصفة، فتخطيت الناس إليه فأسلمت وقلت: الأمان يا ~~رسول الله، هذا مقام العائذ بك. قال: من أنت؟ فقلت: كعب بن زهير. قال: الذي ~~يقول، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: كيف قال؟ فأنشده أبو بكر الأبيات التي ~~أولها: # PageV02P143 # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة # فقال كعب: ما هكذا قلت يا رسول الله، إنما قلت: # سقاك أبو بكر بكأس روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مأمون والله. فتجهمته الأنصار ~~وأغلظت له، ولانت له قريش وأحبت إسلامه، فأنشده قصيدته التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول # فلما انتهى إلى قوله: # وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إني عنه مشغول # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا # زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل # نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قريش، فأومأ إليهم أن اسمعوا، ~~حتى قال: # يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل # يعرض بالأنصار لغلظتهم التي كانت عليه، فأنكرت قريش قوله وقالوا: لم ~~تمدحنا إذ هجوتهم، ولم يقبلوا ذلك ms0651 منه، وعظم على الأنصار هجوه، فشكوه، فقال ~~يمدحهم: # من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار # الباذلين نفوسهم ودماءهم ... يوم الهياج وسطوة الجبار # يتطهرون كأنه نسك لهم ... بدماء من قتلوا من الكفار # في أبيات. فكساه النبي - صلى الله عليه وسلم - بردة كانت عليه، فلما كان ~~زمن معاوية أرسل إلى # PageV02P144 # كعب: أن بعنا بردة رسول الله. فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحدا. ~~فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم، وهي البردة التي ~~عند الخلفاء الآن. # وقيل: إنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله وقطع لسانه؛ لأنه ~~كان تشبب بأم هانئ بنت أبي طالب. # (أبو سلمى بضم السين والإمالة. والمأمور بالراء، قال بعض العلماء: إنما ~~كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن العرب كانت تقول لكل من ~~يتكلم بالشيء من تلقاء نفسه: مأمور، بالراء، يريدون أن الذي يقوله تأمره به ~~الجن، وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مأمورا من الله - تعالى - ~~ولكنه كرهه لعادتهم، فلما قال: المأمون بالنون، رضي به؛ لأنه مأمون على ~~الوحي. وبجير بالباء الموحدة المضمومة، وبالجيم) . ### | [ذكر غزوة تبوك] # لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بالمدينة بعد عوده من ~~الطائف ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتجهز لغزو الروم، وأعلم ~~الناس مقصدهم لبعد الطريق، وشدة الحر، وقوة العدو، وكان قبل ذلك إذا أراد ~~غزوة ورى بغيرها. # وكان سببها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن هرقل ملك الروم ومن ~~عنده من متنصرة العرب - قد عزموا على قصده، فتجهز هو والمسلمون وساروا إلى ~~الروم. وكان الحر شديدا، والبلاد مجدبة، والناس في عسرة، وكانت الثمار قد ~~طابت، فأحب الناس المقام في ثمارهم، فتجهزوا على كره، فكان ذلك الجيش يسمى ~~جيش العسرة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجد بن قيس، وكان من ~~رؤساء المنافقين: هل لك في جلاد بني # PageV02P145 # الأصفر؟ فقال: والله لقد عرف قومي حبي للنساء، وأخشى أن ms0652 لا أصبر على نساء ~~بني الأصفر، فإن رأيت أن تأذن لي ولا تفتني. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: قد أذنت لك، فأنزل الله - تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني} [التوبة: 49] الآية، وقال قائل من المنافقين: لا تنفروا في الحر، ~~فنزل قوله - تعالى: {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا} ~~[التوبة: 81] . # ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجهز وأمر بالنفقة في سبيل الله، ~~وأنفق أهل الغنى، وأنفق أبو بكر جميع ما بقي عنده من ماله، وأنفق عثمان ~~نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، قيل: كانت ثلاثمائة بعير وألف دينار. # ثم إن رجالا من المسلمين أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم ~~البكاءون، وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، وكانوا أهل حاجة، فاستحملوه. ~~فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. فتولوا يبكون، فلقيهم يامين بن عمير بن كعب ~~النضري، فسألهم عما يبكيهم فأعلموه، فأعطى أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب، ~~وعبد الله بن مغفل المزني بعيرا، فكانا يعتقبانه مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم يعذرهم الله، وكان عدة من المسلمين تخلفوا من غير شك، منهم: كعب بن ~~مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة. # فلما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تخلف عنه عبد الله بن أبي ~~المنافق فيمن تبعه من أهل النفاق، «واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على المدينة سباع بن عرفطة، وعلى أهله علي بن أبي طالب، فأرجف به ~~المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له. فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ~~ولحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ما قال المنافقون، فقال: ~~كذبوا، وإنما خلفتك لما ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن ~~تكون مني بمنزلة هارون من # PageV02P146 # موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي» . فرجع، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # ثم إن أبا خيثمة أقام أياما، فجاء ms0653 يوما إلى أهله، وكانت له امرأتان، وقد ~~رشت كل امرأة منهما عريشها، وبردت له ماء، وصنعت طعاما، فلما رآه قال: يكون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحر والريح، وأبو خيثمة في الظل ~~البارد، والماء البارد مقيم! ما هذا بالنصف، والله ما أحل عريشا منها حتى ~~ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهيأ زاده وخرج إلى ناضحه فركبه، ~~وطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدركه بتبوك، فقال الناس: «يا رسول ~~الله، هذا راكب مقبل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة. ~~فقالوا: هو والله أبو خيثمة. وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ~~بخبره، فدعا له» . # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مر بالحجر، وهو بطريقه، وهو ~~منزل ثمود، قال لأصحابه: «لا تشربوا من هذا الماء شيئا، ولا تتوضئوا منه، ~~وما كان من عجين فألقوه واعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرج ~~الليلة أحد إلا مع صاحب له» . ففعل ذلك الناس ولم يخرج أحد إلا رجلين من ~~بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجة فأصابه جنون، وأما الذي طلب بعيره فاحتمله ~~الريح إلى جبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~«ألم أنهكم أن لا يخرج أحد إلا مع صاحب له» ؟ فأما الذي خنق فدعا له فشفي، ~~وأما الذي حملته الريح فأهدته طيئ إلى رسول الله بعد عوده إلى المدينة. ~~وأصبح الناس بالحجر ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فدعا الله، فأرسل سحابة فأمطرت حتى روي الناس. # وكان بعض المنافقين يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جاء ~~المطر قال له بعض المسلمين: هل بعد هذا الشيء؟ قال: سحابة مارة. # وضلت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق فقال لأصحابه، ~~وفيهم عمارة بن حزم، وهو عقبي بدري: إن رجلا قال: إن محمدا يخبركم الخبر من ~~السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله - عز ms0654 ~~وجل - وهي في الوادي في شعب كذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا فأتوه ~~بها، فرجع عمارة إلى أصحابه، فخبرهم بما قال # PageV02P147 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الناقة تعجبا مما رأى. وكان زيد بن ~~لصيت القينقاعي منافقا، وهو في رحل عمارة قد قال هذه المقالة، فأخبر عمارة ~~بأن زيدا قد قالها، فقام عمارة يطأ عنقه وهو يقول: في رحلي داهية ولا أدري! ~~اخرج عني يا عدو الله! فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وحسن إسلامه، ~~وقيل: لم يزل متهما حتى هلك. # ووقف بأبي ذر جمله فتخلف عليه، فقيل: «يا رسول الله، تخلف أبو ذر. فقال: ~~ذروه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، فكان يقولها لكل من تخلف عنه، فوقف ~~أبو ذر على جمله، فلما أبطأ عليه أخذ رحله عنه، وحمله على ظهره، وتبع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ماشيا. فنظر الناس فقالوا: يا رسول الله، هذا رجل ~~على الطريق وحده. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر. فلما ~~تأمله الناس قالوا: هو أبو ذر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يرحم ~~الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده. ويبعث وحده، ويشهده عصابة من ~~المؤمنين» . # فلما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة أصابه بها أجله، ولم يكن معه إلا ~~امرأته وغلامه، فأوصاهما أن يغسلاه ويكفناه، ثم يضعاه على الطريق، فأول ركب ~~يمر بهما يستعينان بهم على دفنه، ففعلا ذلك، فاجتاز بهما عبد الله بن مسعود ~~في رهط من أهل العراق، فأعلمته امرأة أبي ذر بموته. فبكى ابن مسعود وقال: ~~صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، ~~ثم واروه. # وانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، فأتى يوحنا بن رؤبة ~~صاحب أيلة، فصالحه على الجزية، وكتب له كتابا، فبلغت جزيتهم ثلاثمائة ~~دينار، ثم زاد فيها الخلفاء من بني أمية. فلما كان عمر بن عبد العزيز لم ~~يأخذ منهم غير ثلاثمائة، وصالح أهل أذرح على مائة دينار ms0655 في كل رجب. وصالح ~~أهل جرباء على الجزية، وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم. # «وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أكيدر بن ~~عبد الملك صاحب دومة # PageV02P148 # الجندل، وكان نصرانيا من كندة، فقال لخالد: إنك تجده يصيد البقر» . فخرج ~~خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه على منظر العين، وأكيدر على سطح داره، ~~فباتت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ ~~قال: لا والله، ثم نزل وركب فرسه ومعه نفر من أهل بيته، ثم خرج يطلب البقر، ~~فتلقتهم خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذته، وقتلوا أخاه حسانا، ~~«وأخذ خالد من أكيدر قباء ديباج مخوص بالذهب، فأرسله إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فجعل المسلمون يلمسونه ويتعجبون منه. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من ~~هذا» . وقدم خالد بأكيدر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحقن دمه ~~وصالحه على الجزية، وخلى سبيله. # وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك بضع عشرة ليلة ولم ~~يجاوزها، ولم يقدم عليه الروم والعرب المتنصرة، فعاد إلى المدينة. وكان في ~~الطريق ماء يخرج من وشل لا يروي إلا الراكب والراكبين، بواد يقال له: وادي ~~المشقق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من سبقنا فلا يستقين منه ~~شيئا حتى نأتيه. فسبقه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما جاءه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه بفعلهم، فلعنهم ودعا عليهم، ثم نزل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فوضع يده تحته، وجعل يصب إليها ~~يسيرا من الماء، فدعا فيه ونضحه في الوشل، فانخرق الماء جريا شديدا، فشرب ~~الناس واستقوا» . وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قارب المدينة، ~~فأتاه خبر مسجد الضرار، فأرسل مالك بن الدخشم فحرقه وهدمه، وأنزل الله فيه: ~~{والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين} [التوبة: 107] ~~الآيات. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا، وكان ms0656 قد أخرج من دار خذام بن خالد ~~من بني عمرو بن عوف. # وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان قد تخلف عنه رهط من ~~المنافقين، فأتوه يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يعذرهم الله ورسوله، وتخلف أولئك النفر الثلاثة، وهم: كعب بن ~~مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا من غير شك ولا نفاق، فنهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامهم، فاعتزلهم الناس، فبقوا كذلك ~~خمسين ليلة، ثم أنزل الله توبتهم: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} [التوبة: 118] # PageV02P149 # الآيات، إلى قوله: صادقين، وكان قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة من تبوك في رمضان. # (يامين النضري بالنون، والضاد المعجمة. وعبد الله بن مغفل بالغين ~~المعجمة، والفاء المشددة المفتوحة. وزيد بن لصيت باللام المضمومة، والصاد ~~المهملة المفتوحة، وآخره تاء مثناة من فوقها. وخذام بن خالد بالخاء ~~المكسورة، والذال المعجمتين. وأكيدر بالهمزة المضمومة، والكاف المفتوحة، ~~والدال المهملة المكسورة، وآخره راء مهملة) . ### | [ذكر قدوم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] # وفيها قدم عروة بن مسعود الثقفي على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلما، ~~وقيل: بل أدركه في الطريق مرجعه من الطائف، وسأله أن يرجع إلى قومه ~~بالإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنهم قاتلوك، فقال: أنا ~~أحب إليهم من أبكارهم، ورجا أن يوافقوه لمنزلته فيهم، فلما رجع إلى الطائف ~~صعد إلى علية له، وأشرف منها عليهم، وأظهر الإسلام ودعاهم إليه، فرموه ~~بالنبل، فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني ~~الله بها، وشهادة ساقها إلي، ليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول ~~الله، فادفنوني معهم. فلما مات دفنوه معهم. وقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيه: إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» . ### | [ذكر قدوم وفد ثقيف] # وفي هذه السنة في رمضان قدم وفد ثقيف على رسول ms0657 الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وسبب ذلك أنهم رأوا من يحيط بهم من العرب قد نصبوا لهم القتال، وشنوا ~~الغارات عليهم، وكان أشدهم في ذلك مالك بن عوف النضري، فلا يخرج منهم مال ~~إلا نهب، ولا إنسان إلا أخذ، فلما رأوا عجزهم اجتمعوا وأرسلوا عبد يا ليل ~~بن عمرو بن عمير، والحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان، وهؤلاء من ~~الأحلاف، وأرسلوا من بني مالك عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن ~~خرشة، فخرجوا حتى # PageV02P150 # قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزلهم في قبة في المسجد، ~~فكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل إليهم ما يأكلونه مع خالد، ~~وكانوا لا يأكلون طعاما حتى يأكل خالد منه، حتى أسلموا. # وكان فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدع الطاغية، وهي ~~اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم، وكان قصدهم بذلك أن يتسلموا ~~بتركها من سفهائهم ونسائهم، فنزلوا إلى شهر فلم يجبهم، وسألوه أن يعفيهم من ~~الصلاة فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» . فأجابوا وأسلموا. وأمر عليهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن أبي العاص، وكان أصغرهم، لما ~~رأى من حرصه على الإسلام والتفقه في الدين. ثم رجعوا إلى بلادهم، وأرسل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن ~~حرب؛ ليهدما الطاغية، فتقدم المغيرة فهدمها، وقام قومه من بني شعيب دونه؛ ~~خوفا أن يرمى بسهم، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، وأخذ حليها ومالها. # وكان أبو مليح بن عروة بن مسعود، وقارب بن الأسود بن مسعود - قدما على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قتل عروة والأسود، فأمرهما رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يقضيا منه دين عروة والأسود ابني مسعود، ففعلا، ~~«وكان الأسود مات كافرا، فسأل ابنه قارب بن الأسود رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يقضي ms0658 دين أبيه، فقال: إنه كافر. فقال: يصل مسلم ذا قرابته» ~~. يعني أنه أسلم فيصل أباه وإن كان مشركا. ### | [ذكر غزوة طيئ وإسلام عدي بن حاتم] # في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ~~بن أبي طالب في سرية إلى ديار طيئ، وأمره أن يهدم صنمهم الفلس، فسار إليهم ~~وأغار عليهم، فغنم وسبى وكسر الصنم، وكان متقلدا سيفين يقال لأحدهما: مخذم، ~~وللآخر: رسوب، فأخذهما علي وحملهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان الحارث بن أبي شمر أهدى السيفين للصنم، فعلقا عليه، وأسر بنتا لحاتم ~~الطائي، وحملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فأطلقها. # وأما إسلام عدي بن حاتم فقال عدي: جاءت خيل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخذوا أختي وناسا، فأتوا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت أختي: «يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، # PageV02P151 # فامنن علي من الله عليك. فقال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي ~~فر من الله ورسوله! فمن عليها، وإلى جانبه رجل قائم وهو علي بن أبي طالب، ~~قال: سليه حملانا. فسألته، فأمر لها به وكساها، وأعطاها نفقة» . قال عدي: ~~وكنت ملك طيئ آخذ منهم المرباع وأنا نصراني، فلما قدمت خيل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هربت إلى الشام من الإسلام، وقلت: أكون عند أهل ديني، ~~فبينا أنا بالشام إذ جاءت أختي، وأخذت تلومني على تركها وهربي بأهلي دونها، ~~ثم قالت لي: أرى أن تلحق بمحمد سريعا، فإن كان نبيا كان للسابق فضله، وإن ~~كان ملكا كنت في عز وأنت أنت. قال: «فقدمت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فسلمت عليه وعرفته نفسي، فانطلق بي إلى بيته، فلقيته امرأة ضعيفة ~~فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت: ما هذا بملك، ثم دخلت ~~بيته فأجلسني على وسادة، وجلس على الأرض، فقلت في نفسي: ما هذا ملك. فقال ~~لي: يا عدي، إنك تأخذ المرباع وهو لا يحل في دينك، ولعلك إنما ms0659 يمنعك من ~~الإسلام ما ترى من حاجتنا وكثرة عدونا، والله ليفيضن المال فيهم حتى لا ~~يوجد من يأخذه، ووالله لتسمعن بالمرأة تسير من القادسية على بعيرها حتى ~~تزور هذا البيت، لا تخاف إلا الله، ووالله لتسمعن بالقصور البيض من بابل ~~وقد فتحت. قال: فأسلمت، فقد رأيت القصور البيض وقد فتحت، ورأيت المرأة تخرج ~~إلى البيت لا تخاف إلا الله، ووالله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا ~~يقبله أحد» . ### | [ذكر قدوم الوفود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] # لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وأسلمت ثقيف، وفرغ من ~~تبوك - ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، وإنما كانت العرب تنتظر بإسلامها ~~قريشا؛ إذ كانوا أمام الناس، وأهل الحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم - ~~عليه السلام - لا تنكر العرب ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وخلافه، فلما فتحت مكة وأسلمت قريش عرفت العرب ~~أنها لا طاقة لها بحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عداوته، ~~فدخلوا في الدين أفواجا، كما قال الله - تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح - ~~ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا - فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا} [النصر: 1 - 3] . # PageV02P152 # وقدمت وفودهم في هذه السنة، قدم وفد بني أسد على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقالوا: أتيناك قبل أن ترسل إلينا رسولا، فأنزل الله - تعالى: ~~{يمنون عليك أن أسلموا} [الحجرات: 17] ، الآية. # وفيها قدم وفد بلي في شهر ربيع الأول. # وفيها قدم وفد الداريين، وهم عشرة نفر. # وفيها قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد بني تميم مع حاجب بن ~~زرارة بن عدس، وفيهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، ~~وقيس بن عاصم، والختات، ومعتمر بن زيد، في وفد عظيم، ومعهم عيينة بن حصن ~~الفزاري، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0660 - وخرج إليهم، فقالوا: جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، فأذن لهم، ~~فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل الذي جعلنا ملوكا، ووهب ~~لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددا، ~~فمن يفاخرنا فليعدد مثل عددنا. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس: أجب الرجل. فقام ~~ثابت فقال: # الحمد لله الذي له السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه ~~علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى ~~من خير خلقه رسولا، أكرمهم نسبا، وأصدقهم حديثا، وأفضلهم حسبا، فأنزل عليه ~~كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله - تعالى - من العالمين، ثم دعا ~~الناس إلى الإيمان، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس نسبا، ~~وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق استجابة لله حين ~~دعاه نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن ~~بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله ~~علينا يسيرا، والسلام عليكم. # فقالوا: يا رسول الله، ائذن لشاعرنا، فأذن له، فقام الزبرقان بن بدر ~~فقال: # PageV02P153 # نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع # وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العرب يتبع # ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع # بما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نصطنع # فننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا # فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلا استقادوا وكاد الرأس يقتطع # إنا أبينا ولن يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع # فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا ... فيرجع القول والأخبار تستمع # قال: وكان حسان بن ثابت غائبا، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليجيب شاعرهم. قال حسان: فلما سمعت قوله قلت على نحوه: # إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في ms0661 أشياعهم نفعوا # يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله، وكل البر يصطنع # سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق، فاعلم، شرها البدع # إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا # إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا # أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطعبون ولا يزري بهم طمع # لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع # PageV02P154 # إذا نصبنا لحي لم ندب لهم # كما يدب إلى الوحشية الذرع ... كأنهم في الوغى والموت مكتنع # أسد بحلية في أرساغها فدع ... أكرم بقوم رسول الله شيعتهم # إذا تفرقت الأهواء والشيع ... فإنهم أفضل الأحياء كلهم # إن جد بالناس جد القول أو شمعوا # فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له، خطيبهم أخطب ~~من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا، ثم أسلموا وأجازهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفيهم أنزل الله - تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] الآيات. # (الختات بالخاء المعجمة، وتاءين كل واحدة منهما مثناة من تحت، ونون) . # وفيها قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب ملوك حمير مقرين ~~بالإسلام، مع رسولهم الحارث بن عبد كلال، والنعمان - قيل: ذي رعين - ~~وهمدان، فأرسل إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، وكتب إليهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بما عليهم في الإسلام، وينهاهم ~~عما حرم عليهم. # وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلوا على ~~المقداد بن عمرو. وفيها قدم وفد بني البكاء. # وفيها قدم وفد بني فزارة، فيهم خارجة بن حصن. # وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ. # وفيها «قدم وفد سعد بن بكر، وكان وافدهم ضمام بن ثعلبة، فسأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن شرائع الإسلام، وأسلم، فلما رجع إلى قومه، قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة» ms0662 ، فلما قدم على ~~قومه اجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى! ~~فقالوا: اتق البرص والجذام والجنون. فقال: ويحكم! إنهما لا يضران ولا # PageV02P155 # ينفعان، وإن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، وقد استنقذكم به مما ~~كنتم فيه. وأظهر إسلامه، فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا امرأة ~~مشركة، فما سمع بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. ### | [ذكر حج أبي بكر - رضي الله عنه -] # وفيها «حج أبو بكر بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولنفسه خمس بدنات، وكان في ثلاثمائة رجل، فلما كان بذي الحليفة أرسل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أثره عليا، وأمره بقراءة سورة " براءة ~~" على المشركين، فعاد أبو بكر وقال: يا رسول الله، أنزل في شيء؟ قال: لا، ~~ولكن لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني، ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في ~~الغار وصاحبي على الحوض؟ قال: بلى، فسار أبو بكر أميرا على الموسم، فأقام ~~الناس الحج، وحجت العرب الكفار على عادتهم في الجاهلية، وعلي يؤذن ب " ~~براءة "، فنادى يوم الأضحى: لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت ~~عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد؛ فأجله إلى ~~مدته» . ورجع المشركون، فلام بعضهم بعضا وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ ~~فأسلموا. # وفي هذه السنة فرضت الصدقات، وفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~عماله. # وفيها في شعبان توفيت أم كلثوم بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي زوج ~~عثمان بن عفان، وغسلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب، وقيل: ~~غسلتها نسوة من الأنصار، منهن أم عطية، وصلى عليها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ونزل في حفرتها أبو طلحة. # وفيها «مات عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وكان ابتداء مرضه في ~~شوال، فلما توفي جاء ابنه عبد الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله ~~قميصه، فأعطاه فكفنه فيه، وجاء ms0663 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي ~~عليه، فقام عمر في صدره وقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد قال يوم كذا ~~كذا وكذا؟ يعدد أيامه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسم ثم قال: ~~أخر عني عمر، قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] # PageV02P156 # ولو علمت أن لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت، ثم صلى عليه، وقام على ~~قبره حتى فرغ منه، فأنزل الله - تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره} [التوبة: 84] الآية» . # وفيها نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي للمسلمين، وكان موته في ~~رجب سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عامر الراهب عند النجاشي. # PageV02P157 ### | [ذكر الأحداث في سنة عشر] # [ذكر وفد نجران مع العاقب والسيد] ### | 10 - # ذكر الأحداث في سنة عشر ### | ذكر وفد نجران مع العاقب والسيد # وفيها أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني ~~الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا، فإن أجابوا أقام ~~فيهم وعلمهم شرائع الإسلام، وإن لم يفعلوا قاتلهم. فخرج إليهم ودعاهم إلى ~~الإسلام، فأجابوا وأسلموا، فأقام فيهم، وكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعلمه إسلامهم، وعاد خالد ومعه وفدهم، فيهم قيس بن الحصين بن يزيد ~~بن قينان ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان وغيرهما، فقدموا على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم عادوا عنه في بقية شوال أو في ذي الحجة، وأرسل ~~إليهم عمرو بن حزم يعلمهم شرائع الإسلام، ويأخذ صدقاتهم، وكتب معه كتابا، ~~وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو بن حزم على نجران. # وأما نصارى نجران فإنهم أرسلوا العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأرادوا مباهلته، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو ms0664 أقسمت على ~~الله أن يزيل الجبال لأزالها، ولم يباهلوه، وصالحوه على ألفي حلة، ثمن كل ~~حلة أربعون درهما، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وجعل لهم ذمة الله - تعالى - وعهده ألا يفتنوا عن دينهم، ولا يعشروا، وشرط ~~عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. فلما استخلف أبو بكر عاملهم ~~بذلك، فلما استخلف عمر أجلى أهل الكتاب عن الحجاز، وأجلى أهل نجران، فخرج ~~بعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى نجرانية الكوفة، واشترى منهم عقارهم وأموالهم. # PageV02P158 # وقيل: إنهم كانوا قد كثروا، فبلغوا أربعين ألفا، فتحاسدوا بينهم، فأتوا ~~عمر بن الخطاب وقالوا: أجلنا، وكان عمر بن الخطاب قد خافهم على المسلمين، ~~فاغتنمها، فأجلاهم، فندموا بعد ذلك، ثم استقالوه فأبى، فبقوا كذلك إلى ~~خلافة عثمان. فلما ولي علي أتوه وقالوا: ننشدك الله خطك بيمينك. فقال: إن ~~عمر كان رشيد الأمر، وأنا أكره خلافه، وكان عثمان قد أسقط عنهم مائتي حلة، ~~وكان صاحب النجرانية بالكوفة يبعث إلى من بالشام والنواحي من أهل نجران ~~يجبونهم الحلل. # فلما ولي معاوية ويزيد بن معاوية شكوا إليه تفرقهم، وموت من مات منهم، ~~وإسلام من أسلم منهم، وكانوا قد قلوا، وأروه كتاب عثمان، فوضع عنهم مائتي ~~حلة تكملة أربعمائة حلة. فلما ولي الحجاج العراق، وخرج عليه عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث - اتهم الدهاقين بموالاته، واتهمهم معهم، فردهم إلى ألف ~~وثلاثمائة حلة، وأخذهم بحلل وشيء. فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ~~فناءهم ونقصهم، وإلحاح العرب عليهم بالغارة، وظلم الحجاج، فأمر بهم فأحصوا، ~~ووجدوا على العشر من عدتهم الأولى، فقال: أرى هذا الصلح جزية، وليس على ~~أرضهم شيء، وجزية المسلم والميت ساقطة، فألزمهم مائتي حلة. فلما تولى يوسف ~~بن عمر الثقفي ردهم إلى أمرهم الأول عصبية للحجاج. فلما استخلف السفاح ~~عمدوا إلى طريقه يوم ظهوره من الكوفة، فألقوا فيها الريحان ونثروا عليه، ~~فأعجبه ذلك من فعلهم، ثم رفعوا إليه أمرهم، وتقربوا إليه بأخواله بني ~~الحارث بن كعب، فكلمه فيهم عبد الله بن الحارث، فردهم إلى ms0665 مائتي حلة. فلما ~~ولي الرشيد شكوا إليه العمال فأمر أن يعفوا من العمال، وأن يكون مؤداهم بيت ~~المال. # وفيها قدم وفد سلامان في شوال، وهم سبعة نفر، رأسهم حبيب السلاماني. # وفيها قدم وفد غسان في رمضان، ووفد غامد في شهر رمضان أيضا. # PageV02P159 # وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صرد بن عبد الله، في بضعة عشر رجلا، فأسلم، ~~وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من أسلم من قومه، وأمره أن ~~يجاهد المشركين، فسار إلى مدينة جرش، وفيها قبائل من اليمن فيهم خثعم، ~~فحاصرهم قريبا من شهر، فامتنعوا منه، فرجع حتى كان بجبل يقال له: كشر، فظن ~~أهل جرش أنه منهزم، فخرجوا في طلبه فأدركوه، فعطف عليهم فقاتلهم قتالا ~~شديدا، وقد «كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ينظران حاله. فبينما هما عنده إذ قال: بأي بلاد الله شكر؟ فقالا: ~~ببلادنا جبل يقال له كشر. فقال: إنه ليس بكشر، ولكنه شكر، وإن بدن الله ~~لتنحر عنده الآن. فقال لهما أبو بكر أو عثمان: ويحكما! إنه ينعي لكما ~~قومكما، فاسألاه أن يدعو الله يرفع عنهم، ففعلا، فقال: اللهم ارفع عنهم، ~~فخرجا من عنده إلى قومهما، فوجداهم قد أصيبوا ذلك اليوم في تلك الساعة التي ~~ذكر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - حالهم، وخرج وفد جرش إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فأسلموا» . # وفيها قدم وفد مراد مع فروة بن مسيك المرادي على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مفارقا لملوك كندة، وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة ~~ظفرت فيها همدان، وأكثروا القتل في مراد، وكان يقال لذلك اليوم: يوم الرزم، ~~وكان رئيس همدان الأجدع بن مالك والد مسروق، وفي ذلك يقول فروة: # فإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نهزم فغير مهزمينا # وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا # كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا وحينا # فبينا ما يسر به ويرضى ... ولو لبست غضارته سنينا # إذ انقلبت به كرات دهر ... فألفى للأولى غبطوا ms0666 طحينا # ومن يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خئونا # فلو خلد الملوك إذا خلدنا ... ولو بقي الكرام إذا بقينا # PageV02P160 # فأفنى ذاكم سروات قوم # كما أفنى القرون الأولينا # ولما توجه فروة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفارقا لقومه قال: # لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها # يممت راحلتي أؤم محمدا ... أرجو فضائلها وحسن ثرائها # فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا فروة، هل ~~ساءك ما أصاب قومك يوم الرزم؟ فقال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما ~~أصاب قومي، ولم يسؤه ذلك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا ~~يزيد قومك في الإسلام إلا خيرا. فاستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص، فكان على ~~الصدقات إلى أن توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفيها أرسل فروة بن عمرو الجذامي، ثم النفاثي، رسولا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على ~~من يليهم من العرب، وكان منزله معان في أرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه ~~طلبوه حتى أسروه، فحبسوه، فقال في محبسه ذلك: # طرقت سليمي موهنا فشجاني ... والروم بين الباب والقربان # صد الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفي وقد أبكاني # لا تكحلن العين بعدي إثمدا ... سلمى ولا تدنن للإنسان # فلما اجتمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له: عفرى، بفلسطين قال: # PageV02P161 # ألا هل أتى سلمى بأن خليلها ... على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل # على ناقة لم يلقح الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل # وهذا من أبيات المعاني. فلما قدموه ليصلبوه قال: # بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي # ثم ضربوا عنقه، وصلبوه. # وفيها قدم وفد زبيد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عمرو بن ~~معدي كرب، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استعمل على زبيد ومراد ~~فروة ms0667 بن مسيك في هذه السنة قبل قدوم عمرو، فلما عاد عمرو من عند رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أقام في قومه بني زبيد وعليهم فروة، فلما توفي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ارتد عمرو. # وفيها قدم وفد عبد القيس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم ~~الجارود بن عمرو، وكان نصرانيا فأسلم وأسلم من معه، وكان الجارود حسن ~~الإسلام، نهى قومه عن الردة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~ارتدوا مع الغرور، وهو المنذر بن النعمان، وقد كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعث العلاء بن الحضرمي قبل الفتح إلى المنذر بن ساوى العبدي، ~~فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل ~~ردة أهل البحرين، والعلاء أمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين. # وفيها قدم وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة، وكان منزله في دار ابنة الحارث، ~~امرأة من الأنصار، واجتمع مسيلمة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد ~~إلى اليمامة وتنبأ، وتكذب لهم، وادعى أنه شريك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في النبوة، فاتبعه بنو حنيفة. # PageV02P162 # وفيها «قدم وفد كندة مع الأشعث بن قيس، وكانوا ستين راكبا، فقال الأشعث: ~~نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم: نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا» . # وفيها قدم وفد محارب. # وفيها قدم وفد الرهاويين، وهم بطن من مذحج (ورهاء بفتح الراء، قاله عبد ~~الغني بن سعيد) . # وفيها قدم وفد عبس. # وفيها قدم وفد صدف، وافوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع. # وفيها قدم وفد خولان، وكانوا عشرة. # وفيها قدم وفد بني عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، ~~وجبار بن سلمى - بضم السين وبالإمالة - بن مالك بن جعفر، وكان عامر يريد ~~الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا ~~فأسلم. فقال: لا أتبع ms0668 عقب هذا الفتى، ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني ~~شاغله عنك، فاعله بالسيف من خلفه. فلما قدموا جعل يكلم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يشغله ليفتك به أربد، فلم يفعل أربد شيئا، فقال عامر للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم: لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفني عامرا» . فلما خرجوا قال عامر لأربد: لم ~~لم تقتله؟ قال: كلما هممت بقتله دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك، أفأضربك ~~بالسيف؟ ورجعوا، فلما كانوا ببعض الطريق أرسل الله على عامر بن الطفيل ~~الطاعون فقتله، وإنه لفي بيت امرأة سلولية، فمات وجعل يقول: يا بني عامر، ~~أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية! وأرسل الله إلى أربد صاعقة فأحرقته، ~~وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه. # PageV02P163 # وفيها قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد طيئ فيهم زيد الخيل، ~~وهو سيدهم، فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ~~«ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا ما ~~كان من زيد الخيل. ثم سماه زيد الخير» ، وأقطع له فيد وأرضين معها. فلما ~~رجع أصابته الحمى بقرية من نجد، فمات بها. # وفيها كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر أنه ~~شريكه في النبوة، وأرسل الكتاب مع رسولين، فسألهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عنه فصدقاه. فقال لهما: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما. # وكان كتاب مسيلمة: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني ~~قد أشركت معك في الأمر، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم ~~يعتدون. # فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من ~~محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فالسلام على من اتبع الهدى، ~~فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» . # وقيل: إن دعوى مسيلمة وغيره النبوة كانت بعد حجة الوداع ms0669 ومرضته التي مات ~~فيها. فلما سمع الناس بمرضه وثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة باليمامة، ~~وطليحة في بني أسد. ### | [ذكر إرسال علي إلى اليمن وإسلام همدان] # في هذه السنة بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا إلى اليمن، وقد ~~كان أرسل قبله خالد بن الوليد إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، فأرسل ~~عليا وأمره أن يعقل خالدا ومن شاء من أصحابه، ففعل، وقرأ علي كتاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم ~~واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «السلام على ~~همدان، يقوله ثلاثا» . ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام، وكتب بذلك إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد شكرا لله - تعالى -. # PageV02P164 ### | [ذكر بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراءه على الصدقات] # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراءه وعماله على الصدقات، ~~فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها، ~~وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت على صدقاتهم، وبعث عدي بن حاتم ~~الطائي على صدقات طيئ وأسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وجعل ~~الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات سعد بن زيد مناة بن تميم، وبعث ~~العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران، ليجمع ~~صدقاتهم وجزيتهم ويعود، ففعل وعاد، ولقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بمكة في حجة الوداع، واستخلف على الجيش الذي معه رجلا من أصحابه، وسبقهم ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقيه بمكة، فعقد الرجل إلى الجيش، ~~فكساهم، كل رجل حلة من البز الذي مع علي، فلما دنا الجيش خرج علي ليتلقاهم، ~~فرأى عليهم الحلل، فنزعها عنهم، فشكاه الجيش إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا فقال: «أيها الناس، لا ~~تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، وفي سبيل الله» . # PageV02P165 ### | [ذكر حجة الوداع] # خرج رسول الله ms0670 - صلى الله عليه وسلم - إلى الحج لخمس بقين من ذي القعدة، ~~لا يذكر الناس إلا الحج، فلما كان بسرف أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ~~ساق الهدي، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ساق الهدي وناس معه، ~~وكان علي بن أبي طالب قد لقيه محرما، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: ~~حل كما حل أصحابك. فقال: إني قد أهللت بما أهل به رسول الله. فبقي على ~~إحرامه، ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدي عنه وعن علي، وحج ~~بالناس فأراهم مناسكهم، وعلمهم سنن حجهم، وخطب خطبته التي بين فيها للناس ~~ما بين، وكان الذي يبلغ عنه بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف، لكثرة الناس، فقال ~~بعد حمد الله: # «أيها الناس اسمعوا قولي، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ~~أبدا. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وكل ربا ~~موضوع، لكم رءوس أموالكم، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وكل دم ~~كان في الجاهلية موضوع، وأول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ~~- وكان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل. أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن ~~يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه يطاع فيما سوى ذلك، وقد رضي بما تحقرون من ~~أعمالكم. أيها الناس، {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] ، وإن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، و {إن عدة الشهور ~~عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36] . أيها الناس، استوصوا بالنساء # PageV02P166 # خيرا» . وهي خطبة طويلة. # وقال حين وقف بعرفة: «هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكل عرفة موقف» ~~. وقال بالمزدلفة: «هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف» . ولما نحر بمنى قال: ~~«هذا المنحر، وكل منى منحر» . فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج، ~~وكانت حجة الوداع وحجة البلاغ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يحج بعدها، وأرى الناس مناسكهم، وعلمهم حجهم. # ذكر عدد غزواته - صلى الله عليه وسلم - وسراياه # وكان آخر ms0671 غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه - غزوة ~~تبوك، وجميع غزواته بنفسه تسع عشرة غزوة. # قال الواقدي: هكذا يرويه أهل العراق عن زيد بن أرقم، وهو خطأ؛ لأن زيدا ~~غزا مؤتة مع عبد الله بن رواحة وهو رديفه على رحله، ولم يغز مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - غير ثلاث غزوات أو أربع، وقيل: غزا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ستا وعشرين غزوة، وقيل: سبعا وعشرين، فمن قال ستا وعشرين جعل ~~غزوة خيبر ووادي القرى واحدة؛ لأنه لم يرجع من خيبر إلى منزله، ومن فرق ~~بينهما جعل غزواته سبعا وعشرين، وجعل خيبر غزوة، ووادي القرى غزوة. # وأول غزوة غزاها ودان، وهي الأبواء، ثم بواط بناحية رضوى، ثم العشيرة، ثم ~~بدر الأولى لطلب كرز بن جابر، ثم بدر التي قتل فيها قريشا، ثم غزوة بني ~~سليم، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران ~~بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ~~ذات الرقاع، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم ~~غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بني ~~المصطلق، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة فتح ~~مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم # PageV02P167 # غزوة تبوك، قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، ~~والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. # واختلف في عدد سراياه، فقيل: كانت خمسا وثلاثين ما بين سرية وبعث، وقيل: ~~ثمانيا وأربعين. # وفي هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي في رمضان مسلما، فبعثه إلى ذي ~~الخلصة فهدمها، وكان من حجر أبيض بتبالة، وهو صنم بجيلة وخثعم وأزد السراة، ~~فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر هدمه سجد شكرا لله - تعالى ~~-. # وفيها أسلم باذان باليمن، وبعث بإسلامه إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ذكر عدد حج النبي - صلى الله عليه وسلم ms0672 - وعمره # «قال جابر: حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجتين، حجة قبل أن يهاجر، ~~وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة» . «وقال ابن عمر: اعتمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلاث عمر، وقالت عائشة: أربع عمر، وروي مثل ذلك عن ابن عمر» . # ذكر صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسمائه وخاتم النبوة # «قال علي بن أبي طالب: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل ~~ولا بالقصير، ضخم الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، مشربا ~~وجهه حمرة، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب، لم أر ~~قبله ولا بعده مثله، وكان أدعج العينين، سبط الشعر، سهل الخدين، ذا وفرة، ~~كأن عنقه إبريق فضة، وإذا التفت التفت جميعا، كأن العرق في وجهه اللؤلؤ ~~الرطب لطيب عرقه وريحه» . # قال أبو عبيدة وغيره: شثن الكفين والقدمين، يعني أنهما إلى الغلظ أقرب، ~~وقوله: ضخم الكراديس، يعني ألواح الأكتاف، والمسربة: الشعر ما بين السرة ~~واللبة، # PageV02P168 # والصبب: الانحدار، والدعج في العين السواد، والسبط من الشعر ضد الجعد. # وكان بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبوة، وهي بضعة ناشزة ~~حولها شعر. # وأما أسماؤه فهي كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد، ~~وأنا أحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، ~~والعاقب، والماحي الذي يمحو الله به الكفر. # والحاشر الذي يحشر الناس على قدمه. والعاقب آخر الأنبياء» . # وأما شعره وشيبه فقال أنس: لم يشنه الله بالشيب، وقيل: كان في مقدم لحيته ~~عشرون شعرة بيضاء، ولم يخضب. # قال جابر بن سمرة: وكان في مفرق رأسه شعرات بيض، إذا دهنه غطاهن الدهن، ~~وأخرجت أم سلمة شعره مخضوبا بالحناء والكتم. # وقال أبو رمثة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخضب، وكان شعره ~~يبلغ كتفيه أو منكبيه» . # وقالت أم هانئ: كان له ضفائر أربع. # ذكر شجاعته - صلى الله عليه وسلم - وجوده # قال أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشجع الناس، وأسمح ~~الناس، وأحسن الناس، # PageV02P169 # وقع في المدينة فزع، فركب ms0673 فرسا عريا، فسبق الناس إليه فجعل يقول: أيها ~~الناس، لم تراعوا، لم تراعوا» . # «وقال علي بن أبي طالب: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكان أقربنا إلى العدو» . وكفى بهذا شجاعة أن مثل علي الذي هو ~~هو في شجاعته يقول هذا، وقد تقدم في غزواته ما يستدل به على تمكنه من ~~الشجاعة، وأنه لم يقاربه فيها أحد. # ذكر عدد أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وسراريه وأولاده # قال ابن الكلبي: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج خمس عشرة امرأة، ~~ودخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي عن تسع. # وأول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد، وكان تزوجها قبله عتيق بن عائذ بن ~~عبد الله بن مخزوم، ومات عنها، وتزوجها بعد عتيق أبو هالة بن زرارة بن نباش ~~التميمي، فولدت له هند بن أبي هالة، ثم مات عنها، فتزوجها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فولدت له ثمانية: القاسم، والطيب، والطاهر، وعبد الله، ~~وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، فأما الذكور فماتوا وهم صغار، وأما ~~الإناث فبلغن ونكحن وولدن، ولم يتزوج على خديجة في حياتها أحدا، وكان موتها ~~قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يولد له ولد من غيرها إلا إبراهيم. # فلما توفيت خديجة نكح بعدها سودة بنت زمعة، وقيل: عائشة، فأما عائشة ~~فكانت يوم تزوجها صغيرة بنت ست سنين، وأما سودة فكانت امرأة ثيبا، وكانت ~~قبله عند # PageV02P170 # السكران بن عمرو بن عبد شمس أخي سهيل بن عمرو، وكان من مهاجرة الحبشة، ~~فتنصر بها ومات، فخلف عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة، ~~وكان الذي خطبها عليه خولة بنت حكيم زوجة عثمان بن مظعون، فدخل بسودة بمكة، ~~زوجها منه أبوها زمعة بن قيس، فلما تزوجها كان أخوها عبد بن زمعة غائبا، ~~فلما قدم جعل يحثي التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني سفيه حيث فعلت ذلك، ~~وندم على ما كان منه. # وأما عائشة فدخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع سنين، ومات عنها وهي ابنة ~~ثماني ms0674 عشرة سنة، ولم يتزوج بكرا غيرها، وماتت سنة ثمان وخمسين. # ثم تزوج بعدها حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله عند خنيس بن حذافة ~~السهمي (خنيس بالخاء المعجمة، والنون، والسين المهملة) وكان بدريا، ولم ~~يشهد من بني سهم بدرا غيره، ولم تلد له شيئا، وماتت بالمدينة في خلافة ~~عثمان. # ثم تزوج بعدها أم سلمة ابنة أبي أمية زاد الركب المخزومية، وكانت قبله ~~عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، شهد بدرا، وأصابته جراحة يوم أحد فمات ~~منها، وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الأحزاب، وماتت سنة ~~تسع وخمسين، وقيل: بعد قتل الحسين - رضي الله عنه -. # ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة، ويقال لها: أم المساكين، ~~وتوفيت في حياته، ولم يمت في حياته غيرها، وغير خديجة بنت خويلد، وكانت ~~زينب قبله عند الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب. # ثم تزوج عام المريسيع جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار الخزاعية من بني ~~المصطلق، وكانت قبله عند مالك بن صفوان المصطلقي، لم تلد له شيئا. # ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت عند عبيد الله بن جحش، ~~وكان من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى النجاشي فخطبها عليه، وتزوجها وهي بالحبشة، وزوجها منه خالد بن سعيد بن ~~العاص، وقيل: بل خطبها إلى عثمان بن عفان، فزوجها منه، وبعث فيها إلى ~~النجاشي، فساق منه المهر أربعمائة # PageV02P171 # دينار وأرسلها إليه، وتوفيت في خلافة أخيها معاوية، فلم تلد له شيئا. # ثم تزوج زينب بنت جحش، وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه، فلم تلد له ~~شيئا، فزوجها الله إياه وبعث في ذلك جبرائيل، وكانت تفخر على نساء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وتقول: أنا أكرمهن وليا وسفيرا، وهي أول من توفي من ~~أزواجه، توفيت بعده في خلافة عمر. # ثم تزوج عام خيبر صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت قبله تحت سلام بن مشكم ~~فتوفي عنها، وخلف عليها كنانة بن الربيع بن ms0675 أبي الحقيق، فقتله محمد بن ~~مسلمة صبرا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أعتقها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وتزوجها سنة ست، وماتت سنة ست وثلاثين. # ثم تزوج ميمونة ابنة الحارث الهلالية، وكانت قبله عند عمير بن عمر ~~الثقفي، ولم تلد له شيئا، ثم خلف عليها أبو زهير بن عبد العزى بعد عمير، ثم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده، وهي خالة ابن عباس وخالد بن ~~الوليد، وتزوجها في عمرة القضاء بسرف. # ثم تزوج امرأة من بني كلاب يقال لها النشا بنت رفاعة، وقيل: هي شنبا ابنة ~~أسماء بن الصلت، وقيل: ابنة الصلت بن حبيب، وتوفيت قبل أن يدخل بها. # ثم تزوج الشنبا ابنة عمرو الغفارية، وقيل الكنانية، فمات إبراهيم ابنه ~~قبل أن يدخل بها، فقالت: لو كان نبيا ما مات ابنه، فطلقها. # ثم تزوج غزية ابنة جابر الكلابية، خطبها عليه أبو أسيد - بضم الهمزة - ~~الساعدي، فلما قدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - استعاذت بالله منه، ~~ففارقها. # ثم تزوج أسماء ابنة النعمان بن الأسود بن شراحيل الكندي، فلما دخل بها ~~وجد # PageV02P172 # بها بياضا، فمتعها وردها إلى أهلها، وقيل: بل استعاذت منه أيضا، فردها. # والعالية ابنة ظبيان، فجمعها، ثم فارقها. # وقتيلة بنت قيس أخت الأشعث، فتوفي عنها قبل أن يدخل بها، فارتدت. # وفاطمة ابنة شريح. # وقال ابن الكلبي: غزية هي أم شريك. قال: وقيل: إنه تزوج خولة ابنة الهذيل ~~بن هبيرة. # وليلى ابنة الخطيم الأنصارية عرضت نفسها عليه فتزوجها، فأخبرت قومها، ~~فقالوا: أنت غيور وله نساء، فاستقيليه، فأقالته، ففارقها. # وأما من خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - من النساء ولم ينكحها، فمنهن ~~أم هانئ بنت أبي طالب، خطبها ولم يتزوجها. # ومنهن ضباعة بنت عامر من بني قشير. # ومنهن صفية بنت بشامة أخت الأعور العنبري. # ومنهن أم حبيبة ابنة عمه العباس، فوجد العباس أخاه من الرضاعة، فتركها. # ومنهن جمرة ابنة الحارث بن أبي حارثة، خطبها، فقال أبوها: بها سوء، ولم ~~يكن # PageV02P173 # بها، فرجع إليها فوجدها قد برصت. # وأما سراريه، ms0676 فهي مارية ابنة شمعون القبطية، وولدت له إبراهيم. وريحانة ~~ابنة زيد القرظية، وقيل: هي من بني النضير. # ذكر موالي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # فمنهم زيد بن حارثة، وابنه أسامة بن زيد، وثوبان، ويكنى أبا عبد الله، ~~أصله من السراة، وسكن حمص بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومات سنة ~~سبع وخمسين، وقيل: سكن الرملة، ولا عقب له. # وشقران، وكان من الحبشة، وقيل من الفرس، واسمه صالح بن عدي، واختلف في ~~أمره، فقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورثه من أبيه، وقيل: كان ~~لعبد الرحمن بن عوف، فوهبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأعقب. # وأبو رافع، واسمه إبراهيم، وقيل: أويقع، فقيل: كان للعباس فوهبه للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأعتقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: كان ~~لأبي أحيحة سعيد بن العاص، فأعتق ثلاثة من بنيه أنصباءهم منه، وشهد معهم ~~بدرا وهم كفار، وقتلوا يومئذ، ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأعتقه وابنه البهي، واسمه رافع، وأخوه عبيد الله بن أبي ~~رافع، كان يكتب لعلي بن أبي طالب. # وسلمان الفارسي، وكنيته أبو عبد الله، من أهل أصبهان، وقيل: من أهل ~~رامهرمز، أصابه سبيا بعض من كلب، وبيع من يهودي بوادي القرى، فكاتب ~~اليهودي، وأعانه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى عتق. # وسفينة، كان لأم سلمة، فأعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حياته. قيل: اسمه مهران، وقيل: رباح، وقيل: كان من عجم الفرس. # PageV02P174 # وأنسة يكنى أبا مسروح، وهو من مولدي السراة، وكان يأذن على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وشهد معه بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وقيل: كان من ~~الفرس. # وأبو كبشة، واسمه سليم، قيل: كان من موالي مكة، وقيل: كان من مولدي أرض ~~دوس، اشتراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعتقه، وشهد بدرا والمشاهد ~~كلها، وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة. # ورويقع أبو مويهبة، كان من مولدي مزينة، فاشتراه رسول الله - صلى ms0677 الله ~~عليه وسلم - وأعتقه. # ورباح الأسود، كان يأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفضالة نزل الشام. # ومدعم قتل بوادي القرى. # وأبو ضميرة، قيل: كان من الفرس من ولد بشتاسب الملك، فأصابه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في بعض وقائعه فأعتقه، وهو جد أبي حسين. # ويسار - وكان نوبيا - أصابه في بعض غزواته فأعتقه، وهو الذي قتله ~~العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومهران مولاه، حدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وكان له خصي يقال له: مابوز، أهداه له المقوقس مع مارية وشيرين، قيل: إنه ~~الذي قذفت مارية به، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا ليقتله، ~~فرآه خصيا فتركه. وخرج إليه # PageV02P175 # من الطائف وهو محاصرهم، أربعة أعبد فأعتقهم، منهم أبو بكرة. # ذكر من كان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - # ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحيانا، وعلي بن أبي طالب أحيانا، ~~وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي. وأول من كتب له أبي بن كعب، وكتب له ~~زيد بن ثابت، وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي السرح، ثم ارتد ورجع إلى ~~الإسلام يوم الفتح. وكتب له معاوية بن أبي سفيان، وحنظلة الأسيدي (بضم ~~الهمزة، وتشديد الياء، كذلك يقوله المحدثون، وهو منسوب إلى أسيد بن عمرو بن ~~تميم، بالتشديد، إجماعا. # ذكر أسماء خيله - صلى الله عليه وسلم - # قيل: أول فرس ملكه - صلى الله عليه وسلم - فرس اشتراه بالمدينة من أعرابي ~~من فزارة بعشر أواق، وسماه السكب، وأول غزوة غزاها عليه أحد. وفرس لأبي ~~بردة بن نيار اسمه ملاوح. # وكان له فرس يدعى المرتجز، وهو الفرس الذي شهد به خزيمة بن ثابت، وكان ~~صاحبه من بني مرة. # وكان له ثلاثة أفراس: لزاز، والظرب، واللحيف؛ فأما لزاز فأهداه له ~~المقوقس، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، وأما الظرب فأهداه له ~~فروة بن عمرو الجذامي. # PageV02P176 # وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فوهبه النبي - صلى ms0678 ~~الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب، فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع. ~~وقيل: كان له فرس اسمه اليعسوب. # تفسير هذه الأسماء: السكب: الكثير الجري، كأنما يصب جريه صبا. واللحيف: ~~سمي به لطول ذنبه، كأنه يلحف الأرض بذنبه، أي يغطيها. ولزاز: سمي به لشدة ~~تلززه، والظرب: سمي به لشدة خلقه، سمي بالجبل الصغير. والمرتجز: سمي به ~~لحسن صهيله. واليعسوب: سمي به لأنه أجود خيله، لأن اليعسوب الرئيس. # ذكر بغاله وحميره وإبله - صلى الله عليه وسلم - # كانت له دلدل، وهي أول بغلة رؤيت في الإسلام، أهداها له المقوقس ومعها ~~حمار اسمه عفير، وبقيت البغلة إلى زمن معاوية، وأهدى له فروة بن عمرو بغلة ~~يقال لها: فضة، فوهبها لأبي بكر، وحماره يعفور بقي بعد منصرفه من حجة ~~الوداع. # وأما إبله فكانت له القصوى، وهي التي أخذها من أبي بكر بأربعمائة درهم ~~وهاجر عليها، وكانت من نعم بني الحريش، وبقيت مدة، وهي العضباء والجدعاء ~~أيضا. قال ابن المسيب: كان في أطراف أذنها جدع، وقيل: لم يكن بها جدع. # وأما لقاحه فكان له عشرون لقحة بالغابة، وهي التي أغار عليها القوم، يأتي ~~لبنها أهله كل ليلة. وكان له لقاح غزار، منهن: الحناء، والسمراء، والعريس، ~~والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا، ومهرة، والشقراء. # PageV02P177 # وأما منائحه فكانت له سبع منائح من الغنم: عجوة، وزمزم، وسقيا، وبركة، ~~وورسة، وأطلال، وأطراف، وسبع أعنز يرعاهن أيمن ابن أم أيمن. # تفسير هذه الأسماء: عفير: تصغير ترخيم الأعفر، وهو الأبيض بياضا غير ~~خالص، ومنه أيضا اسم حماره يعفور، كأخضر ويخضور. البغام: صوت الإبل، ومنه ~~البغوم. والباقي لا يحتاج إلى شرح. # ذكر أسماء سلاحه - صلى الله عليه وسلم - # كان له ذو الفقار، غنمه يوم بدر، وكان لمنبه بن الحجاج، وقيل لغيره، وغنم ~~من بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيفا قلعيا، وسيفا يدعى بتارا، وسيفا يدعى ~~الحتف. # وكان له المخذم، ورسوب، وقدم معه المدينة سيفان، شهد بأحدهما بدرا، يسمى ~~العضب. # وكان له ثلاثة أرماح، وثلاث قسي، قوس اسمها الروحاء، وقوس تدعى البيضاء، ~~وقوس نبع تدعى الصفراء. ms0679 # وكان له درع يقال لها: الصعدية، وكان له درع يقال لها: فضة، غنمها من بني ~~قينقاع، وكان له درع تسمى ذات الفضول، كانت عليه يوم أحد، هي وفضة. # PageV02P178 # وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأصبح وقد أذهبه الله - عز وجل -. # تفسير هذه الأسماء: سمي السيف ذو الفقار لحفر فيه، والسيف المخذم: ~~القاطع. والرسوب: الذي يمضي في الضربة، ويثبت فيها. # PageV02P179 ### | [ذكر أحداث سنة إحدى عشرة] # [ذكر مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووفاته] ### | 11 - # ذكر أحداث سنة إحدى عشرة # في المحرم من هذه السنة «ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثا إلى ~~الشام، وأميرهم أسامة بن زيد مولاه، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء ~~والداروم من أرض فلسطين، فتكلم المنافقون في إمارته، وقالوا: أمر غلاما على ~~جلة المهاجرين والأنصار. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا ~~في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة، وكان أبوه ~~خليقا لها. وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، منهم: أبو بكر وعمر» ، ~~فبينما الناس على ذلك ابتدئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه. ### | ذكر مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووفاته # ابتدئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه أواخر صفر، في بيت زينب ~~بنت جحش، وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه في بيت ميمونة، فجمع نساءه، ~~فأستأذنهن أن يتمرض في بيت عائشة، ووصلت أخبار بظهور الأسود العنسي باليمن، ~~ومسيلمة باليمامة، وطليحة في بني أسد، وعسكر بسميراء، وسيجيء ذكر أخبارهم ~~إن شاء الله - تعالى -. # فتأخر مسير أسامة لمرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولخبر الأسود ~~العنسي ومسيلمة، «فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه من الصداع ~~قال: إني رأيت فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب، فنفختهما فطارا، ~~فأولتهما بكذاب اليمامة وكذاب صنعاء. وأمر بإنفاذ جيش أسامة وقال: لعن الله ~~الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . # PageV02P180 # وخرج أسامة فضرب الجرف العسكر وتمهل الناس، وثقل رسول ms0680 الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يشغله شدة مرضه عن إنفاذ أمر الله، فأرسل إلى نفر من ~~الأنصار في أمر الأسود، فأصيب الأسود في حياة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قبل وفاته بيوم، فأرسل إلى جماعة من الناس يحثهم على جهاد من عندهم ~~من المرتدين. # «وقال أبو مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أيقظني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ليلة وقال: إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، ~~فانطلق معي. فانطلقت معه، فسلم عليهم، ثم قال: ليهنئكم ما أصبحتم فيه، قد ~~أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم. ثم قال: قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض ~~والخلد بها، ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي، فاخترت لقاء ربي. ثم ~~استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فبدئ بمرضه الذي قبض فيه» . # «قالت عائشة: فلما رجع من البقيع وجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول: ~~وارأساه! قال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه! ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي، ~~فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك؟ فقلت: كأني بك والله لو فعلت ذلك، ~~فرجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك. فتبسم، وتتام به وجعه، وتمرض في بيتي. # فخرج منه يوما بين رجلين أحدهما الفضل بن العباس، والآخر علي، قال الفضل: ~~فأخرجته حتى جلس على المنبر، فحمد الله، وكان أول ما تكلم به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن صلى على أصحاب أحد، فأكثر واستغفر لهم، ثم قال: أيها ~~الناس، إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري ~~فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له ~~مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ~~ألا وإن أحبكم إلي من أخذ # PageV02P181 # مني حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس. # ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر، فعاد لمقالته الأولى. فادعى عليه ~~رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضا. ثم قال: أيها الناس، من ms0681 كان عنده شيء ~~فليؤده، ولا يقل: فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. ~~ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا ~~وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بأنفسنا وآبائنا! ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي ~~بكر، فإني لا أعلم أحدا أفضل في الصحبة عندي منه، ولو كنت متخذا خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام. # ثم أوصى بالأنصار فقال: يا معشر المهاجرين، أصبحتم تزيدون، وأصبحت ~~الأنصار لا تزيد، والأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، ~~وتجاوزوا عن مسيئهم» . # «قال ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر. فلما دنا ~~الفراق جمعنا في بيت عائشة، فنظر إلينا فشدد، ودمعت عيناه وقال: مرحبا بكم، ~~حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، وفقكم الله، ~~سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه ~~عليكم، وأؤديكم إليه، إني لكم منه نذير وبشير، ألا تعلوا على الله في عباده ~~وبلاده، فإنه قال لي ولكم: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا ~~في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . قلنا: فمتى أجلك؟ قال: ~~دنا الفراق، والمنقلب إلى الله، وسدرة المنتهى، والرفيق الأعلى، وجنة ~~المأوى. فقلنا: من يغسلك؟ قال: أهلي. قلنا: فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي أو في ~~بياض. قلنا: فمن يصلي عليك؟ قال: مهلا، غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا. # PageV02P182 # فبكينا وبكى، ثم قال: ضعوني على سريري على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة ~~ليصلي علي جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة، ثم ادخلوا ~~علي فوجا فصلوا علي، ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة، أقرئوا أنفسكم مني السلام، ~~ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه ~~السلام» . # «قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس! - ثم جرت دموعه على خديه - ~~اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه ms0682 ووجعه، فقال: ايتوني بدواة ~~وبيضاء أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي ~~تنازع - فقالوا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهجر. فجعلوا يعيدون ~~عليه فقال: دعوني، فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه. فأوصى بثلاث: أن يخرج ~~المشركون من جزيرة العرب، وأن يجاز الوفد بنحو مما كان يجيزهم. وسكت عن ~~الثالثة عمدا، أو قال: نسيتها» . # وخرج علي بن أبي طالب من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه. ~~فقال الناس: كيف أصبح رسول الله؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده ~~العباس فقال: أنت بعد ثلاث عبد العصا، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سيتوفى في مرضه هذا، وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فاذهب إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسأله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان ~~فينا علمناه، وإن كان في غيرنا أمره أوصى بنا. فقال علي: لئن سألناها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعناها، لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا ~~أسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبدا. # قال: فما اشتد الضحى حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. «قالت ~~عائشة: قالت أسماء بنت عميس: ما وجعه إلا ذات الجنب، فلو لددتموه، ففعلوا. ~~فلما أفاق قال: لم فعلتم هذا؟ قالوا: ظننا أن بك ذات الجنب. قال: لم يكن ~~الله ليسلطها علي. ثم قال: لا تبقن أحدا لددتموه إلا عمي، وكان العباس ~~حاضرا، ففعلوا» . # قال أسامة: لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هبطت أنا ومن معي ~~إلى المدينة، فدخلنا عليه وقد صمت فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم ~~يضعها علي، فعلمت أنه يدعو لي. # PageV02P183 # «قالت عائشة: وكنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كثيرا: إن ~~الله لم يقبض نبيا حتى يخيره. قالت: فلما احتضر كان آخر كلمة سمعتها منه ~~وهو يقول: بل الرفيق الأعلى. قالت: قلت: إذا والله لا يختارنا، وعلمت أنه ~~تخير» . # ولما اشتد مرضه أذنه بلال ms0683 بالصلاة فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس. قالت ~~عائشة: فقلت: إنه رجل رقيق، وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ذلك. فقال: مروا ~~أبا بكر فيصلي بالناس. فقلت مثل ذلك، فغضب، وقال: إنكن صواحب يوسف، مروا ~~أبا بكر يصلي بالناس. فتقدم أبو بكر، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خفة فخرج بين رجلين، فلما دنا من أبي بكر تأخر أبو ~~بكر، فأشار إليه أن قم مقامك، فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~إلى جنب أبي بكر جالسا، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي، والناس يصلون بصلاة ~~أبي بكر. # وصلى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة، وقيل: ثلاثة أيام. # ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في اليوم الذي توفي فيه إلى ~~الناس في صلاة الصبح، فكاد الناس يفتتنون في صلاتهم؛ فرحا برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحا لما رأى من ~~هيئتهم في الصلاة، ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد أفاق من وجعه، ورجع أبو بكر إلى منزله بالسنح. # PageV02P184 # «قالت عائشة: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يموت وعنده قدح ~~فيه ماء، يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على ~~سكرات الموت. قال: ثم دخل بعض آل أبي بكر وفي يده سواك، فنظر إليه نظرا ~~عرفت أنه يريده، فأخذته فلينته، ثم ناولته إياه، فاستن به ثم وضعه، ثم ثقل ~~في حجري، قالت: فذهبت أنظر في وجهه، وإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق ~~الأعلى. فقبض» . # قالت: توفي وهو بين سحري ونحري، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبض في حجري، فوضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء ~~وأضرب وجهي. # «ولما اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه، ونزل به الموت - جعل ~~يأخذ الماء بيده ويجعله على وجهه، ويقول: واكرباه! فتقول فاطمة: واكربي ms0684 ~~لكربك يا أبتي! فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا كرب على أبيك بعد ~~اليوم. فلما رأى شدة جزعها استدناها وسارها، فبكت، ثم سارها فضحكت، فلما ~~توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألتها عائشة عن ذلك، قالت: أخبرني ~~أنه ميت، فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت» . # وروي عنها أنها قالت: ثم سارني الثانية، وأخبرني أني سيدة نساء أهل ~~الجنة، فضحكت. # وكان موته يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن من الغد ~~نصف النهار، وقيل: مات نصف النهار يوم الاثنين، لليلتين بقيتا من ربيع ~~الأول. # ولما توفي كان أبو بكر بمنزله بالسنح، وعمر حاضر، فلما توفي قام عمر ~~فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توفي، وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، والله ~~ليرجعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليقطعن أيدي # PageV02P185 # رجال وأرجلهم زعموا أنه مات. # وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو مسجى في ناحية البيت، فكشف عن وجهه ثم قبله، وقال: بأبي أنت وأمي، ~~طبت حيا وميتا، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها. ثم رد الثوب على ~~وجهه، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فأمره بالسكوت فأبى، فأقبل أبو بكر على ~~الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد ~~الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: {وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن ~~يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] . قال: فوالله لكأن ~~الناس ما سمعوها إلا منه. قال عمر: فوالله ما هو إلا إذ سمعتها فعقرت حتى ~~وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وقد علمت أن رسول الله - صلى ms0685 الله عليه ~~وسلم - قد مات. # ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصل خبره إلى مكة، وعامله ~~عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، استخفى عتاب وارتجت مكة، وكاد ~~أهلها يرتدون، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بهم، فاجتمعوا إليه، ~~فقال: يا أهل مكة، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله ليتمن الله ~~هذا الأمر كما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقد رأيته قائما ~~مقامي هذا وحده وهو يقول: قولوا معي: لا إله إلا الله تدن لكم العرب، وتؤد ~~إليكم العجم الجزية، والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله - فمن بين ~~مستهزئ ومصدق، فكان ما رأيتم، والله ليكونن الباقي. فامتنع الناس من الردة. ~~وهذا المقام الذي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أسر سهيل بن ~~عمرو في بدر لعمر بن الخطاب، وقد ذكر هناك. # PageV02P186 ### | [حديث السقيفة وخلافة أبي بكر - رضي الله عنه وأرضاه] # لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمع الأنصار في سقيفة بني ~~ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عمر وأبو ~~عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير. فقال أبو ~~بكر: منا الأمراء، ومنكم الوزراء. ثم قال أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين ~~الرجلين عمر وأبي عبيدة أمين هذه الأمة. فقال عمر: أيكم يطيب نفسا أن يخلف ~~قدمين قدمهما النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فبايعه عمر وبايعه الناس. ~~فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا. قال: وتخلف علي، وبنو ~~هاشم، والزبير، وطلحة - عن البيعة. وقال الزبير: لا أغمد سيفا حتى يبايع ~~علي. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر، فأخذهم للبيعة. # وقيل: لما سمع علي بيعة أبي بكر خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا، ~~حتى بايعه، ثم استدعى إزاره ورداءه فتجلله. # والصحيح: أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر. والله أعلم. # وقيل: لما اجتمع الناس ms0686 على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: إني ~~لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم! يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم؟ أين ~~المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ ~~ثم قال لعلي: ابسط # PageV02P187 # يدك أبايعك، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا. فأبى علي - عليه ~~السلام - فتمثل بشعر المتلمس: # ولن يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد # فزجره علي وقال: والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما ~~بغيت للإسلام شرا! لا حاجة لنا في نصيحتك. # وقال ابن عباس: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن، فحج عمر وحججنا معه، ~~فقال لي عبد الرحمن: شهدت أمير المؤمنين اليوم بمنى، وقال له رجل: سمعت ~~فلانا يقول: لو مات عمر لبايعت فلانا، فقال عمر: إني لقائم العشية في الناس ~~أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم. قال: فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وهم الذين يغلبون على ~~مجلسك، وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ويطيروا بها، ولكن أمهل ~~حتى تقدم المدينة، وتخلص بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقول ما ~~قلت، فيعوا مقالتك. فقال: والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة. # قال: فلما قدمت المدينة هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن، فلما جلس عمر ~~على المنبر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال بعد أن ذكر الرجم وما نسخ من ~~القرآن فيه: إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعت ~~فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فتنة، فقد كانت كذلك ~~ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان ~~خيرنا حين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن عليا والزبير ومن ~~معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلف عنا الأنصار، واجتمع المهاجرون ms0687 إلى ~~أبي بكر، فقلت له: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نحوهم، ~~فلقينا رجلان صالحان من الأنصار، أحدهما عويم بن ساعدة، والثاني معن بن ~~عدي، فقالا # PageV02P188 # لنا: ارجعوا اقضوا أمركم بينكم. قال: فأتينا الأنصار وهم مجتمعون في ~~سقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل، قلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة ~~وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فنحن الأنصار، ~~وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط بيننا، وقد دفت إلينا دافة من ~~قومكم، فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر. فلما سكت وكنت قد زورت في نفسي ~~مقالة أقولها بين يدي أبي بكر، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك! ~~فقام فحمد الله، وما ترك شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه، ~~وقال: يا معشر الأنصار، إنكم لا تذكرون فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب ~~لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش، هم أوسط العرب دارا ونسبا، وقد رضيت لكم أحد ~~هذين الرجلين. وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وإني والله ما كرهت من ~~كلامه كلمة غيرها، إن كنت أقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم، أحب إلي ~~من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر. # فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها ~~المرجب، منا أمير ومنكم أمير. وارتفعت الأصوات واللغط، فلما خفت الاختلاف ~~قلت لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته وبايعه الناس، ثم نزونا ~~على سعد بن عبادة، فقال قائلهم: قتلتم سعدا. فقلت: قتل الله سعدا. وإنا ~~والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من بيعة أبي بكر، خشيت إن فارقت القوم ولم تكن ~~بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى به، وإما أن ~~نخالفهم فيكون فسادا. # وقال أبو عمرة الأنصاري: لما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعت ~~الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر، وكان ~~مريضا فقال بعد ms0688 أن حمد الله: يا معشر الأنصار، لكم سابقة وفضيلة ليست لأحد ~~من العرب، إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لبث في # PageV02P189 # قومه بضع عشرة سنة يدعوهم، فما آمن إلا القليل، ما كانوا يقدرون على منعه ~~ولا على إعزاز دينه، ولا على دفع ضيم، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم ~~الكرامة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ~~ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه حتى استقامت العرب لأمر ~~الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا، فدانت لرسوله بأسيافكم ~~العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض قرير العين. استبدوا بهذا الأمر دون ~~الناس، فإنه لكم دونهم. # فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت وأصبت الرأي، ونحن نوليك هذا الأمر، فإنك ~~مقنع ورضا للمؤمنين. ثم إنهم ترادوا الكلام فقالوا: وإن أبى المهاجرون من ~~قريش، وقالوا: نحن المهاجرون وأصحابه الأولون، وعشيرته وأولياؤه؟ ! فقالت ~~طائفة منهم: فإنا نقول: منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا. فقال ~~سعد: هذا أول الوهن. # وسمع عمر الخبر فأتى منزل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فيه، ~~فأرسل إليه أن اخرج إلي. فأرسل إليه: إني مشتغل. فقال عمر: قد حدث أمر لابد ~~لك من حضوره. فخرج إليه، فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو ~~عبيدة. قال عمر: فأتيناهم وقد كنت زورت كلاما أقوله لهم، فلما دنوت أقول ~~أسكتني أبو بكر، وتكلم بكل ما أردت أن أقول، فحمد الله وقال: إن الله قد ~~بعث فينا رسولا شهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة ~~شتى من حجر وخشب، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم. فخص الله المهاجرين ~~الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ~~وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم ~~وشنف الناس لهم، فهم أول من عبد الله في هذه الأرض، وآمن بالله وبالرسول، ~~وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، لا ينازعهم إلا ظالم، ~~وأنتم يا معشر الأنصار، ms0689 من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام، ~~رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، فليس بعد المهاجرين ~~الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاوتون بمشورة، ~~ولا تقضى دونكم الأمور. # فقام حباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار، املكوا عليكم ~~أمركم، # PageV02P190 # فإن الناس في ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدروا إلا عن ~~رأيكم، أنتم أهل العز وأولو العدد والمنعة وذوو البأس، وإنما ينظر الناس ما ~~تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ~~ومنكم أمير. # فقال عمر: هيهات، لا يجتمع اثنان في قرن! والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ~~ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، ولنا ~~بذلك الحجة الظاهرة، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته؟ ! # فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا ~~مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلوهم ~~عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، ~~فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب! ~~أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. # فقال عمر: إذا ليقتلك الله! فقال: بل إياك يقتل. # فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنكم أول من نصر، فلا تكونوا أول من ~~بدل وغير! فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار، ~~إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في الدين، ما أردنا ~~به إلا رضى ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على ~~الناس بذلك، ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - من ~~قريش، وقومه أولى به، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا ~~الله ولا تخالفوهم. # فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة، فإن شئتم فبايعوا. فقالا: والله لا ~~نتولى هذا الأمر عليك، وأنت أفضل المهاجرين ms0690 وخليفة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الصلاة، وهي أفضل دين المسلمين، ابسط يدك نبايعك. فلما ذهبا ~~يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: عقتك عقاق! ~~أنفست على ابن عمك الإمارة؟ فقال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع القوم ~~حقهم. # ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد - قال بعضهم # PageV02P191 # لبعض، وفيهم أسيد بن حضير، وكان نقيبا: والله لئن وليتها الخزرج مرة لا ~~زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا ~~فبايعوا أبا بكر. فبايعوه، فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه، وأقبل ~~الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب. # ثم تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما، وأرسل إليه ليبايع، فإن الناس ~~قد بايعوا، فقال: لا والله، حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، ~~وأضرب بسيفي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني، ولو اجتمع معكم الجن والأنس ~~ما بايعتكم حتى أعرض على ربي. فقال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال بشير بن ~~سعد: إنه قد لج وأبى، ولا يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله ~~وطائفة من عشيرته، ولا يضركم تركه، وإنما هو رجل واحد. فتركوه. # وجاءت أسلم فبايعت، فقوي أبو بكر بهم، وبايع الناس بعد. # قيل إن عمر بن حريث قال لسعيد بن زيد: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة. # قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ~~ماتت فاطمة - رضي الله عنها - فبايعوه. # فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة، ~~ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، قد وليت عليكم ولست ~~بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، ~~والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، ~~إن شاء الله تعالى، ms0691 لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم ~~الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة ~~لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم - رحمكم الله -. # (أسيد بن حضير بضم الهمزة، وبالحاء المهملة المضمومة، وبالضاد المعجمة، ~~وآخره راء) . # PageV02P192 ### | [ذكر تجهيز النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفنه] # فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: بقي ثلاثة أيام لم يدفن. والأول أصح. # وكان الذي يلي غسله: علي، والعباس، والفضل وقثم ابنا العباس، وأسامة بن ~~زيد، وشقران مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحضرهم أوس بن خولي ~~الأنصاري، وكان بدريا، وكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان ~~الماء، وعلي يغسله وعليه قميصه وهو يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حيا ~~وميتا! ولم ير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يرى من ميت. # واختلفوا في غسله في ثيابه أو مجردا، فألقى الله عليهم النوم، ثم كلمهم ~~مكلم لا يدرى من هو: أن غسلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه ~~ثيابه، ففعلوا ذلك. # وكفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين، ~~وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. # واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» ، فرفع فراشه ودفن موضعه، وحفر ~~له أبو طلحة الأنصاري # PageV02P193 # لحدا، ودخل الناس يصلون عليه أرسالا: الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، ثم ~~العبيد، ودفن ليلة الأربعاء. # وكان الذي نزل قبره علي بن أبي طالب، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران. ~~وقال أوس بن خولي الأنصاري لعلي: أنشدك الله وحظنا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأمره بالنزول فنزل. # وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ويقول: ألقيت خاتمي في قبره عمدا فنزلت لآخذه، وسأل ناس من ~~أهلالعراق عليا عن ذلك فقال: كذب المغيرة، أحدثنا عهدا به ms0692 قثم بن العباس. # واختلفوا في عمره يوم مات، فقال ابن عباس، وعائشة، ومعاوية، وابن المسيب: ~~كان عمره ثلاثا وستين سنة. وقال ابن عباس أيضا، ودغفل بن حنظلة: كان عمره ~~خمسا وستين سنة. وقال عروة بن الزبير: كان عمره ستين سنة. ### | [ذكر إنفاذ جيش أسامة بن زيد] # قد ذكرنا استعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد على جيش، ~~وأمره بالتوجه إلى # PageV02P194 # الشام، وكان قد ضرب البعث على أهل المدينة ومن حولها، وفيهم عمر بن ~~الخطاب، فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسر الجيش، وارتدت العرب ~~إما عامة أو خاصة من كل قبيلة، وظهر النفاق، واشرأبت يهود والنصرانية، وبقي ~~المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة؛ لفقد نبيهم، وقلتهم وكثرة عدوهم. فقال ~~الناس لأبي بكر: إن هؤلاء - يعنون جيش أسامة - جند المسلمين، والعرب على ما ~~ترى قد انتقضت بك، فلا ينبغي أن تفرق جماعة المسلمين عنك. فقال أبو بكر: ~~والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تختطفني لأنفذت جيش أسامة كما أمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. فخاطب الناس، وأمرهم بالتجهز للغزو، وأن يخرج كل ~~من هو من جيش أسامة إلى معسكره بالجرف، فخرجوا كما أمرهم، وجيش أبو بكر من ~~بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالح حول ~~قبائلهم، وهم قليل. # فلما خرج الجيش إلى معسكرهم بالجرف وتكاملوا - أرسل أسامة عمر بن الخطاب، ~~وكان معه في جيشه، إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع الناس، وقال: إن معي وجوه ~~الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله، وحرم رسول الله والمسلمين أن ~~يتخطفهم المشركون. وقال من مع أسامة من الأنصار لعمر بن الخطاب: إن أبا بكر ~~خليفة رسول الله، فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولي ~~أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة. # فخرج عمر بأمر أسامة إلى أبي بكر، فأخبره بما قال أسامة. فقال: لو خطفتني ~~الكلاب والذئاب لأنفذته كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~أرد قضاء قضى به ms0693 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يبق في القرى ~~غيري لأنفذته. قال عمر: فإن الأنصار تطلب رجلا أقدم سنا من أسامة. فوثب أبو ~~بكر، وكان جالسا، وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتأمرني أن أعزله؟ ! # ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم وأشخصهم وشيعهم، وهو ماش وأسامة راكب، فقال له ~~أسامة: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن! فقال: والله لا نزلت ولا ~~أركب، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله! فإن للغازي بكل خطوة يخطوها ~~سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وسبعمائة سيئة تمحى عنه. # PageV02P195 # فلما أراد أن يرجع قال لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فأذن له، ~~ثم وصاهم فقال: لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا ~~طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة ~~مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام ~~قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على ~~قوم قد فحصوا أوساط رءوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف ~~خفقا. اندفعوا باسم الله. # وأوصى أسامة أن يفعل ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فسار وأوقع بقبائل من ناس قضاعة التي ارتدت، وغنم وعاد، وكانت غيبته ~~أربعين يوما، وقيل: سبعين يوما. # وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين، فإن العرب قالوا: لو لم ~~يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن ~~يفعلوه. ### | [ذكر أخبار الأسود العنسي باليمن] # واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، بالنون، وعنس بطن من مذحج، وكان يلقب ~~ذا الخمار؛ لأنه كان معتما متخمرا أبدا. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جمع لباذان حين أسلم وأسلم أهل ~~اليمن - عمل اليمن جميعه، وأمره على جميع مخالفيه، فلم يزل عاملا عليه حتى ~~مات. فلما مات باذان فرق رسول الله - صلى ms0694 الله عليه وسلم - أمراءه في ~~اليمن، فاستعمل عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين ~~نجران وزبيد، وعامر بن شهر على همدان، وعلى صنعاء شهر بن باذان، وعلى عك ~~والأشعريين الطاهر بن أبي هالة، وعلى مأرب أبا موسى، وعلى الجند يعلى بن ~~أمية، وكان معاذ معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت. # PageV02P196 # واستعمل على أعمال حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى السكاسك والسكون ~~عكاشة بن ثور، وعلى بني معاوية ابن كندة عبد الله أو المهاجر، فاشتكى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر، فمات رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت. # وكان أول من اعترض الأسود الكاذب - شهر، وفيروز، وداذويه، وكان الأسود ~~العنسي لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع، وتمرض من ~~السفر غير مرض موته بلغه ذلك، فادعى النبوة، وكان مشعبذا يريهم الأعاجيب، ~~فاتبعته مذحج، وكانت ردة الأسود أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وغزا نجران، فأخرج عنها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد، ~~ووثب قيس بن عبد يغوث بن مكشوح على فروة بن مسيك، وهو على مراد، فأجلاه ~~ونزل منزله، وسار الأسود عن نجران إلى صنعاء، وخرج إليه شهر بن باذان ~~فلقيه، فقتل شهر لخمس وعشرين ليلة من خروج الأسود، وخرج معاذ هاربا حتى لحق ~~بأبي موسى وهو بمأرب، فلحقا بحضرموت، ولحق بفروة من تم على إسلامه من مذحج. # واستتب للأسود ملك اليمن، ولحق أمراء اليمن إلى الطاهر بن أبي هالة، إلا ~~عمرا وخالدا؛ فإنهما رجعا إلى المدينة، والطاهر بجبال عك وجبال صنعاء، وغلب ~~الأسود على ما بين مفازة حضرموت إلى الطائف، إلى البحرين والأحساء، إلى ~~عدن، واستطار أمره كالحريق، وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهرا سوى ~~الركبان، واستغلظ أمره، وكان خليفته في مذحج عمرو بن معدي كرب، وكان خليفته ~~على جنده قيس بن عبد يغوث، وأمر الأبناء إلى فيروز وداذويه. # وكان ms0695 الأسود تزوج امرأة شهر بن باذان بعد قتله، وهي ابنة عم فيروز. وخاف ~~من بحضرموت من المسلمين أن يبعث إليهم جيشا، أو يظهر بها كذاب مثل الأسود، ~~فتزوج معاذ إلى السكون، فعطفوا عليه. # وجاء إليهم وإلى من باليمن من المسلمين كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يأمرهم بقتال الأسود، فقام معاذ في ذلك، وقويت نفوس المسلمين، وكان الذي ~~قدم بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وبر # PageV02P197 # بن يحنس الأزدي، قال جشنس الديلمي: فجاءتنا كتب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يأمرنا بقتاله، إما مصادمة أو غيلة - يعني إليه، وإلى فيروز وداذويه ~~- وأن نكاتب من عنده دين. فعملنا في ذلك، فرأينا أمرا كثيفا، وكان قد تغير ~~لقيس بن عبد يغوث، فقلنا: إن قيسا يخاف على دمه، فهو لأول دعوة، فدعوناه ~~وأبلغناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنما نزلنا عليه من السماء، ~~فأجابنا، وكاتبنا الناس. فأخبره الشيطان شيئا من ذلك، فدعا قيسا فأخبره أن ~~شيطانه يأمره بقتله؛ لميله إلى عدوه، فحلف قيس: لأنت أعظم في نفسي من أن ~~أحدث نفسي بذلك. ثم أتانا فقال: يا جشنس، ويا فيروز، ويا داذويه، فأخبرنا ~~بقول الأسود. فبينا نحن معه يحدثنا إذ أرسل إلينا فتهددنا، فاعتذرنا إليه ~~ونجونا منه ولم نكد، وهو مرتاب بنا ونحن نحذره. فبينا نحن على ذلك إذ ~~جاءتنا كتب عامر بن شهر، وذي زود، وذي مران، وذي الكلاع، وذي ظليم، يبذلون ~~لنا النصر، فكاتبناهم وأمرناهم أن لا يفعلوا شيئا حتى نبرم أمرنا، وإنما ~~اهتاجوا لذلك حين كاتبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكتب أيضا إلى أهل ~~نجران فأجابوه، وبلغ ذلك الأسود، وأحس بالهلاك. # قال: فدخلت على آزاد، وهي امرأته التي تزوجها بعد قتل زوجها شهر بن ~~باذان، فدعوتها إلى ما نحن عليه، وذكرتها قتل زوجها شهر وإهلاك عشيرتها، ~~وفضيحة النساء. فأجابت وقالت: والله ما خلق الله شخصا أبغض إلي منه، ما ~~يقوم لله على حق، ولا ينتهي عن محرم، فأعلموني أمركم أخبركم بوجه الأمر. ~~قال: فخرجت وأخبرت فيروز وداذويه وقيسا. قال: وإذ ms0696 قد جاء رجل فدعا قيسا إلى ~~الأسود، فدخل في عشرة من مذحج وهمدان، فلم يقدر على قتله معهم وقال له: ألم ~~أخبرك الحق، وتخبرني الكذب؟ إنه - يعني شيطانه - يقول لي: إلا تقطع من قيس ~~يده يقطع رقبتك. فقال قيس: إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله، فمرني ~~بما أحببت أو اقتلني، فموتة أهون من موتات. # فرق له وتركه، وخرج قيس فمر بنا وقال: اعملوا عملكم. ولم يقعد عندنا. # فخرج علينا الأسود في جمع، فقمنا له وبالباب مائة، ما بين بقرة وبعير، ~~فنحرها ثم خلاها، ثم قال: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ - وبوأ له الحربة - ~~لقد هممت أن أنحرك. فقال: اخترتنا لصهرك وفضلتنا، فلو لم تكن نبيا لما بعنا ~~نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الدنيا والآخرة! فقال له: اقسم ~~هذه، فقسمها، ولحق به وهو يسمع سعاية رجل بفيروز، وهو يقول له: أنا قاتله ~~غدا وأصحابه، ثم التفت فإذا فيروز، فأخبره بقسمتها، ودخل الأسود ورجع فيروز ~~فأخبرنا الخبر، فأرسلنا إلى قيس فجاءنا، فاجتمعنا على أن أعود إلى المرأة ~~فأخبرها بعزيمتنا ونأخذ رأيها، فأتيتها فأخبرتها، فقالت: هو متحرز، وليس من ~~القصر شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت، فإن ظهره إلى # PageV02P198 # مكان كذا وكذا، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه، فإنكم من دون الحرس، وليس دون ~~قتله شيء، وستجدون فيه سراجا وسلاحا. # فتلقاني الأسود خارجا من بعض منازله فقال: ما أدخلك علي؟ ووجأ رأسي حتى ~~سقطت، وكان شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته، وقالت: جاءني ابن عمي زائرا ففعلت ~~به هذا؟ فتركني، فأتيت أصحابي فقلت: النجاء! الهرب! وأخبرتهم الخبر. # فإنا على ذلك حيارى إذ جاءنا رسولها يقول: لا تدعن ما فارقتك عليه، فلم ~~أزل به حتى اطمأن. فقلنا لفيروز: إيتها فتثبت منها. ففعل، فلما أخبرته قال: ~~ننقب على بيوت مبطنة، فدخل فاقتلع البطانة، وجلس عندها كالزائر، فدخل عليها ~~الأسود فأخذته غيرة، فأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم، فأخرجه. فلما ~~أمسينا عملنا في أمرنا، وأعلمنا أشياعنا، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين ms0697 ~~والحميريين فنقبنا البيت ودخلنا، وفيه سراج تحت جفنة، واتقينا بفيروز، كان ~~أشدنا، فقلنا: انظر ماذا ترى، فخرج ونحن بينه وبين الحرس، فلما دنا من باب ~~البيت سمع غطيطا شديدا، والمرأة قاعدة، فلما قام على باب البيت أجلسه ~~الشيطان وتكلم على لسانه، وقال: ما لي ولك يا فيروز! فخشي إن رجع أن يهلك ~~وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل، فأخذ برأسه فقتله ودق عنقه، ~~ووضع ركبته في ظهره فدقه، ثم قام ليخرج، فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم ~~يقتله. فقال: قد قتلته وأرحتك منه، وخرج فأخبرنا، فدخلنا معه، فخار كما ~~يخور الثور، فقطعت رأسه بالشفرة، وابتدر الحرس المقصورة يقولون: ما هذا؟ ~~فقالت المرأة: النبي يوحى إليه فخمدوا، وقعدنا نأتمر بيننا، فيروز وداذويه ~~وقيس، كيف نخبر أشياعنا، فاجتمعنا على النداء، فلما طلع الفجر نادينا ~~بشعارنا الذي بيننا وبين أصحابنا، ففزع المسلمون والكافرون، ثم نادينا ~~بشعارنا بالأذان فقلت: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عيهلة كذاب! وألقينا ~~إليهم رأسه، وأحاط بنا أصحابه وحرسه، وشنوا الغارة، وأخذوا صبيانا كثيرة ~~وانتهبوا. فنادينا أهل صنعاء من عنده منهم فأمسكه، ففعلوا. فلما خرج أصحابه ~~فقدوا سبعين رجلا، فراسلونا، وراسلناهم على أن يتركوا لنا ما في أيديهم، ~~ونترك ما في أيدينا، ففعلنا، ولم يظفروا منا بشيء، وترددوا فيما بين صنعاء ~~ونجران. وتراجع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أعمالهم، وكان يصلي ~~بنا معاذ بن جبل، وكتبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبره، وذلك ~~في حياته. # PageV02P199 # وأتاه الخبر من ليلته، وقدمت رسلنا، وقد توفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأجابنا أبو بكر. «قال ابن عمر: أتى الخبر من السماء إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في ليلته التي قتل فيها، فقال: قتل العنسي، قتله رجل ~~مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: من قتله؟ قال: قتله فيروز» . # قيل: كان أول أمر العنسي إلى آخره ثلاثة أشهر، وقيل قريب من أربعة أشهر، ~~وكان قدوم البشير بقتله في آخر ربيع الأول بعد موت النبي - صلى الله ms0698 عليه ~~وسلم - فكان أول بشارة أتت أبا بكر وهو بالمدينة. # قال فيروز: لما قتلنا الأسود عاد أمرنا كما كان، وأرسلنا إلى معاذ بن جبل ~~فصلى بنا ونحن راجون مؤملون، لم يبق شيء نكرهه إلا تلك الخيول من أصحاب ~~الأسود، فأتى موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فانتقضت الأمور واضطربت ~~الأرض. # (العنسي بالعين والنون) # وفي هذه السنة ماتت فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - لثلاث خلون ~~من رمضان، وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها، وقيل: توفيت بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بثلاثة أشهر، وقيل بستة أشهر، وغسلها علي وأسماء بنت ~~عميس، وصلى عليها العباس بن عبد المطلب، ودخل قبرها العباس، وعلي، والفضل ~~بن العباس. # وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكان أصابه سهم بالطائف وهو مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رماه به أبو محجن، ثم انتقض عليه فمات في ~~شوال. # وفي هذا العام الذي بويع فيه أبو بكر ملك يزدجرد بلاد فارس. # وفيه، أعني سنة إحدى عشرة، اشترى عمر بن الخطاب مولاه أسلم بمكة من ناس ~~من الأشعريين. # PageV02P200 ### | [ذكر أخبار الردة] # قال عبد الله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مقاما كدنا نهلك فيه، لولا أن الله من علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لا ~~نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأن نأكل قرى عربية، ونعبد الله حتى ~~يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا ~~بالخطة المخزية أو الحرب المجلية؛ فأما الخطة المخزية أن يقروا بأن من قتل ~~منهم في النار، ومن قتل منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا ونغنم ما أخذنا ~~منهم، وأن ما أخذوا منا مردود علينا. وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ~~ديارهم. # وأما أخبار الردة فإنه لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وسير أبو ~~بكر جيش أسامة ارتدت العرب وتضرمت الأرض نارا، وارتدت كل قبيلة، عامة أو ~~خاصة، إلا قريشا وثقيفا، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة، واجتمع على طليحة عوام ms0699 ~~طيئ وأسد، وارتدت غطفان تبعا لعيينة بن حصن، فإنه قال: نبي من الحليفين - ~~يعني أسدا وغطفان - أحب إلينا من نبي من قريش، وقد مات محمد وطليحة حي. ~~فاتبعه وتبعته غطفان. وقدمت رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليمامة ~~وأسد وغيرهما وقد مات، فدفعوا كتبهم لأبي بكر، وأخبروه الخبر عن مسيلمة ~~وطليحة، فقال: لا تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم، ~~فكان كذلك، وقدمت كتب أمراء النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل مكان ~~بانتفاض العرب عامة أو خاصة، وتسلطهم على المسلمين، فحاربهم أبو بكر بما ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحاربهم؛ بالرسل، فرد رسلهم بأمره، ~~وأتبع رسلهم رسلا، وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة، فكان عمال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على قضاعة وكلب: امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي، وعلى ~~القين: عمرو بن الحكم، وعلى سعد هذيم: معاوية الوالبي، فارتد وديعة الكلبي ~~فيمن تبعه، وبقي امرؤ القيس على دينه، وارتد زميل بن قطبة القيني، وبقي ~~عمرو، وارتد معاوية فيمن اتبعه من سعد هذيم، فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس، ~~وهو جد سكينة بنت الحسين، فسار بوديعة إلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية ~~العذري، وتوسطت خيل أسامة ببلاد قضاعة، فشن الغارة فيهم، فغنموا وعادوا ~~سالمين. # PageV02P201 ### | [ذكر خبر طليحة الأسدي] # وكان طليحة بن خويلد الأسدي من بني أسد بن خزيمة قد تنبأ في حياة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فوجه إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرار ~~بن الأزور عاملا على بني أسد، وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة ~~حتى لم يبق إلا أخذه، فضربه بسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن ~~السلاح لا يعمل فيه، فكثر جمعه. ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم على ~~ذلك، فكان طليحة يقول: إن جبرائيل يأتيني، وسجع للناس الأكاذيب، وكان ~~يأمرهم بترك السجود في الصلاة ويقول: إن الله لا يصنع بتعفر وجوهكم وتقبح ~~أدباركم - شيئا، اذكروا الله أعفة قياما. إلى غير ذلك، وتبعه كثير من العرب ms0700 ~~عصبية، فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان وطيئ. فسارت فزارة وغطفان إلى ~~جنوب طيبة، وأقامت طيئ على حدود أراضيهم، وأسد بسميراء، واجتمعت عبس وثعلبة ~~بن سعد ومرة بالأبرق من الربذة، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة، فلم تحملهم ~~البلاد فافترقوا فرقتين، أقامت فرقة بالأبرق، وسارت فرقة إلى ذي القصة، ~~وأمدهم طليحة بأخيه حبال، فكان عليهم وعلى من معهم من الدئل وليث ومدلج، ~~وأرسلوا إلى المدينة يبذلون الصلاة ويمنعون الزكاة، فقال أبو بكر: والله لو ~~منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة وردهم، فرجع ~~وفدهم، فأخبروهم بقلة من في المدينة وأطمعوهم فيها. # وجعل أبو بكر بعد مسيرة الوفد على أنقاب المدينة عليا وطلحة والزبير وابن ~~مسعود، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد خوف الغارة من العدو لقربهم، فما ~~لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل، وخلفوا بعضهم بذي حسى؛ ~~ليكونوا لهم ردءا، فوافوا ليلا الأنقاب وعليها المقاتلة فمنعوهم، وأرسلوا ~~إلى أبي بكر بالخبر، فخرج إلى أهل المسجد على النواضح، فردوا العدو ~~واتبعوهم حتى بلغوا ذا حسى، فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها وفيها ~~الحبال، ثم دهدهوها على الأرض، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها، ورجعت بهم ~~إلى المدينة، ولم يصرع مسلم. # وظن الكفار بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا ~~عليها، # PageV02P202 # وبات أبو بكر يعبي الناس، وخرج على تعبية يمشي، وعلى ميمنته النعمان بن ~~مقرن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى أهل الساقة سويد بن مقرن. فما طلع ~~الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد، فما شعروا بالمسلمين حتى وضعوا فيهم ~~السيوف، فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل ~~رجال، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، ووضع بها ~~النعمان بن مقرن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذل له المشركون. فوثب بنو عبس ~~وذبيان على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، فحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين ~~بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وازداد المسلمون قوة وثباتا. # وطرقت ms0701 المدينة صدقات نفر كانوا على صدقة الناس، بهم صفوان والزبرقان بن ~~بدر وعدي بن حاتم، وذلك لتمام ستين يوما من مخرج أسامة، وقدم أسامة بعد ذلك ~~بأيام، وقيل: كانت غزوته وعوده في أربعين يوما. فلما قدم أسامة استخلفه أبو ~~بكر على المدينة وجنده معه؛ ليستريحوا ويريحوا ظهرهم، ثم خرج فيمن كان معه، ~~فناشده المسلمون ليقيم، فأبى وقال: لأواسينكم بنفسي. وسار إلى ذي حسى وذي ~~القصة حتى نزل بالأبرق، فقاتل من به، فهزم الله المشركين وأخذ الحطيئة ~~أسيرا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر بالأبرق أياما، وغلب على بني ~~ذبيان وبلادهم، وحماها لدواب المسلمين وصدقاتهم. # ولما انهزمت عبس وذبيان رجعوا إلى طليحة وهو ببزاخة، وكان رحل من سميراء ~~إليها، فأقام عليها، وعاد أبو بكر إلى المدينة. فلما استراح أسامة وجنده، ~~وكان قد جاءهم صدقات كثيرة تفضل عليهم - قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية، ~~فعقد أحد عشر لواء، عقد لواء لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا ~~فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له، وعقد لعكرمة بن أبي جهل ~~وأمره بمسيلمة، وعقد للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي، ومعونة ~~الأبناء على قيس بن مكشوح، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت، وعقد لخالد بن سعيد، ~~وبعثه إلى مشارف الشام، وعقد لعمرو بن العاص وأرسله إلى قضاعة، وعقد لحذيفة ~~بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا، وعقد لعرفجة # PageV02P203 # بن هرثمة وأمره بمهرة، وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما على صاحبه في ~~عمله. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل وقال: إذا فرغ من ~~اليمامة فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة. وعقد لمعن بن حاجز ~~وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن، وعقد لسويد بن مقرن وأمره بتهامة ~~باليمن، وعقد للعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين، ففصلت الأمراء من ذي ~~القصة، ولحق بكل أمير جنده، وعهد إلى كل أمير، وكتب إلى جميع المرتدين نسخة ~~واحدة، يأمرهم بمراجعة الإسلام ويحذرهم، وسير الكتب إليهم مع رسله. ولما ~~انهزمت عبس ms0702 وذبيان ورجعوا إلى طليحة ببزاخة أرسل إلى جديلة والغوث من طيئ ~~يأمرهم باللحاق به، فتعجل إليه بعضهم، وأمروا قومهم باللحاق بهم، فقدموا ~~على طليحة. # وكان أبو بكر بعث عدي بن حاتم قبل خالد إلى طيئ، وأتبعه خالدا، وأمره أن ~~يبدأ بطيئ، ومنهم يسير إلى بزاخة، ثم يثلث بالبطاح، ولا يبرح إذا فرغ من ~~قوم حتى يأذن له. وأظهر أبو بكر للناس أنه خارج إلى خيبر بجيش حتى يلاقي ~~خالدا، يرهب العدو بذلك. # وقدم عدي على طيئ فدعاهم وخوفهم، فأجابوه وقالوا له: استقبل الجيش فأخره ~~عنا حتى نستخرج من عند طليحة منا؛ لئلا يقتلهم. فاستقبل عدي خالدا وأخبره ~~بالخبر، فتأخر خالد، وأرسلت طيئ إلى إخوانهم عند طليحة فلحقوا بهم، فعادت ~~طيئ إلى خالد بإسلامهم، ولحق بالمسلمين ألف راكب منهم، وكان خير مولود في ~~أرض طيئ وأعظمه بركة عليهم. # وأرسل خالد بن الوليد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم الأنصاري طليعة، ~~فلقيهما حبال أخو طليحة فقتلاه، فبلغ خبره طليحة، فخرج هو وأخوه سلمة، فقتل ~~طليحة عكاشة، وقتل أخوه ثابتا، ورجعا. # وأقبل خالد بالناس فرأوا عكاشة وثابتا قتيلين، فجزع لذلك المسلمون، ~~وانصرف بهم خالد نحو طيئ، فقالت له طيئ: نحن نكفيك قيسا، فإن بني أسد ~~حلفاؤنا. فقال: أي الطائفتين شئتم. فقال عدي بن حاتم: لو نزل هذا على الذين ~~هم أسرتي الأدنى فالأدنى لجاهدتهم عليه، والله لا أمتنع عن جهاد بني أسد ~~لحلفهم. فقال له # PageV02P204 # خالد: إن جهاد الفريقين جهاد، لا تخالف رأي أصحابك، وامض بهم إلى القوم ~~الذين هم لقتالهم أنشط، ثم تعبى لقتالهم، ثم سار حتى التقيا على بزاخة، ~~وبنو عامر قريبا يتربصون على من تكون الدائرة، قال: فاقتتل الناس على ~~بزاخة. # وكان عيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة، فقاتلوا قتالا ~~شديدا، وطليحة متلفف في كسائه يتنبأ لهم، فلما اشتدت الحرب كر عيينة على ~~طليحة وقال له: هل جاءك جبرائيل بعد؟ قال: لا، فرجع فقاتل، ثم كر على طليحة ~~فقال له: لا أبا لك! أجاءك جبرائيل؟ قال: ms0703 لا، فقال عيينة: حتى متى؟ قد ~~والله بلغ منا! ثم رجع فقاتل قتالا شديدا ثم كر على طليحة فقال: هل جاءك ~~جبرائيل؟ قال: نعم. قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه، ~~وحديثا لا تنساه. فقال عيينة: قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه، ~~انصرفوا يا بني فزارة فإنه كذاب، فانصرفوا وانهزم الناس. # وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلته لامرأته النوار، فلما غشوه ركب فرسه وحمل ~~امرأته، ثم نجا بها وقال: يا معشر فزارة، من استطاع أن يفعل هكذا وينجو ~~بامرأته فليفعل. ثم انهزم فلحق بالشام، ثم نزل على كلب، فأسلم حين بلغه أن ~~أسدا وغطفان قد أسلموا، ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر. # وكان خرج معتمرا في إمارة أبي بكر ومر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر: ~~هذا طليحة! فقال: ما أصنع به؟ قد أسلم! ثم أتى عمر فبايعه حين استخلف. فقال ~~له: أنت قاتل عكاشة وثابت؟ والله لا أحبك أبدا! فقال: يا أمير المؤمنين، ما ~~يهمك من رجلين أكرمهما الله بيدي، ولم يهني بأيديهما! فبايعه عمر وقال له: ~~ما بقي من كهانتك؟ فقال؟ نفخة أو نفختان بالكير. ثم رجع إلى قومه فأقام ~~عندهم حتى خرج إلى العراق. # ولما انهزم الناس عن طليحة أسر عيينة بن حصن، فقدم به على أبي بكر، فكان ~~صبيان المدينة يقولون له وهو مكتوف: يا عدو الله، أكفرت بعد إيمانك؟ فيقول: ~~والله ما آمنت بالله طرفة عين. فتجاوز عنه أبو بكر وحقن دمه. # وأخذ من أصحاب طليحة رجل كان عالما به، فسأله خالد عما كان يقول، فقال: # PageV02P205 # إن مما أتى به: والحمام واليمام، والصرد الصوام، قد صمن قبلكم بأعوام، ~~ليبلغن ملكنا العراق والشام. # قال: ولم يؤخذ منهم سبي؛ لأنهم كانوا قد أحرزوا حريمهم، فلما انهزموا ~~أقروا بالإسلام خشية على عيالاتهم، فآمنهم. # (حبال بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وبعد الألف لام. وذو ~~القصة بفتح القاف، والصاد المهملة. وذو حسى بضم الحاء المهملة، والسين ~~المهملة المفتوحة. ودبا بفتح الدال ms0704 المهملة، والباء الموحدة. وبزاخة بضم ~~الباء الموحدة، وبالزاي، والخاء المعجمة) . ### | [ذكر ردة بني عامر وهوازن وسليم] # وكانت بنو عامر تقدم إلى الردة رجلا وتؤخر أخرى، وتنظر ما تصنع أسد ~~وغطفان، فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم - كان قرة بن هبيرة في ~~كعب ومن لافها، وعلقمة بن علاثة في كلاب ومن لافها، وكان أسلم ثم ارتد في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولحق بالشام بعد فتح الطائف، فلما توفي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل مسرعا حتى عسكر في بني كعب. فبلغ ذلك ~~أبا بكر، فبعث إليه سرية عليها القعقاع بن عمرو، وقيل: بل قعقاع بن سور، ~~وقال له ليغير على علقمة لعله يقتله أو يستأسره. فخرج حتى أغار على الماء ~~الذي عليه علقمة، وكان لا يبرح إلا مستعدا، فسابقهم على فرسه فسبقهم، وأسلم ~~أهله وولده، وأخذهم القعقاع وقدم بهم على أبي بكر، فجحدوا أن يكونوا على ~~حال علقمة، ولم يبلغ أبا بكر عنهم أنهم فارقوا دارهم، وقالوا له: ما ذنبنا ~~فيما صنع علقمة؟ فأرسلهم. ثم أسلم، فقبل ذلك منه. # وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن ~~بالله ورسوله، وأتوا خالدا فبايعهم على ما بايع أهل بزاخة، وأعطوه بأيديهم ~~على الإسلام، وكانت بيعته: عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ورسوله، ~~ولتقيمن الصلاة، ولتؤتن الزكاة، وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم. ~~فيقولون: نعم # ولم يقبل من أحد من أسد، وغطفان، وطيئ، وسليم، وعامر - إلا أن يأتوه ~~بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على # PageV02P206 # الإسلام في حال ردتهم، فأتوه بهم، فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة، ورمى ~~بهم من الجبال، ونكسهم في الآبار، وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل، وأرسل ~~إليه قرة بن هبيرة ونفرا معه موثقين، وزهيرا أيضا. # وأما أم زمل فاجتمع فلال غطفان وطيئ وسليم وهوازن وغيرها إلى أم زمل سلمى ~~بنت مالك بن حذيفة بن بدر، وكانت أمها أم قرفة بنت ربيعة بن بدر، وكانت أم ~~زمل قد سبيت أيام أمها أم قرفة، وقد ms0705 تقدمت الغزوة، فوقعت لعائشة، فأعتقتها ~~ورجعت إلى قومها وارتدت، واجتمع إليها الفل، فأمرتهم بالقتال، وكثف جمعها ~~وعظمت شوكتها. فلما بلغ خالدا أمرها سار إليها، فاقتتلوا قتالا شديدا أول ~~يوم وهي واقفة على جمل كان لأمها، وهي في مثل عزها، فاجتمع على الجمل فوارس ~~فعقروه وقتلوها، وقتل حول جملها مائة رجل، وبعث بالفتح إلى أبي بكر. # وأما خبر الفجاءة السلمي، واسمه إياس بن عبد ياليل، فإنه جاء إلى أبي بكر ~~فقال له: أعني بالسلاح، أقاتل به أهل الردة. فأعطاه سلاحا وأمره إمرة، ~~فخالف إلى المسلمين، وخرج حتى نزل بالجواء، وبعث نخبة بن أبي الميثاء من ~~بني الشريد وأمره بالمسلمين، فشن الغارة على كل مسلم في سليم، وعامر، ~~وهوازن، فبلغ ذلك أبا بكر، فأرسل إلى طريفة بن حاجز،، فأمره أن يجمع له ~~ويسير إليه، وبعث إليه عبد الله بن قيس الحاسي عونا، فنهضا إليه وطلباه، ~~فلاذ منهما، ثم لقياه على الجواء فاقتتلوا، وقتل نخبة وهرب الفجاءة، فلحقه ~~طريفة فأسره، ثم بعث به إلى أبي بكر، فلما قدم أمر أبو بكر أن توقد له نار ~~في مصلى المدينة، ثم رمي به فيه مقموطا. # وأما خبر أبي شجرة بن عبد العزى السلمي، وهو ابن الخنساء، فإنه كان قد ~~ارتد فيمن ارتد من سليم، وثبت بعضهم على الإسلام مع معن بن حاجز، وكان ~~أميرا لأبي بكر. فلما سار خالد إلى طليحة كتب إلى معن أن يلحقه فيمن معه ~~على الإسلام من بني سليم، فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة بن حاجز. فقال ~~أبو شجرة حين ارتد: # صحا القلب عن مي هواه وأقصرا ... وطاوع فيها العاذلين فأبصرا # PageV02P207 # ألا أيها المدلي بكثرة قومه # وحظك منهم أن تضام وتقهرا ... سل الناس عنا كل يوم كريهة # إذا ما التقينا دارعين وحسرا ... ألسنا نعاطي ذا الطماح لجامه # ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا ... فرويت رمحي من كتيبة خالد # وإني لأرجو بعدها أن أعمرا # ثم إن أبا شجرة أسلم، فلما كان زمن عمر قدم المدينة فرأى عمر وهو يقسم في ~~المساكين، ms0706 فقال: أعطني فإني ذو حاجة، فقال: ومن أنت؟ فقال: أنا أبو شجرة بن ~~عبد العزى السلمي. قال: أي عدو الله، لا والله! ألست الذي تقول: # فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا # وجعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوا إلى ناقته، فركبها ولحق بقومه ~~وقال: # ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق # في أبيات. ### | [ذكر قدوم عمرو بن العاص من عمان] # كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أرسل عمرو بن العاص إلى جيفر ~~عند منصرفه من حجة الوداع. فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو ~~بعمان، فأقبل حتى انتهى إلى البحرين، فوجد المنذر بن ساوى في الموت. ثم خرج ~~عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقرة بن هبيرة، وقرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ~~ومعه عسكر من بني عامر، فذبح له وأكرم مثواه. فلما أراد الرحلة خلا به قرة ~~وقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة، فإن أعفيتموها من أخذ ~~أموالها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم. # فقال له عمرو: أكفرت يا قرة؟ أتخوفنا بالعرب؟ فوالله لأوطئن عليك الخيل ~~في حفش أمك. # PageV02P208 # والحفش: بيت تنفرد فيه النفساء. # وقدم على المسلمين بالمدينة فأخبرهم، فأطافوا به يسألونه، فأخبرهم أن ~~العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة. فتفرقوا وتحلقوا حلقا، وأقبل عمر يريد ~~التسليم على عمرو، فمر على حلقة فيها علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد ~~الرحمن، وسعد. فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: فيم أنتم؟ فلم يجيبوه. فقال ~~لهم: إنكم تقولون: ما أخوفنا على قريش من العرب! قالوا: صدقت. قال: فلا ~~تخافوهم، أنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم، والله لو ~~تدخلون، معاشر قريش، جحرا لدخلته العرب في آثاركم، فاتقوا الله فيهم. # ومضى عمر، فلما قدم بقرة بن هبيرة على أبي بكر أسيرا، استشهد بعمرو على ~~إسلامه، فأحضر أبو بكر عمرا فسأله، فأخبره بقول قرة إلى أن وصل إلى ذكر ~~الزكاة فقال قرة: مهلا يا عمرو! فقال: ms0707 كلا، والله لأخبرنه بجميعه. # فعفا عنه أبو بكر وقبل إسلامه. ### | [ذكر بني تميم وسجاح] # وأما بنو تميم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرق فيهم عماله، ~~فكان الزبرقان منهم، وسهل بن منجاب، وقيس بن عاصم، وصفوان بن صفوان، وسبرة ~~بن عمرو، ووكيع بن مالك، ومالك بن نويرة. فلما وقع الخبر بموت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سار صفوان بن صفوان إلى أبي بكر بصدقات بني عمرو، ~~وأقام قيس بن عاصم ينظر ما الزبرقان صانع ليخالفه، فقال حين أبطأ عليه ~~الزبرقان في عمله: واويلتاه من ابن العكلية! والله ما أدري ما أصنع، لئن ~~أنا بعثت بالصدقة إلى أبي بكر وبايعته، لينحرن ما معه في بني سعد، فيسودني ~~عنده، فقسمها على المقاعس والبطون، ووافى الزبرقان فاتبع صفوان بن صفوان ~~بصدقات عوف والأبناء، وهذه بطون من تميم. ثم ندم قيس، فلما أظله العلاء بن ~~الحضرمي أخرج الصدقة فتلقاه بها، ثم خرج معه وتشاغلت تميم بعضها ببعض. # PageV02P209 # وكان ثمامة بن أثال الحنفي تأتيه أمداد تميم، فلما حدث هذا الحدث أضر ذلك ~~بثمامة، وكان مقاتلا لمسيلمة الكذاب، حتى قدم عليه عكرمة بن أبي جهل، ~~فبينما الناس ببلاد تميم مسلمهم بإزاء من أراد الردة وارتاب - إذ جاءتهم ~~سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية، قد أقبلت من الجزيرة، وادعت ~~النبوة، وكان ورهطها في أخوالها من تغلب تقود أفناء ربيعة، معها الهذيل بن ~~عمران في بني تغلب، وكان نصرانيا فترك دينه وتبعها، وعقة بن هلال في النمر، ~~وتاد بن فلان في إياد، والسليل بن قيس في شيبان، فأتاهم أمر أعظم مما هم ~~فيه لاختلافهم. # وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر، فأرسلت إلى مالك بن نويرة تطلب الموادعة، ~~فأجابها وردها عن غزوها، وحملها على أحياء من بني تميم، فأجابته وقالت: أنا ~~امرأة من بني يربوع، فإن كان ملك فهو لكم. وهرب منها عطارد بن حاجب، وسادة ~~بني مالك، وحنظلة - إلى بني العنبر، وكرهوا ما صنع وكيع، وكان قد وادعها، ~~وهرب منها أشباههم من بني يربوع، ms0708 وكرهوا ما صنع مالك بن نويرة، واجتمع مالك ~~ووكيع وسجاح فسجعت لهم سجاح وقالت: " أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم ~~أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب ". فساروا إليهم، فلقيهم ضبة وعبد ~~مناة، فقتل بينهم قتلى كثيرة، وأسر بعضهم من بعض، ثم تصالحوا، وقال قيس بن ~~عاصم شعرا ظهر فيه ندمه على تخلفه عن أبي بكر بصدقته. # ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس بن خزيمة ~~الهجيمي في بني عمرو، فأسر الهذيل وعقة، ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح، ~~ولا يطأ أرض أوس ومن معه. # ثم خرجت سجاح في الجنود وقصدت اليمامة، وقالت: عليكم باليمامه، ودفوا ~~دفيف الحمامه، فإنها غزوة صرامه، لا يلحقكم بعدها ملامه. فقصدت بني حنيفة، ~~فبلغ ذلك مسيلمة، فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة ~~والقبائل التى حولهم على حجر، وهي اليمامة، فأهدى لها، ثم أرسل يستأمنها ~~على نفسه حتى يأتيها، فآمنته، فجاءها في أربعين من بني حنيفة، فقال مسيلمة: ~~لنا نصف الأرض، وكان # PageV02P210 # لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش. # وكان مما شرع لهم أن من أصاب ولدا واحدا ذكرا لا يأتي النساء حتى يموت ~~ذلك الولد، فيطلب الولد حتى يصيب ابنا ثم يمسك. # وقيل: بل تحصن منها، فقالت له: انزل، فقال لها: أبعدي أصحابك. ففعلت، وقد ~~ضرب لها قبة وجمرها لتذكر بطيب الريح الجماع، واجتمع بها، فقالت له: ما ~~أوحى إليك ربك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى. أخرج منها نسمة ~~تسعى، بين صفاق وحشى؟ قالت: وماذا أيضا؟ قال: إن الله خلق النساء أفراجا، ~~وجعل الرجال لهن أزواجا، فتولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم تخرجها إذ تشاء ~~إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. قالت: أشهد أنك نبي. قال: هل لك أن ~~أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم. قال: # ألا قومي إلى النيك فقد هيئ لك المضجع فإن شئت ففي البيت وإن شئت ففي ~~المخدع وإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع ms0709 وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع # قالت: بل به أجمع فإنه أجمع للشمل. قال: بذلك أوحي إلي. فأقامت عنده ~~ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها، فقالوا لها: ما عندك؟ قالت: كان على الحق ~~فتبعته وتزوجته. قالوا: هل أصدقك شيئا؟ قالت: لا. قالوا: فارجعي فاطلبي ~~الصداق، فرجعت. فلما رآها أغلق باب الحصن وقال: ما لك؟ قالت: أصدقني. قال: ~~من مؤذنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي، فدعاه وقال له: ناد في أصحابك أن ~~مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاءكم به محمد: صلاة الفجر وصلاة ~~العشاء الآخرة. فانصرفت ومعها أصحابها، منهم: عطارد بن حاجب، وعمرو بن ~~الأهتم، # PageV02P211 # وغيلان بن خرشة، وشبث بن ربعي، فقال عطارد بن حاجب: # أمست نبيتنا أنثى نطوف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا # وصالحها مسيلمة على غلات اليمامة، سنة تأخذ النصف وتترك عنده من يأخذ ~~النصف، فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة، وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لأخذ ~~النصف الباقي، فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فارفضوا. # فلم تزل سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة، وجاءت معهم وحسن ~~إسلامهم وإسلامها، وانتقلت إلى البصرة وماتت بها، وصلى عليها سمرة بن جندب ~~وهو على البصرة لمعاوية، قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولايته ~~البصرة. # وقيل: إنها لما قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها تغلب بالجزيرة، فماتت عندهم ~~ولم يسمع لها بذكر. ### | [ذكر مالك بن نويرة] # لما رجعت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة، وندم وتحير في أمره، ~~وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا، فراجعا رجوعا حسنا ولم يتجبرا، وأخرجا ~~الصدقات فاستقبلا بها خالدا. وسار خالد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد ~~وطيئ يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره، وتخلفت الأنصار ~~عن خالد وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إن نحن فرغنا من بزاخة أن نقيم ~~حتى يكتب إلينا. فقال خالد: قد عهد إلي أن أمضي، وأنا الأمير، ولو لم يأت ~~كتاب بما رأيته فرصة وكنت إن أعلمته فاتتني - لم أعلمه، وكذلك لو ms0710 ابتلينا ~~بأمر ليس فيه منه عهد؛ لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا، ثم نعمل به، فأنا ~~قاصد إلى مالك ومن معي، ولست أكرههم. ومضى خالد وندمت الأنصار وقالوا: إن ~~أصاب القوم خيرا حرمتموه، وأن أصيبوا ليجتنبنكم الناس. فلحقوه. # ثم سار حتى قدم البطاح، فلم يجد بها أحدا، وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ~~ونهاهم عن الاجتماع، وقال: يا بني يربوع، إنا دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا ~~عنه فلم نفلح، # PageV02P212 # وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه ~~الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم، فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر. فتفرقوا ~~على ذلك، ولما قدم خالد البطاح بث السرايا، وأمرهم بداعية الإسلام، وأن ~~يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن ~~يؤذنوا إذا نزلوا منزلا، فإن أذن القوم فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فاقتلوا ~~وانهبوا، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا ~~فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم. # قال: فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، فاختلفت ~~السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا ~~وصلوا، فلما اختلفوا أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، فأمر ~~خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل، فظن القوم أنه ~~أراد القتل، ولم يرد إلا الدفء، فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكا، وسمع ~~خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه، وتزوج ~~خالد أم تميم امرأة مالك. فقال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق، وأكثر ~~عليه في ذلك. فقال: هيه يا عمر! تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا ~~أشيم سيفا سله الله على الكافرين. # وودى مالكا، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، ودخل المسجد وعليه قباء ~~وقد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها وقال له: قتلت امرأ ~~مسلما، ثم نزوت على امرأته، والله ms0711 لأرجمنك بأحجارك! وخالد لا يكلمه، يظن أن ~~رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره ~~وتجاوز عنه، وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب. ~~فخرج خالد وعمر جالس فقال: هلم إلي يا ابن أم سلمة. فعرف عمر أن أبا بكر قد ~~رضي عنه، فلم يكلمه. # وقيل: إن المسلمين لما غشوا مالكا وأصحابه ليلا - أخذوا السلاح فقالوا: ~~نحن المسلمون. فقال أصحاب مالك: ونحن المسلمون. قالوا لهم: ضعوا السلاح، ~~فوضعوه ثم صلوا، وكان يعتذر في قتله أنه قال: ما إخال صاحبكم إلا قال كذا ~~وكذا. فقال له: أوما تعده لك صاحبا؟ ثم ضرب عنقه. # وقدم متمم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه، ويسأله أن يرد عليهم ~~سبيهم، # PageV02P213 # فأمر أبو بكر برد السبي، وودى مالكا من بيت المال. ولما قدم على عمر قال ~~له: ما بلغ بك الوجد على أخيك؟ قال: بكيته حولا حتى أسعدت عيني الذاهبة ~~عيني الصحيحة، وما رأيت نارا قط إلا كدت أنقطع أسفا عليه؛ لأنه كان يوقد ~~ناره إلى الصبح مخافة أن يأتيه ضيف ولا يعرف مكانه. قال: فصفه لي. قال: كان ~~يركب الفرس الحرون، ويقود الجمل الثقال، وهو بين المزادتين النضوختين في ~~الليلة القرة، وعليه شملة فلوت، معتقلا رمحا خطلا، فيسري ليلته ثم يصبح ~~وكأن وجهه فلقة قمر. قال: أنشدني بعض ما قلت فيه، فأنشده مرثيته التي يقول ~~فيها: # وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # فقال عمر: لو كنت أقول الشعر لرثيت أخي زيدا. فقال متمم: ولا سواء يا ~~أمير المؤمنين، لو كان أخي صرع مصرع أخيك لما بكيته. فقال عمر: ما عزاني ~~أحد بأحسن مما عزيتني به. # وفي هذه الوقعة قتل الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد، وهما ابنا ~~أخي خالد، لهما صحبة. ### | [ذكر مسيلمة وأهل اليمامة] # قد ذكرنا فيما تقدم مجيء مسيلمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما ~~مات ms0712 النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين، أرسل ~~عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة ~~ليذهب بصوتها، فواقعهم فنكبوه، وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر، وكتب ~~عكرمة إلى أبي بكر بالخبر. فكتب إليه أبو بكر: لا أرينك ولا تراني، لا ~~ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة، ثم تسير ~~أنت وجندك تستبرون الناس، حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن # PageV02P214 # وحضرموت. فكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد، فإذا فرغوا من ~~مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة. # فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه - قبل عذره ورضي عنه، ~~ووجهه إلى مسيلمة، وأوعب معه المهاجرين والأنصار، وعلى الأنصار ثابت بن قيس ~~بن شماس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب، وأقام خالد بالبطاح ~~ينتظر وصول البعث إليه، فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة، وبنو حنيفة يومئذ ~~كثيرون، كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل، وعجل شرحبيل بن حسنة، وبادر خالدا ~~بقتال مسيلمة، فنكب، فلامه خالد، وأمد أبو بكر خالدا بسليط؛ ليكون ردءا له، ~~لئلا يؤتى من خلفه. وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر، أدعهم حتى يلقوا ~~الله بصالح أعمالهم، فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم. ~~وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره. # وكان مع مسيلمة نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقرأ القرآن، وفقه في الدين، وبعثه معلما لأهل اليمامة، وليشغب ~~على مسيلمة، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد أن محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: إن مسيلمة قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وكان ~~مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان يؤذن له عبد الله بن النواحة، والذي يقيم له ~~حجير بن عمير، فكان حجير يقول: أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله. فقال له ~~مسيلمة: أفصح حجير، فليس في المجمجمة خير. وهو أول من قالها. # وكان مما ms0713 جاء به وذكر أنه وحي: يا ضفدع بنت ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في ~~الماء، وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين. # وقال أيضا: والمبديات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات ~~طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد ~~فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريقكم فامنعوه، والمعيي فأووه، ~~والباغي فناوئوه. وأتته # PageV02P215 # امرأة فقالت: إن نخلنا لسحيق، وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ونخلنا ~~كما دعا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأهل هزمان. فسأل نهارا عن ذلك، فذكر ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ~~ومجه في الآبار، ففاضت ماء، وأنجبت كل نخلة، وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما، ~~ففعل مسيلمة ذلك، فغار ماء الآبار ويبس النخل، وإنما ظهر ذلك بعد مهلكه. # وقال له نهار: أمر يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد، ففعل وأمر يده على ~~رءوسهم وحنكهم، فقرع كل صبي مسح رأسه، ولثغ كل صبي حنكه، وإنما استبان ذلك ~~بعد مهلكه. # وقيل: جاءه طلحة النمري فسأله عن حاله، فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة، ~~فقال: أشهد أنك الكاذب، وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب ألينا من صادق ~~مضر. فقتل معه يوم عقرباء كافرا. # ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء، وخرج إليه الناس، وخرج ~~مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر، فأخذه المسلمون ~~وأصحابه، فقتلهم خالد واستبقاه؛ لشرفه في بني حنيفة، وكانوا ما بين أربعين ~~إلى ستين. # وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره، فقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حنيفة، ~~قاتلوا؛ فإن اليوم يوم الغيرة، فإن انهزمتم تستردف النساء سبيات، وينكحن ~~غير خطيبات، فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم. فاقتتلوا بعقرباء، وكانت ~~راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وكانت قبله مع عبد الله بن حفص بن ~~غانم، فقتل، فقالوا: تخشى علينا من نفسك شيئا فقال: بئس حامل القرآن أنا ~~إذا! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، وكانت العرب على ms0714 راياتهم، ~~والتقى الناس، وكان أول من لقي المسلمين نهار الرجال بن عنفوة فقتل، قتله ~~زيد بن الخطاب، واشتد القتال، ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط، وانهزم ~~المسلمون، وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد، فزال خالد عن الفسطاط، ~~ودخلوا إلى مجاعة وهو عند امرأة خالد، وكان سلمه إليها، فأرادوا قتلها، # PageV02P216 # فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال: أنا لها جار، فتركوها، وقال لهم: عليكم ~~بالرجال، فقطعوا الفسطاط. ثم إن المسلمين تداعوا، فقال ثابت بن قيس: بئس ما ~~عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين! اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، يعني ~~أهل اليمامة، وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثم قاتل حتى قتل. # وقال زيد بن الخطاب: لا نحور بعد الرجال، والله لا أتكلم اليوم حتى ~~نهزمهم، أو أقتل فأكلمه بحجتي. غضوا أبصاركم، وعضوا على أضراسكم أيها ~~الناس، واضربوا في عدوكم، وامضوا قدما. # وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال. وحمل خالد في ~~الناس حتى ردوهم إلى أبعد مما كانوا، واشتد القتال وتذامرت بنو حنيفة، ~~وقاتلت قتالا شديدا، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين وتارة للكافرين، وقتل ~~سالم، وأبو حذيفة، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من أولي البصائر. فلما رأى خالد ~~ما الناس فيه قال: امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين ~~نؤتى. فامتازوا، وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم ~~المهاجرون والأنصار. فلما امتازوا قال بعضهم لبعض: اليوم يستحى من الفرار، ~~فما رئي يوم كان أعظم نكاية من ذلك اليوم، ولم يدر أي الفريقين كان أعظم ~~نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في أهل ~~البوادي. # وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة، ~~ولم تحفل بنو حنيفة بمن قتل منهم. ثم برز خالد ودعا إلى البراز ونادى ~~بشعارهم، وكان شعارهم: يا محمداه! فلم يبرز إليه أحد إلا قتله. # ودارت رحا المسلمين، ودعا خالد مسيلمة فأجابه، فعرض عليه أشياء مما يشتهي ~~مسيلمة فكان إذا هم بجوابه أعرض ms0715 بوجهه ليستشير شيطانه، فينهاه أن يقبل. ~~فأعرض بوجهه مرة، وركبه خالد وأرهقه، فأدبر وزال أصحابه، وصاح خالد في ~~الناس فركبوهم، فكانت هزيمتهم، وقالوا لمسيلمة: أين ما كنت تعدنا؟ فقال: ~~قاتلوا عن أحسابكم. ونادى المحكم: يا بني حنيفة، الحديقة الحديقة! فدخلوها ~~وأغلقوا عليهم بابها. # PageV02P217 # وكان البراء بن مالك، وهو أخو أسد بن مالك، إذا حضر الحرب أخذته رعدة، ~~حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول، فإذا بال ثار كما يثور الأسد، فأصابه ذلك، ~~فلما بال وثب وقال: إلي أيها الناس، أنا البراء بن مالك! إلي إلي! وقاتل ~~قتالا شديدا، فلما دخلت بنو حنيفة الحديقة قال البراء: يا معشر المسلمين، ~~ألقوني عليهم في الحديقة. فقالوا: لا نفعل، فقال: والله لتطرحنني عليهم ~~بها! فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحمها عليهم، وقاتل على الباب وفتحه ~~للمسلمين ودخلوها عليهم، فاقتتلوا أشد قتال، وكثر القتلى في الفريقين لا ~~سيما في بني حنيفة، فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة. واشترك في قتله وحشي ~~مولى جبير بن مطعم، ورجل من الأنصار، أما وحشي فدفع عليه حربته، وضربه ~~الأنصاري بسيفه، قال ابن عمر: فصرخ رجل: قتله العبد الأسود، فولت بنو حنيفة ~~عند قتله منهزمة، وأخذهم السيف من كل جانب، وأخبر خالد بقتل مسيلمة، فخرج ~~بمجاعة يرسف في الحديد؛ ليدله على مسيلمة، فجعل يكشف له القتلى حتى مر ~~بمحكم اليمامة، وكان وسيما، فقال: هذا صاحبكم؟ فقال مجاعة: لا، هذا والله ~~خير منه وأكرم، هذا محكم اليمامة، ثم دخل الحديقة فإذا رويجل أصيفر أخينس، ~~فقال مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم منه. وقال خالد: هذا الذي فعل بكم ما فعل. # وكان الذي قتل محكم اليمامة عبد الرحمن بن أبي بكر، رماه بسهم في نحره ~~وهو يخطب ويحرض الناس، فقتله. وقال مجاعة لخالد: ما جاءك إلا سرعان الناس، ~~وإن الحصون مملوة، فهلم إلى الصلح على ما ورائي. فصالحه على كل شيء دون ~~النفوس، وقال: أنطلق إليهم فأشاورهم. فانطلق إليهم وليس في الحصون إلا ~~النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفى، فألبسهم الحديد، وأمر النساء أن ms0716 ~~ينشرن شعورهن ويشرفن على الحصون حتى يرجع إليهم. فرجع إلى خالد فقال: قد ~~أبوا أن يجيزوا ما صنعت، فرأى خالد الحصون مملوة وقد نهكت المسلمين الحرب ~~وطال اللقاء، وأحبوا أن يرجعوا على الظفر، ولم يدروا ما هو كائن، وقد قتل ~~من المهاجرين والأنصار من أهل المدينة ثلاثمائة وستون، ومن المهاجرين من ~~غير المدينة ثلاثمائة رجل، وقتل ثابت بن قيس، قطع رجل من المشركين رجله، ~~فأخذها ثابت وضربه بها فقتله، وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف، ~~وبالحديقة مثلها، وفي الطلب نحو منها. وصالحه خالد على الذهب والفضة ~~والسلاح ونصف السبي، وقيل: ربعه. # PageV02P218 # فلما فتحت الحصون لم يكن فيها إلا النساء والصبيان والضعفاء، فقال خالد ~~لمجاعة: ويحك! خدعتني! فقال: هم قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت. # ووصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم، وكان قد صالحهم، فوفى لهم ~~ولم يغدر. ولما رجع الناس قال عمر لابنه عبد الله، وكان معهم: ألا هلكت قبل ~~زيد؟ هلك زيد وأنت حي! ألا واريت وجهك عني؟ فقال عبد الله: سأل الله ~~الشهادة فأعطيها، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها. # وفي هذه السنة بعد وقعة اليمامة أمر أبو بكر بجمع القرآن لما رأى من كثرة ~~من قتل من الصحابة؛ لئلا يذهب القرآن، وسيرد مبينا سنة ثلاثين. # وممن قتل باليمامة شهيدا من الصحابة: عباد بن بشر الأنصاري، شهد بدرا ~~وغيرها. # وقتل عباد بن الحارث الأنصاري، وكان شهد أحدا. # وقتل بها عمير بن أوس بن عتيك الأنصاري، وكان شهد أحدا. # وفيها قتل عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري. # وفيها قتل عمارة بن حزم الأنصاري أخو عمرو، وكان بدريا. # وفيها قتل علي بن عبيد الله بن الحارث من بني عامر بن لؤي، وكان له صحبة. # وقتل بها عائذ بن ماعص الأنصاري، وقيل: قتل يوم بئر معونة. # وقتل فيها فروة بن النعمان، وقيل: ابن الحارث بن النعمان الأنصاري، وكان ~~قد شهد أحدا وما بعدها. # وفيها قتل قيس بن الحارث بن عدي الأنصاري، عم البراء بن عازب، وقيل: ms0717 بل ~~قتل بأحد. # وقتل بها سعد بن جماز الأنصاري، وكان قد شهد أحدا. # PageV02P219 # وقتل بها أبو دجانة الأنصاري، وهو بدري، وقيل بل عاش بعد ذلك وشهد صفين ~~مع علي - عليه السلام - والله أعلم. # وقتل باليمامة سلمة بن مسعود بن سنان الأنصاري. # وقتل فيها السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي، وهو من مهاجرة الحبشة، وشهد ~~بدرا. # وقتل أيضا السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه. # وقتل بها الطفيل بن عمرو الدوسي، شهد خيبر. # وقتل بها زرارة بن قيس الأنصاري، له صحبة. # وقتل فيها مالك بن عمرو السلمي حليف بني عبد شمس، وهو بدري. # وقتل مالك بن أمية السلمي، وهو بدري. # ومالك بن عوس بن عتيك الأنصاري، وهو ممن شهد أحدا. # وقتل بها معن بن عدي بن الجد البلوي حليف الأنصار، شهد العقبة وبدرا ~~وغيرهما. # ومسعود بن سنان الأسود حليف بني غانم، وشهد أحدا. # وفيها قتل النعمان بن عصر بن الربيع البلوي، وهو بدري. # (وقيل: هو بكسر العين وسكون الصاد، وقيل: بفتحهما) . # وفيها قتل صفوان ومالك ابنا عمرو السلمي، وهما بدريان. # وضرار بن الأزور الأسدي، وهو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد. # وفيها قتل عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، وقيل قتل عبد الله ~~بالطائف هو وأخوه السائب. # وفيها قتل عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى العامري عامر قيس، وشهد بدرا ~~وغيرها. # PageV02P220 # وفيها قتل عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو بدري. # وعبد الله بن عتيك الأنصاري، وهو قاتل ابن أبي الحقيق، وهو بدري. # وفيها قتل شجاع بن أبي وهب الأسدي أسد خزيمة، شهد بدرا. # وهريم بن عبد الله المطلبي القرشي، وأخوه جنادة. # والوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي، ابن عم خالد. # وقتل ورقة بن إياس بن عمرو الأنصاري، وهو بدري. # ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار، أسلم يوم الفتح. # وأبو حبة بن غزية الأنصاري، شهد أحدا. # وأبو عقيل البلوي حليف الأنصار، وهو بدري. # وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، ms0718 من مهاجرة الحبشة، شهد أحدا. # ويزيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت. # (الرجال بن عنفوة بالراء المفتوحة، وبالجيم المشددة، وقيل: بالحاء ~~المهملة، والأول أكثر. ومجاعة بتشديد الجيم. ومحكم اليمامة بالحاء المهملة، ~~والكاف المشددة. وسعد بن جماز بالجيم، والميم المشددة، وآخره زاي) . ### | [ذكر ردة أهل البحرين] # لما قدم الجارود بن المعلى العبدي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتفقه رده إلى قومه عبد القيس، فكان فيهم. فلما مات النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان المنذر بن ساوى العبدي مريضا، # PageV02P221 # فمات بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل. فلما مات المنذر بن ساوى ~~ارتد بعده أهل البحرين، فأما بكر فتمت على ردتها، وأما عبد القيس فإنهم ~~جمعهم الجارود، وكان بلغه أنهم قالوا: لو كان محمد نبيا لم يمت. فلما ~~اجتمعوا إليه قال لهم: أتعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم. ~~قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا. قال: فإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد ~~مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فأسلموا ~~وثبتوا على إسلامهم. # وحصرهم أصحاب المنذر بعده حتى استنقذهم العلاء بن الحضرمي. واجتمعت ربيعة ~~بالبحرين على الردة إلا الجارود ومن تبعه، وقالوا: نرد الملك في المنذر بن ~~النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور. فلما أسلم كان يقول: أنا المغرور، ~~ولست بالغرور. # وخرج الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة في بكر بن وائل، فاجتمع إليه ~~من غير المرتدين ممن لم يزل مشركا، حتى نزل القطيف وهجر، واستغووا الخط ومن ~~بها من الزط والسبابجة، وبعث بعثا إلى دارين، وبعث إلى جواثا فحصر ~~المسلمين، فاشتد الحصر على من بها، فقال عبد الله بن حذف، وقد قتلهم الجوع: # ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وفتيان المدينة أجمعينا # فهل لكم إلى قوم كرام ... قعود في جواثا محصرينا # كأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا # توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا # وكان سبب استنقاذ العلاء بن الحضرمي إياهم أن أبا بكر كان قد ms0719 بعثه على ~~قتال أهل الردة بالبحرين، فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال ~~الحنفي في مسلمة بني حنيفة، ولحق به أيضا قيس بن عاصم المنقري، وأعطاه بدل ~~ما كان قسم من الصدقة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وانضم إليه ~~عمرو والأبناء وسعد بن تميم، والرباب أيضا لحقته في مثل عدته، فسلك بهم ~~الدهناء، حتى إذا كانوا في بحبوحتها نزل، وأمر الناس بالنزول # PageV02P222 # في الليل، فنفرت إبلهم بأحمالها، فما بقي عندهم بعير ولا زاد ولا ماء، ~~فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله، ووصى بعضهم بعضا، فدعاهم العلاء ~~فاجتمعوا إليه، فقال: ما هذا الذي غلب عليكم من الغم؟ فقالوا: كيف نلام ~~ونحن إن بلغنا غدا لم تحم الشمس حتى نهلك؟ ! فقال: لن تراعوا، أنتم ~~المسلمون، وفي سبيل الله، وأنصار الله، فأبشروا، فوالله لن تخذلوا. # فلما صلوا الصبح دعا العلاء ودعوا معه، فلمع لهم الماء، فمشوا إليه ~~وشربوا واغتسلوا. فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تجمع من كل وجه، فأناخت ~~إليهم فسقوها. وكان أبو هريرة فيهم، فلما ساروا عن ذلك المكان قال لمنجاب ~~بن راشد: كيف علمك بموضع الماء؟ قال: عارف به. فقال له: كن معي حتى تقيمني ~~عليه. قال: فرجعت به إلى ذلك المكان، فلم نجد إلا غدير الماء، فقلت له: ~~والله لولا الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء قبل ~~اليوم، وإذا إداوة مملوة ماء. فقال أبو هريرة: هذا والله المكان، ولهذا ~~رجعت بك، وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفير الغدير وقلت: إن كان منا من المن ~~عرفته، وإن كان عينا عرفته، فإذا من من المن. فحمد الله. # ثم ساروا فنزلوا بهجر، وأرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينزل بعبد ~~القيس على الحطم مما يليه، وسار هو فيمن معه حتى نزل عليه مما يلي هجر، ~~فاجتمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين، واجتمع المسلمون إلى ~~العلاء، وخندق المسلمون على أنفسهم والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ~~ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهرا. ms0720 فبينا هم كذلك سمع المسلمون ضوضاء ~~هزيمة أو قتال، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله بن حذف: ~~أنا، فخرج حتى دنا من خندقهم، فأخذوه. وكانت أمه عجلية، فجعل ينادي: يا ~~أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه، فقال: ما شأنك؟ فقال: علام أقبل وحولي ~~عساكر من عجل وتيم اللات وغيرهما؟ فخلصه، فقال له: والله إني لأظنك بئس ابن ~~أخت أتيت الليلة أخوالك. فقال: دعني من هذا وأطعمني؛ فقد مت جوعا. فقرب له ~~طعاما فأكل، ثم قال: زودني واحملني، يقول هذا لرجل قد غلب عليه السكر، ~~فحمله على بعير وزوده وجوزه، فدخل عسكر المسلمين فأخبرهم أن القوم سكارى، ~~فخرج المسلمون عليهم، فوضعوا فيهم السيف كيف شاءوا، وهرب الكفار، # PageV02P223 # فمن بين مرتد وناج ومقتول ومأسور، واستولى المسلمون على العسكر، ولم يفلت ~~رجل إلا بما عليه. # فأما أبجر فأفلت، وأما الحطم فقتل، قتله قيس بن عاصم بعد أن قطع عفيف بن ~~المنذر التيمي رجله. وطلبهم المسلمون، فأسر عفيف المنذر بن النعمان بن ~~المنذر الغرور فأسلم. وأصبح العلاء فقسم الأنفال، ونفل رجالا من أهل البلاء ~~ثيابا، فأعطى ثمامة بن أثال الحنفي خميصة ذات أعلام كانت للحطم يباهي بها. ~~فلما رجع ثمامة بعد فتح دارين رآها بنو قيس بن ثعلبة فقالوا له: أنت قتلت ~~الحطم! فقال: لم أقتله، ولكني اشتريتها من المغنم. فوثبوا عليه فقتلوه. # وقصد عظم الفلال إلى دارين، فركبوا إليها السفن، ولحق الباقون ببلاد ~~قومهم، فكتب العلاء إلى من ثبت على إسلامه من بكر بن وائل، منهم عتيبة بن ~~النهاس والمثنى بن حارثة وغيرهما، يأمرهم بالقعود للمنهزمين والمرتدين بكل ~~طريق، ففعلوا، وجاءت رسلهم إلى العلاء بذلك، فأمر أن يؤتى من وراء ظهره، ~~فندب حينئذ الناس إلى دارين وقال لهم: قد أراكم الله من آياته في البر ~~لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر. # وارتحل وارتحلوا حتى اقتحم البحر على الخيل والإبل والحمير وغير ذلك، ~~وفيهم الراجل، ودعا ودعوا. وكان من دعائهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا ~~حليم، يا ms0721 صمد، يا حي، يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ~~ربنا! فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة فوقها ماء يغمر ~~أخفاف الإبل، وبين الساحل ودارين يوم وليلة لسفن البحر، فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فظفر المسلمون وانهزم المشركون، وأكثر المسلمون القتل فيهم ~~فما تركوا بها مخبرا وغنموا وسبوا، فلما فرغوا رجعوا حتى عبروا، وضرب ~~الإسلام فيها بجرانه. # وكتب العلاء إلى أبي بكر يعرفه هزيمة المرتدين وقتل الحطم. وكان مع ~~المسلمين راهب من أهل هجر، فأسلم، فقيل له: ما حملك على الإسلام؟ قال: ~~ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج ~~البحر، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا: اللهم أنت الرحمن الرحيم، لا ~~إله غيرك، والبديع فليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، الحي الذي لا يموت، ~~وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل # PageV02P224 # يوم أنت في شأن، علمت كل شيء بغير تعلم - فعلمت أن القوم لم يعانوا ~~بالملائكة إلا وهم على حق، فكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمعون ~~هذا منه بعد. # (عتيبة بعد العين تاء معجمة باثنتين من فوقها، وياء تحتها نقطتان، ثم باء ~~موحدة. وحارثة بحاء مهملة، وثاء مثلثة) . ### | [ذكر ردة أهل عمان ومهرة] # قد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء المرتدين، فقال ابن إسحاق: كان فتح ~~اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتي عشرة. وقال أبو ~~معشر، ويزيد بن عياض بن جعدبة، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: إن ~~فتوح الردة كلها لخالد وغيره سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بن بجير؛ فإنه ~~كان سنة ثلاث عشرة، وقصته: أنه بلغ خالد بن الوليد أن ربيعة بالمصيخ ~~والحصيد في جمع من المرتدين، فقاتله وغنم وسبى وأصاب ابنة لربيعة، فبعث بها ~~إلى أبي بكر، فصارت إلى علي بن أبي طالب. # وأما عمان فإنه نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسامي في ~~الجاهلية الجلندى، وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ، وغلب ms0722 على عمان مرتدا، ~~والتجأ جيفر وعياذ إلى الجبال، وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره ويستمده عليه، ~~وبعث أبو بكر حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير، وعرفجة البارقي من الأزد؛ ~~حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وكل منهما أمير على صاحبه في وجهه، فإذا ~~قربا من عمان يكاتبان جيفرا. فسار إلى عمان، وأرسل أبو بكر إلى عكرمة بن ~~أبي جهل، وكان بعثه إلى اليمامة، فأصيب. فأرسل إليه أن يلحق بحذيفة وعرفجة ~~بمن معه يساعدهما على أهل عمان ومهرة، فإذا فرغوا منهم سار إلى اليمن. ~~فلحقهما عكرمة قبل عمان، فلما وصلوا رجاما، وهي قريب # PageV02P225 # من عمان، كاتبوا جيفرا وعياذا، وجمع لقيط جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر ~~وعياذ وعسكرا بصحار، وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة، فقدموا عليهما، ~~وكاتبوا رؤساء من لقيط وارفضوا عنه، ثم التقوا على دبا، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، واستعلى لقيط، ورأى المسلمون الخلل، ورأى المشركون الظفر. فبينما هم ~~كذلك جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية، وعليهم الخريت بن راشد، ~~ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن وصحان، وغيرهم، فقوى الله المسلمين، فولى ~~المشركون الأدبار، فقتل منهم في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا ~~فيهم، وسبوا الذراري وقسموا الأموال، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، ~~وأقام حذيفة بعمان يسكن الناس. # وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم لما فرغ من عمان ومعه من ~~استنصر من ناجية وعبد القيس وراسب وسعد، فاقتحم عليهم بلادهم، فوافق بها ~~جمعين من مهرة؛ أحدهما مع سخريت، رجل منهم، والثاني مع المصبح، أحد بني ~~محارب، ومعظم الناس معه، وكانا مختلفين. فكاتب عكرمة سخريتا، فأجابه وأسلم، ~~وكاتب المصبح يدعوه فلم يجب، فقاتله قتالا شديدا، فانهزم المرتدون وقتل ~~رئيسهم، وركبهم المسلمون فقتلوا من شاءوا منهم، وأصابوا ما شاءوا من ~~الغنائم، وبعث الأخماس إلى أبي بكر مع سخريت، وازداد عكرمة وجنده قوة ~~بالظهر والمتاع، وأقام عكرمة حتى اجتمع الناس على الذي يحب، وبايعوا على ~~الإسلام. # (دبا بفتح الباء الموحدة المخففة، وفتح الدال المهملة. والخريت بكسر ~~الخاء المعجمة، وتشديد ms0723 الراء المهملة المكسورة، ثم ياء مثناة من تحتها، ~~وآخره تاء. وسيحان بفتح السين المهملة، وبالياء المثناة من تحت، وبالحاء ~~المهملة، وآخره نون) . ### | [ذكر خبر ردة اليمن] # لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى مكة وأرضها عتاب بن ~~أسيد، وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة، وعلى الطائف عثمان بن أبي ~~العاص ومالك بن عوف النضري، وعثمان على المدن، ومالك على أهل الوبر، ~~وبصنعاء فيروز وداذويه يسانده، # PageV02P226 # وقيس بن مكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى، وكان منهم ~~مع الأسود الكذاب ما ذكرناه. فلما أهلك الله الأسود العنسي بقي طائفة من ~~أصحابه يترددون بين صنعاء ونجران، لا يأوون إلى أحد. ومات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على أثر ذلك فارتد الناس، فكتب عتاب بن أسيد إلى أبي بكر يعرفه ~~خبر من ارتد في عمله، وبعث عتاب أخاه خالدا إلى أهل تهامة، وبها جماعة من ~~مدلج وخزاعة وأبناء كنانة. # وأما كنانة عليهم جندب بن سلمى، فالتقوا بالأبارق، فقتلهم خالد وفرقهم، ~~وأفلت جندب بن سلمى وعاد، وبعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى شنوءة وبها ~~جماعة من الأزد، وبجيلة، وخثعم، وعليهم حميضة بن النعمان، واستعمل عثمان ~~على السرية عثمان بن أبي ربيعة، فالتقوا بشنوءة، فانهزم الكفار وتفرقوا، ~~وهرب حميضة في البلاد. # وأما الأخابث من العك فكانوا أول منتقض بتهامة بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم تجمع عك والأشعريون، وأقاموا على الأعلاب، فسار إليهم الطاهر بن ~~أبي هالة ومعه مسروق وقومه من عك ممن لم يرتد، فالتقوا على الأعلاب، ~~فانهزمت عك ومن معهم، وقتلوا قتلا ذريعا، وكان ذلك فتحا عظيما. وورد كتاب ~~أبي بكر على الطاهر يأمره بقتالهم، وسماهم الأخابث، وسمى طريقهم طريق ~~الأخابث، فبقي الاسم عليهم إلى الآن. # وأما أهل نجران فلما بلغهم موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلوا وفدا ~~ليجددوا عهدهم مع أبي بكر، فكتب بذلك كتابا. # وأما بجيلة فإن أبا بكر رد جرير بن عبد الله، وأمره أن يستنفر من قومه من ~~ثبت على ms0724 الإسلام، ويقاتل بهم من ارتد عن الإسلام، وأن يأتي خثعم فيقاتل من ~~خرج غضبا لذي الخلصة، فخرج جرير وفعل ما أمره، فلم يقم له أحد إلا نفر ~~يسير، فقتلهم وتتبعهم. # (حميضة بالحاء المهملة المضمومة، والضاد المعجمة) . # ذكر خبر ردة اليمن ثانية # وكان ممن ارتد ثانية قيس بن عبد يغوث بن مكشوح، وذلك أنه لما بلغه موت # PageV02P227 # النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل في قتل فيروز وجشنس، وكتب أبو بكر إلى ~~عمر ذي مران، وإلى سعيد ذي زود، وإلى الكلاع، وإلى حوشب ذي ظليم، وإلى شهر ~~ذي نياف يأمرهم بالتمسك بدينهم والقيام بأمر الله، ويأمرهم بإعانة الأبناء ~~على من ناوأهم، والسمع لفيروز، وكان فيروز وداذويه وقيس قبل ذلك متساندين. ~~فلما سمع قيس بذلك كتب إلى ذي الكلاع وأصحابه يدعوهم إلى قتل الأبناء ~~وإخراج أهلهم من اليمن، فلم يجيبوه ولم ينصروا الأبناء. فاستعد لهم قيس، ~~وكاتب أصحاب الأسود المترددين في البلاد سرا، يدعوهم ليجتمعوا معه، فجاءوا ~~إليه، فسمع بهم أهل صنعاء، فقصد قيس فيروز وداذويه، فاستشارهما في أمره ~~خديعة منه ليلبس عليهما، فاطمأنا إليه، ثم إن قيسا صنع من الغد طعاما ودعا ~~داذويه وفيروز وجشنس، فخرج داذويه فدخل عليه فقتله، وجاء إليه فيروز، فلما ~~دنا منه سمع امرأتين تتحدثان، فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه، ~~فخرج. فطلبه أصحاب قيس، فخرج يركض، ولقيه جشنس فرجع معه، فتوجها نحو جبل ~~خولان، وهم أخوال فيروز، فصعدا الجبل، ورجعت خيول قيس فأخبروه، فثار بصنعاء ~~وما حولها، وأتته خيول الأسود. # واجتمع إلى فيروز جماعة من الناس، وكتب إلى أبي بكر يخبره، واجتمع إلى ~~قيس عوام قبائل من كتب أبو بكر إلى رؤسائهم، واعتزل الرؤساء، وعمد قيس إلى ~~الأنباء ففرقهم ثلاث فرق: من أقام أقر عياله، والذين ساروا مع فيروز فرق ~~عيالهم فرقتين، فوجه إحداها إلى عدن ليحملوا في البحر، وحمل الأخرى في ~~البر، وقال لهم جميعهم: الحقوا بأرضكم. # فلما علم فيروز ذلك جد في حربه وتجرد لها، وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة ~~بن عامر يستمدهم، ms0725 وإلى عك يستمدهم، فركبت عقيل، فلقوا خيل قيس بن عامر ~~ومعهم عيالات الأبناء الذين كان قد سيرهم قيس، فاستنقذوهم وقتلوا خيل قيس. ~~وسارت عك فاستنقذوا طائفة أخرى من عيالات الأبناء، وقتلوا من معهم من أصحاب ~~قيس، وأمدت عقيل وعك فيروز بالرجال. فلما أتته أمدادهم خرج بهم وبمن اجتمع ~~عنده، فلقوا قيسا دون صنعاء، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم قيس وأصحابه، ~~وتذبذب أصحاب العنسي وقيس معهم فيما بين صنعاء ونجران. # PageV02P228 # قيل: وكان فروة بن مسيك قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلما، ~~فاستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدقات مراد، ومن نازلهم ونزل ~~دارهم. # وكان عمرو بن معدي كرب الزبيدي قد فارق قومه سعد العشيرة، وانحاز إليهم ~~وأسلم معهم، فلما ارتد العنسي ومعه مذحج ارتد عمرو فيمن ارتد، وكان عمرو مع ~~خالد بن سعيد بن العاص، فلما ارتد سار إليه خالد فلقيه، فضربه خالد على ~~عاتقه فهرب منه، وأخذ خالد سيفه الصمصامة وفرسه، فلما ارتد عمرو جعله ~~العنسي بإزاء فروة، فامتنع كل واحد منهما من البراح لمكان صاحبه. فبينما هم ~~كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل أبين من مهرة، وقد تقدم ذكر قتال مهرة، ومعه بشر ~~كثير من مهرة وغيرهم، فاستبرى النخع وحمير، وقدم أيضا المهاجر بن أبي أمية ~~في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران، فانضم إليه فروة بن مسيك ~~المرادي، فأقبل عمرو بن معدي كرب مستجيبا، حتى دخل على المهاجر من غير ~~أمان، فأوثقه المهاجر، وأخذ قيسا أيضا فأوثقه، وسيرهما إلى أبي بكر، فقال: ~~يا قيس، قتلت عباد الله، واتخذت المرتدين وليجة من دون المؤمنين! فانتفى ~~قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا، وكان قتله سرا، فتجافى له عن دمه، ~~وقال لعمرو: أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت هذا الدين لرفعك ~~الله، فقال: لا جرم، لأقبلن ولا أعود. ورجعا إلى عشائرهما. فسار المهاجر من ~~نجران والتقت الخيول على أصحاب العنسي، فاستأمنوا فلم يؤمنهم، وقتلهم بكل ~~سبيل، ثم سار إلى ms0726 صنعاء فدخلها، وكتب إلى أبي بكر بذلك. ### | [ذكر ردة حضرموت وكندة] # لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعماله على بلاد حضرموت: زياد ~~بن أبي لبيد الأنصاري على حضرموت، وعكاشة بن أبي أمية على السكاسك والسكون ~~«والمهاجر بن أبي أمية على كندة، استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يخرج إليها حتى توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعثه أبو بكر إلى قتال ~~من باليمن، ثم المسير بعد إلى عمله، وكان قد تخلف عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بتبوك، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاتب عليه، ~~فبينما أم سلمة تغسل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: كيف ينفعني ~~عيش وأنت عاتب على أخي؟ فرأت # PageV02P229 # منه رقة، فأومأت إلى خادمها فدعته، فلم يزل بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يذكر عذره حتى رضي عنه واستعمله على كندة. فتوفي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يسر إلى عمله، ثم سار بعده» . # وكان سبب ردة كندة وإجابتهم الأسود الكذاب حتى لعن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الملوك الأربعة منهم - أنهم لما أسلموا أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يوضع بعض صدقة حضرموت في كندة، وبعض صدقة كندة في حضرموت، ~~وبعض صدقة حضرموت في السكون، وبعض صدقة السكون في حضرموت، فقال بعض بني ~~وليعة: من كندة لحضرموت ليس لنا ظهر، فإن رأيتم أن تبعثوا إلينا بذلك على ~~ظهر. قالوا: فإنا ننظر، فإن لم يكن لكم ظهر فعلنا. فلما توفي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قالت بنو وليعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -! فقالوا: إن لكم ظهرا فاحتملوا، فقالوا لزياد: أنت معهم ~~علينا. فأبى الحضرميون، ولح الكنديون ورجعوا إلى دارهم، وترددوا في أمرهم، ~~وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر. # وكان المهاجر لما تأخر بالمدينة قد استخلف زيادا على عمله، وسار المهاجر ~~من صنعاء إلى عمله، وعكرمة بن أبي جهل أيضا، فنزل أحدهما على الأسود، ~~والآخر على وائل، وكان زياد بن لبيد قد ولي ms0727 صدقات بني عمرو بن معاوية من ~~كندة بنفسه، فقدم عليهم، فكان أول من انتهى منهم شيطان بن حجر، فأخذ منهم ~~بكرة ووسمها، فإذا الناقة للعداء بن حجر أخي شيطان، وكان أخوه قد أوهم حين ~~أخرجها، وكان اسمها شذرة، وظنها غيرها. فقال العداء: هذه ناقتي. فقال ~~شيطان: صدق، فأطلقها وخذ غيرها. فاتهمه زياد بالكفر ومباعدة الإسلام. ~~فمنعهما عنها وقال: صارت في حق الله. فلجأ في أخذها، فقال لها: لا تكونن ~~شذرة عليكم كالبسوس. فنادى العداء: يا آل عمرو، أضام وأضطهد! إن الذليل من ~~أكل في داره! ونادى حارثة بن سراقة بن معدي كرب، فأقبل إلى زياد وهو واقف، ~~فقال: أطلق بكرة الرجل وخذ غيرها. فقال زياد: ما لي إلى ذلك سبيل. فقال ~~حارثة: ذاك إذا كنت يهوديا، وأطلق عقالها وبعثها وقام دونها، فأمر زياد ~~شبابا من حضرموت والسكون فمنعوه وكتفوه، وكتفوا أصحابه وأخذوا البكرة، ~~وتصايحت كندة، وغضبت بنو معاوية لحارثة وأظهروا أمرهم، وغضبت حضرموت ~~والسكون لزياد، وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء، ولم يحدث بنو معاوية شيئا ~~لمكان أسرائهم، ولم يجد أصحاب زياد سبيلا يتعلقون به عليهم، وأمرهم زياد ~~بوضع السلاح # PageV02P230 # فلم يفعلوا، وطلبوا أسراءهم فلم يطلقهم، ونهد إليهم ليلا فقتل منهم ~~وتفرقوا، فلما تفرقوا أطلق حارثة ومن معه. فلما رجع الأسرى إلى أصحابهم ~~حرضوهم على زياد ومن معه، واجتمع منهم عسكر كثير، ونادوا بمنع الصدقة، ~~فأرسل الحصين بن نمير، وسكن بعضهم عن بعض، فأقاموا بعد ذلك يسيرا. # ثم إن بني عمرو بن معاوية من كندة نزلوا المحاجر، وهي أحماء حموها، فنزل ~~جمد محجرا، ومخوص محجرا، ومشرح محجرا، وأبضعة محجرا، وأختهم العمردة محجرا، ~~وهم الملوك الأربعة رؤساء عمرو الذين لعنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد ذكروا قبل. ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس ~~محجرا، والسمط بن الأسود محجرا، وأطبقت بنو معاوية كلها على منع الصدقة، ~~إلا شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهما قالا لبني معاوية: إنه لقبيح بالأحرار ~~التنقل، إن الكرام ليلزمون الشبهة فيتكرمون أن ينتقلوا إلى ms0728 أوضح منها مخافة ~~العار، فكيف الانتقال من الأمر الحسن الجميل والحق إلى الباطل والقبيح! ~~اللهم إنا نمالئ قومنا على ذلك. وانتقل ونزل مع زياد ومعهما امرؤ القيس بن ~~عابس، وقالا له: بيت القوم؛ فإن أقواما من السكاسك والسكون قد انضموا ~~إليهم، وكذلك شذاذ من حضرموت، فإن لم تفعل خشينا أن تتفرق الناس عنا إليهم. ~~فأجابهم إلى تبييت القوم، فاجتمعوا وطوقوهم في محاجرهم، فوجدوهم جلوسا حول ~~نيرانهم، فأكبوا على بني عمرو بن معاوية، وفيهم العدد والشوكة - من خمسة ~~أوجه، فأصابوا مشرحا ومخوصا وجمدا وأبضعة وأختهم العمردة، وأدركتهم لعنة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، وعاد ~~زياد بن لبيد بالأموال والسبي، واجتازوا بالأشعث، فثار في قومه، فاستنقذهم ~~وجمع الجموع. # وكتب زياد إلى المهاجر يستحثه، فلقيه الكتاب بالطريق فاستخلف على الجند ~~عكرمة بن أبي جهل، وتعجل في سرعان الناس، وقدم على زياد وسار إلى كندة، ~~فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا، فانهزمت كندة وقتلت، وخرجوا هرابا ~~فالتجئوا إلى النجير، وقد رموه وأصلحوه. وسار المهاجر فنزل عليهم، واجتمعت ~~كندة في النجير فتحصنوا به، فحصرهم المسلمون، وقدم إليهم عكرمة، فاشتد ~~الحصر على كندة، وتفرقت السرايا في طلبهم فقتلوا منهم، وخرج من بالنجير من ~~كندة وغيرهم، فقاتلوا المسلمين فكثر فيهم القتل، فرجعوا إلى حصنهم، وخشعت ~~نفوسهم وخافوا القتل، # PageV02P231 # وخاف الرؤساء على نفوسهم. فخرج الأشعث ومعه تسعة نفر، فطلبوا من زياد أن ~~يؤمنهم وأهليهم على أن يفتحوا له الباب. فأجابهم إلى ذلك وقال: اكتبوا ما ~~شئتم ثم هلموا الكتاب حتى أختمه. ففعلوا، ونسي الأشعث أن يكتب نفسه لأن ~~جحدما وثب عليه بسكين، فقال: تكتبني أو أقتلك؟ فكتبه ونسي نفسه، ففتحوا ~~الباب، فدخل المسلمون فلم يدعوا مقاتلا إلا قتلوه، وضربوا أعناقهم صبرا، ~~وأخذوا الأموال والسبي. فلما فرغوا منهم دعا الأشعث أولئك النفر والكتاب ~~معهم فعرضهم، فأجار من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس منهم، فقال المهاجر: ~~الحمد لله الذي خطأ فاك يا أشعث يا عدو الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله! ~~وشده كتافا، فقيل له: ms0729 أخره وسيره إلى أبي بكر؛ فهو أعلم بالحكم فيه. فسيره ~~إلى أبي بكر مع السبي. # وقيل: إن الحصار لما اشتد على من بالنجير نزل الأشعث إلى المهاجر وزياد ~~والمسلمين، فسألهم الأمان على دمه وماله حتى يقدموا به على أبي بكر، فيرى ~~فيه رأيه، على أن يفتح لهم النجير ويسلم إليهم من فيه، وغدر بأصحابه، ~~فقبلوا ذلك منه، ففتح لهم الحصن، فاستنزلوا من فيه من الملوك فقتلوهم ~~وأوثقوا الأشعث وأرسلوه مع السبي إلى أبي بكر، فكان المسلمون يلعنونه ~~ويلعنه سبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النار، وهو اسم الغادر عندهم. فلما ~~قدم المدينة قال له أبو بكر: ما تراني أصنع بك؟ قال: لا أعلم. قال: فإني ~~أقتلك. قال: فأنا الذي راوضت القوم في عشرة فما يحل دمي. قال: إنما وجب ~~الصلح بعد ختم الصحيفة على من فيها، وإنما كنت قبل ذلك مراوضا. فلما خشي ~~القتل قال: أوتحتسب في خيرا، فتطلق إساري وتقيلني عثرتي، وتفعل بي مثل ما ~~فعلت بأمثالي، وترد علي زوجتي؟ - وقد كان خطب أم فروة أخت أبي بكر لما قدم ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وارتد - فإن فعلت ذلك تجدني خير أهل بلادي لدين ~~الله. فحقن دمه ورد عليه أهله، وأقام بالمدينة حتى فتح العراق، وقسم ~~الغنائم بين الناس. # وقيل: إن عكرمة قدم بعد الفتح، فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إن إخوانكم ~~قدموا مددا لكم، فأشركوهم في الغنيمة، ففعلوا وأشركوهم. # ولما ولي عمر بن الخطاب قال: إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد ~~وسع الله - عز وجل - وفتح الأعاجم. واستشار في فداء سبايا العرب في ~~الجاهلية والإسلام، # PageV02P232 # إلا امرأة ولدت لسيدها، وجعل فداء لكل إنسان ستة أبعرة أو سبعة، إلا ~~حنيفة وكندة، فإنه خفف عليهم لقتل رجالهم، فتتبع النساء بكل مكان فقدوهن. # وفيها انصرف معاذ بن جبل من اليمن. # وفيها استقضى أبو بكر عمر بن الخطاب، وكان يقضي بين الناس خلافته كلها. # وحج بالناس في هذه ms0730 السنة عتاب بن أسيد، وقيل: عبد الرحمن بن عوف. # (النجير - بضم النون، وفتح الجيم، وسكون الياء تحتها نقطتان، وآخره راء: ~~حصن باليمن منيع) . ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة] # ذكر مسير خالد بن الوليد إلى العراق وصلح الحيرة # PageV02P233 ### | 12 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة # ذكر مسير خالد بن الوليد إلى العراق وصلح الحيرة # في هذه السنة في المحرم منها أرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو ~~باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق، وقيل: بل قدم المدينة من اليمامة، ~~فسيره أبو بكر إلى العراق، فسار حتى نزل ببانقيا وباروسما وأليس، وصالحه ~~أهلها. وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا على عشرة آلاف دينار سوى حرزة ~~كسرى، وكانت على كل رأس أربعة دراهم، وأخذ منهم الجزية. ثم سار حتى نزل ~~الحيرة، فخرج إليه أشرافها مع إياس بن قبيصة الطائي، وكان أميرا عليها بعد ~~النعمان بن المنذر، فدعاهم خالد إلى الإسلام أو الجزية أو المحاربة، ~~فاختاروا الجزية، فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أول جزية أخذت من ~~الفرس في الإسلام هي والقريات التي صالح عليها. # وقيل: إنما أمره أبو بكر أن يبدأ بالأبلة، وكتب إلى عياض بن غنم أن يقصد ~~العراق ويبدأ بالمصيح، ويدخل العراق من أعلاه، ويسير حتى يلقى خالدا، وكان ~~المثنى بن حارثة الشيباني قد استأذن أبا بكر أن يغزو بالعراق فأذن له، فكان ~~يغزوهم قبل # PageV02P234 # قدوم خالد، وأمر أبو بكر خالدا وعياضا أن يستنفرا من قاتل أهل الردة، وأن ~~لا يغزون معهما مرتد، ففعلا وكتبا إليه يستمدانه، فأمد خالدا بالقعقاع بن ~~عمرو التميمي، فقيل له: أتمده برجل واحد؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. ~~وأمد عياضا بعبد بن غوث الحميري. وكتب أبو بكر إلى المثنى وحرملة ومعذور ~~وسلمى أن يلحقوا بخالد بالأبلة. فقدم خالد ومعه عشرة آلاف مقاتل، وكان مع ~~المثنى وأصحابه ثمانية آلاف. # ولما قدم خالد فرق جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريق واحد، على مقدمته ~~المثنى وبعده عدي بن حاتم، وجاء خالد بعدهما، ووعدهما الحفير ليصادموا ~~عدوهم، وكان ms0731 ذلك الفرج أعظم فروج فارس وأشدها شوكة، فكان صاحبه أسوار اسمه ~~هرمز، فكان يحارب العرب في البر والهند في البحر. فلما سمع هرمز بهم كتب ~~إلى أردشير الملك بالخبر، وتعجل هو إلى الكواظم في سرعان أصحابه، فسمع أنهم ~~تواعدوا الحفير، فسبقهم إليه ونزل به، وجعل على مقدمته قباذ وأنوشجان، ~~وكانا من أولاد أردشير الأكبر، واقترنوا في السلاسل لئلا يفجروا، فسمع بهم ~~خالد، فمال بالناس إلى كاظمة، فسبقه هرمز إليها، وكان سيئ المجاورة للعرب، ~~فكلهم عليه حنق، وكانوا يضربونه مثلا فيقولون: أكفر من هرمز. # وقدم خالد فنزل على غير ماء فقال له أصحابه في ذلك: ما تفعل؟ فقال لهم: ~~لعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، فحطوا أثقالهم، وتقدم خالد إلى الفرس ~~فلاقاهم، وأرسل الله - سبحانه - فأغدرت وراء صف المسلمين، فقويت قلوبهم، ~~وخرج هرمز ودعا خالدا إلى البراز، وأوطأ أصحابه على الغدر بخالد، فبرز إليه ~~خالد ومشى نحوه راجلا، ونزل هرمز أيضا وتضاربا، فاحتضنه خالد، وحمل أصحاب ~~هرمز، فما شغله ذلك عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو فأزاحهم، وانهزم أهل ~~فارس وركبهم المسلمون، وسميت الوقعة ذات السلاسل، ونجا قباذ وأنوشجان، وأخذ ~~خالد سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ألف، لأنه كان قد تم شرفه في الفرس، ~~وكانت هذه عادتهم، إذا تم شرف الإنسان تكون قلنسوتة بمائة ألف. وبعث خالد ~~بالفتح والأخماس إلى أبي بكر، وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة، ~~وبعث المثنى بن حارثة في آثارهم، وأرسل معقل بن مقرن إلى الأبلة ففتحها، ~~فجمع الأموال بها والسبي. # PageV02P235 # وهذا القول خلاف ما يعرفه أهل النقل؛ لأن فتح الأبلة كان على يد عتبة بن ~~غزوان أيام عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة. # وحاصر المثنى بن حارثة حصن المرأة، وأسلمت، ولم يعرض خالد وأصحابه إلى ~~الفلاحين؛ لأن أبا بكر أمرهم بذلك. # ذكر وقعة الثني # لما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد أمده بقارن بن قريانس، فلما ~~انتهى إلى المذار لقيه المنهزمون، فاجتمعوا ورجعوا ومعهم قباذ وأنوشجان، ~~ونزلوا الثني، وهو النهر، وسار إليهم خالد فلقيهم واقتتلوا، ms0732 فبرز قارن ~~فقتله معقل بن الأعشى بن النباش، وقتل عاصم أنوشجان، وقتل عدي بن حاتم ~~قباذ، وكان شرف قارن انتهى. ولم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه، وقتل ~~من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفا، سوى من غرق، ومنعت المياه ~~المسلمين من طلبهم. وقسم الفيء، وأنفذ الأخماس إلى المدينة، وأعطى الأسلاب ~~من سلبها، وكانت الغنيمة عظيمة، وسبى عيالات المقاتلة، وأخذ الجزية من ~~الفلاحين وصاروا ذمة. وكان في السبي أبو الحسن البصري، وكان نصرانيا، وأمر ~~على الجند سعيد بن النعمان، وعلى الجند سويد بن مقرن المزني، وأمره بنزول ~~الحفير، وأقام يتجسس الأخبار. # ذكر وقعة الولجة # ولما فرغ خالد من الثني وأتى الخبر أردشير بعث الأندرزعز، وكان فارسا من ~~مولدي السواد، وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش، وحشر إلى الأندرزعز من ~~بين الحيرة وكسكر ومن عرب الضاحية والدهاقين وعسكروا بالولجة. وسمع بهم ~~خالد فسار # PageV02P236 # إليهم من الثني فلقيهم بالولجة، وكمن لهم، فقاتلهم قتالا شديدا أشد من ~~الأول، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد أفرغ، واستبطأ خالد كمينه، فخرجوا من ~~ناحيتين، فانهزمت الأعاجم، وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم، فقتل ~~منهم خلقا كثيرا، ومضى الأندرزعز منهزما فمات عطشا، وأصاب خالد ابنا لجابر ~~بن وائل، وكانت وقعة الولجة في صفر، وبذل الأمان للفلاحين، فعادوا وصاروا ~~ذمة، وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم. # ذكر وقعة أليس وهو على الفرات # لما أصاب خالد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكر بن وائل الذين أعانوا ~~الفرس - غضب لهم نصارى قومهم، فكاتبوا الفرس، واجتمعوا على أليس وعليهم عبد ~~الأسود العجلي، وكان مسلمو بني عجل، منهم: عتبة بن النهاس، وسعيد بن مرة، ~~وفرات بن حيان، ومذعور بن عدي، والمثنى بن لاحق - أشد الناس على أولئك ~~النصارى. وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه، وهو بقشيناثا، يأمره بالقدوم على ~~نصارى العرب بأليس، فقدم بهمن جاذويه جابان إليهم، وأمره بالتوقف عن ~~المحاربة إلى أن يقدم عليه، ورجع بهمن جاذويه إلى أردشير ليشاوره فيما ~~يفعل، فوجده مريضا، فتوقف عليه، فاجتمع على جابان ms0733 نصارى عجل، وتيم اللات ~~وضبيعة وجابر بن بجير وعرب الضاحية من أهل الحيرة. # وكان خالد لما بلغه تجمع نصارى بكر وغيرهم سار إليهم ولا يشعر بدنو ~~جابان. فلما طلع جابان بأليس قالت العجم له: أنعاجلهم أم نغدي الناس ولا ~~نريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتلهم؟ فقال جابان: إن تركوكم فتهاونوا بهم. ~~فعصوه وبسطوا الطعام، وانتهى خالد إليهم وحط الأثقال، فلما وضعت توجه ~~إليهم، وطلب مبارزة عبد الأسود وابن أبجر ومالك بن قيس، فبرز إليه مالك من ~~بينهم، فقتله خالد وأعجل الأعاجم عن طعامهم. فقال لهم جابان: ألم أقل لكم، ~~والله ما دخلتني من مقدم جيش وحشة إلا هذا؟ وقال لهم: حيث لم تقدروا على ~~الأكل فسموا الطعام، فإن ظفرتم فأيسر هالك، وإن # PageV02P237 # كانت لهم هلكوا بأكله. فلم يفعلوا، واقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون ~~يزيدهم ثبوتا توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد:: ~~اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم ~~نهرهم. # فانهزمت فارس فنادى منادي خالد: الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه. ~~فأقبل بهم المسلمون أسراء، ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوما وليلة. فقال له ~~القعقاع وغيره: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأرسل عليها الماء تبر ~~يمينك، ففعل، وسمي نهر الدم، ووقف خالد على الطعام وقال للمسلمين: قد ~~نفلتكموه، فتعشى به المسلمون، وجعل من لم ير الرقاق يقول: ما هذه الرقاع ~~البيض؟ ! # وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، وكانت الوقعة في صفر. # ذكر وقعة أمغيشيا # فلما فرغ من أليس سار إلى أمغيشيا، وقيل اسمها منيشيا، فأصابوا فيها ما ~~لم يصيبوا مثلها؛ لأن أهلها أعجلهم المسلمون أن ينقلوا أموالهم وأثاثهم ~~وكراعهم وغير ذلك، وأرسل إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم والسبي وأخرب ~~أمغيشيا. فلما بلغ ذلك أبا بكر قال: عجز النساء أن يلدن مثل خالد. # ذكر وقعة يوم فرات بادقلى، وفتحه الحيرة # ثم سار خالد من أمغيشيا إلى الحيرة وحمل الرحال والأثقال في السفن، فخرج ~~مرزبان الحيرة، وهو الأزاذبه، فعسكر عند الغريين، وأرسل ms0734 ابنه فقطع الماء عن ~~السفن، فبقيت على الأرض. فسار خالد في خيل نحو ابن الأزاذبه فلقيه على فرات ~~بادقلى، فضربه وقتله وقتل أصحابه، وسار نحو الحيرة، فهرب منه الأزاذبه، ~~وكان قد بلغه موت أردشير وقتل ابنه، فهرب بغير قتال، ونزل المسلمون عند ~~الغريين، وتحصن أهل الحيرة فحصرهم في قصورهم. وكان ضرار بن الأزور محاصرا ~~القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي، وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر ~~الغريين وفيه عدي بن عدي # PageV02P238 # المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة محاصرا قصر ابن مازن ~~وفيه ابن أكال، وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح ~~بن بقيلة، فدعوهم جميعا وأجلوهم يوما وليلة، فأبى أهل الحيرة، وقاتلهم ~~المسلمون، فافتتحوا الدور والديرات وأكثروا القتل. فنادى القسيسون ~~والرهبان: يا أهل القصر، ما يقتلنا غيركم! فنادى أهل القصور المسلمين: قد ~~قبلنا واحدة من ثلاث، وهي إما الإسلام أو الجزية أو المحاربة، فكفوا عنهم، ~~وخرج إليهم إياس بن قبيصة، وعمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث، ~~وهو بقيلة، وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا: ما ~~أنت إلا بقيلة خضراء، فأرسلوهم إلى خالد، فكان الذي يتكلم عنهم عمرو بن عبد ~~المسيح، فقال له خالد: كم أتى عليك؟ قال: مئو سنين. قال: فما أعجب ما رأيت؟ ~~قال: رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة، وتخرج المرأة فلا تتزود إلا ~~رغيفا. فتبسم خالد وقال لأهل الحيرة: ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة، فما بالكم ~~تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من أين جاء؟ # فأحب عمرو أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله وصحة ما حدثه به، قال: وحقك ~~إني لأعرف من أين جئت! قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي. قال: فأين ~~تريد؟ قال: أمامي. قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصى أثرك؟ قال: ~~من صلب أبي. قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: إي والله ~~وأقيد. قال خالد: إنما أسألك! قال: ms0735 فأنا أجيبك. قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: ~~بل سلم. قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى ينهاه الحليم. ~~قال خالد: قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها، القوم أعلم بما فيهم. # وكان مع ابن بقيلة خادم معه كيس فيه سم، فأخذه خالد ونثره في يده وقال: ~~لم تستصحب هذا؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، فكان الموت أحب إلي ~~من مكروه أدخله على قومي. فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ~~وقال: باسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي لا يضر مع اسمه داء، ~~الرحمن الرحيم. وابتلع السم. فقال ابن بقيلة: والله لتبلغن ما أردتم ما دام ~~أحد منكم هكذا. # وأبى خالد أن يصالحهم إلا على تسليم كرامة بنت عبد المسيح إلى شويل، ~~فأبوا، فقالت: هونوا عليهم وأسلموني، فإني سأفتدي. ففعلوا، فأخذها شويل، ~~فافتدت منه بألف # PageV02P239 # درهم، فلامه الناس، فقال: ما كنت أظن أن عددا أكثر من هذا. # وكان سبب تسليمها إليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر استيلاء ~~أمته على ملك فارس والحيرة - سأله شويل أن يعطى كرامة ابنة عبد المسيح، ~~وكان رآها شابة فمال إليها، فوعده النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فلما ~~فتحت الحيرة طلبها وشهد له شهود بوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يسلمها إليه، فسلمها إليه خالد. # وصالحهم على مائة ألف وتسعين ألفا، وقيل: على مائتي ألف وتسعين ألفا، ~~وأهدوا له هدايا. فبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر، فقبلها أبو بكر من ~~الجزاء، وكتب إلى خالد أن يأخذ منهم بقية الجزية، ويحسب لهم الهدية. # وكان فتح الحيرة في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة، وكتب لهم خالد كتابا، ~~فلما كفر أهل السواد ضيعوا الكتاب، فلما افتتحه المثنى ثانية عاد بشرط آخر، ~~فلما عادوا كفروا، وافتتحها سعد بن أبي وقاص ووضع عليهم أربعمائة ألف. # قال خالد: ما لقيت قوما كأهل فارس، وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس. # ذكر ما بعد الحيرة # قيل: كان الدهاقين ms0736 يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة، فلما ~~صالحهم واستقاموا له أتته الدهاقين من تلك النواحي، أتاه دهقان فرات سريا ~~وصلوبا ابن نسطونا ونسطونا، فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ~~ألفي ألف، وقيل: ألف ألف سوى ما كان لآل كسرى، وبعث خالد عماله ومسالحه، ~~وبعث ضرار بن الأزور، وضرار بن الخطاب، والقعقاع بن عمرو، والمثنى بن ~~حارثة، وعتيبة بن النهاس، فنزلوا على السيب، وهم كانوا أمراء الثغور مع ~~خالد، وأمرهم بالغارة، فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة، وكتب خالد إلى ~~أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فإن أجابوا وإلا حاربهم، فكان ~~العجم مختلفين بموت أردشير، إلا أنهم قد أنزلوا # PageV02P240 # بهمن جاذويه بهرسير ومعه غيره كأنه مقدمة لهم، وجبى خالد الخراج في خمسين ~~ليلة وأعطاه المسلمين، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر؛ ~~لاختلافهم بموت أردشير، إلا أنهم مجمعون على حرب خالد، وخالد مقيم بالحيرة ~~يصعد ويصوب سنة قبل خروجه إلى الشام، والفرس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع ~~عن بهرسير، وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى أنوشروان، وقتل ~~أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه - من كان بين أنوشروان وبين بهرام جور، ~~فبقوا لم يقدروا على من يملكونه ممن يجتمعون عليه. فلما وصلهم كتب خالد ~~تكلم نساء آل كسرى على من يملكونه إن وجدوه. # ووصل جرير بن عبد الله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة، وكان سبب وصوله ~~إليه أنه كان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام، فاستأذنه في المصير إلى أبي ~~بكر ليكلمه في قومه ليجمعهم له، وكانوا أوزاعا متفرقين في العرب، فأذن له، ~~فقدم على أبي بكر فذكر له ذلك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعده ~~به وشهد له شهود، فغضب أبو بكر وقال: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ~~ممن بإزائهم من فارس والروم، ثم أنت تكلفني ما لا يغني؟ ! وأمره بالمسير ~~إلى خالد بن الوليد، فسار حتى قدم عليه بعد فتح الحيرة، ولم ms0737 يشهد شيئا مما ~~قبلها بالعراق، ولا شيئا مما كان خالد فيه من قتل أهل الردة. # (عتيبة بالتاء المثناة من فوقها، وبالياء المثناة من تحتها، وبالباء ~~الموحدة) . # ذكر فتح الأنبار # ثم سار خالد على تعبيته إلى الأنبار، وإنما سمي الأنبار لأن أهراء الطعام ~~كانت بها أنابير، وعلى مقدمته الأقرع بن حابس. فلما بلغها أطاف بها وأنشب ~~القتال، وكان قليل الصبر عنه، وتقدم إلى رماته أن يقصدوا عيونهم، فرموا ~~رشقا واحدا، ثم تابعوا فأصابوا ألف عين، فسميت تلك الوقعة ذات العيون. وكان ~~من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط، فلما رأى ذلك أرسل يطلب الصلح على أمر ~~يرضه خالد، فرد رسله ونحر من إبل العسكر كل ضعيف وألقاه في خندقهم، ثم ~~عبره، فاجتمع المسلمون والكفار # PageV02P241 # في الخندق، فأرسل شيرزاد إلى خالد وبذل له ما أراد، فصالحه على أن يلحقه ~~بمأمنه في جريدة ليس معهم من متاع شيء، وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم ~~صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى. # ذكر فتح عين التمر # ولما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وسار إلى عين ~~التمر وبها مهران بن بهرام جوبين، في جمع عظيم من العجم، وعقة بن أبي عقة ~~في جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد وغيرهم، فلما سمعوا بخالد قال ~~عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا. قال: صدقت، فأنتم ~~أعلم بقتال العرب، وإنكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتقى به وقال: إن ~~احتجتم إلينا أعناكم. فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول، فقال لهم: إنه ~~قد جاءكم من قتل ملوككم أمر عظيم، وفل حدكم، فاتقيته بهم، فإن كانت لكم على ~~خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن ~~أقوياء. فاعترفوا له، وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة ~~وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيرا، وانهزم عسكره من غير قتال فأسر ~~أكثرهم. # فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فلما انتهى المنهزمون ~~إليه تحصنوا ms0738 به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان فأبى، فنزلوا على حكمه، ~~فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين، وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه، ~~ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، فأخذهم فقسمهم في أهل ~~البلاء، منهم: سيرين أبو محمد، ونصير أبو موسى، وحمران مولى عثمان. وأرسل ~~إلى أبي بكر بالخبر والخمس. # PageV02P242 # وفي عين التمر قتل عمير بن رئاب السهمي، وكان من مهاجرة الحبشة، ومات بها ~~بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان، فدفن بها إلى جانب عمير. # ذكر خبر دومة الجندل # ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم يستمده على من بإزائه ~~من المشركين، فسار خالد إليه، فكان بإزائه بهراء وكلب وغسان وتنوخ ~~والضجاعم، وكانت دومة على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، ~~فأما أكيدر فلم ير قتال خالد وأشار بصلحه خوفا، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم، ~~وسمع خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه فأخذه أسيرا فقتله، وأخذ ما كان معه، ~~وسار حتى نزل على أهل دومة الجندل، فجعلها بينه وبين عياض. فلما اطمأن خالد ~~خرج إليه الجودي في جمع ممن عنده من العرب لقتاله، وأخرج طائفة أخرى إلى ~~عياض، فقاتلهم عياض فهزمهم، فهزم خالد من يليه، وأخذ الجودي أسيرا وانهزموا ~~إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم فبقوا حوله، فأخذهم خالد ~~فقتلهم حتى سد باب الحصن، وقتل الجودي وقتل الأسرى إلا أسرى كلب، فإن تميما ~~قالوا لخالد: قد أمناهم، وكانوا حلفاءهم، فتركهم. ثم أخذ الحصن قهرا فقتل ~~المقاتلة، وسبى الذرية والسرح، فباعهم، واشترى خالد ابنة الجودي، وكانت ~~موصوفة. # وأقام خالد بدومة الجندل، فطمع الأعاجم، وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة، ~~فخرج زرمهر وروزبه يريدان الأنبار، واتعدا حصيدا والخنافس، فسمع القعقاع بن ~~عمرو، وهو خليفة خالد على الحيرة، فأرسل أعبد بن فدكي وأمره بالحصيد، وأرسل ~~عروة بن الجعد البارقي إلى الخنافس، فخرجا، فحالا بينهما وبين الريف، ورجع ~~خالد إلى الحيرة، فبلغه ذلك، وكان عازما على مصادمة أهل المدائن، فمنعه من ~~ذلك كراهية مخالفة أبي ms0739 بكر، فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى ~~روزبه وزرمهر، ووصل إلى خالد أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ، فنزل ~~ربيعة بن بجير بالثني وبالبشر غضبا لعقة، يريدان زرمهر وروزبه، فخرج خالد ~~وسار إلى القعقاع وأبي ليلى، فاجتمع بهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حصيد، ~~وبعث أبا ليلى إلى الخنافس. # PageV02P243 # ذكر وقعة حصيد والخنافس # فسار القعقاع نحو حصيد، وقد اجتمع بها روزبه وزرمهر، فالتقوا بحصيد، فقتل ~~من العجم مقتلة عظيمة، فقتل القعقاع زرمهر، وقتل عصمة بن عبد الله أحد بني ~~الحارث بن طريف الضبي روزبه - وكان عصمة من البررة، وهم كل فخذ هاجرت ~~بأسرها، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن - وغنم المسلمون ما في حصيد، وانهزمت ~~الأعاجم إلى الخنافس، وسار أبو ليلى بمن معه إلى الخنافس وبها المهبوذان ~~على العسكر، فلما أحس المهبوذان بهم هرب إلى المصيخ إلى الهذيل بن عمران. # ذكر وقعة مصيخ بني البرشاء # ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس - كتب إلى ~~القعقاع وأبي ليلى وأعبد وعروة، وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى ~~المصيخ، وخرج خالد من العين قاصدا إليهم. فلما كان تلك الساعة من ليلة ~~الموعد اتفقوا جميعا بالمصيخ، فأغاروا على الهذيل ومن معه وهم نائمون، من ~~ثلاثة أوجه، فقتلوهم، وأفلت الهذيل في ناس قليل وكثر فيهم القتل، وكان مع ~~الهذيل العزى بن أبي رهم أخو أوس مناة ولبيد بن جرير، وكانا قد أسلما ~~ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما، فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر وقول ~~عبد العزى: # أقول إذ طرق الصباح بغارة ... سبحانك اللهم رب محمد # سبحان ربي لا إله غيره ... رب البلاد ورب من يتورد # فوداهما وأوصى بأولادهما، فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على ~~خالد، فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من نازل أهل الشرك. وقد كان حرقوص بن ~~النعمان بن النمر قد نصحهم فلم يقبلوا منه، فجلس مع زوجته وأولاده يشربون، ~~فقال لهم: اشربوا شراب مودع، هذا خالد بالعين وجنوده بالحصيد، ثم قال: # ألا ms0740 سقياني قبل خيل أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري # فضرب رأسه، فإذا هو في جفنة فيها الخمر، وقتلوا أولاده وأخذوا بناته. # وقيل: إن قتل حرقوص، وهذه الوقعة، ووقعة الثني - كان في مسير خالد بن ~~الوليد من # PageV02P244 # العراق إلى الشام، وسيذكر إن شاء الله - تعالى -. # ذكر وقعة الثني والزميل # وكان ربيعة بن بجير التغلبي بالثني والبشر، وهو الزميل، وهما شرقي ~~الرصافة - قد خرج غضبا لعقة، وواعد روزبه وزرمهر والهذيل، ولما أصاب خالد ~~أهل المصيخ واعد القعقاع وأبا ليلى ليلة، وأمرهما بالمسير ليغيروا عليهم، ~~فسار خالد من المصيخ، فاجتمع هو وأصحابه بالثني، فبيتهم من ثلاثة أوجه ~~وجردوا فيهم السيوف، فلم يفلت منهم مخبر، وغنم وسبى وبعث بالخبر والخمس إلى ~~أبي بكر، فاشترى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - بنت ربيعة بن بجير ~~التغلبي، فولدت له عمر ورقية. # ولما انهزم الهذيل بالمصيخ لحق بعتاب بن فلان، وهو بالبشر، في عسكر ضخم، ~~فبيتهم خالد بغارة شعواء من ثلاثة أوجه قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة، فقتل ~~منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، وقسم الغنائم، وبعث الخمس إلى أبي بكر، ~~وسار خالد من البشر إلى الرضاب، وبها هلال بن عقة، فتفرق عنه أصحابه، وسار ~~هلال عنه فلم يلق خالد بها كيدا. # ذكر وقعة الفراض # ثم سار خالد من الرضاب إلى الفراض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، ~~وأفطر بها رمضان لاتصال الغزوات، وحميت الروم واستعانوا بمن يليهم من مسالح ~~الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر، وساروا إلى خالد. فلما ~~بلغوا الفرات قالوا له: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. قال ~~خالد: اعبروا. قالوا له: تنح عن طريقنا حتى نعبر. قال: لا أفعل، ولكن ~~اعبروا أسفل منا، فعبروا أسفل من خالد، وعظم في أعينهم، وقالت الروم: ~~امتازوا حتى نعرف اليوم من يثبت ممن يولي. ففعلوا، فاقتتلوا قتالا عظيما ~~وانهزمت الروم ومن معهم، وأمر خالد المسلمين أن لا يرفعوا عنهم، فقتل في ~~المعركة وفي الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض عشرا، ثم ms0741 أذن # PageV02P245 # بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وجعل شجر بن الأعز على ~~الساقة، وأظهر خالد أنه في الساقة. # ذكر حجة خالد # ثم خرج خالد حاجا من الفراض سرا ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد، فأتى ~~مكة وحج ورجع، فما توافى جنده بالخبر حتى وافاهم مع صاحب الساقة، فقدما معا ~~وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجه إلا من أعلمه به، ولم يعلم أبو بكر ~~بذلك إلا بعد رجوعه، فعتب عليه، وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام من ~~العراق ممدا جموع المسلمين باليرموك، وكان أهل العراق أيام علي إذا بلغهم ~~عن معاوية شيء يقولون: نحن أصحاب ذات السلاسل، ويسمون ما بينها وبين ~~الفراض، ولا يذكرون ما بعد الفراض احتقارا للذي كان بعدها. # وأغار خالد بن الوليد على سوق بغداد، ووجه المثنى فأغار على سوق فيها جمع ~~لقضاعة وبكر، وأغار أيضا على مسكن وقطربل، وتل عقرقوف، وبادوريا، قال ~~الشاعر: # وللمثنى بالعال معركة ... شاهدها من قبيله بشر # كتيبة أفزعت بوقعتها ... كسرى وكاد الإيوان ينفطر # وشجع المسلمين إذ حذروا ... وفي صروف التجارب العبر # سهل نهج السبيل فاقتفروا ... آثاره والأمور تقتفر # PageV02P246 # يعني بالعال: الأنبار، ومسكن، وقطربل، وبادوريا. # وفيها تزوج عمر عاتكة بنت زيد. # وفيها مات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة وأوصى إلى الزبير، وتزوج علي ~~- عليه السلام - ابنة أمامة، وأمها زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وفيها اشترى عمر أسلم مولاه، في قول. # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: ~~حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف. # الوفيات # وفيها مات أبو مرثد الغنوي، وهو بدري، وكان ابنه مرثد بن أبي مرثد قد قتل ~~بالرجيع، وهو بدري أيضا. # PageV02P247 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة] # [ذكر فتوح الشام] ### | 13 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة. ### | ذكر فتوح الشام # قيل: في سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج، ~~فبعث خالد بن سعيد بن العاص، وقيل: إنما سيره لما سير ms0742 خالد بن الوليد إلى ~~العراق، وكان أول لواء عقده إلى الشام لواء خالد، ثم عزله قبل أن يسير. # وكان سبب عزله أنه تربص ببيعة أبي بكر شهرين، ولقي علي بن أبي طالب ~~وعثمان بن عفان فقال: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغلبتم عليها؟ فقال ~~علي: أمغالبة ترى أم خلافة؟ # فأما أبو بكر فلم يحقدها عليه، وأما عمر فاضطغنها عليه، فلما ولاه أبو ~~بكر لم يزل به عمر حتى عزله عن الإمارة، وجعله ردءا للمسلمين بتيماء، وأمره ~~أن لا يفارقها إلا بأمره، وأن يدعو من حوله من العرب إلا من ارتد، وأن لا ~~يقاتل إلا من قاتله. فاجتمع إليه جموع كثيرة، وبلغ خبره الروم فضربوا البعث ~~على العرب الضاحية بالشام من: بهراء، وسليح، وغسان، وكلب، ولخم، وجذام، ~~فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا تقتحمن. ~~فسار إليهم، فلما دنا منهم تفرقوا، فنزل منزلهم وكتب إلى أبي بكر بذلك، ~~فأمره بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه. فسار حتى جازه قليلا ونزل، فسار إليه ~~بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان، فقاتله فهزمه وقتل من جنده، فكتب خالد ~~إلى أبي بكر يستمده، وكان قد قدم على أبي بكر أوائل مستنفري # PageV02P248 # اليمن وفيهم ذو الكلاع، وقدم عكرمة بن أبي جهل فيمن معه من تهامة، وعمان، ~~والبحرين، والسرو، فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من ~~استبدل، فكلهم استبدل، فسمي جيش البدال، وقدموا على خالد بن سعيد. # وعنها اهتم أبو بكر بالشام وعناه أمره، وكان أبو بكر قد رد عمرو بن العاص ~~إلى عمله الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولاه إياه من صدقات ~~سعد هذيم وعذرة وغيرهم قبل ذهابه إلى عمان، ووعده أن يعيده إلى عمله بعد ~~عوده من عمان، فأنجز له أبو بكر عدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فلما عزم على قصد الشام كتب له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0743 - مرة، ووعدك به أخرى؛ إنجازا لمواعيد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك ~~في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. # فكتب عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع ~~لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به. فأمره وأمر الوليد بن عقبة، ~~وكان على بعض صدقات قضاعة، أن يجمعا العرب، ففعلا، وأرسل أبو بكر إلى عمرو ~~بعض من اجتمع إليه، وأمره بطريق سماها له إلى فلسطين، وأمر الوليد بالأردن ~~وأمده ببعضهم، وأمر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب ~~إليه، فيهم سهيل بن عمرو في أمثاله من أهل مكة، وشيعه ماشيا، وأوصاه وغيره ~~من الأمراء، فكان مما قال ليزيد: # إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن ~~أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن ~~أولى الناس بالله أشدهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه ~~بعمله، وقد وليتك عمل خالد، فإياك وعبية الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض ~~أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا ~~وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، ~~وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك ~~رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا ~~ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، # PageV02P249 # وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي ~~لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق ~~المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في ~~أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، ~~وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن ~~أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول ~~من ms0744 الأخيرة؛ فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ~~ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعا، ولا تغفل عن أهل عسكرك ~~فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف ~~بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ~~ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون ~~أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له. # وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر. # ثم إن أبا بكر استعمل أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره بحمص، وسار ~~أبو عبيدة على باب من البلقاء فقاتله أهله ثم صالحوه، فكان أول صلح في ~~الشام. # واجتمع للروم جمع بالعربة من أرض فلسطين، فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان ~~أبا أمامة الباهلي فهزمهم، فكان أول قتال بالشام بعد سرية أسامة بن زيد. ثم ~~أتوا الدائن فهزمهم أبو أمامة أيضا، ثم مرج الصفر استشهد فيها ابن لخالد بن ~~سعيد، وقيل: استشهد فيها خالد أيضا، وقيل: بل سلم وانهزم على ما نذكره، ~~وذلك أنه لما سمع توجيه الأمراء بالجنود بادر لقتال الروم، فاستطرد له ~~باهان فاتبعه خالد ومعه ذو الكلاع # PageV02P250 # وعكرمة والوليد فنزل مرج الصفر، فاجتمعت عليه مسالح باهان وأخذوا الطرق، ~~وخرج باهان فرأى ابن خالد بن سعيد فقتله ومن معه، فسمع خالد فانهزم، فوصل ~~في هزيمته إلى ذي المروة قريب المدينة، فأمر أبو بكر بالمقام بها، وبقي ~~عكرمة في الناس ردءا للمسلمين يمنع من يطلبهم. # وكان قد قدم شرحبيل بن حسنة من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر وافدا، ~~فأمره أبو بكر بالشام وندب معه الناس، واستعمله على عمل الوليد بن عقبة. ~~فأتى شرحبيل على خالد بن سعيد ففصل عنه ببعض أصحابه، واجتمع إلى أبي بكر ~~ناس فأرسلهم مع معاوية بن أبي سفيان، وأمره باللحاق بأخيه يزيد، فلما مر ~~بخالد فصل عنه بباقي أصحابه. فأذن أبو بكر لخالد بدخول المدينة. فلما وصل ~~الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل ms0745 يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل ~~الأردن، وقيل: بصرى، ونزل عمرو بن العاص العربة. فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى ~~هرقل، وكان بالقدس، فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله لأن تصالحوهم ~~على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم - أحب إليكم من أن ~~يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم. فتفرقوا عنه وعصوه، فجمعهم وسار بهم ~~إلى حمص، فنزلها وأعد الجنود والعساكر، وأراد إشغال كل طائفة من المسلمين ~~بطائفة من عسكره؛ لكثرة جنده؛ لتضعف كل فرقة من المسلمين عمن بإزائه، فأرسل ~~تذارق أخاه لأبيه وأمه في تسعين ألفا إلى عمرو، وأرسل جرجة بن توذر إلى ~~يزيد بن أبي سفيان، وبعث القيقار بن نسطوس في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن ~~الجراح، وبعث الدراقص نحو شرحبيل، فهابهم المسلمون وكاتبوا عمرا ما الرأي، ~~فأجابهم: إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، ~~فإن تفرقنا لا يقوم كل فرقة له بمن استقبلها لكثرة عدونا. # وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو وقال: إن مثلكم لا يؤتى من ~~قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك ~~متساندين، وليصل كل واحد منكم بأصحابه. فاجتمع المسلمون باليرموك، والروم ~~أيضا وعليهم # PageV02P251 # التذارق، وعلى المقدمة جرجة، وعلى المجنبة باهان، ولم يكن وصل بعد إليهم، ~~والدراقص على الأخرى، وعلى الحرب القيقار. فنزل الروم وصار الوادي خندقا ~~لهم، وإنما أرادوا أن يتأنس الروم بالمسلمين لترجع إليهم قلوبهم، ونزل ~~المسلمون على طريقهم، ليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: أبشروا! حصرت ~~الروم، وقل ما جاء محصور بخير. # وأقاموا صفرا عليهم وشهري ربيع لا يقدرون منهم على شيء من الوادي ~~والخندق، ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل عليهم المسلمون. ### | [ذكر مسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام] # لما رأى المسلمون مطاولة الروم استمدوا أبا بكر، فكتب إلى خالد بن الوليد ~~يأمره بالمسير إليهم، وبالحث، وأن يأخذ نصف الناس ويستخلف على النصف الآخر ~~المثنى بن حارثة الشيباني، ولا يأخذن من فيه نجدة إلا ويترك ms0746 عند المثنى ~~مثله، وإذا فتح الله عليهم رجع خالد وأصحابه إلى العراق. # فاستأثر خالد بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المثنى، وترك ~~للمثنى عدادهم من أهل القناعة من ليس له صحبة، ثم قسم الجند نصفين، فقال ~~المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر، وبالله ما أرجو النصر ~~إلا بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما رأى خالد ذلك أرضاه. # وقيل: سار من العراق في ثمانمائة، وقيل: في ستمائة، وقيل: في خمسمائة، ~~وقيل: في تسعة آلاف، وقيل: في ستة آلاف. # وقيل: إنما أمره أبو بكر أن يأخذ أهل القوة والنجدة، فأتى حدوداء فقاتله ~~أهلها فظفر بهم، وأتى المصيخ وبه جمع من تغلب فقاتلهم وظفر بهم، وسبى وغنم. # PageV02P252 # وكان من السبي الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي أم عمر بن علي بن أبي طالب، ~~وقيل في أمرها ما تقدم. # وقيل: سار خالد فلما وصل إلى قراقر، وهو ماء لكلب، أغار على أهلها، وأراد ~~أن يسير منهم مفوزا إلى سوى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال، فالتمس ~~دليلا، فدل على رافع بن عميرة الطائي، فقال له في ذلك، فقال له رافع: إنك ~~لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، فوالله إن الراكب المفرد يخافه على نفسه. ~~فقال: إنه لابد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم؛ لئلا يحبسني عن غياث ~~المسلمين. فأمر صاحب كل جماعة أن يأخذ الماء للشعبة لخمس، وأن يعطش من ~~الإبل الشرف ما يكتفي به، ثم يسقوها عللا بعد نهل - والعلل الشربة الثانية، ~~والنهل الأولى - ثم يصروا آذان الإبل ويشدوا مشافرها؛ لئلا تجتر. ثم ركبوا ~~من قراقر، فلما ساروا يوما وليلة شقوا لعدة من الخيل بطون عشرة من الإبل، ~~فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان، وسقوا الخيل، ففعلوا ذلك أربعة ~~أيام. فلما دنا من العلمين قال للناس: انظروا هل ترون شجرة عوسج كقعدة ~~الرجل؟ فقالوا: ما نراها. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم والله ~~وهلكت معكم! وكان أرمد. فقال لهم: انظروا ويحكم! فنظروا فرأوها ms0747 قد قطعت ~~وبقي منها بقية. فلما رأوها كبروا، فقال رافع: احفروا في أصلها. فحفروا ~~واستخرجوا عينا، فشربوا حتى روي الناس. فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء ~~قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال شاعر من المسلمين: لله عينا رافع ~~أنى اهتدى فوز من قراقر إلى سوى خمسا إذا ما سار الجيش بكى ما سارها قبلك ~~إنسي يرى # PageV02P253 # فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهلها - وهم بهراء - وهم يشربون الخمر ~~ومغنيهم يقول: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندري # ألا عللاني بالزجاج وكرروا ... علي كميت اللون صافية تجري # ألا عللاني من سلافة قهوة تسلي ... هموم النفس من جيد الخمر # أظن خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم قبل الصباح مع النسر # فهل لكم في السير قبل قتالكم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر # فقتل المسلمون مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة وأخذوا أموالهم، وقتل حرقوص ~~بن النعمان البهراني. ثم أتى أرك فصالحوه، ثم أتى تدمر فتحصن أهله ثم ~~صالحوه، ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم، وأتى حوارين فقاتل أهلها ~~فهزمهم وقتل وسبى، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وسار فوصل إلى ثنية ~~العقاب عند دمشق ناشرا رايته، وهي راية سوداء، وكانت لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تسمى العقاب، وقيل: كانت رايته تسمى العقاب فسميت الثنية بها، ~~وقيل: سميت بعقاب من الطير سقطت عليها. والأول أصح. # ثم سار فأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى، # PageV02P254 # وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة، فقتلوا الرجال وسبوا النساء وساقوا العيال ~~إلى خالد. ثم سار حتى وصل إلى بصرى، فقاتل من بها فظفر بهم وصالحهم، فكانت ~~بصرى أول مدينة فتحت بالشام على يد خالد وأهل العراق. # وبعث بالأخماس إلى أبي بكر. ثم سار فطلع على المسلمين في ربيع الآخر، ~~وطلع باهان على الروم ومعه الشمامسة والقسيسون والرهبان يحرضون الروم على ~~القتال، وخرج باهان كالمعتذر، فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، ~~ورجع باهان والروم إلى خندقهم ms0748 وقد نال منهم المسلمون. # (عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم) . ### | [ذكر وقعة اليرموك] # فلما تكامل جمع المسلمين باليرموك، وكانوا سبعة وعشرين ألفا، قدم خالد في ~~تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفا سوى عكرمة، فإنه كان ردءا لهم، وقيل: ~~بل كانوا سبعة وعشرين ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد، وعشرة آلاف ~~مع خالد بن الوليد، فصاروا أربعين ألفا سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل، ~~وقيل في عددهم غير ذلك. والله أعلم. # وكان فيهم ألف صحابي، منهم نحو مائة ممن شهد بدرا. وكان الروم في مائتي ~~ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألف مسلسل للموت، ~~وأربعون ألفا مربطون بالعمائم لئلا يفروا، وثمانون ألف راجل، وقيل: كانوا ~~مائة ألف، وكان قتال المسلمين لهم على تساند، كل أمير على أصحابه لا يجمعهم ~~أحد، حتى قدم خالد بن الوليد من العراق، وكان القسيسون والرهبان يحرضون ~~الروم شهرا، ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة. # فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين، فسار فيهم خالد بن ~~الوليد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي ~~فيه الفخر ولا # PageV02P255 # البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا ~~تقاتلوا قوما على نظام وتعبية وأنتم متساندون؛ فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، ~~وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا ~~به بالذي ترون أنه رأي من واليكم ومحبته. قالوا: هات، فما الرأي؟ قال: إن ~~أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لقد ~~جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من ~~أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله! فقد أفرد كل رجل ~~منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لأحد من الأمراء، ولا يزيده عليه إن دانوا ~~له. إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله، ولا ms0749 عند خليفة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هلموا، فإن هؤلاء قد تهيئوا، وإن هذا يوم له ما بعده، إن ~~رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلموا ~~فلنتعاور الإمارة، فليكن بعضنا اليوم، والآخر بعد غد، حتى تتأمروا كلكم، ~~ودعوني أتأمر اليوم. # فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر لا يطول. # فخرجت الروم في تعبية لم ير الراءون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية لم ~~تعبها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، وقال: إن ~~عدوكم كثير، وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس. فجعل القلب كراديس، ~~وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وشرحبيل بن ~~حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان، وكان على كردوس ~~القعقاع بن عمرو، وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان، وكان القاضي أبو ~~الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وعلى ~~الأقباض عبد الله بن مسعود. # وقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أكثر ~~المسلمين وأقل الروم، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، والله لوددت ~~أن الأشقر - يعني # PageV02P256 # فرسه - براء من توجيه، وأنهم أضعفوا في العدد. وكان قد حفي في مسيره. # فأمر خالد عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو فأنشبا القتال، والتحم ~~الناس وتطارد الفرسان وتقاتلوا، فإنهم على ذلك قدم البريد من المدينة، ~~واسمه محمية بن زنيم، فسألوه الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد، وإنما جاء بموت ~~أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فبلغوه خالدا، فأخبره خبر أبي بكر سرا. # وخرج جرجة إلى بين الصفين وطلب خالدا، فخرج إليه، فآمن كل واحد منهما ~~صاحبه، فقال جرجة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا ~~تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من ~~السماء فأعطاكه، فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: ففيم سميت سيف ~~الله؟ فقال له: إن الله بعث فينا نبيه - صلى ms0750 الله عليه وسلم - فكنت فيمن ~~كذبه وقاتله، ثم إن الله هداني فتابعته، فقال: أنت سيف الله، سله الله على ~~المشركين، ودعا لي بالنصر. قال: فأخبرني إلى ما تدعوني. قال خالد: إلى ~~الإسلام أو الجزية أو الحرب. قال: فما منزلة من الذي يجيبكم ويدخل فيكم؟ ~~قال: منزلتنا واحدة. قال: فهل له مثلكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل؛ ~~لأننا اتبعنا نبينا وهو حي، يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات، وحق ~~لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم، وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا ~~مثلنا، فمن دخل بنية وصدق كان أفضل منا. فقلب جرجة ترسه ومال مع خالد ~~وأسلم، وعلمه الإسلام واغتسل وصلى ركعتين، ثم خرج مع خالد فقاتل الروم. # وحملت الروم حملة أزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة ~~وعمه الحارث بن هشام، فقال عكرمة يومئذ: قاتلت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في كل موطن، ثم أفر اليوم؟ ! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ ~~فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين ~~وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، فمنهم من برأ ~~ومنهم من قتل. وقاتل خالد وجرجة قتالا شديدا، فقتل جرجة عند آخر النهار، ~~وصلى الناس الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب حتى كان ~~بين خيله ورجلهم، فانهزم الفرسان وتركوا الرجالة. # ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، فتفرقت وقتل # PageV02P257 # الرجالة، واقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة حتى ~~هوى فيها المقترنون وغيرهم، ثمانون ألفا من المقترنين، وأربعون ألف مطلق، ~~سوى من قتل في المعركة، وتجلل الفيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم ~~وجلسوا، فقتلوا متزملين. ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق. فلما أصبحوا ~~أتي خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحا، فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة ~~فجعل رأسه على ساقه، ومسح وجوههما وقطر في حلوقهما الماء، وقال: زعم ابن ~~حنتمة - يعني عمر - أنا لا نستشهد! وقاتل النساء ذلك اليوم وأبلين. # قال ms0751 عبد الله بن الزبير: كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أقاتل، فلما ~~اقتتل الناس نظرت إلى ناس على تل لا يقاتلون، فركبت وذهبت إليهم وإذ أبو ~~سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح، فرأوني حدثا فلم يتقوني، ~~قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون: إيه بني الأصفر! ~~فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون قال: ويح بني الأصفر! فلما هزم الله الروم ~~أخبرت أبي فضحك فقال: قاتلهم الله! أبوا إلا ضغنا، لنحن خير لهم من الروم! # وفي اليرموك أصيبت عين أبي سفيان بن حرب. # ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص، فنادى بالرحيل عنها قريبا، وجعلها بينه ~~وبين المسلمين، وأمر عليها أميرا كما أمر على دمشق. وكان من أصيب من ~~المسلمين ثلاثة آلاف، منهم عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن ~~سعيد، وأبان بن سعيد، وجندب بن عمرو، والطفيل بن عمرو، وطليب بن عمير، ~~وهشام بن العاص، وعياش بن أبي ربيعة، في قول بعضهم. # (عياش بالياء المثناة والشين المعجمة) . # وفيها قتل سعيد بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة. # PageV02P258 # وفيها قتل نعيم بن عبد الله النحام العدوي عدي قريش، وكان إسلامه قبل ~~عمر. # وفيها قتل النضير بن الحارث بن علقمة، وهو قديم الإسلام والهجرة، وهو أخو ~~النضر الذي قتل ببدر كافرا. # وقتل فيها أبو الروم بن عمير بن هاشم العبدري أخو مصعب بن عمير، وهو من ~~مهاجرة الحبشة، شهد أحدا. وقيل: قتلوا يوم أجنادين. والله أعلم. ### | [ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق] # وأما المثنى بن حارثة الشيباني فإنه لما ودع خالد بن الوليد، وسار خالد ~~إلى الشام فيمن معه بالجند، أقام بالحيرة ووضع المسلحة وأذكى العيون، ~~واستقام أمر فارس بعد مسير خالد من الحيرة بقليل، وذلك سنة ثلاث عشرة، على ~~شهريران بن أردشير بن شهريار سابور، فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز ~~جاذويه في عشرة آلاف، فخرج المثنى من الحيرة نحوه وعلى مجنبتيه المعنى ~~ومسعود أخواه، فأقام ببابل، وأقبل هرمز نحوه، وكتب ms0752 كسرى شهريران إلى المثنى ~~كتابا: إني قد بعثت إليكم جندا من وخش أهل فارس، إنما هم رعاء الدجاج ~~والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: إنما أنت أحد رجلين: ~~إما باغ، فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكاذبين فضيحة عند الله ~~وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما أضررتم إليهم، ~~فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. # فجزع الفرس من كتابه، فالتقى المثنى وهرمز ببابل فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~وكان فيلهم يفرق المسلمين، فانتدب له المثنى ومعه ناس فقتلوه، وانهزم الفرس ~~وتبعهم المسلمون إلى المدائن يقتلونهم. ومات شهريران لما انهزم هرمز ~~جاذويه، واختلف أهل فارس، وبقي ما دون دجلة بيد المثنى. # ثم اجتمعت الفرس على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر وخلعت، وملك ~~سابور بن شهريران. فلما ملك قام بأمره الفرخزاد بن البنذوان، فسأله أن ~~يزوجه # PageV02P259 # آزرميدخت بنت كسرى، فأجابه. فغضبت آزرميدخت فأرسلت إلى سياوخش، فلما كان ~~ليلة العرس أقبل الفرخزاد حتى دخل، فثار به سياوخش فقتله، وقصدت آزرميدخت ~~ومعها سياوخش سابور فحصروه، ثم قتلوه، وملكت آزرميدخت ثم تشاغلوا بذلك. # وأبطأ خبر أبي بكر على المثنى، فاستخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية ~~وسار إلى المدينة إلى أبي بكر ليخبره خبر المشركين، ويستأذنه في الاستعانة ~~بمن حسنت توبته من المرتدين، فإنهم أنشط إلى القتال من غيرهم، فقدم المدينة ~~وأبو بكر مريض قد أشفى، فأخبره الخبر، فاستدعى عمر وقال له: إني لأرجو أن ~~أموت يومي هذا، فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم ~~مصيبة عن أمر دينكم ووصية ربكم، فقد رأيتني متوفى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله، وإذا فتح الله على أهل الشام ~~فاردد أهل العراق إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وأهل الجرأة عليهم. # ومات أبو بكر ليلا فدفنه عمر وندب الناس مع المثنى، وقال عمر: قد علم أبو ~~بكر أنه يسوءني أن أؤمر خالدا، فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد، ms0753 وترك ذكره ~~معهم. # وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبي بكر، فهذا حديث العراق إلى آخر أيام أبي بكر ~~- رضي الله عنه -. ### | [ذكر وقعة أجنادين] # قد ذكرها أبو جعفر عقيب وقعة اليرموك، وروى خبرها عن ابن إسحاق من اجتماع ~~الأمراء ومسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نحو ما تقدم، وقال: فسار ~~خالد من مرج راهط إلى بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ~~ويزيد بن أبي سفيان، فصالحهم أهلها على الجزية، فكانت أول مدينة فتحت ~~بالشام في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص ~~وهو مقيم بالعربات، واجتمعت الروم بأجنادين وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه، ~~وقيل كان على الروم القبقلار، وأجنادين بين الرملة وبيت جبرين من أرض ~~فلسطين، وسار عمرو بن # PageV02P260 # العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم، ونزلوا بأجنادين وعسكروا عليهم، فبعث ~~القبقلار عربيا إلى المسلمين يأتيه بخبرهم، فدخل فيهم وأقام يوما وليلة ثم ~~عاد إليه، فقال: ما وراءك؟ فقال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ~~ملكهم قطعوه، ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم. فقال: إن كنت صدقتني لبطن ~~الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. # والتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، فظهر ~~المسلمون وهزم المشركون، وقتل القبقلار وتذارق، واستشهد رجال من المسلمين، ~~منهم: سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن الأسود، ونعيم بن عبد الله ~~النحام، وهشام بن العاص بن وائل، وقيل: بل قتل باليرموك، وجماعة غيرهم # قال: ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك، وجاءهم خبر وفاة أبي بكر ~~وهم مصافون، وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب. هذه سياقة الخبر # وكان فيمن قتل ضرار بن الخطاب الفهري، وله صحبة، وعمرو بن سعيد بن العاص، ~~وهو من مهاجرة الحبشة، وقتل باليرموك، وممن قتل الفضل بن العباس، وقيل: قتل ~~بمرج الصفر، وقيل: مات في طاعون عمواس. # وفيها قتل طليب بن عمير بن وهب القرشي، وقتل باليرموك، شهد بدرا، وهو من ~~المهاجرين الأولين. # وفيها قتل عبد الله بن ms0754 أبي جهم القرشي العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح. # وفيها قتل عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعد أن قتل جمعا من الروم في ~~المعركة، وكان عمره يوم مات النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ثلاثين سنة. # وفيها قتل عبد الله بن الطفيل الدوسي، وهو الملقب بذي النور، وكان من ~~فضلاء الصحابة، قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة. # PageV02P261 # (أجنادين بعد الجيم نون، ودال مهملة مفتوحة، ومنهم من يكسرها، ثم ياء ~~مثناة من تحتها ساكنة، وآخره نون) . # وقد قيل: إن وقعة أجنادين كانت سنة خمس عشرة، وسيرد ذكرها إن شاء الله. ### | [ذكر وفاة أبي بكر] # كانت وفاة أبي بكر - رضي الله عنه - لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة ~~ليلة الثلاثاء، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو الصحيح، وقيل غير ذلك، وكان قد ~~سمه اليهود في أرز، وقيل في حريرة، وهي الحسو، فأكل هو والحارث بن كلدة، ~~فكف الحارث وقال لأبي بكر: أكلنا طعاما مسموما سم سنة. فماتا بعد سنة. # وقيل: إنه اغتسل وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، ~~فأمر عمر أن يصلي بالناس. ولما مرض قال له الناس: ألا ندعو الطبيب؟ قال: قد ~~أتاني وقال لي: أنا فاعل ما أريد. فعلموا مراده وسكتوا عنه، ثم مات. # وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وقيل: كانت سنتين وأربعة أشهر ~~إلا أربع ليال، وكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين. # وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن، وأن يكفن في ~~ثوبيه ويشترى معهما ثوب ثالث، وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إنما ~~هو للمهلة والصديد. # ودفن ليلا وصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكبر عليه أربعا، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة، وجعل رأسه ~~عند كتفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وألصقوا لحده بلحد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وجعل قبره مثل قبر النبي - صلى ms0755 الله عليه وسلم - مسطحا. وأقامت ~~عائشة عليه النوح، فنهاهن عن البكاء عمر، فأبين، فقال لهشام بن الوليد: ~~ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة، # PageV02P262 # فأخرج إليه أم فروة ابنة أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات، فتفرق النوح ~~حين سمعن ذلك. # وكان آخر ما تكلم به: توفني مسلما وألحقني بالصالحين. # وكان أبيض خفيف العارضتين، أحنى، لا يستمسك إزاره، معروق الوجه، نحيفا، ~~أقنى، غائر العينين، يخضب بالحناء والكتم، وكان أبوه حيا بمكة لما توفي. # وهو أبو بكر عبد الله، وقيل: عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن ~~كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، يجتمع مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن ~~عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. # وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: أنت عتيق من النار، ~~فلزمه، وقيل: إنما قيل له عتيق لرقة حسنه وجماله. وأسلمت أمه قديما بعد ~~إسلام أبي بكر، وتزوج في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزى بن عامر بن لؤي، ~~فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان، واسمها دعد ~~بنت عامر بن عميرة الكنانية، فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وتزوج في الإسلام ~~أسماء بنت عميس، وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له محمد بن أبي ~~بكر، وتزوج أيضا في الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصارية، فولدت له ~~بعد وفاته أم كلثوم. ### | [أسماء قضاته وعماله وكتابه] # لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال له عمر: أنا ~~أكفيك القضاء. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان. وكان علي بن أبي طالب يكتب له، ~~وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وكان يكتب له من حضر. # PageV02P263 # وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد، ومات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، ~~وقيل: مات بعده، وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر ~~بن ms0756 أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى خولان يعلى بن منية، ~~وعلى زبيد ورمع أبو موسى، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن ~~الحضرمي. وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، ~~وعياض بن غنم إلى دومة الجندل. وكان بالشام أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد وعمرو، ~~وكل رجل منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد. # وكان نقش خاتمه: نعم القادر الله. وعاش أبوه بعده ستة أشهر وأياما، ومات ~~وله سبع وتسعون سنة. ### | [ذكر بعض أخباره ومناقبه] # كان أبو بكر أول الناس إسلاما في قول بعضهم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له ~~عنه كبوة غير أبي بكر» . والذي ورد له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~المناقب كثير، كشهادته له الجنة، وعتقه من النار، وغير ذلك من الإخبار ~~بخلافته تعريضا، كقوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة: «إن لم تجديني فأتي ~~أبا بكر» ، وكقوله: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، إلى غير ذلك» . # وشهد بدرا وأحدا والخندق وغير ذلك من المشاهد مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأعتق سبعة نفر كلهم يعذب في الله - تعالى - منهم: بلال، وعامر ~~بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية وابنها، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس وأسلم. وله ~~أربعون ألفا أنفقها في الله مع ما كسب في التجارة. # ولما ولي الخلافة وارتدت العرب خرج شاهرا سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي ~~وأخذ بزمام راحلته وقال له: أين يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-! أقول لك ما قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: شم سيفك، ~~لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام. فرجع وأمضى ~~الجيش. # وكان له بيت مال بالسنح، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة، فقيل له: # PageV02P264 # ألا نجعل عليه من يحرسه؟ قال: لا. فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين ~~فلا يبقى فيه شيء، ms0757 فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه في داره. # وفي خلافته افتتح معدن بني سليم، وكان يسوي في قسمته بين السابقين ~~الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين الحر والعبد والذكر والأنثى، فقيل له: ~~لتقدم أهل السبق على قدر منازلهم، فقال: إنما أسلموا لله، ووجب أجرهم عليه ~~يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وكان يشتري الأكسية ويفرقها ~~في الأرامل في الشتاء. # ولما توفي أبو بكر جمع عمر الأمناء وفتح بيت المال، فلم يجدوا فيه شيئا ~~غير دينار سقط من غرارة، فترحموا عليه. # قال أبو صالح الغفاري: كان عمر يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل، ~~فيقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، ففعل ما أرادت. ~~فرصده عمر فإذا هو أبو بكر، كان يأتيها ويقضي أشغالها سرا وهو خليفة، فقال ~~له: أنت هو لعمري! قال أبو بكر بن حفص بن عمر: لما حضرت أبا بكر الوفاة ~~حضرته عائشة وهو يعالج الموت فتمثلت: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك ولكن {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منه تحيد} [ق: 19] ، إني قد كنت نحلتك حائط كذا وفي نفسي منه شيء، ~~فرديه على الميراث، فردته، فقال: إنما هما أخواك وأختاك. قالت: من الثانية؟ ~~إنما هي أسماء. قال: ذات بطن بنت خارجة، يعني زوجته، وكانت حاملا فولدت أم ~~كلثوم بعد موته. وقال لها: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ~~دينارا ولا درهما، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، ~~وليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا العبد وهذا البعير وهذه القطيفة، فإذا ~~مت فابعثي بالجميع إلى عمر. فلما مات بعثته إلى عمر، فلما رآه بكى حتى سالت ~~دموعه إلى الأرض وجعل يقول: رحم الله أبا بكر! لقد أتعب من بعده. ويكرر ~~ذلك. وأمر برفعه. فقال عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله! تسلب عيال أبي بكر ~~عبدا وناضحا وسحق قطيفة ثمنها خمسة دراهم، ms0758 فلو أمرت بردها عليهم. فقال: لا ~~والذي بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - لا يكون هذا في ولايتي، ولا خرج ~~أبو بكر منه وأتقلده أنا. وأمر أبو بكر أن يرد جميع ما أخذ من بيت المال ~~لنفقته بعد وفاته. # وقيل: إن زوجته اشتهت حلوا فقال: ليس لنا ما نشتري به، فقالت: أنا أستفضل ~~في عدة أيام ما نشتري به. قال: افعلي، ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام # PageV02P265 # كثيرة شيء يسير، فلما عرفته ليشتري به حلوا أخذه، فرده إلى بيت المال، ~~وقال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم، وغرمه ~~لبيت المال من ملك كان له. # هذا والله هو التقوى الذي لا مزيد عليه وبحق قدمه الناس - رضي الله عنه ~~وأرضاه. # وكان منزل أبي بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، فأقام هنالك ستة ~~أشهر بعدما بويع له، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب فرسه، ~~فيصلي بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح، وكان إذا غاب صلى بالناس ~~عمر. وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح ~~عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، ~~فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها ~~فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت فيه. فكان ~~يحلب لهم. ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته وقال: ما تصلح أمور ~~الناس مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم. فترك التجارة، ~~وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم، ويحج ويعتمر، فكان الذي ~~فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم. # وقيل: فرضوا له ما يكفيه، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ~~ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين. # وكان أول وال فرض له رعيته نفقته، وأول خليفة ولي وأبوه حي، وأول من سمى ~~مصحف القرآن مصحفا، وأول من سمي ms0759 خليفة. # (زنيرة بكسر الزاي، والنون مشددة. وعبيس بضم العين المهملة، وبالباء ~~الموحدة المفتوحة، ثم بالياء المثناة من تحت، وبالسين المهملة. ومنية ~~بالنون الساكنة، والياء تحتها نقطتان) . ### | [ذكر استخلافه عمر بن الخطاب] # لما نزل بأبي بكر - رضي الله عنه - الموت دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ~~أخبرني عن عمر. فقال: إنه أفضل من رأيك إلا أنه فيه غلظة. فقال أبو بكر: ~~ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد ~~رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراني الشدة ~~عليه. ودعا عثمان بن عفان وقال # PageV02P266 # له: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال ~~أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركته ما عدوت عثمان، ~~والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا، وكنت ~~فيمن مضى من سلفكم. # ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر وقد ~~رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك ~~عن رعيتك! فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني! إذا لقيت ~~ربي فسألني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك. # ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خاليا ليكتب عهد عمر، فقال له: اكتب: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، ~~أما بعد 000 - ثم أغمي عليه - فكتب عثمان: أما بعد، فإني قد استخلفت عليكم ~~عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيرا. ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي. فقرأ عليه، ~~فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. ~~قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله. # فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى ~~له ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم ms0760 - فإنه لم يألكم نصحا. فسكن الناس، فلما قرئ عليهم الكتاب ~~سمعوا وأطاعوا، وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال: أترضون بمن استخلفت ~~عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا ~~له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. ثم ~~أحضر أبو بكر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأوصاه بتقوى الله، ثم قال: يا عمر، إن لله حقا بالليل لا ~~يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى ~~تؤدى الفريضة، ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة ~~باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق أن يكون # PageV02P267 # ثقيلا. ألم تر يا عمر أنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة ~~باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا باطل أن يكون ~~خفيفا. ألم تر يا عمر أنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع ~~آية الرخاء؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ~~ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه. أولم تر يا عمر أنما ذكر الله ~~أهل النار بأسوأ أعمالهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون منهم، ~~وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم؛ لأنه يجاوز لهم ما كان من سيئ، ~~فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب ~~إليك من حاضر من الموت، ولست بمعجزه. # وتوفي أبو بكر، فلما دفن صعد عمر بن الخطاب فخطب الناس ثم قال: إنما مثل ~~العرب مثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقوده، وأما أنا فورب ~~الكعبة لأحملنكم على الطريق! # وكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتولية جند خالد، وبعزل ~~خالد؛ لأنه كان عليه ساخطا في خلافة أبي بكر كلها؛ لوقعته بابن نويرة، وما ~~كان يعمل في ms0761 حربه، وأول ما تكلم به عزل خالد وقال: لا يلي لي عملا أبدا، ~~وكتب إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه، وإن لم ~~يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه، وانزع عمامته عن رأسه، وقاسمه ماله. ~~فذكر ذلك لخالد، فاستشار أخته فاطمة، وكانت عند الحارث بن هشام، فقالت له: ~~والله لا يحبك عمر أبدا، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك. فقبل رأسها ~~وقال: صدقت، فأبى أن يكذب نفسه، فأمر أبو عبيدة فنزع عمامة خالد وقاسمه ~~ماله، ثم قدم خالد على عمر بالمدينة. وقيل: بل هو أقام بالشام مع المسلمين. ~~وهو أصح. ### | [ذكر فتح دمشق] # قيل: ولما هزم الله أهل اليرموك استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن ~~كعب الحميري، وسار حتى نزل بالصفر، فأتاه الخبر أن المنهزمين اجتمعوا بفحل، ~~وأتاه الخبر أيضا بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فكتب إلى عمر في ذلك، ~~فأجابه عمر # PageV02P268 # يأمره بأن يبدأ بدمشق، فإنها حصن الشام وبيت ملكهم، وأن يشغل أهل فحل ~~بخيل تكون بإزائهم، وإذا فتح دمشق سار إلى فحل، فإذا فتحت عليهم سار هو ~~وخالد إلى حمص، وترك شرحبيل بن حسنة وعمرا بالأردن وفلسطين. # فأرسل أبو عبيدة إلى فحل طائفة من المسلمين فنزلوا قريبا منها، وبثق ~~الروم الماء حول فحل فوحلت الأرض، فنزل عليهم المسلمون، فكان أول محصور ~~بالشام أهل فحل، ثم أهل دمشق. # وبعث أبو عبيدة جندا فنزلوا بين حمص ودمشق، وأرسل جندا آخر، فكانوا بين ~~دمشق وفلسطين، وسار أبو عبيدة وخالد فقدموا على دمشق وعليها نسطاس، فنزل ~~أبو عبيدة على ناحية، وخالد على ناحية، وعمرو على ناحية، وكان هرقل قريب ~~حمص، فحصرهم المسلمون سبعين ليلة حصارا شديدا، وقاتلوهم بالزحف والمجانيق، ~~وجاءت خيول هرقل مغيثة دمشق، فمنعتها خيول المسلمين التي عند حمص، فخذل أهل ~~دمشق، وطمع فيهم المسلمون. # وولد للبطريق الذي على أهلها مولود، فصنع طعاما، فأكل القوم وشربوا، ~~وتركوا مواقفهم، ولا يعلم بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان ms0762 من خالد، فإنه ~~كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، وكان قد اتخذ حبالا ~~كهيئة السلاليم وأوهاقا، فلما أمسى ذلك اليوم نهد هو ومن معه من جنده الذين ~~قدم عليهم، وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله، وقالوا: ~~إذا سمعتم تكبيرا على السور فارقوا إلينا، واقصدوا الباب. فلما وصل هو ~~وأصحابه إلى السور ألقوا الحبال، فعلق بالشرف منها حبلان، فصعد فيهما ~~القعقاع ومذعور وأثبتا الحبال بالشرف، وكان ذلك المكان أحصن موضع بدمشق، ~~وأكثره ماء، فصعد المسلمون، ثم انحدر خالد وأصحابه وترك بذلك المكان من ~~يحميه وأمرهم بالتكبير، فكبروا، فأتاهم المسلمون إلى الباب وإلى الحبال، ~~وانتهى خالد إلى من يليه فقتلهم، وقصد الباب فقتل البوابين، وثار أهل ~~المدينة لا يدرون ما الحال، وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم، وفتح خالد ~~الباب وقتل كل من عنده من الروم. # فلما رأى الروم ذلك قصدوا أبا عبيدة وبذلوا له الصلح، فقبل منهم وفتحوا ~~له الباب # PageV02P269 # وقالوا له: ادخل وامنعنا من أهل ذلك الجانب، ودخل أهل كل باب بصلح مما ~~يليهم. ودخل خالد عنوة، فالتقى خالد والقواد في وسطها، هذا قتلا ونهبا، ~~وهذا صفحا وتسكينا، فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح، وكان صلحهم على ~~المقاسمة، وقسموا معهم للجنود التي عند فحل وعند حمص وغيرهم ممن هو ردء ~~للمسلمين. # وأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، فوصل كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره ~~بإرسال جند العراق نحو العراق إلى سعد بن أبي وقاص، فأرسلهم وأمر عليهم ~~هاشم بن عتبة المرقال، وكانوا قد قتل منهم، فأرسل أبو عبيدة عوض من قتل، ~~وكان ممن أرسل الأشتر وغيره، وسار أبو عبيدة إلى فحل. ### | [ذكر غزوة فحل] # فلما فتحت دمشق سار أبو عبيدة إلى فحل، واستخلف على دمشق يزيد بن أبي ~~سفيان، وبعث خالدا على المقدمة، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة، وكان على ~~المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى ~~الرجال عياض بن غنم، وكان أهل فحل قد قصدوا بيسان، فهم ms0763 بها، فنزل شرحبيل ~~بالناس فحلا، وبينهم وبين الروم تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر، ~~وكانت العرب تسمي تلك الغزاة ذات الردغة وبيسان وفحل. وأقام الناس ينتظرون ~~كتاب عمر، فاعترهم الروم، فخرجوا وعليهم سقلار بن مخراق، فأتوهم والمسلمون ~~حذرون، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية، فلما هجموا على ~~المسلمين لم يناظروهم فاقتتلوا أشد قتال كان لهم ليلتهم ويومهم إلى الليل، ~~وأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزم الروم وهم حيارى، وقد أصيب رئيسهم ~~سقلار والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم وركبوهم، ولم تعرف الروم ~~مأخذهم، فانتهت بهم الهزيمة إلى الوحل فركبوه، ولحقهم المسلمون فأخذوهم، ~~ولا يمنعون يد لامس، فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة بفحل والقتل بالرداغ، ~~فأصيب الروم وهم ثمانون ألفا، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقد كان الله # PageV02P270 # يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق والوحل، فكانت عونا لهم على ~~عدوهم، وغنموا أموالهم فاقتسموها. وانصرف أبو عبيدة بخالد ومن معه إلى حمص. # وممن قتل في هذه الحرب السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، له صحبة. # (فحل بكسر الفاء، وسكون الحاء المهملة، وآخره لام) . ### | [ذكر فتح بلاد ساحل دمشق] # لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق، وسار إلى فحل - سار ~~يزيد إلى مدينة صيدا وعرقة وجبيل وبيروت، وهي سواحل دمشق، على مقدمته أخوه ~~معاوية، ففتحها فتحا يسيرا، وجلا كثير من أهلها، وتولى فتح عرقة معاوية ~~بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة ~~عمر وأول خلافة عثمان، فقصدهم معاوية ففتحها، ثم رمها وشحنها بالمقاتلة ~~وأعطاهم القطائع. # ولما ولي عثمان الخلافة وجمع لمعاوية الشام وجه معاوية سفيان بن مجيب ~~الأزدي إلى طرابلس، وهي ثلاث مدن مجتمعة، ثم بنى في مرج على أميال منها ~~حصنا سمي حصن سفيان، وقطع المادة عن أهلها من البر والبحر وحاصرهم، فلما ~~اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إلى ملك الروم ~~يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد ms0764 الروم، فوجه ~~إليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، وكان يبيت هو ~~والمسلمون في حصنه ثم يغدو على العدو، وجد الحصن خاليا فدخله، وكتب بالفتح ~~إلى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كثيرة # PageV02P271 # من اليهود، وهو الذي فيه المينا اليوم، ثم بناه عبد الملك بن مروان ~~وحصنه، ثم نقض أهله أيام عبد الملك، ففتحه ابنه الوليد في زمانه. ### | [ذكر فتح بيسان وطبرية] # لما قصد أبو عبيدة حمص من فحل أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان، فقاتلوا ~~أهلها، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق، فقبل ذلك ~~منهم. # وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طبرية يحاصرها، فصالحه أهلها على صلح ~~دمشق أيضا، وأن يشاطروا المسلمين المنازل، فنزلها القواد وخيولها، وكتبوا ~~بالفتح إلى عمر. # قال أبو جعفر: وقد اختلفوا في أي هذه الغزوات كان قبل الأخرى، فقيل ما ~~ذكرنا، وقيل: إن المسلمين لما فرغوا من أجنادين اجتمع المنهزمون بفحل، ~~فقصدها المسلمون فظفروا بها. # ثم لحق المنهزمون من فحل بدمشق، فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحوها، وقدم ~~كتاب عمر بن الخطاب بعزل خالد وولاية أبي عبيدة وهم محاصرون دمشق، فلم ~~يعرفه أبو عبيدة ذلك حتى فرغوا من صلح دمشق، وكتب الكتاب باسم خالد، وأظهر ~~أبو عبيدة بعد ذلك عزله، وكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وفتح دمشق ~~في رجب سنة أربع عشرة. # وقيل: إن وقعة اليرموك كانت سنة خمس عشرة، ولم تكن للروم بعدها وقعة، ~~وإنما اختلفوا لقرب بعض ذلك من بعض. # PageV02P272 ### | [ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود] # قد ذكرنا قدوم المثنى بن حارثة الشيباني من العراق على أبي بكر، ووصية ~~أبي بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه، فلما أصبح عمر من الليلة التي ~~مات فيها أبو بكر أول ما عمل أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى ~~أهل فارس، ثم بايع الناس، ثم ندب الناس وهو يبايعهم، ثلاثا، ولا ينتدب أحد ~~إلى فارس، وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين، وأكرههم إليهم ms0765 لشدة سلطانهم ~~وشوكتهم وقهرهم الأمم، فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى العراق، فكان ~~أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد المختار، وسعد بن عبيد ~~الأنصاري، وسليط بن قيس، وهو ممن شهد بدرا، وتتابع الناس. # وتكلم المثنى بن حارثة فقال: أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا ~~قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، ونلنا منهم، واجترأنا ~~عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعدها. فاجتمع الناس، فقيل لعمر: أمر عليهم ~~رجلا من السابقين من المهاجرين أو الأنصار. قال: لا والله لا أفعل، إنما ~~رفعهم الله - تعالى - بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو، فإذا فعل فعلهم قوم ~~وتثاقلوا كان الذين ينفرون خفافا وثقالا ويسبقون إلى الرفع أولى بالرئاسة ~~منهم، والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا، ثم دعا أبا عبيد، وسعدا ~~وسليطا، وقال لهما: لو سبقتماه لوليتكما، ولأدركتما بها إلى ما لكما من ~~السابقة. فأمر أبا عبيد وقال له: اسمع من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأشركهم في الأمر، ولم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته إلى الحرب، ~~وفي التسرع إلى الحرب ضياع الأعراب، فإنه لا يصلحها إلا الرجل المكيث. ~~وأوصاه بجنده. فكان بعث أبي عبيد أول جيش سيره عمر، ثم بعده سير يعلى بن ~~منية إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران بوصية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن لا يجتمع بجزيرة العرب دينان. # PageV02P273 ### | [ذكر خبر النمارق] # فسار أبو عبيد الثقفي، وسعد بن عبيد وسليط بن قيس الأنصاريان، والمثنى بن ~~حارثة الشيباني أحد بني هند من المدينة، وأمر عمر المثنى بالتقدم إلى أن ~~يقدم عليه أصحابه، وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة. ففعلوا ~~ذلك، وسار المثنى فقدم الحيرة، وكانت الفرس تشاغلت عن المسلمين بموت ~~شهريران حتى اصطلحوا على سابور بن شهريار بن أردشير، فثارت به آزرميدخت، ~~فقتلته وقتلت الفرخزاد، وملكت بوران، وكانت عدلا بين الناس حتى يصطلحوا، ~~فأرسلت إلى رستم بن الفرخزاد بالخبر وتحثه على السير، وكان على فرج خراسان، ~~فأقبل لا يلقى ms0766 جيشا لآزرميدخت إلا هزمه، حتى دخل المدائن، فاقتتلوا، وهزم ~~سياوخش وحصره وآزرميدخت بالمدائن. ثم افتتحها رستم وقتل سياوخش وفقأ عين ~~آزرميدخت، ونصب بوران على أن تملكه عشر سنين، ثم يكون الملك في آل كسرى إن ~~وجدوا من غلمانهم أحدا، وإلا ففي نسائهم، ودعت مرازبة فارس وأمرتهم أن ~~يسمعوا له ويطيعوا، وتوجته، فدانت له فارس قبل قدوم أبي عبيد. وكان منجما ~~حسن المعرفة به وبالحوادث، فقال له بعضهم: ما حملك على هذا الأمر وأنت ترى ~~ما ترى؟ قال: حب الشرف والطمع. # ثم قدم المثنى إلى الحيرة في عشر، وقدم أبو عبيد بعده بشهر. فكتب رستم ~~إلى الدهاقين أن يثوروا بالمسلمين، وبعث في كل رستاق رجلا يثور بأهله، فبعث ~~جابان إلى فرات بادقلى، وبعث نرسي إلى كسكر ووعدهم يوما، وبعث جندا لمصادمة ~~المثنى، وبلغ المثنى الخبر فحذر، وعجل جابان ونزل النمارق، وثاروا وتوالوا ~~على الخروج، وخرج أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى من ~~الحيرة، فنزل خفان لئلا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه، وأقام حتى قدم عليه أبو ~~عبيد. فلما قدم لبث أياما يستريح هو وأصحابه، واجتمع إلى جابان بشر كثير، ~~فنزل النمارق، وسار إليه # PageV02P274 # أبو عبيد فجعل المثنى على الخيل، وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ~~ومردانشاه، فاقتتلوا بالنمارق قتالا شديدا، فهزم الله أهل فارس وأسر جابان، ~~أسره مطر بن فضة التيمي، وأسر مردانشاه، أسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله. # وأما جابان فإنه خدع مطرا وقال له: هل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين ~~خفيفين في عملك، وكذا وكذا؟ ففعل، فخلى عنه، فأخذه المسلمون وأتوا به أبا ~~عبيد وأخبروه أنه جابان، وأشاروا عليه بقتله. فقال: إني أخاف الله أن أقتله ~~وقد آمنه رجل مسلم، والمسلمون كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم، ~~وتركوه. وأرسل في طلب المنهزمين حتى أدخلوهم عسكر نرسي، وقتلوا منهم. # (أكتل بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح التاء المثناة باثنتين من فوقها، ~~وفي آخره لام) . ### | [ذكر وقعة السقاطية بكسكر] # ولحق المنهزمون نحو كسكر وبها نرسي، وهو ms0767 ابن خالة الملك، وكان له ~~النرسيان، وهو نوع من التمر يحميه، لا يأكله إلا ملك الفرس أو من أكرموه ~~بشيء منه، ولا يغرسه غيرهم، واجتمع إلى النرسي الفالة، وهو في عسكره، فسار ~~أبو عبيد إليهم من النمارق، وكان على مجنبتي نرسي بندويه وتيرويه ابنا ~~بسطام خال الملك، ومعه أهل باروسما والزوابي. ولما بلغ الخبر بوران ورستم ~~بهزيمة جابان بعثا الجالينوس إلى نرسي، فلحقه قبل الحرب، فعاجلهم أبو عبيد، ~~فالتقوا أسفل من كسكر، بمكان يدعى السقاطية، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم ~~انهزمت فارس وهرب نرسي، وغلب المسلمون على عسكره وأرضه وجمعوا الغنائم، ~~فرأى أبو عبيد من الأطعمة شيئا كثيرا، فنفله من حوله من العرب، وأخذوا ~~النرسيان فأطعموه الفلاحين، وبعثوا بخمسه إلى عمر وكتبوا إليه: إن الله ~~أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها، وأحببنا أن تروها؛ لتشكروا إنعام الله ~~وإفضاله. وأقام أبو عبيد. # PageV02P275 # وبعث أبو عبيد المثنى إلى باروسما، وبعث والقا إلى الزوابي، وعاصما إلى ~~نهر جوبر، فهزموا من كان تجمع، وأخرجوا وسبوا أهل زندورد وغيرها، وبذل لهم ~~فروخ وفراونداد عن أهل باروسما والزوابي وكسكر - الجزاء معجلا، فأجابوا إلى ~~ذلك وصاروا صلحا، وجاء فروخ وفراونداد إلى أبي عبيد بأنواع الطعام والأخصبة ~~وغيرها، فقال: هل أكرمتم الجند بمثلها؟ فقالوا: لم يتسير ونحن فاعلون. ~~وكانوا يتربصون قدوم الجالينوس. فقال أبو عبيد: لا حاجة لنا فيه، بئس المرء ~~أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم استأثر عليهم بشيء، ولا الله لا آكل ما ~~أتيتم به ولا مما أفاء الله إلا مثل ما يأكل أوساطهم. فلما هزم الجالينوس ~~أتوه بالأطعمة أيضا، فقال: ما آكل هذا دون المسلمين. فقالوا له: ليس من ~~أصحابك أحد إلا وقد أتى بمثل هذا، فأكل حينئذ. ### | [ذكر وقعة الجالينوس] # ولما بعث رستم الجالينوس أمره أن يبدأ بنرسي، ثم يقاتل أبا عبيد، فبادره ~~أبو عبيد إلى نرسي فهزمه، وجاء الجالينوس فنزل بباقسياثا من باروسما، فسار ~~إليه أبو عبيد وهو على تعبيته، فالتقوا بها، فهزمهم المسلمون وهرب ~~الجالينوس، وغلب أبو عبيد على تلك البلاد، ثم ارتحل ms0768 حتى قدم الحيرة، وكان ~~عمر قد قال له: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم ~~على قوم تجرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون، ~~واحرز لسانك، ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما يضبطه متحصن لا يؤتى من وجه ~~يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة. ### | [ذكر وقعة قس الناطف ويقال لها الجسر ويقال المروحة وقتل أبي عبيد بن مسعود] # ولما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما ومن معه من جنده قال رستم: أي العجم # PageV02P276 # أشد على العرب؟ قال: بهمن جاذويه المعروف بذي الحاجب - وإنما قيل له ذو ~~الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا. فوجهه ومعه فيلة، ورد ~~الجالينوس معه وقال لبهمن: إن انهزم الجالينوس ثانية فاضرب عنقه. فأقبل ~~بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى، وكانت من جلود النمر، عرض ثمانية ~~أذرع، وطول اثني عشر ذراعا، فنزل بقس الناطف. وأقبل أبو عبيد فنزل ~~بالمروحة، فرأت دومة - امرأته أم المختار ابنه - أن رجلا نزل من السماء ~~بإناء فيه شراب، فشرب أبو عبيد ومعه نفر، فأخبرت بها أبا عبيد فقال: لهذه ~~إن شاء الله شهادة! وعهد إلى الناس فقال: إن قتلت فعلى الناس فلان، فإن قتل ~~فعليهم فلان، حتى أمر الذين شربوا من الإناء، ثم قال: فإن قتل فعلى الناس ~~المثنى. # وبعث إليه بهمن جاذويه: إما أن تعبر إلينا وندعكم والعبور، وإما أن ~~تدعونا نعبر إليكم. فنهاه الناس عن العبور، ونهاه سليط أيضا، فلج وترك ~~الرأي وقال: لا يكونوا أجرأ على الموت منا. فعبر إليهم على جسر عقده ابن ~~صلوبا للفريقين، وضاقت الأرض بأهلها واقتتلوا، فلما نظرت الخيول إلى ~~الفيلة، والخيل عليها التجافيف، رأت شيئا منكرا لم تكن رأت مثله، فجعل ~~المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم عليهم خيولهم، وإذا حملت الفرس على ~~المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت خيولهم وكراديسهم ورموهم بالنشاب. واشتد ~~الأمر بالمسلمين، فترجل أبو عبيد والناس، ثم مشوا إليهم ثم صافحوهم ~~بالسيوف، فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: ~~احتوشوا الفيلة ms0769 واقطعوا بطانها واقلبوا عنها أهلها، ووثب هو على الفيل ~~الأبيض فقطع بطانه ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك، فما تركوا فيلا ~~إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه. وأهوى الفيل لأبي عبيد، فضربه أبو عبيد ~~بالسيف، وخبطه الفيل بيده فوقع، فوطئه الفيل وقام عليه. فلما بصر به الناس ~~تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، ثم أخذ اللواء الذي كان أمره بعده، فقاتل حتى ~~تنحى عن أبي عبيد، فأخذه المسلمون فأحرزوه، ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد ~~أبي عبيد، وتتابع سبعة أنفس من ثقيف، كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت، ثم ~~أخذ اللواء المثنى، فهرب عنه الناس. # PageV02P277 # فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه، وما يصنع ~~الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال: يا أيها الناس، موتوا على ما مات عليه ~~أمراؤكم أو تظفروا! وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر، فتواثب بعضهم إلى ~~الفرات فغرق من لم يصبر، وأسرعوا فيمن صبر. وحمى المثنى وفرسان من المسلمين ~~الناس وقال: إنا دونكم فاعبروا على هينتكم، ولا تدهشوا، ولا تغرقوا نفوسكم. ~~وقاتل عروة بن زيد الخيل قتالا شديدا وأبو محجن الثقفي، وقاتل أبو زبيد ~~الطائي حمية للعربية، وكان نصرانيا قدم الحيرة لبعض أمره، ونادى المثنى: من ~~عبر نجا. فجاء العلوج فعقدوا الجسر وعبر الناس. # وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس، وعبر المثنى وحمى جانبه، فلما ~~عبر ارفض عنه أهل المدينة وبقي المثنى في قلة، وكان قد جرح وأثبت فيه حلق ~~من درعه. # وأخبر عمر عمن سار في البلاد من الهزيمة استحياء، فاشتد عليه وقال: اللهم ~~إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد! لو كان انحاز ~~إلي لكنت له فئة. # وهلك من المسلمين أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقي ثلاثة ~~آلاف، وقتل من الفرس ستة آلاف. # وأراد بهمن جاذويه العبور خلف المسلمين، فأتاه الخبر باختلاف الفرس، ~~وأنهم قد ثاروا برستم، ونقضوا الذي بينهم وبينه، وصاروا فريقين: الفهلوج ~~على رستم، وأهل فارس على ms0770 الفيرزان، فرجع إلى المدائن. # وكانت هذه الوقعة في شعبان. # PageV02P278 # وكان فيمن قتل بالجسر عقبة وعبد الله ابنا قيظى بن قيس، وكانا شهدا أحدا، ~~وقتل معهما أخوهما عباد، ولم يشهد معهما أحدا، وقتل أيضا قيس بن السكن بن ~~قيس أبو زيد الأنصاري، وهو بدري لا عقب له، وقتل يزيد بن قيس بن الحطيم ~~الأنصاري، شهد أحدا، وفيها قتل أبو أمية الفزاري، له صحبة، والحكم بن مسعود ~~أخو أبي عبيد، وابنه جبر بن الحكم بن مسعود. # ذكر خبر أليس الصغرى # لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ومردانشاه بما جاءه من الخبر، فخرجا حتى ~~أخذا بالطريق، وبلغ المثنى فعلهما، فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج ~~في جريدة خيل يريدهما، فظنا أنه هارب فاعترضاه، فأخذهما أسيرين، وخرج أهل ~~أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسرى، وعقد لهم بها ذمة، وقتلهما وقتل الأسرى. ~~وهرب أبو محجن من أليس، ولم يرجع مع المثنى بن حارثة. ### | [ذكر وقعة البويب] # لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى، وكان فيمن ~~ندب بجيلة، وأمرهم إلى جرير بن عبد الله؛ لأنه كان قد جمعهم من القبائل ~~وكانوا متفرقين فيها، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجمعهم فوعده ~~ذلك، فلما ولي عمر طلب منه ذلك فكتب إلى عماله: إنه من كان ينسب إلى بجيلة ~~في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام، فأخرجوه إلى جرير، ففعلوا ذلك، فلما ~~اجتمعوا أمرهم عمر العراق، وأبوا إلا الشام، فعزم عمر على العراق، وينفلهم ~~ربع الخمس، فأجابوا، وسيرهم إلى المثنى بن حارثة، وبعث عصمة بن عبد الله ~~الضبي فيمن تبعه إلى المثنى، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به ~~المثنى، وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب، فتوافوا إليه في جمع عظيم. ~~وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر نصارى، وقالوا: ~~نقاتل مع قومنا. # PageV02P279 # وبلغ الخبر رستم والفيرزان، فبعثا مهران الهمذاني إلى الحيرة، فسمع ~~المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان، فاستبطن فرات بادقلى، ms0771 وكتب إلى جرير ~~وعصمة وكل من أتاه ممدا له يعلمهم الخبر، ويأمرهم بقصد البويب، فهو الموعد، ~~فانتهوا إلى المثنى وهو بالبويب ومهران بإزائه من وراء الفرات، فاجتمع ~~المسلمون بالبويب مما يلي الكوفة اليوم، وأرسل مهران إلى المثنى يقول: إما ~~أن تعبر إلينا، وإما أن نعبر إليك. فقال المثنى: اعبروا. فعبر مهران، فنزل ~~على شاطئ الفرات، وعبى المثنى أصحابه، وكان في رمضان، فأمرهم بالإفطار ~~ليقووا على عدوهم، فأفطروا. # وكان على مجنبتي المثنى بشير بن الخصاصية، وبسر بن أبي رهم، وعلى مجردته ~~المعنى أخوه، وعلى الرجل مسعود أخوه، وعلى الردء مذعور، وكان على مجنبتي ~~مهران بن الأزاذبه مرزبان الحيرة ومردانشاه. وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف، مع ~~كل صف فيل، ورجلهم أمام فيلهم ولهم زجل، فقال المثنى للمسلمين: إن الذي ~~تسمعون فشل، فالزموا الصمت. # ودنوا من المسلمين، وطاف المثنى في صفوفه يعهد إليهم وهو على فرسه ~~الشموس، وإنما سمي بذلك للينه، وكان لا يركبه إلا إذا قاتل، فوقف على ~~الرايات يحرضهم ويهزهم، ولكلهم يقول: إني لأرجو أن لا يؤتى الناس من قبلكم ~~اليوم، والله ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامتكم، فيجيبونه ~~بمثل ذلك، وأنصفهم من نفسه في القول والفعل، وخلط الناس في المحبوب ~~والمكروه، فلم يقدر أحد أن يعيب له قولا ولا فعلا، وقال: إني مكبر ثلاثا، ~~فتهيئوا، ثم احملوا في الرابعة. فلما كبر أول تكبيرة أعجلتهم فارس ~~وخالطوهم، وركدت خيلهم وحربهم مليا، فرأى المثنى خللا في بني عجل، فجعل يمد ~~لحيته لما يرى منهم، وأرسل إليهم يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول: لا ~~تفضحوا المسلمين اليوم. فقالوا: نعم، واعتدلوا. فضحك فرحا. # فلما طال القتال واشتد قال المثنى لأنس بن هلال النمري: إنك امرؤ عربي ~~وإن لم تكن على ديننا، فإذا حملت على مهران فاحمل معي، فأجابه، فحمل المثنى ~~على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان، وارتفع ~~الغبار والمجنبات تقتل، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المسلمون ~~ولا المشركون، وارتث مسعود أخو المثنى يومئذ وجماعة ms0772 من أعيان المسلمين، ~~فلما أصيب مسعود تضعضع من # PageV02P280 # معه، فقال: يا معشر بكر، ارفعوا رايتكم رفعكم الله، ولا يهولنكم مصرعي. ~~وكان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، الزموا ~~مصافكم وأغنوا غناء من يليكم. # وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين، وقتل غلام نصراني من تغلب مهران ~~واستوى على فرسه، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله، وكان التغلبي قد جلب خيلا ~~هو وجماعة من تغلب، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب، قال: وأفنى المثنى ~~قلب المشركين، والمجنبات بعضها يقاتل بعضا. فلما رأوه قد أزال القلب وأفنى ~~أهله وثب مجنبات المسلمين على مجنبات المشركين، وجعلوا يردون الأعاجم على ~~أدبارهم، وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر، ويرسل إليهم من ~~يذمرهم ويقول لهم: عاداتكم في أمثالكم، انصروا الله ينصركم، حتى هزموا ~~الفرس، وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم، فافترقوا مصعدين ~~ومنحدرين، وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثا. # فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهرا ~~طويلا، وكانوا يحزرون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار، أحصي مائة ~~رجل قتل كل رجل منهم عشرة. وكان عروة بن زيد الخيل من أصحاب التسعة، وغالب ~~الكناني وعرفجة الأزدي من أصحاب التسعة. وقتل المشركون فيما بين السكون ~~المثنى على أخذه بالجسر وقال: عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى ~~الجسر حتى أحرجتهم، فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها، فإنها كانت زلة، فلا ~~ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع. # ومات أناس من الجرحى، منهم: مسعود أخو المثنى، وخالد بن هلال، فصلى عليهم ~~المثنى وقال: والله إنه ليهون وجدي أن صبروا وشهدوا البويب، ولم ينكلوا. # وكان قد أصاب المسلمون غنما ودقيقا وبقرا، فبعثوا به إلى عيال من قدم من ~~المدينة وهم بالقوادس. وأرسل المثنى الخيل في طلب العجم، فبلغوا السيب ~~وغنموا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا، فقسمه فيهم، ونفل أهل ~~البلاد، وأعطى بجيلة ربع الخمس، وأرسل الذين تبعوا المنهزمين إلى المثنى ~~يعرفونه سلامتهم، وأنه ms0773 لا مانع # PageV02P281 # دون القوم، ويستأذنونه في الإقدام، فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، ~~وتحصن أهله منهم واستباحوا القرى، ثم مخروا السواد فيما بينهم وبين دجلة، ~~لا يخافون كيدا ولا يلقون مانعا، ورجعت مسالح العجم إليهم، وسرهم أن يتركوا ~~ما وراء دجلة. # (بسر بن أبي رهم بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة) . ### | [ذكر خبر الخنافس وسوق بغداد] # ثم خلف المثنى بالحيرة بشير بن الخصاصية، وسار يمخر السواد، وأرسل إلى ~~ميسان ودستميسان، وأذكى المسالح، ونزل أليس، قرية من قرى الأنبار، وهذه ~~الغزوة تدعى غزوة الأنبار الآخرة، وغزوة أليس الآخرة. # وجاء المثنى رجلان أحدهما أنباري فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري دله ~~على بغداد، فقال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها؟ فقالا: بينهما مسيرة أيام. ~~قال: أيهما أعجل؟ قالا: سوق الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى، والسواد ~~وربيعة وقضاعة يخفرونهم. فركب المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها، وبها ~~خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن ~~قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء. ثم رجع فأتى ~~الأنبار فتحصن أهلها منه، فلما عرفوه نزلوا إليه وأتوه بالأعلاف والزاد، ~~وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداد، وأظهر لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن، ~~وسار منها إلى بغداد ليلا، وعبر إليهم وصبحهم في أسواقهم، فوضع السيف فيهم ~~وأخذ ما شاء. وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء. ثم ~~عاد راجعا حتى نزل بنهر السالحين بالأنبار، فسمع أصحابه # PageV02P282 # يقولون: ما أسرع القوم في طلبنا، فخطبهم وقال: احمدوا الله وسلوه ~~العافية، وتناجوا بالبر والتقوى، ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، وانظروا في ~~الأمور وقدروها ثم تكلموا، إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال ~~الرعب بينهم وبين طلبكم، إن للغارات روعات تضعف القلوب يوما إلى الليل، ولو ~~طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم وأنتم على العراب حتى تنتهوا إلى ~~عسكركم، ولو أدركوكم لقاتلتهم التماس الأجر ورجاء النصر، فثقوا بالله ~~وأحسنوا به الظن، فقد نصركم في مواطن كثيرة. # ثم سار بهم إلى ms0774 الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون ~~الغارات ما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات، وجسوا مثقبا إلى عين التمر وفي أرض ~~الفلاليج، والمثنى بالأنبار. # ولما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى ~~الكباث وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا ~~الكباث قد سار من كان به، ومعهم فارس العناب، فسار المسلمون خلفه فلحقوه ~~وقد رحل من الكباث، فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل. فلما رجعوا إلى ~~الأنبار سرح فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على ~~أحياء من تغلب بصفين، ثم اتبعهما المثنى واستخلف على الناس عمرو بن أبي ~~سلمى الهجيمي. فلما دنوا من صفين فر من بها وعبروا الفرات إلى الجزيرة، ~~وفني الزاد الذي مع المثنى وأصحابه، فأكلوا رواحلهم إلا ما لابد منه حتى ~~جلودها، ثم أدركوا عيرا من أهل دبا وحوران، فقتلوا من بها، وأخذوا ثلاثة ~~نفر من تغلب كانوا خفراء، وأخذوا العير، فقال لهم: دلوني. فقال أحدهم: ~~آمنوني على أهلي ومالي، وأدلكم على حي من تغلب. فآمنه المثنى وسار معهم ~~يومه، فهجم العشي على القوم، والنعم صادرة عن الماء، وأصحابها جلوس بأفنية ~~البيوت، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، واستاق الأموال، وكان التغلبيون بني ~~ذي الرويحلة، فاشترى من كان مع المثنى من ربيعة السبايا بنصيبه من الفيء ~~وأعتقوهم، وكانت ربيعة لا تسابي، إذ العرب يتسابون في جاهليتهم. # PageV02P283 # وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجع شاطئ دجلة، فخرج المثنى ~~وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر الشيبانيان، وعلى مقدمته حذيفة بن محصن ~~الغلفاني، فساروا في طلبهم فأدركوهم بتكريت، فأصابوا ما شاءوا من النعم، ~~وعاد إلى الأنبار. ومضى عتيبة وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين وبها ~~النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا طائفة منهم في الماء، فجعلوا ~~ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمران الناس ويناديانهم: تغريق ~~بتحريق! يذكرانهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في ~~غيضة من الغياض. ثم رجعوا ms0775 إلى المثنى وقد غرقوهم، وقد بلغ الخبر عمر فبعث ~~إلى عتيبة وفرات فاستدعاهما، فسألهما عن قولهما، فأخبراه أنهما لم يفعلا ~~ذلك على وجه طلب ذحل، إنما هو مثل فاستحلفهما وردهما إلى المثنى. # (عتيبة بن النهاس، بالتاء المثناة من فوقها، والياء المثناة من تحتها، ~~والباء الموحدة) . ### | [ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية وملك يزدجرد] # لما رأى أهل فارس ما يفعل المسلمون بالسواد قالوا لرستم والفيرزان، وهما ~~على أهل فارس: لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم ~~عدوهم، ولم يبلغ من أمركما أن نقركما على هذا الرأي، وأن تعرضاها للهلكة، ~~ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما، ~~ثم نهلك وقد اشتفينا منكما. فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى: اكتبي ~~لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم، ففعلت، فأحضروهن جميعهن، ~~وأخذوهن بالعذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى، فلم يوجد عند واحدة منهن ~~أحد، وقال بعضهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه ~~من أهل بادوريا. # فأرسلوا إليها وطلبوه منها، وكانت قد أنزلته أيام شيرى حين جمعهن فقتل ~~الذكور، وأرسلته إلى أخواله، فلما سألوها عنه دلتهم عليه، فجاءوا به فملكوه ~~وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه، فاطمأنت فارس واستوثقوا، وتبارى ~~المرازبة في طاعته ومعونته، فسمى الجنود لكل مسلحة وثغر، فسمى جند الحيرة ~~والأبلة والأنبار وغير ذلك. # وبلغ ذلك من أمرهم المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بما ~~ينتظرون # PageV02P284 # من أهل السواد، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له عهد ~~ومن لم يكن له عهد، فخرج المثنى حتى نزل بذي قار، ونزل الناس بالطف في عسكر ~~واحد. ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال: والله لأضربن ملوك العجم بملوك ~~العرب! فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا ~~رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم. وكتب عمر إلى المثنى ومن معه يأمرهم ~~بالخروج من بين العجم والتفرق ms0776 في المياه التي تلي العجم، وأن لا يدعوا في ~~ربيعة ومضر وحلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا أحضروه إما طوعا أو ~~كرها. ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضي، وهو جبل البصرة، وبسلمان، بعضهم ~~ينظر إلى بعض، ويغيث بعضهم بعضا، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة. # وأرسل عمر في ذي الحجة من السنة مخرجه إلى الحج إلى عماله على العرب أن ~~لا يدعوا من له نجدة أو فرس أو سلاح أو رأي إلا وجهوه إليه، فأما من كان ~~على النصف ما بين المدينة والعراق فجاء إليه بالمدينة لما عاد من الحج، ~~وأما من كان أقرب إلى العراق فانضم إلى المثنى بن حارثة، وجاءت أمداد العرب ~~إلى عمر. # وحج في هذه السنة عمر بن الخطاب بالناس، وحج سنيه كلها. # وكان عامل عمر على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد فيما قال بعضهم، وعلى ~~الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى عمان واليمامة ~~حذيفة بن محصن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى الشام أبو عبيدة بن ~~الجراح، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى بن حارثة. # PageV02P285 # وكان على القضاء فيما ذكر علي بن أبي طالب. # [الوفيات] وفي هذه السنة مات أبو كبشة مولى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقيل بعد ذلك. # وفي خلافة أبي بكر مات سهل بن عمرو أخو سهيل، وهو من مسلمة الفتح. وفي ~~خلافته مات الصعب بن جثامة الليثي. # وفي أول خلافته مات ابنه عبد الله بن أبي بكر، وكان قد جرح في حصار ~~الطائف، ثم انتقض عليه جرحه فمات. # وفي هذه السنة توفي الأرقم بن أبي الأرقم يوم مات أبو بكر، وهو الذي كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا بداره بمكة أول ما أرسل. # PageV02P286 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة] # [ذكر ابتداء أمر القادسية] ### | 14 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة. ### | ذكر ابتداء أمر القادسية # لما اجتمع الناس إلى عمر خرج من المدينة حتى نزل على ماء يدعى صرارا، ~~فعسكر ms0777 به، ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم، وكانوا إذا أرادوا أن ~~يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على ~~عمل شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب، فسأله عثمان عن سبب حركته، ~~فأحضر الناس فأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: ~~سر وسر بنا معك. فدخل معهم في رأيهم وقال: اغدوا واستعدوا، فإني سائر إلا ~~أن يجيء رأي هو أمثل من هذا. ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأرسل إلى علي، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة، وكان ~~على المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، ~~فحضرا، ثم استشارهم فاجتمعوا على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح، وإلا أعاد ~~رجلا وبعث آخر، ففي ذلك غيظ العدو # فجمع عمر الناس وقال لهم: إني كنت عزمت على المسير حتى صرفني ذوو الرأي ~~منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا، فأشيروا علي برجل. # PageV02P287 # وكان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر بانتخاب ذوي الرأي ~~والنجدة والسلاح، فجاءه كتاب سعد، وعمر يستشير فيمن يبعثه، يقول: قد انتخبت ~~لك ألف فارس كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، إليهم انتهت ~~أحسابهم ورأيهم. فلما وصل كتابه قالوا لعمر: قد وجدته قال: من هو؟ قالوا: ~~الأسد عاديا سعد بن مالك، فانتهى إلى قولهم وأحضره، وأمره على حرب العراق ~~ووصاه وقال: لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، وليس بين الله ~~وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده ~~يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يلزمه فالزمه. ووصاه بالصبر وسرحه فيمن اجتمع ~~إليه من نفر المسلمين، وهم أربعة ms0778 آلاف، فيهم حميضة بن النعمان بن حميضة على ~~بارق، وعمرو بن معدي كرب، وأبو سبرة بن ذؤيب على مذحج، ويزيد بن الحارث ~~الصدائي على صداء، وحبيب ومسلية وبشر بن عبد الله الهلالي في قيس عيلان # وخرج إليهم عمر، فمر بفتية من السكون مع حصين بن نمير ومعاوية بن حديج ~~دلم سباط، فأعرض عنهم، فقيل له: ما لك وهؤلاء؟ فقال: ما مر بي قوم من العرب ~~أكره إلي منهم. ثم أمضاهم فكان بعد يذكرهم بالكراهة، فكان منهم سودان بن ~~حمران قتل عثمان، وابن ملجم قتل عليا، ومعاوية بن حديج جرد السيف في ~~المسلمين، يظهر الأخذ بثأر عثمان، وحصين بن نمير كان أشد الناس في قتال ~~علي. # ثم إن عمر أخذ بوصيتهم وبعظتهم ثم سيرهم، وأمد عمر سعدا بعد خروجه بألفي ~~يماني نجدي، وكان المثنى بن حارثة في ثمانية آلاف، وسار سعد والمثنى ينتظر ~~قدومه، فمات المثنى قبل قدوم سعد من جراحة انتفضت عليه، واستخلف على الناس ~~بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود، وقد اجتمع معه ثمانية آلاف، وأمر عمر ~~بني أسد أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة، فنزلوا في ثلاثة آلاف، ~~وسار سعد إلى # PageV02P288 # شراف فنزلها، ولحقه بها الأشعب بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل اليمن، ~~فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفا، وجميع من قسم عليه فيئها نحو ~~من ثلاثين ألفا. # ولم يكن أحد أجرأ على أهل فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة ~~الأسد إلى ربيعة الفرس، ولم يدع عمر ذا رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا ~~ولا وجيها من وجوه الناس إلا سيره إلى سعد. # وجمع سعد من كان بالعراق من المسلمين من عسكر المثنى، فاجتمع بشراف، ~~فعبأهم وأمر الأمراء، وعرف على كل عشرة عريفا، وجعل على الرايات رجالا من ~~أهل السابقة، وولى الحروب رجالا على ساقتها ومقدمتها ورجلها وطلائعها ~~ومجنباتها، ولم يفصل إلا بكتاب عمر، فجعل على المقدمة زهرة بن عبد الله بن ~~قتادة بن الحوية، فانتهى إلى العذيب، وكان من أصحاب ms0779 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وجعل على الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من الصحابة أيضا، ~~واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي، وجعل خليفته خالد بن عرفطة ~~حليف بني عبد شمس، وجعل عاصم بن عمرو التميمي على الساقة، وسواد بن مالك ~~التميمي على الطلائع، وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة، وعلى الرجالة ~~حمال بن مالك الأسدي، وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي، وجعل ~~عمر على القضاء بينهم عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، وعلى قسمة الفيء أيضا، ~~وجعل رائدهم وداعيتهم سلمان الفارسي، والكاتب زياد بن أبيه. # وقدم المعنى بن حارثة الشيباني وسلمى بنت خصفة زوج المثنى بشراف، وكان ~~المعنى بعد موت أخيه قد سار إلى قابوس بن قابوس بن المنذر بالقادسية، وكان ~~قد بعثه إليها الفرس يستنفر العرب، فسار إليه المعنى فقفله فأنامه ومن معه، ~~ورجع إلى ذي قار، وسار إلى سعد يعلمه برأي المثنى له وللمسلمين، يأمرهم أن ~~يقاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، ولا يقاتلوهم ~~بعقر دارهم، فإن يظهر الله # PageV02P289 # المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة ثم يكونوا أعلم ~~بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم، إلى أن يرد الله الكرة عليهم. فترحم سعد ومن معه ~~على المثنى، وجعل المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا، ثم تزوج سعد سلمى ~~زوج المثنى، وكان معه تسعة وتسعون بدريا، وثلاثمائة وبضعة عشر ممن كانت له ~~صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمائة ممن شهد الفتح، ~~وسبعمائة من أبناء الصحابة. # وقدم على سعد كتاب عمر بمثل رأي المثنى، وكتب عمر أيضا إلى أبي عبيدة ~~ليصرف أهل العراق ومن اختار أن يلحق بهم إلى العراق. وكان للفرس رابطة بقصر ~~ابن مقاتل، عليها النعمان بن قبيصة الطائي، وهو ابن عم قبيصة بن إياس صاحب ~~الحيرة، فلما سمع بمجيء سعد سأل عنه وعنده عبد الله بن سنان بن خزيم ~~الأسدي، فقيل: رجل من قريش، فقال: والله لأحادنه القتال، فإن قريشا عبيد من ms0780 ~~غلب، والله لا يخرجون من بلادهم إلا بخفين! فغضب عبد الله بن سنان من قوله ~~وأمهله حتى دخل قبته فقتله، ولحق بسعد وأسلم. # وسار سعد من شراف فنزل العذيب، ثم سار حتى نزل القادسية بين العتيق ~~والخندق بحيال القنطرة، وقديس أسفل منها بميل. # وكتب عمر إلى سعد: إني ألقي في روعي أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم، فمتى ~~لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو بإشارة أو بلسان كان عندهم أمانا - ~~فأجروا له ذلك مجرى الأمان والوفاء؛ فإن الخطأ بالوفاء بقية، وإن الخطأ ~~بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم، فلما نزل زهرة في المقدمة وأمسى بعث ~~سرية في ثلاثين معروفين بالنجدة، وأمرهم بالغارة على الحيرة، فلما جازوا ~~السيلحين سمعوا جلبة، فمكثوا حتى حاذوهم، وإذا أخت آزادمرد بن آزاذبه ~~مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين، وهو من أشراف العجم، فحمل بكير بن عبد ~~الله الليثي أمير السرية على شيرزاد بن آزاذبه فدق صلبه، وطارت الخيل على ~~وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأ من # PageV02P290 # الدهاقين ومائة من التوابع، ومعهم ما لا يدرى قيمته، فاستاق ذلك ورجع ~~فصبح سعدا بعذيب الهجانات، فقسم ذلك على المسلمين، وترك الحريم بالعذيب ~~ومعها خيل تحوطها، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي. # ونزل سعد القادسية وأقام بها شهرا لم يأته من الفرس أحد، فأرسل سعد عاصم ~~بن عمرو إلى ميسان، فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها، وتحصن منه من هناك، ~~فأصاب عاصم رجلا بجانب أجمة، فسأله عن البقر والغنم، فقال: ما أعلم. فصاح ~~ثور من الأجمة: كذب عدو الله، ها نحن! فدخل فاستاق البقر فأتى بها العسكر، ~~فقسمه سعد على الناس، فأخصبوا أياما، فبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى ~~جماعة فسألهم، فشهدوا أنهم سمعوا ذلك وشاهدوه، فقال: كذبتم. قالوا: ذلك إن ~~كنت شهدتها وغبنا عنها. قال: صدقتم، فما كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: ~~وإنه يستدل بها على رضى الله وفتح عدونا، فقال: ما يكون هذا إلا والجمع ~~أبرار أتقياء. قالوا: ما ندري ms0781 ما أجنت قلوبهم، فأما ما رأينا فما رأينا قط ~~أزهد في دنيا منهم، ولا أشد بغضا لها، ليس فيهم جبان ولا غار ولا غدار. ~~وذلك يوم الأباقر. # وبث سعد الغارات والنهب بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما استكفوا ~~به زمانا، وكان بين نزول خالد بن الوليد العراق وبين نزول سعد القادسية ~~والفراغ منها سنتان وشيء، وكان مقام سعد بالقادسية شهرين وشيئا حتى ظفر. # فاستغاث أهل السواد إلى يزدجرد، وأعلموه أن العرب قد نزلوا القادسية ولا ~~يبقى على فعلهم شيء، وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات، ونهبوا الدواب ~~والأطعمة، وإن أبطأ الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك الذين لهم ~~الضياع بالطف، وهيجوه على إرسال الجنود، فأرسل يزدجرد إلى رستم، فدخل عليه ~~فقال: إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه، فأنت رجل فارس اليوم، وقد ترى ما حل ~~بالفرس مما لم يأتهم مثله. فأظهر له الإجابة ثم قال له: دعني، فإن العرب لا ~~تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بي، ولعل الدولة أن تثبت بي إذا لم أحضر ~~الحرب، فيكون الله قد كفى، ونكون قد أصبنا المكيدة، والرأي في الحرب أنفع ~~من بعض الظفر، والأناة خير من العجلة، وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة ~~بمرة وأشد على عدونا. فأبى عليه، وأعاد رستم كلامه وقال: قد اضطرني تضييع ~~الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك ~~الله # PageV02P291 # في نفسك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح الجالينوس، فإن تكن لنا فذلك، وإلا ~~بعثنا غيره، حتى إذا لم نجد بدا صبرنا لهم وقد وهناهم ونحن جامون، فإني لا ~~أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم. فأبى إلا أن يسير، فخرج حتى ضرب عسكره ~~بساباط، وأرسل إلى الملك ليعفيه فأبى. # وجاءت الأخبار إلى سعد بذلك، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما ~~يأتيك عنهم، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل المناظرة ~~والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم. # فأرسل سعد نفرا، ms0782 منهم: النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، وحملة بن حوية، ~~وحنظلة بن الربيع، وفرات بن حيان، وعدي بن سهيل، وعطارد بن حاجب، والمغيرة ~~بن زرارة بن النباش الأسدي، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن ~~عمرو، وعمرو بن معدي كرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنى بن حارثة - إلى يزدجرد ~~دعاة، فخرجوا من العسكر فقدموا على يزدجرد، وطووا رستم واستأذنوا على ~~يزدجرد فحبسوا، وأحضر وزراءه ورستم معهم، واستشارهم فيما يصنع ويقوله لهم. # واجتمع الناس ينظرون إليهم وتحتهم خيول كلها صهال، وعليهم البرود ~~وبأيديهم السياط، فأذن لهم، وأحضر الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما ~~دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم ~~علينا؟ فقال النعمان بن مقرن لأصحابه: إن شئتم تكلمت عنكم، ومن شاء آثرته. ~~فقالوا: بل تكلم. فقال: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير ~~وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة إلا ~~وقاربه منها فرقة وتباعد عنه بها فرقة، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من ~~العرب، فبدأ بهم، فدخلوا معه على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه ~~فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ~~ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ~~ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون ~~من آخر شر منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا ~~فيكم كتاب الله، وأقمنا على أن # PageV02P292 # تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا ~~ومنعناكم، وإلا قاتلناكم. # فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ~~ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم، ولا تطمعوا أن ~~تقوموا لفارس، فإن كان غرر لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد فرضنا لكم ~~قوتا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. ms0783 # فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رءوس ~~العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف ويعظم ~~حقهم الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به قالوه، ولا كل ما تكلمت به أجابوك ~~عليه، فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي، فأما ما ذكرت من ~~سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد. ثم ذكر من سوء عيش العرب وإرسال الله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم نحو قول النعمان، وقتال من خالفهم أو ~~الجزية، ثم قال له: اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، ~~أو تسلم فتنجي نفسك. # فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم! لا شيء لكم عندي. ثم استدعى بوقر ~~من تراب فقال: احملوه على أشراف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ~~ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في ~~خندق القادسية، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من ~~سابور. # فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب وقال: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء. فحمله ~~على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها، وأخذ التراب وقال لسعد: أبشر فوالله لقد ~~أعطانا الله أقاليد ملكهم. # واشتد ذلك على جلساء الملك، وقال الملك لرستم، وقد حضر عنده من ساباط: ما ~~كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جوابا منهم، ولقد صدقني ~~القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أني وجدت أفضلهم أحمقهم ~~حيث حمل # PageV02P293 # التراب على رأسه. فقال رستم: أيها الملك، إنه أعقلهم. وتطير إلى ذلك ~~وأبصرها دون أصحابه، وخرج رستم من عند الملك غضبان كئيبا، وبعث في أثر ~~الوفد وقال لثقته: إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا، وإن أعجزه سلبكم الله ~~أرضكم، فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم من غير شك. ~~وكان منجما كاهنا. # وأغار سواد بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على النجاف ~~والفراض، فاستاق دابة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكا، ms0784 وصبح العسكر، ~~فقسمه سعد بين الناس، وهذا يوم الحيتان، وكانت السرايا تسري لطلب اللحوم، ~~فإن الطعام كان كثيرا عندهم، فكانوا يسمون الأيام بها: يوم الأباقر ويوم ~~الحيتان. وبعث سعد سرية أخرى فأغاروا فأصابوا إبلا لبني تغلب والنمر ~~واستاقوها ومن فيها، فنحر سعد الإبل وقسمها في الناس فأخصبوا، وأغار عمرو ~~بن الحارث على النهرين فاستاق مواشي كثيرة وعاد. # وسار رستم من ساباط، وجمع آلة الحرب وبعث على مقدمته الجالينوس في أربعين ~~ألفا، وخرج هو في ستين ألفا، وفي ساقته عشرون ألفا، وجعل في ميمنته ~~الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازي، وقال رستم للملك يشجعه ~~بذلك: إن فتح الله علينا القوم فتوجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في ~~أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا المسالمة. # وكان خروج رستم من المدائن في ستين ألف متبوع، ومسيره عن ساباط في مائة ~~ألف وعشرين ألف متبوع، وقيل غير ذلك. # ولما فصل رستم عن ساباط كتب إلى أخيه البنذوان: أما بعد فرموا حصونكم ~~وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب قد قارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من ~~رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا، فإن السمكة قد كدرت الماء، ~~وإن النعائم قد حسنت، والزهرة قد حسنت، واعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا ~~أرى هؤلاء # PageV02P294 # القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما يلينا، وإن أشد ما رأيت أن ~~الملك قال: لتسيرن أو لأسيرن بنفسي. # ولقي جابان رستم على قنطرة ساباط، وكانا منجمين، فشكا إليه وقال له: ألا ~~ترى ما أرى؟ فقال له رستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا أجد بدا من ~~الانقياد. ثم سار فنزل بكوثى، فأتي برجل من العرب، فقال له: ما جاء بكم ~~وماذا تطلبون؟ فقال: جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن ~~تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك! قال: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقي ~~منا أنجزه الله ما وعده، فنحن على يقين. # فقال رستم: قد وضعنا إذن في أيديكم! فقال: أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله ~~بها، فلا يغرنك من ترى ms0785 حولك، فإنك لست تجاول الإنس إنما تجاول القدر. فضرب ~~عنقه، ثم سار فنزل البرس، فغصب أصحابه الناس أبناءهم وأموالهم ووقعوا على ~~النساء وشربوا الخمور، فضج أهلها إلى رستم فقال: يا معشر فارس، والله لقد ~~صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله إن العرب مع هؤلاء وهم لهم ~~حرب أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد ~~بحسن السيرة، وكف الظلم والوفاء والإحسان، فإذا تغيرتم فلا يرى الله إلا ~~مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن من أن ينزع الله سلطانه منكم. وأتي ببعض من ~~يشكى منه فضرب عنقه. # ثم سار حتى نزل الحيرة، ودعا أهلها وتهددهم وهم بهم، فقال له ابن بقيلة: ~~لا تجمع علينا أن تعجز عن نصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا. # ولما نزل رستم بالنجف رأى كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه، ثم دفعه إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فدفعه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر، فأصبح ~~رستم حزينا. # وأرسل سعد السرايا ورستم بالنجف، والجالينوس بين النجف والسيلحين، فطافت ~~في السواد، فبعث سوادا وحميضة في مائة مائة، فأغاروا على النهرين، وبلغ ~~رستم الخبر فأرسل إليهم خيلا، وسمع سعد أن خيله قد وغلت فأرسل عاصم بن عمرو ~~وجابرا # PageV02P295 # الأسدي في آثارهم، فلقيهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم، ~~فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم. # وأرسل سعد عمرو بن معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة، فسارا في عشرة، فلم ~~يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملئوها، ~~فرجع عمرو ومن معه، وأبى طليحة إلا التقدم، فقالوا له: أنت رجل في نفسك ~~غدر، ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن، فارجع معنا. فأبى، فرجعوا إلى سعد ~~فأخبروه بقرب القوم. # ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم، وبات فيه يجوسه ويتوسم، فهتك أطناب بيت ~~رجل عليه واقتاد فرسه، ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم فعل ms0786 بآخر كذلك، ثم ~~خرج يعدو به فرسه، ونذر به الناس فركبوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من ~~الجند فقتله طليحة، ثم آخر فقتله، ثم لحق به ثالث فرأى مصرع صاحبيه، وهما ~~ابنا عمه، فازداد حنقا، فلحق طليحة، فكر عليه طليحة وأسره، ولحقه الناس، ~~فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث وقد شارف طليحة عسكره، فأحجموا عنه، ~~ودخل طليحة على سعد ومعه الفارسي وأخبره الخبر، فسأل الترجمان الفارسي، ~~فطلب الأمان، فآمنه سعد، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن ~~قبلي، باشرت الحروب منذ أنا غلام إلى الآن، وسمعت بالأبطال، ولم أسمع بمثل ~~هذا، أن رجلا قطع فرسخين إلى عسكر فيه سبعون ألفا، يخدم الرجل منهم الخمسة ~~والعشرة، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فرسان الجند، وهتك عليهم البيوت، ~~فلما أدركناه قتل الأول وهو يعد بألف فارس، ثم الثاني وهو نظيره، ثم أدركته ~~أنا ولا أظن أنني خلفت من بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين، فرأيت ~~الموت واستؤسرت. ثم أخبره عن الفرس، وأسلم ولزم طليحة، وكان من أهل البلاء ~~بالقادسية، وسماه سعد مسلما. # ثم سار رستم وقدم الجالينوس وذا الحاجب، فنزل الجالينوس بحيال زهرة من ~~دون القنطرة، ونزل ذو الحاجب بطيزناباذ، ونزل رستم بالخرارة، ثم سار رستم ~~فنزل بالقادسية، وكان بين مسيره من المدائن ووصوله القادسية أربعة أشهر، لا ~~يقدم رجاء أن # PageV02P296 # يضجروا بمكانهم فينصرفوا، وخاف أن يلقى ما لقي من قبله، وطاولهم لولا ما ~~جعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه، حتى أقحمه. # وكان عمر قد كتب إلى سعد يأمره بالصبر والمطاولة أيضا، فأعد للمطاولة. # فلما وصل رستم القادسية وقف على العتيق بحيال عسكر سعد ونزل الناس، فما ~~زالوا يتلاحقون حتى أعتموا من كثرتهم، والمسلمون ممسكون عنهم. وكان مع رستم ~~ثلاثة وثلاثون فيلا، منها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تألفه، فجعل في ~~القلب ثمانية عشر فيلا، وفي المجنبتين خمسة عشر فيلا. # فلما أصبح رستم من تلك الليلة ركب وساير العتيق نحو خفان، حتى أتى على ~~منقطع عسكر المسلمين، ms0787 ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل المسلمين ووقف ~~على موضع يشرف منه عليهم، ووقف على القنطرة، وأرسل إلى زهرة فواقفه، فأراده ~~على أن يصالحه ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه من غير أن يصرح له بذلك، ~~بل يقول له: كنتم جيراننا، وكنا نحسن إليكم ونحفظكم. ويخبره عن صنيعهم مع ~~العرب. # فقال له زهرة: ليس أمرنا أمر أولئك، إننا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما ~~طلبتنا وهمتنا الآخرة، وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا، ~~فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لرسوله: إني سلطت هذه الطائفة على من لم يدن ~~بديني، فأنا منتقم به منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين ~~الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز. # فقال له رستم: ما هو؟ قال: أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قال: وأي شيء أيضا؟ قال: وإخراج العباد ~~من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء إخوة لأب وأم. # قال: ما أحسن هذا! ثم قال رستم: أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي، كيف ~~يكون أمركم، أترجعون؟ قال: إي والله. قال: صدقتني، أما إن أهل فارس منذ ولي ~~أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون: إذا خرجوا من ~~أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم. فقال زهرة: نحن خير الناس للناس، فلا ~~نستطيع أن نكون كما تقولون، بل نطيع الله في السفلة، ولا يضرنا من عصى الله ~~فينا. # فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فأنفوا. فأرسل إلى سعد: أن # PageV02P297 # ابعث إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا. فدعا سعد جماعة ليرسلهم إليهم. فقال له ~~ربعي بن عامر: متى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم، فلا تزدهم على ~~رجل. # فأرسله وحده، فسار إليهم، فحبسوه على القنطرة. وأعلم رستم بمجيئه فأظهر ~~زينته، وجلس على سرير من ذهب، وبسط البسط والنمارق والوسائد المنسوجة ~~بالذهب، وأقبل ربعي على فرسه وسيفه ms0788 في خرقة، ورمحه مشدود بعصب وقد، فلما ~~انتهى إلى البسط قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها ونزل، وربطها بوسادتين ~~شقهما، وأدخل الحبل فيهما، فلم ينهوه وأروه التهاون، وعليه درع، وأخذ عباءة ~~بعيره فتدرعها وشدها على وسطه. فقالوا: ضع سلاحك. فقال: لم آتكم فأضع سلاحي ~~بأمركم، أنتم دعوتموني. فأخبروا رستم، فقال: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على ~~رمحه ويقارب خطوه، فلم يدع لهم نمرقا ولا بساطا إلا أفسده وهتكه، فلما دنا ~~من رستم جلس على الأرض، وركز رمحه على البسط، فقيل له: ما حملك على هذا؟ ~~قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له ترجمان رستم، واسمه عبود من ~~أهل الحيرة: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من ~~عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا ~~بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا، ومن ~~أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. فقال رستم: قد سمعنا قولكم، فهل ~~لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ قال: نعم، وإن مما سن لنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن لا نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون ~~عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: إما الإسلام ~~وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك، أو ~~المنابذة في اليوم الرابع، إلا أن تبدأ بنا، أنا كفيل بذلك عن أصحابي. قال ~~أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، بعضهم من بعض، يجير ~~أدناهم على أعلاهم. # فخلا رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم كلاما قط أعز وأوضح من كلام هذا ~~الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟ ~~فقال: ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي والكلام ~~والسيرة، إن العرب تستخف باللباس وتصون الأحساب، ليسوا مثلكم. # فلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد: أن ابعث إلينا ذلك الرجل. فبعث ~~إليهم حذيفة ms0789 بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي، ولم ينزل عن فرسه، ووقف ~~على # PageV02P298 # رستم راكبا. قال له: انزل. قال: لا أفعل. فقال له: ما جاء بك ولم يجئ ~~الأول؟ قال له: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي. ~~فقال: ما جاء بكم؟ فأجابه مثل الأول. فقال رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟ ~~قال: نعم، ثلاثا من أمس. فرده وأقبل على أصحابه وقال: ويحكم! أما ترون ما ~~أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم وأقام فرسه على ~~زبرجنا، وجاء هذا اليوم فوقف علينا وهو في يمن الطائر، يقوم على أرضنا ~~دوننا. # فلما كان الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلا. فبعث المغيرة بن شعبة، فأقبل ~~إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة، لا يوصل ~~إلى صاحبهم حتى يمشى عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، ~~فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه، وقال: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى ~~قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا، فظننت أنكم تواسون ~~قومكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، ~~فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد، وإني لم آتكم ولكن دعوتموني، ~~اليوم علمت أنكم مغلبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه ~~العقول. فقالت السفلة: صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله لقد رمى ~~بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا حين كانوا يصغرون أمر ~~هذه الأمة! # ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال: لم نزل متمكنين في البلاد، ~~ظاهرين على الأعداء، أشرافا في الأمم، فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا، ننصر ~~عليهم ولا ينصرون علينا، إلا اليوم واليومين والشهر للذنوب، فإذا انتقم ~~الله منا ورضي علينا رد لنا الكرة على عدونا، ولم يكن في الأمم أمة أصغر ~~عندنا أمرا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئا، وكنتم تقصدوننا ~~إذا قحطت بلادكم، فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ms0790 ثم نردكم، وقد علمت أنه ~~لم يحملكم على ما صنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل ~~وألف درهم، وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا، فإني أشتهي أن أقتلكم. # PageV02P299 # فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله خالق كل شيء ورازقه، ~~فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن ~~نعرفه، فالله صنعه بكم ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من ~~سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا به ~~والدنيا دول، ولم يزل أهل الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل ~~أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان ~~شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ~~ابتلينا به أهل كفر لكان عظيم ما ابتلينا به مستجلبا من الله رحمة يرفه بها ~~عنا، إن الله - تبارك وتعالى - بعث فينا رسولا. ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر ~~الإسلام والجزية والقتال، وقال له: وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، ~~فقالوا: لا صبر لنا عنه. # فقال رستم: إذا تموتون دونها. فقال المغيرة: يدخل من قتل منا الجنة ومن ~~قتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم. # فاستشاط رستم غضبا ثم حلف أن لا يرتفع الصبح غدا حتى نقتلكم أجمعين. ~~وانصرف المغيرة وخلص رستم بأهل فارس وقال: أين هؤلاء منكم! هؤلاء والله ~~الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين، والله لئن كان بلغ من عقلهم وصونهم لسرهم ~~أن لا يختلفوا، فما قوم أبلغ لما أرادوا منهم، ولئن كانوا صادقين فما يقوم ~~لهؤلاء شيء! فلجوا وتجلدوا. # فأرسل رستم مع المغيرة وقال له: إذا قطع القنطرة فأعلمه أن عينه تفقأ ~~غدا، فأعلمه الرسول ذلك: فقال المغيرة: بشرتني بخير وأجر، ولولا أن أجاهد ~~بعد هذا اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الأخرى ذهبت. فرجع إلى رستم ~~فأخبره. فقال: أطيعوني يا أهل فارس، إني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ~~ردها. ms0791 # ثم أرسل إليه سعد بقية ذوي الرأي فساروا، وكانوا ثلاثة، إلى رستم فقالوا ~~له: إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك الله ~~إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك، وداركم لكم وأمركم فيكم، وما أصبتم ~~كان زيادة لكم دوننا، وكنا عونا لكم على أحد إن أرادكم، فاتق الله ولا ~~يكونن هلاك قومك على يدك، وليس بينك وبين أن تغبط بهذا الأمر إلا أن تدخل ~~فيه، وتطرد به الشيطان عنك. # PageV02P300 # فقال لهم: إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، إنكم كنتم أهل جهد وقشف لا ~~تنتصفون ولا تمتنعون فلم نسئ جواركم، وكنا نميركم ونحسن إليكم، فلما طعمتم ~~طعامنا وشربتم شرابنا وصفتم لقومكم ذلك، ودعوتموهم ثم أتيتمونا، وإنما ~~مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا، فقال: وما ثعلب! فانطلق ~~الثعلب، فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعوا إليه سد صاحب الكرم ~~النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن ; فقد علمت أن الذي حملكم على هذا: الحرص ~~والجهد، فارجعوا ونحن نميركم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم، ومثلكم أيضا ~~كالذباب يرى العسل فيقول: من يوصلني إليه وله درهمان؟ فإذا دخله غرق ونشب، ~~فيقول: من يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقال أيضا: إن رجلا وضع سلة وجعل طعاما ~~فيها، فأتى الجرذان فخرقن السلة، فدخلن فيها، فأراد سدها فقيل له: لا تفعل ~~إذن يخرقنه، لكن انقب بحياله، ثم اجعل (فيها) قصبة مجوفة، فإذا دخلها ~~الجرذان وخرجن منها فاقتل كل ما خرج منها، وقد سددت عليكم (فإياكم) أن ~~تقتحموا القصبة فلا يخرج منها أحد إلا قتل، فما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى ~~عددا ولا عدة! . # قال: فتكلم القوم، وذكروا سوء حالهم، وما من الله به عليهم من إرسال ~~رسوله، واختلافهم أولا، ثم اجتماعهم على الإسلام، وما أمرهم به من الجهاد، ~~وقالوا: وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك، ولكن إنما مثلكم كمثل رجل ~~غرس أرضا واختار لها الشجر، وأجرى إليها الأنهار، وزينها بالقصور، وأقام ~~فيها فلاحين يسكنون ms0792 قصورها ويقومون على جنانها، فخلا الفلاحون في القصور ~~على ما لا يحب، فأطال إمهالهم فلم يستحيوا، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها، ~~فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء فيسومونهم ~~الخسف أبدا ; والله لو لم يكن ما نقول حقا، ولم يكن إلا الدنيا، لما صبرنا ~~عن الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم، ورأينا من بزرجكم، ولقارعناكم عليه! . # فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا. # ورجعوا من عنده عشيا، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل ~~إليهم: شأنكم والعبور، فأرادوا القنطرة فقال: لا ولا كرامة! أما شيء ~~غلبناكم عليه فلن نرده عليكم. فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بالتراب ~~والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعدما ارتفع النهار. # PageV02P301 # ورأى رستم من الليل كأن ملكا نزل من السماء، فأخذ قسي أصحابه، فختم ~~عليها، ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما واستدعى خاصته، فقصها عليهم ~~وقال: إن الله ليعظنا لو اتعظنا. ولما ركب رستم ليعبر كان عليه درعان ~~ومغفر، وأخذ سلاحه ووثب، فإذا هو على فرسه لم يضع رجله في الركاب، وقال: ~~غدا ندقهم دقا! فقال له رجل: إن شاء الله. فقال: وإن لم يشأ! ثم قال: إنما ~~ضغا الثعلب حين مات الأسد - يعني كسرى - وإني أخشى أن تكون هذه سنة القرود! # فإنما قال هذه الأشياء توهينا للمسلمين عند الفرس، وإلا فالمشهور عنه ~~الخوف من المسلمين، وقد أظهر ذلك إلى من يثق به. ### | [ذكر يوم أرماث] # لما عبر الفرس العتيق، جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة، وعبى في ~~القلب ثمانية عشر فيلا، عليها صناديق ورجال، وفي المجنبتين ثمانية وسبعة، ~~وأقام الجالينوس بينه وبين رستم رجالا على كل دعوة رجلا، أولهم على باب ~~إيوانه وآخرهم مع رستم، فكلما فعل رستم شيئا قال الذي معه للذي يليه: كان ~~كذا وكذا، ثم يقول الثاني للذي يليه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في ~~أسرع وقت. # وأخذ المسلمون مصافهم. وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس، ~~إنما هو ms0793 مكب على وجهه، في صدره وسادة على سطح القصر يشرف على الناس، والصف ~~في أصل حائطه، لو أعراه الصف فواق ناقة لأخذ برمته، فما كرثه هول تلك ~~الأيام شجاعة، وذكر ذلك الناس، وعابه بعضهم بذلك فقال: # نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم # فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم # PageV02P302 # فبلغت أبياته سعدا فقال: اللهم إن كان هذا كاذبا وقال الذي قاله رياء ~~وسمعة فاقطع عني لسانه! فإنه لواقف في الصف يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب ~~لسانه، فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله تعالى. فقال جرير بن عبد الله نحو ذلك ~~أيضا، وكذلك غيره، ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح ~~في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس وعلموا حاله، ولما عجز عن الركوب استخلف ~~خالد بن عرفطة على الناس، فاختلف عليه، فأخذ نفرا ممن شغب عليه فحبسهم في ~~القصر، منهم: أبو محجن الثقفي، وقيدهم. # وقيل: بل كان حبس أبي محجن بسبب الخمر، وأعلم الناس أنه قد استخلف خالدا ~~وإنما يأمرهم خالد، فسمعوا وأطاعوا، وخطب الناس يومئذ، وهو يوم الاثنين من ~~المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح ~~البلاد، وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل ~~قوم، وأرسل سعد نفرا من ذوي الرأي والنجدة، منهم: المغيرة، وحذيفة، وعاصم، ~~وطليحة، وقيس الأسدي، وغالب، وعمرو بن معدي كرب وأمثالهم، ومن الشعراء: ~~الشماخ، والحطيئة، وأوس بن مغراء، وعبيدة بن الطبيب وغيرهم، وأمرهم بتحريض ~~الناس على القتال، ففعلوا. # وكان صف المشركين على شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس ~~والخندق، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق، ومع الفرس ثلاثون ~~ألف مسلسل، وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد - وهي الأنفال - فلما قرئت ~~هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. # فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا ~~صليتم فإني مكبر تكبيرة، فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا ~~والبسوا عدتكم، ثم ms0794 إذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس، فإذا ~~كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج إليهم ~~من الفرس أمثالهم، فاعتوروا الطعن والضرب، وقال غالب بن عبد الله الأسدي: # PageV02P303 # قد علمت واردة المشائح ... ذات اللبان والبيان الواضح # أني سمام بطل المسالح ... وفارج الأمر المهم الفادح # فخرج إليهم هرمز، وكان من ملوك الباب، وكان متوجا، فأسره غالب، فجاء به ~~سعدا ورجع، وخرج عاصم وهو يقول: # قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب # أني امرؤ لا من يعيبه السبب ... مثلي على مثلك يغريه العتب # فطارد فارسيا فانهزم، فاتبعه عاصم حتى خالط صفهم، فحموه، فأخذ عاصم رجلا ~~على بغل وعاد به، وإذا هو خباز الملك معه من طعام الملك وخبيص، فأتى به ~~سعدا فنفله أهل موقفه. وخرج فارسي فطلب البراز، فبرز إليه عمرو بن معدي ~~كرب، فأخذه وجلد به الأرض، فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته. وحملت الفيلة عليهم ~~ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر ~~فيلا، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها، ~~وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس. فخرج طليحة ~~بن خويلد، وحمال بن مالك في كتائبهما، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها. # وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة، وقام الأشعث بن قيس في كندة ~~فقال: يا معشر كندة لله در بني أسد! أي فري يفرون، وأي هذ يهذون عن موقفهم، # PageV02P304 # أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم، أشهد ما أحسنتم أسوة ~~قومكم من العرب. فنهد ونهدوا، فأزالوا الذين بإزائهم. فلما رأى الفرس ما ~~يلقى الناس والفيلة من أسد رموهم بحدهم وحملوا عليهم وفيهم ذو الحاجب، ~~والجالينوس. والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس ~~على أسد ومعهم تلك الفيلة، فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة، وزحف إليهم ~~المسلمون ورحا الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول ms0795 على الميمنة والميسرة ~~فكانت الخيول تحيد عنها. # فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي فقال: يا معشر بني تميم، أما عندكم ~~لهذه الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله! ثم نادى في رجال من قومه رماة، ~~وآخرين لهم ثقافة، فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل. ~~وقال: يا معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها، وخرج يحميهم، ~~ورحا الحرب تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب ~~عاصم على الفيلة فأخذوا بأذناب توابيتها، فقطعوا وضنها، وارتفع عواؤهم، فما ~~بقي لهم فيل إلا أوى، وقتل أصحابها، ونفس عن أسد، وردوا فارس عنهم إلى ~~مواقفهم، واقتتلوا حتى غربت الشمس، ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع ~~هؤلاء وهؤلاء، وأصيب من أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردءا للناس، وكان ~~عاصم حامية للناس، وهذا اليوم الأول، وهو يوم أرماث، فقال عمرو بن شأس ~~الأسدي: # جلبنا الخيل من أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا # تركن لهم على الأقسام شجوا ... وبالحقوين أياما طوالا # قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تشير الخيل فوقهم الهيالا # الأبيات. # PageV02P305 # وكان سعد قد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة الشيباني بعده بشراف، فلما ~~جال الناس يوم أرماث، وكان سعد لا يطيق الجلوس، جعل سعد يتململ جزعا فوق ~~القصر، فلما رأت سلمى ما يصنع الفرس قالت: وامثنياه! ولا مثنى للخيل اليوم! ~~قالت ذلك عند رجل ضجر مما يرى في أصحابه ونفسه، فلطم وجهها وقال: أين ~~المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحا! يعني أسدا وعاصما. فقالت: ~~أغيرة وجبنا؟ فقال: والله لا يعذرني اليوم أحد إن لم تعذريني وأنت ترين ما ~~بي! فتعلقها الناس لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه، وكان غير جبان ولا ملوم. ### | [ذكر يوم أغواث] # ولما أصبح القوم، وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم، فسلم الجرحى إلى ~~النساء ليقمن عليهم، وأما القتلى فدفنوا هنالك على مشرق، وهو واد بين ~~العذيب وعين الشمس. فلما نقل سعد القتلى والجرحى طلعت نواصي الخيل من ~~الشام، وكان فتح دمشق قبل ms0796 القادسية، فلما قدم كتاب عمر على أبي عبيدة بن ~~الجراح بإرسال أهل العراق، سيرهم وعليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى ~~مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي، فتعجل القعقاع، فقدم على الناس صبيحة هذا ~~اليوم، وهو يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارا، وهم ألف، ~~كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة، فقدم أصحابه في عشرة، فأتى الناس فسلم ~~عليهم وبشرهم بالجنود، وحرضهم على القتال وقال: اصنعوا كما أصنع، وطلب ~~البراز، فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. فخرج إليه ذو ~~الحاجب، فعرفه القعقاع فنادى: يا لثارات أبي عبيد، وسليط، وأصحاب الجسر! ~~وتضاربا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم ~~يكن بالأمس مصيبة، وفرحوا بقتل ذي الحاجب، وانكسرت الأعاجم بذلك. # وطلب القعقاع البراز فخرج إليه الفيرزان والبنذوان، فانضم إلى القعقاع ~~الحارث بن ظبيان بن الحارث - أحد بني تيم اللات - فتبارزوا، فقتل القعقاع ~~الفيرزان، وقتل الحارث البنذوان، ونادى القعقاع: يا معشر المسلمين، باشروهم ~~بالسيوف، فإنما يحصد الناس # PageV02P306 # بها! فاقتتلوا حتى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم (شيئا) مما ~~يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، ~~كانت توابيتها تكسرت بالأمس، فاستأنفوا عملها فلم يفرغوا منها حتى كان ~~الغد. # وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون، ويحمل ~~ويحملون، وحمل بنو عم للقعقاع عشرة عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة ~~مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم تحميهم، وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل ~~الفرس يتشبهون بالفيلة، ففعلوا بهم هذا اليوم، وهو يوم أغواث، كما فعلت ~~فارس يوم أرماث، فجعلت خيل الفرس تفر منها، وركبتها خيول المسلمين. فلما ~~رأى الناس ذلك استنوا بهم، فلقي الفرس من الإبل أعظم مما لقي المسلمون من ~~الفيلة. # وحمل رجل من تميم على رستم يريد قتله، فقتل دونه. وخرج رجل من فارس ~~يبارز، فبرز إليه الأعرف بن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز إليه آخر فقتله، ~~وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه وأخذوا ms0797 سلاحه، فغبر في وجوههم التراب حتى رجع ~~إلى أصحابه. وحمل القعقاع بن عمرو يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل ~~حملة وأصاب فيها وقتل، كان آخرهم بزرجمهر الهمذاني. وبارز الأعور بن قطبة ~~شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه، وقاتلت الفرسان إلى انتصاف ~~النهار. فلما اعتدل النهار تزاحف الناس، فاقتتلوا حتى انتصف الليل، فكانت ~~ليلة أرماث تدعى الهدأة، وليلة أغواث تدعى السواد، ولم يزل المسلمون يرون ~~(في) يوم أغواث الظفر، وقتلوا فيه عامة أعلامهم، وحالت فيه خيل القلب وثبت ~~رجلهم، فلولا أن خيلهم عادت أخذ رستم أخذا. وبات الناس على ما بات عليه ~~القوم ليلة أرماث، ولم يزل المسلمون ينتمون. فلما سمع سعد ذلك قال لبعض من ~~عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظني فإنهم أقوياء، وإن سكتوا ولم ~~ينتم الآخرون فلا توقظني، فإنهم على السواء، فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني فإن ~~انتمائهم عن السوء. # ولما اشتد القتال، وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر، قال لسلمى ~~زوج سعد: هل لك أن تخلي عني وتعيريني البلقاء؟ فلله علي إن سلمني الله أن ~~أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي. فأبت، فقال: # PageV02P307 # كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا # إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع دوني قد تصم المناديا # وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخا ليا # ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا # فرقت له سلمى وأطلقته، وأعطته البلقاء فرس سعد، فركبها حتى إذا كان بحيال ~~الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة الفرس، ثم رجع خلف المسلمين، وحمل على ~~ميمنتهم، وكان يقصف الناس قصفا منكرا، وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، ~~فقال بعضهم: هو من أصحاب هاشم أو هاشم نفسه، وكان سعد يقول: لولا محبس أبي ~~محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء. وقال بعض الناس: هذا الخضر. وقال ~~بعضهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك. فلما انتصف الليل ~~وتراجع المسلمون والفرس عن القتال ms0798 أقبل أبو محجن فدخل القصر وأعاد رجليه في ~~القيد وقال: # لقد علمت ثقيف غير فخر بأنا نحن أكرمهم سيوفا # وأكثرهم دروعا سابغات وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا # PageV02P308 # وأنا وفدهم في كل يوم ... فإن عموا فسل بهم عريفا # وليلة قادس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا # فإن أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا # فقالت له سلمى: في أي شيء حبسك؟ فقال: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا ~~شربته، ولكنني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على ~~لساني، فقلت: # إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # فلذلك حبسني. فلما أصبحت أتت سعدا فصالحته، وكانت مغاضبة له، وأخبرته ~~بخبر أبي محجن، فأطلقه فقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله. ~~قال: لا جرم، [والله] لا أجيب لساني إلى [صفة] قبيح أبدا! ### | [ذكر يوم عماس] # ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم، وبين الصفين من قتلى المسلمين ~~ألفان من جريح وميت، ومن المشركين عشرة آلاف، فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم ~~إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور، وكان ~~على الشهداء حاجب بن زيد. وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا، وكان ~~ذلك مما # PageV02P309 # قوى المسلمين، وبات القعقاع تلك الليلة يسرب أصحابه إلى المكان الذي ~~فارقهم فيه وقال: إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة، فإن جاء هاشم فذاك ~~وإلا جددتم للناس رجاء وجدا ولا يشعر به أحد. وأصبح الناس على مواقفهم، ~~فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع، فحين رآهم كبر وكبر المسلمون ~~وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع، فما جاء آخر ~~أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، فأخبر بما صنع القعقاع، فعبى أصحابه ~~سبعين سبعين، وكان فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوف ~~المرادي، ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك، فانتدب مع هاشم حتى إذا ~~خالط القلب كبر وكبر المسلمون وقال: أول قتال ms0799 المطاردة ثم المراماة ; ثم ~~حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد. # وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم، حتى أعادوا وأصبحوا على ~~مواقفهم، وأقبلت الرجالة مع الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة ~~فرسان يحمونهم، فلم تنفر الخيل منهم كما كانت بالأمس، لأن الفيل إذا كان ~~وحده كان أوحش، وإذا طافوا به كان آنس، وكان يوم عماس من أوله إلى آخره ~~شديدا، العرب والعجم فيه سواء، ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجرد ~~بالأصوات، فيبعث إليهم أهل النجدات ممن عنده، فلولا أن الله ألهم القعقاع ~~ما فعل في اليومين وإلا كسر ذلك المسلمين. # وقاتل قيس بن المكشوح، وكان قد قدم مع هاشم، قتالا شديدا وحرض أصحابه. # وقال عمرو بن معدي كرب: إني حامل على الفيل ومن حوله، لفيل بإزائه، فلا ~~تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، يعني نفسه، وأين ~~لكم مثل أبي ثور! فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل بأصحابه فأفرج ~~المشركون عنه بعدما صرعوه، وإن سيفه لفي يده يصارمهم، وقد طعن فرسه، فأخذ ~~برجل فرس أعجمي فلم يطق الجري، فنزل عنه صاحبه إلى أصحابه وركب عمرو. وبرز ~~فارسي، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له شبر بن علقمة، وكان قصيرا، فترجل ~~الفارسي إليه فاحتمله وجلس على صدره، ثم أخذ سيفه ليذبحه، ومقود فرسه مشدود ~~في منطقته، فلما # PageV02P310 # سل سيفه نفر الفرس، فجذبه المقود فقلبه عنه، وتبعه المسلم فقتله، وأخذ ~~سلبه فباعه باثني عشر ألفا. # فلما رأى سعد الفيول قد فرقت بين الكتائب وعادت لفعلها، أرسل إلى القعقاع ~~وعاصم ابني عمرو: اكفياني الأبيض، وكانت كلها آلفة له، وكان بإزائهما، وقال ~~لحمال والربيل: اكفياني الأجرب، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين، ~~وتقدما في خيل ورجل، وفعل حمال والربيل مثل فعلهما، فحمل القعقاع وعاصم ~~فوضعا رمحيهما في عين الفيل الأبيض فنفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره، فضربه ~~القعقاع فرمى به، ووقع لجنبه، وقتلوا من كان عليه، وحمل حمال والربيل ~~الأسديان على الفيل الآخر ms0800 فطعنه حمال في عينه، فأقعى ثم استوى، وضربه ~~الربيل فأبان مشفره، وبصر به سائسه فبقر أنفه وجبينه بالطبرزين، فأفلت ~~الربيل جريحا، فبقي الفيل جريحا متحيرا بين الصفين، كلما جاء صف المسلمين ~~وخزوه، وإذا أتى صف المشركين نخسوه. وولى الفيل، وكان يدعى الأجرب، وقد عور ~~حمال عينيه، فألقى نفسه في العتيق، فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم، فعبرت ~~في أثره، فأتت المدائن في توابيتها، وهلك من فيها. فلما ذهبت الفيلة وخلص ~~المسلمون والفرس، ومال الظل، تزاحف المسلمون، فاجتلدوا حتى أمسوا وهم على ~~السواء. فلما أمسى الناس اشتد القتال، وصبر الفريقان فخرجا على السواء. ### | [ذكر ليلة الهرير وقتل رستم] # قيل: إنما سميت بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا، وأرسل سعد ~~طليحة وعمرا ليلة الهرير إلى مخاضة أسفل العسكر، ليقوموا عليها خشية أن ~~يأتيه القوم منها. فلما أتياها قال طليحة: لو خضنا وأتينا الأعاجم من ~~خلفهم. قال عمرو: بل نعبر أسفل. فافترقا، وأخذ طليحة وراء العسكر وكبر ثلاث ~~تكبيرات، ثم ذهب وقد ارتاع أهل فارس وتعجب المسلمون، وطلبه الأعاجم فلم ~~يدركوه. # PageV02P311 # وأما عمرو فإنه أغار أسفل المخاضة ورجع، وخرج مسعود بن مالك الأسدي، ~~وعاصم بن عمرو، وابن ذي البردين الهلالي، وابن ذي السهمين، وقيس بن هبيرة ~~الأسدي وأشباههم فطاردوا القوم، فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف، ~~فقدموا صفوفهم وزاحفهم الناس بغير إذن سعد، وكان أول من زاحفهم القعقاع، ~~وقال سعد: اللهم اغفرها له وانصره، فقد أذنت له إن لم يستأذني. ثم قال: أرى ~~الأمر ما فيه هذا، فإذا كبرت ثلاثا فاحملوا، وكبر واحدة فلحقهم أسد، فقال: ~~اللهم اغفرها لهم وانصرهم. ثم حملت النخع فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم. ~~ثم حملت بجيلة فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم. ثم حملت كندة فقال: اللهم ~~اغفرها لهم وانصرهم. ثم زحف الرؤساء ورحا الحرب تدور على القعقاع، وتقدم ~~حنظلة بن الربيع، وأمراء الأعشار، وطليحة، وغالب، وحمال، وأهل النجدات، ~~ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا، وخالطوا القوم، واستقبلوا الليل ~~استقبالا بعدما صلوا العشاء، وكان صليل الحديد ms0801 فيها كصوت القيون ليلتهم إلى ~~الصباح، وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغا، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ~~ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ~~ورستم، وأقبل سعد على الدعاء، فلما كان عند الصبح انتمى الناس، فاستدل بذلك ~~على أنهم الأعلون، وكان أول شيء سمعه نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو ~~وهو يقول: # نحن قتلنا معشرا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا # نحسب فوق اللبد والأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا # الله ربي واحترزت عامدا # وقتلت كندة تركا الطبري، وكان مقدما فيهم. # وأصبح الناس ليلة الهرير وتسمى ليلة القادسية من بين تلك الليالي وهم ~~حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها. فسار القعقاع في الناس فقال: إن الدائرة بعد ~~ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر. فاجتمع ~~إليهم جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح. فلما ~~رأت ذلك القبائل قام فيها رؤساؤهم وقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله ~~منكم، ولا هؤلاء، يعني الفرس، أجرأ على الموت منكم. فحملوا فيما يليهم، ~~وخالطوا من بإزائهم، فاقتتلوا حتى # PageV02P312 # قام قائم الظهيرة، فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان، فتأخرا وثبتا حيث ~~انتهيا، وانفرج القلب، وركد عليهم النقع وهبت ريح عاصف فقلعت طيارة رستم عن ~~سريره، فهوت في العتيق، وهي دبور، ومال الغبار عليهم، وانتهى القعقاع ومن ~~معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيارة إلى ~~بغال قد قدمت عليه بمال، فهي واقفة، فاستظل في ظل بغل وحمله، وضرب هلال بن ~~علفة الحمل الذي تحته رستم، فقطع حباله، ووقع عليه أحد العدلين، ولا يراه ~~هلال ولا يشعر به، فأزال عن ظهره فقارا، وضربه هلال ضربة فنفحت مسكا. ومضى ~~رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه وأخذ برجليه، ثم خرج به ~~فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم ألقاه بين أرجل البغال، ثم صعد السرير ~~وقال: قتلت رستم ورب الكعبة! إلي إلي! فأطافوا به وكبروا، فنفله سعد سلبه، ms0802 ~~وكان قد أصابه الماء ولم يظفر بقلنسوته، ولو ظفر بها لكانت قيمتها مائة ~~ألف. # وقيل: إن هلالا لما قصد رستم رماه رستم بنشابة أثبت قدمه بالركاب، فحمل ~~عليه هلال فضربه فقتله، ثم احتز رأسه وعلقه ونادى: قتلت رستم! فانهزم قلب ~~المشركين. # وقام الجالينوس على الردم، ونادى الفرس إلى العبور، وأما المقترنون فإنهم ~~جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم، فما أفلت مخبر، وهم ~~ثلاثون ألفا. وأخذ ضرار بن الخطاب " درقش كابيان "، وهو العلم الأكبر الذي ~~كان للفرس، فعوض منه ثلاثين ألفا، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ألف. وقتلوا ~~في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله، وقتل من المسلمين قبل ~~ليلة الهرير ألفان وخمسمائة، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف، ~~فدفنوا في الخندق حيال مشرق، ودفن ما كان قبل ليلة الهرير على مشرق، وجمعت ~~الأسلاب والأموال فجمع منها شيء لم يجمع قبله ولا بعده مثله. # وأرسل سعد إلى هلال فسأله عن رستم، فأحضره، فقال: جرده إلا ما شئت. # PageV02P313 # فأخذ سلبه فلم يدع عليه شيئا. وأمر القعقاع، وشرحبيل باتباعهم، حتى بلغا ~~مقدار الخرارة من القادسية، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في أثارهم، في ~~ثلاثمائة فارس، ثم أدركه الناس فلحق المنهزمين والجالينوس يجمعهم، فقتله ~~زهرة وأخذ سلبه، وقتلوا ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، وعادوا من ~~أثر المنهزمين ومعهم الأسرى، فرئي شباب من النخع وهو يسوق ثمانين رجلا أسرى ~~من الفرس. # واستكثر سعد سلب الجالينوس، فكتب فيه إلى عمر. فكتب عمر إلى سعد: تعمد ~~إلى مثل زهرة وقد صلي بمثل ما صلي به، وقد بقي عليك من حربك ما بقي، تفسد ~~قلبه، أمض له سلبه وفضله على أصحابه عند عطائه بخمسمائة. # ولما اتبع المسلمون الفرس كان الرجل يشير إلى الفارسي فيأتيه فيقتله، ~~وربما أخذ سلاحه فقتله به، وربما أمر رجلين فيقتل أحدهما صاحبه. # ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي، وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة منهم قد نصبوا ~~راية وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فقتلهم سلمان ومن معه. وكان قد ms0803 ثبت بعد ~~الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة استحيوا من الفرار، وقصدهم بضعة وثلاثون من ~~رؤساء المسلمين، لكل كتيبة منها رئيس. وكان قتال أهل الكتائب من الفرس على ~~وجهين، منهم من هرب، ومنهم من ثبت حتى قتل، وكان ممن هرب من أمراء الكتائب ~~الهرمزان، وكان بإزاء عطارد، ومنهم أهوذ، وكان بإزاء حنظلة بن الربيع، وهو ~~كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم زاد بن بهيش، وكان بإزاء عاصم بن ~~عمرو، ومنهم قارن، وكان بإزاء القعقاع ; وكان ممن ثبت وقتل شهريار بن ~~كنارا، وكان بإزاء سلمان بن ربيعة، وابن الهربذ، وكان بإزاء عبد الرحمن بن ~~ربيعة، والفرخان الأهوازي، وكان بإزاء بسر بن أبي رهم الجهني، ومنهم خشدسوم ~~الهمذاني، وكان بإزاء ابن الهذيل الكاهلي. # PageV02P314 # وتراجع الناس من طلب المنهزمين، وقد قتل مؤذنهم، فتشاج المسلمون في ~~الأذان حتى كادوا يقتتلون، وأقرع سعد بينهم فخرج سهم رجل، فأذن. # وفضل أهل البلاء من أهل القادسية عند العطاء بخمسمائة خمسمائة، وهم خمسة ~~وعشرون رجلا، منهم: زهرة وعصمة الضبي والكلج، وأما أهل الأيام قبلها فإنهم ~~فرض لهم على ثلاثة آلاف، فضلوا على أهل القادسية، فقيل لعمر: لو ألحقت بهم ~~أهل القادسية. فقال: لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم. وقيل له: لو فضلت من ~~بعدت داره على من قاتلهم بفنائه. قال: كيف أفضل عليهم وهم شجن العدو! فهلا ~~فعل المهاجرون بالأنصار هذا! # وكانت العرب تتوقع وقعة العرب وأهل فارس بالقادسية، فيما بين العذيب إلى ~~عدن أبين، وفيما بين الأبلة وأيلة، يرون أن ثبات ملكهم وزاوله بها ; وكانت ~~في كل بلد مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها. فلما كانت وقعة القادسية ~~سارت بها الجن، فأتت بها أناسا من الإنس، فسبقت أخبار الإنس [إليهم] . # وكتب سعد إلى عمرو بالفتح، وبعدة من قتلوا، وبعدة من أصيب من المسلمين - ~~وسمى من يعرف - مع سعد بن عميلة الفزاري. وكان عمر يسأل الركبان من حين ~~يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية، ثم يرجع إلى أهله ومنزله، قال: ~~فلما لقي البشير سأله من أين؟ ms0804 فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني. قال: هزم ~~الله المشركين. وعمر يخب معه يسأله، والآخر يسير على ناقته، لا يعرفه حتى ~~دخل المدينة، وإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين، قال البشير: هلا ~~أخبرتني - رحمك الله - أنك أمير المؤمنين! فقال عمر: لا بأس عليك يا أخي. # وأقام المسلمون بالقادسية في انتظار قدوم البشير، وأمر عمر الناس أن ~~يقوموا على أقباضهم، ويصلحوا أحوالهم، ويتابع إليهم أهل الشام ممن شهد ~~اليرموك ودمشق ممدين لهم، وجاء أولهم يوم أغواث، وآخرهم بعد الغد يوم ~~الفتح، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه # PageV02P315 # عما ينبغي أن يشار فيه مع نذير بن عمرو. # وقيل: كانت وقعة القادسية سنة ست عشرة، قال: وكان بعض أهل الكوفة يقول: ~~إنها كانت سنة خمس عشرة، وقد تقدم أنها كانت سنة أربع عشرة # (حميضة بن النعمان: بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وبالضاد المعجمة. بسر ~~بن أبي رهم: بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة. والحوية: بفتح الحاء ~~المهملة، وكسر الواو، وقيل بالجيم المضمومة، وفتح الواو، والأول أصح. ~~وحمال: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم. والمعنى: بضم الميم، وفتح العين ~~المهملة، والنون المشددة. وحصين بن نمير: بضم الحاء، وفتح الصاد. ومعاوية ~~بن حديج: بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين، وآخره جيم. والمعتم: بضم الميم، ~~وسكون العين المهملة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وآخره ميم مشددة. وصرار: ~~بكسر الصاد المهملة، وبالرائين المهملتين بينهما ألف: موضع عند المدينة. ~~وصنين بكسر الصاد المهملة، والنون المشددة بعدها ياء ساكنة معجمة باثنتين ~~من تحتها، وآخره نون: موضع من ناحية الكوفة) . # انتهى خبر القادسية. ### | [ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة] # قيل: في هذه السنة بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة، وكان بها قطبة بن ~~قتادة السدوسي يغير بتلك الناحية، كما كان يغير المثنى بناحية الحيرة، فكتب ~~إلى عمر يعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن كان قبله من العجم، ~~فنفاهم عن بلادهم. فكتب إليه عمر يأمره بالمقام والحذر، ووجه إليه شريح بن ~~عامر أحد بني سعد بن بكر، فأقبل إلى البصرة، ms0805 وترك بها قطبة، ومضى إلى ~~الأهواز، حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة الأعاجم، فقتلوه، فبعث عمر عتبة ~~بن غزوان، [و] قال له حين وجهه: # يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند، وهي حومة من حومة العدو، وأرجو # PageV02P316 # أن يكفيك الله ما حولها، ويعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي ~~أن يمدك بعرفجة بن هرثمة، وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو، فإذا قدم عليك ~~فاستشره، وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية وإلا ~~فالسيف، واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر مما يفسد عليك ~~إخوتك، وقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعززت به بعد الذلة، ~~وقويت به بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا وملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، ~~وتأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة! إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك على من دونك، ~~واحتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك ~~وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك. إن الناس ~~أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، ~~واتق مصارع الظالمين. انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى العرب وأدنى ~~أرض العجم فأقيموا. # فسار عتبة ومن معه، حتى إذا كانوا بالمربد تقدموا حتى بلغوا حيال الجسر ~~الصغير فنزلوا. فبلغ صاحب الفرات خبرهم، فأقبل في أربعة آلاف فالتقوا، ~~فقاتلهم عتبة بعد الزوال، وكان في خمسمائة، فقتلهم أجمعين، ولم يبق إلا ~~صاحب الفرات فأخذه أسيرا، ثم خطب عتبة أصحابه وقال: إن الدنيا قد تصرمت ~~وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، ألا وإنكم منتقلون منها ~~إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، وقد ذكر لي: لو أن صخرة ألقيت ~~من شفير جهنم لهوت سبعين خريفا، ولتملأنه ; أوعجبتم! ولقد ذكر لي أن ما بين ~~مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين خريفا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ، ~~[بزحام] ، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع النبي - صلى الله عليه ms0806 وسلم -، ما ~~لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين ~~سعد، فما منا [من] أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، # PageV02P317 # وسيجربون الناس بعدنا. # وكان نزوله البصرة في ربيع الأول أو الآخر سنة أربع عشرة. # وقيل: إن البصرة مصرت سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت، أرسله سعد إليها ~~بأمر عمر. وإن عتبة لما نزل البصرة أقام نحو شهر، فخرج إليه أهل الأبلة، ~~وكان بها خمسمائة أسوار يحمونها، وكانت مرفأ السفن من الصين، فقاتلهم عتبة ~~فهزمهم حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، وألقى الله الرعب في قلوب ~~الفرس، فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الماء، وأخلوا المدينة، ~~ودخلها المسلمون، فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا فاقتسموه، وأخرج الخمس منه، ~~وكان المسلمون ثلاثمائة. وكان فتحها في رجب أو في شعبان. # ثم نزل موضع الرزق، وخط موضع المسجد وبناه بالقصب. # وكان أول مولود بها عبد الرحمن بن أبي بكرة، فلما ولد ذبح أبوه جزورا، ~~فكفتهم لقلة الناس. # وجمع لهم أهل دستميسان، فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها أسيرا، وأخذ ~~قتادة منطقته، فبعث بها مع أنس بن حجنة إلى عمر، فقال له عمر: كيف الناس؟ ~~فقال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة. فرغب الناس في البصرة ~~فأتوها. # واستعمل عتبة مجاشع بن مسعود على جماعة وسيرهم إلى الفرات، واستخلف ~~المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى أن يقدم مجاشع بن مسعود، فإذا قدم فهو ~~الأمير، وسار عتبة إلى عمر. فظفر مجاشع بأهل الفرات وجمع الفليكان، عظيم من ~~الفرس، للمسلمين، فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيهم بالمرغاب فاقتتلوا. ~~فقال نساء المسلمين: لو لحقنا بهم فكنا معهم، فاتخذن من خمرهن رايات وسرن ~~إلى المسلمين. # PageV02P318 # فلما رأى المشركون الرايات ظنوا أن مددا للمسلمين قد أقبل، فانهزموا وظفر ~~بهم المسلمون. # وكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ فقال: ~~مجاشع بن مسعود. قال: أتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ وأخبره بما ~~كان من المغيرة، وأمره أن يرجع ms0807 إلى عمله، فمات في الطريق، وقيل في موته غير ~~ذلك، وسيرد ذكره سنة سبع عشرة # وكان من سبي ميسان يسار أبو الحسن البصري، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن ~~أرطبان. # وقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، والأول ~~أصح، فكانت إمارته عليها ستة أشهر. # واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة، فبقي سنتين ثم رمي بما رمي، ~~واستعمل أبا موسى، وقيل: استعمل بعد عتبة أبا موسى وبعده المغيرة. # وفيها - أعني سنة أربع عشرة - ضرب عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب ~~شربوه، وأبا محجن. # وفيها أمر عمر بالقيام في شهر رمضان في المساجد بالمدينة، وجمعهم على أبي ~~بن كعب، وكتب إلى الأمصار بذلك. # وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. وكان على مكة عتاب بن أسيد في ~~قول، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد، وعلى الشام أبو عبيدة بن ~~الجراح، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص، وقيل العلاء بن الحضرمي، وعلى ~~عمان حذيفة بن محصن. # PageV02P319 # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات أبو قحافة والد أبي بكر الصديق بعد موت ابنه. # وفيها مات سعد بن عبادة الأنصاري، وقيل: سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة خمس ~~عشرة # وفيها قتل سليط بن عمرو بن عامر بن لؤي # وفيها ماتت هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية، وكان إسلامها يوم الفتح. # PageV02P320 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة] ### | 15 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة # وقيل: إن الكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص في هذه السنة، دلهم على موضعها ~~ابن بقيلة، قال لسعد: أدلك على أرض لله ارتفعت من البق وانحدرت عن الفلاة! ~~فدله على موضعها، وقيل غير ذلك، ويأتي ذكره # ذكر الوقعة بمرج الروم # في هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم، وكان من ذلك أن أبا عبيدة وخالد بن ~~الوليد سارا بمن معهما من فحل قاصدين حمص، فنزلا على ذي الكلاع، وبلغ الخبر ~~هرقل. فبعث توذر البطريق، حتى نزل بمرج الروم غرب دمشق، ونزل أبو عبيدة ~~بمرج الروم أيضا، ms0808 ونازله يوم نزوله شنش الرومي في مثل خيل توذر، إمدادا ~~لتوذر وردءا لأهل حمص. فلما نزل أصبحت الأرض من توذر بلاقع، وكان خالد ~~بإزائه، وأبو عبيدة بإزاء شنش، وسار توذر يطلب دمشق، فسار خالد وراءه في ~~جريدة، وبلغ يزيد بن أبي سفيان فعل توذر فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد ~~وهم يقتتلون فأخذهم من خلفهم ولم يفلت منهم إلا الشريد، وغنم المسلمون ما ~~معهم، فقسمه يزيد في أصحابه وأصحاب خالد، وعاد يزيد إلى دمشق، ورجع خالد ~~إلى أبي عبيدة وقد قتل توذر. وقاتل أبو عبيدة بعد مسير خالد شنش، فاقتتلوا ~~بمرج الروم، فقتلت الروم مقتلة عظيمة، وقتل شنش، وتبعهم المسلمون إلى حمص، ~~فلما بلغ هرقل ذلك أمر بطريق حمص بالمسير إليها، وسار هو إلى الرهاء، وسار ~~أبو عبيدة إلى حمص. # PageV02P321 # ذكر فتح حمص وبعلبك وغيرهما # فلما فرغ أبو عبيدة من دمشق سار إلى حمص، فسلك طريق بعلبك فحصرها، فطلب ~~أهلها الأمان فآمنهم وصالحهم، وسار عنهم فنزل على حمص ومعه خالد # وقيل: إنما سار المسلمون إلى حمص من مرج الروم، وقد تقدم ذكره. فلما ~~نزلوها قاتلوا أهلها فكانوا يغادونهم القتال ويراوحونهم في كل يوم بارد، ~~ولقي المسلمون بردا شديدا، والروم حصارا طويلا، فصبر المسلمون والروم، وكان ~~هرقل قد أرسل إلى أهل حمص يعدهم المدد، وأمر أهل الجزيرة جميعها بالتجهيز ~~إلى حمص فساروا نحو الشام ليمنعوا حمص عن المسلمين. فسير سعد بن أبي وقاص ~~السرايا من العراق إلى هيت وحصروها، وسار بعضهم إلى قرقيسيا، فتفرق أهل ~~الجزيرة وعادوا عن نجدة أهل حمص، فكان أهلها يقولون: تمسكوا بمدينتكم فإنهم ~~حفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم. فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط ~~للمسلمين إصبع. # فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم فدعاهم إلى مصالحة المسلمين فلم ~~يجيبوه، وقام آخر فلم يجيبوه، فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة، فانهدم كثير ~~من دور حمص، وزلزلت حيطانهم فتصدعت، فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك، ~~فخرج أهلها إليهم يطلبون الصلح، ولا يعلم المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم ~~وصالحوهم على صلح دمشق، ms0809 وأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني ~~معاوية، والأشعث بن ميناس في السكون، والمقداد في بلي، وأنزلها غيرهم، وبعث ~~بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود، وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن أقم ~~بمدينتك وارع أهل القوة من عرب الشام، فإني غير تارك البعثة إليك. # ثم استخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت، وسار إلى حماة، فتلقاه ~~أهلها مذعنين، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية لرءوسهم والخراج على أرضهم، # PageV02P322 # ومضى نحو شيزر، فخرجوا إليه يسألون الصلح على ما صالح عليه أهل حماة، ~~وسار أبو عبيدة إلى معرة حمص، وهي معرة النعمان، نسبت بعد إلى النعمان بن ~~بشير الأنصاري، فأذعنوا له بالصلح على ما صالح عليه أهل حمص. # ثم أتى اللاذقية فقاتله أهلها، وكان لها باب عظيم يفتحه جمع من الناس، ~~فعسكر المسلمون على بعد منها، ثم أمر فحفر حفائر عظيمة، تستر الحفرة منها ~~الفارس راكبا، ثم أظهروا أنهم عائدون عنها ورحلوا، فلما جنهم الليل عادوا ~~واستتروا في تلك الحفائر، وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون أن المسلمين قد ~~انصرفوا عنهم، فأخرجوا سرحهم وانتشروا بظاهر البلد، فلم يرعهم إلا ~~والمسلمون يصيحون بهم، ودخلوا معهم المدينة وملكت عنوة، وهرب قوم من ~~النصارى، ثم طلبوا الأمان على أن يرجعوا إلى أرضهم، فقوطعوا على خراج ~~يؤدونه قلوا أو كثروا، وتركت لهم كنيستهم، وبنى المسلمون بها مسجدا جامعا، ~~بناه عبادة بن الصامت، ثم وسع فيه بعد. # ولما فتح المسلمون اللاذقية جلا أهل جبلة من الروم عنها، فلما كان زمن ~~معاوية بنى حصنا خارج الحصن الرومي وشحنه بالرجال. # وفتح المسلمون مع عبادة بن الصامت أنطرطوس، وكان حصينا، فجلا عنه أهله، ~~فبنى معاوية مدينة أنطرطوس، ومصرها، وأقطع بها القطائع للمقاتلة، وكذلك فعل ~~ببانياس # وفتحت سلمية أيضا، وقيل: إنما سميت سلمية لأنه كان بقربها مدينة تدعى ~~المؤتفكة انقلبت بأهلها ولم يسلم منهم غير مائة نفس، فبنوا لهم مائة منزل، ~~وسميت سلم مائة، ثم حرف الناس فقالوا: سلمية، وهذا يتمشى لقائله لو كان ~~أهلها عربا ولسانهم عربيا، ms0810 وأما إذ كان لسانهم أعجميا فلا يسوغ هذا القول. ~~ثم إن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس اتخذها دارا وبنى [و] ولده فيها ~~ومصروها، ونزلها من نزلها من ولده، فهي وأرضوها لهم. # PageV02P323 # ذكر فتح قنسرين ودخول هرقل القسطنطينية # ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين. فلما نزل الحاضر زحف إليهم ~~الروم وعليهم ميناس، وكان من أعظم الروم بعد هرقل، فاقتتلوا فقتل ميناس ومن ~~معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، فماتوا على دم واحد. وسار خالد حتى نزل ~~على قنسرين فتحصنوا منه، فقالوا: لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو ~~لأنزلكم إلينا. فنظروا في أمرهم ورأوا ما لقي أهل حمص فصالحوهم على صلح ~~حمص، فأبى خالد إلا على إخراب المدينة فأخربها. فعند ذلك دخل هرقل ~~القسطنطينية ; وسببه: أن خالدا وعياضا أدربا إلى هرقل من الشام، وأدرب عمرو ~~بن مالك من الكوفة، فخرج من ناحية قرقيسيا، وأدرب عبد الله بن المعتم من ~~ناحية الموصل، ثم رجعوا، فعندها دخل هرقل القسطنطينية، وكانت هذه أول مدربة ~~في الإسلام سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة. # فلما بلغ عمر صنيع خالد قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان ~~أعلم بالرجال مني! وقد كان عزله والمثنى بن حارثة وقال: إني لم أعزلهما عن ~~ريبة ولكن الناس عظموهما فخشيت أن يوكلوا إليهما. # فأما المثنى فإنه رجع عن رأيه فيه لما قام بعد أبي عبيدة، ورجع عن خالد ~~بعد قنسرين. وأما هرقل فإنه خرج من الرهاء ; وكان أول من أنبح كلابها ونفر ~~دجاجها من المسلمين زياد بن حنظلة - وكان من الصحابة -، وسار هرقل فنزل ~~بشمشاط، ثم أدرب منها نحو القسطنطينية. فلما أراد المسير منها علا على نشز ~~ثم التفت إلى الشام فقال: السلام عليك يا سورية، سلام لا اجتماع بعده، ولا ~~يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا، حتى يولد المولود المشئوم، يا ليته لا ~~يولد! فما أحلى فعله وأمر فتنته على الروم! . ثم سار فدخل القسطنطينية، ~~وأخذ أهل الحصون التي بين ms0811 الإسكندرية وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في ~~عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم، وشعث الحصون، فكان المسلمون لا # PageV02P324 # يجدون بها أحدا، وربما كمن عندها الروم فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط ~~المسلمون لذلك. # ذكر فتح حلب وأنطاكية وغيرها من العواصم # لما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب، فبلغه أن أهل قنسرين نقضوا ~~وغدروا، فوجه إليهم السمط الكندي فحصرهم وفتحها، وأصاب فيها بقرا وغنما، ~~فقسم بعضه في جيشه، وجعل بقيته في المغنم. ووصل أبو عبيدة إلى حاضر حلب وهو ~~قريب منها فجمع أصنافا من العرب، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم أسلموا ~~بعد ذلك، وأتى حلب وعلى مقدمته عياض بن غنم الفهري، فتحصن أهلها وحصرهم ~~المسلمون، فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم ~~وكنائسهم وحصنهم، فأعطوا ذلك، واستثني عليهم موضع المسجد، وكان الذي صالحهم ~~عياض، فأجاز أبو عبيدة ذلك. # وقيل: صولحوا على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم. # وقيل: إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا لأن أهلها انتقلوا إلى أنطاكية ~~وراسلوا في الصلح، فلما تم ذلك رجعوا إليها. # وسار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية، وقد تحصن بها كثير من الخلق من ~~قنسرين وغيرها. فلما فارقها لقيه جمع العدو، فهزمهم فألجأهم إلى المدينة ~~وحاصرها من جميع نواحيها، ثم إنهم صالحوهم على الجلاء أو الجزية، فجلا بعض ~~وأقام بعض فآمنهم، ثم نقضوا، فوجه أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن ~~مسلمة، ففتحاها على الصلح الأول. # وكانت أنطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين، فلما فتحت كتب عمر إلى أبي ~~عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين واجعلهم بها مرابطة، ولا تحبس ~~عنهم العطاء. # وبلغ أبا عبيدة أن جمعا من الروم بين معرة مصرين وحلب، فسار إليهم فلقيهم # PageV02P325 # فهزمهم وقتل عدة بطارقة، وسبى وغنم، وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب، ~~وجالت خيوله فبلغت بوقا، وفتحت قرى الجومة وسرمين وتيزين، وغلبوا على جميع ~~أرض قنسرين وأنطاكية. # ثم أتى أبو عبيدة حلب وقد التاث أهلها، فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا ~~المدينة. # وسار ms0812 أبو عبيدة يريد قورس وعلى مقدمته عياض، فلقيه راهب من رهبانها يسأله ~~الصلح، فبعث به إلى أبي عبيدة فصالحه على صلح أنطاكية، وبث خيله فغلب على ~~جميع أرض قورس وفتح تل عزاز، وكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي ~~عبيدة، فنزل في حصن بقورس، فنسب إليه، فهو يعرف بحصن سلمان. # ثم سار أبو عبيدة إلى منبج وعلى مقدمته عياض، فلحقه وقد صالح أهلها على ~~مثل صلح أنطاكية، وسير عياضا إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل ~~صلح منبج، واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بخبر الروم. وولى أبو عبيدة كل ~~كورة فتحها عاملا، وضم إليه جماعة، وشحن النواحي المخوفة. # وسار إلى بالس، وبعث جيشا مع حبيب بن مسلمة إلى قاصرين، فصالحهم أهلها ~~على الجزية أو الجلاء، فجلا أكثرهم إلى بلد الروم وأرض الجزيرة وقرية جسر ~~منبج، ولم يكن الجسر يومئذ، وإنما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف، وقيل: بل ~~كان له رسم قديم. # واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات، وعاد أبو عبيدة ~~إلى فلسطين. # وكان بجبل اللكام مدينة يقال لها جرجومة، وأهلها يقال لهم الجراجمة، فسار ~~حبيب بن مسلمة إليها من أنطاكية، فافتتحها صلحا، على أن يكونوا أعوانا ~~للمسلمين. # PageV02P326 # وفيها سير أبو عبيدة بن الجراح جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسي، فسلكوا ~~درب بغراس من أعمال أنطاكية إلى بلاد الروم، وهو أول من سلك ذلك الدرب، ~~فلقي جمعا للروم معهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل، فأوقع ~~منهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به مالك الأشتر النخعي مددا من قبل أبي ~~عبيدة وهو بأنطاكية، فسلموا وعادوا. وسير جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن ~~الوليد، ففتحها على إجلاء أهلها بالأمان وأخربها. وسير جيشا آخر مع حبيب بن ~~مسلمة إلى حصن الحدث، وإنما سمي الحدث لأن المسلمين لقوا عليه غلاما حدثا ~~فقاتلهم في أصحابه، فقيل درب الحدث، وقيل: لأن المسلمين أصيبوا به فقيل درب ~~الحدث، وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة لهذا المعنى. # ذكر فتح ms0813 قيسارية وحصر غزة # في هذه السنة فتحت قيسارية، وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين. وكان ~~سببها: أن عمر كتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن يرسل معاوية إلى قيسارية، وكتب ~~عمر إلى معاوية يأمره بذلك، فسار معاوية إليها فحصر أهلها، فجعلوا يزاحفونه ~~وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم. ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين، وبلغت قتلاهم في ~~المعركة ثمانين ألفا، وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها، وكان علقمة بن ~~مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله، فلم يشفه أحد بما يريد، فأتاه كأنه ~~رسول علقمة، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له في الطريق، فإذا مر به قتله، ~~ففطن علقمة فقال: إن معي نفرا يشركونني في الرأي، فأنطلق فآتيك بهم، فبعث ~~القيقار إلى ذلك الرجل أن لا يعرض له، فخرج علقمة من عنده فلم يعد، وفعل ~~كما فعل عمرو بالأرطبون. # (مجزز: بجيم وزايين الأولى مكسورة [مشددة] ) . # PageV02P327 # ذكر فتح بيسان ووقعة أجنادين # ولما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان، ~~فافتتحاها وصالحا أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان، ~~وسار عمرو وشرحبيل إلى الأرطبون ومن معه وهو بأجنادين، واستخلف على الأردن ~~أبا الأعور، فنزل بالأرطبون ومعه الروم. وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها ~~غورا، وكان قد وضع بالرملة جندا عظيما، وبإيلياء جندا عظيما. فلما بلغ عمر ~~بن الخطاب الخبر قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم ~~تنفرج. # وكان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو، وكان عمرو قد جعل علقمة بن حكيم ~~الفارسي ومسروق بن فلان العكي على قتال إيلياء، فشغلوا من به عنه، وجعل ~~أيضا أبا أيوب المالكي على من بالرملة من الروم، فشغلهم عنه، وتتابعت ~~الأمداد من عند عمر إلى عمرو، فأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون ~~على شيء، ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، ففطن به ~~الأرطبون وقال: لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه، فأمر ~~إنسانا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا ms0814 مر به، وفطن عمرو لفعله فقال له: قد ~~سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعا، وأنا واحد من عشرة، بعثنا عمر ~~إلى هذا الوالي لنكانفه، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا الذي عرضت علي ~~الآن فقد رآه الأمير وأهل العسكر، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم. فقال: ~~نعم، ورد الرجل الذي أمر بقتله. فخرج عمرو من عنده، وعلم الرومي أنها خدعة ~~اختدعه بها فقال: هذا أدهى الخلق! # وبلغت خديعته عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو! وعرف عمرو مأخذه فلقيه، ~~فاقتتلوا بأجنادين قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم. # وانهزم أرطبون إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين، وأفرج المسلمون الذين ~~يحصرون بيت المقدس لأرطبون، فدخل إيلياء وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو. # وقد تقدم ذكر وقعة أجنادين على قول من يجعلها قبل اليرموك، وسياقها على ~~غير هذه السياقة، فلهذا ذكرناها هنالك وهاهنا. # PageV02P328 # ذكر فتح بيت المقدس وهو إيلياء # في هذه السنة فتح بيت المقدس، وقيل: سنة ست عشرة في ربيع الأول. # وسبب ذلك أنه لما دخل أرطبون إيلياء، فتح عمرو غزة، وقيل: كان فتحها في ~~خلافة أبي بكر، ثم فتح سبسطية، وفيها قبر يحيى بن زكرياء، عليه السلام، ~~وفتح نابلس بأمان على الجزية، وفتح مدينة لد، ثم فتح يبنى وعمواس وبيت ~~جبرين، وفتح يافا، وقيل: فتحها معاوية، وفتح عمرو رفح. # فلما تم له ذلك أرسل إلى أرطبون رجلا يتكلم بالرومية وقال له: اسمع ما ~~يقول، وكتب معه كتابا، فوصل الرسول، ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه، ~~فقال أرطبون: لا يفتح - والله - عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين. فقالوا ~~له: من أين علمت هذا؟ فقال: صاحبها رجل صفته كذا وكذا، وذكر صفة عمر. فرجع ~~الرسول إلى عمرو فأخبره الخبر، فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول: إني أعالج ~~عدوا شديدا وبلادا قد ادخرت لك، فرأيك. فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا ~~بشيء سمعه، فسار عمر عن المدينة # وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام أن أبا عبيدة حصر بيت ms0815 المقدس، فطلب ~~أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن ~~الخطاب، فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب، ~~فقال له علي: أين تخرج بنفسك؟ إنك تريد عدوا كلبا. فقال عمر: أبادر بالجهاد ~~قبل موت العباس، إنكم لو فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض [أول] ~~الحبل. فمات العباس لست سنين من خلافة عثمان، فانتقض بالناس الشر # وسار عمر فقدم الجابية على فرس، وجميع ما قدم الشام أربع مرات: الأولى ~~على # PageV02P329 # فرس، الثانية على بعير، والثالثة على بغل - رجع لأجل الطاعون - والرابعة ~~على حمار. وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية ليوم سماه لهم في ~~المجردة، ويستخلفوا على أعمالهم، فلقوه حيث رفعت لهم الجابية، فكان أول من ~~لقيه يزيد وأبو عبيدة ثم خالد على الخيول، عليهم الديباج والحرير، فنزل ~~وأخذ الحجارة ورماهم بها وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم! إياي تستقبلون ~~في هذا الزي وإنما شبعتم مذ سنتين! وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين ~~لاستبدلت بكم غيركم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا ~~السلاح. قال: فنعم إذن. وركب حتى دخل الجابية وعمرو وشرحبيل كأنهما لم ~~يتحركا. # فلما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود: يا أمير المؤمنين، إنك لا ~~ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء، وكانوا قد شجوا عمرا وشجهم، ولم ~~يقدر عليها ولا على الرملة. فبينما عمر معسكر بالجابية فزع الناس إلى ~~السلاح، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا ترى إلى الخيل والسيوف؟ فنظر فإذا ~~كردوس يلمعون بالسيوف. فقال عمر: مستأمنة فلا تراعوا، فأمنوهم، وإذا أهل ~~إيلياء وحيزها، فصالحهم على الجزية وفتحوها له. وكان الذي صالحه العوام، ~~لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما وصل عمر إلى الشام، وأخذوا كتابه على ~~إيلياء وحيزها والرملة وحيزها، فشهد ذلك اليهودي الصلح. فسأله عمر عن ~~الدجال، وكان كثير السؤال عنه. فقال له: وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين؟ ~~أنتم والله تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ms0816 ذراعا. وأرسل عمر إليهم بالأمان ~~وجعل علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة، وجعل علقمة بن مجزز على ~~نصفها الآخر وأسكنه إيلياء. وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية فلقياه راكبا ~~فقبلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما. # ثم سار إلى بيت المقدس من الجابية فركب فرسه فرأى به عرجا، فنزل عنه وأتي # PageV02P330 # ببرذون فركبه، فجعل يتجلجل به، فنزل وضرب وجهه وقال: لا أعلم من علمك هذه ~~الخيلاء! ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده. # وفتحت إيلياء وأهلها على يديه. وقيل: كان فتحها سنة ست عشرة، ولحق أرطبون ~~ومن أبى الصلح من الروم بمصر، فلما ملك المسلمون مصر قتل، وقيل: بل لحق ~~بالروم، فكان يكون على صوائفهم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين، ومع ~~المسلمين رجل من قيس يقال له ضريس، فقطع يد القيسي وقتله القيسي، فقال فيه: # فإن يكن أرطبون الروم أفسدها فإن فيها بحمد الله منتفعا # وإن يكن أرطبون الروم قطعها فقد تركت بها أوصاله قطعا # ذكر فرض العطاء وعمل الديوان # وفي سنة خمس عشرة فرض عمر للمسلمين الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطايا ~~على السابقة، وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو في أهل ~~الفتح أقل ما أخذ من قبلهم، فامتنعوا من أخذه وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد ~~أكرم منا. فقال: إني إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب. ~~قالوا: فنعم إذا، وأخذوا، وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام، فلم يزالا ~~مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب، وقيل: ماتا في طاعون عمواس. # ولما أراد عمر وضع الديوان قال له علي وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك. ~~قال: لا بل أبدأ بعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم الأقرب فالأقرب ~~; ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن ~~بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى ~~أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف (في ذلك ms0817 من شهد الفتح ~~وقاتل عن أبي بكر ومن ولي الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة ~~آلاف) ، ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام # PageV02P331 # ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين ~~وخمسمائة. # فقيل له: لو ألحقت القادسية بأهل الأيام، فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من ~~لم يدركوا. وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه. ~~فقال: من قربت داره أحق بالزيادة لأنهم كانوا ردءا للحتوف وشجى للعدو، فهلا ~~قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت ~~نصرة الأنصار بفنائهم وهاجر إليهم المهاجرون من بعد. # وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا، ثم فرض للروادف المثنى ~~خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم ثلاثمائة، سوى كل طبقة في العطاء ~~قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين وفرض ~~لمن بعدهم - وهم أهل هجر والعباد - على مائتين، وألحق بأهل بدر أربعة من ~~غير أهلها: الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان. وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ~~ألفا، وقيل: اثني عشر ألفا، وأعطى نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، عشرة ~~آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى عليها الملك. فقال نسوة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفضلنا عليهن في ~~القسمة، فسو بيننا ; ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، إياها، فلم تأخذ. وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة، ~~ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة، ونساء من بعد ذلك إلى ~~الأيام ثلاثمائة ثلاثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثم سوى بين ~~النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان سواء على مائة مائة، ثم جمع ستين مسكينا ~~وأطعمهم الخبز، فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين، ففرض لكل إنسان ~~منهم ولعياله جريبتين في الشهر. # وقال عمر قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، ألفا ~~يجعلها الرجل في أهله، وألفا يزودها معه، وألفا يتجهز بها، وألفا يترفق ~~بها. ms0818 فمات قبل أن يفعل. # PageV02P332 # وقال له قائل عند فرض العطاء: يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال ~~عدة لكون إن كان. فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي ~~فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أعد الله ورسوله طاعة لله ورسوله، هما عدتنا ~~التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم. # وقال عمر للمسلمين: إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد ~~شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي في هذا المال؟ وعلي ساكت. فأكثر ~~القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ فقال: ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره. ~~فقال القوم: القول ما قال علي. فأخذ قوته واشتدت حاجة عمر، فاجتمع نفر من ~~الصحابة منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير فقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة ~~نزيده إياها في رزقه. فقال عثمان: هلموا فلنستبرئ ما عنده من وراء وراء، ~~فأتوا حفصة ابنته فأعلموها الحال واستكتموها أن لا تخبر بهم عمر. فلقيت عمر ~~في ذلك، فغضب وقال: من هؤلاء لأسوءهم؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم. قال: أنت ~~بيني وبينهم، ما أفضل ما اقتنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتك ~~من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع. قال: فأي الطعام ~~ناله عندك أرفع؟ قالت: حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا، ~~فجعلتها دسمة حلوة فأكل منها. وقال: وأي مبسط كان يبسط عندك كان أوطأ؟ ~~قالت: كساء ثخين كنا نربعه في الصيف، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا ~~بنصفه. قال: يا حفصة فأبلغيهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدر ~~فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالتزجية، فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن ~~بالتزجية، وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول وقد تزود ~~فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم اتبعه الثالث فإن ~~لزم طريقهما ورضي بزادهما ألحق بهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. # PageV02P333 # ذكر الحروب إلى آخر السنة # فمن ذلك ms0819 يوم برس وبابل وكوثى # لما فرغ سعد من أمر القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين، وكاتب عمر فيما ~~يفعل، فكتب إليه يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال ~~بالعتيق، وأن يجعل معهم جندا كثيفا وأن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون ~~المسلمين في عيالاتهم. ففعل ذلك، وسار من القادسية لأيام بقين من شوال، وكل ~~الناس مؤد مذ نقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس. فلما وصلت مقدمة ~~المسلمين برس وعليهم عبد الله بن المعتم وزهرة بن حوية وشرحبيل بن السمط ~~لقيهم بها بصبهرا في جمع من الفرس، فهزمه المسلمون ومن معه إلى بابل، وبها ~~فالة القادسية وبقايا رؤسائهم النخيرخان، ومهران الرازي، والهرمزان، ~~وأشباههم، وقد استعملوا عليهم الفيرزان، وقدم بصبهرا منهزما من برس، فوقع ~~في النهر، ومات من طعنة كان طعنه زهرة. # ولما هزم بصبهرا أقبل بسطام دهقان برس فصالح زهرة، وعقد له الجسور، ~~وأخبره بمن اجتمع ببابل، فأرسل زهرة إلى سعد يعرفه ذلك. فقدم عليه سعد ببرس ~~وسيره في المقدمة، وأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشما المرقال، واتبعهم، ~~فنزلوا على الفيرزان ببابل وقد قالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق، فاقتتلوا ~~فهزمهم المسلمون، فانطلقوا على وجهين، فسار الهرمزان نحو الأهواز فأخذها ~~فأكلها، وخرج الفيرزان نحو نهاوند، فأخذها فأكلها وبها كنوز كسرى، وأكل ~~الماهين، وسار النخيرخان ومهران إلى المدائن وقطعا الجسر. # وأقام سعد ببابل، فقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن ~~شهاب السعدي حتى عبرا الصراة، فلحقا بأخريات القوم، وفيهم فيومان والفرخان، ~~فقتل بكير الفرخان وقتل كثير فيومان بسوراء، وجاء زهرة فجاز سوراء ونزل، ~~وجاء سعد وهاشم # PageV02P334 # والناس ونزلوا عليه، وتقدم زهرة نحو الفرس، وكانوا قد نزلوا بين الدير ~~وكوثى، وقد استخلف النخيرخان ومهران على جنودهما شهريار، فنازلهم زهرة، ~~فبرزوا إلى قتاله، وخرج شهريار يطلب المبارزة، فأخرج زهرة إليه أبا نباتة ~~نائل بن جشعم الأعرجي، وكان من شجعان بني تيم، وكلاهما وثيق الخلق. فلما ~~رأى شهريار نائلا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى أبو نباتة رمحه ليعتنقه أيضا، ~~وانتضيا ms0820 سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فسقطا عن دابتهما، فوقع شهريار عليه ~~كأنه جمل، فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه، فوقعت إصبعه في ~~نائل فكسر عظمها، ورأى منه فتورا فبادر وجلد به الأرض، ثم قعد على صدره ~~وأخذ خنجره وكشف درعه عن بطنه، وطعن به بطنه وجنبه حتى مات، وأخذ فرسه ~~وسواريه وسلبه، وانهزم أصحابه فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثى حتى قدم ~~عليه سعد، فقدم إليه نائلا وألبسه سلاح شهريار وسواريه وأركبه برذونه وغنمه ~~الجميع، فكان أول أعرجي سور بالعراق، وقام بها سعد أياما وزار مجلس إبراهيم ~~الخليل - عليه السلام -. # وقيل: كانت هذه الوقعات سنة ست عشرة. # (نائل بالنون، وبعد الألف ياء تحتها نقطتان، وآخره لام) . # ذكر بهرسير وهي المدينة العتيقة وهي المدائن الدنيا من الغرب # ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى في المقدمات، فتلقاه شيرازاد دهقان ~~ساباط بالصلح، فأرسله إلى سعد، فصالحه على تأدية الجزية. # ولقي زهرة كتيبة بنت كسرى التي تدعى بوران، وكانوا يحلفون كل يوم أن لا ~~يزول ملك فارس ما عشنا، فهزمهم وقتل هاشم بن عتبة - وهو ابن أخي سعد - ~~المقرط - وهو # PageV02P335 # أسد كان لكسرى قد ألفه، فقبل سعد رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد، وأرسله ~~سعد في المقدمة إلى بهرسير، فنزل إلى المظلم، وقرأ: {أولم تكونوا أقسمتم من ~~قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] ; ثم ارتحل فنزل على بهرسير، ووصلها سعد ~~والمسلمون فرأوا الإيوان، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر! أبيض كسرى! هذا ~~ما وعد الله ورسوله. وكبر وكبر الناس معه، فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا، ~~ثم نزلوا على المدينة، وكان نزولهم عليها في ذي الحجة. # وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. وكان عامله فيها على مكة عتاب بن ~~أسيد في القول، وعلى الطائف يعلى بن منية، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن ~~أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى ~~الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة. # [الوفيات] # وفيها مات ms0821 سعد بن عبادة الأنصاري، وقيل: توفي في خلافة أبي بكر. # ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكان أسن من أسلم من بني هاشم. # PageV02P336 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة] # [ذكر فتح المدائن الغربية وهي بهرسير] ### | 16 - # ثم دخلت سنة ست عشرة ### | ذكر فتح المدائن الغربية وهي بهرسير # في هذه السنة - في صفر - دخل المسلمون بهرسير، وكان سعد محاصرا لها، ~~وأرسل الخيول فأغارت على من ليس له عهد، فأصابوا مائة ألف فلاح، فأصاب كل ~~واحد منهم فلاحا، لأن كل المسلمين كان فارسا، فأرسل سعد إلى عمر يستأذنه، ~~فأجابه: إن من جاءكم من الفلاحين ممن لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن هرب ~~فأدركتموه فشأنكم به. فخلى سعد عنهم وأرسل إلى الدهاقين ودعاهم إلى الإسلام ~~أو الجزية ولهم الذمة، فتراجعوا ولم يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، فلم يبق ~~في غربي دجلة إلى أرض العرب سوادي إلا أمن واغتبط بملك الإسلام. # وأقاموا على بهرسير شهرين يرمونهم بالمجانيق، ويدبون إليهم بالدبابات ~~ويقاتلونهم بكل عدة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقا فشغلوهم بها، وربما خرج ~~العجم فقاتلوهم فلا يقومون لهم، وكان آخر ما خرجوا متجردين للحرب وتبايعوا ~~على الصبر، فقاتلهم المسلمون. وكان على زهرة بن الحوية درع مفصومة، فقيل: ~~لو أمرت بهذا الفصم فسرد. فقال لهم: إني على الله لكريم، أن ترك سهم فارس ~~الجند كلهم ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت في! فكان أول رجل أصيب من ~~المسلمين يومئذ # PageV02P337 # هو، بنشابة من ذلك الفصم. فقال بعضهم: انزعوها. فقال: دعوني فإن نفسي معي ~~ما دامت في لعلي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة. فمضى نحو العدو فضرب بسيفه ~~شهريار من أهل إصطخر فقتله، وأحيط به فقتل وما انكشفوا. # وقيل: إن زهرة عاش إلى أيام الحجاج فقتله شبيب الخارجي، وسيرد ذكره. # واشتد الحصار بأهل المدائن الغربية حتى أكلوا السنانير والكلاب، وصبروا ~~من شدة الحصار على أمر عظيم، فبينا هم يحاصرونهم إذ أشرف عليهم رسول الملك، ~~فقال: الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما ms0822 يلينا من دجلة ~~إلى جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله ~~بطونكم! فقال لهم أبو مفزر الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله - تعالى - بما ~~لا يدري ما هو ولا من معه. فرجع الرجل فقطعوا دجلة إلى المدائن الشرقية ~~التي فيها الإيوان، فقال له من معه: يا أبا مفزر ما قلت له؟ قال: والذي بعث ~~محمدا بالحق ما أدري! وأنا أرجو أن أكون قد نطقت بالذي هو خير. وسأله سعد ~~والناس عما قال فلم يعلم. فنادى سعد في الناس، فنهدوا إليهم، فما ظهر على ~~المدينة أحد، ولا خرج رجل إلا رجل ينادي بالأمان، فآمنوه، فقال لهم: ما بقي ~~بالمدينة من يمنعكم. فدخلوا فما وجدوا فيها شيئا ولا أحدا إلا أسارى وذلك ~~الرجل، فسألوه لأي شيء هربوا؟ فقال: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، ~~فأجبتموه أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريدون بأترج ~~كوثى. فقال الملك: يا ميلتيه! إن الملائكة تتكلم على ألسنتهم ترد علينا. # فساروا إلى المدينة القصوى. فلما دخلها المسلمون أنزلهم سعد المنازل، ~~وأرادوا العبور إلى المدائن فوجدوا المعابر قد أخذوها ما بين المدائن ~~وتكريت. ### | [ذكر فتح المدائن التي فيها إيوان كسرى] # وكان فتحها في صفر أيضا سنة ست عشرة، قيل: وأقام سعد ببهرسير أياما من # PageV02P338 # صفر، فأتاه علج فدله على مخاضة تخاض إلى صلب الفرس، فأبى وتردد عن ذلك، ~~وقحمهم المد، وكانت السنة كثيرة المدود، ودجلة تقذف بالزبد، فأتاه علج ~~فقال: ما يقيمك؟ لا يأتي عليك ثلاثة حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في المدائن. ~~فهيجه ذلك على العبور، ورأوا رؤيا: أن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرت، ~~فعزم سعد لتأويل الرؤيا، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم ~~قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه ويخلصون إليكم إذا شاءوا في ~~سفنهم فيناوشونكم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، قد كفاكم أهل ~~الأيام وعطلوا ثغورهم، وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو قبل أن تحصدكم ms0823 ~~الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. # فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل. فندب الناس إلى العبور ~~وقال: من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من ~~العبور؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس، في ستمائة من أهل النجدات، ~~فاستعمل عليهم عاصما، فتقدمهم عاصم في ستين فارسا، وجعلهم على خيل ذكور ~~وإناث ليكون أسلس لسباحة الخيل، ثم اقتحموا دجلة. فلما رآهم الأعاجم وما ~~صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها فاقتحموا عليهم دجلة، فلقوا عاصما وقد ~~دنا من الفراض. فقال عاصم: الرماح الرماح! أشرعوها وتوخوا العيون. فالتقوا ~~فاطعنوا، وتوخى المسلمون عيونهم فولوا، ولحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم، ومن ~~نجا منهم صار أعور من الطعن، وتلاحق الستمائة بالستين غير متعبين. # ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام وقال: ~~قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن ~~الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم! . وتلاحق الناس في دجلة وإنهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا ~~دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء. وكان الذي يساير سعدا سلمان الفارسي، فعامت ~~بهم خيولهم، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، ~~وليظهرن دينه وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش # PageV02P339 # بغي أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذللت لهم البحور ~~كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا ~~فيه أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئا، إلا أن مالك بن عامر ~~العنبري سقط منه قدح فذهبت به جرية الماء، فقال له الذي يسايره معيرا له: ~~أصابه القدر فطاح. فقال: والله إني لعلى حالة ما كان الله ليسلبني قدحي من ~~بين العسكرين. فلما عبروا ألقته الريح إلى الشاطئ فتناوله بعض الناس وعرفه ~~صاحبه فأخذه. ولم يغرق منهم أحد غير أن رجلا من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر ~~فرس ms0824 له أشقر، فثنى القعقاع عنان فرسه إليه فأخذ بيده فأخرجه سالما. وخرج ~~الناس سالمين وخيلهم تنفض أعرافها. # فلما رأى الفرس ذلك، وأتاهم أمر لم يكن في حسابهم خرجوا هاربين نحو ~~حلوان، وكان يزدجرد قد قدم عياله إلى حلوان قبل ذلك، وخلف مهران الرازي ~~والنخيرخان، وكان على بيت المال بالنهروان، وخرجوا معهم بما قدروا عليه من ~~خير متاعهم وخفيفه، وما قدروا عليه من بيت المال، وبالنساء والذراري، ~~وتركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفصوص والألطاف ما لا يدرى ~~قيمته، وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم والأطعمة. وكان في ~~بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف، ثلاث مرات، أخذ منها رستم عند مسيره إلى ~~القادسية النصف وبقي النصف. وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال، وهي ~~كتيبة عاصم بن عمرو، ثم كتيبة الخرساء، وهي كتيبة القعقاع بن عمرو، فأخذوا ~~في سككها لا يلقون فيها أحدا يخشونه إلا من كان في القصر الأبيض، فأحاطوا ~~بهم ودعوهم فاستجابوا على تأدية الجزية والذمة، فتراجع إليهم أهل المدائن ~~على مثل عهدهم ليس في ذلك ما كان لآل كسرى. # PageV02P340 # ونزل سعد القصر الأبيض، وسرح سعد زهرة في آثارهم إلى النهروان، ومقدار ~~ذلك من كل جهة. # وكان سلمان الفارسي رائد المسلمين وداعيتهم، دعا أهل بهرسير ثلاثا وأهل ~~القصر الأبيض ثلاثا، واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من ~~التماثيل. # ولم يكن بالمدائن أعجب من عبور الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم، لا يبغي ~~أحد إلا اشمخرت له جرثومة من الأرض يستريح عليها ما يبلغ الماء حزام فرسه، ~~ولذلك يقول أبو بجيد نافع بن الأسود: # وأسلنا على المدائن خيلا بحرها مثل برهن أريضا # فانتثلنا خزائن المرء كسرى يوم ولوا وخاض منها جريضا # ولما دخل سعد الإيوان قرأ: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع} [الدخان: 25] ~~إلى قوله: {قوما آخرين} [الدخان: 28] ، وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا ~~يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة ~~بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ms0825 ست عشرة. # ولما سار المسلمون وراءهم أدرك رجل من المسلمين فارسيا يحمي أصحابه، فضرب ~~فرسه ليقدم على المسلم، فأحجم وأراد الفرار فتقاعس، فأدركه المسلم فقتله ~~وأخذ سلبه. # وأدرك رجل آخر من المسلمين جماعة من الفرس يتلاومون، وقد نصبوا لأحدهم ~~كرة، وهو يرميها لا يخطئها، فرجعوا فلقيهم المسلم، فتقدم إليه ذلك الفارسي ~~فرماه بأقرب مما كانت الكرة فلم يصبه، فوصل المسلم إليه فقتله وهرب أصحابه. # PageV02P341 # (أبو بجيد بضم الباء الموحدة: وفتح الجيم، وبعدها ياء تحتها نقطتان، ودال ~~مهملة) . # ذكر ما جمع من غنائم أهل المدائن وقسمتها # كان سعد قد جعل على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن، وعلى القسمة سلمان بن ~~ربيعة الباهلي، فجمع ما في القصر والإيوان والدور، وأحصى ما يأتيه به ~~الطلب، وكان أهل المدائن قد نهبوها عند الهزيمة، وهربوا في كل وجه، فما ~~أفلت أحد منهم بشيء إلا أدركهم الطلب، فأخذوا ما معهم، ورأوا بالمدائن ~~قبابا تركية مملوة سلالا مختومة برصاص فحسبوها طعاما، فإذا فيها آنية الذهب ~~والفضة، وكان الرجل يطوف ليبيع الذهب بالفضة متماثلين. ورأوا كافورا كثيرا ~~فحسبوه ملحا، فعجنوا به فوجدوه مرا. # وأدرك الطلب مع زهرة جماعة من الفرس على جسر النهروان فازدحموا عليه، ~~فوقع منهم بغل في الماء فعجلوا وكبوا عليه، فقال بعض المسلمين: إن لهذا ~~البغل لشأنا، فجالدهم المسلمون عليه حتى أخذوه، وفيه حلية كسرى، ثيابه ~~وخرزاته ووشاحه ودرعه التي فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة، ولحق ~~الكلج بغلين معهما فارسيان، فقتلهما وأخذ البغلين فأبلغهما صاحب الأقباض، ~~وهو يكتب ما يأتيه به الرجال، فقال له: قف حتى ننظر ما معك. فحط عنهما فإذا ~~سفطان فيهما تاج كسرى مرصعا، وكان لا يحمله إلا أسطونتان وفيه الجوهر، وعلى ~~البغل الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج ~~بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما. # وأدرك القعقاع بن عمرو فارسيا فقتله، وأخذ منه عيبتين في إحداهما خمسة # PageV02P342 # أسياف، وفي الأخرى ستة أسياف وأدرع، منها درع كسرى ومغافره، ودرع هرقل، ~~ودرع خاقان ملك الترك، ودرع ms0826 داهر ملك الهند، ودرع بهرام جوبين، ودرع ~~سياوخش، ودرع النعمان، استلبها الفرس أيام غزاهم خاقان وهرقل وداهر، وأما ~~النعمان وجوبين فحين هربا من كسرى، والسيوف من سيوف كسرى وهرمز وقباذ ~~وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان، فأحضر القعقاع الجميع ~~عند سعد، فخيره بين الأسياف فاختار سيف هرقل، وأعطاه درع بهرام، ونفل ~~سائرها في الخرساء، إلا سيف كسرى والنعمان، بعث بهما إلى عمر بن الخطاب ~~لتسمع العرب بذلك وحسبوهما في الأخماس، وبعثوا بتاج كسرى وحليته وثيابه إلى ~~عمر ليراه المسلمون. # وأدرك عصمة بن خالد الضبي رجلين معهما حماران، فقتل أحدهما وهرب الآخر، ~~وأخذ الحمارين فأتى بهما صاحب الأقباض، فإذا على أحدهما سفطان في أحدهما ~~فرس من ذهب بسرج من فضة مكلل بالجوهر، وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ~~ذهب، وبطان من ذهب، ولها زمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وعليها رجل ~~من ذهب مكلل بالجواهر، كان كسرى يضعها على أسطوانتي التاج. # وأقبل رجل بحق إلى صاحب الأقباض، فقال هو والذين معه: ما رأينا مثل هذا ~~[خط] ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: ~~والله لولا الله ما أتيتكم به. فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم ~~فتحمدوني ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا، فسأل عنه فإذا هو ~~عامر بن عبد قيس. وقال سعد: والله إن الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل ~~بدر لقلت إنهم على فضل أهل بدر، لقد تتبعت منهم هنات ما أحسبها من هؤلاء. # وقال جابر بن عبد الله: والذي لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل ~~القادسية # PageV02P343 # أنه يريد الدنيا مع الآخرة، فلقد اتهمنا ثلاثة نفر، فما رأينا كأمانتهم ~~وزهدهم، وهم: طليحة، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح. # وقال عمر لما قدم عليه بسيف كسرى ومنطقته وبزبرجه: إن قوما أدوا هذا لذوو ~~أمانة. فقال علي: إنك عففت فعفت الرعية. # فلما جمعت الغنائم قسم سعد الفيء بين الناس بعدما خمسه، وكانوا ستين ~~ألفا، فأصاب ms0827 الفارس اثنا عشر ألفا، وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، ونفل من ~~الأخماس في أهل البلاء، وقسم المنازل بين الناس، وأحضر العيالات فأنزلهم ~~الدور، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل ثم ~~تحولوا إلى الكوفة. وأرسل سعد في الخمس كل شيء أراد أن يعجب منه العرب، وما ~~كان يعجبهم أن يقع، وأراد إخراج خمس القطف، فلم تعتدل قسمته، وهو بهار ~~كسرى، فقال للمسلمين: هل تطيب أنفسكم عن أربعة أخماسه فنبعث به إلى عمر ~~يضعه حيث يشاء فإنا لا نراه ينقسم، وهو بيننا قليل، وهو يقع من أهل المدينة ~~موقعا؟ فقالوا: نعم. فبعثه إلى عمر. والقطف بساط واحد طوله ستون ذراعا، ~~وعرضه ستون ذراعا، مقدار جريب، كانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا ذهبت ~~الرياحين شربوا عليه، فكأنهم في رياض، فيه طرق كالصور، وفيه فصوص كالأنهار ~~أرضها مذهبة، وخلال ذلك فصوص كالدر، وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض ~~المبقلة بالنبات في الربيع، والورق من الحرير على قضبان الذهب، وزهره الذهب ~~والفضة، وثمره الجوهر وأشباه ذلك، وكانت العرب تسميه القطف. # فلما قدمت الأخماس على عمر نفل منها من غاب ومن شهد من أهل البلاء، ثم ~~قسم الخمس في مواضعه، ثم قال: أشيروا علي في هذا القطف: فمن بين مشير ~~بقبضه، وآخر مفوض إليه. فقال له علي: لم يجعل الله علمك جهلا ويقينك شكا، ~~إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت، ~~وإنك إن تبقه على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له. فقال: ~~صدقتني # PageV02P344 # ونصحتني، فقطعه بينهم، فأصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا، وما هي ~~بأجود تلك القطع. # وكان الذي سار بالأخماس بشير بن الخصاصية، وأثنى الناس على أهل القادسية، ~~فقال عمر: أولئك أعيان العرب. # ولما رأى عمر سيف النعمان سأل جبير بن مطعم عن نسب النعمان. فقال جبير: ~~كانت العرب تنسبه إلى أشلاء قنص، وكان أحد بني عجم بن قنص، فجهل الناس عجم ~~فقالوا لخم، فنفله سيفه. # وولى عمر ms0828 بن الخطاب سعد بن أبي وقاص صلاة ما غلب عليه وحربه، وولى الخراج ~~النعمان وسويدا ابني مقرن، سويدا على ما سقت الفرات، والنعمان على ما سقت ~~دجلة، ثم استعفيا، فولى عملهما حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزني، ثم ولى ~~عملهما بعد حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف. # (حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين) . ### | [ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان] # وفي هذه السنة كانت وقعة جلولاء. # وسببها أن الفرس لما انتهوا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء، وافترقت ~~الطرق بأهل أذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس قالوا: لو افترقتم لم ~~تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، ~~فإن كانت لنا فهو الذي نحب، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا ~~وأبلينا عذرا. فاحتفروا خندقا، واجتمعوا فيه على مهران الرازي، وتقدم ~~يزدجرد إلى حلوان، وأحاطوا خندقهم بحسك الحديد إلا طرقهم. فبلغ ذلك سعدا ~~فأرسل إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء واجعل على ~~مقدمته القعقاع بن عمرو، وإن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين # PageV02P345 # السواد والجبل، وليكن الجند اثني عشر ألفا. # ففعل سعد ذلك، وسار هاشم من المدائن بعد قسمة الغنيمة في اثني عشر ألفا، ~~منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن كان ارتد ومن لم يرتد، فسار ~~من المدائن فمر ببابل مهروذ، فصالحه دهقانها على أن يفرش له جريب الأرض ~~دراهم ففعل وصالحه، ثم مضى حتى قدم جلولاء، فحاصرهم في خنادقهم وأحاط بهم، ~~وطاولهم الفرس وجعلوا لا يخرجون إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون نحو ~~ثمانين يوما، كل ذلك ينصر المسلمون عليهم، وجعلت الأمداد ترد من يزدجرد إلى ~~مهران، وأمد سعد المسلمين، وخرجت الفرس وقد احتفلوا، فاقتتلوا، فأرسل الله ~~عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق، ~~فجعلوا فيه طرقا مما يليهم يصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم. وبلغ ذلك ~~المسلمين فنهضوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة ~~الهرير إلا أنه كان أعجل. وانتهى القعقاع بن عمرو ms0829 من الوجه الذي زحف فيه ~~إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم ~~قد دخل الخندق وأخذ به، فأقبلوا إليه ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. ~~وإنما أمر بذلك ليقوي المسلمين. فحملوا ولا يشكون بأن هاشما في الخندق، ~~فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به، فانهزم المشركون عن المجال يمنة ~~ويسرة، فهلكوا فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة، واتبعهم ~~المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذ منهم مائة ألف، فحللت ~~القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، ~~فهي جلولاء الوقيعة. فسار القعقاع بن عمرو في الطلب حتى بلغ خانقين. # ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الري، وقدم القعقاع حلوان ~~فنزلها في جند من الأفناء والحمراء. # وكان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ست عشرة. # PageV02P346 # ولما سار يزدجرد عن حلوان استخلف عليها خشرشنوم، فلما وصل القعقاع قصر ~~شيرين خرج عليه خشرشنوم وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان، فلقيه القعقاع، ~~فقتل الزينبي، وهرب خشرشنوم، واستولى المسلمون على حلوان، وبقي القعقاع بها ~~إلى أن تحول سعد إلى الكوفة، فلحقه القعقاع، واستخلف على حلوان قباذ، وكان ~~أصله خرسانيا. # وكتبوا إلى عمر بالفتح وبنزول القعقاع حلوان، واستأذنوه في اتباعهم، فأبى ~~وقال: لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، ~~حسبنا من الريف السواد، إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. وأدرك ~~القعقاع في اتباعه الفرس مهران بخانقين فقتله، وأدرك الفيرزان فنزل وتوغل ~~في الجبل فتحامى، وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن، فاتخذن ~~فولدن، وممن ينسب إلى ذلك السبي أم الشعبي. # وقسمت الغنيمة، وأصاب كل واحد من الفوارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب. # وقيل: إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف ألف، فقسمها سلمان بن ربيعة، وبعث سعد ~~بالأخماس إلى عمر، وبعث الحساب مع زياد بن أبيه، فكلم عمر فيما جاء له ووصف ~~له، فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما ms0830 كلمتني به؟ فقال: والله ~~ما على الأرض أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام في ~~الناس بما أصابوا وما صنعوا، وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد. فقال ~~عمر: هذا الخطيب المصقع. فقال: إن جندنا أطلقوا ألسنتنا. # فلما قدم الخمس على عمر قال: والله لا يجنه سقف حتى أقسمه. فبات عبد ~~الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء في ~~الناس فكشف عنه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال عبد الرحمن ~~بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر! . فقال عمر: ~~والله ما ذلك يبكيني، # PageV02P347 # وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ~~ألقى الله بأسهم بينهم. ومنع عمر من قسمة السواد، لتعذر ذلك بسبب الآجام ~~والغياض ومغيض المياه، وما كان لبيوت النار ولسكك البرد، وما كان لكسرى ومن ~~جامعه، وما كان لمن قتل والأرحاء ; وخاف أيضا الفتنة بين المسلمين، ومنع من ~~بيعه لأنه لم يقسم، وأقروها حبيسا يولونها من أجمعوا عليه بالرضا، وكانوا ~~لا يجمعون إلا على الأمراء، فلا يحل بيع شيء من أرض السواد ما بين حلوان ~~والقادسية، واشترى جرير أرضا على شاطئ الفرات، فرد عمر ذلك الشراء وكرهه. ### | [ذكر تكريت والموصل] # وفي هذه السنة فتحت تكريت في جمادى. # وسبب ذلك أن الأنطاق سار من الموصل إلى تكريت، وخندق عليه ليحمي أرضه ~~ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر والشهارجة، فبلغ ذلك سعدا فكتب إلى عمر، ~~فكتب إليه عمر: أن سرح إليه عبد الله بن المعتم، واستعمل على مقدمته ربعي ~~بن الأفكل، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة. فسار عبد الله إلى تكريت ونزل على ~~الأنطاق، فحصره ومن معه أربعين يوما، فتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا، وكانوا ~~أهون شوكة من أهل جلولاء، وأرسل عبد الله بن المعتم إلى العرب الذين مع ~~الأنطاق يدعوهم إلى نصرته، وكانوا لا يخفون عليه شيئا. ولما رأت الروم ~~المسلمين ظاهرين عليهم تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن، فأرسلت ms0831 تغلب ~~وإياد والنمر إلى عبد الله بالخبر، وسألوه الأمان وأعلموه أنهم معه، فأرسل ~~إليهم: إن كنتم صادقين فأسلموا. فأجابوه وأسلموا. فأرسل إليهم عبد الله: ~~إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا أخذنا أبواب الخندق، فخذوا الأبواب التي تلي ~~دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه. # ونهد عبد الله والمسلمون وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وأخذوا الأبواب، # PageV02P348 # فظن الروم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم مما يلي دجلة، فقصدوا الأبواب ~~التي عليها المسلمون، فأخذتهم سيوف المسلمين وسيوف الربعيين الذين أسلموا ~~تلك الليلة، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر. ~~وأرسل عبد الله بن المعتم ربعي بن الأفكل إلى الحصنين، وهما نينوى والموصل، ~~تسمى نينوى الحصن الشرقي وتسمى الموصل الحصن الغربي، وقال: اسبق الخبر، ~~وسرح معه تغلب وإيادا والنمر. فقدمهم ابن الأفكل إلى الحصنين، فسبقوا ~~الخبر، وأظهروا الظفر والغنيمة وبشروهم ووقفوا بالأبواب، وأقبل ابن الأفكل ~~فاقتحم عليهم الحصنين وكلبوا أبوابهما، فنادوا بالإجابة إلى الصلح وصاروا ~~ذمة. وقسموا الغنيمة فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف درهم، وسهم الراجل ألف ~~درهم، وبعثوا بالأخماس إلى عمر، وولى حرب الموصل ربعي بن الأفكل، والخراج ~~عرفجة بن هرثمة. # وقيل: إن عمر بن الخطاب استعمل عتبة بن فرقد على قصد الموصل، وفتحها سنة ~~عشرين، فأتاها فقاتله أهل نينوى، فأخذ حصنها، وهو الشرقي، عنوة، وعبر دجلة، ~~فصالحه أهل الحصن الغربي، وهو الموصل، على الجزية، ثم فتح المرج وبانهذرا، ~~وباعذرا وداسن وجميع معاقل الأكراد وقردى وبازبدى وجميع أعمال الموصل فصارت ~~للمسلمين. # وقيل: إن عياض بن غنم لما فتح بلدا، على ما نذكره، أتى الموصل ففتح أحد ~~الحصنين وبعث عتبة بن فرقد إلى الحصن الآخر ففتحه على الجزية والخراج والله ~~أعلم. # (المعتم بضم الميم، وسكون العين المهملة، وآخره ميم مشددة) . # ذكر فتح ماسبذان # PageV02P349 # ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد ~~جمع جمعا وخرج بهم إلى السهل، فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش، فالتقوا ~~بسهل ماسبذان فاقتتلوا، فأسرع المسلمون في المشركين وأخذ ضرار ms0832 آذين أسيرا ~~فضرب رقبته. ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، ~~فهرب أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد إلى ~~الكوفة، فأرسل إليه فنزل الكوفة، واستخلف على ماسبذان ابن الهذيل الأسدي، ~~فكانت أحد فروج الكوفة. # وقيل: إن فتحها كان بعد وقعة نهاوند. # ذكر فتح قرقيسيا # ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة، ~~فأمدوا هرقل على أهل حمص، وبعثوا جندا إلى أهل هيت، أرسل سعد عمر بن مالك ~~بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، وجعل على مقدمته الحارث بن يزيد ~~العامري، فخرج عمر بن مالك في جنده نحو هيت، فنازل من بها وقد خندقوا ~~عليهم، فلما رأى عمر بن مالك اعتصامهم بخندقهم ترك الأخبية على حالها، وخلف ~~عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم، وخرج في نصف الناس، فجاء قرقيسيا على غرة، ~~فأخذها عنوة، فأجابوا إلى الجزية، وكتب إلى الحارث بن يزيد: إن هم استجابوا ~~فخل عنهم فليخرجوا، وإلا فخندق على خندقهم خندقا بأبوابه، مما يليك، حتى ~~أرى رأيي. فراسلهم الحارث، فأجابوا إلى العود إلى بلادهم، فتركهم وسار ~~الحارث إلى عمر بن مالك. # PageV02P350 # وفيها غرب عمر بن الخطاب أبا محجن الثقفي إلى باضع. # وفيها تزوج ابن عمر صفية بنت أبي عبيد أخت المختار. # وفيها حمى عمر الربذة لخيل المسلمين. # وفيها ماتت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى ~~عليها عمر ودفنها بالبقيع في المحرم. # وفيها كتب عمر التاريخ بمشورة علي بن أبي طالب. # وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، واستخلف على المدينة زيد بن ~~ثابت. وكان عماله على البلاد الذين كانوا في السنة قبلها، وكان على حرب ~~الموصل ربعي بن الأفكل، وعلى خراجها عرفجة بن هرثمة، وقيل: كان على الحرب ~~والخراج بها عتبة بن فرقد، وقيل: كان ذلك كله إلى عبد الله بن المعتم. وعلى ~~الجزيرة عياض بن غنم. # PageV02P351 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة] # [ذكر بناء الكوفة والبصرة] ### | 17 - # ثم دخلت ms0833 سنة سبع عشرة ### | ذكر بناء الكوفة والبصرة # في هذه السنة اختطت الكوفة، وتحول سعد إليها من المدائن. # وكان سبب ذلك أن سعدا أرسل وفدا إلى عمر بهذه الفتوح المذكورة، فلما رآهم ~~عمر سألهم عن تغير ألوانهم وحالهم، فقالوا: وخومة البلاد غيرتنا فأمرهم عمر ~~أن يرتادوا منزلا ينزله الناس، وكان قد حضر مع الوفد نفر من بني تغلب ~~ليعاقدوا عمر على قومهم، فقال لهم عمر: أعاقدهم على أن من أسلم منكم كان له ~~ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومن أبى فعليه الجزية. فقالوا: إذن يهربون ~~ويصيرون عجما، وبذلوا له الصدقة، فأبى، فجعلوا جزيتهم مثل صدقة المسلم، ~~فأجابهم على أن لا ينصروا وليدا، فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من ~~النمر وإياد إلى سعد بالمدائن، ونزلوا بالمدائن ونزلوا معه بعد بالكوفة. # وقيل: بل كتب حذيفة إلى عمر: إن العرب قد رقت بطونها، وجفت أعضادها ~~وتغيرت ألوانها. وكان مع سعد فكتب عمر إلى سعد: أخبرني ما الذي غير ألوان ~~العرب ولحومهم؟ فكتب إليه سعد: إن الذي غيرهم وخومة البلاد، وإن العرب لا ~~يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان. فكتب إليه عمر: أن ابعث سلمان ~~وحذيفة رائدين فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر. ~~فأرسلهما سعد، فخرج سلمان حتى يأتي الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى ~~شيئا حتى أتى الكوفة، وسار # PageV02P352 # حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة، وكل رمل وحصباء ~~مختلطين فهو كوفة، فأتيا عليها وفيها ديرات ثلاثة: دير حرمة، ودير أم عمرو، ~~ودير سلسلة، وخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا ودعوا الله - ~~تعالى - أن يجعلها منزل الثبات. فلما رجعا إلى سعد بالخبر وقدم كتاب عمر ~~إليه أيضا كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو وعبد الله بن المعتم أن يستخلفا على ~~جندهما ويحضرا عنده، ففعلا. فارتحل سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في ~~المحرم سنة سبع عشرة، وكان بين نزول الكوفة ووقعة القادسية سنة وشهران، ~~وكان فيما بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين ms0834 وثمانية أشهر. # ولما نزلها سعد وكتب إلى عمر: إني قد نزلت بالكوفة منزلا فيما بين الحيرة ~~والفرات بريا وبحريا ينبت الحلفاء والنصي، وخيرت المسلمين بينها وبين ~~المدائن فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة. ولما استقروا بها ~~عرفوا أنفسهم ورجع إليهم ما كانوا فقدوا من قوتهم، واستأذن أهل الكوفة في ~~بنيان القصب، واستأذن فيه أهل البصرة أيضا، واستقر منزلهم فيها في الشهر ~~الذي نزل أهل الكوفة بعد ثلاث نزلات قبلها. # فكتب إليهم: إن العسكر أشد لحربكم وأذكر لكم، وما أحب أن أخالفكم. فابتنى ~~أهل المصرين بالقصب. # ثم إن الحريق وقع في الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة أشد حريقا في شوال، ~~فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه في البنيان باللبن، فقدموا عليه بخبر ~~الحريق # PageV02P353 # واستئذانه أيضا، فقال: افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا ~~تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة. فرجع القوم إلى الكوفة ~~بذلك، وكتب عمر إلى البصرة بمثل ذلك. # وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك، وعلى تنزيل البصرة عاصم بن دلف ~~أبو الجرباء، وقدر المناهج أربعين ذراعا، وما بين ذلك عشرين ذراعا، والأزقة ~~سبع أذرع، والقطائع ستين ذراعا، وأول شيء خط فيهما وبني مسجداهما، وقام في ~~وسطهما رجل شديد النزع، فرمى في كل جهة بسهم، وأمر أن يبنى ما وراء ذلك، ~~وبنى ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على أساطين رخام من بناء الأكاسرة في ~~الحيرة، وجعلوا على الصحن خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان، وبنوا لسعد دارا ~~بحياله، وهي قصر الكوفة اليوم، بناه روزبه من آجر بنيان الأكاسرة بالحيرة، ~~وجعل الأسواق على شبه المساجد من سبق إلى مقعد فهو له، حتى يقوم منه إلى ~~بيته أو يفرغ من بيعه. # وبلغ عمر أن سعدا قال وقد سمع أصوات الناس من الأسواق: سكنوا عني الصويت، ~~وأن الناس يسمونه قصر سعد، فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأمره أن يخرق ~~باب القصر ثم يرجع، ففعل، فبلغ سعدا ذلك فقال: هذا رسول أرسل لهذا، ~~فاستدعاه سعد، فأبى أن يدخل إليه ms0835 فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقته، فلم يأخذ، ~~وأبلغه كتاب عمر إليه: بلغني أنك اتخذت قصرا جعلته حصنا، ويسمى قصر سعد ~~بينك وبين الناس باب فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال، انزل منه [منزلا] مما ~~يلي بيوت الأموال، وأغلقه ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله. ~~فحلف له سعد ما قال الذي قالوا، فرجع محمد فأبلغ عمر قول سعد، فصدقه. # وكانت ثغور الكوفة أربعة: حلوان وعليها القعقاع، وماسبذان وعليها ضرار بن # PageV02P354 # الخطاب، وقرقيسيا وعليها عمر بن مالك، أو عمرو بن عتبة بن نوفل، والموصل ~~وعليها عبد الله بن المعتم، وكان بها خلفاؤهم إذا غابوا عنها. # وولي سعد الكوفة بعدما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها. ### | [ذكر خبر حمص حين قصد هرقل من بها من المسلمين] # وفي هذه السنة قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين بحمص، ~~وكان المهيج للروم أهل الجزيرة، فإنهم أرسلوا إلى ملكهم وبعثوه على إرسال ~~الجنود إلى الشام، ووعدوا من أنفسهم المعاونة، ففعل ذلك. فلما سمع المسلمون ~~باجتماعهم ضم أبو عبيدة إليه مسالحهم، وعسكر بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد ~~من قنسرين إليهم، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصين إلى مجيء ~~الغياث، فأشار خالد بالمناجزة، وأشار سائرهم بالتحصين ومكاتبة عمر، فأطاعهم ~~وكتب إلى عمر بذلك، وكان عمر قد اتخذ في كل مصر خيولا على قدره من فضول ~~أموال المسلمين عدة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس، وكان ~~القيم عليها سلمان بن ربيعة الباهلي ونفر من أهل الكوفة، وفي كل مصر من ~~الأمصار الثمانية على قدره، فإن تأتهم آتية ركبها الناس وساروا إلى أن ~~يتجهز الناس. # فلما سمع عمر الخبر كتب إلى سعد: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو ~~وسرحهم من يومهم، فإن أبا عبيدة قد أحيط به. وكتب إليه أيضا: سرح سهيل بن ~~عدي إلى الرقة، فإن أهل الجزية هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وأمره ~~أن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ms0836 ثم ليقصد حران والرهاء، وأن يسرح ~~الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وأن يسرح عياض بن غنم، فإن ~~كان قتال فأمرهم إلى عياض. # فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم إلى حمص، وخرج عياض بن غنم # PageV02P355 # وأمراء الجزيرة، وأخذوا طريق الجزيرة، وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر ~~عليها، وخرج عمر من المدينة فأتى الجابية لأبي عبيدة مغيثا يريد حمص. # ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص، وهم معهم، خبر ~~الجنود الإسلامية تفرقوا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، فلما فارقوهم استشار ~~أبو عبيدة خالدا في الخروج إلى الروم، فأشار به فخرج إليهم فقاتلهم، ففتح ~~الله عليه، وقدم القعقاع بن عمرو بعد الوقعة بثلاثة أيام، فكتبوا إلى عمر ~~بالفتح وبقدوم المدد عليهم والحكم في ذلك، فكتب إليهم: أن أشركوهم فإنهم ~~نفروا إليكم وانفرق لهم عدوكم، وقال: جزى الله أهل الكوفة خيرا، يكفون ~~حوزتهم ويمدون أهل الأمصار. فلما فرغوا رجعوا. ### | [ذكر فتح الجزيرة وأرمينية] # وفي هذه السنة فتحت الجزيرة. # قد ذكرنا إرسال سعد العساكر إلى الجزيرة، فخرج عياض بن غنم ومن معه، ~~فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم، حين ~~سمعوا بأهل الكوفة، فنزل عليهم فأقام يحاصرهم حتى صالحوه، فبعثوا في ذلك ~~إلى عياض وهو في منزل وسط بين الجزيرة، فقبل منهم وصالحهم، وصاروا ذمة، ~~وخرج عبد الله بن عتبان على الموصل إلى نصيبين، فلقوه بالصلح، وصنعوا كصنع ~~أهل الرقة، فكتبوا إلى عياض فقبل منهم وعقد لهم. وخرج الوليد بن عقبة فقدم ~~على عرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم، إلا إياد بن نزار، فإنهم دخلوا ~~أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى عمر. # ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلا وعبد الله، وسار بالناس إلى ~~حران، فلما وصل أجابه أهلها إلى الجزية فقبل منهم. ثم إن عياضا سرح سهيلا ~~وعبد الله إلى الرهاء فأجابوهما إلى الجزية، وأجروا كل ما أخذوه من الجزيرة ~~عنوة مجرى الذمة، فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحا. ms0837 # ورجع سهيل وعبد الله إلى الكوفة. وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من # PageV02P356 # الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم إذا أخذ خالدا إلى المدينة، فصرفه ~~إليه، فاستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عقبة على ~~عربها. # فلما قدم كتاب الوليد على عمر بمن دخل الروم من العرب كتب عمر إلى ملك ~~الروم: بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فوالله لتخرجنه ~~إلينا أو لنخرجن النصارى إليك. فأخرجهم ملك الروم، فخرج منهم أربعة آلاف ~~وتفرق بقيتهم في ما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل إيادي في أرض ~~العرب من أولئك الأربعة آلاف. وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من تغلب إلا ~~الإسلام، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنما ذلك بجزيرة العرب لا يقبل ~~منهم [فيها] إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا ~~منهم من الإسلام. وكان في تغلب عز وامتناع، فهم بهم الوليد فخاف عمر أن ~~يسطو عليهم فعزله، وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي. # وقال ابن إسحاق: إن فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة، وقال: إن عمر كتب إلى ~~سعد بن أبي وقاص: إذا فتح الله الشام والعراق فابعث جندا إلى الجزيرة وأمر ~~عليه خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم. قال سعد: ما أخر أمير ~~المؤمنين عياضا إلا لأن له فيه هوى وأنا موليه، فبعثه وبعث معه جيشا فيه ~~أبو موسى الأشعري، وابنه عمر بن سعد ليس له من الأمر شيء، فسار عياض ونزل ~~بجنده على الرهاء، فصالحه أهله مصالحة حران، وبعث أبا موسى إلى نصيبين ~~فافتتحها، وسار عياض بنفسه إلى دارا فافتتحها، ووجه عثمان بن أبي العاص إلى ~~أرمينية الرابعة فقاتل أهلها، فاستشهد صفوان بن المعطل، وصالح أهلها عثمان ~~على الجزية. ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل. # فعلى هذا القول تكون الجزيرة من فتوح أهل العراق، والأكثر على أنها من ~~فتوح أهل الشام، ms0838 فإن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إلى الجزيرة. # وقيل: إن أبا عبيدة لما توفي استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر بولايته ~~حمص وقنسرين والجزيرة، فسار إلى الجزيرة سنة ثماني عشرة للنصف من شعبان في ~~خمسة آلاف وعلى ميمنته سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، وعلى ميسرته صفوان بن # PageV02P357 # المعطل، وعلى مقدمته هبيرة بن مسروق، فانتهت طليعة عياض إلى الرقة، ~~فأغاروا على الفلاحين وحصروا المدينة، وبث عياض السرايا فأتوه بالأسرى ~~والأطعمة، وكان حصرها ستة أيام، فطلب أهلها الصلح، فصالحهم على أنفسهم ~~وذراريهم وأموالهم ومدينتهم، وقال عياض: الأرض لنا قد وطئناها وملكناها، ~~فأقرها في أيديهم على الخراج ووضع الجزية. ثم سار إلى حران فجعل عليها ~~عسكرا يحصرها، عليهم صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة، وسار هو إلى الرهاء، ~~فقاتله أهلها ثم انهزموا وحصرهم المسلمون في مدينتهم، فطلب أهلها الصلح ~~فصالحهم، وعاد إلى حران فوجد صفوان وحبيبا وقد غلبا على حصون وقرى من أعمال ~~حران، فصالحه أهلها على مثل صلح الرهاء. # وكان عياض يغزو ويعود إلى الرهاء، وفتح سميساط، وأتى سروج ورأس كيفا ~~والأرض البيضاء، فصالحه أهلها على صلح الرهاء. ثم إن أهل سميساط غدروا، ~~فرجع إليهم عياض فحاصرهم حتى فتحها، ثم أتى قريات على الفرات، وهي جسر منبج ~~وما يليها، ففتحها وسار إلى رأس عين، وهي عين الوردة، فامتنعت عليه وتركها ~~وسار إلى تل موزن، ففتحها على صلح الرهاء سنة تسع عشرة، وسار إلى آمد ~~فحصرها، فقاتله أهلها ثم صالحوه على صلح الرهاء، وفتح ميافارقين على مثل ~~ذلك، وكفرتوثا، فسار إلى نصيبين فقاتله أهلها ثم صالحوه على مثل صلح ~~الرهاء، وفتح طور عبدين وحصن ماردين، وقصد الموصل ففتح أحد الحصنين، وقيل: ~~لم يصل إليها، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه، ثم سار إلى أرزن ففتحها، ودخل ~~الدرب فأجازه بدليس وبلغ خلاط فصالحه بطريقها، وانتهى إلى العين الحامضة من ~~أرمينية، ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص فمات سنة عشرين. # واستعمل عمر سعيد بن حذيم، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات، فاستعمل عمير بن ms0839 ~~سعد الأنصاري، ففتح رأس عين بعد قتال شديد. # وقيل: إن عياضا أرسل عمير بن سعد إلى رأس عين ففتحها بعد أن اشتد قتاله ~~عليها. # PageV02P358 # وقيل: إن عمر أرسل أبا موسى الأشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض. # وقيل: إن خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماما بآمد فاطلى ~~بشيء فيه خمر فعزله عمر. # وقيل: إن خالدا لم يسر تحت لواء أحد غير أبي عبيدة. والله أعلم. # ولما فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة، ثم نقض ~~أهلها الصلح، فلما ولي معاوية الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمة أيضا ~~ففتحها عنوة ورتب فيها جندا من المسلمين مع عاملها. ### | [ذكر عزل خالد بن الوليد] # في هذه السنة، وهي سنة سبع عشرة، عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من ~~التقدم على الجيوش والسرايا. # وسبب ذلك أنه كان أدرب هو وعياض بن غنم، فأصابا أموالا عظيمة، وكانا ~~توجها من الجابية مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو عبيدة، وخالد تحت يده ~~على قنسرين، وعلى الأردن معاوية، وعلى فلسطين علقمة بن مجزز، وعلى الساحل ~~عبد الله بن قيس، فبلغ الناس ما أصاب خالد فانتجعه رجال، وكان منهم الأشعث ~~بن قيس، فأجازه بعشرة آلاف. # ودخل خالد الحمام، فتدلك بغسل فيه خمر، فكتب إليه عمر: بلغني أنك تدلكت ~~بخمر، وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه ومسه، فلا تمسوها أجسادكم. فكتب ~~إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إن آل المغيرة ~~ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه. # فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال سمع بذلك عمر بن الخطاب، وكان لا # PageV02P359 # يخفى عليه شيء من عمله، فدعا عمر البريد، فكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقيم ~~خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث، ~~أمن ماله أم من مال إصابة أصابها، فإن زعم أنه فرقه من إصابة أصابها فقد ~~أقر بخيانة، وإن زعم أنه من ماله فقد أسرف، واعزله على ms0840 كل حال واضمم إليك ~~عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على ~~المنبر، فقام البريد فسأل خالدا من أين أجاز الأشعث، فلم يجبه، وأبو عبيدة ~~ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ~~ونزع عمامته، فلم يمنعه سمعا وطاعة، ووضع قلنسوته، ثم أقام فعقله بعمامته ~~وقال: بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته، ثم عممه بيده ثم قال: نسمع ونطيع ~~لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا. # قال: وأقام خالد متحيرا لا يدري أمعزول أم غير معزول، ولا يعلمه أبو ~~عبيدة بذلك تكرمة وتفخمة. فلما تأخر قدومه على عمر ظن الذي كان، فكتب إلى ~~خالد بالإقبال إليه، فرجع إلى قنسرين، فخطب الناس وودعهم، ورجع إلى حمص ~~فخطبهم ثم سار إلى المدينة، فلما قدم على عمر شكاه وقال: قد شكوتك إلى ~~المسلمين، فبالله إنك في أمري لغير مجمل. فقال له عمر: من أين هذا الثراء؟ ~~قال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على ستين ألفا فلك، فقوم عمر ماله فزاد ~~عشرين ألفا، فجعلها في بيت المال، ثم قال: يا خالد والله إنك علي لكريم، ~~وإنك إلي لحبيب. وكتب إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ~~ولكن الناس فخموه وفتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه، فأحببت أن يعلموا أن ~~الله هو الصانع، وأن لا يكونوا بعرض فتنة. وعوضه عما أخذ منه. ### | [ذكر بناء المسجد الحرام والتوسعة فيه] # وفيها، أعني سنة سبع عشرة، اعتمر عمر بن الخطاب وبنى المسجد الحرام ووسع ~~فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان ~~دورهم في بيت المال حتى أخذوها، وكانت عمرته في رجب، واستخلف على المدينة ~~زيد بن ثابت، وأمر بتجديد أنصاب الحرم، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن ~~عبد عوف # PageV02P360 # وحويطب بن عبد العزى وسعيد بن يربوع، واستأذنه أهل المياه في أن يبنوا ~~منازل بين مكة والمدينة، فأذن لهم، وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل ~~والماء. # وفيها تزوج عمر ms0841 أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل بها في ذي القعدة. ### | [ذكر غزوة فارس من البحرين] # قيل: كان عمر يقول لما أخذت الأهواز وما يليها: وددت أن بيننا وبين فارس ~~حبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا. # وقد كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبي بكر، فعزله عمر وجعل ~~موضعه قدامة بن مظعون، ثم عزل قدامة وأعاد العلاء يناوئ سعد بن أبي وقاص، ~~ففاز العلاء في قتال أهل الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بأهل القادسية وأزاح ~~الأكاسرة جاء بأعظم مما فعله العلاء، فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئا، ~~ولم ينظر في الطاعة والمعصية، وقد كان عمر نهاه عن الغزو في البحر، ونهى ~~غيره أيضا اتباعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وخوف الغرر. ~~فندب العلاء الناس إلى فارس فأجابوه، وفرقهم أجنادا، على أحدها الجارود بن ~~المعلى، وعلى الآخر سوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوي، ~~وخليد على جميع الناس، وحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، فعبرت ~~الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا إلى إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعليهم ~~الهربذ، فجالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد في الناس فخطبهم ~~ثم قال: أما بعد فإن القوم لم يدعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، ~~والسفن والأرض لمن غلب، {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين} [البقرة: 45] فأجابوه إلى ذلك ثم صلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا ~~قتالا شديدا # PageV02P361 # بمكان يدعى طاوس فقتل سوار والجارود. # وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالة ففعلوا، فقتل من أهل فارس ~~مقتلة عظيمة، ثم خرجوا يريدون البصرة، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر ~~سبيلا، وأخذت الفرس منهم طرقهم فعسكروا وامتنعوا. # ولما بلغ عمر صنيع العلاء أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جند كثيف ~~إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا، وقال: فإني قد ألقي في روعي كذا وكذا ~~نحو الذي كان، وأمر ms0842 العلاء بأثقل الأشياء عليه، تأمير سعد عليه. # فشخص العلاء إلى سعد بمن معه، وأرسل عتبة جيشا كثيفا في اثني عشر ألف ~~مقاتل، فيهم عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، والأحنف بن قيس وغيرهم، فخرجوا ~~على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني عامر بن لؤي، ~~فسار بالناس وساحل بهم، لا يعرض له أحد حتى التقى أبو سبرة وخليد، بحيث أخذ ~~عليهم الطريق عقيب وقعة طاوس، وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم، ومن ~~شذ من غيرهم، وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل ~~فارس عليهم فجاءوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس، وقد توافت إلى ~~المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين سهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين ~~وقتل المشركين، وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا، وهي الغزوة التي شرفت فيها ~~نابتة البصرة، وكانوا أفضل نوابت الأمصار، ثم انكفأوا بما أصابوا، وكان ~~عتبة كتب إليهم بالحث وقلة العرجة، فرجعوا إلى البصرة سالمين. # ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له، فلما قضى ~~حجه استعفاه فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فدعا الله ثم ~~انصرف، فمات في بطن نخلة فدفن، وبلغ عمر موته، فمر به زائرا لقبره وقال: ~~أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم. وأثنى عليه خيرا ولم يختط فيمن اختط من ~~المهاجرين، وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة بنت غزوان، وكانت تحت عثمان بن ~~عفان، وكان حباب مولاه قد لزم شيمته فلم يختط، ومات عتبة بن غزوان على رأس ~~ثلاث سنين من مفارقة سعد، وذلك # PageV02P362 # بعد أن استنفذ الجند الذين بفارس ونزولهم البصرة، واستخلف على الناس أبا ~~سبرة بن أبي رهم بالبصرة، فأقره عمر بقية السنة، ثم استعمل المغيرة بن شعبة ~~عليها، فلم ينتقض عليه أحد، ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة. ~~ثم استعمل أبا موسى على البصرة، ثم صرف إلى الكوفة، ثم استعمل عمر بن ~~سراقة، ثم صرف ابن سراقة إلى الكوفة من ms0843 البصرة، وصرف أبو موسى من الكوفة ~~إلى البصرة، فعمل عليها ثانية. # وقد تقدم ذكر ولاية عتبة بن غزوان البصرة والاختلاف فيها سنة أربع عشرة. ### | [ذكر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى] # في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة، واستعمل عليها أبا ~~موسى، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول ; قاله الواقدي. # وكان سبب عزله أنه كان بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة منافرة، وكانا ~~متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة ~~الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت الريح ففتحت باب ~~الكوة، فقام أبو بكرة ليسده، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته، ~~وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا. فقاموا فنظروا، وهم أبو ~~بكرة ونافع بن كلدة وزياد بن أبيه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وشبل بن معبد ~~البجلي، فقال لهم: اشهدوا، قالوا: ومن هذه؟ قال: أم جميل بنت الأفقم، وكانت ~~من بني عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة والأمراء، وكان بعض النساء يفعلن ~~ذلك في زمانها، فلما قامت عرفوها. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو ~~بكرة وكتب إلى عمر، فبعث عمر أبا موسى أميرا على البصرة وأمره بلزوم السنة، ~~فقال: أعني بعدة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم في هذه ~~الأمة كالملح. قال له: خذ من أحببت. فأخذ معه تسعة وعشرين رجلا، منهم: أنس ~~بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر، وخرج معهم فقدم البصرة، فدفع الكتاب ~~بإمارته إلى المغيرة، وهو أوجز كتاب وأبلغه: أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم، ~~فبعثت أبا موسى أميرا، فسلم إليه ما في يدك والعجل. فأهدى إليه المغيرة ~~وليدة تسمى عقيلة. # ورحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود، فقدموا على عمر، فقال له المغيرة: ~~سل # PageV02P363 # هؤلاء الأعبد كيف رأوني أمستقبلهم أم مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو ~~عرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا ~~النظر إلي في منزلي ms0844 على امرأتي؟ والله ما أتيت إلا امرأتي! وكانت تشبهها. ~~فشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل يدخله كالميل في المكحلة، وأنه رآهما ~~مستدبرين، وشهد شبل ونافع مثل ذلك. وأما زياد فإنه قال: رأيته جالسا بين ~~رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين وسمعت حفزا ~~شديدا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: هل تعرف المرأة؟ ~~قال: لا ولكن أشبهها. قال: فتنح. وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد. فقال المغيرة: ~~اشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت الشهادة ~~لرجمتك بأحجارك! ### | [ذكر الخبر عن فتح الأهواز ومناذر ونهر تيرى] # وفي هذه السنة فتحت الأهواز ومناذر ونهر تيرى، وقيل: كانت ست عشرة. # وكان السبب في هذا الفتح أنه لما انهزم الهرمزان يوم القادسية، وهو أحد ~~البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمته منهم مهرجانقذق وكور الأهواز، ~~فلما انهزم قصد خوزستان فملكها وقاتل بها من أرادهم، فكان الهرمزان يغير ~~على أهل ميسان ودستميسان من مناذر ونهر تيرى. فاستمد عتبة بن غزوان سعدا ~~فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ~~ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى، ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن ~~القين وحرملة بن مريطة، وكانا من المهاجرين مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهما من بني العدوية من بني حنظلة، فنزلا على حدود ميسان ودستميسان ~~بينهم وبين مناذر، ودعوا بني العم، فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل ~~الكليبي، # PageV02P364 # فتركا نعيما ونعيما وأتيا سلمى وحرملة وقالا: أنتما من العشيرة وليس لكما ~~منزل، فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر، ~~والآخر بنهر تيرى، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان ~~شيء إن شاء الله. ورجعا وقد استجابا، واستجاب قومهما بنو العم بن مالك، ~~وكانوا ينزلون خوزستان قبل الإسلام، فأهل البلاد يأمنونهم. فلما كان تلك ~~الليلة ليلة الموعد بين سلمى وحرملة وغالب وكليب، وكان الهرمزان يومئذ بين ~~نهر تيرى وبين دلث، وخرج سلمى وحرملة صبيحتهما ms0845 في تعبئة وأنهضا نعيما ومن ~~معه، فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى بن القين على أهل ~~البصرة، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة، فاقتتلوا. # فبينا هم على ذلك أقبل مدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأن ~~مناذر نهر تيرى قد أخذوا، فكسر ذلك قلب الهرمزان ومن معه، وهزمه الله ~~وإياهم، فقتل المسلمون منهم ما شاءوا وأصابوا ما شاءوا، واتبعوهم حتى وقفوا ~~على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وعبر الهرمزان ~~جسر سوق الأهواز وأقام، وصار دجيل بين الهرمزان والمسلمين. فلما رأى ~~الهرمزان ما لا طاقة له به طلب الصلح، فاستأمروا عتبة، فأجاب إلى ذلك على ~~الأهواز كلها ومهرجانقذق، ما خلا نهر تيرى ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق ~~الأهواز فإنه لا يرد عليهم، وجعل سلمى على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب، ~~وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة. وهاجرت ~~طوائف من بني العم فنزلوا البصرة. # ووفد عتبة وفدا إلى عمر، منهم: سلمى وجماعة من أهل البصرة، فأمرهم عمر أن ~~يرفعوا حوائجهم، فكلمهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، وطلبوا لأنفسهم، إلا ~~ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين إنك كما ذكروا، ولقد ~~يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالي ~~فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم، فإن إخواننا من أهل الكوفة ~~نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ~~ثمارهم ولم يحصدوا، وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة وزعقة نشاشة، طرف لها ~~في الفلاة وطرف لها في البحر # PageV02P365 # الأجاج، يجري إليها ما جرى في مثل مريء النعامة، دارنا فعمة، ووظيفتنا ~~ضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، ~~وقفيزنا صغير، وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا، فوسع علينا يا أمير ~~المؤمنين وزدنا وظيفة توظف علينا ونعيش بها. فلما سمع عمر قوله أحسن إليهم ~~وأقطعهم مما كان فيئا لأهل كسرى وزادهم، ms0846 ثم قال: هذا الفتى سيد أهل البصرة. ~~وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويرجع إلى رأيه، وردهم إلى بلدهم. # وبينا الناس على ذلك من ذمتهم مع الهرمزان، وقع بين الهرمزان وغالب وكليب ~~في حدود الأرضين اختلاف، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا ~~وكليبا محقين والهرمزان مبطلا، فحالا بينهما وبينه، فكفر الهرمزان ومنع ما ~~قبله، واستعان بالأكراد وكف جنده، وكتب سلمى ومن معه إلى عتبة بذلك، فكتب ~~عتبة إلى عمر، فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير ~~السعدي، كانت له صحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره على ~~القتال وعلى ما غلب عليه. وسار الهرمزان ومن معه، وسار المسلمون إلى جسر ~~سوق الأهواز وأرسلوا إليه: إما أن تعبر إلينا أو نعبر إليكم. فقال: اعبروا ~~إلينا، فعبروا فوق الجسر فاقتتلوا مما يلي سوق الأهواز، فانهزم الهرمزان ~~وسار إلى رامهرمز، وفتح حرقوص سوق الأهواز، ونزل بها واتسعت له بلادها إلى ~~تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح إلى عمر وأرسل إليه الأخماس. ### | [ذكر صلح الهرمزان وأهل تستر مع المسلمين] # وفي هذه السنة فتحت تستر، وقيل: سنة ست عشرة، وقيل: سنة تسع عشرة. # قيل: ولما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز وافتتحها المسلمون بعث حرقوص ~~جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سوق الأهواز، فما زال يقتلهم حتى انتهى ~~إلى قرية الشغر ويعجزه الهرمزان، فمال جزء إلى دورق، وهي مدينة سرق، فأخذها # PageV02P366 # صافية، ودعا من هرب إلى الجزية، فأجابوه، وكتب إلى عمر وعتبة بذلك، فكتب ~~عمر إلى حرقوص وإليه بالمقام فيما غلبا عليه، حتى يأمرهما بأمره، فعمر جزء ~~البلاد، وشق الأنهار وأحيا الموات. وراسلهم الهرمزان يطلب الصلح، فأجاب عمر ~~إلى ذلك وأن يكون ما أخذه المسلمون بأيديهم، ثم اصطلحوا على ذلك، وأقام ~~الهرمزان والمسلمون يمنعونه إذا قصده الأكراد ويجيء إليهم. ونزل حرقوص جبل ~~الأهواز، وكان يشق على الناس الاختلاف إليه، فبلغ ذلك عمر فكتب إليه يأمره ~~بنزول السهل، وأن لا يشق على مسلم ولا معاهد ولا تدركك فترة ms0847 ولا عجلة، ~~فتكدر دنياك وتذهب آخرتك. وبقي حرقوص إلى يوم صفين، وصار حروريا وشهد ~~النهروان مع الخوارج. ### | [ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان] # قيل: كان فتح رامهرمز وتستر والسوس في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة تسع عشرة، ~~وقيل: سنة عشرين. # وكان سبب فتحها أن يزدجرد لم يزل وهو بمرو يثير أهل فارس أسفا على ما خرج ~~من ملكهم، فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز، وتعاقدوا على النصرة، فجاءت ~~الأخبار حرقوص بن زهير وجزءا وسلمى وحرملة، فكتبوا إلى عمر بالخبر، فكتب ~~عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن، وعجل ~~فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره. وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى ~~الأهواز جندا كثيفا، وأمر عليهم سهل بن عدي أخا سهيل، وابعث معه البراء بن ~~مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا ~~أبو سبرة بن أبي رهم. # فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فسار إلى الأهواز على البغال يجنبون ~~الخيل، فخلف حرقوصا وسلمى وحرملة وسار نحو الهرمزان، وهو برامهرمز. فلما ~~سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه ومعه أهل ~~فارس، فالتقى # PageV02P367 # النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله - عز وجل - ~~هزم الهرمزان، فترك رامهرمز ولحق بتستر، وسار النعمان إلى رامهرمز ونزلها ~~وصعد إلى إيذج، فصالحه تيرويه على إيذج، ورجع إلى رامهرمز فأقام بها. ووصل ~~أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز، وهم يريدون رامهرمز، فأتاهم خبر الوقعة وهم ~~بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر، فساروا نحوه، وسار ~~النعمان أيضا، وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء، فاجتمعوا على تستر وبها ~~الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي ~~موسى، وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا وأكثروا ~~فيهم القتل، وقتل البراء بن مالك، وهو أخو أنس بن مالك، في ذلك الحصار إلى ~~الفتح مائة مبارزة، سوى من قتل في غير ذلك، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ms0848 ~~ثور وعدة من أهل البصرة وأهل الكوفة، وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين ~~زحفا، يكون لهم مرة، ومرة عليهم. فلما كان في آخر زحف منها واشتد القتال ~~قال المسلمون: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا. قال: اللهم اهزمهم لنا ~~واستشهدني، وكان مجاب الدعوة، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها ~~عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون. # فبينما هم على ذلك، وقد ضاقت المدينة بهم وطالت حربهم، خرج رجل إلى ~~النعمان يستأمنه، على أن يدله على مدخل يدخلون منه، ورمى في ناحية أبي موسى ~~بسهم: إن آمنتموني دللتكم على مكان تأتون المدينة منه. فآمنوه في نشابة. ~~فرمى إليهم بأخرى وقال: انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم تقتحمونها. فندب ~~الناس إليه، فانتدب له عامر بن عبد قيس وبشر كثير ونهدوا لذلك المكان ليلا، ~~وقد ندب النعمان أصحابه ليسيروا مع الرجل الذي يدلهم على المدخل إلى ~~المدينة، فانتدب له بشر كثير، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، ~~فدخلوا في السرب والناس من خارج. فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر ~~المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل، وقصد ~~الهرمزان القلعة فتحصن بها، وأطاف به الذين دخلوا، فنزل إليهم على حكم عمر، ~~فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم ~~الراجل ألفا. وجاء صاحب الرمية والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن أغلق ~~بابه معهما. # PageV02P368 # وقتل من المسلمين تلك الليلة بشر كثير، وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ~~ثور والبراء بن مالك. وخرج أبو سبرة بنفسه في أثر المنهزمين إلى السوس، ~~ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن وأبو موسى، وكتبوا إلى عمر فكتب إلى أبي ~~موسى برده إلى البصرة، وهي المرة الثالثة، فانصرف إليها من على السوس. # وسار زر بن عبد الله بن كليب الفقيمي إلى جنديسابور فنزل عليها، وهو من ~~الصحابة، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، وهو الأسود بن ربيعة أحد بني ~~ربيعة بن مالك، وهو صحابي أيضا، وكانا مهاجرين، وكان الأسود قد وفد على ~~رسول ms0849 الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: جئت لأقترب إلى الله بصحبتك، فسماه ~~المقترب. # وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر بن الخطاب، فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس ~~ومعهم الهرمزان، فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه ~~الذهب وتاجه، وكان مكللا بالياقوت، وحليته ليراه عمر والمسلمون، فطلبوا عمر ~~فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل: جلس في المسجد لوفد من الكوفة، فوجدوه في ~~المسجد متوسدا برنسه، وكان قد لبسه للوفد، فلما قاموا عنه توسده ونام، ~~فجلسوا دونه وهو نائم والدرة في يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: هو ~~ذا. فقال: أين حرسه وحجابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب. قال: ~~فينبغي أن يكون نبيا. قالوا: بل يعمل بعمل الأنبياء. # فاستيقظ عمر بجلبة الناس فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: ~~الهرمزان؟ قالوا: نعم. فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وغيره ~~أشباهه! فأمر بنزع ما عليه، فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال له عمر: يا ~~هرمزان، كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم ~~في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، فلما كان الآن معكم ~~غلبتمونا. ثم قال له: ما حجتك وما عذرك في انتقاضك مرة بعد أخرى؟ فقال: ~~أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء فأتي به في قدح ~~غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا! فأتي به في إناء ~~يرضاه، قال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه. ~~فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش. فقال: لا ~~حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به. فقال عمر له: إني قاتلك. فقال: ~~قد آمنتني. فقال: كذبت. قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته. قال عمر: ~~يا أنس، أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك! والله لتأتين بمخرج ~~أو لأعاقبنك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني ولا ms0850 بأس عليك حتى تشربه. ~~وقال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على # PageV02P369 # الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تسلم. فأسلم، ففرض له في ~~ألفين وأنزله المدينة، وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة، وكان يفقه ~~شيئا من الفارسية، إلى أن جاء المترجم. # وقال عمر للوفد: لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة فلهذا ينتقضون بكم؟ قالوا: ~~ما نعلم إلا وفاء. قال: فكيف هذا؟ فلم يشفه أحد منهم، إلا أن الأحنف قال ~~له: يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وإن ملك فارس بين ~~أظهرهم ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان متفقان ~~حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم ~~وغدرهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا ~~بالانسياح فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال: ~~صدقتني والله! ونظر في حوائجهم وسرحهم، وأتى عمر الكتاب باجتماع أهل ~~نهاوند، فأذن في الانسياح في بلاد الفرس. # (وقتل محمد بن جعفر بن أبي طالب شهيدا على تستر في قول بعضهم) . # (أربك: بفتح الهمزة، وسكون الراء، وضم الباء الموحدة، وفي آخره كاف، موضع ~~عند الأهواز. ### | [ذكر فتح السوس] # قيل: ولما نزل أبو سبرة على السوس، وبها شهريار أخو الهرمزان أحاط ~~المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين، ~~فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب إن مما عهد إلينا ~~علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان فيكم ~~فستفتحونها. # وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس، وصار مكانه على أهل البصرة بالسوس ~~المقترب بن ربيعة، واجتمع الأعاجم بنهاوند، والنعمان على أهل الكوفة محاصرا ~~أهل # PageV02P370 # السوس مع أبي سبرة، وزر محاصرا أهل جنديسابور. فجاء كتاب عمر بصرف ~~النعمان إلى أهل نهاوند من وجهه ذلك، فناوشهم القتال قبل مسيره، فصاح أهلها ~~بالمسلمين وناوشوهم وغاظوهم، وكان صافي بن صياد مع المسلمين في خيل ~~النعمان، فأتى صافي باب السوس ms0851 فدقه برجله فقال: انفتح بظار! وهو غضبان، ~~فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب، ودخل المسلمون، وألقى ~~المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما ~~دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا. # ثم افترقوا فسار النعمان حتى أتى نهاوند، وسار المقترب حتى نزل على ~~جنديسابور مع زر. # وقيل لأبي سبرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة. قال: وما علي بذلك! ~~فأقره في أيديهم. # وكان دانيال قد لزم نواحي فارس بعد بخت نصر. فلما حضرته الوفاة ولم ير ~~أحدا على الإسلام أكرم كتاب الله عمن لم يجبه، فقال لابنه: ائت ساحل البحر ~~فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام وغاب عنه وعاد وقال له: قد فعلت. قال: ~~ما صنع البحر؟ قال: ما صنع شيئا. فغضب وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به! ~~فخرج من عنده وفعل فعلته الأولى. فقال: كيف رأيت البحر صنع؟ قال: ماج ~~واصطفق. فغضب أشد من الأول وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به. فعاد إلى ~~البحر وألقاه فيه، فانفلق البحر عن الأرض وانفجرت له الأرض عن مثل التنور، ~~فهوى فيها ثم انطبقت عليه واختلط الماء، فلما رجع إليه وأخبره بما رأى قال: ~~الآن صدقت. ومات دانيال بالسوس، وكان هناك يستسقى بجسده، فاستأذنوا عمر فيه ~~فأمر بدفنه. # وقيل في أمر السوس: إن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل إصطخر ومعه سياه ~~في سبعين من عظماء الفرس، فوجهه إلى السوس والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه ~~الكلتانية، وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر، فسألوا أبا موسى # PageV02P371 # الصلح، وكان محاصرا لهم، فصالحهم وسار إلى رامهرمز، ثم سار إلى تستر، ~~ونزل سياه بين رامهرمز وتستر، ودعا من معه من عظماء الفرس وقال لهم: قد ~~علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم ~~في إيوانات إصطخر، ويشدون خيولهم في شجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، ~~فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك. قال: أرى أن تدخلوا في دينهم. ووجهوا ~~شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى، فشرط عليهم أن ms0852 يقاتلوا معه العجم ~~ولا يقاتلوا العرب، وإن قاتلهم أحد من العرب منعهم منهم، وينزلوا حيث ~~شاءوا، ويلحقوا بأشرف العطاء، ويعقد لهم ذلك عمر على أن يسلموا، فأعطاهم ~~عمر ما سألوا، فأسلموا وشهدوا مع المسلمين حصار تستر. ومضى سياه إلى حصن قد ~~حاصره المسلمون في زي العجم، فألقى نفسه إلى جانب الحصن ونضح ثيابه بالدم، ~~فرآه أهل الحصن صريعا فظنوه رجلا منهم ففتحوا باب الحصن ليدخلوه إليهم، ~~فوثب وقاتلهم حتى خلوا عن الحصن وهربوا، فملكه وحده. وقيل: إن هذا الفعل ~~كان منه بتستر. # ذكر مصالحة جنديسابور # وفي هذه السنة سار المسلمون عن السوس فنزلوا بجنديسابور، وزر بن عبد الله ~~محاصرهم، فأقاموا عليها يقاتلونهم، فرمي إلى من بها من عسكر المسلمين ~~بالأمان، فلم يفجأ المسلمين إلا وقد فتحت أبوابها وأخرجوا أسواقهم وخرج ~~أهلها، فسألهم المسلمون، فقالوا: رميتم بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية. ~~فقالوا: ما فعلنا! وسأل المسلمون فإذا عبد يدعى مكثفا كان أصله منها فعل ~~هذا، فقالوا: هو عبد. فقال أهلها: لا نعرف العبد من الحر، وقد قبلنا الجزية ~~وما بدلنا، فإن شئتم فاغدروا. فكتبوا إلى عمر فأجاز أمانهم، فآمنوهم ~~وانصرفوا عنهم. # ذكر مسير المسلمين إلى كرمان وغيرها # قيل: في سنة سبع عشرة أذن عمر للمسلمين في الانسياح في بلاد فارس، وانتهى # PageV02P372 # في ذلك إلى رأي الأحنف، فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة ~~البصرة فيكون هناك حتى يأتيه أمره، وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدي، ~~فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع بن ~~مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولواء فسا ~~ودارابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني، ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء ~~سجستان إلى عاصم بن عمرو، وكان من الصحابة، ولواء مكران إلى الحكم بن عمير ~~التغلبي، فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثماني عشرة، وأمدهم عمر بنفر من ~~أهل الكوفة، فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن عتبان، وأمد عاصم بن عمرو بعبد ~~الله ms0853 بن عمير الأشجعي، وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق في جموع. # وقيل: كان ذلك سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وسنذكر كيفية ~~فتحها هناك وذكر أسبابها إن شاء الله تعالى. # وكان على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد في قول، وعلى اليمن يعلى بن منية، ~~وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى ~~الشام من ذكر قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو ~~قرة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى، وعلى القضاء أبو مريم الحنفي، وقد ذكر ~~من كان على الجزيرة والموصل قبل. # وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. # PageV02P373 ### | [ثم دخلت سنة ثمان عشرة] ### | 18 - # ثم دخلت سنة ثمان عشرة # ذكر القحط وعام الرمادة # في سنة ثماني عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط، وهو عام الرمادة، ~~وكانت الريح تسفي ترابا كالرماد فسمي عام الرمادة، واشتد الجوع حتى جعلت ~~الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قيحها. # وفيه أيضا كان طاعون عمواس. # وفيه ورد كتاب أبي عبيدة على عمر يذكر فيه أن نفرا من المسلمين أصابوا ~~الشراب، منهم: ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتابوا، وقالوا: خيرنا فاخترنا. ~~قال: فهل أنتم منتهون؟ ولم يعزم، فكتب إليه عمر: إنما منعناه، فانتهوا، ~~وقال له: ادعهم على رءوس الناس وسلهم أحلال الخمر أم حرام، فإن قالوا: ~~حرام، فاجلدهم ثمانين ثمانين، وإن قالوا: حلال، فاضرب أعناقهم. فسألهم ~~فقالوا: بل حرام، فجلدهم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثن فيكم يا أهل ~~الشام حدث، فحدث عام الرمادة. # وأقسم عمر أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيا الناس. فقدمت ~~السوق # PageV02P374 # عكة سمن ووطب من لبن، فاشتراها غلام لعمر بأربعين درهما ثم أتى عمر فقال: ~~يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن وعكة ~~من سمن ابتعتهما بأربعين درهما. فقال عمر: أغليت بهما فتصدق بهما فإني أكره ~~أن آكل إسرافا. وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا ms0854 لم يصبني ما أصابهم! # وكتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها ويستمدهم، ~~فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف راحلة من طعام، ~~فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، فقسمها وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس ~~واستغنى أهل الحجاز. # وأصلح عمرو بن العاص بحر القلزم، وأرسل فيه الطعام إلى المدينة، فصار ~~الطعام بالمدينة كسعر مصر، ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس ~~عنهم البحر مع مقتل عثمان، فذلوا وتقاصروا، وكان الناس بذلك وعمر كالمحصور ~~عن أهل الأمصار. # فقال أهل بيت من مزينة لصاحبهم، وهو بلال بن الحارث: قد هلكنا فاذبح لنا ~~شاة. قال: ليس فيهن شيء. فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: ~~يا محمداه! فأري في المنام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه فقال: ~~أبشر بالحيا، إيت عمر فأقرئه مني السلام، وقل له إني عهدتك وأنت وفي العهد ~~شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه: ~~استأذن لرسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى عمر فأخبره، ففزع ~~وقال: رأيت به مسا؟ قال: لا، فأدخله، وأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس ~~وصعد المنبر فقال: نشدتكم الله الذي هداكم هل رأيتم مني شيئا تكرهون؟ ~~قالوا: اللهم لا، ولم ذاك؟ فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن عمر، فقالوا: إنما ~~استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس، وخرج معه العباس ماشيا، ~~فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال: اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا ~~حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا وأحي ~~العباد والبلاد! وأخذ بيد العباس بن عبد المطلب عم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وإن دموع العباس لتتحادر على لحيته، # PageV02P375 # فقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك - صلى الله عليه وسلم - وبقية آبائه ~~وكبر رجاله، فإنك تقول وقولك الحق: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة} [الكهف: 82] فحفظتهما بصلاح آبائهما، فاحفظ اللهم نبيك - صلى الله ~~عليه وسلم - في ms0855 عمه، فقد دلونا به إليك مستشفعين مستغفرين. ثم أقبل على ~~الناس فقال: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} [نوح: 10] . # وكان العباس قد طال عمره، وعيناه تذرفان ولحيته تجول على صدره وهو يقول: ~~اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد صرخ ~~الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغنهم ~~بغناك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، فإنه لا ييأس إلا القوم الكافرون. فنشأت ~~طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون ترون! ثم التأمت ومشت فيها ريح ثم هدأت ~~ودرت، فوالله ما تروحوا حتى اعتنقوا الجدار وقلصوا المآزر، فطفق الناس ~~بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين! فقال الفضل بن ~~العباس بن عتبة بن أبي لهب: # بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر # توجه بالعباس في الجدب راغبا ... إليه فما إن رام حتى أتى المطر # ومنا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر # ذكر طاعون عمواس # في هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام، فمات فيه أبو عبيدة بن الجراح، وهو ~~أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن ~~عمرو، وعتبة بن سهيل، وعامر بن غيلان الثقفي، مات وأبوه حي، وتفانى الناس ~~منه. # قال طارق بن شهاب: أتينا أبا موسى في داره بالكوفة نتحدث عنده فقال: لا ~~عليكم أن تخفوا فقد أصيب في الدار إنسان، ولا عليكم أن تنزهوا من هذه ~~القرية فتخرجوا في فسح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء، وسأخبركم بما ~~يكره ويتقى، # PageV02P376 # من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظن من أقام فأصابه لو خرج لم ~~يصبه، فإذا لم يظن المسلم هذا فلا عليه أن يخرج، إني كنت مع أبي عبيدة ~~بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ~~ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أما بعد فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك ~~فيها، فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من ms0856 يدك حتى تقبل. ~~فعرف أبو عبيدة ما أراد فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، قد عرفت حاجتك إلي ~~وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى ~~يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزيمتك. فلما قرأ عمر الكتاب ~~بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ فقال: لا، وكأن قد. # وكتب إليه عمر ليرفعن بالمسلمين من تلك الأرض، فدعا أبا موسى فقال له: ~~ارتد للمسلمين منزلا. قال: فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت. ~~فرجعت إليه فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدث. فقال: لعل صاحبتك أصيبت؟ ~~قلت: نعم. قال: فأمر ببعيره فرحل له. فلما وضع رجله في غرزه طعن، فقال: ~~والله لقد أصبت! ثم سار بالناس حتى نزل الجابية. # وكان أبو عبيدة قد قام في الناس فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة ~~ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة سأل الله أن يقسم له ~~منه حظه، فطعن فمات. واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده فقال: ~~أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن ~~معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ حظهم. فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام ~~فدعا به لنفسه فطعن في راحته، فلقد كان يقبلها ثم يقول: ما أحب أن لي بما ~~فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فخرج بالناس ~~إلى الجبال، ورفعه الله عنهم، فلم يكره عمر ذلك من عمرو. # وقد قيل: إن عمر بن الخطاب قدم الشام، فلما كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، ~~فيهم أبو عبيدة بن الجراح، فأخبروه بالوباء وشدته، وكان معه المهاجرون ~~والأنصار، خرج غازيا، فجمع المهاجرين الأولين والأنصار، فاستشارهم، ~~فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: # PageV02P377 # خرجت لوجه الله فلا يصدك عنه هذا، ومنهم القائل: إنه بلاء وفناء فلا نرى ~~أن تقدم عليه. فقال لهم: قوموا، ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش، فاستشارهم، ~~فلم يختلفوا عليه وأشاروا بالعود، فنادى ms0857 عمر في الناس: إني مصبح على ظهر. ~~فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر ~~الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما مخصبة والأخرى ~~جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر ~~الله؟ فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع ببلد وأنتم ~~به فلا تخرجوا فرارا منه» ". فانصرف عمر بالناس إلى المدينة. # وهذه الرواية أصح، فإن البخاري ومسلما أخرجاها في صحيحيهما، (ولأن أبا ~~موسى كان هذه السنة بالبصرة ولم يكن بالشام، لكن هكذا ذكره وإنما أوردناه ~~لننبه عليه) . # (عمواس بفتح العين المهملة والميم والواو، وبعد الألف سين مهملة. وسرغ ~~بفتح السين المهملة، وسكون الراء المهملة، وآخره غين معجمة) . # ومعنى قوله: دعوة نبيكم، حين «جاءه جبرائيل فقال: فناء أمتك بالطعن أو ~~الطاعون. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فبالطاعون» . # ولما هلك يزيد بن أبي سفيان استعمل عمر أخاه معاوية بن أبي سفيان على ~~دمشق وخراجها، واستعمل شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها. وأصاب الناس ~~من # PageV02P378 # الموت ما لم يروا مثله قط، وطمع له العدو في المسلمين لطول مكثه، مكث ~~شهورا، وأصاب الناس بالبصرة مثله، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة ~~وعشرين ألفا. # ذكر قدوم عمر إلى الشام بعد الطاعون # لما هلك الناس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من ~~المواريث، فجمع الناس واستشارهم وقال لهم: قد بدا لي أن أطوف على المسلمين ~~في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا علي، وفي القوم كعب الأحبار، وفي تلك ~~السنة أسلم، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، بأيها تريد أن تبدأ؟ قال: ~~بالعراق. قال: فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء، تسعة منها بالمشرق وجزء ~~بالمغرب، والخير عشرة أجزاء تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق، وبها قرن الشيطان ~~وكل داء عضال. فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الكوفة ms0858 للهجرة بعد الهجرة، ~~وإنها لقبة الإسلام، ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلا وحن إليها، لينتصرن ~~بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط. فقال عمر: إن مواريث أهل عمواس قد ~~ضاعت، أبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في ~~البلاد وأبدي إليهم أمري. # فسار عن المدينة، واستخلف عليها علي بن أبي طالب واتخذ أيلة طريقا، فلما ~~دنا منها ركب بعيره وعلى رحله فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه ~~الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، يعني نفسه، فساروا أمامهم، ~~وانتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين إليها ~~ونزلها، فرجعوا [إليه] . وأعطى عمر الأسقف بها قميصه، وقد تخرق ظهره، ~~ليغسله ويرقعه، ففعل، وأخذه ولبسه، وخاط له الأسقف قميصا غيره فلم يأخذه. ~~فلما قدم الشام قسم الأرزاق، وسمى الشواتي # PageV02P379 # والصوائف، وسد فروج الشام ومسالحها، وأخذ يدورها، واستعمل عبد الله بن ~~قيس على السواحل من كل كورة، واستعمل معاوية، وعزل شرحبيل بن حسنة وقام ~~بعذره في الناس وقال: إني لم أعزله عن سخطة، ولكني أريد رجلا أقوى من رجل. ~~واستعمل عمرو بن عتبة على الأهراء. وقسم مواريث أهل عمواس، فورث بعض الورثة ~~من بعض، وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم. وخرج الحارث بن هشام في ~~سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة. # ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة. # ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس: لو أمرت بلالا فأذن، فأمره ~~فأذن، فما بقي أحد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلال يؤذن إلا وبكى ~~حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكرهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # قال الواقدي: إن الرهاء وحران والرقة فتحت هذه السنة على يد عياض بن غنم، ~~وإن عين الوردة، وهي رأس عين، فتحت فيها على يد عمير بن سعد، وقد تقدم شرح ~~فتحها. # في هذه السنة في ذي الحجة حول عمر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا ~~بالبيت. # PageV02P380 # وفيها ms0859 استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن ~~سور الأزدي. وكانت الولاة على الأمصار الولاة [الذين كانوا عليها] في السنة ~~قبلها. # وحج بالناس عمر بن الخطاب. # PageV02P381 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة] ### | 19 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة # قال بعضهم: إن فتح جلولاء والمدائن كان [في] هذه السنة [على يد سعد] ، ~~وكذلك فتح الجزيرة، وقد تقدم ذكر فتح الجميع والخلاف فيه. # وقيل: فيها كان فتح قيسارية على يد معاوية، وقيل: سنة عشرين، وقد تقدم ~~أيضا ذلك سنة ست عشرة. # وفي هذه السنة سالت حرة ليلى، وهي قريب المدينة، نارا، فأمر عمر بالصدقة، ~~فتصدق الناس فانطفأت. # وحج بالناس هذه السنة عمر. وكان عماله فيها من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] وفيها قتل صفوان بن المعطل السلمي، وقيل: بل مات سنة ستين آخر ~~خلافة معاوية. # وفيها مات أبي بن كعب، وقيل: بل مات سنة عشرين: وقيل: اثنتين وعشرين، ~~وقيل: اثنتين وثلاثين، والله أعلم. # PageV02P382 ### | [ثم دخلت سنة عشرين] ### | 20 - # ثم دخلت سنة عشرين # ذكر فتح مصر # قيل: في هذه السنة فتحت مصر في قول بعضهم، على يد عمرو بن العاص ~~والإسكندرية أيضا. # وقيل: فتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين، وقيل: فتحت مصر سنة ست عشرة في ~~ربيع الأول، وبالجملة فينبغي أن يكون فتحها قبل عام الرمادة، لأن عمرو بن ~~العاص حمل الطعام في بحر القلزم من مصر إلى المدينة، والله أعلم، وقيل غير ~~ذلك. # وأما فتحها فإنه لما فتح عمر بيت المقدس وأقام به أياما، وأمضى عمرو بن ~~العاص إلى مصر، واتبعه الزبير بن العوام، فأخذ المسلمون باب اليون، وساروا ~~إلى مصر، فلقيهم هناك أبو مريم، جاثليق مصر، ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع ~~بلادهم، فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجلونا حتى نعذر ~~إليكم، وليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام، فكفوا، وخرجا إليه، فدعاهما إلى ~~الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل مصر ~~بسبب هاجر أم إسماعيل - عليه السلام - فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها ~~إلا الأنبياء، ms0860 آمنا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ~~ثلاثا لتنظرا. فقالا: زدنا، فزادهما يوما، فرجعا إلى المقوقس. فأبى أرطبون ~~أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم. فقال لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم. ~~فلم يفجأ عمرا إلا البيات وهو على عدة، فلقوه فقتل أرطبون وكثير ممن معه ~~وانهزم الباقون، وسار عمرو والزبير إلى عين الشمس وبها جمعهم، وبعث إلى ~~فرما أبرهة بن # PageV02P383 # الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فنزل عليها. قيل: وكان الإسكندر ~~وفرما أخوين، ونزل عمرو بعين الشمس، فقال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قتال ~~قوم هزموا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم! فلا تعرض لهم ولا تعرضنا [لهم]- ~~وذلك في اليوم الرابع -[فأبى] وناهدوهم وقاتلوهم. # فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون، فذمرهم ~~عمرو، فقال له رجل من اليمن: إنا لم نخلق من حديد. فقال له عمرو: اسكت، ~~إنما أنت كلب. قال: فأنت أمير الكلاب. فنادى عمرو بأصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله، فتقدموا وفيهم أبو بردة ~~وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين، ~~فارتقى الزبير بن العوام سورها، فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه ~~مصالحين، فقبل منهم. # ونزل الزبير عليهم عنوة، حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا صلحا ~~بعدما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى الصلح، فصاروا ذمة، ~~وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر، ومن اختار الذهاب ~~فهو آمن حتى يبلغ مأمنه. # واجتمعت خيول المسلمين بمصر، وبنوا الفسطاط ونزلوه، وجاء أبو مريم وأبو ~~مريام إلى عمرو، وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فطردهما، ~~فقالا: كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة. فقال عمرو ~~لهما: أتغيرون علينا وتكونون في ذمة؟ قالا: نعم. فقسم عمرو بن العاص السبي ~~على الناس، وتفرق في بلدان العرب. وبعث بالأخماس إلى عمر بن الخطاب ومعها ~~وفد، فأخبروا عمر بن الخطاب بحالهم كله وبما قال ms0861 أبو مريم، فرد عمر عليهم ~~سبي من لم يقاتلهم في تلك الأيام الأربعة، وترك سبي من قاتلهم فردوهم. # وحضرت القبط باب عمرو، وبلغ عمرا أنهم يقولون: ما أرث العرب! ما رأينا ~~مثلنا دان لهم. فخاف أن يطمعهم ذلك، فأمر بجزر فطبخت ودعا أمراء الأجناد ~~فأعلموا أصحابهم، فحضروا عنده وأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم في ~~العباء بغير # PageV02P384 # سلاح، فازداد طمعهم، وأمر المسلمين [أن] يحضروا الغد في ثياب [أهل] مصر ~~وأحذيتهم، ففعلوا، وأذن لأهل مصر، فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، وقام ~~عليهم القوام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، فارتاب القبط، وبعث أيضا إلى ~~المسلمين: تسلحوا للعرض غدا، وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم وقال ~~لهم: علمت حالكم حين رأيتم اقتصاد العرب، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم ~~حالهم في أرضهم كيف كانت، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فقد رأيتم ~~ظفرهم بكم وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم بما نالوا في اليوم الثاني، ~~فأردت أن تعلموا أن ما رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني، ~~وراجع إلى عيش اليوم الأول. # فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم. # وبلغ عمر ذلك فقال: والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات ~~الحروب من غيره. # ثم إن عمرا سار إلى الإسكندرية، وكان من بين الإسكندرية والفسطاط من ~~الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا: نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الإسكندرية. ~~فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار حتى بلغ الإسكندرية، ~~فوجد أهلها معدين لقتاله. فأرسل المقوقس إلى عمرو يسأله الهدنة إلى مدة، ~~فلم يجبه إلى ذلك وقال: لقد لقينا ملككم الأكبر هرقل فكان منه ما بلغكم. ~~فقال المقوقس لأصحابه: صدق فنحن أولى بالإذعان. فأغلظوا له في القول ~~وامتنعوا، فقاتلهم المسلمون وحصروهم ثلاثة أشهر، وفتحها عمرو عنوة وغنم ما ~~فيها وجعلهم ذمة. # وقيل: إن المقوقس صالح عمرا على اثني عشر ألف دينار، على أن يخرج من ~~الإسكندرية من أراد الخروج ويقيم من أراد القيام، وجعل فيها ms0862 عمرو جندا. # ولما فتحت مصر غزوا النوبة، فرجع المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق لجودة # PageV02P385 # رميهم، فسموهم رماة الحدق. # فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان صالحهم على هدية عدة ~~رءوس في كل سنة، ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعاما مسمى وكسوة، وأمضى ذلك ~~الصلح عثمان ومن بعده من ولاة الأمور. # وقيل: إن المسلمين لما انتهوا إلى بلهيب وقد بلغت سباياهم إلى اليمن، ~~أرسل صاحبهم إلى عمرو: إنني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم: فارس ~~والروم، فإن أحببت الجزية على أن ترد ما سبيتم من أرضي فعلت. فكتب عمرو إلى ~~عمر يستأذنه في ذلك، ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب عمر. فورد الجواب من ~~عمر: لعمري جزية قائمة أحب إلينا من غنيمة تقسم، ثم كأنها لم تكن، وأما ~~السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيروا من في أيديكم منهم بين الإسلام ~~ودين قومه، فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين، ومن اختار دين قومه فضع ~~عليه الجزية، وأما من تفرق في البلدان فإنا لا نقدر على ردهم. فعرض عمرو ~~ذلك على صاحب الإسكندرية، فأجاب إليه، فجمعوا السبي، واجتمعت النصارى ~~وخيروهم واحدا واحدا، فمن اختار المسلمين كبروا، ومن اختار النصارى نخروا ~~وصار عليه جزية، حتى فرغوا. # وكان من السبي أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن، فاختار الإسلام وصار ~~عريف زبيد. # وكان ملوك بني أمية يقولون: إن مصر دخلت عنوة وأهلها عبيدنا نزيد عليهم ~~كيف شئنا. ولم يكن كذلك. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة، أعني سنة عشرين، غزا أبو بحرية عبد الله بن قيس أرض ~~الروم، # PageV02P386 # وهو أول من دخلها فيما قيل، وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي ~~وغنم. # وقيل: فيها عزل عمر قدامة بن مظعون من البحرين وحده في الخمر، واستعمل ~~أبا بكرة على البحرين واليمامة. # وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. # وفيها عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا: ms0863 لا يحسن ~~يصلي. # وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى اليهود عنها وقسم وادي القرى. # وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة. # وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة، وكانت تطرقت بلاد ~~الإسلام فأصيب المسلمون، فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا أبدا ~~- يعني للغزو -، وقيل سنة إحدى وثلاثين. # (مجزز: بجيم وزايين الأولى مكسورة مشددة) . # [الوفيات] # وفيها مات أسيد بن حضير - أسيد تصغير أسد -، وحضير بالحاء المهملة # PageV02P387 # المضمومة، والضاد المفتوحة، والراء. # وفيها مات هرقل وملك ابنه قسطنطين. # وفيها ماتت زينب بنت جحش، ونزل في قبرها أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن ~~عبد الله بن جحش. # وحج بالناس عمر. وكان عماله على الأمصار من كان قبل هذه السنة إلا من ~~ذكرت أنه عزله. وكان قضاته فيها القضاة في السنة قبلها. # وفيها مات عياض بن غنم، وهو الذي فتح الجزيرة، وهو أول من جاز الدرب إلى ~~الروم. # وفيها مات بلال بن رباح مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدمشق، وقيل ~~بحلب. # PageV02P388 # وفيها مات أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وله ولأبيه ولجده صحبة، وقتل ~~أبوه في غزوة الرجيع. # وفيها مات سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، شهد فتح خيبر، وكان فاضلا، وكان ~~على حمص حتى مات، وقيل: مات سنة تسع عشرة، وقيل: سنة إحدى وعشرين وعمره ~~أربعون سنة. # وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. # وفيها ماتت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفيها قتل المظهر بن رافع الأنصاري، قدم من الشام ومعه من علوج الشام، ~~فلما كان بخيبر أمرهم قوم من اليهود فقتلوهم، فأجلاهم عمر. # (المظهر: بضم الميم، وفتح الظاء المعجمة، وتشديد الهاء، وآخره راء ~~مهملة.) # PageV02P389 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين] # [ذكر وقعة نهاوند] ### | 21 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ### | ذكر وقعة نهاوند # قيل: فيها كانت وقعة نهاوند، وقيل: كانت سنة ثماني عشرة، وقيل سنة تسع ~~عشرة. # وكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين لما خلصوا جند العلاء من ms0864 بلاد فارس ~~وفتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم وهو بمرو فحركوه، وكاتب الملوك بين الباب ~~والسند وخراسان وحلوان، فتحركوا وتكاتبوا واجتمعوا إلى نهاوند، ولما وصلها ~~أوائلهم بلغ سعدا الخبر، فكتب إلى عمر، وثار بسعد قوم سعوا به وألبوا عليه، ~~ولم يشغلهم ما نزل بالناس ; وكان ممن تحرك في أمره الجراح بن سنان الأسدي ~~في نفر. فقال لهم عمر: والله ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم. ~~فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للفرس، وكان محمد صاحب العمال ~~يقتص آثار من شكا زمان عمر، فطاف بسعد على أهل الكوفة يسأل عنه، فما سأل ~~عنه جماعة إلا أثنوا عليه خيرا سوى من مالأ الجراح الأسدي، فإنهم سكتوا ولم ~~يقولوا سوءا ولا يسوغ لهم، حتى انتهى إلى بني # PageV02P390 # عبس فسألهم، فقال أسامة بن قتادة: اللهم إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل ~~في القضية، ولا يغزو في السرية. فقال سعد: اللهم إن كان قالها رياء وكذبا ~~وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمي، واجتمع عنده عشر ~~بنات، وكان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد ~~الرجل المبارك. ثم دعا سعد على أولئك النفر فقال: اللهم إن كانوا خرجوا ~~أشرا وبطرا ورياء فاجهد بلادهم. فجهدوا، وقطع الجراح بالسيوف يوم بادر ~~الحسن بن علي - عليه السلام - ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل ~~أربد بالوجء ونعال السيوف. # وقال سعد: إني أول رجل أهراق دما من المشركين، ولقد جمع لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتني خمس ~~الإسلام، وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي وأن الصيد يلهيني. # وخرج محمد بسعد وبهم معه إلى المدينة، فقدموا على عمر فأخبروه الخبر ~~فقال: كيف تصلي يا سعد؟ قال أطيل الأوليين وأحذف الأخريين. فقال: هكذا الظن ~~بك يا أبا إسحاق ولولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا. وقال: من خليفتك يا سعد ~~على الكوفة؟ # PageV02P391 # فقال عبد الله بن عبد الله بن عتبان. فأقره. فكان سبب نهاوند وبعثها ms0865 زمن ~~سعد. # وأما الوقعة فهي زمن عبد الله، فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد، فاجتمعوا ~~بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفا ومائة ألف مقاتل، وكان سعد كتب إلى عمر ~~بالخبر ثم شافهه به لما قدم عليه وقال له: إن أهل الكوفة يستأذنونك في ~~الانسياح وأن يبدءوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوهم. # فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن ~~أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ثم ~~أستنفرهم وأكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله ~~عليهم صببتهم في بلدانهم. # فقال طلحة بن عبيد الله: يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور، وعجمتك ~~البلابل، واحتنكتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك، لا ننبو في يديك ولا نكل ~~عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، وادعنا نجب واحملنا نركب، وقدنا ننقد، ~~فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واحتربت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء ~~الله لك إلا عن خيارهم. ثم جلس. # فعاد عمر، فقام عثمان فقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام ~~فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل ~~الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فإنك إذا ~~سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم، وكنت أعز عزا وأكثر. يا أمير ~~المؤمنين، إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية، ولا تمتع من الدنيا ~~بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إن هذا يوم له ما # PageV02P392 # بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. وجلس. # فعاد عمر، فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين، ~~فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل ~~اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت ~~عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين ~~يديك من العورات والعيالات، أقرر هؤلاء ms0866 في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة ~~فليتفرقوا ثلاث فرق: فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ~~ينتقضوا، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم ; إن الأعاجم إن ينظروا ~~إليك غدا قالوا: هذا أمير المؤمنين أمير العرب وأصلها، فكان ذلك أشد لكلبهم ~~عليك. وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر ~~على تغيير ما يكره، وأما عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن ~~بالنصر. # فقال عمر: هذا هو الرأي، كنت أحب أن أتابع عليه، فأشيروا علي برجل أوليه. # وقيل: إن طلحة وعثمان وغيرهما أشاروا عليه بالمقام. والله أعلم. # فلما قال عمر: أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وليكن عراقيا، قالوا: أنت ~~أعلم بجندك وقد وفدوا عليك. فقال: والله لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة ~~إذا لقيها غدا. فقيل: من هو؟ فقال: هو النعمان بن مقرن المزني. فقالوا: هو ~~لها. # وكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد اقتحموا جنديسابور والسوس. ~~فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه، فإذا اجتمعوا ~~إليه سار بهم إلى الفيرزان ومن معه. وقيل بل كان النعمان بكسكر. فكتب إلى ~~عمر يسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين. فكتب إليه عمر يأمره ~~بنهاوند، فسار. # فكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليستنفر الناس مع النعمان ~~كذا وكذا # PageV02P393 # ويجتمعوا عليه بماه. فندب الناس، فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف ليبلوا في ~~الدين وليدركوا حظا. # فخرج الناس منها وعليهم حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن حتى قدموا على ~~النعمان، وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسا عن ~~المسلمين وعليهم المقترب وحرملة وزر، فأقاموا بتخوم أصبهان وفارس وقطعوا ~~أمداد فارس عن أهل نهاوند، واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة بن ~~اليمان، وابن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم، ~~فأرسل النعمان طليحة بن خويلد، وعمروبن معد يكرب، وعمروبن ثني - وهو ابن ~~أبي سلمى - ليأتوه بخبرهم. وخرجوا وساروا ms0867 يوما إلى الليل، فرجع إليه عمروبن ~~ثني، فقالوا: ما رجعك؟ فقال: لم أكن في أرض العجم، وقتلت أرض جاهلها، وقتل ~~أرضا عالمها. ومضى طليحة وعمروبن معد يكرب. فلما كان آخر الليل رجع عمرو، ~~فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا فرجعت. ومضى طليحة حتى ~~انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون ~~فرسخا. فقال الناس: ارتد طليحة الثانية. فعلم كلام القوم ورجع. فلما رأوه ~~كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: والله لو لم يكن ~~دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة. فأعلم ~~النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد. # فرحل النعمان وعبى أصحابه، وهم ثلاثون ألفا، فجعل على مقدمته نعيم بن ~~مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن ~~عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود. وقد توافت إليه أمداد المدينة فيهم ~~المغيرة بن شعبة، فانتهوا إلى إسبيذهان والفرس وقوف على تعبيتهم، وأميرهم ~~الفيرزان وعلى # PageV02P394 # مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب. وقد توافى إليهم ~~الأمداد بنهاوند، كل من غاب عن القادسية ليسوا بدونهم، فلما رآهم النعمان ~~كبر وكبر معه الناس فتزلزلت الأعاجم وحطت العرب الأثقال، وضرب فسطاط ~~النعمان، فابتدر أشراف الكوفة فضربوه، منهم: حذيفة بن اليمان، وعقبة بن ~~عامر، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وجرير بن عبد ~~الله البجلي، والأشعث بن قيس، وسعيد بن قيس الهمداني، ووائل بن حجر وغيرهم. ~~فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء. # وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس ~~والحرب بينهم سجال وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون ~~وأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا ~~الخروج، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من ~~الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا ~~النعمان في ذلك فوافوه وهو يروي في الذي ms0868 رووا فيه فأخبروه، فبعث إلى من بقي ~~من أهل النجدات والرأي فأحضرهم، فتكلم النعمان فقال: قد ترون المشركين ~~واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا ولا يقدر ~~المسلمون على إخراجهم. وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي ~~الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟ # فتكلم عمروبن ثني، وكان أكبر الناس، وكانوا يتكلمون على الأسنان، فقال: ~~التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم وقاتل من أتاك منهم. فردوا عليه ~~رأيه. # وتكلم عمروبن معد يكرب فقال: ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم، فردوا جميعا عليه ~~رأيه وقالوا: إنما يناطح بنا الجدران وهي أعوان علينا. # وقال طليحة: أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال، فإذا اختلطوا بهم رجعوا ~~إلينا استطرادا، فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك ~~طمعوا وخرجوا # PageV02P395 # فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب. # فأمر [النعمان] القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فأنشب القتال، ~~فأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم ~~بعضا كل سبعة في قران، وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا. فلما خرجوا ~~نكص ثم نكص، واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا: هي هي، فلم يبق ~~أحد إلا من يقوم على الأبواب وركبوهم. ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس ~~عن حصنهم بعض الانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار، وقد ~~عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن ~~لهم، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى ~~أفشوا فيهم الجراح. # وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم؟ ائذن ~~للناس في قتالهم. فقال رويدا رويدا. وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات ~~كانت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقى العدو فيها وذلك عند ~~الزوال، فلما كان قريبا من تلك الساعة ركب فرسه وسار في الناس، ووقف على كل ~~راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر، وقال لهم: إني مكبر ثلاثا، فإذا كبرت ~~الثالثة ms0869 فإني حامل فاحملوا، وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، ~~حتى عد سبعة آخرهم المغيرة. ثم قال: اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل ~~النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك. # وقيل: بل قال: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز ~~الإسلام واقبضني شهيدا. فبكى الناس. ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثا والناس ~~سامعون مطيعون مستعدون للقتال، وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته ~~انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها، وما كان يسمع إلا وقع الحديد، وصبر ~~لهم المسلمون صبرا عظيما، وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ~~ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب. # PageV02P396 # فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدا، زلق به فرسه ~~فصرع. وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله، فسجاه أخوه نعيم بثوب، وأخذ ~~الراية وناولها حذيفة، فأخذها وتقدم إلى موضع النعمان وترك نعيما مكانه. ~~وقال لهم المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم ~~لئلا يهن الناس. فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا، ~~ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه ~~بإسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم ~~في قياد واحد فيقتلون جميعا، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب ~~مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة. # وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفا، وفي المعركة ثلاثون ألفا، سوى من قتل في ~~الطلب، ولم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان من بين الصرعى فهرب نحو همذان، ~~فاتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان، وهي إذ ذاك ~~مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب على أجله. فلما لم يجد ~~طريقا نزل عن دابته وصعد في الجبل، فتبعه القعقاع راجلا فأدركه فقتله ~~المسلمون على الثنية وقالوا: إن لله جنودا من عسل. واستاقوا العسل وما معه ~~من الأحمال. ms0870 وسميت الثنية ثنية العسل. # ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. ~~فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم، ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن ~~أميرهم النعمان بن مقرن، فقال لهم أخوه معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه ~~بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة. # ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيها من الأمتعة ~~وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوا إلى صاحب الأقباض السائب بن ~~الأقرع. وانتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع ~~القعقاع ونعيم، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: ~~أتؤمنني ومن شئت على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ قال: ~~نعم. فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين، فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر. وكان حذيفة ~~قد نفل منها وأرسل الباقي مع السائب بن # PageV02P397 # الأقرع الثقفي، وكان كاتبا حاسبا، أرسله عمر إليهم وقال له: إن فتح الله ~~عليكم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ الخمس، وإن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن ~~الأرض خير من ظهرها. # قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين وأحضر الفارسي السفطين اللذين ~~أودعهما عنده النخيرجان فإذا فيهما اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فلما فرغت من ~~القسمة احتملتهما معي وقدمت على عمر، وكان قد قدر الوقعة فبات يتململ ويخرج ~~ويتوقع الأخبار، فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى ~~المدينة ليلا، فمر به راكب فسأله: من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند، وأخبره ~~بالفتح وقتل النعمان، فلما أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة، فبلغ ~~الخبر عمر فسأله فأخبره، فقال: ذلك بريد الجن. # ثم قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسره ولم يخبره بقتل النعمان. قال ~~السائب: فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: فأتيته فقال: ما وراءك؟ ~~فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك وأعظم الفتح، واستشهد النعمان ~~بن مقرن. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بكى فنشج حتى بانت فروع ~~كتفيه فوق كتده. قال: فلما رأيت ms0871 ذلك وما لقي قلت: يا أمير المؤمنين ما أصيب ~~بعده رجل يعرف وجهه. فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين ولكن الذي أكرمهم ~~بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك بمعرفة عمر! ثم أخبرته ~~بالسفطين فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك. قال: ~~ففعلت وخرجت سريعا إلى الكوفة. # وبات عمر، فلما أصبح بعث في أثري رسولا، فما أدركني حتى دخلت الكوفة ~~فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد ~~بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن. قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلما ~~رآني قال: إلي وما لي وللسائب! قلت: ولماذا؟ قال: ويحك والله ما هو إلا أن ~~نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى السفطين يشتعلان ~~نارا فيقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني ~~فبعهما في أعطية المسلمين # PageV02P398 # وأرزاقهم. قال: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني ~~عمروبن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما ~~بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا. وكان سهم الفارس بنهاوند ~~ستة آلاف وسهم الراجل ألفين. # ولما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى ~~منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال له: أكل عمر كبدي! وكان من نهاوند ~~فأسرته الروم وأسره المسلمون من الروم فنسب إلى حيث سبي. # وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح لأنه لم يكن للفرس بعده ~~اجتماع. وملك المسلمون بلادهم. # ذكر فتح الدينور والصيمرة وغيرهما # لما انصرف أبو موسى من نهاوند، وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة، فمر ~~بالدينور فأقام عليها خمسة أيام وصالحه أهلها على الجزية ومضى، فصالحه أهل ~~سيروان على مثل صلحهم، وبعث السائب بن الأقرع الثقفي إلى الصيمرة مدينة ~~مهرجان قذق ففتحها صلحا، وقيل: إنه وجه السائب من الأهواز ففتح ولاية ~~مهرجان قذق. # ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما # لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن ms0872 # PageV02P399 # والقعقاع بن عمرو. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم الجزية على ~~أن يضمن منهم همذان ودستبى وألا يؤتى المسلمون منهم، فأجابوه إلى ذلك ~~وآمنوه ومن معه من الفرس، وأقبل كل من كان هرب، وبلغ الخبر الماهين بفتح ~~همذان وملكها ونزول نعيم والقعقاع بها، فاقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة ~~فأجابهم إلى ما طلبوا وأجمعوا على القبول وأجمعوا على إتيان حذيفة، فخدعهم ~~دينار وهو أحد أولئك الملوك، وكان أشرفهم قارن، وقال: لا تلقوهم في جمالكم، ~~ففعلوا، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم، واحتمل المسلمون ~~ما أرادوا وعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره، ~~فقيل " ماه دينار " لذلك. وكان النعمان بن مقرن قد عاقد بهراذان على مثل ~~ذلك فنسب إلى بهراذان، وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم ~~فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وهو تصغير نسر. # قيل: دخل دينار الكوفة أيام معاوية فقال: يا أهل الكوفة إنكم أول ما ~~مررتم بنا كنتم خيار الناس، فبقيتم كذلك زمن عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت ~~فيكم خصال أربع: بخل، وخب، وغدر، وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهن، وقد ~~رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، ~~والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز. # ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم # وفيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم وطلب الفرس أين كانوا، ~~وقيل: كان ذلك سنة ثماني عشرة، وقد تقدم ذكره. وسبب ذلك ما كان من يزدجرد ~~وبعثه الجنود مرة بعد أخرى، فوجه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة بعد ~~فتح نهاوند، وكان بين عمل سعد وعمل عمار أميران، أحدهما عبد الله بن عبد ~~الله بن عتبان، وفي زمانه كانت وقعة نهاوند، والآخر زياد بن حنظلة حليف بني ~~عبد بن قصي، وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله وبعث في وجه آخر، وولي ~~زياد، وكان من المهاجرين، فعمل # PageV02P400 # قليلا وألح في الاستعفاء فأعفاه عمر، وولى عمار بن ياسر ms0873 وكتب معه إلى أهل ~~الكوفة: إني بعثت عمارا أميرا وجعلت معه ابن مسعود معلما. وكان ابن مسعود ~~بحمص فسيره عمر إلى الكوفة، وأمد أهل البصرة بعبد الله بن عبد الله، وأمد ~~أهل الكوفة بأبي موسى. وكان أهل همذان قد كفروا بعد الصلح، فبعث عمر لواء ~~إلى نعيم بن مقرن وأمره بقصد همذان، فإذا فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى ~~خراسان، وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبد الله إلى أذربيجان، يدخل أحدهما من ~~حلوان والآخر من الموصل، وبعث عبد الله بن عبد الله إلى أصبهان، وأمر عمر ~~سراقة على البصرة. ### | [ذكر فتح أصبهان] # وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان شجاعا من أشراف ~~الصحابة ومن وجوه الأنصار حليفا لبني الحبلي، وأمده بأبي موسى، وجعل على ~~مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فساروا إلى نهاوند، ~~ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة وما وراءها، وسار عبد الله فيمن كان ~~معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند نحو أصبهان، وعلى جندها الأسبيدان، ~~وعلى مقدمته شهريار بن جاذويه، شيخ كبير، في جمع عظيم، ومقدمة المشركين ~~برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد ~~الله بن ورقاء الرياحي فقتله، وانهزم أهل أصبهان، فسمي ذلك الرستاق رستاق ~~الشيخ إلى اليوم، وصالحهم الأسبيدان على رستاق الشيخ، وهو أول رستاق أخذ من ~~أصبهان. # ثم سار عبد الله إلى مدينة جي وهي مدينة أصبهان، فانتهى إليها والملك ~~بأصبهان الفاذوسفان، فنزل بالناس على جي وحاصرها وقاتلها، ثم صالحه ~~الفاذوسفان على أصبهان وأن على من أقام الجزية وأقام على ماله وأن يجري من ~~أخذت أرضه عنوة مجراهم ومن أبى وذهب كان لكم أرضه، وقدم أبو موسى على عبد ~~الله من ناحية # PageV02P401 # الأهواز وقد صالح، فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من ~~أهل أصبهان لحقوا بكرمان. ودخل عبد الله وأبو موسى جيا، وكتب بذلك إلى عمر. ~~فقدم كتاب عمر إلى عبد الله: ms0874 أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتكون معه على ~~قتال من بكرمان، فسار واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ولحق بسهيل قبل ~~أن يصل إلى كرمان. # قيل: وقد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا ~~أصبهان النعمان بن مقرن، وأن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان وكتب إلى أهل ~~الكوفة أن يمدوه، فسار إلى أصبهان وبها ملكها ذو الحاجبين، فأرسل إليه ~~المغيرة بن شعبة وعاد من عنده فقاتلهم، وقتل النعمان ووقع ذو الحاجبين عن ~~دابته فانشقت بطنه وانهزم أصحابه. قال معقل: فأتيت النعمان وهو صريع فجعلت ~~عليه علما. فلما انهزم المشركون أتيته، ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه ~~التراب فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله! ومات. # هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم ~~وقاشان. # ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة # وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال. فشكا ~~أهل الكوفة عمارا، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فولى عمر جبير بن مطعم ~~الكوفة، وقال له: لا تذكره لأحد. فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير، ~~فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر، ففعلت، ~~فقالت: نعم ما حييتني به. فلما علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له: بارك الله ~~لك فيمن وليت! وأخبره الخبر فعزله وولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل ~~عليها حتى مات عمر. وقيل: إن عمارا عزل سنة اثنتين وعشرين وولي بعده أبو ~~موسى. وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # PageV02P402 # قيل وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحا، وما ~~بين برقة وزويلة سلم للمسلمين. وقيل سنة عشرين. # كان الأمراء في هذه السنة: عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين ~~والجزيرة، ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ~~ومعرة مصرين، وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة ms0875 على قلقية وأنطاكية ~~ومعرة مصرين. # وفيها ولد الحسن البصري والشعبي. # وحج بالناس عمر بن الخطاب، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت. وكان عامله ~~على مكة والطائف واليمن واليمامة ومصر والبصرة من كان قبل ذلك، وكان على ~~الكوفة عمار بن ياسر، وشريح على القضاء. # وفيها بعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى ساحل فارس فحاربوهم ومعهم الجارود ~~العبدي، فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود. وقيل: بل قتل بنهاوند مع ~~النعمان. # [الوفيات] # وفيها مات حممة، وهو من الصحابة، بأصبهان بعد فتحها. والعلاء بن الحضرمي ~~وهو على البحرين، فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة. وفيها مات خالد بن الوليد ~~بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين، وقيل: مات ~~بالمدينة. والأول أصح. # PageV02P403 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين] ### | 22 - # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين # وفي هذه السنة افتتحت أذربيجان، وقيل: سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان ~~والري وجرجان، فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها. # ذكر فتح همذان ثانيا # قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن ~~عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم، فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ~~ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة، فخرج نعيم بن مقرن على ~~تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعا وحاصرها، فلما رأى أهلها ذلك ~~سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية. وقد قيل: إن فتحها كان سنة أربع وعشرين ~~بعد مقتل عمر بستة أشهر. فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفا من الجند ~~كاتب الديلم وأهل الري وأذربيجان، إذ خرج موتا في الديلم حتى نزل بواج روذ، ~~وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري، وأقبل أسفنديار أخو رستم في أهل ~~أذربيجان، فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، ~~فاستخلف يزيد بن قيس الهمداني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالا شديدا، ~~وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة ~~كبيرة لا يحصون، فأرسلوا إلى عمر مبشرا، ms0876 فأمر عمر نعيما بقصد الري وقتال من ~~بها والمقام بها بعد فتحها، وقيل: إن المغيرة بن شعبة، وهو عامل على ~~الكوفة، # PageV02P405 # أرسل جرير بن عبد الله إلى همذان، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم، فقال: ~~احتسبتها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله. ~~ثم فتحها على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسرا. وقيل: كان فتحها على يد ~~المغيرة بنفسه، وكان جرير على مقدمته. وقيل: فتحها قرظة بن كعب الأنصاري. # ذكر فتح قزوين وزنجان # لما سير المغيرة جريرا إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى ~~قزوين، وأمره أن يسير إليها، فإن فتحها غزا الديلم منها، وإنما كان مغزاهم ~~قبل من دستبى. فسار البراء حتى أتى أبهر، وهو حصن، فقاتلوه، ثم طلبوا ~~الأمان فآمنهم وصالحهم، ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى ~~الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم، ~~والديلم وقوف على الجبل لا يمدون يدا، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح ~~على صلح أبهر، وقال بعض المسلمين: # قد علم الديلم إذ تحارب حين أتى في جيشه ابن عازب ... بأن ظن المشركين ~~كاذب فكم قطعنا في دجى الغياهب # من جبل وعر ومن سباسب # وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الإتاوة، وغزا جيلان والطيلسان، وفتح ~~زنجان عنوة. ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم، وجيلان، وموقان، ~~والببر، # PageV02P406 # والطيلسان ثم انصرف. # ذكر فتح الري # ثم انصرف نعيم من واج روذ حتى قدم الري، وخرج الزينبي أبو الفرخان من ~~الري فلقي نعيما طالبا الصلح ومسالما له ومخالفا لملك الري، وهو سياوخش بن ~~مهران بن بهرام جوبين، فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان ~~فأمدوه خوفا من المسلمين، فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب ~~مدينتها، فاقتتلوا به، وكان الزينبي قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة، ~~فابعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم ~~إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك. ms0877 فبعث معه نعيم خيلا من الليل، عليهم ابن ~~أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبي المدينة، ولا يشعر القوم، وبيتهم ~~نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ~~ورائهم فانهزموا، فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين ~~بالري نحوا مما في المدائن، وصالحه الزينبي على الري، ومرزبه عليهم نعيم، ~~فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها ~~العتيقة، وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثى. وكتب نعيم إلى عمر بالفتح ~~وأنفذ الأخماس، وكان البشير المضارب العجلي. وراسله المصمغان في الصلح على ~~شيء يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه إلى ذلك. # وقد قيل: إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب، وقيل: كان فتحها سنة إحدى ~~وعشرين. وقيل غير ذلك. والله أعلم. # ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان # لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال ~~أخيه # PageV02P407 # سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس، فسار سويد نحو ~~قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى ~~طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم ~~بذلك. ثم سار سويد إلى جرجان فعسكر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان، وهو ~~زرنان صول، وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكفاية حرب جرجان ~~وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه زرنان صول قبل دخوله ~~جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها، فسدها بترك دهستان، ~~ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين. # وقيل: كان فتحها سنة ثماني عشرة. وقيل سنة ثلاثين زمن عثمان. # وقيل: وراسل الإصبهبذ صاحب طبرستان سويدا في الصلح على أن يتوادعا ويجعل ~~له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه وكتب له كتابا. # ذكر فتح طرابلس الغرب وبرقة # في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية ~~وأن ms0878 يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه. فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس ~~الغرب فحاصرها شهرا فلم يظفر بها، وكان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من بني ~~مدلج يتصيد في سبعة نفر، وسلكوا غرب المدينة، فلما رجعوا اشتد عليهم الحر ~~فأخذوا على جانب البحر، ولم يكن السور متصلا بالبحر، وكانت سفن الروم في ~~مرساها مقابل بيوتهم، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكا بين البحر والبلد فدخلوا ~~منه وكبروا، فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم، لأنهم ظنوا أن المسلمين قد ~~دخلوا البلد، ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في # PageV02P408 # المدينة وسمعوا الصياح، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد، فلم يفلت الروم ~~إلا بما خف معهم في مراكبهم. # وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه ~~بطرابلس أمنوا واطمأنوا، فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكرا كثيفا وسيره إلى ~~سبرة، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح ; لأنهم لم يكن ~~بلغهم خبر طرابلس، فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرة وغنموا ما فيه ~~وعادوا إلى عمرو. ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة، وهم من ~~البربر. # وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي ~~فلسطين من الشام، وكان ملكهم جالوت، فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب، ~~حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، تفرقوا ~~فسارت زناتة ومغيلة، وهما قبيلتان من البربر إلى الغرب فسكنوا الجبال، ~~وسكنت لواتة أرض برقة، وتعرف قديما بأنطابلس، وانتشروا فيها حتى بلغوا ~~السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان ~~بها من الروم لذلك، وقام الأفارق، وهم خدم الروم، على صلح يؤدونه إلى من ~~غلب على بلادهم. وسار عمرو بن العاص - كما ذكرنا - فصالحه أهلها على ثلاثة ~~عشر ألف دينار يؤدونها جزية، وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في ~~جزيتهم. # ذكر فتح أذربيجان # قال: فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري، وليس بأبي دجانة، ~~ممدا لبكير ms0879 بن عبد الله بأذربيجان، أمره عمر بذلك، فسار سماك نحو بكير، ~~وكان بكير حين بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم اسفنديار ~~بن فرخزاذ مهزوما من واج روذ، فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، ~~فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيرا. فقال له اسفنديار: الصلح أحب إليك أم ~~الحرب؟ قال: بل الصلح. # PageV02P409 # قال: أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجئ إليهم لم ~~يقوموا لك، وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ~~ما. فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن ~~خرشة ممدا، واسفنديار في إساره وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما ~~يليه. # وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم، فأذن له أن يتقدم نحو الباب، وأن ~~يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عليه عتبة بن فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة ~~على عمل بكير الذي كان افتتحه، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد. # وكان بهرام بن فرخزاذ قصد طريق عتبة، وأقام به في عسكره حتى قدم عليه ~~عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلما بلغ خبره اسفنديار وهو في الأسر عند ~~بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان ~~كلهم، وعادت أذربيجان سلما. وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا. ~~ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتابا بالصلح. # وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدي له. وكان عمر يأخذ عماله ~~بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم. # ذكر فتح الباب # في هذه السنة كان فتح الباب، وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة ~~بن عمرو، وكان يدعى ذا النور، إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ~~ربيعة، وكان أيضا يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد ~~الغفاري، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي، وكان بكير سبقه إلى الباب. ~~وجعل على المقاسم سلمان ms0880 بن ربيعة الباهلي. فسار سراقة، فلما خرج من ~~أذربيجان قدم بكير إلى الباب، وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من ~~الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة. ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على ~~الباب، والملك بها يومئذ شهريار، وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل ~~وأغزى الشام بهم، فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه، ففعل، فأتاه فقال: ~~إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب # PageV02P410 # والعقل أن يعينهم على ذي الحسب، ولست من القبج ولا الأرمن في شيء، وإنكم ~~قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا منكم ويدي مع أيديكم، وجزيتي إليكم والنصر ~~لكم، والقيام بما تحبون، فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم. # قال: فسيره عبد الرحمن إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقبل منه سراقة ذلك، ~~وقال: لا بد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو. فأجابه إلى ذلك. وكتب ~~سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمر واستحسنه. # ذكر فتح موقان # لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة ~~بن أسيد، وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا ~~إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللان، وسلمان إلى الوجه ~~الآخر. وكتب سراقة بالفتح إلى عمر، وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات ~~المذكورة، فأتى عمر أمر لم يظن أن يتم له بغير مؤونة ; لأنه فرج عظيم وجند ~~عظيم، فلما استوسقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن ~~بن ربيعة. ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير، فإنه فض أهل موقان، ثم ~~تراجعوا على الجزية، عن كل حالم دينار. # وكان فتحها سنة إحدى وعشرين. ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد ~~الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك. # (أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين. والنور في الموضعين ~~بالراء) . # ذكر غزو الترك # لما أمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب. فقال ~~له شهريار: ms0881 ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو بلنجر والترك. قال: إنا لنرضى ~~منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ~~ديارهم، وبالله # PageV02P411 # إن معنا أقواما لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وما ~~هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودخلوا في هذا ~~الأمر بنية، ولا يزال هذا الأمر لهم دائما ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم ~~من يغلبهم، وحتى يلفتوا عن حالهم. فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا: ما ~~اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا منه وتحصنوا، فرجع ~~بالغنيمة والظفر، وقد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ~~وعادوا ولم يقتل منهم أحد. # ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان غزوات، فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل ~~الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحا لهم فزادهم فسادا، فغزا عبد ~~الرحمن بن ربيعة بعد ذلك، فتذامرت الترك، واجتمعوا في الغياض، فرمى رجل ~~منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ~~ذلك، فاقتتلوا واشتد قتالهم، ونادى مناد من الجو: صبرا عبد الرحمن وموعدكم ~~الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل، وانكشف أصحابه، وأخذ الراية سلمان بن ~~ربيعة أخوه فقاتل بها، ونادى مناد من الجو: صبرا آل سلمان! فقال سلمان: ~~أوترى جزعا؟ وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان، فقطعوها ~~إلى جرجان، ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به إلى ~~الآن. # ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة # وفي هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم. # وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كثرة أهل ~~البصرة، وعجز خراجهم عنهم، وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان، وبلغ ~~أهل الكوفة ذلك، وقالوا لعمار بن ياسر، وكان على الكوفة أميرا سنة وبعض ~~أخرى: اكتب إلى عمر أن رامهرمز وإيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما ولم ~~يلحقونا حتى ms0882 افتتحناهما، فلم يفعل عمار، فقال له عطارد: أيها العبد الأجدع ~~فعلام تدع فيئنا؟ فقال: لقد سببت أحب أذني إلي! فأبغضوه لذلك. واختصم أهل ~~الكوفة وأهل البصرة، وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان، ~~أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة. فقال لهم # PageV02P412 # أهل الكوفة: أتيتمونا مددا، وقد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم، ~~والذمة ذمتنا والأرض أرضنا. فقال عمر: صدقوا. فقال أهل الأيام والقادسية ~~ممن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤكم فيه من سوادهم وحواشيهم. ~~فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة، أخذها من شهد الأيام والقادسية. # ولما ولي معاوية، وكان هو الذي جند قنسرين ممن أتاه من أهل العراقين أيام ~~علي، وإنما كان قنسرين رستاقا من رساتيق حمص، فأخذ لهم معاوية حين ولي ~~نصيبهم من فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب، لأنه من فتوح أهل الكوفة. ~~وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة، انتقل إليها كل من نزل بهجرته من ~~أهل البلدين أيام علي، فأعطاهم معاوية من ذلك نصيبا. # وكفر أهل أرمينية أيام معاوية، وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب، وحبيب ~~يومئذ بجرزان، وكاتب أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان فاستجابوا له. # ذكر عزل عمار بن ياسر عن الكوفة وولاية أبي موسى والمغيرة بن شعبة # وفيها عزل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة، واستعمل أبا موسى. وسبب ~~ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له: إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين، ~~ونزا به أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفد يريد أنهم معه، فكانوا أشد ~~عليه ممن تخلف عنه، وقالوا: إنه غير كاف وعالم بالسياسة، ولا يدري على ما ~~استعملته. وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي - عم المختار -، وجرير بن عبد ~~الله، فسعيا به، فعزله عمر. وقال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرني حين ~~استعملت ولقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل، ولكني ~~تأولت: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين} [القصص: ms0883 5] . # PageV02P413 # ثم أقبل عمر على أهل الكوفة فقال: من تريدون؟ قالوا: أبا موسى. فأمره ~~عليهم بعد عمار. فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف، فشكاه الوليد بن عبد ~~شمس وجماعة معه وقالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله عنهم وصرفه إلى ~~البصرة. وصرف عمر بن سراقة إلى الجزيرة. # وخلا عمر في ناحية المسجد فنام، فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ، ~~فقال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم. فقال: وأي شيء أعظم من ~~مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير؟ وأحيطت الكوفة على مائة ألف ~~مقاتل. وأتاه أصحابه فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن أهل الكوفة قد عضلوني. ~~واستشارهم فيمن يوليه. وقال: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي ~~مسدد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك، وأما ~~القوي المسدد فإن سداده لنفسه وقوته للمسلمين. فولى المغيرة الكوفة، فبقي ~~عليها حتى مات عمر، وذلك نحو سنتين وزيادة. وقال له حين بعثه: يا مغيرة ~~ليأمنك الأبرار، وليخفك الفجار. ثم أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة، ~~فقتل عمر قبل ذلك فأوصى به. # ذكر فتح خراسان # وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، في قول بعضهم. وقيل: سنة ثماني ~~عشرة. # وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء، وانتهى إليها ~~وعليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان تغدر بي! قال: لا ~~ولكن قد تركت ملكك، فصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من ~~شيء. وأخذ خاتم يزدجرد واكتتب الصكاك بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها ورد ~~الخاتم، ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه. # PageV02P414 # وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان، ثم منها إلى كرمان والنار معه، ثم قصد ~~خراسان فأتى مروا فنزلها وبنى للنار بيتا، واطمأن وأمن أن يؤتى، ودان له من ~~بقي من الأعاجم. وكاتب الهرمزان وأثار أهل فارس، فنكثوا، وأثار أهل الجبال ~~والفيرزان، فنكثوا، فأذن ms0884 عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار الأحنف إلى ~~خراسان، فدخلها من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بن فلان ~~العبدي، ثم سار نحو مرو الشاهجان، فأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير، وإلى سرخس الحارث بن حسان، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج ~~منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب ~~يزدجرد، وهو بمرو الروذ، إلى خاقان وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم. ~~وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعدما ~~لحقت به أمداد أهل الكوفة، وسار نحو مرو الروذ. # فلما سمع يزدجرد سار عنها إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ. وقدم أهل ~~الكوفة إلى يزدجرد واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فانهزم ~~يزدجرد وعبر النهر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة، وقد فتح الله عليهم، فبلخ من ~~فتوحهم. # وتتابع أهل خراسان من هرب وشذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، ~~وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر، ~~وكتب الأحنف إلى عمر بالفتح، فقال عمر: وددت أن بيننا وبينها بحرا من نار. ~~فقال علي: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات ~~فيجتاحون في الثالثة، فكان ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين. # وكتب عمر إلى الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر ولا يجوزه. # ولما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، ~~فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو ~~الروذ، ونزل المشركون عليه بمرو أيضا. # وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد وخاقان النهر إليه خرج ليلا يتسمع ~~هل يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو ~~أسندنا الأمير إلى هذا الجبل، فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا، وكان ~~الجبل في ظهورنا فلا يأتونا # PageV02P415 # من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع، فلما أصبح ~~جمع الناس ورحل بهم إلى ms0885 سفح الجبل، وكان معه من أهل البصرة عشرة آلاف ومن ~~أهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن معها، فنزلت وجعلوا يغادونهم القتال ~~ويراوحونهم، وفي الليل يتنحون عنهم. # فخرج الأحنف ليلة طليعة لأصحابه، حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف، ~~فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه، فضرب بطبله، ثم وقف من العسكر ~~موقفا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا، فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق ~~التركي ووقف، فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا، ~~فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، ~~فحمل عليه الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره. # وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء، كلهم ~~يضرب بطبله، ثم يخرجون بعد خروج الثالث. فلما خرجوا تلك الليلة بعد الثالث ~~فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم خاقان وتطير فقال: قد طال مقامنا وقد أصيب ~~فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير ; فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ~~ولم يروا منهم أحدا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ، وقد كان ~~يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ، وانصرف إلى مرو الشاهجان، ~~فتحصن حارثة بن النعمان ومن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها، وخاقان ~~مقيم ببلخ. # فلما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان قال له ~~أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو ~~بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم ~~فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من ~~عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم، ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم. فقالوا: ~~دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا لا تخرجها من بلادنا. فأبى، ~~فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها، وانهزم منهم ولحق ~~بخاقان، وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة، وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل ~~مقيما زمن عمر كله إلى أن ms0886 كفر أهل خراسان زمن عثمان، وكان يكاتبهم ~~ويكاتبونه. وسيرد ذكر ذلك في موضعه. # ثم أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف، فصالحوه ودفعوا إليه تلك ~~الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا عليه ~~زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين. وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم ~~القادسية. # PageV02P416 # وسار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان النهر منها، ونزل أهل الكوفة ~~في كورها الأربع. ثم رجع إلى مرو الروذ فنزلها، وكتب بفتح خاقان ويزدجرد ~~إلى عمر. # ولما عبر خاقان ويزدجرد النهر لقيا رسول يزدجرد الذي أرسله إلى ملك ~~الصين، فأخبرهما أن ملك الصين قال له: صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من ~~بلادكم، فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل ~~منكم مع كثرتكم، إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقلت: سلني عما أحببت. فقال: ~~أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال: وما يقولون لكم قبل القتال؟ قال قلت: ~~يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية ~~والمنعة، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم وأرشدهم. ~~قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته. قال: هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ~~ما حلل لهم؟ قلت: لا. قال: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا ~~حرامهم أو يحرموا حلالهم. # ثم قال: أخبرني عن لباسهم؟ فأخبرته، وعن مطاياهم؟ فقلت: الخيل العراب، ~~ووصفتها له. فقال: نعمت الحصون! ووصفت له الإبل وبروكها وقيامها بحملها. ~~فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق. وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن ~~أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء ~~القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم ~~أزالوني ما داموا على [ما] وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة، ولا تهيجهم ~~ما لم يهيجوك. فأقام يزدجرد بفرغانة ومعه آل كسرى بعهد من خاقان. # ولما وصل خبر الفتح إلى عمر بن الخطاب جمع الناس، وخطبهم وقرأ عليهم كتاب ~~الفتح، وحمد ms0887 الله في خطبته على إنجاز وعده، ثم قال: ألا وإن ملك المجوسية ~~قد هلك، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم. ألا وإن الله قد أورثكم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فلا تبدلوا فيستبدل ~~الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم. # وقيل: إن فتح خراسان كان زمن عثمان، وسيرد هناك. # ذكر فتح شهرزور والصامغان # PageV02P417 # لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، ~~فغزاها عتبة بن فرقد، ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب ~~تصيب الرجل من المسلمين فيموت. وصالح أهل الصامغان وداراباذ على الجزية ~~والخراج، وقتل خلقا كثيرا من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتوحي قد بلغت ~~أذربيجان. فولاه إياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل. ولم تزل شهرزور ~~وأعمالها مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم ودخلها في عشرة آلاف فارس من ~~المسلمين. # وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان. # وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عماله على الأمصار فيها ~~عماله في السنة قبلها إلا الكوفة، فإن عامله كان عليها المغيرة بن شعبة، ~~وإلا البصرة فإن عامله عليها صار أبا موسى الأشعري. # PageV02P418 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين] ### | 23 - # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين # قال بعضهم: كان فتح إصطخر سنة ثلاث وعشرين. وقيل: كان فتحها بعد توج ~~الآخرة. # ذكر الخبر عن فتح توج # لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى فارس أمراء عليها، وكان معهم سارية ~~بن زنيم الكناني، فساروا وأهل فارس مجتمعون بتوج فلم يقصدهم المسلمون، بل ~~توجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها. وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى ~~بلدانهم كما افترق المسلمون، فكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم. فقصد مجاشع ~~بن مسعود لسابور وأردشير خره، فالتقى هو والفرس بتوج، فاقتتلوا ما شاء ~~الله، ثم انهزم الفرس، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا كل قتلة، وغنموا ما ms0888 في ~~عسكرهم، وحصروا توج فافتتحوها، وقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا ما فيها، ~~وهذه توج الآخرة، والأولى هي التي استقدمتها جنود العلاء بن الحضرمي أيام ~~طاوس. ثم دعوا إلى الجزية، فرجعوا وأقروا بها. وأرسل مجاشع بن مسعود السلمي ~~بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب. # ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما # PageV02P419 # وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر، فالتقى هو وأهل إصطخر بجور، ~~فاقتتلوا وانهزم الفرس، وفتح المسلمون جور ثم إصطخر، وقتلوا ما شاء الله، ~~ثم فر من فر، فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة، فأجابه الهربذ إليها، ~~فتراجعوا، وكان عثمان قد جمع الغنائم لما هزمهم، فبعث بخمسها إلى عمر وقسم ~~الباقي في الناس. # وفتح عثمان كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها، وفتح هو وأبو موسى مدينة ~~شيراز وأرجان، وفتحا سينيز على الجزية والخراج. وقصد عثمان أيضا جنابا ~~ففتحها، ولقيه جمع الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها. # ثم إن شهرك خلع في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان. فوجه إليه عثمان بن ~~أبي العاص ثانية وأتته الأمداد من البصرة وأميرهم عبيد الله بن معمر وشبل ~~بن معبد، فالتقوا بأرض فارس. فقال شهرك لابنه وهما في المعركة، وبينهما ~~وبين قرية لهما تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ: يا بني أين يكون غداؤنا هاهنا أم ~~بريشهر؟ قال له: يا أبه، إن تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا ولا بريشهر ولا ~~نكونن إلا في المنزل، [ولكن والله] ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما ~~حتى أنشب المسلمون الحرب فاقتتلوا قتالا # PageV02P420 # شديدا، وقتل شهرك وابنه وخلق عظيم. والذي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص ~~أخو عثمان. وقيل: قتله سوار بن همام العبدي حمل عليه فطعنه فقتله. وحمل ابن ~~شهرك على سوار فقتله. # وقيل: إن إصطخر كانت سنة ثمان وعشرين، وكانت فارس الآخرة سنة تسع وعشرين. # وقيل: إن عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين في ألفين إلى ~~فارس، ففتح جزيرة بركاوان في طريقه ثم سار إلى توج، وكان كسرى أرسل شهرك ~~فالتقوا مع شهرك، وكان الجارود وأبو صفرة على مجنبتي المسلمين، ms0889 وأبو صفرة ~~هذا هو والد المهلب، فحمل الفرس على المسلمين فهزموهم. فقال الجارود: أيها ~~الأمير ذهب الجند. فقال: سترى أمرك. قال: فما لبثوا حتى رجعت خيل لهم ليس ~~عليها فرسانها والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس فرأى المكعبر ~~رأسا ضخما فقال: أيها الأمير هذا رأس الازدهاق - يعني شهرك -. وحوصر الفرس ~~بمدينة سابور، فصالح عليها ملكها أرزنبان، فاستعان به الحكم على قتال أهل ~~إصطخر. ومات عمر. وبعث عثمان بن عفان عبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد ~~الله أن أرزنبان يريد الغدر به، فقال له: أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما وتذبح ~~لهم بقرة وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني فإني أحب أن أتمشش العظام، ~~ففعل وجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفؤوس فيكسره بيده ويأخذ مخه، ~~وكان من أشد الناس، فقام أرزنبان فأخذ برجله وقال: هذا مقام العائذ بك! ~~فأعطاه عهدا. وأصاب عبيد الله منجنيق فأوصاهم وقال: إنكم ستفتحون هذه ~~المدينة - إن شاء الله - فاقتلوهم بي ساعة فيها، ففعلوا، فقتلوا منهم بشرا ~~كثيرا، ومات عبيد الله بن معمر. # وقيل: إن قتله كان سنة تسع وعشرين. # ذكر فتح فسا ودارابجرد # PageV02P421 # وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودارابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل ~~عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا وتجمعوا، وتجمعت إليهم أكراد ~~فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، وأتاهم الفرس من كل جانب، فرأى ~~عمر فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى ~~من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج ~~إليهم، وكان ابن زنيم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن ~~استندوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد. فقام فقال: يا أيها ~~الناس، إني رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، وصاح عمر وهو يخطب: يا سارية ~~بن زنيم، الجبل الجبل! ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن ~~يبلغهم. فسمع سارية ومن معه الصوت فلجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم، فهزمهم ~~الله ms0890 وأصاب المسلمون مغانمهم، وأصابوا في الغنائم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه ~~منهم سارية وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر. فقدم على عمر وهو يطعم الطعام، ~~فأمره فجلس وأكل، فلما انصرف عمر اتبعه الرسول، فظن عمر أنه لم يشبع، فأمره ~~فدخل بيته، فلما جلس أتي عمر بغدائه خبز وزيت وملح جريش فأكلا. فلما فرغا ~~قال الرجل: أنا رسول سارية يا أمير المؤمنين. قال: مرحبا وأهلا. ثم أدناه ~~حتى مست ركبته ركبته، وسأله عن المسلمين، فأخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ~~وصاح به: لا ولا كرامة حتى يقدم على ذلك الجند فيقسمه بينهم. فطرده، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إني قد أنضيت جملي واستقرضت في جائزتي فأعطني ما أتبلغ ~~به. فما زال به حتى أبدله بعيرا من إبل الصدقة، وجعل بعيره في إبل الصدقة، ~~ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما. وسأل أهل المدينة الرسول هل سمعوا شيئا ~~يوم الوقعة؟ قال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا ~~إليه ففتح الله علينا. # ذكر فتح كرمان # PageV02P422 # ثم قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه أيضا عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ~~وحشد لهم أهل كرمان واستعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض ~~الله - تعالى - المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق. وقتل النسير بن عمرو ~~العجلي مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد الله ~~بن عبد الله من مفازة سير، فأصابوا ما أرادوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل ~~والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا ~~إلى عمر بذلك، فأجابهم: إذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا. # وقيل: إن الذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة ~~عمر، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر فقال: أقطعني الطبسين، فأراد ~~أن يفعل، فقيل: إنهما رستاقان، فامتنع عمر من ذلك. # ذكر فتح سجستان # وقصد عاصم بن عمرو سجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلهم أهلها، ~~فالتقوا هم وأهل سجستان في أداني أرضيهم، فهزمهم ms0891 المسلمون، ثم اتبعوهم حتى # PageV02P423 # حصروهم بزرنج، ومخروا أرض سجستان ماه، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما ~~احتازوا من الأرضين فأعطوا، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم أن فدافدها حمى، ~~فكان المسلمون يتجنبونها خشية أن يصيبوا منها شيئا فيخفروا، وأقيم أهل ~~سجستان على الخراج، وكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجا، يقاتلون ~~القندهار والترك وأمما كثيرة، فلم يزل كذلك حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه ~~من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل، ودان لسلم بن زياد، وهو يومئذ على ~~سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه ~~فتح عليه. فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن ~~يحزنه. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: إن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة ~~وتضايق، وهؤلاء قوم غدر، فإذا اضطرب الحبل غدا فأهون ما يجيء منهم أنهم ~~يغلبون على بلاد آمل بأسرها. وأقرهم على عهد سلم بن زياد. فلما وقعت الفتنة ~~بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل واعتصم منه رتبيل بمكانه، ولم يرضه ذلك ~~حين تشاغل عنه الناس حتى طمع في زرنج فغزاها وحصر من بها حتى أتتهم الأمداد ~~من البصرة، وصار رتبيل والذين معه عصبة، وكانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات ~~معاوية. # وقيل في فتح سجستان غير هذا، وسيرد ذكره - إن شاء الله تعالى -. # ذكر فتح مكران # وقصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن ~~المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان، فانتهوا إلى دوين ~~النهر، وأهل مكران على شاطئه، فاستمد ملكهم ملك السند، فأمده بجيش كثيف، ~~فالتقوا مع المسلمين فانهزموا، وقتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة، واتبعهم ~~المسلمون يقتلونهم # PageV02P424 # أياما حتى انتهوا إلى النهر، ورجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها. وكتب ~~الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدي. فلما قدم ~~المدينة سأله عمر عن مكران، فقال: يا أمير المؤمنين، هي أرض سهلها جبل، ~~وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها ms0892 بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير ~~فيها قليل، والقليل فيها ضائع، وما وراءها شر منها. فقال: أسجاع أنت أم ~~مخبر؟ لا والله لا يغزوها جيش لي أبدا. وكتب إلى سهيل والحكم بن عمرو: أن ~~لا يجوزن مكران أحد من جنودكما. وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون ~~ببلاد الإسلام. (وقسم أثمانها على الغانمين) . # (مكران بضم الميم وسكون الكاف) . # ذكر خبر بيروذ من الأهواز # ولما فصلت الخيول إلى الكور، اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم. ~~وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة، حتى لا يؤتى ~~المسلمون من خلفهم، وخشي أن يهلك بعض جنوده أو يخلفوا في أعقابهم، فاجتمع ~~الأكراد ببيروذ، وأبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، ثم سار فنزل بهم ببيروذ، ~~فالتقوا في رمضان بين نهر تيرى ومناذر، فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط ~~واستقتل، وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا، وتقدم المهاجر فقاتل قتالا ~~شديدا حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، واشتد جزع ~~الربيع بن زياد على أخيه المهاجر، وعظم عليه فقده، فرق له أبو موسى ~~فاستخلفه عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، واجتمع بها ~~بالمسلمين الذين يحاصرون جيا، فلما فتحت رجع أبو موسى إلى البصرة، وفتح ~~الربيع بن زياد الحارثي بيروذ من نهر تيرى وغنم ما معهم. # ووفد أبو موسى وفدا معهم الأخماس، فطلب ضبة بن محصن العنزي أن يكون في # PageV02P425 # الوفد، فلم يجبه أبو موسى، وكان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين ~~غلاما، فانطلق ضبة إلى عمر شاكيا، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره، فلما قدم ~~ضبة على عمر سلم عليه. فقال: من أنت؟ فأخبره. فقال: لا مرحبا ولا أهلا! ~~فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل. ثم سأله عمر عن حاله فقال: ~~إن أبا موسى انتقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تغدى ~~جفنة وتعشى جفنة تدعى عقيلة، وله قفيزان وله خاتمان، وفوض إلى زياد بن أبي ~~سفيان أمور ms0893 البصرة، وأجاز الحطيئة بألف. # فاستدعى عمر أبا موسى. فلما قدم عليه حجبه أياما، ثم استدعاه فسأل عمر ~~ضبة عما قال فقال: أخذ ستين غلاما لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان ~~لهم فداء ففديتهم وقسمته بين المسلمين. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فقال: ~~له قفيزان. فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به، وقفيز للمسلمين في أيديهم ~~يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فلما ذكر عقيلة سكت أبو ~~موسى ولم يعتذر. فعلم أن ضبة قد صدقه، قال: وولى زيادا. قال: رأيت له رأيا ~~ونبلا فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بمالي أن ~~يشتمني. فرده عمر وأمره أن يرسل إليه زيادا وعقيلة، ففعل. فلما قدم عليه ~~زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن والقرآن، فرآه فقيها، فرده وأمر ~~أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة. # وقال عمر: ألا إن ضبة غضب على أبي موسى وفارقه مراغما أن فاته أمر من ~~أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب فإنه يهدي ~~إلى النار. # (بيروذ: بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وضم الراء، وسكون ~~الواو، وآخره ذال معجمة) . # ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد # كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميرا من أهل العلم ~~والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. ~~فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم ~~فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة، وليس لهم ~~من الفيء نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، ~~وإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم، ~~وإن تحصنوا منكم وسألوكم أن ينزلوا على حكم # PageV02P426 # الله ورسوله. أو (ذمة الله ورسوله) فلا تجيبوهم، فإنكم لا تدرون أتصيبون ~~حكم الله ورسوله وذمتهما أم لا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، ولا تمثلوا. # قال: فساروا حتى لقوا عدوا من الأكراد ms0894 المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو ~~الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية، فقسمه ~~بينهم، ورأى سلمة جوهرا في سفط، فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر. ~~فقدم الرسول بالبشارة والسفط على عمر، فسأله عن أمور الناس وهو يخبره، حتى ~~أخبره بالسفط، فغضب غضبا شديدا وأمر به فوجئ به في عنقه، ثم إنه قال: إن ~~تفرق الناس قبل أن تقدم عليهم ويقسمه سلمة فيهم لأسوءنك. فسار حتى قدم على ~~سلمة فباعه وقسمه في الناس. وكان الفص يباع بخمسة دراهم، وقيمته عشرون ~~ألفا. # وحج بالناس هذه السنة عمر بن الخطاب، وحج معه أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهي آخر حجة حجها. وفيها قتل عمر - رضي الله عنه -. # ذكر الخبر عن مقتل عمر - رضي الله عنه - # قال المسور بن مخرمة: خرج عمر بن الخطاب يطوف يوما في السوق، فلقيه أبو ~~لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني ~~على المغيرة بن شعبة فإن علي خراجا كثيرا. قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان كل ~~يوم. قال: وأيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك كثيرا ~~على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أصنع رحى تطحن ~~بالريح لفعلت! قال: نعم. قال: فاعمل لي رحى. قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى ~~يتحدث بها من بالمشرق والمغرب! ثم انصرف عنه. فقال عمر: لقد أوعدني العبد ~~الآن. # ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا ~~أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاث ليال. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في ~~كتاب التوراة. قال عمر: [آلله! إنك] لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: ~~اللهم لا ولكني # PageV02P427 # أجد حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك. قال: وعمر لا يحس وجعا! فلما كان الغد ~~جاءه كعب فقال: بقي يومان. فلما كان الغد جاءه كعب فقال: مضى يومان وبقي ~~يوم. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت ~~كبر، ودخل ms0895 أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ~~ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير ~~الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره. # فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، وعمر ~~طريح، فاحتمل فأدخل بيته، ودعا عبد الرحمن فقال له: إني أريد أن أعهد إليك. ~~قال: أتشير علي بذلك؟ قال: اللهم لا. قال: والله لا أدخل فيه أبدا. قال: ~~فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو عنهم راض. ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا فقال: انتظروا أخاكم ~~طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور ~~الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان إن وليت ~~من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا ~~سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا ~~فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب. # ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فقال: قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم. ~~وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، أن يحسن إلى ~~محسنهم ويعفو عن مسيئهم، وأوصي الخليفة بالعرب، فإنهم مادة الإسلام، أن ~~يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة بذمة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت؟ لقد تركت الخليفة ~~من بعدي على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلني. # قال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال: الحمد ~~لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة! يا عبد الله بن عمر، ~~اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبي بكر. يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، ms0896 فإن تشاوروا فكن مع ~~الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، يا # PageV02P428 # عبد الله، ائذن للناس. فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ~~ويقول لهم: أهذا عن ملإ منكم؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل كعب الأحبار ~~مع الناس فلما رآه عمر قال: # توعدني كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قال لي كعب # وما بي حذار الموت، إني لميت # ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب # ودخل عليه علي يعوده فقعد عند رأسه، وجاء ابن عباس فأثنى عليه، فقال له ~~عمر: أنت لي بهذا يا ابن عباس؟ فأومأ إليه علي أن قل نعم. فقال ابن عباس: ~~نعم. فقال عمر: لا تغرني أنت وأصحابك. ثم قال: يا عبد الله، خذ رأسي عن ~~الوسادة فضعه في التراب لعل الله - جل ذكره - ينظر إلي فيرحمني، والله لو ~~أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع. # ودعي له طبيب من بني الحارث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج غير متغير، فسقاه ~~لبنا فخرج كذلك أيضا، فقال له: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: قد فرغت. # ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال: # ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم # ولم يزل يذكر الله تعالى ويديم الشهادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث ~~بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وقيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ~~ذي الحجة ودفن يوم الأحد هلال محرم سنة أربع وعشرين. # وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وبويع عثمان لثلاث مضين ~~من المحرم. وقيل: كانت وفاته لأربع بقين من # PageV02P429 # ذي الحجة، واستقبل بخلافته هلال محرم سنة أربع وعشرين. وكانت خلافة عمر ~~على هذا القول عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. وصلى عليه صهيب، وحمل إلى ~~بيت عائشة، ودفن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ونزل في قبره ~~عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد، وعبد الله بن عمر. # ذكر نسب عمر وصفته وعمره # فأما نسبه فهو عمر بن الخطاب بن ms0897 نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ~~بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هشام ~~بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي ابنة عم أبي جهل، وقد زعم من ~~لا معرفة له أنها أخت أبي جهل، وليس بشيء. # وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - الفاروق، وقيل: بل سماه أهل الكتاب. # وأما صفته فكان طويلا آدم أصلع أعسر يسرا - يعني يعمل بيديه - وكان لطوله ~~كأنه راكب. وقيل: كان أبيض أبهق - يعني شديد البياض - تعلوه حمرة، طوالا ~~أصلع أشيب، وكان يصفر لحيته ويرجل رأسه. وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين، ~~وكان عمره # PageV02P430 # خمسا وخمسين سنة، وقيل: ابن ستين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين وأشهر، وهو ~~الصحيح، وقيل: ابن إحدى وستين سنة. # (رياح: بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان) . # ذكر أسماء ولده ونسائه # تزوج في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، فولدت ~~له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة. وتزوج مليكة بنت جرول الخزاعي في ~~الجاهلية، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها أبو ~~جهم بن حذيفة، وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية، وقيل: كانت أمه أم زيد ~~الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر. وتزوج ~~قريبة بنت أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها في الهدنة أيضا، فتزوجها ~~بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فكانا سلفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأن قريبة أخت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وتزوج أم ~~حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها، وقيل ~~لم يطلقها. وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي الأنصاري في ~~الإسلام، فولدت له عاصما فطلقها، ثم تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، ~~وأمها فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصدقها أربعين ألفا، ~~فولدت له رقية وزيدا. وتزوج لهية ms0898 امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن ~~الأوسط، وقيل الأصغر، وقيل كانت أم ولد، وكانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له ~~زينب، وهي أصغر ولد عمر. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله ~~عند عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقتل عنها، فلما مات عمر تزوجها الزبير بن ~~العوام، فقتل عنها أيضا، فخطبها علي، فقالت: لا أفعل، إني أضن بك عن القتل ~~فإنك بقية الناس. فتركها. # PageV02P431 # وخطب أم كلثوم ابنة أبي بكر الصديق إلى عائشة، فقالت أم كلثوم: لا حاجة ~~لي فيه، إنه خشن العيش شديد على النساء. فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص ~~فقال: أنا أكفيك. فأتى عمر فقال: بلغني خبر أعيذك بالله منه. قال: ما هو؟ ~~قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر. قال نعم، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني؟ ~~قال: ولا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمير المؤمنين في لين ورفق، وفيك ~~غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك ~~في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك. وقال: ~~فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت ~~علي بن أبي طالب تعلق منها بسبب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ~~ويدخل عابسا ويخرج عابسا. # ذكر بعض سيرته - رضي الله عنه - # قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث ~~يقوده، فأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق! قال نافع العيشي: دخلت ~~حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظل ~~يكتب، وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم ~~شديد الحر عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه، يعد إبل ~~الصدقة، يكتب ألوانها وأسنانها. فقال علي لعثمان: ms0899 في كتاب الله {ياأبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] . ثم أشار علي بيده ~~إلى عمر وقال: هذا القوي الأمين. # وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ بتبنة من الأرض فقال: يا ~~ليتني هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت ~~نسيا منسيا. وقال # PageV02P432 # الحسن: قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا، فإني أعلم ~~أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إلي، وأما هم فلا يصلون ~~إلي، فأسير إلى الشام فأقيم شهرين، وبالجزيرة شهرين، وبمصر شهرين، ~~وبالبحرين شهرين، وبالكوفة شهرين، وبالبصرة شهرين، والله لنعم الحول هذا! ~~وقيل لعمر: إن هاهنا رجلا من الأنبار له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا. ~~فقال: لقد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين. # قيل: خطب عمر الناس فقال: والذي بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق ~~لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه. # وقال أبو فراس: خطب عمر الناس فقال: أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالا ~~ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم ~~وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه ~~منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من ~~[أمراء] المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته إنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي ~~نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقص من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحمدوهم ~~فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. # قال بكر بن عبد الله: جاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي ~~في بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: رفقة ~~نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم. فأتيا ~~السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان، ms0900 فرفع لهما مصباح فقال عمر: ألم أنه ~~عن المصابيح بعد النوم؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم. قال: انطلق فقد ~~عرفته. فلما أصبح أرسل إليه قال: يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب! ~~قال: وما أعلمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته. قال: أولم ينهك الله عن ~~التجسس؟ فتجاوز عنه. # وإنما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف ~~البيت # PageV02P433 # فتحرقه، وكانت السقوف من جريد، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن ذلك قبله. # وقال أسلم: وخرج عمر إلى حرة واقم وأنا معه، حتى إذا كنا بصرار إذا نار ~~تسعر. فقال: انطلق بنا إليهم. فهرولنا حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها ~~صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون. فقال عمر: السلام عليكم ~~يا أصحاب الضوء. وكره أن يقول: يا أصحاب النار. قالت: وعليك السلام. قال: ~~أدنوا؟ قالت: ادن بخير أو دع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل ~~والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: [من] الجوع. قال: وأي ~~شيء في هذه القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم حتى يناموا، فأنا أعللهم وأوهمهم ~~أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر! قال: أي رحمك الله، ما ~~يدري بكم عمر؟ قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا. فأقبل علي وقال: انطلق بنا. ~~فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال: احمله ~~على ظهري. قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك، مرتين أو ثلاثا. فقال آخر ذلك: ~~أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك! فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه ~~نهرول حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول ~~لها: ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، وكان ذا لحية عظيمة، ~~فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر، فأتته بصحفة ~~فأفرغها فيها ثم قال: أطعميهم وأنا أسطح لك، فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلى ~~عندها فضل ذلك، ms0901 وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيرا، أنت أولى بهذا ~~الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرا، فإنك إذا جئت أمير المؤمنين ~~وجدتني هناك - إن شاء الله -! ثم تنحى ناحية، ثم استقبلها وربض لا يكلمني ~~حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون، ثم ناموا وهدأوا، فقام وهو يحمد الله، ~~فقال: يا أسلم، الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت ~~منهم. # (صرار: بكسر الصاد المهملة ورائين) . # قال سالم بن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله ~~فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى ~~اللحم، وأقسم # PageV02P434 # بالله لا أجد أحدا [منكم] فعله إلا أضعفت عليه العقوبة. قال سلام بن ~~مسكين: وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه ~~صاحب بيت المال يتقاضاه، فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه. # قال: وهو أول من دعي بأمير المؤمنين، وذلك أنه لما ولي قالوا له: يا ~~خليفة خليفة رسول الله، فقال عمر: هذا أمر يطول، كلما جاء خليفة قالوا يا ~~خليفة خليفة خليفة رسول الله، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير ~~المؤمنين. # وهو أول من كتب التاريخ، وقد تقدم. # وهو أول من اتخذ بيت المال، وأول من عس الليل، وأول من عاقب على الهجاء، ~~وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على ~~أربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يصلون أربعا وخمسا وستا. # قال الواقدي: وهو أول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر ~~رمضان وكتب به إلى البلدان وأمرهم به، وهو أول من حمل الدرة وضرب بها، وأول ~~من دون في الإسلام. # قال زاذان: قال عمر لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ قال له سلمان: إن أنت ~~جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقه، فأنت ملك ~~غير خليفة. فبكى عمر. # وقال أبو هريرة: يرحم الله ابن حنتمة! لقد رأيته ms0902 عام الرمادة وإنه ليحمل ~~على ظهره جرابين وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من ~~أين يا أبا # PageV02P435 # هريرة؟ قلت: قريبا، فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار، فإذا نحو ~~من عشرين بيتا من محارب، فقال لهم: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، وأخرجوا لنا ~~جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه، ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها، فرأيت ~~عمر طرح رداءه ثم اتزر، فما زال يطبخ حتى أشبعهم، ثم أرسل أسلم إلى المدينة ~~فجاءنا بأبعرة، فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم، وكان يختلف ~~إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك. # قال أبو خيثمة: رأت الشفاء بنت عبد الله فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون ~~رويدا فقالت: ما هذا؟ قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، ~~وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو والله ناسك حقا. # قال الحسن: خطب عمر الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة منها أدم. قال ~~أبو عثمان النهدي: رأيت عمر يرمي الجمرة وعليه إزار مرقع بقطعة جراب. وقال ~~علي: رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم. # وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد كما يعاد المريض. ~~وقيل: إنه سمع قارئا يقرأ (والطور) ، فلما انتهى إلى قوله تعالى: {إن عذاب ~~ربك لواقع - ما له من دافع} [الطور: 7 - 8] ، سقط ثم تحامل إلى منزله فمرض ~~شهرا من ذلك. قال الشعبي: كان عمر يطوف في الأسواق ويقرأ القرآن ويقضي بين ~~الناس حيث أدركه الخصوم. # قال موسى بن عقبة: أتى رهط إلى عمر فقالوا له: كثر العيال واشتدت المؤونة ~~فزدنا في عطائنا. قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر واتخذتم الخدم من مال ~~الله، لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا، ~~فلنيعجز الناس أن يولوا رجلا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه. فقال ~~طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟ قال: لا، القتل أنكل لمن بعده، ~~احذروا فتى ابن قريش وابن كريمها # PageV02P436 # الذي ms0903 لا ينام إلا على الرضا، ويضحك عند الغضب، وهو يتناولمنفوقهومنتحته. # قال مجالد: ذكر رجل عند عمر فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من ~~الشر شيئا. قال: ذاك أوقع له فيه. قال صالح بن كيسان: قال المغيرة بن شعبة: ~~لما دفن عمر أتيت عليا، وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه ~~ولحيته، وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه، فقال: يرحم ~~الله ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي حثمة، ذهب بخيرها ونجا من شرها، أما ~~والله ما قالت ولكن قولت. وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو في عمر: # فجعني فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب نجيب # رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخي ثقة في النائبات منيب # متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب # وقالت أيضا: # عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الإمام النجيب # فجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتلبيب # عصمة الناس والمعين على الده ... ر وغيث المنتاب والمحروب # قل لأهل الثراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب # قال ابن المسيب: وحج عمر فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم ~~العلي المعطي ما شاء من شاء، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة ~~صوف، وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني ~~وبين الله أحد، ثم تمثل: # PageV02P437 # لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد # لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا # ولا سليمان إذ تجري الرياح به ... والإنس والجن فيما بينها يرد # أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها راكب يفد # حوضا هنالك مورودا بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا # قال أسلم: إن هند بنت عتبة استقرضت عمر من بيت المال أربعة آلاف تتجر ~~فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فبلغها أن ~~أبا سفيان وابنه عمرا ms0904 أتيا معاوية، فعدلت إليه، وكان أبو سفيان قد طلقها، ~~فقال لها معاوية: ما أقدمك أي أمه؟ قالت: النظر إليك أي بني، إنه عمر، ~~وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو، ~~ولا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبوك ويؤنبك عمر فلا يستقيلها أبدا. فبعث ~~إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار وكساهما وحملهما، فتسخطها عمرو، فقال أبو ~~سفيان: لا تسخطها فإن هذا عطاء لم تغب عنه هند، ورجعوا جميعا، فقال أبو ~~سفيان لهند: أربحت؟ قالت: الله أعلم. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، ~~فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين. وقال لأبي ~~سفيان: بكم أجازك معاوية؟ قال: بمائة دينار. # قال ابن عباس: بينما عمر بن الخطاب وأصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم: ~~فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم ~~الناس بها، من أشعر الشعراء؟ قال: قلت: زهير بن أبي سلمى. فقال: هلم من ~~شعره ما نستدل به على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوما من غطفان فقال: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لأولهم يوما إذا قعدوا # PageV02P438 # قوم أبوهم سنان حين تنسبهم # طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا ... جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا # ممردون بهاليل إذا جهدوا ... محسدون على ما كان من نعم # لا ينزع الله منهم ما له حسدوا # فقال عمر: أحسن والله، وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني ~~هاشم ; لفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابتهم منه. فقلت: وفقت يا ~~أمير المؤمنين ولم تزل موفقا! فقال يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم ~~بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: إن لم أكن أدري فإن ~~أمير المؤمنين يدريني! فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، ~~فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت. فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت. ms0905 قال: تكلم. ~~قلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن ~~قريشا اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا ~~محسود. وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله - عز ~~وجل - وصف قوما بالكراهة فقال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم} [محمد: 9] . فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس، قد كانت تبلغني ~~عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني. فقلت: ما هي يا أمير ~~المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا ~~فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنك ~~حسدا وبغيا وظلما. فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل ~~والحليم، وأما قولك: حسدا، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسدون. فقال عمر: ~~هيهات هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول. فقلت: مهلا ~~يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ~~بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قلوب بني هاشم. ~~فقال عمر: إليك عني # PageV02P439 # يا ابن عباس. فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال: يا ابن عباس، ~~مكانك! فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي ~~عليك حقا وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام ~~فمضى. # ذكر قصة الشورى # قال عمرو بن ميمون الأودي: إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير ~~المؤمنين لو استخلفت. فقال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن ~~سألني: سمعت نبيك يقول: " «إنه أمين هذه الأمة» ". ولو كان سالم مولى أبي ~~حذيفة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: " «إن سالما شديد ~~الحب لله تعالى» ". فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر فقال: قاتلك ~~الله، والله ما أردت الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف ms0906 رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ ~~لا أرب لنا في أموركم، فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان ~~خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم ~~رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت ~~كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد، وأنظر فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير ~~مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه. # فخرجوا ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدا. فقال: قد كنت # PageV02P440 # أجمعت بعد مقالتي أن أنظر، فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على ~~الحق وأشار إلى علي، فرهقتني غشية، فرأيت رجلا دخل جنة فجعل يقطف كل غضة ~~ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، فما أردت أن ~~أتحملها حيا وميتا، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنهم من أهل الجنة» ، وهم علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد، ~~والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا ~~واليا فأحسنوا موازرته وأعينوه. # فخرجوا، فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: إني أكره الخلاف. قال: إذن ~~ترى ما تكره. فلما أصبح عمر دعا عليا، وعثمان، وسعدا، وعبد الرحمن، ~~والزبير، فقال لهم: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا ~~الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنكم راض، ~~وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخافكم فيما بينكم، فيختلف ~~الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها. ووضع رأسه وقد نزفه ~~الدم. # فدخلوا فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! ~~إن أمير المؤمنين لم يمت بعد. فسمعه عمر فانتبه وقال: [ألا] أعرضوا عن هذا، ~~فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع ~~إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شيء له ms0907 من الأمر، ~~وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت ~~الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم، ومن لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي ~~وقاص: أنا لك به ولا يخالف - إن شاء الله تعالى -. فقال عمر: أرجو أن لا ~~يخالف - إن شاء الله -، وما أظن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، ~~فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحرى به أن يحملهم ~~على طريق الحق، وإن تولوا سعدا فأهله هو، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم ~~أعزله عن ضعف ولا خيانة، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، فاسمعوا منه ~~وأطيعوا. # وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله طالما أعز بكم الإسلام ~~فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. # وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت ~~حتى يختاروا رجلا. # PageV02P441 # وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على ~~رءوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى ~~اثنان فاضرب رءوسهما، وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن ~~عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ~~بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس. # فخرجوا، فقال علي لقوم معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا ~~أبدا، وتلقاه عمه العباس فقال: عدلت عنا! فقال: وما علمك؟ قال: قرن بني ~~عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع ~~الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا ~~يختلفون فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني. فقال له ~~العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا لما أكره، أشرت عليك عند ~~وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، ~~فأشرت عليك ms0908 بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في ~~الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: ~~لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا ~~الأمر حتى يقوم به لنا غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير! ~~فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ~~ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون، ثم تمثل: # حلفت برب الراقصات عشية ... غدون خفافا فابتدرن المحصبا # ليختلين رهط ابن يعمر قارنا ... نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا # والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لن تراع أبا الحسن. # فلما مات عمر وأخرجت جنازته صلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل ~~الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال، وقيل: في حجرة عائشة ~~بإذنها، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص ~~والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن ~~تقولا: حضرنا وكنا في # PageV02P442 # أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر، وكثر فيهم الكلام، فقال أبو طلحة: ~~أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تتنافسوها، والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم ~~على الأيام الثلاثة التي أمر، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون! فقال عبد ~~الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد. ~~فقال: فأنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي. فقال القوم: قد رضينا. ~~وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا ~~تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألو الأمة نصحا. فقال: أعطوني مواثيقكم على ~~أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلي ميثاق الله أن ~~لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، ~~فقال لعلي: تقول إني أحق من حضر بهذا الأمر ; لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في ~~الدين ms0909 ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك، فلم تحضر، من كنت ترى من ~~هؤلاء الرهط أحق به؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان فقال: تقول شيخ من بني عبد ~~مناف، وصهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وابن عمه، ولي سابقة وفضل، ~~فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر؛ أي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟ ~~قال: علي. # ولقي علي سعدا فقال له: {اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: ~~1] ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبرحم عمي ~~حمزة منك أن تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا. # ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا كان ~~الليلة التي صبيحتها تستكمل الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة، فأيقظه وقال ~~له: لم أذق في هذه الليلة كبير غمض، انطلق فادع الزبير وسعدا. فدعاهما. ~~فبدأ بالزبير فقال له: خل بني عبد مناف وهذا الأمر. قال: نصيبي لعلي. وقال ~~لسعد: اجعل نصيبك لي. فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب ~~إلي، أيها الرجل، بايع لنفسك وأرحنا وارفع رءوسنا. فقال له: قد خلعت نفسي ~~على أن أختار، ولو لم أفعل لم أردها، إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب، ~~فدخل فحل ما رأيت أكرم منه فمر كأنه سهم، لم يلتفت إلى شيء منها حتى قطعها ~~لم يعرج، ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج منها، ثم # PageV02P443 # دخل فحل عبقري يجر خطامه، ومضى قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فرتع في ~~الروضة، ولا والله لا أكون الرابع ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد ~~فيرضى الناس عنه. # قال: وأرسل المسور فاستدعى عليا، فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب ~~الأمر، ثم نهض، ثم أرسل إلى عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح. # قال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: من أخبرك أنه يعلم ما كلم به ~~عبد الرحمن بن عوف ms0910 عليا وعثمان، فقد قال بغير علم، فوقع قضاء ربك على ~~عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل ~~السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد ~~بأهله، فقال: أيها الناس، إن الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى ~~أمصارهم، فأشيروا علي. فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع ~~عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا ~~وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد ~~الله بن أبي ربيعة: صدقت إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن ~~أبي سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار: ~~أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن ~~أهل بيت نبيكم؟ فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية، وما أنت ~~وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن ~~يفتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط ~~على أنفسكم سبيلا، ودعا عليا وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب ~~الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل فأعمل بمبلغ ~~علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم نعمل. فرفع ~~رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد. اللهم إني ~~قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، فبايعه. # PageV02P444 # فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، {فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون} [يوسف: 18] ، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، ~~والله كل يوم في شأن! فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك حجة ~~وسبيلا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد ~~الرحمن، أما والله لقد تركته وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: ~~يا ms0911 مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: إن كنت أردت الله فأثابك الله ~~ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد ~~نبيهم، إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى ~~بالعدل ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه! فقال عبد الرحمن: يا ~~مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة. فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من ~~أهل هذا البيت ومن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي ~~بن أبي طالب. فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بينها فتقول: ~~إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم تداولتموها ~~بينكم. # وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له: بايعوا لعثمان. فقال: ~~كل قريش راض به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان، فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك ~~وإن أبيت رددتها. قال: أتردها؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم. ~~قال: قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه. وبايعه. # وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد قد أصبت أن بايعت عثمان. ~~وقال لعثمان: ولو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبد الرحمن: كذبت يا ~~أعور، لو بايعت غيره لبايعته، ولقلت هذه المقالة. قال: وكان المسور يقول: ~~ما رأيت أحدا بذ قوما فيما دخلوا فيه بمثل ما بذهم عبد الرحمن. # قلت: قوله: إن عبد الرحمن صهر عثمان، يعني: عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان لأمه، خلف عليها عقبة بعد عثمان. # وقد ذكر أبو جعفر رواية أخرى في الشورى عن المسور بن مخرمة، وهي تمام # PageV02P445 # حديث مقتل عمر، وقد تقدم، والذي ذكره هاهنا قريب من الذي تقدم آنفا، غير ~~أنه قال: لما دفن عمر جمعهم عبد الرحمن وخطبهم وأمرهم بالاجتماع وترك ~~التفرق، فتكلم عثمان فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا، وبعثه رسولا، ~~وصدقه وعده، ووهب له نصره على كل ms0912 من بعد نسبا أو قرب رحما، - صلى الله عليه ~~وسلم -، جعلنا الله له تابعين، وبأمره مهتدين، فهو لنا نور، ونحن بأمره ~~نقوم عند تفرق الأهواء ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته ~~أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا، إلا من سفه الحق، ونكل عن ~~القصد، وأحر بها يا ابن عوف أن تترك، وأجدر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك ~~دعاؤك، فأنا أول مجيب لك وداع إليك وكفيل بما أقول زعيم، وأستغفر الله لي ~~ولكم. # ثم تكلم الزبير بعده فقال: أما بعد فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا ~~يخذل عند تفرق الأهواء ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت إلا غوي، ولن يترك ما ~~دعوت إليه إلا شقي، ولولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حدت، تراح على أهلها ~~وتحيا ولا تموت، لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ~~ولكن لله علينا إجابة الدعوة وإظهار السنة، لئلا نموت موتة عمية، ولا نعمى ~~عمى الجاهلية، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم. # ثم تكلم سعد فقال بعد حمد الله: وبمحمد - صلى الله عليه وسلم -، أنارت ~~الطرق واستقامت السبل، وظهر كل حق، ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول ~~الزور، وأمنية أهل الغرور، وقد سلبت الأماني قوما قبلكم، ورثوا ما ورثتم ~~ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا، ولعنهم لعنا كبيرا. قال الله - تعالى -: ~~{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} [المائدة: 78] إلى قوله: {لبئس ما كانوا ~~يفعلون} [المائدة: 79] ، إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن ~~عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك ~~يا ابن عوف بجهد النفس وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، ~~وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم. # PageV02P446 # ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال: الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه ~~إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ms0913 ونجاة لمن ~~طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى، لو ~~عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال ~~لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم، ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي وعوا منطقي، عسى أن تروا (هذا ~~الأمر) بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا ~~جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة، ثم قال: # فإن تك جاسم هلكت فإني ... بما فعلت بنو عبد بن ضجم # مطيع في الهواجر كل غي ... بصير بالنوى من كل نجم # فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر؟ وذكر قريبا ~~مما تقدم. # ثم جلس عثمان في جانب المسجد بعد بيعته، ودعا عبيد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وكان قتل [قاتل] أبيه أبا لؤلؤة، وقتل جفينة رجلا نصرانيا من أهل ~~الحيرة، كان ظهيرا لسعد بن مالك، وقتل الهرمزان، فلما ضربه بالسيف قال: لا ~~إله إلا الله! فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره وأخذ ~~سيفه وأحضره عند عثمان، وكان عبيد الله يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك ~~في دم أبي، يعرض بالمهاجرين والأنصار، وإنما قتل هؤلاء النفر لأن عبد ~~الرحمن بن أبي بكر قال غداة قتل عمر: رأيت عشية أمس الهرمزان وأبا لؤلؤة ~~وجفينة وهم يتناجون، فلما رأوني ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في ~~وسطه، وهو الخنجر الذي ضرب به عمر، فقتلهم عبيد الله. فلما أحضره عثمان ~~قال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق! فقال علي: أرى ~~أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم! فقال # PageV02P447 # عمرو بن العاص: إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين ~~سلطان. فقال عثمان: أنا وليه، وقد جعلتها دية وأحتملها في مالي. وكان زياد ~~بن لبيد البياضي الأنصاري إذا رأى عبيد ms0914 الله يقول: # ألا يا عبيد الله ما لك مهرب ... ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر # أصبت دما والله في غير حله ... حراما وقتل الهرمزان له خطر # على غير شيء غير أن قال قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر # فقال سفيه، والحوادث جمة # نعم اتهمه قد أشار وقد أمر ... وكان سلاح العبد في جوف بيته # يقلبها والأمر بالأمر يعتبر # فشكا عبيد الله إلى عثمان زياد بن لبيد، فنهى عثمان زيادا، فقال في ~~عثمان: # أبا عمرو عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان # فإنك إن غفرت الجرم عنه ... وأسباب الخطا فرسا رهان # أتعفو إذ عفوت بغير حق ... فما لك بالذي تحكي يدان # فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذبه # وقيل في فداء عبيد الله غير ذلك، قال الغماذيان بن الهرمزان: كانت العجم ~~بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، (فمر فيروز أبو لؤلؤة بالهرمزان ومعه خنجر) ~~له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع به؟ قال: أسن به. فرآه رجل، فلما أصيب ~~عمر قال: رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي ~~عثمان أمكنني منه، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي ~~فيه، فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيد الله، قلت لهم: أفلكم ~~منعة؟ قالوا: لا، وسبوه، فتركته لله ولهم، فحملوني، فوالله ما بلغت المنزل ~~إلا على رءوس الناس. # والأول أصح في إطلاق عبيد الله لأن عليا لما ولي الخلافة أراد قتله، فهرب ~~منه إلى معاوية بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي. # ذكر عدة حوادث # PageV02P448 # كان العمال فيها على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وعلى الطائف سفيان ~~بن عبد الله الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن أبي ~~ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعري، وعلى ~~مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية، وعلى البحرين ~~وما والاها عثمان بن أبي العاص الثقفي. # وفيها غزا معاوية الصائفة، ومعه عبادة ms0915 بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، ~~وأبو ذر، وشداد بن أوس. # وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح. وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء ~~البصرة كعب بن سور، وقيل: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي قتادة بن النعمان الأنصاري، وهو الذي رد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، # PageV02P449 # عينه، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وهو بدري، وقيل: توفي سنة أربع وعشرين. ~~وفي خلافة عمر توفي الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، وهو بدري، وربيعة ~~بن الحارث بن عبد المطلب، وهو أسن من العباس، وعمير بن عوف مولى سهيل بن ~~عمرو، وهو بدري، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، شهد أحدا، وعتبة بن مسعود أخو ~~عبد الله بن مسعود، وهو من مهاجرة الحبشة شهد أحدا، وعدي بن أبي # PageV02P450 # الزغباء الجهني، وهو عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يوم بدر وشهد ~~غيرها أيضا. # وفيها مات عويم بن ساعدة الأنصاري، وهو عقبي بدري، وقيل: إنه من بلي، وله ~~حلف في الأنصار. وفيها مات سهيل بن رافع الأنصاري، شهد بدرا. ومسعود بن أوس ~~بن زيد الأنصاري، وقيل: بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع علي. وفيها توفي واقد ~~بن عبد الله التميمي حليف الخطاب، وهو أول من قاتل في سبيل الله في الإسلام ~~وقتل عمرو بن الحضرمي، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - دار الأرقم. وفيها مات أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وأخوه عبد الله، ~~وكان عبد الله بدريا، ولم يشهدها أبو جندل ; لأن أباه سجنه بمكة ومنعه من ~~الهجرة إلى يوم الحديبية، وقد تقدم كيف خلص. وفيها مات أبو خالد الحارث بن ~~قيس بن خالد، وكان أصابه جرح # PageV02P451 # باليمامة فاندمل، ثم انتقض عليه فمات منه، وهو عقبي بدري. # وفيها مات أبو خراش الهذلي الشاعر، وخبر موته مشهور. # وفيها توفي غيلان بن سلمة الثقفي، وهو الذي أسلم وتحته عشرة نسوة. # وفيها في آخرها مات الصعب بن جثامة بن قيس الليثي. # PageV02P452 ### | [ثم دخلت ms0916 سنة أربع وعشرين] ### | 24 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين # ذكر بيعة عثمان بن عفان بالخلافة # في المحرم منها لثلاث مضين منه بويع عثمان بن عفان، وقيل: غير ذلك على ما ~~تقدم، وكان هذا العام يسمى عام الرعاف لكثرته فيه بالناس. واجتمع أهل ~~الشورى عليه، وقد دخل وقت العصر، فأذن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان ~~والإقامة، فخرج فصلى بالناس وزادهم مائة مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول ~~من صنع ذلك، وقصد المنبر وهو أشدهم كآبة، فخطب الناس ووعظهم وأقبلوا ~~يبايعونه. # ذكر عزل المغيرة عن الكوفة وولاية سعد بن أبي وقاص # وفيها عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة، واستعمل سعد بن أبي وقاص ~~عليها بوصية عمر، فإنه قال: أوصي الخليفة بعدي أن يستعمل سعدا، فإني لم ~~أعزله عن سوء ولا خيانة، فكان أول عامل بعثه عثمان، فعمل عليها سعد سنة ~~وبعض أخرى، وقيل: بل أقر عثمان عمال عمر جميعهم سنة لأن عمر أوصى بذلك، ثم ~~عزل المغيرة بعد سنة واستعمل سعدا، فعلى هذا القول تكون إمارة سعد سنة خمس ~~وعشرين. # وحج بالناس في هذه السنة عثمان، وقيل: عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. # PageV02P453 # وقد تقدم ذكر الفتوح التي ذكر بعض العلماء أنها كانت زمن عثمان وذكرت ~~الخلاف هنالك. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن كعب الأنصاري، وهو بدري، وهو أحد ~~البكائين في غزوة تبوك # وسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وقيل: مات بعد ذلك، وهو الذي أدرك النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في هجرته. # PageV02P454 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين] ### | 25 - # ثم دخلت سنة خمس وعشرين # ذكر خلاف أهل الإسكندرية # في هذه السنة خالف أهل الإسكندرية ونقضوا صلحهم. # وكان سبب ذلك أن الروم عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية، وظنوا أنهم لا ~~يمكنهم المقام ببلادهم بعد خروج الإسكندرية عن ملكهم، فكاتبوا من كان فيها ~~من الروم ودعوهم إلى نقض الصلح، فأجابوهم إلى ذلك. فسار إليهم من ~~القسطنطينية جيش كثير، وعليهم منويل الخصي، فأرسوا بها، واتفق معهم من بها ~~من الروم، ولم ms0917 يوافقهم المقوقس بل ثبت على صلحه. فلما بلغ الخبر إلى عمرو ~~بن العاص سار إليهم، وسار الروم إليه، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الإسكندرية، وقتلوا منهم في ~~البلد مقتلة عظيمة، منهم منويل الخصي. وكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية ~~قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من وافقهم ومن خالفهم. فلما ظفر بهم المسلمون ~~جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص: إن الروم أخذوا دوابنا ~~وأموالنا، ولم نخالف نحن عليكم وكنا على الطاعة. فرد عليهم ما عرفوا من ~~أموالهم بعد إقامة البينة. وهدم عمرو سور الإسكندرية وتركها بغير سور. # وفيها بلغ سعد بن أبي وقاص عن أهل الري عزم على نقض الهدنة والغدر، فأرسل ~~إليهم وأصلحهم وغزا الديلم ثم انصرف. # PageV02P455 # ذكر عزل سعد عن الكوفة وولاية الوليد بن عقبة # في هذه السنة عزل عثمان بن عفان سعد بن أبي وقاص عن الكوفة في قول بعضهم، ~~واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، ~~واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عثمان لأمه، (أمهما أروى بنت ~~كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب) . # وسبب ذلك أن سعدا اقترض من عبد الله بن مسعود من بيت المال قرضا، فلما ~~تقاضاه ابن مسعود لم يتيسر له قضاؤه فارتفع بينهما الكلام، فقال له سعد: ما ~~أراك إلا ستلقى شرا، هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل؟ فقال: أجل والله ~~إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة. وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حاضرا ~~فقال: إنكما لصاحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينظر إليكما. فرفع ~~سعد يده ليدعو على ابن مسعود، وكان فيه حدة، فقال: اللهم رب السماوات ~~والأرض. فقال ابن مسعود: ويلك قل خيرا ولا تلعن. فقال سعد عند ذلك: أما ~~والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد الله سريعا حتى ~~خرج، ثم استعان عبد الله بأناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس على ms0918 ~~إنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضا، يلوم هؤلاء سعدا وهؤلاء عبد الله، فكان ~~أول ما نزغ به بين أهل الكوفة، وأول مصر نزغ الشيطان بين أهله. وبلغ الخبر ~~عثمان فغضب عليهما فعزل سعدا وأقر عبد الله، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط مكان سعد، وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ~~بعده، فقدم الكوفة واليا عليها، (وأقام عليها خمس سنين، وهو من أحب الناس ~~إلى أهلها) . فلما قدم قال له سعد: أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: لا ~~تجزعن يا أبا إسحاق، كل ذلك لم يكن، وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه ~~آخرون. فقال سعد: أراكم جعلتموها ملكا! وقال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت ~~بعدنا أم فسد الناس! # PageV02P456 # ذكر صلح أهل أرمينية وأذربيجان # لما استعمل عثمان الوليد على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان، ~~فنقضوا، فغزاهم الوليد سنة خمس وعشرين، وعلى مقدمته عبد الله بن شبيل ~~الأحمسي، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان ففتح وغنم وسبى، فطلب أهل ~~كور أذربيجان الصلح، فصالحهم على صلح حذيفة، وهو ثمانمائة ألف درهم، وقبض ~~المال. ثم بث سراياه، وبعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أهل أرمينية في اثني ~~عشر ألفا، فسار في أرمينية يقتل ويسبي ويغنم، ثم انصرف وقد ملأ يديه حتى ~~أتى الوليد، فعاد الوليد، وقد ظفر وغنم وجعل طريقه على الموصل، ثم أتى ~~الحديثة فنزلها، فأتاه بها كتاب عثمان فيه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي ~~يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين في جموع كثيرة، وقد رأيت أن يمدهم ~~إخوانهم من أهل الكوفة، فابعث إليهم رجلا له نجدة وبأس في ثمانية آلاف أو ~~تسعة آلاف من المكان الذي يأتيك كتابي فيه والسلام. # فقام الوليد في الناس وأعلمهم الحال، وندبهم مع سلمان بن ربيعة الباهلي، ~~فانتدب معه ثمانية آلاف، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، ~~فشنوا الغارات على أرض الروم، فأصاب الناس ما شاءوا، وافتتحوا حصونا كثيرة. # وقيل: إن الذي أمد حبيب ms0919 بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص، ~~وكان سبب ذلك أن عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزي حبيب بن مسلمة في أهل ~~الشام أرمينية، فوجهه إليها، فأتى قاليقلا فحصرها وضيق على من بها، فطلبوا ~~الأمان على الجلاء أو الجزية، فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم، وأقام ~~حبيب بها فيمن معه أشهرا. # وإنما سميت قاليقلا لأن امرأة بطريق أرميناقس كان اسمها قالي بنت هذه ~~المدينة فسمتها قالي قله، تعني إحسان قالي، فعربتها العرب فقالت: قاليقلا. # ثم بلغه أن بطريق أرميناقس - وهي البلاد التي هي الآن بيد أولاد السلطان ~~قلج # PageV02P457 # رسلان - وهي ملطية وسيواس وأقصرا وقونية، وما والاها من البلاد إلى خليج ~~القسطنطينية، واسمه الموريان، قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم. فكتب ~~حبيب إلى معاوية يخبره، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى سعيد بن ~~العاص يأمره بإمداد حبيب، فأمده بسلمان في ستة آلاف، وأجمع حبيب على تبييت ~~الروم، فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية فقالت أين موعدك؟ فقال: ~~سرادق الموريان. ثم بيتهم فقتل من وقف له، ثم أتى السرادق فوجد امرأته قد ~~سبقته إليه، فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها حجاب سرادق. ومات عنها ~~حبيب فخلف عليها الضحاك بن قيس، فهي أم ولده. # ولما انهزمت الروم عاد حبيب إلى قاليقلا، ثم سار منها فنزل مربالا، فأتاه ~~بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم بأمانه، فأجراه عليه، وحمل إليه البطريق ما ~~عليه من المال، ونزل حبيب خلاط، ثم سار منها فلقيه صاحب مكس، وهي من ~~البسفرجان، فقاطعه على بلاده، ثم سار منها إلى أزدشاط، وهي القرية التي ~~يكون فيها القرمز الذي يصبغ به، فنزل على نهر دبيل، وسرح الخيول إليها ~~فحصرها، فتحصن أهلها، فنصب عليهم منجنيقا، فطلبوا الأمان، فأجابهم إليه وبث ~~السرايا، فبلغت خيله ذات اللجم ; وإنما سميت ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا ~~لجم خيولهم فكبسهم الروم قبل أن يلجموها، ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم، ~~ووجه سرية إلى سراج طير وبغروند، فصالحه بطريقها على إتاوة. ms0920 وقدم عليه ~~بطريق البسفرجان فصالحه على جميع بلاده. # وأتى السيسجان فحاربه أهلها، فهزمهم وغلب على حصونهم وسار إلى # PageV02P458 # جرزان، فأتاه رسول بطريقها يطلب الصلح فصالحه. وسار إلى تفليس فصالحه ~~أهلها، وهي من جرزان، وفتح عدة حصون ومدن تجاورها صلحا. وسار سلمان بن ~~ربيعة الباهلي إلى أران، ففتح البيلقان صلحا على أن آمنهم على دمائهم ~~وأموالهم وحيطان مدينتهم، واشترط عليهم الجزية والخراج. # ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على الثرثور، نهر بينه وبينها نحو فرسخ، ~~فقاتله أهلها أياما، وشن الغارات في قراها، فصالحوه على مثل صلح البيلقان ~~ودخلها، ووجه خيله ففتحت رساتيق الولاية، ودعا أكراد البلاشجان إلى ~~الإسلام، فقاتلوه فظفر بهم، فأقر بعضهم على الجزية وأدى بعضهم الصدقة، وهم ~~قليل، ووجه سرية إلى شمكور ففتحوها، وهي مدينة قديمة، ولم تزل معمورة حتى ~~أخربها السناوردية، وهم قوم تجمعوا لما انصرف يزيد بن أسيد عن أرمينية فعظم ~~أمرهم، فعمرها بغا سنة أربعين ومائتين، وسماها المتوكلية نسبة إلى المتوكل. # وسار سلمان إلى مجمع أرس والكر ففتح قبلة، وصالحه صاحب سكر وغيرها على ~~الإتاوة، وصالحه ملك شروان وسائر ملوك الجبال وأهل مسقط والشابران ومدينة ~~الباب ثم امتنعت بعده. # ذكر غزوة معاوية الروم # وفيها غزا معاوية الروم فبلغ عمورية، فوجد الحصون التي بين أنطاكية ~~وطرسوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة حتى انصرف من ~~غزاته، ثم # PageV02P459 # أغزى بعد ذلك يزيد بن الحر العبسي الصائفة وأمره ففعل مثل ذلك، ولما خرج ~~هدم الحصون إلى أنطاكية. # ذكر غزوة إفريقية # في هذه السنة سير عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أطراف ~~إفريقية غازيا بأمر عثمان، وكان عبد الله من جند مصر، فلما سار إليها أمده ~~عمرو بالجنود فغنم هو وجنده، فلما عاد عبد الله كتب إلى عثمان يستأذنه في ~~غزو إفريقية، فأذن له في ذلك. # ذكر عدة حوادث # وفيها أرسل عثمان عبد الله بن عامر إلى كابل، وهي عمالة سجستان، فبلغها ~~في قول، فكانت أعظم من خراسان، حتى مات معاوية وامتنع ms0921 أهلها. # وفيها ولد يزيد بن معاوية. وفيها كانت [غزوة] سابور الأولى، وقيل: سنة ست ~~وعشرين، وقد تقدم ذلك. # وحج بالناس عثمان. # PageV02P460 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين] ### | 26 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين # ذكر الزيادة في الحرم # في هذه السنة أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. وفيها زاد عثمان في المسجد ~~الحرام ووسعه، وابتاع من قوم، فأبى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت ~~المال. فصاحوا بعثمان، فأمر بهم فحبسوا، وقال لهم: قد فعل هذا بكم عمر فلم ~~تصيحوا به. فكلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم. # (أسيد: بفتح الهمزة وكسر السين) . # PageV02P461 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين] ### | 27 - # [ثم دخلت سنة سبع وعشرين] # ذكر ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وفتح إفريقية # في هذه السنة عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عليه عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح، وكان أخا عثمان من الرضاعة، فتباغيا، فكتب عبد الله إلى ~~عثمان يقول: إن عمرا كسر على الخراج. وكتب عمرو يقول: إن عبد الله قد كسر ~~على مكيدة الحرب. فعزل عثمان عمرا واستقدمه، واستعمل بدله عبد الله على حرب ~~مصر وخراجها، فقدم عمرو مغضبا، فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة [قطنا] ، ~~فقال له: ما حشو جبتك؟ قال: عمرو. قال: قد علمت [أن حشوها عمرو] ولم أرد ~~هذا، [إنما سألت أقطن هو أم غيره؟] . # وكان عبد الله من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو إفريقية سنة خمس ~~وعشرين، وقال له عثمان: إن فتح الله عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلا. ~~وأمر عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع بن الحارث على جند، ~~وسرحهما [إلى الأندلس] ، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب ~~إفريقية، ثم يقيم # PageV02P462 # عبد الله في عمله. فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر ووطئوا أرض إفريقية، وكانوا ~~في جيش كثير عدتهم آلاف من شجعان المسلمين، فصالحهم أهلها على مال يؤدونه ~~ولم يقدموا على دخول إفريقية والتوغل فيها لكثرة أهلها. ms0922 # ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان في غزو إفريقية، ~~والاستكثار من الجموع عليها وفتحها، فاستشار عثمان من عنده من الصحابة، ~~فأشار أكثرهم بذلك، فجهز إليه العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من أعيان ~~الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وغيره، فسار بهم عبد الله بن سعد إلى ~~إفريقية. فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين، ~~وكانوا بها، وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم. وسار نحو ~~إفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه من طرابلس ~~إلى طنجة، وكان هرقل ملك الروم قد ولاه إفريقية، فهو يحمل إليه الخراج كل ~~سنة. فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد، فبلغ عسكره ~~مائة ألف وعشرين ألف فارس، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة ~~سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك، فأقاموا هناك ~~يقتتلون كل يوم، وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ~~فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما. # وانقطع خبر المسلمين عن عثمان، فسير عبد الله بن الزبير في جماعة إليهم ~~ليأتيه بأخبارهم، فسار مجدا ووصل إليهم وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح ~~والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر فقيل قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في ~~عضده. ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر، ~~فإذا أذن الظهر عاد كل فريق إلى خيامه، وشهد القتال من الغد فلم ير ابن أبي ~~سرح معهم، فسأل عنه، فقيل إنه سمع منادي جرجير يقول: من قتل عبد الله بن ~~سعد فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي، وهو يخاف، فحضر عنده وقال له: تأمر ~~مناديا ينادي: من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته ~~على بلاده. ففعل ذلك، فصار جرجير يخاف أشد من عبد الله. # ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء، ~~وهم في أمداد متصلة ms0923 وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد ~~رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين، ونقاتل ~~نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ~~ورجع المسلمون ركب من كان # PageV02P463 # في الخيام من المسلمين، ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على ~~غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم ~~فوافقوه على ذلك. # فلما كان الغد فعل عبد الله ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين ~~في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر ~~قتالا شديدا. فلما أذن بالظهر هم الروم بالانصراف على العادة، فلم يمكنهم ~~ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل ~~من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا، فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من ~~كان مستريحا من شجعان المسلمين، وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم، ~~وحملوا حملة رجل واحد وكبروا، فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم، حتى غشيهم ~~المسلمون وقتل جرجير، قتله ابن الزبير، وانهزم الروم، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، وأخذت ابنة الملك جرجير سبية. ونازل عبد الله بن سعد المدينة، ~~فحصرها حتى فتحها، ورأى فيها من الأموال ما لم يكن في غيرها، فكان سهم ~~الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار. # ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد فبلغت قفصة، فسبوا ~~وغنموا، وسير عسكرا إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد، فحصره ~~وفتحه بالأمان، فصالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار، ونفل ~~عبد الله بن الزبير ابنة الملك، وأرسله إلى عثمان بالبشارة بفتح إفريقية، ~~وقيل: إن ابنة الملك وقعت لرجل من الأنصار فأركبها بعيرا وارتجز بها يقول: # يا ابنة جرجير تمشي عقبتك ... إن عليك بالحجاز ربتك # لتحملن من قباء قربتك # ثم إن عبد الله بن سعد عاد من إفريقية إلى مصر، وكان مقامه بإفريقية سنة ~~وثلاثة أشهر، ولم يفقد من المسلمين إلا ثلاثة نفر، قتل منهم ms0924 أبو ذؤيب ~~الهذلي الشاعر فدفن هناك، وحمل خمس إفريقية إلى المدينة، فاشتراه مروان بن ~~الحكم بخمسمائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أخذ عليه. # PageV02P464 # وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقية، فإن بعض الناس يقول: أعطى عثمان خمس ~~إفريقية عبد الله بن سعد، وبعضهم يقول: أعطاه مروان بن الحكم. وظهر بهذا ~~أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الأولى، وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي ~~افتتحت فيها جميع إفريقية، والله أعلم. # ذكر انتقاض إفريقية وفتحها ثانية # كان هرقل ملك القسطنطينية يؤدي إليه كل ملك من ملوك النصارى الخراج، فهم ~~من مصر وإفريقية والأندلس وغير ذلك، فلما صالح أهل إفريقية عبد الله بن سعد ~~أرسل هرقل إلى أهلها بطريقا له، وأمره أن يأخذ منهم مثل ما أخذ المسلمون، ~~فنزل البطريق في قرطاجنة، وجمع أهل إفريقية وأخبرهم بما أمره الملك، فأبوا ~~عليه، وقالوا: نحن نؤدي ما كان يؤخذ منا، وقد كان ينبغي له أن يسامحنا لما ~~ناله المسلمون منا. وكان قد قام بأمر إفريقية بعد قتل جرجير رجل آخر من ~~الروم، فطرده البطريق. بعد فتن كثيرة، فسار إلى الشام وبه معاوية وقد استقر ~~له الأمر بعد قتل علي، فوصف له إفريقية وطلب أن يرسل معه جيشا، فسير معاوية ~~بن أبي سفيان معاوية بن حديج السكوني. فلما وصلوا إلى الإسكندرية هلك ~~الرومي، ومضى ابن حديج فوصل إلى إفريقية وهي نار تضطرم، وكان معه عسكر ~~عظيم، فنزل عند قمونية، وأرسل البطريق إليه ثلاثين ألف مقاتل. فلما سمع بهم ~~معاوية سير إليهم جيشا من المسلمين، فقاتلوهم، فانهزمت الروم، وحصر حصن ~~جلولاء، فلم يقدر عليه، فانهدم سور الحصن، فملكه المسلمون وغنموا ما فيه، ~~وبث السرايا، فسكن الناس وأطاعوا، وعاد إلى مصر. # (حديج: بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وآخره جيم) . # ثم لم يزل أهل إفريقية من أطوع أهل البلدان وأسمعهم، إلى زمان هشام بن ~~عبد الملك، حتى دب إليهم أهل العراق واستثاروهم، فشقوا العصا، وفرقوا بينهم ~~إلى اليوم، وكانوا يقولون: لا نخالف الأئمة بما تجني العمال. ms0925 فقالوا لهم: ~~إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك. فقالوا: حتى نخبرهم، فخرج ميسرة في بضعة ~~وعشرين رجلا، فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم، فدخلوا على الأبرش فقالوا: ~~أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا # PageV02P465 # وبجنده، فإذا غنمنا نفلهم، ويقول: هذا أخلص لجهادنا، وإذا حاصرنا مدينة ~~قدمنا وأخرهم، ويقول: هذا ازدياد في الأجر، ومثلنا كفى إخوانه، ثم إنهم ~~عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلونا يبقرون بطونها عن سخالها، يطلبون الفراء البيض ~~لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فاحتملنا ذلك، ثم إنهم سامونا أن ~~يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن ~~المسلمون، فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين هذا أم لا؟ فطال عليهم ~~المقام ونفدت نفقاتهم، فكتبوا أسماءهم ودفعوها إلى وزرائه وقالوا: إن سأل ~~عنا أمير المؤمنين فأخبروه. ثم رجعوا إلى إفريقية فخرجوا على عامل هشام، ~~فقتلوه واستولوا على إفريقية، وبلغ الخبر هشاما، فسأل عن النفر فعرف ~~أسماءهم، فإذا هم الذين صنعوا ذلك. # ذكر غزوة الأندلس # لما افتتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين وعبد الله بن ~~نافع بن عبد القيس أن يسيرا إلى الأندلس، فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان ~~إلى من انتدب معهما: أما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس. # فخرجوا ومعهم البربر، ففتح الله على المسلمين وزاد في سلطان المسلمين مثل ~~إفريقية. ولما عزل عثمان عبد الله بن سعد عن إفريقية ترك في عمله عبد الله ~~بن نافع بن عبد القيس، فكان عليها، ورجع عبد الله إلى مصر. وبعث عبد الله ~~إلى عثمان مالا قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال له: يا عمرو هل تعلم ~~أن تلك اللقاح درت بعدك؟ قال عمرو: إن فصالها قد هلكت. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عثمان. وفيها كان فتح إصطخر الثاني على يد عثمان بن ~~أبي العاص. وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان قنسرين. # PageV02P466 # [الوفيات] # وفيها مات أبو ذؤيب الهذلي الشاعر بمصر منصرفا من إفريقية، وقيل: بل مات ms0926 ~~بطريق مكة في البادية، وقيل: مات ببلاد الروم، وكلهم قالوا: مات في خلافة ~~عثمان. # وفيها مات أبو رمثة البلوي بإفريقية، له صحبة. # وفيها ماتت حفصة بنت عمر بن الخطاب زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقيل: ماتت سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين. # PageV02P467 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين] ### | 28 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين # ذكر فتح قبرس # قيل: في سنة ثمان وعشرين كان فتح قبرس على يد معاوية، وقيل: سنة تسع ~~وعشرين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: إنما غزيت سنة ثلاث وثلاثين لأن ~~أهلها غدروا، على ما نذكره، فغزاها المسلمون. ولما غزاها معاوية هذه السنة، ~~غزا معه جماعة من الصحابة فيهم أبو ذر، وعبادة بن الصامت، ومعه زوجته أم ~~حرام، وأبو الدرداء، وشداد بن أوس، وكان معاوية قد لج على عمر في غزو البحر ~~وقرب الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم ~~وصياح دجاجهم. فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه. فكتب إليه ~~عمرو بن العاص: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء ~~والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، ~~والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق. فلما قرأه كتب ~~إلى معاوية: والذي بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم -، بالحق لا أحمل فيه ~~مسلما أبدا، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض، فيستأذن ~~الله في كل يوم وليلة في أن يغرق الأرض، فكيف أحمل الجنود على هذا # PageV02P468 # الكافر! وبالله لمسلم أحب إلي مما حوت الروم. وإياك أن تعرض إلي، فقد ~~علمت ما لقي العلاء مني. # قال: وترك ملك الروم الغزو وكاتب عمر وقاربه. وبعثت أم كلثوم بنت علي بن ~~أبي طالب، زوج عمر بن الخطاب، إلى امرأة ملك الروم بطيب وشيء يصلح للنساء ~~مع البريد، فأبلغه إليها، فأهدت امرأة الملك إليها هدية، منها عقد فاخر. ~~فلما رجع البريد أخذ عمر ما ms0927 معه ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وأعلمهم ~~الخبر، فقال القائلون: هو لها بالذي كان لها، وليست امرأة الملك بذمة ~~فتصانعك. وقال آخرون: قد كنا نهدي لنستثيب. فقال عمر: لكن الرسول رسول ~~المسلمين والبريد بريدهم، والمسلمون عظموها في صدرها فأمر بردها إلى بيت ~~المال وأعطاها بقدر نفقتها. # فلما كان زمن عثمان كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر مرارا، فأجابه ~~عثمان بآخرة إلى ذلك، وقال له: لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم، خيرهم فمن ~~اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه. ففعل، واستعمل عبد الله بن قيس الجاسي ~~حليف بني فزارة، وسار المسلمون من الشام إلى قبرس، وسار إليها عبد الله بن ~~سعد من مصر، فاجتمعوا عليها، فصالحهم أهلها على جزية سبعة آلاف دينار كل ~~سنة، يؤدون إلى الروم مثلها، لا يمنعهم المسلمون عن ذلك، وليس على المسلمين ~~منعهم ممن أرادهم ممن وراءهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من ~~الروم إليهم، ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم. # قال جبير بن نفير: ولما فتحت قبرس ونهب منها السبي نظرت إلى أبي الدرداء ~~يبكي فقلت: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: فضرب منكبي ~~بيده وقال: ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينما هي أمة ظاهرة ~~قاهرة للناس لهم الملك، إذا تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى فسلط عليهم ~~السباء، وإذا سلط السباء على قوم فليس له فيهم حاجة. # PageV02P469 # وفي هذه الغزوة ماتت أم حرام بنت ملحان الأنصارية، ألقتها بغلتها بجزيرة ~~قبرس فاندقت عنقها فماتت، تصديقا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث أخبرها ~~أنها في أول من يغزو في البحر. # وبقي عبد الله بن قيس الجاسي على البحر، فغزا خمسين غزاة من بين شاتية ~~وصائفة في البر والبحر، لم يغرق أحد ولم ينكب، فكان يدعو الله أن يعافيه في ~~جنده، فأجابه، فلما أراد الله أن يصيبه في جسده خرج في قارب طليعة، فانتهى ~~إلى المرفإ من أرض الروم وعليه مساكين يسألون، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة ~~منهم إلى قريتها فقالت ms0928 للرجال: هذا عبد الله بن قيس في المرفإ، فثاروا إليه ~~فهجموا عليه فقاتلوه بعد أن قاتلهم، فأصيب وحده، ونجا الملاح حتى أتى ~~أصحابه، فأعلمهم فجاءوا حتى أرسوا بالمرفإ، والخليفة عليهم سفيان بن عوف ~~الأزدي، فخرج إليهم فقاتلهم فضجر، فجعل يشتم أصحابه. فقالت جارية عبد الله: ~~ما هكذا كان يقول حين يقاتل! فقال سفيان: فكيف كان يقول؟ قالت: # " الغمرات ثم ينجلينا " # فلزمها بقولها، وأصيب في المسلمين يومئذ. وقيل لتلك المرأة بعد: بأي شيء ~~عرفته؟ قالت: كان كالتاجر فلما سألته أعطاني كالملك فعرفته بهذا. # وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. # PageV02P470 # وفيها تزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل ~~بها. # وفيها بنى عثمان الزوراء. # وحج بالناس عثمان هذه السنة. # (حرام: بالحاء المهملة والراء. والجاسي: بالجيم والسين المهملة. ~~والفرافصة: بفتح الفاء إلا الفرافصة بن الأحوص الكلبي الذي من ولده نائلة ~~زوج عثمان) . # PageV02P471 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين] ### | 29 - # ثم دخلت سنة تسع وعشرين # ذكر عزل أبي موسى عن البصرة واستعمال ابن عامر عليها # قيل في هذه السنة عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، واستعمل عبد ~~الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس (وهو ابن خال عثمان) ، ~~وقيل: كان ذلك لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان. # وكان سبب عزله أن أهل إيذج والأكراد كفروا في السنة الثالثة من خلافة ~~عثمان، فنادى أبو موسى في الناس وحضهم على الجهاد، وذكر من فضل الجهاد ~~ماشيا، فحمل نفر على دوابهم وأجمعوا على أن يخرجوا رجالة. وقال آخرون: لا ~~نعجل بشيء حتى ننظر ما يصنع، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما يفعل. # فلما خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلا، فتعلقوا بعنانه وقالوا: ~~احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب في المشي كما رغبتنا. فضرب القوم بسوطه، ~~فتركوا دابته، فمضى. وأتوا عثمان فاستعفوه منه وقالوا: ما كل ما نعلم نحب ~~أن تسألنا عنه، فأبدلنا به. فقال: من تحبون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كل ms0929 أحد ~~عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا! أما منكم خسيس فترفعوه؟ أما منكم فقير ~~فتجيروه؟ يا معشر قريش، حتى متى يأكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد؟ فانتبه ~~لها عثمان، فعزل أبا موسى وولى عبد الله بن عامر بن كريز. فلما سمع أبو ~~موسى قال: يأتيكم غلام خراج # PageV02P472 # ولاج، كريم الجدات والخالات والعمات، يجمع له الجندان. (وكان عمر ابن ~~عامر خمسا وعشرين سنة) ، وجمع له جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص ~~الثقفي من عمان والبحرين، واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى ~~سجستان عبد الله بن عمير الليثي، وهو من ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن ~~عمير في خراسان، حتى بلغ فرغانة، لم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى ~~مكران عبيد الله بن معمر، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث على كرمان عبد ~~الرحمن بن عبيس، وبعث إلى الأهواز وفارس نفرا، ثم عزل عبد الله بن عمير، ~~واستعمل عبد الله بن عامر فأقره عليها سنة ثم عزله، واستعمل عاصم بن عمرو ~~وعزل عبد الرحمن بن عبيس، وأعاد عدي بن سهيل بن عدي، وصرف عبيد الله بن ~~معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان، واستعمل على خراسان أمير بن ~~أحمر اليشكري، واستعمل على سجستان سنة أربع عمران بن الفضيل البرجمي. ومات ~~عاصم بن عمرو بكرمان. # (عبيس: بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة ثم الياء المثناة من تحتها ~~وآخره سين مهملة. وأمير بضم الهمزة [وفتح الميم وآخره راء. وكريز بن ربيعة ~~بضم الكاف وفتح الراء] ) . # ذكر انتقاض أهل فارس ثم إن أهل فارس انتفضوا ونكثوا بعبيد الله بن معمر، ~~فسار إليهم، فالتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وانهزم المسلمون، وبلغ ~~الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهل البصرة وسار بالناس إلى فارس فالتقوا ~~بإصطخر، وكان على ميمنته أبو برزة الأسلمي، وعلى ميسرته معقل بن يسار، وعلى ~~الخيل عمران بن الحصين، ولكلهم صحبة، واشتد القتال، فانهزم الفرس وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة، وفتحت إصطخر عنوة، وأتى ms0930 دارابجرد وقد غدر أهلها ففتحها، وسار ~~إلى مدينة جور، وهي أردشير خره، # PageV02P473 # فانتقضت إصطخر فلم يرجع، وتمم السير إلى جور وحاصرها، وكان هرم بن حيان ~~محاصرا لها، وكان المسلمون يحاصرونها وينصرفون عنها فيأتون إصطخر ويغزون ~~نواحي كانت تنتقض عليهم، فلما نزل ابن عامر عليها فتحها. # وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام يصلي ذات ليلة، وإلى جانبه جراب له ~~فيه خبز ولحم، فجاء كلب فجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفي، ~~فلزم المسلمون ذلك المدخل حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة. # فلما فرغ منها ابن عامر عاد إلى إصطخر ففتحها عنوة بعد أن حاصرها واشتد ~~القتال عليها، ورميت بالمجانيق، وقتل بها خلقا كثيرا من الأعاجم، وأفني ~~أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساورة، وكانوا قد لجئوا إليها. وقيل: إن أهل ~~إصطخر لما نكثوا عاد إليها ابن عامر قبل وصوله إلى جور، فملكها عنوة، وعاد ~~إلى جور فأتى دارابجرد فملكها، وكانت منتقضة أيضا، ووطئ أهل فارس وطأة لم ~~يزالوا منها في ذل، وكتب إلى عثمان بالخبر، فكتب إليه أن يستعمل على بلاد ~~فارس هرم بن حيان اليشكري، وهرم بن حيان العبدي، والخريت بن راشد، والمنجاب ~~بن راشد، والترجمان الهجيمي، وأمره أن يفرق كور خراسان على جماعة، فيجعل ~~الأحنف على المروين، وحبيب بن قرة اليربوعي على بلخ، وخالد بن عبد الله بن ~~زهير على هراة، وأمير بن أحمر على طوس، وقيس بن هبيرة السلمي على نيسابور، ~~وبه تخرج عبد الله بن خازم، وهو ابن عمه، ثم جمعها عثمان قبل موته لقيس، ~~واستعمل أمير بن أحمر على سجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن سمرة، وهو من ~~آل حبيب بن عبد شمس، فمات عثمان وهو عليها، ومات وعمران على مكران، وعمير ~~بن عثمان بن سعد على فارس، وابن كندير القشيري على كرمان. # ثم وفد قيس بن الهيثم عبد الله بن خازم إلى ابن عامر في زمن عثمان، وكان ~~ابن عامر يكرمه، فقال لابن عامر: اكتب لي على خراسان عهدا إن خرج عنها قيس. ms0931 ~~ففعل، فرجع إلى خراسان، فلما قتل عثمان وجاش العدو قال ابن خازم لقيس: ~~الرأي أن تخلفني وتمضي حتى تنظر فيما ينظرون فيه، ففعل، فأخرج ابن خازم ~~بعده عهدا # PageV02P474 # بخلافته وثبت على خراسان إلى أن قام علي بن أبي طالب. وغضب قيس من صنيع ~~ابن خازم. # (الخريت: بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون الياء تحتها نقطتان ~~وآخره تاء فوقها نقطتان) . # ذكر الزيادة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - # في هذه السنة زاد عثمان في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ربيع ~~الأول، وكان ينقل الجص من بطن نخل، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من ~~حجارة فيها رصاص، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل ~~أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب. # ذكر إتمام عثمان الصلاة بجمع وأول ما تكلم الناس فيه # حج بالناس في هذه السنة عثمان، وضرب فسطاطه بمنى، وكان أول فسطاط ضربه ~~عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ما تكلم به الناس في عثمان ~~ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي: ما ~~حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر ~~وعمر يصلون ركعتين وأنت صدرا من خلافتك، فما أدري ما ترجع إليه. فقال: رأي ~~رأيته. وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف وكان معه، فجاءه وقال له: ألم تصل في ~~هذا المكان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر وعمر ركعتين ~~وصليت أنت ركعتين؟ قال: بلى ولكني أخبرت أن بعض من حج من اليمن وجفاة الناس ~~قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي، وقد اتخذت بمكة أهلا ولي ~~بالطائف مال. فقال عبد الرحمن: ما في هذا عذر، أما قولك: اتخذت بها أهلا، ~~فإن زوجك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وإنما تسكن بسكناك، وأما مالك بالطائف ~~فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم، فقد كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل عليه الوحي ms0932 والإسلام قليل، ثم أبو بكر ~~وعمر، فصلوا ركعتين وقد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان: هذا رأي رأيته. # PageV02P475 # فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: أبا محمد، غير ما تعلم. قال: فما ~~أصنع؟ قال: اعمل بما ترى وتعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شر وقد صليت ~~بأصحابي أربعا. فقال عبد الرحمن: قد صليت بأصحابي ركعتين وأما الآن فسوف ~~أصلي أربعا. # وقيل: كان ذلك سنة ثلاثين. # PageV02P476 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين] # (30) # ثم دخلت سنة ثلاثين # ذكر عزل الوليد عن الكوفة وولاية سعيد # في هذه السنة عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص، ~~وقد تقدم سبب ولاية الوليد على الكوفة في السنة الثانية من خلافة عثمان، ~~وأنه كان محبوبا إلى الناس، فبقي كذلك خمس سنين وليس لداره باب، ثم إن ~~شبابا من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم ~~وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي، وكان قد انتقل من ~~المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد، فصاح بهم أبو شريح، فلم يلتفتوا ~~وقتلوا ابن الحيسمان، وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي ~~مورع الأسدي، وشبيل بن أبي الأزدي وغيرهم، فشهد عليهم أبو شريح وابنه، فكتب ~~فيهم الوليد إلى عثمان، فكتب عثمان بقتلهم، فقتلهم على باب القصر، ولهذا ~~السبب أخذ في القسامة بقول ولي المقتول عن ملإ من الناس ليفطم الناس عن ~~القتل. # وكان أبو زبيد الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب، وكانوا أخواله، ~~فظلموه دينا له، فأخذ له الوليد حقه إذ كان عاملا عليهم، فشكر أبو زبيد ذلك ~~له، وانقطع إليه وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانيا، فأسلم عند الوليد ~~وحسن إسلامه، فبينما هو عنده أتى آت أبا زينب وأبا مورع وجندبا، وكانوا ~~يحفرون للوليد منذ قتل أبناءهم ويضعون له العيون، فقال لهم: إن الوليد وأبا ~~زبيد يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفرا من أهل الكوفة، فاقتحموا عليه ~~فلم يروا، فأقبلوا يتلاومون وسبهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان. # وجاء جندب ورهط معه ms0933 إلى ابن مسعود فقالوا له: إن الوليد يعتكف على الخمر، # PageV02P477 # وأذاعوا ذلك. فقال ابن مسعود: من استتر عنا لم نتبع عورته. فعاتبه الوليد ~~على قوله حتى تغاضبا. ثم أتي الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن ~~حده، واعترف الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر ~~الحمار ويخرج من فيه، فأمره ابن مسعود بقتله. فلما أراد الوليد قتله أقبل ~~الناس ومعهم جندب فضرب الساحر فقتله، فحبسه الوليد وكتب إلى عثمان فيه، ~~وأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب أصحابه، وخرجوا إلى عثمان يستعفون من ~~الوليد، فردهم خائبين. فلما رجعوا أتاهم كل موتور فاجتمعوا معهم على رأيهم، ~~ودخل أبو زينب وأبو مورع وغيرهما على الوليد فتحدثوا عنده، فنام فأخذا ~~خاتمه وسارا إلى المدينة، واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك، ~~فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان صفتهما كذا وكذا. فاتهمهما وقال: هما أبو ~~زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما، فلم يوجدا. # فقدما على عثمان ومعهما غيرهما، وأخبراه أنه شرب الخمر، فأرسل إلى ~~الوليد، فقدم المدينة، ودعا بهما عثمان فقال: أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب؟ ~~فقالا: لا. قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر. فأمر سعيد ~~بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوة بين أهليهما، فكان على الوليد خميصة فأمر ~~علي بن أبي طالب بنزعها لما جلد. # هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن الذي جلده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ~~لأن عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها! ~~فأمر عبد الله بن جعفر فجلده أربعين. فقال علي: أمسك، جلد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأبو بكر أربعين وجلد عثمان ثمانين وكل سنة وهذا أحب ~~إلي. # وقيل: إن الوليد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا ثم التفت إليهم وقال: ~~أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم، وشهدوا عليه ~~عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي عبد الله بن جعفر فجلده، وقال ~~الحطيئة: # شهد الحطيئة ms0934 يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر # نادى وقد تمت صلاتهم: أأزيدكم؟ سكرا وما يدري # فأبوا أبا وهب ولو أذنوا لقرنت بين الشفع والوتر # كفوا عنانك إذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري # PageV02P478 # فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله، وولى سعيد بن العاص بن أمية، ~~وكان سعيد قد ربي في حجر عمر، فلما فتح الشام قدمه، فأقام مع معاوية، فذكر ~~عمر يوما قريشا، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام، فاستقدمه، فقدم عليه، فقال ~~له: قد بلغني عنك بلاء وصلاح فازدد يزدك الله خيرا. وقال له: هل لك من ~~زوجة؟ قال: لا. وجاء عمر بنات سفيان بن عويف ومعهن أمهن، فقالت أمهن: هلك ~~رجالنا وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهن في أكفائهن. فزوج سعيدا إحداهن، ~~وزوج عبد الرحمن بن عوف أخرى. وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له: ~~قد هلك رجالنا وبقي الصبيان، فضعنا في أكفائنا، فزوج سعيدا إحداهن، وجبير ~~بن مطعم الأخرى. وكان عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة، فلم يمت عمر حتى ~~كان سعيد من رجال قريش. فلما استعمله عثمان سار حتى أتى الكوفة أميرا، ورجع ~~معه الأشتر، وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله، وجثامة بن صعب بن جثامة، ~~وكانوا ممن شخص مع الوليد يعينونه فصاروا عليه، فقال بعض شعراء الكوفة: # فررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا # يلينا من قريش كل عام ... أمير محدث أو مستشار # لنا نار نخوفها فنخشى ... وليس لهم، فلا يخشون، نار # فلما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله ~~لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن أتمر، ألا إن ~~الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، ~~وإني لرائد نفسي اليوم. # ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها، فكتب إلى عثمان أن أهل الكوفة ~~قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة، والغالب على تلك ~~البلاد روادف قدمت، وأعراب لحقت، ms0935 حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ~~ولا نازلتها. # PageV02P479 # فكتب إليه عثمان: أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ومن فتح الله عليه ~~تلك البلاد، وليكن من نزلها من غيرهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن ~~الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعا ~~بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل. # فأرسل سعيد إلى أهل الأيام والقادسية فقال: أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ ~~عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة. وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق ~~والروادف. وجعل القراء في سمره، ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب سعيد إلى ~~عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه. فقالوا له: أصبت، لا تطعهم ~~فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم يحتملها ~~وأفسدها. فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا فقد دبت إليكم ~~الفتن، وإني والله لأتخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم، حتى ~~يأتي من شهد مع أهل العراق سهمه، فيقيم معه في بلاده. فقالوا: كيف تنقل ~~إلينا سهمنا من الأرضين؟ فقال: يبيعها من شاء بما كان له بالحجاز واليمن ~~وغيرهما من البلاد. ففرحوا وفتح الله لهم أمرا لم يكن في حسابهم، وفعلوا ~~ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة، وجاز لهم عن تراض منهم ومن الناس وإقرار ~~بالحقوق. # ذكر غزو سعيد بن العاص طبرستان # في هذه السنة غزا سعيد بن العاص طبرستان، فإنها لم يغزها أحد إلى هذه ~~السنة. وقد تقدم في أيام عمر الخلاف في ذلك، وأن إصبهبذها صالح سويد بن ~~مقرن أيام عمر على مال بذله. وأما على هذا القول فإن سعيدا غزاها من الكوفة ~~سنة ثلاثين، ومعه الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر بن الخطاب وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وخرج ابن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيدا ونزل ~~نيسابور، ونزل سعيد قومس، وهي صلح، صالحهم حذيفة ms0936 بعد نهاوند، فأتى جرجان ~~فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة، وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان، ~~على البحر، فقاتله أهلها، فصلى صلاة الخوف، أعلمه حذيفة كيفيتها، وهم ~~يقتتلون. وضرب سعيد يومئذ رجلا بالسيف على حبل عاتقه، فخرج السيف من تحت ~~مرفقه، وحاصرهم، فسألوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم # PageV02P480 # رجلا واحدا، (ففتحوا الحصن فقتلوا جميعا إلا رجلا واحدا) ، وحوى ما في ~~الحصن، فأصاب رجل من بني نهد سفطا عليه قفل، فظن أن فيه جوهرا، وبلغ سعيدا ~~فبعث إلى النهدي فأتاه بالسفط، فكسروا قفله فوجدوا فيه سفطا، ففتحوه فوجدوا ~~خرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء وفيها أيران كميت وورد. فقال شاعر ~~يهجو بني نهد: # آب الكرام بالسبايا غنيمة ... وآب بنو نهد بأيرين في سفط # كميت وورد وافرين كلاهما ... فظنوهما غنما فناهيك من غلط # وفتح سعيد نامية، وليست بمدينة، هي صحارى. # ومات مع سعيد محمد بن الحكم بن أبي عقيل جد يوسف بن عمر. ثم رجع سعيد، ~~فمدحه كعب بن جعيل فقال: # فنعم الفتى إذا حال جيلان دونه ... وإذ هبطوا من دستبى ثم أبهرا # في أبيات. ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحيانا مائة ألف، ~~وأحيانا مائتي ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، ويقولون: هذا صلح صلحنا، وربما ~~منعوه، ثم امتنعوا وكفروا، فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف ~~شديد منهم. كان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان إلى خراسان، وأول من ~~صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. وقدمها يزيد بن المهلب ~~فصالح صول، وفتح البحيرة ودهستان، وصالح أهل جرجان على صلح سعيد. # ذكر غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف # وفيها صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة، ~~وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان، وكانوا يجعلون الناس ردءا، ~~فأقام حتى # PageV02P481 # عاد حذيفة ثم رجعا. فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في ~~سفرتي هذه أمرا، لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن، ثم لا يقومون عليه ms0937 أبدا. ~~قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة ~~غيرهم، وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم ~~خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وإنهم قرءوا على ابن ~~مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك، وإنهم قرءوا على أبي موسى، ويسمون ~~مصحفه لباب القلوب. فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما ~~يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكثير من التابعين. ~~وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب ~~حذيفة ومن وافقه، وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال ~~حذيفة: والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس ~~وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام وتفرق الناس، وغضب حذيفة ~~وسار إلى عثمان فأخبره بالذي رأى، وقال: أنا النذير العريان فأدركوا الأمة. ~~فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعا ما رأى حذيفة. # فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها. وكانت هذه ~~الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم ~~اليمامة قال عمر لأبي بكر: إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم ~~اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى ~~أن تأمر بجمع القرآن، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرقاع والعسب ~~وصدور الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها ~~حفصة فكانت عندها. # فأرسل عثمان إليها [من] أخذها منها، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن ~~الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، ~~وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا. ~~فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف، وحرق ما ~~سوى ذلك، وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سوى ذلك. ms0938 فكل الناس عرف فضل هذا ~~الفعل، إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا من ~~ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك، فإنكم والله قد ~~سبقتم سبقا بينا، فاربعوا على ظلعكم. ولما قدم علي # PageV02P482 # الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف، فصاح به وقال: ~~اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك، فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله. # ذكر سقوط خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - في بئر أريس # وفيها وقع خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من يد عثمان في بئر أريس، ~~وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فما أدرك قعرها بعد. # «وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذه لما أراد أن يكاتب الأعاجم ~~يدعوهم إلى الله - تعالى -، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما، ~~فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعمل له خاتم من حديد، فلما عمل ~~جعله في إصبعه، فأتاه جبرائيل فنهاه عنه، فنبذه، وأمر فعمل له خاتم من نحاس ~~وجعله في إصبعه، فقال له جبرائيل: انبذه، فنبذه، وأمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بخاتم من فضة، فصنع له، فجعله في إصبعه، فأمره جبرائيل أن ~~يقره، فأقره. وكان نقشه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فتختم ~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي،» ثم تختم به أبو بكر حتى ~~توفي، ثم عمر حتى توفي، ثم تختم به عثمان ست سنين. فحفروا بئرا بالمدينة ~~شربا للمسلمين، فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم فسقط من يده في ~~البئر، فطلبوه فيها ونزحوا ما فيها من الماء فلم يقدروا عليه، فجعل فيه ~~مالا عظيما لمن جاء به، واغتم لذلك غما شديدا. فلما يئس منه صنع خاتما آخر ~~على مثاله ونقشه فبقي في إصبعه حتى هلك، فلما قتل ذهب الخاتم فلم يدر من ~~أخذه. # ذكر ms0939 تسيير أبي ذر إلى الربذة # وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر، وإشخاص معاوية إياه من الشام ~~إلى المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة، من سب معاوية إياه وتهديده ~~بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه ~~الشنيع، لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للإمام ~~أن يؤدب رعيته، وغير ذلك من # PageV02P483 # الأعذار، لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه، كرهت ذكرها. # وأما العاذرون فإنهم قالوا: لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر ~~فقال: يا أبا ذر ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله! ألا إن كل شيء ~~لله، كأنه يريد أن يحتجبه دون الناس، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر ~~فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة؟ قال: يرحمك الله ~~يا أبا ذر! ألسنا عباد الله والمال ماله؟ قال: فلا تقله. قال: سأقول مال ~~المسلمين. وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له مثل ذلك. فقال: أظنك ~~[والله] يهوديا! فأتى عبادة بن الصامت، فتعلق به عبادة وأتى به معاوية ~~فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر. # وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت ~~يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله، أو يعده لكريم، ويأخذ بظاهر ~~القرآن {الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم} [التوبة: 34] . فكان يقوم بالشام ويقول: يا معشر الأغنياء واسوا ~~الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو ~~من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك ~~وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الأغنياء ما يلقون منهم. فأرسل معاوية إليه ~~بألف دينار في جنح الليل فأنفقها. فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي ~~أرسله إليه فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه ~~أرسلني إلى غيرك ms0940 وإني أخطأت بك. ففعل ذلك. فقال له أبو ذر: يا بني قل له: ~~والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها. ~~فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ضيق علي، ~~وقد كان كذا وكذا، للذي يقوله الفقراء. فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد ~~أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إلي، ~~وابعث معه دليلا وكفكف الناس ونفسك ما استطعت. وبعث إليه بأبي ذر. # فلما قدم المدينة، ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال: بشر أهل المدينة ~~بغارة شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ذرب ~~لسانك؟ # PageV02P484 # فأخبره. فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي، وأن أدعو الرعية إلى ~~الاجتهاد والاقتصاد، وما علي أن أجبرهم على الزهد. فقال أبو ذر: لا ترضوا ~~من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف، ويحسنوا إلى الجيران والإخوان، ويصلوا ~~القرابات. فقال كعب الأحبار، وكان حاضرا: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه. ~~فضربه أبو ذر فشجه، وقال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا؟ فاستوهب ~~عثمان كعبا شجته، فوهبه. فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من ~~المدينة، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بالخروج منها إذا بلغ ~~البناء سلعا. فأذن له، فنزل الربذة وبنى بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من ~~الإبل، وأعطاه مملوكين وأجرى عليه كل يوم عطاء، وكذلك على رافع بن خديج، ~~وكان قد خرج أيضا عن المدينة لشيء سمعه. # وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيا، أخرج معاوية إليه ~~أهله، فخرجوا ومعهم جراب مثقل يد الرجل، فقال: انظروا إلى هذا الذي يزهد في ~~الدنيا ما عنده؟ فقالت امرأته: والله ما هو دينار ولا درهم، ولكنها فلوس، ~~كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا. ولما نزل الربذة أقيمت الصلاة ~~وعليها رجل يلي الصدقة، فقال: «تقدم يا أبا ذر. فقال: لا، تقدم أنت، فإن ms0941 ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لي: اسمع وأطع وإن كان عليك عبد ~~مجدع» ، فأنت عبد ولست بأجدع، وكان من رقيق الصدقة اسمه مجاشع. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء. [الوفيات] # وفيها مات حاطب بن أبي بلتعة اللخمي وهو من أهل بدر. # PageV02P485 # (حاطب: بالحاء المهملة. وبلتعة بالباء الموحدة، ثم التاء المثناة من فوق ~~بوزن مقرعة) . # وفيها مات عمرو بن أبي سرح الفهري، وكان بدريا. وفيها مات مسعود بن ~~الربيع، وقيل: ابن ربيعة بن عمرو القاري - من القارة - أسلم قبل دخول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، وشهد بدرا، وكان عمره قد جاوز الستين. ~~وفيها مات عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، شهد بدرا، وكان على غنائم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها وفي غيرها. وفيها مات عبد الله بن مظعون ~~أخو عثمان وكان بدريا، وجبار بن صخر، وهو بدري أيضا. # PageV02P486 # (جبار: بالجيم وآخره راء) . # PageV02P487 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين] ### | 31 - # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين # ذكر غزوة الصواري # قيل: وفي هذه السنة كانت غزوة الصواري، وقيل: كانت سنة أربع وثلاثين، ~~وقيل: في سنة إحدى وثلاثين كانت غزوة الأساورة، وقيل: كانتا معا سنة إحدى ~~وثلاثين، وكان على المسلمين معاوية، وكان جمع الشام له أيام عثمان. # وسبب جمعه له أن أبا عبيدة بن الجراح لما حضر استخلف على عمله عياض بن ~~غنم، وكان خاله وابن عمه، وكان جوادا مشهورا، وقيل: استخلف معاذ بن جبل، ~~على ما تقدم، فمات عياض واستخلف عمر بعده سعيد بن حذيم الجمحي، ومات سعيد ~~وأمر عمر مكانه عمير بن سعد الأنصاري، ومات عمر وعمير على حمص وقنسرين، ~~ومات يزيد بن أبي سفيان، فجعل عمر مكانه أخاه معاوية، فاجتمعت لمعاوية ~~الأردن ودمشق، ومرض عمير بن سعد فاستعفى عثمان واستأذنه في الرجوع إلى ~~أهله، فأذن له، وضم عثمان حمص وقنسرين إلى معاوية، ومات عبد الرحمن بن ~~علقمة، وكان على فلسطين، فضم عثمان عمله إلى معاوية فاجتمع الشام لمعاوية ~~لسنتين ms0942 من إمارة عثمان، فهذا كان سبب اجتماع الشام له. # وأما سبب هذه الغزوة، فإن المسلمين لما أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم ~~وسبوهم، خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له لم تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام، ~~فخرجوا في # PageV02P488 # خمسمائة مركب أو ستمائة، وخرج المسلمون وعلى أهل الشام معاوية بن أبي ~~سفيان، وعلى البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكانت الريح على المسلمين ~~لما شاهدوا الروم، فأرسى المسلمون والروم وسكنت الريح، فقال المسلمون: ~~الأمان بيننا وبينكم، فباتوا ليلتهم والمسلمون يقرءون القرآن ويصلون ~~ويدعون، والروم يضربون بالنواقيس، وقربوا من الغد سفنهم، وقرب المسلمون ~~سفنهم، فربطوا بعضها مع بعض، واقتتلوا بالسيوف والخناجر، وقتل من المسلمين ~~بشر كثير، وقتل من الروم ما لا يحصى، وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا في موطن ~~قط مثله، ثم أنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحا، ولم ينج ~~من الروم إلا الشريد. وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة ~~أياما ورجع. فكان أول ما تكلم به محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر في ~~أمر عثمان في هذه الغزوة وأظهرا عيبه، وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر، ~~ويقولان: استعمل عبد الله بن سعد رجلا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قوما أدخلهم، ونزع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستعمل سعيد بن ~~العاص وابن عامر. فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في ~~مركب ما معهما إلا القبط، فلقوا العدو، فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالا، ~~فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع عبد الله بن سعد؟ استعمله عثمان، ~~وعثمان فعل كذا وكذا. فأرسل إليهما عبد الله ينهاهما ويتهددهما، ففسد الناس ~~بقولهما، وتكلموا ما لم يكونوا ينطقون به. # وأما قسطنطين، فإنه سار في مركبه إلى صقلية، فسأله أهلها عن حاله، ~~فأخبرهم. فقالوا: أهلكت النصرانية وأفنيت رجالها! لو أتانا العرب لم يكن ~~عندنا ms0943 من يمنعهم. ثم # PageV02P489 # أدخلوه الحمام وقتلوه، وتركوا من كان معه في المركب (وأذنوا لهم في ~~المسير إلى القسطنطينية) . # (وقيل: في هذه السنة فتحت أرمينية على يد حبيب بن مسلمة، وقد تقدم ذكر ~~ذلك. # ذكر مقتل يزدجرد بن شهريار # في هذه السنة هرب يزدجرد من فارس إلى خراسان، في قول بعضهم، وقد تقدم ~~الخلاف فيه، وكان ابن عامر قد خرج من البصرة حين وليها إلى فارس فافتتحها، ~~وهرب يزدجرد من جور، وهي أردشير خره، في سنة ثلاثين، فوجه ابن عامر في أثره ~~مجاشع بن مسعود، وقيل: هرم بن حيان العبدي، وقيل: هرم بن حيان اليشكري، ~~فاتبعه إلى كرمان، فهرب يزدجرد إلى خراسان. وأصاب مجاشع بن مسعود ومن معه ~~الثلج والدمق واشتد البرد، وكان الثلج قيد رمح، فهلك الجند، وسلم مجاشع ~~ورجل معه جارية، فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب. فلما كان الغد جاء فوجدها ~~حية فحملها. فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه، وهو على خمسة ~~فراسخ أو ستة من السيرجان من أعمال كرمان. # هذا على قول من يقول: إن هرب يزدجرد من فارس كان هذه السنة. # وأما سبب قتله، على ما تقدم ذكره من (فتح فارس وخراسان) ، فقد اختلف ~~الناس في سبب قتله، فقيل: إنه هرب من كرمان في جماعة إلى مرو، ومعه خرزاد ~~أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق، ووصى به ماهويه مرزبان مرو، فسأله يزدجرد ~~مالا فمنعه، # PageV02P490 # فخافه أهل مرو على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه ~~فبيتوه، فقتلوا أصحابه، فهرب يزدجرد ماشيا إلى شط المرغاب، فأوى إلى بيت ~~رجل ينقر الأرحاء، فلما نام قتله. وقيل: بل بيته أهل مرو، ولم يستنصروا ~~بالترك، فقتلوا أصحابه وهرب منهم، فقتله النقار، وتبعوا أثره إلى بيت الذي ~~ينقر الأرحاء، فأخذوه وضربوه، فأقر بقتله فقتلوه وأهله. # وكان يزدجرد قد وطئ امرأة بها، فولدت له غلاما ذاهب الشق، ولدته بعد قتله ~~فسمي المخدج، فولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة بن مسلم حين افتتح الصغد ~~وغيرها جاريتين من ولد المخدج، فبعث ms0944 بهما أو بأحدهما إلى الحجاج، فبعث بها ~~إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص. وأخرج ~~يزدجرد من النهر في تابوت وحمل إلى إصطخر فوضع في ناووس هناك. # وقيل: إن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند إلى أرض أصبهان، وبها رجل يقال له ~~مطيار كان قد أصاب من العرب شيئا يسيرا، فصار له بها محل كبير، فأتى مطيار ~~يزدجرد ذات يوم، فحجبه بوابه ليستأذن له، فضربه وشجه، فدخل البواب على ~~يزدجرد مدمى، فرحل عن أصبهان من ساعته فأتى الري، فخرج إليه صاحب طبرستان ~~وعرض عليه بلاده وأخبره بحصانتها، فلم يجبه. # وقيل: مضى من فوره ذلك إلى سجستان، ثم سار إلى مرو في ألف فارس، وقيل: بل ~~قصد فارس فأقام بها أربع سنين، ثم أتى كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاثا فطلب ~~إليه دهقانه شيئا، فلم يجبه، فجره برجله وطرده عن بلاده، فسار إلى سجستان ~~فأقام بها نحوا من خمس سنين، ثم عزم على قصد خراسان ليجمع الجموع ويسير بهم ~~إلى العرب، فسار إلى مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه فرخزاد. فلما ~~قدم مرو كاتب ملوك الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر يستمدهم، وكان ~~الدهقان يومئذ بمرو ماهويه أبو براز، فوكل ماهويه بمرو ابنه براز ليحفظها، ~~ويمنع عنها يزدجرد خوفا من مكره، فركب يزدجرد يوما وطاف بالمدينة، وأراد ~~دخولها من بعض أبوابها، فمنعه براز، فصاح به أبوه ليفتح الباب فلم يفعل، ~~وأومأ إليه أبوه أن لا يفعل، ففطن له # PageV02P491 # رجل من أصحاب يزدجرد، فأعلمه بذلك واستأذنه في قتله، فلم يأذن له. # وقيل: أراد يزدجرد صرف الدهقنة عن ماهويه إلى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ~~ماهويه، فعمل في هلاك يزدجرد، فكتب إلى نيزك طرخان يدعوه إلى القدوم عليه ; ~~ليتفقا على قتله ومصالحة العرب عليه، وضمن له إن فعل أن يعطيه كل يوم ألف ~~درهم. فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب، وأنه يقدم عليه بنفسه ~~إن أبعد عسكره وفرخزاد عنه. فاستشار يزدجرد أصحابه فقال له سنجان: لست ms0945 أرى ~~أن تبعد عنك أصحابك وفرخزاد. وقال أبو براز: أرى أن تتألف نيزك وتجيبه إلى ~~ما سأل. فقبل رأيه وفرق عنه جنده، فصاح فرخزاد وشق جيبه وقال: أظنكم قاتلي ~~هذا! ولم يبرح فرخزاد حتى كتب له يزدجرد بخط يده أنه آمن وأنه قد أسلم ~~يزدجرد وأهله وما معه إلى ماهويه، وأشهد بذلك. وأقبل نيزك فلقيه يزدجرد ~~بالمزامير والملاهي، أشار عليه بذلك أبو براز، فلما لقيه تأخر عنه أبو براز ~~فاستقبله نيزك ماشيا، فأمر له يزدجرد بجنيبة من جنائبه، فركبها، فلما توسط ~~عسكره تواقفا، فقال له نيزك فيما يقول: زوجني إحدى بناتك حتى أناصحك في ~~قتال عدوك. فسبه يزدجرد، فضربه نيزك بمقرعته، وصاح يزدجرد، وركض منهزما. ~~وقتل أصحاب نيزك أصحاب يزدجرد، وانتهى يزدجرد إلى بيت طحان، فمكث فيه ثلاثة ~~أيام لم يأكل طعاما. فقال له الطحان: اخرج أيها الشقي فكل طعاما فقد جعت! ~~فقال: لست أصل إلى ذلك إلا بزمزمة، وكان عند الطحان رجل يزمزم، فكلمه ~~الطحان في ذلك ففعل وزمزم له فأكل. فلما رجع المزمزم سمع بذكر يزدجرد، فسأل ~~عن حليته، فوصفوه له، فأخبرهم به وبحليته، فأرسل إليه أبو براز رجلا من ~~الأساورة، وأمره بخنقه وإلقائه في النهر، وأتى الطحان فضربه ليدله عليه، ~~فلم يفعل وجحده. فلما أراد الانصراف عنه قال له بعض أصحابه: إني لأجد ريح ~~مسك ; ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء، فجذبه فإذا هو يزدجرد، فسأله ~~أن لا يقتله ولا يدل عليه، وجعل له خاتمه ومنطقته وسواره. فقال له: أعطني ~~أربعة دراهم وأخلي عنك، فلم يكن معه وقال: إن خاتمي لا يحصى ثمنه فخذه، ~~فأبى عليه، فقال له يزدجرد: قد كنت أخبر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم فقد ~~رأيت ذلك، ثم نزع أحد قرطيه، فأعطاه الطحان ليستر عليه، وأرادوا قتله، ~~فقال: ويحكم! إنا نجد في كتبنا أنه من قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في ~~الدنيا، فلا تقتلوني واحملوني إلى الدهقان أو إلى العرب فإنهم يستبقون ~~مثلي! فأخذوا ما عليه وخنقوه بوتر القوس وألقوه في الماء، ms0946 فأخذه أسقف مرو ~~وجعله في تابوت ودفنه. وسأل أبو # PageV02P492 # براز عن أحد القرطين، وأخذ الذي دل عليه فضربه حتى أتى على نفسه. # وقيل: بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إليها نحو مرو على الطبسين ~~وقوهستان في أربعة آلاف، فلما قارب مرو لقيه قائدان، يقال لأحدهما براز، ~~وللآخر سنجان وكانا متباغضين، فسعى براز بسنجان حتى هم يزدجرد بقتله، وأفشى ~~ذلك إلى امرأة من نسائه، ففشا الحديث، فجمع سنجان أصحابه، وقصد قصر يزدجرد، ~~فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب أيضا إلى رحى على فرسخين من مرو، فدخل بيت نقار ~~الرحى، فأطعمه الطحان، فطلب منه شيئا فأعطاه منطقته، فقال: إنما يكفيني ~~أربعة دراهم، فلم يكن معه، ثم نام يزدجرد فقتله الطحان بفأس كانت معه، وأخذ ~~ما عليه وألقى جثته في الماء وشق بطنه وثقله. # وسمع بقتله مطران كان بمرو، فجمع النصارى وقال: قتل ابن شهريار، وإنما ~~شهريار ابن شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتنا، مع ~~ما نال النصارى في ملك جده أنوشروان من الشرف، فينبغي أن نحزن لقتله ونبني ~~له ناووسا، فأجابوه إلى ذلك وبنوا له ناووسا وأخرجوا جثته وكفنوها ودفنوها ~~في الناووس. # وكان ملكه عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وست عشرة سنة في تعب من ~~محاربة العرب إياه وغلظتهم عليه، وكان آخر من ملك من آل أردشير بن بابك ~~وصفا الملك بعده للعرب. # ذكر مسير ابن عامر إلى خراسان وفتحها # لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا. فلما افتتح ابن عامر فارس ~~قام إليه حبيب بن أوس التميمي فقال له: أيها الأمير إن الأرض بين يديك ولم ~~يفتح منها إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك. قال: أولم نأمر بالمسير؟ وكره ~~أن يظهر أنه قبل رأيه. وقيل: إن ابن عامر لما فتح فارس عاد إلى البصرة، ~~واستخلف على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي، فبنى شريك مسجد إصطخر. فلما دخل ~~البصرة أتاه الأحنف بن قيس، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هارب، ولك ~~هائب، ms0947 والبلاد # PageV02P493 # واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه. فتجهز وسار واستخلف على البصرة ~~زيادا، وسار إلى كرمان، فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وله صحبة، ~~وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا أيضا، واستعمل على سجستان الربيع بن ~~زياد الحارثي، وكانوا أيضا قد غدروا ونقضوا الصلح. وسار ابن عامر إلى ~~نيسابور، وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس، فأتى الطبسين، وهما حصنان، وهما ~~بابا خراسان، فصالحه أهلهما، وسار إلى قوهستان فلقيه أهلها، وقاتلهم حتى ~~ألجأهم إلى حصنهم، وقدم عليها ابن عامر، فصالحه أهلها على ستمائة ألف درهم. ~~وقيل: كان المتوجه إلى قوهستان أمير بن أحمر اليشكري - وهي بلاد بكر بن ~~وائل - وبعث ابن عامر سرية إلى رستاق زام من أعمال نيسابور، ففتحه عنوة، ~~وفتح باخرز من أعمال نيسابور أيضا، وفتح جوين من أعمال نيسابور أيضا. # ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، وكان ناسكا، إلى ~~بيهق، من أعمالهما أيضا، فقصد قصبته ودخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيه، ~~ودخلت معه طائفة من المسلمين، فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود ~~حتى قتل هو وطائفة ممن معه، وقام بأمر الناس بعده أخوه أدهم بن كلثوم، فظفر ~~وفتح بيهق، وكان الأسود يدعو الله أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم ~~يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر بشت من نيسابور. # (وهذه بشت: بالشين المعجمة، وليست ببست التي بالسين المهملة، تلك من بلاد ~~الداون، وهذه من خراسان من نيسابور) . # وافتتح خواف وأسفرايين وأرغيان، ثم قصد نيسابور بعدما استولى على أعمالها ~~وافتتحها، فحصر أهلها أشهرا، وكان على كل ربع منها مرزبان للفرس يحفظه، ~~فطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينة، فأجيب ~~إلى ذلك، فأدخلهم ليلا ففتحوا الباب وتحصن مرزبانها الأكبر في حصنها، ومعه ~~جماعة، وطلب الأمان والصلح على جميع نيسابور، فصالحه على ألف ألف درهم، ~~وولى نيسابور قيس بن الهيثم السلمي، وسير جيشا إلى نسا وأبيورد فافتتحوها ~~صلحا، وسير سرية # PageV02P494 # أخرى إلى سرخس مع عبد ms0948 الله بن خازم السلمي، فقاتلوا أهلها ثم طلبوا ~~الأمان والصلح على أمان مائة رجل، فأجيبوا إلى ذلك، فصالحهم مرزبانها على ~~ذلك، وسمى مائة رجل ولم يذكر نفسه فقتله، ودخل سرخس عنوة. # وأتى مرزبان طوس إلى ابن عامر فصالحه عن طوس على ستمائة درهم، وسير جيشا ~~إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم، وقيل غيره، فبلغ مرزبان هراة ذلك، فسار ~~إلى ابن عامر فصالحه عن هراة وباذغيس وبوشنج. وقيل: بل سار ابن عامر في ~~الجيش إلى هراة، فقاتله أهلها ثم صالحه مرزبانها على ألف ألف درهم، ولما ~~غلب ابن عامر على هذه البلاد أرسل إليه مرزبان مرو فصالحه على ألفي ألف ~~ومائتي ألف درهم، وقيل غير ذلك، وأرسل ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلي ~~إلى مرزبانها، وكانت مرو كلها صلحا إلا قرية منها يقال لها سنج، فإنها أخذت ~~عنوة (وهي بكسر السين المهملة والنون الساكنة وآخرها جيم) . ووجه ابن عامر ~~الأحنف بن قيس إلى طخارستان، فمر برستاق يعرف برستاق الأحنف، ويدعى ~~سوانجرد، فحصر أهلها، فصالحوه على ثلاثمائة ألف درهم، فقال الأحنف: أصالحكم ~~على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه، ويقيم فيكم حتى ينصرف. فرضوا بذلك، ~~ومضى الأحنف إلى مرو الروذ فقاتله أهلها فقتلهم وهزمهم وحصرهم، وكان ~~مرزبانها من أقارب باذان صاحب اليمن، فكتب إلى الأحنف: إنه دعاني إلى الصلح ~~إسلام باذان، فصالحه على ستمائة ألف، وسير الأحنف سرية، فاستولت على رستاق ~~بغ واستاقت منه مواشي، ثم صالحوا أهله. وجمع له أهل طخارستان، فاجتمع أهل ~~الجوزجان والطالقان والفارياب ومن حولهم في خلق كثير، فالتقوا واقتتلوا، ~~وحمل ملك الصغانيان على الأحنف، فانتزع الأحنف الرمح من يده وقاتل قتالا ~~شديدا، فانهزم المشركون وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا كيف شاءوا، وعاد إلى ~~مرو الروذ، ولحق بعض العدو بالجوزجان، فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس ~~التميمي في # PageV02P495 # خيل وقال: يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعدل أموركم، وابدءوا بجهاد ~~بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم. # فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان فكانت بالمسلمين جولة، ms0949 ثم عادوا فهزموا ~~المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة، فقال ابن الغريزة النهشلي: # سقى صوب السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان # إلى القصرين من رستاق خوت ... أقادهم هناك الأقرعان # وفتح الأحنف الطالقان صلحا، وفتح الفارياب، وقيل: بل فتحها أمير بن أحمر، ~~ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي مدينة طخارستان، فصالحه أهلها على أربعمائة ~~ألف، وقيل: سبعمائة ألف، واستعمل على بلخ أسيد بن المتشمس، ثم سار إلى ~~خوارزم، وهي على نهر جيحون، فلم يقدر عليها، فاستشار أصحابه، فقال له حضين ~~بن المنذر: قال عمرو بن معد يكرب: # إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # فعاد إلى بلخ وقد قبض أسيد صلحها، ووافق وهو يجيبهم المهرجان، فأهدوا له ~~هدايا كثيرة من دراهم ودنانير ودواب وأوان وثياب وغير ذلك، فقال لهم: ما ~~صالحناهم على هذا! : فقالوا لا، ولكن هذا شيء نفعله في هذا اليوم بأمرائنا. ~~فقال: ما أدري ما هذا ولعله من حقي، ولكن أقبضه حتى أنظر، فقبضه حتى قدم ~~الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا ما قالوا لأسيد، فحمله إلى ابن عامر ~~وأخبره عنه، فقال: خذه يا أبا بحر. قال: لا حاجة لي فيه. فأخذه ابن عامر. ~~قال الحسن البصري: # فضمه القرشي ... ، وكان مضما. # ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك، ~~فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري لله على ذلك أن ~~أخرج محرما من موقفي هذا. فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على عثمان واستخلف ~~على خراسان قيس بن الهيثم، فسار قيس بعد شخوصه في أرض طخارستان، فلم يأت ~~بلدا # PageV02P496 # منها إلا صالحه أهله وأذعنوا له، حتى أتى سمنجان فامتنعوا عليه، فحصرهم ~~حتى فتحها عنوة. # (أسيد: بفتح الهمزة وكسر السين. وحضين بن المنذر: بالضاد المعجمة) . # ذكر فتح كرمان # لما سار ابن عامر عن كرمان إلى خراسان واستعمل مجاشع بن مسعود السلمي على ~~كرمان، على ما ذكرناه قبل، أمره أن يفتحها، وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ~~ففتح هميد عنوة واستبقى أهلها وأعطاهم أمانا، وبنى ms0950 بها قصرا يعرف بقصر ~~مجاشع، وأتى السيرجان، وهي مدينة كرمان، فأقام عليها أياما يسيرة وأهلها ~~متحصنون، فقاتلهم وفتحها عنوة، فجلا كثير من أهلها عنها، وفتح جيرفت عنوة، ~~وسار في كرمان فدوخ أهلها، وأتى القفص وقد تجمع له خلق كثير من الأعاجم ~~الذين جلوا، فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا ~~البحر، ولحق بعضهم بمكران وبعضهم بسجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم ~~فعمروها، واحتفروا لها القني في مواضع منها، وأدوا العشر منها. # ذكر فتح سجستان وكابل وغيرهما # قد تقدم فتح سجستان أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا بعده. فلما ~~توجه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي، فقطع ~~المفازة حتى أتى حصن زالق، فأغار على أهله يوم مهرجان وأخذ الدهقان، فافتدى ~~نفسه بأن غرز عنزة وغمرها ذهبا وفضة، وصالحه على صلح فارس. ثم أتى بلدة ~~يقال لها كركويه، فصالحه أهلها، وسار إلى زرنج فنزل على مدينة روشت بقرب ~~زرنج، فقاتله أهلها وأصيب رجال من المسلمين. ثم انهزم المشركون وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة، وأتى الربيع ناشروذ ففتحها، ثم أتى شرواذ فغلب عليها، وسار ~~منها إلى زرنج فنازلها وقاتله أهلها فهزمهم وحصرهم، فأرسل إليه مرزبانها ~~ليصالحه واستأمنه على نفسه ليحضر عنده فأمنه، وجلس له الربيع على جسد من ~~أجساد القتلى واتكأ على آخر، وأمر أصحابه ففعلوا مثله، فلما رآهم المرزبان ~~هاله ذلك فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب، ودخل المسلمون ~~المدينة. ثم سار منها إلى سناروذ، وهي واد، فعبره وأتى القرية التي بها # PageV02P497 # مربط فرس رستم الشديد، فقاتله أهلها، فظفر بهم ثم عاد إلى زرنج وأقام بها ~~نحو سنة، وعاد إلى ابن عامر، واستخلف عليها عاملا، فأخرج أهلها العامل ~~وامتنعوا. # فكانت ولاية الربيع سنة ونصفا. وسبى فيها أربعين ألف رأس. وكان كاتبه ~~الحسن البصري. فاستعمل ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس على ~~سجستان، فسار إليها فحصر زرنج، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف درهم وألفي ms0951 ~~وصيف. وغلب عبد الرحمن على ما بين زرنج والكش من ناحية الهند، وغلب من ~~ناحية الرخج على ما بينه وبين الداور. فلما انتهى إلى بلد الداور حصرهم في ~~جبل الزور، ثم صالحهم ودخل على الزور، وهو صنم من ذهب، عيناه ياقوتتان، ~~فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما ~~أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان، وهي ولاية غزنة، ~~ثم عاد إلى زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن ~~أحمر اليشكري وانصرف، فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا، ولأمير يقول زياد ~~بن الأعجم: # لولا أمير هلكت يشكر ... ويشكر هلكى على كل حال # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عثمان. [الوفيات] # وفيها مات أبو الدرداء الأنصاري، وهو بدري، وقيل سنة اثنتين وثلاثين. ~~وفيها # PageV02P498 # مات أبو طلحة الأنصاري، وهو بدري، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ~~إحدى وخمسين. # PageV02P499 # وفيها مات أبو أسيد الساعدي، وقيل: مات سنة ستين، وهو على هذا القول آخر ~~من مات من البدريين. # (أسيد بضم الهمزة) . # وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، (وأخوه # PageV02P500 # الطفيل) . (وأبو سفيان بن حرب بن أمية، وهو ابن ثمان وثمانين سنة) . # PageV02P501 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين] # (32) # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين # (قيل: في هذه السنة غزا معاوية بن أبي سفيان مضيق القسطنطينية ومعه زوجته ~~عاتكة بنت قرظة، وقيل فاختة) . # ذكر ظفر الترك وقتل عبد الرحمن بن ربيعة # في هذه السنة انتصرت الخزر والترك على المسلمين. # وسببه أن الغزوات لما تتابعت عليهم تذامروا وقالوا: كنا [أمة] لا يقرن ~~بنا أحد، حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها. فقال بعضهم: إن ~~هؤلاء لا يموتون وما أصيب منهم أحد في غزوهم. وقد كان المسلمون غزوهم قبل ~~ذلك فلم يقتل منهم أحد، فلهذا ظنوا أنهم لا يموتون. فقال بعضهم: أفلا ~~تجربون؟ فكمنوا لهم في الغياض، فمر بالكمين نفر من الجند فرموهم منها ~~فقتلوهم، فتواعد رءوسهم إلى حربهم ثم اتعدوا يوما. ms0952 وكان عثمان قد كتب إلى ~~عبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب: إن الرعية قد أبطرها البطنة، فلا تقتحم ~~بالمسلمين فإني أخشى أن يقتلوا. فلم يرجع عبد الرحمن عن مقصده، فغزا نحو ~~بلنجر، وكان الترك قد اجتمعت مع الخزر، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا وقتل ~~عبد الرحمن، وكان يقال له ذو النور، وهو اسم سيفه، فأخذ أهل بلنجر جسده ~~وجعلوه في تابوت فهم يستسقون به، فلما قتل انهزم الناس وافترقوا فرقتين: ~~فرقة نحو الباب، فلقوا سلمان بن ربيعة أخا عبد الرحمن، كان قد سيره سعيد بن ~~العاص مددا # PageV02P503 # للمسلمين بأمر عثمان، فلما لقوه نجوا معه، وفرقة نحو جيلان وجرجان، فيهم ~~سلمان الفارسي وأبو هريرة، وكان في ذلك العسكر يزيد بن معاوية النخعي، ~~وعلقمة بن قيس، ومعضد الشيباني، وأبو مفرز التميمي في خباء واحد، وعمرو بن ~~عتبة، وخالد بن ربيعة، والحلحال بن ذري، والقرثع في خباء، فكانوا متجاورين ~~في ذلك العسكر، وكان القرثع يقول: ما أحسن لمع الدماء على الثياب! وكان ~~عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه: ما أحسن حمرة الدماء على بياضك! # ورأى يزيد بن معاوية أن غزالا جيء به لم ير أحسن منه فلف في ملحفة، ثم ~~دفن في قبر لم ير أحسن منه عليه ثلاثة نفر قعود، فلما استيقظ واقتتل الناس ~~رمي بحجر فهشم رأسه فمات، فكأنما زين ثوبه بالدماء وليس بتلطيخ، فدفن في ~~قبر على الصورة التي رأى. # وقال معضد لعلقمة: أعرني بردك أعصب به رأسي، ففعل، فأتى برج بلنجر الذي ~~أصيب فيه يزيد فرماهم فقتل منهم، وأتاه حجر عرادة ففضخ هامته، فأخذه أصحابه ~~فدفنوه إلى جنب يزيد، وأخذ علقمة البرد، فكان يغسله فلا يخرج أثر الدم منه، ~~وكان يشهد فيه الجمعة ويقول: يحملني على هذا أن دم معضد فيه. وأصاب عمرو بن ~~عتبة جراحة فرأى قباءه كما اشتهى ثم قتل. وأما القرثع فإنه قاتل حتى خرق ~~بالحراب، فبلغ الخبر بذلك عثمان فقال: إنا لله، انتكث أهل الكوفة، اللهم تب ~~عليهم وأقبل بهم! # وكان عثمان قد كتب إلى ms0953 سعيد بن العاص أن ينفذ سلمان إلى الباب للغزو، ~~فسيره فلقي المهزومين، على ما تقدم، فنجاهم الله به. فلما أصيب عبد الرحمن ~~استعمل سعيد سلمان بن ربيعة على الباب، واستعمل على الغزو بأهل الكوفة ~~حذيفة بن اليمان، ومدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتأمر عليهم ~~سلمان وأبو حبيب حتى قال أهل الشام: لقد هممنا بضرب سلمان. فقال الكوفيون: ~~إذن والله نضرب حبيبا ونحبسه، وإن أبيتم كثرت القتلى فينا وفيكم، وقال أوس ~~بن مغراء في ذلك: # إن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل # وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا ... وهذا أمير في الكتائب مقبل # PageV02P504 # ونحن ولاة الأمر كنا حماته # ليالي نرمي كل ثغر ونعكل # وأراد حبيب أن يتأمر على صاحب الباب كما يتأمر أمير الجيش إذا جاء من ~~الكوفة، فكان ذلك أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة والشام. وغزا حذيفة ثلاث ~~غزوات، فقتل عثمان في الثالثة، ولقيهم مقتل عثمان فقال حذيفة بن اليمان: ~~اللهم العن قتلته وشتامه! اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا فاتخذوا ذلك سلما ~~إلى الفتنة! اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف! # ذكر وفاة أبي ذر # وفيها مات أبو ذر، وكان قد قال لابنته: استشرفي يا بنية هل ترين أحدا؟ ~~قالت: # PageV02P505 # لا. قال: فما جاءت ساعتي بعد. ثم أمرها فذبحت شاة ثم طبختها ثم قال: إذا ~~جاءك الذين يدفنونني فإنه سيشهدني قوم صالحون فقولي لهم: يقسم عليكم أبو ذر ~~أن لا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين أحدا؟ ~~قالت: نعم هؤلاء ركب. قال: استقبلي بي الكعبة، ففعلت. فقال: بسم الله ~~وبالله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم مات، فخرجت ابنته ~~فتلقتهم وقالت: رحمكم الله! اشهدوا أبا ذر. قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه، ~~قالوا: نعم ونعمة عين! لقد أكرمنا الله بذلك. «وكان فيهم ابن مسعود فبكى ~~وقال: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يموت وحده ويبعث وحده» . ~~فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. وقالت لهم ابنته: إن أبا ذر ms0954 يقرأ عليكم ~~السلام، وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا وحملوا أهله معهم حتى ~~أقدموهم مكة ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم الله أبا ذر ~~ويغفر له نزوله الربذة. # ولما حضروا شموا من الخباء ريح مسك فسألوها عنه فقالت: إنه لما حضر قال: ~~إن الميت يحضره شهود يجدون الريح لا يأكلون، فدوفي مسكا لهم بماء ورشي به ~~الخباء. # وكان النفر الذين شهدوه: ابن مسعود، وأبا مفرز، وبكر بن عبد الله ~~التميميين، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، ومالك الأشتر النخعيين، ~~والحلحال الضبي، والحارث بن سويد التميمي، وعمرو بن عتبة السلمي، وابن ~~ربيعة السلمي، وأبا رافع المزني، وسويد بن شعبة التميمي، وزياد بن معاوية ~~النخعي، وأخا القرثع الضبي، وأخا معضد الشيباني. وقيل: كان موته سنة إحدى ~~وثلاثين. # PageV02P506 # وقيل: إن ابن مسعود لم يحمل أهل أبي ذر معه إنما تركهم حتى قدم على عثمان ~~بمكة فأعلمه بموته، فجعل عثمان طريقه عليهم فحملهم معه. # ذكر خروج قارن # ثم جمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقوهستان ~~وأقبل في أربعين ألفا، فقال قيس لابن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخلي ~~البلاد، فإني أميرها ومعي عهد من ابن عامر إذا كانت حرب بخراسان فأنا ~~أميرها، وأخرج كتابا كان قد افتعله عمدا، فكره قيس منازعته وخلاه والبلاد، ~~وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر وقال: قد تركت البلاد خرابا وأقبلت! ~~قال: جاءني بعهد منك. قال: فسار ابن خازم إلى قارن في أربعة آلاف، وأمر ~~الناس فحملوا الودك، فلما قرب من قارن أمر الناس أن يدرج كل رجل منهم على ~~زج رمحه خرقة أو قطنا، ثم يكثروا دهنه، ثم سار حتى أمسى، فقدم مقدمته ~~ستمائة ثم اتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران في أطراف الرماح، فانتهت ~~مقدمته إلى معسكر قارن نصف الليل فناوشوهم، وهاج الناس على دهش وكانوا ~~آمنين من البيات، ودنا ابن خازم منهم فرأوا النيران يمنة ويسرة تتقدم ~~وتتأخر وتنخفض وترتفع، فهالهم ذلك، ومقدمة ابن خازم يقاتلونهم، ثم ms0955 غشيهم ~~ابن خازم بالمسلمين فقتل قارن، فانهزم المشركون واتبعوهم يقتلونهم كيف ~~شاءوا، وأصابوا سبيا كثيرا. وكتب ابن خازم بالفتح إلى ابن عامر، فرضي وأقره ~~على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل، وأقبل إلى البصرة فشهد وقعة ~~ابن الحضرمي، وكان معه في دار سنبيل. # وقيل: لما جمع قارن استشار قيس بن الهيثم عبد الله بن خازم فيما يصنع، ~~فقال: أرى أنك لا تطيق كثرة من قد أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره ~~بكثرة العدو، ونقيم نحن في الحصون ونطاولهم ويأتينا مددكم. فخرج قيس، فلما ~~أمعن أظهر ابن خازم عهدا وقال: قد ولاني ابن عامر خراسان، فسار إلى قارن ~~فظفر به وكتب بالفتح إلى ابن عامر فأقره على خراسان، ولم يزل أهل البصرة ~~يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا عادوا تركوا أربعة آلاف نجدة. # PageV02P507 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان عمره يوم ~~مات ثمانيا وثمانين # PageV02P508 # سنة، كان أسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاث سنين. وفيها مات ~~عبد الرحمن بن عوف وعمره خمس وسبعون سنة. وعبد الله بن مسعود وصلى عليه ~~عمار بن ياسر، وقيل # PageV02P509 # عثمان. وتوفي عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان. # PageV02P510 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين] ### | 33 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين # في هذه السنة كانت غزوة معاوية حصن المرأة من أرض الروم بناحية ملطية. ~~وفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد إفريقية الثانية حين نقض أهلها العهد، ~~وفيها كان مسير الأحنف إلى خراسان وفتح المروين، ومسير ابن عامر إلى ~~نيسابور وفتحها، في قول بعضهم، وقد تقدم ذكر ذلك، وفيها كانت غزوة قبرس، في ~~قول بعضهم، وقد تقدم ذكرها مستوفى، وقيل إن فتحها كان سنة ثمان وعشرين، ~~فلما كان سنة اثنتين وثلاثين أعان أهلها الروم على الغزاة في البحر بمراكب ~~أعطوهم إياها، فغزاهم معاوية سنة ثلاث وثلاثين ففتحها عنوة فقتل وسبى، ثم ~~أقرهم على صلحهم وبعث إليهم اثني عشر ms0956 ألفا، فبنوا المساجد وبنى مدينة. ~~وقيل: كانت غزوته الثانية سنة خمس وثلاثين. # ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إلى الشام # وفي هذه السنة سير عثمان نفرا من أهل الكوفة إلى الشام. وكان السبب في ~~ذلك أن سعيد بن العاص لما ولاه عثمان الكوفة حين شهد على الوليد بشرب ~~الخمر، أمره أن يسير الوليد إليه، فقدم سعيد الكوفة وسير الوليد وغسل ~~المنبر، فنهاه رجال من بني أمية كانوا قد خرجوا معه عن ذلك، فلم يجبهم، ~~واختار سعيد وجوه الناس وأهل القادسية وقراء أهل الكوفة، فكان هؤلاء دخلته ~~إذا خلا، وأما إذا خرج فكل الناس يدخل عليه، # PageV02P511 # فدخلوا عليه يوما، فبينا هم يتحدثون قال حبيش بن فلان الأسدي: ما أجود ~~طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جوادا، ~~والله لو أن لي مثله لأعاشكم الله به عيشا رغدا. فقال عبد الرحمن بن حبيش، ~~وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط لك، يعني لسعيد، وهو ما كان للأكاسرة ~~على جانب الفرات الذي يلي الكوفة. قالوا: فض الله فاك! والله لقد هممنا بك! ~~فقال أبوه: غلام فلا تجاوزه. فقالوا: يتمنى له سوادنا. قال: ويتمنى لكم ~~أضعافه، فثار به الأشتر، وجندب، وابن ذي الحنكة، وصعصعة، وابن الكواء، ~~وكميل، وعمير بن ضابئ فأخذوه، فثار أبوه ليمنع عنه، فضربوهما حتى غشي ~~عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون حتى قضوا منهما وطرا. فسمعت بذلك بنو أسد ~~فجاءوا وفيهم طليحة، فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل فعاذوا بسعيد، فخرج ~~سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس قوم تنازعوا وقد رزق الله العافية، فردهم ~~فتراجعوا. وأفاق الرجلان فقالا: قاتلنا غاشيتك. فقال: لا يغشوني أبدا، فكفا ~~ألسنتكما ولا تحزبا الناس. ففعلا، وقعد أولئك النفر في بيوتهم وأقبلوا ~~يقعون في عثمان. # وقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر عند سعيد بن العاص وجوه أهل ~~الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبي والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس ~~النخعيان، ومالك الأشتر، وغيرهم، فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان ms0957 قريش. ~~فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ~~ولقومك؟ وتكلم القوم معه، فقال عبد الرحمن الأسدي، وكان على شرطة سعيد: ~~أتردون على الأمير مقالته؟ وأغلظ لهم. فقال الأشتر: من هاهنا؟ لا يفوتنكم ~~الرجل! فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديدا حتى غشي عليه، ثم جر برجله، فنضح بماء ~~فأفاق فقال: قتلني من انتخبت. فقال: والله لا يسمر عندي # PageV02P512 # أحد أبدا. فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيدا، واجتمع إليهم ~~الناس حتى كثروا، فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم، فكتب ~~إليهم أن يلحقوهم بمعاوية، وكتب إلى معاوية: إن نفرا قد خلقوا للفتنة فأقم ~~عليهم وانههم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل، وإن أعيوك فارددهم علي. # فلما قدموا على معاوية أنزلهم كنيسة مريم، وأجرى عليهم ما كان لهم ~~بالعراق بأمر عثمان، وكان يتغدى ويتعشى معهم، فقال لهم يوما: # إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم ~~الأمم وحويتم مواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، ولو لم تكن قريش كنتم ~~أذلة، إن أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا عن جنتكم، وإن أئمتكم يصبرون لكم على ~~الجور ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ~~السوء ولا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في ~~حياتكم وبعد وفاتكم. # فقال رجل منهم، وهو صعصعة: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ~~ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا ~~اخترقت خلص إلينا. # فقال معاوية: عرفتكم الآن وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت ~~خطيبهم ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام وتذكرني بالجاهلية! أخزى ~~الله قوما عظموا أمركم! افقهوا عني، ولا أظنكم تفقهون أن قريشا لم تعز في ~~جاهلية ولا إسلام إلا بالله تعالى، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم ~~كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في ~~الجاهلية، والناس يأكل بعضهم بعضا، إلا بالله، فبوأهم حرما آمنا ms0958 يتخطف ~~الناس من حولهم! هل تعرفون عربيا أو عجميا أو أسود أو أحمر إلا وقد أصابه ~~الدهر في بلده وحرمته إلا ما كان من قريش، فإنهم لم يردهم أحد من الناس ~~بكيد إلا جعل الله خده الأسفل، حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم واتبع دينه ~~من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خير خلقه، ثم ارتضى له ~~أصحابا فكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم، ونجعل هذه الخلافة ~~فيهم، فلا # PageV02P513 # يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم، أفتراه ~~لا يحوطهم وهم على دينه؟ أف لك ولأصحابك! # أما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر القرى! أنتنها بيتا، وأعمقها واديا، ~~وأعرفها بالشر، وألأمها جيرانا! لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سب بها، ثم ~~كانوا ألأم العرب ألقابا وأصهارا، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط، وفعلة ~~فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تسكن البحرين ~~فتشركهم في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنت شر قومك، حتى إذا ~~أبرزك الإسلام وخلطك بالناس أقبلت تبغي دين الله عوجا، وتنزع إلى الذلة، ~~ولا يضر ذلك قريشا ولا يضعهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان ~~عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم، ولا تدركون ~~بالشر أمرا أبدا إلا فتح الله عليكم شرا منه وأخزى. # ثم قام وتركهم فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: إني ~~قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا أبدا ولا يضره، ولا ~~أنتم برجال منفعة ولا مضرة، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم ~~الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلى أمير ~~المؤمنين فيكم. # فلما خرجوا دعاهم وقال لهم: إني معيد عليكم أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان معصوما فولاني وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر فولاني، ثم ~~استخلف عمر فولاني، ثم استخلف عثمان فولاني، ولم يولني أحد إلا وهو عني ms0959 ~~راض، وإنما طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعمال أهل الجزاء عن ~~المسلمين والغناء، وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا ~~لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى ~~يختبركم ويبدي للناس سرائركم. # وكتب معاوية إلى عثمان: إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، ~~أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة ~~وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم، وليسوا ~~بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فانه سعيدا ومن عنده عنهم، فإنهم ليسوا ~~لأكثر من شغب ونكير. # فخرجوا من دمشق فقالوا: لا ترجعوا بنا إلى الكوفة، فإنهم يشمتون بنا، ~~ولكن ميلوا # PageV02P514 # إلى الجزيرة، فسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان على حمص، ~~فدعاهم فقال: يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا، قد رجع الشيطان محسورا ~~وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم، يا معشر من لا أدري ~~أعرب هم أم عجم، لا تقولوا لي ما بلغني أنكم قلتم لمعاوية، أنا ابن خالد بن ~~الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة! والله لئن ~~بلغني يا صعصعة أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة ~~المهوى! فأقامهم شهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: يا ابن ~~الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما لك لا تقول كما بلغني ~~أنك قلت لسعيد ومعاوية؟ فيقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله. فما ~~زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم. وسرح الأشتر إلى عثمان، فقدم إليه ~~ثانيا، فقال له عثمان: احلل حيث شئت. فقال: مع عبد الرحمن بن خالد. فقال: ~~ذلك إليك، فرجع إليه. # قيل: وقد روي أيضا نحو ما تقدم، وزادوا فيه أن معاوية لما عاد إليهم من ~~القابلة وذكرهم كان مما قال لهم: وإني والله لا آمركم بشيء إلا وقد بدأت ~~فيه بنفسي وأهل بيتي، وقد ms0960 عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها ~~إلا ما جعل الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فإنه انتخبه وأكرمه، وإني ~~لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازما. قال صعصعة: قد كذبت! قد ~~ولدهم خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة ~~فسجدوا له، وكان فيهم البر والفاجر، والأحمق والكيس. فخرج تلك الليلة من ~~عندهم ثم أتاهم القابلة فتحدث عندهم طويلا، ثم قال: أيها القوم ردوا خيرا ~~أو اسكتوا وتفكروا، وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهاليكم والمسلمين فاطلبوه. ~~فقال صعصعة: لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله. فقال: أليس ~~أول من ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة نبيه، وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا؟ قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فقال: إني آمركم الآن إن كنت فعلت فأتوب إلى الله ~~وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولزوم الجماعة وأن ~~توقروا أئمتكم وتدلوهم على أحسن ما قدرتم عليه. فقال صعصعة: فإنا نأمرك أن ~~تعتزل عملك فإن في المسلمين من هو أحق به منك، من كان أبوه أحسن قدما في ~~الإسلام من أبيك وهو أحسن في الإسلام قدما منك. # فقال: والله إن لي في الإسلام قدما ولغيري كان أحسن قدما # PageV02P515 # مني، ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد رأى ذلك عمر ~~بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لم تكن عند عمر هوادة لي ولا لغيري، ولم ~~أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب ~~إلي فاعتزلت عمله، فمهلا فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر، ~~ولعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم وأمانيكم ما استقامت لأهل الإسلام ~~يوما ولا ليلة، فعاودوا الخير وقولوه، وإن لله لسطوات، وإني لخائف عليكم أن ~~تتابعوا في مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن، فيحلكم ذلك دار الهوان في العاجل ms0961 ~~والآجل. فوثبوا عليه وأخذوا رأسه ولحيته، فقال: مه إن هذه ليست بأرض ~~الكوفة، والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى ~~يقتلوكم، فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضا! # ثم قام من عندهم، وكتب إلى عثمان نحو الكتاب المتقدم، فكتب إليه عثمان ~~يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم فأطلقوا ألسنتهم، فضج ~~سعيد منهم إلى عثمان، فكتب إليه عثمان أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد ~~بحمص، فسيرهم إليها، فأنزلهم عبد الرحمن وأجرى عليهم رزقا، وكانوا: الأشتر، ~~وثابت بن قيس الهمداني، وكميل بن زياد، وزيد بن صوحان، وأخاه صعصعة، وجندب ~~بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق ~~الخزاعي، وابن الكواء. # قيل: سأل معاوية ابن الكواء عن نفسه قال: أنت بعيد الثرى كثير المرعى طيب ~~البديهة بعيد الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدت بك فرجة ~~مخوفة. قال: فأخبرني عن أهل الأحداث من الأمصار فإنك أعقل أصحابك. قال: أما ~~أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر وأعجزهم عنه، وأما أهل الكوفة فإنهم ~~يردون جميعا ويصدرون شتى، وأما أهل مصر فهم أوفى الناس بشر وأسرعهم ندامة، ~~وأما أهل الشام فهم أطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم. # ذكر تسيير من سير من أهل البصرة إلى الشام # ولما مضت ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر بلغه أن [في عبد القيس] ~~رجلا # PageV02P516 # نازلا على حكيم بن جبلة العبدي، وكان عبد الله بن سبأ، المعروف بابن ~~السوداء، هو الرجل النازل عليه، واجتمع إليه نفر فطرح إليهم ابن السوداء ~~ولم يصرح، فقبلوا منه، فأرسل إليه ابن عامر فسأله: من أنت؟ فقال رجل من أهل ~~الكتاب: رغبت في الإسلام وفي جوارك. فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج ~~حتى أتى الكوفة فأخرج منها، فقصد مصر فاستقر بها وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ~~وتختلف الرجال بينهم. # وكان حمران بن أبان قد تزوج امرأة في عدتها ففرق عثمان بينهما وضربه ~~وسيره إلى البصرة، فلزم ابن عامر، ms0962 فتذاكروا يوما المرور بعامر بن عبد ~~القيس، فقال حمران: ألا أسبقكم فأخبره؟ فخرج فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف ~~فقال: الأمير يريد المرور بك فأحببت أن أعلمك، فلم يقطع قراءته، فقام من ~~عنده، فلما انتهى إلى الباب لقيه ابن عامر فقال: [جئتك] من عند امرئ لا يرى ~~لآل إبراهيم عليه فضلا، ودخل عليه ابن عامر فأطبق المصحف وحدثه، فقال له ~~ابن عامر: ألا تغشانا؟ فقال: سعد بن أبي القرحاء يحب الشرف. فقال: ألا ~~نستعملك؟ فقال: حصين بن الحر يحب العمل. فقال: ألا نزوجك؟ فقال: ربيعة بن ~~عسل يعجبه النساء. فقال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلا! ~~فتصفح المصحف، فكان أول ما وقع عليه: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين} [آل عمران: 33] . # فسعى به حمران، وأقام حمران بالبصرة ما شاء الله، وأذن له عثمان فقدم ~~المدينة ومعه قوم، فسعوا بعامر بن عبد القيس أنه لا يرى التزويج ولا يأكل ~~اللحم ولا يشهد الجمعة، فألحقه بمعاوية، فلما قدم عليه رأى عنده ثريدا، ~~فأكل أكلا عربيا، فعرف أن الرجل مكذوب عليه، فعرفه معاوية سبب إخراجه، ~~فقال: أما الجمعة فإني أشهدها في مؤخر المجلس ثم أرجع في أوائل الناس، وأما ~~التزويج فإني خرجت وأنا يخطب علي، وأما اللحم فقد رأيت ولكني لا آكل ذبائح ~~القصابين منذ رأيت قصابا يجر شاة إلى مذبحها، ثم وضع السكين على حلقها فما ~~زال يقول: النفاق النفاق، حتى ذبحها. قال: فارجع. قال: لا أرجع إلى بلد ~~استحل أهله مني ما استحلوا، (فكان يكون) في السواحل، فكان يلقى معاوية ~~فيكثر معاوية أن يقول: ما حاجتك؟ فيقول: لا حاجة لي. فلما أكثر # PageV02P517 # عليه قال: ترد علي من حر البصرة شيئا لعل الصوم أن يشتد علي فإنه يخف علي ~~في بلادكم. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس عثمان. # [الوفيات] # وفيها مات المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود صاحب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأوصى أن يصلي عليه الزبير. وفيها توفي الطفيل ~~والحصين ms0963 ابنا الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وشهدا بدرا وأحدا، ~~(وقيل: ماتا سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين) . # PageV02P518 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين] # (34) # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين # قيل: فيها كانت غزوة الصواري، في قول بعضهم، وقد تقدم ذكرها. # وفيها تكاتب المنحرفون عن عثمان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون ~~أنهم نقموا عليه. # ذكر الخبر عن ذلك وعن يوم الجرعة # قد ذكرنا خبر المسيرين من الكوفة ومقامهم عند عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد، ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان، وكان ~~سعيد قد ولى قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى الأشعث بن قيس أذربيجان، ~~وسعيد بن قيس الري، والنسير العجلي همذان، والسائب بن الأقرع أصبهان، ومالك ~~بن حبيب ماه، وحكيم بن سلام الحزامي الموصل، وجرير بن عبد الله قرقيسيا، ~~وسلمان بن ربيعة الباب، وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب، وعلى حلوان عتيبة ~~بن النهاس، وخلت الكوفة من الرؤساء. فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، ~~ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم، فأخذه القعقاع بن عمرو فقال: إنما ~~نستعفي من سعيد. فقال: أما هذا فنعم، فتركه وكاتب يزيد المسيرين في القدوم ~~عليه، فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد، فسبقهم الأشتر، فلم يفجأ ~~الناس يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: جئتكم من عند أمير ~~المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم، ورد ~~أولي البلاء منكم إلى ألفين، ويزعم أن فيئكم بستان قريش. فاستخف الناس وجعل ~~أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم. # PageV02P519 # فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، ~~فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد. وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد، ~~فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بالاجتماع والطاعة، فقال له ~~القعقاع: أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات لا والله لا يسكن الغوغاء إلا ~~المشرفية، ويوشك أن تنتضى ويعجون عجيج العدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا ~~يرده الله ms0964 عليهم أبدا، فاصبر. قال: أصبر. وتحول إلى منزله، وخرج يزيد بن ~~قيس فنزل الجرعة، وهي قريب من القادسية، ومعه الأشتر، فوصل إليهم سعيد بن ~~العاص، فقالوا: لا حاجة لنا بك. قال: إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير ~~المؤمنين رجلا وإلي رجلا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد؟ ثم انصرف ~~عنهم، وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن ~~يرجع. فقتله الأشتر. ومضى سعيد حتى قدم على عثمان، فأخبره بما فعلوا وأنهم ~~يريدون البدل وأنهم يختارون أبا موسى، فجعل أبا موسى الأشعري أميرا، وكتب ~~إليهم: # أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد، والله لأقرضنكم عرضي ~~ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله ~~فيه إلا سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا ما استعفيتم منه، ~~أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على الله حجة، ولنصبرن كما أمرنا ~~حتى تبلغوا ما تريدون. ورجع من الأمراء من قرب من الكوفة، فرجع جرير من ~~قرقيسيا، وعتيبة بن النهاس من حلوان، وخطبهم أبو موسى وأمرهم بلزوم ~~الجماعة، (وطاعة عثمان) ، فأجابوا إلى ذلك وقالوا: صل بنا فقال: لا إلا على ~~السمع والطاعة لعثمان. قالوا: نعم. فصلى بهم وأتاه ولايته فوليهم. # وقيل: سبب يوم الجرعة أنه كان قد اجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا أعمال ~~عثمان فأجمع رأيهم، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثم العنبري، وهو ~~الذي # PageV02P520 # يدعى عامر بن عبد القيس، فأتاه فدخل عليه فقال له: إن ناسا من المسلمين ~~اجتمعوا ونظروا في أعمالك، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فاتق الله وتب ~~إليه. فقال عثمان: انظروا إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء ~~يكلمني في المحقرات، ووالله ما يدري أين الله! فقال عامر: بلى والله إني ~~لأدري أن الله لبالمرصاد! # فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله بن سعد وإلى سعيد بن العاص وعمرو بن ~~العاص وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال ms0965 لهم: إن لكل امرئ وزراء ~~ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا ~~إلي أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا ~~رأيكم. فقال له ابن عامر: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك ~~حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل ~~فروته. وقال سعيد: احسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف، إن لكل قوم قاعدة ~~متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان: إن هذا هو الرأي لولا ما ~~فيه. وقال معاوية: أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما ~~قبله وأكفيك أنا أهل الشام. وقال عبد الله بن سعد: إن الناس أهل طمع، ~~فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم. ثم قام عمرو بن العاص فقال: يا أمير ~~المؤمنين إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية، فقلت وقالوا وزغت وزاغوا، ~~فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما واقدم قدما. فقال له عثمان: ما لك ~~قمل فروك؟ أهذا الجد منك؟ فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال: والله يا أمير ~~المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك، ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل ~~رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا وأدفع عنك شرا. # فرد عثمان عماله إلى أعمالهم، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث، وعزم على ~~تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ورد سعيدا إلى الكوفة، فلقيه الناس من الجرعة ~~وردوه، كما سبق ذكره. قال أبو ثور الحداني: جلست إلى حذيفة، وأبي مسعود ~~الأنصاري بمسجد الكوفة يوم الجرعة، فقال أبو مسعود: ما أرى أن ترد على ~~عقبيها حتى يكون فيها دماء. فقال حذيفة: والله لتردن على عقبيها ولا يكون ~~فيها محجمة دم، وما أرى اليوم شيئا إلا وقد علمته والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حي. فرجع سعيد إلى عثمان ولم يسفك دم، وجاء أبو موسى # PageV02P521 # أميرا، وأمر عثمان حذيفة بن اليمان أن يغزو الباب ms0966 فسار نحوه. # ذكر ابتداء قتل عثمان # في هذه السنة تكاتب نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وغيرهم بعضهم إلى بعض: أن اقدموا فإن الجهاد عندنا، وعظم الناس على عثمان ~~ونالوا منه، وليس أحد من الصحابة ينهى ولا يذب إلا نفر، منهم: زيد بن ثابت، ~~وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس فكلموا علي ~~بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال له: الناس ورائي وقد كلموني فيك، والله ~~ما أدري ما أقول لك ولا أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك ~~لتعلم ما أعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما ~~خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وصحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعت ~~منه ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب ~~بأولى بشيء من الخير منك، وأنت أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رحما، ولقد نلت من صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم ينالاه، وما ~~سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من ~~جهالة، وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة. اعلم يا عثمان أن ~~أفضل عباد الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة، ~~فوالله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها ~~أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل، فأمات سنة معلومة وأحيا ~~بدعة متروكة، وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته، فإن عذابه شديد أليم، ~~وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى ~~يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، ~~يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا. # فقال عثمان: قد علمت والله ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما ~~عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرا، أن وصلت رحما وسددت خلة ~~وآويت ms0967 ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا علي هل تعلم أن ~~المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم. ~~قال: فلم تلمني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال علي: إن عمر كان يطأ ~~على صماخ من ولى إن # PageV02P522 # بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى العقوبة وأنت لا تفعل، ضعفت ورققت على ~~أقربائك. قال عثمان: وهم أقرباؤك أيضا! قال: أجل، إن رحمهم مني لقريبة، ~~ولكن الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية؟ فقد وليته. ~~فقال علي: أنشدك الله، هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ، غلام عمر، ~~له؟ قال: نعم. قال علي: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك ويقول للناس هذا أمر ~~عثمان، وأنت تعلم ذلك فلا تغير عليه. # ثم خرج علي من عنده، وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر ثم قال: أما ~~بعد فإن لكل شيء آفة ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة ~~عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسترون عنكم ما تكرهون، يقولون لكم ~~ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم البعيد، لا ~~يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، [لا] يقوم لهم رائد وقد أعيتهم ~~الأمور، ألا فقد والله عبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم ~~برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم ~~وأوطأتكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي. أما والله لأنا أعز ~~نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأحرى، إن قلت هلم أتي إلي، ولقد عددت لكم ~~أقرانا، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقا لم أكن ~~أحسنه ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم على ولاتكم، ~~فإني كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا ~~فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبلي، ولم تكونوا ~~تختلفون ms0968 عليه. # فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكمنا والله ما بيننا وبينكم السيف، ~~نحن وأنتم والله كما قال الشاعر: # فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دمن الثرى # فقال عثمان: اسكت لا سكت، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا! ألم أتقدم إليك ~~أن لا تنطق؟ فسكت مروان ونزل عثمان. (عن المنبر، فاشتد قوله على الناس وعظم ~~وزاد تألبهم عليه) . # PageV02P523 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # وحج هذه السنة بالناس عثمان. وفي هذه السنة توفي كعب الأحبار، وهو كعب بن ~~ماتع، وأسلم أيام عمر. وفيها مات أبو عبس عبد الرحمن بن جبر الأنصاري، شهد ~~بدرا. وفيها مات مسطح بن أثاثة المطلبي، وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل: # PageV02P524 # بل عاش وشهد صفين مع علي، وهو الأكثر، وكان بدريا. # وفيها توفي عبادة بن الصامت الأنصاري، وهو ممن شهد العقبة، وكان نقيبا ~~بدريا. # (وعاقل بن البكير، وهو بدري أيضا) . # PageV02P525 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين] # [ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان] ### | 35 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ### | ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان # قيل: في هذه السنة كان مسير من سار من أهل مصر إلى ذي خشب، ومسير من سار ~~من أهل العراق إلى ذي المروة. # وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا، وأسلم أيام عثمان، ثم تنقل ~~في الحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس، فلم يقدر ~~منهم على ذلك، فأخرجه أهل الشام، فأتى مصر فأقام فيهم وقال لهم: العجب ممن ~~يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدا يرجع، فوضع لهم الرجعة، فقبلت منه، ثم ~~قال لهم بعد ذلك: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز ~~وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثب على وصيه، وإن عثمان أخذها ~~بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر وابتدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس. # وبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ms0969 ما هو ~~عليه رأيهم، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم، ويكتب ~~أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا ~~بذلك الأرض إذاعة، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، ~~إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية ~~مما فيه الناس. فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي ~~يأتينا؟ فقال: ما جاءني إلا السلامة وأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا ~~علي. قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا ~~إليك بأخبارهم. # فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، # PageV02P526 # وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق ~~رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا: ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا ~~أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم. وتأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فوصل ~~كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر أن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه، ~~منهم: عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن ~~بشر. # فكتب عثمان إلى أهل الأمصار: [أما بعد] فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم، ~~وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك ~~فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي ~~المتصدقين. فلما قرئ في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان. وبعث إلى عمال ~~الأمصار فقدموا عليه في الموسم: عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سعد، ~~ومعاوية، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرا، فقال: ويحكم ما هذه الشكاية ~~والإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي! ~~فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن العوام؟ ألم يرجع رسلك ولم ~~يشافههم أحد بشيء؟ والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا، ولا ~~يحل الأخذ بهذه ms0970 الإذاعة! فقال: أشيروا علي. فقال سعيد: هذا أمر مصنوع يلقى ~~في السر فيتحدث به الناس، ودواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من ~~عنده. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتم الذي لهم ~~فإنه خير من أن تدعهم. وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم ~~إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، والرأي حسن الأدب. وقال عمرو: أرى ~~أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم ~~طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين. # فقال عثمان: قد سمعت كل ما أشرتم به علي، ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا ~~الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن ~~فنكفكفه باللين والمؤاتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة ~~حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا، وإن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى ~~لعثمان إن مات ولم يحركها. سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، فإذا تعوطيت حقوق ~~الله فلا تدهنوا فيها. فلما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل على ~~الطريق رجز به الحادي فقال: # PageV02P527 # قد علمت ضوامر المطي ... وضمرات عوج القسي # أن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف رضي # [وطلحة الحامي لها ولي # فقال كعب: كذبت بل يلي بعده صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية - فطمع ~~فيها من يومئذ. # فلما قدم عثمان المدينة دعا عليا وطلحة والزبير وعنده معاوية، فحمد الله ~~معاوية ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخيرته من ~~خلفه وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع فيه أحد غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير ~~غلبة ولا طمع، وقد كبر وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا، مع أني ~~أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغه ذلك، وقد فشت مقالة خفتها عليكم فما ~~عتبتم فيه من شيء، فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فوالله إن ~~طمعوا فيه لا رأيتم منها ms0971 أبدا إلا إدبارا. # قال علي: ما لك ولذلك لا أم لك؟ قال: دع أمي فإنها ليست بشر أمهاتكم، قد ~~أسلمت وبايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجبني عما أقول لك. فقال ~~عثمان: صدق ابن أخي، أنا أخبركم عني وعما وليت، إن صاحبي اللذين كانا قبلي ~~ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا، وإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش، فبسطت يدي في شيء ~~من ذلك لما أقوم به فيه، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع. ~~فقالوا: قد أصبت وأحسنت، قد أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا، ~~وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا. فأخذ منهما ذلك، فرضوا وخرجوا راضين. # وقال معاوية لعثمان: اخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم ~~عليك من لا قبل لك به. فقال: لا أبيع جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بشيء وإن كان فيه خيط عنقي. قال: فإن بعثت إليك جندا منهم يقيم معك ~~لنائبة إن نابت؟ قال: لا أضيق على جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فقال: والله لتغتالن ولتغزين! فقال: حسبي الله ونعم الوكيل! # ثم خرج معاوية فمر على نفر من المهاجرين فيهم علي وطلحة والزبير وعليه ~~ثياب # PageV02P528 # السفر، فقام عليهم وقال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون ~~عليه حتى بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يتفاضلون بالسابقة ~~والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع، وإن طلبوا ~~الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم، وإن الله على البدل لقادر، ~~وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ~~ودعهم ومضى. فقال علي: [ما] كنت أرى في هذا خيرا. فقال الزبير: والله ما ~~كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم. # واتعد المنحرفون عن عثمان يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعا إذا سار عنها ~~الأمراء، فلم يتهيأ لهم ذلك، ولما رجع الأمراء ولم يتم ms0972 لهم الوثوب صاروا ~~يكاتبون في القدوم إلى المدينة، لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن ~~أشياء لتطير في الناس. وكان بمصر محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة ~~يحرضان على عثمان. # فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة، وقيل: ~~في ألف، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة بن ~~فلان السكوني، وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي، وخرج أهل الكوفة وفيهم ~~زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله ~~بن الأصم العامري، وهم في عداد أهل مصر، وخرج أهل البصرة فيهم حكيم بن جبلة ~~العبدي، وذريح بن عباد، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحترش، وهم بعداد أهل ~~مصر، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي، فخرجوا جميعا في شوال وأظهروا أنهم ~~يريدون الحج، فلما كانوا من المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة ~~فنزلوا ذا خشب، وكان هواهم في طلحة، وتقدم ناس من أهل الكوفة، وكان هواهم ~~في الزبير، وتركوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وكان هواهم في علي، ~~ونزلوا عامتهم بذي المروة، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن ~~النضر، وعبد الله بن الأصم وقالا لهم: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد ~~لكم، فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا، فوالله إن كان هذا حقا واستحلوا قتالنا ~~بعد علم حالنا إن أمرنا لباطل، وإن كان الذي بلغنا باطلا رجعنا إليكم ~~بالخبر. قالوا: اذهبا. فذهبا فدخلا المدينة فلقيا أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وعليا وطلحة والزبير، فقالا: إنما نريد هذا البيت ونستعفي من ~~بعض عمالنا، واستأذناهم في الدخول، # PageV02P529 # فكلمهما أبي ونهاهما، فرجعا إلى أصحابهما. فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا ~~عليا، ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير، ~~وقال كل فريق منهم: إن بايعنا صاحبنا وإلا كذبناهم وفرقنا جماعتهم، ثم ~~رجعنا عليهم حتى نبغتهم. فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت ~~متقلدا سيفه، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن ms0973 اجتمع إليه، فسلموا عليه ~~وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة ~~وجيش ذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فانصرفوا عنه. وأتى البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك، وكان قد أرسل ابنيه ~~إلى عثمان، وأتى الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك، وكان قد أرسل ابنه عبد ~~الله إلى عثمان. # فرجعوا وتفرقوا عن ذي خشب وذي المروة والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل ~~المدينة ثم يرجعوا إليهم. فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة، فرجعوا بهم، ~~فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها، ونزلوها وأحاطوا بعثمان ~~وقالوا: من كف يده فهو آمن. وصلى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم ~~ولم يمنعوا الناس من كلامه، وأتاهم أهل المدينة وفيهم علي فقال لهم: ما ~~ردكم بعد ذهابكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. وأتى طلحة الكوفيين ~~فسألهم عن عودتهم فقالوا مثل ذلك. وأتى الزبير البصريين فقالوا مثل ذلك، ~~وكل منهم يقول: نحن نمنع إخواننا وننصرهم، كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم ~~علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم ~~مراحل حتى رجعتم علينا؟ هذا والله أمر أبرم بليل! فقالوا: ضعوه كيف شئتم، ~~لا حاجة لنا في هذا الرجل - ليعتزل عنا. وعثمان يصلي بهم وهم يصلون خلفه، ~~وهم أدق في عينه من التراب، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع. # وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستنجدهم ويأمرهم بالحث للمنع عنه، ويعرفهم ~~ما الناس فيه. فخرج أهل الأمصار على الصعب والذلول، فبعث معاوية حبيب بن ~~مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج، وخرج من الكوفة ~~القعقاع بن عمرو وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة، منهم: عقبة ~~بن عامر، وعبد الله بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب، وغيرهم من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن التابعين: مسروق، # PageV02P530 # والأسود، وشريح، وعبد الله بن حكيم، وغيرهم، وقام بالبصرة: عمران بن ~~حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر، وغيرهم من ms0974 الصحابة، ومن التابعين: كعب ~~بن سور، وهرم بن حيان، وغيرهما، وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين ~~وكذلك بمصر. # ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس ثم ~~قام على المنبر فقال: يا هؤلاء، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون ~~أنكم ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فامحوا الخطأ ~~بالصواب. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأقعده حكيم بن جبلة، ~~وقام زيد بن ثابت، فأقعده محمد بن أبي قتيرة، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا ~~الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه، ~~فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان، منهم: سعد بن أبي وقاص، ~~والحسين بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم ~~بالانصراف، فانصرفوا، وأقبل علي، وطلحة، والزبير، فدخلوا على عثمان يعودونه ~~من صرعته، ويشكون إليه ما يجدون، وكان عند عثمان نفر من بني أمية فيهم ~~مروان بن الحكم، فقالوا كلهم لعلي: أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع، والله لئن ~~بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا! فقام مغضبا وعاد هو والجماعة إلى ~~منازلهم. وصلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما، ثم ~~منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ~~ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليتمنع به، وكان الحصار ~~أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح. # وقد قيل: إن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان على ~~عثمان، وسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلى عثمان، وأقام ابن أبي حذيفة ~~بمصر وغلب عليها لما سار عنها عبد الله بن سعد، على ما يأتي. فلما خرج ~~المصريون إلى قصد عثمان أظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وعليهم ~~عبد الرحمن بن عديس # PageV02P531 # البلوي، وبعث عبد الله بن سعد رسولا إلى عثمان يخبره بحالهم، وأنهم قد ~~أظهروا العمرة وقصدهم خلعه أو قتله، فخطب عثمان الناس وأعلمهم حالهم، وقال ms0975 ~~لهم: إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة واستطالوا عمري، والله لئن فارقتهم ليتمنون ~~أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة مما يرون من الدماء المسفوكة والإحن ~~والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة. # وكان عبد الله بن سعد قد خرج إلى عثمان في آثار المصريين بإذنه له، فلما ~~كان بأيلة بلغه أن المصريين رجعوا إلى عثمان فحصروه، وأن محمد بن أبي حذيفة ~~غلب على مصر واستجابوا له، فعاد عبد الله إلى مصر فمنع عنها، فأتى فلسطين ~~فأقام بها حتى قتل عثمان. # فلما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون، ولما رأى ~~عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم، إن قرابتي قريبة ~~ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس ~~قدر وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم علي ~~توهينا لأمري وجرأة علي! فقال علي: على أي شيء أردهم عنك؟ قال: على أن أصير ~~إلى ما أشرت إليه ورأيته لي. فقال علي: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى، فكل ذلك ~~نخرج ونقول ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان، وابن عامر، ومعاوية، وعبد الله ~~بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني. قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك. # فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن ~~زيد، وأبو جهم العدوي، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، ومروان وسعيد بن ~~العاص، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي، وأبو ~~حميد، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومن العرب نيار بن مكرز، ~~فأتوا المصريين فكلموهم، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة، فسمعوا ~~مقالتهم ورجعوا إلى مصر. فقال ابن عديس لمحمد بن مسلمة: أتوصينا بحاجة؟ ~~قال: نعم، تتقي الله وترد من قبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. ~~قال ابن عديس: أفعل إن شاء الله. ورجع علي ومن معه إلى المدينة، فدخل على ms0976 ~~عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه، ثم خرج من عنده، فمكث عثمان ذلك ~~اليوم، وجاءه مروان بكرة الغد فقال له: # PageV02P532 # تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا ~~قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه. ففعل عثمان، ~~فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص: اتق الله يا عثمان، فإنك قد ركبت ~~أمورا وركبناها معك، فتب إلى الله نتب. فناداه عثمان: وإنك هنالك يا ابن ~~النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل! فنودي من ناحية أخرى: تب إلى ~~الله. فرفع يديه وقال: اللهم إني أول تائب! # وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين، وكان يقول: والله إني كنت لألقى ~~الراعي فأحرضه على عثمان. وأتى عليا وطلحة والزبير فحرضهم على عثمان، ~~(فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله، وسلامة بن روح ~~الجذامي إذ مر به راكب من المدينة، فسأله عمرو عن عثمان، فقال: هو محصور. ~~قال عمرو: أنا أبو عبد الله، قد يضرط العير والمكواة في النار. ثم مر به ~~راكب آخر فسأله فقال: قتل عثمان. فقال عمرو: أنا أبو عبد الله، إذا حككت ~~قرحة نكأتها. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش كان بينكم وبين العرب باب ~~فكسرتموه! فقال: أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق ~~شرعا سواء) . # وقيل: إن عليا لما رجع من عند المصريين بعد رجوعهم إلى عثمان قال له: ~~تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من ~~النزوع والأمانة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من ~~الكوفة والبصرة فتقول: يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك ~~واستخففت بحقك. فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه ~~التوبة وقال: أنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع ~~وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا في رأيهم، ms0977 فوالله لئن ردني الحق ~~عبدا لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد، وما عن الله مذهب إلا إليه، ~~فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحين مروان وذويه، ولا أحتجب عنكم! فرق الناس ~~وبكوا حتى أخضلوا لحاهم وبكى هو أيضا. # فلما نزل عثمان وجد مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية في منزله لم يكونوا ~~شهدوا # PageV02P533 # خطبته، فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت؟ فقالت نائلة ~~بنت الفرافصة امرأة عثمان: لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه، إنه قد ~~قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فقال لها مروان: ما أنت وذاك! فوالله ~~قد مات أبوك وما يحسن يتوضأ! فقالت: مهلا يا مروان عن ذكر (الآباء! تخبر) ~~عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه؟ أما والله ~~لولا أنه عمه. (وأنه يناله غمه) لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. قالت: فأعرض ~~عنها مروان، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت؟ قال: تكلم. فقال مروان: ~~بأبي أنت وأمي، والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع فكنت أول من رضي ~~بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وخلف السيل ~~الزبى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامة على خطيئة يستغفر ~~منها أجمل من توبة يخوف عليها، وأنت إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقر ~~بالخطيئة، وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج ~~إليهم فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم. فخرج مروان إلى الباب والناس يركب ~~بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه! ~~ألا من أريد؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، والله ~~لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم. ارجعوا إلى ~~منازلكم فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا. فرجع الناس وأتى ~~بعضهم عليا فأخبره الخبر. # فأقبل علي على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ ~~قال: نعم. قال: أفحضرت مقالة مروان ms0978 للناس؟ قال: نعم. فقال علي: أي عباد ~~الله! يا للمسلمين! إني إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني ~~إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر ~~السن وصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقام مغضبا حتى دخل على ~~عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك ~~مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؟ # PageV02P534 # والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه! وايم الله إني لأراه يوردك ولا ~~يصدرك! وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك. # (فلما خرج علي دخلت عليه امرأته نائلة ابنة الفرافصة فقالت: قد سمعت قول ~~علي وليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتقي ~~الله وتتبع سنة صاحبيك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس ~~قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكانه، فأرسل إلى علي فاستصلحه ~~فإن له قرابة وهو لا يعصى. فأرسل عثمان إلى علي فلم يأته وقال: قد أعلمته ~~أني غير عائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجلس بين يدي عثمان فقال: يا ~~ابنة الفرافصة! فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف فأسود وجهك، فهي والله أنصح ~~لي! فكف مروان) . # وأتى عثمان إلى علي بمنزله ليلا وقال له: إني غير عائد، وإني فاعل. فقال ~~له علي: بعدما تكلمت على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعطيت من ~~نفسك، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم. فخرج ~~عثمان من عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس علي. فقال علي: والله إني ~~لأكثر الناس ذبا عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى ~~فسمعت قوله وتركت قولي. # ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلى أن منع عثمان الماء. فقال علي لطلحة ~~(أريد أن) تدخل عليه الروايا، وغضب غضبا شديدا حتى دخلت الروايا على عثمان. # قال: ms0979 وقد قيل إن عليا كان عند حصر عثمان بخيبر، فقدم المدينة والناس ~~مجتمعون عند طلحة، وكان ممن له فيه أثر، فلما قدم علي أتاه عثمان وقال له: ~~أما بعد فإن لي حق الإسلام وحق الإخاء والقرابة والصهر، ولو لم يكن من ذلك ~~شيء وكنا في الجاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم، ~~يعني طلحة أمرهم. فقال له علي: سيأتيك الخبر، ثم خرج إلى المسجد فرأى أسامة ~~فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة، وهو [في] خلوة من الناس، فقال له: يا طلحة ~~ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال يا أبا # PageV02P535 # الحسن بعدما مس الحزام الطبيين. فانصرف علي حتى أتى بيت المال فقال: ~~افتحوه، فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب وأعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحة ~~حتى بقي وحده، وسر بذلك عثمان، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له: يا أمير ~~المؤمنين أردت أمرا فحال الله بيني وبينه! فقال عثمان: والله ما جئت تائبا، ~~ولكن جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحة! ### | [ذكر مقتل عثمان] # قد ذكرنا سبب مسير الناس إلى قتل عثمان. وقد تركنا كثيرا من الأسباب التي ~~جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك، ونذكر الآن كيف قتل، وما كان ~~بدء ذلك وابتداء الجرأة عليه قبل قتله. # فكان من ذلك أن إبلا من إبل الصدقة قدم بها على عثمان، فوهبها لبعض بني ~~الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فأخذها وقسمها بين الناس وعثمان في ~~الدار. # قيل: وكان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق جبلة بن عمرو الساعدي، مر به ~~عثمان وهو في نادي قومه وبيده جامعة، فسلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون ~~على رجل فعل كذا وكذا؟ ثم قال لعثمان: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو ~~لتتركن بطانتك هذه الخبيثة: مروان، وابن عامر، وابن سعد، منهم من نزل ~~القرآن بذمه وأباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمه. فاجترأ الناس ~~عليه، وقد تقدم قول عمرو بن العاص له في خطبته. ms0980 # قيل: وخطب يوما وبيده عصا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ~~وعمر يخطبون عليها، فأخذها جهجاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته، فرمي في ~~ذلك المكان بأكلة. # PageV02P536 # وقيل: كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم: إن ~~أردتم الجهاد فهلموا إليه فإن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أفسده ~~خليفتكم فأقيموه. فاختلفت قلوب الناس، على ما تقدم ذكره، وجاء المصريون - ~~كما ذكرنا - إلى المدينة، فخرج إليهم علي ومحمد بن مسلمة - كما تقدم - ~~فكلماهم فعادوا ثم رجعوا، فلما رجعوا انطلق إليهم محمد بن مسلمة فسألهم عن ~~سبب عودتهم، فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص وقالوا: وجدنا غلام عثمان ~~بالبويب على بعير من إبل الصدقة، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه هذه الصحيفة يأمر ~~فيها بجلد عبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمق، وعروة بن البياع وحبسهم ~~وحلق رءوسهم ولحاهم وصلب بعضهم. وقيل: إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو الأعور ~~السلمي. فلما رأوه سألوه عن مسيره وهل معه كتاب فقال: لا. فسألوه في أي شيء ~~هو، فتغير كلامه، فأنكروه وفتشوه وأخذوا الكتاب منه وعادوا وعاد الكوفيون ~~والبصريون. فلما عاد أهل مصر أخبروا بذلك محمد بن مسلمة وقالوا له: قد ~~كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه، وكلمنا سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد فقالا: ~~لا ندخل في أمركم. وقالوا لمحمد بن مسلمة ليحضر مع علي عند عثمان بعد ~~الظهر، فوعدهم بذلك، فدخل علي ومحمد بن مسلمة على عثمان فاستأذنا للمصريين ~~عليه، وعنده مروان، فقال: دعني أكلمهم. فقال عثمان: اسكت فض الله فاك! ما ~~أنت وهذا الأمر؟ اخرج عني! فخرج مروان. وقال علي ومحمد لعثمان ما قال ~~المصريون، فأقسم بالله: ما كتبته ولا علم [لي] به. فقال محمد: صدق، هذا من ~~عمل مروان. # ودخل عليه المصريون فلم يسلموا عليه بالخلافة، فعرفوا الشر فيهم، وتكلموا ~~فذكر ابن عديس ما فعل عبد الله بن سعد بالمسلمين وأهل الذمة، والاستئثار في ~~الغنائم، فإذا قيل له في ذلك قال: هذا كتاب أمير المؤمنين. وذكروا ms0981 شيئا مما ~~أحدث بالمدينة، وقالوا له: وخرجنا من مصر ونحن نريد قتلك، فردنا علي ومحمد ~~بن مسلمة، وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه، فرجعنا إلى بلادنا فرأينا ~~غلامك وكتابك وعليه خاتمك تأمر عبد الله بجلدنا والمثلة بنا وطول الحبس. # فحلف عثمان أنه ما كتب ولا أمر ولا علم. فقال علي ومحمد: صدق عثمان. قال ~~المصريون: فمن كتبه؟ قال: لا أدري. قالوا: فيجترأ عليك ويبعث غلامك وجملا ~~من الصدقة، وينقش على خاتمك، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا ~~تعلم؟ قال: نعم. قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد ~~استحققت الخلع لما # PageV02P537 # أمرت به من قتلنا بغير حق، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك ~~عن هذا الأمر، وغفلتك وخبث بطانتك، ولا ينبغي لنا أن نترك هذا الأمر بيد من ~~تقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته، فاخلع نفسك منه كما خلعك الله! فقال: لا ~~أنزع قميصا ألبسنيه الله، ولكني أتوب وأنزع. قالوا: لو كان هذا أول ذنب تبت ~~منه قبلنا، ولكنا رأيناك تتوب ثم تعود، ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك ~~أو تلحق أرواحنا بالله تعالى، وإن منعك أصحابك وأهلك قاتلناهم حتى نخلص ~~إليك. فقال: أما أن أتبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلي من ذلك، وأما قولكم ~~تقاتلون من منعني فإني لا آمر أحدا بقتالكم، فمن قاتلكم فبغير أمري قاتل، ~~ولو أردت قتالكم لكتبت إلى الأجناد فقدموا علي أو لحقت ببعض أطرافي. وكثرت ~~الأصوات واللغط. # فقام علي فخرج وأخرج المصريين ومضى علي إلى منزله، وحصر المصريون عثمان، ~~وكتب إلى معاوية وابن عامر وأمراء الأجناد يستنجدهم، ويأمرهم بالعجل وإرسال ~~الجنود إليه. فتربص به معاوية، فقام في أهل الشام يزيد بن أسد القسري جد ~~خالد بن عبد الله القسري، فتبعه خلق كثير، فسار بهم إلى عثمان، فلما كانوا ~~بوادي القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا. وقيل: بل سار من الشام حبيب بن مسلمة ~~الفهري، وسار من البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، فلما وصلوا الربذة ونزلت ms0982 ~~مقدمتهم صرارا بناحية المدينة أتاهم قتل عثمان فرجعوا. # وكان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره، فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي يطلب ~~إليه أن يردهم ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه إمداده. فقال: إنهم لا ~~يقبلون التعلل، وقد كان مني في المرة الأولى ما كان. فقال مروان: أعطهم ما ~~سألوك وطاولهم ما طاولوك، فإنهم قوم بغوا عليك ولا عهد لهم. فدعا عليا فقال ~~له: قد ترى ما كان من الناس ولست آمنهم على دمي، فارددهم عني فإني أعطيهم ~~ما يريدون من الحق من نفسي وغيري. فقال علي: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى ~~قتلك، ولا يرضون إلا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم أولا عهدا فلم تف به فلا ~~تغرني هذه المرة، فإني معطيهم عليك الحق. فقال: أعطهم فوالله لأفين لهم. ~~فخرج علي إلى الناس فقال لهم: إنما طلبتم الحق وقد أعطيتموه وقد زعم أنه ~~منصفكم من نفسه. فقال الناس: قبلنا فاستوثق منه لنا، فإنا لا نرضى بقول دون ~~فعل. فدخل عليه علي فأعلمه فقال: اضرب بيني # PageV02P538 # وبينهم أجلا فإني لا أقدر على أن أرد ما كرهوا في يوم واحد. فقال علي: ~~أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ~~فأجلني فيما في المدينة ثلاثة أيام. فأجابه إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا على ~~رد كل مظلمة وعزل كل عامل كرهوه. # فكف الناس عنه، فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح واتخذ جندا، فلما مضت ~~الأيام الثلاثة ولم يغير شيئا ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الأنصاري إلى ~~المصريين فأعلمهم الحال، وهم بذي خشب، فقدموا المدينة وطلبوا منه عزل عماله ~~ورد مظالمهم. فقال: إن كنت مستعملا من أردتم وعازلا من كرهتم فلست في شيء ~~والأمر أمركم. فقالوا: والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن. فأبى عليهم وقال: ~~لا أنزع سربالا سربلنيه الله. فحصروه واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى علي ~~وطلحة والزبير فحضروا، فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس اجلسوا. فجلسوا ~~المحارب والمسالم. فقال لهم: يا أهل المدينة أستودعكم الله، ms0983 وأسأله أن يحسن ~~عليكم الخلافة من بعدي، ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله ~~عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون إن الله لم يستجب ~~لكم وهنتم عليه وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ~~ولي والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة، إنما كان ~~مكابرة، فوكل الله الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة؟ أم تقولون: إن ~~الله لم يعلم عاقبة أمري! وأنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير ~~قدمه الله لي ما يوجب على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها! فمهلا لا ~~تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد ~~إيمانه، أو قتل نفسا بغير حق، فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ~~ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف أبدا. # قالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثم ولوك، فإن كل ما صنع ~~الله خيرة، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده، وأما ما ذكرت من قدمك ~~وسلفك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كنت كذلك وكنت أهلا ~~للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما ~~قابلا، وأما قولك: إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل ~~غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الأرض فسادا، وقتل من # PageV02P539 # بغى ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، ~~وقد تمسكت بالإمارة علينا، فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه فإن الذين قاموا ~~دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن ~~القتال معك! # فسكت عثمان ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا ~~إلا الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وأشباها ~~لهم، واجتمع إليه ناس كثير، فكانت مدة الحصار أربعين يوما، فلما مضت ثماني ~~عشرة ms0984 ليلة قدم ركبان من الأمصار، فأخبروا بخبر من تهيأ إليهم من الجنود ~~وشجعوا الناس، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان، ومنعوه كل شيء حتى ~~الماء. فأرسل عثمان إلى علي سرا وإلى طلحة والزبير وأزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: أنهم قد منعوني الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء ~~فافعلوا. فكان أولهم إجابة علي، وأم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فجاء علي في الغلس فقال: يا أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر ~~المؤمنين ولا أمر الكافرين، فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن ~~الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي! فقالوا: لا والله ولا نعمة عين! فرمى ~~بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة ~~على إداوة، فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل، ~~فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة، ~~وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس فأخذوها ~~وذهبوا بها إلى بيتها. # فأشرف عثمان يوما فسلم عليهم ثم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت ~~بئر رومة بمالي ليستعذب بها، فجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين؟ قالوا: ~~نعم. قال: فلم تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ ثم قال: ~~أنشدكم بالله هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا فزدتها في المسجد؟ قيل: نعم. ~~قال: فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي؟ ثم قال: أنشدكم بالله ~~أتعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عني كذا وكذا؟ أشياء في شأنه. ~~ففشا النهي في الناس يقولون: مهلا عن أمير المؤمنين. فقام الأشتر فقال: ~~لعله مكر به وبكم. وخرجت عائشة إلى الحج واستتبعت أخاها محمدا فأبى، فقالت: ~~والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن. # فقال له حنظلة الكاتب: تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتتبع ذؤبان ~~العرب إلى ما [لا] يحل؟ وإن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبك عليه بنو ~~عبد مناف. ثم رجع حنظلة إلى ms0985 الكوفة وهو يقول: # PageV02P540 # عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا # ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلا # وكانوا كاليهود وكالنصارى ... سواء كلهم ضلوا السبيلا # وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم وبقي عثمان يسقيه ~~آل حزم في الغفلات. فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ابن عباس، فأمره أن يحج ~~بالناس، وكان ممن لزم الباب، فقال: جهاد هؤلاء أحب إلي من الحج فأقسم عليه ~~فانطلق. # قال عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة: دخلت على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني ~~كلام من على بابه، فمنهم من يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا ~~عسى أن يراجع. قال: فبينما نحن واقفون إذ مر طلحة فقال: أين ابن عديس؟ فقام ~~إليه فناجاه، ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على عثمان ~~ولا يخرج من عنده. فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة، اللهم اكفني طلحة ~~فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي! والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا وأن ~~يسفك دمه! قال: فأردت أن أخرج فمنعوني حتى أمرهم محمد بن أبي بكر فتركوني ~~أخرج. وقيل: إن الزبير خرج من المدينة قبل أن يقتل عثمان، وقيل: أدرك قتله. # ولما رأى المصريون أن أهل الموسم يريدون قصدهم، وأن يجمعوا ذلك إلى حجهم ~~مع ما بلغهم من مسير أهل الأمصار قالوا: لا يخرجنا من هذا الأمر الذي وقعنا ~~فيه إلا قتل هذا الرجل، فيشتغل الناس عنا بذلك. فراموا الباب فمنعهم الحسن، ~~وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان، وسعيد بن العاص، ومن معهم من أبناء ~~الصحابة، واجتلدوا، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ففتح ~~الباب لمنعهم، فلما خرج ورآه المصريون رجعوا، فركبهم هؤلاء، وأقسم عثمان ~~على أصحابه ليدخلن فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين، فقام رجل من أسلم يقال ~~له نيار بن عياض، وكان من الصحابة، فنادى عثمان، فبينا هو يناشده أن ~~يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلت الكندي بسهم فقتله. # فقالوا لعثمان عند ذلك: ms0986 ادفع إلينا قاتله لنقتله به. قال: لم أكن لأقتل ~~رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي. فلما رأوا ذلك ثاروا إلى الباب، فلم يمنعهم ~~أحد منه، والباب مغلق لا يقدرون على الدخول منه، فجاءوا بنار فأحرقوه ~~والسقيفة التي على الباب، وثار أهل # PageV02P541 # الدار، وعثمان يصلي قد افتتح (طه) فما شغله ما سمع، ما يخطئ وما يتتعتع، ~~حتى أتى عليها، فلما فرغ جلس إلى المصحف يقرأ فيه، وقرأ: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} [آل عمران: 173] . فقال لمن عنده بالدار: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه، ولم يحرقوا الباب إلا وهم ~~يطلبون ما هو أعظم منه، فأحرج على رجل أن يستقتل أو يقاتل، وقال للحسن: إن ~~أباك الآن لفي أمر عظيم من أمرك، فأقسمت عليك لما خرجت إليه. فتقدموا ~~فقاتلوا ولم يسمعوا قوله، فبرز المغيرة بن الأخنس بن شريق، وكان تعجل من ~~الحج، في عصابة لينصروا عثمان وهو معه في الدار، وارتجز يقول: # قد علمت ذات القرون الميل ... والحلي والأنامل الطفول # لتصدقن بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق مصقول # لا أستقيل إذ أقلت قيلي # وخرج الحسن بن علي وهو يقول: # لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام # وخرج محمد بن طلحة وهو يقول: # أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد # وخرج سعيد بن العاص وهو يقول: # صبرنا غداة الدار والموت واقب ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب # وكنا غداة الروع في الدار نصرة ... نشافههم بالضرب والموت نائب # PageV02P542 # وكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير فكان يحدث عن عثمان بآخر ما كان ~~عليه، وأقبل أبو هريرة والناس محجمون فقال: هذا يوم طاب فيه الضرب! ونادى: ~~{قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} [غافر: 41] ، وبرز مروان ~~وهو يقول: # قد علمت ذات القرون الميل ... والكف والأنامل الطفول # أني أروع أول الرعيل ... بغارة مثل القطا الشليل # فبرز إليه رجل ms0987 من بني ليث يدعى البياع، فضربه مروان وضرب هو مروان على ~~رقبته فأثبته وقطع إحدى علباويه، فعاش مروان بعد ذلك أوقص، وقام إليه عبيد ~~بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه، فقامت فاطمة أم إبراهيم بن عدي، وكانت أرضعت ~~مروان وأرضعت له، فقالت: إن كنت تريد قتله فقد قتل، وإن كنت تريد أن تلعب ~~بلحمه فهذا قبيح! فتركه وأدخلته بيتها، فعرف لها بنوه ذلك، واستعملوا ابنها ~~إبراهيم بعد. ونزل إلى المغيرة بن الأخنس بن شريق رجل فقتل المغيرة، قال: ~~فلما سمع الناس يذكرونه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له عبد الرحمن ~~بن عديس: ما لك؟ فقال: رأيت فيما يرى النائم هاتفا يهتف فقال: بشر قاتل ~~المغيرة بن الأخنس بالنار، فابتليت به. # واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها، ودخلوها من دار عمرو بن حزم إلى ~~دار عثمان حتى ملؤها ولا يشعر من بالباب، وغلب الناس على عثمان وندبوا رجلا ~~يقتله، فانتدب له رجل، فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك. فقال: ويحك! ~~والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت ~~يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولست خالعا ~~قميصا كسانيه الله تعالى حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاوة! ~~فخرج عنه، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: والله لا ينجينا من الناس إلا قتله ولا ~~يحل لنا قتله. فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال له: لست بصاحبي لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - دعا لك أن تحفظ يوم كذا وكذا ولن تضيع. فرجع عنه ~~وفارق القوم. ودخل عليه رجل من قريش فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - استغفر لك يوم كذا وكذا # PageV02P543 # فلن تقارف دما حراما. فرجع وفارق أصحابه. وجاء عبد الله بن سلام ينهاهم ~~عن قتله فقال: يا قوم لا تسلوا سيف الله فيكم، فوالله إن سللتموه لا ~~تغمدوه! ويلكم! إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا ~~بالسيف. ويلكم! إن مدينتكم محفوفة بالملائكة ms0988 فإن قتلتموه ليتركنها. فقالوا: ~~يا ابن اليهودية ما أنت وهذا! فرجع عنهم. وكان آخر من دخل عليه ممن رجع ~~محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: ويلك أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا ~~حقه أخذته منك؟ # فأخذ محمد لحيته وقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال: لست بنعثل ولكني ~~عثمان وأمير المؤمنين، وكانوا يلقبون به عثمان. فقال محمد: ما أغنى عنك ~~معاوية وفلان وفلان! فقال عثمان: يا ابن أخي فما كان أبوك ليقبض عليها. ~~فقال محمد: لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك، والذي أريد بك أشد من ~~قبضي عليها! فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به! فتركه وخرج. # وقيل: بل طعن جبينه بمشقص كان في يده. والأول أصح. # قال: فلما خرج محمد وعرفوا انكساره ثار قتيرة، وسودان بن حمران، ~~والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله، فاستدار المصحف ~~واستقر بين يديه وسالت عليه الدماء، وجاء سودان ليضربه، فأكبت عليه امرأته ~~واتقت السيف بيدها، فنفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت، فغمز أوراكها وقال: ~~إنها لكبيرة العجز! وضرب عثمان فقتله. # وقيل: الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي. وكان عثمان رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تلك الليلة يقول له: إنك تفطر الليلة عندنا. فلما قتل سقط من ~~دمه على قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله} [البقرة: 137] . ودخل غلمة لعثمان مع ~~القوم لينصروه، وكان عثمان قد أعتق من كف يده منهم، فلما ضربه سودان ضرب ~~بعض الغلمان رقبة سودان فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما ~~في البيت وخرجوا، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى، فلما خرجوا # PageV02P544 # وثب غلام لعثمان على قتيرة فقتله، وثار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ~~ما على النساء، وأخذ كلثوم التجيبي ملاءة من على نائلة، فضربه غلام لعثمان ~~فقتله، وتنادوا: أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه، فسمع أصحاب بيت المال ~~كلامهم وليس فيه إلا غرارتان، فقالوا: النجاء فإن القوم إنما يحاولون ~~الدنيا! فهربوا، وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس. # وقيل إنهم ندموا على قتله. وأما ms0989 عمرو بن الحمق فوثب على صدره وبه رمق ~~فطعنه تسع طعنات، قال: فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله - تعالى - وأما ~~ست فلما كان في صدري عليه. وأرادوا قطع رأسه فوقعت نائلة عليه وأم البنين، ~~فصاحتا وضربتا الوجوه. فقال ابن عديس: اتركوه. وأقبل عمير بن ضابئ فوثب ~~عليه، فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن. # وكان قتله لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين يوم الجمعة، ~~وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وقيل: إلا ثمانية أيام، ~~وقيل: بل كان قتله لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقيل: بل ~~قتل أيام التشريق وكان عمره اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ثمانيا وثمانين سنة، ~~وقيل: تسعين سنة، وقيل: خمسا وسبعين سنة، وقيل: ستا وثمانين سنة. # ذكر الموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه # قيل: بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن حكيم بن حزام القرشي، وجبير بن ~~مطعم كلما عليا في أن يأذن في دفنه، ففعل، فلما سمع من قصده بذلك قعدوا له ~~في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وغيرهم، وفيهم الزبير، ~~والحسن، وأبو جهم بن حذيفة، ومروان، بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطا من ~~حيطان المدينة يسمى # PageV02P545 # حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل: حكيم بن حزام، ~~وقيل: مروان، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه، ثم تركوهم خوفا ~~من الفتنة. وأرسل علي إلى من أراد أن يرجم سريره ممن جلس على الطريق لما ~~سمع بهم فمنعهم عنه، ودفن في حش كوكب. فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على ~~الناس أمر بذلك الحائط، فهدم. وأدخل في البقيع، وأمر الناس فدفنوا أمواتهم ~~حول قبره حتى اتصل الدفن بمقابر المسلمين. وقيل: إنما دفن بالبقيع مما يلي ~~حش كوكب. وقيل: شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ثابت وكعب بن مالك وعامة من ~~ثم من أصحابه. قال: وقيل لم يغسل وكفن في ثيابه. ### | [ذكر بعض سيرة ms0990 عثمان] # قال الحسن البصري: دخلت المسجد، فإذا أنا بعثمان متكئا على ردائه، فأتاه ~~سقاءان يختصمان إليه، فقضى بينهما. وقال الشعبي: لم يمت عمر بن الخطاب حتى ~~ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة، وقال: أخوف ما أخاف على هذه الأمة ~~انتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل منهم ليستأذنه في الغزو فيقول: قد كان ~~لك في غزوك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبلغك، وخير لك من غزوك ~~اليوم أن لا ترى الدنيا ولا تراك. وكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش ولم ~~يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة. فلما ولي عثمان خلى عنهم فانتشروا في البلاد ~~وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر. قيل: وحج عثمان بالناس سنوات ~~خلافته كلها، وحج بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كان يصنع عمر. ~~وكتب إلى الأمصار أن يوافيه العمال في الموسم ومن يشكو منهم، وأن يأمروا ~~بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأنه مع الضعيف على القوي ما دام مظلوما. # وقيل: كان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا طيران الحمام والرمي ~~على # PageV02P546 # الجلاهقات، وهي قوس البندق، واستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ~~ثمان من خلافته، فقص الطيور وكسر الجلاهقات. # قيل: وسأل رجل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلى الخروج ~~على عثمان، فقال: كان يتيما في حجر عثمان، وكان والي أيتام أهل بيته ~~ومحتملا كلهم، فسأل عثمان العمل، فقال: يا بني لو كنت رضا لاستعملتك. قال ~~فأذن لي فأخرج فأطلب الرزق. قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده وحمله ~~وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن أعان عليه حين منعه الإمارة. قال: وعمار ~~بن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان ~~فأورث ذلك تعاديا بين أهل عمار وأهل عباس، وكانا تقاذفا. # قيل: سئل سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلى ركوب عثمان. ~~قال: الغضب والطمع، كان من الإسلام بمكان فغره أقوام فطمع، وكانت له ms0991 دالة ~~فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره، فاجتمع هذا إلى ذلك فصار مذمما بعد أن كان ~~محمدا. قيل: واستخف رجل بالعباس بن عبد المطلب فضربه عثمان فاستحسن منه ~~ذلك، فقال: أيفخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه وأرخص في الاستخفاف ~~به! لقد خالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك ورضي به. قيل: ~~وكان كعب بن ذي الحبكة النهدي يلعب بالنارنجيات، فبلغ عثمان، فكتب إلى ~~الوليد أن يوجعه ضربا، فعزره وأخبر الناس خبره، وقرأ عليهم كتاب عثمان، ~~وفيه: إنه قد جد بكم فجدوا وإياكم والهزل. فغضب كعب وكان في الذين خرجوا ~~عليه، وكان سيره إلى دنباوند، فقال في ذلك للوليد: # لعمري لئن طردتني ما إلى التي ... طمعت بها من سقطتي لسبيل # رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي ... إلى الحق دهرا، غال ذلك غول # فإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل # PageV02P547 # وإن دعائي كل يوم وليلة # عليك بدنباوندكم لطويل # قال: وأما ضابئ بن الحرث البرجمي فإنه استعار في زمن الوليد بن عقبة من ~~قوم من الأنصار كلبا يدعى قرحان يصيد الظباء فحبسه عنهم، فانتزعه ~~الأنصاريون منه قهرا، فهجاهم وقال: # تجشم دوني وفد قرحان خطة ... تضل لها الوجناء وهي حسير # فباتوا شباعا طاعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أمير # فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات كبير # فاستعدوا عليه عثمان، فعزره وحبسه، فما زال في السجن حتى مات فيه. # وقال في الفتك معتذرا إلى أصحابه: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله # وقائلة قد مات في السجن ضابئ ... ألا من لخصم لم يجد من يجادله # فلذلك صار ابنه عمير سبئيا. قال: وأما كميل بن زياد وعمير بن ضابئ فإنهما ~~سارا إلى المدينة لقتل عثمان، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل فإنه جسر ~~وثاوره، فوجأ عثمان وجهه فوقع على استه فقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! ~~فقال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله. فقال عثمان: فاستقد مني، وقال: دونك. ~~فعفا عنه، وبقيا إلى أيام الحجاج ms0992 فقتلهما، وسيرد ذكر ذلك - إن شاء الله ~~تعالى -. # قيل: وكان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا، فقال له يوما: قد ~~تهيأ # PageV02P548 # مالك فاقبضه. قال: هو لك معونة على مروءتك. قيل: فلما حصر عثمان قال علي ~~لطلحة: أنشدك الله ألا رددت الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تعطيني بنو ~~أمية الحق من أنفسها. # وكان عثمان يلقب ذا النورين لأنه جمع بين ابنتي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قال الأصمعي: استعمل عبد الله بن عامر قطن بن عبد عوف على كرمان، فأقبل ~~جيش للمسلمين فمنعهم سيل في واد من العبور، وخشي قطن الفوت فقال: من عبر له ~~ألف درهم. فحملوا أنفسهم وعبروا، وكانوا أربعة آلاف، فأعطاهم أربعة آلاف ~~ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يجري ذلك له وكتب إلى عثمان، فكتب عثمان: أن ~~احبسها له فإنه إنما أعان بها في سبيل الله، فلذلك سميت الجوائز لإجازة ~~الوادي. # وقال حسان بن زيد: سمعت عليا وهو يخطب الناس ويقول بأعلى صوته: يا أيها ~~الناس إنكم تكثرون في وفي عثمان، فإن مثلي ومثله كما قال الله تعالى: ~~{ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} [الحجر: 47] . وقال ~~أبو حميد الساعدي - وهو بدري وكان مجانبا لعثمان - فلما قتل عثمان قال: ~~والله ما أردنا قتله، اللهم لك علي أن لا أفعل كذا وكذا ولا أضحك حتى ~~ألقاك. # ذكر نسبه وصفته وكنيته # أما نسبه فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد ~~مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها ~~أم حكيم بنت عبد المطلب. # وأما صفته فإنه كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الوجه، رقيق ~~البشرة، بوجهه أثر جدري، كبير اللحية عظيمها، أسمر اللون، أصلع، عظيم ~~الكراديس، عظيم ما بين المنكبين، يصفر لحيته، وقيل كان كثير شعر الرأس، ~~أروح الرجلين. # PageV02P549 # وأما كنيته فإنه كان يكنى أبا عبد الله بولد جاءه من رقية بنت رسول الله ~~- صلى الله ms0993 عليه وسلم - اسمه عبد الله، توفي وعمره ست سنين، نقره ديك في ~~عينه فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، وقيل: كان يكنى أبا ~~عمرو. # ذكر وقت إسلامه وهجرته # قيل: كان إسلامه قديما قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار ~~الأرقم، وكان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى والثانية ومعه فيهما ~~امرأته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ذكر أزواجه وأولاده # تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فولدت له ~~رقية عبد الله، وتزوج فاختة بنت غزوان، فولدت له عبد الله الأصغر، هلك، ~~وتزوج أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة الدوسية، ولدت له عمرا وخالدا ~~وأبانا وعمر ومريم، وتزوج فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية، ولدت له ~~الوليد وسعيدا وأم سعيد، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، ولدت ~~له عبد الملك، هلك، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة، ولدت له عائشة وأم أبان ~~وأم عمرو، وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية، ولدت له مريم بنت عثمان، ~~وقيل: ولدت له أم البنين بنت عيينة عبد الملك وعتبة، وولدت له نائلة عنبسة، ~~وكان له منها أيضا ابنة تدعى أم البنين، وكانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي ~~سفيان، وقتل عثمان وعنده رملة ابنة شيبة ونائلة وأم البنين ابنة عيينة ~~وفاختة بنت غزوان، غير أنه طلق أم البنين وهو محصور. # فهؤلاء أزواجه في الجاهلية والإسلام وأولاده. # ذكر أسماء عماله في هذه السنة # كان عماله هذه السنة على مكة: عبد الله بن الحضرمي، وعلى الطائف القاسم ~~بن ربيعة الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن ربيعة، ~~وعلى البصرة عبد الله بن عامر، خرج منها ولم يول عثمان عليها أحدا، وعلى ~~الشام معاوية بن أبي # PageV02P550 # سفيان، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد، وعلى قنسرين حبيب بن ~~مسلمة الفهري، وعلى الأردن أبو الأعور السلمي، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم ~~الكناني، وعلى البحر عبد الله بن قيس ms0994 الفزاري، وعلى القضاء أبو الدرداء في ~~قول بعضهم، والصحيح أنه كان قد توفي قبل أن قتل عثمان، وكان عامل عثمان على ~~الكوفة أبو موسى على الصلاة، وعلى خراج السواد جابر بن فلان المزني، وهو ~~صاحب المسناة إلى جانب الكوفة، وسماك الأنصاري، وعلى حربها القعقاع بن ~~عمرو، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، ~~وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، ~~وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان خنيس، ~~وعلى بيت المال عقبة بن عامر، وكان على قضاء عثمان زيد بن ثابت. # (عتيبة بن النهاس: بالتاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء تحتها نقطتان، وآخره ~~باء موحدة. وعيينة بن حصن: بالياء تحتها نقطتان، وياء ثانية، وآخره نون، ~~تصغير عين. والنسير: بالنون، والسين المهملة، تصغير نسر) . # ذكر الخبر عمن كان يصلي في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حصر ~~عثمان # قيل: وجاء ذلك اليوم الذي منع فيه عثمان الصلاة سعد القرظ - وهو المؤذن - ~~إلى علي بن أبي طالب، فقال: من يصلي بالناس؟ فقال: ادع خالد بن زيد، فدعاه، ~~فصلى بالناس، فهو أول يوم عرف أن اسم أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، فصلى ~~أياما ثم صلى بعد ذلك بالناس، وقيل: بل أمر علي سهل بن حنيف فصلى بالناس من ~~أول ذي الحجة إلى يوم العيد، ثم صلى علي بالناس العيد، ثم صلى بهم حتى قتل ~~عثمان. وقد تقدم غير ذلك في ذكر قتله. # PageV02P551 # ذكر ما قيل فيه من الشعر # قال حسان بن ثابت الأنصاري: # أتركتم غزو الدروب وراءكم ... وغزوتمونا عند قبر محمد # فلبئس هدي المسلمين هديتم ... ولبئس أمر الفاجر المتعمد # إن تقدموا نجعل قرى سرواتكم ... حول المدينة كل لين مذود # أو تدبروا فلبئس ما سافرتم ... ولمثل أمر أميركم لم يرشد # وكأن أصحاب النبي عشية ... بدن تذبح عند باب المسجد # أبكي أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى ضجيعا في بقيع الغرقد # وقال أيضا: # إن تمس دار ابن أروى اليوم ms0995 خاوية ... باب صريع وباب محرق خرب # فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويهوي إليها الذكر والحسب # يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عند الله والكذب # قوموا بحق مليك الناس تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب # فيهم حبيب شهاب الموت يقدمهم ... مستلئما قد بدا في وجهه الغضب # وقال أيضا: # من سره الموت صرفا لا مزاج ... له فليأت مأسدة في دار عثمانا # مستشعري حلق الماذي قد شفعت ... قبل المخاطم بيض زان أبدانا # PageV02P552 # صبرا فدى لكم أمي وما ولدت قد ... ينفع الصبر في المكروه أحيانا # فقد رضينا بأهل الشام نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا # إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيا وما سميت حسانا # لتسمعن وشيكا في ديارهم # الله أكبر يا ثارات عثمانا ... ضحوا بأشمط عنوان السجود # به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # قال أبو عمر بن عبد البر، وقد ذكر بعض هذه الأبيات فقال: وقد زاد فيها ~~أهل الشام، ولم أر لذكره وجها - يعني ما فيها من ذكر علي - وهو: # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان بين علي وابن عفانا # وقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط يحرض أخاه عمارة: # ألا إن خير الناس بعد ثلاثة قتيل ... التجيبي الذي جاء من مصر # فإن يك ظني بابن أمي صادقا ... عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر # يبيت وأوتار ابن عفان عنده ... مخيمة بين الخورنق والقصر # فأجابه الفضل بن العباس: # أتطلب ثأرا لست منه ولا له ... وأين ابن ذكوان الصفوري من عمرو # كما اتصلت بنت الحمار بأمها ... وتنسى أباها إذ تسامي أولي الفخر # ألا إن خير الناس بعد ثلاثة وصي ... النبي المصطفى عند ذي الذكر # وأول من صلى وصنو نبيه ... وأول من أردى الغواة لدى بدر # فلو رأت الأنصار ظلم ابن أمكم ... بزعمكم كانوا له حاضري النصر # كفى ذاك عيبا أن يشيروا بقتله ... وأن يسلموه للأحابيش من مصر # وقوله: وأين ابن ذكوان، فإن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو اسمه ~~ذكوان بن أمية بن عبد شمس، ويذكر ms0996 جماعة من النسابين أن ذكوان مولى لأمية، ~~فتبناه # PageV02P553 # وكناه أبا عمرو، ويعني: إنك مولى لست من بني أمية حتى تكون ممن يطلب بثأر ~~عثمان. # وقال غيرهم من الشعراء أيضا بعد مقتله فمن بين مادح وهاج، ومن ناع وباك، ~~ومن سار فرح، فممن مدحه حسان - كما تقدم - وكعب بن مالك في آخرين غيرهم ~~كذلك. ### | [ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب] # وفي هذه السنة بويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلفوا في كيفية ~~بيعته، فقيل: إنه لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير، فأتوا عليا فقالوا له: ~~إنه لا بد للناس من إمام. قال: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به. ~~فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا ~~نعلم أحدا أحق به منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب قرابة من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا. ~~فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا ~~تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد. وكان في بيته، وقيل: في حائط لبني عمرو ~~بن مبذول، فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا ~~على قوس، فبايعه الناس، وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله، ~~فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله! أول من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم ~~هذا الأمر! وبايعه الزبير. وقال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعاني وإن ~~أحببتما بايعتكما. فقالا: بل نبايعك. وقالا بعد ذلك: إنما فعلنا ذلك خشية ~~على نفوسنا، وعرفنا أنه لا يبايعنا. وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة ~~أشهر. وبايعه الناس، وجاءوا بسعد بن أبي وقاص، فقال علي: بايع فقال: لا، ~~حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس. فقال: خلوا سبيله. وجاءوا بابن ~~عمر فقالوا: # PageV02P554 # بايع. قال: لا، حتى يبايع ms0997 الناس. قال: ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. ~~قال الأشتر: دعني أضرب عنقه! قال علي: دعوه أنا كفيله، إنك ما علمت لسيء ~~الخلق صغيرا وكبيرا. # وبايعت الأنصار إلا نفيرا يسيرا، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ~~ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد ~~بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وكانوا عثمانية، ~~فأما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع، وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان ~~الديوان وبيت المال، فلما حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار كونوا أنصارا ~~لله، مرتين، فقال له أبو أيوب: ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان. وأما ~~كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منهم، ولم يبايعه عبد ~~الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسامة بن زيد، ~~وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة. # فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص ~~عثمان الذي قتل فيه، وهرب به فلحق بالشام، فكان معاوية يعلق قميص عثمان ~~وفيه الأصابع، فإذا رأى ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدا في أمرهم، ثم ~~رفعه، فإذا أحس منهم بفتور يقول له عمرو بن العاص: حرك لها حوارها تحن، ~~فيعلقها. # وقد قيل: إن طلحة والزبير إنما بايعا عليا كرها، (وقيل: لم يبايعه الزبير ~~ولا صهيب ولا سلمة بن سلامة بن وقش وأسامة بن زيد. # فأما على قول من قال: إن طلحة والزبير بايعا كرها فقال) : إن عثمان لما ~~قتل بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى ~~القيام بالأمر فلا يجدونه، ووجدوا طلحة في حائط له، ووجدوا سعدا والزبير قد ~~خرجا من المدينة، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب سعيد ~~والوليد ومروان إلى مكة، وتبعهم غيرهم، فأتى المصريون عليا فباعدهم، وأتى ~~الكوفيون الزبير فباعدهم، وأتى البصريون طلحة فباعدهم، وكانوا مجتمعين على ~~قتل عثمان مختلفين فيمن يلي # PageV02P555 # الخلافة. فأرسلوا ms0998 إلى سعد يطلبونه، فقال: إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها، ~~فأتوا ابن عمر فلم يجبهم، فبقوا حيارى. وقال بعضهم لبعض: لئن رجع الناس إلى ~~أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة. فجمعوا أهل المدينة ~~فقالوا لهم: يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم ~~جائز على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم، ~~فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا! فغشي ~~الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين ~~القرى. فقال علي: دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ~~ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدك الله! ألا ~~ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: قد ~~أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا ~~كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا ~~الغد. # وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت، فبعث ~~البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة وقالوا: احذر لا تحابه، ومعه نفر، فجاءوا ~~به يحدونه بالسيف، فبايع، وبعثوا إلى طلحة الأشتر ومعه نفر، فأتى طلحة، ~~فقال: دعني أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه، فجاء به يتله تلا عنيفا، وصعد ~~المنبر فبايع. وكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت والسيف ~~على عنقي، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد خشع أهل الكوفة ~~والبصرة أن صاروا أتباعا لأهل مصر وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظا. # ولما أصبحوا يوم البيعة، وهو يوم الجمعة، حضر الناس المسجد، وجاء علي ~~فصعد المنبر وقال: أيها الناس، عن ملإ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق ~~إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارها لأمركم، فأبيتم إلا ~~أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن ~~آخذ درهما ms0999 دونكم، فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ~~ما فارقناك عليه بالأمس. # PageV02P556 # فقال: اللهم اشهد. ولما جاءوا بطلحة ليبايع قال: إنما أبايع كرها. فبايع، ~~وكان به شلل، فقال رجل يعتاف: إنا لله وإنا إليه راجعون، أول يد بايعت يد ~~شلاء، لا يتم هذا الأمر! ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع، وفي الزبير ~~اختلاف، ثم جيء بعده بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب ~~الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل، فبايعهم، ثم قام العامة فبايعوا، ~~وصار الأمر أمر أهل المدينة وكأنهم كما كانوا فيه وتفرقوا إلى منازلهم. # وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة، والناس يحسبون بيعته من [يوم] ~~قتل عثمان. # وأول خطبة خطبها علي حين استخلف حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله ~~أنزل كتابا هاديا يبين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض ~~الفرائض أدوها إلى الله تعالى يؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير ~~مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق ~~المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس ~~أمامكم وإن ما [من] خلفكم الساعة تحدوكم. تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس ~~أخراهم. اتقوا الله عباد الله في بلاده وعباده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع ~~والبهائم. أطيعوا الله فلا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم ~~الشر فدعوه، {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} [الأنفال: 26] ولما ~~فرغ من الخطبة وهو على المنبر قالت السبئية: # خذها إليك واحذرن أبا حسن ... إنا نمر الأمر إمرار الرسن # صولة أقوام كأشداد السفن ... بمشرفيات كغدران اللبن # ونطعن الملك بلين كالشطن ... حتى يمرن على غير عنن # فقال علي: # إني عجزت عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر # PageV02P557 # إن لم يشاغبني العجول المنتصر # إن تتركوني والسلاح يبتدر # ورجع علي إلى بيته، فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة فقالوا: ms1000 يا ~~علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا ~~الرجل وأحلوا بأنفسهم. فقال: يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف ~~أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت ~~إليهم أعرابكم وهم خلاطكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة على شيء ~~مما تريدون؟ قالوا: لا. قال: فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه أبدا إلا أن ~~يشاء الله. إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وذلك أن ~~الشيطان لم يشرع شريعة قط، فيبرح الأرض [من] أخذ بها أبدا. إن الناس من هذا ~~الأمر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ~~ترى هذا ولا هذا، حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، ~~فاهدأوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا. واشتد على قريش وحال بينهم ~~وبين الخروج على حالها، وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية وتفرق القوم، ~~فبعضهم يقول ما قال علي، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، والله إن ~~عليا لمستغن برأيه وليكونن أشد على قريش من غيره. # فسمع ذلك فخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم، وأنه ~~ليس له من سلطانهم (إلا ذاك) والأجر من الله عليه، ونادى: برئت الذمة من ~~عبد لا يرجع إلى مولاه. فتذامرت السبيئة والأعراب وقالوا: لنا غدا مثلها ~~ولا نستطيع نحتج فيهم بشيء. وقال: أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب فليلحقوا ~~بمياههم، فأبت السبيئة وأطاعهم الأعراب. فدخل علي بيته، ودخل عليه طلحة ~~والزبير وعدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: دونكم ثأركم ~~فاقتلوه. فقال: (عشوا عن ذلك) . فقال: هم والله بعد اليوم أعشى! وقال: # ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا # وقال طلحة: دعني آت البصرة فلا يفجأك إلا وإنا في خيل. وقال الزبير: دعني ~~آت الكوفة فلا يفجأك إلا وأنا في خيل. فقال: حتى أنظر في ذلك. # PageV02P558 # قيل: وقال ابن عباس: أتيت عليا ms1001 بعد قتل عثمان عند عودي من مكة فوجدت ~~المغيرة بن شعبة مستخليا به، فخرج من عنده، فقلت له: ما قال لك هذا؟ فقال: ~~قال لي قبل مرته هذه: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت بقية الناس، وإن ~~الرأي اليوم تحرز به ما في غد، وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غد، أقرر ~~معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس، ~~ثم اعزل من شئت، فأبيت عليه ذلك وقلت: لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في ~~أمري. قال: فإن كنت أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية، فإن في معاوية ~~جرأة، وهو في أهل الشام يستمع منه، ولك حجة في إثباته، كان عمر بن الخطاب ~~قد ولاه الشام. فقلت: لا والله لا أستعمل معاوية يومين! ثم انصرف من عندي ~~وأنا أعرف فيه أنه يود أني مخطئ، ثم عاد إلي الآن فقال: إني أشرت عليك أول ~~مرة بالذي أشرت وخالفتني فيه، ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت فتعزلهم ~~وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله وهم أهون شوكة مما كان. قال ابن عباس: ~~فقلت لعلي: أما المرة الأولى فقد نصحك، وأما المرة الثانية فقد غشك. قال: ~~ولم نصحني؟ قلت: لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تثبتهم لا يبالوا من ولي ~~هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا: أخذ هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا، ~~ويؤلبون عليك، فتنتقض عليك الشام وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزبير ~~أن يكرا عليك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية، فإن بايع لك فعلي أن أقلعه ~~من منزله، وقال علي: والله لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثل: # وما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها # فقلت: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب، أما سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحرب خدعة؟» فقال: بلى: فقلت: ~~أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا ~~يعرفون ms1002 ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا ابن عباس لست ~~من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء. قال ابن عباس: فقلت له: أطعني والحق ~~بمالك بينبع وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، ~~فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا. فأبى علي ~~فقال: تشير علي وأرى فإذا # PageV02P559 # عصيتك فأطعني. قال: فقلت: أفعل، إن أيسر ما لك عندي الطاعة. فقال له علي: ~~تسير إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل من ~~بني أمية، وهو ابن عم عثمان وعامله ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، وإن أدنى ~~ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك، وإن كل ما حمل عليك حمل علي، ~~ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده. فقال: لا والله، لا كان هذا أبدا! # وكان المغيرة يقول: نصحته فلما لم يقبل غششته. وخرج فلحق بمكة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة - أعني سنة خمس وثلاثين - سار قسطنطين بن هرقل في ألف مركب ~~يريد أرض المسلمين (قبل قتل عثمان) ، فسلط الله عليهم ريحا عاصفا فغرقهم، ~~ونجا قسطنطين فأتى صقلية، فصنعوا له حماما، فدخله فقتلوه فيه وقالوا: قتلت ~~رجالنا. هكذا قال أبو جعفر. # وهذا قسطنطين هو الذي هزمه المسلمون في غزوة الصواري سنة إحدى وثلاثين، ~~وقتله أهل صقلية في الحمام، وإن كانوا قد اختلفوا في السنة التي كانت ~~الوقعة فيها، فلولا قوله: إن المراكب غرقت، لكانت هذه الحادثة هي تلك، ~~فإنها في قول بعضهم: كانت سنة خمس وثلاثين. # [الوفيات] # وفي خلافة عثمان مات أوس بن خولي الأنصاري. وفي خلافة عثمان أيضا مات ~~الجلاس بن سويد الأنصاري، وكان من المنافقين على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وحسنت توبته، وفيها مات الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، ~~والد الملقب بببة. # PageV02P560 # وفي آخرها مات الحكم بن أبي العاص، وهو والد مروان وعم عثمان. وفيها مات ~~حبان بن منقذ الأنصاري، وهو والد ms1003 يحيى بن حبان - بفتح الحاء المهملة ~~وبالباء الموحدة -، وفيها مات عبد الله بن قيس بن خالد الأنصاري، وقيل: بل ~~قتل بأحد شهيدا. وفي خلافته مات قطبة بن عامر الأنصاري - وهو عقبي بدري -. ~~وفي خلافته مات زيد بن خارجة بن زيد الأنصاري - وهو الذي تكلم بعد موته -. ~~وفيها قتل معبد بن # PageV02P561 # العباس بن عبد المطلب بإفريقية في آخر خلافة عثمان. وفيها مات معيقيب بن ~~أبي فاطمة، وكان من مهاجرة الحبشة، وكان على خاتم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقيل: بل مات سنة أربعين في خلافة علي، وفيها مات مطيع بن ~~الأسود العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح. وفي خلافته مات نعيم بن مسعود ~~الأشجعي، وقيل: بل قتل في وقعة الجمل مع # PageV02P562 # مجاشع بن مسعود، وفي خلافته مات عبد الله بن حذافة السهمي، وهو بدري - ~~وكان فيه دعابة -. وفيها مات عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي والد عمر ~~الشاعر، وكان قد جاء من اليمن لينصر عثمان لما حصر فسقط عن راحلته فمات. ~~وأبو رافع مولى # PageV02P563 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: مات في خلافة علي، وهو أصح # وفي خلافته توفي أبو سبرة بن أبي رهم العامري من عامر بن لؤي - وهو بدري ~~- # وفيها مات هاشم بن عتبة بن ربيعة خال معاوية، أسلم يوم الفتح وكان صالحا. ~~وفيها مات أبو الدرداء، وقيل: عاش بعده، والأول أصح. # PageV02P564 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثين] # [ذكر تفريق علي عماله وخلاف معاوية] ### | 36 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثين ### | ذكر تفريق علي عماله وخلاف معاوية # وفي هذه السنة فرق علي عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على ~~البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة، وعبيد الله بن عباس على ~~اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام. # فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: ~~أمير. قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. قالوا: إن كان بعثك عثمان فحي ~~هلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع. ms1004 قال: أوما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى. ~~فرجع إلى علي. # وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا له: من أنت؟ ~~قال: من فالة عثمان، فأنا أطلب من آوي إليه فأنتصر به لله. قالوا: من أنت؟ ~~قال: قيس بن سعد. قالوا: امض. فمضى حتى دخل مصر. فافترق أهل مصر فرقا، فرقة ~~دخلت في الجماعة فكانوا معه، وفرقة اعتزلت بخرنبا وقالوا: إن قتل قتلة ~~عثمان فنحن معكم، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا، وفرقة ~~قالوا: نحن مع علي ما لم يقد من إخواننا، وهم في ذلك مع الجماعة. وكتب قيس ~~إلى علي بذلك. # PageV02P565 # وأما عثمان بن حنيف فسار ولم يرده أحد عن دخول البصرة، ولم يجد لابن عامر ~~في ذلك رأيا ولا استقلالا بحرب، وافترق الناس بها، فاتبعت فرقة القوم، ~~ودخلت فرقة في الجماعة، وقالت فرقة: ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما ~~صنعوا. # وأما عمارة بن شهاب، فلما بلغ زبالة لقيه طليحة بن خويلد، وكان خرج يطلب ~~بثأر عثمان وهو يقول: له في على أمر لم يسبقني ولم أدركه! وكان خروجه عند ~~عود القعقاع من إغاثة عثمان، فلما لقي عمارة قال له: ارجع، فإن القوم لا ~~يريدون بأميرهم بدلا، فإن أبيت ضربت عنقك. فرجع عمارة إلى علي بالخبر. # وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن، فجمع يعلى بن منية كل شيء من ~~الجباية وخرج به إلى مكة، فقدمها بالمال، ودخل عبيد الله اليمن. # ولما رجع سهل بن حنيف من الشام، وأتت عليا الأخبار دعا طلحة والزبير ~~فقال: إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع، وإن الذي قد وقع لا يدرك إلا ~~بإماتته، وإنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت واستثارت. فقالا له: ائذن لنا ~~نخرج من المدينة، فإما أن نكاثر وإما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما ~~استمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي. # وكتب إلى معاوية وإلى أبي موسى. فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة ~~وبيعتهم، وبين الكاره منهم للذي كان، ms1005 والراضي، ومن بين ذلك، حتى كان علي ~~كأنه يشاهدهم. وكان رسول علي إلى أبي موسى معبد الأسلمي، وكان رسوله إلى ~~معاوية سبرة الجهني، فقدم عليه، فلم يجبه معاوية بشيء، كلما تنجز جوابه لم ~~يزد على قوله: # أدم إدامة حصن أو خذا بيدي حربا ... ضروسا تشب الجزل والضرما # في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيبت الأصداغ واللمما # أعيا المسود بها والسيدون ... فلم يوجد غيرنا مولى ولا حكما # PageV02P566 # حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، دعا معاوية رجلا من بني ~~عبس، يدعى قبيصة، فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه: من معاوية إلى علي، وقال ~~له: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار، ثم أوصاه بما يقول، وأعاد ~~رسول علي معه. فخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول، فدخلها العبسي كما أمره ~~قد رفع الطومار، فتبعه الناس ينظرون إليه، وعلموا أن معاوية معترض، ودخل ~~الرسول على علي فدفع إليه الطومار، ففض ختمه فلم يجد فيه كتابا. فقال ~~للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إن الرسول لا يقتل. قال: ورائي ~~أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من خيط رقبتك. وتركت ~~ستين ألف شيخ تبكي تحت قميص عثمان، وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق. ~~قال: أمني يطلبون دم عثمان، ألست موتورا كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك ~~من دم عثمان! نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمرا ~~أصابه، اخرج. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. # فخرج العبسي، وصاحت السبئية وقالت: هذا الكلب رسول الكلاب، اقتلوه! ~~فنادى: يا آل مضر يا آل قيس! الخيل والنبل! أقسم بالله ليردنها عليكم أربعة ~~آلاف خصي، فانظروا كم الفحول والركاب! وتعاونوا عليه، فمنعته مضر، فجعلوا ~~يقولون له: اسكت، فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا، أتاهم ما يوعدون، ~~لقد حل بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا ~~حتى عرف الذل فيهم. # وأحب أهل المدينة أن يعلموا رأي علي في معاوية وقتاله أهل ms1006 القبلة، أيجسر ~~عليه أم ينكل عنه؟ وقد بلغهم أن ابنه الحسن دعاه إلى القعود وترك الناس، ~~فدسوا زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى علي فجلس إليه ساعة، فقال له ~~علي: يا زياد تيسر، فقال: لأي شيء؟ فقال: لغزو الشام. فقال زياد: الأناة ~~والرفق أمثل، وقال: # ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # فتمثل علي وكأنه لا يريده: # PageV02P567 # متى تجمع القلب الزكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم # فخرج زياد والناس ينتظرونه وقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم. فعرفوا ~~ما هو فاعل. واستأذنه طلحة والزبير في العمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة، ودعا ~~علي محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمر ~~بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ولاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن ~~عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح فجعله على مقدمته، واستخلف على ~~المدينة قثم بن العباس، ولم يول ممن خرج على عثمان أحدا. # وكتب إلى قيس بن سعد، وإلى عثمان بن حنيف، وإلى أبي موسى أن يندبوا الناس ~~إلى أهل الشام، ودعا أهل المدينة إلى قتالهم، وقال لهم: إن في سلطان الله ~~عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها، والله لتفعلن أو ~~لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الأمر ~~إليها، انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم، لعل الله يصلح ~~بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم. # (خرنبا بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، وفتح النون، والباء الموحدة، ~~وآخره ألف) . ### | [ذكر ابتداء وقعة الجمل] # فبينما هم كذلك على التجهز لأهل الشام أتاهم الخبر عن طلحة والزبير ~~وعائشة # PageV02P568 # وأهل (مكة بنحو آخر) وأنهم على الخلاف، فأعلم علي الناس ذلك، وأن عائشة، ~~وطلحة، والزبير، قد سخطوا إمارته، ودعوا الناس إلى الإصلاح، وقال لهم: ~~سأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكف إن كفوا، وأقتصر على ما بلغني. # ثم أتاه أنهم يريدون البصرة، فسره ذلك وقال: إن الكوفة ms1007 فيها رجال العرب ~~وبيوتاتهم. فقال له ابن عباس: إن الذي سرك من ذلك ليسوءني، إن الكوفة فسطاط ~~فيه [أعلام] من أعلام العرب، ولا يحملهم عدة القوم، ولا يزال فيها من يسمو ~~إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب علي الذي قد نال ما يريد حتى تكسر ~~حدته. # فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول، وتهيأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة ~~للمسير معهم فتثاقلوا، فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي، فجاء به، ~~فدعاه إلى الخروج معه، فقال: إنما أنا من أهل المدينة وقد دخلوا في هذا ~~الأمر فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم، وإن يقعدوا أقعد. قال: فأعطني ~~كفيلا. قال: لا أفعل. فقال له علي: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا ~~لأنكرتني، دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى المدينة وهم يقولون: والله ما ~~ندري كيف نصنع، إن الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى يضيء لنا. # فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم ابنة علي، وهي زوجة عمر، بالذي سمع، ~~وأنه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علي ما خلا النهوض. فأصبح علي فقيل له: ~~حدث الليلة حدث هو أشد من طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية. قال: وما ذاك؟ ~~قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام فأتى السوق وأعد الظهر والرجال، وأخذ لكل ~~طريق طلابا، وماج الناس. فسمعت أم كلثوم، فأتت عليا فأخبرته الخبر، فطابت ~~نفسه وقال: انصرفوا، والله ما كذبت ولا كذب، والله إنه عندي ثقة. فانصرفوا. # وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إليها، وعثمان محصور، ثم # PageV02P569 # خرجت من مكة تريد المدينة. فلما كانت بسرف لقيها رجل من أخوالها من بني ~~ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة، وهو ابن أم كلاب، فقالت له: مهيم؟ قال: قتل ~~عثمان وبقوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعة علي. ~~فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني! فانصرفت ~~إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه! فقال لها: ~~ولم؟ ms1008 والله إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد ~~كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من ~~قولي الأول. فقال لها ابن أم كلاب: # فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرياح ومنك المطر # وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد كفر # فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر # ولم يسقط السقف من فوقنا ... ولم ينكسف شمسنا والقمر # وقد بايع الناس ذا تدرإ ... يزيل الشبا ويقيم الصعر # ويلبس للحرب أثوابها ... وما من وفى مثل من قد غدر # فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فسترت فيه، فاجتمع الناس حولها. فقالت: أيها ~~الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا ~~على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس، ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه، وقد ~~استعمل أمثالهم قبله، ومواضع من الحمى حماها لهم، فتابعهم ونزع لهم عنها. ~~فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا ~~البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام، والله لإصبع من عثمان خير ~~من طباق الأرض أمثالهم! ووالله، لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص ~~منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب ~~بالماء، أي يغسل. # PageV02P570 # فقال عبد الله بن عامر الحضرمي، وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا أول ~~طالب! فكان أول مجيب، وتبعه أمية على ذلك، وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل ~~عثمان إلى مكة ورفعوا رؤوسهم، وكان أول ما تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن ~~العاص، والوليد بن عقبة، وسائر بني أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر من ~~البصرة بمال كثير، ويعلى بن أمية، وهو ابن منية، من اليمن ومعه ستمائة بعير ~~وستمائة ألف درهم، فأناخ بالأبطح. # وقدم طلحة، والزبير من المدينة، فلقيا عائشة، فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: ~~إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون ~~حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. فقالت: انهضوا إلى هذه ms1009 الغوغاء. ~~فقالوا: نأتي الشام. فقال ابن عامر: قد كفاكم الشام معاوية، فأتوا البصرة ~~فإن لي بها صنائع، ولهم في طلحة هوى. قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت ~~بالمسالم ولا بالمحارب، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكفى بك، ثم نأتي ~~الكوفة فنسد على هؤلاء القوم المذاهب؟ فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، ~~فاستقام الرأي على البصرة، وقالوا لها: نترك المدينة فإنا خرجنا فكان معنا ~~من لا يطيق من بها من الغوغاء ونأتي بلدا مضيعا سيحتجون علينا ببيعة علي ~~فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة، فإن أصلح الله الأمر كان الذي أردنا، وإلا ~~دفعنا بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد. # فأجابتهم إلى ذلك. ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم، فأبى وقال: أنا من ~~أهل المدينة أفعل ما يفعلون. فتركوه. # وكان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - معها، على قصد المدينة، فلما ~~تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك، وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم، فمنعها ~~أخوها عبد الله بن عمر، وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف ~~درهم، وجهزهم ابن عامر بمال كثير، ونادى # PageV02P571 # مناديها: إن أم المؤمنين، وطلحة، والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد ~~إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان، وليس له مركب وجهاز فليأت! ~~فحملوا ستمائة على ستمائة بعير وساروا في ألف. وقيل: في تسعمائة من أهل ~~المدينة ومكة، ولحقهم الناس، فكانوا في ثلاثة آلاف رجل. وبعثت أم الفضل بنت ~~الحرث أم عبد الله بن عباس رجلا من جهينة يدعى ظفرا، فاستأجرته على أن يأتي ~~عليا بالخبر، فقدم على علي بكتابها. # وخرجت عائشة ومن معها من مكة، فلما خرجوا منها أذن مروان بن الحكم، ثم ~~جاء حتى وقف على طلحة والزبير فقال: على أيكم أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة؟ ~~فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله - يعني أباه الزبير -. وقال ~~محمد بن طلحة: على أبي محمد - يعني أباه طلحة -. فأرسلت عائشة إلى مروان ~~وقالت له: أتريد أن تفرق أمرنا! ليصل بالناس ابن أختي - تعني عبد الله بن ~~الزبير -. وقيل: بل ms1010 صلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد حتى قتل، فكان ~~معاذ بن عبيد يقول: والله لو ظفرنا لاقتتلنا، ما كان الزبير يترك طلحة ~~والأمر، ولا كان طلحة يترك الزبير والأمر. # وتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق، فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم كان ~~أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم، فكان يسمى يوم النحيب. فلما بلغوا ذات عرق ~~لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بها فقال: أين تذهبون وتتركون ~~ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ - يعني: عائشة، وطلحة، والزبير -. اقتلوهم ~~ثم ارجعوا إلى منازلكم. فقالوا: نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. فخلا ~~سعيد بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني. قالا: ~~نجعله لأحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان، فإنكم خرجتم ~~تطلبون بدمه. فقالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأيتام! قال: فلا أراني ~~أسعى إلا لإخراجها من بني عبد مناف. فرجع ورجع عبد الله بن # PageV02P572 # خالد بن أسيد، وقال المغيرة بن شعبة: الرأي ما قال سعيد، من كان هاهنا من ~~ثقيف فليرجع. فرجع، ومضى القوم ومعهم أبان، والوليد ابنا عثمان. وأعطى يعلى ~~بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بثمانين دينارا، فركبته. وقيل: بل كان ~~جملها لرجل من عرينة. # قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أتبيع جملك؟ ~~قلت: نعم. قال: بكم؟ قلت: بألف درهم. قال: أمجنون أنت؟ قلت: ولم؟ والله ما ~~طلبت عليه أحدا إلا أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته. قال: لو تعلم ~~لمن نريده! إنما نريده لأم المؤمنين عائشة! فقلت: خذه بغير ثمن. قال: بل ~~ترجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم. قال: فرجعت معه فأعطوني ناقة ~~مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة، وقالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة ~~بالطريق؟ قلت: أنا من أدل الناس. قالوا: فسر معنا. فسرت معهم فلا أمر على ~~واد إلا سألوني عنه، حتى طرقنا الحوأب، وهو ماء، فنبحتنا كلابه، فقالوا: أي ~~ماء هذا؟ فقلت: هذا ماء الحوأب. فصرخت عائشة بأعلى ms1011 صوتها وقالت: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، إني لهيه، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يقول ~~وعنده نساؤه: " ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب "!» ثم ضربت عضد بعيرها ~~فأناخته وقالت: ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب. فأناخوا حولها يوما ~~وليلة، فقال لها عبد الله بن الزبير: إنه كذب، ولم يزل بها وهي تمتنع، فقال ~~لها: النجاء النجاء! قد أدرككم علي بن أبي طالب. فارتحلوا نحو البصرة، فلما ~~كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي وقال: يا أم المؤمنين أنشدك ~~الله أن تقدمي اليوم على قوم لم تراسلي منهم أحدا، فعجلي ابن عامر، فإن له ~~بها صنائع، فليذهب إليهم ليلقوا الناس إلى أن تقدمي ويسمعوا ما جئتم به. ~~فأرسلته، فاندس إلى البصرة، فأتى القوم، وكتبت عائشة # PageV02P573 # إلى رجال من أهل البصرة، وإلى الأحنف بن قيس، وصبرة بن شيمان، وأمثالهم، ~~وأقامت بالحفير تنتظر الجواب. # ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين - وكان رجل ~~عامة - وألزه بأبي الأسود الدؤلي - وكان رجل خاصة - وقال لهما: انطلقا إلى ~~هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها. فخرجا فانتهيا إليها بالحفير، فأذنت ~~لهما، فدخلا وسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك لنسألك عن مسيرك، فهل أنت ~~مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يعطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء ونزاع القبائل ~~غزوا حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدثوا فيه وآووا المحدثين، ~~فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما نالوا ~~من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام وسفكوه، ~~وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام، والشهر الحرام، فخرجت في ~~المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء، وما الناس فيه وراءنا، وما ينبغي لهم من ~~إصلاح هذه القصة، وقرأت: {لا خير في كثير من نجواهم} [النساء: 114] الآية، ~~فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه. # فخرج عمران وأبو الأسود من عندها فأتيا طلحة وقالا: ما أقدمك؟ فقال: ~~الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع عليا؟ فقال: بلى والسيف ms1012 على عنقي، وما ~~أستقيل عليا البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير ~~فقالا له مثل قولهما لطلحة، وقال لهما مثل قول طلحة، فرجعا إلى عثمان بن ~~حنيف، ونادى مناديها بالرحيل، فدخلا على عثمان فبادر أبو الأسود عمران ~~فقال: # يا ابن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم وجالد واصبر # وابرز لهم مستلئما وشمر # فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحى الإسلام ورب الكعبة ~~فانظروا بأي زيفان تزيف. فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا. قال: ~~فأشر علي يا عمران. قال: اعتزل فإني قاعد. قال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي ~~أمير المؤمنين. # PageV02P574 # فانصرف عمران إلى بيته وقام عثمان في أمره، فأتاه هشام بن عامر فقال: إن ~~هذا الأمر الذي تريده يسلم إلى شر مما تكره، إن هذا فتق لا يرتق، وصدع لا ~~يجبر، فارفق بهم وسامحهم حتى يأتي أمر علي. فأبى ونادى عثمان في الناس ~~وأمرهم بلبس السلاح، فاجتمعوا إلى المسجد وأمرهم بالتجهيز، وأمر رجلا دسه ~~إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا، فقام فقال: أيها الناس أنا قيس بن العقدية ~~الحميسي، إن هؤلاء القوم إن كانوا جاؤوا خائفين فقد أتوا من بلد يأمن فيه ~~الطير، وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان، فما نحن بقتلة عثمان، فأطيعوني ~~وردوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود بن سريع السعدي فقال: أوزعموا أنا قتلة ~~عثمان؟ إنما أتوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا. فحصبه الناس، ~~فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا، فكسره ذلك. # فأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى المربد، فدخلوا من أعلاه، ووقفوا ~~حتى خرج عثمان فيمن معه وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، ~~فاجتمع القوم بالمربد، فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد، وعثمان في ميسرته، ~~فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما استحل منه، ودعا ~~إلى الطلب بدمه وحثهم عليه، وكذلك الزبير. فقال من في ميمنة المربد: صدقا ~~وبرا. وقال في ميسرته: فجرا وغدرا وأمرا بالباطل، فقد بايعا عليا ms1013 ثم جاءا ~~يقولان، وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. # فتكلمت عائشة، وكانت جهورية الصوت، فحمدت الله وقالت: كان الناس يتجنون ~~على عثمان ويزرون على عماله، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا ~~عنهم، فننظر في ذلك فنجده بريئا تقيا وفيا، ونجدهم فجرة غدرة كذبة، وهم ~~يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا كاثروه، واقتحموا عليه داره، واستحلوا ~~الدم الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، بلا ترة ولا عذر، ألا إن مما ~~ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان وإقامة كتاب الله، وقرأت: {ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله} [آل عمران: 23] ~~الآية، فافترق أصحاب عثمان فرقتين، فرقة قالت: صدقت وبرت، وقال الآخرون: ~~كذبتم والله ما نعرف ما جئتم به! فتحاثوا وتحاصبوا. فلما رأت عائشة ذلك ~~انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف حتى وقفوا في المربد في ~~موضع الدباغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم، ومال بعضهم إلى عائشة وبقي ~~بعضهم مع عثمان. # PageV02P575 # وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال: يا أم المؤمنين، والله، لقتل عثمان ~~أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك ~~من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت حرمتك! إنه من رأى قتالك يرى قتلك! ~~لئن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مكرهة فاستعيني ~~بالناس. # وخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال: أما أنت يا زبير فحواري ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بيدك وأرى أمكما معكما، فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا. ~~قال: فما أنا منكم في شيء، واعتزل وقال في ذلك: # صنتم حلائلكم وقدتم أمكم ... هذا لعمرك قلة الإنصاف # أمرت بجر ذيولها في بيتها ... فهوت تشق البيد بالإيجاف # غرضا يقاتل دونها أبناؤها ... بالنبل والخطي والأسياف # هتكت بطلحة والزبير ستورها ... هذا المخبر عنهم والكافي # وأقبل حكيم بن جبلة العبدي - وهو على الخيل - فأنشب القتال، وأشرع أصحاب ~~عائشة رماحهم، وأمسكوا ليمسك حكيم وأصحابه، فلم ينته، ms1014 وقاتلهم وأصحاب عائشة ~~كافون يدفعون عن أنفسهم، وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها، فاقتتلوا على فم ~~السكة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا إلى مقبرة بني مازن، وحجز الليل ~~بينهم، ورجع عثمان إلى القصر، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق، ~~وباتوا يتأهبون، وبات الناس يأتونهم، واجتمعوا بساحة دار الرزق. فغاداهم ~~حكيم بن جبلة وهو يسب وبيده الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي ~~تسبه؟ قال: عائشة. قال: يا ابن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه حكيم ~~فقتله. ثم مر بامرأة وهو يسبها أيضا، فقالت له: ألأم المؤمنين تقول هذا يا ~~ابن الخبيثة؟ فطعنها فقتلها. ثم سار فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا إلى ~~أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين. ~~فلما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح وتوادعوا، فكتبوا بينهم كتابا على أن ~~يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها، فإن كان طلحة والزبير أكرها خرج ~~عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها لهما، وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة ~~والزبير، وكتبوا بينهم كتابا بذلك. وسار كعب بن سور إلى أهل المدينة ~~يسألهم. فلما قدمها اجتمع الناس إليه، وكان يوم جمعة، # PageV02P576 # فقام وقال: يا أهل المدينة، أنا رسول أهل البصرة، نسألكم هل أكره طلحة ~~والزبير على بيعة علي أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد إلا أسامة بن زيد، ~~فإنه قام وقال: أنهما بايعا وهما مكرهان. فأمر به تمام بن العباس، فواثبه ~~سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب وأبو أيوب في عدة من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا أن يقتل أسامة فقالوا: اللهم ~~نعم. فتركوه، وأخذ صهيب أسامة بيده إلى منزله وقال له: أما وسعك ما وسعنا ~~من السكوت؟ قال: ما كنت أظن أن الأمر كما أرى. فرجع كعب وبلغ عليا الخبر، ~~فكتب إلى عثمان يعجزه وقال: والله ما أكرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة ~~وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ms1015 ~~ونظروا. # فقدم الكتاب على عثمان، وقدم كعب بن سور، فأرسلوا إلى عثمان ليخرج، فاحتج ~~بالكتاب وقال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه. فجمع طلحة والزبير الرجال في ~~ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا ~~يؤخرونها، فأبطأ عثمان، فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة ~~السلاح ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، وهم ~~أربعون رجلا، فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما. فلما وصل إليهما ~~[توطؤوه] وما بقيت في وجهه شعرة فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة يعلمانها ~~الخبر، فأرسلت إليهما أن خلوا سبيله. # وقيل: لما أخذ عثمان أرسلوا إلى عائشة يستشيرونها في أمره، فقالت: ~~اقتلوه. فقالت لها امرأة: نشدتك الله في عثمان وصحبته لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -! فقالت لهم: احبسوه. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه ~~وأنتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه. فضربوه أربعين سوطا ونتفوا لحيته ~~وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه ثم أطلقوه وجعلوا على بيت المال عبد الرحمن بن ~~أبي بكر الصديق. # وقد قيل في إخراج عثمان غير ما تقدم، وذلك أن عائشة، وطلحة، والزبير لما # PageV02P577 # قدموا البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان: من عائشة أم المؤمنين حبيبة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذل الناس عن علي. # فكتب إليها: أما بعد فأنا ابنك الخالص، لئن اعتزلت ورجعت إلى بيتك، وإلا ~~فأنا أول من نابذك. # وقال زيد: رحم الله أم المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها، وأمرنا أن نقاتل، ~~فتركت ما أمرت وأمرتنا به، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه. # وكان على البصرة عند قدومها عثمان بن حنيف فقال لهم: ما نقمتم على ~~صاحبكم؟ فقالوا: لم نره أولى بها منا وقد صنع ما صنع. قال: فإن الرجل أمرني ~~فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم به، على أن أصلي أنا بالناس حتى يأتينا كتابه. # فوقفوا عنه، فكتب، فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا ms1016 على عثمان عند ~~مدينة الرزق، فظفروا به وأرادوا قتله، ثم خشوا غضب الأنصار، فنتفوا شعر ~~رأسه ولحيته وحاجبيه وضربوه وحبسوه. وقام طلحة والزبير خطيبين فقالا: يا ~~أهل البصرة توبة لحوبة، إنما أردنا أن نستعتب أمير المؤمنين عثمان، فغلب ~~السفهاء الحلماء فقتلوه! فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد قد كانت كتبك ~~تأتينا بغير هذا. فقال الزبير: هل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثم ذكر قتل ~~عثمان وأظهر عيب علي، فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيها الرجل أنصت ~~حتى نتكلم. فأنصت. فقال العبدي: يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام ~~كما دخلتم، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعتم رجلا منكم ~~فرضينا وسلمنا، ولم تستأمرونا في شيء من ذلك، فجعل الله للمسلمين في إمارته ~~بركة، ثم مات واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلمنا، فلما ~~توفي جعل أمركم إلى ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورتنا، ثم ~~أنكرتم منه شيئا فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثم بايعتم عليا عن غير مشورة ~~منا، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء، أو عمل بغير الحق، أو ~~أتى شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه، وإلا فما هذا؟ فهموا # PageV02P578 # بقتل ذلك الرجل، فمنعته عشيرته، فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه ~~فقتلوا منهم سبعين. وبقي طلحة والزبير بعد أخذ عثمان بالبصرة ومعهما بيت ~~المال والحرس والناس، ومن لم يكن معهما استتر. # وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال: لست أخاف الله إن لم ~~أنصره! فجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة، وتوجه نحو دار ~~الرزق، وبها طعام أراد عبد الله بن الزبير أن يرزقه أصحابه، فقال له عبد ~~الله: ما لك يا حكيم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام وأن تخلوا عثمان، ~~فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم علي، وايم الله لو ms1017 أجد ~~أعوانا عليكم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإن ~~دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم، أما تخافون الله؟ بم تستحلون الدم الحرام؟ ~~قال: بدم عثمان. قال: فالذين قتلتم هم قتلوا عثمان؟ ! أما تخافون مقت الله؟ ~~فقال له عبد الله: لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلي سبيل عثمان حتى تخلع ~~عليا. فقال حكيم: اللهم إنك حكم عدل فاشهد، وقال لأصحابه: لست في شك من ~~قتال هؤلاء القوم، فمن كان في شك فلينصرف. وتقدم فقاتلهم. فقال طلحة ~~والزبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهم لا تبق منهم ~~أحدا! فاقتتلوا قتالا شديدا ومع حكيم أربعة قواد، فكان حكيم بحيال طلحة، ~~وذريح بحيال الزبير، وابن المحترش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن ~~زهير بحيال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمائة، ~~وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول: # أضربهم باليابس ضرب غلام عابس ... من الحياة آيس في الغرفات نافس # فضرب رجل رجله فقطعها، (فحبا حتى) أخذها فرمى بها صاحبه فصرعه وأتاه ~~فقتله ثم اتكأ عليه وقال: # PageV02P579 # يا ساقي لن تراعي ... إن معي ذراعي # أحمي بها كراعي # وقال أيضا: # ليس علي أن أموت عار ... والعار في الناس هو الفرار # والمجد لا يفضحه الدمار # فأتى عليه رجل وهو رثيث، رأسه على آخر، فقال: ما لك يا حكيم؟ قال: قتلت. ~~قال: من قتلك؟ قال: وسادتي. فاحتمله وضمه في سبعين من أصحابه، وتكلم يومئذ ~~حكيم وإنه لقائم على رجل واحدة، وإن السيوف لتأخذهم وما يتتعتع ويقول: إنا ~~خلفنا هذين، وقد بايعا عليا وأعطياه الطاعة ثم أقبلا مخالفين محاربين ~~يطلبان بدم عثمان، ففرقا بيننا، ونحن أهل دار وجوار، اللهم أنهما لم يريدا ~~عثمان! فناداه مناد: يا خبيث! جزعت حين عضك نكال الله إلى الكلام من نصبك ~~وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم وفرقتم من الجماعة وأصبتم من الدماء، ~~فذق وبال الله وانتقامه. وقتلوا وقتل معهم، قتله يزيد بن الأسحم الحداني، ~~فوجد حكيم قتيلا بين يزيد وأخيه ms1018 كعب. # وقيل: قتله رجل يقال له ضخيم، وقتل معه ابنه الأشرف وأخوه الرعل بن جبلة. ~~ولما قتل حكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف فقال لهم: أما إن سهلا بالمدينة، ~~فإن قتلتموني انتصر، فخلوا سبيله، فقصد عليا. وقتل ذريح ومن معه، وأفلت ~~حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه، فلجأوا إلى قومهم، فنادى منادي طلحة ~~والزبير: من كان فيهم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم، فجيء بهم فقتلوا، ~~ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير، فإن عشيرته بني سعد منعوه، وكان منهم، ~~فنالهم من ذلك أمر شديد، وضربوا فيه أجلا وخشنوا صدور بني سعد، وكانوا ~~عثمانية، فاعتزلوا، وغضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ~~ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم # PageV02P580 # الطاعة لعلي، فأمر طلحة والزبير للناس بأعطياتهم وأرزاقهم، وفضلا أهل ~~السمع والطاعة، فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حين منعوهم الفضول، ~~فبادروهم إلى بيت المال، وأكب عليهم الناس، فأصابوا منهم، وخرجوا حتى نزلوا ~~على طريق علي. وأقام طلحة والزبير وليس معهما ثأر إلا حرقوص بن زهير، ~~وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه، وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة ~~بما كان منهم، وتأمرهم أن يثبطوا الناس عن علي، وتحثهم على طلب قتلة عثمان، ~~وكتبت إلى أهل اليمامة وإلى أهل المدينة بما كان منهم أيضا، وسيرت الكتب. # وكانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين. # وبايع أهل البصرة طلحة والزبير، فلما بايعوهما قال الزبير: ألا ألف فارس ~~أسير بهم إلى علي، أقتله بياتا أو صباحا قبل أن يصل إلينا! فلم يجبه أحد، ~~فقال: إن هذه للفتنة التي كنا نحدث عنها. فقال له مولاه: أتسميها فتنة ~~وتقاتل فيها؟ قال: ويلك! إنا نبصر ولا نبصر، ما كان أمر قط إلا وإنا أعلم ~~موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر! وقال ~~علقمة بن وقاص الليثي: لما خرج طلحة، والزبير، وعائشة، رأيت طلحة وأحب ms1019 ~~المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على صدره، فقلت: يا أبا محمد أرى أحب ~~المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على صدرك، إن كرهت شيئا فاجلس. قال: ~~فقال لي: يا علقمة بينا نحن يد واحدة على من سوانا إذ صرنا جبلين من حديد ~~يطلب بعضنا بعضا، إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أن يسفك دمي في ~~طلب دمه. قال: فقلت: فرد ابنك محمدا، فإن لك ضيعة وعيالا، فإن يك شيء ~~يخلفك. قال: فامنعه. قال: فأتيت محمدا ابنه فقلت له: لو أقمت فإن حدث به ~~حدث كنت تخلفه في عياله وضيعته. قال: ما أحب أن أسأل عنه الركبان. # (يعلى بن منية بضم الميم، وسكون النون، والياء المعجمة باثنتين من تحتها، ~~وهي # PageV02P581 # أمه، واسم أبيه أمية. عبد الله بن خالد بن أسيد بفتح همزة أسيد. جارية بن ~~قدامة بالجيم. حكيم بن جبلة بضم الحاء، وفتح الكاف، وقيل بفتح الحاء، وكسر ~~الكاف. وصوحان بضم الصاد، وآخره نون) . # ذكر مسير علي إلى البصرة والوقعة # قد ذكرنا فيما تقدم تجهز علي إلى الشام، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن ~~طلحة والزبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك دعا وجوه أهل ~~المدينة وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن آخر هذا الأمر لا يصلح ~~إلا بما صلح [به] أوله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم. فتثاقلوا، ~~فلما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس انتدب إلى علي وقال له: من تثاقل عنك ~~فإنا نخف معك فنقاتل دونك. وقام رجلان صالحان من أعلام الأنصار، أحدهما أبو ~~الهيثم ابن التيهان، وهو بدري، والثاني خزيمة بن ثابت، وقيل: [هو ذو ~~الشهادتين] ، وقال الحكم: ليس بذي الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيام عثمان، ~~فأجابه إلى نصرته. # قال الشعبي: ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة نفر بدريون ما لهم سابع. وقال ~~سعيد بن زيد: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لخير ~~يعلمونه إلا وعلي أحدهم. قيل: وقال أبو قتادة الأنصاري ms1020 لعلي: يا أمير ~~المؤمنين إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلدني هذا السيف وقد أغمدته ~~زمانا، وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين [لا] يألون الأمة ~~غشا، وقد أحببت أن تقدمني فقدمني. وقالت أم سلمة: يا أمير المؤمنين، لولا ~~أن أعصي الله وأنك لا تقبله مني لخرجت معك، وهذا ابن عمي، وهو والله أعز ~~علي من نفسي، يخرج معك ويشهد مشاهدك. فخرج معه وهو لم يزل معه، واستعمله ~~علي على البحرين، ثم عزله، واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي. فلما أراد علي ~~المسير إلى البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزبير فيردهما قبل وصولهما إلى ~~البصرة، أو يوقع بهما، فلما سار استخلف على المدينة تمام بن العباس، وعلى ~~مكة قثم بن العباس، # PageV02P582 # وقيل: أمر على المدينة سهل بن حنيف. وسار علي من المدينة في تعبيته التي ~~تعباها لأهل الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت أخت علي بن ~~عدي من بني عبد شمس: # لاهم فاعقر بعلي جمله ... ولا تبارك في بعير حمله # ألا علي بن عدي ليس له # وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في تسعمائة، وهو يرجو أن ~~يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج أو يأخذهم، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ ~~بعنانه وقال: يا أمير المؤمنين لا تخرج منها، فوالله إن خرجت منها لا يعود ~~إليها سلطان المسلمين أبدا! فسبوه. فقال: دعوا الرجل من أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وسار حتى انتهى إلى الربذة، فلما انتهى إليها أتاه خبر سبقهم، فأقام بها ~~يأتمر ما يفعل، وأتاه ابنه الحسن في الطريق فقال له: لقد أمرتك فعصيتني ~~فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك. فقال له علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية، ~~وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة ~~فيقتل ولست بها، ثم أمرتك يوم قتل أن لا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة ~~أهل كل مصر، فإنهم لن يقطعوا أمرا دونك، فأبيت علي، وأمرتك حين خرجت هذه ~~المرأة ms1021 وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على ~~يد غيرك، فعصيتني في ذلك كله. # فقال أي بني! أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان، فوالله لقد ~~أحيط بنا كما أحيط به، وأما قولك: لا تبايع حتى يبايع أهل الأمصار، فإن ~~الأمر أمر أهل المدينة، (وكرهنا أن يضيع هذا الأمر، ولقد مات رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وما أرى أحدا أحق بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا ~~بكر الصديق فبايعته، ثم إن أبا بكر (انتقل إلى رحمة الله) وما أرى أحدا أحق ~~بهذا الأمر مني، فبايع الناس عمر فبايعته، ثم إن عمر (انتقل إلى رحمة # PageV02P583 # الله) وما أرى أحدا أحق بهذا الأمر مني، فجعلني سهما من ستة أسهم، فبايع ~~الناس عثمان فبايعته، ثم سار الناس إلى عثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير ~~مكرهين، فأنا مقاتل من خالفني بمن أطاعني حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين) ~~. وأما قولك أن أجلس في بيتي حين خرج طلحة والزبير، فكيف لي بما قد لزمني ~~أومن تريدني؟ أتريدني أن أكون كالضبع التي يحاط بها ويقال ليست هاهنا حتى ~~يحل عرقوباها حتى تخرج! وإذا لم أنظر فيما يلزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ~~ينظر فيه؟ فكف عنك يا بني. # ولما قدم علي الربذة وسمع بها خبر القوم أرسل منها إلى الكوفة محمد بن ~~أبي بكر الصديق، ومحمد بن جعفر، وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار وفزعت ~~إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ~~نريد ; لتعود هذه الأمة إخوانا. فمضيا وبقي علي بالربذة، وأرسل إلى ~~المدينة، فأتاه ما يريده من دابة وسلاح، وأمر أمره، وقام في الناس فخطبهم ~~وقال: إن الله - تبارك وتعالى - أعزنا بالإسلام ورفعنا به، وجعلنا به ~~إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، ~~الإسلام دينهم، والحق فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي ~~هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة! ألا إن هذه الأمة لا ms1022 ~~بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن، (ثم عاد ~~ثانية وقال: إنه لا بد مما هو كائن) أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ~~ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم، ~~فالزموا دينكم، واهدوا بهديي، فإنه هدي نبيكم، واتبعوا سنته، وأعرضوا عما ~~أشكل عليكم حتى تعرضوه على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره ~~فردوه، وارضوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، ومحمد نبيا، وبالقرآن حكما ~~وإماما. # فلما أراد المسير من الربذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أي شيء تريد وأين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد ~~وننوي فالإصلاح إن قبلوا # PageV02P584 # منا وأجابونا إليه. قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم ~~الحق ونصبر. قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا. # قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم. قال: فنعم إذا. وقام الحجاج بن ~~غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول، وقال: # دراكها دراكها قبل الفوت ... فانفر بنا واسم بنا نحو الصوت # لا وألت نفسي إن كرهت الموت ... والله لننصرن الله كما سمانا أنصارا # ! ثم أتاه جماعة من طيء وهو بالربذة، فقيل لعلي: هذه جماعة قد أتتك، منهم ~~من يريد الخروج معك، ومنهم من يريد التسليم عليك. قال: جزى الله كليهما ~~خيرا، {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} [النساء: 95] . فلما ~~دخلوا عليه قال لهم: ما شهدتمونا به؟ قالوا: شهدناك بكل ما تحب. فقال: ~~جزاكم الله خيرا، فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ووافيتم بصدقاتكم ~~المسلمين. فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من ~~يعبر لسانه عما في قلبه، وإني والله ما أجد لساني يعبر عما في قلبي، وسأجهد ~~وبالله التوفيق، أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية، وأقاتل عدوك في كل ~~موطن، وأرى من الحق لك ما لا أراه لأحد غيرك من أهل زمانك لفضلك وقرابتك. ~~فقال: رحمك الله! قد أدى لسانك عما يجن ضميرك. ms1023 فقتل معه بصفين. # وسار علي من الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح، والراية مع ~~محمد بن الحنفية، وعلي على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا. # فلما نزل بفيد أتته أسد وطيء، فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، ~~في المهاجرين كفاية. وأتاه رجل بفيد من الكوفة، فقال له: من الرجل؟ قال: ~~عامر بن مطر # PageV02P585 # الشيباني. قال: أخبر عما وراءك. فأخبره، فسأله عن أبي موسى، فقال: إن ~~أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه. فقال علي: والله ~~ما أريد إلا الصلح حتى يرد علينا. # ولما نزل علي الثعلبية أتاه الذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه، فأخبر أصحابه ~~الخبر فقال: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير. فلما انتهى إلى ~~الإساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان فقال: الله أكبر! ما ينجيني ~~من طلحة والزبير إن أصابا ثأرهما! وقال: # دعا حكيم دعوة الزماع ... حل بها منزلة النزاع # فلما انتهى إلى ذي قار، أتاه فيها عثمان بن حنيف، وليس في وجهه شعرة، ~~وقيل: أتاه بالربذة، وكانوا قد نتفوا شعر رأسه ولحيته - على ما ذكرناه - ~~فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد. فقال: أصبت أجرا ~~وخيرا، إن الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب والسنة، ثم وليهم ثالث ~~فقالوا وفعلوا، ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير، ثم نكثا بيعتي وألبا ~~الناس علي، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي، والله ~~إنهما ليعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم، اللهم فاحلل ما عقدا ولا تبرم ما ~~أحكما في أنفسهما، وأرهما المساءة فيما قد عملا! وأقام بذي قار ينتظر محمدا ~~ومحمدا، فأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس، فقال: عبد القيس خير ~~ربيعة، وفي كل ربيعة خير، وقال: # يا لهف نفسي على ربيعه ... ربيعة السامعة المطيعه # قد سبقتني فيهم الوقيعه ... دعا علي دعوة سميعه # حلوا بها المنزلة الرفيعه # PageV02P586 # وعرضت عليه بكر بن وائل، فقال لها ما قال لطيء وأسد. وأما محمد بن أبي ~~بكر، ومحمد بن ms1024 جعفر فأتيا أبا موسى بكتاب علي، وقاما في الناس بأمره، فلم ~~يجابا إلى شيء. فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجى على أبي موسى فقالوا: ما ~~ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم [به] ~~فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون، إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، ~~والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا. فلم ينفر إليه أحد، فغضب محمد ومحمد، ~~وأغلظا لأبي موسى. فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، ~~فإن لم يكن بد من قتال لا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا. # فانطلقا إلى علي فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال للأشتر، وكان معه: أنت ~~صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء، اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما ~~أفسدت. فخرجا فقدما الكوفة، فكلما أبا موسى، واستعانا عليه بنفر من أهل ~~الكوفة، فقام لهم أبو موسى وخطبهم وقال: أيها الناس إن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الذين صحبوه أعلم بالله وبرسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم ~~علينا لحقا، وأنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله، ~~وأن لا تجترئوا على الله، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم ~~إليها حتى يجتمعوا، فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة، وهذه فتنة صماء، النائم ~~فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، ~~والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة من جراثيم ~~العرب، فأغمدوا السيوف، وانصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم ~~والمضطهد، حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة. # فرجع ابن عباس والأشتر إلى علي فأخبراه الخبر، فأرسل ابنه الحسن وعمار بن ~~ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت. فأقبلا حتى دخلا المسجد، وكان أول ~~من أتاهما المسروق بن الأجدع فسلم عليهما، وأقبل على عمار فقال: يا أبا ~~اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. # قال: فوالله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرا ~~للصابرين. ms1025 فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا ~~أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا، # PageV02P587 # فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم يسؤني. فقطع الحسن عليهما ~~الكلام، وأقبل على أبي موسى فقال له: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا ~~إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء. فقال: صدقت بأبي أنت ~~وأمي، ولكن المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ~~«إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، ~~والماشي خير من الراكب» ". وقد جعلنا الله إخوانا، وقد حرم علينا دماءنا ~~وأموالنا. فغضب عمار وسبه وقام وقال: يا أيها الناس، إنما قال له وحده: أنت ~~فيها قاعدا خير منك قائما. فقام رجل من بني تميم فسب عمارا وقال: أنت أمس ~~مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا! وثار زيد بن صوحان وطبقته، وثار الناس، ~~وجعل أبو موسى يكفكف الناس، ووقف زيد على باب المسجد ومعه كتاب إليه من ~~عائشة تأمره فيه بملازمة بيته أو نصرتها، وكتاب إلى أهل الكوفة بمعناه، ~~فأخرجهما فقرأهما على الناس، فلما فرغ منهما قال: أمرت أن تقر في بيتها، ~~وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أمرت به وركبت ما أمرنا به. ~~فقال له شبث بن ربعي: يا عماني لأنه من عبد القيس وهم يسكنون عمان سرقت ~~بجلولاء فقطعت يدك، وعصيت أم المؤمنين! وتهاوى الناس. # وقام أبو موسى وقال: أيها الناس أطيعوني وكونوا جرثومة من جراثيم العرب ~~يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت فإذا ~~أدبرت بينت، وإن هذه الفتنة فاقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب ~~والصبا والدبور، تذر الحليم وهو حيران كابن أمس، شيموا سيوفكم، وقصدوا ~~رماحكم، وقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتكم، خلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج ~~من دار الهجرة وفراق أهل علم بالأمراء، استنصحوني ولا تستغشوني، أطيعوني ~~يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها. # فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد ms1026 الله بن قيس رد الفرات على ~~أدراجه، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك فستقدر على ~~ما تريد، # PageV02P588 # فدع عنك ما لست مدركه! سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، انفروا ~~إليه أجمعين تصيبوا الحق. # فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق، أحب لكم أن ~~ترشدوا، ولأقولن لكم قولا هو الحق، (أما ما قال الأمير فهو الحق) لو أن ~~إليه سبيلا، وأما ما قال زيد، فزيد عدو هذا الأمر فلا تستنصحوه، والقول ~~الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزع الظالم وتعز المظلوم، ~~وهذا أمير المؤمنين ولي بما ولي وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى ~~الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع. # وقال عبد الخير الخيواني: يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير؟ قال: نعم. ~~قال: هل أحدث علي ما يحل به نقض بيعته؟ قال: لا أدري. قال: لا دريت، نحن ~~نتركك حتى تدري، هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة؟ إنما الناس أربع فرق: ~~علي بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة بالحجاز، ~~لا غناء بها، ولا يقاتل بها عدو. . فقال أبو موسى: أولئك خير الناس، وهي ~~فتنة. فقال عبد الخير: غلب عليك غشك يا أبا موسى! فقال سيحان بن صوحان: ~~أيها الناس، لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز ~~المظلوم ويجمع الناس، وهذا واليكم يدعوكم لتنظروا فيما بينه وبين صاحبيه، ~~وهو المأمون على الأمة، الفقيه في الدين، فمن نهض إليه فإنا سائرون معه. ~~فلما فرغ سيحان قال عمار: هذا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يستنفركم إلى زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى طلحة والزبير، ~~وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق ~~فقاتلوا معه. فقال له رجل: أنا مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له. ~~فقال له الحسن: اكفف عنا فإن للإصلاح أهلا. وقام الحسن بن علي فقال: أيها ms1027 ~~الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ~~ينفر إليه، ووالله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في ~~العاقبة، # PageV02P589 # فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإن أمير المؤمنين ~~يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو مظلوما، وإني أذكر الله رجلا رعى حق الله ~~إلا نفر، فإن كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما أخذ مني، والله إن طلحة ~~والزبير لأول من بايعني وأول من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما؟ ~~فانفروا، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر. فسامح الناس، وأجابوا ورضوا. ~~وأتى قوم من طيء عدي بن حاتم فقالوا: ماذا ترى وما تأمر؟ فقال: قد بايعنا ~~هذا الرجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا الحدث العظيم لننظر فيه، ونحن ~~سائرون وناظرون. # فقام هند بن عمرو فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى ~~جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره، وانفروا إلى أميركم، ~~فانظروا معه في هذا الأمر، وأعينوه برأيكم. # وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين، وانفروا خفافا ~~وثقالا،، مروا وإنا أولكم. فأذعن الناس للمسير، فقال الحسن: أيها الناس إني ~~غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر، ومن شاء في الماء. فنفر معه قريب ~~[من] تسعة آلاف، أخذ في البر ستة آلاف ومائتان، وأخذ في الماء ألفان ~~وأربعمائة. # وقيل: إن عليا أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمار إلى الكوفة، فدخلها ~~والناس في المسجد، وأبو موسى يخطبهم ويثبطهم، والحسن (وعمار معه في منازعة، ~~وكذلك سائر الناس، كما تقدم، فجعل الأشتر لا يمر بقبيلة فيها جماعة إلا ~~دعاهم، ويقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس، ~~فدخله وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن) يقول له: اعتزل عملنا، ~~لا أم لك! وتنح عن منبرنا! وعمار ينازعه، فأخرج الأشتر غلمان أبي موسى من ~~القصر، فخرجوا يعدون وينادون: يا أبا موسى هذا الأشتر قد دخل القصر فضربنا ~~وأخرجنا. فنزل أبو موسى فدخل القصر فصاح ms1028 به الأشتر: اخرج لا أم لك أخرج ~~الله نفسك! فقال: أجلني هذه العشية. فقال: هي لك ولا تبيتن في القصر ~~الليلة. ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى، فمنعهم الأشتر وقال أنا له جار. ~~فكفوا عنه. فنفر الناس في العدد المذكور. # وقيل: إن عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل. قال أبو الطفيل: ~~سمعت عليا يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا # PageV02P590 # رجلا. وكان على كنانة، وأسد، وتميم، والرباب، ومزينة، معقل بن يسار ~~الرياحي، وكان على سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب ~~وعلة بن محدوج الذهلي، وكان على مذحج والأشعريين حجر بن عدي، وعلى بجيلة ~~وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي، فقدموا على أمير المؤمنين بذي ~~قار، فلقيهم في ناس معه، فيهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم ~~قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم فمنعتم حوزتكم، ~~وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، ~~فإن يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بظلم، ~~ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد - إن شاء الله -. ~~واجتمعوا عنده بذي قار وعبد القيس بأسرها في الطريق بين علي [وأهل] البصرة ~~ينتظرونه وهم ألوف. # وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين: القعقاع بن عمرو، وسعد بن مالك، وهند بن ~~عمرو، والهيثم بن شهاب، وكان رؤساء النفار: زيد بن صوحان، والأشتر، وعدي بن ~~حاتم، والمسيب بن نجبة، ويزيد بن قيس، وأمثال لهم ليسوا دونهم، إلا أنهم لم ~~يؤمروا، منهم حجر بن عدي. فلما نزلوا بذي قار دعا علي القعقاع فأرسله إلى ~~أهل البصرة وقال: الق هذين الرجلين، وكان القعقاع من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة، وقال ~~له: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس عندك فيه وصاة [مني] ؟ قال: نلقاهم ~~بالذي أمرت به. فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأي ms1029 اجتهدنا رأينا ~~وكلمناهم كما نسمع، ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاع حتى قدم ~~البصرة، فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال: أي أمه، ما أشخصك وما أقدمك هذه ~~البلدة؟ قالت: أي بني، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلى طلحة # PageV02P591 # والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني ~~سألت أم المؤمنين ما أقدمها، فقالت الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما، ~~أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ ~~فوالله لئن عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لا نصلح. قالا: قتلة عثمان، فإن هذا ~~إن ترك كان تركا للقرآن. قال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم ~~قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة ~~آلاف واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير، فمنعه ستة ~~آلاف، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم ~~فأديلوا عليكم، فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، ~~وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة ~~لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير. # قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، ~~فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير، وتباشير رحمة، ودرك ~~بثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامة شر، وذهاب ~~هذا المال، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم، ولا ~~تعرضونا للبلاء فتعرضوا له، فيصرعنا وإياكم. وايم الله إني لأقول هذا القول ~~وأدعوكم إليه! وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي ~~قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر، وليس ~~كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل. قالوا: قد أصبت ~~وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. # فرجع إلى علي فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من ~~كرهه، ورضيه من ms1030 رضيه. وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار قبل ~~رجوع القعقاع ; لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أي حال نهضوا ~~إليهم، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالهم على ~~بال. # فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم ~~على علي، فأخبروه بخبرهم، وسأل علي جرير بن شرس عن طلحة والزبير، فأخبره ~~بدقيق # PageV02P592 # أمرهما وجليله وقال له: أما الزبير فيقول: بايعنا كرها، وأما طلحة فيتمثل ~~الأشعار، ويقول: # ألا أبلغ بني بكر رسولا ... فليس إلى بني كعب سبيل # سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل الساعدين له فضول # فتمثل علي عندها: # ألم تعلم أبا سمعان أنا ... نرد الشيخ مثلك ذا الصداع # ويذهل عقله بالحرب حتى ... يقوم فيستجيب لغير داع # فدافع عن خزاعة جمع بكر ... وما بك يا سراقة من دفاع # ورجعت وفود أهل البصرة برأي أهل الكوفة، ورجع القعقاع من البصرة، فقام ~~علي خطيبا فحمد الله، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام ~~الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~الذي يليه ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام ~~طلبوا هذه الدنيا، وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة، وأرادوا رد ~~الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره. ألا وإني راحل غدا ~~فارتحلوا، ولا يرتحلن أحد أعان على عثمان بشيء من أمور الناس، وليغن ~~السفهاء عني أنفسهم. فاجتمع نفر، منهم: علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، ~~وسالم بن ثعلبة القيسي، وشريح بن أوفى، والأشتر، في عدة ممن سار إلى عثمان ~~ورضي بسير من سار، وجاء معهم المضريون، وابن السوداء، وخالد بن ملجم، ~~فتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا علي، وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب ~~قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه سواهم ~~والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه، ورأوا قلتنا في كثرتهم، ~~وأنتم والله ترادون وما أنتم بالحي من شيء! # فقال ms1031 الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما علي فلم نعرف رأيه ~~إلى اليوم، ورأي الناس فينا واحد، فإن يصطلحوا مع علي فعلى دمائنا، فهلموا ~~بنا نثب على علي فنلحقه بعثمان فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون. فقال عبد ~~الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت، أنتم يا قتلة عثمان بذي قار ألفان ~~وخمسمائة، أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية - يعني طلحة - وأصحابه في ~~نحو من خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى # PageV02P593 # قتالكم سبيلا. فقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلوا ~~كان أقوى لعدوهم عليهم، وإن كثروا أحرى أن يصطلحوا عليكم، دعوهم وارجعوا ~~فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تقوون به وامتنعوا من الناس. ~~فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، ود والله الناس أنكم انفردتم ولم تكونوا مع ~~أقوام برآء، ولو انفردتم لتخطفكم الناس كل شيء. فقال عدي بن حاتم: والله ما ~~رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث، فأما إذا ~~وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإن لنا عتادا من خيول وسلاح، فإن ~~أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أمسكنا. فقال ابن السوداء: أحسنت. وقال سالم بن ~~ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدنيا، فإني لم أرد ذلك، والله لئن لقيتهم غدا ~~لا أرجع إلى شيء، أحلف بالله إنكم لتفرقن السيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا ~~إلى السيف. فقال ابن السوداء: قد قال قولا. وقال شريح بن أوفى: أبرموا ~~أموركم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمرا ~~ينبغي لكم تأخيره، فإنا عند الناس بشر المنازل، وما أدري ما الناس صانعون ~~إذا ما هم التقوا. وقال ابن السوداء: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس، فإذا ~~التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد ~~بدا من أن يمتنع، ويشغل الله عليا، وطلحة، والزبير، ومن رأى رأيهم عما ~~تكرهون. فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون. # وأصبح ms1032 علي على ظهر ومضى، ومضى معه الناس حتى نزل على عبد القيس فانضموا ~~إليه، وسار من هناك فنزل الزاوية، وسار من الزاوية يريد البصرة، وسار طلحة، ~~والزبير، وعائشة، من الفرضة، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد. فلما ~~نزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبدي أن اخرج، فإذا خرجت ~~فمل بنا إلى عسكر علي. فخرجا في عبد القيس وبكر بن وائل فعدلوا إلى عسكر ~~علي، فقال الناس: من كان هؤلاء معه غلب. وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم ~~قتال، فكان علي يرسل إليهم يكلمهم ويدعوهم، وكان نزولهم في النصف من جمادى ~~الآخرة سنة ست وثلاثين، ونزل # PageV02P594 # بهم علي وقد سبق أصحابه وهم يتلاحقون به. فلما نزل قال أبو الجرباء ~~للزبير: إن الرأي أن تبعث ألف فارس إلى علي قبل أن يوافي إليه أصحابه. ~~فقال: إنا لنعرف أمور الحرب، ولكنهم أهل دعوتنا وهذا أمر حدث لم يكن قبل ~~اليوم، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة، وقد فارقنا وفدهم ~~على أمر، وأنا أرجو أن يتم لنا الصلح، فأبشروا واصبروا. وأقبل صبرة بن ~~شيمان فقال لطلحة والزبير: انتهزا بنا هذا الرجل، فإن الرأي في الحرب خير ~~من الشدة. فقالا: إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، أو يكون فيه ~~سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد زعم قوم أنه لا يجوز تحريكه، ~~وهم علي ومن معه، وقلنا نحن: إنه لا ينبغي لنا أن نتركه ولا نؤخره، وقد قال ~~علي: ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه، وقد كان يتبين لنا، وقد جاءت ~~الأحكام بين المسلمين بأعمها منفعة. وقال كعب بن سور: يا قوم اقطعوا هذا ~~العنق من هؤلاء القوم، فأجابوه بنحو ما تقدم. وقام علي فخطب الناس، فقام ~~إليه الأعور بن بنان المنقري، فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة، فقال له ~~علي: على الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع ~~حربهم. قال: فإن ms1033 لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا. قال: فإن لم يتركونا؟ ~~قال: دفعناهم عن أنفسنا. قال: فهل لهم من هذا مثل الذي عليهم؟ قال: نعم. # وقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من ~~هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم. قال: أفترى لك حجة بتأخير ~~ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان لا يدرك فإن الحكم فيه أحوطه وأعمه نفعا. ~~قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ~~ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة. # وقال في خطبته: أيها الناس املكوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم، ~~وإياكم أن تسبقونا، فإن المخصوم غدا من خصم اليوم. وبعث إليهم حكيم بن ~~سلامة، ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع، فكفوا حتى ننزل ~~وننظر في هذا الأمر. وخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا ~~حرقوص بن زهير وهم معتزلون، وكان الأحنف قد بايع عليا بالمدينة بعد قتل ~~عثمان لأنه كان قد حج وعاد من الحج # PageV02P595 # فبايعه. قال الأحنف: ولم أبايع عليا حتى لقيت طلحة، والزبير، وعائشة، ~~بالمدينة وأنا أريد الحج وعثمان محصور، فقلت لكل منهم: إن الرجل مقتول، فمن ~~تأمرونني أبايع؟ فكلهم قال: بايع عليا. فقلت: أترضونه لي؟ فقالوا: نعم. ~~فلما قضيت حجي ورجعت إلى المدينة رأيت عثمان قد قتل، فبايعت عليا ورجعت إلى ~~أهلي، ورأيت الأمر قد استقام. فبينما أنا كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة ~~وطلحة والزبير بالخريبة يدعونك. فقلت: ما جاء بهم؟ قال: يستنصرونك على قتال ~~علي في دم عثمان، فأتاني أفظع أمر، فقلت: إن خذلاني أم المؤمنين وحواري ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشديد، وإن قتال ابن عم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد أمروني ببيعته أشد، فلما أتيتهم قالوا: جئنا لكذا ~~وكذا. قال: فقلت: يا أم المؤمنين ويا زبير ويا طلحة، نشدتكم الله أقلت لكم: ~~من تأمرونني أبايع؟ فقلتم: بايع عليا. فقالوا: نعم ولكنه بدل ms1034 وغير. فقلت: ~~والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين، ولا أقاتل ابن عم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد أمرتموني ببيعته، ولكني أعتزل. فأذنوا له في ذلك، ~~فاعتزل بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف، وهي من البصرة على فرسخين. فلما قدم ~~علي أتاه الأحنف فقال له: إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غدا ~~قتلت رجالهم وسبيت نساءهم. قال: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا لمن ~~تولى وكفر وهم قوم مسلمون؟ قال: اختر مني واحدة من اثنتين، إما أن أقاتل ~~معك، وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف. قال: فكيف بما أعطيت أصحابك من ~~الاعتزال؟ قال: إن من الوفاء لله قتالهم. قال: فاكفف عنا عشرة آلاف سيف. ~~فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود ونادى: يا آل خندف! فأجابه ناس، ونادى: ~~يا آل تميم! فأجابه ناس، ثم نادى: يا آل سعد! فلم يبق سعدي إلا أجابه، ~~فاعتزل بهم ونظر ما يصنع الناس، فلما كان القتال وظفر علي دخلوا فيما دخل ~~فيه الناس وافرين. # فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل لعلي: هذا ~~الزبير. فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر بالله - تعالى - أن يذكر. # وخرج طلحة فخرج إليهما علي حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال علي: لعمري قد ~~أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا، فاتقيا الله ~~ولا تكونا # PageV02P596 # {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} [النحل: 92] ، ألم أكن أخاكما في ~~دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حدث أحل لكما دمي؟ قال طلحة: ألبت ~~على عثمان. قال علي: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} [النور: 25] . يا ~~طلحة، تطلب بدم عثمان، فلعن الله قتلة عثمان! يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال: ~~بايعتك والسيف على عنقي. فقال علي للزبير: يا زبير ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا ~~أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا. فقال له علي: ألست له أهلا بعد ~~عثمان؟ ms1035 قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا. ~~وذكره أشياء، وقال له: «تذكر يوم مررت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بني غنم، فنظر إلي فضحك وضحكت إليه، فقلت له لا يدع ابن أبي طالب زهوه، ~~فقال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس (به زهو) ، لتقاتلنه وأنت ~~ظالم له» ". قال: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك ~~أبدا. فانصرف علي إلى أصحابه فقال: أما الزبير قد أعطى الله عهدا أن لا ~~يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا ~~وأنا أعرف فيه أمري، غير موطني هذا. قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن ~~أدعهم وأذهب. قال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين حتى إذا حدد ~~بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب، لكنك خشيت رايات ابن أبي طالب، وعلمت ~~أنها تحملها فتية أنجاد، وأن تحتها الموت الأحمر فجبنت. فأحفظه ذلك، وقال: ~~إني حلفت أن لا أقاتله. قال: كفر عن يمينك وقاتله. فأعتق غلامه مكحولا، ~~وقيل سرجس. فقال عبد الرحمن بن سليمان التميمي: # لم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفر الأيمان # الأبيات. وقيل: إنما عاد الزبير عن القتال لما سمع أن عمار بن ياسر مع ~~علي، فخاف أن يقتل عمارا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «يا ~~عمار تقتلك الفئة الباغية» "، فرده ابنه # PageV02P597 # عبد الله - كما ذكرناه -. وافترق أهل البصرة ثلاث فرق: فرقة مع طلحة ~~والزبير، وفرقة مع علي، وفرقة لا ترى القتال، منهم: الأحنف، وعمران بن ~~حصين، وغيرهما. وجاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في الأزد، ورأس الأزد ~~يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءت لم تستطع، ~~إنما هي بحور تدفق، فأطعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف أن لا يكون ~~صلح، ودع مضر وربيعة فهما أخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا، وإن اقتتلا كنا ~~حكاما عليهم غدا. # وكان كعب في ms1036 الجاهلية نصرانيا، فقال له صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من ~~النصرانية! أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس وأن أخذل أم المؤمنين، ~~وطلحة، والزبير، إن ردوا عليهم الصلح، وأدع الطلب بدم عثمان؟ والله لا أفعل ~~هذا أبدا فأطبق أهل اليمن على الحضور، وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد في ~~الرباب، وهم: تيم، وعدي، وثور، وعكل بنو عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس ~~بن مضر، وضبة بن أد بن طابخة، وحضر أيضا أبو الجرباء في بني عمرو بن تميم، ~~وهلال بن وكيع في بني حنظلة، وصبرة بن شيمان على الأزد، ومجاشع بن مسعود ~~السلمي على سليم، وزفر بن الحرث في بني عامر وغطفان، ومالك بن مسمع على ~~بكر، والخريت بن راشد على بني ناجية، وعلى اليمن ذو الآجرة الحميري. # PageV02P598 # ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ~~ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في ~~الصلح، وعائشة في الحدان، والناس بالزابوقة على رؤسائهم هؤلاء، وهم ثلاثون ~~ألفا، وردوا حكيما ومالكا إلى علي إننا على ما فارقنا عليه القعقاع، ونزل ~~علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، فكان ~~بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح، وكان أصحاب علي عشرين ألفا، وخرج ~~علي، وطلحة، والزبير فتواقفوا فلم يروا أمرا أمثل من الصلح ووضع الحرب، ~~فافترقوا على ذلك. وبعث علي من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة، والزبير، ~~وبعثا هما محمد بن أبي طلحة إلى علي، وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، وطلحة ~~والزبير إلى رؤساء أصحابهما بذلك، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية ~~التي أشرفوا عليها والصلح، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة وقد ~~أشرفوا على الهلكة، وباتوا يتشاورون، فاجتمعوا على إنشاب الحرب، فغدوا مع ~~الغلس وما يشعر بهم، فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة، فقصد مضرهم إلى مضرهم، ~~وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل ~~البصرة وثار كل قوم ms1037 في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبعث طلحة والزبير إلى ~~الميمنة، وهم ربيعة، أميرا عليها عبد الرحمن بن الحرث، وإلى الميسرة عبد ~~الرحمن بن عتاب، وثبتا في القلب وقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ~~ليلا. فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا. ~~فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم. # فسمع علي وأهل الكوفة الصوت، وقد وضع السبئية رجلا قريبا منه يخبره بما ~~يريد، فلما قال علي: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم منهم قد ~~بيتونا فرددناهم فوجدنا القوم على رجل، فركبونا وثار الناس. فأرسل علي صاحب ~~الميمنة إلى الميمنة وصاحب الميسرة إلى الميسرة وقال: لقد علمت أن طلحة ~~والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء، وأنهما لن يطاوعانا والسبئية لا ~~تفتر [إنشابا] ، ونادى علي في الناس: كفوا فلا شيء، وكان من رأيهم جميعا في ~~تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يبدأوا، يطلبون بذلك الحجة، وأن لا يقتلوا ~~مدبرا ولا يجهزوا على جريح، ولا يستحلوا سلبا، ولا يرزأوا بالبصرة سلاحا ~~ولا ثيابا ولا متاعا. وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: أدركي فقد أبى ~~القوم إلا القتال لعل الله أن يصلح بك. # PageV02P599 # فركبت وألبسوا هودجها الأدراع، فلما برزت من البيوت وهي على الجمل بحيث ~~تسمع الغوغاء وقفت، واقتتل الناس. وقاتل الزبير، فحمل عليه عمار بن ياسر ~~فجعل يحوزه بالرمح والزبير كاف عنه ويقول: أتقتلني يا أبا اليقظان؟ فيقول: ~~لا يا أبا عبد الله. وإنما كف الزبير عنه لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «تقتل عمارا الفئة الباغية» "، ولولا ذلك لقتله. وبينما عائشة ~~واقفة إذ سمعت ضجة شديدة فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر. قالت: بخير أو ~~بشر؟ قالوا: بشر، فما فجأها إلا الهزيمة، فمضى الزبير من وجهه إلى وادي ~~السباع، وإنما فارق المعركة لأنه قاتل تعذيرا لما ذكر له علي. # وأما طلحة فأتاه سهم غرب فأصابه، فشك رجله بصفحة الفرس وهو ينادي: إلي ~~إلي عباد الله! الصبر الصبر! فقال له القعقاع بن ms1038 عمرو: يا أبا محمد إنك ~~لجريح، وإنك عما تريد لعليل، فادخل البيوت. فدخل ودمه يسيل وهو يقول: اللهم ~~خذ لعثمان مني حتى ترضى، فلما امتلأ خفه دما وثقل قال لغلامه: أردفني ~~وأمسكني وأبلغني مكانا أنزل فيه. فدخل البصرة، فأنزله في دار خربة فمات ~~فيها. # وقيل: إنه اجتاز به رجل من أصحاب علي فقال له: أنت من أصحاب أمير ~~المؤمنين؟ قال: نعم. قال: امدد يدك أبايعك له، فبايعه، فخاف أن يموت وليس ~~في عنقه بيعة. ولما قضى دفن في بني سعد، وقال: لم أر شيخا أضيع دما مني. ~~وتمثل عند دخول البصرة مثله ومثل الزبير: # فإن تكن الحوادث أقصدتني ... وأخطأهن سهمي حين أرمي # فقد ضيعت حين تبعت سهما ... سفاها ما سفهت وضل حلمي # ندمت ندامة الكسعي لما ... شريت رضا بني سهم برغمي # PageV02P600 # أطعتهم بفرقة آل لأي # فألقوا للسباع دمي ولحمي # وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، وقيل غيره. وأما الزبير فإنه مر ~~بعسكر الأحنف بن قيس فقال: والله ما هذا انحياز، جمع بين المسلمين حتى ضرب ~~بعضهم بعضا لحق ببيته. وقال الأحنف للناس: من يأتيني بخبره؟ فقال عمرو بن ~~جرموز لأصحابه: أنا، فاتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير قال: ما وراءك؟ ~~قال: إنما أريد أن أسألك. فقال غلام للزبير اسمه عطية: إنه معد. # قال: ما يهولك من رجل! وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال ~~الزبير: الصلاة، فلما نزلا استدبره ابن جرموز فطعنه في جربان درعه فقتله، ~~وأخذ فرسه وسلاحه وخاتمه وخلى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع، ورجع إلى ~~الناس بالخبر. وقال الأحنف لابن جرموز: والله ما أدري، أحسنت أم أسأت. # فأتى ابن جرموز عليا فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزبير. فقال علي: ائذن ~~له وبشره بالنار. وأحضر سيف الزبير عند علي فأخذه فنظر إليه وقال: طالما ~~جلى به الكرب عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! وبعث به إلى عائشة ~~لما انجلت الوقعة وانهزم الناس يريدون البصرة، فلما رأوا الخيل أطافت ~~بالجمل عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا ms1039 في أمر جديد، ووقفت ربيعة ~~بالبصرة ميمنة وبعضهم ميسرة، وقالت عائشة: (لما انجلت الوقعة وانهزم الناس) ~~لكعب بن سور: خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه. وناولته مصحفا. ~~فاستقبل القوم والسبئية أمامهم فرموه رشقا واحدا فقتلوه، ورموا أم المؤمنين ~~في هودجها، فجعلت تنادي: البقية البقية يا بني! ويعلوا صوتها كثرة: الله ~~الله! اذكروا الله والحساب! فيأبون إلا إقداما، فكان أول شيء أحدثته حين ~~أبوا أن قالت: أيها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. وأقبلت تدعوا، وضج ~~الناس بالدعاء، فسمع علي فقال: ما # PageV02P601 # هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال علي: اللهم ~~العن قتلة عثمان! فأرسلت عبد الرحمن بن عتاب، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام ~~أن اثبتا مكانكما، وحرضت الناس حين رأت القوم يريدونها ولا يكفون، فحملت ~~مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة حتى زحم علي، فنخس قفا ابنه محمد، وكانت ~~الراية معه، وقال له: احمل! فتقدم حتى لم يجد متقدما إلا على سنان رمح، ~~فأخذ علي الراية من يده وقال: يا بني بين يدي. # وحملت مضر الكوفة، فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا والمجنبتان على حالهما ~~لا تصنع شيئا، ومع علي قوم من غير مضر، منهم زيد بن صوحان، طلبوا ذلك منه، ~~فقال له رجل: تنح إلى قومك، ما لك ولهذا الموقف؟ ألست تعلم أن مضر بحيالك، ~~والجمل بين يديك وأن الموت دونه؟ فقال: الموت خير من الحياة، الموت أريد، ~~فأصيب هو وأخوه سيحان، وارتث صعصعة أخوهما، واشتدت الحرب، فلما رأى علي ذلك ~~بعث إلى ربيعة وإلى اليمن أن اجمعوا من يليكم. فقام رجل من عبد القيس من ~~أصحاب علي فقال: ندعوكم إلى كتاب الله. فقالوا: وكيف يدعونا إليه من لا ~~يستقيم ولا يقيم حدود الله، وقد قتل كعب بن سور داعي الله! ورمته ربيعة ~~رشقا واحدا فقتلوه، فقام مسلم بن عبد الله العجلي مكانه، فرشقوه رشقا واحدا ~~فقتلوه، ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم، وأبى أهل الكوفة إلا القتال، ~~ولم يريدوا إلا عائشة، فذكرت أصحابها فاقتتلوا حتى ms1040 تنادوا، فتحاجزوا ثم ~~رجعوا، فاقتتلوا، وتزاحف الناس، وظهرت يمن البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم، ~~وربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم، ثم عاد يمن الكوفة فقتل على ~~رايتهم عشرة، خمسة من همدان، وخمسة من سائر اليمن. فلما رأى ذلك يزيد بن ~~قيس أخذها فثبتت في يده وهو يقول: # قد عشت يا نفسي وقد غنيت ... دهرا فقدك اليوم ما بقيت # أطلب طول العمر ما حييت # PageV02P602 # وإنما تمثلها، وقال ابن أبي نمران الهمداني: # جردت سيفي في رجال الأزد ... أضرب في كهولهم والمرد # كل طويل الساعدين نهد # ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل على رايتهم، وهم في ~~الميسرة: زيد، وعبد بن رقبة، وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى وهو يقول: اللهم ~~أنت هديتنا من الضلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتنا بالفتنة، فكنا في ~~شبهة وعلى ريبة وقتل. واشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم وميسرة ~~أهل البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا ~~إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة، فلما رأى ~~الشجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا: طرفوا إذا فرغ الصبر، فجعلوا ~~يقصدون الأطراف الأيدي والأرجل، فما رؤي وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا ~~بعدها، ولا أكثر ذراعا مقطوعة ولا رجلا مقطوعة، وأصيبت يد عبد الرحمن بن ~~عتاب قبل قتله. فنظرت عائشة من يسارها فقالت: من القوم عن يساري؟ قال صبرة ~~بن شيمان: بنوك الأزد. فقالت: يا آل غسان حافظوا اليوم [على] جلادكم الذي ~~كنا نسمع به، وتمثلت: # وجالد من غسان أهل حفاظها ... وهنب وأوس جالدت وشبيب # فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح ~~المسك. وقالت لمن عن يمينها: من القوم عن يميني؟ قالوا: بكر بن وائل. قالت: ~~لكم يقول القائل: # وجاؤوا إلينا في الحديد كأنهم ... من العزة القعساء بكر بن وائل # إنما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك. وأقبلت على ~~كتيبة بين # PageV02P603 # يديها فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية. قالت: بخ بخ، سيوف أبطحية ms1041 ~~قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت: ويها جمرة ~~الجمرات! فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة، وكثروا حولها، فقالت: من ~~أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالطنا إخوتنا، فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضربا شديدا ~~ليس بالتعذير، ولا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك، وظهر في العسكرين ~~جميعا راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع الجمل، وصار مجنبتا علي ~~إلى القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا. وأخذ عميرة بن ~~يثربي برأس الجمل، وكان قاضي البصرة، قبل كعب بن سور، فشهد الجمل هو وأخوه ~~(عبد الله) ، فقال علي: من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملي ~~المرادي، فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي، ثم حمل علباء ~~بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله، وقتل سيحان بن صوحان، وارتث صعصعة، ~~وقال ابن يثربي: # أنا لمن ينكرني ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي # وابن لصوحان على دين علي # وقال ابن يثربي أيضا # أضربهم ولا أرى أبا حسن ... كفى بهذا حزنا من الحزن # إنا نمر الأمر إمرار الرسن # فناداه عمار: لقد عذت بحريز، وما إليك من سبيل، فإن كنت صادقا فاخرج من ~~هذه الكتيبة إلي. فترك الزمام في يد رجل من بني عدي، حتى إذا كان بين ~~الصفين تقدم عمار، وهو ابن تسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، عليه فرو قد شد ~~وسطه بحبل ليف، وهو أضعف من مبارزه، واسترجع الناس وقالوا: هذا لاحق ~~بأصحابه، وضربه ابن يثربي فاتقاه عمار بدرقته فنشب سيفه فيها فلم يخرج، ~~وأسف عمار # PageV02P604 # لرجليه فضربه فقطعهما، فوقع على استه، وأخذ أسيرا، فأتي به إلى علي، ~~فقال: استبقني. فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم! وأمر به فقتل. وقيل: إن المقتول ~~عمرو بن يثربي، وإن عميرة بقي حتى ولي قضاء البصرة مع معاوية، ولما قتل ابن ~~يثربي تولى ذلك العدوي الزمام، فتركه بيد رجل من بني عدي وبرز، فخرج إليه ~~ربيعة العقيلي يرتجز ويقول: # يا أمتا أعق أم نعلم ... والأم تغذو ولدا وترحم ms1042 # ألا ترين كم شجاع يكلم ... وتختلى منه يد ومعصم # (كذب فهي من أبر أم نعلم # ) . # ثم اقتتلا، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، فماتا جميعا، وقام مقام العدوي ~~الحرث الضبي، فما رؤي أشد منه، وجعل يقول: # نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... نبارز القرن إذا القرن نزل # ننعى ابن عفان بأطراف الأسل ... الموت أحلى عندنا من العسل # ردوا علينا شيخنا ثم بجل # PageV02P605 # وقيل: إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبي. وكان عمرو يحرض أصحابه يوم ~~الجمل، وقد أخذ الخطام، ويقول: # نحن بنو ضبة لا نفر # حتى نرى جماجما تخر # يخر منها العلق المحمر # ويقول: # يا أمتا يا عيش لن تراعي ... كل بنيك بطل شجاع # ويقول: # يا أمتا يا زوجة النبي ... يا زوجة المبارك المهدي # ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل على الخطام أربعون رجلا. قالت عائشة: ما زال ~~جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة. قال: وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش ~~كلهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل، وكان ممن أخذ بزمام الجمل محمد بن طلحة، ~~وقال: يا أمتاه مريني بأمرك. قالت: آمرك أن تكون خير بني آدم إن تركت، فجعل ~~لا يحمل عليه أحد إلا حمل [عليه] ، وقال: حاميم لا ينصرون، واجتمع عليه نفر ~~كلهم ادعى قتله، المكعبر الأسدي، والمكعبر الضبي، ومعاوية بن شداد العبسي، ~~وعفان السعدي النصري، فأنفذه بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول: # وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم # PageV02P606 # هتكت له بالرمح جيب قميصه # فخر صريعا لليدين وللفم ... يذكرني حاميم والرمح شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم ... على غير شيء غير أن ليس تابعا # عليا ومن لا يتبع الحق يندم # وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف، فأقبل ~~إليه الحرث بن زهير الأزدي وهو يقول: # يا أمتا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم # وتختلى هامته والمعصم # فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه، وأحدق أهل النجدات والشجاعة ~~بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل، وكان لا ms1043 يأخذه والراية إلا معروف ~~عند المطيفين بالجمل فينتسب: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كان ليقاتلون ~~عليه، وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت، وما رامه أحد من أصحاب علي ~~إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد، وحمل عدي بن حاتم الطائي عليهم، ففقئت عينه، ~~وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم فقالت: من أنت؟ فقال: ابنك ابن أختك. ~~قالت: واثكل أسماء! وانتهى إليه الأشتر، فاقتتلا، فضربه الأشتر على رأسه ~~فجرحه جرحا شديدا، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، واعتنق كل رجل منهما صاحبه ~~وسقطا إلى الأرض يعتركان، فقال ابن الزبير: # اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي. # فلو يعلمون من مالك لقتلوه، إنما كان يعرف بالأشتر، فحمل أصحاب علي ~~وعائشة فخلصوهما. قال الأشتر: لقيت عبد الرحمن بن عتاب، فلقيت أشد الناس ~~وأخرقه ما لبثت أن قتلته، ولقيت الأسود بن عوف فلقيت أشد الناس وأشجعه، فما ~~كدت أنجو # PageV02P607 # منه، فتمنيت أني لم أكن لقيته، ولحقني جندب بن زهير الغامدي فضربته ~~فقتلته، قال: ورأيت عبد الله بن حكيم بن حزام، وعنده راية قريش، وهو يقاتل ~~عدي بن حاتم، وهما يتصاولان تصاول الفحلين، فتعاورناه فقتلناه. قال: وأخذ ~~الخطام الأسود بن أبي البختري، فقتل، وهو قرشي أيضا، وأخذه عمرو بن الأشرف ~~فقتل، وقتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته، وهو أزدي، وجرح مروان بن ~~الحكم، وجرح عبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة من طعنة ورمية، قال: ~~وما رأيت مثل يوم الجمل، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلا كالجبل الأسود، وما ~~يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل حتى ضاع الخطام، ونادى علي: اعقروا الجمل ~~فإنه إن عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتا قط أشد من عجيج الجمل. ~~وكانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل وأخذها الصقعب، وأخوه ~~عبد الله بن سليم فقتل، وأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح وهي بيده. وكانت ~~راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل، وقتل معه زيد وسيحان ~~ابنا ms1044 صوحان، وأخذها عدة نفر فقتلوا، منهم عبد الله بن رقية، ثم أخذها منقذ ~~بن النعمان، فدفعها إلى ابنه مرة بن منقذ، فانقضت الحرب وهي في يده. وكانت ~~راية بكر بن وائل في بني ذهل، مع الحارث بن حسان الذهلي، فأقدم وقال: يا ~~معشر بكر لم يكن أحد له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل منزلة ~~صاحبكم [فانصروه] ، فتقدم وقاتلهم فقتل ابنه وخمسة من بني أهله، وقتل ~~الحارث فقيل فيه: # أنعى الرئيس الحارث بن حسان ... لآل ذهل ولآل شيبان # وقال رجل من بني ذهل: # تنعى لنا خير امرئ من عدنان ... عند الطعان ونزال الأقران # وقال أخوه بشر بن حسان: # أنا ابن حسان بن خوط وأبي ... رسول بكر كلها إلى النبي # وقتل رجال من بني محدوج، وقتل من بني ذهل خمسة وثلاثون رجلا، وقال رجل # PageV02P608 # لأخيه وهو يقاتل: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على الحق! قال: فإنا على ~~الحق، إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا تمسكنا بأهل بيت نبينا، فقاتلا ~~حتى قتلا. وجرح يومئذ عمير بن الأهلب الضبي، فمر به رجل من أصحاب علي وهو ~~في الجرحى يفحص برجليه ويقول: # لقد أوردتنا حومة الموت أمنا ... فلم ننصرف إلا ونحن رواء # لقد كان في نصر ابن ضبة أمه ... وشيعتها مندوحة وغناء # أطعنا قريشا (ضلة من) حلومنا ... ونصرتنا أهل الحجاز عناء # أطعنا بني تيم بن مرة شقوة ... وهل تيم إلا أعبد وإماء # فقال له الرجل: قل لا إله إلا الله. قال: ادن مني فلقني فبي صمم. فدنا ~~منه الرجل، فوثب عليه فعض أذنه فقطعها. # وقيل في عقر الجمل: إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل ~~فقال: هل لك في العود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك، ~~وحمل القعقاع والزمام مع زفر بن الحارث، وكان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق ~~شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل، وزفر بن الحارث يرتجز ويقول: # يا أمتا مثلك لا يراع ... كل بنيك بطل شجاع # ليس ms1045 بوهواه ولا براع # وقال القعقاع: # PageV02P609 # إذا وردنا آجنا جهرناه ... ولا يطاق ورد ما منعناه # وزحف إلى زفر بن الحارث الكلائي، وتسرعت عامر إلى حربه فأصيبوا، فقال ~~القعقاع لبجير بن دلجة، وهو من أصحاب علي: يا بجير بن دلجة صح بقومك ~~فليعقروا الجمل قبل أن تصابوا وتصاب أم المؤمنين. فقال بجير: يا آل ضبة! يا ~~عمرو بن دلجة! ادع بي إليك، فدعاه، فقال: أنا آمن حتى أرجع عنكم؟ قال: نعم. ~~فاجتث ساق البعير، فرمى نفسه على شقه وجرجر البعير، فقال القعقاع لمن يليه: ~~أنتم آمنون. واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير، وحملا الهودج فوضعاه، ~~(وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام) ، ثم أطافا به، وفر من وراء ذلك من ~~الناس. فلما انهزموا أمر علي مناديا فنادى: ألا لا تتبعوا مدبرا، ولا ~~تجهزوا على جريح، ولا تدخلوا الدور. وأمر علي نفرا أن يحملوا الهودج من بين ~~القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة، وقال: انظر هل وصل ~~إليها شيء من جراحة؟ فأدخل رأسه في هودجها، فقالت: من أنت؟ فقال: أبغض أهلك ~~إليك. قالت ابن الخثعمية؟ قال: نعم. قالت: يا بأبي، الحمد لله الذي عافاك! # وقيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار، فاحتملا ~~الهودج فنحياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك البر. قالت: ~~عقق! قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت ما أنت وذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟ ~~قالت: بل الهداة. وقال لها عمار: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: ~~لست لك بأم. قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم، وأتيتم مثل الذي ~~نقمتم، هيهات، والله لن يظفر من كان هذا دأبه! # فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد. وأتاها علي: فقال: كيف أنت يا ~~أمه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك. وجاء أعين بن ضبيعة (ابن ~~أعين) # PageV02P610 # المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت: إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى ~~إلا حميراء! فقالت له: هتك الله ms1046 سترك، وقطع يدك وأبدى عورتك. فقتل بالبصرة، ~~وسلب، وقطعت يده ورمي عريانا في خربة من خربات الأزد. ثم أتى وجوه الناس ~~عائشة، وفيهم القعقاع بن عمرو، فسلم عليها فقالت: إني رأيت بالأمس رجلين ~~اجتلدا وارتجزا بكذا، فهل تعرف كوفيك؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: أعق أم ~~نعلم، وكذب، إنك لأبر أم نعلم ولكن لم تطاعي. قالت: والله لوددت أني مت قبل ~~هذا اليوم بعشرين سنة. # وخرج من عندها فأتى عليا، فقال له علي: والله لوددت أني مت من قبل اليوم ~~بعشرين سنة. وكان علي يقول ذلك اليوم بعد الفراغ من القتال: # إليك أشكو عجري وبجري ... ومعشرا أغشوا علي بصري # قتلت منهم مضرا بمضري ... شفيت نفسي وقتلت معشري # فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة، فأنزلها في دار عبد ~~الله بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن ~~عثمان بن عبد الدار، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف، وتسلل الجرحى ~~من بين القتلى ليلا فدخلوا البصرة، فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا، وأذن ~~للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وطاف علي في القتلى، فلما أتى ~~على كعب بن سور قال: أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون! ~~وأتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم، يعني أنهم كانوا ~~يطيفون به، واجتمعوا على الرضا به # PageV02P611 # لصلاتهم. ومر على طلحة بن عبيد الله وهو صريع فقال: لهفي عليك يا أبا ~~محمد! إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى، ~~أنت والله كما قال الشاعر: # فتى كان يدنيه الغنى من صديقه # إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر # وجعل كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا ~~الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم. وصلى علي على القتلى من أهل البصرة ~~والكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، ~~وجمع ما كان في العسكر من ms1047 شيء وبعث به إلى مسجد البصرة وقال: من عرف شيئا ~~فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان. وكان جميع القتلى ~~عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علي، ونصفهم من أصحاب عائشة، وقيل غير ذلك. وقتل ~~من ضبة ألف رجل، وقتل من بني عدي حول الجمل سبعون رجلا، كلهم قد قرأ ~~القرآن، سوى الشباب ومن لم يقرأ. ولما فرغ علي من الوقعة أتاه الأحنف بن ~~قيس في بني سعد، وكانوا قد اعتزلوا القتال، فقال له علي: تربصت؟ فقال: ما ~~كنت أراني إلا وقد أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن ~~طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إلي غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحساني واستصف ~~مودتي لغد، ولا تقل مثل هذا، فإني لم أزل لك ناصحا. # ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى ~~والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فبايعه، فقال ~~له علي [وما] عمل المتربص المتقاعد بي أيضا؟ يعني أباه أبا بكرة! فقال: ~~والله إنه لمريض، # PageV02P612 # وإنه على مسرتك لحريص. فقال علي: امش أمامي! فمشى معه إلى أبيه، فلما دخل ~~عليه علي قال له: تقاعدت بي وتربصت؟ ووضع يده على صدره وقال: هذا وجع بين، ~~واعتذر إليه، فقبل عذره، وأراده على البصرة، فامتنع وقال: رجل من أهلك يسكن ~~إليه الناس وسأشير عليه. فافترقا على ابن عباس، وولى زيادا على الخراج وبيت ~~المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع، وكان زياد معتزلا، ثم راح إلى ~~عائشة، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة، فوجد النساء ~~يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وكان عبد الله قتل مع عائشة، وعثمان ~~قتل مع علي، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي، فلما رأته قالت له: يا ~~علي! يا قاتل الأحبة! يا مفرق الجمع! أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد ~~الله منه! فلم يرد عليها شيئا. ودخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها، ثم ~~قال: جبهتنا ms1048 صفية، أما إني لم أرها منذ كانت جارية. # فلما خرج علي أعادت عليه القول، فكف بغلته وقال: لقد هممت أن أفتح هذا ~~الباب، وأشار إلى باب في الدار، وأقتل من فيه، وكان فيه ناس من الجرحى، ~~فأخبر علي بمكانهم، فتغافل عنهم فسكت، وكان مذهبه أن لا يقتل مدبرا، ولا ~~يذفف على جريح، ولا يكشف سترا، ولا يأخذ مالا. # ولما خرج علي من عند عائشة قال له رجل من أزد: والله لا تغلبنا هذه ~~المرأة! فغضب وقال: مه! لا تهتكن سترا، ولا تدخلن دارا، ولا تهيجن امرأة ~~بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإن النساء ضعيفات، ولقد ~~كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، (فكيف إذا هن مسلمات) ؟ # ومضى علي، فلحقه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين قام رجلان على الباب ~~فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية. قال: ويحك لعلها عائشة! قال: نعم. قال ~~أحدهما: # PageV02P613 # جزيت عنا أمنا عقوقا. وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت. فبعث القعقاع ~~بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، ~~وهما: عجلان وسعد ابنا عبد الله، فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما. # وسألت عائشة يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها، والناس ~~عندها، فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله. فقيل لها: كيف ذلك؟ # قالت: كذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلان في الجنة، وفلان ~~في الجنة، وقال علي: إني أرجو أن لا يكون أحد نقى قلبه لله من هؤلاء إلا ~~أدخله الله الجنة. # ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث ~~معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة ~~من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان ~~اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها، وحضر الناس، فخرجت وودعتهم ~~وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني ms1049 وبين علي في ~~القديم إلا ما يكون بين المرأة وبين أحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. ~~وقال علي: صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في ~~الدنيا والآخرة. # وخرجت يوم السبت غرة رجب، وشيعها أميالا وسرح بنيه معها يوما، فكان وجهها ~~إلى مكة، فأقامت إلى الحج ثم رجعت إلى المدينة، وقال لها عمار حين ودعها: ~~ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك! قالت: والله إنك ما علمت لقوال ~~بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى على لسانك لي. # PageV02P614 # وأما المنهزمون فقد ذكرنا حالهم، وكان منهم: عتبة بن أبي سفيان، فخرج هو ~~وعبد الرحمن، ويحيى ابنا الحكم فساروا في البلاد، فلقيهم عصمة بن أبير ~~التيمي، فقال لهم: هل لكم في الجوار؟ فقالوا: نعم. فأجارهم وأنزلهم حتى ~~برأت جراحهم وسيرهم نحو الشام في أربعمائة راكب، فلما وصلوا إلى دومة ~~الجندل قالوا: قد وفيت ذمتك، وقضيت ما عليك، فرجع. وأما ابن عامر فإنه خرج ~~أيضا، فلقيه رجل من بني حرقوص يدعى مري، فأجاره وسيره إلى الشام. وأما ~~مروان بن الحكم، فاستجار بمالك بن مسمع، فأجاره ووفى له، وحفظ له بنو مروان ~~ذلك في خلافتهم، وانتفع بهم، وشرفوه بذلك. وقيل: إن مروان نزل مع عائشة ~~بدار عبد الله بن خلف، وصحبها إلى الحجاز، فلما سارت إلى مكة سار إلى ~~المدينة. وأما عبد الله بن الزبير فإنه نزل بدار رجل من الأزد يدعى وزيرا، ~~فقال له: ائت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني، ولا يعلم محمد بن أبي بكر. فأتى ~~عائشة فأخبرها، فقالت: علي بمحمد. فقال لها: إنه قد نهاني أن يعلم محمد. ~~فلم تسمع قوله وأرسلت إلى محمد وقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تأتيني بابن ~~أختك. فانطلق معه، وخرج عبد الله ومحمد حتى انتهيا إلى دار عائشة في دار ~~عبد الله بن خلف. # ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال، فرأى فيه ستمائة ألف ~~وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، ms1050 فقال ~~لهم: إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم. فخاض في ذلك السبئية، ~~وطعنوا على علي من وراء وراء، وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم، ~~فقالوا: ما [له] يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟ فقال لهم علي: القوم ~~أمثالكم، من صفح عنا فهو منا ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر. # وقال القعقاع: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال ~~صفين، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنتنا، ونتكئ على أزجتنا وهم مثل ذلك، حتى لو ~~أن الرجال مشت # PageV02P615 # عليها لاستقلت بهم. وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ~~ترامينا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى تكسرت، وتشبكت في صدورنا ~~وصدورهم، حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت. ثم قال علي: السيوف يا بني ~~المهاجرين! فما شبهت أصواتها إلا بضرب القصارين. # وعلم أهل المدينة بالوقعة يوم الحرب قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بماء ~~حول المدينة، ومعه شيء معلق، فسقط منه، فإذا كف فيه خاتم نقشه: عبد الرحمن ~~بن عتاب. وعلم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة بما ينقل إليهم النسور ~~من الأيدي والأقدام. # وأراد علي المقام بالبصرة لإصلاح حالها، فأعجلته السبئية عن المقام، ~~فإنهم ارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه. # [رواية أخرى في وقعة الجمل] # وقد قيل في سبب القتال يوم الجمل غير ما تقدم مع الاتفاق على مسير أصحاب ~~عائشة ونزولهم البصرة والوقعة الأولى مع عثمان بن حنيف وحكيم. # وأما مسير علي وعزل أبي موسى فقيل فيه: إن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر ~~إلى أبي موسى، وجرى له ما تقدم سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي ~~بالربذة، فأعلمه الحال، فأعاده علي إلى أبي موسى يقول له: أرسل الناس، فإني ~~لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق. فامتنع أبو موسى، فكتب هاشم إلى ~~علي: إني قدمت على رجل غال مشاقق ظاهر الشنآن، وأرسل الكتاب مع المحل بن ~~خليفة الطائي، ms1051 فبعث علي: الحسن ابنه، وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعث ~~قرظة بن كعب الأنصاري أميرا، وكتب معه إلى أبي موسى: إني قد بعثت الحسن ~~وعمارا يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب واليا على الكوفة، فاعتزل عملنا ~~مذموما مدحورا، وإن لم تفعل فإني قد أمرته أن ينابذك، فإن نابذته فظفر بك ~~يقطعك إربا إربا. فلما قدم الكتاب على أبي موسى اعتزل، واستنفر الحسن ~~الناس، فنفروا نحو ما تقدم. وسار علي نحو # PageV02P616 # البصرة، فقال جون بن قتادة: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير فقال: السلام ~~عليك أيها الأمير، فرد عليه، فقال: إن هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا، ~~فلم أر أرث سلاحا، ولا أقل عددا، ولا أرعب قلوبا منهم. ثم انصرف عنه، وجاء ~~فارس آخر فقال له: إن القوم قد بلغوا مكان كذا وكذا، فسمعوا بما جمع الله ~~لكم من العدد والعدة، فخافوا فولوا مدبرين. فقال الزبير: إيها عنك! فوالله ~~لو لم يجد علي بن أبي طالب إلا العرفج لدب إلينا فيه، فانصرف. # وجاء فارس، وقد كادت الخيل تخرج من الرهج، فقال: هؤلاء القوم قد أتوك، ~~فلقيت عمارا فقلت له وقال لي. فقال الزبير: إنه ليس فيهم! فقال الرجل: بلى ~~والله إنه لفيهم. فقال الزبير: والله ما جعله الله فيهم. فقال الرجل: بلى ~~والله. فلما كرر عليه أرسل الزبير رجلين ينظران، فانطلقا ثم رجعا فقالا: ~~صدق الرجل. فقال الزبير: يا جدع أنفاه! يا قطع ظهراه! ثم أخذته رعدة فجعل ~~السلاح ينتفض. قال جون: فقلت ثكلتني أمي! هذا الذي كنت أريد أن أموت معه أو ~~أعيش، ما أخذ هذا الأمر إلا لشيء سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. وانصرف جون فاعتزل، وجاء علي، فلما تواقف الناس دعا الزبير وطلحة ~~فتواقفوا، وذكر من أمر الزبير وعوده وتكفيره عن يمينه مثل ما تقدم، فلما ~~أبوا إلا القتال قال علي: أيكم يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه، فإن ~~قطعت يده أخذه بيده الأخرى، فإن قطعت أخذه بأسنانه وهو مقتول؟ فقال شاب: ~~أنا. ms1052 فطاف به على أصحابه فلم يجبه إلا ذلك الشاب، ثلاث مرات، فسلمه إليه، ~~فدعاهم، فقطعت يده اليمنى، فأخذه باليسرى، فقطعت، فأخذه بصدره والدماء تسيل ~~على قبائه، فقتل، فقال علي: الآن حل قتالهم. فقالت أم الفتى: # لاهم إن مسلما دعاهم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهم # وأمهم قائمة تراهم ... تأمرهم بالقتل لا تنهاهم # قد خضبت من علق لحاهم # PageV02P617 # وحملت ميمنة علي على ميسرتهم، فاقتتلوا، فلاذ الناس بعائشة، وكان أكثرهم ~~من ضبة والأزد، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر ثم ~~انهزموا، ونادى رجل من الأزد: كروا، فضربه محمد بن علي فقطع يده، فقال: يا ~~معشر الأزد فروا واستحر القتل في الأزد فنادوا: نحن على دين علي. فقال رجل ~~من بني ليث: # سائل بنا حين لقينا الأزدا ... والخيل تعدو أشقرا ووردا # لما قطعنا كبدهم والزندا ... سحقا لهم في رأيهم وبعدا # وحمل عمار بن ياسر على الزبير، فجعل يحوزه بالرمح، فقال: أتريد أن تقتلني ~~يا أبا اليقظان؟ فقال: لا يا أبا عبد الله، انصرف، فانصرف، وجرح عبد الله ~~بن الزبير، فألقى نفسه في الجرحى ثم برأ. وعقر الجمل، واحتمل محمد بن أبي ~~بكر عائشة فأنزلها، وضرب عليها قبة، فوقف علي عليها وقال لها: استنفرت ~~الناس وقد فروا، وألبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضا، في كلام كثير. فقالت ~~عائشة: ملكت فأسجح، نعم ما ابتليت قومك اليوم! فسرحها وأرسل معها جماعة من ~~رجال ونساء وجهزها بما تحتاج. # لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره أبو جعفر، إذ كان أوثق من نقل ~~التاريخ، فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم. # وممن قتل يوم الجمل عبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة، له صحبة. وعمرو بن ~~عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي، له صحبة. وفيها قتل المحرز بن حارثة ~~بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، له صحبة، واستعمله عمر على مكة ثم عزله. ~~وفيها قتل معرض بن علاط السلمي أخو الحجاج بن علاط، قتل مع علي، وفيها قتل ~~مجاشع ومجالد ms1053 ابنا مسعود السلميان مع عائشة، لهما صحبة، فأما مجاشع فلا شك ~~أنه قتل في الجمل. وقتل عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي القرشي مع عائشة، ~~وكان # PageV02P618 # إسلامه يوم الفتح، وفيها قتل هند بن أبي هالة الأسيدي، أمه خديجة بنت ~~خويلد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع علي، وقيل مات بالبصرة، والأول ~~أصح. # (الأسيدي بضم الهمزة، منسوب إلى أسيد بتشديد الياء، وهم بطن من تميم. # وقتل هلال بن وكيع بن بشر التميمي مع عائشة، له صحبة، وفيها قتل معاذ بن ~~عفراء أخو معوذ، وهما ابنا الحرث بن رفاعة الأنصاريان، وشهدا بدرا، وقتل مع ~~علي، وقيل: عاش وقتل في وقعة الحرة. # (التيهان: بفتح التاء فوقها نقطتان، وتشديد الياء تحتها نقطتان، وآخره ~~نون. وشبث: بفتح الشين المعجمة، والباء الموحدة، وآخره ثاء مثلثة. وسيحان: ~~بفتح السين المهملة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وفتح الحاء المهملة، وآخره ~~نون. ونجبة: بفتح النون والجيم، والباء الموحدة. وعميرة: بفتح العين، وكسر ~~الميم. وأبير بضم الهمزة، وفتح الباء الموحدة. والخريت: بكسر الخاء ~~المعجمة، والراء المشددة، وسكون الياء المثناة من تحتها نقطتان، وفي آخره ~~تاء فوقها نقطتان) . # ذكر قصد الخوارج سجستان # في هذه السنة بعد الفراغ من وقعة الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي، وعمران ~~بن الفضيل البرجمي في صعاليك من العرب حتى نزلوا زالق من سجستان، وقد نكث ~~أهلها، فأصابوا منها مالا، ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ~~ودخلوها، فقال الراجز: # بشر سجستان بجوع وحرب ... بابن الفضيل وصعاليك العرب # لا فضة تغنيهم ولا ذهب # فبعث علي عبد الرحمن بن جزء الطائي، فقتله حسكة، فكتب علي إلى عبد الله ~~بن العباس يأمره أن يولي سجستان رجلا ويسيره إليها في أربعة آلاف، فوجه # PageV02P619 # ربعي بن كاس العنبري، ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري، فلما ورد سجستان ~~قاتلهم حسكة وقتلوه، وضبط ربعي البلاد، وكان فيروز حصين ينسب إلى الحصين بن ~~أبي الحر هذا، وهو من سجستان. # ذكر قتل محمد بن أبي حذيفة # في هذه السنة قتل محمد بن أبي حذيفة، ms1054 وكان أبوه أبو حذيفة بن عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس قد قتل يوم اليمامة، وترك ابنه محمدا هذا، فكفله عثمان بن ~~عفان وأحسن تربيته، وكان فيما قيل: أصاب شرابا فحده عثمان، ثم تنسك محمد ~~وأقبل على العبادة، وطلب من عثمان أن يوليه عملا، فقال: لو كنت أهلا لذلك ~~لوليتك. فقال له: إني قد رغبت في غزو البحر فأذن [لي] في إتيان مصر، فأذن ~~له وجهزه، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه، وغزا مع عبد الله بن ~~سعد غزوة الصواري. # وكان محمد يعيبه ويعيب عثمان بتوليته ويقول: استعمل رجلا أباح رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - دمه. فكتب عبد الله إلى عثمان: إن محمدا قد أفسد ~~علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر. فكتب إليه: أما ابن أبي بكر فإنه يوهب ~~لأبيه ولعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ ~~قريش. فكتب إليه: إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير. فبعث ~~عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة، # PageV02P620 # فوضعها محمد في المسجد ثم قال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان ~~يخادعني عن ديني ويرشوني عليه! فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان، ~~(وبايعوه على رياستهم) ، فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه ~~بشأنه، ويقول: إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكرك. فلم يرده ذلك عن ذمه ~~وتأليب الناس عليه، وحثهم على المسير إلى حصره، ومساعدة من يريد ذلك. # فلما سار المصريون إلى عثمان، أقام هو بمصر، وخرج عنها عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح، (فاستولى عليها) وضبطها، فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان ~~وبويع علي، واتفق معاوية وعمرو بن العاص على خلاف علي، فسار إلى مصر قبل ~~قدوم قيس بن سعد إليها أميرا، فأراد دخولها فلم يقدر على ذلك، فخدع محمدا ~~حتى خرج منها إلى العريش في ألف رجل، فتحصن بها، فنصب عليه المنجنيق حتى ~~نزل في ثلاثين من أصحابه ms1055 فقتل. # وهذا القول ليس بشيء، لأن عليا استعمل قيسا على مصر أول ما بويع له، ولو ~~أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلى مصر لاستوليا عليها ; ~~لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها، ولا خلاف أن استيلاء معاوية وعمرو ~~عليها كان بعد صفين، والله أعلم. # وقيل غير ذلك، وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان، فلما ~~حصروه أخرج محمد عبد الله بن سعد عن مصر، وهو عامل عثمان، واستولى عليها، ~~فنزل عبد الله على تخوم مصر، وانتظر أمر عثمان، فطلع عليه راكب فسأله، ~~فأخبره بقتل عثمان، فاسترجع، وسأله عما صنع الناس بعده، فأخبره ببيعة علي، ~~فاسترجع، فقال له: كأن إمرة علي تعدل عندك قتل عثمان! قال: نعم. قال: أظنك ~~عبد الله بن سعد. فقال: نعم. فقال له: إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء ~~النجاء، فإن رأي أمير المؤمنين علي فيك وفي أصحابك إن ظفر بكم أن يقتلكم أو ~~ينفيكم، وهذا بعدي أمير يقدم عليك. فقال: من هو؟ قال قيس بن سعد بن عبادة. ~~قال عبد الله بن سعد: أبعد الله محمد بن أبي حذيفة، فإنه بغى على ابن عمه ~~وسعى عليه، وقد كفله ورباه وأحسن إليه، فأساء جواره وجهز إليه الرجال حتى ~~قتل، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان، # PageV02P621 # ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا، ولم يره لذلك أهلا. وخرج عبد الله هاربا ~~حتى قدم على معاوية. # وهذا القول يدل على أن قيسا ولي مصر ومحمد بن أبي حذيفة حي، وهو الصحيح. # وقيل: إن عمرا سار إلى مصر بعد صفين، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش، ~~فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه، فالتقيا واجتمعا، فقال له عمرو: إنه ~~قد كان ما ترى وقد بايعت هذا الرجل، يعني معاوية، وما أنا براض بكثير من ~~أمره، وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقديما وأولى بهذا ~~الأمر، فواعدني موعدا ألتقي معك فيه في غير جيش، تأتي في ms1056 مائة وآتي في ~~مثلها، وليس معنا إلا السيوف في القرب. فتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتعدا ~~العريش، ورجع عمرو إلى معاوية، فأخبره الخبر، فلما جاء الأجل سار كل واحد ~~منهما إلى صاحبه في مائة، وجعل عمرو له جيشا خلفه لينطوي خبره، فلما التقيا ~~بالعريش قدم جيش عمرو على أثره، فعلم محمد أنه قد غدر به، فدخل قصرا ~~بالعريش فتحصن به، فحصره عمرو ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا، وبعث به عمرو ~~إلى معاوية فسجنه، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمة محمد بن أبي ~~حذيفة أمها فاطمة بنت عتبة، فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه، فأرسلت إليه ~~يوما في الطعام مبارد، فبرد بها قيوده وهرب فاختفى في غار فأخذ وقتل، والله ~~أعلم. # وقيل: إنه بقي محبوسا إلى أن قتل حجر بن عدي، ثم إنه هرب، فطلبه مالك بن ~~هبيرة السكوني، فظفر به فقتله غضبا لحجر، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في ~~حجر فلم يشفعه. وقيل: إن محمد بن أبي حذيفة لما قتل محمد بن أبي بكر خرج في ~~جمع كثير إلى عمرو (فآمنه عمرو) ، ثم غدر به وحمله إلى معاوية بفلسطين ~~فحبسه، ثم إنه هرب، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه وأمر بطلبه، فسار في ~~أثره عبيد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي، فأدركه بحوران في غار، وجاءت حمر ~~تدخل الغار، فلما رأت محمدا نفرت منه، وكان هناك ناس يحصدون، فقالوا: والله ~~إن لنفرة هذه الحمر لشأنا. فذهبوا إلى الغار فرأوه، فخرجوا من عنده، ~~فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم، فقالوا: # PageV02P622 # هو في الغار، فأخرجه وكره أن يأتي به معاوية فيخلي سبيله، فضرب عنقه، ~~وكان ابن خال معاوية. # ذكر ولاية قيس بن سعد مصر # وفي هذه السنة في صفر بعث علي قيس بن سعد أميرا على مصر، وكان صاحب راية ~~الأنصار مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من ذوي الرأي والبأس، ~~فقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى رحلك واجمع إليك ثقاتك ومن ~~أحببت أن يصحبك ms1057 حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، وأحسن ~~إلى المحسن، واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة، فإن الرفق يمن. فقال ~~له قيس: أما قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها ~~به من المدينة لا أدخلها أبدا، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن كنت احتجت إليهم ~~كانوا منك قريبا، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة. فخرج قيس ~~حتى دخل مصر في سبعة من أصحابه على الوجه الذي تقدم ذكره، فصعد المنبر فجلس ~~عليه، وأمر بكتاب أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر بإمارته، ويأمرهم ~~بمبايعته ومساعدته وإعانته على الحق، ثم قام قيس خطيبا وقال: # الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين، أيها الناس إنا قد ~~بايعنا خير من نعلم بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقوموا أيها الناس ~~فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا ~~عليكم. # فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا قرية منها يقال ~~لها خرنبا فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان، عليهم رجل من بني كنانة، ثم من ~~بني مدلج اسمه يزيد بن الحارث، فبعث إلى قيس يدعو إلى الطلب بدم عثمان. ~~وكان مسلمة بن مخلد قد أظهر الطلب أيضا بدم عثمان، فأرسل إليه قيس: ويحك ~~أعلي تثب! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلتك! فبعث إليه ~~مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر. # وبعث قيس، وكان حازما، إلى أهل خرنبا: إني لا أكرهكم على البيعة، وإني ~~كاف عنكم، فهادنهم وجبى الخراج ليس أحد ينازعه، وخرج أمير المؤمنين إلى ~~الجمل # PageV02P623 # ورجع وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية لقربه من الشام، ومخافة ~~أن يقبل علي في أهل العراق، وقيس في أهل مصر، فيقع بينهما معاوية، فكتب ~~معاوية إلى قيس: # سلام عليك، أما بعد فإنكم نقمتم على عثمان ضربة بسوط أو شتيمة رجل أو ~~تسيير آخر واستعمال فتى، وقد علمتم ms1058 أن دمه لا يحل لكم، فقد ركبتم عظيما، ~~وجئتم أمرا إدا، فتب إلى الله يا قيس، فإنك من المجلبين على عثمان، فأما ~~صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى [به] الناس وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم ~~يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطالب بدم عثمان ~~فافعل، وتابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن ~~أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني ما شئت، فإني أعطيك ~~واكتب إلي برأيك. # فلما جاءه الكتاب أن أحب يدافعه ولا يبدي له أمره، ولا يتعجل إلى حربه، ~~فكتب إليه: أما بعد فقد فهمت ما ذكرته من قتلة عثمان، فذلك شيء لم أقاربه، ~~وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى به حتى قتلوه، وهذا مما لم أطلع عليه، وذكرت ~~أن عظم عشيرتي لم تسلم [من دم عثمان] ، فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي، ~~وأما ما عرضته من متابعتك، فهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع ~~إليه، وأنا كاف عنك، وليس يأتيك من قبلي شيء تكرهه، حتى ترى ونرى - إن شاء ~~الله تعالى -. # فلما قرأ معاوية كتابه رآه مقاربا مباعدا، فكتب إليه: # أما بعد فقد فقرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدك سلما، ولا متباعدا فأعدك ~~حربا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد، ومعه عدد الرجال وبيده ~~[أعنة الخيل] ، والسلام. # فلما قرأ قيس كتابه، ورأى أنه لا يفيد معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ~~ما في نفسه، فكتب إليه: أما بعد فالعجب من اغترارك بي، وطمعك في، واستسقاطك ~~إياي، أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحق، وأهداهم ~~سبيلا، وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيلة، وتأمرني ~~بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من # PageV02P624 # هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما ~~قولك إني مالئ عليك مصر خيلا ورجالا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون ~~أهم إليك ms1059 إنك لذو جد، والسلام. # فلما رأى معاوية كتابه أيس منه وثقل عليه مكانه، ولم تنجع حيله فيه، ~~فكاده من قبل علي، فقال لأهل الشام: لا تسبوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى ~~غزوه، فإنه لنا شيعة، قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا، ألا ترون ما يفعل ~~بإخوانكم الذين عنده من أهل خرنبا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويحسن ~~إليهم! وافتعل كتابا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان، والدخول معه في ذلك، ~~وقرأه على أهل الشام. # فبلغ ذلك عليا، أبلغه ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ~~وأعلمته عيونه بالشام، فأعظمه وأكبره، فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر ~~فأعلمهم ذلك. فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك، اعزل قيسا عن مصر. فقال علي: إني والله ما أصدق بهذا عنه. فقال عبد ~~الله: اعزله، فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك. فإنهم كذلك إذ جاءهم كتاب من ~~قيس يخبر أمير المؤمنين بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم. فقال ابن جعفر: ما ~~أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه، فمره بقتالهم. فكتب إليه يأمره بقتالهم، ~~فلما قرأ الكتاب كتب جوابه: أما بعد فقد عجبت لأمرك تأمرني بقتال قوم كافين ~~عنك مفرغيك لعدوك! ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أمير ~~المؤمنين واكفف عنهم فإن الرأي تركهم، والسلام. فلما قرأ علي الكتاب قال ~~ابن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر على مصر واعزل قيسا، فقد ~~بلغني أن قيسا يقول: إن سلطانا لا يستقيم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان ~~سوء. # وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه، فبعث علي محمد بن أبي بكر إلى ~~مصر، وقيل: بعث الأشتر النخعي، فمات بالطريق، فبعث محمدا، فقدم محمد على ~~قيس بمصر، فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ أدخل أحد بيني ~~وبينه؟ قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. قال: لا والله لا أقيم. وخرج منها ~~مقبلا إلى المدينة وهو غضبان لعزله، فجاءه حسان بن ثابت، ms1060 وكان عثمانيا، ~~يشمت به، فقال له: قتلت عثمان ونزعك علي، فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك ~~الشكر! فقال له قيس: يا أعمى # PageV02P625 # القلب والبصر! والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك! اخرج ~~عني! ثم أخاف مروان بن الحكم قيسا بالمدينة، فخرج منها هو وسهل بن حنيف إلى ~~علي، فشهدا معه صفين. فكتب معاوية إلى مروان يتغيظ عليه ويقول له: لو أمددت ~~عليا بمائة ألف مقاتل لكان أيسر عندي من قيس بن سعد في رأيه ومكانه. # فلما قدم قيس على علي وأخبره الخبر، علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من ~~المكايدة، وجاءهم خبر قتل محمد بن أبي بكر، فعظم محل قيس عنده، وأطاعه في ~~الأمر كله، ولما قدم محمد مصر قرأ كتاب علي على أهل مصر ثم قام فخطب فقال: # الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرا ~~مما كان عمي عنه الجاهلون. ألا إن أمير المؤمنين ولاني أمركم، وعهد إلي ما ~~سمعتم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من ~~إمارتي وأعمالي طاعة لله فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي ~~له، وإن رأيتم عاملا لي عمل بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني فيه، فإني بذلك ~~أسعد، وأنتم [بذلك] جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته. # ثم نزل، ولبث شهرا كاملا، حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا ~~قد وادعهم قيس، فقال لهم: إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا عن ~~بلادنا. فأجابوه: إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمرنا، فلا ~~تعجل لحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا [منه] وأخذوا حذرهم، فكانت وقعة صفين ~~وهم هائبون لمحمد. # فلما رجع علي عن معاوية، وصار الأمر إلى التحكيم، طمعوا في محمد، وأظهروا ~~له المبارزة، فبعث محمد الحارث بن جمهان الجعفي إلى أهل خرنبا، وفيها يزيد ~~بن الحرث مع بني كنانة ومن معه، فقاتلهم فقاتلوه وقتلوه. فبعث محمد إليهم ~~أيضا ابن مضاهم الكلبي فقتلوه. ms1061 # وقد قيل: إنه جرى بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها، فإنها مما لا ~~يحتمل سماعها العامة. # وفيها قدم أبراز مرزبان مرو إلى علي بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له ~~كتابا # PageV02P626 # إلى دهاقين مرو والأساورة، ومن بمرو، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور، ~~فبعث علي خليد بن قرة، وقيل: ابن طريف اليربوعي، إلى خراسان. # ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية ومتابعته له # قيل: كان عمرو بن العاص قد سار عن المدينة، قبل أن يقتل عثمان، نحو ~~فلسطين. # وسبب ذلك أنه لما أحيط بعثمان قال: يا أهل المدينة لا يقيم أحد فيدركه ~~قتل هذا الرجل إلا ضربه الله بذل، من لم يستطع نصره فليهرب. فسار، وقيل غير ~~ذلك - وقد تقدم -، وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، فسكن فلسطين، فمر به ~~راكب من المدينة، فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة. قال عمرو: حصر الرجل! ~~فما الخبر؟ قال: تركت عثمان محصورا. ثم مر به راكب آخر بعد أيام فقال له ~~عمرو: ما اسمك؟ قال: قتال. قال: قتل الرجل! فما الخبر؟ قال قتل عثمان، ولم ~~يكن شيء إلى أن سرت. ثم مر به راكب من المدينة، فقال له عمرو: ما اسمك؟ ~~قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب، وقال له: ما الخبر؟ فقال: بايع الناس عليا. ~~فقال سلم بن زنباع: يا معشر العرب كان بينكم وبين العرب باب فكسر، فاتخذوا ~~بابا غيره. فقال عمرو: ذلك الذي نريده. ثم ارتحل عمرو راجلا معه ابناه يبكي ~~كما تبكي المرأة وهو يقول: واعثماناه! أنعي الحياء والدين! حتى قدم دمشق، ~~وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد ~~بعثه إلى عمان، فسمع من حبر هناك شيئا عرف مصداقه، فسأله عن وفاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن يكون بعده، فأخبره بأبي بكر وأن مدته قصيرة، ثم ~~يأتي بعده رجل من قومه مثله تطول مدته، ويقتل غيلة، ثم يلي بعده رجل من ~~قومه تطول مدته، ويقتل عن ملإ، قال: ذلك أشد، ثم يلي ms1062 بعده رجل من قومه ~~ينتشر الناس عليه، ويكون على رأسه حرب شديدة، ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس ~~عليه، ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة، فيطول ملكه، وتجتمع عليه أهل تلك ~~الفرقة، ثم يموت. # PageV02P627 # وقيل: إن عمرا لما بلغه قتل عثمان قال: أنا أبو عبد الله، أنا قتلته، ~~وأنا بوادي السباع، إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن ~~أبي طالب فهو أكره من يليه إلي. فبلغه بيعة علي، فاشتد عليه، وأقام ينتظر ~~ما يصنع الناس، فأتاه مسير عائشة، وطلحة، والزبير، فأقام ينتظر ما يصنعون، ~~فأتاه الخبر بوقعة الجمل، فأرتج عليه أمره، فسمع أن معاوية بالشام لا يبايع ~~عليا، وأنه يعظم شأن عثمان، وكان معاوية أحب إليه من علي، فدعا ابنيه عبد ~~الله ومحمدا فاستشارهما وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده، وهو يدل ~~بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره. فقال له ابنه عبد الله: توفي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى أن تكف يدك ~~وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس [على إمام فتبايعه] . وقال له ابنه محمد: ~~أنت ناب من أنياب العرب ولا أرى أن [يجتمع هذا الأمر] وليس لك فيه صوت. ~~فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في آخرتي وأسلم لي ~~في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وشر لي في ~~آخرتي. ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية ~~على الطلب بدم عثمان، وقال عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة ~~المظلوم، ومعاوية لا يلتفت إليه، فقال لعمرو ابناه: ألا ترى معاوية لا ~~يلتفت إليك؟ فانصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال له: والله لعجب ~~لك! إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، [أما والله] إن قاتلنا معك نطلب ~~بدم الخليفة إن في النفس [من ذلك] ما فيها، حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله ~~وقرابته، ولكنا ms1063 أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه. ### | [ذكر ابتداء وقعة صفين] # لما عاد علي من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة، وأرسل إلى جرير بن # PageV02P628 # عبد الله البجلي، وكان عاملا على همذان استعمله عثمان، وإلى الأشعث بن ~~قيس، وكان على أذربيجان استعمله عثمان أيضا، يأمرهما بأخذ البيعة والحضور ~~عنده، فلما حضرا عنده، أراد علي أن يرسل رسولا إلى معاوية، قال جرير: ~~أرسلني إليه، فإنه لي ود. فقال الأشتر: لا تفعل فإن هواه مع معاوية. فقال ~~علي: دعه حتى ننظر ما الذي يرجع إلينا به. فبعثه وكتب معه كتابا إلى معاوية ~~يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته (ونكث طلحة والزبير وحربه ~~إياهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته) . # فسار جرير إلى معاوية، فلما قدم عليه ماطله واستنظره واستشار عمرا، فأشار ~~عليه أن يجمع أهل الشام، ويلزم عليا دم عثمان ويقاتله بهم، ففعل معاوية ~~ذلك، وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل ~~فيه مخضوبا بالدم بأصابع زوجته نائلة، إصبعان منها وشيء من الكف وإصبعان ~~مقطوعتان من أصولهما، ونصف الإبهام، وضع معاوية القميص على المنبر، وجمع ~~الأجناد إليه، فبكوا على القميص مدة وهو على المنبر، والأصابع معلقة فيه، ~~وأقسم رجال من أهل الشام أن لا يمسهم الماء إلا للغسل من الجنابة، وأن لا ~~يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن قام دونهم قتلوه. فلما عاد ~~جرير إلى أمير المؤمنين علي، وأخبره خبر معاوية، واجتماع أهل الشام معه على ~~قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن عليا قتله وآوى قتلته، وأنهم لا ~~ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه، قال الأشتر لعلي: قد كنت نهيتك أن ترسل ~~جريرا، وأخبرتك بعداوته وغشه، ولو كنت أرسلتني لكان خيرا من هذا الذي أقام ~~عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه، ولا بابا يخاف منه إلا أغلقه. ~~فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان. فقال الأشتر: ~~والله لو أتيتهم ms1064 لم يعيني جوابهم ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن ~~الفكر، ولو أطاعني [فيك] أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك حتى يستقيم هذا ~~الأمر. فخرج جرير إلى قرقيسيا وكتب إلى # PageV02P629 # معاوية، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه. # وقيل: كان الذي حمل معاوية على رد جرير البجلي غير مقضي الحاجة شرحبيل بن ~~السمط الكندي. # وكان سبب ذلك أن شرحبيلا كان قد سيره عمر بن الخطاب إلى العراق إلى سعد ~~بن أبي وقاص وكان معه، فقدمه سعد وقربه، فحسده الأشعث بن قيس الكندي ~~لمنافسة بينهما، فوفد جرير البجلي على عمر، فقال له الأشعث: إن قدرت أن ~~تنال من شرحبيل عند عمر فافعل. فلما قدم على عمر سأله عمر عن الناس، فأحسن ~~الثناء على سعد، قال: وقد قال شعرا: # ألا ليتني والمرء سعد بن مالك وزبرا ... وابن السمط في لجة البحر # فيغرق أصحابي وأخرج سالما على ظهر ... قرقور أنادي أبا بكر # فكتب عمر إلى سعد يأمره بأن يرسل زبرا وشرحبيلا إليه، فأرسلهما، فأمسك ~~زبرا بالمدينة وسير شرحبيلا إلى الشام، فشرف وتقدم، وكان أبوه السمط من غزة ~~الشام. فلما قدم جرير بكتاب علي إلى معاوية في البيعة انتظر معاوية قدوم ~~شرحبيل، فلما قدم عليه أخبره معاوية بما قدم فيه جرير، فقال: كان أمير ~~المؤمنين عثمان خليفتنا، فإن قويت على الطلب بدمه، وإلا فاعتزلنا. فانصرف ~~جرير، فقال النجاشي: # شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا ... ولكن لبغض المالكي جرير # وقولك ما قد قلت عن أمر أشعث ... فأصبحت كالحادي بغير بعير # (جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك، فنسب إلى جده مالك) . # وخرج علي فعسكر بالنخيلة، وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة، منهم: مرة ~~الهمداني، ومسروق، أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين، فأما مسروق فإنه كان يستغفر ~~الله # PageV02P630 # من تخلفه عن علي بصفين، وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل ~~البصرة، وبلغ ذلك معاوية، فاستشار عمرا، فقال: أما إذا سار علي فسر إليه ~~بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو ~~وضعف عليا وأصحابه ms1065 وقال: إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم، ووهنوا شركتهم، ~~وفلوا حدهم، وأهل البصرة مخالفون لعلي بمن قتل منهم، وقد تفانت صناديدهم ~~وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار علي في شرذمة قليلة، وقد قتل ~~خليفتكم، والله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلوه! وكتب معاوية ~~أهل الشام، وعقد لواء لعمرو، ولواء لابنيه عبد الله ومحمد، ولواء لغلامه ~~وردان. وعقد علي لواء لغلامه قنبر، فقال عمرو: # هل يغنين وردان عني قنبرا ... وتغني السكون عني حميرا # إذا الكماة لبسوا السنورا # فبلغ ذلك عليا فقال: # لأصبحن العاصي ابن العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي # مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص # فلما سمع معاوية ذلك قال: ما أرى عليا إلا وقد وفى لك. وسار معاوية وتأنى ~~في مسيره، فلما رأى ذلك الوليد بن عقبة بعث إليه يقول: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم # قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق فما تريم # وإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم # PageV02P631 # يمنيك الإمارة كل ركب # لأنقاض العراق بها رسيم ... وليس أخو الترات بمن توانى # ولكن طالب الترة الغشوم ... ولو كنت القتيل وكان حيا # لجرد لا ألف ولا غشوم ... ولا نكل عن الأوتار حتى # يبيء بها ولا برم جثوم ... وقومك بالمدينة قد أبيروا # فهم صرعى كأنهم الهشيم # فكتب إليه معاوية: # ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم # وبعث علي زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، وبعث معه شريح ابن ~~هانئ [في] أربعة آلاف، وسار علي من النخيلة، وأخذ معه من بالمدائن من ~~المقاتلة، وولى على المدائن سعد بن مسعود، عم المختار بن أبي عبيد الثقفي. ~~ولما سار علي كان معه نابغة بني جعدة، فحدا به يوما فقال: # قد علم المصران والعراق ... أن عليا فحلها العتاق # PageV02P632 # أبيض جحجاح له رواق ... إن الأولى جاروك لا أفاقوا # لكم سباق ولهم سباق ... قد علمت ذلكم الرفاق # ووجه علي من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على ms1066 ~~الموصل حتى يوافيه على الرقة، فلما وصل إلى الرقة قال لأهلها ليعملوا له ~~جسرا يعبر عليه إلى الشام، فأبوا، وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، فنهض من ~~عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر وقال: أقسم ~~بالله لئن لم تعملوا جسرا يعبر عليه أمير المؤمنين لأجردن فيكم السيف، ~~ولأقتلن الرجال، ولآخذن الأموال! فلقي بعضهم بعضا وقالوا: إنه الأشتر، وإنه ~~قمن أن يفي لكم بما حلف عليه، أو يأتي بأكثر منه. فنصبوا له جسرا وعبر عليه ~~علي وأصحابه، وازدحموا عليه، فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين الأزدي، ~~فنزل فأخذها، ثم ركب، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج الأزدي، فنزل ~~فأخذها، ثم قال لصاحبه: # فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا ... كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل # فقال ابن أبي الحصين: ما شيء أحب إلي مما ذكرت! فقتلا جميعا بصفين. # ولما بلغ علي الفرات دعا زياد بن النضر الحارثي، وشريح بن هانئ فسرحهما ~~أمامه (في اثني عشر ألفا) نحو معاوية على حالهما التي خرجا عليها من ~~الكوفة. وكان سبب عودهما إليه أنهما حيث سيرهما علي من الكوفة أخذا على ~~شاطئ الفرات يلي البر. فلما بلغا عانات بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود ~~الشام، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير ~~المؤمنين هذا البحر! وما لنا خير في أن نلقى جنود الشام بقلة من معنا. ~~فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها. فرجعوا فعبروا من هيت، فلحقوا عليا ~~دون قرقيسيا، فلما لحقوا عليا قال: مقدمتي تأتيني من ورائي. فأخبره شريح ~~وزياد بما كان، فقال: سددتما. فلما عبر الفرات سيرهما أمامه، فلما انتهيا ~~إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى ~~علي فأعلماه، فأرسل علي إلى الأشتر وأمره بالسرعة وقال له: إذا قدمت فأنت ~~عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدءوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع ~~منهم، ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم، والإعذار إليهم مرة بعد مرة، ~~واجعل على ms1067 ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ~~ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب # PageV02P633 # البأس حتى أقدم عليك، فإني حثيث المسير في إثرك - إن شاء الله تعالى -. ~~وكتب علي إلى شريح وزياد بذلك وأمرهما بطاعة الأشتر. # فسار الأشتر حتى قدم عليهم، واتبع ما أمره وكف عن القتال، ولم يزالوا ~~متواقفين حتى [إذا] كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي، فثبتوا له ~~واضطربوا ساعة، ثم انصرف أهل الشام وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة ~~المرقال، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم، وصبر بعضهم لبعض، ثم ~~انصرفوا، وخرج عليهم الأشتر وقال: أروني أبا الأعور، وتراجعوا، ووقف أبو ~~الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة، وجاء الأشتر فصف أصحابه بمكان ~~أبي الأعور بالأمس، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي ~~الأعور فادعه إلى البراز. فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك؟ فقال الأشتر: لو ~~أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم، والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي ~~لفعلت! فدعا له وقال: إنما تدعوه لمبارزتي. فخرج إليهم فقال: آمنوني فإني ~~رسول، فآمنوه، فانتهى إلى أبي الأعور وقال له: إن الأشتر يدعوك إلى أن ~~تبارزه، فسكت طويلا ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمال ~~عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه، وعلى أن سار إليه في داره حتى قتله، فأصبح ~~متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته. قال له الرسول: قد قلت فاسمع مني أجبك. ~~قال: لا حاجة لي في جوابك، اذهب عني! فصاح به أصحابه، فانصرف عنه ورجع إلى ~~الأشتر فأخبره، فقال: لنفسه نظر. فوقفوا حتى حجز الليل بينهم، وعاد ~~الشاميون من الليل، وأصبح علي غدوة عند الأشتر، وتقدم الأشتر ومن معه ~~فانتهى إلى معاوية فواقفه، ولحق بهم علي فتواقفوا طويلا. # ثم إن عليا طلب لعسكره موضعا ينزل فيه، وكان معاوية قد سبق، فنزل منزلا ~~اختاره بسيطا واسعا أفيح، وأخذ شريعة الفرات، وليس في ذلك الصقع شريعة ~~غيرها، وجعلها في حيزه، وبعث عليها أبا ms1068 الأعور السلمي يحميها ويمنعها، فطلب ~~أصحاب علي شريعة غيرها فلم يجدوا، فأتوا عليا فأخبروه بفعلهم وبعطش الناس، ~~فدعا صعصعة بن صوحان فأرسله إلى معاوية يقول له: إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن ~~نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن ~~نقاتلك، ونحن من رأينا الكف حتى # PageV02P634 # ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس عن الماء والناس ~~غير منتهين، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء، ليكفوا لننظر ~~فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له، فإن أردت أن نترك ما جئنا له، ونقتتل ~~على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. # فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد: ~~امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان، اقتلهم عطشا قتلهم الله! فقال عمرو بن ~~العاص: خل بين القوم وبين الماء، وإنهم لن يعطشوا وأنت ريان، ولكن بغير ~~الماء، فانظر فيما بينك وبين الله. فأعاد الوليد وعبد الله بن سعد مقالتهما ~~وقالا: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، وكان ~~رجوعهم هزيمة، امنعهم الماء منعهم الله [إياه] يوم القيامة! قال صعصعة: ~~إنما يمنعه الله الفجرة شربة الخمر، لعنك الله ولعن هذا الفاسق! يعني ~~الوليد بن عقبة. فشتموه وتهددوه. # وقد قيل: إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين. # فرجع صعصعة فأخبره بما كان، وأن معاوية قال: سيأتيكم رأيي، فسرب الخيل ~~إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء، فلما سمع علي بذلك قال: قاتلوهم على الماء. ~~فقال الأشعث بن قيس الكندي: أنا أسير إليهم. فسار إليهم، فلما دنوا منهم ~~ثاروا في وجوههم، فرموهم بالنبل، فتراموا ساعة ثم تطاعنوا بالرماح، ثم ~~صاروا إلى السيوف، فاقتتلوا ساعة، وأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري، ~~جد خالد بن عبد الله القسري، في الخيل إلى أبي الأعور، فأقبلوا، فأرسل علي ~~شبث بن ربعي الرياحي، فازداد القتال، فأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند ~~كثير، فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد، وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم ~~وجعل ms1069 يمد الأشعث وشبثا، فاشتد القتال، فقال عبد الله بن عوف الأزدي ~~الأحمري: # خلوا لنا ماء الفرات الجاري ... أو اثبتوا لجحفل جرار # لكل قرم مستميت شاري ... طاعن برمحه كرار # PageV02P635 # ضراب هامات العدى مغوار # لم يخش غير الواحد القهار # وقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء، وصار في أيدي أصحاب علي، فقالوا: ~~والله لا نسقيه أهل الشام! فأرسل علي إلى أصحابه: أن خذوا من الماء حاجتكم ~~وخلوا عنهم، فإن الله نصركم ببغيهم وظلمهم. ومكث علي يومين لا يرسل إليهم ~~أحدا ولا يأتيه أحد، ثم إن عليا دعا أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن ~~الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي، فقال لهم: ائتوا ~~هذا الرجل وادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث: يا أمير ~~المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه، أو منزلة تكون له بها أثرة عندك ~~إن هو بايعك؟ قال: انطلقوا إليه واحتجوا عليه، وانظروا ما رأيه. وهذا في ~~أول ذي الحجة. فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله ~~وأثنى عليه وقال: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، ~~وإن الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه ~~الأمة وأن تسفك دماءها بينها. # فقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرو: إن ~~صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر، في الفضل والدين ~~والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال: فماذا ~~يقول؟ قال: يأمرك بتقوى الله (وأن تجيب) ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من ~~الحق، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك! قال معاوية: ونترك دم ~~بن عفان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا. # قال: فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ~~ما تطلب، إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس، ms1070 وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به ~~طاعتهم إلا قولك: قتل إمامكم مظلوما، فنحن نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء ~~طغام، وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي ~~أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتي المتمني ~~أمنيته وفوق أمنيته، ووالله ما لك في واحدة منهما خير! والله إن أخطأك ما ~~ترجو، إنك لشر العرب حالا! ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك ~~صلي النار! فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله. # PageV02P636 # قال: فحمد معاوية الله ثم قال: أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة ~~حلمك، أن قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم اعترضت بعد فيما ~~لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ~~ووصفت! انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف. وغضب، وخرج القوم. ~~فقال له شبث بن ربعي: أتهول بالسيف؟ أقسم بالله لنعجلنها إليك. # فأتوا عليا فأخبروه بذلك، فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة ~~من أصحابه، ويخرج إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ~~ثم ينصرفان، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام لما خافوا أن ~~يكون فيه من الاستئصال والهلاك، فكان علي يخرج مرة الأشتر ومرة حجر بن عدي ~~الكندي، ومرة شبث بن ربعي، ومرة خالد بن المعمر، ومرة زياد بن النضر ~~الحارثي، ومرة زياد بن خصفة التيمي، ومرة سعيد بن قيس الهمداني، ومرة معقل ~~بن قيس الرياحي، ومرة قيس بن سعد الأنصاري، وكان الأشتر أكثرهم خروجا. وكان ~~معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السلمي، ~~وحبيب بن مسلمة الفهري، وابن ذي الكلاع الحميري، وعبيد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وشرحبيل بن السمط الكندي، وحمرة بن مالك الهمداني، فاقتتلوا أيام ~~ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة مات حذيفة بن ms1071 اليمان بعد قتل عثمان بيسير، ولم يدرك الجمل، # PageV02P637 # وقتل ابناه صفوان وسعيد مع علي بصفين بوصية أبيهما، قيل: مات سنة خمس ~~وثلاثين، والأول أصح. وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم، وكان عمره ~~مائتين # PageV02P638 # وخمسين سنة، (هذا أقل ما قيل فيه، وقيل: ثلثمائة وخمسون سنة) . وكان قد ~~أدرك بعض أصحاب المسيح - عليه السلام -. وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، مات ~~بعسقلان حيث خرج معاوية إلى صفين، وكره الخروج معه. ومات فيها عبد الرحمن ~~بن عديس # PageV02P639 # البلوي أمير القادمين من مصر لقتل عثمان، وكان ممن بايع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تحت الشجرة، وقيل: بل قتل بالشام. وفيها مات قدامة بن مظعون ~~الجمحي - وهو من مهاجرة الحبشة وشهد بدرا -. وفيها توفي عمرو بن أبي عمرو ~~بن ضبة الفهري أبو شداد - شهد بدرا -. وفيها استعمل علي على الري يزيد بن ~~حجية التيمي تيم اللات، فكسر من خراجها ثلاثين ألفا، فكتب إليه علي ~~يستدعيه، فحضر، فسأله عن المال قال: أين ما غللته من المال؟ قال: ما أخذت ~~شيئا! فخفقه بالدرة خفقات وحبسه ووكل به سعدا مولاه، فهرب منه يزيد إلى ~~الشام، فسوغه معاوية المال، فكان ينال من علي، وبقي بالشام إلى أن اجتمع ~~الأمر لمعاوية فسار معه إلى العراق فولاه الري، فقيل: إنه شهد مع علي الجمل ~~وصفين والنهروان، ثم ولاه الري، وهو الصحيح، فكان ما تقدم ذكره. # PageV02P640 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين] # [ذكر تتمة أمر صفين] ### | 37 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ### | ذكر تتمة أمر صفين # في هذه السنة في المحرم جرت موادعة بين علي ومعاوية، توادعا على ترك ~~الحرب بينهما حتى ينقضي المحرم طمعا في الصلح، واختلف بينهما الرسل، فبعث ~~علي عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس الأرحبي، وشبث بن ربعي، وزياد بن خصفة. # فتكلم عدي بن حاتم فحمد الله وقال: أما بعد، فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر ~~يجمع الله به كلمتنا وأمتنا، ونحقن به الدماء، ونصلح ذات البين، إن ابن عمك ~~سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا، ms1072 وقد استجمع له الناس ~~ولم يبق أحد غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصبك وأصحابك مثل يوم ~~الجمل! فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا، لم تأت مصلحا! هيهات يا عدي! ~~كلا، والله إني لابن حرب لا يقعقع له بالشنان، وإنك والله من المجلبين على ~~عثمان، وإنك من قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به! فقال له شبث ~~وزياد بن خصفة جوابا واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا ~~الأمثال، دع ما لا ينفع وأجبنا فيما يعم نفعه. وقال يزيد بن قيس: إنا لم ~~نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك، ونؤدي عنك ما سمعنا منك، ولن ندع أن ~~ننصح لك، وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك، ويرجع إلى الألفة والجماعة، إن ~~صاحبنا من قد عرف المسلمون فضله ولا يخفى عليك، فاتق الله يا معاوية ولا ~~تخالفه، فإنا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في ~~الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. # فحمد الله معاوية ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، ~~فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم، فإنا لا ~~نراها، لأن صاحبكم # PageV02P641 # قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، ~~(فنحن لا نرد عليه ذلك فليدفع إلينا) قتلة عثمان لنقتلهم، ونحن نجيبكم إلى ~~الطاعة والجماعة. فقال شبث بن ربعي: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا؟ فقال: ~~وما يمنعني من ذلك؟ لو تمكنت (من ابن سمية) لقتلته بمولى عثمان. فقال شبث: ~~والذي لا إله غيره، لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل، وتضيق الأرض ~~الفضاء عليك! فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق! # وتفرق القوم عن معاوية، وبعث معاوية إلى زياد بن خصفة فخلا به، وقال له: ~~يا أخا ربيعة، إن عليا قطع أرحامنا، وقتل إمامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني ~~أسألك النصر عليه بعشيرتك، ثم لك عهد الله وميثاقه، أني أوليك إذا ظهرت أي ~~المصرين أحببت. فقال ms1073 زياد: أما بعد فإني على بينة من ربي، وما أنعم الله ~~علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين! وقام. فقال معاوية لعمرو بن العاص: ليس نكلم ~~رجلا منهم فيجيب إلى (خير، ما) قلوبهم إلا كقلب واحد. # وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن ~~يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه، فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، ~~فإن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله، وينيب إلى أمره، فاستثقلتم ~~حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إليه قتلة عثمان إن ~~زعمت أنك لم تقتله [نقتلهم به] ، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى ~~بينهم يولونه من أجمعوا عليه. فقال له علي: ما أنت لا أم لك والعزل وهذا ~~الأمر؟ اسكت [فإنك] لست هناك ولا بأهل له. فقال: والله لتريني بحيث تكره! ~~فقال له علي: وما أنت؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا، اذهب فصوب وصعد ~~ما بدا لك! وقال شرحبيل: ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي، فهل عندك جواب غير ~~هذا؟ فقال علي: ليس عندي جواب غيره. # ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بالحق ; فأنقذ به من الضلالة والهلكة، وجمع به من الفرقة، ~~ثم قبضه الله إليه، فاستخلف الناس # PageV02P642 # أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا، وقد وجدنا عليهما أن ~~توليا الأمور ونحن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما، ~~وولى الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني ~~الناس فقالوا لي: بايع، فأبيت، فقالوا: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، ~~وإنا نخاف إن لم تفعل أن يتفرق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين ~~بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في ~~الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه، ~~حتى دخلا في الإسلام كارهين، ولا عجب إلا من اختلافكم معه وانقيادكم ms1074 له، ~~وتتركون آل بيت نبيكم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم! ألا إني ~~أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإماتة الباطل، وإحياء الحق، ومعالم ~~الدين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين. فقالا: تشهد أن ~~عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما: لا أقول إنه قتل مظلوما ولا ظالما. قالا: فمن ~~لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن منه برآء. وانصرفا، فقال علي - عليه السلام -: ~~{إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] إلى قوله: {فهم مسلمون} [النمل: 81] . ثم ~~قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في الجد في ضلالهم أجد منكم في الجد في حقكم ~~وطاعة ربكم. # فتنازع عامر بن قيس الحذمري ثم الطائي، وعدي بن حاتم الطائي في الراية ~~بصفين، وكانت حذمر أكثر من بني عدي رهط حاتم، فقال عبد الله بن خليفة ~~البولاني عند علي: يا بني حذمر أعلى عدي تتوثبون، وهل فيكم وفي آبائكم مثل ~~عدي وأبيه؟ # PageV02P643 # أليس بحامي القرية ومانع الماء يوم روية؟ أليس ابن ذي المرباع، وابن جواد ~~العرب، وابن المنهب ماله، ومانع جاره، ومن لم يغدر ولم يفجر، ولم يبخل، ولم ~~يمنن ولم يجبن؟ هاتوا في آبائكم مثل أبيه، أوفيكم مثله، أليس أفضلكم في ~~الإسلام، ووافدكم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ أليس برأسكم يوم ~~النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء ويوم نهاوند ويوم تستر؟ ~~فقال علي: حسبك يا ابن خليفة. وقال علي: لتحضر جماعة طيء. فأتوه، فقال: من ~~كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالوا: عدي. فقال ابن خليفة: سلهم يا أمير ~~المؤمنين، أليسوا راضين برياسة عدي؟ ففعل، فقالوا: بلى. فقال علي: فعدي ~~أحقكم بالراية، وأخذها. فلما كان أيام حجر بن عدي طلب زياد عبد الله بن ~~خليفة ليبعثه مع حجر، فسار إلى الجبلين، ووعده عدي أن يرده وأن يسأل فيه، ~~فطال عليه ذلك، فقال شعرا، منه: # أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم ... عشية ما أغنت عديك حذمرا # فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا # فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثا بالأباءة مخدرا # نصرتك ms1075 إذ خام القريب وأبعد ال ... بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا # فكان جزائي أن أجرر بينكم ... سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا # وكم عدة لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا # PageV02P644 # وسترد قصته بتمامها - إن شاء الله تعالى -. # فلما انسلخ المحرم أمر علي مناديا فنادى: يا أهل الشام! يقول لكم أمير ~~المؤمنين: قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، فلم تنتهوا عن طغيانكم ~~ولم تجيبوا إلى الحق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب ~~الخائنين! # فاجتمع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، خرج معاوية وعمرو يكتبان الكتائب ~~ويعبيان الناس، وكذلك فعل أمير المؤمنين، وقال للناس: لا تقاتلوهم حتى ~~يقاتلوكم، فأنتم بحمد الله على حجة، وترككم قتالهم حجة أخرى، فإذا هزمتموهم ~~فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا ~~بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا، ولا ~~تأخذوا شيئا من أموالهم، ولا تهيجوا امرأة، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ~~وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس. وكان يقول بهذا المعنى لأصحابه في كل ~~موطن، وحرض أصحابه فقال: عباد الله، اتقوا الله وغضوا الأبصار، واخفضوا ~~الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمزاولة ~~والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة، {فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] ، {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 46] ، اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم ~~النصر، وأعظم لهم الأجر! # وأصبح علي فجعل على خيل الكوفة الأشتر، وعلى جند البصرة سهل بن حنيف، ~~وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة البصرة قيس بن سعد، وهاشم بن ~~عتبة المرقال معه الراية، وجعل مسعر بن فدكي على قراء الكوفة وأهل البصرة. ~~وبعث معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة ~~الفهري، # PageV02P645 # وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالة ~~دمشق مسلم بن عقبة المري، وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس، وبايع رجال من ~~أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم، وكانوا ms1076 خمسة صفوف، وخرجوا ~~أول يوم من صفر فاقتتلوا، وكان على الذين خرجوا من أهل الكوفة الأشتر، وعلى ~~من خرج من أهل الشام حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا يومهم قتالا شديدا معظم ~~النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض. ثم خرج في اليوم الثاني هاشم ~~بن عتبة في خيل ورجال، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي، فاقتتلوا ~~يومهم ذلك ثم انصرفوا، وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو ~~بن العاص، فاقتتلوا أشد قتال، وقال عمار: يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا ~~إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين؟ ~~فلما رأى الله يعز دينه، ويظهر رسوله أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~فيما نرى راهب غير راغب! ثم قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - فوالله إن ~~زال بعده معروفا بعداوة المسلم واتباع المجرم، فاثبتوا له وقاتلوه. # وقال عمار لزياد بن النضر، وهو على الخيل: احمل على أهل الشام. فحمل ~~وقاتله الناس وصبروا له، وحمل عمار فأزال عمرو بن العاص عن موضعه، وبارز ~~يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه، واسمه عمرو بن معاوية من بني المنتفق، فلما ~~التقيا تعارفا، فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس. وخرج من الغد ~~محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في ~~جمعين عظيمين، فاقتتلوا أشد القتال، وأرسل عبيد الله إلى ابن الحنفية يدعوه ~~إلى المبارزة، فخرج إليه، فحرك علي دابته ورد ابنه، وبرز علي إلى عبيد ~~الله، فرجع عبيد الله، وقال محمد لأبيه: لو تركتني لرجوت قتله. وقال: يا ~~أمير المؤمنين وكيف تبرز إلى هذا الفاسق؟ والله إني لأرغب بك عن # PageV02P646 # أبيه! فقال علي: يا بني لا تقل في أبيه إلا خيرا. وتراجع الناس. وخرج عبد ~~الله بن عباس في اليوم الخامس، وخرج إليه الوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فسب الوليد بني عبد المطلب، فطلبه ابن عباس ليبارزه فأبى، وقاتل ابن ~~عباس قتالا شديدا. وخرج في اليوم السادس ms1077 قيس بن سعد الأنصاري، وخرج إليه ~~ابن ذي الكلاع الحميري، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرفوا. ثم عاد يوم ~~الثلاثاء وخرج الأشتر، وخرج إليه حبيب، فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفوا عند ~~الظهر. # ثم إن عليا قال: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس عشية ~~الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي ~~لا يبرم ما نقض، وما أبرم لم ينقضه الناقضون، ولو شاء الله ما اختلف اثنان ~~من خلقه، ولا اختلفت الأمة في شيء، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ~~ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فنحن بمرأى من ربنا ومسمع، فلو شاء عجل ~~النقمة، وكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل ~~الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة دار القرار {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] ، ألا وإنكم لاقو القوم غدا، ~~فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله النصر والصبر، ~~والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين. فقام القوم يصلحون سلاحهم، فمر بهم ~~كعب بن جعيل فقال: # أصبحت الأمة في أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب # فقلت قولا صادقا غير كذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب # وعبى علي ليلته حتى الصباح (وزحف بالناس) ، وخرج إليه معاوية في أهل ~~الشام، فسأل علي عن القبائل من أهل الشام فعرف مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا ~~الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم، وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، ~~إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد، فيصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام، ~~ليس بالعراق منهم أحد، مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا القليل، صرفهم إلى ~~لخم. # PageV02P647 # فتناهض الناس يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفوا عند ~~المساء، وكل غير غالب، فلما كان يوم الخميس صلى علي بغلس، وخرج بالناس إلى ~~أهل الشام، فزحف إليهم وزحفوا معه، وكان على ميمنة علي عبد الله بن بديل بن ~~ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار، ~~وقيس بن سعد، وعبد ms1078 الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي في ~~القلب في أهل المدينة، بين الكوفة والبصرة، وأكثر من معه من أهل المدينة ~~الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة، وغيرهم من أهل المدينة، وزحف إليهم. ~~ورفع معاوية قبة عظيمة، فألقى عليها الثياب، وبايعه أكثر أهل الشام على ~~الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق. وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب ~~بن مسلمة، وهو في ميسرة معاوية، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطرهم إلى ~~قبة معاوية عند الظهر، وحرض عبد الله بن بديل أصحابه فقال: ألا إن معاوية ~~ادعى ما ليس له، ونازع الحق أهله، وعاند من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض ~~به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب الذين قد زين لهم الضلالة، وزرع في ~~قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجسا إلى رجسهم، فقاتلوا ~~الطغاة الجفاة ولا تخشوهم، {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} [التوبة: 14] . # وحرض علي أصحابه، فقال في كلام له: فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، ~~وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن ~~الهام، والتووا في الأطراف فإنه أصون للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط ~~للجأش، وأسكن للقلب، وأميتوا الأصوات، فإنه طرد للفشل، وأولى بالوقار، ~~راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، ~~واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل (عليكم) النصر. # PageV02P648 # وقام يزيد بن قيس الأرحبي يحرض الناس فقال: إن المسلم من سلم في دينه ~~ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله لا يقاتلونا على إقامة دين ضيعناه، وإحياء حق ~~أمتناه، إن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا، ليكونوا جبارين فيها ملوكا، فلو ~~ظهروا عليكم، لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا، ألزموكم بمثل سعيد والوليد ~~وابن عامر السفيه الضال، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده في جلسه، ثم ~~يقول: هذا لي ولا إثم علي، كأنما أعطي تراثه على أبيه وأمه، وإنما مال الله ~~أفاءه علينا بأرماحنا وسيوفنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، فإنهم إن ~~يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ms1079 ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم! والله ما ~~ازدادوا إلى يومهم إلا شرا! # وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة ~~معاوية. وأقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن ~~بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان ~~معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق ~~منهم (إلا ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القراء، قد أسند بعضهم إلى ~~بعض، وانجفل الناس، وأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه) من أهل ~~المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى أوقفتهم في ~~الميمنة، وكان فيما بين الميمنة إلى موقف علي في القلب أهل اليمن. فلما ~~انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي، فانصرف علي يمشي نحو الميسرة، فانكشفت عنه ~~مضر من الميسرة، وثبتت ربيعة. وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي معه حين ~~قصد الميسرة، والنبل يمر بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه # PageV02P649 # أحد إلا (يقيه بنفسه) فيرده، فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان، ~~فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي، فاختلفا بينهما ضربتان، فقتله أحمر، ~~فأخذ علي بجيب درع أحمر، فجذبه وحمله على عاتقه، ثم ضرب به الأرض فكسر ~~منكبيه وعضديه، ودنا منه أهل الشام، فما زاده قربهم إلا إسراعا، فقال له ~~ابنه الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء القوم من أصحابك؟ فقال: يا ~~بني إن لأبيك يوما لا يعدوه، ولا يبطئ به عنه السعي، ولا يعجل به إليه ~~المشي، إن أباك والله لا يبالي أوقع على الموت، أم وقع الموت عليه. فلما ~~وصل إلى ربيعة نادى بصوت عال كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ ~~قالوا: رايات ربيعة. قال: بل رايات عصم الله أهلها، فصبرهم وثبت أقدامهم. ~~وقال للحضين بن المنذر: يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا؟ قال: بلى والله، ~~وعشرة أذرع، فأدناها حتى قال: حسبك مكانك. ولما انتهى علي إلى ربيعة ms1080 تنادوا ~~بينهم: يا ربيعة إن أصيب فيكم أمير المؤمنين، وفيكم رجل حي افتضحتم في ~~العرب! فقاتلوا قتالا شديدا ما قاتلوا مثله، فلذلك قال علي: # لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما # ويقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما # أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا ... بأسيافنا حتى تولى وأحجما # جزى الله قوما صابروا في لقائهم ... لدى الموت قوما ما أعف وأكرما # وأطيب أخبارا وأكرم شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما # PageV02P650 # ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة ... وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما # ومر به الأشتر وهو يقصد الميسرة، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، ~~فقال له علي: يا مالك! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ائت هؤلاء القوم ~~فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟ ~~فمضى الأشتر، فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم ما قال علي، ثم قال: أيها ~~الناس أنا الأشتر، إلي! أخلصوا لي مذحجا، فأقبلت مذحج إليه، فقال لهم: ما ~~أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب ~~الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، ~~الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، وما تفعلون هذا اليوم فإنه ~~مأثور بعده، فانصحوا واصدقوا (عدوكم اللقاء) ، فإن الله مع الصادقين. والذي ~~نفسي بيده ما من هؤلاء وأشار إلى أهل الشام رجل على مثل جناح بعوضة من دين، ~~اجلوا سواد وجهي يرجع فيه دمه، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله [لو] قد ~~فضه تبعه من بجانبيه. قالوا: تجدنا حيث أحببت. فقصد نحو عظمهم مما يلي ~~الميمنة، يزحف إليهم ويردهم، واستقبله شباب من همدان، وكانوا ثمانمائة ~~مقاتل يومئذ، وكانوا صبروا في الميمنة، حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، ~~وقتل منهم أحد عشر رئيسا، كان أولهم ذؤيب بن شريح، ثم شرحبيل، ثم مرثد، ثم ~~هبيرة، ثم يريم، ثم سمير أولاد شريح، فقتلوا، ثم أخذ الراية عميرة ثم ~~الحارث ابنا # PageV02P651 # بشير فقتلا جميعا، ثم أخذ الراية سفيان، وعبد ms1081 الله وبكر بنو زيد فقتلوا ~~جميعا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب، فانصرف هو وقومه وهم يقولون: ليت لنا ~~عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نرجع فلا ننصرف، أو نقتل أو نظفر! ~~فسمعهم الأشتر يقولون هذا، فقال لهم: أنا أحالفكم أن لا نرجع أبدا حتى نظفر ~~أو نهلك. فوقفوا معه، وفي هذا قال كعب بن جعيل: # وهمدان زرق تبتغي من تحالف # وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه الناس، وتراجعوا، من أهل البصرة ~~وغيرهم فلم يقصد كتيبة إلا كشفها، ولا جمعا إلا حازه ورده، فإنه كذلك إذ مر ~~به زياد بن النضر الحارثي يحمل إلى العسكر وقد صرع، وسببه أنه قد كان ~~استلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد إليهم، ورفع رايته ~~لأهل الميمنة، فصبروا وقاتل حتى صرع. ثم مروا بيزيد بن قيس الأرحبي محمولا ~~نحو العسكر، وكان قد رفع رايته لأهل الميمنة لما صرع زياد وقاتل حتى صرع، ~~فقال الأشتر (حين رآه) : هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم، ألا يستحي ~~الرجل أن ينصرف ولا يقتل. (أو يشفى به على القتل) ؟ وقاتلهم الأشتر قتالا ~~شديدا، ولزمه الحارث بن جمهان الجعفي يقاتل معه، فما زال هو ومن رجع إليه ~~يقاتلون، حتى كشف أهل الشام، وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة ~~العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء نحو ~~المائتين أو الثلاثمائة، قد لصقوا بالأرض كأنهم جثا، فكشف عنهم أهل الشام، ~~فأبصروا إخوانهم فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حي صالح في الميسرة، ~~يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد لله! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم. # PageV02P652 # وقال عبد الله بن بديل [لأصحابه] : استقدموا بنا. فقال الأشتر: لا تفعل ~~واثبت مع الناس، فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك. فأبى ومضى كما هو نحو ~~معاوية، وحوله كأمثال الجبال وبيده سيفان، وخرج عبد الله أمام أصحابه يقتل ~~كل من دنا منه حتى قتل جماعة، ودنا من معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب، ~~وأحيط به ms1082 وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتى قتل، وقتل ناس من أصحابه، ورجعت ~~طائفة منهم مجرحين. فبعث الأشتر الحارث بن جمهان الجعفي، فحمل على أهل ~~الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله حتى نفسوا عنهم، وانتهوا ~~إلى الأشتر، وكان معاوية قد رأى ابن بديل وهو يضرب قدما، فقال: أترونه كبش ~~القوم؟ فلما قتل أرسل إليه لينظروا من هو، فلم يعرفه أهل الشام فجاء إليه، ~~فلما رآه عرفه فقال: هذا عبد الله بن بديل، والله لو استطاعت نساء خزاعة ~~لقاتلتنا فضلا عن رجالها! وتمثل بقول حاتم: # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يوما به الحرب شمرا # وزحف الأشتر بعك والأشعرين (وقال لمذحج: اكفونا عكا، ووقف في همدان وقال ~~لكندة: اكفونا الأشعرين) ، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى المساء، وقاتلهم ~~الأشتر في همدان، وطوائف من الناس، فأزال أهل الشام (عن مواضعهم) حتى ~~ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل عليهم حملة ~~أخرى، فصرع أربعة صفوف من المعقلين بالعمائم [حتى انتهوا إلى الخامس الذي ~~حوله معاوية] ، ودعا معاوية بفرسه فركب، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت ~~قول ابن الإطنابة الأنصاري، وكان جاهليا: # PageV02P653 # أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وإقدامي على البطل المشيح # وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # قال: فمنعني هذا القول من الفرار، ونظر إلي عمرو وقال: اليوم صبر وغدا ~~فخر. فقلت: صدقت. وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام، فقتله الشامي، ~~وقتل من رهطه عجل، وسعد ابنا عبد الله، وقتل أبو زينب بن عوف. وخرج عبد ~~الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر، فأصيب معه، ~~وتقدم عقبة بن # PageV02P654 # حديد النميري وهو يقول: ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما، وشجرها خضيدا، ~~وجديدها سملا، وحلوها مر المذاق، إني قد سئمت الدنيا، وعزفت نفسي عنها، ~~وإني أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل جيش وغارة، فأبى الله إلا أن يبلغني ~~هذا اليوم، وإني متعرض لها من ساعتي ms1083 هذه، وقد طمعت أن لا أحرمها، فما ~~تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟ في كلام طويل. وقال: يا إخوتي قد ~~بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها. فتبعه إخوته عبيد الله، ~~وعوف، ومالك، وقالوا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقاتلوا حتى قتلوا. وتقدم ~~(شمر) بن ذي الجوشن فبارز، فضرب أدهم بن محرز الباهلي بالسيف وجهه، وضربه ~~شمر فلم يضره، فعاد شمر [إلى رحله] فشرب ماء، وكان ظمآن، ثم أخذ الرمح ثم ~~حمل على أدهم فصرعه وقال: هذه بتلك. # وكانت راية بجيلة مع أبي شداد قيس بن هبيرة الأحمسي - وهو قيس بن مكشوح، ~~(ومكشوح لقب) - فقال لقومه: والله لأنتهين بكم إلى صاحب الترس المذهب، وكان ~~صاحبه عبد الرحمن بن خالد، فقاتل الناس قتالا شديدا، وشد بسيفه نحو صاحب ~~الترس، فعرض له مولى رومي لمعاوية، فضرب قدم أبي شداد فقطعها، وضربه أبو ~~شداد فقتله، وأشرعت إليه الرماح فقتل، وأخذ الراية عبد الله بن قلع ~~الأحمسي، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس، فلم تزل في يده حتى تحاجز ~~الناس. وقتل # PageV02P655 # حازم بن أبي حازم، أخو قيس بن أبي حازم يومئذ، وقتل أبوه أيضا، له صحبة، ~~ونعيم (بن صهيب بن العيلة) البجليون مع علي. # فلما رأى علي ميمنة أصحابه قد عادت إلى مواضعها ومواقفها، وكشفت من ~~بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم ~~فقال: إني قد رأيت جولتكم عن صفوفكم، يحوزكم الجفاة الطغام، وأعراب الشام، ~~وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة ~~الحق. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم، لوجب عليكم ما يجب ~~على المولي يوم الزحف [دبره] ، وكنتم الهالكين، ولكن هون وجدي، وشفى أحاح ~~نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما ~~أزالوكم، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم، فالآن، فاصبروا، فقد ~~نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله باليقين، ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، ~~وموبق نفسه، في كلام طويل. وكان بشر بن عصمة المري قد لحق بمعاوية، ms1084 فلما ~~اقتتل الناس بصفين نظر بشر إلى مالك بن العقدية الجشمي، وهو يفتك بأهل ~~الشام، فاغتاظ لذلك، فحمل على مالك (وتجاولا ساعة ثم طعنه بشر بن عصمة) ~~فصرعه، ولم يقتله، وانصرف عنه، وقد ندم على طعنته إياه، وكان جبارا، فقال: # وإني لأرجو من مليكي تجاوزا ... ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس # دلفت له تحت الغبار بطعنة ... على ساعة فيها الطعان تخالس # فبلغت مقالته ابن العقدية فقال: # PageV02P656 # ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني ... شغلت وألهاني الذين أمارس # وصادفت مني غرة وأصبتها ... كذلك والأبطال ماض وحابس # وحمل عبد الله بن الطفيل البكائي على أهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل ~~من بني تميم يقال له قيس بن مرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق، فوضع الرمح ~~بين كتفي عبد الله، واعترضه ابن عم لعبد الله اسمه يزيد بن معاوية، فوضع ~~الرمح بين كتفي التميمي، فقال له: والله لئن (طعنته لأطعنك! فقال له: عليك ~~عهد الله وميثاقه إن) رفعت الرمح عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! قال: نعم. ~~فرفع التميمي سنانه، ورفع يزيد سنانه، فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب يزيد ~~على ابن الطفيل، فقال [له] : # ألم ترني حاميت عنك مناصحا ... بصفين إذ خلاك كل حميم # ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى ... على سابح ذي ميعة وهزيم # وخرج رجل من آل عك من أهل الشام يسأل المبارزة، فبرز إليه قيس بن فهدان ~~الكندي، فحمل عليه [العكي] وتجاولا ساعة، ثم طعنه عبد الرحمن فقتله، وقال: # لقد علمت عك بصفين أننا ... إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا # PageV02P657 # ونحمل رايات الطعان بحقها # فنوردها بيضا ونصدرها حمرا # وخرج قيس بن يزيد، وهو ممن فر إلى معاوية، فخرج إليه أبو العمرطة بن ~~يزيد، فتعارفا فتواقفا، ثم انصرفا، وأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه. ~~وقاتلت طيء يومئذ قتالا شديدا، فعبيت لهم جموع، فأتاهم حمرة بن مالك ~~الهمداني، فقال: من القوم؟ فقال له عبد الله بن خليفة، وكان شيعيا شاعرا ~~خطيبا: نحن طيء السهل، وطيء الرمل، وطيء الجبل، الممنوع ذي النخل، ms1085 نحن طيء ~~الرماح، وطيء البطاح، فرسان الصباح. فقال حمرة بن مالك: إنك لحسن الثناء ~~على قومك. واقتتل الناس قتالا شديدا، فناداهم: يا معشر طيء، فدى لكم طارفي ~~وتالدي! قاتلوا على الدين والأحساب. وحمل بشر بن العسوس فقاتل، ففقئت عينه ~~يومئذ، فقال في ذلك: # ألا ليت عيني هذه مثل هذه ... ولم أمش في الأحياء إلا بقائد # ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها ... ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي # ويا ليتني لم أبق بعد مطرف ... وسعد وبعد المستنير بن خالد # فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم ... إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد # وقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا، فأصيب منهم حيان (وبكر ابنا هوذة، وشعيب ~~بن # PageV02P658 # نعيم، وربيعة بن مالك بن وهبيل) ، وأبي أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقطعت ~~رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحب أن رجلي أصح مما كانت، وإنها لمما أرجو ~~بها الثواب وحسن الجزاء من ربي. قال: ورأيت أخي في المنام فقلت له: ماذا ~~قدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم عند الله - تعالى -، فاحتججنا ~~فحججناهم، فما سررت بشيء سروري بتلك الرؤيا، (وكان يقال لأبي: أبي الصلاة، ~~لكثرة صلاته) . وخرجت حمير في جمعها، ومن انضم إليها من أهل الشام، ومقدمهم ~~ذو الكلاع، ومعه عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وهم ميمنة أهل الشام، فقصدوا ~~ربيعة من أهل العراق، وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس على ~~الميسرة، فحملوا على ربيعة حملة شديدة، فتضعضعت راية ربيعة. وكانت الراية ~~مع أبي ساسان حضين بن المنذر، فانصرف أهل الشام عنهم، ثم كر عبيد الله بن ~~عمر وقال: يا أهل الشام إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علي. ~~فشدوا على الناس شدة عظيمة، فثبتت ربيعة، وصبروا صبرا حسنا، إلا قليلا من ~~الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ، وقاتلوا قتالا ~~حسنا، وانهزم خالد بن المعمر مع من انهزم، وكان على ربيعة، فلما رأى أصحاب ~~الرايات قد صبروا رجع، وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرجوع فرجعوا، وكان خالد ~~قد سعى ms1086 به إلى علي أنه كاتب معاوية، فأحضره علي ومعه ربيعة، فسأله علي عما ~~قيل، وقال له: إن كنت فعلت ذلك فالحق بأي بلد شئت، لا يكون لمعاوية عليه ~~حكم. فأنكر ذلك. # وقالت ربيعة: يا أمير المؤمنين، لو نعلم أنه فعل ذلك لقتلناه، فاستوثق ~~منه علي بالعهود، فلما فر اتهمه بعض الناس، واعتذر هو بأني لما رأيت رجالا ~~منا قد انهزموا استقبلتهم لأردهم إليكم، فأقبلت بمن أطاعني إليكم. ولما رجع ~~إلى مقامه حرض ربيعة، فاشتد قتالهم مع حمير وعبيد الله بن عمر، حتى كثرت ~~بينهم القتلى، فقتل سمير بن الريان العجلي، وكان شديد البأس، وأتى زياد (بن ~~عمر) بن خصفة عبد القيس، # PageV02P659 # فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير، وقال: يا عبد القيس لا بكر بعد ~~اليوم، فأتت عبد القيس بني بكر، فقاتلوا معهم، فقتل ذو الكلاع الحميري ~~وعبيد الله بن عمر، قتله محرز بن الصحصح من تيم الله بن ثعلبة من أهل ~~البصرة، وأخذ سيفه ذو الوشاح، وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه منه، ~~وقيل: بل قتله هانئ بن خطاب الأرحبي، (وقيل: قتله مالك بن عمرو التنعي ~~الحضرمي) . # وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك ~~في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك ~~في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته. وإني ~~لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملا هو ~~أرضى لك منه لفعلته. والله إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه ~~المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمت أنا على ~~الحق، وأنهم على الباطل. ثم قال: من يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلى مال ~~ولا ولد؟ فأتاه عصابة، فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم ~~عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه، ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها، وعلموا ~~أن الحق إذا لزمهم حال ms1087 بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة ~~يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم وإن قالوا: إمامنا ~~قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، فبلغوا ما ترون، فلولا هذه ما ~~تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر ~~فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى ومعه تلك العصابة، ~~فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المرقال، وكان ~~صاحب راية علي، وكان أعور، فقال: يا هاشم أعورا # PageV02P660 # وجبنا؟ لا خير في أعور لا (يغشى البأس) ، اركب يا هاشم، فركب ومضى معه ~~وهو يقول: # أعور يبغي أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا # (لا بد أن يفل أو يفلا ... يتلهم بذي الكعوب تلا) # وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت تحت أطراف ~~الأسل، وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين. اليوم ألقى الأحبة، ~~محمدا وحزبه. وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له: يا عمرو بعت دينك ~~بمصر، تبا لك! فقال له: لا، ولكن أطلب بدم عثمان. قال: أنا أشهد على علمي ~~فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله، (وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا) ، ~~فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك، لقد قاتلت صاحب هذه الراية ~~ثلاثا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الرابعة ما هي بأبر ~~وأتقى. ثم قاتل عمار فلم يرجع وقتل. # PageV02P661 # وقال حبة بن جوين العرني: «قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا نخاف الفتن. ~~فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية، فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح ~~من لبن» " - وهو الممزوج بالماء من اللبن -. قال حبة: فشهدته يوم قتل وهو ~~يقول: ائتوني بآخر رزق لي في الدنيا، فأتي بضياح من لبن، في ms1088 قدح أروح له ~~حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال: # اليوم ألقى الأحبه محمدا وحزبه # والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمت أننا على الحق، وأنهم ~~على الباطل. ثم قتل، قتله أبو الغادية، واحتز رأسه ابن حوي السكسكي، (وقيل ~~قتله غيره) . # وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: «قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح ~~من لبن» ) ، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو؟ فيقول عمرو: ~~إنه سيرجع إلينا، فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية، وأصيب عمار بعده مع ~~علي، فقال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو ~~بقتل ذي الكلاع، والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار (لمال بعامة) أهل ~~الشام إلى علي. فأتى جماعة إلى معاوية كلهم يقول: أنا قتلت عمارا. فيقول ~~عمرو: فما سمعته يقول؟ فيخلطون، فأتاه ابن حوي فقال: أنا قتلته فسمعته ~~يقول: # اليوم ألقى الأحبه محمدا وحزبه. # فقال له عمرو: أنت صاحبه، ثم قال: رويدا، والله ما ظفرت يداك، ولقد أسخطت ~~ربك. # PageV02P662 # قيل: إن أبا الغادية قتل عمارا، وعاش إلى زمن الحجاج، ودخل عليه فأكرمه ~~الحجاج وقال له: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عمارا. قال: نعم. فقال: من سره أن ~~ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة، فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية، ثم ~~سأله أبو الغادية حاجته، فلم يجبه إليها، فقال: نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا ~~منها، ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة! [فقال الحجاج] : أجل والله، من ~~كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل جبل ورقان، ومجلسه مثل المدينة والربذة، إنه ~~لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا ~~كلهم النار. # وقال [أبو] عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل ~~بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا ~~إليهم، فإذا معاوية، وعمرو، وأبو الأعور، ms1089 وعبد الله بن عمرو، يتسايرون، ~~فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون، فقال عبد الله لأبيه: يا أبه، ~~قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~قال، قال: وما قال؟ قال: «ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فغشي عليه فأتاه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: " ويحك ~~يا ابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في ~~الأجر، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية» ". فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ~~ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما ~~قتله من جاء به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم. # فلما قتل عمار قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من ~~اثني عشر، وتقدمهم علي على بغلة، فحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل ~~الشام صف إلا انتفض، وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية، وعلي ~~يقول: # أقتلهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الحاويه # PageV02P663 # ثم نادى معاوية فقال: علام يقتل الناس بيننا؟ هلم أحاكمك إلى الله، فأينا ~~قتل صاحبه استقامت له الأمور. فقال له عمرو: أنصفت. فقال له معاوية: ما ~~أنصفت، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله. فقال له عمرو: ما يحسن بك ~~ترك مبارزته. فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي! وكان أصحاب علي قد وكلوا به ~~رجلين يحافظانه لئلا يقاتل، وكان يحمل إذا غفلا، فلا يرجع حتى يخضب سيفه، ~~وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى (انثنى سيفه، فألقاه إليهم وقال: لولا أنه ~~انثنى) ما رجعت إليكم ابن إسحاق فقال الأعمش لأبي عبد الرحمن: هذا والله ~~ضرب غير مرتاب. فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئا فأدوه ما كانوا ~~بكاذبين. # وأسر معاوية جماعة من أصحاب علي، فقال له عمرو: اقتلهم. فقال عمرو بن أوس ~~الأودي: لا تقتلني فإنك خالي. قال: ms1090 من أين أنا خالك ولم يكن بيننا وبين أود ~~مصاهرة؟ قال: إن أخبرتك فهو أماني عندك؟ قال: نعم. قال: أليست أختك أم ~~حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: بلى. قال: فإني ابنها وأنت ~~أخوها، فأنت خالي. فقال معاوية: ما له لله أبوه! أما كان في هؤلاء من يفطن ~~لها غيره؟ وخلى سبيله، وكان قد أسر علي أسارى كثيرة، فخلى سبيلهم، فجاءوا ~~معاوية وإن عمرا ليقول له، وقد أسر أيضا أسارى كثيرة: اقتلهم، فلما وصل ~~أصحابهم قال معاوية: يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأسارى لوقعنا في قبيح من ~~الأمر، وخلى سبيل من عنده. # وأما هاشم بن عتبة، فإنه دعا الناس عند المساء وقال: ألا من كان يريد ~~الله والدار الآخرة فإلي! فأقبل إليه ناس كثير، فحمل على أهل الشام مرارا، ~~ويصبرون له، وقاتل قتالا شديدا، وقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من ~~صبرهم، فوالله ما هو إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها، وإنهم لعلى ~~الضلال، وإنكم لعلى الحق. ثم حرض أصحابه وحمل في عصابة من القراء، فقاتل ~~قتالا شديدا، حتى رأوا بعض ما يسرون به، # PageV02P664 # فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم شاب وهو يقول: # أنا ابن أرباب الملوك غسان ... والدائن اليوم بدين عثمان # نبأنا قراؤنا بما كان ... أن عليا قتل ابن عفان # ثم يحمل، فلا يرجع حتى يضرب بسيفه، ويشتم ويلعن. فقال له هاشم: يا هذا، ~~إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله، فإنه ~~سائلك عن هذا الموقف، وما أردت به. قال: فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي ~~وأنتم لا تصلون، وإن صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم ساعدتموه على قتله. فقال له ~~هاشم: ما أنت وعثمان، قتله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبناء ~~أصحابه وقراء الناس، وهم أهل الدين والعلم، وما أهمل أمر هذا الدين طرفة ~~عين. وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي، فإنه أول من صلى، وأفقه خلق الله في ~~دين الله، وأولى بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأما كل من ms1091 ترى معي فكلهم ~~قارئ لكتاب الله، لا ينام الليل تهجدا، فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء. فقال ~~الفتى: فهل لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو عن السيئات. فرجع الفتى، فقال له أهل الشام: خدعك العراقي. ~~فقال: كلا، ولكن نصح لي. وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى رأوا الظفر، ~~فأقبلت عليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ، فقاتلهم هاشم وهو يقول: # أعور يبغي أهله محلا ... لا بد أن يفل أو يفلا # قد عالج الحياة حتى ملا ... يتلهم بذي الكعوب تلا # فقتل يومئذ تسعة أو عشرة، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه ~~فسقط، فأرسل إليه علي أن قدم لواءك. فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو ~~[قد] انشق. فقال الحجاج بن غزية الأنصاري: # فإن تفخروا بابن البديل وهاشم ... فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا # PageV02P665 # ونحن تركنا عند معترك القنا # أخاك عبيد الله لحما ملحبا ... ونحن أحطنا بالبعير وأهله # ونحن سقيناكم سماما مقشبا # ومر علي بكتيبة من أهل الشام، فرآهم لا يزولون، وهم غسان، فقال: إن هؤلاء ~~لا يزالون إلا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام تسقط منه المعاصم والأكف ~~وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد، أين أهل النصر والصبر طلاب الأجر؟ فأتاه ~~عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدا فقال له: تقدم نحو هذه الراية مشيا ~~رويدا على هينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري. ~~ففعل وأعد لهم علي مثلهم، وسيرهم إلى ابنه محمد، وأمره بقتالهم، فحملوا ~~عليهم فأزالوهم عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالا. ومر الأسود بن قيس المرادي ~~بعبد الله بن كعب المرادي وهو صريع، فقال عبد الله: يا أسود! قال: لبيك! ~~وعرفه وقال له: عز علي مصرعك، ثم نزل إليه وقال له: إن كان جارك ليأمن ~~بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمك الله. فقال: أوصيك ~~بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وأن تقاتل معه المحلين حتى تظهر أو ~~تلحق بالله، وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى ms1092 تجعلها خلف ~~ظهرك، فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي. ثم لم يلبث أن مات، ~~فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال: رحمه الله، جاهد عدونا في الحياة ونصح ~~لنا في الوفاة. # وقيل: إن الذي أشار على أمير المؤمنين علي بهذا عبد الرحمن بن الحنبل ~~الجمحي. قال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلى الصباح، وهي ليلة الهرير، ~~فتطاعنوا حتى تقصفت الرماح، وتراموا حتى نفد النبل وأخذوا السيوف، وعلي ~~يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كل كتيبة أن تقدم على التي تليها، ~~فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح، والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة، ~~وابن عباس في الميسرة، وعلي في القلب، والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك يوم ~~الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشية ~~الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، # PageV02P666 # ويقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح، ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ~~ذلك بهم قال: ازحفوا قيد هذه القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر ~~الناس الإقدام. فلما رأى الأشتر ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم ~~سائر اليوم! ثم دعا بفرسه فركبه، وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي، وخرج ~~يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر، [حتى] يظهر أو ~~يلحق بالله؟ فاجتمع إليه ناس كثير، فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره، فرجع ~~إلى المكان الذي كان فيه وقال لهم: شدوا شدة، فدى لكم خالي وعمي، ترضون بها ~~الرب وتعزون بها الدين! ثم نزل وضرب وجه دابته، وقال لصاحب رايته: اقدم ~~بها، وحمل على القوم وحملوا معه، فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، ~~ثم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، وقتل صاحب رايته. ولما رأى علي الظفر من ~~ناحيته أمده بالرجال. فقال عمرو بن العاص لوردان مولاه: أتدري ما مثلي ~~ومثلك ومثل الأشتر؟ قال: لا. قال: كالأشقر، إن تقدم عقر، وإن تأخر عقر، لئن ~~تأخرت لأضربن عنقك. قال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض ms1093 الموت، ~~(ضع يدك على عاتقي، ثم جعل يتقدم ويتقدم ويقول: لأوردنك حياض الموت) ، ~~واشتد القتال. # [رفع المصاحف والدعوة إلى الحكومة] # فلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف الهلاك، قال لمعاوية: هل ~~لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا، ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: ~~نعم. قال: نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى ~~بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، ~~وإن قبلوا ما فيها، رفعنا القتال عنا إلى أجل. # فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله - عز وجل - بيننا ~~وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها ~~الناس قالوا: نجيب # PageV02P667 # إلى كتاب الله. فقال لهم علي: عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم، وقتال ~~عدوكم، فإن معاوية وعمرا، وابن أبي معيط، وحبيبا، وابن أبي سرح والضحاك، ~~ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتم أطفالا، ثم رجالا، ~~فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة. ~~فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله! فقال لهم علي: ~~فإني إنما أقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ~~ونسوا عهده، ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين ~~الطائي، في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب إلى ~~كتاب الله - عز وجل - إذ دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم، أو نفعل ~~بك ما فعلنا بابن عفان! قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، ~~فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني، فاصنعوا ما بدا لكم. قالوا: ابعث إلى ~~الأشتر فليأتك. فبعث علي يزيد بن هانئ إلى الأشتر يستدعيه. فقال الأشتر: ~~ليست هذه الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني [فيها] عن موقفي، إنني قد ~~رجوت أن يفتح الله لي! فرجع يزيد فأخبره، وارتفعت الأصوات وارتفع الرهج من ~~ناحية الأشتر، فقالوا: والله ms1094 ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال علي: هل ~~رأيتموني ساررته؟ أليس كلمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه ~~فليأتك، وإلا والله اعتزلناك! فقال له: ويلك يا يزيد! قل له: أقبل إلي فإن ~~الفتنة قد وقعت. فأبلغه ذلك، فقال الأشتر: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم. قال: ~~والله لقد ظننت أنها ستوقع اختلافا وفرقة! إنها مشورة (ابن العاهر) ! ألا ~~ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ألا ترى ما صنع الله لنا؟ لن ينبغي أن ~~أدع هؤلاء! وانصرف عنهم. فقال له يزيد: أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم ~~إلى عدوه أو يقتل؟ قال: لا والله، سبحان الله! فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم ~~الأشتر وقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل والوهن! أحين علوتم القوم، وظنوا ~~أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وهم والله، قد تركوا ~~ما أمر الله به فيها، وسنة من أنزلت عليه؟ فأمهلوني (فواقا فإني) قد أحسست ~~بالفتح. قالوا: لا. قال: أمهلوني عدو الفرس، فإني قد طمعت في النصر. قالوا: ~~إذن ندخل معك في خطيئتك. قال: فخبروني عنكم متى كنتم # PageV02P668 # محقين؟ أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال، ~~مبطلون أم أنتم الآن محقون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم، وهم خير منكم، ~~في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله، وندع قتالهم لله! قال: ~~خدعتم فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود! (كنا ~~نظن) صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا ~~الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، ~~فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، ~~وضرب وجوه دوابهم بسوطه، فصاح به وبهم علي فكفوا. وقال الناس: قد قبلنا أن ~~نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما. # فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من ~~حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد. قال: ائته. فأتاه، فقال ~~لمعاوية: لأي شيء رفعتم ms1095 هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ~~به في كتابه، تبعثون رجلا ترضون به، ونبعث نحن رجلا نرضى به، نأخذ عليهما ~~أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقنا عليه. قال له ~~الأشعث: هذا الحق. فعاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رضينا وقبلنا. فقال ~~أهل الشام. قد رضينا عمرا. وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: ~~إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري. فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر فلا ~~تعصوني الآن، لا أرى أن أولي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن ~~فدكي: لا نرضى إلا به، فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه. قال علي: فإنه ليس ~~بثقة، قد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني، حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ~~ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد ~~إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء. قال علي: فإني أجعل الأشتر. قالوا: وهل ~~سعر الأرض غير الأشتر؟ فقال: قد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: ~~فاصنعوا ما أردتم. # PageV02P669 # فبعثوا إليه، وقد اعتزل القتال، وهو بعرض، فأتاه مولى له فقال: إن الناس ~~قد اصطلحوا. فقال: الحمد لله. قال: قد جعلوك حكما. قال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر عليا فقال: ألزني بعمرو ~~بن العاص، فوالله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. وجاء الأحنف بن قيس فقال: يا ~~أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الأرض، وإني قد عجمت أبا موسى، وحلبت ~~أشطره، فوجدته كليل الشفرة، قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل ~~يدنو منهم، حتى يصير في أكفهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت ~~أن تجعلني حكما، فاجعلني ثانيا أو ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها، ~~ولا يحل عقدة أعقدها لك، إلا عقدت أخرى أحكم منها. # فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب. فقال الأحنف: إن أبيتم إلا أبا ~~موسى فأدفئوا ms1096 ظهره بالرجال. # وحضر عمرو بن العاص عند علي ليكتب القضية بحضوره، فكتبوا: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين. فقال عمرو: [اكتب اسمه ~~واسم أبيه] ، هو أميركم وأما أميرنا فلا. فقال الأحنف: لا تمح اسم إمارة ~~المؤمنين فإني أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل ~~الناس بعضهم بعضا. فأبى ذلك علي مليا من النهار، ثم إن الأشعث بن قيس قال: ~~امح هذا الاسم، فمحي، فقال علي: الله أكبر! سنة بسنة. والله إني لكاتب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية فكتبت: محمد رسول الله، وقالوا: ~~لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بمحوه، فقلت: لا أستطيع. فقال: أرنيه، فأريته، فمحاه بيده ~~وقال: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب. فقال عمرو: سبحان الله! أنشبه بالكفار ~~ونحن مؤمنون! # PageV02P670 # فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا، وللمؤمنين عدوا؟ ~~فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا. فقال علي: ~~إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب: هذا ما تقاضى ~~عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن ~~معهم، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، إننا ننزل عند حكم الله ~~وكتابه، وأن لا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى ~~خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله، وهما ~~أبو موسى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، عملا به، وما لم يجداه في كتاب ~~الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن ~~الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما، والأمة ~~لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص ~~عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة لا يرداها في حرب ولا فرقة حتى ~~يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان، وإن ms1097 أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه، وإن مكان ~~قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام. # وشهد الأشعث بن قيس، وسعيد بن قيس الهمداني، ووقاء بن سمي البجلي، وعبد ~~الله بن محل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعبد الله بن الطفيل العامري، ~~وعقبة بن زياد الحضرمي، ويزيد بن حجية التميمي، ومالك بن كعب الهمداني، ~~(ومن أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وزمل بن عمرو ~~العذري، وحمرة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي، وسبيع بن ~~يزيد الأنصاري) ، وعتبة بن أبي سفيان، (ويزيد بن الحر العبسي) . # وقيل للأشتر ليكتب فيها، فقال: لا صحبتني يميني، ولا نفعتني بعدها شمالي، ~~إن خط لي في هذه الصحيفة [اسم على صلح ولا موادعة] ، أولست على بينة من ربي ~~من # PageV02P671 # ضلال عدوي، أولستم قد رأيتم الظفر؟ فقال له الأشعث: والله ما رأيت ظفرا، ~~هلم إلينا لا رغبة بك عنا. فقال: بلى والله، الرغبة في الدنيا للدنيا وفي ~~الآخرة للآخرة، لقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم، ولا ~~أحرم دما. قال: فكأنما قصع الله على أنف الأشعث الحمم. وخرج الأشعث بالكتاب ~~يقرؤه على الناس، حتى مر على طائفة من بني تميم، فيهم عروة بن أدية أخو أبي ~~بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله! ~~ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة، واندفعت الدابة، وصاح به ~~أصحاب الأشعث، فرجع، وغضب للأشعث قومه (وناس كثير من أهل اليمن) ، فمشى ~~إليه الأحنف بن قيس، ومسعر بن فدكي، وناس من تميم فاعتذروا، فقبل وشكر. # وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، ~~واتفقوا على أن يوافي أمير المؤمنين علي موضع الحكمين بدومة الجندل أو ~~بأذرح في شهر رمضان. وقيل لعلي: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة، ولا يرى ~~إلا قتال القوم. فقال علي: وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذا ~~أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت، وإذا رضيت ms1098 فلا يصلح الرجوع بعد الرضا، ولا ~~التبديل بعد الإقرار، إلا أن يعصى الله ويتعدى كتابه، فقاتلوا من ترك أمر ~~الله، وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه (فليس من أولئك) فلست ~~أخاف على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ~~ما أرى، إذا لخفت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم، وقد نهيتكم ~~فعصيتموني، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: # PageV02P672 # وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد # والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة، وأسقطت منة، وأورثت وهنا وذلة، ولما ~~كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل، ووجدوا ألم الجراح ~~رفعوا المصاحف، فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم، ويقطعوا الحرب، ويتربصوا ~~بكم المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا ~~وتجيروا، وايم الله ما أظنكم بعدها توفقون الرشد ولا تصيبون باب الحزم. # ثم رجع الناس عن صفين، فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت، كان ذلك أول ~~ما ظهرت (وأنكرت تحكيم الرجال) ، ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه، ~~أخذوا على طريق البر، وعادوا وهم أعداء متباغضون (وقد فشا فيهم التحكيم) ~~يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله ~~أدهنتم في أمر الله، ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا. # وساروا حتى جازوا النخيلة، ورأوا بيوت الكوفة، فإذا بشيخ في ظل بيت عليه ~~أثر المرض، فسلم عليه أمير المؤمنين، فرد ردا حسنا، فقال له علي: أرى وجهك ~~متغيرا، # PageV02P673 # أمن مرض؟ قال: نعم. قال: لعلك كرهته. قال: ما أحب أنه بغيري. فقال: أليس ~~(احتسابا للخير) فيما أصابك؟ قال: بلى قال: فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك، ~~من أنت يا عبد الله؟ قال: صالح بن سليم. قال: ممن أنت؟ قال: أما الأصل فمن ~~سلامان طيء، وأما الدعوة والجوار ففي سليم بن منصور. فقال: سبحان الله ما ~~أحسن اسمك واسم أبيك ومن اعتزيت إليه، واسم ادعائك! هل شهدت معنا غزاتنا ~~هذه؟ قال: لا والله، ولقد أردتها ms1099 ولكن ما ترى من أثر الحمى منعني عنها. ~~فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} [التوبة: 91] الآية، خبرني ما يقول ~~الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المسرور، وهم أغشاء الناس، ~~وفيهم المكبوت الآسف بما بينك وبينهم، وأولئك نصحاء الناس لك. قال: صدقت، ~~جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكن لا يدع ~~على العبد ذنبا إلا حطه، وإنما الأجر في القول باللسان والعمل باليد ~~والرجل، وإن الله - عز وجل - ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما من ~~عباده الجنة. ثم مضى غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري، فدنا منه ~~وسلم عليه وسايره، فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم ~~المعجب به ومنهم الكاره له. قال: فما قول ذوي الرأي؟ قال: يقولون إن عليا ~~كان له جمع عظيم ففرقه، وكان حصن حصين فهدمه، فمتى يبني ما هدم ويجمع ما ~~فرق؟ ولو كان مضى بمن أطاعه (إذ عصاه) من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ~~ذلك الحزم. قال علي: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرقت أم هم فرقوا؟ أما ~~قولهم: لو كان مضى بمن أطاعه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، فوالله ما خفي هذا ~~عني، وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا، طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام ~~على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين - ونظرت إلى ~~هذين قد استقدماني - يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي - فعلمت أن هذين ~~إن هلكا انقطع نسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأمة، وكرهت ~~ذلك، وأشفقت على هذين أن يهلكا، وايم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا ~~لألقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار. # PageV02P674 # ثم مضى، وإذا على يمينه قبور سبعة أو ثمانية، فقال علي: ما هذه؟ فقيل يا ~~أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك، وأوصى بأن يدفن في الظهر، ~~وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم، وكان أول من دفن ms1100 بظاهر الكوفة ~~ودفن الناس إلى جنبه، فقال علي: رحم الله خبابا، فلقد أسلم راغبا، وهاجر ~~طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن ~~عملا، ووقف عليها وقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال ~~المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سلف فارط، ~~ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون! اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك ~~عنا وعنهم! طوبى لمن ذكر (المعاد، وعمل للحساب، وقنع) بالكفاف، ورضي عن ~~الله - عز وجل -! ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين، فسمع البكاء فقال: ما هذه ~~الأصوات؟ فقيل: البكاء على قتلى صفين. فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم ~~صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين فسمع مثل ذلك، ثم مر بالشباميين ~~فسمع رجة شديدة فوقف، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال له علي: ~~أيغلبكم نساؤكم؟ ألا تنهونهن عن هذا الرنين؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو ~~كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ~~ومائة قتيل، فليس دار إلا وفيها البكاء، فأما نحن معشر الرجال، فإنا لا ~~نبكي، ولكنا نفرح بالشهادة. قال علي: رحم الله قتلاكم وموتاكم! فأقبل يمشي ~~معه وعلي راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مشي مثلك مع ~~مثلي فتنة للوالي، ومذلة للمؤمن. ثم مضى حتى مر بالناعطيين، وكان جلهم ~~عثمانية، فسمع بعضهم يقول: والله ما صنع علي شيئا، ذهب ثم انصرف في غير ~~شيء، فلما رأوه أبلسوا، فقال علي لأصحابه: وجوه قوم ما رأوا الشام. ثم قال ~~لأصحابه: [قوم] فارقناهم آنفا خير من هؤلاء. ثم قال: # أخوك الذي إن أجرضتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لبثك واجما # PageV02P675 # وليس أخوك بالذي إن تشعبت # عليك الأمور ظل يلحاك لائما # ثم مضى فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر. فلما دخل الكوفة لم يدخل ~~الخوارج معه، فأتوا حروراء فنزلوا بها. # [قتلى صفين] # وقتل أويس القرني بصفين. وقيل: بل مات بدمشق، (وقيل: بأرمينية، وقيل: ~~بسجستان) . وفيها قتل ms1101 جندب بن زهير الأزدي - وهو من الصحابة - مع علي. # PageV02P676 # وقتل بصفين أيضا حابس بن سعد الطائي مع معاوية - وهو خال يزيد بن عدي بن ~~حاتم - فقتل يزيد قاتله غدرا، فأراد عدي إسلامه إلى أولياء المقتول فهرب ~~إلى معاوية. وممن شهد صفين مع علي خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ولم يقاتل، ~~فلما قتل عمار بن ياسر جرد سيفه وقاتل حتى قتل، وقال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية» ، وقتل مع علي: سهيل بن ~~عمرو (بن # PageV02P677 # أبي عمر) الأنصاري - وهو بدري -. وممن شهد وقتل فيها مع علي من ~~المهاجرين: خالد بن الوليد، وله صحبة. # (شريح بن هانئ: بضم الشين، وآخره حاء مهملة. الهمداني: بفتح الهاء، وسكون ~~الميم، وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان - قبيلة كبيرة من اليمن -. حمرة ~~بن مالك: بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، وآخره راء. حضين بن المنذر: بضم ~~الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة. يريم: بفتح الياء تحتها نقطتان، وكسر ~~الراء، وسكون الياء الثانية، وآخره ميم. بديل بن ورقاء: بضم الباء الموحدة، ~~وفتح الدال المهملة. حازم بن أبي حازم: بالحاء المهملة. حبة بن جوين: بفتح ~~الحاء المهملة، والباء المشددة الموحدة. والعرني بضم العين المهملة، وفتح ~~الراء، وآخره نون) . # ذكر استعمال جعدة بن هبيرة على خراسان # وفي هذه السنة بعث علي جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان، بعد عوده من ~~صفين، فانتهى إلى نيسابور، وقد كفروا وامتنعوا، فرجع إلى علي، فبعث خليد بن ~~قرة اليربوعي، فحاصر أهلها حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو. # ذكر اعتزال الخوارج عليا ورجوعهم إليه # ولما رجع علي من صفين فارقه الخوارج، وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا ~~عشر ألفا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير ~~الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله - ~~عز وجل -، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فلما سمع علي ذلك وأصحابه ~~قامت الشيعة فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، ~~وأعداء من عاديت. فقالت الخوارج: استبقتم ms1102 أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي ~~رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليا على ~~أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى. فقال لهم زياد بن النضر: # PageV02P678 # والله ما بسط علي يده فبايعناه قط، إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم ~~لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا له: نحن أولياء من واليت، وأعداء من ~~عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل. # وبعث علي عبد الله بن عباس إلى الخوارج وقال: لا تعجل إلى جوابهم ~~وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، ~~فقال: ما نقمتم من الحكمين وقد قال تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما} [النساء: 35] ، فكيف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت ~~الخوارج: أما ما جعل الله حكمه إلى الناس، وأمرهم بالنظر فيه، فهو إليهم، ~~وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا (فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي ~~السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا) في هذا، قال ابن عباس: فإن الله ~~تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] . فقالوا: أو تجعل الحكم ~~في الصيد والحرث، وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: ~~أعدل عندك عمرو بن العاص، وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، ~~وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه، أن ~~يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم بينكم الموادعة، ~~وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب، مذ نزلت براءة إلا من أقر ~~بالجزية. # وبعث علي زياد بن النضر فقال: انظر بأي رؤوسهم [هم] أشد إطافة. فأخبره ~~بأنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس. # فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس، فدخله فصلى ~~فيه ركعتين، وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم، وهم يخاصمون ~~ابن عباس، فقال: ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقام من يفلج ~~فيه كان ms1103 أولى بالفلج يوم القيامة. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن ~~الكوا. قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين. قال: أنشدكم الله، ~~أتعلمون أنهم حيث # PageV02P679 # رفعوا المصاحف وقلتم نجيبهم، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم أنهم ليسوا ~~بأصحاب دين؟ وذكر ما كان قال لهم، ثم قال لهم: قد اشترطت على الحكمين أن ~~يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس ~~لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن عن حكمهما برآء. # قالوا: فخبرنا، أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا ~~الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ~~ينطق إنما يتكلم به الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل، لم جعلته بينكم؟ قال: ~~ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ~~ادخلوا مصركم - رحمكم الله -. فدخلوا من عند آخرهم. # قيل: والخوارج يزعمون أنهم قالوا له: صدقت، قد كنا كما ذكرت، وكان ذلك ~~كفرا منا، تبنا إلى الله، فتب كما تبنا نبايعك، وإلا فنحن مخالفون. فبايعنا ~~علي، وقال: ادخلوا، فلنمكث ستة أشهر حتى نجبي المال، ويسمن الكراع، ثم نخرج ~~إلى عدونا. وقد (كذب الخوارج فيما زعموا) . # ذكر اجتماع الحكمين # ولما جاء وقت اجتماع الحكمين، أرسل علي أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانئ ~~الحارثي، وأوصاه أن يقول لعمرو بن العاص: إن عليا يقول لك: إن أفضل الناس ~~عند الله - عز وجل - من كان العمل بالحق أحب إليه، وإن نقصه من الباطل وإن ~~زاده. يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل؟ إن أوتيت طمعا ~~يسيرا كنت لله به ولأوليائه عدوا، وكأن والله ما أوتيت قد زال عنك! ويحك ~~فلا تكن للخائنين خصيما، وللظالمين ظهيرا، أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه ~~نادم، وهو يوم وفاتك، تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة، ولم تأخذ على حكم ~~رشوة. # فلما بلغه تغير وجهه ثم قال: متى كنت أقبل مشورة علي، أو أنتهي إلى أمره، ~~أو # PageV02P680 # أعتد برأيه؟ فقال له: ms1104 وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد ~~المسلمين بعد نبيهم مشورته؟ فقد كان من هو خير منك أبو بكر، وعمر ~~يستشيرانه، ويعملان برأيه. فقال له: إن مثلي لا يكلم مثلك. قال شريح: بأي ~~أبويك ترغب عني يا ابن النابغة؟ أبأبيك الوسط أم بأمك النابغة؟ فقام عنه. # وأرسل علي أيضا معهم عبد الله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم، ومعهم أبو ~~موسى الأشعري. # وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا من ~~دومة الجندل بأذرح. وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدري بما جاء ~~فيه، ولا يسأله أهل الشام عن شيء، وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كتاب ~~يصله من علي، فإن كتمهم ظنوا به الظنون وقالوا: أتراه كتب بكذا وكذا؟ فقال ~~لهم ابن عباس: أما تعقلون؟ أما ترون رسول معاوية يجيء، لا يعلم أحد بما جاء ~~به، ولا يسمع لهم صياح، وأنتم عندي كل يوم تظنون في الظنون؟ # وحضر معهم ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وابن الزبير، وعبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن ~~حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة. # وكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال ~~له: إن أبا موسى وعمرا قد شهدهما نفر من قريش، فاحضر معهم فإنك صاحب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهته هذه ~~الأمة، وأنت أحق الناس بالخلافة. فلم يفعل، وقيل: بل حضرهم سعد، وندم على ~~حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس. # وقال المغيرة بن شعبة لرجال من قريش: أترون أحدا يستطيع أن يأتي برأي ~~يعلم # PageV02P681 # به، أيجتمع الحكمان أم لا؟ فقالوا: لا. فقال: إني أعلمه منهما. فدخل على ~~عمرو بن العاص فقال: كيف ترانا معشر من اعتزل الحرب؟ فإنا قد شككنا في ~~الأمر الذي استبان لكم فيها. فقال له عمرو: أراكم خلف الأبرار، أمام ~~الفجار. فانصرف المغيرة إلى أبي موسى، ms1105 فقال له مثل قوله لعمرو. فقال له أبو ~~موسى: أراكم أثبت الناس رأيا، فيكم بقية الناس. فعاد المغيرة إلى أصحابه ~~وقال لهم: لا يجتمع هذان على أمر واحد. # فلما اجتمع الحكمان قال عمرو: يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل ~~مظلوما؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: ~~بلى. قال: فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول ~~الناس: ليست له سابقة، فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، ~~الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكاتبه، وقد صحبه، وعرض له بسلطان. # فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله! فأما ما ذكرت من شرف معاوية، فإن هذا ~~ليس على الشرف تولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح، ~~إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي ~~بن أبي طالب، وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن ~~لأوليه وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج ~~معاوية لي من سلطانه كله لما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله! ولكنك إن ~~شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب - رحمه الله -. # قال له عمرو: فما يمنعك من ابني، وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال: إن ابنك ~~رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح ~~إلا لرجل يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمر غفلة، فقال له ابن الزبير: افطن، ~~فانتبه! فقال: والله لا أرشو عليها شيئا أبدا. وقال: يا ابن العاص، إن ~~العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة. # وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب # PageV02P682 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسن مني فتكلم، وتعود ذلك أبو موسى، ~~وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي، فلما أراده عمرو ms1106 على ابنه وعلى ~~معاوية فأبى، وأراد أبو موسى ابن عمر فأبى عمرو، قال له عمرو: خبرني ما ~~رأيك؟ قال: أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى، فيختار المسلمون ~~لأنفسهم من أحبوا. فقال عمرو: الرأي ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم ~~مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق. فتكلم أبو موسى ~~فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال ~~عمرو: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى فتكلم. فتقدم أبو موسى، فقال له ابن عباس: ~~ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم به ~~قبلك، ثم تكلم به بعده، فإنه رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا ~~بينكما، فإذا قمت في الناس خالفك. # وكان أبو موسى مغفلا فقال: إنا قد اتفقنا، وقال: أيها الناس، إنا قد ~~نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع ~~رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ومعاوية، ويولي الناس أمرهم من ~~أحبوا، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولوا عليكم من ~~رأيتموه أهلا. ثم تنحى. # وأقبل عمرو فقام وقال: إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه، وأنا أخلع ~~صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي ابن عفان، والطالب بدمه، ~~وأحق الناس بمقامه. # فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده! فقال أبو موسى: فما ~~أصنع؟ وافقني على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى، ~~الذنب لمن قدمك في هذا المقام. قال: غدر فما أصنع؟ فقال ابن عمر: انظروا ~~إلى ما صار أمر هذه الأمة! صار إلى رجل ما يبالي ما صنع وإلى آخر ضعيف. # وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعري قبل هذا (اليوم) لكان خيرا ~~له. # وقال أبو موسى الأشعري لعمرو: لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك {كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث ms1107 أو تتركه يلهث} [الأعراف: 176] قال عمرو: إنما ~~مثلك {كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] . فحمل شريح بن هانئ على عمرو ~~فضربه بالسوط وحمل (ابن # PageV02P683 # لعمرو) على شريح فضربه بالسوط أيضا، وحجز الناس بينهم، وكان شريح يقول ~~بعد ذلك: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط، ولم أضربه بالسيف. # والتمس أهل الشام أبا موسى، فهرب إلى مكة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى ~~معاوية، فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي، وكان علي إذا ~~صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا وعبد ~~الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب ~~عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر. # وقد قيل: إن معاوية حضر الحكمين، وإنه قام عشية في الناس فقال: أما بعد ~~من كان متكلما في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. قال (ابن عمر: فاطلعت حبوتي) ~~، فأردت أن أقول: يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول ~~كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم، وكان ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ~~ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم ~~حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت. فقال حبيب: وفقت وعصمت، ~~وهذا أصح (لأنه ورد في الصحيح) . # ذكر خبر الخوارج عند توجيه الحكمين وخبر يوم النهر # لما أراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن ~~البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا له: لا حكم إلا لله! (فقال ~~علي: لا # PageV02P684 # حكم إلا لله) . وقال حرقوص بن زهير: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج ~~بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك ~~فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا، وشرطنا شروطا، وأعطينا عليها ~~عهودا، وقد قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] . ~~فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه. فقال علي: ما هو ذنب ولكنه عجز ms1108 عن ~~الرأي، وقد نهيتكم. فقال زرعة: يا علي (لئن لم تدع تحكيم) الرجال لأقاتلنك، ~~اطلب وجه الله - تعالى -. فقال علي: بؤسا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي ~~عليك الرياح! قال: وددت لو كان ذلك. فخرجا من عنده يحكمان. # وخطب علي ذات يوم، فحكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر، ~~كلمة حق أريد بها باطل! إن سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا ~~علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ~~ولا مستغنى عنه! اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء ~~الدنية في الدين، إدهان في أمر الله، وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي ~~أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ~~ثم لتعلم أينا أولى بها صليا. ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة، فأصيبوا مع ~~الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم (بعد ذلك) بالنخيلة. # ثم خطب علي يوما آخر، فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله! ثم توالى عدة رجال ~~يحكمون. فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل! أما إن لكم عندنا ~~ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم ~~الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا، إنما فيكم أمر ~~الله. ثم رجع إلى مكانه من الخطبة. # ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا، واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب ~~الراسبي، فخطبهم، فزهدهم في الدنيا، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ثم قال: # PageV02P685 # اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض ~~هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة. فقال له حرقوص بن زهير: إن المتاع ~~بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى ~~المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، ف {إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] . فقال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم ~~إن الرأي ما رأيتم، فولوا ms1109 أمركم رجلا منكم، فإنكم لا بد لكم من عماد وسناد ~~وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، ~~وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان، وشريح بن أوفى العبسي ~~فأبيا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها ~~رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرقا من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال. ~~(وكان يقال له ذو الثفنات) . # ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى ~~بلدة نجتمع فيها لإنقاذ حكم الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى ~~المدائن فننزلها، ونأخذها بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا ~~من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين ~~اتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن ~~سيروا حتى ننزل جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا ~~الرأي. # وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم، يعلمونهم ما اجتمعوا عليه، ~~ويحثونهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوه أنهم على اللحاق به. # فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم، وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ~~وساروا # PageV02P686 # يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: {فخرج ~~منها خائفا يترقب} [القصص: 21] إلى {سواء السبيل} [القصص: 22] . وخرج معهم ~~طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، فاتبعه أبوه، فلم يقدر عليه، فانتهى إلى ~~المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين ~~فارسا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النبهاني، وبشر بن زيد ~~البولاني، وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم، ~~وأخذ أبواب المدائن، وخرج في الخيل، واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي ~~عبيد، وسار في طلبهم. فأخبر عبد الله بن وهب خبره، فرابأ طريقه وسار على ~~بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف ~~إليهم عبد الله في ثلاثين ms1110 فارسا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم. # وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر؟ خلهم ~~فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين فإن أمرك باتباعهم اتبعهم، وإن كفاكهم ~~غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم. فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله ~~بن وهب، فعبر دجلة إلى أرض جوخى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد ~~أيسوا منه، وقالوا: إن كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين، أو حرقوص بن زهير. # وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم ~~كرها، منهم: القعقاع بن قيس الطائي - عم الطرماح بن حكيم -، وعبد الله بن ~~حكيم بن عبد الرحمن البكائي، وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسي يريد ~~الخروج، فأحضره عنده ونهاه فانتهى. # ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن ~~أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي، وكان شهد معه الجمل وصفين، ~~ومعه راية خثعم، فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر. قال له علي: ويلك! لو أن ~~أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكونا على شيء من الحق. فبايعه. فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك ~~وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل ~~يوم النهر مع خوارج البصرة. # وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن # PageV02P687 # فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي، فلحقهم ~~بالجسر الأكبر، فتوافقوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وأقبل ~~يعترض الناس، وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله ~~بن وهب بالنهر. # فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى على مكة ورد علي ابن عباس إلى البصرة، ~~قام في الكوفة فخطبهم ms1111 فقال: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ~~والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. أما بعد ~~فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي ~~هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي (لو كان لقصير أمر) ، ولكن أبيتم إلا ما ~~أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # إلا أن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ~~ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من ~~الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم ~~يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى ~~الشام، وأصبحوا في معسكرهم - إن شاء الله - يوم الاثنين. # ثم نزل، وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله ~~علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين، وعبد الله بن وهب، ومن معهما من ~~الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب ~~الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا القرآن ~~حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا ~~إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن # PageV02P688 # على الأمر الأول الذي كنا عليه. # فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على ~~نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نبذناك ~~على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. # فلما قرأ كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يلقى أهل ~~الشام فيناجزهم، فقام في أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما ~~بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره، كان على شفا هلكة، إلا أن ~~يتداركه الله بنعمته، فاتقوا الله، وقاتلوا من حاد الله ورسوله، وحاول أن ~~يطفئ نور الله، فقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء ~~القرآن، ولا فقهاء في ms1112 الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في ~~سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا ~~للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ~~ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا - إن شاء الله -، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد ~~أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخصإلى الناس حتى يأتيك ~~رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام عليك. # فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس، وندبهم مع الأحنف بن قيس، فشخص ألف ~~وخمسمائة، فخطبهم وقال: يا أهل البصرة أتاني كتاب أمير المؤمنين، فأمرتكم ~~بالنفير إليه، فلم يشخصمنكم إليه إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستون ألف مقاتل ~~سوى أبنائكم وعبيدكم! ألا انفروا إليه مع جارية بن قدامة السعدي، ولا يجعلن ~~رجل على نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن دعوته، عاصيا ~~لإمامه، فلا يلومن رجل إلا نفسه. # PageV02P689 # فخرج جارية، فاجتمع إليه ألف وسبعمائة، فوافوا عليا وهم ثلاثة آلاف ~~ومائتان، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع ووجوه الناس، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ~~وأصحابي إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد ~~استنفرت أهل البصرة فأتاني منهم ثلاثة آلاف ومائتان، فليكتب لي رئيس كل ~~قبيلة ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال ~~وعبدان عشيرته ومواليهم، ويرفع ذلك إلينا. # فقام إليه سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة، أنا ~~أول الناس أجاب ما طلبت. وقام معقل بن قيس، وعدي بن حاتم، وزياد بن خصفة، ~~وحجر بن عدي، وأشراف الناس والقبائل، فقالوا مثل ذلك، وكتبوا إليه ما طلب، ~~وأمروا أبناءهم وعبيدهم أن يخرجوا معهم، ولا يتخلف منهم متخلف، فرفعوا إليه ~~أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من ~~مواليهم وعبيدهم، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا ms1113 سوى أهل البصرة، ~~وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل. # وكتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة. # وبلغ عليا أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية، فإذا ~~فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المحلين! فقال لهم: بلغني أنكم قلتم كيت وكيت! ~~وإن غير هؤلاء الخارجين أهم إلينا! فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم، ~~كيما يكونوا جبارين ملوكا، ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه الناس: أن سر ~~بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا ~~أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاداك، ونشايع من أناب إلى طاعتك ~~من كانوا وأينما كانوا، فإنك - إن شاء الله - لن تؤتى من قلة عدد وضعف نية ~~أتباع. # ذكر قتال الخوارج # قيل: لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم ~~رجلا # PageV02P690 # يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه، فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: ~~أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: ~~أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك حديثا سمعه من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تنفعنا به. فقال: حدثني أبي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت ~~فيها بدنه، يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا» ". ~~قالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. ~~قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقا في ~~أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم ~~بالله منكم، وأشد توقيا على دينه، وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى، ~~وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها ~~أحدا. # فأخذوه وكتفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى (متم) ، حتى نزلوا تحت ~~نخل مواقير، فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه، فقال آخر: أخذتها ms1114 ~~بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها. ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة، فضربه أحدهم ~~بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض. فلقي صاحب الخنزير فأرضاه، فلما رأى ذلك ~~منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، فما علي منكم من بأس، إني ~~مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد آمنتموني قلتم: لا روع عليك. فأضجعوه ~~فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة، ألا ~~تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا # PageV02P691 # ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية. # فلما بلغ عليا قتلهم عبد الله بن خباب، واعتراضهم الناس، بعث إليهم ~~الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم، وينظر ما بلغه عنهم، ويكتب به إليه ولا ~~يكتمه. فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه، وأتى عليا الخبر والناس معه، فقالوا: ~~يا أمير المؤمنين، علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر ~~بنا إلى القوم، فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام. # وقام إليه الأشعث بن قيس، وكلمه بمثل ذلك، وكان الناس يرون أن الأشعث يرى ~~رأيهم ; لأنه كان يقول يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله. فلما قال ~~هذه المقالة علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. # فأجمع علي على ذلك، وخرج فعبر الجسر وسار إليهم، فلقيه منجم في مسيره، ~~فأشار عليه أن يسير وقتا من النهار، فقال له: إن أنت سرت في غيره لقيت أنت ~~وأصحابك ضرا شديدا. فخالفه علي، وسار في الوقت الذي نهاه عنه، فلما فرغ من ~~أهل النهر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمر بها ~~المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون شيئا: سار في الساعة التي أمر بها ~~المنجم فظفر. وكان المنجم مسافر بن عفيف الأزدي. # فأرسل علي إلى أهل النهر: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم، ~~ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب، فلعل الله يقبل بقلوبكم ~~ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا مستحل ~~لدمائكم ودمائهم. وخرج إليهم قيس ms1115 بن سعد بن عبادة، فقال لهم: عباد الله، ~~أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا ~~بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا ~~بالشرك، وتسفكون دماء المسلمين! فقال لهم عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق ~~قد أضاء لنا، فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما نعلمه [فينا] ~~غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن # PageV02P692 # تهلكوها، فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم. # وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال: عباد الله، إنا وإياكم على الحال الأولى ~~التي كنا عليها، أليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو ~~تابعناكم اليوم حكمتم غدا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام ~~مخافة ما يأتي في القابل. # وأتاهم علي فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة! ~~وصدها عن الحق الهوى، وطمع بها النزق، وأصبحت في الخطب العظيم! إني نذير ~~لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا الوادي وبأهضام هذا الغائط ~~بغير بينة من ربكم ولا برهان مبين، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ~~ونبأتكم أنها مكيدة، وأن القوم ليسوا بأصحاب دين، فعصيتموني، فلما فعلت ~~شرطت واستوثقت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات ~~القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما، ونحن على الأمر ~~الأول؟ فمن أين أتيتم؟ فقالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا، أثمنا، وكنا بذلك ~~كافرين وقد تبنا، فإن تبت فنحن معك ومنك، وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. ~~فقال علي: أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر، أبعد إيماني برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر! ~~لقد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم. # وقيل: إنه كان من كلامه لهم: يا هؤلاء، إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي لهذه ~~الحكومة التي أنتم بدأتموها وسألتموها، وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم ~~إنما طلبوها مكيدة ودهنا فأبيتم علي إباء المخالفين، ms1116 وعندتم عنود النكداء ~~العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، (رأي معاشر والله، أخفاء الهام، سفهاء ~~الأحلام، فلم آت) ، لا أبا # PageV02P693 # لكم، هجرا! والله ما ختلتهم عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر ~~عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ولا (دنيت لكم الضراء) ، وإن كان أمرنا لأمر ~~المسلمين ظاهرا، فأجمع رأي ملأكم [على] أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن ~~يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها، فتركا الحق وهما يبصرانه، وكان ~~الجور هواهما، والثقة في أيدينا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف، ~~فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا، وتضعون أسيافكم على ~~عواتقكم، ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم؟ إن هذا لهو الخسران المبين، ~~والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها! فكيف بالنفس التي قتلها ~~عند الله حرام؟ # فتنادوا: لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيأوا للقاء الله، (الرواح الرواح ~~إلى الجنة! فعاد علي عنهم) . # ثم إن الخوارج قصدوا جسر النهر، وكانوا غربه، فقال لعلي أصحابه: إنهم قد ~~عبروا النهر. فقال: لن يعبروا. فأرسلوا طليعة، فعاد وأخبرهم أنهم عبروا ~~النهر، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم، ~~فعاد فقال: إنهم قد عبروا النهر. فقال علي: والله ما عبروه، وإن مصارعهم ~~لدون الجسر، ووالله لا يقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم عشرة! وتقدم علي ~~إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه، وكان الناس قد شكوا في قوله، وارتاب به ~~بعضهم، فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا عليا بحالهم، فقال: ~~والله ما كذبت ولا كذبت! ثم إنه عبأ أصحابه، فجعل على ميمنته حجر بن عدي، ~~وعلى ميسرته شبث بن ربعي، أو معقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب ~~الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وهم ~~سبعمائة أو ثمانمائة - قيس بن سعد بن عبادة، وعبأت الخوارج فجعلوا على ~~ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم ~~حمزة بن سنان الأسدي، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي. # وأعطى علي أبا ms1117 أيوب الأنصاري راية الأمان، فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء # PageV02P694 # تحت هذه الراية فهو آمن، ومن لم يقتل ولم يستعرض، ومن انصرف منكم إلى ~~الكوفة أو المدائن، وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب ~~قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم. # فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا، أرى أن ~~أنصرف حتى يتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه. فانصرف في خمسمائة فارس حتى ~~نزل البندنيجين والدسكرة. وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فنزلوا الكوفة، وخرج ~~إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة آلاف، فبقي مع عبد الله بن وهب ألف ~~وثمانمائة، (فزحفوا إلى علي) ، وكان علي قد قال لأصحابه: كفوا عنهم حتى ~~يبدأوكم. فتنادوا: الرواح إلى الجنة! وحملوا على الناس، فافترقت خيل علي ~~فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة، واستقبلت الرماة وجوههم ~~بالنبل، عطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح ~~والسيوف، فما لبثوا أن أناموهم. فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه: ~~أن انزلوا! فذهبوا لينزلوا، فلم يلبثوا أن حمل عليهم الأسود بن قيس ~~المرادي، وجاءتهم الخيل من نحو علي، فأهلكوا في ساعة، فكأنما قيل لهم موتوا ~~فماتوا. # وجاء أبو أيوب الأنصاري إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين ~~الطائي، طعنته في صدره [حتى] خرج السنان من ظهره، وقلت له: أبشر يا عدو ~~الله بالنار. فقال: ستعلم غدا أينا أولى بها صليا. فقال له علي: هو أولى ~~بها صليا. وجاءه هانئ بن خطاب الأزدي، وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد ~~الله بن وهب، فقال: كيف صنعتما؟ قالا: لما رأيناه عرفناه، فابتدرناه وطعناه ~~برمحينا. فقال: كلاكما قاتل. # وحمل جيش بن ربيعة الكناني على حرقوص بن زهير فقتله، وحمل عبد الله بن ~~زحر الخولاني على عبد الله بن شجرة السلمي فقتله، ووقع شريح بن أوفى إلى ~~جانب جدار، فقاتل عليه، وكان (جل من يقاتله همدان، فقال) : # PageV02P695 # قد علمت جارية عبسيه ... ناعمة في أهلها مكفيه # أني ms1118 سأحمي ثلمتي العشيه # فحمل عليه قيس أيضا فقتله، فقال الناس: # القرم يحمي شوله معقولا # فحمل عليه قيس أيضا فقتله، فقال الناس: # اقتتلت همدان يوما ورجل ... اقتتلوا من غدوة حتى الأصل # ففتح الله لهمدان الرجل # ذكر مقتل ذي الثدية # قد روى جماعة أن عليا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج، أن قوما يخرجون ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد، سمعوا ~~ذلك منه مرارا، فلما خرج أهل النهروان، سار بهم إليهم علي، وكان منه معهم ~~ما كان، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه، فقال بعضهم: ما ~~نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: والله إنه لفيهم، والله ما ~~كذبت ولا كذبت! ثم إنه جاءه رجل فبشره (فقال: يا أمير المؤمنين) قد وجدناه. ~~وقيل: بل خرج علي في طلبه قبل أن يبشره الرجل، ومعه سليم بن ثمامة الحنفي، ~~والريان بن صبرة، فوجده في حفرة على شاطئ النهر، في خمسين قتيلا، فلما ~~استخرجه نظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع # PageV02P696 # كثدي المرأة، وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده ~~الطولى، ثم تترك فتعود إلى منكبيه. فلما رآه قال: الله أكبر ما كذبت ولا ~~كذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم، عارفا للحق الذي نحن عليه. # وقال حين مر بهم وهم صرعى: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم! قالوا: يا أمير ~~المؤمنين من غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس أمارة بالسوء، غرتهم بالأماني، وزينت ~~لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون. # قيل: وأخذ ما في عسكرهم من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهر عليه فقسمه ~~بين المسلمين، وأما المتاع والإماء والعبيد، فإنه رده على أهله حين قدم. # وطاف عدي بن حاتم في القتلى على ابنه طرفة فدفنه، ودفن رجال من المسلمين ~~قتلاهم. (فقال علي حين بلغه: أتقتلونهم ثم تدفنونهم؟ ارتحلوا! فارتحل ~~الناس) . # فلم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة. وقيل: كانت الوقعة ms1119 سنة ثمان وثلاثين. ~~وكان فيمن قتل من أصحابه: يزيد بن نويرة الأنصاري، وله صحبة وسابقة، وشهد ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، وكان أول من قتل. # ذكر رجوع علي إلى الكوفة # ولما فرغ علي من أهل النهر حمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله قد أحسن ~~بكم وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين ~~نفدت نبالنا، # PageV02P697 # وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا (وعاد أكثرها قصدا) ، فارجع إلى مصرنا ~~فلنستعد، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا، فإنه أقوى لنا على عدونا. وكان ~~الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن ~~يلزموا عسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ~~ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم. فأقاموا فيهم أياما ثم تسللوا من معسكرهم ~~فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس، وترك المعسكر خاليا، فلما رأى ذلك دخل ~~الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير وقال لهم أيضا: أيها الناس استعدوا ~~للمسير إلى عدوكم ومن في جهاده القربة إلى الله - عز وجل - ودرك الوسيلة ~~عنده، حيارى من الحق جفاة عن الكتاب، يعمهون في طغيانهم، فأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن ورباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا، وكفى ~~بالله نصيرا. فلم ينفروا ولا تيسروا. فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن ~~يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يبطئ بهم، فمنهم ~~المعتل ومنهم المتكره، (وأقلهم من نشط) . # فقام فيهم فقال: عباد الله، ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا {اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: 38] وبالذل والهوان من ~~العز خلفا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من الموت في سكرة، ~~وكأن قلوبكم مألوسة وأنتم لا تعقلون، فكأن أبصاركم كمه وأنتم لا تبصرون! ~~لله أنتم! ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى ~~البأس. ما أنتم (لي بثقة سجيس الليالي. ما أنتم) بركب يصال به. لعمر الله ~~لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون ولا ms1120 تكيدون، وتتنقص أطرافكم وأنتم لا ~~تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. ثم قال: أما بعد، فإن لي ~~عليكم حقا، وإن لكم علي حقا، فأما حقكم علي # PageV02P698 # فالنصيحة (لكم ما صحبتكم) ، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، ~~(وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المغيب ~~والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا ~~تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، فتنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما ~~تأملون) . # ذكر عدة حوادث # قيل: وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن عباس، وكان عامل علي على اليمن، ~~وكان على مكة، والطائف: قثم بن العباس، وكان على المدينة سهل بن حنيف. وقيل ~~تمام بن العباس، وكان على البصرة عبد الله بن عباس. وعلى مصر محمد بن أبي ~~بكر. ولما سار علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري. وكان ~~على خراسان خليد بن قرة اليربوعي. وكان بالشام معاوية بن أبي سفيان. # [قتلى صفين] # وفيها قتل حازم بن أبي حازم أخو قيس الأحمسي البجلي بصفين مع علي. وفيها ~~مات خباب بن الأرت، شهد بدرا وما بعدها، وشهد صفين مع علي والنهروان، وقيل # PageV02P699 # لم يشهدها. كان مريضا ومات قبل قدوم علي إلى الكوفة - وقد تقدم ذكره -. ~~وقيل مات سنة تسع وثلاثين، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. وفيها قتل أبو ~~الهيثم بن التيهان بصفين مع علي، وقيل عاش بعدها يسيرا، وقتل بها أخوه عبيد ~~بن التيهان. وكان أبو الهيثم أول من بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليلة العقبة، في قول، وهو بدري. وفيها قتل يعلى بن منية، # PageV02P700 # وهي أمه، واسم أبيه أمية التميمي، وهو ابن أخت عتبة بن غزوان، وقيل ابن ~~عمته، وكان قد شهد الجمل مع عائشة، ثم شهد صفين مع علي فقتل بها، وكان ~~إسلامه يوم الفتح، وشهد حنينا. وقتل بصفين مع علي أبو عمرة الأنصاري ~~النجاري والد عبد الرحمن، وهو أيضا بدري. وفيها قتل أبو فضالة الأنصاري (في ~~قول) وهو بدري. # [الوفيات] ms1121 # وفيها توفي سهل بن حنيف الأنصاري في قول وهو بدري، وشهد مع علي # PageV02P701 # حروبه. وتوفي بها صهيب بن سنان وصفوان بن بيضاء، وهو بدري. وفي هذه السنة ~~توفي عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعسقلان فجأة وهو في الصلاة (وكره الخروج # PageV02P702 # مع معاوية إلى صفين، وقيل شهدها، ولا يصح. # PageV02P703 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين] ### | 38 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين # ذكر ملك عمرو بن العاص مصر وقتل محمد بن أبي بكر الصديق # في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها، وقد ~~ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد [عنها] ودخوله مصر وإنفاذه ~~ابن مضاهم الكلبي إلى أهل خرنبا، فلما مضى ابن مضاهم إليهم قتلوه، وخرج ~~معاوية بن حديج السكوني، وطلب بدم عثمان ودعا إليه، فأجابه ناس، وفسدت مصر ~~على محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك عليا فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا ~~الذي عزلنا - يعني قيسا، أو الأشتر -، وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلى ~~عمله بالجزيرة، وقال علي لقيس: أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة، ثم ~~تسير إلى أذربيجان. فلما بلغ عليا أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين ~~يستدعيه، فحضر عنده، فأخبره خبر أهل مصر وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها، ~~فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله، واخلط الشدة باللين، وارفق ما ~~كان الرفق أبلغ، وتشدد حين لا يغني إلا الشدة. # فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك، فعظم عليه، وكان قد ~~طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، ~~فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم، وقال له: إن الأشتر قد ولي ~~مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت. فخرج الحابسات حتى أتى ~~القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم ~~استقبله ذلك الرجل، # PageV02P704 # فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فأتاه بطعام، فلما أكل أتاه ms1122 بشربة من عسل ~~قد جعل فيه سما فسقاه إياه، فلما شربه مات. # وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا ~~الله عليه، فكانوا يدعون الله عليه كل يوم، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية، ~~فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيبا ثم قال: أما بعد، فإنه كانت لعلي ~~يمينان فقطعت إحداهما بصفين - يعني عمار بن ياسر -، وقطعت الأخرى اليوم ~~يعني الأشتر. # فلما بلغ عليا موته قال: لليدين وللفم! وكان قد ثقل عليه لأشياء نقلت ~~عنه. وقيل: إنه لما بلغه قتله قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! مالك وما ~~مالك، وهل موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديد، لكان قيدا أو من حجر، لكان صلدا! ~~على مثله فلتبك البواكي! وهذا أصح ; لأنه لو كان كارها له لم يوله مصر. # وكان الأشتر قد روى الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر. # PageV02P705 # وروى عنه جماعة. وقال أحمد بن صالح: كان ثقة. # قيل: ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه، فكتب إليه علي: أما ~~بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاء ~~لك في الجهاد ولا ازديادا مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما ~~هو أيسر عليك مؤونة منه وأعجب إليك ولاية، إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر ~~كان لنا نصيحا، وعلى عدونا شديدا، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه، ونحن عنه ~~راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، اصبر لعدوك وشمر للحرب و {ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] . وأكثر ذكر الله، ~~والاستعانة به، والخوف منه، يكفك ما أهمك، ويعنك على ما ولاك. # وكتب إليه محمد: أما بعد فقد انتهى إلي كتابك وفهمته، وليس أحد من الناس ~~أرضى برأي أمير المؤمنين، ولا أجهد على عدوه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت ~~فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا، وأنا متبع أمر ~~أمير المؤمنين وحافظه. والسلام. # وقيل: إنما تولى الأشتر ms1123 مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر. # وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين، فلما تفرقا بايع أهل الشام ~~معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما كان ~~لمعاوية هم إلا مصر، وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأي ~~عثمان، وكان يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها، فدعا ~~معاوية عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وبسر بن أبي أرطاة، والضحاك بن قيس، ~~وعبد الرحمن بن خالد، وأبا الأعور السلمي، وشرحبيل بن السمط الكندي، فقال ~~لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم! فقالوا: لم يطلع الله على ~~الغيب أحدا، وما نعلم ما تريد. فقال عمرو بن العاص: دعوتنا لتسألنا عن ~~رأينا في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر، فنعم الرأي رأيت في ~~افتتاحها! فإن فيه عزك وعز أصحابك، وكبت # PageV02P706 # عدوك، وذل أهل الشقاق عليك. فقال معاوية: أهمك يا ابن العاص ما أهمك! ~~وذلك أن عمرا كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمة ما بقي. ~~وأقبل معاوية على أصحابه وقال: أصاب أبو عبد الله، فما ترون؟ فقالوا: ما ~~نرى إلا ما رأى عمرو. قال: (فكيف أصنع) ؟ (فإن عمرا لم يفسر كيف أصنع) . ~~فقال عمرو: أرى أن تبعث جيشا كثيفا، عليهم رجل حازم صابر صارم، تأمنه وتثق ~~به، فيأتي مصر، فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا، فإن ~~اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله. # قال معاوية: أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا، فنمنيهم ونأمرهم بالثبات، ~~ونكاتب من بها من عدونا، فندعوهم إلى صلحنا، ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا، ~~فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا، وإلا كان حربهم من بعد ذلك. ~~إنك يا ابن العاص بورك لك في الشدة والعجلة، وأنا بورك لي في التؤدة. قال ~~عمرو: افعل ما ترى فما أرى أمرنا يصير إلا إلى الحرب. # فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد، ms1124 ومعاوية بن حديج السكوني، وكانا قد خالفا ~~عليا، يشكرهما على ذلك ويحثهما على الطلب بدم عثمان، ويعدهما المواساة في ~~سلطانه، وبعثه مع مولاه سبيع. # فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج: أما ~~بعد، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا وابتعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ~~ربنا، والنصر على من خالفنا، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا، وأما ما ~~ذكرت من المواساة في سلطانك، فتالله إن ذلك أمر ما له نهضنا، ولا إياه ~~أردنا، فعجل إلينا بخيلك ورجلك، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين، فإن يأتنا ~~مدد يفتح الله عليك. والسلام. # فجاءه الكتاب وهو بفلسطين، فدعا أولئك النفر وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: ~~نرى أن تبعث جندا. # فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها، وبعث معه ستة آلاف رجل، ووصاه بالتؤدة # PageV02P707 # وترك العجلة. وسار عمرو فنزل أداني أرض مصر، فاجتمعت إليه العثمانية، ~~فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتنح عني بدمك يا بن أبي ~~بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على ~~خلافك، وهم مسلموك، فاخرج منها إني لك من الناصحين. وبعث معه كتاب معاوية ~~في المعنى أيضا، ويتهدده بقصده حصار عثمان. # فأرسل محمد الكتابين إلى علي، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر، وأنه رأى ~~التثاقل ممن عنده ويستمده. فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه، ويعده ~~إنفاذ الجيوش إليه، ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله. وقام محمد بن أبي بكر في ~~الناس، وندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر، فانتدب معه ألفين، ~~وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة على مقدمته، وأقبل عمرو نحو ~~كنانة، فلما دنا منه سرح الكتائب، كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه ~~كتيبة إلا حمل عليها، فألحقها بعمرو بن العاص، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية ~~بن حديج، فأتاه في مثل الدهم، فأحاطوا بكنانة وأصحابه، (واجتمع أهل الشام ~~عليهم من كل جانب، فلما رأى ms1125 ذلك كنانة نزل عن فرسه، ونزل معه أصحابه) ، ~~فضاربهم بسيفه حتى استشهد. # وبلغ قتله محمد بن أبي بكر، فتفرق عنه أصحابه، وأقبل نحوه عمرو، وما بقي ~~معه أحد، فخرج محمد يمشي في الطريق، فانتهى إلى خربة في ناحية الطريق، فأوى ~~إليها، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب ~~محمد بن أبي بكر، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق، فسألهم عنه، فقال ~~أحدهم: دخلت تلك الخربة، فرأيت فيها رجلا جالسا. فقال ابن حديج: هو هو. ~~فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، وأقبلوا به نحو الفسطاط، فوثب ~~أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان في جنده، وقال: أتقتل ~~أخي صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه. فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد، ~~فقال: قتلتم كنانة بن بشر، وأخلي أنا محمدا؟ {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم ~~براءة في الزبر} [القمر: 43] . هيهات هيهات! فقال لهم محمد بن أبي بكر: ~~اسقوني ماء. فقال له معاوية بن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا، ~~إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من # PageV02P708 # الحميم والغساق! فقال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك، ~~إنما ذلك إلى الله، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك، أما والله لو ~~كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا. ثم قال له: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف ~~حمار، ثم أحرقه عليك بالنار. فقال محمد: إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك ~~بأولياء الله، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا ~~تلظى، كلما خبت زادها الله سعيرا. فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار، ~~ثم أحرقه بالنار. # فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا، وقنتت في دبر الصلاة تدعو على ~~معاوية وعمرو، وأخذت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في ~~عيالهم، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت. # وقد قيل: إن محمدا قاتل عمرا ومن ms1126 معه قتالا شديدا فقتل كنانة، وانهزم ~~محمد، واختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به، فخرج ~~محمد فقاتل حتى قتل. # وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد، قام في ~~الناس خطيبا، وأخبرهم خبر مصر، وقصد عمرو إياها، وندبهم إلى إنجادهم، وحثهم ~~على ذلك، وقال: اخرجوا بنا إلى الجرعة، وهي بين الكوفة والحيرة، فلما كان ~~الغد خرج إلى الجرعة، فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار، فلم يأته ~~أحد، فرجع، فلما كان العشي استدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال: الحمد لله ~~على ما قضى من أمره، وقدر من فعله، وابتلاني بكم، أيتها القرية التي لا ~~تطيع إذا أمرت، ولا تجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بمصركم ~~والجهاد على حقكم؟ فوالله لئن جاء الموت، وليأتيني، ليفرقن بيني وبينكم، ~~وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير كثير، لله أنتم! أما دين يجمعكم، ولا محمية ~~تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم، ويشن الغارة عليكم؟ أوليس ~~عجيبا أن معاوية (يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة) في ~~السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، وأنا أدعوكم وأنتم أولو ~~النهى، وبقية الناس على العطاء والمعونة، فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون ~~علي! # فقام كعب بن مالك الأرحبي وقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس، لهذا اليوم ~~كنت # PageV02P709 # أدخر نفسي. ثم قال: أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته ~~وقاتلوا عدوه، وأنا أسير إليه. فخرج معه ألفان. فقال له: سر، فوالله ما ~~أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم. فسار بهم خمسا. # ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر، فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر، ~~وكان معه، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام، وكان عينه هناك، ~~فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر، وسرور أهل الشام ~~بقتله. فقال علي: أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافا! ~~فأرسل علي، فأعاد الجيش الذي أنفذه وقام في الناس ms1127 خطيبا وقال: # ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور، والظلمة الذين صدوا عن سبيل ~~الله وبغوا الإسلام عوجا! ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد، فعند الله ~~نحتسبه! أما والله، إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ~~ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدي المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير، ~~وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، ~~وأقوم فيكم بالرأي المصيب، وأستصرخكم معلنا، وأناديكم نداء المستغيث، فلا ~~تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب ~~المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار، دعوتكم إلى ~~غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم ~~إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر، ثم خرج ~~إلي منكم جنيد متذانب، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأف لكم! ثم ~~نزل. # (معاوية بن حديج: بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين. جارية بن قدامة: ~~بالجيم، وفي آخره ياء تحتها نقطتان. بسر بن أبي أرطاة، بضم الباء الموحدة، ~~وسكون السين المهملة) . # PageV02P710 # ذكر إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة # في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر واستيلاء عمرو بن العاص على مصر، ~~سير معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة، وقال له: إن جل أهلها ~~يرون رأينا في عثمان، وقد اقتتلوا في الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون، يودون أن ~~يأتيهم من يجمعهم، وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فانزل في مضر، ~~وتودد الأزد، فإنهم كلهم معك، وادع ربيعة، فلن ينحرف عنك أحد سواهم، لأنهم ~~كلهم ترابية فاحذرهم. # فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة، وكان ابن عباس قد خرج إلى علي بالكوفة ~~واستخلف زياد بن أبيه على البصرة، فلما وصل ابن الحضرمي إلى البصرة نزل في ~~بني تميم، فأتاه العثمانية مسلمين عليه، وحضره غيرهم، فخطبهم وقال: إن ~~عثمان إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما، قتله علي، فطلبتم بدمه فجزاكم ms1128 الله ~~خيرا. # فقام الضحاك بن قيس الهلالي، وكان على شرطة ابن عباس، فقال: قبح الله ما ~~جئتنا به وما تدعونا إليه! أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير، ~~أتيانا وقد بايعنا عليا واستقامت أمورنا، فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا ~~بعضا، ونحن الآن مجتمعون على بيعته، وقد أقال العثرة، وعفا عن المسيء، ~~أفتأمرنا أن ننتضي أسيافنا، ويضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا؟ والله ~~ليوم من أيام علي خير من معاوية (وآل معاوية) ! فقام عبد الله بن خازم ~~السلمي فقال للضحاك: اسكت فلست بأهل أن تتكلم. ثم أقبل على ابن الحضرمي ~~فقال: نحن أنصارك ويدك، والقول قولك فاقرأ كتابك. فأخرج كتاب معاوية إليهم ~~يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم، وحبه العافية، وسده ثغورهم، ويذكر قتله، ~~ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة، ويعطيهم عطاءين في ~~السنة. فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال: لا ناقتي في هذا ولا جملي. ~~واعتزل القوم. وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم ~~وجماعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة. وكان عباس بن صحار العبدي ~~مخالفا لقومه في حب علي، فقام وقال: لننصرنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له ~~المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع # PageV02P711 # إلى مكانك الذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا، ولا يغرنك هذا الذي ~~يتكلم - يعني ابن صحار -. # فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان: أنت ناب من أنياب العرب فانصرني. فقال: ~~لو نزلت في داري لنصرتك. # فلما رأى زياد ذلك خاف، فاستدعى حضين بن المنذر، ومالك بن مسمع فقال: ~~أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد كان من ابن ~~الحضرمي ما ترون، وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين. ~~فقال حضين بن المنذر: نعم. وقال مالك وكان رأيه مائلا إلى بني أمية: هذا ~~أمر لي فيه شركاء أستشير فيه وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ~~عليه ربيعة، فأرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت ~~مال ms1129 المسلمين. فقال: إن حملته إلى داري أجرتكما. فنقله إلى داره بالحدان، ~~ونقل المنبر أيضا، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان ويطعم الطعام. فقال زياد ~~لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمد إني لا أرى ابن الحضرمي يكف وأراه ~~سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك، فانظر ما عندهم. فلما صلى زياد جلس في ~~المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد، إن تميما تزعم أنهم ~~هم الناس، وأنهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا ~~إليكم، ويأخذوا جاركم ويخرجوه قسرا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه ~~وبيت مال المسلمين! فقال صبرة بن شيمان، وكان مفخما: إن جاء الأحنف جئت، ~~وإن جاء حتاتهم جئت، وإن جاء شبابهم ففينا شباب. # وكتب زياد إلى علي بالخبر، فأرسل علي إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ثم ~~التميمي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه، ~~وكتب إلى زياد يعلمه ذلك. فقدم أعين، فأتى زيادا، فنزل عنده، وجمع رجالا ~~وأتى قومه، ونهض إلى ابن الحضرمي ومن معه ودعاهم، فشتموه، وواقفهم نهاره، ~~ثم انصرف عنهم، فدخل عليه قوم، قيل إنهم من الخوارج، وقيل وضعهم ابن ~~الحضرمي على قتله، وكان معهم، فقتلوه غيلة، فلما قتل أعين أراد زياد ~~قتالهم، فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا # PageV02P712 # لم نعرض لجاركم فما تريدون إلى جارنا؟ فكرهت الأزد قتالهم وقالوا: إن ~~عرضوا لجارنا منعناه. # وكتب زياد إلى علي يخبره خبر أعين وقتله، فأرسل علي جارية بن قدامة ~~السعدي، وهو من بني سعد من تميم، وبعث معه خمسين رجلا، وقيل خمسمائة من ~~تميم، وكتب إلى زياد يأمره بمعونة جارية والإشارة عليه. فقدم جارية البصرة، ~~فحذره زياد ما أصاب أعين، فقام جارية في الأزد فجزاهم خيرا وقال: عرفتم ~~الحق إذ جهله غيركم. وقرأ كتاب علي إلى أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ~~ويعنفهم، ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها ~~هباء. فقال صبرة بن شيمان: سمعا لأمير المؤمنين وطاعة! نحن حرب لمن حاربه ~~وسلم لمن سالمه. وقال ms1130 أبو صفرة - والد المهلب، - لزياد: لو أدركت يوم الجمل ~~ما قاتل قومي أمير المؤمنين. وقيل: إن أبا صفرة كان توفي في مسيره إلى ~~صفين، والله أعلم. # وصار جارية إلى قومه، وقرأ عليهم كتاب علي ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار ~~إلى ابن الحضرمي ومعه الأزد ومن تبعه من قومه، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد ~~الله بن خازم السلمي، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع ~~جارية، فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن خازم، فأتته أمه ~~عجلى، وكانت حبشية، فأمرته بالنزول، فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأنزعن ~~ثيابي! فنزل ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمي وسبعون ~~رجلا معه، وعاد زياد إلى القصر، وكان قصر سنبيل لفارس قديما، (وصار لسنبيل ~~السعدي، وحوله خندق) . وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر، فقال ~~عمرو بن العرندس: # رددنا زيادا إلى داره ... وجار تميم دخانا ذهب # لحى الله قوما شووا جارهم ... ولم يدفعوا عنه حر اللهب # PageV02P713 # في أبيات غير هذه، وقال جرير: # غدرتم بالزبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا # فأصبح جارهم بنجاة عز ... وجار مجاشع أمسى رمادا # فلو عاقدت حبل أبي سعيد ... لذاد القوم ما حمل النجادا # وأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها الأسنة والصعادا # جارية بن قدامة: بالجيم والياء تحتها نقطتان. وحارثة بن بدر: بالحاء ~~المهملة، وبعدها ثاء مثلثة. وعبد الله بن خازم: بالخاء المعجمة والزاي. ~~(والمثنى بن مخربة: بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، ~~وآخره باء موحدة) . # ذكر خبر الخريت بن راشد وبني ناجية # قيل: وفي هذه السنة أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف على علي، فجاء إلى ~~أمير المؤمنين، وكان معه ثلاثمائة من بني ناجية خرجوا مع علي من البصرة، ~~فشهدوا معه الجمل وصفين، وأقاموا معه بالكوفة إلى هذا الوقت، فحضر عند علي ~~في ثلاثين راكبا فقال له: يا علي، والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، وإني ~~غدا مفارق لك - وذلك بعد تحكيم الحكمين -. فقال له ثكلتك أمك! إذا تعصي ms1131 ~~ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك! خبرني لم تفعل ذلك؟ فقال: لأنك حكمت ~~وضعفت عن الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زار، وعليهم ناقم، ~~ولكم جميعا مباين. فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، ~~وأفاتحك أمورا أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، قال: ~~فإني عائد إليك. قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهال، والله لئن ~~استرشدتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد. # PageV02P714 # فخرج من عنده منصرفا إلى أهله، وسار من ليلته هو وأصحابه. فلما سمع ~~بمسيرهم علي قال: بعدا لهم كما بعدت ثمود! إن الشيطان اليوم استهواهم ~~وأضلهم، وهو غدا متبرئ منهم. فقال له زياد بن خصفة البكري: يا أمير ~~المؤمنين، إنه لم يعظم علينا فقدهم فتأسى عليهم، إنهم قل ما يزيدون في ~~عددنا لو أقاموا، ولقل ما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن ~~يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليك من أهل طاعتك، فأذن لي في ~~اتباعهم حتى أردهم عليك. فقال: أتدري أين توجهوا؟ قال: لا، ولكني أسأل ~~وأتبع الأثر. فقال له: اخرج - رحمك الله - وانزل دير أبي موسى، وأقم حتى ~~يأتيك أمري، فإن كانوا ظاهرين فإن عمالي سيكتبون بخبرهم. # فخرج زياد فأتى داره، وجمع أصحابه من بكر بن وائل وأعلمهم الخبر، فسار ~~معه مائة وثلاثون رجلا، فقال: حسبي. ثم سار حتى أتى دير أبي موسى، فنزله ~~يوما ينتظر أمر علي، وأتى عليا كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري يخبره أنهم ~~توجهوا نحو نفر، وأنهم قتلوا رجلا من الدهاقين كان أسلم. فأرسل علي إلى ~~زياد يأمره باتباعهم، ويخبره خبرهم وأنهم قتلوا رجلا مسلما، ويأمره بردهم ~~إليه، فإن أبوا يناجزهم، وسير الكتاب مع عبد الله بن وال، فاستأذنه عبد ~~الله في المسير مع زياد، فأذن له، وقال له: إني لأرجو أن تكون من أعواني ~~على الحق وأنصاري على القوم الظالمين. قال ابن وال: فوالله ما أحب أن لي ~~بمقالته تلك حمر النعم. # وسار بكتاب علي إلى زياد، وساروا حتى ms1132 أتوا نفر، فقيل إنهم ساروا نحو ~~جرجرايا، فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذار وهم نزول قد أقاموا يومهم ~~وليلتهم واستراحوا، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا، فلما رأوهم ركبوا ~~خيولهم، وقال لهم الخريت: أخبروني ما تريدون. فقال له زياد، وكان مجربا ~~رفيقا: قد ترى ما بنا من التعب، والذي جئناك له لا يصلحه الكلام علانية، ~~ولكن ننزل، ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا، فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك ~~قبلته، وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك. قال: ~~فانزل. فنزل زياد وأصحابه على ماء هناك، وأكلوا شيئا وعلقوا على دوابهم، ~~ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم، وكانوا قد نزلوا أيضا، # PageV02P715 # وقال زياد لأصحابه: إن عدتنا كعدتهم، وأرى أمرنا يصير إلى القتال، فلا ~~تكونوا أعجز الفريقين. # وخرج زياد إلى الخريت فسمعهم يقولون: جاءنا القوم وهم كالون تعبون، ~~فتركناهم حتى استراحوا، هذا والله سوء الرأي. فدعاه زياد وقال له: ما الذي ~~نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماما ولا ~~سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى، فقال له زياد: ~~وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك الذي فارقته علما بالله وسنته وكتابه ~~مع قرابته من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وسابقته في الإسلام؟ فقال له: ~~ذلك لا أقول لك. فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ فقال له: ما ~~أنا قتلته وإنما قتله طائفة من أصحابي. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما لي إلى ~~ذلك سبيل. فدعا زياد أصحابه، ودعا الخريت أصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا ~~تطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح، وتضاربوا بالسيوف حتى انحنت، وعقرت عامة ~~خيولهم، وكثرت الجراحة فيهم، وقتل من أصحاب زياد رجلان ومن أولئك خمسة، ~~وجاء الليل فحجز بينهما، وقد كره بعضهم بعضا، وجرح زياد، فسار الخريت من ~~الليل، وسار زياد إلى البصرة، وأتاهم خبر الخريت أنه أتى الأهواز، فنزل ~~بجانب منها، وتلاحق به ناس من أصحابهم، فصاروا نحو مائتين، فكتب زياد ms1133 إلى ~~علي بخبرهم، وأنه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره. # فلما قرأ علي كتابه قام إليه معقل بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كان ~~ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل واحد منهم عشرة، فإذا لحقوهم ~~استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم عددهم، فلعمري ليصبرن لهم، فإن ~~العدة تصبر للعدة. فقال: تجهز يا معقل إليهم، وندب معه ألفين من أهل ~~الكوفة، منهم يزيد بن المعقل الأسدي. وكتب علي إلى ابن عباس يأمره أن يبعث ~~من أهل البصرة رجلا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل إلى معقل - وهو أمير ~~أصحابه - حتى يأتي معقلا، فإذا لقيه كان معقل الأمير. وكتب إلى زياد بن ~~خصفة يشكره، ويأمره بالعود. # واجتمع على الخريت الناجي علوج من أهل الأهواز كثير، أرادوا كسر الخراج، # PageV02P716 # ولصوص وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه، وطمع أهل الخراج في كسره فكسروه، ~~وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عاملا لعلي عليها (في قول من يزعم أنه ~~لم يمت سنة سبع وثلاثين) . فقال ابن عباس لعلي: أنا أكفيك فارس بزياد - ~~يعني ابن أبيه - فأمره بإرساله إليها (وتعجيل تسييره) ، فأرسل زيادا إليها ~~في جمع كثير، فوطئ بلاد فارس، فأدوا الخراج واستقاموا. وسار معقل بن قيس، ~~ووصاه علي فقال له: اتق الله ما استطعت، ولا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم ~~أهل الذمة، ولا تتكبر، فإن الله لا يحب المتكبرين. # فقدم معقل الأهواز ينتظر مدد البصرة، فأبطأ عليه، فسار عن الأهواز يطلب ~~الخريت، فلم يسر إلا يوما حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائي، فساروا ~~جميعا، فلحقوهم قريب جبل من جبال رامهرمز، فصف معقل أصحابه، فجعل على ~~ميمنته يزيد بن المعقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، ~~وصف الخريت أصحابه فجعل من معه من العرب ميمنة، ومن معه من أهل البلد ~~والعلوج ميسرة، ومعهم الأكراد، وحرض كل واحد منهما أصحابه، وحرك معقل رأسه ~~مرتين، ثم حمل في الثالثة، فصبروا له ساعة ثم انهزموا، فقتل أصحاب معقل ~~منهم سبعين رجلا ms1134 من بني ناجية، ومن معهم من العرب، وقتلوا نحوا من ثلاثمائة ~~من العلوج والأكراد، وانهزم الخريت بن راشد فلحق بأسياف البحر، وبها جماعة ~~كثيرة من قومه، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي ويخبرهم أن الهدى ~~في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير. # وأقام معقل بأرض الأهواز، وكتب إلى علي بالفتح، فقرأ علي الكتاب على ~~أصحابه واستشارهم، قالوا كلهم: نرى أن تأمر معقلا أن يتبع آثار الفاسق حتى ~~يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. فكتب إلى معقل يثني عليه ~~وعلى من معه، ويأمره باتباعه # PageV02P717 # وقتله أو نفيه. فسأل معقل عنه، فأخبر بمكانه بالأسياف وأنه قد رد قومه عن ~~طاعة علي، وأفسد من عنده (من عبد القيس وسائر العرب، وكان) قومه قد منعوا ~~الصدقة عام صفين وذلك العام. فسار إليهم معقل، فأخذ على فارس، وانتهى إلى ~~أسياف البحر. # فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من الخوارج: أنا على رأيكم وإن عليا، ~~لم ينبغ له أن يحكم. وقال للآخرين من أصحابه: إن عليا حكم ورضي، فخلعه حكمه ~~الذي ارتضاه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وإليه كان يذهب. وقال ~~سرا للعثمانية: أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوما. فأرضى كل ~~صنف منهم. وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها ~~أرحامكم. (وكان فيها نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس قالوا: والله ~~لديننا الذي خرجنا منه خير من دين هؤلاء، لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء. ~~(فقال لهم الخريت: ويحكم! لا ينجيكم من القتل إلا قتل هؤلاء القوم) والصبر، ~~فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل، ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا. ~~فخدعهم جميعهم. وأتاه من كان من بني ناجية وغيرهم خلق كثير. فلما انتهى ~~معقل إليه نصب راية أمان وقال: من أتاهم من الناس فهو آمن، إلا الخريت ~~وأصحابه الذين حاربونا أول مرة، فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير ~~قومه، وعبأ معقل أصحابه، وزحف نحو ms1135 الخريت ومعه قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانع ~~الزكاة منهم. فقال الخريت لمن معه: قاتلوا عن حريمكم وأولادكم، فوالله لئن ~~ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم. فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جرته ~~علينا يدك ولسانك. فقال: سبق السيف العذل. # وسار معقل في الناس يحرضهم ويقول: أيها الناس ما تريدون أفضل مما سبق لكم ~~من الأجر العظيم؟ إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ~~ونكثوا البيعة ظلما، فأشهد لمن يقتل منكم بالجنة، ومن بقي منكم فإن الله ~~مقر عينه بالفتح. ثم حمل معقل وجميع من معه، فقاتلوا قتالا شديدا، وصبروا ~~له، ثم إن # PageV02P718 # النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فطعنه، فصرع عن دابته، ~~ثم اختلفا ضربتين، فقتله النعمان، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة رجل، ~~وذهب الباقون يمينا وشمالا، وسبى معقل من أدرك من حريمهم وذرياتهم، وأخذ ~~رجالا كثيرا، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام فرجعوا، فخلى سبيلهم ~~وسبيل عيالهم، إلا شيخا كبيرا نصرانيا منهم يقال له الرماحس لم يسلم فقتله، ~~وجمع من منع الصدقة، وأخذ منهم صدقة عامين، وأما النصارى وعيالهم فاحتملهم ~~مقبلا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فلما ودعوهم بكى الرجال والنساء ~~بعضهم إلى بعض، حتى رحمهم الناس. # وكتب معقل إلى علي بالفتح، ثم أقبل بهم حتى مر على مصقلة بن هبيرة ~~الشيباني، وهو عامل علي على أردشيرخره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء ~~والصبيان وصاح الرجال: يا أبا الفضل! يا حامي الرجال (ومأوى المعضب) ، ~~وفكاك العناة، امنن علينا واشترنا وأعتقنا! فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن ~~عليكم! إن الله يجزي المتصدقين. فبلغ قوله معقلا فقال: والله لو أعلم أنه ~~قالها توجعا عليهم وإزراء علينا لضربت عنقه، ولو كان في ذلك تفاني تميم ~~وبكر. ثم إن مصقلة اشتراهم من معقل بخمسمائة ألف، فقال له معقل: عجل المال ~~إلى أمير المؤمنين. فقال: أنا أبعث الآن ببعضه، ثم كذلك حتى لا يبقى منه ~~شيء. # وأقبل معقل إلى علي فأخبره بما كان منه، فاستحسنه، وبلغ عليا أن مصقلة ~~أعتق ms1136 الأسرى، ولم يسألهم أن يعينوه بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل ~~حمالة سترونه عن قريب منها مبلدا. وكتب إليه يطلب منه المال أو يحضر عنده، ~~فحضر عنده وحمل من المال مائتي ألف. # قال ذهل بن الحارث: فاستدعاني ليلة فطعمنا، ثم قال: إن أمير المؤمنين ~~يسألني هذا المال، ولا أقدر عليه. فقلت: والله لو شئت ما مضت جمعة حتى ~~تحمله. فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، أما والله لو كان ابن هند ما ~~طالبني بها، ولو كان ابن عفان لوهبها لي، ألم تره أطعم الأشعث بن قيس كل ~~سنة من خراج أذربيجان مائة ألف؟ قال: # PageV02P719 # فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأي ولا يترك منها شيئا. فهرب مصقلة من ليلته ~~فلحق بمعاوية، وبلغ عليا ذلك فقال: ما له ترحه الله، فعل فعل السيد، وفر ~~فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه، ~~فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإلا تركناه. # ثم سار علي إلى داره فهدمها، وأجاز عتق السبي وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت ~~أثمانهم دينا على معتقهم. # وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلي، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من ~~نصارى تغلب اسمه حلوان يقول له: إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة، فأقبل ~~ساعة يلقاك رسولي، والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرحه إلى علي، فقطع ~~يده، فمات، وكتب نعيم إلى مصقلة يقول: # لا ترمين هداك الله معترضا ... بالظن منك فما بالي وحلوانا # ذاك الحريص على ما نال من طمع ... وهو البعيد فلا يحزنك إن خانا # ماذا أردت إلى إرساله سفها ... ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا # قد كنت في منظر عن ذا ومستمع ... تحمي العراق وتدعى خير شيبانا # حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه ... للراكبين له سرا وإعلانا # عرضته لعلي إنه أسد ... يمشي العرضنة من آساد خفانا # لو كنت أديت مال القوم مصطبرا ... للحق أحييت أحيانا وموتانا # لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا ... فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا # فاليوم تقرع سن العجز ms1137 من ندم ... ماذا تقول وقد كان الذي كانا # فاليوم تبغضك الأحياء قاطبة ... لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا # فلما وقع الكتاب إليه علم أنه قد هلك، وأتاه التغلبيون فطلبوا منه دية # PageV02P720 # صاحبهم، فوداه لهم. # وقال بعض الشعراء في بني ناجية: # سما لكم بالخيل قودا عوابسا ... أخو ثقة ما يبرح الدهر غازيا # فصبحكم في رجله وخيوله ... بضرب ترى منه المدجج هاويا # فأصبحتم من بعد كبر ونخوة ... عبيد العصا لا تمنعون الذراريا # وقال مصقلة بن هبيرة: # لعمري لئن عاب أهل العراق علي انتعاش بني ناجيه ... لأعظم من عتقهم رقهم ~~وكفي بعتقهم ماليه # وزايدت فيهم لإطلاقهم وغاليت إن العلى غاليه # ذكر أمر الخوارج بعد النهروان # لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف على علي بالدسكرة في مائتين، ثم ~~سار إلى الأنبار، فوجه إليه علي الأبرش بن حسان في ثلاثمائة فواقعه، فقتل ~~أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين. # ثم خرج هلال بن علفة من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد، فأتى ماسبذان، فوجه # PageV02P721 # إليه علي معقل بن قيس الرياحي، فقتله وقتل أصحابه، وهم أكثر من مائتين، ~~وكان قتلهم في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين. # ثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث - وهو من بجيلة - في مائة وثمانين ~~رجلا، فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه، فصلى عليهم، ودفن من قدر ~~عليه منهم، فوجه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي، وقيل حجر بن عدي، فأقبل ~~إليهم الأشهب، فاقتتلا بجرجرايا من أرض جوخى، فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى ~~الآخرة سنة ثمان وثلاثين. # ثم خرج سعيد بن قفل التيمي (من تيم الله بن ثعلبة في رجب) بالبندنيجين ~~(ومعه مائتا رجل، فأتى درزنجان، وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد ~~بن مسعود، فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين. # ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي) (فأتى شهرزور، وأكثر من معه من الموالي، ~~وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر، هو أحدهم، واجتمع معه مائتا رجل، ~~وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل ms1138 إليه علي ~~يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، وقال: ليس بيننا غير الحرب. فبعث ~~إليه علي شريح بن هانئ في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه، ~~فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى قرية، فتراجع إليه بعض أصحابه، ~~ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه، وقدم بين يديه جارية بن قدامة ~~السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة علي، وحذرهم القتل فلم يجيبوا، ولحقهم علي ~~أيضا، فدعاهم فأبوا عليه وعلى أصحابه، # PageV02P722 # فقتلهم أصحاب علي، ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم. وكان ~~في الخوارج أربعون رجلا جرحى، فأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى ~~برأوا. وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين، (وكانوا من أشجع من قاتل ~~من الخوارج، ولجرأتهم قاربوا الكوفة) . # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل علي، وكان عامله على مكة. # وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى ~~خراسان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل كان ابن أبزى، (وأما الشام ومصر فكان ~~بهما معاوية وعماله. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات صهيب بن سنان، في قول بعضهم، وكان عمره سبعين سنة، ~~ودفن بالبقيع) . # PageV02P723 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين] ### | 39 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين # ذكر سرايا أهل الشام إلى بلاد أمير المؤمنين - عليه السلام - # وفي هذه السنة فرق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي، فوجه النعمان بن ~~بشير في ألف رجل إلى عين التمر، وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل، ~~وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة، ولم يبق معه إلا مائة رجل، فلما ~~سمع بالنعمان كتب إلى أمير المؤمنين يخبره ويستمده، فخطب علي الناس وأمرهم ~~بالخروج إليه، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، وجعل جدار القرية في ظهور ~~أصحابه، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستعينه، وهو قريب منه، واقتتل مالك ~~والنعمان أشد قتال، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا، فانتهوا إلى ~~مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشام ms1139 انهزموا عند ~~المساء، وظنوا أن لهم مددا، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر. # ولما تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك صعد علي المنبر فخطبهم، ثم ~~قال: يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ ~~منكم في بيته، وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها، ~~المغرور من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء، ~~ولا إخوان عند النجاء! وإنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم؟ عمي ~~لا يبصرون، وبكم لا ينطقون، وصم لا يسمعون! إنا لله وإنا إليه راجعون. # PageV02P724 # ووجه معاوية في هذه السنة أيضا سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن ~~يأتي هيت فيقطعها، ثم يأتي الأنبار، (والمدائن فيوقع بأهلها. فأتى هيت فلم ~~يجد بها أحدا، ثم أتى الأنبار) وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل، وقد ~~تفرقوا ولم يبق منهم إلا مائتا رجل، وكان سبب تفرقهم أنه كان عليهم كميل بن ~~زياد، فبلغه أن قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت، فسار إليهم بغير أمر ~~علي، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب عنها، فأغضب ذلك عليا على كميل، فأتى ~~إليه ينكر ذلك عليه، وطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم فقاتلهم، فصبر أصحاب ~~علي ثم قتل صاحبهم، وهو أشرس بن حسان البكري، وثلاثون رجلا، واحتملوا ما في ~~الأنبار من أموال أهلها، ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليا فأرسل في ~~طلبهم فلم يدركوا. # وفيها أيضا وجه معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر الفزاري ~~في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ~~ويقتل من امتنع، ففعل ذلك، وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك، واجتمع إليه بشر ~~كثير من قومه، وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل، ~~فلحق عبد الله بتيماء، فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالا شديدا، وحمل المسيب ~~على ابن مسعدة، فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله، ويقول له: النجاء النجاء! ~~فدخل ابن ms1140 مسعدة وجماعة معه الحصن، وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب ~~إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره ومن معه ثلاثة أيام، ثم ألقى ~~الحطب في الباب وحرقه، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا: يا مسيب قومك، ~~فرق لهم، وأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيوني فأخبروني أن ~~جندا قد أتاكم من الشام. فقال له عبد الرحمن بن شبيب: سرحني في طلبهم، فأبى ~~ذلك عليه، فقال: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم. # وفيها أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، ويغير # PageV02P725 # على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، (وأرسل ثلاثة آلاف رجل ~~معه، فسار الناس، وأخذ الأموال ومضى إلى الثعلبية، وقتل وأغار على مسلحة ~~علي، وانتهى إلى القطقطانة. فلما بلغ ذلك عليا) أرسل إليه حجر بن عدي في ~~أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين درهما خمسين درهما، فلحق الضحاك بتدمر، فقتل ~~منهم تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل، فهرب الضحاك ~~وأصحابه، ورجع حجر ومن معه. # وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم نكص راجعا. # واختلف فيمن حج [بالناس] هذه السنة، فقيل: حج بالناس عبيد الله بن عباس ~~من قبل علي، وقيل: بل حج عبد الله أخوه، وذلك باطل، فإن عبد الله بن عباس ~~لم يحج في خلافة علي، وإنما كان على هذه السنة على الحج عبيد الله بن عباس، ~~وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، فاختلف عبيد الله ويزيد بن شجرة واتفقا ~~على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان، وقيل: إن الذي حج من جانب علي قثم بن ~~العباس، وكان عمال علي على البلاد من تقدم ذكرهم. # ذكر مسير يزيد بن شجرة إلى مكة # وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي - وهو من أصحابه - فقال ~~له: إني أريد أن أوجهك إلى مكة لتقيم للناس الحج، وتأخذ لي البيعة بمكة، ~~وتنفي عنها عامل علي. # PageV02P726 # فأجابه إلى ذلك، وسار إلى مكة في ثلاثة آلاف فارس، ms1141 وبها قثم بن العباس ~~عامل علي، فلما سمع به قثم خطب أهل مكة، وأعلمهم بمسير الشاميين، ودعاهم ~~إلى حربهم، فلم يجيبوه بشيء، وأجابه شيبة بن عثمان العبدري بالسمع والطاعة، ~~فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها، ومكاتبة أمير المؤمنين ~~بالخبر، فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين، فنهاه أبو سعيد الخدري عن مفارقة ~~مكة وقال له: أقم، فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك، وإلا فالمسير ~~عنها أمامك. فأقام وقدم الشاميون ولم يعرضوا لقتال أحد، وأرسل قثم إلى أمير ~~المؤمنين يخبره، فسير جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنفي، ~~وأبو الطفيل أول ذي الحجة. وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين، فنادى ~~في الناس: أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا. واستدعى أبا سعيد الخدري وقال ~~له: إني أريد الإلحاد في الحرم، ولو شئت لفعلت لما فيه أميركم من الضعف، ~~فقل له يعتزل الصلاة بالناس، وأعتزلها أنا، ويختار الناس رجلا يصلي بهم. ~~فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الصلاة، واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى ~~بهم وحج بهم. فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام، وأقبل خيل علي ~~فأخبروا بعود أهل الشام، فتبعوهم، وعليهم معقل بن قيس، فأدركوهم وقد رحلوا ~~عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم، فأخذوهم أسارى، وأخذوا ما معهم ورجعوا ~~بهم إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية. # (الرهاوي منسوب إلى الرهاء قبيلة من العرب، وقد ضبطه عبد الغني ابن سعيد ~~بفتح الراء: قبيلة مشهورة، وأما المدينة فبضم الراء) . # ذكر غارة أهل الشام على أهل الجزيرة # وفيها سير معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة، وفيها ~~شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، وكان شبيب بنصيبين، فكتب إلى ~~كميل بن # PageV02P727 # زياد، وهو بهيت، يعلمه الخبر، فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة فارس، ~~فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي، فقاتلهما كميل وهزمهما، فغلب ~~على عسكرهما وأكثر القتل في أهل الشام، وأمر أن لا يتبع مدبر ولا ms1142 يجهز على ~~جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب إلى علي بالفتح فجزاه خيرا، وأجابه ~~جوابا حسنا - رضي الله عنه -، وكان ساخطا عليه لما تقدم ذكره. # وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين، فرأى كميلا قد أوقع بالقوم، فهنأه بالظفر، ~~واتبع الشاميين، فلم يلحقهم، فعبر الفرات، وبث خيله فأغارت على أهل الشام ~~حتى بلغ بعلبك، فوجه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه، ورجع شبيب فأغار ~~على نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها، ولا خيلا ولا ~~سلاحا إلا أخذه، وعاد إلى نصيبين، وكتب إلى علي، فكتب إليه علي ينهاه عن ~~أخذ أموال الناس إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به، وقال: رحم الله شبيبا، ~~لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار. # ذكر غارة الحارث بن نمر التنوخي # ولما قدم يزيد بن شجرة على معاوية وجه الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ~~ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب، وكان ~~جماعة من بني تغلب قد فارقوا عليا إلى معاوية، فسألوه في إطلاق أصحابهم فلم ~~يفعل، فاعتزلوه أيضا. وكتب معاوية إلى علي ليفاديه بمن أسر معقل بن قيس من ~~أصحاب يزيد بن شجرة، فسيرهم علي إلى معاوية، وأطلق معاوية هؤلاء، وبعث علي ~~رجلا من خثعم يقال له عبد الرحمن إلى ناحية الموصل ليسكن الناس، فلقيه ~~أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا معاوية، وعليهم قريع بن الحارث التغلبي، ~~فتشاتموا ثم اقتتلوا فقتلوه، فأراد علي أن يوجه إليهم جيشا، فكلمته ربيعة ~~وقالوا: هم معتزلون لعدوك داخلون في طاعتك، وإنما قتلوه خطأ. فأمسك عنهم. # PageV02P728 # ذكر أمر ابن العشبة # بعث معاوية زهير بن مكحول العامري - من عامر الأجدار - إلى السماوة وأمره ~~أن يأخذ صدقات الناس، وبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله ~~الأشجعي، وعروة بن العشبة، والجلاس بن عمير الكلبيين، ليصدقوا من في طاعته ~~من كلب وبكر بن وائل، فوافوا زهيرا فاقتتلوا، فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر ~~بن عبد الله، ولحق ابن العشبة بعلي، فعنفه وعلاه بالدرة، فغضب ms1143 ولحق ~~بمعاوية، وكان زهير قد حمل ابن العشبة على فرس، فلذلك اتهمه. وأما الجلاس ~~فإنه مر براع، فأخذ جبته، وأعطاه جبة خز، فأدركته الخيل، فقالوا: أين أخذ ~~هؤلاء الترابيون؟ فأشار إليهم: أخذوا هاهنا، ثم أقبل إلى الكوفة # ذكر أمر مسلم بن عقبة بدومة الجندل # وبعث معاوية مسلم بن عقبة المري إلى دومة الجندل، وكان أهلها قد امتنعوا ~~من بيعة علي ومعاوية جميعا، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، فامتنعوا، وبلغ ~~ذلك عليا فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلى دومة الجندل، فلم يشعر مسلم ~~إلا وقد وافاه مالك، فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما، وأقام مالك أياما ~~يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي فلم يفعلوا، وقالوا: لا نبايع حتى ~~يجتمع الناس على إمام، فانصرف وتركهم. # وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند (غازيا متطوعا بأمر أمير ~~المؤمنين علي، فغنم وأصاب غنائم وسبيا كثيرا، وقسم في يوم واحد ألف رأس ~~وبقي غازيا) إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه، إلا قليلا سنة اثنتين ~~وأربعين أيام معاوية. # PageV02P729 # ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس # وفي هذه السنة ولى علي زيادا كرمان وفارس. # وسبب ذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي، واختلف الناس على علي، طمع أهل فارس ~~وكرمان في كسر الخراج، فطمع أهل كل ناحية وأخرجوا عاملهم، وأخرج أهل فارس ~~سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير ~~المؤمنين على رجل صلب الرأي عالم بالسياسة، كاف لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: ~~زياد. فأمر علي ابن عباس أن يولي زيادا، فسيره إليها في جمع كثير، فوطئ بهم ~~أهل فارس، وكانت قد اضطرمت، فلم يزل يبعث إلى رؤوسهم يعد من ينصره ويمنيه، ~~ويخوف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على عورة بعض، وهربت ~~طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعا ولا ~~حربا، وفعل مثل ذلك بكرمان. ثم رجع إلى فارس وسكن الناس واستقامت له، ونزل ms1144 ~~إصطخر، وحصن قلعة تسمى قلعة زياد قريب إصطخر، (ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور ~~اليشكري، فهي تسمى قلعة منصور) . (وقيل إن [ابن] عباس أشار بولايته، وقد ~~تقدم ذكره) . # [الوفيات] # وفيها مات أبو مسعود الأنصاري البدري، وقيل في أول خلافة معاوية، وقيل ~~غير # PageV02P730 # ذلك، ولم يشهد بدرا وإنما قيل له بدري لأنه نزل ماء بدر، وانقرض عقبه # PageV02P731 ### | [ثم دخلت سنة أربعين] # [ذكر سرية بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن] ### | 40 - # ثم دخلت سنة أربعين ### | ذكر سرية بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن # في هذه السنة بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة، وهو من عامر بن لؤي، في ثلاثة ~~آلاف، فسار حتى قدم المدينة، وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب ~~أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها ~~فنادى عليه: يا دينار، يا نجار، يا زريق! وهذه بطون من الأنصار، شيخي شيخي، ~~عهدته هاهنا بالأمس، فأين هو؟ يعني عثمان. ثم قال: والله لولا ما عهد إلي ~~معاوية ما تركت بها محتلما. فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي ~~أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد الله! فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال لها: ماذا ترين؟ إن هذه بيعة ضلالة، وقد خشيت أن ~~أقتل. قالت: أرى أن تبايع، فإني قد أمرت ابني عمر وختني ابن زمعة أن ~~يبايعا، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعة، فأتاه جابر فبايعه. # وهدم بالمدينة دورا ثم سار إلى مكة، فخاف أبو موسى الأشعري أن يقتله، ~~فهرب منه، وأكره الناس على البيعة. ثم سار إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله ~~بن عباس عاملا لعلي، فهرب منه إلى علي بالكوفة. واستخلف علي [على] اليمن ~~عبد الله بن عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله، وقتل ابنه، وأخذ ابنين ~~لعبيد الله بن عباس صغيرين هما: عبد الرحمن وقثم فقتلهما، وكانا عند رجل من ~~كنانة بالبادية، فلما أراد قتلهما قال # PageV02P732 # له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب ms1145 لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما! ~~فقتله وقتلهما بعده. وقيل إن الكناني أخذ سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول: # الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال مصلتا دون الجار # وقاتل حتى قتل. وأخذ الغلامين فدفنهما. فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت ~~امرأة منهن: يا هذا! قتلت الرجال فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون ~~في الجاهلية والإسلام! والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل ~~الصبي الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرحمة، وعقوق الأرحام لسلطان سوء! # وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة علي باليمن، وبلغ عليا الخبر، فأرسل ~~جارية بن قدامة السعدي في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى ~~أتى نجران، فقتل بها ناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه منه، واتبعه ~~جارية حتى أتى مكة فقال: بايعوا أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك فلمن نبايع؟ ~~قال: لمن بايع له أصحاب علي. فبايعوا خوفا منه. # ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بالناس، فهرب منه، فقال جارية: ~~لو وجدت أبا سنور لقتلته. ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي ~~فبايعوه، وأقام يومه، ثم عاد إلى الكوفة ورجع أبو هريرة يصلي بهم. # وكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ، (وقيل: ~~عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان) . فلما قتل ولداها ولهت عليهما، فكانت ~~لا تعقل ولا تصفي، ولا تزال تنشدهما في المواسم فتقول: # PageV02P733 # يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف # يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف # يا من أحس بنيي اللذين هما ... قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف # من ذل والهة حيرى مدلهة ... على صبيين ذلا إذ غدا السلف # نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا # أحنى على ودجي إبني مرهفة ... من الشفار، كذاك الإثم يقترف # وهي أبيات مشهورة، فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ودعا ~~على بسر فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله! فأصابه ms1146 ذلك وفقد عقله، فكان يهذي ~~بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب، ويجعل بين يديه زق منفوخ، فلا يزال ~~يضربه، ولم يزل كذلك حتى مات. # PageV02P734 # ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله بن عباس، وعنده بسر، فقال ~~لبسر: وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي. فقال بسر: هاك سيفي. ~~فأهوى عبيد الله ليتناوله فأخذه معاوية وقال لبسر: أخزاك الله شيخا قد ~~خرفت! والله لو تمكن منه لبدأ بي! قال عبيد الله: أجل، ثم ثنيت به. # (سلمة: بكسر اللام، بطن من الأنصار) . # وقيل: إن مسير بسر إلى الحجاز كان سنة اثنتين وأربعين، فأقام بالمدينة ~~شهرا يستعرض الناس، لا يقال له عن أحد إنه شرك في دم عثمان إلا قتله. # وفيها جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ~~ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام، لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة. # (بسر: بضم الباء الموحدة، والسين المهملة. زريق: بالزاي والراء، قبيلة من ~~الأنصار أيضا. وجارية: بالجيم والراء) . # ذكر فراق ابن عباس البصرة # في هذه السنة خرج عبد الله بن عباس من البصرة، ولحق بمكة في قول أكثر أهل ~~السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وقال: لم يزل عاملا عليها لعلي حتى قتل علي، ~~وشهد صلح الحسن مع معاوية، ثم خرج إلى مكة. والأول أصح. وإنما كان الذي شهد ~~صلح الحسن عبيد الله بن عباس. # وكان سبب خروجه أنه مر بأبي الأسود فقال: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ~~ولو كنت راعيا لما بلغت المرعى. فكتب أبو الأسود إلى علي: أما بعد فإن الله ~~- عز وجل - جعلك واليا مؤتمنا، وراعيا مستوليا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم ~~الأمانة، ناصحا للرعية، توفر لهم فيئهم، وتكف نفسك عن دنياهم، ولا تأكل ~~أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، ~~ولم يسعني كتمانك - رحمك الله - فانظر فيما هناك، واكتب إلي برأيك فيما ~~أحببت، والسلام. # PageV02P735 # فكتب إليه علي: أما بعد فمثلك نصح الإمام والأمة، ووالى على الحق، وقد ~~كتبت إلى ms1147 صاحبك فيما كتبت إلي، ولم أعلمه بكتابك، فلا تدع إعلامي بما يكون ~~بحضرتك مما النظر فيه صلاح للأمة، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك، ~~والسلام. # وكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك ~~باطل، وإني لما تحت يدي لضابط وله حافظ، فلا تصدق الظنون والسلام. فكتب ~~إليه علي: أما بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، وفيما وضعت. ~~فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك، (إني رزأته ~~من أهل هذه البلاد) ، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه، والسلام. # واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر، فاجتمعت معه (قيس كلها) فحمل مالا ~~وقال: هذه أرزاقنا (اجتمعت، فتبعه أهل البصرة) فلحقوه بالطف يريدون أخذ ~~المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف! فقال صبرة بن شيمان ~~الحداني: يا معشر الأزد، إن قيسا إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدو، وإن ~~الذي يصيبكم من هذا المال لقليل، وهم لكم خير من المال. فأطاعوه فانصرفوا ~~(وانصرفت معهم بكر وعبد القيس) وقاتلهم بنو تميم، (فنهاهم الأحنف، فلم ~~يسمعوا منه، فاعتزلهم) وحجز الناس بينهم، ومضى ابن عباس إلى مكة. ### | [ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام] # وفي هذه السنة قتل علي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وقيل: لإحدى # PageV02P736 # عشرة، وقيل: لثلاث عشرة بقيت منه، وقيل: في شهر ربيع الآخر سنة أربعين. ~~والأول أصح. # قال أنس بن مالك: «مرض علي فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر، فجلست عنده، ~~فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر في وجهه، فقال له أبو بكر وعمر: ~~يا نبي الله ما نراه إلا ميتا. فقال: " لن يموت هذا الآن، ولن يموت حتى ~~يملأ غيظا، ولن يموت إلا مقتولا» . # وقيل من غير وجه: إن عليا كان يقول: ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذه؟ ~~يعني لحيته من دم رأسه. # وقال عثمان بن المغيرة: كان علي لما دخل رمضان يتعشى ليلة ms1148 عند الحسن، ~~وليلة عند الحسين، وليلة عند أبي جعفر، لا يزيد على ثلاث لقم، يقول: (أحب ~~أن) يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان، فلم تمض ليلة حتى ~~قتل. # وقال الحسن بن كثير عن أبيه، قال: خرج علي من الفجر فأقبل الإوز يصحن في ~~وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته. # وقال الحسن بن علي يوم قتل علي: خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره، ~~فقال لي: يا بني إني بت أوقظ أهلي، لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني ~~عيناي، # PageV02P737 # فنمت، فسنح لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله ماذا ~~لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: والأود العوج، واللدد الخصومات فقال ~~لي: ادع عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو ~~شر مني! فجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة، فخرج وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم ~~فقتله. وكان - عليه السلام - إذا رأى ابن ملجم قال: # أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد # وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله ~~التميمي (الصريمي، وقيل اسم البرك الحجاج) ، وعمرو بن بكر التميمي السعدي - ~~وهم من الخوارج - اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا عمل ولاتهم ثم ذكروا ~~أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا ~~أنفسنا، وقتلنا أئمة الضلالة، وأرحنا منهم البلاد! فقال ابن ملجم: أنا ~~أكفيكم عليا، (وكان من أهل مصر) . وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم ~~معاوية. وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. # فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت ~~دونه، وأخذوا سيوفهم فسموها، واتعدوا لسبع عشرة من رمضان. وقصد كل رجل منهم ~~الجهة التي يريد، فأتى ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه بالكوفة وكتمهم أمره، ~~ورأى يوما أصحابا له من تيم الرباب، وكان علي قد قتل منهم يوم النهر عدة، ~~فتذاكروا قتلى # PageV02P738 # النهر، ولقي معهم ms1149 امرأة من تيم الرباب اسمها قطام، وقد قتل أبوها وأخوها ~~يوم النهر، وكانت فائقة الجمال. فلما رآها أخذت قلبه فخطبها. فقالت: لا ~~أتزوجك حتى تشتفي لي. فقال: وما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبدا وقينة، ~~وقتل علي. فقال: أما قتل علي فما أراك ذكرته وأنت تريدينني. قالت: بلى، ~~التمس غرته، فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قتلت فما عند ~~الله خير من الدنيا وما فيها. قال: والله ما جاء بي إلا قتل علي، فلك ما ~~سألت. قالت: سأطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك. وبعثت إلى رجل من قومها اسمه ~~وردان وكلمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال ~~له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ~~ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد، ~~فإذا خرج إلى الصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا ~~أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان ~~غير علي كان أهون، قد عرفت سابقته وفضله وبلاءه في الإسلام، وما أجدني ~~أنشرح لقتله. قال: أما تعلمه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى. ~~قال: فنقتله بمن قتل من أصحابنا. فأجابه. # فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل ~~علي، وقتل معاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان، وجلسوا مقابل السدة ~~التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. ~~فضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه ~~بالسيف، (وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك) ! وهرب وردان فدخل ~~منزله، فأتاه رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف عنه وجاء بسيفه ~~فضرب به وردان حتى قتله. # PageV02P739 # وهرب شبيب في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي ~~يد شبيب السيف، فأخذه وجلس عليه، فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا ms1150 في طلبه ~~وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا، وهرب شبيب في غمار الناس. # ولما ضرب ابن ملجم عليا قال: لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليه فأخذوه، ~~وتأخر علي وقدم جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخته أم هانئ، يصلي بالناس الغداة، ~~وقال علي: أحضروا الرجل عندي. فأدخل عليه. فقال: أي عدو الله! ألم أحسن ~~إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت ~~الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا ~~من شر خلق الله. ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن ~~بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، ~~تقولون قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن: إن أنا ~~مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة، ولا تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: " «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور» ". # (هذا كله) وابن ملجم مكتوف. فقالت له أم كلثوم ابنة علي: أي عدو الله! لا ~~بأس على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى من تبكين؟ والله إن سيفي اشتريته ~~بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ما بقي منهم أحد. # ودخل جندب بن عبد الله على علي فقال: إن فقدناك، ولا نفقدك، فنبايع ~~الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ثم دعا الحسن والحسين فقال ~~لهما: # PageV02P740 # أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوي ~~عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضائع، واصنعا للآخرة، وكونا ~~للظالم خصيما، وللمظلوم ناصرا، واعملا بما في كتاب الله، ولا تأخذكما في ~~الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به ~~أخويك؟ قال: نعم. قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما ~~عليك (فاتبع أمرهما) ولا تقطع أمرا دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه ~~شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان ms1151 يحبه. وقال للحسن أوصيك أي ~~بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن ~~الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة ~~الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد ~~للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش. # ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله، حتى مات - رضي الله عنه ~~وأرضاه -. # وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها ~~قميص، وكبر عليه الحسن سبع تكبيرات. # PageV02P741 # فلما قبض بعث الحسن إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني ~~والله قد أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلا وفيت به، وإني عاهدت الله ~~عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية، أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني ~~وبينه، فلك الله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في ~~يدك. فقال له الحسن: لا والله حتى تعاين النار. ثم قدمه فقتله، وأخذه الناس ~~فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار. # قال عمرو بن الأصم: قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث ~~قبل القيامة! فقال: كذب والله هؤلاء الشيعة، لو علمنا أنه مبعوث قبل ~~القيامة ما زوجنا نساءه، ولا قسمنا ماله. أما قوله: هذه الشيعة، فلا شك أنه ~~يعني طائفة منها، فإن كل شيعة لا تقول هذا، إنما تقوله طائفة يسيرة منهم، ~~ومن مشهوري هذه الطائفة: جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، وقد انقرض القائلون ~~بهذه المقالة فيما نعلمه. # بجرة: بفتح الباء والجيم. (والبرك: بضم الباء الموحدة، وفتح الراء وآخره ~~كاف) . # وأما البرك بن عبد الله، فإنه قعد لمعاوية في تلك الليلة التي ضرب فيها ~~علي، فلما خرج معاوية ليصلي الغداة، شد عليه بالسيف، فوقع السيف في أليته، ~~فأخذ، فقال: إن عندي خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك [عندك] ؟ قال: ~~نعم. قال: إن أخا لي قتل عليا هذه الليلة. قال: فلعله لم يقدر على ms1152 ذلك. ~~قال: بلى، إن عليا ليس معه أحد يحرسه. فأمر به معاوية فقتل. # وبعث معاوية إلى الساعدي، وكان طبيبا، فلما نظر إليه قال: اختر إما أن ~~أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ ~~منها، فإن ضربتك مسمومة. فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما ~~الولد فإن يزيد # PageV02P742 # وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ ولم يولد له بعدها. # وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات، وحرس الليل، وقيام الشرط على رأسه إذا ~~سجد، وهو أول من عملها في الإسلام. وقيل: إن معاوية لم يقتل البرك، وإنما ~~أمر فقطعت يده ورجله، وبقي إلى أن ولي زياد البصرة، وكان البرك قد صار ~~إليها وولد له، فقال له زياد: يولد لك، وتركت أمير المؤمنين لا يولد له؟ ~~فقتله وصلبه. # وأما عمرو بن بكر، فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان ~~اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن أبي حبيبة - وكان صاحب شرطته، وهو من بني عامر ~~بن لؤي، - فخرج ليصلي بالناس، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص، فضربه ~~فقتله، فأخذه الناس إلى عمرو فسلموا عليه بالإمرة. فقال: من هذا؟ قالوا: ~~عمرو. قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة. # قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله ~~خارجة. فقدمه عمرو فقتله. # قال: ولما بلغ عائشة قتل علي قالت: # فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت: # فإن يك نائيا فلقد نعاه ... نعي ليس في فيه التراب # PageV02P743 # فقالت زينب بنت أبي سلمة: أتقولين هذا لعلي؟ فقالت: إنني أنسى، فإذا نسيت ~~فذكروني. وقال ابن أبي مياس المرادي: # فنحن ضربنا، يا لك الخير # حيدرا أبا حسن مأمومة فتفطرا ... ونحن خلعنا ملكه من نظامه # بضربة سيف إذ علا وتجبرا ... ونحن كرام في الصباح أعزة # إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا # وقال أيضا: # ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام بين عرب ومعجم # ثلاثة ms1153 آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم # فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم # وقال أبو الأسود الدؤلي في قتل علي: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فلا قرت عيون الشامتينا # أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرا أجمعينا # PageV02P744 # قتلتم خير من ركب المطايا # ورحلها ومن ركب السفينا ... ومن لبس النعال (ومن حذاها # ) ومن قرأ المثاني والمئينا ... إذا استقبلت وجه أبي حسين # رأيت البدر راع الناظرينا ... لقد علمت قريش حيث كانت # بأنك خيرها حسبا ودينا # (وقال بكر بن حماد التاهرتي: # قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت للدين والإسلام أركانا # قتلت أفضل من يمشي على قدم ... وأعظم الناس إسلاما وإيمانا # وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعا وتبيانا # صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا # وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا # ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت سبحان رب العرش سبحانا # إني # لأحسبه ما كان من أنس # كلا ولكنه قد كان شيطانا # PageV02P745 # قد كان يخبرهم [هذا] بمقتله ... قبل المنية أزمانا فأزمانا # فلا عفا الله عنه سوء فعلته ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا # يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # بل ضربة من غوي أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا # كأنه لم يرد قصدا بضربته ... إلا ليصلي عذاب الخلد نيرانا # ذكر مدة خلافته ومقدار عمره # وقد قال بعضهم: كانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وكان عمره ثلاثا ~~وستين سنة، وقيل: كان عمره تسعا وخمسين، وقيل: خمسا وستين، وقيل: ثمانيا ~~وخمسين. والأول أصح. ولما قتل دفن عند مسجد الجماعة، وقيل: في القصر، وقيل ~~غير ذلك. (والأصح أن قبره هو الموضع الذي يزار ويتبرك به) . # ذكر نسبه وصفته ونسائه وأولاده # كان آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، عظيم اللحية، ~~كثير شعر الصدر، هو إلى القصر أقرب، وقيل: كان فوق الربعة، وكان ضخم عضلة # PageV02P746 # الذراع، دقيق مستدقها، ضخم عضلة ms1154 الساق، مستدقها، وكان من أحسن الناس ~~وجها، ولا يغير شيبه، كثير التبسم. # وأما نسبه فهو علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف (بن عبد المطلب ~~بن هاشم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف) . وهو أول خليفة، أبواه ~~هاشميان، ولم يل الخلافة إلى وقتنا هذا من أبواه هاشميان غيره، وغير الحسن ~~ولده، ومحمد الأمين، فإن أباه هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن ~~المنصور. # وأما أزواجه، فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان له منها الحسن والحسين، وقد ذكر أنه ~~كان له منها ابن آخر يقال له محسن، وأنه توفي صغيرا، وزينب الكبرى، وأم ~~كلثوم الكبرى. ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حرام الكلابية، فولدت له ~~العباس، وجعفرا، وعبد الله، وعثمان، قتلوا مع الحسين (بالطف، ولا بقية لهم ~~غير العباس، وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية، فولدت له ~~عبيد الله وأبا بكر، قتلا مع الحسين) . وقيل: إن عبيد الله قتله المختار ~~بالمذار، وقيل: لا بقية لهما. وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية، فولدت له ~~محمدا الأصغر، ويحيى، ولا عقب لهما. وقيل: إن محمدا لأم ولد، وقتل مع ~~الحسين. وقيل: إنها ولدت له عونا. وله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية، وهي ~~من السبي الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر، وولدت له عمر بن ~~علي، ورقية بنت علي، فعمر عمر حتى بلغ خمسا وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث ~~علي، ومات بينبع. وتزوج علي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن ~~عبد شمس، وأمها زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فولدت له محمدا ~~الأوسط، وله محمد بن علي الأكبر، الذي يقال له ابن الحنفية، أمه خولة بنت ~~جعفر، من بني حنيفة. وتزوج علي أيضا أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية، ~~فولدت له أم الحسن، ورملة الكبرى، (وأم كلثوم) ، وكان له بنات من أمهات شتى ~~لم يذكرن لنا، منهن أم ms1155 هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم ~~كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، # PageV02P747 # وجمانة، ونفيسة، كلهن من أمهات أولاد. وتزوج أيضا مخباة بنت امرئ القيس ~~بن عدي الكلبية، فولدت له جارية هلكت صغيرة، كانت تخرج إلى المسجد فيقال ~~لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه، تعني كلبا. # فجميع ولده أربعة عشر ذكرا، وسبع عشرة امرأة، وكان النسل منهم للحسن، ~~والحسين، ومحمد ابن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية. # ذكر عماله # وكان عامله على البصرة هذه السنة عبد الله بن عباس، وقد ذكرنا الاختلاف ~~في أمره، وكان إليه الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وكان على ~~قضائها من قبل علي أبو الأسود الدؤلي، وكان على فارس زياد، وقد ذكرنا مسيره ~~إليها، وكان على اليمن عبيد الله بن عباس، حتى كان من أمره وأمر بسر بن أبي ~~أرطاة ما ذكر، وكان على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم بن عباس، وكان على ~~المدينة أبو أيوب الأنصاري، وقيل: سهل بن حنيف، وكان عند قدوم بسر عليه من ~~أمره ما كان، وذكر. # ذكر بعض سيرته # كان أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خازنا لعلي على بيت ~~المال، فدخل علي يوما وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت ~~المال، فقال: من أين لها هذه؟ لأقطعن يدها! فلما رأى أبو رافع جده في ذلك ~~قال: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها. فقال علي: لقد تزوجت بفاطمة ~~وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار وما ~~لي خادم غيرها. # قال ابن عباس: قسم علم الناس خمسة أجزاء، فكان لعلي منها أربعة أجزاء، # PageV02P748 # ولسائر الناس جزء شاركهم علي فيه فكان أعلمهم به. # وقال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما جاء لعلي. # وقال عمرو بن ميمون: لما ضرب عمر بن الخطاب وجعل الخلافة في الستة من ~~الصحابة، فلما خرجوا من عنده قال: إن يولوها الأجلح ms1156 يسلك بهم الطريق، فقال ~~له ابنه عبد الله: فما يمنعك يا أمير المؤمنين (من توليته) ؟ قال: أكره أن ~~أتحملها حيا وميتا. # وقال عاصم بن كليب عن أبيه: قدم على علي مال من أصبهان، فقسمه على سبعة ~~أسهم، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم ~~لينظر أيهم يعطى أولا. # وقال هارون بن عنترة عن أبيه: دخلت على علي بالخورنق - وهو فصل شتاء - ~~وعليه خلق قطيفة، وهو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ~~ولأهلك في هذا المال نصيبا وأنت تفعل هذا بنفسك؟ فقال: والله ما أرزأكم ~~شيئا، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة. # وقال يحيى بن سلمة: استعمل علي عمرو بن سلمة على أصبهان، فقدم ومعه مال ~~وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا ~~وعسلا، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن. فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال ~~والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه وقال: نحن ~~نحضرها، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين ~~منها، فرآهما قد نقصا، فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، ~~فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع. # قيل: وخرج من همدان فرأى رجلين يقتتلان، ففرق بينهما ثم مضى، فسمع صوتا: ~~يا غوثاه بالله! فخرج يحضر نحوه وهو يقول: أتاك الغوث. فإذا رجل يلازم ~~رجلا. فقال: يا أمير المؤمنين بعت هذا ثوبا بسبعة دراهم، وشرطت أن لا ~~يعطيني مغموزا ولا مقطوعا، وكان شرطهم يومئذ، فأتاني بهذه الدراهم، فأتيت ~~ولزمته، فلطمني. فقال للاطم: ما تقول؟ فقال: صدق يا أمير المؤمنين. فقال: ~~أعطه شرطه. فأعطاه. وقال للملطوم: اقتص. قال: أو أعفو يا أمير المؤمنين؟ ~~قال: ذلك إليك. ثم قال: يا معشر المسلمين خذوه، فأخذوه، فحمل على ظهر رجل ~~كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضربه # PageV02P749 # خمس عشرة درة وقال: هذا نكال لما انتهكت من حرمته. # ولما قتل - عليه السلام - قام ابنه الحسن ms1157 خطيبا فقال: لقد قتلتم الليلة ~~رجلا في ليلة نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى، وفيها قتل يوشع بن نون، ~~والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده، والله إن كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يبعثه في السرية وجبرائيل عن يمينه، وميكائيل ~~عن يساره، والله ما ترك (صفراء ولا بيضاء) إلا ثمانمائة أو سبعمائة أرصدها ~~لجارية. # وقال سفيان: إن عليا لم يبن آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة ~~على قصبة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب. # (وقيل: إنه أخرج سيفا له إلى السوق فباعه وقال: لو كان عندي أربعة دراهم ~~ثمن إزار لم أبعه. وكان لا يشتري ممن يعرفه، وإذا اشترى قميصا قدر كمه على ~~طول يده وقطع الباقي) . وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي ~~يأكل منه ويقول: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم. # وقال الشعبي: وجد علي درعا له عند نصراني، فأقبل به إلى شريح وجلس إلى ~~جانبه وقال: لو كان خصمي مسلما لساويته، وقال: هذه درعي! فقال النصراني: ما ~~هي إلا درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين؟ فقال شريح لعلي: ألك بينة؟ قال: لا - ~~وهو يضحك - فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيرا، ثم عاد وقال: أشهد أن هذه ~~أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه. ثم أسلم ~~واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين، ففرح علي بإسلامه ووهب له ~~الدرع وفرسا، وشهد معه قتال الخوارج. # وقيل: إن عليا رؤي وهو يحمل في ملحفته تمرا قد اشتراه بدرهم، فقيل له: يا ~~أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله. # وقال الحسن بن صالح: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: ~~أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. # وقال المدائني: نظر علي إلى قوم ببابه، فقال لقنبر مولاه: من هؤلاء؟ قال: # PageV02P750 # شيعتك يا أمير المؤمنين. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما ~~سيماهم؟ قال: ms1158 خمص البطون من الطوي، يبس الشفاه من الظمإ، عمش العيون من ~~البكاء. # (ومناقبه لا تحصى، قد جمعت قضاياه في كتاب مفرد) . # ذكر بيعة الحسن بن علي # وفي هذه السنة - أعني سنة أربعين - بويع الحسن بن علي بعد قتل أبيه. وأول ~~من بايعه قيس بن سعد الأنصاري، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله ~~وسنة نبيه، وقتال المحلين. فقال الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما ~~يأتيان على كل شرط. فبايعه الناس. وكان الحسن يشترط عليهم: إنكم مطيعون ~~تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت. فارتابوا بذلك وقالوا: ما هذا لكم ~~بصاحب وما يريد هذا إلا القتال. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة المغيرة بن شعبة، وافتعل كتابا على لسان معاوية، ~~فيقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر عرفة خوفا أن يفطن لفعله، وقيل: فعل ذلك ~~لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه واليا على الموسم. # وفيها بويع معاوية بالخلافة ببيت المقدس، وكان قبل ذلك يدعى بالأمير في ~~بلاد الشام، فلما قتل علي دعي بأمير المؤمنين، (هكذا قال بعضهم) ، وقد تقدم ~~أنه بويع بالخلافة بعد اجتماع الحكمين، (والله أعلم. وكانت خلافة الحسن ستة ~~أشهر) . # [الوفيات] # وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بعد قتل علي بأربعين ليلة، وصلى عليه # PageV02P751 # الحسن بن علي. وفيها مات حسان بن ثابت، وأبو رافع مولى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهما من # PageV02P752 # الصحابة. وفيها مات شرحبيل بن السمط الكندي، وهو من أصحاب معاوية. قيل له ~~صحبة. وفي أول خلافة علي مات جهجاه الغفاري له صحبة. وفيها مات الحارث بن ~~خزمة الأنصاري، شهد بدرا وأحدا وغيرهما. وفيها مات خوات بن جبير الأنصاري ~~بالمدينة، وكان قد خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، فرجع لعذر ~~فضرب له # PageV02P753 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه، وهو صاحب ذات النحيين. # وفي خلافة علي مات قرظة بن كعب الأنصاري بالكوفة، (وقيل: بل مات في إمارة ~~المغيرة على الكوفة لمعاوية) ، شهد أحدا وغيرها وشهد سائر المشاهد مع علي. ~~ومات ms1159 معاذ بن عفراء الأنصاري (في أول خلافة علي، وهو بدري، شهد المشاهد ~~كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . وفي خلافته مات أبو لبابة بن ~~عبد المنذر الأنصاري، وكان # PageV02P754 # نقيبا، شهد بدرا، وقيل: بل استخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~المدينة ورده من طريق بدر وضرب له بسهمه. وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة ~~الدوسي، (له صحبة، قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكان على ~~خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان مجذوما، واستعمله أبو بكر وعمر على ~~بيت المال، وكان معه الخاتم أيام عثمان، فمن يده وقع الخاتم، وقيل: إنه ~~توفي آخر خلافة عثمان. # PageV02P755 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين] # بسم الله الرحمن الرحيم 41 # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين: # ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية # كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت لما ظهر ~~ما كان يخبرهم به عن أهل الشام، فبينما هو يتجهز للمسير قتل، عليه السلام، ~~وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له. فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه ~~مسير معاوية في أهل الشام إليه، فتجهز هو والجيش الذي كانوا بايعوا عليا ~~وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية، وكان قد نزل مسكن، فوصل الحسن إلى ~~المدائن، وجعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفا، ~~(وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس، فجعل عبد الله على ~~مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة) . فلما نزل الحسن المدائن نادى ~~مناد في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا. فنفروا بسرادق الحسن، ~~فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطا كان تحته، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا، ودخل ~~المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي ~~عم المختار بن أبي عبيد، فقال له المختار، وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ ~~قال: وما ذاك؟ قال: تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية: # فقال له عمه: عليك ms1160 لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وأوثقه؟ بئس الرجل أنت! # فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطا وقال له: إن ~~أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به. وقال لأخيه الحسين ~~وعبد الله بن جعفر: # PageV03P005 # إنني قد راسلت معاوية في الصلح: # فقال له الحسين: # (أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك! فقال له الحسن) : ~~اسكت، أنا أعلم بالأمر منك. # فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر ~~وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما ~~صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ~~ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. # فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك ~~وأمسكها عنده، فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي ~~في الصحيفة التي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية وقال له: قد أعطيتك ما ~~كنت تطلب. # فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق إنه سخي بنفسي ~~عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. # وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه ~~خمسة آلاف ألف، وخراج دارابجرد من فارس، وأن لا يشتم عليا، فلم يجبه عن ~~الكف عن شتم علي، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به ~~أيضا، وأما خراج دارابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا ~~نعطيه أحدا، وكان منعهم بأمر معاوية أيضا. # وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة، وقيل: في ربيع ~~الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، وقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية لأنه ~~لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ~~وقال: # PageV03P006 # إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام ms1161 شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام ~~بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم ~~إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد ~~أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، ~~وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه ~~عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله، عز وجل، بظبى ~~السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى. # فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية! وأمضى الصلح. # ولما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: أيها الناس إنما ~~نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب الله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا. وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه ~~(فلما ساروا إلى معاوية في الصلح اصطلحا على ما ذكرناه) وسلم إليه الحسن ~~الأمر. # وكانت خلافة الحسن، على قول من يقول: إنه سلم الأمر في ربيع الأول، خمسة ~~أشهر ونحو نصف شهر، وعلى قول من يقول: في ربيع الآخر، يكون ستة أشهر وشيئا، ~~وعلى قول من يقول: في جمادى الأولى، يكون سبعة أشهر وشيئا، والله تعالى ~~أعلم. # ولما اصطلحا وبايع الحسن معاوية دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، وكتب ~~الحسن إلى قيس بن سعد، وهو على مقدمته في اثني عشر ألفا، يأمره بالدخول في ~~طاعة معاوية، فقام قيس في الناس فقال: أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة ~~إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام. فقال بعضهم: بل نختار الدخول في طاعة ~~إمام ضلالة. فبايعوا معاوية أيضا. فانصرف قيس فيمن تبعه، على ما نذكره. # ولما دخل معاوية الكوفة قال له عمرو بن العاص ليأمر الحسن أن يقوم فيخطب ~~الناس ليظهر لهم عيه. فخطب معاوية الناس ثم أمر الحسن أن يخطبهم. فقام فحمد ~~الله بديهة ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، ~~وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول، وإن الله، عز وجل، قال لنبيه: ms1162 {وإن أدري ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} [الأنبياء: 111] . فلما قاله قال له معاوية: ~~اجلس، وحقدها على عمرو وقال: هذا من رأيك. # PageV03P007 # ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمهم، وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من ~~الكوفة. # قيل للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة ~~قوما لا يثق بهم أحد أبدا إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، ~~مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما، فليت ~~شعري لمن يصلحون بعدي، وهي أسرع البلاد خرابا! # «ولما سار الحسن من الكوفة عرض له رجل فقال له: يا مسود وجوه المسلمين! ~~فقال: لا تعذلني فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام بني ~~أمية ينزون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك فأنزل الله عز وجل: {إنا ~~أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] ، وهو نهر في الجنة، و {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} [القدر: 1] إلى قوله تعالى: {خير من ألف شهر} [القدر: 3] ، يملكها ~~بعدك بنو أمية» . # ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد # (وفيها جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس امتنع من ذلك وسبب ~~امتناعه) أن عبيد الله بن عباس لما علم بما يريده الحسن من تسليم الأمر إلى ~~معاوية كتب إلى معاوية يسأله الأمان لنفسه على ما أصاب من مال وغيره، ~~فأجابه على ذلك، وأرسل عبد الله بن عامر في جيش كثيف، فخرج إليهم عبيد الله ~~ليلا وترك جنده الذين هو عليهم بغير أمير وفيهم قيس بن سعد، فأمر ذلك الجند ~~عليهم قيس بن سعد وتعاقدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشرط لشيعة علي ولمن ~~كان معه على دمائهم وأموالهم. وقيل: إن قيسا كان هو الأمير على ذلك الجيش ~~(في المقدمة، على ما ذكرناه، وكان شديد الكراهة لإمارة معاوية بن أبي ~~سفيان، فلما بلغه أن الحسن بن علي صالح معاوية اجتمع معه جمع كثير وبايعوه ~~على قتال معاوية حتى يشترط # PageV03P008 # لشيعة علي على دمائهم وأموالهم وما كانوا ms1163 أصابوا في الفتنة، فراسله ~~معاوية يدعوه إلى طاعته، وأرسل إليه بسجل، وختم على أسفله وقال له: اكتب في ~~هذا ما شئت فهو لك. فقال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله. فقال معاوية: ~~على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير ~~العيش بعد ذلك؟ فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا. # فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي الأمان على ما ~~أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل في سجله ذلك مالا، وأعطاه معاوية ما ~~سأل، ودخل قيس ومن معه في طاعته. # وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة يقال إنهم ذوو رأي العرب ~~ومكيدتهم: معاوية، وعمرو، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن ~~بديل الخزاعي، وكان قيس وابن بديل مع علي، وكان المغيرة معتزلا بالطائف، ~~ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه سعد بن أبي وقاص فقال: السلام عليك أيها ~~الملك! فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال: أتقولها جذلان ضاحكا؟ والله ما أحب أني وليتها بما وليتها ~~به. # ذكر خروج الخوارج على معاوية # قد ذكرنا فيما تقدم اعتزال فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة من الخوارج ~~ومسيرهم إلى شهرزور، وتركوا قتال علي والحسن، فلما سلم الحسن الأمر إلى ~~معاوية قالوا: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. # فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى حلوا بالنخيلة عند الكوفة، وكان الحسن ~~بن علي قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة، فلحقه ~~رسوله بالقادسية أو قريبا منها، فلم يرجع وكتب إلى معاوية: لو آثرت أن ~~أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمة وحقن ~~دمائها. # فأرسل إليهم معاوية جمعا من أهل الشام، فقاتلوهم، فانهزم أهل الشام، فقال ~~معاوية لأهل الكوفة: والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم. فخرج أهل الكوفة ~~فقاتلوهم. فقالت لهم الخوارج: أليس معاوية عدونا ms1164 وعدوكم؟ دعونا حتى نقاتله، ~~فإن # PageV03P009 # أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا بد ~~لنا من قتالكم. فأخذت أشجع صاحبهم فروة فحادثوه ووعظوه فلم يرجع، فأخذوه ~~قهرا وأدخلوه الكوفة، فاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي الحوساء، رجلا ~~من طيئ، فقاتلهم أهل الكوفة فقتلوهم في ربيع الأول، (وقيل: في ربيع الآخر) ~~وقتل ابن أبي الحوساء، وكان ابن أبي الحوساء حين ولي أمر الخوارج قد خوف من ~~السلطان أن يصلبه، فقال: # ما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت ... ماذا فعلتم بأوصال وأبشار # تجري المجرة والنسران عن قدر ... والشمس والقمر الساري بمقدار # وقد علمت، وخير القول أنفعه ... أن السعيد الذي ينجو من النار # ذكر خروج حوثرة بن ذراع # ولما قتل ابن أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن ذراع بن ~~مسعود الأسدي، فقام فيهم وعاب فروة بن نوفل لشكه في قتال علي ودعا الخوارج ~~وسار من براز الروز، وكان بها، حتى قدم النخيلة في مائة وخمسين، وانضم إليه ~~فل ابن أبي الحوساء، وهم قليل، فدعا معاوية أبا حوثرة فقال له: اخرج إلى ~~ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وكلمه وناشده وقال: ألا أجيئك بابنك ~~فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه؟ فقال: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أتقلب فيه ~~ساعة أشوق مني إلى ابني. فرجع أبوه فأخبر معاوية بقوله، فسير معاوية إليهم ~~عبد الله بن عوف الأحمر في ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج فدعا ابنه إلى ~~البراز، فقال: يا أبه لك في غيري سعة. وقاتلهم ابن عوف وصبروا، وبارز حوثرة ~~عبد الله بن عوف فطعنه ابن عوف فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين دخلوا الكوفة، ~~وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى # PageV03P010 # وأربعين: ورأى ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود، وكان صاحب عبادة، فندم على ~~قتله، وقال: # قتلت أخا بني أسد سفاها ... لعمر أبي فما لقيت رشدي # قتلت مصليا محياء ليل ... طويل الحزن ذا بر وقصد # قتلت أخا تقى لا نال دنيا ... وذاك لشقوتي وعثار جدي # فهب لي ms1165 توبة يا رب واغفر ... لما قارفت من خطأ وعمد # ذكر خروج فروة بن نوفل ومقتله # ثم إن فروة بن نوفل الأشجعي خرج على المغيرة بن شعبة بعد مسير معاوية، ~~فوجه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعي، ويقال: معقل بن قيس، فلقيه، ~~بشهرزور فقتله، وقيل قتل ببعض السواد. # ذكر شبيب بن بجرة # كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليا، فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب ~~كالمتقرب إليه فقال: أنا وابن ملجم قتلنا عليا، فوثب معاوية من مجلسه ~~مذعورا حتى دخل منزله وبعث إلى أشجع وقال: لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنه ~~ببابي لأهلكنكم، أخرجوه عن بلدكم. وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق ~~أحدا إلا قتله، فلما ولي المغيرة الكوفة خرج عليه بالقف، قريب الكوفة، فبعث ~~إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة، وقيل: معقل بن قيس، فاقتتلوا فقتل ~~شبيب وأصحابه. # PageV03P011 # ذكر معين الخارجي # وبلغ المغيرة أن معين بن عبد الله يريد الخروج، وهو رجل من محارب، وكان ~~اسمه معنا فصغر، فأرسل إليه، وعنده جماعة، فأخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى ~~معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إن شهد أني خليفة فخل سبيله. فأحضره المغيرة ~~وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أن الله، ~~عز وجل، حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ~~فأمر به فقتل، قتله قبيصة الهلالي، فلما كان أيام بشر بن مروان جلس رجل من ~~الخوارج على باب قبيصة حتى خرج فقتله، ولم يعرف قاتله حتى خرج قاتله مع ~~شبيب بن يزيد، فلما قدم الكوفة قال: يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة! # ذكر خروج أبي مريم # ثم خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن كعب ومعه امرأتان: قطام وكحيلة، وكان ~~أول من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أدية، فقال: قد قاتل ~~النساء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع المسلمين بالشام، وسأردهما، ~~فردهما، فوجه إليه المغيرة جابرا البجلي، فقاتله فقتل أبو ms1166 مريم وأصحابه ~~ببادوريا. # ذكر خروج أبي ليلى # وكان أبو ليلى رجلا أسود طويلا، فأخذ بعضادتي باب المسجد بالكوفة وفيه ~~عدة من الأشراف وحكم بصوت عال، فلم يعرض له أحد، فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من ~~الموالي، فبعث فيه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة ~~اثنتين وأربعين. # ذكر استعمال المغيرة بن شعبة على الكوفة # وفيها استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه ~~المغيرة # PageV03P012 # بن شعبة فقال له: استعملت عبد الله على الكوفة وأباه على مصر فتكون أميرا ~~بين نابي الأسد. فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة. وبلغ عمرا ما قال ~~المغيرة، فدخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج فيغتال المال ~~ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتقيك. فعزله عن ~~الخراج واستعمله على الصلاة. # ولما ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري، وكان يكثر سب علي ~~على منبر الري، وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة، فأقره عليها، وغزا ~~الديلم ومعه عبد الله بن الحجاج التغلبي، وقتل ديلميا وأخذ سلبه، فأخذه منه ~~كثير، فناشده الله في رده عليه فلم يفعل، فاختفى له وضربه على وجهه بالسيف ~~أو بعصا هشم وجهه، فقال: # من مبلغ أفناء خندف أنني ... أدركت طائلتي من ابن شهاب # أدركته ليلا بعقوة داره ... فضربته قدما على الأنياب # هلا خشيت وأنت عاد ظالم ... بقصور أبهر أسرتي وعقابي # ذكر ولاية بسر على البصرة # في هذه السنة ولي بسر بن أبي أرطاة البصرة. # وكان السبب في ذلك أن الحسن لما صالح معاوية أول سنة إحدى وأربعين وثب ~~حمران بن أبان على البصرة فأخذها وغلب عليها، فبعث إليه معاوية بسر بن أبي ~~أرطاة وأمره بقتل بني زياد بن أبيه، وكان زياد على فارس قد أرسله إليها علي ~~بن أبي طالب، فلما قدم بسر البصرة خطب على منبرها وشتم عليا ثم قال: نشدت ~~الله رجلا يعلم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني. فقال أبو بكرة: ~~اللهم إنا لا نعلمك إلا ms1167 كاذبا. قال: فأمر به فخنق. فقام أبو لؤلؤة الضبي ~~فرمى بنفسه عليه فمنعه. وأقطعه أبو بكرة مائة جريب، وقيل لأبي بكرة: ما ~~حملك على ذلك؟ فقال: يناشدنا بالله ثم لا نصدقه؟ . # PageV03P013 # وأرسل معاوية إلى زياد: إن في يدك مالا من مال الله فأد ما عندك منه. # فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء، ولقد صرفت ما كان عندي في وجهه، ~~واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله ~~عليه. فكتب إليه معاوية: # أن أقبل ننظر فيما وليت، فإن استقام بيننا أمر وإلا رجعت إلى مأمنك. ~~فامتنع، فأخذ بسر أولاد زياد الأكابر، منهم: عبد الرحمن وعبيد الله وعباد، ~~وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك. فكتب إليه زياد: ~~لست بارحا من مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، وإن قتلت ولدي فالمصير ~~إلى الله ومن ورائنا الحساب، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ~~[الشعراء: 227] . فأراد بسر قتلهم فأتاه أبو بكرة فقال: # قد أخذت ولد أخي بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علي ~~حيث كانوا، فليس [لك] عليهم ولا على أبيهم سبيل. وأجله أياما حتى يأتيه ~~بكتاب معاوية، فركب أبو بكرة إلى معاوية، وهو بالكوفة فلما أتاه قال له: # يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا ~~أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بني أخي زياد. فكتب له بتخليتهم. فأخذ كتابه ~~إلى بسر بالكف عن أولاد زياد، وعاد فوصل البصرة يوم الميعاد وقد أخرج بسر ~~أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب ليقتلهم، واجتمع الناس لذلك وهم ~~ينتظرون أبا بكرة إذ رفع لهم على نجيب أو برذون يكده، فوقف عليه ونزل عنه ~~وألاح بثوبه وكبر وكبر الناس معه، فأقبل يسعى على رجليه فأدرك بسرا قبل أن ~~يقتلهم، فدفع إليه كتاب معاوية، فأطلقهم. # وقد كان معاوية كتب إلى زياد حين قتل علي يتهدده، فقام خطيبا فقال: العجب ~~من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ms1168 ورئيس الأحزاب يتهددني، وبيني وبينه ~~(ابنا) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ابن عباس والحسن بن علي، في ~~سبعين ألفا واضعي سيوفهم على عواتقهم! أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمز ~~ضرابا بالسيف. فلما صالح الحسن معاوية وقدم معاوية الكوفة تحصن زياد في ~~القلعة التي يقال لها قلعة زياد. # PageV03P014 # (قول من قال هذا: إن زيادا عنى ابن عباس، وهم لأن ابن عباس فارق عليا في ~~حياته) . # وقيل: إن معاوية أرسل هذا إلى زياد في حياة علي، فقال زياد هذه المقالة ~~وعنى بها عليا. وكتب زياد إلى علي يخبره بما كتب إليه معاوية، فأجابه بما ~~هو مشهور، (وقد ذكرناه في استلحاق معاوية زيادا) . # (كل ما في هذا الخبر بسر فهو بضم الباء الموحدة والسين المهملة الساكنة) ~~. # ذكر ولاية ابن عامر البصرة لمعاوية # ثم أراد معاوية أن يولي عتبة بن أبي سفيان البصرة، فكلمه ابن عامر وقال ~~له: إن لي بالبصرة ودائع وأموالا، فإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه البصرة. ~~فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين، وجعل إليه خراسان وسجستان، فجعل على شرطته ~~حبيب بن شهاب، وعلى القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو، وقد تقدم في وقعة ~~الجمل أن عميرة قتل فيها، وقيل عمرو هو المقتول، (والله سبحانه أعلم ~~بالصواب) . # ذكر ولاية قيس بن الهيثم خراسان # وفي هذه السنة استعمل ابن عامر قيس بن الهيثم السلمي على خراسان، وكان ~~أهل باذغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا، فسار إلى بلخ فأخرب نوبهارها، كان الذي ~~تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بني ليث، وهو الخشك، وإنما سمي عطاء الخشك ~~لأنه # PageV03P015 # أول من دخل مدينة هراة من المسلمين من باب خشك، واتخذ قناطر على ثلاثة ~~أنهار من بلخ على فرسخ فقيل: قناطر عطاء. # ثم إن أهل بلخ سألوا الصلح ومراجعة الطاعة فصالحهم قيس. # وقيل: إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين، وسيرد ذكره. ثم قدم ~~قيس على ابن عامر فضربه وحبسه واستعمل عبد الله بن خازم، فأرسل إليه أهل ~~هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون ms1169 الأمان والصلح، فصالحهم وحمل إلى ابن عامر ~~مالا. # (عبد الله بن خازم بالخاء المعجمة) . # ذكر خروج سهم بن غالب # وفي هذه السنة خرج سهم بن غالب الهجيمي على ابن عامر في سبعين رجلا، منهم ~~الخطيم الباهلي، وهو يزيد بن مالك، وإنما قيل له الخطيم لضربة ضربها على ~~وجهه، فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمر بهم عبادة بن فرص الليثي من الغزو ~~ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. ~~قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني. ~~قالوا: أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. فخرج إليهم ابن عامر بنفسه ~~وقاتلهم فقتل منهم عدة وانحاز بقيتهم إلى أجمة وفيهم سهم والخطيم، فعرض ~~عليهم ابن عامر الأمان فقبلوه، فآمنهم، فرجعوا، فكتب إليه معاوية يأمر ~~بقتلهم، فكتب إليه ابن عامر: إني قد جعلت لهم ذمتك. # فلما أتى زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب سهم والخطيم فخرجا إلى ~~الأهواز، فاجتمع إلى سهم جماعة فأقبل بهم إلى البصرة، (فأخذ قوما) ، ~~فقالوا: نحن يهود، فخلاهم، وقتل سعدا مولى قدامة بن مظعون، فلما وصل إلى ~~البصرة تفرق عنه أصحابه، فاختفى سهم، وقيل: إنهم تفرقوا عند استخفائه، فطلب ~~الأمان وظن أنه يسوغ له عند زياد ما ساغ عند ابن عامر، فلم يؤمنه زياد، ~~وبحث عنه، فدل عليه، فأخذه وقتله وصلبه في داره. # PageV03P016 # وقيل: لم يزل مستخفيا إلى أن مات زياد فأخذه عبيد الله بن زياد فصلبه سنة ~~أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك، فقال رجل من الخوارج: # فإن تكن الأحزاب باءوا بصلبه ... فلا يبعدن الله سهم بن غالب # وأما الخطيم فإنه سأله عن قتله عبادة فأنكره فسيره إلى البحرين ثم أعاده ~~بعد ذلك. # ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس، وقيل: ولد سنة أربعين ~~قبل أن يقتل علي، والأول أصح، وباسم علي سماه، وقال: سميته باسم أحب الناس ~~إلي. # وحج ms1170 بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي سفيان. # وفي هذه السنة استعمل عمرو بن العاص عقبة بن نافع بن عبد قيس، وهو ابن ~~خالة عمرو، على إفريقية، فانتهى إلى لواتة ومزاتة، فأطاعوا ثم كفروا، ~~فغزاهم من سنته، فقتل وسبى، ثم افتتح في سنة اثنتين وأربعين غدامس، فقتل ~~وسبى، وفتح في سنة ثلاث وأربعين كورا من كور السودان، وافتتح ودان، وهي من ~~برقة، وافتتح عامة بلاد بربر، وهو الذي اختط القيروان سنة خمسين، وسيذكر إن ~~شاء الله تعالى. # [الوفيات] # وفيها مات لبيد بن ربيعة الشاعر، وقيل: مات يوم دخل معاوية الكوفة وعمره # PageV03P017 # مائة سنة وسبع وخمسون سنة، وقيل: مات في خلافة عثمان، وله صحبة، وترك ~~الشعر مذ أسلم. # PageV03P018 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين] ### | 42 - # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين # في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضا فهزموهم هزيمة منكرة ~~وقتلوا جماعتهم من بطارقتهم. # وفيها ولد الحجاج بن يوسف في قول. # وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة، وولى خالد بن العاص بن هشام ~~مكة، فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل. # وكان على الكوفة: المغيرة بن شعبة وعلى قضائها شريح، (وعلى خراسان قيس بن ~~الهيثم استعمله ابن عامر، وقيل: استعمله معاوية لما استقامت له الأمور، ~~فلما ولي ابن عامر البصرة أقره عليها) . # ذكر الخبر عن تحرك الخوارج # وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل في النهر ومن ~~كان ارتث من جراحته في النهر فبرءوا وعفا علي عنهم، وكان سبب خروجهم أن ~~حيان بن ظبيان السلمي كان خارجيا وكان قد ارتث يوم النهر، فلما برأ لحق ~~بالري في رجال معه: # PageV03P019 # فأقاموا بها حتى بلغهم مقتل علي، فدعا أصحابه وكانوا بضعة عشر، أحدهم ~~سالم بن ربيعة العبسي، فأعلمهم بقتل علي، فقال سالم: # لا شلت يمين علت قذاله بالسيف! وحمدوا الله على قتله، رضي الله عنه ولا ~~رضي عنهم. ثم إن سالما رجع عن رأي الخوارج بعد ذلك وصلح، ودعاهم حيان إلى ~~الخروج ومقاتلة ms1171 أهل القبلة، فأقبلوا إلى الكوفة فأقاموا بها حتى قدمها ~~معاوية، واستعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، فأحب العافية وأحسن السيرة، ~~وكان يؤتى فيقال له: # إن فلانا يرى رأي الشيعة وفلانا يرى رأي الخوارج، فيقول: قضى الله أن لا ~~يزالوا مختلفين وسيحكم الله بين عباده. فأمنه الناس. # وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهر، فاجتمعوا ~~على ثلاثة نفر: على المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وعلى معاذ بن ~~جوين الطائي وهو ابن عم زيد بن حصين الذي قتل يوم النهر، وعلى حيان بن ~~ظبيان السلمي، واجتمعوا في أربعمائة فتشاوروا فيمن يولون عليهم، فكلهم دفع ~~الإمارة عن نفسه، ثم اتفقوا فولوا المستورد وبايعوه، وذلك في جمادى الآخرة، ~~واتعدوا للخروج واستعدوا، وكان خروجهم غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين. # (علفة بضم العين المهملة، وتشديد اللام المكسورة، وفتح الفاء) . # ذكر قدوم زياد على معاوية # وفي هذه السنة قدم زياد على معاوية [من فارس] . # وكان سبب ذلك أن زيادا كان قد استودع ماله عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكان ~~عبد الرحمن يلي ماله بالبصرة، وبلغ معاوية ذلك فبعث المغيرة بن شعبة لينظر ~~في أموال زياد، فأخذ عبد الرحمن فقال له: إن كان أبوك قد أساء إلي لقد أحسن ~~عمك، يعني زيادا. وكتب إلى معاوية: أن عذب عبد الرحمن، فأراد أن يعذر، وبلغ ~~ذلك معاوية فقال لعبد الرحمن: احتفظ بما في يديك. # وألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء، فغشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرات ثم ~~خلاه وكتب إلى معاوية: إني عذبته فلم أصب عنده شيئا. وحفظ لزياد يده عنده. ~~ثم دخل المغيرة على معاوية، فقال معاوية حين رآه: # إنما موضع سر المرء إن باح بالسر أخوه المنتصح # PageV03P020 # فإذا بحت بسر فإلى ناصح يستره أو لا تبح # فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني تستودع ناصحا مشفقا، وما ~~ذلك؟ قال له معاوية: ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي. فقال ~~المغيرة: ما زياد هناك؟ فقال معاوية: داهية العرب معه أموال فارس يدبر ~~الحيل، ما يؤمنني ms1172 أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعاد [علي] ~~الحرب جذعة، فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم، ~~فأته وتلطف له. # فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن ~~أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع، فخذ لنفسك قبل التوطين ~~فيستغني معاوية عنك. قال: أشر علي (وارم الغرض الأقصى) ، فإن المستشار ~~مؤتمن: # فقال له المغيرة: (أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه، ويقضي الله. وكتب ~~إليه معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه) ، فخرج زياد من فارس نحو معاوية ~~ومعه المنجاب بن راشد الضبي وحارثة بن بدر الغداني. # وسرح عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس وقال: لعلك ~~تلقى زيادا في طريقك فتأخذه. فسار ابن خازم، فلقي زيادا بأرجان، فأخذه ~~بعنانه وقال: انزل يا زياد. فقال له المنجاب: تنح يا ابن السوداء وإلا علقت ~~يدك بالعنان. وكانت بينهم منازعة. فقال له زياد: قد أتاني كتاب معاوية ~~وأمانه. فتركه ابن خازم، وقدم زياد على معاوية، وسأله عن أموال فارس، ~~فأخبره بما حمل منها إلى علي وبما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلى ~~النفقة وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين، فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي ~~عنده وقبضه منه. # PageV03P021 # وقيل: إن زيادا لما قال لمعاوية قد بقيت بقية من المال وقد أودعتها، مكث ~~معاوية يردده، فكتب زياد كتبا إلى قوم (أودعهم المال وقال لهم) : قد علمتم ~~ما لي عندكم من الأمانة فتدبروا كتاب الله: {إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] الآية، فاحتفظوا بما قبلكم. وسمى ~~في الكتب المال الذي أقر به لمعاوية، وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من يبلغ ذلك ~~معاوية. ففعل رسوله، وانتشر ذلك، فقال معاوية لزياد حين وقف على الكتب: ~~أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت. فصالحه على شيء وحمله إليه، ~~ومبلغه: ألف ألف درهم، واستأذنه في نزول الكوفة، فأذن له، فكان المغيرة ~~يكرمه ويعظمه. ms1173 فكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن ~~صرد وشبث بن ربعي وابن الكوا بن الحمق بالصلاة في الجماعة، فكانوا يحضرون ~~معه الصلاة. (وإنما ألزمهم بذلك لأنهم كانوا من شيعة علي) . # ذكر عدة حوادث # وحج هذه السنة بالناس عنبسة بن أبي سفيان. # [الوفيات] : # وفيها مات حبيب بن مسلمة الفهري بأرمينية، وكان أميرا لمعاوية عليها، ~~وكان قد # PageV03P022 # شهد معه حروبه كلها. وفيها مات عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، له ~~صحبة. وفيها مات ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب: # وهو الذي صارع النبي، صلى الله عليه وسلم، # PageV03P023 # وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وله صحبة. وفيها مات هانئ بن نيار بن عمرو ~~الأنصاري: # PageV03P024 # وهو خال البراء بن عازب، وقيل: سنة خمس وأربعين، وكان بدريا عقبيا. # (نيار بكسر النون، وفتح الياء تحتها نقطتان، وآخره راء) . # PageV03P025 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين] ### | 43 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين # في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطاة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ ~~القسطنطينية فيما زعم الواقدي، وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار وقالوا: لم ~~يشت بسر بأرض الروم قط. # (وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وكان عمل عليها لعمر أربع ~~سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرا. # وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر فوليها نحوا من سنتين. # وفيها مات محمد بن مسلمة بالمدينة في صفر، وصلى عليه مروان بن الحكم، ~~وعمره سبع وسبعون سنة) . # ذكر مقتل المستورد الخارجي # وفيها قتل المستورد بن علفة التيمي تيم الرباب، وقد ذكر سنة اثنتين ~~وأربعين: تحرك الخوارج وبيعتهم له (ومخاطبته بأمير المؤمنين) . # PageV03P026 # فلما كان هذه السنة أخبره المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان بن ~~ظبيان السلمي واتعدوا للخروج غرة شعبان، فأرسل المغيرة صاحب شرطته، وهو ~~قبيصة بن الدمون، فأحاط بدار حيان هو ومن معه، وإذا عنده معاذ بن جوين ونحو ~~عشرين رجلا، وثارت امرأته، وهي أم ولد كانت له كارهة، فأخذت سيوفهم ms1174 فألقتها ~~تحت الفراش، وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى ~~المغيرة فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء، وذكروا أنهم اجتمعوا لقراءة ~~القرآن، ولم يزالوا في السجن نحو سنة، وسمع إخوانهم فحذروا، وخرج صاحبهم ~~المستورد فنزل الحيرة، واختلف الخوارج إليه، فرآهم حجار بن أبجر، فسألوه أن ~~يكتم عليهم ليلتهم تلك، فقال لهم: سأكتم عليكم الدهر، فخافوه أن يذكر حالهم ~~للمغيرة، فتحولوا إلى دار سليم بن محدوج العبدي، وكان صهرا للمستورد ولم ~~يذكر حجار من أخبارهم شيئا. # وبلغ المغيرة خبرهم وأنهم عازمون على الخروج تلك الأيام، فقام في الناس ~~فحمد الله ثم قال: لقد علمتم أني لم أزل أحب لجماعتهم العافية وأكف عنكم ~~الأذى، وخشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، (وقد خشيت أن لا نجد بدا من أن ~~يؤخذ) الحليم التقي بذنب الجاهل السفيه، فكفوا عنها سفهاءكم قبل أن يشمل ~~البلاء عوامكم، وقد بلغنا أن رجالا يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق ~~(والنفاق) والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب إلا أهلكتهم ~~وجعلتهم نكالا لمن بعدهم! # فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير أعلمنا بهؤلاء القوم، ~~فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا غيرنا أمرت أهل الطاعة فأتاك كل قبيلة ~~بسفهائهم. فقال: ما سمي لي أحد باسمه. فقال معقل: أنا أكفيك قومي فليكفك كل ~~رئيس قومه. فأحضر المغيرة الرؤساء وقال لهم: ليكفني كل رجل منكم قومه وإلا ~~فوالله لأتحولن عما تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون. # فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على كل من يريد أن ~~يهيج الفتنة، وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس، وكان قد علم بمنزل حيان ~~في دار سليم، ولكنه كره أن يؤخذ من عشيرته على فراقه لأهل الشام وبغضه ~~لرأيهم، (وكره مساءة أهل بيت من قومه) ، فقام فيهم فقال: # أيها الناس، إن الله وله الحمد لما قسم # PageV03P027 # الفضل خصكم بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره لنفسه وارتضاه ~~لملائكته ورسله، ثم أقمتم ms1175 حتى قبض الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، ~~فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك ~~الله الظالمين، ولم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا حتى اختلفت الأمة بينها ~~فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، ~~وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل ~~بيت نبينا الذين ابتدأنا الله - عز وجل - من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله ~~- عز وجل - لكم وتوفيقا، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك ~~الله بكم وبمن كان على مثل هديكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر، ~~وسكت عن ذكر أهل الشام لأن السلطان لهم، فلا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت ~~نبيكم من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا ~~علينا بالكفر، فإياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم شيئا، فإنه لا ~~ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد ذكر لي أن ~~بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحث عن ذلك، فإن يك حقا تقربت إلى الله ~~بدمائهم، فإن دماءهم حلال! # وقال: يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا ~~تجعلوا لهم عليكم سبيلا، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى مثلكم. ثم جلس وكل قوم ~~قال: لعنهم الله وبرئ منهم، لا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم، ~~غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا ورجع كئيبا يكره أن يخرج أصحابه من ~~داره فيلوموه، ويكره أن يؤخذوا في داره فيهلكوا ويهلك معهم. # وجاء أصحاب المستورد إليه فأعلموه بما قام به المغيرة في الناس وبما قام ~~به رءوسهم فيهم. فسأل ابن محدوج عما قام به صعصعة في عبد القيس فأخبره، ~~وقال: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال له: قد أكرمت المثوى ~~وأحسنت، ونحن مرتحلون عنك. # وبلغ الخبر الذين في محبس المغيرة من الخوارج فقال ms1176 معاذ بن جوين بن حصين ~~في ذلك: # PageV03P028 # ألا أيها الشارون قد حان لامرئ ... شرى نفسه لله أن يترحلا # أقمتم بدار الخاطئين جهالة ... وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا # فشدوا على القوم العداة فإنما ... أقامتكم للذبح رأيا مضللا # ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي ... إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا # فيا ليتني فيكم على ظهر سابح ... شديد القصيرى دارعا غير أعزلا # ويا ليتني فيكم العادي عدوكم ... فيسقيني كأس المنية أولا # يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين منصلا # ولما يفرق جمعهم كل ماجد ... إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا # مشيحا بنصل السيف في حمس الوغى ... يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا # وعز علي أن تصابوا وتنقصوا ... وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا # ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ... أثرت إذا بين الفريقين قسطلا # فيا رب جمع قد فللت وغارة ... شهدت وقرن قد تركت مجدلا # وأرسل المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من هذه القبيلة، واتعدوا ~~سوراء. فخرجوا إليها متقطعين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل وساروا إلى ~~الصراة، فسمع المغيرة بن شعبة خبرهم فدعا رؤساء الناس فاستشارهم فيمن يرسله ~~إليهم، فقال له عدي بن حاتم: كلنا لهم عدو ولرأيهم مبغض وبطاعتك مستمسك، ~~فأينا شئت سار إليهم. وقال له معقل بن قيس: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى ~~حولك إلا رأيته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أن تبعث ~~إليهم أحدا من الناس أعدى لهم مني، فابعثني إليهم، فأنا أكفيكهم بإذن الله ~~تعالى. فقال: اخرج على اسم الله! فجهز معه ثلاثة آلاف. وقال المغيرة لصاحب ~~شرطته: الصق بمعقل شيعة علي؛ # PageV03P029 # فإنه كان من رؤساء أصحابه: # فإذا اجتمعوا استأنس بعضهم ببعض وهم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة ~~وأجرأ عليهم من غيرهم، فقد قاتلوهم قبل هذه المرة. وقال له صعصعة بن صوحان ~~نحوا من قول معقل. فقال له المغيرة: اجلس فإنما أنت خطيب. فأحفظه ذلك. # وإنما قال له ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ~~ويفضله، وكان المغيرة دعاه وقال ms1177 له: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان، ~~وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا ~~السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا ~~به، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن ~~كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا، وأما علانية في ~~المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثم يبلغه عنه ~~أنه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة فأجابه بهذا الجواب، فقال له صعصعة: وما ~~أنا إلا خطيب فقط! قال: أجل. فقال: والله إني للخطيب الصليب الرئيس، أما ~~والله لو شهدتني يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشئون تفرى وهامة تختلى لعلمت ~~أني الليث النهد. فقال: حسبك، لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا. # وخرج معقل ومعه ثلاثة آلاف فارس نقاوة الشيعة وسار إلى سوراء ولحقه ~~أصحابه. # وأما الخوارج فإنهم ساروا إلى بهرسير وأرادوا العبور إلى المدينة العتيقة ~~التي فيها منازل كسرى، فمنعهم سماك بن عبيد الأزدي العبسي، وكان عاملا ~~عليها، فكتب إليه المستورد يدعوه إلى البراءة من عثمان وعلي وأن يتولاه ~~وأصحابه. فقال سماك: بئس الشيخ أنا إذا! وأعاد الجواب على المستورد يدعوه ~~إلى الجماعة وأن يأخذ له الأمان، فلم يجب وأقام بالمدائن ثلاثة أيام، ثم ~~بلغه مسير معقل إليهم فجمعهم المستورد وقال لهم: إن المغيرة قد بعث إليكم ~~معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين، فأشيروا علي برأيكم. فقال ~~بعضهم: خرجنا نريد الله والجهاد وقد جاءونا فأين نذهب بل نقيم حتى يحكم ~~الله بيننا. وقال بعضهم: بل نتنحى ندعو الناس، # PageV03P030 # ونحتج عليهم بالدعاء. فقال لهم: لا أرى أن نقيم حتى يأتونا وهم مستريحون، ~~بل أرى أن نسير بين أيديهم فيخرجوا في طلبنا فينقطعوا ويتبددوا على تلك ~~الحال. # فساروا فعبروا بجرجرايا، ومضوا إلى أرض جوخى ثم بلغوا المذار فأقاموا ~~بها. # وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم، فسأل كيف صنع المغيرة فأخبر بفعله، فاستدعى ~~شريك بن ms1178 الأعور الحارثي، وكان من شيعة علي، فقال له: اخرج إلى هذه المارقة. ~~ففعل. وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس من الشيعة، وكان أكثرهم من ربيعة، وسار ~~بهم إلى المذار. # وأما معقل بن قيس فسار إلى المدائن حتى بلغها، فبلغه رحيلهم فشق ذلك على ~~الناس، فقال لهم معقل: # إنهم ساروا لتتبعوهم وتتبددوا وتنقطعوا فتلحقوهم وقد تعبتم، وإنه لا ~~يصيبكم شيء من ذلك وقد أصابهم مثل ذلك. وسار في أثارهم وقدم بين يديه أبا ~~الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس، فتبعهم أبو الرواغ حتى لحقهم بالمذار، ~~فاستشار أصحابه في قتالهم قبل قدوم معقل، فقال بعضهم: لا تفعل، وقال بعضهم: # بل نقاتلهم. فقال لهم: إن معقلا أمرني أن لا أقاتلهم. فقالوا له: ينبغي ~~أن تكون قريبا منه حتى يأتي معقل، وكان ذلك عند المساء. فباتوا يتحارسون ~~حتى أصبحوا، فلما ارتفع النهار خرجت الخوارج إليهم، وكانوا أيضا ثلاثمائة، ~~وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب أبي الرواغ ساعة ثم صاح بهم أبو الرواغ: الكرة ~~الكرة! وحمل ومعه أصحابه، فلما دنوا من الخوارج عادوا منهزمين، إلا أنهم لم ~~يقتل منهم أحد، فصاح بهم أبو الرواغ أيضا: # ثكلتكم أمهاتكم! ارجعوا بنا نكن قريبا منهم لا نفارقهم حتى يقدم علينا ~~أميرنا، وما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش منهزمين من عدونا! فقال له بعض ~~أصحابه: إن الله لا يستحي من الحق، قد والله هزمونا. فقال له: لا أكثر الله ~~فينا مثلك، إنا ما لم نفارق المعركة فلم نهزم، ومتى عطفنا عليهم وكنا قريبا ~~منهم فنحن على حال حسنة، فقفوا قريبا منهم فإن أتوكم وعجزتم عنهم فتأخروا ~~قليلا، فإذا حملوا عليكم وعجزتم عن # PageV03P031 # قتالهم فانحازوا على حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا ~~منهم، فإن الجيش يأتيكم عن ساعة. # فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوارج رجع أبو ~~الرواغ في آثارهم، فلم يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم ~~أقاموا إلى العصر، وكان أهل القرى والسيارة قد أخبروا معقلا بالتقاء ~~الخوارج وأصحابه، وأن الخوارج تطرد أصحابه بين ms1179 أيديهم، فإذا رجعوا عاد ~~أصحابه خلفهم. فقال معقل: إن كان ظني في أبي الرواغ صادقا لا يأتيكم منهزما ~~أبدا. ثم أسرع السير في سبعمائة من أهل القوة واستخلف محرز بن شهاب التميمي ~~على ضعفة الناس، فلما أشرفوا على أبي الرواغ قال لأصحابه: هذه غبرة فتقدموا ~~بنا إلى عدونا حتى لا يرانا أصحابنا، أنا تنحينا عنهم وهبناهم. فتقدم حتى ~~وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه ~~وصلى أبو الرواغ بأصحابه وصلى الخوارج أيضا، وقال أبو الرواغ لمعقل: إن لهم ~~شدات منكرات فلا تلها بنفسك ولكن قف وراء الناس تكون ردءا لهم. فقال: نعم ~~ما رأيت. # فبينما هو يخاطبه حملت الخوارج عليهم فانهزم عامة أصحاب معقل وثبت هو، ~~فنزل إلى الأرض ومعه أبو الرواغ في نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد ~~استقبلوه بالرماح والسيوف، فانهزمت خيل معقل ساعة، ثم ناداهم مسكين بن ~~عامر، وكان شجاعا: أين الفرار وقد نزل أميركم، ألا تستحيون؟ ثم رجع ورجعت ~~معه خيل عظيمة ومعقل بن قيس يقاتل الخوارج بمن معه، فلم يزل يقاتلهم حتى ~~ردهم إلى البيوت، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن معه، ~~فجعلهم معقل ميمنة وميسرة وقال لهم: لا تبرحوا حتى تصبحوا ونثور إليهم. # ووقف الناس بعضهم مقابل بعض فبينما هم متوافقون أتى الخوارج عين لهم ~~فأخبرهم أن شريك بن الأعور قد أقبل إليهم من البصرة في ثلاثة آلاف. # فقال المستورد لأصحابه: لا أرى أن نقيم لهؤلاء جميعا، ولكني أرى أن نرجع ~~إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن أهل البصرة لا يتبعوننا إلى أرض الكوفة فيهون ~~علينا (قتال) أهل الكوفة. ثم أمرهم بالنزول ليريحوا دوابهم ساعة، ففعلوا، ~~ثم دخلوا القرية وأخذوا منها من دلهم على الطريق الذي أقبلوا منه وعادوا ~~راجعين. # PageV03P032 # وأما معقل فإنه بعث من يأتيه بخبرهم حين لم ير سوادهم، فعاد إليه الخبر ~~أنهم قد ساروا، فخاف أن تكون مكيدة وخاف البيات فاحتاط هو وأصحابه وتحارسوا ~~إلى الصباح، فلما أصبحوا أتاهم من أخبرهم ms1180 بمسيرهم، وجاء شريك بن الأعور ~~فيمن معه فلقي معقلا فتساءلا ساعة وأخبره معقل بخبرهم، فدعا شريك أصحابه ~~إلى المسير مع معقل، فلم يجيبوه، فاعتذر إلى معقل بخلاف أصحابه، وكان صديقا ~~له يجمعهما رأي الشيعة، ودعا معقل أبا الرواغ وأمره باتباعهم، فقال له: ~~زدني مثل الذين كانوا معي ليكون أقوى لي إن أرادوا مناجزتي. فبعث معه ~~ستمائة فارس، فساروا سراعا حتى أدركوا الخوارج بجرجرايا وقد نزلوا فنزل بهم ~~أبو الرواغ مع طلوع الشمس، فلما رأوهم قالوا: إن قتال هؤلاء أيسر من قتال ~~من يأتي بعدهم، فحملوا على أبي الرواغ وأصحابه حملة صادقة، فانهزم أصحابه ~~وثبت في مائة فارس، فقاتلهم طويلا وهو يقول: # إن الفتى كل الفتى من لم يهل ... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل # قد علمت أني إذا البأس نزل ... أروع يوم الهيج مقدام بطل # ثم عطف أصحابه من كل جانب، فصدقوهم القتال حتى أعادوهم إلى مكانهم، فلما ~~رأى المستورد ذلك علم أنهم إن أتاهم معقل ومن معه هلكوا، فمضى هو وأصحابه ~~فعبروا دجلة ووقفوا في أرض بهرسير وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم بساباط، ~~فلما نزل بهم قال المستورد لأصحابه: إن هؤلاء هم حماة أصحاب معقل وفرسانه، ~~ولو علمت أني أسبقهم إليه بساعة لسرت إليه فواقعته. ثم أمر من يسأل عن ~~معقل، فسألوا بعض من على الطريق فأخبروهم أنه نزل ديلمايا وبينهم ثلاثة ~~فراسخ، فلما أخبر المستورد ذلك ركب وركب أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ~~ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من ~~جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى ~~أصحابه واعتزل إلى صحراء بين المدائن وساباط ليكون القتال بها ووقف ~~ينتظرهم، فلما قطع المستورد الجسر سار إلى ديلمايا نحو معقل ليوقع به، ~~فانتهى إليه وأصحابه متفرقون عنه وهو يريد الرحيل وقد تقدم بعض أصحابه، # PageV03P033 # فلما رآهم معقل نصب رايته ونادى: # يا عباد الله الأرض الأرض! فنزل معه نحو مائتي رجل، فحملت الخوارج عليهم ~~فاستقبلوهم بالرماح جثاة ms1181 على الركب فلم يقدروا عليهم فتركوهم وعدلوا إلى ~~خيولهم فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها، فذهبت في كل جانب، ثم مال على ~~المتفرقين من أصحاب معقل ففرقوا بينهم، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه وهم على ~~الركب فحملوا عليهم، فلم يتجلجلوا، فحملوا أخرى فلم يقدروا عليهم، فقال ~~المستورد لأصحابه: لينزل نصفكم ويبقى نصفكم على الخيل. ففعلوا واشتد الحال ~~على أصحاب معقل وأشرفوا على الهلاك. # فبينما هم كذلك إذ أقبل أبو الرواغ عليهم فيمن معه. وكان سبب عوده إليهم ~~أنه أقام بمكانه ينتظرهم، فلما أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم، فرأوا ~~الجسر مقطوعا ففرحوا ظنا منهم أن الخوارج فعلوا ذلك لهم، فرجعوا إلى أبي ~~الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم وأن الجسر قد قطعوه هيبة لهم. # فقال لهم أبو الرواغ: لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدة، وما أراهم إلا وقد ~~سبقوكم إلى معقل حيث رأوا فرسان أصحابه معي، وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به ~~عن لحاقهم، فالنجاء النجاء في الطلب. # ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر وعبر عليه واتبع الخوارج، فلقيه أوائل ~~الناس منهزمين، فصاح بهم: إلي إلي! فرجعوا إليه وأخبروه الخبر وأنهم تركوا ~~معقلا يقاتلهم وما يظنونه إلا قتيلا. فجد في السير ورد معه كل من لقيه من ~~المنهزمين، فانتهى إلى العسكر فرأى راية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل ~~أبو الرواغ ومن معه على الخوارج فأزالوهم غير بعيد، ووصل أبو الرواغ إلى ~~معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه، فشدوا على الخوارج شدة منكرة، ونزل ~~المستورد ومن معه من الخوارج ونزل أصحاب معقل أيضا ثم اقتتلوا طويلا من ~~النهار بالسيوف أشد قتال. # ثم إن المستورد نادى معقلا ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم ~~يقبل منهم، وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل: خذ رمحك ~~فأبى وأقبل على المستورد، فطعنه المستورد برمحه فخرج السنان من ظهره، وتقدم ~~معقل والرمح فيه إلى المستورد فضربه بالسيف فخالط دماغه فوقع المستورد ميتا ~~ومات معقل أيضا. # وكان معقل قد قال: إن قتلت فأميركم عمرو بن شهاب التميمي. ms1182 # فلما # PageV03P034 # قتل أخذ الراية عمرو ثم حمل في الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم ~~غير خمسة أو ستة. # وقال ابن الكلبي: كان المستورد من تميم ثم من بني رياح، واحتج بقول جرير: # ومنا فتى الفتيان والجود معقل ... ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا # يعني هذه الوقعة. # ذكر عود عبد الرحمن إلى ولاية سجستان # في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، ~~فأتاها وعلى شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد ~~الله بن معمر وغيره، فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل ~~فحصرها أشهرا ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمة عظيمة، فبات عليها عباد ~~بن الحصين ليلة يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها وخرجوا من ~~الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة، ثم سار إلى بست ففتحها ~~عنوة، وسار إلى زران فهرب أهلها وغلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ~~ثم أتى الرخج فقاتلوه، فظفر بهم وفتحها، ثم سار إلى زابلستان، وهي غزنة ~~وأعمالها، (فقاتله أهلها) ، وقد كانوا نكثوا، ففتحها، وعاد إلى كابل وقد ~~نكث أهلها ففتحها. # ذكر غزوة السند # استعمل عبد الله بن عامر على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ~~ولاه معاوية من قبله، فغزا القيقان فأصاب مغنما، ووفد على معاوية وأهدى له ~~خيلا قيقانية، ورجع فغزا القيقان فاستنجدوا بالترك فقتلوه، وفيه يقول ~~الشاعر: # وابن سوار على عدانه ... موقد النار وقتال الشغب # PageV03P035 # وكان كريما لم يوقد أحد في عسكره نارا، فرأى ذات ليلة نارا فقال: ما هذه؟ ~~قالوا: امرأة نفساء يعمل لها الخبيص، فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة ~~أيام. # ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان # قيل: وفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم القيسي ثم السلمي ~~عن خراسان واستعمل عبد الله بن خازم. # وسبب ذلك أن قيسا أبطأ بالخراج والهدية، فقال عبد الله بن خازم لعبد الله ~~بن عامر: ولني خراسان أكفكها. فكتب له عهده، ms1183 فبلغ ذلك قيسا فخاف ابن خازم ~~وشغبه فترك خراسان وأقبل، فازداد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر، فضربه وحبسه ~~وبعث رجلا من يشكر على خراسان، وقيل: بعث أسلم بن زرعة الكلابي ثم ابن ~~خازم. # وقيل في عزله غير ذلك، وهو أن ابن خازم قال لابن عامر: إنك استعملت على ~~خراسان قيسا وهو ضعيف، وإني أخاف إن لقي حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان ~~وتفضح أخوالك، يعني قيس عيلان. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهدا ~~إن هو انصرف عن عدو قمت مقامه. فكتب له. # وجاش جماعة من طخارستان فشاوره قيس فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى ~~يجتمع إليه أطرافه، فلما سار مرحلة أو اثنين أخرج ابن خازم عهده وقام بأمر ~~الناس ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر الكوفة والبصرة والشام فغضب القيسية ~~وقالوا: خدع قيسا وابن عامر! وشكوا إلى معاوية، فاستقدمه، فاعتذر مما قيل ~~فيه، فقال معاوية: قم غدا فاعتذر في الناس. فرجع إلى أصحابه وقال: إني أمرت ~~بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا حول المنبر فإذا قلت فصدقوني. فقام من ~~الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا ~~أو أحمق يهمر من رأسه، ولست بواحد منهما، وقد علم من عرفني أني بصير ~~بالفرص، وثاب إليها وقاف عند المهالك، أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية، أنشد ~~الله من عرف ذلك مني فليصدقني. فقال أصحابه: صدقت. فقال: يا أمير المؤمنين ~~إنك فيمن نشدت فقل بما تعلم. فقال: صدقت. # PageV03P036 # ذكر عدة حوادث # وحج هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة: # وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة، وعلى البصرة ~~عبد الله بن عامر. # [الوفيات] : # فيها مات عبد الله بن سلام، وله صحبة مشهورة، وهو من علماء أهل الكتاب ~~وشهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة. # PageV03P037 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين] ### | 44 - # ثم دخلت سنة أربع وأربعين # في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ms1184 ~~وشتوا بها، وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر. # ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر عن البصرة. # وسببه أن ابن عامر كان حليما كريما لينا، لا يأخذ على أيدي السفهاء، ~~وفسدت البصرة في أيامه فشكا ذلك إلى زياد، فقال له: جرد السيف. فقال له: ~~إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي. ثم إن ابن عامر وفد وفدا من البصرة إلى ~~معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة، وفيهم ابن الكوا واسمه عبد الله بن أبي ~~أوفى اليشكري، فسألهم معاوية عن أهل العراق وعن أهل البصرة خاصة، فقال ابن ~~الكوا: يا أمير المؤمنين، إن أهل البصرة قد أكلهم سفهاؤهم، وضعف عنهم ~~سلطانهم، وعجز ابن عامر وضعفه. فقال له معاوية: نتكلم عن أهل البصرة وهم ~~حضور؟ # فلما عاد أهل البصرة أبلغوا ابن عامر، فغضب وقال: أي أهل العراق أشد ~~عداوة لابن الكوا؟ فقيل: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، فبلغ ~~ذلك ابن الكوا، فقال: إن ابن دجاجة، يعني ابن عامر، قليل العلم في، ظن أن ~~ولاية عبد الله خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق يشكري إلا عاداني وأنه ~~ولاه. # وقيل إن الذي ولاه ابن عامر خراسان طفيل بن عوف اليشكري. # فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر فأرسل إليه يستزيره، فجاء ~~إليه # PageV03P038 # فرده على عمه، فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن لك، ~~وأنا ابن أم حكيم قال: # ترد علي عملي ولا تغضب. # قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: # وتهب لي دورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم: # فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن ~~لك، وأنا ابن هند. # قال: ترد علي مالي بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملا ولا ~~تتبع لي أثرا. قال: قد فعلت: # قال: وتنكحني ابنتك هندا. قال: قد فعلت. # ويقال: إن معاوية قال له: اختر إما ms1185 أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك ~~وأردك، وإما أن أعزلك وأسوغك ما أصبت. فاختار العزل وأن لا يسوغه ما أصاب، ~~فعزله وولى البصرة الحارث بن عبد الله الأزدي. # ذكر استلحاق معاوية زيادا # وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية فزعموا أن رجلا من عبد القيس ~~كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يدا فإذا ~~أذنت لي أتيته. قال: على أن تحدثني بما يجري بينك وبينه. قال: نعم. فأذن له ~~فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي! لقد ~~هممت أن آتي بقسامة من قريش (يحلفون بالله) أن أبا سفيان لم ير سمية. # فلما رجع سأله زياد فلم يخبره، فألح عليه حتى أخبره، فأخبر زياد بذلك ~~معاوية. فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى ~~الأبواب. ففعل ذلك به. فأتى ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه، فركب معه حتى ~~أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس، فكم عسى ~~أن تقعد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل: # لنا سباق ولكم سباق ... قد علمت ذلكم الرفاق # PageV03P039 # ثم قعد فقال يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت؟ أما والله لقد علمت ~~العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني إلا عزا، وأني لم ~~أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه. ~~فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد. قال: إذا نرجع إلى ما تحب. ~~فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه. # فلما قدم زياد الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ما ~~تشاء؟ قال: تلحقون نسبي بمعاوية: # قالوا: أما بشهادة الزور فلا. فأتى البصرة فشهد له رجل. # هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد، ولم يذكر حقيقة ~~الحال في ذلك، إنما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر ms1186 سبب ذلك ~~وكيفيته، فإنه من الأمور المشهورة في الإسلام لا ينبغي إهمالها. # وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر، فمرض ~~الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه فبرأ، فوهبه سمية، ~~فولدت عند الحارث أبا بكرة، واسمه نفيع، فلم يقر به، ثم ولدت نافعا، فلم ~~يقر به أيضا، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حصر ~~الطائف، قال الحارث لنافع: أنت ولدي. وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه ~~عبيد، وهو رومي، فولدت له زيادا. # وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له ~~أبو مريم السلولي، وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال أبو سفيان لأبي مريم: قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغيا. فقال له: هل ~~لك في سمية؟ فقال: هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها، فأتاه بها، فوقع ~~عليها، فعلقت بزياد، ثم وضعته في السنة الأولى من الهجرة فلما كبر ونشأ ~~استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة، ثم إن عمر بن الخطاب استكفى ~~زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيا، فلما عاد إليه حضر، وعند عمر المهاجرون ~~والأنصار، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها. فقال عمرو بن العاص: لله هذا الغلام ~~لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه! فقال أبو سفيان، وهو حاضر: والله ~~إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال علي: يا أبا سفيان اسكت فإنك ~~لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا. # PageV03P040 # فلما ولي علي الخلافة استعمل زيادا على فارس، فضبطها وحمى قلاعها، واتصل ~~الخبر بمعاوية، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان ~~إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن آكلة ~~الأكباد، ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابنا عم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار؟ أما والله لو أذن لي في لقائه ~~لوجدني أحمز ms1187 مخشيا ضرابا بالسيف. # وبلغ ذلك عليا فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا، وقد ~~كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثا ولا ~~تحل (له نسبا) ، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه ~~وعن شماله، فاحذر ثم احذر، والسلام. # فلما قتل علي، وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه، واضع زياد ~~مصقلة بن هبيرة الشيباني، وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إن زيادا ~~قد أكل فارس برا وبحرا وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال ~~إلا حقا، فإذا قال لك: وما يقال؟ فقل: يقال إنه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ~~ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زيادا، واستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ~~ذلك، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، ~~فقال له معاوية: (بم) تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر ~~عندي وطلب مني بغيا فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال: ائتني بها على قذرها ~~ووضرها، فأتيته بها، فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها لتقطران منيا. ~~فقال له زياد: مهلا أبا مريم! إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما. # فاستلحقه معاوية، وكان استلحاقه أول ما ردت أحكام الشريعة علانية، «فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر» . # وكتب زياد إلى عائشة: (من زياد بن أبي سفيان، وهو يريد أن تكتب له: إلى ~~زياد بن أبي سفيان، فيحتج بذلك، فكتبت: من عائشة) أم المؤمنين إلى ابنها ~~زياد: # PageV03P041 # وعظم ذلك على المسلمين عامة وعلى بني أمية خاصة، وجرى (أقاصيص يطول ~~بذكرها الكتاب فأضربنا عنها. ومن اعتذر لمعاوية قال: إنما) استلحق معاوية ~~زيادا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعا، لا حاجة إلى ذكر جميعها، وكان منها ~~أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم ~~فيلحقه، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح، إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب ms1188 إلى ~~أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه ولم يفرق بين شيء منها، فتوهم ~~معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام، (وهذا ~~مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ~~ليكون به حجة) . # قيل: أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية، فسمع أخوه أبو بكرة، وكان ~~مهاجرا له من حين خالفه في الشهادة (بالزنا) على المغيرة بن شعبة، فلما سمع ~~بحجه جاء إلى بيته وأخذ ابنا له وقال له: يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك ~~تريد الحج ولا بد من قدومك إلى المدينة ولا شك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة ~~بنت أبي سفيان زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أذنت لك فأعظم به خزيا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا ~~وتكذيبا لأعدائك. # فترك زياد الحج وقال: جزاك الله خيرا فقد أبلغت في النصح. # ذكر غزو المهلب السند # وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بنة والأهواز، وهما بين ~~الملتان # PageV03P042 # وكابل، فلقيه العدو وقاتله، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارسا ~~من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعا، فقال المهلب: # ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتشمير منا! فحذف الخيل، وكان أول من حذفها ~~من المسلمين، وفي يوم بنة يقول الأزدي: # ألم تر أن الأزد ليلة بيتوا ... ببنة كانوا خير جيش المهلب # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة معاوية: # وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة بالمدينة، وهو أول من عملها بها، وكان ~~معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي. # [الوفيات] # وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفيها قتل رفاعة العدوي من عدي رباب، (وهو بصري له صحبة) . # PageV03P043 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين] ### | 45 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعين # فيها ولى معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أولها حين عزل ابن ~~عامر، وهو من أهل الشام، فاستعمل الحارث على شرطته ms1189 عبد الله بن عمرو ~~الثقفي، فبقي الحارث أميرا على البصرة أربعة أشهر، ثم عزله وولاها زيادا. # ذكر ولاية زياد بن أبيه البصرة # قدم زياد الكوفة فأقام ينتظر إمارته عليها، فقيل ذلك للمغيرة بن شعبة، ~~فسار إلى معاوية فاستقاله الإمارة وطلب منه أن يعطيه منازل بقرقيسيا ليكون ~~بين قيس، فخافه معاوية وقال له: لترجعن إلى عملك. فأبى، فازداد معاوية تهمة ~~له، فرده على عمله، فعاد إلى الكوفة ليلا وأرسل إلى زياد فأخرجه منها. # وقيل: إن المغيرة لم يسر إلى الشام وإنما معاوية أرسل إلى زياد، وهو ~~بالكوفة، فأمره بالمسير إلى البصرة، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع ~~له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ~~والفسق ظاهر فاش، فخطبهم خطبته البتراء، لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد ~~الله فقال: # الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله مزيدا من نعمه، اللهم كما زدتنا ~~نعما فألهمنا شكرا على نعمك علينا! أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة ~~العمياء، # PageV03P044 # والفجر الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل ~~عليه حلماؤكم من الأمور العظام، فينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير، ~~كأن لم تسمعوا نبي الله، ولم تقرءوا كتاب الله، ولم تعلموا ما أعد الله من ~~الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد ~~الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار ~~الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم ~~تسبقوا إليه، هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، ~~والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة ~~النهار؟ قربتم القرابة وباعدتم (الدين تعتذرون) بغير العذر، وتعطفون على ~~المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يخشى ~~معادا! ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من ~~قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس ~~الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى ms1190 أسويها بالأرض هدما وإحراقا! إني رأيت ~~آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير ~~(جبرية) وعنف، وإني لأقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، ~~والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: ~~انج سعد فقد # PageV03P045 # هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم، إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا ~~تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له، ~~إياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ~~ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا ~~دعا بها إلا قطعت لسانه. # وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما ~~غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا ~~دفنته فيه حيا، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي، وإياي لا ~~يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين ~~أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد ~~إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. # إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك ~~له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا ~~على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. # PageV03P046 # أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ~~أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما ~~أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم، ~~واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ~~منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه، ولا مجمرا ~~لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي ~~إليه تأوون، ومتى تصلحوا يصلحوا، ms1191 ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك ~~غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم لكان شرا ~~لكم، أسأل الله أن يعين كلا على كل، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه ~~على أذلاله، وإن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من ~~صرعاي. # فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة ~~وفصل الخطاب. فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود! # فقال الأحنف: قد قلت فأحسنت أيها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد ~~العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت. فقام إليه أبو بلال ~~مرداس بن أدية، وهو من الخوارج، وقال: أنبأ الله بغير ما قلت، قال الله ~~تعالى: {وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} [النجم: 37] . فأوعدنا الله خيرا مما أوعدتني يا زياد. فقال زياد: إنا # PageV03P047 # لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى نخوض إليها الدماء. # واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، وأجل الناس حتى بلغ الخبر ~~الكوفة وعاد إليه وصول الخبر، فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي فيأمر رجلا ~~أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن ~~إنسانا يبلغ أقصى البقرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى ~~إنسانا إلا قتله، فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتى به زيادا فقال: هل سمعت ~~النداء؟ فقال: لا والله قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع ~~وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير. فقال: أظنك والله صادقا ولكن في ~~قتلك صلاح الأمة. ثم أمر به فضربت عنقه. # وكان زياد أول من شدد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرد سيفه، وأخذ ~~بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس خوفا شديدا حتى أمن بعضهم بعضا، ~~وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه ~~صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه. # (وأدر العطاء) ، وبنى مدينة الرزق، وجعل ms1192 الشرط أربعة آلاف، وقيل له: إن ~~السبيل مخوفة. فقال: لا أعاني شيئا وراء المصر حتى أصلح المصر، فإن غلبني ~~فغيره أشد غلبة منه. فلما ضبط المصر وأصلحه تكلف ما وراء ذلك فأحكمه. # ذكر عمال زياد # استعان زياد بعدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم: عمران بن ~~حصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة ~~بن جندب. فأما عمران # PageV03P048 # فاستعفى من القضاء فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه ~~عاصما، ثم زرارة بن أوفى، وكانت أخته عند زياد. # وقيل إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس رابطة ~~خمسمائة لا يفارقون المسجد. # وجعل خراسان أرباعا، واستعمل على مرو أمير بن أحمر، وعلى نيسابور خليد بن ~~عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم، وعلى ~~هراة وباذغيس [وقادس] وبوشنج نافع بن خالد الطاحي، ثم عتب عليه فعزله. # وسبب تغيره عليه أن نافعا بعث بخوان باذزهر إلى زياد قوائمه منه، فأخذ ~~نافع منها قائمة وعمل مكانها قائمة من ذهب وبعث الخوان مع غلام له اسمه ~~زيد، وكان يلي أمور نافع كلها، فسعى زيد بنافع إلى زياد وقال: إنه خانك ~~وأخذ قائمة الخوان. فعزله زياد وحبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف، وقيل: ~~بثمانمائة ألف، فشفع فيه رجال من وجوه الأزد فأطلقه. # واستعمل الحكم بن عمرو الغفاري، وكانت له صحبة، وكان زياد قال لحاجبه: ~~ادع لي الحكم، يريد الحكم بن أبي العاص الثقفي، ليوليه خراسان، فخرج حاجبه ~~فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فاستدعاه، فحين رآه زياد قال له: ما أردتك ولكن ~~الله أرادك! فولاه خراسان وجعل معه رجالا على جباية الخراج، منهم: أسلم بن ~~زرعة الكلابي وغيره، وغزا الحكم طخارستان، فغنم غنائم كثيرة، ثم مات، ~~واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم، فعزله زياد وكتب إلى خليد بن عبد الله ~~الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي في خمسين ألفا من ~~البصرة والكوفة. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس ms1193 هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة. # PageV03P049 # [الوفيات] # وفيها مات زيد بن ثابت الأنصاري، وقيل: سنة خمس وخمسين، وعاصم بن عدي ~~الأنصاري البلوي، وكان بدريا، وقيل: لم يشهدها بل رده رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المدينة وضرب له بسهمه، وكان عمره مائة وعشرين سنة. وفيها ~~مات سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري بالمدينة، وشهد العقبة وبدرا وكان عمره ~~سبعين سنة. وفيها توفي ثابت بن الضحاك بن خليفة الكلابي، وهو من أصحاب ~~الشجرة، وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك. # PageV03P050 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين] ### | 46 - # ثم دخلت سنة ست وأربعين # في هذه السنة كان مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك ~~عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني: # وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد من بلاد الروم إلى حمص ومات. # ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان سبب موته أنه كان قد عظم ~~شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد ~~الروم ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي منه وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال ~~في قتله وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه [جباية] خراج حمص، فلما ~~قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، ~~فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له. # وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد المدينة فجلس يوما إلى عروة بن الزبير، ~~فقال له عروة ما فعل ابن أثال؟ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، ~~فحمل إلى معاوية، فحبسه أياما ثم غرمه ديته، ورجع خالد إلى المدينة فأتى ~~عروة، فقال عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال؟ ولكن ما فعل ~~ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير، فسكت عروة. # PageV03P051 # ذكر خروج سهم والخطيم # وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي، ~~فحكما، فأما سهم فإنه خرج إلى ms1194 الأهواز فحكم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان ~~فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه. # وأما الخطيم فإن زيادا سيره إلى البحرين ثم أقدمه وقال لمسلم بن عمرو ~~الباهلي، والد قتيبة بن مسلم: اضمنه، فأبى وقال: إن بات خارجا عن بيته ~~أعلمتك، ثم أتاه مسلم فقال له: # لم يبت الخطيم الليلة في بيته، فأمر به فقتل وألقي في باهلة، (وقد تقدم ~~ذلك أتم من هذا، وإنما ذكرناه ها هنا لأنه قتل هذه السنة) . # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وكان العمال من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها توفي صالح بن كيسان مولى بني غفار، وقيل: مولى بني عامر، (وقيل ~~الخزاعي) . # PageV03P052 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين] ### | 47 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعين # في هذه السنة كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى عبد الرحمن ~~القيني بأنطاكية. # ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حديج # وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وكان ~~عثمانيا، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له: يا معاوية قد أخذت جزاءك ~~من معاوية، قد قتلت أخي محمد بن أبي بكر لتلي مصر فقد وليتها. فقال: ما ~~قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان. فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم ~~عثمان لما شاركت معاوية فيما صنع حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل فوثبت أول ~~الناس فبايعته. # (حديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، وبالجيم) . # ذكر غزوة الغور في هذه السنة سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من ~~بها، وكانوا ارتدوا، فأخذهم بالسيف عنوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة ~~وسبايا، ولما رجع الحكم من هذه الغزوة مات بمرو في قول بعضهم، وكان الحكم ~~قد قطع النهر في ولايته ولم # PageV03P053 # يفتح. وكان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف بترسه فشرب وناول ~~الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ذلك ثم رجع. # ذكر مكيدة ms1195 للمهلب # وكان المهلب مع الحكم بن عمرو بخراسان، وغزا معه بعض جبال الترك فغنموا، ~~وأخذ الترك عليهم الشعاب والطرق، فعيي الحكم بالأمر، فولى المهلب الحرب، ~~فلم يزل يحتال حتى أسر عظيما من عظماء الترك، فقال له: إما أن تخرجنا من ~~هذا الضيق أو لأقتلنك. فقال له: أوقد النار (حيال طريق) من هذه الطرق وسير ~~الأثقال نحوه فإنهم سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من الطرق فبادرهم إلى طريق ~~آخر فما يدركونكم حتى تخرجوا منه، ففعل ذلك، فسلم الناس بما معهم من ~~الغنائم. # وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي سفيان، وكان ~~الولاة من تقدم ذكرهم. # PageV03P054 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين] ### | 48 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين # فيها كان مشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية. وصائفة عبد الله بن قيس ~~الفزاري. وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر. وغزوة عقبة بن عامر الجهني ~~بأهل مصر البحر وبأهل المدينة. # وفيها استعمل زياد غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبة، وحج ~~بالناس مروان وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجع معاوية ~~منه فدك وكان وهبها له. # وكان ولاة الأنصار من تقدم ذكرهم. # PageV03P055 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين] ### | 49 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعين # فيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد ~~جربة وشتا بها، وفتحت على يده، وأصاب فيها شيئا كثيرا وفيها كانت صائفة عبد ~~الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر فشتا ~~بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر. # ذكر غزوة القسطنطينية # في هذه السنة، وقيل: # سنة خمسين، سير معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم ~~سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتل، فأمسك عنه أبوه، ~~فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول: # ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالغزقذونة من حمى ومن موم # PageV03P056 # إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا # بدير مران ms1196 عندي أم كلثوم # وأم كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد الله بن عامر. # فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان إلى أرض الروم ليصيبه ما أصاب ~~الناس، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في هذا الجيش ابن عباس ~~وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم وعبد العزيز بن زرارة ~~الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون ~~والروم في بعض الأيام واشتدت الحرب بينهم، فلم يزل عبد العزيز يتعرض ~~للشهادة فلم يقتل، فأنشأ يقول: # قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتى فصادفت منها اللين والبشعا # كلا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تجشمت من لأوائها جزعا # لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا # ثم حمل على من يليه فقتل فيهم وانغمس بينهم، فشجره الروم برماحهم حتى ~~قتلوه، رحمه الله، فبلغ خبر قتله معاوية فقال لأبيه: # والله هلك فتى العرب! فقال: ابني أو ابنك؟ قال: ابنك، فآجرك الله. فقال: # فإن يكن الموت أودى به ... وأصبح مخ الكلابي زيرا # فكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيرا وإما كبيرا # ثم رجع يزيد والجيش إلى الشام وقد توفي أبو أيوب الأنصاري عند ~~القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به، وكان قد شهد بدرا ~~وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهد صفين مع علي ~~وغيرها من حروبه. # PageV03P057 # ذكر عزل مروان عن المدينة وولاية سعيد # وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في ربيع الأول وأمر سعيد بن ~~العاص عليها (في ربيع الآخر، وقيل: في ربيع الأول) ، وكانت ولاية مروان ~~كلها بالمدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين، وكان على قضاء المدينة عبد الله ~~بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولي، واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن. # ذكر وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام # في هذه السنة توفي الحسن بن علي، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس ~~الكندي، ووصى أن يدفن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن ms1197 تخاف فتنة ~~فينقل إلى مقابر المسلمين، فاستأذن الحسين عائشة فأذنت له، فلما توفي ~~أرادوا دفنه عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعرض إليهم سعيد بن ~~العاص، وهو الأمير، فقام مروان بن الحكم وجمع بني أمية وشيعتهم ومنع عن ~~ذلك، فأراد الحسين الامتناع فقيل له: إن أخاك قال: إذا خفتم الفتنة ففي ~~مقابر المسلمين، وهذه فتنة. فسكت، وصلى عليه سعيد بن العاص، فقال له ~~الحسين: لولا أنه سنة لما تركتك تصلي عليه. # PageV03P058 ### | [ثم دخلت سنة خمسين] . # فيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم، وغزوة ~~فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر. # ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة # في هذه السنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة في قول بعضهم، وهو ~~الصحيح، وكان الطاعون قد وقع بالكوفة، فهرب المغيرة منه، فلما ارتفع ~~الطاعون عاد إلى الكوفة فطعن فمات. # وكان طوالا أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وتوفي وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ~~كان موته سنة إحدى وخمسين، وقيل (سنة تسع وأربعين) . # فلما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا على الكوفة والبصرة، وهو أول من ~~جمعتا له. فلما وليها سار إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وكان ~~زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر وبالبصرة ستة أشهر، فلما وصل الكوفة خطبهم فحصب ~~وهو على المنبر، فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب ~~المسجد ثم قال: # ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدري من جليسي، ثم أمر بكرسي فوضع ~~له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة يحلفون: ما منا من حصبك: # PageV03P059 # فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه، حتى صار إلى ثلاثين، وقيل: إلى ثمانين، ~~فقطع أيديهم على المكان. # وكان أول قتيل قتله زياد بالكوفة أوفى بن حصن، وكان بلغه عنه شيء، فطلبه ~~فهرب، فعرض الناس [زياد] ، فمر به فقال: من هذا؟ قال: أوفى بن حصن. فقال ~~زياد: أتتك بحائن رجلاه: # وقال له: ما رأيك في عثمان؟ قال: ختن رسول الله - صلى ms1198 الله عليه وسلم - ~~على ابنتيه. قال: فما تقول في معاوية؟ قال: # جواد حليم. قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن ~~البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر. قال: قد قلت ذاك. قال: خبطتها عشواء! ~~فقال زياد: ليس النفاخ بشر الزمرة! فقتله. # ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط: إن عمرو بن ~~الحمق يجمع إليه شيعة أبي تراب. فأرسل إليه زياد: ما هذه الجماعات عندك؟ من ~~أردت كلامه ففي المسجد. وقيل: الذي سعى بعمرو يزيد بن رويم: # فقال له زياد: قد أشطت بدمه، ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ما هجته ~~حتى يخرج علي. فاتخذ زياد المقصورة حين حصب. # فلما استخلف زياد سمرة على البصرة أكثر القتل فيها، فقال ابن سيرين: قتل ~~سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف. فقال له زياد: أتخاف أن تكون قتلت ~~بريئا؟ فقال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت. وقال أبو السوار العدوي: قتل ~~سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن. # وركب سمرة يوما فلقي أوائل خيله رجلا فقتلوه، فمر به سمرة وهو يتشحط في ~~دمه فقال: ما هذا؟ فقيل أصابه أوائل # PageV03P060 # خيلك. فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا. # ذكر خروج قريب وفيها خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة، وهما ابنا ~~خالة، وزياد بالكوفة وسمرة على البصرة، فأتيا بني ضبيعة، وهم سبعون رجلا، ~~وقتلوا منهم شيخا، وخرج على قريب وزحاف شباب من بني علي وبني راسب فرموهم ~~بالنبل، وقتل عبد الله بن أوس الطاحي قريبا وجاء برأسه: # واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشرا كثيرا: # وخطب زياد على المنبر فقال: يا أهل البصرة والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن ~~بكم! والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهما! فثار الناس ~~بهم فقتلوهم. # ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة # وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحمل من ms1199 ~~المدينة إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~بالمدينة وهم قتلة عثمان، وطلب العصا، وهو عند سعد القرظ، فحرك المنبر ~~فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك، فتركه. وقيل أتاه ~~جابر وأبو هريرة وقالا له: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من موضع وضعه، ولا تنقل عصاه إلى الشام، فانقل ~~المسجد، فتركه، وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع. # فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك ~~الله أن تفعل! إن معاوية حركه فكسفت الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من حلف على منبري [آثما] فليتبوأ مقعده من النار» ، فتخرجه من ~~المدينة وهو مقطع الحقوق عندهم بالمدينة! فتركه عبد الملك. # فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد # PageV03P061 # العزيز فقال: كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له، فكلمه عمر ~~فتركه. # ولما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد، فقال سليمان: ~~ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ولا عن الوليد، ما لنا ~~ولهذا! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام ~~يوفد إليه فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما لا يصلح! # وفيها عزل معاوية بن حديج السكوني عن مصر ووليها مسلمة بن مخلد مع ~~إفريقية، وكان معاوية بن أبي سفيان بعث قبل أن يولي مسلمة إفريقية ومصر ~~عقبة بن نافع إلى إفريقية، وكان اختط قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من ~~السباع والحيات وغيرها، فدعا الله عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا ~~حتى إن كانت السباع لتحمل أولادها، وبنى الجامع. فلما عزل معاوية بن أبي ~~سفيان معاوية بن حديج السكوني عن مصر عزل عقبة عن إفريقية وجمعها لمسلمة بن ~~مخلد، فهو أول من جمع له المغرب مع مصر، فولى مسلمة إفريقية مولى له ms1200 يقال ~~له أبو المهاجر، فلم يزل عليها حتى هلك معاوية بن أبي سفيان. # ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية وبناء مدينة القيروان # قد ذكر أبو جعفر الطبري أن في هذه السنة ولي مسلمة بن مخلد إفريقية، وأن ~~عقبة ولي قبله إفريقية وبنى القيروان، والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة: ~~أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة وبنى القيروان، ثم بقي إلى ~~سنة خمس وخمسين ووليها مسلمة بن مخلد، وهم أخبر ببلادهم، وأنا أذكر ما ~~أثبتوه في كتبهم: # PageV03P062 # قالوا: إن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية بن حديج عن إفريقية حسب، ~~واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري، وكان مقيما ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام ~~عمرو بن العاص، وله في تلك البلاد جهاد وفتوح، فلما استعمله معاوية سير ~~إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه من أسلم من البربر، فكثر ~~جمعه، ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا ~~وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم، ثم رأى أن ~~يتخذ مدينة يكون فيها عسكر المسلمين وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل ~~البلاد، فقصد موضع القيروان، وكان أجمة مشتبكة بها من أنواع الحيوان (من ~~السباع) والحيات وغير ذلك، فدعا الله، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: أيتها ~~الحيات والسباع إنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ارحلوا عنا ~~فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فنظر الناس ذلك اليوم إلى الدواب ~~تحمل أولادها وتنتقل، فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا، وقطع الأشجار وأمر ~~ببناء المدينة، فبنيت، وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، ~~وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع، وتم أمرها سنة خمس وخمسين وسكنها ~~الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، فتغير وتنهب، ودخل ~~كثير من البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من ~~الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها. # ذكر ولاية مسلمة بن مخلد إفريقية ثم إن معاوية بن ms1201 أبي سفيان استعمل على ~~مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري، فاستعمل مسلمة على إفريقية مولى له ~~يقال له أبو المهاجر، فقدم إفريقية وأساء عزل عقبة واستخف به، وسار عقبة ~~إلى الشام وعاتب معاوية على ما فعله به أبو المهاجر، فاعتذر إليه ووعده ~~بإعادته إلى عمله، وتمادى الأمر فتوفي معاوية وتولى بعده ابنه يزيد، ~~فاستعمل عقبة بن نافع على البلاد سنة اثنتين وستين، فسار إليها. # وقد ذكر الواقدي أن عقبة بن نافع ولي إفريقية سنة ست وأربعين واختط ~~القيروان، ولم يزل عقبة على إفريقية إلى سنة اثنتين وستين، فعزله يزيد بن ~~معاوية: # PageV03P063 # واستعمل أبا المهاجر مولى الأنصار، فحبس عقبة وضيق عليه، فلما بلغ يزيد ~~بن معاوية ما فعل بعقبة كتب إليه يأمره بإطلاقه وإرساله إليه، ففعل ذلك، ~~ووصل عقبة إلى يزيد فأعاده إلى إفريقية واليا عليها، فقبض على أبي المهاجر ~~وأوثقه، وساق من خبر كسيلة مثل ما نذكره إن شاء الله تعالى سنة اثنتين ~~وستين. # ذكر هرب الفرزدق من زياد # وفيها طلب زياد الفرزدق، استعدته عليه بنو نهشل وفقيم. # وسبب ذلك قال الفرزدق: # هاجيت الأشهب بن رميلة والبعيث فسقطا، فاستعدى علي بنو نهشل وبنو فقيم ~~زياد بن أبيه، واستعدى علي أيضا يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك، قال: فلم ~~يعرفني زياد حتى قيل له الغلام الأعرابي الذي أنهب ماله وثيابه، فعرفني. # قال الفرزدق: وكان أبي غالب قد أرسلني في جلب له أبيعه وأمتار له، فبعت ~~الجلب بالبصرة وجعلت ثمنه في ثوبي، فعرض لي رجل فقال: لشد ما تستوثق منها، ~~أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صر عليها. فقلت: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة ~~وهو أبو الفرزدق. فدعوت أهل المربد ونثرتها. فقال لي قائل ألق رداءك. ~~ففعلت. فقال آخر: ألق ثوبك. ففعلت. وقال آخر ألق عمامتك. ففعلت. فقال آخر: ~~ألق إزارك. فقلت: لا ألقيه وأمشي مجردا، إني لست بمجنون. وبلغ الخبر زيادا ~~فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فأرسل خيلا إلى المربد ليأتوه بي، ~~فأتاني رجل من بني الهجيم ms1202 على فرس له وقال: النجاء النجاء! وأردفني خلفه، ~~ونجوت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة، وكانا في الديوان، ~~فحبسهما أياما ثم كلم فيهما فأطلقهما، وأتيت أبي فأخبرته خبري، فحقدها عليه ~~زياد. # ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة السعديان والجون بن قتادة العبشمي ~~والحتات بن يزيد أبو منازل المجاشعي إلى معاوية بن أبي سفيان، فأعطى كل رجل # PageV03P064 # منهم جائزة مائة ألف: # وأعطى الحتات سبعين ألفا. فلما كانوا في الطريق ذكر كل منهم جائزته، فرجع ~~الحتات إلى معاوية فقال: ما ردك؟ قال: فضحتني في بني تميم! أما حسبي صحيح؟ ~~أولست ذا سن؟ ألست مطاعا في عشيرتي؟ قال: بلى. قال: فما بالك خسست بي دون ~~القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك؟ وكان حضر الجمل مع عائشة، وكان ~~الأحنف وجارية يريدان عليا، وإن كان الأحنف والجون اعتزلا القتال مع علي ~~لكنهما كانا يريدانه، قال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ~~ورأيك في عثمان، وكان عثمانيا. فقال: وأنا فاشتر مني ديني. فأمر له بإتمام ~~جائزته، ثم مات الحتات فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك شعرا: # أبوك وعمي يا معاوية أورثا ... تراثا فيحتاز التراث أقاربه # فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث صخر جامد لك ذائبه # فلو كان هذا الأمر في جاهلية ... علمت من المرء القليل حلائبه # ولو كان في دين سوى ذا شنئتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه # ألست أعز الناس قوما وأسرة ... وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه # وما ولدت بعد النبي وآله ... كمثلي حصان في الرجال يقاربه # وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ... ومن دونه البدر المضيء كواكبه # أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى ... وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه؟ # وكم من أب لي يا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح ما ازور جانبه # نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الذي من عبد شمس يقاربه # تراه كنصل السيف يهتز للندى ... كريما يلاقي المجد ما طر شاربه # طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن ... قصي وعبد ms1203 الشمس ممن يخاطبه # يريد بالمالكين مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة بن تميم، وهما جداه. لأن # PageV03P065 # الفرزدق بن غالب بن صعصعة (بن ناجية) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع ~~بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. # فلما بلغ معاوية شعره رد على أهله ثلاثين ألفا، فأغضبت أيضا زيادا عليه، ~~فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد غضبا فهرب وأتى عيسى بن خصيلة السلمي ~~ليلا وقال له: إن هذا الرجل قد طلبني وقد لفظني الناس وقد أتيتك لتغيبني ~~عندك. فقال: مرحبا بك. فكان عنده ثلاث ليال: # ثم قال له: قد بدا لي أن آتي الشام، فسيره. وبلغ زيادا مسيره فأرسل في ~~أثره، فلم يدرك، وأتى الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن ومدحهم بقصائد. # ثم كان زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة نزل ~~الفرزدق البصرة، فبلغ ذلك زيادا فكتب إلى عامله على الكوفة، وهو عبد الرحمن ~~بن عبيد، يأمره بطلب الفرزدق، ففارق الكوفة نحو الحجاز، فاستجار بسعيد بن ~~العاص فأجاره فمدحه الفرزدق، ولم يزل بالمدينة مرة وبمكة مرة حتى هلك زياد. # وقد قيل: إن الفرزدق إنما قال هذا الشعر لأن الحتات لما أسلم آخى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بينه وبين معاوية، فلما مات الحتات بالشام ورثه ~~معاوية بتلك الأخوة فقال الفرزدق هذا الشعر، وهذا القول ليس بشيء لأن ~~معاوية لم يكن يجهل أن الأخوة لا يرث بها أحد. # (الحتات بضم الحاء وبتائين مثناتين من فوقهما، بينهما ألف) . # ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفاري # في هذه السنة توفي الحكم بن عمرو بمرو بعد انصرافه من غزوة جبل الأشل في ~~قول، وقد تقدم ذكر وفاته في قول آخر، وكان زياد قد كتب إليه: إن أمير ~~المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء فلا تقسم بين الناس ~~ذهبا ولا فضة. فكتب إليه الحكم: # بلغني ما أمر به أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله قبل كتابه، وإنه ~~والله لو أن السماوات ms1204 والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل له # PageV03P066 # فرجا ومخرجا: ثم قال للناس: اغدوا إلى أعطياتكم ومالكم، فقسمه بينهم، ثم ~~قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. فتوفي بمرو. وله صحبة. # ذكر عدة حوادث # (وحج بالناس في هذه السنة معاوية، وقيل: بل حج ابنه يزيد، وكان العمال ~~على البلاد من تقدم ذكرهم) . # [الوفيات] # وفيها توفي سعد بن أبي وقاص بالعقيق فحمل على الرقاب إلى المدينة فدفن ~~بها، وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين، وعمره أربع ~~وسبعون، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهو أحد العشرة، وكان قصيرا دحداحا. وفيها ~~توفيت صفية بنت حيي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: توفيت أيام ~~عمر. وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي. # وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، توفي بالبصرة # وأبو موسى الأشعري، وقيل: توفي سنة اثنتين وخمسين: # وفيها توفي زيد بن خالد الجهني، وقيل: توفي سنة ثمان وستين، وقيل: (ثمان ~~وسبعين) . # PageV03P067 # وفيها توفي مدلاج بن عمرو السلمي، وكان قد شهد المشاهد كلها مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وكلهم له صحبة. # PageV03P068 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين] ### | 51 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين # وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطاة ~~الصائفة. # ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما # في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه. # وسبب ذلك أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، ~~فلما أمره عليها دعاه وقال له: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع ~~العصا، وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة ~~أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي ~~وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، ~~والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم، فقال له المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت ~~قبلك لغيرك فلم يذممني، وستبلو فتحمد أو تذم. فقال: بل نحمد إن شاء ms1205 الله. # فأقام المغيرة عاملا على الكوفة وهو أحسن شيء سيرة، غير أنه لا يدع شتم ~~علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي ~~قال: بل إياكم ذم الله ولعن! ثم قام وقال: أنا أشهد أن من تذمون أحق ~~بالفضل، ومن تزكون أولى بالذم. فيقول له المغيرة: يا حجر اتق هذا السلطان ~~وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك، ثم يكف عنه ويصفح. # فلما كان آخر إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقوله، فقام حجر فصاح صيحة # PageV03P069 # بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد وقال له: مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد ~~حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين. # فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا فإن ما ~~أنت عليه لا يجدي علينا نفعا! وأكثروا من هذا القول وأمثاله. فنزل المغيرة ~~فاستأذن عليه قومه ودخلوا وقالوا: علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك في ~~سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيوهن سلطانك ويسخط عليك أمير المؤمنين ~~معاوية؟ فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته، سيأتي من بعدي أمير يحسبه مثلي ~~فيصنع به ما ترونه يصنع بي فيأخذه ويقتله! إني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل ~~خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ويشقى في الآخرة ~~المغيرة. # ثم توفي المغيرة وولي زياد، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ثم ترحم على ~~عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه. فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة. ~~ورجع زياد إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فبلغه أن حجرا ~~يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن ~~حريث، فشخص زياد إلى الكوفة حتى دخلها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ~~وحجر جالس، ثم قال: أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا ~~فأشروا، وأمنوني فاجترءوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ~~ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر، وأدعه نكالا لمن ms1206 بعده، ويل أمك يا ~~حجر، سقط العشاء بك على سرحان. # وأرسل إلى حجر يدعوه وهو بالمسجد، فلما أتاه رسول زياد يدعوه قال أصحابه: ~~لا تأته ولا كرامة. فرجع الرسول فأخبر زيادا، فأمر صاحب شرطته، وهو شداد بن ~~الهيثم الهلالي، أن يبعث إليه جماعة ففعل، فسبهم أصحاب حجر، فرجعوا وأخبروا ~~زيادا، فجمع أهل الكوفة وقال: تشجون بيد وتأسون بأخرى! أبدانكم معي وقلوبكم ~~مع حجر الأحمق! هذا والله من دحسكم! والله ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم ~~بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم! فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك ~~وما فيه رضاك، قال: # PageV03P070 # فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله. ففعلوا وأقاموا ~~أكثر أصحابه عنه. وقال زياد لصاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به ~~وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به. # فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابته، فحمل عليهم، فقال أبو ~~العمرطة الكندي لحجر: إنه ليس معك من معه سيف غيري وما يغني عنك سيفي، قم ~~فالحق بأهلك يمنعك قومك: # وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، وغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل من ~~الحمراء رأس عمرو بن الحمق بعموده فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى ~~عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب بعض الشرطة يد عائذ ~~بن حملة التميمي وكسر نابه وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا ~~وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى حجر بغلته، فقال له أبو العمرطة: ~~اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه ~~يزيد بن طريف المسلي فضرب أبا العمرطة على فخذه بالعمود، وأخذ أبو العمرطة ~~سيفه فضرب به رأسه فسقط، ثم برأ، وله يقول عبد الله بن همام السلولي: # ألؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا ... إلى بطل ذي جرأة وشكيم # معاود ضرب الدارعين بسيفه ... على الهام عند الروع غير لئيم # إلى فارس الغارين يوم تلاقيا ... بصفين قرم خير نجل قروم # حسبت ابن برصاء الحتار قتاله ... قتالك زيدا ms1207 يوم دار حكيم # وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في اختلاف بين الناس. # ومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير، ولم يأته من ~~كندة كثير أحد: # فأرسل زياد، وهو على المنبر، مذحجا وهمدان إلى جبانة كندة، وأمرهم أن ~~يأتوه بحجر، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين، وأمرهم أن يمضوا إلى ~~صاحبهم حجر فيأتوه به، ففعلوا، فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل ~~من وجدوا، فأثنى عليهم زياد. # فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم: لا طاقة لكم بمن قد # PageV03P071 # اجتمع عليكم وما أحب أن تهلكوا. فخرجوا، فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم ~~وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون، فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل ~~منهم يقال له سليم بن يزيد، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل، فبكت ~~بناته، فقال حجر: بئس ما أدخلت على بناتك إذا! قال: والله لا تؤخذ من داري ~~أسيرا ولا قتيلا وأنا حي: # فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبد الله بن الحارث أخي ~~الأشتر، فأحسن لقاءه. # فبينما هو عنده إذ قيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع. وسبب ذلك أن أمة ~~سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون؟ فقالوا: حجر بن عدي. فقالت: هو في النخع. # فخرج حجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد. # فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له: والله لتأتيني به أو ~~لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا. # فاستمهله، فأمهله ثلاثا وأحضر قيس بن يزيد أسيرا، فقال له زياد: لا بأس ~~عليك، قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وأنك إنما قاتلت مع ~~حجر حمية وقد غفرتها لك ولكن ائتني بأخيك عمير. فاستأمن له منه على ماله ~~ودمه، فأمنه، فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا، وأمر الرجال أن يرفعوه ~~ويلقوه، ففعلوا به ذلك مرارا، فقال قيس بن يزيد لزياد: ألم ms1208 تؤمنه؟ قال: بلى ~~قد أمنته على دمه ولست أهريق له دما. ثم ضمنه وخلى سبيله. # ومكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول ~~له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية. فجمع محمد جماعة، منهم: ~~جرير بن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا ~~على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية، فأجابهم فأرسلوا إلى حجر ~~بن عدي فحضر عند زياد، فلما رآه قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمن، حرب أيام ~~الحرب، وحرب وقد سالم الناس، على أهلها تجني براقش، فقال حجر: ما خلعت ~~طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني على بيعتي. فأمر به إلى السجن. فلما ولى قال ~~زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته: # وطلب أصحابه، فخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد ~~فاختفيا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، فسار إليهما: # PageV03P072 # فخرجا إليه، فأما عمرو فكان قد استسقى بطنه ولم يكن عنده امتناع، وأما ~~رفاعة فكان شابا قويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ما ينفعني ~~قتالك عني؟ انج بنفسك! فحمل عليهم، فأفرجوا له، فنجا، وأخذ عمرو أسيرا، ~~فسألوه: من أنت؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر ~~عليكم، ولم يخبرهم. فبعثوه إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن بن عثمان ~~الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية، فعرفه فكتب فيه إلى ~~معاوية. فكتب إليه: # إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه، فاطعنه كما طعن عثمان: # فأخرج وطعن، فمات في الأولى منهن أو الثانية. # وجد زياد في طلب أصحاب حجر فهربوا، وأخذ من قدر عليه منهم. فأتي بقبيصة ~~بن ضبيعة العبسي بأمان فحبسه، وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: ~~إن امرأ منا يقال له صيفي من رءوس أصحاب حجر. فبعث زياد فأتي به، فقال: يا ~~عدو الله ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما ms1209 أعرف أبا تراب: # فقال: ما أعرفك به! أتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: نعم. قال: فذاك أبو ~~تراب: # قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين: # فقال له صاحب الشرطة: يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا! قال: فإن كذب ~~الأمير أكذب أنا، وأشهد على باطل كما شهد؟ فقال له زياد: وهذا أيضا، علي ~~بالعصا، فأتي بها، فقال: ما تقول في علي؟ قال: أحسن قول: # قال: اضربوه، حتى لصق بالأرض، ثم قال: أقلعوا عنه، ما قولك في علي؟ قال: ~~والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت فيه إلا ما سمعت مني: # قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك! قال: لا أفعل. فأوثقوه حديدا وحبسوه. # قيل: وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه. ثم دخل الكوفة ~~فجلس في بيته، فقال حوشب للحجاج: إن هنا امرأ صاحب فتن لم تكن فتنة بالعراق ~~إلا وثب فيها، وهو ترابي يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث حتى هلك، وقد ~~جاء فجلس في بيته. فبعث إليه الحجاج فقتله، فقال بنو أبيه لآل حوشب: سعيتم ~~بصاحبنا! فقالوا: وأنتم أيضا سعيتم بصاحبنا، يعني صيفيا الشيباني. # وأرسل زياد إلى عبد الله بن خليفة الطائي، فتوارى، فبعث إليه الشرط ~~فأخذوه، # PageV03P073 # فخرجت أخته النوار فحرضت طيئا، فثاروا بالشرط وخلصوه: # فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فأخذ عدي بن حاتم وهو في المسجد فقال: ائتني ~~بعبد الله! قال: وما حاله؟ فأخبره، فقال: لا علم لي بهذا! قال: لتأتيني به: # قال: لا آتيك به أبدا، آتيك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما ~~رفعتهما عنه! فأمر به إلى السجن، فلم يبق بالكوفة يمني ولا ربعي إلا كلم ~~زيادا وقالوا: تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ فقال: فإني أخرجه على شرط أن يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام ~~لي سلطان: # فأجابوه إلى ذلك، وأرسل عدي إلى عبد الله يعرفه ما كان وأمره أن يلحق ~~بجبلي طيئ، فخرج إليهما، وكان يكتب إلى عدي ليشفع فيه ليعود ms1210 إلى الكوفة، ~~وعدي يمنيه، فمما كتب إليه يعاتبه ويرثي حجرا وأصحابه قوله: # تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا ... وذكر الصبا برح على من تذكرا # وولى الشباب فافتقدت غصونه ... فيا لك من وجد به حين أدبرا # فدع عنك تذكار الشباب وفقده ... وأسبابه إذ بان عنك فأجمرا # وبك على الخلان لما تخرموا ... ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا # دعتهم مناياهم ومن حان يومه ... من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا # أولئك كانوا شيعة لي وموئلا ... إذا اليوم ألفي ذا احتدام مذكرا # وما كنت أهوى بعدهم متعللا ... بشيء من الدنيا ولا أن أعمرا # أقول ولا والله أنسى ادكارهم ... سجيس الليالي أو أموت فأقبرا # على أهل عذراء السلام مضاعفا ... من الله وليسق الغمام الكنهورا # ولاقى بها حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا # ولا زال تهطال ملث وديمة ... على قبر حجر أو ينادى فيحشرا # فيا حجر من للخيل تدمى نحورها ... وللملك المغزي إذا ما تغشمرا # PageV03P074 # ومن صادع بالحق بعدك ناطق # بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا ... فنعم أخو الإسلام كنت وإنني # لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا ... وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه # وتعرف معروفا وتنكر منكرا ... فيا أخوينا من هميم عصمتما # ويسرتما للصالحات فأبشرا ... ويا أخوي الخندفيين أبشرا # بما معنا حييتما أن تتبرا ... ويا إخوتا من حضرموت وغالب # وشيبان لقيتم حسابا ميسرا ... سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم # حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا ... سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال # حمام ببطن الواديين وقرقرا ... فقلت ولم أظلم: أغوث بن طيئ # متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا ... هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم # وقد دث حتى مال ثم تجورا ... تفرجتم عني فغودرت مسلما # كأني غريب من إياد وأعصرا ... فمن لكم مثلي لدى كل غارة # ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا ... ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت # وأوضع فيها المستميت وشمرا ... فها أنا ذا آوي بأجبال طيئ # طريدا فلو شاء الإله لغيرا # PageV03P075 # نفاني عدوي ظالما عن مهاجري ... رضيت بما شاء الإله وقدرا # وأسلمني قومي بغير جناية ... كأن لم ms1211 يكونوا لي قبيلا ومعشرا # فإن ألف في دار بأجبال طيئ ... وكان معانا من عصير ومحضرا # فما كنت أخشى أن أرى متغربا ... لحى الله من لاحى عليه وكثرا # لحى الله قيل الحضرميين وائلا ... ولاقى القناني بالسنان المؤمرا # ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ... علينا وقالوا قول زور ومنكرا # فلا يدعني قوم لغوث بن طيئ ... لئن دهرهم أشفى بهم وتغيرا # فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر ... عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا # فبلغ خليلي إن رحلت مشرقا ... جديلة والحيين معنا وبحترا # ونبهان والأفناء من جذم طيئ ... ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا # ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ... أمامكم أن لا أرى الدهر مدبرا # وكري على مهران والجمع حابس ... وقتلي الهمام المستميت المسورا # ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ... ويوم نهاوند الفتوح وتسترا # وتنسونني يوم الشريعة والقنا ... بصفين في أكتافهم قد تكسرا # PageV03P076 # جزى ربه عني عدي بن حاتم # برفضي وخذلاني جزاء موفرا ... أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم # عشية ما أغنت عديك حزمرا ... فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا # وكنت أنا الخصم الألد العذورا ... تولوا وما قاموا مقامي كأنما # رأوني ليثا بالأباءة مخدرا ... نصرتك إذ خان القريب وأبعط ال # بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا ... فكان جزائي أن أجرر بينكم # سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا ... وكم عدة لي منك أنك راجعي # فلم تغن بالميعاد عني حبترا ... فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة # أهرهر إن راعي الشويهات هرهرا ... كأني لم أركب جوادا لغارة # ولم أترك القرن الكمي مقطرا ... ولم أعترض بالسيف منكم مغيرة # إذ النكس مشى القهقرى ثم جرجرا ... ولم أستحث الركض في إثر عصبة # ميممة عليا سجاس وأبهرا ... ولم أذعر الأبلام مني بغارة # كورد القطا ثم انحدرت مظفرا ... ولم أر في خيل تطاعن مثلها # بقزوين أو شروين أو أغر كيدرا ... فذلك دهر زال عني حميده # وأصبح لي معروفه قد تنكرا # PageV03P077 # فلا يبعدن قومي وإن كنت عاتبا ... وكنت المضاع فيهم والمكفرا # ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا # وقد تقدم ما فعله عبد الله مع ms1212 عدي في وقعة صفين، فلهذا لم نذكره هاهنا. # فمات عبد الله بالجبلين قبل موت زياد، ثم أتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي ~~من أصحاب حجر بن عدي، فقال: ما اسمك؟ قال: كريم بن عفيف: # قال: ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك! فقال له: أما والله إن ~~عهدك برأيي منذ قريب. # قال: وجمع زياد من أصحاب عدي اثني عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء ~~الأرباع يومئذ، وهم: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ~~ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي ~~موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم ~~الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل ~~أبي طالب، ووثب بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب ~~والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم ~~رءوس أصحابه على مثل رأيه وأمره. # ونظر زياد في شهادة الشهود وقال: إني لأحب أن يكونوا أكثر من أربعة، فدعا ~~الناس ليشهدوا عليه، فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن ~~الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، ~~وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ، فأما شريح بن هانئ ~~فكان يقول: ما شهدت وقد لمته. # ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب، ~~وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فخرجوا عشية، فلما بلغوا الغريين لحقهم # PageV03P078 # شريح بن هانئ وأعطى وائلا كتابا وقال: أبلغه أمير المؤمنين، فأخذه، ~~وساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق، وكانوا: حجر بن عدي الكندي، ~~والأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل ~~الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف ~~البجلي، وورقاء بن سمعي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد ms1213 الرحمن بن حسان ~~العنزيين، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي، ~~فهؤلاء اثنا عشر رجلا، وأتبعهم زياد برجلين، هما: عتبة بن الأخنس من سعد بن ~~بكر، وسعد بن نمران الهمداني، فتموا أربعة عشر رجلا. # فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب، فأدخلهما وأخذ كتابهما ~~فقرأه، ودفع إليه وائل كتاب شريح بن هانئ، فإذا فيه: # بلغني أن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ~~ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام ~~الدم والمال، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه: # فقال معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج ~~عذراء. فوصل إليهم الرجلان اللذان ألحقهما زياد بحجر وأصحابه، فلما وصلا ~~سار عامر بن الأسود العجلي إلى معاوية ليعلمه بهما، فقام إليه حجر بن عدي ~~في قيوده فقال له: أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا ~~وصالحناه وصالحنا، وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا. # فدخل عامر على معاوية فأخبره بالرجلين، فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ~~ابني عمه، وهما: عاصم وورقاء، وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب فيهما ~~يزكيهما ويشهد لهما بالبراءة مما شهد عليهما، فأطلقهما معاوية، وشفع وائل ~~بن حجر في الأرقم # PageV03P079 # فتركه له وشفع أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فتركه، وشفع حمرة بن ~~مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له، (وشفع حبيب بن مسلمة في ابن حوية ~~فتركه له) ، وقام مالك بن هبيرة السكوني فقال: دع لي ابن عمي حجرا. فقال ~~له: هو رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره فنحتاج أن نشخصك ~~إليه بالعراق: # فقال: والله ما أنصفتني يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت، ~~وعلا كعبك ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني! ثم انصرف فجلس في ~~بيته. # فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحصين بن عبد الله الكلابي، وأبا ~~شريف البدي ms1214 إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم، فأتوهم عند ~~المساء: # فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا، فتركوا ستة ~~وقتلوا ثمانية، وقالوا لهم قبل القتل: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة ~~من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم: # فقالوا: لسنا فاعلي ذلك. فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر ~~وأصحابه يصلون عامة الليل: # فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي: اتركوني أتوضأ وأصلي ~~فإني ما توضأت إلا صليت، فتركوه، فصلى ثم انصرف منها وقال: والله ما صليت ~~صلاة قط أخف منها، ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها: # ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا! فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن ~~أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها فإني لأول فارس من ~~المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها! ثم مشى إليه ~~هدبة بن فياض بالسيف فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ ~~من صاحبك وندعك: # فقال: وما لي لا أجزع وأرى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا! ~~وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتلوه وقتلوا ستة. # فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير ~~المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته: # فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن # PageV03P080 # بإحضارهما: # فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية! فإنك منقول من هذه ~~الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا! ~~فقال له: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك: قال: أتبرأ من دين علي الذي ~~يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة (بن خثعم) ~~فاستوهبه، فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة، فاختار الموصل، فكان يقول: لو ~~مات معاوية قدمت الكوفة، فمات قبل معاوية بشهر: # ثم قال لعبد الرحمن بن حسان: يا أخا ربيعة ما تقول في علي؟ قال دعني ولا ~~تسألني ms1215 فهو خير لك: # قال: والله لا أدعك: # قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيرا، من الآمرين بالحق ~~والقائمين بالقسط والعافين عن الناس: # قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأغلق أبواب ~~الحق: # قال: قتلت نفسك! قال: بل إياك قتلت، ولا ربيعة بالوادي، يعني ليشفعوا ~~فيه، فرده معاوية إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه حيا. # فكان الذين قتلوا: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل ~~الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي التميمي، وكدام بن ~~حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي دفنه زياد حيا، فهؤلاء ~~السبعة قتلوا ودفنوا وصلي عليهم. # قيل: ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال: صلوا عليهم وكفنوهم ~~ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا نعم. # قال حجوهم ورب الكعبة! # وأما مالك بن هبيرة السكوني فحين لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار ~~بهم إلى عذراء ليخلص حجرا وأصحابه، فلقيته قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ~~ليخلص حجرا، فقال لهم: ما وراءكم؟ # قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين: # فسكت وسار إلى عذراء، فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل ~~الخيل في إثر قتلتهم فلم يدركوهم، ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: ~~إنما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها طفئت، وعاد مالك إلى بيته ولم يأت ~~معاوية، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم وقال: ما منعني أن ~~أشفعك إلا خوفا أن يعيدوا لنا حربا، فيكون # PageV03P081 # في ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر. فأخذها وطابت ~~نفسه. # ولما بلغ خبر حجر عائشة أرسلت عبد الرحمن بن الحارث إلى معاوية فيه وفي ~~أصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي ~~سفيان؟ قال: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت. # وقالت عائشة: لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد ms1216 ~~منه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا. # وقال الحسن البصري: أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة ~~لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، ~~وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا، يلبس ~~الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله، - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ~~ويلا له من حجر! ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر! # قيل: وكان الناس يقولون: أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل حجر، ~~ودعوة زياد، وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجرا، وكانت تتشيع: # ترفع أيها القمر المنير ... تبصر هل ترى حجرا يسير # يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير # تجبرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير # وأصبحت البلاد له محولا ... كأن لم يحيها مزن مطير # ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور # أخاف عليك ما أردى عديا ... وشيخا في دمشق له زئير # فإن تهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا إلى هلك يصير # PageV03P082 # وقد قيل في قتله غير ما تقدم: وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة ~~وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. # فقال له: الصلاة: # فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى ~~وقام إلى الصلاة وقام الناس معه: # فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه ~~معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه. فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، ~~فقال حجر: لا ولكن سمعا وطاعة: # فشد في الحديد وحمل إلى معاوية: # فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: أأمير ~~المؤمنين أنا؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه! فقال حجر ~~للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين: # فقالوا: صل، فصلى ركعتين خفف فيهما، ثم ms1217 قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي ~~أردت لأطلتها، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني ~~دما، فإني لاق معاوية غدا على الجادة، وضربت عنقه: # قال: فلقيت عائشة معاوية فقالت له: أين كان حلمك عن حجر؟ فقال: لم يحضرني ~~رشيد: # قال ابن سيرين: بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومي منك يا ~~حجر طويل! # (عباد بضم العين، وفتح الباء الموحدة وتخفيفها) . # ذكر استعمال الربيع على خراسان # وفي هذه السنة وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي أميرا على خراسان، وكان ~~الحكم بن عمرو الغفاري قد استخلف عند موته أنس بن أبي أناس، فعزله زياد ~~وولى خليد بن عبد الله الحنفي، ثم عزله وولى الربيع بن زياد أول سنة إحدى ~~وخمسين وسير معه خمسين ألفا بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم: بريدة ~~بن الحصيب، وأبو برزة، ولهما صحبة، فسكنوا خراسان، فلما قدمها غزا بلخ ~~ففتحها صلحا، وكانت قد أغلقت بعدما صالحهم الأحنف بن قيس في قول بعضهم. ~~وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، وبقي منهم نيزك طرخان، ~~فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته. # PageV03P083 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة مات جرير بن عبد الله البجلي، وقيل: سنة أربع وخمسين، وكان ~~إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيها ~~مات سعيد بن زيد، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: ثمان وخمسين، ودفن بالمدينة، وهو ~~أحد العشرة: # وأبو بكرة نفيع بن الحارث، له صحبة، وهو أخو زياد لأمه. # وفيها ماتت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بسرف، ~~وفيها دخل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ماتت سنة ثلاث ~~وستين، وقيل: ست وستين. # وحج بالناس هذه السنة يزيد بن معاوية: # وكان العمال بهذه السنة من تقدم ذكرهم. # (بريدة بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة. والحصيب بضم الحاء ~~المهملة، وفتح الصاد المهملة، وآخره باء موحدة) . # PageV03P084 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين] ### | 52 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين # فيها كانت ms1218 غزوة سفيان بن عوف الأسدي الروم وشتى بأرضهم، وتوفي بها في ~~قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى هذه السنة بأرض ~~الروم بسر بن أبي أرطاة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة هذه السنة محمد بن ~~عبد الله الثقفي. # ذكر خروج زياد بن خراش العجلي # وفي هذه السنة خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن ~~من السواد، فسير إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره، فقتلوهم وقد ~~صاروا إلى ماه. # ذكر خروج معاذ الطائي # وخرج على زياد أيضا رجل من طيئ يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن بن أم ~~الحكم في ثلاثين رجلا هذه السنة، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه، (وقيل: ~~بل حل لواءه واستأمن) . ويقال لهم أصحاب نهر عبد الرحمن. # PageV03P085 # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس سعيد بن العاص، وكان العمال من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها مات عمران بن الحصين الخزاعي بالبصرة: # وأبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد، شهد العقبة وبدرا، (وقد تقدم أنه ~~توفي سنة تسع وأربعين عند القسطنطينية) : # وكعب بن عجرة، وله خمس وسبعون سنة. # PageV03P086 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين] ### | 53 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين # فيها كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم. # وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي ونزلها ~~المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم، يعترضونهم في ~~البحر فيأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو قد خافهم. ~~فلما توفي معاوية أقفلهم ابنه يزيد. # وقيل: فتحت سنة ستين. # ذكر وفاة زياد # وفي هذه السنة توفي زياد بن أبيه (بالكوفة في شهر رمضان) . # وكان سبب موته أنه كتب إلى معاوية: إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني ~~فارغة فاشغلها بالحجاز. فكتب له عهده على الحجاز، فبلغ أهل الحجاز فأتى نفر ~~منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك، فقال: أدعو الله عليه ثم ~~استقبل # PageV03P087 # القبلة ودعا ودعوا معه، (وكان ms1219 من دعائه أن قال: اللهم اكفنا شر زياد) . ~~فخرجت طاعونة على أصبع يمينه فمات منها. فلما حضرته الوفاة دعا شريحا ~~القاضي فقال له: قد حدث ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر علي: فقال له شريح: ~~إني أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم وقد قطعت يدك كراهية لقائه، ~~أو أن يكون في الأجل تأخير فتعيش أجذم وتعير ولدك: فقال: لا أبيت والطاعون ~~في لحاف واحد، فخرج شريح من عنده، فسأله الناس، فأخبرهم، فلاموه وقالوا: ~~هلا أشرت بقطعها؟ فقال: المستشار مؤتمن. # وأراد زياد قطعها، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه، وقيل: بل تركه ~~لما أشار عليه شريح بتركه، ولما حضرته الوفاة قال له ابنه: قد هيأت لك ستين ~~ثوبا أكفنك بها. فقال له: يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من لباسه هذا ~~أو سلب سريع! فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة. # فلما بلغ موته ابن عمر قال: اذهب ابن سمية، لا الآخرة أدركت ولا الدنيا ~~بقيت عليك. # وكان مولده سنة إحدى من الهجرة، قال مسكين الدارمي يرثيه: # رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا زياد # فقال الفرزدق يجيبه، ولم يكن هجا زيادا حتى مات: # أمسكين أبكى الله عينيك إنما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا # بكيت امرأ من أهل ميسان كافرا ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا # أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا # وكان زياد فيه حمرة، وفي عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه ~~قميص ربما رقعه. # PageV03P088 # ذكر وفاة الربيع # وفيها مات الربيع بن زياد الحارثي عامل خراسان من قبل زياد. # وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي حتى إنه قال: لا تزال العرب تقتل ~~صبرا بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرت فذلت: # ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: أيها الناس إني قد ~~مللت الحياة وإني داع بدعوة فأمنوا! ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن ~~كان لي ms1220 عندك خير فاقبضني إليك عاجلا! وأمن الناس، ثم خرج فما توارت ثيابه ~~حتى سقط فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه، ثم مات ابنه ~~بعده بشهرين واستخلف خليد بن يربوع الحنفي، فأقره زياد. ولما مات زياد كان ~~على البصرة سمرة بن جندب، وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقر ~~سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا، وقيل: ستة أشهر، ثم عزله معاوية، فقال ~~سمرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبدا. # وجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل المسجد فصلى، فأمر سمرة بقتله ~~فقتل، فمر به أبو بكرة فقال: يقول الله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ~~ربه فصلى} [الأعلى: 14] ، قال: وما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ~~ميتة. # (الثوية بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو والياء تحتها نقطتان: موضع فيه ~~مقبرة) . # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة سعيد بن العاص، وكان عامل المدينة، وخرجت هذه السنة ~~وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة وعلى خراسان # PageV03P089 # خليد بن يربوع الحنفي. # (أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، وسكون الياء المعجمة باثنتين من ~~تحتها) . # [الوفيات] : # وفيها مات عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بطريق مكة في نومة نامها، وقيل: ~~توفي بعد ذلك. # وفيها توفي فيروز الديلمي، وكانت له صحبة، وكان معاوية قد استعمله على ~~صنعاء. # وفيها مات عمرو بن حزم الأنصاري. # وفيها مات فضالة بن عبيد الأنصاري بدمشق، وكان قاضيها لمعاوية، (وقيل: ~~مات آخر أيام معاوية، وقيل غير ذلك) ، شهد أحدا وما بعدها. # PageV03P090 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين] ### | 54 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين # ذكر غزوة الروم وفتح جزيرة أرواد # فيها كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي. # وفيها فتح المسلمون ومقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد، قريب ~~القسطنطينية، فأقاموا بها سبع سنين، وكان معهم مجاهد بن جبر، فلما مات ~~معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود فعادوا. # ذكر ms1221 عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان # وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان. # PageV03P091 # وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض ~~أمواله كلها ليجعلها صافية ويقبض منه فدك، وكان وهبها له، فراجعه سعيد بن ~~العاص في ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد ووضع الكتابين ~~عنده، فعزله معاوية، وولى مروان وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص ~~وهدم داره، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا ~~عبد الملك أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في ~~هدم داري لفعلت: # فقال: ما كنت لأفعل: # قال: بلى والله: # قال: كلا: # وقال لغلامه: ائتني بكتاب معاوية، فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان ~~قال: كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني؟ فقال سعيد: ما كنت لأمن عليك، وإنما ~~أراد معاوية أن يحرض بيننا: # فقال مروان: أنت والله خير مني. وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى ~~معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا! إنه يضغن بعضنا على ~~بعض، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين، وعفوه وإدخاله ~~القطيعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن أولاد أب ~~واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم، واجتماع ~~كلمتنا، لكان حقا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك. # فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده. # وقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى عليه خيرا، فقال له معاوية: ~~ما باعد بينه وبينك؟ قال: خافني على شرفه وخفته على شرفي: # قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره شاهدا وغائبا. # وفي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب واستعمل على البصرة عبد الله بن ~~عمرو بن غيلان ستة أشهر. # ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان # وفيها استعمل معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان. # وكان سبب ولايته أنه قدم عليه بعد موت ms1222 أبيه، فقال له معاوية: من استعمل ~~أبوك على الكوفة والبصرة؟ فأخبره، فقال: لو استعملك أبوك لاستعملتك. فقال ~~عبيد الله: # PageV03P092 # أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك: لو استعملك أبوك وعمك لاستعملتك. # فولاه خراسان وقال له: اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيئا، فإن في تقواه ~~عوضا، ووفر عرضك من أن تدنسه، وإذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعن كثيرا ~~بقليل، ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت ~~عدوك فغلبوك على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها، ولا تطعمن أحدا في غير ~~حقه، ولا تؤيسن أحدا من حق هو له. ثم ودعه: # وكان عمر عبيد الله خمسا وعشرين سنة، وسار إلى خراسان، فقطع النهر إلى ~~جبال بخارى (على الإبل، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش، ففتح راميثن ~~ونصف وبيكند، وهي من بخارى، فمن ثم أصاب البخارية وغنم منهم غنائم كثيرة، ~~ولما لقي الترك وهزمهم كان مع ملكهم زوجته فعجلوها عن لبس خفيها فلبست ~~أحدهما وبقي الآخر، فأخذه المسلمون، فقوم بمائتي ألف درهم، وكان قتاله ~~الترك من زحوف خراسان التي تذكر، فظهر منه بأس شديد، وأقام بخراسان سنتين. # PageV03P093 # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو أمير المدينة. # وكان على الكوفة عبد الله بن خالد، وقيل: الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبد ~~الله بن عمرو بن غيلان. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أبو قتادة الأنصاري وعمره سبعون سنة، وقيل: مات سنة ~~أربعين، وصلى عليه علي وكبر عليه سبعا، وشهد مع علي حروبه كلها، وهو بدري: # وفيها توفي حويطب بن عبد العزى وله مائة وعشرون سنة: # وفيها توفي ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسامة بن زيد، ~~وقيل: توفي أسامة سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين. # وفيها توفي سعيد بن يربوع بن عنكثة، وكان عمره مائة وأربعا وعشرين سنة، ~~وله صحبة: # ومخرمة بن نوفل، وهو من مسلمة الفتح، وعمره مائة سنة وخمس عشرة سنة: # وعبد الله بن أنيس ms1223 الجهني: # وفيها قتل يزيد بن شجرة الرهاوي في غزوة غزاها، وقيل: سنة ثمان وخمسين. # PageV03P094 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين] ### | 55 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين # في هذه السنة كان مشتى سفيان بن عوف الأزدي في قول، وقيل: بل الذي شتى ~~هذه السنة عمرو بن محرز، وقيل: بل عبد الله بن قيس الفزاري، وقيل: بل مالك ~~بن عبد الله. # ذكر ولاية ابن زياد البصرة # في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها ~~عبيد الله بن زياد. # وكان سبب ذلك: أن عبد الله خطب على منبر البصرة فحصبه رجل من بني ضبة ~~فقطع يده، فأتاه بنو ضبة وقالوا: إن صاحبنا جنى ما جنى وقد عاقبته ولا نأمن ~~أن يبلغ خبرنا أمير المؤمنين فيعاقب عقوبة تعم، فاكتب لنا كتابا إلى أمير ~~المؤمنين يخرج به أحدنا إليه يخبره أنك قطعت على شبهة وأمر لم يتضح: # فكتب لهم، فلما كان رأس السنة توجه عبد الله إلى معاوية ووافاه الضبيون ~~بالكتاب وادعوا أنه قطع صاحبهم ظلما: # فلما رأى معاوية الكتاب قيل: أما القود من عمالي فلا سبيل إليه ولكن أدي: # PageV03P095 # صاحبكم من بيت المال. # وعزل عبد الله عن البصرة واستعمل ابن زياد عليها، فولى ابن زياد على ~~خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فلم يغز ولم يفتح بها شيئا. # ذكر عدة حوادث # وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس وقيل ~~ما تقدم. # [الوفيات] # وفيها مات الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو الذي كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين سنة وزيادة، وقيل: ~~مات يوم مات أبو بكرة. # وفيها توفي أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، وهو بدري، وشهد صفين مع علي، ~~(وقيل: توفي قبل) . # وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم. # PageV03P096 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين] ### | 56 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين # فيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن بن مسعود. # وقيل: غزا ms1224 فيها في البحر يزيد بن شجرة، وفي البر عياض بن الحارث: واعتمر ~~معاوية فيها في رجب، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. # ذكر البيعة ليزيد بولاية العهد # وفي هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية عهد أبيه. # وكان ابتداء ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة، فإن معاوية أراد أن يعزله عن ~~الكوفة ويستعمل عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك فقال: الرأي أن أشخص إلى ~~معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية: # فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية ~~وإمارة لا أفعل ذلك أبدا: # ومضى حتى دخل على يزيد وقال # PageV03P097 # له: إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وكبراء ~~قريش وذوو أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم ~~(بالسنة) والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة: # قال: أوترى ذلك يتم؟ قال نعم. # فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فأحضر المغيرة وقال له ما ~~يقول يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف ~~بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس ~~وخلفا منك، ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة: # قال: ومن لي بهذا؟ # قيل: أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد ~~يخالفك: # قال: فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى: # فودعه ورجع إلى أصحابه: # فقالوا: مه؟ قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد ~~وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا، وتمثل: # بمثلي شاهدي النجوى وغالي ... بي الأعداء والخصم الغضابا # وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني ~~أمية أمر يزيد، فأجابوا إلى بيعته، فأوفد منهم عشرة، ويقال أكثر من عشرة، ~~وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة، وقدموا على ~~معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى ms1225 عقدها: # فقال معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم. ثم قال لموسى: بكم ~~اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بثلاثين ألفا: # قال: لقد هان عليهم دينهم. # وقيل: أرسل أربعين رجلا وجعل عليهم ابنه عروة، فلما دخلوا على معاوية ~~قاموا خطباء فقالوا: إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وقالوا: يا أمير المؤمنين كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل، فانصب لنا ~~علما وحد لنا حدا ننتهي إليه: # فقال: أشيروا علي: # فقالوا: نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين. فقال: أوقد رضيتموه؟ قالوا: نعم: # قال: وذلك رأيكم؟ # قالوا نعم، ورأي من وراءنا: # فقال معاوية لعروة سرا عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: ~~بأربعمائة دينار: # قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصا: # وقال لهم: ننظر ما قدمتم له، ويقضي الله ما أراد، والأناة خير من العجلة. ~~فرجعوا. # PageV03P098 # وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، فأرسل إلى زياد يستشيره، فأحضر زياد ~~عبيد بن كعب النميري وقيل له: إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودعا، وإن ~~الناس قد أبدع بهم خصلتان: إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس ~~موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثوابها، ورجل دنيا له شرف في نفسه ~~وعقل يصون حسبه، وقد خبرتهما منك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف، ~~إن أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو ~~طاعتهم، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد ~~أولع به من الصيد، (فالق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك ~~بالأمر، فأحرى أن يتم لك [ما تريد] ، لا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت ~~في عجلة) . # فقال له عبيد: أفلا غير هذا؟ قال: وما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ~~ولا تبغض إليه ابنه وألقى أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك ~~يستشيرك في البيعة له، وأنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه، ~~وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له ms1226 الحجة على الناس ويتم ما تريد، ~~فتكون قد نصحت أمير المؤمنين وسلمت مما تخاف من أمر الأمة فقال زياد: لقد ~~رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ ~~فغير مستغش، وتقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يعلم. # فقدم على يزيد فذكر ذلك له، فكف عن كثير مما كان يصنع، وكتب زياد معه إلى ~~معاوية يشير بالتؤدة وأن لا يعجل، فقبل منه. # فلما مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد، فأرسل إلى عبد الله بن ~~عمر مائة ألف درهم، فقبلها، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر: هذا أراد ~~أن ديني عندي إذن لرخيص. وامتنع. # ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم: إني قد كبرت سني، ودق عظمي، ~~وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت ~~أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي # PageV03P099 # يردون عليك: # فقام مروان في الناس فأخبرهم به، فقال الناس: أصاب ووفق، وقد أحببنا أن ~~يتخير لنا فلا يألو. # فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأعاد إليه الجواب يذكر يزيد، فقام مروان ~~فيهم وقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد ~~بعده. # فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية! ما ~~الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل ~~قام هرقل: # فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: {والذي قال لوالديه أف لكما} ~~[الأحقاف: 17] الآية. # فسمعت عائشة مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان يا مروان! # فأنصت مروان وأقبل مروان بوجهه: # فقالت: أنت القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن؟ كذبت! والله ما هو به ~~ولكنه فلان بن فلان، ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله. # وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله ابن عمر وابن الزبير، فكتب ~~مروان بذلك إلى معاوية، وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه ms1227 ~~وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من ~~المدينة، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن ~~كل راع مسئول عن رعيته، فانظر من تولي أمر أمة محمد: # فأخذ معاوية بهر حتى جعل يتنفس في يوم شات ثم وصله وصرفه، وأمر الأحنف أن ~~يدخل على يزيد، فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ ~~قيل: رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا. # ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري، لما اجتمع الوفود عنده: إني ~~متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها: # فلما جلس معاوية للناس تكلم، فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها وما ~~أمر الله به من طاعة ولاة الأمر: # PageV03P100 # ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة وعرض ببيعته، فعارضه الضحاك فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قيل: يا أمير المؤمنين إنه لا بد للناس من وال بعدك، وقد ~~بلونا الجماعة والألفة، فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبل، ~~وخيرا في العاقبة، والأيام عوج رواجع، والله كل يوم في شأن، ويزيد ابن أمير ~~المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما، ~~وأبعدنا رأيا، فوله عهدك واجعله لنا علما بعدك ومفزعا نلجأ إليه ونسكن في ~~ظله. # وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك: # ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين، وأشار إلى ~~معاوية، فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه: # فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء. وتكلم من حضر من الوفود. # فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف ~~الله إن كذبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره ~~وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضى فلا تشاور ~~[الناس] فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده وأنت صائر إلى الآخرة، ~~وإنما علينا أن نقول سمعنا ms1228 وأطعنا. وقام رجل من أهل الشام فقال: ما ندري ما ~~تقول هذه المعدية العراقية وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف. # فتفرق الناس يحكون قول الأحنف، وكان معاوية يعطي المقارب ويداري المباعد ~~ويلطف به حتى استوثق له أكثر الناس وبايعه. فلما بايعه أهل العراق والشام ~~سار إلى الحجاز في ألف فارس، لما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي أول ~~الناس، فلما نظر إليه قال: لا مرحبا ولا أهلا! بدنة بترقرق دمها والله ~~مهريقه! قال: مهلا فإني والله لست بأهل لهذه المقالة! قال: بلى ولشر منها: # ولقيه ابن الزبير فقال: لا مرحبا ولا أهلا خب ضب تلعة، يدخل رأسه ويضرب ~~بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه، ويدق ظهره، نحياه عني، فضرب وجه راحلته: # ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له معاوية: لا # PageV03P101 # أهلا ولا مرحبا! شيخ قد خرف وذهب عقله، ثم أمر فضرب وجه راحلته: # ثم فعل بابن عمر نحو ذلك، فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى دخل المدينة، ~~فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى ~~مكة فأقاموا بها، وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال: من أحق منه ~~بالخلافة في فضله وعقله وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى تصيبهم بوائق ~~تجتث أصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر، ثم أنشد متمثلا: # قد كنت حذرتك آل المصطلق ... وقلت يا عمرو أطعني وانطلق # إنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق # دونك ما استسقيته فاحس وذق # ثم دخل على عائشة، وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: لأقتلنهم إن ~~لم يبايعوا، فشكاهم إليها، فوعظته وقالت له: بلغني أنك تتهدهم بالقتل، ~~فقال: يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم، ~~أفترين أن أنقض بيعة قد تمت؟ قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن ~~شاء الله: # قال: أفعل. # وكان في قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخي ما ~~فعلت؟ تعني أخاها ms1229 محمدا. # فقال لها: كلا يا أم المؤمنين، إني في بيت أمن. قالت: أجل. # ومكث بالمدينة ما شاء الله ثم خرج إلى مكة فلقيه الناس، فقال أولئك ~~النفر: نتلقاه فلعله قد ندم على ما كان منه، فلقوه ببطن مر، فكان أول من ~~لقيه الحسين، فقال له معاوية: مرحبا وأهلا يا ابن رسول الله وسيد شباب ~~المسلمين، فأمر له بدابة فركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل ~~يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة، فكانوا أول داخل وآخر خارج، ولا ~~يمضي يوم إلا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئا، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب ~~مسيره فقال بعض أولئك النفر لبعض: لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبكم وما ~~صنعه إلا لما يريد: # فأعدوا له جوابا فاتفقوا على أن يكون المخاطب له ابن الزبير. # فأحضرهم معاوية وقال: قد علمتم سيرتي وصلتي لأرحامكم وحملي ما # PageV03P102 # كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم وأردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا ~~أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه لا يعارضكم في شيء من ذلك. # فسكتوا. فقال: ألا تجيبون؟ مرتين. # ثم أقبل على ابن الزبير، فقال: هات لعمرك إنك خطيبهم. فقال: نعم، نخيرك ~~بين ثلاث خصال: # قال: اعرضهن: # قال: تصنع كما صنع رسول - صلى الله عليه وسلم - أو كما صنع أبو بكر أو ~~كما صنع عمر: # قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يستخلف أحدا فارتضى الناس أبا بكر: # قال: ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف: # قالوا: صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس ~~من بني أبيه فاستخلفه، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة ~~نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه: # قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: لا. # ثم قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. # قال: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب ~~فيكم فيقوم إلي القائم منكم ms1230 فيكذبني على رءوس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإني ~~قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه ~~كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه. # ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع ~~كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه ~~بسيفيهما. # ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء ~~الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبت أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، ~~وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله! فبايع الناس، وكانوا ~~يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس ~~أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلم؟ أرضيتم وأعطيتم ~~وبايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا: # فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل. # وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام وجفا بني هاشم، فأتاه ابن عباس ~~فقال # PageV03P103 # له: ما بالك جفوتنا؟ قال: إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه ~~فقال: يا معاوية إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ثم أنطلق بما ~~تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك: # قال: يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون. # وقيل: إن ابن عمر قال لمعاوية: أبايعك على أني أدخل فيما تجتمع عليه ~~الأمة، فوالله لو اجتمعت على حبشي لدخلت معها ثم عاد إلى منزله فأغلق بابه ~~ولم يأذن لأحد. # قلت: ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول من يجعل وفاته سنة ~~ثلاث وخمسين، وإنما يصح على قول من يجعلها بعد ذلك الوقت. # ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان بن عفان # في هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وعزل ابن ~~زياد. # وسبب ذلك أنه سأل معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله ~~بن ms1231 زياد: # فقال: والله لقد اصطنعك أبي حتى بلغت باصطناعه المدى الذي تجارى إليه ولا ~~تسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته وقدمت هذا، يعني يزيد، وبايعت له، والله ~~لأنا خير منه أبا وأما ونفسا! فقال معاوية: أما بلاء أبيك فقد يحق عليك ~~الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني قد طلبت بدمه، وأما فضل أبيك على أبيه ~~فهو والله خير مني، وأما فضل أمك على أمه فلعمري امرأة من قريش خير من ~~امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت ليزيد رجالا ~~مثلك. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت أحق من نظر في أمره، قد ~~عتب عليك فأعتبه. # فولاه حرب خراسان، وولى إسحاق بن طلحة خراجها وكان إسحاق ابن خالة ~~معاوية، أمه أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فلما صار بالري مات إسحاق فولي ~~سعيد # PageV03P104 # حربها وخراجها، فلما قدم خراسان قطع النهر إلى سمرقند، فخرج إليه الصغد ~~فتواقفوا يوما إلى الليل ولم يقتتلوا، فقال مالك بن الريب: # ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا ... من الجبن حتى خفت أن تتنصرا # فلما كان من الغد اقتتلوا فهزمهم سعيد وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه ~~رهنا منهم خمسين غلاما من أبناء عظمائهم، فسار إلى ترمذ ففتحها صلحا ولم يف ~~لأهل سمرقند وجاء بالغلمان معه إلى المدينة: # وكان ممن قتل معه قثم بن عباس بن عبد المطلب. # [الوفيات] # وفي هذه [السنة] ماتت جويرية بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # PageV03P105 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين] ### | 57 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين # فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. # وفيها عزل مروان بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها الوليد بن عتبة بن ~~أبي سفيان، وقيل: لم يعزل مروان هذه السنة. # وحج بالناس الوليد بن عتبة: # وكان العامل على الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، ~~وعلى خراسان سعيد بن عثمان. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبد الله بن عامر، وقيل: سنة تسع وخمسين. ms1232 # وعبد الله بن قدامة السعدي، وله صحبة، وقيل: هو عبد الله بن عمرو بن ~~وقدان السعدي، وإنما # PageV03P106 # قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر، وهو من بني عامر بن ~~لؤي: # وعثمان بن شيبة بن أبي طلحة العبدري، وهو جد بني شيبة سدنة الكعبة، ~~ومفتاحها معهم إلى الآن، وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين، وجبير بن مطعم بن ~~نوفل القرشي، له صحبة. # وأم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: بقيت إلى قتل الحسين. # PageV03P107 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين] ### | 58 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين # في هذه السنة غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، وعمرو بن يزيد ~~الجهني في البحر، وقيل: جنادة بن أبي أمية. # ذكر عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال ابن أم الحكم # وفي هذه السنة عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة واستعمل عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية. # وفي عمله هذه السنة خرجت الخوارج الذي كان المغيرة بن شعبة حبسهم فجمعهم ~~حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم وحثاهم على الجهاد، ~~فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا إلى بانقيا، فسار إليهم الجيش من الكوفة ~~فقتلوهم جميعا. # ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة لسوء سيرته، فلحق بخاله ~~معاوية فولاه مصر، فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال له: ~~ارجع إلى خالك، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة! فرجع ~~إلى معاوية: # PageV03P108 # ثم إن معاوية بن حديج وفد إلى معاوية، وكان إذا قدم إلى معاوية زينت له ~~الطريق بقباب الريحان تعظيما لشأنه، فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم، ~~فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخ بخ! هذا معاوية بن حديج. # قالت: لا مرحبا، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! فسمعها معاوية بن حديج ~~فقال: على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، ~~أردت أن يلي ابنك ms1233 الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل ~~الكوفة، وما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه ولو ~~كره هذا القاعد، يعني خاله معاوية. فالتفت إليها معاوية وقال: كفي، فكفت. # ذكر خروج طواف بن غلاق # كان قوم من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه جدار فيتحدثون عنده ~~ويعيبون السلطان، فأخذهم ابن زياد فحبسهم ثم دعا بهم وعرض عليهم أن يقتل ~~بعضهم بعضا ويخلي سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقهم، وكان ممن قتل طواف، ~~فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم إخوانكم! قالوا: أكرهنا وقد يكره الرجل على ~~الكفر وهو مطمئن بالإيمان. # وندم طواف وأصحابه، فقال طواف: أما من توبة؟ فكانوا يبكون، وعرضوا على ~~أولياء من قتلوا الدية فأبوا، وعرضوا عليهم القود فأبوا ولقي طواف الهثهات ~~بن ثور السدوسي فقال له: أما ترى لنا من توبة؟ فقال: ما أجد لك إلا آية في ~~كتاب الله، عز وجل، قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] . فدعا طواف ~~أصحابه إلى الخروج وإلى أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه في سنة ثمان وخمسين، ~~وكانوا سبعين رجلا من بني عبد القيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ~~ابن زياد، فبلغ ذلك طوافا فعجل الخروج، فخرجوا # PageV03P109 # من ليلتهم فقتلوا رجلا، ومضوا إلى الجلجاء، فندب ابن زياد الشرط ~~البخارية، فقاتلوهم، فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة واتبعوهم، وذلك يوم عيد ~~الفطر، وكثرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، وبقي طواف في ستة نفر، وعطش فرسه ~~فأقحمه الماء، فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وصلبوه، ثم دفنه أهله، ~~فقال شاعر منهم: # يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت ... واكف المهم فأنت الرازق الكافي # حتى أبيع التي تفنى بآخرة ... تبقى على دين مرداس وطواف # وكهمس وأبي الشعثاء إذ نفروا ... إلى الإله ذوي أخباب زحاف # ذكر قتل عروة ابن أدية وغيره من الخوارج # في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعة كثيرة، ~~منهم: عروة ابن ms1234 أدية أخو أبي بلال مرداس ابن أدية، وأدية أمهما، وأبوهما ~~حدير، وهو تميمي. # وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل ~~اجتمع إليه الناس وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد يعظه، وكان مما قال له: ~~{أتبنون بكل ريع آية تعبثون - وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون - وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين} [الشعراء: 128 - 130] . فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ~~ذلك إلا ومعه جماعة، فقام وركب وترك رهانه: # فقيل لعروة: ليقتلنك! فاختفي، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأخذ ~~وقدم به على ابن زياد، فقطع يديه ورجليه وقتله، وقتل ابنته. # وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج، وشهد ~~صفين مع علي فأنكر التحكيم، وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها ~~تتولاه، ورأى على ابن عامر قباء أنكره فقال: هذا لباس الفساق! فقال أبو ~~بكرة: لا تقل # PageV03P110 # هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله، وكان لا يدين بالاستعراض، ~~ويحرم خروج النساء، ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا. # وكانت البثجاء، امرأة من بني يربوع، تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء ~~سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التقية ~~لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. قالت: أخشى أن يلقى أحد بسببي ~~مكروها. # فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، فمر بها أبو بلال في السوق فعض على ~~لحيته وقال: أهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس؟ ما ميتة أموتها أحب إلي ~~من ميتة البثجاء! ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق ~~فتلا: {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} [إبراهيم: 50] . # ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم ~~وحبس أبا بلال قبل أن يقتل أخاه عروة، فرأى السجان عبادته فأذن له كل ليلة ~~في إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلا ويعود مع الصبح، وكان صديق لمرداس يسامر ~~ابن زياد، ms1235 فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم، فانطلق صديق مرداس ~~إليه فأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفا أن يعلم مرداس فلا يرجع، ~~فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتى، فقال له السجان: أما بلغك ~~ما عزم عليه الأمير؟ قال: بلى قال: ثم جئت؟ قال: نعم لم يكن جزاؤك مني مع ~~إحسانك إلي أن تعاقب. # وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج، فلما أحضر مرداس قام السجان، وكان ظئرا ~~لعبيد الله، فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلى سبيله. # ثم إنه خاف ابن زياد فخرج في أربعين رجلا إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به ~~مال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يرد الباقي، فلما سمع ابن زياد خبرهم ~~بعث إليهم جيشا عليهم أسلم بن زرعة الكلابي سنة ستين، وقيل: أبو حصين ~~التميمي، وكان الجيش ألفي رجل، فلما وصلوا إلى أبي بلال ناشدهم الله أن ~~يقاتلوه فلم يفعلوا، ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالو: أتردوننا إلى ~~ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من أصحاب أبي بلال فقتلوه، فقال أبو ~~بلال: قد بدءوكم بالقتال. # فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم فقدموا البصرة، فلام ~~ابن # PageV03P111 # زياد أسلم وقال: هزمك أربعون وأنت في ألفين، لا خير فيك! فقال: لأن ~~تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت. فكان الصبيان إذا رأوا أسلم ~~صاحوا به: أما أبو بلال وراءك! فشكا ذلك إلى ابن زياد، فنهاهم فانتهوا. # (وقال رجل من الخوارج: # أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا # كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا # [هي الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس الوليد بن عتبة. # [الوفيات] : # (في هذه السنة مات عقبة بن عامر) الجهني، وله صحبة، وشهد صفين مع معاوية. # وفيها توفيت عائشة، عليها السلام. # وسمرة بن جندب، له صحبة. # ومالك بن عبادة الغافقي، وله صحبة. # وعميرة بن يثربي قاضي البصرة، واستقضي مكانه هشام بن هبيرة. # PageV03P112 ### | [ثم دخلت ms1236 سنة تسع وخمسين] ### | 59 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين # في هذه السنة كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم في البر، وغزا في ~~البحر جنادة بن أبي أمية، وقيل: لم يكن في البحر غزوة هذه السنة وفي هذه ~~السنة عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة واستعمل عليها النعمان بن بشير ~~الأنصاري، وقد تقدم سبب عزله (وقيل: كان عزله سنة ثمان وخمسين) . # ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان # وفيها استعمل معاوية عبد الرحمن بن زياد على خراسان، وقدم بين يديه قيس ~~بن الهيثم السلمي، وأخذ أسلم بن زرعة فحبسه وأخذ منه ثلاثمائة ألف درهم، ثم ~~قدم عبد الرحمن، وكان كريما حريصا ضعيفا لم يغز غزوة واحدة، وبقي بخراسان ~~إلى أن قتل الحسين، فقدم على يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم، فقال: إن شئت ~~حاسبناك وأخذنا ما معك ورددناك إلى عملك، وإن شئت أعطيناك ما معك وعزلناك ~~وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم. # قال: بل تعطيني ما معي وتعزلني. # ففعل فأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف وقال: هذه خمسمائة ألف من ~~يزيد وخمسمائة ألف مني. # PageV03P113 # ذكر عزل ابن زياد عن البصرة وعوده إليها # في هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها. # وسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية في وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف، ~~وكان سيئ المنزلة من عبيد الله، فلما دخلوا رحب معاوية بالأحنف وأجلسه معه ~~على سريره، فأحسن القوم الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ~~ما لك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال: إن تكلمت خالفت القوم. # فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم واطلبوا واليا ترضونه، فلم يبق أحد ~~إلا أتى رجلا من بني أمية أو من أهل الشام والأحنف لم يبرح من منزله فلم ~~يأت أحدا، فلبثوا أياما، ثم جمعهم معاوية وقال لهم: من اخترتم؟ فاختلفت ~~كلمتهم والأحنف ساكت، فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: إن وليت علينا أحدا من ~~أهل بيتك ms1237 لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك. # فرده معاوية عليهم وأوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته، فلما هاجت ~~الفتنة لم يف له غير الأحنف. # ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد وما كان منه # كان يزيد بن مفرغ الحميري مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب ~~الترك، فاستبطأه ابن مفرغ، وأصاب الجند الذين مع عباد ضيق في علوفات ~~دوابهم، فقال ابن مفرغ: # ألا ليت اللحى كانت حشيشا ... فنعلفها خيول المسلمينا # وكان عباد بن زياد عظيم اللحية، فقيل: ما أراد غيرك. فطلب فهرب منه وهجاه ~~بقصائد، وكان مما هجاه به قوله: # إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر شعب رحلك بانصداع # فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع # PageV03P114 # ولكن كان أمرا فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع # وقال أيضا: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني # أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان # فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان # وقدم يزيد بن مفرغ البصرة وعبيد الله بن زياد بالشام عند معاوية، فكتب ~~إليه أخوه عباد بما كان منه، فأعلم عبيد الله معاوية به وأنشده الشعر ~~واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فلم يأذن له وأمره بتأديبه. # ولما قدم ابن مفرغ البصرة استجار بالأحنف وغيره من الرؤساء فلم يجره أحد، ~~فاستجار بالمنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره، وكانت ابنته عند عبيد الله ~~بن زياد، فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ، وأتى المنذر عبيد ~~الله مسلما، فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ وأتوه ~~به والمنذر عنده، فقال له المنذر: أيها الأمير إني قد أجرته! فقال: يا منذر ~~يمدحك وأباك ويهجوني وأبي وتجيره علي! ثم أمر به فسقي دواء ثم حمل على حمار ~~وطيف به وهو يسلح في ثيابه، فقال يهجو المنذر: # تركت قريشا أن أجاور فيهم ... وجاورت عبد القيس أهل المشقر # أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسو العراق المبذر ms1238 # PageV03P115 # فأصبح جاري من جذيمة نائما ... ولا يمنع الجيران غير المشمر # فقال لعبيد الله: # يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي # ثم سيره عبيد الله إلى أخيه عباد بسجستان، فكلمت اليمانية بالشام معاوية ~~فيه، فأرسل إلى عباد فأخذه من عنده، فقدم على معاوية وقال في طريقه: # عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق # لعمري لقد نجاك من هوة الردى ... إمام وحبل للأنام وثيق # سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق # فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلم مثله على غير ~~حدث، قال: أولست القائل: # ألا أبلغ معاوية بن حرب # القصيدة؟ # فقال: لا والله الذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا، وإنما قاله عبد ~~الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلى هجاء زياد. # قال: ألست القائل: # فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع # في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد؟ اذهب فقد عفونا عنك فانزل أي أرض الله ~~شئت. # فنزل الموصل وتزوج بها. # فلما كان ليلة بنائه بامرأته خرج حين أصبح إلى # PageV03P116 # الصيد فلقي إنسانا على حمار. # فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من الأهواز. # قال: فما فعل (ماء مسرقان) ؟ قال: على حاله. # فارتاح إلى البصرة فقدمها ودخل على عبيد الله فآمنه. # وغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم فكلم فيه فقال: لا أرضى عنه حتى ~~يرضى عنه ابن زياد. # فقدم البصرة على عبيد الله وقال له: # لأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من إحدى بناتي # أراك أخا وعما وابن عم ... فلا أدري بغيب ما تراني # [فقال] : أراك شاعر سوء! ورضي عنه. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان. # وكان الوالي على الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، ~~(وعلى المدينة الوليد بن عتبة، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى ~~سجستان عباد بن زياد) ، وعلى كرمان شريك بن الأعور. # [الوفيات] : # وفيها مات قيس بن ms1239 سعد بن عبادة الأنصاري بالمدينة، وقيل: سنة ستين، وكان ~~قد شهد مع علي مشاهده كلها. # وفيها مات سعيد بن العاص، وولد عام الهجرة، وقتل # PageV03P117 # أبوه يوم بدر كافرا. # وفيها مات مرة بن كعب البهزي السلمي، وله صحبة. # وفيها مات أبو محذورة الجمحي مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بمكة، ولم يزل يؤذن بها حتى مات وولده من بعده، وقيل: مات سنة تسع وستين. # وفيها مات عبد الله بن عامر بن كريز بمكة فدفن بعرفات. # وفيها مات أبو هريرة، فحمل جنازته ولد عثمان بن عفان لهواه كان في عثمان. # [غزوة حصن كمخ] : # وفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن الحباب السلمي، فصعد عمير ~~السور ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم فصعد المسلمون، ففتحه بعمير، ~~وبذلك كان يفتخر ويفخر له بذلك. # PageV03P118 ### | [ثم دخلت سنة ستين] ### | 60 - # ثم دخلت سنة ستين # في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة رودس وهدمه ~~مدينتها في قول بعضهم. # (وفيها توفي معاوية بن أبي سفيان، وكان قد أخذ على وفد أهل البصرة البيعة ~~ليزيد) . # ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان # خطب معاوية قبل مرضه وقال: إني كزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى ~~مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا ~~خير منه، كما أن من قبلي كان خيرا مني، وقد قيل: «من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه» ، اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه! # فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه، فلما مرض المرض الذي مات فيه دعا ~~ابنه يزيد فقال: يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، ~~وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر ~~أهل الحجاز فإنهم أصلك، وأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل ~~العراق: # PageV03P119 # فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أيسر من أن ~~يشهر عليك مائة ألف ms1240 سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك ~~من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن ~~أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا ~~الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ~~بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته ~~العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن ~~يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ~~ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأما ابن أبي بكر ~~فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليس له همة إلا في النساء واللهو، ~~وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب ~~فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إربا إربا، واحقن دماء ~~قومك ما استطعت. # هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وليس بصحيح، فإن عبد ~~الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية. # وقيل: إن يزيد كان غائبا في مرض أبيه وموته، وإن معاوية أحضر الضحاك بن ~~قيس ومسلم بن عقبة المري فأمرهما أن يؤديا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه، ~~وهو الصحيح. # ثم مات بدمشق لهلال رجب، وقيل للنصف منه، وقيل لثمان بقين منه، وكان ملكه ~~تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما مذ اجتمع له الأمر وبايع له ~~الحسن بن علي، وقيل كان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وقيل وثلاثة أشهر ~~إلا أياما، وكان عمره خمسا وسبعين سنة، وقيل ثلاثا وسبعين سنة. # وقيل توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل خمس وثمانين. # وقيل: ولما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله: احشوا عيني إثمدا وادهنوا ~~رأسي. # ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وأذن للناس، فسلموا قياما ولم ~~يجلس # PageV03P120 # أحد، فلما خرجوا عنه قالوا: ms1241 هو أصح الناس. # فقال معاوية عند خروجهم من عنده: # وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وكان به نفاثات، فمات من يومه، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كساني قميصا فحفظته، وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته ~~فجعلتها في قارورة، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة ~~وذروها في عيني وفمي فعسى الله أن يرحمني ببركتها، ثم تمثل بشعر الأشهب بن ~~رميلة النهشلي: # إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد # وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدد # فقالت إحدى بناته: كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك. # فقال متمثلا بشعر الهذلي: وإذا المنية، البيت. # وقال لأهله: اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله. # ثم قضى وأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له ~~الباقي لأن عمر قاسم عماله، وأنشد لما حضرته الوفاة: # إن تناقش يكن نقاشك يا ر ... ب عذابا لا طوق لي بالعذاب # أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب # PageV03P121 # ولما اشتد مرضه أخذت ابنته رملة رأسه في حجرها وجعلت تفليه، فقال: إنك ~~لتفلينه حولا قلبا، جمع المال من شب إلى دب، فليته لا يدخل النار! ثم تمثل: # لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ... وقد كفيتكم التطواف والرحلا # وبلغه أن قوما يفرحون بموته، فأنشد: # فهل من خالد إن ما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار؟ # وكان في مرضه ربما اختلط في بعض الأوقات، فقال مرة: كم بيننا وبين ~~الغوطة؟ فصاحت بنته: واحزناه! فأفاق فقال: # إن تنفري فقد رأيت منفرا. # فلما مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: إن معاوية كان عود العرب وحد العرب وجد العرب، قطع ~~الله به الفتنة وملكه على العباد وفتح به البلاد، إلا أنه قد مات وهذه ~~أكفانه ونحن مدرجوه فيها ms1242 ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو الهرج ~~إلى يوم القيامة، فمن كان يريد [أن] يشهده فعند الأولى. # وصلى عليه الضحاك. # PageV03P122 # وقيل: لما اشتد مرضه، أي مرض معاوية، كان ولده يزيد بحوارين، فكتبوا إليه ~~يحثونه على المجيء ليدركه، فقال يزيد شعرا: # جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا # قلنا: لك الويل ماذا في كتابكم؟ ... قال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا # ثم انبعثنا إلى خوض مزممة ... نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا # فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقطعا # من لم تزل نفسه توفي على شرف ... توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا # لما انتهينا وباب الدار منصفق ... وصوت رملة ريع القلب فانصدعا # ثم ارعوى القلب شيئا بعد طيرته ... والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا # أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعا فماتا قاطنين معا # أغر أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا # PageV03P123 # فأقبل يزيد وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه. # ذكر نسبه وكنيته وأزواجه وأولاده # أما نسبه فهو: معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية ~~بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وكنيته أبو عبد الرحمن. # وأما نساؤه وولده، فمنهن: ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية أم يزيد ابنه، ~~وقيل ولدت بنتا اسمها أمة رب المشارق فماتت صغيرة: # ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فولدت له عبد ~~الرحمن وعبد الله ابني معاوية، وكان عبد الله أحمق، اجتاز يوما بطحان وبغله ~~يطحن، وفي عنقه جلاجل فسأل عن الجلاجل فقال: جعلتها في عنقه لأعلم أن قد ~~قام فلم تدر الرحا. # فقال: أرأيت إن قام وحرك رأسه كيف تعلم؟ فقال الطحان: إن بغلي ليس له عقل ~~مثل عقل الأمير. # وأما عبد الرحمن فمات صغيرا. # ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلابية، تزوجها وقال لميسون: انظري إليها، ~~فنظرت إليها وقالت: رأيتها جميلة، ولكني رأيت تحت سرتها خالا، ليوضعن رأس ~~زوجها في حجرها! ms1243 فطلقها معاوية وتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها ~~بعده النعمان بن بشير، وقتل فوضع رأسه في حجرها. # ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة، وغزا قبرس وهي معه فماتت هناك. # ذكر بعض سيرته وأخباره وقضاته وكتابه # لما بويع معاوية بالخلافة استعمل على شرطته قيس بن حمزة الهمداني، ثم ~~عزله واستعمل زمل بن عمرو العذري، وقيل السكسكي. وكان كاتبه وصاحب أمره ~~سرجون الرومي، وعلى حرسه رجل من الموالي يقال له المختار، وقيل أبو المخارق ~~مالك مولى حمير، وكان أول من اتخذ الحرس، وكان على حجابه سعد مولاه، وعلى ~~القضاء # PageV03P124 # فضالة بن عبيد الأنصاري، فمات، فاستقضى أبا إدريس الخولاني. # وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري، وكان أول من اتخذ ديوان ~~الخاتم، وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب ~~له بذلك إلى زياد، ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد ~~حسابه أنكرها معاوية وطلبها من عمرو وحبسه، فقضاها عنه أخوه عبد الله بن ~~الزبير، فأحدث عنه ذلك معاوية ديوان الخاتم وحزم الكتب، ولم تكن تحزم. # قال عمر بن الخطاب: يذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية! # قيل: وقدم عمرو بن العاص من مصر على معاوية ومعه من أهل مصر، فقال لهم ~~عمرو: لا تسلموا على معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروا ما ~~استطعتم. # فلما قدموا قال معاوية لحجابه: كأني بابن النابغة وقد صغر أمري عند ~~القوم، فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم أشد ما يحضركم. # فكان أول من دخل عليه رجل منهم يقال له ابن الخياط فقال: السلام عليك يا ~~رسول الله! وتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! ~~نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه بالنبوة! # قيل: ودخل عبيد الله بن أبي بكرة على معاوية ومعه ولد له فأكثر من الأكل، ~~فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله وأراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من ~~الأكل، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه، فقال معاوية: ms1244 ما فعل ابنك ~~التلقامة؟ قال: اشتكى. # قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. # قال جويرية بن أسماء: قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود ~~فقال: السلام عليك يا أمين الله! قال: وعليك السلام. # فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه، والله لا أوليه! # PageV03P125 # وقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألست أنصح الناس لك؟ قال: بذلك نلت ما نلت. # قال جويرية بن أسماء أيضا: كان بسر بن أبي أرطاة عند معاوية فنال من علي ~~وزيد بن عمر بن الخطاب حاضر، وأمه أم كلثوم بنت علي، فعلاه بالعصا وشجه، ~~فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ قريش وسيد أهل الشام فضربته! وأقبل على بسر ~~فقال: تشتم عليا وهو جده وابن الفاروق على رءوس الناس! أترى أن يصبر على ~~ذلك؟ فأرضاهما جميعا. # وقال معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من ~~حلمي، وعورة لا أواريها بستري، وإساءة أكثر من إحساني. # وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر، فإياك ~~والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة، والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما، والمدح ~~فإنه طعمة الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك ~~وتؤدب به غيرك. # قال عبد الله بن صالح: قيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: أشدهم لي ~~تحبيبا إلى الناس. # وقال معاوية: العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد، فإذا ذكر ذكر، ~~وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء ~~استغفر، وإذا وعد أنجز. # قال عبد الله بن عمير: أغلظ لمعاوية رجل فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ ~~فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. # وقال محمد بن عامر: لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء، فدخل عبد ~~الله على معاوية ومعه بديح ومعاوية واضع رجلا على رجل، فقال عبد الله ~~لبديح: إيها يا # PageV03P126 # بديح! فتغنى، فحرك معاوية رجله، فقال عبد الله: مه يا أمير ms1245 المؤمنين! ~~فقال معاوية: إن الكريم طروب. # قال ابن عباس: ما رأيت أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على ~~أرجاء واد رحب، ولم يكن كالضيق الحصحص الحصر، يعني ابن الزبير، وكان مغضبا. # وقال صفوان بن عمرو: وقف عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحم، فقال ~~رجل: قبر من هذا؟ فقال: قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم، ويسكت ~~عن حلم، إذا أعطى أغنى، وإذا حارب أفنى، ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن ~~بعده، هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية. # ومعاوية أول خليفة بايع لولده في الإسلام، وأول من وضع البريد، وأول من ~~سمى الغالية التي تطيب من الطيب غالية، وأول من عمل المقصورة في المساجد، ~~وأول من خطب جالسا، في قول بعضهم. # ذكر بيعة يزيد # قيل: وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه، على ما سبق ~~من الخلاف فيه، فلما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ~~وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى ~~الكوفة النعمان بن بشير، ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على ~~معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية، وكتابا آخر صغيرا فيه: ~~أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة ~~حتى يبايعوا، والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى ~~مروان بن الحكم فدعاه. # وكان مروان عاملا على المدينة من قبل # PageV03P127 # الوليد، فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها، فلما رأى ~~الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارما ~~له حتى جاء نعي معاوية، فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة ~~هؤلاء النفر، استدعى مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه، ~~واستشاره الوليد كيف يصنع. # قال: أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت ~~عنهم، وإن أبوا ms1246 ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا ~~بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أما ابن عمر فلا ~~يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا. # فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلام حدث، إلى الحسين وابن ~~الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن ~~الوليد يجلس فيها للناس فقال: أجيبا الأمير. # فقالا: انصرف، الآن نأتيه. # وقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن ~~يجلس فيها؟ فقال الحسين: أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة ~~قبل أن يفشو في الناس الخبر. # فقال: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن تصنع؟ قال الحسين: أجمع فتياني ~~الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه. # قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت. # قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع. # فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه: # إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا ~~تبرحوا حتى أخرج إليكم. # ثم دخل فسلم، ومروان عنده، فقال الحسين: # الصلة خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، ~~أصلح الله ذات بينكما، وجلس، فأقرأه الوليد الكتاب، ونعى له معاوية ودعاه ~~إلى البيعة، فاسترجع الحسين وترحم على معاوية وقال: أما البيعة فإن مثلي لا ~~يبايع سرا ولا يجتزأ بها مني سرا، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ~~ودعوتنا معهم كان الأمر واحدا. # فقال الوليد، وكان يحب العافية: انصرف. # فقال له مروان: لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا ~~حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه. # فوثب # PageV03P128 # عند ذلك الحسين وقال: ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت! ~~ثم خرج حتى أتى منزله. # فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكنك من نفسه ms1247 بمثلها أبدا، فقال ~~الوليد: وبخ غيرك يا مروان، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت ~~عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا إن قال لا أبايع، والله إني لأظن ~~أن امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة. # قال مروان: قد أصبت. يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه. # وأما ابن الزبير فقال: الآن آتيكم. # ثم أتى داره فكمن فيها، ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز، ~~فألح عليه الوليد وهو يقول: أمهلوني. # فبعث إليه الوليد مواليه، فشتموه وقالوا له: يا ابن الكاهلية لتأتين ~~الأمير أو ليقتلنك! فقال لهم: والله لقد استربت لكثرة الإرسال، فلا تعجلوني ~~حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه. # فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير، فقال: رحمك الله، كف عن عبد الله فإنك قد ~~أفزعته وذعرته وهو يأتيك غدا إن شاء الله تعالى، فمر رسلك فلينصرفوا عنه. # فبعث إليهم فانصرفوا. # وخرج ابن الزبير من ليلته فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث ~~وسارا نحو مكة، فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه، فرجعوا وتشاغلوا به عن ~~الحسين ليلتهم، ثم أرسل الرجال إلى الحسين فقال لهم: أصبحوا ثم ترون ونرى، ~~وكانوا يبقون عليه، فكفوا عنه، فسار من ليلته: # وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل ~~أهل بيته إلا محمد ابن الحنفية فإنه قال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي ~~وأعزهم علي ولست أذخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح ببيعتك عن ~~يزيد وعن الأمصار ما استطعت وابعث رسلك إلى الناس وادعهم إلى نفسك فإن ~~بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك ~~دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تأتي مصرا وجماعة ~~من الناس فيختلفوا # PageV03P129 # عليك، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإذا خير ~~هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما ms1248 وأذلها أهلا. # قال الحسين: فأين أذهب يا أخي؟ قال: انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ~~ذلك، وإن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر ~~إلى ما يصير أمر الناس، ويفرق لك الرأي، فإنك أصوب ما يكون رأيا وأحزمه ~~عملا حين تستقبل الأمور استقبالا، ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين ~~تستدبرها. # قال: يا أخي قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا وموفقا إن شاء ~~الله. # ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرغ: # لا ذعرت السوام في شفق الصب ... ح مغيرا ولا دعيت يزيدا # يوم أعطى من المهانة ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا # ولما سار الحسين نحو مكة قرأ: {فخرج منها خائفا يترقب} [القصص: 21] ~~الآية. فلما دخل مكة قرأ: {ولما توجه تلقاء مدين} [القصص: 22] الآية. # ثم إن الوليد أرسل إلى ابن عمر ليبايع فقال: إذا بايع الناس بايعت، ~~فتركوه وكانوا لا يتخوفونه. # وقيل: إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلى المدينة، فلقيهما ~~الحسين وابن الزبير فسألاهما: ما وراءكما؟ فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد. ~~فقال ابن # PageV03P130 # عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين. # وقدم هو وابن عباس المدينة. # فلما بايع الناس بايعا. # قال: ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد، فلما دخلها قال: أنا عائذ ~~بالبيت. # ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم، وكان يقف هو وأصحابه ناحية. # ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد # في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله يزيد، واستعمل عليها ~~عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان، فدخل عليه أهل المدينة، وكان عظيم ~~الكبر، واستعمل على شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله ~~من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا لهواهم في ~~أخيه عبد الله، منهم: أخوه المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ومحمد ~~بن ms1249 عمار بن ياسر، وغيرهم، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين. # فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه. # فقال: لا توجه إليه رجلا أنكأ له مني. # فجهز معه الناس وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة، فجاء مروان بن ~~الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت ~~وخلوا ابن الزبير فقد كبر وله ستون سنة وهو لجوج. # فقال عمرو بن الزبير: والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. # وأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له: لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار ثم ~~عادت كحرمتها بالأمس» . فقال له عمرو: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ. ~~فسار أنيس في مقدمته. # وقيل: إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد ~~الله، ففعل، فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل، فنزل أنيس بذي طوى ونزل عمرو ~~بالأبطح، فأرسل عمرو إلى أخيه: بر يمين يزيد، وكان حلف أن لا يقبل بيعته ~~إلا أن يؤتي به في # PageV03P131 # جامعة، ويقال: حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى، ولا يضرب الناس ~~بعضهم بعضا فإنك في بلد حرام. # فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل ~~مكة ممن اجتمع إليه، فهزمه ابن صفوان بذي طوى وأجهز على جريحهم وقتل أنيس ~~بن عمرو وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير، فتفرق عن عمرو ~~أصحابه، فدخل دار (ابن) علقمة، فأتاه أخوه عبيدة فأجاره، ثم أتى عبد الله ~~فقال له: إني قد أجرت عمرا، فقال: أتجير من حقوق الناس! هذا ما لا يصلح وما ~~أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله. # ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا، ~~ومات تحت السياط. # ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ms1250 ليسير إليهم وقتل مسلم بن ~~عقيل # لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له: جعلت ~~فداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فمكة، وأما بعد فإني أستخير الله. # قال خار الله لك وجعلنا فداك! فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها ~~بلدة مشئومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، ~~الزم الحرم فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس ~~من كل جانب، لا تفارق الحرم، فداك عمي وخالي! فوالله لئن هلكت لنسترقن ~~بعدك. # فأقبل حتى نزل مكة وأهلها مختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين ~~وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة ~~النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي، وهو أثقل ~~خلق الله على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه (ما دام الحسين ~~باقيا) بالبلد. # ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن ~~البيعة # PageV03P132 # أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد (الخزاعي، فذكروا ~~مسير الحسين إلى مكة وكتبوا إليه عن نفر، منهم: سليمان بن صرد الخزاعي) ، ~~والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد وحبيب بن مطهر وغيرهم: # بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله ~~إلا هو، أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على ~~هذه الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل ~~خيارها، واستبقى شرارها، وإنه ليس علينا إمام فأقبل؛ لعل الله أن يجمعنا بك ~~على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا ~~عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، ~~والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، ثم كتبوا ~~إليه كتابا آخر وسيروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من ms1251 مائة وخمسين ~~صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثونه على المسير إليهم، ثم كتب إليه ~~شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس ~~وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي بذلك. # فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده: أما بعد فقد فهمت كل الذي ~~اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ~~وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ~~ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكا إن شاء ~~الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين ~~الحق، والسلام. # واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ~~بنت سعد، وكانت تتشيع، وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه. # فعزم يزيد بن نبيط على # PageV03P133 # الخروج إلى الحسين، وهو من عبد القيس، وكان له بنون عشرة، فقال: أيكم ~~يخرج معي؟ فخرج معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فساروا فقدموا عليه ~~بمكة ثم ساروا معه فقتلوا معه. # ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان ~~أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك. # فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وودع أهله واستأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلا الطريق وعطشوا، فمات ~~الدليلان من العطش وقالا لمسلم: هذا الطريق إلى الماء. # فكتب مسلم إلى الحسين: إني أقبلت إلى المدينة واستأجرت دليلين فضلا ~~الطريق واشتد عليهما العطش فماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج ~~إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد ~~تطيرت، فإن رأيت أعفيتني وبعثت غيري. # فكتب إليه الحسين: أما بعد فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي إلا ~~الجبن، فامض لوجهك، والسلام. # فسار مسلم حتى أتى الكوفة ونزل في دار المختار، وقيل غيرها، وأقبلت ~~الشيعة تختلف ms1252 إليه، فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين ~~فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة، واختلفت [إليه] الشيعة حتى علم ~~بمكانه وبلغ ذلك النعمان بن بشير، وهو أمير الكوفة، فصعد المنبر فقال: أما ~~بعد فلا تسارعو اإلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء ~~وتغصب الأموال. # وكان حليما ناسكا يحب العافية، ثم قال: إني لا أقاتل من لم يقاتلني، ولا ~~أثب على من لا يثب علي، ولا أنبه نائمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ~~ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم ~~إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، و [لو] ~~لم يكن منكم ناصر ولا معين، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ~~ممن يرديه الباطل. # فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال: إنه لا ~~يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين. # فقال: أكون من # PageV03P134 # المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله. # ونزل. فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ~~ومبايعة الناس له، ويقول له: إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا ~~قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف. # وكان هو أول من كتب إليه، ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمرو بن ~~سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك. # فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية فأقرأه الكتب واستشاره ~~فيمن يوليه الكوفة، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرجون: ~~أرأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه؟ قال: نعم. # قال: فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة. # فقال: هذا رأي معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب. # فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وكتب إليه بعهده وسيره إليه ~~مع مسلم بن عمرو الباهلي والد ms1253 قتيبة، فأمره بطلب مسلم بن عقيل وبقتله أو ~~نفيه. # فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد. # وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخة واحدة إلى الأشراف، فكتب إلى ~~مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، ~~وقيس بن الهيثم، وعمر بن عبد الله بن معمر، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله، وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت، فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر ~~بن الجارود فإنه خاف أن يكون دسيسا من ابن زياد، فأتاه بالرسول والكتاب ~~فضرب عنق الرسول وخطب الناس وقال: # أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني لنكل لمن ~~عاداني وسهم لمن حاربني، وأنصف القارة من راماها، يا أهل البصرة إن أمير # PageV03P135 # المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غاد إليها بالغداة وقد استخلف عليكم أخي ~~عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف، فوالله لئن بلغني عن رجل منكم ~~خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، حتى تستقيموا ولا يكون ~~فيكم مخالف ولا مشاق، وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى فلم ~~ينتزعني شبه خال ولا ابن عم. # ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي ~~وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعيا، وقيل: كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه، ~~فكان أول من سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه الحسين إلى الكوفة فلم ~~يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه ~~الحسين فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله! وهو لا يكلمهم، وخرج إليه ~~الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم، وسمع النعمان فأغلق عليه الباب وهو لا ~~يشك أنه الحسين، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون، فقال له ~~النعمان: أنشدك الله ألا تنحيت عني! فوالله ما أنا بمسلم إليك أمانتي وما ~~لي في قتالك من حاجة! فدنا منه عبيد الله وقال له: افتح لا فتحت! فسمعها ~~إنسان خلفه فرجع إلى الناس ms1254 وقال لهم: إنه ابن مرجانة. # ففتح له النعمان فدخل، وأغلقوا الباب وتفرق الناس، وأصبح فجلس على ~~المنبر، وقيل: بل خطبهم من يومه فقال: أما بعد فإن أمير المؤمنين ولاني ~~مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان ~~إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ~~ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي ~~وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه. # ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا وقال: اكتبوا إلي الغرباء ومن ~~فيكم # PageV03P136 # من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم ~~الخلاف والشقاق، فمن كتبهم إلي فبريء، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما ~~في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل ~~فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية ~~أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألقيت تلك العرافة من ~~العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة. ثم نزل. # وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة ~~المرادي فدخل بابه واستدعى هانئا، فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه فقال له ~~مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني. # فقال له هانئ: لقد كلفتني شططا، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني، ~~غير أنه يأخذني من ذلك ذمام، ادخل. # فآواه، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ. # ودعا ابن زياد مولى له، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: اطلب مسلم بن ~~عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم. # ففعل ذلك وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد فسمع الناس يقولون: هذا ~~يبايع للحسين، وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال له: يا عبد الله إني امرؤ ~~من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت، وهذه ثلاث آلاف درهم أردت ~~بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله - صلى ms1255 ~~الله عليه وسلم - وقد سمعت نفرا يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك ~~لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي ~~إياه. # فقال: لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه، ~~وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر مني قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته. # فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن، واختلف إليه أياما ليدخله ~~على مسلم بن عقيل. # PageV03P137 # ومرض هانئ بن عروة، فأتاه عبيد الله يعوده، فقال له عمارة بن عبد ~~السلولي: إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية وقد أمكنك الله فاقتله. فقال ~~هانئ: ما أحب أن يقتل في داري. وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج، فما مكث ~~إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان قد نزل على هانئ وكان كريما على ابن ~~زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع، قد شهد صفين مع عمار، فأرسل ~~إليه عبيد الله: إني رائح إليك العشية. # فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس اخرج إليه فاقتله ثم ~~اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن برأت من وجعي سرت إلى البصرة ~~حتى أكفيك أمرها. فلما كان من العشي أتاه عبيد الله، فقام مسلم بن عقيل ~~ليدخل، فقال له شريك: لا يفوتنك إذا جلس. # فقال هانئ بن عروة: لا أحب أن يقتل في داري. # فجاء عبيد الله فجلس وسأل شريكا عن مرضه، فأطال، فلما رأى شريك أن مسلما ~~لا يخرج خشي أن يفوته فأخذ يقول: # ما تنظرون بسلمى لا تحيوها ... اسقونيها وإن كانت بها نفسي # فقال ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال عبيد الله: ما شأنه؟ أترونه يخلط؟ فقال له ~~هانئ: نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه، فانصرف. # وقيل: إن شريكا لما قال اسقونيها وخلط كلامه فطن به مهران فغمز عبيد الله ~~فوثب، فقال له شريك: أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك. # فقال: أعود إليك. # فقال له مهران: إنه أراد قتلك. # فقال: ms1256 وكيف مع إكرامي له وفي بيت هانئ ويد أبي عنده؟ فقال له مهران: هو ~~ما قلت لك. # فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ ~~قال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله، وأما الأخرى ~~فحديث حدثه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الإيمان قيد الفتك، ~~فلا يفتك مؤمن بمؤمن» . # فقال له هانئ: لو # PageV03P138 # قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا! # ولبث شريك بعد ذلك ثلاثا ثم مات، فصلى عليه عبيد الله. # فلما علم عبيد الله أن شريكا كان حرض مسلما على قتله قال: والله لا أصلي ~~على جنازة عراقي أبدا، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا. # ثم إن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة بعد موت ~~شريك، فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وجعل يختلف إليهم ~~ويعلم أسرارهم، وينقلها إلى ابن زياد. # وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض، فدعا عبيد الله محمد بن ~~الأشعث وأسماء بن خارجة، وقيل: دعا معهما بعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم ~~عن هانئ وانقطاعه، فقالوا: إنه مريض. # فقال: بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ، فالقوه فمروه أن لا يدع ما ~~عليه في ذلك. # فأتوه فقالوا له: إن الأمير قد سأل عنك وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته، وقد ~~بلغه أنك تجلس على باب دارك، وقد استبطأك، والجفاء لا يحتمله السلطان، ~~أقسمنا عليك لو ركبت معنا. # فلبس ثيابه وركب معهم. # فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن ~~أخي إني لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال: ما أتخوف عليك شيئا فلا تجعل على ~~نفسك سبيلا، ولم يعلم أسماء مما كان شيئا. # وأما محمد بن الأشعث فإنه علم به، قال: فدخل القوم على ابن زياد وهانئ ~~معهم، فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي: أتتك بحائن رجلاه، فلما دنا منه ~~قال عبيد الله: # أريد حياته ويريد ms1257 قتلي عذيرك من خليلك من مراد # وكان ابن زياد مكرما له، فقال هانئ: وما ذاك؟ فقال: يا هانئ ما هذه ~~الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين! جئت بمسلم فأدخلته ~~دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي! قال: ما فعلت. # قال: بلى. # وطال # PageV03P139 # بينهما النزاع، فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين، فجاء حتى وقف بين يديه، ~~فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، وعلم هانئ أنه كان عينا عليهم، فسقط في يده ~~ساعة ثم راجعته نفسه، قال: اسمع مني وصدقني، فوالله لا أكذبك، والله ما ~~دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسا على بابي يسألني النزول علي، ~~فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته، وقد كان من أمره ~~الذي بلغك، فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى ~~أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك. فقال: لا والله. # لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال: لا آتيك بضيفي تقتله أبدا. # فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي، وليس بالكوفة شامي ولا بصري ~~غيره، فقال: خلني وإياه حتى أكلمه، لما رأى من لجاجه، وأخذ هانئا وخلا به ~~ناحية من ابن زياد بحيث يراهما، فقال له: يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك ~~وتدخل البلاء على قومك! إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ~~ضائريه، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى ~~السلطان! قال: بلى والله إن علي في ذلك خزيا وعارا، لا أدفع ضيفي وأنا صحيح ~~شديد الساعد كثير الأعوان، والله لو كنت واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى ~~أموت دونه. # فسمع ابن زياد ذلك فقال: أدنوه مني. # فأدنوه منه. # فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك! قال: إذن والله تكثر البارقة حول ~~دارك! وهو يرى أن عشيرته ستمنعه. # فقال: أبالبارقة تخوفني؟ # وقيل إن هانئا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينا لعبيد الله علم أنه قد ~~أخبره الخبر فقال: أيها الأمير قد ms1258 كان الذي بلغك، ولن أضيع يدك عندي وأنت ~~آمن وأهلك فسر حيث شئت. # فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة، فقال: ~~واذلاه! هذا الحائك يؤمنك في سلطانك! فقال: خذه، فأخذ مهران ضفيرتي هانئ ~~وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل ~~الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب ~~هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه، فقال له عبيد الله: أحروري # PageV03P140 # أحللت بنفسك وحل لنا قتلك ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق عليه. # فقام إليه أسماء بن خارجة فقال: أرسله يا غادر! أمرتنا أن نجيئك بالرجل ~~فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله. # فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك فجلس. # فأما ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أو علينا. # وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر، ~~ونادى: أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها، لم نخلع طاعة ولم ~~نفارق جماعة. فقال عبيد الله لشريح القاضي، وكان حاضرا: # ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي. ففعل شريح، ~~فلما دخل عليه قال له هانئ: يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟ أين أهل الدين؟ أين ~~أهل النصر؟ أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم! وسمع الضجة فقال: يا شريح إني ~~لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني. ~~فخرج شريح ومعه عين أرسله ابن زياد، قال شريح: لولا مكان العين لأبلغتهم ~~قول هانئ. # فلما خرج شريح إليهم قال: قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل. # فقال عمرو وأصحابه: # فأما إذ لم يقتل فالحمد لله! ثم انصرفوا. # وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه: يا منصور أمت! وكان شعارهم، ~~وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا وحوله في الدور أربعة آلاف، فاجتمع إليه ناس ~~كثير، فعقد مسلم لعبد الله بن عزيز الكندي على ربع ms1259 كندة وقال: سر أمامي، ~~وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصائدي ~~على # PageV03P141 # ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، وأقبل نحو ~~القصر. # فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر. # وأغلق الباب، وأحاط مسلم بالقصر وامتلأ المسجد والسوق من الناس وما زالوا ~~يجتمعون حتى المساء، وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون ~~رجلا من الشرط وعشرون رجلا من الأشراف وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف ~~الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين والناس يسبون ابن ~~زياد وأباه. # فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ~~فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن ~~أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك ~~للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ~~ذي الجوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلة من معه. # وخرج أولئك النفر يخذلون الناس، وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن ~~يشرفوا على الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية، ففعلوا، ~~فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها ~~وأخاها وتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويفعل الرجل مثل ذلك، فما زالوا ~~يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا. # فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة، فلما خرج إلى الباب لم يبق معه ~~أحد، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، فانتهى إلى باب امرأة من كندة ~~يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له ~~بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس وهي تنتظره، فسلم عليها ابن عقيل وطلب ~~الماء فسقته، فجلس، فقالت له: يا عبد الله ألم تشرب؟ قال: بلى. # قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، فقالت له ثلاثا فلم يبرح، فقالت: سبحان ms1260 ~~الله! إني لا أحل لك الجلوس على بابي. # فقال لها: ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف ~~ولعلي أكافئك به بعد اليوم؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني ~~هؤلاء القوم وغروني. قالت: ادخل. # فأدخلته بيتا في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش. # وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت، فقال لها: إن لك لشأنا في ~~ذلك البيت # PageV03P142 # وسألها فلم تخبره، فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الأيمان ~~بذلك، فسكت. # وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات قال لأصحابه: انظروا هل ترون منهم ~~أحدا؟ فنظروا فلم يروا أحدا، فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول ~~المنبر وأمر فنودي: [ألا] برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب ~~والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد. # فامتلأ المسجد، فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال: أما بعد فإن ابن ~~عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل ~~وجدناه في داره، ومن أتانا به فله ديته. # وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم ~~يفتش الدور، وكان على الشرط، وهو من بني تميم. # ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس، فلما أصبح جلس للناس. # ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل، فأتى عبد الرحمن أباه، وهو عند ابن ~~زياد، فأسر إليه بذلك، فأخبر به محمد ابن زياد، فقال له ابن زياد: قم فأتني ~~به الساعة، وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس حتى ~~أتوا الدار التي فيها ابن عقيل. فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أتي، فخرج ~~إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا، ~~وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه، وضربه ~~مسلم على رأسه وثنى بأخرى على ms1261 حبل العاتق كادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ~~ذلك أشرفوا على سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ~~ويلقونها عليه. # فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة، فقال له محمد بن الأشعث: ~~لك الأمان فلا تقتل نفسك! فأقبل يقاتلهم وهو يقول: # أقسمت لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئا نكرا # أو يخلط البارد سخنا مرا ... رد شعاع الشمس فاستقرا # كل امرئ يوما يلاقي شرا ... أخاف أن أكذب أو أغرا # PageV03P143 # فقال له محمد: إنك لا تكذب ولا تخدع، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ~~ضاربيك. # وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال، فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار، ~~فآمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال: لا ناقة ~~لي في هذا ولا جمل، وأتي ببغلة فحمل عليها وانتزعوا سيفه، فكأنه أيس من ~~نفسه، فدمعت عيناه ثم قال: هذا أول الغدر. # قال محمد: أرجو أن لا يكون عليك بأس. # قال: وما هو إلا الرجاء، أين أمانكم؟ ثم بكى فقال له عمرو بن عبيد الله ~~بن عباس السلمي: من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك؟ ~~! فقال: ما أبكي لنفسي ولكني أبكى لأهلي المنقلبين إليكم، أبكي للحسين وآل ~~الحسين. # ثم قال لمحمد بن الأشعث: إني أراك ستعجز عن أماني فهل تستطيع أن تبعث من ~~عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل ~~الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟ فقال له ~~ابن الأشعث: والله لأفعلن! ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين، فلقيه الرسول ~~بزبالة فأخبره، فقال: # كلما قدر نازل عند الله ... نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا. # وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشر ألفا ~~ويستحثه للقدوم. # وأما مسلم فإن محمدا قدم به القصر، ودخل محمد على عبيد الله فأخبره ~~وأمانه له، فقال له عبيد الله: ما أنت والأمان! ما أرسلناك لتؤمنه إنما ms1262 ~~أرسلناك لتأتينا به! فسكت محمد، ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ~~ماء بارد، فقال: اسقوني من هذا الماء. # فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها! والله لا تذوق منها ~~قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم! فقال له ابن عقيل: من أنت؟ قال: أنا من ~~عرف الحق إذ # PageV03P144 # تركته، ونصح الأمة والإمام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته، أنا مسلم بن ~~عمرو. # فقال له ابن عقيل: لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك! أنت يا ~~ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني! قال: فدعا عمارة بن عقبة ~~بماء بارد فصب له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دما، ففعل ذلك ثلاثا، ~~فقال: لو كان من الرزق المقسوم شربته. # وأدخل على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمارة، فقال له الحرسي: ألا تسلم ~~على الأمير؟ فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي ~~فليكثرن تسليمي عليه. # فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن! فقال: كذلك؟ قال نعم. قال: فدعني أوصي ~~إلى بعض قومي. # قال: افعل. # فقال لعمرو بن سعد: إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر، فلم يمكنه ~~من ذكرها، فقال له ابن زياد: لا تمتنع من حاجة ابن عمك. # فقام معه فقال: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة ~~درهم فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها فوارها وابعث إلى الحسين من يرده. # فقال عمر لابن زياد: إنه قال كذا وكذا # فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك ~~تصنع به ما شئت، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ~~وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها، وقيل إنه قال: أما جثته فإنا إذا قتلناه لا ~~نبالي ما صنع بها. # ثم قال لمسلم: يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت ~~بينهم وتفرق كلمتهم! فقال: كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل ~~خيارهم ms1263 وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل ~~وندعو إلى حكم الكتاب والسنة. # فقال: وما أنت وذاك يا فاسق؟ ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر ~~بالمدينة؟ قال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق، ~~وأني لست كما ذكرت، وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين، ~~فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة، وهو يلهو ويلعب كأنه ~~لم يصنع شيئا. # فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في ~~الإسلام! قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لا تدع ~~سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها ~~منك. # فشتمه ابن زياد وشتم # PageV03P145 # الحسين وعليا وعقيلا، فلم يكلمه مسلم، ثم أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب ~~رقبته ويتبعوا رأسه جسده، فقال مسلم لابن الأشعث: والله لولا أمانك ما ~~استسلمت، قم بسيفك دوني، قد أخفرت ذمتك. # فأصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح، وأشرف به على موضع الحدائين ~~فضربت عنقه، وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم، ثم أتبع رأسه ~~جسده. # فلما نزل بكير قال له ابن زياد: ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان ~~يسبح ويستغفر، (فلما أدنيته لأقتله) قلت له: ادن مني، الحمد لله الذي (أمكن ~~منك) وأقادني منك! فضربته ضربة لم تغن شيئا، فقال: أما ترى في خدش تخدشنيه ~~وفاء من دمك أيها العبد؟ فقال ابن زياد: وفخرا عند الموت! قال: ثم ضربته ~~الثانية فقتلته. # وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ وقال له: قد عرفت منزلته في ~~المصر وبيته، وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك الله لما ~~وهبته لي فإني أكره عداوة قومه: # فوعده أن يفعل. # فلما كان من مسلم ما كان، بدا له فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى ~~السوق فضربت عنقه، قتله مولى تركي لابن ms1264 زياد، قال: فبصر به عبد الرحمن بن ~~الحصين المرادي بعد ذلك بخازر مع ابن زياد فقتله. # فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتل هانئ ومسلم، وقيل قاله الفرزدق، ~~(الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة) : # فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل # إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل # وهي أبيات. وبعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد، فكتب إليه يزيد يشكره ويقول ~~له: وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق، فضع المراصد والمسالح واحترس ~~واحبس # PageV03P146 # على التهمة وخذ على الظنة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك. # وقيل: وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجة سنة ~~ستين، وقيل: لتسع مضين منه، قيل وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد ~~وعبد الله بن الحارث بن نوفل، فطلبهما ابن زياد وحبسهما، وكان فيمن قاتل ~~مسلما محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي التميمي والقعقاع بن شور، وجعل شبث ~~يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا، فقال له القعقاع: إنك قد سددت عليهم وجه ~~مهربهم فافرج لهم يتفرقوا. # ذكر مسير الحسين إلى الكوفة # قيل لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر بن ~~عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة فقال له: إني أتيتك لحاجة أريد ~~ذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها، ~~وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد. # فقال له: قل، فوالله ما أستغشك وما أظنك بشيء من الهوى. قال له: قد بلغني ~~أنك تريد العراق، وإني مشفق عليك، إنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم ~~بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدنيا والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من ~~وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه. # فقال له الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عم، فقد علمت أنك مشيت بنصح ~~وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت ms1265 عندي أحمد ~~مشير، وأنصح ناصح. # قال: وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى ~~العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ فقال له: قد أجمعت السير في أحد يومي هذين إن ~~شاء الله تعالى. # فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك، خبرني، رحمك الله، أتسير إلى ~~قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر ~~إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي ~~بلادهم فإنما دعوك إلى # PageV03P147 # الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك ~~فيكونوا أشد الناس عليك. فقال الحسين: فإني أستخير الله وأنظر ما يكون. # فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال: ما أدري ما تركنا ~~هؤلاء القوم وكفنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ~~ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتبت إلي ~~شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير الله. # فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها. # ثم خشي أن يتهمه فقال له: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها ~~هنا لما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك. # فقال له الحسين: إن أبي حدثني أن لها كبشا به تستحل حرمتها، فما أحب أن ~~أكون أنا ذلك الكبش. # قال: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى. # قال: ولا أريد هذا أيضا # ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: أتدرون ~~ما يقول؟ قالوا: لا ندري، جعلنا الله فداك! قال: إنه يقول: أقم في هذا ~~المسجد أجمع لك الناس، ثم قال له الحسين: والله لئن أقتل خارجا منها بشبر ~~أحب إلي من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل ~~خارجا منها بشبر، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني ~~حتى يقضوا بي حاجتهم! والله ليعتدن علي كما اعتدت ms1266 اليهود في السبت: # فقام ابن الزبير فخرج من عنده. # فقال الحسين: إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، ~~وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له. # قال: فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم، إني ~~أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل ~~العراق قوم غدر فلا تقربنهم، أقم في هذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن ~~كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم ~~أقدم عليهم، فإن أبيت # PageV03P148 # إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض عريضة طويلة، ~~ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث ~~دعاءك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية. # فقال له الحسين: يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت ~~وأجمعت المسير. # فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن ~~تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. # ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو ~~اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا ~~أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت، لفعلت ذلك. # ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير! ~~ثم أنشد قائلا: # يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. # قيل: وكان الحسين يقول: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من ~~جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم المرأة. # قال: والفرم خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت. # ثم خرج الحسين يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، ms1267 وهو أمير ~~على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، ~~وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم، فرأى بها ~~عيرا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن ~~معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس والحلل، فأخذها الحسين ~~وقال لأصحاب الإبل: من أحب # PageV03P149 # منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن ~~يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء، فمن فارق منهم أعطاه حقه، ومن ~~سار معه أعطاه كراءه وكساه. # ثم سار، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: # أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. # فقال له الحسين: بين لي خبر الناس خلفك. # قال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من ~~السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال الحسين: صدقت، لله الأمر يفعل ما يشاء ~~وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو ~~المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق ~~نيته، والتقوى سريرته. # قال: وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد، وفيه: أما ~~بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإني مشفق عليك من ~~هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور ~~الأرض، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في إثر ~~كتابي، والسلام. # وقيل: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين ~~كتابا تجعل له الأمان فيه وتمنيه فيه البر والصلة واسأله الرجوع. # وكان عمرو عامل يزيد على مكة، ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى ~~بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر، فلحقاه وقرآ عليه الكتاب وجهدا أن يرجع، فلم ~~يفعل، وكان مما اعتذر به إليهما أن قال: إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأمرت فيها ms1268 بأمر أنا ماض له، علي كان أو لي. # فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت بها أحدا وما أنا محدث بها أحدا حتى ~~ألقى ربي. # ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي # PageV03P150 # صاحب شرطته فنزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين ~~القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع. فلما بلغ الحسين الحاجز كتب إلى أهل ~~الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم، فلما ~~انتهى قيس إلى القادسية أخذه الحصين فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن ~~زياد: اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي. # فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا الحسين بن علي خير خلق ~~الله، ابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا رسوله إليكم وقد ~~فارقته بالحاجر فأجيبوه، ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي. # فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع فمات. # ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه ~~عبد الله بن مطيع، فلما رآه قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول ~~الله! ما أقدمك؟ فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسين، فقال له عبد الله: أذكرك ~~الله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش، ~~أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ~~ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا، والله إنها لحرمة الإسلام [تنتهك] ~~وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية! ~~فأبى إلا أن يمضي. # وكان زهير بن القين البجلي قد حج، وكان عثمانيا، فلما عاد جمعهما الطريق، ~~وكان يساير الحسين من مكة إلا أنه لا ينزل معه، فاستدعاه يوما الحسين فشق ~~عليه ذلك ثم أجابه على كره، فلما عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثم ~~قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا ms1269 فإنه آخر العهد، وسأحدثكم حديثا، ~~غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي فقال ~~لنا: إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم ~~اليوم من # PageV03P151 # الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله! ثم طلق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك ~~فإني لا أحب أن يصيبك في سببي إلا خير. # ولزم الحسين حتى قتل معه. # وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية فقال له بعض أصحابه: ننشدك إلا ~~رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا ~~عليك! فوثب بنو عقيل وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق ~~مسلم! فقال الحسين: لا خير في العيش بعد هؤلاء: # فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة ~~لكان الناس إليك أسرع. # ثم ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة، وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه حتى ~~انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وكان ~~سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله، فأخذته خيل الحصين، ~~فسيره من القادسية إلى ابن زياد، فقال له: اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن ~~الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي. # فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه، فألقاه من القصر ~~فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي ~~فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحه. # قال بعضهم: لم يكن الذي ذبحه عبد الملك بن عمير ولكنه رجل يشبه عبد ~~الملك. # فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك ~~وقال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام. # فتفرقوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة، وإنما ~~فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله ~~فأراد ms1270 أن يعلموا علام يقدمون. # ثم سار حتى نزل بطن العقبة، فلقيه رجل من العرب فقال له: أنشدك الله لما ~~انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، إن هؤلاء الذين بعثوا ~~إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك ~~رأيا، فأما على # PageV03P152 # هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل. # فقال: إنه لا يخفى علي ما ذكرت ولكن الله، عز وجل، لا يغلب على أمره. # ثم ارتحل منها. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة حج بالناس عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وكان العامل على ~~مكة والمدينة. # [الوفيات] # (وفيها مات جرهد الأسلمي له صحبة) . # وفي أيام معاوية مات حارثة بن النعمان الأنصاري، وهو بدري. # وفي أيامه أيضا مات دحية بن خليفة الكلبي # PageV03P153 # الذي يشبه جبرائيل إذا أنزل بالوحي. # وفي أول خلافته مات رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري، وكان ~~بدريا، وشهد مع علي الجمل وصفين. # وفي أيامه مات عمرو بن أمية الضمري بالمدينة. # وفي أيامه مات عثمان بن حنيف الأنصاري، (وعثمان بن أبي العاص الثقفي. وفي ~~أيامه مات) عتبان بن مالك الأنصاري، (شهدا بدرا. وفي أيام معاوية مات سهل ~~بن الحنظلية، وهو ابن الربيع الأنصاري) ، بدمشق، وفي أيامه بعد سنة سبع ~~وخمسين مات السائب بن أبي وداعة السهمي. # ومات في أيامه سراقة بن عمرو الأنصاري، وهو بدري. # وفي أيامه مات زياد بن لبيد الأنصاري في أولها، وهو بدري. # وفي أيامه مات معقل بن يسار المزني، وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة، (وقيل: ~~مات في أيام يزيد. # (معقل بالعين المهملة والقاف. ويسار بالياء المثناة والسين المهملة) . # PageV03P154 # وفي أيامه) مات ناجية بن جندب بن عمير صاحب بدن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وفيها مات نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري، وهو الذي كان فيه مزاح ~~ودعابة، وشهد بدرا، وقيل: بل الذي مات ابنه. # وفي آخر أيامه مات عبد الله بن مالك ابن بحينة، له صحبة. # وفيها مات عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني ms1271 بالبصرة. # (ومغفل بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، وفتح الفاء المشددة) . # وفي أيامه مات هند بن جارية بن هند الأسلمي. # وفي سنة ستين توفي حكيم بن حزام وله مائة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية ~~وستون في الإسلام. # وفيها مات أبو أسيد الساعدي، واسمه مالك بن ربيعة، وهو بدري، وقيل: (مات ~~سنة خمس وستين) ، وهو آخر من مات من البدريين، وقيل: مات سنة ثلاثين، ولا ~~يصح. # وفي أول أيام معاوية مات أبو بردة هانئ بن نيار البلوي حليف الأنصار، وهو ~~عقبي بدري، وشهد مع علي حروبه كلها. # وفي أيامه مات أبو ثعلبة الخشني، له صحبة، وقيل: مات سنة خمس وسبعين. # وفي أيامه مات أبو جهم بن حذيفة العدوي القرشي في آخرها، وقيل: شهد بنيان # PageV03P155 # الكعبة أيام ابن الزبير، وكان قد شهد قريشا حين بنتها. # وفي أول أيامه مات (أبو حثمة الأنصاري والد سهل) . # (وفي آخر أيامه مات) أبو قيس الجهني، شهد الفتح (وفي سنة ستين توفي) ~~صفوان بن المعطل السلمي بسميساط، وقيل: إنه قتل شهيدا (قبل هذا) . # وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~تزوجها ففارقها، وكانت قد أصابها جنون، وتوفي بلال بن الحارث المزني أبو ~~عبد الرحمن. # وفي آخر أيامه مات وائل بن حجر الحضرمي، وأبو إدريس الخولاني (هند بن ~~جارية بالجيم، والياء المثناة من تحتها. وحارثة بن النعمان بالحاء المهملة، ~~والثاء المثلثة. أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين) . # PageV03P156 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين] ### | 61 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين # ذكر مقتل الحسين، رضي الله عنه # وسار الحسين بن شراف، فلما انتصف النهار كبر رجل من أصحابه، فقال له: مم ~~كبرت؟ قال: رأيت النخل. # فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الأرض نخلة قط! فقال الحسين: فما هو؟ ~~فقالا: لا نراه إلا هوادي الخيل. # فقال: وأنا أيضا أراه ذلك. # وقال لهما: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه ~~واحد؟ فقالا: بلى، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن ms1272 سبقت القوم ~~إليه فهو كما تريد. # فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم، فسبقهم الحسين ~~إلى الجبل فنزل، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم ~~اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في حر الظهيرة، فقال الحسين لأصحابه ~~وفتيانه: اسقوا # PageV03P157 # القوم ورشفوا الخيل ترشيفا. # ففعلوا، وكان مجيء القوم من القادسية، أرسلهم الحصين بن نمير التميمي في ~~هذه الألف يستقبل الحسين، فلم يزل مواقفا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر ~~الحسين مؤذنه بالأذان فأذن، وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: # أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ~~ورسلكم أن أقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى، فقد ~~جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا أو ~~كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه. # فسكتوا وقالوا للمؤذن: أقم، فأقام، وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي أنت ~~بأصحابك؟ فقال: بل صلي أنت ونصلي بصلاتك. # فصلى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه، ثم ~~صلى بهم الحسين العصر، ثم استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى ~~لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ~~والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم ~~غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم. # فقال الحر: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر. # فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم. # فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أنا إذا نحن ~~لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. # فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك! ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا ~~فمنعهم الحر من ذلك. # فقال له الحسين: ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال ms1273 له: أما والله لو غيرك من العرب ~~يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان، ولكني والله ما لي إلى ذكر ~~أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه. # فقال له الحسين: ما تريد؟ قال الحر: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد. # قال الحسين: إذن والله لا أتبعك. # قال الحر: إذن والله لا أدعك. # فترادا الكلام، فقال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا ~~أفارقك حتى أقدمك الكوفة، [فإذا أبيت] فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك ~~إلى المدينة حتى # PageV03P158 # أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل الله يأتي ~~بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك. # فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحر يسايره. # ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ~~ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل في ~~عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ~~أن يدخله مدخله» . # ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد ~~وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق ~~من غير، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن ~~تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم، فلكم في ~~أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير، لقد ~~فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم ~~أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] وسيغني ~~الله عنكم، والسلام. # فقال له الحر: إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن. # فقال له الحسين: أبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم ms1274 الخطب أن تقتلوني؟ وما ~~أدري ما أقول لك! ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول فقال: # سأمضي وما بالموت عار على الفتى ... إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما # وواسى رجالا صالحين بنفسه ... وخالف مثبورا وفارق مجرما # فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم ... كفى بك ذلا أن تعيش وترغما # PageV03P159 # فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه فكان يسير ناحية عنه حتى انتهى إلى عذيب ~~الهجانات، كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها، فإذا هو بأربعة نفر ~~قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ~~ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي وانتهوا إلى الحسين، فأقبل إليهم الحر وقال: ~~إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم. # فقال الحسين: لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة ~~من جاء معي، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك. # فكف الحر عنهم، فقال لهم الحسين: أخبروني في خبر الناس خلفكم. # فقال له مجمع بن عبيد الله العائذي، وهو أحدهم: أما أشراف الناس فقد ~~أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، فهم ألب واحد عليك، وأما سائر الناس بعدهم ~~فإن قلوبهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك. # وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر، فأخبروه بقتله وما كان منه، فترقرقت عيناه ~~بالدموع ولم يملك دمعته، ثم قرأ: {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23] ، اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا ~~وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك. # وقال له الطرماح بن عدي: والله ما أرى معك كثير أحد، ولو لم يقاتلك إلا ~~هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة ~~بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه ~~قط ليسيروا إليك، فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل، ~~فإن ms1275 أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع ~~فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير ~~والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض، والله ما إن دخل علينا ذل قط، ~~فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ، ~~فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا، ثم # PageV03P160 # أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون ~~بين يديك بأسيافهم، فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف. # فقال له: جزاك الله وقومك خيرا! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول ~~لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندري علام (تتصرف بنا وبهم) الأمور. # فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره، ~~ففعل، ثم عاد إلى الحسين، فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى ~~أهله. # ثم سار الحسين حتى بلغ قصر مقاتل فرأى فسطاطا مضروبا فقال: لمن هذا؟ ~~فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي. # فقال: ادعوه لي. # فلما أتاه الرسول يدعوه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما خرجت من ~~الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن أراه ولا ~~يراني. # فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره، فلبس الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ~~ودعاه إلى نصره، فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة، قال: فإن لا تنصرني فاتق ~~الله أن تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا ~~هلك. # فقال له: أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله تعالى. # ثم قام الحسين فخرج إلى رحله ثم سار ليلا ساعة فخفق برأسه خفقة ثم انتبه ~~وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. # فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: يا أبت جعلت فداك! مم حمدت ~~واسترجعت؟ قال: يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعن لي ms1276 فارس على فرس، فقال: ~~القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم، فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا. # فقال: يا أبت لا أراك الله سوءا. # ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. # قال: إذن لا نبالي أن نموت محقين. # فقال له: جزاك الله من ولد خيرا ما جزى ولدا عن والده. # فلما أصبح نزل فصلى ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم، ~~فأتى الحر فرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه ~~وارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى، المكان الذي نزل به ~~الحسين، فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة، فوقفوا ينتظرونه، فسلم على ~~الحر ولم يسلم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد، فإذا ~~فيه: أما بعد فجعجع بالحسين حين # PageV03P161 # يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ~~ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، ~~والسلام. # فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في ~~المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه ~~وأمره. # وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في ~~نينوى أو الغاضرية أو شفية. # فقال لا أستطيع، هذا الرجل قد بعث عينا علي. # فقال زهير بن القين للحسين: إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد ~~منه يا ابن رسول الله، وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا ~~من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به! فقال الحسين: ما كنت ~~لأبدأهم بالقتال. # فقالا له زهير: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي على ~~شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء ~~بعدهم. # فقال الحسين: ما هي؟ قال: العقر. # قال: اللهم إني أعوذ بك من العقر! ثم نزل، وذلك يوم الخميس الثاني من ~~محرم سنة إحدى ms1277 وستين. # فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة ~~آلاف، وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة ~~آلاف إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده ~~على الري، فعسكر بالناس في حمام أعين، فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ~~ابن زياد عمر بن سعد وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه ~~سرت إلى عملك. # فاستعفاه. # فقال: نعم، على أن ترد عهدنا. # فلما قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى أنظر. # فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة، وهو ابن ~~أخته، فقال: أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك، ~~فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى ~~الله بدم الحسين! فقال: أفعل. # وبات ليلته مفكرا في أمره، فسمع وهو يقول: # PageV03P162 # أأترك ملك الري والري رغبة ... أم أرجع مذموما بقتل حسين # وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الري قرة عين # ثم أتى ابن زياد فقال له: إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به، فإن ~~رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى ~~في الحرب منه، وسمى أناسا. # فقال له ابن زياد: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلا ~~فابعث إلينا بعهدنا. # قال: فإني سائر. # فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين، فلما نزل به بعث إليه رسولا يسأله ~~ما الذي جاء به، فقال الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم، فأما ~~إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم. # فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: # الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة {ولات حين مناص # } [ص: 3] # ثم كتب إلى عمر يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا ~~رأينا، وأن يمنعه ومن معه ms1278 الماء. # فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة ~~وحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، ونادى عبد ~~الله بن أبي الحصين الأزدي وعداده في بجيلة: يا حسين أما تنظر إلى الماء؟ ~~لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا! فقال الحسين: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر ~~له أبدا. # قال: فمرض فيما بعد فكان يشرب (الماء) القلة ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى ~~يبغر ثم يقيء ثم يشرب فيما يروى، فما زال كذلك حتى مات. # فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في ~~عشرين راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه ~~وملئوا القرب وعادوا، ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب ~~الأنصاري # PageV03P163 # أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك. # فخرج إليه عمر، فاجتمعا وتحادثا طويلا ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره، ~~وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع ~~العسكرين. # فقال عمر: أخشى أن تهدم داري. # قال: أبنيها لك خيرا منها. # قال: تؤخذ ضياعي. # قال: أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز. # فكره ذلك عمر. # وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه، وقيل: بل قال له: اختاروا مني واحدة من ~~ثلاث: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد ~~بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ~~ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم. # وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن ~~مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم ~~مقتله، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد، ولا أن ~~يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني أرجع إلى المكان الذي ~~أقبلت منه ودعوني أذهب في ms1279 هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر ~~الناس فلم يفعلوا. # ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا وأربعا فكتب عمر بن سعد إلى ~~عبيد الله بن زياد: أما بعد فإن الله أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد ~~أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من ~~الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم ~~رضى، وللأمة صلاح، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح ~~لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. # فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى ~~جنبك؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة ~~والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ~~ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة، وإن عفوت كان ~~ذلك لك، # PageV03P164 # والله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين. # فقال ابن زياد: نعم ما رأيت! اخرج بهذا الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين ~~وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن أبوا ~~فليقاتلهم، وإن فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس ~~واضرب عنقه وابعث إلي برأسه. # وكتب معه إلى عمر بن سعد: أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا ~~لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه ~~على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم ~~وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه ~~عاق شاق قاطع ظلوم، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن ~~أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر، والسلام. # فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله بن أبي المحل بن حزام عند ابن ~~زياد، وكانت عمته أم البنين ms1280 بنت حزام عند علي، فولدت له العباس وعبد الله ~~وجعفرا وعثمان، فقال لابن زياد: إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانا فافعل، ~~فكتب لهم أمانا فبعث به مع مولى له إليهم، فلما رأوا الكتاب قالوا: لا حاجة ~~لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سمية. # فلما أتى شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر قال له: ما لك ويلك قبح الله ما جئت ~~به! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به، أفسدت علينا ~~أمرا كنا رجونا أن يصلح، والله لا يستسلم الحسين أبدا، والله إن نفس أبيه ~~لبين جنبيه. # فقال له شمر: ما أنت صانع؟ قال: أتولى ذلك. # ونهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، وجاء شمر فدعا العباس بن علي ~~وإخوته فخرجوا إليه، فقال: أنتم يا بني أختي آمنون. # فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله ~~لا أمان له؟ # ثم ركب عمر والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ ~~خفق برأسه على ركبته، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته، فرفع رأسه ~~فقال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال: إنك ~~تروح إلينا. # قال: فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتاه! قال: ليس لك الويل يا أخية، ~~اسكتي رحمك الله! قال له العباس أخوه: يا أخي أتاك القوم. # فنهض فقال: يا أخي أركب بنفسي. # فقال له العباس: بل أروح أنا. # فقال: اركب أنت حتى تلقاهم فتقول: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ # PageV03P165 # وتسألهم عما جاء بهم. # فأتاهم في نحو عشرين فارسا فيهم زهير بن القين فسألهم، فقالوا جاء [أمر] ~~الأمير بكذا وكذا. # قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. # فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم ~~الله، فلما أخبره العباس بقولهم قال له الحسين: ارجع إليهم فإن استطعت أن ~~تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا (هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم ms1281 ~~أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار) . # وأراد الحسين أيضا أن يوصي أهله. # فرجع إليهم العباس وقال لهم: انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر، ~~فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه وإما رددناه. # فقال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: أنت الأمير. # فأقبل على الناس فقال: ما ترون؟ فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان ~~الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوكم هذه المسألة لكان ينبغي أن ~~تجيبوهم. # وقال قيس بن الأشعث بن قيس: أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة. # فقال لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية. # ثم رجع عنهم. # فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال: أثني على الله أحسن الثناء وأحمده ~~على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا ~~أسماعا وأبصارا وأفئدة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين فاجعلنا لك من ~~الشاكرين أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل ~~بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعا عني خيرا، ألا وإني لأظن ~~يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، وإني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس ~~عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل رجل منكم بيد ~~رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ~~ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري. # فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر: لم نفعل ~~هذا؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا! فقال الحسين: يا بني عقيل حسبكم ~~من القتل بمسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم. # قالوا: وما نقول للناس؟ نقول: تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير ~~الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما ~~صنعوا؟ لا والله لا نفعل ولكنا نفديك # PageV03P166 # بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش ~~بعدك! # وقام إليه مسلم ms1282 بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله ~~في أداء حقك؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ~~ما ثبت قائمه بيدي، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى ~~أموت معك. # وتكلم أصحابه بنحو هذا، فجزاهم الله خيرا. # وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول، وعنده حوي مولى أبي ذر ~~الغفاري يعالج سيفه: # يا دهر أف [لك] من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل # من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل # وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حي سالك السبيل # فأعادها مرتين أو ثلاثا، فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى ~~انتهت إليه ونادت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم! ماتت فاطمة أمي ~~وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي! (فذهب) فنظر إليها ~~وقال: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان. # قالت: بأبي أنت وأمي استقتلت! نفسي لنفسك الفدى! فردد غصته وترقرقت عيناه ~~ثم قال: لو ترك القطا [ليلا] لنام. # فلطمت وجهها وقالت: واويلتاه! أفتغصبك نفسك اغتصابا، فذلك أقرح لقلبي ~~وأشد على نفسي! ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها، فقام إليها ~~الحسين فصب الماء على وجهها وقال: اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن ~~أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله، أبي ~~خير مني وأمي خير مني وأخي خير # PageV03P167 # مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة. # فعزاها بهذا ونحوه وقال لها: يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي جيبا، ~~ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت. # ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا ~~الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت، فيستقبلون القوم من وجه ~~واحد، والبيوت على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم. # فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون ويدعون. # فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت، وقيل ms1283 الجمعة، يوم عاشوراء، خرج ~~فيمن معه من الناس، وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه ~~اثنان وثلاثون فارسا، وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، ~~وحبيب بن مطهر في ميسرتهم، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ~~ظهورهم، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية عملوه في ~~ساعة من الليل، لئلا يؤتوا من ورائهم وأضرم نارا فنفعهم ذلك. # وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي، وعلى ربع ~~ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي ~~سبرة الجعفي، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي، فشهد هؤلاء كلهم ~~مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين وقتل معه، وجعل عمر على ~~ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل ~~عروة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي، وأعطى ~~الراية مولاه. # فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط، ثم أمر بمسك فميث في جفنة، ثم ~~دخل الحسين فاستعمل النورة، ووقف عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير بن خضير ~~الهمداني على باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده، فجعل برير يهازل عبد ~~الرحمن، فقال له: والله ما هذه بساعة باطل. # فقال برير: والله إن قومي لقد علموا # PageV03P168 # أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكنني مستبشر بما نحن لاقون، والله ~~ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم. # فلما فرغ الحسين دخلا، ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه، ~~واقتتل أصحابه بين يديه، فرفع يديه ثم قال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب ~~ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه ~~الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته ~~إليك رغبة إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب ms1284 ~~كل حسنة، ومنتهى كل رغبة. # فلما رأى أصحاب عمر النار تلتهب في القصب نادى شمر الحسين: تعجلت النار ~~في الدنيا قبل القيامة! فعرفه الحسين فقال: أنت أولى بها صليا! ثم ركب ~~الحسين راحلته وتقدم إلى الناس ونادى بصوت عال يسمعه كل الناس فقال: أيها ~~الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظهم بما يجب لكم علي وحتى أعتذر إليكم ~~من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم ~~يكن علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس: 71] ، {إن وليي الله الذي ~~نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] ! قال: فلما سمع أخواته ~~قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه عليا ~~ليسكتاهن، وقال لعمري ليكثرن بكاؤهن! فلما ذهبا قال: لا يبعد ابن عباس، ~~وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه أن يخرج بهن معه. # فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء ~~وقال ما لا يحصى كثرة، فما سمع أبلغ منه، ثم قال: أما بعد فانسبوني فانظروا ~~من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك ~~حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه، وأولى المؤمنين بالله ~~والمصدق لرسوله؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الشهيد الطيار ~~في الجنة عمي؟ # PageV03P169 # أولم يبلغكم قول مستفيض [فيكم] : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لي ولأخي: «أنتما سيدا شباب أهل الجنة (وقرة عين أهل السنة) » ؟ فإن ~~صدقتموني بما أقول، وهو الحق، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت ~~عليه [أهله] ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا ~~جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم أو أنسا ~~يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما في هذا حاجز ~~يحجزكم عن سفك دمي؟ # فقال له شمر: ms1285 هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول! فقال له حبيب بن ~~مطهر: والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفا، وإن الله قد طبع على قلبك ~~فلا تدري ما تقول. # ثم قال الحسين: فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم؟ ~~فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم. # أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال لكم استهلكته أو بقصاص من ~~جراحة؟ فلم يكلموه، فنادى: يا شبث بن ربعي! ويا حجار بن أبجر! ويا قيس بن ~~الأشعث! ويا زيد بن الحارث! ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم؟ قالوا: لم ~~نفعل. # ثم قال: بلى فعلتم. # ثم قال: أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض. # قال: فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم ابن عمك، يعني ابن زياد، ~~فإنك لن ترى إلا ما تحب. # فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم ~~بن عقيل؟ لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبد. # عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته ونزل عنها. # وخرج زهير بن القين على فرس له في السلاح فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم ~~من عذاب الله نذار، إن حقا على المسلم نصيحة المسلم، ونحن حتى الآن إخوة ~~على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ~~وكنا نحن # PageV03P170 # أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان ~~الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءا، ~~يسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع ~~النخل، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة ~~وأشباهه! # قال: فسبوه وأثنوا ms1286 على ابن زياد وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ~~ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلما. # فقال لهم: يا عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن ~~كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، خلوا بين الرجل وبين ابن عمه ~~يزيد بن معاوية # فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. # فرماه شمر بسهم وقال: اسكت أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال ~~زهير: يا ابن البوال على عقبيه! ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة! والله ما ~~أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. # فقال شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. # قال: أفبالموت تخوفني؟ والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم! ثم رفع ~~صوته وقال: عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي، فوالله لا تنال ~~شفاعة محمد قوما أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن ~~حريمهم. # فأمره الحسين فرجع. # ولما زحف عمر نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له: أصلحك الله! أمقاتل ~~أنت هذا الرجل؟ قال له: إي إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح ~~الأيدي. # قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟ فقال عمر بن سعد: ~~والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك. # فأقبل يدنو نحو الحسين قليلا قليلا، وأخذته رعدة، فقال له رجل من قومه ~~يقال له المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف ~~قط مثل ما أراه الآن! ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك. # فقال له: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا أختار على الجنة شيئا ~~ولو قطعت وحرقت. # ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين، فقال له: جعلني الله فداك يا ابن رسول الله! ~~أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا ~~المكان، ووالله ما ظننت أن القوم يردون ms1287 عليك ما عرضت عليهم أبدا، ولا # PageV03P171 # يبلغون منك هذه المنزلة أبدا فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في ~~بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم ~~إليه، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإني قد جئتك ~~تائبا مما كان مني إلى ربي مؤاسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك ~~توبة؟ قال: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك. # وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال: أيها القوم ألا تقبلون من الحسين خصلة من ~~هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ فقال عمر: لقد ~~حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلا فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر! ~~أدعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم ~~لتقتلوه؟ أمسكتم بنفسه وأحطتم به ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة ~~حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ~~ضرا، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني ~~والمجوسي ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وها هو وأهله قد صرعهم العطش! ~~بئسما خلفتم محمدا في ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا ~~عما أنتم عليه! فرموه بالنبل، فرجع حتى وقف أمام الحسين. # ثم قدم عمر بن سعد برايته، وأخذ سهما فرمى به وقال: اشهدوا لي أني أول ~~رام! ثم رمى الناس، وبرز يسار، مولى زياد، وسالم، مولى عبيد الله، وطلبا ~~البراز، فخرج إليهما عبد الله بن عمير الكلبي، وكان قد أتى الحسين من ~~الكوفة وسارت معه امرأته، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما. # فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مطهر، أو برير ~~بن خضير. # وكان يسار أمام سالم، فقال له الكلبي: يا ابن الزانية، وبك رغبة عن ~~مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد إلا وهو خير منك! ثم حمل عليه ~~فضربه بسيفه حتى برد فاشتغل به يضربه، فحمل عليه ms1288 سالم، فلم يأبه له حتى ~~غشيه فضربه، فاتقاه الكلبي بيده فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه ~~الكلبي فضربه حتى قتله، وأخذت امرأته عمودا، وكانت تسمى أم وهب، وأقبلت نحو ~~زوجها وهي تقول: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد! فردها نحو ~~النساء، فامتنعت # PageV03P172 # وقالت: لن أدعك دون أن أموت معك. # فناداها الحسين فقال: جزيتم من أهل بيت خيرا! ارجعي رحمك الله، ليس ~~الجهاد إلى النساء. فرجعت. # فزحف عمرو بن الحجاج في ميمنة عمر، فلما دنا من الحسين جثوا له على الركب ~~وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع ~~فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين. # وتقدم رجل منهم يقال له ابن حوزة فقال: أفيكم الحسين؟ فلم يجبه أحد، ~~فقالها ثلاثا فقالوا: نعم، فما حاجتك؟ قال: يا حسين أبشر بالنار! قال له: ~~كذبت بل أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فمن أنت، قال: ابن حوزة. فرفع الحسين ~~يديه فقال: اللهم حزه إلى النار! فغضب ابن حوزة فأقحم فرسه في نهر بينهما ~~فتعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها فانقطعت فخذه وساقه وقدمه ~~وبقي جنبه الآخر متعلقا بالركاب يضرب به كل حجر وشجر حتى مات. # وكان مسروق بن وائل الحضرمي قد خرج معهم وقال لعلي أصيب رأس الحسين، ~~فأصيب به منزلة عند ابن زياد، فلما رأى ما صنع الله بابن حوزة بدعاء الحسين ~~رجع وقال: لقد رأيت من أهل البيت شيئا، لا أقاتلهم أبدا. # ونشب القتال وخرج يزيد بن معقل حليف عبد القيس فقال: يا برير بن خضير كيف ~~ترى الله صنع بك؟ قال: والله لقد صنع بي خيرا وصنع بك شرا. # فقال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذابا، وأنا أشهد أنك من الضالين. # فقال له ابن خضير: هل لك أن أباهلك، أن يلعن الله الكاذب ويقتل المبطل، ~~ثم أخرج أبارزك! فخرجا فتباهلا أن يلعن الله الكاذب ويقتل المحق المبطل ثم ~~تبارزوا فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير فلم يضره شيئا ~~وضربه ms1289 ابن خضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فسقط والسيف في رأسه، فحمل ~~عليه رضي بن منقذ العبدي، فاعتنق ابن خضير، فاعتركا ساعة ثم إن ابن خضير ~~قعد على صدره، فحمل كعب بن جابر الأزدي عليه بالرمح فوضعه في ظهره حتى غيب ~~السنان فيه، فلما وجد مس الرمح نزل عن رضي فعض أنفه وقطع طرفه، وأقبل إليه ~~كعب بن جابر فضربه بسيفه حتى قتله، وقام رضي ينفض التراب عن قبائه، فلما ~~رجع كعب قالت له امرأته: أعنت على ابن # PageV03P173 # فاطمة وقتلت بريرا سيد القراء، [والله] لا أكلمك أبدا! # وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري وقاتل دون الحسين فقتل، وكان أخوه مع عمرو بن ~~سعد، فنادى: يا حسين يا كذاب ابن الكذاب! أضللت أخي وغررته حتى قتلته! ~~فقال: إن الله لم يضل أخاك بل هداه وأضلك. # قال: قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك. # فحمل واعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فحمل أصحابه فاستنقذوه ~~فدووي بعد فبرأ. # وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالا شديدا، وبرز إليه يزيد بن سفيان ~~فقتله الحر، وقاتل نافع بن هلال مع الحسين أيضا فبرز إليه مزاحم بن حريث ~~فقتله نافع. # فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المصر، قوما ~~مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل وقل ما يبقون، والله لو لم ~~ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. # يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم، لا ترتابوا في قتل من مرق من ~~الدين وخالف الإمام. # فقال عمر: الرأي ما رأيت، ومنع الناس من المبارزة. قال: وسمعه الحسين ~~فقال: يا عمرو بن الحجاج أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين أم أنتم؟ ~~والله لتعلمن لو قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا المارق. # ثم حمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات فاضطربوا ساعة، فصرع ~~مسلم بن عوسجة الأسدي، وانصرف عمرو ومسلم صريع، فمشى إليه وبه رمق فقال: ~~رحمك الله يا مسلم بن عوسجة، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} [الأحزاب: ~~23] . ودنا منه حبيب بن ms1290 مطهر وقال: عز علي مصرعك، أبشر بالجنة، ولولا أني ~~أعلم أني في أثرك لاحق بك لأحببت أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل. # فقال: أوصيك بهذا، رحمك الله، وأومأ بيده نحو الحسين، أن تموت دونه. # فقال: أفعل. # ثم مات مسلم وصاحت جارية له فقالت: يا ابن عوسجة! فينادي أصحاب عمرو: ~~قتلنا مسلما. # فقال شبث لبعض من حوله: ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم ~~وتذلون أنفسكم لغيركم، أتفرحون بقتل مثل مسلم؟ أما والذي أسلمت له لرب موقف ~~له قد رأيته في المسلمين، فلقد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين ~~قبل أن تنام خيول المسلمين، أفيقتل مثله وتفرحون؟ # PageV03P174 # وكان الذي قتله مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة ~~البجلي. # وحمل شمر في الميسرة فثبتوا له وحملوا على الحسين وأصحابه من كل جانب، ~~فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين وقاتل قتالا شديدا، فقتله ~~هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حي التيمي من تيم الله بن ثعلبة، وقاتل ~~أصحاب الحسين قتالا شديدا وهم اثنان وثلاثون فارسا، فلم تحمل على جانب من ~~خيل الكوفة إلا كشفته. # فلما رأى ذلك عزرة بن قيس، وهو على خيل الكوفة، بعث إلى عمر فقال: ألا ~~ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال ~~والرماة. # فقال لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم! فقال: سبحان الله! شيخ مضر وأهل ~~المصر عامة تبعثه في الرماة، لم تجد لهذا غيري! ولم يزالوا يرون من شبث ~~الكراهة للقتال حتى إنه كان يقول في إمارة مصعب: لا يعطي الله أهل هذا ~~المصر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي ~~طالب ومع ابنه آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض ~~نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يا لك من ضلال! # فلما قال شبث ذلك دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير فبعث معه المجففة ~~وخمسمائة من المرامية، فلما دنوا ms1291 من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم ~~يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم، وقاتل الحر بن يزيد راجلا قتالا ~~شديدا، فقاتلوهم، إلى أن انتصف النهار، أشد قتال خلقه الله، لا يقدرون ~~يأتونهم إلا من وجه واحد لاجتماع مضاربهم. فلما رأى ذلك عمر أرسل رجالا ~~يقوضونهم عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم، فكان النفر من أصحاب الحسين ~~الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقتلون الرجل وهو يقوض وينهب، ويرمونه من ~~قريب أو يعقرونه، فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت، فقال لهم الحسين: دعوهم ~~فليحرقوها فإنهم إذا حرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها. فكان كذلك. # وخرجت امرأة الكلبي فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول: هنيئا لك ~~الجنة! فأمر شمر غلاما اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فماتت مكانها. # وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت # PageV03P175 # على أهله. # فصاح النساء وخرجن، وصاح به الحسين: أنت تحرق بيتي على أهلي؟ حرقك الله ~~بالنار! فقال حميد بن مسلم لشمر: إن هذا لا يصلح [لك] ، تعذب بعذاب الله ~~وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتل الرجال ما يرضى به أميرك! فلم يقبل ~~منه، فجاءه شبث بن ربعي فنهاه فانتهى، وذهب لينصرف فحمل عليه زهير بن القين ~~في عشرة فكشفهم عن البيوت وقتلوا أبا عزة الضبابي، وكان من أصحاب شمر. # وعطف الناس عليهم فكثروهم، وكانوا إذا قتل منهم الرجل والرجلان يبين فيهم ~~لقلتهم، وإذا قتل في أولئك لا يبين فيهم لكثرتهم. # ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين: نفسي لنفسك الفداء! ~~أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي ~~وقد صليت هذه الصلاة! فرفع الحسين رأسه وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من ~~المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى ~~نصلي. # ففعلوا، فقال لهم الحصين: إنها لا تقبل. # فقال له حبيب (بن مطهر: زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وتقبل) منك يا ms1292 حمار! فحمل عليه الحصين، وخرج إليه (حبيب) فضرب ~~وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه، وقاتل حبيب (قتالا ~~شديدا فقتل رجلا من بني تميم اسمه بديل بن صريم، وحمل عليه آخر من تميم ~~فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين على رأسه بالسيف فوقع ونزل إليه التميمي ~~فاحتز رأسه، فقال له الحصين: أنا شريك في قتله. # فقال الآخر: لا والله! فقال له الحصين: أعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما ~~يرى الناس أني شركت في قتله ثم خذه وامض به إلى ابن زياد فلا حاجة لي فيما ~~تعطاه. # ففعل وجال به في الناس ثم دفعه إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الرأس ~~وجعله في عنق فرسه) ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به القاسم بن ~~حبيب، وقد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، فارتاب به الرجل، فسأله عن ~~حاله، فأخبره وطلب # PageV03P176 # الرأس ليدفنه، فقال: إن الأمير لا يرضى أن يدفن وأرجو أن يثيبني الأمير. # فقال له: لكن الله لا يثيبك إلا أسوأ الثواب. # ولم يزل يطلب غرة قاتل أبيه حتى كان زمان مصعب، وغزا مصعب باجميرى، ودخل ~~القاسم عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه نصف النهار فقتله. # فلما قتل حبيب هد ذلك الحسين، وقال عند ذلك: أحتسب نفسي وحماة أصحابي. # وحمل الحر وزهير بن القين فقاتلا قتالا شديدا، وكان إذا حمل أحدهما وغاض ~~فيهم حمل الآخر حتى يخلصه، فعلا ذلك ساعة ثم إن رجالة حملت على الحر بن ~~يزيد فقتلته، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه، ثم صلوا الظهر، ~~صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم، ووصل إلى ~~الحسين، فاستقدم الحنفي أمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل وهو بين يديه حتى ~~سقط. # وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا، فحمل عليه كثير بن عبيد الله الشعبي ~~ومهاجر بن أوس فقتلاه، وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواه ~~نبله، وكانت مسمومة، فقتل بها اثني عشر رجلا سوى من جرح، ms1293 فضرب حتى كسرت ~~عضداه وأخذ أسيرا، فأخذه شمر بن ذي الجوشن فأتى به عمر بن سعد والدم على ~~وجهه وهو يقول: لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوى من جرحت، ولو بقيت لي عضد ~~وساعد ما أسرتموني. # فانتضى شمر سيفه ليقتله، فقال له نافع: والله لو كنت من المسلمين لعظم ~~عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار ~~خلقه! فقتله شمر ثم حمل على أصحاب الحسين. # فلما رأوا أنهم قد كثروا، وأنهم لا يقدرون يمنعون الحسين ولا أنفسهم ~~تنافسوا أن يقتلوا بين يديه، فجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة ~~الغفاريان إليه فقالا: قد حازنا # PageV03P177 # الناس إليك. # فجعلا يقاتلان بين يده، وأتاه الفتيان الجابريان وهما سيف بن الحارث بن ~~سريع ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عم وأخوان لأم وهما يبكيان، فقال ~~لهما: ما يبكيكما؟ إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين. # فقالا: والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا ~~نقدر أن نمنعك! فقال: جزاكما الله جزاء المتقين! # وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين وجعل ينادي: {ياقوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب - مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد - ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد - يوم ~~تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: ~~30 - 33] . يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب {وقد خاب من افترى} ~~[طه: 61] ، فقال له الحسين: رحمك الله! إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ~~ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن قد قتلوا ~~إخوانك الصالحين! فسلم على الحسين وصلى عليه وعلى أهل بيته وتقدم وقاتل حتى ~~قتل. # وتقدم الفتيان الجابريان فودعا الحسين وقاتلا حتى قتلا. # وجاء عابس بن أبي شيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين فسلما عليه ~~وتقدما فقاتلا فقتل شوذب، وأما عابس فطلب البراز فتحاماه الناس ms1294 لشجاعته، ~~فقال لهم عمر: ارموه بالحجارة، فرموه من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ~~ومغفره وحمل على الناس فهزمهم بين يديه، ثم رجعوا عليه فقتلوه وادعى قتله ~~جماعة. # وجاء الضحاك بن عبد الله المشرفي إلى الحسين فقال: يا ابن رسول الله قد ~~علمت أني قلت لك إني أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلا فأنا في ~~حل من الانصراف. # فقال له الحسين: صدقت، وكيف لك بالنجاء؟ إن قدرت عليه فأنت في # PageV03P178 # حل. # قال: فأقبلت إلى فرسي، وكنت قد تركته في خباء حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، ~~وقاتلت راجلا وقتلت رجلين وقطعت يد آخر، ودعا إلى الحسين مرارا، قال: ~~واستخرجت فرسي واستويت عليه وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي وتبعني منهم ~~خمسة عشر رجلا ففتهم وسلمت. # وجثا أبو الشعثاء الكندي، وهو يزيد بن أبي زياد، بين يدي الحسين، فرمى ~~بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكلما رمى يقول له الحسين: اللهم سدد ~~رميته واجعل ثوابه الجنة! وكان يزيد هذا فيمن خرج مع عمر بن سعد، فلما ردوا ~~الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه، وكان أول من قتل. # وأما الصيداوي عمرو بن خالد وجبار بن الحارث السلماني وسعد مولى عمرو بن ~~خالد ومجمع بن عبيد الله العائذي فإنهم قاتلوا أول القتال، فلما وغلوا فيهم ~~عطفوا إليهم فقطعوهم عن أصحابهم، فحمل العباس بن علي فاستنقذهم وقد جرحوا، ~~فلما دنا منهم عدوهم حملوا عليهم فقاتلوا فقتلوا في أول الأمر في مكان ~~واحد. # وكان آخر من بقي من أصحاب الحسين سويد بن أبي المطاع الخثعمي، وكان أول ~~من قتل من آل بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر ابن الحسين، وأمه ليلى بنت أبي ~~مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، وذلك أنه حمل عليهم وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي # تالله لا يحكم فينا ابن الدعي # ففعل ذلك مرارا، فحمل عليه مرة بن منقذ العبدي فطعنه فصرع وقطعه الناس ~~بسيوفهم، فلما رآه الحسين ms1295 قال: قتل الله قوما قتلوك يا بني! ما أجرأهم على ~~الله وعلى انتهاك حرمة الرسول: على الدنيا بعدك العفاء. # وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه، # PageV03P179 # فقال: احملوا أخاكم، فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا ~~يقاتلون أمامه. # ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه ~~على جبهته فلم يستطع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله. # وحمل الناس عليهم من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن ~~عبد الله بن جعفر فقتله، وحمل عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن سوط ~~الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد (الله بن ~~عروة) الخثعمي جعفر بن عقيل فقتله. # ثم حمل القاسم بن الحسن بن علي وبيده السيف، فحمل عليه عمرو بن سعد بن ~~نفيل الأزدي فضرب رأسه بالسيف فسقط القاسم إلى الأرض لوجهه وقال: يا عماه! ~~فانقض الحسين إليه كالصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده ~~فقطع يده من المرفق فصاح، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمرا فاستقبلته ~~بصدورها وجالت عليه فوطئته حتى مات، وانجلت الغبرة والحسين واقف على رأس ~~القاسم وهو يفحص برجليه والحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم ~~القيامة فيك جدك! ثم قال: عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم ~~لا ينفعك صوته، والله هذا اليوم كثر واتره وقل ناصره! ثم احتمله على صدره ~~حتى ألقاه مع ابنه علي ومن قتل معه من أهل بيته. # ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه وكره ~~أن يتولى قتله وعظم إثمه [عليه] ثم إن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير ~~أتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس، وأدمى رأسه وامتلأ البرنس دما، ~~فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين! وألقى ~~البرنس ولبس القلنسوة، وأخذ الكندي البرنس، فلما قدم على أهله أخذ البرنس ~~يغسل ms1296 الدم عنه، فقالت له امرأته: أسلب ابن [بنت] رسول الله تدخل بيتي؟ ~~أخرجه عني! قال: فلم يزل # PageV03P180 # ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات. # ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير (فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني ~~أسد فذبحه، فأخذ الحسين دمه) فصبه في الأرض ثم قال: ربي إن تكن حبست عنا ~~النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين. # ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله، وقال ~~العباس بن علي لإخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان: تقدموا حتى أرثكم فإنه ~~لا ولد لكم. # ففعلوا فقتلوا، وحمل هانئ بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله، ثم ~~حمل على جعفر بن علي فقتله، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي، ثم ~~حمل عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه، ورمى رجل من بني أبان ~~أيضا محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه. # وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من عيدانه وهو ينظر كأنه ~~مذعور، فحمل عليه رجل قيل إنه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله. # واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في ~~فمه فجعل يتلقى الدم بيده ورمى به إلى السماء، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: اللهم إني أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك! اللهم أحصهم عددا، ~~واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا! # وقيل الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم، فمكث ذلك الرجل يسيرا ثم صب ~~الله عليه الظمأ فجعل لا يروى، فكان يروح عنه ويبرد له الماء فيه السكر ~~وعساس فيها اللبن ويقول: اسقوني، فيعطى القلة أو العس فيشربه، فإذا شربه ~~اضطجع هنيهة ثم يقول: اسقوني قتلني الظمأ، فما لبث إلا يسيرا حتى انقدت ~~بطنه انقداد بطن البعير. # ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل # PageV03P181 # الحسين فحالوا بينه ms1297 وبين رحله، فقال لهم الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم ~~دين ولا تخافون يوم المعاد فكونوا أحرارا ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من ~~طغاتكم وجهالكم. # فقالوا: ذلك لك يا ابن فاطمة. # وأقدم عليه شمر بالرجالة منهم: أبو الجنوب، واسمه عبد الرحمن الجعفي، ~~والقشعم بن نذير الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي ~~بن يزيد الأصبحي، وجعل شمر يحرضهم على الحسين وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه، ~~ثم إنهم أحاطوا به. # وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فقام إلى جنبه وقد أهوى بحر بن كعب بن تيم ~~الله بن ثعلبة إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي! ~~فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة، فنادى الغلام: يا ~~أمتاه! فاعتنقه الحسين وقال له: يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك فإن الله ~~يلحقك بآبائك الطاهرين الصالحين، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي ~~وحمزة وجعفر والحسن. # وقال الحسين: اللهم أمسك عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض! اللهم فإن ~~متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض عنهم الولاة أبدا، ~~فإنهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا! # ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه، ولما بقي الحسين في ثلاثة أو أربعة دعا ~~بسراويل ففزره ونكثه لئلا يسلبه، فقال له بعضهم: لو لبست تحته التبان. # قال: ذلك ثوب مذلة ولا ينبغي لي أن ألبسه. # فلما قتل سلبه بحر بن كعب، وكانت يداه في الشتاء تنضحان بالماء، وفي ~~الصيف تيبسان كأنهما عود. # وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله، فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا، ثم ~~حمل على الذين عن يساره فتفرقوا، فما رئي مكثور قط قد قتل ولده وأهل بيته ~~وأصحابه أربط جأشا منه، ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه، إن كانت ~~الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب. # فبينما هو كذلك إذ خرجت زينب وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض! وقد ~~دنا عمر بن سعد، فقالت: يا عمر أيقتل أبو عبد ms1298 الله وأنت تنظر إليه؟ فدمعت ~~عيناه # PageV03P182 # حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف وجهه عنها. # وكان على الحسين جبة من خز، وكان معتما مخضوبا بالوسمة، وقاتل راجلا قتال ~~الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفترص العورة ويشد على الخيل وهو يقول: أعلى ~~قتلي تجتمعون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله، الله أسخط ~~عليكم لقتله مني! وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي ~~منكم من حيث لا تشعرون! أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك ~~دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. # قال: ومكث طويلا من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه ولكنهم كان ~~يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء، فنادى شمر في الناس: ويحكم ~~ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! فحملوا عليه من كل جانب، فضرب ~~زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى وضرب أيضا على عاتقه ثم انصرفوا عنه ~~وهو يقوم ويكبو، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح ~~فوقع، وقال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، ~~فقال له سنان، فت الله عضدك! ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه فدفعه إلى خولي، ~~(وسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله) بحر بن كعب (وأخذ قيس بن الأشعث ~~قطيفته، وهي من خز، فكان يسمى بعد قيس قطيفة) ، وأخذ نعليه الأودي، وأخذ ~~سيفه رجل من دارم، ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها ونهبوا ~~ثقله ومتاعه وما على النساء حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ ~~منها. # ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة (غير الرمية) . # وأما سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخنا بالجراحات، ~~فسمعهم يقولون: قتل الحسين! فوجد خفة فوثب ومعه سكين، وكان سيفه قد أخذ # PageV03P183 # فقاتلهم بسكينه ساعة ثم قتل، قتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد ~~الجنبي، وكان آخر من قتل من أصحاب الحسين. # ثم انتهوا إلى علي بن ms1299 الحسين زين العابدين فأراد شمر قتله، فقال له حميد ~~بن مسلم: سبحان الله أتقتل الصبيان! وكان مريضا، وجاء عمر بن سعد فقال: لا ~~يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرض لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم ~~شيئا فليرده، فلم يرد أحد شيئا. # فقال الناس لسنان بن أنس النخعي: قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قتلت أعظم العرب خطرا، أراد أن يزيل ملك ~~هؤلاء، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله ~~كان قليلا. # فأقبل على فرسه، وكان شجاعا شاعرا به لوثة، حتى وقف على باب فسطاط عمر بن ~~سعد ثم نادى بأعلى صوته: # أوقر ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت السيد المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا # فقال عمر بن سعد: أشهد أنك مجنون، أدخلوه علي. # فلما دخل حذفه بالقضيب وقال: يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام؟ والله لو سمعك ~~ابن زياد لضرب عنقك! وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ ~~القيس الكلبية امرأة الحسين، فقال: ما أنت؟ فقال: أنا عبد مملوك. # فخلى سبيله، فلم ينج منهم غيره وغير المرقع بن ثمامة الأسدي، وكان قد نثر ~~نبله فقاتل، فجاء نفر من قومه فآمنوه فخرج إليهم، فلما أخبر ابن زياد خبره ~~نفاه إلى الزارة. # ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه، فانتدب ~~عشرة، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين، فبرص بعد، ~~فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره. # وكان عدة من قتل من أصحاب الحسين اثنين وسبعين رجلا. # PageV03P184 # ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد قتلهم بيوم. # وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى فصلى عليهم عمر ~~ودفنهم. # ولما قتل الحسين أرسل رأسه ورءوس أصحابه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد ~~وحميد بن مسلم الأزدي، فوجد خولي القصر مغلقا فأتى منزله فوضع الرأس تحت ~~إجانة ms1300 في منزله ودخل فراشه وقال لامرأته النوار: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس ~~الحسين معك في الدار. فقالت: ويلك! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا! ~~وقامت من الفراش فخرجت إلى الدار، قالت: فما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل ~~العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيرا أبيض يرفرف حولها. # فلما أصبح غدا بالرأس إلى ابن زياد. # وقيل: بل الذي حمل الرءوس كان شمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعروة ~~بن قيس فجلس ابن زياد وأذن للناس فأحضرت الرءوس بين يديه وهو ينكت بقضيب ~~بين ثنيته ساعة، فلما رآه زيد بن الأرقم لا يرفع قضيبه قال: أعل هذا القضيب ~~عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على هاتين الشفتين يقبلهما! ثم بكى، فقال له ابن زياد: أبكى ~~الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. # فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، ~~وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل، فبعدا ~~لمن يرضى بالذل! # فأقام عمر بعد قتله يومين ثم ارتحل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين ~~وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسين مريض، فاجتازوا بهم على ~~الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن خدودهن، وصاحت زينب أخته: يا ~~محمداه صلى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع # PageV03P185 # الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا! فأبكت كل عدو ~~وصديق. # فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست زينب أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها ~~إماؤها، فقال عبيد الله: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا وهي لا ~~تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة. # فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم! فقالت: ~~الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول، وإنما يفتضح ~~الفاسق ويكذب الفاجر. # فقال: ms1301 فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى ~~مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده. # فغضب ابن زياد وقال: قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل ~~بيتك. # فبكت وقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت ~~أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت. # فقال لها: هذه شجاعة، لعمري لقد كان أبوك شجاعا! فقالت: ما للمرأة ~~والشجاعة! # ولما نظر ابن زياد إلى علي بن الحسين قال: ما اسمك؟ قال: علي بن الحسين. # قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت. # فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: كان لي أخ يقال له أيضا علي فقتله الناس. # فقال: إن الله قتله. # فسكت علي. # فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] ~~، {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} [آل عمران: 145] . قال: أنت والله ~~منهم. # ثم قال لرجل: ويحك! انظر هذا هل أدرك؟ إني لأحسبه رجلا. # قال فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال: نعم قد أدرك. # قال: اقتله. # فقال علي: من توكل بهذه النسوة؟ وتعلقت به زينب فقالت: يا ابن زياد حسبك ~~منا، أما رويت من دمائنا، وهل أبقيت منا أحدا! واعتنقته وقالت: أسألك بالله ~~إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلتني معه! وقال له علي: يا ابن زياد إن كانت ~~بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام. # فنظر إليها ساعة ثم قال: عجبا للرحم! والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته ~~أني قتلتها معه، دعوا الغلام ينطلق مع نسائه. # ثم نادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فخطبهم وقال: الحمد ~~لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن ~~الكذاب الحسين بن علي وشيعته. # PageV03P186 # فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي، وكان ضريرا قد ذهبت إحدى ~~عينيه يوم الجمل مع علي والأخرى بصفين معه أيضا، وكان لا يفارق المسجد يصلي ~~فيه إلى الليل ثم ينصرف، فلما سمع مقالة ابن زياد ms1302 قال: يا ابن مرجانة! إن ~~الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه! يا ابن مرجانة أتقتلون ~~أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين؟ فقال: علي به. # فأخذوه، فنادى بشعار الأزد: يا مبرور! فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه، ~~فأرسل إليه من أتاه به فقتله وأمر بصلبه في المسجد، فصلب، رحمه الله. # وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة، وكان رأسه أول رأس حمل في ~~الإسلام على خشبة في قول، والصحيح أن أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن ~~الحمق. # ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورءوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام إلى ~~يزيد ومعه جماعة، وقيل: مع شمر وجماعة معه، وأرسل معه النساء والصبيان، ~~وفيهم علي بن الحسين، قد جعل ابن زياد الغل في يديه ورقبته، وحملهم على ~~الأقتاب، فلم يكلمهم علي بن الحسين في الطريق حتى بلغوا الشام، فدخل زحر بن ~~قيس على يزيد، فقال: ما وراءك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ~~وبنصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من ~~شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن ينزلوا على حكم الأمير عبيد الله أو القتال ~~فاختاروا القتال فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى ~~إذا أخذت السيوف مآخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر، ويلوذون ~~بالإكام والحفر، كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله ما كان إلا جزر جزور، أو ~~نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم! فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، ~~وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم ~~بقي سبسب. # قال: فدمعت عينا يزيد وقال: كنت أرضى من طاغيتكم بدون قتل الحسين، لعن ~~الله ابن سمية! أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين! ولم ~~يصله بشيء. # PageV03P187 # وقيل: إن آل الحسين لما وصلوا إلى الكوفة حبسهم ابن زياد وأرسل إلى يزيد ~~بالخبر، فبينما هم في الحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط وفيه: إن ~~البريد سار بأمركم إلى ms1303 يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا، فإن سمعتم التكبير ~~فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيرا فهو الأمان. # فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي وفيه كتاب ~~يقول فيه: أوصوا واعهدوا فقد قارب وصول البريد. # ثم جاء البريد بأمر يزيد بإرسالهم إليه، فدعا ابن زياد محفر بن ثعلبة ~~وشمر بن ذي الجوشن وسيرهما بالثقل والرأس، فلما وصلوا إلى دمشق نادى محفر ~~بن ثعلبة على باب يزيد: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم! فقال يزيد: ما ولدت ~~أم محفر ألأم وأحمق منه، ولكنه قاطع ظالم. # ثم دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه، فسمعت الحديث هند بنت ~~عبد الله بن كريز، وكانت تحت يزيد، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير ~~المؤمنين أرأس الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ قال: نعم، فأعولي عليه، وحدي على ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصريحة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله! ثم أذن للناس ~~فدخلوا عليه والرأس بين يديه ومعه قضيب وهو ينكت به ثغره، ثم قال: إن هذا ~~وإيانا كما قال الحصين بن الحمام: # أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواضب في أيماننا تقطر الدما # يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما # فقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ ~~قضيبك في ثغره مأخذا، لربما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرشفه، ~~أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمد شفيعه: ~~ثم قام فولى. # PageV03P188 # فقال يزيد: والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك. ثم قال: أتدرون من ~~أين أتى هذا؟ قال: أبي علي خير من أبيه، وفاطمة أمي خير من أمه، وجدي رسول ~~الله خير من جده، وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر منه، فأما قوله أبوه خير من ~~أبي فقد حاج أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله أمي ms1304 خير ~~من أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما قوله جدي رسول الله ~~خير من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا ~~عدلا ولا ندا، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: {قل اللهم مالك ~~الملك} [آل عمران: 26] . # ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا ~~الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس. # فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية. # فقالت فاطمة بنت الحسين، وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا ~~يزيد؟ فقال: يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره. # قالت: والله ما ترك لنا خرص. # فقال: ما أتى إليكن أعظم مما أخذ منكن. # فقام رجل من أهل الشام فقال: هب لي هذه، يعني فاطمة، فأخذت بثياب أختها ~~زينب، وكانت أكبر منها، فقالت زينب: كذبت ولؤمت، ما ذلك لك ولا له. # فغضب يزيد وقال: كذبت والله، إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلته. # قالت كلا والله، ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ~~ديننا. # فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك ~~وأخوك! # قالت زينب: بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك. # قال: كذبت يا عدوة الله! قالت: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك؟ ~~فاستحى وسكت، ثم أخرجهن وأدخلهن دور يزيد، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا ~~أتتهن وأقمن المأتم، وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن، فكانت سكينة تقول: ما ~~رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية. # ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولا فقال: لو رآنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مغلولين لفك عنا. # قال: صدقت. # وأمر بفك غله عنه. # فقال علي: لو رآنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعداء لأحب أن ~~يقربنا. # فأمر به فقرب منه، وقال له يزيد: إيه يا علي بن الحسين، أبوك الذي قطع ~~رحمي، ms1305 وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما رأيت. # فقال علي: # PageV03P189 # {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير - لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 22 - 23] . فقال يزيد: {وما أصابكم ~~من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] . ثم سكت عنه وأمر بإنزاله وإنزال ~~نسائه في دار علي جده، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا عليا إليه، ~~فدعاه ذات يوم ومعه عمرو بن الحسن، وهو غلام صغير، فقال لعمرو: أتقاتل هذا؟ ~~يعني خالد بن يزيد. # فقال عمرو: أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله. # فضمه يزيد إليه وقال: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية! # وقيل: ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله ~~وسره ما فعل، ثم لم يلبث إلا يسيرا (حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبهم) ، ~~فندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين ~~معي في داري وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورعاية لحقه وقرابته، لعن الله ابن ~~مرجانة فإنه اضطره، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق بثغر حتى يتوفاه ~~الله، فلم يجبه إلى ذلك فقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم ~~العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين، ما لي ولابن ~~مرجانة، لعنه الله وغضب عليه! # ولما أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما ~~يصلحهم ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة، ~~ودعا عليا ليودعه وقال له: لعن الله ابن مرجانة! أما والله لو أني صاحبه ما ~~سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو ~~بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله ما رأيت. # يا بني ms1306 كاتبني حاجة تكون لك. # وأوصى بهم هذا الرسول، فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا ~~يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، ~~وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة. # فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل # PageV03P190 # إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟ فقالت: والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا، ~~فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا بها إليه واعتذرتا، فرد الجميع وقال: ~~لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن والله ما فعلته إلا ~~لله ولقرابتكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس، وهي أم ابنته سكينة، وحملت ~~إلى الشام فيمن حمل من أهله، ثم عادت إلى المدينة، فخطبها الأشراف من قريش، ~~فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقيت بعده ~~سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا، وقيل: إنها أقامت على قبره سنة ~~وعادت إلى المدينة فماتت أسفا عليه. # فأرسل عبيد الله بن زياد مبشرا إلى المدينة بقتل الحسين إلى عمرو بن ~~سعيد، فلقيه رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقال: الخبر عند الأمير. # فقال القرشي إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل الحسين. # ودخل البشير على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ قال: ما سر الأمير، قتل ~~الحسين بن علي. # فقال: ناد بقتله، فنادى، فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ~~ومعها نساؤها حاسرة تلوي ثوبها وهي تقول: # ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم # بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم # ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي # فلما سمع عمرو أصواتهن ضحك وقال: # عجت نساء بني زياد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب # PageV03P191 # والأرنب وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، وهذا ~~البيت لعمرو بن معدي كرب. # ثم ms1307 قال عمرو: واعية كواعية عثمان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله. # ولما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه ~~يعزيه والناس يعزونه، فقال مولاه: هذا ما لقيناه من الحسين! فحذفه ابن جعفر ~~بنعله وقال: يا ابن اللخناء، الحسين، تقول هذا؟ والله لو شهدته لأحببت أن ~~لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما، ويهون علي ~~المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه. # ثم قال: إن لم تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولدي. # ولما وفد أهل الكوفة بالرأس إلى الشام ودخلوا مسجد دمشق أتاهم مروان بن ~~الحكم فسألهم: كيف صنعوا؟ فأخبروه، فقام عنهم ثم أتاهم أخوه يحيى بن الحكم ~~فسألهم فأعادوا عليه الكلام، فقال: حجبتم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبدا! ثم انصرف عنهم. # فلما دخلوا على يزيد قال يحيى بن الحكم: # لهام بجنب الطف أدنى قرابة ... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل # سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وليس لآل المصطفى اليوم من نسل # فضرب يزيد في صدره وقال: اسكت. # قيل: وسمع بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي: # أيها القاتلون جهلا حسينا ... أبشروا بالعذاب والتنكيل # كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبي وملأك وقبيل # PageV03P192 # قد لعنتم على لسان ابن داود ... وموسى وصاحب الإنجيل # ومكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس ~~حتى ترتفع. # قال رأس جالوت ذلك الزمان: ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف ~~المكان، لأنا كنا نتحدث أن ولد نبي يقتل بذلك المكان، فكنت أخاف، فلما قتل ~~الحسين أمنت فكنت أسير ولا أركض. # قيل وكان عمر الحسين يوم قتل خمسا وخمسين سنة، وقيل: قتل وهو ابن إحدى ~~وستين، وليس بشيء. # وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. # (برير بن خضير بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة، وسكون الياء ~~المثناة من تحتها، وآخره راء. وخضير بالخاء والضاد المعجمتين. ثبيت ms1308 بضم ~~الثاء المثلثة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة من تحتها، وآخره ~~تاء مثناة من فوقها. ومحفر بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الفاء ~~المكسورة، وآخره راء) . # ( [وقال] . . . التيمي تيم مرة يرثي الحسين وأهله وكان منقطعا إلى بني ~~[هاشم] : # مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها يوم حلت # فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت # وإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت # PageV03P193 # وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت # وعند غني قطرة من دمائنا ... سنجزيهم يوما بها حيث حلت # إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... تقتلنا قيس إذا النعل زلت # ذكر أسماء من قتل معه # قال سليمان: لما قتل الحسين ومن معه حملت رءوسهم إلى ابن زياد، فجاءت ~~كندة بثلاثة عشر رأسا، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأسا، ~~وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت ~~بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، ~~فذلك سبعون رأسا. # وقتل الحسين، قتله سنان بن أنس النخعي، لعنه الله، وقتل العباس بن علي، ~~وأمه أم البنين بنت حزام، قتله (زيد بن رقاد الجنبي) وحكيم بن الطفيل ~~السنبسي. # وقتل جعفر بن علي، وأمه أم البنين أيضا. # وقتل عبد الله بن علي، وأمه أم البنين أيضا. # وقتل عثمان بن علي، وأمه أم البنين أيضا، رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله. # وقتل محمد بن علي، وأمه أم ولد، قتله رجل من بني دارم. # وقتل أبو بكر بن علي، وأمه ليلى # PageV03P194 # بنت مسعود الدارمية، وقد شك في قتله. # وقتل علي بن الحسين بن علي، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة الثقفي، ~~وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب، قتله منقذ بن النعمان العبدي، وقتل ~~عبد الله بن الحسين بن علي، وأمه الرباب ابنة امرئ القيس الكلبي، قتله هانئ ~~بن ثبيت الحضرمي. # وقتل أبو بكر ابن أخيه الحسن أيضا، وأمه أم ولد [قتله عبد الله ms1309 بن عقبة ~~الغنوي، وقتل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأمه أم ولد] قتله ~~حرملة بن الكاهن، رماه بسهم. # وقتل القاسم بن الحسن أيضا، قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي. # وقتل عون بن أبي جعفر بن أبي طالب، وأمه جمانة بنت المسيب بن نجبة ~~الفزاري، قتله عبد الله بن قطبة الطائي. # وقتل محمد بن عبد الله بن جعفر، وأمه الخوصاء بنت خصفة بن تيم الله بن ~~ثعلبة، قتله عامر بن نهشل التيمي. # وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب، وأمه أم بنين ابنة الشقر بن الهضاب، قتله ~~بشر بن الخوط الهمداني. # وقتل عبد الرحمن بن عقيل، وأمه أم ولد، قتله عثمان بن خالد الجهني. # وقتل عبد الله بن عقيل، وأمه أم ولد، رماه عمرو بن صبيح الصيداوي بسهم ~~فقتله. # وقتل مسلم بن عقيل بالكوفة، وأمه أم ولد. # وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب، قتله ~~عمرو بن صبيح الصيداوي، ويقال قتله مالك بن أسيد الحضرمي. # وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل، وأمه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني. # واستصغر الحسن بن الحسن بن علي - وأمه خولة بنت منظور بن زبان الفزاري، ~~واستصغر عمرو بن الحسين، وأمه أم ولد، فلم يقتلا. # PageV03P195 # وقتل من الموالي سليمان مولى الحسين، قتله سليمان بن عوف الحضرمي، وقتل ~~منجح مولى الحسين أيضا، وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين. # قال: ابن عباس رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - الليلة التي قتل فيها ~~الحسين وبيده قارورة وهو يجمع فيها دما. # فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى ~~الله تعالى. # فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين وقص رؤياه، فوجد قد قتل في ذلك ~~اليوم. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين ~~حمله إليه جبرائيل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة: إذا صار ~~هذا التراب دما فقد قتل الحسين. فحفظت ms1310 أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، ~~فلما قتل الحسين صار التراب دما، فأعلمت الناس بقتله أيضا. # وهذا يستقيم على قول من يقول أم سلمة توفيت بعد الحسين. # ثم إن ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده من قتل الحسين: يا عمر ائتني ~~بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين. # قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب. # قال: لتجئني به. # قال: ضاع. # قال: لتجئني به. قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذارا ~~إليهن، أما والله لقد نصحتك في الحسن نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص ~~لكنت قد أديت حقه. # فقال عثمان بن زياد، أخو عبيد الله: صدق والله! لوددت أنه ليس من بني ~~زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأن الحسين لم يقتل! فما ~~أنكر ذلك عبيد الله بن زياد. آخر المقتل. # ذكر مقتل أبي بلال مرداس بن حدير الحنظلي # قد تقدم ذكر سبب خروجه وتوجيه عبيد الله بن زياد العساكر إليه في ألفي ~~رجل فالتقائهم بآسك وهزيمة عسكر ابن زياد، فلما هزمهم أبو بلال وبلغ ذلك ~~ابن زياد، أرسل إليه ثلاثة آلاف عليهم عباد بن الأخضر، والأخضر زوج أمه، ~~نسب إليه، وهو # PageV03P196 # عباد بن علقمة بن عباد التميمي، فاتبعه حتى لحقه بتوج، فصف له عباد وحمل ~~عليهم أبو بلال فيمن معه، فثبتوا واشتد القتال حتى دخل وقت العصر، فقال أبو ~~بلال: هذا يوم جمعة وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا حتى نصلي. # فأجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا، فعجل ابن الأخضر الصلاة، وقيل قطعها، ~~والخوارج يصلون، فشد عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد لم ~~يتغير منهم أحد من حاله، فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي بلال. # ورجع عباد إلى البصرة فرصده بها عبيد بن هلال ومعه ثلاثة نفر، فأقبل عباد ~~يريد قصر الإمارة وهو مردف ابنا صغيرا له، فقالوا له: قف حتى نستفتيك. # فوقف، فقالوا: نحن إخوة أربعة قتل أخونا فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير. ~~قالوا: قد استعديناه فلم يعدنا. قال: ms1311 فاقتلوه قتله الله! فوثبوا عليه ~~وحكموا به فألقى ابنه فنجا وقتل هو، فاجتمع الناس على الخوارج فقتلوا غير ~~عبيدة. # ولما قتل ابن عباد كان ابن زياد بالكوفة ونائبه بالبصرة عبيد الله بن أبي ~~بكرة، فكتب إليه يأمره أن يتبع الخوارج، ففعل ذلك وجعل يأخذهم، فإذا شفع في ~~أحدهم ضمنه إلى أن يقدم ابن زياد، ومن لم يكفله أحد حبسه، وأتي بعروة بن ~~أدية فأطلقه وقال: أنا كفيلك. # فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس من الخوارج فقتلهم وطلب الكفلاء بمن ~~كفلوا به فمن أتى بخارجي أطلقه وقتل الخارجي، ومن لم يأت بالخارجي قتله، ثم ~~طلب عبيد الله بن أبي بكرة بعروة بن أدية، قال: لا أقدر عليه. # فقال: إذن أقتلك به، فلم يزل يبحث عنه حتى ظفر به وأحضره عند ابن زياد، ~~فقال له ابن زياد: لأمثلن بك. فقال: اختر لنفسك من القصاص ما شئت به، فأمر ~~به فقطعت يداه ورجلاه وصلبه، وقيل: إنه قتل سنة ثمان وخمسين. # ذكر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان # قيل: في هذه السنة استعمل يزيد سلم بن زياد على خراسان. # PageV03P197 # وسبب ذلك أن سلما قدم على يزيد، فقال له يزيد: يا أبا حرب أوليك عمل ~~أخويك عبد الرحمن وعباد. فقال: ما أحب أمير المؤمنين. فولاه خراسان ~~وسجستان، فوجه سلم الحارث بن معاوية الحارثي جد عيسى بن شبيب إلى خراسان، ~~وقدم سلم البصرة فتجهز منها، فوجه أخاه يزيد إلى سجستان، فكتب عبيد الله بن ~~زياد إلى أخيه عباد يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما في بيت المال [على] ~~عبيده وفضل فضل فنادى: من أراد سلفا فليأخذ، فأسلف كل من أتاه، وخرج عباد ~~من سجستان. # فلما كان بجيرفت بلغه مكان سلم، وكان بينهما جبل، فعدل عنه، فذهب لعباد ~~تلك الليلة ألف مملوك أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف. # وسار عباد على فارس فقدم على يزيد فسأله عن المال، فقال: كنت صاحب ثغر ~~فقسمت ما أصبت بين الناس. # ولما سار سلم إلى خراسان كتب معه ms1312 يزيد إلى أخيه عبيد الله بن زياد ينتخب ~~له ستة آلاف فارس، وقيل: ألفي فارس، وكان سلم ينتخب الوجوه، فخرج معه عمران ~~بن الفضيل البرجمي والمهلب بن أبي صفرة وعبد الله بن خازم السلمي وطلحة بن ~~عبد الله بن خلف الخزاعي وحنظلة بن عرادة ويحيى بن يعمر العدواني وصلة بن ~~أشيم العدوي وغيرهم. # وسار سلم إلى خراسان وعبر النهر غازيا، وكان عمال خراسان قبله يغزون، ~~فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك ~~خراسان بمدينة مما يلي خوارزم فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون ~~في أمورهم، فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة فيأبون ~~عليهم، فلما قدم سلم غزا فشتا في بعض مغازيه، فألح عليه المهلب بن أبي صفرة ~~وسأله التوجه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف، وقيل: أربعة آلاف، ~~فحاصرهم، فطلبوا أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك وصالحوه ~~على نيف وعشرين ألف ألف، وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضا، فكان يأخذ ~~الرأس والدابة والمتاع بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، ~~فحظي بها المهلب عند سلم، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد. # وغزا سلم سمرقند وعبرت معه النهر امرأته أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان ~~بن # PageV03P198 # أبي العاص الثقفية، وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر، فولدت له ابنا ~~سماه صغدى، واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصغد حليها فلم تعده إليها ~~وذهبت به. ووجه جيشا إلى خجندة فيهم أعشى همدان فهزموا، فقال الأعشى: # ليت خيلي يوم الخجندة لم ته ... زم وغودرت في المكر سليبا # تحضر الطير مصرعي وتروح ... ت إلى الله بالدماء خضيبا # ذكر ولاية يزيد بن زياد وطلحة الطلحات سجستان # ولما استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد على خراسان استعمل أخاه يزيد على ~~سجستان، فغدر أهل كابل فنكثوا وأسروا أبا عبيدة بن زياد، فسار إليهم يزيد ~~بن زياد في جيش فاقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم كثير، فممن ms1313 قتل يزيد بن ~~عبد الله بن أبي مليكة وصلة بن أشيم أبو الصهباء العدوي زوج معاذة العدوية، ~~فلما بلغ الخبر سلم بن زياد سير طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة ~~الطلحات، ففدى أبا عبيدة بن زياد بخمسمائة ألف درهم، وسار طلحة من كابل إلى ~~سجستان واليا عليها، فجبى المال وأعطى زواره، ومات بسجستان واستخلف رجلا من ~~بني يشكر، فأخرجته المضرية ووقعت العصبية فطمع فيهم رتبيل. # ذكر ولاية الوليد بن عتبة المدينة والحجاز وعزل عمرو بن سعيد # قيل: وفي هذه السنة عزل يزيد عمرو بن سعد عن المدينة وولاها الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان. # وكان سبب ذلك أن عبد الله بن الزبير أظهر الخلاف على يزيد وبويع بمكة بعد ~~قتل الحسين، فإنه لما بلغه قتل الحسين قام في الناس فعظم قتله وعاب أهل ~~الكوفة خاصة وأهل العراق عامة، فقال بعد حمد الله والصلاة على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إن أهل # PageV03P199 # العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا ~~الحسين لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا عليه فقالوا: إما أن ~~تضع يدك في أيدينا، فنبعث بك إلى ابن زياد ابن سمية فيمضي فيك حكمه، وإما ~~أن تحارب، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير، فإن كان الله لم يطلع ~~على الغيب أحدا أنه مقتول ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، ~~فرحم الله الحسين وأخزى قاتله! لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما ~~كان في مثله واعظ وناه عنهم، ولكنه ما قرر نازل، وإذا أراد الله أمرا لم ~~يدفع، أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا؟ لا ~~والله لا نراهم لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا ~~في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل، أما والله ~~ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام ~~شرب الخمر، ولا بالمجالس في حلق ms1314 الذكر تطلاب الصيد، يعرض بيزيد، {فسوف ~~يلقون غيا} [مريم: 59] . # فثار إليه أصحابه وقالوا: أظهر بيعتك فإنك لم يبق أحد إذ هلك الحسين ~~ينازعك هذا الأمر. # وقد كان يبايع سرا ويظهر أنه عائذ بالبيت. # فقال لهم: لا تعجلوا، وعمرو بن سعيد يومئذ عامل مكة، وهو أشد شيء على ابن ~~الزبير، وهو مع ذلك يداري ويرفق، فلما استقر عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير ~~بمكة من الجموع أعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسلة، فبعث إليه سلسلة من فضة ~~مع ابن عضاه الأشعري وسعد وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معهم برنس خز ~~ليلبسوه عليها لئلا تظهر للناس. # PageV03P200 # فاجتاز ابن عضاه بالمدينة وبها مروان بن الحكم فأخبره ما قدم له، فأرسل ~~مروان معه ولدين له أحدهما عبد العزيز وقال: إذا بلغته رسل يزيد فتعرضا له ~~وليتمثل أحدكما بهذا القول، فقال: # فخذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها فعال لامرئ متذلل # أعامر إن القوم ساموك خطة ... وذلك في الجيران غزل بمغزل # أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل # فلما بلغه الرسول الرسالة قال عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا ~~بني مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما: # إني لمن نبعة صم مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر # فلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر # وامتنع ابن الزبير من رسل يزيد، فقال الوليد بن عتبة وناس من بني أمية ~~ليزيد: لو شاء عمرو لأخذ ابن الزبير وسرحه إليك. # فعزل عمرو وولي الوليد الحجاز، وأخذ الوليد غلمان عمرو ومواليه فحبسهم، ~~فكلمه عمرو فأبى أن يخليهم، فسار عن المدينة ليلتين وأرسل إلى غلمانه ~~بعدتهم من الإبل، فكسروا الحبس وساروا إليه فلحقوه عند وصوله إلى الشام، ~~فدخل على يزيد وأعلمه ما كان فيه من مكايدة ابن الزبير، فعذره وعلم صدقه. # PageV03P201 # ذكر عدة حوادث # حج بالناس الوليد هذه السنة. # وكان الأمير بالعراق عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سلم بن زياد، وعلى ~~قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. # وفي هذه السنة ms1315 مات علقمة بن قيس النخعي صاحب ابن مسعود، وقيل: سنة ~~اثنتين، وقيل: خمس، وله تسعون سنة. # [الوفيات] # وفيها توفي المنذر بن الجارود العبدي. # وجابر بن عتيك الأنصاري، (وقيل حر) وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وشهد ~~بدرا. # وفيها مات حمزة بن عمرو الأسلمي، وعمره إحدى وسبعون سنة، وقيل ثمانون ~~سنة، له صحبة. # وفيها توفي خالد بن عرفطة الليثي، وقيل العذري، حليف بني زهرة، (وقيل مات ~~سنة ستين، وله صحبة) . # PageV03P202 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستين] ### | 62 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستين # ذكر وفد أهل المدينة إلى الشام # لما ولي الوليد الحجاز أقام يريد غرة ابن الزبير، فلا يجده إلا محترزا ~~ممتنعا، وثار نجدة بن عامر النخعي باليمامة حين قتل الحسين، وثار ابن ~~الزبير بالحجاز، وكان الوليد يفيض من المعرف ويفيض معه سائر الناس، وابن ~~الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقف في أصحابه، ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ~~ونجدة بأصحابه، وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر، حتى ظن أكثر الناس أنه ~~سيبايعه، ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد، فكتب إلى يزيد: إنك ~~بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لرشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت رجلا ~~سهل الخلق رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق. # فعزل يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وهو فتى غر حدث لم ~~يجرب الأمور ولم يحنكه السن، لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، فبعث ~~إلى يزيد وفدا من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وعبد ~~الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجالا ~~كثيرا من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم ~~جوائزهم، فأعطى عبد الله بن حنظلة، وكان شريفا فاضلا عابدا سيدا، مائة ألف ~~درهم، وكان معه ثمانية بنين، فأعطى كل ولد عشرة آلاف. # فلما رجعوا قدموا المدينة كلهم إلا المنذر بن الزبير، فإنه قدم العراق ~~على ابن زياد، وكان يزيد قد أجازه ms1316 بمائة ألف، فلما قدم أولئك النفر الوفد ~~المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس ~~له دين يشرب الخمر، # PageV03P203 # ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الحراب، وهم ~~اللصوص، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. # وقام عبد الله بن حنظلة الغسيل فقال: جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني ~~هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلا لأتقوى به. # فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد وولوه عليهم. # وأما المنذر بن الزبير فإنه قدم على ابن زياد فأكرمه وأحسن إليه، وكان ~~صديق زياد، فأتاه كتاب يزيد حيث بلغه أمر المدينة يأمره بحبس المنذر، فكره ~~ذلك لأنه ضيفه وصديق أبيه، فدعاه وأخبره بالكتاب، فقال له: إذا اجتمع الناس ~~عندي فقم وقل ائذن لي لأنصرف إلى بلادي، فإذا قلت بل أقم عندي فلك الكرامة ~~والمواساة، فقل إن لي ضيعة وشغلا ولا أجد بدا لي من الانصراف، فإني آذن لك ~~في الانصراف فتلحق بأهلك. # فلما اجتمع الناس على ابن زياد فعل المنذر ذلك فأذن له في الانصراف، فقدم ~~المدينة، فكان ممن يحرض الناس على يزيد، وقال: إنه قد أجازني بمائة ألف ولا ~~يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، والله إنه ليسكر ~~حتى يدع الصلاة! وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشد. # فبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصاري وقال له: إن عدد الناس بالمدينة ~~قومك، فإنهم ما يمنعهم شيء عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم ~~يجترئ الناس على (خلافي) . # فأقبل النعمان فأتى قومه فأمرهم بلزوم الطاعة وخوفهم الفتنة، قال لهم: ~~إنكم لا طاقة لكم بأهل الشام. # فقال عبد الله بن مطيع العدوي: يا نعمان ما يحملك على فساد ما أصلح الله ~~من أمرنا وتفريق جماعتنا؟ فقال النعمان: والله لكأني بك لو نزل بك الجموع ~~وقامت لك على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيف ودارت رحا الموت بين ~~الفريقين قد ركبت ms1317 بغلتك إلى مكة وخلفت هؤلاء المساكين، # PageV03P204 # يعني الأنصار، يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم. # فعصاه الناس وانصرف، وكان الأمر كما قال. # ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية ثانية وما افتتحه فيها وقتله # قد ذكرنا عزل عقبة عن إفريقية وعوده إلى الشام، فلما وصل إلى معاوية وعده ~~بإعادته إلى إفريقية، وتوفي معاوية وعقبة في الشام، فاستعمله يزيد على ~~إفريقية في هذه السنة وأرسله إليها، فوصل إلى القيروان مجدا، وقبض أبا ~~المهاجر أميرها وأوثقه في الحديد وترك بالقيروان جندا مع الذراري والأموال ~~واستخلف بها زهير بن قيس البلوي، وأحضر أولاده، فقال له: إني قد بعت نفسي ~~من الله، عز وجل، فلا أزال أجاهد من كفر بالله. وأوصى بما يفعل بعده. # ثم سار في عسكر عظيم حتى دخل مدينة باغاية، وقد اجتمع بها خلق كثير من ~~الروم، فقاتلوه قتالا شديدا وانهزموا عنه وقتل فيهم قتلا ذريعا وغنم منهم ~~غنائم كثيرة، ودخل المنهزمون المدينة وحاصرهم عقبة. # ثم كره المقام عليهم فسار إلى بلاد الزاب، وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن ~~وقرى كثيرة، فقصد مدينتها العظمى واسمها أربة، فامتنع بها من هناك من الروم ~~والنصارى، وهرب بعضهم إلى الجبال، فاقتتل المسلمون ومن بالمدينة من النصارى ~~عدة دفعات ثم انهزم النصارى وقتل كثير من فرسانهم، (ورحل إلى تاهرت) . # فلما بلغ الروم خبره استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم، فاجتمعوا في جمع ~~كثير والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، واشتد الأمر على المسلمين لكثرة العدو، ~~ثم إن الله # PageV03P205 # تعالى نصرهم فانهزمت الروم والبربر وأخذهم السيف وكثر فيهم القتل وغنم ~~المسلمون أموالهم وسلاحهم. # ثم سار حتى نزل على طنجة فلقيه بطريق من الروم اسمه يليان فأهدى له هدية ~~حسنة ونزل على حكمه، ثم سأله عن الأندلس فعظم الأمر عليه، فسأله عن البربر، ~~فقال: هم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله، وهم بالسوس الأدنى، وهم كفار لم ~~يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد. # فسار عقبة إليهم نحو السوس الأدنى، وهي مغرب طنجة، فانتهى إلى أوائل ~~البربر، فلقوه في جمع كثير، فقتل فيهم ms1318 قتلا ذريعا وبعث خيله في كل مكان ~~هربوا إليه، وسار هو حتى وصل إلى السوس الأقصى، وقد اجتمع له البربر في ~~عالم لا يحصى، فلقيهم وقاتلهم وهزمهم، وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا وغنموا ~~منهم وسبوا سبيا كثيرا، وسار حتى بلغ ماليان ورأى البحر المحيط، فقال: يا ~~رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك. # ثم عاد فنفر الروم والبربر عن طريقه خوفا منه، واجتاز بمكان يعرف اليوم ~~بماء الفرس فنزله، ولم يكن به ماء، فلحق الناس عطش كثير أشرفوا [منه] على ~~الهلاك، فصلى عقبة ركعتين ودعا (فبحث فرس له الأرض بيديه فكشف له عن صفاة) ~~فانفجر الماء، فنادى عقبة في الناس فحفروا أحساء كثيرة وشربوا، فسمي ماء ~~الفرس. # فلما وصل إلى مدينة طبنة، وبينها وبين القيروان ثمانية أيام، أمر أصحابه ~~أن يتقدموا فوجا فوجا ثقة منه بما نال من العدو، وأنه لم يبق أحدا يخشاه، ~~وسار إلى تهوذة لينظر إليها في نفر يسير، فلما رآه الروم في قلة طمعوا فيه ~~فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلى الإسلام فلم يقبلوا منه. # PageV03P206 # ذكر خروج كسيلة بن لمزم البربري على عقبة # هذا كسيلة بن لمزم البربري كان قد أسلم لما ولي أبو المهاجر إفريقية وحسن ~~إسلامه، وهو من أكابر البربر وأبعدهم صوتا، وصحب أبا المهاجر، فلما ولي ~~عقبة عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه فلم يقبل واستخف به، وأتى ~~عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلاخين. # فقال كسيلة: هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المئونة. # فشتمه وأمره بسلخها، ففعل، فقبح أبو المهاجر هذا عند عقبة، فلم يرجع، ~~فقال له: أوثق الرجل فإني أخاف عليك منه! فتهاون به عقبة. # فأضمر كسيلة الغدر، فلما كان الآن ورأى الروم قلة من مع عقبة أرسلوا إلى ~~كسيلة وأعلموه حاله، وكان في عسكر عقبة مضمرا للغدر، وقد أعلم الروم ذلك ~~وأطمعهم. # فلما راسلوه أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة، فقال أبو ~~المهاجر: عاجله قبل أن يقوى جمعه. # وكان أبو المهاجر ms1319 موثقا في الحديد مع عقبة. # فزحف عقبة إلى كسيلة، فتنحى كسيلة عن طريقه ليكثر جمعه، فلما رأى أبو ~~المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفي: # كفى حزنا أن تمرغ الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا # إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصارع من دوني تصم المناديا # فبلغ عقبة ذلك فأطلقه، فقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا أغتنم ~~الشهادة. فلم يفعل وقال: وأنا أيضا أريد الشهادة. # فكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم، فقتل ~~المسلمون جميعهم لم يفلت منهم أحد، وأسر محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير، ~~فخلصهم صاحب قفصة وبعث بهم إلى القيروان. # فعزم زهير بن قيس البلوي على القتال، فخالفه حنش الصنعاني وعاد إلى # PageV03P207 # مصر، فتبعه أكثر الناس، فاضطر زهير إلى العود معهم، فسار إلى برقة وأقام ~~بها. # وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية، وقصد إفريقية، وبها أصحاب ~~الأنفال والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة فآمنهم ودخل ~~القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان ~~فاستعمل على إفريقية زهير بن قيس البلوي، وكان مقيما ببرقة مرابطا. # ذكر ولاية زهير بن قيس إفريقية وقتله وقتل كسيلة # لما ولي عبد الملك بن مروان ذكر عنده من بالقيروان من المسلمين وأشار ~~عليه أصحابه (بإنفاذ الجيوش إلى) إفريقية لاستنقاذهم، فكتب إلى زهير بن قيس ~~البلوي بولاية إفريقية وجهز له جيشا كثيرا، فسار سنة تسع وستين إلى ~~إفريقية. # فبلغ خبره إلى كسيلة، فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم وأحضر أشراف أصحابه ~~وقال: قد رأيت أن أرحل إلى ممش فأنزلها فإن بالقيروان خلقا كثيرا من ~~المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم ونخاف إن قاتلنا زهيرا (أن يثب هؤلاء ~~من ورائنا، فإذا نزلنا ممش أمناهم وقاتلنا زهيرا) ، فإن ظفرنا بهم تبعناهم ~~إلى طرابلس وقطعنا أثرهم من إفريقية، وإن ظفروا بنا تعلقنا بالجبال ونجونا. # فأجابوه إلى ذلك، ورحل إلى ممش، وبلغ ذلك زهيرا فلم يدخل القيروان بل ~~أقام ظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح، ورحل في ms1320 طلب كسيلة، فلما قاربه ~~نزل وعبى أصحابه وركب إليه، فالتقى العسكران، واشتد القتال، وكثر القتل في ~~الفريقين، حتى أيس الناس من الحياة، فلم يزالوا كذلك أكثر النهار، ثم نصر ~~الله المسلمين وانهزم كسيلة وأصحابه وقتل هو وجماعة من أعيان أصحابه بممش، ~~وتبع المسلمون البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا، وفي هذه ~~الوقعة ذهب رجال البربر والروم وملوكهم وأشرافهم، وعاد زهير إلى # PageV03P208 # القيروان. # ثم إن زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فأبى أن يقيم وقال: إنما قدمت ~~للجهاد فأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك. # وكان عابدا زاهدا، فترك بالقيروان عسكرا وهم آمنون لخلو البلاد من عدو ~~(أو ذي) شوكة، ورحل في جمع كثير إلى مصر. # وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسير زهير من برقة إلى إفريقية لقتال ~~كسيلة، فاغتنموا خلوها فخرجوا إليها في مراكب كثيرة وقوة قوية من جزيرة ~~صقلية وأغاروا على برقة، فأصابوا منها سبيا كثيرا، وقتلوا ونهبوا، ووافق ~~ذلك قدوم زهير من إفريقية إلى برقة، فأخبر الخبر، فأمر العسكر بالسرعة ~~والجد في قتالهم، ورحل هو ومن معه، وكان الروم خلقا كثيرا، فلما رآه ~~المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع وباشر القتال واشتد الأمر وعظم ~~الخطب وتكاثر الروم عليهم فقتلوا زهيرا وأصحابه ولم ينج منهم أحد، وعاد ~~الروم بما غنموا إلى القسطنطينية. # ولما سمع عبد الملك بن مروان بقتل زهير عظم عليه واشتد ثم سير إلى ~~إفريقية حسان بن النعمان الغساني، وسنذكره سنة أربع وسبعين إن شاء الله. # وكان ينبغي أن نذكر ولاية زهير وقتله سنة تسع وستين، وإنما ذكرناه ها هنا ~~ليتصل خبر كسيلة ومقتله، فإن الحادثة واحدة وإذا تفرقت لم تعلم حقيقتها. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة الوليد بن عتبة. # وفيها ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور. # PageV03P209 # [الوفيات] # وفيها توفي عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ~~الهاشمي، وله صحبة. # ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وكان عمره لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عشر سنين. # وتوفي ms1321 بمصر مسروق بن الأجدع، وقيل توفي سنة ثلاث وستين. # (مخلد بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وفتح اللام وتشديدها) . # PageV03P210 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين] ### | 63 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستين # ذكر وقعة الحرة # كان أول وقعة الحرة ما تقدم من خلع يزيد، فلما كان هذه السنة أخرج أهل ~~المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد وحصروا بني أمية (بعد بيعتهم ~~عبد الله بن حنظلة، فاجتمع بنو أمية) ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل ~~حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به، فقدم الرسول ~~إليه وهو جالس على كرسي وقد وضع قدميه في طشت فيه ماء لنقرس كان بهما، فلما ~~قرأ الكتاب تمثل: # لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان # ثم قال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى والله وأكثر. # قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! فبعث إلى عمرو بن سعيد ~~فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس، فقال: قد كنت ضبطت لك الأمور ~~والبلاد، فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك. # PageV03P211 # وبعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة ابن ~~الزبير بمكة فقال: والله لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول الله وغزو ~~الكعبة. ثم أرسل إليه يعتذر. # فبعث إلى مسلم بن عقبة المري، وهو الذي سمي مسرفا، وهو شيخ كبير مريض، ~~فأخبره الخبر، فقال: أما يكون بنو أمية ألف رجل؟ فقال الرسول: بلى. # قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من النهار! ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا ~~فإنهم الأذلاء، دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم ~~ويتبين لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم. # قال: ويحك! إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج بالناس. # وقيل: إن معاوية قال ليزيد: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم ~~بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته. # فلما خلع أهل المدينة أمر مسلما بالمسير إليهم، فنادى ms1322 في الناس بالتجهز ~~إلى الحجاز وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار، فانتدب لذلك اثنا عشر ~~ألفا، وخرج يزيد يعرضهم وهو متقلد سيفا متنكب قوسا عربية، وهو يقول: # أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى ... وهبط القوم على وادي القرى # أجمع سكران من القوم ترى ... أم جمع يقظان نفى عنه الكرى # يا عجبا من ملحد يا عجبا ... مخادع بالدين يعفو بالعرى # وسار الجيش وعليهم مسلم، فقال له يزيد: إن حدث بك حدث فاستخلف الحصين بن ~~نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثا، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ~~ظهرت عليهم فانهبها ثلاثا، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو ~~للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه ~~واستوص به خيرا، فإنه لم يدخل مع الناس، وإنه قد أتاني كتابه. # وقد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني ~~أمية في أن يغيب أهله عنده، فلم يفعل، فكلم علي بن الحسين، فقال: إن لي ~~حرما # PageV03P212 # وحرمي تكون مع حرمك. # فقال: أفعل، فبعث بامرأته، وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان، وحرمه إلى علي ~~بن الحسين، فخرج علي بحرمه وحرم مروان إلى ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان ~~وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف. # ولما سمع عبد الملك بن مروان أن يزيد قد سير الجنود إلى المدينة قال: ليت ~~السماء وقعت على الأرض، إعظاما لذلك. # ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن وجه الحجاج فحصر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق ~~وقتل ابن الزبير. # وأما مسلم فإنه أقبل بالجيش فبلغ أهل المدينة خبرهم، فاشتد حصارهم لبني ~~أمية بدار مروان، وقالوا: والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو ~~تعطونا عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا ~~تظاهروا علينا عدوا، فنكف عنكم ونخرجكم عنا فعاهدوهم على ذلك فأخرجوهم من ~~المدينة. # وكان أهل المدينة قد جعلوا في كل منهل بينهم وبين الشام زقا من قطران ms1323 ~~وعور، فأرسل الله السماء عليهم فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة. # فلما أخرج أهل المدينة بني أمية ساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة ~~بوادي القرى فدعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له: خبرني ما ~~وراءك وأشر علي، فقال: لا أستطيع، قد أخذ علينا العهود والمواثيق أن لا ندل ~~على عورة ولا نظاهر عدونا. # فانتهره وقال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله (لا ~~أقيلها قرشيا) بعدك! فخرج إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم ~~لابنه عبد الملك: ادخل قبلي لعله يجتزئ بك عني. # فدخل عبد الملك فقال: هات ما عندك. # فقال: نعم، أرى أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى ذي نخلة نزلت، فاستظل ~~الناس في ظله فأكلوا من صقره، فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات ~~اليسار ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا ثم تستقبل القوم، فإذا ~~استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم ويصيبهم ~~أذاها ويرون من ائتلاف بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه ~~أنتم ما داموا مغربين، ثم قاتلهم واستعن الله عليهم. # PageV03P213 # فقال له مسلم: لله أبوك أي امرئ ولد! # ثم إن مروان دخل عليه فقال له: إيه! فقال: أليس قد دخل عليك عبد الملك؟ ~~قال: بلى، وأي رجل عبد الملك! قل ما كلمت من رجال قريش رجلا به شبيها. # فقال مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني. # ثم (إنه صار في كل مكان يصنع) ما أمر به عبد الملك، فجاءهم من قبل ~~المشرق، ثم دعاهم مسلم فقال: إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل، وإني أكره ~~إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثا، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت ~~عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم. # فلما مضت الثلاث قال: يا أهل المدينة ما تصنعون، أتسالمون أم تحاربون؟ # فقالوا: بل نحارب. # فقال لهم: لا تفعلوا بل ادخلوا في الطاعة ونجعل جدنا وشوكتنا على أهل هذا ms1324 ~~الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب، يعني ابن الزبير. ~~فقالوا له: يا أعداء الله لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم، نحن ندعكم ~~أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهله وتلحدوا فيه وتستحلوا حرمته؟ ! لا ~~والله لا نفعل. # وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقا وعليه جمع منهم، وكان عليه عبد الرحمن ~~بن زهير بن عبد عوف، وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وكان عبد الله بن مطيع ~~على ربع آخر، وهم قريش في جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي، وهو من ~~الصحابة، على ربع آخر، وهم المهاجرون، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة ~~الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع، وهم الأنصار. # وصمد مسلم فيمن معه، فأقبل من ناحية الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق ~~الكوفة، وكان مريضا، فأمر فوضع له كرسي بين الصفين وقال يا أهل الشام ~~قاتلوا عن أميركم وادعوا. فأخذوا لا يقصدون ربعا من تلك الأرباع إلا هزموه، ~~ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل عليهم ابن الغسيل فيمن معه فكشفهم، ~~فانتهوا إلى مسلم، فنهض في وجوههم بالرجال وصاح بهم، فقاتلوا قتالا شديدا. # PageV03P214 # ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن ~~الغسيل فقاتل معه في نحو من عشرين فارسا قتالا حسنا، ثم قال لابن الغسيل: ~~من كان معك فارسا فليأتني فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، فوالله لا أنتهي ~~حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه. # ففعل ذلك وجمع الخيل إليه، فحمل بهم الفضل على أهل الشام فانكشفوا، فقال ~~لأصحابه: احملوا أخرى جعلت فداكم، فوالله لئن عاينت أميرهم لأقتلنه أو أقتل ~~دونه. # إنه ليس بعد الصبر إلا النصر! ثم حمل وحمل أصحابه، فانفرجت خيل الشام عن ~~مسلم بن عقبة ومعه نحو خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الأسنة نحو ~~القوم، ومضى الفضل كما هو نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها، فقط المغفر وفلق ~~هامته وخر ميتا، وقال: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! وظن أنه ms1325 مسلم، فقال: ~~قتلت طاغية القوم ورب الكعبة! فقال: أخطأت استك الحفرة! # وإنما كان ذلك غلاما روميا وكان شجاعا، فأخذ مسلم رايته وحرض أهل الشام ~~وقال: شدوا مع هذه الراية. # فمشى برايته وشدت تلك الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما ~~بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد ~~الرحمن بن عوف. # وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، وهو يحرض أصحابه ويذم أهل ~~المدينة، ويقدم الخيل إلى ابن الغسيل وأصحابه، فلم تقدم عليهم للرماح التي ~~بأيدهم والسيوف، وكانت تتفرق عنهم، فنادى مسلم الحصين بن نمير وعبد الله بن ~~عضاه الأشعري وأمرهما أن ينزلا في جندهما، ففعلا وتقدما إليهم، فقال ابن ~~الغسيل لأصحابه: إن عدوكم قد أصاب وجه القتال الذي كان ينبغي أن يقاتلكم ~~به، وإني قد ظننت ألا يلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم ~~وإما عليكم، أما إنكم أهل النصرة ودار الهجرة وما أظن أن ربكم أصبح عن أهل ~~بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب ~~بأسخط منه على هؤلاء الذين يقاتلونكم، وإن لكل امرئ منكم ميتة هو ميت بها ~~لا محالة، ووالله ما من ميتة أفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم ~~فاغتنموها. # PageV03P215 # ثم دنا بعضهم من بعض فأخذ أهل الشام يرمونهم بالنبل، فقال ابن الغسيل ~~لأصحابه: علام تستهدفون لهم! من أراد التعجيل إلى الجنة فليلزم هذه الراية. # فقال إليه كل مستميت فنهض بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رؤي لأهل هذا ~~القتال، وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه واحدا واحدا، حتى قتلوا بين يديه ويضرب ~~بسيفه ويقول: # بعدا لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى # لا يبعد الرحمن إلا من عصى # ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، فقال: ما أحب أن ~~الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم! وقتل معه عبد الله بن زيد بن عاصم ومحمد ~~بن عمرو بن حزم ms1326 الأنصاري. فمر به مروان بن الحكم فقال: رحمك الله! رب سارية ~~قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها. # وانهزم الناس، وكان فيمن انهزم محمد بن سعد بن أبي وقاص بعدما أبلى. # وأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال، فأفزع ~~ذلك من بها من الصحابة. # فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف الجبل، فتبعه رجل من أهل الشام، ~~(فاقتحم عليه الغار، فانتضى أبو سعيد سيفه يخوف به الشامي) ، فلم ينصرف ~~عنه، فعاد أبو سعيد وأغمد سيفه وقال: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك. # فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري. # قال: صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. فتركه ومضى. # وقيل: إن مسلما لما نزل بأهل المدينة (خرج إليه أهلها) بجموع كثيرة وهيئة ~~حسنة، فهابهم أهل الشام وكرهوا أن يقاتلوهم، فلما رآهم مسلم، وكان شديد ~~الوجع، سبهم وذمهم وحرضهم، فقاتلوهم. # PageV03P216 # فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا تكبيرا من خلفهم في جوف المدينة، وكان ~~سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة فانهزم الناس، فكان من أصيب في ~~الخندق أكثر ممن قتل. # ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم ~~وأموالهم وأهليهم من شاء، فمن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد ~~الله بن ربيعة بن الأسود، ولمحمد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان ~~الأشجعي، فأتي بهم بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط. # فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله. فضرب أعناقهما. # فقال مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتيا بأمان؟ فطعن بخاصرته ~~بالقضيب، فقال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما لقتلتك! # وجاء معقل بن سنان فجلس مع القوم فدعا بشراب ليسقى، فقال له مسلم: أي ~~الشراب أحب إليك؟ قال: العسل. # قال: اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أرويت؟ قال: نعم. # قال: والله لا تشرب بعدها شربة إلا في نار جهنم. # فقال: أنشدك الله والرحم! فقال له: أنت الذي ms1327 لقيتني بطبرية ليلة خرجت من ~~عند يزيد فقلت: سرنا شهرا، ورجعنا شهرا، وأصبحنا صفرا، نرجع إلى المدينة ~~فنخلع هذا الفاسق ابن الفاسق ونبايع لرجل من المهاجرين (أو الأنصار فيم ~~غطفان وأشجع من الخلق والخلافة! إنني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر منه ~~على قتلك إلا فعلت) . # ثم أمر به فقتل. # وأتي بيزيد بن وهب، فقال له: بايع. # قال: أبايعك على الكتاب والسنة. # قال: اقتلوه. # قال: أنا أبايعك! قال: لا والله، فتكلم فيه مروان لصهر كان بينهما، (فأمر ~~بمروان فوجئت عنقه) ثم قتل يزيد. # ثم أتى مروان بعلي بن الحسين، (فجاء يمشي بين مروان وابنه عبد الملك) حتى ~~جلس بينهما عنده، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك [من مسلم] ، فشرب منه يسيرا # PageV03P217 # ثم ناوله علي بن الحسين، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من ~~شرابنا! فارتعدت كفه ولم يأمنه على نفسه وأمسك القدح، فقال له: أجئت تمشي ~~بين هؤلاء لتأمن عندي؟ والله لو كان إليهما أمر لقتلتك! ولكن أمير المؤمنين ~~أوصاني بك وأخبرني أنك كاتبته، فإن شئت فاشرب. # فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال له: لعل أهلك فزعوا؟ قال: إي والله. # فأمر بدابة فأسرجت له فحمله عليها فرد ولم يلزمه بالبيعة ليزيد على ما ~~شرط على أهل المدينة. # وأحضر علي بن عبد الله بن عباس ليبايع، فقال الحصين بن نمير السكوني: لا ~~يبايع ابن أختنا إلا كبيعة علي بن الحسين، وكانت أم علي بن عبد الله كندية، ~~فقامت كندة مع الحصين، فتركه مسلم، فقال علي: # أبي العباس قرم بني قصي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه # هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبنو اللكيعه # أرادوني التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيد سريعه # يعني بقوله مسرف: مسلم بن عقبة، فإنه سمي بعد وقعة الحرة مسرفا، وبنو ~~وليعة بطن من كندة، منهم أمه، واللكيعة أم أمه. # وقيل: إن عمرو بن عثمان بن عفان لم يكن فيمن خرج من بني أمية، فأتي به ~~يومئذ إلى مسلم فقال: يا أهل ms1328 الشام تعرفون هذا؟ قالوا: لا. # قال: هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هيه يا عمرو إذا ظهر أهل ~~المدينة قلت أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين ~~عثمان. # فأمر به فنتفت لحيته، (ثم قال: يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل ~~في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي؟ وفي فمها ما شاها ~~وباها، وكانت من دوس) ثم خلى سبيله. # PageV03P218 # وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. # قال محمد بن عمارة: قدمت الشام في تجارة فقال لي رجل: من أين أنت؟ فقلت: ~~من المدينة. # فقال: خبيثة. # فقلت: يسميها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طيبة وتسميها خبيثة! ~~فقال: إن لي ولها لشأنا، لما خرج الناس إلى وقعة الحرة رأيت في المنام أني ~~قتلت رجلا اسمه محمد أدخل بقتله النار، فاجتهدت في أني لا أسير معهم فلم ~~يقبل مني، فسرت معهم ولم أقاتل حتى انقضت الوقعة، فمررت برجل في القتلى به ~~رمق فقال: تنح يا كلب! فأنفت من كلامه وقتلته، ثم ذكرت رؤياي فجئت برجل من ~~أهل المدينة يتصفح القتلى، فلما رأى الرجل الذي قتلته قال: إنا لله، لا ~~يدخل قاتل هذا الجنة. # قلت: ومن هذا؟ قال: هو محمد بن عمرو بن حزم ولد على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فسماه محمدا وكناه أبا عبد الملك، فأتيت أهله فعرضت عليهم ~~أن يقتلونني فلم يفعلوا، وعرضت عليهم الدية فلم يأخذوا. # وممن قتل بالحرة عبد الله (بن عاصم الأنصاري، وليس بصاحب الأذان، ذاك) ~~ابن زيد بن ثعلبة. # وقتل أيضا فيها عبيد الله (بن عبد الله بن موهب. # ووهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود. # وعبد الله بن الرحمن بن حاطب. # وزبير بن عبد الرحمن بن عوف. # وعبد الله) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة توفي الربيع بن خثيم الكوفي الزاهد. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن ms1329 الزبير، وكان يسمى يومئذ العائذ، ويرون # PageV03P219 # الأمر شورى، وأتاه الخبر بوقعة الحرة هلال المحرم مع [سعيد مولى] المسور ~~بن مخرمة، (فجاءه أمر عظيم، فاستعد هو وأصحابه وعرفوا) أن مسلما نازل بهم. # PageV03P220 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين] ### | 64 - # ثم دخلت سنة أربع وستين # ذكر مسير مسلم لحصار ابن الزبير وموته # فلما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها، شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن ~~الزبير ومن معه، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، وقيل: استخلف ~~عمرو بن مخرمة الأشجعي، فلما انتهى إلى المشلل نزل به الموت، وقيل: مات ~~بثنية هرشى، فلما حضره الموت أحضر الحصين بن النمير وقال: يا بن برذعة ~~الحمار! لو كان الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك. # خذ عني أربعا: اسرع السير، وعجل المناجزة، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشيا ~~من أذنك. # ثم قال: اللهم إني لم أعمل قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله عملا أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجى عندي في الآخرة. # فلما مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع ~~وستين وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير واجتمعوا عليه، ولحق ~~به المنهزمون من أهل المدينة، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في الناس من ~~الخوارج يمنعون البيت، وخرج ابن الزبير إلى لقاء أهل الشام ومعه أخوه ~~المنذر، فبارز المنذر رجلا من أهل الشام، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة ~~مات منها، ثم حمل أهل الشام عليهم حملة انكشف منها أصحاب عبد الله، وعثرت ~~بغلة عبد الله فقال: تعسا! ثم # PageV03P221 # نزل فصاح بأصحابه، فأقبل إليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن ~~عوف فقاتلا حتى قتلا جميعا، وضاربهم ابن الزبير إلى الليل ثم انصرفوا عنه. # هذا في الحصر الأول، ثم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله حتى ~~إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين رموا البيت بالمجانيق ~~وحرقوه بالنار وأخذوا ms1330 يرتجزون ويقولون: # خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد # وقيل: إن الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبد الله حول الكعبة ~~وأقبلت شررة هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت، والأول ~~أصح، (لأن البخاري قد ذكر في صحيحه أن ابن الزبير ترك الكعبة ليراها الناس ~~محترقة يحرضهم على أهل الشام) . # وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ~~ربيع الآخر. # ذكر وفاة يزيد بن معاوية # وفي هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت ~~من شهر ربيع الأول، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة (في قول بعضهم، وقيل: تسع ~~وثلاثين، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر) ، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ~~توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وكانت ~~خلافته سنتين وثمانية أشهر، والأول أصح. # وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية. # PageV03P222 # وكان له من الولد معاوية، وكنيته أبو عبد الرحمن وأبو ليلى، وهو الذي ولي ~~بعده، وخالد ويكنى أبا هاشم، ويقال إنه أصاب عمل الكيميا، ولا يصح ذلك ~~لأحد، وأبو سفيان، وأمهم أم هاشم بنت [أبي هاشم بن] عتبة بن ربيعة، تزوجها ~~بعده مروان بن الحكم، وله أيضا عبد الله بن يزيد، كان أرمى العرب، وأمه أم ~~كلثوم بنت عبد الله بن عامر، (وهو الأسوار، وعبد الله الأصغر وعمر) وأبو ~~بكر وعتبة وحرب وعبد الرحمن ومحمد لأمهات شتى. # ذكر بعض سيرته وأخباره # قال محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي: نظر معاوية ومعه امرأته ابنة قرظة ~~إلى يزيد وأمه ترجله، فلما فرغت منه قبلته، فقالت ابنة قرظة: لعن الله سواد ~~ساقي أمك! فقال معاوية: أما والله لما تفرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه ~~وركاك! وكان لمعاوية من ابنة قرظة عبد الله، وكان أحمق، فقالت: لا والله ~~ولكنك تؤثر هذا. فقال: سوف أبين لك ذلك، فأمر فدعي له عبد الله، فلما حضر ~~قال: أي بني إني أردت أن أعطيك ما أنت ms1331 أهله ولست بسائل شيئا إلا أجبتك ~~إليه. فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا. فقال: أي بني، أنت حمار ~~وأشتري لك حمارا! قم فاخرج. # ثم أحضر يزيد وقال له مثل قوله لأخيه، فخر ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: ~~الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن ~~تعتقني من النار لأن من ولي أمر الأمة ثلاثة أيام أعتقه الله من النار، ~~فتعقد لي العهد بعدك، وتوليني العام الصائفة، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، ~~وتوليني الموسم، وتزيد لأهل الشام كل رجل عشرة دنانير، (وتفرض لأيتام بني ~~جمح وبني سهم وبني عدي لأنهم حلفائي) . # فقال معاوية: قد فعلت، وقبل وجهه. # فقال لامرأته ابنة قرظة: كيف رأيت؟ قالت: أوصه به يا أمير المؤمنين. ~~ففعل. # PageV03P223 # وقال عمر بن سبينة: حج يزيد في حياة أبيه، فلما بلغ المدينة جلس على شراب ~~له، فاستأذن عليه ابن عباس والحسين، فقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح ~~الشراب (عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب) مع الطيب ~~فقال: لله در طيبك ما أطيبه! فما هذا؟ قال: هو طيب يصنع بالشام، ثم دعا ~~بقدح فشربه، ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبد الله. # فقال له الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني، فقال يزيد: # ألا يا صاح للعجب ... دعوتك ولم تجب # إلى الفتيات والشهوات ... والصهباء والطرب # باطية مكلله ... عليها سادة العرب # وفيهن التي تبلت ... فؤادك ثم لم تثب # فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت. # وقال شفيق بن سلمة: لما قتل الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس ~~إلى بيعته، فامتنع وظن يزيد أن امتناعه تمسك منه ببيعته، فكتب إليه: أما ~~بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا ~~وفاء منك لنا، فجزاك الله من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين ~~بعهودهم، فما أنس من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل، ms1332 ~~فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله ~~فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع منهم للمحل. # فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد جاءني كتابك، فأما تركي بيعة ابن الزبير ~~فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك، ولكن الله بالذي أنوي عليم، وزعمت أنك ~~لست بناس بري، فاحبس أيها الإنسان برك عني فإني حابس عنك بري، وسألت أن ~~أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير، فلا ولا سرور ولا كرامة، كيف ~~وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم ~~خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، (مقتولين ~~بالظماء، لا مكفنين ولا # PageV03P224 # موسدين) ، تسفي عليهم الرياح، وينشى بهم عرج البطاح، حتى أتاح الله بقوم ~~لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم، وبي وبهم لو عززت وجلست مجلسك الذي ~~جلست، فما أنس من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى حرم الله، وتسييرك الخيول إليه، فما زلت بذلك حتى ~~أشخصته إلى العراق، فخرج خائفا يترقب، فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ~~ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فطلب إليكم الموادعة ~~وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم ~~قتلتم أهل بيت من الشرك والكفر، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ~~ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري ولا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم ~~فلنظفرن بك يوما، والسلام. # (قال الشريف أبو يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر العلوي، وقد جرى عنده ~~ذكر يزيد: أنا لا أكفر يزيد لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني ~~سألت الله أن لا يسلط على بني أحدا من غيرهم، فأعطاني ذلك) . # ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير # في هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بالخلافة بالشام، ولعبد الله بن ~~الزبير بالحجاز، ولما هلك يزيد بلغ الخبر عبد الله بن الزبير بمكة قبل ms1333 أن ~~يعلم الحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام، وكان الحصار قد اشتد من ~~الشاميين على ابن الزبير، فناداهم ابن الزبير وأهل مكة: علام تقاتلون وقد ~~هلك طاغيتكم؟ فلم يصدقوهم. # فلما بلغ الحصين خبر موته بعث إلى ابن الزبير فقال: موعد ما بيننا الليلة ~~الأبطح، فالتقيا وتحادثا، فراث فرس الحصين، فجاء حمام الحرم يلتقط روث ~~الفرس، فكف الحصين فرسه عنهن وقال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم. # فقال ابن الزبير: تتحرجون من هذا وأنتم تقتلون المسلمين في الحرم؟ فكان ~~فيما قال له الحصين: أنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك ثم اخرج معنا إلى ~~الشام، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف ~~عليك اثنان وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل ~~الحرم. # فقال له: أنا لا أهدر الدماء، والله لا # PageV03P225 # أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة منكم. # وأخذ الحصين يكلمه سرا، وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل. # فقال له الحصين: قبح الله من يعدك بعد (داهيا وأريبا) قد كنت أظن أن لك ~~رأيا، وأنا أكلمك سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى الخلافة (وأنت لا تريد إلا) ~~القتل والهلكة. # ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة، وندم ابن الزبير على ما صنع، ~~فأرسل إليه: أما المسير إلى الشام فلا أفعله ولكن بايعوا لي هناك فإني ~~مؤمنكم وعادل فيكم. # فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر، فإن هناك ناسا من بني أمية ~~يطلبون هذا الأمر. # وسار الحصين إلى المدينة، فاجترأ أهل المدينة على أهل الشام، فكان لا ~~ينفرد منهم أحد إلا أخذت دابته، فلم يتفرقوا، وخرج معهم بنو أمية من ~~المدينة إلى الشام، ولو خرج معهم ابن الزبير لم يختلف عليه أحد. # فوصل أهل الشام دمشق وقد بويع معاوية بن يزيد، فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر ~~حتى هلك، وقيل: بل ملك أربعين يوما ومات. # وعمره إحدى وعشرون سنة وثمانية عشر يوما. # ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع ms1334 الناس، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر ~~بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل [ستة] الشورى فلم ~~أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم. # ثم دخل منزله وتغيب حتى مات. # وقيل: إنه مات مسموما، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم أصابه ~~الطاعون من يومه فمات أيضا، وقيل: لم يمت، وكان معاوية أوصى أن يصلي الضحاك ~~بن قيس بالناس حتى يقوم لهم خليفة، وقيل لمعاوية: لو استخلفت؟ فقال: لا ~~أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها. # PageV03P226 # ذكر حال ابن زياد بعد موت يزيد # لما مات يزيد وأتى الخبر عبيد الله بن زياد مع مولاه حمران، وكان رسوله ~~إلى معاوية بن أبي سفيان، ثم إلى يزيد بعده، فلما أتاه الخبر أسره إليه ~~وأخبره باختلاف الناس في الشام، فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ~~وصعد المنبر فنعى يزيد (وثلبه، فقال الأحنف: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا ~~بيعة، ويقال في المثل: أعرض عن ذي فنن، وأعرض عنه عبيد الله) ، وقال: يا ~~أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم، ومولدي فيكم، ولقد وليتكم وما ~~يحصي ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة ألف، وما كان ~~يحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة وأربعين ألفا، وما ~~تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن يزيد قد توفي وقد اختلف ~~الناس بالشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضهم فناء وأغناهم عن الناس ~~وأوسعهم بلادا، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول ~~راض من رضيتموه، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه لدينكم وجماعتكم دخلتم ~~فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم، ~~فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة ولا يستغني الناس عنكم. # فقام خطباء أهل البصرة وقالوا: قد سمعنا مقالتك وما نعلم أحدا أقوى عليها ~~منك، فهلم فلنبايعك. # فقال: لا حاجة لي في ms1335 ذلك. # فكرروا عليه فأبى عليهم ثلاثا، ثم بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا ~~أيديهم بالحيطان وقالوا: أيظن ابن مرجانة أننا ننقاد له في الجماعة ~~والفرقة! # فلما بايعوه أرسل إلى أهل الكوفة مع عمرو بن مسمع وسعد بن القرحاء ~~التميمي يعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة ويدعوهم إلى البيعة له، فلما ~~وصلا إلى الكوفة، # PageV03P227 # وكان خليفته عليها عمرو بن حريث، جمع الناس وقام الرسولان فخطبا أهل ~~الكوفة وذكرا لهم ذلك، فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني، وهو ابن ~~رويم، فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سمية! أنحن نبايعه؟ لا ولا ~~كرامة! وحصبهما أول الناس ثم حصبهما الناس بعده، فشرفت تلك الفعلة يزيد بن ~~رويم في الكوفة ورفعته. # ورجع الرسولان إلى البصرة فأعلماه الحال، فقال أهل البصرة: أيخلعه أهل ~~الكوفة ونوليه نحن! فضعف سلطانه عندهم، فكان يأمر بالأمر فلا يقضى، ويرى ~~الرأي فيرد عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه. # ثم جاء إلى البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلي التميمي فوقف في السوق وبيده ~~لواء وقال: أيها الناس هلموا إلي، إني أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد، ~~أدعوكم إلى العائذ بالحرم، يعني عبد الله بن الزبير. # فاجتمع إليه ناس وجعلوا يصفقون على يديه يبايعونه. # فبلغ الخبر ابن زياد، فجمع الناس فخطبهم وذكر لهم أمره معهم وأنه دعاهم ~~إلى من يرتضونه، فبايعه منهم أهل البصرة وأنهم أبوا غيره، وقال: إني بلغني ~~أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ~~ينفذ ويرد علي رأيي ويحال بين أعواني وبين طلبتي، ثم إن هذا سلمة بن ذؤيب ~~يدعو إلى الخلاف عليكم ليفرق جماعتكم ويضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف. # فقال الأحنف والناس: نحن نأتيك بسلمة، فأتوه بسلمة فإذا جمعه قد كثف ~~والفتق قد اتسع، فلما رأوا ذلك قعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه. # فدعا عبيد الله رؤساء محاربة السلطان وأرادهم ليقاتلوا معه، قالوا: إن ~~أمرنا فؤادنا فعلنا. # فقال له إخوته: ما من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت رجعت ms1336 إليه فأمدك، ولعل ~~الحرب تكون عليك (وقد اتخذنا بين هؤلاء القوم أموالا) فإن ظفروا بنا ~~أهلكونا وأهلكوها فلم تبق لك بقية. # فلما رأى ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهباء الجهضمي الأزدي فأحضره، ~~وقال له: يا حارث إن أبي أوصاني أني إن احتجت إلى الهرب يوما أن أختاركم. # فقال الحارث: إن قومي قد اختبروا أباك، فلم يجدوا عنده مكانا، ولا عندك ~~مكافأة، ولا أردك # PageV03P228 # إذا اخترتنا، وما أدري كيف أماني لك، إن أخرجتك نهارا أخاف أن تقتل ~~وأقتل، ولكني أقيم معك إلى الليل ثم أردفك خلفي لئلا تعرف. # فقال عبيد الله: نعم ما رأيت. # فأقام عنده فلما كان الليل حمله خلفه. # وكان في بيت المال تسعة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد بعضها في مواليه ~~وادخر الباقي فبقي لآل زياد. # وسار الحارث بعبيد الله بن زياد، فكان يمر به على الناس وهم يتحارسون ~~مخافة الحرورية، وعبيد الله يسأله: أين نحن؟ والحارث يخبره، فلما كانوا في ~~بني سليم قال: أين نحن؟ قال: في بني سليم. # قال: سلمنا إن شاء الله. # فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية. قال: نجونا إن شاء ~~الله. # فقال بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس، وكان يعرف رجل منهم عبيد ~~الله، فقال ابن مرجانة! وأرسل سهما فوقع في عمامته. # ومضى به الحارث فأنزله في دار نفسه في الجهاضم، فقال له ابن زياد: يا ~~حارث إنك أحسنت فاصنع ما أشير به عليك، قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في ~~قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره فهي ~~في وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل فرق عليك أمر قومك. # فأخذه الحارث فدخلا على مسعود، ولم يشعر وهو جالس يصلح خفا له، فلما ~~رآهما عرفهما فقال الحارث: أعوذ بالله من شر طرقتني به! قال: ما طرقتك إلا ~~بخير، (قد علمت أن قومك أنجوا زيادا ووفوا له فصارت مكرمة يفتخرون بها على ~~العرب) ، وقد بايعتم عبيد ms1337 الله بيعة الرضى عن مشورة وبيعة أخرى قبل هذه، ~~يعني بيعة الجماعة. # قال مسعود: أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا في عبيد الله ولم نجد من أبيه ~~مكافأة ولا شكرا فيما صنعنا معه؟ قال الحارث: إنه لا يعاديك أحد على الوفاء ~~على بيعتك حتى تبلغه مأمنه، أفتخرجه من بيتك بعدما دخله عليك؟ # وأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو، ثم ركب مسعود من ليلته ~~ومعه الحارث وجماعة من قومه فطافوا في الأزد فقالوا: إن ابن زياد فقد وإنا ~~لا نأمن أن # PageV03P229 # تلحظوا به. فأصبحوا في السلاح. وفقد الناس ابن زياد فقالوا: ما هو إلا في ~~الأرض. # وقيل إن الحارث لم يكلم مسعودا بل أمر عبيد الله فحمل معه مائة ألف وأتى ~~بها أم بسطام امرأة مسعود، (وهي بنت عمرو بن الحارث، ومعه عبيد الله ~~فاستأذن عليها فأذنت له فقال لها: قد أتيتك بأمر تسودين به نساء العرب ~~وتتعجلين به الغنى. # وأخبرها الخبر، وأمرها أن تدخل ابن زياد البيت وتلبسه ثوبا من ثياب ~~مسعود، ففعلت، ولما جاء مسعود أخذ برأسها يضربها، فخرج عبيد الله والحارث ~~عليه وقال له: قد أجارتني وهذا ثوبك علي وطعامك في بطني. # وشهد الحارث وتلطفوا به حتى رضي، فلم يزل ابن زياد في بيته حتى قتل مسعود ~~فسار إلى الشام. # ولما فقد ابن زياد بقي أهل البصرة في غير أمير فاختلفوا فيمن يؤمرون ~~عليهم ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السلمي وبالنعمان بن سفيان الراسبي الحرمي ~~ليختارا من يرضيان لهم، وكان رأي قيس في بني أمية، ورأي النعمان في بني ~~هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من فلان، لرجل من بني ~~أمية، وقيل: بل ذكر له عبد الله بن الأسود الزهري، وكان هوى قيس فيه، وإنما ~~قال النعمان ذلك خديعة ومكرا بقيس، فقال قيس: قد قلدتك أمري ورضيت من رضيت، ~~ثم خرجا إلى الناس، فقال قيس: قد رضيت من رضي النعمان. # ذكر ولاية عبد الله بن الحارث البصرة # لما اتفق قيس والنعمان ورضي ms1338 قيس بمن يؤمره النعمان أشهد عليه النعمان ~~بذلك وأخذ على قيس وعلى الناس العهود بالرضى، ثم أتى عبد الله بن الأسود ~~وأخذ بيده واشترط عليه (حتى ظن الناس أنه بايعه ثم تركه وأخذ بيد عبد الله ~~بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب بببة واشترط عليه) مثل ~~ذلك، ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحق أهل ~~بيته وقرابته وقال: أيها الناس ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم وأمه هند ~~بنت أبي سفيان قد كان الأمر فيهم، فهو ابن أختكم، ثم أخذ بيده وقال: رضيت ~~لكم به، فنادوه: قد رضينا، وبايعوه وأقبلوا به إلى دار الإمارة حتى نزلها، ~~وذلك أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين. # وقال الفرزدق في بيعته: # PageV03P230 # وبايعت أقواما وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته غير نادم # ذكر هرب ابن زياد إلى الشام # ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذي كان بينهم وبين الجماعة، وأنفق ابن ~~زياد مالا كثيرا فيهم حتى تم الحلف وكتبوا بذلك بينهم كتابين، فكان أحدهما ~~عند مسعود بن عمرو. فلما سمع الأحنف أن الأزد طلبت إلى ربيعة ذلك، قال: لا ~~يزالون لهم أتباعا إذا أتوهم. # فلما تحالفوا اتفقوا على أن يردوا ابن زياد إلى دار الإمارة، فساروا، ~~ورئيسهم مسعود بن عمرو، وقالوا لابن زياد: سر معنا، فلم يفعل وأرسل معه ~~مواليه على الخيل وقال لهم: لا تتحدثوا بخير ولا بشر إلا أتيتموني به، فجعل ~~مسعود لا يأتي سكة ولا يتجاوز قبيلة إلا أتى بعض أولئك الغلمان ابن زياد ~~بالخبر، وسارت ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا سكة المربد، وجاء مسعود ~~فدخل المسجد فصعد المنبر وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إن ~~مسعودا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم ~~أو ركبت في بني تميم عليهم. # فقال: أبعدهم الله، لا والله لا أفسدن نفسي في إصلاحهم! وجعل رجل من ~~أصحاب مسعود يقول: # لأنكحن ببه جارية في قبه ... تمشط رأس ms1339 لعبه # هذا قول الأزد، وأما قول مضر فيقولون: إن أمه كانت ترقصه وتقول هذا. # وصعد مسعود المنبر وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني ~~العدوية فحرق دورهم لما في نفسه لاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة. وجاء بنو # PageV03P231 # تميم إلى الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ~~ساروا إلى الرحبة فدخلوها. # فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم. # فقالوا: قد دخلوا الدار. # فقال: لستم بأحق بالدار منهم. # فأتته امرأة بمجمر وقالت له: ما لك وللرياسة، إنما أنت امرأة تتجمر! ~~فقال: است المرأة أحق بالمجمر، فما سمع منه كلمة أسوأ منها، ثم أتوه ~~فقالوا: إن امرأة منا قد سلبت خلخالها، وقد قتلوا الصباغ الذي على طريقك ~~وقتلوا المقعد الذي على باب المسجد، وقد دخل مالك بن مسمع سكة بني العدوية ~~فحرق. # فقال الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي دون هذا ما يحل قتالهم. # فشهدوا عنده على ذلك. # فقال الأحنف: أجاء عباد بن الحصين؟ قالوا: لا، وهو عباد بن الحصين بن ~~يزيد بن عمرو بن أوس من بني عمرو بن تميم، ثم قال: أجاء عباد؟ قالوا: لا. # قال: أهاهنا عبس بن طلق بن ربيعة الصريمي من بني سعد بن زيد مناة بن ~~تميم؟ قالوا: نعم، فدعاه فانتزع معجرا في رأسه فعقده في رمح ثم دفعه إليه ~~وقال: سر، فلما ولى قال: اللهم لا تخزها اليوم فإنك لم تخزها فيما مضى، ~~وصاح الناس: هاجت زبراء! وهي أمة للأحنف كنوا بها عنه. # فسار عبس إلى المسجد، فلما سار عبس جاء عباد فقال: ما صنع الناس؟ فقيل: ~~سار بهم عبس. # فقال: لا أسير تحت لواء عبس، وعاد إلى بيته ومعه ستون فارسا. # فلما وصل عبس إلى المسجد قاتل الأزد على أبوابه، ومسعود على المنبر يحضض ~~الناس، فقاتل غطفان بن أنيف التميمي وهو يقول: # يال تميم إنها مذكوره ... إن فات مسعود بها مشهوره # فاستمسكوا بجانب المقصوره # PageV03P232 # أي لا يهرب [فيفوت] . # وأتوا مسعودا وهو على المنبر فاستنزلوه فقتلوه، وذلك أول شوال ms1340 سنة أربع ~~وستين، وانهزم أصحابه، وهرب أشيم بن شقيق بن ثور فطعنه أحدهم فنجا بها، ~~فقال الفرزدق: # لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا ... وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد # إذا لصاحب مسعودا وصاحبه ... وقد تهافتت الأعفاج والكبد # ولما صعد مسعود المنبر أتى ابن زياد فقيل له ذلك، فتهيأ ليجيء إلى دار ~~الإمارة، فأتوه وقالوا له: إنه قتل مسعود، فركب ولحق بالشام. # فأما مالك بن مسمع فأتاه من مضر فحصروه في داره وحرقوا داره. # ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم فنهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول واقد ~~بن خليفة التميمي: # يا رب جبار شديد كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه # منهم عبيد الله يوم نسلبه ... جياده وبزه وننهبه # يوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زياد هربه # وقد قيل في قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما تقدم، هو أنه لما استجار ابن ~~زياد بمسعود بن عمرو أجاره، ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه مسعود ~~مائة من الأزد حتى قدموا به إلى الشام، فبينما هو يسير ذات ليلة قال: قد ~~ثقل علي ركوب الإبل فوطئوا لي على ذي حافر، فجعلوا له قطيفة على حمار، ~~فركبه ثم سار وسكت طويلا. # قال مسافر بن شريح اليشكري: فقلت في نفسي: لئن كان نائما لأنغصن عليه ~~نومه، فدنوت منه فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا، كنت أحدث نفسي. # قلت: أفلا # PageV03P233 # أحدثك بما كنت تحدث به نفسك؟ قال: هات. # قلت: كنت تقول: ليتني لم أقتل حسينا. # قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت. # قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن بنيت البيضاء. # قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدهاقين. # قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنت. # قال: أما قتلي الحسين فإنه أشار إلي يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله، ~~وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي وأرسل إلي يزيد ~~بألف ألف فأنفقها عليها، فإن بقيت فلأهلي، وإن هلكت لم آس عليها، وأما ~~استعمال الدهاقين ms1341 فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة (وزاذان فروخ وقعا في عند ~~معاوية [حتى ذكروا قشور الأرز] فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف، فخيرني ~~معاوية بين العزل والضمان، فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت العربي كسر ~~الخراج، فإن أغرمت عشيرته أو طالبته أوغرت صدورهم، وإن تركته تركت مال الله ~~وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأهون ~~بالمطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا، وأما قولك ~~في السخاء فما كان لي مال فأجود به عليكم، ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت ~~به بعضكم دون بعض فيقولون ما أسخاه. # وأما قولك ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو ~~أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدثت به ~~نفسي، قلت: ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فإنهم بايعوني طائعين، ولقد حرصت ~~على ذلك، ولكن بني زياد قالوا: إن قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحدا، ~~وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فوقعت بهم، فكنت أقول: ليتني ~~أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، وأما إذ فاتت هاتان فليتني أقدم الشام ولم ~~يبرموا أمرا. # قال: فقدم الشام ولم يبرموا أمرا، [فكأنما] كانوا معه صبيانا، وقيل: بل ~~قدم وقد أبرموا فنقض عليهم ما أبرموا. # فلما سار من البصرة استخلف مسعودا عليها، فقال بنو تميم وقيس: لا نرضى ~~به، # PageV03P234 # ولا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا. # فقال مسعود: قد استخلفني ولا أدع ذلك أبدا. # وخرج حتى انتهى إلى القصر ودخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا له: # إن الأزد قد دخلوا المسجد. # قال: إنما هو لهم ولكم. # قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر، وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا ~~نهر الأساورة حين خرج عبيد الله إلى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم ~~أن هذا الرجل الذي قد دخل القصر هو لنا ولكم عدو فما يمنعكم عنه! فجاءت ~~عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فرماه علج ~~يقال ms1342 له مسلم من أهل فارس، دخل البصرة فأسلم (ثم دخل في الخوارج، فأصاب ~~قلبه) فقتله، فقال الناس: قتله الخوارج، فخرجت الأزد إلى تلك الخوارج ~~فقتلوا منهم وجرحوا فطردوهم عن البصرة. # ثم قيل للأزد: إن تميما قتلوا مسعودا، فأرسلوا يسألون، فإذا ناس من تميم ~~تقوله، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود بن عمرو ~~ومعهم مالك بن مسمع في ربيعة، وجاءت تميم إلا الأحنف يقولون: قد خرج القوم، ~~وهو يتمكث لا يخف للفتنة، فجاءته امرأة بمجمر فقالت: اجلس على هذا، أي إنما ~~أنت امرأة. # فخرج الأحنف في بني تميم ومعهم من بالبصرة من قيس فالتقوا، فقتل بينهم ~~قتلى كثيرة، فقال لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ~~ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن لكم علينا ~~بينة، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه، وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف ~~بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتلا، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي ~~صاحبكم بمائة ألف درهم. # وأتاهم الأحنف واعتذر إليهم مما قيل، وسفر بينهم عمر بن عبيد الله بن ~~معمر وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فطلبوا عشر ديات، فأجابهم إلى ذلك ~~واصطلحوا عليه. # وأما عبد الله بن الحارث ببة فإنه أقام يصلي بهم حتى قدم عليهم عمر بن ~~عبيد الله بن معمر أميرا من قبل ابن الزبير. # وقيل: بل كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو ~~متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى ~~بهم حتى قدم عمر، فبقي عمر أميرا شهرا حتى قدم # PageV03P235 # الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي بعزله ووليها الحارث، وهو ~~القباع. # وقيل: اعتزل عبد الله بن الحارث ببة أهل البصرة بعد قتل مسعود بسبب ~~العصبية وانتشار الخوارج، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابن الزبير ~~إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوما وكان عبد الله ~~بن ms1343 الحارث يقول: ما أحب أن أصلح الناس بفساد نفسي، وكان يتدين. # وفي أيامه سار نافع بن الأزرق إلى الأهواز من البصرة. # وأما أهل الكوفة فإنهم لما ردوا رسل ابن زياد، على ما ذكرناه قبل، عزلوا ~~خليفته عليهم، وهو عمرو بن حريث، واجتمع الناس وقالوا: نؤمر علينا رجلا إلى ~~أن يجتمع الناس على خليفة، فاجتمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء همدان ~~يبكين الحسين، ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال محمد بن ~~الأشعث: جاء أمر غير ما كنا فيه. # وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد لأنهم أخواله، فاجتمعوا على عامر بن ~~مسعود بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة الجمحي، فخطب أهل الكوفة فقال: إن ~~لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها، وعليكم بما يحل ويحمد، واكسروا ~~شرابكم بالماء، وتواروا عني بهذه الجدران، فقال ابن همام: # اشرب شرابك وانعم غير محسود واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود إن الأمير له ~~في الخمر مأربة فاشرب هنيئا مريئا غير مرصود من ذا يحرم ماء المزن خالطه في ~~قعر خابية ماء العناقيد إني لأكره تشديد الرواة لنا فيها ويعجبني قول ابن ~~مسعود ولما بايعه أهل الكوفة وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير أقره عليها، وكان ~~يلقب # PageV03P236 # دحروجة الجعل، وكان قصيرا، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية، ثم ~~قدم عليهم عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد ~~بن طلحة على الخراج من عند ابن الزبير، واستعمل محمد بن الأشعب بن قيس على ~~الموصل، فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة والبصرة، ومن بالقبلة من العرب وأهل ~~الجزيرة وأهل الشام إلا أهل الأردن في إمارة عمر بن عبيد الله بن معمر. # وكان طاعون الجارف بالبصرة، فماتت أمه فما وجد لها من يحملها حتى ~~استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها. # ذكر خلاف أهل الري # في هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الري، وكان عليهم الفرخان الرازي، ~~فوجه إليهم عامر بن مسعود، وهو أمير الكوفة، محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب ~~بن ms1344 زرارة بن عدس التميمي، فلقيه أهل الري، فانهزم محمد، فبعث إليهم عامر ~~عتاب بن ورقاء الرياحي التميمي، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الفرخان وانهزم ~~المشركون، وكان هذا محمد بن عمير مع علي بصفين على تميم الكوفة، ثم عاش بعد ~~ذلك، فلما ولي الحجاج الكوفة فارقها وسار إلى الشام لكراهته ولاية الحجاج. # ذكر بيعة مروان بن الحكم # في هذه السنة بويع مروان بن الحكم بالشام. # وكان السبب فيها أن ابن الزبير لما بويع له بالخلافة ولى عبيدة بن الزبير ~~المدينة، وعبد الرحمن بن جحدم الفهري مصر، وأخرج بني أمية ومروان بن الحكم ~~إلى الشام، وعبد الملك بن مروان يومئذ ابن ثمان وعشرين سنة، فلما قدم ~~الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن ~~الزبير، وقال له ولبني أمية: نراكم في اختلاط فأقيموا أميركم قبل أن يدخل ~~عليكم شأمكم فتكون فتنة عمياء صماء. وكان # PageV03P237 # من رأي مروان أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فقدم ابن زياد من ~~العراق، وبلغه ما يريد مروان أن يفعل، فقال له: قد استحييت لك من ذلك، أنت ~~كبير قريش وسيدها تمضي إلى أبي خبيب فتبايعه، يعني ابن الزبير، لأنه كان ~~يكنى بابنه خبيب! فقال: ما فات شيء بعد، فقام معه بنو أمية ومواليهم وتجمع ~~إليه أهل اليمن فسار إلى دمشق وهو يقول: ما فات شيء بعد، فقدم دمشق والضحاك ~~بن قيس قد بايعه أهلها على أن يصلي بهم ويقيم له أمرهم حتى يجتمع الناس، ~~وهو يدعو إلى ابن الزبير سرا. # وكان زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لابن الزبير، والنعمان بن بشير ~~بحمص يبايع له أيضا، وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملا ~~لمعاوية ولابنه يزيد وهو يريد بني أمية، فسار إلى الأردن واستخلف على ~~فلسطين روح بن زنباع الجذامي، فثار ناتل بن قيس بروح فأخرجه من فلسطين ~~وبايع لابن الزبير. # وكان حسان في الأردن يدعو إلى بني أمية، فقال لأهل الأردن: ما شهادتكم ~~على ابن الزبير وقتلى الحرة؟ ms1345 قال: نشهد أنه منافق وأن قتلى الحرة في النار. # قال: فما شهادتكم على يزيد وقتلاكم بالحرة؟ قالوا: نشهد أنه على الحق وأن ~~قتلانا في الجنة. # قال: فأنا أشهد لئن كان يزيد وشيعته على حق إنهم اليوم على حق، ولئن كان ~~ابن الزبير وشيعته على باطل إنهم اليوم عليه. # قالوا له: صدقت، نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك وأطاع ابن الزبير على ~~أن تجنبنا هذين الغلامين، يعنون ابني يزيد عبد الله وخالدا، فإنا نكره أن ~~يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي. # وكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق بني أمية وحسن بلائهم عنده ويذم ~~ابن الزبير وأنه خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس، وكتب كتابا ~~آخر وسلمه إلى الرسول، واسمه باغضة، وقال له: إن قرأ كتابي على الناس وإلا ~~فاقرأ هذا الكتاب عليهم. # وكتب حسان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقدم باغضة فدفع كتاب ~~الضحاك إليه وكتاب بني أمية إليهم، فلما كانت الجمعة صعد الضحاك المنبر، ~~فقال له باغضة ليقرأ كتاب حسان على الناس. # فقال له الضحاك: اجلس، فقام # PageV03P238 # إليه الثانية والثالثة وهو يقول له: اجلس، فأخرج باغضة الكتاب وقرأه على ~~الناس، فقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: صدق حسان وكذب ابن الزبير، ~~وشتمه. # وقيل: كان الوليد قد مات بعد موت معاوية بن يزيد وقام يزيد بن أبي الغمس ~~الغساني وسفيان بن الأبرد الكلبي فصدقا حسان وشتما ابن الزبير، وقام عمرو ~~بن يزيد الحكمي فشتم حسان وأثنى على ابن الزبير، فأمر الضحاك بالوليد ويزيد ~~بن أبي الغمس فحبسوا، وجال الناس ووثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه ~~ومزقوا ثيابه، وقام خالد بن يزيد فصعد مرقاتين من المنبر وسكن الناس، ونزل ~~الضحاك فصلى الجمعة ودخل القصر. # فجاءت كلب فأخرجوا سفيان، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد، وجاء خالد بن يزيد ~~وأخوه عبد الله معهما أخوالهما من كلب فأخرجوا الوليد بن عتبة، وكان أهل ~~الشام يسمون ذلك اليوم يوم جيرون الأول. # ثم خرج الضحاك إلى المسجد فجلس فيه ms1346 وذكر يزيد بن معاوية فسبه، فقام إليه ~~شاب من كلب فضربه بعصا، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا، قيس تدعو إلى ~~ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد لأنه ~~ابن أختهم. # ودخل الضحاك دار الإمارة ولم يخرج من الغد إلى صلاة الفجر، وبعث إلى بني ~~أمية فاعتذر إليهم وأنه لا يريد ما يكرهون، وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان ~~ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية ويسيرون هم من دمشق فيجتمعون معه ~~بالجابية ويبايعون لرجل من بني أمية، فرضوا وكتبوا إلى حسان، وسار الضحاك ~~وبنو أمية نحو الجابية، فأتاه ثور بن معن السلمي فقال: دعوتنا إلى ابن ~~الزبير فبايعناك على ذلك وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن ~~أخته خالد بن يزيد! قال الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تظهر ما كنا نكتم ~~وتدعو إلى ابن الزبير. # فرجع الضحاك ومن معه من الناس فنزل بمرج راهط ودمشق بيده، واجتمع بنو ~~أمية وحسان وغيرهم بالجابية، فكان حسان يصلي بهم أربعين يوما والناس ~~يتشاورون، وكان مالك بن هبيرة السكوني يهوى خالد بن يزيد، (والحصين بن نمير ~~يميل إلى مروان، فقال مالك للحصين: هل نبايع هذا الغلام الذي نحن ولدنا ~~أباه وقد عرفت منزلتنا) # PageV03P239 # من أبيه فإنه يحملنا على رقاب العرب غدا؟ يعني خالدا. # فقال الحصين: لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبي. # فقال مالك: والله لئن استخلفت مروان ليحسدك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة ~~تستظل بها، إن مروان أبو عشيرة وأخو عشيرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ~~ولكن عليكم بابن أختكم، فقال الحصين: إني رأيت في المنام قنديلا معلقا من ~~السماء وأن من يلي الخلافة يتناوله فلم ينله أحد إلا مروان، والله ~~لنستخلفنه. # وقام روح بن زنباع الجذامي فقال: أيها الناس إنكم تذكرون عبد الله بن عمر ~~وصحبته وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكنه ضعيف، وليس بصاحب أمة محمد ~~الضعيف، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون أنه ابن حواري رسول الله ms1347 - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنه ابن ذات النطاقين، ولكنه منافق قد خلع خليفتين يزيد ~~وابنه معاوية وسفك الدماء وشق عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمة محمد، ~~وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع إلا كان ممن يشعبه، وهو ~~الذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ~~ويستشيروا الصغير، يعني بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد. # فاجتمع رأيهم على البيعة لمروان بن الحكم، ثم لخالد بن يزيد، ثم لعمرو بن ~~سعيد بن العاص من بعد خالد، على أن إمرة دمشق لعمرو وإمرة حمص لخالد بن ~~يزيد. # فدعا حسان خالدا فقال: يا بن أختي؛ إن الناس قد أبوك لحداثة سنك وإني ~~والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك وما أبايع مروان إلا نظرا لكم. # فقال خالد: بل عجزت عنا. # قال: والله ما عجزت عنكم ولكن الرأي لك ما رأيت. # ثم بايعوا مروان لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين، وقال مروان حين ~~بويع له: # لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... يسرت غسان لهم وكلبا # والسكسكيين رجالا غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربا # PageV03P240 # والقين تمشي في الحديد نكبا # ومن تنوخ مشمخرا صعبا ... لا يأخذون الملك إلا غصبا # فإن دنت قيس فقل لا قربا # (خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، ~~وآخره باء موحدة) . # ذكر وقعة مرج راهط وقتل الضحاك والنعمان بن بشير # ثم إن مروان لما بايعه الناس سار من الجابية إلى مرج راهط، وبه الضحاك بن ~~قيس ومعه ألف فارس، وكان قد استمد الضحاك النعمان بن بشير وهو على حمص ~~فأمده بشرحبيل بن ذي الكلاع، واستمد أيضا زفر بن الحارث وهو على قنسرين ~~فأمده بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، فاجتمعوا عنده، واجتمع على ~~مروان كلب وغسان والسكاسك والسكون، وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد وعلى ~~مسيرته عبيد الله بن يزيد، وكان يزيد بن أبي الغمس الغساني مختفيا بدمشق لم ~~يشهد الجابية، فغلب على دمشق وأخرج عامل الضحاك ms1348 بن قيس وغلب على الخزائن ~~وبيت المال وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح على ~~بني أمية. # وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل ~~الضحاك، قتله دحية بن عبد الله، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام، ~~وقتل أهل الشام مقتلة عظيمة، وقتلت قيس مقتلة لم يقتل مثلها في موطن قط، ~~وكان فيمن قتل هانئ بن قبيصة النميري سيد قومه، كان مع الضحاك، قتله وازع ~~بن ذؤالة الكلبي، (فلما سقط جريحا قال: # تعست ابن ذات النوف أجهز على ... فتى يرى الموت خيرا من فرار وألزما # ولا تتركني بالحشاشة إنني ... صبور إذا [ما] النكس مثلك أحجما # فعاد إليه وازع فقتله) . # PageV03P241 # وكانت الوقعة في المحرم سنة خمس وستين، وقيل: بل كانت في آخر سنة أربع ~~وستين. # ولما رأى مروان رأس الضحاك ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي ~~وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها بعضا! ولما انهزم الناس ~~من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، ~~فلما بلغه الخبر خرج هاربا ليلا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية وثقله ~~وأولاده، فتحير ليلته كلها، وأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان طلبه عمرو بن الجلي ~~الكلاعي، فقتله ورد أهله والرأس معه، وجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة ~~وولدها معها. # ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا ~~وعليها عياض الحرشي، وكان يزيد ولاه إياها، فطلب منه أن يدخل الحمام، ويحلف ~~له بالطلاق والعتاق على أنه حينما يخرج من الحمام لا يقيم بها، فأذن له، ~~فدخلها فغلب عليها وتحصن بها ولم يدخل حمامها، فاجتمعت إليه قيس. # وهرب ناتل بن قيس الجذامي عن فلسطين فلحق بابن الزبير بمكة، واستعمل ~~مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله ~~عليها. # وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بني أمية وهم بتدمر، ومروان ~~يريد أن يسير إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان ms1349 لبني أمية، فرده عن ~~ذلك وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، ووافقه عمرو بن سعيد ~~وأشار على مروان بأن يتزوج أم خالد بن يزيد ليسقط من أعين الناس فتزوجها، ~~وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة، ثم جمع بني أمية فبايعوه وبايعه أهل ~~تدمر، وسار إلى الضحاك في جمع عظيم، فخرج الضحاك إليه فتقاتلا فانهزم ~~الضحاك ومن معه وقتل الضحاك. # PageV03P242 # وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسيا، واجتمعت عليه قيس، وصحبه في هزيمته إلى ~~قرقيسيا شابان من بني سليم، فجاءت خيل مروان تطلبهم، فقال الشابان لزفر: ~~انج بنفسك فإنا نحن نقتل، فمضى زفر وتركهما فقتلا، (وقال زفر في ذلك: # أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا # أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمي أو قاطع من لسانيا # ففي العيس منجاة وفي الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المثانيا # فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا # فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... له ورق من تحته الشر باديا # ونمضي ولا يبقى على الأرض دمنة ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا # لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسان صدعا بينا متنائيا # فلم تر مني نبوة قبل هذه فراري ... وتركي صاحبي ورائيا # عشية أدعو في القران فلا أرى ... من الناس إلا من علي ولا ليا # أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا # فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا # ألا ليت شعري. هل تصيبن غارتي ... تنوخا وحيي طيئ من شفائيا # PageV03P243 # فأجابه جواس بن القعطل: # لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفر مرا من الداء باقيا # مقيما ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا # تبكي على قتلى سليم وعامر ... وذبيان معذورا وتبكي البواكيا # دعا بالسلاح ثم أحجم إذ رأى ... سيوف جناب والطوال المذاكيا # عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا شرعوا نحو الطعان العواليا # وقال عمرو بن الجلي الكلبي: # بكى زفر القيسي من هلك قومه ... بعبرة عين ما يجف سجومها ms1350 # يبكي على قتلى أصيبت براهط ... تجاوبه هام القفار وبومها # أبحنا حمى للحي قيس براهط ... وولت شلالا واستبيح حريمها # يبكيهم حران تجري دموعه ... يرجي نزارا أن تئوب حلومها # فمت كمدا أو عش ذليلا مهضما ... بحسرة نفس لا تنام همومها # في أبيات. # (يزيد بن أبي الغمس بالسين المهملة، وقيل بالشين المعجمة، وكان قد ارتد # PageV03P244 # عن الإسلام ودخل الروم مع جبلة بن الأيهم ثم عاود الإسلام وشهد صفين مع ~~معاوية وعاش إلى أيام عبد الملك بن مروان. # وناتل: بالنون، والتاء المعجمة من فوق باثنتين) . # ذكر فتح مروان مصر # فلما قتل الضحاك وأصحابه واستقر الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها وعليها ~~عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، ~~وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه حتى دخل مصر، فقيل لابن جحدم ذلك، فرجع ~~وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق. # فلما دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعبا في جيش، فأرسل ~~إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشام، فقتله، فانهزم مصعب وأصحابه، ~~وكان مصعب شجاعا. # ثم عاد مروان إلى دمشق واستقر بها. # وقد كان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد اشترطا على مروان شروطا لهما ~~ولخالد بن يزيد، فلما توطن ملكه قال ذات يوم ومالك عنده: إن قوما يدعون ~~شروطا، منهم عطارة مكحلة، يعني مالكا وكان يتطيب ويتكحل، فقال مالك: هذا ~~ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطبيين. # فقال مروان: مهلا يا أبا سليمان، إنما داعبناك! فقال: هو ذاك. # ذكر بيعة أهل خراسان سلم بن زياد وأمر عبد الله بن خازم # ولما بلغ سلم بن زياد، وهو بخراسان، موت يزيد كتم (ذلك، فقال ابن عرادة: # يا أيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم # قتلى بحرة والذين بكابل ... ويزيد أعلن شأنه المكتوم # أبني أمية إن آخر ملككم ... جسد بحوارين ثم مقيم # طرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم # PageV03P245 # ومرنة تبكي على نشوانه ... بالصبح تقعد مرة وتقوم # فلما أظهر شعره أظهر سلم ms1351 موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد ودعا ~~الناس إلى البيعة على الرضى حتى يستقيم أمر الناس على خليفة، فبايعوه ثم ~~نكثوا به بعد شهرين، وكان محسنا إليهم محبوبا فيهم، فلما خلع عنهم استخلف ~~عليهم المهلب بن أبي صفرة، ولما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد، أحد بني ~~قيس بن ثعلبة بن ربيعة، فقال له: ضاقت عليك نزار حتى خلفت على خراسان رجلا ~~من اليمن؟ يعني المهلب، وكان أزديا والأزد من اليمن، فولاه مرو الروذ ~~والفارياب والطالقان والجوزجان، وولى أوس بن ثعلبة بن زفر، وهو صاحب قصر ~~أوس بالبصرة، هراة، فلما وصل إلى نيسابور لقيه عبد الله بن خازم فقال: من ~~وليت خراسان؟ فأخبره، فقال: أما وجدت في المصر من تستعمله حتى فرقت خراسان ~~بين بكر بن وائل واليمن؟ اكتب لي عهدا على خراسان. # فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم. # وسار ابن خازم إلى مرو، وبلغ خبره المهلب فأقبل واستخلف رجلا من بني جشم ~~بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فلما وصلها ابن خازم منعه الجشمي وجرت بينهما ~~مناوشة، فأصابت الجشمي رمية بحجر في جبهته، وتحاجزوا، ودخلها ابن خازم، ~~ومات الجشمي بعد ذلك بيومين. # ثم سار ابن خازم إلى سليمان بن مرثد بمرو الروذ فقاتله أياما فقتل ~~سليمان، ثم سار إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان فاقتتلوا طويلا فقتل عمرو ~~بن مرثد وانهزم أصحابه فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع ابن خازم إلى مرو ~~وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة وانضم إليها من كان بكور ~~خراسان من بكر وكثر جمعهم وقالوا لأوس بن ثعلبة: نبايعك على أن تسير إلى ~~ابن خازم وتخرج مضر من خراسان، فأبى عليهم، فقال له بنو صهيب، وهم موالي ~~بني جحدم: لا نرضى أن نكون نحن ومضر في بلد واحد وقد قتلوا سليمان وعمرا ~~ابني مرثد، فإما أن تبايعنا على هذا وإلا بايعنا غيرك. # فأجابهم، فبايعوه، فسار إليهم ابن خازم فنزل على واد بينه وبين # PageV03P246 # هراة، فأشار البكريون بالخروج ms1352 من هراة وعمل خندق، فقال أوس: بل نلزم ~~المدينة فإنها حصينة ونطاول ابن خازم ليضجر ويعطينا ما نريد. # فأبوا عليه، فخرجوا وخندقوا خندقا، وقاتلهم ابن خازم نحو سنة، وقال له ~~هلال الضبي: إنما تقاتل إخوتك وبني أبيك، فإن نلت منهم الذي تريد فما في ~~العيش خير، فلو أعطيتهم شيئا يرضون به وأصلحت هذا الأمر. # قال: والله لو خرجنا لهم من خراسان ما رضوا. # قال هلال: والله لا أقاتل معك أنا ولا رجل أو تطيعني حتى تعتذر إليهم. # قال: فأنت رسولي إليهم فأرضهم. # فأتى هلال أوس بن ثعلبة فناشده الله والقرابة في نزار وأن يحفظ ولاءها. # فقال: هل لقيت بني صهيب؟ قال: لا. # قال: فالقهم. # قال: فخرج فلقي جماعة من رؤساء أصحابه فأخبرهم ما أتى له. # فقالوا له: هل لقيت بني صهيب؟ فقال: لقد عظم أمر بني صهيب عندكم، فأتاهم، ~~فقالوا: لولا أنك رسول لقتلناك. # قال: فهل يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدة من اثنتين: إما أن تخرجوا من خراسان، ~~وإما أن تقيموا وتخرجوا لنا عن كل سلاح وكراع وذهب وفضة. # فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عنك؟ فأخبره. # فقال: إن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ بعث نبيه من مضر. # وأقام ابن خازم يقاتلهم، فقال يوما لأصحابه: قد طال مقامنا، وناداهم: يا ~~معشر ربيعة أرضيتم من خراسان بخندقكم! فأحفظهم ذلك، فتنادوا للقتال، فنهاهم ~~أوس بن ثعلبة عن الخروج بجماعتهم وأن يقاتلوا كما كانوا يقاتلون، فعصوه. # فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب، وإذا لقيتم ~~الخيل فاطعنوها في مناخرها. # فاقتتلوا ساعة وانهزمت بكر بن وائل حتى انتهوا إلى خندقهم وتفرقوا يمينا ~~وشمالا وسقط الناس في الخندق وقتلوا قتلا ذريعا وهرب أوس بن ثعلبة إلى ~~سجستان فمات بها أو قريبا منها، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف، وغلب ابن ~~خازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، ~~وجعل بكير بن وساج الثقفي على شرطته ورجع ابن خازم إلى مرو. # وأغارت الترك على قصر اسغاد، وابن ms1353 خازم على هراة، وكان فيه ناس من الأزد، ~~فحصروهم، فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجه إليهم زهير بن حيان في بني تميم وقال ~~له: إياك ومناوأة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم. # فوافاهم في يوم بارد، فلما التقوا حمل # PageV03P247 # عليهم، فانهزمت الترك واتبعوهم حتى مضى عامة الليل، فرجع زهير وقد يبست ~~يده على رمحه من البرد، فجعلوا يسخنون الشحم فيضعه على يده ودهنوه وأوقدوا ~~له نارا فانتفخت يده، ثم رجع إلى هراة، (فقال في ذلك ثابت قطنة: # فدت نفسي فوارس من تميم ... على ما كان من ضنك المقام # بقصر الباهلي وقد أراني ... أحامي حين قل به المحامي # بسيفي بعد كسر الرمح فيهم ... أذودهم بذي شطب حسام # أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام # فلولا الله ليس له شريك ... وضربي قونس الملك الهمام # إذا فاظت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام # ذكر أم التوابين # قيل: لما قتل الحسين ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل الكوفة تلاقت ~~الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أن قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين ~~وتركهم نصرته وإجابته حتى قتل إلى جانبهم، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم ~~عليهم إلا قتل من قتله أو القتل فيهم، فاجتمعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من ~~رؤساء الشيعة: إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة وإلى المسيب بن ~~نجبة الفزاري، وكان من أصحاب علي، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، ~~وإلى عبد الله بن وال التيمي، تيم بكر بن وائل، وإلى رفاعة بن شداد البجلي، ~~وكانوا من خيار أصحاب علي، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فبدأهم ~~المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله: # أما بعد فإنا ابتلينا بطول العمر والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا ~~أن لا يجعلنا ممن يقول له غدا: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: ~~37] ، فإن أمير المؤمنين # PageV03P248 # عليا قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل ~~إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا ms1354 الله كاذبين في كل وطن ~~من مواطن ابن بنت نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ~~ورسله وأعذر إلينا فسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية فبخلنا عنه بأنفسنا حتى ~~قتل إلى جانبنا لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ولا قويناه ~~بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء ~~نبينا وقد قتل فينا ولد حبيبه وذريته ونسله؟ لا والله لا عذر دون أن تقتلوا ~~قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ~~ذلك، (ولا أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن) . # أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه ~~وراية تحفون بها. # وقام رفاعة بن شداد وقال: أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول وبدأت ~~بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، ~~فمسموع منك مستجاب إلى قولك، وقلت: ولوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفون ~~برايته وقد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا، ~~وفينا منتصحا، وفي جماعتنا محبوبا، وإن رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا ~~الأمر شيخ الشيعة وصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذا السابقة ~~والقدم سليمان بن صرد الخزاعي، المحمود في بأسه ودينه، الموثوق بحزمه. # PageV03P249 # وتكلم عبد الله بن سعد بنحو ذلك وأثنيا على المسيب وسليمان. # فقال المسيب: قد أصبتم فولوا أمركم سليمان بن صرد. # فتكلم سليمان فقال بعد حمد الله: أما بعد فإني لخائف ألا يكون آخرنا إلى ~~هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولي ~~الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل بيت ~~نبينا - صلى الله عليه وسلم - نمنيهم النصر ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ~~ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة ~~من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطى، اتخذه الفاسقون غرضا ~~للنبل ودريئة للرماح حتى أقصدوه، ms1355 وعدوا عليه، (فسلبوه ألا) انهضوا، فقد سخط ~~عليكم ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه ~~راضيا دون أن تناجزوا من قتله، ألا لا تهابوا الموت فما هابه أحد قط إلا ~~ذل، وكونوا كبني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: {إنكم ظلمتم أنفسكم فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ففعلوا وجثوا على الركب ومدوا الأعناق ~~حين علموا أنهم لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا القتل، فكيف بكم لو دعيتم إلى ~~ما دعوا! أحدوا السيوف وركبوا الأسنة {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل} [الأنفال: 60] # PageV03P250 # حتى تدعوا وتستنفروا. # فقال خالد بن سعد بن نفيل: أما أنا فوالله لو أعلم أنه ينجيني من ذنبي ~~ويرضي ربي عني قتلي نفسي لقتلتها، وأنا أشهد كل من حضر أن كل ما أصبحت ~~أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال ~~الفاسقين. # قال أبو المعتمر بن حنش بن ربيعة الكناني مثل ذلك. # فقال سليمان: حسبكم، من أراد من هذا شيئا فليأت به عبد الله بن وال ~~التيمي، فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة ~~من أشياعكم. # وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ~~ويدعوه إلى مساعدتهم ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد بن حذيفة الكتاب ~~على من بالمدائن من الشيعة، فأجابوا إلى ذلك، فكتبوا إلى سليمان بن صرد ~~يعلمونه أنهم على الحركة إليه والمساعدة له. # وكتب سليمان أيضا كتابا إلى المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة مثل ما كتب ~~إلى سعد بن حذيفة، فأجابه المثنى: إننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما ~~عزمتم عليه ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت. وكتب في أسفل الكتاب: # تبصر كأني قد أتيتك معلما ... على أتلع الهادي أجش هزيم # طويل القرا نهد الشواة مقلص ... ملح على فأس اللجام أزوم # بكل فتى لا يملأ الروع قلبه ... محش لنار الحرب غير سئوم # أخي ثقة، ينوي الإله بسعيه ... ضروب ms1356 بنصل السيف غير أثيم # فكان أول ما ابتدءوا به أمرهم بعد قتل الحسين سنة إحدى وستين، فما زالوا ~~بجمع # PageV03P251 # آلة الحرب ودعاء الناس في السر إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم النفر، ~~ولم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، فلما مات ~~يزيد جاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد هلك هذا الطاغية والأمر ضعيف، فإن ~~شئت وثبنا على عمرو بن حريث، وكان خليفة ابن زياد على الكوفة، ثم أظهرنا ~~الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر ~~عليهم المدفوعين عن حقهم. # فقال سليمان بن صرد: لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما ذكرتم فرأيت أن قتلة ~~الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما ~~تريدون كانوا أشد الناس عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا ~~لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوهم، ولكن بثوا دعاتكم ~~وادعوا إلى أمركم. # ففعلوا واستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد. # ثم إن أهل الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير، وسليمان ~~وأصحابه يدعون الناس. # فلما مضت ستة أشهر بعد هلاك يزيد قدم المختار بن أبي عبيد الكوفة في ~~النصف من رمضان وقدم (عبد الله بن يزيد الأنصاري أميرا على الكوفة من قبل ~~ابن الزبير لثمان بقين من رمضان) ، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على ~~خراج الكوفة. # فأخذ المختار يدعو الناس إلى قتال قتلة الحسين ويقول: جئتكم من عند ~~المهدي محمد ابن الحنفية وزيرا أمينا. # فرجع إليه طائفة من الشيعة، وكان يقول: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل ~~نفسه ومن معه وليس له بصر بالحرب. # وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد بالخروج عليه بالكوفة في هذه الأيام، وقيل ~~له ليحبسه، وخوف عاقبة أمره إن تركه. # فقال عبد الله: إن هم قاتلونا قاتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم. # إن هؤلاء القوم يطلبون بدم الحسين بن علي، فرحم الله هؤلاء القوم، إنهم ~~آمنون، فليخرجوا ظاهرين وليسيروا إلى من قاتل ms1357 الحسين، فقد أقبل إليهم، يعني ~~ابن زياد، وأنا لهم ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل أخياركم وأماثلكم ~~قد توجه إليكم، وقد فارقوه # PageV03P252 # على ليلة من جسر منبج، فقتاله والاستعداد إليه أولى من أن تجعلوا بأسكم ~~بينكم فيقتل بعضكم بعضا، فيلقاكم عدوكم وقد ضعفتم، وتلك أمنيته، وقد قدم ~~عليكم أعدى خلق الله لكم، من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل ~~أهل العفاف والدين، (هو الذي قتلكم) ، ومن قبله أتيتم، والذي قتل من تنادون ~~بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم، ~~إني لكم ناصح. # وكان مروان قد سير ابن زياد إلى الجزيرة، ثم إذا فرغ منها سار إلى ~~العراق. # فلما فرغ عبد الله بن يزيد من قوله قال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها ~~الناس لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن، والله لئن خرج علينا ~~خارج لنقتلنه، ولئن استيقنا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد ~~بولده والمولود بوالده والحميم بالحميم والعريف بما في عرافته حتى يدينوا ~~للحق ويذلوا للطاعة. # فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال: يا ابن الناكثين! أنت ~~تهددنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذل من ذلك! إنا لا نلومك على بغضنا وقد ~~قتلنا أباك وجدك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا سديدا. # فقال إبراهيم: والله لتقتلن وقد أدهن هذا، يعني عبد الله بن يزيد. # فقال له عبد الله بن وال: ما اعتراضك فيما بيننا وبين أميرنا؟ ما أنت ~~علينا بأمير إنما أنت أمير هذه الجزية، فأقبل على خراجك، ولئن أفسدت أمر ~~هذه الأمة فقد أفسده والداك وكانت عليهما دائرة السوء! فشتمهم جماعة ممن مع ~~إبراهيم فشاتموه، فنزل الأمير من على المنبر، وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ~~ابن الزبير يشكوه، فجاءه عبد الله في منزله واعتذر إليه فقبل عذره. # ثم إن أصحاب سليمان خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين ويتجهزون. # PageV03P253 # ذكر فراق الخوارج عبد الله بن الزبير وما كان منهم # وفي هذه السنة فارق الخوارج الذين كانوا ms1358 قدموا مكة عبد الله بن الزبير، ~~وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام. # وكان سبب قدومهم عليه أنهم لما اشتد عليهم ابن زياد بعد قتل أبي بلال ~~اجتمعوا فتذاكروا ذلك، فقال لهم نافع بن الأزرق: إن الله قد أنزل عليكم ~~الكتاب، وفرض عليكم الجهاد، واحتج عليكم بالبيان، وقد جرد أهل الظلم فيكم ~~السيوف فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار بمكة فإن كان على رأينا جاهدنا ~~معه، وإن يكن على غير رأينا دافعناه عن البيت. وكان عسكر الشام قد سار نحو ~~ابن الزبير. فسار الخوارج حتى قدموا على ابن الزبير، فسر بمقدمهم وأخبرهم ~~أنه على مثل رأيهم من غير تفتيش. # فقاتلوا معه أهل الشام حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام. # ثم إنهم اجتمعوا وقالوا: إن الذي صنعتم أمس لغير رأي، تقاتلون مع رجل لا ~~تدرون لعله ليس على مثل رأيكم، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه وينادي: يا ~~ثارات عثمان! فأتوه واسألوه عن عثمان فإن برئ منه كان وليكم، وإن أبى كان ~~عدوكم. # فأتوه فسألوه، فنظر فإذا أصحابه حوله قليل، فقال: إنكم أتيتموني حين أردت ~~القيام، ولكن روحوا إلي العشية حتى أعلمكم. # فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فجمعهم حوله بالسلاح، وجاءت الخوارج وأصحابه ~~حوله وعلى رأسه وبأيديهم العمد، فقال ابن الأزرق لأصحابه: إن الرجل قد أزمع ~~خلافكم، فتقدم إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال فقال عبيدة بعد حمد ~~الله: # أما بعد فإن الله بعث محمدا يدعو إلى عبادته وإخلاص الدين له، فدعا إلى ~~ذلك فأجابه المسلمون، فعمل فيهم بكتاب الله حتى قبضه الله واستخلف الناس ~~أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عمل بكتاب الله وسنة نبيه، ثم إن ~~الناس استخلفوا عثمان، فحمى الأحماء، وآثر القربى، واستعمل الفتى ورفع ~~الدرة ووضع السوط ومزق الكتاب وضرب منكر الجور، وآوى طريد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وضرب السابقين بالفضل وحرمهم، وأخذ فيء الله الذي أفاء ~~عليهم فقسمه في فساق # PageV03P254 # قريش ومجان العرب، فسارت إليه طائفة فقتلوه، فنحن لهم أولياء ومن ms1359 ابن ~~عفان وأوليائه برآء، فما تقول أنت يا ابن الزبير؟ فقال: قد فهمت الذي ذكرت ~~به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو فوق ما ذكرت وفوق ما وصفت، وفهمت ما ~~ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وفقت وأصبت، وفهمت الذي ذكرت به عثمان، وإني لا ~~أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت معه حيث ~~نقم [القوم] عليه واستعتبوه فلم يدع شيئا إلا أعتبهم، ثم رجعوا إليه بكتاب ~~له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته فإن شئتم فهاتوا ~~بينتكم فإن لم تكن حلفت لكم، فوالله ما جاءوه ببينة ولا استحلفوه ووثبوا ~~عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عتبته به، فليس كذلك بل هو لكل خير أهل، وأنا ~~أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو أعدائه فبرئ الله منكم. # وتفرق القوم فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي وعبد الله بن الصفار السعدي ~~وعبد الله بن إباض وحنظلة بن بيهس وبنو الماحوز: عبد الله وعبيد الله ~~والزبير من بني سليط بن يربوع، وكلهم من تميم، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو ~~طالوت، من بني بكر بن وائل، وأبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس بن ثعلبة، ~~وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة، فوثبوا بها مع أبي طالوت، ثم أجمعوا ~~بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي وتركوا أبا طالوت. # فأما نافع وأصحابه فإنهم قدموا البصرة وهم على رأي أبي بلال، واجتمعوا ~~وتذاكروا فضيلة الجهاد، فخرج نافع على ثلاثمائة، وذلك عند وثوب الناس بابن ~~زياد وكسر الخوارج باب السجن، وخرجوا واشتغل الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة ~~وتميم، فلما خرج نافع تبعوه، واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث، ~~فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين، ~~وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه ذلك، ~~منهم: عبد الله بن الصفار، وعبد الله بن إباض، ورجال معهما على رأيهما، ~~ونظر نافع فرأى أن ولاية من ms1360 تخلف عن الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لا ~~تحل له، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة ~~منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، # PageV03P255 # ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم، ولا يحل ميراثهم، ورأى قتل ~~الأطفال والاستعراض، وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب، لا يقبل منهم ~~إلا الإسلام أو القتل. # فأجابه إلى ذلك بعضهم وفارقه بعضهم، وممن فارقه نجدة بن عامر، وسار إلى ~~اليمامة، فأطاعه الخوارج الذين بها وتركوا أبا طالوت، فكتب نافع إلى ابن ~~إباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك، فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم ~~يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فأخذه ابن إباض فقرأه، فقال: ~~قاتله الله أي رأي رأى! صدق نافع، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا ~~وكانت سيرته كسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المشركين، ولكنه قد كذب ~~فيما يقول، إن القوم برآء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل ~~لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك فهو حرام علينا. # فقال له ابن الصفار: برئ الله منك فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد ~~غلا. # فقال الآخر: برئ الله منك ومنه. # فتفرق القوم واشتدت شوكة ابن الأزرق وكثرت جموعه وأقام بالأهواز يجبي ~~الخراج ويتقوى به، ثم أقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد ~~الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة من أهل البصرة. # (عبيس بالعين المهملة المضمومة، والباء الموحدة، والياء المعجمة المثناة ~~من تحت، وبالسين المهملة. وعبيدة بن بلال بضم العين المهملة، والباء ~~الموحدة) . # ذكر قدوم المختار الكوفة # كانت الشيعة تسب المختار وتعيبه لما كان منه في أمر الحسن بن علي حين طعن ~~في ساباط وحمل إلى أبيض المدائن، حتى [إذا] كان زمن الحسين، بعث الحسين ~~مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وكان المختار في قرية له تدعى لفغا، فجاءه خبر ~~ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر، ولم يكن خروجه عن ms1361 ميعاد كما سبق، فأقبل ~~المختار في مواليه فانتهى إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أقعد عبيد الله بن ~~زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فوقف المختار لا يدري ما يصنع، فبلغ ~~خبره عمرا فاستدعاه وآمنه، فحضر عنده. # PageV03P256 # فلما كان الغد ذكر عمارة بن الوليد بن عقبة أمره لعبيد الله، فأحضره فيمن ~~دخل وقال له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل؟ قال: لم أفعل ولكني ~~أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو، فضرب وجه المختار فشتر عينه ~~وقال: لولا شهادة عمرو لقتلتك! ثم حبسه حتى قتل الحسين. # ثم إن المختار بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يسأله أن يشفع فيه، ~~وكان ابن عمر تزوج أخت المختار صفية بنت أبي عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد ~~يشفع فيه، فأرسل يزيد إلى زياد يأمره بإطلاقه، فأطلقه وأمره أن لا يقيم غير ~~ثلاث. # فخرج المختار إلى الحجاز، فلقيه ابن العرق وراء واقصة فسلم عليه وسأله عن ~~عينه، فقال: خبطها ابن الزانية بالقضيب فصارت كما ترى، ثم قال: قتلني الله ~~إن لم أقطع أنامله وأعضاءه إربا إربا! ثم سأله المختار عن ابن الزبير: ~~فقال: إنه عائذ بالبيت وإنه يبايع سرا ولو اشتدت شوكته وكثرت رجاله لظهر. # فقال المختار: إنه رجل العرب اليوم وإن اتبع رأيي أكفه أمر الناس. # إن الفتنة أرعدت وأبرقت وكأن قد انبعثت، فإذا سمعت بمكان قد ظهرت به [فقل ~~إن المختار] في عصابة من المسلمين يطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول بالطف، ~~سيد المسلمين وابن بنت سيد المرسلين وابن سيدها، الحسين بن علي، فوربك ~~لأقتلن بقتله عدة من قتل على دم يحيى بن زكرياء. # ثم سار وابن العرق يعجب من قوله، قال ابن العرق: فوالله لقد رأيت ما ذكره ~~وحدثت به الحجاج بن يوسف، فضحك وقال: لله دره أي رجل دينا، ومسعر حرب، ~~ومقارع أعداء كان! # ثم قدم المختار على ابن الزبير، فكتم عنه ابن الزبير أمره، ففارقه وغاب ~~عنه سنة، ثم سأل عنه ابن الزبير فقيل إنه ms1362 بالطائف وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ~~ومسير الجبارين. # فقال ابن الزبير: ما له قاتله الله؟ لقد انبعث كذابا متكهنا، إن يهلك ~~الله الجبارين يكن المختار أولهم. # فهو في حديثه إذ دخل المختار المسجد فطاف وصلى ركعتين وجلس، فأتاه # PageV03P257 # معارفه يحدثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل ~~بن مسعر، فأتاه وسأله عن حاله ثم قال له: مثلك يغيب عن الذي قد اجتمع عليه ~~الأشراف من قريش والأنصار وثقيف! لم تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها فبايع ~~هذا الرجل. # فقال: إني أتيته العام الماضي وكتم عني خبره، فلما استغنى عني أحببت أن ~~أريه أني مستغن عنه. # فقال له العباس: القه الليلة وأنا معك. # فأجابه إلى ذلك، ثم حضر عند ابن الزبير بعد العتمة، فقال المختار: أبايعك ~~على أن لا تقضي الأمور دوني، وعلى أن أكون أول داخل، وإذا ظهرت استعنت بي ~~على أفضل عملك. # فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله. # فقال: وشر غلماني تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبدا إلا على ذلك. # فبايعه، فأقام عنده وشهد معه قتال الحصين بن نمير وأبلى أحسن بلاء وقاتل ~~أشد قتال، وكان أشد الناس على أهل الشام. # فلما هلك يزيد بن معاوية وأطاع أهل العراق ابن الزبير أقام عنده خمسة ~~أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحد من أهل الكوفة إلا سأله عن ~~حال الناس، فأخبره هانئ بن جبة الوداعي باتساق أهل الكوفة على طاعة ابن ~~الزبير إلا أن طائفة من الناس هم عدد أهلها لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم ~~أكل بهم الأرض إلى يوم [ما] . # فقال المختار: أنا أبو إسحاق، أنا والله لهم أن أجمعهم على الحق، وألقي ~~بهم ركبان الباطل، وأهلك بهم كل جبار عنيد. # ثم ركب راحلته نحو الكوفة فوصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل ولبس ~~ثيابه ثم ركب فمر بمسجد السكون وجبانة كندة، لا يمر على مجلس إلا سلم على ~~أهله وقال: أبشروا بالنصرة والفلج، أتاكم ما ms1363 تحبون. # ومر ببني بداء فلقي عبيدة بن عمرو البدي من كندة فسلم عليه وقال له: أبشر ~~بالنصر والفلج، إنك أبا عمرو على رأي حسن، لن يدع الله لك معه إثما إلا ~~غفره لك، ولا ذنبا إلا ستره. # وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم تشيعا وحبا لعلي، وكان لا يصبر ~~عن الشراب، فقال له: بشرك الله بالخير! فهل أنت مبين لنا؟ قال نعم، القني ~~الليلة. # ثم سافر ببني هند فلقي إسماعيل بن كثير فرحب به وقال له: القني أنت وأخوك # PageV03P258 # الليلة فقد أتيتكم بما تحبون. # ومر على حلقة من همدان فقال: قد قدمت عليكم بما يسركم، ثم أتى المسجد ~~واستشرف له الناس، فقام إلى سارية فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة وصلى مع ~~الناس ثم صلى ما بين الجمعة والعصر ثم انصرف إلى داره، واختلف إليه الشيعة، ~~وأتى إسماعيل بن كثير وأخوه وعبيدة بن عمرو، فسألهم فأخبروه خبر سليمان بن ~~صرد وأنه على المنبر، فحمد الله ثم قال: إن المهدي ابن الوصي بعثني إليكم ~~أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا وأمرني بقتل الملحدين والطلب بدم أهل بيته ~~والدفع عن الضعفاء، فكونوا أول خلق الله إجابة. # فضربوا على يده وبايعوه، وبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد ~~وقال لهم نحو ذلك، وقال لهم: إن سليمان ليس له بصر بالحرب ولا تجربة ~~بالأمور وإنما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال مثل ~~لي وأمر بين لي عن وليكم، وأقتل عدوكم وأشفي صدوركم، فاسمعوا قولي وأطيعوا ~~أمري، ثم انتشروا. # وما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وصاروا يختلفون إليه ~~ويعظمونه، وعظماء الشيعة مع سليمان لا يعدلون به أحدا، وهو أثقل خلق الله ~~على المختار، وهو ينظر إلى ما يصير أمر سليمان. # فلما خرج سليمان نحو الجزيرة قال عمرو بن سعد وشبث بن ربعي وزيد بن ~~الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد الحطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن ~~المختار أشد عليكم من سليمان، إنما خرج يقاتل عدوكم، وإن ms1364 المختار يريد أن ~~يثب عليكم في مصركم، فأوثقوه واسجنوه حتى يستقيم أمر الناس. # فأتوه فأخذوه بغتة، فلما رآهم قال: ما لكم؟ فوالله ما ظفرت أكفكم! فقال ~~إبراهيم بن محمد بن طلحة: شده كتافا ومشه حافيا. # فقال عبد الله: ما كنت لأفعل هذا برجل لم يظهر لنا غدره، إنما أخذناه على ~~الظن. فقال إبراهيم: ليس هذا بعشك فادرجي. ما هذا الذي بلغنا عنك يا ابن ~~أبي عبيد؟ # فقال: ما بلغك عني إلا باطل وأعوذ بالله من غش كغش أبيك وجدك! # PageV03P259 # ثم حمل إلى السجن غير مقيد، وقيل: بل كان مقيدا، فكان يقول في السجن: أما ~~ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الأبرار، ~~والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهند بتار، بجموع ~~الأنصار، ليسوا بميل أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ~~وزايلت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت ثأر النبيين، ~~لم يكبر علي زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى. # وقيل في خروج المختار إلى الكوفة وسببه غير ما تقدم، وهو أن المختار قال ~~لابن الزبير وهو عنده: إني لأعلم قوما لو أن لهم رجلا له فقه وعلم بما يأتي ~~ويذر لاستخرج لك منهم جندا تقاتل بهم أهل الشام. # قال: من هم؟ قال: شيعة علي بالكوفة. # قال: فكن أنت ذلك الرجل. # فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكي على الحسين ويذكر مصابه حتى لقوه ~~وأحبوه فنقلوه إلى وسط الكوفة وأتاه منهم بشر كثير، فلما قوي أمره سار إلى ~~ابن مطيع. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان عامله على المدينة فيها ~~أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الحطمي، وعلى قضائها ~~هشام بن هبيرة، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن عمر التيمي، وعلى خراسان ~~عبيد الله بن خازم. # PageV03P260 # [الوفيات] # وفيها مات شداد بن أوس بن ثابت، وهو ابن أخي حسان بن ثابت. # وفيها توفي المسور بن مخرمة بمكة في اليوم الذي ورد فيه خبر موت ms1365 يزيد بن ~~معاوية، وكان سبب موته أنه أصابته فلقة حجر منجنيق في جانب وجهه فمرض أياما ~~ومات. # (وفيها توفي أبو برزة الأسلمي بخراسان. # وفيها توفي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان في قول. # وفي أيام يزيد مات أبو ثعلبة الخشني، وقيل: مات سنة خمس وسبعين، له صحبة. # وفي أيامه أيضا مات عائذ بن عمرو المزني بالبصرة، وشهد بيعة الرضوان) . # وفي أيام ابن زياد بالكوفة مات قيس بن خرشة، وهو صحابي، وخبر موته عجيب ~~مع ابن زياد لأنه كان قوالا بالحق. # (وفي أيامه مات نوفل بن معاوية بن عمرو الدئلي. # وفي أيامه) مات أبو خيثمة الأنصاري، شهد أحدا، وذكره في تبوك مشهور. # وفي أيامه مات عتبان بن مالك، وهو بدري. # وفي هذه السنة توفي شقيق بن ثور السدوسي. # PageV03P261 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين] ### | 65 - # ثم دخلت سنة خمس وستين # ذكر مسير التوابين وقتلهم # لما أراد سليمان بن صرد الخزاعي الشخوص سنة خمس وستين بعث إلى رءوس ~~أصحابه فأتوه، فلما أهل ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه، وكانوا تواعدوا ~~للخروج تلك الليلة، فلما أتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم، فأرسل ~~حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عصير الكناني، فناديا في الكوفة: يا لثارات ~~الحسين! فكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين. # فأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما في عسكره، ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة ~~عشر ألفا ممن بايعه، فقال: سبحان الله! ما وافانا من ستة عشر ألفا إلا ~~أربعة آلاف. # فقيل له: إن المختار يثبط الناس عنك، إنه قد تبعه ألفان. # فقال: قد بقي عشرة آلاف، أما هؤلاء بمؤمنين؟ أما يذكرون الله والعهود ~~والمواثيق؟ فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث إلى من تخلف عنه، فخرج إليه نحو من ~~ألف رجل. # فقام إليه المسيب بن نجبة فقال: رحمك الله! إنه لا ينفعك الكاره ولا ~~يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا تنتظر أحدا وجد في أمرك. # قال: نعم ما رأيت. # ثم قام سليمان في أصحابه فقال: أيها الناس من كان ms1366 خرج يريد بخروجه وجه ~~الله والآخرة فذلك منا ونحن منه فرحمة الله عليه حيا وميتا، ومن كان إنما ~~يريد الدنيا فوالله ما نأتي فيئا نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان [الله] ~~، وما معنا من ذهب ولا # PageV03P262 # فضة ولا متاع، وما هي إلا سيوفنا على عواتقنا، وزاد قدر البلغة، فمن كان ~~ينوي غير هذا فلا يصحبنا. # فتنادى أصحابه من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا إنما خرجنا ~~نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول الله نبينا - صلى الله عليه وسلم -. # فلما عزم سليمان على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل: إني قد رأيت ~~رأيا إن يكن صوابا فالله الموفق، وإن يكن ليس صوابا فمن قبلي، إنا خرجنا ~~نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورءوس الأرباع ~~والقبائل، فأين نذهب ها هنا وندع الأوتار؟ فقال أصحابه كلهم: هذا هو الرأي. # فقال سليمان: لكن أنا لا أرى ذلك، إن الذي قتله وعبأ الجنود إليه وقال لا ~~أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، هذا الفاسق ابن الفاسق عبيد ~~الله بن زياد، فسيروا إليه على بركة الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أن ~~يكون من بعده أهون علينا منه، ورجونا أن يدين لكم أهل مصركم في عافية ~~فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه ولا يغشموا، وإن تستشهدوا ~~فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خير للأبرار، إني لا أحب أن تجعلوا ~~جدكم بغير المحلين، ولو قاتلتم أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل ~~أخاه وأباه وحميمه ورجلا يريد قتله، فاستخيروا الله وسيروا. # وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد، فأتياه في ~~أشراف أهل الكوفة ولم يصحبهم من شرك في دم الحسين خوفا منه، وكان عمر بن ~~سعد تلك الأيام يبيت في قصر الإمارة خوفا منهم. # فلما أتياه قال عبد الله بن يزيد: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا ~~يغشه، وأنتم إخواننا ms1367 وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا ~~بأنفسكم ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا ~~سار عدونا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا فقاتلناه. # وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخى إن أقاموا. وقال إبراهيم بن محمد مثله، ~~فقال سليمان لهما: قد محضتما النصيحة واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله ~~وله، ونسأل الله العزيمة على الرشد ولا نرانا إلا سائرين. فقال عبد الله: ~~فأقيموا حتى (نعبي معكم جريدا كثيفا) فتلقوا عدوكم بجمع كثيف. وكان قد ~~بلغهم إقبال عبيد الله بن # PageV03P263 # زياد من الشام في جنود. # فلم يقم سليمان، فسار عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس ~~وستين، فوصل دار الأهواز وقد تخلف عنه ناس كثير، (فقال: ما أحب أن من تخلف ~~[عنكم] معكم، {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} [التوبة: 47] ، إن الله ~~كره انبعاثهم فثبطهم، واختصكم بفضل ذلك) . # ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين، فلما وصلوا صاحوا صيحة واحدة، فما رئي ~~أكثر باكيا من ذلك اليوم، فترحموا عليه وتابوا عنده من خذلانه، وترك القتال ~~معه وأقاموا عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه، ~~(وكان من قولهم عند ضريحه: اللهم ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن ~~المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء ~~قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا وارحم حسينا وأصحابه الشهداء ~~الصديقين، وإنا نشهدك أنا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين! وزادهم النظر إليه حنقا) . # ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه ~~أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ثم أخذوا على الأنبار، وكتب إليهم عبد ~~الله بن يزيد كتابا، منه: يا قومنا لا تطيعوا عدوكم، أنتم في أهل بلادكم ~~خيار كلكم، ومتى يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذلك فيمن ~~وراءكم، يا قومنا {إنهم إن يظهروا ms1368 عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا} [الكهف: 20] ، يا قوم إن أيدينا وأيديكم واحدة وعدونا ~~وعدوكم واحد ومتى تجتمع كلمتنا على عدونا نظهر على عدونا ومتى تختلف تهن ~~شوكتنا على من خالفنا، يا قومنا لا تستغشوا نصحي، ولا تخالفوا أمري وأقبلوا ~~حين يقرأ كتابي عليكم. والسلام. # PageV03P264 # فقال سليمان وأصحابه: قد أبينا هذا ونحن في مصرنا، فحين وطنا أنفسنا على ~~الجهاد ودنونا من أرض عدونا، ما هذا برأي. # فكتب إليه سليمان يشكره ويثني عليه ويقول: إن القوم قد استبشروا ببيعهم ~~أنفسهم من ربهم، وإنهم قد تابوا من عظيم ذنبهم وتوجهوا إلى الله وتوكلوا ~~عليه ورضوا بما قضى الله عليهم. # فلما جاء الكتاب إلى عبد الله قال: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عنهم ~~قتلهم، والله ليقتلن كراما مسلمين. # ثم ساروا حتى انتهوا إلى قرقيسيا على تعبية، وبها زفر بن الحارث الكلابي ~~قد تحصن بها منهم ولم يخرج إليهم، فأرسل إليه المسيب بن نجبة يطلب إليه أن ~~يخرج إليه سوقا، فأتى المسيب إلى باب قرقيسيا فعرفهم نفسه وطلب الإذن على ~~زفر، فأتى هذيل بن زفر أباه فقال: هذا رجل حسن الهيئة اسمه المسيب بن نجبة ~~يستأذن عليك. # فقال أبوه: أما تدري يا بني من هذا؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها، إذا عد ~~من أشرافها عشرة كان أحدهم هو، وهو بعد رجل ناسك له دين، إيذن له. # فأذن له، فلما دخل عليه أجلسه إلى جانبه وسأله، فعرفه المسيب حاله وما ~~عزموا عليه، فقال زفر: إنا لم نغلق أبواب المدينة إلا لنعلم إيانا تريدون ~~أم غيرنا، وما بنا عجز عن الناس وما نحب قتالكم، وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة ~~جميلة. # ثم أمر ابنه فأخرج لهم سوقا، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فرد المال وأخذ ~~الفرس وقال: لعلي أحتاج إليه إن عرج فرسي. # وبعث زفر إليهم بخبز كثير وعلف ودقيق حتى استغنى الناس عن السوق، إلا أن ~~الرجل كان يشتري سوطا أو ثوبا. # ثم ارتحلوا من الغد، وخرج إليهم زفر يشيعهم وقال لسليمان: ms1369 إنه قد سار ~~خمسة أمراء من الرقة هم الحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن ~~محرز، وجبلة بن عبد الله الخثعمي، وعبيد الله بن زياد، في عدد كثير مثل ~~الشوك والشجر، فإن شئتم دخلتم مدينتنا وكانت أيدينا واحدة، فإذا جاءنا هذا ~~العدو قاتلناهم جميعا. # فقال سليمان: قد طلب أهل مصرنا ذلك منا فأبينا عليهم. # قال زفر: فبادروهم إلى عين الوردة وهي رأس عين فاجعلوا المدينة في # PageV03P265 # ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم، وما بيننا وبينكم فأنتم ~~آمنون منه، فاطووا المنازل، فوالله ما رأيت جماعة قط أكرم منكم، فإني أرجو ~~أن تسبقوهم، وإن قاتلتموهم فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنهم ~~أكثر منكم، ولا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم فيصرعوكم، ولا تصفوا لهم، ~~فإني لا أرى معكم رجالة ومعهم الرجالة والفرسان بعضهم يحمي بعضا، ولكن ~~القوهم في الكتائب والمقانب ثم بثوها فيما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع ~~كل كتيبة أخرى إلى جانبها، فإن حمل على إحدى الكتيبتين رحلت الأخرى فنفست ~~عنها، ومتى شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم صفا واحدا ~~فزحفت إليكم الرجالة فدفعتم عن الصف انتقض فكانت الهزيمة. # ثم ودعهم ودعا لهم ودعوا له وأثنوا عليه. # ثم ساروا مجدين فانتهوا إلى عين الوردة فنزلوا غربيها وأقاموا خمسا ~~فاستراحوا وأراحوا. # وأقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم ~~وليلة، فقام سليمان في أصحابه وذكر الآخرة ورغب فيها ثم قال: أما بعد فقد ~~أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل والنهار، فإذا لقيتموهم ~~فاصدقوهم القتال واصبروا، إن الله مع الصابرين، ولا يولينهم امرؤ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، ولا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ~~ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، فإن هذه ~~كانت سيرة علي في أهل هذه الدعوة. # ثم قال: إن أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة، فإن قتل فالأمير عبد الله ~~بن سعد بن ms1370 نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة ~~بن شداد، رحم الله امرأ صدق ما عاهد الله عليه. # ثم بعث المسيب في أربعمائة فارس ثم قال: سر حتى تلقى أول عساكرهم فشن ~~عليهم [الغارة] ، فإن رأيت ما تحبه وإلا رجعت، وإياك أن تنزل [أو تدع] أحدا ~~من أصحابك ينزل أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجد منه بدا. # فسار يومه وليلته ثم نزل السحر. فلما أصبحوا أرسل أصحابه في الجهات ~~ليأتوه بمن يلقون، فأتوه بأعرابي، فسأله عن أدنى العساكر منه، فقال: أدنى ~~عسكر من عساكرهم منك عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، وهو منك على رأس ميل، وقد ~~اختلف هو والحصين، ادعى الحصين أنه على الجماعة وأبى شرحبيل ذلك، وهما ~~ينتظران أمر ابن زياد. # PageV03P266 # فسار المسيب ومن معه مسرعين فأشرفوا عليهم وهم غارون، فحملوا في جانب ~~عسكرهم، فانهزم العسكر وأصاب المسيب منهم رجالا، فأكثروا فيهم الجراح ~~وأخذوا الدواب، وخلى الشاميون عسكرهم وانهزموا، فغنم منه أصحاب المسيب ما ~~أرادوا ثم انصرفوا إلى سليمان موفورين. # وبلغ الخبر ابن زياد فسرح الحصين بن نمير مسرعا حتى نزل في اثني عشر ~~ألفا، فخرج أصحاب سليمان إليه لأربع بقين من جمادى الأولى، وعلى ميمنتهم ~~عبد الله بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيب بن نجبة، وسليمان في القلب، وجعل ~~الحصين على ميمنته جملة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي، ~~فلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على عبد الملك بن ~~مروان، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك وتسليم عبيد الله بن زياد ~~إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ابن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل ~~بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فأبى كل منهم، فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين، والميسرة أيضا على ~~الميمنة، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فانهزم أهل الشام إلى عسكرهم، ~~وما زال الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل. # فلما كان الغد صبح الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع ثمانية ms1371 آلاف، أمدهم بهم ~~عبيد الله بن زياد، وخرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالا لم يكن أشد منه جميع ~~النهار، لم يحجز بينهم إلا الصلاة، فلما أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في ~~الفريقين، وطاف القصاص على أصحاب سليمان يحرضونهم. # فلما أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من ~~ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى، ثم إن أهل ~~الشام كثروهم وتعطفوا عليهم من كل جانب، ورأى سليمان ما لقي أصحابه، فنزل ~~ونادى: عباد الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي! ثم كسر ~~جفنة سيفه ونزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه، فقاتلوهم، فقتل ~~من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. # فلما رأى الحصين صبرهم وبأسهم بعث الرجالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل ~~والرجال، فقتل سليمان، رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ~~ثم وقع. # PageV03P267 # فلما قتل سليمان أخذ الراية المسيب بن نجبة وترحم على سليمان ثم تقدم ~~فقاتل بها ساعة ثم رجع ثم حمل، فعل ذلك مرارا، ثم قتل، رحمه الله، بعد أن ~~قتل رجالا. # فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل وترحم عليهما، ثم قرأ: ~~{فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23] . وحف ~~به من كان معه من الأزد. فبينما هم في القتال أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن ~~حذيفة يخبرون بمسيرهم في سبعين ومائة من أهل المدائن ويخبرون أيضا بمسير ~~أهل البصرة مع المثنى بن مخربة العبدي في ثلاثمائة، (فسر الناس) فقال عبد ~~الله بن سعد: ذلك لو جاءونا ونحن أحياء. # فلما نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك واسترجعوا وقاتلوا معهم، ~~وقتل عبد الله بن سعد بن نفيل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، وحمل خالد بن ~~سعد بن نفيل على قاتل أخيه فطعنه بالسيف، واعتنقه الآخر فحمل أصحابه عليه ~~فخلصوه بكثرتهم وقتلوا خالدا، وبقيت الراية ليس عندها أحد، فنادوا عبد الله ~~بن وال ms1372 فإذا هو قد اصطلى الحرب في عصابة معه، فحمل رفاعة بن شداد فكشف أهل ~~الشام عنه، فأتى فأخذ الراية وقاتل مليا ثم قال لأصحابه: من أراد الحياة ~~التي ليس بعدها موت (والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده ~~حزن) ، فليتقرب إلى الله بقتال هؤلاء المحلين، والرواح إلى الجنة، وذلك عند ~~العصر، فحمل هو وأصحابه فقتلوا رجالا وكشفوهم. # ثم إن أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب حتى ردوهم إلى المكان الذي ~~كانوا فيه، وكان مكانهم لا يؤتى إلا من وجه واحد، فلما كان المساء تولى ~~قتالهم أدهم بن محرز الباهلي فحمل عليهم في خيله ورجله، فوصل ابن محرز إلى ~~ابن وال وهو يتلو: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل عمران: ~~169] الآية، فغاظ ذلك أدهم بن محرز فحمل عليه فضرب يده فأبانها ثم تنحى عنه ~~وقال: إني أظنك وددت أنك عند أهلك. # قال ابن وال: بئس ما ظننت، والله ما أحب أن يدك مكانها إلا أن يكون لي من ~~الأجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك ويعظم أجري. # فغاظه ذلك أيضا، فحمل عليه وطعنه # PageV03P268 # فقتله وهو مقبل ما يزول. # وكان ابن وال من الفقهاء العباد، فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلي ~~وقالوا: لتأخذ الراية. فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شرهم. # فقال له عبد الله بن عوف بن الأحمر: هلكنا والله، لئن انصرفت ليركبن ~~أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك عن آخرنا، وإن نجا منا ناج أخذته العرب ~~يتقربون به إليهم فقتل صبرا، هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على ~~خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل وسرنا حتى نصبح ونسير على ~~مهل، ويحمل الرجل صاحبه وجريحه ونعرف الوجه الذي نأخذه. # فقال رفاعة: نعم ما رأيت! وأخذ الراية وقاتلهم قتالا شديدا، ورام أهل ~~الشام إهلاكهم قبل الليل فلم يصلوا إلى ذلك لشدة قتالهم، وتقدم عبد الله بن ~~عزيز الكناني فقاتل أهل الشام ومعه ولده محمد وهو صغير، فنادى بني كنانة من ~~أهل الشام ms1373 وسلم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان، فأبى ~~ثم قاتلهم حتى قتل. # وتقدم كرب بن يزيد الحميري عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد ~~قتال، فعرض عليه وعلى أصحابه ابن ذي الكلاع الحميري الأمان، قال: قد كنا ~~آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة. فقاتلوهم حتى قتلوا. # وتقدم صخر بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقاتلوا حتى قتلوا. # فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، ونظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به ~~فرسه وجرح فدفعه إلى قومه ثم سار بالناس ليلته، وأصبح الحصين ليلتقيهم فلم ~~يرهم، فلم يبعث في آثارهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا، فعرض عليهم زفر ~~الإقامة، فأقاموا ثلاثا، فأضافهم ثم زودهم وساروا إلى الكوفة. # ثم أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن فبلغ هيت، فأتاه الخبر، ~~فرجع فلقي المثنى بن مخربة العدوي في أهل البصرة بصندوداء فأخبره، فأقاموا ~~حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه، وبكى بعضهم إلى بعض وأقاموا يوما وليلة ثم ~~تفرقوا، فسار كل طائفة إلى بلدهم. # ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوسا، فأرسل إليه: أما بعد فمرحبا ~~بالعصبة # PageV03P269 # الذين عظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضي فعلهم حين قتلوا، أما ورب ~~البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ربا ربوة إلا كان ثواب الله له أعظم من ~~الدنيا! إن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله (وجعل وجهه مع أرواح النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين) ، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا ~~الأمير المأمور، والأمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء ~~الدين، المقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، أدعوكم إلى كتاب الله، ~~وسنة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين، ~~والسلام. # (وكان قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع الآخر) . # ولما سمع عبد الملك بن مروان بقتل سليمان وانهزام أصحابه صعد المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن الله (قد أهلك من رءوس أهل العراق ملقح ~~فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرد، ألا وإن ms1374 السيوف تركن رأس المسيب خذاريف، ~~وقد قتل الله) منهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عبد الله بن سعد الأزدي، ~~وعبد الله بن وال البكري، ولم يبق بعدهم من عنده امتناع، وفي هذا نظر، فإن ~~أباه كان حيا، قال أعشى همدان في ذلك، وهي مما يكتم ذلك الزمان: # ألم خيال منك يا أم غالب ... فحييت عنا من حبيب مجانب # وما زلت في شجو وما زلت مقصدا ... لهم عراني من فراقك ناصب # فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى ... إلينا مع البيض الحسان الخراعب # PageV03P270 # تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب # مبتلة غراء رؤد شبابها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب # فلما تغشاها السحاب وحوله بدا ... حاجب منها وضنت بحاجب # فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى ... فأحبب بها من خلة لم تصاقب # ولا يبعد الله الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب # ويزداد ما أحببته من عتابنا ... لعابا وسقيا للخدين المقارب # فإني وإن لم أنسهن لذاكر ... رزيئة مخبات كريم المناصب # توسل بالتقوى إلى الله صادقا ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب # وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بها ... وتاب إلى الله الرفيع المراتب # تخلى عن الدنيا وقال اطرحتها ... فلست إليها ما حييت بآيب # وما أنا فيما يكره الناس فقده ... ويسعى له الساعون فيها براغب # فوجهه نحو الثوية سائرا ... إلى ابن زياد في الجموع الكتائب # بقوم هم أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجاد سراة مناجب # مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب # فساروا وهم ما بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب # فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا ... إليهم فحسوهم ببيض قواضب # يمانية تذري الأكف وتارة ... بخيل عتاق مقربات سلاهب # PageV03P271 # فجاءهم جمع من الشام بعده ... جموع كموج البحر من كل جانب # فما برحوا حتى أبيدت سراتهم ... فلم ينج منهم ثم غير عصائب # وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب # فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا ... كأن لم يقاتل مرة ويحارب # ورأس بني شمخ وفارس قومه ... شنوءة والتيمي هادي الكتائب # وعمرو بن بشر والوليد ms1375 وخالد ... وزيد بن بكر والحليس بن غالب # وضارب من همدان كل مشيع ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب # ومن كل قوم قد أصيب زعيمهم ... وذو حسب في ذروة المجد ثاقب # أبوا غير ضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن بأطراف الأسنة صائب # وإن سعيدا يوم يدمر عامرا ... لأشجع من ليث بدرب مواثب # فيا خير جيش بالعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب # فلا يبعدن فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب # وما قتلوا حتى أثاروا عصابة ... محلين نورا كالشموس الضوارب # وقيل: قتل سليمان ومن معه في شهر ربيع الآخر. # الخزاعي الذي هو في هذا الشعر هو سليمان بن صرد الخزاعي. ورأس بني شمخ هو ~~المسيب بن نجبة الفزاري. ورأس شنوءة هو عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، ~~أزد # PageV03P273 # شنوءة. والتيمي هو عبد الله بن وال التيمي من تيم اللات بن ثعلبة بن ~~عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. والوليد [هو] ابن عصير الكناني. وخالد ~~هو خالد بن سعد بن نفيل أخو عبد الله. # (نجبة بالنون والجيم والباء الموحدة المفتوحات) . # ذكر بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان بولاية العهد # في هذه السنة أمر مروان بن الحكم بالبيعة لابنيه عبد الملك وعبد العزيز. # وكان السبب في ذلك أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب بن الزبير حين ~~وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين رجع إلى مروان وهو بدمشق قد غلب على الشام ~~ومصر، فبلغ مروان أن عمرا يقول: إن الأمر لي بعد مروان، فدعا مروان حسان بن ~~مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لابنيه عبد الملك وعبد العزيز ~~وأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمرا، فلما اجتمع الناس عند ~~مروان عشيا قام حسان فقال: إنه قد بلغنا أن رجالا يتمنون أماني، قوموا ~~فبايعوا لعبد الملك وعبد العزيز من بعده، فبايعوا عن آخرهم. # ذكر بعث ابن زياد وحبيش # في هذه السنة سير مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى ms1376 ~~الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا واستعمله على كل ما يفتحه، فإذا ~~فرغ من الجزيرة توجه لقصد العراق وأخذه من ابن الزبير، فلما كان بالجزيرة ~~بلغه موت مروان وأتاه كتاب عبد الملك بن مروان يستعمله على ما استعمله عليه ~~أبوه ويحثه على المسير إلى العراق. # والبعث الآخر إلى المدينة مع حبيش بن دلجة القيني، فسار بهم حتى انتهى ~~إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من ~~قبل ابن الزبير، فهرب منه جابر. # ثم إن الحارث بن أبي ربيعة، وهو أخو عمرو بن أبي ربيعة، وجه جيشا من ~~البصرة، وكان واليا عليها، لابن الزبير وجعل عليهم الحنيف بن النحف التيمي ~~لحرب # PageV03P273 # حبيش، فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن الزبير ~~العباس بن سهل بن سعد الساعدي إلى المدينة أميرا وأمره أن يسير في طلب حبيش ~~حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين عليهم الحنيف، فأقبل عباس في آثارهم ~~حتى لحقهم بالربذة، فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سنان بسهم فقتله، وكان معه ~~يومئذ يوسف بن الحكم وابنه الحجاج، وهما على جمل واحد، وانهزم أصحابه، ~~فتحرز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال العباس بن سهل: انزلوا على حكمي، ~~فنزلوا، فقتلهم، ورجع فل حبيش إلى الشام، ولما دخل يزيد بن سنان المدينة ~~كان عليه ثياب بيض فاسودت مما مسحه الناس ومما صبوا عليه من الطيب. # ذكر موت مروان بن الحكم وولاية ابنه عبد الملك # في شهر رمضان من هذه السنة مات مروان بن الحكم. # وكان سبب موته أن معاوية بن يزيد لما حضرته الوفاة لم يستخلف أحدا، وكان ~~حسان بن بحدل يريد أن يجعل الأمر من بعده في أخيه خالد بن يزيد، وكان ~~صغيرا، وحسان خال أبيه يزيد، فبايع حسان مروان بن الحكم وهو يريد أن يجعل ~~الأمر بعده لخالد، فلما بايعه هو وأهل الشام قيل لمروان تزوج أم خالد، وهي ~~بنت أبي هاشم بن عتبة، حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة، فتزوجها، فدخل ms1377 خالد ~~يوما على مروان وعنده جماعة وهو يمشي بين صفين، فقال مروان: والله إنك ~~لأحمق! تعال يا ابن الرطبة الاست! يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشام. # فرجع خالد إلى أمه فأخبرها، فقالت له: لا يعلمن ذلك منك إلا أنا، أنا ~~أكفيكه. فدخل عليها مروان فقال لها: هل قال لك خالد في شيئا؟ قالت: لا، إنه ~~أشد لك تعظيما من أن يقول فيك شيئا. فصدقها ومكث أياما، ثم إن مروان نام ~~عندها يوما، فغطته بوسادة حتى قتلته، فمات بدمشق وهو ابن ثلاث وستين سنة، ~~وقيل: إحدى وستين. # وأراد عبد الملك قتل أم خالد، فقيل له: يظهر عند الخلق أن امرأة قتلت ~~أباك، فتركها. # PageV03P274 # ولما توفي مروان قام (بأمر الشام) بعده ابنه عبد الملك، (وكان بمصر ابنه ~~عبد العزيز بطاعة أخيه عبد الملك. # وكان عبد الملك) ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمونه لذلك، قيل: إنه اجتمع ~~عنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري: بلغني أنك ~~لا تشبه أباك، فقال: بلى والله إني لأشبه به من الماء بالماء والغراب ~~بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد بالتمام، ولم ~~يشبه الأخوال والأعمام. # قال: من ذلك؟ قال: سويد بن منجوف، فلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد: ~~ما سرني بمقالتك له حمر النعم. # فقال عبيد الله: وما سرني والله باحتمالك إياي وسكوتك سودها. # ذكر صفته ونسبه وأخباره # هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وأمه بنت علقمة بن ~~صفوان بن أمية من كنانة، وكان مولده سنة اثنين من الهجرة، وكان أبوه قد ~~أسلم عام الفتح، ونفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف لأنه ~~يتجسس عليه، ورآه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما يمشي ويتخلج في مشيه ~~كأنه يحكيه، فقال له: كن كذلك، فما زال كذلك حتى مات. # ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلم عثمان أبا بكر في رده، ~~لأنه عمه، فلم يفعل، فلما توفي ms1378 أبو بكر وولي عمر كلمه أيضا في رده فلم ~~يفعل، فلما ولي عثمان رده وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعدني ~~أن يرده إلى المدينة، فكان ذلك مما أنكر الناس عليه. # وتوفي في خلافة عثمان فصلى عليه، وقد رويت أخبار كثيرة في لعنه ولعن من ~~في صلبه، رواها الحافظ، في أسانيدها كلام. # وكان مروان قصيرا أحمر أوقص، يكنى أبا الحكم، وأبا عبد الملك، وأعتق # PageV03P275 # في يوم واحد مائة رقبة، وولي المدينة لمعاوية مرات، فكان إذا ولي يبالغ ~~في سب علي، وإذا عزل وولي سعيد بن العاص كف عنه، (فسئل عنه محمد بن علي ~~الباقر وعن سعيد، فقال: كان مروان خيرا لنا في السر، وسعيد خيرا لنا في ~~العلانية. # وقد أخرج حديث مروان في الصحيح، وكان الحسن والحسين يصليان خلفه ولا ~~يعيدان الصلاة. وهو أول من قدم الخطبة في صلاة العيد وقبل الصلاة. # ولما مات بويع لولده عبد الملك بن مروان في اليوم الذي مات فيه، وكان ~~يقال له ولولده بنو الزرقاء، يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم، وهي الزرقاء ~~بنت موهب، جدة مروان بن الحكم لأبيه، وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها ~~على بيوت البغاء، فلهذا كانوا يذمون بها، ولعل هذا كان منها قبل أن يتزوجها ~~أبو العاص بن أمية والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، لا يكون هذا من ~~امرأة له وهي عنده، والله أعلم. # (حبيش بن دلجة بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة المفتوحة، ثم الياء ~~من تحت، وآخره شين معجمة، ودلجة بفتح الدال واللام) . # ذكر مقتل نافع بن الأزرق # في هذه السنة اشتدت شوكة نافع بن الأزرق، وهو الذي ينتسب إليه الأزارقة ~~من الخوارج. # وكان سبب قوته اشتغال أهل البصرة واختلافهم بسبب مسعود بن عمرو وقتله، ~~وكثرت جموعه وأقبل نحو الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس ~~بن كريز بن ربيعة، فخرج إليه فرفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض ~~الأهواز، فاقتتلوا هناك، وجعل مسلم بن عبيس على ms1379 ميمنته الحجاج بن باب ~~الحميري، وعلى مسيرته حارثة بن بدر الغداني وجعل ابن الأزرق على ميمنته ~~عبيد بن هلال، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمي، واشتد قتالهم، فقتل ~~مسلم أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج في جمادى الآخرة، ~~فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الخوارج عبد الله بن ~~الماحوز التميمي، واقتتلوا، فقتل عبد الله والحجاج، فأمر أهل البصرة عليهم ~~ربيعة بن الأجرم التميمي، وأمرت الخوارج عبيد الله بن الماحوز التميمي، ثم ~~عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا وقد كره بعضهم بعضا وملوا القتال. # فإنهم كذلك متواقفون متحاجزون إذ جاءت الخوارج سرية مستريحة لم تشهد ~~القتال، فحملت على الناس من ناحية عبد القيس، فانهزم الناس وقتل أمير أهل ~~البصرة ربيعة بعد أن قتل أيضا دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة، وأخذ الراية ~~حارثة بن بدر، فقاتل ساعة، وقد ذهب الناس عنه، فقاتل وحمى الناس ومعه جماعة ~~من أهل البصرة، ثم أقبل حتى نزل بالأهواز، وبلغ ذلك أهل البصرة فأفزعهم، ~~وبعث عبد الله (بن الزبير الحارث بن أبي ربيعة) وعزل عبد الله بن الحارث، ~~فأقبلت الخوارج نحو البصرة. # ذكر محاربة المهلب الخوارج # لما قربت الخوارج من البصرة أتى أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى ~~حربهم، فأشار بالمهلب بن أبي صفرة لما يعلم فيه من الشجاعة والرأي والمعرفة ~~بالحرب، وكان قد قدم من عند ابن الزبير وقد ولاه خراسان، فقال الأحنف: ما ~~لهذا الأمر غير المهلب. # فخرج إليه أشراف أهل البصرة فكلموه، فأبى، فكلمه الحارث بن أبي ربيعة، ~~فاعتذر بعهده على خراسان، فوضع الحارث وأهل البصرة كتابا إليه عن ابن ~~الزبير يأمره بقتال الخوارج وأتوه بالكتاب، فلما قرأه قال: والله لا أسير ~~إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه وتقطعوني من بيت المال ما أقوي به من ~~معي. فأجابوه إلى ذلك وكتبوا له به كتابا، وأرسلوا إلى ابن الزبير فأمضاه، ~~فاختار المهلب من أهل البصرة ممن يعرف نجدته وشجاعته اثني عشر ألفا، منهم: ~~محمد بن واسع وعبد الله ms1380 بن رياح الأنصاري ومعاوية بن قرة المزني وأبو عمران ~~الجوني، وخرج المهلب إلى الخوارج وهم عند الجسر الأصغر، فحاربهم وهو في ~~وجوه الناس وأشرافهم، فدفعهم عن الجسر، ولم يكن بقي إلا أن يدخلوا، ~~فارتفعوا إلى الجسر الأكبر إليهم في الخيل والرجال. # فلما رأوه قد قاربهم ارتفعوا فوق ذلك. # PageV03P276 # ولما بلغ حارثة بن بدر تأمير المهلب على قتال الأزارقة قال لمن معه [من] ~~الناس: # كرنبوا ودولبوا حيث شئتم فاذهبوا # فأقبل بمن معه نحو البصرة فرد الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلب، وركب ~~حارثة في سفينة في نهر دجيل يريد البصرة، فأتاه رجل من تميم وعليه سلاحه ~~والخوارج وراءه، فصاح التميمي بحارثة يستغيث به ليحمله معه، فقرب السفينة ~~إلى شاطئ النهر، وهو جرف، فوثب التميمي إليها فغاصت بجميع من فيها فغرقوا. # وأما المهلب فإنه سار حتى نزل بالخوارج وهم بنهر تيرى وتنحوا عنه إلى ~~الأهواز، وسير المهلب إلى عسكرهم الجواسيس تأتيه بأخبارهم، فلما أتاه خبرهم ~~سار نحوهم واستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيرى، فلما وصل ~~الأهواز قاتلت الخوارج مقدمته، وعليهم ابنه المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ~~فجال أصحابه ثم عادوا. # فلما رأى الخوارج صبرهم ساروا عن سوق الأهاوز إلى مناذر، فسار يريدهم، ~~فلما قاربهم سير الخوارج جمعا عليهم واقد مولى أبي صفرة إلى نهر تيرى وبها ~~المعارك فقتلوه وصلبوه، وبلغ الخبر إلى المهلب فسير ابنه المغيرة إلى نهر ~~تيرى، فأنزل عمه المعارك ودفنه وسكن الناس واستخلف بها جماعة وعاد إلى أبيه ~~وقد نزل سولاف. # وكان المهلب شديد الاحتياط والحذر، لا ينزل إلا في خندق وهو على تعبية ~~ويتولى الحرس بنفسه، فلما نازل الخوارج بسولاف ركبوا ووقفوا له واقتتلوا ~~قتالا شديدا صبر فيه الفريقان، ثم حملت الخوارج حملة صادقة على المهلب ~~وأصحابه فانهزموا وقتل منهم، وثبت المهلب وأبلى ابنه المغيرة يومئذ بلاء ~~حسنا ظهر فيه أثره، ونادى المهلب أصحابه فعادوا إليه معهم جمع كثير نحو ~~أربعة آلاف فارس، فلما كان الغد أراد القتال بمن معه فنهاه بعض أصحابه ~~لضعفهم ms1381 وكثرة الجراح فيهم، فترك القتال وسار وقطع دجيل ونزل بالعاقول لا ~~يؤتى إلا من جهة واحدة، (وفي يوم سولاف يقول ابن قيس الرقيات: # PageV03P278 # ألا طرقت من آل مية طارقه ... على أنها معشوقة الدل عاشقه # تميس وأرض السوس بيني وبينها ... وسولاف رستاق حمته الأزارقه # إذا نحن شتى صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقه # أجازت إلينا العسكرين كليهما ... فباتت لنا دون اللحاف معانقه # وقال فيه بعض الخوارج: # وكائن تركنا يوم سولاف منهم ... أسارى وقتلى في الجحيم مصيرها # وأكثر الشعراء فيه. # فلما وصل المهلب إلى العاقول نزل فيه وأقام ثلاثة أيام، ثم ارتحل وسار ~~نحو الخوارج، وهم بسلى وسلبرى، فنزل قريبا منهم وكان كثيرا ما يفعل أشياء ~~يحدث بها الناس لينشطوا إلى القتال فلا يرون لها أثرا، حتى قال الشاعر: # أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول # وسماه بعضهم الكذاب، وبعض الناس يظن أنه كذاب في كل حال، وليس كذلك إنما ~~كان يفعل ذلك مكايدة للعدو. # فلما نزل المهلب قريبا من الخوراج وخندق عليه، وضع المسالح وأذكى العيون ~~والحرس والناس على راياتهم ومواقفهم، وأبواب الخندق محفوظة، فكان الخوارج ~~إذا أرادوا بياته وغرته وجدوا أمرا محكما فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسان كان ~~أشد عليهم منه. # ثم إن الخوارج أرسلوا عبيدة بن هلال والزبير بن الماحوز في عسكر ليلا إلى ~~عسكر المهلب ليبيتوه، فصاحوا بالناس عن يمينهم ويسارهم فوجدوهم على تعبية ~~قد # PageV03P279 # حذروا، فلم ينالوا منهم شيئا، وأصبح المهلب فخرج إليهم في تعبية، وجعل ~~الأزد وتميما ميمنة، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة، وأهل العالية في ~~القلب، وخرجت الخوارج وعلى ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم ~~الزبير بن الماحوز، وكانوا أحسن عدة وأكرم خيلا من أهل البصرة لأنهم مخروا ~~الأرض وجردوها ما بين كرمان إلى الأهواز. فالتقى الناس واقتتلوا أشد قتال، ~~وصبر الفريقان عامة النهار، ثم إن الخوارج شدت على الناس شدة منكرة، ~~فأجفلوا وانهزموا لا يلوي أحد على أحد، حتى بلغت الهزيمة البصرة، وخاف ~~أهلها السباء. # وأسرع المهلب حتى سبق المنهزمين ms1382 إلى مكان مرتفع، ثم نادى: إلي عباد الله! ~~فاجتمع إليه ثلاثة آلاف أكثرهم من قومه من الأزد، فلما رآهم رضي عدتهم ~~فخطبهم وحثهم على القتال ووعدهم النصر وأمرهم أن يأخذ كل رجل منهم عشرة ~~أحجار، وقال: سيروا بنا نحو عسكرهم فإنهم الآن آمنون وقد خرجت خيلهم في طلب ~~إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا يرجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم ~~وتقتلوا أميرهم. فأجابوه، فأقبل بهم راجعا، فما شعرت الخوارج إلا والمهلب ~~يقاتلهم في جانب عسكرهم، فلقيهم عبد الله بن الماحوز والخوارج، فرماهم ~~أصحاب المهلب بالأحجار حتى أثخنوهم ثم طعنوهم بالرماح وضربوهم بالسيوف، ~~فاقتتلوا ساعة، فقتل عبد الله بن الماحوز وكثير من أصحابه، وغنم المهلب ~~عسكرهم، وأقبل من كان في طلب أهل البصرة راجعا، وقد وضع لهم خيلا ورجالا ~~تخطفهم وتقتلهم، وانكفئوا راجعين مذلولين، فارتفعوا إلى كرمان وجانب ~~أصبهان. # (قال بعض الخوارج لما رأى قتال أصحاب المهلب بالحجارة: # أتانا بأحجار ليقتلنا بها ... وهل تقتل الأقران ويحك بالحجر! # ولما فرغ المهلب منهم أقام مكانه حتى قدم مصعب بن الزبير على البصرة ~~أميرا، وعزل الحارث بن أبي ربيعة، (وفي هذا اليوم يقول الصلتان العبدي: # بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وقتلى لم توسد خدودها # PageV03P280 # فلما قتل عبد الله بن الماحوز) استخلف الخوارج الزبير بن الماحوز: # وكتب المهلب إلى الحارث بن أبي ربيعة يعرفه ظفره، فأرسل الحارث الكتاب ~~إلى ابن الزبير بمكة ليقرأه على الناس هناك، وكتب الحارث إلى المهلب: # (أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه نصر الله وظفر المسلمين، فهنيئا لك يا ~~أخا الأزد شرف الدنيا وعزها وثواب الآخرة وفضلها. فلما قرأ المهلب كتابه ~~ضحك وقال: أما يعرفني إلا بأخي الأزد! ما هو إلا أعرابي جاف) . # وقيل: إن عثمان بن عبيد الله بن معمر قاتل الخوارج ونافع بن الأزرق قبل ~~مسلم، فقتل عثمان وانهزم أصحابه بعد أن قتل من الخوارج خلق كثير، فسير ~~إليهم من البصرة بعده حارثة بن بدر الغداني، فلما رآهم عرف أنه لا طاقة له ~~بهم فقال لأصحابه: # كرنبوا ودولبوا ms1383 كيف شئتم فاذهبوا # يعني ما شاء، ثم سار بعده مسلم بن عبيس) . # وقيل: إن المهلب لما دفع الخوارج من البصرة إلى ناحية الأهواز أقام بقية ~~سنته يجبي كور دجلة، ورزق أصحابه، وأتاه المدد من البصرة حتى بلغ أصحابه ~~ثلاثين ألفا. # فعلى هذا يكون هزيمة الخوارج سنة ست وستين. # ذكر نجدة بن عامر الحنفي # هو نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي، وكان مع نافع بن ~~الأزرق، ففارقه لإحداثه في مذهبه ما تقدم ذكره، وسار إلى اليمامة، ودعا أبا ~~طالوت إلى نفسه، فمضى إلى الحضارم فنهبها، وكانت لبني حنيفة، فأخذها منهم ~~معاوية بن أبي سفيان فيها من الرقيق ما عدتهم وعدة أبنائهم ونسائهم أربعة ~~آلاف، فغنم ذلك وقسمه بين أصحابه، وذلك سنة خمس وستين فكثر جمعه. # ثم إن عيرا خرجت من البحرين، وقيل من البصرة، تحمل مالا وغيره يراد بها ~~ابن # PageV03P281 # الزبير، فاعترضها نجدة فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم ~~فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال وردوا هؤلاء العبيد واجعلوهم ~~يعملون الأرض لكم فإن ذلك أنفع. فاقتسموا المال وقالوا: نجدة خير لنا من ~~أبي طالوت، فخلعوا أبا طالوت وبايعوا نجدة وبايعه أبو طالوت وذلك في سنة ست ~~وستين، ونجدة يومئذ ابن ثلاثين سنة. # ثم سار في جمع إلى بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذي المجاز ~~فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، وصبر كلاب وعطيف ابنا قرة بن هبيرة القشيريان ~~وقاتلا حتى قتلا، وانهزم قيس بن الرقاد الجعدي فلحقه أخوه لأبيه معاوية ~~فسأله أن يحمله ردفا فلم يفعل. # ورجع نجدة إلى اليمامة فكثر أصحابه فصاروا ثلاثة آلاف، ثم سار نجدة إلى ~~البحرين سنة سبع وستين، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا لأنه ينكر ~~الجور وولاتنا يجوزونه، فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن ~~بالبحرين غير الأزد على محاربته، فقال بعض الأزد: نجدة أقرب إليكم منه ~~إلينا لأنكم كلكم من ربيعة فلا تحاربوه! وقال بعضهم: لا ندع نجدة وهو حروري ~~مارق تجري علينا ms1384 أحكامه. فالتقوا بالقطيف فانهزمت عبد القيس وقتل منهم جمع ~~كثير وسبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف، (فقال الشاعر: # نصحت لعبد القيس يوم قطيفها ... وما نفع نصح، قيل، لا يتقبل # وأقام نجدة بالقطيف ووجه ابنه المطرح في جمع إلى المنهزمين من عبد القيس، ~~فقاتلوه بالثوير، فقتل المطرح بن نجدة وجماعة من أصحابه. # وأرسل نجدة سرية إلى الخط فظفر بأهله، وأقام نجدة بالبحرين. فلما قدم ~~مصعب بن الزبير إلى البصرة سنة تسع وستين بعث إليه عبد الله بن عمير الليثي ~~الأعور في أربعة عشر ألفا (فجعل يقول: اثبت نجدة فإنا لا نفر) ، فقدم ونجدة ~~بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير، وهو غافل، فقاتل طويلا وافترقوا، وأصبح ~~ابن عمير فهاله ما رأى في عسكره من القتلى والجرحى، وحمل عليهم نجدة فلم ~~يلبثوا أن انهزموا، فلم يبق عليهم نجدة وغنم ما في عسكرهم وأصاب جواري فيهن ~~أم ولد لابن عمير، فعرض عليها أن يرسلها إلى مولاها فقالت: لا حاجة بي إلى ~~من فرعني وتركني. # PageV03P282 # وبعث نجدة أيضا بعد هزيمة ابن عمير جيشا إلى عمان واستعمل عليهم عطية بن ~~الأسود الحنفي، وقد غلب عليها عباد بن عبد الله، وهو شيخ كبير، وابناه سعيد ~~وسليمان يعشران السفن ويجبيان البلاد، فلما أتاهم عطية قاتلوه فقتل عباد ~~واستولى عطية على البلاد فأقام بها أشهرا ثم خرج منها واستخلف رجلا يكنى ~~أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عباد وأهل عمان. # ثم خالف عطية نجدة، على ما نذكره إن شاء الله، فعاد إلى عمان فلم يقدر ~~عليها فركب في البحر وأتى كرمان وضرب بها دراهم سماها العطوية وأقام ~~بكرمان. فأرسل إليه المهلب جيشا، فهرب إلى سجستان ثم إلى السند، فلقيه خيل ~~المهلب بقندابيل فقتله، وقيل: قتله الخوارج. # ثم بعث نجدة إلى البوادي بعد هزيمة ابن عمير أيضا من يأخذ من أهلها ~~الصدقة، فقاتل أصحابه بني تميم بكاظمة، وأعان أهل طويلع بني تميم، فقتلوا ~~من الخوارج رجلا، فأرسل نجدة إلى أهل طويلع من أغار عليهم وقتل منهم نيفا ~~وثلاثين ms1385 رجلا وسبى. ثم إنه دعاهم بعد ذلك فأجابوه، فأخذ منهم الصدقة، ثم ~~سار نجدة إلى صنعاء في خف من الجيش، فبايعه أهلها وظنوا أن وراءه جيشا ~~كثيرا، فلما لم يروا مددا يأتيه ندموا على بيعته، وبلغه ذلك فقال: إن شئتم ~~أقلتكم بيعتكم وجعلتكم في حل منها وقاتلتكم. فقالوا: لا نستقيل بيعتنا. ~~فبعث إلى مخالفيها منهم الصدقة، وبعث نجدة أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات ~~أهلها. # وحج نجدة سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، وهو في ثمانمائة وستين ~~رجلا، وقيل في ألفي رجل وستمائة رجل، وصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد ~~بأصحابه ويقف بهم ويكف بعضهم عن بعض. # فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلد عبد ~~الله بن عمر سيفا، فلما كان نجدة بنخل أخبر بلبس ابن عمر السلاح، فرجع إلى ~~الطائف وأصاب بنتا لعبد الله بن عمرو بن عثمان كانت عند ظئر لها فضمها ~~إليه، فقال بعض أصحابه: إن نجدة ليتعصب لهذه الجارية فامتحنوه، فسأله بعضهم ~~بيعها منه، فقال: قد أعتقت نصيبي منها فهي حرة. قال: فزوجني إياها. قال: هي ~~بالغ وهي # PageV03P283 # أملك بنفسها فأنا أستأمرها، فقام من مجلسه ثم دعا، قال: قد استأمرتها ~~وكرهت الزواج. # فقيل: إن عبد الملك أو عبد الله بن الزبير كتب إليه: والله لئن أحدثت ~~فيها حدثا لأطأن بلادك وطأة لا يبقى معها بكري. # وكتب نجدة إلى ابن عمر يسأله عن أشياء، فقال: سلوا ابن عباس، فسألوه، ~~ومساءلة ابن عباس مشهورة. # ولما سار نجدة من الطائف أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي فبايعه عن ~~قومه، ولم يدخل نجدة الطائف، فلما قدم الحجاج الطائف لمحاربة ابن الزبير ~~قال لعاصم: يا ذا الوجهين بايعت نجدة! قال: إي والله وذو عشرة أوجه، أعطيت ~~نجدة الرضى ودفعته عن قومي وبلدي. # واستعمل الحاروق، وهو حراق، على الطائف وتبالة والسراة، واستعمل سعد ~~الطلائع على ما يلي نجران، ورجع نجدة إلى البحرين فقطع الميرة عن أهل ~~الحرمين منها ومن اليمامة، فكتب إليه ابن ms1386 عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم ~~قطع الميرة عن أهل مكة وهم مشركون، فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة، فجعلها لهم، وإنك قطعت ~~الميرة عنا ونحن مسلمون. فجعلها نجدة لهم. # ولم يزل عمال نجدة على النواحي حتى اختلف عليه أصحابه فطمع فيهم الناس، ~~فأما الحاروق فطلبوه بالطائف فهرب، فلما كان في العقبة في طريقه لحقه قوم ~~يطلبونه فرموه بالحجارة حتى قتلوه. # ذكر الاختلاف على نجدة وقتله وولاية أبي فديك # ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فمنها: أن أبا سنان حي ~~بن وائل أشار على نجدة بقتل من أجابه تقية، فشتمه نجدة، فهم بالفتك به فقال ~~له نجدة: كلف الله أحدا علم الغيب؟ قال: لا. قال: فإنما علينا أن نحكم ~~بالظاهر. فرجع أبو سنان إلى نجدة. # ومنها: أن عطية بن الأسود خالف على نجدة، وسببه أن نجدة سير سرية بحرا # PageV03P284 # وسرية برا، فأعطى سرية البحر أكثر من سرية البر، فنازعه عطية حتى أغضبه، ~~فشتمه نجدة، فغضب عليه وألب الناس عليه. وكلم نجدة في رجل شرب الخمر في ~~عسكره فقال: هو رجل شديد النكاية على العدو وقد استنصر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، بالمشركين. وكتب عبد الملك إلى نجدة يدعوه إلى طاعته ~~ويوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الأموال والدماء، فطعن عليه عطية وقال: ~~ما كاتبه عبد الملك حتى علم منه دهانا في الدين، وفارقه إلى عمان. # ومنها أن قوما فارقوا نجدة واستنابوه فحلف أن لا يعود، ثم ندموا على ~~استنابته وتفرقوا ونقموا عليه أشياء أخر، فخالف عليه عامة من معه فانحازوا ~~عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، أحد بني قيس بن ثعلبة، واستخفى ~~نجدة، فأرسل أبو فديك في طلبه جماعة من أصحابه وقال: إن ظفرتم به فجيئوني ~~به. وقيل لأبي فديك: إن لم تقتل نجدة تفرق الناس عنك، فألح في طلبه. وكان ~~نجدة مستخفيا في قرية من قرى حجر، وكان للقوم الذين ms1387 اختفى عندهم جارية ~~يخالف إليها راع لهم، فأخذت الجارية من طيب كان مع نجدة، فسألها الراعي عن ~~أمر الطيب، فأخبرته، فأخبر الراعي أصحاب أبي فديك بنجدة، فطلبوه، فنذر بهم، ~~فأتى أخواله من بني تميم فاستخفى عندهم. ثم أراد المسير إلى عبد الملك فأتى ~~بيته ليعهد إلى زوجته، فعلم به الفديكية وقصدوه، فسبق إليه رجل منهم ~~فأعلمه، فخرج وبيده السيف، فنزل الفديكي عن فرسه وقال: إن فرسي هذا لا يدرك ~~فاركبه فلعلك تنجو عليه. فقال: ما أحب البقاء ولقد تعرضت للشهادة في مواطن ~~ما هذا بأحسنها، وغشيه أصحاب أبي فديك فقتلوه، وكان شجاعا كريما (وهو يقول: # وإن جر مولانا علينا جريرة ... صبرنا لها، إن الكرام الدعائم # ولما قتل نجدة سخط قتله قوما من أصحاب أبي فديك ففارقوه، وثار به مسلم بن ~~جبير فضربه اثنتي عشرة ضربة بسكين فقتل مسلم وحمل أبو فديك إلى منزله فبرأ. # PageV03P285 # ذكر استعمال مصعب على المدينة # في هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة بن الزبير عن المدينة ~~واستعمل أخاه مصعبا. # وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال لهم: قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة ~~قيمتها خمسة دراهم، فسمي مقوم الناقة، فبلغ ذلك أخاه عبد الله فعزله ~~واستعمل مصعبا. # ذكر بناء ابن الزبير الكعبة # لما احترقت الكعبة غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير أيام يزيد تركها ابن ~~الزبير يشنع بذلك على أهل الشام، فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير ~~شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت قد مالت حيطانها من ~~حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطفون من وراء الأساس، ~~وضرب عليها السور وأدخل فيها الحجر (واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لعائشة: " «لولا حدثان عهد قومك بالكفر، لرددت الكعبة على أساس ~~إبراهيم، وأزيد فيها الحجر» ) . # فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجمال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة ~~فقال: أقروها على أساسها وبنائها، وجعل لها بابين، يدخل من أحدهما ويخرج من ~~الآخر. # وقيل: كانت ms1388 عمارتها سنة أربع وستين. # PageV03P286 # ذكر الحرب بين ابن خازم وبني تميم # في هذه السنة كانت الحرب بين ابن خازم السلمي وبني تميم بخراسان. # وسبب ذلك أن من كان بخراسان من بني تميم أعانوا ابن خازم على من بها من ~~ربيعة، وقد تقدم ذكر ذلك، فلما صفت له خراسان جفا بني تميم، وكان قد جعل ~~ابنه محمدا على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وساج، وضم إليه شماس بن دثار ~~العطاردي، وكانت أم محمد تميمية، فلما جفا ابن خازم بني تميم أتوا ابنه ~~محمدا بهراة، فكتب ابن خازم إلى ابنه محمد وإلى بكير وشماس يأمرهم بمنعهم ~~عن هراة، فأما شماس فصار مع بني تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد ~~هراة، فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيتك ثلاثين ألفا فأعط كل رجل من بني ~~تميم ألفا على أن ينصرفوا. # فأبوا عليه وأقاموا يترصدون محمدا، فخرج يتصيد فأخذوه وشدوه وثاقا وشربوا ~~ليلتهم وجعلوا يبولون عليه كلما أرادوا البول، فقال لهم شماس: أما إذ بلغتم ~~هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط. وكان قد ضرب رجلين من ~~تميم بالسياط حتى ماتا. فقاموا إليه ليقتلوه، فنهاهم عنه جيهان بن مشجعة ~~الضبي وألقى نفسه عليه، فلم يقبلوا منه وقتلوا محمدا. فشكر ابن خازم لجيهان ~~ذلك فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا. # وكان الذي تولى قتل محمد رجلان اسم أحدهما عجلة واسم الآخر كسيب. فقال ~~ابن خازم: بئس ما اكتسب كسيب لقومه، ولقد جعل عجلة لقومه شرا. # وأقبلت تميم إلى مرو وأمروا عليهم الحريش بن هلال القريعي، وأجمع أكثرهم ~~على قتال ابن خازم، فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين فلما طالت ~~الحرب خرج الحريش فنادى ابن خازم وقال له: طالت الحرب بيننا فعلام تقتل ~~قومي وقومك؟ ابرز إلي فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له. فقال له ابن خازم: قد ~~أنصفت. فبرز إليه فتضاربا وتصاولا تصاول الفحلين لا يقدر أحدهما على صاحبه، ~~ثم غفل ابن خازم فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على ms1389 وجهه وانقطع ~~ركاب الحريش وانتزع السيف، ولزم ابن خازم عنق فرسه # PageV03P287 # راجعا إلى أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أياما ثم مل ~~الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير بن ورقاء، وفرقة إلى ~~ناحية أخرى، وفرقة فيها الحريش إلى مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم إلى قرية ~~تسمى الملحمة، والحريش في اثني عشر رجلا، وقد تفرقت عنه أصحابه، وهم في ~~خربة، فلما انتهى إليه ابن خازم خرج إليه في أصحابه، فحمل مولى لابن خازم ~~على الحريش فضربه فلم يصنع شيئا، فقال الحريش لرجل معه: إن سيفي لا يصنع في ~~سلاحه شيئا فأعطني خشبة، فأعطاه عودا من عناب، فحمل على المولى فضربه فسقط ~~وقيذا، ثم قال لابن خازم: ما تريد مني وقد خليتك والبلاد؟ قال: إنك تعود ~~إليها. قال: لا أعود، فصالحه على أن يخرج من خراسان ولا يعود إلى قتاله، ~~فأعطاه ابن خازم أربعين ألفا، وفتح له الحريش باب القصر، فدخله ابن خازم ~~وضمن له وفاء دينه وتحدثا طويلا. # وطارت قطنة عن الضربة التي برأس ابن خازم، فأخذها الحريش ووضعها مكانها، ~~فقال له ابن خازم: مسك اليوم ألين من مسك أمس. فقال الحريش: معذرة إلى الله ~~وإليك، أما والله لولا [أن] ركابي انقطع لخالط السيف رأسك، قال الحريش في ~~ذلك: # أزال عظم ذراعي عن مركبه ... حمل الرديني في الإدلاج بالسحر # حولين ما اغتمضت عيني بمنزلة ... إلا وكفي وساد لي على حجر # بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون محال القارح الذكر # (بحير بن ورقاء بفتح الباء الموحدة، والحاء المهملة المكسورة. والحريش ~~بالحاء والراء المهملتين، والشين المعجمة) . # PageV03P288 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع طاعون الجارف بالبصرة وعليها عبيد الله بن معمر، فهلك ~~به خلق كثير، فماتت أم عبيد الله، فلم يجدوا لها من يحملها حتى استأجروا من ~~حملها، وهو الأمير. # وحج بالناس عبد الله بن الزبير. وكان على المدينة مصعب، وعلى الكوفة ابن ~~مطيع، وعلى البصرة الحارث بن ربيعة المخزومي، وعلى خراسان عبد الله بن ~~خازم. # [الوفيات] ms1390 # وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان قد عمي آخر عمره، ~~وكانت وفاته بمصر، وقيل: توفي سنة ثمان وستين. # PageV03P289 ### | [ثم دخلت سنة ست وستين] ### | 66 - # ثم دخلت سنة ست وستين # ذكر وثوب المختار بالكوفة # في هذه السنة رابع عشر ربيع الأول وثب المختار بالكوفة وأخرج عنها عبد ~~الله بن مطيع عامل عبد الله بن الزبير. # وسبب ذلك أن سليمان بن صرد لما قتل قدم من بقي من أصحابه الكوفة، فلما ~~قدموا وجدوا المختار محبوسا قد حبسه عبد الله بن يزيد الحطمي وإبراهيم بن ~~محمد بن طلحة، وقد تقدم ذكر ذلك، فكتب إليه من الحبس يثني عليهم ويمينهم ~~الظفر ويعرفهم أنه هو الذي أمره محمد بن علي، المعروف بابن الحنفية، يطلب ~~الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربة العبدي وسعد بن حذيفة بن ~~اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط الأحمسي وعبد الله بن شداد البجلي وعبد ~~الله بن كامل، فلما قرأ كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون له: إننا بحيث ~~يسرك، فإن شئت أن نأتيك ونخرجك من الحبس فعلنا. فأتاه فأخبره، فسر بذلك ~~وقال لهم: إني أخرج في أيامي هذه. # وكان المختار قد أرسل إلى ابن عمر يقول له: إنني قد حبست مظلوما، ويطلب ~~إليه أن يشفع فيه إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ~~إليهما ابن عمر في أمره، فشفعاه وأخرجاه من السجن وضمناه، وحلفاه أنه لا ~~يبغيهما غائلة ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ~~ينحرها عند الكعبة ومماليكه أحرار، ذكرهم وأنثاهم. # فلما خرج نزل بداره، فقال لمن يثق به: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون ~~أني أفي لهم! أما حلفي بالله فإنني إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها ~~(كفرت عن) # PageV03P290 # يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم، وأما هدي البدن وعتق المماليك فهو ~~أهون علي من بصقة، فوددت أن تم لي أمري ولا أملك بعده مملوكا أبدا. # ثم اختلفت إليه الشيعة واتفقوا ms1391 على الرضى به، ولم يزل أصحابه يكثرون، ~~وأمره يقوى حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد الحطمي وإبراهيم بن محمد ~~بن طلحة واستعمل عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة، فلقيه بحير بن ريسان ~~الحميري عند مسيره إلى الكوفة فقال له: لا تسر الليلة فإن القمر بالناطح ~~فلا تسر، فقال له: وهل نطلب إلا النطح! فلقي نطحا كما يريد، فكان البلاء ~~موكلا بمنطقه، وكان شجاعا. # وسار إبراهيم إلى المدينة وكسر الخوارج وقال: كانت فتنة، فسكت عنه ابن ~~الزبير. # وكان قدوم ابن مطيع في رمضان لخمس بقين منه، وجعل على شرطته إياس بن ~~مضارب العجلي، وأمره بحسن السيرة والشدة على المريب، ولما قدم صعد المنبر ~~فخطبهم وقال: أما بعد فإن أمير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني ~~بجباية فيئكم وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم، وأن أتبع وصية عمر ~~بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفان، فاتقوا الله ~~واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا ~~أنفسكم [ولا تلوموني] فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن درء الأصعر ~~المرتاب. # فقام إليه السائب بن مالك الأشعري فقال: أما حمل فيئنا برضانا فإنا نشهد ~~أنا لا نرضى أن يحمل عنا فضله وأن لا يقسم إلا فينا، وأن لا يسار فينا إلا ~~بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك، ولا حاجة لنا ~~في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطاب فينا، ~~وإن كانت أهون السيرتين علينا، وقد كان يفعل بالناس خيرا. # فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبر. # فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها. ثم نزل. # PageV03P291 # وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له: إن السائب بن مالك من رءوس ~~أصحاب المختار، فابعث إلى المختار فليأتك، فإذا جاء فاحبسه حتى يستقيم أمر ~~الناس، فإن أمره قد استجمع له وكأنه قد وثب بالمصر. # فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة ms1392 وحسين بن عبد الله البرسمي من ~~همدان، فقالا: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة: {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] الآية، فألقى ~~المختار ثيابه وقال: ألقوا علي قطيفة فقد وعكت، إني لأجد بردا شديدا، ارجعا ~~إلى الأمير فأعلماه حالي. فعادا إلى ابن مطيع فأعلماه، فتركه. ووجه المختار ~~إلى أصحابه فجمعهم حوله في الدور وأراد أن يثب في الكوفة في المحرم، فجاء ~~رجل من أصحاب شبام، وشبام حي من همدان، وكان شريفا اسمه عبد الرحمن بن ~~شريح، فلقي سعيد بن منقذ الثوري وسعر بن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد ~~الكندي وقدامة بن مالك الجشمي فقال لهم: إن المختار يريد أن يخرج بنا ولا ~~ندري أرسله ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية نخبره بما قدم ~~علينا به المختار، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه، ~~فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا. قالوا ~~له: أصبت. # فخرجوا إلى ابن الحنفية، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فأخبروه عن ~~حالهم وما هم عليه وأعلموه حال المختار وما دعاهم إليه واستأذنوه في ~~اتباعه. # فلما فرغوا من كلامهم قال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر فضيلة أهل ~~البيت والمصيبة بقتل الحسين، ثم قال لهم: وأما ما ذكرتم ممن دعاكم إلى ~~الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ~~ولو كره لقال لا تفعلوا. # فعادوا وناس من الشيعة ينتظرونهم ممن أعلموه بحالهم وكان ذلك قد شق على ~~المختار وخاف أن يعودوا بأمر يخذل الشيعة عنه، فلما قدموا الكوفة دخلوا على ~~المختار قبل دخولهم إلى بيوتهم، فقال لهم: ما وراء كم فقد فتنتم وارتبتم! ~~فقالوا له: إنا قد أمرنا بنصرك. فقال: الله أكبر، اجمعوا إلي الشيعة، فجمع ~~من كان قريبا منهم، فقال لهم: إن نفرا قد أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به ~~فرحلوا إلى الإمام المهدي، فسألوه عما قدمت ms1393 به عليكم، فنبأهم أني وزيره ~~وظهيره ورسوله وأمركم باتباعي وطاعتي فيما # PageV03P292 # دعوتكم إليه من قتال المحلين والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين. # فقام عبد الرحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ومسيرهم وأن ابن الحنفية أمرهم ~~بمظاهرته ومؤازرته، وقال لهم: ليبلغ الشاهد الغائب واستعدوا وتأهبوا. # وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا من كلامه. # فاستجمعت له الشيعة، وكان من جملتهم الشعبي وأبوه شراحيل، فلما تهيأ أمره ~~للخروج قال له بعض أصحابه: إن أشراف أهل الكوفة مجمعون على قتالكم مع ابن ~~مطيع، فإن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا، فإنه ~~فتى رئيس، وابن رجل شريف، له عشيرة ذات عز وعدد. # فقال لهم المختار: فالقوه وادعوه. فخرجوا إليه ومعهم الشعبي فأعلموه ~~حالهم وسألوه مساعدتهم عليه وذكروا له ما كان أبوه عليه من ولاء علي وأهل ~~بيته. (فقال لهم: إني قد أجبتكم إلى الطلب بدم الحسين وأهل بيته على أن ~~تولوني الأمر) فقالوا له: أنت لذلك أهل ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار ~~قد جاءنا من قبل المهدي وهو المأمور بالقتال وقد أمرنا بطاعته. فسكت ~~إبراهيم ولم يجبهم، فانصرفوا عنه فأخبروا المختار، فمكث ثلاثا ثم سار في ~~بضعة عشر من أصحابه والشعبي وأبوه فيهم إلى إبراهيم فدخلوا عليه، فألقى لهم ~~الوسائد، فجلسوا عليها وجلس المختار معه على فراشه، فقال له المختار: هذا ~~كتاب من المهدي محمد بن علي أمير المؤمنين وهو خير أهل الأرض اليوم وابن ~~خير أهلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا. # قال الشعبي: وكان الكتاب معي، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، ~~فدفعه إليه الشعبي، فقرأه فإذا فيه: من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك ~~الأشتر، سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإني ~~قد بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي وأمرته بقتال عدوي، والطلب ~~بدماء أهل بيتي، فانهض معهم بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنك إن نصرتني وأجبت ~~دعوتي، كانت لك بذلك عندي فضيلة، ms1394 ولك أعنة الخيل وكل جيش غاز وكل مصر ومنبر ~~وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام. # فلما فرغ من قراءة الكتاب قال: قد كتب إلي ابن الحنفية قبل اليوم وكتبت ~~فلم يكتب إلي باسمه واسم أبيه. قال المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان. قال: ~~فمن يعلم # PageV03P293 # أن هذا كتابه [إلي] ؟ فشهد جماعة ممن معه، منهم: زيد بن أنس وأحمر بن ~~شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم إلا الشعبي. # فلما شهدوا تأخر إبراهيم عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه ثم ~~خرجوا من عنده، وقال إبراهيم للشعبي: قد رأيتك لم تشهد مع القوم أنت ولا ~~أبوك، أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ فقال له: هؤلاء سادة القراء ومشيخة المصر ~~وفرسان العرب ولا يقول مثلهم إلا حقا. # فكتب أسماءهم وتركها عنده، ودعا إبراهيم عشيرته ومن أطاعه وأقبل يختلف ~~إلى المختار كل عشية عند المساء يدبرون أمورهم، واجتمع رأيهم على أن يخرجوا ~~ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين. # فلما كان تلك الليلة عند المغرب صلى إبراهيم بأصحابه ثم خرج يريد المختار ~~وعليه على أصحابه السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال له: ~~إن المختار خارج عليك بإحدى هاتين الليلتين وقد بعث ابني إلى الكناسة فلو ~~بعثت في كل جبانة عظيمة بالكوفة رجلا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة ~~لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك. # فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني إلى جبانة السبيع، ~~وقال: اكفني قومك ولا تحدثن بها حدثا. وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى ~~جبانة بشر. وبعث زحر بن قيس الجعفي إلى جبانة كندة. وبعث عبد الرحمن بن ~~مخنف إلى جبانة الصائديين. وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم. وبعث ~~يزيد بن رويم إلى جبانة المراد، وأوصى كلا منهم أن لا يؤتى من قبله. وبعث ~~شبث بن ربعي إلى السبخة وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم. # وكان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين، وخرج إبراهيم بن ms1395 الأشتر يريد ~~المختار ليلة الثلاثاء وقد بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالا، وأن إياس بن ~~مضارب في الشرط قد أحاط بالسوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع، ~~وقد لبسوا عليها الأقبية، فقال له أصحابه: تجنب الطريق. فقال: والله لأمرن ~~وسط السوق بجنب القصر ولأرعبن عدونا ولأرينهم هوانهم علينا. # فسار على باب الفيل ثم على دار عمرو بن حريث، فلقيهم إياس بن مضارب في # PageV03P294 # الشرط مظهرين السلاح. فقال: من أنتم؟ فقال إبراهيم: أنا إبراهيم بن ~~الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الذي معك وما تريد؟ لست بتاركك حتى آتي بك ~~الأمير. فقال إبراهيم: خل سبيلا. قال: لا أفعل، وكان مع إياس بن مضارب رجل ~~من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، وكان صديقا لابن الأشتر، فقال له ~~ابن الأشتر: ادن مني يا أبا قطن، فدنا منه، وهو يظن أن إبراهيم يطلب منه أن ~~يشفع فيه إلى إياس، فلما دنا منه أخذ رمحا كان معه وطعن به إياسا في ثغرة ~~نحره فصرعه، وأمر رجلا من قومه فاحتز رأسه، وتفرق أصحاب إياس ورجعوا إلى ~~ابن مطيع. # فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشرط، وبعث مكان راشد إلى الكناسة ~~سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد. وأقبل إبراهيم بن الأشتر ~~إلى المختار وقال له: إنا اتعدنا للخروج القابلة، وقد جاء أمر لا بد من ~~الخروج الليلة، وأخبره الخبر، ففرح المختار بقتل إياس وقال: هذا أول الفتح ~~إن شاء الله تعالى! ثم قال لسعيد بن منقذ: قم فأشعل النيران في الهوادي ~~والقصب وارفعها وسر أنت يا عبد الله بن شداد فناد: يا منصور أمت، وقم أنت ~~يا سفيان بن ليلى وأنت يا قدامة بن مالك فناديا: يا لثارات الحسين! ثم لبس ~~سلاحه. # فقال له إبراهيم: إن هؤلاء الذين في الجبابين يمنعون أصحابنا من إتياننا ~~فلو سرت إلى قومي بمن معي ودعوت من أجابني وسرت بهم في نواحي الكوفة ودعوت ~~بشعارنا لخرج إلينا من أراد الخروج ومن أتاك حبسته عندك ms1396 إلى من معك، فإن ~~عوجلت كان عندك من يمنعك إلى أن آتيك. فقال له: افعل وعجل وإياك أن تسير ~~إلى أميرهم تقاتله ولا تقاتل أحدا وأنت تستطيع أن لا تقاتله إلا أن يبدأك ~~أحد بقتال. # فخرج إبراهيم وأصحابه حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان أجابه، وسار ~~بهم في سكك المدينة ليلا طويلا وهو ينتخب المواضع التي فيها الأمراء الذين ~~وضعهم ابن مطيع، فلما انتهى إلى مسجد السكون أتاه جماعة من خيل زحر بن قيس ~~الجعفي ليس عليهم أمير، فحمل عليهم إبراهيم فكشفهم حتى أدخلهم جبانة كندة ~~وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك وثرنا لهم فانصرنا على ~~هؤلاء. # ثم رجع إبراهيم عنهم بعد أن هزمهم، ثم سار حتى أتى جبانة أثير، فتنادوا ~~بشعارهم، فوقف فيها، فأتاه سويد بن عبد الرحمن المنقري ورجا أن يصيبهم ~~فيحظى بها عند ابن مطيع، فلم يشعر به إبراهيم إلا وهو معه فقال إبراهيم ~~لأصحابه: يا شرطة # PageV03P295 # الله انزلوا فإنكم أولى بالنصر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء أهل ~~بيت نبيكم، فنزلوا، ثم حمل عليهم إبراهيم حتى أخرجهم إلى الصحراء فانهزموا، ~~فركب بعضهم بعضا وهم يتلاومون، وتبعهم حتى أدخلهم الكناسة، فقال لإبراهيم ~~أصحابه: اتبعهم واغتنم ما دخلهم من الرعب. فقال: لا ولكن نأتي صاحبنا يؤمن ~~الله بنا وحشته، ويعلم ما كان من نصرنا له فيزداد هو وأصحابه قوة، مع أني ~~لا آمن أن يكون قد أتي. # ثم سار إبراهيم حتى أتى باب المختار، فسمع الأصوات عالية والقوم يقتتلون، ~~وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبأ له المختار يزيد بن أنس. وجاء ~~حجار بن أبجر العجلي فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط. فبينما الناس ~~يقتتلون إذ جاء إبراهيم من قبل القصر فبلغ حجارا وأصحابه أن إبراهيم قد ~~أتاهم من ورائهم، فتفرقوا في الأزقة قبل أن يأتيهم، وجاء قيس بن طهفة ~~النهدي في قريب من مائة، وهو من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي (وهو ~~يقاتل يزيد بن ms1397 أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا وأقبل شبث) إلى ابن مطيع ~~وقال له: اجمع الأمراء الذين بالجبابين وجميع الناس ثم أنفذ إلى هؤلاء ~~فقاتلهم، فإن أمرهم قد قوي وقد خرج المختار وظهر واجتمع له أمره. # فلما بلغ قوله المختار خرج في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند في ~~السبخة وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم يخافون ~~أن يظهروا لقرب كعب الخثعمي منهم، وكان قد أخذ عليهم أفواه السكك. فلما ~~أتاهم أبو عثمان في جماعة من أصحابه نادى: يا لثارات الحسين! يا منصور أمت ~~أمت! يا أيها الحي المهتدون، إن أمين آل محمد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند ~~وبعثني إليكم داعيا ومبشرا، فاخرجوا رحمكم الله! فخرجوا يتداعون: يا لثارات ~~الحسين! وقاتلوا كعبا حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار فنزلوا معه، ~~وخرج عبد الله بن قتادة في نحو من مائتين فنزل مع المختار، وكان قد تعرض ~~لهم كعب، فلما عرفهم أنهم من قومه خلى عنهم. وخرجت شبام، وهم حي من همدان، ~~من آخر ليلتهم، فبلغ خبرهم # PageV03P296 # عبد الرحمن بن سعيد الهمداني، فأرسل إليهم: إن كنتم تريدون المختار فلا ~~تمروا على جبانة السبيع. فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف ~~وثمانمائة من اثني عشر ألفا كانوا بايعوه، فاجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح ~~وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس. # وأرسل ابن مطيع إلى الجبابين فأمر من بها أن يأتوا المسجد، وأمر راشد بن ~~إياس فنادى في الناس: برئت الذمة من رجل لم يأت المسجد الليلة. فاجتمعوا ~~فبعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن ~~إياس في أربعة آلاف من الشرط. # فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح، فأرسل من أتاه ~~بخبرهم، وأتى إلى المختار ذلك الوقت سعر بن أبي سعر الحنفي، وهو من أصحابه، ~~لم يقدر على إتيانه إلا تلك الساعة، فرأى راشد بن إياس في طريقه فأخبر ~~المختار خبره أيضا، فبعث ms1398 المختار إبراهيم بن الأشتر إلى راشد في سبع مائة، ~~وقيل في ستمائة فارس وستمائة راجل، وبعث نعيم بن هبيرة، أخا مصقلة بن ~~هبيرة، في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل وأمره بقتال شبث بن ربعي ومن معه، ~~وأمرهما بتعجيل القتال وأن لا يستهدفا لعدوهما فإنه أكثر منهما، فتوجه ~~إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث بن ربعي في ~~تسعمائة أمامه، فتوجه نعيم إلى شبث فقاتله قتالا شديدا، فجعل نعيم سعر بن ~~أبي سعر على الخيل ومشى هو في الرجالة فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، ~~فانهزم أصحاب شبث حتى دخلوا البيوت، فناداهم شبث وحرضهم، فرجع إليه منهم ~~جماعة، فحملوا على أصحاب نعيم وقد تفرقوا، فهزمهم، وصبر نعيم فقتل، وأسر ~~سعر بن أبي سعر وجماعة من أصحابه، فأطلق العرب وقتل الموالي، وجاء شبث حتى ~~أحاط بالمختار، وكان قد وهن لقتل نعيم. # وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رويم في ألفين، فوقفوا في أفواه السكك، ~~وولى المختار يزيد بن أنس خيله وخرج هو في الرجالة، فحملت عليه خيل شبث فلم ~~يبرحوا مكانهم، فقال لهم يزيد بن أنس: يا معشر الشيعة إنكم كنتم تقتلون ~~وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت ~~نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إذا ~~ظهروا عليكم اليوم؟ والله # PageV03P297 # لا يدعون منكم عينا تطرف، وليقتلنكم صبرا، ولترون منهم في أولادكم ~~وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلا الصدق ~~والصبر والطعن الصائب والضرب الدراك، تهيئوا للحملة، فتيسروا ينتظرون أمره ~~وجثوا على ركبهم. # وأما إبراهيم بن الأشتر فإنه لقي راشدا فإذا معه أربعة آلاف، فقال ~~إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فوالله لرب رجل خير من عشرة، ~~والله مع الصابرين. وقدم خزيمة بن نصر إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في ~~الرجالة، وأخذ إبراهيم يقول لصاحب رايته: تقدم برايتك، امض بهؤلاء وبها. # واقتتل الناس قتالا شديدا، وحمل خزيمة بن نصر العبسي على راشد فقتله، ms1399 ثم ~~نادى: قتلت راشدا ورب الكعبة! وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم وخزيمة ومن ~~معهما بعد قتل راشد نحو المختار، وأرسل البشير إلى المختار بقتل راشد، فكبر ~~هو وأصحابه وقويت نفوسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل. # وأرسل ابن مطيع حسان بن فائد بن بكر العبسي في جيش كثيف نحو ألفين، ~~فاعترض إبراهيم ليرده عمن بالسبخة من أصحاب ابن مطيع، فتقدم إليهم إبراهيم، ~~فانهزموا من غير قتال، وتأخر حسان يحمي أصحابه، فحمل عليه خزيمة، فعرفه ~~فقال: يا حسان لولا القرابة لقتلتك، فانج بنفسك. # فعثر به فرسه فوقع، فابتدره الناس، فقاتل ساعة، قال له خزيمة: أنت آمن ~~فلا تقتل نفسك، وكف عنه الناس وقال إبراهيم: هذا ابن عمي وقد آمنته، فقال: ~~أحسنت! وأمر بفرسه فأحضر فأركبه وقال: الحق بأهلك. # وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث بن ربعي محيط به، فلقيه يزيد بن الحارث ~~وهو على أفواه السكك التي تلي السبخة، فأقبل إلى إبراهيم ليصده عن شبث ~~وأصحابه، فبعث إبراهيم إليه طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر وسار نحو ~~المختار وشبث فيمن بقي معه، فلما دنا منهم إبراهيم حمل على شبث، وحمل يزيد ~~بن أنس، فانهزم شبث ومن معه إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة بن نصر على يزيد ~~بن الحارث فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك وفوق البيوت وأقبل المختار. ~~فلما انتهى إلى أفواه السكك رمته الرماة بالنبل فصدوه عن الدخول إلى الكوفة ~~من ذلك الوجه. # ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس فسقط ~~في يده، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: أيها الرجل لا تلق بيدك واخرج إلى ~~الناس واندبهم إلى عدوك، فإن الناس كثير وكلهم معك إلا هذه الطائفة التي ~~خرجت والله يخزيها، وأنا أول منتدب، فانتدب معي طائفة ومع غيري طائفة. # PageV03P298 # فخرج ابن مطيع فقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وأمرهم بالخروج إلى ~~المختار وأصحابه. # ولما رأى المختار أنه قد منعه يزيد بن الحارث من دخول الكوفة عدل إلى ~~بيوت مزينة وأحمس وبارق، وبيوتهم منفردة، فسقوا ms1400 أصحابه الماء ولم يشرب هو، ~~فإنه كان صائما، فقال أحمر بن شميط لابن كامل: أتراه صائما؟ قال: نعم. قال: ~~لو أفطر كان أقوى له. قال: إنه معصوم، وهو أعلم بما يصنع. فقال أحمر: صدقت، ~~أستغفر الله. # فقال المختار: نعم المكان للقتال هذا. فقال إبراهيم: إن القوم قد هزمهم ~~الله وأدخل الرعب في قلوبهم، سر بنا، فوالله ما دون القصر مانع. فترك ~~المختار هناك كل شيخ ضعيف ذي علة (ونقلهم) واستخلف عليهم أبا عثمان النهدي، ~~وقدم إبراهيم أمامه، وبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج (في ألفين، فخرج عليهم، ~~فأرسل المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه، فطواه وأقام، وأمر ~~المختار يزيد بن أنس أن يواقف عمرو بن الحجاج) ، فمضى إليه، وسار المختار ~~في أثر إبراهيم، ثم وقف في موضع مصلى خالد بن عبد الله ومضى إبراهيم ليدخل ~~الكوفة من نحو الكناسة، فخرج إليه شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح إليه ~~المختار سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وأرسل إلى إبراهيم يأمره بالمسير، ~~فسار حتى انتهى إلى سكة شبث، فإذا نوفل بن مساحق في ألفين، وقيل خمسة آلاف، ~~وهو الصحيح، وقد أمر ابن مطيع مناديا فنادى في الناس أن الحقوا بابن مساحق. # وخرج ابن مطيع فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعي على القصر، فدنا ابن ~~الأشتر من ابن مطيع فأمر أصحابه بالنزول وقال لهم: لا يهولنكم أن يقال جاء ~~شبث وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل يزيد بن الحارث وآل فلان، فسمى ~~بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو وجدوا حر السيوف لانهزموا عن ابن ~~مطيع انهزام المعزى من الذئب. ففعلوا ذلك. # وأخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فأدخله في منطقته، وكان القباء على الدرع، ~~فلم يلبثوا حين حمل عليهم أن انهزموا يركب بعضهم بعضا على أفواه السكك ~~وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بعنان دابته ورفع السيف ~~عليه، فقال له: يا ابن الأشتر أنشدك الله هل بيني وبينك من إحنة أو تطلبني ~~بثأر؟ فخلى سبيله، وقال: # PageV03P299 # اذكرها. ms1401 فكان يذكرها له. # ودخلوا الكناسة في آثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ومعه ~~الأشراف من الناس غير عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ثم خرج إلى البر، وجاء ~~المختار حتى نزل جانب السوق. وولى إبراهيم حصار القصر ومعه يزيد بن أنس ~~وأحمر بن شميط، فحصروهم ثلاثا، فاشتد الحصار عليهم، فقال شبث لابن مطيع: ~~(انظر لنفسك ولمن معك فوالله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. فقال: ~~أشيروا علي. فقال شبث) : الرأي أن تأخذ لنفسك ولنا أمانا ونخرج ولا تهلك ~~نفسك ومن معك. فقال ابن مطيع: إني لأكره أن آخذ منه أمانا، والأمور لأمير ~~المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة. قال: فتخرج ولا يشعر بك أحد، فتنزل ~~بالكوفة عند من تثق به حتى تلحق بصاحبك. # وأشار بذلك عبد الرحمن بن سعيد وأسماء بن خارجة وابن مخنف وأشراف الكوفة، ~~فأقام حتى أمسى وقال لهم: قد علمت أن الذين صنعوا هذا بكم أراذلكم وأخساؤكم ~~وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم سامعون مطيعون، وأنا مبلغ ذلك صاحبي ومعلمه ~~طاعتكم وجهادكم حتى كان الله الغالب على أمره. فأثنوا عليه خيرا. # وخرج عنهم وأتى دار أبي موسى، (فجاء ابن الأشتر ونزل) القصر، ففتح أصحابه ~~الباب وقالوا: يا ابن الأشتر آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون. # فخرجوا فبايعوا المختار، ودخل المختار القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس ~~في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ~~فقال: # الحمد لله الذي وعد وليه النصر وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر ~~وعدا مفعولا وقضاء مقضيا، وقد خاب من افترى، أيها الناس إنا رفعت لنا راية ~~ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها وفي الغاية أن اجروا إليها ~~ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية لقتلى في ~~الواعية، وبعدا لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس ~~وبايعوا بيعة هدى، فلا والذي # PageV03P300 # جعل السماء سقفا مكفوفا، والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن ~~أبي طالب وآل علي ms1402 أهدى منها! # ثم نزل ودخل عليه أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، والدفع عن ~~الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا. # وكان ممن بايعه المنذر بن حسان وابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبله ~~سعيد بن منقذ الثوري في جماعة من الشيعة، فلما رأوهما قالوا: هذان والله من ~~رءوس الجبارين، فقتلوا المنذر وابنه حسان، فنهاهم سعيد حتى يأخذوا أمر ~~المختار، فلم ينتهوا، فلما سمع المختار ذلك كرهه، وأقبل المختار يمني ~~الناس، ويستجر مودة الأشراف، ويحسن السيرة. # وقيل له: إن ابن مطيع في دار أبي موسى، فسكت، فلما أمسى بعث له بمائة ألف ~~درهم وقال: تجهز بهذه فقد علمت مكانك، وأنك لم يمنعك من الخروج إلا عدم ~~النفقة. وكان بينهما صداقة. # ووجد المختار في بيت المال تسعة آلاف ألف، (فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم ~~حين حصر ابن مطيع في القصر، وهم ثلاثة [آلاف] وخمسمائة) ، لكل رجل منهم ~~خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعدما أحاط بالقصر، وأقاموا ~~معه تلك الليلة وتلك الأيام الثلاثة مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ~~وجعل الأشراف جلساءه، وجعل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه ~~كيسان أبا عمرة. # فقام أبو عمرة على رأسه ذات يوم وهو مقبل على الأشراف بحديثه ووجهه، فقال ~~لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ~~ينظر إلينا؟ فسأله المختار عما قالوا، فأخبره، فقال: قل لهم لا يشق عليهم ~~ذلك، فأنتم مني وأنا منكم، وسكت طويلا ثم قرأ: {إنا من المجرمين منتقمون} ~~[السجدة: 22] . فلما سمعوها قال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله قد قتلتم. ~~يعني الرؤساء. # وكان أول راية عقدها المختار لعبد الله بن الحارث أخي الأشتر على ~~أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن ~~سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث ~~قدامة بن # PageV03P301 # أبي عيسى بن ms1403 زمعة النصري حليف ثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب ~~بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وأمره ~~بقتال الأكراد وإقامة الطرق. # وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما ولي ~~المختار وبعث عبد الرحمن بن سعيد إلى الموصل أميرا سار محمد عنها إلى ~~تكريت، ينظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه. # فلما فرغ المختار مما يريد صار يجلس للناس ويقضي بينهم، ثم قال: إن لي ~~فيما أحاول لشغلا عن القضاء، ثم أقام شريحا يقضي بين الناس، ثم خافهم شريح ~~فتمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ ~~هانئ بن عروة ما أرسله به، وإن عليا عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحا ذلك ~~منهم تمارض، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم إن عبد الله ~~مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي. # ذكر قتل المختار قتلة الحسين - عليه السلام - # وفي هذه السنة وثب المختار بمن بالكوفة من قتلة الحسين. # وكان سبب ذلك أن مروان بن الحكم لما استوسق له الشام بعث جيشين: أحدهما ~~إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القيني، وقد ذكرنا أمره وقتله، والجيش الآخر ~~إلى العراق مع عبيد الله بن زياد، وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين، ~~وكان قد جعل لابن زياد ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة ثلاثا، فاحتبس ~~بالجزيرة وبها قيس عيلان مع زفر بن الحارث على طاعة ابن الزبير، فلم يزل ~~عبيد الله بن زياد مشتغلا بهم عن العراق نحو سنة. # فتوفي مروان وولي بعده ابنه عبد الملك بن مروان، فأقر ابن زياد على ما ~~كان أبوه ولاه، وأمره بالجد في أمره. # فلما لم يمكنه في زفر ومن معه من قيس شيء أقبل إلى الموصل، فكتب # PageV03P302 # عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إلى المختار يخبره بدخول ابن زياد أرض ~~الموصل، وأنه قد تنحى له عن الموصل إلى ms1404 تكريت. فدعا المختار يزيد بن أنس ~~الأسدي، وأمره أن يسير إلى الموصل، فينزل بأداني أرضها حتى يمده بالجنود، ~~فقال له يزيد: خلني أنتخب ثلاثة آلاف فارس، وخلني مما توجهني إليه، فإن ~~احتجت كتبت إليك أستمدك. فأجابه المختار، فانتخب له ثلاثة آلاف، وسار عن ~~الكوفة، وسار معه المختار والناس يشيعونه، فلما ودعه قال له: إذا لقيت عدوك ~~فلا تناظرهم، وإذا مكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك كل يوم عندي، وإن ~~احتجت إلى مدد فاكتب إلي، مع أني ممدك وإن لم تستمد ; لأنه أشد لعضدك، ~~وأرعب لعدوك. ودعا له الناس بالسلامة، ودعوا له، فقال لهم: اسألوا الله لي ~~بالشهادة، فوالله لئن فاتني النصر لا تفوتني الشهادة. # فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد أن خل بين يزيد وبين البلاد. # فسار يزيد إلى المدائن، ثم سار إلى أرض جوخى والراذانات إلى أرض الموصل، ~~فنزل بباتلى، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثن إلى كل ألف ألفين. فأرسل ~~ربيعة بن مخارق الغنوي في ثلاثة آلاف، وعبد الله بن جملة الخثعمي في ثلاثة ~~آلاف، فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم فنزل بيزيد بن أنس (بباتلى، فخرج يزيد ~~بن أنس) وهو مريض شديد المرض، راكب على حمار يمسكه الرجال، فوقف على أصحابه ~~وعبأهم وحثهم على القتال، وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن العازب الأسدي، ~~فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر ~~الحنفي، وجعل على ميمنته عبد الله، وعلى ميسرته سعرا، وعلى الخيل ورقاء، ~~ونزل هو، فوضع بين الرجال على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو ~~فروا عنه. وهو يأمر الناس بما يفعلون، ثم يغمى عليه، ثم يفيق. # واقتتل الناس عند فلق الصبح يوم عرفة، واشتد قتالهم إلى ارتفاع الضحى، ~~فانهزم أهل الشام وأخذ عسكرهم، وانتهى أصحاب يزيد إلى ربيعة بن مخارق وقد ~~انهزم عنه أصحابه، وهو نازل ينادي: يا أولياء الحق، أنا ابن مخارق، إنما ~~تقاتلون العبيد الأباق ومن ترك الإسلام وخرج منه! فاجتمع إليه جماعة، ~~فقاتلوا ms1405 معه، فاشتد القتال، ثم انهزم أهل الشام وقتل ربيعة بن مخارق، وقتله ~~عبد الله بن ورقاء الأسدي، وعبد الله بن ضمرة # PageV03P303 # العذري، فلم يسر المنهزمون غير ساعة حتى لقيهم عبد الله بن جملة في ثلاثة ~~آلاف فرد معه المنهزمين. # ونزل يزيد بباتلى، فباتوا ليلتهم يتحارسون، فلما أصبحوا يوم الأضحى خرجوا ~~إلى القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم نزلوا فصلوا الظهر، ثم عادوا إلى ~~القتال، فانهزم أهل الشام وترك ابن جملة في جماعة، فقاتل قتالا شديدا، فحمل ~~عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوى أهل الكوفة عسكرهم، وقتلوا فيهم ~~قتلا ذريعا، وأسروا منهم ثلاثمائة أسير، وأمر يزيدبن أنس بقتلهم، وهو بآخر ~~رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فدفنه أصحابه وسقط في أيديهم. # وكان قد استخلف ورقاء بن عازب الأسدي، فصلى عليه ثم قال لأصحابه: ماذا ~~ترون؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل إليكم في ثمانين ألفا، وإنما أنا ~~رجل منكم، فأشيروا علي، فإني لا أرى لنا بأهل الشام طاقة على هذه الحال، ~~وقد هلك يزيد وتفرق عنا بعض من معنا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا ~~لقالوا: إنما رجعنا عنهم لموت أميرنا، ولم يزالوا لنا هائبين، وإن لقيناهم ~~اليوم كنا مخاطرين، فإن هزمونا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم بالأمس. ~~فقالوا: نعم ما رأيت. فانصرفوا. # فبلغ ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس بالمختار وقالوا: إن يزيد ~~قتل، ولم يصدقوا أنه مات. فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر، وأمره على سبعة ~~آلاف وقال له: سر، فإذا لقيت جيش يزيدبن أنس فأنت الأمير عليهم، فارددهم ~~معك حتى تلقى ابن زياد وأصحابه فتناجزهم. فخرج إبراهيم فعسكر بحمام أعين ~~وسار، فلما سار اجتمع أشراف الكوفة عند شبث بن ربعي وقالوا: والله إن ~~المختار تأمر علينا بغير رضى منا، ولقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب ~~وأعطاهم فيئنا. وكان شبث شيخهم، وكان جاهليا إسلاميا، فقال لهم شبث: دعوني ~~حتى ألقاه. # فذهب إليه، فلم يدع شيئا أنكروه إلا ذكره له، فأخذ لا يذكر خصلة إلا قال ~~له المختار: ms1406 أنا أرضيهم في هذه الخصلة، وآتي لهم كل ما أحبوا. وذكر له ~~الموالي ومشاركتهم في الفيء، فقال له: إن أنا تركت مواليكم، وجعلت فيئكم ~~لكم، تقاتلون معي # PageV03P304 # بني أمية وابن الزبير، وتعطوني على الوفاء عهد الله وميثاقه، وما أطمئن ~~إليه من الأيمان؟ فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابي، فأذكر لهم ذلك. فخرج ~~إليهم، فلم يرجع إليه، وأجمع رأيهم على قتاله. # فاجتمع شبث بن ربعي، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وشمر ~~- حتى دخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي، فكلموه في ذلك، فأجابهم إليه، ~~فخرجوا من عنده حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فدعوه إلى ذلك، ~~فقال لهم: إن أطعتموني لم تخرجوا. فقالوا له: لم؟ فقال: لأني أخاف أن ~~تتفرقوا وتختلفوا، ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان، ثم معه ~~عبيدكم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، ومواليكم أشد حنقا عليكم من عدوكم، ~~فهم مقاتلوكم بشجاعة العرب وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه ~~بقدوم أهل الشام، (أو مجيء أهل البصرة، فتكونوا قد كفيتموه) بغيركم، ولم ~~تجعلوا بأسكم بينكم. فقالوا: ننشدك الله أن تخالفنا وتفسد علينا رأينا، وما ~~أجمعنا عليه! فقال: إنما أنا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا. # فوثبوا بالمختار بعد مسير إبراهيم بن الأشتر، وخرجوا بالجبابين، كل رئيس ~~بجبانة. فلما بلغ المختار خروجهم أرسل قاصدا مجدا إلى إبراهيم بن الأشتر، ~~فلحقه وهو بساباط يأمره بالرجوع والسرعة، وبعث المختار إليهم في ذلك: ~~أخبروني ماذا تريدون، فإني صانع كل ما أحببتم. قالوا: نريد أن تعتزلنا، ~~فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك، ولم يبعثك. قال: فأرسلوا إليه وفدا من ~~قبلكم، وأرسل أنا إليه وفدا، ثم انظروا في ذلك حتى يظهر لكم. وهو يريد أن ~~يريثهم بهذه المقالة حتى يقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وأمر أصحابه فكفوا ~~أيديهم، وقد أخذ عليهم أهل الكوفة بأفواه السكك، فلا يصل إليهم شيء إلا ~~القليل. # وخرج عبد الله بن سبيع في الميدان، فقاتله بنو شاكر قتالا شديدا، فجاءه ~~عقبة بن طارق الجشمي فقاتل معه ساعة ms1407 حتى ردهم عنه، ثم أقبل فنزل عقبة مع ~~شمر ومعه قيس عيلان في جبانة سلول، ونزل عبد الله بن سبيع مع أهل اليمن في ~~جبانة السبيع. # ولما سار رسول المختار وصل إلى ابن الأشتر عشية يومه، فرجع ابن الأشتر ~~بقية # PageV03P305 # عشيته (تلك، ثم نزل حين) أمسى، [فتعشى أصحابه] وأراحوا دوابهم قليلا، ثم ~~سار ليلته كلها ومن الغد، فوصل العصر وبات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه ~~أهل القوة. ولما اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس ~~من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول ~~الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي. ففعلوا، فلم ~~يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة. # ثم إن المختار عبأ أصحابه في السوق، وليس فيه بنيان، فأمر ابن الأشتر ~~فسار إلى مضر وعليهم شبث بن ربعي، ومحمد بن عمير بن عطارد، وهم بالكناسة، ~~وخشي أن يرسله إلى أهل اليمن، فلا يبالغ في قتال قومه. وسار المختار نحو ~~أهل اليمن بجبانة السبيع، ووقف عند دار عمرو بن سعيد، وسرح بين يديه أحمر ~~بن شميط البجلي، وعبد الله بن كامل الشاكري، وأمر كلا منهما بلزوم طريق ~~ذكره له يخرج إلى جبانة السبيع، وأسر إليهما أن شباما قد أرسلوا إليه ~~يخبرونه أنهم يأتون القوم من ورائهم، فمضيا كما أمرهما. # فبلغ أهل اليمن مسيرهما، فافترقوا إليهما، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، ~~ثم انهزم أصحاب أحمر بن شميط وأصحاب ابن كامل، ووصلوا إلى المختار، فقال: ~~ما وراءكم؟ قالوا: هزمنا، وقد نزل أحمر بن شميط ومعه ناس من أصحابه. وقال ~~أصحاب ابن كامل: ما ندري ما فعل ابن كامل. # فأقبل بهم المختار نحو القوم حتى بلغ دار أبي عبد الله الجدلي، فوقف، ثم ~~أرسل عبد الله بن قراد الخثعمي في أربعمائة إلى ابن كامل وقال له: إن كان ~~قد هلك فأنت مكانه وقاتل القوم، وإن كان حيا فاترك عنده ثلاثمائة من ~~أصحابك، وامض في مائة حتى تأتي جبانة السبيع، فتأتي أهلها ms1408 من ناحية حمام ~~قطن. # فمضى فوجد ابن كامل يقاتلهم في جماعة من أصحابه قد صبروا معه، فترك عنده ~~ثلاثمائة رجل، وسار في مائة حتى أتى مسجد عبد القيس، وقال لأصحابه: إني أحب ~~أن يظهر المختار، وأكره أن تهلك أشراف عشيرتي اليوم، ووالله لأن أموت أحب ~~إلي من أن يهلكوا على يدي، ولكن قفوا، فقد سمعت أن شباما يأتونهم من ~~ورائهم، فلعلهم يفعلون ذلك ونعافى نحن منه. فأجابه إلى ذلك، فبات عند مسجد ~~عبد القيس. # PageV03P306 # وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي، وكان شجاعا، وعبد الله بن شريك النهدي ~~في أربعمائة إلى أحمر بن شميط، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكثروه، فاشتد ~~قتالهم عند ذلك. # وأما ابن الأشتر، فإنه مضى إلى مضر فلقي شبث بن ربعي ومن معه، فقال لهم ~~إبراهيم: ويحكم انصرفوا، فما أحب أن يصاب من مضر على يدي. فأبوا وقاتلوه، ~~فهزمهم، وجرح حسان بن فائد العبسي، فحمل إلى أهله فمات، فكان مع شبث، وجاءت ~~البشارة إلى المختار بهزيمة مضر، فأرسل إلى أحمر بن شميط وابن كامل ~~يبشرهما، فاشتد أمرهما. # فاجتمع شبام، وقد رأسوا عليهم أبا القلوص، ليأتوا أهل اليمن من ورائهم، ~~فقال بعضهم لبعض: لو جعلتم جدكم على مضر وربيعة لكان أصوب، وأبو القلوص ~~ساكت، فقالوا: ما تقول؟ فقال: قال الله - تعالى -: {قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار} [التوبة: 123] . فساروا معه نحو أهل اليمن، فلما خرجوا إلى جبانة ~~السبيع لقيهم على فم السكة الأعسر الشاكري، فقتلوه ونادوا في الجبانة، وقد ~~دخلوها: يا لثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران الهمداني فقال: ~~يا لثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: ما لنا ولعثمان! لا أقاتل مع قوم ~~يبغون دم عثمان. فقال له ناس من قومه: جئت بنا وأطعناك، حتى إذا رأينا ~~قومنا تأخذهم السيوف قلت: انصرفوا ودعوهم! فعطف عليهم وهو يقول، شعر: # أنا ابن شداد على دين علي ... لست لعثمان بن أروى بولي # لأصلين اليوم فيمن يصطلي ... بحر نار الحرب غير مؤتل # فقاتل حتى قتل. # وكان رفاعة مع المختار، ms1409 فلما رأى كذبه أراد قتله غيلة، قال: فمنعني قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ائتمنه رجل على دمه فقتله، فأنا منه ~~بريء» . # PageV03P307 # فلما كان هذا اليوم قاتل مع أهل الكوفة، فلما سمع يزيد بن عمير يقول: يا ~~لثارات عثمان - عاد عنهم، فقاتل مع المختار حتى قتل، وقتل يزيد بن عمير بن ~~ذي مران، والنعمان بن صهبان الجرمي، وكان ناسكا، وقتل الفرات بن زحر بن ~~قيس، وجرح أبوه زحر، وقتل عبد الله بن سعيد بن قيس، وقتل عمر بن مخنف، ~~وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى جرح، وحملته الرجال على أيديهم وما يشعر، ~~وقاتل حوله رجال من الأزد، وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة، وأخذ من دور ~~الوادعيين خمسمائة أسير، فأتى بهم المختار مكتفين، فأمر المختار بإحضارهم ~~وعرضهم عليه، وقال: انظروا من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني. فقتل كل من ~~شهد قتل الحسين، فقتل منهم مائتين وثمانية وأربعين قتيلا، وأخذ أصحابه ~~يقتلون كل من كان يؤذيهم. # فلما سمع المختار بذلك أمر بإطلاق كل من بقي من الأسارى، وأخذ عليهم ~~المواثيق أن لا يجامعوا عليه عدوا، ولا يبغوه وأصحابه غائلة، ونادى منادي ~~المختار: من أغلق بابه فهو آمن، إلا من شرك في دماء آل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين، فركب راحلته وأخذ طريق ~~واقصة، فلم ير له خبر حتى الساعة، وقيل: أدركه أصحاب المختار وقد سقط من ~~شدة العطش، فذبحوه وأخذوا رأسه. # ولما قتل فرات بن زحر بن قيس أرسلت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية، ~~وكانت امرأة الحسين، إلى المختار تسأله أن يأذن لها في دفنه، ففعل، فدفنته. # وبعث المختار غلاما له يدعى زربى (في طلب شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحابه، ~~فلما دنوا منه قال شمر لأصحابه: تباعدوا عني، لعلي يطمع في، فتباعدوا عنه، ~~فطمع زربى عن أصحابه، ثم حمل عليه شمر فقتله، وسار شمر حتى نزل (مساء ~~ساتيدما، ثم سار حتى نزل) منه قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ ms1410 نهر إلى ~~جانب تل، ثم أرسل إلى أهل تلك القرية، فأخذ منها علجا فضربه وقال: امض ~~بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير. فمضى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة ~~صاحب المختار، وكان قد أرسله المختار إلى تلك القرية ليكون مسلحة بينه وبين ~~أهل البصرة، فلقي ذلك # PageV03P308 # العلج علجا آخر من تلك القرية، فشكا إليه ما لقي من شمر، فبينا هو يكلمه ~~إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة اسمه عبد الرحمن بن أبي الكنود، فرأى ~~الكتاب وعنوانه: لمصعب بن الزبير من شمر، فقالوا للعلج: أين هو؟ فأخبرهم، ~~فإذا ليس بينه وبينهم إلا ثلاثة فراسخ، قال: فأقبلوا يسيرون إليه. وكان قد ~~قال لشمر أصحابه: لو ارتحلت بنا من هذه القرية، فإنا نتخوف بها، فقال: أوكل ~~هذا فزعا من الكذاب؟ ! والله لا أتحول منها ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم ~~رعبا. فإنهم لنيام إذ سمع وقع الحوافر، فقالوا في أنفسهم: هذا صوت الدبا. ~~ثم اشتد، فذهب أصحابه ليقوموا فإذا بالخيل قد أشرفت من التل، فكبروا ~~وأحاطوا بالأبيات، فولى أصحابه هاربين وتركوا خيولهم، وقام شمر وقد اتزر ~~ببرد، وكان أبرص، فظهر بياض برصه من فوق البرد وهو يطاعنهم بالرمح، وقد ~~عجلوه عن لبس ثيابه وسلاحه، وكان أصحابه قد فارقوه، فلما أبعدوا عنه سمعوا ~~التكبير وقائلا يقول: قتل الخبيث، قتله ابن أبي الكنود. وهو الذي رأى ~~الكتاب مع العلج، وألقيت جثته للكلاب، قال: وسمعته بعد أن قاتلنا بالرمح، ~~ثم ألقاه وأخذ السيف، فقاتلنا به وهو يرتجز، شعر: # نبهتم ليث عرين باسلا ... جهما محياه يدق الكاهلا # لم ير يوما عن عدو ناكلا ... إلا كذا مقاتلا أو قاتلا # يبرحهم ضربا ويروي العاملا # وأقبل المختار إلى القصر من جبانة السبيع ومعه سراقة بن مرداس البارقي ~~أسيرا فناداه، شعر: امنن علي اليوم يا خير معد (وخير من حل بشحر والجند) # PageV03P309 # وخير من لبى وحيا وسجد # فأرسله المختار إلى السجن ثم أحضره من الغد، فأقبل إليه وهو يقول، شعر: # ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا ms1411 # خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا # لقينا منهم ضربا طلحفا ... وطعنا صائبا حتى انثنينا # نصرت على عدوك كل يوم ... بكل كتيبة تنعى حسينا # كنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا # فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا # تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا # قال: فلما انتهى إلى المختار قال: أصلح الله الأمير، أحلف بالله الذي لا ~~إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء ~~والأرض. فقال له المختار: اصعد المنبر فأعلم الناس. فصعد فأخبرهم بذلك ثم ~~نزل، فخلا به [المختار] فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئا، وإنما أردت ~~ما قد عرفت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئت لا تفسد علي أصحابي. فخرج إلى ~~البصرة فنزل عند مصعب وقال، شعر: # ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهما مصمتات # كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات # أري عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات # PageV03P310 # وقتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وادعى قتله سعر بن أبي ~~سعر، وأبو الزبير الشبامي، وشبام، من همدان، ورجل آخر، فقال ابن عبد الرحمن ~~لأبي الزبير الشبامي: أتقتل أبي عبد الرحمن سيد قومك؟ فقرأ: {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] ~~الآية. # وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه، وكان أكثر القتل ذلك ~~اليوم في أهل اليمن. وكانت الوقعة لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين. # وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتلة الحسين، وقال: ما ~~من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياء، بئس ناصر آل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - أنا إذا في الدنيا، أنا إذا الكذاب كما سموني، وإني أستعين بالله ~~عليهم فسموهم لي، ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإني لا يسوغ لي الطعام والشراب ~~حتى أطهر الأرض منهم. فدل على عبد الله بن أسيد الجهني، ومالك بن بشير ~~البدي، وحمل بن ms1412 مالك المحاربي، فبعث إليهم المختار فأحضرهم من القادسية، ~~فلما رآهم قال: يا أعداء الله ورسوله! أين الحسين بن علي؟ أدوا إلي الحسين، ~~قتلتم من أمرتم بالصلاة عليهم. فقالوا: رحمك الله! بعثنا كارهين فامنن ~~علينا واستبقنا. فقال لهم: هلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم فاستبقيتموه ~~وسقيتموه؟ وكان البدي صاحب برنسه، فأمر بقطع يديه ورجليه، وترك يضطرب حتى ~~مات، وقتل الآخرين، وأمر بزياد بن مالك الضبعي، وبعمران بن خالد القشيري، ~~وبعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي، وبعبد الله بن قيس الخولاني، فأحضروا ~~عنده، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، قد أقاد ~~الله منكم اليوم، لقد جاءكم الورس في يوم نحس. # وكانوا نهبوا من الورس الذي كان مع الحسين. ثم أمر بهم فقتلوا. # وأحضر عنده: عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخت، وعبد الله بن وهب بن عمرو ~~الهمداني، وهو ابن عم أعشى همدان، فأمر بقتلهم، فقتلوا، وأحضر عنده: عثمان ~~بن خالد بن أسيد الدهماني الجهني، وأبو أسماء بشر بن شميط القانصي، وكانا ~~قد اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفي سلبه، فضرب أعناقهما، وأحرقا ~~بالنار. # PageV03P311 # ثم أرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحي، وهو صاحب رأس الحسين، فاختفى في ~~مخرجه، فدخل أصحاب المختار يفتشون عنه، فخرجت امرأته، واسمها العيوف بنت ~~مالك، وكانت تعاديه منذ جاء برأس الحسين، فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا ~~لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه ~~وعلى رأسه قوصرة، فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله، وأحرقوه بالنار. # ذكر مقتل عمرو بن سعد وغيره ممن شهد قتل الحسين # ثم إن المختار قال يوما لأصحابه: لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين، غائر ~~العينين، مشرف الحاجبين، يسر قتله المؤمنين والملائكة المقربين. وكان عنده ~~الهيثم بن الأسود النخعي، فعلم أنه يعني عمرو بن سعد، فرجع إلى منزله، ~~وأرسل إلى عمرو مع ابنه العريان يعرفه ذلك، فلما قاله له قال: جزى الله ~~أباك خيرا، كيف يقتلني بعد العهود والمواثيق؟ وكان عبد الله بن جعدة بن ~~هبيرة ms1413 أكرم الناس على المختار لقرابته بعلي، وكلمه عمرو بن سعد ليأخذ له ~~أمانا من المختار، ففعل وكتب له المختار أمانا، وشرط فيه أن لا يحدث، وعنى ~~بالحدث دخول الخلاء. # ثم إن عمرو بن سعد خرج من بيته بعد عود العريان عنه، فأتى حمامه، فأخبر ~~مولى له بما كان منه وبأمانه. فقال له مولاه: وأي حدث أعظم مما صنعت؟ تركت ~~أهلك ورحلك وأتيت إلى هاهنا، ارجع ولا تجعل عليك سبيلا. فرجع وأتى المختار ~~فأخبره بانطلاقه، فقال: كلا، إن في عنقه سلسلة سترده. وأصبح المختار فبعث ~~إليه أبا عمرة فأتاه وقال: أجب الأمير. فقام عمرو فعثر في جبة له، فضربه ~~أبو عمرة بسيفه فقتله، وأخذ رأسه فأحضره عند المختار. فقال المختار لابنه ~~حفص بن عمرو وهو جالس عنده: أتعرف من هذا. قال: نعم، ولا خير في العيش ~~بعده! فأمر به فقتل، وقال المختار: هذا بحسين، وهذا بعلي بن الحسين، ولا ~~سواء، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. # وكان السبب في تهيج المختار على قتله أن يزيد بن شراحيل الأنصاري أتى ~~محمد بن الحنفية، وسلم عليه، وجرى الحديث إلى أن تذاكرا المختار، فقال ابن ~~الحنفية: إنه يزعم أنه لنا شيعة، وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه. # PageV03P312 # فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك، فقتل عمرو بن سعد، وبعث برأسه ورأس ~~ابنه إلى ابن الحنفية، وكتب إليه يعلمه أنه قد قتل من قدر عليه، وأنه في ~~طلب الباقين ممن حضر قتل الحسين. # قال عبد الله بن شريك: أدركت أصحاب الأردية المعلمة، وأصحاب البرانس ~~السود من أصحاب السواري، إذا مر بهم عمرو بن سعد قالوا: هذا قاتل الحسين، ~~وذلك قبل أن يقتله. وقال ابن سيرين: قال علي لعمرو بن سعد: كيف كنت إذا قمت ~~مقاما تخير فيه بين الجنة والنار، فتختار النار؟ # ثم إن المختار أرسل إلى حكيم بن طفيل الطائي، وكان أصاب سلب العباس بن ~~علي ورمى الحسين بسهم، وكان يقول: تعلق سهمي بسرباله وما ضره. فأتاه أصحاب ~~المختار ms1414 فأخذوه، وذهب أهله فشفعوا بعدي بن حاتم، فكلمهم عدي فيه، فقالوا: ~~ذلك إلى المختار. فمضى عدي إلى المختار ليشفع فيه، وكان المختار قد شفعه في ~~نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع، فقالت الشيعة: إنا نخاف أن يشفعه ~~المختار فيه، فقتلوه رميا بالسهام كما رمى الحسين حتى صار كأنه القنفذ، ~~ودخل عدي بن حاتم على المختار، فأجلسه معه، فشفع فيه عدي، فقال المختار: ~~أتستحل أن تطلب في قتلة الحسين؟ فقال عدي: إنه مكذوب عليه. قال: إذا ندعه ~~لك. # فدخل ابن كامل فأخبر المختار بقتله، فقال: ما أعجلكم إلى ذلك؟ ألا ~~أحضرتموه عندي؟ وكان قد سره قتله. فقال ابن كامل: غلبتني عليه الشيعة. فقال ~~عدي لابن كامل: كذبت، ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعني فقتلته. فسبه ابن ~~كامل، فنهاه المختار عن ذلك. # وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين، وهو مرة بن منقذ من عبد القيس، ~~وكان شجاعا، فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه وبيده رمحه، فطاعنهم، فضرب ~~على يده وهرب منهم فنجا، ولحق بمصعب بن الزبير، وشلت يده بعد ذلك. # وبعث المختار إلى زيد بن رقاد الجنبي، كان يقول: لقد رميت فتى منهم بسهم ~~وكفه على جبهته يتقي النبل، فأثبت كفه في جبهته فما استطاع أن يزيل كفه عن ~~جبهته - وكان ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عقيل - وإنه قال حين رميته: ~~اللهم إنهم استقلونا واستذلونا، فاقتلهم كما قتلونا. ثم إنه رمى الغلام ~~بسهم آخر وكان يقول: جئته # PageV03P313 # وهو ميت، فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه، فلم أزل أنضنضه من جبهته حتى ~~أخذته وبقي النصل، فلما أتاه أصحاب المختار خرج إليهم بالسيف، فقال لهم ابن ~~كامل: لا تطعنوه ولا تضربوه بالسيف، ارموه بالنبل والحجارة. ففعلوا ذلك به، ~~فسقط، فأحرقوه حيا. # وطلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين، فرآه قد هرب إلى ~~البصرة، فهدم داره. # وطلب عبد الله بن عقبة الغنوي، فوجده قد هرب إلى الجزيرة، فهدم داره، ~~وكان قد قتل منهم غلاما. وطلب ms1415 آخر من بني أسد يقال له حرملة بن الكاهن، كان ~~قد قتل رجلا من أهل الحسين، ففاته. # وطلب أيضا رجلا من خثعم اسمه عبد الله بن عروة الخثعمي، كان يقول: رميت ~~فيهم باثني عشر سهما. ففاته ولحق بمصعب بن الزبير، فهدم داره. # وطلب أيضا عمرو بن الصبيح الصدائي، كان يقول: لقد طعنت فيهم وجرحت، وما ~~قتلت منهم أحدا. فأتي ليلا فأخذ، وأحضر عند المختار، فأمر بإحضار الرماح، ~~وطعن بها حتى مات. # وأرسل إلى محمد بن الأشعب، وهو في قرية له إلى جنب القادسية، فطلبوه فلم ~~يجدوه، وكان قد هرب إلى مصعب، فهدم المختار داره، وبنى بلبنها وطينها دار ~~حجر بن عدي الكندي، كان زياد قد هدمها. # (بحير بن ريسان بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة. شبام بكسر الشين ~~المعجمة، والباء الموحدة: بطن من همدان، وهمدان بسكون الميم، وبالدال ~~المهملة. وسعر بكسر السين المهملة. وأحمر بن شميط بالحاء المهملة، والراء ~~المهملة، وشميط بالشين المعجمة. وشبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة. ~~جبانة أثير # PageV03P314 # بضم الهمزة، وبالثاء المثلثة، وبالياء المثناة من تحت، وبالراء المهملة. ~~عتيبة بن النهاس بالعين المهملة، وبالتاء المثناة من فوق، ثم بالياء ~~المثناة من تحت، وبالياء الموحدة. حسان بن فائد بالفاء) . # ذكر بيعة المثنى العبدي للمختار بالبصرة # وفي هذه السنة دعا المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة إلى ربيعة المختار، ~~وكان ممن شهد عين الوردة مع سليمان بن صرد، ثم رجع فبايع للمختار، فسيره ~~إلى البصرة يدعو بها إليه، فقدم البصرة ودعا بها، فأجابه رجال من قومه ~~وغيرهم، ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، وجمعوا الميرة بالمدينة، فوجه ~~إليهم القباع أمير البصرة، ودعا بها عباد بن حصين، وهو على شرطته، وقيس بن ~~الهيثم في الشرط والمقاتلة، فخرجوا إلى السبخة، ولزم الناس بيوتهم فلم يخرج ~~أحد، وأقبل عباد فيمن معه، فتواقف هو والمثنى، فسار عباد نحو مدينة الرزق، ~~وترك قيسا مكانه. # فلما أتى عباد مدينة الرزق أصعد على سورها ثلاثين رجلا وقال لهم: إذا ~~سمعتم التكبير فكبروا. ورجع عباد إلى قيس، وأنشبوا ms1416 القتال مع المثنى، وسمع ~~الرجال الذين في دار الرزق التكبير فكبروا، وهرب من كان بالمدينة، وسمع ~~المثنى التكبير من ورائهم فهرب فيمن معه، فكف عنهم قيس وعباد ولم يتبعاهم. # وأتى المثنى قومه عبد القيس، فأرسل القباع عسكرا إلى عبد القيس ليأتوه ~~بالمثنى ومن معه. فلما رأى زياد بن عمرو العتكي ذلك أقبل إلى القباع فقال ~~له: لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنهم. فأرسل القباع الأحنف بن قيس، وعمر ~~بن الرحمن المخزومي ; ليصلحا بين الناس، فأصلح الأحنف الأمر على أن يخرج ~~المثنى وأصحابه عنهم، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوهم عنهم، فسار المثنى إلى ~~الكوفة في نفر يسير من أصحابه. # (مخربة بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء وكسرها، ثم باء ~~مفتوحة) . # ذكر مكر المختار بابن الزبير # فلما أخرج المختار عامل ابن الزبير عن الكوفة، وهو ابن مطيع، سار إلى ~~البصرة، # PageV03P315 # وكره أن يأتي ابن الزبير مهزوما، فلما استجمع للمختار أمر الكوفة أخذ ~~يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: قد عرفت مناصحتي إياك، وجهدي على أهل عداوتك، ~~وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك [من نفسك] ، فلما وفيت لك لم تف بما ~~عاهدتني عليه، فإن ترد مراجعتي ومناصحتي فعلت، والسلام. # وكان قصد المختار أن يكف ابن الزبير عنه ليتم أمره، والشيعة لا يعلمون ~~بشيء من أمره، فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب، فدعا عمر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فولاه الكوفة وقال له: إن المختار سامع ~~مطيع. فتجهز بما بين ثلاثين ألف درهم إلى أربعين ألفا وسار نحو الكوفة. ~~وأتى الخبر إلى المختار بذلك، فدعا المختار زائدة بن قدامة، وأعطاه سبعين ~~ألف درهم وقال له: هذا ضعف ما أنفق عمر بن عبد الرحمن في طريقه إلينا. ~~وأمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس ويسير حتى يلقاه بالطريق، ويعطيه النفقة ~~ويأمره بالعود، فإن فعل وإلا فليره الخيل. # فأخذ زائدة بن قدامة المال وسار حتى لقي عمر، فأعطاه المال وأمره ~~بالانصراف، فقال له: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة، ولا بد ms1417 من إتيانها. ~~فدعا زائدة الخيل، وكان قد كمنها، فلما رآها قد أقبلت أخذ المال وسار نحو ~~البصرة، فاجتمع هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب ~~المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة. # وقيل: إن المختار كتب إلى ابن الزبير: إني اتخذت الكوفة دارا، فإن سوغتني ~~ذلك وأمرت لي بألف ألف درهم سرت إلى الشام، فكفيتك ابن مروان. فقال ابن ~~الزبير: إلى متى أماكر كذاب ثقيف ويماكرني؟ ثم تمثل، شعر: عاري الجواعر من ~~ثمود أصله عبد ويزعم أنه من يقدم # وكتب إليه: والله ولا درهم: ولا أمتري [عبد] الهوان ببدرتي وإني لآتي ~~الحتف ما دمت أسمع # PageV03P316 # ثم إن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن أبي الحكم بن أبي ~~العاص إلى وادي القرى، وكان المختار قد وادع الزبير ليكف عنه ليتفرغ لأهل ~~الشام. فكتب المختار إلى ابن الزبير: قد بلغني أن ابن مروان قد بعث إليك ~~جيشا، فإن أحببت أمددتك بمدد. # فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على طاعتي فبايع لي الناس قبلك، وعجل إنقاذ ~~الجيش، ومرهم ليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، ~~والسلام. # فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمداني، فسيره في ثلاثة آلاف أكثرهم من ~~الموالي، وليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل، وقال: سر حتى تدخل المدينة، ~~فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري. وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن ~~يبعث عليهم أميرا، ثم يأمر ابن ورس بمحاصرة ابن الزبير بمكة. وخشي ابن ~~الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ~~ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له: إن رأيت القوم على طاعتي، وإلا ~~فكايدهم حتى تهلكهم. # فأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبأ ابن ورس أصحابه، وأتى ~~عباس وقد تقطع أصحابه، ورأى ابن ورس على الماء وقد عبأ أصحابه، فدنا منهم ~~وسلم عليهم، ثم قال لابن ورس سرا: ألستم على طاعة ابن الزبير؟ قال: بلى. ~~قال: ms1418 فسر بنا على عدوه الذي بوادي القرى. # فقال ابن ورس: ما أمرت بطاعتكم، إنما أمرت أن آتي المدينة، فإذا أتيتها ~~رأيت رأيي. فقال له عباس: إن كنتم في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيركم ~~إلى وادي القرى. (فقال: لا أتبعك، أقدم المدينة وأكتب إلى صاحبي، فيأمرني ~~بأمره. فقال عباس: رأيك أفضل. وفطن لما يريد وقال: أما أنا فسائر إلى وادي ~~القرى) . # ونزل عباس وبعث إلى ابن ورس بجزائر وغنم مسلخة، وكانوا قد ماتوا جوعا، ~~فذبحوا واشتغلوا بها واختلطوا على الماء، وجمع عباس من أصحابه نحو ألف رجل ~~من الشجعان وأقبل نحو فسطاط ابن ورس، فلما رآهم نادى في أصحابه، فلم يجتمع ~~إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس، واقتتلوا يسيرا، فقتل ابن ورس في سبعين ~~من أهل الحفاظ، ورفع عباس راية أمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلا نحو من ~~ثلاثمائة رجل مع سليمان بن حمير الهمداني وعباس بن جعدة الجدلي، فظفر ابن ~~سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، وأفلت الباقون فرجعوا، فمات أكثرهم في ~~الطريق. # PageV03P317 # وكتب المختار بخبرهم إلى ابن الحنفية يقول: إني أرسلت إليك جيشا ليذلوا ~~لك الأعداء، ويحرزوا البلاد، فلما قاربوا طيبة فعل بهم كذا وكذا، فإن رأيت ~~أن أبعث إلى المدينة جيشا كثيفا، وتبعث إليهم من قبلك رجلا حتى يعلموا أني ~~في طاعتك فافعل، فإنك ستجدهم بحقكم أعرف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل ~~الزبير، والسلام. # فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وعرفت تعظيمك لحقي وما ~~تنويه من سروري، وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما ~~استطعت، وإني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا، والأعوان لي كثيرا، ~~ولكن أعتزلكم وأصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين. وأمره بالكف عن ~~الدماء. # ذكر حال ابن الحنفية مع ابن الزبير ومسير الجيش من الكوفة # ثم إن ابن الزبير دعا محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل بيته (وشيعته) ~~وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة، منهم أبو الطفيل عامر بن ms1419 واثلة، له ~~صحبة - ليبايعوه، فامتنعوا وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة. فأكثر ~~الوقيعة في ابن الحنفية وذمه، فأغلظ له عبد الله بن هانئ الكندي وقال: لئن ~~لم يضرك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شيء، وإن صاحبنا يقول: لو بايعتني الأمة ~~كلها غير سعد مولى معاوية ما قبلته. وإنما عرض بذكر سعد لأن ابن الزبير ~~أرسل إليه فقتله، فسبه عبد الله وسب أصحابه وأخرجهم من عنده، فأخبروا ابن ~~الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلح عليهم ابن الزبير. # (فلما استولى المختار على الكوفة، وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية، خاف ~~ابن الزبير) أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فألح عليه وعلى أصحابه في ~~البيعة له، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والإحراق وإعطاء الله عهدا إن لم ~~يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا. # فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار يعلمه حالهم، ~~فكتب إلى المختار بذلك وطلب منه النجدة. فقرأ المختار الكتاب على الناس ~~وقال: إن هذا مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم، (وقد تركوا محظورا عليهم كما ~~يحظر) على # PageV03P318 # الغنم، ينتظرون القتل والتحريق في الليل والنهار، لست أبا إسحاق إن لم ~~أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب الخيل في أثر الخيل كالسيل يتلوه السيل، ~~حتى يحل بابن الكاهلية الويل! # يعني ابن الزبير، وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو من بني كاهل ~~بن أسد بن خزيمة. # فبكى الناس وقالوا: سرحنا إليه وعجل. فوجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين ~~راكبا من أهل القوة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة، وبعث ~~معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، وسير أبا المعمر في مائة، وهانئ بن ~~قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين. فوصل أبو ~~عبد الله الجدلي إلى ذات عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين ~~راكبا، فبلغوا مائة وخمسين رجلا، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، (ومعهم ~~الرايات) ، وهم ينادون: ms1420 يا لثارات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ~~ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فكسروا الباب ~~ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير! فقال ~~لهم: إني لا أستحل القتال في الحرام. فقال ابن الزبير: واعجبا لهذه ~~الخشبية! ينعون الحسين كأني أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم. # وإنما قيل لهم خشبية ; لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب، كراهة شهر السيوف ~~في الحرم، وقيل: لأنهم أخذوا الحطب الذي أعده ابن الزبير. # وقال ابن الزبير: أتحسبون أني أخلي سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا؟ # فقال الجدلي: إي ورب الركن والمقام، لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا ~~جلادا يرتاب منه المبطلون! فكف ابن الحنفية أصحابه، وحذرهم الفتنة. # ثم قدم باقي الجند ومعهم المال حتى دخلوا المسجد الحرام فكبروا وقالوا: ~~يا لثارات الحسين! فخافهم ابن الزبير، وخرج محمد ابن الحنفية ومن معه إلى ~~شعب علي وهم يسبون ابن الزبير، ويستأذنون محمدا فيه، فأبى عليهم. # فاجتمع مع محمد في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم المال وعزوا ~~وامتنعوا. فلما قتل المختار تضعضعوا واحتاجوا. # PageV03P319 # ثم إن البلاد استوثقت لابن الزبير بعد قتل المختار، فأرسل إلى ابن ~~الحنفية: ادخل في بيعتي وإلا نابذتك. وكان رسوله عروة بن الزبير. فقال ابن ~~الحنفية: بؤسا لأخيك، ما ألجه فيما أسخط الله وأغفله عن ذات الله! وقال ~~لأصحابه: إن ابن الزبير يريد أن يثور بنا، وقد أذنت لمن أحب الانصراف عنا، ~~فإنه لا ذمام عليه منا ولا لوم، فإني مقيم حتى يفتح الله بيني وبين ابن ~~الزبير، وهو خير الفاتحين. # فقام إليه أبو عبد الله الجدلي وغيره، فأعلموه أنهم غير مفارقيه. وبلغ ~~خبره عبد الملك بن مروان، فكتب إليه يعلمه أنه إن قدم عليه أحسن إليه، وأنه ~~ينزل إلى الشام إن أراد حتى يستقيم أمر الناس، فخرج ابن الحنفية وأصحابه ~~إلى الشام، وخرج معه كثير عزة وهو يقول، شعر: # هديت يا مهدينا ابن المهتدي ... أنت الذي نرضى به ونرتجي # أنت ابن خير الناس ms1421 بعد النبي ... أنت إمام الحق لسنا نمتري # يا ابن علي سر ومن مثل علي # فلما وصل مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه وخافه، ~~فنزل أيلة، وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة عبادته وزهده وحسن هديه. فلما بلغ ~~ذلك عبد الملك ندم على إذنه له في قدومه بلده، فكتب إليه: إنه لا يكون في ~~سلطاني من لم يبايعني. فارتحل إلى مكة ونزل شعب أبي طالب، فأرسل إليه ابن ~~الزبير يأمره بالرحيل عنه، وكتب إلى أخيه مصعب بن الزبير يأمره أن يسير ~~نساء من مع ابن الحنفية، فسير نساء، منهن امرأة أبي الطفيل عامر بن واثلة، ~~فجاءت حتى قدمت عليه، فقال الطفيل، شعر: # إن يك سيرها مصعب ... فإني إلى مصعب متعب # أقود الكتيبة مستلئما ... كأني أخو عزة أحرب # وهي عدة أبيات. # وألح ابن الزبير على ابن الحنفية بالانتقال إلى مكة، فاستأذنه أصحابه في ~~قتال ابن الزبير، فلم يأذن لهم وقال: اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذل ~~والخوف، وسلط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذي يسوم الناس. # ثم سار إلى الطائف، فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له، فجرى بينهما ~~كلام كرهنا ذكره. وخرج ابن عباس أيضا فلحق بالطائف، ثم توفي، فصلى عليه ابن # PageV03P320 # الحنفية وكبر عليه أربعا، وبقي ابن الحنفية حتى حصر الحجاج ابن الزبير، ~~فأقبل من الطائف فنزل الشعب، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، (فامتنع حتى ~~يجتمع الناس. # فلما قتل ابن الزبير كتب ابن الحنفية إلى عبد الملك) يطلب منه الأمان له ~~ولمن معه، وبعث إليه الحجاج يأمره بالبيعة، فأبى وقال: قد كتبت إلى عبد ~~الملك، فإذا جاءني جوابه بايعت. # وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج يوصيه بابن الحنفية، فتركه، فلما قدم رسول ~~ابن الحنفية، وهو أبو عبد الله الجدلي، ومعه كتاب عبد الملك بأمانه وبسط ~~حقه وتعظيم أهله، حضر عند الحجاج، وبايع لعبد الملك بن مروان، وقدم عليه ~~الشام، وطلب منه أن لا يجعل للحجاج عليه سبيلا، فأزال حكم الحجاج عنه. # وقيل: إن ابن الزبير ms1422 أرسل إلى ابن عباس وابن الحنفية أن يبايعا، فقالا: ~~حتى يجتمع الناس على إمام ثم نبايع، فإنك في فتنة. فعظم الأمر بينهما، وغضب ~~من ذلك، وحبس ابن الحنفية في زمزم، وضيق على ابن عباس في منزله، وأراد ~~إحراقهما، فأرسل المختار جيشا، كما تقدم، فأزال عنهما ضرر ابن الزبير. # فلما قتل المختار قوي عليهما ابن الزبير وقال: لا تجاوراني، فخرجا إلى ~~الطائف، وأرسل ابن عباس ابنه عليا إلى عبد الملك بالشام وقال: لئن يربني ~~بنو عمي أحب إلي من أن يربني رجل من بني أسد. يعني ببني عمه بني أمية ; ~~لأنهم جميعهم من ولد عبد مناف، ويعني برجل من بني أسد ابن الزبير، فإنه من ~~بني أسد بن عبد العزى بن قصي. ولما وصل علي بن عبد الله بن عباس إلى عبد ~~الملك، سأله عن اسمه وكنيته، فقال: اسمي علي، والكنية أبو الحسن. فقال: لا ~~يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية في عسكري، أنت أبو محمد. # ولما وصل ابن عباس إلى الطائف توفي به، وصلى عليه ابن الحنفية. # ذكر الفتنة بخراسان # في هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من بني تميم، ~~بسبب قتلهم ابنه محمدا، وقد تقدم ذكره، فلما تفرقت بنو تميم بخراسان، على ~~ما تقدم، أتى # PageV03P321 # قصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فولوا أمرهم ~~عثمان بن بشر بن المحتفز المازني، ومعه شعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن ~~الفلق العنبري، وزهير بن ذؤيب العدوي، وجيهان بن مشجعة الضبي، والحجاج بن ~~ناشب العدوي، ورقبة بن الحر، في فرسان من تميم وشجعانهم، فحاصرهم ابن خازم، ~~فكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر. # فخرج ابن خازم يوما في ستة آلاف، وخرج إليه أهل القصر، فقال لهم عثمان بن ~~بشر: ارجعوا فلن تطيقوه. فحلف زهير بن ذؤيب بالطلاق أنه لا يرجع حتى ينقض ~~صفوفهم. فاستبطن نهرا قد يبس، فلم يشعر به أصحاب عبد الله حتى حمل عليهم، ~~فحط أولهم على آخرهم، واستدار وكر راجعا، واتبعوه يصيحون ms1423 به، ولم يجسر أحد ~~أن ينزل إليه حتى رجع إلى موضعه، فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع. # فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيرا فاجعلوا في رماحكم كلاليب، ثم ~~علقوها في سلاحه. فخرج إليهم يوما فطاعنهم، فأعلقوا فيه أربعة أرماح ~~بالكلاليب، فالتفت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم وخلوا رماحهم، فعاد ~~يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر. # فأرسل ابن خازم إلى زهير يضمن له مائة ألف وميسان طعمة ليناصحه، فلم ~~يجبه. فلما طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم ليمكنهم من الخروج ~~ليتفرقوا، فقال: لا إلا على حكمي، فأجابوا إلى ذلك. فقال زهير: ثكلتكم ~~أمهاتكم! والله ليقتلنكم عن آخركم، وإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، ~~اخرجوا بنا جميعا، فإما أن تموتوا كراما، وإما ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، ~~وايم الله لئن شددتم عليهم شدة صادقة ليفرجن لكم، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن ~~شئتم كنت خلفكم. فأبوا عليه. فقال: سأريكم. ثم خرج هو ورقبة بن الحر وغلام ~~تركي وابن ظهير، فحملوا على القوم حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فمضوا، فأما ~~زهير فرجع ونجا أصحابه. # فلما رجع زهير إلى من بالقصر قال: قد رأيتم، أطيعوني. قالوا: إنا نضعف عن ~~هذا ونطمع في الحياة. فقال: لا أكون أعجزكم عند الموت. فنزلوا على حكم ابن # PageV03P322 # خازم، فأرسل إليهم فقيدهم وحملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمن عليهم ~~فأبى عليه ابنه موسى وقال له: إن عفوت عنهم قتلت نفسي، فقتلهم إلا ثلاثة: ~~أحدهم الحجاج بن ناشب، فشفع فيه بعض من معه، فأطلقه، والآخر جيهان بن مشجعة ~~الضبي الذي ألقى نفسه على محمد بن عبد الله، كما تقدم، والآخر رجل من بني ~~سعد من تميم، وهو الذي رد الناس عن ابن خازم يوم لحقوه، وقال: انصرفوا عن ~~فارس مضر. # وقال: ولما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب وهو مقيد أبى، واعتمد على رمحه فوثب ~~الخندق، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل في قيوده، فجلس بين يديه، فقال له ابن ~~خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان؟ قال: لو لم تصنع ms1424 بي إلا حقن دمي ~~لشكرتك. فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه، فقال له أبوه: ويحك نقتل مثل زهير! ~~من لقتال عدو المسلمين؟ من لحمى نساء العرب؟ فقال: والله لو شركت في دم أخي ~~لقتلتك! فأمر بقتله. فقال زهير: إن لي حاجة، لا تقتلني ويخلط دمي بدماء ~~هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراما ويخرجوا ~~عليكم مصلتين، وايم الله لو فعلوا لأذعروا بنيك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب ~~ثأر أخيه، فأبوا، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالا. فأمر به ابن ~~خازم فقتل ناحية. # فلما بلغ الحريش قتلهم قال: # أعاذل إني لم ألم في قتالهم ... وقد عض سيفي كبشهم ثم صمما # أعاذل ما وليت حتى تبددت ... رجال وحتى لم أجد متقدما # أعاذل أفناني السلاح، ومن يطل ... مقارعة الأبطال يرجع مكلما # أعيني إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دما لازما لي دون أن تسكبا دما # أبعد زهير وابن بشر تتابعا ... وورد أرجي في خراسان مغنما # أعاذل كم من يوم حرب شهدته ... أكر إذا ما فارس السوء أحجما # يعني زهير بن ذؤيب، وابن بشر هو عثمان، وورد بن الفلق. # PageV03P323 # ذكر مسير ابن الأشتر إلى قتال ابن زياد وفي هذه السنة لثمان بقين من ذي ~~الحجة سار إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، وكان مسيره بعد فراغ ~~المختار من وقعة السبيع بيومين، وأخرج المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم ~~وأهل البصائر منهم ممن له تجربة، وخرج معه المختار يشيعه، فلما بلغ دير عبد ~~الرحمن بن أم الحكم لقيه أصحاب المختار معه الكرسي يحملونه على بغل أشهب ~~وهم يدعون الله له بالنصر ويستنصرونه، وكان سادن الكرسي حوشب البرسمي، فلما ~~رآهم المختار قال: # أما ورب المرسلات عرفا ... لنقتلن بعد صف صفا # وبعد ألف قاسطين ألفا # ثم ودعه المختار وقال له: خذ عني ثلاثا: خف الله - عز وجل - في سر أمرك ~~وعلانيتك، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم. # ورجع المختار، وسار إبراهيم فانتهى إلى أصحاب الكرسي، وهم عكوف عليه قد ~~رفعوا ms1425 أيديهم إلى السماء يدعون الله، فقال إبراهيم: اللهم لا تؤاخذنا بما ~~فعل السفهاء منا، هذه سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده، إذ عكفوا على ~~عجلهم، ثم رجعوا وسار إلى قصده. # ذكر حال الكرسي الذي كان المختار يستنصر به # قال الطفيل بن جعدة بن هبيرة: أضقنا إضاقة شديدة، فخرجت يوما فإذا جار لي ~~زيات عنده كرسي ركبه الوسخ، فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئا. ~~فأخذته من الزيات وغسلته، فخرج عود نضار قد شرب الدهن وهو يبص، قال فقلت ~~للمختار: إني كنت أكتمك شيئا، وقد بدا لي أن أذكره لك، إن أبي جعدة كان ~~يجلس على كرسي عندنا، ويروي أن فيه أثرا من علي. قال: سبحان الله! أخرته ~~إلى هذا الوقت، ابعث به. فأحضرته عنده وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم ~~دعا: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال المختار: # PageV03P324 # إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه ~~كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثل التابوت. فكشفوا عنه، وقامت ~~السبئية فكبروا. # ثم لم يلبثوا أن أرسل المختار الجند لقتال ابن زياد، وخرج بالكرسي على ~~بغل وقد غشي، فقتل أهل الشام مقتلة عظيمة، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا حتى ~~تعاطوا الكفر. فندمت على ما صنعت وتكلم الناس في ذلك تعيبه. # وقيل: إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة، وكانت أم جعدة أم هانئ أخت علي ~~بن أبي طالب لأبويه: ايتوني بكرسي علي. فقالوا: والله ما هو عندنا. فقال: ~~لتكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به. قال: فظنوا أنهم لا يأتونه بكرسي إلا قال: ~~هذا هو، وقبله منهم. فأتوه بكرسي وقبضه منهم، وخرجت شبام وشاكر ورءوس أصحاب ~~المختار وقد جعلوا عليه الحرير، وكان أول من سدنه موسى بن أبي موسى ~~الأشعري، كان يلم بالمختار لأن أمه أم كلثوم بنت الفضل بن العباس، فعتب ~~الناس على موسى، فتركه وسدنه حوشب البرسمي حتى هلك المختار، وقال أعشى ~~همدان في ذلك، شعر: # شهدت عليكم أنكم سبئية ... وإني بكم ms1426 يا شرطة الشرك عارف # فأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف # وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف # وإني امرؤ أحببت آل محمد ... وتابعت وحيا ضمنته المصاحف # وبايعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش شمطها والغطارف # وقال المتوكل الليثي: # أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أني بكرسيكم كافر # PageV03P325 # تروا شبام حول أعواده ... وتحمل الوحي له شاكر # محمرة أعينهم حوله ... كأنهن الحمص الحادر # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير. # وكان على المدينة مصعب بن الزبير عاملا لأخيه عبد الله، وعلى البصرة عبد ~~الله بن أبي ربيعة المخزومي لابن الزبير أيضا، وكان بالكوفة المختار متغلبا ~~عليها، وبخراسان عبد الله بن خازم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أسماء بن حارثة الأسلمي، وله صحبة، وهو من أصحاب ~~الصفة، وقيل: بل مات بالبصرة في إمارة ابن زياد. # وتوفي جابر بن سمرة وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، وقيل: مات في إمارة بشر ~~بن هارون. # وتوفي أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري سيد قومه. # (حارثة بالحاء المهملة، والثاء المثلثة) . # PageV03P326 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين] ### | 67 - # ثم دخلت سنة سبع وستين # ذكر مقتل ابن زياد # ولما سار إبراهيم بن الأشتر من الكوفة أسرع السير ليلقوا ابن زياد قبل أن ~~يدخل أرض العراق، وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم من الشام، فبلغ الموصل ~~وملكها، كما ذكرناه أولا، فسار إبراهيم وخلف أرض العراق وأوغل في أرض ~~الموصل، وجعل على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي، وكان شجاعا. # فلما دنا ابن زياد عبأ أصحابه ولم يسر إلا على تعبية واجتماع، إلا أنه ~~يبعث الطفيل على الطلائع حتى يبلغ نهر الخازر من بلد الموصل، فنزل بقرية ~~بارشيا. وأقبل ابن زياد إليه حتى نزل قريبا منهم على شاطئ الخازر. # وأرسل عمير بن الحباب السلمي، وهو من أصحاب ابن زياد، إلى ابن الأشتر: أن ~~القني، وكانت قيس كلها مضطغنة على ابن مروان وقعة مرج راهط، وجند ms1427 عبد الملك ~~يومئذ كلب. فاجتمع عمير وابن الأشتر، فأخبره عمير أنه على ميسرة ابن زياد، ~~وواعده أن ينهزم بالناس، فقال له ابن الأشتر: ما رأيك؟ أخندق علي وأتوقف ~~يومين أو ثلاثة؟ فقال عمير: لا تفعل، وهل يريدون إلا هذا؟ فإن المطاولة خير ~~لهم، وهم كثير أضعافكم، وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز ~~القوم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا، وإن هم شاموا أصحابك، وقاتلوهم يوما بعد ~~يوم، ومرة بعد مرة - أنسوا بهم واجترءوا عليهم. وقال إبراهيم: الآن علمت ~~أنك لي مناصح، وبهذا أوصاني صاحبي. قال عمير: أطعه فإن الشيخ قد ضرسته ~~الحرب وقاسى منها ما لم يقاسه أحد، وإذا أصبحت فناهضهم. # وعاد عمير إلى أصحابه وأذكى ابن الأشتر حرسه، ولم يدخل عينه غمض، حتى إذا ~~كان السحر الأول عبأ أصحابه، وكتب كتائبه، وأمر أمراءه، فجعل سفيان بن يزيد # PageV03P327 # الأزدي على ميمنته، وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو الأحوص، ~~وجعل عبد الرحمن بن عبد الله، وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه، على الخيل، ~~وكانت خيله قليلة، وجعل الطفيل بن لقيط على الرجالة، وكانت رايته مع مزاحم ~~بن مالك. فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس، ثم خرج فصف أصحابه، وألحق كل ~~أمير بمكانه، ونزل إبراهيم يمشي ويحرض الناس ويمنيهم الظفر، وسار بهم ~~رويدا، فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم، وإذا أولئك القوم لم يتحرك منهم ~~أحد، فأرسل عبد الله بن زهير السلولي ليأتيه بخبر القوم، فعاد إليه وقال ~~له: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني رجل منهم وليس له كلام إلا: يا شيعة ~~أبي تراب! يا شيعة المختار الكذاب! قال: فقلت له: الذي بيننا أجل من الشتم. # وركب إبراهيم وسار على الرايات يحثهم، ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين ~~وأصحابه وأهل بيته، من السبي والقتل ومنع الماء، وحرضهم على قتله. # وتقدم القوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، ~~وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع ~~الحميري. فلما ms1428 تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ~~ميسرة إبراهيم، فثبت له علي بن مالك الجشمي فقتل، ثم أخذ رايته قرة بن علي، ~~فقتل في رجال من أهل البأس وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء ~~بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستقبل المنهزمين، فقال: إلي يا شرطة الله. فأقبل إليه أكثرهم. ~~فقال: هذا أميركم يقاتل ابن زياد، ارجعوا بنا إليه فرجعوا، وإذا إبراهيم ~~كاشف رأسه ينادي: إلي شرطة الله، أنا ابن الأشتر، إن خير فراركم كراركم، ~~ليس مسيئا من أعتب. فرجع إليه أصحابه، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن ~~زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب، كما زعم، فقاتلهم عمير قتالا ~~شديدا وأنف من الفرار. فلما رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه: اقصدوا هذا ~~السواد الأعظم، فوالله لو هزمناه لانجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ~~ذعرتها. فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا، ثم صاروا إلى السيوف والعمد، فاضطربوا ~~بها مليا، وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين، وكان إبراهيم يقول لصاحب ~~رايته: انغمس برايتك فيهم. فيقول: ليس لي متقدم. فيقول: بلى. فإذا تقدم شد ~~إبراهيم بسيفه، فلا يضرب [به] رجلا إلا صرعه، # PageV03P328 # وكرد إبراهيم الرجالة [من] بين يديه كأنهم الحملان، وحمل أصحابه حملة رجل ~~واحد. واشتد القتال، فانهزم أصحاب ابن زياد، وقتل من الفريقين قتلى كثيرة. # وقيل: إن عمير بن الحباب أول من انهزم، وإنما كان قتاله أولا تعذيرا. # فلما انهزموا قال إبراهيم: إني قد قتلت رجلا تحت راية منفردة على شاطئ ~~نهر الخازر، فالتمسوه، فإني شممت منه رائحة المسك، شرقت يداه، وغربت رجلاه. ~~فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلا بضربة إبراهيم فقد قدته بنصفين وسقط، كما ~~ذكر إبراهيم، فأخذ رأسه وأحرقت جثته. # وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه عبيد ~~الله بن زياد، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، فنادى التغلبي: اقتلوني وابن ~~الزانية! فقتلوا الحصين. # وقيل: إن الذي قتل ابن زياد شريك ms1429 بن جدير، وكان هذا شريك شهد صفين مع ~~علي، وأصيبت عينه، فلما انقضت أيام علي لحق شريك ببيت المقدس فأقام به، ~~فلما قتل الحسين عاهد الله - تعالى - إن ظهر من يطلب بدمه ليقتلن ابن زياد ~~أو ليموتن دونه. فلما ظهر المختار للطلب بثأر الحسين أقبل إليه، وسار مع ~~إبراهيم بن الأشتر، فلما التقوا حمل على خيل الشام يهتكها صفا صفا مع ~~أصحابه من ربيعة، حتى وصلوا إلى ابن زياد، وثار الرهج، فلا يسمع إلا وقع ~~الحديد، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان، شريك وابن زياد. والأول أصح. وشريك ~~هو القائل: كل عيش قد أراه باطلا غير ركز الرمح في ظل الفرس # قال: وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وادعى قتله سفيان بن يزيد ~~الأزدي، وورقاء بن عازب الأسدي، وعبيد الله بن زهير السلمي، وكان عيينة بن ~~أسماء مع ابن زياد، فلما انهزم أصحابه حمل أخته هند بنت أسماء، وكانت زوجة ~~عبيد الله بن زياد، فذهب بها وهو يرتجز: # PageV03P329 # إن تصرمي حبالنا فربما ... أرديت في الهيجا الكمي المعلما # ولما انهزم أصحاب ابن زياد تبعهم أصحاب إبراهيم، فكان من غرق أكثر ممن ~~قتل، وأصابوا عسكرهم وفيه من كل شيء. # وأرسل إبراهيم البشارة إلى المختار وهو بالمدائن، وأنفذ إبراهيم عماله ~~إلى البلاد، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله إلى نصيبين، وغلب على سنجار ~~ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة، فولى زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم بن ~~النعمان الباهلي حران، والرهاء، وسميساط، وناحيتها، وولى عمير بن الحباب ~~السلمي كفرتوثا، وطور عبدين. # وأقام إبراهيم بالموصل، وأنفذ رأس عبيد الله بن زياد إلى المختار ومعه ~~رءوس قواده، فألقيت في القصر، فجاءت حية دقيقة، فتخللت الرءوس حتى دخلت في ~~فم عبيد الله بن زياد، ثم خرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فيه، ~~فعلت هذا مرارا، أخرج هذا الترمذي في جامعه. # وقال المغيرة: أول من ضرب الزيوف في الإسلام عبيد الله بن زياد، وقال بعض ~~حجاب ابن زياد: دخلت معه القصر حين قتل الحسين، فاضطرم في ms1430 وجهه نارا، فقال ~~بكمه هكذا على وجهه وقال: لا تحدثن بهذا أحدا. # وقال المغيرة: قالت مرجانة لابنها عبيد الله بعد قتل الحسين: يا خبيث، ~~قتلت ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ترى الجنة أبدا! وقال ابن ~~مفرغ حين قتل ابن زياد: # إن المنايا إذا ما زرن طاغية ... هتكن أستار حجاب وأبواب # أقول بعدا وسحقا عند مصرعه ... لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي # لا أنت زوحمت عن ملك فتمنعه ... ولا متت إلى قوم بأسباب # لا من نزار ولا من جذم ذي يمن ... جلمود ذا ألقيت من بين ألهاب # لا تقبل الأرض موتاهم إذا قبروا ... وكيف تقبل رجسا بين أثواب؟ # PageV03P330 # وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر: # أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جري على الأعداء غير نكول # فيا ابن زياد بؤ بأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل # جزى الله خيرا شرطة الله إنهم ... شفوا من عبيد الله أمس غليلي # وقال عمير بن الحباب السلمي يذم جيش ابن زياد: # وما كان جيش يجمع الخمر والزنا ... محلا إذا لاقى العدو لينصرا # ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير الحارث بن أبي ربيعة، وهو القباع، ~~عن البصرة، واستعمل عليها أخاه مصعبا. فقدمها مصعب متلثما، ودخل المسجد ~~وصعد المنبر، فقال الناس: أمير أمير! وجاء الحارث بن أبي ربيعة، وهو ~~الأمير، فسفر مصعب لثامه فعرفوه، وأمر مصعب الحارث بالصعود إليه، فأجلسه ~~تحته بدرجة، ثم قام مصعب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، {طسم - تلك آيات الكتاب المبين - نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق لقوم يؤمنون} [القصص: 1 - 3] إلى قوله: {من المفسدين} [القصص: 4] ، ~~فأشار بيده نحو الشام، {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] ، وأشار نحو الحجاز، {ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 6] ، وأشار نحو الكوفة، وقال: يا ~~أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أمراءكم، وقد لقبت نفسي بالجزار. # ذكر مسير مصعب إلى المختار وقتل المختار ms1431 # ولما هرب أشراف الكوفة من وقعة السبيع أتى جماعة منهم إلى مصعب، فأتاه ~~شبث بن ربعي على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها، وشق قباءه وهو ينادي: يا ~~غزوتاه! فرفع خبره إلى مصعب، فقال: هذا شبث بن ربعي. فأدخل عليه، فأتاه ~~أشراف الكوفة # PageV03P331 # فدخلوا عليه، وأخبروه بما اجتمعوا عليه، وسألوه النصر لهم، والمسير إلى ~~المختار معهم. # وقدم عليه محمد بن الأشعث أيضا واستحثه على المسير، فأدناه مصعب وأكرمه ~~لشرفه، وقال لأهل الكوفة حين أكثروا عليه: لا أسير حتى يأتيني المهلب بن ~~أبي صفرة. وكتب إليه، وهو عامله على فارس، يستدعيه ليشهد معهم قتال ~~المختار، فأبطأ المهلب، واعتل بشيء من الخراج لكراهية الخروج، فأمر مصعب ~~محمد بن الأشعث أن يأتي المهلب يستحثه، فأتاه محمد ومعه كتاب مصعب، فلما ~~قرأه قال له: أما وجد مصعب بريدا غيرك؟ فقال: ما أنا ببريد لأحد، غير أن ~~نساءنا وأبنائنا وحرمنا غلبنا عليهم عبيدنا. # فأقبل المهلب معه بجموع كثيرة وأموال عظيمة، فقدم البصرة، وأمر مصعب ~~بالعسكر عند الجسر الأكبر، وأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة، فأمره أن ~~يخرج إليه من قدر عليه، وأن يثبط الناس عن المختار، ويدعوهم إلى بيعة ابن ~~الزبير سرا، ففعل، ودخل بيته مستترا، ثم سار مصعب فقدم أمامه عباد بن ~~الحصين الحطمي التميمي، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، والمهلب ~~على مسيرته، وجعل مالك بن مسمع على بكر، ومالك بن المنذر على عبد القيس، ~~والأحنف بن قيس على تميم، وزياد بن عمرو العتكي على الأزد، وقيس بن الهيثم ~~على أهل العالية. # وبلغ الخبر المختار، فقام في أصحابه فأعلمهم ذلك، وندبهم إلى الخروج مع ~~أحمر بن شميط، فخرج وعسكر بحمام أعين، ودعا المختار رءوس الأرباع الذين ~~كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شميط، فسار وعلى مقدمته ابن كامل ~~الشاكري، فوصلوا إلى المذار، وأتى مصعب فعسكر قريبا منه، وعبأ كل واحد ~~منهما جنده ثم تزاحفا، فجعل ابن شميط ابن كامل على ميمنته، وعلى الميسرة ~~عبد الله بن وهيب ms1432 الجشمي، وجعل أبا عمرة مولى عرينة على الموالي. # فجاء عبيد الله بن وهيب الجشمي إلى ابن شميط فقال له: إن الموالي والعبيد ~~أولوا خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالا كثيرا على الخيل وأنت تمشي، فمرهم ~~فليمشوا معك، فإني أتخوف أن يطيروا عليها ويسلموك. وكان هذا غشا منه ~~للموالي، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب أن كانت عليهم الهزيمة، وأن لا ~~ينجو منهم أحد. فلم يتهمه ابن شميط، ففعل ما أشار به، فنزل الموالي معه. # وجاء مصعب وقد جعل عباد بن الحصين على الخيل، فدنا عباد من أحمر # PageV03P332 # وأصحابه، وقال: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة المختار، ~~وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول. فرجع عباد فأخبر مصعبا، فقال ~~له: ارجع فاحمل عليهم. فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه، فلم ينزل منهم أحد، ~~ثم انصرف إلى موقفه، وحمل المهلب على ابن كامل، فجال بعضهم في بعض، فنزل ~~ابن كامل، فانصرف عنه المهلب، ثم قال المهلب لأصحابه: كروا عليهم كرة ~~صادقة. فحملوا عليهم حملة منكرة، فولوا، وصبر ابن كامل في رجال من همدان ~~ساعة ثم انهزم، وحمل عمر بن عبيد الله على عبد الله بن أنس، فصبر ساعة ثم ~~انصرف، وحمل الناس جميعا على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادوا: يا معشر ~~بجيلة وخثعم، الصبر! فناداهم المهلب: الفرار اليوم أنجى لكم، علام تقتلون ~~أنفسكم مع هذه العبيد؟ ثم قال: والله ما أرى كثرة القتل اليوم إلا في قومي. # ومالت الخيل على رجالة ابن شميط فانهزمت، وبعث مصعب عبادا على الخيل، ~~فقال: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه. وسرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من ~~أهل الكوفة فقال: دونكم ثأركم. فكانوا أشد على المنهزمين من أهل البصرة، لا ~~يدركون منهزما إلا قتلوه، ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه، فلم ينج من ذلك ~~الجيش إلا طائفة أصحاب الخيل، وأما الرجالة فأبيدوا إلا قليلا. # قال معاوية بن قرة المزني: انتهيت إلى رجل منهم، فأدخلت السنان في عينه، ~~فأخذت أخضخض عينه به. ms1433 فقيل له: أفعلت هذا؟ فقال: نعم، إنهم كانوا عندنا أحل ~~دماء من الترك والديلم. وكان معاوية هذا قاضي البصرة. # فلما فرغ مصعب منهم أقبل حتى قطع من تلقاء واسط، ولم تكن بنيت بعد، فأخذ ~~في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم والضعفاء في السفن، فأخذوا في نهر خرشاد ~~إلى نهر قوسان، ثم خرجوا إلى الفرات. # وأتى المختار خبر الهزيمة ومن قتل بها في فرسان أصحابه، فقال: ما من ~~الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من أن أموت ميتة ابن شميط. فعلموا ~~أنه إن لم يبلغ ما يريد يقاتل حتى يقتل. # ولما بلغه أن مصعبا قد أقبل إليه في البر والبحر سار حتى وصل السيلحين، ~~ونظر إلى مجتمع الأنهار: نهر الحيرة، ونهر السيلحين، ونهر القادسية، ونهر ~~يوسف، فسكر # PageV03P333 # الفرات، فذهب ماؤها في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فلما ~~رأوا ذلك خرجوا من السفن إلى ذلك السكر، فأصلحوه وقصدوا الكوفة، وسار ~~المختار إليهم فنزل حروراء وحال بينهم وبين الكوفة، وكان قد حصن القصر ~~والمسجد، وأدخل إليه عدة الحصار. # ويقبل مصعب وقد جعل على ميمنته المهلب، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله، ~~وعلى الخيل عباد بن الحصين، وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، ~~وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني، وعلى الخيل عمرو بن عبد الله النهدي، ~~وعلى الرجال مالك بن عبد الله النهدي. وأقبل محمد بن الأشعث فيمن هرب من ~~أهل الكوفة، فنزل بين مصعب والمختار. فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل جيش ~~من أهل البصرة رجلا من أصحابه، وتدانى الناس، فحمل سعيد بن منقذ على بكر ~~وعبد القيس، وهم في ميمنة مصعب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فأرسل مصعب إلى ~~المهلب ليحمل على من بإزائه، فقال: ما كنت لأجزر الأزد خشية أهل الكوفة حتى ~~أرى فرصتي. # وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، فحمل على من ~~بإزائه، وهم أهل العالية، فكشفهم، فانتهوا إلى مصعب، فجثا مصعب على ركبتيه ~~وبرك الناس عنده، فقاتلوا ساعة وتحاجزوا. ms1434 # ثم إن المهلب حمل في أصحابه على من بإزائه، فحطموا أصحاب المختار حطمة ~~منكرة، فكشفوهم. وقال عبد الله بن عمرو النهدي، وكان ممن شهد صفين: اللهم ~~إني كنت على ما كنت عليه بصفين، اللهم أبرأ إليك من فعل هؤلاء - لأصحابه ~~[حين انهزموا]- وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء - يعني أصحاب مصعب - ثم جالد ~~بسيفه حتى قتل. # وانقصف أصحاب المختار كأنهم أجمة قصب فيها نار، وحمل مالك بن عمرو ~~النهدي، وهو على الرجالة، ومعه نحو خمسين رجلا، وذلك عند المساء، على أصحاب ~~ابن الأشعث حملة منكرة، فقتل ابن الأشعث، وقتل عامة أصحابه. # وقاتل المختار على فم سكة شبث عامة ليلته، وقاتل معه رجال من أهل البأس، ~~وقاتلت معه همدان أشد قتال، وتفرق الناس عن المختار، فقال له من معه: أيها ~~الأمير، اذهب إلى القصر، فجاء حتى دخله، فقال له بعض أصحابه: ألم تكن ~~وعدتنا الظفر، وأنا سنهزمهم؟ فقال: أما قرأت في كتاب الله - تعالى -: ~~{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] # PageV03P334 # فقيل: إن المختار أول من قال بالبداء. # فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة، فمر بالمهلب، فقال له ~~المهلب: يا له فتحا، ما أهنأه لو لم يقتل محمد بن الأشعث. قال: صدقت. ثم ~~قال مصعب للمهلب: إن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل، فاسترجع المهلب، ~~فقال مصعب: قد كنت أحب أن يشهد هذا الفتح، أتدري من قتله؟ إنما قتله من ~~يزعم أنه شيعة لأبيه. # ثم نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة، وقاتلهم المختار وأصحابه قتالا ~~ضعيفا، واجترأ الناس عليهم، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت، ~~وصبوا عليهم الماء القذر، وكان أكثر معاشهم من النساء، تأتي المرأة متخفية ~~ومعها القليل من الطعام والشراب إلى أهلها. ففطن مصعب بالنساء فمنعهن، ~~فاشتد على المختار وأصحابه العطش، وكانوا يشربون ماء البئر يعملون فيه ~~العسل، فكان ذلك ما يروي بعضهم. # ثم إن مصعبا أمر أصحابه، فاقتربوا من القصر واشتد الحصار عليهم، فقال لهم ~~المختار: ويحكم إن الحصار لا ms1435 يزيدكم إلا ضعفا، فانزلوا بنا فنقاتل حتى نقتل ~~كراما إن نحن قتلنا، فوالله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله. ~~فضعفوا ولم يفعلوا. فقال لهم: أما أنا فوالله لا أعطي بيدي، ولا أحكمكم في ~~نفسي، وإذا خرجت فقتلت لم تزدادوا إلا ضعفا وذلا، فإن نزلتم على حكمهم، ~~وثبت أعداؤكم فقتلوكم، وبعضكم ينظر إلى بعض فتقولون: يا ليتنا أطعنا ~~المختار، ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتم الظفر متم كراما. # فلما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة ما عزم عليه المختار تدلى من القصر، ~~فلحق بناس من إخوانه، فاختفى عندهم سرا. ثم إن المختار تطيب وتحنط وخرج من ~~القصر في تسعة عشر رجلا، ومنهم السائب بن مالك الأشعري، وكانت تحته عمرة ~~بنت أبي موسى الأشعري، فولدت له غلاما اسمه محمد، فلما أخذ القصر وجد صبيا ~~فتركوه. # فلما خرج المختار قال للسائب: ماذا ترى؟ قال: ما ترى أنت. قال: ويحك يا ~~أحمق، إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير قد وثب بالحجاز، ورأيت ابن ~~نجدة وثب باليمامة، ومروان بالشام، وكنت فيها كأحدهم، إلا أني قد طلبت بثأر ~~أهل البيت إذ نامت عنه العرب، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية. فقال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، ما # PageV03P335 # كنت أصنع أن أقاتل على حسبي. ثم تقدم المختار فقاتل حتى قتل، قتله رجلان ~~من بني حنيفة أخوان، أحدهما طرفة، والآخر طراف، ابنا عبد الله بن دجاجة. # فلما كان الغد من قتله دعاهم بحير بن عبد الله المسكي ومن معه بالقصر إلى ~~ما دعاهم المختار، فأبوا عليه، وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم، ونزلوا على ~~حكمه، فأخرجوهم مكتفين، فأراد إطلاق العرب وقتل الموالي، فأبى أصحابه عليه، ~~فعرضوا عليه فأمر بقتلهم، وعرض عليه بحير المسكي، فقال لمصعب: الحمد لله ~~الذي ابتلانا بالأسر، وابتلاك بأن تعفو عنا، هما منزلتان: إحداهما رضاء ~~الله، والأخرى سخطه، من عفا عفا الله عنه وزاد عزا، ومن عاقب لم يأمن ~~القصاص، يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم، ms1436 ولسنا تركا ولا ديلما، ~~فإن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا، (فإما أن نكون أصبنا وأخطؤوا، وإما أن ~~نكون أخطأنا وأصابوا) ، فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام بينهم ثم ~~اجتمعوا، وكما اقتتل أهل البصرة واصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا، وقد ~~قدرتم فاعفوا. فما زال بهذا القول حتى رق لهم الناس ومصعب، وأراد أن يخلي ~~سبيلهم. # فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: أتخلي سبيلهم؟ اخترنا أو ~~اخترهم. وقام محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني فقال مثله، وقام أشراف ~~الكوفة فقالوا مثلهما، فأمر بقتلهم، فقالوا له: يا ابن الزبير، (لا تقتلنا ~~واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غدا، فما بكم عنا غنى، فإن قتلنا لم ~~نقتل) حتى نضعفهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم. فأبى عليهم. فقال بحير ~~المسكي: لا تخلط دمي بدمائهم إذ عصوني. فقتلهم. # وقال مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي: ما تقول يا ابن الزبير لربك غدا ~~وقد قتلت أمة من المسلمين حكموك في أنفسهم صبرا؟ اقتلوا منا بعدة من قتلنا ~~منكم، ففينا رجال لم يشهدوا موطنا من حربنا يوما واحدا، كانوا في السواد ~~وجباية الخراج وحفظ الطرق. فلم يسمع منه وأمر بقتله. # PageV03P336 # ولما أراد قتلهم استشار مصعب الأحنف بن قيس، فقال: أرى أن تعفو، فإن ~~العفو أقرب للتقوى. فقال أشراف أهل الكوفة: اقتلهم. وضجوا، فقتلهم. فلما ~~قتلوا قال الأحنف: ما أدركتم بقتلهم ثأرا، فليته لا يكون في الآخرة وبالا. # وبعثت عائشة بنت طلحة امرأة مصعب إليه في إطلاقهم، فوجدهم الرسول قد ~~قتلوا. # وأمر مصعب بكف المختار بن أبي عبيدة فقطعت وسمرت بمسمار إلى جانب المسجد، ~~فبقيت حتى قدم الحجاج، فنظر إليها وسأل عنها فقيل: هذه كف المختار، فأمر ~~بنزعها. # وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه ~~إلى طاعته ويقول له: إن أطعتني فلك الشام وأعنة الخيل وما غلبت عليه من أرض ~~المغرب ما دام لآل الزبير سلطان. وأعطاه عهد الله على ذلك. وكتب عبد الملك ~~بن مروان إلى ابن الأشتر ms1437 يدعوه إلى طاعته ويقول: إن أنت أجبتني فلك العراق. ~~فاستشار إبراهيم أصحابه فاختلفوا، فقال إبراهيم: لو لم أكن أصبت ابن زياد ~~وأشراف الشام لأجبت عبد الملك، مع أني لا أختار على أهل مصري وعشيرتي ~~غيرهم. فكتب إلى مصعب بالدخول معه. فكتب إليه مصعب أن أقبل، فأقبل إليه ~~بالطاعة، فلما بلغ مصعبا إقباله إليه بعث المهلب على عمله بالموصل والجزيرة ~~وأرمينية وأذربيجان. # ثم إن مصعبا دعا أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار، وعمرة بنت ~~النعمان بن بشير الأنصارية امرأته الأخرى، فأحضرهما وسألهما عن المختار. ~~فقالت أم ثابت: نقول فيه بقولك أنت. فأطلقها، وقالت عمرة: رحمه الله، كان ~~عبدا لله صالحا. فحبسها، وكتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير: إنها تزعم أنه ~~نبي، فأمره بقتلها، فقتلت ليلا بين الكوفة والحيرة، قتلها بعض الشرط، ضربها ~~ثلاث ضربات بالسيف وهي تقول: يا أبتاه! يا عثرتاه! فرفع رجل يده فلطم ~~القاتل وقال: يا ابن الزانية، عذبتها! ثم تشحطت فماتت، فتعلق الشرطي بالرجل ~~وحمله إلى مصعب، فقال: خلوه فقد رأى أمرا فظيعا. فقال عمر بن أبي ربيعة ~~المخزومي في ذلك: # إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول # PageV03P337 # قتلت هكذا على غير جرم # إن لله درها من قتيل ... كتب القتل والقتال علينا # وعلى المحصنات جر الذيول # وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري في ذلك أيضا: # أتى راكب بالأمر ذي النبإ العجب ... بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب # بقتل فتاة ذات دل ستيرة ... مهذبة الأخلاق والخيم والنسب # مطهرة من نسل قوم أكارم ... من المؤثرين الخير في سالف الحقب # خليل النبي المصطفى ونصيره ... وصاحبه في الحرب والضرب والكرب # أتاني بأن الملحدين توافقوا ... على قتلها لا جنبوا القتل والسلب # فلا هنأت آل الزبير معيشة ... وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب # كأنهم إذ أبرزوها وقطعت ... بأسيافهم فازوا بمملكة العرب # ألم تعجب الأقوام من قتل حرة ... من المحصنات الدين محمودة الأدب # من الغافلات المؤمنات بريئة ... من الذم والبهتان والشك والكذب # علينا كتاب القتل والبأس واجب ms1438 ... وهن العفاف في الحجال وفي الحجب # PageV03P338 # على دين أجداد لها وأبوة كرام # مضت لم تخز أهلا ولم ترب ... من الخفرات لا خروج بذية # ملائمة تبغي على جارها الجنب ... ولا الجار ذي القربى ولم تدر ما الخنا # ولم تزدلف يوما بسوء ولم تجب ... عجبت لها إذ كتفت وهي حية # ألا إن هذا الخطب من أعجب العجب # وقيل: إن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة، ~~وإن مصعبا لما سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه أحمر بن شميط، وأمره أن ~~يواقعه بالمذار، وقال: إن الفتح بالمذار ; لأنه بلغه أن رجلا من ثقيف يفتح ~~عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أنه هو، وإنما كان ذلك للحجاج في قتال عبد ~~الرحمن بن الأشعث. # وأمر مصعب عبادا الحطمي بالمسير إلى جمع المختار، فتقدم وتقدم معه عبيد ~~الله بن علي بن أبي طالب، وبقي مصعب على نهر البصريين، وخرج المختار في ~~عشرين ألفا، وزحف مصعب ومن معه، فوافوه مع الليل، فقال المختار لأصحابه: لا ~~يبرحن أحد منكم حتى يسمع مناديا ينادي: يا محمد، فإذا سمعتموه فاحملوا. # فلما طلع القمر أمر مناديا فنادى: يا محمد، فحملوا على أصحاب مصعب، ~~فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، وأصبح المختار ~~وليس عنده أحد، وأصحابه قد أوغلوا في أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزما ~~حتى دخل قصر الكوفة، وجاء أصحابه حين أصبحوا فوقفوا مليا، فلم يروا المختار ~~فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب، فاختفوا بدور الكوفة، وتوجه منهم ~~نحو القصر ثمانية آلاف، فوجدوا المختار في القصر فدخلوا عليه، وكانوا قد ~~قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقا كثيرا، منهم محمد بن الأشعث. وأقبل ~~مصعب فأحاط بالقصر، وحاصرهم أربعة أشهر، يخرج المختار كل يوم فيقاتلهم في ~~سوق الكوفة. # فلما قتل المختار بعث من في القصر يطلب الأمان، فأبى مصعب، فنزلوا على # PageV03P339 # حكمه، فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك، وسائرهم من العجم، وكان عدة ~~القتلى ستة آلاف رجل. # ولما قتل المختار كان عمره سبعا وستين سنة، وكان ms1439 قتله لأربع عشرة خلت من ~~رمضان سنة سبع وستين. # قيل: إن مصعبا لقي ابن عمر فسلم عليه وقال له: أنا ابن أخيك مصعب. فقال ~~له ابن عمر: أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة غير ما بدا ~~لك. فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة فجرة. فقال: والله لو قتلت عدتهم غنما من ~~تراث أبيك لكان ذلك سرفا. # وقال ابن الزبير لعبد الله بن عباس: ألم يبلغك قتل الكذاب؟ قال: ومن ~~الكذاب؟ قال: ابن أبي عبيد. قال: قد بلغني قتل المختار. قال: كأنك نكرت ~~تسميته كذابا، ومتوجع له. قال: ذاك رجل قتل قتلتنا، وطلب ثأرنا، وشفى غليل ~~صدورنا، وليس جزاؤه منا الشتم والشماتة. # وقال عروة بن الزبير لابن عباس: قد قتل الكذاب المختار، وهذا رأسه. فقال ~~ابن عباس: قد بقيت لكم عقبة كئود فإن صعدتموها فأنتم أنتم، وإلا فلا. يعني ~~عبد الملك بن مروان. # وكانت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن الحنفية فيقبلانها، وقيل: رد ابن ~~عمر هديته. # ذكر عزل مصعب بن الزبير، وولاية حمزة بن عبد الله بن الزبير # وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا عن العراق بعد أن قتل ~~المختار، وولى مكانه ابنه حمزة بن عبد الله، وكان حمزة جوادا مخلطا، يجود ~~أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، وظهر منه ~~بالبصرة خفة وضعف، فيقال إنه ركب يوما فرأى فيض البصرة فقال: إن هذا الغدير ~~إن رفقوا به ليكفينهم صيفهم. فلما كان بعد ذلك رآه جازرا فقال: قد قلت لو ~~رفقوا به لكفاهم. وظهر منه غير ذلك، فكتب الأحنف إلى أبيه وسأله أن يعزله ~~عنهم ويعيد مصعبا، فعزله، فاحتمل مالا كثيرا # PageV03P340 # من مال البصرة، فعرض له مالك بن مسمع فقال له: لا ندعك تخرج بعطايانا. ~~فضمن له عبيد الله بن عبد الله العطاء، فكف عنه، وشخص حمزة بالمال، وأتى ~~المدينة فأودعه رجالا، فجحدوه إلا رجلا واحدا فوفى له، وبلغ ذلك أباه فقال: ~~أبعده الله! أردت أن أباهي به ms1440 بني مروان فنكص. # وقيل: إن مصعبا أقام بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولا عن البصرة، عزله ~~أخوه عبد الله، واستعمل عليها ابنه حمزة، ثم إن مصعبا وفد على أخيه عبد ~~الله، فرده على البصرة، وقيل: بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل المختار، ~~واستعمل على الكوفة الحارث بن أبي ربيعة، فكانتا في عمله، فعزله أخوه عن ~~البصرة واستعمل ابنه حمزة، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة، ورد ~~مصعبا. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس [في هذه السنة] عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة ~~والبصرة من تقدم ذكره، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، ~~وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وبالشام عبد الملك بن مروان، وبخراسان عبد ~~الله بن خازم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات الأحنف بن قيس بالكوفة مع مصعب، وقيل: مات سنة إحدى ~~وسبعين بالكوفة لما سار مصعب إلى قتال عبد الملك بن مروان. وقتل هبيرة بن ~~مريم مولى الحسين بن علي بالخازر، وهو من أصحاب المختار وثقات المحدثين. ~~وفيها توفي جنادة بن أبي أمية، وأدرك الجاهلية، وليست له صحبة. وقتل مصعب ~~عبد الرحمن وعبد الرب ابني حجر بن عدي، وعمران بن حذيفة بن اليمان، قتلهم ~~صبرا بعد قتل المختار، وبعد قتل أصحابه. # PageV03P341 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين] ### | 68 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين # ذكر عزل حمزة وولاية مصعب البصرة # وفي هذه السنة رد عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا إلى العراق. # وسببه: أن الأحنف رأى من حمزة بن عبد الله اختلاطا وحمقا، فكتب إلى أبيه، ~~فعزله ورد مصعبا، واستعمل على الكوفة الحارث بن أبي ربيعة. # وقيل: كان سبب عزله حمزة أنه قصر بالأشراف وبسط يده، ففزعوا إلى مالك بن ~~مسمع، فضرب خيمته على الجسر، ثم أرسل إلى حمزة: الحق بأبيك. وأخرجه عن ~~البصرة، فقال العديل العجلي: # إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا سفيان يوما فعسكرا # ذكر حروب الخوارج بفارس والعراق # في هذه السنة استعمل مصعب عمر بن عبيد الله بن ms1441 معمر على فارس، وولاه حرب ~~الأزارقة، وكان المهلب على حربهم أيام مصعب الأولى، وأيام حمزة بن عبد الله ~~بن الزبير. فلما عاد مصعب أراد أن يولي المهلب بلاد الموصل والجزيرة ~~وأرمينية ; ليكون بينه وبين عبد الملك بن مروان، فكتب إليه وهو بفارس في ~~القدوم عليه، فقدم واستخلف على عمله ابنه المغيرة، ووصاه بالاحتياط، وقدم ~~البصرة، فعزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس، واستعمل عليهما عمر بن عبيد ~~الله بن معمر. فلما سمع الخوارج به قال قطري بن الفجاءة: قد جاءكم شجاع، ~~وهو شجاع وبطل، جاء يقاتل لدينه وملكه بطبيعة لم أر مثلها لأحد، ما حضر ~~حربا إلا كان أول فارس يقتل قرنه. # PageV03P342 # وكان الخوارج قد استعملوا عليهم بعد قتل عبيد الله بن الماحوز الزبير بن ~~الماحوز، على ما ذكرناه سنة خمس وستين، فجاءت الخوارج إلى إصطخر، فقدم ~~إليهم عمر ابنه عبيد الله في خيل، فاقتتلوا فقتل عبيد الله بن عمر، وأراد ~~الزبير بن الماحوز قتال عمر فقال له قطري: إن عمر مأثور فلا نقاتله. فأبى ~~فقاتله، فقتل من فرسان الخوارج تسعون رجلا، وطعن عمر صالح بن مخارق، فشتر ~~عينه، وضرب قطريا على جبينه ففلقه، وانهزمت الخوارج وساروا إلى سابور، فعاد ~~عمر ولقيهم بها ومعه مجاعة بن سعر، فقتل مجاعة بعمود كان معه أربعة عشر ~~رجلا من الخوارج، وكاد عمر يهلك في هذه الوقعة، فدافع عنه مجاعة، فوهب له ~~عمر تسعمائة ألف درهم، فقيل في ذلك: قد ذدت عادية الكتيبة عن فتى قد كاد ~~يترك لحمه أقطاعا # وظهر عليهم، فساروا وقطعوا قنطرة بينهما ليمتنع من طلبهم، وقصدوا نحو ~~أصبهان، فأقاموا عندها حتى قووا واستعدوا، ثم أقبلوا حتى مروا بفارس وبها ~~عمر، فقطعوها في غير الموضع الذي هم به، أخذوا على سابور، ثم على أرجان، ~~حتى أتوا الأهواز. # فقال مصعب: العجب لعمر! قطع العدو الذي هو بصدد محاربته أرض فارس فلم ~~يقاتلهم، ولو قاتلهم وفر كان أعذر له. وكتب إليه: يا ابن معمر ما أنصفتني، ~~تجبي الفيء وتحيد عن العدو، فاكفني أمرهم. ms1442 # فسار عمر من فارس في أثرهم مجدا يرجو أن يلحقهم قبل أن يدخلوا العراق، ~~وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الأكبر، وعسكر الناس معه، وبلغ الخوارج وهم ~~بالأهواز إقبال عمر إليهم، وأن مصعبا قد خرج من البصرة إليهم، فقال لهم ~~الزبير بن الماحوز: من سوء الرأي وقوعكم بين هاتين الشوكتين، انهضوا بنا ~~إلى عدونا نلقهم من وجه واحد. فسار بهم فقطع بهم أرض جوخى والنهروانات، ~~فأتى المدائن وبها كردم بن مرثد القرادي، فشنوا الغارة على أهل المدائن ~~يقتلون الرجال والنساء والولدان، ويشقون أجواف الحبالى. فهرب كردم، وأقبلوا ~~إلى ساباط، ووضعوا السيف في الناس يقتلون، وأرسلوا جماعة إلى الكرخ، فلقوا ~~أبا بكر بن مخنف، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل أبو بكر وانهزم أصحابه، وأفسد ~~الخوارج في الأرض. # فأتى أهل الكوفة أميرهم، وهو الحارث بن أبي ربيعة، ولقبه القباع، فصاحوا ~~به # PageV03P343 # وقالوا: اخرج فإن العدو قد أظل علينا ليست له بقية. فخرج حتى نزل النخيلة ~~فأقام أياما، فوثب إليه إبراهيم بن الأشتر، فحثه على المسير، فسار حتى نزل ~~دير عبد الرحمن، فأقام به حتى دخل إليه شبث بن ربعي، فأمره بالمسير، فلما ~~رأى الناس بطء مسيره رجزوا به فقالوا: # سار بنا القباع سيرا نكرا ... يسير يوما ويقيم شهرا # فسار من ذلك المكان، فكان كلما نزل منزلا أقام به حتى يصيح به الناس، ~~فبلغ الفرات في بضعة عشر يوما، فأتاها وقد انتهى إليها الخوارج، فقطعوا ~~الجسر بينهم وبينه وأخذوا رجلا اسمه سماك بن يزيد ومعه بنت له، فأخذوها ~~ليقتلوها، فقالت لهم: يا أهل الإسلام! إن أبي مصاب فلا تقتلوه، وأما أنا ~~فجارية، والله ما أتيت فاحشة قط، ولا آذيت جارة لي، ولا تطلعت ولا تشرفت ~~قط. فلما أرادوا قتلها سقطت ميتة، فقطعوها بأسيافهم، وبقي سماك معهم حتى ~~أشرفوا على الصراة، فاستقبل أهل الكوفة فناداهم: اعبروا إليهم، فإنهم قليل ~~خبيث. فضربوا عنقه وصلبوه. # فقال إبراهيم بن الأشتر للحارث: اندب معي الناس حتى أعبر إلى هؤلاء ~~الكلاب فأجيئك برءوسهم. فقال شبث، وأسماء بن خارجة، ويزيد بن الحارث، ms1443 ومحمد ~~بن عمير وغيرهم: أصلح الله الأمير، دعهم فليذهبوا. وكأنهم حسدوا إبراهيم. # فلما رأى الخوارج كثرة الناس قطعوا الجسر، واغتنم ذلك الحارث فتحبس، ثم ~~جلس للناس فقال: أما بعد، فإن أول القتال الرمية بالنبل وإشراع الرماح ~~والطعن، ثم الطعن شزرا، ثم السلة آخر ذلك كله. فقال له رجل: قد أحسن الأمير ~~الصفة، ولكن متى نصنع هذا وهذا البحر بيننا وبينهم؟ فمر بهذا الجسر فليعقد، ~~ثم عبرنا إليهم، فإن الله سيريك ما تحب. # PageV03P344 # فعقد الجسر وعبر الناس، فطارد الخوارج حتى أتوا المدائن، وطاردت بعض ~~خيلهم عند الجسر طرادا ضعيفا فرجعوا، فأتبعهم الحارث عبد الرحمن بن مخنف في ~~ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، وقال له: إذا وقعوا في أرض البصرة ~~فاتركهم. فسار عبد الرحمن يتبعهم حتى وقعوا في أرض أصبهان، فرجع عنهم ولم ~~يقاتلهم، وقصدوا الري وعليها يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني، فقاتلهم، ~~فأعان أهل الري الخوارج، فقتل يزيد وهرب ابنه حوشب، ودعاه أبوه ليدفع عنه ~~فلم يرجع، فقال بعضهم: # فلو كان حرا حوشب ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب # يعني أن عيسى بن مصعب لم يفر عن أبيه، بل قاتل عنه معه حتى قتل. # وقال بشر بن مروان يوما وعنده حوشب هذا وعكرمة بن ربعي: من يدلني على فرس ~~جواد؟ فقال عكرمة: فرس حوشب، فإنه نجا عليه يوم الري. وقال بشر أيضا يوما: ~~من يدلني على بغلة قوية الظهر؟ فقال حوشب: بغلة واصل بن مسافر. كان عكرمة ~~يتهم بامرأة واصل، فتبسم بشر وقال: لقد انتصفت. # ولما فرغ الخوارج من الري انحطوا إلى أصبهان، فحاصروها وبها عتاب بن ~~ورقاء، فصبر لهم، وكان يقاتلهم على باب المدينة، ويرمون من السور بالنبل ~~والحجارة. وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له أبو هريرة، فكان يحمل عليهم ~~ويقول: # كيف ترون يا كلاب النار ... شد أبي هريرة الهرار # يهركم بالليل والنهار ... يا ابن أبي الماحوز والأشرار # كيف ترى حربي على المضمار # فلما طال ذلك على الخوارج كمن له رجل منهم ms1444 ذات يوم، فضربه بالسيف على حبل ~~عاتقه فصرعه، فاحتمله أصحابه وداووه حتى برأ، وخرج إليهم على عادته. # ثم إن الخوارج أقامت عليهم أشهرا حتى نفدت أطعمتهم، واشتد عليهم الحصار، ~~وأصابهم الجهد الشديد، فقال لهم عتاب: أيها الناس قد نزل بكم من الجهد ما ~~ترون، وما بقي إلا أن يموت أحدكم على فراشه، فيدفنه أخوه إن استطاع، ثم ~~يموت هو فلا يجد من يدفنه ولا يصلي عليه، والله ما أنتم بالقليل، وإنكم ~~الفرسان الصلحاء، فاخرجوا بنا إلى هؤلاء وبكم قوة وحياة، قبل أن تضعفوا عن ~~الحركة من الجهد، فوالله إني لأرجو إن صدقتموهم أن تظفروا بهم. فأجابوه إلى ~~ذلك. # PageV03P345 # ذكر قتل ابن الماحوز وإمارة قطري بن الفجاءة # لما أمر عتاب أصحابه بقتال الخوارج وأجابوه إلى ذلك جمع الناس، وأمر لهم ~~بطعام كثير، ثم خرج حين أصبح، فأتى الخوارج وهم آمنون، فحملوا عليهم ~~فقاتلوهم حتى أخرجوهم من عسكرهم، وانتهوا إلى الزبير بن الماحوز، فنزل في ~~عصابة من أصحابه فقاتل حتى قتل، وانحازت الأزارقة إلى قطري بن الفجاءة ~~المازني، وكنيته أبو نعامة، فبايعوه، وأصاب عتاب وأصحابه من عسكره ما ~~شاءوا، وجاء قطري فنزل في عسكر الزبير، ثم سار عن أصبهان وتركها، وأتى ~~ناحية كرمان وأقام بها حتى اجتمعت إليه جموع كثيرة، وجبى المال وقوي. ثم ~~أقبل إلى أصبهان، ثم أتى إلى أرض الأهواز، فأقام بها والحارث بن أبي ربيعة ~~عامل مصعب على البصرة، فكتب إلى مصعب يخبره بالخوارج وأنهم ليس لهم إلا ~~المهلب. فبعث إلى المهلب وهو على الموصل والجزيرة فأمره بقتال الخوارج، ~~وبعث إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر، وجاء المهلب إلى البصرة، وانتخب الناس ~~وسار بهم نحو الخوارج، ثم أقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا بها ~~ثمانية أشهر أشد قتال رآه الناس. # ذكر حصار الري # وفيها أمر مصعب عتاب بن ورقاء الرياحي، عامله على أصبهان، بالمسير إلى ~~الري وقتال أهلها لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث بن رويم، وامتناعهم ~~من مدينتهم، فسار إليهم عتاب فنازلهم وقاتلهم وعليهم الفرخان، وألح عليهم ~~عتاب بالقتال، ms1445 ففتحها عنوة وغنم ما فيها، وافتتح سائر قلاع نواحيها. # وفيها كان بالشام قحط شديد، حتى إنهم لم يقدروا من شدته على الغزو. # وفيها عسكر عبد الملك بن مروان ببطنان [حبيب] ، وهو قريب [من] قنسرين، ~~وشتى بها ثم رجع إلى دمشق. # ذكر خبر عبيد الله بن الحر ومقتله # في هذه السنة قتل عبيد الله بن الحر الجعفي، وكان من خيار قومه صلاحا ~~وفضلا واجتهادا، فلما قتل عثمان ووقعت الحرب بين علي ومعاوية قصد معاوية، ~~فكان معه # PageV03P346 # لمحبته عثمان، وشهد معه صفين هو ومالك بن مسمع، وأقام عبيد الله عند ~~معاوية. وكان له زوجة بالكوفة، فلما طالت غيبته زوجها أخوها رجلا يقال له ~~عكرمة بن الخبيص، وبلغ ذلك عبيد الله، فأقبل من الشام، فخاصم عكرمة إلى ~~علي، فقال له: ظاهرت علينا عدونا فغلت. فقال له: أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: ~~لا، فقص عليه قصته، فرد عليه امرأته، وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق إليه ~~حتى وضعت، فألحق الولد بعكرمة، ودفع المرأة إلى عبيد الله، وعاد إلى الشام ~~فأقام به حتى قتل علي، فلما قتل أقبل إلى الكوفة فأتى إخوانه فقال: ما أرى ~~أحدا ينفعه اعتزاله، كنا بالشام فكان من أمر معاوية كيت وكيت، فقالوا: وكان ~~من أمر علي كيت وكيت، وكانوا يلتقون بذلك. # فلما مات معاوية وقتل الحسين بن علي لم يكن عبيد الله فيمن حضر قتله، ~~يغيب عن ذلك تعمدا، فلما قتل جعل ابن زياد يتفقد الأشراف من أهل الكوفة، ~~فلم ير عبيد الله بن الحر، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه فقال له: أين كنت ~~يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا. قال: مريض القلب أم مريض البدن؟ فقال: أما ~~قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله علي بالعافية. قال ابن زياد: كذبت، ~~ولكنك كنت مع عدونا. فقال: لو كنت معه لرأى مكاني. # وغفل عنه ابن زياد، فخرج فركب فرسه، ثم طلبه ابن زياد فقالوا: ركب ~~الساعة. فقال: علي به. فأحضر الشرط خلفه، فقالوا: أجب الأمير. فقال: أبلغوه ~~عني ms1446 أني لا آتيه طائعا أبدا. ثم أجرى فرسه، وأتى منزل أحمد بن زياد الطائي، ~~فاجتمع إليه أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع الحسين ومن قتل ~~معه، فاستغفر لهم، ثم مضى إلى المدائن وقال في ذلك: # يقول أمير غادر وابن غادر # ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه ... ونفسي على خذلانه واعتزاله # وبيعة هذا الناكث العهد لائمه ... فيا ندمي أن لا أكون نصرته # ألا كل نفس لا تشدد نادمه ... وإني لأني لم أكن من حماته # لذو حسرة أن لا تفارق لازمه # PageV03P347 # سقى الله أرواح الذين تبادروا ... إلى نصره سقيا من الغيث دائمه # وقفت على أجداثهم ومحالهم ... فكاد الحشا ينقض والعين ساجمه # لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى ... سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه # تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم ... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه # فإن يقتلوا في كل نفس بقية ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه # وما إن رأى الراءون أفضل منهم ... لدى الموت سادات وزهرا قماقمه # يقتلهم ظلما ويرجو ودادنا ... فدع خطة ليست لنا بملائمه # لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منا عليكم وناقمه # أهم مرارا أن أسير بجحفل إلى فئة ... زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا ~~زدتكم # في كتائب أشد عليكم من زحوف الديالمه # وأقام ابن الحر بمنزله على شاطئ الفرات إلى أن مات يزيد ووقعت الفتنة، ~~فقال: ما أرى قريشا تنصف، أين أبناء الحرائر؟ فأتاه كل خليع، ثم خرج إلى ~~المدائن فلم يدع مالا قدم به للسلطان إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ~~ويكتب لصاحب المال بذلك، ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك، إلا أنه لم يتعرض ~~لمال أحد ولا ذمة. فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمل في السواد، ~~فأخذ امرأته فحبسها، فأقبل عبيد الله في أصحابه إلى الكوفة، فكسر باب السجن ~~وأخرجها، وأخرج كل امرأة فيه، وقال في ذلك: # ألم تعلمي يا أم توبة أنني ... أنا الفارس الحامي حقائق مذحج # PageV03P348 # وأني صبحت السجن في سورة الضحى # بكل فتى حامي الذمار مدجج ... فما إن ms1447 برحنا السجن حتى بدا لنا # جبين كقرن الشمس غير مشنج ... وخد أسيل عن فتاة حبيبة # إلينا سقاها كل دان مشجج ... فما العيش إلا أن أزورك آمنا # كعادتنا من قبل حربي ومخرجي ... وما زلت محبوسا لحبسك واجما # وإني بما تلقين من بعده شجي # وهي طويلة. # وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه، فأحرقت بهمذان داره، ونهبوا ضيعته، ~~فسار عبيد الله إلى ضياع همذان، فنهبها جميعها، وكان يأتي المدائن فيمر ~~بعمال جوخى، فيأخذ ما معهم من المال، ثم يميل إلى الجبل، فلم يزل على ذلك ~~حتى قتل المختار. # وقيل: إنه بايع المختار بعد امتناع، وأراد المختار أن يسطو به فامتنع ~~لأجل إبراهيم بن الأشتر. ثم سار مع ابن الأشتر إلى الموصل، ولم يشهد معه ~~قتال ابن زياد، أظهر المرض. ثم فارق ابن الأشتر وأقبل في ثلاثمائة إلى ~~الأنبار، فأغار عليها وأخذ ما في بيت مالها. فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم ~~داره وأخذ امرأته، ففعل ما تقدم ذكره. وحضر مع مصعب قتال المختار وقتله، ~~فلما قتل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية: إنا لا نأمن أن يثب ~~ابن الحر بالسواد كما كان يفعل بابن زياد والمختار، فحبسه، فقال: # فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم ... أتى دونه باب شديد وحاجبه # بمنزلة ما كان يرضى بمثلها ... إذا قام عنته كبول تجاذبه # على الساق فوق الكعب أسود صامت ... شديد يداني خطوه ويقاربه # وما كان ذا من عظم جرم ... جرمته ولكن سعى الساعي بما هو كاذبه # PageV03P349 # وقد كان في الأرض العريضة مسلك # وأي امرئ ضاقت عليه مذاهبه # وقال: # بأي بلاء أم بأية نعمة ... تقدم قبلي مسلم والمهلب # يعني مسلم بن عمرو والد قتيبة، والمهلب بن أبي صفرة. # وكلم عبيد الله قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب، وأرسل إلى فتيان ~~مذحج وقال: البسوا السلاح واستروه، فإن شفعهم مصعب فلا تعترضوا لأحد، وإن ~~خرجوا ولم يشفعهم فاقصدوا السجن، فإني سأعينكم من داخل. # فلما شفع أولئك النفر فيه شفعهم مصعب وأطلقه، فأتى منزله وأتاه الناس ~~يهنئونه، فقال لهم: إن ms1448 هذا الأمر لا يصلح إلا بمثل الخلفاء الماضين ~~الأربعة، ولم نر لهم فينا شبيها فنلقي إليه أزمتنا، فإن كان من عز بز فعلام ~~نعقد في أعناقنا بيعة، وليسوا بأشجع منا لقاء ولا أعظم مناعة؟ وقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله - تعالى -» ، ~~وكلهم عاص مخالف، قوي الدنيا ضعيف الآخرة، فعلام تستحل حرمتنا ونحن أصحاب ~~النخيلة والقادسية وجلولاء ونهاوند؟ نلقى الأسنة بنحورنا، والسيوف بجباهنا، ~~ثم لا يعرف حقنا وفضلنا؟ فقاتلوا عن حريمكم، فإني قد قلبت ظهر المجن، ~~وأظهرت لهم العداوة، ولا قوة إلا بالله. وخرج عن الكوفة وحاربهم وأغار. # فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ المرادي، فعرض عليه خراج بادوريا وغيرها، ~~ويدخل في الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي ~~فقاتله، فهزمه عبيد الله وضربه على وجهه، فبعث إليه أيضا حريث بن يزيد، ~~فقتله عبيد الله، فبعث إليه مصعب الحجاج بن جارية الخثعمي ومسلم بن عمرو، ~~فلقياه بنهر صرصر، فقاتلهما فهزمهما، فأرسل إليه مصعب يدعوه إلى الأمان ~~والصلة، وأن يوليه أي بلد شاء، فلم يقبل، وأتى نرسى ففر دهقانها بمال ~~الفلوجة، فتبعه ابن الحر حتى مر بعين تمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة ~~الشيباني، فالتجأ إليهم الدهقان، فخرجوا إلى عبيد الله فقاتلوه، ووافاهم ~~الحجاج بن جارية الخثعمي فحمل على عبيد الله، فأسره عبيد الله وأسر أيضا ~~بسطام بن مصقلة وناسا كثيرا، وبعث ناسا من أصحابه فأخذوا المال الذي مع ~~الدهقان، وأطلق الأسرى. # PageV03P350 # ثم إن عبيد الله أتى تكريت، فأقام يجبي الخراج، فبعث إليه مصعب الأبرد بن ~~قرة الرياحي، والجون بن كعب الهمداني، في ألف، وأمدهم المهلب بيزيد بن ~~المغفل في خمسمائة، فقال لعبيد الله رجل من أصحابه: قد أتاك جمع كثير فلا ~~تقاتلهم. فقال: # يخوفني بالقتل قومي وإنما ... أموت إذا جاء الكتاب المؤجل # لعل القنا تدني بأطرافها الغنى ... فنحيا كراما أو نكر فنقتل # ألم تر أن الفقر يزري بأهله ... وأن الغنى فيه العلى والتجمل # وإنك إلا تركب الهول ms1449 لا تنل ... من المال ما يرضي الصديق ويفضل # وقاتلهم عبيد الله يومين وهو في ثلاثمائة، ولما كان عند المساء تحاجزوا، ~~وخرج عبيد الله من تكريت وقال لأصحابه: إني سائر بكم إلى عبد الملك بن ~~مروان فتجهزوا، وقال: إني خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا وأصحابه. # وسار نحو الكوفة فبلغ كسكر، فأخذ بيت مالها، ثم أتى الكوفة فنزل بحمام ~~جرير، فبعث إليه مصعب عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتله، (فخرج إلى دير ~~الأعور، فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر، فانهزم حجار، فشتمه مصعب وضم إليه ~~الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه) بأجمعهم، وكثرت ~~الجراحات في عسكر عبيد الله بن الحر، وعقرت خيولهم، فانهزم حجار، ثم رجع ~~فاقتتلوا قتالا شديدا حتى أمسوا، وخرج ابن الحر من الكوفة. # وكتب مصعب إلى زيد بن الحارث بن رويم الشيباني، وهو بالمدائن، يأمره ~~بقتال ابن الحر، فقدم ابنه حوشبا، فلقيه بباجسرى، فهزمه عبيد الله وقتل ~~فيهم، وأقبل ابن الحر إلى المدائن فتحصنوا منه، فخرج عبيد الله فوجه إليه ~~الجون بن كعب الهمداني وبشر بن عبيد الله الأسدي، فنزل الجون بحولايا، وقدم ~~بشر إلى تامرا فلقي ابن الحر، فقتله ابن الحر وهزم أصحابه، ثم لقي الجون بن ~~كعب بحولايا، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله، فقتله ابن الحر وهزم ~~أصحابه، وخرج إليه بشير بن عبد الرحمن بن بشير العجلي، فقاتله بسوراء قتالا ~~شديدا، فرجع عنه بشير، وأقام ابن # PageV03P351 # الحر بالسواد، يغير ويجبي الخراج. # ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير، ~~وأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى أصحابه مالا، فقال له ابن الحر ليوجه معه جندا ~~يقاتل بهم مصعبا، فقال له: سر بأصحابك، وادع من قدرت عليه، وأنا ممدك ~~بالرجال. # فسار بأصحابه نحو الكوفة، فنزل بقرية إلى جانب الأنبار، فاستأذنه أصحابه ~~في إتيان الكوفة، فأذن لهم وأمرهم أن يخبروا أصحابه بقدومه ليخرجوا إليه. # فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحارث بن أبي ربيعة عامل ابن الزبير بالكوفة، ms1450 ~~فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون عبيد الله، ويغتنمون الفرصة فيه بتفرق ~~أصحابه، فبعث معهم جيشا كثيفا، فساروا فلقوا ابن الحر، فقال لابن الحر ~~أصحابه: نحن نفر يسير، وهذا الجيش لا طاقة لنا فيه. فقال: ما كنت لأدعهم. ~~وحمل عليهم وهو يقول: # يا لك يوما فات فيه نهبي ... وغاب عني ثقتي وصحبي # ثم عطفوا عليه فكشفوا أصحابه وحاولوا أن يأسروه، فلم يقدروا على ذلك، ~~وأذن لأصحابه في الذهاب، فذهبوا فلم يعرض لهم أحد، وجعل يقاتل وحده، فحمل ~~عليه رجل من باهلة يكنى أبا كدية فطعنه، وجعلوا يرمونه ويكتبون عليه، ولا ~~يدنون منه، وهو يقول: أهذه نبل أم مغازل؟ فلما أثخنته الجراح خاض إلى معبر ~~هناك، فدخله ولم يدخل فرسه، فركب السفينة ومضى به الملاح حتى توسط الفرات، ~~فأشرفت عليه الخيل، وكان معه في السفينة نبط، فقالوا لهم: إن في السفينة ~~طلبة أمير المؤمنين، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحر ليرمي نفسه في ~~الماء، فوثب إليه رجل عظيم الخلق، فقبض على يديه وجراحاته تجري دما، وضربه ~~الباقون بالمجاذيف، فلما رأى أنه يقصد به نحو القيسية قبض على الذي معه، ~~وألقى نفسه معه في الماء فغرقا. # وقيل في قتله: إنه كان يغشى مصعب بن الزبير بالكوفة، فرآه يقدم عليه ~~غيره، فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ويخوفه مسيره ~~إلى ابن مروان، يقول فيها: # أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست على رأي قبيح أواربه # PageV03P352 # أفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب ... وزيرا له من كنت فيه أحاربه # فكيف وقد آتيتكم حق بيعتي ... وحقي يلوى عندكم وأطالبه # وأبليتكم مالا يضيع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه # فلما استنار الملك وانقادت العدى ... وأدرك من ملك العراق رغائبه # جفا مصعب عني ولو كان غيره ... لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه # لقد رابني من مصعب أن مصعبا ... أرى كل ذي غش لنا هو صاحبه # وما أنا إن حلأتموني بوارد ... على كدر قد غص بالماء شاربه # وما لامرئ إلا الذي الله سائق ... إليه وما قد خط في الزبر ms1451 كاتبه # إذا قمت عند الباب أدخل مسلما ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه # فحبسه مصعب، وله معه معاتبات من الحبس، ثم إنه قال قصيدة يهجو فيها قيس ~~عيلان، منها: # ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل # فأرسل زفر بن الحارث الكلائي إلى مصعب: إني قد كفيتك قتال ابن الزرقاء - ~~يعني عبد الملك بن مروان - وابن الحر يهجو قيسا، ثم إن نفرا من بني سليم ~~أسروا ابن الحر، فقال: إنما قلت: # PageV03P353 # ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت ... وسارت إلينا في القنا والقنابل # فقتله رجل منهم يقال له عياش. # ذكر عدة حوادث # قيل في هذه السنة وافى عرفات أربعة ألوية: لواء لابن الحنفية وأصحابه، ~~ولواء لابن الزبير وأصحابه، ولواء لبني أمية، ولواء لنجدة الحروري، ولم يجر ~~بينهم حرب ولا فتنة، وكان أصحاب ابن الحنفية أسلم الجماعة. # وكان العامل لابن الزبير على المدينة هذه السنة جابر بن الأسود بن عوف ~~الزهري، وعلى البصرة والكوفة مصعب أخوه، وعلى قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة ~~بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم، ~~وكان عبد الملك بن مروان بالشام مشاققا لابن الزبير. # [الوفيات] # ومات عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين وعمره أربع وسبعون سنة، وقيل غير ~~ذلك. وفيها مات عدي بن حاتم الطائي، وقيل: سنة ست وستين، وعمره مائة وعشرون ~~سنة. ومات أبو واقد الليثي واسمه الحارث بن مالك. # وفيها توفي أبو شريح الخزاعي، واسمه خويلد بن عمرو، وهو الكعبي. # (شريح بالشين المعجمة) # PageV03P354 # وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: إنه ولد زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # (حاطب بالحاء المهملة. وبلتعة بالباء الموحدة، والتاء المثناة من فوق، ~~والعين المهملة، المفتوحات) . # PageV03P355 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين] ### | 69 - # ثم دخلت سنة تسع وستين # ذكر قتل عمرو بن سعيد الأشدق # في هذه السنة خالف عمرو بن سعيد عبد الملك بن مروان وغلب على دمشق، ~~فقتله، وقيل: كانت هذه الحادثة سنة سبعين. # وكان السبب في ذلك أن عبد ms1452 الملك بن مروان أقام بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ~~ما شاء الله أن يقيم، ثم سار يريد قرقيسيا وبها زفر بن الحارث الكلائي، ~~وكان عمرو بن سعيد مع عبد الملك، فلما بلغ بطنان حبيب رجع عمرو ليلا ومعه ~~حميد بن حريث الكلبي وزهير بن الأبرد الكلبي، فأتى دمشق وعليها عبد الرحمن ~~بن أم الحكم الثقفي قد استخلفه عبد الملك، فلما بلغه رجوع عمرو بن سعيد هرب ~~عنها، ودخلها عمرو فغلب عليها وعلى خزائنها، وهدم دار ابن أم الحكم، واجتمع ~~الناس إليه، فخطبهم ومناهم ووعدهم. # وأصبح عبد الملك وفقد عمرا، فسأل عنه فأخبر خبره، فرجع إلى دمشق فقاتله ~~أياما، وكان عمرو إذا أخرج حميد بن حريث على الخيل أخرج إليه عبد الملك ~~سفيان بن الأبرد الكلبي، وإذا أخرج عمرو زهير بن الأبرد أخرج إليه عبد ~~الملك حسان بن مالك بن بحدل. # ثم إن عبد الملك وعمرا اصطلحا وكتبا كتابا وآمنه عبد الملك، فخرج عمرو في ~~الخيل إلى عبد الملك، فأقبل حتى أوطأ فرسه أطناب عبد الملك، فانقطعت وسقط ~~السرادق، ثم دخل على عبد الملك فاجتمعا. # ودخل عبد الملك دمشق يوم الخميس، فلما كان بعد دخول عبد الملك بأربعة ~~أيام # PageV03P356 # أرسل إلى عمرو أن ائتني، وقد كان عبد الملك استشار كريب بن أبرهة الحميري ~~في قتل عمرو، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، في مثل هذا هلكت حمير. # فلما أتى الرسول عمرا يدعوه صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية، فقال ~~لعمرو: يا أبا أمية، أنت أحب إلي من سمعي ومن بصري، وأرى لك أن لا تأتيه. ~~فقال عمرو: لم؟ قال: لأن تبيع ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من ولد ~~إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق، ثم يخرج منها فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: ~~والله لو كنت نائما ما انتهبني ابن الزرقاء ولا اجترأ علي، أما إني رأيت ~~عثمان البارحة في المنام فألبسني قميصه. وكان عبد الله بن يزيد زوج ابنة ~~عمرو. ثم قال عمرو للرسول: أنا ms1453 رائح العشية. # فلما كان العشاء لبس عمرو درعا ولبس عليها القباء وتقلد سيفه، وعنده حميد ~~بن حريث الكلبي، فلما نهض متوجها عثر بالبساط، فقال له حميد: والله لو ~~أطعتني لم تأته. وقالت له امرأته الكلبية كذلك، فلم يلتفت ومضى في مائة من ~~مواليه. # وقد جمع عبد الملك عنده بني مروان، فلما بلغ الباب أذن له فدخل، فلم يزل ~~أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قارعة الدار وما معه إلا وصيف له، فنظر ~~عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله بنو مروان، وحسان بن بحدل الكلبي، وقبيصة بن ~~ذؤيب الخزاعي، فلما رأى جماعتهم أحس بالشر، فالتفت إلى وصيفه وقال: انطلق ~~إلى أخي يحيى فقل له يأتني، فلم يفهم الوصيف فقال له: لبيك! فقال عمرو: ~~اغرب عني في حرق الله وناره! وأذن عبد الملك لحسان وقبيصة، فقاما فلقيا ~~عمرا في الدار، فقال عمرو لوصيفه: انطلق إلى يحيى فمره أن يأتيني. فقال: ~~لبيك! فقال عمرو: اغرب عني. # فلما خرج حسان وقبيصة أغلقت الأبواب ودخل عمرو، فرحب به عبد الملك وقال: ~~هاهنا هاهنا يا أبا أمية! فأجلسه معه على السرير، وجعل يحادثه طويلا، ثم ~~قال: يا غلام، خذ السيف عنه. فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال ~~عبد الملك: أتطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك؟ فأخذ السيف عنه، ثم تحدثا، ثم ~~قال له عبد الملك: يا أبا أمية، إنك حيث خلعتني أليت بيمين إن أنا ملأت ~~عيني منك وأنا مالك لك أن أجعلك في جامعة. فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وما عسيت أن # PageV03P357 # أصنع بأبي أمية؟ فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين. فقال عمرو: قد ~~أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين. # فأخرج من تحت فراشه جامعة وقال: يا غلام، قم فاجمعه فيها. فقام الغلام ~~فجمعه فيها. فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على ~~رءوس الناس. فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت؟ لا والله ما كنا ~~لنخرجك في جامعة على ms1454 رءوس الناس. ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ~~ثنيتيه. فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين، كسر عظم مني فلا تركب ما ~~هو أعظم من ذلك. فقال له عبد الملك: والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أنا ~~أبقيت عليك وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلده قط على ما نحن ~~عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه. فلما رأى عمرو أنه يريد قتله قال: أغدرا يا ~~ابن الزرقاء! # وقيل: إن عمرا لما سقطت ثنيتاه جعل يمسهما، فقال عبد الملك: يا عمرو، أرى ~~ثنيتيك قد وقعتا منك موقعا لا تطيب نفسك بعده. # وأذن المؤذن العصر فخرج عبد الملك يصلي بالناس وأمر أخاه عبد العزيز أن ~~يقتله، فقام إليه عبد العزيز بالسيف، فقال عمرو: أذكرك الله والرحم أن تلي ~~قتلي، ليقتلني من هو أبعد رحما منك. فألقى السيف وجلس، وصلى عبد الملك صلاة ~~خفيفة ودخل وغلقت الأبواب. ورأى الناس عبد الملك حين خرج وليس معه عمرو، ~~فذكروا ذلك ليحيى بن سعيد، فأقبل في الناس ومعه ألف عبد لعمرو، وناس من ~~أصحابه كثير، فجعلوا يصيحون بباب عبد الملك: أسمعنا صوتك يا أبا أمية! ~~فأقبل مع يحيى حميد بن حريث وزهير بن الأبرد، فكسروا باب المقصورة وضربوا ~~الناس بالسيوف، وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، واحتمله إبراهيم بن ~~عربي صاحب الديوان، فأدخله بيت القراطيس. # ودخل عبد الملك حين صلى فرأى عمرا بالحياة، فقال لعبد العزيز: ما منعك أن ~~تقتله؟ فقال: إنه ناشدني الله والرحم فرققت له. فقال له: أخزى الله أمك ~~البوالة على # PageV03P358 # عقبيها، فإنك لم تشبه غيرها! ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمرا، فلم ~~تجز، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده على عضده فرأى الدرع فقال: ودرع أيضا؟ إن ~~كنت لمعدا! فأخذ الصمصامة، وأمر بعمرو فصرع، وجلس على صدره فذبحه وهو يقول: # يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني # وانتفض عبد الملك رعدة، فحمل عن صدره فوضع على سريره، وقال: ما رأيت مثل ms1455 ~~هذا قط، قتله صاحب دنيا ولا طالب آخرة. # ودخل يحيى ومن معه على بني مروان يخرجهم ومن كان من مواليهم، فقاتلوا ~~يحيى وأصحابه، وجاء عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، فدفع إليه الرأس، ~~فألقاه إلى الناس، وقام عبد العزيز بن مروان وأخذ المال في البدر، فجعل ~~يلقيها إلى الناس، فلما رأى الناس الرأس والأموال (انتهبوا الأموال ~~وتفرقوا) ، ثم أمر عبد الملك بتلك الأموال فجبيت حتى عادت إلى بيت المال. # وقيل: إن عبد الملك إنما أمر بقتل عمرو حين خرج إلى الصلاة غلامه أبا ~~الزعيزعة، فقتله وألقى رأسه إلى الناس، ورمي يحيى بصخرة في رأسه، وأخرج عبد ~~الملك سريره إلى المسجد، وخرج وجلس عليه، وفقد الوليد ابنه فقال: والله لئن ~~كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم. فأتاه إبراهيم بن عربي الكناني، فقال: ~~الوليد عندي، وقد جرح وليس عليه بأس. # وأتي عبد الملك بيحيى بن سعيد، وأمر به أن يقتل، فقام إليه عبد العزيز بن ~~مروان فقال: جعلت فداك يا أمير المؤمنين! أتراك قاتلا بني أمية في يوم ~~واحد! فأمر بيحيى فحبس. وأراد قتل عنبسة بن سعيد، فشفع فيه عبد العزيز ~~أيضا، وأراد قتل عامر بن الأسود الكلبي، فشفع فيه عبد العزيز، وأمر ببني ~~عمرو بن سعيد فحبسوا، ثم أخرجهم مع عمهم يحيى، فألحقهم بمصعب بن الزبير. # PageV03P359 # ثم بعث عبد الملك إلى امرأة عمرو الكلبية: ابعثي إلي كتاب الصلح الذي ~~كتبته لعمرو. فقالت لرسوله: ارجع فأعلمه أن ذلك الصلح معه في أكفانه ~~ليخاصمك عند ربه. # وكان عبد الملك وعمرو يلتقيان في النسب في أمية، هذا عبد الملك بن مروان ~~بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وذاك عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وكانت ~~أم عمرو أم البنين بنت الحكم عمة عبد الملك. # فلما قتل عبد الملك مصعبا، واجتمع الناس عليه - دخل أولاد عمرو على عبد ~~الملك، وهم أربعة: أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد، فلما نظر إليهم قال لهم: ~~إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله ms1456 لكم، ~~وإن الذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثا، ولكن كان قديما في أنفس أوليكم ~~على أولينا في الجاهلية. فأقطع بأمية، وكان أكبرهم، فلم يقدر أن يتكلم، ~~فقام سعيد بن عمرو، وكان الأوسط، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعى علينا ~~أمرا كان في الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك ووعد جنة وحذر نارا، ~~وأما الذي كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك، وأنت أعلم بما صنعت، وقد ~~وصل عمرو إلى الله، وكفى بالله حسيبا، ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك ~~وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها. فرق لهم عبد الملك وقال: إن أباكم ~~خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني ~~فيكم، وأوصلني لقرابتكم! وأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم. # وقيل: إن خالد بن يزيد قال لعبد الملك ذات يوم: عجبت كيف أصبت غرة عمرو. ~~فقال عبد الملك: # أدنيته مني ليسكن روعه ... فأصول صولة حازم مستمكن # غضبا ومحمية لديني إنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن # PageV03P360 # وقيل: إنما خلع عمرو وقتله حين سار عبد الملك نحو العراق لقتال مصعب، ~~فقال له عمرو: إنك تخرج إلى العراق وقد كان أبوك جعل لي هذا الأمر بعده، ~~وعلى ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لي بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك، ~~فرجع إلى دمشق، وكان من قتله ما تقدم. # وقيل: بل كان عبد الملك قد استخلف عمرا على دمشق، فخالفه وتحصن بها. ~~والله أعلم. # ولما سمع عبد الله بن الزبير بقتل عمرو قال: إن ابن الزرقاء قتل لطيم ~~الشيطان، {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] ~~وبلغ ذلك ابن الحنفية فقال: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] ~~يرفع له يوم القيامة لواء على قدر غدرته. # ذكر عصيان الجراجمة بالشام # لما امتنع عمروبن سعيد على عبد الملك خرج أيضا قائد من قواد الضواحي في ~~جبل اللكام، واتبعه خلق كثير من الجراجمة والأنباط وأباق عبيد المسلمين ~~وغيرهم، ثم سار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك ms1457 من عمرو أرسل إلى هذا الخارج ~~عليه، فبذل له كل جمعة ألف دينار، فركن إلى ذلك ولم يفسد في البلاد، ثم وضع ~~عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطف حتى وصل إليه متنكرا، فأظهر له ~~ممالأته، وذم عبد الملك وشتمه، ووعده أن يدله على عوراته وما هو خير له من ~~الصلح. فوثق به. ثم إن سحيما عطف عليه وعلى أصحابه وهم غارون غافلون بجيش ~~مع موالي عبد الملك وبني أمية وجند من ثقات جنده وشجعانهم كان أعدهم بمكان ~~خفي قريب، وأمر فنودي: من أتانا من العبيد، يعني الذين كانوا معه، فهو حر ~~ويثبت في الديوان، فانفض إليه خلق كثير منهم، فكانوا ممن قاتل معه، فقتل ~~الخارج ومن أعانه من الروم، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط، ونادى المنادي ~~بالأمان فيمن لقي منهم، فتفرقوا في قراهم وسد الخلل، وعاد إلى عبد الملك ~~ووفى للعبيد. # PageV03P361 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل زهير بن قيس أمير إفريقية، وقد ذكرنا ذلك سنة اثنتين ~~وستين، وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله ~~أيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. # وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على البصرة والكوفة له ~~أخوه مصعب، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى ~~خراسان عبد الله بن خازم. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الأسود الدؤلي، وله خمس وثمانون سنة. # PageV03P362 ### | [ثم دخلت سنة سبعين] ### | 70 - # ثم دخلت سنة سبعين # في هذه السنة اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح عبد الملك ~~ملكهم على أن يؤدي إليه كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين. # وفيها شخص مصعب إلى مكة، في قول بعضهم، ومعه أموال كثيرة ودواب كثيرة، ~~قسمها في قومه وغيرهم، ونهض ونحر بدنا كثيرة. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان عماله فيها من تقدم ~~ذكرهم. # ذكر يوم الجفرة # وفي هذه السنة سار عبد الملك بن مروان يريد مصعبا، فقال له خالد بن عبد ~~الله بن خالد ms1458 بن أسيد: إن وجهتني إلى البصرة، وأتبعتني خيلا يسيرة - رجوت ~~أن أغلب لك عليها. فوجهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا في خاصته حتى نزل على ~~عمرو بن أصمع، وقيل: نزل على علي بن أصمع الباهلي، فأرسل عمرو إلى عباد بن ~~الحصين، وهو على شرطة ابن معمر، وكان مصعب قد استخلفه على البصرة، ورجا ابن ~~أصمع أن # PageV03P363 # يبايعه عباد بن الحصين وقال له: إني قد أجرت خالدا، وأحببت أن تعلم ذلك ~~لتكون ظهرا لي. فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه، فقال عباد: قل له: والله لا ~~أضع لبد فرسي حتى آتيك في الخيل. فقال ابن أصمع لخالد: إن عبادا يأتينا ~~الساعة، ولا أقدر أن أمنعك عنه، فعليك بمالك بن مسمع. # فخرج خالد يركض وقد أخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكا، فقال: أجرني. ~~فأجاره، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد، فكان أول راية أتته راية بني يشكر، ~~وأقبل عباد في الخيل، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال. # فلما كان الغد عدوا إلى جفرة نافع بن الحارث، ومع خالد رجال من تميم، ~~منهم: صعصعة بن معاوية، وعبد العزيز بن بشر، ومرة بن محكان وغيرهم، وكان ~~أصحاب خالد جفرية ينتسبون إلى الجفرة، وأصحاب ابن معمر زبيرية، وكان من ~~أصحاب خالد: عبيد الله بن أبي بكرة، وحمران بن أبان، والمغيرة بن المهلب، ~~ومن الزبيرية: قيس بن الهيثم السلمي. # ووجه مصعب زحر بن قيس الجعفي مددا لابن معمر في ألف، ووجه عبد الملك عبيد ~~الله بن زياد بن ظبيان مددا لخالد. فأرسل عبيد الله إلى البصرة من يأتيه ~~بالخبر، فعاد إليه فأخبره بتفرق القوم، فرجع إلى عبد الملك. فاقتتلوا أربعة ~~وعشرين يوما، وأصيبت عين مالك بن مسمع، وضجر من الحرب، ومشت بينهم السفراء، ~~فاصطلحوا على أن يخرج خالد من البصرة، فأخرجه مالك. ثم لحق مالك بثأج. # وكان عبد الملك قد رجع إلى دمشق، فلم يكن لمصعب همة إلا البصرة، وطمع أن ~~يدرك بها خالدا، فوجده قد خرج، وسخط مصعب على ابن معمر، وأحضر أصحاب خالد ~~فشتمهم وسبهم، ms1459 فقال لعبيد الله بن أبي بكرة: يا ابن مسروح، إنما أنت ابن ~~كلبة تعاورها الكلاب، فجاءت بأحمر وأصفر وأسود من كل كلب بما يشبهه، وإنما ~~كان أبوك عبدا نزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حصن الطائف، ثم ~~ادعيتم أن أبا سفيان زنى بأمكم، والله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم. ثم دعا ~~حمران فقال له: إنما أنت ابن يهودية علج نبطي سبيت من عين التمر. وقال ~~للحكم بن المنذر بن الجارود، ولعبد الله بن فضالة # PageV03P364 # الزهراني، ولعلي بن أصمع، ولعبد العزيز بن بشر، وغيرهم نحو هذا من ~~التوبيخ والتقريع، وضربهم مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وهدم دورهم ~~وصحرهم في الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمر أولادهم في البعوث، ~~وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر، وهدم دار مالك بن ~~مسمع وأخذ ما فيها، فكان مما أخذ جارية ولدت له عمرو بن مصعب. # وأقام مصعب بالبصرة، ثم شخص إلى الكوفة، فلم يزل بها حتى خرج إلى حرب عبد ~~الملك بن مروان. # (المغيرة بضم الميم، وبالغين، والراء. خالد بن أسيد بفتح الهمزة، وكسر ~~السين. والجفرة بضم الجيم، وسكون الراء) . # [وفاة عاصم بن عمر] # وفي هذه السنة مات عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو جد عمر بن عبد العزيز ~~لأمه، وولد قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين. # ذكر مقتل عمير بن الحباب بن جعدة السلمي # في هذه السنة قتل عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، ونحن نذكر سبب الحرب ~~بين قيس وتغلب حتى آل الأمر إلى قتل عمير. # وكان سبب ذلك أنه لما انقضى أمر مرج راهط، وسار زفر بن الحارث الكلائي ~~إلى قرقيسيا، على ما ذكرناه، وبايع عمير مروان بن الحكم وفي نفسه ما فيها ~~بسبب قتل قيس بالمرج، فلما سير مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد إلى ~~الجزيرة والعراق كان عمير معه، فلقوا سليمان بن صرد بعين الوردة، وسار عبيد ~~الله إلى قرقيسيا لقتال زفر، فثبطه عمير، وأشار عليه بالمسير إلى الموصل ~~قبل ms1460 وصول جيش المختار إليها، وسار إليها ولقي إبراهيم بن الأشتر بالخازر، ~~فمال عمير معه، فانهزم جيش عبيد الله وقتل هو، فأتى عمير قرقيسيا وصار مع ~~زفر، فجعلا يطلبان كلبا واليمانية بمن قتلوا من قيس، وكان معهما قوم من ~~تغلب يقاتلون معهما ويدلونهما. # PageV03P365 # وشغل عبد الملك عنهما بمصعب، وتغلب عمير على نصيبين. ثم إنه مل المقام ~~بقرقيسيا، فاستأمن إلى عبد الملك فآمنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، ~~فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم، وتسلق في سلم من حبال، وخرج ~~من الحبس وعاد إلى الجزيرة، ونزل على نهر البليخ بين حران والرقة، فاجتمعت ~~إليه قيس، فكان يغير بهم على كلب واليمانية، وكان من معه يستأوون جواري ~~تغلب، ويسخرون مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرا لم يبلغ الحرب، وذلك ~~قبل مسير عبد الملك إلى مصعب وزفر. # ثم إن عميرا أغار على كلب، ثم رجع فنزل على الخابور، وكانت منازل تغلب ~~بين الخابور والفرات ودجلة. وكانت بحيث نزل عمير امرأة من تميم ناكح في ~~تغلب يقال لها أم دويل، فأخذ غلام من بني الحريش أصحاب عمير عددا من غنمها، ~~فشكت إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقي، فمانعهم قوم من تغلب، فقتل ~~رجل منهم يقال له مجاشع التغلبي، وجاء دويل فشكت أمه إليه، وكان فارسا من ~~فرسان تغلب، فسار في قومه، وجعل يذكرهم ما تصنع بهم قيس، ويشكوا إليهم ما ~~أخذ من غنم أمه، فاجتمع منهم جماعة، وأمروا عليهم شعيث بن مليك التغلبي، ~~وأغاروا على بني الحريش ومعهم قوم من نمير، فقتل فيهم التغلبيون، واستاقوا ~~ذودا لامرأة منهم يقال لها أم الهيثم، فمانعهم القيسيون فلم يقدروا على ~~منعهم، فقال الأخطل: # فإن تسألونا بالحريش فإننا ... منينا بنوك منهم وفجور # غداة تحامتنا الحريش كأنها ... كلاب بدت أنيابها لهرير # وجاؤوا بجمع ناصر أم هثيم ... فما رجعوا من ذودها ببعير # يوم ماكسين # ولما استحكم الشر بين قيس وتغلب، وعلى قيس عمير، وعلى تغلب شعيث، غزا ~~عمير بني تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور، ms1461 فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي أول # PageV03P366 # وقعة لهم، فقتل من بني تغلب خمسمائة، وقتل شعيث، وكانت رجله قطعت، فقاتل ~~حتى قتل وهو يقول: # قد علمت قيس ونحن نعلم ... أن الفتى يقتل وهو أجذم # يوم الثرثار الأول # والثرثار نهر أصل منبعه شرقي سنجار، وبالقرب من قرية يقال لها سرق، ويفرغ ~~في دجلة بين الكحيل ورأس الأيل من عمل الفرج. # لما قتل بماكسين من ذكرنا استمدت تغلب وحشدت، واجتمعت إليها النمر بن ~~قاسط، وأتاها المشجر بن الحارث الشيباني، وكان من ساداتهم بالجزيرة، وأتاها ~~عبيد الله بن زياد بن ظبيان منجدا لهم على قيس، فلذلك حقد عليه مصعب بن ~~الزبير حتى قتل أخاه النابئ بن زياد، واستنجد عمير تميما وأسدا، فلم ينجده ~~منهم أحد. فالتقوا على الثرثار، وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيب زياد بن ~~هوبر، ويقال: يزيد بن هوبر التغلبي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت قيس، ~~وقتلت تغلب ومن معها منهم مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني ~~سليم، وقالت ليلى بنت الحارس التغلبية، وقيل هي للأخطل: # لما رأونا والصليب طالعا ... ومارسرجيس وسما ناقعا # والخيل لا تحمل إلا دارعا ... والبيض في أيماننا قواطعا # خلوا لنا الثرثار والمزارعا ... وحنطة طيسا وكرما يانعا # يوم الثرثار الثاني # ثم إن قيسا تجمعت واستمدت واستعدت وعليها عمير بن الحباب، وأتاهم زفر بن ~~الحارث من قرقيسيا، وكان رئيس بني تغلب، والنمر، ومعهما ابن هوبر، فالتقوا ~~بالثرثار، # PageV03P367 # واقتتلوا أشد قتال اقتتله الناس، وانهزمت بنو عامر، وكانت على مجنبة قيس، ~~وصبرت سليم وأعصرت حتى انهزمت تغلب ومن معها، وقتل ابنا عبد يشوع وغيرهما ~~من أشراف تغلب، فقال عمير بن الحباب: # فدا لفوارس الثرثار نفسي ... وما جمعت من أهل ومال # وولت عامر عنا فأجلت ... وحولي من ربيعة كالجبال # أكاوحهم بدهم من سليم ... وأعصر كالمصاعيب النهال # وقال زفر بن الحارث: # ألا من مبلغ عني عميرا ... رسالة ناصح وعليه زاري # أنترك حي ذي يمن وكلبا ... ونجعل جدنا بك في نزار # كمعتمد على إحدى يديه ... فخانته بوهن وانكسار # يوم الفدين # وأغار عمير بن الحباب على ms1462 الفدين، وهي قرية على الخابور، وقتل من بها من ~~بني تغلب، فهزمهم، فقال نفيع بن صفار المحاربي: # لو تسأل الأرض الفضاء عليكم ... شهد الفدين بهلككم والصور # والصور: قرية من الفدين. # يوم السكير # وهو على الخابور، يسمى سكير العباس. # ثم اجتمعوا والتقوا بالسكير، وعلى قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب والنمر ~~يزيد بن هوبر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت تغلب والنمر، وهرب عمير بن ~~جندل، وهو من فرسان تغلب، فقال عمير بن الحباب: # PageV03P368 # وأفلتنا يوم السكير ابن جندل ... على سابح عوج اللبان مثابر # ونحن كررنا الخيل قدما شواذبا ... دقاق الهوادي داميات الدوائر # وقال ابن صفار: # صبحناكم بهن على سكير ... ولاقيتم هناك الأقورينا # يوم المعارك # والمعارك بين الحضر والعتيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان ~~فالتقوا هم وقيس، فاقتتلوا به فاشتد قتالهم، فانهزمت تغلب، وقال ابن صفار: # ولقد تركنا بالمعارك منكم ... والحضر والثرثار أجسادا جثا # فيقال: إن يوم المعارك والحضر واحد، هزموهم إلى الحضر، وقتلوا منهم بشرا ~~كثيرا. وقال بعضهم: هما يومان كانا لقيس. والله أعلم. # [يوم لبى] # والتقوا أيضا بلبى فوق تكريت من أرض الموصل، فتناصفوا، فقيس تقول: كان ~~الفضل لنا، وتغلب تقول: كان الفضل لنا. # يوم الشرعبية # ثم التقوا بالشرعبية، وعلى قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب وألفافها ابن ~~هوبر، فكان بينهم قتال شديد، قتل يومئذ عمار بن المهزم السلمي، وكان لتغلب ~~على قيس، قال الأخطل: # ولقد بكى الجحاف لما أوقعت ... بالشرعبية إذ رأى الأهوالا # PageV03P369 # يعني أوقعت الخيل. والشرعبية: من بلاد تغلب. والشرعبية أيضا: ببلاد منبج، ~~فبعضهم يقول: إن هذه الوقعة كانت ببلاد منبج، وذلك خطأ. # يوم البليخ # واجتمعت تغلب وسارت إلى البليخ، وهناك عمير في قيس، والبليخ نهر بين حران ~~والرقة، فالتقوا وانهزمت تغلب وكثر القتل فيها، وبقرت بطون النساء كما ~~فعلوا يوم الثرثار، فقال ابن صفار: # زرق الرماح ووقع كل مهند ... زلزلن قلبك بالبليخ فزالا # يوم الحشاك، ومقتل عمير بن الحباب السلمي وابن هوبر التغلبي # لما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرتها وباديتها، وساروا ~~إلى ms1463 الحشاك، وهو تل قريب من الشرعبية، وإلى جنبه براق، ودلف إليه عمير في ~~قيس ومعه زفر بن الحارث الكلائي وابنه الهذيل بن زفر، وعلى تغلب ابن هوبر، ~~واقتتلوا عند تل الحشاك أشد قتال وأبرحه، حتى جن عليهم الليل، ثم تفرقوا ~~واقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا. # وأصبحت تغلب في اليوم الثالث، فتعاقدوا أن لا يفروا، فلما رأى عمير حدهم، ~~وأن نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم، أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء، فإنهم ~~مستقتلون، فإذا اطمأنوا وصاروا إلى سرحهم وجهنا إلى كل قوم منهم من يغير ~~عليهم. فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: قتلت فرسان قيس أمس ~~وأول أمس، ثم ملئ سحرك وجبنت! ويقال: إن عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري ~~قال له ذلك، وكان أتاه منجدا، فغضب عمير وقال: كأني بك وقد حمس الوغى أول ~~فار! فنزل عمير وجعل يقاتل راجلا وهو يقول: # أنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك فاحبس # PageV03P370 # وانهزم زفر يومئذ، وهو اليوم الثالث، فلحق بقرقيسيا، وذلك أنه بلغه أن ~~عبد الملك بن مروان قد عزم على الحركة إليه بقرقيسيا، فبادر للتأهب، وقيل: ~~إنه ادعى ذلك حين فر اعتذارا، وانهزمت قيس وركبت تغلب ومن معها أكتافهم ~~يقولون: أما تعلمون أن تغلب تغلب؟ # وشد على عمير جميل بن قيس من بني كعب بن زهير فقتله، وقيل: بل تغاوى على ~~عمير غلامان من بني تغلب فرمياه بالحجارة، وقد أعيا فأثخناه، وكر عليه ابن ~~هوبر فقتله. # وأصابت ابن هوبر يومئذ جراحة، فلما انقضت الحرب أوصى بني تغلب بأن يولوا ~~أمرهم مراد بن علقمة الزهيري. # وقيل: خرج ابن هوبر في اليوم الثاني من أيامهم هذه الثلاثة، وأوصى أن ~~يولوا أمرهم مرادا، ومات من ليلته، وكان مراد رئيسهم في اليوم الثالث، ~~فعبأهم على راياتهم، وأمر كل بني أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، فلما أبصرهم ~~عمير قال ما تقدم ذكره، قال الشاعر: # أرقت بأثناء الفرات وشفني ... نوائح أبكاها قتيل ابن هوبر # ولم تظلمي إن نحت أم مغلس ms1464 ... قتيل النصارى في نوائح حسر # وقال بعض الشعراء ينكر قتل ابن هوبر عميرا: # وإن عميرا يوم لاقته تغلب ... قتيل جميل لا قتيل ابن هوبر # وكثر القتل يومئذ في بني سليم وغني خاصة، وقتل من قيس أيضا يومئذ بشر ~~كثير، وبعثت بنو تغلب رأس عمير بن الحباب إلى عبد الملك بن مروان بدمشق، ~~فأعطى الوفد وكساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث، واجتمع الناس عليه ~~قال الأخطل # : بني أمية قد تناضلت دونكم ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا # وقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا ... فبايعوا لك قسرا بعدما قهروا # PageV03P371 # ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم # وقيس عيلان من أخلاقها الضجر # في أبيات كثيرة. # فلما قتل عمير بن الحباب وقف رجل على أسماء بن خارجة الفزاري بالكوفة ~~فقال: قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب. فقال: لا بأس، إنما قتل الرجل في ديار ~~القوم مقبلا غير مدبر، ثم قال: # يدي رهن على سليم بغارة ... تشيب لها أصداغ بكر بن وائل # وتترك أولاد الفدوكس عالة ... يتامى أيامى نهزة للقبائل # يوم الكحيل # وهو من أرض الموصل في جانب دجلة الغربي. # وسببه أنه لما قتل عمير بن الحباب السلمي أتى تميم بن عمير زفر بن ~~الحارث، فسأله أن يطلب له بثأره، فامتنع، فقال الهذيل بن زفر لأبيه: والله ~~لئن ظفرت بهم تغلب، إن ذلك لعار عليك، ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إن ذلك ~~لأشد. فاستخلف زفر على قرقيسيا أخاه أوس بن الحارث، وعزم على أن يغير على ~~بني تغلب ويغزوهم، فوجه خيلا إلى بني فدوكس بطن من تغلب، فقتل رجالهم، ~~واستبيحت أموالهم ونسائهم حتى لم يبق غير امرأة واحدة استجارت، فأجارها ~~يزيد بن حمران. # ووجه زفر بن الحارث ابنه الهذيل في جيش إلى بني كعب بن زهير، فقتل فيهم ~~قتلا ذريعا، وبعث زفر أيضا مسلم بن ربيعة العقيلي إلى قوم تغلب مجتمعين، ~~فأكثر فيهم القتل. ثم قصد زفر لبني تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض ~~الموصل، فلما أحست به ارتحلت تريد عبور دجلة، فلما صارت بالكحيل ms1465 لحقهم زفر ~~في القيسية، فاقتتلوا قتالا شديدا، وترجل أصحاب زفر أجمعون، وبقي زفر على ~~بغل له، فقتلوهم ليلتهم، وبقروا بطون نساء منهم، وغرق في دجلة أكثر ممن قتل ~~بالسيف، فأتى فلهم لبى، فوجه زفر ابنه الهذيل فأوقع بهم، إلا من عبر فنجا، ~~وأسر زفر منهم مائتين فقتلهم صبرا، فقال زفر: # PageV03P372 # ألا يا عين بكي بانسكاب ... وبكي عاصما وابن الحباب # فإن تك تغلب قتلت عميرا ... ورهطا من غني في الحراب # فقد أفنى بني جشم بن بكر ... ونمرهم فوارس من كلاب # قتلنا منهم مائتين صبرا ... وما عدلوا عمير بن الحباب # وقال ابن صفار المحاربي: # ألم تر حربنا تركت حبيبا ... محالفها المذلة والصغار # وقد كانوا أولي عز فأضحوا ... وليس لهم من الذل انتصار # وأسر القطامي التغلبي في يوم من أيامهم وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى رد ~~عليه ماله ووصله، فقال فيه: # إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي # مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرض [لي] من مقتل بادي # (حبيب الذي في الشعر هو بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وهو في ~~نسب بني تغلب) . # يوم البشر # لما استقر الأمر لعبد الملك، واجتمع المسلمون عليه - قدم عليه الأخطل ~~الشاعر التغلبي، وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، فقال له عبد الملك: أتعرف ~~هذا يا أخطل؟ قال: نعم، هذا الذي أقول فيه: # ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر # PageV03P373 # وأنشد القصيدة حتى فرغ منها، وكان الجحاف يأكل رطبا، فجعل النوى يتساقط ~~من يده غيظا، وأجابه وقال: # بلى سوف نبكيهم بكل مهند ... وننعى عميرا بالرماح الشواجر # ثم قال: يا ابن النصرانية، ما كنت أظن أن تجترئ علي بمثل هذا! فأرعد ~~الأخطل من خوفه، ثم قام إلى عبد الملك وأمسك ذيله وقال: هذا مقام العائذ ~~بك. فقال: أنا لك مجير. ثم قام الجحاف ومشى وهو يجر ثوبه ولا يعقل به، ~~فتلطف لبعض كتاب الديوان حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة، ~~وقال لأصحابه: إن أمير المؤمنين ms1466 قد ولاني هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بي ~~فليفعل. # ثم سار حتى أتى رصافة هشام فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه، وأنه ~~افتعل كتابا، وأنه ليس بوال، فمن كان أحب أن يغسل عني العار وعن نفسي ~~فليصحبني، فإني قد أقسمت أن لا أغسل رأسي حتى أوقع في بني تغلب. فرجعوا عنه ~~غير ثلاثمائة قالوا له: نموت بموتك، ونحيا بحياتك. # فسار ليلته حتى صبح الرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر من تغلب، فصادف عليه ~~جماعة عظيمة منهم، فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وأسر الأخطل وعليه عباءة وسخة، ~~فظنه الذي أسره عبدا، فسأله من هو، فقال: عبد. فأطلقه، فرمى بنفسه في جب، ~~فخاف أن يراه من يعرفه فيقتله. فلما انصرف الجحاف خرج من الجب، وأسرف ~~الجحاف في القتل، وبقر البطون عن الأجنة، وفعل أمرا عظيما، فلما عاد عنهم ~~قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده قوله: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة إلى ~~الله منها المشتكى والمعول # فهرب الجحاف، فطلبه عبد الملك، فلحق ببلاد الروم، وقال بعد وقعة البشر ~~يخاطب الأخطل: # PageV03P374 # أبا مالك هل لمتني أو حضضتني ... على القتل أم هل لامني كل لائم # ألم أفنكم قتلا وأجدع أنفكم ... بفتيان قيس والسيوف الصوارم # بكل فتى ينعى عميرا بسيفه ... إذا اعتصمت أيمانهم بالقوائم # فإن تطردوني تطردوني وقد جرى ... بي الورد يوما في دماء الأراقم # نكحت بسيفي في زهير ومالك ... نكاح اغتصاب لا نكاح دراهم # في أبيات. # ولم يزل الجحاف يتردد في بلاد الروم من طرابزندة إلى قاليقلا، وبعث إلى ~~بطانة عبد الملك من قيس حتى أخذوا له الأمان، فآمنه عبد الملك، فقدم عليه، ~~فألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء وسعى فيها، فأتى الحجاج من الشام ~~فطلب منه، فقال له: متى عهدتني خائنا؟ فقال له: ولكنك سيد قومك ولك عمالة ~~واسعة. فقال: لقد ألهمت الصدق. فأعطاه مائة ألف درهم، وجمع الديات فأوصلها. # ثم تنسك بعد وصلح، ومضى حاجا، فتعلق بأستار الكعبة وجعل ينادي: اللهم ~~اغفر لي، وما أظن تفعل. فسمعه محمد ابن الحنفية فقال: ms1467 يا شيخ، قنوطك شر من ~~ذنبك. # (وقيل: إن سبب عوده كان أن الجحاف أكرمه ملك الروم وقربه، وعرض عليه ~~النصرانية ويعطيه ما شاء، فقال: ما أتيتك رغبة عن الإسلام. ولقي الروم تلك ~~السنة عساكر المسلمين صائفة، فانهزم المسلمون، وأخبروا عبد الملك أنهم ~~هزمهم الجحاف، فأرسل إليه عبد الملك يؤمنه، فسار وقصد البشر وبه حي من بشر، ~~وقد لبس أكفانه وقال: قد جئت إليكم أعطي القود من نفسي. وأراد شبابهم قتله، ~~فنهاهم شيوخهم، فعفوا عنه # PageV03P375 # وحج، فسمعه عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك ~~تفعل؟ فقال ابن عمر: لو كنت الجحاف ما زدت على هذا. قال: فأنا الجحاف) . # PageV03P376 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين] ### | 71 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين # ذكر مقتل مصعب وملك عبد الملك العراق # في هذه السنة قتل مصعب بن الزبير في جمادى الآخرة، واستولى عبد الملك بن ~~مروان على العراق. # وسبب ذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد بن العاص، كما تقدم ~~ذكره، وضع السيف فقتل من خالفه، فصفا له الشام. فلما لم يبق له مخالف فيه ~~أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه في ذلك، فأشار ~~يحيى بن الحكم بن أبي العاص عمه بأن يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق، ~~وكان يقول عبد الملك: من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى. وقال بعضهم: إن ~~العام جدب، وقد غزوت سنتين فلم تظفر، فأقم عامك هذا. فقال عبد الملك: الشام ~~بلد قليل المال، ولا آمن نفاده، وقد كتب كثير من أشراف العراق يدعونني ~~إليهم. وقال أخوه محمد بن مروان: الرأي أن تطلب حقك وتسير إلى العراق، فإني ~~أرجو أن الله ينصرك. وقال بعضهم: الرأي أن تقيم وتبعث بعض أهلك وتمده ~~بالجنود. فقال عبد الملك: إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي، ولعلي ~~أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني بصير بالحرب شجاع بالسيف إن احتجت إليه، ~~ومصعب شجاع من بيت شجاعة، ولكنه لا علم له بالحرب ms1468 يحب الخفض، ومعه من ~~يخالفه، ومعي من ينصح لي. # فلما عزم على المسير ودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فبكت وبكى ~~جواريها لبكائها، فقال: قاتل الله كثير عزة! لكأنه يشاهدنا حين يقول: # إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها # نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت وبكى مما عناها قطينها # PageV03P377 # وسار عبد الملك إلى العراق، فلما بلغ مصعبا مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى ~~المهلب، وهو يقاتل الخوارج، يستشيره، وقيل: بل أحضره عنده، فقال لمصعب: ~~اعلم أن أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم، فلا تبعدني عنك. فقال له ~~مصعب: إن أهل البصرة قد أبوا (أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج، وهم ~~قد بلغوا سوق الأهواز، وأنا أكره إذ سار عبد الملك إلي أن لا أسير إليه، ~~فاكفني هذا الثغر. # فعاد إليهم، وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف، فتوفي بالكوفة، وأحضر ~~مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فلما حضر عنده جعله على ~~مقدمته، وسار حتى نزل باجميرى، وهي قريب [من] أوانا، وهي من مسكن، فعسكر ~~هناك. # وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد بن مروان، وخالد بن عبد الله بن ~~خالد بن أسيد، فنزلوا بقرقيسيا، وحصروا زفر بن الحارث الكلائي، ثم صالحهم، ~~على ما نذكره إن شاء الله - تعالى -. # وسير زفر ابنه الهذيل مع عبد الملك، وكان معه، ثم لحق بمصعب بن الزبير. ~~فلما اصطلحا سار عبد الملك ومن معه، فنزلوا بمسكن قريبا من عسكر مصعب، بين ~~العسكرين ثلاثة فراسخ، ويقال: فرسخان، وكتب عبد الملك إلى أهل العراق من ~~كاتبه ومن لم يكاتبه، وبذل لجميعهم أصبهان طعمة، وقيل: إن كل من كاتبه طلب ~~منه إمرة أصبهان، فقال: أي شيء هذه أصبهان حتى كلهم يطلبها! # فكل منهم أخفى كتابه، إلا إبراهيم بن الأشتر، فإنه أحضر كتابه عند مصعب ~~مختوما، فقرأه مصعب، فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق، فقال ~~له مصعب: أتدري ما فيه. قال: لا. قال: يعرض عليك كذا وكذا، ms1469 وإن هذا لما ~~يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة، ووالله ما عند عبد ~~الملك من أحد من الناس بأيأس منه مني، ولقد كتب إلى أصحابك كلهم مثل الذي ~~كتب إلي، فأطعني واضرب أعناقهم. قال: إذا لا يناصحني عشائرهم. قال: فأوقرهم ~~حديدا وابعث بهم إلى أبيض كسرى، واحبسهم هناك، ووكل بهم من إن غلبت وتفرقت ~~عشائرهم عنك ضرب # PageV03P378 # رقابهم، وإن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إني لفي شغل عن ذلك، ~~فرحم الله أبا بحر، يعني الأحنف بن قيس، إن كان ليحذرني غدر أهل العراق، ~~ويقول: هم كالمومسة تريد كل يوم بعلا، وهم يريدون كل يوم أميرا. # فلما رأى قيس بن الهيثم ما عزم أهل العراق عليه من الغدر لمصعب قال لهم: ~~ويحكم! لا تدخلوا أهل الشام عليكم! فوالله لئن يطعموا بعيشكم ليضيقن عليكم ~~منازلكم، والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في ~~حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف وإن زاد أحدنا على عدة أجمال، وإن الرجل من ~~وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه. فلم يسمعوا منه. # فلما تدانى العسكران أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا من كلب وقال له: أقرئ ~~ابن أختك السلام - وكانت أم مصعب كلبية - وقل له يدع دعاءه إلى أخيه، وأدع ~~دعائي إلى نفسي، ويجعل الأمر شورى. فقال له مصعب: قل له: السيف بيننا. # فقدم عبد الملك أخاه محمدا، وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا، ~~فتناوش الفريقان، فقتل صاحب لواء محمد، وجعل مصعب يمد إبراهيم، فأزال محمدا ~~عن موقفه، فوجه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتد القتال، ~~فقتل مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة، وهو من أصحاب مصعب، وأمد مصعب ~~إبراهيم بعتاب بن ورقاء، فساء ذلك إبراهيم وقال: قد قلت له: لا تمدني بعتاب ~~وضربائه، وإنا لله وإنا إليه راجعون! فانهزم عتاب بالناس، وكان قد كاتب عبد ~~الملك وبايعه، فلما انهزم صبر ابن الأشتر فقتل، قتله عبيد بن ميسرة مولى ~~بني عذرة، وحمل رأسه إلى عبد ms1470 الملك. # وتقدم أهل الشام فقاتلهم مصعب، وقال لقطن بن عبد الله الحارثي: قدم خيلك ~~أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج في غير شيء. فقال لحجار بن أبخر: يا ~~أبا أسيد، قدم خيلك. قال: إلى هؤلاء الأنتان! قال: ما تتأخر إليه أنتن! ~~فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد مثل ذلك، فقال: ما فعل أحد هذا فأفعله. ~~فقال مصعب: يا # PageV03P379 # إبراهيم، ولا إبراهيم لي اليوم! ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة، ~~فاستدناه فقال له: أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه عن النزول على ~~حكم ابن زياد وعزمه على الحرب، فأخبره، فقال: # إن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا # قال عروة: فعلمت أنه لا يبرح حتى يقتل. # ثم دنا محمد بن مروان من مصعب وناداه: أنا ابن عمك محمد بن مروان، فاقبل ~~أمان أمير المؤمنين. فقال: أمير المؤمنين بمكة، يعني أخاه عبد الله بن ~~الزبير. قال: فإن القوم خاذلوك. فأبى ما عرض عليه. فنادى محمد عيسى بن مصعب ~~بن الزبير له، فقال له مصعب: انظر ما يريد منك. فدنا منه، فقال له: إني لك ~~ولأبيك ناصح ولكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال: إني أظن القوم يفون ~~لك، فإن أحببت أن تأتيهم فافعل. فقال: لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت ~~بنفسي عنك. قال: فاذهب أنت ومن معك إلى عمك بمكة، فأخبره بما صنع أهل ~~العراق، ودعني فإني مقتول. فقال: لا أخبر عنك قريشا أبدا، ولكن يا أبه الحق ~~بالبصرة، فإنهم على الطاعة، أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا تتحدث ~~قريش أني فررت. # وقال لابنه عيسى: تقدم إذن أحتسبك، فتقدم ومعه ناس فقتل وقتلوا، وجاء رجل ~~من أهل الشام ليحتز رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله وشد على الناس، ~~فانفرجوا له، وعاد ثم حمل ثانية فانفرجوا له، وبذل له عبد الملك الأمان ~~وقال: إنه يعز علي أن تقتل، فاقبل أماني ولك حكمك في المال والعمل. فأبى ~~وجعل يضارب. فقال عبد الملك: هذا والله ms1471 كما قال القائل: # ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعنا هربا ولا مستسلما # ودخل مصعب سرادقه، فتحنط ورمى السرادق وخرج فقاتل، فأتاه عبيد الله بن # PageV03P380 # زياد بن ظبيان، فدعاه إلى المبارزة، فقال له: يا كلب، اعزب! مثلي يبارز ~~مثلك! وحمل عليه مصعب فضربه على البيضة، فهشمها وجرحه، فرجع وعصب رأسه، ~~وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقي في سبعة أنفس، وأثخن مصعب بالرمي وكثرت ~~الجراحات فيه، فعاد إلى عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فضربه مصعب فلم يصنع ~~شيئا لضعفه بكثرة الجراحات، وضربه ابن ظبيان فقتله. # وقيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفي، فحمل عليه فطعنه، وقال: يا ~~لثارات المختار! فصرعه، وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه، وحمله إلى عبد الملك، ~~فألقاه بين يديه وأنشد: # نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم # فلما رأى عبد الملك الرأس سجد. قال ابن ظبيان: لقد هممت أن أقتل عبد ~~الملك وهو ساجد، فأكون قد قتلت ملكي العرب وأرحت الناس منهما. # وقال عبد الملك: لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس ~~بأشجع الناس. # وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على طاعتك، وإنما ~~قتلته على قتل أخي النابئ بن زياد. ولم يأخذ منها شيئا. # وكان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، فأمر عبد الملك به وبابنه ~~عيسى فدفنا، وقال: كانت الحرمة بيننا قديمة، ولكن الملك عقيم. # وكان سبب قتل النابئ أنه قطع الطريق هو ورجل من بني نمير، فأحضرا عند ~~مطرف بن سيدان الباهلي صاحب شرطة مصعب، فقتل النابئ، وضرب النميري وأطلقه، ~~فجمع عبيد الله جمعا، وقصد مطرفا بعد أن عزله مصعب عن شرطته وولاه الأهواز، ~~وسار عبيد الله إلى المطرف فقتله، فبعث مصعب مكرم بن مطرف في طلب عبيد ~~الله، فسار حتى بلغ عسكر مكرم، فنسب إليه، ولم يلق عبيد الله، كان قد لحق ~~بعبد الملك. وقيل في قتله غير ذلك. # PageV03P381 # فلما أتي عبد الملك برأس مصعب نظر إليه وقال: متى تغذو قرشية ms1472 مثلك! وكانا ~~يتحدثان إلى حبى وهما بالمدينة، فقيل لها: قتل مصعب. فقالت: تعس قاتله! ~~فقيل: قتله عبد الملك بن مروان. فقالت: وا بأبي القاتل والمقتول! # ثم دعا عبد الملك بن مروان جند العراق إلى بيعته فبايعوه، وسار حتى دخل ~~الكوفة، فأقام بالنخيلة أربعين يوما، وخطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن ~~وتوعد المسيء، فقال: إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي، ~~ووالله لا أضعها في عنق رجل فأنتزعها إلا صعدا، لا أفكها عنه فكا، فلا ~~يبقين امرؤ إلا على نفسه، ولا يولغن دمه، والسلام. # ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه، فحضرت قضاعة، فقال لهم: كيف سلمتم وأنتم ~~قليل مع مضر؟ فقال عبد الله بن يعلى النهدي: نحن أعز منهم، وأمنع بك وبمن ~~معك منا. ثم جاءت مذحج فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا. ثم جاءت ~~جعفى فقال: إيتوني بابن أختكم، يعني يحيى بن سعيد، وكانت أمه مذحجية، ~~فقالوا: هو آمن؟ فقال: وتشترطون أيضا؟ ! فقال رجل منهم: إنا ما نشترط جهلا ~~بحقك، ولكنا نتسحب عليك تسحب الولد على الوالد. فقال: نعم أنتم الحي! إن ~~كنتم لفرسانا في الجاهلية والإسلام، ليحضر فهو آمن. فأتوه به فبايعه. ثم ~~أتته عدوان، فقدموا بين أيديهم رجلا جميلا وسيما، فقال عبد الملك: # عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض # بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض # ومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض # ثم أقبل على ذلك الرجل الجميل فقال: إيه! فقال: لا أدري. فقال معبد بن ~~خالد الجدلي، وكان خلفه: # PageV03P382 # ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي # ومنهم من يجيز الحج ... بالسنة والفرض # وهم مذ ولدوا شبوا ... بسر النسب المحض # فأقبل عبد الملك على ذلك الجميل فقال: من هو؟ فقال: لا أدري. فقال معبد ~~من ورائه: هو ذو الإصبع. فأقبل على الجميل فقال: لم تسمى ذا الإصبع؟ فقال: ~~لا أدري. فقال معبد: لأن حية نهشت إصبعه فقطعتها. فأقبل على الجميل فقال: ~~ما كان اسمه؟ قال: لا أدري. فقال معبد: حرثان بن الحارث. فقال للجميل: ms1473 من ~~أيكم هو؟ قال: لا أدري. فقال معبد: من بني ناج. ثم قال للجميل: كم عطاؤك؟ ~~قال: سبعمائة. قال لمعبد: كم عطاؤك؟ قال: ثلاثمائة. فقال لكاتبه: اجعل ~~معبدا في سبعمائة، وانقص من عطاء هذا أربعمائة. ففعل. # ثم جاءت كندة فنظر إلى عبد الله بن إسحاق بن الأشعث فأوصى به أخاه بشر بن ~~مروان. وأقبل داود بن قحذم في جمع كثير من بكر بن وائل، عليهم الأقبية ~~الداودية، وبه سميت، فجلس مع عبد الملك على سريره، (فأقبل عليه عبد الملك) ~~، ثم نهض ونهضوا معه، فقال عبد الملك: هؤلاء الفساق، لولا أن صاحبهم جاءني ~~ما أعطاني أحد منهم طاعة. # ثم ولى قطن بن عبد الله الحارثي الكوفة، ثم عزله فاستعمل أخاه بشر بن ~~مروان، ثم استعمل محمد بن عمير الهمداني على همذان، ويزيد بن رويم على ~~الري، ولم يف لأحد شرط له أصبهان، وقال: علي بهؤلاء الفساق الذين أنغلوا ~~الشام، وأفسدوا العراق. فقيل: قد أجارهم رؤساء عشائرهم. فقال: وهل يجير علي ~~أحد؟ # وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسري قد لجأ إلى علي بن عبد ~~الله بن عباس، ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني، ولجأ الهذيل بن زفر ~~بن الحارث، # PageV03P383 # وكان مع عبد الملك، على ما نذكره، وعمرو بن يزيد الحكمي - إلى خالد بن ~~يزيد، فآمنهم عبد الملك فظهروا. فصنع عمرو بن حريث لعبد الملك طعاما كثيرا، ~~وأمر به إلى الخورنق، وأذن إذنا عاما، فدخل الناس وأخذوا مجالسهم، فدخل ~~عمرو بن حريث، فأجلسه معه على سريره، ثم جاءت الموائد فأكلوا، فقال عبد ~~الملك: ما ألذ عيشنا لو دام، ولكنا كما قال الأول: # وكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرئ يصير يوما إلى كان # فلما فرغوا من الطعام طاف عبد الملك في القصر وعمرو بن حريث معه وهو ~~يسأله: لمن هذا البيت؟ ومن بنى هذا البيت؟ وعمرو يخبره، فقال عبد الملك: # اعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان # فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ms1474 ... وكأن ما هو كائن قد كان # ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: أمعه عمر بن ~~عبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه المهلب؟ قيل: لا، ~~استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين؟ قيل: استخلفه على البصرة. ~~قال: وأنا بخراسان. # خذيني فجريني جعار وأبشري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره # ولما قتل مصعب بعث عبد الملك رأسه إلى الكوفة، أو حمله معه إليها، ثم بعث ~~به إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال: ~~رحمك الله! أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأسا، وأسخاهم نفسا. ~~ثم سيره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام، ~~فأخذته عاتكة بنت يزيد بن # PageV03P384 # معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم يزيد بن عبد الملك، فغسلته ~~ودفنته وقالت: أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به في المدن؟ هذا بغي. # وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة. # قال يوما عبد الملك لجلسائه: من أشد الناس؟ قالوا: أمير المؤمنين. قال: ~~اسلكوا غير هذا الطريق. قالوا: عمير بن الحباب. قال: قبح الله عميرا! لص، ~~ثوب ينازع عليه أعز عنده من نفسه ودينه. قالوا: فشبيب. قال: إن للحرورية ~~لطريقا. قالوا: فمن؟ قال: مصعب، كان عنده عقيلتا قريش سكينة بنت الحسين ~~وعائشة بنت طلحة، ثم هو أكثر الناس مالا، جعلت له الأمان وولاية العراق، ~~وعلم أني سأفي له للمودة التي كانت بيننا، فحمى أنفا وأبى وقاتل حتى قتل. ~~فقال رجل: كان مصعب يشرب النبيذ. قال: كان ذلك قبل أن يطلب المروءة، فأما ~~مذ طلبها فلو علم أن الماء ينقص مروءته ما ذاقه. قال الأقيشر الأسدي: # حمى أنفه أن يقبل الضيم مصعب ... فمات كريما لم تذم خلائقه # ولو شاء أعطى الضيم من رام هضمه ... فعاش ملوما في الرجال طرائقه # ولكن مضى والبرق يبرق خاله ... يشاوره مرا ومرا يعانقه # فولى كريما لم تنله مذمة ... ولم يك رغدا تطبيه ms1475 نمارقه # وقال عرفجة بن شريك: # ما لابن مروان أعمى الله ناظره ... ولا أصاب رغيبات ولا نفلا # يرجو الفلاح ابن مروان وقد قتلت ... خيل ابن مروان حرا ماجدا بطلا # يا ابن الحواري كم من نعمة لكم ... لو رام غيركم أمثالها شغلا # حملتم فحملتم كل معضلة ... إن الكريم إذا حملته حملا # PageV03P385 # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر - هذا الزبير: بفتح ~~الزاي وكسر الباء -: # سأبكي وإن لم تبك فتيان مذحج فتاها إذا الليل التمام تأوبا ... فتى لم ~~يكن في مرة الحرب جاهلا ولا بمطيع في الوغى من تهيبا # أبان أنوف الحي قحطان قتله وأنف نزار قد أبان فأوعبا ... فمن يك أمسى ~~خائنا لأميره فما خان إبراهيم في الموت مصعبا # وحين قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف، (بلد بفارس على شاطئ ~~البحر) ، ثمانية أشهر، فبلغ قتله الأزارقة قبل المهلب، فصاحوا بأصحاب ~~المهلب: ما قولكم في مصعب؟ قالوا: أمير هدى، وهو ولينا في الدنيا والآخرة، ~~ونحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: ذاك ابن اللعين، نحن ~~نبرأ إلى الله منه، وهو أحل دما منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعبا، ~~وستجعلون غدا عبد الملك إمامكم. فلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل ~~مصعب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء ~~الله! ما تقولون في مصعب؟ قالوا: يا أعداء الله، لا نخبركم. وكرهوا أن ~~يكذبوا أنفسهم. قالوا: وما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا ~~بدا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله! أنتم بالأمس تبرأون ~~منه في الدنيا والآخرة، وهو اليوم إمامكم، وقد قتل أميركم الذي كنتم ~~تولونه! فأيهما المهتدي وأيهما المبطل؟ قالوا: يا أعداء الله، رضينا بذلك ~~إذ كان يتولى أمرنا ونرتضي بهذا. قالوا: لا والله، ولكنكم إخوان الشياطين ~~وعبيد الدنيا. # وأما عبد الله بن الزبير فلما انتهى إليه قتل أخيه مصعب قام في الناس ~~فخطبهم فقال: # PageV03P386 # الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ms1476 ممن ~~يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ألا وإنه لم يذلل الله من كان الحق معه ~~وإن كان فردا، ولم يعزز من كان وليه الشيطان وإن كان الناس معه طرا، ألا ~~وإنه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب - رحمه الله - ~~وأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله شهادة، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم ~~لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، يرعوي بعدها ذوو الرأي الجميل إلى الصبر ~~وكريم العزاء، وما مصعب إلا عبد من عبيد الله وعون من أعواني، ألا وإن أهل ~~العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فمه! والله ~~ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص! والله ما قتل رجل منهم في زحف ~~في الجاهلية ولا في الإسلام، ولا نموت إلا قعصا بالرماح وتحت ظلال السيوف، ~~ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ~~ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ البطر، وإن تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع ~~المهين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # حجار بن أبجر بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، وكنيته أبو أسيد بضم ~~الهمزة، وفتح السين. وحبى: بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة المشددة ~~الممالة، وآخره ياء مثناة من تحتها. وعبد الله بن خازم بالخاء المعجمة، ~~والزاي) . # ذكر ولاية خالد بن عبد الله البصرة # وفي هذه السنة تنازع ولاية البصرة حمران بن أبان وعبيد الله بن أبي بكرة، ~~فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم منك، كنت أنفق على أصحاب خالد يوم الجفرة. ~~فقيل لحمران: إنك لا تقوى على ابن أبي بكرة، فاستعن بعبد الله بن الأهيم. ~~فاستعان به، # PageV03P387 # فغلب على البصرة وعبد الله على شرطها، وكان لحمران منزلة عند بني أمية، ~~وكانت هذه المنازعة بعد قتل مصعب. # فلما استولى عبد الملك على العراق بعد قتله استعمل على البصرة خالد بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد، فوجه خالد عبيد الله بن أبي بكرة إليها خليفة ~~له، فلما قدم على حمران قال: ms1477 أقد جئت لا جئت! فكان عبيد الله عليها حتى قدم ~~خالد، ولما فرغ عبد الملك من أمر العراق عاد إلى الشام. # ذكر أمر عبد الملك وزفر بن الحارث # قد ذكرنا في وقعة راهط مسير زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه، والسبب في ~~استيلائه عليها وما كان منه بعد ذلك، وكان على بيعة ابن الزبير وفي طاعته. ~~فلما مات مروان بن الحكم وولي ابنه عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبي ~~معيط وهو على حمص يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه وعلى مقدمته عبد الله ~~بن زميت الطائي، فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان، وكثر في أصحابه القتل، ~~قتل منهم ثلاثمائة، فلامه أبان على عجلته، وأقبل أبان فواقع زفر، فقتل ابنه ~~وكيع بن زفر، وأدركت طيء ثقل زفر ونساءه، فاستوهب محمد بن حصين بن نمير ~~النساء وألحقهن بزفر بقرقيسيا، فقال زفر: # علقن بحبل من حصين لو انه ... تغيب حالت دونهن المصائر # أبوكم أبونا في القديم وإنني ... لغابركم في آخر الدهر شاكر # وكان يقال لزفر إنه من كندة. # ثم إن عبد الملك لما أراد المسير إلى مصعب سار إلى قرقيسيا، فحصر زفر ~~فيها ونصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادي [في] عسكر عبد الملك: لم ~~نصبتم علينا المجانيق؟ قال: لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها. فقال زفر: قولوا ~~لهم: فإنا لا نقاتلكم من وراء الحيطان، ولكنا نخرج إليكم. وثلمت المنجنيق ~~من المدينة برجا مما يلي حريث بن بحدل، فقال زفر: # لقد تركتني منجنيق ابن بحدل ... أحيد عن العصفور حين يطير # PageV03P388 # وكان خالد بن يزيد بن معاوية مجدا في قتالهم، فقال رجل من أصحاب زفر من ~~بني كلاب: لأقولن لخالد كلاما لا يعود إلى ما يصنع. فلما كان الغد خرج خالد ~~للمحاربة، فقال له الكلابي: ماذا ابتغاء خالد وهمه إذ سلب الملك ونيكت امه # فاستحيا وعاد ولم يرجع يقاتلهم. # وقالت كلب لعبد الملك: إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسية الذين معك، فلا ~~تخلطهم معنا. ففعل، فكتبت القيسية على نبلها: إنه ليس ms1478 يقاتلكم غدا مضري، ~~ورموا النبل إلى قرقيسيا، فلما أصبح زفر دعا ابنه الهذيل، وبه كان يكنى، ~~وقيل: [كان] يكنى أبا الكوثر، فقال: اخرج إليهم فشد عليهم شدة لا ترجع حتى ~~تضرب فسطاط عبد الملك، والله لئن رجعت دون أن تطأ أطناب فسطاطه لأقتلنك. ~~فجمع الهذيل خيله وحمل عليهم، فصبروا قليلا ثم انكشفوا، وتبعهم الهذيل ~~بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط وقطعوا بعضها ثم رجعوا، فقبل زفر رأس الهذيل ~~وقال: لا يزال عبد الملك يحبك بعدها أبدا. فقال الهذيل: والله لو شئت أن ~~أدخل الفسطاط لفعلت. فقال زفر: # ألا لا أبالي من أتاه حمامه ... إذا ما المنايا عن هذيل تجلت # تراه أمام الخيل أول فارس ... ويضرب في أعجازها إن تولت # ولما ثلم برج قرقيسيا قال لعبد الملك بعض أهله: لو قاتلتهم بقضاعة ~~لملكتهم. ففعل وقاتلهم، فلما كان عند المساء انكشفت قضاعة وكثر القتل فيهم، ~~وأقبل روح بن زنباع الجذامي إلى برج منها، فسأل أهله وقال: نشدتكم الله كم ~~قتلنا منكم؟ قالوا: والله لم يقتل منا أحد، ولم يجرح إلا رجل واحد، ولا بأس ~~عليه. ثم قالوا: نشدناك الله كم قتل منكم؟ قال: عدة فرسان، وجرحتم ما لا ~~يحصى، فلعن الله ابن بحدل! # ورجع روح إلى عبد الملك وقال: إن ابن بحدل يمنيك الباطل، فأعرض عن هذا ~~الرجل. # وكان رجل من كلب يقال له الذيال يخرج فيسب زفر فيكثر، فقال زفر للهذيل ~~ابنه # PageV03P389 # أو لبعض أصحابه: أما تكفيني هذا؟ قال: أنا أجيئك به. فدخل عسكر عبد الملك ~~ليلا فجعل ينادى: من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا؟ حتى انتهى إلى خباء الرجل ~~وقد عرفه. فقال الرجل: رد الله عليك ضالتك. فقال: يا عبد الله، إني قد عييت ~~فلو أذنت لي فاسترحت قليلا. قال: ادخل، فدخل والرجل وحده في خبائه، فرمى ~~بنفسه ونام صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه وقال: والله لئن تكلمت لأقتلنك. ~~قال: قتلت أو سلمت فماذا ينفعك قتلي؟ (قال: لئن) سكت وجئت معي إلى زفر، فلك ~~عهد الله وميثاقه أن أردك إلى ms1479 عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليه. فخرجا وهو ~~ينادي: من دل على بغل من صفته كذا وكذا؟ حتى أتى زفر والرجل معه، فأعلمه ~~أنه قد آمنه، فوهب له زفر دنانير، وحمله على رحالة النساء، وألبسه ثيابهن، ~~وبعث معه رجلا حتى دنوا من عسكر عبد الملك. فنادوا: هذه جارية قد بعث بها ~~زفر إلى عبد الملك. وانصرفوا، فلما نظر إليه أهل العسكر عرفوه، وأخبروا عبد ~~الملك الخبر، فضحك وقال: لا يبعد الله رجلا نصر، والله إن قتلهم لذل، وإن ~~تركهم لحسرة. وكف الرجل فلم يعد يسب زفر، وقيل: إنه هرب من العسكر. # ثم إن عبد الملك أمر أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على ~~أنفسهما ومن معهما ومالهم، وأن يعطيا ما أحبا. ففعل محمد ذلك، فأجاب الهذيل ~~وكلم أباه وقال له: لو صالحت هذا الرجل فقد أطاعه الناس، وهو خير لك من ابن ~~الزبير. فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة، وأن ينزل حيث شاء، ولا يعين ~~عبد الملك على قتال ابن الزبير. فبينا الرسل تختلف بينهما إذ جاءه رجل من ~~كلب، فقال: قد هدم من المدينة أربعة أبراج. فقال عبد الملك: لا أصالحهم. ~~وزحف إليهم، فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم. فقال: أعطوهم ما أرادوا. ~~فقال زفر: لو كان قبل هذا لكان أحسن. واستقر الصلح على أمان الجميع، ووضع ~~الدماء والأموال، وأن لا يبايع عبد الملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة له في ~~عنقه، وأن يعطى مالا يقسمه في أصحابه. # وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد، فلم ينزل إليه، ~~فأرسل إليه بقضيب النبي - صلى الله عليه وسلم - أمانا له، فنزل إليه، فلما ~~دخل عليه أجلسه معه على سريره، فقال ابن عضاة الأشعري: أنا كنت أحق بهذا ~~المجلس منه. فقال زفر: كذبت هناك، إني # PageV03P390 # عاديت فضررت، وواليت فنفعت. # ولما رأى عبد الملك قلة من مع زفر قال: لو علمت أنه في هذه القلة لحاصرته ~~أبدا حتى ينزل على حكمي. فبلغ قوله ms1480 زفر فقال: إن شئت رجعنا ورجعت. فقال: بل ~~نفي لك يا أبا الهذيل. # وقال له عبد الملك يوما: بلغني أنك من كندة. فقال: وما خير من لا يبغي ~~حسدا، ولا يدعي رغبة! # وتزوج مسلمة بن عبد الملك الرباب بنت زفر، فكان يؤذن لأخويها الهذيل ~~والكوثر في أول الناس. # وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع عبد الملك إلى قتال مصعب وقال له: أنت ~~لا عهد عليك. فسار معه، فلما قارب مصعبا هرب إليه، وقاتل مع ابن الأشتر، ~~فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل بالكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك ~~فآمنه، كما تقدم. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة افتتح عبد الملك قيسارية، في قول الواقدي. وفيها نزع ابن ~~الزبير جابر بن الأسود بن عوف عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبيد الله ~~بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة، حتى أتاه طارق بن عمرو مولى ~~عثمان، فهرب طلحة، وأقام طارق بها حتى سار لقتال ابن الزبير. # [الوفيات] # وفي إمارة مصعب مات البراء بن عازب بالكوفة، ويزيد بن مفرغ الحميري # PageV03P391 # الشاعر بها أيضا. وعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، شهد الحديبية وخيبر. # وفي أيامه مات شتير بن شكل القيسي الكوفي، وهو من أصحاب علي وابن مسعود. # (شتير بضم الشين المعجمة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء تحتها ~~نقطتان. وشكل بفتح الشين المعجمة، والكاف، وآخره لام) . # PageV03P392 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين] ### | 72 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين # ذكر أمر الخوارج # لما استقر عبد الملك بالكوفة بعد قتل مصعب استعمل خالد بن عبد الله على ~~البصرة، فلما قدمها خالد كان المهلب يحارب الأزارقة، فجعله على خراج ~~الأهواز ومعونتها، وسير أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى قتال الخوارج، ~~وسير معه مقاتل بن مسمع، فخرجا يطلبان الأزارقة، فأتت الخوارج من ناحية ~~كرمان إلى داربجرد، وأرسل قطري بن الفجاءة المازني مع صالح بن مخارق ~~تسعمائة فارس، فأقبل يسير بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير مهلا على غير ~~تعبية، فانهزم بالناس، ونزل ms1481 مقاتل بن مسمع فقاتل حتى قتل، وانهزم عبد ~~العزيز، وأخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت ~~قيمتها مائة ألف، فجاء رجل من قومها من رءوس الخوارج فقال: تنحوا هكذا، ما ~~أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم! وضرب عنقها، ولحق بالبصرة، فرآه آل المنذر ~~فقالوا: والله ما ندري أنحمدك أم نذمك! فكان يقول: ما فعلته إلا غيرة ~~وحمية. # وانتهى عبد العزيز إلى رامهرمز، وأتى المهلب خبره، فأرسل إليه شيخا من ~~الأزد وقال له: إن كان منهزما فعزه. فأتاه الرجل فرآه نازلا في نحو ثلاثين ~~فارسا كئيبا حزينا، فأبلغه الرسالة، وعاد إلى المهلب بالخبر، فأرسل المهلب ~~إلى أخيه خالد بن عبد الله يخبره بهزيمته. فقال للرسول: كذبت فقال: والله ~~ما كذبت، فإن كنت كاذبا فاضرب عنقي، وإن كنت صادقا فأعطني جبتك ومطرفك. ~~قال: قد رضيت من الخطر العظيم بالخطر اليسير. وحبسه وأحسن إليه حتى صح خبر ~~الهزيمة. # PageV03P393 # قال ابن قيس الرقيات في هزيمة عبد العزيز وفراره عن امرأته: # عبد العزيز فضحت جيشك كلهم ... وتركتهم صرعى بكل سبيل # من بين ذي عطش يجود بنفسه ... وملحب بين الرجال قتيل # هلا صبرت مع الشهيد مقاتلا ... إذ رحت منتكث القوى بأصيل # وتركت جيشك لا أمير عليهم ... فارجع بعار في الحياة طويل # ونسيت عرسك إذ تقاد سبية ... تبكي العيون برنة وعويل # فكتب خالد إلى عبد الملك يخبره بذلك، فكتب إليه عبد الملك: قد عرفت ذلك، ~~وسألت رسولك عن المهلب فأخبرني أنه عامل على الأهواز، فقبح الله رأيك حين ~~تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال وتدع المهلب يجبي الخراج، وهو ~~الميمون النقيبة، المقاسي للحرب، ابنها وابن أبنائها، أرسل إلى المهلب ~~يستقبلهم، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة ليمدك بجيش، فسر معهم، ولا تعمل في ~~عدوك برأي حتى يحضره المهلب، والسلام. # وكتب عبد الملك إلى بشر أخيه بالكوفة يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل ~~يرضاه لقتال الخوارج، فإذا قضوا غزوتهم ساروا إلى الري، فقاتلوا عدوهم، ~~وكانوا مسلحة. فبعث بشر خمسة آلاف، وعليهم عبد الرحمن بن ms1482 محمد بن الأشعث، ~~فكتب له عهدا على الري عند الفراغ من قتاله. # وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز، وقدمها عبد الرحمن بن محمد في ~~أهل الكوفة، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز، فقال المهلب لخالد: إني ~~أرى هاهنا سفنا كثيرة، فضمها إليك فإنهم سيحرقونها. فلم يمض إلا ساعة حتى ~~أرسلوا إليها فأحرقوها. # وجعل خالد المهلب على ميمنته، وعلى ميسرته داود بن قحذم من بني قيس بن ~~ثعلبة، ومر المهلب على عبد الرحمن بن محمد ولم يخندق عليه، فقال: ما يمنعك ~~من الخندق؟ فقال: هم أهون علي من ضرطة الجمل. فقال: لا يهونوا عليك، فإنهم ~~سباع العرب. # PageV03P394 # ولم يبرح المهلب حتى خندق عبد الرحمن عليه، فأقاموا نحوا من عشرين ليلة، ~~ثم زحف إليهم بالناس، فرأوا أمرا هالهم من كثرة الناس، فكثرت عليهم الخيل ~~وزحفت إليهم، فانصرفوا كأنهم على حامية وهم مولون، لا يرون طاقة بقتال ~~جماعة الناس، فأرسل خالد داود بن قحذم في آثارهم، وانصرف خالد إلى البصرة، ~~وسار عبد الرحمن إلى الري، وأقام المهلب بالأهواز، وكتب خالد إلى عبد الملك ~~بذلك. # فلما وصل كتابه إلى عبد الملك كتب إلى أخيه بشر يأمره أن يبعث أربعة آلاف ~~فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير بالحرب إلى فارس في طلب الأزارقة، ويأمر ~~صاحبه بموافقة داود بن قحذم إن اجتمعا. فبعث بشر عتاب بن ورقاء في أربعة ~~آلاف فارس من أهل الكوفة، فساروا حتى لحقوا داود فاجتمعوا، ثم اتبعوا ~~الخوارج حتى هلكت خيول عامتهم، وأصابهم الجوع والجهد، ورجع عامة الجيشين ~~مشاة إلى الأهواز. # [خروج أبي فديك الخارجي] # وفي هذه السنة كان خروج أبي فديك الخارجي، وهو من بني قيس بن ثعلبة، فغلب ~~على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحنفي، فاجتمع على خالد بن عبد الله نزول ~~قطري الأهواز وأمر أبي فديك، فبعث أخاه أمية بن عبد الله في جند كثيف إلى ~~أبي فديك، فهزمه أبو فديك، وأخذ جارية له فاتخذها لنفسه، فكتب خالد إلى عبد ~~الملك بذلك. # ذكر قتل عبد الله بن ms1483 خازم # ولما قتل مصعب كان ابن خازم يقاتل بحير بن ورقاء الصريمي التميمي ~~بنيسابور، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة له ويطعمه خراسان ~~سبع سنين، وأرسل الكتاب مع سوادة بن أشتم النميري، وقيل: مع مكمل الغنوي. ~~فقال ابن خازم: لولا أن أضرب بين [بني] سليم و [بني] عامر لقتلتك، ولكن كل ~~كتابك. فأكله. # وقيل: بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد الله النميري، وقيل: مع مكمل ~~الغنوي، فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غني، وقد علم أني ~~لا أقتل رجلا من قيس، ولكن كل كتابه. # PageV03P395 # وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج، وكان خليفة ابن خازم على مرو، بعهده ~~على خراسان، ووعده ومناه، فخلع بكير عبد الله بن الزبير ودعا إلى عبد ~~الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل ~~مرو وأهل نيسابور، فترك بحيرا وأقبل إلى مرو ويزيد ابنه بترمذ، فاتبعه ~~بحير، فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، فقاتله ابن خازم، فقتل ابن ~~خازم، وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القريعي، أعثره وكيع، وبحير بن ورقاء، ~~وعمار بن عبد العزيز، فطعنوه فصرعوه، وقعد وكيع على صدره فقتله. فقال بعض ~~الولاة لوكيع: كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل القنا، فلما صرع قعدت على صدره، ~~فلم يقدر أن يقوم، قلت: يا لثارات دويلة! وهو أخو وكيع لأمه، قتل في بعض ~~تلك الحروب. قال وكيع: فتنخم في وجهي وقال: لعنك الله! أتقتل كبش مضر بأخيك ~~وهو لا يساوي كفا من نوى؟ أو قال: من تراب. قال: فما رأيت أكثر ريقا منه ~~على تلك الحال عند الموت. # وبعث بحير ساعة قتل ابن خازم إلى عبد الملك يخبره بقتله، ولم يبعث ~~بالرأس، وبعث بحير بكير بن وساج في أهل مرو، فوافاهم حين قتل ابن خازم، ~~فأراد أخذ الرأس وإنفاذه إلى عبد الملك، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود ~~وحبسه، وسير الرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يخبره أنه هو الذي قتله. فلما ms1484 ~~قدم الرأس دعا عبد الملك برسول بحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقت ~~القوم حتى قتل ابن خازم. # وقيل: إن ابن خازم إنما قتل بعد قتل عبد الله بن الزبير، وإن عبد الملك ~~أنفذ إليه رأس ابن الزبير ودعاه إلى نفسه، فغسل الرأس وكفنه وبعثه إلى أهله ~~بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لقتلتك. وقيل: بل قطع ~~يديه ورجليه وقتله، وحلف أن لا يطيع عبد الملك أبدا. # (بحير بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء المهملة) . # PageV03P396 # ذكر عدة حوادث # كان العامل على المدينة طارقا لعبد الملك، وعلى الكوفة بشر بن مروان، ~~وعلى قضائها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلى البصرة خالد بن عبد الله، ~~وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان، في قول بعضهم، بكير بن وساج، وفي ~~قول بعضهم، عبد الله بن خازم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبيدة السلماني، وهو من أصحاب علي. # عبيدة بفتح العين، وكسر الباء الموحدة. # PageV03P397 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين] ### | 73 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين # ذكر قتل عبد الله بن الزبير # لما بويع عبد الملك بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من ~~أهل الشام، وأمره أن لا يدخل المدينة، وأن يعسكر بالعرصة، وكان عامل عبد ~~الله بن الزبير على المدينة الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، فهرب ~~الحارث، وكان ابن أنيف يدخل ويصلي بالناس الجمعة، ثم يعود إلى معسكره، ~~فأقام شهرا ولم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا. # وكتب إليه عبد الملك بالعود إليه، فعاد هو ومن معه، وكان يصلي بالناس ~~بعده عبد الرحمن بن سعد القرظي، ثم عاد الحارث إلى المدينة، وبعث ابن ~~الزبير سليمان بن خالد الزرقي الأنصاري، وكان رجلا صالحا عاملا على خيبر ~~وفدك، فنزل في عمله، فبعث عبد الملك عبد الواحد بن الحارث بن الحكم - وقيل: ~~اسمه عبد الملك، وهو أصح - في أربعة آلاف، فسار حتى نزل وادي القرى، وسير ~~سرية عليها أبو القمقام في خمسمائة إلى سليمان، فوجده قد ms1485 هرب، فطلبوه ~~فأدركوه، فقتلوه ومن معه. فاغتم عبد الملك بن مروان لقتله وقال: قتلوا رجلا ~~مسلما صالحا بغير ذنب. # وعزل ابن الزبير الحارث، واستعمل مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري، ~~فوجه جابر أبا بكر بن أبي قيس في ستمائة فارس وأربعين فارسا إلى خيبر، ~~فوجدوا أبا القمقام ومن معه مقيمين بفدك يعسفون الناس، فقاتلوهم، فانهزم ~~أصحاب أبي القمقام، وأسر منهم ثلاثون رجلا، فقتلوا صبرا. وقيل: بل قتل ~~الخمسمائة أو أكثرهم. # ووجه عبد الملك طارق بن عمرو مولى عثمان، وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي ~~القرى، ويمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، ويسد خللا إن ظهر له. # فوجه طارق إلى أبي بكر خيلا، فاقتتلوا، فأصيب أبو بكر في المعركة، وأصيب ~~من أصحابه أكثر من مائتي رجل. # PageV03P398 # وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيام كان عامله على البصرة يأمره أن ~~يرسل إليه ألفي فارس ليعينوا عامله على المدينة، فوجه إليه ألفي رجل، فلما ~~قتل أبو بكر أمر ابن الزبير جابر بن الأسود أن يسير جيش البصرة إلى قتال ~~طارق، فسار البصريون عن المدينة، وبلغ طارقا الخبر، فسار نحوه، فالتقيا، ~~فقتل مقدم البصريين، وقتل أصحابه قتلا ذريعا، وطلب طارق مدبرهم، وأجهز على ~~جريحهم، ولم يستبق أسيرهم. # ورجع طارق إلى وادي القرى، وكان عامل ابن الزبير بالمدينة جابر بن ~~الأسود، وعزل ابن الزبير جابرا، واستعمل طلحة بن عبيد الله بن عوف، الذي ~~يعرف بطلحة الندى، سنة سبعين، فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق. # فلما قتل عبد الملك مصعبا وأتى الكوفة، وجه منها الحجاج بن يوسف الثقفي ~~في ألفين، وقيل: في ثلاثة آلاف من أهل الشام، لقتال عبد الله بن الزبير. ~~وكان السبب في تسييره دون غيره أنه قال لعبد الملك: قد رأيت في المنام أني ~~أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثني إليه وولني قتاله. فبعثه وكتب معه ~~أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا، فسار في جمادى الأولى سنة اثنتين ~~وسبعين، ولم يعرض للمدينة، ونزل الطائف، وكان يبعث الخيل إلى ms1486 عرفة، ويبعث ~~ابن الزبير أيضا فيقتتلون بعرفة، فتنهزم خيل ابن الزبير في كل ذلك، وتعود ~~خيل الحجاج بالظفر. # ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير، ~~ويخبره بضعفه وتفرق أصحابه، ويستمده، فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره ~~باللحاق بالحجاج، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وأخرج عامل ~~ابن الزبير عنها، وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة، فكان ثعلبة ~~يخرج المخ وهو على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأكله ويأكل عليه ~~التمر ليغيظ أهل المدينة، وكان مع ذلك شديدا على أهل الزبير، وقدم طارق على ~~الحجاج بمكة في سلخ ذي الحجة في خمسة آلاف. # وأما الحجاج فإنه قدم مكة في ذي القعدة وقد أحرم بحجة، فنزل بئر ميمون، ~~وحج بالناس تلك السنة الحجاج، إلا أنه لم يطف بالكعبة، ولا سعى بين الصفا ~~والمروة، منعه ابن الزبير من ذلك، فكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا ~~الطيب إلى أن قتل ابن الزبير، ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه ; لأنهم لم ~~يقفوا بعرفة، ولم يرموا الجمار، # PageV03P399 # ونحر ابن الزبير بدنه بمكة. # ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به الكعبة، ~~وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به، فكان الناس ~~يقولون: خذل في دينه. # وحج ابن عمر تلك السنة، فأرسل إلى الحجاج: أن اتق الله، واكفف هذه ~~الحجارة عن الناس، فإنك في شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من ~~أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا، وإن المنجنيق قد منعهم عن ~~الطواف، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة. فبطل الرمي حتى عاد ~~الناس من عرفات وطافوا وسعوا، ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي، ~~فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج: انصرفوا إلى بلادكم، فإنا ~~نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد. # وأول ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة رعدت السماء وبرقت، وعلا صوت الرعد على ~~الحجارة، فأعظم ذلك ms1487 أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق ~~بيده، فوضعه فيه ورمى به معهم، فلما أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه ~~اثني عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يا أهل الشام، لا تنكروا ~~هذا، فإني ابن تهامة وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر، فأبشروا. فلما كان ~~الغد جاءت الصاعقة، فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة، فقال الحجاج: ألا ترون ~~أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلافها؟ وكان الحجر يقع بين يدي ابن ~~الزبير وهو يصلي، فلا ينصرف، وكان أهل الشام يقولون: يا ابن الزبير طالما ~~عصيكا وطالما عنيتنا إليكا لتجزين بالذي أتيكا # PageV03P400 # يعنون: عصيت وأتيت. # وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا: قدمنا للقتال معك، فنظر فإذا مع كل ~~امرئ منهم سيف كأنه شفرة، وقد خرج من غمده، فقال: يا معشر الأعراب، لا ~~قربكم الله! فوالله إن سلاحكم لرث، وإن حديثكم لغث، وإنكم لقتال في الجدب، ~~أعداء في الخصب. فتفرقوا، ولم يزل القتال بينهم دائما، فغلت الأسعار عند ~~ابن الزبير، وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح فرسه، وقسم لحمها في أصحابه، ~~وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، والمد الذرة بعشرين درهما، وإن بيوت ابن الزبير ~~لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، ~~وكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق، ويقول: أنفس أصحابي قوية ما ~~لم يفن. # فلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه وخرجوا إلى الحجاج بالأمان، خرج من ~~عنده نحو عشرة آلاف، وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب، أخذا لأنفسهما ~~أمانا، فقال عبد الله لابنه الزبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك، فوالله ~~إني لأحب بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسي عنك. فصبر معه فقتل. # ولما تفرق أصحابه عنه خطب الحجاج الناس وقال: قد ترون قلة من مع ابن ~~الزبير، وما هم عليه من الجهد والضيق. ففرحوا واستبشروا، فتقدموا، فملئوا ~~ما بين الحجون إلى الأبواء. فدخل على أمه فقال: يا أماه، قد خذلني الناس ~~حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا اليسير، ms1488 ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، ~~والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت ~~تعلم أنك على حق وإليه تدعو، فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من ~~رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا، فبئس العبد ~~أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت: كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت - ~~فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك في الدنيا! القتل أحسن! ~~فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني. قالت: يا ~~بني، إن الشاة [إذا ذبحت] لا تتألم بالسلخ، فامض على بصيرتك واستعن بالله. # PageV03P401 # فقبل رأسها وقال: هذا رأيي والذي (قمت به داعيا) إلى يومي هذا، ما ركنت ~~إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله، ~~وأن تستحل حرماته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة، فانظري يا ~~أماه، فإني مقتول في يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر إلى الله، فإن ~~ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر ~~في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، ~~بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، اللهم لا أقول هذا تزكية ~~لنفسي، ولكني أقوله تعزية لأمي حتى تسلو عني! . # فقالت أمه: [إني] لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني احتسبتك، ~~وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. فقال: جزاك الله ~~خيرا، فلا تدعي الدعاء لي. قالت: لا أدعه لك أبدا، فمن قتل على باطل فقد ~~قتلت على حق. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل، وذلك ~~النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأبيه وبي! اللهم قد سلمته ~~لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين! . # فتناول يديها ليقبلهما فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئت مودعا ms1489 ; ~~لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك، وادن مني حتى ~~أودعك. فدنا منها فعانقها وقبلها، فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع ~~من يريد ما تريد. فقال: ما لبسته إلا لأشد منك. قالت: فإنه لا يشد مني. ~~فنزعها ثم درج كميه، وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت أثناء السراويل، وأدخل ~~أسفلها تحت المنطقة، وأمه تقول له: البس ثيابك مشمرة. فخرج وهو يقول: إني ~~إذا أعرف يومي أصبر وإنما يعرف يومه الحر # PageV03P402 # إذ بعضهم يعرف ثم ينكر # فسمعته فقالت: تصبر إن شاء الله، أبواك أبو بكر والزبير، وأمك صفية بنت ~~عبد المطلب. فحمل على أهل الشام (حملة منكرة فقتل منهم، ثم انكشف هو ~~وأصحابه، وقال له بعض أصحابه: لو لحقت بموضع كذا. قال: بئس الشيخ أنا إذا ~~في الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم. ودنا أهل الشام) ~~حتى امتلأت منهم الأبواب، وكانوا يصيحون به: يا ابن ذات النطاقين، فيقول: # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # وجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجلا من أهل كل بلد، فكان لأهل حمص ~~الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب ~~الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني تميم، وكان الحجاج ~~وطارق من ناحية الأبطح إلى المروة، فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ~~ومرة في هذه الناحية، فكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال، يعدو في أثر ~~القوم حتى يخرجهم، ثم يصيح: أبا صفوان! ويل أمه فتحا لو كان له رجال: لو ~~كان قرني واحدا كفيته! # فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف: إي والله وألف. # فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجل، وأقبل ~~يسوق # PageV03P403 # الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه. فتقدم ابن الزبير ~~على صاحب علمه وضاربهم وانكشفوا، وعرج وصلى ركعتين عند المقام، فحملوا على ~~صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة، ms1490 وصار العلم بأيدي أصحاب الحجاج. فلما ~~فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، فضرب رجلا من أهل الشام وقال: خذها وأنا ~~ابن الحواري! وضرب آخر وكان حبشيا، فقطع يده وقال: اصبر أبا حممة، اصبر ابن ~~حام. وقاتل معه عبد الله بن مطيع وهو يقول: # أنا الذي فررت يوم الحره ... والحر لا يفر إلا مره # واليوم أجزي فرة بكره # وقاتل حتى قتل، وقيل: إنه أصابته جراح فمات منها بعد أيام. # وقال ابن الزبير لأصحابه وأهله - يوم قتل - بعد صلاة الصبح: اكشفوا ~~وجوهكم حتى أنظر إليكم - وعليهم المغافر -. ففعلوا. فقال: يا آل الزبير، لو ~~طبتم بي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلحنا في الله، فلا يرعكم ~~وقع السيوف، فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما ~~تصونون وجوهكم، غضوا أبصاركم من البارقة، وليشغل كل امرئ قرنه، ولا تسألوا ~~عني، فمن كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول، احملوا على بركة الله. ثم ~~حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بآجرة، رماه رجل من السكون، فأصابته في ~~وجهه، فأرعش لها ودمي وجهه، فلما وجد الدم على وجهه قال: # فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما # وقاتلهم قتالا شديدا، فتعاوروا عليه، فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى ~~الآخرة وله # PageV03P404 # ثلاث وسبعون سنة، وتولى قتله رجل من مراد، وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد، ~~ووفد السكوني والمرادي إلى عبد الملك بالخبر، فأعطى كل واحد منهما خمسمائة ~~دينار. # وسار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من ~~هذا. فقال الحجاج: أتمدح مخالف أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذر لنا، ولولا ~~هذا لما كان لنا عذر، إنا محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير جند ولا حصن ~~ولا منعة، فينتصف منا، بل يفضل علينا. فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوب طارقا. # ولما قتل ابن الزبير كبر أهل الشام فرحا بقتله، فقال ابن عمر: انظروا إلى ~~هؤلاء، ولقد كبر المسلمون فرحا بولادته، وهؤلاء يكبرون [فرحا] بقتله. # وبعث الحجاج ms1491 برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى ~~المدينة، ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان، وأخذ جثته فصلبها على الثنية ~~اليمنى بالحجون. فأرسلت إليه أسماء: قاتلك الله! على ماذا صلبته؟ قال: ~~استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة وكانت له. فاستأذنته في تكفينه ودفنه، فأبى ~~ووكل بالخشبة من يحرسها، وكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه، فكتب إليه يلومه ~~ويقول: ألا خليت بينه وبين أمه! فأذن لها الحجاج، فدفنته بالحجون، فمر به ~~عبد الله بن عمر فقال: السلام عليك يا أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك ~~عن هذا، ولقد كنت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله إن قوما أنت شرهم ~~لنعم القوم. # وكان ابن الزبير قبل قتله بقي أياما يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن، فلما ~~صلب ظهرت منه رائحة المسك، فقيل: (إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا، فغلب على ~~ريح المسك، وقيل: بل صلب معه سنورا) . # ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة ناقة لم ير مثلها، فسار إلى عبد الملك ~~فقدم الشام قبل وصول رسل الحجاج بقتل عبد الله، فأتى باب عبد الملك فاستأذن ~~عليه فأذن # PageV03P405 # له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة، فرد عليه عبد الملك ورحب به وعانقه، ~~وأجلسه على السرير، فقال عروة: # متت بأرحام إليك قريبة ... ولا قرب للأرحام ما لم تقرب # ثم تحدثا حتى جرى ذكر عبد الله، فقال عروة: إنه كان، فقال عبد الملك: وما ~~فعل؟ قال: قتل. فخر ساجدا، فقال عروة: إن الحجاج صلبه، فهب جثته لأمه. قال: ~~نعم. وكتب إلى الحجاج يعظم صلبه. وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد ~~الملك يقول له: إن عروة كان مع أخيه، فلما قتل عبد الله أخذ مالا من مال ~~الله فهرب. فكتب إليه عبد الملك: إنه لم يهرب، ولكنه أتاني مبايعا وقد ~~آمنته وحللته مما كان، وهو قادم عليك فإياك وعروة. وعاد عروة إلى مكة، ~~وكانت غيبته عنها ثلاثين يوما. # فأنزل الحجاج جثة عبد الله عن الخشبة وبعث به ms1492 إلى أمه، فغسلته، فلما ~~أصابه الماء تقطع، فغسلته عضوا عضوا فاستمسك، وصلى عليه عروة، فدفنته. # وقيل: إن عروة لما كان غائبا عند عبد الملك كتب إليه الحجاج وعاوده في ~~إنفاذ عروة إليه، فهم عبد الملك بإنفاذه فقال عروة: ليس الذليل من قتلتموه، ~~ولكن الذليل من ملكتموه، وليس بملوم من صبر فمات، ولكن الملوم من فر من ~~الموت. فسمع مثل هذا الكلام، فقال عبد الملك: يا أبا عبد الله، لن تسمع منا ~~شيئا تكرهه. # وإن عبد الله لم يصل عليه أحد، منع الحجاج من الصلاة عليه، وقال: إنما ~~أمر أمير المؤمنين بدفنه، وقيل: صلى عليه غير عروة، والذي ذكره مسلم في ~~صحيحه أن عبد الله بن الزبير ألقي في مقابر اليهود، وعاشت أمه بعده قليلا ~~وماتت، وكانت قد أضرت، وهي أم عروة أيضا. # فلما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة، فبايعه أهلها لعبد الملك بن ~~مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وسار إلى المدينة، وكان ~~عبد الملك قد استعمله على مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو ~~شهرين، فأساء إلى أهلها واستخف بهم، وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، ~~وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم، كما يفعل بأهل الذمة، ~~منهم جابر بن عبد الله، # PageV03P406 # وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة، فقال حين خرج منها: الحمد ~~لله الذي أخرجني من (أم نتن) ، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين، ~~وأحسدهم له على نعمة الله، والله لو ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم ~~لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعودون بها، ورمة قد بليت، يغولون منبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فبلغ ~~جابر بن عبد الله قوله فقال: إن وراءه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال، ثم ~~أخذه الله بعد أن أنظره. # وقيل: إن ولاية الحجاج المدينة وما فعله بأصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان سنة أربع وسبعين في صفر. # (خبيب ms1493 بن عبد الله بن الزبير بضم الخاء المعجمة، وببائين موحدتين بينهما ~~ياء مثناة من تحت، وكان عبد الله يكنى به وبأبي بكر أيضا) . # ذكر عمر ابن الزبير وسيرته # كان له من العمر حين قتل اثنتان وسبعون سنة، وكانت خلافته تسع سنين، لأنه ~~بويع له سنة أربع وستين، وكانت له جمة مفروقة طويلة. # قال يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره، تظنه ~~حائطا لسكونه وطول سجوده. وقال غيره: قسم عبد الله الدهر ثلاث حالات: فليلة ~~قائم حتى الصباح، وليلة راكع حتى الصباح، وليلة ساجد حتى الصباح. # وقيل: أول ما علم من همة ابن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو ~~صبي، فمر به رجل فصاح عليهم ففروا، ومشى ابن الزبير القهقرى وقال: يا ~~صبيان، اجعلوني أميركم، وشدوا بنا عليه. ففعلوا. ومر به عمر بن الخطاب وهو ~~يلعب، ففر # PageV03P407 # الصبيان ووقف هو، فقال له عمر: ما لك لم تفر معهم؟ فقال: لم أجرم فأخافك، ~~ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك. # وقال قطن بن عبد الله: كان ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة. قال ~~خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير يفطر في الشهر ثلاثة أيام، ومكث أربعين ~~سنة لم ينزع (ثيابه عن ظهره) . # وقال مجاهد: لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن ~~الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت، فجعل ابن الزبير يطوف سباحة. قال هشام بن ~~عروة: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله بن الزبير وهو صغير - السيف، فكان ~~لا يضعه من يده، فكان الزبير يقول: والله ليكونن لك منه يوم وأيام. قال ابن ~~سيرين: قال ابن الزبير: ما شيء كان يحدثنا به كعب إلا وقد جاء على ما قال ~~إلا قوله: فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي - يعني المختار -. قال ابن ~~سيرين: ولا يشعر ابن الزبير أن الحجاج قد خبئ له. # وقال عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاري: إن ابن عمر مر بابن الزبير وهو ms1494 ~~مصلوب بعد قتله فقال: رحمك الله أبا خبيب! إنك كنت لصواما قواما، ولقد ~~أفلحت قريش إن كنت شرها. # وكان الحجاج قد صلبه، ثم ألقاه في مقابر اليهود، وأرسل إلى أمه يستحضرها، ~~فلم تحضر، فأرسل إليها: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. فلم تأته، ~~فقام إليها. فلما حضر قال لها: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك ~~أفسدت على ابني دنياه، وأفسد عليك آخرتك، فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حدثنا «أن في ثقيف (كذابا ومبيرا» ، فأما الكذاب) فقد رأيناه - تعني ~~المختار - وأما المبير فأنت هو. وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه. # PageV03P408 # وقال ابن الزبير لعبد الله بن جعفر: أتذكر يوم لقينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنا وأنت، فأخذ ابني فاطمة؟ فقال: نعم فحملنا وتركك. ولو ~~علم أنه يقول له هذا ما سأله. # ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية # وفي هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة وأرمينية، فغزا ~~منها وأثخن [في] العدو، وكانت بحيرة الطريخ التي بأرمينية مباحة لم يعرض ~~لها أحد، بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها، وجعل عليها من يأخذه ويبيعه ~~ويأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، ثم أخذت منه لما انتقلت الدولة ~~عنهم، وهي إلى الآن على هذه الحال من الحجر، ومن سن سنة سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. # وهذا الطريخ من عجائب الدنيا ; لأن سمكه صغير، له كل سنة موسم، يخرج من ~~هذه البحيرة في نهر يصب إليها كثيرا، يؤخذ بالأيدي والآلات المصنوعة له، ~~فإذا انقضى موسمه لا يوجد منه شيء. # ذكر قتل أبي فديك الخارجي # قد ذكرنا سنة اثنتين وسبعين قتل نجدة بن عامر الخارجي وطاعة أصحابه أبا ~~فديك، وثبت قدم أبي فديك إلى الآن، فأمر عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد ~~الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة، ويسير إلى قتاله، ~~فندبهم وانتدب معه عشرة آلاف، ms1495 فأخرج لهم أرزاقهم، ثم سار بهم، وجعل أهل ~~الكوفة على الميمنة، وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل ~~البصرة على الميسرة وعليهم عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وهو ابن أخي ~~عمر، وجعل خيله في القلب، وساروا حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا واصطفوا ~~للقتال، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد، فكشفوا ميسرة عمر حتى ~~أبعدوا، إلا المغيرة بن المهلب، ومجاعة بن عبد الرحمن، وفرسان الناس، فإنهم ~~مالوا إلى صف أهل الكوفة بالميمنة، وجرح عمر بن موسى. # فلما رأى أهل الميسرة أهل الميمنة لم ينهزموا رجعوا وقاتلوا وما عليهم ~~أمير، لأن # PageV03P409 # أميرهم عمر بن موسى كان جريحا، فحملوه معهم، واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر ~~الخوارج، وحمل أهل الكوفة من الميمنة ومن معهم من أهل الميسرة حتى استباحوا ~~عسكرهم، وقتلوا أبا فديك، وحصروا أصحابه بالمشقر، فنزلوا على الحكم، فقتل ~~منهم نحو ستة آلاف وأسر ثمانمائة، ووجدوا جارية عبد الله بن أمية حبلى من ~~أبي فديك، وعادوا إلى البصرة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة، وولاها أخاه ~~بشرا، في قول بعضهم، فاجتمع له المصران الكوفة والبصرة، فسار بشر إلى ~~البصرة، واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث. وفيها غزا محمد بن مروان الروم ~~صائفة فهزمهم، وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية في ~~أربعة آلاف، والروم في ستين ألفا، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. # وحج بالناس هذه السنة الحجاج، وكان على مكة واليمن واليمامة. وكان على ~~الكوفة والبصرة في قول بعضهم بشر بن مروان، وقيل: كان على الكوفة بشر، وعلى ~~البصرة خالد بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء ~~البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان بكير بن وساج. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبد الله بن عمر بمكة، ودفن بذي طوى، وقيل بفخ، وكان ~~سبب موته أن الحجاج أمر بعض أصحابه فضرب ظهر قدمه بزج رمح مسموم، فمات ~~منها، وعاده الحجاج في مرضه، ms1496 فقال: من فعل بك هذا؟ قال: أنت ; لأنك أمرت ~~بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه. وكان موته بعد ابن الزبير بثلاثة ~~أشهر، وقيل غير # PageV03P410 # ذلك، وكان عمره سبعا وثمانين سنة. # وفيها مات سلمة بن الأكوع. وأبو سعيد الخدري. ورافع بن خديج. ومالك بن ~~مسمع أبو غسان البكري، وقيل: مات سنة أربع وستين، وولد على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وتوفي سلم بن زياد بن أبيه قبل بشر بن مروان. وأسماء ~~بنت أبي بكر بعد ابنها بقليل، وكانت قد عميت، وكانت مطلقة من الزبير، قيل: ~~إن ابنها عبد الله قال له: مثلي لا توطأ أمه، فطلقها. # وفيها مات عوف بن مالك الأشجعي، وكان أول مشاهده خيبر. ومعاوية بن حديج ~~قبل ابن عمر بيسير. # وفيها مات معبد بن خالد الجهني وهو ابن ثمانين سنة، وله صحبة. # وفيها قتل عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله مع ابن الزبير، وهو ابن أخي ~~طلحة بن عبيد الله، وله صحبة. # رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة. ومعاوية بن حديج ~~بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين، وآخره جيم. # PageV03P411 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين] ### | 74 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين # في هذه السنة عزل عبد الملك طارقا عن المدينة، واستعمل عليها الحجاج، ~~فأقام بها شهرا، وفعل بالصحابة ما تقدم ذكره، وخرج عنها معتمرا. # وفيها هدم الحجاج بناء الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه، وأعادها إلى ~~البناء الأول، وأخرج الحجر منها، وكان عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير على ~~عائشة في أن الحجر من البيت، فلما قيل له: قال غير ابن الزبير: إنها روت ~~ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وددت أني تركته وما يحمل. # وفيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولاني. # ذكر ولاية المهلب حرب الأزارقة # لما استعمل عبد الملك أخاه بشرا على البصرة سار إليها، فأتاه كتاب عبد ~~الملك يأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزارقة في أهل البصرة ووجوههم، وكان ~~ينتخب منهم من أراد أن يتركه ms1497 وراءه في الحرب، وأمره أن يبعث من أهل الكوفة ~~رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة والتجربة في جيش كثيف إلى المهلب، وأمرهم ~~أن يتبعوا الخوارج أين كانوا حتى يهلكوهم. # فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة، وأمره أن ينتخب الناس من الديوان، # PageV03P412 # وشق على بشر أن إمرة المهلب جاءت من [قبل] عبد الملك، فأوغرت صدره عليه ~~حتى كأنه أذنب إليه، فدعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: قد عرفت منزلتك ~~عندي، وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش الذي أسيره من الكوفة للذي عرفته منك، ~~فكن عند أحسن ظني بك، وانظر إلى هذا الكذا كذا، يقع في المهلب، فاستبد عليه ~~بالأمر، ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا، وتنقصه. # قال عبد الرحمن: فترك أن يوصيني بالجيش، وقتال العدو، والنظر لأهل ~~الإسلام، وأقبل يغريني بابن عمي كأني من السفهاء، ما رأيت شخصا مثلي طمع ~~منه في مثل هذا، قال: فلما رأى أني لست بنشيط إلى جوابه قال لي: ما لك؟ ~~قلت: أصلحك الله، وهل يسعني إلا إنفاذ أمرك فيما أحببت وكرهت! # وسار المهلب حتى نزل رامهرمز، فلقي بها الخوارج فخندق عليه، وأقبل عبد ~~الرحمن في أهل الكوفة ومعه بشر بن جرير، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن ~~قيس، وإسحاق بن محمد بن الأشعث، وزحر بن قيس، فسار حتى نزل على ميل من ~~المهلب، حيث يتراءى العسكران برامهرمز، فلم يلبث العسكر إلا عشرا حتى أتاهم ~~نعي بشر بن مروان، توفي بالبصرة، فتفرق ناس كثير من أهل البصرة وأهل ~~الكوفة، واستخلف بشر على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد، وكان خليفته على ~~الكوفة عمرو بن حريث. # وكان الذين انصرفوا من أهل الكوفة زحر بن قيس، وإسحاق بن محمد بن الأشعث، ~~ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد، فأتوا الأهواز، فاجتمع بها ناس كثير، فبلغ ~~ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى المهلب، ويهددهم - إن ~~لم يفعلوا - بالضرب والقتل، ويحذرهم عقوبة عبد الملك، فلما قرأ الرسول من ~~الكتاب عليهم سطرا أو سطرين قال ms1498 زحر: أوجز، فلما فرغ من قراءته لم يلتفت ~~الناس إليه، وأقبل زحر ومن معه حتى نزلوا إلى جانب الكوفة، وأرسل إلى عمرو ~~بن حريث: إن النفر لما بلغهم وفاة الأمير تفرقوا، فأقبلنا إلى مصرنا ~~وأحببنا ألا ندخل إلا بإذن الأمير. فكتب إليهم ينكر عليهم عودهم، ويأمرهم ~~بالرجوع إلى المهلب، ولم يأذن لهم في دخول الكوفة، فانتظروا الليل ثم دخلوا ~~إلى بيوتهم، فأقاموا حتى قدم الحجاج أميرا. # PageV03P413 # ذكر عزل بكير عن خراسان، وولاية أمية بن عبد الله بن خالد # في هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وساج عن خراسان، وولاها أمية بن عبد ~~الله بن خالد بن أسيد، وكانت ولاية بكير سنتين. # وكان سبب عزله أن تميما اختلفت بها، فصارت مقاعس والبطون يتعصبون لبحير، ~~ويطلبون بكيرا، وصارت عوف والأبناء يتعصبون لبكير، وكل هذه بطون من بني ~~تميم، فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم المشركون، ~~فكتبوا إلى عبد الملك بذلك، وأنها لا تصلح إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ~~ولا يتعصبون عليه، فاستشار عبد الملك فيمن يوليه، فقال أمية: يا أمير ~~المؤمنين، تداركهم برجل منك. قال: لولا انهزامك عن أبي فديك كنت لها. قال: ~~يا أمير المؤمنين، والله ما انهزمت حتى خذلني الناس، ولم أجد مقاتلا، فرأيت ~~أن انحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي عصبة بقيت من المسلمين للهلكة، وقد كتب ~~إليك خالد بن عبد الله بعذري، وقد علم الناس ذلك. فولاه خراسان. وكان عبد ~~الملك يحبه، فقال الناس: ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية. # فلما سمع بكير بمسيره أرسل إلى بحير وهو في حبسه، وقد تقدم ذكر ذلك في ~~مقتل ابن خازم، يطلب منه الصلح، فامتنع بحير وقال: ظن بكير أن خراسان تبقى ~~له في الجماعة. ومشت السفراء بينهم، فأبى ذلك بحير، فدخل عليه ضرار بن حصين ~~الضبي فقال: أراك أحمق! يرسل إليك ابن عمك يعتذر إليك، وأنت أسيره والسيف ~~بيده، ولو قتلك ما حبقت، فلا تقبل منه؟ ! اقبل الصلح، واخرج وأنت على ms1499 رأس ~~أمرك. فقبل منه وصالح بكيرا. فأرسل إليه بكير بأربعين ألفا، وأخذ عليه ألا ~~يقاتله، وخرج بحير فأقام يسأل عن مسير أمية، فلما بلغه أنه قد قارب نيسابور ~~سار إليه ولقيه بها، فأخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها، ورفع على ~~بكير أموالا أخذها، وحذره غدره وسار معه حتى قدم مرو، وكان أمية كريما، ولا ~~يعرض لبكير ولا لعماله، وعرض عليه شرطته فأبى، فولاها بحير بن ورقاء، فلام ~~بكيرا رجال من قومه، فقال: كنت بالأمس أميرا تحمل الحراب بين يدي، فأصير ~~اليوم أحمل الحربة! # ثم خير أمية بكيرا أن يوليه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان، قال: ~~فتجهز لها، فأنفق مالا كثيرا. فقال بحير لأمية: إن أتى طخارستان خلعك. ~~وحذره، فلم يوله. # PageV03P414 # أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وبحير بفتح الباء الموحدة، وكسر الحاء. # ذكر ولاية عبد الله بن أمية سجستان # لما وصل أمية بن عبد الله إلى كرمان استعمل ابنه عبد الله على سجستان، ~~فلما قدمها غزا رتبيل الذي ملك بعد المقتول الأول، وكان رتبيل هائبا ~~للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست أرسل رتبيل يطلب الصلح وبذل ألف ألف، ~~وبعث إليه بهدايا ورقيق، فأبى عبد الله قبول ذلك وقال: إن ملأ لي هذا ~~الرواق ذهبا، وإلا فلا صلح. وكان غرا، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، ~~وأخذ عليه الشعاب والمضايق، وطلب أن يخلي عنه وعن المسلمين ولا يأخذ منه ~~شيئا، فأبى رتبيل وقال: بل يأخذ ثلاثمائة ألف درهم صلحا، ويكتب لنا به ~~كتابا، ولا يغزو بلادنا ما كنت أميرا، ولا يحرق ولا يخرب. ففعل، وبلغ ذلك ~~عبد الملك فعزله. # ذكر ولاية حسان بن النعمان إفريقية # قد ذكرنا ولاية زهير بن قيس سنة اثنتين وستين، وكان قتله سنة تسع وستين، ~~فلما علم عبد الملك قتله عظم عليه وعلى المسلمين وأهمه ذلك، وشغله عن ~~إفريقية ما كان بينه وبين ابن الزبير، فلما قتل ابن الزبير واجتمع المسلمون ~~عليه، جهز جيشا كثيرا، واستعمل عليهم وعلى إفريقية حسان بن النعمان ~~الغساني، ms1500 وسيرهم إليها في هذه السنة، فلم يدخل إفريقية قط جيش مثله. # فلما ورد القيروان تجهز منها وسار إلى قرطاجنة، وكان صاحبها أعظم ملوك ~~إفريقية، ولم يكن المسلمون قط حاربوها، فلما وصل إليها رأى بها من الروم ~~والبربر ما لا يحصى كثرة، فقاتلهم وحصرهم وقتل منهم كثيرا، فلما رأوا ذلك ~~اجتمع رأيهم على الهرب، فركبوا في مراكبهم، وسار بعضهم إلى صقلية، وبعضهم ~~إلى الأندلس، ودخلها حسان بالسيف، فسبى ونهب، وقتلهم قتلا ذريعا، وأرسل ~~الجيوش فيما حولها، فأسرعوا إليه خوفا، فأمرهم فهدموا من قرطاجنة ما قدروا ~~عليه. # PageV03P415 # ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا له في صطفورة وبنزرت، وهما مدينتان، ~~فسار إليهم وقاتلهم، ولقي منهم شدة وقوة، فصبر لهم المسلمون، فانهزمت الروم ~~وكثر القتل فيهم، واستولوا على بلادهم، ولم يترك حسان موضعا من بلادهم إلا ~~وطئه، وخافه أهل إفريقية خوفا شديدا، ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة ~~باجة، فتحصنوا بها، وتحصن البربر بمدينة بونة، فعاد حسان إلى القيروان لأن ~~الجراح قد كثرت في أصحابه، فأقام بها حتى صحوا. # ذكر تخريب إفريقية # لما صلح الناس قال حسان: دلوني على أعظم من بقي من ملوك إفريقية، فدلوه ~~على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وكانت تخبرهم بأشياء من الغيب، ولهذا ~~سميت الكاهنة، وكانت بربرية، وهي بجبل أوراس، وقد اجتمع حولها البربر بعد ~~قتل كسيلة، فسأل أهل إفريقية عنها، فعظموا محلها وقالوا له: إن قتلتها لم ~~تختلف البربر بعدها عليك. فسار إليها، فلما قاربها هدمت حصن باغاية ظنا ~~منها أنه يريد الحصون، فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها، فالتقوا على نهر ~~نيني، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير، ~~وانهزم حسان وأسر جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة، سوى خالد بن يزيد القيسي، ~~وكان شريفا شجاعا، فاتخذته ولدا. # وسار حسان حتى فارق إفريقية، وأقام وكتب إلى عبد الملك يعلمه الحال، ~~فأمره عبد الملك بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين، ~~فسمي ذلك المكان قصور حسان إلى الآن، وملكت الكاهنة إفريقية ms1501 كلها، وأساءت ~~السيرة في أهلها وعسفتهم وظلمتهم. # ثم سير إليه عبد الملك الجنود والأموال، وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال ~~الكاهنة، فأرسل حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد، وهو عند الكاهنة، بكتاب ~~يستعلم منه الأمور، فكتب إليه خالد جوابه في رقعة يعرفه تفرق البربر، ~~ويأمره بالسرعة، وجعل الرقعة في خبزة، وعاد الرسول، فخرجت الكاهنة ناشرة ~~شعرها تقول: ذهب ملكهم فيما # PageV03P416 # يأكل الناس. فطلب الرسول فلم يوجد، فوصل إلى حسان وقد احترق الكتاب ~~بالنار، فعاد إلى خالد وكتب إليه بما كتب أولا، وأودعه قربوس السرج. # فسار حسان، فلما علمت الكاهنة بمسيره إليها قالت: إن العرب يريدون البلاد ~~والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا [أن] أخرب ~~إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد، فخربوها وهدموا ~~الحصون ونهبوا الأموال، وهذا هو الخراب الأول لإفريقية. # فلما قرب حسان من البلاد لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون من ~~الكاهنة، ويشكون إليه منها، فسره ذلك وسار إلى قابس، فلقيه أهلها بالأموال ~~والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء، وجعل فيها عاملا، وسار إلى ~~قفصة ليتقرب الطريق، فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة. # وبلغ الكاهنة قدومه، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد، وقالت لهم: إنني ~~مقتولة، فامضوا إلى حسان، وخذوا لأنفسكم منه أمانا. فساروا إليه وبقوا معه، ~~وسار حسان نحوها، فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل حتى ظن الناس ~~أنه الفناء، ثم نصر الله المسلمين، وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا، ~~وانهزمت الكاهنة، ثم أدركت فقتلت. # ثم إن البربر استأمنوا إلى حسان، فآمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع ~~المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو، فأجابوه إلى ذلك، فجعل على ~~هذا العسكر ابني الكاهنة. ثم فشا الإسلام في البربر، وعاد حسان إلى ~~القيروان في رمضان من السنة، وأقام لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد الملك. # فلما ولي الوليد بن عبد الملك ولى إفريقية عمه عبد الله بن مروان، فعزل ~~عنها حسان، واستعمل موسى بن نصير سنة تسع ms1502 وثمانين، على ما نذكره إن شاء ~~الله. # وقد ذكر الواقدي أن الكاهنة خرجت غضبا لقتل كسيلة، وملكت إفريقية جميعها، ~~وعملت بأهلها الأفاعيل القبيحة، وظلمتهم الظلم الشنيع، ونال من بالقيروان ~~من المسلمين أذى شديدا بعد قتل زهير بن قيس سنة سبع وستين، فاستعمل عبد ~~الملك على إفريقية حسان بن النعمان، فسار في جيوش كثيرة وقصد الكاهنة، ~~فاقتتلوا، فانهزم المسلمون وقتل منهم جماعة كثيرة، وعاد حسان منهزما إلى ~~نواحي برقة، فأقام بها إلى # PageV03P417 # سنة أربع وسبعين، فسير إليه عبد الملك جيشا كثيفا، وأمره بقصد الكاهنة، ~~فسار إليها وقاتلها فهزمها، وقتلها وقتل أولادها، وعاد إلى القيروان. # وقيل: إنه لما قتل الكاهنة عاد من فوره إلى عبد الملك، واستخلف على ~~إفريقية رجلا اسمه أبو صالح، إليه ينسب فحص صالح. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة الحجاج بن يوسف، وكان على قضاء المدينة عبد الله بن ~~قيس بن مخرمة، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. # وقيل: إن عبد الملك اعتمر هذه السنة. ولا يصح. # (وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة، فبلغ أندولية) . # [الوفيات] # وفيها مات جابر بن سمرة السوائي في إمارة بشر بن مروان بالكوفة، وفي ~~إمارته أيضا مات أبو جحيفة بالكوفة. وفيها مات عمرو بن ميمون الأودي، وقيل: ~~سنة خمس وسبعين، وكان قد أدرك الجاهلية، وهو من المعمرين. وفيها مات عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود، وكان من عمال عمر، وقيل: مات سنة ثلاث وسبعين. ~~وفيها مات # PageV03P418 # عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وله صحبة. # وفيها مات محمد بن حاطب بن الحارث الجمحي، وكان مولده بأرض الحبشة، وأتي ~~به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفيها مات أبو سعيد بن معلى الأنصاري. ~~وفيها مات أوس بن ضمعج الكوفي. # ضمعج بالضاد المعجمة والجيم. # PageV03P419 ### | [ثم دخلت سنة خمس وسبعين] ### | 75 - # ثم دخلت سنة خمس وسبعين # في هذه السنة غزا محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش. # ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق # في هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج ms1503 بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان، ~~فأرسل إليه عبد الملك بعهده على العراق وهو بالمدينة، وأمره بالمسير إلى ~~العراق، فسار في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر ~~النهار، فجأة، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج، فبدأ الحجاج بالمسجد، ~~فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال: علي بالناس، فحسبوه وأصحابه ~~خارجية، فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم، فاجتمع الناس وهو ~~ساكت قد أطال السكوت، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد [أن] يحصبه بها ~~وقال: قاتله الله ما أغباه وأذمه! والله إني لأحسب خبره كروائه. فلما تكلم ~~الحجاج جعلت الحصباء تنتثر من يده وهو لا يعقل به، قال: ثم كشف الحجاج عن ~~وجهه وقال: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني # PageV03P420 # أما والله إني لأحمل الشر محمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى ~~رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها، إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى: # قد شمرت عن ساقها تشميرا ... هذا أوان الحرب فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # ثم قال: # قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي # مهاجر ليس بأعرابي ... ليس أوان بكرة الخلاط # جاءت به والقلص الأعلاط ... تهوي هوي سابق الغطاط # إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ~~ولقد فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ: # PageV03P421 # {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} ~~[النحل: 112] ، وأنتم أولئك وأشباه أولئك، إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر ~~كنانته، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، فوجهني إليكم، ~~ورمى بي في نحوركم، فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق، فإنكم طالما أوضعتم ~~في الشر، وسننتم سنن الغي، فاستوثقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان، ~~ولأمرينكم به حتى تدروا، ولألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى ~~تذلوا، ولأضربنكم ضرب غرائب ms1504 الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا، ولأقرعنكم ~~قرع المروة حتى تلينوا، إني والله ما أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، ~~فإياي وهذه الجماعات، فلا يركبن رجل إلا وحده، أقسم بالله لتقبلن على ~~الإنصاف، ولتدعن الإرجاف، وقيلا وقالا وما تقول وما يقول وأخبرني فلان، أو ~~لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده! فيم أنتم وذاك؟ والله لتستقيمن على الحق، ~~أو لأضربنكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، حتى تذروا ~~السمهى، وتقلعوا عن ها وها، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي ~~فيء، ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا! # وقد بلغني رفضكم المهلب، وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين، وإني # PageV03P422 # أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه، وأنهبت داره! # ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ على أهل الكوفة، فلما قال القارئ: أما بعد، ~~سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم، قال له: اقطع، ثم قال: يا عبيد العصا، ~~يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام! أما والله لأؤدبنكم غير ~~هذا الأدب! ثم قال للقارئ: اقرأ، فلما قرأ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: سلام ~~الله على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # ثم دخل منزله لم يزد على ذلك، ثم دعا العرفاء وقال: ألحقوا الناس ~~بالمهلب، وائتوني بالبراءات بموافاتهم، ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا ~~نهارا حتى تنقضي هذه المدة. # تفسير هذه الخطبة # قوله: أنا ابن جلا، فابن جلا هو الصبح لأنه يجلو الظلمة. وقوله: (فاشتدي ~~زيم) ، هو اسم للحرب. والحطم: الذي يحطم كل ما مر به. والوضم: ما وقي به ~~اللحم عن الأرض. والعصلبي: الشديد. والأعلاط من الإبل: التي لا أرسان ~~عليها. وقوله: فعجم عيدانها، أي عضها واختبرها. وقوله: لأعصبنكم عصب ~~السلمة، فالعصب القطع، والسلم شجر من العضاه. وقوله: لا أخلق إلا فريت، ~~فالخلق التقدير، ويقال: فريت الأديم إذا أصلحته. والسمهى: الباطل، وأصله ما ~~تسميه العامة مخاط الشيطان. والعطاط، بضم العين، وقيل بفتحها: ضرب من ~~الطير. # فلما كان اليوم الثالث ms1505 سمع تكبيرا في السوق، فخرج حتى جلس على المنبر # PageV03P423 # فقال: يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق! إني سمعت ~~تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله، ولكنه التكبير الذي يراد به ~~الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا، ~~وأبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه، ويعرف موضع ~~قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها، وأدبا لما ~~بعدها. # فقام عمير بن ضابئ الحنظلي التميمي فقال: أصلح الله الأمير، أنا في هذا ~~البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وابني هذا أشب مني. فقال الحجاج: هذا خير لنا ~~من أبيه، ثم قال: ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ. قال: أسمعت كلامنا ~~بالأمس؟ قال: نعم. قال: ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟ قال: بلى. قال: يا ~~عدو الله، أفلا إلى عثمان بعثت بدلا؟ وما حملك على ذلك؟ قال: إنه حبس أبي، ~~وكان شيخا كبيرا. قال: أولست القائل: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله # إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين. وأمر به فضربت رقبته، وأنهب ماله. # وقيل: إن عنبسة بن سعيد بن العاص قال للحجاج: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: ~~هذا أحد قتلة عثمان. فقال الحجاج: أي عدو الله! أفلا إلى أمير المؤمنين ~~بعثت بديلا؟ ثم أمر به فضربت عنقه، وأمر مناديا فنادى: ألا إن عمير بن ضابئ ~~أتى بعد ثلاثة، وكان سمع النداء فأمرنا بقتله، ألا إن ذمة الله بريئة ممن ~~لم يأت الليلة من جند المهلب. # فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرج العرفاء إلى المهلب، وهو برامهرمز، ~~فأخذوا كتبه بالموافاة. فقال المهلب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، اليوم قوتل ~~العدو. # فلما قتل الحجاج عميرا لقي إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير، ~~فسأله عن الخبر، فقال: # PageV03P424 # أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا # تجهز وأسرع فالحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا # تخير فإما أن تزور ms1506 ابن ضابئ ... عميرا وإما أن تزور المهلبا # هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا # فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا # فكائن ترى من مكره الغزو مسمرا ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا # تحمم، أي لزمه حتى صار كالحميم. وتحنب: اعوج. والزبير هاهنا بفتح الزاي ~~وكسر الباء. # قيل: وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على ~~البصرة أميرا، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فبلغ خالدا الخبر فخرج ~~عن البصرة، فنزل الجلحاء، وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف. # فكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه. قال ~~الشعبي: كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت ~~عمامته، ويقام للناس، ويشهر أمره، فلما ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف ~~إليه حلق الرءوس واللحى، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه، فصار يرفع الرجل ~~عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط، فربما مات وربما خرق المسمار كفه ~~فسلم، فقال شاعر: # لولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأن ينوط في كفي مسمار # إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب لمن يهواه زوار # فلما كان الحجاج قال: هذا لعب، أضرب عنق من يخل مكانه من الثغر. # PageV03P425 # ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله # في هذه السنة استعمل عبد الملك على السند سعيد بن أسلم بن زرعة، فخرج ~~عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العلاقيان فقتلاه، وغلبا على البلاد، فأرسل ~~الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند، فغلب على ذلك الثغر، وغزا وفتح ~~أماكن من قندابيل، ومات مجاعة بعد سنة بمكران، فقيل فيه: # ما من مشاهدك التي شاهدتها ... إلا يزيدك ذكرها مجاعا # ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج # في هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة ~~بن المغيرة بن شعبة، فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعد من ~~رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب، فأتاه شريك ms1507 بن عمرو اليشكري، وكان به ~~فتق، وكان أعور يضع على عينه قطعة، فلقب ذا الكرسفة، فقال: أصلح الله ~~الأمير، إن بي فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت ~~المال. فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق ~~به. فقال المهلب: لقد أتى العراق رجل ذكر. وتتابع الناس مزدحمين إليه حتى ~~كثر جمعه. # ثم سار الحجاج إلى رستقباذ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، وإنما ~~أراد أن يشد ظهر المهلب وأصحابه بمكانه، فقام برستقباذ خطيبا حين نزلها ~~فقال: يا أهل المصرين! هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، ~~حتى يهلك الله عدوكم هؤلاء الخوارج المطلين عليكم. ثم إنه خطب يوما فقال: ~~إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة مخسرة باطلة [من] ~~ملحد فاسق منافق، ولسنا نجيزها! وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة ~~مائة. # فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست بزيادة ابن الزبير، إنما هي زيادة ~~أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر. فقال له ~~الحجاج: ما أنت # PageV03P426 # والكلام! لتحسنن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه! فقال: ولم؟ إني لك لناصح، وإن ~~هذا القول من ورائي. # فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فرد عليه ~~ابن الجارود مثل رده الأول. فقام مصقلة بن كرب العبدي أبو رقبة بن مصقلة ~~المحدث عنه، فقال: إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها، وقد سمعنا ما قال ~~الأمير، فسمعا وطاعة فيما أحببنا وكرهنا. فقال له عبد الله بن الجارود: يا ~~ابن الجرمقانية! ما أنت وهذا! ومتى كان مثلك يتكلم وينطق في مثل هذا؟ # وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود فصوبوا رأيه وقوله، وقال الهذيل بن ~~عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما: نحن معك ~~وأعوانك، إن هذا الرجل غير كاف حتى ينقصنا هذه الزيادة، فهلم نبايعك على ~~إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن ms1508 يولي علينا غيره، فإن ~~أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج. فبايعه الناس سرا وأعطوه ~~المواثيق على الوفاء، وأخذ بعضهم على بعضهم العهود. # وبلغ الحجاج ما هم فيه فأحرز بيت المال واحتاط فيه. فلما تم لهم أمرهم ~~أظهروه، وذلك في ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وأخرج عبد الله بن الجارود عبد ~~القيس على راياتهم، وخرج الناس معه حتى بقي الحجاج وليس معه إلا خاصته وأهل ~~بيته، فخرجوا قبل الظهر، وقطع ابن الجارود ومن معه الجسر، وكانت خزائن ~~الحجاج والسلاح من ورائه. فأرسل الحجاج أعين، صاحب حمام أعين بالكوفة، إلى ~~ابن الجارود يستدعيه إليه، فقال ابن الجارود: ومن الأمير! لا ولا كرامة ~~لابن أبي رغال! ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه! فقال أعين: ~~فإنه يقول لك: أتطيب نفسا بقتلك وقتل أهل بيتك وعشيرتك؟ والذي نفسي بيده ~~لئن لم يأتني لأدعن قومك عامة وأهلك خاصة حديثا للغابرين. وكان الحجاج قد ~~حمل أعين هذه الرسالة. فقال ابن الجارود: لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن ~~الخبيثة! وأمر فوجئ في عنقه، وأخرج. # واجتمع الناس لابن الجارود، فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج، وكان رأيهم أن ~~يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه، فلما صاروا إليه نهبوه في فسطاطه، وأخذوا ما ~~قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن ~~بشير، وجاءت مضر، فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي ~~سهيل بن عمرو. فخافه # PageV03P427 # السفهاء، ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه، فأتاه قوم من أهل البصرة ~~فصاروا معه خائفين من محاربة الخليفة. # فجعل الغضبان بن القبعثرى الشيباني يقول لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن ~~يتغدى بك، أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره، ولتضعفن ~~منتكم! فقال: قد قرب المساء، ولكنا نعاجله بالغداة. # وكان مع الحجاج عثمان بن قطن، وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطة ~~البصرة، فقال لهما: ما تريان؟ أن آخذ لك من القوم أمانا، وتخرج حتى تلحق ~~بأمير المؤمنين، فقد ارفض أكثر الناس ms1509 عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك. ~~فقال عثمان بن قطن الحارثي: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد شركك في ~~أمرك، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلطك، فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس ~~خطرا، فقتلته، فولاك الله شرف ذلك وسناه، وولاك أمير المؤمنين الحجاز، ثم ~~رفعت فولاك العراقين، فحيث جريت إلى المدى، وأصبت الغرض الأقصى، تخرج على ~~قعود إلى الشام، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من ~~سلطان أبدا، وليتضعن شأنك، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ~~ظفرا، أو نموت كراما. فقال له الحجاج: الرأي ما رأيت. وحفظ هذا لعثمان، ~~وحقدها على زياد بن عمرو. # وجاء عامل ابن مسمع إلى الحجاج فقال: إني قد أخذت لك أمانا من الناس، ~~فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمنهم أبدا حتى يأتوا ~~بالهذيل وعبد الله بن حكيم. وأرسل إلى عبيد بن كعب النميري يقول: هلم إلي ~~فامنعني. فقال: قل له: إن أتيتني منعتك. فقال: لا ولا كرامة! وبعث إلى محمد ~~بن عمير بن عطارد كذلك، فأجابه مثل الجواب الأول، فقال: لا ناقتي في هذا ~~ولا جملي. وأرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي فأجابه كذلك أيضا. # ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وعبد الله بن حكيم ~~وهم يتناجون، فقال: أشركونا في نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا ~~أحد من # PageV03P428 # بني الحبط! فغضب وصار إلى الحجاج في مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالي ~~من تخلف بعدك. # وسعى قتيبة بن مسلم في قومه في بني أعصر؟ وقال: لا والله لا ندع قيسا ~~يقتل ولا ينهب ماله، يعني الحجاج، وأقبل إلى الحجاج. # وكان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأن، ثم جاءه سبرة بن ~~علي الكلابي، وسعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم، فأدناه منه، وأتاه جعفر ~~بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع: إن شئت ~~أتيتك، وإن شئت ms1510 أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبط الناس عني. # فلما اجتمع إلى الحجاج جمع يمنع بمثلهم، خرج فعبأ أصحابه، وتلاحق الناس ~~به، فلما أصبح إذا حوله نحو ستة آلاف، وقيل غير ذلك. فقال ابن الجارود ~~لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك ~~الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك، وقد ذهب الرأي وبقي الصبر. # فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة، فتطير. وحرض الحجاج أصحابه وقال: ~~لا يهولنكم ما ترون من كثرتهم. وتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل ~~بن عمران، وعلى ميسرته عبد الله بن زياد بن ظبيان، وعلى ميمنة الحجاج قتيبة ~~بن مسلم، ويقال عباد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن ~~الجارود في أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ~~ساعة، وكاد ابن الجارود يظفر، فأتاه سهم غرب فأصابه فوقع ميتا. ونادى منادي ~~الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتبع ~~المنهزمون، وقال: الاتباع من سوء الغلبة. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ~~ظبيان، وأتى سعيد بن عياذ بن الجلندي الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل ~~فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة وقال: هذا أول ~~شيء جاء من البطيخ، وقد أكلت نصف بطيخة وبعثت بنصفها، فأكلها عبيد الله ~~فأحس بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلني. # وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر رأسا من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ~~ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف. # وحبس الحجاج عبيد بن كعب، ومحمد بن عمير ; حيث قالا للحجاج: تأتينا # PageV03P429 # لنمنعك. وحبس الغضبان بن القبعثرى وقال له: أنت القائل تعش بالجدي قبل أن ~~يتغدى بك؟ فقال: ما نفعت من قيلتي له، ولا ضررت من قيلتي فيك. فكتب عبد ~~الملك إلى الحجاج بإطلاقه. # وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، فقال الحجاج: ألا ~~أرى أنسا يعين علي! فلما دخل البصرة أخذ ماله، فحين دخل عليه أنس قال: لا ms1511 ~~مرحبا ولا أهلا بك يا ابن الخبيثة! شيخ ضلالة، جوال في الفتن، مرة مع أبي ~~تراب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الجارود! أما والله لأجردنك جرد ~~القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة! فقال أنس: من يعني ~~الأمير؟ قال إياك أعني،، أصم الله صداك! فرجع أنس فكتب إلى عبد الله كتابا ~~يشكو فيه الحجاج وما صنع به. فكتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد، يا ابن ~~أم الحجاج، فإنك عبد طمت بك الأمور، فعلوت فيها حتى عدوت طورك، وجاوزت ~~قدرك، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث ~~الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر ~~حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار ~~بأيديهم في أوديتهم ومياههم؟ أنسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروة ~~والخلق؟ وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، ~~وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره ذلك ~~وإغضاءه عنك، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عند ~~أخفش العينين، أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين! ولولا أن أمير المؤمنين يظن ~~أن الكاتب أكثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأرسل من يسحبك ~~ظهرا لبطن، حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، واعرف له ~~حقه وخدمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تقصرن في شيء من حوائجه، ~~ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من # PageV03P430 # أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك، ويشمت بك ~~عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن ~~شاء الله، والسلام. # وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا ~~بكتاب أمير المؤمنين إليه فقرأه، وأتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرؤه ~~ووجهه يتغير ويتغبر، وجبينه يرشح عرقا ويقول: يغفر الله لأمير المؤمنين. ms1512 # ثم اجتمع بأنس، فرحب به الحجاج واعتذر إليه وقال: أردت أن يعلم أهل ~~العراق إذ كان من ابنك ما كان، وإذ بلغت منك ما بلغت - أني إليهم بالعقوبة ~~أسرع. # فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وحتى زعمت أنا الأشرار وقد سمانا ~~الله الأنصار، وزعمت أنا أهل النفاق ونحن الذين تبوءوا الدار والإيمان، ~~وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل، ~~ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق ~~باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوة، فوكلتك إلى الله ثم ~~إلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقي ما لم تحفظ، فوالله لو أن النصارى على ~~كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى بن مريم يوما واحدا، لعرفوا من حقه ما لم تعرف ~~أنت من حقي، وقد خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين. وبعد فإن ~~رأينا خيرا حمدنا الله عليه وأثنينا، وإن رأينا غير ذلك صبرنا، والله ~~المستعان. ورد عليه الحجاج ما كان أخذ منه. # ذكر شير زنجي والزنج معه # اجتمع الزنج بفرات البصرة في آخر أيام مصعب بن الزبير، ولم يكونوا ~~بالكثير، فأفسدوا وتناولوا الثمار، وولي خالد بن عبد الله بن خالد البصرة ~~وقد كثروا، فشكا الناس إليه ما نالهم منهم، فجمع لهم جيشا، فلما بلغهم ذلك ~~تفرقوا، وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم. # فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرنا خرج الزنج أيضا، فاجتمع منهم خلق ~~كثير بالفرات، وجعلوا عليهم رجلا اسمه رباح، ويلقب شير زنجي، يعني أسد ~~الزنج، # PageV03P431 # فأفسدوا، فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد بن عمرو، وهو على شرطة ~~البصرة، أن يرسل إليهم جيشا يقاتلهم، ففعل وسير إليهم جيشا عليه ابنه حفص ~~بن زياد، فقاتلهم، فقتلوه وهزموا أصحابه، ثم أرسل إليهم جيشا آخر، فهزم ~~الزنج وقتلهم، واستقامت البصرة. # ذكر إجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل ابن مخنف # لما أتى كتاب الحجاج إلى المهلب وابن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج، ~~زحفوا إليهم، وقاتلوهم شيئا من ms1513 قتال، فانهزمت الخوارج كأنهم على حامية، ولم ~~يكن منهم قتال، وسار الخوارج حتى نزلوا كازرون، وسار المهلب وابن مخنف حتى ~~نزلوا بهم، وخندق المهلب على نفسه، وقال لابن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك ~~فافعل. فقال أصحابه: نحن خندقنا سيوفنا. # فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه، فوجدوه قد تحرز، فمالوا نحو ابن مخنف، ~~فوجدوه لم يخندق فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من ~~أصحابه، فقتل وقتلوا [حوله] ، فقال شاعرهم: # لمن العسكر المكلل بالصر ... عى فهم بين ميت وقتيل # فتراهم تسفي الرياح عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول # هذا قول أهل البصرة. # فأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنه لما وصل كتاب الحجاج بمناهضة الخوارج ~~ناهضهم المهلب وعبد الرحمن، فاقتتلوا قتالا شديدا، ومالت الخوارج إلى ~~المهلب فاضطروه إلى عسكره، فأرسل إلى عبد الرحمن يستمده، فأمده عبد الرحمن ~~بالخيل والرجال، وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من رمضان. # فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الرجال، ~~ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا بإزاء المهلب من يشغله، وانصرفوا بجندهم إلى ~~عبد الرحمن، فلما رآهم قد قصدوه نزل ونزل معه القراء، منهم: أبو الأحوص، ~~صاحب ابن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسي، الذي قتل مع زيد ~~بن # PageV03P432 # علي، وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من قومه أحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم ~~الخوارج، فقاتلهم قتالا شديدا، وانكشف الناس عنه، وبقي في عصابة من أهل ~~الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، ~~فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس قليل، فجاء حتى دنا من ~~أبيه، فحالت الخوارج بينهما، فقاتل حتى جرح. وقاتل عبد الرحمن ومن معه على ~~تل مشرف، حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلك العصابة، فلما أصبحوا ~~جاء المهلب فدفنه فصلى عليه، وكتب بذلك إلى الحجاج، فكتب الحجاج إلى عبد ~~الملك بذلك فترحم عليه، وذم أهل الكوفة. # وبعث الحجاج إلى عسكر عبد الرحمن عتاب بن ms1514 ورقاء، وأمره أن يسمع للمهلب، ~~فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعته، فجاء إلى العسكر، وقاتل الخوارج وأمره إلى ~~المهلب وهو يقضي أموره، ولا يكاد يستشير المهلب. فوضع عليه المهلب رجالا ~~اصطنعهم وأغراهم به، منهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة. # وجرى بين عتاب والمهلب ذات يوم كلام أغلظ كل منهما لصاحبه، ورفع المهلب ~~القضيب على عتاب، فوثب إليه ابنه المغيرة بن المهلب، فقبض القضيب وقال: ~~أصلح الله الأمير! شيخ من أشياخ العرب، وشريف من أشرافهم، إن سمعت [منه] ~~بعض ما تكره، فاحتمله له فإنه لذلك أهل. ففعل، فافترقا، فأرسل عتاب إلى ~~الحجاج يشكو المهلب، ويسأله أن يأمره بالعود إليه، فوافق ذلك حاجة من ~~الحجاج إليه فيما لقي أشراف الكوفة من شبيب، فاستقدمه وأمره أن يترك ذلك ~~الجيش مع المهلب، فجعل المهلب عليهم ابنه حبيبا. # وقال سراقة بن مرداس البارقي يرثي عبد الرحمن بن مخنف: # ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة ... وأزد عمان رهن رمس بكازر # وضارب حتى مات أكرم ميتة ... بأبيض صاف كالعقيقة باتر # وصرع عند التل تحت لوائه ... كرام المساعي من كرام المعاشر # PageV03P433 # قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر # أمد ولم يمدد فراح مشمرا ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر # وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة من تميم، ~~وكان يرى رأي الصفرية، وهو أول من خرج فيهم، وحج هذه السنة ومعه شبيب بن ~~يزيد، وسويد، والبطين، وأشباههم، وحج في هذه السنة عبد الملكبن مروان، فهم ~~شبيب أن يفتك به، فبلغه ذلك من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بن يوسف بعد انصرافه ~~يأمره بطلبهم، وكان شيخا صالحا يأتي الكوفة، فيقيم بها الشهر ونحوه، فيلقى ~~أصحابه ويعد ما يحتاج إليه، فلما طلبه الحجاج نبت به الكوفة، فتركها. # وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة عند خروج الروم إلى العمق من ناحية ~~مرعش. # وحج بالناس عبد الملك، فخطب الناس بالمدينة، فقال بعد ms1515 حمد الله والثناء ~~عليه: أما بعد، فإني لست بالخليفة المستضعف، يعني عثمان، ولا بالخليفة ~~المداهن، يعني معاوية، ولا بالخليفة المأفون، يعني يزيد، ألا وإني لا أداوي ~~هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وإنكم تحفظوننا أعمال ~~المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم، وإنكم تأمروننا بتقوى الله ~~وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحد # PageV03P434 # بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. ثم نزل. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات العرباض بن سارية السلمي، وهو من أهل الصفة، وقيل: بل ~~مات بالشام في فتنة ابن الزبير. # وفيها توفي الأسود بن يزيد النخعي، وهو ابن أخي علقمة بن قيس. # PageV03P435 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين] ### | 76 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين # ذكر خروج صالح بن مسرح # كان صالح بن مسرح التميمي رجلا ناسكا، مصفر الوجه، صاحب عبادة، وكان ~~بدارا وأرض الموصل والجزيرة، وله أصحاب يقرأ بهم القرآن والفقه ويقص عليهم، ~~فدعاهم إلى الخروج وإنكار الظلم وجهاد المخالفين لهم، فأجابوه، وحثهم ~~عليهم، فراسل أصحابه بذلك وتلاقوا به، فبينا هم في ذلك إذ قدم عليه كتاب ~~شبيب يقول له: إنك كنت تريد الخروج، فإن كان ذلك من شأنك اليوم، فأنت شيخ ~~المسلمين، ولن نعدل بك أحدا، وإن أردت تأخير ذلك [اليوم] أعلمني، فإن ~~الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمني المنية ولم أجاهد الظالمين. # فكتب إليه صالح: إنه لم يمنعني من الخروج إلا انتظارك، فأقبل إلينا، فإنك ~~ممن لا يستغنى عن رأيه، ولا تقضى دونه الأمور. فلما قرأ شبيب كتابه دعا ~~نفرا من أصحابه، منهم: أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم الشيباني، والمحلل بن ~~وائل اليشكري، وغيرهما، وخرج بهم حتى قدم على صالح بدارا، فلما لقيه قال: ~~اخرج بنا رحمك الله، فوالله ما تزداد [السنة] إلا دروسا، ولا يزداد ~~المجرمون إلا طغيانا. # فبث صالح رسله، وواعد أصحابه الخروج إلى ذلك هلال صفر سنة ست وسبعين، ~~فاجتمعوا عنده تلك الليلة، فسأله بعضهم عن القتال قبل الدعاء أم بعده؟ ~~فقال: بل ندعوهم، فإنه أقطع لحجتهم. فقال ms1516 له: كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا ~~به، ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال لهم: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن ~~عفونا فموسع علينا. # PageV03P436 # ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره وقال لهم: إن أكثركم رجالة، وهذه دواب لمحمد ~~بن مروان، فابدؤوا بها فاحملوا عليها رجالكم، وتقووا بها على عدوكم. # فخرجوا تلك الليلة، فأخذوا الدواب فاحتملوا عليها، وأقاموا بأرض دارا ~~ثلاث عشرة ليلة. وتحصن منهم أهلها وأهل نصيبين وسنجار، وكان خروجه وهو في ~~مائة وعشرين، وقيل: وعشرة. # وبلغ محمدا مخرجهم، وهو أمير الجزيرة، فأرسل عدي بن عدي الكندي إليهم في ~~ألف فارس، فسار من حران، فنزل دوغان، وكانوا أول جيش سار إلى صالح، وسار ~~عدي وكأنه يساق إلى الموت. وأرسل إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلاد ~~ويعلمه أنه يكره قتاله، وكان عدي ناسكا، فأعاد صالح: إن كنت ترى رأينا ~~خرجنا عنك، وإلا فنرى رأينا. فأرسل إليه عدي: إني لا أرى رأيك، ولكني أكره ~~قتالك وقتال غيرك. فقال صالح لأصحابه: اركبوا. فركبوا، وحبس الرسول عنده ~~ومضى بأصحابه، فأتى عديا وهو يصلي الضحى، فلم يشعروا إلا والخيل طالعة ~~عليهم، فلما رأوها تنادوا، وجعل صالح شبيبا في ميمنته، وسويد بن سليم في ~~ميسرته، ووقف في القلب، فأتاهم وهم على غير تعبية، وبعضهم يجول في بعض، ~~فحمل عليهم شبيب وسويد فانهزموا، وأتي عدي بن عدي بدابته فركبها وانهزم، ~~وجاء صالح ونزل في معسكره، وأخذوا ما فيه. # ودخل أصحاب عدي على محمد بن مروان، فغضب على عدي، ثم دعا خالد بن جزء ~~السلمي، فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جعونة العامري، فبعثه في ~~ألف وخمسمائة وقال: اخرجا إلى هذه المارقة، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو ~~الأمير على صاحبه. فخرجا متساندين يسألان عن صالح، فقيل لهما: إنه نحو آمد، ~~فقصداه، فوجه صالح شبيبا في شطر من أصحابه إلى الحارث بن جعونة، وتوجه هو ~~نحو خالد، فاقتتلوا من وقت العصر أشد قتال، فلم تثبت خيل محمد لخيل صالح، ~~فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا، وترجل معهما أكثر أصحابهما، فلم ms1517 يقدر أصحاب ~~صالح حينئذ عليهم، وكانوا إذا حملوا استقبلتهم الرجالة بالرماح، ورماهم ~~الرماة بالنبل، وطاردهم خيالتهم، فقاتلوهم إلى المساء، فكثرت الجراح في ~~الفريقين، وقتل من أصحاب صالح نحو ثلاثين رجلا، ومن أصحاب محمد أكثر من ~~سبعين. # فلما أمسوا تراجعوا، فاستشار صالح أصحابه، فقال شبيب: إن القوم قد ~~اعتصموا # PageV03P437 # بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم. فقال صالح: وأنا أرى ذلك. فخرجوا من ~~ليلتهم سائرين، فقطعوا أرض الجزيرة وأرض الموصل، وانتهوا إلى الدسكرة. فلما ~~بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذي الشعار في ثلاثة آلاف من ~~أهل الكوفة، فسار حتى دنا من الدسكرة، وخرج صالح بن مسرح حتى أتى قرية يقال ~~لها مدبج على تخوم ما بين الموصل وجوخى، وصالح في تسعين رجلا، فلقيهم ~~الحارث لثلاث عشرة بقين من جمادى، فاقتتلوا، فانهزم سويد بن سليم في ميسرة ~~صالح، وثبت صالح، فقتل، وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه، فحمل عليهم راجلا، ~~فانكشفوا عنه، فجاء إلى موقف صالح فأصابه قتيلا، فنادى: إلي يا معشر ~~المسلمين، فلاذوا به. فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر ~~صاحبه، وليطاعن عدوه حتى يدخل هذا الحصين ونرى رأينا، ففعلوا ذلك ودخلوا ~~الحصين جميعهم، وهم سبعون رجلا، وأحاط بهم الحارث وأحرق عليهم الباب، وقال: ~~إنهم لا يقدرون على الخروج منه. # (مسرح بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد الراء وكسرها، وبالحاء ~~المهملة. وجعونة بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، وفتح الواو، وآخره نون) ~~. # ذكر بيعة شبيب الخارجي ومحاربة الحارث بن عميرة # فلما أحرق الحارث الباب على شبيب ومن معه وقال: إنهم لا يقدرون على ~~الخروج منه، ونصبحهم غدا فنقتلهم، وانصرف إلى عسكره - قال شبيب لأصحابه: ما ~~تنتظرون؟ فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم. فقالوا: مرنا بأمرك. ~~فقال: بايعوني أو من شئتم من أصحابكم، واخرجوا بنا حتى نشد عليهم في ~~عسكرهم، فإنهم آمنون. # فبايعوا شبيبا، وهو شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني، وأتوا باللبود ~~فبلوها، وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث إلا وشبيب وأصحابه ~~يضاربونهم ms1518 بالسيوف في جوف العسكر، فصرع الحارث، فاحتمله أصحابه وانهزموا ~~نحو المدائن، وحوى شبيب عسكرهم، وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب. # PageV03P438 # ذكر الحرب بين أصحاب شبيب وغيره # ثم إن شبيبا لقي سلامة بن سنان التيمي، تيم شيبان، بأرض الموصل، فدعاه ~~إلى الخروج معه، فشرط عليه سلامة أن ينتخب فارسا ينطلق بهم نحو عنزة، فيشفي ~~نفسه منهم، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة، وذلك أن فضالة كان خرج في ثمانية ~~عشر رجلا حتى نزل ماء يقال له الشجرة، عليه أثلة عظيمة، وعليه عنزة نازلون، ~~فلما رأوه قالوا: نقتل هؤلاء، ونغدو على أميرنا فيعطينا شيئا. فقال أخواله ~~من بني نصر: لا نساعدكم على قتل ابن أخينا. فنهضت عنزة فقتلوهم، وأتوا ~~برءوسهم عبد الملك بن مروان، فلذلك أنزلهم بانقيا وفرض لهم، ولم يكن لهم ~~قبل ذلك فرائض إلا قليلة، فقال سلامة أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان ~~أخواله إياه: # وما خلت أخوال الفتى يسلمونه ... لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر # وكان خروج فضالة قبل خروج صالح. فأجابه شبيب، فخرج حتى انتهى إلى عنزة، ~~فجعل يقتل محلة بعد محلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته قد أكبت على ~~ابن لها، وهو غلام حين احتلم، فأخرجت ثديها وقالت: أنشدك برحم هذا يا ~~سلامة! فقال: والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأصل الشجرة - يعني أخاه - ~~لتقومن عنه أو لأجمعنكما بالرمح! فقامت عنه فقتله. # ذكر مسير شبيب إلى بني شيبان وإيقاعه بهم # ثم أقبل شبيب في خيله نحو راذان، فهرب منه طائفة من بني شيبان ومعهم ناس ~~من غيرهم قليل، حتى نزلوا دير خرزاد إلى جنب حولايا، وهم نحو ثلاثة آلاف، ~~وشبيب في نحو سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم فتحصنوا منه. # ثم إن شبيبا سرى في اثني عشر رجلا إلى أمه، وكانت في صفح جبل ساتيدما، ~~فقال: لآتين بها تكون في عسكري لا تفارقني حتى تموت أو أموت. فسار بهم ~~ساعة، وإذا هو بجماعة من بني شيبان في أموالهم مقيمين، لا يرون أن شبيبا ~~يمر ms1519 بهم ولا يشعر بهم، فحمل عليهم، فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد، ~~ومضى شبيب إلى أمه فحملها، وأشرف رجل من الدير على أصحاب شبيب، وكان قد ~~استخلف شبيب عليهم # PageV03P439 # أخاه مصاد بن يزيد، وهم قد حصروا من في الدير، فقال: يا قوم بيننا وبينكم ~~القرآن، قال الله - تعالى -: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] ، فكفوا عنا حتى نخرج إليكم على ~~أمان، وتعرضوا علينا أمركم، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا، وإن ~~نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم. فأجابوهم، فخرجوا ~~إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، فقبلوه كله، ثم خالطوه ونزلوا إليهم، ~~وجاء شبيب فأخبر بذلك، فقال: أصبتم ووفقتم. # ذكر الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمي # ثم إن شبيبا ارتحل، فخرج معه طائفة وأقامت طائفة، وسار شبيب في أرض ~~الموصل نحو أذربيجان، وكتب الحجاج إلى سفيان بن أبي العالية الخثعمي يأمره ~~بالقفول، وكان معه ألف فارس، يريد أن يدخل بها طبرستان. فلما أتاه كتاب ~~الحجاج صالح صاحب طبرستان ورجع، فأمره الحجاج بنزول الدسكرة حتى يأتيه جيش ~~الحارث بن عميرة الهمداني، وهو الذي قتل صالحا، وحتى تأتيه خيل المناظر، ثم ~~يسير إلى شبيب. فأقام بالدسكرة، ونودي في جيش الحارث: الحرب بالكوفة ~~والمدائن، فخرجوا حتى أتوا سفيان، وأتته خيل المناظر عليهم سورة بن الحر ~~التميمي، فكتب إليه سورة بالتوقف حتى يلحقه، فعجل سفيان في طلب شبيب، فلحقه ~~بخانقين، وارتفع شبيب عنهم حتى كأنه يكره قتالهم، وأكمن أخاه مصادا في هزم ~~من الأرض في خمسين رجلا فارسا، ومضى في سفح الجبل، فقالوا: هرب عدو الله، ~~فاتبعوه، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني: لا تعجلوا حتى نبصر الأرض لئلا ~~يكون قد كمن فيها كمينا. # فلم يلتفتوا، فاتبعوه، فلما جازوا الكمين رجع عليهم شبيب، وخرج أخوه في ~~الكمين، فانهزم الناس بغير قتال، وثبت سفيان في نحو من مائتي رجل، فقاتلهم ~~قتالا شديدا، وحمل سويد بن سليم على سفيان فطاعنه، ثم تضاربا بالسيوف، ~~واعتنق كل واحد ms1520 منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض. ثم تحاجزوا، وحمل عليهم شبيب ~~فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له، فنزل عن دابته وأركبه وقاتل دونه، فقتل ~~الغلام ونجا سفيان حتى انتهى إلى بابل مهروذ، وكتب إلى الحجاج بالخبر، ~~ويعرفه وصول الجند إلا سورة بن # PageV03P440 # الحر، فإنه لم يشهد معي القتال، فلما قرأ الحجاج الكتاب أثنى عليه. # ذكر الوقعة بين شبيب وسورة بن الحر # فلما وصل كتاب سفيان إلى الحجاج كتب إلى سورة بن الحر يلومه ويتهدده، ~~ويأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس، ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب. ~~ففعل ذلك سورة وسار نحو شبيب، وشبيب يجول في جوخى، وسورة في طلبه، حتى ~~انتهى إلى المدائن، فتحصنوا منه، وأخذ منها دواب وقتل من ظهر له، فأتى فقيل ~~له: هذا سورة قد أقبل. فخرج حتى أتى النهروان، فصلوا وترحموا على أصحابهم ~~الذين قتلهم علي، وتبرءوا من علي وأصحابه. وأخبرت سورة عيونه بمنزل شبيب، ~~فدعا أصحابه فقال: إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل، وقد رأيت أن أنتخبكم ~~فأسير في ثلاثمائة رجل من شجعانكم، فآتيه وهو آمن بياتكم، فإني أرجو من ~~الله أن يصرعهم. فأجابوا إلى ذلك، فانتخب ثلاثمائة وسار بهم نحو النهروان، ~~وبات شبيب وقد أذكى الحرس، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم، فاستووا على ~~خيولهم، وتعبوا تعبيتهم للحرب، فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا، فحمل ~~عليهم، فثبتوا له وضاربوهم، وصاح شبيب بأصحابه، فحملوا عليهم حتى تركوا ~~العرصة، وشبيب يقول: من ينك العير ينك نياكا جندلتان اصطكتا اصطكاكا # فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم وأقبل نحو ~~المدائن، واتبعه شبيب يرجو أن يدركه فيصيب عسكره. فوصل إليهم وقد دخل الناس ~~المدائن، وخرج ابن أبي العصيفر أمير المدائن في أهل المدائن، فرموا أصحاب ~~شبيب بالنبل والحجارة، فارتفع شبيب عن المدائن، فمر على كلواذى، فأصاب بها ~~دواب كثيرة للحجاج، فأخذها ومضى إلى تكريت، وأرجف الناس بالمدائن بوصول ~~شبيب إليهم، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، وكان شبيب بتكريت، ولام ~~الحجاج سورة ms1521 وحبسه، ثم أطلقه. # PageV03P441 # ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد، وقتل سعيد بن مجالد # فلما قدم الفل الكوفة سير الحجاج الجزل بن سعيد بن شرحبيل الكندي، واسمه ~~عثمان، نحو شبيب، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة، فقال له: لا تبعث معي من ~~الجند المهزوم أحدا، فإنهم قد دخلهم الرعب، ولا ينتفع بهم المسلمون. قال: ~~قد أحسنت. فأخرج معه أربعة آلاف، فساروا معه، فقدم الجزل بين يديه عياض بن ~~أبي لبنة الكندي، فساروا في طلب شبيب، وجعل شبيب يريه الهيبة له، فيخرج من ~~رستاق إلى رستاق ولا يقيم، إرادة أن يفرق الجزل أصحابه، فيلقاه وهو على غير ~~تعبية. فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه. # فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه، وكانوا مائة وستين رجلا، ففرقهم أربع ~~فرق، على كل أربعين رجل من أصحابه، فجعل أخاه مصادا في أربعين، وسويد بن ~~سليم في أربعين، والمحلل بن وائل في أربعين، وبقي هو في أربعين، وأتته ~~عيونه فأخبروه أن الجزل بدير يزدجرد، فأمر شبيب أصحابه فعلقوا على دوابهم، ~~ثم سار بهم، وأمر كل رأس من أصحابه أن يأتي الجزل من جهة ذكرها له، وقال: ~~إني أريد أن أبيته، وأمرهم بالجد في القتال، فسار أخوه فانتهى إلى دير ~~الخرارة، فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبي لبنة، فحمل عليهم مصاد في أربعين ~~رجلا، فقاتلوه ساعة، ثم اندفعوا بين يديه، وقد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا ~~أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم. # واتبعوهم ملحين، فانتهوا إلى عسكرهم، فمنعهم أصحابه من دخول خندقهم، وكان ~~للجزل مسالح أخرى، فرجعت فمنعتهم من دخول الخندق، وقال: انضحوا عنكم ~~بالنبل. وجعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، ورشقهم أهل ~~العسكر بالنبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليه قال لأصحابه: سيروا ودعوهم. ~~فمضى على الطريق، ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم راجعا إلى ~~الجزل أيضا على التعبية الأولى وقال: أطيفوا بعسكرهم. فأقبلوا وقد أدخل أهل ~~العسكر مسالحهم إليهم (وقد أمنوا، فما شعروا إلا ms1522 بوقع حوافر الخيل، فانتهوا ~~إليهم) قبل الصبح، وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع، فقاتلوهم. # PageV03P442 # ثم إن شبيبا أرسل إلى أخيه مصاد، وهو يقاتلهم من نحو الكوفة، أن أقبل ~~إلينا وخل لهم الطريق، ففعل، وقاتلوهم من الوجوه الثلاثة حتى أصبحوا، فسار ~~شبيب وتركهم ولم يظفر بهم، فنزل على ميل ونصف، ثم صلى الغداة، ثم سار إلى ~~جرجرايا. # وأقبل الجزل في طلبهم على تعبية ولا ينزل إلا في خندق. وسار شبيب في أرض ~~جوخى وغيرها يكسر الخراج، فطال ذلك على الحجاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه ~~إبطاءه، ويأمره بمناهضتهم، فجد في طلبهم، وبعث الحجاج سعيد بن مجالد على ~~جيش الجزل، وأمره بالجد في قتال شبيب وترك المطاولة. # فوصل سعيد إلى الجزل، وهو بالنهروان قد خندق عليه، وقام في العسكر ووبخهم ~~وعجزهم، ثم خرج وأخرج معه الناس، وضم إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة ~~إلى شبيب، ويترك الباقين مكانهم، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: ~~أقدم على شبيب في هذه الخيل. فقال له الجزل: أقم أنت في جماعة الناس فارسهم ~~وراجلهم وأبرز لهم، فوالله ليقدمن عليك، ولا تفرق أصحابك. فقال: قف أنت في ~~الصف. فقال الجزل: يا سعيد، ليس لي في ما صنعت رأي، أنا بريء منه. # ووقف الجزل فصف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق. وتقدم سعيد بن مجالد ~~ومعه الناس، وقد أخذ شبيب إلى قطيطيا فدخلها، وأمر دهقانا أن يصلح لهم ~~غداء، ففعل وأغلق الباب، فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد في ذلك العسكر، ~~فأقبل الدهقان فأعلم شبيبا بهم، فقال: لا بأس، قرب الغداء. فقربه، فأكل ~~وتوضأ وصلى ركعتين، وركب بغلا له وخرج عليه، وسعيد على باب المدينة، فحمل ~~عليهم فقال: لا حكم إلا للحكم (الحكيم) ، أنا أبو مدله، اثبتوا إن شئتم. # وجعل سعيد يقول: هؤلاء إنما هم أكلة رأس، وجعل يجمع خيله ويرسلها في أثر ~~شبيب، فلما رأى شبيب تفرقهم جمع أصحابه وقال: استعرضوهم، فوالله لأقتلن ~~أميرهم أو ليقتلني. وحمل عليهم مستعرضا، فهزمهم، وثبت سعيد ونادى أصحابه، ms1523 ~~فحمل عليه شبيب فضربه بالسيف فقتله، وانهزم ذلك الجيش، وقتلوا كل قتلة حتى ~~انتهوا إلى الجزل، فناداهم: أيها الناس، إلي إلي! وقاتل قتالا شديدا حتى ~~حمل من بين القتلى جريحا، وقدم المنهزمون الكوفة، وكتب الجزل إلى الحجاج ~~بالخبر، ويخبره بقتل سعيد، وأقام بالمدائن، وكتب إليه الحجاج يثني عليه ~~ويشكره، وأرسل إليه حيان بن أبجر ليداوي # PageV03P443 # جراحته، وألفي درهم لينفقها، وبعث إليه عبد الله بن أبي عصيفر بألف درهم، ~~فكان يعوده ويتعاهده بالهدية. # وسار شبيب نحو المدائن، فعلم أنه لا سبيل [له] إلى أهلها مع المدينة، ~~فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ، فعبر دجلة إليها، فأرسل إلى سوق بغداد فآمنهم، ~~وكان يوم سوقهم، وبلغه أنهم يخافونه، واشترى أصحابه دواب وأشياء يريدونها. # ذكر مسير شبيب إلى الكوفة # ثم سار شبيب إلى الكوفة، فنزل عند حمام عمير بن سعد، فلما بلغ الحجاج ~~مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل إليه، وقال له: الق ~~شبيبا، فإن استطرد لك فلا تتبعه. # فخرج وعسكر بالسبخة، فبلغه أن شبيبا قد أقبل، فسار نحوه، فكأنما يساقون ~~إلى الموت، فأمر الحجاج عثمان بن قطن، فعسكر بالناس في السبخة، وسار سويد ~~إلى زرارة، فهو يعبئ أصحابه إذ قيل: قد أتاك شبيب، فنزل ونزل معه جل ~~أصحابه، فأخبر أن شبيبا قد تركك وعبر الفرات وهو يريد الكوفة من وجه آخر، ~~فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم، وبلغ من بالسبخة مع عثمان إقبال شبيب ~~إليهم، فصاح بعضهم ببعض، وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم: إن سويدا في ~~آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم، وحمل شبيب على سويد ومن كان معه حملة منكرة، ~~فلم يقدر منهم على شيء، وأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وذلك عند المساء، ~~وتبعه سويد إلى الحيرة، فرآه قد ترك الحيرة وذهب، فتركه سويد وأقام حتى ~~أصبح، وأرسل إلى الحجاج يعلمه بمسير شبيب. # ذكر محاربة شبيب أهل البادية # وكتب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه، فاتبعه، ومضى شبيب حتى أغار أسفل ~~الفرات على من وجد من قومه، وارتفع ms1524 في البر وراء خفان، فأصاب رجالا من بني ~~الورثة، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك، ومضى شبيب حتى أتى # PageV03P444 # بني أبيه على اللصف، وعلى ذلك الماء الفزر بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، ~~وكان ينهى شبيبا عن رأيه، وكان شبيب يقول: لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون ~~الفزر، فلما بلغهم خبر شبيب ركب الفزر فرسا، وخرج من وراء البيوت، وانهزم ~~منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهل البادية، فأخذ على القطقطانة، ثم على قصر ~~بني مقاتل، ثم على الحصاصة، ثم على الأنبار، ومضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع ~~إلى أداني أذربيجان. # فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن ~~شعبة. فما شعر الناس إلا وقد أتاهم كتاب دهقان بابل مهروذ إلى عروة يذكر له ~~أن بعض جباة الخراج أخبره أن شبيبا قد نزل خانيجار، وهو على قصد الكوفة، ~~فأرسل عروة الكتاب إلى الحجاج بالبصرة، فأقبل مجدا نحو الكوفة يسابق شبيبا ~~إليها. # ذكر دخول شبيب الكوفة # وأقبل شبيب إلى قرية اسمها حربى، فقال: حرب يصلى بها عدوكم. ثم سار فنزل ~~عقرقوف، فقال له سويد بن سليم: يا أمير المؤمنين، لو تحولت من هذه القرية ~~المشئومة الاسم. قال: وقد تطيرت أيضا! والله لا أسير إلى عدوي إلا منها، ~~إنما شؤمها على عدونا، والعقر لهم إن شاء الله. # ثم سار منها يبادر الحجاج إلى الكوفة، وكانت كتب عروة ترد عليه، أعني ~~الحجاج، يحثه على العجل إليهم، فطوى الحجاج المنازل، فنزلها الحجاج صلاة ~~العصر، ونزل شبيب بالسبخة صلاة المغرب، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم، ~~فدخلوا الكوفة وبلغوا السوق، وضرب شبيب باب القصر بعموده، فأثر فيه أثرا ~~عظيما، ثم وقف عند المصطبة وقال: # عبد دعي من ثمود أصله ... لا بل يقال أبو أبيهم يقدم # PageV03P445 # يعني الحجاج، فإن بعض الناس يقول: إن ثقيفا بقايا ثمود، وبعضهم يقول: هم ~~من نسل يقدم الإيادي. # ثم اقتحموا المسجد الأعظم، وكان لا يزال فيه قوم يصلون، فقتلوا عقيل بن ~~مصعب الوادعي، وعدي بن عمرو ms1525 الثقفي، وأبا ليث بن أبي سليم، ومروا بدار ~~حوشب، وهو على الشرط، فقالوا: إن الأمير يطلبه، فأراد الركوب، ثم أنكرهم ~~فلم يخرج إليهم، فقتلوا غلامه، ثم أتى الجحاف بن نبيط الشيباني فقال له: ~~انزل لنقضيك ثمن البكرة التي اشتريت منك بالبادية. فقال الجحاف: أما ذكرت ~~أمانتك إلا والليل أظلم وأنت على فرسك يا سويد؟ قبح الله دينا لا يصلح إلا ~~بإراقة الدماء وقتل القرابة. # ثم مروا بمسجد ذهل فرأوا ذهل بن الحارث، وكان يطيل الصلاة فيه، فقتلوه، ~~ثم خرجوا من الكوفة، فاستقبلهم النضر بن قعقاع بن شور الذهلي، فقال له: ~~السلام عليك أيها الأمير. فقال له سويد: أمير المؤمنين ويلك! فقال: أمير ~~المؤمنين. فقال له شبيب: يا نضر، لا حكم إلا لله، وأراد يلعنه، فقال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون. فشد أصحاب شبيب عليه فقتلوه، وكان قد أقبل مع الحجاج ~~من البصرة، فتخلف عنه، وكانت أم النضر ناجية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني، ~~فأحب شبيب نجاته. # ثم خرجوا نحو المردمة، وأمر الحجاج مناديا فنادى: يا خيل الله اركبي، وهو ~~فوق باب القصر، وعنده مصباح، فكان أول من أتاه عثمان بن قطن بن عبد الله بن ~~الحصين ذي الغصة، فقال: أعلموا الأمير بمكاني. فقال له غلام للحجاج: قف ~~بمكانك. وجاء الناس من كل جانب. # ثم إن الحجاج بعث بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة ~~الثقفي في ألفي رجل، (وأبا الضريس مولى بني تميم في ألفي رجل) ، وعبد ~~الأعلى بن عبد الله بن عامر، وزياد بن عمرو العتكي. # وكان عبد الملك بن مروان قد استعمل محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ~~على سجستان، وكتب إلى الحجاج ليجهزه ويسيره سريعا في ألف رجل إلى عمله، ~~فأقام يتجهز، وحدث من أمر شبيب ما حدث، فقال له الحجاج: تلقى شبيبا وهذه ~~الخارجة # PageV03P446 # فتجاهدهم، ويكون الظفر لك ويطير اسمك، ثم تمضي إلى عملك. فسيره معهم، ~~وقال لهؤلاء الأمراء: إن كان حرب فأميركم زائدة بن قدامة. فسار هؤلاء ~~الأمراء فنزلوا أسفل ms1526 الفرات، فترك شبيب الوجه الذي هم فيه، وأخذ نحو ~~القادسية. # ذكر محاربة شبيب زحر بن قيس # ووجه الحجاج جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس، وقال له: ~~اتبع شبيبا حتى تواقعه أين أدركته، إلا أن يكون ذاهبا، فاتركه ما لم يعطف ~~عليك أو يقيم. فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وأقبل شبيب نحوه، فالتقيا، ~~فجمع شبيب خيله، ثم اعترض بهم الصف حتى انتهى إلى زحر، فقاتل زحر حتى صرع، ~~وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قتلوه، فلما كان السحر وأصابه البرد قام يتمشى ~~حتى دخل قرية فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة، وبوجهه وبرأسه بضع عشرة ~~جراحة، فمكث أياما ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير، وقال لمن حوله: من ~~أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى ~~هذا. # ذكر محاربة الأمراء المقدم ذكرهم وقتل محمد بن موسى بن طلحة # فلما هزم أصحاب زحر قال أصحاب شبيب لشبيب: قد هزمنا لهم جندا، انصرف بنا ~~الآن وافرين. فقال لهم: هذه الهزيمة قد أرعبت هؤلاء الأمراء والجنود الذين ~~في طلبكم، فاقصدوا بنا نحوهم، فوالله لئن قاتلناهم فما دون الحجاج مانع، ~~ونأخذ الكوفة إن شاء الله - تعالى -. فقالوا: نحن لرأيك تبع. # فسار وسأل عن الأمراء فأخبر أنهم بروذبار على أربعة وعشرين فرسخا من ~~الكوفة، فقصدهم، فأرسل إليهم الحجاج يعلمهم بمسيره ويقول لهم: إن أمير ~~الجماعة زائدة بن قدامة. # وانتهى إليهم شبيب وقد تعبؤوا للحرب، فكان على ميمنة أهل الكوفة زياد بن ~~عمرو العتكي، وفي ميسرتهم بشر بن غالب الأسدي، وكل أمير واقف في أصحابه، ~~وأقبل # PageV03P447 # شبيب على فرس كميت أغر في ثلاث كتائب، كتيبة فيها سويد بن سليم، فوقف ~~بإزاء الميمنة، وكتيبة فيها مصاد، أخو شبيب، فوقف بإزاء الميسرة، ووقف شبيب ~~مقابل القلب. # فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس، ويحثهم على الجهاد لعدوهم والقتال، ~~ويطمعهم في عدوهم لقلته وباطله، وكثرتهم وأنهم على الحق، ثم انصرف إلى ~~موقفه، فحمل سويد بن سليم على زياد بن ms1527 عمرو، فانكشفوا، وثبت زياد في نحو من ~~نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلا، ثم حمل عليهم ثانية، فتطاعنوا ساعة، ~~وصبر زياد ساعة، وقاتل زياد قتالا شديدا، وقاتل سويد أيضا قتالا شديدا، ~~وإنه لأشجع العرب، ثم ارتفع سويد عنهم، وإذا أصحاب زياد يتفرقون، فقال ~~لسويد أصحابه: ألا تراهم يتفرقون؟ احمل عليهم. فقال لهم شبيب: خلوهم حتى ~~يخفوا. فتركهم قليلا ثم حمل الثالثة فانهزموا، وأخذت زياد بن عمرو السيوف ~~من كل جانب، فما ضره منها شيء للبسة التي عليه، ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة ~~يسيرة، وذلك عند المساء. # ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزموه، ولم يقاتل كثيرا، ~~ولحق بزياد بن عمرو، فمضيا منهزمين، وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن ~~موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلوه قتالا شديدا وصبر لهم، ثم إن مصادا أخا ~~شبيب حمل على بشر بن غالب وهو في ميسرة أهل الكوفة، فصبر بشر ونزل، ونزل ~~معه نحو خمسين رجلا، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم أصحابه. # وحملت الخوارج على أبي الضريس مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، ~~فهزموه، حتى انتهى إلى موقف أعين فهزموهما، حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن ~~قدامة، فلما انتهوا إليه نادى: يا أهل الإسلام! الأرض الأرض، لا يكونوا على ~~كفرهم أصبر منكم على إيمانكم. فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر. # ثم إن شبيبا حمل عليه في جماعة من أصحابه، فقتله وقتل أصحابه، وتركهم ~~ربضة حوله. # ولما قتل زائدة دخل أبو الضريس وأعين جوسقا عظيما، وقال شبيب لأصحابه: ~~ارفعوا السيف [عن الناس] وادعوهم إلى البيعة. فدعوهم إلى البيعة عند الفجر ~~فبايعوه. وكان فيمن بايعه أبو بردة بن أبي موسى، فقال شبيب لأصحابه: هذا ~~ابن أحد الحكمين. فأرادوا قتله، فقال شبيب: ما ذنب هذا؟ وتركه، وسلموا على ~~شبيب بإمرة المؤمنين وخلى سبيلهم، فبقوا كذلك حتى انفجر الفجر، فلما ظهر ~~الفجر أمر محمد بن موسى مؤذنه فأذن، وكان لم ينهزم، فسمع شبيب الأذان فقال: ~~ما هذا؟ قالوا: محمد ms1528 بن موسى بن # PageV03P448 # طلحة لم يبرح. فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا. ثم نزل شبيب ~~فأذن هو وصلى بأصحابه الصبح، ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه، فانهزمت ~~طائفة منهم وثبتت معه طائفة، فقاتل حتى قتل، وأخذت الخوارج ما كان في ~~العسكر، وانهزم الذين كانوا بايعوا شبيبا، فلم يبق منهم أحد. # ثم أتى شبيب الجوسق الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه، فأقام عليهم ~~ذلك اليوم وسار عنهم. فقال أصحابه: ما دون الكوفة أحد يمنع. فنظر وإذا ~~أصحابه قد جرحوا، فقال لهم: ما عليكم أكثر مما فعلتم. فخرج بهم على نفر، ثم ~~على الصراة، فأتى خانيجار فأقام بها. فبلغ الحجاج مسيره نحو نفر فظن أنه ~~يريد المدائن، وهي باب الكوفة، ومن أخذها كان في يده من السواد أكثره، فهال ~~ذلك الحجاج، فبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وجوخى والأنبار، وعزل ~~عنها عبد الله بن أبي عصيفر، وكان بها الجزل يداوي جراحته، فلم يتعهده ~~عثمان كما كان ابن أبي عصيفر يفعل، فقال الجزل: اللهم زد ابن أبي عصيفر ~~جودا وفضلا، وزد عثمان بن قطن بخلا وضيقا. # وقد قيل في مقتل محمد بن موسى غير هذا، والذي ذكر من ذلك أن محمد بن موسى ~~كان قد شهد مع عمر بن عبيد الله بن معمر قتال أبي فديك، وكان شجاعا ذا بأس، ~~فزوجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان، فولاه سجستان، فمر ~~بالكوفة وفيها الحجاج فقيل له: إن صار هذا بسجستان مع صهره، لعبد الملك، ~~فلجأ إليه أحد ممن تطلب - منعك منه فقال: وما الحيلة؟ قال: تأتيه وتسلم ~~عليه وتذكر نجدته وبأسه، وأن شبيبا في طريقه، وأنه قد أعياك، وترجو أن يريح ~~الله منه على يده، فيكون له ذكره وفخره. # ففعل الحجاج ذلك، فأجابه محمد وعدل إلى شبيب، فأرسل إليه شبيب: إنك ~~مخدوع، وإن الحجاج قد اتقى بك وأنت جار لك حق، فانطلق لما أمرت به، ولك ~~الله لا أوذيك. فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب وأعاد إليه ms1529 الرسول، فأبى ~~وطلب البراز، فبرز إليه البطين بن قعنب، وسويد بن سليم، فأبى إلا شبيبا، ~~فقالوا ذلك لشبيب، فبرز شبيب إليه وقال له: أنشدك الله في دمك، فإن لك ~~جوارا. فأبى، فحمل شبيب عليه فضربه # PageV03P449 # بعمود حديد وزنه اثنا عشر رطلا بالشامي، فهشم البيضة ورأسه، فسقط ميتا، ~~ثم كفنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر إلى ~~أصحابه، وقال: هو جاري، ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة. # ذكر محاربة شبيب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقتل عثمان بن قطن # ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وأمره أن ينتخب من الناس ~~ستة آلاف فارس، ويسير في طلب شبيب أين كان، ففعل ذلك وسار نحوه، وكتب ~~الحجاج إليه وإلى أصحابه يتهددهم بالقتل والتنكيد إن انهزموا. # فوصل عبد الرحمن إلى المدائن، فأتى الجزل يعوده من جراحته، فأوصاه الجزل ~~بالاحتياط، وحذره من شبيب وأصحابه، وأعطاه فرسا كانت له تسمى الفسيفساء، ~~وكانت لا تجارى، ثم ودعه عبد الرحمن وسار إلى شبيب. # فسار شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، فخرج عبد الرحمن في طلبه، حتى إذا كان ~~بالتخوم وقف وقال: هذه أرض الموصل فليقاتلوا عنها. فكتب إليه الحجاج: أما ~~بعد، فاطلب شبيبا واسلك في أثره أين سلك، حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما ~~السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده، والسلام. # فخرج عبد الرحمن في أثر شبيب، [فكان شبيب] يدعه حتى يدنو منه فيبيته، ~~فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيتركه ويسير، فيتبعه عبد الرحمن. فإذا بلغ ~~شبيبا مسيره أتاهم وهم سائرون، فيجدهم على تعبية فلا يصيب منه غرة، ثم جعل ~~إذا دنا منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا أو ما يقاربها فينزل في أرض خشنة ~~غليظة ويتبعه عبد الرحمن، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك، حتى عذب ذلك الجيش وشق ~~عليه وأحفى دوابهم، ولقوا منه كل بلاء، ولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به ~~على خانقين وجلولاء وسامرا، ثم أقبل إلى البت، وهي من قرى الموصل، ليس ~~بينها ms1530 وبين سواد الكوفة إلا نهر حولايا، وهو في راذان الأعلى من أرض جوخى، ~~ونزل عبد الرحمن في عواقيل من النهر ; لأنها مثل الخندق. # PageV03P450 # فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن يقول: إن هذه الأيام عيد لنا ولكم، يعني عيد ~~النحر، فهل لك في الموادعة حتى تمضي هذه الأيام؟ فأجابه إلى ذلك، وكان يحب ~~المطاولة، وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج: أما بعد، فإن عبد الرحمن قد حفر ~~جوخى كلها خندقا واحدا، وكسر خراجها، وخلى شبيبا يأكل أهلها، والسلام. فكتب ~~إليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش، وجعله أميرهم، وعزل عنهم عبد الرحمن، ~~وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وسار عثمان حتى قدم على ~~عبد الرحمن وعسكر الكوفة، فوصل عشية الثلاثاء يوم التروية، فنادى الناس وهو ~~على بغلة: أيها الناس، اخرجوا إلى عدوكم. فوثب إليه الناس وقالوا: هذا ~~المساء قد غشينا، والناس لم يوطنوا أنفسهم على الحرب، فبت الليلة ثم اخرج ~~على تعبية، وهو يقول: لأناجزنهم، فلتكونن الفرصة لي أو لهم. فأتاه عبد ~~الرحمن فأنزله. # وكان شبيب قد نزل ببيعة البت، فأتاه أهلها فقالوا له: أنت ترحم الضعفاء ~~وأهل الذمة، ويكلمك من تلي عليه ويشكون إليك فتنظر إليهم، وإن هؤلاء جبابرة ~~لا يكلمون ولا يقبلون العذر، والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا ~~إذا ارتحلت عنا، فإن رأيت أن تنزل جانب القرية ولا تجعل علينا مقالا فافعل. ~~فخرج عن البيعة فنزل جانب القرية. # وبات عثمان ليلته كلها يحرض أصحابه، فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس ~~كلهم، فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة شديدة، فصاح الناس وقالوا له: ننشدك الله ~~أن تخرج بنا والريح علينا. فأقام بهم ذلك اليوم، ثم خرج بهم يوم الخميس وقد ~~عبأ الناس، فجعل في الميمنة خالد بن نهيك بن قيس، وعلى الميسرة عقيل بن ~~شداد السلولي، ونزل هو في الرجالة، وعبر شبيب النهر إليهم، وهو يومئذ في ~~مائة وأحد وثمانين رجلا، فوقف هو في الميمنة، وجعل أخاه مصادا في القلب، ~~وجعل سويد بن سليم في الميسرة، وزحف بعضهم ms1531 إلى بعض. # وقال شبيب لأصحابه: إني حامل على ميسرتهم مما يلي النهر، فإذا هزمتها ~~فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري. # وحمل على ميسرة عثمان فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل ~~أيضا مالك بن عبد الله الهمداني عم عياش بن عبد الله المنتوف، ودخل شبيب ~~عسكرهم، وحمل سويد على ميمنة عثمان، فهزمها وعليها خالد بن نهيك، فقاتله ~~قتالا شديدا، وحمل شبيب من ورائه فقتله. # وتقدم عثمان بن قطن وقد نزل معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو ~~القلب، وفيه مصاد أخو شبيب في نحو من ستين رجلا، فلما دنا منهم عثمان شد ~~عليهم فيمن # PageV03P451 # معه، فضاربوهم حتى فرقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعر ~~عثمان ومن معه إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن ~~سليم أيضا في خيله، ورجع مصاد وأصحابه فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قطن ~~أحسن قتال، ثم إنهم أحاطوا به، وضربه مصاد أخو شبيب ضربة بالسيف استدار لها ~~وقال: {وكان أمر الله مفعولا} [الأحزاب: 37] ، ثم إن الناس قتلوه، ووقع عبد ~~الرحمن، فأتاه ابن أبي سبرة الجعفي، وهو على بغله، فعرفه فأركبه معه، ونادى ~~في الناس: الحقوا بدير أبي مريم، ثم انطلقا ذاهبين. # ورأى واصل السكوني فرس عبد الرحمن التي أعطاه الجزل تجول في العسكر، ~~فأخذها بعض أصحاب شبيب، فظن أنه قتل، فطلبه في القتلى فلم يجده، فسأل عنه ~~فأعطي خبره، فاتبعه واصل على برذونه ومعه غلامه على بغل، فلما دنا منهما ~~نزل عبد الرحمن وابن أبي سبرة ليقاتلا، فلما رآهما واصل عرفهما وقال: إنكما ~~تركتما النزول في موضعه، فلا تنزلا الآن! وحسر عمامته عن وجهه فعرفاه، وقال ~~لابن الأشعث: قد أتيتك بهذا البرذون لتركبه. فركبه وسار حتى نزل دير ~~البقار. # وأمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه. # وقتل من كندة يومئذ مائة وعشرون، وقتل معظم العرفاء. # وبات عبد الرحمن بدير البقار، فأتاه فارسان فصعدا إليه، فخلا أحدهما بعبد ~~الرحمن طويلا، ثم ms1532 نزلا، فتبين أن ذلك الرجل كان شبيبا، وقد كان بينه وبين ~~عبد الرحمن مكاتبة، وسار عبد الرحمن حتى أتى دير أبي مريم، فاجتمع الناس ~~إليه وقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة. فخرج إلى الكوفة ~~واختفى من الحجاج حتى أخذ له الأمان منه. # ذكر ضرب الدراهم والدنانير الإسلامية # وفي هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم، وهو أول من ~~أحدث ضربها في الإسلام، فانتفع الناس بذلك. # PageV03P452 # وكان سبب ضربها أنه كتب في صدور الكتب إلى الروم: {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1] ، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع التاريخ، فكتب إليه ~~ملك الروم: إنكم قد أحدثتم كذا وكذا، فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ~~ذكر نبيكم ما تكرهون. فعظم ذلك عليه. فأحضر خالد بن يزيد بن معاوية ~~فاستشاره فيه، فقال: حرم دنانيرهم، واضرب للناس سكة فيها ذكر الله - تعالى ~~-. فضرب الدنانير والدراهم. # ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ونقش فيها: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، ~~فكره الناس ذلك لمكان القرآن، لأن الجنب والحائض يمسها، ونهى أن يضرب أحد ~~غيره، فضرب سمير اليهودي، فأخذه ليقتله، فقال له: عيار درهمي أجود من ~~دراهمك، فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس سنج الأوزان ليتركه فلم يفعل، ~~وكان الناس لا يعرفون الوزن، إنما يزنون بعضها ببعض، فلما وضع لهم سمير ~~السنج كف بعضهم عن غبن بعض. # وأول من شدد في أمر الوزن وخلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله عمر بن هبيرة ~~أيام يزيد بن عبد الملك، وجود الدراهم، وخلص العيار واشتد فيه. ثم كان خالد ~~بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك، فاشتد أكثر من ابن هبيرة. ثم ~~ولي يوسف بن عمر، فأفرط في الشدة، فامتحن يوما العيار، فوجد درهما ينقص ~~حبة، فضرب كل صانع ألف سوط. وكانوا مائة صانع، فضرب في حبة مائة ألف سوط. ~~وكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن المنصور ~~يقبل في الخراج غيرها، فسميت الدراهم الأولى مكروهة. # وقيل: إن المكروهة ms1533 الدراهم التي ضربها الحجاج ونقش عليها: {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] ، فكرهها العلماء لأجل مس الجنب والحائض. # وكانت دراهم الأعجام مختلفة كبارا وصغارا، وكانوا يضربون مثقالا، وهو وزن ~~عشرين قيراطا، ومنها وزن اثني عشر قيراطا، ومنها وزن عشرة قراريط، وهي ~~أصناف # PageV03P453 # المثاقيل، فلما ضرب الدراهم في الإسلام أخذوا عشرين قيراطا، واثني عشر ~~قيراطا، وعشرة قراريط، فوجدوا ذلك اثنين وأربعين قيراطا، فضربوا على الثلث ~~من ذلك، وهو أربعة عشر قيراطا، فوزن الدرهم العربي أربعة عشر قيراطا، فصار ~~وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. # وقيل: إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله بن الزبير، ~~ثم كسرت بعد ذلك أيام عبد الملك. # والأول أصح في أن عبد الملك أول من ضرب الدراهم والدنانير. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك. وفيها ولى عبد الملك ~~المدينة أبان بن عثمان. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وأقام الحج ~~للناس هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أمير المدينة. وكان على العراق الحجاج، ~~وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء ~~البصرة زرارة بن أوفى. وفيها غزا محمد بن مروان الروم من ناحية ملطية. # [الوفيات] # وفيها مات حبة بن جوين العرني صاحب علي. # (حبة بالحاء المهملة، وبالباء الموحدة، وهو منسوب إلى عرنة، بالعين ~~المهملة المضمومة، والراء المهملة، والنون) . # PageV03P454 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين] ### | 77 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين # ذكر محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما # وفي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية. # وسبب ذلك أن شبيبا لما هزم الجيش الذي كان وجهه الحجاج مع عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث، وقتل عثمان بن قطن، كان ذلك في حر شديد، وأتى شبيب ماه ~~بهراذان فصيف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا، وممن كان ~~الحجاج يطلبهم بمال أو تبعات. فلما ذهب الحر خرج شبيب في نحو ثمانمائة رجل ~~فأقبل نحو ms1534 المدائن، وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر ~~حذيفة بن اليمان، فكتب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج بذلك، فلما قرأ الكتاب ~~قام في الناس فقال: أيها الناس، لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثن ~~إلى قوم هم أطوع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم، فيقاتلون عدوكم ويأكلون ~~فيئكم. # فقام إليه الناس من كل جانب ومكان فقالوا: نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، ~~فليندبنا الأمير إليهم. وقام إليه زهرة بن حوية، وهو شيخ كبير لا يستتم ~~قائما حتى يؤخذ بيده، فقال [له] : أصلح الله الأمير، إنما تبعث إليهم الناس ~~متقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة، وابعث إليهم رجلا شجاعا مجربا ممن يرى ~~الفرار هضما وعارا، والصبر مجدا وكرما. فقال الحجاج: فأنت ذلك الرجل، ~~فاخرج. فقال زهرة: أصلح الله الأمير، إنما يصلح الرجل يحمل الدرع والرمح، ~~ويهز السيف، ويثبت على [متن] الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئا، وقد ضعف ~~بصري [وضعفت] ، ولكن أخرجني مع الأمير في # PageV03P455 # الناس، فأكون معه وأشير عليه برأيي. فقال الحجاج: جزاك الله خيرا عن ~~الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره، فقد نصحت. ثم قال: أيها الناس، سيروا ~~بأجمعكم كافة. # فانصرف الناس يتجهزون ولا يدرون من أميرهم. وكتب الحجاج إلى عبد الملك ~~يخبره أن شبيبا قد شارف المدائن وأنه يريد الكوفة، وقد عجز أهل الكوفة عن ~~قتاله في مواطن كثيرة، [في كلها] يقتل أمراءهم ويهزم جنودهم، ويطلب إليه أن ~~يبعث إليه جندا من الشام، يقاتلون الخوارج ويأكلون البلاد. # فلما أتى الكتاب بعث إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة ~~آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين. فبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ~~الرياحي، وهو مع المهلب، يستدعيه، وكان عتاب قد كتب إلى الحجاج يشكو من ~~المهلب، ويسأله أن يضمه إليه ; لأن عتابا طلب من المهلب أن يرزق أهل الكوفة ~~الذين معه من مال فارس، فأبى عليه، وجرت بينهما منافرة، فكادت تؤدي إلى ~~الحرب، فدخل المغيرة بن المهلب بينهما فأصلح الأمر، وألزم أباه برزق أهل ~~الكوفة، فأجابه ms1535 إلى ذلك، وكتب يشكو منه. # فلما ورد كتابه سر الحجاج بذلك واستدعاه، ثم جمع الحجاج أهل الكوفة ~~واستشارهم فيمن يوليه أمر الجيش، فقالوا: رأيك أفضل. فقال: قد بعثت إلى ~~عتاب، وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة. فقال زهرة: أيها الأمير، رميتهم ~~بحجرهم، والله لا نرجع إليك حتى نظفر أو نقتل. # وقال له قبيصة بن والق: إن الناس قد تحدثوا أن جيشا قد وصل إليك من ~~الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا، وهان عليهم الفرار، فقلوبهم كأنها ليست ~~فيهم، فإن رأيت أن تبعث إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم، ولا يبيتوا إلا وهم ~~محتاطون، فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا، وقد جهزت إليهم أهل الكوفة، ~~ولست واثقا بهم كل الثقة، وإن شبيبا بينا هو في أرض إذا هو في أخرى، ولا ~~آمن أن يأتي أهل الشام وهم آمنون، فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق. # قال له: لله أبوك، ما أحسن ما أشرت به! وأرسل إلى الشام يحذرهم، ويأمرهم ~~أن يأتوا على عين التمر. ففعلوا. # وقدم عتاب بن ورقاء تلك الليلة، فبعثه الحجاج على ذلك الجيش، فعسكر بحمام # PageV03P456 # أعين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذى، فقطع فيها دجلة، (ثم سار حتى نزل ~~مدينة بهرسير الدنيا، فصار بينه وبين مطرف [جسر] دجلة) ، وقطع مطرف الجسر ~~وبعث إلى شبيب: أن ابعث إلي رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن، وأنظر ~~فيما يدعون إليه. فبعث إليه قعنب بن سويد والمحلل وغيرهما، وأخذ منه رهائن ~~إلى أن يعودوا، فأقاموا عنده أربعة أيام، ثم لم يتفقوا على شيء. فلما لم ~~يتبعه مطرف تهيأ للمسير إلى عتاب وقال لأصحابه: إني كنت عازما أن آتي أهل ~~الشام جريدة، وألقاهم على غرة قبل أن يتصلوا بأمير مثل الحجاج، ومصر مثل ~~الكوفة، فثبطني عنهم مطرف، وقد جاءتني عيوني، فأخبروني أن أوائلهم قد دخلوا ~~عين التمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وقد أخبروني أن عتابا ومن معه ~~بالبصرة، فما أقرب ما بيننا وبينه، فتيسروا للمسير إلى عتاب. # وخاف مطرف بن المغيرة أن يبلغ خبره مع ms1536 شبيب إلى الحجاج، فخرج نحو الجبال. ~~فأرسل شبيب أخاه مصادا إلى المدائن وعقد الجسر، وأقبل عتاب إليه حتى نزل ~~بسوق حكمة، وقد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفا، ومن الشباب والأتباع عشرة ~~آلاف، فكانوا خمسين ألفا، وكان الحجاج قد قال لهم حين ساروا: إن للسائر ~~المجتهد الكرامة والأثرة، وللهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن ~~فعلتم في هذه المواطن كفعلكم في المواطن الأخر لأولينكم كنفا خشنا، ~~ولأعركنكم بكلكل ثقيل. # فلما بلغ عتاب سوق حكمة أتاه شبيب، وكان أصحابه بالمدائن ألف رجل، فحثهم ~~على القتال، وسار بهم، فتخلف عنه بعضهم، ثم صلى الظهر بساباط، وصلى العصر ~~وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلى المغرب، وكان عتاب قد ~~عبأ أصحابه، فجعل في الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وقال: يا ~~ابن أخي، إنك شريف صابر. فقال: والله لأصبرن ما ثبت معي إنسان. وقال لقبيصة ~~بن والق الثعلبي: اكفني الميسرة. فقال: أنا شيخ كبير، لا أستطيع القيام إلا ~~أن أقام. فجعل عليها نعيم بن عليم، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعي، وهو ابن ~~عمه وشيخ أهل بيته، على الرجالة، وصفهم ثلاثة صفوف: صف فيهم أصحاب السيوف، ~~وصف فيهم أصحاب الرماح، وصف فيهم الرماة، ثم سار في الناس يحرضهم على ~~القتال ويقص عليهم، ثم قال: أين القصاص؟ فلم يجبه أحد. ثم قال: أين من يروي ~~شعر عنترة؟ فلم يجبه أحد. فقال: إنا لله، كأني بكم قد فررتم عن عتاب بن ~~ورقاء، وتركتموه تسفي في استه الريح! # PageV03P457 # ثم أقبل حتى جلس في القلب ومعه زهرة بن حوية جالس، وعبد الرحمن بن محمد ~~بن الأشعث، وأبو بكر بن محمد بن أبي جهم العدوي. وأقبل شبيب وهو في ستمائة ~~وقد تخلف عنه من أصحابه أربعمائة، فقال: لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى ~~فينا، فجعل سويد بن سليم في مائتين في الميسرة، وجعل المحلل بن وائل في ~~مائتين في القلب، ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة ms1537 ~~حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: رايات لربيعة. قال: ~~طالما نصرت الحق، وطالما نصرت الباطل، والله لأجاهدنكم محتسبا، أنا شبيب، ~~لا حكم إلا لله، للحكم، اثبتوا إن شئتم! ثم حمل عليهم ففضهم، فثبت أصحاب ~~رايات قبيصة بن والق، وعبيد بن الحليس، ونعيم بن عليم فقتلوا، وانهزمت ~~الميسرة كلها، ونادى الناس من بني ثعلبة: قتل قبيصة! وقال شبيب: قتلتموه، ~~ومثله كما قال الله - تعالى -: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها} [الأعراف: 175] . ثم وقف عليه وقال: ويحك لو ثبت على إسلامك الأول ~~سعدت! وقال لأصحابه: إن هذا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، ~~ثم جاء يقاتلكم مع الفسقة. # ثم إن شبيبا حمل من الميسرة على عتاب، وحمل سويد بن سليم على الميمنة، ~~وعليهما محمد بن عبد الرحمن، فقاتلهم في رجال من تميم وهمدان، فما زالوا ~~كذلك حتى قيل لهم قتل عتاب، فانفضوا. # ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب ومعه زهرة بن حوية إذ غشيهم شبيب، ~~فقال له عتاب: يا زهرة، هذا يوم كثر فيه العدد، وقل فيه الغناء، والهفي على ~~خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس، ألا صابر لعدوه؟ ألا مواس بنفسه؟ ~~فانفضوا عنه وتركوه، فقال [له] زهرة: أحسنت يا عتاب، فعلت فعلا [لا يفعله] ~~مثلك. أبشر، فإني أرجو أن يكون الله - جل ثناؤه - قد أهدى إلينا الشهادة ~~عند فناء أعمارنا. # فلما دنا منه شبيب وثب في عصابة قليلة صبرت معه وقد ذهب الناس، فقيل له: ~~إن عبد الرحمن بن الأشعث قد هرب وتبعه ناس كثير. فقال: ما رأيت ذلك الفتى ~~يبالي ما صنع. ثم قاتلهم ساعة، فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمر ~~التغلبي، فحمل عليه فطعنه، ووطئت الخيل زهرة بن حوية، فأخذ يذب بسيفه لا ~~يستطيع أن يقوم، # PageV03P458 # فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله، فانتهى إليه شبيب فرآه صريعا فعرفه، ~~فقال: هذا زهرة بن حوية، أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام ~~المسلمين قد ms1538 حسن فيه بلاؤك، وعظم فيه غناؤك! ولرب خيل للمشركين هزمتها، ~~وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها! ثم كان في علم الله أنك تقتل ناصرا ~~للظالمين. وتوجع له. فقال له رجل من أصحابه: إنك لتتوجع لرجل كافر. فقال: ~~إنك لست بأعرف بضلالتهم مني، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف، ما لو ~~ثبتوا عليه لكانوا إخواننا. # فاستمسك شبيب من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا السيف، ودعاهم إلى ~~البيعة، فبايعه الناس وهربوا من تحت ليلتهم، وحوى ما في العسكر، وبعث إلى ~~أخيه فأتاه من المدائن. وأقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين، ثم سار نحو ~~الكوفة، فنزل بسورا وقتل عاملها. # وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد دخلوا الكوفة، فشدوا ظهر الحجاج ~~واستغنى به وبعسكره عن أهل الكوفة، فقام على المنبر فقال: يا أهل الكوفة، ~~لا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا فلا ~~تشهدوا معنا قتال عدونا، انزلوا بالحيرة مع اليهود والنصارى، ولا يقاتل ~~معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب. # ذكر قدوم شبيب الكوفة أيضا وانهزامه عنها # ثم سار شبيب من سورا فنزل حمام أعين، فدعا الحجاج الحارث بن معاوية ~~الثقفي، فوجهه في ناس من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب وغيرهم، فخرج في نحو ~~ألف، فنزل زرارة، فبلغ ذلك شبيبا، فعجل إلى الحارث بن معاوية، فلما انتهى ~~إليه حمل عليه فقتله وانهزم أصحابه، وجاء المنهزمون فدخلوا الكوفة، وجاء ~~شبيب فعسكر بناحية الكوفة وأقام ثلاثا، فلم يكن في اليوم الأول غير قتل ~~الحارث. # فلما كان اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه، فأخذوا بأفواه السكك، وجاء ~~شبيب فنزل السبخة وابتنى بها مسجدا، فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا ~~الورد مولاه، # PageV03P459 # عليه تجفاف، ومعه غلمان له وقالوا: هذا الحجاج، فحمل عليه شبيب فقتله، ~~وقال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه. # ثم أخرج الحجاج غلامه طهمان في مثل تلك العدة والحالة، فقتله شبيب وقال: ~~إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه. # ثم إن الحجاج ms1539 خرج ارتفاع النهار من القصر، فطلب بغلا يركبه إلى السبخة، ~~فأتي ببغل، فركبه ومعه أهل الشام، فخرج، فلما رأى الحجاج شبيبا وأصحابه ~~نزل، وكان شبيب في ستمائة فارس، فأقبل نحو الحجاج، وجعل الحجاج سبرة بن عبد ~~الرحمن بن مخنف على أفواه السكك في جماعة الناس، ودعا الحجاج بكرسي فقعد ~~عليه ثم نادى: [يا] أهل الشام، أنتم أهل السمع والطاعة [والصبر] واليقين، ~~فلا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، ~~واستقبلوهم بأطراف الأسنة. ففعلوا وأشرعوا الرماح، وكأنهم حرة سوداء، وأقبل ~~شبيب في ثلاثة كراديس، كتيبة معه، وكتيبة مع سويد بن سليم، وكتيبة مع ~~المحلل بن وائل، وقال لسويد: احمل عليهم في خيلك، فحمل عليهم، فثبتوا له ~~ووثبوا في وجهه بأطراف الرماح، فطعنوه حتى انصرف هو وأصحابه. # وصاح الحجاج: هكذا فافعلوا، وأمر بكرسيه فقدم، وأمر شبيب المحلل فحمل ~~عليهم ففعلوا به كذلك، فناداهم الحجاج: هكذا فافعلوا، وأمر بكرسيه فقدم. # ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته، فثبتوا له وصنعوا به كذلك، فقاتلهم ~~طويلا، ثم إن أهل الشام طاعنوه حتى ألحقوه بأصحابه. فلما رأى صبرهم نادى: ~~يا سويد، احمل عليهم بأصحابك على أهل هذه السكة، لعلك تزيل أهلها، وتأتي ~~الحجاج من ورائه، ونحمل نحن عليه من أمامه. فحمل سويد، فرمي من فوق البيوت ~~وأفواه السكك فرجع. وكان الحجاج قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ~~ثلاثمائة رجل من أهل الشام ردءا له، لئلا يؤتوا من خلفهم، فجمع شبيب أصحابه ~~ليحمل بهم، فقال الحجاج: اصبروا لهذه الشدة الواحدة، ثم هو الفتح. فجثوا ~~على الركب. # وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فوثبوا في وجهه، وما زالوا يطاعنونه ~~ويضاربونه قدما، ويدفعونه وأصحابه حتى أجازوهم مكانهم، وأمر شبيب أصحابه ~~بالنزول، فنزل نصفهم، وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال: يا أهل ~~الشام، هذا أول الفتح، وصعد المسجد ومعه جماعة معهم النبل ليرموهم إن دنوا ~~منه، فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال رآه الناس حتى أقر كل واحد من الفريقين ~~لصاحبه. # PageV03P460 # ثم إن خالد ms1540 بن عتاب قال للحجاج: ائذن لي في قتالهم فإني موتور، فأذن له، ~~فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة، وقصد عسكرهم من ورائهم، فقتل مصادا أخا ~~شبيب، وقتل امرأته غزالة، وحرق في عسكره. وأتى الخبر الحجاج وشبيبا، فكبر ~~الحجاج وأصحابه، وأما شبيب فركب هو وأصحابه، وقال الحجاج لأهل الشام: ~~احملوا عليهم، فإنهم قد أتاهم ما أرعبهم. فشدوا عليهم فهزموهم، وتخلف شبيب ~~في حامية الناس. فبعث الحجاج إلى خيله: أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل ~~الحجاج الكوفة فصعد المنبر ثم قال: والله ما قوتل شبيب قبلها، ولى والله ~~هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب. ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمي ~~فبعثه في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام في أثر شبيب وقال له: احذر بياته، ~~وحيث لقيته فانزل له، فإن الله - تعالى - قد فل حده، وقصم نابه. # فخرج في أثره حتى نزل الأنبار، وكان الحجاج قد نادى عند انهزامهم: من ~~جاءنا منكم فهو آمن. فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب ~~الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب، وكان حبيب قد جعل ~~أصحابه أرباعا، وقال لكل ربع منهم: ليمنع كل ربع منكم جانبه، فإن قاتل هذا ~~الربع فلا يعنهم الربع الآخر، فإن الخوارج قريب منكم، فوطنوا أنفسكم على ~~أنكم مبيتون ومقاتلون. # فأتاهم شبيب وهم على تعبية، فحمل على ربع فقاتلهم طويلا، فما زالت قدم ~~إنسان عن موضعها، ثم تركهم وأقبل إلى ربع آخر فكانوا كذلك، ثم أتى ربعا آخر ~~فكانوا كذلك، ثم الربع الرابع، فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، ~~ثم نازلهم راجلا، فسقطت منهم الأيدي، وكثرت القتلى، وفقئت الأعين، وقتل من ~~أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا، ومن أهل الشام نحو مائة، واستولى التعب ~~والإعياء على الطائفتين، (حتى إن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئا) ، وحتى ~~إن الرجل ليقاتل جالسا، فما يستطيع أن يقوم من التعب. # فلما يئس شبيب منهم تركهم وانصرف عنهم. ثم قطع دجلة وأخذ في أرض جوخى، ثم ~~قطع دجلة مرة ms1541 أخرى عند واسط، ثم أخذ نحو الأهواز، ثم إلى فارس، ثم إلى ~~كرمان ليستريح هو ومن معه. # PageV03P461 # وقيل في هزيمته غير ذلك، وهو أن الحجاج كان قد بعث إلى شبيب أميرا فقتله، ~~ثم أميرا فقتله، أحدهما أعين صاحب حمام أعين، ثم جاء شبيب حتى دخل الكوفة ~~ومعه زوجته غزالة، وكانت نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما ~~البقرة وآل عمران، واتخذ في عسكره أخصاصا. فجمع الحجاج ليلا بعد أن لقي من ~~شبيب الناس ما لقوا، فاستشارهم في أمر شبيب، فأطرقوا، وفصل قتيبة من الصف ~~فقال: أتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم. قال: إن الأمير ما راقب الله ولا أمير ~~المؤمنين ولا نصح الرعية. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك تبعث الرجل الشريف ~~وتبعث معه رعاعا، فينهزمون ويستحيي أن ينهزم فيقتل. قال: فما الرأي؟ قال: ~~الرأي أن تخرج إليه فتحاكمه. قال: فانظر لي معسكرا. # فخرج الناس يلعنون عنبسة بن سعيد ; لأنه هو الذي كلم الحجاج فيه حتى جعله ~~من صحابته، وصلى الحجاج من الغد الصبح، واجتمع الناس، وأقبل قتيبة وقد رأى ~~معسكرا حسنا، فدخل إلى الحجاج، ثم خرج ومعه لواء منشور، وخرج الحجاج يتبعه ~~حتى خرج إلى السبخة وبها شبيب، وذلك يوم الأربعاء، فتواقفوا، وقيل للحجاج: ~~لا تعرفه مكانك، فأخفى مكانه، وشبه له أبا الورد مولاه، فنظر إليه شبيب، ~~فحمل عليه فضربه بعمود فقتله، وحمل شبيب على خالد بن عتاب ومن معه وهو على ~~ميسرة الحجاج، فبلغ بهم الرحبة، وحمل على مطر بن ناجية وهو على ميمنة ~~الحجاج فكشفه، فنزل عند ذلك الحجاج، ونزل أصحابه، وجلس على عباءة ومعه ~~عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبي لجام شبيب ~~وقال: ما تقول في صالح بن مسرح، وبم تشهد عليه؟ قال: أعلى هذه الحال؟ قال: ~~نعم. قال: فبرئ من صالح. فقال له مصقلة: برئ الله منك، وفارقه إلا أربعين ~~فارسا، فقال الحجاج: قد اختلفوا، وأرسل إلى خالد بن عتاب، فأتى بهم في ~~عسكرهم فقاتلهم فقتلت غزالة، ومر ms1542 برأسها إلى الحجاج مع فارس، فعرفه شبيب، ~~فأمر رجلا فحمل على الفارس فقتله وجاء بالرأس، فأمر به فغسل ثم دفنه. # ومضى القوم على حاميتهم، ورجع خالد فأخبر الحجاج بانصرافهم، فأمره ~~باتباعهم، فاتبعهم يحمل عليهم، فرجع إليه ثمانية نفر فقاتلوه حتى بلغوا به ~~الرحبة، وأتي شبيب بخوط بن عمير السدوسي فقال: يا خوط لا حكم إلا لله. ~~فقال: (إن خوطا من أصحابكم، ولكنه كان يخاف. فأطلقه، وأتي بعمير بن القعقاع ~~فقال: يا عمير، # PageV03P462 # لا حكم إلا لله. فقال: في) سبيل الله شبابي. فردد عليه شبيب: لا حكم إلا ~~لله. فلم يفقه ما يريد، فقتله. # وقتل مصاد أخو شبيب، وجعل شبيب ينتظر الثمانية الذين اتبعوا خالدا، ~~فأبطئوا ولم يقدم أصحاب الحجاج على شبيب هيبة له، وأتى إلى شبيب أصحابه ~~الثمانية، فساروا واتبعهم خالد وقد دخلوا إلى دير بناحية المدائن، فحصرهم ~~فيه، فخرجوا عليه فهزموه نحو فرسخين، فألقوا أنفسهم في دجلة منهزمين، وألقى ~~خالد نفسه فيها بفرسه ولواؤه بيده، فقال شبيب: قاتله الله، هذا أسد الناس! ~~فقيل: هو خالد بن عتاب. فقال: معرق [له] في الشجاعة، ولو عرفته لأقحمت خلفه ~~ولو دخل النار. ثم سار إلى كرمان، على ما تقدم ذكره، وكتب الحجاج إلى عبد ~~الملك يستمده، ويعرفه عجز أهل الكوفة عن قتال شبيب، فسير سفيان بن الأبرد ~~في جيش إليه. # ذكر مهلك شبيب # وفي هذه السنة هلك شبيب. # وكان سبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن الأبرد مالا عظيما بعد أن ~~عاد شبيب عن محاربتهم وقصد كرمان بشهرين، وأمر سفيان وأصحابه بقصد شبيب، ~~فسار نحوه، وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته، وهو عامله على ~~البصرة، يأمره أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة إلى سفيان، فسيرهم مع ~~زياد بن عمرو العتكي، فلم يصل إلى سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب، وكان ~~شبيب قد أقام بكرمان، فاستراح هو وأصحابه ثم أقبل راجعا، فالتقى مع سفيان ~~بجسر دجيل الأهواز، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان، فوجد سفيان قد نزل في ms1543 ~~الرجال، (وجعل مهاصر بن سيف على الخيل. وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس ~~فاقتتلوا أشد قتال، ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه، ثم حمل عليهم هو ~~وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة، ولا يزول أهل الشام، وقال لهم سفيان: لا ~~تتفرقوا، وليزحف الرجال) إليهم زحفا. فما زالوا يضاربونهم ويطاعنونهم حتى ~~اضطروهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل، ونزل معه # PageV03P463 # نحو مائة، فقاتلوهم حتى المساء، وأوقعوا بأهل الشام من الضرب والطعن ما ~~لم يروا مثله. # فلما رأى سفيان عجزه عنهم، وخاف أن ينصروا عليه - أمر الرماة أن يرموهم، ~~وذلك عند المساء، وكانوا ناحية، فتقدموا ورموا شبيبا ساعة، فحمل هو وأصحابه ~~على الرماة فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، ثم عطف على سفيان ومن معه ~~فقاتلهم حتى اختلط الظلام، ثم انصرف، فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم. # فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه: اعبروا، وإذا أصبحنا باكرناهم إن ~~شاء الله. فعبروا أمامه وتخلف في آخرهم، وجاء ليعبر وهو على حصان، وكانت ~~بين يديه فرس أنثى، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الحجر تحته، ~~ونزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة، فسقط في الماء، فلما سقط قال: {ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال: 42] ، وانغمس في الماء، ثم ارتفع وقال: ~~{ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] ، وغرق. # وقيل في قتله غير ذلك، وهو أنه كان مع جماعة من عشيرته، ولم تكن لهم تلك ~~البصيرة النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالا، فكان قد أوجع قلوبهم، وكان ~~منهم رجل اسمه مقاتل من بني تيم بن شيبان، فلما قتل شبيب من بني تيم أغار ~~هو على بني مرة بن همام رهط شبيب فقتل منهم، فقال له شبيب: ما حملك على ~~قتلهم بغير أمري؟ فقال له: قتلت كفار قومي، فقتلت كفار قومك، ومن ديننا قتل ~~من كان على غير رأينا، وما أصبت من رهطي أكثر مما أصبت من رهطك، وما يحل لك ~~يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل الكافرين. قال: لا أجد. # وكان معه أيضا ms1544 رجال كثير قد قتل من عشائرهم، فلما تخلف في آخر الناس قال ~~بعضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا؟ فقطعوا الجسر، فمالت به ~~السفن، فنفر به الفرس، فوقع في الماء فغرق. والأول أصح وأشهر. # وكان أهل الشام يريدون الانصراف، فأتاهم صاحب الجسر فقال لسفيان: إن رجلا ~~منهم وقع في الماء، فنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا ~~راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبر أصحابه، وأقبل حتى ~~انتهى إلى الجسر، وبعث إلى العسكر وإذا ليس فيه أحد، وإذا هو أكثر العساكر ~~خيرا، ثم # PageV03P464 # استخرجوا شبيبا، فشقوا جوفه وأخرجوا قلبه، وكان صلبا كأنه صخرة، فكان ~~يضرب به الصخرة فيثب عنها قامة الإنسان. # قيل: وكان شبيب ينعى إلى أمه، فيقال: قتل، فلا تقبل ذلك، فلما قيل لها ~~غرق صدقت ذلك وقالت: إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار، فعلمت أنه ~~لا يطفئه إلا الماء. وكانت أمه جارية رومية قد اشتراها أبوه، فأولدها شبيبا ~~منه سنة خمس وعشرين يوم النحر، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من ~~قبلي شهاب نار، فذهب ساطعا في السماء وبلغ الآفاق كلها، فبينما هو كذلك إذ ~~وقع في ماء كثير فخبا، وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهريقون فيه الدماء، ~~وقد أولت ذلك أن ولدي يكون صاحب دماء، وأن أمره سيعلو فيعظم سريعا. وكان ~~أبوه يختلف به إلى اللصف أرض قومه، وهو من بني شيبان. # ذكر خروج مطرف بن المغيرة بن شعبة # قيل: إن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء أشرافا بأنفسهم مع شرف أبيهم ~~ومنزلتهم من قومهم، فلما قدم الحجاج ورآهم علم أنهم رجال قومهم، فاستعمل ~~عروة على الكوفة، ومطرفا على المدائن، وحمزة على همذان، وكانوا في أعمالهم ~~أحسن الناس سيرة، وأشدهم على المريب، وكان مطرف على المدائن عند خروج شبيب ~~وقربه منها، كما سبق، فكتب إلى الحجاج يستمده، فأمده بسبرة بن عبد الرحمن ~~بن مخنف وغيره، وأقبل شبيب حتى نزل بهرسير، وكان مطرف بالمدينة العتيقة، ~~وهي ms1545 التي فيها إيوان كسرى، فقطع مطرف الجسر، وبعث إلى شبيب يطلب إليه أن ~~يرسل بعض أصحابه لينظر فيما يدعون، فبعث إليه عدة منهم، فسألهم مطرف عما ~~يدعون إليه، فقالوا: ندعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- وإن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء، وتعطيل الحدود، (والتسلط ~~بالجبرية) . # فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، وما نقمتم إلا جورا ظاهرا، أنا لكم ~~متابع # PageV03P465 # فتابعوني على ما أدعوكم إليه ; ليجتمع أمري وأمركم. فقالوا: اذكره فإن ~~يكن حقا نجبك إليه. قال: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على إحداثهم، ~~وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، ~~يؤمرون من يرتضون على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن ~~العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا، وكثر تبعكم ~~وأعوانكم. فقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه. وقاموا من عنده وترددوا بينهم ~~أربعة أيام، فلم تجتمع كلمتهم، فساروا من عنده. وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته، ~~فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك، وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم، ~~وأنه يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا، وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب ~~شبيب، وأنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك والحجاج، واستشارهم فيما ~~يفعل. # فقالوا له: اخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد. فقال له يزيد بن أبي زياد، ~~مولى أبيه المغيرة بن شعبة: والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم ~~كلمة واحدة، وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها، ولو كنت في السحاب لالتمسك ~~الحجاج حتى يهلك، فالنجاء النجاء! # فوافقه أصحابه على ذلك، فسار عن المدائن نحو الجبال، فلقيه قبيصة بن عبد ~~الرحمن الخثعمي بدير يزدجرد، فأحسن إليه وأعطاه نفقة وكسوة، فصحبه ثم عاد ~~عنه، ثم ذكر مطرف لأصحابه بالدسكرة ما عزم عليه، ودعاهم إليه، وكان رأيه ~~خلع عبد الملك والحجاج، والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون الأمر ~~شورى بين المسلمين، يرتضون لأنفسهم من أحبوه. فبايعه البعض ms1546 على ذلك، ورجع ~~عنه البعض. # وكان ممن رجع عنه سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف، فجاء إلى الحجاج، وقاتل ~~شبيبا مع أهل الشام. # وسار مطرف نحو حلوان، وكان بها سويد بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج، ~~فأراد هو والأكراد منعه ليعذر عند الحجاج، فجازه مطرف بمواطأة منه، وأوقع ~~مطرف بالأكراد، فقتل منهم وسار، فلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن ~~المغيرة تركها ذات اليسار، وقصد ماه دينار، وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده ~~بالمال والسلاح، فأرسل إليه سرا ما طلب. وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان، وبعث ~~عماله على تلك النواحي، # PageV03P466 # وأتاه الناس، وكان ممن أتاه: سويد بن سرحان الثقفي، وبكير بن هارون ~~النخعي، من الري، في نحو مائة رجل. # وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على أصبهان، إليه يعرفه حال مطرف ~~ويستمده، فأمده بالرجال بعد الرجال على دواب البريد، وكتب الحجاج إلى عدي ~~بن زياد عامل الري يأمره بقصد مطرف، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته، ~~فسار عدي من الري، فاجتمع هو والبراء بن قبيصة، وكان عدي هو الأمير، ~~فاجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل، وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج ~~يعتذر، فأظهر قبول عذره وأراد عزله، وخاف أن يمتنع عليه، فكتب إلى قيس بن ~~سعد العجلي، وهو على شرطة حمزة بهمذان، بعهده على همذان، ويأمره أن يقبض ~~على حمزة بن المغيرة. # وكان بهمذان من عجل وربيعة جمع كثير، فسار قيس بن سعد إلى حمزة في جماعة ~~من عشيرته، فأقرأه العهد بولاية همذان وكتاب الحجاج بالقبض عليه، وقال: ~~سمعا وطاعة. فقبض قيس على حمزة وجعله في السجن، وتولى قيس همذان، وتفرغ قلب ~~الحجاج من هذه الناحية لقتال مطرف، وكان يخاف مكان حمزة بهمذان لئلا يمد ~~أخاه بالمال والسلاح، ولعله ينجده بالرجال. # فلما قبض عليه سكن قلبه وتفرغ باله، ولما اجتمع عدي بن زياد الإيادي، ~~والبراء بن قبيصة - سارا نحو مطرف فخندقا عليه، فلما دنوا اصطفوا للحرب، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب مطرف، وقتل مطرف وجماعة ms1547 كثيرة من ~~أصحابه، قتله عمير بن هبيرة الفزاري، وحمل رأسه فتقدم بذلك عند بني أمية، ~~وقاتل ابن هبيرة ذلك اليوم، وأبلى بلاء حسنا. # وقتل يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة، وكان صاحب راية مطرف، وقتل من ~~أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان ناسكا صالحا. # وبعث عدي بن زياد إلى الحجاج أهل البلاء، فأكرمهم وأحسن إليهم، وآمن عدي ~~بكير بن هارون، وسويد بن سرحان، وغيرهما، وطلب منه الأمان للحجاج بن حارثة ~~الخثعمي، فبعث إليهم كتاب الحجاج يأمره بإرساله إليه إن كان حيا، فاختفى ~~ابن حارثة حتى عزل عدي، ثم ظهر في إمارة خالد بن عتاب بن ورقاء. # وكان الحجاج يقول: إن مطرفا ليس بولد للمغيرة بن شعبة، إنما هو ولد مصقلة ~~بن # PageV03P467 # سبرة الشيباني، وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه، فألحق بالمغيرة وجلد مصقلة ~~الحد، فلما أظهر رأي الخوارج قال الحجاج ذلك ; لأن كثيرا من ربيعة كانوا من ~~خوارج، ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان. # ذكر الاختلاف بين الأزارقة # قد ذكرنا مسير المهلب إلى الأزارقة ومحاربتهم إلى أن فارقه عتاب بن ورقاء ~~الرياحي ورجع إلى الحجاج، وأقام المهلب بعد مسير عتاب عنه يقاتل الخوارج، ~~فقاتلهم على سابور نحو سنة قتالا شديدا. ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم ~~أشد قتال، وكانت كرمان بيد الخوارج، وفارس بيد المهلب. فضاق على الخوارج ~~مكانهم، لا يأتيهم من فارس مادة، فخرجوا حتى أتوا كرمان، وتبعهم المهلب ~~بالعساكر حتى نزل بجيرفت، وهي مدينة كرمان، فقاتلهم قتالا شديدا. فلما صارت ~~فارس كلها في يد المهلب أرسل الحجاج العمال عليها، فكتب إليه عبد الملك ~~يأمره أن يترك بيد المهلب فسا، ودرابجرد، وكورة إصطخر، تكون له معونة على ~~الحرب، فتركها له، وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة ليحثه على قتال ~~الخوارج، ويأمره بالجد، وأنه لا عذر له عنده. # فخرج المهلب بالعساكر، فقاتل الخوارج من صلاة الغداة إلى الظهر، ثم ~~انصرفوا والبراء على مكان عال يراهم، فجاء إلى المهلب فقال: ما رأيت كتيبة ~~ولا فرسانا أصبر ولا ms1548 أشد من الفرسان الذين يقاتلونك. ثم إن المهلب رجع ~~العصر، فقاتلهم كقتالهم أول مرة، لا يصد كتيبة عن كتيبة، وخرجت كتيبة من ~~كتائب الخوارج لكتيبة من أصحاب المهلب، فاشتد بينهم القتال إلى أن حجز ~~بينهم الليل، فقالت إحداهما للأخرى: من أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بني تميم. ~~وقال هؤلاء: نحن من بني تميم. وانصرفوا عند المساء. فقال المهلب للبراء بن ~~قبيصة: كيف رأيت قوما ما يعينك عليهم إلا الله - جل ثناؤه -؟ فأحسن المهلب ~~إلى البراء، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وانصرف البراء إلى الحجاج، وعرفه عذر ~~المهلب. # ثم إن المهلب قاتلهم ثمانية عشر شهرا، لا يقدر منهم على شيء. ثم إن عاملا ~~لقطري على ناحية كرمان يدعى المقعطر الضبي قتل رجلا منهم، فوثبت الخوارج ~~إلى قطري وطلبوا منه أن يقيدهم من المقعطر، فلم يفعل وقال: إنه تأول فأخطأ ~~التأويل، ما # PageV03P468 # أرى أن تقتلوه، وهو من ذوي السابقة فيكم. فوقع بينهم الاختلاف. # وقيل: كان سبب اختلافهم أن رجلا كان في عسكرهم يعمل النصول المسمومة، ~~فيرمي بها أصحاب المهلب، فشكا أصحابه منها، فقال: أكفيكموه، فوجه رجلا من ~~أصحابه ومعه كتاب، وأمره أن يلقيه في عسكر قطري ولا يراه أحد، ففعل ذلك، ~~ووقع الكتاب إلى قطري، فرأى فيه: أما بعد، فإن نصالك وصلت، وقد أنفذت إليك ~~ألف درهم. فأحضر الصانع فسأله فجحد، فقتله قطري، فأنكر عليه عبد ربه الكبير ~~قتله، واختلفوا. # ثم وضع المهلب رجلا نصرانيا، وأمره أن يقصد قطريا ويسجد له، ففعل ذلك، ~~فقال له الخوارج: إن هذا قد اتخذك إلها. ووثب بعضهم إلى النصراني فقتله، ~~فزاد اختلافهم، وفارق بعضهم قطريا، ثم ولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا، ~~وبقي مع قطري منهم نحو من ربعهم أو خمسهم، واقتتلوا فيما بينهم نحوا من ~~شهر. # وكتب المهلب إلى الحجاج بذلك. فكتب إليه الحجاج يأمره أن يقاتلهم على حال ~~اختلافهم قبل أن يجتمعوا، فكتب إليه المهلب: إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام ~~يقتل بعضهم بعضا، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد، وفيه هلاكهم، ms1549 وإن ~~اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضا، فأناهضهم حينئذ وهم أهون ما ~~كانوا وأضعفه شوكة إن شاء الله - تعالى - والسلام. فسكت عنه الحجاج، وتركهم ~~المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم، ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان، ~~وبايع الباقون عبد ربه الكبير. # ذكر مقتل عبد ربه الكبير # لما سار قطري إلى طبرستان وأقام عبد ربه الكبير بكرمان نهض إليهم المهلب، ~~فقاتلوه قتالا شديدا، وحصرهم بجيرفت، وكرر قتالهم وهو لا ينال منهم حاجته. ~~ثم إن الخوارج طال عليهم الحصار فخرجوا من جيرفت بأموالهم وحرمهم، فقاتلهم ~~المهلب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل، وتكسرالسلاح، وقتل الفرسان، فتركهم، ~~فساروا، # PageV03P469 # ودخل المهلب جيرفت، ثم سار يتبعهم إلى أن لحقهم على أربعة فراسخ من ~~جيرفت، فقاتلهم من بكرة إلى نصف النهار وكف عنهم، وأقام عليهم. # ثم إن عبد ربه جمع أصحابه وقال: يا معشر المهاجرين! إن قطريا ومن معه ~~هربوا، طلب البقاء ولا سبيل إليه، فالقوا عدوكم وهبوا أنفسكم لله. # ثم عاد للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله، فبايع جماعة من ~~أصحاب المهلب على الموت، ثم ترجلت الخوارج وعقروا دوابهم، واشتد القتال ~~وعظم الخطب حتى قال المهلب: ما مر بي مثل هذا. ثم إن الله - تعالى - أنزل ~~نصره على المهلب وأصحابه، وهزم الخوارج وكثر القتلى فيهم، وكان فيمن قتل ~~عبد ربه الكبير، وكان عدد القتلى أربعة آلاف قتيل، ولم ينج منهم إلا قليل، ~~وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا ; لأنهم كانوا يسبون نساء المسلمين. وقال الطفيل ~~بن عامر بن واثلة يذكر قتل عبد ربه الكبير وأصحابه: # لقد مس منا عبد رب وجنده ... عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم # سما لهم بالجيش حتى أزاحهم ... بكرمان عن مثوى من الأرض ناعم # وما قطري الكفر إلا نعامة ... طريد يدوي ليله غير نائم # إذا فر منا هاربا كان وجهه ... طريقا سوى قصد الهدى والمعالم # فليس بمنجيه الفرار وإن جرت ... به الفلك في لج من البحر دائم # وهي أكثر من هذا تركناها لشهرتها. # وأحسن الحجاج إلى أهل البلاء وزادهم، وسير ms1550 المهلب إلى الحجاج مبشرا، فلما ~~دخل عليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج، وذكر حروبهم، وأخبره عن بني المهلب ~~فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وسخيهم ~~قبيصة، ولا يستحيي الشجاع أن يفر من مدركة، وعبد الملك سم ناقع، وحبيب موت ~~زعاف، ومحمد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة. قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا ~~كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها. فاستحسن قوله وكتب إلى المهلب يشكره، ~~ويأمره أن يولي كرمان من يثق به، ويجعل فيها من يحميها ويقدم إليه. فاستعمل ~~على كرمان يزيد ابنه، وسار إلى الحجاج، فلما قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى ~~جانبه وقال: يا أهل العراق، أنتم عبيد المهلب. ثم قال له: أنت كما قال لقيط ~~بن يعمر الإيادي في صفة أمراء الجيوش: # PageV03P470 # وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا # لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا # مسهد النوم تعنيه ثغوركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا # ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ومتسعا # وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا # حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا # وهي قصيدة طويلة هذا هو الأجود منها. # ذكر قتل قطري بن الفجاءة وعبيدة بن هلال # قيل: وفي هذه السنة كانت هلكة قطري وعبيدة بن هلال ومن [كان] معهما من ~~الأزارقة. # وكان السبب في ذلك أن أمرهم لما تشتت بالاختلاف الذي ذكرنا، وسار قطري ~~نحو طبرستان، وبلغ خبره الحجاج - سير إليه سفيان بن الأبرد في جيش عظيم. ~~وسار سفيان واجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث في جيش لأهل الكوفة ~~بطبرستان، فأقبلوا في طلب قطري، فلحقوه في شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه، ~~فتفرق عنه أصحابه ووقع عن دابته، فتدهده إلى أسفل الشعب، وأتاه علج من أهل ~~البلد، فقال له قطري: اسقني الماء. فقال العلج: أعطني شيئا. فقال: ما معي ~~إلا سلاحي، وأنا أعطيكه إذا أتيتني بالماء. فانطلق العلج حتى أشرف على ~~قطري، ثم حدر عليه ms1551 حجرا من فوقه، فأصاب وركه فأوهنه، فصاح بالناس، فأقبلوا ~~نحوه، ولم يعرفه العلج، غير أنه يظن أنه من أشرافهم لكمال سلاحه وحسن ~~هيئته، فجاء إليه نفر من أهل الكوفة فقتلوه، منهم: سورة بن الحر التميمي، ~~وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث، وباذان مولاهم، ~~وعمر بن أبي الصلت، وكل هؤلاء ادعى قتله. # PageV03P471 # فجاء إليهم أبو الجهم بن كنانة فقال لهم: ادفعوا رأسه إلي حتى تصطلحوا، ~~فدفعوه إليه، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد وهو على الكوفة، فأرسله معه إلى ~~سفيان، فسير سفيان الرأس مع أبي الجهم إلى الحجاج، فسيره الحجاج إلى عبد ~~الملك، فجعل عطاءه في ألفين. # ثم إن سفيان سار إليهم فأحاط بهم، ثم أمر مناديه فنادى: من قتل صاحبه ~~وجاء إلينا فهو آمن. فقال عبيدة بن هلال في ذلك: # لعمري لقد قام الأصم بخطبة ... لذي الشك منها في الصدور غليل # لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول # إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا ... تساوك هزلى مخهن قليل # تعاورها القذاف من كل جانب ... بقومس حتى صعبهن ذلول # فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل # وقد كن مما إن يقدن على الوجى ... لهن بأبواب القباب صهيل # وحصرهم سفيان حتى أكلوا دوابهم، ثم خرجوا إليه فقاتلوه، فقتلهم وبعث ~~برءوسهم إلى الحجاج. ثم دخل سفيان دنباوند وطبرستان، فكان هناك حتى عزله ~~الحجاج قبل الجماجم. # وقال بعض العلماء: وانقرضت الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة، إنما كانوا ~~دفعة متصلة أهل عسكر واحد، وأول رؤسائهم نافع بن الأزرق، وآخرهم قطري ~~وعبيدة، واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة، إلا أني أشك في صبيح المازني التميمي ~~مولى سوار بن الأشعر الخارج أيام هشام، قيل: هو من الأزارقة أو الصفرية، ~~إلا أنه لم تطل أيامه، بل قتل عقيب خروجه. # ذكر قتل بكير بن وساج # في هذه السنة قتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ~~بكير بن وساج. # PageV03P472 # وكان سبب ذلك أن أمية بن عبد ms1552 الله، وهو عامل عبد الملك بن مروان على ~~خراسان، أمر بكيرا بالتجهيز لغزو ما وراء النهر، وقد كان قبل ذلك ولاه ~~طخارستان، فتجهز له، فوشى به بحير بن ورقاء إلى أمية، فمنعه عنها، فلما ~~أمره بغزو ما وراء النهر تجهز وأنفق نفقة كثيرة وادان فيها، فقال بحير ~~لأمية: إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أمية: أن أقم لعلي ~~أغزو فتكون معي. فغضب بكير وقال: كأنه يضارني. وكان عقاب ذو اللقوة الغداني ~~استدان ليخرج مع بكير، فأخذه غرماؤه فحبس حتى أدى عنه بكير. # ثم إن أمية تجهز للغزو إلى بخارى، ثم يعود منها إلى موسى بن عبد الله بن ~~خازم بترمذ، وتجهز الناس معه وفيهم بكير، وساروا، فلما بلغوا النهر وأرادوا ~~قطعه قال أمية لبكير: إني قد استخلفت ابني على خراسان، وأخاف أنه لا يضبطها ~~لأنه غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها، فإني قد وليتكها، فقم بأمر ابني. # فانتخب بكير فرسانا كان عرفهم ووثق بهم ورجع، ومضى أمية إلى بخارى ~~للغزاة. فقال عقاب ذو اللقوة لبكير: إنا طلبنا أميرا من قريش، فجاءنا أمير ~~يلعب بنا ويحولنا من سجن إلى سجن، وإني أرى أن تحرق هذه السفن، ونمضي إلى ~~مرو، ونخلع أمية ونقيم بمرو ونأكلها إلى يوم ما. ووافقه الأحنف بن عبد الله ~~العنبري على هذا. قال بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي. قال: إن ~~هلك هؤلاء فأنا أتيك من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال: إنما ~~يكفيك أن ينادي مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من ~~هؤلاء وأطوع. قال: فيهلك أمية ومن معه. قال: ولم يهلكون ولهم عدد وعدة ~~ونجدة وسلاح ظاهر، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فحرق بكير السفن ~~ورجع إلى مرو، فأخذ ابن أمية بحبسه وخلع أمية. # وبلغ أمية الخبر فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع وأمر باتخاذ ~~السفن، وعبر وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى، وأنه كافأه ~~بالعصيان، وسار إلى مرو، وأتاه موسى ms1553 بن عبد الله بن خازم، وأرسل أمية شماس ~~بن دثار في ثمانمائة، فسار إليه بكير وبيته فهزمه، وأمر أصحابه أن لا ~~يقتلوا منهم أحدا، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم، وقدم أمية فتلقاه شماس، ~~فقدم أمية ثابت بن قطبة، فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه، ثم أطلقه ليد ~~كانت لثابت عنده. # PageV03P473 # وأقبل أمية وقاتله بكير، فانكشف يوما أصحابه، فحماهم بكير، ثم التقوا ~~يوما آخر، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم التقوا يوما آخر، فضرب بكير ثابت بن ~~قطبة على رأسه، فحمل حريث بن قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير وانكشف ~~أصحابه، واتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة، وناداه: إلى أين يا بكير؟ فرجع، ~~فضربه حريث على رأسه، فقطع المغفر، وعض السيف رأسه فصرع، واحتمله أصحابه ~~فأدخلوه المدينة، وكانوا يقاتلونهم. # فكان أصحاب بكير يغدون في الثياب المصبغة من أحمر وأصفر، فيجلسون يتحدثون ~~وينادي مناديهم: من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله. فلا ~~يرميهم أحد. # وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح، وأحب ذلك أيضا ~~أصحاب أمية، فاصطلحوا على أن يقضي أمية عنه أربعمائة ألف، ويصل أصحابه، ~~ويوليه أي كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه ريب فهو آمن ~~أربعين يوما. # ودخل أمية مدينة مرو ووفى لبكير وعاد إلى ما كان من إكرامه، وأعطى أمية ~~عقابا عشرين ألفا. # وقد قيل: إن بكيرا لم يصحب أمية إلى النهر، كان أمية قد استخلفه على مرو، ~~فلما سار أمية وعبر النهر خلعه، فجرى الأمر بينهما على ما ذكرناه. # وكان أمية سهلا لينا سخيا، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، وكان فيه ~~زهو شديد، وكان يقول: ما تكفيني خراسان لمطبخي. # وعزل أمية بحيرا عن شرطته، وولاها عطاء بن أبي السائب. وطالب أمية الناس ~~بالخراج واشتد عليهم، وكان بكير يوما في المسجد وعنده الناس، فذكروا شدة ~~أمية وذموه، وبحير وضرار بن حصين وعبد الله بن جارية بن قدامة في المسجد، ~~فنقل بحير ذلك إلى أمية، فكذبه، فادعى شهادة هؤلاء، فشهد ms1554 مزاحم بن أبي ~~المجشر السلمي أنه كان يمزح فتركه أمية. # ثم إن بحيرا أتى أمية وقال له: والله إن بكيرا قد دعاني إلى خلعك، وقال: ~~لولا مكانك لقتلت هذا القرشي وأكلت خراسان، فلم يصدقه أمية، فاستشهد جماعة ~~ذكر بكير أنهم أعداؤه، فقبض أمية على بكير وعلى بدل وشمردل ابني أخيه، ثم ~~أمر أمية # PageV03P474 # بعض رؤساء من معه بقتل بكير، فامتنعوا، فأمر بحيرا بقتله فقتله، وقتل ~~أمية ابني أخي بكير. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عبر أمية نهر بلخ للغزو، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا ~~بعدما أشرفوا على الهلاك، ورجعوا إلى مرو. # وحج هذه السنة بالناس أبان بن عثمان، وهو أمير المدينة. # وكان على الكوفة والبصرة الحجاج، وعلى خراسان أمية. # وغزا هذه السنة الصائفة الوليد بن عبد الملك. # [الوفيات] # وفيها مات جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري. # PageV03P475 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين] ### | 78 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين # ذكر عزل أمية بن عبد الله وولاية المهلب خراسان # في هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله بن خالد عن خراسان ~~وسجستان، وضمهما إلى أعمال الحجاج بن يوسف، ففرق عماله فيهما، فبعث المهلب ~~بن أبي صفرة على خراسان، وقد فرغ من الأزارقة، ثم قدم على الحجاج وهو ~~بالبصرة، فأجلسه معه على السرير، ودعا أصحاب البلاء من أصحاب المهلب، فأحسن ~~إليهم وزادهم. وبعث عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، وكان الحجاج قد ~~استخلف على الكوفة عند مسيره إلى البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، ~~فلما استعمل المهلب على خراسان سير ابنه حبيبا إليها، فلما ودع الحجاج ~~أعطاه بغلة خضراء، فسار عليها وأصحابه على البريد، فسار عشرين يوما حتى وصل ~~خراسان، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب فنفرت البغلة، فعجبوا من نفارها بعد ~~ذلك التعب وشدة السير. فلما وصل خراسان لم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام ~~عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة تسع وسبعين. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة أبان ms1555 بن عثمان، وكان أمير المدينة. وكان أمير ~~الكوفة # PageV03P476 # والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف، وكان نائبه بخراسان ~~المهلب، وبسجستان عبيد الله بن أبي بكرة، وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى ~~قضاء البصرة موسى بن أنس، فيما قيل. # [الوفيات] # في هذه السنة «مات عبد الرحمن بن عبد الله القاري وله ثمان وسبعون سنة، ~~ومسح النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسه» . # (القاري بالياء المشددة) . # وفيها مات زيد بن خالد الجهني، وقيل غير ذلك. # وتوفي عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أدرك الجاهلية، وليست له صحبة. # PageV03P477 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين] ### | 79 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين # ذكر غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل # لما ولى الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، وذلك سنة ثمان وسبعين، مكث ~~سنة لم يغز، وكان رتبيل مصالحا، وكان يؤدي الخراج، وربما امتنع منه. # فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة يأمره بمناجزته، وأن لا يرجع حتى ~~يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقيد رجاله. # فسار عبيد الله في أهل البصرة وأهل الكوفة، وكان على أهل الكوفة شريح بن ~~هانئ، وكان من أصحاب علي، ومضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل، فأصاب من ~~الغنائم ما شاء، وهدم حصونا، وغلب على أرض من أراضيهم، وأصحاب رتبيل من ~~الترك يتركون لهم أرضا بعد أرض، حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم، ~~وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب، ~~فسقط في أيدي المسلمين، فظنوا أن قد هلكوا، فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ~~ألف درهم يوصلها إلى رتبيل ليمكن المسلمين من الخروج من أرضه، فلقيه شريح ~~فقال له: إنكم لا تصالحون على شيء إلا حسبه السلطان من أعطياتكم، وقد بلغت ~~من العمر طويلا، وقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان، وإن فاتتني اليوم الشهادة ~~ما أدركها حتى أموت. ثم قال شريح: يا أهل الإسلام، تعاونوا على عدوكم. فقال ~~له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال له شريح: إنما حسبك أن يقال بستان ~~عبيد الله وحمام عبيد ms1556 الله. يا أهل الإسلام من أراد منكم الشهادة فإلي. ~~فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير، وفرسان الناس، وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتى ~~أصيبوا إلا قليلا، وجعل شريح يرتجز ويقول: # PageV03P478 # أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا # ثمة أدركنا النبي المنذرا ... وبعده صديقه وعمرا # ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع في صفينهم والنهرا # وباجميرات مع المشقرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا # وقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا منهم، فخرجوا من بلاد ~~رتبيل، فاستقبلهم الناس بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات، فحذر الناس ~~وجعلوا يطعمونهم السمن قليلا حتى استمرءوا، وبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عبد ~~الملك يعرفه ذلك، ويخبره أنه قد جهز من أهل الكوفة وأهل البصرة جيشا كثيفا، ~~ويستأذنه في إرساله إلى بلاد رتبيل. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أصاب أهل الشام طاعون شديد حتى كادوا يفنون، فلم يغز تلك ~~السنة أحد فيما قيل. وفيها أصاب أهل الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. # وفيها استعفى شريح بن الحارث عن القضاء، فأعفاه الحجاج واستعمل على ~~القضاء أبا بردة بن أبي موسى. # وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وكان على المدينة، وكان على ~~العراق والشرق كله الحجاج بن يوسف. وكان على قضاء البصرة موسى بن أنس. # PageV03P479 # [الوفيات] # وفيها مات محمود بن الربيع، وكنيته أبو إبراهيم، وولد على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. # PageV03P480 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين] ### | 80 - # ثم دخلت سنة ثمانين # في هذه السنة أتى سيل بمكة فذهب بالحجاج، وكان يحمل الإبل عليها الأحمال ~~والرجال ما لأحد فيهم حيلة، وغرقت بيوت مكة، وبلغ السيل الركن، فسمي ذلك ~~العام الجحاف. # وفي هذه السنة وقع بالبصرة طاعون الجارف. # ذكر غزوة المهلب ما وراء النهر # في هذه السنة قطع المهلب نهر بلخ ونزل على كش، وكان على مقدمته أبو ~~الأدهم الزماني في ثلاثة آلاف، وهو في خمسة آلاف، وكان أبو الأدهم يغني ~~غناء ألفين في البأس والتدبير والنصيحة، فأتى ms1557 المهلب وهو نازل على كش ابن ~~عم ملك الختل، فدعاه إلى غزو الختل، فوجه معه ابنه يزيد، وكان اسم ملك ~~الختل الشبل، فنزل يزيد ونزل ابن عم الملك ناحية، فبيته الشبل وأخذه فقتله، ~~وحصر يزيد قلعة الشبل، فصالحوه على فدية حملت إليه، ورجع يزيد عنهم، ووجه ~~المهلب ابنه حبيبا فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفا، فنزل جماعة من العدو ~~قرية، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية، فسميت المحترقة، ~~ورجع حبيب إلى أبيه. # وأقام المهلب بكش سنتين، فقيل له: لو تقدمت إلى ما وراء ذلك. فقال: ليت ~~حظي من هذه الغزاة سلامة هذا الجند وعودهم سالمين. # PageV03P481 # ولما كان المهلب بكش أتاهم قوم من مضر، فحبسهم بها، فلما رجع أطلقهم، ~~فكتب إليه الحجاج: إن كنت أصبت بحبسهم، فقد أخطأت بإطلاقهم، وإن كنت أصبت ~~بإطلاقهم، فقد ظلمتهم إذ حبستهم. فكتب المهلب: خفتهم وحبستهم، فلما أمنتهم ~~خليتهم. وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبي شيخ القشيري. # وصالح المهلب أهل كش على فدية يأخذها منهم، وأتاه كتاب ابن الأشعث بخلع ~~الحجاج ويدعوه إلى مساعدته، فبعث بكتابه إلى الحجاج وأقام بكش. # ذكر تسيير الجنود إلى رتبيل مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث # قد ذكرنا حال المسلمين حين دخل بهم ابن أبي بكرة بلاد رتبيل، واستأذن ~~الحجاج عبد الملك في تسيير الجنود نحو رتبيل، فأذن له عبد الملك في ذلك، ~~فأخذ الحجاج في تجهيز الجيش، فجعل على أهل الكوفة عشرين ألفا، وعلى أهل ~~البصرة عشرين ألفا، وجد في ذلك، وأعطى الناس أعطياتهم كملا، وأنفق فيهم ~~ألفي ألف سوى أعطياتهم، وأنجدهم بالخيل الرائقة والسلاح الكامل، وأعطى كل ~~رجل يوصف بشجاعة وغناء، منهم عبيد بن أبي محجن الثقفي وغيره. # فلما فرغ من أمر الجندين بعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان ~~الحجاج يبغضه ويقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله. وسمع الشعبي ذلك من الحجاج ~~ذات يوم فأخبر عبد الرحمن به، فقال: والله لأحاولن أن أزيل الحجاج عن ~~سلطانه. فلما أراد الحجاج أن ms1558 يبعث عبد الرحمن على ذلك الجيش أتاه إسماعيل ~~بن الأشعث فقال له: لا تبعثه، فوالله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه ~~طاعة، وإني أخاف خلافه. فقال الحجاج: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيره ~~على ذلك الجيش، فسار بهم حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال: إن ~~الحجاج ولاني ثغركم، وأمرني بجهاد # PageV03P482 # عدوكم الذي استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلف منكم أحد، فتمسه العقوبة. # فعسكروا مع الناس وتجهزوا، وسار بأجمعهم، وبلغ الخبر رتبيل، فأرسل يعتذر ~~ويبذل الخراج، فلم يقبل منه، وسار إليه ودخل بلاده، وترك له رتبيل أرضا ~~أرضا، ورستاقا رستاقا، وحصنا حصنا، وعبد الرحمن يحوي ذلك، وكلما حوى بلدا ~~بعث إليه عاملا، وجعل معه أعوانا، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع ~~المسالح بكل مكان مخوف، حتى إذا جاز من أرضه [أرضا] عظيمة، وملأ الناس ~~أيديهم من الغنائم العظيمة - منع الناس من الوغول في أرض رتبيل، وقال: ~~نكتفي بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، ويجترئ المسلمون ~~على طرقها، وفي العام المقبل نأخذ ما وراءها إن شاء الله - تعالى - حتى ~~نقاتلهم في آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم وأقصى بلادهم، حتى يهلكهم الله - ~~تعالى -. # ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه، وبما يريد أن يعمل. # وقد قيل في إرسال عبد الرحمن غير ما ذكرنا، وهو أن الحجاج كان قد ترك ~~بكرمان هميان بن عدي السدوسي، يكون بها مسلحة إن احتاج إليه عامل سجستان ~~والسند، فعصى هميان، فبعث إليه الحجاج عبد الرحمن بن محمد، فحاربه فانهزم ~~هميان، وأقام عبد الرحمن بموضعه. ثم إن عبيد الله بن أبي بكرة مات، وكان ~~عاملا على سجستان، فكتب الحجاج لعبد الرحمن عهده عليها، وجهز إليه هذا ~~الجيش، فكان يسمى جيش الطواويس لحسنه. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة. وكان على العراق ~~والمشرق الحجاج، وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج، وكان على قضاء ~~البصرة موسى بن أنس، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة. # PageV03P483 # [الوفيات] # وفي ms1559 هذه السنة مات أسلم مولى عمر بن الخطاب. وفيها توفي أبو إدريس ~~الخولاني. وفيها مات عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وقيل سنة أربع، وقيل ~~سنة خمس، وقيل سنة ست وثمانين، وقيل سنة تسعين. وفيها قتل معبد بن عبد الله ~~بن عكيم الجهني الذي يروي حديث الدباغ، وهو أول من قال بالقدر في البصرة، ~~قتله الحجاج، وقيل: قتله عبد الملك بن مروان بدمشق. # وفيها توفي محمد بن علي بن أبي طالب، وهو ابن الحنفية. وفيها توفي جنادة ~~بن أبي أمية، وله صحبة، وكان على غزو البحر أيام معاوية كلها. وفيها مات ~~السائب بن يزيد بن أخت النمر، وقيل: سنة ست وثمانين، ولد على عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وفيها توفي سويد بن غفلة، (بفتح الغين المعجمة ~~والفاء) . # وفيها توفي عبد الله بن أبي أوفى، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. ~~وجبير بن نفير بن مالك الحضرمي، أدرك الجاهلية، وليس له صحبة. # PageV03P484 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين] ### | 81 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين # في هذه السنة سير عبد الملك بن مروان ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا. # ذكر مقتل بحير بن ورقاء # وفي هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي. # وكان سبب قتله أنه لما قتل بكير بن وساج، وكلاهما تميميان، بأمر أمية بن ~~عبد الله بن خالد إياه بذلك، كما تقدم ذكره، قال عثمان بن رجاء بن جابر أحد ~~بني عوف بن سعد من الأبناء يحرض بعض آل بكير من الأبناء، والأبناء عدة بطون ~~من تميم سموا بذلك: # لعمري لقد أغضيت عينا على القذى ... وبت بطينا من رحيق مروق # وخليت ثأرا طل واخترت نومة ... ومن يشرب الصهباء بالوتر يسبق # فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... تركت بحيرا في دم مترقرق # فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا ... ببكر فعوف أهل شاء حبلق # دع الضأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثا بين غرب ومشرق # PageV03P485 # وهبوا فلو أمسى بكير كعهده # لغاداهم زحفا بجأواء فيلق # وقال أيضا: # فلو كان بكر بارزا ms1560 في أداته ... وذي العرش لم يقدم عليه بحير # ففي الدهر إن أبقاني الدهر مطلب ... وفي الله طلاب بذاك جدير # فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعدونه فقال: توعدني الأبناء جهلا ~~كأنما يرون فنائي مقفرا من بني كعب رفعت له كفي بعضب مهند حسام كلون الثلج ~~ذي رونق عضب # فتعاقد سبعة عشر رجلا من بني عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال ~~له شمردل من البادية حتى قدم خراسان فرأى بحيرا واقفا فحمل عليه، فطعنه ~~فصرعه، وظن أنه قد قتله، فقال الناس: خارجي، وراكضهم، فعثر به فرسه، فسقط ~~عنه فقتل. # وخرج صعصعة بن حرب العوفي من البادية، وقد باع غنيمات له ومضى إلى ~~سجستان، فجاور قرابة لبحير مدة، وادعى إلى بني حنيفة من اليمامة، وأطال ~~مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لي بخراسان ميراثا، فاكتبوا لي إلى ~~بحير كتابا ليعينني على حقي. فكتبوا له، وسار فقدم على بحير وهو مع المهلب ~~في غزوته، فلقي قوما من بني عوف، فأخبرهم أمره، ولقي بحيرا فأخبره أنه من ~~بني حنيفة من أصحاب ابن أبي بكرة، وأن له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ~~ليبيعه ويعود إلى اليمامة. فأنزله بحير وأمر له بنفقة ووعده، فقال صعصعة: ~~أقيم عندك حتى يرجع الناس. فأقام شهرا يحضر معه باب المهلب، وكان بحير قد ~~حذر، فلما أتاه صعصعة بكتاب أصحابه، وذكر أنه من حنيفة، آمنه. # PageV03P486 # فجاء يوما صعصعة وبحير عند المهلب عليه قميص ورداء، فقعد خلفه، ودنا منه ~~كأنه يكلمه، فوجأه بخنجر معه في خاصرته، فغيبه في جوفه، ونادى: يا لثارات ~~بكير! فأخذ وأتي به المهلب، فقال له: بؤسا لك! ما أدركت بثأرك وقتلت نفسك، ~~وما على بحير بأس. فقال: لقد طعنته طعنة لو قسمت بين الناس لماتوا، ولقد ~~وجدت ريح بطنه في يدي. فحبسه، فدخل عليه قوم من الأبناء فقبلوا رأسه. ومات ~~بحير من الغد، فقال صعصعة لما مات بحير: اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد حلت ~~نذور أبناء بني عوف وأدركت بثأري؟ والله ms1561 لقد أمكنني منه خاليا غير مرة ~~فكرهت أن أقتله سرا. فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا. ~~وأمر بقتله فقتل. # وقيل: إن المهلب بعثه إلى بحير قبل أن يموت، فقتله، ومات بحير بعده. # وعظم موته على المهلب، وغضبت عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، ~~وإنما أخذ بثأره؟ فنازعهم مقاعس والبطون، وكلهم بطون من تميم، حتى خاف ~~الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجى: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير ~~ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة: # لله در فتى تجاوز همه ... دون العراق مفاوزا وبحورا # ما زال يدئب نفسه وركابه ... حتى تناول في الحروب بحيرا # ذكر دخول الديلم قزوين وما كان منهم # كانت قزوين ثغر المسلمين من ناحية ديلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة ~~بها، يتحارسون ليلا ونهارا، فلما كان هذه السنة كان في جماعة من رابط بها ~~محمد بن أبي سبرة الجعفي، وكان فارسا شجاعا عظيم الغناء في حروبه، فلما قدم ~~قزوين رأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال لهم: أتخافون أن يدخل ~~عليكم العدو مدينتكم؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا ~~الأبواب ولا بأس عليكم. ففتحوها. # وبلغ ذلك الديلم فساروا إليهم وبيتوهم وهجموا إلى البلد، وتصايح الناس، ~~فقال ابن أبي سبرة: أغلقوا أبواب المدينة علينا وعليهم، فقد أنصفونا ~~وقاتلوهم. # فأغلقوا # PageV03P487 # الأبواب وقاتلوهم، وأبلى ابن أبي سبرة بلاء عظيما، وظفر بهم المسلمون، ~~فلم يفلت من الديلم أحد، واشتهر اسمه بذلك، ولم يعد الديلم بعدها يقدمون ~~على مفارقة أرضهم. فصار محمد فارس ذلك الثغر المشار إليه، وكان يدمن شرب ~~الخمر، وبقي كذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز، فأمر بتسييره إلى زرارة، وهي ~~دار الفساق بالكوفة، فسير إليها، فأغارت الديلم ونالت من المسلمين، وظهر ~~الخلل بعده، فكتبوا إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن أمير الكوفة يسألونه أن ~~يرد عليهم ابن أبي سبرة، فكتب بذلك إلى عمر، فأذن له في عوده إلى الثغر، ~~فعاد إليه وحماه. # ولمحمد أخ يقال له خثيمة بن عبد الرحمن، ms1562 وهو اسم أبي سبرة، وكان من ~~الفقهاء. # ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج # وفي هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ومن معه من جند العراق ~~على الحجاج، وأقبلوا إليه لحربه، وقيل: كان ذلك سنة اثنتين وثمانين. وكان ~~سبب ذلك أن الحجاج لما بعث عبد الرحمن بن محمد على الجيش إلى بلاد رتبيل ~~فدخلها وأخذ منها الغنائم والحصون - كتب إلى الحجاج يعرفه ذلك، وأن رأيه أن ~~يتركوا التوغل في بلاد رتبيل حتى يعرفوا طريقها ويجبوا خراجها، على ما سبق ~~ذكره. # فلما أتى كتابه إلى الحجاج كتب جوابه: إن كتابك كتاب امرئ يحب الهدنة ~~ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدوا قليلا ذليلا، قد أصابوا [من] المسلمين ~~جندا كان بلاؤهم حسنا، وغناؤهم عظيما، وإنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي ~~وحدي لسخي النفس بمن أصيب من المسلمين، فامض لما أمرتك به من الوغول في ~~أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، ثم أردفه كتابا آخر ~~بنحو ذلك، وفيه: أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرقوا وليقيموا بها، ~~فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم. ثم كتب إليه ثالثا بذلك ويقول له: إن ~~مضيت لما أمرتك، وإلا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. # PageV03P488 # فدعا عبد الرحمن وقال لهم: أيها الناس، إني لكم ناصح ولصلاحكم محب، ولكم ~~في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر، وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوي بما رضيه ~~ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتاني ~~كتابه يعجزني ويضعفني، ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد ~~التي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وآبى ~~إذا أبيتم. # فثار إليه الناس وقالوا: بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع. ~~فكان أول من تكلم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وله صحبة، فقال بعد ~~حمد الله: أما بعد، فإن الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول: احمل عبدك على ~~الفرس، فإن هلك هلك، ms1563 وإن نجا فلك. إن الحجاج ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم ~~بلادا كثيرة، ويغشى اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز ~~المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء ~~الذين لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم. اخلعوا عدو الله الحجاج، وبايعوا ~~الأمير عبد الرحمن، فإني أشهدكم أني أول خالع. فنادى الناس من كل جانب: ~~فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله. # وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي فقال: عباد الله! إنكم إن أطعتم الحجاج ~~جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم، وجمركم تجمير فرعون الجنود، فإنه بلغني ~~أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة أو يموت أكثركم فيما أرى، ~~فبايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوكم الحجاج فانفوه عن بلادكم. فوثب الناس ~~إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج، ونفيه من أرض العراق، وعلى النصرة ~~له. ولم يذكر عبد الملك. # وجعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني، وعلى زرنج عبد الله بن ~~عامر التميمي، وصالح رتبيل على أن ابن الأشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما ~~بقي، وإن هزم فأراد منعه. ثم رجع إلى العراق، فسار بين يديه أعشى همدان وهو ~~يقول: # PageV03P489 # شطت نوى من داره بالإيوان ... إيوان كسرى ذي القرى والريحان # من عاشق أمسى بزابلستان ... إن ثقيفا منهم الكذابان # كذابها الماضي وكذاب ثان ... أمكن ربي من ثقيف همدان # يوما إلى الليل يسلي ما كان ... إنا سمونا للكفور الفتان # حين طغى في الكفر بعد الإيمان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن # سار بجمع كالدبا من قحطان ... ومن معد قد أتى ابن عدنان # بجحفل جم شديد الأركان ... فقل لحجاج ولي الشيطان # يثبت بجمع مذحج وهمدان ... فإنهم ساقوه كأس الذيفان # وملحقوه بقرى ابن مروان # وجعل عبد الرحمن على مقدمته عطية بن عمرو العنبري، وجعل على كرمان حريثة ~~بن عمرو التميمي، فلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: إذا ~~خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك. فاجتمعوا إلى عبد ~~الرحمن، فكان أول الناس خلع ms1564 عبد الملك تيجان بن أبجر من تيم الله بن ثعلبة، ~~قام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي. فخلعه الناس إلا ~~قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن، وكانت بيعته: نبايع على كتاب الله وسنة ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم، وجهاد المحلين. # فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بخبر عبد الرحمن، ويسأله أن يعجل ~~بعثة الجنود إليه. وسار الحجاج حتى نزل البصرة، فلما بلغ المهلب خبر عبد ~~الرحمن كتب إلى الحجاج من خراسان: أما بعد، فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك ~~وهم مثل السيل، ليس يردهم شيء حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شرة في ~~أول مخرجهم، # PageV03P490 # وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فاتركهم حتى يسقطوا إلى أهاليهم ويشموا ~~أولادهم، ثم واقعهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم. فلما قرأ كتابه سبه وقال: ~~ما إلي نظر، وإنما النظر لابن عمه. يعني عبد الرحمن. # ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، ودعا خالد بن يزيد، فأقرأه ~~الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان الحدث من سجستان فلا تخفه، فإن كان ~~من خراسان فإني أتخوفه. فجهز عبد الملك الجند إلى الحجاج، فكانوا يصلون إلى ~~الحجاج على البريد، من مائة، ومن خمسين، وأقل وأكثر، وكتب الحجاج تتصل بعبد ~~الملك كل يوم بخبر عبد الرحمن. فسار الحجاج من البصرة ليلتقي بعبد الرحمن، ~~فنزل تستر، وقدم بين يديه مقدمة إلى دجيل، فلقوا عنده خيلا لعبد الرحمن، ~~فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال شديد، وكان ذلك يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين، ~~وقتل منهم جمع كثير. # فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة، وتبعه أصحاب عبد ~~الرحمن، فقتلوا منهم وأصابوا بعض أثقالهم، وأقبل الحجاج حتى نزل الزاوية، ~~وجمع عنده الطعام، وترك البصرة لأهل العراق، ولما رجع نظر في كتاب المهلب ~~فقال: لله دره أي صاحب حرب هو! وفرق في الناس مائة وخمسين ألف ألف درهم. # فأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة، فبايعه جميع أهلها قراؤها وكهولها، ~~مستبصرين في قتال الحجاج ms1565 ومن معه من أهل الشام. وكان السبب في سرعة إجابتهم ~~إلى بيعته أن عمال الحجاج كتبوا إليه: إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة ~~قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها: إن من كان له أصل من ~~قرية فليخرج إليها. فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون: ~~يا محمداه يا محمداه! ولا يدرون أين يذهبون، وجعل قراء البصرة يبكون لما ~~يرون، فلما قدم ابن الأشعث عقيب ذلك بايعوه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك. # وخندق الحجاج على نفسه، وخندق عبد الرحمن على البصرة، وكان دخول عبد ~~الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة. # PageV03P491 # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة سليمان بن عبد الملك. # وكان ممن حج أم الدرداء الصغرى. # وفيها ولد ابن أبي ذئب. # وكان العامل على المدينة أبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق كله الحجاج، ~~وعلى خراسان المهلب، وعلى قضاء الكوفة أبا بردة، وعلى قضاء البصرة عبد ~~الرحمن بن أذينة. وكانت سجستان وكرمان وفارس والبصرة بيد عبد الرحمن. # PageV03P492 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين] ### | 82 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين # ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث # قيل: في المحرم من هذه السنة اقتتل عسكر الحجاج وعسكر عبد الرحمن بن ~~الأشعث قتالا شديدا، فتزاحفوا في المحرم عدة دفعات، فلما كان ذات يوم في ~~آخر المحرم اشتد قتالهم، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه، وقاتلوا على ~~خنادقهم، ثم إنهم تزاحفوا آخر يوم من المحرم، فجال أصحاب الحجاج وتقوض ~~صفهم، فجثا الحجاج على ركبتيه وقال: لله در مصعب، ما كان أكرمه حين نزل به ~~ما نزل وعزم على أنه لا يفر. # فحمل سفيان بن الأبرد الكلبي على الميمنة التي لعبد الرحمن فهزمها، ~~وانهزم أهل العراق وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن، وقتل منهم خلق كثير، ~~منهم عقبة بن عبد الغافر الأزدي، وجماعة من القراء، قتلوا ربضة واحدة معه. # ولما بلغ عبد الرحمن الكوفة تبعه أهل القوة وأصحاب الخيل من أهل البصرة، ~~واجتمع من بقي في البصرة (مع عبد الرحمن بن عباس ms1566 بن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال رآه الناس، ثم انصرف ~~فلحق بابن الأشعث، وتبعه طائفة من أهل البصرة) ، وقتل منهم طفيل بن عامر بن ~~واثلة، فقال أبوه يرثيه، وهو من الصحابة: # خلى طفيل علي الهم فانشعبا ... وهد ذلك ركني هدة عجبا # مهما نسيت فلا أنساه إذ حدقت ... به الأسنة مقتولا ومنسلبا # PageV03P493 # وأخطأتني المنايا لا تطالعني # حتى كبرت ولم يتركن لي نشبا ... وكنت بعد طفيل كالذي نضبت # عنه السيول وغاض الماء فانقضبا # وهي أبيات عدة، وهذه الوقعة تسمى يوم الزاوية. # فأقام الحجاج أول صفر، واستعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي. # وسار عبد الرحمن إلى الكوفة، وقد كان الحجاج استعمل عليها عند مسيره إلى ~~البصرة عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف بني ~~أمية، فقصده مطر بن ناجية اليربوعي، فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر، ووثب ~~أهل الكوفة مع مطر، فأخرج ابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام، وكانوا أربعة ~~آلاف، واستولى مطر على القصر، واجتمع الناس، وفرق فيهم مائتي درهم، مائتي ~~درهم. # فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة ~~يستقبلونه، ودخل الكوفة وقد سبق إليه همدان، فكانوا حوله، فأتى القصر، ~~فمنعه مطر بن ناجية ومعه جماعة من بني تميم، فأصعد عبد الرحمن الناس في ~~السلاليم إلى القصر، فأخذوه، فأتي عبد الرحمن بمطر بن ناجية فحبسه، ثم ~~أطلقه وصار معه. فلما استقر عبد الرحمن بالكوفة اجتمع إليه الناس، وقصده ~~أهل البصرة، منهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي بعد قتاله الحجاج ~~بالبصرة. # وقتل الحجاج يوم الزاوية بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان، وأمر ~~مناديا فنادى: لا أمان لفلان بن فلان، فسمى رجالا، فقال العامة: قد آمن ~~الناس، فحضروا عنده، فأمر بهم فقتلوا. # ذكر وقعة دير الجماجم # وكانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة، وقيل: كانت سنة ثلاث ~~وثمانين. # وكان سببها أن الحجاج سار من البصره إلى الكوفة لقتال ms1567 عبد الرحمن بن محمد ~~فنزل دير قرة، وخرج عبد الرحمن من الكوفة، فنزل دير الجماجم. فقال الحجاج: ~~إن # PageV03P494 # عبد الرحمن نزل دير الجماجم، ونزلت دير القرة، أما تزجر الطير؟ واجتمع ~~إلى عبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة والقراء وأهل الثغور والمسالح بدير ~~الجماجم، فاجتمعوا على حرب الحجاج لبغضه، وكانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء، ~~ومعهم مثلهم، وجاءت الحجاج أيضا أمداد من الشام قبل نزوله بدير قرة، وخندق ~~كل منهما على نفسه، فكان الناس يقتتلون كل يوم، ولا يزال أحدهما يدني خندقه ~~من الآخر. # ثم إن عبد الملك وأهل الشام قالوا: إن كان يرضى أهل العراق بنزع الحجاج ~~عنهم نزعناه، فإن عزله أيسر من حربهم، ونحقن بذلك الدماء. فبعث عبد الملك ~~ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان، وكان محمد بأرض الموصل، إلى الحجاج في ~~جند كثيف، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج، وأن يجريا عليهم ~~أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن محمد أي بلد شاء ~~من بلد العراق، فإذا نزله كان واليا عليه ما دام حيا وعبد الملك خليفة، فإن ~~أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنها، وصار محمد بن مروان أمير ~~العراق، وإن أبى أهل العراق قبول ذلك، فالحجاج أمير الجماعة، ووالي القتال، ~~ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته. # فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أوجع لقلبه من ذلك، مخافة أن ~~يقبل أهل العراق عزله، فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: والله لو أعطيت أهل ~~العراق نزعي لم يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك ~~إلا جرأة عليك، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، ~~وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى ~~عثمان فقتلوه، وإن الحديد بالحديد يفلح. # فأبى عبد الملك إلا عرض عزله على أهل العراق. فلما اجتمع عبد الله ومحمد ~~مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك ms1568 وقال: يا أهل العراق، أنا ابن أمير ~~المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا. وخرج محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير ~~المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال. فقالوا: نرجع العشية. ~~فرجعوا واجتمع أهل العراق عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمرا، ~~انتهازكم اليوم إياه فرصة، وإنكم اليوم على النصف، فإن كانوا اعتدوا عليكم ~~بيوم الزاوية، فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، # PageV03P495 # فاقبلوا ما عرضوا عليكم، وأنتم أعزاء أقوياء لقوم هم لكم هائبون، وأنتم ~~لهم منتقصون، فوالله لا زلتم عليهم جرآء، وعندهم أعزاء، أبدا ما بقيتم، إن ~~أنتم قبلتم. # فوثب الناس من كل جانب فقالوا: إن الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الضنك ~~والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والسعر الرخيص، والمادة ~~القريبة، لا والله لا نقبل! وأعادوا خلعه ثانية. # وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمي، وعمير بن ~~تيجان، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس. # فقال عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان للحجاج: شأنك بعسكرك وجندك، ~~واعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت: إنه لا يراد ~~بهذا الأمر غيركم. فكانا يسلمان عليه بالإمرة، ويسلم عليهما بالإمرة. فلما ~~اجتمع أهل العراق بالجماجم على خلع عبد الملك قال عبد الرحمن: ألا إن بني ~~مروان يعيرون بالزرقاء، والله ما لهم نسب أصح منه، إلا أن بني [أبي] العاص ~~أعلاج من أهل صفورية، فإن يكن هذا الأمر (في قريش فعني فقئت) بيضة قريش، ~~وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث، ومد بها صوته يسمع الناس، وبرزوا للقتال. # فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن ~~تميم اللخمي، وعلى خيله سفيان بن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله عبد الله بن ~~خبيب الحكمي، وجعل عبد الرحمن على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي، وعلى ~~ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ~~الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي ms1569 وقاص، وعلى مجنبته عبد الله بن ~~رزام الحارثي، وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وفيهم سعيد بن ~~جبير، وعامر الشعبي، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. # ثم أخذوا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون، وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ~~وسوادها، وهم في خصب، وأهل الشام في ضنك شديد، قد غلت عليهم الأسعار، وفقد ~~عندهم اللحم كأنهم في حصار، وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون. فلما كان ~~اليوم الذي قتل فيه جبلة بن زحر بن قيس، وكانت كتيبته تدعى القراء تحمل ~~عليهم فلا # PageV03P496 # يبرحون، وكانوا قد عرفوا بذلك، وكان فيهم كميل بن زياد، وكان رجلا ركينا. ~~فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وعبأ الحجاج صفوفه، وعبأ عبد الرحمن ~~أصحابه، وعبأ الحجاج لكتيبة القراء ثلاث كتائب، وبعث عليها الجراح بن عبد ~~الله الحكمي، فأقبلوا نحوهم، فحملوا على القراء ثلاث حملات، كل كتيبة تحمل ~~حملة، فلم يبرحوا وصبروا. # ذكر وفاة المغيرة بن المهلب # وفي هذه السنة مات المغيرة بن المهلب بخراسان، وكان قد استخلفه أبوه ~~المهلب على عمله بخراسان، فمات في رجب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد ~~بن المهلب وأهل العسكر، فلم يخبروا المهلب، فأمر يزيد النساء فصرخن، فقال ~~المهلب: ما هذا؟ فقيل: مات المغيرة. فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه، فلامه بعض ~~خاصته، ثم دعا يزيد ووجهه إلى مرو، ووصاه بما يعمل وإن دموعه لتنحدر على ~~لحيته. # فكان المهلب مقيما بكش بما وراء النهر يحارب أهلها، فسار يزيد في ستين ~~فارسا، ويقال سبعين، فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة بست، فقالوا: ما ~~أنتم؟ قالوا: تجار. قالوا: فأعطونا شيئا. فأبى يزيد، فأعطاهم مجاعة بن عبد ~~الرحمن العتكي ثوبا وكرابيس وقوسا، فانصرفوا، ثم غدروا وعادوا إليهم ~~فقاتلوهم، فاشتد القتال بينهم، ومع يزيد رجل من الخوارج كان قد أخذه، فقال: ~~استبقني. فاستبقاه. فحمل الخارجي عليهم حتى خالطهم وصار من ورائهم وقتل ~~رجلا، ثم كر حتى خالطهم وقتل رجلا، ورجع إلى يزيد، وقتل يزيد عظيما من ~~عظمائهم، ورمي يزيد في ساقه، فاشتدت ms1570 شوكتهم، وصبر [لهم] يزيد حتى حاجزوهم، ~~فقالوا: قد غدرنا، ولا ننصرف حتى نموت أو تموتوا، أو تعطونا شيئا. فلم ~~يعطهم يزيد شيئا. فقال مجاعة: أذكرك الله، قد هلك المغيرة، فأنشدك الله أن ~~تهلك فتجتمع على المهلب المصيبة. فقال: إن المغيرة لم يعد أجله، ولست أعدو ~~أجلي. فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء، فأخذوها وانصرفوا. # PageV03P497 # ذكر صلح المهلب أهل كش # وفي هذه السنة صالح المهلب أهل كش. # وكان سبب ذلك أنه اتهم قوما من مضر فحبسهم، وصالح وقفل، وخلف حريث بن ~~قطبة مولى خزاعة وقال: إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن. # وسار المهلب، فلما صار ببلخ كتب إلى حريث: إني لست آمن إن رددت عليهم ~~الرهن أن يغيروا عليك، فإذا قبضت الفدية فلا تخل الرهن حتى تقدم أرض بلخ. ~~فقال حريث لملك كش: إن المهلب كتب إلي كذا وكذا، فإن عجلت الفدية سلمت إليك ~~الرهن وسرت وأخبرته أن كتابه ورد وقد استوفيتها منكم، ورددت عليكم الرهن. # فعجل ملك كش الفدية وأخذ الرهن، ورجع حريث، فعرض لهم الترك فقالوا له: ~~افد نفسك ومن معك، فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه. فقال حريث: ولدتني ~~إذا أم يزيد. وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى، ففدوهم، فأطلقهم ورد عليهم ~~الفداء. # وبلغ المهلب قوله فقال: يأنف العبد أن تلده أم يزيد. فغضب، فلما قدم عليه ~~ببلخ قال: أين الرهن؟ قال: خليتهم قبل وصول كتابك، وقد كفيت ما خفت. قال: ~~كذبت، ولكنك تقربت إليهم. وأمر بتجريده، فجزع من ذلك حتى ظن المهلب أن به ~~مرضا، فجرده وضربه ثلاثين سوطا. فقال حريث: وددت أنه ضربني ثلاثمائة ولم ~~يجردني، أنفة وحياء. وحلف ليقتلن المهلب. # فركب يوما مع المهلب فأمر غلامين له أن يضربا المهلب، فلم يفعلا وقالا: ~~نخاف عليك أن تقتل. وترك حريث إتيان المهلب، فأرسل إليه أخاه ثابت بن قطبة ~~ليأتيه به وقال له: إنك كبعض ولدي أدبه كبعضهم. فأتى ثابت أخاه وسأله أن ~~يركب إلى المهلب، فلم يفعل، وحلف ليقتلنه، فقال ثابت: إن كان هذا رأيك ~~فاخرج بنا ms1571 إلى موسى بن عبد الله بن خازم. وخاف ثابت أن يقتل حريث المهلب ~~فيقتلون جميعا، فخرجا في ثلاثمائة من أصحابهما المنقطعين إليهما. # ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة وولاية ابنه يزيد خراسان # لما صالح المهلب أهل كش رجع يريد مرو، فلما كان بمرو الروذ أخذته الشوصة، ~~وقيل الشوكة، فمات منها، وأوصى إلى ابنه حبيب فصلى عليه، وقال لهم: # PageV03P498 # قد استخلف عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال له ابنه المفضل: لو لم تقدمه ~~لقدمناه. # وأحضر ولده فوصاهم، وأحضر سهاما فحزمت، فقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: ~~لا. قال: أفتكسرونها متفرقة؟ قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: ~~أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم ; فإنها تنسئ في الأجل، وتثري المال، وتكثر ~~العدد، وأنهاكم عن القطيعة ; فإنها تعقب النار والقلة والذلة، وعليكم ~~بالطاعة والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من مقالكم، واتقوا الجواب وزلة ~~اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش منها، ويزل لسانه فيهلك، اعرفوا لمن ~~يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على ~~البخل، وأحيوا العرف، واصنعوا المعروف، فإن الرجل من العرب تعده العدة، ~~فيموت دونك، فكيف بالصنيعة عنده! عليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة، فإنها ~~أنفع من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ الرجل بالحزم فظفر ~~قيل: أتى الأمر من وجهه فظفر، فحمد، وإن لم يظفر قيل: ما فرط ولا ضيع ولكن ~~القضاء غالب، وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين، وإياكم ~~وكثرة الكلام في مجالسكم. ثم مات - رحمه الله - فقال نهار بن توسعة التميمي ~~يرثيه: ألا ذهب المعروف والعز والغنى ومات الندى والجود بعد المهلب أقام ~~بمرو الروذ رهن ضريحه وقد غاب عنه كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى ~~بنعمة على الناس؟ قلنا هو ولم نتهيب # فلما توفي كتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقر يزيد على خراسان. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة في جمادى الآخرة، # PageV03P499 # واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومي، فعزل هشام نوفل بن مساحق عن ~~قضاء ms1572 المدينة، وولى على القضاء عمرو بن خالد الزرقي، وفيها غزا محمد بن ~~مروان أرمينية فهزمهم، ثم سألوه الصلح فصالحهم، وولى عليهم أبا شيخ ابن عبد ~~الله، فغدروا به فقتلوه، وقيل: بل قتلوه سنة ثلاث وثمانين. # [الوفيات] # وفيها قتل عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي بدجيل. # وفيها مات أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، وعطاء بن عبد الله ~~السليمي العابد. # (السليمي بفتح السين المهملة، وكسر اللام) . # وفيها مات زاذان، وأبو وائل. # وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعمره ستون سنة. # وفيها مات أبو أمامة الباهلي، وقيل: سنة إحدى وتسعين. # PageV03P500 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين] ### | 83 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين # ذكر بقية الوقعة بدير الجماجم # فلما حملت كتائب الحجاج الثلاث على القراء من أصحاب عبد الرحمن وعليهم ~~جبلة بن زحر نادى جبلة: يا عبد الرحمن بن أبي ليلى! يا معشر القراء! إن ~~الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إني سمعت علي بن أبي طالب - رفع ~~الله درجته في الصالحين، وآتاه ثواب الصادقين والشهداء - يقول يوم لقينا ~~أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدوانا يعمل به، ومنكرا يدعى إليه، ~~فأنكره بقلبه - فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ~~ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك ~~الذي أصاب سبيل الهدى، ونور في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين ~~المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ~~ينكرونه. # وقال أبو البختري: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم. فقال الشعبي: ~~أيها الناس، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، والله ما أعلم على بسيط ~~الأرض أعمل بظلم، ولا أجور في حكم، منهم. وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال ~~جبلة: احملوا عليهم حملة صادقة، ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. # فحملوا عليهم حملة صادقة، فضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرقوها، وتقدموا ~~حتى واقعوا صفهم، فأزالوه عن مكانه، ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا لا ~~يدرون كيف قتل. # وكان ms1573 سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل الشام ففرقوهم وقف لأصحابه ~~ليرجعوا إليه، فافترقت فرقة من أهل الشام فوقفت ناحية، فلما رأوا أصحاب ~~جبلة قد # PageV03P501 # تقدموا، قال بعضهم لبعض: هذا جبلة، احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل ~~بالقتال. فحملوا عليه فلم يول، لكنه حمل عليهم فقتلوه، وكان الذي قتله، ~~الوليد بن نحيت الكلبي، وجيء برأسه إلى الحجاج، فبشر أصحابه بذلك. فلما رجع ~~أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط في أيديهم وتناعوه بينهم، فقال لهم أبو ~~البختري: لا يظهرن عليكم قتل جبلة، إنما كان كرجل منكم أتته منيته، فلم يكن ~~ليتقدم [يومه] ولا ليتأخر [عنه] . وظهر الفشل في القراء، وناداهم أهل ~~الشام: يا أعداء الله، قد هلكتم، وقد قتل طاغيتكم! # وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، ففرحوا به وقالوا: تقدم ~~مقام جبلة. وكان قدومه من الري، فلما أتى عبد الرحمن جعله على ربيعة، وكان ~~شجاعا، فقاتل يوما، فدخل عسكر الحجاج، فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن. ~~فقال الحجاج: منعوا نساءهم، لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم. # وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ~~رجل من أهل الشام، فتضاربا، فقال كل واحد منهما: أنا الغلام الكلابي. فقال ~~كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ وإذا هما ابنا عم، فتحاجزا. وخرج عبد الله ~~بن رزام الحارثي، فطلب المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله، ثم ~~فعل ذلك ثلاثة أيام. # فلما كان اليوم الرابع خرج، فقالوا: جاء لا جاء الله به! فطلب المبارزة، ~~فقال الحجاج للجراح: اخرج إليه. فخرج إليه. فقال له عبد الله، وكان له ~~صديقا: ويحك يا جراح ما أخرجك؟ قال: ابتليت بك. قال: فهل لك في خير؟ قال ~~الجراح: ما هو؟ قال عبد الله: أنهزم لك وترجع إلى الحجاج، وقد أحسنت عنده ~~وحمدك، وأما أنا فأحتمل مقالة الناس في انهزامي حبا لسلامتك، فإني لا أحب ~~قتل مثلك من قومي. قال: افعل. فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد ~~الله، وحمل عليه ms1574 الجراح بجد يريد قتله، فصاح لعبد الله غلامه، وكان ناحية ~~معه ماء ليشربه، وقال له: يا سيدي، إن الرجل يريد قتلك! فعطف عبد الله على ~~الجراح، فضربه بعمود على رأسه فصرعه، وقال له: يا جراح، بئس ما جزيتني! ~~أردت بك العافية وأردت قتلي! انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة. # وكان سعيد بن جبير وأبو البختري الطائي يحملان على أهل الشام بعد قتل ~~جبلة بن زحر حتى يخالطاهم، وكانت مدة الحرب مائة يوم وثلاثة أيام ; لأنه ~~كان نزولهم # PageV03P502 # بالجماجم لثلاث مضين من ربيع الأول، وكانت الهزيمة لأربع عشرة مضين من ~~جمادى الآخرة. # فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشد قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على ~~أصحاب الحجاج، واستعلوا عليهم وهم آمنون أن يهزموا. فبينا هم كذلك إذ حمل ~~سفيان بن الأبرد، وهو في ميمنة الحجاج، على الأبرد بن قرة التميمي، وهو على ~~ميسرة عبد الرحمن، فانهزم الأبرد بن قرة من غير قتال يذكر، فظن الناس أنه ~~قد كان صولح على أن ينهزم بالناس، فلما انهزم تقوضت الصفوف من نحوه وركب ~~الناس بعضهم بعضا، وصعد عبد الرحمن المنبر ينادي الناس: إلي عباد الله. ~~فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى دنا منه أهل الشام، فقاتل من معه، ودخل أهل ~~الشام العسكر، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المفضل الأزدي فقال له: انزل، ~~فإني أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به. # فنزل هو ومن معه لا يلوون على شيء، ثم رجع الحجاج إلى الكوفة، وعاد محمد ~~بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وأخذ الحجاج يبايع ~~الناس، وكان يبايع أحدا إلا قال له: اشهد أنك كفرت، فإن قال: نعم، بايعه، ~~وإلا قتله، فأتاه رجل من خشعم كان معتزلا للناس جميعا، فسأله عن حاله ~~فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربص، أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا! ~~أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر! قال: إذا أقتلك. قال: وإن ~~قتلتني. فقتله، ولم يبق أحد من ms1575 أهل الشام والعراق إلا رحمه. # ثم دعا بكميل بن زياد فقال له: أنت المقتص من أمير المؤمنين عثمان؟ (قد ~~كنت أحب من أن أجد) عليك سبيلا. قال: على أينا أنت أشد غضبا، عليه حين أقاد ~~من نفسه، أم علي حين عفوت عنه؟ ثم قال: أيها الرجل من ثقيف، (لا تصرف علي ~~أنيابك، ولا تكشر) علي كالذئب، والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار، اقض ~~ما أنت قاض، فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب. قال الحجاج: فإن الحجة ~~عليك. قال: ذلك إذا كان القضاء إليك. فأمر به فقتل، وكان خصيصا بأمير ~~المؤمنين. وأتي بآخر من بعده، فقال له الحجاج: أرى رجلا ما أظنه يشهد على ~~نفسه بالكفر. فقال له الرجل: أتخادعني عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر ~~من فرعون. فضحك منه وخلى سبيله. # PageV03P503 # وأقام بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة، أنزلهم الحجاج ~~فيها مع أهلها، (وهو أول من أنزل الجند في بيوت غيرهم، وهو إلى الآن لا ~~سيما في بلاد العجم، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة) . # ذكر الوقعة بمسكن # ولما انهزم عبد الرحمن أتى البصرة، واجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير، ~~وكان فيهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي، ~~وكان بالمدائن محمد بن سعد بن أبي وقاص، فسار إليه الحجاج، فلحق ابن سعد ~~بعبد الرحمن، وسار عبد الرحمن نحو الحجاج ومعه جمع كثير فيهم بسطام بن ~~مصقلة بن هبيرة الشيباني، وقد بايعه خلق كثير على الموت، فاجتمعوا بمسكن، ~~وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وجعل القتال من وجه واحد. # وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان في ناس من بعث الكوفة، ~~فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال، فقتل زياد بن غيثم القيني، وكان ~~على مسالح الحجاج، فهده ذلك وهد أصحابه. وبات الحجاج يحرض أصحابه، ولما ~~أصبحوا باكروا القتال، فاقتتلوا أشد قتال كان بينهم، فانكشفت خيل سفيان بن ms1576 ~~الأبرد، فأمر الحجاج عبد الملك بن المهلب فحمل على أصحاب عبد الرحمن، وحمل ~~أصحاب الحجاج من كل جانب، فانهزم عبد الرحمن وأصحابه، وقتل عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى الفقيه، وأبو البختري الطائي، ومشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة في ~~أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة والبصرة، فكسروا جفون سيوفهم، وحث ~~أصحابه على القتال، فحملوا على أهل الشام فكشفوهم مرارا، فدعا الحجاج ~~الرماة فرموهم، وأحاط بهم الناس، فقتلوا إلا قليلا، ومضى ابن الأشعث نحو ~~سجستان. # وقد قيل في هزيمة عبد الرحمن بمسكن غير هذا، والذي قيل: إنه اجتمع هو ~~والحجاج بمسكن، وكان عسكر ابن الأشعث والحجاج بين دجلة والسيب والكرخ، ~~فاقتتلوا شهرا ودونه، فأتى شيخ فدل الحجاج على طريق من وراء الكرخ في أجمة ~~وضحضاح من الماء، فأرسل معه أربعة آلاف وقال لقائدهم: إن صدق فأعطه ألف ~~درهم، فإن كذب فاقتله. فسار بهم، ثم إن الحجاج قاتل أصحاب عبد الرحمن، ~~فانهزم # PageV03P504 # الحجاج فعبر السيب، ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا، ونهب عسكر الحجاج ~~فأمنوا وألقوا السلاح، فلم يشعروا نصف الليل إلا والسيف يأخذهم من تلك ~~السرية، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممن قتل، ورجع الحجاج في عسكره على ~~الصوت، فقتلوا من وجدوا، فكان عدة من قتل أربعة آلاف، منهم: عبد الله بن ~~شداد بن الهاد، وبسطام بن مصقلة، وعمرو بن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر ~~بن الجارود، وغيرهم. # ذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل وما جرى له ولأصحابه # ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان، فأتبعه الحجاج ابنه ~~محمدا، وعمارة بن تميم اللخمي، وعمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسوس ~~فقاتله ساعة، فانهزم عبد الرحمن ومن معه، وساروا حتى أتوا سابور، واجتمع ~~إليه الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة، فجرح عمارة وكثير من ~~أصحابه، وانهزم عمارة وترك لهم العقبة. # وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبع أثرهم، فدخل بعض أهل الشام ~~قصرا في مفازة كرمان، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر ابن ms1577 ~~جلدة اليشكري، وهي طويلة: # أيا لهفا ويا حزنا جميعا ... ويا حر الفؤاد لما لقينا # تركنا الدين والدنيا جميعا ... وأسلمنا الحلائل والبنينا # فما كنا أناسا أهل دين ... فنصبر في البلاء إذا ابتلينا # فما كنا أناسا أهل دنيا ... فنمنعها ولو لم نرج دينا # تركنا دورنا لطغام عك ... وأنباط القرى والأشعرينا # PageV03P505 # فلما وصل عبد الرحمن إلى كرمان أتاه عامله، وقد هيأ له نزلا فنزل، ثم رحل ~~إلى سجستان، فأتى زرنج وفيها عامله، فأغلق بابها ومنع عبد الرحمن من ~~دخولها، فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل إليها، فسار إلى بست، وكان قد ~~استعمل عليها عياض بن هميان بن هشام السدوسي الشيباني، فاستقبله وأنزله، ~~فلما غفل أصحابه قبض عليه عياض وأوثقه، وأراد أن يأمن به عند الحجاج. # وقد كان رتبيل ملك الترك سمع بمقدم عبد الرحمن، فسار إليه ليستقبله، فلما ~~قبضه عياض نزل رتبيل على بست، وبعث إلى عياض يقول: والله لئن آذيته بما ~~يقذي عينه، أو ضررته ببعض الضرر، أو أخذت منه ولو حبلا من شعر لا أبرح حتى ~~أستنزلك وأقتلك وجميع من معك، وأسبي ذراريكم، وأغنم أموالكم. فاستأمنه ~~عياض، فأطلق عبد الرحمن، فأراد قتل عياض فمنعه رتبيل. # ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله وأكرمه وعظمه. وكان ناس ~~كثير من المنهزمين من أصحاب عبد الرحمن من الرءوس والقادة الذين لم يقبلوا ~~أمان الحجاج ونصبوا له العداوة في كل موطن - قد تبعوا عبد الرحمن، فبلغوا ~~سجستان في نحو ستين ألفا، ونزلوا على زرنج يحاصرون من بها، وكتبوا إلى عبد ~~الرحمن يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، ~~فأتاهم، وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب، إلى أن قدم عبد الرحمن. فلما أتت كتبهم عبد الرحمن سار إليهم، ~~ففتحوا زرنج، وسار نحوهم عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال لعبد الرحمن ~~أصحابه: اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يزيد بن المهلب وهو ~~رجل شجاع، ولا يترك لكم سلطانه، ولو ms1578 دخلناها لقاتلنا وتبعنا أهل الشام، ~~فيجتمع علينا أهل خراسان وأهل الشام. فقالوا: لو دخلنا خراسان لكان من ~~يتبعنا أكثر ممن يقاتلنا. # فسار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن ~~سمرة القرشي في ألفين، فقال لهم عبد الرحمن: إني كنت في مأمن وملجإ، ~~فجاءتني كتبكم أن أقبل فإن أمرنا واحد، فلعلنا نقاتل عدونا، فأتيتكم، ~~فرأيتم أن أمضي إلى خراسان، وزعمتم أنكم تجتمعون إلي وأنكم لا تتفرقون، ~~وهذا عبيد الله قد صنع ما رأيتم، فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى ~~صاحبي الذي أتيت من عنده. # فتفرق منهم طائفة وبقي معه طائفة، وبقي أعظم العسكر مع عبد الرحمن بن ~~العباس فبايعوه، ومضى عبد الرحمن بن الأشعث إلى رتبيل، وسار عبد الرحمن بن # PageV03P506 # العباس إلى هراة، فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه، فسار إليهم يزيد بن ~~المهلب. # وقيل: إن عبد الرحمن بن الأشعث لما انهزم من مسكن أتى عبيد الله بن عبد ~~الرحمن بن سمرة هراة، وأتى عبد الرحمن بن العباس سجستان، فاجتمع فل ابن ~~الأشعث، فسار إلى خراسان في عشرين ألفا، فنزل هراة، ولقوا الرقاد فقتلوه، ~~فأرسل إليه يزيد بن المهلب: قد كان لك في البلاد متسع ومن هو أهون مني ~~شوكة، فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أردت مالا ~~أرسلت إليك. فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن ~~نريح ثم نرحل عنك، وليست بنا إلى المال حاجة. # وأقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية، وبلغ ذلك يزيد فقال: من أراد أن ~~يريح ثم يرتحل لم يجب الخراج. فسار يزيد نحوه وأعاد مراسلته: إنك قد أرحت ~~وسمنت وجبيت الخراج، فلك ما جبيت وزيادة، فاخرج عني فإني أكره قتالك. فأبى ~~إلا القتال، وكاتب جند يزيد يستميلهم، ويدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد فقال: ~~جل الأمر عن العتاب. ثم تقدم إليه فقاتله، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى ~~تفرق أصحاب عبد الرحمن عنه، وصبر وصبرت معه طائفة ثم انهزموا، وأمر ms1579 يزيد ~~أصحابه بالكف عن اتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم، وأسروا منهم أسرى، وكان ~~منهم: محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعباس ~~بن الأسود بن عوف الزهري، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، ~~وفيروز حصين، وأبو الفلج مولى عبيد الله بن معمر، وسوار بن مروان، وعبد ~~الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وعبد الله بن فضالة الزهراني ~~الأزدي. # ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند، وأتى ابن سمرة مرو، وانصرف يزيد إلى ~~مرو، وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة ونجدة، فلما أراد تسييرهم قال له أخوه ~~حبيب: بأي وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت عبد الرحمن بن طلحة؟ فقال يزيد: ~~إنه الحجاج ولا يتعرض له. قال: وطن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإن له ~~عندنا يدا. قال: وما هي؟ قال: ألزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف، ~~فأداها طلحة عنه. فأطلقه يزيد، ولم يرسل يزيد أيضا عبد الله بن فضالة لأنه ~~من الأزد، وأرسل الباقين. # فلما قدموا على الحجاج قال لحاجبه: إذا دعوتك بسيدهم فأتني بفيروز. وكان ~~بواسط القصب قبل أن تبنى مدينة واسط. فقال لحاجبه: ائتني بسيدهم. فقال # PageV03P507 # لفيروز: قم. فقام، فأحضره عنده. فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرجك مع ~~هؤلاء؟ فوالله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم! قال: فتنة عمت الناس. ~~قال: اكتب إلي أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ألف وألفي ألف، فذكر مالا ~~كثيرا. فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي. قال: فأدها. قال: وأنا ~~آمن على دمي؟ قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك. قال: والله لا يجمع بين دمي ~~ومالي. فأمر به فنحي. # ثم أحضر محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال له: يا ظل الشيطان! أعظم الناس ~~تيها وكبرا تأبى بيعة يزيد بن معاوية، وتتشبه بالحسين وبابن عمر، ثم ضربت ~~مؤذنا؟ وجعل يضرب رأسه بعود في يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل. ثم دعا بعمر ~~بن موسى ms1580 فقال: يا عبد المرأة! أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك، يعني ابن ~~الأشعث، وتشرب معه في الحمام! فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البر ~~والفاجر فدخلنا فيها، فقد أمكنك الله منا، فإن عفوت فبحلمك وبفضلك، وإن ~~عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين. فقال الحجاج: أما أنها شملت البر فكذبت، ولكنها ~~شملت الفاجر، وعوفي منها الأبرار، وأما اعترافك فعسى أن ينفعك. ورجا له ~~الناس السلامة، ثم أمر به فقتل. ثم دعا بالهلقام بن نعيم فقال: أحببت أن ~~ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذي أملت أنت معه؟ قال: أملت أن يملك فيوليني ~~العراق كما ولاك عبد الملك إياه. فأمر به فقتل. ثم دعا عبد الله بن عامر، ~~فلما أتاه قال له الحجاج: لا رأت عينك الجنة إن أفلت! فقال: جزى الله ابن ~~المهلب بما صنع. قال: وما صنع؟ قال: لأنه كاس في إطلاق أسرته وقاد نحوك في ~~أغلالها مضرا وقى بقومك ورد الموت أسرته وكان قومك أدنى عنده خطرا # فأطرق الحجاج ووقرت في قلبه وقال: وما أنت وذاك؟ فأمر به فقتل. # ولم تزل كلمته في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه. # ثم أمر بفيروز فعذب، وكان يشد عليه القصب الفارسي المشقوق، يجر عليه حتى ~~يجرح به، ثم ينضح عليه الخل، فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس ~~لا يشكون أن قد قتلت، ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا، ~~فأظهرني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال. فأعلم الحجاج، فقال: أظهره. ~~فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني ~~فأنا فيروز حصين، # PageV03P508 # إن لي عند أقوام مالا، فمن كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حل، فلا ~~يؤد أحد منهم درهما، ليبلغ الشاهد الغائب. فأمر به الحجاج فقتل. # وأمر بقتل عمر بن أبي قرة الكندي، وكان شريفا، وأمر بإحضار أعشى همدان، ~~فقال: إيه عدو الله! أنشدني قولك بين الأشج وبين قيس. قال: بل أنشدك ما قلت ~~لك. قال: بل أنشدني ms1581 هذه. فأنشده: # أبى الله إلا أن يتمم نوره ... ويطفئ نار الفاسقين فتخمدا # ويظهر أهل الحق في كل موطن ... ويعدل وقع السيف من كان أصيدا # وينزل ذلا بالعراق وأهله ... لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا # وما أحدثوا من بدعة وعظيمة ... من القول لم تصعد إلى الله مصعدا # وما نكثوا من بيعة بعد بيعة ... إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا # وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم ... فما يقربون الناس إلا تهددا # فلا صدق في قول ولا صبر ... عندهم ولكن فخرا فيهم وتزيدا # فكيف رأيت الله فرق جمعهم ... ومزقهم عرض البلاد وشردا # فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة ... وجيشهم أمسى ذليلا مطردا # ولما زحفنا لابن يوسف غدوة ... وأبرق منه العارضان وأرعدا # قطعنا إليه الخندقين وإنما ... قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا # فكافحنا الحجاج دون صفوفنا ... كفاحا ولم يضرب لذلك موعدا # PageV03P509 # بصف كأن الموت في حجزاتهم # إذا ما تجلى بيضه وتوقدا ... دلفنا إليه في صفوف كأنها # جبال شرورى أو نعاف فشهمدا ... فما لبث الحجاج أن سل سيفه # علينا فولى جمعنا وتبددا ... وما زاحف الحجاج إلا رأيته # معانا ملقى للفتوح معودا ... وإن ابن عباس لفي مرجحنة # نشبهها قطعا من الليل أسودا ... فما شرعوا رمحا ولا جردوا # ظبى ألا إنما لاقى الجبان فجردا ... وكرت علينا خيل سفيان كرة # بفرسانها والسمهري مقصدا ... وسفيان يهديها كأن لواءها # من الطعن سند بات بالصبغ مجسدا ... كهول ومرد من قضاعة حوله # مساعير أبطال إذا النكس عردا ... إذا قال شدوا شدة حملوا معا # فأنهل خرصان الرماح وأوردا ... جنود أمير المؤمنين وخيله # وسلطانه أمسى عزيزا مؤيدا ... فيهني أمير المؤمنين ظهوره # على أمة كانوا سعاة وحسدا ... نزوا يشتكون البغي من أمرائهم # وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا ... وجدنا بني مروان خير أئمة # وأفضل هذا الناس حلما وسؤددا ... وخير قريش في قريش أرومة # وأكرمهم إلا النبي محمدا # PageV03P510 # إذا ما تدبرنا عواقب أمره ... وجدنا أمير المؤمنين مسددا # سيغلب قوما حاربوا الله ... جهرة وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا # كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضا ومن والى النفاق وألحدا # وقد تركوا الأهلين والمال ms1582 خلفهم ... وبيضا عليهن الجلابيب خردا # يناديهم مستعبرات إليهم ويذرين ... دمعا في الخدود وإثمدا # أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة ... أهان الإله من أهان وأبعدا # لقد شأم المصرين فرخ محمد ... بحق وما لاقى من الطير أسعدا # كما شأم الله النجير وأهله ... بجد له قد كان أشقى وأنكدا # فقال. أهل الشام: أحسن، أصلح الله الأمير. فقال الحجاج: لا، لم يحسن، ~~إنكم لا تدرون ما أراد بها. ثم قال: يا عدو الله! والله لا نحمدك [على هذا ~~القول] ، إنما قلت تأسف أن لا يكون ظهر وظفر، وتحريضا لأصحابك علينا، وليس ~~عن هذا سألناك، أنشدنا قولك بين الأشج وبين قيس باذخ، فأنشده، فلما قال: بخ ~~بخ لوالده وللمولود قال الحجاج: والله لا تبخبخ بعدها أبدا! فضربت عنقه. # قوله في هذه الأبيات: ابن عباس، هو عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن ~~الحارث بن عبد المطلب، وقد تقدم ذكره. وقوله: سفيان، هو ابن الأبرد الكلبي ~~من قواد العساكر الشامية. وقوله: فرخ محمد، هو عبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث. وقوله: # PageV03P511 # الأشج، هو محمد بن الأشعث. وقوله: بين قيس، هو معقل بن قيس الرياحي، وهو ~~جد عبد الرحمن بن محمد لأمه. وقوله: كما شأم الله النجير وأهله بجد له، ~~يعني لما ارتد الأشعث بن قيس جد عبد الرحمن بعد وفاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وتبعه كندة، فلما حاربهم المسلمون وحصروهم بالنجير أخذوهم وقتلوهم، ~~وقد تقدم ذكر ذلك في قتل أهل الردة. # قيل: وأتي الحجاج بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدا. ~~قال: وما هي؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته. قال: ومن يعلم ~~ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر، فسأله الحجاج فصدقه، فقال له الحجاج: فلم لم ~~تفعل كما فعل؟ قال: وينفعني الصدق عندك؟ قال نعم. قال: منعني البغض لك ~~ولقومك. قال: خلوا عن هذا لفعله، وعن هذا لصدقه. # قيل: جاء رجل من الأنصار إلى عمر بن عبد العزيز فقال: أنا فلان بن فلان، ~~قتل جدي يوم بدر، وقتل جدي فلان يوم أحد، وجعل ms1583 يذكر مناقب سلفه، فنظر عمر ~~إلى عنبسة بن سعيد بن العاص فقال: هذه المناقب والله، لا يوم مسكن ويوم ~~الجماجم ويوم راهط! وأنشد: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا ~~بعد أبوالا # ذكر ما جرى للشعبي مع الحجاج # لما انهزم أصحاب عبد الرحمن بالجماجم نادى منادي الحجاج: من لحق بقتيبة ~~بن مسلم فهو آمن، وكان قد ولاه الري وسار إليه، فلحق به ناس كثير، وكان ~~منهم الشعبي، فذكره الحجاج يوما فسأل عنه، فقال له يزيد بن أبي مسلم: إنه ~~لحق بقتيبة بالري، فكتب الحجاج إلى قتيبة يأمره بإرسال الشعبي، فأرسله. # قال الشعبي: فلما قدمت على الحجاج لقيت ابن أبي مسلم، وكان صديقا لي، ~~فاستشرته [فقال] : اعتذر مهما استطعت. وأشار بمثل ذلك إخواني ونصحائي، فلما ~~دخلت على الحجاج رأيت غير ما ذكروا لي، فسلمت عليه بالإمرة وقلت: أيها ~~الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم ~~الله لا أقول في هذا المقام # PageV03P512 # إلا الحق، قد والله مردنا عليك، وحرضنا وجهدنا، فما كنا بالأقوياء ~~الفجرة، ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت ~~فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد فالحجة لك علينا. # فقال الحجاج: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من ~~دمائنا، ثم يقول: ما فعلت ولا شهدت، وقد أمنت يا شعبي، كيف وجدت الناس ~~بعدنا؟ فقلت: أصلح الله الأمير، اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت الجناب، ~~واستحلست الخوف، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا. قال: انصرف ~~يا شعبي. فانصرفت. # ذكر خلع عمر بن أبي الصلت بالري وما كان منه # لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبي ~~الصلت، وكان قد غلب على الري في تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالري أرادوا أن ~~يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون عن أنفسهم عثرة الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع ~~الحجاج وقتيبة، فامتنع، فوضعوا عليه أباه أبا الصلت، وكان به بارا، فأشار ~~عليه ms1584 بذلك وألزمه به وقال له: يا بني، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالي أن ~~تقتل غدا. ففعل. # فلما قارب قتيبة الري بلغه الخبر فاستعد لقتاله، فالتقوا واقتتلوا، فغدر ~~أصحاب عمر به، وأكثرهم من تميم، فانهزم ولحق بطبرستان، فآواه الأصبهبذ ~~وأكرمه وأحسن إليه. فقال عمر لأبيه: إنك أمرتني بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك، ~~وكان خلاف رأيي فلم أحمد رأيك، وقد نزلنا بهذا العلج الأصبهبذ فدعني حتى ~~أثب عليه، فأقتله وأجلس مملكته، فقد علمت الأعاجم أني أشرف منه. فقال أبوه: ~~ما كنت لأفعل هذا لرجل آوانا ونحن خائفون، وأكرمنا وأنزلنا. فقال عمر: أنت ~~أعلم وسترى. # ودخل قتيبة الري وكتب إلى الحجاج بخبر عمر وانهزامه إلى طبرستان، فكتب ~~الحجاج إلى الأصبهبذ: أن ابعث بهم أو برءوسهم، وإلا فقد برئت منك الذمة. ~~فصنع لهم الأصبهبذ طعاما وأحضرهما، فقتل عمر وبعث أباه أسيرا، وقيل: بل ~~قتلهما وبعث برءوسهما. # PageV03P513 # ذكر بناء مدينة واسط # وفي هذه السنة بنى الحجاج واسطا. # وكان سبب ذلك أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان، وعسكر ~~بحمام عمر، وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس، فانصرف من العسكر إلى ~~ابنة عمه ليلا، فطرق الباب طارق، ودقه دقا شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، ~~فقالت للرجل ابنة عمه: لقد لقينا من هذا الشامي شرا، يفعل بنا كل ليلة ما ~~ترى، يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه. فقال لها زوجها: ائذني له، ~~فأذنت له، فقتله زوجها، فلما أذن الفجر خرج إلى العسكر، وقال لابنة عمه: ~~إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك عند ~~الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه. # ففعلت فأحضرت عند الحجاج فأخبرته، فقال: صدقتني. وقال للشاميين: خذوا ~~صاحبكم لا قود له ولا عقل، فإنه قتيل الله إلى النار. ثم نادى مناد: لا ~~ينزلن أحد على أحد. # وكان الحجاج قد أنزل أهل الشام على أهل الكوفة، فخرج أهل الشام فعسكروا، ~~وبعث روادا يرتادون له منزلا، وأقبل حتى نزل موضع واسط، فإذا راهب قد أقبل ~~على حمار له، ms1585 فلما كان بموضع واسط بال الحمار، فنزل الراهب فاحتفر ذلك ~~البول، واحتمله ورماه في دجلة والحجاج يراه. فقال: علي به. فأتي به. فقال: ~~ما حملك على ما صنعته؟ قال: نجد في الكتب أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد ~~الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد ~~في ذلك الموضع. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان من المدينة، في قول بعضهم، ~~واستعمل عليها هشام بن إسماعيل. وكان العمال هذه السنة سوى المدينة الذين ~~تقدم ذكرهم في السنة قبلها. # قيل: وكان الحجاج قد سير نساءه وأهله إلى الشام خوفا من عبد الرحمن بن ~~الأشعث، وفيهن أخته زينب التي ذكرها النمير في شعره، فلما هزم ابن الأشعث ~~أرسل # PageV03P514 # البشير إلى عبد الملك بذلك، وكتب كتابا إلى أخته زينب، فأخذت الكتاب وهي ~~راكبة، فنفرت البغلة من قعقعة الكتاب، فسقطت زينب فماتت. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي واثلة بن الأسقع، وهو ابن خمس ومائة سنة، وقيل: مات ~~سنة خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة. # وفيها مات زر بن حبيش وعمره مائة واثنتان وعشرون سنة. # وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، وكان مولده سنة إحدى من الهجرة. # PageV03P515 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين] ### | 84 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين # ذكر قتل ابن القرية # وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية، وكان مع ابن الأشعث بدير الجماجم، فلما ~~هزم ابن الأشعث التحق أيوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، فاستحضره ~~الحجاج، فقال له: أقلني عثرتي، واسقني ريقي، فإنه ليس جواد إلا له كبوة، ~~ولا شجاع إلا له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة. فقال الحجاج: كلا، والله ~~لأزيرنك جهنم. قال: فأرحني فإني أجد حرها! فأمر به فضربت عنقه. فلما رآه ~~قتيلا قال: لو تركناه حتى نسمع من كلامه. # ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس # في هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، وكان يزيد قد وضع على نيزك ~~العيون، فلما بلغه خروج نيزك ms1586 عنها سار إليها فحاصرها، فملكها وما فيها من ~~الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد ~~لها تعظيما لها، وقال كعب بن معدان الأشقري يذكرها: # وباذغيس التي من حل ذروتها ... عز الملوك فإن شاء جار أو ظلما # منيعة لم يكدها قبله ملك ... إلا إذا واجهت جيشا له وجما # تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما # PageV03P516 # وهي أبيات عدة، وقال أيضا يذكر يزيد وفتحها: # نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها # محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زال عنها سحابها # ولا تبلغ الأروى شماريخها ... العلى ولا الطير إلا نسرها وعقابها # وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها # في أبيات غيرها. # فلما فتحها كتب إلى الحجاج بالفتح، وكان يكتب له يحيى بن يعمر العدواني ~~حليف هذيل: إنا لحقنا العدو فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة وأسرنا ~~طائفة، ولحقت طائفة برءوس الجبال وعراعر الأودية، فأهضام الغيطان، وأثناء ~~الأنهار. فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ فقيل: يحيى بن يعمر. فكتب إليه بحمله ~~على البريد. فقدم إليه أفصح الناس. فقال: أين ولدت؟ قال: بالأهواز. [قال] : ~~فهذه الفصاحة من أين؟ قال: حفظت من كلام أبي، وكان فصيحا. قال: أخبرني، هل ~~يلحن عنبسة بن سعيد؟ قال: نعم، كثيرا. قال: ففلان؟ قال: نعم. قال: فأخبرني ~~هل ألحن؟ قال: نعم تلحن لحنا خفيا، تزيد حرفا، وتنقص حرفا، وتجعل أن في ~~موضع إن، وإن في موضع أن. قال: قد أجلتك ثلاثا، فإن وجدتك بأرض العراق ~~قتلتك. فرجع إلى خراسان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الله بن عبد الملك الروم ففتح المصيصة وبنى حصنها، ~~ووضع بها ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، ~~وبنى مسجدها. # PageV03P517 # وحج بالناس هذه السنة هشام بن إسماعيل. # وكان العمال من تقدم ذكرهم. # وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الله بن الحارث بن نوفل الملقب بببة بعمان، وكان يسكن ~~البصرة، وكان مولده على عهد رسول ms1587 الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV03P518 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين] ### | 85 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين # ذكر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث # لما انصرف عبد الرحمن إلى رتبيل من هراة قال له علقمة بن عمرو الأودي: ما ~~أريد أن أدخل معك لأني أتخوف عليك وعلى من معك، [والله] لكأني بالحجاج وقد ~~كتب إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم، ولكن معي ~~خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها حتى نعطى الأمان، أو نموت ~~كراما، ولم يدخل إلى بلاد رتبيل معه، وخرج هؤلاء الخمسمائة وجعلوا عليهم ~~مودودا البصري، وقدم عليهم عمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فامتنعوا حتى ~~آمنهم، فخرجوا إليه، فوفى لهم. # وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن: أن ابعث به إلي، وإلا والذي ~~لا إله غيره لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل. # وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم يقال له عبيد بن سبيع التميمي، وكان ~~رسوله إلى رتبيل، فخص برتبيل وخف عليه، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث ~~لأخيه عبد الرحمن: إني لا آمن غدر هذا التميمي، فاقتله. فخافه عبيد ووشى به ~~إلى رتبيل، وخوفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث وقال له: أنا آخذ لك ~~من الحجاج عهدا ليكفن عن أرضك سبع سنين، على أن تدفع إليه عبد الرحمن. ~~فأجابه إلى ذلك، فخرج عبيد إلى عمارة سرا، فذكر له ما استقر مع رتبيل وما ~~بذل له، وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك، وأجابه إليه أيضا، وبعث رتبيل برأس ~~عبد الرحمن إلى الحجاج. # وقيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات، فأرسل رتبيل إليه، فقطع ~~رأسه قبل أن يدفن وأرسله إلى الحجاج. # PageV03P519 # وقد قيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمي على ابن الأشعث - كتب ~~عمارة إلى الحجاج بذلك، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين، فأرسل رتبيل إلى عبد ~~الرحمن وثلاثين من أهل بيته فحضروا، فقيدهم وأرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد ~~الرحمن نفسه من سطح قصر فمات، فاحتز ms1588 رأسه وسيره إلى الحجاج، فسيره الحجاج ~~إلى عبد الملك، وسيره عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، فقال بعض الشعراء: # هيهات موضع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة بالرخج # وقيل: إن هلاك عبد الرحمن كان سنة أربع وثمانين. # ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل # وفي هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان. # وكان سبب عزله إياه أن الحجاج وفد إلى عبد الملك، فمر في طريقه براهب ~~فقيل له: إن عنده علما. فدعا به وسأله: هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ~~ونحن؟ قال: نعم. قال: مسمى أم موصوف؟ فقال: كل ذلك نجده موصوفا بغير اسم، ~~ومسمى بغير صفة. قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا: ~~ملك أفرع، من يقم لسبيله يصرع. قال: ثم من؟ قال اسم رجل يقال له الوليد، ثم ~~رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس. قال: أفتعلم من يلي بعدي؟ قال: نعم، ~~رجل يقال له يزيد. قال: أفتعرف صفته؟ قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا. ~~فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب، ثم سار وهو وجل من قول الراهب. ثم عاد ~~وكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب، ويخبره أنهم زبيرية. فكتب إليه ~~عبد الملك: إني لا أرى طاعتهم لآل الزبير نقصا بآل المهلب، وفاؤهم لهم ~~يدعوهم إلى الوفاء لي. # فكتب إليه الحجاج يخوفه غدره وبما قال الراهب. فكتب عبد الملك إليه: إنك ~~قد أكثرت في يزيد وآل المهلب، فسم لي رجلا يصلح لخراسان. فسمى قتيبة بن ~~مسلم، فكتب إليه أن وله. # وبلغ يزيد أن الحجاج عزله، فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولي خراسان؟ # PageV03P520 # قالوا: رجلا من ثقيف. قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، فإذا ~~قدمت عليه عزله، وولى رجلا من قيس، وأخلق بقتيبة بن مسلم. # فلما أذن عبد الملك في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره ~~أن يستخلف أخاه المفضل ويقبل إليه. # واستشار يزيد حضين بن المنذر الرقاشي، ms1589 فقال له: أقم واعتل، واكتب إلى ~~أمير المؤمنين ليقرك، فإنه حسن الحال والرأي فيك. قال يزيد: نحن أهل بيت قد ~~بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره الخلاف. فأخذ يتجهز، فأبطأ، فكتب الحجاج إلى ~~المفضل: إني قد وليتك خراسان. فجعل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: إن ~~الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، وستعلم. # وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وأقر الحجاج أخاه المفضل تسعة ~~أشهر، ثم عزله. # وقد قيل: إن سبب عزله أن الحجاج لما فرغ من عبد الرحمن بن الأشعث لم يكن ~~له هم إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته، وقد كان أذل أهل العراق كلهم إلا آل ~~المهلب ومن معهم بخراسان، وتخوفه على العراق، وكان يبعث إليه ليأتيه فيعتل ~~عليه بالعدو والحروب، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد، ~~ويخبره بطاعتهم لآل الزبير، فكتب إليه عبد الملك بنحو ما تقدم، وساق باقي ~~الخبر كما تقدم، وقال حضين ليزيد: أمرتك أمرا حازما فعصيتني فأصبحت مسلوب ~~الإمارة نادما فما أنا بالباكي عليك صبابة وما أنا بالداعي لترجع سالما # قال: فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: ما قلت ليزيد؟ قال: قلت: أمرتك ~~أمرا حازما فعصيتني فنفسك أول اللوم إن كنت لائما فإن يبلغ الحجاج أن قد ~~عصيته فإنك تلقى أمره متفاقما # قال: فماذا أمرته به فعصاك؟ قال: أمرته أن لا يدع صفراء ولا بيضاء إلا ~~حملها إلى الأمير. قال بعضهم: فوجده قتيبة قارحا. # PageV03P521 # وقيل: كتب الحجاج إلى يزيد: اغز خوارزم، فكتب: إنها قليلة السلب، شديدة ~~الكلب. فكتب إليه الحجاج: استخلف واقدم. فكتب: إني أريد أن أغزو خوارزم. ~~فكتب الحجاج: لا تغزها فإنها كما ذكرت. فغزا ولم يطعه، فصالحه أهلها وأصاب ~~سبيا، وقتل في الشتاء، وأصاب الناس برد، فأخذوا ثياب الأسرى، فمات ذلك ~~السبي، فكتب إليه الحجاج أن اقدم. فسار إليه، فكان لا يمر ببلد إلا فرش ~~أهله الرياحين. # (حضين بن المنذر بالحاء المهملة المضمومة، والضاد المعجمة المفتوحة، ~~وآخره نون) . # ذكر ms1590 غزو المفضل باذغيس وآخرون # لما ولي المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها، وأصاب مغنما فقسمه، فأصاب كل ~~رجل ثماني مائة. ثم غزا آخرون وشومان، فغنم وقسم ما أصاب، ولم يكن للمفضل ~~بيت مال، كان يعطي الناس كلما جاء شيء، وإن غنم شيئا قسمه بينهم. # ذكر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم # في هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ. # وكان سبب مصيره إلى ترمذ أن أباه لما قتل من قتل من بني تميم، وقد تقدم ~~ذكر ذلك، تفرق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بني تميم ~~على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلي، واقطع نهر بلخ حتى تلتجئ إلى بعض ~~الملوك، وإلى حصن تقيم فيه. فرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس، واجتمع ~~إليه تتمة أربعمائة، وانضم إليه قوم من بني سليم، فأتى زم، فقاتله أهلها، ~~فظفر بهم فأصاب مالا، وقطع النهر وأتى بخارى، فسأل صاحبها أن يلجأ إليه ~~فأبى. فخافه وقال: رجل فاتك وأصحابه مثله فلا آمنه. ووصله وسار، فلم يأت ~~ملكا يلجأ إليه إلا كره مقامه عنده، فأتى سمرقند فأقام بها، وأكرمه ملكها ~~طرخون، وأذن له في المقام، وأقام ما شاء الله. # PageV03P522 # ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم وخل وخبز وإبريق شراب، وذلك كل عام ~~يوما، يجعلون ذلك لفارس الصغد، فلا يقربه غيره، فإن أكل منه أحد بارزه، ~~فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له. فقال رجل من أصحاب موسى: ما هذه المائدة؟ ~~فأخبر، فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة فجاء مغضبا وقال: يا عربي ~~بارزني! فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم ~~فارسي، لولا أني آمنتك وأصحابك لقتلتكم، اخرجوا عن بلدي. فخرجوا. # فأتى كش، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فخرج موسى إليه وقد ~~اجتمع معه سبعمائة فارس، فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا، وبأصحاب موسى جراح ~~كثيرة، فقال لزرعة بن علقمة: احتل لنا على طرخون. فأتاه فقال: أيها الملك، ~~ما حاجتك إلى أن تقتل موسى وتقتل معه، ms1591 فإنك لا تصل إليه حتى يقتلوا [مثل] ~~عدتهم منكم، ولو قتلته وإياهم جميعا (ما نلت حظا) ، لأن له قدرا في العرب، ~~فلا يأتي أحد خراسان إلا طالبك بدمه. فقال: ليس لي إلى ترك كش في يده سبيل. ~~قال: فكف عنه حتى يرتحل. فكف. # وسار موسى فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج ~~الحصن، وسأل ترمذشاه أن يدخله حصنه فأبى، فأهدى له موسى ولاطفه حتى حصل ~~بينهما مودة، وخرج فتصيد معه. فصنع صاحب ترمذ طعاما، وأحضر موسى ليأكل معه، ~~ولا يحضر إلا في مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة من أصحابه، فدخلوا الحصن ~~وأكلوا، فلما فرغوا قال له: اخرج. قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتي أو ~~قبري. وقاتلهم فقتل منهم عدة، وهرب الباقون، واستولى موسى عليها، وأخرج ~~ترمذشاه منها ولم يعرض له ولا لأصحابه، فأتوا الترك يستنصرونهم على موسى ~~فلم ينصروهم وقالوا: لا نقاتل هؤلاء. وأقام موسى بترمذ، فأتاه جمع من أصحاب ~~أبيه فقوي بهم، فكان يخرج فيغير على ما حوله. # ثم ولي بكير بن وساج خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أمية فسار بنفسه يريد ~~مخالفة بكير فرجع، على ما تقدم ذكره. ثم إن أمية وجه إلى موسى بعد صلح بكير ~~رجلا من خزاعة في جمع كثير، وعاد أهل ترمذ إلى الترك، فاستنصروهم وأعلموهم ~~أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه. فسارت الترك في جمع كثير إلى الخزاعي، ~~فأطاف بموسى الترك والخزاعي، فكان يقاتل الخزاعي أول النهار، والترك آخر ~~النهار، فقاتلهم # PageV03P523 # شهرين أو ثلاثة. ثم إنه أراد أن يبيت الخزاعي وعسكره، فقال له عمرو بن ~~خالد بن حصين الكلابي: ليكن البيات بالعجم، فإن العرب أشد حذرا وأجرأ على ~~الليل، فإذا فرغنا من العجم تفرغنا للعرب. # فأقام حتى ذهب ثلث الليل، وخرج موسى في أربعمائة وقال لعمرو بن خالد: ~~اخرج بعدنا، فكن أنت ومن معك قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا. ثم سار حتى ~~ارتفع فوق عسكر الترك، ورجع إليهم، وجعل أصحابه أرباعا، وأقبل إليهم، فلما ~~رآهم ms1592 أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟ قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد ~~حملوا على الترك وكبروا، فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فيهم، فساروا يقتل ~~بعضهم بعضا وولوا، فأصيب من المسلمين ستة عشر رجلا، وحووا عسكرهم وأصابوا ~~سلاحا كثيرا ومالا، وأصبح الخزاعي وأصحابه وقد كسرهم ذلك، فخافوا مثلها، ~~فقال عمرو بن خالد لموسى: إننا لا نظفر إلا بمكيدة، ولهم أمدادا، وهم ~~كثيرون، فدعني آته لعلي أصيب فرصة، فاضربني وخلاك ذم. فقال له موسى: تتعجل ~~الضرب وتتعرض للقتل. قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له، وأما ~~الضرب فما أيسره في جنب ما أريد. فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج من عسكر موسى ~~وأتى عسكر الخزاعي مستأمنا، وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن ~~خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، وإنه اتهمني وقال: قد تعصبت لعدونا ~~وأنت عين له، فضربني ولم آمن القتل فهربت منه. فآمنه الخزاعي وأقام معه، ~~فدخل يوما وهو خال ولم ير عنده سلاحا، فقال كأنه ينصح له: أصلح الله ~~الأمير، إن مثلك في مثل هذه الحال لا ينبغي أن يكون بغير سلاح. قال: إن معي ~~سلاحا. فرفع طرف فراشه فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضربه حتى قتله، وخرج ~~فركب فرسه وأتى موسى، وتفرق ذلك الجيش، وأتى بعضهم موسى مستأمنا فآمنه، ولم ~~يوجه إليه أمية أحدا. # وعزل أمية وقدم المهلب أميرا، فلم يتعرض لموسى وقال لبنيه: إياكم وموسى، ~~فإنكم لا تزالون ولاة خراسان ما دام هذا الثبط بمكانه، فإن قتل فأول طالع ~~عليكم أمير على خراسان من قيس. فلما مات المهلب وولي يزيد لم يتعرض أيضا ~~لموسى. # وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعي، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، ~~فلما ولي يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما، وقتل أخاهما لأمهما الحارث ~~بن منقذ، فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به، وكان ثابت محبوبا إلى ~~الترك بعيد الصوت فيهم، فغضب له طرخون، وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى ~~والصغانيان، فقدموا مع ms1593 ثابت إلى موسى، وقد اجتمع إلى موسى فل عبد الرحمن بن # PageV03P524 # العباس من هراة، وفل ابن الأشعث من العراق، ومن ناحية كابل، فاجتمع معه ~~ثمانية آلاف، فقال له ثابت وحريث: سر حتى تقطع النهر، وتخرج يزيد عن خراسان ~~ونوليك. فهم أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد عن خراسان تولى ثابت ~~وأخوه خراسان وغلباك عليها. فلم يسر وقال لثابت وحريث: إن أخرجنا يزيد قدم ~~عامل لعبد الملك، ولكنا نخرج عمال يزيد عما وراء النهر ويكون لنا، فأخرجوا ~~عمال يزيد عما وراء النهر وجبوا الأموال، فقوي أمرهم، وانصرف طرخون ومن ~~معه، واستبد ثابت وحريث بتدبير الأمر، والأمير موسى ليس له غير الاسم. # فقيل لموسى: ليس لك من الأمور شيء، والأمور إلى ثابت وحريث فاقتلهما وتول ~~الأمر. فأبى، فألحوا عليه حتى أفسدوا قلبه عليهما، وهم بقتلهما. # فإنهم لفي ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة والتبت والترك في سبعين ألفا لا ~~يعدون الحاسر، ولا صاحب البيضة الجماء، ولا يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس. ~~فخرج ابن خازم وقاتلهم فيمن معه، ووقف ملك الترك على تل في عشرة آلاف في ~~أكمل عدة، والقتال أشد ما كان، فقال موسى: إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون ~~بشيء. فقصد لهم حريث بن قطبة فقاتلهم وألح عليهم حتى أزالهم عن التل، ورمي ~~حريث بنشابة في جبهته، فتحاجزوا، فبيتهم موسى، وحمل أخوه خازم بن عبد الله ~~بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم، فوجأ رجلا منهم بقبيعة سيفه، فطعن فرسه، ~~فاحتمله الفرس فألقاه في نهر بلخ فغرق، وقتل من الترك خلق كثير، ونجا من ~~نجا منهم بشر، ومات حريث بعد يومين. # ورجع موسى، وحمل معه الرؤوس فبنى منها جوسقين. وقال أصحاب موسى: قد كفينا ~~أمر حريث، فاكفنا أمر ثابت. فأبى، وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه، فدس محمد ~~بن عبد الله الخزاعي - عم نصر بن عبد الحميد، عامل أبي مسلم على الري - على ~~موسى، وقال: إياك أن تتكلم بالعربية، وإن سألوك فقل: أنا من سبي الباميان. ~~ففعل ذلك واتصل بموسى، ms1594 وكان يخدمه وينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت، وألح ~~القوم على موسى. فقال لهم ليلة: لقد أكثرتم علي وفيما تريدون هلاككم، فعلى ~~أي وجه تقتلونه، وأنا لا أغدر به؟ قال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عدلنا به ~~إلى بعض الدور، فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك. فقال: والله إنه هلاككم، ~~وأنتم أعلم. # PageV03P525 # فخرج الغلام فأتى ثابتا فأخبره، فخرج من ليلته في عشرين فارسا ومضى. ~~وأصبحوا فلم يروه ولم يروا الغلام، فعلموا أنه كان عينا له. # ونزل ثابت بحوشرا، واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم، فأقبل موسى ~~إليه وقاتله، وتحصن ثابت بالمدينة، وأتاه طرخون معينا له، فرجع موسى إلى ~~ترمذ، وأقبل ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى ونسف وكش، فاجتمعوا في ثمانين ~~ألفا، فحصروا موسى حتى جهد هو وأصحابه، فلما اشتد عليهم قال يزيد بن هذيل: ~~والله لأقتلن ثابتا أو لأموتن. فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير: أنا ~~أعرف بهذا منك، ما أتاك إلا بغدره فاحذره، فأخذ ابنيه قدامة والضحاك رهنا، ~~فكانا في يد ظهير. # وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد ~~القصير الخزاعي، فخرج ثابت إليه ليعزيه وهو بغير سلاح وقد غابت الشمس، فدنا ~~يزيد من ثابت فضربه على رأسه، فوصل إلى الدماغ وهرب فسلم، وأخذ طرخون قدامة ~~والضحاك ابني يزيد فقتلهما، وعاش ثابت سبعة أيام ومات، وقام بأمر العجم بعد ~~موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت، فقاما قياما ضعيفا، وانتشر ~~أمرهم وأجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك، وقال: موسى يعجز أن ~~يدخل متوضأه، فكيف يبيتنا؟ لا يحرس الليلة أحد. # فخرج موسى في ثمانمائة وجعلهم أرباعا وبيتهم، وكان لا يمر بشيء إلا ~~ضربوه، من رجل ودابة وغير ذلك، فلبس نيزك سلاحه ووقف، وأرسل طرخون إلى موسى ~~أن كف أصحابك، فإنا نرحل إذا أصبحنا. فرجع موسى وارتحل طرخون والعجم جميعا. # فكان أهل خراسان يقولون: ما رأينا مثل موسى ولا سمعنا به، قاتل مع أبيه ~~سنتين، ثم خرج ms1595 يسير في بلاد خراسان، فأتى ملكا فغلب على مدينته وأخرجه ~~منها، وسار الجنود من العرب والترك إليه، وكان يقاتل العرب أول النهار ~~والترك آخر النهار. # وأقام موسى في الحصن خمس عشرة سنة، وصار ما وراء النهر لموسى لا ينازعه ~~فيه أحد. # فلما عزل يزيد بن المهلب وولي المفضل أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى ~~بن عبد الله، فسير عثمان بن مسعود إليه في جيش، وكتب إلى مدرك بن المهلب ~~وهو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النهر في خمسة عشر ألفا، فكتب إلى السبل ~~وإلى # PageV03P526 # طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى وضيقوا عليه وعلى أصحابه. # فمكث شهرين في ضيق، وقد خندق عثمان عليه وحذر البيات، فقال موسى لأصحابه: ~~اخرجوا بنا، حتى متى نصبر، فاجعلوا يومكم معهم إما ظفرتم وإما قتلتم، ~~واقصدوا الترك. فخرجوا وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم في ~~المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان، وادفعها إلى مدرك ~~بن المهلب. وخرج وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، وقال: لا تقاتلوه إلا أن ~~يقاتلكم. وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم القتال، فانهزم طرخون وأخذوا عسكرهم، ~~وزحفت الترك والصغد فحالوا بين موسى والحصن، فقاتلهم، فعقروا فرسه فسقط، ~~فقال لمولى له: احملني، فقال: الموت كريه، ولكن ارتدف، فإن نجونا نجونا ~~جميعا، وإن هلكنا هلكنا جميعا. قال: فارتدف، فلما نظر إليه عثمان حين وثب ~~قال: وثبة موسى ورب الكعبة! وقصد إلى موسى، وعقرت دابة موسى فسقط هو ~~ومولاه، فقتلوه، ونادى منادي عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيرا، ولا تقتلوا ~~أحدا. # فقتل ذلك اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة، فكان يقتل العرب، ~~ويضرب المولى ويطلقه، وكان فظا غليظا. # وكان الذي أجهز على موسى واصل بن طيسلة العنبري. # وبقيت المدينة بيد النضر بن سليمان، فلم يدفعها إلى عثمان، وسلمها إلى ~~مدرك بن المهلب وآمنه، فسلمها مدرك إلى عثمان. وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل ~~موسى فقال: العجب منه! أكتب إليه بقتل ابن سبرة فيكتب إلي أنه لمآبه، ويكتب ~~إلي أنه قد قتل ms1596 موسى بن عبد الله بن خازم. ولم يسره قتل موسى لأنه من قيس. # وقتل موسى سنة خمس وثمانين، وضرب رجل من الجند ساق موسى، فلما ولي قتيبة ~~قال: ما دعاك إلى ما صنعت بفتى العرب بعد موته؟ قال: كان قتل أخي. فأمر به ~~فقتل. # ذكر موت عبد العزيز بن مروان والبيعة للوليد بولاية العهد # كان عبد الملك بن مروان أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد، ~~ويبايع لابنه الوليد بن عبد الملك، فنهاه عن ذلك قبيصة بن ذؤيب وقال: لا ~~تفعل، فإنك تبعث # PageV03P527 # على نفسك صوت عار، ولعل الموت يأتيه [فتستريح منه] . فكف عنه ونفسه ~~تنازعه إلى خلعه. فدخل عليه روح بن زنباع، وكان أجل الناس عند عبد الملك، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيه عنزان، وأنا أول من يجيبك ~~إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله. ونام روح عند عبد الملك، فدخل عليهما ~~قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه أن لا يحجبوا ~~قبيصة عنه، وكان إليه الخاتم والسكة، تأتيه الأخبار قبل عبد الملك والكتب. ~~فلما دخل سلم عليه، قال: آجرك الله في عبد العزيز أخيك. قال: هل توفي؟ قال: ~~نعم. فاسترجع ثم أقبل على روح وقال: كفانا الله ما كنا نريد، وكان ذلك ~~مخالفا لك يا قبيصة. فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إن الرأي كله في ~~الأناة، فقال عبد الملك: وربما كان في العجلة خير كثير، رأيت أمر عمرو بن ~~سعيد، ألم تكن العجلة فيه خيرا من الأناة؟ # وكانت وفاة عبد العزيز في جمادى الأولى في مصر، فضم عبد الملك عمله إلى ~~ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه مصر. # وقيل: إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد، وأوفد في ذلك ~~وفدا، فلما أراد عبد الملك خلع عبد العزيز والبيعة للوليد كتب إلى عبد ~~العزيز: إن رأيت أن يصير هذا الأمر لابن أخيك. فأبى، فكتب إليه ليجعل الأمر ~~له، ويجعله له أيضا من بعده. فكتب ms1597 إليه عبد العزيز: إني أرى في ابني أبي ~~بكر ما ترى في الوليد. فكتب إليه عبد الملك ليحمل خراج مصر، فأجابه عبد ~~العزيز: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل ~~بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت ~~أن لا تفسد علي بقية عمري فافعل. فرق له عبد الملك وتركه، وقال للوليد ~~وسليمان: إن يرد الله أن يعطيكما الخلافة لا يقدر أحد من العباد على رد ~~ذلك. فقال عبد الملك حيث رده عبد العزيز: اللهم إنه قطعني فاقطعه. # فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره. فلما أتى ~~خبر موته إلى عبد الملك أمر الناس بالبيعة لابنيه الوليد وسليمان، فبايعوا، ~~وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان. وكان على المدينة هشام بن إسماعيل، فدعا ~~الناس إلى البيعة فأجابوا، إلا سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال: لا أبايع ~~وعبد الملك حي، فضربه هشام ضربا مبرحا، # PageV03P528 # وطاف به وهو في تبان شعر حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ويصلبون عندها، ~~ثم ردوه وحبسوه. فقال سعيد: لو ظننت أنهم [لا] يصلبونني ما لبست ثياب مسوح، ~~ولكنني قلت: يصلبونني فيسترني. فبلغ عبد الملك الخبر فقال: قبح الله هشاما، ~~إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع فيضرب عنقه أو يكف ~~عنه. وكتب إليه يلومه ويقول له: إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف. # وقد كان سعيد امتنع من بيعة ابن الزبير وقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس. ~~فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، ~~فكتب إلى جابر يلومه وقال: ما لنا ولسعيد، دعه لا تعرض له. # وقيل: إن بيعة الوليد وسليمان كانت سنة أربع وثمانين، والأول أصح، قبل ~~قدوم عبد العزيز على أخيه عبد الملك من مصر، فلما فارقه وصاه عبد الملك ~~فقال: ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور، فهو أبلغ بك، وانظر ~~حاجبك، وليكن من خير أهلك، فإنه ms1598 وجهك ولسانك، ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك ~~مكانه، لتعلم أنت الذي تأذن له أو ترده، فإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك ~~بالكلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر ~~عليه بالمشاورة، فإنها تفتح مغاليق الأمور المهمة، واعلم أن لك نصف الرأي ~~ولأخيك نصفه، ولن يهلك امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته، فإنك ~~على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها. والسلام. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي. وكان العامل على العراق ~~والمشرق الحجاج بن يوسف. وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية، فصاف فيها وشتى. # PageV03P529 # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عمرو بن حريث المخزومي. # وفيها مات عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وقيل سنة سبع، وقيل سنة ~~ثمان وثمانين. # وفيها مات عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي، وكان له لما توفي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين. # PageV03P530 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين] ### | 86 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين # ذكر وفاة عبد الملك # في هذه السنة توفي عبد الملك بن مروان منتصف شوال، وكان يقول: أخاف الموت ~~في شهر رمضان، فيه ولدت، وفيه فطمت، وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لي الناس. ~~فمات للنصف من شوال حين أمن الموت في نفسه. وكان عمره ستين سنة، وقيل: ~~ثلاثا وستين سنة، وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة ~~أشهر إلا سبع ليال، وقيل: وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما. # ولما اشتد مرضه قال بعض الأطباء: إن شرب الماء مات. فاشتد عطشه فقال: يا ~~وليد، اسقني ماء. قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقيني ماء. ~~فمنعها الوليد. فقال: لتدعنها أو لأخلعنك. فقال: لم يبق بعد هذا شيء، فسقته ~~فمات. ودخل الوليد عليه وابنته فاطمة عند رأسه تبكي فقال: كيف أمير ~~المؤمنين؟ قال: هو أصلح. فلما خرج قال عبد الملك: ومستخبر عنا يريد لنا ~~الردى ومستخبرات والدموع سواجم # وأوصى بنيه فقال: أوصيكم ms1599 بتقوى الله، فإنها أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف ~~الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا ~~عن رأيه، فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ومجنكم الذي عنه ترمون، فأكرموا ~~الحجاج، فإنه الذي وطأ لكم المنابر، ودوخ لكم البلاد، وأذل الأعداء، وكونوا ~~بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أمرارا، فإن القتال لا ~~يقرب ميتة، وكونوا للمعروف # PageV03P531 # منارا، فإن المعروف يبقى أجره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب، ~~فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتمغدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن ~~استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا. # ولما توفي دفن خارج باب الجابية، وصلى عليه الوليد، فتمثل هشام: فما كان ~~قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما # فقال الوليد: اسكت، فإنك تتكلم بلسان شيطان، ألا قلت كما قال أوس بن حجر: ~~إذا مقرم منا ذرا حد نابه تخمط منا ناب آخر مقرم # وقيل: إن سليمان تمثل بالبيت الأول. وهو الصحيح ; لأن هشاما كان صغيرا له ~~أربع عشرة سنة. وقد رثى الشعراء عبد الملك، كثير عزة وغيره، فمما قيل فيه: ~~سقاك ابن مروان من الغيث مسبل أجش شمالي يجود ويهطل فما في حياة بعد موتك ~~رغبة لحر وإن كنا الوليد نؤمل # ذكر نسبه وأولاده وأزواجه # أما نسبه فهو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. # وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية. # وأما أولاده وأزواجه فمنهم: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر درج، وعائشة، ~~أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة العبسية. ومنهم: ~~يزيد، ومروان، ومعاوية درج، وأم كلثوم، وأمهم عاتكة ابنة يزيد بن معاوية بن ~~أبي سفيان. ومنهم هشام، وأمه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد بن ~~المغيرة المخزومية، واسمها عائشة، ومنهم أبو بكر، وهو بكار، أمه عائشة بنت ~~موسى بن طلحة بن عبيد الله. ومنهم الحكم درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن ~~عثمان ms1600 بن عفان. ومنهم فاطمة بنت # PageV03P532 # عبد الملك، أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن ~~المغيرة. ومنهم عبد الله، ومسلمة، والمنذر، وعنبسة، ومحمد، وسعيد الخير، ~~والحجاج، لأمهات أولاد. # وكان له من النساء شقراء بنت مسلم بن حليس الطائي، وأم أبيها ابنة عبد ~~الله بن جعفر بن أبي طالب. وقيل: كان عنده ابنة لعلي بن أبي طالب. ولا يصح. # ذكر بعض أخباره # كان عبد الملك عاقلا، حازما، أديبا، لبيبا، عالما. # قال أبو الزياد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن ~~الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. وقال الشعبي: ما ذاكرت أحدا ~~إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك، فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني ~~فيه، ولا شعرا إلا زادني فيه. وقال جعفر بن عقبة الخطائي: قيل لعبد الملك: ~~أسرع إليك الشيب. فقال: شيبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن. # وقال عبد الملك: ما أعلم أحدا أقوى على هذا الأمر مني، إن ابن الزبير ~~لطويل الصلاة، كثير الصيام، ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسا. # قال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرضه: كيف تجدك؟ قال: أجدني كما قال ~~الله - تعالى -: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم} [الأنعام: 94] الآية. وقال المفضل بن فضالة عن أبيه: ~~استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض، فدخلوا عليه وقد أسنده ~~خصي إلى صدره، فقال لهم: إنكم دخلتم علي عند إقبال آخرتي وإدبار دنياي، ~~وإني تذكرت أرجى عمل لي فوجدتها غزوة # PageV03P533 # غزوتها في سبيل الله وأنا خلو من هذه الأشياء، فإياكم وإيا أبوابنا هذه ~~الخبيثة أن تطيفوا بها. # وقال سعيد بن عبد العزيز التنوخي: لما نزل بعبد الملك بن مروان الموت أمر ~~بفتح باب قصره، فإذا قصار يقصر ثوبا فقال: يا ليتني كنت قصارا! يا ليتني ~~كنت قصارا! مرتين. فقال سعيد بن عبد العزيز: الحمد لله الذي جعلهم يفزعون ~~إلينا ولا نفزع إليهم. # وقال سعيد بن بشير: إن عبد الملك حين ms1601 ثقل جعل يلوم نفسه، ويضرب يده على ~~رأسه، وقال: وددت أني كنت أكتسب يوما بيوم ما يقوتني، وأشتغل بطاعة الله. ~~فذكر ذلك لابن خازم، فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن ~~فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه. وقال مسعود بن خلف: قال عبد الملك بن ~~مروان في مرضه: والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنما في جبالها، ~~وأني لم أك شيئا. # وقال عمران بن موسى المؤدب: يروى أن عبد الملك بن مروان لما اشتد مرضه ~~قال: ارفعوني على شرف. ففعل ذلك. فتنسم الروح ثم قال: يا دنيا ما أطيبك! إن ~~طويلك لقصير، وإن كبيرك لحقير، وإن كنا منك لفي غرور! وتمثل بهذين البيتين: ~~إن تناقش يكن نقاشك يارب عذابا، لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت رب صفوح ~~عن مسيء ذنوبه كالتراب # ويروى أن هذه الأبيات تمثل بها معاوية، ويحق لعبد الملك أن يحذر هذا ~~الحذر ويخاف، فإن من يكن الحجاج بعض سيئاته يعلم على أي شيء يقدم عليه. # قال عبد الملك لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد، صرت أعمل الخير فلا أسر به، ~~وأصنع الشر فلا أساء به. فقال: الآن تكامل فيك موت القلب. # وكان عبد الملك أول من غدر في الإسلام، وقد تقدم فعله بعمرو بن سعيد، ~~وكان أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، وأول من نهى عن الكلام ~~في حضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعونهم، وأول خليفة بخل، وكان يقال له ~~رشح # PageV03P534 # الحجارة لبخله، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف، فإنه قال في خطبته بعد ~~قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. # PageV03P535 # بسم الله الرحمن الرحيم # ذكر خلافة الوليد بن عبد الملك # فلما دفن عبد الملك بن مروان انصرف الوليد عن قبره، فدخل المسجد، وصعد ~~المنبر، واجتمع إليه الناس، فخطبهم، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ~~المستعان على مصيبتنا لموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من ~~الخلافة، ms1602 قوموا فبايعوا. # وكان أول من عزى نفسه وهنأها، وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام ~~السلولي وهو يقول: # الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها # عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها # فبايعه ثم قام الناس لبيعته. # وقيل: إن الوليد لما صعد المنبر حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها ~~الناس، لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم، وهذا كان من قضاء الله ~~وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت، وقد صار إلى منازل ~~الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق عليه لله من الشدة على المريب، واللين ~~لأهل الحق والفضل، وإقامة من أقام الله من منار الإسلام، وأعلام من حج ~~البيت، وغزو الثغور، وشن الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزا ولا مفرطا. ~~أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس ~~من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات # PageV04P005 # بدائه، ثم نزل، وكان جبارا عنيدا. # ذكر ولاية قتيبة خراسان وما كان منه هذه السنة # وفي هذه السنة قدم قتيبة خراسان أميرا عليها للحجاج، فقدمها والمفضل يعرض ~~الجند للغزاة، فخطب قتيبة الناس، وحثهم على الجهاد، ثم عرضهم وسار، وجعل ~~بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان السعيدي. # فلما كان بالطالقان أتاه دهاقين بلخ وساروا معه، فقطع النهر، فتلقاه ملك ~~الصغانيان بهدايا ومفاتيح من ذهب ودعاه إلى بلاده، فمضى معه، فسلمها إليه ; ~~لأن ملك آخرون وشومان كان يسيء جواره. # ثم سار قتيبة منها إلى آخرون وشومان، وهما من طخارستان، فصالحه ملكها على ~~فدية أداها إليه فقبلها قتيبة، ثم انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه ~~صالح بن مسلم، ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت، وهي من فرغانة، وفتح ~~أخسيكت، وهي مدينة فرغانة القديمة، وكان معه نصر بن سيار، فأبلى بلاء حسنا. # وقيل: إن قتيبة قدم خراسان سنة خمس وثمانين، فعرض الجند، فغزا آخرون ~~وشومان، ثم رجع إلى مرو. ms1603 وقيل: إنه أقام السنة، ولم يقطع النهر لسبب بلخ، ~~فإن بعضها كان منتقضا عليه فحاربهم، وكان ممن سبى امرأة برمك أبي خالد بن ~~برمك، وكان برمك على النوبهار، فصارت لعبد الله بن مسلم أخي قتيبة، فوقع ~~عليها. ثم إن أهل بلخ صالحوه، وأمر قتيبة برد السبي، فقالت امرأة برمك لعبد ~~الله: إني قد علقت منك، وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة، فأوصى أن يلحق به ~~ما في بطنها، وردت إلى برمك. فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاءوا أيام ~~المهدي حين قدم الري إلى خالد فادعوه. فقال لهم مسلم بن قتيبة: إنه لا بد ~~لكم إن استلحقتموه ففعل [من] أن تزوجوه. فتركوه. وكان برمك طبيبا. # PageV04P006 # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. # وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان، وعبد ~~الملك عن شرطته. # وحج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي. # وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف. # [الوفيات] # وفي أيام عبد الملك مات أسيد بن ظهير الأنصاري. # (أسيد بضم الهمزة. وظهير بضم الظاء المعجمة) . # وفيها مات عمر بن أبي سلمة، وهو ابن أم سلمة. # وفي أيامه مات علقمة بن وقاص الليثي، وله صحبة. # وفي هذه السنة مات قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وولد أول سنة من الهجرة، وحنكه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكان على خاتم عبد الملك بن مروان، وكان فقيها. # وفي أيامه مات سعد بن زيد الأنصاري، وولد على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # PageV04P007 # وفي أيامه مات سلمة بن أم سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي هذه السنة مات عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، وقيل سنة سبع وثمانين، ~~شهد الحديبية وخيبر. # وفي آخر أيامه مات الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، وولد في آخر زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي هذه السنة توفي لاحق بن حميد أبو مجلز السدوسي. # PageV04P008 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثمانين] ### | 87 - # ثم دخلت سنة سبع وثمانين # ذكر ms1604 إمارة عمر بن عبد العزيز بالمدينة # وفي هذه السنة عزل الوليد هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من ~~ربيع الأول، وكانت إمارته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه، وولى عمر بن ~~عبد العزيز المدينة، فقدمها واليا في ربيع الأول، وثقله على ثلاثين بعيرا، ~~فنزل دار مروان، وجعل يدخل عليه الناس فيسلمون، فلما صلى الظهر دعا عشرة من ~~الفقهاء الذين في المدينة: عروة بن الزبير، وأبا بكر بن سليمان بن أبي ~~خيثمة، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ~~وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمرو، وعبد الله ~~بن عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فدخلوا ~~عليه، فقال لهم: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على ~~الحق، لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم ~~أحدا يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا ~~بلغني. فخرجوا يجزونه خيرا وافترقوا. # وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، ~~وكان سيئ الرأي فيه، وكان هشام بن إسماعيل يسيء جوار علي بن الحسين، فخافه ~~هشام، فتقدم علي بن الحسين إلى خاصته ألا يعرض له أحد بكلمة، ومر به علي ~~وقد وقف للناس ولم يعرض له، فناداه هشام: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ~~[الأنعام: 124] . # ذكر صلح قتيبة ونيزك # ولما صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى نيزك طرخان صاحب باذغيس في إطلاق من ~~عنده من أسراء المسلمين، وكتب إليه يتهدده، فخافه نيزك فأطلق الأسرى وبعث ~~بهم # PageV04P009 # إليه، وكتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه ~~إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، وكتب إليه يحلف بالله لئن لم يقدم عليه ليغزونه ~~ثم ليطلبنه حيث كان، حتى يظفر به أو يموت دونه. # فقدم سليم بالكتاب، فقال له نيزك، وكان يستنصحه: يا سليم ما ms1605 أظن عند ~~صاحبك خيرا، كتب إلي كتابا لا يكتب إلى مثلي. فقال له سليم: إنه رجل شديد ~~في سلطانه، سهل إذا سوهل، صعب إذا عوسر، فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك، ~~فأحسن حالك عنده. فقام نيزك مع سليم، فصالحه أهل باذغيس على أن لا يدخلها ~~قتيبة. # ذكر غزو الروم قيل: وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم، فقتل ~~منهم عددا كثيرا بسوسنة من ناحية المصيصة، وفتح حصونا. وقيل: إن الذي غزا ~~في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق وحصن الأخرم وحصن بولس ~~وقمقم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل، وسبى ذريتهم ونساءهم. # ذكر غزو قتيبة بيكند ولما صالح قتيبة نيزك أقام إلى وقت الغزو، فغزا ~~بيكند سنة سبع وثمانين، وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر، فلما نزل بهم ~~استنصروا الصغد، واستمدوا من حولهم، فأتوهم في جمع كثير، وأخذوا الطرق على ~~قتيبة، فلم ينفذ لقتيبة رسول، ولم يصل إليه خبر شهرين، وأبطأ خبره على ~~الحجاج فأشفق على الجند، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد، وهم يقتتلون ~~كل يوم. # وكان لقتيبة عين من العجم، يقال له تندر، فأعطاه أهل بخارى مالا ليرد ~~عنهم قتيبة، فأتاه فقال له سرا من الناس: إن الحجاج قد عزل، وقد أتى عامل ~~إلى خراسان، فلو رجعت بالناس كان أصلح. فأمر به فقتل خوفا من أن يظهر الخبر ~~فيهلك الناس، ثم # PageV04P010 # أمر أصحابه بالجد في القتال، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم الكفار يريدون ~~المدينة وتبعهم المسلمون قتلا وأسرا كيف شاءوا، وتحصن من دخل المدينة بها، ~~فوضع قتيبة الفعلة ليهدم سورها، فسألوه الصلح، فصالحهم واستعمل عليهم ~~عاملا، وارتحل عنهم يريد الرجوع، فلما سار خمسة فراسخ نقضوا الصلح وقتلوا ~~العامل ومن معه، فرجع قتيبة فنقب سورهم فسقط، فسألوه الصلح، فلم يقبل، ~~ودخلها عنوة، وقتل من كان بها من المقاتلة. # وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور هو الذي استجاش الترك على المسلمين، ~~فقال لقتيبة: أنا أفدي نفسي بخمسة آلاف حريرة، قيمتها ألف ألف. فاستشار ~~قتيبة ms1606 الناس فقالوا: هذه زيادة في الغنائم، وما عسى أن يبلغ كيد هذا، قال: ~~لا والله لا يروع بك مسلم أبدا! فأمر به فقتل. # وأصابوا فيها من الغنائم والسلاح، وآنية الذهب والفضة ما لا يحصى، ولا ~~أصابوا بخراسان مثله، فقوي المسلمون، وولي قسم الغنائم عبد الله بن وألان ~~العدوي أحد بني ملكان، وكان قتيبة يسميه الأمين ابن الأمين، فإنه كان ~~أمينا. # وكان من حديث أمانة أبيه أن مسلما الباهلي أبا قتيبة قال لوألان: إن عندي ~~مالا أحب أن أستودعكه ولا يعلم به أحد. قال وألان: ابعث به مع رجل تثق به ~~إلى موضع كذا وكذا، ومره إذا رأى في ذلك الموضع رجلا أن يضع المال وينصرف. ~~فجعل مسلم المال في خرج، وحمله على بغل، وقال لمولى له: انطلق بهذا المال ~~إلى موضع كذا وكذا، فإذا رأيت رجلا جالسا، فخل البغل وانصرف. ففعل المولى ~~ما أمره، وأتى المكان، وكان وألان قد سبقه إليه وانتظر، وأبطأ عليه رسول ~~مسلم، فظن أنه قد بدا له فانصرف، وجاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك المكان، ~~وجاء مولى مسلم فرآه فسلم إليه البغل ورجع، فأخذ التغلبي البغل والمال ورجع ~~إلى منزله، وظن مسلم أن المال قد أخذه وألان، فلم يسأله حتى احتاج إليه، ~~فلقيه فقال: مالي! فقال: ما قبضت شيئا، ولا لك عندي مال، فكان مسلم يشكوه ~~إلى الناس، فشكاه يوما والتغلبي جالس، فخلا به التغلبي، وسأله عن المال، ~~فأخبره، فانطلق به إلى منزله، وسلم المال إليه وأخبره الخبر، فكان مسلم ~~يأتي الناس والقبائل، فيذكر لهم عذر وألان ويخبرهم الخبر. # قال: فلما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو. # PageV04P011 # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة. # وكان على قضاء المدينة أبو بكر بن عمر بن حزم. وكان على العراق وخراسان ~~الحجاج، وكان خليفته على البصرة هذه السنة الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى ~~قضائها عبد الله بن أذينة، وكان على قضاء الكوفة أبو بكر بن موسى الأشعري. ms1607 # [الوفيات] # وفيها مات عبيد الله بن عباس بالمدينة، وقيل باليمن، وكان أصغر من عبد ~~الله بسنة. # وفيها مات مطرف بن عبد الله بن الشخير في طاعون الجارف بالبصرة. # وفيها مات المقدام بن معد يكرب الكندي، له صحبة، وقيل مات سنة إحدى ~~وتسعين. # وفيها مات أمية بن عبد الله بن أسيد. # (أسيد: بفتح الهمزة. الشخير: بكسر الشين والخاء المعجمتين، وتشديد الخاء ~~وبعدها ياء) . # PageV04P012 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين] ### | 88 - # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين # ذكر فتح طوانة من بلد الروم # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك ~~بلد الروم، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك ~~الروم يعرفه أن الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية قد أجمعوا على قصد ~~بلاده، ففعل ذلك، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، وأكثر ~~وأعظم جهازه، وساروا نحو الجزيرة، ثم عطفوا منها إلى بلد الروم، فاقتتلوا ~~هم والروم، فانهزم الروم ثم رجعوا، فانهزم المسلمون، فبقي العباس في نفر، ~~منهم ابن محيريز الجمحي، فقال له العباس: أين أهل القرآن الذين يريدون ~~الجنة؟ فقال ابن محيريز: نادهم يأتوك. فنادى العباس: يا أهل القرآن! ~~فأقبلوا جميعا، فهزم الله الروم حتى دخلوا طوانة، وحصرهم المسلمون وفتحوها ~~في جمادى الأولى. # قيل: وفيها ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك. # ذكر عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم # قيل: وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في ربيع الأول ~~يأمره بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في مسجد رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، وأن يشتري ما في نواحيه # PageV04P013 # حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت ~~تقدر لمكان أخوالك، وإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم، فقوموا ملكه قيمة ~~عدل، واهدم عليهم، وادفع الأثمان إليهم، فإن لك في عمر وعثمان أسوة. # فأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب، فأجابوه إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخذوا في ~~هدم بيوت أزواج رسول الله ms1608 صلى الله عليه وسلم، وبنى المسجد، وقدم عليهم ~~الفعلة من الشام، أرسلهم الوليد، وبعث الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه قد ~~هدم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ليعمره، فبعث إليه ملك الروم مائة ألف ~~مثقال ذهب، ومائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا، فبعث الوليد ~~بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، وحضر عمر ومعه الناس، فوضعوا أساسه، وابتدءوا ~~بعمارته. # قيل: وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم أيضا، ففتح ثلاثة حصون: ~~- أحدها حصن قسطنطين -، وغزالة، وحصن الأخرم، وقتل من المستعربة نحوا من ~~ألف وأخذ الأموال. # ذكر غزو نومشكت ورامثنة # قيل: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم نومشكث، واستخلف على مرو أخاه يسار ~~بن مسلم، فتلقاه أهلها فصالحهم، ثم سار إلى رامثنة، فصالحه أهلها وانصرف ~~عنهم. # وزحف إليه الترك ومعهم الصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف، وملكهم كورمغانون ~~بن أخت ملك الصين، فاعترضوا المسلمين، فلحقوا عبد الرحمن بن # PageV04P014 # مسلم أخا قتيبة وهو على الساقة، وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، ~~فلما قربوا منه أرسل إلى قتيبة بخبره، وأدركه الترك فقاتلوه، ورجع قتيبة ~~فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتل الترك، وقد كاد الترك يظهرون، فلما رأى ~~المسلمون قتيبة طابت نفوسهم، وقاتلوا إلى الظهر، وأبلى يومئذ نيزك، وهو مع ~~قتيبة، فانهزم الترك، ورجع قتيبة فقطع النهر عند ترمذ وأتى مرو. # ذكر ما عمل الوليد من المعروف # وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر ~~الآبار، وأمره أن يعمل الفوارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، فلما حج ~~الوليد ورآها أعجبته، فأمر لها بقوام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن ~~يستقوا منها، وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطرق، وعمل الآبار، ومنع ~~المجذمين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأرزاق. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز، ووصل جماعة من قريش، وساق معه ~~بدنا وأحرم من ذي الحليفة، فلما كان بالتنعيم أخبر أن مكة قليلة الماء، ~~وأنهم يخافون على الحاج العطش، فقال ms1609 عمر: تعالوا ندع الله تعالى، فدعا ودعا ~~معه الناس، فما وصلوا البيت إلا مع المطر وسال الوادي، فخاف أهل مكة من ~~شدته، ومطرت عرفة ومكة وكثر الخصب. # وقيل إنما حج هذه السنة عمر بن الوليد بن عبد الملك. # وكان العمال من تقدم ذكرهم. # PageV04P015 # [الوفيات] # وفيها مات سهل بن سعد الساعدي، وقيل: بل سنة إحدى وتسعين، وله مائة سنة. # وعبد الله بن بسر المازني من مازن بن منصور، وكان ممن صلى القبلتين، وهو ~~آخر من مات بالشام من الصحابة. # (بسر بضم الباء الموحدة، وبالسين المهملة) . # PageV04P016 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين] ### | 89 - # ثم دخلت سنة تسع وثمانين # ذكر غزو الروم # قيل: في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد ~~الملك الروم، فافتتح مسلمة حصن عمورية، وفتح العباس أذرولية، ولقي من الروم ~~جمعا فهزمهم. # وقيل: إن مسلمة قصد عمورية، فلقي بها جمعا من الروم كثيرا، فهزمهم وافتتح ~~هرقلة وقمونية، وغزا العباس الصائفة من ناحية البذندون. # ذكر غزو قتيبة بخارى # وفي هذه السنة أتى قتيبة كتاب الحجاج يأمره بقصد وردان خذاه، فعبر النهر ~~من زم، فلقي الصغد وأهل كش ونسف في طريق المفازة فقاتلوه، فظفر بهم، ومضى ~~إلى بخارى، فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان، فلقوه في جمع كثير، فقاتلهم ~~يومين وليلتين فظفر بهم، وغزا وردان خذاه ملك بخارى، فلم يظفر بشيء، فرجع ~~إلى مرو وكتب إلى الحجاج بخبره، فكتب إليه الحجاج أن صورها [لي] ، فبعث ~~إليه بصورتها، فكتب إليه الحجاج أن تب إلى الله، جل ثناؤه، مما كان منك، ~~وأتها من مكان كذا وكذا، وكتب إليه: أن كس بكش، وانسف نسف، ورد وردان، ~~وإياك والتحويط، ودعني من ثنيات الطريق. # PageV04P017 # وقيل: إنما كان فتح بخارى سنة تسعين، على ما نذكره. # ذكر ولاية خالد بن عبد الله القسري مكة # قيل: وفي هذه السنة ولي خالد بن عبد الله القسري مكة، فخطب أهلها فقال: ~~أيها الناس أيهما أعظم، خليفة الرجل على أهله، أو رسوله إليهم؟ والله لو لم ~~تعلموا فضل الخليفة ms1610 إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، ~~واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، يعني بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئرا ~~حفرها الوليد بثنية طوى في ثنية الحجون، وكان ماؤها عذبا، وكان ينقل ماءها ~~ويضعه في حوض إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها، ~~فلا يدرى أين هو اليوم. # وقيل: وليها سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقد ذكرناه هناك. # ذكر قتل ذاهر ملك السند # في هذه السنة قتل محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، - ~~يجتمع هو والحجاج في الحكم -، ذاهر بن صعصعة ملك السند، وملك بلاده، وكان ~~الحجاج بن يوسف استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة ألاف مقاتل، وجهزه بكل ~~ما يحتاج إليه حتى المسال والإبر والخيوط، فسار محمد إلى مكران فأقام بها ~~أياما، ثم أتى قنزبور ففتحها، ثم سار إلى أرمائيل ففتحها، ثم سار إلى ~~الديبل، فقدمها يوم جمعة، ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والأداة، ~~فخندق حين نزل الديبل، وأنزل الناس منازلهم، ونصب منجنيقا يقال له العروس، ~~كان يمد به خمسمائة رجل، وكان بالديبل بد عظيم عليه دقل عظيم، وعلى الدقل ~~راية حمراء، إذا هبت الريح أطافت بالمدينة، # PageV04P018 # وكانت تدور، والبد صنم في بناء عظيم، تحت منارة عظيمة مرتفعة، وفي رأس ~~المنارة هذا الدقل، وكل ما يعبد فهو عندهم بد. # فحصرها وطال حصارها، فرمى الدقل بحجر العروس فكسره، فتطير الكفار بذلك، ~~ثم إن محمدا أتى وناهضهم وقد خرجوا إليه، فهزمهم حتى ردهم إلى البلد، وأمر ~~بالسلاليم فنصبت، وصعد عليها الرجال، وكان أولهم صعودا رجل من مراد من أهل ~~الكوفة، ففتحت عنوة، وقتل فيها ثلاثة أيام، وهرب عامل ذاهر عنها، وأنزلها ~~محمد أربعة آلاف من المسلمين، وبنى جامعها، وسار عنها إلى البيرون، وكان ~~أهلها بعثوا إلى الحجاج فصالحوه، فلقوا محمدا بالميرة وأدخلوه مدينتهم، ~~وسار عنها وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران، فأتاه أهل ~~سربيدس فصالحوه، ووظف عليهم الخراج وسار عنهم إلى سهبان ms1611 ففتحها، ثم سار إلى ~~نهر مهران فنزل في وسطه. # وبلغ خبره ذاهر، فاستعد لمحاربته، وبعث جيشا إلى سدوستان، فطلب أهلها ~~الأمان والصلح، فآمنهم ووظف عليهم الخراج، ثم عبر محمد مهران مما يلي بلاد ~~راسل الملك على جسر عقده، وذاهر مستخف به، فلقيه محمد والمسلمون وهو على ~~فيل وحوله الفيلة، ومعه التكاكرة، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله، ~~وترجل ذاهر، فقتل عند المساء، ثم انهزم الكفار، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا، ~~وقال قاتله: # الخيل تشهد يوم ذاهر والقنا ومحمد بن القاسم بن محمد أني فرجت الجمع غير ~~معرد حتى علوت عظيمهم بمهند فتركته تحت العجاج مجندلا متعفر الخدين غير ~~موسد فلما قتل ذاهر غلب محمد على بلاد السند، وفتح مدينة راور عنوة، وكان ~~بها # PageV04P019 # امرأة لذاهر، فخافت أن تؤخذ، فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها. # ثم سار إلى برهمناباذ العتيقة، وهي على فرسخين من المنصورة، ولم تكن ~~المنصورة يومئذ، كان موضعها غيضة، وكان المنهزمون من الكفار بها، فقاتلوه ~~ففتحها محمد عنوة، وقتل بها بشرا كثيرا وخربت. # وسار يريد الرور وبغرور، فلقيه أهل ساوندرى فطلبوا الأمان، فأعطاهم إياه، ~~واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك. ثم تقدم إلى بسمد ~~وصالح أهلها، ووصل إلى الرور، وهي من مدائن السند على جبل، فحصرهم شهورا ~~فصالحوه، وسار إلى السكة ففتحها، ثم قطع نهر بياس إلى الملتان، فقاتله ~~أهلها وانهزموا، فحصرهم محمد، فجاءه إنسان ودله على قطع الماء الذي يدخل ~~المدينة فقطعه، فعطشوا فألقوا بأيديهم ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة، ~~وسبى الذرية وسدنة البد، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهبا كثيرا، فجمع في بيت ~~طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوة في وسطه، فسميت ~~الملتان: فرج بيت الذهب، والفرج الثغر، وكان بد الملتان تهدى إليه الأموال، ~~ويحج من البلاد، ويحلقون رءوسهم ولحاهم عنده، ويزعمون أن صنمه هو أيوب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وعظمت فتوحه، ونظر الحجاج في النفقة على ذلك الثغر، فكانت ستين ألف ألف ~~درهم، ونظر في الذي حمل فكان مائة ألف ms1612 ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ~~ستين ألفا، وأدركنا ثأرنا ورأس ذاهر. # ثم مات الحجاج، ونذكر أمر محمد عند موت الحجاج إن شاء الله تعالى. # ذكر استعمال موسى بن نصير على إفريقية # في هذه السنة استعمل الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير على إفريقية، وكان ~~نصير والده على حرس معاوية، فلما سار معاوية إلى صفين لم يسر معه، فقال له: ~~ما يمنعك من المسير معي إلى قتال علي ويدي عندك معروفة؟ فقال لا أشركك بكفر ~~من أولى بالشكر منك، وهو الله، عز وجل. فسكت عنه معاوية. # فوصل موسى إلى إفريقية وبها صالح الذي استخلفه حسان على إفريقية، وكان # PageV04P020 # البربر قد طمعوا في البلاد بعد مسير حسان، فلما وصل موسى عزل صالحا، ~~وبلغه أن بأطراف البلاد قوما خارجين عن الطاعة، فوجه إليهم ابنه عبد الله، ~~فقاتلهم فظفر بهم، وسبى منهم ألف رأس، وسيره في البحر إلى جزيرة ميورقة، ~~فنهبها وغنم منها ما لا يحصى وعاد سالما، فوجه ابنه هارون إلى طائفة أخرى، ~~فظفر بهم وسبى منهم نحو ذلك، وتوجه هو بنفسه إلى طائفة أخرى، فغنم نحو ذلك، ~~فبلغ الخمس ستين ألف رأس من السبي، ولم يذكر أحد أنه سمع بسبي أعظم من هذا. # ثم إن إفريقية قحطت واشتد بها الغلاء، فاستسقى بالناس، وخطبهم ولم يذكر ~~الوليد، وقيل له في ذلك، فقال: هذا مقام لا يدعى فيه لأحد ولا يذكر إلا ~~الله، عز وجل، فسقي الناس ورخصت الأسعار، ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من ~~بقي من البربر، وقد هربوا خوفا منه، فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ ~~السوس الأدنى لا يدافعه أحد، فاستأمن البربر إليه وأطاعوه، واستعمل على ~~طنجة مولاه طارق بن زياد، ويقال: إنه صدفي. وجعل معه جيشا كثيفا جلهم من ~~البربر، وجعل معهم من يعلمهم القرآن والفرائض، وعاد إلى إفريقية. فمر بقلعة ~~مجانة، فتحصن أهلها منه وترك عليها من يحاصرها مع بشر بن فلان، ففتحها، ~~فسميت قلعة بشر إلى الآن، وحينئذ لم يبق له # PageV04P021 # في إفريقية من ينازعه. ms1613 # وقيل: كانت ولاية موسى سنة ثمان وسبعين، استعمله عليها عبد العزيز بن ~~مروان، وهو حينئذ على مصر لأخيه عبد الملك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان، ففتح ~~حصونا ومدائن هناك. # وحج بالناس عمر بن عبد العزيز. # وكان العمال من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة، وكان ~~مولده قبل الهجرة بأربع سنين، وقيل: ولد سنة ست من الهجرة. # (صعير: بضم الصاد، وفتح العين المهملتين) . # وفيها مات ظليم مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بإفريقية. # (ظليم: بفتح الظاء المعجمة، وكسر اللام) . # PageV04P022 ### | [ثم دخلت سنة تسعين] ### | 90 - # ثم دخلت سنة تسعين # ذكر فتح بخارى # قد ذكرنا ورود كتاب الحجاج إلى قتيبة يأمره بالتوبة عن انصرافه عن وردان ~~خذاه ملك بخارى، ويعرفه الموضع الذي يأتي بلده منه، فلما ورد الكتاب على ~~قتيبة خرج غازيا إلى بخارى سنة تسعين، فاستجاش وردان خذاه بالصغد والترك من ~~حوله فأتوه، وقد سبق إليها قتيبة فحصرها، فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى ~~المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحية وخلوا بيننا وبين قتالهم. ~~فقال قتيبة: تقدموا، فتقدموا وقاتلوهم قتالا شديدا، ثم إن الأزد انهزموا ~~حتى دخلوا العسكر، وركبهم المشركون فحطموهم حتى أدخلوهم عسكرهم، وجازوه حتى ~~ضرب النساء وجوه الخيل وبكين، فكروا راجعين، فانطوت مجنبتا المسلمين على ~~الترك، فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم، فوقف الترك على نشز، فقال قتيبة: ~~من يزيلهم عن هذا الموضع؟ فلم يقدم عليهم أحد من العرب، فأتى بني تميم، ~~فقال لهم: يوم كأيامكم، فأخذ وكيع اللواء وقال: يا بني تميم أتسلمونني ~~اليوم؟ قالوا: لا يا أبا مطرف. # وكان هريم بن أبي طحمة على خيل تميم، ووكيع رأسهم، فقال وكيع: يا هريم ~~قدم خيلك، ودفع إليه الراية، فتقدم هريم وتقدم وكيع في الرجالة، فانتهى ~~هريم إلى نهر بينهم وبين الترك، فوقف فقال وكيع: تقدم يا هريم، فنظر هريم ~~نظر الجمل الهائج الصائل وقال: أأقحم الخيل هذا النهر؟ ms1614 فإن انكشفت كان ~~هلاكها يا أحمق. فقال وكيع: يابن اللخناء، أترد أمري! فحذفه بعمود كان معه، ~~فعبر هريم في الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فعمل عليه جسرا من خشب وقال ~~لأصحابه: من وطن نفسه على الموت فليعبر، وإلا فليثبت مكانه. فما عبر معه ~~إلا ثمانمائة رجل، فلما عبر بهم ودنا من العدو قال لهريم: إني مطاعنهم، ~~فاشغلهم عنا بالخيل، فحمل عليهم حتى خالطهم، وحمل هريم في الخيل فطاعنوهم، ~~ولم يزالوا يقاتلونهم حتى حدروهم من التل، ونادى قتيبة: ما ترون العدو ~~منهزمين؟ فلم يعبر أحد النهر حتى انهزموا، وعبر الناس، ونادى قتيبة: من أتى ~~برأس فله مائة، فأتي برءوس كثيرة، فجاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني قريع، كل # PageV04P023 # رجل برأس، فيقال له: من أنت؟ فيقول: قريعي. فجاء رجل من الأزد برأس، فقيل ~~له: من أنت؟ فقال: قريعي، فعرفه جهم بن زحر، فقال: كذب، والله إنه أزدي. ~~فقال له قتيبة: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: رأيت كل من جاء يقول: قريعي، فظننت ~~أنه ينبغي لكل من جاء برأس أن يقوله، فضحك قتيبة. # وجرح خاقان وابنه، وفتح الله عليهم، وكتب [قتيبة] بالفتح إلى الحجاج. # ذكر صلح قتيبة مع الصغد # لما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصغد، فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان، ~~فدنا من عسكر قتيبة، فطلب رجلا يكلمه، فأرسل إليه قتيبة حيان النبطي، فطلب ~~الصلح على فدية يؤديها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالح، ورجع طرخون ~~إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك. # (حيان: بالحاء المهملة، والياء المشددة تحتها نقطتان، وآخره نون) . # ذكر غدر نيزك وفتح الطالقان # قيل: لما رجع قتيبة من بخارى ومعه نيزك وقد خاف لما يرى من الفتوح، فقال ~~لأصحابه: أنا مع هذا، ولست آمنه، فلو استأذنته ورجعت كان الرأي. قالوا: ~~افعل. فاستأذن قتيبة، فأذن له وهو بآمل، فرجع طخارستان، وأسرع السير حتى ~~أتى النوبهار، فنزل يصلي فيه ويتبرك به، وقال لأصحابه: لا أشك أن قتيبة قد ~~ندم على إذنه لي، وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي. ms1615 # وندم قتيبة على إذنه له، فأرسل إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، وسار نيزك ~~وتبعه المغيرة، فوجده قد دخل شعب خلم، فرجع المغيرة، وأظهر نيزك الخلع وكتب ~~إلى أصبهبذ بلخ، وإلى باذان ملك مرو الروذ، وإلى ملك الطالقان، وإلى ملك ~~الفارياب، وإلى ملك الجوزجان، أن يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، فواعدهم ~~الربيع أن يجتمعوا # PageV04P024 # ويغزوا قتيبة، وكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله وماله، ~~وسأله أن يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك. # وكان جبغويه ملك طخارستان ضعيفا، فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب لئلا ~~يخالف عليه، وكان جبغويه هو الملك، ونيزك عبده، فاستوثق منه وأخرج عامل ~~قتيبة من بلاد جبغويه. وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء وقد تفرق الجند، فبعث ~~أخاه عبد الرحمن بن مسلم في اثني عشر ألفا إلى البروقان، وقال: أقم بها ولا ~~تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء سر نحو طخارستان، واعلم أني قريب منك. # فسار، فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد ليقدم ~~عليه الجنود، فقدموا قبل أوانهم، فسار نحو الطالقان، وكان ملكها قد خلع ~~وطابق نيزك على الخلع، فأتاه قتيبة فأوقع بأهل الطالقان، فقتل من أهلها ~~مقتلة عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد، ثم انقضت السنة ~~قبل محاربة نيزك، وسنذكر تمام خبره سنة إحدى وتسعين إن شاء الله. # ذكر هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج # قيل: وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه من سجن ~~الحجاج، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقاباذ للبعث، لأن الأكراد كانوا قد ~~غلبوا على فارس، وخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته عبد الملك، والمفضل في ~~عسكره، وجعل عليهم كهيئة الخندق، وجعلهم في فسطاط قريب منه، وجعل عليهم ~~الحرس من أهل الشام، وطلب منهم ستة آلاف ألف، وأخذ يعذبهم، فكان يزيد يصبر ~~صبرا حسنا، وكان ذلك مما يغيظ الحجاج منه. فقيل للحجاج إنه رمي في ساقه ~~بنشابة، فثبت نصلها فيه، فهو لا يمسها إلا صاح، ms1616 فأمر أن يعذب في ساقه، فلما ~~فعلوا به ذلك صاح، وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج، فلما سمعت صوته صاحت ~~وناحت، فطلقها الحجاج، ثم إنه كف عنهم، وأقبل يستأديهم وهم يعملون في ~~التخلص، فبعثوا إلى أخيهم مروان، وكان بالبصرة، أن يضمن لهم خيلا ويري ~~الناس أنه يريد بيعها لتكون عدة. ففعل ذلك، وكان أخوه حبيب يعذب بالبصرة ~~أيضا. # فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا، وأمر لهم بشراب، فسقوا واشتغلوا به، ولبس ~~يزيد # PageV04P025 # ثياب طباخه، وخرج وقد جعل له لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس فقال: كانت هذه ~~مشية يزيد، فجاء إليه فرأى لحيته بيضاء في الليل، فتركه وعاد، فخرج المفضل ~~ولم يفطن له، فجاءوا إلى سفن معدة فركبوها، يزيد والمفضل وعبد الملك، ~~وساروا ليلتهم حتى أصبحوا، فلما أصبحوا علم بهم الحرس فرفعوا خبرهم إلى ~~الحجاج، ففزع وظن أنهم يفسدون خراسان ليفتنوا بها، فبعث البريد إلى قتيبة ~~بخبرهم ويأمره بالحذر. # ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل فخرجوا عليها ومعهم دليل من ~~كلب، فأخذوا طريق الشام على طريق السماوة، وأتى الحجاج بعد يومين فقيل له: ~~إنهم أخذوا طريق الشام، فبعث إلى الوليد بن عبد الملك يعلمه. # ثم سار يزيد فقدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي، وكان ~~كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان، فأعلمه بحال يزيد ~~وإخوته، وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج، قال: فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل ~~إليهم أبدا وأنا حي. فجاء بهم إليه، وكانوا في مكان آمن. # وكتب الحجاج إلى الوليد: إن آل المهلب خانوا أمان الله وهربوا مني ولحقوا ~~بسليمان. وكان الوليد قد حذرهم، وظن أنهم يأتون خراسان للفتنة بها، فلما ~~علم أنهم عند أخيه سليمان سكن بعض ما به، وطار غضبا للمال الذي ذهب به، ~~فكتب سليمان إلى الوليد: إن يزيد عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ~~ألف، لأن الحجاج أغرمه ستة آلاف ألف، فأدى ثلاثة آلاف ألف، والذي بقي عليه ~~أنا أؤديه. فكتب الوليد: والله لا أؤمنه حتى تبعث ms1617 به إلي. فكتب: لئن أنا ~~بعثت به إليك لأجيئن معه. فكتب الوليد: والله لئن جئتني لا أؤمنه. فقال ~~يزيد: أرسلني إليه، فوالله ما أحب أن أوقع بينه وبينك عدواة، ولا أن يتشأم ~~الناس بي لكما، واكتب معي بألطف ما قدرت عليه. # فأرسله وأرسل معه ابنه أيوب، وكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيدا، فقال ~~سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد في سلسلة، ففعل ~~ذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة قال: لقد بلغنا من سليمان. ودفع ~~أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال له: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك، لا تخفر ذمة ~~أبي وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا ~~لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. # فقرأ الوليد كتاب سليمان، فإذا هو يستعطفه، ويشفع إليه، ويضمن إيصال ~~المال، فلما # PageV04P026 # قرأ الكتاب قال: لقد شققنا على سليمان. وتكلم يزيد واعتذر، فأمنه الوليد، ~~فرجع إلى سليمان، وكتب الوليد إلى الحجاج: إني لم أصل إلى يزيد وأهله مع ~~سليمان، فاكفف عنهم. فكف عنهم. # وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف، فتركها وكف عن حبيب ~~بن المهلب. # وأقام يزيد بن المهلب عند سليمان يهدي إليه الهدايا ويصنع له الأطعمة، ~~وكان لا يأتي [يزيد] هدية إلا بعث بها إلى سليمان، ولا يأتي سليمان هدية ~~إلا بعث بنصفها إلى يزيد، وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ففتح الحصون الخمسة التي ~~بسورية، وغزا عباس بن الوليد حتى بلغ أرزن وبلغ سورية. # وفيها استعمل الوليد بن عبد الملك قرة بن شريك على مصر، وعزل أخاه عبد ~~الله بن عبد الملك. # وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد. # وحج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز، وكان أميرا على مكة والمدينة ~~والطائف. وكان على العراق والمشرق كله الحجاج ms1618 بن يوسف، وعامله على البصرة # PageV04P027 # الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى ~~خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرة بن شريك. # [الوفيات] # وفيها مات أنس بن مالك الأنصاري، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاث ~~وتسعين، وكان عمره ستا وتسعين سنة، وقيل: مائة وست سنين، وقيل: وسبع، وقيل: ~~وثلاث. # وفيها مات أبو العالية الرياحي، في شوال. # وفيها توفي نصر بن عاصم الليثي النحوي، أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، ~~وقيل: مات سنة تسعين. # PageV04P028 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين] ### | 91 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين # ذكر تتمة خبر قتيبة مع نيزك # قد ذكرنا مسير قتيبة إلى نيزك وما جرى له بالطالقان وقتل من قتل بها، ~~فلما فتح الطالقان استعمل أخاه عمر بن مسلم، وقيل: إن ملكها لم يحارب ~~قتيبة، فكف عنه، وكان بها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، ثم سار قتيبة إلى ~~الفارياب، فخرج إليه ملكها مقرا مذعنا، فقبل منه ولم يقتل أحدا، واستعمل ~~عليها رجلا من أهله. # وبلغ ملك الجوزجان خبرهم، فهرب إلى الجبال، وسار قتيبة إلى الجوزجان، ~~فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها ~~عامر بن مالك الحماني. # ثم أتى بلخ، فلقيه أهلها، فلم يقم بها إلا يوما واحدا، وسار يتبع أخاه ~~عبد الرحمن إلى شعب خلم، ومضى نيزك إلى بغلان، وخلف مقاتلة على فم الشعب ~~ومضايقه ليمنعوه، ووضع مقاتلته في قلعة حصينة من وراء الشعب. فأقام قتيبة ~~أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر على دخوله ولا يعرف طريقا يسلكه إلى ~~نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتملها العساكر، فبقي متحيرا، فقدم إنسان، ~~فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي من وراء الشعب، فآمنه قتيبة، ~~وبعث معه رجالا، فانتهى بهم إلى القلعة من وراء شعب خلم، فطرقوهم وهم ~~آمنون، فقتلوهم، وهرب من بقي منهم ومن كان في الشعب، فدخل قتيبة الشعب فأتى ~~القلعة، ومضى إلى سمنجان فأقام بها أياما، ثم سار إلى نيزك، وقدم أخاه عبد ~~الرحمن. # فارتحل نيزك ms1619 من منزله فقطع وادي فرغانة، ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، # PageV04P029 # ومضى حتى نزل الكرز (وعبد الرحمن يتبعه، فنزل عبد الرحمن حذاء الكرز) ، ~~ونزل قتيبة بمنزل بينه وبين عبد الرحمن فرسخان، فتحصن نيزك في الكرز وليس ~~إليه مسلك إلا من وجه واحد، وهو صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين ~~حتى قل ما في يد نيزك من الطعام وأصابهم الجدري، وجدر جبغويه. # وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليما الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك واحتل ~~لتأتيني به بغير أمان، فإن احتال وأبى فآمنه، واعلم أني إن عاينتك وليس هو ~~معك صلبتك. قال: فاكتب إلى عبد الرحمن لا يخالفني، فكتب إليه، فقدم عليه، ~~فقال له: ابعث رجالا ليكونوا على فم الشعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا ~~من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب، فبعث عبد الرحمن خيلا، فكانت هناك، ~~وحمل سليم معه أطعمة وأخبصة أوقارا، وأتى نيزك، فقال له: إنك أسأت إلى ~~قتيبة وغدرت. قال نيزك: فما الرأي؟ قال: أرى أن تأتيه فإنه ليس ببارح، وقد ~~عزم على أن يشتو مكانه هلك أو سلم. قال نيزك: فكيف آتيه على غير أمان؟ قال: ~~ما أظنه يؤمنك; لما في نفسه عليك; لأنك قد ملأته غيظا، ولكني أرى أن لا ~~يعلم [بك] حتى تضع يدك في يده، فإني أرجو أن يستحي ويعفو [عنك] ، قال: إني ~~أرى نفسي تأبى هذا وهو إن رآني قتلني، فقال سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك ~~بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم وتعود حالك عنده، فإذا أبيت فإني منصرف. # وقدم سليم الطعام الذي معه، ولا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، ~~فساءه ذلك، فقال له سليم: إني لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن ~~طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك، فأت قتيبة، فقال: لا آمنه على ~~نفسي ولا آتيه إلا بأمان، وإن ظني أن يقتلني وإن آمنني، ولكن الأمان أعذر ~~إلي. فقال سليم: قد آمنك، أفتتهمني؟ قال: لا. وقال له أصحابه: اقبل قول ~~سليم فلا يقول إلا حقا. # فخرج معه ms1620 ومع جبغويه وصول طرخان، خليفة جبغويه، وحبس طرخان صاحب شرطته ~~وشقران ابن أخي نيزك، فلما خرجوا من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم، ~~فحالوا بين الأتراك أصحاب نيزك والخروج، فقال نيزك: هذا أول الغدر. قال ~~سليم: تخلف هؤلاء عنك خير لك. وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا إلى ~~قتيبة، فحبسهم وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، ووجه قتيبة [معاوية بن ~~عامر بن علقمة # PageV04P030 # العليمي، فاستخرج] ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه فقدم به على ~~قتيبة. فانتظر بهم كتاب الحجاج، فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره ~~بقتل نيزك، فدعا قتيبة الناس واستشارهم في قتله، واختلفوا، فقال ضرار بن ~~حصين: إني سمعتك تقول: أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل ~~فلا ينصرك الله عليه أبدا. # فدعا نيزك فضرب رقبته بيده، وأمر بقتل صول، وابن أخي نيزك، وقتل من ~~أصحابه سبعمائة، وقيل: اثني عشر ألفا، وصلب نيزك وابن أخيه، وبعث برأسه إلى ~~الحجاج، وقال نهار بن توسعة في قتل نيزك: # لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة قضت نحبها من نيزك وتعلت # وأخذ الزبير مولى عباس الباهلي حقا لنيزك فيه جوهر، وكان أكثر من في ~~بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر، وأطلق قتيبة جبغويه ومن عليه وبعث به إلى ~~الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد. # كان الناس يقولون: غدر قتيبة بنيزك، فقال بعضهم: # فلا تحسبن الغدر حزما فربما ... ترقت به الأقدام يوما فزلت # فلما قتل قتيبة نيزك رجع إلى مرو، وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان، فآمنه ~~على أن يأتيه، فطلب رهنا ويعطي رهائن، فأعطاه قتيبة حبيب بن عبد الله بن ~~حبيب الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، وقدم على قتيبة ~~[فصالحه] ، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: إنهم سموه، فقتلوا ~~حبيبا، وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده. # ذكر غزو شومان وكش ونسف # وفي هذه السنة سار قتيبة إلى شومان فحصرها. # PageV04P031 # وكان سبب ذلك أن ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فأرسل ms1621 إليه قتيبة رسولين، ~~أحدهما من العرب اسمه عياش، والآخر من أهل خراسان، يدعوان ملك شومان أن ~~يؤدي ما كان صالح عليه. فقدما شومان، فخرج أهلها إليهما فرموهما، فانصرف ~~الخراساني، وقاتلهم عياش فقتلوه، ووجدوا به ستين جراحة. # وبلغ قتله قتيبة فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو ~~قتيبة [رجلا] إلى ملكها، وكان صديقا له، يأمره بالطاعة ويضمن له رضا قتيبة ~~إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: أتخوفني من قتيبة وأنا أمنع ~~الملوك حصنا؟ فأتاه قتيبة وقد تحصن ببلده فوضع عليه المجانيق، ورمى الحصن ~~فهشمه، وقتل رجلا في مجلس الملك بحجر، فلما خاف أن يظهر عليه قتيبة جمع ما ~~كان بالحصن من مال وجوهر ورمى به في بئر بالقلعة لا يدرك قعرها، ثم فتح ~~القلعة وخرج إليهم فقاتلهم حتى قتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة ~~وسبى الذرية. # ثم سار إلى كش ونسف ففتحهما. وامتنعت عليه فارياب فأحرقها، فسميت ~~المحترقة، وسير من كش ونسف أخاه عبد الرحمن إلى الصغد، وملكها طرخون، فقبض ~~عبد الرحمن من طرخون ما كان صالحه عليه قتيبة، ودفع إليه رهنا كانوا معه، ~~ورجع إلى قتيبة ببخارى، وكان قد سار إليها من كش ونسف، فرجعوا إلى مرو. ~~ولما كان قتيبة ببخارى ملك بخاراخذاه، وكان غلاما حدثا، وقتل من يخاف أن ~~يضاده. # وقيل: إن قتيبة سار بنفسه إلى الصغد، فلما رجع عنهم قالت الصغد لطرخون: ~~إنك قد رضيت بالذل، واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك، ~~فحبسوه وولوا غوزك، فقتل طرخون نفسه. # ذكر عدة حوادث # قيل: في هذه السنة استعمل الوليد خالد بن عبد الله القسري على مكة، فلم ~~يزل واليا عليها حتى مات الوليد، وكان قد تقدم سنة تسع وثمانين ذكره أيضا، ~~فلما ولي مكة خطبهم وعظم أمر الخلافة وحثهم على الطاعة، فقال: لو أني أعلم ~~أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها منه، ~~فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، # PageV04P032 # فإني والله لا أوتى بأحد يطعن على إمامه ms1622 إلا صلبته في الحرم، إني لا أرى ~~فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاءه. واشتد عليهم. # وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، فلما دخل المدينة غدا إلى ~~المسجد ينظر إلى بنائه، وأخرج الناس منه، ولم يبق غير سعيد بن المسيب لم ~~يجرؤ أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له: لو قمت. قال: لا أقوم حتى يأتي الوقت ~~الذي كنت أقوم فيه. فقيل: لو سلمت على أمير المؤمنين. قال: والله لا أقوم ~~إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا ~~يراه، فالتفت الوليد [إلى] القبلة فقال: من ذلك الشيخ؟ أهو سعيد؟ قال عمر: ~~نعم، ومن حاله كذا وكذا، فلو علم بمكانك; لقام فسلم عليك، وهو ضعيف البصر. ~~قال الوليد: قد علمت حاله ونحن نأتيه. فدار في المسجد حتى أتاه فقال: كيف ~~أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد بل قال: بخير والحمد لله، فكيف أمير ~~المؤمنين وكيف حاله؟ فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس! # وقسم بالمدينة دقيقا كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وصلى بالمدينة ~~الجمعة فخطب الخطبة الأولى جالسا، ثم قام فخطب الخطبة الثانية قائما. قال ~~إسحاق بن يحيى: فقلت لرجاء بن حيوة وهو معه: أهكذا تصنعون؟ قال: نعم، ~~مكررا، وهكذا صنع معاوية وهلم جرا. قال: فقلت له: هلا تكلمه؟ قال: أخبرني ~~قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك ولم يترك القعود، وقال: هكذا خطب عثمان. ~~قال فقلت: والله ما خطب إلا قائما. قال رجاء: روي لهم شيء فاقتدوا به. قال ~~إسحاق: ولم نر منهم أشد تجبرا منه. # وكان العمال على البلاد من تقدم ذكرهم غير مكة، فإن خالدا كان عاملها، ~~وقيل: إن عاملها هذه السنة كان عمر بن عبد العزيز بن مروان. # PageV04P033 # وفي هذه السنة غزا عبد العزيز بن الوليد الصائفة، وكان على ذلك الجيش ~~مسلمة بن عبد الملك. # وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية، واستعمل عليها ~~أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا مسلمة الترك ms1623 من ناحية أذربيجان حتى بلغ ~~الباب، وفتح مدائن وحصونا، ونصب عليها المجانيق. # PageV04P034 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين] ### | 92 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصونا ثلاثة، وجلا ~~أهل سوسنة إلى بلاد الروم. # ذكر فتح الأندلس # وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا، ~~فلقي ملك الأندلس، واسمه أذرينوق، وكان من أهل أصبهان، وهم ملوك عجم ~~الأندلس، فزحف له طارق بجميع من معه، وزحف الأذرينوق وعليه تاجه وجميع ~~الحلية التي كان يلبسها الملوك، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الأذرينوق، ~~وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. # هذا جميعه ذكره أبو جعفر في فتح الأندلس، وبمثل ذلك الإقليم العظيم ~~والفتح المبين لا يقتصر فيه على هذا القدر، وأنا أذكر فتحها على وجه أتم من ~~هذا إن شاء الله تعالى، من تصانيف أهلها، إذ هم أعلم ببلادهم. # قالوا: أول من سكنها قوم يعرفون بالأندلش، بشين معجمة، فسمي البلد بهم، ~~ثم عرب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى يسمون الأندلس أشبانية، باسم رجل صلب ~~فيها يقال له: أشبانس، وقيل: باسم ملك كان بها في الزمان الأول اسمه إشبان ~~بن طيطس، وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل: سميت بأندلس بن يافث بن نوح وهو ~~أول من عمرها. # قيل: أول من سكن الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس، فعمروها ~~وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا، ثم حبس الله عنهم المطر، وتوالى ~~عليهم القحط، # PageV04P035 # فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار، فخلت الأندلس مائة سنة، ثم ابتعث ~~الله لعمارتها الأفارقة، فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية تخففا ~~منهم لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفني أهلها، فحملهم في السفن مع أمير من ~~عنده فأرسوا بجزيرة قادس، ورأوا الأندلس قد أخصبت بلادها، وجرت أنهارها، ~~فسكنوها، وعمروها، ونصبوا لهم ملوكا يضبطون أمرهم، وهم على دين من قبلهم، ~~وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية بنوها وسكنوها، وأقاموا مدة ~~تزيد على مائة وخمسين سنة، ملك منهم ms1624 فيها أحد عشر ملكا. # ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطس، فغزاهم ومزقهم وقتل ~~فيهم، وحاصرهم بطالقة وقد تحصنوا فيها فابتنى عليهم إشبانية، وهي إشبيلية، ~~واتخذها دار مملكته، وكثرت جموعه وعتا وتجبر، وغزا بيت المقدس فغنم ما فيه ~~وقتل فيه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها، وغنم أيضا مائدة ~~سليمانبن داود، عليه السلام، وهي التي غنمها طارق من طليطلة لما افتتحها، ~~وغنم أيضا قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة. # وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر وهو يحرث الأرض فقال له: يا إشبان سوف ~~تحظى وتملك وتعلو، فإذا ملكت إيلياء فارفق بذرية الأنبياء. فقال: أتسخر ~~مني؟ كيف ينال مثلي الملك؟ فقال: قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى. ~~فنظر فإذا هي قد أورقت، فارتاع وذهب عنه الخضر، وقد وثق إشبان بقوله، فداخل ~~الناس، فارتقى حتى ملك ملكا عظيما، وكان ملكه عشرين سنة، ودام ملك ~~الإشبانيين بعده إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا. # ثم دخل عليهم من عجم رومة أمة يدعون البشنوليات، وملكهم طويش بن نيطه، ~~وذلك حين بعث الله المسيح، فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وكانت مدينة ~~ماردة دار مملكتهم، وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. # ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم، فغلبوا على الأندلس فاقتطعوها من ~~يومئذ # PageV04P036 # عن صاحب رومة، وكان ابتداء ظهورهم من ناحية إيطالية شرق الأندلس، فأغارت ~~على بلاد مجدونية من تلك الناحية، وذلك في أيام قليوذيوس قيصر، ثالث ~~القياصرة، فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم، ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين ~~الأكبر وأعادوا الغارة، فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له، وانقطع خبرهم إلى ~~ثلث دولة قيصر، فإنهم قدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد ~~الأوثان، فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه، فظهر منه سوء ~~سيرته، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه، فاستعان بصاحب رومة ~~فبعث إليه جيشا، فهزم أخاه، ودان بدين النصارى، وكانت ولايته ثلاث عشرة ~~سنة، ثم ولي بعده إقريط، وبعده إملريق، وبعده ms1625 وغديش، وكانوا قد عادوا إلى ~~عبادة الأوثان، فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة، فسير إليه ملك ~~الروم جيشا، فهزموه وقتلوه. # ثم بعده الريق، وكان زنديقا شجاعا، فسار ليأخذ بثأر وغديش ومن قتل معه، ~~ونازل رومية وحاصرها، وضيق على أهلها، ودخلها عنوة وغنم أموالهم، ثم جمع ~~أسطول البحر وسار إلى صقلية ليفتحها ويغنم ما فيها، فغرق أكثر أصحابه في ~~البحر، وهو فيمن غرق. # ثم ملك بعده أطلوف ست سنين، وخرج عن بلد إيطالية، وأقام ببلد غاليس ~~مجاورا أقصى الأندلس، ثم انتقل منها إلى برشلونة. # ثم بعده أخوه ثلاث سنين، ثم بعده واليا، ثم بوردزاريش ثلاثا وثلاثين سنة، ~~ثم ابنه طرشمند، ثم بعده أخوه لذريق ثلاث عشرة سنة، ثم بعده أوريق سبع عشرة ~~سنة، ثم بعده الريق بطلوشة ثلاثا وعشرين سنة، ثم عشليق، ثم أمليق سنتين، ثم ~~توذيوش # PageV04P037 # سبع عشرة سنة وخمسة أشهر، ثم بعده طودتقليس سنة وثلاثة أشهر، ثم بعده ~~أثلة خمس سنين، ثم بعده أطلنجه خمس عشرة سنة، ثم بعده ليوبا ثلاث سنين، ثم ~~بعده أخوه لويلد، وهو أول من اتخذ طليطلة دار ملك، ونزلها ليكون متوسطا ~~لملكه ليحارب من خرج عن طاعته عن قريب، فلم يزل يحارب من خرج عن طاعته حتى ~~احتوى على جميع الأندلس، وبنى مدينة رقوبل وأتقنها وأكثر بساتينها، وهو على ~~القرب من طليطلة، وسماها باسم ولده، وغزا بلاد البشقنس حتى أذلهم، وخطب إلى ~~ملك الفرنج ابنته لولده أرمنجلد، فزوجه وأسكنه إشبيلية، فحسنت له عصيان ~~والده، ففعل، فسار إليه أبوه وحصرهما وضيق عليه، وطال مقامه إلى أن أخذه ~~عنوة، وسجنه إلى أن مات. # ثم ملك بعد لويلد ابنه ركرد، وكان حسن السيرة، فجمع الأساقفة وغير سيرة ~~أبيه وسلم البلاد إليهم، وكانوا نحو ثمانين أسقفا، وكان تقيا عفيفا قد لبس ~~ثياب الرهبان، وهو الذي بنى الكنيسة المعروفة بالوزقة بإزاء مدينة وادي آش. ~~ثم بعده ابنه ليوبا فسار كسيرة أبيه، فاغتاله رجل من القوط يقال له بتريق، ~~فقتله، وملك بعده بتريق هذا بغير رضا أهل الأندلس، ms1626 وكان مجرما طاغيا فاسقا، ~~فثار عليه رجل من خاصته فقتله. # (ثم ملك من بعده غندمار سنتين) ، ثم ملك بعده سيسيفوط، وكانت ولايته تسع ~~سنين، وكان حسن السيرة، ثم بعده ابنه ركريد، وكان صغيرا عمره ثلاثة أشهر، ~~ومات، ثم ملك شنتله، وكان ملكه عند البعث، وكان مشكورا، ثم بعده سشنند خمس ~~سنين، ثم بعده خنتلة ستة أعوام، ثم بعده (خندس أربعة أعوام، ثم # PageV04P038 # بعده بنبان ثمانية أعوام، ثم بعده) أروى سبع سنين. # وكان في دولته قحط شديد حتى كادت بلاد الأندلس تخرب لشدة الجوع. # ثم بعده أبقة خمس عشرة سنة، وكان جائرا مذموما، ثم ملك بعده ابنه غيطشة، ~~وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة، وكان حسن السيرة لين العريكة وأطلق كل ~~محبوس كان في سجن أبيه، وأدى الأموال إلى أربابها. # ثم توفي وخلف ولدين، فلم يرض بهما أهل الأندلس، وتراضوا برجل يقال له ~~رذريق، وكان شجاعا وليس من بيت الملك، وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون ~~أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك، لا يخدمه ~~غيرهم يتأدبون بذلك، فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا وتولى تجهيزهم، فلما ~~ولي رذريق أرسل إليه يوليان، وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما، ابنة ~~له، فاستحسنها رذريق وافتضها، فكتبت إلى أبيها، فأغضبه ذلك، فكتب إلى موسى ~~بن نصير عامل الوليد بن عبد الملك على إفريقية بالطاعة، واستدعاه إليه، ~~فسار إليه فأدخله يوليان مدائنه، وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى ~~به، ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك آخر سنة تسعين. # فكتب موسى إلى الوليد بما فتح الله عليه وما دعاه إليه يوليان. فكتب إليه ~~الوليد: خضها بالسرايا، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. فكتب إليه ~~موسى: إنه ليس ببحر متسع، وإنما هو خليج يبين ما وراءه. فكتب إليه الوليد ~~أن اختبرها بالسرايا، وإن كان الأمر على ما حكيت. # فبعث رجلا من مواليه يقال له طريف في أربعمائة رجل ومعهم مائة فرس، فسار ~~في أربع سفائن، فخرج في جزيرة بالأندلس، فسميت جزيرة ms1627 طريف لنزوله فيها، ثم ~~أغار على الجزيرة الخضراء، فأصاب غنيمة كثيرة، ورجع سالما في رمضان سنة ~~إحدى وتسعين. فلما رأى الناس ذلك تسرعوا إلى الغزو. # ثم إن موسى دعا مولى له كان على مقدمات جيوشه يقال له طارق بن زياد، ~~فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم العرب، ~~فساروا في البحر، وقصد إلى جبل منيف، وهو متصل بالبر فنزله، فسمي الجبل جبل ~~طارق إلى اليوم، ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل ~~وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم وجرت الألسنة على الأول. # PageV04P039 # وكان حلول طارق فيه في رجب سنة اثنتين وتسعين من الهجرة. ولما ركب طارق ~~البحر غلبته عينه، فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف ~~وتنكبوا القسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك. ~~وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشرا، وبشر ~~أصحابه، وقويت نفسه، ولم يشك في الظفر. # فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء، ~~فأصاب بها عجوزا، فقالت له: إني كان لي زوج، وكان عالما بالحوادث، وكان ~~يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم فيغلب عليه، ووصف من نعته أنه ضخم الهامة، وأن ~~في كتفه اليسرى شامة عليها شعر، فكشف طارق ثوبه، فإذا الشامة كما ذكرت، ~~فاستبشر طارق أيضا هو ومن معه. ونزل من الجبل إلى الصحراء، وافتتح الجزيرة ~~الخضراء وغيرها، وفارق الحصن الذي في الجبل. # ولما بلغ رذريق غزو طارق بلاده عظم ذلك عليه، وكان غائبا في غزاته، فرجع ~~منها وطارق قد دخل بلاده، فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف، فلما بلغ طارقا ~~الخبر كتب إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح، وأنه زحف إليه ملك الأندلس بما ~~لا طاقة له به. فبعث إليه بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفا، ~~ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد، ويتجسس لهم الأخبار. فأتاهم رذريق في ~~جنده، فالتقوا ms1628 على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة ~~اثنتين وتسعين، واتصلت الحرب ثمانية أيام، وكان على ميمنته وميسرته ولدا ~~الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك، واتفقوا على الهزيمة بغضا ~~لرذريق، وقالوا: إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى ~~بلادهم وبقي الملك لنا. فانهزموا وهزم الله رذريق ومن معه، وغرق رذريق في ~~النهر، وسار طارق إلى مدينة إستجة متبعا لهم، فلقيه أهلها ومعهم من ~~المنهزمين خلق كثير، فقاتلوه قتالا شديدا، ثم انهزم أهل الأندلس، ولم يلق ~~المسلمون بعدها حربا مثلها. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة ~~أربعة أميال، فسميت عين طارق إلى الآن. # PageV04P040 # ولما سمعت القوط بهاتين الهزيمتين قذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا ~~يظنون أنه يفعل فعل طريف، فهربوا إلى طليطلة، وكان قد أوهمهم أنه يأكلهم هو ~~ومن معه. فلما دخلوا طليطلة، وأخلوا مدائن الأندلس قال له يوليان: قد فرغت ~~من الأندلس، ففرق جيوشك وسر أنت إلى طليطلة. ففرق جيوشه من مدينة إستجة، ~~وبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى غرناطة، وجيشا إلى مالقة، وجيشا إلى تدمير، ~~وسار هو ومعظم الجيش إلى جيان يريد طليطلة. فلما بلغ طليطلة وجدها خالية، ~~وقد لحق من كان بها بمدينة خلف الجبل يقال لها: ماية. # فأما الجيش الذي سار إلى قرطبة فإنهم دلهم راع على ثغرة في سورها، فدخلوا ~~منها البلد وملكوه. # وأما الذين قصدوا تدمير فلقيهم صاحبها، واسمه تدمير وبه سميت، وكان اسمها ~~أرويولة، وكان معه جيش كثيف، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم انهزم فقتل من أصحابه ~~خلق كثير، فأمر تدمير النساء، فلبسن السلاح، ثم صالح المسلمين عليها، وفتح ~~سائر الجيوش ما قصدوا إليه من البلاد. # وأما طارق، فلما رأى طليطلة فارغة ضم إليها اليهود، وترك معهم رجالا من ~~أصحابه، وسار هو إلى وادي الحجارة، فقطع الجبل من فج فيه، فسمي بفج طارق ~~إلى اليوم. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة، وفيها وجد ~~مائدة سليمان بن داود، عليه السلام، وهي من زبرجد خضر، حافاتها ms1629 وأرجلها ~~منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون ~~رجلا. ثم مضى إلى مدينة ماية، فغنم منها ورجع إلى طليطلة في سنة ثلاث ~~وتسعين. # وقيل: اقتحم أرض جليقية، فخرقها حتى انتهى إلى مدينة إسترقة، وانصرف إلى ~~طليطلة، ووافته جيوشه التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدن ~~التي سيرهم إليها. # ودخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير، وكان ~~قد بلغه ما صنع طارق فحسده، فلما عبر إلى الأندلس ونزل الجزيرة الخضراء قيل ~~له: تسلك طريق طارق، فأبى، فقال له الأدلاء: نحن ندلك على طريق أشرف من ~~طريقه ومدائن لم تفتح بعد، ووعده يوليان بفتح عظيم، فسر بذلك، وكان قد غمه. # PageV04P041 # فساروا به إلى مدينة ابن السليم فافتتحها عنوة، ثم سار إلى مدينة قرمونة، ~~وهي أحصن مدن الأندلس، فقدم إليها يوليان وخاصته، فأتوهم على حال المنهزمين ~~معهم السلاح، فأدخلوهم مدينتهم، فأرسل موسى إليهم الخيل، ففتحوها لهم ليلا، ~~فدخلها المسلمون وملكوها، ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهي من أعظم مدائن ~~الأندلس بنيانا وأعزها آثارا، فحصرها أشهرا، وفتحها وهرب من بها، فأنزلها ~~موسى اليهود، وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه ~~فقاتلوه قتالا شديدا، فكمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار، ~~فلما أصبحوا زحف إليهم، فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم، فخرجوا عليهم من ~~الكمين وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلا ذريعا، ونجا من ~~نجا منهم، فدخل المدينة، وكانت حصينة، فحصرهم بها أشهرا، وقاتلهم، وزحف ~~إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها، فخرج أهلها على المسلمين، فقتلوهم عند ~~البرج، فسمي برج الشهداء إلى اليوم، ثم افتتحها آخر رمضان سنة أربع وتسعين ~~يوم الفطر صلحا على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى ~~جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين. # ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين، فسير ~~موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش، فحصرها وملكها عنوة، وقتل من بها من ~~أهلها، وسار عنها ms1630 إلى لبلة وباجة، فملكها، وعاد إلى إشبيلية. # وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليطلة، فخرج طارق إليه فلقيه، ~~فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط على رأسه، ووبخه على ما كان من ~~خلافه، ثم سار به إلى مدينة طليطلة، فطلب منه ما غنم والمائدة أيضا، فأتاه ~~بها وقد انتزع رجلا من أرجلها، فسأله عنها، فقال: لا علم لي، كذلك وجدتها، ~~فعمل عوضها من ذهب. # وسار موسى إلى سرقسطة ومدائنها، فافتتحها وأوغل في بلاد الفرنج، فانتهى ~~إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار، فأصاب فيها صنما قائما فيه مكتوب ~~بالنقر: يا بني إسماعيل إلى هاهنا منتهاكم فارجعوا، وإن سألتم إلى ماذا ~~ترجعون أخبرتكم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم، حتى يضرب بعضكم أعناق ~~بعض، وقد فعلتم. # فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول ~~إليه، # PageV04P042 # فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم، يقتل، ~~ويسبي، ويهدم الكنائس، ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاي على البحر ~~الأخضر، وهو في قوة وظهور، فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه، وأخذ بعنان ~~بغلته وأخرجه، وكان موافاة الرسول بمدينة لك بجليقية، وخرج على الفج ~~المعروف بفج موسى، ووافاه طارق من الثغر الأعلى، فأقفله معه ومضيا جميعا. # واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى، فلما عبر البحر إلى ~~سبته استخلف عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك، واستخلف على ~~إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله، وسار إلى الشام، وحمل الأموال التي ~~غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك ~~القوط وأعيانهم، ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى، فورد الشام، وقد مات ~~الوليد بن عبد الملك، واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى بن ~~نصير، فعزله عن جميع أعماله، وأقصاه وحبسه وأغرمه حتى احتاج أن يسأل العرب ~~في معونته. # وقيل: إنه قدم الشام والوليد حي، وكان قد كتب إليه وادعى أنه هو الذي فتح ~~الأندلس، وأخبره خبر المائدة، ms1631 فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ~~ومعه طارق، فقال طارق: أنا غنمتها. فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: سله عن ~~رجلها المعدومة. فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم، فأظهرها طارق، وذكر ~~أنه أخفاها لهذا السبب. فعلم الوليد صدق طارق، وإنما فعل هذا لأنه كان حبسه ~~وضربه حتى أرسل الوليد فأخرجه، وقيل: لم يحبسه. # قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس كان في مملكتهم بيت إذا ولي ملك ~~منهم أقفل عليه قفلا، فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم، فلما ملك رذريق أراد ~~فتح الأقفال، فنهاه أكابر أهل البلاد عن ذلك، فلم يقبل منهم، وفتح الأقفال، ~~فرأى في البيت صور العرب وعليهم العمائم الحمر على خيول شهب، وفيه كتاب: ~~إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد. ففتحت الأندلس تلك السنة. # فهذا القدر كاف في فتح الأندلس، ونذكر باقي أخبار الأندلس عند أوقات ~~حدوثها على ما شرطنا إن شاء الله تعالى. # PageV04P043 # ذكر غزوة جزيرة سردانية # هذه الجزيرة في بحر الروم، وهي من أكبر الجزائر ما عدا جزيرة صقلية ~~وأقريطش، وهي كثيرة الفواكه، ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من ~~عسكره في البحر إلى هذه الجزيرة سنة اثنتين وتسعين، فدخلوها، وعمد النصارى ~~إلى مالهم من آنية ذهب وفضة، فألقوا الجميع في الميناء الذي لهم، وجعلوا ~~أموالهم في سقف بنوه للبيعة العظمى التي لهم تحت السقف الأول، وغنم ~~المسلمون فيها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول. فاتفق أن رجلا من ~~المسلمين اغتسل في الميناء، فعلقت رجله في شيء، فأخرجه فإذا صحفة من فضة، ~~وأخذ المسلمون جميع ما فيه، ثم دخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة، فنظر ~~إلى حمام فرماه بسهم فأخطأه، ووقع في السقف، وانكسر لوح، فنزل منه شيء من ~~الدنانير، وأخذوا الجميع، وازداد المسلمون غلولا، فكان بعضهم يذبح الهرة ~~ويرمي ما في جوفها فيملأه دنانير ويخيط عليها ويلقيها في الطريق، فإذا خرج ~~أخذها، وكان يضع قائم سيفه على الجفن، ويملأه ذهبا. # فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلا يقول: ms1632 اللهم غرقهم، فغرقوا عن آخرهم، ~~فوجدوا أكثر الغرقى والدنانير على أوساطهم. # [سنة 135 ه] # وفي سنة خمس وثلاثين ومائة غزاها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ~~الفهري، فقتل من بها قتلا ذريعا، ثم صالحوه على الجزية، فأخذت منهم وبقيت ~~ولم يغزها بعده أحد، فعمرها الروم. # [سنة 323 ه] # فلما كانت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، أخرج إليها المنصور بن القائم ~~العلوي، صاحب إفريقية أسطولا من المهدية، فمروا بجنوة، ففتحوا المدينة، ~~وأوقعوا بأهل سردانية وسبوا فيها، وأحرقوا مراكب كثيرة، وأخربوا جنوة ~~وغنموا ما فيها. # PageV04P044 # [سنة 604 ه] # وفي سنة ست وأربعمائة غزاها مجاهد العامري من دانية، وكان صاحبها في ~~البحر في مائة وعشرين مركبا، ففتحها، وقتل فأكثر، وسبى النساء والذرية، ~~فسمع بذلك ملوك الروم، فجمعوا إليه، وساروا إليه من البر الكبير في جمع ~~عظيم، فاقتتلوا، وانهزم المسلمون، وأخرجوا من جزيرة سردانية، وأخذت بعض ~~مراكبهم، وأسر أخو مجاهد وابنه علي بن مجاهد، ورجع بمن بقي إلى دانية، ولم ~~تغز بعد ذلك. # وإنما ذكرنا جميع أخبارها هاهنا لقلتها، وإذا تفرقت لم تعرف كما يجب. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصونا ثلاثة، وجلا ~~أهل سوسنة إلى بلاد الروم. # وفي هذه السنة غزا قتيبة سجستان في قول بعضهم، وأراد قصد رتبيل الأعظم، ~~فلما نزل قتيبة سجستان أرسل رتبيل إليه رسلا بالصلح، فقبل ذلك وانصرف، ~~واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله الليثي. # وحج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة. # وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها مات مالك بن أوس بن الحدثان البصري، ومن ولد نصر بن معاوية، ~~بالمدينة، وله أربع وتسعون سنة. # PageV04P045 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين] ### | 93 - # ذكر صلح خوارزمشاه وفتح خام جرد # وفي هذه السنة صالح قتيبة خوارزمشاه. # وكان سبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرزاد على أمره، وكان ~~أصغر منه، وكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا ms1633 ~~أو دابة أو بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه وأخذه منه، وكان لا ~~يمتنع عليه أحد ولا الملك، فإذا قيل للملك، قال: لا أقوى به وهو مغتاظ ~~عليه. # فلما طال ذلك عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه، واشترط ~~عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ليحكم فيهم بما يرى، ولم يطلع أحد من ~~مرازبته على ذلك، فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وتجهز للغزو، وأظهر قتيبة أنه ~~يريد الصغد، وسار من مرو، وجمع خوارزمشاه أجناده ودهاقنته، فقال: إن قتيبة ~~يريد الصغد وليس يغازيكم، فهلموا نتنعم في ربيعنا هذا. # فأقبلوا على الشرب والتنعم، فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزارسب، فقال ~~خوارزمشاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: لكني لا أرى ذلك; ~~لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة، ولكن أصرفه بشيء أؤديه إليه. ~~فأجابوه إلى ذلك. # فسار خوارزمشاه فنزل بمدينة الفيل من وراء النهر، وهي أحصن بلاده، وقتيبة ~~لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارزمشاه، فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين ~~ومتاع، وعلى أن يعينه على خام جرد، فقبل قتيبة ذلك. # وقيل: صالحه على مائة ألف رأس، ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى خام ~~جرد، وكان يغازي خوارزمشاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه، وقدم ~~منهم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم قتيبة، وسلم قتيبة إلى خوارزمشاه أخاه ومن ~~كان يخالفه، فقتلهم ودفع أموالهم إلى قتيبة. # PageV04P046 # ذكر فتح سمرقند # فلما قبض قتيبة صلح خوارزمشاه قام إليه المجشر بن مزاحم السلمي. فقال له ~~سرا: إن أردت الصغد يوما من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن يأتيهم عامل ~~هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار عليك بهذا أحد؟ قال: لا. قال: ~~فسمعه منك أحد؟ قال: لا. قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك. # فلما كان الغد أمر أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة، وقدم ~~الأثقال إلى مرو، فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجه ~~الأثقال إلى مرو، ms1634 وسر بالفرسان والرماة نحو الصغد، واكتم الأخبار، فإني في ~~الأثر. ففعل عبد الرحمن ما أمره، وخطب قتيبة الناس وقال لهم: إن الصغد ~~شاغرة برجلها، وقد نقضوا العهد الذي بيننا وصنعوا ما بلغكم، وإني أرجو أن ~~يكون خوارزم والصغد كقريظة والنضير. ثم سار فأتى الصغد فبلغها بعد عبد ~~الرحمن بثلاث أو أربع، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى، فقاتلوه شهرا من وجه ~~واحد وهم محصورون. # وخاف أهل الصغد طول الحصار، فكتبوا إلى الملك الشاش وخاقان وأخشاد ~~فرغانة: إن العرب [إن] ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم ~~ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فنظروا، وقالوا: إنما نؤتى من سفلتنا، ~~فإنهم لا يجدون كوجدنا. فانتخبوا من أولاد الملوك وأهل النجدة من أبناء ~~المرازبة والأساورة والأبطال، وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة فيبيتوه، فإنه ~~مشغول عنه بحصار سمرقند، وولوا عليه ابنا لخاقان، فساروا. # وبلغ قتيبة الخبر، فانتخب من عسكره أربعمائة، وقيل: ستمائة من أهل النجدة ~~والشجاعة وأعلمهم الخبر، وأمرهم بالمسير إلى عدوهم، فساروا وعليهم صالح بن ~~مسلم، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين، ~~فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، فلما اقتتلوا ~~شد الكمينان عن يمين وشمال، فلم ير قوم كانوا أشد من أولئك. قال بعضهم: إنا ~~لنقاتلهم إذ رأيت تحت الليل قتيبة وقد جاء سرا، فضربت ضربة أعجبتني. فقلت: ~~كيف ترى بأمي وأبي؟ قال: اسكت فض الله فاك. قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم ~~إلا الشريد، وحوينا أسلابهم وسلاحهم، فاحتززنا رءوسهم وأسرنا منهم أسرى، ~~فسألناهم عمن قتلنا # PageV04P047 # فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا، كان الرجل يعد بمائة ~~رجل، وكتبنا أسماءهم على آذانهم، ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا، فلم يأت أحد ~~بمثل ما جئنا به من القتلى والأسرى والخيل ومناطق الذهب والسلاح، قال: ~~وأكرمني قتيبة وأكرم معي جماعة، وظننت أنه رأى منهم مثل الذي رأى مني. # ولما رأى الصغد ذلك انكسروا، ونصب قتيبة عليهم المجانيق فرماهم وثلم ~~ثلمة، فقام عليها ms1635 رجل شتم قتيبة، فرماه بعض الرماة فقتله، فأعطاه قتيبة ~~عشرة آلاف. وسمع بعض المسلمين قتيبة وهو يقول كأنما يناجي نفسه: حتى متى يا ~~سمرقند يعشش فيك الشيطان؟ أما والله [لئن] أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى ~~غاية. فانصرف ذلك الرجل فقال لأصحابه: كم من نفس تموت غدا! وأخبر الخبر. # فلما أصبح قتيبة أمر الناس بالجد في القتال، فقاتلوهم واشتد القتال، ~~وأمرهم قتيبة أن يبلغوا ثلمة المدينة، فجعلوا الترسة على وجوههم وحملوا، ~~فبلغوها ووقفوا عليها، ورماهم الصغد بالنشاب فلم يبرحوا. فأرسل الصغد إلى ~~قتيبة فقالوا له: انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا. فقال قتيبة: لا نصالحهم ~~إلا ورجالنا على الثلمة، وقيل: بل قال قتيبة: جزع العبيد، انصرفوا على ~~ظفركم، فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام، ~~وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف فارس، وأن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون ~~لهم فيها مقاتل، فيبني فيها مسجدا، ويدخل ويصلي ويخطب ويتغدى ويخرج. # فلما تم الصلح وأخلوا المدينة وبنوا المسجد دخلها قتيبة في أربعة آلاف ~~انتخبهم، فدخل المسجد فصلى فيه وخطب، وأكل طعاما ثم أرسل إلى الصغد: من ~~أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإني لست خارجا منها ولست آخذ منكم إلا ما ~~صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها. # وقيل: إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف فارس، وبيوت النيران وحلية ~~الأصنام، فقبض ذلك، وأتي بالأصنام فكانت كالقصر العظيم، وأخذ ما عليها، ~~وأمر بها فأحرقت. فجاءه غوزك فقال: إن شكرك علي واجب، لا تتعرض لهذه ~~الأصنام، فإن منها أصناما من أحرقها هلك. فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، ~~فدعا بالنار فكبر، ثم أشعلها فاحترقت، فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ~~ألف مثقال. # وأصاب بالصغد جارية من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج، فأرسلها الحجاج # PageV04P048 # إلى الوليد، فولدت له يزيد بن الوليد. # وأمر غوزك بالانتقال عنها فانتقل. # وقيل: إن أهل سمرقند خرجوا على المسلمين وهم يقاتلونهم يوم فتحها، وقد ~~أمر قتيبة بسرير فأبرز وقعد عليه، فطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وإنه لمحتب ms1636 ~~بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب، فهزموهم ~~حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير، ودخلوا المدينة ~~فصالحوهم، وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة، فأتاه في عدة من أصحابه، فلما بعد ~~استوهب منه سمرقند وقال للملك: انتقل عنها، فلم نجد بدا من طاعته، وتلا ~~قتيبة قوله تعالى: {وأنه أهلك عادا الأولى} [النجم: 50] ، {وثمود فما أبقى} ~~[النجم: 51] . # وحكي عن الذي أرسله قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال: فأرسلني الحجاج ~~إلى الوليد، فقدمت دمشق قبل طلوع الفجر، فدخلت المسجد، فإذا إلى جنبي رجل ~~ضرير، فسألني: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، وأخبرته خبر سمرقند. فقال: ~~والذي بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا! وإنكم يا أهل خراسان الذين ~~تسلبون بني أمية ملكهم، ثم تنقضون دمشق حجرا حجرا. فلما فتح قتيبة سمرقند ~~قيل: [إن] هذا لأعدى العيرين، لأنه فتح سمرقند وخوارزم في عام واحد، وذلك ~~أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادى عيرين. فلما فتحها قتيبة ~~دعا نهار بن توسعة فقال: يا نهار أين قولك: # ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب # أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب # أفغزو هذا؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول: # وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم # PageV04P049 # أعم لأهل الشرك قتلا بسيفه # وأكثر فينا مقسما بعد مقسم # قال: وقال الشعراء في ذلك، فقال الكميت من قصيدة: # كانت سمرقند أحقابا يمانية ... فاليوم تنسبها قيسية مضر # وقال كعب الأشقري، وقيل رجل من جعفى) : # كل يوم يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا # باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا # دوخ الصغد بالكتائب حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا # فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا # ثم رجع قتيبة إلى مرو، وكان أهل خراسان يقولون: إن قتيبة غدر بأهل سمرقند ~~فملكها غدرا. # وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله على حربها، وكان ضعيفا، ms1637 وكان على ~~خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم. فاستضعف أهل خوارزم إياسا، ~~فجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث قتيبة أخاه عبد الله عاملا ~~وأمره أن يضرب إياسا وحيان النبطي مائة مائة ويحلقهما. فلما قرب عبد الله ~~من خوارزم أرسل إلى إياس فأنذره، فتنحى، وقدم عبد الله وأخذ حيان فضربه ~~وحلقه. ثم وجه قتيبة الجنود إلى خوارزم مع المغيرة بن عبد الله، فبلغهم ~~ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزمشاه وقالوا: لا ~~نعينك، فهرب إلى بلاد الترك، وقدم المغيرة فقتل وسبى، فصالحه الباقون على ~~الجزية، وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور. # PageV04P050 # ذكر فتح طليطلة من الأندلس # قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غضب موسى بن نصير على مولاه طارق فسار إليه ~~في رجب منها، واستخلف على إفريقية ابنه عبد الله بن موسى، وعبر موسى إلى ~~طارق في عشرة آلاف، فتلقاه وترضاه، فرضي عنه، وقبل عذره، وسيره إلى طليطلة، ~~وهي من عظام بلاد الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوما، ففتحها وأصاب فيها ~~مائدة سليمان بن داود، عليه السلام، وما فيها من الذهب والجوهر، والله أعلم ~~به. # قلت: لم يزد على هذا، وقد ذكرت في سنة اثنتين وتسعين من فتح الأندلس ~~ودخول موسى بن نصير إلى طارق ما فيه كفاية، فلا حاجة إلى إعادته، إلا أن ~~أبا جعفر قد ذكر أن موسى هو الذي سير طارقا وهو بالأندلس، ففتح مدينة ~~طليطلة، والذي ذكره أهل الأندلس في تواريخهم ما تقدم ذكره. # ذكر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز # قيل: وفي هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة. # وكان سبب ذلك أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل العراق ~~واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن من ~~عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة، وإن ~~ذلك وهن. فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة، فأشار عليه ~~بخالد بن ms1638 عبد الله وعثمان بن حيان، فولى خالدا مكة، وعثمان المدينة، وعزل ~~عمر عنهما. # فلما خرج عمر من المدينة قال: إني أخاف أن أكون ممن نفته المدينة، يعني ~~بذلك قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تنفي خبثها» . # وكان عزله عنها في شعبان، ولما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق ~~كرها، وتهدد من أنزل عراقيا أو أجره دارا، واشتد على أهل المدينة وعسفهم ~~وجار فيهم، ومنعهم من إنزال عراقي، وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز كل من ~~خاف الحجاج لجأ إلى مكة والمدينة. # PageV04P051 # (وقيل: إنما استعمل على المدينة عثمان بن حيان، وقد تقدم سنة إحدى وتسعين ~~ولاية خالد مكة في قول بعضهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية، والمرزبانين، ~~وطرسوس. # وفيها غزا مروان بن الوليد فبلغ خنجرة. # وفيها غزا مسلمة الروم أيضا، ففتح ماسيسة، وحصن الحديد، وغزالة من ناحية ~~ملطية. # وفيها أجدب أهل إفريقية، فاستسقى موسى بن نصير فسقوا. # وفيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز قبل أن يعزله يأمره ~~بضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير ويصب على رأسه ماء باردا، فضربه خمسين ~~سوطا، وصب عليه ماء باردا في يوم شات، ووقفه على باب المسجد، فمات من يومه. # PageV04P052 # (خبيب بضم الخاء المعجمة، وبائين موحدتين، بينهما ياء تحتها نقطتان) . # وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن الوليد. وكان على الأمصار من تقدم ~~ذكرهم إلا المدينة، فإن عاملها عثمان بن حيان قدمها في شوال لليلتين بقيتا ~~منه، وقد تقدم ذكر ولاية خالد بن عبد الله مكة في سنة تسع وثمانين، وفي سنة ~~إحدى وتسعين قد ذكرنا أنه وليها هذه السنة. # [الوفيات] # وفيها مات أبو الشعثاء جابر بن زيد. # وأبو العالية البراء، واسمه زياد بن فيروز، وكان مولى لأعرابية من بني ~~رياح، وليس بأبي العالية الرياحي، ذاك كان موته سنة تسعين. # وفيها مات بلال بن أبي الدرداء الأنصاري قاضي دمشق. # PageV04P053 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين] ### | 94 - # ثم دخلت سنة ms1639 أربع وتسعين # ذكر قتل سعيد بن جبير # قيل: وفي هذه السنة قتل سعيد بن جبير. # وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج قد ~~جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد ~~الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلع، فلما هزم عبد الرحمن ودخل بلاد رتبيل هرب ~~سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى عاملها بأخذ سعيد، فخرج العامل من ذلك، ~~فأرسل إلى سعيد يعرفه ذلك ويأمره بمفارقته، فسار عنه فأتى أذربيجان، فطال ~~عليه القيام فاغتم بها، فخرج إلى مكة، فكان بها هو وأناس أمثاله يستخفون، ~~فلا يخبرون أحدا أسماءهم. # فلما ولي خالد بن عبد الله مكة، قيل لسعيد: إنه رجل سوء، فلو سرت عن مكة. ~~قال: والله لقد فررت حتى استحييت من الله، وسيجيئني ما كتب الله لي. فلما ~~قدم خالد مكة كتب إليه الوليد بحمل أهل العراق إلى الحجاج، فأخذ سعيد بن ~~جبير ومجاهدا وطلق بن حبيب، فأرسلهم إليه، فمات طلق بالطريق، وحبس مجاهد ~~حتى مات الحجاج. # وكان سيرهم مع حرسين، فانطلق أحدهما لحاجة وبقي الآخر، فقال لسعيد، وقد ~~استيقظ من نومه ليلا: يا سعيد، إني أبرأ إلى الله من دمك، إني رأيت في ~~منامي، فقيل لي: ويلك! تبرأ من دم سعيد بن جبير! فاذهب حيث شئت فإني لا ~~أطلبك. فأبى سعيد، فرأى ذلك الحرس مثل تلك الرؤيا ثلاثا، ويأذن لسعيد في ~~الذهاب وهو لا يفعل. # فقدموا به الكوفة، فأنزل في داره، وأتاه قراء الكوفة، فجعل يحدثهم وهو ~~يضحك وبنية له في حجره، فلما نظرت إلى القيد في رجله بكت، ثم أدخلوه على ~~الحجاج، فلما أتي به، قال: لعن الله ابن النصرانية! يعني خالدا، وكان هو ~~أرسله، أما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة، ثم أقبل ~~عليه، فقال: يا سعيد ألم أشركك في # PageV04P054 # إمامتي؟ ألم أفعل؟ ألم أستعملك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: إنما ~~أنا امرؤ من المسلمين، يخطئ مرة ويصيب مرة. فطابت ms1640 نفس الحجاج، ثم عاوده في ~~شيء، فقال: إنما كانت بيعة في عنقي، فغضب الحجاج وانتفخ، وقال: يا سعيد ألم ~~أقدم مكة، فقتلت ابن الزبير، وأخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين ~~عبد الملك؟ قال: بلى. قال: ثم قدمت الكوفة واليا، فجددت البيعة، فأخذت ~~بيعتك لأمير المؤمنين ثانية؟ قال: بلى. قال: فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين، ~~وتوفي بواحدة للحائك ابن الحائك، والله لأقتلنك! قال: إني إذا لسعيد كما ~~سمتني أمي. فأمر به فضربت رقبته، فبدر رأسه عليه كمة بيضاء لاطية، فلما سقط ~~رأسه هلل ثلاثا، أفصح بمرة ولم يفصح بمرتين. # فلما قتل التبس عقل الحجاج، فجعل يقول: قيودنا قيودنا! فظنوا أنه يريد ~~القيود، فقطعوا رجلي سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود، وكان الحجاج إذا ~~نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ ~~فيقول: ما لي ولسعيد بن جبير! ما لي ولسعيد بن جبير! # ذكر غزوة الشاش وفرغانة # في هذه السنة قطع قتيبة النهر، وفرض على أهل بخارى وكش ونسف وخوارزم ~~عشرين ألف مقاتل، فساروا معه، فوجههم إلى الشاش، وتوجه هو إلى فرغانة فأتى ~~خجندة، فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارا، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين. ~~ثم إن قتيبة أتى كاشان مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش ~~وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها، وانصرف إلى مرو، وقال سحبان يذكر قتالهم بخجندة ~~فقال: # فسل الفوارس في خجن ... دة تحت مرهفة العوالي # هل كنت أجمعهم إذا ... هزموا وأقدم في القتال # أم كنت أضرب هامة ال ... عاتي وأصبر للعوالي # PageV04P055 # هذا وأنت قريع قي # س كلها ضخم النوال ... وفضلت قيسا في الندى # وأبوك في الحجج الخوالي ... ولقد تبين عدل حك # مك فيهم في كل حال ... تمت مروءتكم ونا # غى # عزكم غلب الجبال # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد أرض الروم ففتح أنطاكية. # وفيها غزا عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي ~~برج الحمام، ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية. # وفيها كانت الزلازل بالشام، ودامت ms1641 أربعين يوما، فخربت البلاد، وكان عظم ~~ذلك في أنطاكية. # وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند. # PageV04P056 # [الوفيات] # وتوفي في هذه السنة علي بن الحسين في أولها. # ثم عروة بن الزبير. # ثم سعيد بن المسيب. # وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. # واستقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب. # وحج بالناس مسلمة بن عبد الملك، وقيل: عبد العزيز بن الوليد بن عبد ~~الملك. # وكان العامل بمكة خالد بن عبد الله، وبالمدينة عثمان بن حيان، وبمصر قرة ~~بن شريك، وبخراسان قتيبة من قبل الحجاج. # PageV04P057 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين] ### | 95 - # ثم دخلت سنة خمس وتسعين # ذكر غزوة الشاش # قيل: وفي هذه السنة بعث الحجاج جيشا من العراق إلى قتيبة فغزا بهم، فلما ~~كان بالشاش أو بكش ماهان أتاه موت الحجاج في شوال منها، فغمه ذلك وتمثل ~~يقول: # لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل # فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل # ورجع إلى مرو وتفرق بالناس، فأتاه كتاب الوليد: قد عرف أمير المؤمنين ~~بلاءك وجدك واجتهادك في جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع ~~بك الذي يجب لك، فالمم مغازيك، وانتظر ثواب ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين ~~كتبك حتى كأني أنظر إلى بلائك والثغر الذي أنت فيه. # ذكر وفاة الحجاج بن يوسف # قيل: إن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار ~~أيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة ~~بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة، اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا ~~فأرح الناس! فلم يمض غير قليل حتى توفي الحجاج وقرة بن شريك في شهر واحد، ~~ثم تبعهما الوليد، وعزل عثمان وخالد، واستجاب الله لعمر. # PageV04P058 # وما أشبه هذه القصة بقصة [ابن] عمر مع زياد بن أبيه، حيث كتب إلى معاوية ~~يقول له: قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة. يعرض بإمارة الحجاز. فقال ~~ابن عمر لما بلغه ذلك: اللهم أرحنا من يمين زياد، ms1642 وأرح أهل العراق من ~~شماله. فكان أول خبر جاءه موت زياد. # وكانت وفاة الحجاج في شوال سنة خمس وتسعين، وقيل: كانت وفاته لخمس بقين ~~من شهر رمضان، وله من العمر أربع وخمسون سنة، وقيل: ثلاث وخمسون سنة، وكانت ~~ولايته العراق عشرين سنة، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد ~~الله بن الحجاج، واستخلف على حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة، وعلى ~~خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موته، ولم يغير أحدا من عمال ~~الحجاج. # ذكر نسبه وشيء من سيرته # هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود بن معتب بن ~~مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف أبو محمد الثقفي. # قال قتيبة بن مسلم: خطبنا الحجاج فذكر القبر، فما زال يقول: إنه بيت ~~الوحدة، إنه بيت الغربة، وبيت كذا وكذا، حتى بكى وأبكى، ثم قال: سمعت أمير ~~المؤمنين يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان، فقال في خطبته: «ما ~~نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى قبر أو ذكره إلا بكى» . وقد روي ~~أحاديث غير هذا عن ابن عباس وأنس. # وقال ابن عوف: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ عرفت أنه طالما درس القرآن. وقال ~~أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن، وكان الحسن أفصح. ~~وقال عبد الملك بن عمير: قال الحجاج يوما: من كان له بلاء فليقم، # PageV04P059 # فنعطيه على بلائه. فقام رجل، فقال: أعطني على بلائي. قال: وما بلاؤك؟ ~~قال: قتلت الحسين. قال: كيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، وهبرته بالسيف ~~هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا. قال: فإنك لا تجتمع أنت وهو في مكان ~~واحد. وقال: اخرج! ولم يعطه شيئا. # قيل: كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكري بشيء بلغه ~~عنه، فأحضره الحجاج وقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول: ~~{ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] الآية، ~~والذي بلغه عني ms1643 باطل، فاكتب إلى أمير المؤمنين أني أعول أربعا وعشرين امرأة ~~وهن بالباب، فأحضرهن، فهذه أمه، وهذه عمته وزوجته وابنته، وكان في آخرهن ~~جارية قاربت عشر سنين. فقال لها: من أنت منه؟ قالت: ابنته، أصلح الله ~~الأمير! ثم أنشأت تقول: # أحجاج لم تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا # أحجاج لم تقبل به أن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا # أحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا # أحجاج إما أن تجود بنعمة # علينا وإما أن تقتلنا # معا فبكى الحجاج وقال: والله لا أعنت الدهر عليكن، ولا زدتكن تضعضعا. # وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية، فكتب إليه عبد الملك: إن كان ~~الأمر كما ذكرت، فأحسن صلته، وتفقد الجارية. ففعل. # وقال عاصم ابن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتقوا الله ما استطعتم، هذا ~~والله مثنوية، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس في مثنوية، والله ~~لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلت لي دماؤكم، ولا أجد ~~أحدا يقرأ علي قراءة ابن أم عبد، يعني ابن مسعود، إلا ضربت عنقه، ولأحكنها ~~من المصحف ولو بضلع # PageV04P060 # خنزير، قد ذكر ذلك عند الأعمش. فقال: وأنا سمعته يقول: فقلت في نفسي ~~لأقرأنها على رغم أنفك. # قال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا ~~بالحجاج لغلبناهم. قال منصور: سألنا إبراهيم الشجاعي، عن الحجاج فقال: ألم ~~يقل الله: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] ؟ قال الشافعي: بلغني أن ~~عبد الملك بن مروان قال للحجاج: ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب ~~نفسك ولا تخبأ منها شيئا. قال: يا أمير المؤمنين أنا لجوج حقود. فقال له ~~عبد الملك: إذا بينك وبين إبليس نسب. فقال: إن الشيطان إذا رآني سالمني. # قال الحسن: سمعت عليا على المنبر يقول: اللهم ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم ~~فغشوني، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم ~~الجاهلية! فوصفه وهو يقول: الزيال، مفجر الأنهار، يأكل خضرتها، ويلبس ~~فروتها. قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج. ms1644 # قال حبيب بن أبي ثابت: قال علي لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف، قيل له: ~~يا أمير المؤمنين ما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من ~~زوايا جهنم، رجل يملك عشرين أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ~~ارتكبها حتى لو لم تبق إلا معصية واحدة، وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى ~~يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه. # وقيل: أحصي من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا. وقيل: إن ~~الحجاج مر بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر في مشيته، فقال رجل لخالد: من ~~هذا؟ قال خالد؟ بخ بخ! هذا عمرو بن العاص. فسمعها الحجاج فرجع وقال: والله ~~ما يسرني # PageV04P061 # أن العاص ولدني، ولكني ابن الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش، وأنا الذي ~~ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم يشهد أن أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر. ثم ~~ولى وهو يقول: بخ بخ عمرو بن العاص! فهو قد اعترف في بعض أيامه بمائة ألف ~~قتيل على ذنب واحد. # ذكر ما فعله محمد بن القاسم بعد موت الحجاج وقتله # لما مات الحجاج بن يوسف كان محمد بن القاسم بالملتان، فأتاه خبر وفاته، ~~فرجع إلى الرور والبغرور، وكان قد فتحهما، فأعطى الناس، ووجه إلى البيلمان ~~جيشا، فلم يقاتلوا وأعطوا الطاعة، وسأله أهل سرشت، وهي مغزى أهل البصرة، ~~وأهلها يقطعون في البحر، ثم أتى محمد الكيرج فخرج إليه دوهر فقاتله، فانهزم ~~دوهر وهرب، وقيل: بل قتل، ونزل أهل المدينة على حكم محمد فقتل وسبى، قال ~~الشاعر: # نحن قتلنا ذاهرا ودوهرا ... والخيل تردي منسرا فمنسرا # ومات الوليد بن عبد الملك وولي سليمان بن عبد الملك، فولى يزيد بن أبي ~~كبشة السكسكي السند، فأخذ محمدا وقيده وحمله إلى العراق، فقال محمد متمثلا: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # فبكى أهل السند على محمد، فلما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن ~~بواسط، فقال: # فلئن ثويت بواسط وبأرضها ... رهن الحديد مكبلا مغلولا # فلرب قينة فارس ms1645 قد رعتها ... ولرب قرن قد تركت قتيلا # وقال: # PageV04P062 # ولو كنت أجمعت الفرار لوطئت ... إناث أعدت للوغى وذكور # وما دخلت خيل السكاسك أرضنا ... ولا كان من عك علي أمير # وما كنت للبد المزوني تابعا ... فيا لك دهر بالكرام عثور # فعذبه صالح في رجال من آل أبي عقيل حتى قتله، وكان الحجاج قتل آدم أخا ~~صالح، وكان يرى رأي الخوارج، وقال حمزة بن بيض الحنفي يرثي محمدا: # إن المروءة والسماحة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد # ساس الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب ذلك سؤددا من مولد # وقال آخر: # ساس الرجال لسبع عشرة حجة ... ولداته إذ ذاك في أشغال # ومات يزيد بن أبي كبشة بعد قدومه أرض السند بثمانية عشر يوما، واستعمل ~~سليمان بن عبد الملك على السند حبيب بن المهلب، فقدمها وقد رجع ملوك السند ~~إلى ممالكهم ورجع جيشبه بن ذاهر إلى برهمناباذ، فنزل حبيب على شاطئ مهران، ~~فأعطاه أهل الرور الطاعة، وحارب قوما فظفر بهم. # ثم مات سليمان واستخلف عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى ~~الإسلام والطاعة على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. فأسلم ~~جيشبه والملوك، وتسموا بأسماء العرب. # وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمر على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند # PageV04P063 # فظفر. ثم إن الجنيد بن عبد الرحمن ولي السند أيام هشام بن عبد الملك، ~~فأتى الجنيد شط مهران فمنعه جيشبه بن ذاهر العبور، وأرسل إليه: إني قد ~~أسلمت، وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك، فأعطاه رهنا وأخذ منه رهنا ~~على خراج بلاده، ثم ترادا وكفر جيشبه وحارب، وقيل: إنه لم يحارب ولكن ~~الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند فجمع جموعا، وأعد السفن واستعد للحرب، فسار ~~إليه الجنيد بالسفن، فالتقوا في بطيحة، فأخذ جيشبه أسيرا، وقد جنحت سفينته، ~~فقتله الجنيد وهرب صصة بن ذاهر، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر ~~الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله. # وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، فاتخذوا كبشا وصك بها سور ms1646 المدينة، ~~فثلمه ودخلها، فقتل وسبى، ووجه العمال إلى المرمذ والمندل ودهنج وبرونج. ~~وكان الجنيد يقول: القتل في الجزع أكبر منه في الصبر. ووجه جيشا إلى أزين ~~فأغاروا عليها وحرقوا ربضها، وفتح البيلمان، وحصل عنده سوى ما حمل أربعون ~~ألف ألف وحمل مثلها، وولى الجنيد تميم بن زيد القيني، فضعف ووهن، ومات ~~قريبا من الديبل. # وفي أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند ورفضوا مراكزهم، ثم ولي الحكم بن ~~عوام الكلبي، وقد كفر أهل الهند إلا أهل قصة، فبنى مدينة سماها المحفوظة، ~~وجعلها مأوى المسلمين، وكان معه عمرو بن محمد بن القاسم، وكان يفوض إليه ~~عظيم الأمور، فأغزاه من المحفوظة، فلما قدم عليه وقد ظفر أمره فبنى مدينة ~~وسماها المنصورة، فهي التي ينزلها الأمراء، واستخلص ما كان قد غلب عليه ~~العدو، ورضي الناس بولايته، وكان خالد القسري يقول: واعجبا! وليت فتى ~~العرب، يعني تميما، فرفض وترك، ووليت # PageV04P064 # أبخل العرب فرضي به. ثم قتل الحكم، وكان العمال يقاتلون العدو، فكانوا ~~يفتتحون ناحية ويأخذون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية بعد ذلك، إلى أن ~~جاءت الدولة المباركة العباسية، ونحن نذكر إن شاء الله أيام المأمون بقية ~~أخبار السند. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح هرقلة وغيرها. # وفيها فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل. # وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد قنسرين. وفيها قتل الوضاحي بأرض ~~الروم ونحو ألف رجل معه. # وفيها ولد المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. # وحج بالناس هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك. # وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها مات أبو عثمان النهدي، اسمه عبد الرحمن بن مل، وكان عمره مائة ~~وثلاثين سنة، وقيل في موته غير ذلك. # PageV04P065 # وفيها مات سعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، وله مائة وعشرون سنة. # وفي إمارة الحجاج مات سفينة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم. # وفي هذه السنة مات سالم بن أبي الجعد. # وفيها مات جعفر بن عمرو ms1647 بن أمية الضمري، وهو أخو عبد الله بن مروان من ~~الرضاعة. # وفي إمارة الحجاج قتل أبو الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، ~~قتله الخوارج. # PageV04P066 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين] ### | 96 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين # ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر # وفي هذه السنة غزا قتيبة كاشغر، فسار وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم ~~بسمرقند، فلما عبر النهر استعمل رجلا على معبر النهر ليمنع من يرجع إلا ~~بجواز منه، ومضى إلى فرغانة، وأرسل إلى شعب عصام من يسهل الطريق إلى كاشغر، ~~وهي أدنى مدائن الصين، وبعث جيشا مع كبير بن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى ~~سبيا، فختم أعناقهم، وأوغل حتى بلغ قريب الصين. # فكتب إليه ملك الصين: أن ابعث إلي رجلا شريفا يخبرني عنكم وعن دينكم. ~~فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسن وبأس وعقل وصلاح، فأمر لهم بعدة حسنة ~~ومتاع حسن من الخز والوشي وغير ذلك وخيول حسنة، وكان منهم هبيرة بن مشمرج ~~الكلابي، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فأعلموه أني قد حلفت أني لا أنصرف حتى ~~أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم وأجبي خراجهم. # فساروا وعليهم هبيرة، فلما قدموا عليهم دعاهم ملك الصين، فلبسوا ثيابا ~~بياضا تحتها الغلائل، وتطيبوا ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده ~~عظماء قومه، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا. فقال ~~الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: رأينا قوما ما هم إلا نساء، ما ~~بقي منا أحد إلا انتشر ما عنده. # فلما كان الغد دعاهم، فلبسوا الوشي والعمائم الخز والمطارف، وغدوا عليه، ~~فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا، وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: ~~هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك. فلما كان اليوم الثالث دعاهم، فشدوا سلاحهم ~~ولبسوا البيض والمغافر، وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا. فنظر إليهم ~~ملك الصين فرأى مثل الجبل، فلما دنوا ركزوا رماحهم وأقبلوا مشمرين، فقيل ~~لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ودفعوا خيلهم كأنهم يتطاردون. ~~فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء. # PageV04P067 # فلما أمسى بعث إليهم: أن ms1648 ابعثوا إلي زعيمكم. فبعثوا إليه هبيرة بن مشمرج، ~~فقال له: قد رأيتم عظم ملكي وأنه ليس أحد منعكم مني، وأنتم في يدي بمنزلة ~~البيضة في كفي، وإني سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقوني قتلتكم. قال: سل. قال: ~~لم صنعتم بزيكم الأول اليوم الأول والثاني والثالث ما صنعتم؟ قال: أما زينا ~~اليوم الأول فلباسنا في أهلنا، وأما اليوم الثاني فزينا إذ أمنا أمراءنا، ~~وأما الثالث فزينا لعدونا. قال: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ~~ينصرف، فإني قد عرفت قلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال: كيف يكون ~~قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وأما تخويفك ~~إيانا بالقتل، فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، ولسنا نكرهه ولا ~~نخافه، وقد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطى الجزية. # فقال: فإنا نخرجه من يمينه ونبعث تراب أرضنا فيطأه، ونبعث إليه ببعض ~~أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهدية وأربعة غلمان ~~من أبناء ملوكهم، ثم أجازهم فأحسن، فقدموا على قتيبة، فقبل قتيبة الجزية، ~~وختم الغلمان وردهم، ووطئ التراب. فقال سوادة بن عبد الملك السلولي: # لا عيب في الوفد الذين بعثتهم ... للصين إن سلكوا طريق المنهج # كسروا الجفون على القذى خوف الردى # حاشا # الكريم هبيرة بن مشمرج ... أدى رسالتك التي استرعيته # فأتاك من حنث اليمين بمخرج # فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس، فرثاه سوادة فقال: # لله در هبيرة بن مشمرج ... ماذا تضمن من ندى وجمال # وبديهة يعيا بها أبناؤها ... عند احتفال مشاهد الأقوال # كان الربيع إذا السيوف تتابعت ... والليث عند تكعكع الأبطال # PageV04P068 # فسقى بقرية حيث أمسى قبره # غر يرحن بمسبل هطال ... بكت الجياد الصافنات لفقده # وبكاه كل مثقف عسال ... وبكته شعث لم يجدن مواسيا # في العام ذي السنوات والإمحال # ووصل الخبر إلى قتيبة في هذه الغزاة بموت الوليد. # وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني عشر فرسا واثني عشر ~~هجينا، فتحدر إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو ms1649 ضمرها وحمل عليها الطلائع، ~~وكان يجعل الطلائع فرسان الناس وأشرافهم ومعهم من العجم من يستنصحه، وإذا ~~بعث طليعة أمر بلوح فنقش، ثم شقه بنصفين، وجعل شقة عنده، ويعطي نصفه ~~الطليعة، ويأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرهما، ~~ثم يبعث بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا. # وفيها غزا بشر بن الوليد الشاتية ورجع وقد مات الوليد. # ذكر موت الوليد بن عبد الملك # وفي النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة مات الوليد بن عبد الملك في قول ~~جميعهم، وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، وقيل: تسع سنين وثمانية أشهر، ~~وقيل: وأحد عشر شهرا، وكانت وفاته بدير مران، ودفن خارج الباب الصغير، وصلى ~~عليه عمر بن عبد العزيز، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر، وقيل: ~~كان عمره خمسا وأربعين سنة، وقيل: ستا وأربعين سنة وأشهرا، وقيل: تسعا ~~وأربعين. وخلف تسعة عشر ابنا، وكان دميما يتبختر في مشيته، وكان سائل الأنف ~~جدا، فقيل فيه: # PageV04P069 # فقدت الوليد وأنفا له ... كمثل الفصيل بدا أن يبولا # ولما دلي في جنازته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: أعاش أبي؟ فقال له ~~عمر بن عبد العزيز، وكان فيمن دفنه: عوجل والله أبوك! واتعظ به عمر. # ذكر بعض سيرة الوليد # وكان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمشق، ~~ومسجد المدينة، على ساكنها السلام، والمسجد الأقصى، ووضع المنائر، وأعطى ~~المجذمين، ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، ~~وفتح في ولايته فتوحا عظاما، منها: الأندلس، وكاشغر، والهند. # وكان يمر بالبقال فيقف عليه ويأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: ~~بفلس. فيقول: زد فيها. # وكان صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه ~~فيسأل بعضهم بعضا عن البناء، وكان سليمان صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل ~~بعضهم بعضا عن النكاح والطعام، وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، وكان ~~الناس يسأل بعضهم بعضا عن الخير ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من ms1650 القرآن؟ وكم ~~تصوم من الشهر؟ # ومرض الوليد مرضة قبل وفاته وأغمي عليه، فبقي يومه ذلك كأنه ميت، فبكوا ~~عليه وسارت البرد بموته، فاسترجع الحجاج وشد في يده حبلا إلى أسطوانة وقال: ~~اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له، فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي قبله! ~~فإنه كذلك يدعو إذ قدم عليه البريد بإفاقته. ولما أفاق الوليد قال: ما أحد ~~أشد سرورا بعافيتي من الحجاج، ثم لم يمت حتى ثقل الحجاج عليه. # وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى ~~سليمان، # PageV04P070 # فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه إلا الحجاج وقتيبة وخواص من ~~الناس، فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم الوليد على ~~المسير إليه ليخلعه، وأخرج خيمه، فمات قبل أن يسير إليه. # ولما أراد أن يبني مسجد دمشق كان فيه كنيسة، فهدمها وبناها مسجدا، فلما ~~ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ذلك، فقال لهم عمر: إن ما كان خارج ~~المدينة فتح عنوة، ونحن نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما، فإنها فتحت ~~عنوة ونبنيها مسجدا. فقالوا: بل ندع لكم هذا ودعوا كنيسة توما. # وكان الوليد لحانا لا يحسن النحو، دخل عليه أعرابي فمت إليه بصهر بينه ~~وبين قرابته، فقال له الوليد: من ختنك؟ بفتح النون، وظن الأعرابي أنه يريد ~~الختان، فقال بعض الأطباء. فقال له سليمان: إنما يريد أمير المؤمنين من ~~ختنك؟ وضم النون. فقال الأعرابي: نعم فلان، وذكر ختنه. وعاتبه أبوه على ذلك ~~وقال: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم. فجمع أهل النحو، ودخل بيتا فلم ~~يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخل. فقال عبد الملك: قد أعذر. ~~فقيل: إنه لما ولي الخلافة [كان] يختم القرآن في كل ثلاث، وكان يقرأ في ~~رمضان كل يوم ختمة، وخطب يوما فقال: يا ليتها كانت القاضية، وضم التاء، ~~فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحتنا منك. # ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك وبيعته # وفي هذه السنة ms1651 بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه الوليد ~~وهو بالرملة. # وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من ~~رمضان، واستعمل عليها أبا بكر بن محمد بن حزم، وكان عثمان قد عزم على أن ~~يجلد أبا بكر ويحلق لحيته من الغد، فلما كان الليل جاء البريد إلى أبي بكر ~~بتأميره وعزل عثمان وحده، [وأن] يقيده. # PageV04P071 # وفيها عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق، واستعمل يزيد بن المهلب، ~~وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره بقتل بني عقيل وبسط العذاب ~~عليهم، وهم أهل الحجاج، فكان يعذبهم ويلي عذابهم عبد الملك بن المهلب، وكان ~~يزيد بن المهلب قد استعمل أخاه زيادا على حرب عثمان. # ذكر مقتل قتيبة # قيل: وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان. # وكان سبب قتله أن الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان من ولاية ~~العهد، ويجعل [بدله] ابنه عبد العزيز، فأجابه إلى ذلك الحجاج وقتيبة على ما ~~تقدم. فلما مات الوليد وولي سليمان خافه قتيبة، وخاف أن يولي سليمان يزيد ~~بن المهلب خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويذكر بلاءه ~~وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان، وكتب ~~إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته، وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته ~~في صدورهم، وعظم صولته فيهم، ويذم أهل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد ~~على خراسان ليخلعنه. وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه، وبعث الكتب مع رجل من ~~باهلة، فقال له: ادفع الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ~~ألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع ~~إليه هذا الثالث، فإن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين ~~الآخرين. # فقدم رسول قتيبة على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب، ~~فقرأه وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الكتاب الآخر، فقرأه، وألقاه إلى يزيد، ~~فأعطاه الكتاب الثالث، فقرأه، فتغير ms1652 لونه وختمه وأمسكه بيده. # وقيل: كان في الكتاب الثالث: لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني ~~لأخلعنك، ولأملأنها عليك رجالا وخيلا. # PageV04P072 # ثم أمر سليمان برسول قتيبة فأنزل، فأحضره ليلا فأعطاه دنانير جائزته، ~~وأعطاه عهد قتيبة على خراسان، وسير معه رسولا بذلك، فلما كانا بحلوان ~~بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان. # وكان قتيبة لما هم بخلع سليمان استشار إخوته، فقال له أخوه عبد الرحمن: ~~اقطع بعثا فوجه فيه كل من تخافه، ووجه قوما إلى مرو، وسر حتى تنزل سمرقند، ~~وقل لمن معك: من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره، ~~فلا يقيم عندك إلا مناصح، ولا يختلف عليك أحد. # وقال له أخوه عبد الله: اخلعه مكانك، فلا يختلف عليك رجلان. فخلع سليمان ~~مكانه، ودعا الناس إلى خلعه، وذكر أثره فيهم وسوء أثر من تقدمه، فلم يجبه ~~أحد، فغضب وقال: لا أعز الله من نصرتم! ثم والله اجتمعتم على عنز ما كسرتم ~~قرنها! يا أهل السافلة، ولا أقول يا أهل العالية، أوباش الصدقة (جمعتكم كما ~~تجمع إبل الصدقة) من كل أوب! يا معشر بكر بن وائل! يا أهل النفخ والكذب ~~والبخل! بأي يوميكم تفخرون؟ بيوم حربكم، أو بيوم سلمكم! يا أصحاب مسيلمة! ~~يا بني ذميم، ولا أقول تميم! يا أهل الجور والقصف، كنتم تسمون الغدر في ~~الجاهلية كيسان! يا أصحاب سجاح! يا معشر عبد القيس القساة، تبدلتم بتأبير ~~النخل أعنة الخيل! يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل! إن هذا ~~بدعة في الإسلام، الأعراب وما الأعراب! لعنة الله عليهم! يا كناسة المصرين، ~~جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم، تركبون البقر والحمر، فلما جمعتكم قلتم ~~كيت وكيت! أما والله إني لابن أبيه وأخو # PageV04P073 # أخيه! والله لأعصبنكم عصب السلمة! إن حول الصليان لزمزمة! يا أهل خراسان ~~أتدرون من وليكم؟ [وليكم] يزيد بن ثروان. كأني بأمير جاءكم فغلبكم على ~~فيئكم وظلالكم! ارموا غرضكم القصي! حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنيتكم! يا ~~أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقي الأم والمولد والرأي والهوى والدين، وقد ms1653 ~~أصبحتم فيما ترون من الأمن والعافية! قد فتح الله لكم البلاد وآمن سبلكم، ~~فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا الله على العافية واسألوه ~~الشكر والمزيد. # ثم نزل فدخل بيته، فأتاه أهله وقالوا: ما رأيناك كاليوم قط، ولاموه. ~~فقال: لما تكلمت فلم يجبني أحد غضبت فلم أدر ما قلت. وغضب الناس، وكرهوا ~~خلع سليمان، فأجمعوا على خلع قتيبة وخلافه، وكان أول من تكلم الأزد، فأتوا ~~حضين بن المنذر (بضاد معجمة) ، فقالوا: إن هذا قد دعا إلى خلع الخليفة، ~~وفيه فساد الدين والدنيا وقد شتمنا، فما ترى؟ فقال: إن مضر بخراسان كثيرة، ~~وتميم أكثرها، وهم فرسان خراسان، ولا يرضون أن يصير الأمر في غير مضر، فإن ~~أخرجتموهم منه أعانوا قتيبة. فأجابوه إلى ذلك وقالوا: من ترى من تميم؟ قال: ~~لا أرى غير وكيع. فقال حيان النبطي مولى بني شيبان: إن أحدا لا يتولى هذا ~~غير وكيع، فيصلى بحره، ويبذل دمه، ويتعرض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما ~~جنى، فإنه لا ينظر في عاقبة، وله عشيرة تطيعه، وهو موتور يطلب قتيبة ~~برياسته التي صرفها عنه، وصيرها لضرار بن حصين الضبي، فمشى الناس بعضهم إلى ~~بعض سرا. # وقيل لقتيبة: ليس يفسد أمر الناس إلا حيان، فأراد أن يغتاله، وكان حيان ~~يلاطف # PageV04P074 # خدم الولاة، فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان، وسمع بعض الخدم فأتى حيان ~~فأخبره، فلما جاء رسوله يدعوه تمارض. وأتى الناس وكيعا وسألوه أن يلي ~~أمرهم، ففعل. # وبخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف، ومن بكر ~~سبعة آلاف، ورئيسهم حضين بن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف، وعليهم ضرار بن ~~حصين، وعبد القيس أربعة آلاف، وعليهم عبد الله بن علوان، والأزد عشرة آلاف، ~~وعليهم عبد الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف، وعليهم جهم بن زحر، ~~والموالي سبعة آلاف، عليهم حيان، وهو من الديلم، وقيل: من خراسان، وإنما ~~قيل له نبطي للكنته. # فأرسل حيان إلى وكيع: إن أنا كففت عنك وأعنتك أتجعل لي الجانب الشرقي من ~~نهر ms1654 بلخ [و] خراجه ما دمت حيا، وما دمت أميرا؟ قال: نعم. فقال حيان للعجم: ~~هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا. ففعلوا فبايعوا وكيعا ~~سرا. # وقيل لقتيبة: إن الناس يبايعون وكيعا. فدس ضرار بن سنان الضبي إلى وكيع، ~~فبايعه سرا، فظهر لقتيبة أمره، فأرسل يدعوه، فوجده قد طلى رجليه بمغرة، ~~وعلق على رأسه حرزا، وعنده رجلان يرقيان رجله، فقال للرسول: قد ترى ما ~~برجلي. فرجع فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول له: لتأتيني محمولا. قال: لا ~~أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتني به، فإن أبى فاضرب ~~عنقه، ووجه معه خيلا، وقيل: أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي، فقال له وكيع: ~~يا ابن ظهير، البث قليلا تلحق الكتائب. ولبس سلاحه ونادى في الناس، فأتوه، ~~وركب فرسه وخرج، فتلقاه رجل، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسد. قال: ما ~~اسمك؟ قال: ضرغامة. قال: ابن من؟ قال: ابن ليث، فأعطاه رايته، وقيل كانت مع ~~عقبة بن شهاب المازني. وأتاه الناس أرسالا من كل وجه،، فتقدم بهم وهو يقول: # قرم إذا حمل مكروهة شد الشراسيف لها والحزيم واجتمع إلى قتيبة أهل بيته ~~وخواص أصحابه وثقاته، منهم إياس بن بيهس بن # PageV04P075 # عمرو، وهو ابن عم قتيبة، فأمر قتيبة رجلا فنادى: أين بنو عامر؟ فقال له ~~محقر بن جزء العلائي، وهو قيسي أيضا، وكان قتيبة قد جفاهم: نادهم حيث ~~وضعتهم. قال قتيبة: ناد: أذكركم الله والرحم. قال محقر: أنت قطعتها. قال: ~~ناد: لكم العتبى. قال محقر: لا أقالنا الله إذن، فقال قتيبة عند ذلك: # يا نفس صبرا على ما كان من ألم ... إذ لم أجد لفضول العيش أقرانا # ودعا ببرذون له مدرب ليركبه، فجعل يمنعه حتى أعيا. فلما رأى ذلك عاد إلى ~~سريره فجلس عليه وقال: دعوه، إن هذا أمر يراد. وجاء حيان النبطي في العجم ~~وقتيبة واجد عليه، فقال عبد الله أخو قتيبة لحيان: احمل عليهم، فقال حيان: ~~لم يأن بعد. فقال عبد الله: ناولني قوسي. فقال حيان: ليس هذا بيوم ms1655 قوس. ~~وقال حيان لابنه: إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي ومضيت نحو عسكر وكيع، فمل بمن ~~معك من العجم إلي. # فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع وكبروا. فبعث قتيبة ~~أخاه صالحا إلى الناس، فرماه رجل من بني ضبة، وقيل: من بلعم، فأصاب رأسه، ~~فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل، فوضع في مصلاه، وجلس قتيبة عنده ساعة. # وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمن أخو قتيبة نحوهم، فرماه أهل السوق ~~والغوغاء فقتلوه، وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه، ودنوا ~~منه. فقاتل عنه رجل من باهلة، فقال له قتيبة: انج بنفسك. فقال: بئس ما ~~جزيتك إذا، وقد أطعمتني الجردق، وألبستني النرمق. وجاء الناس حتى بلغوا ~~فسطاطه فقطعوا أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم بن زحر بن قيس ~~لسعد: انزل فخذ رأسه، فنزل سعد فشق الفسطاط، واحتز رأسه، وقتل معه من أهل ~~إخوته: عبد الرحمن، وعبد الله، وصالح، وحصين، # PageV04P076 # وعبد الكريم، ومسلم، وقتل كثير ابنه، وقيل: قتل عبد الكريم بقزوين. # وكان عدة من قتل مع قتيبة من أهل بيته أحد عشر رجلا، ونجا عمر بن مسلم ~~أخو قتيبة، نجاه أخواله. وكانت أمه الغبراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن ~~زرارة القيسية. فلما قتل قتيبة صعد وكيع المنبر، فقال: مثلي ومثل قتيبة كما ~~قال الأول: # من ينك العير ينك نياكا # أراد قتيبة قتلي وأنا قتال # قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين # حتى إذا شبت وشيبوني ... خلوا عناني وتنكبوني # أنا أبو مطرف! ثم قال: # أنا ابن خندف تنميني قبائلها ... بالصالحات وعمي قيس عيلانا # ثم أخذ بلحيته فقال: # شيخ إذا حمل مكروهة ... شد الشراسيف لها والحزيم # والله لأقتلن ثم لأقتلن! ولأصلبن ثم لأصلبن! إن مرزبانكم هذا ابن الزانية ~~قد أغلى أسعاركم! والله ليصيرن القفيز بأربعة دراهم أو لأصلبنه! صلوا على ~~نبيكم. ثم نزل، وطلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له: إن الأزد أخذته. فخرج ~~وكيع مشهرا وقال: والله الذي لا إله إلا هو، لا أبرح حتى أوتى بالرأس، أو ~~يذهب رأسي ms1656 معه. فقال له حضين: اسكن يا أبا مطرف فإنك تؤتى به. وذهب حضين ~~إلى الأزد، وهو سيدهم، فأمرهم بتسليم الرأس إلى وكيع، فسلموه إليه، فسيره ~~إلى سليمان مع نفر ليس فيهم تميمي، ووفى وكيع لحيان النبطي بما كان ضمن له. # فلما أتي سليمان برأس قتيبة ورءوس أهله كان عنده الهذيل بن زفر بن ~~الحارث، # PageV04P077 # فقال له: هل ساءك هذا يا هذيل؟ فقال: لو ساءني لساء قوما كثيرا. فقال ~~سليمان: ما أردت هذا كله. وإنما قال سليمان هذا للهذيل ; لأنه هو وقتيبة من ~~قيس عيلان، ثم أمر بالرءوس فدفنت، ولما قتل قتيبة قال رجل من أهل خراسان: ~~يا معشر العرب قتلتم قتيبة، والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت، فكنا ~~نستسقي به ونستفتح به إذا غزونا، وما صنع أحد بخراسان قط ما صنع قتيبة، إلا ~~أنه غدر، وذلك أن الحجاج كتب إليه: أن اختلهم واقتلهم لله. # وقال الإصبهبذ: قتلتم قتيبة ويزيد بن المهلب وهما سيدا العرب. قيل له ~~أيهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ قال: لو كان قتيبة بأقصى جحر في الغرب مكبلا ~~ويزيد معنا في بلادنا وال علينا، لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد. ~~وقال الفرزدق في ذلك: # أتاني ورحلي في المدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كل قائم # وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي يرثي قتيبة: # كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا # ولم تخفق الرايات والجيش حوله ... وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا # دعته المنايا فاستجاب لربه ... وراح إلى الجنات عفا مطهرا # فما رزئ الإسلام بعد محمد ... بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا # وعبهر: أم ولد له. قيل: وقال شيوخ من غسان: كنا بثنية العقاب، إذا نحن ~~برجل معه عصا وجراب، قلنا: من أين أقبلت؟ قال: من خراسان. قلنا: هل كان بها ~~من خبر؟ قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس. فعجبنا لقوله، فلما رأى ~~إنكارنا قال: أين # PageV04P078 # يروني الليلة من إفريقية؟ وتركنا ومضى، فاتبعناه على خيولنا، فإذا هو ~~يسبق الطرف. # ذكر ms1657 عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة مات قرة بن شريك العبسي أمير مصر في صفر، وقيل: مات ~~سنة خمس وتسعين في الشهر الذي مات فيه الحجاج. # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو أمير المدينة. # وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (بفتح الهمزة وكسر ~~السين) . وعلى حرب العراق وصلاتها: يزيد بن المهلب. وعلى خراجها: صالح بن ~~عبد الرحمن. وعلى البصرة: سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب. ~~وعلى قضائها: عبد الرحمن بن أذينة. وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى. ~~وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود. # [الوفيات] # وفيها مات شريح القاضي، وقيل سنة سبع وتسعين، وله مائة وعشرون سنة. # وفيها مات عبد الرحمن بن أبي بكرة. # PageV04P079 # ومحمود بن لبيد الأنصاري، وله صحبة. # وفي ولاية الوليد مات عبد الله بن محيريز، قيل له صحبة. # وأبو سعيد المقبري، كان يسكن المقابر فنسب إليها. # وفيها توفي إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه. وإبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف وله خمس وسبعون سنة. # وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان في أيام الوليد بن عبد ~~الملك. # وفيها توفي محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة، وعباس بن سهل بن سعد الساعدي. # PageV04P080 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين] ### | 97 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين # ذكر مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير # وكان سبب قتله أن أباه استعمله على الأندلس، كما ذكرنا، عند عوده إلى ~~الشام، فضبطها وسدد أمورها، وحمى ثغورها، وافتتح في إمارته مدائن بقيت بعد ~~أبيه، وكان خيرا فاضلا، وتزوج امرأة رذريق، فحظيت عنده وغلبت عليه، فحملته ~~على أن يأخذ أصحابه ورعيته بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كان يفعل لزوجها ~~رذريق. فقال لها: إن ذلك ليس في ديننا. فلم تزل به حتى أمر ففتح باب قصير ~~لمجلسه الذي كان يجلس فيه، فكان أحدهم إذا دخل منه طأطأ رأسه فيصير ~~كالراكع، فرضيت به، فصار كالسجود ms1658 عندها، فقالت له: الآن لحقت بالملوك، وبقي ~~أن أعمل لك تاجا مما عندي من الذهب واللؤلؤ، فأبى، فلم تزل به حتى فعل. ~~فانكشف ذلك للمسلمين، فقيل: تنصر، وفطنوا للباب، فثاروا عليه، فقتلوه في ~~آخر سنة سبع وتسعين. # وقيل: إن سليمان بن عبد الملك بعث إلى الجند في قتله عند سخطه على والده ~~موسى بن نصير، فدخلوا عليه وهو في المحراب، فصلى الصبح وقد قرأ الفاتحة ~~وسورة الواقعة، فضربوه بالسيوف ضربة واحدة، وأخذوا رأسه فسيروه إلى سليمان، ~~فعرضه سليمان على أبيه، فتجلد للمصيبة، وقال: هنيئا له بالشهادة، فقد ~~قتلتموه والله صواما قواما. وكانوا يعدونها من زلات سليمان. وكان قتله على ~~هذه الرواية سنة ثمان وتسعين في آخرها. # ثم إن سليمان ولى الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي، فأقام واليا عليها ~~إلى أن # PageV04P081 # استخلف عمر بن عبد العزيز فعزله، هذا آخر ما أردنا ذكره من قتل عبد ~~العزيز على سبيل الاختصار. # وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عبد الله بن موسى بن نصير عن إفريقية، ~~واستعمل عليها محمد بن يزيد القرشي، فلم يزل عليها حتى مات سليمان فعزل، ~~فاستعمل عمر بن عبد العزيز مكانه إسماعيل بن عبيد الله سنة مائة، وكان حسن ~~السيرة، فأسلم البربر في أيامه جميعهم. # ذكر ولاية يزيد بن المهلب خراسان # وكان السبب في ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما ولى يزيد العراق فوض إليه ~~حربها والصلاة بها وخراجها، فنظر يزيد لنفسه، وقال: إن العراق قد أخربها ~~الحجاج، وأنا اليوم رجل أهل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج ~~وعذبتهم على ذلك صرت مثل الحجاج، وأعدت عليهم السجون، وما عافاهم الله منه، ~~ومتى لم آت سليمان بمثل ما كان الحجاج أتى به لم يقبل مني. فأتى يزيد ~~سليمان وقال: أدلك على رجل بصير بالخراج توليه إياه؟ قال: نعم. قال: صالح ~~بن عبد الرحمن مولى [بني] تميم، فولاه الخراج وسيره قبل يزيد، فنزل واسطا، ~~وأقبل يزيد، فخرج الناس يتلقونه، ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد، فخرج صالح في ~~الدراعة، بين ms1659 يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقي يزيد وسايره، فنزل يزيد، ~~وضيق عليه صالح فلم يمكنه من شيء، واتخذ [يزيد] ألف خوان يطعم الناس عليها، ~~فأخذها صالح، فقال يزيد: اكتب ثمنها علي. واشترى يزيد متاعا وكتب صكا بثمنه ~~إلى صالح، فلم يقبله وقال ليزيد: إن الخراج لا يقوم بما تريد ولا يرضى بهذا ~~أمير المؤمنين وتؤخذ به. فضاحكه يزيد، وقال: أجر هذا المال هذه المرة ولا ~~أعود. ففعل صالح. # وكان سليمان لم يجعل خراسان إلى يزيد، فضجر يزيد من العراق لتضييق صالح ~~عليه، فدعا عبد الله بن الأهتم فقال له: إني أريدك لأمر قد أهمني فأحب أن ~~تكفينيه. قال: أفعل. قال: أنا فيما ترى من الضيق وقد ضجرت منه، وخراسان ~~شاغرة برجلها فهل # PageV04P082 # من حيلة؟ قال: نعم، سرحني إلى أمير المؤمنين. قال: فاكتم ما أخبرتك. وكتب ~~إلى سليمان يخبره بحال العراق، وأثنى على ابن الأهتم، وذكر علمه بها، وسير ~~ابن الأهتم على البريد. # فأتى سليمان واجتمع به، فقال له سليمان: إن يزيد كتب إلي يذكر علمك ~~بالعراق وخراسان، فكيف علمك بها؟ قال: أنا أعلم الناس بها، بها ولدت وبها ~~نشأت، ولي بها وبأهلها خبر وعلم. قال: فأشر علي برجل أوليه خراسان. قال: ~~أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحدا أخبرته برأيي فيه. فسمى ~~رجلا من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال: فعبد الملك بن المهلب. قال: ~~لا يصلح فإنه يصبوا عن هذا، فليس له مكر أبيه، ولا شجاعة أخيه. حتى عدد ~~رجالا، وكان آخر من ذكر وكيع بن أبي سود، فقال: يا أمير المؤمنين وكيع رجل ~~شجاع صارم رئيس مقدام، وما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يدا من وكيع، لقد ~~أدرك بثأري وشفاني من عدوي، ولكن أمير المؤمنين أعظم حقا والنصيحة له ~~تلزمني، إن وكيعا لم تجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة، خامل في ~~الجماعة ثابت في الفتنة، قال: ما هو ممن تستعين به، فمن لها ويحك؟ قال: رجل ~~أعلمه لم يسمه أمير المؤمنين. ms1660 قال: فمن هو؟ قال: لا أذكره حتى يضمن لي أمير ~~المؤمنين ستر ذلك، وأن يجيرني منه إن علم. قال: نعم. قال: يزيد بن المهلب. ~~قال: العراق أحب إليه من خراسان. قال ابن الأهتم: قد علمت ولكن تكرهه ~~فيستخلف على العراق ويسير. قال: أصبت الرأي. فكتب عهد يزيد على خراسان، ~~وسيره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد به، فأمره بالجهاز للمسير ساعته، وقدم ابنه ~~مخلدا إلى خراسان من يومه، ثم سار يزيد بعده، واستخلف على واسط الجراح بن ~~عبد الله الحكمي، واستعمل على البصرة عبد الله بن هلال الكلابي، وجعل أخاه ~~مروان بن المهلب على حوائجه وأموره بالبصرة، وكان أوثق إخوته عنده، واستخلف ~~بالكوفة حرملة بن عمير اللخمي أشهرا ثم عزله، وولى بشير بن حيان النهدي. # وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع، فلما سار يزيد إلى خراسان أمره سليمان ~~أن يسأل عن قتيبة، فإن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع أن يقيد وكيعا ~~به، ولما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه، فحبسه وعذبه، وأخذ أصحابه وعذبهم قبل ~~قدوم أبيه، وكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر. ثم قدم يزيد ~~في هذه السنة خراسان فأدنى أهل الشام وقوما من أهل خراسان، فقال نهار بن ~~توسعة في ذلك: # PageV04P083 # وما كنا نؤمل من أمير ... كما كنا نؤمل من يزيد # فأخطأ ظننا فيه وقدما ... زهدنا في معاشرة الزهيد # إذا لم يعطنا نصفا أمير ... مشينا نحوه مشي الأسود # فمهلا يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد # نجيء ولا نرى إلا صدودا ... على أنا نسلم من بعيد # ونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهم والصدود # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جهز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعمل ~~ابنه داود على الصائفة فافتتح حصن المرأة. # وفيها غزا مسلمة أرض الوضاحية، ففتح الحصن الذي فتحه الوضاح صاحب ~~الوضاحية. # وفيها غزا عمر بن هبيرة أرض الروم في البحر، فشتى فيها. # وفيها حج سليمان بن عبد الملك بالناس. # وفيها عزل داود بن طلحة الحضرمي ms1661 عن مكة، وكان عمله عليها ستة أشهر، وولي ~~عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم. # PageV04P084 # [الوفيات] # وفيها مات عطاء بن يسار، وقيل سنة ثلاث ومائة. # وفيها مات موسى بن نصير الذي فتح الأندلس، وكان موته بطريق مكة مع سليمان ~~بن عبد الملك. # وفيها توفي قيس بن أبي حازم البجلي وقد جاوز مائة سنة، وجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ليسلم، فرآه قد توفي، وروى عن العشرة، وقيل: لم يرو عن ~~عبد الرحمن بن عوف، وذهب عقله في آخر عمره. # حازم: بالحاء المهملة والزاي المعجمة. # وفيها توفي سالم بن أبي الجعد مولى أشجع، واسم أبي الجعد رافع. # PageV04P085 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين] ### | 98 - # ذكر محاصرة القسطنطينية # في هذه السنة سار سليمان بن عبد الملك إلى دابق، وجهز جيشا مع أخيه مسلمة ~~بن عبد الملك ليسير إلى القسطنطينية، ومات ملك الروم، فأتاه أليون من ~~أذربيجان فأخبره، فضمن له فتح الروم، فوجه مسلمة معه، فسارا إلى ~~القسطنطينية، فلما دنا منها أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من طعام على عجز ~~فرسه إلى القسطنطينية، ففعلوا، فلما أتاها أمر بالطعام فألقي أمثال الجبال، ~~وقال للمسلمين: لا تأكلوا منه شيئا، وأغيروا في أرضهم وازرعوا. وعمل بيوتا ~~من خشب، فشتى فيها وصاف، وزرع الناس، وبقي الطعام في الصحراء والناس يأكلون ~~ما أصابوا من الغارات ومن الزرع، وأقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس ~~خالد بن معدان، ومجاهد بن جبر، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وغيرهم. # فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا، فلم يقبل. فقالت الروم ~~لأليون: إن صرفت عنا المسلمين ملكناك. فاستوثق منهم، فأتى مسلمة فقال له: ~~إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، ~~فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم، فأمر به فأحرق، فقوي الروم وضاق المسلمون ~~حتى كادوا يهلكون، وبقوا على ذلك حتى مات سليمان. # وقيل: إنما خدع أليون مسلمة بأن يسأله أن يدخل الطعام إلى الروم بمقدار ms1662 ~~ما يعيشون به ليلة واحدة، ليصدقوه أن أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم في أمان ~~من السبي والخروج من بلادهم، فأذن له، وكان أليون قد اعد السفن والرجال، ~~فنقلوا تلك الليلة الطعام، فلم يتركوا في تلك الحظائر إلا ما لا يذكر، ~~وأصبح أليون محاربا، وقد خدع # PageV04P086 # خديعة لو كانت امرأة لعيبت بها، ولقي الجند ما لم يلقه جيش آخر، حتى إن ~~كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول ~~الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وسليمان مقيم بدابق، وتولى الشتاء فلم ~~يقدر أن يمدهم حتى مات. # وفي هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب بولاية العهد، فمات أيوب قبل أبيه. ~~وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة، وكانت برجان قد أغارت على مسلمة بن عبد ~~الملك وهو في قلة، فكتب إلى سليمان يستمده، فأمده، فمكرت بهم الصقالبة ثم ~~انهزموا. وفيها غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل ~~أنطاكية، وأصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم، وأسر منهم بشرا كثيرا. # ذكر فتح جرجان وطبرستان # في هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان لما قدم خراسان. # وسبب غزوهما واهتمامه بهما أنه لما كان عند سليمان بن عبد الملك بالشام ~~كان سليمان كلما فتح قتيبة فتحا يقول ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح الله على ~~قتيبة؟ فيقول يزيد: ما فعلت جرجان (التي قطعت الطريق، وأفسدت قومس ونيسابور ~~ويقول: هذه الفتوح ليست بشيء، الشان هي جرجان. # فلما ولاه سليمان خراسان لم يكن له همة غير جرجان) ، فسار إليها في مائة ~~ألف # PageV04P087 # من أهل الشام والعراق وخراسان، سوى الموالي والمتطوعة، ولم تكن جرجان ~~يومئذ مدينة، إنما هي جبال ومخارم وأبواب، يقوم الرجل على باب منها فلا ~~يقدم عليه أحد. فابتدأ بقهستان فحاصرها، وكان أهلها طائفة من الترك، وأقام ~~عليها. وكان أهلها يخرجون ويقاتلون، فيهزمهم المسلمون في كل ذلك، فإذا ~~هزموا دخلوا الحصن. فخرجوا ذات يوم وخرج إليهم الناس، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فحمل محمد بن أبي سبرة على تركي قد صد ms1663 الناس عنه، فاختلفا ضربتين، ~~فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبي سبرة، وضربه ابن أبي سبرة فقتله، ورجع ~~وسيفه يقطر دما، وسيف التركي في بيضته، فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه. # وخرج يزيد بعد ذلك يوما ينظر مكانا يدخل منه عليهم، وكان في أربعمائة من ~~وجوه الناس وفرسانهم، فلم يشعروا حتى هجم عليهم الترك في نحو أربعة آلاف، ~~فقاتلوهم ساعة، وقاتل يزيد قتالا شديدا، فسلموا وانصرفوا، وكانوا قد عطشوا، ~~فانتهوا إلى الماء فشربوا، ورجع عنهم العدو. # ثم إن يزيد ألح عليهم في القتال، وقطع عنهم المواد حتى ضعفوا وعجزوا. ~~فأرسل صول، دهقان قهستان، إلى يزيد يطلب منه أن يصالحه ويؤمنه على نفسه ~~وأهله وماله، ليدفع إليه المدينة بما فيها، فصالحه ووفى له، ودخل المدينة، ~~فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز والسبي ما لا يحصى، وقتل أربعة عشر ~~ألف تركي صبرا، وكتب إلى سليمان بن عبد الملك بذلك. ثم خرج حتى أتى جرجان. # وكان أهل جرجان قد صالحهم سعيد بن العاص، وكانوا يجبون أحيانا مائة ألف، ~~وأحيانا مائتي ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وربما أعطوا ذلك وربما منعوه، ثم ~~امتنعوا وكفروا، فلم يعطوا خراجا، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك ~~الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان أحد إلا على فارس وكرمان. وأول من صير ~~الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. وبقي أمر جرجان كذلك حتى ولي ~~يزيد وأتاهم، فاستقبلوه بالصلح، وزادوه وهابوه، فأجابهم إلى ذلك وصالحهم. # فلما فتح قهستان وجرجان طمع في طبرستان أن يفتحها، فعزم على أن يسير ~~إليها، فاستعمل عبد الله بن المعمر اليشكري على الساسان وقهستان، وخلف معه ~~أربعة آلاف، ثم أقبل إلى أداني جرجان مما يلي طبرستان، فاستعمل على أيذوسا ~~راشد بن عمرو، وجعله في أربعة آلاف، ودخل بلاد طبرستان، فأرسل إليه ~~الإصبهبذ صاحبها يسأله الصلح وأن يخرج من طبرستان، فأبى يزيد، ورجا أن ~~يفتتحها، ووجه أخاه أبا عيينة من # PageV04P088 # وجه، وابنه خالد بن يزيد من وجه، وأبا الجهم الكلبي من وجه، ms1664 وقال: إذا ~~اجتمعتم فأبوا عيينة على الناس. فسار أبو عيينة وأقام يزيد معسكرا. # واستجاش الإصبهبذ أهل جيلان والديلم، فأتوه فالتقوا في سفح جبل، فانهزم ~~المشركون في الجبل، فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب، فدخله ~~المسلمون وصعد المشركون في الجبل واتبعهم المسلمون يرومون الصعود، فرماهم ~~العدو بالنشاب والحجارة، فانهزم أبو عيينة والمسلمون يركب بعضهم بعضا، ~~يتساقطون في الجبل حتى انتهوا إلى عسكر يزيد، وكف عدوهم عن اتباعهم، وخافهم ~~الإصبهبذ، فكان أهل جرجان ومقدمهم المرزبان يسألهم أن يبيتوا من عندهم من ~~المسلمين، وأن يقطعوا عن يزيد المادة والطريق فيما بينه وبين بلاد الإسلام، ~~ويعدهم أن يكافئهم على ذلك، فثاروا بالمسلمين، فقتلوهم أجمعين وهم غارون في ~~ليلة، وقتل عبد الله بن المعمر وجميع من معه فلم ينج منهم أحد، وكتبوا إلى ~~الإصبهبذ بأخذ المضايق والطرق. # وبلغ ذلك يزيد وأصحابه فعظم عليهم وهالهم، وفزع يزيد إلى حيان النبطي ~~وقال له: لا يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، وقد جاءنا عن جرجان ~~ما جاءنا فاعمل في الصلح. فقال: نعم. فأتى حيان الإصبهبذ فقال: أنا رجل ~~منكم، وإن كان الدين فرق بيني وبينكم، فأنا لكم ناصح، فأنت أحب إلي من ~~يزيد، وقد بعث يستمد وأمداده منه قريبة، وإنما أصابوا منه طرفا، ولست آمن ~~أن يأتيك من لا تقوم له، فأرح نفسك وصالحه، فإن صالحته صير حده على أهل ~~جرجان بغدرهم وقتلهم أصحابه. فصالحه على سبعمائة ألف، وقيل خمسمائة ألف ~~وأربعمائة وقر زعفران، أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل، على كل رجل منهم ~~ترس وطيلسان، ومع كل رجل جام من فضة وخرقة حرير وكسوة. # ثم رجع حيان إلى يزيد، فقال: ابعث من (يحمل صلحهم) ، فقال: من عندهم أو ~~من عندنا؟ قال: من عندهم، وكان يزيد قد طابت نفسه أن يعطيهم ما سألوا ويرجع ~~إلى جرجان، فأرسل إلى يزيد من يقبض ما صالحهم عليه حيان، فانصرف إلى جرجان. ~~وكان يزيد قد أغرم حيان مائتي ألف درهم، وسبب ذلك أن حيان كتب إلى مخلد بن ~~يزيد، ms1665 فبدأ بنفسه، فقال له ابنه مقاتل بن حيان: تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك. ~~قال: نعم، # PageV04P089 # وإن لم يرض لقي ما لقي قتيبة. فبعث مخلد الكتاب إلى أبيه يزيد، فأغرمه ~~مائتي ألف درهم. # وقيل: إن سبب مسير يزيد إلى جرجان أن صولا التركي كان ينزل قهستان ~~والبحيرة، وهي جزيرة في البحر بينها وبين قهستان خمسة فراسخ، وهما من جرجان ~~مما يلي خوارزم، وكان يغير على فيروز [بن] قول مرزبان جرجان، فيصيب من ~~بلاده. فخافه فيروز، فسار إلى يزيد بخراسان وقدم عليه، فسأله عن سبب قدومه، ~~فقال: خفت صولا فهربت منه، وأخذ صول جرجان. فقال يزيد لفيروز: هل من حيلة ~~لقتاله؟ قال: نعم، شيء واحد إن ظفرت به قتلته وأعطى بيده. قال: ما هو؟ قال: ~~تكتب إلى الإصبهبذ كتابا تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان، واجعل ~~له على ذلك جعلا، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب [به] إليه فيتحول عن ~~جرجان فينزل البحيرة، وإن تحول عن جرجان وحاصرته ظفرت به. ففعل يزيد ذلك، ~~وضمن للإصبهبذ خمسين ألف دينار إن هو حبس صولا عن البحيرة ليحاصره بجرجان، ~~فأرسل الإصبهبذ الكتاب إلى صول، فلما أتاه الكتاب رحل إلى البحيرة ليتحصن ~~بها، وبلغ يزيد مسيره فخرج إلى جرجان ومعه فيروز، واستعمل على خراسان ابنه ~~مخلدا، وعلى سمرقند وكش ونسف وبخارى ابنه معاوية، وعلى طخارستان حاتم بن ~~قبيصة بن المهلب، وأقبل حتى أتى جرجان، فدخلها ولم يمنعه منها أحد، وسار ~~منها إلى البحيرة فحصر صولا بها، فكان يخرج إليه صول فيقاتله ثم يرجع، ~~فمكثوا بذلك ستة أشهر، فأصابهم مرض وموت، فأرسل صول يطلب الصلح على نفسه ~~وماله وثلاثمائة من أهله وخاصته، ويسلم إليه البحيرة، فأجابه يزيد، فخرج ~~بماله وثلاثمائة ممن أحب. # وقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفا صبرا، وأطلق الباقين. وطلب الجند ~~أرزاقهم، فقال لإدريس بن حنظلة العمي: أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطي ~~الجند. فدخلها إدريس فلم يقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: لا أستطيع ~~ذلك وهو في ظروف، فتحصى ms1666 الجواليق ويعلم ما فيها ويعطى الجند فمن أخذ شيئا ~~عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعسل، ففعلوا ذلك وأخذوا ~~شيئا كثيرا، وكان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه ~~أخذ خريطة، فسأله يزيد عنها، فأتاه بها فأعطاها شهرا، فقال بعضهم: # PageV04P090 # لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر # وقال مرة الحنفي: # يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ ... لولاك كان كصالح القراء # وأصاب يزيد بجرجان تاجا فيه جوهر فقال: أترون أحدا يزهد في هذا؟ قالوا: ~~لا. فدعا محمد بن واسع الأزدي فقال: خذ هذا التاج. قال: لا حاجة لي فيه. ~~قال: عزمت عليك. فأخذه، فأمر يزيد رجلا ينظر ما يصنع به، فلقي سائلا فدفعه ~~إليه، فأخذ الرجل السائل وأتى به يزيد وأخبره، فأخذ يزيد التاج وعوض السائل ~~مالا كثيرا. # ذكر فتح جرجان الفتح الثاني # قد ذكرنا فتح جرجان وقهستان وغدر أهل جرجان، فلما صالح يزيد أصبهبذ ~~طبرستان سار إلى جرجان، وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى ~~يطحن بدمائهم، ويأكل من ذلك الطحين. فأتاها وحصر أهلها بحصن فجاه ومن يكون ~~بها لا يحتاج إلى عدة من طعام وشراب، فحصرهم يزيد فيها سبعة أشهر، وهم ~~يخرجون إليه في الأيام فيقاتلونه ويرجعون. # فبينا هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيد، وقيل: رجل من طيء، ~~فأبصر وعلا في الجبل، ولم يشعر حتى هجم على عسكرهم، فرجع كأنه يريد أصحابه، ~~وجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات، فأتى يزيد فأخبره، فضمن له يزيد ~~دية إن دلهم على الحصن، فانتخب معه ثلاثمائة رجل، واستعمل عليهم ابنه خالد ~~بن يزيد، وقال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك ~~عندي مهزوما. وضم إليه جهم بن زحر، وقال للرجل: متى تصلون؟ قال: غدا العصر. ~~قال يزيد: سأجهد على مناهضتهم عند الظهر. # فساروا فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب كان عندهم، فصار مثل ~~الجبال من النيران، ms1667 فنظر العدو إلى النيران فهالهم ذلك فخرجوا إليهم، وتقدم ~~يزيد إليهم # PageV04P091 # فاقتتلوا، وهجم أصحاب يزيد الذين ساروا على عسكر الترك قبل العصر وهم ~~آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير ~~من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم، ~~ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم وقتل مقاتلتهم، وصلبهم فرسخين إلى يمين ~~الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان وقال: من طلبهم ~~بثأر فليقتل. فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة، وأجرى الماء ~~على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ليبر يمينه، فطحن وخبز وأكل، وقيل: قتل ~~منهم أربعين ألفا. # وبنى مدينة جرجان، ولم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، ورجع إلى خراسان، واستعمل ~~على جرجان جهم بن زحر الجعفي، وقيل: بل قال يزيد لأصحابه لما ساروا: إذا ~~وصلتم إلى المدينة انتظروا، فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب، فستجدوني ~~قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي ~~أمره يزيد أن ينهض فيها، فكبر، ففزع أهل الحصن، وكان أصحاب يزيد لا يلقون ~~أحدا إلا قتلوه، ودهش الترك، فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد ~~التكبير، فسار في الناس إلى الباب، فلم يجد عنده أحدا يمنعه وهم مشغولون ~~بالمسلمين، فدخل الحصن من ساعته وأخرج من فيه وصلبهم فرسخين من يمين الطريق ~~ويساره، فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها وغنم ما فيها، وكتب إلى سليمان ~~بالفتح يعظمه ويخبره أنه قد حصل عنده من الخمس ستمائة ألف ألف، فقال له ~~كاتبه المغيرة بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تكتب تسمية المال، فإنك من ذلك ~~بين أمرين، إما استكثره فأمرك بحمله، وإما سمحت نفسه لك به فأعطاكه، فتكلف ~~الهدية، فلا يأتيه من قبلك شيء إلا استقله، فكأني بك قد استغرقت ما سميت ~~ولم يقع منه موقعا، ويبقى المال الذي سميت مخلدا في دواوينهم، فإن ولي وال ~~بعده أخذك به، وإن ولي من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، ولكن اكتب فسله ~~القدوم، وشافهه ms1668 بما أحببت فهو أسلم. فلم يقبل منه وأمضى الكتاب، وقيل: كان ~~المبلغ أربعة آلاف ألف. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك وهو ولي عهد. # PageV04P092 # وفيها فتحت مدينة الصقالبة، وقيل غير ذلك، وقد تقدم. # وفيها غزا داود بن سليمان أرض الروم، ففتح حصن المرأة مما يلي ملطية. # وفيها كانت الزلازل في الدنيا كثيرة ودامت ستة أشهر. # [الوفيات] # وفيها مات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو عبيد مولى عبد ~~الرحمن بن عوف، ويعرف بمولى ابن أزهر، وعبد الرحمن بن زيد بن حارثة ~~الأنصاري. وسعيد بن مرجانة مولى قريش، وهي أمه، واسم أبيه عبد الله. # وحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو أمير على مكة، ~~وكان العمال من تقدم ذكرهم إلا البصرة، فإن يزيد استعمل عليها سفيان بن عبد ~~الله الكندي. # PageV04P093 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين] ### | 99 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين # ذكر موت سليمان بن عبد الملك # في هذه السنة توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان لعشر بقين من صفر، فكانت ~~خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام. وقيل توفي فيها لعشر مضين من صفر، ~~فتكون ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام، وصلى عليه عمر بن عبد ~~العزيز. وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجاج، وولي ~~سليمان، فأطلق الأسرى، وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد ~~العزيز. وكان موته بدابق من أرض قنسرين، لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء، ~~ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة، ونظرت إليه جارية، ~~فقال: ما تنظرين؟ فقالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان # PageV04P094 # قيل: وشهد سليمان جنازة بدابق، فدفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك ~~التربة ويقول: ما أحسن هذه [التربة] وأطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن ~~إلى جنب [ذلك] القبر. # قيل: حج سليمان ms1669 وحج الشعراء، فلما كان بالمدينة قافلا تلقوه بنحو ~~أربعمائة أسير من الروم، فقعد سليمان وأقربهم منه عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، فقدم بطريقهم، فقال: يا عبد الله اضرب عنقه! ~~فأخذ سيفا من حرسي فضربه، فأبان الرأس، وأطن الساعد وبعض الغل، ودفع البقية ~~إلى الوجوه يقتلونهم، ودفع إلى جرير رجلا منهم، فأعطاه بنو عبس سيفا جيدا، ~~فضربه فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسيرا فأعطوه سيفا رديا لا يقطع، فضرب ~~به الأسير ضربات، فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان والقوم، وشمتت به بنو عبس ~~أخوال سليمان، وألقى السيف وأنشأ يقول: # وإن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتأخير نفس حتفها غير شاهد # فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط القلائد # ورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر بن كلاب، ~~وخالد قد أكب على [أبيه] زهير وضربه بالسيف فصرعه، فأقبل ورقاء فضرب خالدا ~~ضربات، فلم يصنع شيئا، فقال ورقاء بن زهير: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر # فشلت يميني يوم أضرب خالدا ... ويمنعه مني الحديد المظاهر # PageV04P095 # ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز # في هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز. # وسبب ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما كان بدابق مرض، على ما وصفنا، فلما ~~ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه، وهو غلام لم يبلغ، فقال له رجاء بن حيوة: ~~ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على ~~الناس الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر [فيه] . ولم أعزم ~~[عليه] ، فمكث سليمان يوما أو يومين، ثم خرقه ودعا رجاء، فقال: ما ترى في ~~ولدي داود؟ فقال رجاء: هو غائب عنك بالقسطنطينية، ولا تدري أحي [هو] أم لا. ~~قال: فمن ترى؟ قال رجاء: رأيك. قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ قال ~~رجاء: فقلت: أعلمه والله خيرا فاضلا سليما. ms1670 قال سليمان: هو على ذلك، ولئن ~~وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم، إلا أن ~~يجعل أحدهم بعده، وكان عبد الملك قد عهد إلى الوليد وسليمان أن يجعلا ~~أخاهما يزيد ولي عهد، فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر، وكان ~~يزيد غائبا في الموسم. قال رجاء: قلت رأيك. فكتب: # " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين ~~لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد ~~الملك، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله، ولا تختلفوا فيطمع فيكم ". وختم ~~الكتاب. فأرسل إلى كعب بن جابر العبسي صاحب شرطته، فقال: ادع أهل بيتي. ~~فجمعهم كعب. ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي إليهم، وأخبرهم ~~بكتابي، ومرهم فيبايعوا من وليت فيه. # ففعل رجاء، فقالوا: ندخل ونسلم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فدخلوا، ~~فقال لهم سليمان: في هذا الكتاب، وهو يشير إلى الكتاب الذي في يد رجاء بن ~~حيوة، عهدي، فاسمعوا وأطيعوا لمن سميت فيه. فبايعوه رجلا رجلا، وتفرقوا. # وقال رجاء: فأتاني عمر بن عبد العزيز، فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي ~~شيئا من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك، حتى ~~أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك. قال رجاء: ما أنا ~~بمخبرك [حرفا] . قال: فذهب عمر عني غضبان. # قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك فقال: إن لي بك حرمة ومودة قديمة، ~~وعندي شكر، فأعلمني بهذا الأمر، فإن كان إلى غيري تكلمت، ولله علي أن لا ~~أذكر، # PageV04P096 # شيئا من ذلك أبدا. قال رجاء: فأبيت أن أخبره حرفا، فانصرف هشام وهو يضرب ~~بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذا نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد ~~الملك؟ # قال رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات ~~الموت حرفته إلى القبلة، فيقول حين يفيق: لم يأن بعد. ففعلت ذلك مرتين أو ~~ثلاثا، ms1671 فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا، أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فحرفته، فمات، فلما غمضته ~~وسجيته وأغلقت الباب، أرسلت إلي زوجته فقالت: كيف أصبح؟ فقلت: هو نائم قد ~~تغطى. ونظر إليه الرسول متغطيا فرجع فأخبرها، فظنت أنه نائم، قال: فأجلست ~~على الباب من أثق به، وأوصيته أن لا يبرح ولا يترك أحدا يدخل على الخليفة. # قال: فخرجت فأرسلت إلى كعب بن جابر، فجمع أهل بيت سليمان، فاجتمعوا في ~~مسجد دابق، فقلت: بايعوا. فقالوا: قد بايعنا مرة. قلت: وأخرى، هذا عهد أمير ~~المؤمنين. فبايعوا الثانية، فلما بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمر، ~~فقلت: قوموا إلى صاحبكم، فقد مات. قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون! وقرأت ~~الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا نبايعه والله ~~أبدا. قلت: أضرب والله عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه. قال رجاء: فأخذت ~~بضبعي عمر بن عبد العزيز، فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، ~~وهشام يسترجع لما أخطأه. فبايعوه. # وغسل سليمان وكفن، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ودفن. فلما دفن أتي عمر ~~بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس، فقال: ما هذا؟ فقيل: مراكب الخلافة. قال: ~~دابتي أوفق لي، وركب دابته وصرفت تلك الدواب، ثم أقبل سائرا، فقيل له: ~~أمنزل الخلافة؟ فقال: فيه عيال أبي أيوب، يعني سليمان، وفي فسطاطي كفاية ~~حتى يتحولوا. فأقام في منزله حتى فرغوه. # قال رجاء: فأعجبني ما صنع في الدواب ومنزل سليمان، ثم دعا كاتبا فأملى ~~عليه كتابا واحدا وأمره أن ينسخه ويسيره إلى كل بلد. # وبلغ عبد العزيز بن الوليد، وكان غائبا، عن موت سليمان، ولم يعلم ببيعة ~~عمر، فعقد لواء ودعا إلى نفسه، فبلغه بيعة عمر بعهد سليمان، وأقبل حتى دخل ~~عليه، فقال له عمر: بلغني أنك بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق! فقال: قد كان ~~ذاك، وذلك أنه # PageV04P097 # بلغني أن سليمان لم يكن عهد لأحد، فخفت على الأموال أن ms1672 تنهب. فقال عمر: ~~لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه ولقعدت في بيتي. فقال عبد العزيز: ما ~~أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك، وبايعه، وكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد ~~العزيز وترك ولده. # فلما استقرت البيعة لعمر بن عبد العزيز قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك: ~~إن أردت صحبتي فردي ما معك من مال وحلي وجوهر إلى بيت مال المسلمين، فإنه ~~لهم، فإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد. فردته جميعه. # فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها، وقال: أنا أعلم أن عمر ظلمك. ~~قالت: كلا والله. وامتنعت من أخذه، وقالت: ما كنت أطيعه حيا وأعصيه ميتا. ~~فأخذه يزيد وفرقه على أهله. # ذكر ترك سب أمير المؤمنين علي، عليه السلام # كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، إلى أن ~~ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه. # وكان سبب محبته عليا أنه قال: كنت بالمدينة أتعلم العلم وكنت ألزم عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوما وهو ~~يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ من صلاته، التفت إلي فقال ~~لي: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟ قلت: ~~لم أسمع ذلك. قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك! ~~وتركت ما كنت عليه، وكان أبي إذا خطب فنال من علي، رضي الله عنه، تلجلج، ~~فقلت: يا أبه، إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا؟ ~~قال: أوفطنت لذلك؟ قلت: نعم. فقال: يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ~~ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده. # فلما ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر ~~العظيم # PageV04P098 # لأجلها، فترك ذلك، وكتب بتركه، وقرأ عوضه: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] الآية، فحل هذا ms1673 الفعل عند الناس محلا حسنا، ~~وأكثروا مدحه بسببه، فمن ذلك قول كثير عزة: # وليت ولم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم # تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلم # وصدقت معروف الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم # ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه ... من الأود البادي ثقاف المقوم # فقال عمر حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذا. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة، وهو بأرض الروم، يأمره ~~بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه له خيلا عتاقا وطعاما كثيرا، وحث ~~الناس على معونتهم. # وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجه عمر: ~~[عبد العزيز بن] حاتم بن الباهلي فقتل أولئك الترك ولم يفلت منهم إلا ~~اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسين أسيرا. # PageV04P099 # وفيها عزل يزيد بن المهلب عن العراق، ووجه إلى البصرة عدي بن أرطاة ~~الفزاري، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي ~~القرشي، وضم إليه أبا الزناد، وكان كاتبه، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب ~~موسى بن الوجيه الحميري. # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حازم، وكان عامل [عمر ~~على] المدينة. # وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وعلى الكوفة عبد ~~الحميد، وعلى القضاء بها عامر الشعبي. وكان على البصرة عدي بن أرطاة، وعلى ~~القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري، ثم استعفى عديا، فأعفاه واستقضى إياس بن ~~معاوية، وقيل: بل شكا الحسن، فعزله عدي، واستقضى إياسا. # واستعمل عمر بن عبد العزيز على خراسان: الجراح بن عبد الله الحكمي. # [الوفيات] # في هذه السنة مات نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بالمدينة. ومحمود بن ~~الربيع، ولد على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأبو ظبيان بن حصين بن ~~جندب الجنبي والد قابوس، (ظبيان بالظاء المعجمة) . # PageV04P100 # وفيها توفي أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب من سم سقيه ms1674 عند ~~عوده من الشام، وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه، فلما أحس بذلك عاد ~~إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو بالحميمة، فعرفه حاله، وأعلمه أن ~~الخلافة صائرة إلى ولده، وأعلمه كيف يصنع، ثم مات عنده. # وفي أيام سليمان توفي عبيد الله بن شريح المغني المشهور. وعبد الرحمن بن ~~كعب بن مالك أبو الخطاب. # PageV04P101 ### | [ثم دخلت سنة مائة] ### | 100 - # ثم دخلت سنة مائة # ذكر خروج شوذب الخارجي # في هذه السنة خرج شوذب، واسمه بسطام، من بني يشكر، في جوخى، وكان في ~~ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة أن لا ~~يحركهم حتى يسفكوا دماء، ويفسدوا في الأرض، فإن فعلوا وجه إليهم رجلا صليبا ~~حازما في جند. # فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين وأمره بما كتب ~~به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه وقد قدم ~~محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يتحرك. # فكان في كتاب عمر: بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، ~~فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل الناس، وإن كان في ~~يدك نظرنا في أمرك. # فكتب بسطام إلى عمر: قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك. ~~وأرسل إلى عمر مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم، ورجلا من بني يشكر، فقدما ~~على عمر بخناصرة، فدخلا إليه، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج، وما الذي ~~نقمتم؟ فقال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرى العدل والإحسان، فأخبرنا عن ~~قيامك بهذا الأمر، أعن رضى من الناس ومشورة، أم ابتززتم أمرهم؟ # فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، ولا غلبتهم عليها، وعهد إلي رجل كان # PageV04P102 # قبلي فقمت ولم ينكره علي أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من ~~عدل وأنصف من كان من الناس، فاتركوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق ورغبت عنه; ~~فلا طاعة لي عليكم. # قالا: بيننا وبينك أمر واحد. قال: ما هو؟ ms1675 قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل ~~بيتك، وسميتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على الضلالة، فالعنهم وابرأ ~~منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة، ~~فأخطأتم طريقها، إن الله، عز وجل، لم يبعث رسوله، صلى الله عليه وسلم، ~~لعانا، وقال إبراهيم: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ~~[إبراهيم: 36] . وقال الله، عز وجل: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~[الأنعام: 90] . وقد سميت أعمالهم ظلما، وكفى بذلك ذما ونقصا، وليس لعن أهل ~~الذنوب فريضة لا بد منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟ ~~قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق ~~وشرهم، ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون! قال: أما هم كفار ~~بظلمهم؟ قال: لا، لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا الناس إلى ~~الإيمان، فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. # فقال الخارجي: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا الناس إلى توحيد ~~الله والإقرار بما نزل من عنده. قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة ~~رسول الله، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم عليهم، ~~ولكن غلب عليهم السفاء. قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم. قال ~~عمر: أخبراني عن أبي بكر وعمر، أليسا على حق؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أن ~~أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم، وسبى الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: ~~بلى. قال: أتعلمان أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم. ~~قال: فهل عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: أفتبرءون أنتم من واحد منهما؟ ~~قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم، هل تعلمان أن أهل ~~الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا، وأن من خرج إليهم من أهل ~~البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ ~~من لم يقتل ممن ms1676 قتل واستعرض؟ قالا: لا: أفتبرءون أنتم من أحد من الطائفتين؟ ~~(قالا: لا) . قال: أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل البصرة وأهل ~~الكوفة، وقد علمتم # PageV04P103 # اختلاف أعمالهم، ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين واحد! فاتقوا ~~الله! فإنكم جهال، تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن ~~عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ~~وكان من فعل ذلك عند رسول الله آمنا وحقن دمه وماله، وأنتم تقتلونه، ويأمن ~~عندكم سائر أهل الأديان، فتحرمون دماءهم وأموالهم. # قال اليشكري: أرأيت رجلا ولي قوما وأموالهم، فعدل فيها، ثم صيرها بعده ~~إلى رجل غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله، عز وجل، أو تراه قد ~~سلم؟ قال: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك، وأنت تعرف أنه لا ~~يقوم فيه بالحق؟ قال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه ~~بعدي. قال: أفترى ذلك من صنع من ولاه حقا؟ فبكى عمر وقال: أنظراني ثلاثا. # فخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حق. فقال عمر ~~لليشكري: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت، ولكني لا أفتات على المسلمين ~~بأمر، اعرض عليهم ما قلت واعلم ما حجتهم. # فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له عمر بالعطاء، فتوفي بعد خمسة عشر يوما. ~~فكان عمر بن عبد العزيز يقول: أهلكني أمر يزيد وخصمت فيه، فأستغفر الله. # فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد من ولاية ~~العهد، فوضعوا على عمر من سقاه سما، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى مرض ~~ومات، ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرضون إليه، كل ~~منهم ينتظر عود الرسل من عند عمر بن عبد العزيز، فتوفي والأمر على ذلك. # ذكر القبض على يزيد بن المهلب # واستعمال الجراح على خراسان # قيل: ms1677 وفي هذه السنة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة يأمره بإنفاذ ~~يزيد بن المهلب إليه موثقا، وكان عمر قد كتب إليه أن يستخلف على عمله ويقبل ~~إليه، فاستخلف مخلدا ابنه، وقدم من خرسان ونزل واسطا، ثم ركب السفن يريد # PageV04P104 # البصرة، فبعث عدي بن أرطاة موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في نهر معقل ~~عند الجسر، فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فدعا به عمر، وكان يبغض ~~يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم. وكان يزيد يبغض عمر، ~~ويقول: إنه مراء، فلما ولي عمر عرف يزيد أنه بعيد من الرياء، ولما دعا عمر ~~يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان، فقال: كنت من سليمان ~~بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد علمت أن ~~سليمان لم يكن ليأخذني به. فقال له: لا أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله ~~وأد ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني تركها. وحبسه بحصن حلب. # وبعث الجراح بن عبد الله الحكمي، فسرحه إلى خراسان أميرا عليها، وأقبل ~~مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ففرق أموالا عظيمة، ثم قدم على عمر ~~فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله صنع لهذه الأمة بولايتك، وقد ابتلينا ~~بك، فلا نكن نحن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ؟ أنا أتحمل ما ~~عليه، فصالحني على ما تسأل. فقال عمر: لا إلا أن يحمل الجميع. فقال: يا ~~أمير المؤمنين إن كانت لك بينة فخذ بها، وإلا فصدق مقالة يزيد واستحلفه، ~~فإن لم يفعل فصالحه. فقال عمر: ما آخذه إلا بجميع المال. فخرج مخلد من ~~عنده، فقال عمر: هذا خير من أبيه. ثم لم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات، فصلى ~~عليه عمر بن عبد العزيز، فقال: اليوم مات فتى العرب، وأنشد: # بكوا حذيفة لم يبكوا مثله ... حتى تبيد خلائق لم تخلق # فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئا ألبسه جبة صوف، وحمله على جمل، وقال: ~~سيروا به ms1678 إلى دهلك. فلما خرج، ومروا به على الناس، أخذ يقول: أما لي عشيرة؟ ~~إنما يذهب إلى دهلك الفاسق واللص. فدخل سلامة بن نعيم الخولاني على عمر ~~فقال: يا أمير المؤمنين اردد يزيد إلى محبسه فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه ~~قومه، فإنهم قد عصبوا له. فرده إلى محبسه، فبقي فيه حتى بلغه مرض عمر. # PageV04P105 # ذكر عزل الجراح واستعمال عبد الرحمن بن نعيم القشيري وعبد الرحمن بن عبد ~~الله # وقيل: في هذه السنة عزل عمر الجراح بن عبد الله الحكمي عن خراسان، ~~واستعمل عليها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، وكان عزل الجراح في رمضان. # كان سبب ذلك أن يزيد لما عزل عن خراسان أرسل عامل العراق عاملا على ~~جرجان، فأخذ جهم بن زحر الجعفي، وكان على جرجان عاملا ليزيد بن المهلب، ~~فحبسه وقيده، وحبس رهطا قدموا معه، ثم خرج إلى الجراح بخراسان، فأطلق أهل ~~جرجان عاملهم، وقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أسوغك هذا. فقال جهم: ~~ولولا أنك ابن عمي لم آتك. # وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنتي الحصين بن الحارث، وأما كونه ابن عمه ~~فلأن الحكم والجعفي ابنا سعد القشيري. # فقال له الجراح: خالفت إمامك، فاغز لعلك تظفر، فيصلح أمرك عنده. فوجهه ~~إلى الختل، فغنم منهم ورجع، وأوفد الجراح إلى عمر وفدا، رجلين من العرب، ~~ورجلا من الموالي يكنى أبا الصيد، فتكلم العربيان والمولى ساكت، فقال عمر: ~~ما أنت من الوفد؟ قال: بلى. قال: فما يمنعك من الكلام؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين عشرون ألفا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا ~~من الذمة يؤخذون بالخراج، فأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا، فيقول: أتيتكم ~~حفيا، وأنا اليوم عصبي، والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم. وهو ~~بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان. قال عمر: إذن بمثلك يوفد. # فكتب عمر إلى الجراح: انظر من صلى قبلك [إلى القبلة] فضع عنه الجزية. ~~فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن الناس قد ms1679 سارعوا إلى الإسلام ~~نفورا من الجزية، فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب عمر ~~إليه: إن الله بعث # PageV04P106 # محمدا صلى الله عليه وسلم، داعيا ولم يبعثه خاتنا، وقال: إيتوني رجلا ~~صدوقا أسأله عن خراسان. فقيل له: عليك بأبي مجلز. فكتب إلى الجراح: أن أقبل ~~واحمل أبا مجلز، وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم العامري. فخطب ~~الجراح وقال: يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التي علي وعلى فرسي، لم أصب ~~من مالكم إلا حلية سيفي. ولم يكن عنده إلا فرس وبغلة. فسار عنهم، فلما قدم ~~على عمر قال: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان. قال: صدق من وصفك بالجفاء، هلا ~~أقمت حتى تفطر ثم تخرج! # وكان الجراح كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان، فوجدت قوما قد أبطرتهم ~~الفتنة، فأحب الأمور إليهم أن يعودوا ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم ~~إلا السيف والسوط، فكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك. فكتب إليه عمر: يا ابن ~~أم الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا ~~في الحق، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور، وتقرأ كتابا: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: 49] . # فلما قدم الجراح على عمر، وقدم أبو مجلز، قال له عمر: أخبرني عن عبد ~~الرحمن بن عبد الله، قال: يكافي الأكفاء، ويعادي الأعداء، وهو أمير يفعل ما ~~يشاء، ويقدم إن وجد من يساعده. قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحب العافية ~~والتأني، وهو أحب إلي. فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري ~~الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: إني استعملت عبد الرحمن على حربكم، وعبد ~~الرحمن [بن عبد الله] على خراجكم، وكتب إليهما يأمرهما بالمعروف والإحسان. # فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى مات عمر، وبعد ذلك حتى قتل ~~يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز الحارث بن الحكم، فكانت ~~ولايته أكثر من سنة ونصف. # ذكر ابتداء الدعوة العباسية # في هذه السنة وجه ms1680 محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الدعاة في الآفاق. # PageV04P107 # وكان سبب ذلك أن محمدا كان ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، ~~فسار أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى الشام إلى سليمان بن عبد ~~الملك، فاجتمع به محمد بن علي فأحسن صحبته، واجتمع أبو هاشم بسليمان وأكرمه ~~وقضى حوائجه، ورأى من علمه وفصاحته ما حسده عليه وخافه، فوضع عليه من وقف ~~على طريقه فسمه في لبن. # فلما أحس أبو هاشم بالشر قصد الحميمة من أرض الشراة، وبها محمد، فنزل ~~عليه وأعلمه أن هذا الأمر صائر إلى ولده، وعرفه ما يعمل، وكان أبو هاشم قد ~~أعلم شيعته من أهل خراسان والعراق عند ترددهم إليه أن الأمر صائر إلى ولد ~~محمد بن علي، وأمرهم بقصده بعده. # فلما مات أبو هاشم قصدوا محمدا وبايعوه، وعادوا فدعوا الناس إليه، ~~فأجابوهم، وكان الذين سيرهم إلى الآفاق جماعة، فوجه ميسرة إلى العراق، ووجه ~~محمد بن خنيس، وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار، خال ~~إبراهيم بن سلمة، إلى خراسان، وعليها الجراح الحكمي، وأمرهم بالدعاء إليه ~~وإلى أهل بيته. فلقوا من لقوا. ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن ~~علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس، فاختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر رجلا نقباء، منهم: ~~سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، ~~وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني شيبان بن ذهل، ~~والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى آل أبي معيط، ~~ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو بن أعين أبو حمزة ~~مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين ~~مولى خزاعة، واختار سبعين رجلا، وكتب إليهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم ~~مثالا وسيرة يسيرون بها. # (الحميمة: بضم الحاء المهملة، والشراة: بالشين المعجمة) . # ذكر ms1681 عدة حوادث # في هذه السنة أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، ~~وطرندة # PageV04P108 # واغلة في البلاد الرومية من ملطية بثلاث مراحل، وكان عبد الله بن عبد ~~الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين، وملطية يومئذ ~~خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج، ويعودون ~~إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر، فأمرهم بالعود إلى ملطية، ~~وأخلى طرندة خوفا على المسلمين من العدو، وأخرب طرندة، واستعمل على ملطية ~~جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن صعصعة. # وفيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على أن ~~يملكهم بلادهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وقد كانت سيرته ~~بلغتهم، فأسلم جيشبه بن ذاهر، والملوك تسموا له بأسماء العرب، وكان عمر قد ~~استعمل على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة بن مسلم، فغزا بعض الهند، ~~فظفر وبقي ملوك السند مسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد بن عبد الملك، فلما ~~كان أيام هشام ارتدوا عن الإسلام، وكان سببه ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وفيها أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطي، وعمرو بن قيس ~~الكندي الصائفة. # وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الفزاري على الجزيرة عاملا ~~عليهم. # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو. # وكان العمال من تقدم ذكرهم إلا عامل خراسان. وكان على حربها عبد الرحمن ~~بن نعيم، وعلى خراجها عبد الرحمن بن عبد الله في آخرها. # (وفيها استعمل عمر بن عبد العزيز إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم على # PageV04P109 # إفريقية، واستعمل السمح بن مالك الخولاني على الأندلس، وكان قد رأى منه ~~أمانة وديانة عند الوليد بن عبد الملك فاستعمله) . # [الوفيات] # في هذه السنة مات أبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، وهو آخر من مات من ~~الصحابة. وفيها مات شهر بن حوشب، (وقيل سنة اثنتي عشرة ومائة. وفيها توفي ~~القاسم بن مخيمرة الهمداني. وفيها ms1682 توفي مسلم بن يسار الفقيه) ، وقيل: سنة ~~إحدى ومائة. وفيها توفي أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وكان ولد على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسماه وكناه بجده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة، ~~وكان قد مات قبل بدر. # وفيها توفي بسر بن سعيد مولى الحضرميين، (بسر: بضم الباء الموحدة، ~~وبالسين المهملة) . وعيسى بن طلحة بن عبد الله التميمي. # PageV04P110 # ومحمد بن جبير بن مطعم. وربعي بن حراش الكوفي، (حراش: بكسر الحاء ~~المهملة، وبالراء المهملة) ، وقيل: سنة أربع ومائة. # وحنش بن عبد الله الصنعاني، كان من أصحاب علي، فلما قتل انتقل إلى مصر، ~~وهو أول من اختط جامع سرقسطة بالأندلس. # (حنش بالحاء المهملة والنون المفتوحتين، والشين المعجمة) . # PageV04P111 ### | [ثم دخلت سنة إحدى ومائة] ### | 101 - # ثم دخلت سنة إحدى ومائة # ذكر هرب ابن المهلب قد ذكرنا حبس يزيد بن المهلب، فلم يزل محبوسا حتى ~~اشتد مرض عمر بن عبد العزيز، فعمل في الهرب، فخاف يزيد بن عبد الملك لأنه ~~قد عذب أصهاره آل أبي عقيل، وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، وهي ابنة ~~أخي الحجاج، زوجة يزيد بن عبد الملك. # وكان سبب تعذيبهم أن سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة طلب آل أبي ~~عقيل، فأخذهم وسلمهم إلى يزيد بن المهلب ليخلص أموالهم، فعذبهم وبعث ابن ~~المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق، وبها خزائن الحجاج بن يوسف وعياله، ~~فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتي به أم الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك، ~~(وقيل: بل أخت لها، فعذبها، فأتى يزيد بن عبد الملك) إلى ابن المهلب في ~~منزله فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذي قررتم عليها أنا أحمله، فلم يقبل ~~منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن وليت من الأمر شيئا لأقطعن منك عضوا! ~~فقال ابن المهلب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف. فحمل يزيد ~~بن عبد الملك (ما كان عليها) ، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. # فلما اشتد مرض عمر بن عبد العزيز خاف ms1683 ابن المهلب من يزيد بن عبد الملك، ~~فأرسل إلى مواليه، فأعدوا له إبلا وخيلا، وواعدهم مكانا يأتيهم فيه، فأرسل ~~إلى عامل حلب مالا، وإلى الحرس الذين يحفظونه، وقال: إن أمير المؤمنين قد ~~ثقل وليس برجاء، وإن ولي يزيد يسفك دمي. فأخرجوه، فهرب إلى المكان الذي ~~واعد أصحابه فيه، فركب الدواب وقصد البصرة، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز ~~كتابا يقول: إني والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك، ولكني خفت أن يلي ~~يزيد، فيقتلني شر قتلة. فورد الكتاب # PageV04P112 # وبه رمق، فقال: اللهم إن كان يريد بالمسلمين سوءا فألحقه به وهضه فقد ~~هاضني. # ومر يزيد في طريقه بالهذيل بن زفر بن الحارث، وكان يخافه، فلم يشعر ~~الهذيل إلا وقد دخل يزيد ودعا بلبن فشربه، فاستحيا منه الهذيل وعرض عليه ~~خيله وغيرها، فلم يأخذ منه شيئا. # وقيل في سبب خوف ابن المهلب من يزيد بن عبد الملك ما يأتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر وفاة عمر بن عبد العزيز # قيل: توفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة، وكانت شكواه عشرين ~~يوما، ولما مرض، قيل له: لو تداويت. قال: لو كان دوائي في مسح أذني ما ~~مسحتها، نعم المذهوب إليه ربي، وكان موته بدير سمعان، وقيل: بخناصرة، ودفن ~~بدير سمعان. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة ~~وأشهرا، وقيل: كان عمره أربعين سنة وأشهرا، وكانت كنيته أبا حفص، وكان يقال ~~له: أشج بني أمية، وكان قد رمحته دابة من دواب أبيه: فشجته وهو غلام، فدخل ~~على أمه، فضمته إليها وعذلت أباه ولامته حيث لم يجعل معه حاضنا، فقال لها ~~عبد العزيز: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إن كان أشج بني أمية. # قال ميمون بن مهران: قال عمر بن عبد العزيز: لما وضعت الوليد في حفرته ~~نظرت فإذا وجهه قد اسود، فإذ مت ودفنت فاكشف عن وجهي، ففعلت فرأيته أحسن ~~مما كان أيام تنعمه. # وقيل: كان ابن عمر يقول: يا ليت شعري من هذا الذي من ms1684 ولد عمر، في وجهه ~~علامة يملأ الأرض عدلا؟ # PageV04P113 # وكانت أم عمر بن عبد العزيز أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو عمر ~~بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، ورثاه الشعراء ~~فأكثروا، فقال كثير عزة: # أقول لما أتاني ثم مهلكه ... لا تبعدن قوام الحق والدين # قد غادروا في ضريح اللحد منجدلا ... بدير سمعان قسطاس الموازين # ورثاه جرير والفرزدق وغيرهما. # ذكر بعض سيرته # قيل: لما ولي الخلافة كتب إلى يزيد بن المهلب: أما بعد، فإن سليمان كان ~~عبدا من عباد الله، أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد الملك ~~من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس علي بهين، ولو ~~كانت رغبتي في اتخاذ أزواج، أو اعتقاد أموال، لكان في الذي أعطاني من ذلك ~~ما قد بلغ بي، أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا ~~شديدا، ومسألة غليظة، إلا ما عفا الله ورحم، وقد بايع من قبلنا، فبايع من ~~قبلك. فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عماله، لأن كلامه ليس ككلام من مضى ~~من أهله. فدعا يزيد الناس إلى البيعة، فبايعوا. # قال مقاتل بن حيان: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد، فاعمل عمل ~~من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين. # قال طفيل بن مرداس: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: أن اعمل خانات، فمن ~~مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة، وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علة ~~فاقروه # PageV04P114 # يومين وليلتين، وإن كان منقطعا به، فأبلغه بلده. فلما أتاه كتاب عمر قال ~~له أهل سمرقند: قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل ~~والإنصاف، فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين. فأذن لهم، فوجهوا ~~وفدا إلى عمر، فكتب لهم إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكوا ظلما وتحاملا من ~~قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، ~~فلينظر في أمرهم، فإن ms1685 قضى لهم، فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن ~~يظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي، فقضى أن ~~يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم، وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا، أو ~~ظفرا عنوة. فقال أهل الصغد: بلى نرضى بما كان ولا نحدث حربا، وتراضوا بذلك. # قال داود بن سليمان الجعفي: كتب عمر إلى عبد الحميد: أما بعد، فإن أهل ~~الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنة خبيثة سنها عليهم ~~عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من ~~نفسك، فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر، وخذ منه ما أطاق، ~~وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل ~~الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين، ولا هدية النوروز والمهرجان، ولا ثمن ~~الصحف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح، ولا خراج على ~~من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني ~~الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من ~~الذرية أن يحج، فعجل له مائة ليحج بها، والسلام. # قال عثمان بن عبد الحميد: حدثني أبي قال: قالت فاطمة بنت عبد الملك، # PageV04P115 # رحمها الله، امرأة عمر: لما مرض عمر اشتد قلقه ليلة، فسهرنا معه، فلما ~~أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له مرثد ليكون عنده، فإن كانت له حاجة كنت قريبا ~~منه، ثم نمنا، فلما انتفخ النهار استيقظت، فتوجهت إليه، فرأيت مرثدا خارجا ~~من البيت نائما، فقلت له: ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، وقال لي: إني أرى شيئا ~~ما هو بإنس ولا جن، فخرجت فسمعته يتلو: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . قالت: ~~فدخلت فوجدته بعدما دخلت قد وجه نفسه للقبلة وهو ميت. # قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده فإذا عليه قميص وسخ، فقلت ~~لامرأته فاطمة، وكانت ms1686 أخت مسلمة: اغسلوا ثياب أمير المسلمين، فقالت: نفعل. ~~ثم عدت فإذا القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه؟ فقالت: ~~والله ما له غيره. قيل: وكانت نفقته كل يوم درهمين. # قيل: وكان عبد العزيز قد بعث ابنه إلى المدينة ليتأدب بها، فكتب إلى صالح ~~بن كيسان أن يتعاهده، فأبطأ عمر يوما عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ فقال: كانت ~~مرجلتي تصلح شعري، فكتب إلى أبيه بذلك، فأرسل أبوه رسولا، فلم يزل حتى حلق ~~شعره. # وقال محمد بن علي الباقر: إن لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن ~~عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. # وقال مجاهد: أتينا عمر نعلمه، فلم نبرح حتى تعلمنا منه. # وقال ميمون: كانت العلماء عند عمر تلامذة. وقيل لعمر: ما كان بدء إنابتك؟ # PageV04P116 # قال: أردت ضرب غلام لي فقال: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. وقال عمر: ~~ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله. # وقال رياح بن عبيدة: خرج عمر بن عبد العزيز وشيخ متوكئ على يده، فلما فرغ ~~ودخل قلت: أصلح الله الأمير، من الشيخ الذي كان متوكئا على يدك؟ قال: ~~أرأيته؟ قلت: نعم. قال: ذاك أخي الخضر، أعلمني أني سألي أمر الأمة، وأني ~~سأعدل فيها. # قال: وأتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، وجعل ~~أثمانها في بيت المال وقال: تكفيني بغلتي هذه. قال: ولما رجع من جنازة ~~سليمان بن عبد الملك رآه مولى له مغتما فسأله، فقال: ليس أحد من أمة محمد ~~في شرق الأرض ولا غربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه من غير طلب منه. ~~قال: ولما ولي الخلافة قال لامرأته وجواريه: إنه قد شغل بما في عنقه عن ~~النساء، وخيرهن بين أن يقمن عنده أو يفارقنه، فبكين واخترن المقام معه. # قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ~~وكانت أول خطبة خطبها، ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلا ~~فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ms1687 ويعيننا على الخير بجهده، ~~ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن أحدا، ولا يعترض في ما لا ~~يعنيه. فانقشع الشعراء والخطباء، وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا: ما ~~يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله. قال: فلما ولي الخلافة أحضر ~~قريشا ووجوه الناس فقال لهم: إن فدك كانت بيد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، فكان يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر كذلك وعمر كذلك، ثم # PageV04P117 # أقطعها مروان، ثم إنها صارت إلي، ولم تكن من مالي أعود منها علي، وإني ~~أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فانقطعت ظهور الناس ويئسوا من الظلم. # قال: وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: إن أهلي أقطعوني ما لم يكن ~~إلي أن آخذه، ولا لهم أن يعطونيه، وإني قد هممت برده على أربابه. قال: فكيف ~~نصنع بولدك؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله. قال: وجد لولده ما يجد ~~الناس، فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال له: إن أمير المؤمنين ~~قد عزم على كذا وكذا، وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه. فقال عبد الملك: بئس ~~وزير الخليفة أنت! ثم قام فدخل على أبيه، وقال له: إن مزاحما أخبرني بكذا ~~وكذا فما رأيك؟ قال: إني أريد أن أقوم به العشية. قال: عجله فما يؤمنك أن ~~يحدث لك حدث أو يحدث بقلبك حدث؟ فرفع عمر يديه وقال: الحمد لله الذي جعل من ~~ذريتي من يعينني على ديني! ثم قام به من ساعته في الناس وردها. # قال: لما ولي عمر الخلافة أخذ من أهله ما بأيديهم وسمى ذلك مظالم، ففزع ~~بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأتته فقالت له: تكلم أنت يا أمير ~~المؤمنين. فقال: إن الله بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، رحمة ولم يبعثه ~~عذابا إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده، وترك للناس نهرا شربهم سواء، ~~ثم ولي أبو بكر فترك النهر على ms1688 حاله، ثم ولي عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل ~~النهر يستقي منه يزيد، ومروان، وعبد الملك ابنه، والوليد وسليمان ابنا عبد ~~الملك، حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم، فلم يرو أصحابه حتى يعود ~~إلى ما كان عليه. فقالت: حسبك، قد أردت كلامك، (فأما إذا كانت مقالتك هذه ~~فلا أذكر شيئا أبدا. فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه) . وقد قيل: إنها قالت له: ~~إن بني أمية يقولون كذا وكذا، فلما قال لها هذا الكلام قالت له: إنهم ~~يحذرونك يوما من أيامهم، (فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة فلا ~~أمنت شره. فرجعت إليهم) فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم ~~بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده. فسكتوا. # PageV04P118 # قال: وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن ~~عبد العزيز، وما كان سواهم فهم منتزون. # قال: وقال الشافعي مثله، قال: وكان يكتب إلى عماله بثلاث، فهي تدور ~~بينهم: بإحياء سنة، أو إطفاء بدعة، أو قسم في مسكنة، أو رد مظلمة. # قال: وكانت فاطمة بنت الحسين بن علي تثني عليه وتقول: لو كان بقي لنا عمر ~~بن عبد العزيز ما احتجنا بعهده إلى أحد. قالت فاطمة امرأته: دخلت عليه وهو ~~في مصلاه ودموعه تجري على لحيته، فقلت: أحدث شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة ~~محمد، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والغازي، والمظلوم ~~المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال ~~القليل، وأشباههم في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، ~~وأن خصمي دونهم محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى الله، فخشيت أن لا تثبت حجتي ~~عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت. # قيل: ولما مرض ابنه عبد الملك مرض موته، وكان من أشد أعوانه على العدل، ~~دخل عليه عمر فقال له: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق. قال: يا بني ~~أن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. فقال ابنه: يا أبتاه لأن ~~يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ms1689 ما أحب، فمات في مرضه وله سبع عشرة سنة. # قيل: وقال عبد الملك لأبيه عمر: يا أمير المؤمنين، ما تقول لربك إذا ~~أتيته، وقد تركت حقا لم تحيه وباطلا لم تمته؟ فقال: يا بني إن أباك وأجدادك ~~قد دعوا الناس عن الحق، فانتهت الأمور إلي، وقيل أقبل شرها وأدبر خيرها، ~~ولكن أليس حسنا وجميلا ألا تطلع الشمس علي في يوم إلا أحييت فيه حقا، وأمت ~~فيه باطلا، حتى يأتيني الموت، فأنا على ذلك؟ وقال له أيضا: يا أمير ~~المؤمنين انقد لأمر الله، وإن جاشت بي وبك القدور. فقال: يا بني إن بادهت ~~الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف، ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف، ~~فكرر ذلك. # قيل: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله نسخة واحدة: أما بعد فإن الله، # PageV04P119 # عز وجل، أكرم بالإسلام أهله، وشرفهم وأعزهم، وضرب الذلة والصغار على من ~~خالفهم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فلا تولين أمور المسلمين أحدا من أهل ~~ذمتهم وخراجهم، فتتبسط عليه أيديهم وألسنتهم، فتذلهم بعد أن أعزهم الله، ~~وتهينهم بعد أن أكرمهم الله تعالى، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم، ومع ~~هذا فلا يؤمن غشهم إياهم، فإن الله، عز وجل، يقول: {لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم} [آل عمران: 118] ، و {لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] ، والسلام. # فهذا القدر كاف في التنبيه على فضله وعدله. # (وفي هذه السنة مات: محمد بن مروان في قول، وأبو صالح ذكوان) . # ذكر خلافة يزيد بن عبد الملك # وفيها تولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة، وكنيته أبو خالد، بعهد ~~من أخيه سليمان بعد عمر بن عبد العزيز، ولما احتضر عمر، قيل له: اكتب إلى ~~يزيد فأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك، ثم كتب إليه: ~~أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على ~~الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام. ms1690 # فلما ولي يزيد نزع أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن المدينة، واستعمل ~~عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عليها، واستقضى عبد الرحمن سلمة بن عبد ~~الله بن الأسد المخزومي، وأراد معارضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلا، حتى شكا ~~عثمان بن حيان إلى يزيد بن عبد الملك من ابن حزم، وأنه ضربه حدين، وطلب منه ~~أن # PageV04P120 # يقيده منه، فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتابا: أما بعد فانظر ~~فيما ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه في أمر بين أو أمر يختلف فيه، فلا ~~تلتفت إليه. # فأرسل ابن الضحاك فأحضر ابن حزم، وضربه حدين في مقام واحد، ولم يسأله عن ~~شيء. # وعمد يزيد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافق هواه، فرده، ~~ولم يخف شناعة عاجلة، ولا إثما عاجلا، فمن ذلك أن محمد بن يوسف أخا الحجاج ~~بن يوسف كان على اليمن، فجعل عليهم خراجا مجددا، فلما ولي عمر بن عبد ~~العزيز كتب إلى عامله بأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر، وترك ما جدده ~~محمد بن يوسف، وقال: لأن يأتيني من اليمن حصة ذرة أحب إلي من تقرير هذه ~~الوضيعة، فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها، وقال لعامله: خذها منهم ولو ~~صاروا حرضا، والسلام. # ذكر مقتل شوذب الخارجي # قد ذكرنا خروجه ومراسلته عمر بن عبد العزيز لمناظرته، فلما مات عمر أحب ~~عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو الأمير على الكوفة، أن ~~يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة شوذب، ~~واسمه بسطام، ولم يرجع رسولا شوذب، ولم يعلم بموت عمر. # فلما رأوا محمدا يستعد للحرب، أرسل إليه شوذب: ما أعجلكم قبل انقضاء ~~المدة! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع الرسولان؟ فأرسل محمد: إنه لا يسعنا ~~ترككم على هذه الحال، فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل ~~الصالح. # فاقتتلوا فأصيب من الخوارج نفر، وقتل الكثير من أهل الكوفة ms1691 وانهزموا، ~~وجرح محمد بن جرير في استه، فدخل الكوفة، وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة ~~ثم رجعوا إلى مكانهم. # وأقام شوذب ينتظر صاحبيه، فقدما عليه وأخبراه بموت عمر، ووجه يزيد من عند ~~تميم بن الحباب في ألفين قد أرسلهم، وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما ~~فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد معه وحاربوه، فقتلوه وقتلوا أصحابه، ~~ولجأ # PageV04P121 # بعضهم إلى الكوفة، وبعضهم إلى يزيد. فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم ~~الأزدي في جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه، فوجه إليهم يزيد الشحاج بن وداع في ~~ألفين، فقتلوه وهزموا أصحابه، وقتل منهم نفر، منهم هدبة ابن عم شوذب. فقال ~~أيوب بن خولي يرثيهم: # تركنا تميما في الغبار ملحبا ... تبكي عليه عرسه وقرائبه # وقد أسلمت قيس تميما ومالكا ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه # وأقبل من حران يحمل راية ... يغالب أمر الله والله غالبه # فيا هدب للهيجا، ويا هدب للندى ... ويا هدب للخصم الألد يحاربه # ويا هدب كم من ملجم قد أجبته ... وقد أسلمته للرياح جوالبه # وكان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى ويخشى حربه من يحاربه # ففاز ولاقى الله في الخير كله ... وخذمه بالسيف في الله ضاربه # تزود من دنياه درعا ومغفرا ... وعضبا حساما لم تخنه مضاربه # وأجرد محبوك السراة كأنه ... إذا انقض وافي الريش حجن مخالبه # وأقام الخوارج بمكانهم حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل ~~الكوفة، مكان شوذب وخوفوه منه، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي، وكان ~~فارسا، في عشرة آلاف، فأتاه وهو بمكانه، فرأى شوذب وأصحابه ما لا قبل لهم ~~به، فقال لأصحابه: من كان يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ~~ذهبت. فكسروا أغماد السيوف وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا، حتى خاف ~~سعيد الفضيحة، # PageV04P122 # فوبخ أصحابه وقال: من هذه الشرذمة - لا أب لكم - تفرون! يا أهل الشام ~~يوما كأيامكم! فحملوا عليهم فطحنوهم طحنا، وقتلوا بسطاما، وهو شوذب، ~~وأصحابه. # ذكر موت محمد بن مروان # وفي هذه السنة توفي محمد بن مروان بن الحكم أخو عبد الملك، وكان ms1692 قد ولي ~~الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وغزا الروم وأهل أرمينية عدة دفعات، وكان ~~شجاعا قويا، وكان عبد الملك يحسده لذلك، فلما انتظمت الأمور لعبد الملك ~~أظهر ما في نفسه له، فتجهز محمد ليسير إلى أرمينية، فلما ودع عبد الملك ~~سأله عن سبب مسيره، فقال وأنشد: # وإنك لا ترى طردا لحر ... كإلصاق به بعض الهوان # فلو كنا بمنزلة جميعا ... جريت وأنت مضطرب العنان # فقال له عبد الملك: أقسمت عليك لتقيمن، فوالله لا رأيت مني ما تكره، وصلح ~~له، ولما أراد الوليد عزله طلب من يسد مكانه، فلم يقدم أحد عليه إلا مسلمة ~~بن عبد الملك. # ذكر دخول يزيد بن المهلب البصرة # وخلعه يزيد بن عبد الملك # قيل: وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، على ما ~~تقدم، فلما مات عمر وبويع يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن وإلى عدي بن أرطاة يأمرهما بالتحرز من يزيد ويعرفهما هربه، وأمر ~~عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب، فأخذهم وحبسهم، فيهم: المفضل، ~~وحبيب، ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد حتى ارتفع على القطقطانة، وبعث عبد ~~الحميد جندا إليهم، عليهم هشام بن مساحق العامري، عامر بني لؤي، فساروا حتى ~~نزلوا العذيب، ومر يزيد قريبا منهم فلم يقدموا عليه. # ومضى يزيد نحو البصرة، وقد جمع عدي بن أرطاة أهل البصرة وخندق عليها، ~~وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، وجاء يزيد في ~~أصحابه # PageV04P123 # الذين معه، فالتقاه أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ~~ومواليه، فبعث عدي على كل خمس من أخماس البصرة رجلا، فبعث على الأزد: ~~المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي، وبعث على تميم: محرز بن حمران السعدي، ~~وعلى خمس بكر: مفرج بن شيبان بن مالك بن مسمع، وعلى عبد القيس [مالك بن] ~~المنذر بن الجارود، وعلى أهل العالية: عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، ~~وأهل العالية قريش، وكنانة والأزد، وبجيلة، وخثعم، وقيس عيلان كلها، ~~ومزينة، ms1693 وأهل العالية والكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة. # فأقبل يزيد لا يمر بخيل (من خيلهم، ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن ~~طريقه، وأقبل يزيد حتى نزل داره) ، فاختلف الناس إليه، فأرسل إلى عدي: أن ~~ابعث إلي إخوتي، وإني أصالحك على البصرة، وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي من ~~يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، فسار حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد بن ~~عبد الملك، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالدا القسري، وعمرو بن يزيد الحكمي ~~بأمان يزيد بن المهلب وأهله. # وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه قطع الذهب والفضة، فمال الناس إليه، ~~وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين ويقول: لا يحل لي أن أعطيكم من بيت ~~المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذه حتى يأتي الأمر ~~في ذلك، وفي ذلك يقول الفرزدق: # أظن رجال الدرهمين تقودهم ... إلى الموت آجال لهم ومصارع # وأكيسهم من قر في قعر بيته ... وأيقن أن الموت لا بد واقع # وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي فنزلوا المربد، وبعث إليهم يزيد بن ~~المهلب مولى له يقال له دارس، فحمل عليهم فهزمهم. # PageV04P124 # وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبانة بني يشكر، وهي النصف فيما ~~بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام واقتتلوا هنيهة، وحمل عليهم ~~أصحاب يزيد فانهزموا، وتبعهم ابن المهلب حتى دنا من القصر، فخرج إليهم عدي ~~بنفسه، فقتل من أصحابه موسى بن الوجيه الحميري، والحارث بن المصرف الأودي، ~~وكان من فرسان الحجاج وأشراف أهل الشام، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد، ~~وهم في محبس عدي، الأصوات تدنو والنشاب تقع في القصر، وقال لهم عبد الملك: ~~إني أرى أن يزيد قد ظهر، ولا آمن من مع عدي من مضر و [أهل] الشام أن يأتونا ~~فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد، فأغلقوا الباب وألقوا عليه الرحل. ففعلوا، ~~فلم يلبثوا أن جاءهم عبد الله بن دينار مولى بني عامر، وكان على حرس عدي، ~~فجاء ms1694 يشتد إلى الباب هو وأصحابه، وأخذوا يعالجون الباب، فلم يطيقوا قلعه، ~~وأعجلهم الناس فخلوا عنهم. # وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دارا لسليمان بن زياد بن أبيه، إلى جنب ~~القصر، وأتى بالسلاليم وفتح القصر، وأتي بعدي بن أرطاة، فحبسه، وقال له: ~~لولا حبسك إخوتي لما حبستك. # فلما ظهر يزيد هرب رءوس أهل البصرة من تميم، وقيس، ومالك بن المنذر، ~~فلحقوا بالكوفة، ولحق بعضهم بالشام، وخرج المغيرة بن زياد (بن عمرو العتكي ~~نحو الشام، فلقي خالدا القسري، وعمرو بن يزيد الحكمي، ومعهما حميد بن) عبد ~~الملك بن المهلب قد أقبلوا بأمان يزيد بن المهلب، وكل شيء أراده، فسألاه عن ~~الخبر، فخلا بهما سرا من حميد، وأخبرهما وقال: أين تريدان؟ فأخبراه بأمان ~~يزيد. فقال: إن يزيد قد ظهر على البصرة، وقتل القتلى وحبس عديا، فارجعا. ~~فرجعا، وأخذا حميدا معهما، فقال لهما حميد: أنشدكما الله أن تخالفا ما ~~بعثتما به، فإن ابن المهلب # PageV04P125 # قابل منكما، وإن هذا وأهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فلا تسمعا مقالته. ~~فلم يقبلا قوله ورجعا به. # وأخذ عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة خالد بن يزيد بن المهلب، وحمال بن ~~زحر، ولم يكونا في شيء من الأمر، فأوثقهما وسيرهما إلى الشام، فحبسهما يزيد ~~بن عبد الملك، فلم يفارقا السجن حتى هلكا فيه، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى ~~الكوفة شيئا على أهلها ويمنيهم الزيادة. وجهز أخاه مسلمة بن عبد الملك، ~~وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام ~~والجزيرة، وقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق. وكان مسلمة يعيب ~~العباس ويذمه، فوقع بينهما اختلاف، فكتب إليه العباس: # ألا نفسي فداك أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتي وعذلي # فلولا أن أصلك حين ينمى ... وفرعك منتهى فرعي وأصلي # وأني إن رميتك هضت عظمي ... ونالتني إذا نالتك نبلي # لقد أنكرتني إنكار خوف ... يقصر منك عن شتمي وأكلي # كقول المرء عمرو في القوافي ... أريد حياته ويريد قتلي # قيل: إن هذه الأبيات للعباس، وقيل: إنما تمثل بها. ms1695 # فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فأرسل إليهما وأصلح بينهما، وقدما الكوفة ~~ونزلا بالنخيلة، فقال مسلمة: ليت هذا المزوني، يعني ابن المهلب، لا كلفنا ~~اتباعه في هذا البرد. فقال حيان النبطي مولى لشيبان: أنا أضمن لك أنه لا ~~يبره الأرصة، يريد أضمن أنه لا يبرح العرصة. فقال له العباس: لا أم لك أنت ~~بالنبطية أبصر منك بهذا! فقال حيان: أنبط الله وجهك أسقر أهمر ليس أليه ~~طابئ الخلافة، يريد: أشقر أحمر ليس عليه طابع # PageV04P126 # الخلافة. قال مسلمة: يا أبا سفيان لا يهولنك كلام العباس. فقال: إنه ~~أهمق، يريد أحمق. # ولما سمع أصحاب بن المهلب وصول مسلمة وأهل الشام راعهم ذلك، فبلغ ابن ~~المهلب، فخطب الناس وقال: قد رأيت أهل العسكر وخوفهم، يقولون: جاء أهل ~~الشام ومسلمة، وما أهل الشام؟ هل هم إلا تسعة أسياف، سبعة منها إلي وسيفان ~~علي؟ وما مسلمة إلا جرادة صفراء، أتاكم في برابرة، وجرامقة، وجراجمة، ~~وأنباط، وأبناء فلاحين وأوباش، وأخلاط، أوليسوا بشرا يألمون كما تألمون، ~~وترجون من الله ما لا يرجون؟ أعيروني سواعدكم تصفقون بها وجوههم وقد ولوا ~~الأدبار. واستوسقوا أهل البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله على الأهواز ~~وفارس وكرمان، وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب، وعليها عبد الرحمن بن نعيم، ~~فقال لأهلها: هذا مدرك قد أتاكم ليلقي بينكم الحرب وأنتم في بلاد عافية ~~وطاعة، فسار بنو تميم ليمنعوه، وبلغ الأزد بخراسان ذلك، فخرج منهم نحو ألفي ~~فارس، فلقوا مدركا على رأس المفازة، فقالوا له: إنك أحب الناس إلينا، وقد ~~خرج أخوك، فإن يظهر، فإنما ذلك لنا، ونحن أسرع الناس إليكم وأحقه بذلك، وإن ~~تكن الأخرى، فما لك في أن تغشينا البلاء راحة. فانصرف عنهم، فلما استجمع ~~أهل البصرة ليزيد خطبهم، وأخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~ويحثهم على الجهاد، ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك ~~والديلم. # وكان الحسن البصري يسمع، فرفع صوته يقول: والله لقد رأيناك واليا ومولى ~~عليك، فما ينبغي لك ذلك. ووثب أصحابه فأخذوا بفمه وأجلسوه، ms1696 ثم خرجوا من ~~المسجد وعلى باب المسجد النضر بن أنس بن مالك يقول: يا عباد الله ما تنقمون ~~من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيه، فوالله ما رأينا ذلك [ولا رأيتموه] ~~(منذ ولدتم إلا هذه الأيام) [من إمارة] عمر بن عبد العزيز. فقال الحسن: ~~والنضر أيضا قد شهد. # ومر الحسن بالناس وقد نصبوا الرايات، وهم ينتظرون خروج يزيد، وهم يقولون: ~~تدعونا إلى سنة العمرين. فقال الحسن: كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء ~~الذين ترون، ثم يرسلها إلى بني مروان يريد رضاهم، فلما غضب نصب قصبا، ثم ~~وضع عليها خرقا، ثم قال: إني قد خالفتهم فخالفوهم. قال هؤلاء: نعم، ثم قال: ~~إني # PageV04P127 # أعدوهم إلى سنة العمرين، وإن من سنة العمرين أن يوضع في رجله قيد، ثم رد ~~إلى محبسه. فقال ناس من أصحابه: لكأنك راض عن أهل الشام؟ فقال: أنا راض عن ~~أهل الشام؟ قبحهم الله وبرحهم! أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، يقتلون أهله ثلاثا؟ قد أباحوها لأنباطهم وأقباطهم، يحملون ~~الحرائر ذوات الدين، لا ينتهون عن انتهاك حرمة، ثم خرجوا إلى مال بيت الله ~~الحرام، فهدموا الكعبة، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة ~~الله وسوء الدار. # ثم إن يزيد سار من البصرة، واستعمل عليها أخاه مروان بن المهلب، وأتى ~~واسطا، وكان قد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط، فقال له أخوه حبيب وغيره: ~~نرى أن نخرج وننزل بفارس، فنأخذ بالشعاب والعقاب، وندنو من خراسان، ونطاول ~~أهل الشام، فإن أهل الجبال يأتون إليك، وفي يدك القلاع والحصون. فقال: ليس ~~هذا برأي، تريدون أن تجعلوني طائرا على رأس جبل. فقال حبيب: إن الرأي الذي ~~كان ينبغي أن يكون أول الأمر قد فات، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه ~~خيلا عليها بعض أهلك إلى الكوفة، وإنما بها عبد الحميد، مررت به في سبعين ~~رجلا فعجز عنك، فهو عن خيلك أعجز، فسبق إليها أهل الشام، وأكثر أهلها يرون ~~رأيك، ولأن تلي عليهم أحب إليهم من ms1697 أن يلي عليهم أهل الشام، (فلم تطعني، ~~وأنا أشير الآن برأي، سرح مع بعض أهلك خيلا كثيرة من خيلك، فتأتي الجزيرة ~~وتبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونهم، وتسير في أثرهم، فإذا أقبل أهل ~~الشام) يريدونك، لم يدعوا جندك بالجزيرة يقبلون إليك فيقيمون عليهم، ~~فيحبسونهم عنك حتى تأتيهم، ويأتيك من بالموصل من قومك، وينفض إليك أهل ~~العراق وأهل الثغور، وتقاتلهم في أرض رخيصة السعر، وقد جعلت العراق كله ~~وراء ظهرك. قال: أكره أن أقطع جيشي. فلما نزل واسطا أقام بها أياما يسيرة، ~~وخرجت السنة. # PageV04P128 # ذكر عدة حوادث # حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وكان عامل المدينة. وكان على مكة ~~عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبد الحميد، وعلى ~~قضائها الشعبي، وكانت البصرة قد غلب عليها ابن المهلب. وكان على خراسان عبد ~~الرحمن بن نعيم. # وفيها عزل إسماعيل بن عبيد الله عن إفريقية، واستعمل مكانه يزيد بن أبي ~~مسلم كاتب الحجاج، فبقي عليها إلى أن قتل على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # [الوفيات] # وفيها توفي مجاهد بن جبر، وقيل سنة ثلاث، وقيل سنة أربع، وقيل سبع ومائة، ~~وله ثلاث وثمانون سنة. # وفيها توفي عمار بن جبر، وقيل: وفيها توفي أبو صالح ذكوان. وفيها توفي ~~عامر بن أكيمة الليثي. وأبو صالح السمان، وقيل له الزيات أيضا لأنه كان ~~يبيعهما. وأبو عمرو سعيد بن إياس الشيباني، وكان عمره سبعا وعشرين ومائة ~~سنة، وليست له صحبة. # وفي خلافة عمر توفي عبيدة بن أبي لبابة أبو القاسم العامري. # PageV04P129 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين ومائة] ### | 102 - # ثم دخلت سنة اثنتين ومائة # ذكر مقتل يزيد بن المهلب # ثم إن يزيد بن المهلب سار عن واسط، واستخلف عليها ابنه معاوية وجعل عنده ~~بيت المال والأسراء، وسار على فم النيل حتى نزل العقر، وقدم أخاه عبد الملك ~~بن المهلب نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد بسورا، فاقتتلوا، فحمل ~~عليهم أصحاب عبد الملك حملة كشفوهم فيها، ومعهم ناس من تميم وقيس من ms1698 أهل ~~البصرة، فنادوا: يا أهل الشام! الله الله أن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد ~~الملك إلى النهر. فقال أهل الشام: لا بأس عليكم، إن لنا جولة في أول ~~القتال، ثم كروا عليهم فانكشف أصحاب عبد الملك، فانهزموا وعادوا إلى يزيد. # وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار، وعقد عليها الجسر، فعبر ~~وسار حتى نزل على ابن المهلب، وأتى إلى ابن المهلب ناس من أهل الكوفة كثير، ~~ومن الثغور، فبعث على من خرج إليه من أهل الكوفة وربع أهل المدينة عبد الله ~~بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد النعمان بن إبراهيم ~~بن الأشتر، وعلى كندة وربيعة محمد بن إسحاق بن الأشعث، وعلى تميم وهمدان ~~حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعا [مع] المفضل بن المهلب وأحصى ~~ديوان ابن المهلب مائة ألف وعشرين ألفا، فقال: لوددت أن لي بهم من بخراسان ~~من قومي، ثم قام في أصحابه فحرضهم على القتال. # وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة، وشق المياه، وجعل على ~~أهل الكوفة الأرصاد لئلا يخرجوا إلى ابن المهلب، وبعث بعثا إلى مسلمة مع ~~سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف، وبعث مسلمة فعزل عبد الحميد عن الكوفة، ~~واستعمل عليها محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وهو ذو الشامة. # فجمع يزيد رءوس أصحابه، فقال: قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألفا فأبعثهم مع # PageV04P130 # أخي محمد بن المهلب حتى يبيتوا مسلمة، ويحملوا معهم البراذع والأكف ~~والزبل لدفن خندقهم، فيقاتلهم على خندقهم بقية ليلته، وأمده بالرجال حتى ~~أصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم في الناس فأناجزهم، فإني أرجو عند ذلك أن ~~ينصرنا الله عليهم، فقال السميدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، ~~صلى الله عليه وسلم، وقد زعموا أنهم قبلوا هذا منا، فليس لنا أن نمكر ولا ~~نغدر حتى يردوا علينا [ما زعموا أنهم قابلوه منا] . وقال أبو رؤبة، وهو رأس ~~الطائفة المرجئة، ومعه أصحاب له: صدق، هكذا ينبغي. # فقال يزيد: ويحكم! أتصدقون بني ms1699 أمية أنهم يعملون بالكتاب والسنة، وقد ~~ضيعوا ذلك منذ كانوا؟ إنهم يخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه، إني ~~لقيت بني مروان، فما لقيت منهم أمكر ولا (أبعد غدرا) من هذه الجرادة ~~الصفراء، يعني مسلمة. قالوا: لا نفعل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم ~~قابلوه منا. # وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، والحسن ~~البصري يثبطهم، فلما بلغ ذلك مروان، قام في الناس يأمرهم بالجد والاحتشاد، ~~ثم قال: بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي، ولم يسمه، يثبط الناس، والله لو ~~أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه! وايم الله ليكفن عن ذكرنا وعن ~~جمعه إليه، سقاط الأبلة وعلوج فرات البصرة، أو لأنحين عليه مبردا خشنا. # فلما بلغ ذلك الحسن، قال: والله [ما أكره] أن يكرمني الله بهوانه. فقال ~~ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك. فقال لهم: فقد خالفتكم إذا إلى ما ~~نهيتكم عنه، آمركم أن لا يقتل بعضكم بعضا مع غيري، وآمركم أن يقتل بعضكم ~~بعضا دوني! فبلغ ذلك مروان، فاشتد عليهم وطلبهم وتفرقوا، وكف عن الحسن. # وكان اجتماع يزيد بن المهلب ومسلمة بن عبد الملك بن مروان ثمانية أيام، ~~فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج ~~بالسفن حتى يحرق الجسر، ففعل، وخرج مسلمة، فعبأ جنود أهل الشام، ثم قرب من ~~ابن المهلب وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وعلى ميسرته الهذيل بن ~~زفر بن الحارث الكلابي، وجعل العباس بن الوليد على ميمنته سيف بن هانئ ~~الهمداني، وعلى # PageV04P131 # ميسرته سويد بن القعقاع التميمي، وكان مسلمة على الناس. # وخرج يزيد بن المهلب وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته ~~المفضل بن المهلب. فخرج رجل من أهل الشام فدعا إلى المبارزة، فبرز إليه ~~محمد بن المهلب، فضربه محمد، فاتقاه الرجل بيده وعلى كفه كف من حديد، فضربه ~~محمد فقطع الكف الحديد، وأسرع السيف في كفه واعتنق فرسه فانهزم. # فلما دنا الوضاح من ms1700 الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه، وقد أقبل الناس، ~~ونشبت الحرب، ولم يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان، وقيل لهم أحرق ~~الجسر، انهزموا، فقيل ليزيد: قد انهزم الناس. فقال: مم انهزموا؟ هل كان ~~قتال ينهزم من مثله؟ فقيل له قالوا أحرق الجسر فلم يثبت أحد. فقال: قبحهم ~~الله! بق دخن عليه فطار! ثم خرج معه أصحابه فقال: اضربوا وجوه المنهزمين، ~~ففعلوا ذلك بهم حتى كثروا عليه، واستقبله أمثال الجبال، فقال: دعوهم فوالله ~~إني لأرجو أن لا يجمعني وإياهم مكان أبدا، دعوهم يرحمهم الله، غنم عدا في ~~نواحيها الذئب! # وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وكان قد أتاه يزيد بن الحكم بن أبي ~~العاص الثقفي، وهو ابن أخي عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ليس بينه وبين الحكم بن أبي العاص والد مروان نسب، وهو بواسط، ~~فقال له: إن بني مروان قد باد ملكهم، فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر. فقال: ما ~~شعرت، فقال ابن الحكم: # فعش ملكا أو مت كريما فإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر # فقال: أما هذا فعسى. فلما رأى يزيد انهزام أصحابه، قال: يا سميدع أرأيي ~~أجود أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم؟ قال: بلى، فنزل سميدع ونزل يزيد في ~~أصحابهما. وقيل: كان على فرس أشهب فأتاه آت، فقال: إن أخاك حبيبا قد قتل. ~~فقال: لا خير في العيش بعده، قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة، وقد ~~ازددت لها بغضا، امضوا قدما. فعلموا أنه قد استقتل، فتسلل عنه من يكره ~~القتال، وبقي معه جماعة حسنة وهو يتقدم، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من ~~أهل الشام عدلوا عنه، وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره. فلما دنا منه أدنى ~~مسلمة فرسه ليركب، فعطف عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه، فقتل يزيد ~~والسميدع ومحمد بن المهلب. # وكان رجل من كلب يقال له: القحل بن عياش، فلما نظر إلى يزيد، قال: هذا ~~والله # PageV04P132 # يزيد! والله لأقتلنه أو ليقتلني! فمن يحمل معي يكفيني أصحابه، ms1701 حتى أصل ~~إليه؟ فحمل معه ناس، فاقتتلوا ساعة، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن ~~القحل بآخر رمقه، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد، وأنه هو قاتله وأن ~~يزيد قتله. # وأتى برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته؟ قال: لا، فلما أتى ~~مسلمة سيره إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. ~~وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، ولم ينزل يأخذ رأسه أنفة. # ولما قتل يزيد كان المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام، وما يدري بقتل يزيد ~~ولا بهزيمة الناس، وكان كلما حمل على الناس انكشفوا، ثم يحمل حتى يخالطهم، ~~وكان معه عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ويقول: # قد علمت أم الصبي المولود ... أني بنصل السيف غير رعديد # فاقتتلوا ساعة، فانهزمت ربيعة، فاستقبلهم المفضل يناديهم: يا معشر ربيعة ~~الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولا لئام، ولا لكم هذه بعادة، فلا يؤتين ~~أهل العراق من قبلكم، فدتكم نفسي! فرجعوا إليه يريدون الحملة، فأتي، وقيل ~~له: ما تصنع هاهنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرق ~~الناس عنه، ومضى المفضل إلى واسط، فما كان من العرب أضرب بسيفه، ولا أحسن ~~تعبية للحرب، ولا أغشى للناس منه. وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، وكره أن ~~يخبره بقتل يزيد فيستقتل، فقال له: إن الأمير قد انحدر إلى واسط. فانحدر ~~المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط، فلما علم بقتل يزيد حلف أنه لا ~~يكلم عبد الملك أبدا، فما كلمه حتى قتل بقندابيل. وكانت عينه أصيبت في ~~الحرب، فقال: فضحني عبد الملك، ما عذري إذا رآني الناس، فقالوا شيخ أعور ~~مهزوم! ألا صدقني فقتلت؟ ثم قال: # ولا خير في طعن الصناديد بالقنا ... ولا في لقاء الحرب بعد يزيد # فلما فارق المفضل المعركة، جاء عسكر الشام إلى عسكر يزيد، فقاتلهم أبو ~~رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار، وأسر مسلمة نحو ثلاثمائة أسير، فسرحهم ~~إلى الكوفة، فحبسوا بها، فجاء كتاب يزيد ms1702 بن عبد الملك إلى محمد بن عمرو بن ~~الوليد يأمره بضرب # PageV04P133 # رقاب الأسرى، فأمر العريان بن الهيثم، وكان على شرطته، أن يخرجهم عشرين ~~عشرين وثلاثين ثلاثين، فقام نحو ثلاثين رجلا من تميم فقالوا: نحن انهزمنا ~~بالناس، فابدءوا بنا قبل الناس. فأخرجهم العريان، فضرب رقابهم، وهم يقولون: ~~انهزمنا بالناس، فكان هذا جزاءنا. فلما فرغوا منهم، جاء رسول بكتاب من عند ~~مسلمة يأمره بترك قتل الأسرى. وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة. # ولما أتت هزيمة يزيد إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين أسيرا ~~كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم: عدي بن أرطاة، ومحمد بن عدي بن أرطاة، ~~ومالك وعبد الملك ابنا مسمع، وغيرهما، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال ~~والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع أهل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن ~~وتجهزوا للركوب في البحر. وكان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الأزدي على ~~قندابيل أميرا، وقال له: إني سائر إلى هذا العدو ولو قد لقيتهم لم أبرح ~~العرصة حتى يكون لي أو لهم، فإن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت بقندابيل ~~حتى يقدم عليك أهل بيتي فيتحصنوا بها حتى يأخذوا [لأنفسهم] أمانا، وقد ~~اخترتك لهم من بين قومي، فكن عند أحسن ظني. وأخذ عليه العهود ليناصحن أهل ~~بيته إن هم لجأوا إليه. # فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية، ~~ثم لججوا في البحر حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم، وحملوا ~~عيالاتهم وأموالهم على الدواب، وكان المقدم عليهم المفضل بن المهلب، وكان ~~بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة بن عبد الملك مدرك بن ~~ضب الكلبي في طلبهم وفي أثر الفل، فأدرك مدرك المفضل، ومعه الفلول في عقبة، ~~فعطفوا عليه فقاتلوه، واشتد قتالهم [إياه] ، فقتل من أصحاب المفضل النعمان ~~بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، وأخذ ابن ~~صول ملك قهستان أسيرا، وجرح عثمان بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، وهرب حتى ~~انتهى إلى حلوان، فدل عليه، فقتل، وحمل رأسه ms1703 إلى مسلمة بالحيرة. ورجع ناس ~~من أصحاب ابن المهلب، فطلبوا الأمان، فأومنوا، منهم: مالك بن إبراهيم بن ~~الأشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي التميمي. # ومضى آل المهلب ومن معهم إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب # PageV04P134 # فرده وسير في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، فلحقهم بقندابيل، فأراد أهل ~~المهلب دخولها، فمنعهم وداع بن حميد، وكان هلال بن أحوز لم يباين آل ~~المهلب، فلما التقوا كان وداع على الميمنة، وعبد الملك بن هلال على ~~الميسرة، وكلاهما أزدي، فرفع هلال بن أحوز راية أمان، فمال إليه وداع بن ~~حميد، وعبد الملك بن هلال، وتفرق الناس عن آل المهلب. فلما رأى ذلك مروان ~~بن المهلب أراد أن ينصرف إلى النساء فيقتلهن، لئلا يصرن إلى أولئك، فنهاه ~~المفضل عن ذلك، وقال: إنا لا نخاف عليهن من هؤلاء. فتركهن، وتقدموا ~~بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم: المفضل، وعبد الملك، ~~وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب، والمنهال بن أبي ~~عيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن المهلب، وحملت رءوسهم، وفي ~~أذن كل واحد رقعة فيها اسمه إلا أبا عيينة بن المهلب، وعمر بن يزيد بن ~~المهلب، وعثمان بن المفضل بن المهلب، فإنهم لحقوا برتبيل. # وبعث هلال بن أحوز بنسائهم ورءوسهم والأسرى من آل المهلب إلى مسلمة ~~بالحيرة، فبعثهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك، فسيرهم يزيد إلى العباس بن ~~الوليد وهو على حلب، فنصب الرءوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم ~~منه الجراح بن عبد (الله الحكمي بمائة ألف، وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من ~~الجراح شيئا. # ولما بلغ يزيد بن عبد الملك الخبر بقتل يزيد سره لانتصاره، ولما في نفسه ~~منه قبل الخلافة) . # وكان سبب العداوة بينهما أن ابن المهلب خرج من الحمام أيام سليمان بن عبد ~~الملك وقد تضمخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك، وهو إلى جانب عمر بن ~~عبد العزيز، فقال: قبح الله الدنيا، لوددت أن مثقال غالية بألف دينار، فلا ~~ينالها إلا ms1704 كل شريف. فسمع ابن المهلب، فقال له: بل وددت أن الغالية كانت في ~~جبهة الأسد، فلا ينالها إلا مثلي. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن ~~وليت يوما لأقتلنك. فقال له ابن المهلب: والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حي ~~لأضربن وجهك بخمسين ألف سيف، فهذا # PageV04P135 # كان سبب البغض بينهما، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ذكره. # وأما الأسرى فكانوا ثلاثة عشر رجلا، فلما قدم بهم على يزيد بن عبد الملك ~~وعنده كثير عزة، فأنشد: # حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب # فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تأته من صالح لك يكتب # أساءوا فإن تصفح فإنك قادر ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب # قال يزيد بن عبد الملك: هيهات يا أبا صخر! طف بك الرحم لا سبيل إلى ذلك، ~~إن الله عز وجل، أفادنيهم بأعمالهم الخبيثة. ثم أمر بهم، فقتلوا، وبقي غلام ~~صغير، فقال: اقتلوني، فما أنا بصغير. فقال: انظروا أنبت. فقال: أنا أعلم ~~بنفسي، فقد احتلمت، ووطئت النساء. فأمر به يزيد فقتل. # وأسماء الأسرى الذين قتلوا: المعارك، وعبد الله، والمغيرة، والمفضل، ~~ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب، ودريد، والحجاج، وغسان، وشبيب، والفضل أولاد ~~المفضل بن المهلب، والمفضل بن قبيصة بن المهلب. وقال ثابت قطنة يرثي يزيد ~~بن المهلب: # أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما # أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولا مجرما # على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما # PageV04P136 # على ملك بالعقر يا صاح جبنت # كتائبه واستورد الموت معلما ... أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهدا # لسلبت إن لم يجمع الحي مأتما ... وفي غير الأيام يا هند فاعلمي # لطالب وتر نظرة إن تلوما ... فعلي إن مالت بي الريح ميلة # على ابن أبي ذبان أن يتندما ... أمسلم إن تقدر عليك رماحنا # نذقك بها قيء الأساود مسلما ... وإن نلق للعباس في الدهر عثرة # نكافئه باليوم الذي كان قدما ... قصاصا ولم نعد الذي كان قد أتى # إلينا وإن كان ابن ms1705 مروان أظلما ... ستعلم إن زلت بك النعل زلة # وأظهر أقوام حياء مجمجما ... من الظالم الجاني على أهل بيته # إذا أحضرت أسباب أمر وأبهما ... وإنا لعطافون بالحلم بعدما # نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما ... وإنا لحلالون بالثغر لا نرى # به ساكنا إلا الخميس العرمرما ... نرى أن للجيران حقا وذمة # إذا الناس لم يرعوا لذي الجار محرما ... وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى # إذا كان رفد الرافدين تجشما # وله فيه مرثيات كثيرة. # وأما أبو عيينة بن المهلب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد بن عبد الملك ~~في أمانه، فآمنه، وبقي عمر وعثمان حتى ولي أسد بن عبد الله القسري خراسان، ~~فكتب إليهما بأمانهما، فقدما خراسان. # (قطنة: بالنون، وهو ثابت بن كعب بن جابر العتكي الأزدي، أصيبت عينه ~~بخراسان، # PageV04P137 # فجعل عليها قطنة فعرف بذلك، وهو يشتبه بثابت بن قطبة، بالباء الموحدة، ~~وهو خزاعي وذاك عتكي) . # ذكر استعمال مسلمة على العراق وخراسان # ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له أخوه يزيد بن ~~عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن الوليد على الكوفة، ~~وكان قد قام بأمر البصرة بعد آل المهلب شبيب بن الحارث التميمي، فبعث عليها ~~مسلمة عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمرو بن يزيد ~~التميمي، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة فيقتلهم، فنهاه عمرو ~~واستمهله عشرة أيام وكتب إلى مسلمة بالخبر، فعزله وولى البصرة عبد الملك بن ~~بشر بن مروان، وأقر عمرو بن يزيد على الشرط والأحداث. # ذكر استعمال سعيد خذينة على خراسان لمسلمة # استعمل مسلمة على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي ~~العاص بن أمية، وهو الذي يقال له سعيد خذينة، وإنما لقب بذلك لأنه كان رجلا ~~لينا متنعما، فدخل عليه ملك أبغر وسعيد في ثياب مصبغة، وحوله مرافق مصبغة، ~~فلما خرج من عنده قالوا: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينة، فلقب خذينة، وخذينة ~~هي الدهقانة ربة البيت. # وكان سعيد تزوج ابنة مسلمة، فلهذا استعمله على ms1706 خراسان. فلما استعمل مسلمة ~~سعيدا على خراسان، سار إليها، فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند، ~~فسار إليها، فقدم الصغد، وكان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن بن نعيم، ثم ~~عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل الصغد، ووبخ سكانها من العرب وغيرهم ~~بالجبن، وقال: ما أرى فيكم جريحا، ولا أسمع أنة. فاعتذروا إليه بأن جبنوا ~~أميرهم علباء بن حبيب العبدي. # وأخذ سعيد عمال عبد الرحمن بن عبد الله الذين ولوا أيام عمر بن عبد ~~العزيز، فحبسهم ثم أطلقهم، ثم رفع إلى سعيد أن جهم بن زحر الجعفي، وعبد ~~العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدي، والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي، ولوا ~~ليزيد بن المهلب في # PageV04P138 # ثمانية نفر وعندهم أموال قد اختانوها [من فيء المسلمين. فأرسل إليهم] ~~فحبسهم بقهندز مرو، وحمل جهم بن زحر على حمار وأطاف به، فضربه مائتي سوط، ~~وأمر به وبالثمانية الذين حبسوا معه فسلموا إلى ورقاء بن نصر الباهلي ~~فاستعفاه، فأعفاه، فسلمهم إلى عبد الحميد بن دثار، وعبد الملك بن دثار، ~~والزبير بن نشيط مولى باهلة، فقتلوا في العذاب جهم بن زحر، وعبد العزيز، ~~والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقوما حتى أشفوا على الموت، فلم يزالوا في السجن ~~حتى غزاهم الترك والصغد، فأمر سعيد بإخراجهم، وكان يقول: قبح الله الزبير، ~~فإنه قتل جهما! # ذكر البيعة بولاية العهد لهشام والوليد # لما وجه يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب، على ما ذكرناه، ~~واستعمل على الجيش مسلمة بن عبد الملك أخاه، والعباس بن الوليد بن عبد ~~الملك وهو ابن أخيه، قالا له: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق أهل غدر ~~وإرجاف، وقد توجهنا محاربين والحوادث تحدث، ولا نأمن أن يرجف أهل العراق، ~~ويقولوا: مات أمير المؤمنين، فيفت ذلك في أعضادنا، فلو عهدت عهد عبد العزيز ~~بن الوليد لكان رأيا صوابا. # فبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى أخاه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين ~~أيما أحب إليك أخوك أم ابن أخيك؟ فقال: بل أخي. فقال: فأخوك أحق بالخلافة. ~~فقال يزيد: إذا ms1707 لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي كما ذكرت. قال: ~~فابنك لم يبلغ فبايع لهشام بن عبد الملك ثم بعده لابنك الوليد، وكان الوليد ~~يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فبايع بولاية العهد لهشام بن عبد الملك أخيه، ~~وبعده لابنه الوليد بن يزيد، ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد، فكان إذا ~~رآه يقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك. # ذكر غزو الترك # لما ولي سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خذينة، وكان قد استعمل شعبة # PageV04P139 # على سمرقند ثم عزله، فطمعت الترك، فجمعهم خاقان ووجههم إلى الصغد، وعلى ~~الترك كور صول، فأقبلوا حتى نزلوا بقصر الباهلي. # وقيل: أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة كانت في ذلك ~~القصر، فأبت، فاستجاش، ورجوا أن يسبوا من في القصر، فأقبل كور صول حتى حصر ~~أهل القصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريهم، وكان على سمرقند عثمان بن عبد الله ~~بن مطرف بن الشخير، قد استعمله سعيد بعد شعبة، فكتبوا إليه، وخافوا أن يبطئ ~~عنهم المدد فصالحوا الترك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة. # وندب عثمان الناس، فانتدب المسيب بن بشر الرياحي، وانتدب معه أربعة آلاف ~~من جميع القبائل، وفيهم شعبة بن ظهير، وثابت قطنة، وغيرهما من الفرسان، ~~فلما عسكروا، قال لهم المسيب: إنكم تقدمون على حلبة الترك عليهم خاقان، ~~والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار، فمن أراد الغزو والصبر ~~فليقدم، فرجع عنه ألف وثلاثمائة، فلما سار فرسخا رجع بمثل مقالته الأولى، ~~فاعتزله ألف، (ثم سار فرسخا آخر فقال لهم مثل ذلك، فاعتزله ألف، ثم سار) ~~فلما كان على فرسخين منهم نزل، فأتاهم ترك خاقان ملك (قي) فقال: لم يبق ~~هاهنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري، وأنا في ثلاثمائة مقاتل، فهم معك، ~~وعندي الخبر قد كانوا صالحوهم، وأعطوهم سبعة عشر رجلا يكونون رهينة في ~~أيديهم، حتى يأخذوا صلحهم، فلما بلغهم مسيركم إليهم قتلوا الرهائن، ~~وميعادهم أن يقاتلوا غدا ويفتحوا لهم القصر. # فبعث المسيب رجلين، ms1708 رجلا من العرب، ورجلا من العجم، ليعلما علم القوم، ~~فأقبلا في ليلة مظلمة وقد أخذت الترك الماء في نواحي القصر، فليس يصل إليه ~~أحد، ودنوا من القصر، فصاح بهما الربيئة، فقالا له: اسكت وادع لنا عبد ~~الملك بن دثار. فدعاه، فأعلماه بقرب المسيب منهم، وقالا: هل عندكم امتناع ~~الليلة وغدا؟ قالوا: قد أجمعنا على تقديم نسائنا للموت أمامنا، حتى نموت ~~جميعا غدا. فرجعا إلى المسيب فأخبراه، فقال لمن معه: إني سائر إلى هذا ~~العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب، فلم يفارقه أحد وبايعوه على الموت. # فأصبح وسار وقد ازداد القصر تحصينا بالماء الذي أجراه الترك، فلما صار ~~بينه وبين الترك نصف فرسخ نزل وقد أجمع على بياتهم، فلما أمسى أمر أصحابه ~~بالصبر وحثهم عليه وقال: ليكن شعاركم يا محمد، ولا تتبعوا موليا، وعليكم ~~بالدواب فاعقروها، فإنها # PageV04P140 # إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، وليست بكم قلة، فإن سبعمائة سيف لا يضرب ~~بها في عسكر إلا أوهنوه وإن كثر أهله. وجعل على ميمنته كثيرا الدبوسي، وعلى ~~ميسرته ثابت قطنة، وهو من الأزد، فلما دنوا منهم، كبروا، وذلك في السحر، ~~وثار الترك وخالطهم المسلمون فعقروا الدواب، وترجل المسيب في رجال معه، ~~فقاتلوا قتالا شديدا، وانقطعت يمين البختري المرائي، فأخذ السيف بشماله ~~فقطعت، فجعل يذب بيديه حتى استشهد. وضرب ثابت قطنة عظيما من عظماء الترك، ~~فقتله، وانهزمت الترك، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم فإنهم لا يدرون من ~~الرعب أتبعتموهم أم لا، واقصدوا القصر، ولا تحملوا إلا الماء، ولا تحملوا ~~إلا من يقدر على المشي، ومن حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا; حسبة، فأجره على ~~الله، ومن أبى فله أربعون درهما، وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم ~~فاحملوه. فحملوا من في القصر وأتوا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وأتاهم بطعام، ~~ثم ساروا إلى سمرقند. ورجعت الترك من الغد، فلم يروا في القصر أحدا، ورأوا ~~قتلاهم فقالوا: لم يكن الذي جاءنا من الإنس، فقال ثابت قطنة: # فدت نفسي فوارس من تميم ... غداة الروع في ضنك ms1709 المقام # فدت نفسي فوارس أكنفوني ... على الأعداء في رهج القتام # بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضن به المحامي # بسيفي بعد حطم الرمح قدما ... أذودهم بذي شطب حسام # أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام # أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق به مقامي # فلولا الله ليس له شريك ... وضربي قونس الملك الهمام # إذا لسعت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخدام # فمن مثل المسيب في تميم ... أبي بشر كقادمة الحمام # PageV04P141 # وعور تلك الليلة معاوية بن الحجاج الطائي، وشلت يده، وكان قد ولي ولاية ~~قبل سعيد، فأخذه سعيد بشيء بقي عليه، فدفعه إلى شداد بن خليد الباهلي ~~ليستأديه، فضيق عليه شداد، فقال معاوية: يا معشر قيس سرت إلى قصر الباهلي ~~وأنا شديد البطش حديد البصر، فعورت وشلت يدي، وقاتلت حتى استنقذناهم بعدما ~~أشرفوا على القتل والأسر والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع فكفوه عني، ~~فخلاه. # قال بعض من كان بالقصر: لما التقوا ظننا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من ~~هماهم القوم، ووقع الحديد، وصهيل الخيل. # ذكر غزو الصغد # وفي هذه السنة عبر سعيد خذينة النهر وغزا الصغد، (وكانوا قد نقضوا العهد ~~وأعانوا الترك على المسلمين، فقال الناس لسعيد: إنك قد تركت الغزو، وقد ~~أغار الترك، وكفر أهل الصغد. فقطع النهر، وقصد الصغد) ، فلقيه الترك وطائفة ~~من الصغد، فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم، فإن الصغد بستان أمير ~~المؤمنين وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم؟ وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء ~~غير مرة، فهل أبادوكم؟ وقال سورة بن الحر لحيان النبطي: ارجع عنهم يا حيان. ~~قال: عقيرة الله لا أدعها. قال: انصرف يا نبطي. قال: أنبط الله وجهك! # وسار المسلمون فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن ~~لهم الترك، فلما جاءهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا ~~إلى الوادي، فصبروا حتى انكشفوا لهم. وقيل: بل كان المنهزمون مسلحة ~~المسلمين، فما شعروا إلا والترك قد خرجوا عليهم من غيضة، وعلى الخيل شعبة ~~بن ظهير، فأعجلهم الترك ms1710 عن الركوب، فقاتلهم شعبة، فقتل، وقتل نحو من خمسين ~~رجلا، وانهزم أهل المسلحة، وأتى المسلمين الخبر، فركب الخليل بن أوس ~~العبشمي أحد بني ظالم ونادى: يا بني تميم إلي أنا الخليل! فاجتمع معه ~~جماعة، فحمل بهم على العدو، فكفوهم حتى جاء الأمير والناس، فانهزم العدو، ~~فصار الخليل على خيل بني تميم حتى ولي نصر بن سيار، ثم صارت رياستهم لأخيه ~~الحكم بن أوس. # فلما كان العام المقبل بعث رجالا من تميم إلى وزغيش، فقالوا: ليتنا نلقى ~~العدو # PageV04P142 # فنطاردهم. وكان سعيد إذا بعث سرية، فأصابوا أو غنموا وسبوا رد السبي ~~وعاقب السرية، فقال الهجري الشاعر: # سريت إلى الأعداء تلهو بلعبة ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد # وأنت لمن عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند # فقعد سعيد على الناس وضعفوه. وكان رجل من بني أسد يقال له: إسماعيل ~~منقطعا إلى مروان بن محمد، فذكر إسماعيل عند خذينة مودته لمروان، فقال ~~خذينة: وما ذاك الملط؟ فقال إسماعيل: # زعمت خذينة أنني ملط ... لخذينة المرآة والمشط # ومجامر ومكاحل جعلت ... ومعازف وبخدها نقط # أفذاك أم زغف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط # لمقرس ذكر أخي ثقة ... لم يغذه التأنيث واللقط # في أبيات غيرها. # ذكر موت حيان النبطي # وقد ذكر من أمر حيان فيما تقدم عند قتل قتيبة، وأنه ساد وتقدم بخراسان، ~~فلما قال له سورة بن الحر: يا نبطي، وأجابه حيان، فقال: أنبط الله وجهك، ~~على ما تقدم آنفا، حقدها عليه سورة، فقال لسعيد خذينة: إن هذا العبد أعدى ~~الناس للعرب والوالي، وهو أفسد خراسان على قتيبة، وهو واثب بك، مفسد عليك ~~خراسان، ثم يتحصن في بعض هذه القلاع. فقال سعيد: لا تسمعن هذا أحدا. ثم دعا ~~في مجلسه بلبن وقد أمر بذهب، فسحق وألقي في اللبن الذي في إناء حيان، فشربه ~~حيان، ثم ركض سعيد # PageV04P143 # والناس معه أربعة فراسخ ثم رجع، فعاش حيان أربعة أيام ومات، وقيل: إنه لم ~~يمت هذه السنة، وسيرد ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ذكر عزل مسلمة عن العراق وخراسان وولاية ms1711 ابن هبيرة # وكان سبب ذلك أنه ولي العراق وخراسان، فلم يرفع من الخراج شيئا، واستحيا ~~يزيد بن عبد الملك أن يعزله فكتب إليه: استخلف على عملك وأقبل. # وقيل إن مسلمة شاور عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى يزيد ~~ليزوره. قال: أمن شوق إليه؟ إن عهدك منه لقريب. قال: لا بد من ذلك. قال: ~~إذا لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه. فسار مسلمة فلقيه عمر بن هبيرة ~~الفزاري بالعراق على دواب البريد، فسأله عن مقدمه، فقال عمر: وجهني أمير ~~المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب. # فلما خرج من عنده أحضر مسلمة عبد العزيز بن حاتم، وأخبره خبر ابن هبيرة، ~~فقال: قد قلت لك. قال مسلمة: فإنه جاء لحيازة أموال آل المهلب. قال: هذا ~~أعجب من الأول، يكون ابن هبيرة على الجزيرة، فيعزل عنها، ويبعث لحيازة ~~أموال بني المهلب، ولم يكتب معه إليك كتاب! فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن ~~هبيرة عماله والغلظة عليهم، فقال الفرزدق: # راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع # عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع # يعني بابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، وبابن عمرو: محمدا ذا الشامة، ~~وبأخي هراة: سعيد خذينة. # (وأما ابتداء أمر ابن هبيرة حتى ولي العراق) ، فإنه قدم من البادية من ~~بني فزارة، فافترض مع بعض ولاة الحرب، وكان يقول: لأرجو أن لا تنقضي الأيام ~~حتى ألي العراق. وسار مع عمرو بن معاوية العقيلي إلى غزو الروم، فأتي بفرس ~~رائع، إلا أنه # PageV04P144 # لا يستطاع ركوبه، فقال: من ركبه فهو له، فقام عمر بن هبيرة وتنحى عن ~~الفرس، وأقبل حتى إذا كان بحيث تناله رجلا الفرس إذا رمحه وثب فصار على ~~سرجه، فأخذ الفرس. # فلما خلع مطرف بن المغيرة بن شعبة الحجاج سار عمر بن هبيرة في الجيش ~~الذين حاربوه من الري، فلما التقى العسكران التحق ابن هبيرة بمطرف مظهرا ~~أنه معه، فلما جال الناس كان ممن قتله وأخذ رأسه، وقيل قتله غيره ms1712 وأخذ هو ~~رأسه، وأتى به عديا، فأعطاه مالا، وأوفده إلى الحجاج بالرأس، فسيره الحجاج ~~إلى عبد الملك، فأقطعه ببرزة، وهي قرية بدمشق، وعاد إلى الحجاج، فوجهه إلى ~~كردم بن مرثد الفزاري ليخلص منه مالا، فأخذه منه وهرب إلى عبد الملك وقال: ~~أنا عائذ بالله وبأمير المؤمنين من الحجاج، فإنني قتلت ابن عمه مطرف بن ~~المغيرة، وأتيت أمير المؤمنين برأسه، ثم رجعت فأراد قتلي، ولست آمن أن ~~ينسبني إلى أمر يكون فيه هلاكي. فقال: أنت في جواري. فأقام عنده، فكتب فيه ~~الحجاج إلى عبد الملك يذكر أخذه المال وهربه، فقال له: أمسك عنه. # وتزوج بعض ولد عبد الملك بنتا للحجاج، فكان ابن هبيرة يهدي لها، ويبرها، ~~وييسر عليها، فكتبت إلى أبيها تثني عليه، فكتب إليه الحجاج يأمره أن ينزل ~~به حاجاته، وعظم شأنه بالشام. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز، استعمله على ~~الجزيرة، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ورأى ابن هبيرة تحكم حبابة عليه تابع ~~هداياه إليه وإلى يزيد بن عبد الملك، فعملت له في ولاية العراق، فولاه ~~يزيد. # وكان ابن هبيرة بينه وبين القعقاع بن خليد العبسي تحاسد، فقال القعقاع: ~~من يطيق ابن هبيرة، حبابة بالليل، وهداياه بالنهار! فلما ماتت حبابة، قال ~~القعقاع: # هلم فقد ماتت حبابة سامني ... بنفسك يقدمك الذرى والكواهل # أغرك إن كانت حبابة مرة تميحك # فانظر كيف ما أنت فاعل # في أبيات. وكان بينه وبين القعقاع يوما كلام، فقال له القعقاع: يابن ~~اللخناء من قدمك؟ فقال: قدمك أنت وأهلك أعجاز الغواني، وقدمني صدور ~~العوالي. فسكت القعقاع. يعني أن عبد الملك قدمهم لما تزوج إليهم فإن أم ~~الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان عبسية. # PageV04P145 # ذكر بعض الدعاة للدولة العباسية # وفي هذه السنة وجه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان، فظهر أمر الدعاة ~~بها، فجاء عمرو بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينة، فقال له: إن هاهنا ~~قوما قد ظهر منهم كلام قبيح، وأعلمه حالهم، فبعث سعيد إليهم، فأتي بهم، ~~فقال: ممن أنتم؟ قالوا: ناس من ms1713 التجار. قال: فما هذا الذي يحكى عنكم؟ ~~قالوا: لا ندري. قال: جئتم دعاة؟ قالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلا عن ~~هذا. فقال: من يعرف هؤلاء؟ فجاء ناس من أهل خراسان أكثرهم من ربيعة واليمن ~~فقالوا: نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه. فخلى سبيلهم. # ذكر قتل يزيد بن أبي مسلم # قيل: كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية سنة ~~إحدى ومائة، وقيل هذه السنة، وكان سبب قتله أنه عزم أن يسير فيهم بسيرة ~~الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل ~~الذمة، فأسلم بالعراق، فإنه ردهم إلى قراهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ~~ما كانت تؤخذ منهم وهم كفار، فلما عزم يزيد على ذلك اجتمع رأيهم على قتله، ~~فقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم، وهو ~~محمد بن يزيد، فولي الأمصار، وكان عندهم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: ~~إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله ~~والمسلمون، فقتلناه وأعدنا عاملك. فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إني لم ~~أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم، وأقر محمد بن يزيد على عمله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة ~~قبل أن # PageV04P146 # يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقا كثيرا قيل سبعمائة أسير. وفيها غزا ~~عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم فافتتح دلسة. # وحج بالناس هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة. # وكان على مكة: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد. وكان على الكوفة: محمد بن ~~عمرو ذو الشامة، وعلى قضائها: القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ~~وعلى البصرة: عبد الملك بن بشر بن مروان إلى أن عزله عمر بن هبيرة، وعلى ~~خراسان: سعيد خذينة، وعلى مصر: أسامة بن زيد. # PageV04P147 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث ومائة] ### | 103 ms1714 - # ثم دخلت سنة ثلاث ومائة # ذكر استعمال سعيد الحرشي على خراسان # في هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، وكان سبب عزله أن ~~المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة ~~فشكواه، فعزله واستعمل سعيد بن عمرو الحرشي، (بالحاء المهملة، والشين ~~المعجمة، من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة) . وكان خذينة ~~[غازيا] بباب سمرقند، فبلغه عزله، وخلف بسمرقند ألف رجل. # وقيل: إن عمر بن هبيرة كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم ~~العقر ولم يذكر سعيدا الحرشي، فقال يزيد: لم لم يذكر الحرشي؟ وكتب إلى عمر ~~بن هبيرة أن ول الحرشي خراسان، فولاه، فقدم بين يديه المجشر بن مزاحم ~~السلمي، فقال نهار بن توسعة: # فهل من مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش # وأن الله أبدل من سعيد ... سعيدا لا المخنث من قريش # وقدم سعيد الحرشي خراسان، فلم يعرض لعمال خذينة، وقرأ رجل عهده فلحن فيه، ~~فقال: صه، مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه بريء. ولما قدم الحرشي ~~خراسان كان الناس بإزاء العدو، وكانوا قد نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد، ~~وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة ولا بعدة، ولكن بنصر الله وعز الإسلام، ~~فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي] العظيم، وقال: # فلست لعامر إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي # PageV04P148 # وأضرب هامة الجبار منهم # بعضب الحد حودث بالصقال ... فما أنا في الحروب بمستكين # ولا أخشى مصاولة الرجال ... أبى لي والدي من كل ذم # وخالي في الحوادث خير خال # فلما سمع أهل الصغد بقدوم الحرشي خافوا على نفوسهم; لأنهم كانوا قد ~~أعانوا الترك أيام خذينة، فاجتمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ~~ملكهم: لا تفعلوا، أقيموا واحملوا الخراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما يأتي ~~وعمارة الأرض، والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم وأعطوه ~~رهائن. قالوا: نخاف أن لا يرضى ولا يقبل ذلك منا، ولكنا نأتي خجندة فنستجير ms1715 ~~ملكها، ونرسل إلى الأمير، فنسأله الصفح عما كان منا، ونوثق [له] أنه لا يرى ~~[منا] أمرا يكرهه. فقال: أنا رجل منكم، والذي أشرت به عليكم خير لكم. # فأبوا وخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم ~~وينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فقالت أمه: لا يدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ~~ولكن فرغ لهم رستاقا يكونون فيه، فأرسل إليهم: سموا رستاقا تكونون فيه حتى ~~أفرغه لكم، وأجلوني أربعين يوما، وقيل عشرين يوما. فاختاروا شعب عصام بن ~~عبد الله الباهلي، وكان قتيبة قد خلفه فيهم، فقال: نعم، وليس [لكم] علي عقد ~~وجوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم [العرب] قبل أن تدخلوه لم أمنعكم. فرضوا، ففرغ ~~لهم الشعب. # ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة أغارت الترك على اللان، # PageV04P149 # وفيها غزا العباس بن الوليد الروم، ففتح مدينة يقال لها دلسة. وفيها جمعت ~~مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك. وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله ~~النضري الطائف، وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عنه وعن مكة. # وحج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان عامل مكة والمدينة، وكان على ~~العراق: عمر بن هبيرة، وعلى خراسان: الحرشي، وعلى قضاء الكوفة: القاسم بن ~~عبد الرحمن، وعلى قضاء البصرة: عبد الملك بن يعلى. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات الشعبي، وقيل خمس، وقيل سبع ومائة، وهو ابن سبع وسبعين ~~سنة. وفيها مات يزيد بن الأصم، وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: مات سنة أربع ومائة، وعمره ثلاث وسبعون سنة. وفيها مات أبو ~~بردة بن أبي موسى الأشعري. ويزيد بن الحصين بن نمير السكوني، # PageV04P150 # وفيها توفي عطاء بن يسار، وهو أخو سليمان، (يسار بالياء المثناة من تحت ~~والسين المهملة) . وفيها توفيت عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة ~~الأنصارية، وهي ابنة سبع وسبعين سنة. # وفيها توفي مصعب بن سعد بن أبي وقاص. ويحيى بن وثاب الأسدي المنقري. وعبد ~~العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، وكان عامل عمر بن عبد العزيز على ~~الجزيرة. ms1716 # PageV04P151 ### | [ثم دخلت سنة أربع ومائة] ### | 104 - # ثم دخلت سنة أربع ومائة # ذكر الوقعة بين الحرشي والصغد # قيل: وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر، وسار، فنزل في قصر الريح على ~~فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده، فأمر بالرحيل، (فقال له هلال بن ~~عليم الحنظلي: يا هناه، إنك وزيرا خير منك أميرا، لم يجتمع إليك جندك وقد ~~أمرت بالرحيل) . فعاد فأمر بالنزول، وأتاه ابن عم ملك فرغانة، فقال له: إن ~~أهل الصغد بخجندة، وأخبره بخبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشعب، ~~فليس لهم جوار علينا حتى يمضي الأجل. فوجه معه عبد الرحمن القشيري، وزياد ~~بن عبد الرحمن في جماعة، ثم ندم بعدما فصلوا، وقال: جاءني علج لا أعلم أصدق ~~أم كذب، فغررت بجند من المسلمين، فارتحل في أثرهم حتى نزل أشروسنة فصالحهم ~~بشيء يسير. # فبينا هو يتعشى إذ قيل له هذا عطاء الدبوسي، وكان مع عبد الرحمن، فسقطت ~~اللقمة من يده، ودعا بعطاء، فقال: ويلك قاتلتم أحدا؟ قال: لا. قال: لله ~~الحمد! وتعشى وأخبره بما قدم له، فسار مسرعا حتى لحق القشيري بعد ثلاثة ~~أيام، وسار فلما انتهى إلى خجندة، قال له بعض أصحابه: ما ترى؟ قال: أرى ~~المعاجلة. قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجل فإلى أين يرجع، أو قتل قتيل فإلى من ~~يحمل؟ ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب. فنزل فأخذ في التأهب، ~~فلم يخرج أحد من العدو، فجبن الناس الحرشي وقالوا: كان يذكر بشجاعة وديانة، ~~فلما صار بخراسان ماق. فحمل رجل من العرب فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، ~~وكانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا وغطوه بقصب وتراب مكيدة، ~~وأرادوا إذا التقوا إن انهزموا كانوا قد # PageV04P152 # عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين ويسقطون في الخندق، فلما خرجوا قاتلوهم ~~فانهزموا، وأخطأهم الطريق فسقطوا في الخندق، وأخرج منهم المسلمون أربعين ~~رجلا. وحصرهم الحرشي ونصب عليهم المجانيق. فأرسلوا إلى ملك فرغانة: إنك ~~غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في ~~جواري. فطلبوا الصلح ms1717 وسألوا الأمان وأن يردهم إلى الصغد، واشترط عليهم أن ~~يردوا ما في أيديهم من نساء العرب وذراريهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ~~ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم. # فخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد، وترك أهل خجندة على حالهم، ونزل ~~عظماء الصغد على الجند الذين يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان. ~~وبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأة ممن كان في أيديهم، فقال: بلغني أن ثابتا قتل ~~امرأة ودفنها، فجحد، فسأل فإذا الخبر صحيح، فدعا بثابت إلى خيمته فقتله، ~~فلما سمع كارزنج بقتله خاف أن يقتل، وأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، ~~وكان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل، فبعث به إليه، ~~وخرج، واعترض الناس، فقتل ناسا، وتضعضع العسكر، ولقوا منه شرا، وانتهى إلى ~~ثابت بن عثمان بن مسعود، فقتله ثابت. # وقتل الصغد أسرى عندهم من المسلمين مائة وخمسين رجلا، فأخبر الحرشي بذلك، ~~فسأل، فرأى الخبر صحيحا، فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم، فقاتلهم الصغد ~~بالخشب، ولم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل: سبعة ~~آلاف، واصطفى أموال الصغد وذراريهم، وأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن ~~بديل العدوي عدي الرباب، وقال: وليتك المقسم. فقال: بعدما عمل فيه عمالك ~~ليلة! وله غيري، فولاه غيره. وكتب الحرشي إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب ~~إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما أوغر صدره عليه، وقال ثابت قطنة يذكر ما ~~أصابوا من عظمائهم: # أقر العين مصرع كارزنج ... وكشكير وما لاقى يباد # وديوشتى وما لاقى خلنج ... بحصن خجند إذ دمروا فبادوا # PageV04P153 # يقال: إن ديوشتى دهقان سمرقند، واسمه ديو أشنج فأعربوه، وقيل: كان على ~~أقباض خجندة علباء بن أحمر اليشكري، فاشترى رجل منهم جونة بدرهمين، فوجد ~~فيها سبائك ذهب، فرجع وقد وضع يده على وجهه كأنه رمد، فرد الجونة، وأخذ ~~الدرهمين، فطلب فلم يعرف. # وسرح الحرشي سليمان بن أبي السري إلى حصن يطيف به وادي الصغد إلا من وجه ms1718 ~~واحد، ومعه خوارزمشاه، وصاحب آخرون، وشومان، فسير سليمان على مقدمته المسيب ~~بن بشر الرياحي، فتلقوه على فرسخ، فهزمهم حتى ردهم إلى حصنهم فحصرهم، فطلب ~~الديوشتى أن ينزل على حكم الحرشي، فسيره إليه، فأكرمه، وطلب أهل القلعة ~~الصلح على أن لا يتعرض لنسائهم وذراريهم ويسلمون القلعة. فبعث سليمان إلى ~~الحرشي ليبعث الأمناء لقبض ما في القلعة، فبعث من قبضه وباعوه وقسموه. # وسار الحرشي إلى كش، وصالحوه على عشرة آلاف رأس، وقيل ستة آلاف رأس. وسار ~~إلى زرنج، فوافاه كتاب ابن هبيرة بإطلاق ديوشتى، فقتله وصلبه، وولى نصر بن ~~سيار قبض صلح كش، واستعمل سليمان بن أبي السري على كش ونسف حربها وخراجها. ~~وكانت خزائن منيعة، فقال المجشر للحرشي: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير ~~قتال؟ قال: بلى. قال: المسربل بن الخريت بن راشد الناجي، فوجهه إليها، وكان ~~صديقا لملكها، واسم الملك سبقرى، فأخبر الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة ~~وخوفه، قال: فما ترى؟ قال: أن تنزل بأمان. قال: فما أصنع بمن لحق بي؟ قال: ~~تجعلهم في أمانك، فصالحهم فآمنوه وبلاده، ورجع الحرشي إلى بلاده ومعه ~~سبقرى، فقتل سبقرى وصلب ومعه الأمان. # ذكر ظفر الخزر بالمسلمين # في هذه السنة دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم ثبيت ~~النهراني، فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجاق وغيرهم من أنواع الترك، ~~فلقوا المسلمين في مكان يعرف بمرج الحجارة، فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، ~~فقتل من المسلمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم، وغنموا جميع ما فيه، ~~وأقبل # PageV04P154 # المنهزمون إلى الشام فقدموا على يزيد بن عبد الملك وفيهم ثبيت، فوبخهم ~~يزيد على الهزيمة فقال: يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو، ~~ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي، وضاربت ~~حتى انقطع سيفي، غير أن الله تبارك وتعالى، يفعل ما يريد. # ذكر ولاية الجراح أرمينية وفتح بلنجر وغيرها # لما تمت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد، فجمعوا ~~وحشدوا، واستعمل يزيد بن عبد الملك الجراح بن عبد ms1719 الله الحكمي حينئذ على ~~أرمينية، وأمده بجيش كثيف، وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وبقصد ~~بلاده. فسار الجراح، وتسامع الخزرية، فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ~~ووصل الجراح إلى برذعة، فأقام حتى استراح هو ومن معه، وسار نحو الخزر، فعبر ~~نهر الكر، فسمع بأن بعض من معه من أهل تلك الجبال قد كاتب ملك الخزر يخبره ~~بمسير الجراح إليه، فحينئذ أمر الجراح مناديه فنادى في الناس: إن الأمير ~~مقيم هاهنا عدة أيام، فاستكثروا من الميرة ; فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر ~~يخبره أن الجراح مقيم، ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه. # فلما كان الليل أمر الجراح بالرحيل، فسار مجدا حتى انتهى إلى مدينة الباب ~~والأبواب، فلم ير الخزر، فدخل البلد فبث سراياه في النهب والغارة على ما ~~يجاوره، فغنموا وعادوا من الغد، وسار الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم، فالتقوا ~~عند نهر الران، واقتتلوا قتالا شديدا، وحرض الجراح أصحابه، واشتد القتال، ~~فظفروا بالخزر وهزموهم، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق ~~كثير، وغنم المسلمون جميع ما معهم، وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين، ~~فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنها. # ثم سار إلى مدينة يقال لها يرغوا، فأقام عليها ستة أيام، وهو مجد في ~~قتالهم، فطلبوا الأمان، فآمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه. # ثم سار الجراح إلى بلنجر، وهو حصن مشهور من حصونهم، فنازله، وكان أهل # PageV04P155 # الحصن قد جمعوا ثلاثمائة عجلة، فشدوا بعضها إلى بعض، وجعلوها بحول حصنهم ~~ليحتموا بها، وتمنع المسلمين من الوصول إلى الحصن، وكانت تلك العجل أشد شيء ~~على المسلمين في قتالهم. فلما رأوا الضرر الذي عليهم منها انتدب جماعة منهم ~~نحو ثلاثين رجلا، وتعاهدوا على الموت، وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا حملة رجل ~~واحد، وتقدموا نحو العجل، وجد الكفار في قتالهم، ورموا من النشاب ما كان ~~يحجب الشمس، فلم يرجع أولئك حتى وصلوا إلى العجل، وتعلقوا ببعضها، وقطعوا ~~الحبل الذي يمسكها، وجذبوها فانحدرت، وتبعها سائر العجل، لأن بعضها كان ~~مشدودا إلى بعض، وانحدر الجميع إلى ms1720 المسلمين، والتحم القتال واشتد، وعظم ~~الأمر على الجميع حتى بلغت القلوب الحناجر. ثم إن الخزر انهزموا واستولى ~~المسلمون على الحصن عنوة وغنموا جميع ما فيه في ربيع الأول، فأصاب الفارس ~~ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفا. # ثم إن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله، وأرسل إليه فأحضره، ورد إليه ~~أمواله وأهله وحصنه، وجعله عينا لهم يخبرهم بما يفعله الكفار. # ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، ~~فصالحوا الجراح على مال يؤدونه. ثم إن أهل تلك البلاد تجمعوا وأخذوا الطرق ~~على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجراح يعلمه بذلك. فعاد مجدا حتى وصل ~~إلى رستاق ملى، وأدركهم الشتاء، فأقام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد ~~بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه، وبما اجتمع من الكفار ويسأله المدد. ~~فوعده إنفاذ العساكر إليه، فأدركه أجله قبل إنفاذ الجيش، فأرسل هشام بن عبد ~~الملك إلى الجراح، فأقره على عمله، ووعده المدد. # ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة # وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ~~ومكة، وكان عامله عليهما ثلاث سنين، وولى عبد الواحد النضري. # وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي، فقالت: ما أريد ~~النكاح ولقد قعدت على بني هؤلاء. فألح عليها وقال: لئن لم تفعلي لأجلدن ~~أكبر بنيك في الخمر، يعني عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي، وكان على ~~الديوان # PageV04P156 # بالمدينة ابن هرمز، رجل من أهل الشام، وقد رفع حسابه ويريد أن يسير إلى ~~يزيد، فدخل على فاطمة يودعها [فقال: هل من حاجة؟] فقالت: تخبر أمير ~~المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك، وما يتعرض مني، وبعثت رسولا بكتاب إلى ~~يزيد يخبره بذلك. # وقدم ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة وقال: هل من مغربة خبر؟ فلم ~~يذكر شأن فاطمة. فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال ~~ابن هرمز: إنها حملتني رسالة. وأخبره الخبر. ms1721 فنزل من فراشه، وقال: لا أم ~~لك! عندك هذا ولا تخبرنيه؟ فاعتذر بالنسيان، وأذن لرسولها فأدخله، وأخذ ~~الكتاب، فقرأه، وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، هل ~~من رجل يسمعني صوته في العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري. ~~فكتب بيده إلى عبد الواحد: قد وليتك المدينة، فاهبط إليها، واعزل عنها ابن ~~الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي. # وسار البريد بالكتاب، ولم يدخل على ابن الضحاك، فأخبر ابن الضحاك، فأحضر ~~البريد، وأعطاه ألف دينار ليخبره خبره، فأخبره، فسار ابن الضحاك مجدا، فنزل ~~على مسلمة بن عبد الملك، فاستجاره، فحضر مسلمة عند يزيد، فطلب إليه حاجة ~~خاله، فقال: كل حاجة فهي لك إلا ابن الضحاك. فقال: هي والله ابن الضحاك. ~~فقال: والله لا أعفيه أبدا. ورده إلى المدينة إلى عبد الواحد، فعذبه ولقي ~~شرا، ثم لبس جبة صوف يسأل الناس. # وكان قدوم النضري في شوال سنة أربع ومائة. وكان ابن الضحاك قد آذى ~~الأنصار طرا، فهجاه الشعراء وذمه الصالحون، ولما وليهم النضري أحسن السيرة ~~فأحبوه، وكان خيرا يستشير فيما يريد فعله القاسم بن محمد، وسالم بن عبد ~~الله بن عمر. # ذكر ولادة أبي العباس السفاح # وقيل: وفيها ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي في ~~ربيع الآخر، وهو السفاح، ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من ~~خراسان في عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة، وله خمسة عشر ~~يوما، وقال لهم: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده فقبلوا أطرافه، وقال ~~لهم: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم. # PageV04P157 # ذكر عزل سعيد الحرشي # وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشي عن خراسان، وولاها مسلم بن ~~سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي. # وكان السبب في ذلك ما كان كتبه ابن هبيرة إلى الحرشي بإطلاق الديوشتى، ~~فقتله، وكان يستخف بابن هبيرة ويذكره بأبي المثنى، [ولا يقول ms1722 الأمير] ~~فيقول: [قال] أبو المثنى، (وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل ~~جميل بن عمران ; ليعلم حال الحرشي، وأظهر أنه ينظر في الدواوين، فلما قدم ~~على الحرشي، قال: كيف أبو المثنى) ؟ فقيل له: إن جميلا لم يقدم إلا ليعلم ~~علمك. فسم بطيخة وبعث بها إليه، فأكلها، ومرض، وسقط شعره، ورجع إلى ابن ~~هبيرة، وقد عولج، فصح، فقال له: الأمر أعظم مما بلغك، ما يرى الحرشي إلا ~~أنك عامل له، فغضب وعزله، ونفح في بطنه النمل، وعذبه حتى أدى الأموال. # وسمر ليلة ابن هبيرة، فقال: من سيد قيس؟ فقالوا: الأمير. قال: دعوا هذا: ~~سيد قيس: الكوثر بن زفر، لو ثور بليل لوافاه عشرون ألفا لا يقولون لم ~~دعوتنا، وفارسها هذا الحمار الذي في الحبس، وقد أمرت بقتله، يعني الحرشي، ~~فأما خير قيس لها فعسى أن أكونه. فقال له أعرابي من بني فزارة: لو كنت كما ~~تقول ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل بن عروة أن كف عن قتله، وكان قد ~~سلمه إليه ليقتله، (وكان ابن هبيرة لما ولى مسلم بن سعيد خراسان أمره بأخذ ~~الحرشي وتقييده) وإنفاذه إليه، فقدم مسلم دار الإمارة، فرأى الباب مغلقا، ~~فقيل للحرشي: قدم مسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا؟ فقال: ~~مثلي لا يقدم زائرا ولا وزيرا. فأتاه الحرشي فشتمه وقيده وأمر بحبسه، ثم ~~أمر صاحب الحبس أن يزيده قيدا، فأخبر الحرشي بذلك، فقال لكاتبه: اكتب إليه ~~إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيدا، فإن كان أمرا فوقك فسمعا ~~وطاعة، وإن كان رأيا رأيته فسيرك الحقحقة! وهي أشد السير، وتمثل: # PageV04P158 # فإما تثقفوني فاقتلوني ... ومن يثقف فليس له خلود # هم الأعداء إن شهدوا وغابوا ... أولوا الأحقاد والأكباد سود # فلما هرب ابن هبيرة عن العراق أرسل خالد القسري في طلب الحرشي، فأدركه ~~على الفرات، فقال: ما ظنك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلا من قومك إلى ~~رجل من قيس. فقال: هو ذاك. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عبد ms1723 الواحد بن عبد الله النضري. # وعلى العراق والمشرق: عمر بن هبيرة. وعلى قضاء الكوفة: حسين بن حسن ~~الكندي. وعلى قضاء البصرة: عبد الملك بن يعلى. # [الوفيات] # وفيها مات أبو قلابة الجرمي، وقيل سنة سبع ومائة. وعبد الرحمن بن حسان بن ~~ثابت الأنصاري. وفيها توفي يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. # PageV04P159 # وفيها مات عامر بن سعد بن أبي وقاص. وفيها توفي موسى بن طلحة بن عبيد ~~الله. وعمير مولى ابن عباس يكنى أبا عبد الله. وخالد بن معدان بن أبي كرب ~~الكلاعي، سكن الشام. # PageV04P160 ### | [ثم دخلت سنة خمس ومائة] ### | 105 - # ثم دخلت سنة خمس ومائة # ذكر خروج عقفان # في أيام يزيد بن عبد الملك خرج حروري اسمه عقفان في ثمانين رجلا، فأراد ~~يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه: فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها ~~الخوارج دار هجرة، والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلمه ~~ويرده. ففعل ذلك. فقال لهم أهلوهم: إنا نخاف أن نؤخذ بكم. وأومنوا وبقي ~~عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه، فاستعطفه، فرده، فلما ولي هشام بن عبد ~~الملك ولاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان غاضبا، فشده وثاقا وبعث به إلى ~~هشام، فأطلقه لأبيه وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه. واستعمل عقفان على ~~الصدقة، فبقي عليها إلى أن توفي هشام. # ذكر خروج مسعود العبدي # وخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث بن عبد الله بن ~~الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة، وعليها سفيان بن ~~عمرو العقيلي، ولاه إياها عمر بن هبيرة، فخرج إليه سفيان، فاقتتلوا ~~بالخضرمة قتالا شديدا، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج ~~فقاتلهم يومه كله، فقتل ناس من الخوارج وقتلت زينب أخت مسعود، فلما أمسى ~~هلال تفرق عنه أصحابه وبقي في نفر يسير، فدخل قصرا فتحصن به، فنصبوا عليه ~~السلاليم، وصعدوا إليه، فقتلوه واستأمن أصحابه فآمنهم، وقال الفرزدق في هذا ~~اليوم: # PageV04P161 # لعمري لقد سلت حنيفة سلة ... سيوفا أبت يوم ms1724 الوغى أن تغيرا # تركن لمسعود وزينب أخته ... رداء وسربالا من الموت أحمرا # أرين الحروريين يوم لقائهم ... ببرقان يوما يجعل الموت أشقرا # وقيل: إن مسعودا غلب على البحرين واليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان ~~بن عمرو العقيلي. # (الخضرمة: بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين، وكسر الراء) . # ذكر مصعب بن محمد الوالبي # كان مصعب من رؤساء الخوارج، وطلبه عمر بن هبيرة، وطلب معه مالك بن الصعب، ~~وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق، وأمروا عليهم مصعبا، ومعه أخته ~~آمنة، وساروا عنه. فلما ولي هشام بن عبد الملك، واستعمل على العراق خالدا ~~القسري سير إليهم جيشا، وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل، فالتقوا ~~واقتتلوا، فقتل الخوارج، وقيل: كان قتلهم آخر أيام يزيد بن عبد الملك، فقال ~~فيهم الشعراء: # فتية تعرف التخشع فيهم ... كلهم أحكم القران إماما # قد برى لحمه التهجد حتى ... عاد جلدا مصفرا وعظاما # غادروهم بقاع حزة صرعى ... فسقى الغيث أرضهم يا إماما # ذكر موت يزيد بن عبد الملك # في هذه السنة توفي يزيد بن عبد الملك لخمس بقين من شعبان، وله أربعون ~~سنة، وقيل: خمس وثلاثون سنة، وقيل غير ذلك، (وكانت ولايته أربع سنين وشهرا ~~وأياما) ، وكنيته أبو خالد، وكان مرضه السل. # وقيل: كان سبب موته أن حبابة لما ماتت وجد عليها وجدا شديدا، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى، فخرج مشيعا لجنازتها ومعه أخوه مسلمة بن عبد ~~الملك ليسليه ويعزيه، فلم يجبه بكلمة، وقيل: إن يزيد لم يطق الركوب من ~~الجزع، وعجز عن المشي، فأمر # PageV04P162 # مسلمة فصلى عليها، وقيل: منعه مسلمة عن ذلك لئلا يرى الناس منه ما ~~يعيبونه به. فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما، ومات ودفن إلى جانبها، ~~وقيل: بقي بعدها أربعين يوما، لم يدخل عليه أحد إلا مرة واحدة، ولما مات ~~صلى عليه أخوه مسلمة، وقيل: ابنه الوليد، وكان هشام بن عبد الملك بحمص. # ذكر بعض سيرته # كان يزيد من فتيانهم، فقال يوما وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس: دعوني ~~أطير. قالت حبابة: على من ms1725 تدع الأمة؟ قال: عليك، قيل وغنته يوما: # وبين التراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئن وما تسوغ فتبردا # فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة. فقال: والله ~~لأطيرن! فقالت: على من تخلف الأمة والملك؟ قال: عليك والله! وقبل يدها، ~~فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! # وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان، فرماها بحبة عنب، فدخلت حلقها، ~~فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها، حتى أنتنت وهو يشمها ~~ويقبلها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها، وعاد إلى قصره ~~كئيبا حزينا، وسمع جارية له تتمثل بعدها: # كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا # فبكى، وبقي يزيد بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس، أشار عليه مسلمة ~~بذلك، وخاف أن يظهر منه ما يسفهه عندهم. # وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان # PageV04P163 # اسمها العالية، وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد، فردها يزيد، ~~فاشتراها رجل من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت امرأته سعدة: هل ~~بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: نعم، حبابة. فأرسلت فاشترتها، ثم صيغتها، ~~وأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، وقالت: يا أمير المؤمنين هل بقي في ~~الدنيا شيء تتمناه؟ قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: هذه حبابة، وقامت ~~وتركتها عنده، فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن ~~عثمان. ولما مات يزيد لم يعلم بموته حتى ناحت سلامة فقالت: # لا تلمنا إن خشعنا أو هممنا بخشوع ... قد لعمري بت ليلي كأخي الداء ~~الوجيع # ثم بات الهم مني دون من لي بضجيع ... للذي حل بنا اليوم من الأمر الفظيع # كلما أبصرت ربعا خاليا فاضت دموعي ... قد خلا من سيد كان لنا غير مضيع # ثم نادت: وا أمير المؤمنيناه! فعلموا بموته. والشعر لبعض الأنصار. # وأخبار يزيد مع سلامة وحبابة كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها. # وإنما قيل لسلامة [سلامة] القس، لأن عبد الرحمن بن عبد الله ms1726 بن أبي عمار ~~أحد بني جشم بن معاوية بن بكير كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة، وكان ~~يسمى القس لعبادته، مر يوما بمنزل مولاها، فسمع غناءها، فوقف يسمعه، فرآه ~~مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع؟ فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا ~~تراها، وتسمع غناءها، فدخل معه فغنته، فأعجبه غناؤها، ثم أخرجها مولاها ~~إليه، فشغف بها وأحبها، وأحبته هي أيضا، وكان شابا جميلا. فقالت له يوما ~~على خلوة: أنا والله أحبك! قال: وأنا والله أحبك! قالت: # PageV04P164 # وأحب أن أقبلك! قال: وأنا والله! قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك! قال: ~~وأنا والله! قالت: فما يمنعك؟ قال: قول الله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] وأنا أكره أن تؤول خلتنا إلى عداوة، ثم ~~قام، وانصرف عنها، وعاد إلى عبادته، وله فيها أشعار، منها: # ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طربت في صوتها كيف تصنع # تمد نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع # وله فيها: # ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر # ألا ليت أني حيث صارت بها النوى ... جليس لسلمى كلما عج مزهر # إذا أخذت في الصوت كاد جليسها ... يطير إليها قلبه حين ينظر # فقيل لها: سلامة القس لذلك. # (سلامة: بتشديد اللام، وحبابة: بتخفيف الباء الموحدة) . # ذكر خلافة هشام بن عبد الملك # في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان، وكان عمره ~~يوم استخلف أربعا وثلاثين سنة وأشهرا، وكانت ولادته عام قتل مصعب بن الزبير ~~سنة اثنتين وسبعين، فسماه عبد الملك منصورا، وسمته أمه باسم أبيها هشام بن ~~إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فلم ينكر عبد الملك ذلك. ~~وكانت أمه عائشة بنت هشام حمقاء، فطلقها عبد الملك. وكانت كنية هشام: أبا ~~الوليد، وأتته الخلافة وهو بالرصافة، أتاه البريد بالخاتم والقضيب، وسلم ~~عليه بالخلافة، فركب منها حتى أتى دمشق. # PageV04P165 # ذكر ولاية خالد القسري العراق # فيها عزل هشام عمر بن هبيرة عن العراق، ms1727 واستعمل خالد بن عبد الله القسري ~~في شوال. # قال عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي: دخلت على هشام وخالد عنده، وهو يذكر ~~طاعة أهل اليمن، فقلت: والله ما رأيت هكذا خطأ وخطلا، والله ما فتحت فتنة ~~في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا عثمان، وهم خلعوا عبد الملك، وإن ~~سيوفنا لتقطر من دماء أهل المهلب. قال: فلما قمت تبعني رجل من آل مروان، ~~فقال: يا أخا بني تميم ورت بك زنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين قد ~~ولى خالدا العراق، وليست لك بدار! فسار خالد إلى العراق من يومه. # (الأسيدي: بضم الهمزة، وتشديد الياء، هكذا يقوله المحدثون، وأما النحاة ~~فإنهم يخففون الياء، وهي عند الجميع نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم، بضم ~~الهمزة، وتشديد الياء) . # ذكر دعاة بني عباس # قيل: وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند، وكان بها مع الجنيد بن ~~عبد الرحمن. فلما عزل الجنيد قدم بكير الكوفة، ومعه أربع لبنات من فضة، ~~ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس، وسالما الأعين، ~~وأبا يحيى مولى بني سلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه ~~وأنفق ما معه عليهم، ودخل إلى محمد بن علي، ومات ميسرة فأقامه مقامه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء ~~بلنجر، ففتح بعض ذلك، وأصاب غنائم كثيرة. # PageV04P166 # وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو ألف ~~مقاتل فأصيبوا جميعا. # وفيها غزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر، فلم ~~يفتح شيئا وقفل، فتبعه الترك، فلحقوه والناس يعبرون جيحون، وعلى الساقة ~~عبيد الله بن زهير بن حيان على خيل تميم، فحاموا حتى عبر الناس. # وغزا مسلمة أفشين، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، وذلك ~~لتمام خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد الملك. # وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى، فافتتح قونية من أرض الروم ms1728 ~~وكمخ. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل إلى ~~عطاء: متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: ~~أخبرني رسولي عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته إلا بعد الظهر، فاستحيا. # وكان هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النضري. وكان على ~~العراق وخراسان: عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة: حسين بن حسن الكندي. ~~وعلى قضاء البصرة: موسى بن أنس. # PageV04P167 # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات كثير عزة. وعكرمة مولى ابن عباس، وكان عكرمة زوج أم ~~سعيد بن جبير. وفيها مات حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سنة خمس وتسعين، ~~وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. (وفيها توفي الضحاك بن مزاحم. وفيها توفي عبيد بن ~~حنين، وهو ابن خمس وسبعين سنة) ، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، وله تسعون سنة، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة. وفيها توفي عبد ~~الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أمه صفية أخت المختار، وأوصى إليه ~~أبوه. # وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وهو أخو سالم لأمه، أمهما ~~أم ولد. في أيام يزيد بن عبد الملك توفي أبان بن عثمان بن عفان، وكان قد ~~فلج. # PageV04P168 # وفيها توفي عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري، وله خمس وسبعون سنة. # وفي أيام يزيد بن عبد الملك مات المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~المخزومي. وعطاء بن يزيد الجندعي الليثي، ومولده سنة خمس وعشرين، سكن ~~الشام، (الجندعي بضم الجيم، والدال المهملة المفتوحة، والنون) . وعراك بن ~~مالك الغفاري والد خيثم بن عراك. ومورق العجلي. # PageV04P169 ### | [ثم دخلت سنة ست ومائة] ### | 106 - # ثم دخلت سنة ست ومائة # ذكر الوقعة بين مضر واليمن بخراسان # قيل: وفي هذه السنة كانت الوقعة بين المضرية واليمانية بالبروقان من أرض ~~بلخ. # وكان سبب ذلك أن مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة غزا، فتبطأ الناس عنه، ~~وكان ممن تبطأ عنه البختري بن درهم، فرد مسلم نصر بن ms1729 سيار، وبلعاء بن ~~مجاهد، وغيرهما إلى بلخ، فأمرهما أن يخرجوا الناس، فأحرق نصر باب البختري، ~~وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم أخو قتيبة دخول بلخ وكان ~~عليها، وقطع مسلم بن سعيد النهر، ونزل نصر بن سيار البروقان، وأتاه أهل ~~الصغانيان، ومسلمة التميمي، وحسان بن خالد الأسدي، وغيرهما، وتجمعت ربيعة ~~والأزد بالبروقان، على نصف فرسخ من نصر، وخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة ~~والأزد إلى عمرو بن مسلم بن عمرو، وأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، ~~وأنشدوه شعرا قاله رجل عزا باهلة إلى تغلب، وكان بنو قتيبة من باهلة، فلم ~~يقبل عمرو ذلك. # وسفر الضحاك بن مزاحم، ويزيد بن المفضل الحداني في الصلح، وكلما نصرا، ~~فانصرف، فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري على نصر، وكر نصر عليهم، فكان ~~أول قتيل رجل من باهلة من أصحاب عمرو بن مسلم في ثمانية عشر رجلا، وانهزم ~~عمرو، وأرسل يطلب الأمان من نصر، فآمنه، وقيل: أصابوا عمرا في طاحونة، ~~فأتوا به نصرا وفي عنقه حبل، فآمنه وضربه مائة، وضرب البختري وزياد بن طريف ~~مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح. # وقيل إن الهزيمة كانت أولا على نصر ومن معه من مضر، فقال عمرو بن مسلم ~~لرجل معه من تميم: كيف ترى أستاه قومك يا أخا تميم؟ يعيره بذلك. ثم كرت # PageV04P170 # تميم فهزمت أصحاب عمرو، فقال التميمي لعمرو: هذه أستاه قومي. وقيل: كان ~~سبب انهزام عمرو أن ربيعة كانت مع عمرو، فقتل منهم ومن الأزد جماعة، فقالت ~~ربيعة: علام نقاتل إخواننا وأميرنا، وقد تقربنا إلى عمرو فأنكر قرابتنا؟ ~~فاعتزلوا، فانهزمت الأزد وعمرو، ثم آمنهم نصر، وأمرهم أن يلحقوا مسلم بن ~~سعيد. # ذكر غزو مسلم الترك # ثم قطع مسلم النهر، ولحق به من لحق من أصحابه، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب ~~خالد بن عبد الله بولايته العراق، ويأمره بإتمام غزاته. فسار إلى فرغانة، ~~فلما وصلها بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأنه في موضع ذكروه، فارتحل، فسار ~~ثلاث مراحل في يوم، وأقبل إليهم ms1730 خاقان، فلقي طائفة من المسلمين وأصاب دواب ~~لمسلم، وقتل جماعة من المسلمين، وقتل المسيب بن بشر الرياحي، والبراء، وكان ~~من فرسان المهلب، وقتل أخو غوزك، وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر، ~~ورحل مسلم بالناس، فسار ثمانية أيام وهم مطيفون بهم، فلما كانت التاسعة ~~أرادوا النزول، فشاوروا الناس، فأشار به وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء ~~[والماء] منا غير بعيد. فنزلوا ولم يرفعوا بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ~~ثقل من الآنية والأمتعة، فحرقوا ما قيمته ألف ألف، وأصبح الناس، فساروا، ~~فوردوا النهر، وأهل فرغانة والشاش دونه، فقال مسلم بن سعيد: أعزم على كل ~~رجل إلا اخترط سيفه، ففعلوا وصارت الدنيا كلها سيوفا، فتركوا الماء وعبروا. # فأقام يوما، ثم قطع من غد، واتبعهم ابن لخاقان، فأرسل إليه حميد بن عبد ~~الله، وهو على الساقة: قف لي فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم، وهو ~~مثقل جراحة، فوقف الناس، وعطف على الترك، فقاتلهم، وأسر أهل الصغد وقائدهم ~~وقائد الترك في سبعة، ومضى البقية، ورجع حميد، فرمي بنشابة في ركبته، فمات. # وعطش الناس، وكان عبد الرحمن العامري حمل عشرين قربة على إبله، فسقاها ~~الناس جرعا جرعا، واستسقى مسلم بن سعيد، فأتوه بإناء، فأخذه جابر أو حارثة ~~بن # PageV04P171 # كثير أخو سليمان بن كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه فما نازعني شربتي إلا ~~من حر دخله. وأتوا خجندة، وقد أصابهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس، فإذا ~~فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهده على خراسان من أسد بن ~~عبد الله أخي خالد، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا وطاعة. وكان عبد ~~الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل. # قال الخزرج التغلبي: قاتلنا الترك، فأحاطوا بنا حتى أيقنا بالهلاك، فحمل ~~حوثرة بن يزيد بن الحر بن الخنيف على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة ثم ~~رجع، وأقبل نصر بن سيار في ثلاثين فارسا، فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم، ~~فحمل عليهم الناس، فانهزم الترك، وحوثرة وهو ابن أخي رقبة بن الحر. # قيل: وكان عمر ms1731 بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولاه: ليكن حاجبك من صالح ~~مواليك، فإنه لسانك والمعبر عنك، وعليك بعمال العذر. قال: وما عمال العذر؟ ~~قال: تأمر أهل كل بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإن كان خيرا كان لك، وإن كان ~~شرا كان لهم دونك، وكنت معذورا. # وكان على خاتم مسلم بن سعيد توبة بن أبي سعيد، فلما ولي أسد بن عبد الله ~~خراسان جعله على خاتمه أيضا. # ذكر حج هشام بن عبد الملك # وحج بالناس هذه السنة هشام بن عبد الملك، وكتب له أبو الزناد سنن الحج. # قال أبو الزناد: لقيت هشاما، فإني لفي الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله ~~بن الوليد بن عثمان بن عفان، فسار إلى جنبه، فسمعه يقول: يا أمير المؤمنين، ~~إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين وينصر خليفته المظلوم، ولم ~~يزالوا يلعنون في هذه المواطن أبا تراب! فإنها مواطن صالحة، وأمير المؤمنين ~~ينبغي له أن يلعنه فيها. # PageV04P172 # فشق على هشام قوله وقال: ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا، ثم ~~قطع كلامه وأقبل علي فسألني عن الحج، فأخبرته بما كتبت له، قال: وشق على ~~سعيد أني سمعته تكلم بذلك، وكان منكسرا كلما رآني. # ذكر ولاية أسد خراسان # قيل: وفي هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله أخاه أسدا على خراسان، ~~فقدمها ومسلم بن سعيد [غاز] بفرغانة، فلما أتى أسد النهر ليقطعه منعه ~~الأشهب بن عبيد التميمي، وكان على السفن بآمل، وقال: قد نهيت عن ذلك، ~~فأعطاه ولاطفه، فأبى، قال: فإني أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى ~~نشكره في أمانتنا. # وأتى الصغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يلقى ~~أسدا، فرآه على حجر، فتفاءل الناس، وقالوا: ما عند هذا خير، أسد على حجر. ~~ودخل سمرقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدما ~~وسألا عنه وسلما إليه العهد، فأتى به مسلما فقال: سمعا وطاعة. وقفل عبد ~~الرحمن بالناس ومعه مسلم، فقدموا على أسد ms1732 بسمرقند، فعزل هانئا عنها، ~~واستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي. # وقيل للحسن: إن الأتراك قد أتوك في سبعة آلاف. فقال: ما أتونا، نحن ~~أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم، ومع هذا فلأدنين بعضكم من بعض ~~ولأقرنن نواصي خيلكم بخيلهم، ثم سبهم ودعا عليهم، ثم خرج إليهم متباطئا، ~~فأغاروا ورجعوا سالمين. واستخلف على سمرقند ثابت قطنة، فخطب الناس، فأرتج ~~عليه وقال: ومن يطع الله ورسوله فقد ضل، فسكت ولم ينطق بكلمة، وقال: # إن لم أكن فيكم خطيبا فإنني بسيفي إذا جد الوغى لخطيب فقيل له: لو قلت ~~هذا على المنبر لكنت أخطب الناس، فقال حاجب الفيل اليشكري يعيره حصره: # PageV04P173 # أبا العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتخنيق # تلوي اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النيق # لما رمتك عيون الناس صاحية ... أنشأت تجرض لما قمت بالريق # أما القران فلا تهدى لمحكمة ... من القران ولا تهدى لتوفيق # ذكر استعمال الحر على الموصل # في هذه السنة استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية على الموصل، وهو الذي بنى المنقوشة دارا يسكنها، وإنما سميت المنقوشة ~~لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها، وكانت عند ~~سوق القتابين والشعارين وسوق الأربعاء، وأما الآن فهي خربة تجاور سوق ~~الأربعاء. وهذا الحر الذي عمل النهر الذي كان بالموصل. # وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة ماء، وهي تحملها قليلا، ثم تستريح ~~قليلا; لبعد الماء، فكتب إلى هشام بذلك، فأمر بحفر نهر إلى البلد، فحفره، ~~فكان أكثر شرب أهل البلد منه، وعليه كان الشارع المعروف بشارع النهر، وبقي ~~العمل فيه عدة سنين، ومات الحر سنة ثلاث عشرة ومائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك وهو في ~~الحجر، فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذي خرجت معظما له إلا رددت ~~علي ظلامتي. قال: أي ظلامة؟ قال: داري. قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد ~~الملك؟ ms1733 قال: ظلمني. قال: فالوليد وسليمان؟ قال: ظلماني. قال: فعمر؟ قال: ~~يرحمه الله، ردها علي. قال: فيزيد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني وقبضها مني بعد ~~قبضي لها، وهي في يدك. فقال هشام: لو كان فيك ضرب لضربتك. فقال: في والله ~~ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام [والأبرش خلفه] فقال: [أبا مجاشع] كيف سمعت ~~هذا الإنسان؟ قال: ما أجوده! قال: هي قريش وألسنتها، ولا يزال في الناس ~~بقايا ما رأيت مثل هذا. # وفيها عزل هشام عبد الواحد النضري عن مكة والمدينة والطائف، وولى ذلك ~~خاله # PageV04P174 # إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة في جمادى الآخرة، فكانت ولاية ~~النضري سنة وثمانية أشهر. # وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة. وفيها غزا الجراح بن عبد الله ~~اللان، فصالح أهلها فأدوا الجزية. وفيها ولد عبد الصمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس في رجب. وفيها استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان ~~الجمحي، ثم عزله واستقضى الصلت الكندي. # وكان العامل على مكة والمدينة والطائف، إبراهيم بن هشام المخزومي، وكان ~~على العراق وخراسان: خالد بن عبد الله القسري البجلي، وكان عامل (خالد على ~~صلاة البصرة: عقبة) بن عبد الأعلى، وعلى شرطتها: مالك بن المنذر بن ~~الجارود، وعلى قضائها: ثمامة بن عبد الله بن أنس. # وحج بالناس هشام بن عبد الملك. # [الوفيات] # وفيها مات يوسف بن مالك مولى الحضرميين، وبكر بن عبد الله المزني. # PageV04P175 ### | [ثم دخلت سنة سبع ومائة] ### | 107 - # ثم دخلت سنة سبع ومائة # ذكر ملك الجنيد بعض بلاد السند وقتل صاحبه جيشبه # في هذه السنة استعمل خالد القسري الجنيد بن عبد الرحمن على السند فنزل شط ~~مهران، فمنعه جيشبه بن ذاهر العبور، وقال: إننا مسلمون، فقد استعملني الرجل ~~الصالح، يعني عمر بن عبد العزيز، على بلادي ولست آمنك، فأعطاه رهنا وأخذ ~~منه رهنا بما على بلاده من الخراج، ثم إنهما ترادا الرهن وكفر جيشبه ~~وحاربه، وقيل: لم يحاربه، ولكن الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند، فجمع وأخذ ~~السفن، (واستعد للحرب، فسار الجنيد إليه في ms1734 السفن) أيضا، فالتقوا، فأخذ ~~جيشبه أسيرا، وقد جنحت سفينته، فقتله، وهرب أخوه صصة إلى العراق ليشكو غدر ~~الجنيد، فخدعه الجنيد حتى جاء إليه فقتله. # وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قد نقضوا، ففتحها عنوة، وفتح أرزين، ~~والمالية، وغيرهما من ذلك الثغر. # ذكر غزوة عنبسة الفرنج بالأندلس # في هذه السنة غزا عنبسة بن سحيم الكلبي عامل الأندلس بلد الفرنج في جمع ~~كثير، ونازل مدينة قرقسونة وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، وعلى جميع ~~ما في المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية، ويلتزموا ~~بأحكام الذمة من محاربة من حاربه المسلمون، ومسالمة من سالموه، فعاد عنهم ~~عنبسة، وتوفي في # PageV04P176 # شعبان سنة سبع ومائة أيضا، وكانت ولايته أربع سنين وأربعة أشهر، ولما مات ~~استعمل عليهم بشر بن صفوان يحيى بن سلمة الكلبي في ذي القعدة سنة سبع أيضا. # ذكر حال الدعاة لبني العباس # قيل: وفيها وجه بكير بن ماهان: أبا عكرمة، وأبا محمد الصادق، ومحمد بن ~~خنيس، وعمارا العبادي، وزيادا خال الوليد الأزرق، في عدة من شيعتهم دعاة ~~إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله، فوشى بهم إليه، فأتي ~~بأبي عكرمة، ومحمد بن خنيس، وعامة أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر ~~به منهم وصلبهم، وأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره [الخبر] ، فكتب إلى ~~محمد بن علي بذلك، فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم، وقد بقيت ~~منكم قتلى، ستقتل. # وفيها قدم مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، فكان أسد يكرمه بخراسان ~~ولم يعرض له، فقدم مسلم وابن هبيرة يريد الهرب، فنهاه عن ذلك، وقال: إن ~~القوم فينا أحسن رأيا منكم فيهم. # وفيها غزا أسد جبال نمرون ملك غرشستان مما يلي جبال الطالقان، فصالحه ~~نمرون وأسلم على يده، وهم [اليوم] يتولون اليمن. # PageV04P177 # ذكر الخبر عن غزوة الغور # قيل: وفي هذه السنة غزا أسد الغور، وهي جبال هراة، فعمد أهلها إلى ~~أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، ووضع فيها ~~الرجال، ودلاها بسلاسل، ms1735 فاستخرجوا ما قدروا عليه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل هشام: الجراح بن عبد الله الحكمي عن أرمينية وأذربيجان، ~~واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها مسلمة الحارث بن ~~عمرو الطائي، فافتتح من بلد الترك رستاقا وقرى كثيرة، وأثر فيها أثرا حسنا. # وفيها نقل أسد من كان بالبروقان إلى بلخ من الجند، وأقطع كل من كان له ~~بالبروقان بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم ~~على الأخماس، فقيل له: إنهم يتعصبون، فخلط بينهم. وتولى بناء مدينة بلخ ~~برمك أبو خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام، وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم ~~في السنة قبلها. # [الوفيات] # وفيها مات سليمان بن يسار وعمره ثلاث وسبعون سنة، # PageV04P178 # وعطاء بن يزيد الليثي، وله ثمان وتسعون سنة، (وقد تقدم ذكر وفاته سنة خمس ~~ومائة) . # (يسار: بالياء المثناة من تحت، وبالسين المهملة) . # PageV04P179 ### | [ثم دخلت سنة ثمان ومائة] ### | 108 - # ثم دخلت سنة ثمان ومائة # ذكر غزوة الختل والغور # قيل: وفي هذه السنة قطع أسد النهر، وأتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال في ~~هذه الغزوة، وقيل: عاد مهزوما من الختل، وكان أسد قد أظهر أنه يريد أن يشتو ~~بسرخ دره، فأمر الناس فارتحلوا، ووجه راياته، وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ ~~دره، فكبر الناس، فقال: ما لهم؟ فقالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا. فقال ~~للمنادي: ناد إن الأمير يريد غوريين، فمضى إليهم، فقاتلوهم يوما وصبروا ~~لهم. وبرز رجل من المشركين بين الصفين، فقال سالم بن أحوز لنصر بن سيار: ~~أنا حامل على هذا العلج، فلعلي أقتله فيرضى أسد، فحمل عليه فطعنه فقتله، ~~ورجع سالم، فوقف ثم قال لنصر: أنا حامل حملة أخرى، فحمل فقتل رجلا آخر، ~~وجرح سالم، فقال نصر لسالم: قف حتى أحمل عليهم، فحمل حتى خالط العدو، فصرع ~~رجلين، ورجع جريحا، وقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟ لا أرضاه الله! قال: لا ~~والله. قال: وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير قد ms1736 رأيت موقفكما وقلة ~~غنائكما عن المسلمين، لعنكما الله. فقال: آمين إن عدنا لمثل هذا! وتحاجزوا. # ثم عادوا من الغد، فاقتتلوا، وانهزم المشركون، وحوى المسلمون عسكرهم، ~~وظهروا على البلاد، وأسروا وسبوا وغنموا. وقد كان أصاب الناس جوع شديد ~~بالختل، فبعث أسد بكبشين مع غلام له وقال: بعهما بخمسمائة درهم. فلما مضى ~~الغلام، قال أسد: لا يشتريهما إلا ابن الشخير، وكان في المسلحة، فدخل حين ~~أمسى فرأى الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمائة، فذبح إحداهما، وبعث ~~بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما أخبر الغلام أسدا بالقصة بعث إلى ابن الشخير ~~بألف درهم، وهو عثمان بن # PageV04P180 # عبد الله بن الشخير أبو مطرف. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح ~~قيسارية، وهي مدينة مشهورة. وفيها أيضا غزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من ~~حصون الروم. # وفيها وجه بكير بن ماهان إلى خراسان جماعة من شيعة بني العباس، منهم عمار ~~العبادي، فسعى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله أمير خراسان، فأخذ عمارا فقطع ~~يديه ورجليه، ونجا أصحابه فوصلوا إلى بكير، فأخبروه بذلك، فكتب إلى محمد بن ~~علي بن عبد الله بن عباس، فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ونجى شيعتكم، ~~وقد تقدم سنة سبع ومائة ذكر هذه القصة. وفيها: أن عمارا نجا، وفي هذه ~~الرواية: أن عمارا قطع، فلهذا أعدنا ذكرها، والله أعلم. # وفيها وقع الحريق بدابق فاحترق المرعى والدواب والرحال. وفيها سار ابن ~~خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو ~~الطائي، فالتقوا، فاقتتلوا، فانهزم الترك، وتبعهم الحارث حتى عبر نهر أرس، ~~فعاد إليه ابن خاقان، فعاود الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، وقتل من الترك ~~خلق كثير. # وفيها خرج عباد الرعيني باليمن محكما، فقتله أميرها يوسف بن عمر، وقتل ~~أصحابه. وكانوا ثلاثمائة. # PageV04P181 # وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك، ومعه ميمون بن مهران على أهل ~~الشام، فقطعوا البحر إلى قبرس، وغزا في البر مسلمة بن عبد الملك بن مروان. ~~وفيها ms1737 كان بالشام طاعون شديد. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. ~~وكان العمال من تقدم ذكرهم في السنة قبلها. # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن كعب القرطي، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: إنه ولد على ~~عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. # وفيها مات موسى بن محمد بن علي بن عبد الله والد عيسى ببلاد الروم غازيا، ~~وكان عمره سبعا وسبعين سنة. # وفيها مات القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكان عمره سبعين سنة، وقيل: ~~اثنتين وسبعين سنة، وكان قد عمي، وقيل: مات سنة إحدى ومائة. # وفيها توفي أبو المتوكل علي بن داود الناجي. # PageV04P182 # وأبو الصديق الناجي أيضا، واسمه بكر بن قيس الناجي، (الناجي: بالنون ~~والجيم) . وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة النضري، (نضرة: بالنون والضاد ~~المعجمة) . ومحارب بن دثار الكوفي قاضيها، (دثار بكسر الدال المهملة، ~~والثاء المثلثة) . # PageV04P183 ### | [ثم دخلت سنة تسع ومائة] ### | 109 - # ثم دخلت سنة تسع ومائة # ذكر عزل خالد وأخيه أسد عن خراسان وولاية أشرس # قيل: وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك: خالد بن عبد الله، وأخاه عن ~~خراسان. # وسبب ذلك أن أسدا تعصب حتى أفسد الناس، وضرب نصر بن سيار ونفرا معه ~~بالسياط، منهم: عبد الرحمن بن نعيم، وسورة بن الحر، والبختري بن أبي درهم، ~~وعامر بن مالك الحماني، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه خالد، وكتب إليه: إنهم ~~أرادوا الوثوب بي. فلما قدموا على خالد لام أسدا، وعنفه، وقال: ألا بعث إلي ~~برءوسهم؟ فقال نصر: # بعثت بالعتاب في غير ذنب ... في كتاب تلوم أم تميم # إن أكن موثقا أسيرا لديهم ... في هموم وكربة وسهوم # رهن قسر فما وجدت بلاء ... كإسار الكرام عند اللئيم # أبلغ المدعين قسرا وقسر ... أهل عود القناة ذات الوصوم # هل فطمتم عن الخيانة والغد ر ... أم أنتم كالحاكر المستديم # وقال الفرزدق: # أخالد لولا الله لم تعط طاعة ... ولولا بنو مروان لم يوثقوا نصرا # إذا للقيتم عند شد وثاقه ... بني الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا # PageV04P184 # وخطب ms1738 يوما أسد، فقال: قبح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشقاق والنفاق ~~والشغب والفساد! اللهم فرق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني. # فبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى ~~العراق في رمضان سنة تسع ومائة، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، ~~فأقام الحكم صيفية فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمي على ~~خراسان، وأمره أن يكاتب خالدا. وكان أشرس فاضلا خيرا، وكانوا يسمونه الكامل ~~لفضله، فلما قدم خراسان فرحوا به، واستقضى أبا المنازل الكندي، ثم عزله ~~واستقضى محمد بن زيد. # ذكر دعاة بني العباس # قيل: أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ~~ولاية أسد، بعثه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وقال له: انزل في اليمن ~~وألطف مضر، ونهاه عن رجل من نيسابور، يقال له: غالب لأنه كان مفرطا في حب ~~بني فاطمة، ويقال: أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علي حرب بن عثمان مولى ~~بني قيس بن ثعلبة من أهل بلخ، فلما قدم زياد دعا إلى بني العباس، وذكر سيرة ~~بني أمية وظلمهم، وأطعم الناس الطعام، وقدم عليه غالب، وتناظرا في تفضيل آل ~~علي وآل العباس، وافترقا، وأقام زياد بمرو شتوة و [كان] يختلف إليه من ~~أهلها يحيى بن عقيل الخزاعي، وغيره. # فأخبر به أسد، فدعاه، وقال له: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: الباطل، إنما ~~قدمت إلى تجارة وقد فرقت مالي على الناس، فإذا اجتمع خرجت. فقال له أسد: ~~اخرج عن بلادي. فانصرف، فعاد إلى أمره، فرفع أمره إلى أسد، وخوف من جانبه، ~~فأحضره، وقتله، وقتل معه عشرة من أهل الكوفة، ولم ينج منهم إلا غلامان ~~استصغرهما، وقيل: بل أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه بالسيف فلم يعمل ~~فيه، فكبر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ قيل: نبا السيف عنه، ثم ضرب أخرى فنبا ~~السيف عنه، ثم ضربه الثالثة فقطعه # PageV04P185 # باثنتين، وعرض البراءة على أصحابه، فمن تبرأ خلى سبيله، ms1739 فتبرأ اثنان، ~~فتركا، وأبى البراءة ثمانية، فقتلوا. # فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد، فقال: أسألك أن تلحقني بأصحابي، ~~فقتله، وذلك قبل الأضحى بأربعة أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى ~~كثيرا، فنزل على أبي النجم، وكان يأتيه الذين لقوا زيادا، فكان على ذلك سنة ~~أو سنتين، وكان أميا، فقدم عليه خداش، واسمه عمارة غلب عليه خداش، فغلب ~~كثيرا على أمره. # وقيل في أمر الدعاة ما تقدم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر، وغزا معاوية بن هشام ~~أرض الروم، ففتح حصنا يقال له طيبة، فأصيب معه قوم من أهل أنطاكية. # وفيها قتل عمر بن يزيد الأسيدي، قتله مالك بن المنذر بن الجارود، وسبب ~~قتله أنه أبلى في قتال يزيد بن المهلب، فقال يزيد بن عبد الملك: هذا رجل ~~العراق. فغاظ ذلك خالد بن عبد الله، وأمر مالك بن المنذر، وهو على شرط ~~البصرة، أن يعظمه ولا يعصي له أمرا، وأقبل يطلب له عثرة يقتله بها، فذكر ~~مالك بن المنذر عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فافترى عليه، فقال عمر بن ~~يزيد: لا تفتر على مثل عبد الأعلى. فأغلظ له مالك، وضربه بالسياط حتى قتله. # (الأسيدي: بضم الهمزة، وتشديد الياء تحتها نقطتان) . # وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان، فغنم وسبى وعاد ~~سالما. # PageV04P186 # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس فقال: اسألوني فإنكم ~~لا تسألون أحدا أعلم مني. فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية: أواجبة هي؟ ~~فما درى ما يقول، فنزل، وكان هو العامل على المدينة ومكة والطائف، وكان على ~~البصرة والكوفة خالد بن عبد الله القسري، وكان قد استخلف على الصلاة ~~بالبصرة أبان بن ضبارة اليزبي، وعلى الشرطة بها بلال بن أبي بردة، وعلى ~~قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس، وعلى خراسان أشرس. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات أبو مجلز لاحق بن حميد البصري، وفيها غزا بشر بن صفوان ~~عامل إفريقية جزيرة ms1740 صقلية، فغنم شيئا كثيرا ثم رجع من غزاته إلى القيروان ~~وتوفي بها من سنتها، (فاستعمل هشام بعده عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأغر ~~السلمي، فعزل عبيدة يحيى بن سلمة الكلبي عن الأندلس، واستعمل حذيفة بن ~~الأحوص الأشجعي، فقدم الأندلس في ربيع الأول سنة عشر ومائة، فبقي واليا ~~عليها ستة أشهر ثم عزل، ووليها عثمان بن أبي نسعة الخثعمي. # PageV04P187 ### | [ثم دخلت سنة عشر ومائة] ### | 110 - # ثم دخلت سنة عشر ومائة # ذكر ما جرى لأشرس مع أهل سمرقند وغيرها # في هذه السنة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى ~~الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل في ذلك أبا الصيداء (صالح بن طريف ~~مولى بني ضبة، والربيع بن عمران التميمي. فقال أبو الصيداء) : إنما أخرج ~~على شريطة أن من أسلم لا تؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رءوس ~~الرجال. فقال أشرس: نعم. فقال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج، فإن لم يف ~~العمال أعنتموني عليهم؟ قالوا: نعم. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبي ~~العمرطة الكندي على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها ~~إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس أن ~~الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن [أبي] العمرطة: إن في الخراج قوة ~~للمسلمين، وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، إنما أسلموا ~~تعوذا من الجزية، فانظر من اختتن، وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن، ~~فارفع خراجه. # ثم عزل أشرس ابن [أبي] العمرطة عن الخراج، وصيره إلى هانئ بن هانئ، ~~فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ إلى أشرس: إن الناس ~~قد أسلموا وبنوا المساجد. فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممن ~~كنتم تأخذونه منه. فأعادوا الجزية على من أسلم. فامتنعوا واعتزلوا في سبعة ~~آلاف، على عدة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء، وربيع بن عمران ~~التميمي، والهيثم الشيباني، وأبو فاطمة الأزدي، وعامر بن قشير، وبحير ~~الخجندي، وبنان العنبري، وإسماعيل بن ms1741 # PageV04P188 # عقبة لينصروهم، فعزل أشرس بن [أبي] العمرطة عن الحرب، واستعمل مكانه ~~المجشر بن مزاحم السلمي على الحرب، وضم إليه عميرة بن سعد الشيباني. # فلما قدم المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، ~~فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما ~~قلتم. فقال هانئ: ليس بغدر ما كان فيه حقن الدماء، ثم سيروه إلى أشرس، ~~واجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم: كفوا حتى ~~نكتب إلى أشرس، فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي ~~الصيداء وضعف أمرهم، فتتبع الرؤساء، فأخذوا وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت ~~محبوسا، فألح هانئ في الخراج، واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين، وأقيموا ~~وخرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم [من ~~الضعفاء] ، فكفرت الصغد وبخارى، واستجاشوا الترك. # ولم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر حتى قدم نصر بن سيار إلى المجشر واليا، ~~فحمله إلى أشرس فحبسه، وكان نصر قد أحسن إليه، فقال ثابت يمدحه [بأبيات] ~~يقول فيها: # ما هاج شوقك من نؤي وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار # إن كان ظني بنصر صادقا أبدا ... فيما أدبر من نقضي وإمراري # لا يصرف الجند حتى يستفيء بهم ... نهبا عظيما ويحوي ملك جبار # إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الواري # لذاكر منك أمرا قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيار # ناضلت عني نضال الحر إذ قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري # وصار كل صديق كنت آمله ... ألبا علي ورث الحبل من جاري # وما تلبست بالأمر الذي وقعوا ... به علي ولا دنست أطماري # PageV04P189 # ولا عصيت إماما كان طاعته # حقا علي ولا قارفت من عار # وخرج أشرس غازيا، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر. وقدم قطن بن قتيبة بن ~~مسلم، فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك، ~~فحصروا قطنا في خندقه، فأرسل خاقان من أغار على مسرح الناس، فأخرج أشرس ~~ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن ms1742 بسطام بن مسعود بن عمرو، فوجهه مع عبد الله ~~بن بسطام في خيل، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم، ورجع الترك. # ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث أشرس سرية مع مسعود أحد بني حيان، ~~فلقيهم العدو (فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين، وهزم مسعود، فرجع أشرس) ، ~~وأقبل العدو، فلقيهم المسلمون فجالوا جولة، فقتل رجال من المسلمين، ثم رجع ~~المسلمون وصبروا فانهزم المشركون، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند، فقطع ~~العدو عنهم الماء، وأقام المسلمون يوما وليلة وعطشوا، فرحلوا إلى المدينة ~~التي قطع العدو [المياه] منها، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدو، ~~فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، (فعجز الناس عن القتال) ، ~~فحرض الحارث بن سريج الناس، فقال: القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرا ~~عند الله من الموت عطشا. وتقدم الحارث وقطن في فوارس من تميم، فقاتلوا حتى ~~أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا واستقوا. # ثم مر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي، فقال: هل لك في الجهاد؟ ~~فقال: أمهلني حتى أغتسل وأتحنط. فوقف له حتى اغتسل ثم مضيا، وقال ثابت ~~لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحرضهم، فحملوا، واشتد القتال، فقال ~~ثابت قطنة: اللهم إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة، ~~والله لا ينظر إلي بنو أمية مشدودا في الحديد. فحمل وحمل أصحابه، فرجع ~~أصحابه وثبت هو، فرمي برذونه فشب، وضربه فأقدم، وضرب ثابت، فارتث، فقال وهو ~~صريع: اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام وأمسيت ضيفك! فاجعل قراي منك الجنة! ~~فقتلوه وقتلوا معه عدة من المسلمين، منهم: صخر بن مسلم بن النعمان العبدي، ~~وعبد الملك بن دثار الباهلي، وغيرهما، وجمع قطن، وإسحاق بن محمد بن حبان ~~خيلا من المسلمين تبايعوا # PageV04P190 # على الموت، فحملوا على العدو، فقاتلوهم، فكشفوهم، وركبهم المسلمون ~~يقتلونهم حتى حجزهم الليل، وتفرق العدو، وأتى أشرس بخارى فحصر أهلها. # (الحارث بن سريج: بالسين المهملة والجيم) . # ذكر وقعة كمرجه # ثم إن خاقان حصر كمرجه، وهي من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من ms1743 المسلمين، ~~ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون ~~الباب، وقطعوا القنطرة التي على الخندق. فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: ~~يا معشر العرب لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد علي مملكتي، ~~وأنا آخذ لكم الأمان. فشتموه. وأتاهم بازغرى في مائتين، وكان داهية، وكان ~~خاقان لا يخالفه، فدنا من المسلمين بأمان، وقال: لينزل إلي رجل منكم أكلمه ~~بما أرسلني به خاقان. فأحدروا يزيد بن سعيد الباهلي، وكان يفهم بالتركية ~~يسيرا، فقال له: إن خاقان أرسلني، وهو يقول إني أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ~~ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، وهو يحسن إليكم. فقال [له] يزيد: كيف ~~تكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينهم صلح. فغضب ~~بازغرى، وكان معه تركيان، فقالا: ألا تضرب عنقه؟ فقال: إنه نزل بأمان. وفهم ~~يزيد ما قالا، فخاف، فقال: بلى إنما تجعلوننا نصفين، فيكون نصفنا مع ~~أثقالنا، ويسير النصف معكم، فإن ظفرتم فنحن معكم، وإن كان غير ذلك كنا ~~كسائر مدائن الصغد. فرضوا بذلك، وقال: أعرض على أصحابي هذا. وصعد في الحبل، ~~فلما صار على السور نادى: يا أهل كمرجه، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم ~~إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى. قال: يدعونكم ~~إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا: نموت قبل ذلك. فرد بازغرى. # ثم أمر خاقان بقطع الخندق، فجعلوا يلقون الحطب الرطب، ويلقي المسلمون ~~الحطب اليابس، حتى سوي الخندق، فأشعلوا فيه النيران، وهاجت ريح شديدة صنعا ~~من الله، فاحترق الحطب، وكانوا جمعوه في سبعة أيام، في ساعة واحدة. # ثم فرق خاقان على الترك أغناما، وأمرهم أن يأكلوا لحمها، ويحشوا جلودها ~~ترابا، ويكبسوا خندقها، ففعلوا ذلك، فأرسل الله سحابة فمطرت مطرا شديدا، ~~فاحتمل السيل ما في الخندق، وألقاه في النهر الأعظم. ورماهم المسلمون ~~بالسهام، فأصابت بازغرى # PageV04P191 # نشابة في سرته فمات من ليلته، فدخل عليهم بموته أمر عظيم. فلما امتد ~~النهار جاءوا بالأسرى التي عندهم، وهم مائة، فيهم أبو العوجاء العتكي، ~~والحجاج ms1744 بن حميد النضري، فقتلوهم ورموا برأس الحجاج، وكان عند المسلمين ~~مائتان من أولاد المشركين رهائن، فقتلوهم واستماتوا، واشتد القتال. # ولم يزل أهل كمرجه كذلك حتى أقبلت جنود العرب فنزلت فرغانة، فعير خاقان ~~أهل الصغد، وفرغانة، والشاش، والدهاقين، وقال: زعمتم أن في هذه خمسين ~~حمارا، وأنا نفتحها في خمسة أيام، فصارت الخمسة شهرين. وأمرهم بالرحيل ~~وشتمهم، فقالوا: ما ندع جهدا، فأحضرنا غدا، وانظر ما نصنع. فلما كان الغد ~~وقف خاقان، وتقدم الطاربند، فقاتل المسلمين، فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى ~~وقف على ثلمة إلى جنب بيت فيه مريض من تميم، فرماه التميمي بكلوب، فتعلق ~~بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه، ورماه رجل بحجر، فأصاب ~~أصل أذنه، فصرع، وطعنه آخر، فقتله، فاشتد قتله على الترك. # وأرسل خاقان إلى المسلمين: إنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة نحاصرها ~~دون افتتاحها، أو ترحلهم عنها. فقالوا له: ليس من ديننا أن نعطي بأيدينا ~~حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم. فأعطاهم الترك الأمان أن يرحل خاقان عنهم ~~ويرحلوا هم (عنها إلى سمرقند أو الدبوسية، فرأى أهل كمرجه ما هم فيه من ~~الحصار، فأجابوا إلى ذلك، فأخذوا من الترك رهائن أن لا يعرضوا لهم، وطلبوا ~~أن كورصول التركي يكون معهم في جماعة) ليمنعهم إلى الدبوسية، فسلموا إليهم ~~الرهائن وأخذوا أيضا هم من المسلمين رهائن، وارتحل خاقان عنهم، ثم رحلوا هم ~~بعده، فقال الأتراك الذين مع كورصول: إن بالدبوسية عشرة آلاف مقاتل، ولا ~~نأمن أن يخرجوا علينا. فقال لهم المسلمون: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. # فساروا، فلما صار بينهم وبين الدبوسية فرسخ نظر أهلها إلى الفرسان فظنوا ~~أن كمرجه فتحت، وأن خاقان قد قصدهم، فتأهبوا للحرب، فأرسل المسلمون إليهم ~~يخبرونهم خبرهم، فالتقوهم وحملوا من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا. ~~فلما بلغ المسلمون الدبوسية أرسلوا إلى من عنده الرهائن يعلمونه بوصولهم، ~~ويأمرونه بإطلاقهم، فجعلت العرب تطلق رجلا من الرهن والترك رجلا، حتى بقي ~~سباع بن # PageV04P192 # النعمان مع الترك، ورجل من الترك عند العرب، وجعل كل فريق ms1745 يخاف من صاحبه ~~الغدر، فقال سباع: خلوا رهينة الترك، فخلوه، وبقي سباع مع الترك، فقال له ~~كورصول: ما حملك على هذا؟ قال: وثقت بك وقلت: ترفع نفسك عن الغدر، فوصله ~~كورصول وأعطاه سلاحه وبرذونا وأطلقه. # وكانت مدة حصار كمرجه ثمانية وخمسين يوما، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم ~~خمسة وثلاثين يوما. # ذكر ردة أهل كردر # في هذه السنة ارتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم، فقال ~~عرفجة: ونحن كفينا أهل مرو وغيرهم ونحن نفينا الترك عن أهل كردر # فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا فقد يظلم المرء الكريم فيصبر # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة ~~لبلال بن أبي بكرة، وعزل ثمامة عن القضاء. # وفيها غزا مسلمة الترك من باب اللان، فلقي خاقان في جموعه، فاقتتلوا ~~قريبا من شهر وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان وانصرف، ورجع مسلمة فسلك على ~~مسلك ذي القرنين. # وفيها غزا معاوية الروم ففتح صملة. # PageV04P193 # وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد ~~الرحمن بن معاوية بن حديج، (بضم الحاء وفتح الدال المهملتين) . # وحج بالناس إبراهيم بن إسماعيل. فكان العمال على البلاد هذه السنة من ~~تقدم ذكرهم في السنة التي قبلها. # [الوفيات] # وفيها مات الحسن البصري وله سبع وثمانون سنة. ومحمد بن سيرين وهو ابن ~~إحدى وثمانين سنة. وفيها، أعني سنة عشر ومائة، مات الفرزدق الشاعر وله إحدى ~~وتسعون سنة. وجرير بن الخطفى الشاعر. # PageV04P194 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة] ### | 111 - # ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة # ذكر عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد # في هذه السنة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان. # وكان سبب ذلك أن شداد بن خليد الباهلي شكاه إلى هشام، فعزله واستعمل ~~الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان، وهو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن ~~الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري. وكان سبب استعماله أنه أهدى ~~لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام ms1746 قلادة في جوهر، فأعجبت هشاما، فأهدى ~~لهشام قلادة أخرى، فاستعمله وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان في ~~خمسمائة وسار إلى ما وراء النهر، وسار معه حطاب بن محرز السلمي خليفة أشرس ~~بخراسان وقطعا النهر. # وأرسل الجنيد إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد: أن أمدني بخيل، وخاف ~~أن يقتطع دونه، فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحماني، فلما كان عامر ببعض ~~الطريق عرض له الترك والصغد، فدخل حائطا حصينا وقاتلهم على الثلمة، ومعه ~~ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم ابن أخي الأسود بن كلثوم وواصل بن عمرو ~~القيسي. فخرج واصل وعاصم بن عمير السمرقندي ومعهما غيرهما، فاستداروا حتى ~~صاروا من وراء الماء الذي هناك. ثم جمعوا قصبا وخشبا وعبروا عليه، فلم يشعر ~~خاقان إلا والتكبير من خلفه، وحمل المسلمون على الترك، (فقاتلوهم فقتلوا ~~عظيما من عظمائهم) وانهزم الترك، وسار عامر إلى الجنيد، فلقيه وأقبل معه، ~~وعلى مقدمة الجنيد عمارة بن حريم، فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند تلقته ~~خيل الترك فقاتلهم، فكاد الجنيد يهلك ومن معه، ثم أظهره الله وسار حتى قدم ~~العسكر، فظفر الجنيد وقتل الترك، وزحف إليه # PageV04P195 # خاقان، فالتقوا دون رزمان من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة على ساقة ~~الجنيد. فأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة فبعث به إلى ~~هشام. # وكان الجنيد قد استخلف في غزوته هذه مجشر بن مزاحم السلمي على مرو، وولى ~~سورة بن الحر التميمي بلخا، وأوفد لما أصاب في وجهه هذا وفدا إلى هشام، ~~ورجع الجنيد إلى مرو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام مترف هزمني العام وأنا ~~مهلكه في قابل. # واستعمل الجنيد عماله ولم يستعمل إلا مضريا، استعمل قطن بن قتيبة على ~~بخارى، والوليد بن القعقاع العبسي على هراة، وحبيب بن مرة العبسي على شرطه، ~~وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، وكان عليها نصر بن سيار، وكان ما ~~بينه وبين الباهليين متباعدا لما كان بينهم بالبروقان، وأرسل مسلم إلى نصر ~~فصادفوه نائما، فجاءوا به في قميص ms1747 ليس عليه سراويل ملببا، فقال شيخ من مضر: ~~جئتم به على هذه الحال! فعزل الجنيد مسلما عن بلخ واستعمل يحيى بن ضبيعة، ~~واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خليد الباهلي. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام ~~الصائفة اليمنى حتى أتى قيسارية، وغزا في البحر عبد الله بن أبي مريم. # واستعمل هشام على عامة الناس من الشام ومصر الحكم بن قيس بن مخرمة بن عبد ~~المطلب بن عبد مناف. # وفيها سارت الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم. # PageV04P196 # وفيها استعمل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على إرمينية، وعزل أخاه ~~مسلمة بن عبد الملك، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس، ففتح مدينتهم البيضاء ~~وانصرف سالما، فجمعت الخزر وحشدت، وسارت إلى بلاد الإسلام، وكان سبب قتل ~~الجراح، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن، عامل إفريقية، عثمان بن نسعة عن الأندلس، ~~واستعمل بعده الهيثم بن عبيد الكناني، وقدمها في المحرم سنة إحدى عشرة ~~ومائة، وتوفي في ذي الحجة من السنة، فكانت ولايته عشرة أشهر. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي، فكان العمال من تقدم ~~ذكرهم إلا خراسان كان بها الجنيد، وكان بإرمينية الجراح بن عبد الله. # PageV04P197 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة] ### | 112 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة # ذكر قتل الجراح الحكمي # في هذه السنة قتل الجراح بن عبد الله الحكمي. وسبب ذلك ما ذكرناه قبل من ~~دخوله بلاد الخزر وانهزامهم، فلما هزمهم اجتمع الخزر والترك من ناحية ~~اللان، فلقيهم الجراح بن عبد الله فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشد ~~قتال رآه الناس، فصبر الفريقان، وتكاثرت الخزر والترك على المسلمين، ~~فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل، وكان قد استخلف أخاه الحجاج بن ~~عبد الله على إرمينية. # ولما قتل الجراح طمع الخزر وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم ~~الخطب على المسلمين. # وكان الجراح خيرا فاضلا من عمال عمر بن عبد ms1748 العزيز، ورثاه كثير من ~~الشعراء. وقيل: كان قتله ببلنجر. # ولما بلغ هشاما خبره دعا سعيدا الحرشي فقال له: بلغني أن الجراح قد انحاز ~~عن المشركين. قال: كلا يا أمير المؤمنين، الجراح أعرف بالله من أن ينهزم، ~~ولكنه قتل. قال: فما رأيك؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم ~~تبعث إلي كل يوم أربعين رجلا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوني. # ففعل ذلك هشام، وسار الحرشي، فكان لا يمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها ~~فيجيبه من يريد الجهاد، ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن، فلقيه جماعة ~~من أصحاب الجراح، وبكوا وبكى لبكائهم وفرق فيهم نفقة وردهم معه، وجعل لا ~~يلقاه أحد من أصحاب الجراح إلا رده معه، ووصل إلى خلاط، وهي ممتنعة عليه، ~~فحصرها أيضا وفتحها وقسم غنائمها في أصحابه. # ثم سار عن خلاط وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شيء إلى أن وصل إلى برذعة ~~فنزلها. # PageV04P198 # وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبي ويقتل، وهو محاصر مدينة ~~ورثان، فخاف الحرشي أن يملكها، فأرسل بعض أصحابه إلى أهل ورثان سرا يعرفهم ~~وصولهم ويأمرهم بالصبر، فسار القاصد، ولقيه بعض الخزر فأخذوه وسألوه عن ~~حاله، فأخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك وأطلقناك ~~وإلا قتلناك. قال: فما الذي تريدون؟ قالوا: تقول لأهل ورثان إنكم ليس لكم ~~مدد ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك. # فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه فقال لهم: أتعرفوني؟ قالوا: ~~نعم أنت فلان. قال: فإن الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة، وهو ~~يأمركم بحفظ البلد والصبر، ففي هذين اليومين يصل إليكم. # فرفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل. # وقتلت الخزر ذلك الرجل ورحلوا عن مدينة ورثان، فوصلها الحرشي في العساكر ~~وليس عندها أحد. فارتحل يطلب الخزر إلى أردبيل، فسار الخزر عنها ونزل ~~الحرشي باجروان، فأتاه فارس على فرس أبيض فسلم عليه وقال له: هل لك أيها ~~الأمير في الجهاد والغنيمة؟ قال: كيف لي بذلك؟ قال: ms1749 هذا عسكر الخزر في عشرة ~~آلاف، ومعهم خمسة آلاف من أهل بيت من المسلمين أسارى أو سبايا، وقد نزلوا ~~على أربعة فراسخ. # فسار الحرشي ليلا فوافاهم آخر الليل وهم نيام، ففرق أصحابه في أربع جهات ~~فكبسهم مع الفجر، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا ~~أجمعين غير رجل واحد، وأطلق الحرشي من معهم من المسلمين وأخذهم إلى ~~باجروان، فلما دخلها أتاه ذلك الرجل صاحب الفرس الأبيض فسلم وقال: هذا جيش ~~للخزر ومعهم أموال للمسلمين وحرم الجراح وأولاده بمكان كذا. فسار الحرشي ~~إليهم، فما شعروا إلا والمسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف ~~شاءوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنقذوا من معهم من المسلمين ~~والمسلمات وغنموا أموالهم، وأخذ أولاد الجراح فأكرمهم وأحسن إليهم، وحمل ~~الجميع إلى باجروان. # وبلغ خبر ما فعله الحرشي بعساكر الخزر ابن ملكهم، فوبخ عساكره وذمهم ~~ونسبهم إلى العجز والوهن، فحرض بعضهم بعضا، وأشاروا عليه بجمع أصحابه ~~والعود إلى قتال الحرشي. فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان، فاجتمع معه عساكر ~~كثيرة، # PageV04P199 # وسار الحرشي إليه فالتقيا بأرض برزند، واقتتل الناس أشد قتال وأعظمه، ~~فانحاز المسلمون يسيرا، فحرضهم الحرشي وأمرهم بالصبر فعادوا إلى القتال ~~وصدقوهم الحملة، واستغاث من مع الخزر من الأسارى ونادوا بالتكبير والتهليل ~~والدعاء، فعندها حرض المسلمون بعضهم بعضا ولم يبق أحد إلا وبكى رحمة ~~للأسرى، واشتدت نكايتهم في العدو، فولوا الأدبار منهزمين، وتبعهم المسلمون ~~حتى بلغوا بهم نهر أرس، وعادوا عنهم وحووا ما في عساكرهم من الأموال ~~والغنائم، وأطلقوا الأسرى والسبايا وحملوا الجميع إلى باجروان. # ثم إن ابن ملك الخزر جمع من لحق به من عساكره وعاد بهم نحو الحرشي، فنزل ~~على نهر البيلقان، وبلغ الخبر إلى الحرشي فسار نحوه في عساكر المسلمين، ~~فوافاهم وهم على نهر البيلقان، فالتقوا هناك، فصاح الحرشي بالناس، فحملوا ~~حملة صادقة ضعضعوا صفوف الخزر، وتابع الحملات وصبر الخزر صبرا عظيما، ثم ~~كانت الهزيمة عليهم، فولوا الأدبار منهزمين، وكان من غرق منهم في النهر ~~أكثر ممن قتل. # وجمع الحرشي الغنائم وعاد ms1750 إلى باجروان فقسمها، وأرسل الخمس إلى هشام بن ~~عبد الملك وعرفه ما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه هشام يشكره. # وأقام بباجروان، فأتاه كتاب هشام يأمره بالمسير إليه، واستعمل أخاه مسلمة ~~بن عبد الملك على إرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد وسار إلى الترك في ~~شتاء شديد حتى جاز الباب في آثارهم. # ذكر وقعة الجنيد بالشعب # في هذه السنة خرج الجنيد غازيا يريد طخارستان، فوجه عمارة بن حريم إلى ~~طخارستان في ثمانية عشر ألفا، ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف ~~إلى وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة بن الحر، فكتب سورة إلى ~~الجنيد: إن خاقان جاش الترك، فخرجت إليهم فلم أطق [أن] أمنع حائط سمرقند، ~~فالغوث الغوث! # فأمر الجنيد الناس بعبور النهر، فقام إليه المجشر بن مزاحم السلمي وابن ~~بسطام الأزدي وغيرهما وقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك صفا ولا ~~زحفا وقد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالبيروذ، والبختري بهراة، وعمارة ~~بن حريم غائب بطخارستان، وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا، ~~فاكتب إلى عمارة # PageV04P200 # فليأتك وأمهل ولا تعجل. # قال: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين؟ لو لم أكن إلا في بني مرة أو من ~~طلع معي من الشام لعبرت، وقال شعرا: # أليس أحق الناس أن يشهد الوغى ... وأن يقتل الأبطال ضخما على ضخم # وقال: # ما علتي ما علتي ما علتي ... إن لم أقتلهم فجزوا لمتي # وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للمسير، وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في ~~طريق كش، فقال الجنيد: أي طريق إلى سمرقند أصلح؟ فقالوا: طريق المحترقة. ~~فقال المجشر: القتل بالسيف أصلح من القتل بالنار، طريق المحترقة كثير الشجر ~~والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فإن لقينا خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار ~~والدخان، ولكن خذ طريق العقبة فهو بيننا وبينهم سواء. فأخذ الجنيد طريق ~~العقبة فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته وقال: إنه كان يقال إن ~~رجلا مترفا من قيس يهلك على يديه جند من جنود خراسان وقد ms1751 خفنا أن تكونه. ~~قال: ليفرخ روعك. قال: أما ما كان بيننا مثلك فلا. فبات في أصل العقبة، ثم ~~سار بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ودخل الشعب، فصبحه خاقان ~~في جمع عظيم، وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة والشاش وطائفة من الترك، فحمل ~~خاقان على المقدمة، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير، فرجعوا إلى العسكر ~~والترك تتبعهم وجاءوهم من كل وجه، فجعل الجنيد تميما والأزد في الميمنة، ~~وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل، وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن ~~زهير بن حيان، وعلى المجردة عمرو بن جرقاش المنقري، وعلى جماعة بني تميم ~~عامر بن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو، ~~وعلى المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله بن حوذان. # فالتقوا، وقصد العدو الميمنة لضيق الميسرة، فترجل حسان بن عبيد الله بن ~~زهير بين يدي أبيه، فأمره أبوه بالركوب، فركب، وأحاط العدو بالميمنة، ~~فأمدهم الجنيد بنصر بن سيار، فشد هو ومن معه على العدو فكشفوهم، ثم كروا ~~عليهم وقتلوا عبيد الله بن زهير وابن جرقاش والفضيل بن هناد، وجالت الميمنة ~~والجنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة ووقف تحت راية الأزد، وكان قد ~~جفاهم، فقال له صاحب # PageV04P201 # الراية: ما هلكنا لتكرمنا، ولكنك علمت أنه لا يوصل إليك ومنا رجل حي، فإن ~~ظفرنا كان لك، وإن هلكنا لم تبك علينا. وتقدم فقتل، وأخذ الراية ابن مجاعة ~~فقتل، وتداولها ثمانية عشر رجلا فقتلوا، وقتل يومئذ من الأزد ثمانون رجلا. # وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا، فكانت السيوف لا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم ~~الخشب يقاتلون به حتى مل الفريقان، فكانت المعانقة ثم تحاجزوا. # وقتل من الأزد عبد الله بن بسطام، ومحمد بن عبد الله بن حوذان، والحسن بن ~~شيخ، والفضيل صاحب الخيل، ويزيد بن الفضل الحداني، وكان قد حج فأنفق في ~~حجته ثمانين ومائة ألف، وقال لأمه: ادعي الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له ~~وغشي عليها، فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما، ms1752 وقتل النضر بن ~~راشد العبدي، وكان قد دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها: كيف أنت إذا ~~أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرجا بالدم؟ فشقت جيبها ودعت بالويل، فقال لها: ~~حسبك، لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقا إلى (الحور العين! فرجع وقاتل حتى ~~استشهد، رحمه الله. # فبينا الناس كذلك إذ أقبل) رهج وطلعت فرسان، فنادى منادي الجنيد: الأرض ~~الأرض! فترجل وترجل الناس، ثم نادى: ليخندق كل قائد على حياله، فخندقوا ~~وتحاجزوا، وقد أصيب من الأزد مائة وتسعون رجلا. # وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر فلم ~~ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصدهم، ~~فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجنيد واشتد القتال بينهم. # ذكر مقتل سورة بن الحر # فلما اشتد القتال ورأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد ~~الله بن حبيب: اختر إما أن تهلك أنت أو سورة بن الحر. قال: هلاك سورة أهون ~~علي. قال: فاكتب (إليه فليأتك في أهل سمرقند، فإنه إذا بلغ الترك إقباله ~~توجهوا إليه فقاتلوه) . فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم. وقال حليس بن غالب ~~الشيباني: إن الترك بينك وبين # PageV04P202 # الجنيد، فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك. فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على ~~الخروج. فكتب إليه الجنيد: يابن اللخناء تخرج، وإلا وجهت إليك شداد بن خليد ~~الباهلي، وكان عدوه، فاخرج الزم الماء ولا تفارقه، فأجمع على المسير وقال: ~~إذا سرت على النهر لا أصل في يومين وبيني وبينه في هذا الوجه ليلة، فإذا ~~سكت الرجل سرت. # فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم بمقالة سورة، ورحل سورة واستخلف على سمرقند ~~موسى بن أسود الحنظلي، وسار في اثني عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، فتلقاه ~~خاقان حين أصبح، وقد سار ثلاثة فراسخ وبينه وبين الجنيد فرسخ فقاتلهم، ~~فاشتد القتال وصبروا. فقال غوزك لخاقان: اليوم حار فلا نقاتلهم حتى يحمى ~~عليهم السلاح، فوافقهم وأشعل النار في الحشيش وحال بينهم وبين الماء، فقال ~~سورة لعبادة: ms1753 ما ترى يا أبا سليم؟ فقال: أرى أن الترك يريدون الغنيمة، ~~فاعقر الدواب وأحرق المتاع وجرد السيف، فإنهم يخلون لنا الطريق، وإن منعونا ~~شرعنا الرماح ونزحف زحفا، وإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر. فقال: لا أقوى ~~على هذا ولا فلان وفلان، وعد رجالا، ولكن أجمع الخيل فأصكهم بها سلمت أم ~~عطبت. . # وجمع الناس وحملوا، فانكشف الترك وثار الغبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك ~~لهيب فسقطوا فيه، وسقط العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه، وتفرق ~~الناس، فقتلهم الترك ولم ينج منهم غير ألفين، ويقال ألف، وكان ممن نجا منهم ~~عاصم بن عمير السمرقندي، واستشهد حليس بن غالب الشيباني، وانحاز المهلب بن ~~زياد العجلي في سبعمائة إلى رستاق يسمى المرغاب فنزلوا قصرا هناك، فأتاهم ~~الأشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك، فأعطاهم غوزك الأمان. فقال قريش بن عبد ~~الله العبدي: لا تثقوا بهم، ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي ~~سمرقند. فعصوه فنزلوا بالأمان، فساقهم إلى خاقان فقال: لا أجيز أمان غوزك، ~~فقاتلهم الوجف بن خالد والمسلمون فأصيبوا غير سبعة عشر رجلا فقتلوا غير ~~ثلاثة. # وقتل سورة في اللهب، فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادرا، ~~فقال له خالد بن عبيد الله: سر وأسرع. فقال له المجشر: انزل وخذ بلجام ~~دابته، فنزل ونزل الناس معه، فلم يستتم نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشر ~~له: لو لاقونا ونحن نسير ألم يهلكونا؟ فلما أصبحوا تناهضوا فجال الناس، ~~فقال الجنيد: أيها الناس إنها النار، فرجعوا، ونادى الجنيد: أي عبد قاتل ~~فهو حر. فقاتل العبيد قتالا عجب منه # PageV04P203 # الناس، فسروا بما رأوا من صبرهم، وصبر الناس حتى انهزم العدو ومضوا، فقال ~~موسى ابن التعراء [للناس] : تفرحون بما رأيتم من العبيد! إن لكم منهم ليوما ~~أروزبان. # ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو، وأقام بالصغد ~~أربعة أشهر. وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم وعبد الرحمن بن ~~صبح الخرقي وعبيد الله بن حبيب الهجري، وكان المجشر ms1754 ينزل الناس على راياتهم ~~ويضع المسالح، ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان عبد الرحمن إذا نزل الأمر ~~العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه، وكان عبيد الله على تعبية القتال. ~~وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب، فمنهم: ~~الفضل بن بسام، مولى ليث، وعبد الله بن أبي عبد الله، مولى سليم، والبختري ~~بن مجاهد، مولى شيبان. # فلما انصرف الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة، أحد بني تيم اللات، وزبل بن ~~سويد المري إلى هشام، وكتب إليه: إن سورة عصاني، أمرته بلزوم الماء فلم ~~يفعل، فتفرق عنه أصحابه، فأتتني طائفة [إلى كش] ، وطائفة إلى نسف، وطائفة ~~إلى سمرقند، وأصيب سورة في بقية أصحابه. # فسأل هشام نهار بن توسعة عن الخبر، فأخبره بما شهد، فكتب هشام إلى ~~الجنيد: قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ~~ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة ~~لخمسة عشر ألفا. فلما سمع هشام مصاب سورة (قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~مصاب سورة) بخراسان ومصاب الجراح بالباب. # وأبلى نصر بن سيار يومئذ بلاء حسنا. وأرسل الجنيد ليلة بالشعب رجلا وقال ~~[له] : تسمع ما يقول الناس وكيف حالهم. ففعل ثم رجع إليه فقال: رأيتهم طيبة ~~أنفسهم، يتناشدون الأشعار ويقرءون القرآن. فسره ذلك. # قال عبيد بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط بين السماء والأرض فقلت: لمن ~~هذا؟ فقالوا: لعبد الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا في غد، فقال رجل: مررت في ~~ذلك # PageV04P204 # الموضع بعد ذلك بحين، فشممت رائحة المسك. # وأقام الجنيد بسمرقند، وتوجه الخاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن ~~مسلم، فخاف الجنيد الترك على قطن بن قتيبة، فشاور أصحابه فقال قوم: نلزم ~~سمرقند. وقال قوم: نسير منها فنأتي ربنجن، ثم كش، ثم إلى نسف، فنتصل منها ~~إلى أرض زم، ونقطع النهر وننزل آمل فنأخذ عليه بالطريق. # فاستشار عبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم، وأخبره بما قالوا، ~~فاشترط ms1755 عليه أن لا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال ونزول وقتال، قال: ~~نعم. قال: فإني أطلب إليك خصالا. قال: وما هي؟ قال: تخندق حيثما نزلت، فلا ~~يفوتنك حمل الماء، ولو كنت على شاطئ نهر، وأن تطيعني في نزولك وارتحالك. ~~قال: نعم. قال: أما ما أشاروا عليك في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث، ~~فالغياث يبطئ عنك، وأما ما أشاروا من طريق كش ونسف، فإنك إن سرت بالناس في ~~غير الطريق، فتت في أعضادهم، وانكسروا عن عدوهم، واجترأ عليك خاقان، وهو ~~اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت غير الطريق بلغ أهل بخارى ~~ما فعلت فيستسلموا لعدوهم، وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدو، والرأي عندي ~~أن تأخذ عيال من قتل مع سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك، فإني أرجو ~~بذلك أن ينصرك الله على عدوك، وتعطي كل رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسا. # فأخذ برأيه وخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فارس ~~وأربعمائة راجل. فشتم الناس عبد الله بن أبي عبيد الله وقالوا: ما أراد إلا ~~هلاكنا. فخرج الجنيد وحمل العيال معه، وسرح الأشحب بن عبيد الحنظلي ومعه ~~عشرة من الطلائع وقال: كلما مضت مرحلة تسرح إلي رجلا يعلمني الخبر. وسار ~~الجنيد فأسرع السير، فقال له عطاء الدبوسي: انظر أضعف شيخ في العسكر فسلحه ~~سلاحا تاما بسيفه ورمحه وترسه وجعبته، ثم سر على قدر مشيه، فإنا لا نقدر ~~على سرعة المسير والقتال ونحن رجالة. ففعل الجنيد ذلك، ولم يعرض للناس عارض ~~حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، وأقبل إليه خاقان ~~بكرمينية أول يوم من رمضان واقتتلوا، فأتاه عبد الله بن أبي عبد الله وهو ~~يضحك، فقال الجنيد: ليس هذا يوم ضحك. قال: الحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء في ~~جبال معطشة وعلى ظهر، إنما أتوك وأنت مخندق آخر النهار كالين وأنت معك ~~الزاد، فقاتلوا قليلا ثم رجعوا. ثم قال للجنيد: ارتحل فإن خاقان ود أنك ~~تقيم فينطوي عليك إذا شاء. # PageV04P205 # فسار وعبد الله ms1756 على الساقة، ثم أمره بالنزول فنزل، واستقى الناس وباتوا، ~~فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله: إني أتوقع أن خاقان يصدم الساقة اليوم ~~فشدوها بالرجال، فقواهم الجنيد، وجاءت الترك فمالت على الساقة فاقتتلوا، ~~فاشتد القتال بينهم وقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء الترك، فتطيروا من ~~ذلك وانصرفوا من الطواويس. وسار المسلمون فدخلوا بخارى يوم المهرجان، ~~فتلقوهم بالدراهم البخارية، فأعطاهم عشرة عشرة. # قال عبد المؤمن بن خالد: رأيت عبد الله بن أبي عبد الله في المنام بعد ~~موته، فقال: حدث الناس عني برأيي يوم الشعب. # وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله فيقول: زبدة من الزبد، صنبور من ~~صنبور، قل من قل، هيفة من الهيف. والهيفة: الضبع، والقل: الفرد، والصنبور: ~~الذي لا أخ له، (وقيل الملصق) . # وقدمت الجنود من الكوفة على الجنيد، فسرح معهم حوثرة بن زيد العنبري فيمن ~~انتدب معه. وقيل: إن وقعة الشعب كانت سنة ثلاث عشرة، وقال نصر بن سيار يذكر ~~يوم الشعب: # إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا # إن تحسدوني على مثل البلاء لكم ... يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا # يأبى الإله الذي أعلى بقدرته كعبي ... عليكم وأعطى فوقكم عددا # أرمي العداة بأفراس مكلمة ... حتى اتخذن على حسادهن يدا # من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا # هلا شهدتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا # وقال ابن عرس يمدح نصرا: # PageV04P206 # يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع # فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا # يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع # ما زلت ترميهم بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا # فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام بن ~~عبد الملك. # (وفيها استعمل أهل الأندلس على أنفسهم بعد موت الهيثم أميرهم ms1757 محمد بن عبد ~~الملك الأشجعي، فبقي شهرين، وولي بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي) . # وكان عمال الأمصار هذه السنة من ذكرناهم في السنة قبلها. # PageV04P207 # [الوفيات] # وفيها مات رجاء بن حيوة بقسين، (حيوة: بالحاء المهملة المفتوحة، وسكون ~~الياء المثناة من تحت) . # وفيها توفي مكحول أبو عبد الله الشامي الفقيه. # وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي، ومات أبوه وأمه حامل به، فكل ما ~~يروونه عن أبيه فهو منقطع. # PageV04P208 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة] ### | 113 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة # ذكر قتل عبد الوهاب # في هذه السنة قتل عبد الوهاب بن بخت، وكان قد غزا مع عبد الله البطال أرض ~~الروم، فانهزم الناس عن البطال، فحمل عبد الوهاب وهو يقول: ما رأيت فرسا ~~أجبن منك، سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! (ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا ~~عبد الوهاب بن بخت! أمن الجنة تفرون؟) ثم تقدم في نحر العدو، فمر برجل ~~يقول: واعطشاه! فقال: تقدم، الري أمامك. فخالط القوم فقتل وقتل فرسه. # ذكر غزوة مسلمة وعوده # وفيها فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان، ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل ~~منهم وأسر وسبى وأحرق، ودان له من وراء جبال بلنجر، وقتل ابن خاقان، ~~فاجتمعت تلك الأمم جميعها، الخزر وغيرهم عليه في جمع لا يعلم عددهم إلا ~~الله تعالى، وقد جاز مسلمة بلنجر فلما بلغه خبرهم أمر أصحابه، فأوقدوا ~~النيران ثم ترك خيامهم وأثقالهم وعاد هو وعسكره جريدة، وقدم الضعفاء وأخر ~~الشجعان، وطووا المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل إلى الباب والأبواب في ~~آخر رمق. # ذكر قتل عبد الرحمن أمير الأندلس وولاية عبد الملك بن قطن # في هذه السنة، وهي سنة ثلاث عشرة ومائة، غزا عبد الرحمن بن عبد الله ~~الغافقي أمير الأندلس من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، وكان هشام بن عبد ~~الملك قد # PageV04P209 # استعمل عبيدة على إفريقية (والأندلس سنة عشر ومائة، فلما قدم إفريقية ~~رأى) المستنير بن الحارث الحريثي غازيا بصقلية، وأقام هناك حتى هجم عليه ms1758 ~~الشتاء ثم قفل راجعا، فغرق من معه وسلم المستنير في مركبه، فحبسه عبيدة ~~عقوبة له وجلده وشهره بالقيروان. # ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله، فغزا إفرنجة ~~وأوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، وكان فيما أصاب رجل من ذهب مفصصة بالدر ~~والياقوت والزمرد، فكسرها وقسمها في الناس. فبلغ ذلك عبيدة، فغضب غضبا ~~شديدا، فكتب إليه يتهدده، فأجابه عبد الرحمن، وكان رجلا صالحا: أما بعد فإن ~~السماوات والأرض لو كانت رتقا لجعل الله للمتقين منها مخرجا. ثم خرج غازيا ~~(ببلاد الفرنج هذه السنة، وقيل: سنة أربع عشرة، وهو الصحيح) ، فقتل هو ومن ~~معه شهداء. # ثم إن عبيدة سار من إفريقية إلى الشام ومعه من الهدايا والإماء والعبيد ~~والدواب وغير ذلك شيء كثير، واستعفى هشاما، فأجابه إلى ذلك وعزله، وكان قد ~~استعمل على الأندلس بعد قتل عبد الرحمن عبد الملك بن قطن. # ثم إن هشاما استعمل على إفريقية بعد عبيدة عبيد الله بن الحبحاب، وكان ~~على مصر، فسار عبيد الله إلى إفريقية سنة ست عشرة ومائة فأخرج المستنير من ~~الحبس وولاه تونس. # ثم إن عبيد الله جهز جيشا مع حبيب بن أبي عبيدة وسيرهم إلى أرض السودان، ~~فظفر بهم ظفرا لم يظفر أحد مثله وأصاب ما شاء، ثم غزا البحر ثم انصرف. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة مات عدي بن ثابت الأنصاري. ومعاوية بن قرة بن إياس المزني، ~~والد إياس قاضي البصرة الذي يضرب بذكائه المثل. # PageV04P210 # وفيها توفي حرام بن سعيد بن محيصة أبو سعيد، وعمره سبعون سنة، (حرام: ~~بفتح الحاء المهملة، وبالراء المهملة. ومحيصة: بضم الميم، وفتح الحاء ~~المهملة، وتشديد الياء المثناة من تحت، وبالصاد المهملة) . # وفيها توفي طلحة بن مصرف الإيامي. وعبد الله بن عبيد الله بن عمير ~~الليثي. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ويكنى أبا جعفر، وعمره سبع وسبعون ~~سنة. # ووهب بن منبه الصنعاني، وكان أصغر من أخيه همام، وكانوا خمسة إخوة: همام ~~ووهب وغيلان وعقيل ومعقل، وقيل: مات سنة عشر ومائة. ms1759 # وفيها توفي الحر بن يوسف أمير الموصل ودفن بمقابر قريش بالموصل، وكانت ~~بإزاء داره المعروفة بالمنقوشة، في ذي الحجة، واستعمل هشام مكانه الوليد بن ~~تليد العبسي، وأمره بالجد في إتمام حفر النهر في البلد، فشرع فيه واهتم ~~بعمله. # وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم، فرابط من ناحية مرعش ثم رجع. # وفي هذه السنة سار جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان، فأخذ الجنيد ~~رجلا # PageV04P211 # منهم فقتله وقال: من أصبت منهم فدمه هدر. # وحج بالناس هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: إبراهيم بن ~~هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان العمال من تقدم ذكرهم. # PageV04P212 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة] ### | 114 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة # ذكر ولاية مروان بن محمد إرمينية وأذربيجان # في هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان وهو ابن ~~عمه، على الجزيرة وأذربيجان وإرمينية. # وكان سبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة بإرمينية حين غزا الخزر، فلما عاد ~~مسلمة سار مروان إلى هشام، فلم يشعر به حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه ~~فقال: ضقت ذرعا بما أذكره، ولم أر من يحمله غيري! قال: وما هو: قال مروان: ~~قد كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره من المسلمين ما ~~دخل به الوهن على المسلمين، ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة بن ~~عبد الملك إليهم، فوالله ما وطئ من بلادهم إلا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة ~~جمعه أعجبه ذلك، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، ~~فاستعد القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، وكان قصاراه ~~السلامة، وقد أردت أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار، وأنتقم من ~~العدو. قال: قد أذنت لك. قال: وتمدني بمائة وعشرين ألف مقاتل؟ قال: قد ~~فعلت. قال: وتكتم هذا الأمر عن كل واحد؟ قال: قد فعلت، وقد استعملتك على ~~إرمينية. فودعه وسار إلى إرمينية واليا عليها، وسير هشام الجنود من ms1760 الشام ~~والعراق والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة وعشرون ألفا، ~~فأظهر أنه يريد غزو اللان وقصد بلادهم، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه ~~المهادنة، فأجابه إلى ذلك وأرسل إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى ~~أن فرغ من جهازه وما يريد، ثم أغلظ لهم القول وآذنهم بالحرب، وسير الرسول ~~إلى صاحبه بذلك، ووكل به من يسيره على طريق فيه بعد، وسار هو في أقرب ~~الطرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلا ومروان قد وافاهم، فأعلم صاحبه الخبر ~~وأخبره بما جمع له مروان وحشد واستعد. فاستشار # PageV04P213 # ملك الخزر أصحابه، فقالوا: إن هذا قد اغترك ودخل بلادك، فإن أقمت إلى أن ~~تجمع لم يجتمع عندك إلى مدة فيبلغ منك ما يريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه ~~هزمك وظفر بك، والرأي أن تتأخر إلى أقصى بلادك وتدعه وما يريد. فقبل رأيهم ~~وسار حيث أمروه. # ودخل مروان البلاد وأوغل فيها وأخربها وغنم وسبى وانتهى إلى آخرها، وأقام ~~فيها عدة أيام حتى أذلهم وانتقم منهم، ودخل بلاد ملك السرير فأوقع بأهله، ~~وفتح قلاعا، ودان له الملك وصالحه على ألف رأس وخمسمائة غلام وخمسمائة ~~جارية سود الشعور ومائة ألف مدي تحمل إلى الباب، وصالح مروان أهل تومان على ~~مائة رأس نصفين، وعشرين ألف مدي، ثم دخل أرض زريكران، فصالحه ملكها، ثم أتى ~~إلى أرض حمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم فافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان ~~فافتتحها صلحا، ووظف على طير شانشاه عشرة آلاف مدي كل سنة تحمل إلى الباب، ~~ثم نزل على قلعة صاحب اللكز، وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللكز ~~يريد ملك الخزر، فقتله راع بسهم وهو لا يعرفه، فصالح أهل اللكز مروان، ~~واستعمل عليهم عاملا، وسار إلى قلعة شروان، وهي على البحر، فأذعن بالطاعة، ~~وسار إلى الدودانية فأوقع بهم ثم عاد. # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن، وإن ~~عبد الله البطال التقى هو وقسطنطين في جمع، فهزمهم البطال وأسر قسطنطين. ms1761 # وفيها غزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية) . # PageV04P214 # وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام المخزومي عن ~~المدينة واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع ~~الأول، وكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثماني سنين، وعزل إبراهيم عن مكة ~~والطائف، واستعمل عليهما محمد بن هشام المخزومي، وقيل: بل ولى محمدا سنة ~~ثلاث عشرة، فلما عزل إبراهيم أقر محمدا عليها. # وفيها وقع الطاعون بواسط. # وفيها أقبل مسلمة بن عبد الملك بعدما هزم خاقان، وأحكم ما هناك وبنى ~~الباب. # وحج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث، وقيل محمد بن هشام. وكان العمال ~~من تقدم ذكرهم في السنة قبلها، غير أن المدينة كان عاملها خالد بن عبد ~~الملك، وعامل مكة والطائف محمد بن هشام، وعامل إرمينية وأذربيجان مروان بن ~~محمد. # [الوفيات] # وفيها مات عطاء بن أبي رباح، وقيل سنة خمس عشرة، وعمره ثمان وثمانون سنة ~~وقيل مائة سنة. # وفيها توفي محمد بن علي بن الحسين الباقر، وقيل سنة خمس عشرة، وكان عمره ~~ثلاثا وسبعين سنة، وقيل ثمانيا وخمسين سنة. # PageV04P215 # والحكم بن عتيبة بن النهاس أبو محمد، وهو مولى امرأة من كندة، ومولده سنة ~~خمسين. # وفيها توفي عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي قاضي مرو، وكان مولده ~~لثلاث سنين مضت من خلافة عمر بن الخطاب. # (عتيبة: بضم العين المهملة، وفتح التاء فوقها نقطتان، وبعدها ياء مثناة ~~من تحتها، وآخره باء موحدة. وبريدة: بضم الباء الموحدة، وفتح الراء. ~~والحصيب: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وآخره باء موحدة) . # PageV04P216 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة] ### | 115 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام أرض الروم. وفيها وقع الطاعون بالشام. ~~وفيها وقع بخراسان قحط شديد، فكتب الجنيد إلى الكور بحمل الطعام إلى مرو، ~~فأعطى الجنيد رجلا درهما فاشترى به رغيفا، فقال لهم أتشكون الجوع ورغيف ~~بدرهم؟ لقد رأيتني بالهند وإن الحبة من الحبوب لتباع عددا بدرهم. # قال: وحج بالناس هذه السنة محمد ms1762 بن هشام المخزومي. # وكان الأمير بخراسان الجنيد، وقيل: بل كان قد مات الجنيد واستخلف عمارة ~~بن حريم المري، وقيل: بل كان موت الجنيد سنة ست عشرة ومائة. # (وفيها غزا عبد الملك بن قطن عامل الأندلس أرض البشكنس وعاد سالما) . # PageV04P217 ### | [ثم دخلت سنة ستة عشرة ومائة] ### | 116 - # ثم دخلت سنة ستة عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية بن عبد الملك أرض الروم الصائفة. وفيها كان ~~طاعون شديد بالعراق والشام، وكان أشد بواسط. # ذكر عزل الجنيد ووفاته وولاية عاصم خراسان # وفيها عزل هشام بن عبد الملك الجنيد بن عبد الرحمن المري عن خراسان، ~~(واستعمل عليها عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. # وسبب ذلك أن الجنيد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام فولى ~~عاصما خراسان) ، وكان الجنيد قد سقي بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه ~~رمق فأزهق نفسه. فقدم عاصم وقد مات الجنيد، وكان بينهما عداوة، فأخذ عمارة ~~بن حريم، وكان الجنيد قد استخلفه، وهو ابن عمه، فعذبه عاصم وعذب عمال ~~الجنيد. # وعمارة هذا جد أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام، وسيأتي ذكرها إن شاء ~~الله. # وكان موت الجنيد بمرو، وكان من الأجواد الممدوحين غير محمود في حروبه. # ذكر خلع الحارث بن سريج بخراسان # وفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج، وأقبل إلى الفارياب، فأرسل إليه عاصم ~~بن عبد الله رسلا فيهم مقاتل بن حيان النبطي وحطاب بن محرز السلمي فقالا ~~لمن معهما: لا نلقى الحارث إلا بأمان. فأبى القوم عليهما، فأخذهم الحارث ~~وحبسهم # PageV04P218 # ووكل بهم رجلا، فأوثقوه وخرجوا من السجن فركبوا وعادوا إلى عاصم، فأمرهم، ~~فخطبوا وذموا الحارث وذكروا خبث سيرته (وغدره. وكان الحارث قد لبس السواد ~~ودعا إلى كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب) فأتى بلخا ~~وعليها نصر بن سيار [و] التجيبي [ابن ضبيعة المري] ، فلقيا الحارث (في عشرة ~~آلاف والحارث في أربعة آلاف فقاتلهما ومن معهما، فانهزم أهل بلخ وتبعهم ~~الحارث) ، فدخل مدينة بلخ، وخرج نصر بن سيار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم، ms1763 ~~واستعمل عليها رجلا من ولد عبد الله بن خازم، وسار إلى الجوزجان فغلب عليها ~~وعلى الطالقان ومرو الروذ. # فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه في أي بلد يقصد، فقيل له: مرو بيضة ~~خراسان وفرسانهم كثير، ولو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإن ~~أتوك قاتلتهم، وإن أقاموا قطعت المادة عنهم. قال: لا أرى ذلك، وسار إلى مرو ~~(فقال لأهل الرأي من مرو: إن أتى نيسابور فرق جماعتنا، وإن أتانا نكب. # وبلغ عاصما أن أهل مرو يكاتبون الحارث فقال: يا أهل مرو قد كاتبتم ~~الحارث، لا يقصد المدينة إلا تركتموها له، وإني لاحق بنيسابور، وأكاتب أمير ~~المؤمنين حتى يمدني بعشرة آلاف من أهل الشام. فقال له المجشر بن مزاحم: إن ~~أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق على القتال معك والمناصحة لك (فلا تفارقهم) . # وأقبل الحارث إلى مرو يقال: في ستين ألفا ومعه فرسان الأزد وتميم، ومنهم: ~~محمد بن المثنى، وحماد بن عامر الحماني، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف ~~الرياحي، وعطاء الدبوسي، ومن الدهاقين: دهقان الجوزجان ودهقان الفارياب ~~وملك الطالقان ودهقان مرو الروذ في أشباههم، وخرج عاصم في أهل مرو وغيرهم ~~فعسكر، وقطع عاصم القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوا القناطر، فمال محمد ~~بن المثنى الفراهيذي الأزدي إلى عاصم في ألفين فأتى الأزد، ومال حماد بن ~~عامر الحماني إلى عاصم فأتى بني تميم، والتقى الحارث وعاصم، وعلى ميمنة ~~الحارث وابض بن عبد الله بن زرارة التغلبي، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ~~أصحاب الحارث فغرق منهم # PageV04P219 # بشر كثير في أنهار مرو وفي النهر الأعظم، ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق ~~خازم بن عبد الله بن خازم، وكان مع الحارث، وقتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا، ~~وقطع الحارث وادي مرو، فضرب رواقا عند منازل الرهبان، وكف عنه عاصم، واجتمع ~~إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف. # ذكر عدة حوادث # وفيها عزل هشام عبيد الله بن الحبحاب الموصلي عن ولاية مصر، واستعمله على ~~إفريقية، فسار إليها. # وفيها سير ابن الحبحاب جيشا إلى صقلية، فلقيهم مراكب الروم فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزمت الروم، وكانوا قد ms1764 أسروا جماعة من المسلمين، منهم عبد ~~الرحمن بن زياد، فبقي أسيرا إلى سنة إحدى وعشرين ومائة. # وفيها سير ابن الحبحاب أيضا جيشا إلى السوس وأرض السودان، فغنموا وظفروا ~~وعادوا. وفيها استعمل عبد الله بن الحبحاب عطية بن الحجاج القيسي على ~~الأندلس، فسار إليها ووليها في شوال من هذه السنة، وعزل عبد الملك بن قطن، ~~وكان له كل سنة غزاة، وهو [الذي] افتتح جليقية والبتة وغيرهما. وقيل: بل ~~ولي عبد الله بن الحبحاب إفريقية سنة سبع عشرة، وسترد أخباره هناك، وهذا ~~أصح) . # وحج بالناس هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان ولي عهد. # وكان العمال على الأمصار من تقدم ذكرهم إلا خراسان، فكان عاملها عاصم بن ~~عبد الله. # PageV04P220 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة] ### | 117 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام ~~الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم. وفيها بعث مروان ~~بن محمد، وهو على إرمينية، بعثين، وافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان، ~~ونزل الآخر على تومانشاه، فنزل أهلها على الصلح. # ذكر عزل عاصم عن خراسان وولاية أسد # وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وولاها ~~خالد بن عبد الله القسري، فاستخلف خالد عليها أخاه أسد بن عبد الله. # وكان سبب ذلك أن عاصما كتب إلى هشام: أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، ~~وإن خراسان لا تصح إلا [أن] تضم إلى [صاحب] العراق، فتكون موادها ومعونتها ~~من قريب لتباعد أمير المؤمنين [عنها] وتباطؤ غياثه. فضم هشام خراسان إلى ~~خالد بن عبد الله القسري، وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد، فإن كان رجية ~~كانت به. فسير خالد إليها أخاه أسدا. # فلما بلغ عاصما إقبال أسد، وأنه قد سير على مقدمته محمد بن مالك الهمداني ~~صالح الحارث بن سريج، وكتبا بينهما كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان ~~شاء، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه ms1765 بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن أبى اجتمعا عليه، فختم الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن ~~حضين بن # PageV04P221 # المنذر أن يختم وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين، فانفسخ ذلك. # وكان عاصم بقرية بأعلى مرو، وأتاه الحارث بن سريج، فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم الحارث وأسر من أصحابه أسرى كثيرة، منهم عبد الله بن ~~عمرو المازني رأس أهل مرو الروذ، فقتل عاصم الأسرى، وكان فرس الحارث قد رمي ~~بسهم فنزعه الحارث، وألح على الفرس بالضرب والحضر ليشغله عن أثر الجراحة، ~~وحمل عليه رجل من أهل الشام، فلما قرب منه مال الحارث عن فرسه ثم اتبع ~~الشامي فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! فقال: انزل عن فرسك. فنزل عن ~~فرسه، فركبه الحارث، فقال رجل من عبد القيس في ذلك: # تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا # فليت قريشا أصبحوا ذات ليلة ... يعومون في لج من البحر أخضرا # وعظم أهل الشام يحيى بن (حضين لما صنع في نقض الكتاب، وكتبوا كتابا بما ~~كان وبهزيمة الحارث مع محمد بن مسلم العنبري. فلقي أسد بن عبد الله بالري، ~~وقيل ببيهق، فكتب إلى أخيه) ينتحل أنه هزم الحارث ويخبره بأمر يحيى، فأجاز ~~خالد يحيى بعشرة آلاف (دينار و [كساه] مائة حلة. # وكانت ولاية عاصم أقل من سنة، فحبسه أسد وحاسبه، وطلب منه مائة ألف درهم) ~~وقال: إنك لم تفز، وأطلق عمارة بن حريم وعمال الجنيد. # فلما قدم أسد لم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور، والحارث بمرو الروذ، وخالد ~~بن عبد الله الهجري بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ ~~أن يأتي الهجري من قبل آمل، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو ~~الروذ. فأجمع على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى ~~الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل عليهم زياد ~~القرشي مولى حيان النبطي وغيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد ~~ونصب عليهم المجانيق وعليهم ms1766 # PageV04P222 # الهجري من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فأرسل إليهم أسد: ما تطلبون؟ ~~قالوا: كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأن لا تأخذ أهل المدن ~~بجنايتنا. فأجابهم إلى ذلك، فاستعمل عليهم يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني ~~وسار يريد بلخا، فأخبر أن أهلها قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، ~~فسار حتى قدمها واتخذ سفنا وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، ~~وبها سنان الأعرابي، فنزل أسد دون النهر ولم يطق العبور إليهم ولا يمدهم، ~~وخرج أهل ترمذ من المدينة فقاتلوا الحارث قتالا شديدا، واستطرد الحارث لهم، ~~وكان قد وضع كمينا، فتبعوه، ونصر بن سيار مع أسد جالس ينظر، فأظهر ~~الكراهية، وعرف أن الحارث قد كادهم، وظن أسد أنما ذلك شفقة على الحارث حين ~~ولي، وأراد معاتبة نصر، وإذا الكمين قد خرج عليهم فانهزموا. # ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل ترمذ إلى الحارث فهزموه وقتلوا جماعة من ~~أهل البصائر، منهم: عكرمة وأبو فاطمة. ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم، ~~فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني، وهو في حصن من حصونها، وهو من أصحاب ~~الحارث، فقال له أسد: إنما أنكرتم [على قومكم] ما كان من سوء السيرة، ولم ~~يبلغ ذلك السبي واستحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند، وأنا ~~أريد سمرقند، ولك عهد الله وذمته أن لا ينالك مني شر، ولك المواساة ~~والكرامة والأمان (ولمن معك، وإن أبيت ما دعوتك إليه فعلي عهد الله إن أنت ~~رميت بسهم أن لا أؤمنك بعده، وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به. فخرج إليه ~~على الأمان) ، وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر، وماء سمرقند منها، ~~فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند، ثم رجع إلى بلخ. # وقيل: إن أمر أسد وأصحاب الحارث كان سنة ثماني عشرة. # ذكر حال دعاة بني العباس # قيل: وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس ~~بخراسان، فقتل بعضهم ومثل ببعضهم وحبس بعضهم، وكان فيمن أخذ: ms1767 سليمان بن ~~كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولاهز بن قريظ، وخالد بن إبراهيم، ~~وطلحة بن زريق، فأتي بهم، فقال [لهم] : يا فسقة، ألم يقل الله تعالى: {عفا ~~الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95] ؟ # PageV04P223 # فقال له سليمان: نحن والله كما قال الشاعر: # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري # صيدت والله العقارب بيديك! إنا ناس من قومك! وإن المضرية رفعوا إليك هذا ~~لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم فطلبوا بثأرهم. فبعث بهم إلى الحبس، ~~ثم قال لعبد الرحمن بن نعيم: ما ترى؟ قال: أرى أن تمن بهم على عشائرهم. ~~قال: لا أفعل، فأطلق من كان فيهم من أهل اليمن لأنه منهم، ومن كان من ربيعة ~~أطلقه أيضا لحلفهم مع اليمن، وأراد قتل من كان من مضر، فدعا موسى بن كعب، ~~وألجمه بلجام حمار، جذب اللجام فتحطمت أسنانه ودق وجهه وأنفه، ودعا لاهز بن ~~قريظ فقال له: ما هذا بحق، تصنع بنا هذا وتترك اليمانيين والربيعيين؟ فضربه ~~ثلاثمائة سوط، فشهد له الحسن بن زيد الأزدي بالبراءة ولأصحابه فتركهم. # ذكر ولاية عبيد الله بن الحبحاب إفريقية والأندلس # في هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقية والأندلس عبيد الله ~~بن الحبحاب وأمره بالمسير إليها، وكان واليا على مصر، فاستخلف عليها ولده ~~وسار إلى إفريقية، واستعمل على الأندلس عقبة بن (الحجاج، واستعمل على طنجة ~~ابنه إسماعيل، وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن) نافع غازيا إلى المغرب، ~~فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان، فلم يقاتله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من ~~الغنائم والسبي أمرا عظيما، فملئ أهل المغرب منه رعبا، وأصاب بالسبي ~~جاريتين من البربر ليس لكل واحدة منهما غير ثدي واحد، ورجع سالما. وسير ~~جيشا في البحر سنة سبع عشرة إلى جزيرة السردانية، ففتحوا منها ونهبوا ~~وعادوا. ثم سيره غازيا إلى جزيرة صقلية سنة اثنتين ومائة ومعه ابنه عبد ~~الرحمن بن حبيب، فلما نزل بأرضها وجه عبد الرحمن على الخيل، فلم يلقه أحد ms1768 ~~إلا هزمه عبد الرحمن، فظفر ظفرا لم ير مثله، حتى نزل على مدينة سرقوسة، وهي ~~من أعظم مدن صقلية، فقاتلوه فهزمهم وحصرهم، فصالحوه على الجزية، وعاد إلى ~~أبيه، وعزم حبيب على المقام بصقلية إلى أن يملكها جميعا، فأتاه كتاب ابن ~~الحبحاب يستدعيه إلى إفريقية. # PageV04P224 # وكان سبب ذلك أنه استعمل على طنجة ابنه إسماعيل، وجعل معه عمر بن عبد ~~الله المرادي، فأساء السيرة وتعدى، وأراد أن يخمس مسلمي البربر، وزعم أنهم ~~فيء للمسلمين، وذلك شيء لم يرتكبه أحد قبله، فلما سمع البربر بمسير حبيب بن ~~عبيدة إلى صقلية بالعساكر طمعوا ونقضوا الصلح على ابن الحبحاب، وتداعت عليه ~~بأسرها مسلمها وكافرها، وعظم البلاء، وقدم من بطنجة من البربر على أنفسهم ~~ميسرة السقاء ثم المدغوري، وكان خارجيا صفريا وسقاء، وقصدوا طنجة، فقاتلهم ~~عمر بن عبد الله فقتلوه، واستولوا على طنجة، وبايعوا ميسرة بالخلافة وخوطب ~~بأمير المؤمنين، وكثر جمعه من البربر، وقوي أمره بنواحي طنجة. # وظهر في ذلك الوقت جماعة بإفريقية، فأظهروا مقالة الخوارج، فأرسل ابن ~~الحبحاب إلى حبيب وهو بصقلية يستدعيه إليه لقتال ميسرة السقاء، لأن أمره ~~كان قد عظم، فعاد إلى إفريقية. # وكان ابن الحبحاب قد سير خالد بن حبيب في جيش إلى ميسرة، فلما وصل حبيب ~~بن أبي عبيدة سيره في أثره، والتقى خالد وميسرة بنواحي طنجة، واقتتلوا ~~قتالا شديدا لم يسمع بمثله، وعاد ميسرة إلى طنجة، فأنكرت البربر سيرته، ~~وكانوا بايعوه بالخلافة، فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي، ثم ~~التقى خالد بن حميد ومعه البربر بخالد بن حبيب ومعه العرب وعسكر هشام، وكان ~~بينهم قتال شديد صبرت فيه العرب، وظهر عليهم كمين من البربر فانهزموا، وكره ~~خالد بن حبيب أن ينهزم من البربر فصبروا معه فقتلوا جميعهم. # وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها، فسميت غزوة الأشراف، وانتقضت ~~البلاد، وخرج أمر الناس، وبلغ أهل الأندلس الخبر فثاروا بأميرهم عقبة بن ~~الحجاج فعزلوه وولوا عبد الملك بن قطن، فاختلطت الأمور على ابن الحبحاب، ~~وبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فقال: ms1769 لأغضبن للعرب غضبة، وأسير جيشا يكون ~~أولهم عندهم وآخرهم عندي، ثم كتب إلى ابن الحبحاب يأمره بالحضور، فسار إليه ~~في جمادى سنة ثلاث وعشرين ومائة، واستعمل هشام عوضه كلثوم بن عياض القشيري ~~وسير معه جيشا كثيفا، وكتب إلى سائر البلاد التي على طريقه بالمسير معه، ~~فوصل إفريقية وعلى مقدمته بلج بن بشر، فوصل إلى القيروان ولقي أهلها ~~بالجفاء والتكبر عليهم، وأراد أن ينزل العسكر الذي معه في منازلهم، فكتب ~~أهلها إلى حبيب بن أبي عبيدة، وهو بتلمسان # PageV04P225 # مواقف البربر، يشكون إليه بلجا وكلثوما، فكتب حبيب إلى كلثوم يقول له: إن ~~بلجا فعل كيت وكيت، فارحل عن البلد وإلا رددنا أعنة الخيل إليك. # فاعتذر كلثوم وسار إلى حبيب وعلى مقدمته بلج بن بشر، فاستخف بحبيب وسبه، ~~وجرى بينهما منازعة، ثم اصطلحوا واجتمعوا على قتال البربر، وتقدم إليهم ~~البربر من طنجة، فقال لهم حبيب: اجعلوا الرجالة للرجالة والخيالة للخيالة، ~~فلم يقبلوا منه، وتقدم كلثوم بالخيل، فقاتله رجالة البربر فهزموه، فعاد إلى ~~كلثوم منهزما، ووهن الناس ذلك ونشب القتال، وانكشفت خيالة البربر وثبتت ~~رجالتها واشتد القتال وكثر البربر عليهم، فقتل كلثوم بن عياض وحبيب بن أبي ~~عبيدة ووجوه العرب، وانهزمت العرب وتفرقوا. # فمضى أهل الشام إلى الأندلس ومعهم بلج بن بشر وعبد الرحمن بن حبيب بن أبي ~~عبيدة، وعاد بعضهم إلى القيروان. # فلما ضعفت العرب بهذه الوقعة ظهر إنسان يقال له عكاشة (بن أيوب الفزاري ~~بمدينة قابس، وهو على رأي الخوارج الصفرية، فسار إليه جيش من القيروان ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر القيروان، فخرج إليه عسكر آخر فانهزم ~~عكاشة بعد قتال شديد وقتل كثير من أصحابه، ولحق عكاشة) ببلاد الرمل. # فلما بلغ هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بعث أميرا على إفريقية حنظلة بن ~~صفوان الكلبي، فوصلها في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فلم يمكث ~~بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة الخارجي في جمع عظيم من البربر، ~~وكان حين انهزم حشدهم ليأخذ بثأره وأعانه عبد الواحد بن يزيد الهواري ثم ~~المدغمي، ms1770 وكان صفريا، في عدد كثير وافترقا ليقصدا القيروان من جهتين، فلما ~~قرب عكاشة خرج إليه حنظلة ولقيه منفردا واقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم عكاشة ~~وقتل من البربر ما لا يحصى، وعاد حنظلة إلى القيروان خوفا عليها من عبد ~~الواحد، وسير إليه جيشا كثيفا عدتهم أربعون ألفا، فساروا إليه، فلما قاربوه ~~لم يجدوا شعيرا يطعمونه دوابهم فأطعموها حنطة، ثم لقوه من الغد فانهزموا من ~~عبد الواحد وعادوا إلى القيروان، وهلكت دوابهم بسبب الحنطة. # فلما وصلوها نظروا وإذا قد هلك منهم عشرون ألف فرس، وسار عبد الواحد فنزل ~~على ثلاثة أميال من القيروان بموضع يعرف بالأصنام، وقد اجتمع معه ثلاثمائة ~~ألف مقاتل، فحشد حنظلة كل من بالقيروان وفرق فيهم السلاح والمال، فكثر ~~جمعه، فلما دنا الخوارج مع عبد الواحد خرج إليهم حنظلة من القيروان واصطفوا ~~للقتال، وقام العلماء في أهل القيروان يحثونهم على الجهاد وقتال الخوارج ~~ويذكرونهم ما يفعلونه # PageV04P226 # بالنساء من السبي وبالأبناء من الاسترقاق وبالرجال من القتل، فكسر الناس ~~أجفان سيوفهم، وخرج إليهم نساؤهم يحرضنهم، فحمي الناس وحملوا على الخوارج ~~حملة واحدة وثبت بعضهم لبعض، فاشتد اللزام وكثر الزحام وصبر الفريقان، ثم ~~إن الله تعالى هزم الخوارج والبربر ونصر العرب، وكثر القتل في البربر ~~وتبعوهم إلى جلولاء يقتلون، ولم يعلموا أن عبد الواحد قد قتل حتى حمل رأسه ~~إلى حنظلة، فخر الناس لله سجدا. # فقيل: لم يقتل بالمغرب أكثر من هذه القتلة، فإن حنظلة أمر بإحصاء القتلى، ~~فعجز الناس عن ذلك حتى عدوهم بالقصب، فكانت عدة القتلى مائة ألف وثمانين ~~ألفا، ثم أسر عكاشة مع طائفة أخرى بمكان آخر وحمل إلى حنظلة فقتله، وكتب ~~حنظلة إلى هشام بن عبد الملك بالفتح، وكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة إلى ~~الآن أشد بعد غزوة بدر من غزوة العرب بالأصنام. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سليمان بن هشام ~~الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم. # وحج بالناس هذه السنة خالد بن عبد الملك. ms1771 # وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، ~~وعلى إرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. # [الوفيات] # وفيها توفيت فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. # PageV04P227 # وسكينة بنت الحسين. وفيها مات عبد الرحمن بن هرمز الأعرج بالإسكندرية. ~~وفيها توفي ابن أبي مليكة، واسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. وأبو ~~رجاء العطاردي. وأبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك. وفيها توفي ميمون بن ~~مهران الفقيه، وقيل سنة ثماني عشرة. وفيها توفي نافع مولى ابن عمر، وقيل ~~سنة عشرين. وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وقيل سنة عشرين، وقيل ~~سنة ست وعشرين، وقيل سنة ثلاثين. وفيها ماتت عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص. ~~وسعيد بن يسار. وقتادة بن دعامة البصري، وكان ضريرا، ومولده سنة ستين. # PageV04P228 ### | [ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة] ### | 118 - # ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة # في هذه السنة غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم. # ذكر دعاة بني العباس # في هذه السنة وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة ~~بني العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع ~~إليه الناس وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وتكذب وأظهر دين الخرمية [ودعا ~~إليه] ، ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال لهم: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، ~~وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة الدعاء له، ~~والحج القصد إليه، وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} ~~[المائدة: 93] . وكان خداش نصرانيا بالكوفة فأسلم ولحق بخراسان. # وكان ممن اتبعه على مقالته مالك بن الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمي ~~وغيرهما، وأخبرهم أن محمد بن علي أمر بذلك. # فبلغ خبره أسد بن عبد الله، فظفر به، فأغلظ القول لأسد، فقطع لسانه وسمل ~~عينيه وقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! ms1772 وأمر يحيى بن نعيم ~~الشيباني فقتله وصلبه بآمل، وأتي أسد بجزور مولى المهاجر بن دارة الضبي ~~فضرب عنقه بشاطئ النهر. # ذكر ما كان من الحارث وأصحابه # وفي هذه السنة نزل أسد بلخا، وسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي فيها ~~أهل # PageV04P229 # الحارث وأصحابه، واسمها التبوشكان من طخارستان العليا، وفيها بنو برزى ~~التغلبيون أصهار الحارث، فحصرهم الكرماني حتى فتحها، فقتل بني برزى، وسبى ~~عامة أهلها من العرب والموالي والذراري، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، ونقم ~~على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون ~~القاضي، فقال لهم الحارث إن كنتم لا بد مفارقي فاطلبوا الأمان وأنا شاهد ~~فإنهم يجيبونكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت ~~وخلنا. وأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسد أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء، ~~فسرح إليهم أسد جديعا الكرماني في ستة آلاف، فحصرهم في القلعة وقد عطش ~~أهلها وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساءهم وأولادهم، ~~فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد فأرسل إلى الكرماني يأمره أن يحمل إليه خمسين ~~رجلا من وجوههم فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه، فقتلهم وكتب إلى ~~الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم ~~وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم، ففعل ذلك الكرماني وأخرج أثقالهم فباعها. واتخذ ~~أسد مدينة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان ثم أرض جبغويه ~~فغنم وسبى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، ~~واستعمل عليها خاله محمد بن هشام بن إسماعيل. # وفيها غزا مروان بن محمد بن مروان من إرمينية، ودخل أرض ورتنيس من ثلاثة ~~أبواب، فهرب منه ورتنيس إلى الخزر ونزل حصنه، فحصره مروان ونصب عليه ~~المجانيق، فقتل ورتنيس، قتله بعض من اجتاز به وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه ~~لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل القاتلة وسبى الذرية. # PageV04P230 # وفي هذه السنة مات علي بن عبد الله بن عباس، وكان موته بالحميمة من أرض ms1773 ~~الشام وهو ابن سبع أو ثمان وسبعين سنة، وقيل: إنه ولد في الليلة التي قتل ~~فيها علي بن أبي طالب، فسماه أبوه عليا، وقال: سميته باسم أحب الناس إلي، ~~وكناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه معه على ~~سريره وسأله عن كنيته، فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية ~~لأحد، وسأله: هل ولد لك ولد؟ قال: نعم، وقد سميته محمدا. قال: فأنت أبو ~~محمد. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل، وكان أمير المدينة، وقيل: ~~كان هذه السنة على المدينة خالد بن عبد الملك، وكان على العراق والمشرق كله ~~خالد القسري، وعامله على خراسان أخوه أسد، وعامله على البصرة بلال بن أبي ~~بردة، وكان على إرمينية مروان بن محمد بن مروان. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات عبادة بن نسي قاضي الأردن. وعمرو بن شعيب بن محمد بن ~~عبد الله بن عمرو بن العباس، ومات بالطائف. وأبو صخرة جامع بن شداد. # PageV04P231 # وأبو عشانة المعافري. وعبد الرحمن بن سابط. # PageV04P232 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة] ### | 119 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة # ذكر قتل خاقان # لما دخل أسد الختل كتب ابن السايجي إلى خاقان، وهو بنواكث، يعلمه دخول ~~أسد الختل، وتفرق جنوده فيها، وأنه بحال مضيعة، فلما أتاه كتابه أمر أصحابه ~~بالجهاز وسار، فلما أحس ابن السايجي بمجيء خاقان بعث إلى أسد: اخرج عن ~~الختل فإن خاقان قد أظلك. فشتم الرسول ولم يصدقه. # فبعث ابن السايجي: إني لم أكذبك، وأنا الذي أعلمته دخولك وتفرق عسكرك، ~~وأنها فرصة له، وسألته المدد، فإن لقيك على هذه الحال ظفر بك، وعادتني ~~العرب أبدا ما بقيت، واستطال علي خاقان واشتدت مئونته، وقال: أخرجت العرب ~~من بلادك، ورددت عليك ملكك. # فعرف أسد أنه قد صدقه، فأمر بالأثقال أن تقدم، وجعل عليها إبراهيم بن ~~عاصم العقيلي وأخرج معه المشيخة، فسارت الأثقال ومعها أهل الصغانيان وصغان ~~خذاه، وأقبل أسد من الختل نحو جبل الملح يريد [أن] يخوض نهر بلخ، وقد ms1774 قطع ~~إبراهيم بن عاصم بالسبي وما أصابوا، وأشرف أسد على النهر فأقام يومه، فلما ~~كان الغد عبر النهر في مخاضة، وجعل الناس يعبرون، فأدركهم خاقان فقتل من لم ~~يقطع النهر، وكانت المسلحة على الأزد وتميم، فقاتلوا خاقان وانكشفوا. # وأقبل خاقان وظن المسلمون أنه لا يعبر إليهم النهر، فلما نظر خاقان إلى ~~النهر أمر الترك بعبوره، فعبروه، ودخل المسلمون عسكرهم وأخذ الترك ما رأوه ~~خارجا، وخرج الغلمان فضاربوهم بالعمد فعادوا، وبات أسد والمسلمون وعبأ ~~أصحابه من الليل، فلما # PageV04P233 # أصبح لم ير خاقان، فاستشار أصحابه، فقالوا له: اقبل العافية. قال: ما هذه ~~عافية! هذه بلية! إن خاقان أصاب أمس من الجند والسلاح وما منعه اليوم منا ~~إلا أنه قد أخبره بعض من أخذه من الأسرى بموضع الأثقال أمامنا فسار طمعا ~~فيها. # فارتحل وبعث الطلائع، فلما أمسى استشار الناس في النزول أو المسير، فقال ~~الناس: اقبل العافية، وما عسى أن يكون ذهاب الأموال بعافيتنا وعافية أهل ~~خراسان! ونصر بن سيار مطرق. فقال له أسد: ما لك لا تتكلم؟ قال: أيها الأمير ~~خلتان كلتاهما لك، إن تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم، فإن انتهيت إليهم وقد ~~هلكوا فقد قطعت مشقة لا بد من قطعها. فقبل رأيه وسار بقية يومه، ودعا أسد ~~سعيدا الصغير مولى باهلة، وكان فارسا بأرض الختل، وكتب معه كتابا إلى ~~إبراهيم يأمره بالاستعداد ويخبره بمسير خاقان إليه وقال له: لتجد السير. ~~فطلب منه فرسه الذبوب، فقال أسد: لعمري لئن جدت بنفسك وبخلت عليك بالفرس ~~إني إذا للئيم. فدفعه إليه، فأخذ معه جنيبا وسار. # فلما حاذى الترك وقد ساروا نحو الأثقال طلبته طلائعهم فركب الذبوب فلم ~~يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب. وسار خاقان إلى الأثقال، وقد خندق إبراهيم ~~خندقا، فأتاهم وهم قيام عليه، فأمر الصغد بقتالهم فهزمهم المسلمون، وصعد ~~خاقان تلا فجعل ينظر ليرى عورة يأتي منها، وهكذا كان يفعل، فلما صعد التل ~~رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا ~~فوق العسكر حتى يصيروا إلى الجزيرة، ثم ms1775 ينحدروا حتى يأتوا عسكر المسلمين من ~~خلفهم، وأن يبدءوا بالأعاجم وأهل الصغانيان، وقال لهم: إن رجعوا إليكم ~~دخلنا نحن. ففعلوا ودخلوا من ناحية الأعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه ~~وأخذوا أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا جميع ما فيه، وترك المسلمون ~~التعبية واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك، وإذا رهج قد ارتفع، وإذا أسد في ~~جنده قد أتاهم، فارتفعت الترك عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، ~~وإبراهيم يعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وهو لا يطمع في أسد، وكان ~~أسد قد أغذ المسير وأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان، وتنحى ~~خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إلى أسد من كان بقي مع الأثقال وقد قتل منهم ~~بشرا كثيرا. # ومضى خاقان بالأسرى والجمال الموقرة والجواري، وأمر خاقان رجلا كان معه ~~من # PageV04P234 # أصحاب الحارث بن سريج فنادى أسدا: قد كان لك فيما وراء النهر مغزى، إنك ~~لشديد الحرص، وقد كان عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال أسد: ~~لعل الله أن ينتقم منك. # وسار أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم فرق الناس في الدور ~~ودخل المدينة، وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان. فلما ~~كان وسط الشتاء أقبل خاقان، وكان لما فارق أسد أتى طخارستان فأقام عند ~~جبغويه، فأقبل فأتى الجوزجان وبث الغارات. # وسبب مجيئه أن الحارث أخبره أنه لا نهوض بأسد فلم يبق معه كثير جند ونزل ~~جزة، فأتى الخبر إلى أسد بنزول خاقان بجزة، فأمر بالنيران فرفعت بالمدينة، ~~فجاء الناس من الرساتيق إليها، فأصبح أسد وصلى صلاة العيد، عيد الأضحى، ~~وخطب الناس، وقال: إن عدو الله الحارث استجلب الطاغية ليطفئ نور الله ويبدل ~~دينه، والله مذله إن شاء الله، وإن عدوكم قد أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن ~~يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله، وإن أقرب ما يكون ~~العبد من ربه إذا وضع جبهته له، وإني نازل وواضع جبهتي، فاسجدوا له وادعوا ~~مخلصين. # ففعلوا ورفعوا رءوسهم ولا ms1776 يشكون في الفتح، ثم نزل وضحى وشاور الناس في ~~المسير إلى خاقان، قال قوم: تحفظ مدينة بلخ وتكتب إلى خالد والخليفة ~~تستمده. وقال قوم: تأخذ في طريق زم فتسبق خاقان إلى مرو. وقال قوم: بل تخرج ~~إليهم. فوافق هذا رأي أسد، وكان عزم على لقائهم، فخرج بالناس وهو في سبعة ~~آلاف من أهل خراسان والشام، واستخلف على بلخ الكرماني بن علي، وأمره أن لا ~~يدع أحدا يخرج من مدينتها وإن ضرب الترك بابها. ونزل بابا من أبواب بلخ، ~~وصلى بالناس ركعتين طولهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: ادعوا الله ~~تعالى، وأطال الدعاء، فلما فرغ قال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله تعالى! ~~ثم سار، فلما جاز قنطرة عطاء نزل، وأراد المقام حتى يتلاحق به الناس، ثم ~~أمر بالرحيل وقال: لا حاجة بنا إلى المتخلفين. # ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائة، فلقي ثلاثمائة ~~من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة معه، وهرب بقيتهم، فأتي به أسد ~~فبكى # PageV04P235 # التركي، فقال: ما يبكيك؟ قال: لست أبكي لنفسي ولكني أبكي لهلاك خاقان، ~~إنه قد فرق جنوده بينه وبين مرو. # فسار أسد حتى شارف مدينة الجوزجان فنزل عليها على فرسخين من خاقان، وكان ~~قد استباحها خاقان، فلما أصبحوا تراءى العسكران، فقال خاقان للحارث بن ~~سريج: ألم تكن أخبرتني أن أسدا لا حراك به وهذه العساكر قد أقبلت، من هذا؟ ~~قال: هذا محمد بن المثنى ورايته. # فبعث خاقان طليعة وقال: انظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسي؟ فعادوا ~~إليه فأخبروه أنهم رأوها، فقال خاقان: هذا أسد. # وسار أسد قدر غلوة، فلقيه سالم بن جناح فقال: أبشر أيها الأمير قد حزرتم ~~ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون خاقان عقيرة الله. فصف أسد أصحابه، ~~وعبى خاقان أصحابه، فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من الصغد وغيرهم، ~~وكانوا ميمنة خاقان على ميسرة أسد، فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد، ~~وحملت ميمنة أسد وهم الجوزجان والأزد وتميم عليهم، فانهزم الحارث ومن معه ~~وانهزمت ms1777 الترك جميعها، وحمل الناس جميعا فتفرق الترك في الأرض لا يلوون على ~~أحد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون [من يقدرون عليه] حتى انتهوا ~~إلى أغنامهم وأخذوا منها أكثر من مائة ألف وخمسين ألف رأس ودواب كثيرة. # وأخذ خاقان طريقا في الجبل والحارث يحميه، وسار منهزما، فقال الجوزجاني ~~لعثمان بن عبد الله بن الشخير: إني لأعلم ببلادي وبطرقها، فهل تتبعني لعلنا ~~نهلك خاقان؟ قال: نعم، فأخذا طريقا وسارا ومن معهما حتى أشرفوا على خاقان ~~فأوقعوا به، فولى منهزما، فحوى المسلمون عسكر الترك وما فيه من الأموال، ~~ووجدوا فيه من نساء العرب والموليات من نساء الترك من كل شيء. (ووحل بخاقان ~~برذونه فحماه الحارث بن سريج، ولم يعلم الناس أنه خاقان) ، (وأراد الخصي ~~الذي لخاقان أن يحمل امرأة خاقان) فأعجلوه فقتلها، واستنقذوا من كان مع ~~خاقان من المسلمين. # وتتبع أسد خيل الترك التي فرقها في الغارة إلى مرو الروذ وغيرها فقتل من ~~قدر عليه منهم ولم ينج منهم غير القليل، ورجع إلى بلخ. وكان بشر الكرماني ~~في السرايا # PageV04P236 # فيصيبون من الترك الرجل والرجلين وأكثر. # ومضى خاقان إلى طخارستان وأقام عند جبغويه الخزلجي، ثم ارتحل إلى بلاده، ~~فلما ورد أشروسنة تلقاه خرابغره أبو خاناجزه جد كاووس أبي أفشين بكل ما قدر ~~عليه، وكان ما بينهما متباعدا، إلا أنه أحب أن يتخذ عنده يدا. ثم أتى خاقان ~~بلاده واستعد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف ~~برذون. فلاعب خاقان يوما كورصول بالنرد على خطر، فتنازعا، فضرب كورصول يد ~~خاقان وكسرها، وتنحى وجمع جمعا، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده، فبيت ~~خاقان فقتله، وتفرقت الترك وتركوه مجردا، فأتاه نفر من الترك فدفنوه. ~~واشتغلت الترك يغير بعضها على بعض، فعند ذلك طمع أهل الصغد في الرجعة ~~إليها. # وأرسل أسد مبشرا إلى هشام بن عبد الملك بما فتح الله عليهم وبقتل خاقان، ~~فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه: لا أظن هذا صادقا، اذهب فعده ثم سله عما ~~يقول، ففعل ما أمره به، فأخبره بما ms1778 أخبر به هشاما، ثم أرسل أسد مبشرا آخر ~~فوقف على باب هشام وكبر، فأجابه هشام بالتكبير، فلما انتهى إليه أخبره ~~بالفتح، فسجد شكرا لله تعالى، فحسدت القيسية أسدا وقالوا لهشام: اكتب بطلب ~~مقاتل بن حيان النبطي، فسيره أسد إلى هشام، فلما دخل عليه أخبره بما كان، ~~فقال له هشام: حاجتك؟ قال: إن يزيد بن المهلب أخذ من أبي مائة ألف درهم ~~بغير حق فاستحلفه على ذلك. فكتب إلى أسد، فردها عليه، وقسمها مقاتل بين ~~ورثة حيان على كتاب الله تعالى. # قال أبو الهندي يذكر هذه الوقعة # : أبا منذر رمت الأمور وقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم # فما كان ذو رأي من الناس قسته ... برأيك إلا مثل رأي البهائم # أبا منذر لولا مسيرك لم يكن ... عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم # ولا حج بيت الله من حج راكبا ... ولا عمر البطحاء بعد المواسم # وكم من قتيل بين سان وجزة ... كسير الأيادي من ملوك قماقم # PageV04P237 # تركت بأرض الجوزجان تزوره # سباع وعقبان لحز الغلاصم ... وذي سوقة فيه من السيف خبطة # به رمق ملقى لحوم الحوائم ... فمن هارب منا ومن دائن لنا # أسير يقاسي مبهمات الأداهم ... فدتك نفوس من تميم وعامر # ومن مضر الحمراء عند المآزم ... هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت # حلائبه ترجو خلو المغانم # وكان ابن السايجي الذي أخبر أسدا بمجيء خاقان قد استخلفه السبل على ~~مملكته عند موته، وأوصاه بثلاث خصال، قال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي ~~عليهم، فإني ملك وأنت لست بملك، إنما أنت رجل منهم، وقال له: اطلب الحنيش ~~حتى ترده إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي، وكان الحنيش قد هرب إلى الصين، وقال ~~له: لا تحاربوا العرب وادفعوها عنكم بكل حيلة. # فقال له ابن السايجي: أما تركي الاستطالة عليهم وردي الحنيش فهو الرأي، ~~وأما قولك لا تحاربوا العرب، فكيف وقد كنت أكثر الملوك محاربة لهم؟ قال ~~السبل: قد جربت قوتكم بقوتي فما رأيتكم تقعون مني موقعا، وكنت إذا حاربتهم ~~لم أفلت منهم إلا جريضا، وإنكم إذا حاربتموهم هلكتم. # فهذا الذي كره ms1779 إلى ابن السايجي محاربة العرب. # ذكر قتل المغيرة بن سعيد وبيان # في هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر، وكانوا يسمون ~~الوصفاء، # PageV04P238 # وكان المغيرة ساحرا، وكان يقول: لو أردت أن أحيي عادا وثمود وقرونا بين ~~ذلك كثيرة لفعلت. وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو ~~يخطب فقال: أطعموني ماء، فقال يحيى بن نوفل في ذلك: # أخالد لا جزاك الله خيرا ... وأير في حر أمك من أمير # وكنت لدى المغيرة عبد سوء ... تبول من المخافة للزئير # وقلت لما أصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير # لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ليس بذي نصير # فأرسل خالد فأخذهم، وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بالقصب ~~والنفط فأحضرا فأحرقهم، وأرسل إلى مالك بن أعين الجرمي فسأله، فصدقه، ~~فتركه. # وكان رأي المغيرة التجسيم، يقول: إن الله على صورة رجل على رأسه تاج، وإن ~~أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول ما لا ينطق به لسان، تعالى الله عن ذلك، ~~يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع على ~~تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى ~~المعاصي ارفض عرقا، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر عذب نير، ~~ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه، فقلع عيني ذلك الظل ~~ومحقه، فخلق من عينيه الشمس وسماء أخرى، وخلق من البحر الملح الكفار، ومن ~~البحر العذب المؤمنين، وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر ~~الصحابة إلا من ثبت مع علي، وكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من ~~الشرائع، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر أو عين أو بئر وقعت فيه ~~نجاسة، وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور. # وجاء المغيرة إلى محمد الباقر فقال له: أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك ~~العراق. فنهره وطرده. وجاء إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك، ~~فقال: أعوذ بالله! ms1780 وكان الشعبي يقول للمغيرة: ما فعل الإمام؟ فيقول: أتتهزأ ~~به؟ فيقول: لا إنما أتهزأ بك. # وأما بيان فإنه يقول بإلهية علي، وإن الحسن والحسين إلهان، ومحمد ابن ~~الحنفية # PageV04P239 # بعدهم، ثم بعده ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ، وكان يقول: إن ~~الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} [الرحمن: 27] . تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا ~~كبيرا. وادعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله تعالى: {هذا بيان للناس} [آل ~~عمران: 138] . # ذكر خبر الخوارج هذه السنة # وفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة، وهو من الموصل من شيبان. # فقيل: وكان سبب خروجه أنه خرج يريد الحج، فأمر غلامه يبتاع له خلا بدرهم، ~~فأتاه بخمر، فأمره بردها وأخذ الدرهم، فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء ~~بهلول إلى عامل القرية، وهي من السواد، فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ~~ومن قولك. فمضى في حجه وقد عزم على الخروج، فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، ~~فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها، وهم أربعون رجلا، وأمروا عليهم ~~بهلولا، وكتموا أمرهم وجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند ~~هشام على بعض الأعمال، وأخذوا دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي ~~ابتاع الغلام بها الخمر قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقتله. فقال أصحابه: ~~نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهر أمرنا وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك ~~الله أن نقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد، ويبني البيع والكنائس، ~~ويولي المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلنا نقتله فيريح ~~الله منه. قال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا ~~وخالدا، فقتله، فعلم بهم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البريد إلى خالد ~~فأعلموه بهم، ولا يدرون من رئيسهم. # فخرج خالد من واسط وأتى الحيرة، وكان بها جند قد قدموا من الشام مددا ~~لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتاله وقال: من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ~~ما أخذ في ms1781 الشام، وأعفيته من الخروج إلى الهند. فسارعوا إلى ذلك، فتوجه ~~مقدمهم، وهو من بني القين، ومعه ستمائة منهم، فضم إليه خالد مائتين من ~~الشرط، فالتقوا على الفرات، فقال القيني لمن معه من الشرط: لا تكونوا معنا ~~ليكون الظفر له ولأصحابه. وخرج إليهم فحمل على القيني فأنفذه، وانهزم أهل ~~الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم حتى بلغوا الكوفة. # PageV04P240 # فأما أهل الشام فكانوا على خيل جياد ففاتوه، وأما شرط الكوفة فأدركهم، ~~فقالوا: اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون، فجعل يقرع رءوسهم بالرمح ~~ويقول: النجاء النجاء. فوجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها. # وكان في الكوفة ستة يرون رأي بهلول، فخرجوا إليه فقتلوا بصريفين، فخرج ~~بهلول ومعه البدرة قال: من قتل هؤلاء حتى أعطيه هذه البدرة؟ فجاء قوم ~~فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنونه من عند خالد، فقال بهلول لأهل القرية: ~~أصدق هؤلاء؟ قالوا: نعم، فقتلهم وترك أهل القرية. # وبلغت الهزيمة خالدا وما فعل بصريفين، فوجه إليه قائدا من شيبان أحد بني ~~حوشب بن يزيد بن رويم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة ~~فأتوا خالدا. فارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام ~~بن عبد الملك يخبره بهم ويسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجه إليه كثارة بن ~~بشر. وكان هشام لا يعرف بهلولا إلا بلقبه، فكتب إليه العامل أن الخارج هو ~~كثارة. ثم قال بهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا، يعني ~~خالدا، فلم لا نطلب الرأس الذي سلط خالدا؟ فسار يريد هشاما بالشام، فخاف ~~عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسير خالد جندا من العراق، ~~وسير عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجه هشام جندا من الشام، واجتمعوا ~~بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم، وقيل التقوا بكحيل دون ~~الموصل، فنزل بهلول على باب الدير وهو في سبعين وحمل عليهم فقتل منهم نفرا ~~وقاتلهم عامة نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح، ثم إن ~~بهلولا وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا فقاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير ms1782 من ~~أصحاب بهلول، فطعن بهلول فصرع، فقال له أصحابه: ول أمرنا. فقال: إن هلكت ~~فأمير المؤمنين دعامة الشيباني، وإن هلك فأمروا اليشكري. ومات بهلول من ~~ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم. فقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولا: # بدلت بعد أبي بشر وصحبته ... قوما علي مع الأحزاب أعوانا # كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا # يا عين أذري دموعا منك تهتانا ... وابكي لنا صحبة بانوا وإخوانا # خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا # فلما قتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل. # PageV04P241 # وخرج البختري صاحب الأشهب، وبهذا كان يعرف، على خالد في ستين، فوجه إليه ~~خالد السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات، فانهزمت ~~الخوارج، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. # ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا ~~أحرقها، ولا يلقى أحدا إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه ~~إليه خالد جندا فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، وأقبل ~~على خالد فوعظه، فأعجب خالدا ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى ~~به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق ~~وأباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد ~~يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانيا يذمه ويأمره ~~بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفرا معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو ~~يقرأ: {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81] . # ذكر خروج الصحاري بن شبيب # وفي هذه السنة خرج الصحاري بن شبيب بن يزيد بناحية حبل، وكان قد أتى ~~خالدا يسأله الفريضة، فقال خالد: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى، وندم ~~خالد وخاف أن يفتق عليه [فتقا] ، فطلبه فلم يرجع إليه، وسار حتى أتى حبل، ~~وبها نفر من بني تيم اللات بن ثعلبة، فأخبرهم، فقالوا: وما ترجو من ابن ~~النصرانية؟ ms1783 كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت ~~الفريضة، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتله بفلان، يعني بفلان ~~رجلا من قعدة الصفرية، وكان خالد قتله صبرا، ثم دعاهم إلى الخروج معه، ~~فتبعه منهم ثلاثون رجلا وخرج بهم، فبلغ خبره خالدا وقال: قد كنت خفتها منه، ~~ثم وجه إليه خالد جندا، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالا شديدا فقتلوه ~~وجميع أصحابه. # ذكر غزوة أسد الختل # وفيها غزا أسد الختل، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فسار فنزل بقرب ~~بدر طرخان فطلب الأمان ليخرج إلى أسد، فآمنه مصعب، فسيره إلى أسد، فسأله أن # PageV04P242 # يقبل منه ألف ألف درهم، فأبى أسد وقال: إنك دخلتها وأنت غريب من أهل ~~الباميان، اخرج من الختل كما دخلت. قال بدرطرخان: فأنت دخلت إلى خراسان على ~~عشرة من الدواب ولو خرجت منها لم تحتمل على خمسمائة بعير وغير ذلك، إني ~~دخلت الختل شابا، فاردد علي شبابي، وخذ ما كسبت منها. # فغضب أسد ورده إلى مصعب ليمكنه من العود إلى حصنه، فوصل بدرطرخان مع مولى ~~لأسد إلى مصعب، فأخذه سلمة بن عبيد الله، وهو من الموالي، وقال: إن الأمير ~~يندم على تركه وحبسه عنده. # وأقبل أسد بالناس، فقال لمجشر بن مزاحم: كيف أنت؟ قال مجشر: كنت أمس أحسن ~~حالا مني اليوم، كان بدرطرخان في أيدينا وعرض ما عرض، فلا الأمير قبل منه ~~ما عرض عليه، ولا هو شد يده عليه، ولكنه خلى سبيله، وأمر بإدخاله حصنه. ~~فندم أسد عند ذلك وأرسل إلى مصعب يسأله: هل دخل بدرطرخان حصنه أم لا؟ فجاء ~~الرسول فوجده عند سلمة بن عبيد الله، فحوله أسد إليه وأمر به فقطعت يده، ~~وقال: من هاهنا من أولياء أبي فديك - رجل من الأزد كان بدرطرخان قد قتله؟ - ~~فقام رجل من الأزد فقال: أنا. فقال: اضرب عنقه، ففعل. وغلب أسد على القلعة ~~العظمى، وبقيت قلعة فوقها صغيرة وفيها ولده وأمواله فلم يوصل إليها. وفرق ~~أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من ms1784 الغنائم والسبي، وهرب أهله إلى ~~الصين. # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم) . وحج بالناس هذه السنة ~~أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب [الزهري] . # PageV04P243 # وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى ~~العراق والمشرق كله خالد القسري، وعلى خراسان أخوه أسد، وقيل: كان أسد قد ~~هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني. وقيل: إنما هلك ~~أسد سنة عشرين ومائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وفيها غزا مروان بن محمد إرمينية، فدخل بلاد اللان، وسار فيها حتى خرج ~~منها إلى بلاد الخزر، فمر ببلنجر وسمندر وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها ~~خاقان، فهرب خاقان منه. # [الوفيات] # وفيها توفي حبيب بن أبي ثابت. وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي. ~~وقيس بن سعد المكي. وسليمان بن موسى الأشدق. وإياس بن مسلمة بن الأكوع. # PageV04P244 ### | [ثم دخلت سنة عشرين ومائة] ### | 120 - # ثم دخلت سنة عشرين ومائة # ذكر وفاة أسد بن عبد الله # في هذه السنة في ربيع الأول توفي أسد بن عبد الله القسري بمدينة بلخ. # وكان سبب موته أنه كان به دبيلة [في جوفه] فأصابه مرض، ثم أفاق منه، فخرج ~~يوما فأتي بكمثرى أول ما جاء، فأطعم الناس منه واحدة واحدة، وأخذ كمثراة ~~فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة فانقطعت الدبيلة فهلك، واستخلف جعفر بن ~~حنظلة البهراني، فعمل أربعة أشهر، ثم جاء عهد نصر بن سيار بالعمل في رجب. # وكان هذا خراسان دهقان هراة خصيصا بأسد، فقدم عليه في المهرجان ومعه من ~~الهدايا والتحف ما لم يحمل غيره مثله، وكانت قيمة الهدية ألف ألف. وقال ~~لأسد: إنا معشر العجم أكلنا الدنيا أربعمائة سنة بالحلم والعقل والوقار، ~~وكان الرجال فينا ثلاثة: ميمون النقيبة، أينما توجه فتح الله عليه، والذي ~~يليه رجل تمت مروته في بيت، فإن كان كذلك رحب وحيا، ورجل رحب صدره وبسط ~~يده، فإذا كان كذلك قدم وقود، وقد جعل الله صفات هؤلاء ms1785 فيك، فما نعلم ~~[أحدا] هو أتم كتخدانية منك، إنك عزيز، ضابط أهل بيتك وحشمك ومواليك، فليس ~~منهم من يستطيع أن يعتدي على صغير ولا كبير، ثم بنيت الإيوانات في المفاوز ~~من أحسن ما عمل، ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مائة ألف، ومعه ~~الحارث بن سريج فهزمته وفللته وقتلت أصحابه # PageV04P245 # وأبحت عسكره، وأما رحب صدرك وبسط يدك فإنا لا ندري أي المالين أحب إليك، ~~أمال قدم عليك أم مال خرج من عندك؟ بل أنت بما خرج أقر عينا. فضحك أسد ~~وقال: أنت خير دهاقيننا، وفرق جميع الهدية بين أصحابه. # ولما مات أسد رثاه ابن عرس العبدي فقال: نعى # أسد بن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع # ببلخ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك من دفاع # فجودي عين بالعبرات سحا ... ألم يحزنك تفريق الجماع # في أبيات غيرها. ولما مات أسد كتب مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وهو أبو ~~شاكر، إلى خالد القسري: # أراح من خالد فأهلكه ... رب أراح العباد من أسد # أما أبوه فكان مؤتشبا ... عبدا لئيما لأعبد فقد # يرى الزنى والصليب والخمر ... والخنزير حلا والغي كالرشد # وأمه همها وبغيتها ... هم الإماء العواهر الشرد # كافرة بالنبي مؤمنة ... بقسها والصليب والعمد # يعني المعمودية. فلما قرأ خالد الكتاب قال: يا عباد الله من رأى كهذه ~~تعزية رجل من أخيه؟ وكان ما بين خالد وأبي شاكر مباعدة، وسببها أن هشاما ~~يرشح ابنه أبا شاكر للخلافة، فقال الكميت: # إن الخلافة كائن أوتادها ... بعد الوليد إلى ابن أم حكيم # يعني أبا شاكر، وأمه أم حكيم، فبلغ الشعر خالدا فقال: أنا كافر بكل خليفة ~~يكنى أبا شاكر، فسمعها أبو شاكر فحقدها عليه. # ذكر شيعة بني العباس بخراسان # وفي هذه السنة وجهت شيعة بني العباس بخراسان إلى محمد بن علي بن # PageV04P246 # عبد الله بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه. # وكان سبب ذلك أن محمدا ترك مكاتبتهم ومراسلتهم بطاعتهم التي كانت لخداش ~~الذي تقدم ذكره، وقبولهم منه ما روي عنه من ms1786 الكذب. فلما أبطأت كتبه ورسله ~~عليهم أرسلوا سليمان ليعلم الخبر، فقدم عليه فعنفه محمد في ذلك، ثم صرف ~~سليمان إلى خراسان ومعه كتاب مختوم، ففضوه فلم ير فيه: " إلا بسم الله ~~الرحمن الرحيم "، فعظم ذلك عليهم وعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجه محمد بن ~~علي إليهم بكير بن ماهان بعد عود سليمان من عنده، وكتب معه إليهم يعلمهم ~~كذب خداش، فلم يصدقوه واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه بعصي ~~مضببة بعضها بحديد وبعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل ~~واحد منهم عصا، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته فتابوا ورجعوا. # ذكر عزل خالد بن عبد الله القسري وولاية يوسف بن عمر الثقفي # وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالدا عن أعماله جميعها، وقد ~~اختلفوا في ذلك وسببه. # قيل: إن فروخ أبا المثنى كان على ضياع هشام بنهر الرمان، فثقل مكانه على ~~خالد، فقال خالد لحيان النبطي: اخرج إلى هشام وزد على فروخ، ففعل حيان ذلك ~~وتولاها، فصار حيان أثقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول حيان: لا ~~تؤذني وأنا صنيعتك، فأبى إلا أذاه. فلما قدم عليه بثق البثوق على الضياع، ~~ثم خرج إلى هشام فقال له: إن خالدا بثق البثوق على ضياعك. فوجه هشام من ~~ينظر إليها. فقال حيان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمة أقولها لك حيث ~~يسمع هشام فلك ألف دينار. قال: فعجلها [وأقول ما شئت] ، فأعطاه ألفا وقال ~~له: تبكي صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: (اسكت والله لكأنك ابن ~~خالد) القسري الذي غلته ثلاثة عشر ألف ألف. ففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأل ~~حيان عن غلة خالد، فقال: # PageV04P247 # ثلاثة عشر ألف ألف، فوقرت في نفس هشام. # وقيل: كانت غلته عشرين ألفا، وإنه حفر بالعراق الأنهار، منها نهر خالد، ~~وباجرى، وتارمانا، والمبارك، والجامع، وكورة سابور، والصلح، وكان كثيرا ما ~~يقول: إني مظلوم، ما تحت قدمي شيء إلا هو لي، يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع ~~السواد. # وأشار عليه العريان بن ms1787 الهيثم وبلال بن أبي بردة بعرض أملاكه على هشام، ~~ليأخذ منها ما أراد، ويضمنان له الرضا، فإنهما قد بلغهما تغير هشام عليه، ~~فلم يفعل ولم يجبهما إلى شيء. وقيل لهشام: إن خالدا قال لولده: ما أنت بدون ~~مسلمة بن هشام! # ودخل رجل من آل عمرو بن سعيد بن العاص على خالد في مجلسه، فأغلظ له في ~~القول، فكتب إلى هشام يشكو خالدا، فكتب هشام إلى خالد يذمه ويلومه ويوبخه ~~ويأمره أن يمشي راجلا إلى بابه ويترضاه، فقد جعل عزله وولايته إليه، وكان ~~يذكر هشاما فيقول: ابن الحمقاء، وكان خالد يخطب فيقول: زعمتم أني أغلي ~~أسعاركم، فعلى من يغليها لعنة الله! # وكان هشام كتب إليه ألا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير ~~المؤمنين، فبلغت كيلها دراهم. وكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ~~أمير المؤمنين؟ # فبلغ هذا جميعه أمير المؤمنين هشاما فتنكر له. وبلغه أيضا أنه يستقل ~~ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يابن أم خالد بلغني أنك تقول: ما ولاية ~~العراق لي بشرف. يابن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا، وأنت من ~~بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش ~~يشد يديك إلى عنقك. # ولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله، فكتم ذلك وكتب إلى يوسف بن ~~عمر، وهو باليمن، يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق فقد ولاه ~~ذلك، فسار يوسف إلى الكوفة فعرس قريبا منها، وقد ختن طارق خليفة خالد ~~بالكوفة ولده، فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمر بيوسف ~~بعض أهل العراق فسألوه: ما أنتم وأين تريدون؟ قالوا: بعض المواضع. فأتوا ~~طارقا فأخبروه خبرهم # PageV04P248 # وأمروه بقتلهم وقالوا: إنهم خوارج. فسار يوسف إلى دور ثقيف، فقيل لهم: ما ~~أنتم؟ فكتموا حالهم وأمر يوسف، فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل ~~المسجد مع الفجر وأمر المؤذن وأقام الصلاة فصلى، وأرسل إلى طارق وخالد ~~فأخذهما وإن القدور لتغلي. # وقيل: لما أراد هشام ms1788 أن يولي يوسف بن عمر العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولى ~~يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم قال لسالم بن عنبسة وهو على الديوان: ~~أن أجبه عن لسانك وأتني بالكتاب. وكتب هشام بخطه كتابا صغيرا إلى يوسف ~~يأمره بالمسير إلى العراق، فكتب سالم الكتاب وأتى به هشاما، فجعل كتابه في ~~وسطه وختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزقت ثيابه، ودفع الكتاب إليه ~~فسار. فارتاب بشير بن أبي طلحة، وكان خليفة سالم، فقال: هذه حيلة، وقد ولى ~~يوسف العراق، فكتب إلى عياض، وهو نائب سالم بالعراق: إن أهلك قد بعثوا إليك ~~بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله تعالى، (وأعلم ذلك طارقا) . ~~فأعلم عياض طارق بن أبي زياد بالكتاب له. # ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض: (إن أهلك قد بدا لهم في إمساك) ~~الثوب. فأتى عياض) بالكتاب الثاني إلى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب ~~الأول، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر. # وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود البريدي، وكان على ~~حجابة خالد وديوانه، فأعلم خالدا، فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير ~~إذن؟ قال: أمر كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد، ~~وإنما كان يجب أن آتيه ماشيا. فرق خالد ودمعت عيناه وقال: ارجع إلى عملك، ~~فأخبره الخبر لما غاب داود، قال: ما الرأي؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين ~~فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلني إليه ~~حتى آتيك بإذنه. قال: ولا هذا. قال: فأذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميع ما ~~انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده. قال: وكم مبلغه؟ قال: مائة ألف ألف. قال: ~~ومن أين آخذها؟ والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم! قال: أتحمل أنا وفلان ~~وفلان. قال: إني إذا للئيم إن كنت أعطيتهم شيئا وأعود فيه. فقال # PageV04P249 # طارق: إنما نفديك ونفدي أنفسنا بأموالنا وتستأنف الدنيا، وتبقى النعمة ~~عليك وعلينا خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال ms1789 (وهي عند أهل الكوفة، ~~فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال) . فأبى خالد. فودعه طارق وبكى وقال: ~~هذا آخر ما نلتقي في الدنيا. ومضى إلى الكوفة وخرج خالد إلى الجمة. # وقدم رسول يوسف عليه اليمن فقال: أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يكتب ~~جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان. # فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه وولاية العراق، ويأمره أن ~~يأخذ ابن النصرانية، يعني خالدا، وعماله ويعذبهم حتى يشتفي. فأخذ دليلا ~~وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فقدم الكوفة في جمادى الآخرة ~~سنة عشرين ومائة فنزل النجف، وأرسل مولاه كيسان وقال: انطلق فأتني بطارق، ~~فإن أقبل فاحمله على إكاف، وإن لم يقبل فأت به سحبا. # فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسيح سيد أهلها إلى طارق، فقال له: إن ~~يوسف قد قدم على العراق وهو يستدعيك. فقال طارق لكيسان: إن أراد الأمير ~~المال أعطيته ما سأل. وأقبلوا به إلى يوسف بن عمر فتوافوا بالحيرة، فضربه ~~ضربا مبرحا، يقال خمسمائة سوط، ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بن مقدم إلى خالد ~~بالجمة، فأتى الرسول حاجبه وقال: استأذن [لي] على أبي الهيثم، فدخل على ~~خالد متغير اللون، فقال خالد: ما لك؟ قال: خير. قال: ما عندك خير! قال: ~~عطاء [قال] : استأذن لي على أبي الهيثم. فقال: ايذن له، فدخل عليه، فقال: ~~ويل أمها سخطة! ثم أخذه فحبسه، وصالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه على تسعة ~~آلاف ألف، فقيل ليوسف: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندم وقال: قد ~~رهنت لساني معه ولا آمن ولا أرجع. # وأخبر أصحاب خالد خالدا فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود، ~~ارجعوا، فرجعوا فأخبروه أن خالدا لم يرض، فقال: قد رجعتم؟ قالوا: نعم. قال: ~~والله لا أرضى بمثلها ولا مثليها، فأخذ أكثر من ذلك، وقيل: أخذ مائة ألف. ~~فأرسل يوسف # PageV04P250 # إلى بلال بن أبي بردة، فقبضه، وكان قد اتخذ بلال بالكوفة دارا لم ينزلها، ~~فأحضره يوسف مقيدا فأنزله الدار، ثم جعلت سجنا. ms1790 وكان خالد يصل الهاشميين ~~ويبرهم، فأتاه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ليستحميه فلم ير ~~منه ما يحب، فقال: أما الصلة فللهاشميين، وليس لنا منه إلا أنه يلعن عليا، ~~فبلغت خالدا فقال: إن أحب نلنا عثمان بشيء. # وكان خالد مع هذا يبالغ في سب علي، فقيل: كان يفعل ذلك نفيا للتهمة، ~~وتقربا إلى القوم. # وكانت ولاية خالد العراق في شوال سنة خمس ومائة، وعزل في جمادى الأولى ~~سنة عشرين ومائة، ولما ولي يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم فيه إلى ~~أهل الذمة، فقال يحيى بن نوفل فيه: # أتانا وأهل الشرك أهل زكاتنا ... وحكامنا فيما نسر ونجهر # فلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتى كل واد منور # وحتى رأينا العدل في الناس ظاهرا ... وما كان من قبل العقيلي يظهر # في أبيات. ثم قال بعد ذلك: # أرانا والخليفة إذ رمانا ... مع الإخلاص بالرجل الجديد # كأهل النار حين دعوا أغيثوا ... جميعا بالحميم وبالصديد # وكان في يوسف أشياء متباينة متناقضة، كان طويل الصلاة، ملازما للمسجد، ~~ضابطا لحشمه وأهله عن الناس، لين الكلام، متواضعا، حسن الملكة، كثير التضرع ~~والدعاء، فكان يصلي الصبح ولا يكلم أحدا حتى يصلي الضحى، يقرأ القرآن ~~ويتضرع، وكان بصيرا بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة مسرفا في ضرب ~~الأبشار، فكان يأخذ الثوب الجديد فيمر ظفره عليه، فإن تعلق به طاقه ضرب ~~صاحبه وربما قطع يده. وكان أحمق، أتي يوما بثوب فقال لكاتبه: ما تقول في ~~هذا الثوب؟ فقال: كان ينبغي أن تكون بيوته أصغر مما هي. فقال للحائك: صدق ~~يابن اللخناء! فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكاتبه: صدق يابن اللخناء. ~~فقال الكاتب: هذا يعمل في السنة ثوبا أو ثوبين، وأنا يمر على يدي في كل سنة ~~مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يابن اللخناء! فلم # PageV04P251 # يزل يكذب هذا مرة وهذا مرة حتى عد أبيات الثوب فوجدها تنقص بيتا من أحد ~~جانبي الثوب، فضرب الحائك مائة سوط. # وقيل: إن يوسف أراد السفر فدعا جواريه فقال لإحداهن: ms1791 تخرجين معي؟ قالت: ~~نعم. قال: يا خبيثة كل هذا من حب النكاح، يا خادم اضرب رأسها. وقال لأخرى: ~~ما تقولين؟ فقالت: أقيم على ولدي. فقال: يا خبيثة أكل هذا زهادة في؟ اضرب ~~رأسها. وقال لثالثة: ما تقولين؟ قالت: ما أدري ما أقول، إن قلت ما قالت ~~إحداهما لم آمن عقوبتك. فقال: يا لخناء أوتناقضين وتحتجين؟ اضرب رأسها. ~~فضرب الجميع. # وكان قصيرا عظيم اللحية، وكان يحضر الثوب الطويل ليفصله ليلبسه، فإن قال ~~الخياط إنه يفصل منه ضربه، فإن قال له الخياط: لا يكفينا إلا بعد التصرف في ~~التفصيل، سره، فكانوا يفصلون له ثيابا طوالا ويأخذون ما ينبغي من الثوب ~~يوهمونه أن الثوب لم يكفه فيرضى بذلك. وله في هذا الباب أشياء نوادر، منها ~~أنه قال يوما لكاتب له: ما حبسك؟ قال: اشتكيت ضرسي، فدعا بحجام يقلعه ومعه ~~ضرس آخر. # ذكر ولاية نصر بن سيار الكناني خراسان # لما مات أسد بن عبد الله استشار هشام بن عبد الملك عبد الكريم بن سليط ~~الحنفي، وكان عالما بخراسان، فيمن يوليه، فقال عبد الكريم: يا أمير ~~المؤمنين أما رجل خراسان حزما ونجدة فالكرماني. فأعرض عنه وقال: ما اسمه؟ ~~قال جديع بن علي. قال: لا حاجة لي فيه، وتطير، قال: فالمسن المجرب يحيى بن ~~نعيم بن هبيرة الشيباني. قال: ربيعة لا تسد بها الثغور. # قال عبد الكريم: فقلت في نفسي: كره ربيعة واليمن فأرميه بمضر، فقلت: عقيل ~~بن معقل الليثي إن غفرت هنة. قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف. قال: لا حاجة ~~لي فيه. قلت: منصور بن أبي الخرقاء السلمي إن غفرت نكره فإنه مشئوم. قال: ~~غيره. قلت: فالمجشر بن مزاحم السلمي ; عاقل شجاع له رأي مع كذب فيه. قال: ~~لا خير في الكذب. قلت: يحيى بن الحضين. قال: ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها ~~الثغور؟ قال: فقلت: نصر بن سيار. قال: هو لها. قلت: إن غفرت واحدة، فإنه ~~عفيف مجرب عاقل. قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة. قال لا أبا # PageV04P252 # لك! [أتريد عشيرة] ms1792 أكثر مني؟ أنا عشيرته. فكتب عهده وبعثه مع عبد الكريم. # وقد قيل: عرض عليه عثمان بن الشخير، وقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له عن ~~يحيى بن الحضين: إنه كثير التيه، وقيل له عن قطن بن قتيبة: إنه موتور، فلم ~~يولهم فاستعمل نصرا. # وكان جعفر بن حنظلة الذي استخلفه أسد على خراسان عند موته قد عرض على نصر ~~أن يوليه بخارى، فاستشار البختري بن مجاهد مولى بني شيبان، فقال له: لا ~~تقبلها لأنك شيخ مضر بخراسان، وكأنك بعهدك قد جاء على خراسان كلها. فلما ~~أتاه عهده بعث إلى البختري ليأتيه، فقال البختري لأصحابه: قد ولي نصر ~~خراسان، فلما أتاه سلم عليه بالإمرة، فقال له: من أين علمت؟ قال: كنت ~~تأتيني، فلما بعثت إلي علمت أنك قد وليت. # وأعطى نصر عبد الكريم لما أتاه بعهده عشرة آلاف درهم، واستعمل على بلخ ~~مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل على مرو الروذ وساج بن بكير بن وساج، ~~وعلى هراة الحارث بن عبد الله بن الحشرج، وعلى نيسابور زياد بن عبد الرحمن ~~القشيري، وعلى خوارزم أبا حفص بن علي ختنه، وعلى الصغد قطن بن قتيبة. قال ~~رجل من اليمانية: ما رأيت عصبية مثل هذا. قال: بلى، التي كانت قبلها، فلم ~~يستعمل أربع سنين إلا مضريا. وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبلها، وأحسن ~~الولاية والجباية، فقال سوار بن الأشعر: # أضحت خراسان بعد الخوف آمنة ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار # لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت ... اختار نصرا لها نصر بن سيار # وأتى نصرا عهده في رجب سنة عشرين ومائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة، وافتتح سندرة. # PageV04P253 # وفيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومانشاه، وافتتح قلاعها وخرب أرضها. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وقيل: حج بهم ~~سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام. # وكان العامل على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى ~~العراق والمشرق ms1793 يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، وقد أمره هشام أن ~~يكاتب يوسف بن عمر، وقيل: كان عليها جعفر بن حنظلة، وعلى البصرة كثير بن ~~عبد الله السلمي، استعمله يوسف، وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى إرمينية ~~وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. # [الوفيات] # وفيها مات عاصم بن عمر بن قتادة في أصح الأقوال. (وفيها مات مسلمة بن عبد ~~الملك بن مروان، وقيل: سنة إحدى وعشرين بالشام) . وفيها مات قيس بن مسلم، ~~ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي. # PageV04P254 # وحماد بن سليمان الفقيه، وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، وعلي بن مدرك ~~النخعي الكوفي، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي. # PageV04P255 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة] ### | 121 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة # ذكر ظهور زيد بن علي بن الحسين # في هذه السنة غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير. # قيل: إن زيد بن علي بن الحسين قتل هذه السنة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين ~~ومائة، ونحن نذكر الآن سبب خلافه على هشام وبيعته، ونذكر قتله سنة اثنتين ~~وعشرين. # قد اختلفوا في سبب خلافه، فقيل: إن زيدا وداود بن علي بن عبد الله بن ~~عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قدموا على خالد بن عبد الله القسري ~~بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام ~~بذلك، وذكر له أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ~~رد الأرض عليه، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيرهم إليه ففعل، فسألهم ~~هشام عن ذلك فأقروا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك وحلفوا، فصدقهم وأمرهم ~~بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالدا، فساروا على كره وقابلوا خالدا، فصدقهم، ~~فعادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم. # وقيل: بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيدا وداود بن علي ونفرا من قريش ~~مالا، فكتب يوسف بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة وسيرهم إلى يوسف ms1794 ~~ليجمع بينهم وبين خالد فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالدا زعم أنه ~~أودعك. قال: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره! فأرسل إلى خالد فأحضره ~~في عباءة، فقال: هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئا. فنظر خالد إليه وإلى ~~داود وقال ليوسف: أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا؟ كيف أودعه وأنا ~~أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ~~شدد علي العذاب فادعيت ذلك، وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم. فرجعوا ~~وأقام زيد وداود بالكوفة. # PageV04P256 # قيل: إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى المال وديعة عند زيد. # فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفا من شر يوسف ~~وظلمه، فقال: أنا أكتب إليه بالكف عنكم، وألزمهم بذلك، فساروا على كره. # وجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: [ما] لي عندهم قليل ولا كثير. قال ~~يوسف: أبي تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ فعذبه يومئذ عذابا كاد يهلكه، ثم أمر ~~بالفراشين فضربوا وترك زيدا. ثم استحلفهم وأطلقهم، فلحقوا بالمدينة، وأقام ~~زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: ما آمن إن ~~بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين أبدا. قال: لا بد من المسير إليه، ~~فساروا إليه. # وقيل: كان السبب في ذلك أن زيدا كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن ~~الحسن بن علي في [ولاية] وقوف علي، [وكان] زيد يخاصم عن بني الحسين، وجعفر ~~يخاصم عن بني الحسن، فكانا يتبالغان [بين يدي الوالي إلى] كل غاية ويقومان ~~فلا يعيدان مما كان بينهما حرفا. # فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن الحسن بن الحسن، فتنازعا يوما بين يدي ~~خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد الله لزيد وقال: يابن ~~السندية! فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لأمة ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة ~~سيدها إذ لم يصبر غيرها - يعني فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله، فإنها تزوجت ~~بعد أبيه الحسن بن ms1795 الحسن، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة، وهي عمته، فلم يدخل ~~عليها زمانا، فأرسلت إليه: يابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله ~~عنده. وقالت لعبد الله: بئس ما قلت لأم زيد! أما والله لنعم دخيلة القوم ~~كانت! قال: فذكر أن خالدا قال لهما: اغدوا علينا غدا، فلست لعبد الملك إن ~~لم أفصل بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل قال زيد كذا، ويقول ~~قائل قال عبد الله كذا. # فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم، ~~فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا ~~تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا. # ثم أقبل على خالد فقال: جمعت ذرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ~~ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال # PageV04P257 # خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم ~~فقال: يابن أبي تراب وابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقا ولا طاعة؟ ~~فقال زيد: اسكت أيها القحطاني فإنا لا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عني؟ ~~فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك. فتضاحك زيد وقال: ~~يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب، فوالله ليذهب دين القوم وما ~~تذهب أحسابهم. فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: ~~كذبت والله أيها القحطاني! فوالله لهو خير منك نفسا وأما وأبا ومحتدا! ~~وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفا من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله ~~ما لنا على هذا من صبر. # وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه ~~القصص، فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك. فيقول زيد: ~~والله لا أرجع إلى خالد أبدا. ثم أذن له يوما بعد طول حبس، ورقي علية ~~طويلة، وأمر خادما أن يتبعه بحيث لا ms1796 يراه زيد ويسمع ما يقول، فصعد زيد، ~~وكان بدينا، فوقف في بعض الدرجة، فسمعه يقول: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ~~ذل. ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء، فقال: لا أصدقك. فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن الله لم يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحدا عن ألا يرضى ~~بذلك منه. فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها، ولست ~~هنالك وأنت ابن أمة. قال زيد: إن لك جوابا. قال: فتكلم. قال: إنه ليس أحد ~~أولى بالله، ولا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه، وقد كان إسماعيل ابن أمة، ~~وأخوه ابن صريحة فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر، وما على أحد من ~~ذلك إذ كان جده رسول الله، وأبوه علي بن أبي طالب ما كانت أمه أمة. قال له ~~هشام: اخرج. قال: أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره. فقال له سالم: يا أبا ~~الحسين لا تظهرن هذا منك. # فخرج من عنده وسار إلى الكوفة، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: # PageV04P258 # أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة، فإنهم لا يفون لك، ~~فلم يقبل. فقال له: خرج بنا أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام، ثم إلى ~~الجزيرة، ثم إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا، وقال: # بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن عرض الحياة بمعزل # فأجبتها: إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل # إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلى إذا نزلوا بضيق المنزل # فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # أستودعك الله وإني أعطي الله عهدا إن دخلت يد في طاعة هؤلاء ما عشت. # وفارقه وأقبل إلى الكوفة، فأقام بها مستخفيا يتنقل في المنازل، وأقبلت ~~الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة منهم: سلمة بن كهيل، ونصر بن خزيمة ~~العبسي، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وناس من وجوه أهل ~~الكوفة، وكانت بيعته: إنا ندعوكم إلى ms1797 كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا ~~الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، ونصر أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ ~~فإذا قالوا: نعم، وضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته ~~وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لتفين ببيعتي، ولتقاتلن عدوي، ولتنصحن ~~لي في السر والعلانية، فإذا قال: نعم، مسح يده على يده ثم قال: اللهم اشهد. # فبايعه خمسة عشر ألفا، وقيل: أربعون ألفا، فأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل ~~من يريد أن يفي له ويخرج معه ويستعد ويتهيأ، فشاع أمره في الناس. # هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام، واختفى بها يبايع الناس، ~~وأما على قول من زعم أنه أتى إلى يوسف بن عمر لموافقة خالد بن عبد الله ~~القسري أو ابنه # PageV04P259 # يزيد بن خالد، فإن زيدا أقام بالكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي بن عبد الله ~~بن عباس، وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد وتأمره بالخروج ويقولون: إنا لنرجو ~~أن تكون أنت المنصور، وإن هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أمية. فأقام ~~بالكوفة، وجعل يوسف بن عمر يسأل عنه فيقال: هو هاهنا، ويبعث إليه ليسير ~~فيقول: نعم، ويعتل بالوجع، فمكث ما شاء الله. # ثم أرسل إليه يوسف ليسير، فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها. ثم أرسل إليه ~~يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله بملك ~~بينهما بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها. فلما رأى جد يوسف في ~~أمره سار حتى أتى القادسية، وقيل الثعلبية، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: ~~نحن أربعون ألفا لم يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا، وليس هاهنا من أهل ~~الشام إلا عدة يسيرة، بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن الله تعالى، وحلفوا له ~~بالأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي ~~وجدي، فيحلفون له. فقال له داود بن علي: يابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك، ~~أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدك ms1798 علي بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن ~~من بعده بايعوه، ثم وثبوا عليه، فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أوليس قد أخرجوا ~~جدك الحسين، وحلفوا له وخذلوه وأسلموه، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ فلا ترجع ~~معهم. فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا ~~الأمر منكم. فقال زيد لداود: إن عليا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه ~~بأهل الشام، وإن الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم. فقال داود: إني خائف ~~إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم. # ومضى داود إلى المدينة، ورجع زيد إلى الكوفة، فلما رجع زيد أتاه سلمة بن ~~كهيل، فذكر له قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقه، فأحسن ثم ~~قال له: ننشدك الله كم بايعك؟ قال: أربعون ألفا. قال: فكم بايع جدك؟ قال: ~~ثمانون ألفا. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة. قال: نشدتك الله أنت خير أم ~~جدك؟ قال: جدي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: ~~أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة ~~في عنقي وأعناقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث ~~حدث فلا أملك نفسي. فأذن له فخرج إلى # PageV04P260 # اليمامة، وقد تقدم ذكر مبايعة سلمة. # وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ ~~العلانية، خور السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم ولا ~~تشايعهم قلوبهم، ولقد تواترت إلي كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم، وألبست ~~قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم واطراحا لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علي بن ~~أبي طالب: " إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام ~~طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم ". فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك، فأقام ~~على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج، وتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله ~~السلمي، وتزوج أيضا ابنة عبد الله بن أبي العنبسي ms1799 الأزدي. # وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع، فأتت زيدا ~~تسلم عليه، وكانت جميلة حسناء قد دخلت في السن ولم يظهر عليها، فخطبها زيد ~~إلى نفسها، فاعتذرت بالسن وقالت له: لي ابنة هي أجمل مني وأبيض وأحسن دلا ~~وشكلا. فضحك زيد ثم تزوجها. وكان يتنقل بالكوفة تارة عندها، وتارة عند زوجه ~~الأخرى، وتارة في بني عبس، وتارة في بني هند، وتارة في بني تغلب وغيرهم إلى ~~أن ظهر. # ذكر غزوات نصر بن سيار ما وراء النهر # وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين، إحداهما من نحو ~~الباب الجديد، فسار من بلخ من تلك الناحية، ثم رجع إلى مرو فخطب الناس ~~وأخبرهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبي الخرقاء على كشف المظالم، وأنه قد ~~وضع الجزية عمن قد أسلم، وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين. # فلم تمض جمعة حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رءوسهم، ~~وثمانون ألفا من المشركين كانت قد ألقيت عنهم، فحول ما كان على المسلمين ~~إليهم ووضعه عن المسلمين، ثم صنف # PageV04P261 # الخراج ووضعه مواضعه. # ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند ثم رجع. ثم غزا الثالثة إلى الشاش من ~~مرو، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفا، وكان معهم ~~الحارث بن سريج، وعبر كورصول في أربعين رجلا، فبيت أهل العسكر في ليلة ~~مظلمة، ومع نصر بخاراخذاه في أهل بخارى، ومعه أهل سمرقند وكش ونسف، وهم ~~عشرون ألفا، فنادى نصر: ألا يخرجن أحد واثبتوا على مواضعكم. فخرج عاصم بن ~~عمير، وهو على جند سمرقند، فمرت به خيل الترك، فحمل على رجل في آخرهم ~~فأسره، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبة، فأتى به إلى نصر، فقال ~~له نصر: من أنت؟ قال: كورصول. فقال نصر: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو ~~الله. قال: ما ترجو من قتل شيخ؟ وأنا أعطيك أربعة آلاف بعير من إبل الترك ~~وألف برذون ms1800 تقوي بها جندك وتطلق سبيلي. فاستشار نصر أصحابه، فأشاروا ~~بإطلاقه، فسأله عن عمره، قال: لا أدري. قال: كم غزوت؟ قال: اثنتين وسبعين ~~غزوة. قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ~~ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك. وقال لعاصم بن عمير السعدي: قم إلى ~~سلبه فخذه. فقال: من أسرني؟ قال نصر، وهو يضحك: أسرك يزيد بن قران الحنظلي، ~~وأشار إليه. قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه، أو لا يستطيع أن يتم له بوله ~~فكيف يأسرني؟ أخبرني من أسرني؟ قال: أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم ~~القتل إذا كان أسرني فارس من فرسان العرب. فقتله وصلبه على شاطئ النهر. # وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتل بنهاوند أيام قحطبة. # فلما قتل كورصول أحرقت الترك أبنيته وقطعوا آذانهم وقصوا شعورهم وأذناب ~~خيلهم. فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشد عليهم ~~من قتله، وارتفع إلى فرغانة فسبى بها ألف رأس. # وكتب يوسف بن عمر إلى نصر: سر إلى هذا الغارز ذنبه في الشاش، يعني الحارث ~~بن سريج، فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش فخرب بلادهم واسب ذراريهم، إياك ~~وورطة المسلمين. فقرأ الكتاب على الناس واستشارهم، فقال يحيى بن # PageV04P262 # الحضين: (امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير) . فقال نصر: يا يحيى تكلمت ~~بكلمة أيام عاصم بلغت الخليفة فحظيت بها وبلغت الدرجة الرفيعة، فقلت أقول ~~مثلها، سر يا يحيى قد وليتك مقدمتي. فلام الناس يحيى، فسار إلى الشاش، ~~فأتاهم الحارث فنصب عليهم عرادتين، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك، على ~~المسلمين فقتلوه وألقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا. # وسار نصر إلى الشاش، فتلقاه ملكها بالصلح والهدية والرهن، واشترط عليه ~~نصر إخراج الحارث بن سريج عن بلده، فأخرجه إلى فاراب، واستعمل على الشاش ~~نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قبا من أرض فرغانة، ~~وكانوا أحسوا بمجيئه فأحرقوا الحشيش وقطعوا الميرة، فوجه نصر إلى ولي [عهد] ~~صاحب فرغانة فحاصره في ms1801 حصن، وغفلوا عنه فخرج وغنم دواب المسلمين، فوجه ~~إليهم نصر رجالا من تميم ومعهم محمد بن المثنى، وكان المسلمون ودوابهم ~~كمنوا لهم، فخرجوا واستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم وقتلوا ~~الدهقان، وأسروا منهم وأسروا ابن الدهقان فقتله نصر، وأرسل نصر سليمان بن ~~صول بكتاب الصلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها ثم رجع ~~إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قال: سهلا كثير الماء ~~والمراعي، (فكره ذلك وقال: ما علمك؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشستان وغور) ~~والختل وطبرستان فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟ قال: عدة حسنة، ~~ولكن أما علمت أن [صاحب] الحصار لا يسلم من خصال، لا يأمن أقرب الناس إليه ~~وأوثقهم في نفسه [أن يثب به يطلب مرتبته ويتقرب بذلك] ، أو يفني ما [قد] ~~جمع فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت. فكره ما قال له وأمره فأحضر كتاب ~~الصلح، فأجاب إليه وسير أمه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر، فأذن ~~لها وجعل يكلمها، وكان مما قالت له: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليس ~~بملك، وزير يبث إليه ما في نفسه ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشته ~~الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتما فنظر إلى وجهها زال ~~غمه، وحصن إذا فزع أتاه فأنجاه، تعني البرذون، وسيف إذا قاتل لا يخشى ~~خيانته، وذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض. # ثم دخل تميم بن نصر في جماعة فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتى خراسان # PageV04P263 # تميم بن نصر. قالت: ما له نبل الكبير ولا حلاوة الصغير، ثم دخل الحجاج بن ~~قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، فحيته وسألت عنه وقالت: يا ~~معشر العرب ما لكم وفاء ولا يصلح بعضكم بعضا. قتيبة الذي ذلل لكم ما أرى، ~~وهذا ابنه تقعده دونك فحقه أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه. # ذكر غزو مروان بن محمد بن مروان # وفي سنة إحدى وعشرين غزا مروان بن محمد من ms1802 إرمينية وهو واليها، فأتى قلعة ~~بيت السرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وسبى، ودخل غوميك وهو حصن ~~فيه بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه حتى أتى حصنا يقال له خيزج فيه ~~السرير الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفيته وشتويته، فصالح الملك على ألف ~~رأس كل سنة ومائة ألف مدي، وسار مروان فدخل أرض ازروبطران، فصالحه ملكها، ~~ثم سار في أرض تومان فصالحه، وسار حتى أتى حمزين فأخرب بلاده وحصر حصنا له ~~شهرا فصالحه، ثم أتى مروان أرض مسداز فافتتحها على صلح، ثم نزل مروان كيران ~~فصالحه طبرسران وفيلان، وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من إرمينية إلى ~~طبرستان. # PageV04P264 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو كان عامل ~~المدينة ومكة والطائف. وعلى العراق يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار، ~~وعلى إرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، ~~وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. # وفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذي أدخله البلد، ~~وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ثمانية أحجار تطحن، ~~ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر. # [الوفيات] # وفيها مات سلمة بن سهيل، وقيل سنة اثنتين وعشرين. وفيها مات عامر بن عبد ~~الله بن الزبير، وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين بالشام. ~~وفيها مات محمد بن يحيى بن حبان وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة، (حبان: ~~بفتح الحاء، وبالباء الموحدة) . وقتل يعقوب بن عبد الله بن الأشج شهيدا ~~بأرض الروم. # PageV04P265 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة] ### | 122 - # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة # ذكر مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب # في هذه السنة قتل زيد بن علي بن الحسين، قد ذكر سبب مقامه بالكوفة وبيعته ~~بها. # فلما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج، وأخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة ~~يتجهز، انطلق ms1803 سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره، فبعث يوسف ~~في طلب زيد فلم يوجد، وخاف زيد أن يؤخذ فيتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه ~~وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصلت، وعلى شرطته عمرو بن ~~عبد الرحمن من القارة ومعه عبيد الله بن العباس الكندي في ناس من أهل ~~الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأى أصحاب زيد بن علي من يوسف بن ~~عمر أنه قد بلغه أمره، وأنه يبحث عن أمره اجتمع إليه جماعة من رءوسهم ~~وقالوا: رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر ~~لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلا خيرا، وإن أشد ما أقول فيما ~~ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان ما ذكرتم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الناس أجمعين، فدفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، وقد ولوا فعدلوا ~~في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم ~~يظلموك، فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، هؤلاء ظالمون ~~لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، وإن ~~أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام، يعنون ~~محمدا الباقر، وكان قد مات، وقالوا: جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه، ~~فسماهم زيد الرافضة، وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حيث فارقوه. # PageV04P266 # وكانت طائفة أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج زيد، فأخبروه ببيعة زيد، ~~فقال: بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا، فعادوا وكتموا ذلك. # وكان زيد واعد أصحابه أول ليلة من صفر، وبلغ ذلك يوسف بن عمر، فبعث إلى ~~الحكم يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم فيه، ~~وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج منها ~~ليلا، ورفعوا الهرادي فيها النيران ونادوا: يا منصور أمت أمت، حتى ms1804 طلع ~~الفجر، فلما أصبحوا بعث زيد القاسم التبعي ثم الحضرمي وآخر من أصحابه ~~يناديان بشعارهما، فلما كانا بصحراء عبد القيس لقيهما جعفر بن العباس ~~الكندي فحملا عليه وعلى أصحابه، فقتل الذي كان مع القاسم التبعي وارتث ~~القاسم وأتي به الحكم، فضرب عنقه، فكانا أول من قتل من أصحاب زيد. وأغلق ~~الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس. # وبعث الحكم إلى يوسف بالحيرة فأخبره الخبر، فأرسل جعفر بن العباس ليأتيه ~~بالخبر، فسار في خمسين فارسا حتى بلغ جبانة سالم فسأل ثم رجع إلى يوسف ~~فأخبره، فسار يوسف إلى تل قريب من الحيرة فنزل عليه ومعه أشراف الناس، فبعث ~~الريان بن سلمة الأراني في ألفين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم ~~النشاب. # وأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلا، ~~فقال زيد: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: إنهم في المسجد الأعظم محصورون. # فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا! وسمع نصر بن خزيمة العبسي النداء ~~فأقبل إليه، فلقي عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم في خيله من جهينة في ~~الطريق، فحمل عليه نصر وأصحابه، فقتل عمرو وانهزم من كان معه، وأقبل زيد ~~على جبانة سالم حتى انتهى إلى جبانة الصائدين وبها خمسمائة من أهل الشام، ~~فحمل عليهم زيد فيمن معه وهزمهم، فانتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدي، ~~وكان فيمن بايعه وهو في الدار، فنودي فلم يجبهم، وناداه زيد فلم يخرج إليه، ~~فقال زيد: ما أخلفكم؟ قد فعلتموها، الله حسيبكم، ثم انتهى زيد إلى الكناسة ~~فحمل على من بها من أهل الشام فهزمهم، ثم # PageV04P267 # سار زيد ويوسف ينظر إليه في مائتي رجل، فلو قصده لقتله، والريان يتبع أثر ~~زيد بن علي بالكوفة في أهل الشام، فأخذ زيد على مصلى خالد حتى دخل الكوفة، ~~وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم، فلقوا أهل الشام فقاتلوهم، فأسر ~~أهل الشام منهم رجلا، فأمر به يوسف بن عمر فقتل. # فلما رأى زيد خذلان الناس إياه قال: يا نصر ms1805 بن خزيمة أنا أخاف أن يكونوا ~~قد فعلوها حسينية. قال: أما أنا والله لأقاتلن معك حتى أموت، وإن الناس في ~~المسجد فامض بنا نحوهم. فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندي عند دار عمر بن ~~سعد، فاقتتلوا، فانهزم عبيد الله وأصحابه، وجاء زيد حتى انتهى إلى باب ~~المسجد، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد ~~اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا ~~دنيا. فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد. # وانصرف الريان عند المساء إلى الحيرة، وانصرف زيد فيمن معه، وخرج إليه ~~ناس من أهل الكوفة فنزل دار الرزق، فأتاه الريان بن سلمة فقاتله عند دار ~~الرزق وجرح أهل الشام ومعهم ناس كثير، ورجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء ~~أسوأ شيء ظنا. # فلما كان الغد أرسل يوسف بن عمر العباس بن سعيد المزني في أهل الشام ~~فانتهى إلى زيد في دار الرزق، فلقيه زيد وعلى مجنبته نصر بن خزيمة ومعاوية ~~بن إسحاق بن زيد بن ثابت فاقتتلوا قتالا شديدا، وحمل نابل بن فروة العبسي ~~من أهل الشام على نصر بن خزيمة فضربه بالسيف فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ~~ولم يلبث نصر أن مات واشتد قتالهم، فانهزم أصحاب العباس وقتل منهم نحو من ~~سبعين رجلا. # فلما كان العشاء عبأهم يوسف بن عمر ثم سرحهم، فالتقوا هم وأصحاب زيد، ~~فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم حمل ~~عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بني سليم، وجعلت خيلهم لا تثبت لخيله، فبعث ~~العباس إلى يوسف يعلمه ذلك وقال له: ابعث إلي الناشبية، فبعثهم إليه، ~~فجعلوا يرمون أصحاب زيد، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد قتالا ~~شديدا، فقتل وثبت زيد بن علي ومن معه إلى الليل، فرمي زيد بسهم فأصاب جانب ~~جبهته اليسرى # PageV04P268 # فثبت في دماغه، ورجع أصحابه ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء ~~والليل، ونزل زيد في دار من دور أرحب، وأحضر أصحابه طبيبا، فانتزع ms1806 النصل، ~~فضج زيد، فلما نزع النصل مات زيد، فقال أصحابه: أين ندفنه؟ قال بعضهم: ~~نطرحه في الماء. وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونلقيه في القتلى. فقال ابنه ~~يحيى: والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: ندفنه في الحفرة التي ~~يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء، ففعلوا، فلما دفنوه أجروا عليه الماء، ~~وقيل: دفن بنهر يعقوب، سكر أصحابه الماء ودفنوه وأجروا الماء، وكان معهم ~~مولى لزيد سندي، وقيل رآهم فسار فدل عليه، وتفرق الناس عنه، وسار ابنه يحيى ~~نحو كربلاء فنزل بنينوى على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر. # ثم إن يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور، فدله السندي مولى زيد يوم ~~الجمعة على زيد، فاستخرجه من قبره وقطع رأسه وسير إلى يوسف بن عمر وهو ~~بالحيرة، سيره الحكم بن الصلت، فأمر يوسف أن يصلب زيد بالكناسة هو ونصر بن ~~خزيمة ومعاوية بن إسحاق وزياد النهدي، وأمر بحراستهم، وبعث الرأس إلى هشام، ~~فصلب على باب مدينة دمشق، ثم أرسل إلى المدينة وبقي البدن مصلوبا إلى أن ~~مات هشام وولي الوليد فأمر بإنزاله وإحراقه. وقيل: كان خراش بن حوشب بن ~~يزيد الشيباني على شرطة زيد، وهو الذي نبش زيدا وصلبه، فقال السيد الحموي: # بت ليلا مسهدا ... ساهر العين مقصدا # ولقد قلت قولة ... وأطلت التبلدا # لعن الله حوشبا ... وخراشا ومزيدا # ويزيدا فإنه ... كان أعتى وأعندا # ألف ألف وألف أل ... ف من اللعن سرمدا # إنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمدا # PageV04P269 # شركوا في دم المطه # ر زيد تعندا ... ثم عالوه فوق جذ # ع صريعا مجردا ... يا خراش بن حوشب # أنت أشقى الورى غدا # وقيل في أمر يحيى بن زيد غير ما تقدم، وذلك أن أباه زيدا لما قتل قال له ~~رجل من بني أسد: إن أهل خراسان لكم شيعة، والرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف ~~لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يسكن [عنك] الطلب ثم تخرج. # فواراه عنده [ليلة] ، ثم خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له: ~~إن ms1807 قرابة زيد بك قريبة وحقه عليك واجب. قال: أجل ولقد كان العفو عنه أقرب ~~للتقوى. قال: فقد قتل وهذا ابنه غلام حدث لا ذنب له، فإن علم يوسف به قتله، ~~أفتجيره؟ قال: نعم، فأتاه به فأقام عنده، فلما سكن الطلب سار في نفر من ~~الزيدية إلى خراسان. فغضب يوسف بن عمر بعد قتل زيد فقال: يا أهل العراق، إن ~~يحيى بن زيد ينتقل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، والله لو بدا لي ~~(لعرقت خصييه كما عرقت خصيي أبيه) ! وتهددهم وذمهم وترك. # ذكر قتل البطال # في هذه السنة قتل البطال، واسمه عبد الله أبو الحسين الأنطاكي، في جماعة ~~من المسلمين ببلاد الروم، وقيل: سنة ثلاث وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة ~~إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكر عظيم وخوف شديد. # حكي أنه دخل بلادهم في بعض غزاته هو وأصحابه، فدخل قرية لهم ليلا وامرأة ~~تقول لصغير لها يبكي: تسكت وإلا سلمتك إلى البطال! ثم رفعته بيدها وقالت: ~~خذه يا بطال! فتناوله من يدها. # وسيره عبد الملك مع ابنه مسلمة إلى بلاد الروم، وأمره على رؤساء أهل ~~الجزيرة والشام، وأمر ابنه أن يجعله على مقدمته وطلائعه، وقال: إنه ثقة ~~شجاع مقدام، فجعله # PageV04P270 # مسلمة على عشرة آلاف فارس، فكان بينه وبين الروم، وكان العلافة والسابلة ~~يسيرون آمنين. # وسار مرة مع عسكر للمسلمين، فلما صار بأطراف الروم سار وحده فدخل بلادهم، ~~فرأى مبقلة فنزل فأكل من ذلك البقل، فجاءت جوفه وكثر إسهاله، فخاف أن يضعف ~~عن الركوب فركب، وصار تجيء جوفه في سرجه ولا يجسر ينزل لئلا يضعف عن ~~الركوب، فاستولى عليه الضعف، فاعتنق رقبة فرسه وسار عليه ولا يعلم أين هو، ~~ففتح عينه فإذا هو في دير فيه نساء، فاجتمعن عليه وأنزلته إحداهن عن فرسه ~~وغسلته وسقته دواء فانقطع عنه ما به، وأقام في الدير ثلاثة أيام، ثم إن ~~بطريقا حضر الدير فخطب تلك المرأة وبلغه خبر البطال، وكانت المرأة قد جعلته ~~في بيت مختفيا فمنعته منه، ثم سار البطريق ms1808 عن الدير، فركب البطال وتبعه ~~فقتله، وانهزم أصحاب البطريق، وعاد إلى الدير وألقى الرأس إلى النساء ~~وأخذهن وساقهن إلى العسكر، فنقل أمير العسكر تلك المرأة، فهي أم أولاد ~~البطال. # ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القشيري الذي كان هشام بعثه في أهل ~~الشام إلى إفريقية حيث وقعت الفتنة بالبربر. # وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي. # وفيها وجه يوسف بن عمر ابن شبرمة على سجستان فاستقضى محمد بن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام المخزومي، وكان عمال الأمصار من تقدم ~~ذكرهم، قيل: وكان على الموصل: أبو قحافة ابن أخي الوليد بن تليد العبسي. # PageV04P271 # [الوفيات] # وفيها مات إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة، وهو الموصوف بالذكاء، وزيد ~~بن الحارث اليامي، ومحمد بن المنكدر بن عبد الله أبو بكر التيمي، تيم قريش، ~~وقيل: مات سنة ثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين، وكنيته أبو بكر، ويزيد بن عبد ~~الله بن قسط، ويعقوب بن عبد الله بن الأشج. # PageV04P272 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة] ### | 123 - # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة # ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد # في هذه السنة صالح نصر بن سيار الصغد. # وسبب ذلك أن خاقان لما قتل في ولاية أسد تفرقت الترك في غارة بعضها على ~~بعض، فطمع أهل الصغد في الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولي ~~نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الرجوع إلى بلادهم وأعطاهم ما أرادوا، ~~وكانوا ينالون شروطا أنكرها أمراء خراسان، منها: أن لا يعاقب من كان مسلما ~~فارتد عن الإسلام، ولا يعدى عليهم في دين لأحد من الناس، ولا يؤخذ أسراء ~~المسلمين من أيديهم إلا بقضية قاض وشهادة عدول. # فعاب الناس ذلك على نصر بن سيار وقالوا له فيه، فقال: لو عاينتم شوكتهم ~~في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك. وأرسل رسولا إلى هشام بن عبد ~~الملك في ذلك فأجابه إليه. # ذكر وفاة عقبة ms1809 بن الحجاج ودخول بلج الأندلس # في هذه السنة توفي عقبة بن الحجاج السلولي أمير الأندلس، فقيل: بل ثار به ~~أهل الأندلس فخلعوه وولوا بعده عبد الملك بن قطن، وهي ولايته الثانية، ~~وكانت ولايته في صفر من هذه السنة، وكانت البربر قد فعلت بإفريقية ما ~~ذكرناه سنة سبع عشرة ومائة، وقد حصروا بلج بن بشر العبسي حتى ضاق عليه وعلى ~~من معه الأمر واشتد الحصر، وهم صابرون إلى هذه السنة، فأرسل إلى عبد الملك ~~بن قطن يطلب منه أن يرسل إليه مراكب يجوز فيها هو ومن معه إلى الأندلس، ~~وذكر ما أنزل عليه من الشدة وأنهم أكلوا دوابهم. فامتنع عبد الملك من ~~إدخالهم الأندلس ووعدهم بإرسال المدد إليهم، فلم يفعل. # PageV04P273 # فاتفق أن البربر قويت بالأندلس، فاضطر عبد الملك إلى إدخال بلج ومن معه، ~~وقيل: إن عبد الملك استشار أصحابه في جواز بلج فخوفوه من ذلك، فقال: أخاف ~~أمير المؤمنين أن يقول: أهلكت جندي، فأجازهم وشرط عليهم أن يقيموا سنة ~~ويرجعوا إلى إفريقية، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ رهائنهم وأجازهم. # فلما وصلوا إليه رأى هو والمسلمون ما بهم من سوء الحال والفقر والعري ~~لشدة الحصار عليهم، فكسوهم وأحسنوا إليهم، وقصدوا جمعا من البربر بشدونة ~~فقاتلوهم فظفروا بالبربر فأهلكوهم وغنموا مالهم ودوابهم وسلاحهم، فصلحت ~~أحوال أصحاب بلج وصار لهم دواب يركبونها. # ورجع عبد الملك بن قطن إلى قرطبة وقال لبلج ومن معه ليخرجوا من الأندلس، ~~فأجابوه إلى ذلك، فطلبوا منه مراكب يسيرون فيها من غير الجزيرة الخضراء ~~لئلا يلقوا البرابر الذين حصروهم. فامتنع عبد الملك وقال: ليس لي مراكب إلا ~~في الجزيرة. فقالوا: إنا لا نرجع نتعرض إلى البربر ولا نقصد الجهة التي هم ~~فيها لأننا نخاف أن يقتلونا في بلادهم. فألح عليهم في العود، فلما رأوا ذلك ~~ثاروا به وقاتلوه، فظفروا به وأخرجوه من القصر، وذلك أوائل ذي القعدة من ~~هذه السنة. # فلما ظفر بلج بعبد الملك أشار عليه أصحابه بقتل عبد الملك، فأخرجه من ~~داره وكأنه فرخ لكبر سنه فقتله وصلبه، وولي ms1810 الأندلس، وكان عمر عبد الملك ~~تسعين سنة، وهرب ابناه قطن وأمية، فلحق أحدهما بماردة والآخر بسرقسطة، وكان ~~هربهما قبل قتل أبيهما، فلما قتل فعلا ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام يطلب إليه أن ~~يستعمله على خراسان، ويذكر أنه خبير بها، وأنه عمل بها الأعمال الكثيرة، ~~ويقع في نصر بن سيار، فوجه هشام إلى دار الضيافة فأحضر مقاتل بن علي السعدي ~~وقد قدم من خراسان ومعه مائة وخمسون من الترك، فسأله عن الحكم وما ولي ~~بخراسان، فقال: ولي قرية يقال لها الفارياب سبعون ألفا خراجها، فأسره ~~الحارث بن سريج فعرك أذنه وأطلقه وقال: أنت أهون من أن أقتلك. فلم يعزل ~~هشام نصر بن سيار عن خراسان. # PageV04P274 # وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار فرغانة غزوته الثانية، فأوفد وفدا إلى ~~العراق عليهم معن بن أحمر النميري، ثم إلى هشام، فاجتاز بيوسف بن عمر وقال ~~له: يابن أحمر أيغلبكم الأقطع على سلطانكم يا معشر قيس! قال: قد كان ذاك، ~~فأمره أن يعيبه عند هشام، فقال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي ~~وعند قومي؟ فلم يزل به، قال: فبم أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته أم يمن ~~نقيبته أو سياسته؟ قال: عبه بالكبر. # فلما دخل على هشام ذكر جند خراسان ونجدتهم وطاعتهم، فقال: إلا أنهم ليس ~~لهم قائد. قال: ويحك! فما فعل الكناني؟ يعني نصرا. قال: له بأس ورأي إلا ~~أنه لا يعرف الرجل ولا يسمع صوته حتى يدنى منه، وما يكاد يفهم منه من الضعف ~~لأجل كبره، فقال شبيل بن عبد الرحمن المازني: كذب والله، إنه ليس بالشيخ ~~يخشى خرفه، ولا الشاب يخشى سفهه، [بل هو] المجرب وقد ولي عامة ثغور خراسان ~~وحروبها قبل ولايته. فعلم هشام أن قول معن بوضع يوسف، فلم يلتفت إلى قوله. # فرجع معن إلى يوسف، فسأله أن يحول ابنه عن خراسان، ففعل، فأرسل فأحضر ~~أهله، وكان نصر لما قدم خراسان قد آثر معنا ms1811 وأعلى منزلته، وشفعه في حوائجه، ~~فلما فعل هذا أجفى القيسية فحضروا عنده واعتذروا إليه. # وحج بالناس هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك. وكان العمال في الأمصار ~~هم العمال في السنة التي قبلها. # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن واسع الأزدي البصري، وقيل: سنة سبع وعشرين. # PageV04P275 # وفيها توفي جعفر بن إياس، وفيها مات ثابت البناني، وقيل: سنة سبع وعشرين، ~~وله ست وثمانون سنة. وفيها توفي سعيد بن أبي سعيد المقبري، واسم أبي سعيد ~~كيسان، وقيل: مات سنة خمس وعشرين، وقيل: ست وعشرين. ومالك بن دينار الزاهد. # PageV04P276 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة] ### | 124 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة # ذكر ابتداء أمر أبي مسلم الخراساني # قد اختلف الناس في أبي مسلم، فقيل: كان حرا، واسمه إبراهيم بن عثمان بن ~~بشار بن سدوس بن جودزده من ولد بزرجمهر، ويكنى أبا إسحاق، ولد بأصبهان، ~~ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة ~~وهو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~الإمام قال له: غير اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك على ما ~~وجدته في الكتب، فسمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فمضى لشأنه ~~وله ذؤابة وهو على حمار بإكاف وله تسع عشرة سنة، وزوجه إبراهيم الإمام ابنة ~~عمران بن إسماعيل الطائي المعروف بأبي النجم، وهي بخراسان مع أبيها، فبنى ~~بها أبو مسلم بخراسان، وزوج أبو مسلم ابنته فاطمة من محرز بن إبراهيم، ~~وابنته الأخرى أسماء من فهم بن محرز، فأعقبت أسماء ولم تعقب فاطمة، وفاطمة ~~هي التي تذكرها الخرمية. # ثم إن سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب ~~توجهوا من خراسان يريدون مكة سنة أربع وعشرين ومائة، فلما دخلوا الكوفة ~~أتوا عاصم بن يونس العجلي وهو في الحبس، قد اتهم بالدعاء إلى ولد العباس ~~ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل العجليان، وهذا إدريس هو جد أبي دلف العجلي، ~~وكان ms1812 حبسهما يوسف بن عمر مع من حبس من عمال خالد القسري ومعهما أبو مسلم ~~يخدمهما قد اتصل بهما، فرأوا فيه العلامات فقالوا: لمن هذا الفتى؟ فقالا: ~~غلام معنا من السراجين يخدمنا، وكان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس يتكلمان في ~~هذا الرأي، فإذا سمعهما بكى، فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى رأيهم فأجاب. # PageV04P277 # وقيل: إنه من أهل ضياع بني معقل العجلية بأصبهان أو غيرها من الجبل، وكان ~~اسمه إبراهيم، ويلقب حيكان، وإنما سماه عبد الرحمن وكناه أبا مسلم إبراهيم ~~الإمام، وكان مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز الأعنة ويعمل السروج، وله ~~معرفة بصناعة الأدم والسروج، فكان يحملها إلى أصبهان والجبال والجزيرة ~~والموصل ونصيبين وآمد وغيرها يتجر فيها. # وكان عاصم بن يونس العجلي وإدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين، فكان أبو مسلم ~~يخدمهم في الحبس بتلك العلامة، فقدم سليمان بن كثير ولاهز وقحطبة الكوفة ~~فدخلوا على عاصم، فرأوا أبا مسلم عنده، فأعجبهم، فأخذوه، وكتب أبو موسى ~~السراج معه كتابا إلى إبراهيم الإمام، فلقوه بمكة، فأخذ أبا مسلم فكان ~~يخدمه. # ثم إن هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم الإمام مرة أخرى يطلبون رجلا ~~يتوجه معهم إلى خراسان. فكان هذا نسب أبي مسلم على قول من يزعم أنه حر. ~~فلما تمكن وقوي أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس. # وكان من حديث سليط بن عبد الله بن عباس أنه كانت له جارية مولدة صفراء ~~تخدمه، فواقعها مرة ولم يطلب ولدها ثم تركها دهرا، فاغتنمت ذلك فاستنكحت ~~عبدا من عبيد المدينة فوقع عليها، فحبلت وولدت غلاما، فحدها عبد الله بن ~~عباس واستعبد ولدها وسماه سليطا، فنشأ جلدا ظريفا يخدم ابن عباس، وكان له ~~من الوليد بن عبد الملك منزلة، فادعى أنه ولد عبد الله بن عباس ووضعه على ~~أمر الوليد لما كان في نفسه من علي بن عبد الله بن عباس وأمره بمخاصمة علي، ~~فخاصمه واحتال في شهود على إقرار عبد الله بن عباس بأنه ابنه، فشهدوا بذلك ~~عند قاضي دمشق، فتحامل القاضي ms1813 اتباعا لرأي الوليد فأثبت نسبه. # ثم إن سليطا خاصم علي بن عبد الله في الميراث حتى لقي منه علي أذى شديدا، ~~وكان مع علي رجل من ولد أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~منقطعا إليه يقال له عمر الدن، فقال لعلي يوما: لأقتلن هذا الكلب وأريحك ~~منه، فنهاه علي عن ذلك وتهدده بالقطيعة ورفق على سليط حتى كف عنه. # ثم إن سليطا دخل مع علي بستانا له بظاهر دمشق، فنام علي فجرى بين عمر ~~الدن # PageV04P278 # وسليط كلام، فقتله عمر ودفنه في البستان، وأعانه عليه مولى لعلي وهربا، ~~وكان لسليط صاحب قد عرف دخوله البستان ففقده فأتى أم سليط فأخبرها، وفقد ~~علي أيضا عمر الدن ومولاه، فسأل عنهما وعن سليط فلم يخبره أحد، وغدت أم ~~سليط إلى باب الوليد فاستغاثت على علي، فأتى الوليد من ذلك ما أحب، فأحضر ~~عليا وسأله عن سليط، فحلف أنه لم يعرف خبره وأنه لم يأمر فيه بأمر، فأمره ~~بإحضار عمر الدن، فحلف بالله أنه لم يعرف موضعه، فأمر الوليد بإرسال الماء ~~في أرض البستان، فلما انتهى إلى موضع الحفرة التي فيها سليط انخسفت وأخرج ~~منها سليط، فأمر الوليد بعلي فضرب وأقيم في الشمس، وألبس جبة صوف ليخبره ~~خبر سليط ويدله على عمر الدن، فلم يكن عنده علم، ثم شفع فيه عباس بن زياد ~~فأخرج إلى الحميمة، وقيل إلى الحجر، فأقام به حتى هلك الوليد وولي سليمان، ~~فرده إلى دمشق. # وكان هذا مما عده المنصور على أبي مسلم حين قتله، وقال له: زعمت أنك ابن ~~سليط ولم ترض حتى نسبت إلى عبد الله غير ولده، لقد ارتقيت مرتقى صعبا. # وكان سبب موجدة الوليد على علي بن عبد الله أن أباه عبد الملك بن مروان ~~طلق امرأته أم ابنها ابنة عبد الله بن جعفر، فتزوجها علي، فتغير له عبد ~~الملك وأطلق لسانه فيه وقال: إنما صلاته رياء، وسمع الوليد ذلك من أبيه ~~فبقي في نفسه. # وقيل: إن أبا مسلم كان عبدا، وكان سبب انتقاله ms1814 إلى بني العباس أن بكير بن ~~ماهان كان كاتبا لبعض عمال السند فقدم الكوفة، فاجتمع هو وشيعة بني العباس، ~~فغمز بهم، فأخذوا، فحبس بكير وخلي عن الباقين، وكان في الحبس يونس أبو عاصم ~~وعيسى بن معقل العجلي ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه، فأجابوه، ~~فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام منك؟ قال: مملوك. قال: أتبيعه؟ قال: هو ~~لك. قال: أحب أن تأخذ ثمنه. قال: هو لك بما شئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم ~~خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى أبي ~~موسى السراج، فسمع منه وحفظ ثم سار مترددا إلى خراسان. # وقيل: إنه كان لبعض أهل هراة أو بوشنج، فقدم مولاه على إبراهيم الإمام ~~وأبو مسلم معه، فأعجبه عقله فابتاعه منه وأعتقه ومكث عنده عدة سنين، وكان ~~يتردد بكتب إلى خراسان على حمار له، ثم وجهه أميرا على شيعتهم بخراسان وكتب ~~إلى من بها # PageV04P279 # منهم بالسمع والطاعة، وكتب إلى أبي سلمة الخلال داعيتهم ووزيرهم بالكوفة ~~يعلمه أنه قد أرسل أبا مسلم ويأمره بإنفاذه إلى خراسان. فسار إليها فنزل ~~على سليمان بن كثير، وكان من أمره ما نذكره سنة سبع وعشرين ومائة إن شاء ~~الله تعالى. # وقد كان أبو مسلم رأى رؤيا قبل ذلك استدل بها على ملك خراسان فظهر أمرها، ~~فلما ورد نيسابور نزل بوناباذ، وكانت عامرة، فتحدث صاحب الخان الذي نزله ~~أبو مسلم بذلك وقال: إن هذا يزعم أنه يلي خراسان. # فخرج أبو مسلم لبعض حاجته، فعمد بعض المجان فقطع ذنب حماره، فلما عاد قال ~~لصاحب الخان: من فعل هذا بحماري؟ قال: لا أدري! قال: ما اسم هذه المحلة؟ ~~قال: بوناباذ. قال: إن لم أصيرها كنداباذ فلست بأبي مسلم. فلما ولي خراسان ~~أخربها. # ذكر الحرب بين بلج وابني عبد الملك ووفاة بلج وولاية ثعلبة بن سلامة ~~الأندلس # في هذه السنة كان بالأندلس حرب شديدة بين بلج وأمية وقطن ابني عبد الملك ~~بن قطن، وكان سببها أنهما لما هربا من قرطبة، كما ذكرناه، ms1815 فلما قتل أبوهما ~~استنجدا بأهل البلاد والبربر، فاجتمع معهما جمع كثير قيل كانوا مائة ألف ~~مقاتل، فسمع بهم بلج والذين معه فسار إليهم، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ~~وجرح بلج جراحات، ثم ظفر بابني عبد الملك والبربر ومن معهم وقتل منهم ~~فأكثر، وعاد إلى قرطبة مظفرا منصورا، فبقي سبعة أيام، ومات من الجراحات ~~التي فيه، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة، وكانت ولايته أحد عشر شهرا. # فلما مات قدم أصحابه عليهم ثعلبة بن سلامة العجلي، لأن هشام بن عبد الملك ~~عهد إليهم: إن حدث ببلج وكلثوم حدث فالأمير ثعلبة، فقام بالأمر، وثارت في ~~أيامه البربر بناحية ماردة، فغزاهم فقتل فيهم فأكثر وأسر منهم رجل وأتى بهم ~~إلى قرطبة. # ذكر عدة حوادث # وفيها غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فغنم. # PageV04P280 # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قول بعضهم، ووصى إلى ابنه ~~إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة إليهم. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل. # وفيها مات محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان مولده سنة ثمان وخمسين، ~~وقيل سنة خمسين. # PageV04P281 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة] ### | 125 - # ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة # ذكر وفاة هشام بن عبد الملك # وفيها مات هشام بن عبد الملك بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر، كانت ~~خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وواحدا وعشرين يوما، وقيل: وثمانية أشهر ~~ونصفا، وكان مرضه الذبحة، وعمره خمس وخمسون سنة، وقيل ست وخمسون سنة، فلما ~~مات طلبوا قمقما من بعض الخزان يسخن فيه الماء لغسله، فما أعطاهم عياض كاتب ~~الوليد، على ما نذكره، فاستعاروا قمقما، وصلى عليه ابنه مسلمة ودفن ~~بالرصافة. # ذكر بعض سيرته # قال عقال بن شبة: دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان ~~وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن فقال: ما لك؟ فقلت: رأيت عليك قبل ~~أن تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمل أهو هذا أم غيره. فقال: هو والله ~~ذاك، ms1816 وأما ما ترون من جمعي المال وصونه فهو لكم. قال: وكان محشوا عقلا. ~~وقيل: وضرب رجل نصراني غلاما لمحمد بن هشام فشجه، فذهب خصي لمحمد فضرب ~~النصراني، وبلغ هشاما الخبر وطلب الخصي فعاذ بمحمد، فقال له محمد: ألم ~~آمرك؟ فقال الخصي: بلى والله قد أمرتني. فضرب هشام الخصي وشتم ابنه. # قال عبد الله بن عبد الله بن عباس: جمعت دواوين بني أمية، فلم أر ديوانا ~~أصح # PageV04P282 # ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقيل: وأتي هشام برجل عنده قيان ~~وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الشيخ لما ضربه. فقال: ~~عليك بالصبر. فقال: أتراني أبكي للضرب؟ إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه ~~طنبورا! قال: وأغلظ رجل لهشام، فقال له: ليس لك أن تغلظ لإمامك. قيل: وتفقد ~~هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي. ~~قال: أفعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابة سنة. قيل: وكتب إليه بعض عماله: قد ~~بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن، وكتب إليه: قد وصل الدراقن فأعجب أمير ~~المؤمنين، فزد منه واستوثق من الدعاء. وكتب إلى عامل له قد بعث بكمأة: قد ~~وصلت الكمأة وهي أربعون، وقد تغير بعضها من حشوها، فإذا بعثت شيئا فأجد ~~حشوها في الظرف الذي تجعلها فيه بالرمل حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضا. ~~وقيل له: أتطمع في الخلافة؟ فأنت بخيل جبان! قال: ولم لا أطمع فيها وأنا ~~حليم عفيف؟ # قيل: وكان هشام ينزل الرصافة وهي من أعمال قنسرين، وكان الخلفاء قبله ~~وأبناء الخلفاء ينتبذون هربا من الطاعون فينزلون البرية، فلما أراد هشام أن ~~ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير خليفة طعن. ~~قال: أتريدون أن تجربوا في؟ فنزلها، وهي مدينة رومية. # قيل: إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، ~~فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري، وهو أمير العراق، وأمر بقتله، فحبسه ~~خالد ولم # PageV04P283 # يقتله، فبلغ الخبر هشاما، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن ms1817 يقتله، ~~فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر ~~خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن ~~درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى، ولا اتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله ~~عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل وذبحه. # قيل: إن غيلان بن يونس، وقيل ابن مسلم، أبا مروان أظهر القول بالقدر في ~~أيام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر واستتابه، فتاب ثم عاد إلى الكلام فيه ~~أيام هشام، فأحضره من ناصرة، ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم أمر به فصلب. # قيل: وجاء محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى هشام، فقال: ليس ~~لك عندي صلة، ثم قال: إياك أن يغرك أحد فيقول لم يعرفك أمير المؤمنين، إني ~~عرفتك، أنت محمد بن زيد فلا تقيمن وتنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، الحق ~~بأهلك. # قال مجمع بن يعقوب الأنصاري: شتم هشام رجلا من الأشراف، فوبخه الرجل ~~وقال: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيا منه وقال: ~~اقتص مني. قال: إذا أنا سفيه مثلك. قال: فخذ مني عوضا من المال. قال: ما ~~كنت لأفعل. قال: فهبها لله. قال: هي لله ثم لك. فنكس هشام رأسه واستحيا ~~وقال: والله لا أعود إلى مثلها أبدا. # ذكر بيعة الوليد بن يزيد بن عبد الملك # قيل: وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة، وقد تقدم عقد ~~أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك، وكان الوليد حين جعل ولي ~~عهد بعد هشام (ابن) إحدى عشرة سنة، ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة ~~(سنة) ، فكان يزيد يقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك، فلما ولي ~~هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب، وكان يحمله ~~على ذلك # PageV04P284 # عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه، واتخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم ~~عنه فولاه الحج سنة ms1818 ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق وعمل قبة على ~~قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب القبة على ~~الكعبة ويشرب فيها الخمر، فخوفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا ~~معك. فلم يفعل. # وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة ~~وخلع الوليد، وأراد الوليد على ذلك، فأبى، فقال له: اجعله بعدك، فأبى، ~~فتنكر له هشام وأضر به وعمل سرا في البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، وكان ~~ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد ~~العبسي، وغيرهم من خاصته، فأفرط الوليد في الشراب وطلب اللذات، فقال له ~~هشام: ويحك يا وليد، والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من ~~المنكر إلا أتيته غير متحاش، فكتب إليه الوليد: # يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر # نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر # فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني الوليد ~~بك وأنا أرشحك للخلافة! فألزمه الأدب وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع ~~عشرة ومائة، فأظهر النسك واللين، ثم إنه قسم بمكة والمدينة أموالا، فقال ~~مولى لأهل المدينة: # يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر # الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر # يعرض بالوليد. # وكان هشام يعيب الوليد وينتقصه ويقصر به، فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ~~ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن، وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند ~~هشام ليكاتبه بما عندهم، وقطع هشام عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكاتبه ~~الوليد فلم يجبه # PageV04P285 # إلى رده، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، وأخرجه، وسأله أن يأذن لابن ~~سهيل بالخروج إليه، فضرب هشام ابن سهيل وسيره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب ~~الوليد فضربه وحبسه، فقال الوليد: من يثق بالناس ومن يصنع المعروف! هذا ~~الأحول المشئوم قدمه أبي على أهل بيته، وصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون؟ ~~لا يعلم أن لي ms1819 في أحد هوى إلا عبث به! وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله ~~أن يرد عليه كاتبه، فلم يرده، فكتب إليه الوليد: # رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني # تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن مت من شر ما تجني # كأني بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني # كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن # فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم ~~الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو: ما أتت علي ~~ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة! عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها ~~بأمور من أمر هذا الرجل، يعني هشاما، قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركبا ~~وسارا ميلين، ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل الله ~~من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني والآخر ~~جردبة، فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه فسلما عليه بالخلافة، فوجم ثم ~~قال: أمات هشام؟ قالا: نعم، والكتاب معنا # PageV04P286 # من سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه وسأل مولى أبي محمد ~~السفياني عن كاتبه عياض، فقال: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت، فأرسل ~~إلى الخزان وقال: احتفظوا بما في أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه، ~~فقال: إنا لله، كنا خزانا للوليد! ومات من ساعته، وخرج عياض من السجن، فختم ~~أبواب الخزائن وأنزل هشاما عن فرشه، وما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء ~~حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولاه، فقال: # هلك الأحول المشو ... م فقد أرسل المطر # وملكنا من بعد ذا ... ك فقد أورق الشجر # فاشكروا الله إنه ... زائد كل من شكر # وقيل: إن هذا الشعر لغير الوليد. # فلما سمع الوليد موته كتب إلى العباس (بن الوليد) بن عبد الملك بن مروان ~~أن يأتي الرصافة، فيحصي ما فيها من ms1820 أموال هشام وولده، ويأخذ عماله وحشمه ~~إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد. فقدم العباس الرصافة ~~ففعل ما كتب به الوليد إليه، وكتب به إلى الوليد، فقال الوليد: # ليت هشاما كان حيا يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا # ويروى: # ليت هشاما عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبعا # كلناه بالصاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا # PageV04P287 # وما أتينا ذاك عن بدعة # أحله الفرقان لي أجمعا # وضيق على أهل هشام وأصحابه، فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى وقال: يا ~~أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد. فقال بعض من هناك: لو رأيت ما ~~صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها! إن هشاما في شغل مما هو فيه ~~عنكم. # واستعمل الوليد العمال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم، ~~وكتب إليه مروان بن محمد ببيعته واستأذنه في القدوم عليه. فلما ولي الوليد ~~أجرى على زمنى أهل الشام وعميهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج ~~لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم، وزاد الناس في العطاء عشرات، ثم زاد ~~أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة، وزاد الوفود، ولم يقل في شيء يسأله لا ~~وقال: # ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع # سيوشك إلحاق معا وزيادة ... وأعطية مني عليكم تبرع # محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به تكتب الكتاب شهرا وتطبع # قال حلم الوادي المغني: كنا مع الوليد وأتاه خبر موت هشام وهنئ بولاية ~~الخلافة، وأتاه القضيب والخاتم، ثم قال: فأمسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين ~~الخلافة، فقال: غنوني: # PageV04P288 # طاب يومي ولذ شرب السلافه ... وأتانا نعي من بالرصافه # وأتانا البريد ينعي هشاما ... وأتانا بخاتم للخلافه # فاصطبحنا من خمر عانة صرفا ... ولهونا بقينة عرافه # وحلف أن لا يبرح من موضعه حتى يغنى في هذا الشعر ويشرب عليه ففعلنا ذلك، ~~ولم نزل نغني إلى الليل. # ثم إن الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما ~~وليي عهده، أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدما، وكتب بذلك إلى الأمصار ~~العراق ms1821 وخراسان. # ذكر ولاية نصر بن سيار خراسان للوليد # في هذه السنة ولى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها، ثم وفد ~~يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله، فرد إليه الوليد ولاية ~~خراسان، وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم، ويحمل معه ما قدر عليه من ~~الهدايا والأموال، وأن يقدم معه بعياله أجمعين، وكتب الوليد إلى نصر يأمره ~~أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجة بخراسان، ~~وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان. # وكان المنجمون قد أخبروا نصرا بفتنة تكون، وألح يوسف على نصر بالقدوم، ~~وأرسل إليه رسولا في ذلك، وأمره أن يستحثه أو ينادي في الناس أنه قد خلع. ~~فأرضى # PageV04P289 # نصر الرسول وأجازه، فلم يمض لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة. فتحول إلى ~~قصره بماجان واستخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خراسان، وموسى بن ورقاء ~~بالشاش، وحسان من أهل الصغانيان بسمرقند، ومقاتل بن علي السغدي بآمل، ~~وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستجلبوا الترك ليعبروا على ما وراء ~~النهر ليرجع إليهم. وسار إلى العراق. # فبينا هو يسير إلى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد، فلما ~~أصبح أذن للناس، وأحضر رسل الوليد وقال لهم: قد كان من مسيري ما علمتم، ~~وبعثي بالهدايا ما رأيتم، وكان قد قدم الهدايا فبلغت بيهق، وطرقني فلان ~~ليلا فأخبرني أن الوليد قد قتل، ووقعت الفتنة بالشام، وقدم منصور بن جمهور ~~العراق، وهرب يوسف بن عمر، ونحن بالبلاد التي قد علمتم حالها وكثرة عدونا. ~~فقال سالم بن أحوز: أيها الأمير إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتك، ~~فسر ولا تمتحنا. فقال: يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية، ~~فأما مثل هذه الأمور فرأيك فيها رأي أمة هتماء. ورجع بالناس. # ذكر قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين # في هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ms1822 ~~بخراسان. # وسبب قتله أنه سار بعد قتل أبيه إلى خراسان، كما سبق ذكره، فأتى بلخا ~~فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام وولي الوليد بن يزيد. ~~فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، وقال له: ~~خذه أشد الأخذ، فأخذ نصر الحريش، فطالبه بيحيى، فقال: لا علم لي به. فأمر ~~فجلد ستمائة سوط. فقال الحريش: والله لو أنه تحت قدمي ما رفعتها عنه. فلما ~~رأى ذلك قريش بن الحريش قال محمد لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى، فدله ~~عليه، فأخذه نصر وكتب إلى الوليد يخبره، فكتب الوليد يأمره أن يؤمنه ويخلي ~~سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم، ~~فسار إلى سرخس فأقام بها، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباد يأمره أن ~~يسيره عنها، فسيره عنها، فسار حتى انتهى إلى # PageV04P290 # بيهق، وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور، وبها عمرو بن زرارة، ~~وكان مع يحيى سبعون رجلا، فرأى يحيى تجارا، فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالوا: ~~علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره، فكتب نصر يأمره ~~بمحاربته، فقاتله عمرو، وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلا، فهزمهم يحيى ~~وقتل عمرا وأصاب دواب كثيرة وسار حتى مر بهراة، فلم يعرض لمن بها وسار ~~عنها. # وسرح نصر بن سيار سالم بن أحوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوزجان فقاتله ~~قتالا شديدا، فرمي يحيى بسهم فأصاب جبهته، رماه رجل من عنزة يقال له عيسى، ~~فقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم، وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه. # فلما بلغ الوليد قتل يحيى كتب إلى يوسف بن عمر: خذ عجيل أهل العراق ~~فأنزله من جذعه، يعني زيدا، وأحرقه بالنار ثم انسفه باليم نسفا، فأمر يوسف ~~به فأحرق، ثم رضه وحمله في سفينة ثم ذراه في الفرات. # وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان، فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم ~~الخرساني واستولى على خراسان فأنزله ms1823 وصلى عليه ودفنه، وأمر بالنياحة عليه ~~في خراسان، وأخذ أبو مسلم ديوان بني أمية وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، ~~فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء، وكانت أم يحيى ريطة بنت ~~أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية. # (عباد بضم العين، وفتح الباء الموحدة المخففة) . # ذكر ولاية حنظلة إفريقية وأبي الخطار الأندلس # في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي الأندلس أميرا في رجب، ~~وكان أبو الخطار لما تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا وعرض فيه بيوم ~~مرج راهط، وما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم، وقيام القيسيين مع ~~الضحاك بن قيس الفهري على مروان، ومن الشعر: # أفادت بنو مروان قيسا دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل # PageV04P291 # كأنكم لم تشهدوا مرج راهط # ولم تعلموا من كان ثم له الفضل ... وقيناكم حر القنا بنحورنا # وليس لكم خيل تعد ولا رجل # فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك سأل عنه، فأعلم أنه رجل من كلب، وكان ~~هشام قد استعمل على إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومائة، ~~فكتب إليه هشام أن يولي أبا الخطار الأندلس، فولاه وسيره إليها، فدخل قرطبة ~~يوم جمعة فرأى ثعلبة بن سلامة أميرها قد أحضر الأسارى الألف من البربر، ~~الذين تقدم ذكر أسرهم، ليقتلهم، فلما دخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه، ~~فكانت ولايته سببا لحياتهم، وكان أهل الشام الذين بالأندلس قد أرادوا ~~الخروج مع ثعلبة بن سلامة إلى الشام، فلم يزل أبو الخطار يحسن إليهم ~~ويستميلهم حتى أقاموا، فأنزل كل قوم على شبه منازلهم بالشام، فلما رأوا ~~بلدا يشبه بلدانهم أقاموا. وقيل: إن أهل الشام إنما فرقهم في البلاد لأن ~~قرطبة ضاقت عليهم ففرقهم، وقد ذكرنا بعض أخباره سنة تسع وثلاثين ومائة. # ذكر عدة حوادث # قيل: وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ~~واليا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه محمدا وإبراهيم ابني ms1824 هشام بن ~~إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما ~~للناس، ثم حملا إلى الشام فأحضروا عند الوليد، فأمر بجلدهم، فقال محمد: ~~أسألك بالقرابة! قال: وأي قرابة بيننا؟ قال: فقد نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بضرب بسوط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقود، أنت أول من فعل ~~بالعرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان، وكان محمد قد أخذه وقيده، ~~وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه، ثم ~~أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم، ثم أوثقهما حديدا وأمر أن يبعث بهما ~~إلى يوسف بن عمر وهو على العراق، فلما قدم بهما عذبهما حتى ماتا. # وفي هذه السنة عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاه يحيى بن # PageV04P292 # سعيد الأنصاري. وفيها خرجت الروم إلى زبطرة، وهو حصن قديم كان افتتحه ~~حبيب بن مسلمة الفهري، فأخربته الروم الآن، فبنى بناء غير محكم، فعاد الروم ~~وأخربوه أيام مروان بن محمد الحمار، ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال، فلما ~~كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون بمرمته وتحصينه، ثم ~~قصده الروم أيام المعتصم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فإنما سقت خبره ~~هاهنا لأني لم أعلم تواريخ حوادثه. # وفيها أغزى الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمر على جيوش البحر الأسود بن ~~بلال المحاربي وسيره إلى قبرص ليخير أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى ~~الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين، فسيرهم إلى الشام، واختار آخرون ~~الروم، فسيرهم إليهم. # وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب ~~مكة، فلقوا، في قول بعض أهل السير، محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوا منه، فقال: أحر هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسى ~~فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر. قال: فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمد بن ~~علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم. فقال لهم: ما أظنكم تلقوني ms1825 بعد ~~عامي هذا، فإن حدث بي # PageV04P293 # حدث فصاحبكم ابني إبراهيم فإني أثق به، وأوصيكم به خيرا. فرجعوا من عنده. # وقال بعضهم: في هذه السنة توفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ~~ذي القعدة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وكان بين موته وموت أبيه سبع سنين. # وحج بالناس هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. وفيها غزا النعمان بن يزيد ~~بن عبد الملك الصائفة. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات أبو حازم الأعرج، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة أربع ~~وأربعين ومائة، وفي آخر أيام هشام بن عبد الملك توفي سماك بن حرب، وفي هذه ~~السنة توفي القاسم بن أبي بزة (واسم أبي بزة يسار، وهو من المشهورين ~~بالقراءة) وأشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي. وزيد بن أبي أنيسة ~~الجزري، مولى بني كلاب، وقيل مولى يزيد بن الخطاب، # PageV04P294 # وقيل مولى غني، وكان عمره ستا وأربعين سنة، وكان فقيها عابدا، وكان له أخ ~~اسمه يحيى، كان ضعيفا في الحديث. # وفي أيام هشام مات العرجي الشاعر في حبس محمد بن هشام المخزومي، عامل ~~هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة، وكان سبب حبسه أنه هجاه فتتبعه حتى ~~بلغه أنه أخذ مولى له فضربه وقتله، وأمر عبيده أن يطئوا امرأة المولى ~~المقتول، فأخذه محمد فضربه وأقامه للناس وحبسه تسع سنين فمات في السجن. # (العرجي: بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وآخره جيم) . # وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم. # PageV04P295 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة] ### | 126 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة # ذكر قتل خالد بن عبد الله القسري # في هذه السنة قتل خالد بن عبد الله، وقد تقدم ذكر عزله عن العراق ~~وخراسان، وكان عمله خمس عشرة سنة فيما قيل، ولما عزله هشام قدم عليه يوسف ~~بن عمر واسطا فحبسه بها، ثم سار يوسف إلى الحيرة وأخذ خالدا فحبسه بها ~~ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن ~~أسد. استأذن يوسف هشاما في تعذيبه فأذن ms1826 له مرة واحدة، وأقسم لئن هلك ~~ليقتلنه، فعذبه يوسف ثم رده إلى حبسه. وقيل: بل عذبه عذابا كثيرا، وكتب ~~هشام إلى يوسف يأمره بإطلاقه في شوال سنة إحدى وعشرين، فأطلقه، فسار فأتى ~~القرية التي بإزاء الرصافة فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين، وخرج زيد ~~فقتل، فكتب يوسف بن عمر: إن بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا فكانت همة أحدهم ~~قوت عياله، فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال، فتاقت أنفسهم إلى ~~الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد. # فقال هشام: كذب يوسف! وضرب رسوله وقال: لسنا نتهم خالدا في طاعة. # وسمع خالد فسار حتى نزل دمشق وسار إلى الصائفة. وكان على دمشق يومئذ ~~كلثوم بن عياض القشيري، وكان يبغض خالدا، فظهر في دور دمشق حريق كل ليلة ~~يفعله رجل من أهل العراق يقال له ابن العمرس، فإذا وقع الحريق يسرقون، وكان ~~أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام يخبره ~~أن موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال وأنهم يحرقون البلد كل ليلة ~~لهذا الفعل. # فكتب إلى هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم والكبير ومواليهم، ~~فأنفذ وأحضر أولاد خالد وإخوته من الساحل في الجوامع ومعهم مواليهم، وحبس ~~بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر علي بن العمرس ومن كان معه، فكتب ~~الوليد بن # PageV04P296 # عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام يخبره بأخذ ابن العمرس وأصحابه بأسمائهم ~~وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحدا من موالي خالد. فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ~~ويأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم وترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا ~~قدم من الصائفة. # ثم قدم خالد فنزل منزله في دمشق فأذن للناس، فقام بناته يحتجبن، فقال: لا ~~تحتجبن فإن هشاما كل يوم يسوقكن إلى الحبس، فدخل الناس، فقام أولاده يسترون ~~النساء، فقال خالد: خرجت غازيا سامعا مطيعا فخلفت في عقبي وأخذ حرمي وأهل ~~بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابة منكم أن ~~تقولوا علام حبس حرم هذا السامع المطيع؟ ms1827 أخفتم أن تقتلوا جميعا؟ أخافكم ~~الله! ثم قال: ما لي ولهشام؟ ليكفن عني أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي ~~الدار، حجازي الأصل، يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وقد أذنت لكم ~~أن تبلغوا هشاما، فلما بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم. # وتتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام يطلب منه يزيدبن خالد بن عبد الله، ~~فأرسل هشام إلى كلثوم يأمره بإنفاذ يزيدبن خالد بن عبد الله إلى يوسف بن ~~عمر، فطلبه، فهرب، فاستدعى خالدا فحضر عنده، فحبسه، فسمع هشام فكتب إلى ~~كلثوم يلومه ويأمره بتخليته، فأطلقه. # وكان هشام إذا أراد أمرا أمر الأبرش الكلبي فكتب به إلى خالد، فكتب إليه ~~الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أن رجلا قال لك يا خالد إني لأحبك لعشر ~~خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت ~~رحيم، حتى عد عشرا، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق ذلك عنده ليقتلنك. # فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل ~~البغي والفجور أن يحرف ما كان فيه، إنما قال لي: يا خالد إني لأحبك لعشر ~~خصال: إن الله كريم يحب كل كريم، والله يحبك فأنا أحبك، حتى عد عشر خصال. ~~ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين وقوله: يا أمير ~~المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك؟ فقال: بل خليفتي في ~~أهلي. فقال ابن شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله، وضلال رجل من بجيلة، ~~يعني نفسه، أهون على العامة من ضلال أمير المؤمنين. فلما قرأ هشام كتابه ~~قال: خرف أبو الهيثم! # PageV04P297 # فأقام خالد بدمشق حتى هلك هشام وقام الوليد، فكتب إليه الوليد: ما حال ~~الخمسين ألف ألف التي تعلم؟ فاقدم على أمير المؤمنين، فقدم عليه، فأرسل ~~إليه الوليد وهو واقف بباب السرادق فقال: يقول أمير المؤمنين أين ابنك ~~يزيد؟ فقال: كان هرب من هشام وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه ~~الله، فلما لم نره ms1828 ظنناه ببلاد قومه من السراة. ورجع الرسول وقال: لا ولكنك ~~خلفته طالبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة. # فرجع الرسول فقال: يقول لك أمير المؤمنين لتأتين به أو لأرهقن نفسك. # فرفع خالد صوته وقال: قل له: هذا أردت، والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها ~~عنه. فأمر الوليد بضربه، فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر من ~~العراق بالأموال فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: ~~إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه. فقال ~~خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته. فدفعه ~~إلى يوسف، فنزع ثيابه وألبسه عباءة وحمله في محمل بغير وطاء وعذبه عذابا ~~شديدا، وهو لا يكلمه كلمة، ثم حمله إلى الكوفة فعذبه، ثم وضع المضرسة على ~~صدره فقتله من الليل ودفنه من وقته بالحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك ~~في المحرم سنة ست وعشرين. # وقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه ~~وما تكلم ولا عبس. # وكانت أم خالد نصرانية رومية، ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها ~~خالدا وأسدا ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة، فذمه الناس والشعراء، فمن ذلك ~~قول الفرزدق: # ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد # فكيف يؤم الناس من كانت امه ... تدين بأن الله ليس بواحد # بنى بيعة فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد # وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد لأنه بلغه أن شاعرا قال: # ليتني في المؤذنين حياتي ... أنهم يبصرون من في السطوح # فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دل مليح # PageV04P298 # فلما سمع هذا الشعر أمر بهدمها، ولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البيعة ~~لأمه قام يعتذر إليهم فقال: لعن الله دينهم إن كان شرا من دينكم. وكان ~~يقول: إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته، يعني أن الخليفة ~~هشاما أفضل من رسول الله ms1829 - صلى الله عليه وسلم - نبرأ إلى الله من هذه ~~المقالة. # ذكر قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك # في هذه السنة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي يقال له الناقص في ~~جمادى الآخرة. # وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته، فلما ولي الخلافة لم يزد ~~من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق ~~إلا تماديا، فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره، وكان أعظمه ما جنى على ~~نفسه إفساده بني عميه هشام والوليد، فإنه أخذ سليمان بن هشام، فضربه مائة ~~سوط، وحلق رأسه ولحيته، وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها، فلم يزل ~~محبوسا حتى قتل الوليد، فأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلمه عثمان بن الوليد ~~في ردها، فقال: لا أردها. فقال: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك! وحبس الأفقم ~~يزيد بن هشام، وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الوليد، ~~فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا: قد ~~اتخذ مائة جامعة لبني أمية. # وكان أشدهم فيه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل لأنه كان يظهر ~~النسك ويتواضع، وكان قد نهاه سعيد بن بيهس بن صهيب عن البيعة لابنيه الحكم ~~وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات في الحبس. # وأراد خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى، فغضب عليه، فقيل ~~له: لا تخاف أمير المؤمنين. فقال: كيف أبايع من لا أصلي خلفه ولا أقبل ~~شهادته؟ قالوا: فتقبل شهادة الوليد مع فسقه! قال: أمير المؤمنين غائب عني ~~وإنما هي أخبار الناس. ففسدت اليمانية عليه وفسدت عليه قضاعة، وهم واليمن ~~أكثر جند أهل الشام، فأتى حريث وشبيب بن أبي مالك الغساني ومنصور بن جمهور ~~الكلبي وابن عمه حبال بن عمرو ويعقوب بن عبد الرحمن وحميد بن منصور اللخمي ~~والأصبغ بن ذؤالة # PageV04P299 # والطفيل بن حارثة والسري زياد إلى خالد بن عبد الله القسري فدفعوه إلى ~~أمرهم، فلم يجبهم. # وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن ms1830 يقتلوه في الطريق فنهاه عن الحج، فقال: ~~ولم؟ فأخبره فحبسه وأمر أن يطالب بأموال العراق، ثم استقدم يوسف بن عمر من ~~العراق وطلب منه أن يحضر معه الأموال، وأراد عزله وتولية عبد الملك بن محمد ~~بن الحجاج بن يوسف. فقدم يوسف بأموال لم يحمل من العراق مثلها، فلقيه حسان ~~النبطي فأخبره أن الوليد يريد أن يولي عبد الملك بن محمد، وأشار عليه أن ~~يحمل الرشى إلى وزرائه، ففرق فيهم خمسمائة ألف، وقال له حسان: اكتب على ~~لسان خليفتك بالعراق كتابا: إني كتبت إليك ولا أملك إلا القصر، وادخل على ~~الوليد والكتاب معك مختوم واشتر منه خالدا، ففعل، فأمره الوليد بالعود إلى ~~العراق، واشترى منه خالدا القسري بخمسين ألف ألف فدفعه إليه، فأخذه معه في ~~محمل بغير وطاء إلى العراق. فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرض ~~عليه اليمانية وقيل: إنها للوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد: # ألم تهتج فتذكر الوصالا ... وحبلا كان متصلا فزالا # بلى فالدمع منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا # فدع عنك ادكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصى ومالا # ونحن المالكون الناس قسرا ... نسومهم المذلة والنكالا # وطئنا الأشعرين بعز قيس ... فيا لك وطأة لن تستقالا # وهذا خالد فينا أسير ... ألا منعوه إن كانوا رجالا # عظيمهم وسيدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا # فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا # PageV04P300 # ولا تركوه مسلوبا أسيرا # يعالج من سلاسلنا الثقالا ... وكندة والسكون فما استقالوا # ولا برحت خيولهم الرحالا ... بها سمنا البرية كل خسف # وهدمنا السهولة والجبالا ... ولكن الوقائع ضعضعتهم # وجذتهم وردتهم شلالا ... فما زالوا لنا أبدا عبيدا # نسومهم المذلة والسفالا ... فأصبحت الغداة علي تاج # لملك الناس ما يبغي انتقالا # فعظم ذلك عليهم وسعوا في قتله وازدادوا حنقا، وقال حمزة بن بيض في ~~الوليد: # وصلت سماء الضر بالضر بعدما ... زعمت سماء الضر عنا ستقلع # فليت هشاما كان حيا يسومنا ... وكنا كما كنا نرجي ونطمع # وقال أيضا: # يا وليد الخنا تركت الطريقا ... واضحا وارتكبت فجا عميقا # وتماديت واعتديت ms1831 وأسرف ... ت وأغريت وانبعثت فسوقا # أبدا هات ثم هات وهاتي ... ثم هاتي حتى تخر صعيقا # أنت سكران ما تفيق فما تر ... تق فتقا وقد فتقت فتوقا # فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فشاور ~~عمرو بن يزيد الحكمي، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس ~~فإن بايعك # PageV04P301 # لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلا المضي على رأيك ~~فأظهر أن أخاك العباس قد بايعك. وكان الشام وبيا، فخرجوا إلى البوادي، وكان ~~العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضا بينهما أميال يسيرة، فأتى يزيد أخاه ~~العباس فاستشاره، فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرا وبث دعاته، فدعوا ~~الناس، ثم عاود أخاه العباس فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره وقال: إن عدت ~~لمثل هذا لأشدنك وثاقا وأحملنك إلى أمير المؤمنين. فخرج من عنده. فقال ~~العباس: إني لأظنه أشأم مولود في بني مروان. # وبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية، فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان ~~يأمره أن ينهى الناس، ويكفهم ويحذرهم الفتنة، ويخوفهم خروج الأمر عنهم، ~~فأعظم سعيد ذلك وبعث بالكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد ~~وتهدده، فكتمه يزيد أمره، فصدقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إني أظن ~~أن الله قد أذن في هلاككم يا بني مروان، ثم تمثل: # إني أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع # إن البرية قد ملت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا # لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا حسرة تغني ولا جزع # فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق، وبينه وبين دمشق أربع ~~ليال، متنكرا في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق، ثم ~~سار فدخل دمشق وقد بايع له أكثر أهلها سرا، وبايع أهل المزة، وكان على دمشق ~~عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخاف الوباء فخرج منها فنزل قطنا واستخلف ~~ابنه على دمشق، وعلى شرطته أبو ms1832 العاج كثير بن عبد الله السلمي، فأجمع يزيد ~~على الظهور، فقيل للعامل: إن يزيد خارج، فلم يصدق. # وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى ~~أذن العشاء فدخلوا فصلوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، ~~فلما صلى الناس أخرجهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق في المسجد غير # PageV04P302 # الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد ~~فأعلمه وأخذ بيده فقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه. فقام ~~وأقبل في اثني عشر رجلا، فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من ~~أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتي رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوا وأخذوا باب ~~المقصورة فضربوه فقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم، فأخذوه ودخلوا ~~فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان ~~يحذره فأخذ، وقبض على محمد بن عبيدة، وهو على بعلبك، وأرسل بني عذرة إلى ~~محمد بن عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذوه. # وكان بالمسجد سلاح كثير فأخذوه، فلما أصبحوا جاء أهل المزة، وتتابع الناس ~~وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريا ويعقوب بن محمد بن هانئ العبسي، وأقبل عيسى ~~بن شبيب التغلبي في أهل دومة وحرستا، وأقبل حميد بن حبيب النخعي في أهل دير ~~مران والأرزة وسطرا، وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة ودير زكا، وأقبل ربعي بن ~~هاشم الحارثي في الجماعة من بني عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم. ثم ~~وجه يزيد بن الوليد بن عبد الملك عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس ليأخذوا ~~عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد ~~الرحمن خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين ~~الخرجين. فقال: لا تتحدث العرب عني أني أول من خان في هذا الأمر. # ثم جهز يزيد جيشا وسيرهم إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك وجعل عليهم عبد ~~العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. # وكان يزيد لما ms1833 ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه فأعلمه الخبر وهو بالأغدف ~~من عمان، فضربه الوليد وحبسه وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى ~~دمشق، فسار بعض الطريق فأقام، فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن ~~مصاد، فسأله أبو # PageV04P303 # محمد ثم بايع ليزيد بن الوليد. # ولما أتى الخبر إلى الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر ~~حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر. فقال عبد ~~الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل ~~أن يقاتل، والله يؤيد أمير المؤمنين وينصره. فقال يزيد بن خالد: وما نخاف ~~على حرمه، وإنما أتاه عبد العزيز وهو ابن عمهن. # فأخذ بقول ابن عنبسة وسار حتى أتى البخراء قصر النعمان بن بشير، وسار معه ~~من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا ~~بسلاح. فما أعطاهم شيئا. ونازله عبد العزيز، وكتب العباس بن الوليد بن عبد ~~الملك إلى الوليد: إني آتيك. فقال الوليد: أخرجوا سريرا، فأخرجوه، فجلس ~~عليه وانتظر العباس. فقاتلهم عبد العزيز ومعه منصور بن جمهور، فبعث إليهم ~~عبد العزيز زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله ~~أصحاب الوليد، واقتتلوا قتالا شديدا، وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن ~~الحكم الذي كان عقده بالجابية. # وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن جمهور إلى طريقه ~~فأخذه قهرا وأتي به عبد العزيز فقال له: بايع لأخيك يزيد. فبايع ووقف، ~~ونصبوا راية وقالوا: هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد. فقال ~~العباس: إنا لله، خدعة من خدع الشيطان، هلك بنو مروان. فتفرق الناس عن ~~الوليد وأتوا العباس وعبد العزيز. وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له ~~خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي ويؤمنه من كل حدث على أن ينصرف عن ~~قتاله. فأبى ولم يجبه. فظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسيه السندي الزائد ~~فقاتلهم قتالا ms1834 شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط! ارجموه ~~بالحجارة! فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب وقال: # دعوا لي سليمى والطلاء وقينة ... وكأسا ألا حسبي بذلك مالا # إذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى ما أريد بدالا # PageV04P304 # خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم # ثباتا يساوي ما حييت عقالا ... وخلوا عناني قبل عير وما جرى # ولا تحسدوني أن أموت هزالا # فلما دخل القصر وأغلق الباب أحاط به عبد العزيز، فدنا الوليد من الباب ~~وقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ قال يزيد بن عنبسة السكسكي: ~~كلمني. قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ~~ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، إنما ~~ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك ~~واستخفافك بأمر الله! قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، ~~وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت. ورجع إلى الدار وجلس وأخذ مصحفا فنشره ~~يقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد ~~بن عنبسة، فنزل إليه فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من ~~الحائط عشرة، منهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمي، فضربه عبد السلام ~~على رأسه وضربه السري بن زياد بن أبي كبشة في وجهه واحتزوا رأسه وسيروه إلى ~~يزيد. # فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد، وحكى له يزيد بن عنبسة ما قاله للوليد، قال ~~آخر كلامه: الله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم، فأمر يزيد ~~بنصب رأسه. فقال له يزيد بن فروة مولى بني مرة: إنما تنصب رءوس الخوارج، ~~وهذا ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس، ويغضب له أهل ~~بيته. فلم يسمع منه ونصبه على رمح فطاف به بدمشق، ثم أمر به أن يدفع إلى ~~أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال: بعدا له! أشهد أنه كان ms1835 ~~شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادني في نفسي الفاسق. وكان # PageV04P305 # سليمان ممن سعى في أمره. # وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغني، وعمرو الوادي المغني أيضا، ~~فلما تفرق عن الوليد أصحابه وحصر قال مالك لعمرو: اذهب بنا. فقال عمرو: ليس ~~هذا من الوفاء، نحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل. فقال مالك: والله لئن ~~ظفروا بك وبي لا يقتل أحد قبلي وقبلك، فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس: ~~انظروا من كان معه في هذه الحال، فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا. فهربا. # وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين، وكانت مدة ~~خلافته سنة وثلاثة أشهر، وقيل سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما، وكان عمره ~~اثنتين وأربعين سنة، وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل إحدى ~~وأربعين سنة، وقيل ست وأربعين سنة. # ذكر نسب الوليد وبعض سيرته # هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن عبد ~~شمس بن عبد مناف الأموي، يكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف ~~الثقفي، وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف، وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن ~~أبي سفيان، وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وأم عامر بن كريز ~~أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، فلذلك يقول الوليد: # نبي الهدى خالي ومن يك خاله ... نبي الهدى يقهر به من يفاخره # وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في ~~اللهو والشرب وسماع الغناء فظهر ذلك من أمره فقتل. ومن جيد شعره ما قاله ~~لما بلغه أن هشاما يريد خلعه: # كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن # PageV04P306 # وقد تقدمت الأبيات الأربعة، وأشعاره حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر ~~وغير ذلك، وقد أخذ الشعراء معانيه في وصف الخمر فسرقوها وأدخلوها في ~~أشعارهم وخاصة أبو نواس فإنه أكثرهم أخذا لها. # قال الوليد: المحبة للغناء تزيد في الشهوة، وتهدم المروءة، وتنوب عن ~~الخمر، ms1836 وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن ~~الغناء رقية الزنا، وإني لأقول ذلك علي وإنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلى ~~نفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع. قيل: إن يزيد بن منبه ~~مولى ثقيف مدح الوليد وهنأه بالخلافة، فأمر أن تعد الأبيات ويعطى بكل بيت ~~ألف درهم، فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألف درهم، وهو أول خليفة عد ~~الشعر وأعطى بكل بيت ألف درهم. # ومما شهر عنه أنه فتح المصحف فخرج: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} ~~[إبراهيم: 15] ، فألقاه ورماه بالسهام وقال: # تهددني بجبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد # فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل. # ومن حسن الكلام ما قاله الوليد لما مات مسلمة بن عبد الملك، فإن هشاما ~~قعد # PageV04P307 # للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد ~~لمن رمى، واختل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، {وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى} [البقرة: 197] . فأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ~~ينطقوا. # وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنه قيل عنه ~~وألصق به وليس بصحيح. قال المدائني: دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على ~~الرشيد، فقال له: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل ~~وأنت آمن ولو أنك مروان. فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم الله عمك ~~الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه! ارفع حوائجك. فرفعها ~~فقضاها. # وقال شبيب بن شيبة: كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد، فقال المهدي: ~~كان زنديقا، فقام أبو علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إن الله - عز ~~وجل - أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا، لقد أخبرني من كان ~~يشهده ms1837 في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته، فكان إذا حضرت الصلاة ~~يطرح الثياب التي عليه المطايب المصبغة، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء، ويؤتى ~~بثياب نظاف بيض فيلبسها ويصلي فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها ~~واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله؟ ! فقال المهدي: بارك الله ~~عليك يا أبا علاثة! # ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص # في هذه السنة بويع يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص، وإنما سمي الناقص ~~لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الناس، وهي عشرة عشرة، ~~ورد العطاء إلى ما كان أيام هشام، وقيل: أول من سماه بهذا الاسم مروان بن ~~محمد. # ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمه وذكر إلحاده، وأنه قتله لفعله ~~الخبيث وقال: أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة، ولا ~~أكتري نهرا، # PageV04P308 # ولا أكثر مالا، ولا أعطيه زوجة وولدا، ولا أنقل مالا عن بلد حتى أسد ثغره ~~وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمركم في ~~ثغوركم فأفتنكم، ولا أغلق بابي دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم ~~أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم ~~بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن الوزارة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا ~~أن أتوب، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم ~~وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه. أيها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق. # ذكر اضطراب بني أمية # في هذه السنة اضطرب أمر بني أمية وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سليمان ~~بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان، وكان قد حبسه الوليد بها، فخرج ~~من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ~~ويعيبه بالكفر. # ذكر خلاف أهل حمص # لما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي عليه، ~~وقيل لهم: إن العباس بن الوليد ms1838 بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، ~~فهدموا داره وأنهبوها وسلبوا حرمه وطلبوه، فسار إلى أخيه يزيد، فكاتبوا ~~الأجناد ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجابوهم واتفقوا أن لا يطيعوا يزيد ~~وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير، ووافقهم مروان بن عبد الله ~~بن عبد الملك على ذلك. # فراسلهم يزيد فلم يسمعوا وجرحوا رسله. فسير إليهم أخاه مسرورا في جمع ~~كثير، فنزلوا حوارين، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فرد عليه يزيد ما ~~كان الوليد أخذه من أموالهم وسيره إلى أخيه مسرور ومن معه وأمرهم بالسمع ~~والطاعة له. # وكان أهل حمص يريدون المسير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الملك: أرى ~~أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم فإن ظفرتم بهم كان من بعدهم أهون عليكم، ~~ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم. فقال السمط بن ثابت: إنما يريد # PageV04P309 # خلافكم وهو ممايل ليزيد والقدرية. فقتلوه وقتلوا ابنه وولوا أبا محمد ~~السفياني وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار وساروا إلى دمشق. # فخرج سليمان مجدا فلحقهم بالسليمانية، مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك ~~خلف عذراء، وأرسل يزيد بن الوليد عبد العزيز بن الحجاج في ثلاثة آلاف إلى ~~ثنية العقاب، وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية، ~~وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا. ولحقهم سليمان ومن معه على تعب، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزمت ميمنة سليمان وميسرته وثبت هو في القلب، ثم حمل أصحابه على ~~أهل حمص حتى ردوهم إلى موضعهم وحمل بعضهم على بعض مرارا. # فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز بن الحجاج من ثنية العقاب فحمل على أهل ~~حمص حتى دخل عسكرهم وقتل فيه من عرض له، فانهزموا، ونادى يزيد بن خالد بن ~~عبد الله القسري: الله الله في قومك! فكف الناس، ودعاهم سليمان بن هشام إلى ~~بيعة يزيد بن الوليد، وأخذ أبو محمد السفياني أسيرا، ويزيد بن خالد بن يزيد ~~بن معاوية أيضا، فأتي بهما سليمان، فسيرهما إلى يزيد فحبسهما، واجتمع أمر ~~أهل دمشق ليزيد ms1839 بن الوليد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم يزيد العطاء وأجاز ~~الأشراف، واستعمل عليهم يزيد بن الوليد معاوية بن يزيد بن الحصين. # ذكر خلاف أهل فلسطين # وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان ~~قد استعمله عليهم الوليد، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه ~~عليهم وقالوا له: إن أمير المؤمنين قد قتل فتول أمرنا. فوليهم ودعا الناس ~~إلى قتال يزيد، فأجابوه. # وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين، وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين فولوا ~~عليهم محمد بن عبد الملك واجتمعوا معهم على قتال يزيد بن الوليد، وكان أمر ~~أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح. # وبلغ خبرهم يزيد بن الوليد فسير إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في ~~أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، وكانت عدتهم أربعة وثمانين ~~ألفا، وأرسل # PageV04P310 # يزيد بن الوليد إلى سعيد وضبعان ابني روح، فوعدهما وبذل لهما الولاية ~~والمال، فرحلا في أهل فلسطين وبقي أهل الأردن، فأرسل سليمان خمسة آلاف ~~فنهبوا القرى وساروا إلى طبرية، فقال أهل طبرية: ما نقيم والجنود تجوس ~~منازلنا وتحكم في أهالينا، فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك ~~وأخذوا دوابهما وسلاحهما ولحقوا بمنازلهم. فلما تفرق أهل فلسطين والأردن ~~سار سليمان حتى أتى الصنبرة، وأتاه أهل الأردن فبايعوا يزيد بن الوليد، ~~وسار إلى طبرية فصلى بهم الجمعة، وبايع من بها، وسار إلى الرملة فأخذ ~~البيعة على من بها، واستعمل ضبعان بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن ~~عبد الملك على الأردن. # ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق # ولما قتل الوليد استعمل يزيد على العراق منصور بن جمهور، وكان قد ندب ~~قبله إلى ولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة ~~الكلبي، فقال: لو كان معي جند لقبلت. فتركه واستعمل منصورا، ولم يكن منصور ~~من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحمية لقتل يوسف ~~خالدا القسري، فشهد لذلك قتل الوليد، وقال له ms1840 لما ولاه العراق: اتق الله ~~واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما ~~قتلناه عليه. # ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد عمد إلى من بحضرته من اليمانية فسجنهم، ~~ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضرية فيقول: ما عندك إن اضطرب الحبل؟ ~~فيقول المضري: أنا رجل من أهل الشام أبايع من بايعوا وأفعل ما فعلوا. فلم ~~ير عندهم ما يحب فأطلق اليمانية. # وأقبل منصور، فلما كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام ~~يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث ~~الكتب كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القواد، فحبس الكتب ~~وحمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحير في أمره وقال لسليمان: ما الرأي؟ ~~قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشام معك، ولا آمن عليك ~~منصورا، وما الرأي إلا أن تلحق بشامك. قال: فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ~~ليزيد وتدعو له في خطبتك، فإذا قرب منصور تستخفي عندي وتدعه والعمل. ثم مضى ~~سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص فأخبره بأمره وسأله أن يئوي يوسف ~~بن عمر عنده، ففعل، فانتقل # PageV04P311 # يوسف إليه، قال: فلم ير رجل كان [له] مثل عتوه خاف خوفه. # وقدم منصور الكوفة فخطبهم وذم الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذموهما معه، ~~فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف فأخبره، فجعل لا يذكر رجلا ممن ذكره بسوء إلا ~~قال: لله علي أن أضربه كذا وكذا سوطا! فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية ~~وتهدده الناس. # وسار يوسف من الكوفة سرا إلى الشام فنزل البلقاء، فلما بلغ خبره يزيد بن ~~الوليد وجه إليه خمسين فارسا، فعرض رجل من بني نمير ليوسف فقال: يابن عمر ~~والله مقتول فأطعني وامتنع. قال: لا. قال: فدعني أقتلك أنا، ولا تقتلك هذه ~~اليمانية فتغيظنا في قتلك. قال: ما لي فيما عرضت جنان. قال: فأنت أعلم. # فطلبه المسيرون لأخذه فلم يروه، فهددوا ابنا له، فقال: إنه ms1841 انطلق إلى ~~مزرعة له، فساروا في طلبه، فلما أحس بهم هرب وترك نعليه، ففتشوا عنه فوجدوه ~~بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز، وجلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله ~~وأخذوه وأقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس فأخذ بلحيته ونتف بعضها، ~~وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة، فلما أدخل على يزيد قبض على لحية ~~نفسه، وهي إلى سرته، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين نتف والله لحيتي فما أبقى ~~فيها شعرة! فأمر به فحبس بالخضراء، فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع ~~عليك بعض من قد وترت فيلقي عليك حجرا فيقتلك؟ فقال: ما فطنت لهذا. فأرسل ~~إلى يزيد يطلب منه أن يحول إلى حبس غير الخضراء وإن كان أضيق منه. فعجب من ~~حمقه، فنقله وحبسه مع ابني الوليد، فبقي في الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة ~~أيام من ولاية إبراهيم، فلما قرب مروان من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد ~~القسري مولى لأبيه خالد يقال له أبو الأسد. # ودخل منصور بن جمهور لأيام خلت من رجب، فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء ~~والأرزاق وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج، وبايع ليزيد ~~بالعراق وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بقين منه. # ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور # وفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور بن ~~جمهور، وكان يزيد ولاها منصورا مع العراق، وقد ذكرنا فيما تقدم ما كان من ~~كتاب # PageV04P312 # يوسف بن عمر إلى نصر بالمسير إليه ومسير نصر (وتباطئه وما معه من ~~الهدايا، فأتاه قتل الوليد، فرجع نصر) ورد تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم ~~حسان الجواري في ولده وخاصته، وقسم تلك الآنية في عوام الناس، ووجه العمال ~~وأمرهم بحسن السيرة، واستعمل منصور أخاه منظورا على الري وخراسان، فلم ~~يمكنه نصر من ذلك، وحفظ نفسه والبلاد منه ومن أخيه. # ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم # لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة علي بن المهاجر، استعمله عليها ~~يوسف بن ms1842 عمر، فقال له المهير بن سلمى بن هلال، أحد بني الدؤل بن حنيفة: ~~اترك لنا بلادنا، فأبى، فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر، ~~فالتقوا بالقاع، فانهزم علي حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل المهير ~~ناسا من أصحابه، وكان يحيى بن أبي حفص نهى ابن المهاجر عن القتال، فعصاه، ~~فقال: # بذلت نصيحتي لبني كلاب ... فلم تقبل مشاورتي ونصحي # فدا لبني حنيفة من سواهم ... فإنهم فوارس كل فتح # وقال شقيق بن عمرو السدوسي: # إذا أنت سالمت المهير ورهطه ... أمنت من الأعداء والخوف والذعر # فتى راح يوم القاع روحة ماجد ... أراد بها حسن السماع مع الأجر # وهذا يوم القاع. # وتأمر المهير على اليمامة، ثم إنه مات واستخلف على اليمامة عبد الله بن ~~النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل عبد الله بن النعمان ~~المندلث بن إدريس الحنفي على الفلج، وهي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، ~~وقيل: هي لبني تميم، فجمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل ~~وأتوا الفلج المندلث وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه، ولم يقتل من ~~أصحابه بني عامر كثير أحد، وقتل يومئذ يزيد ابن الطثرية، وهي أمه نسبت إلى ~~طثر بن عنز بن وائل، وهو يزيد بن المنتشر، # PageV04P313 # فرثاه أخوه ثور ابن الطثرية: # أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري ... مقيما وقد غالت يزيد غوائله # وقد كان يحمي المحجرين بسيفه ... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله # وهو يوم الفلج الأول. # فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة وغيرها وغزا ~~الفلج، فلما تصاف الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي، فقال الراجز: # فر أبو لطيفة المنافق ... والجفونيان وفر طارق # لما أحاطت بهم البوارق # طارق بن عبد الله القشيري، والجفونيان من بني قشير. # وتحللت بنو جعدة البراذع، وولوا فقتل أكثرهم، وقطعت يد زياد بن حيان ~~الجعدي فقال: # أنشد كفا ذهبت وساعدا ... أنشدها ولا أراني واجدا # ثم قتل. وقال بعض الربيعيين: # سمونا لكعب بالصفائح والقنا ... وبالخيل شعثا ms1843 تنحني في الشكائم # فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنا ... نسوق بني كعب كسوق البهائم # بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كأفواه المزاد الثواجم # PageV04P314 # وهذا اليوم هو يوم الفلج الثاني. # ثم إن بني عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري، ~~فقتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصحراء وسلبوا نساءهم، وكفت بنو نمير ~~عن النساء. ثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن النعمان ~~يوم الفلج الثاني قال: لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير، وهذه فترة يؤمن ~~فيها عقوبة السلطان. فجمع خيله وأتى الشريف وبث خيله، فأغارت وأغار هو، ~~فملئت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه حتى أتى النشاش، وأقبلت بنو عامر وقد ~~حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برغاء الإبل، فجمع النساء في فسطاط وجعل ~~عليهن حرسا ولقي القوم فقاتلهم فانهزم هو ومن معه، وهرب عمر بن الوازع فلحق ~~باليمامة، وتساقط من بني حنيفة خلق كثير في القلب من العطش وشدة الحر، ~~ورجعت بنو عامر بالأسرى والنساء، وقال القحيف: # وبالنشاش يوم طار فيه ... لنا ذكر وعد لنا فعال # وقال أيضا: # فداء خالتي لبني عقيل ... وكعب حين تزدحم الجدود # هم تركوا على النشاش صرعى ... بضرب ثم أهونه شديد # وكفت قيس يوم النشاش عن السلب، فجاءت عكل فسلبتهم، وهذا يوم النشاش، ولم ~~يكن لحنيفة بعده جمع، غير أن عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعا وأغار على ~~ماء لقشير يقال له حلبان، فقال الشاعر: # لقد لاقت قشير يوم لاقت ... عبيد الله إحدى المنكرات # لقد لاقت على حلبان ليثا ... هزبرا لا ينام على الترات # وأغار على عكل فقتل منهم عشرين ألفا. # ثم قدم المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري واليا على اليمامة من قبل ~~أبيه يزيد بن عمر بن هبيرة حين ولي العراق لمروان الحمار، فوردها وهم سلم، ~~فلم يكن حرب، وشهدت بنو عامر على بني حنيفة، فتعصب لهم المثنى لأنه قيسي ~~أيضا فضرب # PageV04P315 # عدة من بني حنيفة وحلقهم، فقال بعضهم: # فإن ms1844 تضربونا بالسياط فإننا ... ضربناكم بالمرهفات الصوارم # وإن تحلقوا منا الرءوس فإننا ... قطعنا رءوسا منكم بالغلاصم # ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفيا حتى قدم السري ~~بن عبد الله الهاشمي واليا على اليمامة لبني العباس، فدل عليه، فقتله، فقال ~~نوح بن جرير الخطفى: # فلولا السري الهاشمي وسيفه ... لأعاد عبيد الله شرا على عكل # ذكر عزل منصور عن العراق وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز # في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد بن عبد الملك منصور بن جمهور عن العراق، ~~واستعمل عليه بعده عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقال له لما ولاه: سر ~~إلى العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك. فقدم إلى العراق وقدم بين يديه رسلا ~~إلى من بالعراق من قواد الشام، وخاف أن لا يسلم إليه منصور العمل. فانقاد ~~له أهل الشام، وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشام، ففرق عبد الله ~~العمال وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم. فنازعه قواد أهل الشام وقالوا: تقسم ~~على هؤلاء فيئنا وهم عدونا؟ فقال لأهل العراق: إني أريد أن أرد فيئكم ~~عليكم، وعلمت أنكم أحق به فنازعني هؤلاء. فاجتمع أهل الكوفة بالجبانة، ~~فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم ~~رهط لم يعرفوا. واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان ~~القبعثري، وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضا. # ذكر الاختلاف بين أهل خراسان # وفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية وأظهر ~~الكرماني الخلاف لنصر بن سيار. # وكان السبب في ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت فرفع حاصل بيت المال، ~~وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتخذها للوليد، ~~فطلب # PageV04P316 # الناس منه العطاء وهو يخطب، فقال نصر: إياي والمعصية! عليكم بالطاعة ~~والجماعة! فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء. ~~ثم قال: كأني بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق، وكأني بكم مطرحين في ~~الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية ms1845 رجل إلا ملوها، وأنتم يا أهل ~~خراسان مسلحة في نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان، إنكم ترشون أمرا ~~تريدون به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم! لقد نشرتكم وطويتكم، [وطويتكم ~~ونشرتكم] فما عندي منكم عشرة! وإني وإياكم كما قيل: # استمسكوا أصحابنا نحدو بكم ... فقد عرفنا خيركم وشركم # فاتقوا الله! فوالله لئن اختلف فيكم سيفان، ليتمنين أحدكم أنه ينخلع من ~~ماله وولده! يا أهل خراسان إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة! ثم ~~تمثل بقول النابغة الذبياني: فإن يغلب شقاؤكم عليكم فإني في صلاحكم سعيت # وقدم على نصر عهده على خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فقال ~~الكرماني لأصحابه: الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا. # وإنما سمي الكرماني لأنه ولد بكرمان، واسمه جديع بن علي الأزدي المعني، ~~فقالوا له: أنت لنا. # وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك الأمور فأرسل إليه (فاقتله أو ~~احبسه. قال: لا ولكن لي أولاد ذكور وإناث فأزوج بني من بناته) وبناتي من ~~بنيه. قالوا: لا. قال: فابعث إليه بمائة ألف درهم وهو بخيل، ولا يعطي ~~أصحابه شيئا منها فيتفرقون عنه. قالوا: لا، هذه قوة له، ولم يزالوا به حتى ~~قالوا له: إن الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية ~~واليهودية لتنصر وتهود. # PageV04P317 # وكان نصر والكرماني متصافيين، وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية ~~أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة وولاها غيره، ~~فتباعد ما بينهما. # فلما أكثروا على نصر في أمر الكرماني عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ~~ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب ~~الحرس إلى نصر وهو يضحك، فلما دخل عليه قال له نصر: يا كرماني ألم يأتني ~~كتاب يوسف بن عمر بقتلك فراجعته، وقلت: شيخ خراسان وفارسها فحقنت دمك؟ قال: ~~بلى. قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم، وقسمته في أعطيات الناس؟ ~~قال: بلى. قال: ألم أرئس ابنك عليا على كره من قومك؟ قال: ms1846 بلى. قال: فبدلت ~~ذلك إجماعا على الفتنة! قال الكرماني: لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر ~~منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت فليتأن الأمير فلست ~~أحب الفتنة. فقال سالم بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير! فقال عصمة بن عبد ~~الله الأسدي للكرماني: إنك تريد الفتنة وما لا تناله. فقال المقدام وقدامة ~~ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامري: لجلساء فرعون خير منكم إذ {قالوا أرجه ~~وأخاه} [الأعراف: 111] ، والله لا يقتل الكرماني بقولكما! فأمر بضربه وحبس ~~في القهندز لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة. # فتكلمت الأزد، فقال نصر: إني حلفت أن أحبسه ولا يناله مني سوء، فإن خشيتم ~~عليه فاختاروا رجلا يكون معه. فاختاروا رجلا يكون معه. فاختاروا يزيد ~~النحوي، فكان معه. # فجاء رجل من أهل نسف فقال لآل الكرماني: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: ~~كل ما سألت. فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه وقال لولد الكرماني: اكتبوا ~~إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج. فكتبوا إليه، فأدخلوا الكتاب في الطعام، ~~فتعشى الكرماني ويزيد النحوي وخضر بن حكيم وخرجا من عنده، ودخل الكرماني ~~السرب فانطوت على بطنه حية فلم تضره وخرج من السرب، وركب فرسه البشير ~~والقيد في رجله فأتوا به عبد الملك بن حرملة، فأطلق عنه. # وقيل: بل خلص الكرماني مولى له رأى خرقا في القهندز فوسعه وأخرجه، فلم ~~يصل الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف، # PageV04P318 # وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على كتاب الله وسنة رسوله، ~~فلما خرج الكرماني قدمه عبد الملك. # فلما هرب الكرماني عسكر نصر بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني، ~~فقال: ولد بكرمان فكان كرمانيا، ثم سقط إلى هراة فصار هرويا، والساقط بين ~~الفراشين لا أصل ثابت ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزد فقال: إن يستوسقوا فهم ~~أذل قوم، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل: # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر # ثم ندم ms1847 على ما فرط منه فقال: اذكروا الله فإنه خير لا شر فيه. # ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير، فوجه سالم بن أحوز في المجففة إلى الكرماني، ~~فسفر الناس بين نصر والكرماني وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه، وجاء ~~الكرماني فوضع يده في يد نصر، فأمره بلزوم بيته. # ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء فخرج إلى قرية له، فخرج نصر فعسكر بباب مرو، ~~فكلموه فيه فآمنه، وكان رأي نصر إخراجه من خراسان، فقال له سالم بن أحوز: ~~إن أخرجته نوهت باسمه، وقال الناس: إنما أخرجه لأنه هابه. فقال نصر: إن ~~الذي أتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نفي عن ~~بلده صغر أمره. فأبوا عليه، فآمنه وأعطى أصحابه عشرة عشرة، وأتى الكرماني ~~نصرا فآمنه. # فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في ~~شوال سنة ست وعشرين خطب نصر وذكر ابن جمهور وقال: قد علمت أنه لم يكن من ~~عمال العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب بن الطيب. فغضب الكرماني لابن ~~جمهور وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح، فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة ~~وأكثر وأقل فيصلي خارج المقصورة، ثم يدخل فيسلم على نصر ولا يجلس. ثم ترك ~~إتيان نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سالم بن أحوز يقول له: إني ~~والله ما أردت بحبسك # PageV04P319 # سوءا، ولكن خفت فسادا من الناس فأتني. فقال: لولا أنك في منزلي لقتلتك، ~~ارجع إلى ابن الأقطع وأبلغه ما شئت من خير أو شر. فرجع إلى نصر فأخبره، فلم ~~يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرماني: إني لا آمن أن ~~يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت خرجت عنك لا ~~من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء فيها. فتهيأ ~~للخروج إلى جرجان. # (المعني: بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وبعدها نون: قبيلة من الأزد) ~~. # ذكر خبر الحارث بن ms1848 سريج وأمانه # وفي هذه السنة أومن الحارث بن سريج وهو ببلاد الترك، وكان مقامه عندهم ~~اثنتي عشرة سنة، وأمر بالعود إلى خراسان. # وكان السبب في ذلك أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر ~~قدوم الحارث عليه في أصحابه والترك فيكون أشد عليه من الكرماني وغيره، وطمع ~~أن يناصحه، فأرسل مقاتل بن حيان النبطي وغيره ليردوه عن بلاد الترك. وسار ~~خالد بن زياد الترمذي وخالد بن عمرو مولى بني عامر إلى يزيد بن الوليد ~~فأخذا للحارث أمانا، فكتب له أمانه، وأمر نصر أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر ~~عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة بذلك أيضا، فأخذا الأمان وسارا ~~إلى الكوفة ثم إلى خراسان، فأرسل نصر إليه، فلقيه الرسول وقد رجع مع مقاتل ~~بن حيان وأصحابه، فوصل إلى نصر وقام بمرو الروذ، ورد نصر عليه ما أخذ له. ~~وكان عوده سنة سبع وعشرين ومائة. # ذكر شيعة بني العباس # في هذه السنة وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى ~~خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصية، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة، فنعى ~~إليهم محمد بن علي ودعاهم إلى ابنه إبراهيم ودفع إليهم كتابه، فقبلوه ~~ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم. # PageV04P320 # ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد # وفي هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة لأخيه إبراهيم، ومن بعده لعبد ~~العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وكان السبب في ذلك أن يزيد مرض سنة ست ~~وعشرين ومائة، فقيل له ليبايع لهما، ولم تزل القدرية بيزيد حتى أمر بالبيعة ~~لهما. # ذكر مخالفة مروان بن محمد # وفي هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف ليزيد بن الوليد. # وكان السبب في ذلك أن الوليد لما قتل كان عبد الملك بن مروان بن محمد مع ~~الغمر بن يزيد أخي الوليد بحران بعد انصرافه من الصائفة، وكان على الجزيرة ~~عبدة بن الرياح الغساني عاملا للوليد، فلما قتل الوليد سار عبدة عنها إلى ms1849 ~~الشام، فوثب عبد الملك بن مروان بن محمد على حران والجزيرة فضبطهما، وكتب ~~إلى أبيه بإرمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير. فتهيأ مروان للمسير ~~وأنفذ إلى الثغور من يضبطها ويحفظها، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وسار ومعه ~~الجنود ومعه ثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين. # وسبب صحبته له أن هشاما كان قد حبسه، وسبب حبسه أن هشاما أرسله إلى ~~إفريقية لما قتلوا عامله كلثوم بن عياض فأفسد الجند، فحبسه هشام، وقدم ~~مروان على هشام في بعض وفاداته فشفع فيه فأطلقه فاستصحبه معه. # فلما سار مروان مسيره هذا أمر ثابت بن نعيم من مع مروان من أهل الشام ~~بالانضمام إليه ومفارقة مروان ليعودوا إلى الشام، فأجابوه إلى ذلك، فاجتمع ~~معه ضعف من مع مروان وباتوا يتحارسون، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فأمر ~~مروان منادين ينادون بين الصفين: يا أهل الشام ما دعاكم إلى هذا؟ ألم أحسن ~~فيكم السيرة؟ فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة الخليفة، وقد قتل وبايع أهل ~~الشام يزيد فرضينا بولاية ثابت ليسير بنا إلى أجنادنا. # فنادوهم: كذبتم فإنكم لا تريدون ما قلتم، وإنما تريدون أن تغصبوا من ~~مررتم به من أهل الذمة أموالهم! وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلي ~~فأسير بكم إلى الغزاة، ثم أترككم تلحقون بأجنادكم. فانقادوا له، فأخذ ثابت ~~بن نعيم وأولاده وحبسهم وضبط الجند، حتى بلغ حران وسيرهم إلى الشام، ودعا ~~أهل الجزيرة (إلى الفرض ففرض # PageV04P321 # لنيف) وعشرين ألفا وتجهز للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ~~ما كان عبد الملك بن مروان ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وإرمينية ~~والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان وأعطاه يزيد ولاية ما ذكر له. # ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك # وفي هذه السنة توفي يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة، وكانت خلافته ~~ستة أشهر وليلتين، وقيل: كانت ستة أشهر واثني عشر يوما، وقيل: خمسة أشهر ~~واثني عشر يوما، وكان موته بدمشق، وكان عمره ستا وأربعين سنة، وقيل: سبعا ~~وثلاثين سنة، ms1850 وكانت أمه أم ولد اسمها شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن ~~شهريار بن كسرى، وهو القائل: # أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان # إنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أم فيروز بن يزدجرد ابنة كسرى شيرويه بن ~~كسرى، وأمها ابنة قيصر، وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك. # وكان آخر ما تكلم به: واحسرتاه واأسفاه! ونقش خاتمه: العظمة لله. # وهو أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح. # قيل: إنه كان قدريا، وكان أسمر طويلا، صغير الرأس، جميلا. # ذكر خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك # فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر بعده أخوه إبراهيم، غير أنه لم يتم ~~له الأمر، # PageV04P322 # فكان يسلم عليه تارة بالخلافة، وتارة بالإمارة، وتارة لا يسلم عليه ~~بواحدة منهما، فمكث أربعة أشهر، وقيل: سبعين يوما، ثم سار إليه مروان بن ~~محمد فخلعه، على ما نذكره، ثم لم يزل حيا حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة، وكنيته أبو إسحاق، أمه أم ولد. # ذكر استيلاء عبد الرحمن بن حبيب على إفريقية # كان عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع قد انهزم لما قتل أبوه ~~وكلثوم بن عياض سنة اثنتين وعشرين ومائة، وسار إلى الأندلس، وقد ذكرناه، ~~وأراد أن يتغلب عليها، فلم يمكنه ذلك، فلما ولي حنظلة بن صفوان إفريقية، ~~على ما ذكرناه، وجه أبا الخطار إلى الأندلس أميرا، فأيس حينئذ عبد الرحمن ~~مما كان يرجوه فعاد إلى إفريقية وهو خائف من أبي الخطار، وخرج بتونس من ~~إفريقية في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وقد ولي الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك الخلافة بالشام، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه، فسار بهم إلى ~~القيروان، فأراد من بها قتاله فمنعهم حنظلة، وكان لا يرى القتال إلا لكافر ~~أو خارجي، وأرسل إليه حنظلة رسالة مع جماعة من أعيان القيروان رؤساء ~~القبائل يدعوه إلى مراجعة الطاعة، فقبضه وأخذهم معه إلى القيروان وقال: إن ~~رمى أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين، فلم يقاتله ms1851 أحد. فخرج ~~حنظلة إلى الشام، واستولى عبد الرحمن على القيروان سنة سبع وعشرين ومائة ~~وسائر إفريقية. # ولما خرج حنظلة إلى الشام دعا على أهل إفريقية وعبد الرحمن، فاستجيب له ~~فيهم، فوقع الوباء والطاعون سبع سنين، لم يفارقهم إلا في أوقات متفرقة، ~~وثار بعبد الرحمن جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك. # فممن خرج عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وقام ابن عطاف ~~عمران بن عطاف الأزدي فنزل بطيفاس، وثارت البربر بالجبال، وخرج عليه ثابت ~~الصنهاجي بباجة فأخذها. # فأحضر عبد الرحمن أخاه إلياس وجعل معه ستمائة فارس وقال له: سر حتى تجتاز ~~بعسكر ابن عطاف الأزدي، فإذا رآك عسكره فارقهم وسر عنهم كأنك تريد تونس # PageV04P323 # إلى قتال عروة بن الوليد بها، فإذا أتيت موضع كذا فقف فيه حتى يأتيك فلان ~~بكتابي فافعل بما فيه. # فسار إلياس ودعا عبد الرحمن إنسانا، وهو الرجل الذي قال لأخيه إلياس عنه، ~~وأعطاه كتابا وقال له: امض حتى تدخل عسكر ابن عطاف، فإذا أشرف عليهم إلياس ~~ورأيتهم يدعون السلاح والخيل، فإذا فارقهم إلياس ووضعوا السلاح عنهم ~~وأمنوا، فسر إليه وأوصل كتابي إليه. فمضى الرجل ودخل عسكر ابن عطاف، ~~وقاربهم إلياس فتحركوا للركوب، ثم فارقهم إلياس نحو تونس فسكنوا وقالوا: قد ~~دخل بين فكي أسد، نحن من هاهنا وأهل تونس من هناك، وأمنوا وصمموا العزم على ~~المسير خلفه. فلما أمنوا سار ذلك الرجل إلى إلياس فأوصل إليه كتاب أخيه عبد ~~الرحمن، فإذا فيه: إن القوم قد أمنوك فسر إليهم وهم في غفلتهم. فعاد إلياس ~~إليهم وهم غارون فلم يلحقوا يلبسون سلاحهم حتى دهمهم فقتلهم، وقتل ابن عطاف ~~أميرهم سنة ثلاثين ومائة، وأرسل إلى أخيه عبد الرحمن يبشره بذلك، فكتب إليه ~~عبد الرحمن يأمره بالمسير إلى أهل تونس ويقول: إنهم إذا رأوك ظنوك ابن عطاف ~~فأمنوك فظفرت بهم. # فسار إليهم، فكان كما قال عبد الرحمن، ووصل إليها وصاحبها عروة بن الوليد ~~في الحمام، فلم يلحق يلبس ثيابه حتى غشيه إلياس فالتحف بمنشفة ينشف بها ~~بدنه ms1852 وركب فرسه عريانا وهرب، فصاح به إلياس: يا فارس العرب! فعاد إليه، ~~فضربه إلياس واحتضنه عروة فسقطا إلى الأرض، وكاد عروة يظهر على إلياس فأتاه ~~مولى لإلياس فقتله واحتز رأسه وسيره إلى عبد الرحمن. # وأقام إلياس بتونس، وخرج عليه رجلان بطرابلس اسمهما عبد الجبار والحارث ~~وقتلا من أهل البلد جماعة كثيرة، فسار إليهم عبد الرحمن سنة إحدى وثلاثين ~~ومائة وقاتلهما فقتلا، وكانا يدينان بمذهب الإباضية من الخوارج. # وجند عبد الرحمن في قتال البربر، وعمر عبد الرحمن سور طرابلس سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة، ثم إنه عاد إلى القيروان وغزا تلمسان وبها جمع كثير من ~~البربر فظفر بهم، وذلك سنة خمس وثلاثين، وسير جيشا إلى صقلية فظفروا وغنموا ~~غنيمة كثيرة، وبعث جيشا آخر إلى سردانية فغنموا وقتلوا في الروم، ودوخ ~~المغرب جميعه ولم ينهزم له عسكر. # PageV04P324 # وقتل مروان بن محمد وزالت دولة بني أمية وعبد الرحمن بإفريقية، فخطب ~~للخلفاء العباسيين وأطاع السفاح. ثم قدم عليه جماعة من بني أمية فتزوج هو ~~وإخوته منهم، وكان فيمن قدم عليه منهم: العاص وعبد المؤمن ابنا الوليد بن ~~يزيد بن عبد الملك، وكانت ابنة عمها تحت إلياس أخي عبد الرحمن، فبلغ عبد ~~الرحمن عنهما السعي في الفساد عليه فقتلهما، فقالت ابنة عمهما لزوجها ~~إلياس: إن أخاك قد قتل أختانك ولم يراقبك فيهم وتهاون بك، وأنت سيفه الذي ~~يضرب به، وكلما فتحت له فتحا كتب إلى الخلفاء: إن ابني حبيبا فتحه، وقد جعل ~~له العهد بعده وعزلك عنه. ولم تزل تغريه به. فتحرك لقولها وأعمل الحيلة على ~~أخيه. # ثم إن السفاح توفي وولي الخلافة بعده المنصور فأقر عبد الرحمن على ~~إفريقية، وأرسل إليه خلعة سوداء أول خلافته فلبسها، وهي أول سواد دخل ~~إفريقية. فأرسل إليه عبد الرحمن هدية وكتب يقول: إن إفريقية اليوم إسلامية ~~كلها، وقد انقطع السبي منها والمال، فلا تطلب مني مالا. فغضب المنصور وأرسل ~~إليه يتهدده، فخلع المنصور بإفريقية ومزق خلعته وهو على المنبر، وكان خلع ~~المنصور مما أعان أخاه إلياس عليه. فاتفق جماعة ms1853 من وجوه القيروان معه على ~~أن يقتلوا عبد الرحمن ويولوه ويعيد الدعاء للمنصور. فبلغ عبد الرحمن فأمر ~~أخاه إلياس بالمسير إلى تونس، فتجهز ودخل إليه يودعه ومعه أخوه عبد الوارث، ~~فلما دخلا على عبد الرحمن قتلاه. (وكان قتله في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ~~ومائة، وكانت إمارته على إفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. # ولما قتل) ضبط إلياس أبواب الدار ليأخذ ابنه حبيبا، فلم يظفر به، وهرب ~~حبيب إلى تونس واجتمع بعمه عمران بن حبيب وأخبره بقتل أبيه، وسار إلياس ~~إليهما، واقتتلوا قتالا يسيرا، ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة ~~ونفزاوة، ويكون لعمران تونس (وصطفورة والجزيرة، ويكون سائر إفريقية لإلياس، ~~وكان هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين ومائة، فلما اصطلحوا سار حبيب بن عبد ~~الرحمن إلى عمله، ومضى إلياس مع أخيه عمران إلى تونس فغدر بعمران أخيه ~~وقتله وأخذ تونس) وقتل جماعة من # PageV04P325 # أشراف العرب وعاد إلى القيروان. فلما استقر بها بعث بطاعته إلى المنصور ~~مع وفد منهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي إفريقية. # ثم سار حبيب إلى تونس فملكها، فسار إليه إلياس واقتتلوا قتالا ضعيفا، ~~فلما جنهم الليل ترك حبيب خيامه وسار جريدة إلى القيروان فدخلها وأخرج من ~~في السجن وكثر جمعه. # ورجع إلياس في طلبه ففارقه أكثر أصحابه وقصدوا حبيبا، فعظم جيشه، وخرج ~~إليه فالتقيا، فغدر أصحاب إلياس، وبرز حبيب بين الصفين، فقال له: ما لنا ~~نقتل صنائعنا وموالينا؟ ولكن ابرز أنت إلي فأينا قتل صاحبه استراح منه. ~~فتوقف إلياس ثم برز إليه فاقتتلا قتالا شديدا تكسر فيه رمحاهما ثم سيفاهما، ~~ثم إن حبيبا عطف عليه فقتله ودخل القيروان، وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين ~~ومائة. # وهرب إخوة إلياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة فاعتصموا بهم، فسار ~~إليهم حبيب فقاتلهم فهزموه، فسار إلى قابس، وقوي أمر ورفجومة حينئذ، وأقبلت ~~البربر إليهم والخوارج، وكان مقدم ورفجومة رجلا اسمه عاصم بن جميل، (وكان ~~قد ادعى النبوة والكهانة، فبدل الدين وزاد في الصلاة وأسقط ذكر النبي - صلى ~~الله ms1854 عليه وسلم - من الأذان، فجهز عاصم) من عنده من العرب على قصد ~~القيروان، وأتاه رسل جماعة من أهل القيروان يدعونه إليهم، وأخذوا عليه ~~العهود والمواثيق بالحماية والصيانة والدعاء للمنصور، فسار إليهم عاصم في ~~البربر والعرب، فلما قاربوا القيروان خرج من بها لقتالهم فاقتتلوا، وانهزم ~~أهل القيروان، ودخل عاصم ومن معه القيروان، فاستحلت ورفجومة المحرمات، ~~وسبوا النساء والصبيان، وربطوا دوابهم في الجامع وأفسدوا فيه. # ثم سار عاصم يطلب حبيبا وهو بقابس فأدركه واقتتلوا، وانهزم حبيب إلى جبل ~~أوراس فاحتمى به، وقام بنصرة من به، ولحق به عاصم فالتقوا واقتتلوا، فانهزم ~~عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه، وسار حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد الملك ~~بن أبي الجعد، وقد قام بأمر ورفجومة بعد قتل عاصم، فاقتتل هو وحبيب، فانهزم ~~حبيب وقتل هو وجماعة من أصحابه في المحرم سنة أربعين ومائة. # وكانت إمارة عبد الرحمن بن حبيب على إفريقية عشر سنين وأشهرا، وإمارة ~~أخيه # PageV04P326 # إلياس سنة وستة أشهر، وإمارة ابنه حبيب ثلاث سنين. # ذكر إخراج ورفجومة من القيروان # ولما قتل حبيب بن عبد الرحمن عاد عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان، ~~وفعل ما كان يفعله عاصم من الفساد والظلم وقلة الدين وغير ذلك، ففارق ~~القيروان أهلها. # فاتفق أن رجلا من الإباضية دخل القيروان لحاجة له، فرأى ناسا من ~~الورفجوميين قد أخذوا امرأة قهرا والناس ينظرون فأدخلوها الجامع، فترك ~~الإباضي حاجته وقصد أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فأعلمه ذلك، ~~فخرج أبو الخطاب وهو يقول: بيتك اللهم بيتك! فاجتمع (إليه أصحابه من كل ~~مكان، وقصدوا طرابلس الغرب، واجتمع) عليه الناس من الإباضية والخوارج ~~وغيرهم، وسير إليهم عبد الملك، مقدم ورفجومة، جيشا فهزموه وساروا إلى ~~القيروان، فخرجت إليهم ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم أهل القيروان ~~الذين مع ورفجومة وخذلوهم، فتبعهم ورفجومة في الهزيمة، وكثر القتل فيهم ~~وقتل عبد الملك الورفجومي، وتبعهم أبو الخطاب يقتلهم حتى أسرف فيهم، وعاد ~~إلى طرابلس واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارسي. # وكان قتل ورفجومة في صفر سنة ms1855 إحدى وأربعين. # ثم إن جماعة كثيرة من المسودة سيرهم محمد بن الأشعث الخزاعي، أمير مصر ~~للمنصور، إلى طرابلس لقتال أبي الخطاب، وعليهم أبو الأحوص عمر بن الأحوص ~~العجلي، فخرج إليهم أبو الخطاب وقاتلهم وهزمهم سنة اثنتين وأربعين، فعادوا ~~إلى مصر، واستولى أبو الخطاب على سائر إفريقية. فسير إليه المنصور محمد بن ~~الأشعث الخزاعي أميرا على إفريقية، فسار من مصر سنة ثلاث وأربعين فوصل ~~إليها في خمسين ألفا، ووجه معه الأغلب بن سالم التميمي، وبلغ أبا الخطاب ~~مسيره فجمع أصحابه من كل ناحية، فكثر جمعه وخافه ابن الأشعث لكثرة جموعه. # فتنازعت زناتة وهوارة بسبب قتيل من زناتة، فاتهمت زناتة أبا الخطاب ~~بالميل إليهم، ففارقه جماعة منهم، فقوي جنان ابن الأشعث وسار سيرا رويدا، ~~ثم أظهر أن المنصور قد أمره بالعود، وعاد إلى ورائه ثلاثة أيام سيرا بطيئا، ~~فوصلت عيون أبي الخطاب وأخبرته بعوده، فتفرق عنه كثير من أصحابه وأمن ~~الباقون، فعاد ابن الأشعث # PageV04P327 # وشجعان عسكره مجدا، فصبح أبا الخطاب وهو غير متأهب للحرب، فوضعوا السيوف ~~في الخوارج، واشتد القتال، فقتل أبو الخطاب وعامة أصحابه في صفر سنة أربع ~~وأربعين ومائة. # وظن ابن الأشعث أن مادة الخوارج قد انقطعت، وإذا [هم] قد أطل عليهم أبو ~~هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا، فلقيهم ابن الأشعث وقتلهم جميعا سنة أربع ~~وأربعين، وكتب إلى المنصور بظفره، ورتب الولاة في الأعمال كلها، وبنى سور ~~القيروان فيها، وتم سنة ست وأربعين، وضبط إفريقية، وأمعن في طلب كل من ~~خالفه من البربر (وغيرهم، فسير جيشا إلى زويلة وودان، فافتتح ودان وقتل من ~~بها من الإباضية، وافتتح زويلة وقتل مقدمهم عبد الله بن سنان الإباضي وأجلى ~~الباقين. فلما رأى البربر وغيرهم من أهل العبث والخلاف على الأمراء ذلك) ~~خافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة. فثار عليه رجل من جنده يقال له هاشم ~~بن الشاحج بقمونية، وتبعه كثير من الجند، فسير إليه ابن الأشعث قائدا في ~~عسكر، فقتله هاشم وانهزم أصحابه، وجعل المضرية من قواد ابن الأشعث يأمرون ~~أصحابهم باللحاق ms1856 بهاشم كراهية لابن الأشعث لأنه تعصب عليهم، فبعث إليه ابن ~~الأشعث جيشا آخر، فاقتتلوا وانهزم هاشم ولحق بتاهرت، وجمع طغام البربر، ~~فبلغت عدة عسكره عشرين ألفا، فسار بهم إلى تهوذة، فسير إليه ابن الأشعث ~~جيشا، فانهزم هاشم وقتلوا كثيرا من أصحابه البربر وغيرهم، فسار إلى ناحية ~~طرابلس. # وقدم رسول من المنصور إلى هاشم يلومه على مفارقة الطاعة، فقال: ما خالفت ~~ولكني دعوت للمهدي بعد أمير المؤمنين، وأنكر ابن الأشعث ذلك وأراد قتلي. ~~فقال له الرسول: فإن كنت على الطاعة فمد عنقك. فضربه بالسيف فقتله سنة سبع ~~وأربعين في صفر، وبذل الأمان لأصحاب هاشم جميعهم فعادوا. # وتبعهم ابن الأشعث بعد ذلك فقتلهم، فغضب المضرية واجتمعت على عداوته ~~وخلافه، واجتمع رأيهم على إخراجه، فلما رأى ذلك سار عنهم، ولقيته رسل ~~المنصور بالبر والإكرام، فقدم عليه، واستعمل المضرية على إفريقية بعده عيسى ~~بن موسى # PageV04P328 # الخراساني. # (وكان [بعد] مسير ابن الأشعث تأمير الخراساني ثلاثة أشهر، واستعمل ~~المنصور الأغلب التميمي، على ما نذكره) ، في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ~~ومائة. # وإنما أوردنا هذه الحوادث متتابعة لتعلق بعضها ببعض على ما شرطناه، وقد ~~ذكرنا كل حادثة في أي سنة كانت فحصل الغرضان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، ~~واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها في ذي القعدة من السنة. # وحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل: عمر بن عبد الله بن ~~عبد الملك. # وكان العامل على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ~~ابن أبي ليلى، وعلى البصرة المسور بن عمر بن عباد، وعلى قضائها عامر بن ~~عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكناني. # [الوفيات] # وفيها كاتب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أمير الجزيرة الغمر بن يزيد ~~بن عبد الملك يحثه على الطلب بدم أخيه الوليد ويعده المساعدة له وإنجاده ~~على ذلك. # وفيها مات سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سنة ms1857 سبع وعشرين. # PageV04P329 # وسعيد بن أبي سعيد المقبري. ومالك بن دينار الزاهد، وقيل مات سنة سبع ~~وعشرين، وقيل سنة ثلاثين. وفيها توفي الكميت بن زيد الشاعر الأسدي، وكان ~~مولده سنة ستين. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~الصديق، وقيل سنة إحدى وثلاثين. وفي إمارة يوسف بن عمر على العراق توفي أبو ~~جمرة الضبعي صاحب ابن عباس. # (جمرة: بالجيم والراء المهملة) . # PageV04P330 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة] ### | 127 - # ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة # ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم # وفي هذه السنة سار مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد. # وكان السبب في ذلك ما قد ذكرنا بعضه من مسير مروان بعد مقتل الوليد ~~وإنكاره قتله، وغلبته على الجزيرة، ثم مبايعته ليزيد بن الوليد بعدما ولاه ~~يزيد من عمل أبيه. # فلما مات يزيد بن الوليد سار مروان في جنود الجزيرة، وخلف ابنه عبد الملك ~~في جمع عظيم بالرقة، فلما انتهى مروان إلى قنسرين لقي بها بشر بن الوليد، ~~كان ولاه أخوه يزيد قنسرين، ومعه أخوه مسرور بن الوليد، فتصافوا، ودعاهم ~~مروان إلى بيعته، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية، وأسلموا بشرا ~~وأخاه مسرورا، فأخذهما مروان فحبسهما، وسار ومعه أهل قنسرين متوجها إلى ~~حمص. # وكان أهل حمص قد امتنعوا [حين مات يزيد] من بيعة إبراهيم وعبد العزيز، ~~فوجه إليهم إبراهيم عبد العزيز وجند أهل دمشق فحاصرهم في مدينتهم، وأسرع ~~مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها، وخرج أهلها إلى مروان ~~فبايعوه وساروا معه. ووجه إبراهيم بن الوليد الجنود من دمشق مع سليمان بن ~~هشام، فنزل عين الجر في مائة وعشرين ألفا، ونزلها مروان في ثمانين ألفا، ~~فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله وإطلاق ابني الوليد الحكم وعثمان من السجن، ~~وضمن لهم أنه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد. فلم يجيبوه وجدوا في قتاله، ~~فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم. # وكان مروان ذا رأي ومكيدة، فأرسل ثلاثة ms1858 آلاف فارس، فساروا خلف عسكره، ~~وقطعوا نهرا كان هناك، وقصدوا عسكر إبراهيم ليغيروا فيه، فلم يشعر سليمان ~~ومن معه وهم مشغولون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من ~~خلفهم، فلما رأوا # PageV04P331 # ذلك انهزموا، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم فقتلوا منهم سبعة ~~عشر ألفا، وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم، وأتوا مروان من أسرائهم ~~بمثل القتلى وأكثر، فأخذ مروان عليهم البيعة لولدي الوليد، وخلى عنهم ولم ~~يقتل منهم إلا رجلين، أحدهما يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيان، ~~وكانا ممن ولي قتل الوليد، فإنه حبسهما فهلكا في حبسه. # وهرب يزيد بن خالد بن عبد الله القسري فيمن هرب مع سليمان إلى دمشق، ~~واجتمعوا مع إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج، فقال بعضهم لبعض: إن بقي ولدا ~~الوليد حتى يخرجهما مروان ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتلة ~~أبيهما والرأي قتلهما، فرأى ذلك يزيد بن خالد، فأمر أبا الأسد مولى خالد ~~بقتلهما، وأخرج يوسف بن عمر فضرب رقبته، وأرادوا قتل أبي محمد السفياني ~~فدخل بيتا من بيوت السجن وأغلقه، فلم يقدروا على فتحه، فأرادوا إحراقه فلم ~~يؤتوا بنار، حتى قيل: قد دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا وهرب إبراهيم ~~واختفى، وانتهب سليمان ما في بيت المال فقسمه في أصحابه وخرج من المدينة. # ذكر بيعة مروان بن محمد بن مروان # وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بالخلافة. # وكان سبب ذلك أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان، ثار من ~~بدمشق من موالي الوليد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه، ~~ونبشوا قبر يزيد بن الوليد فصلبوه على باب الجابية، وأتي مروان بالغلامين ~~الحكم وعثمان ابني الوليد مقتولين، وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتي بأبي محمد ~~السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة، ومروان يسلم عليه يومئذ بالإمرة، ~~فقال له مروان: مه! فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشده شعرا قاله الحكم ~~في السجن، وكانا قد بلغا وولد لأحدهما، وهو الحكم، فقال الحكم: # ألا من مبلغ مروان عني ... وعمي ms1859 الغمر طال به حنينا # PageV04P332 # بأني قد ظلمت وصار قومي # على قتل الوليد مشايعينا ... أيذهب كلهم بدمي ومالي # فلا غثا أصبت ولا سمينا ... ومروان بأرض بني نزار # كليث الغاب مفترس عرينا ... أتنكث بيعتي من أجل أمي # فقد بايعتم قبلي هجينا ... فإن أهلك أنا وولي # عهدي فمروان أمير المؤمنينا # ثم قال: ابسط يدك أبايعك. وسمعه من مع مروان، وكان أول من بايعه معاوية ~~بن يزيد بن حصين بن نمير ورءوس أهل حمص والناس بعده، فلما استقر له الأمر ~~رجع إلى منزله بحران، وطلب منه الأمان لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام، ~~فآمنهما، فقدما عليه، وكان سليمان بتدمر بمن معه من إخوته وأهل أبيه ~~ومواليه الذكوانية فبايعوا مروان بن محمد. # ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر # وفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ~~بالكوفة ودعا إلى نفسه. # وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إلى الكوفة، ~~فأكرمه وأجازه، وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك ~~حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد وبعده عبد ~~العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فلما بلغ خبر بيعتهما عبد الله بن عمر ~~بالكوفة بايع الناس، وزاد في العطاء، وكتب ببيعتهما إلى الآفاق، فجاءته ~~البيعة، ثم بلغه امتناع مروان بن محمد من البيعة ومسيره إليهما إلى الشام، ~~فحبس عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجري عليه # PageV04P333 # وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له ويقاتل به ~~مروان، فماج الناس. # وورد مروان الشام وظفر بإبراهيم، فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى ~~الكوفة مسرعا، وافتعل كتابا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة، وجمع اليمانية ~~وأعلمهم ذلك، فأجابوه، وامتنع عبد الله بن عمر عليه وقاتله. # فلما رأى الأمر كذلك خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل فقال لأصحابه: إني ~~أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم، فكفوا. وظهر أمر إبراهيم وهربه، ms1860 ووقعت ~~العصبية بين الناس، وكان سببها أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة ~~عطايا كثيرة، ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن ~~الخيبري من تيم اللات بن ثعلبة شيئا، وهما من ربيعة، فكانا مغضبين، وغضب ~~لهما ثمامة بن حوشب بن رويم الشيباني، وخرجوا من عند عبد الله بن عمر وهو ~~بالحيرة إلى الكوفة فنادوا: يا آل ربيعة! فاجتمعت ربيعة وتنمروا. # وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فأرسل أخاه عاصما، فأتاهم وهم بدير هند، ~~فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا. فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصما ~~وشكروه. فلما كان المساء أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن ~~القبعثري بمائة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذهل الشيباني، وإلى ~~ثمامة بن حوشب بمائة ألف قسمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بمال، وإلى ~~عثمان بن الخيبري بمال. # فلما رأت الشيعة ضعف عبد الله بن عمر طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن ~~معاوية، واجتمعوا في المسجد وثاروا، وأتوا عبد الله بن معاوية وأخرجوه من ~~داره وأدخلوه القصر، ومنعوا عاصم بن عمر عن القصر، فلحق بأخيه بالحيرة، ~~وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم: عمر بن الغضبان، ومنصور بن جمهور، ~~وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد، وأقام أياما يبايعه الناس، وأتته ~~البيعة من المدائن وفم النيل، واجتمع إليه الناس، فخرج إلى عبد الله بن عمر ~~بالحيرة، فقيل لابن عمر: قد أقبل ابن معاوية # PageV04P334 # في الخلق، فأطرق مليا، وأتاه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام، فأمره ~~بإحضاره، فأحضره، فأكل هو ومن معه وهو غير مكترث، والناس يتوقعون أن يهجم ~~عليهم ابن معاوية، وفرغ من طعامه وأخرج المال ففرقه في قواده، ثم دعا مولى ~~له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه، كان اسمه: إما ميمونا، وإما رباحا، أو ~~فتحا، أو اسما يتبرك به، فأعطاه اللواء وقال له: امض به إلى موضع كذا ~~فاركزه وادع أصحابك وأقم حتى آتيك. ففعل. # وخرج عبد الله فإذا ms1861 الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية، فأمر ابن عمر ~~مناديا فنادى: من جاء برأس فله خمسمائة. فأتي برءوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن. # وبرز رجل من أهل الشام، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي، فسأله ~~الشامي فعرفه فقال: قد ظننت أنه لا يخرج إلي رجل من بكر بن وائل، والله ما ~~أريد قتالك ولكن أحببت أن ألقي إليك حديثا، أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل ~~اليمن، لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما، إلا وقد كاتب ابن عمر وكاتبته ~~مضر، وما أرى لكم يا ربيعة كتابا ولا رسولا، وأنا رجل من قيس، فإن أردتم ~~الكتاب أبلغته ونحن غدا بإزائكم فإنهم اليوم لا يقاتلونكم. # فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبره عمر بن الغضبان، فأشار عليه أن يستوثق من ~~إسماعيل ومنصور وغيرهما، فلم يفعل. # وأصبح الناس من الغد غادين على القتال، فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ~~ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، فانهزم أصحاب ~~ابن معاوية إلى الكوفة، وابن معاوية معهم، فدخلوا القصر، وبقي من بالميسرة ~~من ربيعة ومضر ومن بإزائهم من أصحاب ابن عمر، فقال لعمر بن الغضبان: ما كنا ~~نأمن عليكم ما صنع الناس بكم، فانصرفوا. فقال ابن الغضبان: لا أبرح حتى ~~أقتل. فأخذ أصحابه بعنان دابته فأدخلوه الكوفة، فلما أمسوا قال لهم ابن ~~معاوية: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعلقنا دماءنا في ~~أعناقكم، فإن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم ~~فخذوا لنا ولكم أمانا. فقال له عمر بن الغضبان: ما نقاتل معكم وما نأخذ لكم ~~أمانا كما نأخذ لأنفسنا. فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك ~~يقاتلون أصحاب ابن عمر أياما. # ثم إن ربيعة أخذت أمانا لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية ليذهبوا حيث ~~شاءوا، وسار # PageV04P335 # ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج بهم ~~فغلب على حلوان والجبال وهمدان وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة. ~~وكان شاعرا مجيدا، فمن قوله: # ولا تركبن ms1862 الصنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله # ولا يعجبنك قول امرئ ... يخالف ما قال في فعله # ذكر رجوع الحارث بن السريج إلى مرو # وفي هذه السنة رجع الحارث إلى مرو، وكان مقيما عند المشركين مدة، وقد ~~تقدم سبب عوده، وكان قدومه مرو في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين، فلقيه ~~الناس بكشميهن، فلما لقيهم قال: ما قرت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما ~~قرة عيني إلا أن يطاع الله. ولقيه نصر وأنزله وأجرى عليه كل يوم خمسين ~~درهما، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن ~~يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل وأرسل إلى نصر: إني لست من الدنيا ~~واللذات في شيء، إنما أسألك كتاب الله والعمل بالسنة، واستعمال أهل الخير، ~~فإن فعلت ساعدتك على عدوك. # وأرسل الحارث إلى الكرماني: إن أعطاني نصر العمل بالكتاب وما سألته عضدته ~~وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة. # ودعا بني تميم إلى نفسه، فأجابه منهم ومن غيرهم جمع كثير، واجتمع إليه ~~ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من هذه البلدة ثلاث عشرة سنة إنكارا ~~للجور وأنت تريدني عليه. # ذكر انتقاض أهل حمص # وفي هذه السنة انتقض أهل حمص على مروان. # PageV04P336 # وكان سبب ذلك أن مروان لما عاد إلى حران بعد فراغه من أهل الشام أقام ~~ثلاثة أشهر، فانتقض عليه أهل حمص، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم ~~وراسلهم، وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر من كلب، فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة ~~الكلبي وأولاده ومعاوية السكسكي، وكان فارس أهل الشام، وغيرهما في نحو من ~~ألف من فرسانهم، فدخلوا ليلة الفطر، فجد مروان في السير إليه ومعه إبراهيم ~~المخلوع وسليمان بن هشام، وكان قد آمنهما، وكان يكرمهما، فبلغهما بعد الفطر ~~بيومين وقد سد أهلها أبوابها، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء باب من أبوابها، ~~فنادى مناديه الذين عند الباب: ما دعاكم إلى النكث؟ قالوا: إنا على طاعتك ~~لم ننكث. قال: فافتحوا الباب، ففتحوا الباب، فدخله ms1863 عمر بن الوضاح في ~~الوضاحية، وهم نحو من ثلاثة آلاف، فقاتلهم من في البلد، فكثرتهم خيل مروان، ~~فخرج بها من بها من باب تدمر، فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان، فقتل عامة ~~من خرج منه، وأفلت الأصبغ بن ذؤالة وابنه فرافصة، وقتل مروان جماعة من ~~أسرائهم، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة، وهدم من سورها نحو غلوة. # وقيل: إن فتح حمص وهدم سورها كان في سنة ثمان وعشرين. # ذكر خلاف أهل الغوطة # في هذه السنة خالف أهل الغوطة، وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحصروا ~~دمشق، وأميرها زامل بن عمرو، فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر ~~بن زفر بن الحارث، وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة ~~حملوا عليهم، وخرج عليهم من بالمدينة، فانهزموا واستباح أهل مروان عسكرهم، ~~وأحرقوا المزة وقرى من اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل برأسه ~~إلى مروان بحمص. # وممن قتل في هذه الحرب عمير بن هانئ العبسي مع يزيد، وكان عابدا كثير ~~المجاهدة. # PageV04P337 # ذكر خلاف أهل فلسطين # وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد أهل حمص والغوطة، وكان خروجه في أهل فلسطين، ~~وانتقض على مروان أيضا، وأتى طبرية فحاصرها وعليها الوليد بن معاوية بن ~~مروان بن الحكم ابن أخي عبد الملك، فقاتله أهلها أياما. # فكتب مروان بن محمد إلى أبي الورد يأمره بالمسير إليهم، فسار إليهم، فلما ~~قرب منهم خرج أهل طبرية على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، وانصرف إلى ~~فلسطين منهزما، وتبعه أبو الورد فالتقوا واقتتلوا، فهزمه أبو الورد ثانية ~~وتفرق أصحابه وأسر ثلاثة من أولاده وبعث بهم إلى مروان، وتغيب ثابت وولده ~~رفاعة. # واستعمل مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكناني، فظفر بثابت ~~وبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت أيديهم ~~وأرجلهم وحملوا إلى دمشق فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب دمشق. # وكان مروان بدير أيوب فبايع لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتي ~~هشام بن عبد الملك وجمع كذلك بني ms1864 أمية، واستقام له الشام ما خلا تدمر، فسار ~~إليها فنزل القسطل، وبينه وبين تدمر أيام، وكانوا قد عوروا المياه، فاستعمل ~~المزاد والقرب والإبل، وكلمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، ~~وسألوه أن يرسل إليهم، فأذن لهم في ذلك، وسار الأبرش وخوفهم وحذرهم، ~~فأجابوا إلى الطاعة، وهرب نفر منهم إلى البر ممن لم يثق بمروان، ورجع ~~الأبرش إلى مروان ومعه من أطاع بعد أن هدم سورها. # وكان مروان قد سير يزيد بن عمر بن هبيرة بين يديه إلى العراق لقتال ~~الضحاك الخارجي، وضرب على أهل الشام بعثا وأمرهم باللحاق بيزيد، وسار مروان ~~إلى الرصافة، فاستأذنه سليمان بن هشام ليقيم أياما ليقوى من معه ويستريح ~~ظهره. فأذن له، وتقدم مروان إلى قرقيسيا وبها ابن هبيرة ليقدمه إلى الضحاك، ~~فرجع عشرة آلاف ممن كان قد أخذه من أهل الشام لقتال الضحاك، فأقاموا ~~بالرصافة ودعوا سليمان إلى خلع مروان، فأجابهم. # PageV04P338 # ذكر خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد # وفي هذه السنة خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وحاربه. # وكان السبب في ذلك ما ذكرنا من قدوم الجنود عليه وتحسينهم له خلع مروان، ~~وقالوا له: أنت أرضى عند الناس من مروان وأولى بالخلافة. فأجابهم إلى ذلك ~~وسار بإخوته ومواليه معهم فعسكر بقنسرين، وكاتب أهل الشام، فأتوه من كل ~~وجه، وبلغ الخبر مروان فرجع إليه من قرقيسيا، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره ~~بالمقام، واجتاز مروان في رجوعه بحصن الكامل وفيه جماعة من موالي سليمان ~~وأولاد هشام فتحصنوا منه، فأرسل إليهم: إني أحذركم أن تعرضوا لأحد ممن ~~يتبعني من جندي بأذى، فإن فعلتم فلا أمان لكم عندي. فأرسلوا إليه: إنا ~~نستكف. ومضى مروان، فجعلوا يغيرون على من يتبعه من أخريات الناس، وبلغه ذلك ~~فتغيظ عليهم. # واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، ~~وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين، وأتاه مروان فواقعه عند وصوله، فاشتد ~~بينهم القتال، وانهزم سليمان ومن معه، واتبعتهم خيل مروان تقتل ms1865 وتأسر، ~~واستباحوا عسكرهم، ووقف مروان موقفا ووقف ابناه موقفين، ووقف كوثر صاحب ~~شرطته موقفا، وأمرهم أن لا يأتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبدا مملوكا. فأحصي ~~من قتلاهم يومئذ [ما] نيف على ثلاثين ألف قتيل، وقتل إبراهيم بن سليمان ~~أكبر ولده، وخالد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك، وادعى كثير من ~~الأسراء للجند أنهم عبيد، فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع من أصيب ~~من عسكرهم. # ومضى سليمان حتى انتهى إلى حمص، وانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر ~~بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها. وسار مروان إلى حصن الكامل ~~حنقا على من فيه فحصرهم وأنزلهم على حكمه، فمثل بهم وأخذهم أهل الرقة ~~فداووا جراحاتهم، فهلك بعضهم وبقي أكثرهم، وكانت عدتهم نحوا من ثلاثمائة. ~~ثم سار إلى سليمان ومن معه، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان؟ ~~فتبايع سبعمائة من فرسانهم على الموت، وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيتوه ~~إن أصابوا منه غرة. وبلغه خبرهم فتحرز منهم وزحف إليهم في الخنادق على ~~احتراس وتعبية، فلم يمكنهم أن يبيتوه، فكمنوا في زيتون على طريقه، فخرجوا ~~عليه وهو يسير على تعبية فوضعوا # PageV04P339 # السلاح فيمن معه، وانتبذ لهم ونادى خيوله، فرجعت إليه، فقاتلوه من لدن ~~ارتفاع النهار إلى بعد العصر، وانهزم أصحاب سليمان، وقتل منهم نحو من ستة ~~آلاف. # فلما بلغ سليمان هزيمتهم خلف أخاه سعيدا بحمص ومضى هو إلى تدمر فأقام ~~بها، ونزل مروان على حمص فحصر أهلها عشرة أشهر، ونصب عليهم نيفا وثمانين ~~منجنيقا يرمى بها الليل والنهار، وهم يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه، وربما ~~بيتوا نواحي عسكره. فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان على أن يمكنوه من ~~سعيد بن هشام وابنيه وعثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسكي، كان يغير على ~~عسكره، ومن رجل حبشي كان يشتم مروان، وكان يشد في ذكره ذكر حمار ثم يقول: ~~يا بني سليم، يا أولاد كذا وكذا هذا لواؤكم. فأجابهم إلى ذلك، فاستوثق من ~~سعيد وابنيه، وقتل ms1866 السكسكي وسلم الحبشي إلى بني سليم فقطعوا ذكره وأنفه ~~ومثلوا به. فلما فرغ من حمص سار نحو الضحاك الخارجي. # وقيل: إن سليمان بن هشام لما انهزم بخساف أقبل هاربا حتى صار إلى عبد ~~الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق، فخرج معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على ~~مروان، فقال بعض شعرائهم: ألم تر أن الله أظهر دينه وصلت قريش خلف بكر بن ~~وائل # فلما رأى النضر (بن سعيد الحرشي، وكان قد ولي العراق، على ما نذكره إن ~~شاء الله) ، ذلك علم أنه لا طاقة له بعبد الله بن عمر، فسار إلى مروان، ~~فلما كان بالقادسية خرج إليه ابن ملجان، خليفة الضحاك بالكوفة، فقاتله، ~~فقتله النضر، واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي. # ثم سار الضحاك في ذي القعدة إلى الموصل، وأقبل ابن هبيرة حتى نزل بعين ~~التمر، فسار إليه المثنى بن عمران فاقتتلوا أياما، فقتل المثنى وعدة من ~~قواد الضحاك وانهزمت الخوارج ومعهم منصور بن جمهور، وأتوا الكوفة فجمعوا من ~~بها منهم، وساروا # PageV04P340 # نحو ابن هبيرة فلقوه، فقاتلهم أياما وانهزمت الخوارج، وأتى ابن هبيرة إلى ~~الكوفة وسار إلى واسط، ولما بلغ الضحاك ما لقي أصحابه أرسل عبيدة بن سوار ~~التغلبي إليهم فنزل الصراة، فرجع ابن هبيرة إليهم فالتقوا بالصراة، وسيرد ~~خبر خروج الضحاك بعدها إن شاء الله تعالى. # (الحرشي: بفتح الحاء المهملة، وبالشين المعجمة) . # ذكر خروج الضحاك محكما # وفي هذه السنة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكما ودخل الكوفة. # وكان سبب ذلك أن الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له: سعيد بن ~~بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحاك، فاغتنم قتل الوليد ~~واشتغال مروان بالشام فخرج بأرض كفرتوثا، وخرج بسطام البيهسي، وهو مفارق ~~لرأيه، في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما تقاربا ~~أرسل سعيد بن بهدل الخيبري، وهو أحد قواده، في مائة وخمسين فارسا، فأتاهم ~~وهم غارون، فقتلوا فيهم وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلا أربعة عشر رجلا، ثم ~~مضى سعيد ms1867 بن بهدل إلى العراق لما بلغه أن الاختلاف بها، فمات سعيد بن بهدل ~~في الطريق واستخلف الضحاك بن قيس، فبايعه الشراة، فأتى أرض الموصل ثم ~~شهرزور، واجتمعت إليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف. # وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~ومروان بالحيرة، فكتب مروان إلى النضر بن سعيد الحرشي، وهو أحد قواد ابن ~~عمر، بولاية العراق، فلم يسلم ابن عمر إليه العمل، فشخص النضر إلى الكوفة ~~وبقي ابن عمر بالحيرة، فتحاربا أربعة أشهر، وأمد مروان النضر بابن الغزيل، ~~واجتمعت المضرية مع النضر عصبية لمروان حيث طلب بدم الوليد، وكانت أم ~~الوليد قيسية من مضر، وكان أهل اليمن مع ابن عمر عصبية له، حيث كانوا مع ~~يزيد في قتل الوليد حين أسلم خالدا القسري إلى يوسف فقتله. # فلما سمع الضحاك باختلافهم أقبل نحوهم وقصد العراق سنة سبع وعشرين، # PageV04P341 # فأرسل [ابن] عمر إلى النضر: " إن هذا لا يريد غيري وغيرك فهلم نجتمع عليه ~~". فتعاقدا عليه واجتمعا بالكوفة، وكان كل منهما يصلي بأصحابه. وأقبل ~~الضحاك فنزل بالنخيلة في رجب واستراح، ثم استعدوا للقتال يوم الخميس من غد ~~يوم نزوله فاقتتلوا قتالا شديدا، فكشفوا ابن عمر وقتلوا أخاه عاصما وجعفر ~~بن العباس الكندي أخا عبيد الله، ودخل ابن عمر خندقه، وبقي الخوارج عليهم ~~إلى الليل ثم انصرفوا ثم اقتتلوا يوم الجمعة، فانهزم أصحاب ابن عمر فدخلوا ~~خنادقهم، فلما أصبحوا يوم السبت تسلل أصحابه نحو واسط، ورأوا قوما لم يروا ~~أشد بأسا منهم. # وكان ممن لحق بواسط: النضر بن سعيد الحرشي، وإسماعيل بن عبد الله القسري ~~أخو خالد، ومنصور بن جمهور، والأصبغ بن ذؤالة، وغيرهم من الوجوه، وبقي ابن ~~عمر فيمن عنده من أصحابه لم يبرح، فقال له أصحابه: قد هرب الناس فعلام ~~تقيم؟ فبقي يومين لا يرى إلا هاربا، فرحل عند ذلك إلى واسط، واستولى الضحاك ~~على الكوفة ودخلها، ولم يأمنه عبيد الله بن العباس الكندي على نفسه فصار مع ~~الضحاك وبايعه وصار في عسكره، فقال ms1868 أبو عطاء السندي له، شعر: # فقل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يجنح وأنت قتيل # ولم يتبع المراق والثار فيهم ... وفي كفه عضب الذباب صقيل # إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول # فلما بلغ عبيد الله هذا البيت من قول أبي عطاء قال: أقول أعضك [الله] ~~ببظر أمك: # فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة ... وطالب وتر والذليل ذليل # تركت أخا شيبان يسلب بزه ... ونجاك خوار العنان مطول # ووصل ابن عمر إلى واسط فنزل بدار الحجاج بن يوسف. وعادت الحرب بين عبد ~~الله والنضر إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضحاك إلى النضر يطلب أن يسلم إليه ~~ابن # PageV04P342 # عمر ولاية العراق بعهد مروان له، وابن عمر يمتنع، وسار الضحاك من الكوفة ~~إلى واسط واستخلف ملجان الشيباني، ونزل الضحاك باب المضمار. # فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر تركا الحرب بينهما واتفقا على قتال الضحاك، ~~فلم يزالوا على ذلك شعبان وشهر رمضان وشوال والقتال بينهم متواصل. # ثم إن منصور بن جمهور قال لابن عمر: ما رأيت مثل هؤلاء! فلم تحاربهم ~~وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرضا واجعلهم بينك وبين مروان فإنهم يرجعون عنا ~~إليه ويوسعونه شرا، فإن ظفروا به كان ما أردت وكنت عندهم آمنا، وإن ظفر بهم ~~وأردت خلافه وقتاله قاتلته وأنت مستريح. فقال ابن عمر: لا تعجل حتى ننظر. ~~فلحق بهم منصور، وناداهم: إني أريد أن أسلم وأسمع كلام الله وهي حجتهم، ~~فدخل إليهم وبايعهم. # ثم إن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز خرج إليهم في شوال فصالحهم وبايع ~~الضحاك ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك. # ذكر خلع أبي الخطار أمير الأندلس وإمارة ثوابة # وفي هذه السنة خلع أهل الأندلس أبا الخطار الحسام بن ضرار أميرهم. # وسبب ذلك أنه لما قدم الأندلس أميرا أظهر العصبية لليمانية على المضرية، ~~فاتفق في بعض الأيام أنه اختصم رجل من كنانة ورجل من غسان، فاستعان الكناني ~~بالصميل بن حاتم بن ذي الجوشن الضبابي، فكلم فيه أبا الخطار، فاستغلظ له ms1869 ~~أبو الخطار، فأجابه الصميل، فأمر به فأقيم وضرب قفاه، فمالت عمامته، فلما ~~خرج قيل له: نرى عمامتك مالت! فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها. # وكان الصميل من أشراف مضر، فلما دخل الأندلس مع بلج شرف فيها بنفسه ~~وأوليته. فلما جرى له ما ذكرناه جمع قومه وأعلمهم، فقالوا له: نحن تبع لك. ~~فقال: أريد أن أخرج أبا الخطار من الأندلس. فقال له بعض أصحابه: افعل ~~واستعن بمن شئت ولا تستعن بأبي عطاء القيسي، وكان من أشراف قيس، وكان يناظر ~~الصميل في # PageV04P343 # الرياسة ويحسده. وقال له غيره: الرأي أنك تأتي أبا عطاء وتشد أمرك به ~~فإنه تحركه الحمية (وينصرك، وإن تركته مال إلى أبي الخطار وأعانه عليك) ~~ليبلغ فيك ما يريد، والرأي أيضا أن تستعين عليه بأهل اليمن فضلا عن معد. # ففعل ذلك وسار من ليلته إلى أبي عطاء، وكان يسكن مدينة إستجة، فعظمه أبو ~~عطاء وسأله عن سبب قدومه، فأعلمه، فلم يكلمه حتى قام فركب فرسه ولبس سلاحه ~~وقال له: انهض الآن حيث شئت فأنا معك، وأمر أهله وأصحابه باتباعه، (فساروا ~~إلى مرو، وبها ثوابة بن سلامة الحداني، وكان مطاعا في قومه) ، وكان أبو ~~الخطار قد استعمله على إشبيلية وغيرها، ثم عزله ففسد عليه، فدعاه الصميل ~~إلى نصره ووعده أنه إذا أخرجوا أبا الخطار صار أميرا، فأجاب إلى نصره ودعا ~~قومه فأجابوه فساروا إلى شدونة. # وسار إليهم أبو الخطار من قرطبة واستخلف بها إنسانا، فالتقوا واقتتلوا في ~~رجب من هذه السنة، وصبر الفريقان، ثم وقعت الهزيمة على أبي الخطار، وقتل ~~أصحابه أشد قتل وأسر أبو الخطار. وكان بقرطبة أمية بن عبد الملك بن قطن، ~~فأخرج منها خليفة أبي الخطار، وانتهب ما وجد لهما فيها. # ولما انهزم أبو الخطار سار ثوابة بن سلامة والصميل إلى قرطبة فملكاها، ~~واستقر ثوابة في الإمارة، فثار به عبد الرحمن بن حسان الكلبي، وأخرج أبا ~~الخطار من السجن، فاستجاش اليمانية، فاجتمع له خلق كثير، وأقبل بهم إلى ~~قرطبة، وخرج إليه ثوابة فيمن معه من اليمانية والمضرية مع ms1870 الصميل. فلما ~~تقاتل الطائفتان نادى رجل من مضر: يا معشر اليمانية! ما بالكم تتعرضون ~~للحرب على أبي الخطار وقد جعلنا الأمير منكم؟ يعني ثوابة، فإنه من اليمن، ~~ولو أن الأمير منا لقد كنتم تعتذرون في قتالكم لنا، وما نقول هذا إلا تحرجا ~~من الدماء ورغبة في العافية للعامة. فلما سمع الناس كلامه قالوا: صدق ~~والله، الأمير منا فما بالنا نقاتل قومنا؟ فتركوا القتال وافترق الناس، ~~فهرب أبو الخطار فلحق بباجة، ورجع ثوابة إلى قرطبة، فسمي ذلك العسكر عسكر ~~العافية. # PageV04P344 # ذكر شيعة بني العباس # في هذه السنة توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ وقحطبة إلى مكة، فلقوا ~~إبراهيم بن محمد الإمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ~~ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا، وكان معهم أبو مسلم، فقال سليمان لإبراهيم: ~~هذا مولاك. # وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنه في الموت، وأنه قد ~~استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان، وهو رضى للأمر، فكتب إبراهيم لأبي سلمة ~~يأمره بالقيام بأمر أصحابه، وكتب إلى أهل خراسان (يخبرهم أنه قد أسند) ~~أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان) ، فصدقوه وقبلوا أمره، ودفعوا إليه ~~ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مروان ~~على مكة والمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي، وكان ~~من أمره وأمر ابن عمر والضحاك الخارجي ما ذكرنا. وكان بخراسان نصر بن سيار، ~~وبها من ينازعه فيها: الكرماني والحارث بن سريج. # [الوفيات] # وفيها مات سويد بن غفلة، وقيل سنة إحدى وثمانين، وقيل سنة اثنتين ~~وثمانين، وعمره مائة وعشرون سنة، # PageV04P345 # وعبد الكريم بن مالك الجزري، وقيل غير ذلك، وفيها مات أبو حصين عثمان بن ~~حصين الأسدي الكوفي، (حصين: بفتح الحاء، وكسر الصاد) . # وفيها مات أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، وقيل سنة ثمان ~~وعشرين، وعمره مائة سنة، السبيعي بفتح السين، وكسر الباء. # وفيها توفي عبد الله بن ms1871 دينار، (وقيل سنة ست وثلاثين) . وفيها مات محمد ~~بن واسع الأزدي البصري، وكنيته أبو بكر، وداود بن أبي هند، واسم أبي هند ~~دينار مولى بني قشير أبو محمد. وفيها توفي أبو بحر عبد الله بن [أبي] إسحاق ~~مولى الحضرمي، وكان إماما في النحو واللغة، تعلم ذلك من يحيى بن النعمان، ~~وكان يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق يقول: # فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا # فقال له أبو عبد الله: لقد لحنت أيضا في قولك مواليا، ينبغي أن تقول: ~~مولى موال. # PageV04P346 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة] ### | 128 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة # ذكر قتل الحارث بن سريج، وغلبة الكرماني على مرو # قد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحارث بن سريج وعوده من بلاد المشركين ~~إلى بلاد الإسلام، وما كان بينه وبين نصر من الاختلاف. # فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن ~~محمد، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد ولم يؤمني مروان، ولا يجيز مروان أمان ~~يزيد، فلا آمنه. فخالف نصرا. فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن ~~الفرقة وإطماع العدو، فلم يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر، وأرسل إلى نصر: ~~اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، وأمر الحارث جهم بن صفوان، رأس الجهمية، وهو ~~مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما يدعو إليه على الناس. فلما سمعوا ذلك كثروا ~~وكثر جمعه، وأرسل الحارث إلى نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته، ويغير ~~عماله، ويقر الأمر بينهما أن يختاروا رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب ~~الله، فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان، واختار الحارث المغيرة ~~بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة، وأمر نصر كاتبه أن يكتب ما يرضي هؤلاء ~~الأربعة من السنن، وما يختارونه من العمال، فيوليهم ثغر سمرقند وطخارستان. # وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود، فأرسل إليه نصر: إن كنت تزعم ~~أنكم تهدمون سور دمشق، وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة ms1872 رأس ومائتي ~~بعير واحمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت ~~إني لفي يدك، وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك. # فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. فقال ~~نصر: فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك، فاذكر الله في عشرين ألفا من ربيعة ~~واليمن يهلكون فيما بينكم. وعرض عليه أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ~~ثلاثمائة ألف، فلم # PageV04P347 # يقبل، (فقال له نصر: فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك. فلم يقبل) ~~. # ثم تراضيا بأن حكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان، فحكما بأن يعتزل نصر، ~~وأن يكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر. فخالفه الحارث واتهم نصر قوما من ~~أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم. # وقدم عليه جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة، منهم: عاصم بن عمير ~~الصريمي، وأبو الذيال الناجي، ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، وأمر الحارث أن ~~تقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه خلق كثير، ~~وقرأها رجل على باب نصر، فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهزوا للحرب، ~~ودل رجل من أهل مرو الحارث على نقب في سورها، فمضى الحارث إليه فنقبه ودخل ~~المدينة من ناحية باب بالين، فقاتلهم جهم بن مسعود الناجي فقتل جهم، ~~(وانتهبوا منزل سالم بن أحوز) وقتلوا من كان يحرس باب بالين، وذلك يوم ~~الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. وعدل الحارث في سكة السغد، فرأى ~~أعين مولى حيان، فقاتله فقتل أعين. # وركب سالم حين أصبح وأمر مناديا فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة. فلم ~~تطلع الشمس حتى انهزم الحارث وقاتلهم الليل كله، وأتى سالم عسكر الحارث ~~فقتل كاتبه، واسمه يزيد بن داود، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب. # وأرسل نصر إلى الكرماني، فأتاه على عهد وعنده جماعة، فوقع بين سالم بن ~~أحوز ومقدام بن نعيم كلام، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه، فأعان كل واحد ~~منهما نفر من الحاضرين، فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر ms1873 فقام وتعلقوا به ~~فلم يجلس، وركب فرسه ورجع وقال: أراد نصر الغدر بي. # وأسر يومئذ جهم بن صفوان، وكان مع الكرماني، فقتل، وأرسل الحارث ابنه ~~حاتما إلى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك دعهما يضطربان. ~~فلما كان الغد ركب الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر، وأقبل ~~الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء فتراموا ثم ~~تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد ~~حتى وصلوا إلى الكرماني، # PageV04P348 # فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرسا، ~~وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين، وسقط سالم بن أحوز فحمل إلى عسكر نصر. ~~فلما كان بعض الليل خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي، فكان ~~يحمي أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم، ~~وهم الأزد وربيعة، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن قد دخل ~~الحارث السوق وقتل ابن الأقطع! يعني نصر بن سيار، ففت في أعضاد المضرية، ~~وهم أصحاب نصر، فانهزموا، وترجل تميم بن نصر فقاتل. # فلما هزمت اليمانية مضرا أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني ~~بانهزامكم وأنا كاف، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني. فأخذ عليه نصر ~~العهود بذلك. وقدم على نصر عبد الحكيم بن سعيد العوذي وأبو جعفر عيسى بن ~~جرز من مكة، فقال نصر لعبد الحكيم العوذي، وهم بطن من الأزد: أما ترى ما ~~فعل سفهاء قومك؟ فقال: بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك [وصيرت الولاية ~~لقومك] دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن علماء وسفهاء، فغلب ~~السفهاء العلماء. فقال أبو جعفر عيسى لنصر: أيها الأمير حسبك من الولاية ~~وهذه الأمور، فإنه قد أظلك أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد، ~~ويدعو إلى دولة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون. فقال نصر: ما أشبه أن ~~يكون كما تقول لقلة الوفاء وسوء ذات البين! فقال: إن الحارث مقتول مصلوب، ~~وما الكرماني من ذلك ببعيد. ms1874 # فلما خرج نصر من مرو غلب عليها الكرماني، وخطب الناس فآمنهم، وهدم الدور ~~ونهب الأموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهم الكرماني به ثم تركه. # واعتزل بشر بن جرموز في خمسة آلاف وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب ~~العدل، فأما إذ كنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، وهؤلاء ~~يقاتلون عصبية، فلست مقاتلا معك، فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا من ~~يقاتلنا. # PageV04P349 # وأتى الحارث مسجد عياض وأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، ~~فأبى الكرماني، فانتقل الحارث عنه وأقاموا أياما. # ثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمة ودخل البلد، وأتى الكرماني ~~فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم، فانهزم الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكرهم ~~والحارث على بغل، فنزل عنه وركب فرسا وبقي في مائة، فقتل عند شجرة زيتون أو ~~غبيراء، وقتل أخوه سوادة وغيرهما. # وقيل: كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز، الذي ذكرنا ~~اعتزاله، ومعه الحارث بن سريج، فأقام الكرماني أياما بينه وبين عسكر بشر ~~فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل ~~إلى قتالهم فأنا أردهم عليك. فخرج في عشرة فوارس، فأتى عسكر بشر فأقام ~~معهم، وخرج المضرية أصحاب الحارث من عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع ~~الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله، فإنه قال: لم أر الحارث إلا ~~غادرا. وغير المهلب بن إياس فإنه قال: لم أر الحارث قط إلا في خيل تطرد، ~~فقاتلهم الكرماني مرارا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، مرة لهؤلاء ومرة ~~لهؤلاء. # ثم إن الحارث ارتحل بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها، وتبعه الكرماني فدخلها ~~أيضا، فقالت المضرية للحارث: تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مرة ~~فترجل. فقال: أنا لكم فارسا خير مني لكم راجلا. فقالوا: لا نرضى إلا أن ~~تترجل، وترجل فاقتتلوا هم والكرماني، فقتل الحارث وأخوه بشر بن جرموز وعدة ~~من فرسان تميم وانهزم الباقون وصفت مرو لليمن، فهدموا دور المضرية، فقال ~~نصر بن سيار للحارث حين قتل، شعر: ms1875 # يا مدخل الذل على قومه ... بعدا وسحقا لك من هالك # شؤمك أردى مضرا كلها ... وحز من قومك بالحارك # ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك # ولا بني سعد إذا ألجموا ... كل طمر لونه حالك # PageV04P350 # عمرو ومالك وسعد: بطون من تميم. وقيل: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن ~~صدقة، وقالت أم كثير الضبية، شعر: # لا بارك الله في أنثى وعذبها ... تزوجت مضريا آخر الدهر # أبلغ رجال تميم قول موجعة ... أحللتموها بدار الذل والفقر # إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر # إني استحيت لكم من بعد طاعتكم ... هذا المزوني يجبيكم على قهر # ذكر شيعة بني العباس # وفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن ~~بن مسلم، إلى خراسان، وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته ~~بأمري فاسمعوا له وأطيعوا، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. ~~فأتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه ~~أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره. فقال إبراهيم: قد عرضت هذا الأمر على ~~غير واحد وأبوه علي. # وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألي على اثنين أبدا. ثم عرضه ~~على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم ~~بالسمع والطاعة له، ثم قال له: إنك رجل منا أهل البيت، احفظ وصيتي، انظر ~~هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر ~~إلا بهم، فاتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل ~~من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما ~~غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن ~~كثير، ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني. # PageV04P351 # وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى. # ذكر قتل الضحاك الخارجي # قد ذكرنا محاصرة الضحاك بن قيس ms1876 الخارجي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~بواسط، فلما طال عليه الحصار أشير عليه بأن يدفعه عن نفسه إلى مروان، فأرسل ~~ابن عمر إليه: إن مقامكم علي ليس بشيء، هذا مروان فسر إليه فإن قاتلته فأنا ~~معك. فصالحه وخرج إليه وصلى خلفه، فانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر بواسط، ~~وكاتب أهل الموصل الضحاك ليقدم عليهم ليمكنوه منها، فسار في جماعة من جنوده ~~بعد عشرين شهرا حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ لمروان رجل من بني شيبان ~~يقال له القطران بن أكمه، ففتح أهل الموصل البلد، فدخله الضحاك وقاتلهم ~~القطران ومن معه من أهله وهم عدة يسيرة حتى قتلوا، واستولى الضحاك على ~~الموصل وكورها. # وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد ~~الله، وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير إلى نصيبين فيمن معه يمنع الضحاك ~~عن توسط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، وسار الضحاك إلى ~~نصيبين فحصر عبد الله فيها، وكان مع الضحاك ما يزيد على مائة ألف، ووجه ~~قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فقاتله من بها، ~~فوجه إليهم مروان من رحلهم عنها. # ثم إن مروان سار إلى الضحاك فالتقوا بنواحي كفرتوثا من أعمال ماردين ~~فقاتله يومه أجمع، فلما كان عند المساء ترجل الضحاك ومعه من ذوي الثبات ~~وأرباب البصائر نحو من ستة آلاف، ولم يعلم أكثر أهل عسكره بما كان، فأحدقت ~~بهم خيول مروان وألحوا عليهم في القتال حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من ~~بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة إلى عسكرهم، ولم يعلموا بقتل الضحاك، ولم ~~يعلم به مروان أيضا. وجاء بعض من عاينه إلى أصحابه فأخبرهم، فبكوا وناحوا ~~عليه، وخرج قائد من قواده إلى مروان فأخبره، فأرسل معه النيران والشمع ~~فطافوا عليه فوجدوه قتيلا وفي وجهه وفي رأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبروا، ~~فعرف عسكر الضحاك أنهم قد علموا بقتله، وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة ~~فطيف به فيها. # PageV04P352 # وقيل: إن الضحاك والخيبري ms1877 إنما قتلا سنة تسع وعشرين. # ذكر قتل الخيبري وولاية شيبان # ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري، وأقاموا يومئذ وغادوه ~~القتال من بعد الغد، وصافوه وصافهم، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك مع ~~الخيبري، وكان قبله مع الضحاك. وقد ذكرنا سبب قدومه. # وقيل: بل قدم على الضحاك وهو بنصيبين في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ~~ومواليه، فتزوج أخت شيبان الحروري الذي بويع بعد قتل الخيبري، فحمل الخيبري ~~على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة، فهزم مروان، وهو في القلب، ~~وخرج مروان من العسكر منهزما، ودخل الخيبري ومن معه عسكره ينادون بشعارهم ~~ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى خيمة مروان نفسه فقطعوا أطنابها، وجلس ~~الخيبري على فرشه. وميمنة مروان وعليها ابنه عبد الله ثابتة، وميسرته ~~ثابتة، وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي، فلما رأى أهل العسكر قلة من مع ~~الخيبري ثار إليه عبيدهم بعمد الخيم فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعا في خيمة ~~مروان وحولها. # وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزما، فانصرف إلى ~~عسكره ورد خيوله عن مواقعها وبات ليلته في عسكره، وانصرف أهل عسكر الخيبري ~~فولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصف ~~منذ يومئذ. # ذكر خبر أبي حمزة الخارجي مع طالب الحق # كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان أول ~~أمره أنه كان من الخوارج الإباضية، يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف ~~مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق ~~في آخر سنة ثمان وعشرين، فقال له: يا رجل أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى ~~حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومه. # PageV04P353 # فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، دعا إلى خلاف مروان ~~وآل مروان. وكان أبو حمزة اجتاز مرة بمعدن بني سليم، والعامل عليه كثير بن ~~عبد الله، فسمع كلام أبي حمزة فجلده أربعين سوطا، فلما ملك أبو حمزة ~~المدينة ms1878 وافتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهما ما كان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به من الخوارج ~~في قول. # وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مكة ~~والمدينة. # وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى ~~قضاء البصرة: ثمامة بن عبد الله بن أنس، وبخراسان: نصر بن سيار، والفتنة ~~بها قائمة. [الوفيات] # وفيها مات عاصم بن أبي النجود صاحب القراءات. ويعقوب بن عتبة بن المغيرة ~~بن الأخنس الثقفي المدني. وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي، وكان من غلاة ~~الشيعة يقول بالرجعة. وفيها مات محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي. # PageV04P354 # وجامع بن شداد. وأبو قبيل المعافري، واسمه حيي بن هانئ المضري، (قبيل: ~~بفتح القاف، وكسر الباء الموحدة) . # وسعيد بن مسروق الثوري والد سفيان، وكان ثقة في الحديث. # PageV04P355 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة] ### | 129 - # ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة # ذكر شيبان الحروري إلى أن قتل # وهو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري. # وكان سبب هلاكه أن الخوارج لما بايعوه بعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان، ~~وتفرق عن شيبان كثير من أصحاب الطمع، فبقي في نحو أربعين ألفا، فأشار عليهم ~~سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم، فارتحلوا وتبعهم ~~مروان حتى انتهوا إلى الموصل، فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسورا عليها من ~~عسكرهم إلى المدينة، فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، ~~وكان الخوارج قد نزلوا بالكار ومروان بخصة، وكان أهل الموصل يقاتلون مع ~~الخوارج، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم، وقيل تسعة أشهر. # وأتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام، ~~وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيرا، فقطع يديه وضرب عنقه، وعمه ينظر ~~إليه. # وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من ~~معه إلى العراق، وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي، ms1879 عائذة قريش، وهو ~~خليفة للخوارج بالعراق، فلقي ابن هبيرة بعين التمر، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~وانصرفت الخوارج (ثم اجتمعوا بالكوفة بالنخيلة، فهزمهم ابن هبيرة. ثم ~~اجتمعوا بالبصرة، فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة، فالتقوا ~~بالبصرة، فانهزمت الخوارج) وقتل عبيدة، # PageV04P356 # واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم همة بالعراق، واستولى ابن هبيرة ~~على العراق. # وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب على الماهين وعلى الجبل ~~أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجه نباتة بن حنظلة ~~إلى سليمان بن حبيب، وهو على كور الأهواز، فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى ~~نباتة داود بن حاتم، فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس وقتل ~~داود بن حاتم. # وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ~~ضبارة المري إليه، فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، فبلغ شيبان خبره ~~فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع، فلقوا عامرا بالسن فهزموه ومن معه، ~~فدخل السن وتحصن فيه، وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا ~~إلى السن، فكثر جمع عامر. # وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل بالأموال، فلما كثر من مع عامر ~~نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم، وقتل الجون، وسار ابن ضبارة مصعدا ~~إلى الموصل. # فلما انتهى خبر قتل الجون إلى شيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين ~~العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج، وقدم عامر على مروان بالموصل، فسيره ~~في جمع كثير في أثر شيبان، فإن أقام أقام، وإن سار سار، وأن لا يبدأه ~~بقتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتبعه. فكان ~~على ذلك حتى مر على الجبل، وخرج على بيضاء فارس وبها عبد الله بن معاوية بن ~~حبيب بن جعفر في جموع كثيرة، فلم يتهيأ الأمر بينهما، فسار حتى نزل جيرفت ~~من كرمان، فانهزم ابن معاوية فلحق بهراة، وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي ~~شيبان بجيرفت، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم، ms1880 ومضى ~~شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك في سنة ثلاثين ومائة. # وقيل: بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل مقدار شهر، ثم انهزم شيبان ~~حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه، وسار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان، ثم ~~خرج منها إلى # PageV04P357 # عمان، فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الأزدي سنة أربع وثلاثين ~~ومائة، (ونذكره هناك إن شاء الله تعالى) . وركب سليمان ومن معه من أهله ~~ومواليه السفن إلى السند. # ولما ولي السفاح الخلافة حضر عنده سليمان، فأكرمه وأعطاه يده فقبلها، ~~فلما رأى ذلك سديف مولى السفاح أقبل عليه وقال: لا يغرنك ما ترى من رجال إن ~~تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا # فأقبل عليه سليمان، وقال: قتلتني أيها الشيخ! وقام السفاح فدخل، فأخذ ~~سليمان فقتل. # وانصرف مروان (بعد مسير شيبان عن الموصل) إلى منزله بحران، فأقام بها حتى ~~سار إلى الزاب. # ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان # وفي هذه السنة شخص أبو مسلم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم الإمام، ~~وكان يختلف منه إلى خراسان ويعود إليه. # فلما كانت هذه السنة كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار ~~الناس، فسار نحوه في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسا من النقباء، فلما ~~صاروا بالدندانقان من أرض خراسان عرض له كامل أو [أبو كامل] ، فسأله عن ~~مقصده، فقال: الحج، ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه، ثم سار أبو مسلم إلى ~~نسا، وعاملها سليمان بن قيس السلمي لنصر بن سيار، فلما قرب منها أرسل الفضل ~~بن سليمان الطوسي إلى أسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه، فدخل قرية من ~~قرى نسا # PageV04P358 # فلقي رجلا من الشيعة فسأله عن أسيد، فانتهره وقال له: إنه كان في هذه ~~القرية شرا، سعى إلى العامل برجلين قيل إنهما داعيان، فأخذهما وأخذ الأحجم ~~بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد ومهاجر بن عثمان، فانصرف الفضل ~~إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكب الطريق، وأرسل طرخان الحمال يستدعي ms1881 أسيدا ومن ~~قدر عليه من الشيعة، فدعا له أسيدا، فأتاه، فسأله عن الأخبار، فقال: قدم ~~الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك، فخلفا الكتب عندي ~~وخرجا فأخذا، فلا أدري من سعى بهما. قال: فأين الكتب؟ فأتاه بها. # ثم سار حتى أتى قومس وعليها بيهس بن بديل العجلي، فأتاهم بيهس فقال: أين ~~تريدون؟ قالوا: الحج، وأتاه وهو بقومس كتاب إبراهيم الإمام إليه وإلى ~~سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه: إني قد بعثت إليك براية النصر، فارجع ~~من حيث لقيك كتابي، ووجه إلي قحطبة بما معك يوافني به في الموسم. # فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال ~~والعروض، فلما كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة فسألهم عن حالهم، ~~فقالوا: أردنا الحج فبلغنا عن الطريق شيء خفناه. فأمر المفضل بن الشرقي ~~السلمي بإزعاجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه، وأقام عندهم ~~حتى ارتحلوا على مهل. # فقدم أبو مسلم مرو فدفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير يأمره فيه بإظهار ~~الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني ~~العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم ~~والدعاء إليهم. # فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين ~~النقيب، ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون ~~بلخ، فأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان. وكان نزوله في هذه القرية في ~~شعبان، ووجه النضر بن صبيح التميمي وشريك بن غضي التميمي إلى مرو الروذ ~~بإظهار الدعوة في رمضان، ووجه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ~~ووجه أبا الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان ~~لخمس بقين منه، فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى والمكروه، فقد حل لهم أن ~~يدفعوا عن أنفسهم ويجردوا # PageV04P359 # السيوف ويجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم ms1882 ~~أن يظهروا بعد الوقت. # ثم تحول أبو مسلم من عند أبي الحكم، فنزل قرية سفيذنج، فنزل على سليمان ~~بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان، والكرماني وشيبان يقاتلان نصر بن ~~سيار، فبث أبو مسلم دعاته في الناس وأظهر أمره، فأتاه في ليلة واحدة أهل ~~ستين قرية، فلما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من السنة عقد اللواء ~~الذي بعث به الإمام الذي يدعى الظل على رمح طوله أربع عشرة ذراعا، وعقد ~~الراية التي بعث بها إليه، وهي التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاث عشرة ~~ذراعا، وهو يتلو: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم ~~لقدير} [الحج: 39] ، ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ~~ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران لليلتهم ~~لشيعتهم من سكان ربع خرقان، وكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا مغدين، ~~وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق على الأرض، وأن الأرض كما لا تخلو من ~~الظل، كذلك لا تخلو من خليفة عباسي إلى آخر الدهر. # وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة، فكان أول من قدم عليه أهل ~~التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ومن أهل هرمزفره ~~جماعة وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوباني في ألف ~~وثلاثمائة راجل وستة عشر فارسا، فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي. فجعل ~~أهل التقادم يكبرون من ناحيتهم، ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير، فدخلوا عسكر ~~أبي مسلم بسفيذنج بعد ظهوره بيومين. وحصن أبو مسلم حصن سفيذنج ورمه وسد ~~دروبها. # فلما حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ~~ونصب له منبرا بالعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا ~~إقامة، وكان بنو أمية يبدءون بالخطبة قبل الصلاة وبالأذان والإقامة، وأمر ~~أبو مسلم أيضا سليمان بن كثير بست تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ~~ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتح ~~الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن. # وكان ms1883 بنو أمية يكبرون في الأولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث ~~تكبيرات. # PageV04P360 # فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعده لهم، ~~فأكلوا مستبشرين. # وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار كتابا يكتب للأمير ~~نصر، فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه بدأ بنفسه، فكتب إلى نصر: أما بعد ~~فإن الله تباركت أسماؤه عير أقواما في القرآن فقال: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا - استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا} [فاطر: 42 - 43] . فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه ~~وقال: هذا كتاب ما له جواب. # وكان من الأحداث وأبو مسلم بسفيذنج أن نصرا وجه مولى له يقال له يزيد ~~لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره، فوجه إليه أبو مسلم مالك ~~بن الهيثم الخزاعي، فالتقوا بقرية ألين، فدعاهم مالك إلى الرضاء من آل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فاستكبروا عن ذلك، فقاتلهم مالك، وهو في نحو ~~مائتين، من أول النهار إلى العصر، وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي ~~وإبراهيم بن زيد وزياد بن عيسى، فسيرهم إلى مالك، فقوي بهم، وكان قدومهم ~~إليه مع العصر، فقال مولى نصر: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم أمدادهم، ~~فاحملوا على القوم. فحملوا عليهم، واشتد القتال، فحمل عبد الله الطائي على ~~مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه، فأرسل الطائي بأسيره إلى أبي مسلم ومعه رءوس ~~القتلى، فنصب الرءوس، وأحسن إلى يزيد مولى نصر، وعالجه حتى اندملت جراحه، ~~وقال له: إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك ~~سالما، وأعطنا عهد الله أنك لا تحاربنا، ولا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما ~~رأيت. فرجع إلى مولاه. وقال أبو مسلم: إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح ms1884 ~~فما نحن عندهم على الإسلام، وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان ~~واستحلال الدماء والأموال والفروج. # فلما قدم يزيد على نصر قال: لا مرحبا! فوالله ما استبقاك القوم إلا ~~ليتخذوك حجة # PageV04P361 # علينا. فقال يزيد: هو والله ما ظننت، وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم، ~~وأنا أقول: إنهم والله يصلون الصلاة لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون ~~القرآن، ويذكرون الله كثيرا، ويدعون إلى ولاية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وما أحسب أمرهم إلا سيعلو، ولولا أنك مولاي لما رجعت إليك ولأقمت ~~معهم. فهذه أول حرب كانت بينهم. # وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار. # وكان سبب ذلك أنه لما أراد الخروج بمرو الروذ، وهو من شيعة بني العباس، ~~منعه بنو تميم، فقال: إنما أنا رجل منكم أريد أن أغلب على مرو، فإن ظفرت ~~فهي لكم، وإن قتلت فقد كفيتم أمري. فكفوا عنه، فعسكر بقرية يقال لها كنج ~~رستاق، وقدم عليه من عند أبي مسلم النضر بن صبيح، فلما أمسى خازم بيت أهل ~~مرو فقتل بشر بن جعفر السعدي عامل نصر بن سيار عليها في أول ذي القعدة، ~~وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم. # وقد قيل في أمر أبي مسلم غير ما ذكرنا، والذي قيل: إن إبراهيم الإمام زوج ~~أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم وساق عنه صداقها، وكتب إلى ~~النقباء بالسمع والطاعة، وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من سواد الكوفة، وكان ~~قهرمانا لإدريس بن معقل العجلي، فصار أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن علي، ثم ~~لابنه إبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من ولد محمد، فقدم خراسان وهو حديث السن، ~~فلم يقبله سليمان بن كثير وخاف أن لا يقوى على أمرهم فرده. # وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا خلف نهر بلخ، فلما رجع إلى مرو ~~أقرءوه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن أبي مسلم، فأخبروه أن سليمان بن كثير ~~رده، فجمع النقباء وقال لهم: أتاكم كتاب الإمام فيمن ms1885 بعثه إليكم فرددتموه، ~~فما حجتكم؟ فقال سليمان: حداثة سنه وتخوفا أن لا يقدر على هذا الأمر، فخفنا ~~على من دعونا وعلى أنفسنا. فقال أبو داود: هل فيكم أحد ينكر أن الله تعالى ~~بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، واصطفاه وبعثه إلى جميع # PageV04P362 # خلقه؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه ~~وشرائعه وأنباؤه، وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده؟ قالوا: لا. قال: ~~أفتشكون أن الله قبضه إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا. ~~قال: أفتظنون أن العلم الذي أنزل إليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه. ~~قال: أفتظنون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا. ~~قال: أفتشكون أن أهل هذا البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الذي علمه الله؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأراكم قد شككتم ~~في أمركم، ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذي ينبغي له ~~أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم. وهو لا يتهم في نصرتهم وموالاتهم والقيام ~~بحقهم. # فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود وولوه أمرهم وأطاعوه، ~~فلم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود. # وبث الدعاة في أقطار خراسان، فدخل الناس أفواجا وكثروا، وفشت الدعاة ~~بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام أن يوافيه في موسم سنة تسع وعشرين ~~ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما ~~اجتمع عنده من الأموال. ففعل ذلك وسار في جماعة من النقباء والشيعة، فلقيه ~~كتاب الإمام يأمره بالرجوع إلى خراسان وإظهار الدعوة بها، وذكر قريبا مما ~~تقدم من تسيير المال مع قحطبة، وأن قحطبة سار فنزل بنواحي جرجان، فاستدعى ~~خالد بن برمك وأبا عون، فقدما عليه ومعهما ما اجتمع عندهما من مال الشيعة، ~~فأخذ منهما وسار نحو إبراهيم الإمام. # ذكر مقتل الكرماني # قد ذكرنا مقتل الحارث بن سريج وأن الكرماني قتله، ولما قتله ms1886 خلصت له مرو، ~~وتنحى نصر عنها، فأرسل نصر إليه سالم بن أحوز في رابطته وفرسانه، فوجد يحيى ~~بن نعيم الشيباني واقفا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنى في سبعمائة ~~من فرسان الأزد، وابن الحسن بن الشيخ في ألف من فتيانهم، والجرمي السعدي في ~~ألف من أبناء اليمن. فقال سالم لمحمد بن المثنى: يا محمد قل لهذا الملاح ~~ليخرج إلينا، يعني الكرماني. فقال محمد: يا ابن الفاعلة لأبي علي تقول هذا! ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم سالم بن أحوز وقتل من أصحابه زيادة على مائة، ~~ومن أصحاب الكرماني زيادة على عشرين. # فلما قدم أصحاب نصر عليه منهزمين قال له عصمة بن عبد الله الأسدي: يا نصر # PageV04P363 # شأمت العرب! فأما إذ فعلت ما فعلت فشمر عن ساق. فوجه عصمة في جمع، فوقف ~~موقف سالم فنادى: يا محمد بن المثنى! لتعلمن أن السمك لا يأكل اللخم، ~~واللخم دابة من دواب الماء تشبه السبع يأكل السمك. فقال له محمد: يابن ~~الفاعلة قف لنا إذا، وأمر محمد السعدي، فخرج إليه في أهل اليمن فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، وانهزم عصمة حتى أتى نصرا وقد قتل من أصحابه أربعمائة. # ثم أرسل نصر مالك بن عمرو التميمي في أصحابه، فنادى: يابن المثنى ابرز ~~إلي! فبرز إليه، فضربه مالك على حبل عاتقه فلم يصنع شيئا، وضربه محمد بعمود ~~فشدخ رأسه، والتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم أصحاب نصر وقد قتل ~~منهم سبعمائة، ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة، ولم يزل الشر بينهم حتى خرجوا ~~إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا. # فلما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه، وأنه لا مدد لهم، ~~جعل يكتب إلى شيبان ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على مضر فإنهم سيأخذون ~~كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرءون فيها: إني رأيت [أهل] اليمن لا وفاء لهم ولا ~~خير فيهم، فلا تثقن بهم ولا تطمئنن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في ~~اليمانية ما تحب، ولئن بقيت لا أدع لها شعرا ولا ظفرا. ويرسل رسولا آخر ~~بكتاب فيه ذكر مضر ms1887 بمثل ذلك، ويأمر الرسول أن يجعل طريقه على اليمانية، حتى ~~صار هوى الفريقين معه، ثم جعل يكتب إلى نصر بن سيار وإلى الكرماني: إن ~~الإمام أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم. وكتب إلى الكور بإظهار الأمر، فكان ~~أول من سود أسيد بن عبد الله الخزاعي بنسا، ومقاتل بن حكيم، وابن غزوان، ~~ونادوا: يا محمد! يا منصور! وسود أهل أبيورد وأهل مرو الروذ وقرى مرو. # وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق الكرماني وخندق نصر، وهابه الفريقان، ~~وبعث إلى الكرماني: إني معك. فقبل ذلك الكرماني، فانضم أبو مسلم إليه، ~~فاشتد ذلك على نصر بن سيار، فأرسل إلى الكرماني: ويحك لا تغتر! فوالله إني ~~لخائف عليك وعلى أصحابك منه، فادخل مرو ونكتب كتابا بيننا بالصلح. وهو يريد ~~أن يفرق بينه وبين أبي # PageV04P364 # مسلم. فدخل الكرماني منزله، وأقام أبو مسلم في العسكر، وخرج الكرماني حتى ~~وقف في الرحبة في مائة فارس وعليه قرطق، وأرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ~~ذلك الكتاب. فأبصر منه غرة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ~~ثلاثمائة فارس في الرحبة، فالتقوا بها طويلا، ثم إن الكرماني طعن في خاصرته ~~فخر عن دابته وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر بن سيار ~~الكرماني وصلبه وصلب معه سمكة. # وأقبل ابنه علي وقد جمع جمعا كثيرا، فصار إلى أبي مسلم واستصحبه معه ~~فقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، ~~وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، وأتاه علي بن الكرماني وأعلمه أنه معه وسلم ~~عليه بالإمرة وقال له: مرني بأمرك فإني مساعدك على ما تريد. فقال: أقم على ~~ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. ولما نزل أبو مسلم بين خندق الكرماني ونصر، ~~ورأى نصر قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من ~~معه، فإنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر: # أرى بين الرماد وميض نار ... وأخشى أن يكون له ضرام # فإن النار ms1888 بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدؤها كلام # فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام # فكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك. ~~فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. فكتب إلى يزيد بن عمر بن ~~هبيرة يستمده، وكتب له بأبيات شعر: # PageV04P365 # أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تيقنت أن لا خير في الكذب # أن خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب # فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب # ألا تدارك بخيل الله معلمة ... ألهبن نيران حرب أيما لهب # فقال يزيد: لا تكثر فليس له عندي رجل. # فلما قرأ مروان كتاب نصر تصادف وصول كتابه وصول رسول لأبي مسلم إلى ~~إبراهيم، وقد عاد من عند إبراهيم ومعه جواب أبي مسلم يلعنه إبراهيم ويسبه ~~حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكناه، ويأمره أن لا يدع بخراسان ~~متكلما بالعربية إلا قتله. فلما قرأ الكتاب كتب إلى عامله بالبلقاء ليسير ~~إلى الحميمة وليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ويبعث به إليه، ففعل ذلك، ~~فأخذه مروان وحبسه. # ذكر تعاقد أهل خراسان على أبي مسلم # وفي هذه السنة تعاقدت عامة قبائل العرب بخراسان على قتال أبي مسلم، وفيها ~~تحول أبو مسلم من معسكره بسفيذنج إلى الماخوان. # وكان سبب ذلك أن أبا مسلم لما ظهر أمره سارع إليه الناس، وجعل أهل مرو ~~يأتونه ولا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم، وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر ~~أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان، وأبو مسلم في خباء ليس له حرس ولا حجاب، ~~وعظم أمره عند الناس وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم له حلم ووقار وسكينة. ~~فانطلق فتية من أهل مرو نساك يطلبون الفقه إلى أبي مسلم فسألوه عن نسبه، ~~فقال: خيري خير لكم من نسبي، وسألوه أشياء من الفقه فقال: أمركم بالمعروف ~~ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا، ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسألتكم ~~فاعفونا. فقالوا: ما ms1889 نعرف لك نسبا ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل، وما ~~بينك وبين ذلك إلا أن يتفرغ أحد هذين الأميرين. # PageV04P366 # فقال أبو مسلم: أنا أقتلهما إن شاء الله. فأتوا نصرا فأخبروه، فقال: ~~جزاكم الله خيرا، مثلكم من يفتقد هذا ويعرفه. وأتوا شيبان فأعلموه فأرسل ~~إليه نصر: إنا قد أشجى بعضنا بعضا، فاكفف عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعني ~~إلى حربه حتى أقتله أو أنفيه ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه. فهم شيبان ~~أن يفعل ذلك، فأتى الخبر أبا مسلم، فكتب إلى علي بن الكرماني: إنك موتور ~~قتل أبوك، ونحن نعلم أنك لست على رأي شيبان، وإنما تقاتل لثأرك. فامتنع ~~شيبان من صلح نصر. فدخل على شيبان فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك ~~لمغرور، والله ليتفاقمن هذا الأمر حتى يستصغرني في جنبه كل كبير، وقال شعرا ~~يخاطب به ربيعة واليمن ويحثهم على الاتفاق معه على حرب أبي مسلم: # أبلغ ربيعة في مرو وفي يمن ... أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب # ما بالكم تنشبون الحرب بينكم ... كأن أهل الحجى عن رأيكم غيب # وتتركون عدوا قد أحاط بكم ... ممن تأشب لا دين ولا حسب # لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم ... ولا صريح موال إن هم نسبوا # من كان يسألني عن أصل دينهم ... فإن دينهم أن تهلك العرب # قوم يقولون قولا ما سمعت به ... عن النبي ولا جاءت به الكتب # PageV04P367 # فبينا هم كذلك إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى ~~بن عقيل بن معقل الليثي، فطرده عنها، فقدم على نصر منهزما وغلب النضر على ~~هراة. # فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني لابن الكرماني وشيبان: اختاروا إما ~~أنكم تهلكون أنتم قبل مضر، أو مضر قبلكم. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إن هذا ~~الرجل إنما ظهر أمره منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم. قالوا: فما ~~الرأي؟ قال: صالحوا نصرا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم لأن الأمر ~~في مضر، وإن لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم، ms1890 فقدموا مضر قبلكم ولو ساعة ~~من نهار فتقر أعينكم بقتلهم. # فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة، فأجابه وأرسل سالم بن أحوز ~~بكتاب الموادعة، فأتى شيبان وعنده ابن الكرماني ويحيى بن نعيم، فقال سالم ~~لابن الكرماني: يا أعور! ما أخلقك أن تكون الأعور الذي يكون هلاك مضر على ~~يده! ثم توادعوا سنة وكتبوا كتابا. # فبلغ ذلك أبا مسلم فكتب إلى شيبان: إنا نوادعك أشهرا فوادعنا ثلاثة أشهر. ~~فقال ابن الكرماني: إني ما صالحت نصرا إنما صالحه شيبان، وأنا لذلك كاره، ~~وأنا موتور بقتله أبي ولا أدع قتاله. فعاود القتال، ولم يعنه شيبان وقال: ~~لا يحل الغدر. # فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره، فأقبل حتى نزل الماخوان، وكان ~~مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوما، ولما نزل الماخوان حفر بها خندقا وجعل ~~للخندق بابين فعسكر به، واستعمل على الشرط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى ~~الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر أبا صالح، ~~وعلى الرسائل أسلم بن صبيح، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب، وكان ~~القاسم يصلي بأبي مسلم فيقص القصص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب ~~بني أمية. # ولما نزل أبو مسلم الماخوان أرسل إلى ابن الكرماني: إني معك على نصر. ~~فقال ابن الكرماني: إني أحب أن يلقاني أبو مسلم. فأتاه أبو مسلم فأقام عنده ~~يومين ثم رجع إلى الماخوان، وذلك لخمس خلون من المحرم سنة ثلاثين ومائة. # وكان أول عامل استعمله أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرار، فرد أبو ~~مسلم العبيد عنه واحتفر لهم خندقا في قرية شوال، وولى الخندق داود بن كرار، # PageV04P368 # فلما اجتمعت للعبيد جماعة وجههم إلى موسى بن كعب بأبيورد. # وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض الجند ويكتب أسماءهم وأسماء آبائهم ~~ونسبتهم إلى القرى، ويجعل ذلك في دفتر، فبلغت عدتهم سبعة آلاف رجل. # ثم إن القبائل من مضر وربيعة واليمن توادعوا على وضع الحرب، وأن تجتمع ~~كلمتهم على [محاربة] أبي مسلم. وبلغ أبا مسلم الخبر ms1891 فعظم عليه وناظر، فإذا ~~الماخوان سافلة الماء، فتخوف أن يقطع نصر عنه الماء فتحول إلى ألين، وكان ~~مقامه بالماخوان أربعة أشهر، فنزل ألين وخندق بها. # وعسكر نصر بن سيار على نهر عياض، وجعل عاصم بن عمرو ببلاشجرد، وأبا ~~الذيال بطوسان، فأنزل أبو الذيال جنده على أهلها، وكان عامة أهلها مع أبي ~~مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهم، وسير إليهم أبو مسلم جندا، فلقوا ~~أبا الذيال فهزموه وأسروا من أصحابه نحوا من ثلاثين رجلا، فكساهم أبو مسلم ~~وداوى جراحهم وأطلقهم. # ولما استقر بأبي مسلم معسكره بالين أمر محرز بن إبراهيم أن يسير في جماعة ~~ويخندق بجيرنج، ويجتمع عنده جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مرو الروذ ~~وبلخ وطخارستان، ففعل ذلك، واجتمع عنده نحو من ألف رجل، فقطع المادة عن ~~نصر. # ذكر غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وقتله # وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على فارس ~~وكورها، وقد تقدم ذكر ظهوره بالكوفة وانهزامه وخروجه من الكوفة نحو ~~المدائن. # فلما وصل إليها أتاه ناس من أهل الكوفة وغيرها، فسار إلى الجبال وغلب ~~عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة وأقام ~~بأصبهان. # وكان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس، فجاء إلى دار ~~الإمارة بإصطخر فطرد عامل ابن عمر عنها، وبايع الناس لعبد الله بن معاوية، ~~وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليها، وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام، ~~فسار إلى مسلم بن # PageV04P369 # المسيب، وهو عامل ابن عمر بشيراز، فقتله في سنة ثمان وعشرين، ثم خرج ~~محارب إلى أصبهان إلى عبد الله بن معاوية فحوله إلى إصطخر، فأقام بها، ~~وأتاه الناس بنو هاشم وغيرهم، وجبا المال وبعث العمال، وكان معه منصور بن ~~جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي، ~~على ما تقدم، وأتاه أبو جعفر المنصور، وأتاه عبد الله وعيسى ابنا علي بن ~~عبد الله بن عباس. # ولما قدم ابن هبيرة ms1892 على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله ~~بن معاوية، وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نباتة على الأهواز ~~فسرح داود بن حاتم، فأقام بكرخ دينار يمنع نباتة من الأهواز، فقاتله فقتل ~~داود وهرب سليمان من الأهواز إلى سابور، وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، ~~فقاتلهم سليمان وطردهم عن سابور، وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة. # ثم إن محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه، وجمع جمعا فأتى ~~سابور فقاتله يزيد بن معاوية أخو عبد الله، فانهزم محارب وأتى كرمان فأقام ~~بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه، ثم نافره فقتله ابن الأشعث وأربعة ~~وعشرين ابنا له، ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضبارة مع ~~داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وسير ابن هبيرة أيضا معن بن زائدة من وجه ~~آخر، فقاتلهم معن عند مرو شاذان، ومعن يقول: # ليس أمير القوم بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع # وانهزم ابن معاوية فكف معن عنهم، وقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، ~~وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان، وأسروا أسرى كثيرة، فقتل ~~ابن ضبارة منهم عدة كثيرة، وهرب منصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن ~~يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر، وبعث ببقية ~~الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم، ومضى ابن معاوية إلى خراسان. فسار معن بن ~~زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم يدركه، فرجع. # وكان مع ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير، فأسر منهم أربعون ألفا، ~~فيهم: عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فسبه ابن ضبارة وقال له: ما ~~جاء بك إلى # PageV04P370 # ابن معاوية وقد عرفت خلافه لأمير المؤمنين؟ فقال: كان علي دين فأديته. ~~فشفع فيه حرب بن قطن الهلالي وقال: هو ابن أختنا، فوهبه له. # فعاب عبد الله بن علي عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط، فسيره ابن ~~ضبارة إلى ابن هبيرة ليخبره ms1893 أخبار ابن معاوية، وسار في طلب عبد الله بن ~~معاوية إلى شيراز فحصره، فخرج عبد الله بن معاوية منها هاربا ومعه أخواه ~~الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه، وسلك المفازة على كرمان، وقصد ~~خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه يدعو إلى الرضاء من آل محمد وقد استولى على ~~خراسان، فوصل إلى نواحي هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، فأرسل ~~إلى ابن معاوية يسأله عن قدومه، فقال: بلغني أنكم تدعون إلى الرضاء من آل ~~محمد فأتيتكم. فأرسل إليه مالك: انتسب نعرفك. فانتسب له، فقال: أما عبد ~~الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما معاوية فلا ~~نعرفه في أسمائهم، فقال: إن جدي كان عند معاوية لما ولد له أبي، فطلب إليه ~~أن يسمي ابنه باسمه ففعل، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم. فأرسل إليه ~~مالك: لقد اشتريتم الاسم الخبيث بالثمن اليسير ولا نرى لك حقا فيما تدعو ~~إليه. ثم أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره، فأمره بالقبض عليه وعلى من معه، ~~فقبض عليهم وحبسهم، ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ~~ابني معاوية وقتل عبد الله بن معاوية، فأمر من وضع فراشا على وجهه فمات، ~~وأخرج فصلي عليه ودفن، وقبره بهراة معروف يزار، رحمه الله. # ذكر أبي حمزة الخارجي وطالب الحق # وفي هذه السنة قدم أبو حمزة وبلج بن عقبة الأزدي الخارجي من الحج من قبل ~~عبد الله بن يحيى الحضرمي طالب الحق، محكما للخلاف على مروان بن محمد، ~~فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رءوس ~~الرماح وهم سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم ~~بخلافهم مروان وآل مروان. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو ~~يومئذ على مكة والمدينة، وطلب منهم الهدنة، فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه ~~أشح. فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر ~~الأخير، فوقفوا بعرفة على حدة. # PageV04P371 # فدفع الناس عبد الواحد ms1894 فنزل بمنى في منزل السلطان، ونزل أبو حمزة بقرن ~~الثعالب. فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخارجي عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن محمد بن ~~أبي بكر، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ، ~~فتقدمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، ~~فعبس في وجوههما وأظهر الكراهة لهما ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد ~~الله بن عمر فانتسبا له، فهش إليهما وتبسم في وجوههما وقال: والله ما خرجنا ~~لنسير بسيرة أبويكما. فقال له عبد الله بن الحسن: والله ما خرجنا لتفضل بين ~~آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبركها. # فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: معاذ الله أن ننقض العهد أو ~~نخيس به، لا والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي الهدنة بيننا ~~وبينكم. فرجعوا إلى عبد الواحد فأبلغوه. فلما كان النفر الأول نفر عبد ~~الواحد فيه وخلى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال، فقال بعضهم في عبد ~~الواحد: # زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر عبد الواحد # ترك الحلائل والإمارة هاربا ... ومضى يخبط كالبعير الشارد # ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فضرب على أهلها البعث، وزادهم في ~~العطاء عشرة عشرة، واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، ~~فخرجوا، فلما كانوا بالحرة تلقتهم جزر منحورة فمضوا. # ذكر ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس # وفي هذه السنة توفي ثوابة بن سلامة أمير الأندلس، وكانت ولايته سنتين # PageV04P372 # وشهورا، فلما توفي اختلف الناس، فالمضرية أرادت أن يكون الأمير منهم، ~~واليمانية أرادت كذلك أن يكون الأمير منهم، فبقوا بغير أمير، فخاف الصميل ~~الفتنة فأشار بأن يكون الوالي من قريش، فرضوا كلهم بذلك، فاختار لهم يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري، وكان ms1895 يومئذ بإلبيرة، فكتبوا إليه بما اجتمع عليه ~~الناس من تأميره، فامتنع. فقالوا له: إن لم تفعل وقعت الفتنة، ويكون إثم ~~ذلك عليك. فأجاب حينئذ وسار إلى قرطبة فدخلها وأطاعه الناس. # فلما انتهى إلى أبي الخطار موت ثوابة وولاية يوسف قال: إنما أراد الصميل ~~أن يصير الأمر إلى مضر، وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر. # فلما رأى يوسف ذلك فارق قصر الإمارة بقرطبة وعاد إلى منزله، وسار أبو ~~الخطار إلى شقندة، فاجتمعت إليه اليمانية، واجتمعت المضرية وتزاحفوا ~~واقتتلوا أياما كثيرة (قتالا لم يكن بالأندلس أعظم منه، ثم أجلت الحرب عن ~~هزيمة اليمانية) ، ومضى أبو الخطار منهزما فاستتر في رحى كانت للصميل، فدل ~~عليه، فأخذه الصميل وقتله، ورجع يوسف بن عبد الرحمن إلى القصر، وازداد ~~الصميل شرفا، وكان اسم الإمارة ليوسف والحكم إلى الصميل. # ثم خرج على يوسف بن عبد الرحمن بن علقمة اللخمي بمدينة أربونة، فلم يلبث ~~إلا قليلا حتى قتل وحمل رأسه إلى يوسف. # وخرج عليه عذرة المعروف بالذمي، فإنما قيل له ذلك لأنه استعان بأهل ~~الذمة، فوجه إليه يوسف عامر بن عمرو، وهو الذي تنسب إليه مقبرة عامر من ~~(أبواب قرطبة) ، فلم يظفر به وعاد مفلولا، فسار إليه يوسف بن عبد الرحمن ~~فقاتله فقتله واستباح عسكره. # وقد وردت هذه الحادثة من جهة أخرى وفيها بعض الخلاف، وسنذكرها سنة تسع ~~وثلاثين ومائة عند دخول عبد الرحمن الأموي الأندلس. # PageV04P373 # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس عبد الواحد، وهو كان العامل على مكة والمدينة والطائف. # وكان على العراق يزيد [بن عمر] بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة: الحجاج بن ~~عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة: عباد بن منصور، وكان على خراسان: نصر بن ~~سيار والفتنة بها. # [الوفيات] # وفيها مات سالم أبو النضر. وفيها مات يحيى بن يعمر العدوي بخراسان، وكان ~~قد تعلم النحو من أبي الأسود الدؤلي، وكان من فصحاء التابعين. وفيها مات ~~أبو الزناد عبد الله بن ذكوان. وفيها مات وهب بن كيسان، ويحيى بن أبي كثير ~~اليمامي أبو نصر، وسعيد ms1896 بن أبي صالح. وأبو إسحاق الشيباني. # PageV04P374 # والحارث بن عبد الرحمن، ورقبة بن مصقلة الكوفي. ومنصور بن زاذان مولى عبد ~~الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، وشهد جنازته المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ~~لاتفاقهم على صلاحه، وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين. # PageV04P375 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة] ### | 130 - # ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة # ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها # وفي هذه السنة دخل أبو مسلم مدينة مرو في ربيع الآخر، وقيل في جمادى ~~الأولى. # وكان السبب في ذلك اتفاق ابن الكرماني معه. إن ابن الكرماني ومن معه ~~وسائر القبائل بخراسان لما عاقدوا نصرا على أبي مسلم عظم عليه وجمع أصحابه ~~لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرماني، فقال له سليمان: إن أبا ~~مسلم يقول لك: أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس أباك وصلبه؟ وما كنت ~~أحسبك تجامع نصرا في مسجد تصليان فيه! فأحفظه هذا الكلام، فرجع عن رأيه ~~وانتقض صلح العرب. # فلما انتقض صلحهم بعث نصر إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث ~~أصحاب ابن الكرماني، وهم ربيعة واليمن، إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فراسلوه ~~بذلك أياما، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ~~ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة واليمن، فإن الشيطان في مضر، ~~وهم أصحاب مروان وعماله وقتلة يحيى بن زيد. # فقدم الوفدان، فجلس أبو مسلم وأجلسهم وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا ~~فقال لهم ليختاروا أحد الفريقين. فقام سليمان بن كثير من الشيعة، فتكلم ~~وكان خطيبا مفوها، فاختار ابن الكرماني وأصحابه، ثم قام أبو منصور طلحة بن ~~زريق النقيب فاختارهم أيضا، ثم قام مرثد بن شقيق السلمي فقال: إن مضر قتلة ~~آل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعوان بني أمية، وشيعة مروان الجعدي ~~وعماله، ودماؤنا في أعناقهم وأموالنا في أيديهم، ونصر بن سيار عامل مروان ~~ينفذ أموره ويدعو له على منبره ويسميه أمير المؤمنين، ونحن نبرأ إلى الله - ~~عز وجل - من أن يكون نصر على هدى، وقد اخترنا ms1897 علي بن # PageV04P376 # الكرماني وأصحابه. فقال السبعون: القول ما قال مرثد بن شقيق. فنهض وفد ~~نصر عليهم الكآبة والذلة، ورجع وفد ابن الكرماني منصورين. ورجع أبو مسلم من ~~الين إلى الماخوان وأمر الشيعة أن يبنوا المساكن فقد أغناهم الله من اجتماع ~~كلمة العرب عليهم. # ثم أرسل إلى [أبي مسلم] علي بن الكرماني ليدخل مدينة مرو من ناحيته، ~~وليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم: إني لست آمن أن ~~تجتمع يدك ويد نصر على محاربتي، ولكن ادخل أنت فأنشب الحرب مع أصحاب نصر. # فدخل ابن الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم شبل بن طهمان النقيب في ~~خيل فدخلوها، ونزل شبل بقصر بخاراخذاه، وبعث إلى أبي مسلم ليدخل إليهم، ~~فسار من الماخوان وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك ~~بن الهيثم الخزاعي، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميمي. فدخل مرو ~~والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله - عز وجل: {ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا ~~من عدوه} [القصص: 15] الآية. # ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، وأرسل إلى الفريقين أن كفوا ولينصرف كل ~~فريق إلى عسكره، ففعلوا وصفت مرو لأبي مسلم، فأمر بأخذ البيعة من الجند، ~~وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق، وكان أحد النقباء عالما بحجج ~~الهاشمية ومعايب الأموية. وكان النقباء اثني عشر رجلا، اختارهم محمد بن علي ~~من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ~~ومائة أو أربع ومائة، ووصف له من العدل صفة، وكان منهم من خزاعة: سليمان بن ~~كثير، ومالك بن الهيثم، وزياد بن صالح، وطلحة بن رزيق، وعمرو بن أعين، ومن ~~طيئ: قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان، ومن تميم: موسى بن كعب أبو عيينة، ~~ولاهز بن قريظ، والقاسم بن مجاشع، وأسلم بن سلام، ومن بكر بن وائل: أبو ~~داود بن إبراهيم الشيباني، وأبو علي الهروي، ويقال شبل بن طهمان مكان عمرو ~~بن أعين، ms1898 وعيسى بن كعب، وأبو النجم إسماعيل بن عمران مكان أبي علي الهروي، ~~وهو ختن أبي مسلم، ولم يكن في النقباء أحد والده حي غير أبي منصور طلحة بن ~~رزيق بن سعد، وهو أبو زينب الخزاعي، وكان قد شهد حرب ابن الأشعث، وصحب ~~المهلب وغزا معه، وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور ويسأله عنها وعما شهد من ~~الحروب. # PageV04P377 # وكانت البيعة: أبايعكم [على] كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليكم بذلك ~~عهد الله وميثاقه، والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا ~~تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبتدئكم به ولاتكم. # (رزيق بتقديم الراء على الزاي) . # ذكر هرب نصر بن سيار من مرو # ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ في جماعة إلى نصر بن سيار يدعوه إلى كتاب ~~الله - عز وجل - والرضاء من آل محمد، فلما رأى ما جاءه من اليمانية ~~والربيعية والعجم، وأنه لا طاقة له بهم أظهر قبول ما أتاه به، وأنه يأتيه ~~ويبايعه، وجعل يربثهم لما هم [به] من الغدر والهرب، إلى أن أمسوا، وأمر ~~أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه، فقال له سالم بن أحوز: لا ~~يتهيأ لنا الخروج (الليلة ولكننا نخرج) القابلة. # فلما كان الغد عبأ أبو مسلم أصحابه وكتائبه إلى بعد الظهر، وأعاد إلى نصر ~~لاهز بن قريظ وجماعة معه، فدخلوا على نصر. فقال: ما أسرع ما عدتم! فقال له ~~لاهز بن قريظ: لا بد لك من ذلك. فقال نصر: إذا كان لا بد من ذلك فإني أتوضأ ~~وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم، فإن كان هذا رأيه وأمره أتيته، وأتهيأ إلى ~~أن يجيء رسولي. فقام نصر، فلما قام قرأ لاهز بن قريظ: {إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين} [القصص: 20] . فدخل نصر منزله، وأعلمهم ~~أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم. فلما جنه الليل خرج من خلف حجرته ~~ومعه تميم ابنه والحكم بن ms1899 نميلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرابا، ~~فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب. # فلما بلغ أبا مسلم سار إلى معسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم ~~فكتفهم، وكان فيهم سالم بن أحوز صاحب شرطة نصر، والبختري كاتبه، وابنان له، ~~ويونس بن عبدويه، ومحمد بن قطن، ومجاهد بن يحيى بن حضين، وغيرهم، فاستوثق ~~منهم بالحديد، وكانوا في الحبس عنده، وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلب ~~نصر ليلتهما، فأدركا امرأته قد خلفها وسار، فرجع أبو مسلم وابن الكرماني ~~إلى مرو، # PageV04P378 # وسار نصر إلى سرخس، واجتمع معه ثلاثة آلاف رجل، ولما رجع أبو مسلم سأل من ~~كان أرسله إلى نصر: ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب؟ قالوا: لا ندري. قال: ~~فهل تكلم أحد منكم بشيء؟ قالوا: تلا لاهز هذه الآية: {إن الملأ يأتمرون بك} ~~[القصص: 20] . قال: هذا الذي دعاه إلى الهرب. ثم قال: يا لاهز تدغل في ~~الدين! ثم قتله. # واستشار أبو مسلم أبا طلحة في أصحاب نصر فقال: اجعل سوطك السيف وسجنك ~~القبر. فقتلهم أبو مسلم، وكان عدتهم أربعة وعشرين رجلا. # وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها خمسة عشر يوما، وبسرخس ~~يوما، ثم سار إلى نيسابور فأقام بها، ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم، ~~وتابعه على رأي وعاقده عليه. # (يحيى بن حضين: بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وآخره نون) . # ذكر قتل شيبان الحروري # وفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمة الحروري. # وكان سبب قتله أنه كان هو وعلي بن الكرماني مجتمعين على قتال نصر لمخالفة ~~شيبان نصرا لأنه من عمال مروان، وشيبان يرى رأي الخوارج، ومخالفة ابن ~~الكرماني نصرا لأن نصرا قتل أباه الكرماني، وأن نصرا مضري وابن الكرماني ~~يماني، وبين الفريقين من العصبية ما هو مشهور، فلما صالح ابن الكرماني أبا ~~مسلم على ما تقدم وفارق شيبان تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا يقوى ~~لحربهما، وقد هرب نصر إلى سرخس. # ولما استقام الأمر لأبي مسلم أرسل إلى شيبان يدعوه إلى ms1900 البيعة، فقال ~~شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي. فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا ~~فارتحل عن منزلك الذي أنت به. فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره، فأبى، ~~فسار شيبان إلى سرخس واجتمع إليه جمع كثير من بكر بن وائل، فأرسل إليه أبو ~~مسلم تسعة من الأزد يدعوه ويسأله أن يكف، فأخذ الرسل فسجنهم. فكتب أبو مسلم ~~إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث بأبيورد يأمره أن يسير إلى شيبان ~~فيقاتله، فسار إليه فقاتله، فانهزم شيبان واتبعه بسام حتى دخل المدينة فقتل ~~شيبان وعدة من بكر بن وائل. فقيل لأبي مسلم: إن بساما ارتد ثانية، وهو يقتل ~~البريء بالسقيم، فاستقدمه، فقدم عليه، واستخلف على عسكره # PageV04P379 # رجلا. فلما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل برسل أبي مسلم فقتلهم. # وقيل: إن أبا مسلم وجه إلى شيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن خازم ~~وبسام بن إبراهيم. # ذكر قتل ابني الكرماني # وفي هذه السنة قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني الكرماني. # وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها وكتب ~~إلى أبي مسلم بذلك، ووجه أبا داود إلى بلخ، وبها زياد بن عبد الرحمن ~~القشيري، فلما بلغه قصد أبي داود بلخا خرج في أهل بلخ وترمذ وغيرهما من كور ~~طخارستان إلى الجوزجان، فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، ~~ودخل أبو داود مدينة بلخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه ~~مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ، فلما قدم يحيى مدينة بلخ كاتبه ~~زياد بن عبد الرحمن أن يرجع وتصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد ومسلم ~~بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك ~~طخارستان وما وراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ، وخرج إليهم يحيى بن ~~نعيم بمن معه، فصارت كلمتهم واحدة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على ~~قتال المسودة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي كراهة أن ms1901 يكون ~~من واحد من الفرق الثلاثة. # وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل بمن معه حتى اجتمعوا على نهر ~~السرجنان، وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحة لئلا يأتيهم ~~أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي داود سودا، فلما اقتتل أبو داود ~~وزياد وأصحابهما أمر أبو سعيد أصحابه أن يأتوا زيادا وأصحابه، فأتوهم من ~~خلفهم، فلما رأى زياد ومن معه أعلام أبي سعيد وراياته سودا ظنوه كمينا لأبي ~~داود فانهزموا، وتبعهم أبو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان ~~وقتل عامة رجالهم المتخلفين، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه. # ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ، واستصفى أبو داود أموال من قتل ومن ~~هرب واستقامت له بلخ. # وكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجه النضر بن صبيح المري على ~~بلخ. # PageV04P380 # وقدم داود على أبي مسلم، واتفقا على أن يفرقا بين علي وعثمان ابني ~~الكرماني، فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ، فلما قدمها استخلف الفرافصة ~~بن ظهير العبسي على بلخ. # وأقبلت المضرية من ترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا هم ~~وأصحاب عثمان (فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان) ، وغلب مسلم على ~~بلخ، وبلغ عثمان والنضر بن صبيح الخبر وهما بمرو الروذ، فأقبلا نحوهم، فهرب ~~أصحاب عبد الرحمن من ليلتهم، فلم يمعن النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا، ~~ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا، ولم يكن النضر معهم، فانهزم ~~أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير. ورجع أبو داود (من مرو إلى بلخ، وسار أبو ~~مسلم ومعه علي بن الكرماني إلى نيسابور، واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود ~~على أن يقتل أبو مسلم عليا، ويقتل أبو داود عثمان، فلما قدم أبو داود) بلخا ~~بعث عثمان عاملا على الجبل فيمن معه من أهل مرو، فلما خرج من بلخ تبعه أبو ~~داود فأخذه وأصحابه فحبسهم جميعا، ثم ضرب أعناقهم صبرا، وقتل أبو مسلم في ~~ذلك اليوم علي بن الكرماني، وقد كان أبو مسلم أمره أن ms1902 يسمي له خاصته ~~ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكسوات، فسماهم له، فقتلهم جميعا. # ذكر قدوم قحطبة من عند الإمام إبراهيم # وفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم من عند إبراهيم الإمام، ~~ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم، فوجهه أبو مسلم في مقدمته، وضم إليه ~~الجيوش، وجعل إليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له. # ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور # لما قتل شيبان الخارجي وابنا الكرماني، على ما تقدم، وهرب نصر بن سيار من ~~مرو، وغلب أبو مسلم على خراسان، بعث العمال على البلاد، فاستعمل سباع بن ~~النعمان الأزدي على سمرقند، وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ومحمد ~~بن الأشعث على الطبسين، وجعل مالك بن الهيثم على شرطه، ووجه قحطبة إلى طوس ~~ومعه عدة من القواد، منهم: أبو عون عبد الملك بن يزيد، وخالد بن برمك، ~~وعثمان بن # PageV04P381 # نهيك، وخازم بن خزيمة، وغيرهم، فلقي قحطبة من بطوس فهزمهم، وكان من مات ~~منهم في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفا. # ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة، وكتب إلى ~~قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابئ بن سويد ومن لجأ إليهما من ~~أهل خراسان، وكان أصحاب شيبان بن سلمة الخارجي قد لحقوا بنصر، ووجه أبو ~~مسلم علي بن معقل في عشرة آلاف رجل إلى تميم بن نصر، وأمره أن يكون مع ~~قحطبة، وسار قحطبة إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابئ، وقد عبأ ~~أصحابه وزحف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - وإلى الرضاء من آل محمد، فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالا شديدا، ~~فقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم، ~~وكان عدة من معه ثلاثين ألفا، وهرب النابئ بن سويد فتحصن بالمدينة، فحصره ~~قحطبة ونقبوا سورها ودخلوا المدينة، فقتلوا النابئ ومن كان معه، وبلغ الخبر ~~نصر بن سيار بنيسابور بقتل ابنه. # ولما استولى قحطبة على عسكرهم ms1903 سير إلى خالد بن برمك ما قبض فيه، وسار هو ~~إلى نيسابور، وبلغ ذلك نصر بن سيار فهرب منها فيمن معه فنزل قومس، وتفرق ~~عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده ~~فأقام بها رمضان وشوالا. # ذكر قتل نباتة بن حنظلة # وفي هذه السنة قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان، وكان ~~يزيد بن هبيرة بعثه إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري ومضى إلى ~~جرجان، وكان نصر بقومس على ما تقدم، فقيل له: إن قومس لا تحملنا، فسار إلى ~~جرجان فنزلها مع نباتة وخندقوا عليهم. # وأقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة، فقال قحطبة: يا أهل خراسان أتدرون ~~إلى من تسيرون ومن تقاتلون؟ إنما تقاتلون بقية قوم حرقوا بيت الله تعالى! ~~وكان الحسن بن قحطبة على مقدمة أبيه، فوجه جمعا إلى مسلحة نباتة وعليها رجل ~~يقال له ذؤيب، فبيتوهم فقتلوا ذؤيبا وسبعين رجلا من أصحابه فرجعوا إلى ~~الحسن. # PageV04P382 # وقدم قحطبة فنزل بإزاء نباتة وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها، فلما ~~رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه، فبلغ قحطبة قولهم، فقام ~~فيهم فقال: يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم، وكانوا ينصرون على ~~عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله - عز وجل - عليهم ~~فانتزع سلطانهم وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على ~~بلادهم، وكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم، ثم ~~بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله ~~; فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم، لتكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر، ~~وقد عهد إلي الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله - عز وجل - ~~عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم. # فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين يوم الجمعة، فقال لهم قحطبة قبل ~~القتال: إن الإمام أخبرنا أنكم تنصرون على عدوكم هذا اليوم من هذا الشهر، ~~وكان على ميمنته ابنه الحسن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل نباتة، وانهزم أهل ~~الشام ms1904 فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث إلى أبي مسلم برأس نباتة. # ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديد # في هذه السنة لسبع بقين من صفر كانت الوقعة بقديد بين أهل المدينة وأبي ~~حمزة الخارجي. # قد ذكرنا أن عبد الواحد بن سليمان ضرب البعث على أهل المدينة، واستعمل ~~عليهم عبد العزيز بن عبد الله، فخرجوا، فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر ~~منحورة فتقدموا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح، ~~فتشاءم الناس بالخروج، وأتاهم رسل أبي حمزة يقولون: إننا والله ما لنا ~~بقتالكم حاجة، دعونا نمض إلى عدونا. فأبى أهل المدينة ولم يجيبوه إلى ذلك، ~~وساروا حتى نزلوا قديدا، وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فلم يشعروا إلا ~~وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الفضاض فقتلوهم، وكانت المقتلة بقريش، ~~وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير، وقدم المنهزمون المدينة فكانت ~~المرأة تقيم النوائح على حميمها ومعها النساء، فما تبرح النساء حتى تأتيهن ~~الأخبار عن رجالهن، فيخرجن امرأة امرأة، كل واحدة منهن تذهب لقتل رجلها، ~~فلا تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل. # PageV04P383 # وقيل: إن خزاعة دلت أبا حمزة على أصحاب قديد، وقيل: كان عدة القتلى ~~سبعمائة. # ذكر دخول أبي حمزة المدينة # وفي هذه السنة دخل أبو حمزة المدينة ثالث عشر صفر، ومضى عبد الواحد منها ~~إلى الشام، وكان أبو حمزة قد أعذر إليهم وقال لهم: ما لنا بقتالكم حاجة، ~~دعونا نمض إلى عدونا. فأبى أهل المدينة، فلقيهم فقتل منهم خلقا كثيرا، ودخل ~~المدينة فرقي المنبر وخطبهم وقال لهم: يا أهل المدينة! مررت زمان الأحول، ~~يعني هشام بن عبد الملك، وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبتم إليه تسألونه أن يضع ~~عنكم خراجكم ففعل، فزاد الغني غنى والفقير فقرا، فقلتم له: جزاك الله خيرا، ~~فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه خيرا! واعلموا يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ~~ديارنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر ~~قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، ms1905 ~~وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى ~~طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، {ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض} [الأحقاف: 32] ، فأقبلنا من قبائل شتى، ونحن قليلون ~~مستضعفون في الأرض، فآوانا وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته إخوانا، ثم لقينا ~~رجالكم [بقديد] فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فدعونا إلى طاعة ~~الشيطان وحكم بني مروان، فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد، ثم أقبلوا ~~يهرعون وقد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله وصدق عليهم ظنه، ~~وأقبل أنصار الله - عز وجل - عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا ~~واستدارت رحاهم بضرب يرتاب به المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا ~~مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا {ويشف صدور قوم ~~مؤمنين} [التوبة: 14] . يا أهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر! يا ~~أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله - عز وجل - في كتابه على ~~القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له فيها سهم فأخذها لنفسه مكابرا محاربا ربه. # PageV04P384 # يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي! قلتم شباب أحداث وأعراب حفاة! ~~ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شبابا أحداثا ~~وأعرابا حفاة؟ [هم] والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة ~~عن الباطل أقدامهم. وأحسن السيرة مع أهل المدينة واستمال حتى سمعوه يقول: ~~من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك في كفرهما فهو كافر. # وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر. # ذكر قتل أبي حمزة الخارجي # ثم إن أبا حمزة ودع أهل المدينة وقال لهم: يا أهل المدينة إنا خارجون إلى ~~مروان، فإن نظفر نعدل في إخوانكم ونحملكم على سنة نبيكم، وإن يكن ما ~~تتمنون، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] . # ثم سار نحو الشام، وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس، ~~واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، سعد هوازن، وأمره أن يجد ~~السير، وأمره أن يقاتل الخوارج، ms1906 فإن هو ظفر بهم يسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل ~~عبد الله بن يحيى طالب الحق. # فسار ابن عطية فالتقى أبا حمزة بوادي القرى، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا ~~تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فقال ~~ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق. فقال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال ابن ~~عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه، في أشياء سألوه عنها. فلما سمعوا كلامه قاتلوه ~~حتى أمسوا وصاحوا: ويحك يابن عطية! إن الله قد جعل الليل سكنا فاسكن. فأبى ~~وقاتلهم حتى قتلهم، وانهزم أصحاب أبي حمزة، من لم يقتل، وأتوا المدينة، ~~فلقيهم فقتلهم، وسار ابن عطية إلى المدينة فأقام شهرا. # وفيمن قتل مع أبي حمزة عبد العزيز القارئ المدني المعروف بيشبكست النحوي، # PageV04P385 # وكان من أهل المدينة، يكتم مذهب الخوارج، فلما دخل أبو حمزة المدينة انضم ~~إليه، فلما قتل الخوارج قتل معهم. # ذكر قتل عبد الله بن يحيى # ولما أقام ابن عطية بالمدينة شهرا سار نحو اليمن، واستخلف على المدينة ~~الوليد بن عروة بن محمد بن عطية، واستخلف على مكة رجلا من أهل الشام، وقصد ~~اليمن، وبلغ عبد الله بن يحيى طالب الحق مسيره وهو بصنعاء، فأقبل إليه بمن ~~معه، فالتقى هو وابن عطية فاقتتلوا، فقتل ابن يحيى وحمل رأسه إلى مروان ~~بالشام، ومضى ابن عطية إلى صنعاء. # ذكر قتل ابن عطية # ولما سار ابن عطية إلى صنعاء دخلها وأقام بها، فكتب إليه مروان يأمره أن ~~يسرع إليه السير ليحج بالناس، فسار في اثني عشر رجلا بعهد مروان على الحج ~~ومعه أربعون ألفا، وسار وخلف عسكره وخيله بصنعاء، ونزل الجرف، فأتاه ابنا ~~جهانة المراديان في جمع كثير، وقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص! فأخرج ابن ~~عطية عهده على الحج وقال: هذا عهد أمير المؤمنين بالحج، وأنا ابن عطية. ~~قالوا: هذا باطل، فأنتم لصوص. فقاتلهم ابن عطية قتالا شديدا حتى قتل. # ذكر إيقاع قحطبة بأهل جرجان # وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان ما يزيد على ثلاثين ألفا. ms1907 # وسبب ذلك أنه بلغه عنهم بعد قتل نباتة بن حنظلة أنهم يريدون الخروج عليه، ~~فلما بلغه ذلك دخل إليهم واستعرضهم فقتل منهم من ذكرنا، وسار نصر، وكان ~~بقومس، حتى نزل خوار الري، وكاتب ابن هبيرة يستمده، وهو بواسط، مع ناس من ~~وجوه أهل خراسان، وعظم الأمر عليه وقال له: إني قد كذبت أهل خراسان حتى ما ~~أحد منهم يصدقني، فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف لا تغني شيئا. ~~فحبس ابن هبيرة رسل نصر، فأرسل نصر إلى مروان: إني وجهت قوما من أهل خراسان ~~إلى ابن هبيرة ليعلموه أمر الناس قبلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم ~~يمدني بأحد، وإنما أنا بمنزلة # PageV04P386 # من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم من داره إلى ~~فناء داره، فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج ~~إلى الطريق فلا دار له ولا فناء. # فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمد نصرا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، ~~وجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا وجعل عليهم ابن غطيف وسيرهم إلى نصر. # ذكر عدة حوادث # غزا الصائفة هذه السنة الوليد بن هشام، فنزل العمق وبنى حصن مرعش، وفيها ~~وقع الطاعون بالبصرة. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وكان هو أمير مكة ~~والمدينة والطائف، وكان بالعراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان على قضاء ~~الكوفة: الحجاج بن عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة: عبادة بن منصور، وكان ~~الأمير بخراسان على ما وصفت. # قلت: قد ذكر أبو جعفر هاهنا أن محمد بن عبد الملك حج بالناس، وكان أمير ~~مكة والمدينة، وذكر فيما تقدم أن عروة بن الوليد كان على المدينة، وذكر في ~~آخر سنة إحدى وثلاثين أن عروة أيضا كان على المدينة ومكة والطائف وأنه حج ~~بالناس تلك السنة. # [الوفيات] # في هذه السنة مات أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ، مولى عبد الله بن ~~عباس المخزومي بالمدينة، وقيل: سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ms1908 بقديد. # PageV04P387 # وفيها توفي أيوب بن أبي تميمة السختياني، وقيل: سنة تسع وعشرين، وعمره ~~ثلاث وستون سنة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، (وقيل: سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائة) ، وقيل: سنة أربع وثلاثين ومائة، ويكنى أبا نجيح. ~~وفيها توفي مخرمة بن سليمان وله سبعون سنة، وأبو وجزة السعدي يزيد بن عبيد، ~~وأبو الحويرث، ويزيد بن أبي مالك الهمداني، ويزيد بن رومان، وعكرمة بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام. وعبد العزيز بن رفيع (بضم الراء المهملة، وفتح ~~الفاء، وبالعين المهملة) وهو أبو عبد الله المكي الفقيه، وكان قد قارب مائة ~~سنة، وكان لا يثبت معه امرأة لكثرة نكاحه. وإسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر ~~بن عبد العزيز، ويزيد بن أبان، وهو المعروف بيزيد الرشك، وكان قساما ~~بالبصرة، وحفص بن سليمان بن المغيرة، وكان مولده سنة ثمانين، يروي قراءة ~~عاصم عنه. # PageV04P388 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة] ### | 131 - # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة # ذكر موت نصر بن سيار # وفي هذه السنة مات نصر بن سيار بساوة قرب الري. # وكان سبب مسيره إليها أن نصرا سار بعد قتل نباتة إلى خوار الري، وأميرها ~~أبو بكر العقيلي، ووجه قحطبة ابنه الحسن إلى نصر في المحرم من سنة إحدى ~~وثلاثين ومائة، ثم وجه أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس ~~المروزي إلى الحسن ابنه، فلما كانوا قريبا من الحسن انحاز أبو كامل وترك ~~عسكره، وأتى نصرا فصار معه وأعلمه مكان الجند الذين فارقهم. # فوجه إليهم نصر جندا، فهرب جند قحطبة منهم وخلفوا شيئا من متاعهم، فأخذه ~~أصحاب نصر، فبعث نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له ابن غطيف بالري، فأخذ الكتاب ~~من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر وقال: أما والله ~~لأدعن ابن هبيرة، فليعرفن أنه ليس بشيء ولا ابنه. # وكان ابن غطيف في ثلاثة آلاف قد سيره ابن هبيرة إلى نصر، فأقام بالري فلم ~~يأت نصرا، وسار نصر حتى نزل الري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي، فلما ms1909 قدمها ~~نصر سار ابن غطيف منها إلى همذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلي، ~~فعدل ابن غطيف عنها إلى أصبهان إلى عامر بن ضبارة، فلما قدم نصر الري أقام ~~بها يومين ثم مرض، وكان يحمل حملا، فلما بلغ ساوة مات، فلما مات بها دخل ~~أصحابه همذان. # وكانت وفاته لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وكان عمره خمسا ~~وثمانين سنة، وقيل: إن نصرا لما سار من خوار الري متوجها نحو الري لم يدخل ~~الري، ولكنه سلك المفازة التي بين الري وهمذان فمات بها. # PageV04P389 # ذكر دخول قحطبة الري # ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن خازم إلى سمنان، وأقبل ~~قحطبة من جرجان، وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على اتباع ~~أبي مسلم، فانخذل عن قحطبة فأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن ضبارة، ~~فوجه قحطبة المسيب بن زهير الضبي، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم ~~زياد وقتل عامة من معه، ورجع المسيب بن زهير إلى قحطبة. # ثم سار قحطبة إلى قومس، وبها ابنه الحسن، وقدم خزيمة بن خازم سمنان، فقدم ~~قحطبة ابنه الحسن إلى الري. # وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا عن ~~الري، ودخل الحسن في صفر فأقام حتى قدم أبوه، ولما قدم قحطبة الري كتب إلى ~~أبي مسلم يعلمه بذلك. # ولما استقر أمر بني العباس بالري هرب أكثر أهلها لميلهم إلى بني أمية ~~لأنهم كانوا سفيانية، فأمر أبو مسلم بأخذ أملاكهم وأموالهم، ولما عادوا من ~~الحج أقاموا بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ثم كتبوا إلى السفاح ~~يتظلمون من أبي مسلم، فأمر برد أملاكهم فأعاد أبو مسلم الجواب يعرف حالهم ~~وأنهم أشد الأعداء، فلم يسمع قوله وعزم على أبي مسلم برد أملاكهم، ففعل. # ولما دخل قحطبة الري وأقام بها أخذ أمره بالحزم والاحتياط والحفظ وضبط ~~الطرق، وكان لا يسلكها أحد إلا بجواز منه، فأقام بالري وبلغه أن بدستبى ~~قوما من الخوارج وصعاليك تجمعوا ms1910 بها، فوجه إليهم أبا عون في عسكر كثيف، ~~فنازلهم ودعاهم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى الرضاء من آل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالا شديدا حتى ظفر بهم، فتحصن ~~عدة منهم حتى آمنهم أبو عون، فخرجوا إليه، وأقام معه بعضهم وتفرق بعضهم. # وكتب أبو مسلم إلى أصبهبذ طبرستان يدعوه إلى الطاعة وأداء الخراج، فأجابه ~~إلى ذلك، وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند بمثل ذلك، فأجابه: إنما أنت خارجي ~~وإن أمرك سينقضي. # فغضب أبو مسلم وكتب إلى موسى بن كعب، وهو بالري، يأمره بالمسير إليه ~~وقتاله إلى أن يذعن بالطاعة، فسار إليه وراسله، فامتنع من الطاعة وأداء ~~الخراج، فأقام موسى # PageV04P390 # ولم يتمكن من المصمغان لضيق بلاده، وكان المصمغان يرسل إليه كل يوم عدة ~~كثيرة من الديلم يقاتله في عسكره، وأخذ عليه الطرق، ومنع الميرة، وكثرت في ~~أصحاب موسى الجراح والقتل. # فلما رأى أنه لا يبلغ غرضا عاد إلى الري، ولم يزل المصمغان ممتنعا إلى ~~أيام المنصور، فأغزاه جيشا كثيفا عليهم حماد بن عمرو، ففتح دنباوند على ~~يده. # ولما ورد كتاب قحطبة على أبي مسلم بنزوله الري ارتحل أبو مسلم، فيما ذكر، ~~عن مرو فنزل نيسابور. # وأما قحطبة فإنه سير ابنه الحسن بعد نزوله الري بثلاث ليال إلى همذان، ~~فلما توجه إليها سار عنها مالك بن أدهم ومن كان بها من أهل الشام وأهل ~~خراسان إلى نهاوند فأقام بها، وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها ~~إلى نهاوند فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، فأمده قحطبة بأبي الجهم بن ~~عطية مولى باهلة في سبعمائة، وأطال حتى أطاف بالمدينة وحصرهم. # ذكر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان # وكان سبب قتله أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ~~ضبارة مضى هاربا نحو خراسان، وسلك إليها طريق كرمان وسار عامر في أثره. ~~وبلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان، فلما بلغه خبره كتب إلى ابن ~~ضبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن ms1911 عمر بن هبيرة أن يسيرا إلى قحطبة، وكانا ~~بكرمان، فسارا في خمسين ألفا، فنزلوا بأصبهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة ~~عسكر العساكر. # فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد، وعليهم جميعا مقاتل بن حكيم العكي، ~~فساروا حتى نزلوا قم. # وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة بنهاوند فسار ليعين من بها من أصحاب ~~مروان، فأرسل العكي من قم إلى قحطبة يعلمه بذلك، فأقبل قحطبة من الري حتى ~~لحق مقاتل بن حكيم العكي، ثم سار فالتقوا هم وابن ضبارة وداود بن يزيد بن ~~هبيرة، وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا، فيهم خالد بن برمك! وكان عسكر ابن ~~ضبارة مائة ألف، وقيل: خمسين ومائة ألف، فأمر قحطبة بمصحف فنصب على رمح، ~~ونادى: يا أهل الشام! إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف! فشتموه وأفحشوه في ~~القول. # PageV04P391 # فأرسل قحطبة إلى أصحابه يأمرهم بالحملة، فحمل عليهم العكي، وتهايج الناس، ~~ولم يكن بينهم كثير قتال، حتى انهزم أهل الشام وقتلوا قتلا ذريعا، وانهزم ~~ابن ضبارة حتى دخل عسكره وتبعه قحطبة، فنزل ابن ضبارة ونادى: إلي إلي! ~~فانهزم الناس عنه وانهزم داود بن هبيرة، فسأل عن ابن ضبارة فقيل: انهزم. ~~فقال: لعن الله شرنا منقلبا! وقاتل حتى قتل. # وأصابوا عسكره، وأخذوا منه ما لا يعلم قدره من السلاح والمتاع والرقيق ~~والخيل، وما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر كأنه ~~مدينة. وكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ما لا يحصى. # وأرسل قحطبة بالظفر إلى ابنه الحسن وهو بنهاوند، وكانت الوقعة بنواحي ~~أصبهان في رجب. # ذكر محاربة قحطبة أهل نهاوند ودخولها # ولما قتل ابن ضبارة كتب قحطبة بذلك إلى ابنه الحسن وهو يحاصر نهاوند، ~~فلما أتاه الكتاب كبر هو وجنده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السعدي: ما ~~نادى هؤلاء بقتله إلا وهو حق! فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة فإنكم لا تقومون ~~له فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدد من عنده. # فقالت الرجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول وتتركوننا؟ وقال ms1912 له مالك بن ~~أدهم الباهلي: لا أبرح حتى يقدم علي قحطبة. # وأقام قحطبة على أصبهان عشرين يوما، ثم سار فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ~~ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوال، ووضع عليهم المجانيق، وأرسل إلى من ~~بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه وأعطاهم الأمان، فأبوا ذلك. # ثم أرسل إلى أهل الشام بمثل ذلك، فأجابوه وقبلوا أمانه، وبعثوا إليه ~~يسألونه أن يشغل عنهم أهل المدينة بالقتال ليفتحوا له الباب الذي يليهم، ~~ففعل ذلك قحطبة وقاتلهم، ففتح أهل الشام الباب، فخرجوا، فلما رأى أهل ~~خراسان ذلك سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم. فخرج رؤساء ~~أهل خراسان، فدفع قحطبة # PageV04P392 # كل رجل منهم إلى قائد من قواده، ثم أمر فنودي: من كان بيده أسير ممن خرج ~~إلينا فليضرب عنقه وليأتنا برأسه! ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب ~~من أبي مسلم إلا قتل إلا أهل الشام، فإنه وفى لهم وخلى سبيلهم وأخذ عليهم ~~أن لا يمالئوا عليه عدوا، ولم يقتل منهم أحدا. # وكان ممن قتل من أهل خراسان: أبو كامل، وحاتم بن الحارث بن سريج، وابن ~~نصر بن سيار، وعاصم بن عمير، وعلي بن عقيل، وبيهس. # ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه الحسن إلى مرج القلعة، فقدم الحسن خازم ~~بن خزيمة إلى حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندي، فهرب من حلوان ~~وخلاها. # ذكر فتح شهرزور # ثم إن قحطبة وجه أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني ومالك بن طرافة ~~الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد ~~الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهرزور في العشرين من ذي ~~الحجة وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، ~~وأقام أبو عون في بلاد الموصل. # وقيل: إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان، وغنم أبو عون ~~عسكره وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وسير قحطبة العساكر إلى أبي عون فاجتمع ~~معه ثلاثون ألفا. # ولما بلغ خبر أبي عون ms1913 مروان بن محمد، وهو بحران، سار منها ومعه جنود أهل ~~الشام والجزيرة والموصل، وحشر معه بنو أمية أبناءهم، وأقبل نحو أبي عون حتى ~~نزل الزاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهرزور بقية ذي الحجة والمحرم من سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها بخمسة آلاف. # ذكر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق # ولما قدم على يزيد بن عمر بن هبيرة أمير العراق ابنه داود منهزما من ~~حلوان خرج # PageV04P393 # يزيد نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى ومعه حوثرة بن سهيل الباهلي، وكان ~~مروان أمد به ابن هبيرة، وسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء الوقيعة واحتفر ~~الخندق الذي كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام به، وأقبل قحطبة ~~حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حلوان، ثم إلى خانقين، وأتى عكبراء وعبر دجلة ~~ومضى حتى نزل دمما دون الأنبار، وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفا مبادرا ~~إلى الكوفة لقحطبة، وقدم حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة. # وقيل: إن حوثرة لم يفارق ابن هبيرة. # وأرسل قحطبة طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها، وأمرهم بإحدار ما فيها ~~من السفن إلى دمما ليعبروا الفرات، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع قحطبة ~~الفرات من دمما حتى صار في غربيه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع ~~الذي فيه ابن هبيرة، وخرجت السنة. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وهو ابن أخي عبد ~~الملك بن محمد الذي قتل أبا حمزة، وكان هو على الحجاز. ولما بلغ الوليد قتل ~~عمه عبد الملك مضى إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقر بطون ~~نسائهم، وقتل الصبيان، وحرق بالنار من قدر عليه منهم. # وكان على العراق يزيد [بن عمر] بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة: الحجاج بن ~~عاصم المحاربي، وعلى قضاء البصرة: عباد بن منصور الناجي. # [الوفيات] # وفيها توفي منصور بن المعدر السلمي أبو عتاب الكوفي. # PageV04P394 # وفيها قتل أبو مسلم الخراساني جبلة بن أبي رواد العتكي مولاهم أخا عبد ~~العزيز بن داود ويكنى أبا ms1914 مروان. # PageV04P395 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة] ### | 132 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر هلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة # وفي هذه السنة هلك قحطبة بن شبيب. # وكان سبب ذلك أن قحطبة لما عبر الفرات وصار في غربيه، وذلك في المحرم ~~لثمان مضين منه، وكان ابن هبيرة قد عسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة ~~العليا على رأس ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، وقد اجتمع إليه فل بن ضبارة، ~~فأمده مروان بحوثرة الباهلي، فقال حوثرة وغيره لابن هبيرة: إن قحطبة قد مضى ~~يريد الكوفة، فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فإنك تكسره وبالحري أن يتبعك، ~~قال: ما كان ليتبعني ويدع الكوفة، ولكن الرأي أن أبادره إلى الكوفة، فعبر ~~دجلة من المدائن يريد الكوفة، فاستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى ~~الكوفة، والفريقان يسيران على جانبي الفرات. وقال قحطبة: إن الإمام أخبرني ~~أن [لي] في هذا المكان وقعة يكون النصر [فيها] لنا. # ونزل قحطبة الجبارية، وقد دلوه على مخاضة، فعبر منها وقاتل حوثرة ومحمد ~~بن نباتة، فانهزم أهل الشام وفقدوا قحطبة، فقال أصحابه: من كان عنده عهد من ~~قحطبة فليخبرنا به. فقال مقاتل بن مالك العتكي: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي ~~حدث فالحسن ابني أمير الناس. # فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان قد سيره أبوه في سرية، ~~فأرسلوا إليه فأحضروه، وسلموا إليه الأمر. # ولما فقدوا قحطبة بحثوا عنه فوجدوه في جدول وحرب بن سالم بن أحوز قتيلين، ~~فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه. # PageV04P396 # وقيل: إن معن بن زائدة ضرب قحطبة لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط في ~~الماء فأخرجوه، فقال: شدوا يدي إذا مت وألقوني في الماء لئلا يعلم الناس ~~بقتلي. # وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة، وقال قبل ~~موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال فسلموا هذا الأمر ~~إليه. # وقيل: بل غرق قحطبة. # ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة، فانهزم ابن هبيرة ~~بهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا ms1915 عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ~~ذلك. ولما قام الحسن بن قحطبة بالأمر أمر بإحصاء ما في العسكر. # وقيل: إن حوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة ابن هبيرة فسار إليه فيمن معه. # ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسودا # وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة وسود قبل أن ~~يدخلها الحسن بن قحطبة وأخرج عنها عامل ابن هبيرة ثم دخلها الحسن. # وكان من خبره أن محمدا خرج بالكوفة ليلة عاشوراء مسودا وعلى الكوفة زياد ~~بن صالح الحارثي، وعلى شرطه عبد الرحمن بن بشير العجلي، وسار محمد إلى ~~القصر، فارتحل زياد ومن معه من أهل الشام، ودخل محمد القصر، وسمع حوثرة ~~الخبر فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه لما بلغهم الخبر، وبقي ~~في نفر يسير من أهل الشام ومن اليمانيين، من كان هرب من مروان، وكان معه ~~مواليه، وأرسل أبو سلمة الخلال، ولم يظهر بعد، إلى محمد يأمره بالخروج من ~~القصر تخوفا عليه من حوثرة ومن معه، ولم يبلغ أحدا من الفريقين هلاك قحطبة، ~~فأبى محمد أن يخرج، وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيأ للمسير نحوه. # فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه فقال له: قد جاءت خيل من أهل ~~الشام، فوجه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون: نحن بجيلة وفينا مليح ~~بن خالد # PageV04P397 # البجلي جئنا لندخل في طاعة الأمير، فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم من تلك فيها ~~جهم بن الأصفح الكناني، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل، فلما رأى ~~ذلك حوثرة من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط. # وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة، وهو لا يعلم بهلاكه، يعلم أنه قد ~~ظفر بالكوفة. # فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه ~~على الناس ثم ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة ويوم السبت ~~والأحد وصبحه الحسن يوم الاثنين. # وقد قيل: إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة بعد ms1916 هزيمة ابن هبيرة وعليها ~~عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها، فسود محمد بن خالد وخرج في أحد عشر ~~رجلا وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد، فلما دخلها الحسن هو وأصحابه أتوا ~~أبا سلمة، وهو في بني سلمة، فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى ~~حمام أعين، ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وبايع الناس أبا ~~سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، وكان يقال له وزير آل محمد، واستعمل محمد ~~بن خالد عبد الله على الكوفة، وكان يقال له الأمير، حتى ظهر أبو العباس ~~السفاح. # ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد، وبعث المسيب بن زهير وخالد بن ~~برمك إلى دير قنى، وبعث المهلبي وشراحيل إلى عين التمر، وبسام بن إبراهيم ~~بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة. فلما أتى بسام ~~الأهواز خرج عنها عبد الواحد إلى البصرة بعد أن قاتله وهزمه بسام، وبعث إلى ~~البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها، فقدمها وكان عليها ~~سلم بن قتيبة الباهلي عاملا لابن هبيرة، وقد لحق به عبد الواحد بن هبيرة، ~~كما تقدم ذكره. # فأرسل سفيان بن معاوية إلى سلم يأمره بالتحول من دار الإمارة، ويعلمه ما ~~أتاه من رأي أبي سلمة، وامتنع وجمع معه قيسا ومضر ومن بالبصرة من بني أمية، ~~وجمع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وأتاهم قائد من قواد ~~ابن هبيرة كان بعثه مددا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأتى سلم سوق الإبل ووجه ~~الخيول في سكك البصرة ونادى: من جاء برأس فله خمسمائة، ومن جاء بأسير فله ~~ألف درهم. # ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة وخاصته، فلقيه خيل تميم، فقتل # PageV04P398 # معاوية وأتي برأسه إلى سلم، فأعطى قاتله عشرة آلاف، وانكسر سفيان بقتل ~~ابنه فانهزم، وقدم على سلم بعد ذلك أربعة آلاف من عند مروان، فأرادوا نهب ~~من بقي من الأزد، فقاتلهم قتالا شديدا، وكثرت القتلى بينهم، وانهزمت الأزد، ~~ونهبت دورهم، وسبيت نساؤهم، ms1917 وهدموا البيوت ثلاثة أيام. # ولم يزل سلم بالبصرة حتى أتاه قتل ابن هبيرة، فشخص عنها، واجتمع من ~~بالبصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم، فوليهم ~~أياما يسيرة حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي من قبل أبي ~~مسلم. فلما قدم أبو العباس ولاها سفيان بن معاوية. # وكان حرب سفيان وسلم بالبصرة في صفر. # وفيها عزل مروان عن المدينة الوليد بن عروة واستعمل أخاه يوسف بن عروة في ~~شهر ربيع الأول. # PageV04P399 # ذكر ابتداء الدولة العباسية وبيعة أبي العباس # في هذه السنة بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس بالخلافة في شهر ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر لثلاث عشرة مضت منه، ~~وقيل: في جمادى الأولى. # وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم العباس بن ~~عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك، ويتحدثون ~~به بينهم. # ثم إن أبا هاشم ابنالحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله ~~بن عباس فقال له: [يا ابن عم، إن عندي علما أنبذه إليك، فلا تطلعن عليه ~~أحدا] ، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم. [قال: قد علمت] ، فلا يسمعنه ~~منكم أحد. # وقد تقدم في خبر ابن الأشعث قول خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن ~~مروان: أما إذ كان الفتق من سجستان، فليس عليك منه بأس، إنما كنا نتخوف لو ~~كان من خراسان. # وقال محمد بن علي بن عبد الله: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن ~~معاوية، ورأس المائة، وفتق إفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم تقبل ~~أنصارنا من المشرق حتى ترد خيلهم [المغرب] ويستخرجوا ما كنز الجبارون. # فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية، ونقضت البربر، بعث محمد بن علي إلى ~~خراسان داعيا، وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمي أحدا. # PageV05P005 # وقد ذكرنا فيما تقدم خبر الدعاة، وخبر أبي مسلم، وقبض مروان على ms1918 إبراهيم ~~بن محمد، وكان مروان لما أرسل المقبوض عليه وصف للرسول صفة أبي العباس، ~~لأنه كان يجد في الكتب: إن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم! وقال له ~~ليأتيه بإبراهيم بن محمد. # فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن، قيل للرسول: ~~إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله. فترك أبا العباس، وأخذ إبراهيم فانطلق ~~به إلى مروان، فلما رآه قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك. # فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، وإنما سميت إبراهيم فهذا إبراهيم. # فأمر به فحبس، وأعاد الرسل في طلب أبي العباس فلم يروه. # وكان سبب مسيره من الحميمة أن إبراهيم لما أخذه الرسول نعى نفسه إلى أهل ~~بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، ~~وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس. # (وجعله الخليفة بعده، فسار أبو العباس) ومن معه من أهل بيته، منهم: أخوه ~~أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم، وأعمامه داود، ~~وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الله، وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن ~~عباس، وابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن ~~جعفر بن تمام بن عباس، حتى قدموا الكوفة في صفر، وشيعتهم من أهل خراسان، ~~بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى ~~بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد ~~والشيعة. # وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت ~~إبراهيم الإمام، فقال له أبو الجهم: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم [بعد] . ~~فألح عليه. فقال: ليس هذا وقت خروجه، لأن واسطا لم تفتح بعد. # وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا. فلم يزل ذلك من أمره ~~حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد الكناسة، فلقي ~~خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمي، فعرفه، فقال له: ما فعل ~~إبراهيم ms1919 # PageV05P006 # الإمام؟ فأخبره أن مروان قتله، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس ~~واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ~~ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعد بيني وبينك غدا في هذا الموضع، وكره ~~سابق أن يدله عليهم إلا بإذنهم. # فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم، فأخبره وهو في عسكر أبي سلمة، فأمره أن ~~يلطف للقائهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي واعد فيه سابقا ~~فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حميد ~~من الخليفة منهم. فقال داود بن علي: هذا إمامكم وخليفتكم. وأشار إلى أبي ~~العباس، فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه، وقال: مرنا بأمرك. وعزاه ~~بإبراهيم الإمام. # ثم رجع وصحبه إبراهيم بن سلمة، رجل كان يخدم بني العباس، إلى أبي الجهم ~~فأخبره عن منزلهم، وأن الإمام أرسل إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار يعطيها ~~الجمال كراء الجمال التي حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم وأبو ~~حميد، وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب، وقصوا عليه القصة، وبعثوا إلى ~~الإمام بمائتي دينار مع إبراهيم بن سلمة. # واتفق رأي جماعة من القواد على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب، وأبو ~~الجهم، وعبد الحميد بن ربعي، وسلمة بن محمد، وإبراهيم بن سلمة، وعبد الله ~~الطائي، وإسحاق بن إبراهيم، وشراحيل، وعبد الله بن بسام، وأبو حميد محمد بن ~~إبراهيم، وسليمان بن الأسود، ومحمد بن الحصين إلى الإمام أبي العباس. # وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل: إنهم دخلوا الكوفة في حاجة لهم، وأتى ~~القوم أبا العباس، فقال: وأيكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فقالوا: ~~هذا، فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم، ورجع موسى بن كعب، وأبو ~~الجهم، وأمر أبو الجهم الباقين فتخلفوا عند الإمام. # فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى إمامي، فركب أبو ~~سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: إن أبا سلمة قد أتاكم فلا ~~يدخلن ms1920 على الإمام إلا وحده. # فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده فسلم ~~بالخلافة على أبي العباس. فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه! ~~فقال له أبو العباس: مه! وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره، فعاد. # PageV05P007 # وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، فلبسوا ~~السلاح، واصطفوا لخروج أبي العباس، وأتوا بالدواب، فركب برذونا أبلق، وركب ~~من معه من أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى ~~بالناس. # ثم صعد المنبر حين بويع له بالخلافة فقام في أعلاه، وصعد عمه داود بن علي ~~فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، ~~وكرمه، وشرفه، وعظمه، واختاره لنا، فأيده بنا، وجعلنا أهله، وكهفه، وحصنه، ~~والقوام به، والذابين عنه، والناصرين له، فألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق ~~بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابته، وأنشأنا ~~من آبائنا، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ~~ما عنتنا، حريصا علينا، بالمؤمنين رءوفا رحيما، ووضعنا من الإسلام وأهله ~~بالموضع الرفيع. # وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم، تبارك وتعالى فيما أنزل من ~~محكم كتابه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~[الأحزاب: 33] ، وقال تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى} [الشورى: 23] ، وقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] ، ~~وقال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى} ~~[الحشر: 7] ، وقال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى} [الأنفال: 41] . # فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء ~~والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا وفضلا علينا، والله ذو الفضل العظيم. # وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، ~~فشاهت وجوههم! ولم أيها الناس؟ ! وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم # PageV05P008 # بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض الباطل، وأصلح ~~بنا منهم ما كان فاسدا، ms1921 ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع الفرقة ~~حتى عاد الناس بعد العداوة أهل التعاطف والبر والمواساة في دنياهم، وإخوانا ~~على سرر متقابلين في آخرتهم. # فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلما قبضه الله ~~إليه قام بالأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، ~~فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها. # ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها، واستأثروا ~~بها، وظلموا أهلها بما أملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم ~~منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولي نصرنا والقيام ~~بأمرنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا. # وإني لأرجو أن لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث ~~جاءكم الصلاح، وما توفيقنا (أهل البيت) إلا بالله. # يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ~~ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله ~~بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة ~~درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير. # وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك. فجلس على المنبر، وقام عمه داود على مراقي ~~المنبر، فقال: الحمد لله، شكرا للذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من ~~نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # PageV05P009 # أيها الناس! الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها ~~وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، ~~وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة ~~والرحمة بكم، والعطف عليكم. # أيها الناس! إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا، ولا ~~عقيانا، ولا نحفر نهرا، ولا نبني قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم ~~حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا ~~ونحن على فرشنا، ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، واستنزالهم لكم، ~~واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. # لكم ms1922 ذمة الله تبارك وتعالى، وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذمة ~~العباس، رحمه الله، علينا أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب ~~الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # تبا تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان! آثروا في مدتهم العاجلة على ~~الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، ~~وانتهكوا المحارم، وغشوا بالجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في ~~البلاد، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميدان الغي جهلا باستدراج الله، ~~وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ~~ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان، وقد غره ~~بالله الغرور، وأرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه، أظن عدو ~~الله أن لن نقدر عليه فنادى حزبه، وجمع مكايده ورمى بكتائبه، فوجد أمامه ~~ووراءه وعن يمينه وشماله من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحا # PageV05P010 # ضلاله. وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا. # أيها الناس! إن أمير المؤمنين، نصره الله نصرا عزيزا، إنما عاد إلى ~~المنبر بعد الصلاة لأنه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن ~~استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد بدلكم ~~الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهل ~~المتمهل المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها ~~بمعالم الهدى ومناهج التقوى. # فعج الناس له بالدعاء، ثم قال: يا أهل الكوفة! إنا والله ما زلنا مظلومين ~~مقهورين على حقنا، حتى أباح الله شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأبلج ~~بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله بهم ما لستم تنتظرون، فأظهر فيكم ~~الخليفة من هاشم، وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم ~~السلطان، وأعز الإسلام، ومن عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة، ~~فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا ms1923 عن أنفسكم، فإن ~~الأمر أمركم، وإن لكل أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا. # ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد، وأشار ~~بيده إلى أبي العباس السفاح. # واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم - ~~عليه السلام - والحمد لله على ما أبلانا وأولانا. # ثم نزل أبو العباس وداود بن علي أمامه حتى دخل القصر، وأجلس أخاه أبا ~~جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى ~~صلى بهم العصر ثم المغرب، وجنهم الليل، فدخل. # PageV05P011 # وقيل: إن داود بن علي لما تكلم قال في آخر كلامه: أيها الناس، إنه والله ~~ما كان بينكم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خليفة إلا علي بن أبي ~~طالب، وأمير المؤمنين الذي خلفي. # ثم نزلا، وخرج أبو العباس يعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة، ونزل معه ~~في حجرته بينهما ستر، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام. # واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن علي، وبعث عمه عبد الله بن علي ~~إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن ~~قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن ~~عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن. # وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن ~~إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. # وأقام السفاح بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر ~~الإمارة، وكان تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك. # وقد قيل: إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بني العباس ~~إلى العراق، إنما كانا بالعراق أو بغيره فخرجا يريدان الشام، فلقيهما أبو ~~العباس، وأهل بيته يريدون الكوفة بدومة الجندل، فسألهم داود عن خبرهم، فقص ~~عليه ms1924 أبو العباس قصتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها ويظهروا أمرهم. # فقال له داود: يا أبا العباس تأتي الكوفة وشيخ بني أمية مروان بن محمد ~~بحران مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن هبيرة ~~بالعراق في جند العرب! وقال: يا عمي من أحب الحياة ذل، ثم تمثل بقول ~~الأعشى: # فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها. # فالتفت داود إلى ابنه موسى، فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش ~~أعزاء أو نمت كرماء. فرجعوا جميعا. # PageV05P012 # فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: إن ~~نفرا أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم وأهلهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همتهم، ~~كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. # ذكر هزيمة مروان بالزاب # قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور، ~~وأنه قتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموصل، وأن مروان بن محمد سار إليه ~~من حران حتى بلغ الزاب، وحفر خندقا، وكان في عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون ~~إلى الزاب، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتان، ~~وإسحاق بن طلحة، كل واحد في ثلاثة آلاف. # فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في ألف ~~وخمسمائة، وعبد الحميد بن ربعي الطائي في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسمائة ~~إلى أبي عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن ~~علي: أنا. فسيره إلى أبي عون، فقدم عليه، فتحول أبو عون عن سرادقه، وخلاه ~~له وما فيه. # فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل عبد ~~الله بن علي عن مخاضة فدل عليها بالزاب، فأمر عيينة بن موسى، فعبر في خمسة ~~آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله بن ~~علي. # وأصبح مروان فعقد الجسر وعبر عليه، فنهاه وزراؤه عن ذلك، فلم يقبل، وسير ~~ابنه ms1925 عبد الله، فنزل أسفل من عسكر عبد الله بن علي، فبعث عبد الله بن علي ~~المخارق في أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان، فسرح إليه ابن مروان الوليد ~~بن معاوية بن مروان بن الحكم، فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق، وثبت هو، ~~فأسر هو وجماعة، وسيرهم إلى مروان مع رءوس القتلى. # فقال مروان: أدخلوا علي رجلا من الأسرى. فأتوه بالمخارق، وكان نحيفا. ~~فقال: أنت المخارق؟ قال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر. قال: فتعرف ~~المخارق؟ قال: نعم. قال: فانظر هل تراه في هذه الرءوس. فنظر إلى رأس منها # PageV05P013 # فقال: هو هذا. فخلى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر المخارق، وهو لا ~~يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم. # وقيل: إن المخارق لما نظر إلى الرءوس قال: ما أرى رأسه فيها ولا أراه إلا ~~قد ذهب. فخلى سبيله. # ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من ~~دخول العسكر لئلا ينكر قومهم، وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال ~~قبل أن يظهر أمر المخارق، فيفت ذلك في أعضاد الناس، فنادى فيهم بلبس السلاح ~~والخروج إلى الحرب، فركبوا، واستخلف على عسكره محمد بن صول، وسار نحو ~~مروان، وجعل على ميمنته أبا عون، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية، وكان عسكره ~~عشرين ألفا، وقيل: اثني عشر ألفا، (وقيل غير ذلك) . # فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن ~~زالت اليوم الشمس ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى المسيح - عليه السلام ~~- وإن قاتلونا فأقبل الزوال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ~~لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. # فقال مروان لأهل الشام: قفوا لا نبدؤهم بالقتال، وجعل ينظر إلى الشمس، ~~فحمل الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، وهو ختن مروان بن محمد على ~~ابنته، فغضب وشتمه، وقاتل ابن معاوية أبا عون، فانحاز أبو عون إلى ms1926 عبد الله ~~بن علي، فقال لموسى بن كعب: يا عبد الله مر الناس فلينزلوا. فنودي: الأرض، ~~فنزل الناس وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب فقاتلوهم، وجعل أهل الشام ~~يتأخرون كأنهم يدفعون. # ومشى عبد الله بن علي قدما وهو يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا ~~أهل خراسان! يا لثارات إبراهيم! يا محمد! يا منصور! واشتد بينهم القتال. ~~فقال مروان لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. # فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى ~~السكون أن احملوا، # PageV05P014 # فقالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. فقال: والله ما كنت ~~لأجعل نفسي عرضا. قال: أما والله لأسوءنك! فقال: وددت والله أنك قدرت على ~~ذلك. # وكان مروان ذلك اليوم لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل، فأمر بالأموال ~~فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس ~~يصيبون من ذلك، (فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن ~~يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى مؤخر عسكرك فاقتل ~~من أخذ من) المال وامنعهم. # فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة الهزيمة! فانهزم ~~مروان وانهزموا، وقطع الجسر، وكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل. # فكان ممن غرق يومئذ: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ابن المخلوع، ~~فاستخرجوه في الغرقى، فقرأ عبد الله: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] . وقيل: بل قتله عبد الله بن ~~علي بالشام. # وقتل في هذه الوقعة سعيد بن هشام بن عبد الملك. وقيل: بل قتله عبد الله ~~بالشام. # وأقام عبد الله بن علي في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد بن ~~العاص يعير مروان: # لج الفرار بمروان فقلت له عاد الظلوم ظليما همه الهرب أين الفرار وترك ~~الملك إذ ذهبت عنك الهوينا فلا دين ولا حسب فراشة الحلم، فرعون العقاب وإن ~~تطلب نداه فكلب دونه كلب. # وكتب يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح ms1927 بالفتح، وحوى عسكر مروان بما فيه، ~~فوجد سلاحا كثيرا وأموالا، ولم يجد فيه امرأة إلا جارية كانت لعبد الله بن ~~مروان. # PageV05P015 # فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين، وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة ~~خمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. # وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى ~~الآخرة، وكان فيمن قتل معه يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهو أخو ~~عبد الرحمن صاحب الأندلس، فلما تقدم إلى القتال رأى عبد الله بن علي فتى ~~عليه أبهة الشرف يقاتل مستقتلا فناداه: يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن ~~محمد! فقال: إن لم أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان، ولو كنت من كنت. ~~فأطرق ثم قال: # أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # فإن لم يكن غير إحداهما ... فسير إلى الموت سيرا جميلا # ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو مسلمة بن عبد الملك. # ذكر قتل إبراهيم بن محمد بن علي الإمام # قد ذكرنا سبب حبسه، واختلف الناس في موته، فقيل: إن مروان حبسه بحران، ~~وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن ~~عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وأبا محمد السفياني، هلك منهم ~~في وباء وقع بحران العباس بن الوليد، وإبراهيم بن محمد بن علي الإمام، وعبد ~~الله بن عمر. # فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام وابن عمه ومن ~~معه من المحبوسين، فقتلوا صاحب السجن وخرجوا، فقتلهم أهل حران ومن فيها من ~~الغوغاء، وكان فيمن قتله أهل حران شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك، وعبد ~~الملك بن بشر التغلبي، وبطريق إرمينية الرابعة واسمه كوشان، وتخلف أبو محمد ~~السفياني في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلوا الخروج من ~~الحبس، فقدم مروان منهزما من الزاب، فجاء فخلى عنهم. # وقيل: إن مروان هدم على إبراهيم بيتا فقتله. # وقد قيل: إن شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم ms1928 فكانا # PageV05P016 # يتزاوران، فصار بينهما مودة، فأتى رسول من شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن ~~فقال: يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، ~~فشرب منه فتكسر جسده من ساعته. # وكان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل: إنك قد أبطأت ~~فما حبسك؟ فأعاد إبراهيم: إني لما شربت اللبن الذي أرسلت به قد أسهلني. ~~فأتاه شراحيل فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما شربت اليوم لبنا، ولا ~~أرسلت به إليك! فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل والله عليك. # فبات إبراهيم ليلته وأصبح ميتا، فقال إبراهيم بن هرمة يرثيه: # قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني ... قبر بحران فيه عصمة الدين # فيه الإمام وخير الناس كلهم ... بين الصفائح والأحجار والطين # فيه الإمام الذي عمت مصيبته ... وعيلت كل ذي مال ومسكين # فلا عفا الله عن مروان مظلمة ... لكن عفا الله عمن قال آمين. # وكان إبراهيم خيرا فاضلا كريما، قدم المدينة مرة ففرق في أهلها مالا ~~جليلا، وبعث إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بخمسمائة دينار، وبعث إلى جعفر ~~بن محمد بألف دينار، فبعث إلى جماعة العلويين بمال كثير. # فأتاه الحسين بن زيد بن علي وهو صغير فأجلسه في حجره، قال: من أنت؟ قال: ~~أنا الحسين بن زيد بن علي. فبكى حتى بل رداءه وأمر وكيله بإحضار ما بقي من ~~المال، فأحضر أربعمائة دينار، فسلمها إليه، وقال: لو كان عندنا شيء آخر ~~لسلمته إليك. وسير معه بعض مواليه إلى أمه ريطة بنت عبد الملك بن محمد ~~ابنالحنفية يعتذر إليها. # (وكان مولده سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد بربرية اسمها سلمى) . # وكان ينبغي أن يقدم ذكر قتله على هزيمة مروان، وإنما قدمنا ذلك لتتبع ~~الحادثة بعضها بعضا. # PageV05P017 # ذكر قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم # وفي هذه السنة قتل مروان بن محمد، وكان قتله ببوصير، من أعمال مصر، لثلاث ~~بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # وكان مروان لما هزمه عبد الله بن علي بالزاب أتى مدينة ms1929 الموصل وعليها ~~هشام بن عمرو التغلبي، وبشر بن خزيمة الأسدي فقطعا الجسر، فناداهم أهل ~~الشام: هذا أمير المؤمنين مروان! فقالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفر! ~~وسبه أهل الموصل، وقالوا: يا جعدي! يا معطل الحمد لله الذي أزال سلطانكم ~~وذهب بدولتكم! الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا! فلما سمع ذلك سار إلى ~~بلد فعبر دجلة وأتى حران، وبها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمد بن مروان ~~عامله عليها، فأقام بها نيفا وعشرين يوما. # وسار عبد الله بن علي حتى أتى الموصل، فدخلها وعزل عنها هشاما، واستعمل ~~عليها محمد بن صول، ثم سار في أثر مروان بن محمد، فلما دنا منه عبد الله ~~حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزما، وخلف بمدينة حران ابن أخيه أبان بن ~~يزيد، وتحته أم عثمان ابنة مروان. # وقدم عبد الله بن علي حران، فلقيه أبان مسودا مبايعا له، فبايعه ودخل في ~~طاعته، فآمنه ومن كان بحران والجزيرة. # ومضى مروان إلى حمص، فلقيه أهلها بالسمع والطاعة، فأقام بها يومين أو ~~ثلاثة ثم سار منها. فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم، ~~فاتبعوه بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال. # فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم، فلما جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه ~~وناشدهم، فأبوا إلا قتاله، فقاتلهم وأتاهم الكمين من خلفهم، فانهزم أهل حمص ~~وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب المدينة. # وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلفه بها وقال: ~~قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام. ومضى مروان حتى أتى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس، ~~وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي، فأرسل مروان إلى عبد الله بن ~~يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره، وكان بيت المال في يد الحكم. # وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره باتباع مروان، فسار حتى ~~أتى الموصل، فتلقاه من بها مسودين وفتحوا له المدينة، ثم سار إلى حران، ~~فتلقاه أبان بن يزيد مسودا، كما تقدم، فآمنه وهدم عبد الله الدار التي حبس ms1930 ~~فيها إبراهيم. # ثم سار من حران إلى منبج، وقد سودوا، فأقام بها، وبعث إليه أهل قنسرين ~~ببيعتهم، وقدم عليه # PageV05P018 # أخوه عبد الصمد بن علي أرسله السفاح مددا له في أربعة آلاف، فسار بعد ~~قدوم عبد الصمد بيومين إلى قنسرين، وكانوا قد سودوا، (فأقام يومين) ، ثم ~~سار إلى حمص وبايع أهلها وأقام بها أياما، ثم سار إلى بعلبك، فأقام يومين، ~~ثم سار فنزل مزة دمشق، وهي قرية من قرى الغوطة. # وقدم عليه أخوه صالح بن علي مددا، فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف، ثم ~~تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح على باب الجابية، ونزل أبو ~~عون على باب كيسان، ونزل بسام بن إبراهيم على باب الصغير، ونزل حميد بن ~~قحطبة على باب توما، وعبد الصمد، ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب ~~الفراديس، وفي دمشق الوليد بن معاوية، فحصروه ودخلوها عنوة يوم الأربعاء ~~لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # وكان أول من صعد سور المدينة من باب شرقي عبد الله الطائي، ومن ناحية باب ~~الصغير بسام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وقتل الوليد بن معاوية ~~فيمن قتل. # وأقام عبد الله بن علي في دمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين، فلقيه ~~أهل الأردن وقد سودوا، وأتى نهر أبي فطرس وقد ذهب مروان، فأقام عبد الله ~~بفلسطين، ونزل بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشمي، فأتاه كتاب السفاح يأمره ~~بإرسال صالح بن علي في طلب مروان. # فسار صالح من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومعه ~~ابن فتان، وعامر بن إسماعيل، فقدم صالح أبا عون، وعامر بن إسماعيل الحارثي، ~~فساروا حتى بلغوا العريش. # فأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام. # وسار صالح فنزل النيل، ثم سار حتى أتى الصعيد، وبلغه أن خيلا لمروان ~~يحرقون الأعلاف فوجه إليهم فأخذوا، وقدم بهم على صالح وهو بالفسطاط، وسار ~~فنزل موضعا يقال له ذات السلاسل. # وقدم أبو عون عامر بن إسماعيل الحارثي، وشعبة بن كثير ms1931 المازني في خيل أهل ~~الموصل، فلقوا خيلا لمروان، فهزموهم وأسروا منهم رجالا، فقتلوا بعضا ~~واستحيوا بعضا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم. # وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير، فوافوه ليلا، وكان أصحاب أبي عون ~~قليلين، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا ولم ينج ~~منا أحد. # وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل ~~رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه، وصاح صائح: صرع أمير المؤمنين! فابتدروه ~~فسبق إليه رجل من # PageV05P019 # أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون، ~~وبعثه أبو عون إلى صالح. # فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه، فانقطع لسانه، فأخذه هر، فقال صالح: ~~ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر! هذا لسان مروان قد أخذه هر. # وقال شاعر: # قد فتح الله مصرا عنوة لكم ... وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما # فلاك مقوله هر يجرره ... وكان ربك من ذي الكفر منتقما # وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح. # وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة، ورجع صالح إلى الشام، وخلف أبا عون ~~بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق. # ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: ~~الحمد لله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك، ولم يبق ثأري قبلك، وقبل رهطك ~~أعداء الدين! وتمثل: # لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني # ولما قتل مروان هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى أرض الحبشة، فلقوا من ~~الحبشة بلاء، قاتلهم الحبشة فقتل عبيد الله ونجا عبد الله في عدة ممن معه، ~~فبقي إلى خلافة المهدي، فأخذه نصر بنمحمد بن الأشعث، عامل فلسطين، فبعث به ~~إلى المهدي. # ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن ~~خادما، وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر وأخذ نساء مروان وبناته، فسيرهن ~~إلى صالح بن علي بن عبد الله بن عباس. # فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى، فقالت: ms1932 يا عم أمير # PageV05P020 # المؤمنين! حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك، وابن ~~عمك فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا. # قال: والله لا أستبقي منكم واحدا! ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام؟ ~~ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين، وصلبه في الكوفة؟ ألم ~~يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد، وصلبه بخراسان؟ ألم يقتل ابن زياد الدعي ~~مسلم بن عقيل؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته؟ ألم يخرج ~~إليه بحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا فوقفهن موقف السبي؟ ألم ~~يحمل رأس الحسين وقد قرع دماغه؟ فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن؟ ! ~~قالت: فليسعنا عفوكم! فقال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل! ~~فقالت: وأي عز خير من هذا! بل تلحقنا بحران. فحملهن إليها، فلما دخلنها ~~ورأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء. # قيل: كان يوما بكير بن ماهان مع أصحابه قبل أن يقتل مروان يتحدث، إذ مر ~~به عامر بن إسماعيل وهو لا يعرفه، فأتى دجلة واستقى من مائها ثم رجع، فدعاه ~~بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر بن إسماعيل بن الحارث. قال: فكن ~~[من] بني مسلية. قال: فأنا منهم. قال: أنت والله تقتل مروان! فكان هذا ~~القول هو الذي قوى طمع عامر في قتل مروان. # ولما قتل مروان كان عمره اثنتين وستين سنة، وقيل: تسعا وستين سنة، وكانت ~~ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما، وكان ~~يكنى أبا عبد الملك. # وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم بن الأشتر، أخذها محمد بن مروان ~~يوم قتل إبراهيم، فولدت مروان، فلهذا قال عبد الله بن عياش المنتوف للسفاح: ~~الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ابن عبد المطلب. # وكان مروان يلقب بالحمار، والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في # PageV05P021 # القول بخلق القرآن والقدر وغير ms1933 ذلك. # وقيل: إن الجعد كان زنديقا، وعظه ميمون بن مهران فقال: لشاه قباذ أحب إلي ~~مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام ~~فظفر به، وسيره إلى خالد القسري فقتله، فكان الناس يذمون مروان بنسبته ~~إليه. # وكان مروان أبيض أشهل شديد الشهلة، ضخم الهامة، كث اللحية أبيضها، ربعة، ~~وكان شجاعا حازما، إلا أن مدته انقضت فلم ينفعه حزمه ولا شجاعته. # (عياش بالياء تحتها نقطتان، والشين المعجمة) . # ذكر من قتل من بني أمية # دخل سديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه، فقال ~~سديف: # لا يغرنك ما ترى من الرجال ... إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا. # فقال سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل. # ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني ~~أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل، فقال: # أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس # طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس # PageV05P022 # ذلها أظهر التودد منها # وبها منكم كحر المواسي ... ولقد غاظني وغاظ سوائي # قربهم من نمارق وكراسي ... أنزلوها بحيث أنزلها الل # ه بدار الهوان والإتعاس ... واذكروا مصرع الحسين وزيدا # وقتيلا بجانب المهراس ... والقتيل الذي بحران أضحى # ثاويا بين غربة وتناس. # فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع، فأكل ~~الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا. # وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي ~~سفيان، # PageV05P023 # فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي ~~سفيان فوجدوا فيه حطاما كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا ~~جمجمته، وكان لا يوجد في القبر [إلا] العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد ~~الملك فإنه وجد صحيحا لم يبل منه ms1934 إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه ~~وحرقه وذراه في الريح. # وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع ~~أو من هرب إلى الأندلس، فقتلهم بنهر أبي فطرس، وكان فيمن قتل: محمد بن عبد ~~الملك بن مروان، والغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن سليمان بن ~~عبد الملك، وسعيد بن عبد الملك. # وقيل: إنه مات قبل ذلك، وأبو عبيدة بن الوليد بن عبد الملك. # وقيل: إن إبراهيم بن يزيد المخلوع قتل معهم، واستصفى كل شيء لهم من مال، ~~وغير ذلك، فلما فرغ منهم قال: # بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأول الماضي # يطيب النفس أن النار تجمعكم ... عوضتم [من] لظاها شر معتاض # منيتم، لا أقال الله عثرتكم ... بليث غاب إلى الأعداء نهاض # إن كان غيظي لفوت منكم ... فلقد منيت منكم بما ربي به راض. # وقيل: إن سديفا أنشد هذا الشعر للسفاح، ومعه كانت الحادثة، وهو الذي ~~قتلهم. # وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضا جماعة من بني أمية، ~~عليهم الثياب الموشية المرتفعة، وأمر بهم فجروا بأرجلهم، فألقوا على ~~الطريق، فأكلتهم الكلاب. # فلما رأى بنو أمية ذلك اشتد خوفهم، وتشتت شملهم، واختفى من قدر على ~~الاختفاء، وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن ~~أبي سفيان. # قال: وكنت لا آتي مكانا إلا عرفت فيه، فضاقت علي الأرض، فقدمت على سليمان ~~بن # PageV05P024 # علي، وهو لا يعرفني، فقلت: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما ~~قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالما فأمنت. # فقال: ومن أنت؟ فعرفته نفسي، فقال: مرحبا بك، ما حاجتك؟ فقلت: إن الحرم ~~اللواتي أنت أولى الناس بهن، وأقربهم إليهن، قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف ~~عليه. # قال: فبكى كثيرا ثم قال: يحقن الله دمك ويوفر مالك ويحفظ حرمك. # ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين إنه قد وفد وافد من بني أمية علينا، ~~وإنا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإننا يجمعنا ms1935 وإياهم عبد ~~مناف، والرحم تبل ولا تقتل، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتابا عاما إلى البلدان، نشكر الله تعالى ~~على نعمه عندنا، وإحسانه إلينا. فأجابه إلى ما سأل، فكان هذا أول أمان بني ~~أمية. # ذكر خلع حبيب بن مرة المري # وفي هذه السنة بيض حبيب بن مرة المري، وخلع هو ومن معه من أهل البثنية ~~وحوران، وكان خلعهم قبل خلع أبي الورد، فسار إليه عبد الله وقاتله دفعات، ~~وكان حبيب من قواد مروان وفرسانه. # وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم. ~~فلما بلغ عبد الله خروج أبي الورد وتبييضه، دعا حبيبا إلى الصلح، فصالحه ~~وآمنه معه، وسار نحو أبي الورد. # ذكر خلع أبي الورد وأهل دمشق # وفيها خلع أبو الورد مجزاة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من ~~أصحاب مروان وقواده. # وكان سبب ذلك أن مروان لما انهزم قام أبو الورد بقنسرين، فقدمها عبد الله ~~بن علي، فبايعه أبو الورد، ودخل فيما دخل فيه جنده، وكان ولد مسلمة بن عبد ~~الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن ~~علي، فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد، فخرج من ~~مزرعة [له] يقال لها # PageV05P025 # خساف، فقتل ذلك القائد ومن معه، وأظهر التبييض والخلع لعبد الله، ودعا ~~أهل قنسرين إلى ذلك، فبيضوا أجمعهم، والسفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن ~~علي مشتغل بحرب حبيب بن مرة المري بأرض البلقاء وحوران والبثنية، على ما ~~ذكرناه. # فلما بلغ عبد الله تبييض أهل قنسرين وخلعهم صالح حبيب بن مرة، وسار نحو ~~قنسرين للقاء أبي الورد، فمر بدمشق، فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي ~~الطائي في أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله، وأمهات أولاده وثقله. # فلما قدم حمص انتقض له أهل دمشق وبيضوا، وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى ~~بن سراقة الأزدي، فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه، وقتلوا من أصحابه ms1936 مقتلة ~~عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله خلف من ثقله، ولم يعرضوا لأهله، واجتمعوا ~~على الخلاف. وسار عبد الله. # وكان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة [من] أهل قنسرين وكاتبوا من يليهم من ~~أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن ~~معاوية، ودعوا إليه، وقالوا: هذا السفياني الذي كان يذكر، وهم في نحو من ~~أربعين ألفا، فعسكروا بمرج الأخرم. # ودنا منهم عبد الله بن علي، ووجه إليهم أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة ~~آلاف، وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال، فناهضهم ~~القتال، وكثر القتل في الفريقين، وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم ألوف ~~ولحق بأخيه عبد الله. # فأقبل عبد الله معه وجماعة القواد فالتقوا ثانية بمرج الأخرم، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، وثبت عبد الله، فانهزم أصحاب أبي الورد، وثبت هو في نحو من ~~خمسمائة من قومه وأصحابه، فقتلوا جميعا، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا ~~بتدمر، وآمن عبد الله أهل قنسرين، وسودوا وبايعوا ودخلوا في طاعته. # ثم انصرف راجعا إلى أهل دمشق لما كان من تبييضهم [عليه] ، فلما دنا منهم ~~هرب الناس، ولم يكن منهم قتال، وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما ~~كان منهم. # ولم يزل أبو محمد السفياني متغيبا هاربا ولحق بأرض الحجاز (وبقي كذلك إلى ~~أيام المنصور) ، فبلغ زياد بن عبد الله الحارثي عامل المنصور مكانه، فبعث ~~إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه وأخذوا ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد ~~بن عبد الله السفياني # PageV05P026 # وبابنيه، فأطلقهما المنصور وآمنهما. # وقيل: إن حرب عبد الله وأبي الورد كانت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ~~ومائة. # ذكر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم # وفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس السفاح، وساروا إلى ~~حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح، فحاصروه بها، وليس على ~~أهل الجزيرة رأس يجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من إرمينية، ~~وكان سار عنها حين بلغه هزيمة مروان، ms1937 فاجتمع عليه أهل الجزيرة، وحاصر موسى ~~بن كعب نحوا من الشهرين. # ووجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط ~~محاصرين ابن هبيرة، فسار فاجتاز بقرقيسيا والرقة، وأهلهما قد تبيضوا، وسار ~~نحو حران، فرحل إسحاق بن مسلم إلى الرهاء، وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ~~وخرج موسى بن كعب من حران فلقي أبا جعفر. # ووجه إسحاق بن مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى ربيعة بدارا وماردين، ورئيس ~~ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة، فعمد إليهم أبو جعفر فلقيهم، ~~فقاتلوه قتالا شديدا، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق ~~بالرهاء، فخلفه إسحاق بها وسار إلى سميساط في عظم عسكره، وأقبل أبو جعفر ~~إلى الرهاء، وكان بينهم وبين بكار وقعات. # وكتب السفاح إلى عبد الله بن علي يأمره أن يسير في جنوده إلى سميساط، ~~فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بسميساط، وإسحاق في ستين ألفا وبينهم الفرات، ~~وأقبل أبو جعفر من الرهاء، وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، وكان إسحاق ~~يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل. # فأرسل إليه أبو جعفر: إن مروان قد قتل. فقال: حتى أتيقن. فلما تيقن قتله ~~طلب الصلح والأمان، فكتبوا إلى السفاح بذلك وأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، ~~فكتبوا بينهم كتابا # PageV05P027 # بذلك، وخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وكان عنده من آثر صحابته، واستقام أهل ~~الجزيرة والشام. # وولى أبو العباس أخاه أبا جعفر الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، فلم يزل ~~عليها حتى استخلف. # وقد قيل: إن عبيد الله بن علي هو الذي آمن إسحاق بن مسلم. # ذكر قتل أبي سلمة الخلال وسليمان بن كثير # قد ذكرنا ما كان من أبي سلمة في أمر أبي العباس السفاح ومن كان معه من ~~بني هاشم عند قدومهم الكوفة، بحيث صار عندهم متهما، وتغير السفاح عليه وهو ~~بعسكره بحمام أعين، ثم تحول عنه إلى المدينة الهاشمية، فنزل قصر الإمارة ~~بها وهو متنكر لأبي سلمة، وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه فيه وما ms1938 كان هم به ~~من الغش، وكتب إليه أبو مسلم: إن كان أمير المؤمنين اطلع على ذلك منه ~~فليقتله. # فقال داود بن علي للسفاح: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم ~~عليك، وأهل خراسان الذين معك أصحابه، وحاله فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي ~~مسلم فليبعث إليه من يقتله. # فكتب إليه، فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي لقتله، فقدم على السفاح ~~فأعلمه بسبب قدومه، فأمر السفاح مناديا فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن ~~أبي سلمة ودعاه فكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة ~~الليل، ثم انصرف إلى منزله وحده، فعرض له مرار بن أنس، ومن معه من أعوانه ~~فقتلوه، وقالوا: قتله الخوارج. # ثم أخرج من الغد، فصلى عليه يحيى بن محمد بن علي، ودفن بالمدينة الهاشمية ~~عند الكوفة، فقال سليمان بن المهاجر البجلي: # إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك صار وزيرا # وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم: أمير آل محمد. # PageV05P028 # فلما قتل أبو سلمة وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم، فلما قدم على ~~أبي مسلم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج، وسليمان بن كثير، فقال سليمان ~~بن كثير لعبيد الله: يا هذا، إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا ~~إلى ما تريدون. # فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فأتى أبا مسلم فأخبره وخاف أن يعلمه ~~أن يقتله، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير، وقال له: أتحفظ قول الإمام لي من ~~اتهمته فاقتله؟ قال: نعم. قال: فإني قد اتهمتك. قال: أنشدك الله! قال: لا ~~تناشدني، فأنت منطو على غش الإمام، وأمر بضرب عنقه. # ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال: لست خليفة، ولا أمرك بشيء إن تركت أبا ~~مسلم ولم تقتله. قال. وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد. قال أبو ~~العباس: فاكتمها. # وقد قيل: إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم قبل أن يقتل أبو سلمة. # وكان سبب ذلك ms1939 أن السفاح لما ظهر تذاكروا ما صنع أبو سلمة، فقال بعض من ~~هناك: لعل ما صنع كان من رأي أبي مسلم. فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه ~~إنا لنعرفن بلاء إلا أن يدفعه الله عنا. وأرسل أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم ~~ليعلم رأيه. فسار إليه وأعلمه ما كان من أبي سلمة، فأرسل مرار بن أنس ~~فقتله. # ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسط # قد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هبيرة والجيش الذين لقوه من أهل خراسان ~~مع قحطبة، ثم مع ابنه الحسن، وانهزامه إلى واسط وتحصنه بها، وكان لما انهزم ~~قد وكل بالأثقال قوما، فذهبوا بها، فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل ~~صاحبهم؟ يعني قحطبة، امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو ~~تظفر. قال: بل نأتي واسط فننظر. قال: ما تزيد على أن تمكنه من نفسك وتقتل. # وقال يحيى بن حضين: إنك لو تأتي مروان بشيء أحب إليه من هذه الجنود، ~~فالزم الفرات حتى تأتيه، وإياك وواسط فتصير في حصار، وليس بعد الحصر إلا ~~القتل. فأبى. # PageV05P029 # وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه، فخاف أن يقتله، فأتى ~~واسط فتحصن بها، وسير أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره، وأول وقعة كانت ~~بينهم يوم الأربعاء. . # قال أهل الشام لابن هبيرة: ايذن لنا في قتالهم. فأذن لهم، فخرجوا وخرج ~~ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود، فالتقوا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة، ~~فحمل خازم على ابن هبيرة، فانهزم هو ومن معه وغص الباب بالناس، ورمى أصحابه ~~بالعرادات. # ورجع أهل الشام، فكر عليهم الحسن واضطرهم إلى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، ~~فتلقوهم بالسفن وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام ثم خرجوا إليهم، فاقتتلوا، ~~وانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة، فدخلوا المدينة، فمكثوا ما شاء الله لا ~~يقاتلون إلا رميا. # وبلغ ابن هبيرة، وهو في الحصار، أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه، ~~فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة الشيباني، وأخذوا ثلاثة نفر من ~~فزارة ms1940 رهط ابن هبيرة فحبسوهم. # (وشتموا ابن هبيرة) وقالوا: لا نترك ما في أيدينا حتى يترك ابن هبيرة ~~صاحبنا. وأبى ابن هبيرة أن يطلقه، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلي ~~فيمن معهما. فقيل لابن هبيرة: هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم، وإن تماديت في ذلك ~~كانوا أشد عليك ممن حصرك. فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا ~~إلى ما كانوا عليه. # وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان إلى الحسن، فأوفد الحسن ~~وفدا إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غيلان بن عبد الله ~~الخزاعي، وكان غيلان واجدا على الحسن لأنه سرحه إلى روح بن حاتم مددا له، ~~فلما قدم على السفاح وقال: أشهد أنك أمير المؤمنين، وأنك حبل الله المتين، ~~وأنك إمام المتقين. # قال: حاجتك يا غيلان؟ قال: أستغفرك. قال: غفر الله لك. قال غيلان: يا ~~أمير المؤمنين من علينا برجل من [أهل] بيتك. قال: أوليس عليكم رجل من أهل ~~بيتي الحسن بن قحطبة؟ قال: يا أمير المؤمنين، من علينا برجل من أهل بيتك ~~ننظر إلى وجهه، وتقر عيننا به. فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ابن هبيرة عند ~~رجوعه من خراسان. # وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي ~~حاضرا، فاسمع له وأطع وأحسن موازرته. وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك. ~~وكان الحسن هو المدبر لأمر ذلك العسكر. # PageV05P030 # فلما قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها، ~~وجعل الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك. # وقاتلهم مالك بن الهيثم يوما فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم وقد كمن لهم ~~معن وأبو يحيى الجذامي. فلما جازهم أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلوهم حتى ~~جاء الليل، وابن هبيرة على برج الخلالين، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل، ~~وسرح ابن هبيرة إلى معن يأمره بالانصراف، فانصرف، فمكثوا أياما. # وخرج أهل واسط أيضا مع معن ومحمد بن نباتة، فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم ~~إلى دجلة حتى تساقطوا فيها، ورجعوا وقد قتل ولد مالك ms1941 بن الهيثم، فلما رآه ~~أبوه قتيلا قال: لعن الله الحياة بعدك! ثم حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتى ~~أدخلوهم المدينة. # وكان مالك يملأ السفن حطبا، ثم يضرمها نارا لتحرق ما مرت به، فكان ابن ~~هبيرة يجر تلك السفن بكلاليب، فمكثوا كذلك أحد عشر شهرا. # فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح، ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر قتل مروان، ~~أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسري وقال لهم: علام تقتلون أنفسكم وقد قتل ~~مروان؟ وتجنى أصحاب ابن هبيرة عليه. # فقالت اليمانية: لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره. وقالت النزارية: لا ~~نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية، وكان يقاتل معه صعاليك الناس وفتيانهم. # وهم ابن هبيرة بأن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي، فكتب ~~إليه، فأبطأ جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، ~~فخرج إليه زياد بن صالح، وزياد بن عبد الله الحارثيان، ووعدا ابن هبيرة أن ~~يصلحا له ناحية ابن العباس، فلم يفعلا. # وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة، حتى جعل له أمانا، وكتب به كتابا ~~مكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه، فأنفذه إلى أبي ~~جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح، فأمره بإمضائه. # وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون ~~أبي مسلم، وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على السفاح، فكتب السفاح إلى أبي ~~مسلم يخبره أمر ابن هبيرة، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت ~~فيه الحجارة فسد، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة. # ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة [من ~~البخارية] ، # PageV05P031 # وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم، فقال: مرحبا ~~[بك] أبا خالد، انزل راشدا! وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل ~~خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، وأدخل القواد ثم أذن لابن هبيرة ~~وحده، فدخل، وحادثه ساعة، ثم قام. # ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما، ms1942 فكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة ~~راجل، فقيل لأبي جعفر: إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من ~~سلطانه شيء. فأمره أبو جعفر أن لا يأتي إلا في حاشيته، فكان يأتي في ~~ثلاثين، ثم صار يأتي في ثلاثة أو أربعة. # وكلم ابن هبيرة المنصور يوما، فقال له ابن هبيرة: يا هناه! أو: يا أيها ~~المرء! ثم رجع، فقال: أيها الأمير، إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به ~~لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده. فألح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتل ~~ابن هبيرة، وهو يراجعه حتى كتب إليه: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من ~~يخرجه من حجرتك ثم يتولى قتله. # فعزم على قتله، فبعث خازم بن خزيمة، والهيثم بن ظهير وأمرهما بختم بيوت ~~الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة من القيسية والمضرية فأحضرهم، ~~فأقبل محمد بن نباتة، وحوثرة بن سهيل في اثنين وعشرين رجلا، فخرج سلام بن ~~سليم، فقال: أين ابن نباتة وحوثرة؟ فدخلا وقد أجلس أبو جعفر عثمان بن نهيك ~~وغيره في مائة في حجرة دون حجرته، فنزعت سيوفهما وكتفا، واستدعى رجلين ~~رجلين يفعل بهما مثل ذلك. # فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد الله ثم غدرتم بنا! إنا لنرجو أن يدرككم الله! ~~وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه وقال: كأني كنت أنظر إلى هذا. # وانطلق خازم والهيثم بن شعبة في نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا: نريد ~~حمل المال. فقال لحاجبه: دلهم على الخزائن. فأقاموا عند كل بيت نفرا، ~~وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجره. # فلما أقبلوا نحوه قام حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل ~~عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود، وأقبل هو إليه ونحى ابنه من حجره، فقال: ~~دونكم هذا الصبي، وخر ساجدا فقتل، وحملت رءوسهم إلى أبي جعفر. # ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر، وخالد بن سلمة ~~المخزومي، وعمر بن ذر، فاستأمن زياد بن عبد الله لابن ذر، ms1943 فآمنه، وهرب ~~الحكم، وآمن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح، ولم يجز أمان أبي جعفر. # فقال أبو العطاء السندي يرثي ابن هبيرة: # PageV05P032 # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات ~~وصفقت أكف بأيدي مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود ~~وفود فإنك لم تبعد على متعهد بلى كل من تحت التراب بعيد. # ذكر قتل عمال أبي سلمة بفارس # وفي هذه السنة وجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن ~~يقتل عمال أبي سلمة، ففعل ذلك، فوجه السفاح عمه عيسى بن علي إلى فارس، ~~وعليها محمد بن الأشعث. # فأراد محمد قتل عيسى، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك. فقال: بلى أمرني أبو ~~مسلم أن لا يقدم أحد علي يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه، ثم ترك عيسى ~~خوفا من عاقبة قتله، واستحلف عيسى بالأيمان المحرجة أن لا يعلو منبرا، ولا ~~يتقلد سيفا إلا في جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك ولاية، ولا تقلد سيفا إلا في ~~غزو، ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس. # ذكر ولاية يحيى بن محمد الموصل وما قيل فيها # وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن ~~صول. # وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول، وقالوا: يلي ~~علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك، واستعمل عليهم ~~أخاه يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل. # فنزل قصر الإمارة مجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئا ينكرونه، ~~ولم يعترضهم فيما يفعلونه، ثم # PageV05P033 # دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم ~~الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه، ~~فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه، ~~فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفا ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقا كثيرا. ms1944 # فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك ~~الصوت، فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، ~~وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا ~~النساء قهرا. # فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع، وبين ~~يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد ~~أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت له: ألست من بني هاشم؟ ألست ابن عم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟ ~~فأمسك عن جوابها، وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما ~~كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. # وقيل: كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من محبة بني أمية، وكراهة ~~بني العباس، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمي من السطح فوقع على رأس بعض ~~الخراسانية، فظنها فعلت ذلك تعمدا، فهاجم الدار، وقتل أهلها، فثار أهل ~~البلد وقتلوه، وثارت الفتنة. # وفيمن قتل معروف بن أبي معروف، وكان زاهدا عابدا، وقد أدرك كثيرا من ~~الصحابة وروى عنهم. # ذكر عدة حوادث # وفيها وجه السفاح أخاه المنصور واليا على الجزيرة وأذربيجان وإرمينية، ~~وفيها عزل عمه داود بن علي عن الكوفة وسوادها، وولاه المدينة ومكة واليمن ~~واليمامة، وولى موضعه من عمل الكوفة ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد، ~~فاستقضى عيسى على الكوفة ابن أبي ليلى. # PageV05P034 # وكان العامل على البصرة هذه السنة سفيان بن عيينة المهلبي، وعلى قضائها ~~الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، ~~وعلى الجزيرة وإرمينية وأذربيجان أبو جعفر بن محمد بن علي، وعلى الموصل ~~يحيى بن محمد بن علي، وعلى الشام عبد الله بن علي، وعلى مصر أبو عون عبد ~~الملك بن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن ~~برمك. # وحج بالناس هذه السنة داود بن علي. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الله ms1945 بن أبي نجيح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ~~الأنصاري. # وفيها قتل يحيى بن معاوية بن هشام بن عبد الملك مع مروان بن محمد بالزاب، ~~ويحيى أخو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس. # وفيها قتل يونس بن ميسرة بن حلبس بدمشق لما دخلها عبد الله بن علي وكان ~~عمره عشرين ومائة سنة، قتله رجلان من خراسان ولم يعرفاه، فلما عرفاه بكيا ~~عليه، وقيل: بل عضته دابة من دوابه فقتلته، وكان ضريرا. # وفيها مات صفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن. # وفيها توفي محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بالمدينة، وكان ~~قاضيها. # PageV05P035 # وفيها مات همام بن منبه. وعبد الله بن عوف. وسعيد بن سليمان بن زيد بن ~~ثابت الأنصاري. وخبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يسار الأنصاري، وهو خال ~~عبيد الله بن عمر العمري، (خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة) . # وعمارة بن أبي حفصة، واسم أبي حفصة ثابت مولى العتيك بن الأزد، وهو والد ~~حرمي، كنيته أبو روح، (حرمي بفتح الحاء والراء المهملتين) . # وفيها توفي عبد الله بن طاوس بن كيسان الهمداني من عباد أهل اليمن ~~وفقهائهم. # PageV05P036 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة] ### | 133 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة # ذكر ملك الروم ملطية # في هذه السنة أقبل قسطنطين، ملك الروم، إلى ملطية وكمخ، فنازل كمخ، فأرسل ~~أهلها إلى أهل ملطية يستنجدونهم، فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم ~~الروم، فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطية وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة ~~بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحران. # فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين ~~واختلافهم، فلكم الأمان وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترث ملطية. فلم ~~يجيبوه إلى ذلك، فنصب المجانيق، فأذعنوا وسلموا البلاد على الأمان، ~~وانتقلوا إلى بلاد الإسلام، وحملوا ما أمكنهم حمله، وما لم يقدروا على حمله ~~ألقوه في الآبار والمجاري. # فلما ساروا عنها أخربها الروم ورحلوا عنها عائدين، وتفرق أهلها في بلاد ~~الجزيرة، وسار ملك الروم إلى قاليقلا، ms1946 فنزل مرج الحصى، وأرسل كوشان الأرمني ~~فحصرها، فنقب إخوان من الأرمن من أهل المدينة ردما كان في سورها، فدخل ~~كوشان # PageV05P037 # ومن معه المدينة وغلبوا عليها، وقتلوا رجالها، وسبوا النساء، وساق القائم ~~إلى ملك الروم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وجه السفاح عمه سليمان بن علي واليا على البصرة، وأعمالها ~~وكور دجلة والبحرين وعمان ومهرجانقذق، واستعمل عمه إسماعيل بن علي على ~~الأهواز # وفيها قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد ~~قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي ~~بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غاديا ورائحا فيما يذلهم ويسوؤهم؟ فلم يقبل منه ~~وقتلهم. # وفيها مات داود بن علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف حين حضرته ~~الوفاة ابنه موسى، ولما بلغت السفاح وفاته استعمل على مكة والمدينة والطائف ~~واليمامة خاله زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي. # ووجه محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان على اليمن. فلما قدم زياد ~~المدينة وجه إبراهيم بن حسان السلمي، وهو أبو حماد الأبرص بن المثنى، إلى ~~يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه. # وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتل أهلها قتالا شديدا حتى ~~فتحها. # PageV05P038 # وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم، ونقم عليه، وقال: ما ~~على هذا اتبعنا آل محمد، أن تسفك الدماء وأن يعمل بغير الحق! وتبعه على ~~رأيه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي ~~فقاتله، وقتله زياد. # وفيها توجه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختل فدخلها، ولم يمتنع عليه ~~حبيش بن الشبل ملكها بل تحصن منه هو وأناس من الدهاقين، فلما ألح عليه أبو ~~داود خرج من الحصن هو ومن معه من دهاقينه وشاكريته حتى انتهوا إلى أرض ~~فرغانة، ثم دخلوا بلد الترك، وانتهوا إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر ~~به منهم، فبعث بهم إلى أبي مسلم، ms1947 # وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان الذي يقال ~~له الأسود بأمان كتبه له. # وفيها وجه صالح بن علي سعيد بن عبد الله ليغزو الصائفة وراء الدروب. # (وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن علي. وإنما ~~عزل يحيى لقتله أهل الموصل) ، وسوء أثره فيهم. # وحج بالناس هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثي. وكان العمال من ذكرنا ~~إلا الحجاز واليمن والموصل، فقد ذكرنا من استعمل عليها. # PageV05P039 # وفيها تخالف إخشيد فرغانة وملك الشاش، فاستمد إخشيد ملك الصين فأمده ~~بمائة ألف مقاتل، فحصروا ملك الشاش، فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ~~ولأصحابه بما يسوؤهم. # وبلغ الخبر أبا مسلم فوجه إلى حربهم زياد بن صالح، فالتقوا على نهر طراز ~~فظفر بهم المسلمون، وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفا، وأسروا نحو عشرين ألفا، ~~وهرب الباقون إلى الصين، وكانت الوقعة في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين. # [الوفيات] # وفيها توفي مروان بن أبي سعيد. وابن المعلى الزرقي الأنصاري. وعلي بن ~~بذيمة مولى جابر بن سمرة السوائي. (بذيمة بفتح الباء الموحدة، وكسر الذال ~~المعجمة) . # PageV05P040 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة] ### | 134 - # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة # [ذكر خلع بسام بن إبراهيم] # وفي هذه السنة خلع بسام بن إبراهيم بن بسام، وكان من فرسان أهل خراسان، ~~وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأيه سرا إلى المدائن، فوجه إليه السفاح ~~خازم بن خزيمة، فاقتتلوا، فانهزم بسام وأصحابه، وقتل أكثرهم، وقتل كل من ~~لحقه منهزما. # ثم انصرف فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان، وهم ~~خمسة وثلاثون رجلا، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا، ومن مواليهم سبعة عشر، فلم ~~يسلم عليهم، فلما جازهم شتموه. # وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بن الفزع وأنه ~~لجأ إليهم، وكان من أصحاب بسام، فرجع إليهم وسألهم عن المغيرة، فقالوا: مر ~~بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنا. فقال لهم: أنتم ms1948 ~~أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه ويأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! ~~فأغلظوا له في الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعا، وهدم دورهم، ونهب ~~أموالهم ثم انصرف. # فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبد الله الحارثي معهم على ~~السفاح، فقالوا له: إن خازما اجترأ عليك واستخف بحقك، وقتل أخوالك الذين ~~قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك حتى صاروا في جوارك، قتلهم ~~خازم وهدم دورهم، ونهب أموالهم بلا حدث أحدثوه. # فهم بقتل خازم فبلغ ذلك موسى بن كعب، وأبا الجهم بن عطية، فدخلا على ~~السفاح وقالا: يا أمير المؤمنين، بلغنا ما كان من هؤلاء، وأنك هممت بقتل ~~خازم، وإنا نعيذك بالله من ذلك، فإن له طاعة وسابقة، وهو يحتمل له ما صنع، ~~فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب والأولاد وقتلوا من ~~خالفكم، وأنت أحق من تغمد إساءة مسيئهم. # فإن كنت لا بد مجمعا على قتله فلا # PageV05P041 # تتول ذلك بنفسك وابعثه لأمر إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي تريد، وإن ظفر ~~كان ظفره لك. # وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج، وإلى الخوارج الذين ~~بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فأمر السفاح بتوجيهه مع ~~سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن علي، وهو على البصرة، بحملهم إلى جزيرة ~~ابن كاوان وعمان، فسار خازم. # ذكر أمر الخوارج وقتل شيبان بن عبد العزيز # فلما سار خازم إلى البصرة في الجند الذين معه، وكان قد انتخب من أهله ~~وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو الروذ من يثق به، فلما وصل البصرة حملهم ~~سليمان في السفن، وانضم إليه بالبصرة أيضا عدة من بني تميم، فساروا في ~~البحر حتى أرسوا بجزيرة ابن كاوان. # فوجه خازم فضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا ~~قتالا شديدا، فركب شيبان وأصحابه السفن وساروا إلى عمان، وهم صفرية. فلما ~~صاروا إلى عمان قاتلهم الجلندى وأصحابه، وهم إباضية، واشتد القتال بينهم، ~~فقتل شيبان ومن معه. وقد تقدم سنة تسع وعشرين ومائة قتل شيبان ms1949 على هذا ~~السياق. # ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسوا إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى ~~الصحراء، فلقيهم الجلندى وأصحابه واقتتلوا قتالا شديدا، وكثر القتل يومئذ ~~في أصحاب خازم، وقتل منهم أخ له من أمه في تسعين رجلا، ثم اقتتلوا من الغد ~~قتالا شديدا، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة وأحرق منهم نحو من تسعين رجلا. # ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به بعض أصحاب خازم، ~~أشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة، ويرووها ~~بالنفط ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب ~~الجلندى، وكانت من خشب. # فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم ~~وأهاليهم، فحمل عليهم خازم وأصحابه، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم، وقتلوا ~~الجلندى فيمن قتل، وبلغ # PageV05P042 # عدة القتلى عشرة آلاف، وبعث برءوسهم إلى البصرة، فأرسلها سليمان إلى ~~السفاح، وأقام خازم بعد ذلك أشهرا حتى استقدمه السفاح فقدم. # ذكر غزوة كس # وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كس، فقتل الإخريد ملكها، ~~وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ~~ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئا كثيرا، ~~فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، واستحيا طاران أخا ~~الإخريد، وملكه على كس. # وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصغد وبخارى، وأمر ببناء سور ~~سمرقند، واستخلف زياد بن صالح عليها وعلى بخارى، ورجع أبو داود إلى بلخ. # ذكر حال منصور بن جمهور # وفي هذه السنة وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن جمهور، ~~فسار واستخلف مكانه على شرط السفاح المسيب بن زهير، وقدم موسى السند فلقي ~~منصورا في اثني عشر ألفا، فانهزم منصور ومن معه ومضى، فمات عطشا في الرمال، ~~وقد قيل أصابه بطنه فمات. وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور ~~وثقله، فدخل بهم بلاد الخزر. # ذكر عدة حوادث ms1950 # وفيها توفي محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن، فاستعمل السفاح ~~مكانه علي بن الربيع بن عبيد الله. # PageV05P043 # وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار في ذي الحجة. وفيها ضرب المنار ~~من الكوفة إلى مكة والأميال. # وحج بالناس هذه السنة عيسى بن موسى وهو على الكوفة. # وكان على قضاء الكوفة: ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف ~~واليمامة: زياد بن عبد الله، وعلى اليمن: علي بن الربيع الحارثي، وعلى ~~البصرة وأعمالها وكور دجلة وعمان: سليمان بن علي، وعلى قضائها: عباد بن ~~منصور. # وعلى السند: موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال: أبو مسلم، وعلى فلسطين: ~~صالح بن علي، وعلى مصر: أبو عون، وعلى الموصل: إسماعيل بن علي، وعلى ~~إرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان: محمد بن صول، وعلى ديوان الخراج: ~~خالد بن برمك، وعلى الجزيرة: أبو جعفر المنصور. # وكان عامله على أذربيجان وإرمينية من ذكرنا، وعلى الشام: عبد الله بن ~~علي. # [الوفيات] # وفيها توفي إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عمرو بن سليم الزرقي. # PageV05P044 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة] ### | 135 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة # ذكر خروج زياد بن صالح # في هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار أبو مسلم من مرو مستعدا ~~للقائه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى ترمذ مخافة أن يبعث ~~زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ~~ناس من الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصرا. # فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبع قتلة نصر، فتبعهم ~~فقتلهم. # ومضى أبو مسلم مسرعا حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي، وهو ~~الذي كان قد أرسله السفاح إلى زياد بن صالح وأمره إن رأى فرصة أن يثب على ~~أبي مسلم فيقتله. # فأخبر أبو مسلم بذلك، فحبس سباعا بآمل، وعبر أبو مسلم إلى بخارى، فلما ~~نزلها أتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زيادا فأخبروا ms1951 أبا مسلم أن سباع بن ~~النعمان هو الذي أفسد زيادا، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله، ولما أسلم ~~زيادا قواده ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دهقان هناك، فقتله وحمل رأسه إلى أبي ~~مسلم. # وتأخر أبو داود عن أبي مسلم لحال أهل الطالقان، فكتب إليه أبو مسلم يخبره ~~بقتل زياد، فأتى كس وأرسل عيسى بن ماهان إلى بسام وبعث جندا إلى شاغر ~~فطلبوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك. # وأما بسام فلم يصل عيسى إلى شيء منه، وكتب عيسى إلى كامل بن مظفر صاحب ~~أبي مسلم يعتب أبا داود وينسبه إلى العصبية، فبعث أبو مسلم بالكتب إلى أبي ~~داود، وكتب إليه: إن هذه كتب العلج الذي صيرته عدل نفسك، فشأنك به. فكتب ~~أبو داود إلى عيسى يستدعيه، فلما حضر عنده حبسه وضربه ثم أخرجه، فوثب عليه ~~الجند فقتلوه، # PageV05P045 # ورجع أبو مسلم إلى مرو. # ذكر غزوة جزيرة صقلية # وفي هذه السنة غزا عبد الله بن حبيب جزيرة صقلية، وغنم بها وسبى، وظفر ~~بها ما لم يظفره أحد قبله، بعد أن غزا تلمسان. # واشتغل ولاة إفريقية بالفتنة مع البربر، فأمن الصقلية وعمرها الروم من ~~جميع الجهات، وعمروا فيها الحصون والمعاقل، وصاروا يخرجون كل عام مراكب ~~تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما طارقوا تجارا من المسلمين فيأخذونهم. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة سليمان بن علي، وهو على البصرة وأعمالها، وكان ~~العمال من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها مات أبو خازم الأعرج، وقيل: سنة أربعين، وقيل سنة أربع وأربعين. ~~وفيها مات عطاء بن عبد الله مولى المطلب، وقيل: مولى المهلب، وقيل: هو عطاء ~~بن ميسرة، ويكنى أبا عثمان الخراساني، وقيل سنة أربع وثلاثين. # وفيها مات يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بفارس، وكان أميرا ~~عليها، وكان قبل ذلك أميرا على الموصل. وفيها توفي ثور بن زيد الدئلي، وكان ~~ثقة. # PageV05P046 # وزياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان من ~~الأبطال. (عياش بالياء المثناة من تحت، وبالشين المعجمة) . # PageV05P047 ### | [ثم ms1952 دخلت سنة ست وثلاثين ومائة] ### | 136 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة # ذكر حج أبي جعفر وأبي مسلم # وفي هذه السنة كتب أبو مسلم إلى السفاح يستأذنه في القدوم عليه والحج، ~~وكان مذ ملك خراسان لم يفارقها إلى هذه السنة. فكتب إليه السفاح يأمره ~~بالقدوم عليه في خمسمائة من الجند، فكتب أبو مسلم إليه: إني قد وترت الناس، ~~ولست آمن على نفسي. فكتب إليه: أن أقبل في ألف، فإنما أنت في سلطان أهلك ~~ودولتك وطريق مكة لا يتحمل العسكر. # فسار في ثمانية آلاف، فرقهم فيما بين نيسابور والري، وقدم بالأموال ~~والخزائن فخلفها بالري، وجمع أيضا أموال الجبل، وقدم في ألف، فأمر السفاح ~~القواد وسائر الناس أن يتلقوه، فدخل أبو مسلم على السفاح، فأكرمه وأعظمه، ~~ثم استأذن السفاح في الحج، فأذن له وقال: لولا أن أبا جعفر، يعني أخاه ~~المنصور، يريد الحج لاستعملتك على الموسم، وأنزله قريبا منه. # وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا ; لأن السفاح كان بعث أبا جعفر ~~إلى خراسان بعدما صفت الأمور له ومعه عهد أبي مسلم بخراسان، وبالبيعة ~~للسفاح، وأبي جعفر المنصور من بعده، فبايع لهما أبو مسلم وأهل خراسان، وكان ~~أبو مسلم قد استخف بأبي جعفر. # فلما رجع أخبر السفاح ما كان من أمر أبي مسلم، فلما قدم أبو مسلم هذه ~~المرة قال أبو جعفر للسفاح: أطعني واقتل أبا مسلم، فوالله إن في رأسه ~~لغدرة. فقال: قد عرفت بلاءه وما كان منه. # فقال أبو جعفر: إنما كان بدولتنا، والله لو بعثت سنورا لقام مقامه، وبلغ ~~ما بلغ. فقال: كيف نقتله؟ قال: [إذا] دخل عليك وحادثته ضربته أنا # PageV05P048 # من خلفه ضربة قتلته بها. قال: فكيف بأصحابه؟ قال أبو جعفر: لو قتل ~~لتفرقوا وذلوا. فأمره بقتله، وخرج أبو جعفر. ثم ندم السفاح على ذلك فأمر ~~أبا جعفر بالكف عنه. # وكان أبو جعفر قبل ذلك بحران وسار منها إلى الأنبار وبها السفاح، واستخلف ~~على حران مقاتل بن حكيم العكي. # وحج أبو جعفر وأبو مسلم، وكان أبو جعفر ms1953 على الموسم. # وفيها مات زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب. # ذكر موت السفاح # في هذه السنة مات السفاح بالأنبار لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة، وقيل: ~~لاثنتي عشرة مضت منه، بالجدري، وكان له يوم مات ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: ست ~~وثلاثون، وقيل: ثمان وعشرون سنة. # وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفي أربع سنين. ومن لدن بويع له ~~بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر، وقيل: وتسعة أشهر، منها ~~ثمانية أشهر يقاتل مروان. # وكان جعدا، طويلا، أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية. # وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وكان وزيره ~~أبا الجهم بن عطية. # وصلى عليه عمه عيسى بن علي ودفنه بالأنبار العتيقة [في قصره] . وخلف تسع ~~جباب، وأربعة أقمصة، وخمسة سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خز. # PageV05P049 # قال ابن النقاح بيتين من الشعر، ووجه برجل إلى عسكر مروان ليقدم على ~~الخيل ليلا، فصيح فيهما وشمس في الناس، ولا يوجد، وهما: # يا آل مروان إن الله مهلككم ومبدل بكم خوفا وتشريدا لا عمر الله من ~~إنشائكم أحدا وبثكم في بلاد الخوف تطريدا قال: فعلت ذلك فدخلت قلوبهم ~~مخافة. # قال جعفر بن يحيى: نظر السفاح يوما في المرآة، وكان أجمل الناس وجها، ~~فقال: اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ~~ولكني [أقول] : اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية. # فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران ~~وخمسة أيام. فتطير من كلامه وقال: حسبي الله ولا قوة إلا بالله، عليك ~~توكلت، وبك أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، واتصل مرضه فمات بعد ~~شهرين وخمسة أيام. # ذكر خلافة المنصور # وفي هذه السنة عقد السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~لأخيه أبي جعفر عبد الله بن محمد بالخلافة من بعده، وجعله ولي عهد ~~المسلمين، ومن بعد أبي جعفر ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن ms1954 علي، وجعل ~~العهد في ثوب، وختمه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى. # فلما توفي السفاح كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة لأبي جعفر عيسى بن ~~موسى، وكتب إليه يعلمه وفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفية ~~فقال: صفت لنا إن شاء الله. # وكتب إلى أبي مسلم يستدعيه، وكان أبو جعفر قد تقدم، فأقبل أبو مسلم إليه. ~~فلما جلس وألقى إليه كتابه قرأه وبكى واسترجع ونظر إلى أبي جعفر، وقد جزع ~~جزعا شديدا، فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ قال: أتخوف شر عمي عبد ~~الله بن علي وشغبه علي. قال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله، إنما عامة ~~جنده ومن معه أهل # PageV05P050 # خراسان وهم لا يعصونني. فسري عنه. وبايع أبو مسلم والناس، وأقبلا حتى ~~قدما الكوفة. # وقيل: إن أبا مسلم هو الذي كان تقدم على أبي جعفر، فعرف الخبر قبله فكتب ~~إليه: عافاك الله ومتع بك، إنه أتاني أمر أفظعني وبلغ مني مبلغا لم يبلغه ~~مني شيء قط، وفاة أمير المؤمنين، فنسأل الله أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة ~~عليك، إنه ليس من أهلك أحد أشد تعظيما لحقك وأصفى نصيحة [لك] وحرصا على ما ~~يسرك مني. ثم مكث يومين وكتب إلى أبي جعفر ببيعته، وإنما أراد ترهيب أبي ~~جعفر. # قال: ورد أبو جعفر زياد بن عبد الله إلى مكة، وكان عاملا عليها وعلى ~~المدينة للسفاح، وقيل: كان قد عزله قبل موته عن مكة، وولاها العباس بن عبد ~~الله بن معبد بن العباس. # ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبي جعفر أرسل إلى عبد الله بن علي بالشام ~~يخبره بوفاة السفاح، وبيعة المنصور ويأمره بأخذ البيعة للمنصور، وكان قد ~~قدم قبل ذلك على السفاح فجعله على الصائفة، وسير معه أهل الشام وخراسان، ~~فسار حتى بلغ دلوك، ولم يدرك، فأتاه موت السفاح، فعاد بمن معه من الجيوش، ~~وقد بايع لنفسه. # ذكر الفتنة بالأندلس # وفي هذه السنة خرج في الأندلس الحباب بن رواحة بن عبد الله الزهري، ودعا ~~إلى ms1955 نفسه، واجتمع إليه جمع من اليمانية، فسار إلى الصميل وهو أمير قرطبة، ~~فحصره بها وضيق عليه، فاستمد الصميل يوسف الفهري أمير الأندلس، فلم يفعل ~~لتوالي الغلاء والجوع على الأندلس، ولأن يوسف قد كره الصميل، واختار هلاكه ~~ليستريح منه. # وثار بها أيضا عامر العبدري وجمع جمعا، واجتمع مع الحباب على الصميل، ~~وقاما بدعوة بني العباس. # PageV05P051 # فلما اشتد الحصار على الصميل كتب إلى قومه يستمدهم، فسارعوا إلى نصرته ~~واجتمعوا وساروا إليه، فلما سمع الحباب بقربهم سار الصميل عن سرقسطة ~~وفارقها، فعاد الحباب إليها وملكها، واستعمل يوسف الفهري الصميل على ~~طليطلة. # ذكر عدة حوادث # كان على الكوفة: عيسى بن موسى، وعلى الشام: عبد الله بن علي، وعلى مصر: ~~صالح بن علي، وعلى البصرة: سليمان بن علي، وعلى المدينة: زياد بن عبد الله ~~الحارثي، وعلى مكة: العباس بن عبد الله بن معبد. # [الوفيات] # وفيها مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهو ربيعة الرأي، وقيل: مات سنة خمس ~~وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين ومائة. وفيها مات عبد الله بن أبي ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وفيها توفي عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي ~~الفرسي، وإنما قيل له الفرسي، بالفاء، [نسبة إلى فرس له] . وعطاء بن السائب ~~أبو زيد الثقفي. وعروة بن رويم. # (وفي هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين من مكة، فدخل الكوفة، ~~فصلى بأهلها الجمعة، وخطبهم وسار إلى الأنبار، فأقام بها وجمع إليه أطرافه، ~~وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم عليه ~~أبو جعفر، فسلم الأمر إليه) . # PageV05P052 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة] ### | 137 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة # ذكر خروج عبد الله بن علي وهزيمته # قد ذكرنا مسير عبد الله بن علي إلى الصائفة في الجنود، وموت السفاح، ~~وإرسال عيسى بن موسى إلى عمه عبد الله بن علي يخبره بموته، ويأمره بالبيعة ~~لأبي جعفر المنصور، وكان السفاح قد أمر بذلك قبل وفاته. # فلما قدم الرسول على عبد الله بذلك لحقه بدلوك، ms1956 وهي بأفواه الدروب، فأمر ~~مناديا فنادى: الصلاة جامعة! فاجتمعوا عليه، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة ~~السفاح، ودعا الناس إلى نفسه. # وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بني ~~أبيه فأرادهم على المسير إليه، فقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو ولي ~~عهدي، فلم ينتدب [له] غيري، وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له ~~أبو غانم الطائي، وخفاف المروروذي وغيرهما من القواد، فبايعوه، وفيهم حميد ~~بن قحطبة وغيرهم من أهل خراسان والشام والجزيرة، إلا أن حميدا فارقه، على ~~ما نذكره. # ثم سار عبد الله حتى نزل حران، وبها مقاتل العكي قد استخلفه أبو جعفر لما ~~سار إلى مكة، فتحصن منه مقاتل، فحصره أربعين يوما. # وكان أبو مسلم قد عاد من الحج مع المنصور، كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن ~~شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان فأمددتك بالجنود، ~~وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي. # فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار أبو مسلم في الجنود نحو عبد الله، فلم ~~يتخلف عنه أحد، وكان قد لحقه حميد بن قحطبة فسار معه، وجعل على مقدمته مالك ~~بن الهيثم الخزاعي. # PageV05P053 # فلما بلغ عبد الله، وهو يحاصر حران، إقبال أبي مسلم خشي أن يهجم عليه ~~عطاء العتكي أماما، فنزل إليه فيمن معه، وأقام معه أياما، ثم وجهه إلى ~~عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتابا. # فلما قدموا على عثمان دفع العتكي الكتاب إليه، فقتل العتكي واحتبس ابنيه، ~~فلما هزم عبد الله قتلهما. # وكان عبد الله بن علي قد خشي أن لا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من ~~سبعة عشر ألفا، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتابا إلى زفر بن ~~عاصم عاملها يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فسار حميد والكتاب معه، فلما ~~كان ببعض الطريق قال: إن ذهابي بكتاب لا أعلم ما فيه لغرر. فقرأه، فلما رأى ~~ما فيه أعلم خاصته ما في ms1957 هذا الكتاب، وقال: من أراد المسير معي منكم فليسر. ~~فاتبعه ناس كثير منهم، وسار على الرصافة إلى العراق. # فأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علي ليمكر به، فلما ~~أتاه قال له: إني سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدي عمي عبد الله. فقال ~~له: كذبت، إنما وضعك أبو جعفر. فضرب عنقه. # ومحمد بن صول هو جد إبراهيم بن العباس الكاتب الصولي. # ثم أقبل عبد الله بن علي حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم فيمن ~~معه، وكان المنصور قد كتب إلى الحسن بن قحطبة، وكان خليفته بإرمينية، يأمره ~~أن يوافي أبا مسلم، فقدم على أبي مسلم بالموصل، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية ~~نصيبين فأخذ طريق الشام، ولم يعرض لعبد الله. # وكتب إليه: إني لم أومر بقتالك ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام فأنا ~~أريدها. فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام لعبد الله: كيف نقيم معك ~~وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا؟ ولكن نخرج ~~إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله. فقال لهم عبد الله: إنه والله ما يريد الشام ~~وما توجه إلا لقتالكم، وإن أقمتم ليأتينكم. # فأبوا إلا المسير إلى الشام، وأبو مسلم قريب منهم، فارتحل عبد الله نحو ~~الشام، وتحول أبو مسلم فنزل في معسكر عبد الله بن علي في موضعه، وعور ما ~~حوله من المياه، وألقى فيها الجيف. # وبلغ عبد الله ذلك فقال لأصحابه: ألم أقل لكم؟ ورجع فنزل في موضع عسكر # PageV05P054 # أبي مسلم الذي كان به، فاقتتلوا خمسة أشهر، وأهل الشام أكثر فرسانا وأكمل ~~عدة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بن سويد ~~الأسدي، وعلى الخيل عبد الصمد بن علي أخو عبد الله، وعلى ميمنة أبي مسلم ~~الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته خازم بن خزيمة، فاقتتلوا شهرا. # ثم إن أصحاب عبد الله حملوا على عسكر أبي مسلم فأزالوهم عن مواضعهم ~~ورجعوا، ثم حمل عليهم عبد الصمد بن علي في خيل مجردة فقتل منهم ثمانية ms1958 عشر ~~رجلا، ورجع في أصحابه، ثم تجمعوا وحملوا ثانية على أصحاب أبي مسلم، فأزالوا ~~صفهم، وجالوا جولة. # فقيل لأبي مسلم: لو حولت دابتك إلى هذا التل ليراك الناس فيرجعوا فإنهم ~~قد انهزموا. فقال: إن أهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال. وأمر ~~مناديا فنادى: يا أهل خراسان ارجعوا فإن العاقبة لمن اتقى. فتراجع الناس. # وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال: # من كان ينوي أهله فلا رجع ... فر من الموت وفي الموت وقع. # وكان قد عمل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى ~~القتال، فإن رأى خللا في الجيش سده وأمر مقدم تلك الناحية بالاحتياط وبما ~~يفعل، فلا تزال رسله تختلف إليهم حتى ينصرف الناس بعضهم عن بعض. # فلما كان يوم الثلاثاء والأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست ~~وثلاثين التقوا فاقتتلوا، فمكر بهم أبو مسلم، وأمر الحسن بن قحطبة أن يعري ~~الميمنة، [ويضم] أكثرها إلى الميسرة وليترك، في الميمنة جماعة أصحابه ~~وأشداءهم، فلما رأى ذلك أهل الشام أعروا ميسرتهم، وانضموا إلى ميمنتهم ~~بإزاء ميسرة أبي مسلم. # وأمر أبو مسلم أهل القلب أن يحملوا مع من بقي في ميمنته على ميسرة أهل ~~الشام، فحملوا عليهم فحطموهم، وجال القلب والميمنة، وركبهم أصحاب أبي مسلم، ~~فانهزم أصحاب عبد الله. # فقال عبد الله بن علي لابن سراقة الأزدي: يا ابن سراقة ما ترى؟ قال: أرى ~~أن تصبر وتقاتل حتى تموت، فإن الفرار قبيح بمثلك، وقد عبته على مروان. قال: ~~فإني # PageV05P055 # آتي العراق. قال: فأنا معك. # فانهزموا وتركوا عسكرهم، فحواه أبو مسلم وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل ~~أبا الخصيب مولاه يحصي ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. # ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن ~~له عيسى بن موسى فآمنه المنصور، وقيل: بل أقام عبد الصمد بن علي بالرصافة ~~حتى قدمه جمهور بن مرار العجلي في خيول أرسلها المنصور، فأخذه فبعث به إلى ~~المنصور موثقا مع أبي الخصيب فأطلقه، وأما عبد الله بن علي ms1959 فأتى أخاه ~~سليمان بن علي بالبصرة، فأقام عنده زمانا متواريا. # ثم إن أبا مسلم آمن الناس بعد الهزيمة، وأمر بالكف عنهم. # ذكر قتل أبي مسلم الخراساني # وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني، قتله المنصور. # وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كتب إلى السفاح يستأذنه في الحج، على ما تقدم، ~~وكتب السفاح إلى المنصور وهو على الجزيرة وإرمينية وأذربيجان: إن أبا مسلم ~~كتب إلي يستأذنني في الحج، وقد أذنت له، وهو يريد أن يسألني أن أوليه ~~الموسم، فاكتب إلي تستأذنني في الحج فآذن لك، فإنك إن كنت بمكة لم يطمع أن ~~يتقدمك. # فكتب المنصور إلى أخيه السفاح يستأذنه في الحج، فأذن له، فقدم الأنبار، ~~فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عاما يحج فيه غير هذا؟ وحقدها عليه، وحجا ~~معا، فكان أبو مسلم يكسو الأعراب، ويصلح الآبار والطريق، وكان الذكر له، ~~وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه. # فلما قدم مكة ورأى أهل اليمن قال: أي جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان ~~غزير الدمعة! . # فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر، فأتاه ~~خبر وفاة السفاح، فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه، ولم يهنئه بالخلافة، ~~ولم يقم حتى يلحقه، ولم يرجع. # فغضب أبو جعفر، وكتب إليه كتابا غليظا، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهنئه ~~بالخلافة. وتقدم أبو مسلم، فأتى الأنبار، فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع ~~له، فأتى عيسى، وقدم أبو جعفر، وخلع عبد الله بن علي. # فسير المنصور أبا مسلم إلى قتاله، كما تقدم مكانا، مع الحسن بن قحطبة، ~~فأرسل الحسن إلى أبي أيوب وزير المنصور: # PageV05P056 # إني قد رأيت بأبي مسلم أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرؤه، ثم يلقي ~~الكتاب من يده إلى مالك بن الهيثم، فيقرؤه ويضحكان استهزاء، فلما ألقيت ~~الرسالة إلى أبي أيوب ضحك وقال: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله بن ~~علي، إلا أنا نرجو واحدة، نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد الله، وقد قتل ~~منهم ms1960 من قتل. وكان قتل منهم سبعة عشر ألفا. # فلما انهزم عبد الله، وجمع أبو مسلم ما غنم من عسكره بعث أبو جعفر أبا ~~الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فأراد أبو جعفر قتله، ~~فتكلم فيه فخلى سبيله، وقال: أنا أمين على الدماء، خائن في الأموال. وشتم ~~المنصور. # فرجع أبو الخصيب إلى المنصور فأخبره، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، ~~فكتب إليه: إني قد وليتك مصر والشام فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من ~~أحببت، وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من ~~قريب. # فلما أتاه الكتاب غضب وقال: يوليني الشام ومصر، وخراسان لي! فكتب الرسول ~~إلى المنصور بذلك. وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج عن ~~وجهه يريد خراسان. # فسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم في المسير إليه، ~~فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين، أكرمه الله، ~~عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون ~~الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون عن قربك، حريصون على الوفاء لك ما ~~وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة، فإن ~~أرضاك ذلك فإنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما ~~أبرمت من عهدك ضنا بنفسي. # فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك، وليست ~~صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة ~~لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم؟ ~~فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت ~~به، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمعا ولا طاعة، وحمل إليك أمير ~~المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين ~~الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده وأقرب من ~~الباب الذي ms1961 فتحه عليك. # PageV05P057 # وقيل: بل كتب إليه أبو مسلم: أما بعد فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ~~ما افترض الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلا، وفي قرابته من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قريبا، فاستجهلني بالقرآن، فحرفه عن مواضعه ~~طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه، فكان كالذي دلى بغرور، وأمرني أن أجرد ~~السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيدا ~~لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعف ~~عني فقدما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام ~~للعبيد. # وخرج أبو مسلم مراغما مشاقا، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وأخذ ~~أبو مسلم طريق حلوان، فقال المنصور لعمه عيسى بن علي ومن حضر من بني هاشم: ~~اكتبوا إلى أبي مسلم. فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه ويسألونه أن يتم ~~على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة البغي، ويأمرونه بالرجوع ~~إلى المنصور. # وبعث المنصور الكتاب مع أبي حميد المروروذي وقال له: كلم أبا مسلم بألين ~~ما تكلم به أحدا، منه، وأعلمه أني رافعه، وصانع به ما لم يصنعه به أحد إن ~~هو صلح وراجع ما أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست ~~من العباس وإني بريء من محمد، إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك إلى ~~أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت ~~النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، ولا تقولن [له] هذا الكلام حتى ~~تيأس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير. # فسار أبو حميد فقدم على أبي مسلم بحلوان، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إن ~~الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه منك حسدا ~~وبغيا، يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك. وكلمه وقال: يا ~~أبا مسلم إنك لم تزل أمير آل محمد يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك ms1962 من ~~الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينك ~~الشيطان. # فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا الكلام؟ فقال: إنك دعوتنا إلى هذا ~~الأمر، وإلى طاعة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بني العباس، ~~وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة، فجمعنا ~~الله على طاعتهم، وألف ما بين قلوبنا # PageV05P058 # [بمحبتهم] ، وأعزنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلا إلا بما قذف الله في ~~قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، أفتريد حين ~~بلغنا غاية منانا، ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا، وتفرق كلمتنا؟ ! وقد قلت ~~لنا من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلوني! . # فأقبل أبو مسلم على أبي نصر مالك بن الهيثم، فقال: أما تسمع ما يقول لي ~~هذا؟ ما كان بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع قوله، ولا يهولنك هذا منه، ~~فلعمري ما هذا كلامه، ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فوالله ~~لئن أتيته ليقتلنك، ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدا. # فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، فعرض عليه الكتب وما ~~قالوا، فقال: ما أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الري فتقيم بها، [فيصير] ما ~~بين خراسان والري لك، وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، ~~وإن أبى كنت في جندك وكانت خراسان وراءك، ورأيت رأيك. # فدعا أبا حميد فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأيي أن آتيه. قال: قد عزمت ~~على خلافه؟ قال: نعم. قال: لا تفعل! قال: لا أعود إليه أبدا. فلما يئس من ~~رجوعه معه قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجم طويلا، ثم قال: قم. فكسره ذلك ~~القول ورعبه. # وكان أبو جعفر المنصور قد كتب إلى أبي داود خليفة أبي مسلم بخراسان حين ~~اتهم أبا مسلم: إن لك إمرة خراسان ما بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: ~~إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه - صلى الله عليه وسلم ms1963 - فلا ~~تخالفن إمامك، ولا ترجعن إلا بإذنه. # فوافاه كتابه على تلك الحال، فزاده رعبا وهما، فأرسل إلى أبي حميد فقال ~~له: إني كنت عازما على المضي إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى ~~أمير المؤمنين فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به. فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو ~~هاشم بكل ما يحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان، ~~وأجازه. # فرجع أبو إسحاق وقال لأبي مسلم: ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك يرون ~~لك ما يرون لأنفسهم. وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه ~~مما كان منه، فأجمع على ذلك. فقال له نيزك: قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، ~~وتمثل: # PageV05P059 # ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام # قال: إذا عزمت على هذا فخار الله لك. احفظ عني واحدة، إذا دخلت عليه ~~فاقتله ثم بايع من شئت، فإن الناس لا يخالفونك. # وكتب أبو مسلم إلى المنصور يخبره أنه منصرف إليه، فسار نحوه، واستخلف أبا ~~نصر على عسكره، وقال له: أقم حتى يأتيك كتابي، فإن أتاك مختوما بنصف خاتم ~~فأنا كتبته، وإن أتاك بالخاتم كله فلم أختمه. وقدم المدائن في ثلاثة آلاف ~~رجل، وخلف الناس بحلوان. # ولما ورد كتاب أبي مسلم على المنصور قرأه وألقاه إلى أبي أيوب وزيره، ~~فقرأه وقال له المنصور: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. # فخاف أبو أيوب من أصحاب أبي مسلم أن يقتلوا المنصور ويقتلوه معه، فدعا ~~سلمة بن سعيد بن جابر، وقال له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم. # قال: إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق، تدخل معك أخي ~~حاتما - وأراد بإدخال أخيه معه أن يطمع ولا ينكر - وتجعل له النصف؟ قال: ~~نعم. قال له: إن كسكر كالت عام أول كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ذلك، فإن ~~دفعتها إليك بما كالت أو بالأمانة أصبت ما تضيق به ذرعا. # قال: كيف لي بهذا المال؟ قال له أبو أيوب: تأتي أبا مسلم فتلقاه وتكلمه ~~أن يجعل هذا فيما يرفع ms1964 من حوائجه، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه إذا قدم ~~ما وراء بابه ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن لي أمير المؤمنين في لقائه؟ ~~فاستأذن له أبو أيوب في ذلك، فأذن له المنصور وأمره أن يبلغ سلامه وشوقه ~~إلى أبي مسلم، فلقيه سلمة بالطريق وأخبره الخبر وطابت نفسه، وكان قبل ذلك ~~كئيبا حزينا، ولم يزل مسرورا حتى قدم. # فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، ~~ثم قدم فدخل على المنصور فقبل يده، وأمره أن ينصرف ويروح نفسه لثلاثة ويدخل ~~الحمام، فانصرف. # PageV05P060 # فلما كان الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس، منهم: شبيب بن ~~واج، وأبو حنيفة حرب بن قيس، فأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه، وتركهم ~~خلف الرواق. # وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه، وكان عنده عيسى بن موسى يتغدى، فدخل على ~~المنصور، فقال له المنصور: أخبرني عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن علي. ~~قال: هذا أحدهما. قال: أرنيه. فانتضاه وناوله إياه، فوضعه المنصور تحت ~~فراشه. # وأقبل عليه يعاتبه وقال له: أخبرني عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن الموات، ~~أردت أن تعلمنا الدين؟ قال: ظننت أخذه لا يحل، فلما أتاني كتابه علمت أنه ~~وأهل بيته معدن العلم. # قال: فأخبرني عن تقدمك إياي بطريق مكة. قال: كرهت اجتماعنا على الماء ~~فيضر ذلك بالناس فتقدمتك للرفق. قال: فقولك لمن أشار عليك بالانصراف إلي ~~بطريق مكة حين أتاك موت أبي العباس إلى أن تقدم فنرى رأينا، ومضيت فلا أنت ~~أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إلي! قال: منعني من ذلك ما أخبرتك من طلب ~~الرفق بالناس، وقلت: تقدم الكوفة وليس عليك من خلاف. # قال: فجارية عبد الله أردت أن تتخذها؟ قال: لا، ولكني خفت أن تضيع ~~فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها. قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ ~~قال: خفت أن يكون قد دخلك مني شيء فقلت آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري، ~~فأذهب ما في نفسك. # قال: فالمال الذي جمعته بخراسان؟ قال: أنفقته ms1965 بالجند تقوية لهم ~~واستصلاحا. قال: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، وتخطب عمتي آمنة ابنة علي، ~~وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى ~~صعبا. # ثم قال: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو ~~أحد نقبائنا قبل أن يدخلك في هذا الأمر؟ قال: أراد الخلاف وعصاني فقتلته. # فلما طال عتاب المنصور قال: لا يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني. # قال: يابن الخبيثة! والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت في دولتنا ~~وبريحنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. # PageV05P061 # فأخذ أبو مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: ما رأيت ~~كاليوم! والله ما زدتني إلا غضبا! قال أبو مسلم: دع هذا فقد أصبحت ما أخاف ~~[إلا] الله تعالى. # فغضب المنصور وشتمه، وصفق بيده على الأخرى، فخرج عليه الحرس، فضربه عثمان ~~بن نهيك فقطع حمائل سيفه، فقال: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين! فقال: لا ~~أبقاني الله إذا، أعدو أعدى لي منك؟ ! وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه وهو ~~يصيح العفو، فقال المنصور: يابن اللخناء العفو والسيوف قد اعتورتك! فقتلوه ~~في شعبان لخمس بقين منه. # فقال المنصور: # زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم # سقيت كأسا كنت تسقي ... بها أمر في الحلق من العلقم # وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبرا. # فلما قتل أبو مسلم دخل أبو الجهم على المنصور فرأى أبا مسلم قتيلا، فقال: ~~ألا أرد الناس؟ قال: بلى، فمر بمتاع يحمل إلى رواق آخر. # وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا فإن الأمير يريد القائلة عند أمير ~~المؤمنين. ورأوا المتاع ينقل فظنوه صادقا فانصرفوا، وأمر لهم المنصور ~~بالجوائز، فأعطى أبا إسحاق مائة ألف. # ودخل عيسى بن موسى على المنصور بعد قتل أبي مسلم فقال: يا أمير المؤمنين ~~أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا [آنفا] . فقال عيسى: قد عرفت نصيحته ~~وطاعته ورأي الإمام إبراهيم كان فيه. # فقال: يا أحمق، والله ما أعلم ms1966 في الأرض عدوا أعدى لك منه! ها هو ذا في ~~البساط. فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون. وكان لعيسى فيه رأي. # PageV05P062 # فقال له المنصور: خلع الله قلبك! وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهي ~~مع أبي مسلم؟ # ثم دعا المنصور بجعفر بن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أمر أبي ~~مسلم؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل. # فقال له المنصور: وفقك الله! فلما نظر إلى أبي مسلم مقتولا قال: يا أمير ~~المؤمنين، عد من هذا اليوم لخلافتك. # ثم دعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه قال له: أنت المتابع عدو الله ~~على ما أجمع عليه! وقد كان بلغه أنه أشار عليه بإتيان خراسان، قال: فكف أبو ~~إسحاق وجعل يلتفت يمينا وشمالا خوفا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم ~~بما أردت فقد قتل الله الفاسق، وأمر بإخراجه. # فلما رآه أبو إسحاق خر ساجدا لله فأطال، ورفع رأسه وهو يقول: الحمد لله ~~الذي آمنني بك اليوم! والله ما أمنته يوما [واحدا] ، وما خفته يوما واحدا، ~~وما جئته يوما قط إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت. ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا ~~تحتها ثياب كتان جدد، وقد تحنط. # فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه، وقال له: استقبل طاعة خليفتك واحمد الله ~~الذي أراحك من الفاسق هذا. ثم قال له: فرق عني هذه الجماعة. # ثم كتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبي ~~مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، ~~فلما رأى الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب، فقال: فعلتموها! وانحدر إلى ~~همذان، وهو يريد خراسان. # فكتب المنصور لأبي نصر عهده على شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي، وهو ~~على همذان: إن مر بك أبو نصر فاحبسه. فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر ~~بهمذان، فقال له زهير: قد صنعت لك طعاما فلو أكرمتني بدخول منزلي. فحضر ~~عنده، ms1967 فأخذه زهير فحبسه. # وكتب أبو جعفر إلى زهير كتابا يأمره بقتل أبي نصر، وقدم صاحب العهد على ~~أبي نصر بعهده على شهرزور، فخلى زهير سبيله لهواه فيه، فخرج ثم وصل بعد يوم ~~الكتاب إلى زهير بقتل أبي نصر، فقال: جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله. # PageV05P063 # وقدم أبو نصر على المنصور فقال له: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان؟ ~~قال: نعم، كانت له عندي أياد فنصحت له، وإن اصطنعني أمير المؤمنين نصحت له ~~وشكرت. فعفا عنه. # فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا البواب ~~اليوم لا يدخل أحد وأنا حي. فسأل عنه المنصور فأخبر به، فعلم أنه قد نصح ~~له. # وقيل: إن زهيرا سير أبا نصر إلى المنصور مقيدا، فمن عليه واستعمله على ~~الموصل. # [خطبة المنصور] ولما قتل المنصور أبا مسلم خطب الناس فقال: أيها الناس، ~~لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد ~~سعيكم في ضياء الحق، إن أبا مسلم أحسن مبتدئا وأساء معقبا، وأخذ من الناس ~~بنا أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث ~~سريرته، وفساد نيته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله، وعنفنا في ~~إمهالنا، وما زال ينقض بيعته، ويخفر ذمته، حتى أحل لنا عقوبته، وأباحنا ~~دمه، فحكمنا فيه حكمه لنا في غيره [ممن شق العصا] ، ولم يمنعنا الحق له من ~~إمضاء الحق فيه. # وما أحسن ما قال النابغة الذبياني للنعمان: # فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد # ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد # ثم نزل. # PageV05P064 # وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة، وأبي الزبير المكي، وثابت ~~البناني، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، والسدي، وروى عنه إبراهيم بن ~~ميمون الصائغ، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما. # خطب يوما فقام إليه رجل فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: حدثني ~~أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله «أن النبي - صلى ms1968 الله عليه وسلم - دخل مكة ~~يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء» ، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة، يا ~~غلام اضرب عنقه. # قيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج؟ قال: لا أقول إن ~~أبا مسلم كان خيرا من أحد، ولكن الحجاج كان شرا منه. # وكان أبو مسلم نازكا شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير، وحزم ومروءة، وقيل له: بم ~~نلت ما أنت فيه من القهر للأعداء؟ فقال: ارتديت الصبر، وآثرت الكتمان، ~~وحالفت الأحزان والأشجان، وشامخت المقادير والأحكام، حتى بلغت غاية همتي، ~~وأدركت نهاية بغيتي. # ثم قال: # قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت عنه ملوك بني ساسان إذ حشدوا ما زلت ~~أضربهم بالسيف فانتبهوا من رقدة لم ينمها قبلهم أحد طفقت أسعى عليهم في ~~ديارهم والقوم في ملكهم بالشام [قد] رقدوا ومن رعى غنما في أرض مسبعة ونام ~~عنها تولى رعيها الأسد # وقيل: إن أبا مسلم ورد نيسابور على حمار بإكاف وليس معه آدمي فقصد في بعض ~~الليالي دارا لفاذوسيان، فدق عليه الباب، ففزع أصحابه وخرجوا إليه، فقال ~~لهم: # PageV05P065 # قولوا للدهقان إن أبا مسلم بالباب يطلب منك ألف درهم ودابة. فقالوا ~~للدهقان ذلك، فقال الدهقان: في أي زي هو وأي عدة؟ فأخبروه أنه وحده في أدون ~~زي. # فسكت ساعة ثم دعا بألف درهم ودابة من خواص دوابه وأذن له، وقال: يا أبا ~~مسلم، قد أسعفناك بما طلبت، وإن عرضت حاجة أخرى فنحن بين يديك. فقال: ما ~~نضيع لك ما فعلته. # فلما ملك قال له بعض أقاربه: إن فتحت نيسابور أخذت كل ما تريده من مال ~~الفاذوسيان دهقانها المجوسي. فقال أبو مسلم: له عندنا يد. فلما ملك نيسابور ~~أتته هدايا الفاذوسيان، فقيل له: لا تقبلها واطلب منه الأموال. # فقال: له عندي يد. ولم يتعرض له ولا لأحد من أصحابه وأمواله. وهذا يدل ~~على علو همة وكمال مروءة. # وفي هذه السنة استعمل المنصور أبا داود على خراسان، وكتب إليه بعهده. # ذكر خروج سنباذ بخراسان # وفي هذه السنة خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم ms1969 أبي مسلم، وكان مجوسيا من قرية ~~من قرى نيسابور يقال لها أهروانه، كان ظهوره غضبا لقتل أبي مسلم، لأنه كان ~~من صنائعه، وكثر أتباعه، وكان عامتهم من أهل الجبال، وغلب على نيسابور ~~وقومس والري، وتسمى فيروز أصبهبذ. # فلما صار بالري أخذ خزائن أبي مسلم، وكان أبو مسلم خلفها بالري حين شخص ~~إلى أبي العباس، وسبى الحرم، ونهب الأموال، ولم يعرض للتجار، وكان يظهر أنه ~~يقصد الكعبة ويهدمها. # فوجه إليه المنصور جمهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين ~~همذان والري على طرف المفازة، وعزم جمهور على مطاولته، فلما التقوا قدم ~~سنباذ السبايا من النساء المسلمات على الجمال، فلما رأين عسكر المسلمين قمن ~~في المحامل ونادين: وامحمداه! ذهب الإسلام! ووقعت الريح في أثوابهن، فنفرت ~~الإبل وعادت على عسكر سنباذ، فتفرق العسكر وكان ذلك سبب الهزيمة. # وتبع المسلمون الإبل ووضعوا السيوف في المجوس ومن معهم فقتلوهم كيف ~~شاءوا، وكان عدد القتلى نحوا من ستين ألفا، وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل ~~سنباذ بين طبرستان وقومس. # PageV05P066 # وكان بين مخرج سنباذ وقتله سبعون ليلة، وكان سبب قتله أنه قصد طبرستان ~~ملتجئا إلى صاحبها، فأرسل إلى طريقه عاملا له اسمه طوس، فتكبر عليه سنباذ، ~~فضرب طوس عنقه، وكتب إلى المنصور بقتله وأخذ ما معه من الأموال، وكتب ~~المنصور إلى صاحب طبرستان يطلب منه الأموال، فأنكرها، فسير الجنود إليه، ~~فهرب إلى الديلم. # ذكر خروج ملبد بن حرملة # وفي هذه السنة خرج ملبد بن حرملة الشيباني، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت ~~إليه روابط الجزيرة، وهو في نحو ألف فارس، فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم. # ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي، فهزمه ملبد وأخذ جارية له كان يطؤها، ~~فوجه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبد، ~~واستباح عسكرهم. # ثم وجه إليه نزارا قائدا من قواد خراسان، فقتله ملبد وانهزم أصحابه. ثم ~~وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير، فلقيهم ملبد فهزمهم. # ثم وجه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف، وخيل كثيرة ms1970 وعدة، فهزمهم ملبد. # ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو على الجزيرة يومئذ، فلقيه ملبد فهزمه، ~~وتحصن منه حميد بن قحطبة وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكف عنه. # وقيل: إن خروج ملبد كان سنة ثمان وثلاثين ومائة. # PageV05P067 # ذكر عدة حوادث # ولم يكن للناس هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ. # وحج بالناس هذه السنة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على ~~الموصل. # وكان على المدينة: زياد بن عبد الله، وعلى مكة: العباس بن عبد الله بن ~~معبد. # ومات العباس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إلى زياد بن عبد الله، ~~وأقره المنصور عليه. وكان على الكوفة: عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها: ~~سليمان بن علي، وعلى قضائها: عمر بن عامر السلمي. # وعلى خراسان: أبو داود خالد بن إبراهيم، وعلى مصر: صالح بن علي، وعلى ~~الجزيرة: حميد بن قحطبة، وعلى الموصل: إسماعيل بن علي بنعبد الله، وهي على ~~ما كانت عليه من الاجتدال. # PageV05P068 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة] ### | 138 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة # ذكر خلع جمهور بن مرار العجلي # وفيها خلع جمهور بن مرار المنصور بالري. # وكان سبب ذلك أن جمهورا لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائن ~~أبي مسلم، فلم يوجهها إلى المنصور، فخاف فخلع، ووجه إليه المنصور محمد بن ~~الأشعث في جيش عظيم نحو الري، ففارقها جمهور نحو أصبهان، (ودخل محمد الري، ~~وملك جمهور أصبهان) ، فأرسل إليه محمد عسكرا (وبقي في الري، فأشار على ~~جمهور بعض أصحابه أن يسير في نخبة عسكره) نحو محمد فإنه في قلة، فإن ظفر لم ~~يكن لمن بعده بقية، فسار إليه مجدا. # وبلغ خبره محمدا، فحذر واحتاط، وأتاه عسكر من خراسان فقوي بهم، فالتقوا ~~بقصر الفيروزان بين الري وأصبهان فاقتتلوا قتالا عظيما، ومع جمهور نخبة ~~فرسان العجم، فهزم جمهور وقتل من أصحابه خلق كثير، وهرب جمهور فلحق ~~بأذربيجان، ثم إنه بعد ذلك قتل بإسباذروا، قتله أصحابه، وحملوا رأسه إلى ~~المنصور. # ذكر قتل ملبد الخارجي ms1971 # قد ذكرنا خروجه في السنة قبلها، وتحصن حميد منه، ولما بلغ المنصور ظفر # PageV05P069 # ملبد، وتحصن حميد منه، وجه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد ~~الجبار، وضم زياد بن مشكان، فأكمن له ملبد مائة فارس، فلما لقيه عبد العزيز ~~خرج عليه الكمين فهزموه وقتلوا عامة أصحابه. # فوجه [المنصور] إليه خازم بن خزيمة في نحو ثمانية آلاف من المروروذية، ~~فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى ملبد بعض أصحابه، وعبر ملبد دجلة من ~~بلد وسار نحو خازم. # وسار إليه خازم وعلى مقدمته وطلائعه نضلة بن نعيم بن خازم بن عبد الله ~~النهشلي، وعلى ميمنته زهير بن محمد العامري، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص، ~~وخازم في القلب. # فلم يزل يساير ملبدا وأصحابه إلى الليل وتواقفوا ليلتهم، فلما كان الغد ~~سار ملبد نحو كورة حزة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا ~~من الغد فسار ملبد كأنه يريد الهرب، فخرج خازم في أثره وتركوا خندقهم، وكان ~~خازم قد خندق على أصحابه بالحسك، فلما خرجوا منه حمل عليهم ملبد وأصحابه. # فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين يديه ويدي أصحابه، فحملوا على ميمنة ~~خازم فطووها، ثم حملوا على الميسرة وطووها، ثم انتهوا إلى القلب وفيه خازم، ~~فنادى خازم في أصحابه: الأرض الأرض! فنزلوا، ونزل ملبد وأصحابه وعقروا عامة ~~دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت. # وأمر خازم نضلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضا فارجع إلى ~~خيلك وخيل أصحابك فاركبوها ثم ارموهم بنشاب، ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم ~~من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقوا ملبدا، وأصحابه بالنشاب، فقتل ملبد في ~~ثمانمائة رجل ممن ترجل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمائة وهرب ~~الباقون، وتبعهم نضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج قسطنطين ملك الروم إلى بلد الإسلام، فدخل ملطية عنوة # PageV05P070 # وقهرا وغلب أهلها وهدم سورها، وعفا عمن فيها من المقاتلة والذرية # وفيها غزا العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الصائفة ms1972 مع صالح بن ~~علي، وعيسى بن علي، وقيل: كانت سنة تسع وثلاثين، فبنى صالح ما كان ملك ~~الروم أخربه من سور ملطية. # وفيها بايع عبد الله بن علي للمنصور وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن ~~علي. وفيها وسع المنصور المسجد الحرام. # وحج بالناس هذه السنة الفضل بن صالح بن علي. وكان على المدينة ومكة ~~والطائف: زياد بن عبد الله الحارثي، وعلى الكوفة وسوادها: عيسى بن موسى، ~~وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى قضائها: سوار بن عبد الله، وعلى خراسان: ~~أبو داود، وعلى مصر: صالح بن علي. # [الوفيات] # وفيها توفي المسور بن رفاعة بن أبي مالك القرظي. # PageV05P071 # وسعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمي، يروي عن سفينة حديث " «الخلافة ثلاثون» ~~". # ويونس بن عبيد البصري، وقيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. # PageV05P072 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة] ### | 139 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة # ذكر غزو الروم والفداء معهم # في هذه السنة فرغ صالح بن علي والعباس بن محمد من عمارة ما أخربه الروم ~~من ملطية، ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم، وغزا مع صالح ~~أختاه أم عيسى ولبابة بنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن ~~تجاهدا في سبيل الله. وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهراني. # وفي هذه السنة كان الفداء بين المنصور، وملك الروم، فاستفدى المنصور أسرى ~~قاليقلا وغيرهم من الروم، وبناها وعمرها ورد إليها أهليها، وندب إليها جندا ~~من أهل الجزيرة وغيرهم، فأقاموا بها وحموها. # ولم يكن بعد ذلك صائفة فيما قيل إلا سنة ست وأربعين، لاشتغال المنصور ~~بابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، إلا أن بعضهم قال: إن الحسن بن ~~قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام في سنة أربعين، وأقبل ~~قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان، فسمع كثرة المسلمين، فأحجم ~~عنهم، ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين. # PageV05P073 # ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس # قد ذكرنا في سنة ms1973 اثنتين وتسعين فتح الأندلس، وعزل موسى بن نصير عنها. # فلما عزل عنها وسار إلى الشام استخلف عليها ابنه عبد العزيز، وضبطها وحمى ~~ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، وكان خيرا فاضلا، وبقي أميرا إلى ~~سنة سبع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين، فقتل بها. وقد تقدم سبب قتله. # فلما قتل بقي أهل الأندلس ستة أشهر لا يجمعهم وال، ثم اتفقوا على أيوب بن ~~حبيب اللخمي، وهو ابن أخت موسى بن نصير، فكان يصلي بهم لصلاحه، وتحول إلى ~~قرطبة، وجعلها دار إمارة في أول سنة تسع وتسعين، وقيل سنة ثمان وتسعين. # ثم إن سليمان بن عبد الملك استعمل بعده الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ~~فقدمها سنة ثمان وتسعين، فأقام واليا عليها سنتين وتسعة أشهر. # فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل على الأندلس السمح بن مالك ~~الخولاني، وأمره أن يميز أرضها، ويخرج منها ما كان عنوة ويأخذ منه الخمس ~~ويكتب إليه بصفة الأندلس، وكان رأيه إقفال أهلها منها لانقطاعهم عن ~~المسلمين. فقدمها السمح سنة مائة في رمضان، وفعل ما أمره عمر، وقتل عند ~~انصرافه من دار الحرب سنة اثنتين ومائة، وكان قد بدا لعمر في نقل أهلها ~~عنها وتركهم، ودعا لأهلها. # ثم وليها بعد السمح عنبسة بن سحيم الكلبي سنة ثلاث ومائة، وتوفي في شعبان ~~سنة سبع ومائة عند انصرافه من غزوة الإفرنج. # ثم وليها بعده يحيى بن سلمى الكلبي في ذي القعدة سنة سبع، فبقي عليها ~~واليا سنتين وستة أشهر. ثم دخل الأندلس حذيفة بن الأبرص الأشجعي سنة عشر ~~ومائة فبقي واليا عليها ستة أشهر، ثم عزل. # ثم وليها عثمان بن أبي نسعة الخثعمي، فقدمها سنة عشر ومائة، (وعزل آخر ~~سنة عشر ومائة أيضا، كانت ولايته خمسة أشهر. # PageV05P074 # ثم وليها الهيثم بن عبيد الكناني، فقدمها في المحرم سنة إحدى عشرة ومائة) ~~، فأقام واليا عليها عشرة أشهر وأياما ثم توفي في ذي الحجة، فقدم أهل ~~الأندلس على أنفسهم محمد بن عبد الله الأشجعي، وكانت ولايته شهرين. # وولي بعده عبد الرحمن بن عبد ms1974 الله الغافقي في صفر سنة اثنتي عشرة ومائة، ~~واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة أربع عشرة ومائة. # ثم وليها عبد الملك بن قطن الفهري، فأقام عليها سنتين وعزل. ثم وليها ~~بعده عقبة بن الحجاج السلولي، دخلها سنة ست عشرة ومائة، فوليها خمس سنين، ~~وثار أهل الأندلس به فخلعوه فولوا بعده عبد الملك بن قطن، وهي ولايته ~~الثانية، (وقد ذكر بعض مؤرخي الأندلس أنه توفي فولى أهل الأندلس عبد الملك) ~~. # ثم وليها بلج بن بشر القشيري، بايعه أصحابه، فهرب عبد الملك ولحق بداره، ~~وهرب ابناه قطن وأمية فلحق أحدهما بماردة والآخر بسرقسطة، ثم ثارت اليمن ~~على بلج وسألوه قتل عبد الملك بن قطن، فلما خشي فسادهم أمر به فقتل وصلب، ~~وكان عمره تسعين سنة. # فلما بلغ ابنيه قتله حشدا من ماردة إلى أربونة، فاجتمع إليهما مائة ألف، ~~وزحفوا إلى بلج ومن معه بقرطبة، فخرج إليهم بلج فلقيهم فيمن معه من أهل ~~الشام بقرب قرطبة فهزمهما، ورجع إلى قرطبة فمات بعد أيام يسيرة. # وكان سبب قدوم بلج الأندلس أنه كان مع عمه كلثوم بن عياض في وقعة البربر ~~سنة ثلاث وعشرين، وقد تقدم ذكرها، فلما قتل عمه سار إلى الأندلس، فأجازه ~~عبد الملك بن قطن إليها، وكان سبب قتله. # ثم ولى أهل الشام على الأندلس مكانه ثعلبة بن سلامة العاملي فأقام إلى أن ~~قدم أبو الخطار واليا على الأندلس سنة خمس وعشرين ومائة، فدان له أهل ~~الأندلس، وأقبل إليه ثعلبة، وابن أبي نسعة، وابنا عبد الملك، فآمنهم وأحسن ~~إليهم واستقام أمره، وكان شجاعا ذا رأي وكرم. # وكثر أهل الشام عنده، فلم تحملهم قرطبة، ففرقهم في البلاد، فأنزل أهل ~~دمشق إلبيرة لشبهها بها وسماها دمشق، وأنزل أهل حمص إشبيلية، وسماها حمص، ~~وأنزل أهل قنسرين بجيان، وسماها قنسرين، وأنزل أهل الأردن برية # PageV05P075 # وسماها الأردن، وأنزل أهل فلسطين بشذونة وسماها فلسطين. # وأنزل أهل مصر بتدمير وسماها مصر لشبهها بها، ثم تعصب اليمانية، وكان ذلك ~~سببا لتألب الصميل بن حاتم عليه مع مضر وحربه وخلعه. ms1975 وقامت هذه الفتنة سنة ~~سبع وعشرين ومائة. # وكان الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن قد قدم الأندلس في أمداد الشام، ~~فرأس بها، فأراد أبو الخطار أن يضع منه فأمر به يوما وعنده الجند فشتم ~~وأهين، فخرج وعمامته مائلة، فقال له بعض الحجاب: ما بال عمامتك مائلة؟ ~~فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها، وبعث إلى قومه فشكا إليهم ما لقي. # فقالوا: نحن لك تبع، وكتبوا إلى ثوابة بن سلامة الجذامي، وهو من أهل ~~فلسطين، فوفد عليهم وأجابهم وتبعهم لخم وجذام. # فبلغ ذلك إلى أبي الخطار فسار إليهم، فقاتلوه فانهزم أصحابه وأسر أبو ~~الخطار، ودخل ثوابة قصر قرطبة وأبو الخطار في قيوده، فولي ثوابة الأندلس ~~سنتين ثم توفي، فأراد أهل اليمن إعادة أبي الخطار، وامتنعت مضر، ورأسهم ~~الصميل، فافترقت الكلمة، فأقامت الأندلس أربعة أشهر بغير أمير. (وقد تقدم ~~أبسط من هذا سنة سبع وعشرين ومائة. # فلما بقوا بغير أمير) قدموا عبد الرحمن بن كثير اللخمي للأحكام. فلما ~~تفاقم الأمر اتفق رأيهم على يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ~~الفهري، فوليها يوسف سنة تسع وعشرين، فاستقر الأمر أن يلي سنة ثم يرد الأمر ~~إلى اليمن فيولوا من أحبوا من قومهم. # فلما انقضت السنة أقبل أهل اليمن بأسرهم يريدون أن يولوا رجلا منهم، ~~فبيتهم الصميل فقتل منهم خلقا كثيرا، فهي وقعة شقندة المشهورة، وفيها قتل ~~أبو الخطار واقتتلوا بالرماح حتى تقطعت وبالسيوف حتى تكسرت، ثم تجاذبوا ~~بالشعور، وكان ذلك سنة ثلاثين، واجتمع الناس على يوسف ولم يعترضه أحد. # (وقد قيل غير ما ذكرنا، وقد تقدم ذكره سنة سبع وعشرين ومائة) . # ثم توالى القحط على الأندلس، وجلا أهلها عنها وتضعضعت إلى سنة ست وثلاثين ~~ومائة، وفيها اجتمع تميم بن معبد الفهري، وعامر العبدري بمدينة سرقسطة، ~~وحاربهما الصميل، ثم سار إليهما يوسف الفهري فحاربهما فقتلهما، وبقي يوسف ~~على الأندلس # PageV05P076 # إلى أن غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام. # هذا ما ذكرناه من ولاة الأندلس على الاختصار، (وقد تقدم أبسط من ms1976 هذا ~~متفرقا، وإنما أوردناه هاهنا متتابعا ليتصل بعض أخبار الأندلس ببعض لأنها ~~وردت متفرقة) . ونرجع إلى ذكر عبور عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إليها. # وأما سبب مسير عبد الرحمن إلى الغرب، فإنه يحكى عنه أنه لما ظهرت الدولة ~~العباسية، وقتل من بني أمية من قتل ومن شيعتهم، فر منهم من نجا في الأرض، ~~وكان عبد الرحمن بن معاوية بذات الزيتون، ففر منها إلى فلسطين، وأقام هو ~~ومولاه بدر يتجسس الأخبار. # فحكي عنه أنه قال: لما أعطينا الأمان ثم نكث بنا بنهر أبي فطرس، وأبيحت ~~دماؤنا أتانا الخبر، وكنت منتبذا من الناس، فرجعت إلى منزلي آيسا، ونظرت ~~فيما يصلحني وأهلي، وخرجت خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر ~~وغياض، فبينا أنا ذات يوم بها وولدي سليمان يلعب بين يدي، وهو يومئذ ابن ~~أربع سنين، خرج عني ثم دخل الصبي من باب البيت باكيا فزعا فتعلق بي، وجعلت ~~أدفعه وهو يتعلق بي، فخرجت لأنظر وإذا بالخوف قد نزل بالقرية، وإذا ~~بالرايات السود منحطة عليها، وأخ لي حديث السن يقول لي: النجاء النجاء! ~~فهذه رايات المسودة! . # فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي، وأعلمت أخواتي بمتوجهي، فأمرتهن أن ~~يلحقنني مولاي بدرا، وأحاطت الخيل بالقرية، فلم يجدوا لي أثرا، فأتيت رجلا ~~من معارفي وأمرته فاشترى لي دواب وما يصلحني، فدل علي عبد له العامل، فأقبل ~~في خيله يطلبني، فخرجنا على أرجلنا هرابا والخيل تبصرنا، فدخلنا في بساتين ~~على الفرات، فسبقنا الخيل إلى الفرات فسبحنا. # فأما أنا فنجوت، والخيل ينادوننا بالأمان ولا أرجع. وأما أخي فإنه عجز عن ~~السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان وأخذوه فقتلوه وأنا أنظر إليه، ~~وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ثكلا، ومضيت لوجهي، فتواريت في غيضة ~~أشبة، حتى انقطع الطلب عني، وخرجت فقصدت المغرب فبلغت إفريقية. # ثم إن أخته أم الأصبغ ألحقته بدرا مولاه، ومعه نفقة له وجوهر، فلما بلغ ~~إفريقية لج عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري، قيل هو والد يوسف أمير ~~الأندلس، ms1977 وكان عبد الرحمن عامل إفريقية في طلبه، واشتد عليه، فهرب منه فأتى ~~مكناسة، وهم قبيل من البربر، فلقي عندهم شدة يطول ذكرها، ثم هرب من عندهم ~~فأتى نفزاوة، وهم أخواله، وبدر معه. # PageV05P077 # وقيل: أتى قوما من الزناتيين، فأحسنوا قبوله واطمأن فيهم، وأخذ في تدبير ~~المكاتبة إلى الأمويين من أهل الأندلس يعلمهم بقدومه ويدعوهم إلى نفسه، ~~ووجه بدرا مولاه إليهم، وأمير الأندلس حينئذ يوسف بن عبد الرحمن الفهري. # فسار بدر إليهم وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه، فأجابوه ووجهوا له ~~مركبا فيه ثمامة بن علقمة، ووهب بن الأصفر، وشاكر بن أبي الأشمط، فوصلوا ~~إليه وأبلغوه طاعتهم له، وأخذوه ورجعوا إلى الأندلس، فأرسى في المنكب في ~~شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة، فأتاه جماعة من رؤسائهم من أهل ~~إشبيلية، وكانت أيضا نفوس أهل اليمن حنقة على الصميل ويوسف الفهري، فأتوه. # ثم انتقل إلى كورة رية فبايعه عاملها عيسى بن مساور. ثم أتى شذونة فبايعه ~~غياث بن علقمة اللخمي. ثم أتى مورور فبايعه إبراهيم بن شجرة عاملها. ثم أتى ~~إشبيلية فبايعه أبو الصباح يحيى بن يحيى، ونهد إلى قرطبة. # فبلغ خبره إلى يوسف وكان غائبا عن قرطبة بنواحي طليطلة، فأتاه الخبر وهو ~~راجع إلى قرطبة، فسار عبد الرحمن نحو قرطبة. # فلما أتى قرطبة تراسل هو ويوسف في الصلح، فخادعه نحو يومين، أحدهما يوم ~~عرفة، ولم يشك أحد من أصحاب يوسف أن الصلح قد أبرم، وأقبل على إعداد الطعام ~~ليأكله الناس على السماط يوم الأضحى، وعبد الرحمن مرتب خيله ورجله، وعبر ~~النهر في أصحابه ليلا، ونشب القتال ليلة الأضحى، وصبر الفريقان إلى أن ~~ارتفع النهار، وركب عبد الرحمن على بغل لئلا يظن الناس أنه يهرب، فلما رأوه ~~كذلك سكنت نفوسهم، وأسرع القتل في أصحاب يوسف وانهزم، وبقي الصميل يقاتل مع ~~عصابة من عشيرته، ثم انهزموا، فظفر عبد الرحمن، ولما انهزم يوسف (أتى ~~ماردة، وأتى عبد الرحمن قرطبة فأخرج حشم يوسف) من القصر على عودة ودخله بعد ~~ذلك. # ثم سار في طلب يوسف، فلما ms1978 أحس به يوسف خالفه إلى قرطبة فدخلها وملك ~~قصرها، فأخذ جميع أهله وماله ولحق بمدينة إلبيرة، وكان الصميل لحق بمدينة ~~شوذر. # وورد عبد الرحمن الخبر فرجع إلى قرطبة طمعا في لحاقه بها، فلما لم يجده ~~عزم على النهوض إليه، (فسار إلى إلبيرة، وكان الصميل قد لحق بيوسف وتجمع ~~لهما هناك جمع) ، فتراسلوا في الصلح، فاصطلحوا على أن ينزل يوسف بأمان هو ~~ومن معه، وأن # PageV05P078 # يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة، ورهنه يوسف ابنيه: أبا الأسود محمدا، وعبد ~~الرحمن. # وسار يوسف مع عبد الرحمن، فلما دخل قرطبة تمثل: # فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف. # واستقر عبد الرحمن بقرطبة، وبنى القصر والمسجد الجامع، وأنفق فيه ثمانين ~~ألف دينار، ومات قبل تمامه، وبنى مساجد الجماعات، ووافاه جماعة من أهل ~~بيته، وكان يدعو للمنصور. # وقد ذكر أبو جعفر أن دخول عبد الرحمن كان سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة ~~ثمان وثلاثين، على ما ذكرنا. # وهذا القدر كاف في ذكر دخوله الأندلس لئلا نخرج عن الذي قصدنا له من ~~الاختصار. # ذكر حبس عبد الله بن علي # ولما عزل سليمان عن البصرة اختفى أخوه عبد الله بن علي ومن معه من أصحابه ~~خوفا من المنصور، فبلغ ذلك المنصور فأرسل إلى سليمان وعيسى ابني علي بن عبد ~~الله بن عباس في إشخاص عبد الله، وأعطاهما الأمان لعبد الله وعزم عليهما أن ~~يفعلا. # فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وقواده ومواليه حتى قدموا على المنصور في ذي ~~الحجة، فلما قدموا عليه أذن لسليمان وعيسى فدخلا عليه، وأعلماه حضور عبد ~~الله وسألاه الإذن له، فأجابهما إلى ذلك وشغلهما بالحديث، وكان قد هيأ لعبد ~~الله مكانا في قصره، فأمر به أن يصرف إليه بعد دخول سليمان وعيسى، ففعل به ~~ذلك. # ثم نهض المنصور، وقال لسليمان وعيسى: خذا عبد الله معكما. فلما خرجا لم ~~يجدا عبد الله، فعلما أنه قد حبس، فرجعا إلى المنصور فمنعا عنه وأخذت عند ~~ذلك سيوف من حضر من أصحابه وحبسوا. # وقد كان خفاف بن منصور ms1979 حذرهم ذلك، وندم على مجيئه معهم، وقال: إن ~~أطعتموني شددنا شدة واحدة على أبي جعفر، فوالله لا يحول بينه وبيننا حائل ~~حتى نأتي عليه! ولا يعرض لنا أحد إلا قتلناه وننجو بأنفسنا! فعصوه. # فلما أخذت سيوفهم وحبسوا جعل خفاف يضرط في لحية نفسه، ويتفل في وجوه # PageV05P079 # أصحابه، ثم أمر المنصور بقتل بعضهم بحضرته، وبعث الباقين إلى أبي داود ~~خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها. # ذكر عدة حوادث # عزل سليمان بن علي عن إمارة البصرة، وقيل: سنة أربعين، واستعمل عليها ~~سفيان بن معاوية في رمضان. # وحج بالناس هذه السنة العباس بن محمد بن علي. وكان على مكة والمدينة ~~والطائف: زياد بن عبد الله الحارثي، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة ~~سفيان بن معاوية، وعلى قضائها: سوار بن عبد الله، وعلى خراسان: أبو داود. # [الوفيات] # وفيها مات عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري، وقيل: سنة إحدى وأربعين. # وفيها مات العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، ومحمد بن عبد الله بن عبد ~~الرحمن أبي صعصعة المازني، # PageV05P080 # ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وكان موته بالإسكندرية. # PageV05P081 ### | [ثم دخلت سنة أربعين ومائة] ### | 140 - # ثم دخلت سنة أربعين ومائة # ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار # وفي هذه السنة هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلي عامل خراسان. # وكان سبب هلاكه أن ناسا من الجند ثاروا به وهو بكشماهن، ووصلوا إلى ~~المنزل الذي هو فيه، فأشرف عليهم من الحائط ليلا، فوطئ حرف آجرة خارجة، ~~وجعل ينادي أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة تحته عند الصبح، فسقط على ~~الأرض، فانكسر ظهره، فمات عند صلاة العصر. # فقام عصام صاحب شرطته بعده حتى قدم عليه عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ~~عاملا على خراسان، فلما قدمها أخذ جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء إلى ولد ~~علي بن أبي طالب، منهم: مجاشع بن حريث الأنصاري عامل بخارى، وأبو المغيرة ~~خالد بن كثير مولى بني تميم عامل قوهستان، والحريش بن محمد الذهلي، وهو ابن ~~عم أبي ms1980 داود، فقتلهم وحبس جماعة غيرهم، وألح على عمال أبي داود في استخراج ~~ما عندهم من الأموال. # ذكر قتل يوسف الفهري # في هذه السنة نكث يوسف الفهري، الذي كان أمير الأندلس، عهد عبد الرحمن ~~الأموي. # وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن كان يضع عليه من يهينه، وينازعه في أملاكه، ~~فإذا أظهر حجة الشريعة لا يعمل بها، ففطن لما يراد منه، فقصد ماردة واجتمع ~~عليه عشرون ألفا، فسار نحو عبد الرحمن، وخرج عبد الرحمن من قرطبة نحوه إلى ~~حصن المدور. # PageV05P082 # ثم إن يوسف رأى أن يسير إلى عبد الملك بن عمر بن مروان، وكان واليا على ~~إشبيلية، وإلى ابنه عمر بن عبد الملك، وكان على المدور، فسار نحوها، وخرجا ~~إليه فلقياه، فاقتتلا قتالا شديدا، فصبر الفريقان، وانهزم أصحاب يوسف، وقتل ~~منهم خلق كثير، وهرب يوسف وبقي مترددا في البلاد. # فقتله بعض أصحابه في رجب من سنة اثنتين وأربعين بنواحي طليطلة، وحمل رأسه ~~إلى عبد الرحمن، فنصبه بقرطبة، وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف الذي كان عنده ~~رهينة، ونصب رأسه مع رأس أبيه، وبقي أبو الأسود بن يوسف عند عبد الرحمن ~~الأموي رهينة، وسيأتي ذكره. # وأما الصميل فإنه لما فر يوسف من قرطبة لم يهرب معه، فدعاه الأمير عبد ~~الرحمن وسأله عنه، فقال: لم يعلمني بأمره ولا أعرف خبره، فقال: لا بد أن ~~تخبر. فقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فسجنه مع ابني يوسف. # فلما هربا من السجن أنف من الهرب والفرار، فبقي في السجن، ثم أدخل إليه ~~بعد ذلك مشيخة مضر، فوجدوه ميتا وعنده كأس ونقل، فقالوا: يا أبا جوشن قد ~~علمنا أنك ما شربت ولكن سقيت! ودفع إلى أهله فدفنوه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هلك أذفنش ملك جليقية وملك بعده ابنه تدويلية، وكان أشجع من ~~أبيه، وأحسن سياسة للملك وضبطا له، وكان ملك أبيه ثماني عشرة سنة. ولما ملك ~~ابنه قوي أمره، وعظم سلطانه، وأخرج المسلمين من ثغور البلاد، وملك مدينة ~~لك، وبرطقال، وشلمنقة، وشمورة، وأيلة، وشقوبية ms1981 وقشتالة، وكل هذه من ~~الأندلس. # وفيها سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة ~~في سبعين ألفا من المقاتلة إلى ملطية، فنزلوا عليها وعمروا ما كان خربه ~~الروم منها، ففرغوا من العمارة في ستة أشهر، وكان للحسن في ذلك أثر عظيم، ~~وأسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند، وأكثر فيها من السلاح والذخائر، وبنى ~~حصن قلوذية. # ولما سمع ملك الروم بمسير عبد الوهاب، والحسن إلى ملطية، سار إليهم في ~~مائة # PageV05P083 # ألف مقاتل فنزل جيحان، فبلغه كثرة المسلمين فعاد عنهم. ولما عمرت ملطية ~~عاد إليها من كان باقيا من أهلها. # وفيها حج المنصور، فأحرم من الحيرة، فلما قضى حجه توجه إلى بيت المقدس، ~~وسار منه إلى الرقة، فقتل بها منصور بن جعونة العامري وعاد إلى هاشمية ~~الكوفة. # وفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصيصة على يد جبرائيل بن يحيى، وكان ~~سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها قليل، فبنى السور وسماها المعمورة، وبنى ~~بها مسجدا جامعا، وفرض فيها لألف رجل، وأسكنها كثيرا من أهلها. # [الوفيات] # وفيها توفي: سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة. وعمرو بن يحيى بن أبي حسن ~~الأنصاري. وعمارة بن غزية الأنصاري، وكان ثقة. # PageV05P084 # وأبو العلاء أيوب القصاب. وأبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي، وهو من ~~متكلمي المعتزلة، وأئمتهم، وله طائفة تنسب إليه. وأسماء بن عبيد بن مخارق، ~~والد جويرية بن أسماء. # PageV05P085 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة] ### | 141 - # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة # ذكر خروج الراوندية # وفي هذه السنة كان خروج الراوندية على المنصور، وهم قوم من أهل خراسان ~~على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة، يقولون بتناسخ الأرواح، يزعمون أن روح آدم ~~في عثمان بن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبرائيل ~~هو الهيثم بن معاوية. # فلما ظهروا أتوا قصر المنصور فقالوا: هذا قصر ربنا. فأخذ المنصور ~~رؤساءهم، فحبس منهم مائتين، فغضب أصحابهم، وأخذوا نعشا، وحملوا السرير، ~~وليس في النعش أحد، ومروا به حتى صاروا على باب السجن فرموا بالنعش، وحملوا ~~على ms1982 الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم. # وقصدوا نحو المنصور، وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس، وغلقت أبواب ~~المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من القصر ماشيا، ولم يكن في القصر ~~دابة، فجعل بعد ذلك [اليوم] يرتبط دابة معه في القصر. # فلما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم، (وتكاثروا عليه حتى كادوا ~~يقتلونه) ، وجاء معن بن زائدة (الشيباني، وكان مستترا من المنصور بقتاله مع ~~ابن هبيرة، كما ذكرناه، والمنصور شديد الطلب له وقد بذل فيه مالا كثيرا، ~~فلما كان هذا اليوم حضر عند المنصور متلثما، وترجل وقاتل قتالا شديدا، ~~وأبلى بلاء حسنا، وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه. # فأتى معن وقال: تنح فأنا أحق بهذا اللجام منك في هذا الوقت وأعظم غناء. ~~فقال المنصور: صدق فادفعه إليه. فلم يزل يقاتل حتى تكشفت الحال وظفر ~~بالراوندية. فقال له المنصور: من أنت؟ قال: طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن ~~زائدة. فقال: آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك، مثلك يصطنع) . # PageV05P086 # وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور وقال: أنا اليوم بواب. ~~ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم، وفتح باب المدينة فدخل الناس، فجاء ~~خازم بن خزيمة فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط، ثم حملوا عليه فكشفوه ~~مرتين. # فقال خازم للهيثم بن شعبة: إذا كروا علينا فاستبقهم إلى الحائط، فإذا ~~رجعوا فاقتلهم. فحملوا على خازم، فاطرد لهم وصار الهيثم من ورائهم فقتلوا ~~جميعا. # وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم، فرموه بسهم عند رجوعه فوقع بين ~~كتفيه، فمرض أياما ومات منها، فصلى عليه المنصور، وجعل على حرسه بعده عيسى ~~بن نهيك، فكان على الحرس حتى مات، فجعل على الحرس أبو العباس الطوسي، وكان ~~ذلك كله بالمدينة الهاشمية [بالكوفة] . # فلما صلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، وأحضر معنا ورفع منزلته، وقال لعمه ~~عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس: يا أبا العباس، أسمعت بأشد رجل؟ قال: ~~نعم. قال: لو رأيت اليوم معنا لعلمت أنه منهم. # فقال معن: والله يا أمير المؤمنين، ms1983 لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلما رأيت ~~ما عندك من الاستهانة بهم، وشدة الإقدام عليهم رأيت ما لم أره من خلق في ~~حرب، فشد ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. # وقيل: كان معن متخفيا من المنصور لما كان منه من قتاله مع ابن هبيرة، كما ~~ذكرناه، وكان اختفاؤه عند أبي الخصيب حاجب المنصور، وكان على أن يطلب [له] ~~الأمان، فلما خرجت الراوندية جاء معن فوقف بالباب، فسأل المنصور أبا ~~الخصيب: من بالباب؟ فقال: معن بن زائدة. # فقال المنصور: رجل من العرب، شديد النفس، عالم بالحرب، كريم الحسب، ~~أدخله، فلما دخل قال: إيه يا معن! ما الرأي؟ قال: الرأي أن تنادي في الناس ~~فتأمر لهم بالأموال. فقال: وأين الناس والأموال؟ ومن تقدم على أن يعرض نفسه ~~لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئا يا معن! الرأي أن أخرج فأقف للناس، فإذا رأوني ~~قاتلوا وتراجعوا إلي، وإن أقمت تهاونوا وتخاذلوا. # فأخذ معن بيده وقال: لا أمير المؤمنين إذا، والله تقتل الساعة، فأنشدك ~~الله في نفسك! فقال له أبو الخصيب مثلها، فجذب ثوبه منهما وركب دابته، وخرج ~~ومعن آخذ بلجام دابته، وأبو الخصيب مع ركابه، وأتاه رجل فقتله معن حتى قتل ~~أربعة في تلك الحالة، حتى اجتمع إليه الناس فلم يكن إلا ساعة حتى أفنوهم. # PageV05P087 # ثم تغيب معن، فسأل المنصور عنه أبا الخصيب فقال: لا أعلم مكانه. فقال ~~المنصور: أيظن معن أن لا أغفر ذنبه بعد بلائه؟ أعطه الأمان وأدخله علي، ~~فأدخله إليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم ولاه اليمن. # ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه # في هذه السنة خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل خراسان للمنصور. # وسبب ذلك أن عبد الجبار لما استعمله المنصور على خراسان عمد إلى القواد ~~فقتل بعضهم وحبس بعضهم، فبلغ ذلك المنصور وأتاه من بعضهم كتاب: قد نغل ~~الأديم. فقال لأبي أيوب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل ذلك إلا ~~وهو يريد أن يخلع. فقال له: اكتب إليه أنك تريد غزو الروم ms1984 فليوجه إليك ~~الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من ~~شئت فلا تمنع. # فكتب المنصور إليه بذلك، وأجابه: إن الترك قد جاشت، وإن فرقت الجنود ذهبت ~~خراسان. فألقى الكتاب إلى أبي أيوب وقال له: ما ترى؟ قال: قد أمكنك من ~~قياده اكتب إليه: إن خراسان أهم إلي من غيرها وأنا موجه إليك الجنود، ثم ~~وجه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه. # فلما ورد الكتاب بهذا على عبد الجبار أجابه: إن خراسان لم تكن قط أسوأ ~~حالا منها [في هذا] العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من ~~الغلاء. فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له أبو أيوب: قد أبدى ~~صفحته، وقد خلع فلا تناظره. # ووجه المنصور ابنه المهدي، وأمره بنزول الري، فسار إليها المهدي، ووجه ~~خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار، وسار المهدي فنزل نيسابور، فلما ~~بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار، وحاربوه وقاتلوه قتالا شديدا، ~~فانهزم منهم ولجأ إلى مقطنة فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بن مزاحم، من ~~أهل مرو الروذ، فأخذه أسيرا، فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه جبة صوف، وحمله ~~على بعير، وجعل وجهه مما # PageV05P088 # يلي عجز البعير وحمله إلى المنصور، ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب ~~حتى استخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يدا عبد الجبار ورجلاه، وضرب عنقه، ~~وأمر بتسيير ولده إلى دهلك، وهي جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار ~~عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا، ثم فودوا بعد ذلك. # وكان ممن نجا منهم عبد الرحمن بن عبد الجبار، صحب الخلفاء، ومات أيام ~~الرشيد سنة سبعين ومائة. # قيل: وكان أمر عبد الجبار سنة اثنتين وأربعين في ربيع الأول، وقيل: سنة ~~أربعين. # ذكر فتح طبرستان # ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب ولا مباشرة قتال كره المنصور أن ~~تبطل تلك النفقات التي أنفق على المهدي، فكتب إليه أن يغزو طبرستان، وينزل ~~الري، ويوجه أبا الخصيب، وخازم بن خزيمة، والجنود إلى ms1985 الأصبهبذ، وكان ~~الأصبهبذ يومئذ محاربا للمصمغان، ملك دنباوند، معسكرا بإزائه، فلما بلغه ~~دخول الجنود بلاده ودخول أبي الخصيب سارية قال المصمغان للأصبهبذ: متى ~~قهروك صاروا إلي، فاجتمعا على حرب المسلمين. # فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين، فطالت تلك الحروب، فوجه ~~المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان، وهو الذي يقول فيه بشار: # إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم. # وكان عالما ببلاد طبرستان، فأخذ الجنود وقصد الرويان وفتحها، وأخذ قلعة ~~الطاق وما فيها، وطالت الحرب، فألح خازم على القتال ففتح طبرستان، وقتل ~~منهم فأكثر، وسار الأصبهبذ إلى قلعته فطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما ~~فيها من الذخائر. # وكتب المهدي بذلك إلى المنصور، فوجه المنصور صالحا صاحب المصلى، فأحصوا ~~ما في الحصن وانصرفوا، ودخل الأصبهبذ بلاد جيلان من الديلم، فمات بها، # PageV05P089 # وأخذت ابنته، وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد، وقصدت الجنود بلد ~~المصمغان فظفروا به وبالبحترية، أم منصور بن المهدي. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدينة والطائف، ~~واستعمل على المدينة: محمد بن خالد بن عبد الله القسري في رجب، وعلى الطائف ~~ومكة: الهيثم بن معاوية العتكي من أهل خراسان. # وفيها توفي موسى بن كعب وهو على شرط المنصور وعلى مصر والهند، وخليفته ~~على الهند عيينة ابنه، وكان قد عزل موسى عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث، ثم ~~عزل، ووليها نوفل بن محمد بن الفرات. # وحج بالناس هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على الشام. ~~وعلى الكوفة: عيسى بن موسى، وعلى البصرة: سفيان بن معاوية، وعلى خراسان ~~المهدي، وخليفته بها السري بن عبد الله، وعلى الموصل: إسماعيل بن علي. # [الوفيات] # وفيها مات سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري. # PageV05P090 # وأبان بن تغلب القارئ. # PageV05P091 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة] ### | 142 - # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة # ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب # في هذه السنة خلع عيينة بن موسى بالسند، وكان عاملا عليها. ms1986 # وسبب خلعه أن أباه كان استخلف المسيب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى ~~أقام المسيب على ما كان يلي من الشرط، وخاف أن يحضر المنصور عيينة فيوليه ~~ما كان إلى أبيه، فكتب إليه ببيت شعر، ولم ينسب الكتاب إلى نفسه: # فأرضك أرضك إن تأتنا تنم نومة ليس فيها حلم # فخلع الطاعة. # فلما بلغ الخبر إلى المنصور سار بعسكره حتى نزل على جسر البصرة، ووجه عمر ~~بن حفص بن أبي صفرة العتكي عاملا على السند والهند، فحاربه عيينة، فسار حتى ~~ورد السند فغلب عليها. # ذكر نكث الأصبهبذ # في هذه السنة نكث الأصبهبذ بطبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من ~~كان ببلاده منهم، فلما انتهى الخبر إلى المنصور سير مولاه أبا الخصيب، ~~وخازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، فأقاموا على الحصن يحاصرونه وهو فيه. # فلما طال عليهم المقام احتال أبو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه: اضربوني ~~واحلقوا رأسي ولحيتي. ففعلوا ذلك به. ولحق بالأصبهبذ فقال له: فعل بي هذا ~~تهمة منهم لي أن يكون هواي معك، وأخبره أنه معه، وأنه دليل على عورة ~~عسكرهم. فقبل ذلك الأصبهبذ، وجعله في خاصته وألطفه. # PageV05P092 # وكان باب حصنهم من حجر يلقى إلقاء، ترفعه الرجال وتضعه عند فتحه وإغلاقه، ~~وكان الأصبهبذ يوكل به ثقات أصحابه نوابا بينهم، فلما وثق الأصبهبذ بأبي ~~الخصيب وكله بالباب، فتولى فتحه وإغلاقه حتى أنس به. # ثم كتب أبو الخصيب إلى روح وخازم، وألقى الكتاب في سهم، وأعلمهم أنه قد ~~ظفر بالحيلة، وواعدهم ليلة في فتح الباب، فلما كان تلك الليلة فتح لهم، ~~فقتلوا من في الحصن من المقاتلة، وسبوا الذرية، وأخذوا شكلة، أم إبراهيم بن ~~المهدي. وكان مع الأصبهبذ سم فشربه فمات. # وقد قيل: إن ذلك سنة ثلاث وأربعين ومائة. # ذكر عدة حوادث # وفيها مات سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على البصرة في جمادى ~~الآخرة، وعمره تسع وخمسون سنة، وصلى عليه أخوه عبد الصمد # وفيها عزل نوفل بن الفرات عن مصر ووليها حميد بن قحطبة. # وحج بالناس ms1987 إسماعيل بن علي بن عبد الله، وكان العمال من تقدم ذكرهم. # وولى المنصور الجزيرة والثغور والعواصم أخاه العباس بن محمد، وعزل ~~المنصور عمه إسماعيل بن علي عن الموصل، واستعمل عليها مالك بن # PageV05P093 # الهيثم الخزاعي جد أحمد بن نصير الذي قتله الواثق، وكان خير أمير. # [الوفيات] # فيها مات يحيى بن سعيد الأنصاري أبو سعيد قاضي المدينة، وقيل سنة ثلاث، ~~وقيل سنة أربع وأربعين. وفيها مات موسى بن عقبة مولى آل الزبير. وفيها توفي ~~أيضا عاصم بن سليمان الأحول، وقيل سنة ثلاث وأربعين. # وفيها مات حميد بن أبي حميد طرخان، وقيل مهران، مولى طلحة بن عبد الله ~~الخزاعي، وهو حميد الطويل، يروي عن أنس بن مالك، وعمره خمس وسبعون سنة. # PageV05P094 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة] ### | 143 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة # في هذه السنة ثار الديلم بالمسلمين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فبلغ ذلك ~~المنصور، فندب الناس إلى قتال الديلم وجهادهم. # وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، وولي ذلك السري بن عبد الله ~~بن الحارث بن العباس، وكان على اليمامة، فسار إلى مكة، واستعمل المنصور على ~~اليمامة قثم بن عباس بن عبد الله. # وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر، واستعمل عليها نوفل بن الفرات، ثم عزل ~~نوفل، واستعمل عليها يزيد بن حاتم. # وحج بالناس هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، وكان ~~إليه ولاية الكوفة. # ذكر عدة حوادث # وفيها ثار بالأندلس رزق بن النعمان الغساني على عبد الرحمن، وكان رزق على ~~الجزيرة الخضراء، فاجتمع إليه خلق عظيم، فسار إلى شذونة فملكها، ودخل مدينة # PageV05P095 # إشبيلية، وعاجله عبد الرحمن، فحصره فيها، وضيق على من بها، فتقربوا إليه ~~بتسليم رزق إليه فقتله، فآمنهم ورجع عنهم. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الرحمن بن عطية صاحب الشارعة، وهي نخل، وسليمان بن طرخان ~~التيمي، وأشعث بن سوار، ومجالد بن سعيد. # PageV05P096 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة] ### | 144 - # ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة # في هذه السنة سير أبو جعفر الناس ms1988 من الكوفة والبصرة والجزيرة والموصل إلى ~~غزو الديلم، واستعمل عليهم محمد بن أبي العباس السفاح. # وفيها رجع المهدي من خراسان إلى العراق، وبنى بريطة ابنة عمه السفاح. # وفيها حج المنصور، واستعمل على عسكره والميرة خازم بن خزيمة. # ذكر استعمال رياح بن عثمان المري على المدينة وأمر محمد بن عبد الله بن ~~الحسن # وفيها استعمل المنصور على المدينة رياح بن عثمان المري، وعزل محمد بن ~~خالد بن عبد الله القسري عنها. # وكان سبب عزله وعزل زياد قبله أن المنصور أهمه أمر محمد وإبراهيم ابني ~~عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وتخلفهما عن الحضور عنده ~~مع من حضره من بني هاشم عام حج أيام السفاح سنة ست وثلاثين، وذكر أن محمد ~~بن عبد الله كان يزعم أن المنصور ممن بايعه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن ~~يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر مروان بن محمد، فلما حج المنصور سنة ست ~~وثلاثين سأل عنهما، فقال له زياد بن عبد الله الحارثي: ما يهمك من أمرهما، ~~أنا آتيك بهما. وكان معه بمكة، فرده المنصور إلى المدينة. # PageV05P097 # فلما استخلف المنصور لم يكن همه إلا أمر محمد والمسألة عنه وما يريد، ~~فدعا بني هاشم رجلا رجلا يسأله سرا عنه، فكلهم يقول: قد علم أنك عرفته يطلب ~~هذا الأمر، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافا، وما أشبه هذا ~~الكلام، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فإنه أخبره خبره ~~وقال له: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه لا ينام عنك، فأيقظ بكلامه من لا ~~ينام، فكان موسى بن عبد الله بن الحسن يقول بعد ذلك: اللهم اطلب حسن بن زيد ~~بدمائنا. # ثم ألح المنصور على عبد الله بن الحسن في إحضار ابنه محمد سنة حج، فقال ~~عبد الله لسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: يا أخي بيننا من الصهر ~~والرحم ما تعلم، فما ترى؟ فقال سليمان: والله لكأنني أنظر إلى أخي عبد الله ms1989 ~~بن علي حين الستر بينه وبيننا وهو يشير إلينا: هذا الذي فعلتم بي، فلو كان ~~عافيا عفا عن عمه. فقبل عبد الله رأي سليمان، وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ~~ابنه. # ثم إن المنصور اشترى رقيقا من رقيق الأعراب، وأعطى الرجل منهم البعير، ~~والرجل البعيرين، والرجل الذود، وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، وكان ~~الرجل منهم يرد الماء كالمار، وكالضال يسألون عنه، وبعث المنصور عينا آخر، ~~وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم ومسارعتهم، وبعث ~~معه بمال وألطاف، وقدم الرجل المدينة فدخل على عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~فسأله عن ابنه محمد، فذكر له، فكتم له خبره، فتردد الرجل إليه، وألح في ~~المسألة، فذكر أنه في جبل جهينة، فقال له: امرر بعلي ابن الرجل الصالح الذي ~~يدعى الأغر، وهو بذي الإبر، فهو يرشدك، فأتاه فأرشده. # وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن الحسن يخبره بذلك ~~العين، فلما قدم الكتاب ارتاعوا له وبعثوا أبا هبار إلى محمد وإلى علي بن ~~الحسن يحذرهما الرجل، فخرج أبو هبار فنزل بعلي بن الحسن وأخبره، ثم سار إلى ~~محمد بن عبد الله في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من ~~أصحابه، وذلك العين معهم أعلاهم صوتا، وأشدهم انبساطا. # فلما رأى أبا هبار خافه، فقال أبو هبار لمحمد: لي حاجة. فقام معه، فأخبره ~~الخبر، قال: فما الرأي؟ قال: أرى إحدى ثلاث. قال: وما هي؟ قال: تدعني أقتل ~~هذا الرجل. قال: ما أنا مقارف دما إلا كرها. قال: أثقله حديدا وتنقله معك ~~حيث تنقلب. قال: وهل لنا فرار مع الخوف والإعجال؟ قال: نشده ونودعه عند بعض ~~أهلك من جهينة. قال: هذه إذا. # PageV05P098 # فرجعا فلم يريا الرجل. فقال محمد: أين الرجل؟ قالوا: [قام] بركوة ماء ~~وتوارى بهذا الطريق يتوضأ، فطلبوه ولم يجدوه فكأن الأرض التأمت عليه، وسعى ~~على قدميه حتى اتصل بالطريق، فمر به الأعراب معهم حمولة إلى المدينة، فقال ~~لبعضهم: فرغ هذه الغرارة ms1990 وأدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها ولك كذا وكذا. ففعل ~~وحمله حتى أقدمه المدينة. # ثم قدم على المنصور، وأخبره خبره كله، ونسي اسم أبي هبار وكنيته وقال: ~~وبار. فكتب أبو جعفر في طلب 9 وبار المري، فحمل إليه رجل اسمه وبر فسأله عن ~~قصة محمد فحلف أنه لا يعرف من ذلك شيئا، فأمر به وضرب سبعمائة سوط وحبس حتى ~~مات المنصور. # ثم إنه أحضر عقبة بن سلم الأزدي فقال: أريدك لأمر أنا به معني، لم أزل ~~أرتاد له رجلا عسى أن تكونه، وإن كفيتنيه رفعتك. فقال: أرجو أن أصدق ظن ~~أمير المؤمنين في. [قال] : فأخف شخصك، واستر أمرك، وأتني يوم كذا في وقت ~~كذا. # فأتاه ذلك الوقت. فقال له: إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا لملكنا ~~واغتيالا له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات ~~أموالهم، وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسا وألطاف وعين حتى تأتيهم ~~متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية ثم تعلم حالهم، فإن كانوا نزعوا عن ~~رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم عملت ذلك وكنت على حذر، ~~فاشخص حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا ومتقشفا، فإن جبهك، وهو فاعل، ~~فاصبر وعاوده حتى يأنس بك ويلين لك ناحيته، فإذا أظهر لك ما قبله فاعجل ~~علي. # فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره وقال: ما أعرف ~~هؤلاء القوم. فلم يزل يتردد إليه حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به، فسأله ~~عقبة الجواب. فقال: أما الكتاب، فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي ~~إليهم، فأقرئهم السلام، وأعلمهم أنني خارج لوقت كذا وكذا. # ورجع عقبة إلى المنصور فأعلمه الخبر، فأنشأ المنصور الحج، وقال لعقبة: ~~إذا لقيني بنو الحسن فيهم عبد الله بن الحسن فأنا مكرمه، ورافع مجلسه، وداع ~~بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف ~~عنك بصره، فاستدر # PageV05P099 # حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك، ثم حسبك، وإياك أن يراك ما ~~دام يأكل. # فخرج ms1991 إلى الحج، فلما لقيه بنو الحسن أجلس عبد الله إلى جانبه ثم دعا ~~بالغداء فأصابوا منه، ثم رفع فأقبل على عبد الله بن الحسن فقال له: قد علمت ~~ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألا تبغيني بسوء ولا تكيد لي سلطانا؟ قال: ~~فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين. فلحظ المنصور عقبة بن سلم فاستدار حتى وقف ~~بين يدي عبد الله فأعرض عنه، فاستدار حتى قام وراء ظهره فغمزه بإصبعه، فرفع ~~رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى قعد بين يدي المنصور، فقال: (أقلني يا أمير ~~المؤمنين، أقالك الله! قال: لا أقالني الله إن أقلتك) ! ثم أمر بحبسه. # وكان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة، فنزلها في بني راسب يدعو إلى نفسه، ~~وقيل: نزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مرة بن عبيد، ثم خرج منها، فبلغ ~~المنصور مقدمه البصرة، فسار إليها مغذا، فنزل عند الحر الأكبر، فلقيه عمرو ~~بن عبيد فقال له: يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد تخافه على أمرنا؟ قال: لا. ~~قال: فاقتصر على قولك وانصرف. قال: نعم. # وكان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور، فرجع المنصور، واشتد الخوف على ~~محمد وإبراهيم ابني عبد الله فخرجا حتى أتيا عدن، ثم سارا إلى السند ثم إلى ~~الكوفة ثم إلى المدينة. # وكان المنصور قد حج سنة أربعين ومائة، فقسم أموالا عظيمة في آل أبي طالب، ~~فلم يظهر محمد وإبراهيم، فسأل أباهما عبد الله عنهما، فقال: لا علم لي ~~بهما، فتغالظا، فأمصه أبو جعفر المنصور حتى قال له: امصص كذا وكذا من أمك! ~~فقال: يا أبا جعفر، بأي أمهاتي تمصني؟ ! أبفاطمة بنت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ أم بفاطمة بنت الحسين بن علي؟ أم بأم إسحاق بنت طلحة؟ أم ~~بخديجة بنت خويلد؟ [قال] : لا بواحدة منهن، ولكن بالحرباء بنت قسامة بن ~~زهير! وهي امرأة من طيئ، فقال المسيب بن زهير: يا أمير المؤمنين، دعني أضرب ~~عنق ابن الفاعلة! فقام زياد بن عبد الله فألقى عليه رداءه وقال: هبه لي ~~[يا] ms1992 أمير المؤمنين، فأستخرج لك ابنيه، فتخلصه [منه] . # PageV05P100 # وكان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله قد تغيبا حين حج المنصور سنة أربعين ~~ومائة عن المدينة، وحج أيضا فاجتمعوا بمكة وأرادوا اغتيال المنصور، فقال ~~لهم الأشتر عبد الله بن محمد: أنا أكفيكموه! فقال محمد: لا والله لا أقتله ~~أبدا غيلة حتى أدعوه. فنقض ما كانوا أجمعوا عليه. # وكان قد دخل عليهم قائد من قواد المنصور من أهل خراسان اسمه خالد بن حسان ~~يدعى أبا العساكر على ألف رجل، فنمى الخبر إلى المنصور فطلب، فلم يظفر به، ~~فظفر بأصحابه فقتلهم، وأما القائد فإنه لحق بمحمد بن عبد الله بن محمد. # ثم إن المنصور حث زياد بن عبد الله على طلب محمد وإبراهيم، فضمن له ذلك ~~ووعده به، فقدم محمد المدينة قدمة، فبلغ ذلك زيادا، فتلطف له، وأعطاه ~~الأمان على أن يظهر وجهه للناس، فوعده محمد ذلك، فركب زياد مع المساء وواعد ~~محمدا سوق الظهر، وركب محمد، فتصايح الناس: يا أهل المدينة، المهدي المهدي! ~~فوقف هو وزياد، فقال زياد: يا أيها الناس، هذا محمد بن عبد الله بن الحسن، ~~ثم قال له: الحق بأي بلاد الله شئت. فتوارى محمد. # وسمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ~~ومائة إلى المدينة، فأمره أن يستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطلب، وأن ~~يقبض على زياد وأصحابه، ويسير بهم إليه، فقدم أبو الأزهر المدينة، ففعل ما ~~أمره، وأخذ زيادا وأصحابه، وسار نحو المنصور، وخلف زياد في بيت مال المدينة ~~ثمانين ألف دينار، فسجنهم المنصور، ثم من عليهم بعد ذلك. # واستعمل المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وأمره ~~بطلب محمد بن عبد الله، وبسط يده في النفقة في طلبه. فقدم المدينة في رجب ~~سنة إحدى وأربعين، فأخذ المال ورفع في محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب ~~محمد، فاستبطأه أبو جعفر واتهمه، فكتب إليه يأمره بكشف المدينة وأعراضها، ~~فطاف ببيوت الناس فلم يجد محمدا. # فلما رأى المنصور ما قد أخرج من الأموال، ms1993 ولم يظفر بمحمد استشار أبا ~~العلاء - رجلا من قيس عيلان - في أمر محمد بن عبد الله وأخيه، فقال: أرى أن ~~تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة، فإنهم يطلبونهما بذحل، ويخرجونهما ~~إليك. فقال: قاتلك الله ما أجود ما رأيت! والله ما خفي علي هذا، ولكنني ~~أعاهد الله لا أنتقم من بني عمي وأهل # PageV05P101 # بيتي بعدوي وعدوهم، ولكني أبعث عليهم صعلوكا من العرب يفعل بهم ما قلت. # فاستشار يزيد بن يزيد السلمي وقال له: دلني على فتى مقل من قيس أغنيه ~~وأشرفه وأمكنه من سيد اليمن، يعني ابن القسري، [قال] : هو رياح بن عثمان بن ~~حيان المري، فسيره أميرا على المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين. # وقيل: إن رياحا ضمن للمنصور أن يخرج محمدا وإبراهيم ابني عبد الله إن ~~استعمله على المدينة، فاستعمله عليها، فسار حتى دخلها، فلما دخل دار مروان، ~~وهي التي كان ينزلها الأمراء، قال لحاجب كان له يقال له أبو البختري: هذه ~~دار مروان؟ قال: نعم. قال: أما إنها محلال مظعان، ونحن أول من يظعن منها. # فلما تفرق الناس عنه قال لحاجبه: يا أبا البختري، خذ بيدي ندخل على هذا ~~الشيخ، يعني عبد الله بن الحسن، فدخلا عليه، وقال رياح: أيها الشيخ، إن ~~أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا ليد سلفت إليه، والله لا ~~لعبت في كما لعبت بزياد وابن القسري، والله لأزهقن نفسك، أو لتأتيني بابنيك ~~محمد وإبراهيم! فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس ~~المذبوح فيها كما تذبح الشاة! . # قال أبو البختري: فانصرف والله رياح آخذا بيدي، أجد برد يده، وإن رجليه ~~لتخطان الأرض مما كلمه. قال: فقلت له: إن هذا ما اطلع على الغيب. قال: ~~إيها، ويلك! فوالله ما قال إلا ما سمع. فذبح كما تذبح الشاة. # ثم إنه دعا بالقسري وسأله عن الأموال، فضربه وسجنه، وأخذ كاتبه رزاما ~~وعاقبه فأكثر، وطلب إليه أن يذكر ما أخذ محمد بن خالد من الأموال، وهو لا ~~يجيبه، فلما طال عليه العذاب أجابه ms1994 إلى ذلك، فقال له رياح: أحضر الرفيعة ~~وقت اجتماع الناس، ففعل ذلك، فلما اجتمع الناس أحضره فقال: أيها الناس إن ~~الأمير أمرني أن أرفع على ابن خالد، وقد كتبت كتابا لأنجو به، وإنا لنشهدكم ~~أن كل ما فيه باطل. فأمر رياح فضرب مائة سوط، ورد إلى السجن. # وجد رياح في طلب محمد، فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى، جبل جهينة، وهو في ~~عمل ينبع، فأمر عامله في طلب محمد، فهرب منه راجلا، فأفلت وله ابن صغير # PageV05P102 # ولد في خوفه وهو مع جارية له فسقط من الجبل فتقطع، فقال محمد: # منخرق السربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد # شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد # قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد. # وبينا رياح يسير في الحرة إذ لقي محمدا، فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل ~~يستقي، فقال رياح: قاتله الله أعرابيا ما أحسن ذراعه! . # ذكر حبس أولاد الحسن # قد ذكرنا قبل أن المنصور حبسهم، وقد قيل أيضا إن رياحا هو الذي حبسهم. # قال علي بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي: حضرنا باب رياح في المقصورة، ~~فقال الآذن: من كان هاهنا من بني الحسين فليدخل. فدخلوا من باب المقصورة، ~~وخرجوا من باب مروان. ثم قال: من هاهنا من بني الحسن فليدخل. فدخلوا من باب ~~المقصورة، ودخل الحدادون من بني مروان، فدعا بالقيود فقيدهم وحبسهم. # وكانوا: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، والحسن وإبراهيم ابني الحسن ~~بن الحسن، وجعفر بن الحسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن الحسن ~~بن الحسن، ومحمدا وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعباس بن ~~الحسن بن الحسن بن علي، وموسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن. # فلما حبسهم لم يكن فيهم علي بن الحسن بن الحسن بن علي العابد. فلما كان ~~الغد بعد الصبح إذ قد أقبل رجل متلفف، فقال له رياح: مرحبا بك، ما حاجتك؟ ~~قال: جئتك لتحبسني مع ms1995 قومي، فإذا هو علي بن الحسن بن الحسن، فحبسه معهم. # وكان محمد قد أرسل ابنه عليا إلى مصر يدعو إليه، فبلغ خبره عامل مصر، ~~وقيل: إنه على الوثوب بك والقيام عليك بمن شايعه، فقبضه وأرسله إلى ~~المنصور، فاعترف له وسمى أصحاب أبيه، وكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبي ~~الموالي، وأبو حبير، # PageV05P103 # فضربهما المنصور وحبسهما وحبس عليا، فبقي محبوسا إلى أن مات. # وكتب المنصور إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ~~بن عفان المعروف بالديباج، وكان أخا عبد الله بن الحسن بن الحسن، لأن أمهما ~~جميعا فاطمة بنت الحسين بن علي، فأخذه معهم. # وقيل: إن المنصور حبس عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وحده، وترك باقي ~~أولاد الحسن، فلم يزل محبوسا، فبقي الحسن بن الحسن بن الحسن قد نصل خضابه ~~حزنا على أخيه عبد الله، وكان المنصور يقول: ما فعلت الحادة؟ ومر الحسن بن ~~الحسن بن الحسن على إبراهيم بن الحسن وهو يعلف إبلا له فقال: أتعلف إبلك ~~وعبد الله محبوس! يا غلام، أطلق عقلها! فأطلقها ثم صاح في أدبارها، فلم ~~يوجد منها بعير. # . فلما طال حبس عبد الله بن الحسن قال عبد العزيز بن سعيد للمنصور: أتطمع ~~في خروج محمد وإبراهيم وبنو الحسن مخلون؟ والله للواحد منهم أهيب في صدور ~~الناس من الأسد! فكان ذلك سبب حبس الباقين. # ذكر حملهم إلى العراق # ولما حج المنصور سنة أربع وأربعين ومائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم ~~بن محمد بن طلحة، ومالك بن أنس إلى بني الحسن، وهم في الحبس، يسألهم أن ~~يدفعوا إليه محمدا، وإبراهيم ابني عبد الله، فدخلا عليهم وعبد الله قائم ~~يصلي، فأبلغاهم الرسالة، فقال الحسن بن الحسن أخو عبد الله: هذا عمل ابني ~~المشومة! أما والله ما هذا عن رأينا ولا عن ملإ منا ولنا فيه حكم. # فقال له أخوه إبراهيم: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ ~~ثم فرغ عبد الله من صلاته فأبلغاه الرسالة، ms1996 فقال: لا والله (لا أرد عليكما ~~حرفا، إن أحب) أن يأذن لي فألقاه فليفعل. فانطلق الرسولان فأبلغا المنصور، ~~فقال: أراد أن يسحرني، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيني بابنيه. # وكان عبد الله لا يحدث أحدا قط إلا فتله عن رأيه. # PageV05P104 # ثم سار المنصور لوجهه، فلما حج ورجع لم يدخل المدينة ومضى إلى الربذة، ~~فخرج إليه رياح إلى الربذة، فرده إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني الحسن إليه ~~ومعهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخو بني الحسن لأمهم، فرجع رياح ~~فأخذهم، وسار بهم إلى الربذة، وجعلت القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم، ~~وجعلهم في محامل بغير وطاء. # ولما خرج بهم رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من وراء ستر يراهم ويرونه ~~وهو يبكي ودموعه تجري على لحيته وهو يدعو الله، ثم قال: والله لا يحفظ الله ~~حرميه بعد هؤلاء. # ولما ساروا كان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله يأتيان كهيئة الأعراب ~~فيسايران أباهما ويستأذنانه بالخروج، ويقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك. ~~وقال لهما: إن منعكما أبو جعفر، يعني المنصور، أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما ~~أن تموتا كريمين. # فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد الله العثماني على المنصور وعليه ~~قميص وإزار رقيق، فلما وقف بين يديه قال: إيها يا ديوث! قال محمد: سبحان ~~الله! لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا! قال: فممن حملت ابنتك رقية؟ وكانت ~~تحت إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وقد أعطيتني الأيمان أن لا تغشني ولا ~~تمالئ علي عدوا، ثم أنت ترى ابنتك حاملا وزوجها غائب، وأنت بين أن تكون ~~حانثا أو ديوثا! وايم الله إني لأهم برجمها! قال محمد: أما أيماني فهي علي ~~إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما رميت به هذه الجارية فإن الله قد ~~أكرمها بولادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها، ولكني ظننت حين ظهر ~~حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة. # فاغتاظ المنصور من كلامه، وأمر بشق ثيابه عن (إزاره فحكي أن ms1997 عورته قد ~~كشفت) ، ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري ~~عليه لا يني، فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك اكفف عن وجهي! فإن له حرمة ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأغرى المنصور فقال للجلاد: الرأس ~~الرأس! فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، # PageV05P105 # وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت، ثم أخرج وكأنه زنجي من الضرب، وكان من أحسن ~~الناس، وكان يسمى الديباج لحسنه. # فلما أخرج وثب إليه مولى له فقال: ألا أطرح ردائي عليك؟ قال: بلى جزيت ~~خيرا! والله إن لشفوف إزاري أشد علي من الضرب. # وكان سبب أخذه أن رياحا قال للمنصور: يا أمير المؤمنين أما أهل خراسان ~~فشيعتك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأما أهل الشام فوالله ما علي ~~عندهم إلا كافر، ولكن محمد بن عبد الله العثماني لو دعا أهل الشام ما تخلف ~~عنه منهم أحد. فوقعت في نفس المنصور، فأمر به فأخذ معهم، وكان حسن الرأي ~~فيه قبل ذلك. # ثم إن أبا عون كتب إلى المنصور: إن أهل خراسان قد تعاشوا عني وطال عليهم ~~أمر محمد بن عبد الله. فأمر المنصور بمحمد بن عبد الله بن عمر العثماني ~~فقتل، وأرسل رأسه إلى خراسان، وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله ~~وأن أمه فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قتل قال أخوه عبد ~~الله بن الحسن: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن كنا لنأمن به في سلطانهم ثم ~~قد قتل منا في سلطاننا! # ثم إن المنصور أخذهم وسار بهم من الربذة فمر بهم على بغلة شقراء، فناداه ~~عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر! فأخسأه ~~أبو جعفر، وثقل عليه ومضى. # فلما قدموا إلى الكوفة، قال عبد الله لمن معه: أما ترون في هذه القرية من ~~يمنعنا من هذا الطاغية؟ قال: فلقيه الحسن وعلي ابنا أخيه مشتملين على سيفين ~~فقالا له: قد جئناك يا ابن رسول الله فمرنا ms1998 بالذي تريد. قال: قد قضيتما ما ~~عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئا، فانصرفا. # ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، وأحضر المنصور محمد بن ~~إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ ~~قال: نعم. # PageV05P106 # قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا! ثم أمر به فبني عليه أسطوانة وهو حي ~~فمات فيها. # وكان إبراهيم بن الحسن أول من مات منهم، ثم عبد الله بن الحسن فدفن قريبا ~~من حيث مات، فإن يكن في القبر الذي يزعم الناس أنه قبره وإلا فهو قريب منه. ~~ثم مات علي بن الحسن. # وقيل: إن المنصور أمر بهم فقتلوا، وقيل: بل أمر بهم فسقوا السم، وقيل: ~~وضع المنصور على عبد الله من قال له إن ابنه محمدا قد خرج فقتل فانصدع قلبه ~~فمات، والله أعلم. # ولم ينج منهم إلا سليمان وعبد الله ابنا داود بن الحسن بن الحسن بن علي، ~~وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وجعفر بن الحسن، وانقضى ~~أمرهم. # ذكر عدة حوادث # كان على مكة هذه السنة السري بن عبد الله، وعلى المدينة رياح بن عثمان، ~~وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية، وعلى مصر يزيد بن ~~حاتم بن قتيبة بن المهلب بن أبي صفرة، وهو الذي قال فيه يزيد بن ثابت يمدحه ~~ويهجو يزيد بن أسيد السلمي: # لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر بن حاتم # PageV05P107 # في أبيات كثيرة. وكان ممدحا جوادا. # وفيها ثار هشام بن عذرة الفهري (وهو من بني عمرو، ويوسف بنعبد الرحمن ~~الفهري) بطليطلة على الأمير عبد الرحمن الأموي، فاتبعه من فيها، فسار إليه ~~عبد الرحمن فحاصره وشدد عليه الحصار، فمال إلى الصلح وأعطاه ابنه أفلح ~~رهينة، فأخذه عبد الرحمن ورجع إلى قرطبة، فرجع هشام وخلع عبد الرحمن، فعاد ~~إليه عبد الرحمن وحاصره ونصب عليه المجانيق، فلم يؤثر فيها لحصانتها، فقتل ~~أفلح ابنه، ورمى رأسه في المنجنيق، ورحل إلى قرطبة، ولم يظفر بهشام. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الله ms1999 بن شبرمة. وعمرو بن عبيد المعتزلي، وكان زاهدا. # وبريد بن أبي مريم مولى سهل بن الحنظلية. وعقيل بن خالد الأيلي صاحب ~~الزهري، وكان موته بمصر فجأة. ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو ~~الحسن المدني. وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المدني. # (بريد بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة. وعقيل بضم العين المهملة، ~~وفتح القاف) . # PageV05P108 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة] ### | 145 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة # ذكر ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن # في هذه السنة كان ظهور محمد بن عبد الله بن الحسنبن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب بالمدينة، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، وقيل: رابع عشر شهر رمضان. ~~وقد ذكرنا فيما تقدم أخباره وتبعته وحمل المنصور أهله إلى العراق. # فلما حملهم وسار بهم رد رياحا إلى المدينة أميرا عليها، فألح في طلب محمد ~~وضيق عليه، وطلبه حتى سقط ابنه فمات، وأرهقه الطلب يوما، فتدلى في بئر ~~بالمدينة يناول أصحابه الماء، وانغمس في الماء إلى حلقه، وكان بدنه لا يخفى ~~لعظمه، وبلغ رياحا خبر محمد وأنه بالمذار، فركب نحوه في جنده، فتنحى محمد ~~عن طريقه واختفى في دار الجهنية، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان. # وكان الذي أعلم رياحا سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة. # فلما اشتد الطلب بمحمد خرج قبل وقته الذي واعد أخاه إبراهيم على الخروج ~~فيه. # وقيل: بل خرج محمد لميعاده مع أخيه، وإنما أخوه تأخر لجدري لحقه، وكان ~~عبيد الله بن عمرو بن أبي ذئب، وعبد الحميد بن جعفر يقولان لمحمد بن عبد ~~الله: ما تنتظر بالخروج! فوالله ما على هذه الأمة أشأم منك. اخرج ولو وحدك. ~~فتحرك بذلك أيضا. # وأتى رياحا الخبر أن محمدا خارج الليلة، فأحضر محمد بن عمران بن إبراهيم ~~بن # PageV05P109 # محمد قاضي المدينة، والعباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس وغيرهما ~~عنده، فصمت طويلا ثم قال لهم: يا أهل المدينة، أمير المؤمنين يطلب محمدا في ~~شرق الأرض وغربها وهو ms2000 بين أظهركم، وأقسم بالله لئن خرج لأقتلنكم أجمعين! . # وقال لمحمد بن عمران: أنت قاضي أمير المؤمنين فادع عشيرتك، وأرسل لتجمع ~~بني زهرة، فأرسل فجاءوا في جمع كثير فأجلسهم بالباب، فأرسل فأخذ نفرا من ~~العلويين وغيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، والحسين بن علي بن ~~الحسين بن علي، والحسن بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي، ورجال من ~~قريش فيهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه ~~خالد. # فبينما هم عنده إذ ظهر محمد، فسمعوا التكبير، فقال ابن مسلم بن عقبة ~~المري: أطعني في هؤلاء واضرب أعناقهم. فقال له الحسين بن علي بن الحسين بن ~~علي: والله ما ذاك إليك، إنا لعلى السمع والطاعة. # وأقبل محمد من المذار في مائة وخمسين رجلا، فأتى في بني سلمة بهؤلاء ~~تفاؤلا بالسلامة، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وكان فيهم محمد بن ~~خالد بن عبد الله القسري، وابن أخي النذير بن يزيد ورزام، فأخرجهم وجعل على ~~الرجالة خوات بن بكير بن خوات بن جبير، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: ~~لا تقتلوا إلا يقتلوا. # فامتنع منهم رياح، فدخلوا من باب المقصورة، وأخذوا رياحا أسيرا وأخاه ~~عباسا، وابن مسلم بن عقبة المري فحبسهم في دار الإمارة. # ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~أما بعد: فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف ~~عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه، وتصغيرا ~~للكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: {أنا ربكم الأعلى} ~~[النازعات: 24] ، وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء # PageV05P110 # المهاجرين والأنصار المواسين، اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك، ~~وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت! اللهم فأحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا ~~تغادر منهم أحدا! أيها الناس، إني والله ما خرجت [من] بين أظهركم وأنتم ~~عندي أهل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي! والله ms2001 ما جئت هذه وفي الأرض ~~مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة! # وكان المنصور يكتب إلى محمد على ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه ~~أنهم معه، فكان محمد يقول: لو التقينا مال إلي القواد كلهم. # واستولى محمد على المدينة واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن ~~الزبير، وعلى قضائها: عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت ~~السلاح: عبد العزيز الدراوردي، وعلى الشرط: أبا القلمس عثمان بن عبيد الله ~~بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء: عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن ~~المسور بن مخرمة، وقيل: كان على شرطه: عبد الحميد بن جعفر فعزله. # وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا وتقوم معنا. ~~فاعتذر إليه وقال: أفعل، ثم انسل منه وأتى مكة. ولم يتخلف عن محمد أحد من ~~وجوه الناس إلا نفر، منهم: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام، ~~وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد، وأبو سلمة بن عبيد ~~الله بن عبيد الله بن عمر، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. # وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا: إن ~~في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين. ~~فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته. # فأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان شيخا ~~كبيرا، # PageV05P111 # فدعاه إلى بيعته، فقال: يا ابن أخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك؟ فارتدع ~~الناس عنه قليلا. # وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأتت حمادة بنت ~~معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله وقالت له: يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ~~ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنه، فيقتل ابن خالي ~~وإخوتي. فأبى إسماعيل إلا النهي عنه. # فيقال: إن حمادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد ms2002 الله ~~بن إسماعيل وقال: أتأمر بقتل أبي وتصلي عليه؟ فنحاه الحرس وصلى عليه محمد. # ولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسري بالمدينة في حبس رياح فأطلقه. # وقال ابن خالد: فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت: هذه دعوة ~~حق، والله لأبلين لله فيها بلاء حسنا. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت ~~بهذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه أحد لمات أهله جوعا وعطشا، ~~فانهض معي فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف. # فأبى علي، فبينا أنا عنده إذ قال: ما وجدنا من خير المتاع شيئا أجود من ~~شيء وجدناه عند ابن أبي فروة ختن أبي الخصيب، وكان انتبه، قال: فقلت: ألا ~~أراك قد أبصرت خير المتاع! فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من معه، فأخذني ~~محمد فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله بأيام. # وكان رجل من آل أويس بن أبي سرح العامري، عامر بن لؤي، اسمه الحسين بن ~~صخر بالمدينة لما ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة أيام، ~~فقدم ليلا، فقام على أبواب المدينة فصاح حتى علموا به وأدخلوه، فقال ~~الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال: لا بد لي منه. # فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة! قال: ~~قتلته والله إن كنت صادقا، أخبرني من معه. فسمى له من معه من وجوه أهل ~~المدينة وأهل بيته. قال: أنت رأيته وعاينته؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته ~~على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا، فأدخله أبو # PageV05P112 # جعفر بيتا، فلما أصبح جاء رسول لسعيد بن دينار غلام عيسى بن موسى يلي ~~أمواله بالمدينة فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسي، ~~فقال: لأوطئن الرجال عقبيك ولأغنينك! فأمر له بتسعة آلاف درهم لكل ليلة ألف ~~درهم. # وأشفق من محمد، فقال له الحارثي المنجم: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه؟ ~~والله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوما. # فأرسل المنصور إلى عمه ms2003 عبد الله بن علي، وهو محبوس: إن هذا الرجل قد خرج ~~فإن كان عندك رأي فأشر به علينا، وكان ذا رأي عندهم، فقال: إن المحبوس ~~محبوس الرأي. فأرسل إليه المنصور: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك، وأنا ~~خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك. # فأعاد عليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة فاجثم على أكبادهم، ~~فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى ~~وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن ~~قتيبة ينحدر إليك، وكان بالري، واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك ~~من أهل البأس والنجدة ما حمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم. ففعل. # وقيل: أرسل المنصور إلى عبد الله مع إخوته يستشيرونه في أمر محمد، وقال ~~لهم: لا يعلم عبد الله أني أرسلتكم إليه. فلما دخلوا عليه قال: لأمر ما ~~جئتم، ما جاء بكم جميعا وقد هجرتموني مذ دهر؟ قالوا: إنا استأذنا أمير ~~المؤمنين، فأذن لنا. قال: ليس هذا بشيء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد ~~الله. قال: فما ترون ابن سلامة صانعا؟ يعني المنصور. قالوا: لا ندري والله. ~~قال: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد، فإن غلب فما ~~أسرع ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم. # ولما ورد الخبر على المنصور بخروج محمد كان المنصور قد خط مدينة بغداد ~~بالقصب، فسار إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن المداد،، ~~فقال له # PageV05P113 # المنصور: إن محمدا قد خرج بالمدينة. فقال عبد الله: هلك وأهلك، خرج في ~~غير عدد ولا رجال. # حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفا، ~~فقال لي مروان: من هذا الذي يقاتلني؟ قلت: عبد الله بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. قال: وددت والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه، إن عليا وولده لا ~~حظ لهم في هذا ms2004 الأمر، وهل هو إلا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله معه ~~ريح الشام ونصر الشام؟ يا ابن جعدة أتدري ما حملني أن عقدت لعبد الله وعبيد ~~الله بعدي وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قال ابن جعدة: لا. قال: ~~وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد ~~الله من عبد الملك، فعقدت له، فاستخلفه المنصور على صحة ذلك، فحلف له، فسري ~~عنه. # ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي أيوب وعبد الملك: هل من رجل ~~تعرفانه بالرأي يجمع رأيه إلى رأينا؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى، وكان ~~السفاح يشاوره، فأرسل إليه وقال له: إن محمدا قد ظهر بالمدينة. قال: فاشحن ~~الأهواز بالجنود. قال: إنه ظهر بالمدينة! قال: قد فهمت وإنما الأهواز الباب ~~الذي تؤتون منه. فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال: فعاجله ~~بالجنود واشغل الأهواز عليه. # وشاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة البهراني عند ظهور محمد، فقال: وجه ~~الجنود إلى البصرة. قال: انصرف حتى أرسل إليك. فلما صار إبراهيم إلى البصرة ~~أرسل إليه فقال له ذلك، فقال: إني خفت بادرة الجنود. قال: وكيف خفت البصرة؟ ~~قال: لأن محمدا ظهر بالمدينة وليسوا أهل الحرب، بحسبهم أن يقيموا شأن ~~أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبي طالب، فلم يبق إلا ~~البصرة. # ثم إن المنصور كتب إلى محمد: بسم الله الرحمن الرحيم {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] الآيتين، ولك عهد ~~الله وميثاقه، وذمة رسوله أن أؤمنك، وجميع ولدك، وإخوتك، وأهل بيتك ومن ~~اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك # PageV05P114 # ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزلك ~~من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك. # وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء ms2005 من أمرك ثم لا أتبع ~~أحدا منهم بشيء كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت ~~يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به، والسلام. # فكتب إليه محمد: {طسم - تلك آيات الكتاب المبين - نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} [القصص: 1 - 3] إلى: {يحذرون} [القصص: 6] وأنا ~~أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فإن الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا ~~الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضله، فإن أبانا عليا كان الوصي وكان ~~الإمام، فكيف ورثتم ولايته، وولده أحياء؟ # ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف ~~آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمت أحد من ~~بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، وإنا بنو أم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو بنته فاطمة ~~في الإسلام دونكم. # إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد أفضلهم، ومن السلف ~~أولهم إسلاما علي، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى [إلى] ~~القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء العالمين وأهل الجنة، ومن ~~المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليا ~~مرتين، وإن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولدني مرتين من قبل حسن وحسين. # وإني أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أبا، لم تعرق في العجم، ولم تنازع في ~~أمهات الأولاد، فما زال الله يختار لي الآباء، # PageV05P115 # والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في الأشرار، (فأنا ابن أرفع ~~الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابا في النار) ، ولك الله علي إن دخلت في ~~طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من ~~حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمني من ذلك. # وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما ~~أعطيته ms2006 رجالا قبلي، فأي الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد ~~الله بن علي، أم أمان أبي مسلم؟ # فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب المورياني: دعني أجبه عليه. ~~قال: لا إذا تقارعنا على الأحساب، فدعني وإياه. ثم كتب إليه المنصور: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك، فإذا جل فخرك ~~بقرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة ~~والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العم أبا، وبدأ به في كتابه ~~على الوالدة الدنيا، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة ~~أقربهن رحما، وأعظمهن حقا، وأول من يدخل الجنة، [غدا] ولكن اختيار الله ~~لخلقه على علمه فيما مضى منهم واصطفائه لهم. # وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها فإن الله لم يرزق أحدا من ~~ولدها الإسلام لا بنتا ولا ابنا، ولو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه ~~عبد الله ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر لله يختار ~~لدينه من يشاء، قال الله تعالى: # PageV05P116 # {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} ~~[القصص: 56] . ولقد بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وله عمومة ~~أربعة، فأنزل الله، عز وجل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] ~~فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان، أحدهما أبي، وأبى اثنان، أحدهما أبوك، فقطع ~~الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا. # وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا وابن خير الأشرار، وليس في الكفر ~~بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي ~~لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم {وسيعلم الذين ظلموا} ~~[الشعراء: 227] الآية. # وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يلده هاشم إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة. وزعمت أنك أوسط بني هاشم ~~وأصرحهم ms2007 أما وأبا، وأنه لم يلدك العجم ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد ~~رأيتك فخرت على بني هاشم طرا، فانظر، ويحك، أين أنت من الله غدا! فإنك قد ~~تعديت طورك وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولادا وأخا إبراهيم ابن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات الأولاد، ما ولد ~~فيكم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من علي بن الحسين، ~~وهو لأم ولد، ولهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل محمد بن ~~علي، وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد، وهو ~~خير منك. # PageV05P117 # وأما قولك إنكم بنو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله تعالى ~~يقول في كتابه: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] ولكنكم بنو ~~بنته، وإنها لقرابة قريبة، ولكنها لا يجوز لها الميراث، ولا ترث الولاية، ~~ولا يجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها؟ ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرج فاطمة ~~نهارا، ومرضها سرا، ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة ~~التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا ~~يورثون. # وأما ما فخرت به من علي وسابقته، فقد حضرت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، ~~وكان في الستة فتركوه كلهم دفعا له عنها، ولم يروا له حقا فيها. # وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى ~~سعد بيعته فأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده، ثم طلبها بكل وجه وقاتل ~~عليها وتفرق عنه أصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما، ~~وأعطاهما عهد الله وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية ~~بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير ~~أهله، وأخذ مالا من غير ولائه ms2008 ولا حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه ~~وأخذتم ثمنه. # ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتوا ~~برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، ~~وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان، ~~وقتلوا رجالكم، وأسروا الصبية والنساء # PageV05P118 # وحملوهم بلا وطاء في المحامل كالسبي المجلوب إلى الشام. # حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم ~~وديارهم، وسنينا سلفكم وفضلناه، فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت أنا إنما ~~ذكرنا أباك للتقدمة منا له على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ~~ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلما منهم، مجتمعا عليهم بالفضل، وابتلي ~~أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة ~~المكتوبة، فاحتججنا [له] وذكرناهم فضله وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه. # فلقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم، وولاية زمزم، ~~فصارت للعباس من بين إخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل ~~نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ~~ولم يتقرب إليه إلا بأبينا حتى نعشهم الله، وسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم ~~يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - غيره فكانت وراثة من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد ~~من بني هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبي له، ~~والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في الدنيا ~~والآخرة إلا والعباس وارثه مورثه. # وأما ما ذكرت من بدر، فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، ~~وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارها لمات ~~طالب وعقيل جوعا، وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين فأذهب ~~عنكم العار والسبة وكفاكم النفقة والمئونة، ثم فدى عقيلا يوم بدر، فكيف ~~تفخر علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم [من الأسر] وحزنا ms2009 عليكم مكارم ~~الآباء، وورثنا دونكم # PageV05P119 # خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا ~~لأنفسكم! والسلام عليكم ورحمة الله. # فكان محمد قد استعمل محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي ~~طالب على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، وموسى بن عبد الله على الشام، ~~فأما محمد بن الحسن والقاسم فسارا إلى مكة، فخرج إليهما السري بن عبد الله ~~عامل المنصور على مكة فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه. # ودخل محمد مكة وأقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره ~~بالمسير إليه فيمن معه ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه ~~من مكة هو والقاسم، فبلغه بنواحي قديد قتل محمد، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا. # فلحق محمد بن الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم، واختفى القاسم ~~بالمدينة حتى أخذت له ابنة عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر - ~~امرأة عيسى - الأمان له ولإخوته معاوية وغيره. # وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد ~~القسري، فانسل منه رزام وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسري، ~~فظهر محمد بن عبد الله على ذلك، فحبس محمدا القسري، ووصل موسى إلى الشام ~~فرأى منهم سوء رد عليه وغلظة، فكتب إليه محمد: أخبرك أني لقيت الشام وأهله، ~~فكان أحسنهم قولا الذي قال: والله لقد مللنا البلاء وضقنا حتى ما فينا لهذا ~~الأمر موضع ولا بنا به حاجة، ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا ~~وأمسينا من غد ليرفعن أمرنا، فكتبت إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي. ثم ~~رجع إلى المدينة. # وقيل: أتى البصرة وأرسل صاحبا له يشتري له طعاما، فاشتراه وجاء به على ~~حمال أسود فأدخله الدار التي سكنها وخرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار ~~وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه، فأخذوا وحملوا إلى محمد بن سليمان بن علي ~~بن عبد الله بن عباس. # فلما رأى موسى قال: لا قرب الله قرابتكم، ولا ms2010 حيا وجوهكم! تركت البلاد ~~كلها إلا بلدا أنا فيه، فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين، وإن أطعته ~~قطعت # PageV05P120 # أرحامكم. # ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر فضرب موسى وابنه كل واحد خمسمائة سوط، فلم ~~يتأوهوا. فقال المنصور: أعذرت أهل الباطل في صبرهم، فما بال هؤلاء؟ فقال ~~موسى: أهل الحق أولى بالصبر. ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا. # (خبيب بن ثابت: بالخاء المعجمة المضمومة، وببائين موحدتين وبينهما ياء ~~مثناة من تحتها) . # ذكر مسير عيسى بن موسى إلى محمد بن عبد الله وقتله # ثم إن المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد. فقال: شاور عمومتك يا أمير ~~المؤمنين. # ثم قال: فأين قول ابن هرمة: # ترون أمرأ لا يمحض القوم سره ... ولا ينتجي الأذنين عما يحاول # إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل. # فقال المنصور: امض أيها الرجل، فوالله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن ~~تشخص أنت أو أشخص أنا. فسار وسير معه الجنود. # وقال المنصور لما سار عيسى: لا أبالي أيهما قتل صاحبه. وبعث معه محمد بن ~~أبي العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدي، وابن قحطبة، وهزار مرد وغيرهم، ~~وقال له حين ودعه: يا عيسى إني أبعثك إلى ما بين هذين، وأشار إلى جنبيه، ~~فإن ظفرت بالرجل فأغمد سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه فإنهم ~~يعرفون مذاهبه، ومن لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه، ومن لم يلقك ~~فاقبض ماله. # وكان جعفر الصادق تغيب عنه فقبض ماله، فلما قدم المنصور المدينة قال له ~~جعفر في معنى ماله، فقال: قبضه مهديكم. # فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق حرير، منهم: عبد العزيز بن # PageV05P121 # المطلب المخزومي، وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي، وكتب إلى عبد الله ~~بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، ~~فخرج هو، وعمر بن محمد بن عمر، ms2011 وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~عقيل، وأبو عيسى. # ولما بلغ محمدا قرب عيسى من المدينة استشار أصحابه في الخروج من المدينة ~~أو المقام بها، فأشار بعضهم بالخروج عنها، وأشار بعضهم بالمقام بها لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " «رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة» ~~"، فأقام. # ثم استشارهم في حفر خندق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له جابر ~~بن أنس، رئيس سليم: يا أمير المؤمنين نحن أخوالك وجيرانك، وفينا السلاح ~~والكراع، فلا تخندق الخندق، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خندق ~~خندقه لما الله أعلم به، وإن خندقته لم يحسن القتال رجالة، ولم توجه لنا ~~الخيل بين الأزقة، وإن الذين تخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم. # فقال أحد بني شجاع: خندق، خندق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقتد ~~به، وتريد أنت أن تدع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرأيك! قال: ~~إنه والله يا ابن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم، وما شيء ~~أحب إلينا من مناجزتهم. فقال محمد: إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا يردني أحد عنه فلست بتاركه. وأمر به فحفر، وبدأ ~~هو فحفر بنفسه الخندق الذي حفره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأحزاب. # وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمد قد جمع الناس، وأخذ عليهم الميثاق، ~~وحصرهم فلا يخرجون. # وخطبهم محمد بن عبد الله فقال لهم: إن عدو الله وعدوكم قد نزل الأعوص، ~~وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار، ألا وإنا قد ~~جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق، وعدوكم عدد كثير والنصر من الله والأمر ~~بيده، وإنه قد بدا لي أن آذن لكم، فمن أحب منكم أن يقيم أقام، ومن أحب أن ~~يظعن ظعن. # فخرج عالم كثير، وخرج ناس من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض # PageV05P122 # والجبال، وبقي محمد في شرذمة يسيرة، فأمر أبا القلمس برد من قدر عليه، ~~فأعجزه كثير منهم، فتركهم. # وكان المنصور قد ms2012 أرسل ابن الأصم مع عيسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا ~~على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة، وإني ~~أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكركم. فتأخروا إلى سقاية سليمان بن عبد ~~الملك بالجرف، وهي على أربعة أميال من المدينة، وقال: لا يهرول الراجل أكثر ~~من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل. وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء أزهر ~~على ستة أميال من المدينة، فأقاموا بها، وقال: أخاف أن ينهزم محمد فيأتي ~~مكة فيرده هؤلاء، فأقاموا بها حتى قتل. # وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور قد آمنه وأهله، فأعاد الجواب: يا ~~هذا إن لك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرابة قريبة، وإني أدعوك إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما ~~أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى ~~الله فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال ~~عيسى: ليس بيننا وبينه إلا القتال. # وقال محمد للرسول: علام تقتلونني وإنما أنا رجل فر من أن يقتل؟ قال: ~~القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير ~~آبائك [علي] طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكهم. فلما سمع المنصور ~~قوله قال: ما سرني أنه قال غير ذلك. # ونزل عيسى بالجرف لاثنتي عشرة من رمضان يوم السبت، فأقام السبت والأحد ~~وغدا يوم الإثنين فوقف على سلع فنظر إلى المدينة ومن فيها فنادى: يا أهل ~~المدينة إن الله حرم دماء بعضنا على بعض، فهلموا إلى الأمان! فمن قام تحت ~~رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى ~~سلاحه فهو آمن، ومن خرج # PageV05P123 # من المدينة فهو آمن، خلوا بيننا وبين صاحبنا، فإما لنا وإما له! فشتموه. # وانصرف من يومه وعاد من الغد وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة، وأخلى ~~ناحية مسجد أبي الجراح، وهو على بطحان، فإنه ms2013 أخلى تلك الناحية لخروج من ~~ينهزم. # وبرز محمد في أصحابه، وكانت رايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، ~~وكان شعاره: أحد أحد. فبرز أبو القلمس، وهو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو ~~أسد واقتتلوا طويلا، فقتله أبو القلمس، وبرز إليه آخر فقتله، فقال حين ~~ضربه: خذها وأنا ابن الفاروق. فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيرا من ألف ~~فاروق. # وقاتل محمد بن عبد الله يومئذ قتالا عظيما، فقتل بيده سبعين رجلا، وأمر ~~عيسى حميد بن قحطبة، فتقدم في مائة كلهم راجل سواه، فزحفوا حتى بلغوا جدارا ~~دون الخندق عليه ناس من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق ~~ونصب عليه أبوابا وعبر هو وأصحابه عليها فجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه ~~أشد قتال من بكرة إلى العصر. # وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب وغيرها في الخندق وجعل الأبواب عليها ~~وجازت الخيل فاقتتلوا قتالا شديدا، فانصرف محمد قبل الظهر فاغتسل وتحنط ثم ~~رجع، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي! والله ما لك بما ترى طاقة! ~~فلو أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإن معه جل أصحابك. فقال: لو خرجت لقتل أهل ~~المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، وأنت مني في سعة فاذهب حيث شئت. # فمشى معه قليلا ثم رجع عنه، وتفرق عنه جل أصحابه حتى بقي في ثلاثمائة رجل ~~يزيدون قليلا، فقال لبعض أصحابه: نحن اليوم بعدة أهل بدر. # وصلى محمد الظهر والعصر، وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده إلا ذهبت إلى ~~البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين، ولكن اذهب أنت حيث ~~شئت. فقال ابن خضير: وأين المذهب عنك؟ ثم مضى فأحرق الديوان الذي فيه أسماء ~~من بايعه، وقتل رياح بن عثمان، وأخاه عباس بن عثمان، وقتل ابن مسلم بن عقبة ~~المري، ومضى إلى محمد بن القسري وهو محبوس ليقتله، فعلم به فردم الأبواب ~~دونه، فلم يقدر عليه، ورجع إلى محمد فقاتل بين يديه [حتى قتل] . # PageV05P124 # وتقدم حميد بن قحطبة وتقدم ms2014 محمد، فلما صار ينظر مسيل سلع عرقب فرسه، ~~وعرقب بنو شجاع الخميسيون دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم ~~محمد: قد بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل، فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له. ~~واشتد القتال، فهزموا أصحاب عيسى مرتين وثلاثا. # وقال يزيد بن معاوية بن عباس بن جعفر: ويل أمه فتحا لو كان له رجال! فصعد ~~نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع وانحدروا منه إلى المدينة، وأمرت أسماء بنت ~~حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بخمار أسود، فرفع على منارة محمد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أصحاب محمد: دخلت المدينة، فهربوا، ~~فقال يزيد: لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتى إلا منه، يعني سلعا. # وفتح بنو أبي عمرو الغفاريون طريقا في بني غفار لأصحاب عيسى ودخلوا منه ~~أيضا، وجاءوا من وراء أصحاب محمد، ونادى محمد حميد بن قحطبة: ابرز إلي فأنا ~~محمد بن عبد الله. فقال حميد: قد عرفتك وأنت الشريف ابن الشريف الكريم ابن ~~الكريم، لا والله لا أبرز إليك وبين يدي من هؤلاء الأغمار أحد، فإذا فرغت ~~منهم فسأبرز إليك. # وجعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان ويشح به على الموت، وابن خضير يحمل ~~على الناس راجلا لا يصغي إلى أمانه، وهو يأخذه بين يديه، فضربه رجل من ~~أصحاب عيسى على أليته فحلها، فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب ثم عاد إلى ~~القتال، فضربه إنسان على عينه فغاص السيف وسقط، فابتدروه فقتلوه واحتزوا ~~رأسه، وكأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه. # فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهذ الناس هذا، وكان أشبه ~~الناس بقتال حمزة. # ولم يزل يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبته وجعل يذب ~~عن نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجرح مظلوم! فطعنه ابن قحطبة في صدره ~~فصرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه وأتى # PageV05P125 # به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء. # وقيل: إن عيسى اتهم ابن قحطبة، وكان في الخيل، فقال ms2015 له: ما أراك تبالغ. ~~فقال له: أتتهمني؟ فوالله لأضربن محمدا حين أراه بالسيف أو أقتل دونه. قال: ~~فمر به وهو مقتول فضربه وهو مقتول ليبر يمينه. # وقيل: بل رمي بسهم وهو يقاتل فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد ~~الموت تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار سيف علي. # وقيل: بل أعطاه رجلا من التجار كان معه وله عليه أربعمائة دينار وقال: ~~خذه فإنك لا تلقى أحدا من آل أبي طالب إلا أخذه، وأعطاك حقك، فلم يزل عنده ~~حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر به، فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة ~~دينار، ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدي، ثم صار إلى الهادي، فجربه على كلب ~~فانقطع السيف. # وقيل: بل بقي إلى أيام الرشيد، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة. # ولما أتي عيسى برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه؟ فوقعوا فيه، فقال ~~بعضهم: كذبتم، ما لهذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشق عصا ~~المسلمين، وإن كان لصواما قواما! فسكتوا. فأرسل عيسى الرأس إلى المنصور مع ~~محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأرسل ~~معه رءوس بني شجاع. # فأمر المنصور فطيف برأس محمد في الكوفة، وسيره إلى الآفاق، ولما رأى ~~المنصور رءوس بني شجاع قال: هكذا فليكن الناس، طلبت محمدا فاشتمل عليه ~~هؤلاء ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. # PageV05P126 # وكان قتل محمد وأصحابه يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر ~~رمضان. # وكان المنصور قد بلغه أن عيسى قد هزم، فقال: كلا، أين لعب أصحابنا ~~وصبياننا بها على المنابر، ومشورة النساء؟ ما أنى لذلك بعد! ثم بلغه أن ~~محمدا هرب فقال: كلا، إنا أهل بيت لا نفر. فجاءته بعد ذلك الرءوس. # ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عنده، ~~فلما رأى الرأس عظم عليه ms2016 فتجلد خوفا من المنصور، (وقال لنقيب المنصور: أهو؟ ~~قال: هو فلذهم، وقال: لوددت أنا الركانة إلى طاعته، وأنه لم يكن فعل ولا ~~قال، وإلا فأم موسى طالق) ، وكانت غاية أيمانه، ولكنه أراد قتله، وكانت ~~نفسه أكرم علينا من نفسه، فبصق بعض الغلمان في وجهه، فأمر المنصور بأنفه ~~فكسر عقوبة له. # ولما ورد الخبر بقتل محمد على أخيه إبراهيم بالبصرة كان يوم العيد، فخرج ~~فصلى بالناس ونعاه على المنبر، وأظهر الجزع عليه، وتمثل على المنبر: # يابا المنازل يا خير الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا # الله يعلم أني لو خشيتهم ... وأوجس القلب من خوف لهم فزعا # لم يقتلوه ولم أسلم أخي أبدا ... حتى نموت جميعا أو نعيش معا. # ولما قتل محمد أرسل عيسى ألوية فنصبت في مواضع بالمدينة ونادى مناديه: من ~~دخل تحت لواء منها فهو آمن. # PageV05P127 # وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز ~~صفين، ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قوم من الليل فواروه سرا ~~وبقي الآخرون ثلاثا، فأمر بهم عيسى، فألقوا على مقابر اليهود، ثم ألقوا بعد ~~ذلك في خندق في أصل ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد الله أخت محمد وابنة فاطمة ~~إلى عيسى: إنكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا في دفنه؟ فأذن ~~لها، فدفن بالبقيع. # وقطع المنصور الميرة في البحر إلى المدينة، ثم أذن فيها المهدي. # ذكر بعض المشهورين ممن كان معه # وكان فيمن معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله، وحسين وعلي ابنا زيد ~~بن علي بن الحسين بن علي. # ولما بلغ المنصور أن ابني زيد أعانا محمدا عليه قال: عجبا لهما قد خرجا ~~علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما ~~أحرقه! . # وكان معه حمزة بن عبد الله بن محمد بن الحسين، وعلي وزيد ابنا الحسن بن ~~زيد بن علي بن أبي طالب، وكان أبوهما مع المنصور، والحسن ويزيد وصالح بنو ~~معاوية بن عبد الله بن جعفر ms2017 بن أبي طالب، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن ~~جعفر، والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر، وكان أبوه ~~مع المنصور. # ومن غيرهم: محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العباس، ومحمد بن عجلان، ~~وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، أخذ أسيرا فأتي به المنصور، فقال له: أنت ~~الخارج علي؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد. # وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن [أبي] سبرة، وعبد الواحد بن أبي ~~عون مولى الأزد، وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وعبد ~~العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الله بن عطاء بن ~~يعقوب مولى بني سباع، وإبراهيم، وإسحاق، وربيعة. # وجعفر، وعبد الله، وعطاء، ويعقوب، وعثمان، وعبد العزيز بنو عبد الله بن ~~عطاء، وعيسى بن خضير، (وعثمان بن خضير) ، وعثمان بن محمد بن # PageV05P128 # خالد بن الزبير، هرب بعد قتل محمد فأتى البصرة، فأخذ منها وأتي به ~~المنصور. # فقال له: هيه يا عثمان! أنت الخارج علي مع محمد؟ قال: بايعته أنا وأنت ~~بمكة فوفيت ببيعتي، وغدرت بيعتك! قال: يا ابن اللخناء! قال: ذاك من قامت ~~عنه الإماء! يعني المنصور، فأمر به فقتل. # وكان مع محمد عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ~~وأخذ أسيرا، فأطلقه المنصور، وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، ~~وعلي بن عبد المطلب بن عبد الله بن جنطب، وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن ~~الزبير، وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار، وعبد الله بن يزيد بن ~~هرمز، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. # ذكر صفة محمد والأخبار بقتله # كان محمد أسمر شديد السمرة، وكان منصور يسميه محمما، وكان سمينا شجاعا ~~كثير الصوم والصلاة، شديد القوة، وكان يخطب على المنبر فاعترض في حلقه ~~بلغم، فتنحنح فذهب، ثم عاد فتنحنح فذهب، ثم عاد فتنحنح فنظر، فلم ير ms2018 موضعا ~~يبصق فيه، فرمى بنخامته في سقف المسجد فألصقها فيه. # وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد، فقال: فتنة يقتل فيها محمد، ويقتل أخوه ~~لأبيه وأمه بالعراق، وحوافر فرسه في ماء. # فلما قتل محمد قبض عيسى أموال بني الحسن كلها وأموال جعفر، فلقي جعفر ~~المنصور فقال له: رد علي قطيعتي من أبي زياد. قال: إياي تكلم بهذا؟ والله ~~لأزهقن نفسك! قال: فلا تعجل علي، قد بلغت ثلاثا وستين سنة وفيها مات أبي ~~وجدي وعلي بن أبي طالب، وعلي كذا وكذا إن ربتك بشيء، وإن بقيت بعدك إن ربت ~~الذي يقوم بعدك. فرق له المنصور، ولم يرد عليه قطيعته، فردها المهدي على ~~ولده. # وقال محمد لعبد الله بن عامر الأسلمي: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا، ~~وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت. قال: فوالله لقد أظلتنا ~~سحابة فلم # PageV05P129 # تمطرنا، وتجاوزنا إلى عيسى وأصحابه فظفروا وقتلوا محمدا، ورأيت دمه عند ~~أحجار الزيت. # (وكان قتله يوم الإثنين لأربع عشرة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة) ~~. # وكان يلقب المهدي والنفس الزكية. # ومما رثي به هو وأخوه قول عبد الله بن مصعب بن ثابت: # يا صاحبي دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما # وقفا بقبر للنبي فسلما ... لا بأس أن تقفا به وتسلما # قبر تضمن خير أهل زمانه ... حسبا وطيب سجية وتكرما # رجل نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما # لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما # لو أعظم الحدثان شيئا قبله ... (بعد النبي به لكنت المعظما # أو كان أمتع بالسلامة قبله ... ) أحدا لكان قصاره أن يسلما # ضحوا بإبراهيم خير ضحية ... فتصرمت أيامه فتصرما # بطلا يخوض بنفسه غمراته ... لا طائشا رعشا ولا مستسلما # حتى مضت فيه السيوف وربما ... كانت حتوفهم السيوف وربما # أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما # ونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما # يتوصلون بقتله ويرونه ... شرفا لهم عند الإمام ومغنما # والله لو شهد النبي محمد ... صلى الإله على ms2019 النبي وسلما # PageV05P130 # إشراع أمته الأسنة لابنه # حتى تقطر من ظباتهم دما ... حتى لأيقن أنهم قد ضيعوا # تلك القرابة واستحلوا المحرما. # ولما قتل محمد قام عيسى بالمدينة أياما ثم سار عنها صبح تسع عشرة خلت من ~~رمضان يريد مكة معتمرا، واستخلف على المدينة كثير بن حصين، فأقام بها شهرا ~~ثم استعمل المنصور عليها عبد الله بن الربيع الحارثي. # ذكر وثوب السودان بالمدينة # وفيها ثار السودان على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم. # وسبب ذلك أن المنصور استعمل عبد الله بن الربيع على المدينة، وقدمها لخمس ~~بقين من شوال، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فشكا ذلك التجار ~~إلى ابن الربيع، فانتهرهم وشتمهم، فتزايد طمع الجند فيهم، فعدوا على رجل ~~صيرفي فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلص ماله منهم، وشكا أهل المدينة ذلك ~~منهم، فلم ينكره ابن الربيع. # ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما يوم جمعة، ولم يعطه ثمنه، وشهر ~~عليه السيف، فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله، واجتمع الجزارون، وتنادى ~~السودان على الجند، وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد، ونفخوا في بوق ~~لهم، فسمعه السودان من العالية والسافلة فأقبلوا واجتمعوا، وكان رؤساؤهم ~~ثلاثة نفر: وثيق، ويعقل، وزمعة، ولم يزالوا على ذلك من قتل الجند حتى ~~أمسوا. # فلما كان الغد قصدوا ابن الربيع فهرب منهم وأتى بطن نخل على ليلتين من ~~المدينة فنزل به، فانتهبوا طعاما للمنصور وزيتا وقسبا فباعوا حمل الدقيق ~~بدرهمين، وراوية الزيت بأربعة دراهم. # وسار سليمان بن مليح ذلك اليوم إلى المنصور فأخبره. # وكان أبو بكر بن أبي سبرة في الحبس قد أخذ مع محمد بن عبد الله فضرب # PageV05P131 # وحبس مقيدا، فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس فأتى ~~المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران، ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما، فأحضرهم ~~عنده فقال: أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت! فوالله إن ثبتت علينا عند ~~أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى، إنه لهلاك البلد وأهله والعبيد في السوق ~~بأجمعهم، فاذهبوا إليهم ms2020 فكلموهم. # فقالوا: مرحبا بموالينا، والله ما قمنا إلا أنفة مما عمل بكم، فأمرنا ~~إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد، فخطبهم ابن أبي سبرة وحثهم على الطاعة، ~~فتراجعوا. # ولم يصل الناس يومئذ جمعة، فلما كان وقت العشاء الآخرة لم يجب المؤذن أحد ~~إلى الصلاة بهم، فقدم الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، ~~فلما وقف للصلاة واستوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته: أنا ~~فلان بن فلان أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين، يقول ذلك مرتين وثلاثا. # ثم تقدم فصلى بهم، فلما كان الغد قال لهم ابن أبي سبرة: إنكم قد كان منكم ~~بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أمير المؤمنين، فلا يبقين عند أحد منه شيء ~~إلا رده، فردوه، ورجع ابن الربيع من بطن نخل فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما. # ذكر بناء مدينة بغداذ # فيها ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداذ. # وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة، فلما ثارت الراوندية ~~فيها كره سكانها لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضا، فإنه كان لا يأمن أهلها على ~~نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد له موضعا يسكنه هو وجنده، ~~فانحدر إلى جرجرايا، ثم أصعد إلى الموصل، وسار نحو الجبل في طلب منزل يبنى ~~به. # وكان قد تخلف بعض جنده بالمدائن لرمد لحقه، فسأله الطبيب الذي يعالجه عن ~~سبب حركة المنصور، فأخبره، فقال: إنا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى ~~مقلاصا يبني مدينة بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها ~~أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة ~~أعظم منه فلا يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر ~~عمرا طويلا، ويبقى الملك في عقبه. # فقدم ذلك الجندي إلى عسكر المنصور وهو بنواحي الجبل فأخبره الخبر، فرجع # PageV05P132 # وقال: إني أنا والله كنت أدعى مقلاصا وأنا صبي ثم زال عني، وصار حتى نزل ~~الدير الذي حذاء قصره المعروف بالخلد، ودعا بصاحب الدير وبالبطريق صاحب رحا ~~البطريق، ms2021 وصاحب بغداذ، وصاحب المخرم، وصاحب بستان النفس، وصاحب العتيقة ~~فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحول والبق ~~والهوام، فأخبره كل منهم بما عنده، ووقع اختيارهم على صاحب بغداذ، فأحضره ~~وشاوره. # فقال: يا أمير المؤمنين سألتني عن هذه الأمكنة وما تختار منها، وإني أرى ~~أن تنزل أربعة طساسيج في الجانب الغربي طسوجين، وهما بقطربل وبادوريا، وفي ~~الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فيكون بين نخل وقرب الماء، وإن ~~أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر العمارات. # وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة، (تجيئك الميرة في السفن من الشام ~~والرقة، والغرب في طوائف مصر، وتجيئك الميرة من الصين، والهند، والبصرة، ~~وواسط، وديار بكر، والروم، والموصل، وغيرها في دجلة، وتجيئك الميرة من ~~إرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب، فأنت بين أنهار لا يصل ~~إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر، وأخربت القنطرة لم يصل ~~إليك، ودجلة والفرات والصراة خنادق هذه المدينة، وأنت متوسط للبصرة والكوفة ~~وواسط والموصل والسواد، وأنت قريب من البر والبحر والجبل. # فازداد المنصور عزما على النزول في ذلك الموضع. # وقيل: إن المنصور لما أراد أن يبني مدينة بغداذ رأى راهبا فناداه، ~~فأجابه، فقال: هل تجدون في كتبكم أنه يبنى هاهنا مدينة؟ قال: نعم يبنيها ~~مقلاص. قال: فأنا كنت أدعى مقلاصا في حداثتي. قال: فإذا أنت صاحبها. # فابتدأ المنصور بعملها سنة خمس وأربعين، وكتب إلى الشام، والجبل، ~~والكوفة، وواسط، والبصرة، في معنى إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر باختيار قوم ~~من ذوي الفضل والعدالة والفقه، وأمر باختيار قوم من ذوي الأمانة والمعرفة ~~بالهندسة. # فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة، وأبو حنيفة، وأمر فخطت المدينة، ~~وحفر الأساس، وضرب # PageV05P133 # اللبن، وطبخ الآجر، فكان أول ما ابتدأ به منها أنه أمر بخطها بالرماد، ~~فدخلها من أبوابها وفصلانها وطاقاتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد، ثم أمر ~~أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ففعلوا، فنظر إليها وهي تشتعل، ~~ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر الأساس ms2022 على ذلك الرسم. # ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد بربع، ووكل أبا حنيفة بعدد الآجر ~~واللبن، وكان قبل ذلك قد أراد أبا حنيفة أن يتولى القضاء والمظالم، فلم ~~يجب، فحلف المنصور أنه لا يقلع عنه أو يعمل له. فأجابه إلى أن ينظر في ~~عمارة بغداذ ويعد اللبن والآجر بالقصب، وهو أول من فعل ذلك. # وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا، ومن أعلاه عشرين ~~ذراعا، وجعل في البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة، وقال: بسم الله ~~والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ~~ابنوا على بركة الله. # فلما بلغ السور مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله، فقطع ~~البناء ثم أقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم، ثم رجع إلى ~~بغداذ، فأتم بناءها، وأقطع فيها القطائع لأصحابه. # وكان المنصور قد أعد جميع ما يحتاج إليه من بناء المدينة من خشب وساج ~~وغير ذلك، واستخلف حين يشخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعد أسلم مولاه، فبلغه ~~أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور، فأحرق ما كان خلفه عليه المنصور، # فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه، فكتب إليه أسلم يخبره أنه خاف أن يظفر ~~بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئا. # وسنذكر كيفية بنائها في سنة ست وأربعين إن شاء الله. # PageV05P134 # ذكر ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد # فيها كان ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو أخو ~~محمد، المقدم ذكره، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت جارية له أنه لم ~~تقرهم أرض خمس سنين، مرة بفارس، ومرة بكرمان، ومرة بالجبل، ومرة بالحجاز، ~~ومرة باليمن، ومرة بالشام. # ثم إنه قدم الموصل، وقدمها المنصور في طلبه، فحكى إبراهيم قال: اضطرني ~~الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور ثم خرجت وقد كف الطلب، وكان قوم ~~من أهل العسكر يتشيعون فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم إليهم ليثبوا ~~بالمنصور، فقدم عسكر أبي ms2023 جعفر وهو ببغداذ وقد خطها. # وكانت له مرآة ينظر فيها فيرى عدوه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا مسيب قد ~~رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض أعدى لي منه، فانظر أي رجل يكون. # ثم إن المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر إليها ~~مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فخنس إبراهيم، وذهب في الناس، فأتى ~~فاميا فلجأ إليه، فأصعده غرفة له، وجد المنصور في طلبه، ووضع الرصدة بكل ~~مكان، فنشب إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي: قد نزل بنا ~~ما ترى ولا بد من المخاطرة. # قال: فأنت وذاك. فأقبل سفيان إلى الربيع، فسأله الإذن على المنصور، ~~فأدخله عليه، فلما رآه شتمه، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، ~~غير أني أتيتك تائبا ولك عندي كل ما تحب، وأنا آتيك بإبراهيم بن عبد الله، ~~إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا، فاكتب لي جوازا ولغلام معي يحملني على ~~البريد ووجه معي جندا. # فكتب له جوازا ودفع إليه جندا وقال: هذه ألف دينار فاستعن بها. قال: لا ~~حاجة لي فيها، وأخذ منها ثلاثمائة دينار، وأقبل والجند معه فدخل البيت، ~~وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية الغلمان، فصاح به، فوثب وجعل يأمره ~~وينهاه، وسار على البريد. # وقيل: لم يركب البريد. # وسار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما ~~جازها # PageV05P135 # قال له الموكل بالقنطرة: ما هذا غلام، وإنه لإبراهيم بن عبد الله، اذهب ~~راشدا، فأطلقهما، فركبا سفينة حتى قدما البصرة، فجعل يأتي بالجند الدار لها ~~بابان فيقعد البعض منهم على أحد البابين ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج ~~من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرق الجند عن نفسه وبقي وحده. # وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب القمي ~~فأعجزه. # وكان إبراهيم قد قدم الأهواز قبل ذلك واختفى عند الحسن بن خبيب، وكان ~~محمد بن الحصين يطلبه، فقال يوما: إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن ~~المنجمين أخبروه أن إبراهيم نازل ms2024 بالأهواز في جزيرة بين نهرين، وقد طلبته ~~في الجزيرة وليس هناك، وقد عزمت أن أطلبه غدا بالمدينة، لعل أمير المؤمنين ~~يعني بقوله بين نهرين بين دجيل والمسرقان. # فرجع الحسن بن خبيب إلى إبراهيم فأخبره وأخرجه إلى ظاهر البلد، ولم يطلبه ~~محمد ذلك اليوم. # فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم فأدخله البلد، وهما على ~~حمارين، وقت العشاء الآخرة، فلقيه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن ~~حماره كأنه يبول، فسأل ابن الحصين الحسن بن خبيب عن مجيئه، فقال: من عند ~~بعض أهلي. فمضى وتركه. ورجع الحسن إلى إبراهيم، فأركبه وأدخله إلى منزله، ~~فقال له إبراهيم: والله لقد بلت دما. قال: فأتيت الموضع فرأيته قد بال دما. # ثم إن إبراهيم قدم البصرة، فقيل: قدمها سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه ~~محمد بالمدينة، وقيل: قدمها سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان الذي أقدمه وتولى ~~كراه، في قول بعضهم، يحيى بن زياد بن حيان النبطي، وأنزله في داره في بني ~~ليث. # وقيل: نزل في دار أبي فروة، ودعا الناس إلى بيعة أخيه، وكان أول من بايعه ~~نميلة بن مرة العبشمي، وعفو الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن ~~سلمة الهجيمي، وعبد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي، وندبوا الناس، فأجابهم ~~المغيرة بن الفزع وأشباه له. # وأجابه أيضا عيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ، وعباد بن العوام، # PageV05P136 # وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومعاوية بن هشيم بن بشير، وجماعة كثيرة من ~~الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف. وشهر أمره، فقالوا له: لو ~~تحولت إلى وسط البصرة أتاك الناس وهم مستريحون. فتحول فنزل دار أبي مروان ~~مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر، وكان سفيان بن معاوية قد مالأ على أمره. # ولما ظهر أخوه محمد كتب إليه يأمره بالظهور، فوجم لذلك واغتم، فجعل بعض ~~أصحابه يسهل عليه ذلك وقال له: قد اجتمع لك أمرك فتخرج إلى السجن فتكسره من ~~الليل فتصبح وقد اجتمع لك عالم من الناس. وطابت نفسه. # وكان المنصور بظاهر الكوفة، ms2025 كما تقدم، في قلة من العساكر، وقد أرسل ثلاثة ~~من القواد إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مددا له ليكونوا عونا له على ~~إبراهيم إن ظهر. فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه، فجمع ~~القواد عنده. # وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، فغنم دواب أولئك ~~الجند، وصلى بالناس الصبح في الجامع، وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصنا ~~في جماعة فحصره، وطلب سفيان منه الأمان، فآمنه إبراهيم. # ودخل الدار ففرشوا له حصيرا، فهبت الريح فقلبته قبل أن يجلس، فتطير الناس ~~بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير. وجلس عليه مقلوبا وحبس القواد وحبس أيضا ~~سفيان بن معاوية في القصر وقيده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنه محبوس. # وبلغ جعفرا ومحمدا ابني سليمان بن علي ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة ~~رجل، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم الجزري في خمسين رجلا، ~~فهزمهما، ونادى منادي إبراهيم: لا يتبع مهزوم ولا يذفف على جريح. # ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد، ~~فصفت له البصرة، ووجد في بيت مالها ألفي ألف درهم، فقوي بذلك وفرض لأصحابه ~~لكل رجل خمسين خمسين. # فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز، فبلغها في مائتي رجل، ~~وكان بها محمد بن الحصين عاملا للمنصور، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا، ~~فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز. # وقيل: إنما وجه المغيرة بعد مسيره إلى باخمرى، وسير إبراهيم إلى فارس ~~عمرو بن # PageV05P137 # شداد، فقدمها وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي بن عبد الله بن عباس، ~~فبلغهما دنو عمرو وهما بإصطخر، فقصدا دارابجرد فتحصنا بها، فصارت فارس في ~~يد عمرو، وأرسل إبراهيم مروان بن سعيد العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط، ~~وبها هارون بن حميد الإيادي من قبل المنصور، فملكها العجلي. # وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف، وقيل: في ~~عشرين ألفا، فكانت بينهم وقعات ثم تهادنوا على ms2026 ترك الحرب حتى ينظروا ما ~~يكون من إبراهيم والمنصور. فلما قتل إبراهيم هرب مروان بن سعيد عنهما ~~فاختفى حتى مات. # فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل ~~عيد الفطر بثلاثة أيام، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم ~~وأخبرهم بقتل محمد، فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر ~~واستخلف على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه. # ذكر مسير إبراهيم وقتله # ثم إن إبراهيم عزم على المسير، فأشار أصحابه البصريون أن " تقيم وترسل ~~الجنود، فيكون إذا انهزم لك جند أمددتهم بغيرهم، فخيف مكانك، واتقاك عدوك، ~~وجبيت الأموال، وثبت وطأتك ". # فقال من عنده من أهل الكوفة: إن بالكوفة أقواما لو رأوك ماتوا دونك، وإن ~~لم يروك قعدت بهم أسباب شتى. فسار عن البصرة إلى الكوفة. # وكان المنصور لما بلغه ظهور إبراهيم في قلة من العسكر قال: والله ما أدري ~~كيف أصنع! ما في عسكري إلا ألفا رجل، فرقت جندي: مع المهدي بالري ثلاثون ~~ألفا، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفا، والباقون مع عيسى بن موسى، ~~والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا. # ثم كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بالعود مسرعا، فأتاه الكتاب وقد أحرم ~~بعمرة، فتركها وعاد. وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري، فقال له ~~المنصور: اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعه، فوالله إنهما جملا بني هاشم ~~المقتولان! فثق بما أقول. # وضم # PageV05P138 # إليه غيره من القواد. وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ خزيمة بن خازم إلى ~~الأهواز، فسيره في أربعة آلاف فارس، فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة ~~إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثا. # وتوالت على المنصور الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن ~~والسواد، وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل ينتظرون به صيحة، فلما ~~توالت الأخبار عليه بذلك أنشد: # وجعلت نفسي للرماح دريئة ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول # ثم إنه رمى كل ناحية بحجرها، وبقي المنصور على مصلاه خمسين يوما ينام ~~عليه، وجلس عليه، ms2027 وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها، لا غيرها ولا هجر المصلى، ~~إلا أنه كان إذا ظهر للناس لبس السواد فإذا فارقهم رجع إلى هيئته. # وأهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة ~~بن عبيد الله، والأخرى أم الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ~~ينظر إليهما، فقيل له: إنهما قد ساءت ظنونهما. فقال: ليست هذه أيام نساء، ~~ولا سبيل إليهما حتى أنظر رأس إبراهيم لي، أو رأسي له. # قال الحجاج بن قتيبة: لما تتابعت الفتوق على المنصور دخلت مسلما عليه وقد ~~أتاه خبر البصرة، والأهواز، وفارس، وعساكر إبراهيم قد عظمت، وبالكوفة مائة ~~ألف سيف بإزاء عسكره ينتظر صيحة واحدة فيثبون به، فرأيته أحوذيا مشمرا قد ~~قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها (فقام بها) ، ولم تقعد به نفسه. # وإنه كما قال الأول: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # وصيرته ملكا هماما. # ثم وجه المنصور إلى إبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدمته ~~حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف، وقال له لما ودعه: إن هؤلاء الخبثاء، يعني ~~المنجمين، # PageV05P139 # يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم يجول أصحابك جولة حتى تلقاه، ثم يرجعون ~~إليك وتكون العاقبة لك. # ولما سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلته في عسكره سرا فسمع أصوات الطنابير، ~~ثم فعل ذلك مرة أخرى فسمعها أيضا، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا! ~~وسمع ينشد في طريقه أبيات القطامي: # أمور لو يدبرها حليم ... إذا لنهى وهيب ما استطاعا # ومعصية الشقيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا # وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا # ولكن الأديم إذا تفرى ... بلى وتعيبا غلب الصناعا # . فعلموا أنه نادم على مسيره. # وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف، وقيل: كان معه في طريقه عشرة آلاف. # وقيل له في طريقه ليأخذ غير الوجه الذي فيه عيسى، ويقصد الكوفة فإن ~~المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه، ولا يبقى للمنصور مرجع دون ~~حلوان، ms2028 فلم يفعل. # فقيل له ليبيت عيسى. فقال: أكره البيات إلا بعد الإنذار. وقال بعض أهل ~~الكوفة ليأمره بالمسير إليها ليدعو إليه الناس، وقال: أدعوهم سرا ثم أجهر، ~~فإذا سمع المنصور الهيعة بأرجاء الكوفة لم يرد وجهه شيء دون حلوان. # فاستشار بشيرا الرحال، فقال: لو وثقنا بالذي تقول لكان رأيا، ولكنا لا ~~نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل إليهم المنصور الخيل، فيأخذ البريء والصغير ~~والمرأة، فيكون ذلك تعرضا للمأثم. # فقال الكوفي: كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتل الضعيف والمرأة ~~والصغير! أولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث سراياه ليقاتل ~~ويكون نحو هذا؟ قال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون. # PageV05P140 # واتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرى، وهي من الكوفة على ستة عشر ~~فرسخا، (مقابل عيسى بن موسى) ، فأرسل إليه سلم بن قتيبة: إنك قد أصحرت ~~ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد، فإن ~~أنت لم تفعل فقد أغرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ ~~بقفاه. # فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ~~الظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل. # قال: فنأتي أبا جعفر. قالوا: ولم وهو في أيدينا متى أردنا؟ فقال إبراهيم ~~للرسول: أتسمع؟ فارجع راشدا. # ثم إنهم تصافوا، فصف إبراهيم أصحابه صفا واحدا، فأشار عليه بعض أصحابه ~~بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، فإن الصف إذا انهزم بعضه ~~تداعى سائره. فقال الباقون: لا نصف إلا صف أهل الإسلام، يعني قول الله ~~تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: 4] الآية. # فاقتتل الناس قتالا شديدا، وانهزم حميد بن قحطبة، وانهزم الناس معه، فعرض ~~لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه. فأقبل حميد منهزما، فقال له ~~عيسى: الله الله والطاعة! فقال: لا طاعة في الهزيمة! ومر الناس فلم يبق مع ~~عيسى إلا نفر يسير. # فقيل له: لو تنحيت عن مكانك حتى تئوب إليك الناس فتكر بهم. فقال: لا أزول ~~عن مكاني ms2029 هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدي، والله لا ينظر أهل بيتي ~~إلى وجهي أبدا وقد انهزمت عن عدوهم! وجعل يقول لمن يمر به: أقرئ أهل بيتي ~~السلام وقل لهم لم أجد فدى أفديكم به أعز من نفسي، وقد بذلتها دونكم! # فبينا هم على ذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر، ومحمد ابنا سليمان بن ~~علي من ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين ~~حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم، فعطفوا نحوه، ورجع أصحاب المنصور ~~يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت ~~الهزيمة. # وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على ~~الوثوب ولم يجدوا # PageV05P141 # مخاضة، فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم ~~من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من ~~أصحابه يبلغون ستمائة، وقيل أربعمائة، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرءوس إلى ~~عيسى، وجاء إبراهيم سهم عائر فوقع في حلقه فنحره، فتنحى عن موقفه وقال: ~~أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} ~~[الأحزاب: 38] ، أردنا أمرا وأراد الله غيره. # واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة ~~لأصحابه: شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا ~~عليه، فشدوا عليهم، فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه، ~~وحزوا رأسه فأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفري فقال: نعم هذا ~~رأسه. فنزل عيسى إلى الأرض، فسجد وبعث برأسه إلى المنصور. # وكان قتله يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ~~ومائة، وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر ~~إلا خمسة أيام. # وقيل: كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى ~~منادي إبراهيم: ألا لا تتبعوا مدبرا! فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور ~~راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم، وكانت الهزيمة. # وبلغ المنصور الخبر بهزيمة ms2030 أصحابه أولا، فعزم على إتيان الري، فأتاه ~~نوبخت المنجم وقال: يا أمير المؤمنين، الظفر لك، وسيقتل إبراهيم! فلم يقبل ~~منه. # فبينما هو كذلك إذ جاءه الخبر بقتل إبراهيم، فتمثل: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر. # فأقطع المنصور نوبخت ألفي جريب بنهر جوبر. # وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه، فلما رآه بكى حتى خرجت # PageV05P142 # دموعه على خد إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارها! ولكنك ~~ابتليت بي وابتليت بك! . # ثم جلس مجلسا عاما وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم ويسيء ~~القول فيه، ويذكر فيه القبيح التماسا لرضاء المنصور، والمنصور ممسك متغير ~~لونه. # حتى دخل جعفر بن حنظلة الدارمي فوقف فسلم، ثم قال: أعظم الله أجرك يا ~~أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه في حقك! فأسفر لون المنصور ~~وأقبل عليه وقال: يا أبا خالد مرحبا [وأهلا] هاهنا! فعلم الناس أن ذلك ~~يرضيه، فقالوا مثل قوله. # وقيل: لما وضع الرأس بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب ~~بالعمد فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد، وأمر به فجروا رجله فألقوه خارج ~~الباب. # وقيل: ونظر المنصور إلى سفيان بن معاوية بعد مدة راكبا فقال: لله العجب ~~كيف يفلتني ابن الفاعلة! # انقضى أمر إبراهيم رضي الله عنه. # ذكر عدة حوادث # وفيها خرجت الترك والخزر بباب الأبواب، فقتلوا من المسلمين بإرمينية ~~جماعة كثيرة. # وحج بالناس هذه السنة السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، وكان على ~~مكة، وكان على المدينة: عبد الله بن الربيع، وعلى الكوفة: عيسى بن موسى، ~~وعلى البصرة: سلم بن قتيبة الباهلي، وعلى قضائها: عباد بن منصور، وعلى مصر: ~~يزيد بن حاتم. # PageV05P143 # وفيها عزل المنصور مالك بن الهيثم عن الموصل بابنه جعفر بن أبي جعفر ~~المنصور، وسير معه حرب بن عبد الله، وهو من أكابر قواده، وهو صاحب الحربية ~~ببغداد، وبنى بأسفل الموصل قصرا وسكنه، فهو يعرف إلى اليوم بقصر حرب، وفيه ~~ولدت زبيدة بنت جعفر زوجة ms2031 الرشيد. # وعنده يومنا هذا قرية كانت ملكا لنا، فبنينا فيها رباطا للصوفية وقفنا ~~القرية عليه، قد جمعت كثيرا من هذا الكتاب في هذه القرية في دار لنا بها، ~~وهي من أنزه المواضع وأحسنها، وأثر القصر باق بها إلى الآن. سبحان من لا ~~يزول ولا تغيره الدهور. # [الوفيات] # وفيها مات عمرو بن ميمون بن مهران. والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ~~وكان موته في حبس المنصور، لأنه أخذه من المدينة، كما ذكرناه، وهو عم محمد ~~وإبراهيم. # وفيها مات عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن الحارث الذماري، ~~وله سبعون سنة. وإسماعيل بن أبي خالد البجلي، وحبيب بن الشهيد مولى الأزد، ~~وكنيته أبو شهيد. # PageV05P144 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة] ### | 146 - # ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة # ذكر انتقال المنصور إلى بغداذ وكيفية بنائها # وفيها في صفر، تحول المنصور من مدينة ابن هبيرة إلى بغداذ وبنى مدينتها، ~~وقد ذكرنا في سنة خمس وأربعين السبب الباعث للمنصور على بناء مدينة بغداذ، ~~ونذكر الآن بناءها. # ولما عزم المنصور على بناء بغداذ شاور أصحابه، وكان فيهم خالد بن برمك، ~~فأشار أيضا بذلك، وهو خطها، فاستشاره في نقض المدائن وإيوان كسرى ونقل ~~نقضها إلى بغداذ، فقال: لا أرى ذلك، لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به ~~الناظر على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا، وإنما هو على أمر ~~دين، ومع هذا ففيه مصلى علي بن أبي طالب. # قال المنصور: لا، أبيت يا خالد إلا الميل إلى أصحابك العجم! وأمر بنقض ~~القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه وحمل نقضه، فنظر، فكان مقدار ما يلزمهم له ~~أكثر من ثمن الحديد. فدعا خالد بن برمك فأعلمه ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين ~~قد كنت أرى أن لا تفعل، فأما إذ فعلت فإني أرى أن تهدم لئلا يقال إنك عجزت ~~عن هدم ما بناه غيرك. فأعرض عنه وترك هدمه. # ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداذ، وبابا جيء به من الشام، وبابا ~~آخر جيء به من ms2032 الكوفة عمله خالد بن عبد الله القسري، وجعل المدينة مدورة ~~لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وعمل لها سورين، السور ~~الداخل أعلى من الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر. # وكان الحجاج بن أرطاة هو الذي خط المسجد، وقبلته غير مستقيمة يحتاج ~~المصلي أن ينحرف إلى باب # PageV05P145 # البصرة لأنه وضع بعد القصر. وكان القصر غير مستقيم على القبلة. # وكان اللبن الذي يبنى به ذراعا في ذراع، ووزن بعضها لما نقض، وكان وزن ~~لبنة منه مائة رطل وستة عشر رطلا، وكانت مقاصير جماعة من قواد المنصور ~~وكتابه تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع، فطلب إليه عمه عيسى بن علي أن يأذن ~~له في الركوب من باب الرحبة إلى القصر لضعفه، فلم يأذن له، قال: فاحسبني ~~راوية، فأمر الناس بإخراج أبوابهم من الرحبة إلى فصلان الطاقات. # وكانت الأسواق في المدينة، فجاء رسول لملك الروم، فأمر الربيع فطاف به في ~~المدينة، فقال: كيف رأيت؟ قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك معك وهم ~~السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بإخراجهم إلى ناحية الكرخ. # وقيل: إنما أخرجهم لأن الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها، وربما كان فيهم ~~الجاسوس. # وقيل: إن المنصور كان يتبع من خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وكان أبو ~~زكرياء يحيى بن عبد الله، محتسب بغداذ، له مع إبراهيم ميل، فجمع جماعة من ~~السفلة فشغبوا على المنصور، فسكنهم وأخذ أبا زكرياء فقتله، وأخرج الأسواق، ~~فكلم في بقال، فأمر أن يجعل في كل ربع بقال يبيع البقل والخل حسب. # وجعل الطريق أربعين ذراعا. # وكان مقدار النفقة على بنائها وبناء المسجد والقصر والأسواق والفصلان ~~والخنادق وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهما. # وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة، والروزكاري بحبتين، ~~وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلا منهم بما بقي عنده فأخذه، حتى إن ~~خالد بن الصلت بقي عليه خمسة عشر درهما فحبسه وأخذها منه. # PageV05P146 # ذكر خروج العلاء بالأندلس # وفيها سار العلاء بن مغيث اليحصبي (من إفريقية ms2033 إلى مدينة) بناحية من ~~الأندلس، ولبس السواد، وقام بالدولة العباسية وخطب للمنصور، واجتمع إليه ~~خلق كثير، فخرج إليه الأمير عبد الرحمن الأموي، فالتقيا بنواحي إشبيلية، ثم ~~تحاربا أياما، فانهزم العلاء وأصحابه، وقتل منهم في المعركة سبعة آلاف، ~~وقتل العلاء. # وأمر بعض التجار بحمل رأسه ورءوس جماعة من مشاهير أصحابه إلى القيروان ~~وإلقائها بالسوق سرا، ففعل ذلك، ثم حمل منها شيء إلى مكة، فوصلت وكان بها ~~المنصور، وكان مع الرءوس لواء أسود وكتاب كتبه المنصور للعلاء. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة عزل سلم بن قتيبة عن البصرة. وكان سبب عزله أن المنصور كتب ~~إليه يأمره بهدم دور من خرج مع إبراهيم، وبعقر نخلهم، فكتب سلم: بأي ذلك ~~أبدأ، بالدور أم بالنخل؟ فأنكر المنصور ذلك عليه وعزله. # واستعمل محمد بن سليمان، فعاث بالبصرة وهدم دار أبي مروان، ودار عون بن ~~مالك، ودار عبد الواحد بن زياد، وغيرهم. # وغزا الصائفة هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني. # وفيها عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي، وولي مكانه جعفر بن ~~سليمان، فقدمها في ربيع الأول، وفيها عزل عن مكة السري بن عبد الله ووليها ~~عبد الصمد بن علي. # PageV05P147 # وحج بالناس هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام. # [الوفيات] # [وفيها] مات هشام بن عروة بن الزبير، وقيل سنة سبع وأربعين في شعبان. ~~وعوف الأعرابي. وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي الكوفي. # وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي، الذي يقال له مالك الصوائف، وهو من ~~أهل فلسطين، بلاد الروم فغنم غنائم كثيرة ثم قفل، فلما كان من درب الحدث ~~على خمسة عشر ميلا بموضع يدعى الرهوة نزل بها ثلاثا وباع الغنائم وقسم سهام ~~الغنيمة، فسميت تلك الرهوة رهوة مالك. # (وفيها توفي ابن السائب الكلبي النسابة) . # PageV05P148 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة] ### | 147 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة # ذكر قتل حرب بن عبد الله # فيها أغار أسترخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية ~~إرمينية وسبى من المسلمين وأهل الذمة ms2034 خلقا ودخلوا تفليس، وكان حرب مقيما ~~بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، وسير المنصور إلى ~~محاربة الترك جبرائيل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلوهم، فهزم جبرائيل ~~وقتل حرب، وقتل من أصحاب جبرائيل خلق كثير. # ذكر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسى # وفيها خلع عيسى بن موسى بن محمد بن علي من ولاية العهد وبويع للمهدي محمد ~~ابن المنصور. # وقد اختلف في السبب الذي خلع لأجله نفسه، فقيل: إن عيسى لم يزل على ولاية ~~العهد وإمارة الكوفة من أيام السفاح إلى الآن، فلما كبر المهدي وعزم ~~المنصور على البيعة له كلم عيسى بن موسى في ذلك، وكان يكرمه ويجلسه عن ~~يمينه ويجلس المهدي عن يساره، فلما قال له المنصور في معنى خلع نفسه وتقديم ~~المهدي عليه أبى وقال: يا أمير المؤمنين كيف بالأيمان علي وعلى المسلمين من ~~العتق والطلاق وغير ذلك؟ ليس إلى الخلع سبيل! . # فتغير المنصور عليه وباعده بعض المباعدة، وصار يأذن للمهدي قبله، وكان ~~يجلس عن يمينه في مجلس عيسى ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس إلى جانب المهدي، ~~ولم يجلس عن يسار المنصور، فاغتاظ منه ثم صار يأذن للمهدي ولعمه عيسى بن ~~علي، ثم لعبد الصمد بن علي، ثم لعيسى بن موسى، وربما قدم وأخر، إلا أنه ~~يبدأ بالإذن للمهدي على كل حال. # وتوهم عيسى أنه يقدم إذنهم لحاجة له إليهم، وعيسى صامت لا يشكو، ثم صار # PageV05P149 # حال عيسى إلى أعظم من ذلك، فكان يكون في المجلس معه بعض ولده فيسمع الحفر ~~في أصل الحائط، وينثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من السقف قد حفر عن ~~أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه فيأمر من معه من ولده ~~بالتحول ويقوم هو يصلي ثم يؤذن له فيدخل بهيئته والتراب على رأسه وثيابه لا ~~ينفضه، فيقول له المنصور: يا عيسى ما يدخل علي أحد بمثل هيئتك من كثرة ~~الغبار والتراب! أفكل هذا من الشارع؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين، ~~ولا يشكو شيئا. # وكان المنصور يرسل ms2035 إليه عمه عيسى بن علي في ذلك، فكان عيسى بن موسى لا ~~يؤثره ويتهمه. فقيل: إن المنصور أمر أن يسقى عيسى بن موسى بعض ما يتلفه ~~فوجد الماء في بطنه فاستأذن في العود إلى بيته بالكوفة، فأذن له، فمرض من ~~ذلك واشتد مرضه ثم عوفي بعد أن أشفى. # وقال عيسى بن علي للمنصور: إن ابن موسى إنما يتربص بالخلافة لابنه موسى ~~فابنه الذي يمنعه، فقال له: خوفه وتهدده، فكلمه عيسى بن علي في ذلك وخوفه، ~~فخاف موسى بن عيسى. # وأتى العباس بن محمد فقال: يا عم إني أرى ما يسام أبي من إخراج هذا الأمر ~~من عنقه، وهو يؤذى بصنوف الأذى والمكروه، فهو يهدد مرة، ويؤخر إذنه مرة، ~~ويهدم عليه الحيطان مرة، وتدس إليه الحتوف مرة، وأبي لا يعطي على ذلك شيئا ~~ولا يكون ذلك أبدا. # ولكن هاهنا طريق لعله يعطي عليها وإلا فلا، قال: وما هو؟ قال: يقبل عليه ~~أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: إني أعلم أنك لا تبخل بهذا الأمر عن ~~المهدي لنفسك لكبر سنك، وأنه لا تطول مدتك فيه، وإنما تبخل به لابنك، ~~أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك حتى يلي على ابني؟ كلا والله لا يكون ذلك أبدا، ~~ولأثبن على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه. فإن فعل ذلك فلعله أن يجيب إلى ما ~~يراد منه. # فجاء العباس إلى المنصور وأخبره بذلك، فلما اجتمعوا عنده قال ذلك، وكان ~~عيسى بن علي حاضرا، فقام ليبول، فأمر عيسى بن موسى ابنه موسى ليقوم معه ~~يجمع عليه ثيابه، فقام معه، فقال له عيسى بن علي: بأبي أنت وبأبي أب ولدك، ~~والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وأنكما لأحق به، ولكن ~~المرء مغرى بما تعجل. # فقال موسى [في نفسه] : امكنني هذا والله من مقاتله وهو الذي يغري بأبي، ~~والله # PageV05P150 # لأقتلنه! فلما رجعا قال موسى لأبيه ذلك سرا، فاستأذنه في أن يقول للمنصور ~~ما سمع منه، فقال له أبوه: أف لهذا رأيا ومذهبا! ائتمنك عمك على مقالة ms2036 أراد ~~أن يسرك بها فجعلتها سببا لمكروهه، ولا يسمعن هذا أحد، ارجع إلى مكانك. # فلما رجع إلى مكانه أمر المنصور الربيع فقام إلى موسى فخنقه بحمائله، ~~وموسى يصيح: الله الله في دمي يا أمير المؤمنين! وما يبالي عيسى أن تقتلني ~~وله بضعة عشر ذكرا، والمنصور يقول: يا ربيع أزهق نفسه، والربيع يوهم أنه ~~يريد تلفه وهو يرفق به وموسى يصيح. # فلما رأى ذلك أبوه قال: والله يا أمير المؤمنين ما كنت أظن أن الأمر يبلغ ~~منك هذا كله! فاكفف عنه، فهأنذا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي [أحرار] وما ~~أملك في سبيل الله تصرف ذلك في من رأيت يا أمير المؤمنين! وهذه يدي بالبيعة ~~للمهدي. فبايعه للمهدي. ثم جعل عيسى بن موسى بعد المهدي. # فقال بعض أهل الكوفة: هذا الذي كان غدا فصار بعد غد. # وقيل: إن المنصور وضع الجند وكانوا يسمعون عيسى بن موسى ما يكره، فشكا ~~ذلك من فعلهم، فنهاهم المنصور عنه، وكانوا يكفون ثم يعودون. # ثم إنهما تكاتبا مكاتبات أغضبت المنصور، وعاد الجند معه لأشد ما كانوا، ~~منهم: أسد بن المرزبان، وعقبة بن سلم، ونصر بن حرب بن عبد الله، وغيرهم، ~~فكانوا يمنعون من الدخول عليه ويسمعونه، فشكاهم إلى المنصور، فقال له: يا ~~ابن أخي أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي، فإنهم يحبون هذا الفتى، فلو ~~قدمته بين يديك لكفوا. فأجاب عيسى إلى ذلك. # وقيل إن المنصور استشار خالد بن برمك في ذلك وبعثه إلى عيسى، فأخذ معه ~~ثلاثين من كبار شيعة المنصور ممن يختارهم، وقال لعيسى في أمر البيعة، ~~فامتنع، فرجعوا إلى المنصور وشهدوا على عيسى أنه خلع نفسه فبايع للمهدي، ~~وجاء عيسى فأنكر ذلك فلم يسمع منه، وشكر لخالد صنيعه. # وقيل: بل اشترى المنصور منه ذلك بمال قدره أحد عشر ألف ألف درهم له ~~ولأولاده وأشهد على نفسه بالخلع. # وكانت مدة ولاية عيسى بن موسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور # PageV05P151 # واستعمل محمد بن سليمان بن علي عليها ليؤذي عيسى ويستخف به، فلم يفعل ولم ~~يزل ms2037 معظما له مبجلا. # ذكر موت عبد الله بن علي # وكان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلم إليه عمه عبد ~~الله بن علي وأمره بقتله، وقال له: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي فاضرب ~~عنقه، وإياك أن تضعف فتنقض علي أمري الذي دبرته. # ثم مضى إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه ما فعل في الأمر الذي ~~أمره، فكتب عيسى في الجواب: قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أنه قتله. وكان ~~عيسى حين أخذ عبد الله من عند المنصور دعا كاتبه يونس بن فروة وأخبره ~~الخبر، فقال: أراد أن تقتله ثم يقتلك لأنه أمر بقتله سرا ثم يدعيه عليك ~~علانية، فلا تقتله ولا تدفعه إليه سرا أبدا واكتم أمره. ففعل ذلك عيسى. # فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من يحركهم على الشفاعة في أخيهم عبد ~~الله، ففعلوا وشفعوا، فشفعهم وقال لعيسى: إني كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد ~~الله ليكون في منزلك، وقد كلمني عمومتك فيه، وقد صفحت عنه فأتنا به. # قال: يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله؟ فقتلته! قال: ما أمرتك! قال: ~~بلى أمرتني. قال: ما أمرتك إلا بحبسه وقد كذبت! ثم قال المنصور لعمومته: إن ~~هذا قد (أقر لكم) بقتل أخيكم قالوا: فادفعه إلينا نقيده به. فسلمه إليهم، ~~وخرجوا به إلى الرحبة، واجتمع الناس وشهر الأمر، وقام أحدهم ليقتله، فقال ~~له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله! قال: ردوني إلى أمير المؤمنين. فردوه ~~إليه. # فقال له: إنما أردت بقتله أن تقتلني. هذا عمك حي سوي. قال: ائتنا به. ~~فأتاه به. قال: يدخل حتى أرى رأيي، ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل في بيت ~~أساسه ملح وأجرى الماء في أساسه فسقط عليه، فمات فدفن في مقابر باب الشام، ~~فكان أول من دفن فيها، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة. # قيل: ركب المنصور يوما ومعه ابن عياش المنتوف، فقال له المنصور: تعرف ~~ثلاثة خلفاء أسماؤهم على العين قتلت ثلاثة خوارج مبدأ أسمائهم على العين؟ ms2038 ~~قال: لا أعرف إلا ما يقول العامة: إن عليا قتل عثمان، وكذبوا، وعبد الملك ~~قتل عبد الرحمن بن # PageV05P152 # الأشعث، وعبد الله بن الزبير قتل عمرو بن سعيد، وعبد الله بن علي سقط ~~عليه البيت. فقال المنصور: إذا سقط عليه فما ذنبي أنا؟ قال: ما قلت إن لك ~~ذنبا. # قوله: ابن الزبير قتل عمرو بن سعيد ليس بصحيح، إنما قتله عبد الملك. # (عياش بالياء المثناة من تحت، والشين المعجمة) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولى المنصور محمدا ابن أخيه أبي العباس السفاح البصرة، ~~فاستعفى منها، فأعفاه، فانصرف إلى بغداذ واستخلف بها نخبة بن سالم، فأقره ~~المنصور عليها، فلما رجع إلى بغداذ مات بها. # وحج بالناس هذه السنة المنصور، وكان عامله على مكة والطائف: عمه عبد ~~الصمد بن علي، وعلى المدينة: جعفر بن سليمان، وعلى مصر: يزيد بن حاتم ~~المهلبي. # وفيها أغزى عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مولاه بدرا، وتمام بن علقمة ~~طليطلة، وبها هاشم بن عذرة، وضيقا عليه، ثم أسراه هو وحياة بن الوليد ~~اليحصبي، وعثمان بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأتيا بهم إلى عبد ~~الرحمن في جباب صوف وقد حلقت رءوسهم ولحاهم وقد أركبوا الحمير وهم في ~~السلاسل، ثم صلبوا بقرطبة. # وفيها قدم رسول عبد الرحمن الذي أرسله إلى الشام في إحضار ولده الأكبر ~~سليمان، فحضر وسليمان معه، وكان قد ولد لعبد الرحمن بالأندلس ولده هشام، ~~فقدمه # PageV05P153 # الأمير عبد الرحمن على سليمان، فحصل بينهما حقد وغل أوجبا ما نذكره فيما ~~بعد. # وفيها تناثرت النجوم. # [الوفيات] # وفيها مات أشعث بن عبد الملك الحداني البصري. وهشام بن حسان مولى لعتيك، ~~وقيل: مات سنة ثمان وأربعين. وعبد الرحمن بن زبيد بن الحارث اليامي أبو ~~الأشعث الكوفي. # PageV05P154 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة] ### | 148 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة # ذكر خروج حسان بن مجالد # وفيها خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني. ومالك هذا ~~هو أخو مسروق بن الأجدع. وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية ms2039 تسمى بافخارى قريب ~~من الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكر الموصل، وعليها الصقر بن نجدة، وكان قد ~~وليها بعد حرب بن عبد الله، فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل إلى ~~الجسر. # وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ونهبوه. # ثم إن حسانا سار إلى الرقة ومنها إلى البحر ودخل إلى بلد السند، وكانت ~~الخوارج من أهل عمان يدخلونهم ويدعونهم، فاستأذنهم في المصير إليهم، فلم ~~يجيبوه، فعاد إلى الموصل، فخرج إليه الصقر أيضا، والحسن بن صالح بن حسان ~~الهمداني، وبلال القيسي، فالتقوا فانهزم الصقر، وأسر الحسن بن صالح وبلال، ~~فقتل حسان بلالا، واستبقى الحسن لأنه من همدان، ففارقه بعض أصحابه لهذا. # وكان حسان قد أخذ رأي الخوارج عن خاله حفص بن أشيم، وكان من علماء ~~الخوارج وفقهائهم. # ولما بلغ المنصور خروج حسان قال: خارجي من همدان؟ قالوا: إنه ابن أخت حفص ~~بن أشيم. فقال: فمن هناك؟ وإنما أنكر المنصور ذلك لأن عامة همدان شيعة ~~لعلي، وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها. # فأحضر أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وقال لهم: إن أهل الموصل ~~شرطوا إلي أنهم لا يخرجون علي، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا. # فسكت أبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا: رعيتك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن ~~عاقبت فبما يستحقون. فقال لأبي # PageV05P155 # حنيفة: أراك سكت يا شيخ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أباحوك ما لا يملكون، ~~أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين، أكان يجوز أن ~~توطأ؟ قال: لا! وكف عن أهل الموصل وأمر أبا حنيفة وصاحبيه بالعود إلى ~~الكوفة. # ذكر استعمال خالد بن برمك # وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك. # وسبب ذلك أنه بلغه انتشار الأكراد بولايتها وإفسادهم، فقال: من لها؟ ~~فقالوا: المسيب بن زهير، فأشار عمارة بن غمرة بخالد بن برمك، فولاه وسيره ~~إليها، وأحسن إلى الناس، وقهر المفسدين وكفهم، وهابه أهل البلد هيبة شديدة ~~مع إحسانه إليهم. # [ولادة الفضل بن يحيى] وفيها ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن ms2040 برمك لسبع ~~بقين من ذي الحجة قبل أن يولد الرشيد بن المهدي بسبعة أيام، فأرضعته ~~الخيزران أم الرشيد بلبن ابنها، فكان الفضل بن يحيى أخا الرشيد من الرضاعة. # ولذلك يقول سلم الخاسر: # أصبح الفضل والخليفة هارو ... ن رضيعي لبان خير النساء. # وقال أبو الجنوب: # كفى لك فضلا أن أفضل حرة ... غذتك بثدي والخليفة واحد. # ذكر ولاية الأغلب بن سالم إفريقية # لما بلغ المنصور خروج محمد بن الأشعث من إفريقية بعث إلى الأغلب بن سالم ~~بن عقال بن خفاجة التميمي عهدا بولاية إفريقية. # وكان هذا الأغلب ممن قام مع أبي مسلم الخراساني، وقدم إفريقية مع محمد بن ~~الأشعث، فلما أتاه العهد قدم القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ~~ومائة وأخرج جماعة من قواد المضرية، وسكن الناس. # وخرج عليه أبو قرة في جمع كثير من البربر، فسار إليه الأغلب، فهرب أبو ~~قرة من غير قتال، وسار الأغلب يريد طنجة، فاشتد ذلك على الجند وكرهوا ~~المسير وتسللوا عنه إلى القيروان، فلم يبق معه إلا نفر يسير. # PageV05P156 # وكان الحسن بن حرب الكندي بمدينة تونس، وكاتب الجند ودعاهم إلى نفسه، ~~فأجابوه، فسار حتى دخل القيروان من غير مانع. # وبلغ الأغلب الخبر فعاد مجدا، فقال له بعض أصحابه: ليس من الرأي (أن تعدل ~~[إلى] لقاء العدو في هذه العدة القليلة، ولكن الرأي أن تعدل إلى قابس، فإن ~~أكثر من معه يجيء إليك، لأنهم إنما كرهوا المسير إلى طنجة لا غير وتقوى بهم ~~وتقاتل عدوك. # ففعل ذلك وكثر جمعه وسار إلى الحسن بن حرب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ~~الحسن وقتل من أصحابه جمع كثير، ومضى الحسن إلى تونس (في جمادى الآخرة سنة ~~خمسين ومائة) ، ودخل الأغلب القيروان. # وحشد الحسن وجمع فصار في عدة عظيمة، فقصد الأغلب، فخرج إليه الأغلب من ~~القيروان، فالتقوا واقتتلوا، فأصاب الأغلب سهم فقتله، وثبت أصحابه، (فتقدم ~~عليهم المخارق بن غفار، فحمل المخارق على الحسن، وكان في ميمنة الأغلب، ~~فهزمه، فمضى منهزما إلى تونس في شعبان سنة خمسين ومائة. # وولي المخارق إفريقية في ms2041 رمضان، ووجه الخيل في طلب الحسن، فهرب الحسن من ~~تونس إلى كنايه فأقام شهرين، ثم رجع إلى تونس، فخرج إليه من بها من الجند ~~فقتلوه. # (وقد قيل: إن الحسن قتل بعد قتل الأغلب، لأن أصحاب الأغلب ثبتوا بعد ~~قتله) في المعركة، فقتل الحسن بن حرب أيضا، وولى أصحابه منهزمين وصلب ~~الحسن، ودفن الأغلب وسمي الشهيد، وكانت هذه الوقعة في شعبان سنة خمسين ~~ومائة. # ذكر الفتن بالأندلس # في هذه السنة خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بالأندلس بمدينة لبلة. # وسبب ذلك أنه سكر يوما، فتذكر من قتل من أصحابه اليمانية مع العلاء، وقد ~~ذكرناه، فعقد لواء، فلما صحا رآه معقودا فسأل عنه فأخبر به، فأراد حله ثم ~~قال: ما كنت لأعقد لواء ثم أحله بغير شيء! وشرع في الخلاف، فاجتمعت ~~اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلب عليها وكثر جمعه. # فبادره عبد الرحمن صاحب الأندلس في جموعه، فامتنع # PageV05P157 # المطري في قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فحصره عبد ~~الرحمن فيها، وضيق عليه، ومنع أهل الخلاف من الوصول إليه. # وكان قد وافقه على الخلاف غياث بن علقمة اللخمي، وكان بمدينة شذونة، وقد ~~انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل يريدون إمداد المطري، وهم في جمع كثير. # فلما سمع عبد الرحمن ذلك سير إليهم بدرا مولاه في جيش، فحال بينهم وبين ~~الوصول إلى المطري، فطال الحصار عليه وقلت رجاله بالقتل، ففارقه بعضهم، ~~فخرج يوما من القلعة وقاتل وقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن. # فقدم أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان، فدام الحصار عليهم، فأرسل أهلها ~~يطلبون الأمان من عبد الرحمن ليسلموا إليه خليفة، فأجابهم إلى ذلك وآمنهم، ~~فسلموا إليه الحصن وخليفة، فخرب الحصن وقتل خليفة ومن معه. # ثم انتقل إلى غياث، وكان موافقا للمطري على الخلاف، فحصرهم وضيق عليهم، ~~فطلبوا الأمان فآمنهم إلا نفرا كان يعرف كراهتهم لدولته، فإنه قبض عليهم، ~~وعاد إلى قرطبة، فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة ~~جيان، فاجتمعت إليه جموع، فأغار على قرطبة، فسير إليه ms2042 عبد الرحمن جيشا، ~~فتفرق جمعه، فطلب الأمان، فبذله له عبد الرحمن ووفى له. # ذكر عدة حوادث # وفيها عسكر صالح بن علي بدابق ولم يغز. # وحج بالناس أبو جعفر المنصور، وكان ولاة الأمصار من تقدم ذكرهم. # [الوفيات] # وفيها مات سليمان بن مهران الأعمش، وكان مولده سنة ستين. وفيها مات جعفر ~~بن محمد الصادق، وقبره بالمدينة يزار، وهو وأبوه وجده في قبر # PageV05P158 # واحد مع الحسن بن علي بن أبي طالب. # وفيها مات زكرياء بن أبي زائدة. وأبو أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب مولى ~~قيس بن سعد بن عبادة، وقيل غير ذلك، وكان مولده سنة تسعين. وعبد الله بن ~~يزيد مولى الأسود بن سفيان، ويقال مولى تميم، وهو ثقة. # ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي. ومحمد بن الوليد الزبيدي. ومحمد ~~بن عجلان المدني. وعوام بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني الواسطي. ويحيى ~~بن أبي عمرو السيباني، من أهل الرملة. # (سيبان: بالسين المهملة، ثم بالياء المثناة من تحت، ثم بالباء الموحدة: ~~بطن من حمير) . # PageV05P159 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة] ### | 149 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة # وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم ومعه الحسن بن قحطبة، ومحمد ~~بن الأشعث، فمات محمد في الطريق. # وفيها استتم المنصور بناء سور بغداذ وخندقها، وفرغ من جميع أمورها، وسار ~~إلى حديثة الموصل ثم عاد. # وحج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها ~~عزل عبد الصمد بن علي عن مكة في قول بعضهم، واستعمل محمد بن إبراهيم. وكان ~~عمال الأمصار من تقدم ذكرهم سوى مكة والطائف. # ذكر عدة حوادث # وفيها أغزى عبد الرحمن صاحب الأندلس بدرا مولاه إلى بلاد العدو فجاوز ~~إليه وأخذ جزيتها. وكان أبو الصباح حيى بن يحيى على إشبيلية فعزله فدعا إلى ~~الخلاف، فأنفذ إليه عبد الرحمن وخدعه حتى حضر عنده فقتله. # PageV05P160 # [الوفيات] # وفيها مات سلم بن قتيبة الباهلي بالري. وكان مشهورا عظيم القدر. # وكهمس بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري. (وفيها ms2043 توفي عيسى بن عمر ~~الثقفي النحوي المشهور، وعنه أخذ الخليل النحو، وله فيه تصنيف) . # PageV05P161 ### | [ثم دخلت سنة خمسين ومائة] ### | 150 - # ثم دخلت سنة خمسين ومائة # ذكر خروج أستاذ سيس. # وفيها خرج أستاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، وكان ~~فيما قيل في ثلاثمائة ألف مقاتل، فغلبوا على عامة خراسان، وساروا حتى ~~التقوا هم وأهل مرو الروذ. # فخرج إليهم الأجثم المروروذي في أهل مرو الروذ، فقاتلوه قتالا شديدا، ~~فقتل الأجثم، وكثر القتل في أصحابه، وهزم عدة من القواد، منهم: معاذ بن ~~مسلم، وجبرائيل بن يحيى، وحماد بن عمرو، وأبو النجم السجستاني، وداود بن ~~كرار. # ووجه المنصور، وهو بالراذان، خازم بن خزيمة إلى المهدي، فولاه المهدي ~~محاربة أستاذ سيس وضم إليه القواد. فسار خازم وأخذ معه من انهزم، وجعلهم في ~~أخريات الناس يكثر بهم من معه، وكان معه من هذه الطبقة اثنان وعشرون ألفا. # ثم انتخب منهم ستة آلاف رجل وضمهم إلى اثني عشر ألفا كانوا معه من ~~المنتخبين، وكان بكار بن سلم فيمن انتخب، وتعبأ للقتال، فجعل الهيثم بن ~~شعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعدي على ميسرته، وبكار بن سلم ~~العقيلي في مقدمته، وكان لواؤه مع الزبرقان. # فمكر بهم وراوغهم (في أن ينقلهم) من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى ~~قطعهم، وكان أكثرهم رجالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله وخندق عليه وعلى ~~جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب، وجعل على كل باب ألفا من أصحابه الذين ~~انتخب. # وأتى أصحاب أستاذ سيس ومعهم الفئوس والمرور والزبل ليطموا الخندق، فأتوا # PageV05P162 # الخندق من الباب الذي عليه بكار بن سلم، فحملوا على أصحاب بكار حملة ~~هزموهم بها، فرمى بكار بنفسه، فترجل على باب الخندق وقال لأصحابه: لا يؤتى ~~المسلمون من ناحيتنا. # ترجل معه من أهله وعشيرته نحو من خمسين رجلا وقاتلوهم حتى ردوهم من ~~بابهم، ثم أقبل إلى الباب الذي عليه خازم رجل من أصحاب أستاذ سيس من أهل ~~سجستان اسمه الحريش، وهو الذي كان يدبر أمره، ms2044 فلما رآه خازم مقبلا بعث إلى ~~الهيثم بن شعبة، وكان في الميمنة، يأمره أن يخرج من الباب الذي عليه بكار، ~~فإن من بإزائه قد شغلوا عنهم، ويسير حتى يغيب عن أبصارهم، ثم يرجع من خلف ~~العدو، وقد كانوا يتوقعون قدوم أبي عون، وعمرو بن سلم بن قتيبة من ~~طخارستان. # وبعث خازم إلى بكار: إذا رأيت رايات الهيثم قد جاءت كبروا وقولوا: قد جاء ~~أهل طخارستان. ففعل ذلك الهيثم، وخرج خازم في القلب على الحريش وشغلهم ~~بالقتال، وصبر بعضهم لبعض. # فبينا هم على ذلك نظروا إلى أعلام الهيثم فتنادوا بينهم: جاء أهل ~~طخارستان، فلما نظروا إليها حمل عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيهم أصحاب ~~الهيثم فطعنوهم بالرماح ورموهم بالنشاب. # وخرج [عليهم] نهار بن حصين من ناحية الميسرة، وبكار بن سلم وأصحابه من ~~ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون فأكثروا، وكان عدد ~~من قتل سبعين ألفا، وأسروا أربعة عشر ألفا، ونجا أستاذ سيس إلى جبل في نفر ~~يسير، فحصرهم خازم، وقتل الأسرى. # ووافاه أبو عون وعمرو بن سلم ومن معهما، فنزل أستاذ سيس على حكم أبي عون، ~~فحكم أن يوثق أستاذ سيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ~~ثلاثون ألفا، فأمضى خازم حكمه وكسا كل رجل ثوبين، وكتب إلى المهدي بذلك، ~~فكتب المهدي إلى المنصور. # وقيل: إن خروج أستاذ سيس كان سنة خمسين، وكانت هزيمته سنة إحدى وخمسين ~~ومائة. # وقد قيل: إن أستاذ سيس ادعى النبوة، وأظهر أصحابه الفسق وقطع السبيل. # PageV05P163 # وقيل: إنه جد المأمون أبو أمه مراجل، وابنه غالب خال المأمون، وهو الذي ~~قتل ذا الرياستين الفضل بن سهل لمواطأة من المأمون، وسيرد ذكره إن شاء ~~الله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة وولاها الحسن بن زيد ~~بن الحسن بن علي. # وفيها خرج بالأندلس غياث بن المسير الأسدي بنائحة، فجمع العمال لعبد ~~الرحمن جمعا كثيرا، وسار إلى غياث، فواقعه، فانهزم غياث ومن معه وقتل غياث ~~وبعث برأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة) . # وفيها ms2045 مات جعفر بن أبي جعفر المنصور، وصلى عليه أبوه، ودفن ليلا في مقابر ~~قريش، ولم يكن للناس [في هذه السنة] صائفة. # وحج بالناس عبد الصمد بن علي، وكان هو العامل على مكة في قول بعضهم، وقال ~~بعضهم: بل كان العامل محمد بن إبراهيم. # وكان على الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى ~~قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت. ومعمر بن ~~راشد. # PageV05P164 # وعمر بن ذر، وقيل: مات عمر سنة خمس وخمسين ومائة، وكان من الصالحين، يقول ~~بالإرجاء. # وفي سنة خمسين مات عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. ومحمد بن إسحاق بن ~~يسار صاحب المغازي، وقيل: مات سنة إحدى وخمسين. # وفيها مات مقاتل بن سليمان البلخي المفسر، وكان ضعيفا في الحديث، وأبو ~~جناب الكلبي، وعثمان بن الأسود، وسعيد بن أبي عروبة، واسم أبي عروبة مهران ~~مولى بني يشكر، كنيته أبو النضر. # (يسار بالياء تحتها نقطتان، وبالسين المهملة) . # PageV05P165 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة] ### | 151 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة # فيها أغارت الكرك على جدة. # ذكر عزل عمر بن حفص عن السند وولاية هشام بن عمرو # وفيها عزل المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة المعروف ~~بهزارمرد، يعني ألف رجل، عن السند، واستعمل عليها هشام بن عمرو التغلبي، ~~واستعمل عمر بن حفص على إفريقية. # وكان سبب عزله عن السند أنه كان عليها لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد ~~الله بن الحسن، فوجه محمد ابنه عبد الله المعروف بالأشتر إلى البصرة، ~~فاشترى منها خيلا عتاقا ليكون سبب وصولهم إلى عمر بن حفص، لأنه كان فيمن ~~بايعه من قواد المنصور، وكان يتشيع. # وساروا في البحر إلى السند، فأمرهم عمر أن يحضروا خيلهم، فقال له بعضهم: ~~إنا جئناك بما هو خير من الخيل وبما لك فيه خير الدنيا والآخرة فأعطنا ~~الأمان إما قبلت منا وإما سترت وأمسكت عن إيذائنا حتى نخرج عن ms2046 بلادك ~~راجعين. فآمنه. # فذكر له حالهم وحال عبد الله بن محمد بن عبد الله أرسله أبوه إليه، فرحب ~~بهم وبايعهم وأنزل الأشتر عنده مختفيا، ودعا كبراء أهل البلد وقواده وأهل ~~بيته إلى البيعة، فأجابوه، فقطع ألويتهم البيض، وهيأ لبسه من البياض ليخطب ~~فيه وتهيأ لذلك يوم الخميس. # فوصله مركب لطيف فيه رسول من امرأة عمر بن حفص تخبره بقتل محمد بن عبد ~~الله، فدخل على الأشتر فأخبره وعزاه، فقال له الأشتر: إن أمري قد ظهر ودمي ~~في عنقك. قال عمر: قد رأيت رأيا، هاهنا ملك من ملوك السند عظيم الشأن كثير ~~المملكة، وهو على شوكة، أشد الناس تعظيما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو وفي، أرسل إليه فاعقد بينك وبينه عقدا، فأوجهك إليه فلست ترام معه. # ففعل ذلك، وسار إليه الأشتر، # PageV05P166 # فأكرمه وأظهر بره، وتسللت إليه الزيدية حتى اجتمع معه أربعمائة إنسان من ~~أهل البصائر، فكان يركب فيهم ويتصيد في هيئة الملوك وآلاتهم. # فلما انتهى [ذلك] إلى المنصور بلغ منه، وكتب إلى عمر بن حفص يخبره ما ~~بلغه، فقرأ الكتاب على أهله وقال لهم: إن أقررت بالقصة عزلني، وإن صرت إليه ~~قتلني، وإن امتنعت حاربني. فقال له رجل منهم: ألق الذنب علي وخذني وقيدني، ~~فإنه سيكتب في حملي إليه، فاحملني فإنه لا يقدم علي لمكانك في السند وحال ~~أهل بيتك بالبصرة. فقال عمر: أخاف عليك خلاف ما تظن. قال: إن قتلت فنفسي ~~فدا لنفسك. # فقيده وحبسه وكتب إلى المنصور بأمره، فكتب إليه المنصور يأمره بحمله، ~~فلما صار إليه ضرب عنقه. # ثم استعمل على السند هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب استعماله أن المنصور ~~كان تفكر فيمن يوليه السند، فبينا هو راكب والمنصور ينظر إليه إذ غاب يسيرا ~~ثم عاد فاستأذن على المنصور، فأدخله، فقال: إني لما انصرفت من الموكب ~~لقيتني أختي فلانة، فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لأمير ~~المؤمنين. # فأطرق ثم قال: اخرج يأتك أمري. فلما خرج قال المنصور لحاجبه الربيع: لولا ~~قول جرير: # لا تطلبن خئولة ms2047 في تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالا # لتزوجت إليه، قل له: لو كان لنا حاجة في النكاح لقبلت، فجزاك الله خيرا، ~~وقد وليتك السند. # فتجهز إليها، وأمره أن يكاتب ذلك الملك بتسليم عبد الله، فإن سلمه وإلا ~~حاربه، وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقية. فسار هشام إلى السند فملكها، ~~وسار عمر إلى إفريقية فوليها. # فلما صار هشام بالسند كره أخذ عبد الله الأشتر، وأقبل يري الناس أنه ~~يكاتب ذلك الملك، واتصلت الأخبار بالمنصور بذلك، فجعل يكتب إليه يستحثه، ~~فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببلاد السند، فوجه هشام أخاه سفنجا، فخرج في ~~جيشه وطريقه بجنبات ذلك الملك. # فبينا هو يسير إذا غبرة قد ارتفعت، فظن أنهم مقدمة العدو الذي يقصده، ~~فوجه طلائعه، فزحفت إليه، فقالوا: هذا عبد الله بن محمد العلوي يتنزه على ~~شاطئ مهران. # فمضى يريده، فقال نصحاؤه: هذا ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~تركه أخوك # PageV05P167 # متعمدا مخافة أن يبوء بدمه، فلم يقصده، فقال: ما كنت لأدع أخذه، ولا أدع ~~أحدا يحظى بأخذه أو قتله عند المنصور. وكان عبد الله في عشرة، فقصده فقاتله ~~عبد الله، وقاتل أصحابه حتى قتل وقتلوا جميعا، فلم يفلت منهم مخبر، وسقط ~~عبد الله بين القتلى فلم يشعر به. # وقيل: إن أصحابه قذفوه في مهران حتى لا يحمل رأسه، فكتب هشام بذلك إلى ~~المنصور، فكتب إليه المنصور يشكره ويأمره بمحاربة ذلك الملك، فحاربه حتى ~~ظفر به وقتله وغلب على مملكته. # وكان عبد الله قد اتخذ سراري فأولد واحدة منهن ولدا، وهو محمد بن عبد ~~الله الذي يقال له ابن الأشتر، فأخذ هشام السراري والولد معهن فسيرهن إلى ~~المنصور، فسير المنصور الولد إلى عامله بالمدينة، وكتب معه بصحة نسبه ~~وتسليمه إلى أهله. # ذكر ولاية أبي جعفر عمر بن حفص إفريقية. # في هذه السنة استعمل المنصور على إفريقية أبا جعفر عمر بن حفص من ولد ~~قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب، وإنما نسب [إلى] بيت المهلب لشهرته. # وكان سبب مسيره إليها أن المنصور ms2048 لما بلغه قتل الأغلب بن سالم خاف على ~~إفريقية، فوجه إليها عمر واليا، فقدم القيروان في صفر سنة إحدى وخمسين ~~ومائة في خمسمائة فارس، فاجتمع وجوه البلد فوصلهم وأحسن إليهم، وأقام ~~والأمور مستقيمة ثلاث سنين. # فسار إلى الزاب لبناء مدينة طبنة بأمر المنصور، واستخلف على القيروان ~~حبيب بن حبيب المهلبي، فخلت إفريقية من الجند، فثار بها البربر، فخرج إليهم ~~حبيب فقتل، واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم الإباضي، واسمه ~~يعقوب بن حبيب مولى كندة. # وكان عامل عمر بن حفص على طرابلس الجنيد بن بشار الأسادي، وكتب إلى عمر ~~يستمده، فأمده بعسكر، فالتقوا وقاتلوا أبا حاتم الإباضي، فهزمهم فساروا إلى ~~قابس، وحصرهم أبو حاتم وعمر مقيم بالزاب على عمارة طبنة، وانتقضت إفريقية ~~من كل # PageV05P168 # ناحية. # ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها في اثني عشر عسكرا، منهم: أبو قرة الصفري في ~~أربعين ألفا، (وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألفا) وأبو حاتم في عسكر ~~كثير، وعاصم السدراتي الإباضي في ستة آلاف، والمسعود الزناتي الإباضي في ~~عشرة آلاف فارس، وغير من ذكرنا. # فلما رأى عمر بن حفص إحاطتهم به عزم على الخروج إلى قتالهم، فمنعه أصحابه ~~وقالوا: إن أصبت تلف العرب. فعدل إلى إعمال الحيلة، فأرسل إلى أبي قرة مقدم ~~الصفرية يبذل له ستين ألف درهم ليرجع عنه، فقال: بعد أن سلم علي بالخلافة ~~أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟ فلم يجبهم [إلى] ذلك. # فأرسل إلى أخي أبي قرة فدفع إليه أربعة آلاف درهم وثيابا على أن يعمل في ~~صرف أخيه والصفرية، فأجابهم وارتحل من ليلته وتبعه العسكر منصرفين إلى ~~بلادهم، فاضطر أبو قرة إلى اتباعهم. # فلما سارت الصفرية سير عمر جيشا إلى ابن رستم وهو في تهوذا، (قبيلة من ~~البربر) ، فقاتلوه، فانهزم ابن رستم إلى تاهرت، فضعف أمر الإباضية عن ~~مقاومة عمر، فساروا عن طبنة إلى القيروان، فحصرها أبو حاتم، وعمر بطبنة ~~يصلح أمورها ويحفظها ممن يجاوره من الخوارج، فلما علم ضيق الحال بالقيروان ~~سار إليها. ولما سار عمر ms2049 بن حفص إلى القيروان استخلف على طبنة عسكرا. # فلما سمع أبو قرة بمسير عمر بن حفص سار هو إلى طبنة فحصرها، فخرج إليه من ~~بها من العساكر وقاتلوه، فانهزم منهم وقتل من عسكره خلق كثير. # وأما أبو حاتم فإنه لما حصر القيروان كثر جمعه ولازم حصارها وليس في بيت ~~مالها دينار ولا في أهرائها شيء من الطعام، فدام الحصار ثمانية أشهر، وكان ~~الجند يخرجون فيقاتلون الخوارج طرفي النهار حتى جهدهم الجوع وأكلوا دوابهم ~~وكلابهم. # ولحق كثير من أهلها بالبربر، ولم يبق غير دخول الخوارج إليها، فأتاهم ~~الخبر بوصول عمر بن حفص من طبنة، فنزل الهريش، وهو في سبعمائة فارس، فزحف ~~الخوارج إليه بأجمعهم وتركوا القيروان، فلما فارقوها سار عمر إلى تونس، ~~فتبعه البربر، فعاد إلى القيروان مجدا وأدخل إليها ما يحتاج من طعام ودواب ~~وحطب وغير ذلك، ووصل أبو حاتم والبربر إليه فحصروه، فطال الحصار حتى أكلوا ~~دوابهم، وفي # PageV05P169 # كل يوم يكون بينهم قتال وحرب. # فلما ضاق الأمر بعمر وبمن معه قال لهم: الرأي أن أخرج من الحصار، وأغير ~~على بلاد البربر، وأحمل إليكم الميرة. قالوا: إنا نخاف بعدك، قال: فأرسل ~~فلانا وفلانا يفعلان ذلك، فأجابوه، فلما قال للرجلين قالا: لا نتركك في ~~الحصار ونسير عنك. # فعزم على إلقاء نفسه إلى الموت، فأتى الخبر أن المنصور قد سير إليه يزيد ~~بن حاتم بن قتيبة بن المهلب في ستين ألف مقاتل، وأشار عليه من عنده بالتوقف ~~عن القتال إلى أن يصل العسكر، فلم يفعل وخرج وقاتل، فقتل منتصف ذي الحجة ~~سنة أربع وخمسين ومائة. # وقام بأمر الناس حميد بن صخر، وهو أخو عمر لأمه، فوادع أبا حاتم وصالحه ~~على أن حميدا ومن معه لا يخلعون المنصور ولا ينازعهم أبو حاتم في سوادهم ~~وسلاحهم، وأجابهم إلى ذلك وفتحت له القيروان، وخرج أكثر الجند إلى طبنة، ~~وأحرق أبو حاتم أبواب القيروان وثلم سورها. # وبلغه وصول يزيد بن حاتم، فسار إلى طرابلس، وأمر صاحبه بالقيروان بأخذ ~~سلاح الجند، وأن يفرق بينهم، فخالف بعض أصحابه ms2050 وقالوا: لا نغدر بهم، وكان ~~المقدم على المخالفين عمر بن عثمان الفهري، وقام في القيروان وقتل أصحاب ~~أبي حاتم، فعاد أبو حاتم، فهرب عمر بن عثمان من بين يديه إلى تونس، وعاد ~~أبو حاتم إلى طرابلس لقتال يزيد بن حاتم. # فقيل: كان بين الخوارج والجنود من لدن قاتلوا عمر بن حفص إلى انقضاء ~~أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة. # ذكر ولاية يزيد بن حاتم إفريقية وقتال الخوارج # لما بلغ المنصور ما حل بعمر بن حفص من الخوارج جهز يزيد بن حاتم بن قبيصة ~~بن أبي صفرة في ستين ألف فارس، وسيره إلى إفريقية، فوصلها سنة أربع وخمسين ~~ومائة. # فلما قاربها سار إليه بعض جندها واجتمعوا به وساروا معه إلى # PageV05P170 # طرابلس، فسار أبو حاتم الخارجي إلى جبال نفوسة، وسير يزيد طائفة من ~~العسكر إلى قابس، فلقيهم أبو حاتم فهزمهم، فعادوا إلى يزيد، ونزل أبو حاتم ~~في مكان وعر وخندق على عسكره. # وعبأ يزيد أصحابه وسار إليه، فالتقوا في ربيع الأول سنة خمس وخمسين، ~~فاقتتلوا أشد قتال، فانهزمت البربر، وقتل أبو حاتم وأهل نجدته، وطلبهم يزيد ~~في كل سهل وجبل فقتلهم قتلا ذريعا، وكان عدة من قتل في المعركة ثلاثين ~~ألفا. # وجعل آل المهلب يقتلون الخوارج ويقولون: يالثارات عمر بن حفص! وأقام شهرا ~~يقتل الخوارج، ثم رحل إلى القيروان. # فكان عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن الفهري مع أبي حاتم، فهرب إلى ~~كتامة، فسير إليهم يزيد بن حاتم جيشا فحصروا البربر وظفروا بهم، وقتلوا ~~منهم خلقا كثيرا، وهرب عبد الرحمن وقتل جميع من كان معه وصفت إفريقية. # وأحسن يزيد السيرة وآمن الناس إلى أن انتقضت ورفجومة (سنة أربع وستين ~~ومائة بأرض الزاب) وعليها أيوب الهواري، فسير إليهم عسكرا كثيرا (واستعمل ~~عليهم يزيد بن مجزاء المهلبي، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم يزيد وقتل كثير من ~~أصحابه، وقتل المخارق بن غفار صاحب الزاب. # فولي مكانه المهلب بن يزيد المهلبي، وأمدهم يزيد بن حاتم بجمع كثير، ~~واستعمل عليهم العلاء بن سعيد المهلبي، وانضم إليهم المنهزمون ولقوا ~~ورفجومة) ms2051 واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزمت البربر وأيوب، وقتلوا بكل مكان ~~حتى أتي على آخرهم، ولم يقتل من الجند أحد. # ثم مات يزيد في رمضان سنة سبعين ومائة، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثلاثة ~~أشهر، واستخلف ابنه داود على إفريقية. # ذكر بناء الرصافة للمهدي # وفي هذه السنة قدم المهدي من خراسان في شوال، فقدم عليه أهل بيته من ~~الشام والكوفة والبصرة وغيرها، فهنأوه بمقدمه، فأجازهم وحملهم وكساهم، وفعل ~~بهم المنصور مثل ذلك، وبنى له الرصافة. # وكان سبب بنائها أن بعض الجند شغبوا على المنصور وحاربوه على باب الذهب، # PageV05P171 # فدخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله بن عباس، وهو شيخهم، وله الحرمة ~~والتقدم عندهم، فقال له المنصور: أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند ~~علينا؟ وقد خفت أن تجمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ # قال: يا أمير المؤمنين، عندي رأي إن أظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيه ~~صلحت [لك] خلافتك وهابك جندك. قال له: أفتمضي في خلافتي شيئا لا أعلمه؟ ~~فقال له: إن كنت عندك متهما فلا تشاورني، وإن كنت مأمونا عليها فدعني أفعل ~~رأيي. قال له المنصور: فأمضه. # فانصرف قثم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال [له] : إذا كان غدا فتقدمني ~~واجلس في دار أمير المؤمنين، فإذا رأيتني قد دخلت وتوسطت أصحاب المراتب فخذ ~~بعنان بغلتي فاستحلفني بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (وبحق ~~العباس) ، وبحق أمير المؤمنين إلا ما وقفت لك، وسمعت مسألتك، وأجبتك عنها، ~~فإني سأنتهرك وأغلظ لك [القول] فلا تخف وعاود المسألة، فإني سأضربك فعاود ~~وقل لي: أي الحيين أشرف، اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حر. # ففعل الغلام ما أمره، وفعل قثم به ما قاله، ثم قال: مضر أشرف لأن منها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها ~~خليفة الله. # فامتعضت لذلك اليمن إذ لم يذكر لهم شيئا [من شرفهم] ، وقال بعض قوادهم: ~~ليس الأمر كذلك مطلقا بغير فضيلة لليمن، ثم قال لغلام له: ms2052 قم إلى بغلة ~~الشيخ فاكبحها. ففعل حتى كاد يقعيها، فامتعضت مضر وقالوا: أيفعل هذا ~~بشيخنا! فأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك الغلام فقطعها، فنفر الحيان. # ودخل قثم على المنصور فافترق الجند، فصارت مضر فرقة، وربيعة فرقة، ~~والخراسانية فرقة. فقال قثم للمنصور: قد فرقت بين جندك وجعلتهم أحزابا كل ~~حزب منهم يخاف أن يحدث [عليك] حدثا فتضربه بالحزب الآخر. # وقد بقي عليك في التدبير بقية، وهي أن تعبر بابنك فتنزله في ذلك الجانب، ~~وتحول معه قطعة من جيشك فيصير ذلك بلدا وهذا بلدا، فإن فسد عليك أولئك ~~ضربتهم بهؤلاء، وإن فسد عليك هؤلاء ضربتهم بأولئك، وإن فسد عليك بعض ~~القبائل ضربتهم بالقبيلة الأخرى. فقبل رأيه # PageV05P172 # واستقام ملكه وبنى الرصافة، وتولى صالح صاحب المصلى ذلك. # ذكر قتل سليمان بن حكيم العبدي. # في هذه السنة سار عقبة بن سلم من البصرة واستخلف عليها نافع بن عقبة إلى ~~البحرين فقتل سليمان بن حكيم وسبى أهل البحرين، وأنفذ بعض السبي والأسارى ~~إلى المنصور، فقتل بعضهم ووهب الباقين للمهدي، فأطلقهم وكساهم، ثم عزل عقبة ~~عن البصرة لأنه لم يستقص على أهل البحرين. # (وزعم بعضهم أن المنصور استعمل معن بن زائدة الشيباني على سجستان هذه ~~السنة) . # وحج بالناس هذه السنة محمد بن إبراهيم الإمام، وكان هو العامل بمكة ~~والطائف، وعلى المدينة الحسن بن يزيد، وعلى البصرة جابر بن توبة الكلابي، ~~وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى مصر يزيد بن حاتم. # ذكر ابتداء أمر شقنا وخروجه بالأندلس # وفيها ثار في الشرق من الأندلس رجل من بربر مكناسة كان يعلم الصبيان، ~~وكان اسمه شقنا بن عبد الواحد، وكانت أمه تسمى فاطمة، وادعى أنه من ولد ~~فاطمة، عليها السلام، (ثم من ولد الحسين، عليه السلام) . # وتسمى بعبد الله بن محمد، وسكن شنت برية، واجتمع عليه خلق كثير من ~~البربر، وعظم أمره، وسار إليه عبد الرحمن الأموي فلم يقف له وراغ في ~~الجبال، فكان إذا أمن انبسط، وإذا خاف صعد الجبال بحيث يصعب طلبه. # PageV05P173 # فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن ms2053 عبد الملك، فاستعمل حبيب على شنت ~~برية سليمان بن عثمان بن مروان بن أبان بن عثمان بن عفان، وأمره بطلب شقنا. ~~فنزل شقنا إلى شنت برية وأخذ سليمان فقتله، واشتد أمره، وطار ذكره، وغلب ~~على ناحية قورية، وأفسد في الأرض. # فعاد عبد الرحمن الأموي فغزاه في سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم ~~يثبت له فأعياه أمره، فعاد عنه وسير إليه سنة ثلاث وخمسين بدرا مولاه، فهرب ~~شقنا وأخلى حصنه شطران، ثم غزاه عبد الرحمن الأموي بنفسه سنة أربع وخمسين ~~ومائة، فلم يثبت له شقنا. # ثم سير إليه سنة خمس وخمسين أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، فخدعه شقنا، ~~وأفسد عليه جنده، فهرب عبيد الله، وغنم شقنا عسكره (وقتل جماعة من بني أمية ~~كانوا في العسكر) . # وفي سنة خمس وخمسين أيضا سار شقنا بعد أن غنم عسكر عبيد الله إلى حصن ~~الهواريين المعروف بمدائن، وبه عامل لعبد الرحمن، فمكر به شقنا حتى خرج ~~إليه، فقتله شقنا وأخذ خيله وسلاحه وجميع ما كان معه) . # ذكر قتل معن بن زائدة # في هذه السنة قتل معن بن زائدة الشيباني بسجستان، وكان المنصور قد ~~استعمله عليها، فلما وصلها أرسل إلى رتبيل يأمره بحمل القرار الذي عليه كل ~~سنة، فبعث إليه عروضا، وزاد في ثمنها، فغضب معن وسار إلى الرخج وعلى مقدمته ~~ابن أخيه مزيد بن زائدة، فوجد رتبيل قد خرج عنها إلى زابلستان ليصيف بها، ~~ففتحها وأصاب سبيا كثيرا، وكان في السبي فرج الرخجي، وهو صبي، وأبوه زياد. # فرأى معن غبارا ساطعا أثارته حمر الوحش، فظن أنه جيش أقبل نحوه ليخلص ~~السبي والأسرى، فأمر بوضع السيف فيهم، فقتل منهم عدة كثيرة، ثم ظهر له أمر ~~الغبار فأمسك. # فخاف معن الشتاء وهجومه فانصرف إلى بست، وأنكر قوم من الخوارج سيرته ~~فاندسوا مع فعلة كانوا يبنون في منزله، فلما بلغوا التسقيف أخفوا سيوفهم في ~~القصب ثم دخلوا عليه بيته وهو يحتجم ففتكوا به، وشق بعضهم بطنه بخنجر كان ~~معه، وقال أحدهم لما ضربه: أنا الغلام الطاقي! والطاق ms2054 رستاق بقرب زرنج، ~~فقتلهم يزيد بن مزيد، فلم ينج منهم أحد. # PageV05P174 # ثم إن يزيد قام بأمر سجستان، واشتدت على العرب والعجم من أهلها وطأته، ~~فاحتال بعض العرب فكتب على لسانه إلى المنصور كتابا يخبره فيه أن كتب ~~المهدي إليه قد حيرته وأدهشته، ويسأل أن يعفيه من معاملته، فأغضب ذلك ~~المنصور وشتمه وأقر المهدي كتابه، فعزله وأمر بحبسه، وبيع كل شيء له، ثم ~~إنه كلم فيه فأشخص إلى مدينة السلام، فلم يزل بها مجفوا حتى لقيه الخوارج ~~على الجسر فقاتلهم، فتحرك أمره قليلا، ثم وجه إلى يوسف البرم بخراسان فلم ~~يزل في ارتفاع إلى أن مات. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام. # وفيها استعمل المنصور على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الله بن عون، وكان مولده سنة ست وستين. وفيها مات أسيد بن ~~عبد الله في ذي الحجة، وهو أمير خراسان. # وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي. وعلي بن صالح بن حبي أخو الحسن بن صالح، ~~وكانا تقيين، فيهما تشيع. # PageV05P175 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة] ### | 152 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة # وفيها غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان قد استعمله المنصور على خراسان سنة ~~إحدى وخمسين. # وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم، وقيل أخوه محمد بن إبراهيم الإمام، ~~ولم يدرب. # وفيها عزل المنصور جابر بن توبة عن البصرة، واستعمل عليها يزيد بن منصور. # وفيها قتل المنصور هاشم بن الأساجيج، و [كان] قد خالف وعصى بإفريقية، ~~فحمل إليه فقتله. # وحج بالناس هذه السنة المنصور. # وفيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر، واستعمل عليها محمد بن سعيد، وكان عمال ~~الأمصار سوى ما ذكرنا الذين تقدم ذكرهم. # PageV05P176 # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، وهو ابن أخي ~~محمد بن شهاب الزهري، روى عنه عمه. # وفيها مات يونس بن يزيد الأيلي، روى عن الزهري أيضا. وفيها مات طلحة بن ~~عمرو، والحضرمي. وإبراهيم بن ms2055 أبي عبلة، واسم أبي عبلة شمر بن يقظان بن عامر ~~العقيلي. # (الأيلي بفتح الهمزة، وبالياء تحتها نقطتان. والعقيلي بضم العين، وفتح ~~القاف) . # PageV05P177 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة] ### | 153 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة # فيها عاد المنصور من مكة إلى البصرة فجهز جيشا في البحر إلى الكرك الذين ~~تقدم ذكر إغارتهم على جدة. # وفيها قبض المنصور على أبي أيوب المورياني، وعلى أخيه وبني أخيه، وكانت ~~منازلهم المناذر، وكان قد سعى به كاتبه أبان بن صدقة. # وقيل: كان سبب قبضه أن المنصور في دولة بني أمية ورد على الموصل وأقام ~~بها مستترا وتزوج امرأة من الأزد،، فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها ~~تذكرة وقال لها: إذا سمعت بدولة لبني هاشم فأرسلي هذه التذكرة إلى صاحب ~~الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولدا سمته جعفرا، فنشأ وتعلم الكتابة، وما ~~يحتاج إليه الكاتب. # وولي المنصور الخلافة، فقدم جعفر إلى بغداذ، واتصل بأبي أيوب فجعله كاتبا ~~بالديوان، فطلب المنصور يوما من أبي أيوب كاتبا يكتب له شيئا، فأرسل جعفرا ~~إليه، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبه، فلما أمره بالكتابة رآه حاذقا ~~ماهرا، فسأله من أين هو، ومن أبوه، فذكر له الحال وأراه التذكرة، وكانت ~~معه، فعرفه المنصور وصار يطلبه كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب. # ثم إن المنصور أحضره يوما وأعطاه مالا، وأمر أن يصعد إلى الموصل ويحضر ~~والدته، فسار من بغداذ، وكان أبو أيوب قد وضع عليه العيون يأتونه بأخباره، ~~فلما علم مسيره سير وراءه من اغتاله في الطريق فقتله. # فلما أبطأ على المنصور أرسل إلى [أمه] بالموصل من يسألها عنه، فذكرت له ~~أنها لا علم لها به إلا أنه ببغداذ يكتب في ديوان # PageV05P178 # الخليفة، فلما علم المنصور ذلك أرسل من يقص أثره، فانتهى إلى موضع وانقطع ~~خبره، فعلم أنه قتل هناك، وكشف الخبر فرأى أن قتله من يد أبي أيوب، فنكبه ~~وفعل به ما فعل. # وقبض المنصور أيضا على عباد مولاه، وعلى هرثمة بن أعين بخراسان، وأحضرا ~~مقيدين لتعصبهما لعيسى بن ms2056 موسى. # وفيها أخذ المنصور الناس بتلبيس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو ~~دلامة: # وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس. # وفيها توفي عبيد ابن بنت ابن أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضي [مكانه] شريك ~~بن عبد الله النخعي. # وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فوصل إلى حصن من حصون الروم ~~ليلا وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، ثم قصد اللاذقية الخراب، فسبى منها ~~ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين. # PageV05P179 # وحج بالناس هذه السنة المهدي، وكان أمير مكة محمد بن إبراهيم، وأمير ~~المدينة الحسن بن زيد، وأمير مصر محمد بن سعيد، وكان يزيد بن منصور على ~~اليمن في قول بعضهم، وعلى الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله بن خالد. # [الوفيات] # وفيها مات هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي، (وقيل: سنة ست وخمسين، وقيل: ~~تسع وخمسين) . والحسن بن عمارة. وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وثور بن زيد. ~~وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري. # PageV05P180 # والضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام من ولد أخي حكيم بن حزام. ~~وفطر بن خليفة الكوفي. # فطر: بالفاء والراء المهملة. (والجرشي: بضم الجيم، وبالشين المعجمة) . # PageV05P181 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة] ### | 154 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة # في هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس، وسير يزيد بن حاتم بن ~~قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة إلى إفريقية في خمسين ألفا لحرب الخوارج الذين ~~قتلوا عمر بن حفص، وأراد المنصور بناء الرافقة فمنعه أهل الرقة، فهم ~~لمحاربتهم. # وسقطت في هذه السنة الصاعقة فقتلت بالمسجد خمسة نفر. # وفيها هلك أبو أيوب المورياني، وأخوه خالد، وأمر المنصور بقطع أيدي بني ~~أخيه وأرجلهم [وضرب أعناقهم] . # وفيها استعمل على البصرة عبد الملك بن ظبيان النميري، وغزا الصائفة زفر ~~بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات. # وحج بالناس محمد بن إبراهيم وهو على مكة، # PageV05P182 # وكان على إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من تقدم ذكرهم. # وفيها مات أبو عمرو بن العلاء، وقيل: ms2057 مات سنة سبع وخمسين، وكان عمره ستا ~~وثمانين سنة. ومحمد بن عبد الله الشعيثي النضري (بالنون) . # وفيها مات عثمان بن عطاء، وجعفر بن برقان الجزري، وأشعب الطامع، وعلي بن ~~صالح بن حيي، وعمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق. # ووهيب بن الورد المكي الزاهد، وقرة بن خالد أبو خالد السدوسي البصري، ~~وهشام الدستوائي، وهو هشام بن أبي عبد الله البصري. # (الشعيثي بضم الشين المعجمة، وفي آخره ثاء مثلثة) . # PageV05P183 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة] ### | 155 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة # فيها دخل يزيد بن حاتم إفريقية، وقتل أبا حاتم، وملك القيروان وسائر ~~الغرب. وقد تقدم ذكر مسيره وحروبه مستقصى. # وفيها سير المهدي لبناء الرافقة، فسار إليها فبناها على بناء مدينة ~~بغداذ، وعمل للكوفة والبصرة سورا وخندقا، وجعل ما أنفق فيه من الأموال على ~~أهلها. # ولما أراد المنصور معرفة عددهم أمر أن يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، ~~فلما علم عددهم، أمر بجبايتهم أربعين درهما لكل واحد، فقال الشاعر: # يا لقومي ما لقينا من أمير المؤمنينا ... قسم الخمسة فينا وجبانا ~~الأربعينا. # وفيها طلب ملك الروم الصلح إلى المنصور على أن يؤدي [إليه] الجزية. # وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وعزل عبد الملك بن أيوب بن ظبيان ~~عن البصرة، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكي. # PageV05P184 # ذكر عزل العباس بن محمد عن الجزيرة، واستعمال موسى بن كعب # وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة،، وغضب عليه، وغرمه ~~مالا، فلم يزل ساخطا عليه، حتى غضب على عمه إسماعيل بن علي، فشفع فيه عمومة ~~المنصور، وضيقوا عليه، حتى رضي عنه. # فقال عيسى بن موسى للمنصور: يا أمير المؤمنين، أرى آل علي بن عبد الله، ~~وإن كانت نعمك عليهم سابغة، فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا، فمن ذلك أنك غضبت ~~على إسماعيل بن علي، منذ أيام، فضيقوا عليك حتى رضيت عنه، وأنت غضبان على ~~أخيك العباس منذ كذا وكذا، فما كلمك فيه أحد منهم، فرضي عنه. # وكان المنصور قد استعمل العباس ms2058 على الجزيرة بعد يزيد بن أسيد، فشكا يزيد ~~منه وقال: إنه أساء عزلي، وشتم عرضي. فقال له المنصور: اجمع بين إحساني ~~وإساءته يعتدلا. فقال له يزيد بن أسيد: إذا كان إحسانكم جزاء لإساءتكم كانت ~~طاعتنا تفضلا منا عليكم. # ولما عزل المنصور أخاه عن الجزيرة استعمل عليها موسى بن كعب. # ذكر عزل محمد بن سليمان عن الكوفة، واستعمال عمرو بن زهير # وفيها عزل [المنصور] محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن ~~الكوفة، واستعمل عليها عمرو بن زهير الضبي أخا المسيب بن زهير. # وقيل: إنما عزل سنة ثلاث وخمسين، وكان عزله لأسباب بلغته عنه، منها أنه ~~قتل عبد الكريم بن أبي العوجاء وكان قد حبسه على الزندقة وهو خال معن بن ~~زائدة الشيباني، فكثر شفعاؤه عند المنصور، ولم يتكلم فيه إلا ظنين منهم، ~~فكتب إلى محمد بن سليمان بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه. # وكان ابن أبي العوجاء قد أرسل إلى محمد بن سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة ~~أيام، ويعطيه مائة ألف، فلما ذكر لمحمد أمر بقتله، فلما أيقن أنه مقتول ~~قال: والله لقد # PageV05P185 # وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال، والله لقد ~~فطرتكم يوم صومكم، وصومتكم يوم فطركم، فقتل. # وورد كتاب المنصور إلى محمد يأمره بالكف عنه، فوصل وقد قتله فلما بلغ ~~قتله غضب، وقال: والله لقد هممت أن أقيده به! ثم أحضر عمه عيسى بن علي وقال ~~له: هذا عملك، أنت أشرت بتولية هذا الغلام الغر، قتل فلانا بغير أمري، وقد ~~كتبت بعزله، وتهدده. # فقال له عيسى: إن محمدا إنما قتله على الزندقة، فإن كان أصاب فهو لك، وإن ~~أخطأ فعليه، ولئن عزلته على أثر ذلك ليذهبن بالثناء والذكر، ولترجعن ~~بالمقالة من العامة عليك، فمزق الكتاب. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أنكرت الخوارج الصفرية المجتمعة بمدينة سجلماسة على أميرهم ~~عيسى بن جرير أشياء، فشدوه وثاقا، وجعلوه على رأس الجبل فلم يزل كذلك حتى ~~مات، وقدموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن واسول ms2059 المكناسي جد مدرار. # (وفيها ولد أبو سنان الفقيه المالكي بمدينة القيروان من إفريقية) ، وفيها ~~عزل الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عن المدينة واستعمل عليها عمه عبد الصمد ~~بن علي. # وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، (وعلى الكوفة عمرو بن زهير) ، ~~وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى مصر محمد بن سعيد، وعلى إفريقية يزيد ~~بن حاتم، وعلى الموصل خالد بن برمك، وقيل: موسى بن كعب بن سفيان الخثعمي. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات مسعر بن كدام الكوفي الهلالي. # PageV05P186 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة] ### | 156 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة # ذكر عصيان أهل إشبيلية على عبد الرحمن الأموي # في هذه السنة سار عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، إلى حرب شقنا، وقصد ~~حصن شيطران، فحصره، وضيق عليه (فهرب إلى المفازة كعادته) ، وكان قد استخلف ~~على قرطبة ابنه سليمان، فأتاه كتابه يخبره بخروج أهل إشبيلية مع عبد ~~الغفار، وحيوة بن ملابس عن طاعته، وعصيانهم عليه، واتفق من بها من اليمانية ~~معهما، فرجع عبد الرحمن ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، ~~فقدم ابن عمه عبد الملك بن عمر، وكان شهاب آل مروان، وبقي عبد الرحمن خلفه ~~كالمدد له. # فلما قارب عبد الملك أهل إشبيلية قدم ابنه أمية ليعرف حالهم، فرآهم ~~مستيقظين فرجع إلى أبيه، فلامه أبوه على إظهار الوهن، وضرب عنقه، وجمع أهل ~~بيته وخاصته، وقال لهم: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصقع، ونحسد على ~~لقمة تبقي الرمق، اكسروا جفون السيوف، فالموت أولى أو الظفر. # ففعلوا وحمل بين أيديهم، فهزم اليمانية وأهل إشبيلية، فلم تقم بعدها ~~لليمانية قائمة، وجرح عبد الملك. # وبلغ الخبر إلى عبد الرحمن، فأتاه وجرحه يجري دما، وسيفه يقطر دما، وقد ~~لصقت يده بقائم سيفه، فقبله بين عينيه وجزاه خيرا، وقال: يا ابن عم قد ~~أنكحت ابني وولي عهدي هشاما ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا ~~وأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة. # PageV05P187 # وهذا عبد الملك هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة ms2060 المنصور وقال له: ~~تقطعها وإلا قتلت نفسي! وكان قد خطب له عشرة أشهر، فقطعها. # وكان عبد الغفار وحيوة بن ملابس قد سلما من القتل. فلما كانت سنة سبع ~~وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية فقتل خلقا كثيرا ممن كان مع عبد ~~الغفار وحيوة ورجع. وبسبب هذه الوقعة، وغش العرب، مال عبد الرحمن إلى ~~اقتناء العبيد. # ذكر الفتنة بإفريقية مع الخوارج # قد ذكرنا هرب عبد الرحمن بن حبيب، الذي كان أبوه أمير إفريقية، مع ~~الخوارج، واتصاله بكتامة فسير يزيد بن حاتم أمير إفريقية العسكر في أثره، ~~وقاتلوا كتامة. # فلما كانت هذه السنة سير يزيد عسكرا آخر مددا للذين يقاتلون عبد الرحمن، ~~فاشتد الحصار على عبد الرحمن فمضى هاربا، وفارق مكانه، فعادت العساكر عنه. # ثم ثار في هذه السنة على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن فانوس الهواري بناحية ~~طرابلس، فاجتمع عليه كثير من البربر، وكان بها عسكر ليزيد بن حاتم مع عامل ~~البلد، فخرج العامل والجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من أرض هوارة، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى بن فانوس، وقتل عامة أصحابه، وسكن ~~الناس بإفريقية، وصفت ليزيد بن حاتم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ظفر الهيثم بن معاوية، عامل البصرة، بعمرو بن شداد الذي كان ~~عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس، وسبب ظفره به أنه ضرب غلاما له، فأتى ~~الهيثم، فدله عليه، فأخذه، فقتله، وصلبه بالمربد. # وفيها عزل الهيثم عن البصرة، واستعمل سوار القاضي على الصلاة مع القضاء، ~~واستعمل سعيد بن دعلج على شرط البصرة وأحداثها، ولما وصل الهيثم إلى بغداذ ~~مات بها، وصلى عليه المنصور. # PageV05P188 # وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي، وحج بالناس العباس بن محمد بن ~~علي. # وكان على مكة: محمد بن إبراهيم الإمام، وعلى الكوفة: عمرو بن زهير، وعلى ~~الأحداث والجوالي والشرط بالبصرة: سعيد بن دعلج وعلى الصلاة والقضاء: سوار ~~بن عبد الله، وعلى كور دجلة والأهواز وفارس: عمارة بن حمزة، وعلى كرمان ~~والسند: هشام بن عمرو، وعلى إفريقية: يزيد بن ms2061 حاتم، وعلى مصر: محمد بن ~~سعيد. # وفيها سخط عبد الرحمن الأموي على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، ولم يرع حق ~~خدمته وطول صحبته، وصدق مناصحته، فأخذ ماله، وسلبه نعمته، ونفاه إلى الثغر، ~~فبقي به إلى أن هلك. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية، (وقد تكلم الناس في ~~حديثه) . # وفيها توفي حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، أحد القراء السبعة. # PageV05P189 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة] ### | 157 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة # في هذه السنة بنى المنصور قصره الذي يدعى الخلد. # وفيها حول المنصور الأسواق إلى الكرخ وغيره، وقد تقدم سبب ذلك، واستعمل ~~سعيد بن دعلج على البحرين، فأنفذ إليها ابنه تميما، وعرض المنصور جنده في ~~السلاح وجلس لذلك، وخرج هو لابسا درعا وبيضة. # [الوفيات] # وفيها مات عامر بن إسماعيل المسلي، وصلى عليه المنصور. وتوفي سوار بن عبد ~~الله، قاضي البصرة، واستعمل مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري. # [بقية الحوادث] وعزل محمد بن سليمان الكاتب عن مصر، واستعمل مولاه مطر، ~~واستعمل معبد بن الخليل على السند، وعزل هشام بن عمرو. # وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فوجه سنانا مولى البطال إلى حصن، فسبى ~~وغنم. # PageV05P190 # وقيل: إنما غزا الصائفة زفر بن عاصم. # وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان ~~على مكة، وقيل كان عليها عبد الصمد بن علي، وعلى الأمصار من ذكرنا. # وفيها قتل المنصور يحيى بن زكرياء المحتسب، وكان يطعن على المنصور ويجمع ~~الجماعات فيما قيل. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، وقيل: سنة ثمان وخمسين: وفي سنة ~~سبع وخمسين مات الأوزاعي الفقيه، واسمه عبد الرحمن بن عمرو، وله سبعون سنة، ~~ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام جد الزبير بن بكار. # وفيها أخرج سليمان بن يقظان الكلبي قارله ملك الإفرنج. (إلى بلاد ~~المسلمين من الأندلس، ولقيه بالطريق، وسار معه إلى سرقسطة، فسبقه إليها ~~الحسين بن يحيى الأنصاري من ولد سعد ms2062 بن عبادة، وامتنع بها فاتهم قارله ملك ~~الإفرنج) سليمان، فقبض عليه، وأخذه معه إلى بلاده فلما أبعد من بلاد ~~المسلمين واطمأن هجم عليه مطروح وعيشون ابنا سليمان في أصحابهما، فاستنقذا ~~أباهما، ورجعا به إلى سرقسطة، ودخلوا مع الحسين، ووافقوا على خلاف عبد ~~الرحمن. # PageV05P191 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة] ### | 158 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة # ذكر عزل موسى عن الموصل وولاية خالد بن برمك # في هذه السنة عزل المنصور موسى بن كعب عن الموصل، وكان قد بلغه عنه ما ~~أسخطه عليه، فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة، وأظهر أنه يريد بيت ~~المقدس، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى وقيده ~~واستعمل خالد بن برمك. # وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم، وأجله ثلاثة ~~أيام، فإن أحضر المال وإلا قتله، فقال لابنه يحيى: يا بني الق إخواننا ~~عمارة بن حمزة، ومباركا التركي، وصالحا صاحب المصلى (وغيرهم) وأعلمهم ~~حالنا. # قال يحيى: فأتيتهم، فمنهم من منعني الدخول عليه ووجه المال، ومنهم من ~~تجهمني بالرد ووجه المال [سرا إلي] . قال: فأتيت عمارة بن حمزة ووجهه إلى ~~الحائط، فما أقبل به علي، فسلمت، فرد ردا ضعيفا. # وقال: كيف أبوك؟ فعرفته الحال، وطلبت قرض مائة ألف، فقال: إن أمكنني شيء ~~فسيأتيك، فانصرفت وأنا ألعنه من تيهه، وحدثت أبي بحديثه، وإذ قد أنفذ ~~المال، قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقي ثلاثمائة ألف ~~تبطل الجميع بتعذرها. # قال: فعبرت على الجسر وأنا مهموم، فوثب إلي زاجر فقال: فرخ الطائر أخبرك، ~~فطويته فلحقني، وأخذ بلجام دابتي، وقال لي: أنت مهموم، ووالله لتفرحن ~~ولتمرن غدا في هذا الموضع والدواء بين يديك. فعجبت من قوله، فقال: إن كان ~~ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم. فقلت: نعم! وأنا أستبعد ذلك. # PageV05P192 # وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة، وانتشار الأكراد بها، فقال: من ~~لها؟ فقال المسيب بن زهير: عندي رأي أعلم أنك لا تقبله مني، وأعلم أنك ترده ~~علي، ولكني لا أدع ms2063 نصحك. # قال: قل! قلت: ما لها مثل خالد بن برمك. قال: فكيف يصلح لنا بعد ما ~~فعلنا؟ قال: إنما قومته بذلك، وأنا الضامن له. قال: فليحضرني غدا، فأحضره، ~~فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية، وعقد له، وعقد لابنه يحيى على ~~أذربيجان. # فاجتاز يحيى بالزاجر، فأخذه معه، وأعطاه خمسين ألف درهم، وأنفذ خالد إلى ~~عمارة بالمائة ألف التي أخذها منه مع ابنه يحيى، فقال له: صيرفيا كنت ~~لأبيك؟ قم عني، لا قمت! فعاد بالمال، وسار مع المهدي، فعزل موسى بن كعب ~~وولاهما. # فلم يزل خالد على الموصل، وابنه يحيى على أذربيجان إلى أن توفي المنصور، ~~فذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال: ما هبنا أميرا قط هيبتنا خالدا، من ~~غير أن يشتد علينا، ولكن هيبة كانت له في صدورنا. # ذكر موت المنصور ووصيته # وفي هذه السنة توفي المنصور لست خلون من ذي الحجة ببئر ميمون، وكان على ~~ما قيل قد هتف به هاتف من قصره، فسمعه يقول: # أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك # عليك، يا نفس إن أسأت، وإن ... أحسنت بالقصد، كل ذاك لك # ما اختلف الليل والنهار، ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك # إلا تنقل السلطان عن ملك ... إذا انتهى ملكه إلى ملك # حتى يصيرا به إلى ملك ... ما عز سلطانه بمشترك # PageV05P193 # ذاك بديع السماء والأرض وال ... مرسي الجبال المسخر الفلك # فقال المنصور: هذا أوان أجلي. # قال الطبري: وقد حكى عبد العزيز بن مسلم أنه قال: دخلت على المنصور يوما ~~أسلم عليه، فإذا هو باهت لا يحير جوابا، فوثبت لما أرى منه لأنصرف، فقال ~~[لي] بعد ساعة إني رأيت في المنام كأن رجلا ينشدني هذه [الأبيات] : # أأخي خفض من مناكا ... فكأن يومك قد أتاكا # ولقد أراك الدهر من ... تصرفيه ما قد أراكا # فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل، فأنت ذاكا # ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا. # هذا الذي ترى من قلقي وغمي لما سمعت ورأيت، فقلت: خيرا رأيت يا أمير ~~المؤمنين، فلم يلبث أن خرج إلى ms2064 مكة. # فلما سار من بغداذ ليحج نزل قصر عبدويه، فانقض في مقامه هنالك كوكب لثلاث ~~بقين من شوال، بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس، فأحضر ~~المهدي، وكان قد صحبه ليودعه، فوصاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من ~~أيام مقامه، بكرة وعشية، فلما كان اليوم الذي ارتحل فيه قال له: إني لم أدع ~~شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال ما أظنك تفعل واحدة منها. # (وكان له سفط فيه دفاتر علمه) ، وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: ~~انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك، (ما كان) وما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما ~~تريد، وإلا ففي الثاني والثالث، حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك، فالكراسة ~~الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل. # PageV05P194 # وانظر هذه المدينة، وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك فيها من ~~الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات، ~~والذرية، ومصلحة البعوث، فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك ~~عامرا، وما أظنك تفعل. # وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وتحسن إليهم، وتقدمهم، وتوطئ الناس ~~أعقابهم، وتوليهم المنابر، فإن عزك عزهم، وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. # وانظر مواليك فأحسن إليهم، وقربهم، واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن ~~نزلت بك، وما أظنك تفعل. # وأوصيك بأهل خراسان خيرا، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ~~ودماءهم في دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن ~~مسيئهم، وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك ~~تفعل. # وإياك أن تبني مدينة الشرقية، فإنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل. # وإياك أن تستعين برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل. # وإياك أن تدخل النساء في أمرك، وأظنك ستفعل. # وقيل: قال له: إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي ~~أني أموت في ذي الحجة ms2065 من هذه السنة، وإنما حداني على الحج ذلك، فاتق الله ~~فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجا ~~ومخرجا، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب. # يا بني احفظ محمدا - صلى الله عليه وسلم - في أمته، يحفظك الله (ويحفظ) ~~عليك أمورك، وإياك والدم والحرام، فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا ~~لازم مقيم، والزم الحدود، فإن فيها خلاصك في الآجل وصلاحك في العاجل، ولا ~~تعتد فيها فتبور، فإن الله تعالى لو علم أن شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن ~~معاصيه لأمر به في كتابه. # PageV05P195 # واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه [أنه] أمر في كتابه بتضعيف العذاب ~~والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ذكر له من العذاب العظيم فقال: ~~{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا} [المائدة: 33] الآية. # فالسلطان، يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودينه القيم، فاحفظه، ~~وحصنه، وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين ~~عنه بالعقاب، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن، واحكم بالعدل، ولا ~~تشطط، فإن ذلك أقطع للشغب، وأحسم للعدو، وأنجع في الدواء. # وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما خلفه الله لك، وافتتح [عملك] بصلة ~~الرحم وبر القرابة، وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور، ~~واضبط الأطراف، وأمن السبل، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع ~~المكاره عنهم. # وأعد الأموال، واخزنها، وإياك والتبذير، فإن النوائب غير مأمونة، وهي من ~~شيم الزمان. # وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد، ~~فتتدارك عليك الأمور وتضيع، جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا ~~[فأولا] ، واجتهد وشمر فيها. # وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما ~~يكون بالليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر، ولا تكسل، واستعمل حسن الظن ~~[بربك] ، وأسئ الظن بعمالك وكتابك. # وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من تثبت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في ~~أمر ms2066 النزاع إليك، ووكل بهم عينا غير نائمة، ونفسا غير لاهية، ولا تنم، ~~وإياك، فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه ~~مستيقظ. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك. # ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم سار إلى الكوفة، وجمع بين الحج ~~والعمرة، وساق الهدي، وأشعره، وقلده لأيام خلت من ذي القعدة. # PageV05P196 # فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به وهو القيام، فلما اشتد ~~وجعه جعل يقول للربيع: بادرني حرم ربي هاربا من ذنوبي، وكان الربيع عديله، ~~ووصاه بما أراد. # فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة، ولم ~~يحضره عند وفاته إلا خدمه، والربيع مولاه، فكتم الربيع موته، ومنع من ~~البكاء عليه، ثم أصبح، فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون. # وكان أول من دعا عمه عيسى بن علي، فمكث ساعة، ثم أذن (لابن أخيه عيسى) بن ~~موسى وكان فيما خلا يقدم على عيسى بن علي، ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان ~~منهم، ثم لعامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي، ولعيسى بن موسى بعده على يدي ~~موسى الهادي بن المهدي. # فلما فرغ من بيعة بني هاشم بايع القواد، وبايع عامة الناس، وسار العباس ~~بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن ~~والمقام. # واشتغلوا بتجهيز المنصور، ففرغوا منه العصر، وكفن وغطي وجهه وبدنه، وجعل ~~رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، وصلى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم بن يحيى بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفن في مقبرة المعلاة، وحفروا له مائة ~~قبر ليغموا على الناس، ودفن في غيرها، ونزل في قبره عيسى بن علي، وعيسى بن ~~محمد، والعباس بن محمد، والربيع والريان مولياه، ويقطين. # وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل أربعا وستين، وقيل ثمانيا وستين سنة، ~~فكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوما، وقيل إلا ثلاثة ~~أيام، وقيل إلا يومين. # وقيل في موته: إنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة ms2067 نظر في صدر البيت، فإذا ~~فيه: بسم الله الرحمن الرحيم # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لابد واقع # PageV05P197 # أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنية مانع. # فأحضر متولي المنازل، وقال له: ألم آمرك أن لا يدخل المنازل أحد من ~~الناس؟ قال: والله ما دخلها أحد منذ فرغ [منها] . # فقال: اقرأ ما في صدر البيت! فقال: ما أرى شيئا، فأحضر غيره، فلم ير ~~شيئا، فأملى البيتين، ثم قال لحاجبه: اقرأ آية، فقرأ: {وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] . فأمر به فضرب، ورحل من المنزل تطيرا، ~~فسقط عن دابته، فاندق ظهره ومات، فدفن ببئر ميمون. والصحيح ما تقدم. # ذكر صفة المنصور وأولاده # كان أسمر نحيفا، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة، وأما أولاده ~~فالمهدي محمد، وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور ~~الحميري، وكانت تكنى أم موسى، ومات جعفر قبل المنصور. # ومنهم سليمان، وعيسى، ويعقوب، أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد ~~الله، وجعفر الأصغر، أمه أم ولد، كردية، وكان يقال له: ابن الكردية، وصالح ~~المسكين، أمه أم ولد رومية، والقاسم، مات قبل المنصور وله عشر سنين، أمه أم ~~ولد تعرف بأم القاسم، ولها بباب الشام بستان يعرف ببستان أم القاسم، ~~والعالية، أمها امرأة من بني أمية. # ذكر بعض سيرة المنصور # قال سلام الأبرش: كنت أخدم المنصور داخلا [في منزله] ، وكان من أحسن ~~الناس # PageV05P198 # خلقا، ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالا لما يكون من عبث الصبيان، فإذا ~~لبس ثوبه اربد لونه، واحمرت عيناه فيخرج منه ما يكون. # وقال لي يوما: يا بني! إذا رأيتني قد لبست ثيابي، أو رجعت من مجلسي فلا ~~يدنون مني منكم أحد مخافة أن أغره بشيء. # قال: ولم ير في دار المنصور لهو، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث، إلا ~~مرة واحدة، رئي بعض أولاده وقد ركب راحلة، وهو صبي، وتنكب قوسا في هيئة ~~الغلام الأعرابي، بين جوالقين فيهما مقل ومساويك وما يهديه الأعراب، ms2068 فعجب ~~الناس من ذلك، وأنكروه، فعبر إلى المهدي بالرصافة فأهداه له، فقبله وملأ ~~الجوالقين دراهم، فعاد بينهما، فعلم أنه ضرب من عبث الملوك. # قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور، فسمع جلبة، فقال: انظر ما ~~هذا! فذهبت فإذا خادم له قد جلس حوله الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور، وهن ~~يضحكن، فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور؟ ، فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ~~ما الطنبور؟ قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن، فلما رأينه تفرقن، فأمر ~~بالخادم فضرب رأسه بالطنبور، حتى تكسر الطنبور، وأخرج الخادم فباعه. # قال: وكان المنصور قد استعمل معن بن زائدة على اليمن، لما بلغه من ~~الاختلاف هناك، فسار إليه وأصلحه، وقصده الناس من أقطار الأرض لاشتهار ~~جوده، ففرق فيهم الأموال، فسخط عليه المنصور. # فأرسل إليه معن بن زائدة وفدا من قومه، فيهم مجاعة بن الأزهر، وسيرهم إلى ~~المنصور ليزيلوا غيظه وغضبه، فلما دخل على المنصور ابتدأ مجاعة بحمد الله ~~والثناء عليه، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطنب في ذلك حتى عجب ~~القوم، ثم ذكر المنصور وما شرفه الله به، وذكر بعد ذلك صاحبه. # فلما انقضى كلامه قال: أما ما ذكرت من حمد الله، فالله أجل من أن تبلغه ~~الصفات، وأما ما ذكرت من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد فضله الله تعالى ~~بأكثر مما قلت، وأما ما # PageV05P199 # وصفت به أمير المؤمنين، فإنه فضله الله بذلك، وهو معينه على طاعته، إن ~~شاء الله تعالى، وأما ما ذكرت من صاحبك، فكذبت ولؤمت، اخرج، فلا يقبل ما ~~ذكرته. # فلما صاروا بآخر الأبواب أمر برده مع أصحابه، فقال: ما قلت؟ فأعاده عليه، ~~فأخرجوا، ثم أمر بهم، فأوقفوا، ثم التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل ~~تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلم حتى حسدته، وما منعني أن أتم على رده ~~إلا أن يقال حسده لأنه من ربيعة، وما رأيت مثله رجلا أربط جأشا، ولا أظهر ~~بيانا، رده يا غلام. # فلما صار بين يديه قال: اقصد لحاجتك! قال: يا أمير المؤمنين، ms2069 معن بن ~~زائدة عبدك، وسيفك، وسهمك، رميت به عدوك، فضرب، وطعن، ورمى حتى سهل ما حزن، ~~وذل ما صعب، واستوى ما كان معوجا من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين، ~~أطال الله بقاءه، فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساع، أو واش، فأمير ~~المؤمنين أولى بالفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. # فقبل عذره وأمر بصرفهم إليه، فلما قرأ معن الكتاب بالرضا، قبل ما بين ~~عينيه، وشكر أصحابه، وأجازهم على أقدارهم، وأمرهم بالرحيل إلى المنصور. # فقال مجاعة: # آليت في مجلس من وائل قسما ... ألا أبيعك يا معن بأطماع # يا معن! إنك قد أوليتني نعما ... عمت لحيما وخصت آل مجاع # فلا أزال إليك الدهر منقطعا ... حتى يشيد بهلكي هتفه الناعي. # وكان [من] نعم معن على مجاعة أنه قضى له ثلاث حوائج منها: أنه كان يتعشق ~~جارية من أهل بيت معن، اسمها زهراء، فطلبها، فلم يجبه لفقره، فطلبها من ~~معن، فأحضر أباها، فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم، وأمهرها من عنده. # ومنها: أنه طلب منه حائطا بعينه، فاشتراه له. # ومنها أنه استوهب منه شيئا، فوهب له ثلاثين ألف درهم تمام مائة ألف. # قيل: وكان المنصور يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون ~~على بابي أعف منهم، هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم، أما أحدهم ~~فقاض # PageV05P200 # لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، ~~والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية. # ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة: آه آه. قيل: ما هو ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة. # وقيل: دعا المنصور بعامل قد كسر خراجه، فقال له: أد ما عليك! فقال: والله ~~ما أملك شيئا. وأذن مؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله! فقال: يا أمير ~~المؤمنين، هب ما علي لله وشهادة أن لا إله إلا الله. فخلى سبيله. # وقيل: وأتي بعامل، فحبسه وطالبه، فقال العامل: عبدك يا أمير ms2070 المؤمنين، ~~فقال: بئس العبد أنت! فقال: لكنك نعم المولى. قال: أما لك فلا. # قيل: وأتي بخارجي قد هزم له جيوشا، فأراد ضرب رقبته، ثم ازدراه فقال: يا ~~ابن الفاعلة! مثلك يهزم الجيوش؟ ! فقال له: ويلك وسوأة لك أمس، بيني وبينك ~~السيف، واليوم القذف والسب، وما كان يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة ~~فلا تستقيلها أبدا؟ فاستحيا منه المنصور وأطلقه. # قيل: وكان شغل المنصور، في صدر نهاره، بالأمر والنهي، والولايات، والعزل، ~~وشحن الثغور والأطراف، وأمن السبل، والنظر في الخراج والنفقات، ومصلحة معاش ~~الرعية، والتلطف بسكونهم وهديهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته. # فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف ~~والآفاق، وشاور سماره، فإذا مضى ثلث الليل (قام إلى فراشه، وانصرف سماره، ~~وإذا مضى الثلث الثاني قام فتوضأ وصلى، حتى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي ~~بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه. # PageV05P201 # قيل: وقال للمهدي: لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه، فإن فكر العاقل مرآته تريه ~~حسنه وسيئه. يا بني! لا يصلح السلطان إلا بالتقوى، ولا تصلح رعيته إلا ~~بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، وأقدر الناس على العفو أقدرهم على ~~العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه، واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره. # يا أبا عبد الله! لا تجلس مجلسا إلا ومعك من [أهل] العلم من يحدثك، ومن ~~أحب أن يحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض الحمد أحد إلا ~~استذم، وما استذم إلا كره. # يا أبا عبد الله! ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه، بل العاقل الذي ~~يحتال للأمر حتى لا يقع فيه. # وقال للمهدي يوما: كم راية عندك؟ قال: لا أدري. قال: (هذا والله التضييع، ~~وأنت) لأمر الخلافة أشد تضييعا، ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت، ~~فاتق الله فيما خولك. # قيل: وقال إسحاق بن عيسى: لم يكن أحد من بني العباس يتكلم فيبلغ حاجته ~~على البديهة، غير المنصور، وأخيه العباس بن محمد، وعمهما داود بن علي. ms2071 # قيل: وخطب المنصور يوما، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به، ~~وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فاعترضه إنسان ~~فقال: أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به! فقطع الخطبة، ثم قال: سمعا، سمعا لمن ~~حفظ عن الله، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا، أو تأخذني العزة بالإثم، ~~لقد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين. # وأنت أيها القائل، فوالله ما أردت بهذا القول الله، ولكنك أردت أن يقال ~~قام، فقال، فعوقب، فصبر، وأهون بها، ويلك، لقد هممت، واغتنمها إذ عفوت، ~~وإياك، وإياكم معاشر المسلمين أختها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا ~~فصلت، فردوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، وتصدروه مصادره. # PageV05P202 # ثم عاد إلى خطبته، كأنما يقرأها، فقال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # وقال عبد الله بن صاعد: خطب المنصور بمكة، بعد بناء بغداذ، فكان مما قال: ~~{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ~~[الأنبياء: 105] . أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل، والحمد لله الذي أفلج ~~حجته، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غضا، والفيء إرثا و {جعلوا ~~القرآن عضين} [الحجر: 91] ، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم من بئر ~~معطلة، وقصر مشيد أهملهم الله حين بدلوا السنة، واضطهدوا العترة، وعندوا، ~~واعتدوا، واستكبروا وخاب كل جبار عنيد، {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا} [مريم: 98] . # قال: وكتب إليه رجل يشكو بعض عماله، فوقع إلى العامل في الرقعة: إن آثرت ~~العدل صحبتك السلامة، وإن آثرت الجور فما أقربك من الندامة، فأنصف هذا ~~المتظلم من الظلامة. # قيل: وكتب إلى [المنصور] صاحب أرمينية يخبره أن الجند قد شغبوا عليه، ~~ونهبوا ما في بيت المال، فوقع في كتابه: اعتزل عملنا مذموما مدحورا، فلو ~~عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا. # وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه يدل على فصاحته وبلاغته، وقد تقدم له ~~أيضا من الكتب وغيرها ما يدل على أنه كان واحد زمانه، إلا أنه كان يبخل. # ومما نقل عنه من ذلك قول ms2072 الوضين بن عطاء: استزارني المنصور، وكان بيني ~~وبينه خلة قبل الخلافة، فخلونا يوما، فقال: يا أبا عبد الله! ما لك؟ قلت: ~~الخبر الذي تعرفه. # قال: وما عيالك؟ قلت: ثلاث بنات، والمرأة، وخادم لهن. فقال: أربع في ~~بيتك؟ قلت: نعم! # PageV05P203 # فرددها، حتى ظننت أنه سيعينني، ثم قال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن ~~في بيتك. # قيل: رفع غلام لأبي عطاء الخراساني أن له عشرة آلاف درهم، فأخذها منه ~~وقال: هذا مالي. قال: من أين يكون مالك، ووالله ما وليتك عملا قط، ولا بيني ~~وبينك رحم ولا قرابة! قال: بلى! [كنت] تزوجت امرأة لعيينة بن موسى بن كعب، ~~فورثتك مالا، وكان قد عصى بالسند، [وهو وال على السند] ، وأخذ مالي فهذا ~~المال من ذاك. # وقيل لجعفر الصادق: إن المنصور يكثر من لبس جبة هروية، وإنه يرقع قميصه. ~~فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف به، حتى ابتلاه بفقر نفسه في ملكه. # قيل: وكان المنصور إذا عزل عاملا أخذ ماله وتركه في بيت مال مفرد سماه ~~بيت مال المظالم، وكتب عليه اسم صاحبه، وقال للمهدي: قد هيأت لك شيئا فإذا ~~أنا مت فادع من أخذت ماله، فاردده عليه، فإنك تستحمد بذلك إليهم وإلى ~~العامة، ففعل المهدي ذلك. # وله في ضد ذلك أشياء كثيرة. # قيل: وذكر زيد مولى عيسى بن نهيك قال: دعاني المنصور، بعد موت مولاي، ~~فسألني: كم خلف من مال؟ قلت: ألف دينار، وأنفقته امرأته في مأتمه. قال: كم ~~خلف من البنات؟ قلت: ستا، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: اغد إلى المهدي، فغدوت ~~إليه، فأعطاني مائة ألف وثمانين ألف دينار، لكل واحدة منهن ثلاثين ألفا. ثم ~~دعاني المنصور فقال: عد علي بأكفائهن حتى أزوجهن، ففعلت، فزوجهن، وأمر أن ~~تحمل إليهن صدقاتهن من ماله، لكل واحدة منهن ثلاثون ألف درهم، وأمرني أن ~~أشتري بمالهن ضياعا لهن يكون معاشهن منها. # قيل: وفرق المنصور على جماعة من أهل بيته في يوم واحد، عشرة آلاف ألف ~~درهم، وأمر لجماعة من أعمامه منهم: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، لكل ms2073 ~~رجل منهم بألف ألف، وهو أول من وصل بها. # PageV05P204 # وله في ذلك أيضا أخبار كثيرة، وأما غير ذلك، قال يزيد بن عمر بن هبيرة: ~~ما رأيت رجلا قط في حرب، ولا سمعت به في سلم أنكر، ولا أمكر، ولا أشد تيقظا ~~من المنصور. # لقد حصرني تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا بكل الجهد أن ننال من ~~عسكره شيئا، فما تهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء، فخرجت إليه وما ~~في رأسي شعرة سوداء. # قيل: وأرسل ابن هبيرة إلى المنصور، وهو محاصره، يدعو إلى المبارزة، فكتب ~~إليه: إنك متعد طورك، جار في عنان غيك، يعدك الله ما هو مصدقه، ويمنيك ~~الشيطان ما هو مكذبه، ويقرب ما الله مباعده، فرويدا يتم الكتاب أجله.، وقد ~~ضربت مثلي ومثلك: بلغني أن أسدا لقي خنزيرا، فقال له الخنزير: قاتلني! فقال ~~الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفؤ لي ولا نظير، ومتى قاتلتك فقتلتك قيل لي: ~~قتل خنزيرا، فلا أعتقد فخرا، ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبة علي. ~~فقال الخنزير: إن لم تفعل أعلمت السباع أنك نكلت عني، فقال الأسد: احتمال ~~عار كذبك علي أيسر من لطخ شرابي بدمك. # قيل: وكان المنصور أول من عمل الخيش، فإن الأكاسرة كانوا يطينون كل يوم ~~بيتا يسكنون في الصيف، وكذلك بنو أمية. # قيل: وأتي برجل من بني أمية، فقال: إني أسألك عن أشياء، فاصدقني ولك ~~الأمان. قال: نعم! قال: من أين أتي بنو أمية؟ قال: من تضييع الأخبار. قال: ~~فأي الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر. قال: فعند من وجدوا الوفاء؟ قال: ~~عند مواليهم، فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، فقال: اضع ~~منهم، فاستعان بمواليه. # ذكر خلافة المهدي والبيعة له # ذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال: خرجت من البصرة حاجا، فاجتمعت ~~بالمنصور بذات عرق، فكنت أسلم عليه كلما ركب، وقد أشفى على الموت، فلما صار # PageV05P205 # ببئر ميمون ونزل به، ودخلنا مكة، فقضيت عمرتي، وكنت أختلف إلى المنصور، ~~فلما كان في الليلة التي مات فيها، ms2074 ولم نعلم، صليت الصبح بمكة، وركبت أنا ~~ومحمد بن عون بن عبد الله بن الحارث، وكان من مشايخ بني هاشم وسادتهم، فلما ~~صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل إلى مكة، فسلمنا ~~عليهما ومضينا، فقلت لمحمد: أحسب الرجل قد مات، فكان كذلك. # ثم أتينا العسكر، فإذا موسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم ~~بن المنصور في ناحية من السرادق، وقد كان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين ~~صاحب الشرطة، ورفع الناس إليه القصص، فلما رأيته علمت أن المنصور قد مات. # وأقبل الحسن بن زيد العلوي، وجاء الناس حتى ملئوا السرادق، وسمعنا همسا ~~من بكاء، وخرج أبو العنبر، خادم المنصور، مشقق الأقبية، وعلى رأسه التراب، ~~وصاح: واأمير المؤمنيناه! فما بقي أحد إلا قام، ثم تقدموا ليدخلوا عليه، ~~فمنعهم الخدم. # وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتم موت خليفة قط؟ اجلسوا، ~~فجلسوا، وقام القاسم فشق ثيابه، ووضع التراب على رأسه، وموسى على حاله. # ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس، ففتحه، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من عبد الله المنصور، أمير المؤمنين، إلى من خلف من بني هاشم، ~~وشيعته من أهل خراسان، وعامة المسلمين، ثم بكى، وبكى الناس، ثم قال: قد ~~أمكنكم البكاء، فأنصتوا، رحمكم الله. # ثم قرأ: أما بعد، فإني كتبت كتابي هذا، وأنا حي في آخر يوم من أيام ~~الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله أن لا ~~يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض. # ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له، وحثهم على الوفاء بعهده، ~~ثم تناول يد الحسن بن زيد وقال: قم فبايع! فقام إلى موسى فبايعه، ثم بايعه ~~الناس الأول فالأول، ثم أدخل بنو هاشم على المنصور وهو في أكفانه، مكشوف ~~الرأس، فحملناه، حتى أتينا به مكة ثلاث أميال، فكأني أنظر إليه والريح تحرك ~~شعر صدغيه، # PageV05P206 # وذلك أنه كان وفر شعره للحلق، وقد نصل خضابه، حتى أتينا به حفرته. # وكان أول ms2075 شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان أن عيسى بن موسى أبى البيعة، ~~فقال علي بن عيسى بن ماهان: والله لتبايعن أو لأضربن عنقك! فبايع. # ثم وجه موسى بن المهدي والربيع إلى المهدي بخبر وفاة المنصور، وبالبيعة ~~له مع منارة مولى المنصور، وبعثا أيضا بالقضيب، وبردة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبخاتم الخلافة، وخرجوا من مكة، فقدم الخبر على المهدي مع ~~منارة، منتصف ذي الحجة، فبايعه أهل بغداذ. # وقيل: إن الربيع كتم موت المنصور، وألبسه، وسنده، وجعل على وجهه كلة ~~خفيفة يرى شخصه منها، ولا يفهم أمره، وأدنى أهله منه، ثم قرب منه الربيع ~~كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم، وأمرهم عنه بتجديد البيعة للمهدي، فبايعوا، ثم ~~أخرجهم، وخرج إليهم باكيا مشقق الجيب، لاطما رأسه. # فلما بلغ ذلك المهدي أنكره على الربيع، وقال: أما منعتك جلالة أمير ~~المؤمنين أن فعلت به ما فعلت؟ وقيل ضربه، ولم يضح ضربه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور المسيب بن زهير عن شرطته، وحبسه مقيدا، وسبب ~~ذلك أنه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط، حتى قتله، لأنه كان شريك أخيه ~~عمرو بن زهير في ولاية الكوفة، واستعمل على شرطته الحكم بن يوسف، صاحب ~~الحراب، ثم كلم المهدي أباه في المسيب، فرضي عنه، وأعاده إلى شرطته. # وفيها استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد الله على فارس. # وفيها عاد المهدي من الرقة في شهر رمضان. # PageV05P207 # وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقي العدو، فاقتتلوا، ثم ~~تحاجزوا. # وفيها حبس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو أمير مكة، جماعة أمر المنصور ~~بحبسهم، وهم رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة، وابن جريج، وعباد بن ~~كثير، وسفيان الثوري، ثم أطلقهم من الحبس بغير أمر المنصور، فغضب. # وكان سبب إطلاقهم أنه أنكر، وقال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، يعني بعض ولد ~~علي، وإلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم، وتقدم أمير المؤمنين، فلعله يأمر ~~بقتلهم، فيشد سلطانه، وأهلك فأطلقهم، وتحلل منهم، فلما قارب المنصور ms2076 مكة ~~أرسل إليه محمد بن إبراهيم بهدايا فردها عليه. # (وفيها شخص المنصور من بغداذ إلى مكة، فمات في الطريق قبل أن يبلغها) . # وفي هذه السنة غزا عبد الرحمن، صاحب الأندلس، مدينة قورية، وقصد البربر ~~الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا من أعيانهم، واتبع شقنا، ~~حتى جاوز القصر الأبيض والدرب، ففاته. # [الوفيات] # وفيها مات أورالي ملك جليقية، وكان ملكه ست سنين، وملك بعده شيالون. # وفيها توفي مالك بن مغول، الفقيه البجلي بالكوفة، وحيوة بن شريح بن مسلم ~~الحضرمي (المصري) . # وكان العامل على مكة والطائف: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد ~~الله، # PageV05P208 # وعلى المدينة: عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة: عمرو بن زهير الضبي، وقيل: ~~إسماعيل بن إسماعيل الثقفي، وعلى قضائها: شريك بن عبد الله النخعي، وعلى ~~خراجها ثابت بن موسى. # وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداذ: عبد الله بن محمد بن صفوان، ~~وعلى الشرطة بها: عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن، وقيل ~~موسى بن كعب، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة، وعلى قضائها والصلاة: ~~عبيد الله بن الحسن العنبري. # وأصاب الناس هذه السنة وباء عظيم. # PageV05P209 ### | [ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة] ### | 159 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة # ذكر الحسن بن إبراهيم بن عبد الله # في هذه السنة حول المهدي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي من محبسه. # وسبب ذلك أنه كان محبوسا مع يعقوب بن داود في موضع واحد، فلما أطلق يعقوب ~~وبقي هو ساء ظنه، فالتمس مخرجا، فأرسل إلى بعض من يثق به، فحفر سربا إلى ~~الموضع الذي هو فيه. # فبلغ ذلك يعقوب، فأتى ابن علاثة القاضي، وكان قد اتصل به، فقال: عندي ~~نصيحة للمهدي، وطلب إليه إيصاله إلى أبي عبيد الله وزيره، ليرفعها إليه، ~~فأحضره عنده، فلما سأله عن نصيحته، سأله عن إيصاله إلى المهدي ليعلمه بها، ~~فأوصله إليه، فاستخلاه، فأعلمه المهدي ثقته بوزيره وابن علاثة، فلم يقل ~~شيئا، ms2077 حتى قاما، فأخبره خبر الحسن، فأنفذ من يثق به، فأتاه بتحقيق الحال، ~~فأمر بتحويل الحسن، فحول. # ثم احتيل له فيما بعد، فهرب وطلب، فلم يظفر به، فأحضر المهدي يعقوب وسأله ~~عنه، فأخبره أنه لا يعلم مكانه، وأنه إن أعطاه الأمان أتاه به فآمنه وضمن ~~له الإحسان، فقال له: اترك طلبه، فإن ذلك يوحشه، فترك طلبه. # ثم إن يعقوب تقدم عند المهدي، فأحضر الحسن بن إبراهيم عنده. # ذكر تقدم يعقوب عند المهدي # قد تقدم ذكر وصوله إليه، فلما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن ~~إبراهيم، كما تقدم، قال له: يا أمير المؤمنين! إنك قد بسطت عدلك لرعيتك، ~~وأنصفتهم، وأحسنت إليهم، فعظم رجاؤهم، وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع ~~النظر فيها، وأشياء خلف بابك تعمل فيها ولا تعلم بها، فإن جعلت إلي السبيل ~~إليك ورفعتها. # PageV05P210 # فأمر بذلك، فكان يدخل عليه كلما أراد، ويرفع إليه النصائح في الأمور ~~الحسنة الجميلة، من أمر الثغور، وبناء الحصون، وتقوية الغزاة وتزويج ~~العزاب، وفكاك الأسرى والمحبوسين، والقضاء عن الغارمين، والصدقة على ~~المتعففين، فحظي عنده بذلك، وعلت منزلته، حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله، ~~وحبس، وكتب المهدي توقيعا قد اتخذه أخا في الله، ووصله بمائة ألف. # ذكر ظهور المقنع بخراسان # وفي هذه السنة قبل موت حميد بن قحطبة، ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلا ~~أعور، قصيرا، من أهل مرو، ويسمى حكيما، وكان اتخذ وجها من ذهب فجعله على ~~وجهه لئلا يرى، فسمي المقنع وادعى الألوهية، ولم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه. # وكان يقول: إن الله خلق آدم، فتحول في صورته، ثم في صورة نوح، وهكذا هلم ~~جرا إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إلى هاشم، وهاشم في دعواه، هو المقنع، ~~ويقول بالتناسخ، وتابعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون له من أي النواحي ~~كانوا، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا. # واجتمع إليه خلق كثير، وتحصنوا في قلعة بسنام، وسنجردة، وهي من رساتيق ~~كش، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك، وأغاروا ~~على أموال ms2078 المسلمين. # وكان يعتقد أن أبا مسلم أفضل من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ينكر ~~قتل يحيى بن زيد، وادعى أنه يقتل قاتليه. # واجتمعوا بكش، وغلبوا على بعض قصورها، وعلى قلعة نواكث، وحاربهم أبو ~~النعمان، والجنيد، وليث بن نصر، مرة بعد مرة، وقتلوا حسان بن تميم بن نصر ~~بن سيار، ومحمد بن نصر وغيرهما. # وأنفذ إليهم جبرائيل بن يحيى وأخاه يزيد، فاشتغلوا بالمبيضة الذين كانوا ~~ببخارى، فقاتلوهم أربعة أشهر في مدينة بومجكث، ونقبها عليهم، فقتل منهم ~~سبعمائة، وقتل # PageV05P211 # الحكم، ولحق منهزموهم بالمقنع، وتبعهم جبرائيل، وحاربهم. # ثم سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع، فلم يبالغ في قتاله، واستعمل معاذ ~~بن مسلم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المهدي إسماعيل عن الكوفة، واستعمل عليها إسحاق بن ~~الصباح الكندي ثم الأشعثي، وقيل عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي. # وفيها عزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة، وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة، ~~واستعمل مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وأمره بإنصاف من تظلم ~~من سعيد بن دعلج، ثم صرفت الأحداث فيها إلى عمارة بن حمزة فولاها المسور بن ~~عبد الله الباهلي. # وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة، فوصل كتاب عزله وقد مات، واستعمل ~~مكانه بشر بن المنذر البجلي. # وفيها عزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح. # وفيها أعتق المهدي الخيزران أم ولده، وتزوجها وتزوج أم عبد الله بنت صالح ~~بن علي أخت الفضل وعبد الملك. # PageV05P212 # وفيها احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداذ بما فيها، واحترق ناس كثير. # وفيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل عليها أبو ضمرة محمد بن ~~سليمان. # وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة الرومية، وعلى المقدمة الحسن الوصيف، ~~فبلغوا أنقرة، وفتحوا مدينة للروم، ومطمورة، ولم يصب من المسلمين أحد، ~~ورجعوا سالمين. # وفيها ولي حمزة بن يحيى سجستان، وجبرائيل بن يحيى سمرقند، فبنى سورها، ~~وحفر خندقها. # وفيها عزل عبد الصمد بن علي عن المدينة، واستعمل عليها محمد بن عبد الله ms2079 ~~الكثيري، ثم عزله واستعمل مكانه محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن ~~بن صفوان الجمحي. # وفيها بنى المهدي سور الرصافة ومسجدها، وحفر خندقها. # وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي عليها، واستعمل مكانه ~~روح بن حاتم، أشار به أبو عبيد الله وزير المهدي. # وفيها أطلق المهدي من كان في حبوس المنصور، إلا من كان عنده تبعة من دم ~~أو # PageV05P213 # مال، أو من يسعى في الأرض بالفساد، وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود، مولى ~~بني سليم. # وفيها توفي حميد بن قحطبة وهو على خراسان، واستعمل المهدي بعده عليها أبا ~~عون عبد الملك بن يزيد. # وحج بالناس هذه السنة يزيد بن منصور خال المهدي، عند قدومه من اليمن، ~~وكان المهدي قد كتب إليه بالقدوم عليه وتوليته الموسم. # وكان أمير المدينة: عبد الله بن صفوان الجمحي، وعلى أحداث الكوفة: إسحاق ~~بن الصباح الكندي، وعلى خراجها: ثابت بن موسى، وعلى قضائها: شريك، وعلى ~~صلاة البصرة: عبد الملك بن أيوب، وعلى أحداثها: عمارة بن حمزة، وعلى ~~قضائها: عبيد الله بن الحسن، وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس: (عمارة ~~بن حمزة) . # وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن ~~المنذر، وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان حميد بن قحطبة قد مات ~~فيها، فولى المهدي أبا عون. # وكان على الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر ~~أبو ضمرة محمد بن سليمان. # (وفيها كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت برية، فسير إليه عبد الرحمن، صاحب ~~الأندلس، جيشا، ففارق مكانه، وصعد الجبال كعادته فعاد الجيش عنه) . # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، الفقيه بالكوفة، وهو مدني، # PageV05P214 # وعمره تسع وسبعون سنة. # وفيها توفي عبد العزيز بن أبي رواد مولى المغيرة بن المهلب، ويونس بن أبي ~~إسحاق السبيعي الهمداني، ومخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، وحسن ~~بن واقد مولى ابن عامر، وكان على قضاء مرو، ms2080 وكان يشتري الشيء من السوق ~~فيحمله إلى عياله. # PageV05P215 ### | [ثم دخلت سنة ستين ومائة] ### | 160 - # ثم دخلت سنة ستين ومائة # ذكر خروج يوسف البرم # في هذه السنة خرج يوسف بن إبراهيم، المعروف بالبرم، بخراسان، منكرا هو ~~ومن معه على المهدي سيرته التي يسير بها، واجتمع معه بشر كثير، فتوجه إليه ~~يزيد بن مزيد الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة، فلقيه فاقتتلا، حتى صارا ~~إلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزيد، وبعث به إلى المهدي، وبعث معه وجوه ~~أصحابه، فلما بلغوا النهروان حمل يوسف على بعير، قد حول وجهه إلى ذنبه، ~~وأصحابه مثله، فأدخلوهم الرصافة على تلك الحال، وقطعت يدا يوسف ورجلاه، ~~وقتل هو وأصحابه، وصلبوا على الجسر. # وقد قيل إنه كان حروريا، وتغلب على بوشنج وعليها مصعب بن زريق، جد طاهر ~~بن الحسين، فهرب منه، وتغلب أيضا على مرو الروذ، والطالقان، والجوزجان، وقد ~~كان من جملة أصحابه أبو معاذ الفريابي، فقبض معه. # ذكر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي # كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي قد خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ~~ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، فلما علم المهدي بذلك سره، ~~وكتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه، وهو بقرية الرحبة، من أعمال الكوفة. # فأحس عيسى بالذي يراد منه، فامتنع من القدوم، فاستعمل المهدي على الكوفة ~~روح بن حاتم، للإضرار به، فلم يجد روح إلى الإضرار به سبيلا، لأنه كان لا ~~يقرب البلد إلا كل جمعة أو يوم عيد. # PageV05P216 # وألح المهدي عليه وقال له: إنك إن لم تجبني إلى أن تنخلع من ولاية العهد ~~لموسى استحللت منك بمعصيتك ما يستحل من أهل المعاصي، وإن أجبتني عوضتك، ~~فوجه إليه المهدي عمه العباس بن محمد برسالة وكتاب يستدعيه، فلم يحضر معه. # فلما عاد العباس، وجه المهدي إليه أبا هريرة محمد بن فروخ القائد في ألف ~~من أصحابه ذوي البصائر في التشيع للمهدي، وجعل مع كل واحد منهم طبلا، ~~وأمرهم أن يضربوا طبولهم جميعا عند قدومهم إليه، فوصلوا ms2081 سحرا، وضربوا ~~طبولهم، فارتاع عيسى روعا شديدا، ودخل عليه أبو هريرة، وأمره بالشخوص معه. ~~(فاعتل بالشكوى، فلم يقبل منه وأخذه معه) . # فلما قدم عيسى بن موسى نزل دار محمد بن سليمان في عسكر المهدي فأقام ~~أياما يختلف إلى المهدي ولا يكلم بشيء، ولا يرى مكروها، فحضر الدار يوما ~~قبل جلوس المهدي فجلس في مقصورة للربيع، وقد اجتمع شيعة رؤساء المهدي على ~~خلعه، فثاروا به وهو في المقصورة، فأغلق الباب دونهم، فضربوا الباب بالعمد ~~حتى هشموه (وشتموا عيسى أقبح الشتم) وأظهر المهدي إنكارا لما فعلوه، فلم ~~يرجعوا، فبقوا في ذلك أياما إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته، وكان أشدهم عليه ~~محمد بن سليمان. # وألح عليه المهدي، فأبى، وذكر أن عليه أيمانا في أهله وماله، فأحضر له من ~~القضاة والفقهاء عدة، منهم: محمد بن عبد الله بن علاثة، ومسلم بن خالد ~~الزنجي، فأفتوه بما رأوا، فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهدي عشرة آلاف ألف ~~درهم، وضياعا بالزاب وكسكر، وخلع نفسه لأربع بقين من المحرم، وبايع للمهدي ~~ولابنه موسى الهادي. # ثم جلس المهدي من الغد، وأحضر أهل بيته، وأخذ بيعتهم، ثم خرج إلى الجامع، ~~وعيسى معه، فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى والبيعة للهادي، ودعاهم إلى ~~البيعة، فسارع الناس إليها، وأشهد على عيسى بالخلع. # فقال بعض الشعراء: # كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاة وكرم # خلع الملك وأضحى ملبسا ... ثوب لؤم ما ترى منه القدم. # PageV05P217 # (الرحبة بضم الراء قرية عند الكوفة، وصبح: بضم الصاد المهملة، وكسر الباء ~~الموحدة) . # ذكر فتح مدينة باربد # كان المهدي قد سير، سنة تسع وخمسين ومائة، جيشا في البحر، وعليهم عبد ~~الملك بن شهاب المسمعي إلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند والمتطوعة، ~~وفيهم الربيع بن صبيح، فساروا حتى نزلوا على باربد، فلما نازلوها حصروها من ~~نواحيها. # وحرض الناس بعضهم بعضا على الجهاد، وضايقوا أهلها، ففتحها الله عليهم هذه ~~السنة عنوة واحتمى أهلها بالبد الذي لهم، فأحرقه المسلمون عليهم، فاحترق ~~بعضهم، وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعة ms2082 وعشرون رجلا، وأفاءها الله ~~عليهم. # فهاج عليهم البحر، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم مرض في أفواههم، فمات ~~منهم نحو من ألف رجل فيهم الربيع بن صبيح، ثم رجعوا. # فلما بلغوا ساحلا من فارس يقال له بحر حمران عصفت بهم الريح ليلا، فانكسر ~~عامة مراكبهم، فغرق البعض، ونجا البعض. # قيل: وفيها جعل أبان بن صدقة كاتبا لهارون الرشيد ووزيرا له. # وفيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، واستعمل عليها معاذ بن مسلم. # وفيها غزا ثمامة بن [الوليد] العبسي الصائفة، وغزا الغمر بن العباس ~~الخثعمي بحر الشام. # ذكر رد نسب آل أبي بكرة وآل زياد # وفي هذه السنة أمر المهدي برد نسب آل أبي بكرة من ثقيف إلى ولاء # PageV05P218 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وسبب ذلك أن رجلا منهم رفع ظلامته إلى المهدي، وتقرب إليه [فيها] بولاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له المهدي: إن هذا نسب ما يقرون به ~~إلا عند الحاجة والاضطرار إلى التقرب إلينا. # فقال له: من جحد ذلك يا أمير المؤمنين، فإنا سنقر، وأنا أسألك أن تردني ~~ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتأمر بآل زياد فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقوا به، ورغبوا عن قضاء رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم: " أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ويردوا إلى عبيد ~~في موالي ثقيف ". # فأمر المهدي برد آل أبي بكرة إلى ولاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكتب فيه إلى محمد بن موسى بذلك، وأن من أقر منهم بذلك ترك ماله بيده، ومن ~~أباه اصطفى ماله. # فعرضهم، فأجابوا جميعا إلا ثلاثة نفر، وكذلك أيضا أمر برد نسب آل زياد ~~إلى عبيد. (وأخرجهم من قريش) . # فكان الذي حمل المهدي على ذلك، مع الذي ذكرناه، أن رجلا من آل زياد قدم ~~عليه يقال له الصغدي بن سلم بن حرب بن زياد، فقال له المهدي: من أنت؟ فقال: ~~ابن عمك. فقال: أي بني عمي أنت؟ فذكر نسبه، فقال المهدي: يا ms2083 ابن سمية ~~الزانية! متى كنت ابن عمي؟ وغضب وأمر به، فوجئ في عنقه وأخرج. # وسأل عن استلحاق زياد، ثم كتب إلى العامل بالبصرة بإخراج آل زياد من ~~ديوان قريش والعرب، وردهم إلى ثقيف، وكتب في ذلك كتابا بالغا، يذكر فيه ~~استلحاق زياد، ومخالفة حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه فأسقطوا ~~من ديوان قريش، ثم إنهم بعد ذلك رشوا العمال، حتى ردهم إلى ما كانوا عليه. # فقال خالد النجار: # إن زيادا ونافعا وأبا بكرة ... عندي من أعجب العجب # ذا قرشي كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه عربي. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة توفي عبيد الله بن صفوان الجمحي، أمير المدينة، واستعمل ~~عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيري، ثم عزل واستعمل مكانه زفر بن عاصم ~~الهلالي، # PageV05P219 # وجعل على القضاء عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي. # وفيها خرج عبد السلام الخارجي بنواحي الموصل. # وفيها عزل بسطام بن عمرو عن السند، واستعمل عليها روح بن حاتم. # وحج بالناس هذه السنة المهدي، واستخلف على بغداذ ابنه موسى وخاله يزيد بن ~~منصور، واستصحب معه جماعة من أهل بيته، وابنه هارون الرشيد، وكان معه يعقوب ~~بن داود، فأتاه بمكة بالحسن بن إبراهيم بن عبد الله العلوي الذي كان استأمن ~~له، فوصله المهدي وأقطعه. # وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة وكساها (كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أن ~~حجبة الكعبة) ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم لكثرة ما عليها من ~~الكسوة، فنزعها. # وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل ~~اليمن، وقسم مالا عظيما، وكان معه من العراق ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل ~~إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، ففرق ذلك كله، ~~وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرسا له بالعراق، وأقطعهم بالعراق، وأجرى ~~عليهم الأرزاق. # PageV05P220 # وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل إليه ms2084 الثلج ~~إلى مكة، ورد المهدي على أهل بيته وغيرهم وظائفهم التي كانت مقبوضة عنهم. # وكان على البصرة، وكور دجلة، والبحرين، وعمان، وكور الأهواز، وفارس، محمد ~~بن سليمان، وعلى خراسان معاذ بن مسلم، وباقي الأمصار على ما تقدم ذكره. # وفيها أرسل عبد الرحمن الأموي بالأندلس أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، ~~وتمام بن علقمة، إلى شقنا، فحاصراه شهورا بحصن شبطران، وأعياهما أمره، ~~فقفلا عنه. # ثم إن شقنا، بعد عودهما عنه، خرج من شبطران إلى قرية من قرى شنت برية ~~راكبا على بغلته التي تسمى الخلاصة، فاغتاله أبو معن وأبو خزيم، وهما من ~~أصحابه، فقتلاه، ولحقا بعبد الرحمن، ومعهما رأسه، فاستراح الناس من شره. # [الوفيات] # وفيها مات داود بن نصير الطائي الزاهد، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وعبد ~~الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي أيضا، وشعبة بن ~~الحجاج أبو بسطام، وكان عمره سبعا وسبعين سنة، وإسرائيل بن يونس بن أبي ~~إسحاق السبيعي، وقيل توفي سنة أربع وستين. # وفيها توفي الربيع بن مالك بن أبي عامر، عم مالك بن أنس الفقيه، كنيته ~~أبو مالك، وكانوا أربعة إخوة، أكبرهم أنس والد مالك، ثم أويس جد إسماعيل بن ~~أويس، ثم نافع، ثم الربيع. # PageV05P221 # وفيها توفي خليفة بن خياط العصفري الليثي، وهو جد خليفة بن خياط. # (خياط بالخاء المعجمة، وبالياء المثناة من تحت) وفيها توفي الخليل بن ~~أحمد البصري الفرهودي النحوي، الإمام المشهور في النحو، أستاذ سيبويه. # PageV05P222 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة] ### | 161 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة # ذكر هلاك المقنع # في هذه السنة سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إلى المقنع، ~~وعلى مقدمته سعيد الحرشي، وأتاه عقبة بن مسلم من زم، فاجتمع به بالطواويس، ~~وأوقعوا بأصحاب المقنع، فهزموهم، فقصد المنهزمون إلى المقنع بسنام فعمل ~~خندقها وحصنها، وأتاهم معاذ فحاربهم، فجرى بينه وبين الحرشي نفرة. # فكتب الحرشي إلى المهدي يقع في معاذ، ويضمن له الكفاية إن أفرده بحرب ~~المقنع، فأجابه المهدي إلى ذلك، فانفرد الحرشي بحربه، ms2085 وأمده معاذ بابنه ~~رجاء في جيش، وبكل ما التمسه منه. # وطال الحصار على المقنع، فطلب أصحابه الأمان سرا منه، فأجابهم الحرشي إلى ~~ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفا، وبقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر. وتحول ~~رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في أصل القلعة، وضايقوه. # فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله، وسقاهم السم، فأتى عليهم، وأمر أن ~~يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته. # وقيل: بل أحرق كل ما في قلعته من دابة وثوب وغير ذلك، ثم قال: من أحب أن ~~يرتفع معي إلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النار! وألقى بنفسه مع أهله، ~~ونسائه، وخواصه، فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة، فوجدوها خالية خاوية. # PageV05P223 # وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه، والذين يسمون المبيضة بما ~~وراء النهر من أصحابه، إلا أنهم يسرون (اعتقادهم) ، وقيل: بل شرب هو أيضا ~~من السم، فمات، فأنفذ الحرشي رأسه إلى المهدي، فوصل إليه وهو بحلب سنة ثلاث ~~وستين ومائة (في غزواته) . # ذكر تغير حال أبي عبيد الله # في هذه السنة تغيرت حال أبي عبيد الله وزير المهدي، وقد ذكرنا فيما تقدم ~~سبب اتصاله به أيام المنصور، ومسيره معه إلى خراسان، فحكى الفضل بن الربيع ~~أن الموالي كانوا يقعون في أبي عبيد الله عند المهدي ويحرضونه عليه، وكانت ~~كتب أبي عبيد الله ترد على المنصور بما يفعل، ويعرضها على الربيع، ويكتب ~~الكتب إلى المهدي بالوصاة به، وترك القول فيه. # ثم إن الربيع حج مع المنصور حين مات، وفعل في بيعة المهدي ما ذكرناه، ~~فلما قدم جاء إلى باب أبي عبيد الله، قبل المهدي، وقبل أن يأتي أهله، فقال ~~له ابنه الفضل: تترك أمير المؤمنين ومنزلك وتأتيه! قال: هو صاحب الرجل، ~~وينبغي أن نعامله غير ما كنا نعامله به، ونترك ذكر نصرتنا له. # فوقف على بابه من المغرب إلى أن صليت العشاء الآخرة، ثم أذن له فدخل فلم ~~يقم له وكان متكئا، فلم يجلس، ولا أقبل عليه، وأراد الربيع أن يذكر له ما ms2086 ~~كان منه في أمر البيعة، فقال: قد بلغنا أمركم، فأوغر صدر الربيع، فلما خرج ~~من عنده. (قال له ابنه الفضل: لقد بلغ فعل هذا بك ما فعل، وكان الرأي أن لا ~~تأتيه، وحيث أتيته وحجبك أن تعود، وحيث دخلت عليه فلم يقم لك أن تعود) . # فقال لابنه: أنت أحمق حيث تقول: كان ينبغي أن لا تجيء، وحيث جئت وحجبت أن ~~تعود، ولما دخلت فلم يقم لك كان ينبغي أن تعود، ولم يكن الصواب إلا # PageV05P224 # ما عملته، ولكن والله، وأكد اليمين، لأخلعن جاهي، ولأنفقن مالي حتى أبلغ ~~مكروهه. # وسعى في أمره، فلم يجد عليه طريقا لاحتياطه في أمر دينه وأعماله، فأتاه ~~من قبل ابنه محمد، فلم يزل يحتال ويدس إلى المهدي، ويتهمه ببعض حرمه، وبأنه ~~زنديق، حتى استحكمت التهمة عند المهدي بابنه، فأمر به فأحضر، وأخرج أبوه، ~~ثم قال له: يا محمد! اقرأ، فلم يحسن يقرأ شيئا، فقال لأبيه: ألم تعلمني أن ~~ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى ولكنه فارقني منذ سنين، وقد نسي. # قال: فقم فتقرب إلى الله بدمه، فقام ليقتل ولده فعثر فوقع، فقال العباس ~~بن محمد: إن رأيت أن يعفي الشيخ، فافعل، فأمر بابنه فضربت عنقه، وقال له ~~الربيع: يا أمير المؤمنين! تقتل ابنه وتثق إليه! لا ينبغي ذلك. فاستوحش ~~منه، وكان من أمره ما نذكره. # ذكر عبور الصقلبي إلى الأندلس وقتله # وفي هذه السنة، وقيل سنة ستين، عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المعروف ~~بالصقلبي، وإنما سمي به لطوله وزرقته وشقرته، من إفريقية إلى الأندلس ~~محاربا لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية، وكان عبوره في ساحل تدمير، ~~وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، ومحاربة عبد الرحمن الأموي، ~~والدعاء إلى طاعة المهدي. # وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاغتاظ عليه، وقصد بلده فيمن معه من ~~البربر، فهزمه سليمان، فعاد الصقلبي إلى تدمير، وسار عبد الرحمن الأموي ~~نحوه في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقا على الصقلبي في الهرب، فقصد ~~الصقلبي جبلا منيعا بناحية بلنسية. # فبذل الأموي ألف دينار لمن أتاه ms2087 برأسه، فاغتاله رجل من البربر، فقتله، ~~وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار، وكان قتله سنة اثنتين وستين ~~ومائة. # ذكر عدة حوادث # وفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث بعبد الله بن مروان بالشام، فأخذه، وقدم ~~به # PageV05P225 # على المهدي، فحبسه في المطبق، وجاء عمرو بن سهلة الأشعري، فادعى أن عبد ~~الله قتل أباه، وحاكمه عند عافية القاضي، فتوجه الحكم على عبد الله. # فجاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى القاضي فقال: زعم عمرو بن سهلة أن ~~عبد الله قتل أباه، وكذب والله، ما قتل أباه غيري، أنا قتلته بأمر مروان، ~~وعبد الله بريء من دمه، فترك عبد الله، ولم يعرض المهدي لعبد العزيز، لأنه ~~قتله بأمر مروان. # وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل بدابق. # وجاشت الروم مع ميخائيل في ثمانين ألفا، فأتى عمق مرعش، فقتل، وسبى، ~~وغنم، وأتى مرعش فحاصرها، فقاتلهم، فقتل من المسلمين عدة كثيرة. وكان عيسى ~~بن علي مرابطا بحصن مرعش فانصرف الروم إلى جيحان، وبلغ الخبر المهدي، فعظم ~~عليه، وتجهز لغزو الروم، على ما سنذكره سنة اثنتين وستين ومائة، فلم يكن ~~للمسلمين صائفة من أجل ذلك. # وفيها أمر المهدي ببناء القصور بطريق مكة، أوسع من القصور التي بناها ~~السفاح من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل منها، ~~وبتجديد الأميال والبرك، وبحفر الركايا، وولي ذلك يقطين بن موسى، وأمر ~~بالزيادة في مسجد البصرة، وتقصير المنابر في البلاد، وجعلها بمقدار منبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم. # وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، ففعل ~~فكان لا ينفذ المهدي كتابا إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى أمينه بإنفاذ ~~ذلك. # PageV05P226 # وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر. # وفيها ولي نصر بن محمد بن الأشعث السند، ثم عزل بعبد الملك بن شهاب، فبقي ~~عبد الملك ثمانية عشر يوما ثم عزل وأعيد نصر من الطريق. # وفيها استقضى المهدي عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة. # وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة، ms2088 واستعمل عليها عبد الصمد بن علي، ~~واستعمل عيسى بن لقمان على مصر، ويزيد بن منصور على سواد الكوفة، وحسان ~~الشروي على الموصل، وبسطام بن عمرو التغلبي على أذربيجان. # وفيها توفي نصر بن مالك من فالج أصابه، وولى المهدي بعده شرطته حمزة بن ~~مالك، وصرف أبان بن صدقة عن هارون الرشيد، وجعل مع موسى الهادي، وجعل مع ~~هارون يحيى بن خالد بن برمك. # وفيها عزل محمد بن سليمان أبو ضمرة عن مصر في ذي الحجة، ووليها سلمة بن ~~رجاء، وحج بالناس موسى الهادي وهو ولي عهد. # (وكان عامل مكة والطائف واليمامة: جعفر بن سليمان، وعامل اليمن: علي بن # PageV05P227 # سليمان) ، وكان على سواد الكوفة: يزيد بن منصور، وعلى أحداثها: إسحاق بن ~~منصور. # [الوفيات] # وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين، وزائدة بن قدامة ~~أبو الصلت الثقفي الكوفي، وإبراهيم بن أدهم بن منصور أبو إسحاق الزاهد، ~~وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام فأقام به مرابطا، وهو من بكر بن وائل، ~~ذكره أبو حاتم البستي. # PageV05P228 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة] ### | 162 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة # ذكر قتل عبد السلام الخارجي وفي هذه السنة قتل عبد السلام بن هاشم ~~اليشكري بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة، فاشتدت شوكته، وكثر أتباعه، فلقيه ~~عدة من قواد المهدي فيهم: عيسى بن موسى، القائد، فقتله في عدة ممن معه. # وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب بن واج المروروذي، فندب المهدي إلى شبيب ~~ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيبا فخرج بهم في طلب ~~عبد السلام، فهرب منه، فأدركه بقنسرين، فقاتله، فقتل بها. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة وضع المهدي دواوين الأزمة، وولى عليها عمرو بن مربع مولاه، ~~وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون [الأرزاق] في جميع الآفاق. # وفيها خرجت الروم إلى الحدث، فهدموا سورها، وغزا الصائفة الحسن بن قحطبة ~~في ثمانين ألف مرتزق سوى المتطوعة، فبلغ حمة # PageV05P229 # أذرولية، وأكثر التحريق والتخريب في بلاد الروم، ولم يفتح حصنا، ولا لقي ~~جمعا، ms2089 وسمته الروم التنين، وقالوا: إنما أتى الحمة ليغتسل من مائها للوضح ~~الذي به، ورجع الناس سالمين. # وفيها غزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا، فغنم، وافتتح ثلاثة ~~حصون، وسبى. # وفيها عزل علي بن سليمان عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن (سليمان، ~~وعزل سلمة بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان في المحرم، وعزل) عنها في ~~جمادى الآخرة، ووليها واضح مولى المهدي، ثم عزل في ذي القعدة، ووليها يحيى ~~الحرشي. # وفيها خرجت المحمرة بجرجان، عليهم رجل اسمه عبد القهار، فغلب عليها، وقتل ~~بشرا كثيرا، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتله عمر وأصحابه. # وكان العمال من تقدم ذكرهم، فكانت الجزيرة مع عبد الصمد بن علي، وطبرستان ~~والرويان مع سعيد بن دعلج، وجرجان مع مهلهل بن صفوان. # وفيها أرسل عبد الرحمن، صاحب الأندلس، شهيد بن عيسى إلى دحية # PageV05P230 # الغساني، وكان عاصيا في بعض حصون إلبيرة، فقتله، وسير بدرا مولاه إلى ~~إبراهيم بن شجرة البرلسي، وكان قد عصى، فقتله، وسير أيضا ثمامة بن علقمة ~~إلى العباس البربري، وهو في جمع من البربر، وقد أظهر العصيان فقتله أيضا ~~وفرق جموعه. # (وفيها سير جيشا مع حبيب بن عبد الملك القرشي إلى القائد السلمي، وكان ~~حسن المنزلة عند عبد الرحمن أمير الأندلس، فشرب ليلة، وقصد باب القنطرة ~~ليفتحه على سكر منه، فمنعه الحرس، فعاد، فلما صحا خاف، فهرب إلى طليطلة، ~~فاجتمع إليه كثير ممن يريد الخلاف والشر، فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش ~~إليه، فنازله في موضع قد تحصن فيه، وحصره، ثم إن السلمي طلب البراز، فبرز ~~إليه مملوك أسود، فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين، ثم ماتا جميعا) . # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قاضي إفريقية، وقد جاوز تسعين ~~سنة، وسبب موته أنه أكل عند يزيد بن حاتم سمكا، ثم شرب لبنا، وكان يحيى بن ~~ماسويه الطبيب حاضرا، فقال: إن كان الطب صحيحا، مات الشيخ الليلة، فتوفي من ~~ليلته تلك، والله أعلم. # PageV05P231 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة] ### | 163 - # ثم دخلت سنة ms2090 ثلاث وستين ومائة # ذكر غزو الروم # في هذه السنة تجهز المهدي لغزو الروم، فخرج وعسكر بالبردان، وجمع الأجناد ~~من خراسان وغيرها، وسار عنها، وكان قد توفي عيسى بن علي بن عبد الله بن ~~عباس في جمادى الآخرة، وسار المهدي من الغد، واستخلف على بغداذ ابنه موسى ~~الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، وسار على الموصل والجزيرة، وعزل ~~عنها عبد الصمد بن علي في مسيره ذلك. # ولما حاذى قصر مسلمة بن عبد الملك قال العباس بن محمد بن علي للمهدي: إن ~~لمسلمة في أعناقنا منة، كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، ~~وقال له: إذا نفدت فلا تحتشمنا، فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه، وأمر لهم ~~بعشرين ألف دينار، وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل، وهو ~~بحلب، فجمع من بتلك الناحية من الزنادقة، فجمعوا، فقتلهم، وقطع كتبهم ~~بالسكاكين. # وسار عنها مشيعا لابنه هارون الرشيد، حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، فسار ~~هارون، ومعه عيسى بن موسى، وعبد الملك بن صالح، والربيع، والحسن بن قحطبة، ~~والحسن وسليمان ابنا برمك، ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إليه أمر العسكر، ~~والنفقات، والكتابة وغير ذلك. # فساروا فنزلوا على حصن سمالوا، فحصره هارون ثمانية وثلاثين يوما ونصب ~~عليه المجانيق، ففتحه الله عليهم بالأمان، ووفى لهم، وفتحوا فتوحا كثيرة. # ولما عاد المهدي من الغزاة زار بيت المقدس، ومعه يزيد بن منصور، والعباس ~~بن محمد بن علي، والفضل بن صالح بن علي، وعلي بن سليمان بن علي، وقفل ~~المسلمون سالمين، إلا من قتل منهم. # PageV05P232 # وعزل المهدي إبراهيم بن صالح عن فلسطين، ثم رده. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله، وأذربيجان، وأرمينية، ~~وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك. # وفيها عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد الله بن صالح. # وفيها عزل المهدي معاذ بن مسلم عن خراسان، واستعمل عليها المسيب بن زهير ~~الضبي، وعزل يحيى الحرشي عن أصبهان، وولى مكانه ms2091 الحكم بن سعيد، وعزل سعيد ~~بن دعلج عن طبرستان والرويان، وولاهما عمر بن العلاء، وعزل مهلل بن صفوان ~~عن جرجان، وولاها هشام بن سعيد. # (وكان على مكة والمدينة والطائف واليمامة جعفر بن سليمان) ، وكان على ~~الكوفة: إسحاق بن الصباح، وعلى البصرة وفارس والبحرين والأهواز: محمد بن ~~سليمان، وعلى السند: نصر بن محمد بن الأشعث، وعلى الموصل: محمد بن الفضل. # وحج بالناس هذه السنة علي بن المهدي. # وفيها أظهر عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، التجهز للخروج إلى الشام ~~بزعمه لمحو الدولة العباسية، وأخذ ثأره منهم، فعصى عليه سليمان بن يقظان، # PageV05P233 # والحسين بن يحيى (بن سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري) بسرقسطة، واشتد ~~أمرهما، فترك ما كان عزم عليه. # [الوفيات] # وفيها مات موسى بن علي بن رباح اللخمي بضم العين مصغرا (ورباح بالباء ~~الموحدة) . # وفيها مات إبراهيم بن طهمان، وكان عالما فاضلا، وكان مرجئا من أهل ~~نيسابور، ومات بمكة. # وفيها توفي أبو الأشهب جعفر بن حيان بالبصرة. # وفيها توفي بكار بن شريح، قاضي الموصل بها، وكان فاضلا، وولي القضاء بها ~~أبو مكرز الفهري، واسمه يحيى بن عبد الله بن كرز. # PageV05P234 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة] ### | 164 - # ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة # في هذه السنة غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب من درب الحدث، فأتاه ميخائيل البطريق، وطاراذ الأرمني البطريق في ~~تسعين ألفا، فخاف عبد الكبير، ومنع الناس من القتال، ورجع بهم، فأراد ~~المهدي قتله، فشفع فيه فحبسه. # وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة، وسائر أعماله، واستعمل صالح ~~بن داود مكانه. # وفيها سار المهدي ليحج، فلما بلغ العقبة، ورأى قلة الماء خاف أن الماء لا ~~يحمل الناس، وأخذته أيضا حمى، فرجع، وسير أخاه صالحا ليحج بالناس، ولحق ~~الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون، وغضب المهدي على يقطين لأنه صاحب ~~المصانع. # وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سخطة، ووجه من يستقبله، ويفتش ~~متاعه، [ويحصي ما معه] ، واستعمل على اليمن منصور ms2092 بن يزيد بن منصور، وعلى ~~إفريقية يزيد بن حاتم، وكان العمال من تقدم ذكرهم، وعلى الموصل محمد بن ~~الفضل. # وفيها سار عبد الرحمن الأموي إلى سرقسطة، بعد أن كان قد سير إليها ثعلبة ~~بن # PageV05P235 # عبيد في عسكر كثيف، وكان سليمان بن يقظان، والحسين بن يحيى قد اجتمعا على ~~خلع طاعة عبد الرحمن، كما ذكرنا، وهما بها، فقاتلهما ثعلبة قتالا شديدا، ~~وفي بعض الأيام عاد إلى مخيمه، فاغتنم سليمان غرته، فخرج إليه، وقبض عليه، ~~وأخذه، وتفرق عسكره. # واستدعى سليمان قارله ملك الإفرنج، ووعده بتسليم البلد وثعلبة إليه، فلما ~~وصل إليه لم يصبح بيده غير ثعلبة، فأخذه وعاد إلى بلاده، وهو يظن أنه يأخذ ~~به عظيم الفداء، فأهمله عبد الرحمن مدة، ثم وضع من طلبه من الفرنج، ~~فأطلقوه. # فلما كان هذه السنة سار عبد الرحمن إلى سرقسطة، وفرق أولاده في الجهات ~~ليدفعوا كل مخالف، ثم يجتمعون بسرقسطة، فسبقهم عبد الرحمن إليها، وكان ~~الحسين بن يحيى قد قتل سليمان بن يقظان، وانفرد بسرقسطة، فوافاه عبد الرحمن ~~على أثر ذلك، فضيق على أهلها تضييقا شديدا. # وأتاه أولاده من النواحي، ومعهم كل من خالفهم، وأخبروه عن طاعة غيرهم، ~~فرغب الحسين في الصلح، وأذعن للطاعة، فأجابه عبد الرحمن، وصالحه، وأخذ ابنه ~~سعيدا رهينة، ورجع عنه. # وغزا بلاد الفرنج، فدوخها، ونهب وسبى وبلغ قلهرة، وفتح مدينة فكيرة، وهدم ~~قلاع تلك الناحية، وسار إلى بلاد البشكنس، ونزل على حصن مثمين الأقرع، ~~فافتتحه، ثم تقدم إلى ملدوثون بن أطلال، وحصر قلعته، وقصد الناس جبلها، ~~وقاتلوهم فيها، فملكوها عنوة وخربها ثم رجع إلى قرطبة. # وفيها ثارت فتنة بين بربر بلنسية وبربر شنت برية من الأندلس، وجرى بينهم ~~حروب كثيرة قتل فيها خلق كثير من الطائفتين، وكانت وقائعهم مشهورة. # [الوفيات] # وفيها مات شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية التميمي النحوي البصري، وعبد ~~العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون. # PageV05P236 # وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم المنصور، وقيل: مات سنة ثلاث وستين، ~~وكان عمره ثمانيا وسبعين سنة، (وقيل ms2093 ثمانين سنة) . # وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وسلام بن مسكين النمري الأزدي، أبو روح، ~~والمبارك بن فضالة بن أبي أمية القرشي، مولى عمر بن الخطاب. # PageV05P237 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة] ### | 165 - # ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة # ذكر غزوة الروم # في هذه السنة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة، في جمادى الآخرة، ~~في خمسة وتسعين ألفا وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، ومعه الربيع، فوغل هارون ~~في بلاد الروم، ولقيه عسكر نقيظا قومس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد ~~الشيباني، فأثخنه يزيد وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم. # وساروا إلى الدمستق، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة ~~وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين دينارا. ومن الورق أحدا وعشرين ألف ألف درهم ~~[وأربعمائة ألف] وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم. # وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ عطسة امرأة ~~أليون، وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها فجرى الصلح بينها ~~وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، وذلك أنه ~~دخل مدخلا ضيقا مخوفا، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل ~~سنة، ورجع عنها. # وكانت الهدنة ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة ~~آلاف رأس سبي وستمائة وثلاثة وأربعين رأسا، ومن الدواب الذلل بأدواتها ~~عشرين ألف رأس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس، وقتل من الروم، في ~~الوقائع، أربعة # PageV05P238 # وخمسون ألفا، وقتل من الأسارى صبرا ألفان وتسعون أسيرا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل خلف بن عبد الله عن الري، ووليها عيسى مولى جعفر. # وحج بالناس هذه السنة صالح بن المنصور، وكان العمال من تقدم ذكرهم، غير ~~أن البصرة كان على أحداثها والصلاة بها روح بن حاتم، وكان على كور دجلة ~~والبحرين، وعمان وكسكر، والأهواز، وفارس، وكرمان: المعلى مولى المهدي، وكان ~~على الموصل: أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس. # وفيها غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة، فنكث مع عبد الرحمن، فسير إليه ms2094 عبد ~~الرحمن غالب بن ثمامة بن علقمة في جند كثيف، فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب ~~الحسين فيهم ابنه يحيى، فسيرهم إلى الأمير عبد الرحمن، فقتلهم، وأقام ثمامة ~~بن علقمة على الحسين يحصره. # ثم إن الأمير عبد الرحمن سار سنة ست وستين ومائة إلى سرقسطة بنفسه، ~~فحصرها، وضايقها، ونصب عليها المجانيق ستة وثلاثين منجنيقا، فملكها عنوة، ~~وقتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أهل سرقسطة منها ليمين تقدمت منه، ثم ردهم ~~إليها. # PageV05P239 # [الوفيات] # وفيها مات يزيد بن منصور بن عبد الله بن يزيد بن شهر بن مثوب، وهو من ولد ~~شهر ذي الجناح الحميري، خال المهدي، وقد كان ولي اليمن والبصرة والحج. # وفيها توفي فتح بن الوشاح الموصلي الزاهد. # PageV05P240 ### | [ثم دخلت سنة ست وستين ومائة] ### | 166 - # ثم دخلت سنة ست وستين ومائة # في هذه السنة أخذ المهدي البيعة لولده هارون الرشيد بولاية العهد، بعد ~~أخيه موسى الهادي، ولقبه الرشيد. وفيها عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن ~~قضاء البصرة، واستقضي خالد بن طليقبن عمران بن حصين، فاستعفى أهل البصرة ~~منه. # ذكر القبض على يعقوب بن داود # وفي هذه سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود بن طهمان، (وكان أول أمرهم ~~أن داود بن طهمان) ، وهو أبو يعقوب، كان يكتب لنصر بن سيار، هو وإخوته، ~~فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود يعلمه ما يسمعه من نصر، فلما طلب أبو ~~مسلم الخراساني بدم يحيى بن زيد أتاه داود، لما كان بينه وبين يحيى، فآمنه ~~أبو مسلم في نفسه، وأخذ ماله الذي استفاد أيام نصر. # فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم، ولم يكن لهم عند بني العباس ~~منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة ~~الزيدية ودنوا من آل الحسين، وطمعوا أن تكون لهم دولة، فكان داود يصحب ~~إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أحيانا. # وخرج معه هو وعدة من إخوته، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، فأخذ يعقوب ~~وعليا وحبسهما، فلما توفي المنصور أطلقهما المهدي مع من أطلقه، ms2095 وكان معهما ~~الحسن بن إبراهيم، فاتصل إلى المهدي بسببه، كما تقدم ذكره. # وقيل: اتصل به بالسعاية بآل علي، ولم يزل أمره يرتفع، حتى استوزره. # وكان المهدي يقول: وصف لي يعقوب في منامي، فقيل لي: استوزره، فلما رأيته # PageV05P241 # رأيت الخلقة التي وصفت لي، فاتخذته وزيرا، فلما ولي الوزارة أرسل إلى ~~الزيدية، فجمعهم وولاهم أمور الخلافة في المشرق والمغرب، ولذلك قال بشار بن ~~برد: # بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود. # فحسده موالي المهدي، وسعوا به، وقيل له: إن الشرق والغرب في يد يعقوب ~~وأصحابه، وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد فيأخذوا الدنيا ~~[لإسحاق بن الفضل] ، فملأ ذلك قلب المهدي. # ولما بنى المهدي عيساباذ أتاه خادم من خدمه فقال له: إن أحمد بن إسماعيل ~~بن علي قال لي: أبنى متنزها أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت المال؟ فحفظها ~~المهدي، ونسي أحمد بن إسماعيل، وظن أن يعقوب قالها، فبينما يعقوب بين يديه ~~إذ لببه فضرب به الأرض، وقال: ألست القائل كيت وكيت؟ فقال: والله ما قلته ~~ولا سمعته! قال: وكان السعاة يسعون ليلا، ويتفرقون وهم يعتقدون أنه يقبضه ~~بكرة فإذا أصبح غدا عليه، فإذا نظر إليه تبسم وسأله عن مبيته. # وكان المهدي مستهترا بالنساء، فيخوض يعقوب معه في ذلك، فيفترقان عن رضى # ثم إنه كان ليعقوب برذون كان يركبه، فخرج يوما من عند المهدي وعليه ~~طيلسان يتقعقع من كثرة دقه، والبرذون مع الغلام وقد نام الغلام، فركب ~~يعقوب، وأراد تسوية الطيلسان، فنفر من قعقعته فسقط، فدنا من دابته، فرفسه، ~~فانكسر ساقه، فانقطع عن الركوب. # فعاده المهدي من الغد، ثم انقطع عنه، فتمكن السعاة منه، فأظهر المهدي ~~السخط عليه، ثم أمر به فسجن في سجن نصر، وأخذ عماله وأصحابه فحبسوا. # وقال يعقوب بن داود: بعث إلي المهدي يوما، فدخلت عليه وهو في مجلس مفروش ~~بفرش مورد على بستان فيه شجر، ورءوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ms2096 ذلك ~~الشجر بالأزهار، فما رأيت شيئا أحسن منه، وعنده جارية عليها نحو ذلك الفرش ~~ما رأيت أحسن منها. # فقال لي: يا يعقوب! كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: على # PageV05P242 # غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به قال: هو لك بما فيه وهذه الجارية ~~ليتم سرورك به، قال: فدعوت له. # ثم قال لي: يا يعقوب، ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي قضاءها، قلت: الأمر ~~لأمير المؤمنين، وعلي السمع والطاعة، فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت لأعملن ~~بما قال، فقال: هذا فلان بن فلان من ولد علي بن أبي طالب، وأحب أن تكفيني ~~مئونته وتريحني منه وتعجل ذلك، قلت: أفعل. # فأخذته وأخذت الجارية وجميع ما في المجلس، وأمر لي بمائة ألف درهم، فلشدة ~~سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وأدخلت العلوي إلي وسألته ~~عن حاله، فأخبرني وإذا هو أعقل الناس، وأحسنهم إبانة عن نفسه، ثم قال: ويحك ~~يا يعقوب، تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -! # قلت: لا والله، فهل فيك أنت خير؟ قال: إن فعلت خيرا شكرت، ولك عندي دعاء ~~واستغفار. # فقلت: أي الطرق أحب إليك؟ قال: كذا وكذا، فأرسلت إلى من يثق إليه العلوي، ~~فأخذه وأعطيته مالا، وأرسلت الجارية إلى المهدي تعلمه الحال فأرسل إلى ~~الطريق، فأخذ العلوي وصاحبه والمال. # فلما كان الغد استحضرني المهدي وسألني عن العلوي، فأخبرته أني قتلته، ~~فاستحلفني بالله وبرأسه، فحلفت له، فقال: يا غلام أخرج إلينا ما في هذا ~~البيت، فأخرج العلوي وصاحبه والمال، فبقيت متحيرا، وامتنع مني الكلام فما ~~أدري ما أقول، فقال المهدي: قد حل لي دمك، ولكن احبسوه في المطبق ولا أذكر ~~به. # فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئر، فدليت فيها، فبقيت مدة لا أعرف ~~عددها، وأصبت ببصري. # قال: فإني لكذلك إذ دعي بي، وقيل لي: سلم على أمير المؤمنين! فسلمت، قال: ~~أي أمير المؤمنين أنا؟ قلت: المهدي، قال رحم الله المهدي قلت: فالهادي، ~~قال: رحم الله الهادي. قلت: فالرشيد، قال: نعم! سل حاجتك. ms2097 قلت: المقام ~~بمكة، فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ، فأذن لي، فسرت إلى مكة، قال: فلم ~~تطل أيامه بها حتى مات. # وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، فكان ~~يعقوب ينهاه عن ذلك، ويعظه، ويقول: ليس على هذا استوزرتني، ولا عليه # PageV05P243 # صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ؟ فضيق على ~~المهدي حتى قيل: # فدع عنك يعقوب بن داود جانبا وأقبل على صهباء طيبة النشر # وقال يعقوب يوما للمهدي في أمر أراده: هذا والله السرف! فقال المهدي: ~~ويحك يا يعقوب، إنما يحسن السرف بأهل الشرف. ولولا السرف لم يعرف المكثرون ~~من المقلين. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان، وجعل على قضائه أبا يوسف [يعقوب بن ~~إبراهيم] . # وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ببغال وإبل، ~~ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك. # وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي ~~أبا العباس. وأضاف إليه سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج. # وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن حاتم، وإسماعيل بن مجالد، ومحمد بن أبي ~~أيوب المكي، ومحمد بن طيفور في الزندقة، فاستتابهم وخلى سبيلهم، وبعث داود ~~إلى أبيه، وهو على البصرة، وأمره بتأديبه. # وفيها استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله على المدينة، ~~وكان على مكة والطائف: عبيد الله بن قثم. # PageV05P244 # وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل [مكانه] عبد الله بن ~~سليمان الربعي. # وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه، وحج بالناس إبراهيم بن ~~يحيى. # وكان على الكوفة: هاشم بن سعيد، وعلى البصرة: روح بن حاتم، وعلى قضائها: ~~خالد بن طليق، وعلى كور دجلة، وكسكر، وأعمال البصرة والبحرين، والأهواز، ~~وفارس، وكرمان: المعلى مولى المهدي. # وعلى مصر: إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقية: يزيد بن حاتم، وعلى طبرستان، ~~والرويان، وجرجان: يحيى الحرشي، وعلى دنباوند وقومس: فراشة مولى المهدي، ~~وعلى الري: سعد مولاه. ms2098 # وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل: موسى بن كعب الخثعمي، وعلى ~~قضائها: علي بن مسهر بن عمير. # ولم يكن في هذه السنة صائفة، للهدنة [التي كانت فيها] . # [الوفيات] # وفيها قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة، وكان خلق ممسوح ~~العينين. # وفيها توفي الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو والد وكيع. # PageV05P245 # وفيها توفي (المبارك بن فضالة) ، وحماد بن سلمة البصري. # وفيها قتل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن ~~معاوية بن هشام، وهذيل بن الصميل، وسمرة بن جبلة، لأنهم اجتمعوا على خلعه ~~مع العلاء بن حميد القشيري، فتقرب بهم. # PageV05P246 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة] ### | 167 - # ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة # [ذكر عدة حوادث] # في هذه السنة سار موسى الهادي إلى جرجان في جمع كثيف وجهاز لم يتجهز أحد ~~بمثله لمحاربة ونداد هرمز، وشروين، صاحبي طبرستان، وجعل المهدي على رسائل ~~موسى أبان بن صدقة، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعا مولى المنصور على ~~حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان، على حرسه، فسير الهادي الجنود إليهما، وأمر ~~عليهم يزيد بن مزيد، فحاصرهما. # وفيها توفي عيسى بن موسى بالكوفة، فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضي ~~وجماعة من الوجوه، ودفن، وكان عمره خمسا وستين سنة، ومدة ولايته العهد ~~ثلاثا وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر ولايته العهد وعزله عنه. # وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر، فحبس، فهرب، ~~فلم يقدر عليه. وكان المتولي لأمر الزنادقة [عمر] الكلوذاني. # وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع. # وفيها كان الوباء ببغداذ والبصرة، وفشا في الناس سعال شديد. # PageV05P247 # وفيها توفي أبان بن صدقة، كاتب الهادي، فوجه المهدي مكانه أبا خالد ~~الأحول. # وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، ومسجد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فدخلت فيه دور كثيرة، وكان المتولي لبنائه يقطين بن موسى، فبقي ~~البناء فيه إلى أن توفي المهدي. # وكذلك أمر بالزيادة في المسجد الجامع بالموصل، ورأيت لوحا فيه ذكر ذلك، ~~وهو ms2099 في حائط الجامع، سنة ثلاث وستمائة (وهو باق) . # وفيها عزل يحيى الحرشي عن طبرستان والرويان، وما كان إليه، ووليه عمر بن ~~العلاء، وولي جرجان فراشة مولى المهدي. # وفيها أظلمت الدنيا لثلاث مضين من ذي الحجة، حتى تعالى النهار. # ولم يكن صائفة للهدنة. # وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو على ~~المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج بأيام، وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن ~~علي. # PageV05P248 # وفيها طعن عقبة بن سلم الهنائي، اغتاله رجل بخنجر، فمات ببغداذ. # وكان على اليمن: سليمان بن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة: عبد الله بن مصعب ~~الزبيري، وكان على البصرة: محمد بن سليمان، وعلى قضائها: عمر بن عثمان ~~التيمي، وعلى الموصل: أحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل موسى بن كعب، وباقي ~~الأمصار كما تقدم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي جعفر الأحمر أبو شيبة، والحسن بن صالح بن حي وكان ~~شيعيا عابدا، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن ~~مسلم. # وفيها أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق، ~~وانتهكوا المحارم، وتركوا الصلاة، فأرسل المهدي إليهم جيشا، فقاتلهم، واشتد ~~القتال، وصبر العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إليهم فقويت شوكتهم ~~وزاد شرهم. # PageV05P249 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة] ### | 168 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة # في هذه السنة في رمضان، نقض الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، ~~وكان من أوله إلى أن نقضوه اثنان وثلاثون شهرا، فوجه علي بن سليمان، وهو ~~على الجزيرة وقنسرين، يزيد بن البدر بن البطال في خيل فغنموا وظفروا. # ذكر الخوارج بالموصل # وفيها خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم، فخرج إليه عسكر ~~الموصل، فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، وكان يميل إلى مقالة ~~صالح بن مسرح الخارجي، فوجه إليه المهدي أبا هريرة بن فروخ القائد، وهرثمة ~~بن أعين مولى بني ضبة، فحارباه، فصبر لهما، حتى قتل وعدة من أصحابه، وانهزم ~~الباقون. # ذكر مخالفة أبي الأسود بالأندلس ms2100 # في هذه السنة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري ~~بالأندلس، وكان من حديثه: أنه كان في سجن عبد الرحمن بقرطبة من حين هرب ~~أبوه، وقتل أخوه عبد الرحمن، على ما تقدم، وحبس أبو الأسود، وتعامى في ~~الحبس، فصار يحاكي العميان، ولا يطرف عينه لشيء، وبقي دهرا طويلا، حتى صح ~~عند الأمير عبد الرحمن الأموي ذلك. # وكان في أقصى السجن سرداب يفضي إلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون ~~فيقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه، فإذا ~~رجع من النهر يقول: من يدل الأعمى على موضعه؟ # وكان مولى له يحادثه على شاطئ النهر، ولا ينكر عليه، فواعده أن يأتيه ~~بخيل # PageV05P250 # يحمله عليها، فخرج يوما ومولاه ينتظره، فعبر النهر سباحة، وركب الخيل، ~~ولحق بطليطلة، فاجتمع له خلق كثير، فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن الأموي، ~~فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة، واشتد القتال، ثم انهزم أبو الأسود، ~~وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردى في النهر، واتبعه الأموي يقتل من ~~لحق، حتى جاوز قلعة الرباح. # ثم جمع، وعاد إلى قتال الأموي، في سنة تسع وستين، فلما أحس بمقدمة الأموي ~~انهزم أصحابه، وهو معهم، فأخذ عياله، وقتل أكثر رجاله، وبقي إلى سنة سبعين، ~~فهلك بقرية (من أعمال طليطلة) . # وقام بعده أخوه قاسم، وجمع جمعا، فغزاه الأمير، فجاء إليه بغير أمان ~~فقتله. # ذكر عدة حوادث # وفيها هلك شيلون ملك جليقية، فولوا مكانه أذفونش، فوثب عليه مورقاط، ~~فقتله، فاختل أمرهم، فدخل عليهم نائب عبد الرحمن بطليطلة في عساكره، فقتل، ~~وغنم، وسبى ثم عاد سالما. # (وفيها توفي أبو القاسم بن واسول مقدم الخوارج الصفرية بسجلماسة فجاءة في ~~صلاة العشاء الآخرة، وكانت إمارته اثنتي عشرة سنة وشهرا، وولي بعده ابنه ~~إلياس) . # وفيها سير المهدي سعيدا الحرشي في أربعين ألفا إلى طبرستان. # [الوفيات] # وفيها مات عمر الكلوذاني، صاحب الزنادقة، وولي مكانه محمد بن عيسى بن ~~حمدويه، فقتل من الزنادقة خلقا كثيرا. # PageV05P251 # وحج بالناس علي بن المهدي الذي يقال له ابن ريطة. ms2101 # وفيها توفي يحيى بن سلمة بن كهيل، وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي ~~البصرة، ومندل بن علي، ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة القاضي. # والحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن علي بن أبي طالب، وكان قد استعمله ~~المنصور على المدينة خمس سنين، ثم عزله، وحبسه ببغداذ، وأخذ ماله. فلما ولي ~~المهدي أخرجه ورد عليه ماله، وكان جوادا إلا أنه كان منحرفا عن أهل بيته، ~~مائلا إلى المنصور. # وفيها توفي قيس بن الربيع، وعبثر بن القاسم. # (عبثر بفتح العين المهملة، وبالباء الموحدة، والثاء المثلثة) . # PageV05P252 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة] ### | 169 - # ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة # ذكر موت المهدي # في هذه [السنة] مات المهدي أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور ~~بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة ~~للرشيد. (بولاية العهد وتقديمه على الهادي) ، فبعث إليه، وهو بجرجان، في ~~المعنى، فلم يفعل. # فبعث إليه في القدوم عليه، فضرب الرسول، وامتنع من القدوم عليه، فسار ~~المهدي يريده، فلما بلغ ماسبذان أكل طعاما ثم قال إني داخل إلى البهو أنام، ~~فلا توقظوني، حتى أكون أنا الذي أنتبه، فدخله، فنام ونام أصحابه، فاستيقظوا ~~ببكائه، فأتوه مسرعين، فقال: وقف على الباب رجل فقال: # كأني بهذا القصر قد باد أهله وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من ~~بعد بهجة وملك إلى قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه تنادي عليه ~~معولات حلائله فبقي بعد ذلك عشرة أيام ومات. # وقد اختلف في سبب موته فقيل إنه كان يتصيد، فطردت الكلاب ظبيا، وتبعته، ~~فدخل باب خربة، ودخلت الكلاب خلفه، ثم تبعها فرس المهدي، فدخلها فدق الباب # PageV05P253 # ظهره، فمات من ساعته. # وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرة لها بلبإ فيه سم، فدعا به المهدي ~~فأكل منه، فخافت الجارية أن تقول إنه مسموم، فمات من ساعته. # وقيل: بل عمدت حسنة - جارية له - إلى كمثرى، (فأهدته إلى جارية أخرى كان ~~المهدي يتحظاها، وسمت منه كمثراة) ms2102 هي أحسن الكمثرى، فاجتاز بالمهدي، فدعا ~~به وكان يحب الكمثرى، فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها، فلما وصلت إلى ~~جوفه صاح: جوفي جوفي! فسمعت صوته فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول: أردت أن ~~أنفرد بك، فقتلتك! فمات من يومه، ورجعت حسنة وعلى قبتها المسوح، فقال أبو ~~العتاهية في ذلك: # رحن في الوشي وأقبلن ... عليهن المسوح كل نطاح # من الدن يا له يوم نطوح ... لست بالباقي ولو عمرت ما عمر نوح # فعلى نفسك نح إن كنت لابد تنوح # وكان موته في المحرم لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا، وقيل: ~~عشر سنين وتسعة وأربعين يوما، وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، ودفن تحت ~~جوزة كان يجلس تحتها، وصلى عليه ابنه الرشيد، وكان أبيض طويلا، وقيل أسمر ~~بإحدى عينيه نكتة بياض. # ذكر بعض سيرته # كان المهدي، إذا جلس للمظالم، قال: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي ~~المظالم إلا للحياء منهم [لكفى] . # PageV05P254 # وعتب المهدي على بعض القواد غير مرة وقال له في آخر ذلك: إلى متى تذنب ~~[إلي وأعفو] ؟ قال: إلى أبد نسيء، ويبقيك الله فتعفو عنا، فاستحيا منه ورضي ~~عنه. # وقال مسور بن مساور: ظلمني وكيل المهدي، وغصبني ضيعة لي، فكتبت إلى ~~المهدي أتظلم، فوصلت الرقعة وعنده عمه العباس، ومحمد بن علاثة، وعافية ~~القاضي، فاستدناني المهدي، وسألني عن حالي، فذكرته، فقال: أترضى بأحد هذين؟ ~~قلت: نعم! فاستدناني حتى التزقت بالفراش، وحاكمني، فقال له القاضي: أطلقها ~~له يا أمير المؤمنين! قال: قد فعلت، فقال عمه العباس: والله لهذا المجلس ~~أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم. # وخرج المهدي متنزها، ومعه عمر بن ربيع مولاه، فانقطعا في الصيد من ~~العسكر، وأصاب المهدي جوع، فقال: هل من شيء؟ فقيل له: نرى كوخا، فقصدوه، ~~فإذا فيه نبطي، وعنده مبقلة، فسلموا عليه، فرد السلام، فقالوا: هل من طعام؟ ~~فقال: عندي ربيثاء، وهو نوع من الصحناة، وعندي خبز شعير، فقال المهدي: (إن ~~كان عندك زيت، فقد أكملت. قال: نعم، وكراث، فأتاهما بذلك، فأكلا حتى شبعا. ~~فقال المهدي) لعمر ms2103 بن ربيع: قل في هذا شعرا، فقال: # إن من يطعم الربيثاء بالزيت ... وخبز الشعير بالكراث # لحقيق بصفعة أو بثنتين ... لسوء الصنيع أو بثلاث # فقال المهدي: بئس ما قلت! إنما هو: # لحقيق ببدرة أو بثنتين ... لحسن الصنيع أو بثلاث # قال: ووافاهم العسكر، والخزائن، والخدم، فأمر للنبطي بثلاث بدر وانصرف. # وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي، حتى ظننا أنها تسوقنا ~~إلى # PageV05P255 # المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعا خده على الأرض وهو يقول: اللهم ~~احفظ محمدا في أمته! اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم! اللهم إن كنت ~~أخذت هذا العالم بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك. قال: فما لبثنا إلا يسيرا ~~حتى انكشفت الريح. (وزال عنا) ما كنا فيه. # ولما حضرت القاسم بن مجاشع التميمي المروزي الوفاة أوصى إلى المهدي فكتب: ~~{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18] الآية، ~~ثم كتب: والقاسم يشهد بذلك، ويشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن علي بن أبي ~~طالب وصي رسول الله، ووارث الإمامة من بعده، فعرضت الوصية على المهدي بعد ~~موته، فلما بلغ إلى هذا الموضع رمى بها، ولم ينظر فيها. # وقال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة، فما أدري أهو ~~أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه، فقرأ: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] . # قال: فتمم صلاته، ثم التفت وقال: يا ربيع! قلت: لبيك! قال: [علي] بموسى، ~~فقلت في نفسي: من موسى؟ ابنه أم موسى بن جعفر، وكان محبوسا عندي؟ فجعلت ~~أفكر، فقلت: ما هو إلا موسى بن جعفر، فأحضرته، فقطع صلاته، ثم قال: يا ~~موسى! إني قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج ~~[علي] . قال: نعم، فوثق له فخلاه. # وقال محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ~~رأيت فيما يرى النائم، في آخر سلطان بني أمية، كأني دخلت مسجد رسول الله - ~~صلى الله ms2104 عليه وسلم - فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد ~~بالفسيفساء، فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وإذا ~~قائل يقول: يمحو هذا الكتاب ويكتب اسمه رجل من بني هاشم # PageV05P256 # يقال له محمد، قلت: فأنا من بني هاشم، واسمي محمد فابن من؟ قال: ابن عبد ~~الله. قال: قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن محمد. قلت: فأنا ابن ~~محمد، فابن من؟ قال: ابن علي، قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد ~~الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس، فلو لم يبلغ العباس ~~ما شككت أني صاحب الأمر. # قال: فتحدثت بها ذلك الزمان، ونحن لا نعرف المهدي، حتى ولي المهدي، فدخل ~~مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع رأسه، فرأى اسم الوليد، فقال: ~~أرى اسم الوليد إلى اليوم، فدعا بكرسي، فألقي في صحن المسجد، وقال: ما أنا ~~ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه، ففعل ذلك، وهو جالس. # وخرج المهدي يطوف بالبيت ليلا، فسمع أعرابية تقول: قومي مقترون، نبت عنهم ~~العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون، بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثرت ~~عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله، ووصية الرسول، فهل من آمر لي ~~بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله! قال: فأمر لها بخمسمائة درهم. # وقال المهدي: ما توسل أحد إلي بوسيلة هي أقرب من تذكيري يدا سلفت مني ~~إليه أتبعها أختها، وأحسن ربها، فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل. # وكان بشار بن برد قد هجا صالح بن داود، أخا يعقوب، حين ولي، فقال: # هم حملوا فوق المنابر صالحا ... أخاك فضجت من أخيك المنابر # فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي فقال له: إن هذا الأعمى المشرك قد هجا ~~أمير المؤمنين، قال: وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده. فأبى ~~أن يعفيه، فأنشده: # خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان # أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران. # فوجه في حمله، فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه ms2105 فيعفو عنه، فوجه ~~إليه من يلقيه في البطيحة في الخرارة. # وماتت الياقوتة بنت المهدي، وكان معجبا بها لا يطيق الصبر عنها، حتى إنه ~~كان # PageV05P257 # يلبسها لبسة الغلمان، ويركبها معه، فلما ماتت وجد عليها، وأمر أن لا يحجب ~~عنه أحد، فدخل الناس يعزونه. # وأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية شبيب بن شيبة، ~~فإنه قال: يا أمير المؤمنين! ما عند الله خير لها منك، وثواب الله خير لك ~~منها، وأنا أسأل الله أن لا يحزنك، ولا يفتنك، وأن يعطيك على ما رزئت أجرا، ~~ويعقبك صبرا، ولا يجهد لك بلاء، ولا ينزع منك نعمة، وأحق ما صبر عليه ما لا ~~سبيل إلى رده. # ذكر خلافة الهادي # وبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهو مقيم بجرجان، ~~يحارب أهل طبرستان، ولما توفي المهدي كان الرشيد معه بماسبذان، فأتاه ~~الموالي والقواد، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، ~~والرأي أن تنادي فيهم بالرجوع، حتى تواريه ببغداذ. # فقال هارون: ادعو إلي أبي يحيى بن خالد، وكان يحيى يتولى ما كان إلى ~~الرشيد من أعمال المغرب، من الأنبار إلى إفريقية، فاستدعي يحيى إلى الرشيد، ~~فقال: ما تقول فيما رأى هؤلاء؟ وأخبره الخبر. قال: لا أرى ذلك، لأن هذا لا ~~يخفى، ولا آمن إذا علم الجند، أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخلي حتى ~~نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكموا ويشتطوا ولكني أرى أن يوارى، رحمه الله، ~~هاهنا وتوجه نصيرا إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب، والتعزية، ~~والتهنئة، فإن الناس لا ينكرون خروجه، إذ هو على بريد الناحية، وأن تأمر ~~لمن تبعك من الجند بجوائز مائتين، وتنادي فيهم بالرجوع فلا تكون لهم همة ~~سوى أهلهم. # ففعل ذلك، فلما قبض الجند الدراهم تنادوا: بغداذ بغداذ! وأسرعوا إليها، ~~فلما بلغوها وعلموا خبر المهدي أتوا باب الربيع، وأحرقوه، وأخرجوا من كان ~~في الحبوس، وطالبوا بالأرزاق. # فلما قدم الرشيد بغداذ أرسلت الخيزران إلى ربيع وإلى يحيى بن خالد ~~تستدعيهما لتشاورهما في ذلك، فأما ms2106 الربيع فدخل عليها، وأما يحيى فامتنع لما ~~يعلم من غيرة # PageV05P258 # الهادي، وجمع الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكتوا. # وكتب الهادي إلى الربيع كتابا يتهدده بالقتل، وكتب إلى يحيى يشكره، ~~ويأمره بأن يقوم بأمر الرشيد. # وكان الربيع يود يحيى ويثق به. فاستشاره فيما يفعل خوفا من الهادي فأشار ~~عليه بأن يرسل ولده الفضل إلى طريق الهادي بالهدايا والتحف، ويعتذر، ففعل، ~~ورضي الهادي عنه. # وكان الربيع قد أوصى إلى يحيى بن خالد. وأخذت البيعة للهادي ببغداذ وكتب ~~الرشيد إلى الآفاق بوفاة المهدي، وأخذ البيعة للهادي، وسار نصير الوصيف إلى ~~الهادي بجرجان، فعلم بوفاة المهدي والبيعة له، فنادى بالرحيل وركب على ~~البريد مجدا، فبلغ في عشرين يوما، ولما قدمها استوزر الربيع. # وفي هذه السنة أيضا هلك الربيع. # وفيها اشتد طلب المهدي للزنادقة، فقتل منهم جماعة علي بن يقطين، وقتل ~~أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب. # وكان سبب قتله أنه أتي به إلى المهدي، فأقر بالزندقة، فقال: لو كان ما ~~تقول حقا لكنت حقيقا أن تتعصب لمحمد، ولولا محمد [من] كنت! أما والله لولا ~~أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشميا لقتلتك. # ثم قال للهادي: أقسمت إن وليت هذا الأمر لتقتلنه! ثم حبسه، فلما مات ~~المهدي قتله الهادي، وكذلك أيضا كان عهد إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد ~~الله بن عباس كان زنديقا، فمات في الحبس قبل المهدي. # ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من ~~أبيها، # PageV05P259 # فخوفت، فماتت من الفزع. # ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسن # وفي هذه السنة ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~بالمدينة، وهو المقتول بفخ عند مكة. # وكان سبب ذلك أن الهادي استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب، فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد ~~الله بن الحسن، ومسلم بن جندب، الشاعر ms2107 الهذلي، وعمر بن سلام، مولى آل عمر، ~~على شراب لهم فأمر بهم، فضربوا جميعا، وجعل في أعناقهم حبال، وطيف بهم في ~~المدينة. # فجاء الحسين بن علي إلى العمري وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم ~~لأن أهل العراق لا يرون به بأسا، فلم تطوف بهم؟ فأمر بهم فردوا، وحبسهم. # ثم إن الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله بن الحسن، كفلا الحسن بن محمد، ~~فأخرجه العمري من الحبس، وكان قد ضمن بعض آل أبي طالب بعضا، وكانوا يعرضون، ~~فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر الحسين بن علي ويحيى بن عبد ~~الله، وسألهما عنه، وأغلظ لهما، فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به، أو ~~يدق عليه باب داره حتى يعلم أنه جاءه به. # فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد ~~حسنا؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه. فقال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب ~~داره بالسيف. فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من ~~الميعاد. # وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى وبمكة في الموسم، فقال يحيى: قد ~~كان ذلك، فانطلقا وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ~~ضرب على العمري باب داره، فلم يجده، وجاءوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح، ~~فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس، فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه ~~للمرتضى من آل محمد، وجاء خالد البريدي في مائتين من الجند، وجاء العمري، ~~ووزير بن إسحاق الأزرق، ومحمد بن واقد الشروي، ومعه ناس كثير، فدنا خالد ~~منهم، فقام إليه يحيى # PageV05P260 # وإدريس ابنا عبد الله بن الحسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار له ~~إدريس من خلفه، فضربه فصرعه، ثم قتلاه، فانهزم أصحابه، ودخل العمري في ~~المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين، فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال، ~~وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفا، وتفرق الناس وأغلق أهل ~~المدينة أبوابهم. # فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة ms2108 بني العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في ~~الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، ثم إن مباركا التركي أتى شيعة ~~بني العباس من الغد، وكان قدم حاجا، فقاتل معهم، فاقتتلوا أشد قتال إلى ~~منتصف النهار. # ثم تفرقوا، ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد، وواعد مبارك الناس الرواح إلى ~~القتال، فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا ~~شيئا من قتال إلى المغرب، ثم تفرقوا. # وقيل إن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له: والله لأن أسقط من السماء ~~فتخطفني الطير أيسر علي من أن تشوكك شوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، وكان لا ~~بد من الإعذار، فتبيتني، فإني منهزم عنك، فوجه إليه الحسن، وخرج إليه في ~~نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا، فانهزم هو وأصحابه. # وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهزون، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما، ~~ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا ~~فيه العظام التي كانوا يأكلون، (وآثارهم فدعوا) عليهم. # ولما فارق المدينة قال: يا أهل المدينة! لا خلف الله عليكم بخير. فقالوا: ~~بل أنت لا خلف الله عليك ولا ردك علينا! وكان أصحابه يحدثون في المسجد، ~~فغسله أهل المدينة. # ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي: أيما عبد أتانا فهو حر. فأتاه العبيد. ~~فانتهى الخبر إلى الهادي، وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم: ~~سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وموسى ~~وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بتوليته على ~~الحرب، وكان قد # PageV05P261 # سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وكانوا قد ~~أحرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طافوا وسعوا، وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي ~~طوى، وانضم إليه من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم. # ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل منهم، وجرح، ~~وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون ما حال الحسين، فلما ~~بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل ms2109 خراسان يقول: البشرى، البشرى، هذا رأس ~~الحسين فأخرجه، وبجبهته ضربة طولى، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا ~~الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله، أبو الزفت، فوقف خلف محمد بن ~~سليمان، والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى، وعبد الله بن العباس بن ~~محمد، فقتلاه. # فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا، وأخذ رءوس القتلى، فكانت مائة رأس ~~ونيفا، وفيها رأس [الحسن بن محمد] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي. # وأخذت أخت الحسين، فتركت عند زينب بنت سليمان، واختلط المنهزمون بالحاج، ~~وأتي الهادي (بستة أسرى) ، فقتل بعضهم، واستبقى بعضهم، وغضب على موسى بن ~~عيسى كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله، فلم تزل بيده حتى مات، وغضب على ~~مبارك التركي، وأخذ ماله، وجعله سائس الدواب، فبقي كذلك حتى مات الهادي. # [بدء الأسرة الإدريسية بالمغرب] وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، ~~وكان شيعيا لعلي، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة، بمدينة ~~وليلة، فاستجاب له من بها من البربر. فضرب الهادي عنق واضح وصلبه. # وقيل: إن الرشيد هو الذي قتله. وإن الرشيد دس على إدريس الشماخ اليمامي، # PageV05P262 # مولى المهدي، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم، وعظمه، وآثره على نفسه، فمال ~~إليه إدريس، وأنزله عنده. # ثم إن إدريس شكا إليه مرضا في أسنانه، فوصف له دواء، وجعل فيه سما، وأمره ~~أن يستن به عند طلوع الفجر، فأخذه منه، وهرب الشماخ، ثم استعمل إدريس ~~الدواء، فمات منه، فولى الرشيد الشماخ بريد مصر. # ولما مات إدريس بن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس وأعقب بها، ~~وملكوها، ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # وحملت الرءوس إلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين بين يدي الهادي قال: كأنكم ~~قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم، ~~فلم يعطهم شيئا. # وكان الحسين ms2110 شجاعا، كريما، قدم على المهدي، فأعطاه أربعين ألف دينار، ~~ففرقها في الناس ببغداذ والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ~~ليس تحته قميص. # ذكر عدة حوادث # وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم قبل ~~ذلك جاءوا مع بطريقهم إلى الحدث، فهرب الوالي وأهل السوق، فدخلها الروم، ~~فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة، فغنم وسبى. # وحج بالناس هذه السنة سليمان بن منصور. # PageV05P263 # وكان على المدينة: عمر بن عبد العزيز العمري، وعلى مكة والطائف: عبيد ~~الله بن قثم، وعلى اليمن: إبراهيم بن سلم بن قتيبة، وعلى اليمامة والبحرين: ~~سويد بن أبي سويد القائد الخراساني، وعلى عمان: الحسن بن نسيم الحواري، ~~وعلى الكوفة موسى بن عيسى. # وعلى البصرة: محمد بن سليمان، وعلى جرجان: الحجاج مولى الهادي، وعلى ~~قومس: زياد بن حسان، وعلى طبرستان والرويان: صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي، ~~(وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي) ، وعلى الموصل: هاشم بن سعيد بن خالد، ~~فأساء السيرة في أهلها، فعزله الهادي وولاها عبد الملك بن صالح الهاشمي. # وفيها خرج بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي، وعلى خراجها المنصور بن زياد، ~~فسير جيشا إلى الخارجي، فالتقوا بباعربايا، من بلد الموصل، فهزمهم الخارجي ~~وغنم أموالهم، وقوي أمره، فأتى رجلان، وصحباه، ثم اغتالاه فقتلاه. # [الوفيات] # وفيها مات مطيع بن إياس الليثي الكناني الشاعر، وأبو عبيد الله معاوية ~~(بن عبيد الله) بن بشار الأشعري، مولاهم، وكان وزير المهدي، وقيل مات سنة ~~سبعين ومائة. # وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقرئ صاحب القراءة، أحد ~~القراء السبعة، والربيع بن يونس، حاجب المنصور، مولاه. # PageV05P264 ### | [ثم دخلت سنة سبعين ومائة] ### | 170 - # ثم دخلت سنة سبعين ومائة # ذكر ما جرى للهادي في خلع الرشيد # كان الهادي قد جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، وكان السبب في ذلك ~~أن الهادي لما عزم على خلعه ذكره لقواده، فأجابه إليه يزيد بن مزيد ~~الشيباني، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى وغيرهم. # فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر، ووضعوا ms2111 الشيعة، فتكلموا في ذلك، وتنقصوا ~~بالرشيد في مجلس الجماعة، وقالوا لا نرضى به، وصعب أمرهم، وأمر الهادي أن ~~لا يسار بين يدي هارون بالحربة، فاجتنبه الناس، وتركوا السلام عليه. # وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي، فقيل للهادي: ~~ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده، فبعث إليه، وتهدده، ورماه بالكفر، ~~ثم إنه استدعاه ليلة، فخاف، وأوصى، وتحنط، وحضر عنده فقال له: يا يحيى! ما ~~لي ولك؟ قال: ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته؟ ! . # قال: لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟ قال: من أنا حتى أدخل بينكما؟ ~~إنما صيرني المهدي معه، ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره، فانتهيت إلى أمرك. ~~فسكن غضبه. # وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع، فمنعه يحيى عنه. فلما أحضره الهادي، وقال ~~له في ذلك، قال يحيى: يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان ~~هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده، كان ~~ذلك أوكد للبيعة، قال: صدقت، وسكت عنه. # فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة، فحملوه على معاودة الرشيد ~~بالخلع، فأحضر يحيى وحبسه، فكتب إليه: إن عندي نصيحة، فأحضره، فقال له: يا ~~أمير # PageV05P265 # المؤمنين أرأيت إن كان الأمر لا تبلغه، ونسأل الله أن يقدمنا قبله، يعني ~~موت الهادي، أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحنث، أو يرضون ~~به لصلاتهم، وحجهم، وغزوهم؟ ! قال: ما أظن ذلك. # قال: يا أمير المؤمنين، أفنأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك، مثل فلان، ~~ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ والله لو أن هذا الأمر لم يعقده ~~المهدي لأخيك، لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده ~~المهدي له ولكني أرى أن تقر الأمر على حاله، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد، ~~فخلع نفسه له وبايعه. فقبل قوله، وقال: نبهتني على أمر لم أتنبه له. ~~وأطلقه. # ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه، فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك، ~~وضيق عليه، فقال ms2112 له يحيى: استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد، ودافع الأيام ~~ففعل ذلك وأذن له، فمضى إلى قصر بني مقاتل، فأقام [به] أربعين يوما، فأنكر ~~الهادي أمره، وخافه، فكتب إليه بالعود، فتعلل عليه، فأظهر الهادي شتمه، ~~وبسط مواليه وقواده فيه ألسنتهم، فلما طال الأمر عاد الرشيد. # وقد كان الهادي في أول خلافته جلس، وعنده نفر من قواده، وعنده الرشيد، ~~وهو ينظر إليه، ثم قال له: يا هارون كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيا، ~~ودون ذلك خرط القتاد. # فقال له هارون: يا موسى إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت ~~قتلت، وإن أنصفت سلمت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي، فأنصف من ظلمت، وأصل ~~من قطعت، وأجعل أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حق ~~الإمام المهدي. # فقال له الهادي: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا منه، وقبل يده، ~~ثم أراد العود إلى مكانه، فقال: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل، أعني ~~المنصور، لا جلست إلا معي، فأجلسه في صدر مجلسه، ثم أمر أن يحمل إليه ألف ~~ألف دينار، وأن يحمل إليه نصف الخراج. # وقال لإبراهيم الحراني: اعرض عليه ما في الخزائن من مالنا، # PageV05P266 # وما أخذ من أهل بيت اللعنة، يعني بني أمية، فليأخذ منه ما أراد. ففعل ~~ذلك. فقام عنه. # وسئل الرشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى ~~موسى وإلى هارون قضيبا، فأورق من قضيب موسى أعلاه، وأورق قضيب هارون من ~~أوله إلى آخره، فعبرت لهما أنهما يملكان معا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما ~~هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر، ~~فكان كذلك. # وذكر أن الهادي خرج إلى حديثة الموصل، فمرض بها، واشتد مرضه، وانصرف، ~~وكتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه، فلما ثقل أجمع القواد الذين ~~كانوا بايعوا جعفرا، وتوامروا في قتل يحيى بن خالد، وقالوا: إن صار الأمر ~~إليه قتلنا، وعزموا على ذلك، ثم قالوا: لعل الهادي يفيق، فما ms2113 عذرنا عنده؟ ~~فأمسكوا. # ولما اشتد مرض الهادي أرسلت الخيزران إلى يحيى تأمره بالاستعداد، فأحضر ~~يحيى كتابا فكتبوا الكتب من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي، وأنه قد ولاهم ~~ما كان ويكون فلما مات الهادي سيرت الكتب. # وقيل إن يحيى كان محبوسا. وكان الهادي قد عزم على قتله تلك الليلة، وإن ~~هرثمة بن أعين هو [الذي] أقعد الرشيد، على ما سنذكره. # ولما مات الهادي قالت الخيزران: قد كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة ~~خليفة، ويملك خليفة، ويولد خليفة، فمات الهادي، وولي الرشيد، وولد المأمون. ~~وكانت الخيزران قد أخذت العلم من الأوزاعي، وكان موت الهادي بعيساباذ. # ذكر وفاة الهادي # وفي هذه السنة توفي الهادي (موسى ابن المهدي محمد ابن المنصور عبد الله ~~بن # PageV05P267 # محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ربيع الأول. # واختلف في سبب وفاته، فقيل كان سببها قرحة كانت في جوفه، وقيل مرض بحديثة ~~الموصل، وعاد مريضا فتوفي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وقيل إن وفاته كانت من قبل جوار لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله، وكان ~~سبب أمرها بذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه، وتسلك به ~~مسلك المهدي، حتى مضى أربعة أشهر. # فانثال الناس إلى بابها، وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابها، فكلمته ~~يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا، فقالت: لابد من إجابتي إليه، فإنني ~~قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. # فغضب الهادي، وقال: ويلي على ابن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها، والله لا ~~قضيتها لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا، قال: لا أبالي والله، ~~وغضبت فقامت مغضبة، فقال مكانك والله، وإلا أنا نفي من قرابتي من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي، وخاصتي لأضربن عنقه، ولأقبضن ~~ماله. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك؟ أما لك مغزل يشغلك، أو ~~مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك! وإياك! لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي. ~~فانصرفت وهي لا تعقل، ms2114 فلم تنطق عنده بعدها. # ثم إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم، وأمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل ~~أنت وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقال: فعلت أم ~~فلان، وصنعت؟ قالوا: لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي، فتتحدثون ~~بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها. # ثم بعث بأرز، وقال: قد استطبتها، فكلي منها. فقيل لها: أمسكي حتى تنظري! ~~فجاءوا بكلب، فأطعموه، فسقط لحمه لوقته، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز؟ قالت: ~~طيبا. قال: ما أكلت منها، ولو أكلت منها، لاسترحت منك، متى أفلح خليفة له ~~أم! # وقيل: كان سبب أمرها بذلك أن الهادي لما جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه ~~جعفر خافت الخيزران على الرشيد، فوضعت جواريها عليه لما مرض، فقتلنه بالغم ~~والجلوس على وجهه، فمات، فأرسلت إلى يحيى بن خالد تعلمه بموته. # PageV05P268 # ذكر وفاته ومبلغ سنه وصفته وأولاده. # كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول، وقيل لأربع عشرة خلت من ~~ربيع الأول، وقيل لست عشرة منه، وقيل كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وقيل ~~كانت أربعة عشر شهرا، عمره ستا وعشرين سنة، وقيل ثلاثا وعشرين سنة، وصلى ~~عليه الرشيد. # وكانت كنيته أبا محمد، وأمه الخيزران، أم ولد، ودفن بعيساباذ الكبرى في ~~بستانه. # وكان طويلا، جسيما، أبيض، مشربا حمرة، وكان بشفته العليا نقص وتقلص. # وكان المهدي قد وكل به خادما يقول له: موسى أطبق، فيضم شفته، فلقب: موسى ~~أطبق. # وكان له من الأولاد تسعة: سبعة ذكور، وابنتان، فمن الذكور جعفر، وهو الذي ~~كان يريد البيعة له، والعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى ~~بن موسى الأعمى، كلهم لأمهات أولاد والابنتان أم عيسى كانت عند المأمون، ~~(وأم العباس) وكانت تلقب نونة. # ذكر بعض سيرته # تأخر الهادي عن المظالم ثلاثة أيام، فقال له الحراني: يا أمير المؤمنين! ~~إن العامة لا تحتمل هذا. فقال لعلي بن صالح: إيذن للناس علي بالجفلى، لا ~~بالنقرى. # فخرج من عنده ولم يفهم قوله، ولم يجسر على مراجعته، فأحضر أعرابيا، فسأله ~~عن ذلك، فقال: ms2115 الجفلى أن تأذن لعامة الناس، فأذن لهم فدخل الناس عن آخرهم، ~~ونظر في # PageV05P269 # أمورهم إلى الليل، فلما تقوض المجلس قال له علي بن صالح ما جرى له، وسأله ~~مجازاة الأعرابي، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال علي: يا أمير المؤمنين! إنه ~~أعرابي، ويغنيه عشرة آلاف. فقال: يا علي أجود أنا، وتبخل أنت! . # وقيل: خرج يوما إلى عيادة أمه الخيزران، وكانت مريضة، فقال له عمر بن ~~الربيع: يا أمير المؤمنين! ألا أدلك على ما هو أنفع لك من هذا؟ تنظر في ~~المظالم. فرجع إلى دار المظالم، وأذن للناس، وأرسل إلى أمه يتعرف أخبارها. # وقيل: كان عبد الله بن مالك يتولى شرطة المهدي، قال: فكان المهدي يأمرني ~~بضرب ندماء الهادي ومغنيه، وحبسهم صيانة له عنهم، فكنت أفعل وكان الهادي ~~يرسل إلي بالتخفيف عنهم، ولا أفعل، فلما ولي الهادي أيقنت بالتلف، استحضرني ~~يوما، فدخلت إليه متحنطا متكفنا وهو على كرسي، والسيف والنطع بين يديه، ~~فسلمت، فقال: لا سلم الله عليك! أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وضربه، ~~فلم تجبني، وفي فلان وفلان، فعدد ندماءه، فلم تلتفت إلى قولي. قلت: نعم! ~~أفتأذن في ذكر الحجة؟ قال: نعم. قلت: نشدتك الله أيسرك أنك وليتني ما ولاني ~~المهدي، وأمرتني بما أمر، فبعث إلي بعض بنيك بما يخالف أمرك، فاتبعت أمره ~~وخالفت أمرك؟ قال: لا! قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. # فاستدناني، فقبلت يده، ثم أمر لي بالخلع، وقال: وليتك ما كنت تتولاه، ~~فامض راشدا! فصرت إلى منزلي مفكرا في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم ~~الذي عصيته في أمرهم ندماؤه، ووزراؤه، وكتابه. # فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوه عن رأيه. قال: فإني لجالس، ~~وعندي بينة لي، والكانون بين يدي، ورقاق أشطره بكامخ، وأسخنه، وأطعم ~~الصبية، وآكل، وإذا بوقع الحوافر، فظننت أن الدنيا قد زلزلت لوقعها، ولكثرة ~~الضوضاء، فقلت: هذا ما كنت أخافه. # وإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا الهادي في وسطهم على ~~دابته، فلما رأيته وثبت، فقبلت يده ورجله، ms2116 وحافر دابته، فقال لي: يا أبا ~~عبد الله! إني فكرت في أمرك، فقلت يسبق إلى وهمك أنني إذا شربت وحولي ~~أعداؤك، أزالوا حسن رأيي فيك، فيقلقك ذلك، فصرت إلى منزلك لأونسك. # وأعلمك أن ما كان عندي لك من # PageV05P270 # الحقد قد زال، فهات وأطعمني مما كنت تأكل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك، ~~فيزول خوفك. # فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ، فأكل، ثم قال: هاتوا الزلة التي ~~أزللتها لعبد الله من مجلسي، فأدخلت إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها، ~~فقال: هذه لك، فاستعن بها على أمرك، واحفظ هذه البغال عندك لعلي أحتاج ~~إليها لبعض أسفاري، ثم انصرف. # قيل: وكان يعقوب بن داود يقول: ما لعربي ولا لعجمي عندك ما لعلي بن عيسى ~~بن ماهان، فإنه دخل إلي الحبس، وقال لي: أمرني أمير المؤمنين الهادي أن ~~أضربك مائة سوط، فأقبل يضع السوط على يدي ومنكبي يمسني به مسا إلى أن عد ~~مائة سوط، ثم خرج، فقال له الهادي: ما صنعت به؟ قال: صنعت الذي أمرتني به، ~~وقد مات الرجل. # فقال الهادي: إنا لله وإنا إليه راجعون، فضحتني، والله عند الناس، ~~يقولون: قتل يعقوب بن داود، فلما رأى شدة جزعه قال: هو والله حي يا أمير ~~المؤمنين. قال: الحمد لله على ذلك. # وقيل: كان إبراهيم بن سلم بن قتيبة من الهادي بمنزلة عظيمة، فمات له ولد، ~~فأتاه الهادي يعزيه، فقال له: يا إبراهيم! سرك وهو عدو وفتنة، وحزنك وهو ~~صلاة ورحمة؟ . فقال: يا أمير المؤمنين! ما بقي مني جزء فيه حزن، إلا وقد ~~امتلأ عزاء. # فلما مات إبراهيم صارت منزلته لسعيد بن سلم. # قيل: كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي يلقب ~~الجزري، قد تزوج رقية بنت عمرو العثمانية، وكانت قبله تحت المهدي، فبلغ ذلك ~~الهادي، فأرسل إليه، وحمل إليه، وقال له: أعياك النساء إلا امرأة أمير ~~المؤمنين؟ # قال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي - صلى الله عليه وسلم - فأما ~~غيرهن فلا، ولا كرامة، فشجه ms2117 بمخصرة كانت في يده، وجلده خمسمائة سوط، وأراده ~~أن يطلقها، فلم يفعل، وكان قد غشي عليه من الضرب. # وكان في يده خاتم نفيس، فأهوى بعض الخدم على الخاتم ليأخذه، فقبض على يده ~~فدقها، فصاح، فأتى الهادي، فأراه يده، فغضب، وقال: تفعل هذا بخادمي على ~~استخفافك بأبي وقولك لي ما قلت؟ قال: سله، واستحلفه أن يصدقك، ففعل. فأخبره ~~الخادم وصدقه، فقال: أحسن والله، أشهد أنه ابن عمي، ولو لم يفعل # PageV05P271 # ذلك لانتفيت منه، وأمر بإطلاقه. # قيل: وكان المهدي قد قال للهادي يوما، وقد قدم إليه زنديق، فقتله وأمر ~~بصلبه: يا بني، إذا صار الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة، يعني أصحاب ماني، ~~فإنها تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش، والزهد في الدنيا، والعمل ~~للآخرة. # ثم تخرجها من هذا إلى تحريم اللحوم، ومس الماء الطهور، وترك قتل الهوام ~~تحرجا، ثم تخرجها إلى عبادة اثنين: أحدهما النور، والآخر الظلمة، ثم تبيح ~~بعد هذا نكاح الأخوات والبنات، والاغتسال بالبول، وسرقة الأطفال من الطرق، ~~لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور. # فارفع فيها الخشب، (وجرد السيف فيها، وتقرب بأمرها إلى الله، فإني رأيت ~~جدي العباس، رضي الله عنه) ، في المنام قلدني سيفين لقتل أصحاب الاثنين. # فلما ولي الهادي قال: لأقتلن هذه الفرقة. وأمر أن يهيأ له ألف جذع فمات ~~بعد هذا القول بشهرين. # قيل: وكان عيسى بن دأب من أكثر أهل الحجاز أدبا، وأعذبهم ألفاظا، وكان قد ~~حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد قبله، وكان يدعو له بما يتكئ عليه في ~~مجلسه، وما كان يفعل ذلك بغيره. # وكان يقول له: ما استطلت بك يوما ولا ليلا، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت أن ~~لا أرى غيرك، وأمر له بثلاثين ألف دينار في دفعة واحدة، فلما أصبح ابن دأب ~~أرسل قهرمانة إلى الحاجب في قبضها، فقال الحاجب: هذا ليس إلي، فانطلق إلى ~~صاحب التوقيع، وإلى الديوان، فعاد إلى ابن دأب فأخبره، فقال: اتركها. # فبينما الهادي في مستشرف له ببغداذ رأى ابن دأب وليس معه إلا ms2118 غلام واحد، ~~فقال للحراني: ألا ترى ابن دأب ما غير حاله، وقد وصلناه ليرى أثرنا عليه؟ ~~فقال: إن أمرتني عرضت له بالحال. فقال: لا، هو أعلم بحاله. # ودخل ابن دأب، وأخذ في حديثه، فعرض الهادي بشيء وقال: أرى ثوبك غسيلا، ~~وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد. فقال: باعي قصير فقال: وكيف، وقد صرفنا ~~إليك ما فيه صلاح شأنك؟ فقال: ما وصل إلي شيء فدعا صاحب بيت مال الخاصة ~~فقال: عجل الساعة ثلاثين ألف دينار # PageV05P272 # فأحضرت وحملت بين يديه. # ذكر خلافة الرشيد بن المهدي. # وفي هذه السنة بويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن ~~عبد الله بن عباس بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي، وكان عمره، حين ~~ولي، اثنتين وعشرين سنة. # وأمه الخيزران أم ولد، يمانية، جرشية. # وكان مولده بالري في آخر ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: ولد ~~مستهل محرم سنة تسع وأربعين. وكان مولد الفضل بن يحيى البرمكي قبله بسبعة ~~أيام، وأرضعت أم ابن يحيى الرشيد، وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد. # ولما مات الهادي كان يحيى بن خالد البرمكي محبوسا، في قول بعضهم، وكان ~~الهادي عازما على قتله، فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد فأخرجه وأجلسه ~~للخلافة، فأرسل الرشيد إلى يحيى، فأخرجه من الحبس، واستوزره وأمر بإنشاء ~~الكتب إلى الأطراف بجلوسه للخلافة وموت الهادي. # وقيل: لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد، وهو نائم في فراشه ~~فقال له: قم يا أمير المؤمنين فقال: كم تروعني إعجابا منك بخلافتي، فكيف ~~يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا؟ فأعلمه بموته، وأعطاه خاتمه، فبينما هو ~~يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشره بمولود فسماه عبد الله، وهو المأمون، ولبس ~~ثيابه وخرج، فصلى على الهادي بعيساباذ، وقتل أبا عصمة وسار إلى بغداذ. # وكان سبب قتل أبي عصمة أن الرشيد كان سائرا هو وجعفر بن الهادي، فبلغا ~~قنطرة من قناطر عيساباذ، فقال له أبو عصمة: مكانك حتى يجوز ولي العهد فقال ~~الرشيد: السمع والطاعة للأمير ms2119 ووقف حتى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتله. # ولما وصل الرشيد إلى بغداذ، وبلغ الجسر، ودعا الغواصين، وقال كان المهدي ~~قد وهب لي خاتما مائة ألف دينار، يسمى الجبل، فأتاني رسول الهادي يطلب # PageV05P273 # الخاتم وأنا هاهنا، فألقيته في الماء، فغاصوا عليه وأخرجوه، فسر به. # ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه ~~من فراشه، وقال له: لتخلعنها أو لأضربن عنقك، فأجاب إلى الخلع، وركب من ~~الغد خزيمة،، وأظهر جعفرا للناس فأشهدهم بالخلع، وأحل الناس من بيعتهم، ~~فحظي بها خزيمة. # ذكر عدة حوادث # وفيها ولد الأمين، واسمه محمد، في شوال، فكان المأمون أكبر منه وفيها ~~استوزر الرشيد يحيى بن خالد، وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، فاحكم فيها بما ~~ترى، واعزل من رأيت، واستعمل من رأيت. ودفع إليه خاتمه، فقال إبراهيم ~~الموصلي في ذلك: # ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها # بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها # وكان يحيى يصد عن رأي الخيزران أم الرشيد. # وفيها توفي يزيد بن حاتم المهلبي، والي إفريقية، واستخلف عليها ابنه ~~داود، وانتقضت جبال باجة، وخرج فيها الإباضية فسير إليهم داود جيشا، فظفر ~~بهم الإباضية، وهزموهم، فجهز إليهم جيشا آخر، فهزمت الإباضية، فتبعهم ~~الجيش، فقتلوا منهم، فأكثروا. # وبقي داود أميرا إلى أن استعمل الرشيد عمه روح بن حاتم المهلبي أميرا على ~~إفريقية، وكانت إمارة داود تسعة أشهر. # PageV05P274 # وفيها عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة، على ساكنها ~~السلام، واستعمل عليها إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. # وفيها ظهر من كان مستخفيا، منهم طباطبا العلوي، وهو إبراهيم بن إسماعيل، ~~(وعلي) بن الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وبقي نفر من الزنادقة ~~لم يظهروا، منهم: يونس بن فروة، ويزيد بن الفيض. # وفيها عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا، ~~وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. # وحج بالناس ms2120 الرشيد، وقسم بالحرمين عطاء كثيرا، وقيل إنه غزا الصائفة ~~بنفسه، وغزا الصائفة سليمان بن عبد الله البكائي. # وكان على مكة والطائف: عبد الله بن قثم، وعلى الكوفة: موسى بن عيسى وعلى ~~البصرة والبحرين واليمامة وعمان والأهواز وفارس: محمد بن سليمان بن علي، ~~وكان على خراسان: الفضل بن سليمان الطوسي، وعلى الموصل: عبد الملك. # PageV05P275 # وفيها أوقع عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ببرابر نفزة، فأذلهم، وقتل ~~فيهم. # وفيها أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة، وكان موضعه كنيسة وأخرج عليه ~~مائة ألف دينار. # PageV05P276 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة] ### | 171 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة # ذكر وفاة عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس # وفيها مات عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، صاحب الأندلس، في ~~ربيع الآخر، وقيل سنة اثنتين وسبعين (ومائة، وهو أصح) . # وكان مولده بأرض دمشق، وقيل بالعلياء من ناحية تدمر، سنة ثلاث عشرة ~~ومائة، وكان موته بقرطبة. # وصلى عليه ابنه عبد الله، وكان عهد إلى ابنه هشام، وكان هشام بمدينة ~~ماردة واليا عليها، وكان ابنه سليمان بن عبد الرحمن، وهو الأكبر، بطليطلة ~~واليا عليها، فلم يحضرا موت أبيهما، وحضره عبد الله المعروف بالبلنسي، وأخذ ~~البيعة لأخيه هشام، وكتب إليه بنعي أبيه وبالإمارة، فسار إلى قرطبة. # وكانت دولة عبد الرحمن ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا، وكانت كنيته أبا ~~المطرف، وقيل: أبا سليمان، وقيل: أبا زيد، وكان له من الولد: أحد عشر ذكرا، ~~وتسع بنات، وكانت أمه بربرية من سبي إفريقية. # وكان أصهب، خفيف العارضين، طويل القامة، نحيف الجسم، أعور له ضفيرتان. # وكان فصيحا لسنا، شاعرا، حليما، عالما حازما، سريع النهضة في طلب ~~الخارجين عليه، لا يخلد إلى راحة، (ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى ~~غيره، ولا # PageV05P277 # ينفرد في الأمور برأيه، شجاعا مقداما بعيد الغور) ، شديد الحذر، سخيا، ~~جوادا، يكثر لبس البياض، وكان يقاس بالمنصور في حزمه وشدته، وضبط المملكة. # (وبنى الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام، ولما ~~سكنها رأى فيها نخلة منفردة، فقال: # تبدت لنا ms2121 وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت: شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي # سقتك غوادي المزن من صوبها الذي ... يسح ويستمري السماكين بالوبل # وقصده بنو أمية من المشرق، فمن المشهورين: عبد الملك بن عمر بن مروان، ~~وهو قعدد بني أمية، وهو الذي كان سبب قطع الدعوة العباسية بالأندلس، على ما ~~تقدم، وكان معه أحد عشر ولدا له) . # ذكر إمارة ابنه هشام # كان عبد الرحمن قد عهد إلى ابنه هشام، ولم يكن أكبر ولده، فإن سليمان كان ~~أكبر منه، وإنما كان يتوسم فيه الشهامة، والاضطلاع بهذا الأمر، فلهذا عهد ~~إليه. # ولما توفي أبوه كان هو بماردة متوليا لها، وناظرا في أمرها، وكان أخوه ~~سليمان، وهو أكبر منه، بمدينة طليطلة، وكان يروم الأمر لنفسه، ويحسد أخاه ~~هشاما على تقديم والده له عليه، وأضمر له الغش والعصيان، وكان أخوه عبد ~~الله المعروف بالبلنسي حاضرا بقرطبة عند والده. # فلما توفي جدد عبد الله البيعة لأخيه هشام، بعد أن صلى على # PageV05P278 # والده، وكتب إلى أخيه هشام يعرفه موت والده، والبيعة له، فسار من ساعته ~~إلى قرطبة، فدخلها في ستة أيام، واستولى على الملك، وخرج عبد الله إلى ~~داره، مظهرا لطاعته، وفي نفسه غير هذا، وسنذكر ما كان منه إن شاء الله ~~تعالى. # ذكر الصحصح الخارجي # وفيها خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة، وكان عليها أبو هريرة فوجه عسكرا إلى ~~الصحصح، فلقوه، فهزمهم، وسار الصحصح إلى الموصل فلقيه عسكرها بباجرمى، فقتل ~~منهم كثيرا، ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، فسير الرشيد إليه جيشا ~~بدورين، فقتلوه، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة. # ذكر قتل روح بن صالح # وفيها استعمل الرشيد على صدقات بني تغلب روح بن صالح الهمداني، وهو من ~~قواد الموصل، فجرى بينه وبين تغلب خلاف، فجمع جمعا، وقصدهم، فبلغهم الخبر، ~~فاجتمعوا، وساروا إلى روح فبيتوه، فقتل هو وجماعة من أصحابه، فسمع حاتم بن ~~صالح، وهو بالسكير، فجمع جمعا كثيرا، ms2122 وسار إلى تغلب، فبيتهم، وقتل منهم ~~خلقا كثيرا، وأسر مثلهم. # وفيها عزل الرشيد عبد الملك بن صالح الهاشمي عن الموصل، واستعمل عليها ~~إسحاق بن محمد. # ذكر استعمال روح بن حاتم على إفريقية # وفيها استعمل الرشيد على إفريقية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي ~~صفرة، لما بلغه وفاة أخيه يزيد بن حاتم بها، على ما ذكرناه، فقدمها في رجب، ~~وكان داود بن يزيد أخيه على إفريقية، فلما وصل عمه روح سار داود إلى ~~الرشيد، فاستعمله. # قال روح: كنت عاملا على فلسطين، فأحضرني الرشيد، فوصلت وقد بلغه موت أخي ~~يزيد، فقال: أحسن الله عزاءك في أخيك، وقد وليتك مكانه لتحفظ صنائعه ~~ومواليه. # PageV05P279 # فسار إليها، ولم تزل البلاد معه آمنة، ساكنة من فتنة، لأن أخاه يزيد كان ~~قد أكثر القتل في الخوارج بإفريقية فذلوا. # ثم توفي روح بالقيروان، ودفن إلى جانب قبر أخيه يزيد، وكانت وفاته في ~~رمضان سنة أربع وسبعين ومائة. # ولما استعمل المنصور يزيد بن حاتم على إفريقية، استعمل أخاه روحا على ~~السند فقيل له: يا أمير المؤمنين لقد باعدت ما بين قبريهما، فتوفي يزيد ~~بالقيروان، ثم وليها روح، فتوفي بها ودفن إلى جانب أخيه يزيد. # وكان روح أشهر بالشرق من يزيد، ويزيد أشهر بالغرب من روح لطول مدة ~~ولايته، وكثرة خروجه فيها والخارجين عليه. # ذكر عدة حوادث # فيها قدم أبو العباس الفضل بن سليمان الطوسي من خراسان، واستعمل الرشيد ~~عليها جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم خراسان سير ابنه العباس إلى كابل، ~~فقاتل أهلها حتى افتتحها، ثم افتتح سانهار، وغنم ما كان بها. # وفيها قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ، وكان على الجزيرة فوجه إليه ~~الرشيد أبا حنيفة حرب بن قيس، فأحضره إلى بغداذ وقتله. # وفيها أمر الرشيد بإخراج الطالبيين من بغداذ إلى مدينة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن [علي بن أبي طالب] . # وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبو خالد المروروذي. # PageV05P280 # وفيها قدم روح بن ms2123 حاتم إفريقية. وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس. # PageV05P281 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة] ### | 172 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة # ذكر خروج سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن على أخيهما هشام # في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائة، وهو الصحيح، خرج سليمان وعبد ~~الله ابنا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، أمير الأندلس، عن طاعة أخيهما ~~هشام بالأندلس، وكان هشام قد ملك بعد أبيه، كما ذكرناه، فلما استقر له ~~الملك كان معه أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، وكان هشام يؤثره ويبره ~~ويقدمه، فلم يرض عبد الله إلا بالمشاركة في أمره. # ثم إنه خاف من أخيه هشام، فمضى هاربا إلى أخيه سليمان، وهو بطليطلة، فلما ~~خرج من قرطبة أرسل هشام جمعا في أثره ليردوه فلم يلحقوه، فجمع هشام عساكره، ~~وسار إلى طليطلة، فحصر أخويه بها، وكان سليمان قد جمع وحشد خلقا كثيرا، ~~فلما حصرهما هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان ~~البلد، وسار هو إلى قرطبة ليملكها، فعلم هشام الحال، فلم يتحرك، ولا فارق ~~طليطلة بل أقام يحصرها. # وسار سليمان، فوصل إلى شقندة، فدخلها، وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين ~~ودافعين عن أنفسهم. # ثم إن هشاما سير في أثره ابنه عميد الملك، في قطعة من الجيش، فلما قاربه ~~مضى سليمان هاربا، فقصد مدينة ماردة، فخرج إليه الوالي بها لهشام، فحاربه، ~~فانهزم سليمان، وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياما محاصرا لها ثم عاد عنها، ~~وقد قطع أشجارها، وسار إلى قرطبة، فأتاه أخوه عبد الله بغير أمان، فأكرمه ~~وأحسن إليه. # فلما دخلت سنة أربع وسبعين سير هشام ابنه معاوية في جيش كثيف إلى تدمير، # PageV05P282 # وبها سليمان، فحاربه، وخربوا أعمال تدمير، ودوخوا أهلها ومن بها، وبلغوا ~~البحر، فخرج سليمان من تدمير هاربا، فلجأ إلى البرابر بناحية بلنسية، ~~فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسلك، فعاد معاوية إلى قرطبة. # ثم إن الحال استقر بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأولاده وأمواله ~~ويفارق الأندلس، وأعطاه ms2124 هشام ستين ألف دينار مصالحة عن تركة أبيه عبد ~~الرحمن، فسار إلى بلد البرابر فأقام به. # ذكر خروج جماعة على هشام أيضا # وفيها خرج بالأندلس أيضا سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت، من ~~أقاليم طرطوشة، في شرق الأندلس، وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه، كما ~~تقدم، ودعا إلى اليمانية، وتعصب لهم، فاجتمع له خلق كثير، وملك مدينة ~~طرطوشة، وأخرج عامله يوسف القيسي، فعارضه موسى بن فرتون، وقام بدعوة هشام، ~~ووافقته مضر، (فاقتتلا، فانهزم سعيد وقتل وسار موسى إلى سرقسطة فملكها، ~~فخرج عليه مولى للحسين بن يحيى اسمه جحدر في جمع كثير فقاتله وقتل موسى) . # وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، ~~فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقة، وتغلب على تلك الناحية، وقوي أمره، وكان ~~هشام مشغولا بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله. # ذكر عدة حوادث # وفيها عزل الرشيد إسحاق بن محمد عن الموصل، واستعمل سعيد بن سلم الباهلي، ~~وعزل الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة، وهو ابن أخي معن بن زائدة، عن أرمينية، ~~واستعمل عليها أخاه عبيد الله بن المهدي. # PageV05P283 # وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي. # وفيها وضع الرشيد على أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. # وحج بالناس يعقوب بن المنصور. # [الوفيات] # وفيها مات الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أخو عبد الملك، ~~وتوفي سليمان بن بلال مولى ابن أبي عتيق. # (وتوفي أبو يزيد رياح بن يزيد اللخمي الزاهد، بمدينة القيروان، وكان مجاب ~~الدعوة) . # PageV05P284 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة] ### | 173 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة # فيها توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، ~~وكانت عظيمة من المال، والمتاع، والدواب، فحملوا منه ما يصلح للخلافة، ~~وتركوا ما لا يصلح. # وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف، فلما قدموا بذلك عليه أطلق منه ~~للندماء والمغنين شيئا كثيرا، ورفع الباقي إلى خزانته. # وكان سبب أخذ الرشيد تركته أن أخاه ms2125 جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى ~~الرشيد حسدا له، ويقول: إنه لا مال له، ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ~~ليتقوى به على ما تحدث به نفسه، يعني الخلافة. # وإن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين، وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، ~~فلما توفي محمد بن سليمان (أخرجت كتبه إلى جعفر) أخيه، واحتج عليه بها، ولم ~~يكن له أخ لأبيه وأمه غير جعفر، فأقر بها، فلهذا قبضت أمواله. # [وفاة الخيزران] وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتها، ~~ودفنها في مقابر قريش، ولما فرغ أعطى الخاتم الفضل بن الربيع، وأخذه من ~~جعفر بن يحيى بن خالد. # PageV05P285 # وفيها استقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ~~ابنه العباس بن جعفر، وحج بالناس الرشيد، أحرم من بغداذ. # [الوفيات] # (وفيها مات مورقاط ملك جليقية، من بلاد الأندلس، وولي بعده برمند بن ~~قلورية القس ثم تبرأ من الملك، وترهب، وجعل ابن أخيه في الملك، وكان ملك ~~ابن أخيه سنة خمس وسبعين ومائة) . # وفيها توفي سلام بن أبي مطيع (بتشديد اللام) ، وجويرية بن أسماء بن عبيد ~~البصري، ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري، أبو عبد الله، وكان ~~موته بمكة فجاءة. # PageV05P286 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة] ### | 174 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة # فيها استعمل الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران. # وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي. # وفيها هلك روح بن حاتم، وسار الرشيد آل الجودي، ونزل بقردى وبازبدى من ~~أعمال جزيرة ابن عمر، فابتنى بها قصرا. # وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح. # وحج بالناس الرشيد، فقسم في الناس مالا كثيرا. # وفيها عزل علي بن مسهر عن قضاء الموصل، وولي القضاء بها إسماعيل بن زياد ~~الدولابي. # PageV05P287 ### | [ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة] ### | 175 - # ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة # وفي هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد، ولقبه ~~الأمين، وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين. # وكان سبب البيعة أن خاله عيسى بن ms2126 جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى ~~بن خالد، فسأله في ذلك، وقال له: إنه ولدك، وخلافته لك. فوعده بذلك، وسعى ~~فيها، حتى بايع الناس له بولاية العهد. # وفيها عزل الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خالدا الغطريف بن ~~عطاء. # وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ أقريطية. # وقيل غزاها عبد الملك نفسه، فأصابهم برد شديد سقط منه كثير [من] أيدي ~~الجند وأرجلهم. # وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي إلى الديلم، فتحرك ~~هناك. # PageV05P288 # وحج بالناس هذه السنة هارون الرشيد. # ذكر ظفر هشام بأخويه ومطروح # وفيها فرغ هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، من أخويه سليمان وعبد الله، ~~وأجلاهما عن الأندلس، فلما خلا سره منهما انتدب لمطروح بن سليمان بن يقظان، ~~فسير إليه جيشا كثيفا، وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان. # فساروا إلى مطروح، وهو بسرقسطة، فحصروه بها، فلم يظفروا به، فرجع أبو ~~عثمان عنه، ونزل بحصن طرسونة، بالقرب من سرقسطة، وبث سراياه على أهل سرقسطة ~~يغيرون ويمنعون عنهم الميرة. # ثم إن مطروحا خرج في بعض الأيام، آخر النهار، يتصيد، فأرسل البازي على ~~طائر، فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه بيده، ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن ~~أصحابه، فقتلاه واحتزا رأسه وأتيا به أبا عثمان، فسار إلى سرقسطة، فكاتبه ~~أهلها بالطاعة، فقبل منهم، وسار إليها فنزلها، وأرسل رأس مطروح إلى هشام. # ذكر غزاة هشام بالأندلس # ثم إن أبا عثمان لما فرغ من مطروح أخذ الجيش، وسار بهم إلى بلاد الفرنج، ~~فقصد ألبة، والقلاع، فلقيه العدو، فظفر بهم، وقتل منهم خلقا كثيرا وفتح ~~الله عليه. # وفيها سير هشام أيضا يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية، فلقي ملكهم وهو ~~برمند الكبير، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت الجلالقة، وقتل منهم عالم ~~كثير. # وفيها انقاد أهل طليطلة إلى طاعة الأمير هشام فآمنهم. # وفيها سجن هشام أيضا ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي مسجونا حياة ~~أبيه وبعض ولاية أخيه، فتوفي محبوسا سنة ثمان ms2127 وتسعين ومائة. # PageV05P289 # ذكر عدة حوادث # وفيها خرج بخراسان حصين الخارجي، وهو من موالي قيس بن ثعلبة، من أهل أوق، ~~وكان على سجستان عثمان بن عمارة، فأرسل جيشا، فلقيهم حصين، فهزمهم، ثم أتى ~~خراسان وقصد باذغيس، وبوشنج، وهراة، وكتب الرشيد إلى الغطريف في طلبه، فسير ~~إليه الغطريف داود بن يزيد في اثني عشر ألفا، فلقيهم حصين في ستمائة، ~~فهزمهم، وقتل منهم خلقا كثيرا. # ثم سار في خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين ومائة. # [الوفيات] # وفيها مات الليث بن سعد الفقيه بمصر، ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو ~~العنبس الشاعر. # وفيها توفي المسيب بن زهير بن عمر بن مسلم الضبي، وقيل سنة ست وسبعين، ~~وكان على شرط المنصور والمهدي، وولاه المهدي خراسان. # وفيها ولد إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. # PageV05P290 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة] ### | 176 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة # ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بالديلم # (في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالديلم) واشتدت ~~شوكته، وكثر جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه ~~الفضل بن يحيى في خمسين ألفا، وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها، وحمل معه ~~الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله، ولطف به، وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله. # ونزل الفضل (الطالقان) ، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب ~~صاحب الديلم، وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله. # فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه يشهد عليه فيه ~~القضاة، والفقهاء، وجلة بني هاشم، ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن علي، فأجابه ~~الرشيد إلى ذلك، وسر به، وعظمت منزلة الفضل عنده وسير الأمان مع هدايا ~~وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداذ، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال ~~كثير. # ثم إن الرشيد حبسه، فمات في الحبس، وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى ~~على محمد بن الحسن الفقيه، وعلى أبي ms2128 البختري القاضي، فقال محمد: الأمان ~~صحيح، فحاجه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان لو كان محاربا، ثم ولي ~~وكان آمنا؟ وقال أبو البختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا، فمزقه الرشيد. # PageV05P291 # ذكر ولاية عمر بن مهران مصر. # وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، ورد أمرها إلى جعفر بن يحيى بن ~~خالد، فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران. # وكان سبب عزله أن الرشيد بلغه أن موسى عازم على الخلع، فقال: والله لا ~~أعزله إلا بأخس من على بابي! فأمر جعفرا، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول، ~~مشوه الخلق، وكان لباسه خسيسا، وكان يردف غلامه خلفه، فلما قال له الرشيد: ~~أتسير إلى مصر أميرا؟ قال: أتولاها على شرائط، إحداها أن يكون إذني إلى ~~نفسي، إذا أصلحت البلاد انصرفت، فأجابه إلى ذلك. # فسار، فلما وصل إليها أتى دار موسى فجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا ~~قال: ألك حاجة؟ قال: نعم! ثم دفع إليه الكتب، فلما قرأها قال: هل يقدم أبو ~~حفص، أبقاه الله؟ قال: أنا أبو حفص، قال موسى: لعن الله فرعون حيث قال: ~~{أليس لي ملك مصر} [الزخرف: 51] ، ثم سلم له العمل. # فتقدم عمر إلى كاتبه أن لا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس ~~بهداياهم، فلم يقبل دابة، ولا جارية، ولم يقبل إلا المال والثياب، فأخذها، ~~وكتب عليها أسماء أصحابها، وتركها. # وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج، وكسره، فبدأ عمر برجل منهم ~~فطالبه بالخراج، فلواه، فأقسم أن لا يؤديه إلا بمدينة السلام، فبذل الخراج، ~~فلم يقبله منه، وحمله إلى بغداذ فأدى الخراج بها، فلم يمطله أحد، فأخذ ~~النجم الأول، والنجم الثاني، فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل ~~وشكوا الضيق، فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابها، وأمرهم بتعجيل الباقي، ~~فأسرعوا في ذلك، فاستوفى خراج مصر عن آخره، ولم يفعل ذلك غيره، ثم انصرف ~~إلى بغداذ. # ذكر الفتنة بدمشق # وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس ~~المضرية أبو الهيذام، واسمه عامر بن عمارة بن ms2129 خزيم الناعم بن عمرو بن ~~الحارث بن خارجة بن # PageV05P292 # سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ~~بن بغيض بن ريث بن غطفان المري، أحد فرسان العرب المشهورين. # وكان سبب الفتنة أن عاملا للرشيد بسجستان قتل أخا لأبي الهيذام، فخرج أبو ~~الهيذام بالشام، وجمع جمعا عظيما، وقال يرثي أخاه: # سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإن بها ما يدرك الطالب الوترا # ولسنا كمن ينعى أخاه بغيره ... يعصرها من ماء مقلته عصرا # وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا # ولكنني أشفي الفؤاد بغارة ... ألهب في قطري كتائبها جمرا # وقيل: إن هذه الأبيات لغيره والصحيح أنها له. # ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب إليه فأرغبه، ثم شد عليه فكتفه، وأتى ~~به الرشيد، فمن عليه وأطلقه. # وقيل: كان أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلا من [بني] القين خرج بطعام ~~له يطحنه في الرحا بالبلقاء، فمر بحائط رجل من لخم أو جذام، وفيه بطيخ ~~وقثاء، فتناول منه، فشتمه صاحبه، وتضاربا، وسار القيني، فجمع صاحب البطيخ ~~قوما من أهل اليمن ليضربوه إذا عاد، فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون، فقتل ~~رجل من اليمانية، وطلبوا بدمه، فاجتمعوا لذلك. # وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فلما خاف الناس أن يتفاقم ذلك ~~اجتمع أهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم، فأتوا بني القين فكلموهم، ~~فأجابوهم إلى ما طلبوا، فأتوا اليمانية فكلموهم، فقالوا: انصرفوا عنا حتى ~~ننظر، ثم ساروا، فبيتوا [بني] # PageV05P293 # القين، فقتلوا منهم ستمائة، وقيل ثلاثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحا، ~~فلم ينجدوهم، فاستنجدت قيسا فأجابوهم، وساروا معهم إلى الصواليك من أرض ~~البلقاء، فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثر القتال بينهم فالتقوا مرات. # وعزل عبد الصمد عن دمشق، واستعمل عليها إبراهيم بن صالح بن علي، فدام ذلك ~~الشر بينهم نحو سنتين، والتقوا بالبثنية، فقتل من اليمانية نحو ثمانمائة، ~~ثم اصطلحوا بعد شر طويل. # ووفد إبراهيم بن صالح على الرشيد، وكان ميله مع اليمانية، فوقع ms2130 في قيس ~~عند الرشيد، فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر، فقبل عذرهم، ~~ورجعوا. # واستخلف إبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق، وكان ميله أيضا مع ~~اليمانية، فأخذ جماعة من قيس، فحبسهم، وضربهم وحلق لحاهم، فنفر الناس، ووثب ~~غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، فجاء أخوه إلى ناس من الزواقيل ~~بحوران، فاستنجدهم فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا. # ثم ثارت اليمانية بكليب بن عمرو بن الجنيد بن عبد الرحمن، وعنده ضيف له، ~~فقتلوه، فجاءت أم الغلام بثيابه إلى أبي الهيذام، فألقتها بين يديه، فقال: ~~انصرفي حتى ننظر، فإني لا أخبط خبط العشواء، حتى يأتي الأمير ونرفع إليه ~~دماءنا، فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها. # ثم أرسل إسحاق فأحضر أبا الهيذام، فحضر، فلم يأذن له، ثم إن ناسا من ~~الزواقيل قتلوا رجلا من اليمانية، وقتلت اليمانية رجلا من سليم، ونهبت أهل ~~تلفياثا، وهم جيران محارب، فجاءت محارب إلى أبي الهيذام، فركب معهم إلى ~~إسحاق في ذلك، فوعدهم الجميل فرضي. # فلما انصرف أرسل إسحاق إلى اليمانية يغريهم بأبي الهيذام، فاجتمعوا، ~~وأتوا أبا الهيذام من باب الجابية، فخرج إليهم في نفر يسير، فهزمهم، ~~واستولى على دمشق، وأخرج أهل السجون عامة. # ثم إن أهل اليمانية استجمعت، واستنجدت كلبا وغيرهم فأمدوهم، وبلغ الخبر ~~أبا الهيذام، فأرسل إلى المضرية، فأتته الأمداد وهو يقاتل اليمانية عند باب ~~توما، فانهزمت اليمانية. # PageV05P294 # (ثم إن اليمانية أتت قرية لقيس عند دمشق، فأرسل أبو الهيذام إليهم ~~الزواقيل، فقاتلوهم، فانهزمت اليمانية) أيضا، ثم لقيهم جمع آخر # فانهزموا أيضا، ثم أتاهم الصريخ: أدركوا باب توما، فأتوه فقاتلوا ~~اليمانية فانهزمت أيضا، فهزموهم في يوم واحد أربع مرات، ثم رجعوا إلى أبي ~~الهيذام. # ثم أرسل إسحاق إلى أبي الهيذام يأمره بالكف، ففعل، وأرسل إلى اليمانية: ~~قد كففته عنكم، فدونكم الرجل فهو غار، فأتوه من باب شرقي متسللين، فأتى ~~الصريخ أبا الهيذام، فركب في فوارس من أهله، فقاتلهم، فهزمهم. # ثم بلغه خبر جمع آخر لهم على باب توما، فأتاهم، فهزمهم ms2131 أيضا، ثم جمعت ~~اليمانية أهل الأردن والخولان وكلبا وغيرهم، وأتى الخبر أبا الهيذام، فأرسل ~~من يأتيه بخبرهم، فلم يقف لهم على خبر في ذلك، وجاءوا من جهة أخرى كان آمنا ~~منها لبناء فيها. # فلما انتصف النهار ولم ير شيئا فرق أصحابه، فدخلوا المدينة، ودخلها معهم، ~~وخلف طليعة، فلما رآه إسحاق قد دخل أرسل إلى ذلك البناء فهدمه، وأمر ~~اليمانية بالعبور، ففعلوا، فجاءت الطليعة إلى أبي الهيذام، فأخبروه الخبر، ~~وهو عند باب الصغير. # ودخلت اليمانية المدينة وحملوا على أبي الهيذام، فلم يبرح، وأمر بعض ~~أصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم، ففعلوا، فلما رأتهم اليمانية تنادوا: ~~الكمين الكمين، وانهزموا، وأخذ منهم سلاحا وخيلا. # فلما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود، فعسكروا عند قصر الحجاج، وأعلم أبو ~~الهيذام أصحابه، فجاءته القين وغيرهم، واجتمعت اليمن إلى إسحاق، فالتقى بعض ~~العسكر فاقتتلوا، فانهزمت اليمانية وقتل منهم ونهب أصحاب أبي الهيذام بعض ~~داريا، وأحرقوا فيها ورجعوا، وأغار هؤلاء، فنهبوا وأحرقوا، واقتتلوا غير ~~مرة، فانهزمت اليمانية أيضا. # فأرسلت ابنة الضحاك بن رمل السكسكي، وهي يمانية، إلى أبي الهيذام تطلب ~~منه الأمان، فأجابها، وكتب لها، ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق ~~وأحرقها، فلما رأت اليمانية ذلك أرسل إليه ابن خارجة الحرشي، وابن عزة ~~الخشني، وأتاه الأوزاع والأوصاب، ومقرا، وأهل كفر سوسية، والحميريون، ~~وغيرهم يطلبون الأمان، # PageV05P295 # فآمنهم، فسكن الناس وأمنوا. # وفرق أبو الهيذام أصحابه، وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه إسحاق، ~~فبذل الأموال للجنود ليواقع أبا الهيذام، فأرسل العذافر السكسكي في جمع إلى ~~أبي الهيذام، فقاتلوهم، فانهزم العذافر. # ودامت الحرب بين أبي الهيذام وبين الجنود من الظهر إلى المساء، وحملت خيل ~~أبي الهيذام على الجند، فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوا، وقد جرح منهم ~~أربعمائة، ولم يقتل منهم أحد، وذلك نصف صفر. # فلما كان الغد لم يقتتلوا إلى المساء، فلما كان آخر النهار تقدم إسحاق في ~~الجند، فقاتلهم عامة الليل، وهم بالمدينة، واستمد أبو الهيذام أصحابه، ~~وأصبحوا من الغد فاقتتلوا والجند في اثني عشر ألفا، وجاءتهم اليمانية، وخرج ms2132 ~~أبو الهيذام من المدينة، فقال لأصحابه، وهم قليلون: انزلوا، فنزلوا، ~~وقاتلوهم على باب الجابية، حتى أزالوهم عنه. # ثم إن جمعا من أهل حمص أغاروا على قرية لأبي الهيذام، فأرسل طائفة من ~~أصحابه إليهم، فقاتلوهم فانهزم أهل حمص، وقتل منهم بشر كثير، وأحرقوا قرى ~~في الغوطة لليمانية، وأحرقوا داريا، ثم بقوا نيفا وسبعين يوما لم تكن حرب. # فقدم السندي، مستهل ربيع الآخر، في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية ~~تغريه بأبي الهيذام، وأرسل أبو الهيذام إليه يخبره أنه على الطاعة، فأقبل ~~حتى دخل دمشق، وإسحاق بدار الحجاج. # فلما كان الغد أرسل السندي قائدا في ثلاثة آلاف، وأخرج إليهم أبو الهيذام ~~ألفا، فلما رآهم القائد رجع إلى السندي، فقال: أعط هؤلاء ما أرادوا، فقد ~~رأيت قوما الموت أحب إليهم من الحياة، فصالح أبو الهيذام، وأمن أهل دمشق ~~والناس. # وسار أبو الهيذام إلى حوران، وأقام السندي بدمشق ثلاثة أيام، وقدم موسى ~~بن عيسى واليا عليها، فلما دخلها أقام بها عشرين يوما، واغتنم غرة أبي ~~الهيذام فأرسل من يأتيه به، فكبسوا داره، فخرج هو وابنه خريم وعبد له، ~~فقاتلوهم، ونجا منهم وانهزم الجند. # PageV05P296 # وسمعت خيل أبي الهيذام، فجاءته من كل ناحية، وقصد بصرى، وقاتل جنود موسى ~~بطرف اللجاة، فقتل منهم، وانهزموا، ومضى أبو الهيذام، فلما أصبح أتاه خمس ~~فوارس فكلموه، فأوصى أصحابه بما أراد، وتركهم ومضى، وذلك لعشر بقين من ~~رمضان سنة سبع وسبعين ومائة. # (وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أخيه يأمره بالكف، ففعل، ومضى معهم، ~~وأمر أصحابه بالتفرق، وكان آخر الفتنة، ومات أبو الهيذام سنة اثنتين ~~وثمانين ومائة) . # هذا ما أردنا ذكره على سبيل الاختصار. # (خريم بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء. وحارثة بالحاء المهملة، والثاء ~~المثلثة. ونشبة بضم النون، وسكون الشين المعجمة وبعدها باء موحدة، وبغيض ~~بالباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وآخره ضاد معجمة. وريث بالراء، والياء ~~تحتها نقطتان، وآخره ثاء مثلثة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا عبد الملك بن عبد الواحد بجيش صاحب الأندلس بلاد ~~الفرنج، فبلغ ألبة، ms2133 والقلاع، فغنم، وسلم. # وفيها استعمل هشام ابنه الحكم على طليطلة، وسيره إليها، فضبطها، وأقام ~~بها، وولد له بها ابنه عبد الرحمن بن الحكم، وهو الذي ولي الأندلس بعد ~~أبيه. وفيها استعمل الرشيد على الموصل الحاكم بن سليمان. # وفيها خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين، فأخذ من أهلها مالا، وسار إلى ~~دارا # PageV05P297 # وآمد وأرزن، فأخذ منهم مالا، وكذلك فعل بخلاط، ثم رجع إلى نصيبين، وأتى ~~الموصل، فخرج إليه عسكرها، فهزمهم على الزاب، ثم عادوا لقتاله، فقتل الفضل ~~وأصحابه. # [الوفيات] # وفيها مات الفرج بن فضالة، وصالح بن بشير المري القارئ، وكان ضعيفا في ~~الحديث. # وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أبو ~~طاهر الأنصاري، وكان قاضيا ببغداذ. # وفيها توفي نعيم بن ميسرة النحوي الكوفي، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، واسمه ~~الوضاح مولى يزيد بن عطاء الليثي، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين. # PageV05P298 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة] ### | 177 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة # ذكر غزو الفرنج بالأندلس # وفيها سير هشام، صاحب الأندلس، جيشا كثيفا، واستعمل عليهم عبد الملك بن ~~عبد الواحد بن مغيث، فدخلوا بلاد العدو، فبلغوا أربونة، وجرندة، فبدأ ~~بجرندة، وكان بها حامية الفرنج، فقتل رجالها، وهدم أسوارها وأبراجها، وأشرف ~~على فتحها. # فرحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك، وأوغل في بلادهم، ووطئ أرض شرطانية، ~~فاستباح حريمها، وقتل مقاتلتها، وجاس البلاد شهورا يخرب الحصون، ويحرق ~~ويغنم، قد أجفل العدو من بين يديه هاربا، وأوغل في بلادهم، ورجع سالما معه ~~من الغنائم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهي من أشهر مغازي المسلمين ~~بالأندلس. # ذكر استعمال الفضل بن روح بن حاتم على إفريقية # وفي هذه السنة، وهي سنة سبع وسبعين، استعمل الرشيد على إفريقية الفضل بن ~~روح بن حاتم، وكان الرشيد لما توفي روح استعمل بعده حبيب بن نصر المهلبي، ~~فسار الفضل إلى باب الرشيد، وخطب ولاية إفريقية، فولاه، فعاد إليها، فقدم ~~في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة، فاستعمل على مدينة تونس ابن أخيه المغيرة ms2134 ~~بن بشر بن روح، وكان غارا، فاستخف بالجند. # وكان الفضل أيضا قد أوحشهم، وأساء السيرة معهم، بسبب ميلهم إلى نصر بن ~~حبيب الوالي قبله، فاجتمع من بتونس، وكتبوا إلى الفضل يستعفون من ابن أخيه، ~~فلم يجبهم عن كتابهم، فاجتمعوا على ترك طاعته. # فقال لهم قائد من الخراسانية يقال له محمد بن الفارسي: كل جماعة لا رئيس ~~لها فهي إلى الهلاك أقرب، فانظروا رجلا يدبر أمركم. قالوا: صدقت، فاتفقوا ~~على تقديم قائد منهم يقال له عبد الله بن الجارود، يعرف # PageV05P299 # بعبدويه الأنباري، فقدموه عليهم، وبايعوه على السمع والطاعة، وأخرجوا ~~المغيرة عنهم، وكتبوا إلى الفضل يقولون: إنا لم نخرج يدا عن طاعة، ولكنه ~~أساء السيرة، فأخرجناه، فول علينا من نرضاه. # فاستعمل عليهم ابن عمه عبد الله بن يزيد بن حاتم وسيره إليهم. فلما كان ~~على مرحلة من تونس أرسل إليه ابن الجارود جماعة لينظروا في أي شيء قدم ولا ~~يحدثوا حدثا إلا بأمره، فساروا إليه، وقال بعضهم لبعض: إن الفضل يخدعكم ~~بولاية هذا، ثم ينتقم منكم بإخراجكم أخاه. # فعدوا على عبد الله بن يزيد فقتلوه، وأخذوا من معه من القواد أسارى، ~~فاضطر حينئذ عبد الله بن الجارود ومن معه إلى القيام والجد في إزالة الفضل. # فتولى ابن الفارسي الأمر، وصار يكتب إلى كل قائد بإفريقية ومتولي مدينة ~~يقول له: إنا نظرنا في صنيع الفضل في بلاد أمير المؤمنين، وسوء سيرته، فلم ~~يسعنا إلا الخروج عليه لنخرجه عنا، ثم نظرنا فلم نجد أحدا أولى بنصيحة أمير ~~المؤمنين، لبعد صوته وعطفه على جنده منك، فرأينا أن تجعل نفوسنا دونك، فإن ~~ظفرنا جعلناك أميرنا، وكتبنا إلى أمير المؤمنين نسأله ولايتك، وإن كانت ~~الأخرى فلم يعلم أحد أننا أردناك، والسلام. # فأفسد بهذا كافة الجند على الفضل، وكثر الجمع عندهم، فسير إليهم الفضل ~~عسكرا كثيرا، فخرجوا إليه، فقاتلوه، فانهزم عسكره وعاد إلى القيروان ~~منهزما، وتبعهم أصحاب ابن الجارود، فحاصروا القيروان يومهم ذلك، ثم فتح أهل ~~القيروان الأبواب. # ودخل ابن الجارود وعسكره في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين ms2135 ومائة، وأخرج ~~الفضل من القيروان، ووكل به وبمن معه من أهله أن يوصلهم إلى قابس، فساروا ~~يومهم، ثم ردهم ابن الجارود، وقتل الفضل بن روح بن حاتم. # فلما قتل الفضل غضب جماعة من الجند، واجتمعوا على قتال ابن الجارود، فسير ~~إليهم عسكرا فانهزم عسكره، وعاد إليه بعد قتال شديد واستولى أولئك الجند ~~على القيروان، وكان ابن الجارود بمدينة تونس، فسار إليهم وقد تفرقوا بعد ~~دخول القيروان. # فوصل إليهم ابن الجارود، فلقوه واقتتلوا، فهزمهم ابن الجارود وقتل جماعة ~~من أعيانهم، فانهزموا، فلحقوا بالأربس، وقدموا عليهم العلاء بن سعيد والي ~~بلد الزاب وساروا إلى القيروان. # PageV05P300 # ذكر ولاية هرثمة بن أعين بلاد إفريقية. # اتفق وصول يحيى بن موسى من عند الرشيد لما قصد العلاء ومن معه القيروان، ~~وكان سبب وصوله أن الرشيد بلغه ما صنع ابن الجارود، وإفساده إفريقية، فوجه ~~هرثمة بن أعين ومعه يحيى بن موسى، لمحله عند أهل خراسان، وأمر أن يتقدم ~~يحيى، ويلطف بابن الجارود، ويستميله ليعاود الطاعة قبل وصول هرثمة. # فقدم يحيى القيروان، فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير، ودفع إليه ~~كتاب الرشيد، فقال: أنا على السمع والطاعة، وقد قرب مني العلاء بن سعيد ~~ومعه البربر، فإن تركت القيروان وثب البربر فملكوها، فأكون قد ضيعت بلاد ~~أمير المؤمنين، ولكني أخرج إلى العلاء فإن ظفر بي فشأنكم والثغور، وإن ظفرت ~~به انتظرت قدوم هرثمة فأسلم البلاد إليه، وأسير إلى أمير المؤمنين. # وكان قصده المغالطة، فإن ظفر بالعلاء منع هرثمة عن البلاد، فعلم يحيى ~~ذلك، وخلا بابن الفارسي، وعاتبه على ترك الطاعة، فاعتذر، وحلف أنه عليها، ~~وبذل من نفسه المساعدة على ابن الجارود، فسعى ابن الفارسي في إفساد حاله، ~~واستمال جماعة من أجناده، فأجابوه، وكثر جمعه، وخرج إلى قتال ابن الجارود. # فقال ابن الجارود لرجل من أصحابه اسمه طالب: إذا تواقفنا فإنني سأدعو ابن ~~الفارسي لأعاتبه فاقصده أنت وهو غافل فاقتله! فأجابه إلى ذلك، وتواقف ~~العسكران، ودعا ابن الجارود محمد بن الفارسي وكلمه، وحمل طالب عليه وهو ~~غافل فقتله، وانهزم ms2136 أصحابه، وتوجه يحيى بن موسى إلى هرثمة بطرابلس. # وأما العلاء بن سعيد فإنه لما علم الناس بقرب هرثمة منهم كثر جمعه، ~~وأقبلوا إليه من كل ناحية، وساروا إلى ابن الجارود، فعلم ابن الجارود أنه ~~لا قوة له به، فكتب إلى يحيى بن موسى يستدعيه ليسلم إليه القيروان، فسار ~~إليه في جند طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة، فلما وصل قابس تلقاه ~~عامة الجند، وخرج ابن الجارود من القيروان مستهل صفر، وكانت ولايته سبعة ~~أشهر. # وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى يستبقان إلى القيروان، (كل منهما ~~يريد أن يكون الذكر له) ، فسبقه العلاء ودخلها، وقتل جماعة من # PageV05P301 # أصحاب ابن الجارود، وسار إلى هرثمة وسار ابن الجارود أيضا إلى هرثمة، ~~فسيره هرثمة إلى الرشيد، وكتب إليه يعلمه أن العلاء كان سبب خروجه، فكتب ~~الرشيد يأمره بإرسال العلاء إليه، فسيره، فلما وصل لقيه صلة كثيرة من ~~الرشيد وخلع، فلم يلبث بمصر إلا قليلا حتى توفي. # وأما ابن الجارود فإنه اعتقل ببغداذ، وسار هرثمة إلى القيروان، فقدمها في ~~ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فآمن الناس وسكنهم، وبنى القصر الكبير ~~بالمنستير سنة ثمانين ومائة، وبنى سور مدينة طرابلس مما يلي البحر. # وكان إبراهيم بن الأغلب بولاية الزاب، فأكثر الهدية إلى هرثمة ولاطفه، ~~فولاه هرثمة ناحية من الزاب فحسن أثره (فيها. # ثم إن عياض بن وهب الهواري وكليب بن جميع الكلبي جمعا جموعا، وأرادا قتال ~~هرثمة، فسير إليهما يحيى بن موسى في جيش كثير، ففرق جموعهما، وقتل كثيرا من ~~أصحابهما، وعاد إلى القيروان) . # ولما رأى هرثمة ما بإفريقية من الاختلاف واصل كتبه إلى الرشيد يستعفي، ~~فأمر بالقدوم عليه إلى العراق (فسار عن إفريقية في رمضان سنة إحدى وثمانين ~~ومائة) ، فكانت ولايته سنتين ونصفا. # ذكر الفتنة بالموصل. # وفيها خالف العطاف بن سليمان الأزدي على الرشيد، وكان من فرسان أهل ~~الموصل، واجتمع عليه أربعة آلاف رجل، وجبى الخراج، وكان عامل الرشيد على ~~الموصل محمد بن العباس الهاشمي، وقيل عبد الملك بن صالح، والعطاف غالب على ms2137 ~~الأمر كله، وهو يجبي الخراج، وأقام على هذا سنتين، حتى خرج الرشيد إلى ~~الموصل فهدم سورها بسببه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن مصر، واستعمل عليها إسحاق بن ~~سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان، واستعمل عليها الفضل بن يحيى البرمكي # PageV05P302 # مضافا إلى ما كان إليه من الأعمال، وهي الري وسجستان وغيرهما. # وفيها غزا الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي. # وفيها، في المحرم، هاجت ريح شديدة وظلمة، ثم عادت مرة ثانية في صفر، وحج ~~بالناس الرشيد. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الواحد بن زياد، وقيل سنة ثمان وسبعين. # وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي، (وجعفر بن سليمان) . # PageV05P303 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة] ### | 178 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة # ذكر الفتنة بمصر # وفي هذه السنة وثبت الحوفية بمصر على عاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه، ~~وأمده الرشيد بهرثمة بن أعين، وكان عامل فلسطين، فقاتلوا الحوفية، وهم من ~~قيس وقضاعة، فأذعنوا بالطاعة، وأدوا ما عليهم للسلطان، فعزل الرشيد إسحاق ~~عن مصر، واستعمل عليها هرثمة مقدار شهر، ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك ~~بن صالح. # ذكر خروج الوليد بن طريف الخارجي # وفيها خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة، ففتك بإبراهيم بن خازم بن ~~خزيمة بنصيبين، ثم قويت شوكة الوليد، فدخل إلى أرمينية، وحصر خلاط عشرين ~~يوما، فافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفا. # ثم سار إلى أذربيجان، ثم إلى حلوان وأرض السواد، ثم عبر إلى غرب دجلة، ~~وقصد مدينة بلد، فافتدوا منه بمائة ألف، وعاث في أرض الجزيرة، فسير إليه ~~الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة. # فقال الوليد: # ستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط الزاب أي فتى يكون. # PageV05P304 # فجعل يزيد يختاله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فقالوا للرشيد: ~~إنما يتجافى يزيد عن الوليد للرحم، لأنهما كلاهما من وائل، وهونوا أمر ~~الوليد. # فكتب إليه الرشيد كتاب مغضب، وقال له: لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما ~~تقوم به، ولكنك مداهن، ms2138 متعصب، وأقسم بالله إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من ~~يحمل رأسك. # فلقي الوليد عشية خميس في شهر رمضان سنة تسع وسبعين، فيقال: جهد عطشا حتى ~~رمى بخاتمه في فيه، وجعل يلوكه ويقول: اللهم إنها شدة شديدة، فاسترها! وقال ~~لأصحابه: فداكم أبي وأمي إنما هي الخوارج، ولهم حملة، فاثبتوا، فإذا انقضت ~~حملته فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا. # فكان كما قال، حملوا عليهم حملة، فثبت يزيد ومن معه من عشيرته، ثم حمل ~~عليهم فانكشفوا، فيقال: إن أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدا لا يفصل بينهما ~~إلا ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره، منحرفة على جبهته، فكان أسد يتمنى ~~مثلها، فهوت إليه ضربة، فأخرج وجهه من الترس، فأصابته في ذلك الموضع، فيقال ~~لو خطت على ضربة أبيه ما عدا. # واتبع يزيد الوليد بن طريف، فلحقه فاحتز رأسه، فقال بعض الشعراء: # وائل بعضهم يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد. # فلما قتل الوليد صبحتهم أخته ليلى بنت الطريف، مستعدة، عليها الدرع، ~~فجعلت تحمل على الناس، فعرفت، فقال يزيد: دعوها! ثم خرج إليها فضرب بالرمح ~~قطاة فرسها، ثم قال: اعزبي عزب الله عليك، فقد فضحت العشيرة. # فاستحيت وانصرفت وهي تقول ترثي الوليد: # بتل تباثا رسم قبر كأنه ... على علم فوق الجبال منيف # تضمن جودا حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام وقلب حصيف # ألا قاتل الله الجثى كيف أضمرت ... فتى كان بالمعروف غير عفيف # فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فيا رب خيل فضها وصفوف # ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف # PageV05P305 # وللبدر من بين الكواكب قد هوى # وللشمس همت بعده بكسوف ... فيا شجر الخابور ما لك # مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف ... فتى لا يحب الزاد إلا من التقى # ولا المال إلا من قنا وسيوف ... ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة # وكل حصان باليدين عروف ... فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني # أرى الموت نزالا بكل شريف ... فقدناك فقدان الربيع فليتنا # فديناك من دهمائنا بألوف. # وقال مسلم بن الوليد في ms2139 قتل الوليد ورفق يزيد في قتاله من قصيدة هذه ~~الأبيات: # يفتر عند افترار الحرب ... مبتسما إذا تغير وجه الفارس البطل # موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل # (وهي حسنة جدا) . # ذكر غزو الفرنج والجلالقة بالأندلس # فيها سير هشام صاحب الأندلس عسكرا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ~~إلى بلاد الفرنج، فغزا ألبة، والقلاع، فغنم وسلم. # PageV05P306 # وسير أيضا جيشا آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة ~~فخرب دار ملكهم أذفنش وكنائسه، وغنم. فلما قفل المسلمون ضل الدليل بهم، ~~فنالهم مشقة شديدة ومات منهم بشر كثير، ونفقت دوابهم، وتلفت آلاتهم، ثم ~~سلموا وعادوا. # ذكر فتنة تاكرنا # وفيها هاجت فتنة تاكرنا بالأندلس، وخلع بربرها الطاعة، وأظهروا الفساد، ~~وأغاروا على البلاد، وقطعوا الطريق، فسير هشام إليهم جندا كثيفا عليهم عبد ~~القادر بن أبان بن عبد الله، مولى معاوية بن أبي سفيان، فقصدوها وتابعوا ~~قتال من فيها إلى أن أبادوهم قتلا وسبيا، وفر من بقي منهم فدخل في سائر ~~القبائل، وبقيت كورة تاكرنا وجبالها خالية من الناس سبع سنين. # ذكر عدة حوادث # وفيها غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية سليمان بن راشد، ~~ومعه البند بطريق صقلية. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي. # وفيها وصل الفضل بن يحيى إلى خراسان، وغزا ما وراء النهر من بخارى، فحضر ~~عنده صاحب أشروسنة، وكان ممتنعا، وبنى الفضل بخراسان المساجد والرباطات. # PageV05P307 # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الوارث بن سعيد، والمفضل بن يونس، وجعفر بن سليمان ~~الضبعي. # PageV05P308 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة] ### | 179 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة # ذكر غزو الفرنج بالأندلس # وفيها سير هشام صاحب الأندلس جيشا كثيفا عليهم عبد الملك بن عبد الواحد ~~بن مغيث، إلى جليقية، فساروا حتى انتهوا إلى إسترقة، وكان أذفونش، ملك ~~الجلالقة، قد جمع وحشد، وأمده ملك البشكنس، وهم جيرانه، ومن يليهم من ~~المجوس، ms2140 وأهل تلك النواحي، فصار في جمع عظيم، فأقدم عليه عبد الملك، فرجع ~~أذفونش هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفو أثرهم، ويهلك كل من تخلف منهم، فدوخ ~~بلادهم، وأوغل فيها، وأقام فيها يغنم، ويقتل، ويخرب، وهتك حريم أذفونش، ~~ورجع سالما. # وكان قد سير هشام جيشا آخر من ناحية أخرى، فدخلوا أيضا على ميعاد من عبد ~~الملك، فأخربوا، ونهبوا وغنموا، فلما أرادوا الخروج من بلاد العدو اعترضهم ~~عسكر للفرنج فنال منهم، وقتل نفرا من المسلمين ثم تخلصوا، وسلموا، وعادوا ~~سالمين سوى من قتل منهم. # ذكر عدة حوادث # فيها عاد الفضل بن يحيى من خراسان، فاستعمل الرشيد منصور بن يزيد بن ~~منصور الحميري، خال المهدي. # واعتمر الرشيد في شهر رمضان، شكرا لله تعالى على قتل الوليد بن طريف، ~~وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج، وحج بالناس، ومشى من مكة إلى منى ~~[ثم] إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة # PageV05P309 # وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني. # [الوفيات] # وفيها توفي حماد بن زيد بن درهم الأزدي، مولاهم أبو إسماعيل، ومالك بن ~~أنس الأصبحي، الإمام أستاذ الشافعي. # وفيها توفي مسلم بن خالد الزنجي أبو عبد الله الفقيه المكي، وصحبه ~~الشافعي قبل مالك، وأخذ عنه الفقه، وإنما قيل له الزنجي لأنه كان أبيض ~~مشربا بحمرة. # وعباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي البصري، وأبو ~~الأحوص سلام بن سليم الحنفي (سلام بتشديد [اللام] ) . # PageV05P310 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين ومائة] ### | 180 - # ثم دخلت سنة ثمانين ومائة # ذكر وفاة هشام # وفيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ~~صاحب الأندلس، في صفر، وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر، وكان عمره تسعا ~~وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وكنيته أبو الوليد، وكانت أمه أم ولد. # كان أبيض أشهل، مشربا بحمرة، بعينيه حول، وخلف خمسة بنين، وكان عاملا ~~حازما، ذا رأي وشجاعة وعدل، خيرا، محبا لأهل الخير والصلاح، شديدا على ~~الأعداء، راغبا في الجهاد. # ومن أحسن عمله أنه ms2141 أخرج مصدقا يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه أيام ~~ولايته، وهو الذي تمم بناء الجامع بمدينة قرطبة، وكان أبوه قد مات قبل ~~فراغه منه، وبنى مساجد معه، وبلغ من عز الإسلام في أيامه وذل الكفر أن رجلا ~~مات في أيامه، فأوصى أن يفك أسير من المسلمين من تركته، فطلب ذلك، فلم يوجد ~~في دار الكفار أسير يشترى ويفك لضعف العدو وقوة المسلمين. # (ومناقبه كثيرة قد ذكرها أهل الأندلس كثيرا، وبالغوا حتى قالوا كان يشبه ~~في سيرته بعمر بن عبد العزيز، رحمه الله) . # ذكر ولاية ابنه الحكم ولقبه المنتصر # ولما مات استخلف بعده ابنه الحكم، وكان الحكم صارما، حازما، وهو أول من ~~استكثر من المماليك بالأندلس، وارتبط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة. # PageV05P311 # وكان يباشر الأمور بنفسه، وكان فصيحا، شاعرا، ولما ولي خرج عليه عماه ~~سليمان وعبد الله، وكانا في بر العدوة الغربية، فعبر عبد الله البلنسي إلى ~~الأندلس، فتولى بلنسية، وتبعه أخوه سليمان، وكان بطنجة، وأقبلا يؤلبان ~~الناس على الحكم، ويثيران الفتنة، فتحاربوا مدة والظفر للحكم. # ثم إن الحكم ظفر بعمه سليمان، فقتله سنة أربع وثمانين ومائة. # [وأما عبد الله] فأقام ببلنسية، وقد كف عن الفتنة، وخاف فراسل الحكم في ~~الصلح، فأجابه إلى ذلك، فوقع الصلح بينهما سنة ست وثمانين وزوج أولاد عبد ~~الله بأخواته، وسكنت الفتنة. # ولما اشتغل الحكم بالفتنة مع عميه اغتنم الفرنج الفرصة، فقصدوا بلاد ~~الإسلام، وأخذوا مدينة برشلونة واتخذوها دارا، ونقلوا أصحابهم إليها، ~~وتأخرت عساكر المسلمين عنها، وكان أخذها سنة خمس وثمانين ومائة. # ذكر غزو الفرنج بالأندلس # في هذه السنة سير الحكم صاحب الأندلس جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى ~~بلاد الفرنج، فدخل البلاد، وبث السرايا ينهبون، ويقتلون، ويحرقون البلاد، ~~وسير سرية، فجازوا خليجا من البحر كان الماء قد جزر عنه، وكان الفرنج قد ~~جعلوا أموالهم وأهليهم وراء الخليج، ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن يعبر ~~إليهم، فجاءهم ما لم يكن في حسابهم، فغنم المسلمون جميع مالهم، وأسروا ~~الرجال وقتلوا منهم فأكثروا، وسبوا الحريم، وعادوا ms2142 سالمين إلى عبد الكريم. # وسير طائفة أخرى، فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية، وغنم أموال أهلها، وأسروا ~~الرجال، فأخبره بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى ~~واد وعر المسلك على طريقهم، فجمع عبد الكريم عساكره، وسار على تعبئة، وجد ~~السير، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون، فوضعوا السيف فيهم، ~~فانهزموا، وغنم ما معهم، وعاد سالما هو ومن معه. # PageV05P312 # ذكر ولاية علي بن عيسى خراسان. # وفيها عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان، واستعمل عليها علي بن عيسى بن ~~ماهان، فوليها عشر سنين، وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي أيضا، فجاء ~~إلى بوشنج، فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي، وكان على هراة، في ستة آلاف، ~~فقاتله، فهزمه حمزة، وقتل من أصحابه جماعة. # ومات عمرويه في الزحام، فوجه إليه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف، ~~فلم يحارب حمزة، فعزله، وسير عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة، فهزمه ~~حمزة، فرده أبوه إليه أيضا، فقاتله بباخرز، وكان حمزة بنيسابور، فانهزم ~~حمزة، وقتل أصحابه، وبقي في أربعين رجلا، فقصد قهستان. # وأرسل عيسى أصحابه إلى أوق وجوين، فقتلوا من بها من الخوارج، وقصد القرى ~~التي كان أهلها يعينون حمزة، فأحرقها، وقتل من فيها، حتى [وصل] إلى زرنج، ~~فقتل ثلاثين ألفا ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس النسفي، فجبى ~~الأموال وسار بها، فلقيه حمزة بأسفزار، فقاتله، فصبر له عبد الله ومن معه ~~من الصغد. # فانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه، وجرح في وجهه، واختفى هو ومن سلم من ~~أصحابه في الكروم، ثم خرج وسار في القرى يقتل، ولا يبقي على أحد. # وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة، ~~وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما، فقتلهم، وقتل معلمهم، وبلغ طاهرا الخبر، ~~فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون، ولا ديوان لهم، فقتلهم ~~طاهر، وأخذ أموالهم. # وكان يشد الرجل منهم في شجرتين، ثم يجمعهما، ثم يرسلهما، فتأخذ كل شجرة ~~نصفه، فكتب ms2143 القعد إلى حمزة بالكف، فكف وواعدهم، وأمن الناس مدة، وكانت بينه ~~وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة. # ذكر عدة حوادث # وفيها سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام للعصبية التي بها، ومعه القواد ~~والعساكر والسلاح والأموال، فسكن الفتنة، وأطفأ النائرة، وعاد الناس إلى ~~الأمن والسكون. # PageV05P313 # وفيها أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن عيسى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد. # وفيها ولى جعفرا خراسان وسجستان، ثم عزله عنها بعد عشرين ليلة، واستعمل ~~عليها عيسى بن جعفر، وولى جعفر بن يحيى الحرس. # وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب العطاف بن سفيان الأزدي، سار إليها ~~بنفسه، وهدم سورها، وأقسم ليقتلن من لقي من أهلها، فأفتاه القاضي أبو يوسف، ~~ومنعه من ذلك، وكان العطاف قد سار عنها نحو أرمينية فلم يظفر به الرشيد، ~~ومضى إلى الرقة فاتخذها وطنا. # وفيها عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية، واستقدمه إلى بغداذ واستخلفه جعفر ~~بن يحيى على الحرس. # وفيها كانت بمصر زلزلة عظيمة سقط منها رأس منارة الإسكندرية. # (وفيها خرج حراشة الشيباني بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار العقيلي) . ~~وفيها خرجت المحمرة بجرجان. # وفيها عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان، والرويان، ووليها عبد الله بن خازم، # PageV05P314 # وولي سعيد بن سلم الجزيرة، وغزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم. # وفيها سار الرشيد إلى الحيرة، وابتنى بها المنازل، فأقطع أصحابه القطائع ~~فثار بهم أهل الكوفة، وأساءوا مجاورته، فعاد إلى بغداذ. # وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. # وفيها استعمل الرشيد على الموصل يحيى بن سعيد الحرشي، فأساء السيرة في ~~أهلها، وظلمهم، وطالبهم بخراج سنين مضت، فجلا أكثر أهل البلد. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي المبارك بن سعيد الثوري أخو سفيان، وسلمة الأحمر، ~~وسعيد بن خثيم، وأبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد، # PageV05P315 # وعبد العزيز بن أبي حازم، وتوفي وهو ساجد، وأبو ضمرة أنس بن عياض الليثي ~~المدني. # وفيها أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربى وحصنها، وسير إليها جندا من أهل ~~خراسان وغيرهم، ms2144 فأقطعهم بها المنازل. # PageV05P316 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة] ### | 181 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة # ذكر ولاية محمد بن مقاتل إفريقية # وفي هذه السنة استعمل الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، ~~لما استعفى منها هرثمة بن أعين، على ما ذكرناه، سنة سبع وسبعين ومائة، وكان ~~محمد هذا رضيع الرشيد، فقدم القيروان أول رمضان، فتسلمها، وعاد هرثمة إلى ~~الرشيد، فلما استقر فيها لم يكن بالمحمود السيرة، فاختلف الجند عليه ~~واتفقوا على تقديم مخلد بن مرة الأزدي، (واجتمع كثير من الجند والبربر ~~وغيرهم، فسير إليهم محمد بن مقاتل جيشا، فقاتلوه، فانهزم مخلد واختفى في ~~مسجد، فأخذ وذبح) . # وخرج عليه بتونس تمام بن تميم في جمع كثير، وساروا إلى القيروان في رمضان ~~سنة ثلاث وثمانين، وخرج إليه محمد بن مقاتل العكي في الذين معه، (فاقتتلوا ~~بمنية الخيل) ، فانهزم ابن العكي إلى القيروان وسار تمام فدخل القيروان ~~وأمن ابن العكي، على أن يخرج عن إفريقية، فسار في رمضان إلى طرابلس. # فجمع إبراهيم بن الأغلب التميمي جمعا كثيرا، وسار إلى القيروان منكرا لما ~~فعله تمام، فلما قاربها سار عنها إلى تونس [في ذي القعدة] ، ودخل إبراهيم ~~إلى القيروان، وكتب إلى محمد بن مقاتل يعلمه الخبر، ويستدعيه إلى عمله، ~~فعاد إلى القيروان، فثقل # PageV05P317 # ذلك على أهل البلد، وبلغ الخبر إلى تمام، فجمع جمعا وسار إلى القيروان، ~~ظنا منه أن الناس يكرهون محمدا ويساعدونه عليه. # فلما وصل قال ابن الأغلب لمحمد: إن تماما انهزم مني وأنا في قلة، فلما ~~وصلت إلى البلاد تجدد له طمع لعلمه أن الجند يخذلونك، والرأي أن أسير أنا ~~ومن معي من أصحابي فنقاتله، ففعل ذلك، وسار إليه فقاتله، فانهزم تمام، وقتل ~~جماعة من أصحابه، ولحق بمدينة تونس، فسار إبراهيم بن الأغلب إليه ليحصره، ~~فطلب منه الأمان فأمنه. # ذكر ولاية إبراهيم بن الأغلب إفريقية # لما استقر الأمر لمحمد بن مقاتل ببلاد إفريقية، وأطاعه تمام، كره أهل ~~البلاد ذلك، وحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب منه ms2145 ~~ولاية إفريقية، فكتب إليه ذلك. # وكان على ديار مصر كل سنة مائة ألف دينار تحمل إلى إفريقية معونة، فنزل ~~إبراهيم عن ذلك، وبذل أن يحمل كل سنة أربعين ألف دينار، فأحضر الرشيد ثقاته ~~واستشارهم (فيمن يوليه) إفريقية، وذكر لهم كراهة أهلها ولاية محمد بن ~~مقاتل. # فأشار هرثمة بإبراهيم بن الأغلب، وذكر له ما رآه من عقله ودينه وكفايته، ~~وأنه قام بحفظ إفريقية عن ابن مقاتل، فولاه الرشيد في المحرم سنة أربع ~~وثمانين ومائة، فانقمع الشر، وضبط الأمر، وسير تماما، وكل من يتوثب على ~~الولاة، إلى الرشيد، فسكنت البلاد، وابتنى مدينة سماها العباسية بقرب ~~القيروان، وانتقل إليها بأهله وعبيده. # وخرج عليه، سنة ست وثمانين ومائة، رجل من أبناء العرب بمدينة تونس، اسمه ~~حمديس، فنزع السواد، وكثر جمعه، فبعث إليه ابن الأغلب عمران بن مخلد في ~~عساكر كثيرة، وأمره أن لا يبقي على أحد منهم إن ظفر بهم. # فسار عمران، والتقوا واقتتلوا، وصار أصحاب حمديس يقولون: بغداذ! بغداذ! ~~وصبر الفريقان، فانهزم # PageV05P318 # حمديس ومن معه، وأخذهم السيف، فقتل منهم عشرة آلاف رجل، ودخل عمران تونس. # ثم بلغ ابن الأغلب أن إدريس بن إدريس العلوي قد كثر جمعه بأقاصي المغرب، ~~فأراد قصده، فنهاه أصحابه وقالوا: اتركه ما تركك، فأعمل الحيلة، وكاتب ~~القيم بأمره من المغاربة، واسمه بهلول بن عبد الواحد، وأهد إليه، ولم يزل ~~به حتى فارق إدريس وأطاع إبراهيم، وتفرق جمع إدريس، فكتب إلى إبراهيم ~~يستعطفه، ويسأله الكف عن ناحيته، ويذكر له قرابته من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكف عنه. # ثم إن عمران بن مخلد، المقدم ذكره، وكان من بطانة إبراهيم بن الأغلب، ~~وينزل معه في قصره، ركب يوما مع إبراهيم وجعل يحدثه، فلم يفهم من حديثه ~~شيئا لاشتغال قلبه بمهم كان له، فاستعاد الحديث من عمران فغضب وفارق ~~إبراهيم، وجمع جمعا كثيرا، وثار عليه، فنزل بين القيروان والعباسية، وصارت ~~القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه. # فخندق إبراهيم على العباسية، وامتنع فيها، ودامت الحرب بينهما سنة كاملة، ~~فسمع الرشيد الخبر، فأنفذ إلى ms2146 إبراهيم خزانة مال، فلما صارت إليه الأموال ~~أمر مناديا ينادي: من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ العطاء. ففارق ~~عمران أصحابه وتفرقوا عنه، فوثب عليهم أصحاب إبراهيم فانهزموا، فنادى ~~إبراهيم بالأمان والحضور لقبض العطاء، فحضروا فأعطاهم وقلع أبواب القيروان ~~وهدم في سورها. # وأما عمران، فسار حتى لحق بالزاب، فأقام به حتى مات إبراهيم وولى بعده ~~ابنه عبد الله فأمن عمران، فحضر عنده، وأسكنه معه، فقيل لعبد الله: إن هذا ~~ثأر بأبيك، ولا نأمنه عليك، فقتله. # ولما انهزم عمران سكن الشر بإفريقية، وأمن الناس، فبقي كذلك إلى أن توفي ~~إبراهيم في شوال سنة ست وتسعين ومائة وعمره ست وخمسون سنة، وإمارته اثنتا ~~عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. # PageV05P319 # (ذكر ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقية) # ولما توفي إبراهيم بن الأغلب ولي بعده ابنه عبد الله، وكان عبد الله ~~غائبا بطرابلس قد حصره البربر، على ما نذكره سنة ست وتسعين ومائة، فعهد ~~إليه أبوه بالإمارة، وأمر ابنه زيادة الله بن إبراهيم أن يبايع لأخيه عبد ~~الله بالإمارة، فكتب إلى أخيه بموت أبيه، وبالإمارة، ففارق طرابلس، ووصل ~~إلى القيروان، فاستقامت الأمور، ولم يكن في أيامه شر، ولا حرب، وسكن الناس ~~فعمرت البلاد، وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين. # ذكر من خالف بالأندلس على صاحبها # وفي هذه السنة خالف بهلول بن مرزوق، المعروف بأبي الحجاج، في ناحية الثغر ~~من بلاد الأندلس، ودخل سرقسطة وملكها، فقدم على بهلول فيها عبد الله بن عبد ~~الرحمن، عم صاحبها الحكم، ويعرف بالبلنسي، وكان متوجها إلى الفرنج. # وخالف فيها عبيدة بن حميد بطليطلة، وأمر الحكم القائد عمروس بن يوسف، وهو ~~بمدينة طلبيرة، أن يحارب أهل طليطلة فكان يكثر قتالهم، وضيق عليهم، ثم إن ~~عمروس بن يوسف كاتب رجالا من أهل طليطلة يعرفون ببني مخشي، واستمالهم. # فوثبوا على عبيدة بن حميد وقتلوه، وحملوه رأسه إلى عمروس، فسير الرأس إلى ~~الحكم، وأنزل بني مخشي عنده، وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة ~~ذحول، فتسور البربر عليهم فقتلوه، ms2147 فسير عمروس رءوسهم مع رأس عبيدة إلى ~~الحكم وأخبره الخبر. [ثم إن عمروس أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة ~~بمكاتبتهم حتى أدخلوه المدينة. فلما تمكن منها بنى القصر على باب جسرها ~~فأحكمه، وأتقن أمره، ثم سعى في قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، ~~توطيدا للمملكة، فأعد للكيد صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر وأمر أن يكون ~~دخول الناس على باب وخروجهم] من باب # PageV05P320 # آخر، فمن دخل منهم عدل به إلى موضع آخر فقتلوه، حتى قتل منهم سبعمائة ~~رجل، فاستقامت تلك الناحية. # ذكر عدة حوادث # فيها غزا الرشيد أرض الروم، فافتتح حصن الصفصاف. # وفيها غزا عبد الملك بن صالح أرض الروم، فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة. # [الوفيات] # وفيها توفي حمزة بن مالك. # (وفيها غلبت المحمرة على خراسان) . # وفيها أحدث الرشيد في صدر كتبه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وحج بالناس الرشيد. # وفي هذه السنة كان الفداء بين الروم والمسلمين، وهو أول فداء كان أيام ~~بني العباس، وكان القاسم بن الرشيد هو المتولي له، (وكان الملك نقفور) ، ~~(ففرح بذلك # PageV05P321 # الناس) ، ففودي بكل أسير في بلاد الروم، وكان الفداء باللامس، على جانب ~~البحر، بينه وبين طرسوس اثنا عشر فرسخا، وحضر ثلاثون ألفا من المرتزقة مع ~~أبي سليمان، فخرج الخادم، متولي طرسوس، وخلق كثير من أهل الثغور، وغيرهم من ~~العلماء والأعيان، وكان عدة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل أكثر من ذلك. # PageV05P322 # وفيها توفي الحسن بن قحطبة، وهو من قواد المنصور، هو وأبوه، وكان عمره ~~أربعا وثمانين سنة. # وعبد الله بن المبارك المروزي، توفي في رمضان بهيت وعمره ثلاث وستون سنة. # PageV05P323 # وعلي بن حمزة أبو الحسن الأسدي، المعروف بالكسائي، المقرئ، النحوي، ~~بالري، وقيل: مات سنة ثلاث وثمانين. # PageV05P324 # وفيها توفي مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة الشاعر، وكان مولده سنة ~~خمس ومائة. # وفيها توفي أبو يوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم، وهو أكبر أصحاب أبي ~~حنيفة. # وفيها توفي (يعقوب بن داود بن عمر بن طهمان، مولى عبد الله بن خازم ~~السلمي، ms2148 وكان) يعقوب وزير المهدي. # وهاشم بن البريد. # ويزيد بن زريع. # وحفص بن ميسرة الصنعاني من صنعاء دمشق. # PageV05P325 # (البريد بفتح الباء الموحدة، وكسر الراء، وبالياء تحتها نقطتان) . # PageV05P326 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة] ### | 182 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة # في هذه السنة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، ~~وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، ولقبه المأمون، وسلمه إلى جعفر بن ~~يحيى. # (وهذا من العجائب، فإن الرشيد قد رأى ما صنع أبوه وجده المنصور بعيسى بن ~~موسى، حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع أخوه الهادي ليخلع نفسه من ~~العهد، فلو لم يعاجله الموت لخلعه، ثم هو يبايع للمأمون بعد الأمين، وحبك ~~الشيء يعمي ويصم) . # وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى، فماتت ببرذعة، فرجع ~~من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة، فتجهز إلى بلاد الإسلام. # وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أفسوس، مدينة أصحاب ~~الكهف. # PageV05P327 # وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون، وأقروا أمه ريني وتلقب: ~~عطسة. # وحج بالناس موسى بن عيسى بن موسى. # وكان على الموصل هرثمة بن أعين. # (وفيها جاز سليمان بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى بلاد الأندلس من ~~الشرق، وتعرض لحرب ابن أخيه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب البلاد، ~~فسار إليه الحكم في جيوش كثيرة، وقد اجتمع إلى سليمان كثير من أهل الشقاق ~~ومن يريد الفتنة، فالتقيا واقتتلا، واشتدت الحرب، فانهزم سليمان واتبعه ~~عسكر الحكم، وعادت الحرب بينهم ثانية في ذي الحجة، فانهزم فيها سليمان، ~~واعتصم بالوعر والجبال، فعاد الحكم. # ثم عاد سليمان فجمع برابر، وأقبل إلى جانب إستجة، فسار إليهم الحكم، ~~فالتقوا واقتتلوا سنة ثلاث وثمانين ومائة، واشتد القتال، فانهزم سليمان، ~~واحتمى بقرية، فحصره الحكم، وعاد سليمان (منهزما) إلى ناحية فريش) . # PageV05P328 # (وفيها كان بقرطبة سيل عظيم، فغرق كثير من ربضها القبلي، وخرب كثير منه، ~~وبلغ السيل شقندة) . # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات محمد بن جعفر الطيالسي المحدث. # وعمار بن ms2149 محمد ابن أخت سفيان الثوري. # وعبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد الدراوردي، مولى جهينة، وكان أبوه من ~~دارابجرد، فاستثقلوا نسبته إليها فقالوا دراوردي. # PageV05P329 # وفيها توفي دراج أبو السمح، (واسمه عبد الله بن السمح، وقيل: عبد الرحمن ~~بن السمح بن) أسامة التجيبي، المصري، وكان مولده سنة خمس وعشرين ومائة. # وعفيف بن سالم الموصلي. # PageV05P330 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة] ### | 183 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة. # ذكر غزو الخزر بلاد الإسلام # وفيها خرج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين وأهل ~~الذمة، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع بمثله في ~~الأرض، فولى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مضافا إلى أذربيجان، ووجهه إليهم، ~~وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل أرمينية. # وقيل: إن سبب خروجهم أن سعيد بن سلم قتل المنجم السلمي، فدخل ابنه بلاد ~~الخزر، واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ~~وأقاموا نحو سبعين يوما، فوجه الرشيد خزيمة بن خازم، ويزيد بن مزيد، فأصلحا ~~ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسدا الثلمة. # ذكر عدة حوادث # وفيها استقدم الرشيد علي بن عيسى من خراسان، ثم رده عليها من قبل ابنه ~~المأمون، وأمره بحرب أبي الخصيب. # وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي. # PageV05P331 # وحج بالناس العباس بن الهادي. # وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~ببغداذ في حبس الرشيد. # وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين ومائة، ~~فلما عاد إلى المدينة - على ساكنها السلام - دخل إلى قبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يزوره، ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر وقف فقال: السلام ~~عليك يا رسول الله، يابن عم، افتخارا على من حوله، فدنا موسى بن جعفر فقال: ~~السلام عليك يا أبه. فتغير وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن جدا. ~~ثم أخذه معه إلى العراق، فحبسه عند السندي بن شاهك، (وتولت ms2150 حبسه أخت السندي ~~بن شاهك) ، وكانت تتدين، فحكت عنه أنه كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ~~ودعاه إلى أن يزول الليل، ثم يقوم فيصلي، حتى يصلي الصبح، ثم يذكر الله - ~~تعالى - حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد، ويستيقظ قبل ~~الزوال، ثم يتوضأ ويصلي، حتى يصلي العصر، ثم يذكر الله حتى يصلي المغرب، ثم ~~يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات. # وكانت إذا رأته قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل الصالح! # وكان يلقب بالكاظم ; لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه، كان هذا عادته ~~أبدا، ولما كان محبوسا بعث إلى الرشيد برسالة أنه لن ينقضي عني يوم من ~~البلاء إلا ينقضي عنك معه يوم من الرخاء، حتى ينقضيا جميعا إلى يوم ليس له ~~انقضاء يخسر فيه المبطلون. # (وفيها كانت بالأندلس فتنة وحرب بين قائد كبير يقال له أبو عمران، وبين ~~بهلول بن مرزوق، وهو من أعيان الأندلس، وكان عبد الله البلنسي مع أبي ~~عمران، فانهزم # PageV05P332 # أصحاب بهلول، وقتل كثير منهم. # [الوفيات] # وفيها توفي يونس بن حبيب النحوي المشهور، أخذ العلم عن أبي عمرو بن ~~العلاء وغيره، وكان عمره قد زاد على مائة سنة) . # وفيها مات موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. # ومحمد بن صبيح أبو العباس المذكر، المعروف بابن السماك. # وهشيم بن بشير الواسطي، توفي في شعبان، وكان ثقة إلا أنه كان يصحف. # PageV05P333 # ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قاضي المدائن بها، وكان عمره ثلاثا وستين ~~سنة. # ويوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون. # (صبيح بفتح الصاد المهملة، وكسر الباء الموحدة. وبشير بفتح الباء ~~الموحدة، وكسر الشين المعجمة) . # PageV05P334 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة] ### | 184 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة # وفيها ولى الرشيد حمادا البربري اليمن ومكة، وولى داود بن يزيد بن حاتم ~~المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل، ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر ~~إفريقية إبراهيم بن الأغلب، فولاه إياها الرشيد. ms2151 # وفيها خرج أبو عمر الشاري، فوجه إليه زهيرا القصاب فقتله بشهرزور. # وفيها طلب أبو الخصيب الأمان فأمنه علي بن عيسى بن ماهان. # وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي. # وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني. # (وفيها سار عبد الله بن عبد الرحمن البلنسي إلى مدينة أشقة من الأندلس، ~~فنزل بها مع أبي عمران، ومع العرب، فسار إليهم بهلول بن مرزوق، وحاصرهم ~~فيها، فتفرق # PageV05P335 # العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة أشقة، وسار عبد الله إلى مدينة بلنسية ~~فأقام بها) . # [الوفيات] # وفيها توفي المعافى بن عمران الموصلي الأزدي، وقيل: سنة خمس وثمانين. # وفيها توفي عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن الخطاب الذي يقال له ~~العابد. وعبد السلام بن شعيب بن الحبحاب الأزدي. وعبد الأعلى [بن عبد ~~الأعلى] بن عبد الله السامي البصري من بني شامة بن لؤي. # PageV05P336 # وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أبو محمد. # PageV05P337 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة] ### | 185 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة # وفي هذه السنة قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي، وهو واليها، فولى الرشيد ~~مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي. # وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة. # وفيها عاث حمزة الخارجي بباذغيس، فقتل عيسى بن علي بن عيسى من أصحابه ~~عشرة آلاف، وبلغ عيسى كابل وزابلستان. # (وفيها غدر أبو الخصيب ثانية) ، وغلب على أبيورد، وطوس، ونيسابور، وحصر ~~مرو، ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس، وعاد أمره قويا. # وفيها استأذن جعفر بن يحيى في الحج والمجاورة، فأذن له، فخرج في شعبان ~~واعتمر في رمضان، وأقام بجدة مرابطا إلى أن حج. # PageV05P338 # (وفيها جمع الحكم صاحب الأندلس عساكره، وسار إلى عمه سليمان بن عبد ~~الرحمن، وهو بناحية فريش، فقاتله، فانهزم سليمان، وقصد ماردة، فتبعه طائفة ~~من عسكر الحكم فأسروه، فلما حضر عند الحكم قتله، وبعث برأسه إلى قرطبة، ~~وكتب إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمان، واستدعاهم، فحضروا عنده ~~بقرطبة) . # وفيها وقعت في المسجد الحرام ms2152 صاعقة قتلت رجلين. # وحج بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله [بن محمد] بن علي. # وفيها مات عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولم يكن سقط له سن، ~~وقيل كانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل وقطعة واحدة من فوق، وهو قعدد بني عبد ~~مناف ; لأنه كان في القرب إلى عبد مناف بمنزلة يزيد بن معاوية، وبين موتهما ~~ما يزيد على مائة وعشرين سنة. # PageV05P339 # وفيها ملك الفرنج - لعنهم الله - مدينة برشلونة بالأندلس، وأخذوها من ~~المسلمين، ونقلوا حماة ثغورهم إليها، وتأخر المسلمون إلى ورائهم. # وكان سبب ملكهم إياها اشتغال الحكم صاحب الأندلس بمحاربة عميه عبد الله ~~وسليمان، على ما تقدم. # وفيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد على طريق الموصل. # وفيها مات يقطين بن موسى ببغداذ. # وفيها أيضا توفي يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن بن ~~زائدة، بمدينة برذعة، وولي مكانه أسد بن يزيد. وكان يزيد ممدحا، جودا، ~~كريما، وأكثر الشعراء مراثيه. # ومن أحسن ما قيل في المراثي ما قاله أبو محمد التميمي رثاء له، فأثبته ~~لجودته: # أحقا أنه أودى يزيد؟ ... تبين أيها الناعي المشيد # أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك؟ كان بها الصعيد # أحامي المجد والإسلام أودى؟ ... فما للأرض ويحك لا تميد؟ # تأمل، هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه؟ وهل شاب الوليد؟ # PageV05P340 # وهل مالت سيوف بني نزار # وهل وضعت عن الخيل اللبود؟ ... وهل تسقي البلاد عشار مزن # بدرتها؟ وهل يخضر عود؟ ... أما هدت لمصرعه نزار؟ # بلى! وتقوض المجد المشيد # [وحل ضريحه إذ حل فيه ... طريف المجد والحسب التليد # أما والله ما تنفك عيني # عليك بدمعها أبدا تجود ... فإن تجمد دموع لئيم قوم # فليس لدمع ذي حسب جمود ... أبعد يزيد تختزن البواكي # دموعا، أو يصان لها خدود؟ ... لتبكك قبة الإسلام لما # وهت أطنابها ووهى العمود ... ويبكك شاعر لم يبق دهر # له نسبا وقد كسد القصيد ... فمن يدعو الإمام لكل خطب # ينوب وكل معضلة تئود ... ومن يحمي الخميس إذا # تعايا بحيلة نفسه البطل النجيد ... فإن ms2153 يهلك يزيد فكل حي # فريس للمنية أو طريد ... ألم تعجب له؟ ! إن المنايا # فتكن به وهن له جنود ... قصدن له وكن يحدن عنه # إذا ما الحرب شب لها وقود ... لقد عزى ربيعة أن يوما # عليها مثل يومك لا يعود # وكان الرشيد إذا سمع هذه المرثية بكى، وكان يستجيدها ويستحسنها. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~ببغداذ، # PageV05P341 # وعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. والمغيرة بن عبد ~~الرحمن بن الحارث بن عياش المخزومي، ويعرف بالحزامي، وكان مولده سنة أربع ~~وعشرين ومائة. وحجاج الصواف، وهو ابن أبي عثمان ميسرة. # (عياش بالشين المعجمة، والياء المثناة من تحت. الحزامي بالحاء المهملة، ~~والزاي) . # PageV05P342 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة] ### | 186 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة # ذكر اتفاق الحكم صاحب الأندلس وعمه عبد الله # في هذه السنة اتفق الحكم بن هشام بن عبد الرحمن أمير الأندلس، وعمه عبد ~~الله بن عبد الرحمن البلنسي. # وسبب ذلك أن عبد الله لما سمع بقتل أخيه سليمان عظم عليه، وخاف على نفسه، ~~ولزم بلنسية ولم يفارقها، ولم يتحرك لإثارة فتنة، وأرسل إلى الحكم يطلب ~~المسالمة، والدخول في طاعته. # وقيل: بل الحكم أرسل إليه رسلا، وكتب إليه يعرض عليه المسالمة، ويؤمنه، ~~وبذل له الأرزاق الواسعة، ولأولاده، فأجاب عبد الله إلى الاتفاق، واستقرت ~~القاعدة بينهم على يد يحيى بن يحيى، صاحب مالك، وغيره من العلماء، وزوج ~~الحكم أخواته من أولاد عمه عبد الله، وسار إليه عبد الله، فأكرمه الحكم، ~~وعظم محله، وأجرى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية. # وقيل: إن المراسلة في الصلح كانت هذه السنة، واستقر الصلح سنة سبع ~~وثمانين ومائة. # ذكر حج الرشيد وأمر كتاب ولاية العهد # في هذه السنة حج (بالناس هارون) الرشيد، سار إلى مكة من الأنبار، فبدأ ~~بالمدينة، فأعطى فيها ثلاثة أعطية، أعطى هو عطاء، ومحمد الأمين عطاء، وعبد ~~الله # PageV05P343 # المأمون عطاء، وسار إلى مكة فأعطى أهلها، فبلغ ألف ألف دينار وخمسين ms2154 ألف ~~دينار. # وكان الرشيد قد ولى الأمين العراق والشام، وولى آخر المغرب، وضم إلى ~~المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد ~~المأمون، ولقبه المؤتمن، وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان في حجر ~~عبد الملك بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون. # ولما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده، والفقهاء والقضاة والقواد، كتب ~~كتابا أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد فيه من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب ~~كتابا للمأمون أشهدهم عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، ~~وجدد العهود عليهما في الكعبة، ولما فعل الرشيد ذلك قال الناس: قد ألقى ~~بينهم شرا وحربا. وخافوا عاقبة ذلك، فكان ما خافوه. # ثم إن الرشيد في سنة تسع وثمانين شخص إلى قرماسين ومعه المأمون، وأشهد ~~على نفسه من عنده من القضاة والفقهاء أن جميع ما في عسكره من الأموال ~~والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وجدد له البيعة عليهم، وأرسل ~~إلى بغداذ فجدد له البيعة على محمد الأمين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار علي بن عيسى بن ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبي # PageV05P344 # الخصيب، فحاربه، فقتله وسبى نساءه وذراريه، واستقامت خراسان. # [الوفيات] # وفيها توفي خالد بن الحارث. وبشر بن المفضل. # PageV05P345 # وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري. # وفيها مات عبد الله بن صالح بن عبد الله بن عباس بسلمية في ربيع الأول. # وفيها توفي عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في رجب، وعمره خمس ~~وستون سنة وستة أشهر، وهو ابن أخي السفاح والمنصور. # وفيها توفي عمر بن يونس منصرفه من الحج باليمامة. # PageV05P346 # وفيها توفي عباد بن العوام الفقيه ببغداذ. # (وتوفي شقران بن علي الزاهد بالأندلس، وكان فقيها. # وفيها توفي راشد مولى عيسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب، وكان قد دخل المغرب مع إدريس بن عبد الله بن الحسن، وقام بعده بأمر ~~البربر أبو خالد يزيد بن إلياس) . # PageV05P347 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة] ### | 187 - # ثم ms2155 دخلت سنة سبع وثمانين ومائة # ذكر إيقاع الرشيد بالبرامكة # وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة، وقتل جعفر بن يحيى. # وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، ~~وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا ~~تقربها، فإني لا أطيق الصبر عنها. فأجابه إلى ذلك، فزوجها منه، وكانا ~~يحضران معه، ثم يقوم عنهما، وهما شابان، فجامعها جعفر، فحملت منه، فولدت له ~~غلاما، فخافت الرشيد، فسيرته مع حواضن له إلى مكة، فأعطته الجواهر ~~والنفقات. # ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى ~~الرشيد، فحج هارون هذه السنة، وبحث عن الأمر فعلمه. # وكان جعفر (يصنع للرشيد طعاما بعسفان إذا حج، فصنع ذلك، ودعاه فلم # PageV05P348 # يحضر) عنده، فكان ذلك أول تغير أمرهم. # وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي إلى جعفر بن يحيى بن خالد، فحبسه، ثم دعا به ليلة، وسأله عن بعض أمره، ~~فقال له: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون غدا خصمك محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فوالله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا. # فرق له وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: فكيف أذهب ولا آمن أن ~~أوخذ؟ فوجه معه من أداه إلى مأمنه. # وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر، فرفعه إلى ~~الرشيد، فقال: ما أنت هذا؟ فعله عن أمري. ثم أحضر جعفرا للطعام، فجعل يلقمه ~~ويحادثه، ثم سأله عن يحيى، فقال: هو بحاله في الحبس. فقال: بحياتي؟ ففطن ~~جعفر، فقال: لا وحياتك! وقص عليه أمره، وقال: علمت أنه لا مكروه عنده. ~~فقال: نعم ما فعلت! ما عدوت ما في نفسي. فلما قام عنه قال: قتلني الله إن ~~لم أقتلك! فكان من أمره ما كان. # وقيل: كان من الأسباب أن جعفرا ابتنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم، ~~فرفع ذلك إلى الرشيد، وقيل: ms2156 هذه غرامته على داره، فما ظنك بنفقاته وصلاته ~~وغير ذلك؟ فاستعظمه. # وكان من الأسباب أيضا ما لا تعده العامة سببا، وهو أقوى الأسباب، ما سمع ~~من يحيى بن خالد وهو يقول وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته هذه: اللهم إن ~~كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني! اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي ~~وأهلي وولدي فاسلبني، إلا الفضل. ثم ولى، فلما كان عند باب المسجد رجع، ~~فقال مثل ذلك، وجعل يقول: اللهم إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك، اللهم ~~والفضل. # PageV05P349 # وسمع أيضا يقول في ذلك المقام: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك. ~~اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيا، وإن أحاط (ذلك بسمعي) ~~وبصري وولدي ومالي، حتى يبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة. فاستجيب له. # فلما انصرفوا من الحج ونزلوا الأنبار، ونزل الرشيد العمر نكبهم. # وكان أول ما ظهر من فساد حالهم أن علي بن عيسى بن ماهان سعى بموسى بن ~~يحيى بن خالد، واتهمه في أمر خراسان، وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير ~~إليهم، ويخرجهم عن الطاعة، فحبسه ثم أطلقه. # وكان يحيى بن خالد يدخل على الرشيد بغير إذن، فدخل عليه يوما وعنده ~~جبرائيل بن بختيشوع الطبيب، فسلم، فرد الرشيد ردا ضعيفا، ثم أقبل الرشيد ~~على جبرائيل، فقال: أيدخل عليك منزلك أحد بغير إذن؟ قال: لا! قال: فما ~~بالنا يدخل علينا بغير إذن؟ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما ابتدأت ذلك ~~الساعة، ولكن أمير (المؤمنين خصني به، حتى إن كنت لأدخل وهو في فراشه ~~مجردا، وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب، فإذا قد علمت فإني سأكون ~~[عنده] في الطبقة التي تجعلني فيها. فاستحيا هارون وقال: ما أردت ما تكره. # وكان يحيى إذا دخل على الرشيد قام له الغلمان، فقال الرشيد لمسرور: مر ~~الغلمان لا يقومون ليحيى إذا دخل الدار. فدخلها فلم يقوموا، فتغير لونه، # PageV05P350 # وكانوا بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه. # بفلما رجع الرشيد من الحج نزل العمر الذي عند الأنبار، ms2157 سلخ المحرم، وأرسل ~~مسرورا الخادم ومعه جماعة من الجند إلى جعفر ليلا، وعنده ابن بختيشوع ~~المتطبب، وأبو زكار المغني، وهو في لهوه وأبو زكار يغني: # فلا تبعد، فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي # وكل ذخيرة لا بد يوما ... وإن كرمت تصير إلى نفاد # قال مسرور: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك، ~~أجب أمير المؤمنين. فوقع على رجلي يقبلها، وقال: حتى أدخل فأوصي، فقلت: أما ~~الدخول فلا سبيل إليه، وأما الوصية فاصنع ما شئت. فأوصى بما أراد، وأعتق ~~مماليكه. # وأتتني رسل الرشيد تستحثني، فمضيت به إليه، فأعلمته وهو في فراشه، فقال: ~~ائتني برأسه. فأتيت جعفرا فأخبرته، فقال: الله الله! والله ما أمرك [بما ~~أمرك به] إلا وهو سكران، فدافع حتى أصبح، أو راجعه في ثانية. فعدت لأراجعه، ~~فلما سمع حسي قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأسه! فرجعت إليه (فأخبرته، ~~فقال: آمره. فرجعت) ، # PageV05P351 # فحذفني بعمود كان في يده، وقال: نفيت من المهدي، إن لم تأتني برأسه ~~لأقتلنك! قال: فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه. # وأمر بتوجيه من أحاط بيحيى وولده وجميع أسبابه، وحول الفضل بن يحيى ليلا، ~~فحبس في بعض منازل الرشيد، وحبس يحيى في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال ~~وضياع ومتاع وغير ذلك، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد في قبض أموالهم، ~~ووكلائهم، ورقيقهم، وأسبابهم، وكل ما لهم. # فلما أصبح أرسل جيفة جعفر إلى بغداذ، وأمر أن ينصب رأسه على جسر، ويقطع ~~بدنه قطعتين، تنصب كل قطعة على جسر. # ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه، لأنه علم براءته ~~مما دخل فيه أهله. وقيل: كان يسعى بهم. # ثم حبس يحيى وبنيه الفضل ومحمدا وموسى محبسا سهلا، ولم يفرق بينهم وبين ~~عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها. # ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم # PageV05P352 # بسخطه، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم. # ولما قتل جعفر بن يحيى ms2158 قيل لأبيه: قتل الرشيد ابنك! قال: كذلك يقتل ابنه. ~~قيل: وقد أخرب ديارك. قال: كذلك تخرب دياره. فلما بلغ ذلك الرشيد قال: قد ~~خفت أن يكون ما قاله ; لأنه ما قال شيئا إلا ورأيت تأويله. # قال سلام الأبرش: دخلت على يحيى وقت قبضه، وقد هتكت الستور، وجمع المتاع، ~~فقال: هكذا تقوم القيامة. قال: فحدثت الرشيد فأطرق مفكرا. # وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، وكانت ~~الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما نكبوا قال الرقاشي - وقيل: أبو نواس -: # الآن استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يحدو ومن كان يحتدي # فقل للمطايا: قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد # وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود # وقل للعطايا بعد فضل: تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم: تجددي # ودونك سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند # وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا ~~أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. # ووقع يحيى على قصة محبوس: العدوان أوبقه، والتوبة تطلقه. # وقال جعفر بن يحيى: الحظ سمط الحكمة، به تفصل شذورها وينظم منثورها. # PageV05P353 # قال ثمامة: قلت لجعفر: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم محيطا بمعناك، ~~مخبرا عن مغزاك، مخرجا من الشركة، غير مستعان عليه بالفكرة. # ذكر القبض على عبد الملك بن صالح # وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. # وكان سبب ذلك أنه كان له ولد اسمه عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وكان من ~~رحال الناس، فسعى بأبيه هو وقمامة كاتب أبيه، وقالا للرشيد: إنه يطلب ~~الخلافة، ويطمع فيها. فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، وأحضره يوما حين ~~سخط عليه، وقال له: أكفرا بالنعمة، وجحودا لجليل المنة والتكرمة؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، لقد بؤت إذا بالندم، وتعرضت لاستحلال النقم، وما ~~ذاك إلا بغي حاسدنا، فنسي فيك مودة القرابة وتقديم الولاية، إنك يا أمير ~~المؤمنين، خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته، ms2159 وأمينه على ~~عترته، لك عليها فرض الطاعة، وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، ~~والغفران لذنوبها، والتثبت في حادثها. # فقال له الرشيد: أتضع [لي] من لسانك، وترفع [لي] من جنانك؟ هذا كاتبك ~~قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك، فاسمع كلامه. # فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني أو ~~يبهتني بما لم يعرفه مني. # فأحضر قمامة فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف! فقال: أقول: إنه ~~عازم على الغدر بك والخلاف عليك. # PageV05P354 # فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي من خلفي [وهو] يبهتني في وجهي؟ # فقال الرشيد: فهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك، وفساد نيتك، ولو أردت ~~أن أحتج عليك لم أجد أعدل من هذين الاثنين لك، فلم تدفعهما عنك؟ # فقال عبد الملك: هو مأمور، أو عاق مجبور، فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان ~~عاقا ففاجر كفور، أخبر الله - عز وجل - بعداوته، وحذر منه بقوله: {إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: 14] فنهض الرشيد وهو يقول: ~~ما أمرك إلا قد وضح، ولكني لا أعجل، حتى أعلم الذي يرضي الله - عز وجل - ~~فيك، فإنه الحكم بيني وبينك. # فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما، وبأمير المؤمنين حاكما، فإني أعلم أنه ~~لن يؤثر هواه على رضى ربه. # وأحضره الرشيد يوما آخر، فكان مما قال له: أريد حياته ويريد قتلي عذيرك ~~من خليلك من مراد # ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع، وكأني ~~بالوعيد قد أورى زنادا يسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورءوس بلا غلاصم، ~~فمهلا مهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت ~~إليكم الأمور أزمتها، فنذار لكم نذار قبل حلول داهية، خبوط باليد، لبوط ~~بالرجل. # فقال عبد الملك: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك من رعيته التي ~~استرعاك، # PageV05P355 # ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك ~~النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت ~~عدوك مشتغلا، ms2160 فالله الله (في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته، بظن أفصح ~~الكتاب [لي] بعضهه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويلغ الدم، فقد والله سهلت لك ~~الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم [من] ليل ~~تمام فيك كابدته، ومقام ضيق [لك] قمته، كنت [فيه] كما قال أخو بني جعفر بن ~~كلاب - يعني لبيدا -: ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل لو يقوم الفيل أو ~~فياله زل عن مثل مقامي وزحل # فقال له الرشيد: والله لولا إبقائي على بني هاشم لضربت عنقك. ثم أعاده ~~إلى محبسه. # فدخل عبد الله بن مالك على الرشيد، وكان على شرطته، فقال له: والله ~~العظيم يا أمير المؤمنين ما علمت عبد الملك إلا ناصحا، فعلام حبسته؟ فقال: ~~بلغني عنه ما أوحشني، ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين - يعني الأمين ~~والمأمون - فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه. فقال: أما إذ حبسته، ~~فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه، ولكن تحبسه محبسا كريما. قال: فإني أفعل. ~~فأمر الفضل بن الربيع أن يمضي إليه، # PageV05P356 # وينظر ما يحتاج إليه فيوظفه له، ففعل. # ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على ~~الشام، فأقام بالرقة، وجعل لمحمد الأمين عهد الله لئن قتل وهو حي لا يعطي ~~المأمون طاعة أبدا، فمات قبل الأمين، وكان ما قال للأمين: إن خفت فالجأ إلي ~~فوالله لأصوننك. # وقال الرشيد يوما لعبد الملك: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان ~~الجعدي. قال: ما أبالي أي الفحلين غلب علي. # وأرسل الرشيد يوما إلى يحيى بن خالد بن برمك: إن عبد الملك أراد الخروج ~~علي ومنازعتي في الملك، وعلمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني ~~أعدتك إلى حالك. # فقال: والله ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطلعت عليه لكنت ~~صاحبه دونك، لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه ~~علي ولي، وكيف يطمع عبد الملك في ذلك مني، وهل كان ms2161 إذا فعلت به ذلك، يفعل ~~معي أكثر من فعلك؟ وأعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن، ولكنه كان رجلا محتملا ~~يسرني أن يكون في أهلك مثله، فوليته لما حمدت أثره ومذهبه، وملت إليه لأدبه ~~واحتماله. # فلما أتاه الرسول بهذا أعاده عليه فقال له: إن أنت لم تقر عليه قتلت ~~الفضل ابنك. # فقال له: أنت مسلط علينا، فافعل ما أردت. فأخذ الرسول الفضل فأقامه، فودع ~~أباه وقال له: ألست راضيا عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك. ففرق بينهما ثلاثة ~~أيام، فلما لم يجد عندهما في ذلك شيئا جمعهما. # ذكر غزو الروم # وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فأناخ على قرة، # PageV05P357 # وحصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فحصر حصن سنان، حتى جهد ~~أهلها، فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل ~~عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحا. # ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم. # وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني، فخلعتها الروم وملكت نقفور، ~~وتزعم الروم أنه من أولاد جفنة بن غسان، وكان قبل أن يملك يلي ديوان ~~الخراج، وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها. # فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ~~ملك العرب، أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت ~~نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها ~~إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من ~~أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. # PageV05P358 # فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون ~~أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يابن ~~الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام. # ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ففتح وغنم ms2162 وأحرق وخرب، فسأله نقفور ~~المصالحة على خراج يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك. # فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وكان البرد شديدا، فأمن ~~رجعة الرشيد إليه، فلما جاء الخبر بنقضه ما جسر أحد على إخبار الرشيد، خوفا ~~على أنفسهم من العود في مثل ذلك البرد، وإشفاقا من الرشيد، فاحتيل له بشاعر ~~من أهل جنده، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف، وقيل هو الحجاج بن يوسف ~~التميمي، فقال أبياتا، منها: # نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير # فتح يزيد على الفتوح ... يؤمنا بالنصر فيه لواؤك المنصور # في أبيات غيرها. # فلما سمع الرشيد ذلك قال: أوقد فعل ذلك نقفور؟ وعلم أن الوزراء قد ~~احتالوا له في ذلك، فرجع إلى بلاد الروم في (أشد زمان وأعظم كلفة، حتى بلغ ~~بلادهم) ، فأقام بها حتى شفى واشتفى وبلغ ما أراد. # PageV05P359 # وقيل: كان فعل نقفور وهذه الأبيات سببا لسير الرشيد وفتح هرقلة، على ما ~~نذكره، سنة تسعين ومائة، إن شاء الله - تعالى -. # ذكر قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك # وفيها قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وسبب قتله أنه كان كثيرا ما ~~يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، ويبكي عليهم إلى أن خرج من البكاء إلى حد ~~طالبي الثأر، فكان إذا شرب النبيذ مع جواريه أخذ سيفه، ويقول: واجعفراه! ~~واسيداه! والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك. # فلما كثر هذا منه جاء ابنه فأعلم الرشيد هو وخصي كان لإبراهيم، فأحضر ~~إبراهيم وسقاه نبيذا، فلما أخذ منه النبيذ قال له: إني قد ندمت على قتل ~~جعفر بن يحيى، ووددت أني خرجت من ملكي، وأنه كان بقي لي، فما وجدت طعم ~~النوم مذ فارقته. # فلما سمعها إبراهيم أسبل دموعه وقال: رحم الله أبا الفضل! والله يا سيدي ~~لقد أخطأت في قتله، وأوطئت العشوة في أمره، وأين يوجد في الدنيا مثله؟ # فقال الرشيد: قم! عليك لعنة الله يابن اللخناء. فقام وما يعقل [ما يطأ] ، ~~فما كان بين ms2163 هذا وبين أن دخل عليه ابنه فضربه بالسيف إلا ليال قلائل. # ذكر ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس # في هذه السنة ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس، وسبب ذلك أن الحكم صاحب ~~الأندلس استعمل (على ثغور الأندلس قائدا كبيرا من أجناده، اسمه عمروس بن ~~يوسف، فاستعمل ابنه يوسف) على تطيلة، وكان قد انهزم من الحكم أهل بيت من ~~الأندلس أولو قوة وبأس، لأنهم خرجوا عن طاعته، فالتحقوا بالمشركين، فقوي ~~أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى مدينة تطيلة فحصروها، وملكوها من ~~المسلمين، فأسروا أميرها يوسف بن عمروس، وسجنوه بصخرة قيس. # PageV05P360 # واستقر عمروس بن يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر ~~وسيرها مع ابن عم له، فلقي المشركين، وقاتلهم، ففض جمعهم وهزمهم، وقتل ~~أكثرهم، ونجا الباقون منكوبين، وسار الجيش إلى صخرة قيس، فحصروها ~~وافتتحوها، ولم يقدر المشركون على منعها منهم، لما نالهم من الوهن ~~بالهزيمة، ولما فتحها المسلمون خلصوا يوسف بن عمروس أمير الثغر، وسيروه إلى ~~أبيه، وعظم أمر عمروس عند المشركين، وبعد صوته فيهم، وأقام في الثغر أميرا ~~عليه. # ذكر إيقاع الحكم بأهل قرطبة # كان الحكم في صدر ولايته تظاهر بشرب الخمر والانهماك في اللذات، وكانت ~~قرطبة دار علم، وبها فضلاء في العلم والورع، منهم: يحيى بن يحيى الليثي، ~~راوي موطأ مالك عنه، وغيره، فثار أهل قرطبة، وأنكروا فعله، ورجموه ~~بالحجارة، وأرادوا قتله، فامتنع منهم بمن حضر من الجند، وسكن الحال. # ثم بعد أيام اجتمع وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها، وحضروا عند محمد بن القاسم ~~القرشي المرواني، عم هشام بن حمزة، وأخذوا له البيعة على أهل البلد، وعرفوه ~~أن الناس قد ارتضوه كافة، فاستنظر ليلة ليرى رأيه، ويستخير الله - سبحانه ~~وتعالى - فانصرفوا، فحضر عند الحكم، وأطلعه على الحال، وأعلمه أنه على ~~بيعته، فطلب الحكم تصحيح الحال عنده، فأخذ معه بعض ثقات الحكم، وأجلسه في ~~قبة في داره، وأخفى أمره، وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل تقلد أمرهم أم ~~لا، فأراهم المخافة على نفسه، وعظم الخطب عليهم، وسألهم تعداد أسمائهم ومن ~~معهم، فذكروا له جميع ms2164 من معهم من أعيان البلد، وصاحب الحكم يكتب أسماءهم، ~~فقال لهم محمد بن القاسم: يكون هذا الأمر يوم الجمعة، إن شاء الله، في ~~المسجد الجامع. # ومشى إلى الحكم مع صاحبه، فأعلماه جلية الحال، وكان ذلك يوم الخميس، فما ~~أتى عليه الليل حتى حبس الجماعة المذكورين عن آخرهم، ثم أمر بهم بعد أيام، ~~فصلبوا عند قصره، وكانوا اثنين وسبعين رجلا، منهم: أخو يحيى بن يحيى، وابن ~~أبي كعب، وكان يومهم يوما شنيعا، فتمكنت عداوة الناس للحكم. # PageV05P361 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هاجت العصبية بالشام بين المضرية واليمانية، فأرسل الرشيد ~~فأصلح بينهم. # وفيها زلزلت المصيصة، فانهدم سورها، ونضب ماؤها ساعة من الليل. # وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكم، فقتله يحيى بن سعيد العقيلي. # وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قربانا له، ~~وولاه العواصم. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن العباس بن محمد بن علي. # [الوفيات] # وفيها توفي الفضيل بن عياض الزاهد، وكان مولده بسمرقند، وانتقل إلى مكة ~~فمات بها. # وفيها توفي المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمد البصري. وكان ~~مولده سنة ست أو سبع ومائة. # وعمر بن عبيد الطنافسي الكوفي. # PageV05P362 # وفيها توفي أبو مسلم معاذ الهراء النحوي، وقيل: كنيته أبو علي. وعنه أخذ ~~الكسائي النحو، (وولد أيام يزيد بن عبد الملك) . # PageV05P363 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة] ### | 188 - # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة # في هذه السنة غزا إبراهيم بن جبرائيل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب ~~الصفصاف، فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، ولقي ~~جمعا من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وقتل من الروم - فيما قيل - أربعون ~~ألفا وسبعمائة. # وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق. # وحج بالناس فيها الرشيد، فقسم أموالا كثيرة، وهي آخر حجة حجها في قول ~~بعضهم. # [الوفيات] # وفيها توفي جرير بن عبد الحميد الضبي الرازي وله ثمان وسبعون سنة. # PageV05P364 # وفيها توفي العباس بن الأحنف الشاعر، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. ومات أبوه ~~الأحنف سنة خمسين ومائة. # (وفيها توفي ms2165 شهيد) بن عيسى بالأندلس، وعمره ثلاث وتسعون سنة، وكان دخوله ~~الأندلس مع عبد الرحمن بن معاوية. # (شهيد بضم الشين المعجمة، وفتح الهاء) . # PageV05P365 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة] ### | 189 - # ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة # ذكر مسير هارون الرشيد إلى الري # وفي هذه السنة سار الرشيد إلى الري، وسبب ذلك أن الرشيد لما استعمل علي ~~بن عيسى بن ماهان على خراسان ظلم أهلها، وأساء السيرة فيهم، فكتب كبراء ~~أهلها وأشرافها إلى الرشيد يشكون سوء سيرته وظلمه، واستخفافه بهم، وأخذ ~~أموالهم. وقيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على الخلاف. فسار إلى الري ~~في جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون، والقاسم، وكان قد جعله ولي ~~عهد بعد المأمون، وجعل أمره إلى المأمون إن شاء أقره، وإن شاء خلعه، وأحضر ~~القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع [ما] في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح ~~والكراع وغير ذلك للمأمون، وليس له فيه شيء. # وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان، فلما قدم ~~عليه أهدى له الهدايا الكثيرة، والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من ~~أهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده، من الطرف والجواهر وغير ذلك، ورأى الرشيد ~~خلاف ما كان يظن، فرده إلى خراسان. # ولما أقام الرشيد بالري سير حسينا الخادم إلى طبرستان، وكتب معه أمانا ~~لشروين بن أبي قارن، وأمانا لوندا هرمز، جد مازيار، وأمانا لمرزبان بن ~~جستان، (صاحب # PageV05P366 # الديلم، فقدم جستان) ووندا هرمز فأكرمهما، وأحسن إليهما، وضمن وندا هرمز ~~السمع والطاعة، وأداء الخراج عن شروين. # ورجع الرشيد إلى العراق، ودخل بغداذ في آخر ذي الحجة. فلما مر بالجسر أمر ~~بإحراق جثة جعفر بن يحيى، ولم ينزل بغداذ، ومضى من فوره إلى الرقة. # ولما جاز بغداذ قال:: والله إني لأطوي مدينة ما وضع بشرق ولا غرب مدينة ~~أيمن ولا أيسر منها، وإنها لدار مملكة بني العباس ما بقوا، وحافظوا عليها، ~~ولا رأى أحد من آبائي سوءا ولا نكبة منها، ولنعم الدار هي، ولكني أريد ~~المناخ على ناحية أهل ms2166 الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى، والحب لشجرة ~~اللعنة بني أمية مع ما فيها من المارقة، والمتلصصة، ومخيفي السبيل، ولولا ~~ذلك ما فارقت بغداذ [ما حييت] . فقال العباس بن الأحنف في طي الرشيد بغداذ: ~~ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نفرق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ ~~قدمنا فقرنا وداعهم بالسؤال # ذكر الفتنة بطرابلس الغرب # في هذه السنة كثر شغب أهل طرابلس الغرب على ولاتهم، وكان إبراهيم بن ~~الأغلب، أمير إفريقية، قد استعمل عليهم عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم، ~~فيعزلهم، ويولي غيرهم، فاستعمل عليهم هذه السنة سفيان بن المضاء، وهي ~~ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد على إخراجه عنهم، وإعادته إلى القيروان، ~~فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره، فدخل ~~المسجد الجامع، فقاتلهم فيه، فقتلوا أصحابه ثم أمنوه، فخرج عنهم في شعبان ~~من هذه السنة، فكانت ولايته سبعا وعشرين يوما. # واستعمل الجند الذين بطرابلس على البلد وأهله إبراهيم بن سفيان التميمي. # PageV05P367 # ثم وقع بين الأبناء بطرابلس أيضا وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني ~~يوسف - حروب كثيرة، وقتال، حتى فسدت طرابلس، فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب، ~~فأرسل جمعا من الجند، وأمرهم أن يحضروا الأبناء وبني أبي كنانة، وبني يوسف، ~~فأحضروهم عنده بالقيروان في ذي الحجة، فلما قدموا عليه سألوه العفو عنهم في ~~الذي فعلوه، فعفا عنهم، فعادوا إلى بلدهم. # ذكر عدة حوادث # فيها كان الفداء بين المسلمين والروم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي ~~به. # وحج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس. # وفيها ولى الرشيد عبد الله بن مالك طبرستان، والري، [والرويان] ، ~~ودنباوند، وقومس وهمذان، وهو متوجه إلى الري، فقال أبو العتاهية في مسيره ~~إليها، وكان الرشيد ولد بها: إن أمين الله في خلقه حن به البر إلى مولده ~~ليصلح الري وأقطارها ويمطر الخير بها من يده # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن الحسن الشيباني الفقيه، صاحب أبي حنيفة. # PageV05P368 # وحميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، أبو عوف. وسابق ms2167 بن عبد الله ~~الموصلي، وكان من الصالحين البكائين من خشية الله - تعالى -. # PageV05P369 ### | [ثم دخلت سنة تسعين ومائة] ### | 190 - # ثم دخلت سنة تسعين ومائة # ذكر خلع رافع بن الليث بن نصر بن سيار # وفي هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بما وراء النهر مخالفا للرشيد ~~بسمرقند. # وكان سبب ذلك أن يحيى بن الأشعث (بن يحيى الطائي) تزوج ابنة لعمه أبي ~~النعمان، وكانت ذات يسار ولسان، ثم تركها بسمرقند، وأقام ببغداذ، واتخذ ~~السراري، فلما طال ذلك عليها، أرادت التخلص منه، وبلغ رافعا خبرها، فطمع ~~فيها وفي مالها، فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل إلى الخلاص من زوجها ~~إلا أن تشهد عليها قوما أنها أشركت بالله ثم تتوب، فينفسخ نكاحها، وتحل ~~للأزواج، ففعلت ذلك، وتزوجها رافع. # فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فشكا إلى الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى بن ~~ماهان يأمره أن يفرق بينهما، وأن يعاقب رافعا، ويجلده الحد، ويقيده ويطوف ~~به في سمرقند على حمار ليكون عظة لغيره، ففعل به ذلك، ولم يحده، وطلقها ~~رافع وحبس بسمرقند، فهرب من الحبس، فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فأراد ضرب ~~عنقه، فشفع فيه عيسى بن علي بن عيسى، وأمره بالانصراف إلى سمرقند، فرجع ~~إليها، ووثب بعامل علي بن عيسى عليها فقتله، واستولى عليها فوجه إليه ابنه، ~~فلقيه، فهزمه رافع، فأخذ علي بن عيسى في جمع الرجال والتأهب لمحاربته، ~~وانقضت السنة. # ذكر فتح هرقلة # وفي هذه السنة فتح الرشيد هرقلة، (وأخربها) ، وكان سبب مسيره إليها ما ~~ذكرناه # PageV05P370 # سنة سبع وثمانين ومائة، من غدر نقفور، وكان فتحها في شوال، وكان حصرها ~~ثلاثين يوما، وسبى أهلها، وكان قد دخل البلاد في مائة ألف وخمسة وثلاثين ~~ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة، ومن لا ديوان له. # وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع. # ووجه داود بن عيسى بن موسى سائرا في أرض الروم في سبعين ألفا يخرب وينهب، ~~ففتح الله عليه. # وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة. # وافتتح يزيد بن ms2168 مخلد الصفصاف وملقونية. # واستعمل حميد بن معيوف على سواحل الشام ومصر، فبلغ قبرس، فهدم وأحرق وسبى ~~من أهلها سبعة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة، فبيعوا بها، وبلغ فداء # PageV05P371 # أسقف قبرس ألفي دينار. # ثم سار الرشيد إلى طوانة، فنزل بها، ثم رحل عنها، وخلف عليها عقبة بن ~~جعفر. # وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين، ~~وعن بطارقته كذلك. وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة كان خطبها ~~لولده، فأرسلها إليه. # ذكر عدة حوادث # وخرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس، يقال له سيف بن بكير، فوجه ~~إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد، فقتله بعين النورة. # PageV05P372 # وفيها نقض أهل قبرس العهد، فغزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها. # وحج بالناس عيسى بن موسى الهادي. # وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، وقيل بل أسلم أبوه سهل على يد ~~المهدي، وكان محبوسا، وقيل أسلم الفضل وأخوه الحسن على يد يحيى بن خالد، ~~فاختاره يحيى لخدمة المأمون، فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة، ويثني عليهم، ~~ولقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة والسيف، وكان يتشيع، وهو الذي أشار ~~على المأمون بالعهد لعلي بن موسى الرضى - عليه السلام -. # وكان على الموصل هذه السنة خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، ~~ولما دخل الموصل انكسر لواؤه في (باب المدينة) ، فتطير منه، وكان معه أبو ~~الشيص الشاعر، فقال في ذلك: ما كان منكسر اللواء لطيرة تخشى ولا أمر يكون ~~مويلا لكن هذا الرمح أضعف ركنه صغر الولاية فاستقل الموصلا # فسري عن خالد. # وفيها غزا الرشيد الصائفة، واستخلف المأمون بالرقة، وفوض إليه الأمور، ~~وكتب إلى الآفاق بذلك، ودفع إليه خاتم المنصور تيمنا به، ونقشه: الله ثقتي ~~آمنت به. # وفيها خرجت الروم إلى عين زربى والكنيسة السوداء، وأغاروا، فاستنقذ أهل # PageV05P373 # المصيصة ما كان معهم من الغنيمة. # [الوفيات] # وفيها توفي أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي، صاحب أبي ~~حنيفة. # وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوسا بالرافقة ms2169 في المحرم، وعمره سبعون ~~سنة. وعمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري. # PageV05P374 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة] ### | 191 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة # ذكر الفتنة من أهل طليطلة وهو وقعة الحفرة # في هذه السنة أوقع الأمير الحكم بن هشام الأموي، صاحب الأندلس، بأهل ~~طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها. # وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء، وخلعوهم مرة بعد ~~أخرى، وقويت نفوسهم بحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم ~~طاعة مرضية، فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الحيلة في الظفر بهم، فاستعان في ~~ذلك بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر ~~الأعلى، فأظهر طاعة الحكم، ودعا إليه، فاطمأن إليه بهذا السبب، وكان من أهل ~~مدينة وشقة، فاستحضره فحضر عنده، فأكرمه الحكم، وبالغ في إكرامه، وأطلعه ~~على عزمه في أهل طليطلة، وواطأه على التدبير عليهم، فولاه طليطلة، وكتب إلى ~~أهلها يقول: إني قد اخترت لكم فلانا، وهو منكم، لتطمئن قلوبكم إليه، ~~وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم. # فمضى عمروس إليهم، ودخل طليطلة، فأنس به أهلها، واطمأنوا إليه، وأحسن ~~عشرتهم، وكان أول ما عمل عليهم من الحيلة أن أظهر لهم موافقتهم على بغض بني ~~أمية، وخلع طاعتهم، فمالوا إليه، ووثقوا بما يفعله، ثم قال لهم: إن سبب ~~الشر بينكم وبين أصحاب الأمير إنما هو اختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبني بناء ~~أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقا بكم. فأجابوه إلى ذلك، فبنى في وسط ~~البلد ما أراد. # فلما مضى لذلك مدة كتب الأمير الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرا، ~~يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة، وطلب النجدة والعساكر، ففعل ~~العامل ذلك، فحشد الحكم الجيوش من كل ناحية، واستعمل عليهم ابنه عبد ~~الرحمن، وحشد معه # PageV05P375 # قواده ووزراءه، فسار الجيش واجتاز بمدينة طليطلة، ولم يعرض عبد الرحمن ~~لدخولها، فأتاه وهو عندها الخبر من ذلك العامل أن عساكر الكفرة ms2170 قد تفرقت، ~~وكفى الله شرها، فتفرق العسكر، وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة، فقال ~~عمروس عند ذلك لأهل طليطلة: قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي، وإنه يلزمني ~~الخروج إليه وقضاء حقه، فإن نشطتم لذلك وإلا سرت إليه وحدي. فخرج معه وجوه ~~أهل طليطلة، فأكرمهم عبد الرحمن، وأحسن إليهم. # وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له، ومعه كتاب لطيف إلى عمروس، فأتاه ~~الخادم وصافحه، وسلم الكتاب إليه من غير أن يحادثه، فلما قرأ عمروس الكتاب ~~رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة، فأشار إلى أعيان أهلها بأن يسألوا ~~عبد الرحمن الدخول إليهم ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم، ومنعتهم، وقوتهم، ~~فظنوه ينصحهم، ففعلوا ذلك، وأدخلوا عبد الرحمن البلد، ونزل مع عمروس في ~~داره، وأتاه أهل طليطلة أرسالا يسلمون عليه. # وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة، وشرع في ~~الاستعداد لذلك، وواعدهم يوما ذكره، وقرر معهم أنهم يدخلون من باب، ويخرجون ~~من آخر ليقل الزحام،، ففعلوا ذلك. # فلما كان اليوم المذكور أتاه الناس أفواجا، فكان كلما دخل فوج أخذوا ~~وحملوا إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة في ذلك القصر، فضربت رقابهم ~~عليها، فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحدا، فقال: أين الناس؟ فقيل: ~~إنهم يدخلون من هذا الباب، ويخرجون من الباب الآخر، فقال: ما لقيني منهم ~~أحد. وعلم الحال، وصاح، وأعلم الناس هلاك أصحابهم، فكان سبب نجاة من بقي ~~منهم، فذلت رقابهم بعدها، وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد ~~الرحمن، ثم انجبرت مصيبتهم، وكثروا، فلما هلك عبد الرحمن وولي ابنه محمد ~~عاجلوه بالخلع على ما نذكره. # ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله بأهل قرطبة # وفيها عصى أصبغ بن عبد الله، ووافقه أهل مدينة ماردة من الأندلس، على ~~الحكم، وأخرجوا عامله، واتصل الخبر بالحكم، فسار إليها وحاصرها، فبينما هو ~~مجد في الحصار # PageV05P376 # أتاه الخبر عن أهل قرطبة أنهم أعلنوا العصيان له، فرجع مبادرا، فوصل إلى ~~قرطبة في ثلاثة أيام، وكشف ms2171 عن الذين أثاروا الفتنة، فصلبهم منكسين، وضرب ~~أعناق جماعة، فارتدع الباقون بذلك، واشتدت كراهيتهم له. # ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون ومرة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين، فضعف ~~أمر أصبغ ; لأن الحكم تابع إرسال الجيوش إليه، واستمال جماعة من أعيان أهل ~~ماردة وثقاته من أصحابه، فمالوا إليه، وفارقوا أصبغ، حتى أخوه، فتحير أصبغ، ~~وضعفت نفسه، فأرسل يطلب الأمان فأمنه الحكم، ففارق ماردة، وحضر عند الحكم، ~~وأقام عنده بقرطبة. # ذكر غزو الفرنج بالأندلس # في هذه السنة تجهز لذريق ملك الفرنج بالأندلس، وجمع جموعه ليسير إلى ~~مدينة طرطوشة ليحصرها، فبلغ ذلك الحكم، فجمع العساكر وسيرها مع ولده عبد ~~الرحمن، فاجتمعوا في جيش عظيم، وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروا، فلقوا ~~الفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد المسلمين شيئا، فاقتتلوا، ~~وبذل كل من الطائفتين جهده، واستنفد وسعه، فأنزل الله - تعالى نصره على ~~المسلمين، فانهزم الكفار، وكثر القتل فيهم والأسر، ونهبت أموالهم وأثقالهم، ~~وعاد المسلمون ظافرين غانمين. # ذكر عصيان حزم على الحكم # في هذه السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة، ووافقه غيره، وقصدوا لشبونة، ~~وكان الحكم يسمي حزما في كتبه - النبطي، فلما سمع الحكم خبره سير إليه ابنه ~~هشاما في جمع كثير، فأذله ومن معه، وقطع الأشجار وضيق عليهم، حتى أذعنوا ~~لطلب الأمان، فأمنه. # ذكر عزل علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاية هرثمة # وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان، وكان سبب ذلك ما ~~ذكرناه من قتل ابنه عيسى، فلما قتل جزع عليه أبوه، فخرج عن بلخ إلى مرو ~~مخافة عليها أن # PageV05P377 # يسير إليها رافع بن الليث ليأخذها، وكان ابنه عيسى قد دفن في بستان في ~~داره ببلخ - أموالا عظيمة، قيل: كانت ثلاثين ألف ألف، ولم يعلم بها أبوه، ~~ولم يطلع عليها إلا جارية له، فلما سار علي بن عيسى إلى مرو أطلعت الجارية ~~على ذلك بعض الخدم، وتحدث به الناس واجتمعوا، ودخلوا البستان، ونهبوا ~~المال، وبلغ الرشيد الخبر، فقال: خرج عن بلخ عن غير أمري، ms2172 وخلف مثل هذا ~~المال، وهو يزعم أنه قد باع حلى نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله ~~واستعمل هرثمة بن أعين. # وكان قد نقم الرشيد عليه ما كان يبلغه من سوء سيرته وإهانته أعيان الناس ~~واستخفافه بهم، فمن ذلك أنه دخل عليه يوما الحسين بن مصعب والد طاهر بن ~~الحسين، وهشام بن فرخسرو، فسلما عليه، فقال للحسين: لا سلم الله عليك يا ~~ملحد يا بن الملحد، والله إني لأعرف ما أنت عليه من عداوة الإسلام، والطعن ~~في الدين، ولم أنتظر بقتلك إلا أمر الخليفة، ألست المرجف بي في منزلي هذا ~~بعد أن ثملت من الخمر، وزعمت أنك جاءتك كتب من بغداذ بعزلي؟ اخرج إلى سخط ~~الله، لعنك الله، فعن قريب ما يكون منها. فاعتذر إليه فلم يقبل عذره، وأمر ~~بإخراجه فأخرج. # وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة، يجتمع إليك السفهاء تطعن ~~على الولاة، سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فاعتذر إليه فلم يعذره، فأخرجه. # فأما الحسين فسار إلى الرشيد فاستجار به وشكا إليه، فأجاره، وأما هشام ~~فإنه قال لبنت له: إني أخاف الأمير على دمي، وأنا مفض إليك بأمر إن أنت ~~أظهرته قتلت، وإن أنت كتمته سلمت. قالت: وما هو؟ قال: قد عزمت على أن أظهر ~~أن الفالج قد أصابني، فإذا كان في السحر، فاجمعي جواريك، واقصدي فراشي ~~وحركيني، فإذا رأيت حركتي ثقلت فصيحي أنت وجواريك، واجمعي إخوتك فأعلميهم ~~علتي. ففعلت ما أمرها، وكانت عاقلة، فأقام مطروحا على فراشه حينا لا يتحرك ~~إلى أن جاء هرثمة واليا، فركب إلى لقائه، فرآه علي بن عيسى بن ماهان، فقال: ~~إلى أين؟ فقال: أتلقى الأمير أبا حاتم. قال: ألم تكن عليلا؟ فقال: وهب الله ~~العافية، وعزل الطاغية، في ليلة واحدة، فعلى هذا تكون ولاية هرثمة ظاهرة. # وقيل: بل كانت ولايته سرا، لم يطلع الرشيد عليها أحدا، فقيل: إنه لما ~~أراد عزل علي بن عيسى استدعى هرثمة، وأسر إليه ذلك، وقال له: إن علي بن ~~عيسى قد كتب # PageV05P378 # يستمدني بالعساكر والأموال، ms2173 فأظهر للناس أنك تسير إليه نجدة له. وكتب له ~~الرشيد كتابا بولايته بخط يده، وأمر كتابه أن يكتبوا له إلى علي بن عيسى ~~بأنه قد سير هرثمة نجدة له. # فسار هرثمة ولا يعلم بأمره أحد، حتى ورد نيسابور، فلما وردها استعمل ~~أصحابه على كورها، وسار مجدا يسبق الخبر، فأتى مرو والتقاه علي بن عيسى، ~~فاحترمه هرثمة وعظمه حتى دخل البلد، ثم قبض عليه وعلى أهله وأصحابه ~~وأتباعه، وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف (ألف) ، (وكانت خزائنه وأثاثه على) ~~ألف وخمسمائة بعير، فأخذ الرشيد ذلك كله. # وكان وصول هرثمة إلى خراسان سنة اثنتين وتسعين، فلما فرغ هرثمة من أخذ ~~أموالهم أقامهم لمطالبة الناس، وكتب إلى الرشيد بذلك، وسير علي بن عيسى ~~إليه على بعير بغير وطاء ولا غطاء. # ذكر عدة حوادث # فيها خرج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا، وتنقل في السواد، ~~فوجه إليه طوق بن مالك، فهزمه طوق، وجرحه وقتل عامة أصحابه. # وفيها خرج أبو النداء بالشام، فسير الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له ~~على الشام. # وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني. # PageV05P379 # (وفيها أرسل أهل نسف إلى رافع بن الليث يسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم ~~على قتل عيسى بن علي بن عيسى، وعلي بن عيسى، فأرسل إليهم جمعا، فقتلوا عيسى ~~وحده في ذي القعدة) . # وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم ~~عليه المضيق، فقتلوه وخمسين رجلا، وسلم الباقون، وكان ذلك على مرحلتين من ~~طرسوس. # وفيها استعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين (قبل أن يوليه خراسان) ، ~~وضم إليه ثلاثين ألفا من أهل خراسان. # ورتب الرشيد بدرب الحدث عبد الله بن مالك، وبمرعش سعيد بن سلم بن قتيبة، ~~فأغارت الروم عليها، فأصابوا من المسلمين وانصرفوا، ولم يتحرك سعيد من ~~موضعه، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس. # وأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من رمضان، وعاد إلى الرقة، وأمر ~~الرشيد بهدم الكنائس بالثغور. # وأخذ أهل الذمة بمخالفة هيئة المسلمين في ms2174 لباسهم، وركوبهم. # وأمر هرثمة ببناء طرسوس وتمصيرها، ففعل، وتولى ذلك فرج الخادم بأمر # PageV05P380 # الرشيد، وسير إليها جندا من أهل خراسان ثلاثة آلاف، ثم أشخص إليهم ألفا ~~من أهل المصيصة، وألفا من أهل أنطاكية، وتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين ~~ومائة، وبنى مسجدها. # PageV05P381 # وحج بالناس هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان أميرا على ~~مكة. # وكان على الموصل محمد بن الفضل بن سليمان. # [الوفيات] # وفيها توفي الفضل بن موسى السيناني أبو عبد الله المروزي، مولى بني ~~قطيعة، وكان مولده سنة خمس عشرة ومائة. # (السيناني بكسر السين المهملة، وبالياء المثناة من تحت، وبالنون قبل ~~الألف، ثم بنون بعده، منسوب إلى سينان، وهي قرية من قرى مرو) . # PageV05P382 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة] ### | 192 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة # ذكر مسير الرشيد إلى خراسان # فيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداذ يريد خراسان لحرب رافع بن الليث، ~~وكان مريضا، واستخلف على الرقة ابنه القاسم، وضم إليه خزيمة بن خازم، وسار ~~من بغداذ إلى النهروان لخمس خلون من شعبان، واستخلف على بغداذ ابنه الأمين، ~~وأمر المأمون بالمقام ببغداذ. فقال الفضل بن سهل للمأمون حين أراد الرشيد ~~المسير إلى خراسان: لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك، ومحمد ~~الأمين المقدم عليك، وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهو ابن زبيدة [وأخواله ~~بنو هاشم، وزبيدة] وأموالها [ردء له] ، فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير ~~معه، فطلب إليه ذلك، فأجابه بعد امتناع. # فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري، فقال له: يا صباح، لا أظنك تراني ~~أبدا. فدعا، فقال: ما أظنك تدري ما أجد. قال الصباح: لا والله. فعدل عن ~~الطريق، واستظل بشجرة، وأمر خواصه بالبعد، فكشف عن بطنه، فإذا عليه عصابة ~~حرير، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، ~~فمسرور رقيب المأمون، وجبرائيل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم أحد إلا ~~وهو يحصي أنفاسي، ويستطيل دهري، وإن أردت أن تعلم ذلك، فالساعة أدعو بدابة، ~~فيأتوني بدابة أعجف قطوف ms2175 لتزيد بي علتي، فاكتم علي ذلك. فدعا له بالبقاء، ~~ثم طلب الرشيد دابة، فجاءوا بها على ما وصف، فنظر إلى الصباح وركبها. # PageV05P383 # ذكر عدة حوادث # وفيها تحركت الخرمية بناحية أذربيجان، فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن ~~مالك في عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر، ووافاه بقرماسين، فأمره بقتل الأسرى، ~~وبيع السبي. # وفيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد بأبي النداء، فقتله. # وفيها فارق جماعة من القواد رافع بن الليث، وصاروا إلى هرثمة، منهم عجيف ~~بن عنبسة وغيره. # وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك، فافتتح مطمورة. ~~وفيها كان الفداء بالبذندون. # وفيها خرج ثروان الحروري بطف البصرة، فقاتل عامل السلطان بها. # وفيها مات عيسى بن جعفر بن المنصور بالدسكرة، وهو يريد اللحاق بالرشيد. # وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني. # PageV05P384 # وحج بالناس هذه السنة العباس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور. # وفيها كان وصول هرثمة إلى خراسان، كما تقدم، وحصر هرثمة رافع بن الليث ~~بسمرقند، وضايقه، واستقدم طاهر بن الحسين، فحضر عنده، وخلت خراسان لحمزة ~~الخارجي، حتى دخلها، وصار يقتل ويجمع الأموال، ويحملها إليه عمال هراة ~~وسجستان، فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري، فاجتمع إليه نحو عشرين ألفا، ~~فسار إلى حمزة (فقاتله قتالا شديدا، فقتل من أصحاب حمزة) خلقا، وسار خلفه ~~حتى بلغ هراة، وكان ذلك سنة أربع وتسعين، فكتب إليه المأمون، فرده وأدام ~~هرثمة على حصار سمرقند حتى فتحها، على ما نذكره إن شاء الله - تعالى -. # (وقتل رافع بن الليث وجماعة من أقربائه، واستعمل على ما وراء النهر ابن ~~يحيى، فعاد، وكان قتله رافعا سنة خمس وتسعين) . # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي. ويوسف بن ~~أبي يوسف القاضي. # وفيها كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم، وكان القيم به ثابت بن نصر ~~بن مالك الخزاعي، وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير. # PageV05P385 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة] ### | 193 - # ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة # ذكر موت الفضل بن يحيى # في هذه السنة ms2176 مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة، وكانت ~~علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه، فعولج أشهرا، فبرأ، وكان يقول: ما أحب ~~أن يموت الرشيد ; لأن أمري قريب من أمره. # فلما صح من علته وتحدث، عادته العلة، واشتدت عليه، وانعقد لسانه وطرفه، ~~فمات في المحرم، وصلى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه، ثم أخرج فصلى ~~عليه الناس، وجزع الناس عليه. # وكان موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان من محاسن ~~الدنيا لم ير في العالم مثله، ولاشتهار أخباره، وأخبار أهله، وحسن سيرتهم - ~~لم نذكرها. # وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري. # وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع، كان الظفر [فيها] لهرثمة، وافتتح # PageV05P386 # بخارى، وأسر بشيرا أخا رافع، فبعث به إلى الرشيد. # ذكر موت الرشيد # وفي هذه السنة مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه، وكانت قد ~~اشتدت علته بالطريق بجرجان، فسار إلى طوس فمات بها. # قال جبرائيل بن بختيشوع: كنت مع الرشيد بالرقة، وكنت أول من يدخل عليه في ~~كل غداة، أتعرف حاله في ليلته، ثم يحدثني وينبسط إلي، ويسألني عن أخبار ~~العامة، فدخلت عليه يوما، فسلمت عليه، فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابسا ~~مفكرا مهموما، فوقفت مليا من النهار وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت ~~فسألته عن حاله، وما سببه، فقال: إن فكري وهمي لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه ~~قد أفزعتني، وملأت صدري. فقلت: فرجت عني يا أمير المؤمنين. ثم قبلت يده ~~ورجله، وقلت: الرؤيا إنما تكون لخاطر أو بخارات ردية، وتهاويل السوداء، وهي ~~أضغاث أحلام. # قال: فإني أقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا، إذ بدت من تحتي ~~ذراع أعرفها، وكف أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكف تربة حمراء. فقال ~~لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها، فقلت: وأين هذه ~~التربة؟ قال: طوس، وغابت اليد، وانقطع الكلام. # فقلت: أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان، وما ورد عليك منها، وانتفاض ms2177 ~~بعضها، فذلك الفكر أوجب هذه الرؤيا. # فقال: كان ذلك. فأمرته باللهو والانبساط، ففعل، ونسينا الرؤيا، وطالت ~~الأيام. # PageV05P387 # ثم سار إلى خراسان لحرب رافع، فلما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة، فلم ~~تزل تزيد، حتى دخلنا طوس، فبينا هو يمرض في بستان في ذلك القصر الذي هو ~~فيه، إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملا يقوم ويسقط، فاجتمعنا [إليه] نسأله، ~~فقال: أتذكر رؤياي بالرقة في طوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال: جئني من ~~تربة هذا البستان! فأتاه بها في كفه حاسرا عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: ~~هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي، وهذه الكف بعينها، وهذه التربة ~~الحمراء ما خرمت شيئا. وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثلاثة. # قال أبو جعفر: لما سار الرشيد عن بغداذ إلى خراسان (بلغ جرجان) في صفر، ~~وقد اشتدت علته، فسير ابنه المأمون إلى مرو، وسير معه من القواد عبد الله ~~بن مالك، ويحيى بن معاذ، وأسد بن يزيد، والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، ~~والسندي الحرشي، ونعيم بن حازم، وسار الرشيد إلى طوس واشتد به الوجع، حتى ~~ضعف عن الحركة، فلما أثقل أرجف به الناس، فبلغه ذلك، فأمر بمركوب ليركبه ~~ليراه الناس، فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض، فأتي ببرذون فلم يطق النهوض، ~~فأتي بحمار فلم ينهض، فقال: ردوني! ردوني! صدق والله الناس. # ووصل إليه، وهو بطوس، بشير بن الليث أخو رافع أسيرا، فقال الرشيد: والله ~~لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب، ~~فأمر به، ففصل أعضاءه، فلما فرغ منه أغمي عليه، وتفرق الناس عنه. # فلما أيس من نفسه أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التي كان فيها، وأنزل ~~إليه قوما، فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفة على شفير القبر، ~~يقول: ابن آدم تصير إلى هذا. وكان يقول في تلك الحال: واسوأتاه من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال الهيثم بن عدي: لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه، ففتح ms2178 عينيه منها ~~فرأى الفضل بن الربيع على رأسه، فقال: يا فضل 000 # PageV05P388 # أحين دنا ما كنت أرجو دنوه ... رمتني عيون الناس من كل جانب # فأصبحت مرحوما وكنت محسدا ... فصبرا على مكروه تلك العواقب # سأبكي على الوصل الذي كان بيننا ... وأندب أيام السرور الذواهب # قال سهل بن صاعد: كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه، فدعا بملحفة غليظة، ~~فاحتبى بها، وجعل يقاسي ما يقاسي، فنهضت، فقال: اقعد. فقعدت طويلا لا ~~يكلمني ولا أكلمه، فنهضت، فقال: أين يا سهل؟ فقلت: (ما يسع قلبي [أن أرى] ~~أمير المؤمنين يعاني من المرض ما يعاني) ، فلو اضطجعت يا أمير المؤمنين ~~[كان أروح] . فضحك ضحك صحيح، ثم قال: يا سهل، اذكر في هذه الحال قول ~~الشاعر: # وإني من قوم كرام يزيدهم ... شماسا وصبرا شدة الحدثان # ثم مات. # وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع، وإسماعيل بن صبيح، ومن ~~خدمه مسرور وحسين ورشيد. # وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما، وقيل: ملك ثلاثا ~~وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما، وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر ~~وخمسة أيام. # وكان جميلا، وسيما، أبيض، جعدا قد وخطه الشيب. # قال: وكان في بيت المال لما توفي تسعمائة ألف ألف ونيف. # ذكر ولاة الأمصار أيام الرشيد # ولاة المدينة: إسحاق [بن عيسى] بن علي، عبد الملك بن صالح بن علي، # PageV05P389 # محمد بن عبد الله، (موسى بن عيسى بن موسى) ، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، ~~علي بن عيسى بن موسى، (محمد بن إبراهيم) ، (عبد الله بن مصعب، بكار بن عبد ~~الله بن مصعب) ، (محمد بن علي) ، أبو البختري وهب بن وهب. # ولاة مكة: العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، (موسى ~~بن عيسى بن موسى) ، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قثم بن ~~العباس، (عبيد الله بن قثم) ، وعبد الله بن محمد بن عمران، (عبيد الله بن ~~محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، (علي بن موسى بن عيسى) ، محمد بن ~~عبد الله ms2179 العثماني) ، حماد البربري، سليمان بن جعفر بن سليمان، (الفضل بن ~~العباس بن محمد) ، (أحمد بن إسماعيل بن علي) . # ولاة الكوفة: موسى بن عيسى بن موسى، (محمد بن إبراهيم) ، (عبيد الله بن ~~محمد بن إبراهيم) ، يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن ~~عيسى بن موسى، إسحاق بن (الصباح) الكندي، (موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن ~~عيسى بن موسى) ، (موسى بن عيسى بن موسى، جعفر بن أبي # PageV05P390 # جعفر. # ولاة البصرة: محمد بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر ~~بن أبي جعفر، خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد، جعفر بن سليمان، ~~جعفر بن أبي جعفر، (عبد الصمد بن علي) ، مالك بن علي الخزاعي، إسحاق بن ~~سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير ~~المؤمنين، (عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، جرير بن يزيد، عبد الصمد بن علي) ، ~~إسحاق بن عيسى بن علي. # ولاة خراسان: أبو العباس الطوسي، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن ~~جعفر، الغطريف بن عطاء، سليمان بن راشد على الخراج، (حمزة بن مالك) ، الفضل ~~بن يحيى بن خالد، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى، وخليفته بها علي ~~بن عيسى بن ماهان، هرثمة بن أعين، العباس بن جعفر للمأمون بها، علي بن ~~الحسن بن قحطبة. # ذكر نسائه وأولاده # قيل: تزوج زبيدة، وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها سنة خمس ~~وستين ومائة، فولدت محمدا الأمين، وماتت سنة ست عشرة ومائتين. # وتزوج أمة العزيز أم ولد الهادي، فولدت له علي بن الرشيد. # PageV05P391 # وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين. # (وتزوج العباسة بنت سليمان بن المنصور. # وتزوج عزيزة ابنة خاله الغطريف) . # وتزوج العثمانية، وهي ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن ~~عثمان بن عفان، وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي. # ومات الرشيد عن أربع مهائر: زبيدة، وأم محمد بنت صالح، وعباسة، ~~والعثمانية. # وكان قد ولد له ms2180 من الذكور: محمد الأمين من زبيدة، وعبد الله المأمون لأم ~~ولد اسمها مراجل، والقاسم المؤتمن، وأبو إسحاق محمد المعتصم، وصالح، وأبو ~~عيسى محمد، وأبو يعقوب محمد، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو علي ~~محمد، وأبو محمد، وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد. # وله من البنات: سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد، وهي ~~حمدونة، وفاطمة، وأم أبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم ~~جعفر، وأم علي، والعالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد. # ذكر بعض سيرته # قيل: كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا من مرض، ~~وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته. # وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة ~~رجل بالنفقة السابغة، والكسوة الظاهرة. # وكان يطلب العمل بآثار المنصور، إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله ~~كان # PageV05P392 # أعطى منه للمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك. # وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في ~~الدين، وكان يحب المديح، لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه. # ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدته التي منها: # وسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر # أعطاه خمسة آلاف دينار، وخلعة، وعشرة من الرقيق الرومي، وحمله على برذون ~~من خاص مركبه. # وقيل: كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضحاكا فكها، يعرف أخبار ~~أهل الحجاز، وألقاب الأشراف، ومكايد المجان، فكان الرشيد لا يصبر عنه، ~~وأسكنه في قصره، فجاء ذات ليلة وهو نائم، فقام الرشيد إلى صلاة الفجر، فكشف ~~اللحاف عنه وقال: كيف أصبحت؟ فقال: ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك. قال: قم ~~إلى الصلاة! قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف. فمضى ~~الرشيد يصلي، وقام ابن أبي مريم وأتى الرشيد، فرآه يقرأ في الصلاة: {وما لي ~~لا أعبد الذي فطرني} [يس: 22] فقال: ما أدري والله! فما تمالك الرشيد ms2181 أن ~~ضحك، ثم قال له وهو مغضب: في الصلاة أيضا؟ ! [قال: يا هذا و] ما صنعت؟ قال: ~~قطعت علي صلاتي. قال: والله ما فعلت، إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت: ~~{وما لي لا أعبد الذي فطرني} [يس: 22] فقلت: لا أدري! فعاد الرشيد فضحك ثم ~~قال له: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما. # وقيل: استعمل يحيى بن خالد رجلا على بعض أعمال الخراج، فدخل على الرشيد ~~يودعه وعنده يحيى وجعفر، فقال لهما الرشيد: أوصياه! فقال يحيى: وفر، # PageV05P393 # واعمر. وقال جعفر: أنصف وانتصف! فقال الرشيد: اعدل وأحسن. # وقيل: حج الرشيد مرة فدخل الكعبة، فرآه بعض الحجبة وهو واقف على أصابعه ~~يقول: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك ~~ردا حاضرا، وجوابا عنيدا، ولكل صامت منك علم محيط، ناطق بمواعيدك الصادقة، ~~وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، صل على محمد، وعلى آل محمد، واغفر لنا ~~ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه الغيوب، ولا ~~تنقصه مغفرة الخطايا، يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، ~~واختار لنفسه أحسن الأسماء، صل على محمد، وعلى آل محمد، وخر لي في جميع ~~أموري، يا من خشعت له الأصوات، بأنواع اللغات، يسألونه الحاجات، إن من ~~حاجتي إليك أن تغفر لي ذنوبي إذا توفيتني وصيرت في لحدي، وتفرق عني أهلي ~~وولدي، اللهم لك الحمد حمدا يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق، اللهم صل ~~على محمد، وعلى آل محمد، صلاة تكون له رضى، وصل عليه صلاة تكون له ذخرا، ~~واجزه عنا الجزاء الأوفى، اللهم أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء ~~مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين. # وقيل: دخل ابن السماك على الرشيد، فبينما هو عنده إذ طلب ماء، فلما أراد ~~شربه قال له ابن السماك: مهلا يا أمير المؤمنين، بقرابتك من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لو منعت هذه الشربة، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ~~ملكي. قال: اشرب. فلما شرب قال: أسألك بقرابتك من رسول الله - صلى ms2182 الله ~~عليه وسلم - لو منعت خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي. ~~قال: إن ملكا لا يساوي شربة ماء، (وخروج بولة - لجدير) أن لا ينافس فيه! ~~فبكى الرشيد. # وقيل: كان الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس أشد علي موتا من هارون الرشيد، ~~ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره. فعظم على أصحابه، فلما مات وظهرت ~~الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن - قالوا: # PageV05P394 # الشيخ أعلم بما تكلم به. # وقال محمد بن المنصور البغدادي: لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه ~~عينا يأتيه بما يقول، فرآه يوما قد كتب على الحائط: # أما والله إن الظلم لوم ... وما زال المسيء هو الظلوم # إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم # فأخبر بذلك الرشيد، فبكى، وأحضره واستحله، وأعطاه ألف دينار. # (وقال الأصمعي: صنع الرشيد يوما طعاما كثيرا، وزخرف مجالسه، وأحضر أبا ~~العتاهية، فقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا) ، فقال: # عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور # فقال: أحسنت! ثم قال: ماذا؟ فقال: # يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور # فقال: أحسنت! ثم ماذا؟ فقال: # فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور # فبكى الرشيد. وقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره، فحزنته. ~~فقال: دعه، فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا. # خلافة الأمين # وفي هذه السنة بويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي ~~توفي فيها، وكان المأمون حينئذ بمرو، فكتب حمويه مولى المهدي، صاحب البريد، ~~إلى نائبه ببغداذ، وهو سلام أبو مسلم، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبو مسلم ~~على الأمين فعزاه، وهنأه بالخلافة، فكان أول الناس فعل ذلك. # وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين يخبره بوفاة الرشيد، مع رجاء ~~الخادم، # PageV05P395 # وأرسل معه الخاتم، والقضيب، والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره ~~بالخلد إلى قصر الخلافة، وصلى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى ms2183 الرشيد ~~وعزى نفسه والناس، ووعدهم الخير، وأمن الأبيض والأسود، وفرق في الجند الذين ~~ببغداذ رزق أربعة وعشرين شهرا، ودعا إلى البيعة، فبايعه جلة أهل بيته، ~~(ووكل عم أبيه سليمان بن المنصور بأخذ البيعة) على القواد وغيرهم، وأمر ~~السندي أيضا بمبايعة من عداهم. # ذكر ابتداء الاختلاف بين الأمين والمأمون # وفي هذه السنة ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون ابني الرشيد. # وكان سبب ذلك أن الرشيد لما سار نحو خراسان، وأخذ البيعة للمأمون على ~~جميع من في عسكره من القواد وغيرهم، وأقر له بجميع ما معه من الأموال ~~وغيرها، على ما سبق ذكره - عظم على الأمين ذلك، ثم بلغه شدة مرض الرشيد، ~~فأرسل بكر بن المعتمر، وكتب معه كتبا، وجعلها في قوائم صناديق المطبخ، ~~وكانت منقورة، وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره ~~على ذلك، ولو قتلت، فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم ما معك. # فلما قدم بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه، فدعا به، وسأله عن سبب ~~قدومه، فقال: بعثني الأمين لآتيه بخبرك. قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا. فأمر ~~بما معه ففتش، فلم يصيبوا شيئا، فأمر به فضرب، فلم يقر بشيء، فحبسه وقيده، ~~ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، فقرره فلم يقر ~~بشيء، ثم غشي على الرشيد، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله، وحضر عند ~~الرشيد، فأفاق وهو ضعيف قد شغل عن بكر وغيره ثم مات. # وكان بكر قد كتب إلى الفضل يسأله أن لا يعجل في أمره بشيء، فإن عنده ~~أشياء يحتاج إلى عملها، فأحضره الفضل، وأعلمه بموت الرشيد، وسأله عما عنده، ~~فخاف أن # PageV05P396 # يكون الرشيد حيا، فلما تيقن موته أخرج الكتب التي معه، وهي كتاب إلى أخيه ~~المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس لهما ولأخيهما المؤتمن، ~~ولم يكن المأمون حاضرا، كان بمرو، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر ~~واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل، وكتاب إلى الفضل يأمره ~~بالحفظ والاحتياط على ما ms2184 معه من الحرم والأموال وغير ذلك، وأقر كل من كان ~~له عمل على عمله، كصاحب الشرطة والحرس والحجابة. # فلما قرءوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين، فقال الفضل بن ~~الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره. وأمر الناس ~~بالرحيل، فرحلوا محبة منهم لأهلهم ووطنهم، وتركوا العهود التي كانت أخذت ~~عليهم للمأمون. # فلما بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قواد أبيه، وهم: عبد الله بن مالك، ~~ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، وهو على ~~حجابته، والعباس بن المسيب بن زهير، وهو على شرطته، وأيوب بن أبي سمير، وهو ~~على كتابته، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين، وهو أعظمهم ~~عنده قدرا، وأخصهم به، واستشارهم، فأشاروا أن يلحقهم في ألفي فارس جريدة، ~~فيردهم، فخلا به ذو الرياستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية ~~إلى أخيك، ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا وتوجه رسولا يذكرهم البيعة، ~~ويسألهم الوفاء، ويحذرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة. # ففعل ذلك، ووجه سهل بن صاعد، ونوفلا الخادم، ومعهما كتاب، فلحقا الجند ~~والفضل بنيسابور، فأوصلا إلى الفضل كتابه، فقال: إنما أنا واحد من الجند. ~~وشد عبد الرحمن بن جبلة الأنباري على سهل بالرمح ليطعنه، فأمره على جنبه، ~~وقال له: قل لصاحبك: لو كنت حاضرا لوضعته في فيك. وسب المأمون. # فرجعا إليه بالخبر، فقال ذو الرياستين: أعداء استرحت منهم، ولكن افهم ~~عني؛ إن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام المنصور، فخرج عليه المقنع وهو ~~يدعي الربوبية، وقيل طلب بدم أبي مسلم، فضعضع العسكر بخروجه بخراسان، وخرج ~~بعده يوسف # PageV05P397 # البرم، وهو عند المسلمين كافر، فتضعضعوا أيضا له، فأخبرني أنت، أيها ~~الأمير، كيف رأيت الناس عندما ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتهم اضطربوا ~~اضطرابا شديدا. قال: فكيف بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم، كيف ~~يكون اضطراب أهل بغداذ؟ اصبر، وأنا أضمن لك الخلافة. # قال المأمون: قد فعلت، وجعلت الأمر إليك، فقم ms2185 به. # قال ذو الرياستين: والله لأصدقنك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد ~~إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك مني برياستهم المشهورة، وبما عندهم من ~~القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنت خادما له، حتى تبلغ أملك وترى رأيك. # وقام ذو الرياستين وأتاهم في منازلهم، وذكرهم ما يجب عليهم من الوفاء، ~~قال: فكأني جئتهم بجيفة على طبق. فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج! وقال ~~بعضهم: من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ فجئت وأخبرته، فقال: قم ~~بالأمر! قال: قلت له: قرأت القرآن، وسمعت الأحاديث، وتفقهت في الدين، فأرى ~~أن تبعث إلى من بحضرتك من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء ~~السنة، وتقعد على الصوف، وترد المظالم. # ففعل ذلك جميعه، وأكرمه القواد والملوك وأبناء الملوك، وكان يقول ~~للتميمي: نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي: نقيمك مقام أبي داود، وخالد بن ~~إبراهيم ولليماني: نقيمك مقام قحطبة، ومالك بن الهيثم. وكل هؤلاء نقباء ~~الدولة العباسية، ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلها، وقالوا: ~~ابن أختنا، وابن عم نبينا. # وأما الأمين، فلما سكن الناس ببغداذ أمر ببناء ميدان حول قصر المنصور بعد ~~بيعته بيوم، [للصوالجة واللعب] ، فقال شاعرهم: # بنى أمين الله ميدانا ... وصير الساحة بستانا # وكانت الغزلان فيه بانا ... يهدى إليه فيه غزلانا # PageV05P398 # وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري، وأهدى إلى الأمين، ~~وكتب إليه وعظمه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند، فأرسل رافع بن الليث إلى ~~الترك، فأتوه، وصار هرثمة بين رافع والترك، ثم إن الترك انصرفوا، فضعف ~~رافع. # وفيها قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إلى بغداذ، فلقيها ابنها الأمين ~~بالأنبار، ومعه جمع من بغداذ من الوجوه، وكان معه أخوه ابن الرشيد. # وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان، وكان ملك سبع سنين، وملك بعده ~~ابنه استبراق، وكان مجروحا، فبقي شهرين ومات، فملك بعده ميخائيل بن جورجس، ~~ختنه على أخته. # وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن ms2186 الجزيرة، وأقره على قنسرين ~~والعواصم، واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم. # وحج بالناس هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد، وهو أمير مكة. # PageV05P399 # [الوفيات] # وفيها توفي صقلاب بن زياد الأندلسي، وهو من أصحاب مالك، وكان فقيها ~~زاهدا. # وفي هذه السنة مات مروان بن معاوية الفزاري، وقيل: سنة أربع وتسعين ~~[ومائة] في ذي الحجة. # وفيها توفي إسماعيل ابن علية. وأبو بكر بن عياش، وله ست وتسعون سنة. # (عياش بالياء المثناة من تحت، والشين المعجمة) . # PageV05P400 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة] ### | 194 - # ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة # ذكر خلاف أهل حمص على الأمين # في هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، وعلى عاملهم إسحاق بن سليمان، ~~فانتقل عنهم إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد ~~الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وألقى النار في نواحيها، فسألوا ~~الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم. # ذكر ظهور الخلاف بين الأمين والمأمون # وفي هذه السنة أمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى. # وكان السبب في ذلك أن الفضل بن الربيع لما قدم العراق من طوس، ونكث عهد ~~المأمون، أفكر في أمره، وعلم أن المأمون إن أفضت إليه الخلافة وهو حي - لم ~~يبق عليه، فسعى في إغراء الأمين، وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى ~~بولاية العهد، ولم يكن ذلك في عزم محمد الأمين، فلم يزل الفضل يصغر عنده ~~أمر المأمون، ويزين له خلعه، وقال له: ما تنتظر بعبد الله والقاسم، فإن ~~البيعة كانت لك قبلهما، وإنما أدخلا فيها بعدك. # ووافقه على هذا علي بن عيسى بن ماهان، والسندي وغيرهما، فرجع الأمين إلى ~~قولهم. # ثم إنه أحضر عبد الله بن خازم، فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل، وكان ~~مما # PageV05P401 # قال عبد الله: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أن تكون أول الخلفاء نكث على ~~عهده، ونقض ميثاقه، ورد رأي الخليفة قبله، (فقال) [الأمين] : اسكت! فعبد ~~الملك كان أفضل منك رأيا، وأكمل نظرا، يقول: لا يجتمع فحلان في ms2187 أجمة. # ثم جمع القواد وعرض عليهم خلع المأمون، فأبوا ذلك، وربما ساعده قوم حتى ~~بلغ إلى خزيمة بن خازم فقال: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك ~~من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد ~~فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مغلول. # فأقبل الأمين على علي بن عيسى بن ماهان فتبسم وقال: لكن شيخ الدعوة، ~~ونائب هذه الدولة، لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته. # ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها، لأنه كان هو والفضل بن الربيع ~~يعينانه على الخلع. # ولج الأمين في خلع المأمون، حتى إنه قال يوما للفضل بن الربيع: يا فضل! ~~أحياة مع عبد الله؟ لا بد من خلعه. والفضل يعده وهو يقول: فمتى ذلك؟ إذا ~~غلب على خراسان وما فيها؟ ! # فأول ما فعله أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء لابنه موسى بالإمرة، بعد ~~الدعاء للمأمون وللمؤتمن. # فلما بلغ ذلك المأمون، مع عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط اسم الأمين من ~~الطرز، وقطع البريد عنه. # وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار، لما بلغه حسن سيرة المأمون طلب ~~الأمان، فأجابه إلى ذلك، فحضر عند المأمون، وأقام هرثمة بسمرقند ومعه طاهر ~~بن الحسين، ثم قدم هرثمة على المأمون، فأكرمه وولاه الحرس. فأنكر ذلك كله ~~الأمين، فكان مما وتر عليه أن كتب إلى العباس بن عبد الله بن # PageV05P402 # مالك، وهو عامل المأمون على الري، يأمره أن ينفذ بغرائب غروس الري، يريد ~~امتحانه، فبعث إليه بما أمره، وكتم ذلك عن المأمون وذي الرياستين، فبلغ ~~المأمون، (فعزله بالحسن بن علي المأموني. # ثم وجه الأمين إلى المأمون أربعة) أنفس، وهم: العباس بن موسى بن عيسى بن ~~محمد بن علي، وعيسى بن جعفر بن المنصور، وصالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى ~~بن نهيك، ويطلب إليه أن يقدم ابنه موسى على نفسه (ويحضر عنده، فقد استوحش ~~لبعده) ، فبلغ الخبر المأمون، فكتب إلى عماله بالري ونيسابور وغيرهما، ~~يأمرهم بإظهار العدة والقوة، ففعلوا ذلك، وقدم ms2188 الرسل على المأمون، وأبلغوه ~~الرسالة، وكان ابن ماهان أشار بذلك، وأخبر الأمين أن أهل خراسان معه. # فلما سمع المأمون هذه الرسالة استشار الفضل بن سهل فقال له: أحضر هشاما ~~والد علي وأحمد ابني هشام، واستشره. فأحضره، واستشاره، فقال له: إنما أخذت ~~البيعة علينا على أن لا تخرج من خراسان، فمتى فعل محمد ذلك فلا بيعة له في ~~أعناقنا، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ومتى هممت ~~بالمسير إليه تعلقت بك بيميني، فإذا قطعت تعلقت بيساري، فإن قطعت تعلقت ~~بلساني، فإذا ضربت عنقي كنت أديت ما علي. # فقوي عزم المأمون على الامتناع، فأحضر العباس وأعلمه أنه لا يحضر، (وأنه ~~لا يقدم موسى على نفسه) ، فقال العباس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ~~ذلك، فهذا جدي عيسى بن موسى قد خلع فما ضره. فصاح به ذو الرياستين: اسكت! ~~إن جدك كان أسيرا في أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته. # ثم قاموا، فخلا ذو الرياستين بالعباس بن موسى واستماله، ووعده إمرة ~~الموسم، ومواضع من مصر، فأجاب إلى بيعة المأمون، وسمي المأمون ذلك الوقت ~~بالإمام، فكان العباس يكتب إليهم بالأخبار من بغداد. # PageV05P403 # ورجع الرسل إلى الأمين، فأخبروه بامتناع المأمون، وألح الفضل وعلي بن ~~عيسى على الأمين في خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بن الأمين. وكان الأمين ~~قد كتب إلى المأمون يطلب منه أن ينزل عن بعض كور خراسان، وأن يكون له عنده ~~صاحب البريد يكاتبه بالأخبار، فاستشار المأمون خواصه وقواده، فأشاروا ~~باحتمال هذا الشر والإجابة إليه، خوفا من شر هو أعظم منه. # فقال لهم الحسن بن سهل: أتعلمون أن الأمين طلب ما ليس له؟ قالوا: نعم! ~~ويحتمل ذلك لضرر منعه. قال: فهل تثقون بكفه بعد إجابته، فلا يطلب غيرها؟ ~~قالوا: لا! قال: فإن طلب غيرها، فما ترون؟ قالوا: نمنعه، فهذا خلاف ما ~~سمعناه من قول الحكماء. قال: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروهه ~~في يومك، ولا تلتمس هدنة يومك بإخطار أدخلته على نفسك في غدك. # فقال المأمون لذي الرياستين: ما ms2189 تقول أنت؟ فقال: أسعدك الله، هل تؤمن أن ~~يكون الأمين طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك؟ بل إنما أشار الحكماء بحمل ~~ثقل ترجون به صلاح العاقبة. # فقال المأمون: بإيثار دعة العاجل صار إلى فساد العاقبة في دنياه وآخرته. ~~فامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب. # وأنفذ المأمون ثقته إلى الحد، فلا يمكن أحدا من العبور إلى بلاده إلا مع ~~ثقة من ناحيته، فحظر أهل خراسان أن يستمالوا برغبة أو رهبة، وضبط الطرق ~~بثقات أصحابه، فلم يمكنوا من دخول خراسان إلا من عرفوه، وأتى بجواز، أو ~~[كان] تاجرا معروفا، وفتشت الكتب. # وقيل: لما أراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان قال له ~~إسماعيل بن صبيح: يا أمير المؤمنين، إن هذا مما يقوي التهمة، وينبه على ~~الحذر، # PageV05P404 # ولكن اكتب إليه فأعلمه حاجتك، وما تحب من قربه والاستعانة به على ما ولاك ~~الله، وتسأله القدوم عليك، لترجع إلى رأيه فيما تفعل. # فكتب إليه بذلك، وسير الكتاب مع نفر، وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره، ~~وسير معهم الهدايا الكثيرة، فلما حضر الرسل عنده، وقرأ الكتاب وأشاروا عليه ~~بإجابة الأمين، وأعلموه ما في إجابته من المصلحة العامة والخاصة، فأحضر ذا ~~الرياستين، وأقرأه الكتاب واستشاره، فأشار عليه بملازمة خراسان، وخوفه من ~~القرب من الأمين، فقال: لا يمكنني مخالفته، وأكثر القواد والأموال معه، ~~والناس مائلون إلى الدرهم والدينار، لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة، ولست ~~في قوة حتى أمتنع، وقد فارق جيغويه الطاعة، والتوى خاقان ملك التبت، وملك ~~الكابل قد استعد للغارة على ما يليه، وملك أترادبنده قد منع الضريبة، ومالي ~~بواحد من هذه الأمور بد، ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه، واللحاق بخاقان ملك ~~الترك، والاستجارة به؛ لعلي آمن على نفسي. # فقال ذو الرياستين: إن عاقبة الغدر شديدة، وتبعة البغي غير مأمونة، ورب ~~مقهور قد عاد قاهرا، وليس النصر بالكثرة والقلة، والموت أيسر من الذل ~~والضيم، وما أرى أن تصير إلى أخيك متجردا من قوادك وجندك، كالرأس الذي فارق ~~بدنه، فتكون ms2190 عنده كبعض رعيته، يجري عليك حكمه من غير أن تبلي عذرا في قتال، ~~واكتب إلى جيغويه وخاقان، فولهما بلادهما، وابعث إلى ملك كابل ببعض هدايا ~~خراسان، ووادعه، واترك لملك أترادبنده ضريبته، ثم اجمع أطرافك، وضم جندك، ~~واضرب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان. # فعرف المأمون صدقه، ففعل ما أشار به، فرضى أولئك الملوك العصاة، وضم ~~جنده، وجمعهم عنده، وكتب إلى الأمين: أما بعد، فقد وصل [إلي] كتاب أمير ~~المؤمنين، وإنما أنا عامل من عماله، وعون من أعوانه، أمرني الرشيد بلزوم ~~[هذا] الثغر، ولعمري إن مقامي به أرد على أمير المؤمنين، وأعظم غناء عن ~~المسلمين من الشخوص # PageV05P405 # إلى أمير المؤمنين، فإن كنت مغتبطا بقربه، مسرورا بمشاهدة نعمة الله ~~عنده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرني على عملي ويعفيني من الشخوص [إليه] ~~فعل إن شاء الله. # فلما قرأ الأمين كتاب المأمون علم أنه لا يتابعه على ما يريده، فكتب إليه ~~يسأله أن ينزل عن بعض كور خراسان كما تقدم ذكره، فلما امتنع المأمون أيضا ~~من إجابته إلى ما طلب، أرسل جماعة ليناظروه في منع ما طلب منه، فلما وصلوا ~~إلى الري منعوا، ووجدوا تدبيره محكما، وحفظوا في حال سفرهم وإقامتهم من أن ~~يخبروا ويستخبروا، وكانوا معدين لوضع الأخبار في العامة، فلم يمكنهم ذلك، ~~فلما رجعوا أخبروا الأمين بما رأوا. # وقيل إن الأمين لما عزم على خلع المأمون، وزين له ذلك الفضل وابن ماهان، ~~دعا يحيى بن سليم، وشاوره في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، كيف تفعل ذلك مع ~~ما قد أكد الرشيد من بيعته، وأخذ الشرائط والأيمان في الكتاب الذي كتبه؟ ~~فقال الأمين: إن رأي الرشيد كان فلتة شبهها عليه جعفر بن يحيى، فلا ينفعنا ~~ما نحن فيه إلا بخلعه وقلعه واحتشاشه. # فقال يحيى: إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعه، فلا تجاهره فيستنكر الناس ~~ذلك، ولكن تستدعي الجند بعد الجند، والقائد بعد القائد، وتؤنسها بالألطاف ~~والهدايا، وتفرق ثقاته ومن معه، وترغبهم بالأموال، فإذا وهنت قوته، ~~واستفرغت رجاله، أمرته بالقدوم ms2191 عليك، فإن قدم صار إلى الذي تريد منه، وإن ~~أبى كنت قد تناولته وقد كل حده وانقطع عزه. # فقال الأمين: أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي مصيب، قم فالحق بمدادك ~~وأقلامك. # وكان ذو الرياستين الفضل بن سهل قد اتخذ قوما يثق بهم ببغداذ يكاتبونه ~~بالأخبار، وكان الفضل بن الربيع قد حفظ الطرق، وكان أحد أولئك النفر إذا ~~كاتب ذا الرياستين بما تجدد ببغداذ، سير الكتاب مع امرأة، وجعله في عود ~~أكفاف، وتسير # PageV05P406 # كالمجتازة من قرية إلى قرية، فلما ألح الفضل بن الربيع في خلع المأمون ~~أجابه الأمين إلى ذلك وبايع لولده موسى في صفر، وقيل: في ربيع الأول، سنة ~~خمس وتسعين ومائة، على ما نذكره إن شاء الله - تعالى - وسماه الناطق بالحق، ~~ونهى عن ذكر المأمون والمؤتمن على المنابر، وأرسل إلى الكعبة بعض الحجبة، ~~فأتاه بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد في الكعبة ببيعة الأمين والمأمون، ~~فأحضرهما عنده فمزقهما الفضل. # فلما أتت الأخبار إلى المأمون بذلك قال لذي الرياستين: هذه أمور أخبر ~~الرأي عنها، وكفانا أن نكون مع الحق. # فكان أول ما دبره ذو الرياستين حين بلغه الدعاء للمأمون وصح عنده - أن ~~جمع الأجناد الذين كان اتخذهم بجنبات الري مع الأجناد الذين كانوا بها، ~~ومدهم بالأقوات وغيرها، وكانت البلاد عندهم قد أجدبت، فأكثر عندهم ما ~~يريدونه، حتى صاروا في أرغد عيش، وأقاموا بالحد لا يتجاوزونه. # ثم أرسل إليهم (طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد أبا العباس ~~الخزاعي أميرا فيمن ضم إليه) من قواده وأجناده، فسار مجدا حتى ورد الري ~~فنزلها، فوضع المسالح والمواصل، فقال بعض شعراء خراسان: # رمى أهل العراق ومن عليها ... إمام العدل والملك الرشيد # بأحزم من نشا رأيا وحزما ... وكيدا نافذا مما يكيد # بداهية تأدى خنفقيق ... يشيب لهول صولتها الوليد # فأما الأمين فإنه وجه عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وأمره ~~أن يوجه مقدمته إلى ساوة، ويقيم بهمذان، وجعل الفضل بن الربيع، وعلي بن ~~عيسى يبعثان الأمين ويغريانه بحرب المأمون. # ولما بايع الأمين ms2192 لولده موسى جعله في حجر علي بن عيسى، وجعل على شرطه # PageV05P407 # محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله علي ~~بن صالح المصلى. # ذكر خلاف أهل تونس على ابن الأغلب # في هذه السنة عصى عمران بن مجالد الربيعي، وقريش بن التونسي بتونس على ~~إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، واجتمع فيها خلق كثير، وحصر إبراهيم بن ~~الأغلب بالقصر، وجمع من أطاعه، وخالف عليه أيضا أهل القيروان في جمادى ~~الآخرة، فكانت بينهم وقعة وحرب قتل فيها جماعة (من رجال ابن الأغلب) . # وقدم عمران بن مجالد فيمن معه، فدخل القيروان عاشر رجب، وقدم قريش من ~~تونس إليه، فكانت بينهم وبين ابن الأغلب وقعة في رجب، فانهزم أصحاب ابن ~~الأغلب، ثم التقوا في العشرين منه، فانهزموا ثانية أيضا، (ثم التقوا ثالثة ~~فيه أيضا، فكان الظفر لابن الأغلب، وأرسل عمران بن مجالد إلى أسد بن الفرات ~~الفقيه ليخرج معهم، فامتنع، فأعاد الرسول يقول له: تخرج معنا، وإلا أرسلت ~~إليك من يجر برجلك، فقال أسد للرسول: قل له: والله إن خرجت لأقولن للناس: ~~إن القاتل والمقتول في النار. فتركه) . # ذكر عصيان أهل ماردة وغزو الحكم بلاد الفرنج # في هذه السنة عاود أهل ماردة الخلاف على الحكم بن هشام، أمير الأندلس، ~~وعصوا عليه، فسار بنفسه إليهم، وقاتلهم، ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد ~~وتقاتلهم هذه السنة، وسنة خمس، وسنة ست وتسعين ومائة. # وطمع الفرنج في ثغور المسلمين، وقصدوها بالغارة والقتل، والنهب والسبي، ~~وكان الحكم مشغولا بأهل ماردة، فلم يتفرغ للفرنج، فأتاه الخبر بشدة الأمر ~~على أهل الثغر، وما بلغ العدو منهم، وسمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية، فنادت: ~~واغوثاه يا # PageV05P408 # حكم! فعظم الأمر عليه، وجمع عسكره واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ~~ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد، ونهبها، ~~وقتل الرجال، وسبى الحريم، ونهب الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك ~~المرأة، فأمر لهم من الأسرى بما يفادون به أسراهم، وبالغ في الوصية في ~~تخليص تلك ms2193 المرأة، فتخلصت من الأسر، وقتل باقي الأسرى، فلما فرغ من غزاته ~~قال لأهل الثغور: هل أغاثكم الحكم؟ فقالوا: نعم. ودعوا له، وأثنوا عليه ~~خيرا، وعاد إلى قرطبة مظفرا. # ذكر عدة حوادث # وفيها وثبت الروم على ملكهم ميخائيل، فهرب وترهب، وكان ملك نحو سنتين، ~~وملك بعده أليون القائد. # وكان في الموصل إبراهيم بن العباس استعمله الأمين. # وفي هذه السنة قتل شقيق البلخي الزاهد في غزاة كولان (من بلاد الترك) . # [الوفيات] # وفيها مات الوليد بن مسلم صاحب الأوزاعي، وقيل سنة خمس وتسعين [ومائة] ، ~~وكان مولده سنة عشر ومائة. # وفيها مات حفص بن غياث النخعي، قاضي الكوفة، وكان مولده سنة سبع عشرة ~~ومائة. # PageV05P409 # (غياث بالغين المعجمة) . # وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكان مولده سنة ست عشرة ~~ومائة، وكان قد اختلط في آخر عمره، وكان حديثه صحيحا إلى أن اختلط. # وفيها توفي سيبويه النحوي، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر (أبو بشير) . ~~وقيل: كان توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: كان عمره قد زاد على أربعين ~~سنة، وقيل: كان عمره اثنتين وثلاثين سنة. # وفيها توفي يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، وعمره أربع وسبعون ~~سنة. # PageV05P410 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة] ### | 195 - # ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة # ذكر قطع خطبة المأمون # في هذه السنة أمر الأمين بإسقاط ما كان ضرب لأخيه المأمون من الدراهم ~~والدنانير بخراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة، لأنها لم يكن عليها اسم ~~الأمين، وأمر فدعي لموسى بن الأمين على المنابر، ولقبه الناطق بالحق، وقطع ~~ذكر المأمون لقول بعضهم، وكان موسى طفلا صغيرا، ولابنه الآخر عبد الله، ~~ولقبه القائم بالحق. # ذكر محاربة علي بن عيسى وطاهر # ثم إن الأمين أمر علي بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون. # وكان سبب مسيره، دون غيره، أن ذا الرياستين كان له عين عند الفضل بن ~~الربيع يرجع إلى قوله ورأيه، فكتب ذو الرياستين إلى ذلك الرجل يأمره أن ~~يشير بإنفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصوده أن ابن ms2194 ماهان لما ولي خراسان ~~أيام الرشيد، أساء السيرة في أهلها فظلمهم، فعزله الرشيد لذلك، ونفر أهل ~~خراسان عنه، وأبغضوه، فأراد ذو الرياستين أن يزداد أهل خراسان جدا في ~~محاربة الأمين وأصحابه. # ففعل ذلك الرجل ما أمر ذو الرياستين، فأمر الأمين ابن ماهان بالمسير. # وقيل: كان سببه أن عليا قال للأمين: إن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه ~~إن قصدهم هو أطاعوه، وانقادوا له، وإن كان غيره فلا! فأمره بالمسير، وأقطعه ~~كور الجبل كلها: نهاوند، وهمذان، وقم، وأصبهان، وغير ذلك، وولاه حربها ~~وخراجها، وأعطاه الأموال، وحكمه في الخزائن، وجهز معه خمسين ألف فارس. # PageV05P411 # وكتب إلى أبي دلف القاسم بن (إدريس بن عيسى) العجلي، وهلال بن عبد الله ~~الحضرمي بالانضمام إليه، وأمده بالأموال والرجال شيئا بعد شيء. # فلما عزم على المسير من بغداذ ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها، ~~فقالت له: يا علي! إن أمير المؤمنين [و] إن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي، ~~فإني على عبد الله منعطفة مشفقة، لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ~~ملك نافس أخاه في سلطانه [وغاره على ما في يده] ، والكريم يأكل لحمه ويميقه ~~غيره، فاعرف لعبد الله حق ولادته وأخوته، ولاتجبهه بالكلام، فإنك لست [له] ~~بنظير، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غل، ولا تمنع عنه ~~جارية ولا خادما، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب ~~قبله، وخذ بركابه [إذا ركب] ، وإن شتمك فاحتمل منه. # ثم دفعت إليه قيدا من فضة، وقالت: إن صار إليك فقيده بهذا القيد! فقال ~~لها: سأفعل (مثل) ما أمرت. # ثم خرج علي بن عيسى في شعبان، وركب الأمين يشيعه، ومعه القواد والجنود، ~~وذكر مشايخ بغداذ أنهم لم يروا عسكرا أكثر رجالا، وأفره كراعا، وأتم عدة ~~وسلاحا - من عسكره. ووصاه الأمين، وأمره إن قاتله المأمون أن يحرص على ~~أسره. # ثم سار فلقيه القوافل عند جلولاء، فسألهم فقالوا له: إن طاهرا مقيم بالري ~~يعرض أصحابه، ويرم آلته، والأمداد تأتيه من خراسان، وهو يستعد للقتال، ms2195 ~~فيقول: إنما طاهر شوكة من أغصاني، وما مثل طاهر يتولى الجيوش، ثم قال ~~لأصحابه: ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح، والريح العاصف - ~~إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والبغال ~~لا صبر لها على لقاء الأسد، وإن # PageV05P412 # أقام تعرض لحد السيف وأسنة الرماح، وإذا (قاربنا الري ودنونا منهم) فت ~~ذلك في أعضادهم. # ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان، وما والاها من الملوك، يعدهم ~~الصلات، وأهدى لهم التيجان والأسورة وغيرها، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان، ~~فأجابوه إلى ذلك، وسار حتى أتى أول أعمال الري، وهو قليل الاحتيال، فقال له ~~جماعة من أصحابه: لو أركبت العيون، وعملت خندقا لأصحابك، وبعثت الطلائع ~~لأمنت البيات، وفعلت الرأي، فقال: مثل طاهر لا يستعد له، وإن حاله يئول إلى ~~أمرين: إما [أن] يتحصن بالري فيبيته أهلها، فيكفونا أمره، وإما أن يرجع ~~ويتركها، إذا قربت خيلنا منه، فقالوا له: لو كان عزمه تركها والرجوع لفعل، ~~فإننا قد قربنا منه فلم يفعل. # ولما صار بينه وبين الري عشرة فراسخ استشار طاهر أصحابه، وأشاروا عليه أن ~~يقيم بالري، ويدافع القتال إلى أن يأتيه من خراسان المدد، وقائد يتولى ~~الأمور دونه، وقالوا له: إن مقامك [بمدينة الري] أرفق بأصحابك [وبك] ، ~~وأقدر لهم على الميرة، وأكن من البرد، وتعتصم بالبيوت، وتقدر على المماطلة، ~~فقال طاهر: إن الرأي ليس ما رأيتم، إن أهل الري لعلي هائبون، ومن سطوته ~~مشفقون، ومعه من أعراب البوادي وصعاليك الجبال والقرايا كثير، ولست آمن إن ~~أقمت بالري، أن يثب أهلها بنا خوفا من علي، وما الرأي إلا أن نسير إليه، ~~فإن ظفرنا، وإلا عولنا عليها، فقاتلناه فيها إلى أن يأتينا مدد. # فنادى طاهر في أصحابه فخرج من الري في أقل من أربعة آلاف فارس، وعسكر على ~~خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام، وكان على شرطة طاهر، فقال له: إن أتانا ~~علي بن عيسى فقال: أنا عامل أمير المؤمنين، وأقررنا له بذلك، فليس لنا أن ~~نحاربه، فقال طاهر: لم ms2196 يأتني في ذلك شيء. فقال: دعني وما أريد، فقال: افعل! ~~فصعد المنبر، فخلع محمدا، ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا عنها، وقال له بعض ~~أصحابه: إن جندك # PageV05P413 # قد هابوا هذا الجيش، فلو أخرت القتال إلى أن يشامهم أصحابك، ويأنسوا بهم، ~~ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم، قال: إني لا أوتى من قلة تجربة وحزم، إن ~~أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم، كثير عددهم، فإن أخرت القتال اطلعوا على ~~قلتنا، واستمالوا من معي برهبة أو رغبة، فيخذلني أهل الصبر والحفاظ، ولكن ~~ألف الرجال بالرجال، وأقحم الخيل على الخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، ~~وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بالشهادة، فإن نصرنا الله فذلك الذي ~~نريده ونرجوه، وإن يكن الأخرى فلست بأول من قاتل (وقتل، وما عند الله أجزل ~~وأفضل. # وقال علي لأصحابه: بادروهم، فإنهم قليلون) ، ولو وجدوا حرارة السيوف وطعن ~~الرماح لم يصبروا عليها. # وعبى جنده ميمنة وميسرة وقلبا، وعبى عشر رايات، مع كل راية مائة رجل، ~~وقدمها راية راية، وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وأمر أمراءها إذا قاتلت ~~الراية الأولى وطال قتالهم أن تتقدم التي تليها، وتتأخر هي حتى تستريح، ~~وجعل أصحاب الجواشن أمام الرايات، ووقف في شجعان أصحابه. # وعبى طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرضهم، ويوصيهم، ويرجيهم. # وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علي، فجلد بعضهم، وأهان الباقين، فكان ذلك ~~مما ألب الباقين على قتاله، وزحف الناس بعضهم إلى بعض، فقال أحمد بن هشام ~~لطاهر: ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا للمأمون خاصة ~~معاشر أهل خراسان؟ قال: أفعل. فأخذ البيعة فعلقها على رمح، وقام بين ~~الصفين، وطلب الأمان فأمنه علي بن عيسى، فقال له: ألا تتقي الله - عز وجل - ~~أليس هذه نسخة البيعة التي # PageV05P414 # أخذتها أنت خاصة؟ اتق الله، فقد بلغت باب قبرك! فقال علي: من أتاني به ~~فله ألف درهم، فشتمه أصحاب أحمد، وخرج من أصحاب علي رجل يقال له حاتم ~~الطائي، فحمل عليه طاهر، وأخذ السيف بيديه وضربه، فصرعه، فلذلك سمي طاهر ذا ~~اليمينين. # ووثب ms2197 أهل الري فأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: اشتغلوا بمن ~~أمامكم عمن خلفكم، فإنه لا ينجيكم إلا الجد والصدق. ثم اقتتلوا قتالا ~~شديدا، وحملت ميمنة علي على ميسرة طاهر، فانهزمت هزيمة منكرة، وميسرته على ~~ميمنة طاهر، فأزالتها عن موضعها، فقال طاهر: اجعلوا جدكم وبأسكم على القلب، ~~واحملوا حملة خارجية، فإنكم متى فضضتم منها راية واحدة رجعت أوائلها على ~~أواخرها. فصبر أصحابه صبرا صادقا، وحملوا على أول رايات القلب، فهزموهم، ~~وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الرايات بعضها على بعض، فانتفضت ميمنة علي. # ورأى ميمنة طاهر وميسرته ما فعل أصحابهم، فرجعوا على من بإزائهم، ~~فهزموهم، وانتهت الهزيمة إلى علي، فجعل ينادي أصحابه: أين أصحاب الخواص، ~~والجوائز، والأسورة، والأكاليل، إلى الكرة بعد الفرة! فرماه رجل من أصحاب ~~طاهر بسهم فقتله، قيل كان داود سياه، وحمل رأسه إلى طاهر، وشدت يداه إلى ~~رجليه، وحمل على خشبة إلى طاهر، فأمر به فألقي في بئر، فأعتق طاهر من كان ~~عنده من غلمانه شكرا لله - تعالى - وتمت الهزيمة، ووضع أصحاب طاهر فيهم ~~السيوف، وتبعوهم فرسخين واقعوهم فيها اثنتي عشرة مرة، في كل ذلك ينهزم عسكر ~~الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال الليل بينهم، وغنموا غنيمة ~~عظيمة. # ونادى طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن. وطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم، ~~ورجع طاهر إلى الري، وكتب إلى المأمون وذي الرياستين: " بسم الله الرحمن ~~الرحيم، كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في ~~إصبعي، وجنده مصرفون تحت أمري، والسلام ". # PageV05P415 # فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيام، وبينهما نحو من خمسين ومائتي فرسخ، ~~فدخل ذو الرياستين على المأمون، فهنأه بالفتح، وأمر الناس، فدخلوا عليه، ~~فسلموا عليه بالخلافة، ثم وصل رأس علي بعد الكتاب بيومين، فطيف به في ~~خراسان. # ولما وصل الكتاب بالفتح كان المأمون قد جهز هرثمة في جيش كثير ليسيره ~~نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح. # وأما الأمين فإنه أتاه نعي علي بن عيسى وهو يصطاد السمك، فقال للذي ~~أخبره: ويلك دعني، فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين، وأنا ms2198 ما صدت شيئا بعد. # ثم بعث الفضل إلى نوفل الخادم، وهو وكيل المأمون على مكة بالسواد، ~~والناظر في أمر أولاده ببغداذ، وكان للمأمون معه ألف ألف درهم كان قد وصله ~~بها الرشيد، فأخذ جميع ما عنده، وقبض ضياعه وغلاته، فقال بعض شعراء بغداذ ~~في ذلك: # أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير # ففضل وزير، وبكر مشير ... يريدان ما فيه حتف الأمير # وما ذاك إلا طريق غرور ... وشر المسالك طرق الغرور # في عدة أبيات تركتها لما فيها من القذف الفاحش، ولقد عجبت لأبي جعفر حيث ~~ذكرها مع ورعه. # وندم الأمين على نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض في النصف من ~~شوال، فاتفقوا على طلب الأرزاق والشغب، ففعلوا ذلك، ففرق فيهم مالا كثيرا ~~بعد أن قاتلهم عبد الله بن خازم، فمنعه الأمين. # ذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة # لما اتصل بالأمين قتل علي بن عيسى، وهزيمة عسكره - وجه عبد الرحمن بن ~~جبلة الأنباري في عشرين ألف رجل نحو همذان، واستعمله عليها، وعلى كل ما ~~يفتحه من # PageV05P416 # أرض خراسان، وأمره بالجد، وأمده بالأموال، فسار حتى نزل همذان، وحصنها ~~ورم سورها. # وأتاه طاهر إلى همذان، فخرج إليه عبد الرحمن على تعبئة، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وصبر الفريقان، وكثر القتل والجراح فيهم، ثم انهزم عبد الرحمن ودخل ~~همذان، فأقام بها أياما، حتى قوي أصحابه، واندمل جراحهم، ثم خرج إلى طاهر، ~~فلما رآهم قال لأصحابه: إن عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإذا قربتم منه ~~قاتلكم، فإن هزمتموه ودخل المدينة قاتلكم على خندقها، وإن هزمكم اتسع له ~~المجال، ولكن قفوا قريبا من عسكرنا وخندقنا، فإن قرب منا قاتلناه. # فوقفوا فظن عبد الرحمن أن الهيبة منعتهم، فتقدم إليهم، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وصبر الفريقان، وكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل يطوف عليهم، ~~ويحرضهم، ويأمرهم بالصبر، ثم إن رجلا من أصحاب طاهر حمل على صاحب علم عبد ~~الرحمن فقتله، وزحمهم أصحاب طاهر، فانهزموا، ووضع فيهم أصحاب طاهر السيوف ~~يقتلونهم، حتى انتهوا إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها ms2199 محاصرا لها، فاشتد ~~بهم الحصار، وضجر أهل المدينة، فخاف عبد الرحمن أن يثب به أهل المدينة مع ~~ما فيه أصحابه من الجهد، فأرسل إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه، ~~فأمنه، فخرج عن همذان. # ذكر استيلاء طاهر على أعمال الجبل # لما نزل طاهر بباب همذان، وحصر عبد الرحمن بها، تخوف أن يأتيه كثير بن ~~قادرة من ورائه، وكان بقزوين، فأمر أصحابه بالقيام، وسار في ألف فارس نحو ~~قزوين، فلما سمع به كثير بن قادرة، وكان في جيش كثيف، هرب من بين يديه ~~وأخلى قزوين، # PageV05P417 # وجعل طاهر فيها جندا، واستعمل عليها رجلا من أصحابه، وأمره أن يمنع من ~~أراد دخولها، واستولى على سائر أعمال الجبل معها. # ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة # في هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، وكان سبب قتله أنه لما ~~خرج في أمان طاهر أقام يري طاهرا وأصحابه أنه مسالم لهم، راض بأمانهم، ثم ~~اغترهم وهم آمنون، فركب في أصحابه، وهجم على طاهر وأصحابه ولم يشعروا، فثبت ~~له رجالة طاهر، وقاتلوه حتى أخذت الفرسان أهبتها، واقتتلوا أشد قتال رآه ~~الناس، حتى تقطعت السيوف، وتكسرت الرماح، وانهزم عبد الرحمن، وبقي في نفر ~~من أصحابه، فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب، فاهرب، فقال: لا يرى ~~أمير المؤمنين وجهي منهزما أبدا. ولم يزل يقاتل حتى قتل. # وانتهى من انهزم من أصحابه إلى عبد الله وأحمد ابني الحرشي، وكانا في جيش ~~عظيم بقصر اللصوص، قد سيره الأمين معونة لعبد الرحمن، فلما بلغ المنهزمون ~~إليهما انهزما أيضا في جندهما من غير قتال، حتى دخلوا بغداذ، وخلت البلاد ~~لطاهر، فأقبل يحوزها بلدة بلدة، وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من قرى ~~حلوان، فخندق بها، وحصن عسكره، وجمع أصحابه. # ذكر خروج السفياني # في هذه السنة خرج السفياني، وهو علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن ~~معاوية، وأمه نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وكان ~~يقول: أنا من شيخي صفين - يعني عليا ومعاوية - وكان يلقب ms2200 بأبي العميطر ; ~~لأنه قال يوما لجلسائه: أي شيء كنية الحرذون؟ قالوا: لا ندري. قال: هو أبو ~~العميطر. فلقبوه به. # PageV05P418 # ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة في ذي الحجة، وقوي على سليمان بن المنصور، ~~عامل دمشق، فأخرجه عنها، وأعانه الخطاب بن وجه الفلس، مولى بني أمية، وكان ~~قد تغلب على صيدا. # ولما خرج سير إليه الأمين الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة، ~~ولم يسر إلى دمشق. # وكان عمر أبي العميطر، حين خرج، تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علما ~~كثيرا، وكان حسن السيرة، فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما نقلوا عنه. # وكان أكبر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي يدعوه ~~إلى طاعته، ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفياني على قصد ~~القيسية، فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم في ثلاثمائة فارس من الضباب ~~ومواليه، واتصل الخبر بالسفياني، فوجه إليه يزيد بن هشام في اثني عشر ألفا، ~~فالتقوا، فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم إلى أن دخلوا أبواب دمشق زيادة ~~على ألفي رجل، وأسر ثلاثة آلاف، فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رءوسهم ولحاهم. # وضعف السفياني، وحصر بدمشق، ثم جمع جمعا، وجعل عليهم ابنه القاسم، وخرجوا ~~إلى ابن بيهس، فالتقوا، فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفياني، وبعث رأسه إلى ~~الأمين، ثم جمع جمعا آخر، وسيرهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس، فقتل ~~المعتمر، وانهزم أصحابه، فوهن أمر أبي العميطر، وطمع فيه قيس. # ثم مرض ابن بيهس، فجمع رؤساء بني نمير، فقال لهم: ترون ما أصابني من علتي ~~هذه، فارفقوا ببني مروان، وعليكم بمسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعيد ~~بن مسلمة بن عبد الملك، فإنه ركيك، وهو ابن أختكم، وأعلموه أنكم لا تتبعون ~~بني أبي سفيان، وبايعوه بالخلافة، وكيدوا به السفياني. # وعاد ابن بيهس إلى حوران، واجتمعت نمير على مسلمة، وبذلوا له البيعة، ~~فقبل منهم، وجمع مواليه، ودخل على السفياني، فقبض عليه وقيده، وقبض على ~~رؤساء بني # PageV05P419 # أمية فبايعوه، وأدنى ms2201 قيسا، وجعلهم خاصته، فلما عوفي ابن بيهس عاد إلى ~~دمشق فحصرها، فسلمها إليه القيسية وهرب مسلمة والسفياني في ثياب النساء إلى ~~المزة، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، ودخل ابن بيهس دمشق، ~~وغلب عليها، وبقي بها إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق، ودخل إلى مصر، ~~وعاد إلى دمشق، فأخذ ابن بيهس معه إلى العراق، فمات بها. # ذكر عدة حوادث # وكان العامل على مكة والمدينة لمحمد الأمين داود بن عيسى بن موسى، وهو ~~الذي حج بالناس سنة ثلاث وتسعين أيضا. # وكان على الكوفة العباس بن الهادي للأمين. # وعلى البصرة له أيضا منصور بن المهدي. # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، وكان يتشيع، وهو ثقة في ~~الحديث. # وفيها توفي أبو نواس الحسن بن هانئ الشاعر المشهور، وكان عمره تسعا ~~وخمسين سنة، ودفن بالشونيزي ببغداذ. ومحمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي ~~مولاهم. ويوسف بن أسباط أبو يعقوب. # PageV05P420 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة] ### | 196 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة # ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال # في هذه السنة سير الأمين أسد بن يزيد بن مزيد، وسير عمه أحمد بن مزيد، ~~وعبد الله بن حميد بن قحطبة، إلى حلوان لحرب طاهر. # وكان سبب ذلك ما ذكره أسد قال: إنه لما قتل عبد الرحمن أرسل إلي الفضل بن ~~الربيع يستدعيني، فجئته، ودخلت عليه وهو قاعد بيده رقعة قد قرأها، وقد ~~احمرت عيناه، فاشتد غضبه، وهو يقول: ينام نوم الظربان، وينتبه انتباه ~~الذئب، همه بطنه، يخاتل الرعاة والكلاب ترصده، لا يفكر في زوال نعمة، ولا ~~يروي في إمضاء رأي، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام ~~توضع في هلاكه، قد شمر له عبد الله عن ساق، وفوق له أصوب أسهمه، يرميه على ~~بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، وقد عبى له المنايا على ظهور ~~الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع وتمثل بشعر ~~البعيث: # ومجدولة ms2202 جدل العنان خريدة ... لها شعر جعد ووجه مقسم # وثغر نقي اللون عذب مذاقه ... يضيء له الظلماء ساعة تبسم # PageV05P421 # وثديان كالحقين، والبطن ضامر # خميص، وجهم ناره تتضرم ... لهوت بها ليل التمام ابن خالد # وأنت بمرو الروذ غيظا تجرم ... أظل أناغيها وتحت ابن خالد # أمية نهد المركلين عثمثم ... طواه طراد الخيل في كل غارة # لها عارض فيه الأسنة ترزم ... يقارع أتراك ابن خاقان ليله # إلى أن يرى الإصباح ما يتلغم ... فيصبح من طول الطراد وجسمه # نحيل وأضحي في النعيم أصمم ... أباكرها صهباء كالمسك ريحها # لها أرج في دنها حين يرسم ... فشتان ما بيني وبين ابن خالد # أمية في الرزق الذي الله يقسم # ثم التفت إلي فقال: أبا الحرث! أنا وإياك نجري إلى غاية، إن قصرنا عنها ~~ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل، إن قوي ~~قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، ~~يشاور النساء، ويعتزم على الرياء، وقد أمكن مسامعه من أهل اللهو والجسارة، ~~فهم يعدونه الظفر، ويمنونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى ~~قيعان الرمل، وقد خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب ~~وابن فارسها، وقد فزع إليك في هذا الأمر ولقاء هذا الرجل، وأطمعه فيما قبلك ~~أمران: أحدهما صدق الطاعة وفضل النصيحة، والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك، وقد ~~أمرني بإزاحة علل (ما عليك) ، وبسط يدك فيما أحببت، غير أن الاقتصاد رأس ~~النصيحة، ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعجل المبادرة إلى عدوك، ~~فإني أرجو أن يوليك الله هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة. # PageV05P422 # فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين وطاعتك مقدم، ولكل ما دخل فيه الوهن على ~~عدوه وعدوك حريص، غير أن المحارب لا يعمل بالغدر، ولا يفتح أمره بالتقصير ~~والخلل، وإنما ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، والذي أسأل أن ~~يؤمر لأصحابي برزق سنة، وتحمل معهم أرزاق سنة، ويخص أهل الغناء والبلاء، ~~وأبدل من فيهم من الضعفى، وأحمل ألف رجل ممن معي على الخيل، ms2203 ولا أسأل عن ~~محاسبة ما افتتحت من المدن والكور. فقال: قد اشتططت، ولا بد من مناظرة أمير ~~المؤمنين. # ثم ركب وركبت معه، فدخل قبلي على الأمين، وأذن لي فدخلت، فما كان إلا ~~كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي. # وقيل: إنه طلب أن يدفع ولدي المأمون، فإن أطاعه وإلا قتلهما، فقال ~~الأمين: أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاية أعنة العرب والعجم، وأطعمك خراج ~~كور الجبال إلى خراسان، وأرفع منزلتك على نظرائك من أبناء القواد والملوك، ~~وتدعوني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا للخرق والتخليط. # وكان ببغداذ ابنان للمأمون مع أمهما أم عيسى ابنة الهادي، وقد طلبهما ~~المأمون من أخيه في حال السلام، فمنعهما من المال الذي كان له، فلما حبس ~~أسدا قال: هل في أهل بيته من يقوم مقامه، فإني أكره أن أفسدهم مع نباهتهم، ~~وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم. # قالوا: نعم، عمه أحمد بن مزيد، وهو أحسنهم طريقة، له بأس ونجدة، وبصر ~~بسياسة الحرب. فأنفذ إليه أحضره، فأتى الفضل، فدخل عليه وعنده عبد الله بن ~~حميد بن قحطبة، وهو يريده على المسير إلى طاهر وعبد الله يشط. # قال أحمد: فلما رآني الفضل رحب بي، ورفعني إلى صدر المجلس، ثم أقبل على ~~عبد الله يداعبه، ثم قال: # PageV05P423 # إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم ... من آل شيبان أما دونكم وأبا # الأكثرون إذا عد الحصى عددا ... والأقربون إلينا منكم نسبا # فقال عبد الله: أقسم لكذلك، وفيهم سد الخلل، ونكء العدو، ودفع معرة أهل ~~المعصية عن أهل الطاعة. # فقال له الفضل: إن أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتك له، فأحب اصطناعك ~~والتنويه باسمك، وأن يرفعك إلى منزلة لم يبلغها أحد من أهل بيتك. # ثم مضى ومضيت معه إلى الأمين، فدخلنا عليه، فقال لي في حبس أسد، واعتذر ~~إلي، وأمرني بالمسير إلى حرب طاهر، فقلت: سأبذل في طاعة أمير المؤمنين ~~مهجتي، وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي ورجاه من غنائي وكفايتي، إن ~~شاء الله - تعالى -. # فأمر الفضل بأن يمكنه من العساكر يأخذ ms2204 منهم من أراد، وأمره بالجد في ~~المسير والتجهز، فأخذ من العسكر عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله بن حميد ~~بن قحطبة في عشرين ألفا، وسار بهم إلى حلوان، وشفع في أسد ابن أخيه، ~~فأطلقه. # وأقام أحمد وعبد الله بخانقين، وأقام طاهر بموضعه، ودس الجواسيس والعيون، ~~وكانوا يرجفون في عسكر أحمد وعبد الله أن الأمين قد وضع العطاء لأصحابه، ~~وأمر لهم بالأرزاق الوافرة، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف بينهم، حتى ~~اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضا، ورجعوا عن خانقين من غير أن ~~يلقوا طاهرا. # PageV05P424 # وتقدم طاهر فنزل حلوان، فلما نزلها لم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه هرثمة في ~~جيش من عند المأمون، ومعه كتاب إلى طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن ~~والكور إلى هرثمة، ويتوجه هو إلى الأهواز، ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان ~~وحصنها، وسار طاهر إلى الأهواز. # ذكر الفضل بن سهل # في هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين، ورفع منزلة الفضل بن سهل. # وسبب ذلك أنه لما أتاه خبر قتل ابن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة، وصح عنده ~~الخبر بذلك، أمر أن يخطب له، ويخاطب بأمير المؤمنين، ودعا الفضل بن سهل ~~وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولا، ومن بحر فارس إلى بحر ~~الديلم وجرجان عرضا، وجعل له عمالة ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على ~~سنان ذي شعبتين، ولقبه ذا الرياستين، رياسة الحرب، والقلم، وحمل اللواء علي ~~بن هشام، وحمل القلم نعيم بن حازم، وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج. # ذكر عبد الملك بن صالح بن علي وموته # قد ذكرنا قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، وحبسه إياه، فلم يزل محبوسا ~~حتى مات الرشيد، فأخرجه الأمين من الحبس في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ~~[ومائة] ، وأحسن إليه، فشكر عبد الملك ذلك له. # فلما كان من طاهر ما كان دخل عبد الملك على الأمين، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين، أرى الناس قد طمعوا فيك، وجندك قد أعيتهم الهوام، وأضعفتهم ~~الحروب، وامتلأت قلوبهم ms2205 هيبة لعدوهم، فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه ~~كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم ~~الحرب، وأدبتهم الشدائد، وكلهم منقاد (إلي متنازع إلى طاعتي) ، وإن وجهني ~~أمير المؤمنين اتخذت له منهم # PageV05P425 # جندا يعظم نكايتهم في عدوه. # فولاه الأمين الشام والجزيرة، وقواه بمال ورجال، وسيره سيرا حثيثا. # فسار حتى نزل الرقة، وكاتب رؤساء أهل الشام، وأهل القوة والجلد والبأس، ~~فأتوه رئيسا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فأكرمهم ومناهم، وخلع عليهم، وكثر ~~جمعه، فمرض واشتد مرضه. # ثم إن بعض جنود خراسان المقيمين في عسكر الشام رأى دابة كانت أخذت منه في ~~وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل من أهل الشام أيضا، فتعلق بها، ~~واجتمع جماعة من الزواقيل والجند، فتضاربوا، واجتمعت الأبناء وتألبوا، ~~وأتوا الزواقيل وهم غارون، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ~~وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولهم، ونشبت الحرب بينهم. # وبلغ ذلك عبد الملك، فوجه إليهم يأمرهم بالكف، فلم يفعلوا، واقتتلوا ~~يومهم ذلك قتالا شديدا، وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل، فأخبر عبد الملك ~~بذلك، وكان مريضا مدنفا، فضرب بيده على يده، وقال: واذلاه! تستضام العرب في ~~دورها وبلادها! فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء، وتفاقم الأمر، وقام ~~بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزواقيل فاجتمعوا ~~بالرقة، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة. # وقام رجل من أهل حمص فقال: يا أهل حمص! الهرب أهون من العطب، والموت أهون ~~من الذل، إنكم قد بعدتم عن بلادكم، ترجون الكثرة بعد القلة، والعزة بعد ~~الذلة، ألا وفي الشر وقعتم، وفي حومة الموت أنختم، إن المنايا في شوارب ~~المسودة وقلانسهم، النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر ~~الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المهرب. # وقام رجل من كلب في غرز ناقته، فقال نحوا من ذلك، ثم قال: ألا وإني سائر، ~~فمن أراد الانصراف فلينصرف معي! ثم سار فسار معه عامة أهل الشام. # PageV05P426 # وأحرقت الزواقيل ما كان التجار قد جمعوه من الأعلاف، وأقبل نصر بن ms2206 شبث ~~العقيلي، ثم حمل وأصحابه، فقاتل قتالا شديدا، وصبر الجند لهم، وكان أكثر ~~القتل في الزواقيل لكثير بن قادرة، وأبي الفيل، وداود بن موسى بن عيسى ~~الخراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث، وعمرو بن ~~عبد العزيز السلمي، والعباس بن زفر الكلابي. # ثم توفي عبد الملك بن صالح بالرقة في هذه السنة. # ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون وعود الأمين إلى الخلافة # فلما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في ~~الجند، فجعل الرجالة في السفن، وسار الفرسان على الظهر في رجب، فلما قدم ~~بغداذ لقيه القواد وأهل بغداذ، وعملت له القباب، ودخل منزله. # فلما كان جوف الليل بعث إليه الأمين يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: ما ~~أنا بمغن، ولا مسامر، ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا مالا، فلأي شيء ~~يريدني هذه الساعة؟ انصرف، فإذا أصبحت غدوت إليه، إن شاء الله. # وأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، واجتمع إليه الناس فقال: يا معشر ~~الأبناء، إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونعمته لا تستصحب بالتجبر، وإن ~~محمدا يريد أن يوقع أديانكم، وينقل عزكم إلى غيركم، وهو صاحب الزواقيل، ~~وبالله إن طالت به مدة ليرجعن وبال ذلك عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع ~~آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره ناصر منكم إلا خذل، ~~وما عند الله - عز وجل - لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده، ~~والحنث بأيمانه. # ثم أمر الناس بعبور الجسر فعبروا، وصاروا إلى سكة باب خراسان، وتسرعت # PageV05P427 # خيول الأمين إلى الحسين، فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الأمين ~~وتفرقوا، فخلع الحسين الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وأخذ ~~البيعة للمأمون من الغد يوم الاثنين. # فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بالأمين، فأخرجه من ~~قصر الخلد، وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمه زبيدة أيضا، فجعلها مع ابنها. # فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق، وماجوا بعضهم في بعض، ~~فقام محمد بن خالد بباب ms2207 الشام، فقال: أيها الناس! والله ما أدري بأي سبب ~~تأمر الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا؟ ما هو بأكبرنا سنا، وما ~~هو بأكبرنا حسبا، ولا بأعظمنا منزلة وغنى، وإني أولكم أنقض عهده، وأظهر ~~الإنكار لفعله، فمن كان على رأيي فليعتزل معي. # وقال أسد الحربي: يا معشر الحربية! هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم ~~فطال نومكم، وتأخرتم فتقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بخلع الأمين، ~~فاذهبوا أنتم بذكر فكه وإطلاقه. # وأقبل شيخ على فرس فقال: أيها الناس، هل تعتدون على محمد بقطع أرزاقهم؟ ~~قالوا: لا! قال: فهل قصر بأحد من رؤسائكم، وعزل أحدا من قوادكم؟ قالوا: لا! ~~قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على أسره؟ وايم الله ما قتل قوم ~~خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف، انهضوا إلى خليفتكم فقاتلوا عنه من أراد ~~خلعه. فنهضوا وتبعهم أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين قتالا شديدا، فأسر الحسين ~~بن علي، ودخل أسد الحربي على الأمين، فكسر قيوده، وأقعده في مجلس الخلافة. # PageV05P428 # ورأى الأمين أقواما ليس عليهم لباس الجند، وأمرهم بأخذ السلاح، فانتهبته ~~الغوغاء، ونهبوا غيره. وحمل إليه الحسين أسيرا، فلامه، فاعتذر له الحسين، ~~فأطلقه، وأمره بجمع الجند، ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع عليه، وولاه ما ~~وراء بابه، وأمره بالمسير إلى حلوان، فوقف الحسين بباب الجسر والناس ~~يهنئونه، فلما خف عنه الناس قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين في الجند يطلبه، ~~فركبوا كلهم، فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداذ، فقاتلهم فعثر به فرسه، ~~فسقط عنه، فقتل وأخذوا رأسه. # وقيل: إن الأمين كان استوزره وسلم إليه خاتمه. # وجدد الجند البيعة للأمين بعد قتل الحسين بيوم، وكان قتله خامس عشر رجب، ~~فلما قتل الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع واختفى. # ذكر ما فعله طاهر بالأهواز # لما نزل طاهر بشلاشان وجه الحسين بن عمر الرستمي إلى الأهواز وأمره ~~بالحذر، فلما توجه أتت طاهرا عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيد بن حاتم ~~المهلبي، وكان عاملا للأمين على الأهواز، قد توجه في جمع عظيم يريد ~~جنديسابور ليحمي ms2208 الأهواز من أصحاب طاهر، فدعا طاهر عدة من أصحابه، منهم: ~~محمد بن طالوت، ومحمد بن العلاء، والعباس بن بخاراخذاه وغيرهم، وأمرهم أن ~~يجدوا السير، حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الرستمي، فإن احتاج إلى مدد أمدوه. # فساروا حتى شارفوا الأهواز ولم يلقوا أحدا، وبلغ خبرهم محمد بن يزيد، ~~فسار حتى نزل عسكر مكرم، وصير العمران والماء وراء ظهره، وتخوف طاهر أن ~~يعجل إلى أصحابه، فأمدهم بقريش بن شبل، وتوجه هو بنفسه حتى كان قريبا منهم، ~~وسير الحسين بن علي المأموني إلى قريش والرستمي، فسارت تلك العساكر حتى ~~أشرفوا على محمد بن يزيد بعسكر مكرم، فاستشار أصحابه في المطاولة ~~والمناجزة، فأشاروا عليه # PageV05P429 # بالرجوع إلى الأهواز والتحصن بها، وأن يستدعي الجند من البصرة وقومه ~~الأزد، ففعل ذلك، فسير طاهر وراءه قريش بن شبل، وأمره بمبادرته قبل أن ~~يتحصن بالأهواز، فسبقه محمد بن يزيد، ووصل بعده بيوم قريش، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فالتفت محمد إلى من معه من مواليه، وكان أصحابه قد رجعوا عنه، فقال ~~لمواليه: ما رأيكم؟ إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمن خذلانهم، ولا أرجو ~~رجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي حتى يقضي الله بما أحب، فمن ~~أراد الانصراف فلينصرف، فوالله لئن تبقوا أحب إلي من أن تموتوا. # فقالوا: والله ما أنصفناك إذا أن تكون قد أعتقتنا من الرق، ورفعتنا من ~~الضعة، وأغنيتنا بعد القلة، ثم نخذلك على هذه الحال، فلعن الله الدنيا ~~والعيش بعدك! # ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم، وحملوا على أصحاب قريش حملة منكرة، فأكثروا ~~فيهم القتل، وقتل محمد بن يزيد المهلبي. # واستولى طاهر على الأهواز وأعمالها، واستعمل العمال على اليمامة والبحرين ~~وعمان. # وقال بعض المهالبة، وجرح في تلك الوقعة عدة جراحات، وقطعت يده: # فما لمت نفسي غير أني لم أطق ... حراكا، وأني كنت بالضرب مثخنا # ولو سلمت كفاي قاتلت دونه ... وضاربت عنه الطاهري الملعنا # فتى لا يرى أن يخذل السيف في الوغى ... إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى # ولما دخل ابن أبي عيينة المهلبي على طاهر ومدحه، فحين ms2209 انتهى إلى قوله: # ما ساء ظني إلا بواحدة ... في الصدر محصورة عن الكلم # تبسم طاهر، ثم قال: أما والله ساءني من ذلك ما ساءك، وآلمني ما آلمك، ~~ولقد كنت كارها لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بد من قطع ~~الأواصر والشكر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة. فظن من حضر ~~أنه أراد # PageV05P430 # محمد بن يزيد بن حاتم. # ذكر استيلاء طاهر على واسط وغيرها # ثم سار طاهر من الأهواز إلى واسط، وبها السندي بن يحيى الحرشي، والهيثم ~~بن شعبة، خليفة خزيمة بن خازم، فجعل طاهر كلما تقدم نحوهم تقوضت المسالح ~~والعمال بين يديه، حتى أتى واسطا، فهرب السندي والهيثم بن شعبة عنها، ~~واستولى طاهر على واسط، ووجه قائدا من قواده إلى الكوفة عليها العباس بن ~~موسى الهادي، فلما بلغه الخبر خلع الأمين، وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى ~~طاهر. # ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن ~~المهدي، وكان عاملا للأمين على البصرة، إلى طاهر ببيعته وطاعته، وأتته بيعة ~~المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلع الأمين، وكان هذا جميعه ~~في رجب من هذه السنة، فأقرهم طاهر على أعمالهم، وولى داود بن عيسى بن موسى ~~بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة، واستعمل يزيد بن جرير بن يزيد بن ~~خالد بن عبد الله القسري البجلي على اليمن، ووجه الحارث بن هشام وداود بن ~~موسى إلى قصر ابن هبيرة، (وأقام طاهر بجرجرايا) . # فلما بلغ الأمين خبر عامله بالكوفة وخلعه والبيعة للمأمون - وجه محمد بن ~~سليمان القائد، ومحمد بن حماد البربري، وأمرهما أن يبيتا الحارث بن هشام ~~وداود بالقصر، فبلغ الحارث الخبر، فركب هو وداود فعبرا في مخاضة في سوراء ~~إليهم، فأوقعا بهم وقعة شديدة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم أهل بغداد. # ووجه الأمين أيضا الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي عاملا على الكوفة في # PageV05P431 # خيل، فبلغ طاهرا الخبر، فوجه محمد بن العلاء في جيش إلى طريقه، فلقي ~~الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه ms2210 الفضل: إني سامع مطيع، وإنما كان مخرجي ~~كيدا مني لمحمد الأمين. فقال له ابن العلاء: لست أعرف ما تقول، فإن أردت ~~طاهرا فارجع وراءك، فهو أسهل الطريق. فرجع الفضل، فقال محمد بن العلاء: ~~كونوا على حذر، فلا آمن مكره. # ثم إن الفضل رجع إلى ابن العلاء، وهو يظن أنه على غير أهبة، فرآه متيقظا ~~حذرا، فاقتتلوا قتالا شديدا كأشد ما يكون من القتال، فانهزم الفضل وأصحابه. # ذكر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر # ثم إن طاهرا سار إلى المدائن، وبها جيش كثير للأمين، عليهم البرمكي قد ~~تحصن بها، والمدد يأتيه كل يوم، والخلع والصلات، فلما قرب طاهر منه وجه ~~قريش بن شبل والحسن بن علي المأموني في مقدمته، فلما سمع أصحاب البرمكي ~~طبول طاهر أسرجوا وركبوا، وأخذ البرمكي في التعبية، فكان كلما سوى صفا ~~انتقض واضطرب، وانضم أولهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان! ~~ثم قال لصاحب ساقته: خل سبيل الناس، فلا خير عندهم. فركب بعضهم بعضا نحو ~~بغداذ، فنزل طاهر المدائن، واستولى على تلك النواحي، ثم سار إلى صرصر، فعقد ~~بها جسرا ونزلها. # ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة # وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي - الأمين، وهو ~~عامله على مكة والمدينة، وبايع للمأمون. # وكان سبب ذلك أنه لما بلغه ما كان من الأمين والمأمون وما فعل طاهر، وكان ~~الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع المأمون، وبعث أخذ الكتابين من ~~الكعبة، كما تقدم - فلما فعل ذلك جمع داود وجوه الناس ومن كان شهد في ~~الكتابين، وكان داود أحدهم، فقال لهم: قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم ~~من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام، لابنيه، لنكونن مع المظلوم منهما ~~على الظالم، ومع المغدور به على الغادر، وقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ ~~بالظلم والبغي والغدر والنكث على أخويه # PageV05P432 # المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصيا لله، وبايع لابنه، طفل صغير، رضيع لم ~~يفطم، وأخذ الكتابين من الكعبة، فحرقهما ظالما، فقد ms2211 رأيت خلعه، والبيعة ~~للمأمون، إذ كان مظلوما مبغيا عليه. # فأجابوه إلى ذلك، فنادى في شعاب مكة، فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن ~~والمقام، وخلع محمدا وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان، وهو عامله على ~~المدينة، يأمره أن يفعل مثل ما فعل، فخلع سليمان الأمين، وبايع للمأمون. # فلما أتاه الخبر بذلك سار من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس، ثم إلى ~~كرمان، حتى صار إلى المأمون بمرو، فأخبره بذلك، فسر المأمون بذلك سرورا ~~شديدا، وتيمن ببركة مكة والمدينة. # (وكانت البيعة بهما في رجب سنة ست وتسعين ومائة، واستعمل داود على مكة ~~والمدينة) ، وأضاف إليه ولاية عك، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة، وسير معه ~~ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، وجعله على الموسم، فسارا حتى ~~أتيا طاهرا ببغداذ، فأكرمهما وقربهما، ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن ~~خالد بن عبد الله القسري البجلي عاملا على اليمن، وبعث معه خيلا كثيفة، ~~فلما قدم اليمن دعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، ووعدهم العدل ~~والإحسان، وأخبرهم بسيرة المأمون، فأجابوه إلى ما طلب، وخلعوا محمدا ~~وبايعوا للمأمون، وكتب بذلك إلى طاهر وإلى المأمون، وسار فيهم أحسن سيرة، ~~وأظهر العدل. # ذكر ما فعله الأمين # وفي هذه السنة عقد محمد الأمين، في رجب وشعبان، نحوا من أربعمائة لواء ~~لقواد شتى، وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى ~~هرثمة بن أعين، فساروا إليه، فالتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموا، ~~وأسر علي بن محمد بن عيسى فسيره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل ~~النهروان. # PageV05P433 # ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين ونزوله ببغداذ # وأقام طاهر بصرصر مشمرا في محاربة الأمين، وكان لا يأتيه جيش إلا هزمه. # وبذل الأمين الأموال، فاشتد ذلك على أصحاب طاهر، فسار إليه منهم نحو خمسة ~~آلاف، فسر بهم الأمين، ووعدهم ومناهم، وفرق فيهم مالا عظيما، وغلف لحاهم ~~بالغالية، فسموا قواد الغالية، وقود جماعة من الحربية، ووجههم إلى دسكرة ~~الملك والنهروان، فلم يكن بينهم قتال كثير، وندب جماعة من ms2212 قواد بغداذ، ~~ووجههم إلى الياسرية، والكوثرية، وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودس إلى ~~رؤساء الجند، فأطمعهم ورغبهم، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى ~~الأمين، فانضموا إلى عسكره، وساروا حتى أتوا صرصرا، فعبأ طاهر أصحابه ~~كراديس، وسار فيهم يمنيهم ويحرضهم، ويعدهم النصر، ثم تقدم، فاقتتلوا مليا ~~من النهار، ثم انهزم أصحاب الأمين، وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من السلاح ~~والدواب وغير ذلك. # وبلغ ذلك الأمين فأخرج الأموال وفرقها، وجمع أهل الأرباض، وقود منهم ~~جماعة، وفرق فيهم الأموال، وأعطى كل قائد منهم قارورة غالية، ولم يفرق في ~~أجناد القواد وأصحابهم شيئا. # فبلغ ذلك طاهرا فراسلهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، ~~فشغبوا على الأمين في ذي الحجة، فصعب الأمر عليه، فأشار عليه أصحابه ~~باستمالتهم والإحسان إليهم، فلم يفعل، وأمر بقتالهم جماعة من المستأمنة ~~والمحدثين، فقاتلوهم، وراسلهم طاهر وراسلوه، وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة، ~~وأعطاهم الأموال. # ثم تقدم، فصار إلى موضع البستان الذي على باب الأنبار في ذي الحجة، فنزل ~~بقواده وأصحابه، ونزل من استأمن إليه من جند الأمين في البستان والأرباض، ~~وأضعف للقواد وأبنائهم والخواص - العطاء، ونقب أهل السجون السجون، وخرجوا ~~منها، وفتن الناس وساءت حالهم، ووثب الشطار على أهل الصلاح، ولم يتغير ~~بعسكر طاهر # PageV05P434 # حال لتفقده حالهم، وأخذه على أيدي السفهاء، وغادى القتال وراوحه، حتى ~~تواكل الفريقان وخربت الديار. # وحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، ودعا للمأمون ~~بالخلافة، وهو أول موسم دعي له فيه بالخلافة. # ذكر الفتنة بإفريقية مع أهل طرابلس # في هذه السنة ثار أبو عصام ومن وافقه على إبراهيم بن الأغلب أمير ~~إفريقية، فحاربهم إبراهيم فظفر بهم. # وفيها استعمل ابن الأغلب ابنه عبد الله على طرابلس الغرب، فلما قدم إليها ~~ثار عليه الجند فحصروه في داره، ثم اصطلحوا على أن يخرج عنهم، فخرج عنهم، ~~فلم يبعد عن البلد حتى اجتمع كثير من الناس، ووضع العطاء، فأتاه البربر من ~~كل ناحية، وكان يعطي الفارس كل يوم أربعة دراهم، ويعطي الراجل في اليوم ~~درهمين، فاجتمع ms2213 له عدد كثير، فزحف بهم إلى طرابلس، فخرج إليه الجند، ~~فاقتتلوا، فانهزم جند طرابلس، ودخل عبد الله المدينة وأمن الناس، وأقام ~~بها. # ثم عزله أبوه، واستعمل بعده سفيان بن المضاء، فثارت هوارة بطرابلس، فخرج ~~الجند إليهم، والتقوا فاقتتلوا، فهزم الجند إلى المدينة، فتبعهم هوارة، ~~فخرج الجند هاربين إلى الأمير إبراهيم بن الأغلب، ودخلوا المدينة فهدموا ~~أسوارها. # وبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب، فسير إليها ابنه أبا العباس عبد الله في ~~ثلاثة عشر # PageV05P435 # ألف فارس، فاقتتل هو والبربر، وقتل كثير منهم، ودخل طرابلس وبنى سورها. # وبلغ خبر هزيمة البربر إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وجمع ~~البربر وحرضهم، وأقبل بهم إلى طرابلس، وهم جمع عظيم، غضبا للبربر ونصرة ~~لهم، فنزلوا على طرابلس وحصروها، فسد أبو العباس عبد الله بن إبراهيم باب ~~زناتة، وكان يقاتل من باب هوارة، ولم يزل كذلك إلى أن توفي أبوه إبراهيم بن ~~الأغلب، وعهد بالإمارة لولده عبد الله، فأخذ أخوه زيادة الله بن إبراهيم له ~~العهود على الجند، وسير الكتاب إلى أخيه عبد الله، يخبره بموت أبيه، ~~وبالإمارة له، فأخذ البربر الرسول والكتاب، ودفعوه إلى عبد الوهاب بن عبد ~~الرحمن بن رستم، فأمر بأن ينادى عبد الله بن إبراهيم بموت أبيه، [فصالحهم ~~على أن يكون البلد] والبحر لعبد الله، وما كان خارجا عن ذلك يكون لعبد ~~الوهاب، وسار عبد الله إلى القيروان، فلقيه الناس وتسلم الأمر، وكانت أيامه ~~أيام سكون ودعة. # PageV05P436 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة] ### | 197 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة # ذكر حصار بغداذ # في هذه السنة حاصر طاهر، وهرثمة، وزهير بن المسيب - الأمين محمدا ببغداذ، ~~فنزل زهير بن المسيب الضبي برقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر ~~الخنادق، وكان يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي ~~بالعرادات، ويعشر أموال التجار، فشكا الناس منه إلى طاهر، فنزل هرثمة ~~نهربين، وعمل عليه خندقا وسورا، ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية، ونزل ~~طاهر البستان الذي بباب الأنبار. # فلما نزله شق ذلك على الأمين، وتفرق ms2214 ما كان بيده من الأموال، فأمر ببيع ~~ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في أصحابه، وأمر ~~بإحراق الحربية، فرميت بالنفط والنيران وقتل بها خلق كثير. # واستأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فولاه الأسواق وشاطئ دجلة وما ~~اتصل به، وأمره بحفر الخنادق، وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدروب، ~~وأمده بالأموال والرجال، فكثر الخراب ببغداذ والهدم، فدرست المنازل. # ووكل الأمين عليا افراهمرد بقصرصالح، وقصر سليمان بن المنصور إلى دجلة، ~~فألح في إحراق الدور والدروب، والرمي بالمجانيق، وفعل طاهر مثل ذلك، # PageV05P437 # فأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها، فكلما ~~أجابه أهل ناحية خندق عليهم، ومن أبى إجابته قاتله، وأحرق منزله، ووحشت ~~بغداذ وخربت، فقال حسين الخليع: # أتسرع الرحلة إغذاذا ... عن جانبي بغداذ أم ماذا # أما ترى الفتنة قد ألفت # إلى أولي الفتنة شذاذا ... وانتفضت بغداذ عمرانها # عن رأي لا ذاك ولا هذا ... هدما وحرقا قد أباد أه # لها عقوبة لاذت بمن لاذا ... ما أحسن الحالات إن # لم تعد بغداذ في القلة بغداذا # وسمى طاهر الأرباض التي خالفه أهلها، ومدينة المنصور، وأسواق الكرخ ~~والخلد - دار النكث، وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد ~~وغيرهم، وأخذ أموالهم، فذلوا وانكسروا، وذل الأجناد، وضعفوا عن القتال، إلا ~~باعة الطريق، والعراة، وأهل السجون، والأوباش، والطرارين، وأهل السوق، ~~فكانوا ينهبون أموال الناس. # وكان طاهر لا يفتر في قتالهم، فاستأمن إليه علي افراهمرد، الموكل بقصر ~~صالح، فأمنه وسير إليه جندا كثيفا، فسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية، ~~في جمادى الآخرة، واستأمن إليه محمد بن عيسى، صاحب شرطة الأمين، وكان مجدا ~~في نصرة الأمين، فلما استأمن هذان إلى طاهر أشفى الأمين على الهلاك، وأقبلت ~~الغواة من العيارين وباعة الطريق، والأجناد، فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالا ~~عظيما، قتل فيه من أصحاب طاهر جماعة كثيرة، ومن قواده جماعة، ولم تكن وقعة ~~قبلها ولا بعدها أشد على طاهر منها. # PageV05P438 # ثم إن طاهرا كاتب القواد الهاشميين وغيرهم، ms2215 بعد أن أخذ ضياعهم، ودعاهم ~~إلى الأمان والبيعة للمأمون، فأجابه جماعة، منهم: عبد الله بن حميد بن ~~قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي ~~العباس الطائي. وكاتبه غيرهم وصارت قلوبهم معه. # وأقبل الأمين بعد وقعة قصر صالح على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد ~~بن عيسى بن نهيك، وإلى الهرش، فكان من معهما من الغوغاء والفساق يسلبون من ~~قدروا عليه، وكان منهم ما لم يبلغنا مثله. # فلما طال ذلك بالناس خرج عن بغداذ من كانت به قوة، وكان أحدهم إذا خرج ~~أمن على ماله ونفسه، وكان مثلهم كما قال الله: {فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] . # وخرج عنها قوم بعلة الحج، ففي ذلك يقول شاعرهم: # أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش يريدون الهرب # كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب # وقال بعض فتيان بغداذ: # بكيت دما على بغداذ لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق # تبدلنا هموما من سرور ... ومن سعة تبدلنا بضيق # أصابتنا من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق # PageV05P439 # فقوم أحرقوا بالنار قسرا # ونائحة تنوح على غريق ... وصائحة تنادي: واصباحا # وباكية لفقدان الشقيق ... وحوراء المدامع ذات دل # مضمخة المجاسد بالخلوق ... تفر من الحريق إلى انتهاب # ووالدها يفر إلى الحريق ... وسالبة الغزالة مقلتيها # مضاحكها كلألاء البروق ... حيارى هكذا ومفكرات # عليهن القلائد في الحلوق ... ينادين الشفيق ولا شفيق # وقد فقد الشقيق من الشقيق ... ومغترب قريب الدار ملقى # بلا رأس بقارعة الطريق ... توسط من قتالهم جميعا # فما يدرون من أي الفريق ... فما ولد يقيم على أبيه # وقد فر الصديق عن الصديق ... ومهما أنس من شيء تولى # فإني ذاكر دار الرقيق # وقال الخريمي قصيدة طويلة نحو مائة وخمسين بيتا، أتى فيها على جميع # PageV05P440 # الحوادث ببغداذ، في هذه الحرب، تركتها لطولها. # وذكر أن قائدا من أهل خراسان، من أصحاب طاهر، من أهل النجدة والبأس، خرج ~~يوما إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما ~~يقاتلنا ms2216 إلا من نرى استهانة بأمرهم، واحتقارا لهم. فقيل له: نعم! هؤلاء هم ~~الآفة. فقال لهم: أف لكم حين تنهزمون من هؤلاء، وأنتم في السلاح والعدة ~~والقوة، وفيكم الشجاعة، وما عسى يبلغ كيد هؤلاء ولا سلاح معهم، ولا جنة ~~تقيهم! # وتقدم إلى بعضهم، وفي يديه بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، ~~فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار فوقع في باريته أو قريبا ~~منها، فيأخذه ويتركه معه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه، فلم ~~يزالا كذلك حتى فنيت سهام الخراساني، ثم حمل عليه العيار، ورمى بحجر من ~~مخلاته في مقلاع، فما أخطأ عينه، ثم آخر، فكاد يصرعه، فانهزم وهو يقول: ليس ~~هؤلاء بناس. فلما سمع طاهر خبره ضحك منه. # فلما طال ذلك على طاهر، وقتل من أصحابه في قصر صالح من قتل، أمر بالهدم ~~والإحراق، فهدم دور من خالفه من بين دجلة ودار الرقيق، وباب الشام، وباب ~~الكوفة، إلى الصراة وربض حميد، ونهر كرخايا، فكان أصحابه إذا هدموا دارا ~~أخذ أصحاب الأمين أبوابها وسقوفها، فيكونون أشد على أهلها، فقال شاعر منهم: # لنا كل يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص # إذا هدموا دارا أخذنا سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص # فإن حرصوا يوما على الشر جهدهم ... فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص # PageV05P441 # فقد ضيقوا من أرضنا كل واسع ... وصار لهم أهل بها وتعرص # يثيرون بالطبل القنيص، فإن بدا ... لهم وجه صيد من قريب تقنصوا # لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص # إذا حضروا قالوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئا قبيحا تخرصوا # وما قتل الأبطال مثل مجرب ... رسول المنايا ليله يتلصص # في أبيات غيرها. # فلما رأى طاهر أن جميعه لا يحفلون به، أمر بمنع التجار عنهم، ومنع من حمل ~~الأقوات وغيرها، وشدد في ذلك، وصرف السفن التي يحمل فيها إلى الفرات، فاشتد ~~ذلك عليهم، وغلت الأسعار، وصاروا في أشد حصار، فأمر الأمين ببيع الأموال ~~وأخذها، ووكل بها بعض أصحابه، فكان يهجم على الناس في ms2217 منازلهم ليلا ونهارا، ~~فاشتد ذلك على الناس، وأخذوا بالتهمة والظنة. # ثم كان بينهم وقعة بدرب الحجارة، قتل فيها من أصحاب طاهر خلق كثير. ووقعة ~~بالشماسية خرج فيها حاتم بن الصقر في العيارين وغيرهم إلى عبيد الله بن ~~الوضاح، فأوقعوا به، وهو لا يعلم، فانهزم عنهم، وغلبوه على الشماسية، فأتاه ~~هرثمة يعينه، فأسره بعض أصحاب الأمين وهو لا يعرفه، فقاتل عليه بعض أصحابه ~~حتى خلصه، وانهزم أصحاب هرثمة فلم يرجعوا يومين. # فلما بلغ طاهرا ما صنعوا عقد جسرا فوق الشماسية، وعبر أصحابه إليهم، ~~فقاتلوا أشد قتال، حتى ردوا أصحاب الأمين، وأعاد أصحاب عبيد الله بن الوضاح ~~إلى مراكزهم، وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية، وكانت النفقة عليها بلغت ~~عشرين ألف ألف درهم، وقتل من العيارين كثير، فضعف أمر الأمين، فأيقن ~~بالهلاك. # PageV05P442 # وهرب منه عبد الله بن خازم بن خزيمة إلى المدائن، خوفا من الأمين، لأنه ~~اتهمه، وتحامل عليه السفلة والغوغاء، فأقام بها، وقيل: بل كاتبه طاهر، ~~وحذره قبض ضياعه وأمواله. # ثم إن الهرش خرج ومعه لفيفة وجماعة إلى جزيرة العباس، وكانت ناحية لم ~~يقاتل فيها، فخرج إليه بعض أصحاب طاهر، فقاتلوه، فقوي عليهم، فأمدهم طاهر ~~بجند آخر، فأوقعوا بالهرش وأصحابه وقعة شديدة، فغرق منهم بشر كثير. # وضجر الأمين وخاف حتى قال يوما: وددت أن الله قتل الفريقين جميعا فأراح ~~الناس منهم، فما منهم إلا عدو لي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك ~~فيريدون نفسي. وضعف أمره، وانتشر جنده، وأيقن بظفر طاهر به. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى، بتوجيه طاهر إياه على ~~الموسم بأمر أمير المؤمنين المأمون. # وفيها سار المؤتمن بن الرشيد، ومنصور بن المهدي إلى المأمون بخراسان، ~~فوجه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان. # (وفيها كان بالأندلس غلاء شديد، وكان الناس يطوون الأيام، ويتعللون بما ~~يضبط النفس) . # [الوفيات] # وفيها مات وكيع بن الجراح الرؤاسي بفيد، وقد عاد من الحج. وبقية بن ~~الوليد الحمصي، وكان مولده سنة عشر ومائة. ومحمد بن مليح بن سليمان ~~الأسلمي. ومعاذ بن معاذ ms2218 أبو المثنى العنبري، وله سبع وسبعون سنة. # PageV05P443 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة] ### | 198 - # ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة # ذكر استيلاء طاهر على بغداذ # في هذه السنة لحق خزيمة بن خازم بطاهر، وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى ~~الجانب الشرقي. # وكان سبب ذلك أن طاهرا أرسل إلى خزيمة أن انفصل الأمر بيني وبين محمد، ~~ولم يكن لك [أثر] في نصرتي، ألا أقصر في أمرك! فأجابه بالطاعة وقال له: لو ~~كنت أنت النازل الجانب الشرقي في مكان هرثمة لحمل نفسه إليه. وأخبره قلة ~~ثقته بهرثمة، إلا أن يضمن له القيام دونه لخوفه من العامة. فكتب طاهر إلى ~~هرثمة يعجزه ويلومه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وقد وقفت وقوف ~~المحجم عمن بإزائك، فاستعد للدخول إليهم، فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر، ~~وقطع الجسور، وأرجو أن لا يختلف عليك اثنان. # فأجابه هرثمة بالسمع والطاعة، فكتب طاهر إلى خزيمة بذلك، وكتب إلى محمد ~~بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك، فلما كان ليلة الأربعاء لثمان بقين من ~~المحرم، وثب خزيمة ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وخلعا محمدا ~~الأمين، وسكن أهل عسكر المهدي، ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر من القواد ~~وحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروها، فدخل إليهم، فقال الحسين الخليع في ذلك: # علينا جميعا من خزيمة منة ... بها أخمد الرحمن نائرة الحرب # تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب وحامى عنهم أشرف الذب # ولولا أبو العباس ما انفك دهرنا ... يبيت على عتب ويغدو على عتب # PageV05P444 # خزيمة لم يذكر له مثل هذه # إذ اضطربت شرق البلاد مع الغرب ... أناخ بجسري دجلة القطع والقنا # شوارع والأرواح في راحة العضب # وهي عدة أبيات. # فلما كان الغد تقدم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالا شديدا، ~~فهزم الناس حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتلهم فيه فهزمهم، فمروا لا يلوون على ~~شيء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه فنادى: من لزم بيته فهو آمن، ووضع ~~بسوق الكرخ وقصر الوضاح جندا على قدر حاجته، وقصد إلى مدينة ms2219 المنصور وأحاط ~~بها، وبقصر زبيدة، وقصر الخلد من باب الجسر إلى باب خراسان، وباب الشام، ~~وباب الكوفة، وباب البصرة، وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة. # وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، والأفارقة، فنصب المجانيق ~~بإزاء قصر زبيدة، وقصر الخلد، وأخذ الأمين أمه وأولاده إلى مدينة المنصور، ~~وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في الطريق، لا يلوي أحد على أحد، ~~وتفرق السفلة والغوغاء، وتحصن محمد بمدينة المنصور، وحصره طاهر وأخذ عليه ~~الأبواب. # وبلغ خبر هذه الوقعة عمر الوراق، فقال لمخبره: ناولني قدحا. ثم تمثل: # خذها فللخمرة أسماء لها دواء ... ولها داء يصلحها الماء # إذا أصفقت يوما وقد يفسدها الماء ... وقائل كانت لهم وقعة في يومنا هذا ~~وأشياء # قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء # اشرب ودعنا من أحاديثهم ... يصطلح الناس إذا شاءوا # PageV05P445 # وحكى إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين لما حصره طاهر، قال: فخرج ~~الأمين ذات ليلة يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر له ~~بناحية الخلد، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة، وحسن ~~القمر في السماء، وضوءه في الماء على شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب؟ فقلت: ~~شأنك. فشرب رطلا، وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما ~~تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إليه! فدعا بجارية متقدمة عنده، ~~اسمها ضعف، فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال، فقال لها: غني. فغنت بشعر ~~الجعدي: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فاشتد ذلك عليه وتطير منه، وقال: غني غير ذلك. فغنت: # أبكى فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء # فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقالت: ما تغنيت إلا ~~بما ظننت أنك تحبه! ثم غنت آخر: # أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك # ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك ms2220 # إلا لنقل النعيم من ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك # PageV05P446 # وملك ذي العرش دائم أبدا # ليس بفان ولا بمشترك # فقال لها: قومي، غضب الله عليك ولعنك! [قال] : فقامت، وكان له قدح من ~~بلور، حسن الصنعة، كان يسميه " زب رياح "، وكان موضوعا بين يديه، فعثرت ~~الجارية به فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية، ~~ثم ما كان من كسر القدح؟ والله ما أظن أمري إلا وقد قرب! فقلت: يديم الله ~~ملكك، ويعز سلطانك، ويكبت عدوك! فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا: {قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] . فقال: يا إبراهيم! أما سمعت ما ~~سمعت؟ قلت: ما سمعت شيئا - وكنت قد سمعت -. قال: تسمع حسا. فدنوت من الشط، ~~فلم أر شيئا، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه مغتما إلى ~~مجلسه بالمدينة، فما مضى إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل. # ذكر قتل الأمين # لما دخل محمد إلى مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها، ~~كما تقدم، وقر بالمدينة - علم قواده وأصحابه أنهم ليس لهم فيها عدة الحصر، ~~وخافوا أن يظفر بهم طاهر، فأتاه محمد بن حاتم بن الصقر، ومحمد بن إبراهيم ~~بن الأغلب الإفريقي، وغيرهما، فقالوا: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد رأينا ~~رأيا نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه، فإنا نرجو أن يجعل الله فيه ~~الخيرة. # PageV05P447 # قال: وما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك، وقد بقي معك من ~~خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها، فنرى أن تختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء ~~سبعة آلاف، فتحملهم على هذه الخيل، وتخرج ليلا على باب من هذه الأبواب، فإن ~~الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله - تعالى - فنخرج حتى نلحق ~~بالجزيرة والشام، فنفرض الفروض، ونجبي الخراج، ونصير في مملكة واسعة وملك ~~جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجند، ويحدث الله أمورا. # فقال لهم: نعم ما رأيتم! وعزم على ذلك، وبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى ~~سليمان بن المنصور، ومحمد ms2221 بن عيسى بن نهيك، والسندي بن شاهك: والله لئن لم ~~تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا يكون لي همة إلا ~~أنفسكم. # فدخلوا على الأمين فقالوا له: قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله ~~في نفسك، إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ بهم الحصار إلى ما ترى، فهم يرون أن لا ~~أمان لهم عند أخيك، وعند طاهر، لجدهم في الحرب، ولسنا نأمن إذا خرجت معهم ~~أن يأخذوك أسيرا، أو يأخذوا رأسك، فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم. وضربوا ~~فيه الأمثال، فرجع إلى قولهم، وأجاب إلى طلب الأمان والخروج، فقالوا له: ~~إنما غايتك السلامة، واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، [ويفردك في موضع] ~~ويجعل لك فيه كل ما يصلحك، وكل ما تحب وتهوى، وليس عليك منه بأس ولا مكروه. ~~فركن إلى ذلك، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين. # فدخل عليه أولئك النفر الذين أشاروا بقصد الشام، وقالوا: إذا لم تقبل ما ~~أشرنا به عليك، وهو الصواب، وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر ~~خير لك من الخروج إلى هرثمة، فقال: أنا أكره طاهرا، لأني رأيت في منامي ~~كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس، لم أر مثله في ~~الطول والعرض، وعلي سوادي، ومنطقي، وسيفي، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، ~~فما زال يضربه حتى سقط، وسقطت، وطارت قلنسوتي عن رأسي، فأنا أتطير منه ~~وأكرهه، وهرثمة مولانا، # PageV05P448 # وهو بمنزلة الوالد، وأنا أشد أنسا به وثقة إليه. # فأرسل يطلب الأمان، فأجابه هرثمة إلى ذلك، وحلف له أنه يقاتل دونه إن هم ~~المأمون بقتله، فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة ~~وقال: هو في جندي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أحرجته بالحصار حتى طلب ~~الأمان،، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة، فيكون له الفتح دوني. # فلما بلغ ذلك هرثمة والقواد اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم، وحضر طاهر ~~وقواده، وحضر سليمان بن المنصور، والسندي، ومحمد بن عيسى بن نهيك، وأداروا ~~الرأي بينهم، ms2222 وأخبروا طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدا، وأنه إن لم يجب إلى ما ~~سأل لم يؤمن، إلا أن يكون الأمر مثله أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان. ~~وقالوا له: إنه إن يخرج إلى هرثمة ببدنه، ويدفع إليك الخاتم والقضيب ~~والبردة، (وذلك هو الخلافة، فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده! فأجاب إلى ذلك ~~ورضي به. # ثم إن الهرش لما علم بالخبر أراد التقرب إلى طاهر، فأخبره أن الذي جرى ~~بينهم مكر، وأن الخاتم والقضيب والبردة تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فاغتاظ ~~منه، وجعل حول قصر أم الأمين وقصور الخلد قوما معهم العتل، ولم يعلم بهم ~~أحد، فلما تهيأ الأمين للخروج إلى هرثمة، عطش قبل خروجه عطشا شديدا، فطلب ~~له في خزانة الشراب ماء، فلم يوجد، فلما أمسى ليلة الأحد، لخمس بقين من ~~محرم سنة ثمان وتسعين ومائة، خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار، وعليه ~~ثياب بيض، وطيلسان أسود، فأرسل إليه هرثمة: وافيت للميعاد) لأحملك، ولكني ~~أرى أن لا تخرج الليلة، فإني قد رأيت على الشط أمرا قد رابني، وأخاف أن ~~أغلب وتؤخذ من يدي، وتذهب نفسك ونفسي، فأقم الليلة حتى أستعد وآتيك الليلة ~~القابلة، فإن حوربت حاربت دونك. # فقال الأمين للرسول: ارجع إليه، وقل له لا يبرح، فإني خارج إليه الساعة ~~لا محالة، ولست أقيم إلى غد. # وقلق وقال: قد تفرق عني الناس من الموالي والحرس وغيرهم، ولا آمن إن ~~انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني، ثم دعا بابنيه، فضمهما إليه ~~وقبلهما، وبكى وقال: أستودعكما الله - عز وجل - ودمعت عيناه، فمسح دموعه ~~بكمه، ثم جاء # PageV05P449 # راكبا إلى الشط، فإذا حراقة هرثمة، فصعد إليها. # فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم، قال: كنت مع هرثمة في الحراقة، فلما ~~دخلها الأمين قمنا له، وجثا هرثمة على ركبتيه، واعتذر إليه من نقرس به، ثم ~~احتضنه وضمه إليه، وجعله في حجره، وجعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، وأمر ~~هرثمة بالحراقة أن تدفع، إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق، وعطعطوا ~~ونقبوا الحراقة، ورموهم ms2223 بالآجر والنشاب، فدخل الماء إلى الحراقة، فغرقت، ~~وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا، فتعلق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه، وأما الأمين ~~فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وخرج إلى الشط، فأخذني رجل من أصحاب طاهر، ~~وأتى بي رجلا من أصحاب طاهر، وأعلمه أني من الذين خرجوا من الحراقة، فسألني ~~من أنا؟ فقلت: أنا أحمد بن سلام، صاحب المظالم، مولى أمير المؤمنين، قال: ~~كذبت، فاصدقني! قلت: قد صدقتك. قال: فما فعل المخلوع؟ قلت: رأيته وقد شق ~~ثيابه. فركب، وأخذني معه أعدو وفي عنقي حبل، فعجزت عن العدو، فأمر بضرب ~~عنقي، فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم، فتركني في بيت، حتى يقبض المال، ~~وفي البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان. # فلما ذهب من الليل ساعة، وإذ قد فتحوا الباب، وأدخلوا الأمين وهو عريان، ~~وعليه سراويل وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فتركوه معي، فاسترجعت وبكيت ~~فيما بيني وبين نفسي، فسألني عن اسمي فعرفته، فقال: ضمني إليك، فإني أجد ~~وحشة شديدة. قال: فضممته إلي، وإذا قلبه يخفق خفقا شديدا، فقال: يا أحمد! ~~ما فعل أخي؟ قلت: حي هو. قال: قبح الله بريدهم، كان يقول: قد مات شبه ~~المعتذر من محاربته. فقلت: بل قبح الله وزراءك. فقال: ما تراهم يصنعون بي، ~~أيقتلونني أم يفون لي بأمانهم؟ فقلت: بل يفون لك. # وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي، وقلت: ألق هذه عليك! ~~فقال: دعني، فهذا من الله - عز وجل - في مثل هذا الموضع خير كثير. # فبينما نحن كذلك، إذ دخل علينا رجل، فنظر في وجوهنا، فاستثبتها، فلما ~~عرفته انصرف، وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، فلما رأيته علمت أن الأمين ~~مقتول، فلما انتصف الليل فتح الباب، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف ~~مسلولة، فلما رآهم قام قائما، وجعل يقول: إنا لله وإن إليه راجعون، ذهبت - ~~والله - نفسي في سبيل الله، أما من مغيث، أما من أحد من الأبناء؟ # PageV05P450 # وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول لبعض: ~~تقدم، ويدفع بعضهم بعضا، ms2224 وأخذ الأمين بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم! أنا ~~ابن عم رسول الله، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. # فدخل عليه رجل منهم فضربه بالسيف ضربة وقعت في مقدم رأسه، وضربه الأمين ~~بالوسادة على وجهه، وأراد [أن] يأخذ السيف منه فصاح: قتلني! قتلني! فدخل ~~منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، فركبوه، فذبحوه ذبحا من ~~قفاه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. # فلما كان السحر أخذوا جثته، فأدرجوها في جل وحملوها، فنصب طاهر الرأس على ~~برج، وخرج أهل بغداذ للنظر، وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد. # فلما قتل ندم جند بغداذ وجند طاهر على قتله، لما كانوا يأخذون من ~~الأموال، وبعث طاهر برأس محمد إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسين ~~بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ الرأس ذو الرياستين، فأدخله على ~~ترس، فلما رآه المأمون سجد، وبعث معه طاهر بالبردة والقضيب والخاتم. # ولما بلغ أهل المدينة أن طاهرا أمر مولاه قريشا فقتله، قال شيخ من أهل ~~المدينة: سبحان الله! كنا نروي أنه يقتله قريش، فذهبنا إلى القبيلة فوافق ~~الاسم [الاسم] . # ولما قتل الأمين نودي في الناس بالأمان، فأمن الناس كلهم، ودخل طاهر ~~المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطب للمأمون، وذم الأمين، وكتب إلى ~~المعتصم، وقيل إلى ابن المهدي: أما بعد، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من ~~أهل بيت الخلافة بغير التأمير، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي، وتصغي بالهوى ~~إلى الناكث المخلوع، فإن كان كذلك فكثير ما كتبت إليك، وإن كان غير ذلك ~~فالسلام عليك أيها الأمير، ورحمة الله وبركاته. # PageV05P451 # ولما قتل الأمين قال إبراهيم بن المهدي يرثيه: # عوجا بمغنى الطلل الداثر ... بالخلد ذات الصخر والآجر # والمرمر المنسوب يطلى به ... والباب باب الذهب الناضر # عوجا بها فاستيقنا عندها ... على يقين قدرة القادر # وأبلغا عني مقالا إلى ال ... مولى على المأمور والآمر # قولا له يابن أبي الناصر ... طهر بلاد الله من طاهر # لم يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا ms2225 بمدى الجازر # حتى أتى يسحب أوداجه ... في شطن (هذا مدى) السائر # قد برد الموت على جنبه ... فطرفه منكسر الناظر # (فلما بلغ المأمون قوله اشتد عليه) . # ذكر صفة الأمين وعمره وولايته # قيل: إن محمدا ولي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ~~ثلاث وتسعين ومائة، وقتل ليلة الأحد لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ~~ومائة، وكنيته أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله. # (وهو ابن الرشيد هارون بن أبي عبد الله المهدي بن أبي جعفر المنصور، وأمه ~~زبيدة ابنة جعفر الأكبر ابن المنصور. # وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، وقيل: كانت ولايته ~~النصف من جمادى الآخرة، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. # PageV05P452 # وكان سبطا، أنزع، صغير العينين، أقنى، جميلا، طويلا، عظيم الكراديس، بعيد ~~ما بين المنكبين، وكان مولده بالرصافة. # ولما وصل خبر قتله إلى المأمون أذن للقواد، وقرأ الفضل بن سهل الكتاب ~~عليهم، فهنئوه بالظفر ودعوا له. وكتب إلى طاهر وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن ~~من ولاية العهد، فخلعاه في شهر ربيع الأول من هذه السنة. # وأكثر الشعراء في مراثي الأمين وهجائه، تركنا أكثره لأنه خارج عن ~~التاريخ، فمما قيل في مراثيه قول الحسين بن الضحاك، وكان من ندمائه، وكان ~~لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه: # يا خير أسرته وإن زعموا ... إني عليك لمثبت أسف # الله يعلم أن لي كبدا ... حرى عليك ومقلة تكف # ولئن شجيت بما رزئت به ... إني لأضمر فوق ما أصف # هلا بقيت لسد فاقتنا أبدا ... وكان لغيرك التلف # قد كان فيك لمن مضى خلف ... ولسوف يعوز بعدك الخلف # لا بات رهطك بعد هفوتهم ... إني لرهطك بعدها شنف # هتكوا بحرمتك التي هتكت ... حرم الرسول ودونها السجف # وثبت أقاربك التي خذلت ... وجميعها بالذل معترف # تركوا حريم أبيهم نفلا ... والمحصنات صوارخ هتف # أبدت مخلخلها على دهش أبكارهن ... ورنت النصف سلبت معاجرهن # واجتليت ذات النقاب ونوزع الشنف ... فكأنهن خلال منتهب # در تكشف دونه الصدف ... ملك تخون ملكه قدر # فوهى وصرف الدهر مختلف # PageV05P453 # هيهات بعدك أن يدوم لنا عز ms2226 ... وأن يبقى لنا شرف # أفبعد عهد الله تقتله ... والقتل بعد أمانه سرف # فستعرفون غدا بعاقبة ... عز الإله فأوردوا وقفوا # يا من تخون نومه أرق ... هدت الشجون وقلبه لهف # قد كنت لي أملا غنيت به ... فمضى وحل محله الأسف # مرج النظام وعاد منكرنا عرفا ... وأنكر بعدك العرف والشمل منتشر # لفقدك والدنيا سدى والبال منكسف # وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أمه زبيدة، وتخاطب المأمون، وكنية ~~زبيدة أم جعفر: # لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل سام فوق أعواد منبر # لوارث علم الأولين وفهمهم ... وللملك المأمون من أم جعفر # كتبت وعيني مستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري # وقد مسني ضر وذل كآبة ... وأرق عيني يابن عمي تفكري # وهمت لما لاقيت بعد مصابه ... فأمري عظيم منكر جد منكر # سأشكو الذي لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المستضيم المقهر # وأرجو لما قد مر بي مذ فقدته ... فأنت لبثي خير رب مغير # أتى طاهر لا طهر الله طاهرا ... فما طاهر فيما أتى بمطهر # فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وأخرب أدوري # PageV05P454 # يعز على هارون ما قد لقيته # وما مر بي ناقص الخلق أعور ... فإن كان ما أبدى بأمر أمرته # صبرت لأمر من قدير مقدر ... تذكر أمير المؤمنين قرابتي # فديتك من ذي حرمة متذكر # فلما قرأها المأمون بكى، وقال: أنا - والله - الطالب بثأر أخي، قتل الله ~~قتلته. # ولقد أسرف الحسين بن الضحاك في مراثي الأمين، وذم المأمون، فلهذا حجبه ~~المأمون عنه ولم يسمع مديحه مدة، ثم أحضره يوما، فقال له: أخبرني! هل رأيت ~~يوم قتل أخي هاشمية قتلت وهتكت؟ قال: لا! قال: فما قولك: # ومما شجا قلبي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النبي استحلت # ومهتوكة بالخلد عنها سجوفها كعاب ... كقرن الشمس حين تبدت إذا خفرتها ~~روعة # من منازع لها المرط عاذت بالخشوع ورنت ... وسرب ظباء من ذؤابة هاشم # هتفن بدعوى خير حي وميت ... أرد يدا مني إذا ما ذكرته على كبد حرى # وقلب مفتت فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالها ما تمنت ms2227 # فقال: يا أمير المؤمنين! لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة سلبتها بعد ~~أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقك، ~~وإن عفوت فبفضلك. # فدمعت عين المأمون وقال: قد عفوت عنك، وأمرت بإدرار أرزاقك عليك، وعطائك ~~ما فاتك متمما، وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك. # PageV05P455 # ثم إن المأمون رضي عنه وسمع مديحه. # ومما قيل في هجائه: # لم نبكيك، لماذا؟ للطرب يا أبا موسى ... وترويج اللعب ولترك الخمس في ~~أوقاتها # حرصا منك على ماء العنب وشنيف ... أنا لا أبكي له وعلى كوثر # لا أخشى العطب لم تكن ... تعرف ما حد الرضى لا # ولا تعرف ما حد الغضب ... لم تكن تصلح للملك ولم # تعطك الطاعة بالملك العرب ... لم نبكيك؟ لما عرضتنا # للمجانيق وطورا للسلب ... في عذاب وحصار مجهد # سدد الطرق، فلا وجه الطلب ... زعموا أنك حي حاشر # كل # من قد قال هذا فكذب # ليته قد قاله في وجدة من ... جميع ذاهب حيث ذهب # أوجب الله علينا قتله ... وإذا ما أوجب الأمر وجب # كان والله علينا فتنة ... غضب الله عليه وكتب # وقيل فيه غير ذلك، تركنا ذكره خوف الإطالة. # ذكر بعض سيرة الأمين # لما ملك الأمين وكاتبه المأمون، وأعطاه بيعته - طلب الخصيان وأتباعهم ~~وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، ~~وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية، وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض ~~النساء الحرائر والإماء، حتى رمي بهن، وقيل فيه الأشعار، # PageV05P456 # فمما قيل فيه: # ألا يا أيها الثاوي بطوس ... عزيبا ما يفادى بالنفوس # لقد أبقيت للخصيان هقلا ... تحمل منهم شؤم البسوس # فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي بدر، فيالك من جليس # وما للمعصمي شيء لديه إذا ... ذكروا بذي سهم خسيس # وما حسن الصغير أخس حا ... لا لديه عند مخترق الكئوس # لهم من عمره شطر وشط ... ر يعاقر فيه شرب الخندريس # وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس # إذا كان الرئيس كذا سقيما ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس # فلو علم المقيم بدار طوس ... لعز على المقيم بدار طوس # ثم وجه إلى ms2228 جميع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، وأجرى عليهم ~~الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقواده، وقسم ما في بيوت ~~الأموال وما بحضرته من الجواهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه، وأمر ببناء ~~مجالس لمتنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حراقات في دجلة على ~~صورة الأسد، والفيل، والعقاب، والحية، والفرس، وأنفق في عملها مالا عظيما، ~~فقال أبو نواس في ذلك: # سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب # فإذا ما ركابه سرن برا سار في ... الماء راكبا ليث غاب # PageV05P457 # عجب الناس إذ رأوك على # صورة ليث تمر مر السحاب ... سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب ... ذات زور ومنسر وجناحي # ن تشق العباب بعد العباب ... تسبق الطير في السماء إذا # ما استعجلوها بجيئة وذهاب # قال الكوثر: أمر الأمين أن يفرش له على دكان في الخلد يوما، ففرش عليها ~~بساط زرعي، ونمارق، وفرش مثله، وهيئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر ~~عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشرا عشرا ~~بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد، فأصعدت إليه عشرا، فاندفعن يغنين بصوت ~~واحد: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # فسبهن وطردهن، ثم أمرها فأصعدت عشرا غيرهن فغنينه: # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # ففعل ما فعله، وأطرق طويلا، ثم قال: أصعدي عشرا. فأصعدتهن فغنين: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فقام من مجلسه، وأمر بهدم الدكان، تطيرا مما كان. # قيل: وذكر محمد الأمين عند الفضل بن سهل بخراسان، فقال: كيف لا يستحل قتل ~~محمد وشاعره يقول في مجلسه: # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # فبلغت القصة الأمين، فحبس أبا نواس. # PageV05P458 # ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم، أو معدلة، أو تجربة، حتى ~~نذكرها، وهذا القدر كاف. # ذكر وثوب الجند بطاهر # وفي هذه السنة وثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام. # وكان سبب ms2229 ذلك أنهم طلبو منه مالا، فلم يكن معه شيء، فثاروا به، فضاق بهم ~~الأمر، وظن أن ذلك من مواطأة من الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه، ولم ~~يكن تحرك من أهل الأرباض أحد، فخشي على نفسه، فهرب، ونهبوا بعض متاعه، ومضى ~~إلى عقرقوف. # وكان لما قتل الأمين أمر بحفظ الأبواب، وحول زبيدة أم الأمين وولديه موسى ~~وعبد الله معها، وحملهم في حراقة إلى همينيا على الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل ~~موسى وعبد الله إلى عمهما المأمون بخراسان. # فلما ثار به الجند نادوا " موسى يا منصور "، وبقوا ذلك يومهم ومن الغد، ~~فصوب الناس إخراج طاهر ولدي الأمين. # ولما هرب طاهر إلى عقرقوف خرج معه جماعة من القواد، وتعبأ لقتال الجند ~~وأهل الأرباض ببغداذ، فلما بلغ ذلك القواد المتخلفين عنه والأعيان من أهل ~~المدينة خرجوا واعتذروا، وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم ~~وقبول عذرهم. # فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله العظيم - عز ~~وجل - لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأيي فيكم، ولأخرجن إلى مكروهكم! فكسرهم ~~بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر. # وخرج إليه جماعة من مشيخة أهل بغداذ، وعميرة أبو شيخ بن عميرة الأسدي، ~~فحلفوا له أنه لم يتحرك من أهل بغداذ ولا من الأبناء أحد، وضمنوا منه من ~~وراءهم، فسكن غضبه، وعفا عنهم، ووضعت الحرب أوزارها، واستوسق الناس في ~~المشرق # PageV05P459 # والمغرب على طاعة المأمون، والانقياد لخلافته. # (عميرة بفتح العين وكسر الميم) . # ذكر خلاف نصر بن شبث العقيلي على المأمون # وفي هذه السنة أظهر نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون، وكان ~~نصر من بني عقيل يسكن (كيسوم، ناحية) شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين، ~~وله فيه هوى، فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من ~~البلاد، وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب وأهل الطمع، وقويت ~~نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وحدثته نفسه بالتغلب عليه، فلما رأى ~~الناس ذلك منه كثرت جموعه، وزادت عما كانت، وكان من ms2230 أمره ما نذكره إن شاء ~~الله - تعالى -. # (شبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة) . # ذكر ولاية الحسن بن سهل العراق وغيره من البلاد # وفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل، أخا الفضل، على كل ما كان ~~افتتحه طاهر من كور الجبال، والعراق، وفارس، والأهواز، والحجاز واليمن، بعد ~~أن قتل الأمين. # وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه علي بن أبي طاهر ~~سعيد، فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه، حتى وفى الجند أرزاقهم، وسلم إليه ~~العمل. # وقدم الحسن سنة تسع وتسعين [ومائة] ، وفرق العمال. # وأمر طاهرا أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث العقيلي، وولاه الموصل ~~والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى قتال نصر بن شبث، وأرسل إليه يدعوه ~~إلى الطاعة وترك الخلاف، فلم يجبه إلى ذلك، (فتقدم إليه طاهر، والتقوا ~~بنواحي كيسوم، # PageV05P460 # واقتتلوا قتالا شديدا، أبلى فيه نصر بلاء عظيما، وكان الظفر له، وعاد ~~طاهر شبه المهزوم إلى الرقة) . # وكان قصارى أمر طاهر حفظ تلك النواحي. # وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالمسير إلى خراسان. # وحج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد. # ذكر وقعة الربض بقرطبة # في هذه السنة كانت بقرطبة الوقعة المعروفة بالربض، وسببها أن الحكم بن ~~هشام الأموي، صاحبها، كان كثير التشاغل باللهو والصيد والشرب، وغير ذلك مما ~~يجانسه، وكان قد قتل جماعة من أعيان قرطبة، فكرهه أهلها، وصاروا يتعرضون ~~لجنده بالأذى والسب، إلى أن بلغ الأمر بالغوغاء أنهم كانوا ينادون عند ~~انقضاء الأذان: " الصلاة يا مخمور الصلاة "، وشافهه بعضهم بالقول، وصفقوا ~~عليه بالأكف، فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارها، وحفر خنادقها، وارتبط ~~الخيل على بابه، واستكثر المماليك، ورتب جمعا لا يفارقون باب قصره بالسلاح، ~~فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة، وتيقنوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم. # ثم وضع عليهم عشر الأطعمة كل سنة، من غير حرص، فكرهوا ذلك، ثم عمد إلى ~~عشرة من رؤساء سفهائهم، فقتلهم وصلبهم، فهاج لذلك أهل الربض، وانضاف إلى ~~ذلك أن مملوكا له سلم سيفا ms2231 إلى صيقل ليصقله، فمطله، فأخذ المملوك السيف، ~~فلم يزل يضرب الصيقل به إلى أن قتله، وذلك في رمضان من هذه السنة. # فكان أول من شهر السلاح أهل الربض، واجتمع أهل الأرباض جميعهم بالسلاح، ~~واجتمع الجند والأمويون والعبيد بالقصر، وفرق الحكم الخيل والأسلحة، وجعل # PageV05P461 # أصحابه كتائب، ووقع القتال بين الطائفتين فغلبهم أهل الربض، وأحاطوا ~~بقصره، فنزل الحكم من أعلى القصر، ولبس سلاحه، وركب وحرض الناس، فقاتلوا ~~بين يديه قتالا شديدا. # ثم أمر ابن عمه عبيد الله، فثلم في السور ثلمة، وخرج منها ومعه قطعة من ~~الجيش، وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم، ولم يعلموا بهم، فأضرموا النار في ~~الربض، وانهزم أهله، وقتلوا مقتلة عظيمة، وأخرجوا من وجدوا في المنازل ~~والدور، فأسروهم، فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوههم، فقتلهم، وصلبهم ~~منكسين، وأقام النهب والقتل والحريق والخراب في أرباض قرطبة ثلاثة أيام. # ثم استشار الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد بن عبد المغيث، ولم يكن عنده ~~من يوازيه في قربه، فأشار عليه بالصفح عنهم والعفو، وأشار غيره بالقتل، ~~فقبل قوله، وأمر فنودي بالأمان على أنه من بقي من أهل الربض بعد ثلاثة أيام ~~قتلناه وصلبناه، فخرج من بقي بعد ذلك منهم مستخفيا، وتحملوا على الصعب ~~والذلول خارجين من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم، وما خف من أموالهم، وقعد ~~لهم الجند والفسقة بالمراصد ينهبون، ومن امتنع عليهم قتلوه. # فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكف الأيدي عن حرم الناس، وجمعهن ~~إلى مكان، وأمر بهدم الربض القبلي. # وكان بزيع مولى أمية ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام محبوسا في ~~حبس الدم بقرطبة، في رجليه قيد ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجند، ~~سأل الحرس أن يفرجوا له، فأخذوا عليه العهود إن سلم أن يعود إليهم، ~~وأطلقوه، فخرج فقاتل قتالا شديدا لم يكن في الجيش مثله، فلما انهزم أهل ~~الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم، فأطلقه وأحسن إليه، (وقد ذكر ~~بعضهم هذه الوقعة سنة اثنتين ومائتين) . # ذكر الوقعة بالموصل المعروفة بالميدان # وفيها ms2232 كانت الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل بين اليمانية والنزارية، ~~وكان سببها أن عثمان بن نعيم البرجمي صار إلى ديار مضر، فشكا الأزد واليمن، ~~وقال: إنهم يتهضموننا، ويغلبوننا على حقوقنا، واستنصرهم، فسار معه إلى ~~الموصل ما يقارب عشرين # PageV05P462 # ألفا، فأرسل إليهم علي بن الحسن الهمداني، وهو حينئذ تغلب على الموصل، ~~فسألهم عن حالهم فأخبروه، فأجابهم إلى ما يريدون، فلم يقبل عثمان ذلك، فخرج ~~إليهم علي من البلد في نحو أربعة آلاف رجل، فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، ~~عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية، وظفر بهم علي وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وعاد إلى البلد. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة خرج الحسن الهرش في جماعة من سفلة الناس، معه خلق كثير من ~~الأعراب، ودعا إلى الرضى من آل محمد، وأتى النيل، فجبى الأموال ونهب القرى. # [الوفيات] # وفيها مات سفيان بن عيينة الهلالي بمكة، وكان مولده سنة تسع ومائة. # وفيها توفي عبد الرحمن بن المهدي وعمره ثلاث وستون سنة. ويحيى بن سعيد ~~القطان في صفر، ومولده سنة عشرين ومائة. # PageV05P463 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة] ### | 199 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة # ذكر ظهور ابن طباطبا العلوي # وفيها ظهر (أبو عبد الله) محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن ~~الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - لعشر خلون من جمادى ~~الآخرة، بالكوفة، يدعو إلى الرضى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - والعمل ~~بالكتاب والسنة، وهو الذي يعرف بابن طباطبا، وكان القيم بأمره في الحرب أبو ~~السرايا السري بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن ~~مسعود الشيباني. # وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهرا عما كان إليه من الأعمال التي ~~افتتحها، ووجه الحسن بن سهل إليها - تحدث الناس بالعراق أن الفضل بن سهل قد ~~غلب على المأمون، وأنه أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وقواده، وأنه يستبد ~~بالأمر دونه، فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس، واجترءوا على الحسن بن سهل، ~~وهاجت الفتن في ms2233 الأمصار، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة. # وقيل: كان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكري ~~الحمير، ثم قوي حاله، فجمع نفرا، فقتل رجلا من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما ~~معه، فطلب، فاختفى، وعبر الفرات إلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في ~~تلك النواحي، ثم لحق بيزيد بن مزيد الشيباني ب أرمينية، ومعه ثلاثون فارسا، ~~فقوده، فجعل يقاتل معه الخرمية، وأثر فيهم وفتك، وأخذ منهم غلامه أبا ~~الشوك. # فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبو السرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجهه أحمد ~~طليعة إلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين والمأمون، وكانت شجاعته قد اشتهرت، ~~فراسله هرثمة # PageV05P464 # (يستميله، فمال إليه، فانتقل إلى عسكره، وقصده العرب) من الجزيرة، ~~واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة، فصار معه نحو ألفي فارس وراجل، فصار يخاطب ~~بالأمير. # فلما قتل الأمين نقصه هرثمة من أرزاقه وأرزاق أصحابه، فاستأذنه في الحج، ~~فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى، وقال لهم: اتبعوني ~~متفرقين. ففعلوا، فاجتمع معه منهم نحو من مائتي فارس، فسار بهم إلى عين ~~التمر وحصر عاملها، وأخذ ما معه من المال وفرقه في أصحابه. # وسار، فلقي عاملا آخر ومعه مال على ثلاثة بغال، فأخذوها وسار، فلحقه عسكر ~~كان قد سيره هرثمة خلفه، فعاد إليهم وقاتلهم، فهزمهم، ودخل البرية، وقسم ~~المال بين أصحابه، وانتشر جنده، فلحق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم، ~~فكثر جمعه، فسار نحو دقوقاء، وعليها أبو ضرغامة العجلي، في سبعمائة فارس، ~~فخرج إليه فلقيه، فاقتتلوا، فانهزم أبو ضرغامة ودخل قصر دقوقاء، فحصره أبو ~~السرايا، وأخرجه من القصر بالأمان، وأخذ ما عنده من الأموال. # وسار إلى الأنبار وعليها إبراهيم الشروي، مولى المنصور، فقتله أبو ~~السرايا، وأخذ ما فيها وسار عنها، ثم عاد إليها بعد إدراك الغلال، فاحتوى ~~عليها، ثم ضجر من طول السرى في البلاد، فقصد الرقة، فمر بطوق بن مالك ~~التغلبي وهو يحارب القيسية، فأعانه عليهم، وأقام معه أربعة أشهر يقاتل على ~~غير طمع إلا للعصبية للربعية ms2234 على المضرية، فظفر طوق وانقادت له قيس. # وسار عنه أبو السرايا إلى الرقة، فلما وصلها لقيه محمد بن إبراهيم ~~المعروف بابن طباطبا، فبايعه، وقال له: انحدر أنت في الماء، وأسير أنا على ~~البر، حتى نوافي الكوفة. فدخلاها، وابتدأ أبو السرايا بقصر العباس بن موسى ~~بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر، وكان عظيما لا يحصى، وبايعهم أهل ~~الكوفة. # وقيل: كان سبب خروجه أن أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه ~~فغضب، ومضى إلى الكوفة، (فبايع ابن طباطبا، وأخذ الكوفة) ، واستوسق له ~~أهلها، # PageV05P465 # وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب، فبايعوه، وكان العامل عليها للحسن ~~بن سهل سليمان بن المنصور، فلامه الحسن، ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى ~~الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا، ~~فواقعوه في قرية شاهي فهزموه، واستباحوا عسكره، وكانت الوقعة سلخ جمادى ~~الآخرة. # فلما كان الغد، مستهل رجب، مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، سمه أبو ~~السرايا، وكان سبب ذلك أنه لما غنم ما في عسكر زهير منع عنه أبا السرايا، ~~وكان الناس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا حكم له معه، فسمه فمات، ~~وأخذ غلاما أمرد يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب - عليه السلام - فكان الحكم إلى أبي السرايا. # ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به، ووجه الحسن بن سهل عبدوس بن محمد ~~بن أبي خالد المروروذي، في أربعة آلاف فارس، فخرج إليه أبو السرايا، فلقيه ~~بالجامع لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، فقتل عبدوسا، ولم يفلت من أصحابه ~~أحد، كانوا بين قتيل وأسير. # وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، وسير ~~جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيهما. # فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري. وولى مكة الحسين بن ~~الحسن بن علي بن الحسين بن علي الذي يقال له الأفطس، وجعل إليه الموسم. ~~وولى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر. (وولى فارس إسماعيل ms2235 بن موسى بن جعفر. ~~وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر) ، فسار إلى البصرة وغلب عليها، وأخرج # PageV05P466 # عنها العباس بن محمد الجعفري، ووليها مع الأهواز. # ووجه أبو السرايا محمد بن سليمان بن داود بن الحسن (بن الحسن) بن علي إلى ~~المدائن، وأمره أن يأتي بغداذ من الجانب الشرقي، فأتى المدائن وأقام بها، ~~وسير عسكره إلى ديالى. # وكان بواسط عبد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها من قبل الحسن بن سهل، ~~فانهزم من أصحاب أبي السرايا إلى بغداذ، فلما رأى الحسن أن أصحابه لا ~~يلبثون لأصحاب أبي السرايا - أرسل إلى هرثمة يستدعيه لمحاربة أبي السرايا، ~~وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن، فحضر بعد امتناع، وسار إلى الكوفة في ~~شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن سعيد، فبلغ الخبر أبا السرايا ~~وهو بقصر ابن هبيرة، فوجه جيشا إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم ~~حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه، بينهما النهر، وسار علي بن ~~سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايا، فهزمهم واستولى ~~على المدائن. # وبلغ الخبر أبا السرايا، فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، فنزل به، ~~وسار هرثمة في طلبه فوجد جماعة من أصحابه، فقتلهم، ووجه رءوسهم إلى الحسن ~~بن سهل، ونازل هرثمة أبا السرايا، فكانت بينهما وقعة قتل فيها جماعة من ~~أصحاب أبي السرايا، فانحاز إلى الكوفة، ووثب من معه من الطالبيين على دور ~~بني العباس ومواليهم (وأتباعهم، فهدموها) ، وانتهبوها، وخربوا ضياعهم، ~~وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا أعمالا قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم ~~عند الناس. # وكان هرثمة يخبر الناس أنه يريد الحج، وحبس من قدم للحج من خراسان وغيرها ~~ليكون هو أمير الموسم، ووجه إلى مكة داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد ~~بن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - وكان الذي وجهه أبو السرايا إلى مكة ~~حسين بن حسن الأفطس ابن علي بن علي بن الحسين بن علي، ووجه إلى المدينة ~~محمد بن سليمان بن داود ms2236 بن الحسن بن علي، فدخلها، ولم يقاتله بها أحد. # PageV05P467 # ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة ~~الموسم - جمع أصحاب بني العباس ومواليهم، وكان مسرور الكبير قد حج في مائتي ~~فارس، فتعبأ للحرب، وقال لداود: أقم إلي شخصك، أو بعض ولدك، وأنا أكفيك، ~~فقال: لا أستحل القتال في المحرم، والله لئن دخلوها من هذا الفج لأخرجن من ~~غيره. # وانحاز داود إلى ناحية المشاش، وافترق الجمع الذي كان جمعهم، وخاف مسرور ~~أن يقاتلهم، فخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الناس بعرفة، فصلى ~~بهم رجل من عرض الناس بغير خطبة، ودفعوا من عرفة بغير إمام. # وكان حسين بن حسن بسرف يخاف دخول مكة، حتى خرج إليه قوم أخبروه أن مكة قد ~~خلت من بني العباس، فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت، وبين الصفا ~~والمروة، ومضوا إلى عرفة، فوقفوا ليلا ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى بالناس ~~الصبح، وأقام بمنى أيام الحج، وبقي بمكة إلى أن انقضت السنة، وكذلك أيضا ~~أقام محمد بن سليمان بالمدينة، حتى انقضت السنة. # وأما هرثمة فإنه نزل بقرية شاهي، ورد الحاج، واستدعى منصور بن المهدي ~~إليه، وكاتب رؤساء أهل الكوفة. # وأما علي بن سعيد فإنه توجه من المدائن إلى واسط، فأخذها، وتوجه إلى ~~البصرة، فلم يقدر على أخذها هذه السنة. # ذكر قوة نصر بن شبث العقيلي # وفيها قوي أمر نصر بن شبث العقيلي بالجزيرة وكثر جمعه، وحصر حران، وأتاه ~~نفر من شيعة الطالبيين فقالوا له: قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم، ~~وأعلقت عنهم العرب، فلو بايعت لخليفة كان أقوى لأمرك. فقال: من أي الناس؟ ~~فقالوا: نبايع آل علي بن أبي طالب، فقال: أبايع # PageV05P468 # [بعض] أولاد السوداوات، فيقول إنه هو خلقني ورزقني؟ قالوا: فنبايع لبعض ~~بني أمية، فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدا، ولو سلم علي ~~رجل مدبر لأعداني إدباره، وإنما هواي في بني العباس، وإنما حاربتهم محاماة ~~على العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في ms2237 هذه السنة توفي الحسين بن مصعب بن زريق أبو طاهر بن الحسين بخراسان، ~~وكان طاهر بالرقة، وحضر المأمون جنازته، ونزل الفضل بن سهل قبره، ووجه ~~المأمون إلى طاهر يعزيه بأبيه. # (وفيها توفي أبو عون معاوية بن أحمد الصمادحي، مولى آل جعفر بن أبي طالب، ~~الفقيه المغربي الزاهد) . # وفيها توفي سهل بن شاذويه أبو هارون. وعبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، ~~وكنيته أبو هاشم، وهو والد محمد بن عبد الله بن نمير شيخ البخاري ومسلم. # PageV05P469 ### | [ثم دخلت سنة مائتين] ### | 200 - # ثم دخلت سنة مائتين # ذكر هرب أبي السرايا # في هذه السنة هرب أبو السرايا من الكوفة، وكان قد حصره فيها (ومن معه) ~~هرثمة، وجعل يلازم قتالهم، حتى ضجروا، وتركوا القتال، فلما رأى ذلك أبو ~~السرايا، تهيأ للخروج من الكوفة، فخرج في ثمانمائة فارس، ومعه محمد بن محمد ~~بن زيد، ودخلها هرثمة فأمن أهلها، ولم يتعرض إليهم، وكان هربه سادس عشر ~~المحرم، وأتى القادسية، وسار منها إلى السوس بخوزستان فلقي مالا قد حمل من ~~الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه. # وأتاه الحسن بن علي المأموني، فأمره بالخروج من عمله، وكره قتاله، فأبى ~~أبو السرايا إلا قتاله، فقاتله، فهزمه المأموني وجرحه، وتفرق أصحابه، وسار ~~هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبي السرايا برأس عين، فلما انتهوا ~~إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش، فأخذهم، وأتى بهم الحسن بن سهل وهو ~~بالنهروان، فقتل أبا السرايا، وبعث رأسه إلى المأمون، ونصبت جثته على جسر ~~بغداذ، وسير محمد بن محمد إلى المأمون. # PageV05P470 # وأما هرثمة فإنه أقام بالكوفة يوما واحدا (وعاد) ، واستخلف بها غسان بن ~~أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان، صاحب (حرس) والي خراسان. # وسار علي بن سعيد إلى البصرة، فأخذها من العلويين. وكان زيد بن موسى بن ~~جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي - عليه السلام - وهو الذي يسمى زيد ~~النار، وإنما سمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، ~~وكان إذا أتى رجل من المسودة أحرقه، وأخذ أموالا كثيرة من ms2238 أموال التجار سوى ~~أموال بني العباس، فلما وصل علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه، وأخذه، وبعث ~~إلى مكة والمدينة واليمن جيشا، فأمرهم بمحاربة من بها من العلويين. # وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر. # ذكر ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر # في هذه السنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، وكان بمكة، فلما بلغه ~~خبر أبي السرايا وما كان منه - سار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى بن عيسى ~~بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عاملا للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم ~~من صنعاء، سار منها نحو مكة، فأتى المشاش فعسكر بها، واجتمع بها إليه جماعة ~~من أهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى ~~الجزار لكثرة من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال. # PageV05P471 # ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفر # وفي هذه السنة، في المحرم، نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها كسوة أخرى، ~~أنفذها أبو السرايا من الكوفة، من القز، وتتبع ودائع بني العباس وأتباعهم ~~وأخذها، وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه، وتطرق أصحابه إلى ~~قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب، وهو نزر حقير، وأخذ ما ~~في خزانة الكعبة، فقسمه مع كسوتها على أصحابه. # فلما بلغه قتل أبي السرايا، ورأى تغير الناس لسوء سيرته وسيرة أصحابه، ~~أتى هو وأصحابه إلى محمد بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي - عليه السلام - ~~وكان شيخا محببا للناس، مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، ~~وكان يروي العلم عن أبيه جعفر - رضي الله عنه - وكان الناس يكتبون عنه، ~~وكان يظهر زهدا، فلما أتوه قالوا له: تعلم منزلتك من الناس، فهلم نبايع لك ~~بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان. # فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه ~~على رأيه، وأجابهم، وأقاموه في ربيع الأول، فبايعوه بالخلافة، وجمعوا له ~~الناس، فبايعوه طوعا وكرها، وسموه " أمير المؤمنين "، فبقي شهورا ms2239 وليس له ~~من الأمر شيء، وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة ~~وأقبح فعلا، فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، ~~وأرادها على نفسها، فامتنعت، فأخاف زوجها، وهو من بني مخزوم، حتى توارى ~~عنه، ثم كسر باب دارها، وأخذها إليه مدة ثم هربت منه. # ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد، وهو ابن قاضي مكة، يقال له ~~إسحاق بن محمد، وكان جميلا، فأخذه قهرا. فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من ~~المجاورين اجتمعوا بالحرم، واجتمع معهم جمع كثير، فأتو محمد بن جعفر، ~~فقالوا له: لنخلعنك، أو لنقتلنك، أو لتردن إلينا هذا الغلام! فأغلق بابه ~~وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم ~~أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه، # PageV05P472 # فركب (إلى ابنه) وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. # ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل ~~المشاش، واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر وأعلموه، وحفروا خندقا، وجمعوا ~~الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق، ثم كره القتال، فسار نحو العراق، ~~فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة إلى مكة، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل، ~~فقالوا لإسحاق: ارجع معنا، ونحن نكفيك القتال. فرجع معهم، فقاتلوا ~~الطالبيين فهزموهم، فأرسل محمد بن جعفر يطلب الأمان، فأمنوه، ودخل ~~العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة. # وأما محمد بن جعفر فسار نحو الجحفة، فأدركه بعض موالي بني العباس، فأخذ ~~جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بها، فسار نحو بلاد جهينة، فجمع بها، ~~وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، عند الشجرة وغيرها، عدة دفعات، فانهزم ~~محمد، وفقئت عينه بنشابة، وقتل من أصحابه بشر كثير، ورجع إلى موضعه. # فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي، ومن رجاء بن جميل، وهو ابن عم ~~الفضل بن سهل، فأمنه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، ~~فقبل ذلك، فأتى مكة لعشر بقين من ذي الحجة، فخطب الناس وقال: إنني بلغني أن ms2240 ~~المأمون مات، وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعني الناس، ~~ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح، وأنا أستغفر الله من البيعة، وقد خلعت ~~نفسي من البيعة التي بايعتموني عليها، كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، فلا ~~بيعة لي في رقابكم. # PageV05P473 # ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى ~~المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه، فمات بجرجان، على ما ~~نذكره إن شاء الله - تعالى -. # ذكر ما فعله إبراهيم بن موسى وفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر ~~من اليمن رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب (في جند) ليحج بالناس، فسار العقيلي ~~حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من ~~القواد، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل ~~على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز ~~قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة ~~وطيبها، وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين. # فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك. فانتخب مائة رجل، ~~وسار بهم إلى العقيلي، فصحبهم، فقاتلهم فانهزموا، وأسر أكثرهم، وأخذ كسوة ~~الكعبة وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فرده وأخذ الأسرى، ~~فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، ~~فهلك أكثرهم في الطريق. # ذكر مسيرة هرثمة إلى المأمون وقتله # لما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع فلم يأت الحسن بن سهل، وكان بالمدائن، ~~بل سار على عقرقوف حتى أتى البردان، والنهروان، وأتى خراسان، فأتته كتب ~~المأمون في غير موضع أن يأتي إلى الشام والحجاز، فأبى وقال: لا أرجع حتى ~~ألقى أمير المؤمنين. إدلالا منه عليه، ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه، ~~وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من ~~الأخبار، وأنه لا يدعه حتى يرده إلى بغداذ ليتوسط سلطانه. # PageV05P474 # فعلم ms2241 الفضل بذلك، فقال للمأمون: إن هرثمة قد أثقل عليك البلاد والعباد، ~~ودس أبا السرايا، وهو من جنده، ولو أراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه عدة كتب ~~ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل، وقد جاء مشاقا يظهر القول الشديد، فإن ~~أطلق (هذا كان مفسدة) لغيره. # فتغير قلب المأمون، وأبطأ هرثمة إلى ذي القعدة، فلما بلغ مرو خشي أن يكتم ~~قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون، فسمعه فقال: ما ~~هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق. فظن هرثمة أن قوله المقبول، فأمر ~~المأمون بإدخاله، فلما دخل عليه قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة ~~العلويين، ووضعت أبا السرايا، ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت. # فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر، فلم يقبل منه، فأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه، ~~وسحب من بين يديه، وقد أمر الفضل الأعوان بالتشديد عليه، فحبس، فمكث في ~~الحبس أياما، ثم دس إليه من قتله، وقالوا: مات. # ذكر وثوب الحربية ببغداذ # وفيها كان من الشغب ببغداذ بين الحربية والحسن بن سهل، وكان سبب ذلك أن ~~الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون، فلما اتصل ببغداذ، ~~وسمع ما صنعه المأمون بهرثمة، بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام، وهو والي ~~بغداذ من قبله، أن ماطل الجند من الحربية أرزاقهم ولا تعطهم. # وكان الحربية قبل ذلك حين خرج هرثمة إلى خراسان قد وثبوا، وقالوا: لا ~~نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداذ. فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى ~~الهادي خليفة المأمون ببغداذ، واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. # فدس الحسن إليهم، وكاتب قوادهم حتى يبعثوا من جانب عسكر المهدي، فحول # PageV05P475 # الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيب، فنزل في ~~عسكر المهدي، وبعث الحسن علي بن هشام في الجانب الآخر هو ومحمد بن أبي ~~خالد، ودخلوا بغداذ ليلا في شعبان، وقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة ~~الصراة، ثم وعدهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، فسألوه تعجيل خمسين درهما ~~لكل رجل منهم ينفقونها ms2242 في رمضان، فأجابهم إلى ذلك. # وجعل يعطيهم، فلم يتم العطاء حتى أتاهم خبر زيد بن موسى من البصرة، ~~المعروف بزيد النار، وكان هرب من الحبس، وكان عند علي بن سعيد، فخرج من ~~ناحية الأنبار هو وأخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه ~~فأتي به إلى علي بن هشام، وهرب علي بن هشام بعد جمعة من الحربية، ونزل ~~بصرصر ; لأنه لم يف لهم بإعطاء الخمسين إلى أن جاء الأضحى، وبلغهم خبر ~~هرثمة وأخرجوه. # وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أبي خالد ; لأن علي بن هشام كان يستخف به، ~~فغضب من ذلك، وتحول إلى الحربية، فلم يقربهم علي، فهرب إلى صرصر، ثم هزموه ~~من صرصر. # وقيل: كان السبب في شغب الأبناء أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن علي بن ~~ماهان الحد، فغضب الأبناء، وخرجوا. # ذكر الفتنة بالموصل # وفيها وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة، فاستجارت ثعلبة ~~بمحمد بن الحسين الهمداني، وهو أخو علي بن الحسين، أمير البلد، فأمرهم ~~بالخروج إلى البرية، ففعلوا، فتبعهم بنو سامة في ألف رجل إلى العوجاء، ~~وحصروهم فيها، فبلغ الخبر عليا ومحمدا ابني الحسين، فأرسلا الرجال إليهم، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من بني سامة جماعة، وأسر جماعة منهم، ومن بني ~~تغلب، وكانوا معهم، فحبسوا في البلد. # ثم إن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي أتى محمدا، وطلب إليه ~~المسالمة، فأجابه إلى ذلك، وصلح الأمر، وسكنت الفتنة. # PageV05P476 # ذكر الغزاة إلى الفرنج # وفي هذه السنة جهز الحكم أمير الأندلس جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى ~~بلاد الفرنج بالأندلس، فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم، وتوسط بلادهم، فخربها ~~ونهبها وهدم عدة من حصونها، [وكان] كلما أهلك موضعا وصل إلى غيره، فاستنفد ~~خزائن ملوكهم. # فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع النواحي مستنصرا ~~بهم، فاجتمعت إليه النصرانية من كل أوب، فأقبل في جموع عظيمة بإزاء عسكر ~~المسلمين، بينهم نهر، فاقتتلوا قتالا شديدا عدة أيام، المسلمون يريدون ~~يعبرون النهر، وهم يمنعون المسلمين من ms2243 ذلك. # فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر، فعبر المشركون إليهم، فاقتتلوا ~~أعظم قتال، فانهزم المشركون إلى النهر، فأخذهم السيف والأسر، فمن عبر النهر ~~سلم، وأسر جماعة من كنودهم وملوكهم وقمامصتهم، وعاد الفرنج يلزمون جانب ~~النهر، يمنعون المسلمين من جوازه، فبقوا كذلك ثلاثة عشر يوما، يقتتلون كل ~~يوم، فجاءت الأمطار، وزاد النهر وتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم سابع ذي ~~الحجة. # ذكر خروج البربر بناحية مورور # وفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور من الأندلس، ومعه جماعة، ~~فوصل كتاب العامل إلى الحكم بخبره، فأخفى الحكم خبره، واستدعى من ساعته ~~قائدا من قواده، فأخبره بذلك سرا، وقال له: سر من ساعتك إلى هذا الخارجي ~~فأتني برأسه، وإلا فرأسك عوضه، وأنا قاعد مكاني هذا إلى أن تعود. # فسار القائد إلى الخارجي، فلما قاربه سأل عنه، فأخبر عنه باحتياط كثير، ~~واحتراز شديد، ثم ذكر قول الحكم: إن قتلته، وإلا فرأسك عوضه، فحمل نفسه على ~~سلوك سبيل المخاطرة، فأعمل الحيلة، ثم دخل عليه وقتله، وأحضر [رأسه] عند # PageV05P477 # الحكم، فرآه بمكانه ذلك لم يتغير منه، وكانت غيبته أربعة أيام. # فلما رأى رأسه أحسن إلى ذلك القائد، ووصله وأعلى محله. # (مورور بفتح الميم، وسكون الواو، وضم الراء، وسكون الواو الثانية، وآخره ~~راء ثانية] . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك لإحضار علي بن موسى بن جعفر ~~بن محمد) . # وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر ~~وأنثى. # وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها أليون، وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر، ~~وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجيش ثانية. # وفيها خالف علي بن أبي سعيد على الحسن بن سهل، فبعث المأمون إليه بسراج ~~الخادم وقال له: إن وضع يده في يد الحسن بن سهل أو شخص إلي بمرو، وإلا ~~فاضرب عنقه، فسار إليه سراج فأطاع، وتوجه إلى المأمون بمرو مع هرثمة. # وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل ; لأنه قال له: يا أمير ~~الكافرين. # PageV05P478 # وحج بالناس ms2244 هذه السنة المعتصم. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو البختري وهب بن وهب. ومعروف الكرخي الزاهد. وصفوان ~~بن عيسى الفقيه. والمعافى بن داود الموصلي، وكان فاضلا عابدا. # PageV05P479 ### | [ثم دخلت سنة إحدى ومائتين] ### | 201 - # ثم دخلت سنة إحدى ومائتين # ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغداذ # وفي هذه السنة أراد أهل بغداذ أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة، ~~فامتنع عن ذلك، فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون (بالخلافة) ~~، فأجابهم إليه. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه قبل من إخراج أهل بغداذ علي بن هشام من بغداذ. ~~فلما اتصل إخراجه من بغداذ بالحسن بن سهل سار من المدائن إلى واسط، وذلك ~~أول سنة إحدى ومائتين، فلما هرب إلى واسط تبعه محمد بن أبي خالد بن ~~الهندوان، مخالفا له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن ~~قحطبة الجانب الغربي، ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي. # وكان ببغداذ منصور بن المهدي، والفضل بن الربيع، وخزيمة بن خازم. # وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من الرقة من عند طاهر، في هذه الأيام، ~~فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل، فمضيا ومن معهما إلى قرية (أبي فرسن ~~قريب واسط، ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن، في غير موضع، فهزماهم. # ولما انتهى محمد إلى دير العاقول أقام به ثلاثا، وزهير بن المسيب مقيم ~~بإسكاف بني الجنيد، عاملا للحسن على جوخى، وهو يكاتب قواد بغداذ، فركب إليه ~~محمد، وأخذه أسيرا، وأخذ كل ماله، وسيره أسيرا إلى بغداذ، وحبسه عند أبيه ~~جعفر. # ثم تقدم محمد إلى واسط، ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل، ~~وبها نائب للحسن، فهزمه هارون، وتبعه إلى الكوفة. # PageV05P480 # ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى الحسن بواسط، ورجع هارون إلى أبيه وقد ~~استولى على النيل، وسار محمد وهارون نحو واسط، فسار الحسن عنها، ونزل ~~خلفها. # وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما تقدم إلى الآن، فلما رأى أن محمدا قد ~~بلغ واسطا طلب منه الأمان، فأمنه، وظهر، وسار محمد إلى الحسن على ms2245 تعبئة، ~~فوجه إليه الحسن قواده وجنده، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب محمد بعد ~~العصر، وثبت محمد حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة، وقتل منهم ~~خلق كثير، وغنموا مالهم، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول. # ونزل محمد بفم الصلح، وأتاهم الحسن، فاقتتلوا، فلما جنهم الليل (رحل محمد ~~وأصحابه فنزلوا المنازل، فأتاهم الحسن فاقتتلوا، فلما جنهم الليل) ارتحلوا، ~~حتى أتوا جبل، فأقاموا بها، ووجه محمد ابنه عيسى إلى عرنايا، فأقام بها، ~~وأقام محمد بجرجرايا، فاشتدت جراحات محمد، فحمله ابنه أبو زنبيل إلى بغداذ، ~~وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر، ومات محمد بن أبي خالد، فدفن في داره ~~سرا. # وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم، فأعلمه حال أبيه، وأعلم خزيمة ذلك الناس، ~~وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، يبذل فيه القيام بأمر الحرب مقام أبيه، ~~فرضوا به، وصار مكان أبيه، وقتل أبو زنبيل زهير بن المسيب من ليلته، ذبحه ~~ذبحا وعلق رأسه في عسكر أبيه. # وبلغ الحسن بن سهل موت محمد، فسار إلى المبارك فأقام به، وبعث في جمادى ~~الآخرة جيشا له، فالتقوا بأبي زنبيل بفم الصراة، فهزموه، وانحاز إلى أخيه ~~هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن إليهم، فلقوهم فاقتتلوا ساعة، وانهزم هارون ~~وأصحابه، فأتوا المدائن، ونهب أصحاب الحسن النيل ثلاثة أيام، وما حولها من ~~القرى. # وكان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبي خالد، قالوا: نصير بعضنا ~~خليفة، ونخلع المأمون. فأتاهم خبر هارون وهزيمته، فجدوا في ذلك، وأردوا ~~منصور بن المهدي على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداذ والعراق، ~~وقالوا: لا نرضى # PageV05P481 # بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل. # وقيل: إن عيسى لما ساعده أهل بغداذ على حرب الحسن بن سهل علم الحسن أنه ~~لا طاقة له به، فبعث إليه، وبذل المصاهرة ومائة ألف دينار، والأمان له ~~ولأهل بيته، ولأهل بغداذ، وولاية أي النواحي أحب، فطلب كتاب المأمون بخطه، ~~وكتب عيسى إلى أهل بغداذ: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولوا رجلا من ~~بني هاشم. فولوا منصور بن المهدي، ms2246 وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون ~~حتى يقدم، أو يولي من أحب. فرضي به الناس. # وعسكر منصور بكلواذى، وبعث غسان بن (عباد بن أبي) الفرج إلى ناحية ~~الكوفة، فنزل بقصر ابن هبيرة، فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، ~~فأخذه أسيرا، وقتل من أصحابه، وذلك لأربع خلون من رجب. # وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إلى حميد، فسار حتى أتى ~~كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد، وكان بالنيل، فقاتله قتالا شديدا، ~~وانهزم ابن يقطين، وقتل من أصحابه، وأسر، وغرق بشر كثير، ونهب حميد ما حول ~~كوثى من القرى، ورجع حميد إلى النيل، وابن يقطين أقام بنهر صرصر. # وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد من في عسكره، وكانوا مائة ألف وخمسة ~~وعشرين ألفا بين فارس وراجل، فأعطى الفارس أربعين درهما، والراجل عشرين ~~درهما. # ذكر أمر المتطوعة بالمعروف # وفي هذه السنة تجردت المتطوعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # وكان سبب ذلك أن فساق بغداذ والشطار آذوا الناس أذى شديدا، وأظهروا ~~الفسق، وقطعوا الطريق، وأخذوا النساء والصبيان علانية، وكانوا يأخذون ولد ~~الرجل وأهله، فلا # PageV05P482 # يقدر أن يمتنع منهم، وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم أو يصلهم، فلا ~~يقدر على الامتناع، وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر عليهم، ~~لأنه كان يغريهم، وهم بطانته، وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق، ولا يعدي ~~عليهم أحد، وكان الناس معهم في بلاء عظيم. # وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل، وانتهبوها علانية، وأخذوا العين ~~والمتاع والدواب، فباعوها ببغداذ ظاهرا، واستعدى أهلها السلطان، فلم يعدهم، ~~وكان ذلك آخر شعبان. # فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب، ومشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: ~~إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وأنتم أكثر منهم، فلو اجتمعتم ~~لقمعتم هؤلاء الفساق، ولعجزوا عن الذي يفعلونه، فقام رجل يقال له خالد ~~الدريوش، فدعا جيرانه وأهل محلته، على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، فشد على من يليه من الفساق والشطار ms2247 ~~فمنعهم، وامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله فقاتلهم، فهزمهم وضرب من أخذه من ~~الفساق، وحبسهم، ورفعهم إلى السلطان، إلا أنه كان لا يرى أن يغير على ~~السلطان شيئا. # ثم قام بعده رجل من الحربية يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل ~~خراسان، ويكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والعمل بالكتاب والسنة، وعلق مصحفا في عنقه، وأمر أهل محلته ونهاهم، فقبلوا ~~منه، ودعا الناس جميعا، الشريف والوضيع، من بني هاشم وغيرهم، فأتاه خلق ~~عظيم فبايعوه على ذلك، وعلى القتال معه لمن خالفه، وطاف ببغداذ وأسواقها. # وكان قيام سهل لأربع خلون من رمضان، وقيام الدريوش قبله بيومين أو ثلاثة. # وبلغ خبر قيامهما إلى منصور بن المهدي وعيسى بن محمد بن أبي خالد، ~~فكسرهما ذلك ; لأن أكثر أصحابهما كان الشطار ومن لا خير فيه، ودخل منصور ~~بغداذ، وكان عيسى يكاتب الحسن بن سهل في الأمان، فأجابه الحسن إلى الأمان ~~له ولأهل بغداذ، وأن يعطي جنده وأهل بغداذ رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، ~~ورحل عيسى فدخل بغداذ لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وتفرقت العساكر، فرضي ~~أهل بغداذ بما # PageV05P483 # صالح عليه، وبقي سهل على ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # ذكر البيعة لعلي بن موسى - عليه السلام - بولاية العهد # في هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضى بن جعفر بن محمد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - ولي عهد المسلمين والخليفة من ~~بعده، ولقبه الرضى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمر جنده بطرح ~~السواد ولبس الثياب الخضر، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى ~~عيسى بن محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداذ يعلمه أن المأمون قد جعل علي ~~بن موسى ولي عهده من بعده. # وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا ~~أعلم منه، وأنه سماه الرضى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمره بطرح ~~السواد ms2248 ولبس الخضرة، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، ~~وأمر محمدا أن يأمر من عنده من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم بالبيعة ~~له، ولبس الخضرة، ويأخذ أهل بغداذ جميعا بذلك، فدعاهم محمد إلى ذلك، فأجاب ~~بعضهم، وامتنع بعضهم وقال: تخرج الخلافة من ولد العباس، وإنما هذا من الفضل ~~بن سهل. فمكثوا كذلك أياما، وتكلم بعضهم وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون. ~~فكان أشدهم فيه منصور وإبراهيم ابنا المهدي. # ذكر الباعث على البيعة لإبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة في ذي الحجة خاض الناس في البيعة لإبراهيم بن المهدي ~~بالخلافة وخلع المأمون ببغداذ. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إنكار الناس لولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي ~~بن موسى، فأظهر العباسيون (ببغداذ أنهم قد كانوا بايعوا لإبراهيم بن ~~المهدي) ، لخمس # PageV05P484 # بقين من ذي الحجة، ووضعوا يوم الجمعة رجلا يقول: إنا نريد أن ندعو ~~للمأمون، ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه بأننا لا نرضى إلا أن تبايعوا ~~لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادي، وتخلعوا ~~المأمون، ففعلوا ما أمروهم به، فلم يصل الناس جمعة، وتفرقوا، وكان ذلك ~~لليلتين بقيتا من ذي الحجة من السنة. # ذكر فتح جبال طبرستان والديلم # في هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبه والي طبرستان البلاذر، والشيزر، ~~من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان، فأنزل شهريار بن شروين عنها، وأشخص ~~مازيار بن قارن إلى المأمون، وأسر أبا ليلى ملك الديلم. # ذكر ابتداء أمر بابك الخرمي # وفيها تحرك بابك الخرمي في الجاويدانية، أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب ~~البذ، وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد. # وتفسير جاويدان: الدائم الباقي، ومعنى خرم: فرج، وهي مقالات المجوس، ~~والرجل منهم ينكح أمه، وأخته، وابنته، ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون ~~مذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره. # ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب إفريقية # وفي هذه السنة سادس ذي الحجة توفي أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن ~~الأغلب، أمير إفريقية، وكانت إمارته ms2249 خمس سنين ونحو شهرين. # وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر دينارا كل سنة، # PageV05P485 # فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض، فتقدم إليه رجل من الصالحين، اسمه ~~حفص بن عمر الجزري، مع رجال من الصالحين، فنهوه عن ذلك ووعظوه، وخوفوه ~~العذاب في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيا، وزوال النعمة، فإن الله - تعالى ~~اسمه وجل ثناؤه - {لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] . # فلم يجبهم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية ~~المذكور إلى ما طلبوا، فخرجوا من عنده إلى القيروان، فقال لهم حفص: لو أننا ~~نتوضأ للصلاة ونصلي، ونسأل الله - تعالى - أن يخفف عن الناس؟ ففعلوا ذلك، ~~فما لبث إلا خمسة أيام حتى خرجت قرحة تحت أذنه، فلم ينشب أن مات منها، وكان ~~أجمل أهل زمانه، ولما مات ولي بعده أخوه زيادة الله بن إبراهيم، وبقي أميرا ~~رخي البال (وادعا، والدنيا) عنده آمنة. # ثم جهز جيشا في أسطول البحر، وكان مراكب كثيرة، إلى مدينة سردانية، وهي ~~للروم، (فعطب بعضها) بعد أن غنموا من الروم وقتلوا كثيرا، فلما عاد من سلم ~~منهم أحسن إليهم زيادة الله ووصلهم. # فلما كان سنة سبع ومائتين خرج عليه زياد بن سهل المعروف بابن الصقلبية، ~~وجمع جمعا كثيرا، وحصر مدينة باجة، فسير إليه زيادة الله العساكر، فأزالوه ~~عنها، وقتلوا من وافقه على المخالفة. # وفي سنة ثمان ومائتين نقل إلى زيادة الله أن منصور بن نصير الطنبذي يريد ~~المخالفة عليه بتونس، وهو يسعى في ذلك، ويكاتب الجند، فلما تحققه سير إليه ~~قائدا اسمه محمد بن حمزة في ثلاثمائة فارس، وأمره أن يخفي خبره، ويجد السير ~~إلى تونس، فلا يشعر به منصور حتى يأخذه فيحمله إليه. # فسار محمد ودخل تونس، فلم يجد منصورا بها، كان قد توجه إلى قصره # PageV05P486 # بطنبذة، فأرسل إليه محمد قاضي تونس، ومعه أربعون شيخا، يقبحون له الخلاف، ~~وينهونه عنه، ويأمرونه ms2250 بالطاعة، فساروا إليه واجتمعوا به وذكروا له ذلك، ~~فقال منصور: ما خالفت طاعة الأمير، وأنا سائر معكم إلى محمد ومن معه إلى ~~الأمير، ولكن أقيموا معي يومنا هذا، حتى نعمل له ولمن معه ضيافة. # فأقاموا عنده، وسير منصور لمحمد ولمن معه الإقامة الحسنة الكثيرة من ~~الغنم والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل، فكتب إليه يقول: إنني صائر إليك ~~مع القاضي والجماعة. فركن محمد إلى ذلك، وأمر بالغنم فذبحت، وأكل هو ومن ~~معه، وشربوا الخمر. # فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه، وسار مجدا فيمن عنده من أصحابه سرا ~~إلى تونس، فدخلوا دار الصناعة وفيها محمد وأصحابه، فأمر بالطبول فضربت، ~~وكبر هو وأصحابه، فوثب محمد وأصحابه إلى سلاحهم وقد عمل فيهم الشراب، وأحاط ~~بهم منصور ومن معه، وأقبلت العامة من كل مكان، فرجموهم بالحجارة، واقتتلوا ~~عامة الليل، فقتل من كان مع محمد، ولم يسلم منهم إلا من نجا إلى البحر، ~~فسبح حتى تخلص، وذلك في صفر. # وأصبح منصور، فاجتمع عليه الجند وقالوا: نحن لا نثق بك، ولا نأمن أن ~~يخلبك زيادة الله، ويستميلك بدنياه فتميل إليه، فإن أحببت أن نكون معك ~~فاقتل أحدا من أهله ممن عندك! فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال، وهو ~~من أهل زيادة الله، فكان هو العامل على تونس، فلما حضر أمر بقتله. # فلما سمع زيادة الله الخبر سير جيشا كثيفا، واستعمل عليهم غلبون، واسمه ~~الأغلب بن عبد الله بن الأغلب، وهو وزير زيادة الله، إلى منصور الطنبذي، ~~فلما ودعهم زيادة الله تهددهم بالقتل إن انهزموا، فلما وصلوا إلى تونس خرج ~~إليهم منصور، فقاتلهم، فانهزم جيش زيادة الله عاشر ربيع الأول، فقال القواد ~~الذين فيه لغلبون: لا نأمن زيادة الله على أنفسنا، فإن أخذت لنا أمانا ~~حضرنا عنده. وفارقوه واستولوا على عدة مدن فأخذوها، منها: باجة، والجزيرة، ~~وصطفورة، ومسر، والأربس، وغيرها، فاضطربت # PageV05P487 # إفريقية، واجتمع الجند كلهم إلى منصور، أطاعوه لسوء سيرة زيادة الله ~~معهم. # فلما كثر جمع منصور سار إلى القيروان فحصرها في جمادى ms2251 الأولى، وخندق على ~~نفسه، وكان بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة، وعمر منصور سور القيروان ~~[فوالاه] أهلها، فبقي الحصار عليه أربعين يوما. # ثم إن زيادة الله عبأ أصحابه وجمعهم، وسار معهم الفارس والراجل، فكانوا ~~خلقا كثيرا، فلما رآهم منصور راعه ما رأى وهاله، ولم يكن يعرف ذلك من زيادة ~~الله، لما كان فيه من الوهن، فزحف منصور إليه بنفسه أيضا، فالتقوا، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم منصور ومن معه، ومضوا هاربين، وقتل منهم خلق ~~كثير، وذلك منتصف جمادى الآخرة، وأمر زيادة الله أن ينتقم من أهل القيروان ~~بما جنوه من مساعدة منصور والقتال معه، بما تقدم أولا من مساعدة عمران بن ~~مجالد لما قاتل أباه إبراهيم بن الأغلب، فمنعه أهل العلم والدين، فكف عنهم، ~~وخرب سور القيروان. # ولما انهزم منصور فارقه كثير من أصحابه الذين صاروا معه، منهم: عامر بن ~~نافع، وعبد السلام بن المفرج، إلى البلاد التي تغلبوا عليها، ثم إن زيادة ~~الله سير جيشا، سنة تسع ومائتين، إلى مدينة سبيبة، واستعمل عليهم محمد بن ~~عبد الله بن الأغلب، وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع منصور، عليهم ~~عمر بن نافع، فالتقوا في العشرين من المحرم، واقتتلوا، فانهزم ابن الأغلب، ~~وعاد هو ومن معه إلى القيروان، فعظم الأمر على زيادة الله، وجمع الرجال ~~وبذل الأموال. # وكان عيال الجند الذين مع منصور بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة الله، ~~فقال الجند لمنصور: الرأي أن تحتال في نقل [العيال] من القيروان لنأمن ~~عليهم. فسار بهم منصور إلى القيروان، وحصر زيادة الله ستة عشر يوما، ولم ~~يكن منهم قتال، وأخرج الجند نساءهم وأولادهم من القيروان، وانصرف منصور إلى ~~تونس، ولم يبق بيد زيادة الله من إفريقية كلها إلا قابس، والساحل، ونفزاوة، ~~وطرابلس، فإنهم تمسكوا بطاعته. # وأرسل الجند إلى زيادة الله: أن ارحل عنا، وخل إفريقية، ولك الأمان على ~~نفسك ومالك، ومن ضمه قصرك. فضاق به وغمه الأمر، فقال له سفيان بن سوادة: ~~مكني من عسكرك لأختار منهم مائتي فارس، وأسير بهم إلى نفزاوة، ms2252 فقد بلغني أن ~~عامر بن نافع يريد قصدهم، فإن ظفرت كان الذي تحب، وإن تكن الأخرى عملت ~~برأيك. فأمره بذلك، # PageV05P488 # فأخذ مائتي فارس وسار إلى نفزاوة، فدعا برابرها إلى نصرته، فأجابوه ~~وسارعوا إليه، وأقبل عامر بن نافع في العسكر إليهم، فالتقوا، واقتتلوا، ~~فانهزم عامر ومن معه، وكثر القتل فيهم، ورجع عامر إلى قسطيلية، فجبى ~~أموالها ليلا ونهارا في ثلاثة أيام، وساروا عنها، واستخلف عليها من يضبطها، ~~فهرب منها أيضا خوفا من أهلها، فأرسل أهل قسطيلية إلى ابن سوادة، وسألوه أن ~~يجيء إليهم، فسار إليهم وملك قسطيلية وضبطها. # وقد قيل: إن هذه الحوادث المذكورة سنة ثمان وتسع ومائتين إنما كانت سنة ~~تسع وعشر ومائتين. # (طنبذة بضم الطاء المهملة وسكون النون وضم الباء الموحدة وبذال معجمة ~~وآخره هاء. وصطفورة بفتح الصاد وسكون الطاء وضم الفاء وسكون الواو وآخره ~~هاء. وسبيبة بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء تحتها ~~نقطتان وفتح الباء الثانية الموحدة وآخره هاء. ونفزاوة بالنون والفاء ~~الساكنة وفتح الزاي وبعد الألف واو ثم هاء) . # ذكر مافتحه زيادة الله بن الأغلب من جزيرة صقلية وما كان فيها من الحروب ~~إلى أن توفي # في سنة اثنتي عشرة ومائتين جهز زيادة الله جيشا في البحر، وسيرهم إلى ~~جزيرة صقلية، واستعمل عليهم أسد بن الفرات، قاضي القيروان، وهو من أصحاب ~~مالك، وهو مصنف الأسدية (في الفقه على مذهب مالك) ، فلما وصلوا إليها ملكوا ~~كثيرا منها. # وكان سبب إنفاذ الجيش أن ملك الروم بالقسطنطينية استعمل على جزيرة صقلية ~~بطريقا اسمه قسطنطين سنة إحدى عشرة ومائتين، فلما وصل إليها استعمل على جيش ~~الأسطول إنسانا روميا اسمه فيمي، كان حازما شجاعا، فغزا إفريقية، وأخذ من ~~سواحلها تجارا، ونهب، وبقي هناك مديدة. # ثم إن ملك الروم كتب إلى قسطنطين (يأمره بالقبض) على فيمي، مقدم الأسطول، ~~وتعذيبه، فبلغ الخبر إلى فيمي، فأعلم أصحابه فغضبوا له، وأعانوه على ~~المخالفة، فسار في مراكبه إلى صقلية، واستولى على مدينة سرقوسة، فسار إليه ~~قسطنطين (فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسطنطين) إلى مدينة قطانية، فسير ms2253 إليه ~~فيمي # PageV05P489 # جيشا، فهرب منهم، فأخذ وقتل، وخوطب فيمي بالملك، واستعمل على ناحية من ~~الجزيرة رجلا اسمه بلاطه، فخالف على فيمي، وعصى، واتفق هو وابن عم له اسمه ~~ميخائيل، وهو والي مدينة بلرم، وجمعا عسكرا كثيرا، فقاتلا فيمي، وانهزم، ~~فاستولى بلاطه على مدينة سرقوسة. # وركب فيمي ومن معه في مراكبهم إلى إفريقية، وأرسل إلى الأمير زيادة الله ~~يستنجده، ويعده بملك جزيرة صقلية، فسير معه جيشا في ربيع الأول سنة اثنتي ~~عشرة ومائتين، فوصلوا إلى مدينة مازر من صقلية، فساروا إلى بلاطه، الذي ~~قاتل فيمي، فلقيهم جمع للروم، فقاتلهم المسلمون، وأمروا فيمي ومن معه أن ~~يعتزلوهم، واشتد القتال بين المسلمين والروم، فانهزمت الروم، وغنم المسلمون ~~أموالهم ودوابهم، وهرب بلاطه إلى قلورية، فقتل بها. # واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة، ووصلوا إلى قلعة تعرف بقلعة ~~الكراث وقد اجتمع إليها خلق كثير، فخدعوا القاضي أسد بن الفرات أمير ~~المسلمين، وذلوا له، فلما رآهم فيمي مال إليهم، وراسلهم أن يثبتوا، ويحفظوا ~~بلدهم، فبذلوا لأسد الجزية، وسألوه أن لا يقرب منهم، فأجابهم إلى ذلك، ~~وتأخر عنهم (أياما، فاستعدوا للحصار، ودفعوا إليهم ما يحتاجون إليه، ~~فامتنعوا عليه) ، وناصبهم الحرب، وبث السرايا في كل ناحية، فغنموا شيئا ~~كثيرا، وافتتحوا عمرانا كثيرا حول سرقوسة، (وحاصروا سرقوسة) برا وبحرا، ~~ولحقته الأمداد من إفريقية، فسار إليهم والي بلرم في عساكر كثيرة، فخندق ~~المسلمون عليهم، وحفروا خارج الخندق حفرا كثيرة، فحمل الروم عليهم، فسقط في ~~تلك الحفر كثير منهم، فقتلوا. # وضيق المسلمون على سرقوسة، فوصل أسطول من القسطنطينية فيه جمع كثير، # PageV05P490 # وكان قد حل بالمسلمين وباء شديد، (سنة ثلاث عشرة ومائتين) ، هلك فيه كثير ~~منهم، وهلك فيه أميرهم أسد بن الفرات، وولي الأمر على المسلمين بعده محمد ~~بن أبي الجواري، فلما رأى المسلمون شدة الوباء ووصول الروم، تحملوا في ~~مراكبهم ليسيروا، فوقف الروم في مراكبهم على باب المرسى، فمنعوا المسلمين ~~من الخروج. # فلما رأى المسلمون ذلك أحرقوا مراكبهم وعادوا، ورحلوا إلى مدينة ميناو، ~~(فحصروها ثلاثة أيام) ، وتسلموا الحصن، فسار طائفة ms2254 منهم إلى حصن جرجنت، ~~فقاتلوا أهله وملكوه، وسكنوا فيه، واشتدت نفوس المسلمين بهذا الفتح وفرحوا. # ثم ساروا إلى مدينة قصريانة ومعهم فيمي، فخرج أهلها إليه، فقبلوا الأرض ~~بين يديه، وأجابوا إلى أن يملكوه عليهم، وخدعوه، ثم قتلوه. # ووصل جيش كثير من القسطنطينية مددا لمن في الجزيرة، فتصافوا هم ~~والمسلمون، فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من سلم قصريانة. # وتوفي محمد بن أبي الجواري أمير المسلمين، وولي بعده زهير بن غوث. # ثم إن سرية المسلمين سارت للغنيمة، فخرج عليها طائفة من الروم فاقتتلوا، ~~وانهزم المسلمون، وعادوا من الغد، ومعهم جمع العسكر، فخرج إليهم الروم، وقد ~~اجتمعوا وحشدوا، وتصافوا مرة ثانية، فانهزم المسلمون أيضا، وقتل منهم نحو ~~ألف قتيل، وعادوا إلى معسكرهم، وخندقوا عليهم، فحصرهم الروم، ودام القتال ~~بينهم، فضاقت الأقوات على المسلمين، فعزموا على بيات الروم، فعلموا بهم، ~~ففارقوا الخيم، وكانوا بالقرب منها، فلما خرج المسلمون لم يروا أحدا. # وأقبل الروم من كل ناحية، فأكثروا القتل فيهم، وانهزم الباقون، فدخلوا # PageV05P491 # ميناو، ودام الحصار عليهم حتى أكلوا الدواب والكلاب. # فلما سمع من في مدينة جرجنت من المسلمين ما هم عليه هدموا المدينة، ~~وساروا إلى مازر، ولم يقدروا على نصرة إخوانهم، ودام الحال كذلك إلى أن ~~دخلت سنة أربع عشرة ومائتين، وقد أشرف المسلمون على الهلاك، وإذ قد أقبل ~~أسطول كثير من الأندلس، خرجوا غزاة، ووصل في ذلك الوقت مراكب كثيرة من ~~إفريقية مددا للمسلمين، فبلغت عدة الجميع ثلاثمائة مركب، فنزلوا إلى ~~الجزيرة، فانهزم الروم عن حصار المسلمين وفرج الله عنهم، وسار المسلمون إلى ~~مدينة بلرم، فحصروها، وضيقوا على من بها، فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله ~~ولماله، فأجيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم. # ودخل المسلمون البلد في رجب سنة ست عشرة ومائتين، فلم يروا فيه إلا أقل ~~من ثلاثة آلاف إنسان، وكان فيه لما حصروه سبعون ألفا، وماتوا كلهم. # وجرى بين المسلمين: أهل إفريقية، وأهل الأندلس - خلف ونزاع، ثم اتفقوا، ~~وبقي المسلمون إلى سنة تسع عشرة ومائتين. # وسار المسلمون ms2255 إلى مدينة قصريانة، فخرج من فيها من الروم، فاقتتلوا أشد ~~قتال، ففتح الله على المسلمين، (وانهزم الروم إلى معسكرهم) ، ثم رجعوا في ~~الربيع فقاتلوهم، فنصر المسلمون أيضا. # ثم ساروا سنة عشرين ومائتين، (وأميرهم محمد بن عبد الله إلى قصريانة، ~~فقاتلهم الروم، فانهزموا، وأسرت امرأة لبطريقهم وابنه، وغنموا ما كان في ~~عسكرهم وعادوا إلى بلرم. # ثم سير محمد بن عبد الله عسكرا إلى ناحية طبرمين) ، عليهم محمد بن سالم، ~~فغنم غنائم كثيرة، ثم عدا عليه بعض عسكره فقتلوه، ولحقوا بالروم، فأرسل ~~زيادة الله من إفريقية الفضل بن يعقوب عوضا منه، فسار في سرية إلى ناحية ~~سرقوسة، فأصابوا غنائم كثيرة وعادوا، ثم سارت سرية كبيرة، فغنمت وعادت، ~~فعرض لهم البطريق ملك الروم بصقلية، وجمع كثير، فتحصنوا من الروم في أرض ~~وعر، وشجر كثيف، فلم # PageV05P492 # يتمكن من قتالهم، وواقفهم إلى العصر، فلما رأى أنهم لا يقاتلونهم عاد ~~عنهم، فتفرق أصحابه وتركوا التعبئة. # فلما رأى المسلمون ذلك حملوا عليهم حملة صادقة، فانهزم الروم وطعن ~~البطريق، وجرح عدة جراحات، وسقط عن فرسه، فأتاه حماة أصحابه، واستنقذوه ~~جريحا، وحملوه، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ومتاع ودواب، فكانت وقعة ~~عظيمة. # وسير زيادة الله من إفريقية إلى صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله ~~أميرا عليها، فخرج إليها، فوصل إليها منتصف رمضان، فبعث أسطولا، فلقوا جمعا ~~للروم في أسطول، فغنم المسلمون [ما فيه] ، فضرب أبو الأغلب رقاب كل من فيه. # وبعث أسطولا آخر إلى قوصرة، فظفر بحراقة فيها رجال من الروم، ورجل متنصر ~~من أهل إفريقية، فأتى بهم فضرب رقابهم. # وسارت سرية أخرى إلى جبل النار والحصون التي في تلك الناحية، فأحرقوا ~~الزرع، وغنموا (وأكثروا القتل. # ثم سير أبو الأغلب سنة إحدى وعشرين ومائتين سرية إلى جبل النار أيضا، ~~فغنموا غنائم عظيمة، حتى بيع الرقيق بأبخس الأثمان، وعادوا سالمين. # وفيها سير أبو الأغلب أيضا سرية إلى قسطلياسة، فغنموا وسبوا، ولقيهم ~~العدو، فكانت بينهم حرب استظهر فيها الروم. # وسير سرية إلى مدينة قصريانة، فخرج إليهم العدو، فاقتتلوا، فانهزم ms2256 ~~المسلمون وأصيب منهم جماعة. # ثم كانت وقعة أخرى بين الروم والمسلمين، فانهزم الروم، وغنم المسلمون ~~منهم تسعة مراكب كبار برجالها وشلندس. فلما جاء الشتاء وأظلم الليل رأى رجل ~~من # PageV05P493 # المسلمين غرة من أهل قصريانة، فقرب منه، ورأى طريقا، فدخل منه، ولم يعلم ~~به أحد، ثم انصرف إلى العسكر، فأخبرهم فجاءوا معه، فدخلوا من ذلك الموضع، ~~وكبروا، وملكوا ربضه، وتحصن المشركون منهم بحصنه، فطلبوا الأمان، فأمنوهم، ~~وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وعادوا إلى بلرم. # وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وصل كثير من الروم في البحر إلى صقلية، وكان ~~المسلمون يحاصرون جفلوذى، وقد طال حصارها، فلما وصل الروم رحل المسلمون ~~عنها، وجرى بينهم وبين الروم الواصلين حروب كثيرة. # ثم وصل الخبر بوفاة زيادة الله (بن إبراهيم بن الأغلب) ، أمير إفريقية، ~~فوهن المسلمون، ثم تشجعوا وضبطوا أنفسهم. # (سرقوسة بسين مفتوحة وقاف وواو وسين ثانية. وبلرم بفتح الباء الموحدة ~~واللام وتسكين الراء وبعدها ميم. وميناو بميم وياء تحتها نقطتان ونون وبعد ~~الألف واو. وجرجنت بجيم وراء وجيم ثانية مفتوحة [ونون] وتاء فوقها نقطتان، ~~وقصريانة بالقاف والصاد المهملة والراء والياء تحتها نقطتان وبعد الألف نون ~~مشددة وهاء) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا. # وفيها أصاب أهل خراسان وأصبهان والري مجاعة شديدة، وكثر الموت فيهم. # PageV05P494 # وحج بالناس هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن ~~عبد الله بن عباس. # PageV05P495 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين] ### | 202 - # ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين # ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي # في هذه السنة بايع أهل بغداذ إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقبوه ~~المبارك، وكانت بيعته أول يوم من المحرم، وقيل خامسه، وخلعوا المأمون، ~~وبايعه سائر بني هاشم، فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن ~~مالك، فكان الذي في هذا الأمر السندي، وصالح صاحب المصلى، ونصير الوصيف، ~~وغيرهم، غضبا على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس، ولتركه ~~لباس آبائه من السواد. # فلما فرغ من البيعة وعد الجند ms2257 رزق ستة أشهر، ودافعهم بها، فشغبوا عليه، ~~فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة [بقية] ما لهم ~~حنطة وشعيرا، فخرجوا في قبضها، فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل ~~السواد، واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه، وعسكر بالمدائن، ~~واستعمل على الجانب الغربي من بغداذ العباس بن موسى الهادي، وعلى الجانب ~~الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي. # وخرج عليه مهدي بن علوان الحروري، وغلب على طساسيج نهر بوق والراذانين، ~~فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق بن الرشيد، وهو المعتصم، في جماعة من القواد، ~~فلقوه فاقتتلوا، فطعن رجل من أصحابه ابن الرشيد، فحامى عنه غلام تركي يقال ~~له: أشناس، وهزم مهدي إلى حولايا. # وقيل: كان خروج مهدي سنة ثلاث ومائتين. # PageV05P496 # ذكر استيلاء إبراهيم على قصر ابن هبيرة # وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه من ~~القواد سعيد بن الساجور، وأبو البط، وغسان بن أبي الفرج، ومحمد بن إبراهيم ~~الإفريقي وغيرهم، فكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا ~~قد تحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب ~~إبراهيم، وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك، فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه إليه، ~~فلم يفعل، خاف أن يسير إليه، فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره، ويسلمونه إلى ~~إبراهيم، فلما ألح الحسن عليه بالكتب سار إليه في ربيع الآخر، وكتب أولئك ~~القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فوجهه إليهم، ~~فانتهبوا ما في عسكر حميد، فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد ~~جواري أبيه، وسار إليه وهو بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر، وتسلمه لعشر خلون ~~من ربيع الآخر، فقال حميد للحسن: ألم أعلمك؟ لكنك خدعت. # وعاد إلى الكوفة، فأخذ أمواله، واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر ~~العلوي، وأمره أن يدعو لأخيه علي بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف ~~درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك. # فلما كان الليل خرج ms2258 حميد إلى الحسن، وكان الحسن قد وجه حكيما الحارثي إلى ~~النيل، فسار إليه عيسى بن محمد، فاقتتلوا، فانهزم حكيم، فدخل عيسى النيل، ~~ووجه إبراهيم إلى الكوفة سعيدا وأبا البط، لقتال العباس بن موسى، وكان ~~العباس قد دعا أهل الكوفة، فأجابه بعضهم. # وأما الغلاة من الشيعة فإنهم قالوا: إن كنت تدعونا لأخيك وحده فنحن معك، ~~وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه، فقال: إنما أدعو للمأمون، وبعده لأخي. ~~فقعدوا عنه. # فلما أتاه سعيد وأبو البط ونزلوا قرية شاهي بعث إليهم العباس ابن عمه علي ~~بن محمد بن جعفر، وهو ابن الذي بويع له بمكة، وبعث معه جماعة، منهم أخو أبي ~~السرايا، فاقتتلوا ساعة، فانهزم علي بن محمد العلوي وأهل الكوفة، ونزل سعيد ~~وأصحابه الحيرة، وكان ذلك ثاني جمادى الأولى، ثم تقدموا فقاتلوا أهل ~~الكوفة، وخرج إلى شيعة بني # PageV05P497 # العباس ومواليهم، فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا أبا إبراهيم، يا ~~منصور، لا طاعة للمأمون. وعليهم السواد، وعلى أهل الكوفة الخضرة. # فلما كان الغد اقتتلوا، وكان كل فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه، ~~فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة خرجوا إلى سعيد، فسألوه الأمان للعباس ~~وأصحابه، فأمنهم على أن يخرجوا من الكوفة، فأجابوه إلى ذلك، ثم أتوا العباس ~~فأعلموه ذلك، فقبل منهم، وتحول عن داره، فشغب أصحاب العباس بن موسى على من ~~بقي من أصحاب سعيد، وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب ~~العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوا، وقتلوا من ظفروا به. # فأرسل العباسيون إلى سعيد وهو بالحيرة، يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع ~~عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه، وأتوا الكوفة عتمة، فقتلوا من ظفروا به ممن ~~انتهب، وأحرقوا ما معهم من النهب، فمكثوا عامة الليل، فخرج إليهم رؤساء ~~الكوفة، فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان، ~~فانصرفوا عنهم. # فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط، ونادوا بالأمان، ولم يعرضوا إلى ~~أحد، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه لميله إلى ms2259 ~~أهل بلده، واستعملوا مكانه غسان بن أبي الفرج، ثم عزلوه بعدما قتل أبا عبد ~~الله أخا أبي السرايا، واستعملوا الهول ابن أخي سعيد، فلم يزل عليها حتى ~~قدمها حميد بن عبد الحميد، فهرب الهول. # وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق ~~النيل، وأمر ابن عائشة الهاشمي ونعيم بن حازم أن يسيرا جميعا، ولحق بهما ~~سعيد، وأبو البط، والإفريقي، وعسكروا جميعا بالصيادة، قرب واسط، عليهم ~~جميعا عيسى بن محمد، فكانوا يركبون ويأتون عسكر الحسن بواسط، فلا يخرج ~~إليهم منهم أحد، وهم متحصنون بالمدينة. # ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم، فخرجوا إليهم لأربع بقين من رجب، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر، وانهزم عيسى وأصحابه، حتى بلغوا طرنايا ~~والنيل، # PageV05P498 # وغنموا عسكر عيسى وما فيه. # ذكر الظفر بسهل بن سلامة # وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع، فحبسه ~~وعاقبه. # وكان سبب ظفره به أن سهلا كان مقيما ببغداذ يدعو إلى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فاجتمع إليه عامة أهل بغداذ، فلما انهزم عيسى أقبل هو ~~ومن معه نحو سهل بن سلامة، لأنه كان يذكرهم بأقبح أعمالهم، ويسميهم الفساق، ~~فقاتلوه أياما، حتى صاروا إلى الدروب، وأعطوا أصحابه الدراهم الكثيرة، حتى ~~تنحوا عن الدروب، فأجابوا إلى ذلك. # فلما كان السبت لخمس بقين من شعبان، قصدوه من كل وجه، وخذله أهل الدروب ~~لأجل الدراهم التي أخذوها، حتى وصل عيسى وأصحابه إلى منزل سهل، فاختفى منه، ~~واختلط بالنظارة، فلم يروه في منزله، فجعلوا عليه العيون، فلما كان الليل ~~أخذوه، وأتوا به إسحاق بن الهادي، فكلمه فقال: إنما كانت دعوتي عباسية، ~~وإنما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة، وأنا على ما كنت عليه أدعوكم ~~إليه الساعة، فقالوا له: اخرج إلى الناس فقل لهم: إن ما كنت عليه أدعوكم ~~إليه باطل. فخرج فقال: أيها الناس! قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه (من العمل ~~بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه) الساعة. فضربوه، وقيدوه، وشتموه، وسيروه ~~إلى إبراهيم بن المهدي بالمدائن، ms2260 فلما دخل عليه كلمه بما كلم به إسحاق بن ~~الهادي، فضربه، وحبسه، وأظهر أنه قتل خوفا من الناس، لئلا يعلموا مكانه ~~فيخرجوه، وكان ما بين خروجه وقبضه اثنا عشر شهرا. # ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذي الرياستين # وفي هذه السنة سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسان ~~بن عبادة. # PageV05P499 # وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من ~~الفتنة والقتال، مذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار، ~~وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون: مسحور، مجنون، ~~وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة. # فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة، وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم، ~~على ما أخبره به الفضل. فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأن الحرب قائمة بين ~~الحسن بن سهل وإبراهيم، والناس ينقمون عليك مكانه، ومكان أخيه الفضل، ~~ومكاني، ومكان بيعتك لي من بعدك. # فقال: ومن يعلم هذا؟ قال: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من ~~وجوه العسكر. فأمر بإدخالهم، فدخلوا، فسألهم عما أخبره به علي بن موسى، ولم ~~يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم. # فضمن لهم ذلك، وكتب لهم خطه به، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي، وأن ~~أهل بغداذ قد سموه الخليفة السني، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض؛ لمكان علي ~~بن موسى منه، وأعلموه بما فيه الناس، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، ~~وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه، فقتله الفضل، وإن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة ~~من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه، فأخرج من الأمر ~~كله، وجعل في زاوية من الأرض بالرقة، لا يستعان به في شيء، حتى ضعف أمره، ~~وشغب عليه جنده، وأنه لو كان ببغداذ لضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتقت من ~~أقطارها، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداذ، فإن أهلها لو رأوك لأطاعوك. # فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل، فعلم الفضل بالحال، فبغتهم حتى ضرب بعضهم، ~~وحبس ms2261 بعضهم، ونتف لحى بعضهم، فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم، فقال: أنا ~~أدري. ثم ارتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل، فقتلوه في الحمام، ~~وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان، وكان الذين قتلوه أربعة نفر، أحدهم غالب ~~المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي، وكان عمره # PageV05P500 # ستين سنة، وهربوا، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم ~~العباس بن الهيثم الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله. فأمر بهم ~~فضربت رقابهم. # وقيل: إن المأمون لما سألهم، فمنهم من قال: إن علي بن أبي سعيد ابن أخت ~~الفضل بن سهل وضعهم عليه، ومنهم من أنكر ذلك، فقتلهم، ثم أحضر عبد العزيز ~~بن عمران، وعليا (وموسى) ، وخلقا، فسألهم، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ~~ذلك، فلم يقبل منهم، وقتلهم، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، وأعلمه ما دخل ~~عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، فوصله الخبر في رمضان. # ورحل المأمون إلى العراق، فكان إبراهيم بن المهدي، وعيسى، وغيرهما ~~بالمدائن، وكان أبو البط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه، وكان ~~المطلب بن عبد الله بن مالك قد عاد من المدائن، فاعتل بأنه مريض، فأتى ~~بغداذ وجعل يدعو في السر إلى المأمون، على أن منصور بن المهدي (خليفة ~~المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه منصور بن المهدي) ، وخزيمة بن خازم، ~~وغيرهما من القواد، وكتب المطلب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدما، فينزل ~~حميد نهر صرصر، وينزل علي النهروان. # فلما علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحو بغداذ، فنزل زندورد ~~منتصف صفر، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم، فاعتلوا عليه، فلما رأى ~~ذلك بعث عيسى إليهم، فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما، وأما المطلب فمنعه ~~مواليه وأصحابه، فنادى منادي إبراهيم: من أراد النهب فليأت دار المطلب، ~~فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوها، ونهبوا دور أهله، ولم يظفروا ~~به، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر، فلما بلغ حميدا وعلي بن هشام الخبر أخذ ~~حميد المدائن ونزلها، وقطع ms2262 الجسر، وأقاموا بها، وندم إبراهيم حيث صنع ~~بالمطلب ما صنع، ثم لم يظفر به. # ذكر قتل علي بن الحسين الهمداني # في هذه السنة قتل علي بن الحسين الهمداني وأخوه أحمد وجماعة من أهل بيته، # PageV05P501 # وكان متغلبا على الموصل. # وسبب قتله أنه خرج ومعه جماعة من قومه ومن الأزد، فلما نظر إلى رستاق ~~نينوى والمرج قال: نعم البلاد لإنسان واحد! فقال بعض الأزد: فما نصنع نحن؟ ~~قال: تلحقون بعمان. فانتشر الخبر. # ثم إن عليا أخذ رجلا من الأزد يقال له عون بن جبلة، فبنى عليه حائطا، ~~فمات فيه، وظهر خبره، فركبت الأزد وعليهم السيد بن أنس، فاقتتلوا، واستنصر ~~علي بن الحسين بخارجي يقال له مهدي بن علوان، فأتاه، فدخل البلد، وصلى ~~بالناس، ودعا لنفسه، واشتدت الحرب، وكانت أخيرا على علي بن الحسين وأصحابه، ~~فخرجوا عن البلد إلى الحديثة، فتبعهم الأزد إليها، فقتلوا عليا وأخاه أحمد ~~وجماعة من أهلهما، وسار أخوهما محمد إلى بغداذ فنجا، وعادت الأزد إلى ~~الموصل، وغلب السيد عليها، وخطب للمأمون وأطاعه. # (الهمداني هاهنا نسبة إلى همدان بسكون الميم وبالدال المهملة، وهي قبيلة ~~من اليمن) . # ذكر عدة حوادث # وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل. # وفيها أيضا زوج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضى، وزوج ابنته ~~أم الفضل من محمد بن علي الرضى بن موسى. # وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر ودعا (لأخيه بعد المأمون # PageV05P502 # بولاية العهد، ومضى إلى اليمن، وكان حمدويه بن علي بن عيسى) بن ماهان قد ~~غلب على اليمن. # وفيها في ربيع الآخر ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع ~~الآخر، وبقيت إلى آخر الليل، وذهبت الحمرة، وبقي عمودان أحمران إلى الصبح. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرئ ~~صاحب أبي عمرو بن العلاء، (وإنما قيل اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال ~~المهدي، وكان يعلم ولده) . # (وفيها توفي سهل والد ذي الرياستين، بعد قتل ابنه بستة أشهر، وعاشت أمه ~~حتى ms2263 أدركت عرس بوران ابنة ابنها) . # PageV05P503 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين] ### | 203 - # ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين # ذكر موت علي بن موسى الرضى # في هذه السنة مات علي بن موسى الرضى - عليه السلام - وكان سبب موته أنه ~~أكل عنبا فأكثر منه، فمات فجأة، وذلك في آخر صفر، وكان موته بمدينة طوس، ~~فصلى المأمون عليه، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد. # وكان المأمون لما قدمها قد أقام عند قبر أبيه. # وقيل: إن المأمون سمه في عنب، وكان علي يحب العنب، وهذا عندي بعيد. # فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه موت علي، وما دخل عليه من ~~المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداذ وبني العباس والموالي يعلمهم موته، ~~وأنهم إنما نقموا ببيعته، (وقد مات) ، ويسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا ~~إليه أغلظ جواب. # (وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة) . # ذكر قبض إبراهيم بن المهدي على عيسى بن محمد # وفي هذه السنة، في آخر شوال، حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي ~~خالد. # وسبب ذلك أن عيسى كان يكاتب حميدا والحسن بن سهل، وكان يظهر لإبراهيم ~~الطاعة، وكان كلما قال له إبراهيم ليخرج إلى قتال أحمد يعتذر بأن الجند ~~يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تدرك الغلة. فلما توثق عيسى بما يريد، ~~فارقهم على أن يدفع # PageV05P504 # إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة سلخ شوال. # وبلغ الخبر إبراهيم، أبلغه هارون بن محمد أخو عيسى، وجاء عيسى إلى باب ~~الجسر، فقال للناس: إني قد سألت حميدا ألا يدخل عملي، (ولا أدخل عمله) ، ثم ~~أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام. # وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأله إبراهيم أن يصلي الجمعة ~~بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلما تكلم عيسى بما تكلم حذر إبراهيم، وأرسل إلى ~~عيسى يستدعيه، فاعتل عليه، فتابع الرسل بذلك، فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل ~~عليه عاتبه ساعة، وعيسى يعتذر إليه وينكر بعضه، فأمر به إبراهيم فضرب وحبس، ~~وأخذ عدة من قواده وأهله، فحبسهم ونجا بعضهم، وفيمن نجا خليفته ms2264 العباس. # ومشى بعض أهله إلى بعض، وحرضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس ~~خليفة عيسى، وكان هو رأسهم، فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ ~~وغيره، وظهر الفساق والشطار، وكتب العباس إلى حميد أن يقدم عليهم حتى ~~يسلموا إليه بغداذ. # ذكر خلع إبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة خلع أهل بغداذ إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك ما ذكرنا ~~من قبضه على عيسى بن محمد، على ما تقدم، فلما كاتب أصحابه ومنهم العباس - ~~حميدا بالقدوم عليهم، سار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده. # وخرج إليه العباس وقواد أهل بغداذ، فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي ~~كل جندي خمسين درهما، فأجابهم إلى ذلك، ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم ~~السبت (في الياسرية) على أن يدعو للمأمون بالخلافة يوم الجمعة، ويخلعوا ~~إبراهيم، فأجابوه إلى ذلك. # PageV05P505 # ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من إخوته من الحبس، وسأله أن ~~يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى عليه. # فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس بن محمد بن أبي رجاء الفقيه، فصلى ~~بالناس الجمعة، ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية، فعرض جند ~~بغداذ، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لما ~~تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال ~~حميد: بل أزيدكم عشرة، وأعطيكم ستين درهما لكل رجل. # فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا، فأجابه إلى ذلك، ~~فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، وكلم عيسى الجند، ووعدهم أن يعطيهم مثل ما ~~أعطاهم حميد، فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي، ووعد أولئك ~~الجند أن يزيدهم على الستين، فشتموه وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم. ~~فقاتلهم ساعة، ثم ألقى نفسه في وسطهم، حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض ~~قواده، فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه الخبر، فاغتم ~~لذلك. # وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد اختفى من إبراهيم، كما ذكرنا، فلما ~~قدم حميد أراد العبور إليه، فعلموا به فأخذوه، ms2265 وأحضروه عند إبراهيم، فحبسه ~~ثلاثة أيام، ثم خلى عنه لليلة خلت من ذي الحجة. # ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك أن حميدا تحول فنزل ~~عند أرحاء عبد الله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا ~~إليه، فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن. # فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوا، فالتقوا على ~~جسر نهر ديالى، فاقتتلوا، فهزمهم حميد، وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداذ، ~~وذلك سلخ ذي القعدة. # فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل # PageV05P506 # الهاشميون والقواد يأتون حميدا واحدا بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم سقط ~~في يديه، وشق عليه، وكاتب المطلب حميدا ليسلم إليه ذلك الجانب، وكان سعيد ~~بن الساجور، وأبو البط وغيرهما، يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له ~~إبراهيم، فلما علم إبراهيم بأمرهم، وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه، جعل ~~يداريهم، فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة. # وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحدق بدار إبراهيم، وكتب ابن الساجور ~~إلى علي بن هشام، فركب حميد من ساعته من أرحاء عبد الله، فأتى باب الجسر، ~~وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين، ثم تقدم إلى مسجد كوثر، وأقبل حميد إلى ~~دار إبراهيم، فطلبوه فلم يجدوه فيها، فلم يزل إبراهيم متواريا حتى جاء ~~المأمون، وبعد ما قدم، حتى كان من أمره ما كان. # وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما، وكان بعده علي بن ~~هشام على شرقي بغداذ، وحميد على غربيها. # وكان إبراهيم قد أطلق سهل بن سلامة من الحبس، وكان الناس يظنونه قد قتل، ~~فكان يدعو في مسجد الرصافة إلى ما كان عليه، فإذا جاء الليل يرد إلى حبسه، ~~ثم إنه أطلقه، وخلى سبيله لليلة خلت من ذي الحجة، فذهب، فاختفى، ثم ظهر بعد ~~هرب إبراهيم، فقربه حميد وأحسن إليه، ورده إلى أهله، فلما جاء المأمون ms2266 ~~أجازه ووصله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة، حتى ذهب ضوءها، ~~غاب أكثر من ثلثيها. # ووصل المأمون إلى همذان في آخر ذي الحجة. # PageV05P507 # وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. # وكانت بخراسان زلازل عظيمة، ودامت مقدار سبعين يوما، وكان معظمها ببلخ، ~~والجوزجان، والفارياب، والطالقان، وما وراء النهر، فخربت البلاد، وتهدمت ~~الدور، وهلك فيه خلق كثير. # وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل، فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس، ~~وكتب القواد إلى المأمون بذلك، فجعل على عسكره دينار بن عبد الله، وأرسل ~~إليهم يعرفهم أنه واصل. # (وفيها ظهر بالأندلس رجل يعرف بالولد، وخالف على صاحبها، فسير إليه جيشا، ~~فحصروه بمدينة باجة، وكان استولى عليها، فضيقوا عليه، فملكوها وقيد. # وفيها ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان) . # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن جعفر الصادق بجرجان، وصلى عليه المأمون، وهو الذي ~~بايعه الناس بالخلافة بالحجاز. # وفيها توفي خزيمة بن خازم التميمي في شعبان، وهو من القواد المشهورين، ~~وقد # PageV05P508 # تقدم من أخباره ما يعرف به محله. ويحيى بن آدم بن سليمان. وأبو أحمد ~~الزبيري. ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة. والنضر بن شميل اللغوي ~~المحدث وكان ثقة. # PageV05P509 ### | [ثم دخلت سنة أربع ومائتين] ### | 204 - # ثم دخلت سنة أربع ومائتين # ذكر قدوم المأمون بغداذ # في هذه السنة قدم المأمون بغداذ، وانقطعت الفتن، وكان قد أقام بجرجان ~~شهرا، وجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة، وأقام بالنهروان ثمانية ~~أيام، فخرج إليه أهل بيته والقواد، ووجوه الناس، وسلموا عليه. # وكان قد كتب إلى طاهر وهو بالرقة ليوافيه بالنهروان، فأتاه بها، ودخل ~~بغداذ منتصف صفر، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلما قدم بغداذ نزل الرصافة، ~~ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم. # وكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه ~~من السواد على إنسان، فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنو العباس وقواد أهل ~~خراسان. # وقيل: إنه أمر طاهر بن الحسين ms2267 أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن ~~يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك، وجلس للناس، وأحضر سوادا فلبسه، ودعا بخلعة ~~سوداء فألبسها طاهرا، وخلع على قواده بالسواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع ~~بقين من صفر. # ولما كان سائرا قال له أحمد بن أبي خالد الأحول: يا أمير المؤمنين، فكرت ~~في هجومنا على أهل بغداذ وليس معنا إلا خمسون ألف درهم، مع فتنة غلبت قلوب ~~الناس، فكيف يكون حالنا إذا هاج هائج، أو تحرك متحرك؟ فقال: يا أحمد صدقت، # PageV05P510 # ولكن أخبرك أن الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، (ولا ~~ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم) فلا يتوقع (إلا عفونا، وأما المظلوم فلا ~~يتوقع إلا) أن ينتصف بنا، وأما الذي ليس بظالم ولا مظلوم فبيته يسعه، وكان ~~الأمر على ما قال. # ذكر عدة حوادث # وفيها أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على ~~النصف، واتخذ القفيز الملحم - وهو عشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني - كيلا ~~مرسلا. # وفيها واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه. # وولى المأمون أبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحا أخاه البصرة، واستعمل عبيد ~~الله بن الحسن بن عبيد الله (بن العباس بن علي بن أبي طالب [على] الحرمين. # وحج بالناس عبيد الله) [بن الحسن] . # وفيها انحدر السيد بن أنس الأزدي من الموصل إلى المأمون، فتظلم منه محمد ~~بن الحسن بن صالح الهمداني، وذكر أنه قتل إخوته وأهل بيته، فأحضره المأمون، ~~فلما # PageV05P511 # حضر قال: أنت السيد؟ قال: أنت السيد يا أمير المؤمنين، وأنا ابن أنس. ~~فاستحسن ذلك، فقال: أنت قتلت إخوة هذا؟ قال: نعم، ولو كان معهم لقتلته ~~لأنهم أدخلوا الخارجي بلدك، وأعلوه على منبرك، وأبطلوا دعوتك. فعفا عنه، ~~واستعمله على الموصل، وكان على القضاء بها الحسن بن موسى الأشيب. # [الوفيات] # وفي هذه السنة مات الإمام محمد بن أدريس الشافعي - رضي الله عنه - وكان ~~مولده سنة خمسين ومائة. والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه، أحد أصحاب أبي ~~حنيفة. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، صاحب " المسند "، ومولده ms2268 سنة ~~ثلاث وثلاثين ومائة. وهشام بن محمد السائب الكلبي النسابة، وقيل: مات سنة ~~ست ومائتين. # وفيها توفي محمد بن عبيد الله بن أبي أمية، المعروف بالطنافسي، وقيل: سنة ~~خمس ومائتين. # PageV05P512 ### | [ثم دخلت سنة خمس ومائتين] ### | 205 - # ثم دخلت سنة خمس ومائتين # ذكر ولاية طاهر خراسان # وفي هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق، من مدينة ~~السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداذ ومعاون ~~السواد. # وكان سبب ولايته خراسان أن طاهرا دخل على المأمون وهو يشرب النبيذ، وحسين ~~الخادم يسقيه، فلما دخل طاهر سقاه رطلين، وأمره بالجلوس، فقال: ليس لصاحب ~~الشرطة أن يجلس عند سيده. فقال المأمون: ذلك في مجلس العامة، وأما في مجلس ~~الخاصة فله ذلك. # فبكى المأمون وتغرغرت عيناه بالدموع، فقال طاهر: يا أمير المؤمنين، لم ~~تبكي - لا أبكى الله عينك -؟ والله لقد دانت لك البلاد، وأذعن لك العباد، ~~وصرت إلى المحبة في كل أمرك! قال: أبكي لأمر ذكره ذل، وستره حزن، ولن يخلو ~~أحد من شجن. # وانصرف طاهر، فدعا هارون بن جيعونة وقال له: إن أهل خراسان يتعصب بعضهم ~~لبعض، فخذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط حسينا الخادم مائتي ألف، وكاتبه ~~محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون لم بكى؟ ففعل ذلك، فلما تغدى ~~المأمون قال: اسقني يا حسين، قال: لا والله، حتى تقول لي لم بكيت حين دخل ~~عليك طاهر. قال: وكيف عنيت بهذا الأمر، حتى سألتني عنه؟ # PageV05P513 # قال: لغمي لذلك. قال: هو أمر إن خرج من رأسك قتلتك. قال: يا سيدي ومتى ~~أخرجت لك سرا؟ قال: إني ذكرت محمدا أخي، وما ناله من الذل، فخنقتني العبرة، ~~فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرا مني ما يكره. # فأخبر حسين طاهرا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن ~~الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه! فقال ~~له: سأفعل ذلك. وركب أحمد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ما نمت ~~البارحة. ms2269 # قال: ولم؟ # قال: لأنك وليت غسان خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس، وأخاف أن تخرج عليه ~~خارجة من الترك فتهلكه. # فقال: لقد فكرت فيما فكرت فيه، فمن ترى؟ # قال: طاهر بن الحسين. # قال: ويلك! هو والله خالع. # قال: أنا الضامن له. # قال: فوله. # فدعا طاهرا من ساعته، فعقد له، فشخص في يومه، فنزل ظاهر البلد، فأقام ~~شهرا، فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، وسار عن بغداذ ~~لليلة بقيت من ذي القعدة. # وقيل كان سبب ولايته أن عبد الرحمن المطوعي جمع جموعا كثيرة بنيسابور ~~ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي خراسان، فتخوفوا أن يكون ذلك لأصل عمل ~~عليه، وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن بن سهل، وهو ابن عمه، ~~فلما استعمل طاهر على خراسان كان صارما للحسن بن سهل، وسبب ذلك أن الحسن ~~ندبه # PageV05P514 # لمحاربة نصر بن شبث. قال: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى خليفة، وأومر ~~بمثل هذا؟ إنما كان ينبغي أن يتوجه إليه قائد من قوادي. وصارم. # ذكر عدة حوادث # وفيها قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين بغداذ من الرقة، وكان أبوه استخلفه ~~بها، وأمره بقتال نصر بن شبث، فلما قدم إلى بغداذ جعله المأمون على الشرطة ~~بعد مسير أبيه، وولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة، وولى عيسى بن محمد بن ~~أبي خالد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. # وفيها مات السري بن الحكم بمصر، وكان واليها. # وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولاها المأمون بشير بن داود على أن ~~يحمل كل سنة ألف ألف درهم. # وفيها ولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودي محاربة الزط. # وحج بالناس عبيد الله بن الحسن أمير مكة والمدينة. # وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، فتهدمت المنازل ببغداذ، وكثر الخراب بها. # PageV05P515 # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي يزيد بن هارون الواسطي، ومولده سنة تسع عشرة ومائة. # والحجاج بن محمد الأعور الفقيه. # وشبابة بن سوار الفزاري الفقيه. # وعبد الله بن نافع الصائغي. # ومحاضر بن المورع. # وأبو يحيى إبراهيم بن موسى الزيات ms2270 الموصلي، سمع هشام بن عروة وغيره. # PageV05P516 ### | [ثم دخلت سنة ست ومائتين] ### | 206 - # ثم دخلت سنة ست ومائتين # ذكر ولاية عبد الله بن طاهر الرقة # وفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره ~~بحرب نصر بن شبث. # وكان سبب ذلك أن يحيى بن معاذ الذي كان المأمون ولاه الجزيرة مات في هذه ~~السنة، واستخلف ابنه أحمد، فاستعمل المأمون عبد الله مكانه، فلما أراد ~~توليته أحضره وقال له: يا عبد الله، أستخير الله - تعالى - منذ شهر وأكثر، ~~وأرجو أن يكون قد خار لي، ورأيت الرجل يصف ابنه [ليطريه] لرأيه فيه، ورأيتك ~~فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى، واستخلف ابنه، وليس بشيء، وقد رأيت ~~توليتك مصر، ومحاربة نصر بن شبث. # فقال: السمع والطاعة، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة ~~وللمسلمين. فعقد له. # وقيل: كانت ولايته سنة خمس ومائتين، (وقيل: سبع ومائتين) . # ولما سار استخلف على الشرطة إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب، وهو ابن ~~عمه. ولما استعمله المأمون كتب إليه أبوه طاهر كتابا جمع فيه كل ما يحتاج ~~إليه الأمراء من الآداب والسياسة وغير ذلك، وقد أثبت منه أحسنه لما فيه من ~~الآداب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، لأنه لا يستغني عنه أحد من ~~ملك وسوقة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته، ومراقبته - عز وجل - # PageV05P517 # ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار، والزم ما ألبسك من العافية ~~بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل في ذلك ~~كله بما يعصمك الله - عز وجل - وينجيك يوم القيامة من عقابه، وأليم عذابه، ~~فإن الله - سبحانه وتعالى - قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك ~~أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذب ~~عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال ~~الراحة عليهم، ومؤاخذك بما فرض عليك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك ~~عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك ms2271 فهمك، وعقلك، ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، ~~وإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله - عز وجل - به لرشدك. # وليكن أول ما تلزم نفسك، وتنسب إليه أفعالك - المواظبة على ما افترض الله ~~- عز وجل - عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس، فأت بها في ~~مواقيتها على سننها، وفي إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله - عز وجل ~~-[فيها] ، وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، وليصدق فيه رأيك ~~ونيتك، واحضض عليها جماعة من معك، وتحت يدك، وادأب عليها فإنها كما قال ~~الله - عز وجل -: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] . # ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمثابرة على ~~خلافته، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه ~~باستخارة الله - عز وجل - وتقواه، ولزوم ما أنزل الله - عز وجل - في كتابه ~~من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم قم فيه بما يحق لله - عز وجل - # PageV05P518 # عليك، ولا تمل من العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس، أو بعيد. # وآثر الفقه وأهله والدين وحملته، وكتاب الله - عز وجل - والعاملين به، ~~فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في الدين، والطلب له، والحث عليه، ~~والمعرفة بما يتقرب به إلى الله - عز وجل - فإنه الدليل على الخير كله، ~~والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، ومع توفيق الله ~~- عز وجل - يزداد العبد معرفة لله - عز وجل - وإجلالا له، ذكرا للدرجات ~~العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، ~~والأنسة بك، والثقة بعدلك. # وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعا، ولا أخص أمنا، ولا ~~أجمع فضلا منه، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق ~~قائد إلى السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، وآثره في دنياك ~~كلها، ولا تقصر في طلب الآخرة، والأجر، والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ~~ومعالم الرشد، ولا غاية للاستكثار ms2272 في البر والسعي له إذا كان يطلب به وجه ~~الله - تعالى - ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته. # واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وأنه لن تحوط ~~لنفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به تتم أمورك، وتزد ~~مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك. # وأحسن الظن بالله - عز وجل - تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في ~~الأمور كلها تستدم به النعمة عليك. # ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك، قبل أن تكشف أمره، فإن ~~إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن ~~بأصحابك، واطرد # PageV05P519 # عنك سوء الظن بهم، وارفضه فيهم يعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا يجدن ~~عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك، ويدخل ~~عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك. # واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك، ~~وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك، ولايمنعنك حسن ~~الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن ~~المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، ~~والنظر في حوائجهم، وحمل مئوناتهم - آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم ~~للدين، وأحيا للسنة. # وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما ~~صنع، ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله - عز وجل - جعل الدين حرزا ~~وعزا، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقة ~~الهدى. # وأقم حدود الله - عز وجل - في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما ~~استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في ~~تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن ~~المعروفة، وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك. # وإذا عاهدت عهدا فف به، وإذا وعدت خيرا فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، ~~وأغمض عن عيب كل ms2273 ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض ~~أهله، وأقص أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك، في عاجلها وآجلها - تقريب ~~الكذوب، والجرأة على الكذب ; لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة ~~خاتمتها ; لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها، ولا يسلم له صاحب، ولا ~~يستتم لمعطيها أمر. # وأحب أهل الصلاح والصدق، وأعن الأشراف بالحق، وآس الضعفاء، وصل # PageV05P520 # الرحم، وابتغ بذلك وجه الله - تعالى - وإعزاز أمره، والتمس فيه ثوابه ~~والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك ~~من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي ~~بك إلى سبيل الهدى. # واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة والطيرة والغرور ~~فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع ~~[فيك] إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله - عز وجل -. # وأخلص لله وحده لا شريك له - النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك لله ~~- سبحانه وتعالى - يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة ~~وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط ~~لهم في الدولة، إذا كفروا نعم الله - عز وجل - وإحسانه، واستطالوا بما ~~آتاهم الله - عز وجل - من فضله. # ودع عنك نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز - البر، والتقوى، ~~والمعدلة، واستصلاح الرعية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ ~~لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم، واعلم أن الأموال إذا كنزت وذخرت في الخزائن - ~~لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم، وكف مئونة عنهم - سمت، ~~وزكت، ونمت، وصلحت به العامة، وتزينت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد ~~فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ~~ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين، فتلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، ~~وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك، ~~واستوجبت المزيد من الله - عز وجل - وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال ~~رعيتك، وعملك - أقدر، وكان الجميع لما شملهم من ms2274 عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، ~~وأطيب نفسا بكل ما أردت، واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم ~~حسنتك فيه، وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله، واعرف للشاكرين ~~شكرهم، وأثبهم عليه. # وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن # PageV05P521 # التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك لله - عز وجل - ~~وارج الثواب فيه، فإن الله - سبحانه - قد أسبغ عليك نعمته، وأسبغ لديك ~~فضله، واعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرا وإحسانا، فإن الله - عز ~~وجل - يثبت شكر الشاكرين وسيرة المحسنين. # ولا تحقرن دينا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن فاجرا، ولا تصلن كفورا، ولا ~~تداهنن عدوا، ولا تصدقن نماما، ولا تأمنن غدارا، ولا توالين فاسقا، ولا ~~تتبعن غاويا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن إنسانا، ولا تردن سائلا فقيرا، ~~ولا تجيبن باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا تخلفن وعدا، ولا ترهبن فجرا، ولا ~~تركبن سفها، ولا تظهرن غضبا، ولا تمشين مرحا، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا ~~تدفع الأيام عتابا، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه، أو محاباة، ولا تطلبن ثواب ~~الآخرة في الدنيا. # وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي ~~العقل، والرأي، والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل، ولا تسمعن ~~لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه ~~أمر رعيتك من الشح، واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ، قليل العطية، ~~وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك ~~بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم، ويدوم صفاء أوليائك بالإفضال عليهم، ~~وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه، وأن ~~العاصي بمنزلة خزي، وهو قول الله - عز وجل -: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون} [الحشر: 9] . # واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال ~~العباد، فاعدد لنفسك خلقا، وسهل طريق الجود بالحق، وارض به عملا ومذهبا، ms2275 ~~وتفقد أمور الجند في دواوينهم، ومكاتبهم، وادرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم ~~في معايشهم - # PageV05P522 # يذهب الله - عز وجل - بذلك فاقتهم، فيقوى لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في ~~طاعتك في أمرك خلوصا وانشراحا. # وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، ~~وحيطته وإنصافه، وعنايته وشفقته، وبره وتوسيعه، فزايل مكروه إحدى البليتين ~~باستشعار فضيلة الباب الآخر، ولزوم العمل به - تلق - إن شاء الله تعالى - ~~نجاحا وصلاحا وفلاحا. # واعلم أن القضاء [بالعدل] من الله - تعالى - بالمكان الذي ليس [يعدل] به ~~شيء من الأمور ; لأنه ميزان الله الذي يعدل عليه أحوال الناس في الأرض، ~~وبإقامة العدل في القضاء، والعمل - تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف ~~المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله ~~العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع على مجاريها. # واشتد في أمر الله - عز وجل - وتورع عن النطف، وامض لإقامة الحدود، وأقلل ~~العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقسم، وانتفع بتجربتك، وانتبه في ~~صمتك، واسدد في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة، ولا ~~يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت، وتأن، ~~وراقب، وانظر (الحق على نفسك) ، فتدبر، وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارؤف ~~بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك. # ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من الله - عز وجل - بمكان عظيم، ~~انتهاكا لها بغير حقها، وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله ~~الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله توسعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا، ~~ولأهل الكفر من معانديهم ذلا وصغارا - فوزعه بين أصحابك بالحق والعدل، ~~والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه # PageV05P523 # شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب، ولا عن أحد من خاصتك ~~وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلف أمرا فيه شطط، واحمل ~~الناس كلهم على مر الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم، وألزم لرضاء العامة. # واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا، وحافظا، وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك ~~لأنك راعيهم ms2276 وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام ~~أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير، والتجربة ~~والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من ~~الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك، ولا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفك ~~عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ~~ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، واحترزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على ~~الصلاح، وقدرت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، ~~وكثر خراجك، وتوفرت أكوارك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة، ~~بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضي العدل في ذلك عند ~~عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل، وآلة، وقوة، وعدة، فنافس في ذلك ولا تقدم ~~عليه شيئا تحمد مغبة أمرك - إن شاء الله تعالى -. # واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم ~~وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها، فإن أردت أن ~~تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه ~~والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع - فأمضه، وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل ~~البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قد ~~واتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك وأعجبه، فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض ~~عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله - عز وجل - ~~بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره ~~لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي ~~أخرت. # واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور # PageV05P524 # يومين فيشغلك ذلك، حتى تعرض عنه، وإذا أمضيت لكل يوم عمله، أرحت نفسك ~~وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك. # وانظر أحرار الناس وذوي السن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم ~~لك، ومظاهرتهم بالنصح ms2277 والمخالصة على أمرك - فاستخلصهم وأحسن إليهم. # وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مئونتهم، وأصلح ~~حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا، وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء ~~والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له بطلب ~~حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع ~~حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم. # وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم، وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال ~~اقتداء بأمير المؤمنين - أعزه الله - في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح ~~الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضراب من بيت المال، وقدم ~~حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجرائد على غيرهم، وانصب لمرضى ~~المسلمين دورا تؤويهم، وقواما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم ~~بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال. # واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم - لم يرضهم ذلك، ولم تطب ~~أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعا في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، ~~وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ~~ما يناله به من مئونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في ~~العاجل وفضل ثواب الآجل - كالذي يستثقل بما يقربه إلى الله - تعالى - ~~ويلتمس رحمته. # وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم حواسك، واخفض # PageV05P525 # لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم ~~بجودك وفضلك. # وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ~~ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة - إن شاء الله تعالى -. # واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومن مضى من أهل السلطان والرئاسة في ~~القرون الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، ~~والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه، وكتابه، واجتنب ما ~~فارق ذلك، وخالف ما دعا إلى سخط الله - عز وجل -. # واعرف ما يجمع عمالك من الأموال، وينفقون ms2278 منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق ~~إسرافا. # وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم، ومخالطتهم، وليكن (هواك اتباع السنن ~~وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها، وليكن) أكرم دخلائك وخاصتك عليك ~~من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سرك، وإعلامك ما ~~فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك، وانظر عمالك الذين بحضرتك، ~~وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامرته، ~~وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك ~~سمعك، وبصرك، وفهمك، وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقا ~~للحق والحزم فأمضه، واستخر الله - عز وجل - فيه، وما كان مخالفا لذلك ~~فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه. # ولا تمتن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم ~~إلا الوفاء والاستقامة، والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف ~~إلا على ذلك، وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله ~~على جميع أمورك، واستخر، فإن الله - عز وجل - مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم ~~سيرتك، وأفضل عيشك ما كان لله - عز وجل - رضى، ولدينه نظاما، ولأهله عزا ~~وتمكينا، وللذمة # PageV05P526 # وللملة عدلا وصلاحا، وأنا أسأل الله أن يحسن عونك، وتوفيقك، ورشدك، ~~وكلاءتك. والسلام. # فلما رأى الناس هذا الكتاب تنازعوه، وكتبوه، وشاع أمره، وبلغ المأمون ~~خبره، فدعا به فقرئ عليه، فقال: ما بقى أبو الطيب - يعني طاهرا - شيئا من ~~أمر الدنيا والدين، (والتدبير، والرأي) ، والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، ~~وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة - إلا وقد أحكمه، وأوصى به. ~~وأمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي، فسار عبد الله إلى عمله، ~~فاتبع ما أمر به وعهد إليه، وسار بسيرته. # ذكر موت الحكم بن هشام # وفي هذه السنة مات الحكم بن هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، لأربع ~~بقين من ذي الحجة، وكانت بيعته في صفر سنة ثمانين ومائة، وكان عمره اثنتين ~~وخمسين سنة، وكنيته أبو العاص، وهو لأم ولد، وكان ms2279 طويلا أسمر، نحيفا، وكان ~~له تسعة عشر ذكرا، وله شعر جيد، وهو أول من جند بالأندلس الأجناد ~~المرتزقين، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول ~~على بابه، وتشبه بالجبابرة في أحواله، واتخذ المماليك، وجعلهم في المرتزقة، ~~فبلغت عدتهم خمسة آلاف مملوك، وكانوا يسمون الخرس لعجمة ألسنتهم، وكانوا ~~يوما على باب قصره. # وكان يطلع على الأمور بنفسه، وما قرب منها وبعد، وكان له نفر من ثقات ~~أصحابه يطالعونه بأحوال الناس، فيرد عنهم المظالم، وينصف المظلوم، وكان ~~شجاعا، مقداما، مهيبا، وهو الذي وطأ لعقبه الملك بالأندلس، وكان يقرب ~~الفقهاء وأهل العلم. # ذكر ولاية ابنه عبد الرحمن # لما مات الحكم بن هشام قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن، ويكنى أبا # PageV05P527 # المطرف، واسم أمه حلاوة، وكان بكن والده، ولد بطليطلة، أيام كان أبوه ~~الحكم يتولاها لأبيه هشام، ولد لسبعة أشهر، وجد ذلك بخط أبيه. # وكان جسيما، وسيما، حسن الوجه، فلما ولي خرج عليه عم أبيه عبد الله، ~~(البلنسي، وطمع بموت الحكم، وخرج من بلنسية يريد قرطبة) ، فتجهز له عبد ~~الرحمن، فلما بلغ ذلك عبد الله خاف، وضعفت نفسه، فرجع إلى بلنسية، ثم مات ~~في أثناء ذلك سريعا، ووقى الله ذلك الطرف شره. # فلما مات نقل عبد الرحمن أولاده وأهله إليه بقرطبة، وخلصت الإمارة ~~بالأندلس لولد هشام بن عبد الرحمن. # ذكر عدة حوادث # وفيها عزل الحسن بن موسى الأشيب عن قضاء الموصل، فانحدر إلى بغداذ، وتولى ~~القضاء بها علي بن أبي طالب الموصلي. # وفيها ولى المأمون داود بن ماسحور محاربة الزط، وأعمال البصرة، وكور دجلة ~~واليمامة والبحرين. # وفيها كان المد عظيما غرق فيه السواد، وكسكر، وقطيعة أم جعفر، وهلك فيه ~~من الغلات كثير. # وفيها نكب بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أبي خالد. # وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن الحسن العلوي، وهو أمير الحرمين. # PageV05P528 # (وفيها غزا المسلمون من إفريقية جزيرة سردانية فغنموا، وأصابوا من الكفار ~~وأصيب منهم، ثم عادوا. # [الوفيات] # وفيها توفي الهيثم بن عدي الطائي الإخباري، وكان عابدا، ضعيفا في الحديث. ms2280 # وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن أبي أمية الموصلي، وهو من أصحاب سفيان ~~الثوري. # وفيها توفي محمد بن المستنير، المعروف بقطرب، النحوي، أخذ النحو من ~~سيبويه. # وفيها توفي أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني اللغوي. # (مرار بكسر الميم وبراءين مخففتين) . # PageV05P529 ### | [ثم دخلت سنة سبع ومائتين] ### | 207 - # ثم دخلت سنة سبع ومائتين # ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد باليمن # في هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ببلاد عك في اليمن، يدعو إلى الرضى من آل ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وكان سبب خروجه أن العمال باليمن أساءوا السيرة فيهم، فبايعوا عبد الرحمن ~~هذا، فلما بلغ المأمون ذلك وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيف، وكتب ~~معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، وحج. # ثم سار إلى اليمن، فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه، فقبله، ودخل في طاعة ~~المأمون، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك ~~الطالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلبس السواد، وذلك لليلتين بقيتا من ذي ~~القعدة. # ذكر وفاة طاهر بن الحسين # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، مات طاهر بن الحسين من حمى أصابته، وإنه ~~وجد في فراشه ميتا. # وقال كلثوم بن ثابت بن أبي سعيد: كنت على بريد خراسان، فلما كان سنة سبع ~~ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة ~~أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، ~~واكفنا مئونة # PageV05P530 # من بغى علينا، وحشد فيها، بلم الشعث، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين. # قال: فقلت في نفسي: أنا أول مقتول لأني لا أكتم الخبر. قال: فانصرفت، ~~فاغتسلت غسل الموتى، وتكفنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعاني، ~~وحدث به حادث في جفن عينه، وسقط ميتا، فخرج إلي ابنه طلحة، قال: هل كتبت ~~بما كان؟ قلت: نعم! قال: فاكتب بوفاته! فكتبت بوفاته، وبقيام طلحة بأمر ~~الجيش، فوردت الخريطة ms2281 على المأمون بخلعه، فدعا أحمد بن أبي خالد، فقال: سر ~~فأت بطاهر كما زعمت وضمنت فقال: أبيت الليلة؟ فقال: لا. فلم يزل حتى أذن له ~~في المبيت. # (ووافت الخريطة الأخرى ليلا بموته) ، فدعاه، فقال: قد مات طاهر، فمن ترى؟ ~~قال: ابنه طلحة. قال: اكتب بتوليته! فكتب بذلك، فأقام طلحة واليا على ~~خراسان في أيام المأمون سبع سنين، ثم توفي، وولى عبد الله خراسان. # ولما ورد موت طاهر على المأمون قال: لليدين وللفم، الحمد لله الذي قدمه ~~وأخرنا! وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم: # يا ذا اليمينين وعين واحده ... نقصان عين ويمين زائده # يعني أن لقبه كان ذا اليمينين، وكانت كنيته أبا الطيب. # وقد قيل: إن طاهرا لما مات انتهب الجند بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلام ~~الأبرش الخصي، وأعطاهم رزق ستة أشهر. # وقيل استعمل المأمون على عمله جميعه ابنه عبد الله بن طاهر، فسير إلى ~~خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة على حرب نصر بن شبث، فلما توجه ~~طلحة إلى خراسان سير المأمون إليه أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره، فعبر أحمد ~~إلى ما وراء النهر، وافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بن صارخره، وابنه الفضل، ~~وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لأحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم، ~~وعروضا بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد خمسمائة ألف ~~درهم. # ذكر ما كان من الأندلس في هذه السنة # وفي هذه السنة وقع عبد الرحمن بن الحكم، صاحب الأندلس، بجند البصرة # PageV05P531 # وأهلها، وهي الوقعة [المعروفة] بوقعة بالس (!) . # وكان سببها أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم الأبناء أهل ~~الذمة، فقبض عليه وصلبه، قبل وفاته، فلما توفي وولي ابنه عبد الرحمن سمع ~~الناس بصلب الربيع، فأقبلوا إلى قرطبة من النواحي يطلبون الأموال التي كان ~~ظلمهم بها، ظنا منهم أنها ترد إليهم، وكان أهل إلبيرة أكثرهم طلبا وإلحاحا ~~فيه، وتألبوا، فبعث إليهم عبد الرحمن من يفرقهم ويسكتهم، فلم يقبلوا، ~~ودفعوا من أتاهم، فخرج إليهم جمع من الجند وأصحاب ms2282 عبد الرحمن، فقاتلوهم، ~~فانهزم جند إلبيرة ومن معهم، وقتلوا قتلا ذريعا، ونجا الباقون منهزمين، ثم ~~طلبوا بعد ذلك، فقتلوا كثيرا منهم. # وفيها ثارت بمدينة تدمير فتنة بين المضرية واليمانية، فاقتتلوا بلورقة، ~~وكان بينهم وقعة تعرف بيوم المضارة، قتل منهم ثلاثة آلاف رجل، ودامت الحرب ~~بينهم سبع سنين، فوكل بكفهم ومنعهم يحيى بن عبد الله بن خالد، وسيره في ~~جميع الجيش، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى تفرقوا وتركوا القتال، وإذا عاد ~~عنهم رجعوا إلى الفتنة والقتال حتى عيي أمرهم. # وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة ذهب فيها خلق كثير، وبلغ المد في بعض ~~البلاد ثلاثين دينارا. # (تدمير بالتاء فوقها نقطتان والدال المهملة والياء تحتها نقطتان ثم راء) ~~. # ذكر عدة حوادث # وفيها غلا السعر بالعراق، حتى بلغ القفيز من الحنطة بالهاروني أربعين ~~درهما إلى الخمسين. # PageV05P532 # وفيها ولي محمد بن حفص طبرستان، والرويان، ودنباوند. # وحج بالناس أبو عيسى بن الرشيد. # وفيها أمر المأمون السيد بن أنس، والي الموصل، بقصد بني شيبان وغيرهم من ~~العرب، لإفسادهم في البلاد، فسار إليهم، وكبسهم بالدسكرة، فقتلهم ونهب ~~أموالهم وعاد. # [الوفيات] # وفيها توفي وهب بن جرير الفقيه، وعمر بن حبيب العلوي القاضي، وعبد الصمد ~~بن عبد الوارث بن سعيد، وعبد العزيز بن أبان القرشي، قاضي واسط، وجعفر بن ~~عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي الفقيه، وبشر بن عمر الزهراني ~~الفقيه، # PageV05P533 # وكثير بن هشام، وأزهر بن سعيد السمان، وأبو النضر هشام بن القاسم ~~الكناني. # وفيها توفي محمد بن عمر بن واقد الواقدي، وكان عمره ثمانيا وسبعين سنة، ~~وكان عالما بالمغازي واختلاف العلماء، وكان يضعف في الحديث. # وفيها توفي محمد بن أبي رجاء القاضي، وهو من أصحاب أبي يوسف صاحب أبي ~~حنيفة. # وفيها توفي محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى المعروف بابن كناسة، وهو ابن ~~أخت إبراهيم بن أدهم، وكان عالما بالعربية والشعر وأيام الناس. # وفيها توفي يحيى بن زياد، وأبو زكريا الفراء النحوي الكوفي، وأبو غانم ~~الموصلي، وزيد بن علي بن أبي خداش الموصلي، وهو من أصحاب ms2283 المعافى، كثير ~~الرواية عنه. # PageV05P534 ### | [ثم دخلت سنة ثمان ومائتين] ### | 208 - # ثم دخلت سنة ثمان ومائتين # [ذكر عدة حوادث] # في هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان، فعصى ~~بها، فسار إليه أحمد بن أبي خالد، فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه. # وفيها استقضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. # وفيها عزل محمد بن عبد الرحمن المخزومي عن قضاء عسكر المهدي، ووليه بشر ~~بن الوليد الكندي، فقال بعضهم: # يا أيها الرجل الموحد ربه ... قاضيك بشر بن الوليد حمار # ينفي شهادة من يدين بما به ... نطق الكتاب وجاءت الآثار # ويعد عدلا من يقول بأنه ... شيخ يحيط بجسمه الأقطار # [الوفيات] # وفيها مات موسى بن الأمين. # والفضل بن الربيع في ذي القعدة. # PageV05P535 # وحج بالناس صالح بن الرشيد. # (وفيها هلك أليسع بن أبي القاسم، صاحب سجلماسة، فولى أهلها على أنفسهم ~~أخاه المنتصر بن أبي القاسم واسول، المعروف بمدرار، وقد تقدم ذكرهم. # وفيها سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشا إلى بلاد المشركين، ~~واستعمل عليه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فساروا [إلى] ألبة ~~والقلاع، فنهبوا بلاد ألبة وأحرقوها، وحصروا عدة من الحصون، ففتحوا بعضها، ~~وصالحه بعضها على مال وإطلاق الأسرى من المسلمين، فغنم أموالا جليلة القدر، ~~واستنقذوا من أسارى المسلمين وسبيهم كثيرا، فكان ذلك في جمادى الآخرة، ~~وعادوا سالمين. # وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن الأموي المعروف بالبلنسي صاحب بلنسية ~~من الأندلس، وقد تقدم من أخباره مع أخبار هشام ابن أخيه الحكم بن هشام - ~~كثير) . # وفيها توفي عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي الباهلي. # ويونس بن محمد المؤدب، والقاسم بن الرشيد، وسعيد بن عامر بالبصرة، وعبد ~~الله بن جعفر بن سليمان بن علي، # PageV05P536 # والحسن بن موسى الأشيب، وقد كان سار ليتولى قضاء طبرستان، فمات بالري. # (وتوفي علي بن المبارك الأحمر النحوي، صاحب الكسائي، وقيل: توفي في سنة ~~ست وثمانين [ومائة] ) . # PageV05P537 ### | [ثم دخلت سنة تسع ومائتين] ### | 209 - # ثم دخلت سنة تسع ومائتين # ذكر الظفر بنصر بن شبث # وفي ms2284 هذه السنة حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث بكيسوم، وضيق عليه، حتى ~~طلب الأمان، فقال محمد بن جعفر العامري: قال المأمون لثمامة بن أشرس: ألا ~~تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان يؤدي (عني ما أوجبه إلى نصر؟ # قال: بلى يا أمير المؤمنين، محمد بن جعفر العامري. فأمر بإحضاري فحضرت، ~~فكلمني بكلام أمرني أن أبلغه نصرا، وهو بكفر عزون، بسروج، فأبلغته نصرا، ~~فأذعن وشرط شروطا، منها أن لا يطأ بساطه، فلم يجبه المأمون إلى ذلك، وقال: ~~ما باله ينفر مني؟ قلت: لجرمه، وما تقدم من ذنبه. # قال: أفتراه أعظم جرما من الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن محمد بن أبي ~~خالد؟ أما الفضل فأخذ قوادي، وأموالي، وسلاحي، وجميع ما أوصى به الرشيد لي، ~~فذهب به إلى محمد أخي، وتركني بمرو فريدا وحيدا، وسلمني، وأفسد علي أخي حتى ~~كان من أمره ما كان، فكان أشد علي من كل شيء. وأما عيسى بن أبي خالد فإنه ~~طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب داري، وأقعد ~~إبراهيم خليفة دوني. # قال: قلت: يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في الكلام؟ # PageV05P538 # قال: تكلم. قال: قلت: أما الفضل بن الربيع فإنه صنيعكم ومولاكم، وحال ~~سلفه حالهم، فترجع إليه بضروب كلها تردك إليه. وأما عيسى فرجل من دولتك ~~وسابقته وسابقة من مضى من سلفه (معروفة، يرجع عليه بذلك) . # وأما نصر فرجل لم يكن له يد قط، فيحتمل كهؤلاء لمن مضى من سلفه) وإنما ~~كانوا من جند بني أمية. # قال: إنه كما تقول، ولست أقلع عنه حتى يطأ بساطي. # قال: فأبلغت نصرا ذلك، فصاح بالخيل، فجالت إليه، فقال: ويلي عليه، هو لم ~~يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزط - يقوى علي بحلبة العرب؟ ~~فجاده عبد الله بن طاهر القتال، وضيق عليه، فطلب الأمان، فأجابه إليه، ~~وتحول من معسكره إلى الرقة، [وصار] إلى عبد الله، وكانت مدة حصاره ومحاربته ~~خمس سنين، فلما خرج إليه أخرب عبد الله حصن كيسوم، وسير نصرا إلى ms2285 المأمون، ~~فوصل إليه في صفر سنة عشر ومائتين. # ذكر عدة حوادث # وفيها ولى المأمون علي بن صدقة، المعروف بزريق، على أرمينية وأذربيجان، ~~وأمره بمحاربة بابك، وأقام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، ~~فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان. # وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي. # PageV05P539 # [الوفيات] # وفيها مات ميخائيل بن جورجيس ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملك ابنه ~~توفيل. # وفيها خرج منصور بن نصير بإفريقية عن طاعة الأمير زيادة الله، وكان منه ~~ماذكرناه سنة اثنتين ومائتين. # وفيها توفي أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقيل: سنة عشر، وكان يميل ~~إلى مقالة الخوارج، وكان عمره ثلاثا وتسعين سنة. وقيل: مات سنة ثلاث عشرة ~~(وعمره ثمان وتسعون سنة) . # وفيها توفي يعلى بن عبيد الطنافسي أبو يوسف، والفضل بن عبد الحميد ~~الموصلي المحدث. # PageV05P540 ### | [ثم دخلت سنة عشر ومائتين] ### | 210 - # ثم دخلت سنة عشر ومائتين # ذكر ظفر المأمون بابن عائشة # وفيها ظفر المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم، الإمام ~~المعروف بابن عائشة، ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، ومالك بن شاهي، ومن كان ~~معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي. # وكان الذي أطلعه عليهم وعلى صنيعهم عمران القطربلي، وكانوا (اتعدوا أن) ~~يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث، (فنم عليهم عمران، فأخذوا ~~في صفر، ودخل نصر بن شبث) بغداذ، ولم يلقه أحد من الجند، فأخذ ابن عائشة، ~~فأقيم على باب المأمون ثلاثة أيام في الشمس، ثم ضربه بالسياط وحبسه، وضرب ~~مالك بن شاهي وأصحابه، فكتبوا للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأمر من ~~سائر الناس، فلم يعرض لهم المأمون، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء قذفوا قوما ~~براء. # ثم إنه قتل ابن عائشة وابن شاهي ورجلين من أصحابهما، وكان سبب قتلهم أن ~~المأمون بلغه أنهم يريدون أن ينقبوا السجن، وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا ~~باب السجن، فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم، فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إليهم ~~بنفسه، فأخذهم، فقتلهم صبرا، وصلب ms2286 ابن عائشة، وهو أول عباسي صلب في ~~الإسلام، ثم أنزل وكفن وصلي عليه، ودفن في مقابر قريش. # PageV05P541 # ذكر الظفر بإبراهيم بن المهدي # وفي هذه السنة، في ربيع الأول، أخذ إبراهيم بن المهدي، وهو متنقب مع ~~امرأتين، وهو في زي امرأة، أخذه حارس أسود ليلا، فقال: من أين أنتن، وأين ~~تردن هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن ~~ولا يسألهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استرابهن، وقال: خاتم رجل له شأن، ~~ورفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فامتنع إبراهيم، فجذبه، فبدت ~~لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر، فعرفه، فذهب به إلى باب المأمون وأعلمه به، ~~فأمر بالاحتفاظ به إلى بكرة. # فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون والمقنعة التي تقنع بها في ~~عنقه، والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس، ويعلموا كيف أخذ، ثم حوله ~~إلى أحمد بن أبي خالد، فحبسه عنده، ثم أخرجه معه، لما سار إلى فم الصلح، ~~إلى الحسن بن سهل، فشفع فيه الحسن، وقيل: ابنته بوران. # وقيل: إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم، وكان المعتصم ~~عند المأمون، فحمل رديفا لفرح التركي، فلما دخل على المأمون قال: هيه يا ~~إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين، ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب ~~للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن عادية الدهر ~~من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب ~~فبحقك، وإن تعف فبفضلك. قال: بل أعفو يا إبراهيم. فكبر وسجد. # وقيل: بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو متخف، فوقع المأمون في ~~رقعته: القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله - عز وجل - وهو ~~أكبر ما يسأله. فقال إبراهيم يمدح المأمون: # يا خير من ذملت يمانية به ... بعد النبي لآيس أو طامع # PageV05P542 # وأبر من عبد الإله على التقى # غيبا وأقوله بحق صادع ... عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج # فالصاب يمزج بالسمام الناقع ... متيقظا حذرا ms2287 وما تخشى العدى # نبهان من وسنات ليل الهاجع ... ملئت قلوب الناس منك مخافة # وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع ... بأبي وأمي فدية وأبيهما # من كل معضلة وذنب واقع ... ما ألين الكنف الذي بوأتني # وطنا وأمرع ربعه للراتع ... للصالحات أخا جعلت وللتقى # وأبا رءوفا للفقير القانع ... نفسي فداؤك إذ تضل معاذري # وألوذ منك بفضل حلم واسع ... أملا لفضلك، والفواضل شيمة # رفعت بناءك للمحل اليافع ... فبذلت أفضل ما يضيق ببذله # وسع النفوس من الفعال البارع ... وعفوت عمن لم يكن عن مثله # عفو ولم يشفع إليك بشافع ... إلا العلو عن العقوبة بعدما # ظفرت يداك بمستكين خاضع ... فرحمت أطفالا كأفراخ القطا # وعويل عانسة كقوس النازع ... وعطفت آصرة علي كما وهى # بعد انهياض الوثي عظم الظالع # PageV05P543 # الله يعلم ما أقول كأنها ... جهد الألية من حنيف راكع # ما إن عصيتك والغواة تقودني ... أسبابها إلا بنية طائع # حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردي إلى حفر المهالك هائع # لم أدر أن لمثل جرمي غافرا ... فوقفت أنظر أي حتف صارعي # رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع # أحياك من ولاك أفضل مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع # كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي # أسديتها عفوا إلي هنيئة ... وشكرت مصطنعا لأكرم صانع # إلا يسيرا عندما أوليتني ... وهو الكبير لدي غير الضائع # إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلا وإن تمنع فأكرم مانع # إن الذي قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم للإمام السابع # جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع # فذكر أن المأمون قال حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لإخوته: # PageV05P544 # {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 92] . # ذكر بناء المأمون ببوران # وفي هذه السنة بنى المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل في رمضان، وكان ~~المأمون سار من بغداذ إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل، فنزله، وزفت ~~إليه بوران، فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد، وأم جعفر ~~زبيدة أم الأمين، ms2288 وجدتها أم الفضل، والحسن بن سهل. # فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه ~~فجمع، فأعطاه بوران وقال: سلي حوائجك. فأمسكت، فقالت جدتها: سلي سيدك فقد ~~أمرك. فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي فقال: قد فعلت. وسألته الإذن لأم ~~جعفر في الحج، فأذن لها، وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلئية الأموية، وابتنى ~~بها في ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا. # وأقام المأمون عند الحسن سبعة (عشر يوما) ، يعد له كل يوم ولجميع من معه ~~ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم، وكان ~~مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع، ونثرها ~~على القواد، فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها. # ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر # في هذه السنة سار عبد الله بن طاهر (إلى مصر، وافتتحها) ، واستأمن إليه ~~عبيد الله بن السري. # وكان سبب مسيره أن عبيد الله قد كان تغلب على مصر، وخلع الطاعة، وخرج جمع ~~من الأندلس فتغلبوا على الإسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة ~~نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحو مصر، فلما قرب منها على مرحلة قدم قائدا ~~من قواده # PageV05P545 # إليها لينظر موضعا يعسكر فيه. # وكان ابن السري قد خندق على مصر خندقا، فاتصل الخبر به من وصول القائد ~~إلى ما قرب منه، فخرج إليه في أصحابه، فالتقى هو والقائد، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وكان القائد في قلة، فجال أصحابه، وسير بريدا إلى عبد الله بن طاهر ~~بخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير، ~~فلحقوا بالقائد وهو يقاتل ابن السري، فلما رأى ابن السري ذلك لم يصبر بين ~~أيديهم، وانهزم عنهم، وتساقط أكثر أصحابه في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط ~~بعضهم على بعض كان أكثر ممن قتله الجند بالسيف. # ودخل ابن السري مصر، وأغلق الباب عليه وعلى أصحابه، وحاصره عبد الله، فلم ~~يعد ابن السري يخرج ms2289 إليه، وأنفذ إليه ألف وصيف ووصيفة، مع كل واحد منهم ألف ~~دينار، فسيرهم ليلا، فردهم ابن طاهر، وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهارا ~~لقبلتها ليلا {بل أنتم بهديتكم تفرحون - ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل ~~لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: 36 - 37] . قال: فحينئذ ~~طلب الأمان. وقيل: كان سنة إحدى عشرة. # وذكر أحمد بن حفص عن أبي السمراء قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر إلى ~~مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ على ~~بعير له، فسلم علينا، فرددنا عليه السلام، قال: وكنت أنا وإسحاق بن إبراهيم ~~الرافقي، وإسحاق بن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا أفره منه دابة، ~~وأجود كسوة، قال: فجعل الأعرابي ينظر إلى وجوهنا، قال: فقلت: يا شيخ، قد ~~ألححت في النظر، أعرفت شيئا أنكرته؟ قال: لا والله، ما عرفتكم قبل يومي ~~هذا، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس. قال: فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي، ~~وقلت: ما تقول في هذا؟ فقال: # أرى كاتبا داهي الكتابة بين ... عليه، وتأديب العراق منير # له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير # ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي فقال: # PageV05P546 # ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا، بالرجال مكور # إخال به جبنا وبخلا ... وشيمة تخبر عنه إنه لوزير # ثم نظر إلي وقال: # وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور # وأحسبه للشعر والعلم راويا ... فبعض نديم مرة وسمير # ثم نظر إلى الأمير وقال: # وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له في العالمين نظير # عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير # لقد عظم الإسلام منه بذي يد ... فقد عاش معروف ومات نكير # ألا إنما عبد الإله ابن طاهر ... لنا والد بر بنا، وأمير # قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه، وأمر للشيخ بخمسمائة ~~دينار، وأمره أن يصحبه. # ذكر فتح عبد الله الإسكندرية # وفي هذه السنة أخرج عبد الله من كان تغلب على الإسكندرية (من أهل ~~الأندلس) ms2290 بأمان، وكانوا قد أقبلوا في مراكب من الأندلس في جمع، والناس في ~~فتنة ابن السري وغيره، فرسوا بالإسكندرية، ورئيسهم يدعى أبا حفص، فلم ~~يزالوا بها حتى قدم ابن طاهر، فأرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في ~~الطاعة، فأجابوه، وسألوه الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم ~~التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، فرحلوا، ونزلوا بجزيرة ~~إقريطش، واستوطنوها، وأقاموا بها، فأعقبوا وتناسلوا. # قال يونس بن عبد الأعلى: أقبل إلينا فتى حدث من المشرق - يعني ابن طاهر - # PageV05P547 # والدنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في ~~بلاء، فأصلح الدنيا، وأمن البريء، وأخاف السقيم، واستوسقت له الرعية ~~بالطاعة. # ذكر خلع أهل قم # في هذه السنة خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج، فكان سببه أن المأمون ~~لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري (عدة أيام) وأسقط عنهم شيئا من ~~خراجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان ~~خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا، فامتنعوا من أدائه، ~~فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحاربهم، (فظفرا بهم) ~~وقتل يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف درهم، ~~وكانوا يتظلمون من ألفي ألف. # ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث # وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج، ~~واستعمل عليها عبيد الله المعروف بابن البلنسي، فسار ودخل بلاد العدو، ~~وتردد فيها بالغارات، والسبي، والقتل، والأسر، ولقي الجيوش الأعداء في ربيع ~~الأول، فاقتتلوا، فانهزم المشركون وكثر القتل فيهم، وكان فتحا عظيما. # وفيها افتتح عسكر - سيره عبد الرحمن أيضا - حصن القلعة من أرض العدو، ~~وتردد فيها بالغارات منتصف شهر رمضان. # وفيها أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع بجيان. # وفيها أخذ عبد الرحمن رهائن أبي الشماخ محمد بن إبراهيم مقدم اليمانية # PageV05P548 # بتدمير، ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية، فلم ينزجروا، ودامت الفتنة، ~~فلما رأى عبد الرحمن ذلك أمر العامل بتدمير أن ms2291 ينقل منها، ويجعل مرسية ~~منزلا ينزله العمال، ففعل ذلك، وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ذلك ~~الوقت، ودامت الفتنة بينهم إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، فسير عبد الرحمن ~~إليهم جيشا، فأذعن أبو الشماخ وأطاع عبد الرحمن،، وسار إليه، وصار من جملة ~~قواده وأصحابه، وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير. # ذكر عدة حوادث # مات في هذه السنة شهريار بن شروين، (صاحب جبال طبرستان) ، وصار في موضعه ~~ابنه سابور، فقاتله مازيار بن قارن، فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد ~~مازيار. # وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وهو والي مكة. # [الوفيات] # وفيها توفيت علية بنت المهدي، مولدها سنة ستين ومائة، وكان زوجها موسى بن ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي (بن عبد الله بن عباس) ، فولدت منه. # PageV05P549 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين] ### | 211 - # ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين # وفي هذه السنة أدخل عبيد الله بن السري بغداذ، وأنزل مدينة المنصور، ~~وأقام ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام والجزيرة، وقال للمأمون بعض ~~إخوته: إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد علي بن أبي طالب، وكذا كان أبوه ~~قبله. فأنكر المأمون ذلك، فعاوده أخوه، فوضع المأمون رجلا قال له: امش في ~~هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم ~~بن طباطبا، ثم صر إلى عبد الله بن طاهر فادعه إليه، واذكر له مناقبه، ورغبه ~~فيه، وابحث عن باطنه، وأتني بما تسمع. # ففعل الرجل ذلك، فاستجاب له جماعة من أعيانه، فقعد بباب عبد الله بن ~~طاهر، فلما ركب قام إليه فأعطاه رقعة، فلما عاد إلى منزله أحضره قال: قد ~~فهمت ما في رقعتك، فهات ما عندك! فقال: ولي أمانك؟ قال: نعم! فدعاه إلى ~~القاسم، وذكر فضله وزهده وعلمه. # فقال عبد الله: أتنصفني؟ قال: نعم! قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ ~~قال: نعم. قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحال لي خاتم في المشرق جائز، وخاتم ~~في المغرب جائز، وفيما بينهما أمري ms2292 مطاع، ثم ما ألتفت عن يميني ولا شمالي، ~~وورائي وأمامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويدا ~~لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما، تدعوني إلى أن أكفر بهذه النعم وهذا ~~الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولى لهذا وأحرى، واسع (في إزالة خيط عنقه) ، ~~وسفك دمه، تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر ~~إحسانه، وأنكث بيعته؟ # فسكت الرجل، فقال له عبد الله: ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا ~~البلد، فإن السلطان الأعظم إن بلغه ذلك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك. # PageV05P550 # فلما أيس منه جاء إلى المأمون فأخبره، فاستبشر وقال: ذلك غرس يدي، وإلف ~~أدبي، وترب تلقيحي. ولم يظهر ذلك، ولا علمه ابن طاهر إلا بعد موت المأمون، ~~وكان هذا القائل للمأمون المعتصم، فإنه كان منحرفا عن عبد الله. # ذكر قتل السيد بن أنس # وفيها قتل السيد بن أنس الأزدي أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق بن علي بن ~~صدقة الأزدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى ~~بينه وبين السيد حروب كثيرة، فلما كان هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرا، قيل: ~~كانوا أربعين ألفا، وسيرهم إلى الموصل لحرب السيد، فخرج إليهم في أربعة ~~آلاف، فالتقوا بسوق الأحد، فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه كانت ~~عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فاقتتلا، فقتل كل ~~واحد منهما صاحبه، لم يقتل غيرهما. # وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق إن رأى السيد أن يحمل عليه فيقتله أو يقتل ~~دونه ; لأنه كان له على زريق كل سنة مائة ألف درهم، فقيل له: بأي سبب تأخذ ~~هذا المال؟ فقال: لأنني متى رأيت السيد قتلته، وحلف على ذلك فوفى به. # فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق ~~وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل. # ذكر الفتنة بين عامر ومنصور وقتل منصور بإفريقية # وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين عامر بن نافع ms2293 وبين منصور بن نصر ~~بإفريقية، وسبب ذلك أن منصورا كان كثير الحسد. . . وسار بهم من تونس إلى ~~[منصور] وهو بقصره بطنبذة، فحصره، حتى فني ما كان عنده من الماء، فراسله ~~منصور وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إلى المشرق، فأجابه إلى ~~ذلك، فخرج منصور أول # PageV05P551 # الليل مختفيا يريد الأربس، فلما أصبح عامر ولم ير لمنصور أثرا طلبه حتى ~~أدركه، فاقتتلوا وانهزم منصور، ودخل الأربس فتحصن بها، وحصره عامر، ونصب ~~عليه منجنيقا. # فلما اشتد الحصار على أهل الأربس قالوا لمنصور: إما أن تخرج عنا، وإلا ~~سلمناك إلى عامر، فقد أضر بنا الحصار. فاستمهلهم حتى يصلح أمره، فأمهلوه، ~~وأرسل إلى عبد السلام بن المفرج، وهو من قواد الجيش، يسأله الاجتماع به، ~~فأتاه، فكلمه منصور من فوق السور واعتذر، وطلب منه أن يأخذ له أمانا من ~~عامر حتى يسير إلى المشرق، فأجابه عبد السلام إلى ذلك، واستعطف له عامرا، ~~فأمنه على أن يسير إلى تونس، ويأخذ أهله وحاشيته ويسير بهم إلى الشرق. # فخرج إليه، فسيره مع خيل إلى تونس، وأمر رسوله سرا أن يسير به إلى مدينة ~~جربة، ويسجنه بها، ففعل ذلك، وسجن معه أخاه حمدون. # فلما علم عبد السلام ذلك عظم عليه، وكتب عامر إلى أخيه، وهو عامله على ~~جربة، يأمره بقتل منصور وأخيه حمدون، ولا يراجع فيهما، فحضر عندهما، ~~وأقرأهما الكتاب، فطلب منصور منه دواة وقرطاسا ليكتب وصيته، فأمر له بذلك، ~~فلم يقدر [أن] يكتب، وقال: فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة. ثم قتلهما، ~~وبعث برأسيهما إلى أخيه، واستقامت الأمور لعامر بن نافع، ورجع عبد السلام ~~بن المفرج إلى مدينة باجة، وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس، وتوفي سلخ ربيع ~~الآخر سنة أربع عشرة ومائتين، فلما وصل خبره إلى زيادة الله قال: الآن وضعت ~~الحرب أوزارها. وأرسل بنوه إلى زيادة الله يطلبون الأمان، فأمنهم وأحسن ~~إليهم. # ذكر عدة حوادث وفيها قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام، فتلقاه العباس ~~بن المأمون والمعتصم، وسائر الناس. # PageV05P552 # [الوفيات] # وفيها مات موسى بن حفص، ms2294 فولي ابنه طبرستان، وولي حاجب بن صالح السند، ~~فهزمه بشر بن داود، فانحاز إلى كرمان. # وفيها أمر المأمون مناديا، فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو ~~فضله على أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفيها مات أبو العتاهية الشاعر. # وحج بالناس صالح بن العباس وهو والي مكة. # (وفيها خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس [طوريل] ، فقصد جماعة من الجند قد ~~نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتارين، فقتلهم، وأخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم، ~~فسار إليه عاملها. # [وفيها مات] الأخفش النحوي البصري) . # وفيها مات طلق بن غنام النخعي، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وعبد (الرحيم بن ~~عبد) الرحمن بن محمد المحاربي. # PageV05P553 # وفيها توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدث، وهو من مشايخ أحمد بن ~~حنبل، وكان يشيع. # وفيها توفي عبد الله بن داود الخريبي البصري، وكان يسكن الخريبة بالبصرة، ~~فنسب إليها. # PageV05P554 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين] ### | 212 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين # ذكر استيلاء محمد بن حميد على الموصل # في هذه السنة وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، ~~وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها، ويحارب زريق بن علي، فسار ~~محمد إلى الموصل ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار ~~لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار ~~نحوهم، فالتقوا على الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، ~~فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي مع محمد بن السيد طلبا بثأر ~~السيد، فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، ~~فسيره إلى المأمون. # وكتب المأمون (إلى محمد يأمره بأخذ جميع مال زريق من قرى ورستاق، ومال، ~~وغيره، فأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وإخوته، وأخبرهم بما أمر به ~~المأمون) فأطاعوا لذلك، فقال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمرني به، وقد قبلت ~~ما حباني منه ورددته عليكم. فشكروه على ذلك. # ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، ms2295 وقصد المخالفين ~~المتغلبين على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلى بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى ~~المأمون، وسار نحو بابك الخرمي لمحاربته. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع أحمد بن محمد العمري - والمعروف بالأحمر العين - ~~المأمون # PageV05P555 # باليمن، فاستعمل المأمون على اليمن محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي ~~الرازي، وسيره إليها. # وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع ~~الصحابة، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك ~~في ربيع الأول. # وحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد. # وفيها كانت باليمن زلزلة شديدة، فكان أشدها بعدن، فتهدمت المنازل، وخربت ~~القرى، وهلك فيها خلق كثير. # (وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا إلى بلد المشركين، فوصلوا إلى ~~برشلونة، ثم ساروا إلى جرندة) ، وقاتل أهلها في ربيع الأول، فأقام الجيش ~~شهرين ينهبون ويخربون. # وفيها كانت سيول عظيمة وأمطار متتابعة بالأندلس، فخربت أكثر الأسوار ~~بمدائن ثغر الأندلس، وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها وأحكمت. # (برشلونة بالباء الموحدة والراء والشين المعجمة واللام والواو والنون ~~والهاء) . # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن يوسف بن واقد بن عبد الله الضبي، المعروف بالفريابي، ~~وهو من مشايخ البخاري. # PageV05P556 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين] ### | 213 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين # وفيها ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة، والثغور، والعواصم، وولى أخاه ~~أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر ~~بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك. # وفي هذه السنة خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية ~~واليمانية، وظهرا بها، ثم وثبا بعامل المعتصم، وهو ابن عميرة بن الوليد ~~الباذغيسي، فقتلاه في ربيع الأول سنة أربع عشرة ومائتين، فسار المعتصم إلى ~~مصر، وقاتلهما، فقتلهما وافتتح مصر، فاستقامت أمورها، واستعمل عليها عماله. # وفيها مات طلحة بن طاهر بخراسان. # وفيها استعمل المأمون غسان بن عباد على السند، وسبب ذلك أن بشر بن داود ~~خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل منه ms2296 شيئا، فعزم على تولية غسان، فقال ~~لأصحابه: أخبروني عن غسان، فإني أريده لأمر عظيم. فأطنبوا في مدحه، فنظر ~~المأمون إلى أحمد بن يوسف وهو ساكت، فقال: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه، لا يصرف به إلى طبقة إلا انتصف ~~منهم، فمهما تخوفت عليه فإنه لن يأتي أمرا يعتذر منه. فأطنب فيه، فقال: لقد ~~مدحته على سوء رأيك فيه. قال: لأني كما قال الشاعر: # PageV05P557 # كفى شكرا لما أسديت أني ... صدقتك في الصديق وفي عداتي # قال: فأعجب المأمون من كلامه وأدبه. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي. # وفيها قتل أهل ماردة من الأندلس عاملهم، فثارت الفتنة عندهم، فسير إليهم ~~عبد الرحمن جيشا، فحصرهم، وأفسد زرعهم وأشجارهم، فعاودوا الطاعة، وأخذت ~~رهائنهم، وعاد الجيش بعد أن خربوا سور المدينة. # ثم أرسل عبد الرحمن إليهم بنقل حجارة السور إلى النهر ; لئلا يطمع أهلها ~~في عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان، وأسروا العامل عليهم، وجددوا ~~بناء السور وأتقنوه. # فلما دخلت سنة أربع عشرة سار عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوشه إلى ~~ماردة، ومعه رهائن أهلها، فلما بارزها راسله أهلها، وافتكوا رهائنهم ~~بالعامل الذي أسروه وغيره، وحصرهم، وأفسد بلدهم ورحل عنهم. # ثم سير إليهم جيشا سنة سبع عشرة ومائتين، فحصروها، وضيقوا عليها، ودام ~~الحصار، ثم رحلوا عنهم. # فلما دخلت سنة ثماني عشرة سير إليها جيشا، ففتحها، وفارقها أهل الشر ~~والفساد. # وكان من أهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي، فحصره عبد الرحمن ~~بن الحكم في جمع كثير من الجند، وصدقوه القتال، فهزموه وقتلوا كثيرا من ~~رجاله، وتبعتهم الخيل، فأفنوهم قتلا وأسرا وتشريدا. # ومضى محمود بن عبد الجبار الماردي فيمن سلم معه من أصحابه إلى منت سالوط، ~~فسير إليه عبد الرحمن جيشا سنة عشرين ومائتين، فمضوا هاربين عنه إلى حلقب ~~في ربيع الآخر منها، فأرسل سرية في طلبهم، فقاتلهم محمود، فهزمهم، وغنم ما ~~معهم، # PageV05P558 # ومضوا لوجهتهم، فلقيهم جمع من ms2297 أصحاب عبد الرحمن مصادفة، فقاتلوهم ثم كف ~~بعضهم عن بعض، وساروا، فلقيهم سرية أخرى، فقاتلوهم، فانهزمت السرية، وغنم ~~محمود ما فيها. # وسار حتى أتى مدينة مينة، فهجم عليها وملكها، وأخذ ما فيها من دواب ~~وطعام، وفارقوها، فوصلوا إلى بلاد المشركين، فاستولوا على قلعة لهم، ~~فأقاموا بها خمسة أعوام وثلاثة أشهر، فحصرهم أذفونس ملك الفرنج، فملك ~~الحصن، وقتل محمودا ومن معه، وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين في رجب، وانصرف ~~من فيها. # [الوفيات] # وفيها توفي إبراهيم الموصلي المغني، وهو إبراهيم بن ماهان، والد إسحاق بن ~~إبراهيم، وكان كوفيا، وسار إلى الموصل، فلما عاد قيل له الموصلي، فلزمه. # وعلي بن جبلة بن مسلم أبو الحسن الشاعر، وكان مولده سنة ستين ومائة، وكان ~~قد أضر. ومحمد بن عرعرة بن البرند. وأبو عبد الرحمن المقرئ المحدث. وعبد ~~الله بن موسى العبسي الفقيه، وكان شيعيا، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه. # (البرند بكسر الباء الموحدة والراء وتسكين النون وآخره دال مهملة) . # PageV05P559 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين] ### | 214 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين # ذكر قتل محمد الطوسي # فيها قتل محمد بن حميد الطوسي، قتله بابك الخرمي، وسبب ذلك أنه لما فرغ ~~من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر والآلات ~~والميرة، فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار، فسلك المضايق ~~إلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقا أو عقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى ~~أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقا، وشاور في دخول بلد بابك، فأشاروا عليه بدخوله ~~من وجه ذكروه له، فقبل رأيهم، وعبى أصحابه، وجعل على القلب محمد بن يوسف بن ~~عبد الرحمن الطائي، المعروف بأبي سعيد، وعلى الميمنة السعدي بن أصرم، وعلى ~~الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني، ووقف محمد بن حميد خلفهم في جماعة ~~ينظر إليهم، ويأمرهم بسد خلل إن رآه، فكان بابك يشرف عليهم من الجبل، وقد ~~كمن لهم من الرجال تحت كل صخرة. # فلما تقدم أصحاب محمد، وصعدوا في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ، ms2298 خرج عليهم ~~الكمناء، وانحدر بابك إليهم فيمن معه، وانهزم الناس، فأمرهم أبو سعيد ومحمد ~~بن حميد بالصبر، فلم يفعلوا، ومروا على وجوههم، والقتل يأخذهم، وصبر محمد ~~بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، وسارا يطلبان الخلاص، فرأى ~~جماعة وقتالا، فقصدهم، فرأى (الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه ~~الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن) هيئته، فقاتلهم وقاتلوه، وضربوا فرسه ~~بمزراق، فسقط إلى الأرض، # PageV05P560 # وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه. # وكان محمد ممدحا جوادا، فرثاه الشعراء وأكثروا، منهم الطائي، فلما وصل ~~خبر قتله إلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال ~~بابك، فسار نحوه. # ذكر حال أبي دلف مع المأمون # كان أبو دلف من أصحاب محمد الأمين، وسار مع علي بن عيسى بن ماهان إلى حرب ~~طاهر بن الحسين، فلما قتل علي عاد أبو دلف إلى همذان، فراسله طاهر يستميله، ~~ويدعوه إلى بيعة المأمون، فلم يفعل، وقال: إن في عنقي بيعة لا أجد إلى ~~فسخها سبيلا، ولكني سأقيم مكاني لا أكون مع أحد الفريقين إن كففت عني. ~~فأجابه إلى ذلك، فأقام بكرج. # فلما خرج المأمون إلى الري راسل أبا دلف يدعوه إليه، فسار نحوه مجدا وهو ~~خائف شديد الوجل، فقال له أهله وقومه وأصحابه: أنت سيد العرب، وكلها تطيعك، ~~فإن كنت خائفا فأقم، ونحن نمنعك. فلم يفعل، وسار وهو يقول: # أجود بنفسي دون قومي دافعا ... لما نابهم قدما وأغشى الدواهيا # وأقتحم الأمر المخوف اقتحامه ... لأدرك مجدا أو أعاود ثاويا # وهي أبيات حسنة، فلما وصل إلى المأمون أكرمه، وأحسن إليه وأمنه، وأعلى ~~منزلته. # ذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان # في هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان، فسار إليها. # وكان سبب مسيره إليها أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر خليفة # PageV05P561 # لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك، وأوقع ~~الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل، واتصل ~~ذلك بالمأمون، فأمر ms2299 عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان، فسار إليها، فلما ~~قدم نيسابور كان أهلها قد قحطوا فمطروا قبل وصوله إليها بيوم واحد، فلما ~~دخلها قام إليه رجل بزاز فقال: # قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر # غيثان في ساعة لنا قدما ... فمرحبا بالأمير والمطر # فأحضره عبد الله وقال له: أشاعر أنت؟ قال: لا، ولكني سمعتها بالرقة ~~فحفظتها. فأحسن إليه، وجعل إليه أن لا يشترى له شيء من الثياب إلا بأمره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج بلال (الغساني الشاري) ، فوجه إليه المأمون ابنه العباس ~~في جماعة من القواد، فقتل بلال. # وفيها قتل أبو الرازي باليمن. # وفيها تحرك جعفر بن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، ~~وكان هرب من مصر فرد إليها. # وفيها ولي علي بن هشام الجبل، وقم، وأصبهان، وأذربيجان. # (وفيها توفي إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ~~عليه السلام - بالمغرب، وقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس، فولى أخاه ~~القاسم البصرة وطنجة وما يليهما، واستعمل باقي إخوته على مدن البربرة. # وفيها سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى مدينة باجة، وكانت عاصية ~~عليه من حين فتنة منصور إلى الآن، فملكها عنوة. # PageV05P562 # وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، من الأندلس، على صاحبها عبد ~~الرحمن، وكان هاشم ممن خرج من طليطلة [لما] أوقع الحكم بأهلها، فسار إلى ~~قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة، فاجتمع إليه أهل الشر وغيرهم، فسار ~~بهم إلى وادي نحوييه، وأغار على البربر وغيرهم، فطار اسمه، واشتدت شوكته، ~~واجتمع له جمع عظيم، وأوقع بأهل شنت برية. # وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسير إليه عبد الرحمن هذه السنة ~~جيشا، فقاتلوه، فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وبقي هشام كذلك، ~~وغلب على عدة مواضع، وجاوز بركة العجوز، وأخذت غارة خيله، فسير إليه عبد ~~الرحمن جيشا كثيفا سنة ست عشرة ومائتين، فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا ~~بمجاورة رورية، فاشتدت الحرب بينهم، ودامت عدة ms2300 أيام، ثم انهزم هاشم، وقتل ~~هو وكثير ممن معه من أهل الطمع والشر وطالبي الفتن، وكفى الله الناس شرهم) ~~. # وحج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عاصم النبيل، واسمه الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو إمام في ~~الحديث. # وفيها توفي أبو أحمد حسين بن محمد البغداذي. # PageV05P563 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين] ### | 215 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين # ذكر غزوة المأمون إلى الروم # في هذه السنة سار (المأمون إلى الروم) في المحرم، فلما سار استخلف على ~~بغداذ إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد، وحلوان، وكور دجلة، ~~فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - فلقيه بها، فأجاره، وأمره ~~بالدخول بابنته أم الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت عليه، فلما كان أيام الحج ~~سار بأهله إلى المدينة فأقام بها. # وسار المأمون على طريق الموصل حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى ~~أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى ~~الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه ~~عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى. # وقيل: إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة ~~بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، (ووجه عجيفا وجعفرا ~~الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع. # وفيها عاد) المعتصم من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه # PageV05P564 # منويل، وعباس بن المأمون برأس عين. # وفيها توجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق. # وحج بالناس عبد الله بن عبد الله بن العباس بن محمد. # [الوفيات] # وفيها توفي قبيصة بن عقبة السوائي، وأبو يعقوب إسحاق بن الطباع الفقيه، ~~وعلي بن الحسن بن شقيق صاحب ابن المبارك، وثابت بن محمد الكوفي العابد ~~المحدث، وهوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكرة أبو الأشهب، ~~وأبو جعفر محمد بن ms2301 الحارث الموصلي، وأبو سليمان الداراني الزاهد، توفي ~~بداريا، # PageV05P565 # ومكي بن إبراهيم التميمي البلخي ببلخ، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه، ~~وقد قارب مائة سنة. # وأبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري اللغوي النحوي، وكان عمره ثلاثا ~~وتسعين سنة. # وفيها توفي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبو سعيد الأصمعي اللغوي ~~البصري، وقيل: سنة ست عشرة. # ومحمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي ~~البصرة. # PageV05P566 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين] ### | 216 - # ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين # ذكر فتح هرقلة # في هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم، وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك ~~الروم قتل ألفا وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في ~~جمادى الأولى، فأقام إلى منتصف شعبان. # وقيل: كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه وبدأ بنفسه، فسار إليه، ~~ولم يقرأ كتابه، فلما دخل أرض الروم أناخ على أنطيغوا، فخرجوا على صلح، ثم ~~سار إلى هرقلة، فخرج أهلها على صلح. # ووجه أخاه أبا إسحاق المعتصم، فافتتح ثلاثين حصنا، ومطمورة. # ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار وقتل وأحرق، فأصاب سبيا ورجع. # ثم سار المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين، ثم ارتحل إلى دمشق. # ذكر عدة حوادث # فيها ظهر عبدوس الفهري بمصر، فوثب على عمال المعتصم، فقتل بعضهم في # PageV05P567 # شعبان، فسار المأمون من دمشق إلى مصر منتصف ذي الحجة. # وفيها قدم الأفشين من برقة، فأقام بمصر. # وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا ~~صلوا، فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قياما، وكبروا ثلاثا، ثم فعلوا ذلك في ~~كل صلاة مكتوبة. # وفيها غضب المأمون على علي بن هاشم، (ووجه عجيفا وأحمد بن هاشم) ، وأمر ~~بقبض أمواله وسلاحه. # وفيها ماتت أم جعفر زبيدة أم الأمين ببغداذ. # وفيها تقدم غسان بن عباد من السند، ومعه بشر بن داود، مستأمنا، وأصلح ~~السند، واستعمل عليها عمران بن موسى العتكي. # وفيها هرب جعفر بن داود ms2302 القمي إلى قم، وخلع الطاعة بها. # وحج بالناس، في قول بعضهم، سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي (بن عبد ~~الله بن عباس) ، وقيل: حج بهم عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن # PageV05P568 # عباس - رضي الله عنهم - وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلد ~~يدخله، فسار من دمشق، فقدم بغداذ فصلى بالناس يوم الفطر، وسار عنها، فحج ~~بالناس. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ببغداذ، ومحمد بن عباد ~~بن عباد بن حبيب بن المهلب المهلبي، أمير البصرة بها، ويحيى بن يعلى ~~المحاربي، وإسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي. # PageV05P569 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين] ### | 217 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين # في هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم ~~المأمون. # ووصل المأمون إلى مصر في المحرم من هذه السنة، فأتي بعبدوس الفهري فضرب ~~عنقه، وعاد إلى الشام. # وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان سبب ذلك أن المأمون كان استعمله على ~~أذربيجان وغيرها، كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذه الأموال، وقتله الرجال، ~~فوجه إليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام وأراد قتله واللحاق ببابك، ~~وظفر به عجيف، وقدم به على المأمون فقتله وقتل أخاه حبيبا في جمادى الأولى، ~~وطيف برأس علي في العراق، وخراسان، والشام، ومصر، ثم ألقي في البحر. # [عودة المأمون إلى غزو الروم] # وفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل ~~عنها، وترك عليها عجيفا، فخدعه أهلها، فبقي عندهم ثمانية أيام، وأخرجوه، ~~وجاء توفيل ملك الروم، فأحاط بعجيف فيه، فبعث المأمون إليه الجنود، فارتحل ~~توفيل قبل موافاتهم، # PageV05P570 # وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان، وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة، فلم يتم ~~ذلك. # وفيها سار المأمون إلى سلغوس. # وفيها بعث علي بن عيسى القمي إلى جعفر بن داود القمي، فقتل. # وحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. # [الوفيات] ms2303 # وفيها توفي الحجاج بن المنهال بالبصرة، وسريج بن النعمان. (سريج بالسين ~~المهملة والجيم) . وسعدان بن بشر الموصلي يروي عن الثوري. # وفيها توفي الخليل بن أبي رافع المزني الموصلي، وكان عالما عابدا، وأبوه ~~جعفر بن محمد بن أبي يزيد الموصلي، وكان فاضلا. # PageV05P571 ### | [ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائتين] # ذكر المحنة بالقرآن المجيد # وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداذ في امتحان القضاة ~~والشهود والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله، ومن أبى ~~أعلمه به ليأمره فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن، وترك ~~الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره ~~بإنفاذ سبعة نفر، منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم مستملي يزيد ~~بن هارون، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، ~~(وإسماعيل) بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فأشخصوا إليه، فسألهم وامتحنهم ~~عن القرآن، فأجابوا جميعا: إن القرآن مخلوق. فأعادهم إلى بغداذ، فأحضرهم ~~إسحاق بن إبراهيم داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث، فأقروا ~~بذلك، فخلى سبيلهم. # وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة ~~والفقهاء، فأحضر إسحاق بن إبراهيم أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد ~~الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، والذيال بن الهيثم، وسجادة، ~~والقواريري، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي بن جعد، وإسحاق ~~بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن ~~العمري، وشيخا آخر من ولد # PageV05P572 # عمر بن الخطاب كان قاضي الرقة، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، ~~ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرخان، (وجماعة، ~~منهم: النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، وأبو العوام البزاز، وابن شجاع، ~~وعبد الرحمن بن إسحاق) ، فأدخلوا جميعا على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمون ~~مرتين حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: قد عرفت ~~مقالتي أمير المؤمنين غير مرة. قال: فقد تجدد من كتاب ms2304 أمير المؤمنين ما ~~ترى. # فقال: أقول: القرآن كلام الله. # قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ # قال: الله خالق كل شيء. # (قال: فالقرآن شيء) ؟ # قال: نعم. # قال: فمخلوق هو؟ # قال: ليس بخالق. # قال: (ليس [أسألك] عن هذا) أمخلوق هو؟ # قال: ما أحسن غير ما قلت لك، (وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، ~~وليس عندي غير ما قلت لك) . # فأخذ إسحاق رقعة، فقرأها عليه ووقفه عليها، فقال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أحدا فردا، لم يكن قبله شيء [ولا بعده شيء] ، ولا يشبهه شيء من خلقه ~~في معنى من المعاني، ووجه من الوجوه. قال: نعم. # وقال للكاتب: اكتب ما قال. # ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: قد سمعت كلامي لأمير المؤمنين ~~في هذا غير مرة، وما عندي غيره. فامتحنه بالرقعة، فأقر بما فيها، ثم قال ~~له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا. قال: ~~القرآن كلام الله، فإن # PageV05P573 # أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: اكتب مقالته. # ثم قال للذيال نحوا من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال مثل ذلك. # ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت. فقرأ عليه الرقعة ~~فأقر بما فيها، ثم قال: ومن لم يقل هذا القول فهو كافر. فقال: القرآن مخلوق ~~هو؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وأمير المؤمنين إمامنا وبه ~~سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله ~~أمرنا، فصار يقيم حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى ~~إمامته، فإن أمرنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا. # قال: فالقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته. قال إسحاق: فإن هذه مقالة أمير ~~المؤمنين. قال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها الناس، وإن خبرتني أن أمير ~~المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتني به، فإنك الثقة فيما أبلغتني عنه. ~~قال: ما أمرني أن أبلغك شيئا. قال أبو حسان: وما عندي إلا السمع والطاعة، ~~فأمرني أأتمر. قال: ما ms2305 أمرني أن آمركم، وإنما أمرني أن أمتحنكم. # ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق ~~هو؟ قال: كلام الله ما أزيد عليها. # PageV05P574 # فامتحنه بما في الرقعة، فلما أتى إلى " {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] " ~~[قرأ] : {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، وأمسك عن: ولا يشبهه شيء من ~~خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر ~~فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من أذن، وبصير من عين. فقال إسحاق لأحمد: ~~ما معنى قولك: سميع بصير؟ قال: هو كما وصف نفسه. (قال: فما معناه؟ قال: لا ~~أدري أهو هو كما وصف نفسه) . # ثم دعا بهم رجلا رجلا كلهم يقول القرآن كلام الله، إلا قتيبة، وعبيد الله ~~بن محمد بن الحسن، وابن علية الأكبر، وابن البكاء، وعبد المنعم بن إدريس ~~(ابن بنت، وهب بن منبه، والمظفر بن مرجى، ورجلا من ولد عمر بن الخطاب قاضي ~~الرقة، وابن الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر، فإنه قال: القرآن مجعول ; ~~لقول الله - عز وجل -: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] والقرآن محدث ~~; لقوله - تعالى -: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} [الأنبياء: 2] . # قال إسحاق: فالمجعول مخلوق. (قال: نعم. قال: والقرآن مخلوق؟ قال: لا ~~أقول: مخلوق، ولكنه مجعول. فكتب مقالته ومقالات القوم رجلا رجلا، ووجهت إلى ~~المأمون، فأجاب المأمون يذمهم ويذكر كلا منهم، ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره ~~أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي، ويمتحنهما، فإن أجابا، وإلا ~~فاضرب أعناقهما، وأما من سواهما، فإن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا ~~حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم. # PageV05P575 # فأحضرهم إسحاق، وأعلمهم بما أمر به المأمون، فأجاب القوم أجمعون إلا ~~أربعة نفر، وهم: أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، ~~فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد، فأعاد ~~عليهم المحنة، فأجابه سجادة والقواريري، فأطلقهما، وأصر أحمد بن حنبل، ~~ومحمد بن نوح على قولهما، فشدا في الحديد، ووجها إلى طرسوس، وكتب إلى ~~المأمون ms2306 بتأويل القوم فيما أجابوا إليه، فأجابه المأمون: إنني بلغني عن بشر ~~بن الوليد بتأويل الآية التي أنزلها الله - تعالى - في عمار بن ياسر: {إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] ، وقد أخطأ التأويل، إنما عنى ~~الله - سبحانه وتعالى - بهذه الآية من كان معتقدا للإيمان، مظهرا للشرك، ~~فأما من كان معتقدا للشرك، مظهرا للإيمان، فليس هذا له. # فأشخصهم جميعا إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد ~~الروم، فأحضرهم إسحاق، وسيرهم جميعا إلى العسكر، وهم: أبو حسان الزيادي، ~~وبشر بن الوليد، والفضل بن غانم، وعلي بن مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى ~~بن عبد الرحمن العمري، وعلي بن الجعد، وأبو العوام، وسجادة، والقواريري، ~~(وابن الحسن بن) علي بن عاصم، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنضر بن شميل، وأبو ~~نصر التمار، وسعدويه الواسطي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبو معمر بن الهرش، ~~وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبو هارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة ~~بلغهم موت المأمون فرجعوا (إلى بغداذ) . # ذكر مرض المأمون ووصيته # وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى ~~الآخرة. # وكان سبب مرضه ما ذكره سعد بن العلاف القارئ قال: دعاني المأمون # PageV05P576 # يوما، فوجدته جالسا على جانب البذندون، والمعتصم عن يمينه، وهما قد دليا ~~أرجلهما في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال: ذقه! فهل رأيت أعذب ~~منه، أو أصفى صفاء، أو أشد بردا؟ ففعلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت ~~مثله قط. فقال: أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير ~~المؤمنين أعلم. فقال: الرطب الآزاذ. # فبينما هو يقول [هذا] إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت، فإذا بغال البريد ~~عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم [له] : انظر إن كان في هذه الألطاف ~~رطب آزاذ، فأت به! فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما آزاذ كأنما جني تلك الساعة، ~~فأظهر شكرا لله - تعالى - وتعجبنا جميعا، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما ~~قام منا أحد إلا وهو محموم، وكانت منية ms2307 المأمون من تلك العلة، ولم يزل ~~المعتصم مريضا حتى دخل العراق، وبقيت أنا مريضا مدة. # فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير ~~المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد، وأوصى إلى ~~المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء، والقضاة، والقواد، وكانت ~~وصيته، بعد الشهادة، والإقرار بالوحدانية، والبعث، والجنة، والنار، والصلاة ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء -: إني مقر مذنب، أرجو وأخاف، ~~إلا أني إذا ذكرت عفو الله رجوت، وإذا مت فوجهوني، وغمضوني، وأسبغوا وضوئي ~~وطهوري، وأجيدوا كفني، ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ جعلنا من أمته المرحومة، ثم أضجعوني على ~~سريري، ثم عجلوا بي، وليصل علي أقربكم نسبا وأكبركم سنا، وليكبر خمسا، ثم ~~احملوني وابلغوا بي حفرتي، ولينزل بي أقربكم قرابة، وأودكم محبة. # وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن، واستقبلوا بي ~~القبلة، ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي، ثم سدوا اللحد واخرجوا عني، وخلوني ~~وعملي، وكلكم لا يغني عني شيئا، ولا يدفع عني مكروها، ثم قفوا بأجمعكم، ~~فقولوا خيرا إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من ~~بينكم بما تقولون، ولا تدعوا باكية عندي، فإن المعول عليه يعذب، رحم الله ~~عبدا اتعظ وفكر فيما حتم الله على خلقه # PageV05P577 # من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحد ~~بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. # [ثم] لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة، هل أغنى عني ذلك شيئا إذ جاء أمر ~~الله؟ لا والله، ولكن أضعف علي به الحساب، فياليت عبد الله بن هارون لم يكن ~~بشرا، بل ليته لم يكن خلقا. # يا أبا إسحاق، ادن مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن ~~والإسلام، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله، الخائف من ~~عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته، فكأن قد نزل بك الموت، ولا ms2308 تغفل أمر ~~الرعية والعوام، فإن الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم، وفي غيرهم من ~~المسلمين، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته، وآثرته ~~على غيره من هواك. # وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض ~~بالحق بينهم، وقربهم، وتأن بهم، وعجل الرحلة عني، والقدوم إلى دار ملكك ~~بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم، فلا تغفل عنهم في كل وقت، ~~والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والجنود، فإن طالت ~~مدتهم فتجرد لهم بمن معك [من] أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم ~~النية فيه، راجيا ثواب الله عليه. # ثم دعا المعتصم، بعد ساعة، حين اشتد الوجع، وأحس بمجيء أمر الله فقال: يا ~~أبا إسحاق! عليه عهد الله وميثاقه، وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته إذ أنا نقلتها من ~~غيرك إليك. قال: اللهم نعم! قال: هؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي - ~~صلوات الله عليه - فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا ~~تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ~~ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، اتقوا الله واعملوا له، واتقوا ~~الله في أموركم كلها، أستودعكم الله ونفسي، # PageV05P578 # وأستغفر الله ما سلف مني إنه كان غفارا، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، ~~فعليه توكلت من عظيمها، وإليه أنيب، ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم ~~الوكيل، وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة. # ذكر وفاة المأمون وعمره وصفته # وفي هذه السنة توفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، فلما اشتد ~~مرضه وحضره الموت، كان عنده من يلقنه، فعرض عليه الشهادة وعنده ابن ماسويه ~~الطبيب، فقال لذلك الرجل: دعه، فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه وماني. ~~ففتح المأمون عينيه، وأراد أن يبطش به، فعجز عن ذلك، وأراد الكلام فعجز ~~عنه، ثم إنه تكلم فقال: يا ms2309 من لا يموت ارحم من يموت. ثم توفي من ساعته. # ولما توفي حمله ابنه العباس، وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بدار خاقان ~~خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم، ووكلوا به حرسا من أبناء أهل طرسوس ~~وغيرهم، مائة رجل، وأجري على كل رجل منهم تسعون درهما. # وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين يوما، سوى سنين كان دعي له ~~فيها بمكة، وأخوه الأمين محصور ببغداذ، وكان مولده للنصف من ربيع الأول سنة ~~سبعين ومائة، وكانت كنيته أبا العباس، وكان ربعة، أبيض، جميلا، طويل اللحية ~~رقيقها، قد وخطها الشيب. وقيل: كان أسمر، تعلوه صفرة، أجنى، أعين، ضيق ~~البلجة، بخده خال أسود. # ذكر بعض سيرته وأخباره # وقال محمد بن صالح السرخسي: تعرض رجل للمأمون بالشام مرارا، وقال: يا ~~أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان! فقال له: أكثرت علي، ~~والله ما أنزلت قيسا من ظهور خيولها إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي ~~درهم واحد - يعني فتنة ابن شبث العامري - وأما اليمن فوالله ما أحببتها، ~~ولا أحبتني قط، وأما قضاعة # PageV05P579 # فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على ~~ربها مذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا وخرج أحدهما شاريا، ~~اعزب، فعل الله بك. # وذكر سعيد بن زياد (أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له: أرني الكتاب) ~~الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأريته. قال: فقال: إني ~~لأشتهي أن أدري إيش هذا الغشاء على هذا الخاتم؟ قال: فقال له المعتصم: حل ~~العقد حتى تدري ما هو! قال: ما أشك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد ~~هذا العقد، وما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~قال للواثق: خذه وضعه على عينيك، لعل الله أن يشفيك! وجعل المأمون يضعه على ~~عينيه ويبكي. # وقال العيشي صاحب إسحاق بن إبراهيم: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قل ~~المال عنده، حتى أضاق، وشكا ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير ms2310 المؤمنين، ~~كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة. وكان قد حمل إليه ثلاثون ألف ألف ألف درهم ~~من خراج ما يتولاه له، فلما ورد عليه المال قال المأمون ليحيى بن أكتم: ~~اخرج بنا ننظر هذا المال، فخرجا ينظرانه، وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت ~~أباعره، فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك واستبشر به، والناس ينظرون ~~ويعجبون، فقال المأمون: يا أبا محمد، ننصرف بالمال وأصحابنا يرجعون خائبين، ~~إن هذا للؤم! ثم دعا محمد بن يزداد، فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل ~~فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ~~ألف، ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى يعطيه جندنا. # قال العيشي: فقمت نصب عينيه أنظر إليهما، فلما رآني كذلك قال: وقع لهذا ~~بخمسين ألفا. فقبضتها. # وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان أنه كان بالبصرة رجل من بني تميم ~~بن سعد، وكان شاعرا ظريفا خبيثا منكرا، وكنت آنس به، وأستحليه، فقلت له: ~~أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجود من السحاب الحافل، فما يمنعك منه؟ فقال: ~~ما عندي ما # PageV05P580 # يحملني. فقلت: أنا أعطيك راحلة ونفقة. فأعطيته راحلة نجيبة، وثلاثمائة ~~درهم، فعمل أرجوزة ليست بالطويلة، ثم سار إلى المأمون. # قال: فجئت إليه وهو بسلغوس. قال: فلبست ثيابي، وأنا أروم بالعسكر، وإذا ~~بكهل على بغل فاره، فتلقاني مواجهة وأنا أردد نشيد أرجوزتي # فقال: السلام عليك. # فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. # قال: قف إن شئت! # فوقفت فتضوعت منه رائحة المسك والعنبر. # فقال: ما أولك؟ # قلت: رجل من مضر. # قال: ونحن من مضر. # ثم قال: ماذا؟ # قلت: من بني تميم. قال: وما بعد تميم؟ # قلت: من بني سعد. # قال: وما أقدمك؟ # قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحة، ولا أوسع راحة. # قال: فما الذي قصدته به؟ # قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه، ويحلو في آذان السامعين. # قال: فأنشدنيه! فغضبت وقلت: يا ركيك، أخبرتك أني قصدت الخليفة بمديح ~~تقول: أنشدنيه؟ فتغافل عنها ms2311 وألغى عن جوابها. # فقال: فما الذي تأمل منه؟ # قلت: إن كان على ما ذكر لي، فألف دينار. (قال: أنا أعطيك ألف دينار) ، إن ~~رأيت الشعر جيدا، والكلام عذبا، وأضع عنك العناء، وطول الترداد حتى تصل إلى ~~الخليفة، وبينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل. # PageV05P581 # قلت: فلي عليك الله أن تفعل! قال: نعم، لك الله علي أن أفعل. فأنشدته: ~~مأمون يا ذا المنن الشريفه وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفه هل ~~لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفة لا والذي أنت له خليفه ما ظلمت ~~في أرضنا ضعيفه أميرنا مؤنته خفيفه وما اقتنى شيئا سوى الوظيفه فالذئب ~~والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه # قال: فوالله ما عدا أن بلغت هاهنا، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس، قد سدوا ~~الأفق يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # قال: فأخذتني رعدة، فنظر إلي بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي. قلت: ~~يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، من جعل الكاف مكان القاف من العرب؟ ~~قال: حمير. قلت: لعن الله حمير، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم. # وضحك المأمون، وقال لخادم معه: أعطه ما معك، فأخرج كيسا فيه ثلاثة آلاف ~~دينار، فأخذتها ومضيت. # ومعنى سؤاله عن وضع الكاف موضع القاف أنه أراد أن يقول: يا رقيق، فقال: ~~يا ركيك. # PageV05P582 # وقال عمارة بن عقيل: أنشدت المأمون قصيدة مائة بيت، فأبتدئ بصدر البيت، ~~فيبادرني إلى قافيته كما قفيته. # فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط. فقال: هكذا ينبغي أن ~~يكون، ثم قال لي: أما بلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن عباس ~~قصيدته التي يقول فيها: تشط غدا دار جيراننا، فقال ابن عباس: وللدار بعد غد ~~أبعد. . . . حتى أنشده القصيدة يقفيها ابن عباس، ثم قال: أنا ابن ذاك. # وذكر أن المأمون قال: # بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا # فناجيت من أهوى وكنت مباعدا ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى # أرى أثرا ms2312 منه بعينيك بينا ... لقد أخذت عيناك من عينه حسنا # قيل: وإنما أخذ المأمون هذا المعنى من العباس بن الأحنف، فإنه أخرج هذا ~~المعنى فقال: إن تشق عيني بها فقد سعدت عين رسولي وفزت بالخبر وكلما جاءني ~~الرسول لها رددت عمدا في عينه نظري خذ مقلتي يا رسول عارية فانظر بها ~~واحتكم على بصري # قيل: وشكا اليزيدي يوما إلى المأمون دينا لحقه، فقال: ما عندي في هذه ~~الأيام ما إن أعطيناك بلغت به ما تريد. فقال: يا أمير المؤمنين، إن غرمائي ~~قد أرهقوني. قال: انظر لنفسك أمرا تنال به نفعا. قال: إن لك ندماء، فيهم من ~~إن حركته نلت به نفعا. # PageV05P583 # قال: أفعل. قال: إذا حضروا عندك فمر فلانا الخادم يوصل رقعتي إليك، فإذا ~~قرأتها فأرسل إلي: دخولك (في هذا الوقت) متعذر، ولكن اختر لنفسك من أحببت. ~~قال: أفعل. فلما علم اليزيدي جلوس المأمون مع ندمائه، وتيقن أنهم قد أخذ ~~الشراب منهم، أتى الباب، فدخل، فدفع إلى الخادم رقعته، فإذا فيها: يا خير ~~إخواني وأصحابي! هذا الطفيلي على الباب خبر أن القوم في لذة يصبو إليها كل ~~أواب فصيروني واحدا منكم أو أخرجوا لي بعض أترابي # فقرأها المأمون عليهم، وقالوا: ما ينبغي أن يدخل علينا على مثل هذه ~~الحال. فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من ~~أحببت! فقال: ما أريد إلا عبد الله بن طاهر. فقال له المأمون: قد اختارك ~~فصر إليه! قال: يا أمير المؤمنين، وأكون شريك الطفيلي؟ فقال: ما يمكن رد ~~أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه! فقال: ~~علي عشرة آلاف. قال: لا يقنعه. فما زال يزيد عشرة عشرة والمأمون يقول: لا ~~يقنعه، حتى بلغ مائة ألف، فقال له المأمون: فعجلها. فكتب بها إلى وكيله، ~~ووجه معه رسولا، وأرسل إليه المأمون: قبض هذه الدراهم في هذه الساعة أصلح ~~من منادمته، وأنفع لك. # وقال عمارة بن عقيل: قال لي عبد الله بن أبي السمط: أعلمت أن المأمون لا ~~يبصر ms2313 الشعر؟ قلت: ومن يكون أعلم منه؟ فوالله إنا لننشده أول البيت فيسبقنا ~~إلى آخره. قال: إني أنشدته بيتا أجدت فيه، فلم يتحرك له. قلت: وما هو؟ قال: # أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل # قال: فقلت: والله ما صنعت شيئا، وهل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها، ~~فمن الذي يقوم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها، وهو المطوق بها؟ هلا قلت كما ~~قال (جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد: # فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله # فقال: الآن علمت أني قد أخطأت. # PageV05P584 # قال أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمار: كان المأمون شديد الميل إلى ~~العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ذلك طبعا لا تكلفا، ~~فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي، ~~فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما تعجبوا منه. # ثم إن ولدا لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهي ابنة عم ~~المنصور، توفي بعده، فأرسل له المأمون كفنا، وسير أخاه صالحا ليصلي عليه، ~~ويعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة، فأتاها، وعزاها عنه، ~~واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبها، وقالت لابن ابنها: تقدم فصل ~~على أبيك، وتمثلت: # سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد # ثم قالت لصالح: قل له، يابن مراجل: أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد ~~لوضعت ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته. # PageV05P585 # بسم الله الرحمن الرحيم # [بقية سنة 218 ه] # ذكر خلافة المعتصم # هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ~~ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه ~~المعتصم فأحضره، فبايعه، ثم خرج إلى الجند، فقال: ما هذا الحب البارد؟ قد ~~بايعت عمي، فسكتوا، وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من ~~طوانة، (مما نذكره في عدة حوادث) ، وحمل ما أطاق ms2314 من السلاح والآلة التي ~~بها، وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، وانصرف إلى ~~بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان. # ذكر خلاف فضل على زيادة الله # وفي هذه السنة وجه زيادة الله بن الأغلب، صاحب إفريقية، جيشا لمحاربة فضل ~~بن أبي العنبر بالجزيرة، وكان مخالفا لزيادة الله، فاستمد فضل بعبد السلام ~~بن المفرج الربعي، وكان أيضا مخالفا من عهد فتنة منصور، كما ذكرنا، فسار ~~إليه، فالتقوا مع عسكر زيادة الله، وجرى بين الطائفتين قتال شديد عند مدينة ~~اليهود بالجزيرة، فقتل عبد السلام، وحمل رأسه إلى زيادة الله. # وسار فضل بن أبي العنبر إلى مدينة تونس، فدخلها، وامتنع بها، فسير زيادة ~~الله إليه جيشا فحصروا فضلا بها، وضيقوا عليه حتى فتحوها منه، وقتل وقت ~~دخول العسكر كثير من أهلها، منهم: عباس بن الوليد الفقيه، وكان دخل في بيته ~~لم يقاتل، فدخل # PageV06P005 # عليه بعض الجند، فأخذ سيفه، وخرج وهو يصيح: الجهاد، فقتل، وبقي ملقى في ~~خربة سبعة أيام لم يقربه ذو ناب ولا مخلب، وكان قد سمع الحديث من ابن عيينة ~~وغيره، وكان من الصالحين، وهرب كثير من أهل تونس لما ملكت، ثم أمنهم زيادة ~~الله فعادوا إليها. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة عاد المأمون إلى سلغوس، ووجه ابنه العباس إلى طوانة وأمره ~~ببنائها، وكان قد وجه الفعلة، فابتدؤوا في بنائها ميلا في ميل، وجعل سورها ~~على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب وجعل على كل باب حصنا، وكتب إلى ~~البلدان ليفرضوا على كل بلد جماعة ينتقلون إلى طوانة، وأجرى لهم لكل فارس ~~مائة درهم، ولكل راجل أربعين درهما. # [الوفيات] # وفيها توفي بشر بن غياث المريسي، وكان يقول بخلق القرآن والإرجاء وغيرهما ~~من البدع. # وفيها دخل كثير من أهل الجبال، وهمذان، وأصبهان، وماسبذان، وغيرها، في ~~دين الخرمية، وتجمعوا، فعسكروا في عمل همذان، فوجه إليهم المعتصم العساكر، ~~وكان فيهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وعقد له على الجبال في شوال، فسار ~~إليهم، فأوقع بهم في أعمال ms2315 همذان، فقتل منهم ستين ألفا، وهرب الباقون إلى ~~بلد الروم، وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية. # PageV06P006 # وحج بالناس هذه السنة صالح بن العباس بن محمد. # PageV06P007 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين] ### | 219 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين # ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي # في هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، عليه السلام، بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وكان ابتداء أمره أنه كان ملازما مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، حسن ~~السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاورا، فلما رآه أعجبه ~~طريقه، فقال له: أنت أحق بالإمامة من كل أحد، وحسن له ذلك، وبايعه، وصار ~~الخراساني يأتيه بالنفر من حجاج خراسان يبايعونه، فعل ذلك مدة. # فلما رأى كثرة من بايعه من خراسان ساروا جميعا إلى الجوزجان، واختفى ~~هنالك، وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه، فعظم أصحابه، وحمله أبو محمد على ~~إظهار أمره، فأظهره بالطالقان فاجتمع إليه بها ناس كثير وكانت بينه وبين ~~قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها، فانهزم هو وأصحابه، ~~وخرج هاربا يريد بعض كور خراسان، وكان أهلها كاتبوه. # فلما صار بنسا، وبها والد بعض من معه، فلما بصر به سأله عن الخبر فأخبره، ~~فمضى الأب إلى عامل نسا، فأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة ~~آلاف درهم على دلالته، وجاء العامل إلى محمد، فأخذه واستوثق منه، وبعثه إلى ~~عبد الله بن طاهر، فسيره إلى المعتصم، فورد إليه منتصف ربيع الأول، فحبس ~~عند مسرور # PageV06P008 # الخادم الكبير، وأجرى عليه الطعام، ووكل به قوما يحفظونه، فلما كان ليلة ~~الفطر اشتغل الناس بالعيد، فهرب من الحبس؛ دلي إليه حبل من كوة كانت [في ~~أعلى البيت] يدخل [عليه] منها الضوء، فلما أصبحوا أتوه بالطعام، فلم يروه، ~~فجعلوا لمن دل عليه مائة ألف، فلم يعرف له خبر. # ذكر محاربة الزط # وفيها وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة ms2316 لحرب الزط الذين كانوا ~~غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا، وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها ~~من البصرة، وأخافوا السبيل، ورتب عجيف الخيل في كل سكة من سكك البريد، تركض ~~بالأخبار، فكان يأتي بالأخبار من عجيف في يوم، فسار حتى نزل تحت واسط، ~~وأقام على نهر يقال له: بردودا (حتى سده وأنهارا أخر كانوا يخرجون منها ~~ويدخلون) وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم، فأسر منهم في معركة واحدة خمسمائة ~~رجل، وقتل في المعركة ثلاثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى، وبعث الرؤوس إلى ~~باب المعتصم. # ثم أقام عجيف بإزاء الزط خمسة عشر يوما، فظفر منهم فيها بخلق كثير. # وكان رئيس الزط رجلا يقال له: (محمد) بن عثمان، وكان صاحب أمره إنسانا ~~يقال له سماق. # ثم استوطن عجيف، وأقام بإزائهم سبعة أشهر. # ذكر محاصرة طليطلة # في هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم الأموي، صاحب الأندلس، جيشا # PageV06P009 # مع (أمية بن الحكم) إلى مدينة طليطلة فحصرها، وكانوا قد خالفوا الحكم، ~~وخرجوا عن الطاعة، واشتد في حصرهم، وقطع أشجارهم، وأهلك زروعهم، فلم يذعنوا ~~إلى الطاعة، فرحل عنهم، وأنزل بقلعة رباح جيشا عليهم ميسرة، المعروف بفتى ~~أبي أيوب، فلما أبعدوا منه خرج جمع كثير من أهل طليطلة، لعلهم يجدون فرصة ~~وغفلة من ميسرة، فينالوا منه ومن أصحابه غرضا، وكان ميسرة قد بلغه الخبر، ~~فجعل الكمين في مواضع، فلما وصل أهل طليطلة إلى قلعة رباح للغارة، خرج ~~الكمين عليهم من جوانبهم، ووضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل، وعاد من سلم ~~منهم إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى، وحملت إلى ميسرة، فلما رأى كثرتها ~~عظمت عليه، وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غما شديدا، فمات بعد أيام يسيرة. # وفيها أيضا كان بطليطلة فتنة كبيرة، تعرف بملحمة العراس، قتل من أهلها ~~كثير. # ذكر عدة حوادث # [محنة الإمام أحمد بن حنبل] # وفيها أحضر المعتصم أحمد بن حنبل، وامتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول ~~بخلقه، فأمر به فجلد جلدا عظيما حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وحبس مقيدا. # وفيها قدم إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد في ms2317 جمادى الأولى، ومعه من أسرى ~~الخرمية خلق كثير، وقيل إنه قتل منهم نحو مائة ألف سوى النساء والصبيان. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو نعيم الفضل بن دكين الملائي، مولى طلحة بن عبد الله ~~التيمي، في شعبان، وهو من مشايخ البخاري ومسلم، كان مولده سنة ثلاثين ~~ومائة، وكان شيعيا، (وله طائفة تنسب إليه يقال لها الدكينية) . # PageV06P010 ### | [ثم دخلت سنة عشرين ومائتين] ### | 220 - # ثم دخلت سنة عشرين ومائتين # ذكر ظفر عجيف بالزط # وفي هذه السنة دخل عجيف بالزط بغداذ، بعد أن ضيق عليهم، وقاتلهم، وطلبوا ~~منه الأمان، فأمنهم، فخرجوا إليه في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين، وكانت ~~عدتهم مع النساء والصبيان سبعة وعشرين ألفا، والمقاتلة منهم اثنا عشر ألفا، ~~فلما خرجوا إليه جعلهم في السفن، وعبأهم في سفنهم على هيئتهم في الحرب معهم ~~البوقات، حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء من هذه السنة. # وخرج المعتصم إلى الشماسية في سفينة يقال لها الزو، حتى يمر به الزط على ~~تعبئتهم وهم ينفخون في البوقات، وأعطى عجيف أصحابه كل رجل دينارين دينارين، ~~وأقام الزط في سفنهم ثلاثة أيام، ثم نقلوا إلى الجانب الشرقي، وسلموا إلى ~~بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر، إلى عين زربة، ~~فأغارت الروم عليهم، فاجتاحوهم، فلم يفلت منهم أحد. # ذكر مسير الأفشين لحرب بابك الخرمي # وفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب ~~بابك فسار إليه. # وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين، فكانت مدينته البذ، وهزم من ~~جيوش السلطان عدة، وقتل من قواده جماعة، فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه ~~أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي خربها بابك ~~فيما بين زنجان # PageV06P011 # وأردبيل، ويجعل فيها الرجال تحفظ الطرق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل؛ ~~فتوجه أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون. # ووجه بابك سرية في بعض غزاته، فأغارت على بعض النواحي ورجعت منصرفة، وبلغ ~~ذلك أبا سعيد؛ فجمع الناس، وخرج في طلب السرية، فاعترضها في بعض الطرق، ~~فاقتتلوا ms2318 قتالا شديدا، فقتل أبو سعيد من أصحاب بابك جماعة، وأسر جماعة، ~~واستنقذ ما كانوا أخذوه، وسير الرؤوس والأسرى إلى المعتصم، فكانت هذه أول ~~هزيمة على أصحاب بابك. # ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمدا كان في قلعة له حصينة ~~تسمى الشاهي، كان ابن البعيث قد أخذها من ابن الرواد، وهي من كورة ~~أذربيجان، وله حصن آخر من أذربيجان يسمى تبريز، وكان مصالحا لبابك، تنزل ~~سراياه عنده، فيضيفهم حتى أنسوا به. # ثم إن بابك وجه قائدا اسمه عصمة من أصبهبذيته في سرية، فنزل بابن البعيث، ~~فأنزل له الضيافة على عادتها، واستدعاه له في خاصته ووجوه أصحابه، فصعد ~~فغذاهم، وسقاهم الخمر حتى سكروا، ثم وثب على عصمة، فاستوثق منه، وقتل من ~~كان معهمن أصحابه، وأمره أن يسمي رجلا رجلا من أصحابه؛ فكان يدعو الرجل ~~باسمه، فيصعد، فيضرب عنقه، حتى علموا بذلك فهربوا. وسير عصمة إلى المعتصم، ~~فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طرقه ووجوه القتال فيها، ثم ترك ~~عصمة محبوسا، فبقي إلى أيام الواثق. # ثم إن الأفشين سار إلى بلاد بابك، فنزل برزند، وعسكر بها، وضبط الطرق ~~والحصون فيما بينه وبين أردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فحفر ~~خندقا، وأنزل الهيثم الغنوي برستاق أرشق، فأصلح حصنه، وحفر خندقه، وأنزل # PageV06P012 # علويه الأعور، من قواد الأبناء، في حصن النهر مما يلي أردبيل، فكانت ~~السابلة والقوافل تخرج من أردبيل ومعها من يحميها، حتى تنزل بحصن النهر، ثم ~~يسيرها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، فيلقاه الهيثم بمن جاء إليه من ~~ناحية في موضع معروف لا يتعداه أحدهم إذا وصل إليه، فإذا لقيه أخذ ما (معه، ~~وسلم إليه ما معه، ثم يسير الهيثم بمن معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيلقونه ~~بمنتصف الطريق، ومعهم من خرج من العسكر، فيتسلمون ما مع الهيثم ويسلمون ~~إليه ما معهم، وإذا سبق أحدهم إلى المنتصف لا يتعداه، ويسير أبو سعيد بمن ~~معه إلى عسكر الأفشين (فيلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيتسلمهم منه، ويسلم ~~إليه من صحبه ms2319 من العسكر، فلم يزل الأمر على هذا. # وكانوا إذا ظفروا بأحد من الجواسيس حملوه إلى الأفشين، فكان يحسن إليهم، ~~ويهب لهم، ويسألهم عن الذي يعطيهم بابك، فيضعفه لهم، ويقول لهم: كونوا ~~جواسيس لنا، فكان ينتفع بهم. # ذكر وقعة الأفشين مع بابك # وفيها كانت وقعة الأفشين مع بابك، قتل من أصحاب بابك خلق كثير. # وكان سببها أن المعتصم وجه بغا الكبير إلى الأفشين، ومعه مال للجند، ~~والنفقات، فوصل أردبيل، فبلغ بابك الخبر، فتهيأ هو وأصحابه ليقطعوا عليه ~~قبل وصوله إلى الأفشين، فجاء جاسوس إلى الأفشين، فأخبره بذلك، فلما صح ~~الخبر عند الأفشين كتب إلى بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويحمل المال على ~~الإبل، ويسير نحوه، حتى يبلغ حصن النهر، فيحبس الذي معه، حتى يجوز من صحبه ~~من القافلة، فإذا جازوا رجع بالمال إلى أردبيل. # ففعل بغا ذلك، وسارت القافلة، وجاءت جواسيس بابك إليه، فأخبروه أن المال ~~قد سار فبلغ النهر، وركب الأفشين في اليوم الذي واعد فيه بغا، عند العصر، ~~من برزند فوافى خش مع غروب الشمس، فنزل خارج خندق أبي سعيد، فلما أصبح ركب ~~سرا، # PageV06P013 # ولم يضرب طبلا، ولم ينشر علما، وأمر الناس بالسكوت وجد في السير، ورحلت ~~القافلة التي كانت توجهت ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم، وتعبأ بابك ~~في أصحابه، وسار على طريق النهر، وهو يظن أن المال يصادفه، فخرجت خيل بابك ~~على القافلة، ومعها صاحب النهر، فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه، وقتلوا من كان ~~معه من الجند، وأخذوا جميع ما كان معهم، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا ~~علمه ولباس أصحابه، فلبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معه أيضا، ~~ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاؤوا كأنهم أصحاب النهر، فلم يعرفوا الموضع ~~الذي يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غيره. # وجاء الهيثم فوقف في موضعه، وأنكر ما رأى، فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب ~~إلى هذا البغيض، فقل له: لأي شيء وقوفك، فجاء إليهم، فأنكرهم، فرجع إليه ~~فأخبره، فأنفذ جماعة غيره، فأنكروهم أيضا، وأخبروه أن بابك ms2320 قد قتل علويه ~~صاحب النهر، وأصحابه، وأخذ أعلامهم ولباسهم، فرحل الهيثم راجعا، ونجى ~~القافلة التي كانت معه، وبقي هو وأصحابه في أعقابهم حامية لهم حتى وصلت ~~القافلة إلى الحصن، وهو أرشق، وسير رجلين من أصحابه إلى الأفشين وإلى أبي ~~سعيد يعرفهما الخبر، فخرجا يركضان، ودخل الهيثم الحصن، (ونزل بابك عليه، ~~ووضع له كرسيا بحيال الحصن) ، وأرسل إلى الهيثم أن خل الحصن وانصرف، فأبى ~~الهيثم ذلك، فحاربه بابك وهو يشرب الخمر على عادته والحرب مشتبكة. # وسار الفارسان، فلقيا الأفشين على أقل من فرسخ، فقال لصاحب مقدمته: أرى ~~فارسين يركضان ركضا شديدا، ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الأعلام، واركضوا ~~نحوهما، وصيحوا: لبيكما لبيكما! ففعلوا ذلك، وأجرى الناس خيلهم طلقا واحدا، ~~حتى لحقوا بابك وهو جالس، فلم يطق أن يركب، حتى وافته الخيل، فاشتبكت ~~الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير من خيالته، ودخل ~~موقان وقد تقطع # PageV06P014 # عنه أصحابه، ورجع عنه الأفشين إلى برزند. # وأقام بابك بموقان، وأرسل إلى البذ، فجاءه عسكر، فرحل بهم من موقان، حتى ~~دخل البذ، ولم يزل الأفشين معسكرا ببرزند، فلما كان في بعض الأيام مرت ~~قافلة، فخرج عليها أصبهبذ بابك، فأخذها وقتل من فيها، فقحط عسكر الأفشين ~~لذلك، فكتب الأفشين إلى صاحب مراغة بحمل الميرة وتعجيلها، فوجه إليه قافلة ~~عظيمة، فيها قريب من ألف ثور، سوى غيرها من الدواب، تحمل الميرة، ومعها جند ~~يسيرون بها، فخرج عليهم سرية لبابك، فأخذوها عن آخرها، وأصاب العسكر ضيق ~~شديد، فكتب الأفشين إلى صاحب شيروان يأمره أن يحمل إليه طعاما، فحمل إليه ~~طعاما كثيرا، وأغاث الناس. وقدم بغا على الأفشين بما معه. # ذكر بناء سامرا # وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرا لبنائها، وكان سبب ذلك أنه قال: إني ~~أتخوف هؤلاء الحربية أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني، فأريد أن أكون فوقهم، ~~فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البر والماء، حتى آتي عليهم، فخرج إليها، ~~فأعجبه مكانها. # وقيل كان سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان ms2321 الأتراك، فكانوا لا ~~يزالون يرون الواحد بعد الواحد قتيلا، وذلك أنهم كانوا جفاة، يركبون ~~الدواب، فيركضونها إلى الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي، فيأخذهم ~~الأبناء عن دوابهم، ويضربونهم، وربما هلك أحدهم فتأذى بهم الناس. # ثم إن المعتصم ركب يوم عيد، فقام إليه شيخ، فقال له: يا أبا إسحاق! فأراد ~~الجند ضربه، فمنعهم، وقال: يا شيخ (ما لك، ما لك؟) قال: لا جزاك الله عن ~~الجوار خيرا، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم ~~بيننا، فأيتمت صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت رجالنا، والمعتصم يسمع ~~ذلك، فدخل منزله، ولم ير راكبا إلى مثل ذلك اليوم، فخرج، فصلى بالناس ~~العيد، ولم يدخل بغداد، بل سار إلى ناحية القاطول، ولم يرجع إلى بغداد. # PageV06P015 # قال مسرور الكبير: سألني المعتصم أين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر ببغداذ ~~قلت: بالقاطول، وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم، وكان قد خاف من ~~الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرقة ~~فأقام بها، وبقيت مدينة القاطول لم تستم. # ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداذ ابنه الواثق. # وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر، واستخدمهم، وسماهم ~~المغاربة، وجمع خلقا من سمرقند، وأشروسنة، وفرغانة، وسماهم الفراغنة، ~~فكانوا من أصحابه، وبقوا بعده. # وكان ابتداء العمارة بسامرا سنة إحدى وعشرين ومائتين. # ذكر قبض الفضل بن مروان # وكان الفضل بن مروان من البردان، وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقاني ~~كاتب المعتصم، قبل خلافته، فكان يكتب بين يديه، فلما هلك الجرمقاني صار ~~موضعه، وسار مع المعتصم إلى الشام، ومصر، فأخذ من الأموال الكثير، فلما صار ~~المعتصم خليفة كان اسمها له، وكان معناها للفضل، واستولى على الدواوين ~~كلها، وكنز الأموال. # وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغني والنديم، فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على ~~المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، يعرف بالهفتي، فأمر له المعتصم بمال، ~~وتقدم إلى الفضل بإعطائه، فلم يعطه شيئا، فبينا الهفتي يوما عند المعتصم، ~~يمشي معه في بستان له، وكان الهفتي يصحبه قبل الخلافة، ويقول ms2322 له فيما ~~يداعبه: والله لا تفلح أبدا، وكان مربوعا بدينا، وكان المعتصم خفيف اللحم؛ ~~فكان يسبقه، ويلتفت إليه ويقول: ما لك لا تسرع المشي؟ فلما أكثر عليه من ~~ذلك، قال الهفتي مداعبا له: كنت # PageV06P016 # أراني أماشي خليفة، ولم [أكن] أراني أماشي فيجا، والله لا أفلحت أبدا! ~~فضحك المعتصم وقال: وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة؟ فقال: ~~أتظن أنك أفلحت؟ لا والله، ما لك من الخلافة إلا اسمها، ما يتجاوز أمرك ~~أذنيك، إنما الخليفة الفضل، فقال: وأي أمر لي لم ينفذ؟ فقال الهفتي: أمرت ~~لي بكذا وكذا منذ شهرين، فما أعطيت حبة، فحقدها على الفضل. # فقيل: أول ما أحدثه في أمره جعل زماما في نفقات الخاصة، وفي الخراج، ~~وجميع الأعمال، ثم نكبه وأهل بيته في صفر، وأمرهم بعمل حسابهم، وصير مكانه ~~محمد بن عبد الملك الزيات، فنفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل تعرف بالسن، ~~وصار محمد وزيرا كاتبا. # وكان الفضل شرس الأخلاق، ضيق العطن، كريه اللقاء، بخيلا، مستطيلا، فلما ~~نكب شمت به الناس، حتى قال بعضهم فيه: # ليبك على الفضل بن مروان نفسه ... فليس له باك من الناس يعرف # لقد صحب الدنيا منوعا لخيرها ... وفارقها وهو الظلوم المعنف # إلى النار فليذهب، ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف؟ # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة سير عبد الرحمن ملك الأندلس جيشا إلى طليطلة، فقاتلوها، ~~فلم يظفروا بها) . # وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد. # PageV06P017 # [الوفيات] # وفيها توفي سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس بن أيوب الهاشمي، ~~وعفان بن مسلم أبو عثمان الصفار البصري، وكان موته ببغداذ وله خمس وثمانون ~~سنة، وهو من مشايخ البخاري، وتوفي فتح الموصلي الزاهد، وكان من الأولياء ~~والأجواد، ومحمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ~~عليه السلام، توفي ببغداذ، وكان قدمها ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، ~~فدفن بها عند جده موسى بن جعفر، وهو أحد الأئمة عند الإمامية، وصلى ms2323 عليه ~~الواثق، وكان عمره خمسا وعشرين سنة، وكانت وفاته في ذي الحجة، وقيل في سبب ~~موته غير ذلك. # PageV06P018 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين] ### | 221 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين # ذكر محاربة بابك في هذه السنة # في هذه السنة واقع بابك بغا الكبير، فهزمه، وواقعه الأفشين، فهزم بابك. # وكان سبب ذلك أن بغا الكبير كان قد قدم بالمال الذي كان معه إلى الأفشين، ~~ففرقه في أصحابه، وتجهز بعد النيروز، ووجه إلى بغا في عسكر ليدور حول ~~هشتادسر، وينزل في خندق محمد بن حميد، ويحفره، ويحكمه، فسار بغا إلى ~~الخندق، ورحل الأفشين من برزند، ورحل أبو سعيد من خش يريدان بابك، فتوافوا ~~بمكان يقال له: دروذ، فحفر الأفشين خندقا، وبنى عليه سورا، وكان بينه وبين ~~البذ ستة أميال. # ثم إن بغا تجهز (بغير أمر الأفشين) ، وحمل معه الزاد، ودار حول هشتادسر، ~~حتى دخل قرية البذ، فنزلها فأقام بها، ثم وجه ألف رجل في علافة له، فخرج ~~عليهم بعض عساكر بابك، فأخذ العلافة، وقتل كل من كان قاتله، وأسر من قدر ~~عليه، وأخذ بعضهم، فأرسل منهم رجلين إلى الأفشين يعلمانه ما نزل بهم. # ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد تشبيها بالمنهزم، وكتب إلى الأفشين يعلمه ~~ذلك، ويسأله المدد، فوجه إليه الأفشين أخاه الفضل، وأحمد بن الخليل بن ~~هشام، وابن جوشن، وجناحا الأعور، صاحب شرطة الحسن بن سهل، وأحد الأخوين ~~قرابة الفضل بن سهل، فأتوا بغا، وكتب الأفشين إلى بغا يعلمه أن يغزو بابك ~~في يوم عينه له، ويأمره أن يغزو في ذلك اليوم بعينه، فيحاربه من الوجهين، ~~فخرج الأفشين ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، وخرج بغا من خندقه، فخرج إلى ~~هشتادسر، فلم يكن للناس صبر # PageV06P019 # لشدة البرد والريح، فانصرف إلى عسكره، فعسكر على دعوة، وهاجت ريح باردة ~~ومطر شديد، فرجع بغا إلى عسكره، وواقعهم الأفشين من الغد، بعد رجوع بغا، ~~فهزم أصحاب بابك، وأخذ عسكره وخيمته وامرأة كانت معه، ونزل الأفشين في ~~معسكر (بابك. ثم تجهز بغا من الغد، ms2324 وصعد إلى هشتادسر، فأصاب العسكر) [الذي] ~~كان بإزائه قد انصرف إلى بابك، فأصاب من أثاثهم ورحلهم شيئا، وانحدر من ~~هشتادسر يريد البذ، وعلى مقدمته داود سياه، فأرسل إليه بغا: إن المساء قد ~~أدركنا، وقد تعب الرجالة، وتوسطنا المكان الذي قد نعرفه، فانظر جبلا حصينا ~~حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه، فصعد بهم إلى جبل أشرفوا منه على عسكر الأفشين، ~~فقالوا: نبيت ها هنا إلى غدوة، وننحدر إلى الكافر إن شاء الله تعالى. # فجاءهم تلك الليلة سحاب وبرد، وثلج كثير، فأصبحوا ولا يقدر أحد منهم [أن] ~~ينزل فيأخذ ماء، ولا يسقي دابته من شدة البرد، واشتد عليه الثلج والضباب، ~~فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغا: قد فني ما معنا من الزاد، (وقد أضر ~~بنا البرد) ، فانزل على أي حالة كانت، إما راجعين، وإما إلى الكافر. # وكان بابك في أيام الضباب والثلج قد بيت الأفشين وبعض عسكره، وانصرف ~~الأفشين إلى عسكره، فضرب بغا الطبل وانحدر يريد البذ، ولا يعلم بما تم ~~للأفشين بل يظنه في موضع عسكره، فلما نزل إلى بطن الوادي رأى السماء ~~منجلية، (والدنيا طيبة، غير رأس الجبل الذي كان عليه، فعبأ أصحابه) ، وتقدم ~~إلى البذ، حتى صار بحيث يلزق جبل البذ، ولم يبق بينه وبين أن يشرف على ~~أبيات البذ إلا صعود نصف ميل. # وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث، له قرابة بالبذ، فلقيهم ~~طلائع بابك، فعرف بعضهم الغلام، فسأله (عم له) عمن معه من أهله، فأخبره، ~~فقال له: ارجع وقل لمن تعنى به ينتحي، فإنا قد هزمنا الأفشين، ومضى إلى ~~خندقه، وتهيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك تفلت. # PageV06P020 # فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث، فأخبر بغا بذلك، فشاور أصحابه، فقال ~~بعضهم: هذا باطل، هذه خدعة. وقال بعضهم: هذا رأس جبل ينظر إلى عسكر ~~الأفشين، فصعد بغا، ومعه نفر، إلى رأس الجبل، فلم يروا عسكر الأفشين، فتيقن ~~أنه مضى، وتشاوروا، فرأوا أن ينصرف الناس قبل أن يجيئهم الليل، فانصرفوا، ~~وجدوا في السير، ولم يقصد الطريق الذي دخل منه ms2325 لكثرة مضايقه، بل أخذ طريقا ~~يدور حول هشتادسر ليس فيه غير مضيق واحد، فطرح الرجالة سلاحهم في الطريق، ~~وخافوا، وصار بغا وجماعة القواد في الساقة، وطلائع بابك تتبعهم، وهم قدر ~~عشرة فرسان، فشاور بغا أصحابه، وقال: لا آمن أن يكون هؤلاء مشغلة لنا عن ~~المسير، وتقدم أصحابهم ليأخذوا المضيق علينا، فقال له الفضل: إن هؤلاء ~~أصحاب الليل، فأسرع السير، ولا تنزل حتى تجاوز المضيق. وقال غيره: إن ~~العسكر قد تقطع وقد رموا سلاحهم، وقد بقي المال والسلاح على البغال ليس معه ~~أحد، ولا نأمن أن يؤخذ، ويؤخذ الأسير الذي معهم. # وكان ابن جويدان معهم أسيرا يريدون أن يفادوا به، فعسكر على رأس جبل ~~حصين، ونزل الناس وقد كلوا وتعبوا، وفنيت أزوادهم، فباتوا يتحارسون من ~~ناحية المصعد، فأتاهم بابك من الناحية الأخرى، فكبسوا بغا والعسكر، وخرج ~~بغا راجلا، فرأى دابة فركبها، وجرح الفضل بن كاوس، وقتل جناح السكري وابن ~~جوشن، وأخذ [أحد] الأخوين قرابة الفضل بن سهل، ونجا بغا والناس ولم تتبعهم ~~الخرمية، وأخذوا المال والسلاح والأسير، فوصل الناس معسكرهم منقطعين إلى ~~خندقهم، فأقام بغا به خمسة عشر يوما، وكتب إليه الأفشين يأمره بالرجوع إلى ~~مراغة، وأن يرسل إليه المدد، فمضى بغا إلى مراغة، وفرق الأفشين الناس في ~~مشاتيهم تلك السنة، حتى جاء الربيع. # وفيها قتل طرخان، وهو من أكبر قواد بابك، وكان سبب قتله أنه طلب من بابك ~~إذنا حتى يشتي في قريته، وهي بناحية مراغة، وكان الأفشين يرصده، فلما علم ~~خبره أرسل إلى ترك مولى إسحاق بن إبراهيم، وهو بمراغة، يأمره أن يسري إليه ~~في قريته حتى يقتله، أو يأخذه أسيرا، ففعل ترك ذلك وأسرى إليه وقتله، وأخذ ~~رأسه فبعثه إلى الأفشين. # PageV06P021 # ذكر عدة حوادث وفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلاده في القيود، فنزعت ~~قيودهم، وحمل على الدواب (نحو مائتين) . # وفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاري، وبعث به مقيدا. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد (بن علي بن ~~عبد الله) ms2326 ، وهو والي مكة. # (الحضاري: بكسر الحاء المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف راء وياء) . # [الوفيات] # (وفيها توفي القاضي أحمد بن محرز، قاضي القيروان، وكان من العلماء ~~العاملين الزاهدين في الدنيا) . # وفيها توفي آدم بن أبي إلياس العسقلاني، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه، ~~وعيسى (بن أبان) بن صدقة أبو موسى، قاضي البصرة، وهو من أصحاب أبي الحسن ~~الشيباني، وصاحب أبي حنيفة، وعبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي صاحب مالك، # PageV06P022 # وعبد الكبير بن المعافى بن عمران الموصلي، (وكان فاضلا) ، والعباس بن ~~سليم بن جميل الأزدي الموصلي. # PageV06P023 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين] ### | 222 - # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين # ذكر محاربة بابك أيضا # في هذه السنة وجه المعتصم إلى الأفشين جعفرا الخياط مددا له، ووجه إليه ~~إيتاخ ومعه ثلاثون ألف ألف درهم للجند وللنفقات، فأوصل ذلك إلى الأفشين ~~وعاد. # وفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبابك اسمه آذين، وكان سببها أن ~~الشتاء لما انقضى سنة إحدى وعشرين ومائتين، وجاء الربيع، ودخلت سنة اثنتين ~~وعشرين، رحل الأفشين عند إمكان الزمان، فصار إلى موضع يقال له كلان روذ، ~~وتفسيره نهر كبير، فاحتفر عنده خندقا، وكتب إلى أبي سعيد ليرحل من برزند ~~إلى طرف رستاق كلان روذ، وبينهما قدر ثلاثة أميال، فأقام الأفشين بكلان روذ ~~خمسة أيام، فأتاه من أخبره أن قائدا لبابك اسمه آذين قد عسكر بإزائه، وأنه ~~قد صير عياله في خيل، (فقال له) بابك: ليجعلهم في الحصن، فقال: لا أتحصن من ~~اليهود، يعني المسلمين، والله لا أدخلنهم حصنا أبدا. # فوجه الأفشين ظفر بن العلاء السعدي في جماعة الفرسان والرجالة، فساروا ~~ليلتهم فوصلوا إلى مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد، وأكثر الناس قادوا ~~دوابهم، وتسلقوا في الجبل، وأخذوا عيال آذين وبعض ولده. # وبلغ الخبر آذين، وكان الأفشين قد خاف أن يؤخذ عليهم الطريق، فأمرهم أن ~~يجعلوا على رأس كل جبل رجالا معهم الأعلام السود، فإن رأوا شيئا يخافونه ~~حركوا الأعلام، ففعلوا ذلك، فلما أخذوا عيال آذين ورجعوا إلى بعض الطريق ms2327 ~~قبل المضيق، أتاهم آذين في أصحابه، فحاربوهم فقتل منهم قتلى، واستنقذوا بعض ~~النساء، فنظر الرجال المرتبون برؤوس الجبال، فحركوا الأعلام، وكان آذين قد ~~أنفذ من يمسك # PageV06P024 # عليهم المضيق، فلما رأى الأفشين تحريك العلم الذي بإزائه سير جماعة من ~~الجند مع مظفر بن كيذر، فأسرع نحوهم، ووجه أبا سعيد بعدهم وبخاراخذاه، فلما ~~نظر إليهم رجالة آذين الذين على المضيق تركوه، وقصدوا أصحابهم، فنجا ظفر بن ~~العلاء ومن معه، ومعهم بعض عيال آذين. # ذكر فتح البذ وأسر بابك # وفي هذه السنة فتحت البذ، مدينة بابك، ودخلها المسلمون وخربوها، ~~واستباحوها، (وذلك لعشر بقين من شهر رمضان) . # وكان سبب ذلك أن الأفشين لما عزم على الدنو من البذ، والرحيل من كلان ~~روذ، جعل يتقدم قليلا قليلا خلاف ما تقدم، وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل ~~الناس نوائب، يقفون على ظهور الخيل نوبا في الليل، مخافة البيات، فضج الناس ~~من التعب، وقالوا: بيننا وبين العدو أربعة فراسخ، ونحن نفعل أفعالا كأن ~~العدو بإزائنا، قد استحيينا من الناس، أقدم بنا، فإما لنا وإما علينا. # فقال: أعلم أن قولكم حق، ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا، فلم يلبث أن ~~جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يفعل كما كان يفعل، فلم يزل كذلك أياما، ثم ~~انحدر حتى نزل روذ الروذ، وتقدم حتى شارف الموضع الذي كانت به الوقعة في ~~العام الماضي، فوجد عليه كردوسا من الخرمية، فلم يحاربهم، ولم يزل إلى ~~الظهر، ثم رجع إلى معسكره فمكث يومين، ثم عاد في أكثر من الذين كانوا معهم، ~~ولم يقاتلهم، وأقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر الكوهبانية، وهم أصحاب ~~الأخبار، أن ينظروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة. # فاختاروا له ثلاثة أجبل كان عليها حصون فخربت، فأخذ معه الفعلة، وسار نحو ~~هذه الجبال، وأخذ معه الكعك والسويق، وأمر الفعلة بنقل الحجارة، وسد الطريق ~~إلى # PageV06P025 # تلك الجبال، حتى صارت كالحصون، وأمر بحفر [خندق] على كل طريق وراء تلك ~~الحجارة، ولم يترك مسلكا إلى الجبال منها إلا مسلكا واحدا، ففرغ من الذي ~~أراد ms2328 من حفر الخنادق في عشرة أيام، وهو والناس يحرسون الفعلة والرجالة ليلا ~~ونهارا. # فلما فرغ منها أدخل الرجالة إليها، وأنفذ إليه بابك رسولا ومعه قثاء، ~~وبطيخ، وخيار، ويعلمه أنه قد تعب وشقي من أكل الكعك، وأننا في عيش رغد، ~~فقبل ذلك منه، وقال: قد عرفت ما أراد أخي، وأصعد الرسول، فأراه ما عمل، ~~وأطاف به خنادقه كلها، وقال: اذهب فعرفه ما رأيت. # وكان جماعة من الخرمية يأتون إلى قرب خندق الأفشين، فيصيحون، فلم يترك ~~الأفشين أحدا يخرج إليهم، فعلوا ذلك ثلاثة أيام، ثم إن الأفشين كمن لهم ~~كمينا، فلما جاؤوا ثاروا عليهم، فهربوا ولم يعودوا. # وعبأ الأفشين أصحابه، وأمر كلا منهم بلزوم موضعه، وكان يركب، والناس في ~~مواقفهم، فكان يصلي الصبح بغلس، ثم يضرب الطبول (ويسير زحفا، وكانت علامته ~~في المسير والوقوف ضرب الطبول) : لكثرة الناس، ومسيرهم في الجبال والأودية ~~على مصافهم، فإذا سار ضربها، وإذا وقف أمسك عن ضربها، فيقف الناس جميعا، ~~ويسيرون جميعا. # وكان يسير قليلا قليلا كلما جاءه كوهباني بخبر سار، أو وقف، وكان إذا ~~أراد أن يتقدم إلى المكان الذي كانت به الوقعة عام أول، خلف بخاراخذاه على ~~رأس العقبة في ألف فارس، وستمائة راجل، يحفظون الطريق لئلا يأخذه الخرمية ~~عليهم. # وكان بابك إذا أحس بمجيئهم وجه جمعا من أصحابه، فيكمنون في واد (تحت تلك ~~العقبة) ، تحت بخاراخذاه، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان كمين بابك، فلم يعلم ~~بهم، وكان يأمر أبا سعيد (أن يعبر الوادي في كردوس، ويأمر جعفرا الخياط أن ~~يعبر في كردوس) ، ويأمر أحمد بن الخليل بن هشام أن يعبر في كردوس آخر، ~~فيصير في ذلك الجانب ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم، وكان بابك يخرج عسكره ~~فيقف بإزاء هذه الكراديس، لئلا يتقدم منهم أحد إلى باب البذ، وكان يفرق ~~عساكره كمينا، ولم يبق إلا في نفر يسير. # PageV06P026 # وكان الأفشين يجلس على تل مشرف ينظر إلى قصر بابك، والناس كراديس، فمن ~~كان معه من هذا الجانب من الوادي نزل عن دابته، ومن كان من ذلك ms2329 الجانب مع ~~أبي سعيد وجعفر وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو، وكان بابك وأصحابه ~~يشربون الخمر، ويضربون بالسرنائي، فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه ~~بروذ الروذ، فكان يرجع أولا أقربهم إلى العدو، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ~~فكان آخر من يرجع بخاراخذاه لأنه كان أبعدهم عن العدو، فإذا رجعوا صاح بهم ~~الخرمية. # فلما كان في بعض الأيام ضجرت الخرمية من المطاولة، وانصرف الأفشين ~~كعادته، وعادت الكراديس التي بذلك الجانب من الوادي، ولم يبق إلا جعفر ~~الخياط، ففتح الخرمية باب البذ، وخرج منهم جماعة على أصحاب جعفر، وارتفعت ~~الصيحة في العسكر، فتقدم جعفر بنفسه، فرد أولئك الخرمية إلى باب البذ، ~~ووقعت الصيحة في العسكر، فرجع الأفشين فرأى جعفرا وأصحابه يقاتلون، وخرج من ~~الفريقين جماعة، وجلس الأفشين في مكانه، وهو يتلظى على جعفر، ويقول: أفسد ~~علي تعبيتي. # وارتفعت الصيحة، فكان مع أبي دلف قوم من المتطوعة، فعبروا إلى جعفر بغير ~~أمر الأفشين، وتعلقوا بالبذ، وأثروا فيه أثرا، وكادوا يصعدونه، فيدخلون ~~البذ، ووجه جعفر إلى الأفشين أن أمدني بخمس مائة راجل من الناشبة، فإني ~~أرجو أن أدخل البذ إن شاء الله تعالى، فبعث إليه الأفشين: إنك أفسدت علي ~~أمري، فتخلص قليلا قليلا، وخلص أصحابك وانصرف، وارتفعت الصيحة من المتطوعة، ~~حتى تعلقوا بالبذ، وظن الكمناء الذين لبابك أن الحرب قد اشتبكت، فوثب بعضهم ~~من تحت بخاراخذاه ووثب بعضهم من ناحية أخرى، فتحركت الكمناء من الخرمية، ~~والناس على رؤوسهم، فلم يزل منهم أحد، فقال الأفشين: الحمد لله الذي بين ~~مواضع هؤلاء. # ورجع جعفر وأصحابه والمتطوعة، فجاء جعفر إلى الأفشين، فأنكر عليه حيث لم ~~يمده، وجرى بينهما نفرة شديدة، وجاء رجل من المتطوعة، ومعه صخرة، فقال ~~للأفشين: أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور؟ فقال: إذا انصرفت عرفت من على # PageV06P027 # طريقك، يعني الكمين الذي عند بخاراخذاه. وقال لجعفر: لو ثار هذا الكمين ~~الذي تحتك كيف كنت ترى هؤلاء المتطوعة؟ ! # ثم رجع هو وأصحابه على عادتهم، فلما رأى هؤلاء الكمين الذي عند بخاراخذاه ~~علموا ms2330 ما كان وراءهم، فإن بخاراخذاه لو تحرك نحو القتال، لملكوا ذلك ~~الموضع، وهلك المسلمون عن آخرهم، فأقام الأفشين بخندقه أياما، فشكا ~~المتطوعة إليه ضيق العلوفة، والزاد، والنفقة، فقال: من صبر فليصبر، ومن لم ~~[يصبر] فالطريق واسع فلينصرف، وفي جند أمير المؤمنين كفاية، فانصرف ~~المتطوعة يقولون: لو ترك الأفشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذ، لكنه يشتهي ~~المطاولة، فبلغه ذلك وما تتناوله المتطوعة بألسنتهم حتى قال بعضهم: إني ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، قال لي: قل للأفشين (إن أنت ~~حاربت هذا وجددت في أمره، وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة، فتحدث الناس ~~بذلك، فبلغ الأفشين) ، فأحضره، وسأله عن المنام، فقصه عليه، فقال: الله ~~يعلم نيتي وما أريد بهذا الخلق، وإن الله لو أمر الجبال برجم أحد لرجم هذا ~~الكافر فكفانا مؤونته. فقال رجل من المتطوعة: أيها الأمير لا تحرمنا شهادة ~~إن كانت حضرت، وإنما قصدنا ثواب الله ووجهه، فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن ~~يكون بإذنك لعل الله أن يفتح علينا. # فقال الأفشين: إني أرى نياتكم حاضرة، وأحسب هذا الأمر يريده الله تعالى، ~~وهو خير إن شاء الله، وقد نشطتم ونشط الناس، وما كان هذا رأيي وقد حدث ~~الساعة لما سمعت من كلامكم، اعزموا على بركة الله أي يوم أردتم حتى نناهضه، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فخرجوا مستبشرين، فتأخر من أراد الانصراف، ووعد الأفشين الناس ليوم ذكره ~~لهم، وأمر الناس بالتجهز وحمل المال والزاد والماء، وجعل المحامل على ~~البغال تحمل الجرحى، وزحف بالناس ذلك اليوم وجعل بخاراخذاه بمكانه على ~~العقبة، وجلس الأفشين بالمكان الذي كان يجلس فيه، وقال لأبي دلف: قل ~~للمتطوعة أي ناحية أسهل عليكم فاقتصروا عليها. # فقال لجعفر: العسكر كله بين يديك والنشابة والنفاطون، فإن أردت فخذ منهم ~~ما تريد واعزم على بركة الله، وتقدم من أي موضع تريد. # PageV06P028 # فسار إلى الموضع الذي كان به ذلك اليوم، وقال لأبي سعيد: قف عندي أنت ~~وأصحابك، وقال لجعفر: قف أنت هاهنا، لمكان عينه له، فإن ms2331 أراد جعفر رجالا أو ~~فرسانا أمددناه. # وتقدم جعفر والمتطوعة، فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ، وضرب جعفر باب البذ ~~ووقف عنده يقاتل عليه، ووجه الأفشين إليه وإلى المتطوعة بالأموال لتفرق ~~فيهم ويعطى من تقدم، وأمدهم بالفعلة معهم الفؤوس، وبعث إليهم بالمياه لئلا ~~يعطشوا وبالكعك والسويق، فاشتبكت الحرب على الباب طويلا، ففتحت الخرمية ~~الباب، وخرجوا على أصحاب جعفر، فنحوهم عن الباب، وشدوا على المتطوعة من ~~الناحية الأخرى، فطرحوهم عن السور، ورموهم بالصخر، وأثروا فيهم، وضعفوا عن ~~الحرب، وأخذ جعفر من أصحابه نحو مائة رجل، فوقفوا خلف ترسهم متحاجزين لا ~~يقدم أحد على الآخر، فلم يزالوا كذلك حتى صليت الظهر فتحاجزوا. # وبعث الأفشين الرجالة الذين كانوا عنده نحو المتطوعة، وبعث إلى جعفر ~~بعضهم، خوفا أن يطمع العدو، فقال جعفر: لست أوتى من قلة، ولكني لا أرى ~~للحرب موضعا يتقدمون فيه، فأمره بالانصراف فانصرف. # وحمل الأفشين الجرحى ومن به وهن من الحجارة، فحملوا في المحامل على ~~البغال وانصرفوا عنهم، وأيس الناس من الفتح تلك السنة، وانصرف أكثر ~~المطوعة. # ثم إن الأفشين تجهز بعد جمعتين، فلما كان جوف الليل بعث الرجالة الناشبة، ~~وهم ألف رجل، وأعطى كل واحد منهم شكوة وكعكا، وأعطاهم أعلاما غير مركبة ~~وبعث معهم أدلاء، فساروا في جبال منكرة صعبة في غير طريق، حتى صاروا خلف ~~التل الذي يقف آذين عليه، وهو جبل شاهق، وأمرهم أن لا يعلم بهم أحد، حتى ~~إذا رأوا أعلام الأفشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة ركبوا تلك الأعلام في ~~الرماح وضربوا الطبول وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على ~~الخرمية، وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره. ففعلوا ذلك ~~فوصلوا إلى رأس الجبل عند السحر، فلما كان في بعض الليل وجه الأفشين إلى ~~الجند، وأمرهم بالتجهز للحرب. # فلما كان بعض الليل وجه بشيرا التركي وقوادا من الفراغنة كانوا معه، ~~فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل الذي عليه آذين، وكان يعلم أن بابك ~~يكمن تحت # PageV06P029 # ذلك الجبل، فساروا ليلا، ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر، ms2332 ثم ركب هو ~~والعسكر مع السحر، فصلى الغداة، وضرب الطبل، وركب فأتى الموضع الذي كان يقف ~~فيه، فقعد على عادته، وأمر بخاراخذاه أن يقف مع جعفر الخياط وأبي سعيد ~~وأحمد بن الخليل بن هشام، ونزل الموضع الذي كان يقف فيه، فأنكر الناس ذلك، ~~وأمرهم أن يقربوا من التل الذي عليه آذين فيحدقوا به، وكان قبل ينهاهم عنه. # ومضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة، (فكان جعفر مما يلي الباب، وإلى ~~جانبه أبو سعيد، وإلى جانب أبي سعيد بخاراخذاه، وكان أحمد مما يلي ~~بخاراخذاه، فصاروا جميعا حول التل وارتفعت الضجة) من أسفل الوادي، فوثب ~~كمين بابك ببشير التركي والفراغنة، فحاربوهم وسمع أهل العسكر صيحتهم، ~~فأرادوا الحركة، فأمر الأفشين مناديا ينادي فيهم أن بشيرا قد أثار كمينا، ~~فلا يتحركن أحد، فسكنوا، ولما سمع الرجال الذين كان سيرهم حتى صاروا في ~~أعلى الجبل ضجة العسكر ركبوا الأعلام على الرماح، فنظر الناس إلى الأعلام ~~تنحدر من الجبل على خيل آذين، فوجه آذين إليهم بعض أصحابه. # (وحمل جعفر وأصحابه) على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليه، فحملوا عليه حملة ~~منكرة، فانحدر إلى الوادي، وحمل عليه جماعة من أصحاب أبي سعيد، فإذا تحت ~~دوابهم آبار محفورة، فتساقطت الفرسان فيها، فوجه الأفشين الفعلة يطمون تلك ~~الآبار، ففعلوا، وحمل الناس عليهم حملة شديدة. # وكان آذين قد جعل فوق الجبل عجلا عليها صخر، فلما حمل الناس عليه دفع تلك ~~العجل عليهم، فأفرج الناس منها حتى تدحرجت، ثم حمل الناس من كل وجه، فلما ~~نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم خرج من طرف البذ، مما يلي الأفشين، فأقبل ~~نحوه، فقيل للأفشين: إن هذا بابك يريدك، فتقدم إليه، حتى سمع كلامه، وكلام ~~أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال: أريد الأمان من أمير المؤمنين، ~~فقال له الأفشين: قد عرضت هذا عليك، وهو لك مبذول متى شئت، فقال: قد شئت ~~الآن على أن تؤخرني حتى أحمل عيالي وأتجهز، فقال له الأفشين: أنا أنصحك، ~~خروجك اليوم خير من غد، قال: قد قبلت هذا، قال ms2333 الأفشين: فابعث بالرهائن! ~~فقال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلك التل، فمر أصحابك بالتوقف. # PageV06P030 # فجاء رسول الأفشين ليرد الناس، فقيل له: إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ، ~~وصعدوا بها القصور، فركب وصاح بالناس، فدخل، ودخلوا، وصعد الناس بالأعلام ~~فوق قصور بابك، وكان قد كمن في قصوره، وهي أربعة وستمائة رجل، فخرجوا على ~~الناس، فقاتلوهم، ومر بابك، حتى دخل الوادي الذي يلي هشتادسر، واشتغل ~~الأفشين ومن معه بالحرب على أبواب القصور، فأحضر النفاطين فأحرقوها، وهدم ~~الناس القصور، فقتلوا الخرمية عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك وعياله، ~~وبقي هناك حتى أدركه المساء، فأمر الناس بالانصراف، فرجعوا إلى الخندق بروذ ~~الروذ. # وأما بابك فإنه سار فيمن معه، وكانوا قد عادوا إلى البذ، بعد رجوع ~~الأفشين، فأخذوا ما أمكنهم من الطعام والأموال، ولما كان الغد رجع الأفشين ~~إلى البذ، وأمر بهدم القصور وإحراقها، ففعلوا، فلم يدع منها بيتا، وكتب إلى ~~ملوك أرمينية وبطارقتهم، يعلمهم أن بابك قد هرب وعدة معه، وهو مار بكم، ~~وأمرهم بحفظ نواحيهم، ولا يمر بهم أحد إلا أخذوه، حتى يعرفوه. # وجاءت جواسيس الأفشين إليه فأعلموه بموضع بابك، وكان في واد كثير الشجر ~~والعشب، طرفه بأذربيجان، وطرفه الآخر بأرمينية، ولم يمكن للخيل نزوله، ولا ~~يرى من يستخفي فيه لكثرة شجره ومياهه، ويسمى هذا الوادي غيضة، فوجه الأفشين ~~إلى كل موضع فيه طريق إلى الوادي جماعة من أصحابه يحفظونه، وكانوا خمس عشرة ~~جماعة. # وورد كتاب المعتصم، فيه أمان بابك، فدعا الأفشين من كان استأمن إليه من ~~أصحابه، فأعلمهم ذلك، وأمرهم بالمسير إليه بالكتاب، وفيهم ابنه، فلم يجسر ~~[على ذلك] أحد منهم خوفا منه، فقال: إنه يفرح بهذا الأمان، فقالوا: نحن ~~أعرف به منك، فقام رجلان فقالا: اضمن لنا أنك تجري على عيالنا، فضمن لهما، ~~فسارا بالكتاب، فلما رأياه أعلماه ما قدما له، فقتل أحدهما وأمر الآخر أن ~~يعود بالكتاب إلى الأفشين. # وكان ابنه قد كتب إليه معهما كتابا، فقال لذلك الرجل: قل لابن الفاعلة: ~~لو كنت ابني للحقت بي، ولكنك لست ms2334 ابني، ولأن تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير ~~من أن تعيش أربعين سنة عبدا ذليلا! وقعد في موضعه فلم يزل في تلك الغيضة ~~حتى فني زاده، وخرج من بعض تلك الطرق، وكان من عليه من الجند، قد تنحوا ~~قريبا منه، وتركوا # PageV06P031 # عليه أربعة نفر يحرسونه. # فبينما هم ذات يوم، نصف النهار، إذ خرج بابك وأصحابه، فلم ير العسكر، ولا ~~أولئك الذين يحرسون المكان، فظن أن ليس هناك أحد، فخرج هو وعبد الله أخوه، ~~ومعاوية، وأمه، وامرأة أخرى، وساروا يريدون أرمينية، فرآهم الحراس، فأرسلوا ~~إلى أصحابهم: إننا قد رأينا فرسانا لا ندري من هم، وكان أبو الساج هو ~~المقدم عليهم، فركب الناس وساروا نحوهم، فرأوا بابك وأصحابه قد نزلوا على ~~ماء يتغدون، فلما رأى العساكر ركب هو ومن معه، فنجا هو، وأخذ معاوية، وأم ~~بابك، والمرأة الأخرى، فأرسلهم أبو الساج إلى الأفشين. # وسار بابك في جبال أرمينية مستخفيا، فاحتاج إلى طعام، وكان بطارقة ~~أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم، وأوصوا أن لا يجتاز بهم أحد إلا أخذوه حتى ~~يعرفوه، وأصاب بابك الجوع، فرأى حراثا في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل ~~إلى هذا الحراث، وخذ معك دنانير ودراهم، فإن كان معه خبز فاشتر منه. # وكان للحراث شريك قد ذهب لحاجة، فنزل الغلام إلى الحراث ليأخذ منه ~~الطعام، فرآه رفيق الحراث، فظن أنه يأخذ ما معه غصبا، فعدا إلى المسلحة، ~~وأعلمهم أن رجلا عليه سيف وسلاح قد أخذ خبز شريكه، فركب صاحب المسلحة، وكان ~~في جبال ابن سنباط، فوجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب في جماعة فوافى ~~الحراث والغلام عنده، فسأل عنه فأخبره الحراث خبره، فأخبر الغلام عن مولاه، ~~ودله عليه، فلما رأى وجه بابك عرفه (فترجل له) ، وأخذ يده فقبلها، وقال: ~~أين تريد؟ قال: بلاد الروم، قال: لا تجد أحدا أعرف بحقك مني، وليس بيني ~~وبين السلطان عمل، وكل من هاهنا من البطارقة إنما هم أهل بيتك، قد صار لك ~~منهم أولاد؛ وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعضهم من النساء ms2335 امرأة جميلة ~~طلبها، فإن بعث بها إليه، وإلا أسرى إليه، فأخذها، ونهب ماله وعاد، فخدعه ~~ابن سنباط، حتى صار إلى حصنه. وأرسل بابك أخاه عبد الله إلى حصن اصطفانوس، ~~فأرسل ابن سنباط إلى # PageV06P032 # الأفشين يعلمه بذلك، فكتب إليه الأفشين يعده ويمنيه، ووجه إليه أبا سعيد ~~وبورماره، وأمرهما بطاعته، وأمرهما ابن سنباط بالمقام في مكان سماه، وقال: ~~لا تبرحا حتى يأتيكما رسولي، فيكون العمل بما يقول لكما. # ثم إنه قال لبابك: قد ضجرت من هذا الحصن، فلو نزلت إلى الصيد، ففعل، فلما ~~نزل من الحصن أرسل ابن سنباط إلى أبي سعيد وبورماره، فأمرهما أن يوافياه: ~~أحدهما من جانب واد هناك، والثاني من الجانب الآخر، ففعلا، فلم يحب أن ~~يدفعه إليهما. # فبينما بابك وابن سنباط يتصيدان إذ خرج عليهما أبو سعيد وبورماره في ~~أصحابهما، وعلى بابك دراعة بيضاء، فأخذهما، وأمروا بابك بالنزول، فقال: من ~~أنتم؟ فقال: أنا أبو سعيد، وهذا فلان، فنزل ثم قال لابن سنباط من الكلام ~~القبيح، وشتمه، وقال: إنما بعتني لليهود بشيء يسير، لو أردت المال لأعطيتك ~~أكثر مما يعطيك هؤلاء، فأركبه أبو سعيد، وساروا به إلى الأفشين، فلما قرب ~~من العسكر صعد الأفشين، وجلس ينظر إليه، وصف عسكره صفين، وأمر بإنزال بابك ~~عن دابته، ومشى بين الصفين، وأدخله الأفشين بيتا، ووكل به من يحفظه، وسير ~~معه سهل بن سنباط وابنه معاوية، فأمر له الأفشين بمائة ألف درهم، وأمر لسهل ~~بألف ألف درهم، ومنطقة مغرقة بالجواهر وتاج البطرقة. # وأرسل الأفشين إلى عيسى بن يونس بن اصطفانوس يطلب منه عبد الله أخا بابك ~~فأنفذه إليه، فحبسه مع أخيه، وكتب إلى المعتصم بذلك، فأمره بالقدوم بهما ~~عليه. # وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال. # وكان الأفشين قد أخذ نساء كثيرة وصبيانا كثيرا، ذكروا أن بابك أسرهم، ~~وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر بهم فجعلوا في حظيرة كبيرة، وأمرهم ~~أن يكتبوا إلى أوليائهم، فكل من جاء يعرف امرأة، أو صبيا، أو جارية، وأقام ~~شاهدين أخذه، فأخذ الناس منهم خلقا ms2336 كثيرا، وبقي كثير منهم. # PageV06P033 # ذكر استيلاء عبد الرحمن على طليطلة # قد ذكرنا عصيان أهل طليطلة على عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي، صاحب ~~الأندلس، وإنفاذ الجيوش إلى محاصرتها مرة بعد مرة، فلما كان سنة إحدى ~~وعشرين ومائتين خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح، وبها عسكر لعبد الرحمن، ~~فاجتمعوا كلهم على حصر طليطلة، وضيقوا عليها، وعلى أهلها، وقطعوا عنهم باقي ~~مرافقها، واشتدوا في محاصرتهم، فبقوا كذلك إلى أن دخلت سنة اثنتين وعشرين. # فسير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم إليها أيضا، فرأى أهلها وقد بلغ ~~بهم الجهد كل مبلغ، واشتد عليهم طول الحصار، وضعفوا عن القتال والدفع، ~~فاقتحمها قهرا وعنوة يوم السبت لثمان خلون من رجب، وأمر بتجديد القصر الذي ~~على باب الحصن الذي كان هدم أيام الحكم، وأقام بها إلى آخر شعبان من سنة ~~ثلاث وعشرين ومائتين، حتى استقرت قواعد أهلها وسكنوا. # ذكر عدة حوادث # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود. # وفيها ظهر عن يسار القبلة كوكب، فبقي يرى نحوا من أربعين ليلة، وله شبه ~~الذنب، وكان أول ما طلع نحو المغرب، ثم رئي بعد ذلك نحو المشرق، وكان طويلا ~~جدا، فهال الناس ذلك، وعظم عليهم. ذكره ابن أبي أسامة في تاريخه، وهو من ~~الثقات الأثبات. # [الوفيات] # وفيها توفي يحيى بن صالح أبو زكرياء الوحاظي، وهو دمشقي وقيل حمصي. # PageV06P034 # وفيها توفي أبو هاشم محمد بن علي بن أبي خداش الموصلي، وكان كثير الرواية ~~من المعافى بن عمران. # PageV06P035 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين] ### | 223 - # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين # ذكر قدوم الأفشين ببابك # في هذه السنة قدم الأفشين إلى سامرا، ومعه بابك الخرمي وأخوه عبد الله، ~~في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان المعتصم يوجه إلى الأفشين في كل يوم، ~~من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرا، خلعة وفرسا فلما صار الأفشين ~~بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم، وأهل بيت المعتصم، وأنزل ~~الأفشين بابك عنده في قصره بالمطيرة، فأتاه أحمد بن أبي دؤاد ms2337 متنكرا، فنظر ~~إلى بابك وكلمه، ورجع إلى المعتصم فوصفه له، فأتاه المعتصم أيضا متنكرا ~~فرآه. # فلما كان الغد قعد المعتصم، واصطف الناس من باب العامة إلى المطيرة، ~~فشهره المعتصم، وأمر أن يركب على الفيل، فركب عليه، واستشرفه الناس إلى باب ~~العامة، فقال محمد بن عبد الملك الزيات: # قد خضب الفيل كعادته يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخصب أعضاؤه إلا لذي ~~شأن من الشان ثم أدخل دار المعتصم، فأمر بإحضار سياف بابك، فحضر، فأمره ~~المعتصم أن يقطع يديه ورجليه، فقطعها، فسقط، فأمره بذبحه، ففعل، (وشق بطنه) ~~، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرا، وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى ~~إسحاق بن إبراهيم # PageV06P036 # ببغداذ، وأمره أن يفعل به ما فعل بأخيه بابك، فعمل به ذلك، وضرب عنقه، ~~وصلبه في الجانب الشرقي بين الجسرين. # قيل: فكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك، سوى الأرزاق ~~والأنزال والمعارف، في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم وفي [كل] يوم لا ~~يركب فيه خمسة آلاف، فكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة ~~وخمسين ألفا وخمس مائة إنسان، وغلب من القواد يحيى بن معاذ، وعيسى بن محمد ~~بن أبي خالد، وأحمد بن الجنيد فأسره، وزريق بن علي بن صدقة، ومحمد بن حميد ~~الطوسي، وإبراهيم بن الليث. # وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن ~~كان في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان، وصار في يد ~~الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلا، ومن البنات والنساء ثلاث وعشرون امرأة. # ولما وصل الأفشين توجه المعتصم وألبسه بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف ~~درهم وعشرة آلاف يفرقها في عسكره، وعقد له على السند، وأدخل عليه الشعراء ~~يمدحونه. # ذكر خروج الروم إلى زبطرة # وفي هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام، وأوقع ~~بأهل زبطرة وغيرها. # وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق الأفشين عليه، وأشرف على الهلاك، كتب إلى ~~ملك الروم توفيل يعلمه أن المعتصم ms2338 قد وجه عساكره ومقاتلته إليه، حتى وجه ~~خياطه، يعني جعفر بن دينار الخياط، وطباخه، يعني إيتاخ، ولم يبق على بابه ~~أحدا! فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك. # PageV06P037 # وظن بابك أن ملك الروم إن تحرك سيكشف عنه بعض ما هو فيه بإنفاذ العساكر ~~إلى مقاتلة الروم، فخرج توفيل في مائة ألف، وقيل: أكثرهم من الجند نيف ~~وسبعون ألفا، وبقيتهم أتباع، (ومعهم من المحمرة) الذين كانوا خرجوا بالجبال ~~فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة، فبلغ زبطرة، ~~فقتل من بها من الرجال، وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها ~~من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل ~~أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج إليهم أهل الثغور من الشام والجزيرة، ~~إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح. # ذكر فتح عمورية # لما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى المعتصم، ~~فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة ~~في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ~~ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وسمط خلفه شكالا، وسكة ~~حديد، وحقيبة فيها زاده، فلم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر، ~~فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد، وهو عبد الرحمن بن إسحاق، وشعبة بن ~~سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما ~~وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده، وثلثا لله تعالى، وثلثا لمواليه. # ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجه عجيف بن ~~عنبسة، وعمر الفرغاني، ومحمد كوتاه، وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة ~~لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف عنها إلى بلاده، بعدما فعل ما ذكرناه، ~~فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم (واطمأنوا. # فلما ظفر المعتصم ببابك قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم # PageV06P038 # يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية، وهي أشرف عندهم) ms2339 من ~~القسطنطينية. فسار المعتصم بسر من رأى. # وقيل كان مسيره سنة اثنتين وعشرين. # وقيل سنة أربع وعشرين. # وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من السلاح، والعدد، والآلة، وحياض ~~الأدم، والروايا، والقرب، وغير ذلك، وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمد بن ~~إبراهيم بن مصعب، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد ~~الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، فلما دخل بلاد الروم نزل على نهر ~~السن، وهو على سلوقية، قريبا من البحر، بينه وبين طرسوس مسيرة يوم، وعليه ~~يكون الفداء. # وأمضى المعتصم الأفشين إلى سروج، وأمره بالدخول من درب الحدث، وسمى له ~~يوما يكون دخوله فيه، ويوما يكون اجتماعهم فيه، وسير أشناس من درب طرسوس، ~~وأمره بانتظاره بالصفصاف، فكان مسير أشناس لثمان بقين من رجب، وقدم المعتصم ~~وصيفا في أثر أشناس، (ورحل المعتصم لست بقين من رجب. # فلما صار " أشناس ") بمرج أسقف، ورد عليه كتاب المعتصم، (من المطامير ~~يعلمه أن ملك الروم بين يديه، وأنه يريد [أن] يكسبهم، ويأمر بالمقام إلى أن ~~يصل إليه، فأقام ثلاثة أيام فورد عليه كتاب المعتصم) يأمره أن يوجه قائدا ~~من قواده [في] سرية يلتمسون رجلا من الروم يسألونه عن خبر الملك، فوجه ~~أشناس عمر الفرغاني في مائتي فارس، فدخل حتى بلغ أنقرة، وفرق أصحابه في طلب ~~رجل رومي، فأتوه بجماعة بعضهم من (عسكر الملك، وبعضهم من) السواد، فأحضرهم ~~عند أشناس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم أكثر من ثلاثين يوما ~~ينتظر مقدمة المعتصم ليواقعهم # PageV06P039 # فأتاه الخبر بأن عسكرا عظيما قد دخل بلادهم من ناحية الأرمنياق، يعني ~~عسكر الأفشين، قالوا: فلما أخبر استخلف ابن خاله على عسكره، وسار يريد ~~ناحية الأفشين، فوجه أشناس بهم إلى المعتصم، فأخبروه الخبر، فكتب المعتصم ~~كتابا إلى الأفشين يعلمه أن ملك الروم قد توجه إليه، ويأمره أن يقيم مكانه، ~~خوفا عليه من الروم، إلى أن يرد عليه كتابه، وضمن لمن يوصل كتابه إلى ~~الأفشين عشرة آلاف درهم. # فسارت الرسل بالكتاب إلى الأفشين، فلم يروه لأنه أوغل ms2340 في بلاد الروم وكتب ~~المعتصم إلى أشناس يأمره بالتقدم، فتقدم والمعتصم من ورائه، فلما رحل أشناس ~~نزل المعتصم مكانه، حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث مراحل، فضاق عسكر المعتصم ~~ضيقا شديدا من الماء والعلف. # وكان أشناس قد أسر في طريقه عدة أسرى، فضرب أعناقهم حتى بقي منهم شيخ ~~كبير، فقال له: ما تنتفع بقتلي، وأنت وعسكرك في ضيق، وهاهنا قوم قد هربوا ~~من أنقرة خوفا منكم، وهم بالقرب منا، معهم الطعام والشعير وغيرهما، فوجه ~~معي قوما لأسلمهم إليهم، وخل سبيلي! فسير معه خمسمائة فارس، ودفع الشيخ إلى ~~مالك بن كيدر، وقال له: متى أراك هذا الشيخ سبيا كثيرا، أو غنيمة كبيرة، ~~فخل سبيله. # فسار بهم الشيخ، فأوردهم على واد وحشيش، فأمرجوا دوابهم، وشربوا وأكلوا، ~~وساروا حتى خرجوا من الغيضة، وسار بهم الشيخ حتى أتى جبلا، فنزله ليلا، ~~فلما أصبحوا قال الشيخ: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل، فينظرا ما فوق، ~~فيأخذان من أدركا! فصعد أربعة، فأخذوا رجلا وامرأة، فسألهما الشيخ عن أهل ~~أنقرة، فدلاه عليهم، فسار بالناس حتى أشرف على أهل أنقرة، وهم في طرف ~~ملاحة، فلما رأوا العسكر أدخلوا النساء والصبيان الملاحة، وقاتلوهم على ~~طرفها، وغنم المسلمون منهم وأخذوا من الروم عدة أسرى، وفيهم من فيه جراحات ~~عتق (متقدمة) فسألوهم عن تلك الجراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع ~~الأفشين، وذلك أن الملك لما كان # PageV06P040 # معسكرا أتاه الخبر بوصول الأفشين في عسكر ضخم ناحية الأرمنياق، واستخلف ~~على عسكره بعض أقربائه، وسار إليهم، فواقعناهم صلاة الغداة، فهزمناهم، ~~وقتلنا رجالتهم كلهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم، فلما كان الظهر رجع ~~فرسانهم، فقاتلونا قتالا شديدا حتى خرقوا عسكرنا، واختلطوا بنا، فلم ندر ~~أين الملك، وانهزمنا منهم، ورجعنا إلى معسكر الملك الذي خلفه، فوجدنا ~~العسكر قد انتقض، وانصرفوا عن قرابة الملك. # فلما كان الغد جاء الملك في جماعة يسيرة، فرأى عسكره قد اختل، وأخذ الذي ~~كان استخلفه عليهم، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون أن لا يأخذوا أحدا ~~انصرف من العسكر إلا ضربوه بالسياط، وردوه ms2341 إلى مكان سماه لهم الملك، ليجتمع ~~إليه الناس، ويلقى المسلمين، وأن الملك وجه خصيا له إلى أنقرة ; ليحفظ ~~أهلها، فرآهم قد أجلوا عنها، فكتب إلى الملك بذلك، فأمره بالمسير إلى ~~عمورية، فرجع مالك بن كيدر بما معهم من الغنيمة والأسرى إلى عسكر أشناس، ~~وغنموا في طريقهم، بقرا، وغنما كثيرا، فلما بلغ مالك بن كيدر عسكر أشناس ~~أخبره بما سمع، فأعلم المعتصم بذلك، فسر به. # فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء البشير من ناحية الأفشين بخبر السلامة، ~~وكانت الوقعة لخمس بقين من شعبان، فلما كان الغد قدم الأفشين على المعتصم ~~وهو بأنقرة، فأقاموا ثلاثة أيام. # ثم جعل المعتصم العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم ~~في القلب، وعسكر الأفشين في الميمنة، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل ~~عسكر أن يكون له ميمنة وميسرة، وأمرهم أن يحرقوا القرى، ويخربوها، ويأخذوا ~~من لحقوا فيها، ثم ترجع كل طائفة إلى صاحبها، يفعلون ذلك في ما بين أنقرة ~~وعمورية، وبينهما سبع مراحل، ففعلوا ذلك حتى وافوا عمورية. # وكان أول من وردها أشناس، ثم المعتصم، ثم الأفشين، فداروا حولها، وقسمها ~~بين القواد، وجعل لكل واحد منهم أبراجا منها على قدر أصحابه. # وكان رجل من المسلمين قد أسره الروم بعمورية، فتنصر، فلما رأى المسلمين ~~خرج # PageV06P041 # إليهم، فأخبر المعتصم أن موضعا من المدينة وقع سوره من سيل أتاه، فكتب ~~الملك إلى عامل عمورية ليعمره، فتوانى، فلما خرج الملك من القسطنطينية خاف ~~العامل أن يرى السور خرابا، فبنى وجهه حجرا حجرا، وعمل الشرف على (جسر) ~~خشب، فرأى المعتصم ذلك المكان، فأمر بضرب خيمته هناك، ونصب المجانيق على ~~ذلك الموضع، فانفرج السور من ذلك الموضع. # فلما رأى الروم ذلك جعلوا عليه خشبا كبارا كل عود يلزق الآخر، وكان ~~المنجنيق يكسر الخشب، فجعلوا عليه براذع، فلما ألحت المجانيق على ذلك ~~الموضع تصدع السور، وكتب الخصي، وبطريق عمورية - واسمه ناطس - كتابا إلى ~~ملك الروم يعلمه أمر السور، وسيره مع رجلين، فأخذهما المسلمون، وسألهما ~~المعتصم، وفتشهما، فرأى الكتاب، وفيه أن ms2342 العسكر قد أحاط بالمدينة، وقد كان ~~دخوله إليها خطأ، وأن ناطس عازم على أن يركب في خاصته ليلا، ويحمل على ~~العسكر كائنا ما كان، حتى يخلص ويسير إلى الملك، فلما قرأ المعتصم الكتاب ~~أمر لهما ببدرة، وهي عشرة آلاف درهم، وخلع، فأسلما، فأمر بهما، فطافا حول ~~عمورية، وأن يقفا مقابل البرج الذي فيه ناطس، (فوقفا وعليهما الخلع، ~~والأموال بين أيديهما، فعرفهما ناطس) ومن معه من الروم، فشتموهما. # وأمر المعتصم بالاحتياط في الحراسة ليلا ونهارا، فلم يزالوا كذلك حتى ~~انهدم السور ما بين برجين من ذلك الموضع، وكان المعتصم أمر أن يطم خندق ~~عمورية بجلود الغنم المملوءة ترابا، فطموه، وعمل دبابات كبارا تسع كل دبابة ~~عشرة رجال ليدحرجوها على الجلود إلى السور، فدحرجوا واحدة منها، فلما صارت ~~في نصف الخندق تعلقت بتلك الجلود، فما تخلص من فيها إلا بعد شدة وجهد، وعمل ~~سلاليم ومنجنيقات. # فلما كان الغد من يوم انهدم السور قاتلهم على الثلمة، فكان أول من بدأ ~~بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقا، فلم يمكنهم الحرب فيه، فأمدهم ~~المعتصم # PageV06P042 # بالمنجنيقات التي حول السور، فجمع بعضها إلى بعض حول الثلمة وأمر أن يرمى ~~ذلك الموضع. # وكانت الحرب في اليوم الثاني عشر على الأفشين وأصحابه، وأجادوا الحرب، ~~وتقدموا، والمعتصم على دابته بإزاء الثلمة، وأشناس والأفشين وخواص القواد ~~معه، فقال المعتصم: ما أحسن ما كان الحرب اليوم! وقال عمر الفرغاني: الحرب ~~اليوم أجود منها الأمس، فأمسك أشناس. # فلما انتصف النهار، وانصرف المعتصم والناس، وقرب أشناس من مضربه، ترجل له ~~القواد، كما كانوا يفعلون، وفيهم الفرغاني، وأحمد بن الخليل بن هشام، فقال ~~لهم أشناس: يا أولاد الزنا! إيش تمشون بين يدي، كان ينبغي أن تقاتلوا أمس؛ ~~حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقولون الحرب اليوم أجود منها أمس، كان ~~يقاتل أمس غيركم، انصرفوا إلى مضاربكم، فلما انصرف الفرغاني، وأحمد بن ~~الخليل، قال أحدهما للآخر: ألا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة، يعني أشناس، ~~ما صنع اليوم؟ أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا؟ # فقال ms2343 الفرغاني لأحمد، وكان عنده علم من العباس بن المأمون: سيكفيك الله ~~أمره عن قريب، فألح أحمد عليه، فأخبره، فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في ~~أصحابه، فقال أحمد: هذا أمر أظنه لا يتم، قال الفرغاني: قد تم، وأرشده إلى ~~الحارث السمرقندي فأتاه، فرفع الحارث خبره إلى العباس، فكره العباس أن يعلم ~~بشيء من أمره، فأمسكوا عنه. # فلما كان اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب المعتصم، ومعهم المغاربة ~~والأتراك، وكان القيم بذلك إيتاخ، فقاتلوا، وأحسنوا، واتسع لهم هدم السور، ~~فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم. # وكان بطارقة الروم قد اقتسموا أبراج السور، وكان البطريق الموكل بهذه ~~الناحية " وندوا " وتفسيره: ثور، فقاتل ذلك اليوم قتالا شديدا، وفي الأيام ~~قبله، ولم يمده ناطس، ولا غيره بأحد، فلما كان الليل مشى " وندوا " إلى ~~الروم فقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا ~~أصحابكم على الثلمة يرمون # PageV06P043 # قليلا، وإلا ذهبت المدينة، فلم يمدوه بأحد، وقالوا: لا نمدك ولا تمدنا، ~~فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية، ~~ويسلمون إليه الحصن بما فيه. # فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم أن لا يحاربوا، وقال: أريد ~~الخروج إلى المعتصم، فخرج إليه فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة، ~~وقد أمسك الروم عن القتال، حتى وصلوا إلى السور، والروم يقولون: لا تخشوا، ~~وهم يتقدمون، و " وندوا " جالس عند المعتصم، فأركبه فرسا، وتقدم الناس حتى ~~صاروا في الثلمة، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين ~~بالدخول، فدخل الناس المدينة، فالتفت " وندوا " وضرب بيده على لحيته، فقال ~~له المعتصم: ما لك؟ قال: جئت أسمع كلامك، فغدرت بي، قال المعتصم: كل شيء ~~تريده فهو لك، ولست أخالفك، قال: إيش تخالفني، وقد دخل الناس المدينة. # وصار طائفة كبيرة من الروم إلى كنيسة كبيرة لهم، فأحرقها المسلمون عليهم، ~~فهلكوا كلهم، وكان ناطس في برجه، حوله أصحابه، فركب المعتصم، ووقف مقابل ~~ناطس، فقيل له: يا ناطس! هذا أمير المؤمنين، وظهر ms2344 من البرج وعليه سيف، ~~فنحاه عنه، ونزل حتى وقف بين يديه، فضربه سوطا، وسار المعتصم إلى مضربه، ~~وقال: هاتوه! فمشى قليلا، فأمر المعتصم بحمله، وأخذ السيف الروم، وأقبل ~~الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل الشرف، ~~ونقل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع، فبيع منها أكثر من خمسة ~~أيام، وأمر بالباقي فأحرق. # وكان لا ينادي على شيء أكثر من ثلاثة أصوات، ثم يوجب بيعه، طلبا للسرعة، ~~وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة [و] عشرة عشرة، طلبا للسرعة. # ولما كان في بعض الأيام بيع المغانم، وهو الذي كان عجيف وعد الناس أن ~~يثور فيه بالمعتصم على ما نذكره، وثب الناس على المغانم، فركب المعتصم، ~~والسيف في يده، وسار ركضا نحوهم، فتنحوا عنها، وكفوا عن النهب، فرجع إلى ~~مضربه، وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت، وكان نزوله عليها لست خلون من شهر ~~رمضان، وأقام عليها خمسة وخمسين يوما، وفرق الأسرى على القواد، وسار نحو ~~طرسوس. # PageV06P044 # ذكر حبس العباس بن المأمون # في هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون، وأمر بلعنه. # وكان سبب ذلك أن عجيف بن عنبسة لما وجهه المعتصم إلى بلاد الروم لما كان ~~ملك الروم بزبطرة، مع عمر الفرغاني ومحمد كوتاه، لم يطلق يد عجيف في ~~النفقات، كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله، وظهر ~~ذلك لعجيف، فوبخ العباس بن المأمون على ما تقدم من فعله عند وفاة المأمون، ~~حتى بايع المعتصم، وشجعه على أن يتلافى ما كان منه. # فقبل العباس قوله، ودس رجلا يقال له الحارث السمرقندي، قرابة عبيد الله ~~بن الوضاح، (وكان العباس يأنس به) ، وكان الحارث أديبا له عقل ومداراة، ~~فجعله العباس رسوله، وسفيره إلى القواد، وكان يدور في العسكر، حتى استمال ~~له جماعة من القواد، وبايعوه وجماعة من خواص المعتصم، وقال لكل من بايعه: ~~إذا أظهرنا أمرنا فليثب كل منكم بالقائد الذي هو معه، فوكل من بايعه من ~~خواص المعتصم بقتله، ومن بايعه من خاصة الأفشين بقتله، ومن بايعه ms2345 من خاصة ~~أشناس بقتله، وكذلك غيرهم فضمنوا له ذلك. # فلما دخل الدرب، وهم يريدون أنقرة وعمورية، دخل الأفشين من ناحية ملطية، ~~فأشار عجيف على العباس أن يثب بالمعتصم في الدرب، وهو في قلة من الناس، ~~فيقتله ويرجع إلى بغداذ، (فإن الناس يفرحون بانصرافهم إلى بغداذ) من الغزو، ~~فأبى العباس ذلك، وقال: لا أفسد هذه الغزوة، حتى دخلوا بلاد الروم، ~~وافتتحوا عمورية، فقال عجيف للعباس: يا نائم! قد فتحت عمورية، والرجل ممكن، ~~تضع قوما ينهبون بعض الغنائم، فإذا بلغه ذلك ركب في سرعة، فتأمر بقتله ~~هناك، فأبى عليه، وقال: انتظر حتى يصير إلى الدروب، ويخلو كما كان أول مرة، ~~وهو أمكن منه هاهنا. # وكان عجيف قد أمر من ينهب المتاع، ففعلوا، وركب المعتصم، وجاء ركضا، # PageV06P045 # وسكن الناس، ولم يطلق العباس أحدا من أولئك الذين واعدهم وكرهوا قتله ~~بغير أمر العباس. # وكان الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم، وله قرابة غلام أمرد في خاصة ~~المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمر الفرغاني، وشرب عندهم تلك الليلة، ~~فأخبرهم خبر ركوب المعتصم، وأنه كان معه، وأمره أن يسل سيفه ويضرب كل من ~~لقيه، فسمع عمر ذلك من الغلام، فأشفق عليه من أن يصاب فقال: يا بني! أقلل ~~من المقام عند أمير المؤمنين، والزم خيمتك، وإن سمعت صيحة وشغبا فلا تبرح، ~~فإنك غلام غر، ولا تعرف العساكر، فعرف مقالة عمر. # وارتحل المعتصم إلى الثغور، ووجه الأفشين ابن الأقطع، وأمره أن يغير على ~~بعض المواضع، ويوافيه في الطريق، فمضى وأغار، وعاد إلى العسكر في بعض ~~المنازل ومعه الغنائم، فنزل بعسكر الأفشين، وكان كل عسكر على حدة، فتوجه ~~عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل من عسكر أشناس إلى عسكر الأفشين ليشتريا من ~~السبي شيئا، فلقيهما الأفشين فترجلا، وسلما عليه، وتوجها إلى الغنيمة، ~~فرآهما صاحب أشناس، فأعلمه بهما، فأرسل أشناس إليهما بعض أصحابه; لينظر ما ~~يصنعان، فجاء فرآهما وهما ينتظران بيع السبي، فرجع، فأخبر أشناس الخبر، ~~فقال أشناس لحاجبه: قل لهما يلزما العسكر، وهو خير لهما، فقال لهما، فاغتما ~~لذلك، ms2346 واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، ~~فأتياه وقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، فضمنا إلى من تشاء، فإن هذا الرجل ~~يستخف بنا، قد شتمنا، وتوعدنا، ونحن نخاف أن يقدم علينا، فليضمنا أمير ~~المؤمنين إلى من أراد. # فأنهى ذلك إلى المعتصم، واتفق على الرحيل ، وسار أشناس والأفشين مع ~~المعتصم، فقال لأشناس: أحسن أدب عمر وأحمد، فإنهما قد حمقا أنفسهما! فجاء ~~أشناس إلى عسكره، فأخذهما، وحبسهما، وحملهما على بغل، حتى صار بالصفصاف، ~~فجاء ذلك الغلام، وحكى للمعتصم ما سمع من عمر الفرغاني في تلك الليلة، ~~فأنفذ المعتصم بغا، وأخذ عمر من عند أشناس، وسأله عن الذي قاله للغلام، ~~فأنكر ذلك، وقال: إنه كان سكران، ولم يعلم ما قلت، فدفعه إلى إيتاخ، وسار ~~المعتصم، فأنفذ أحمد بن الخليل إلى أشناس يقول له: إن عندي نصيحة لأمير ~~المؤمنين، فبعث إليه يسأله عنها، فقال: لا أخبر بها إلا أمير المؤمنين، ~~فحلف أشناس: إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة لأضربنه بالسياط حتى يموت. # PageV06P046 # فلما سمع ذلك أحمد حضر عند أشناس، وأخبره خبر العباس بن المأمون، ~~والقواد، والحارث السمرقندي، فأنفذ أشناس، وأخذ الحارث وقيده وسيره إلى ~~المعتصم، وكان قد تقدم، فلما دخل على المعتصم أخبره بالحال جميعه، وبجميع ~~من بايعهم من القواد وغيرهم، فأطلقه المعتصم، وخلع عليه، ولم يصدق على ~~أولئك القواد لكثرتهم. # وأحضر المعتصم العباس بن المأمون وسقاه حتى سكر، وحلفه أن لا يكتمه من ~~أمره شيئا، فشرح له أمره كله مثل ما شرح الحارث، فأخذه وقيده وسلمه إلى ~~الأفشين، فحبسه عنده. # وتتبع المعتصم أولئك القواد، وكانوا يحملون في الطريق على بغال بأكف بلا ~~وطاء، وأخذ أيضا الشاه بن سهل، وهو من أهل خراسان، فقال له المعتصم: يا ابن ~~الزانية! أحسنت إليك فلم تشكر، فقال: ابن الزانية هذا، وأومأ إلى العباس، ~~وكان حاضرا، لو تركني ما كنت الساعة تقدر أن تجلس هذا المجلس، وتقول هذا ~~الكلام! فأمر به فضربت عنقه، وهو أول من قتل منهم، ودفع العباس إلى ~~الأفشين. # فلما نزل منبج ms2347 طلب العباس بن المأمون الطعام، فقدم إليه طعام كثير، فأكل، ~~ومنع الماء، وأدرج في مسح، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته. # وأما عمر الفرغاني فلما وصل المعتصم إلى نصيبين حفر له بئرا، وألقاه فيها ~~وطمها عليه. # وأما عجيف فمات بباعيناثا من بلد الموصل، وقيل بل أطعم طعاما كثيرا، ومنع ~~الماء، حتى مات بباعيناثا. # وتتبع جميعهم، فلم يمض عليهم إلا أيام قلائل حتى ماتوا جميعا. # ووصل المعتصم إلى سامرا سالما، فسمى العباس يومئذ اللعين، وأخذ أولاد ~~المأمون من سندس، فحبسهم في داره حتى ماتوا بعد. # PageV06P047 # ومن أحسن ما يذكر أن محمد بن علي الإسكافي كان يتولى إقطاع عجيف، فرفع ~~أهله عليه إلى عجيف، فأخذه، وأراد قتله، فبال في ثيابه خوفا من عجيف، ثم ~~شفع فيه، فقيده وحبسه، ثم سار إلى الروم، وأخذه المعتصم، كما ذكرنا، وأطلق ~~من كان في حبسه، (وكانوا جماعة) منهم الإسكافي، ثم استعمل على نواح ~~بالجزيرة، ومن جملتها باعيناثا، قال: فخرجت يوما إلى تل باعيناثا، فاحتجت ~~إلى الوضوء، فجئت إلى تل فبلت عليه، ثم توضأت ونزلت، وشيخ باعيناثا ~~ينتظرني، فقال لي: في هذا التل قبر عجيف، وأرانيه، فإذا [أنا] قد بلت عليه، ~~وكان بين الأمرين سنة لا تزيد يوما ولا تنقص يوما. # ذكر وفاة زيادة الله بن الأغلب # وابتداء ولاية أخيه الأغلب # في هذه السنة في الرابع عشر من رجب توفي زيادة الله بن إبراهيم بن ~~الأغلب، أمير إفريقية، وكان عمره إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، ~~وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولي بعده أخوه أبو عفان الأغلب ~~بن إبراهيم بن الأغلب، فأحسن إلى الجند، وأزال مظالم كثيرة، وزاد العمال في ~~أرزاقهم، وكف أيديهم عن الرعية، وقطع النبيذ والخمر عن القيروان، # PageV06P048 # وسير سرية سنة أربع وعشرين ومائتين إلى صقلية فغنمت وسلمت. # وفي سنة خمس وعشرين ومائتين استأمن عدة حصون من جزيرة صقلية إلى ~~المسلمين، منها: حصن البلوط، وابلاطنو، وقرلون، ومريا. # وسار أسطول المسلمين إلى قلورية، ففتحها، ولقوا أسطول صاحب القسطنطينية، ~~فهزموه بعد قتال، فعاد الأسطول ms2348 إلى القسطنطينية مهزوما، فكان فتحا عظيما. # وفي سنة ست وعشرين ومائتين سارت سرية للمسلمين بصقلية إلى قصريانة، ~~فغنمت، وأحرقت، وسبت، فلم يخرج إليها أحد، فسارت إلى حصن الغيران، وهو ~~أربعون غارا، فغنمت جميعها. # وتوفي الأمير أبو عفان فيها على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # (وجرح في هذه السنة، في شوال، إسحاق بن إبراهيم، جرحه خادم له. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود. # (في هذه السنة [سير] عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشا إلى ألبة، # PageV06P049 # والقلاع، فنزلوا حصن الغرات، وحصروه، وغنموا ما فيه، وقتلوا أهله، وسبوا ~~النساء والذرية وعادوا) . # PageV06P050 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين] ### | 224 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين # ذكر مخالفة مازيار بطبرستان # في هذه السنة أظهر مازيار بن قارون بن ونداد هرمز، الخلاف على المعتصم ~~بطبرستان، وعصى وقاتل عساكره. # وكان سببه أن مازيار كان منافرا عبد الله بن طاهر ولا يحمل إليه خراجه، ~~وكان المعتصم يأمره بحمله إلى عبد الله، فيقول: لا أحمله إلا إليك، وكان ~~المعتصم ينفذ ما يقبضه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه إلى وكيل عبد الله ~~بن طاهر يرده إلى خراسان. # وعظم الشر بين مازيار وعبد الله، وكان عبد الله يكتب إلى المعتصم، حتى ~~استوحش من مازيار، فلما ظفر الأفشين ببابك، وعظم محله عند المعتصم، طمع في ~~ولاية خراسان، فكتب إلى مازيار يستميله، ويظهر له المودة، ويعلمه أن ~~المعتصم قد وعده ولاية خراسان، ورجا أنه إذا خالف مازيار سيره المعتصم إلى ~~حربه، وولاه خراسان، فحمل ذلك مازيار على الخلاف، وترك الطاعة، ومنع جبال ~~طبرستان، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربته، وكتب الأفشين ~~إلى مازيار يأمره بمحاربة عبد الله، وأعلمه أنه يكون له عند المعتصم كما ~~يحب، ولا يشك الأفشين أن مازيار يقوم في مقابلة ابن طاهر، وأن المعتصم ~~يحتاج إلى إنفاذه وإنفاذ عساكر غيره. # فلما خالف دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرها، وأخذ الرهائن فحبسهم، ~~وأمر أكرة الضياع بانتهاب أربابها. # وكان مازيار أيضا يكاتب بابك، ms2349 واهتم مازيار بجمع الأموال من تعجيل الخراج ~~وغيره، فجبى في شهرين ما كان يؤخذ في سنة، ثم أمر قائدا له يقال له ~~سرخاستان، # PageV06P051 # فأخذ أهل آمل، وأهل سارية جميعهم، فنقلهم إلى جبل على النصف ما بين سارية ~~وآمل، يقال له هرمزاباذ، فحبسهم فيه، وكانت عدتهم عشرين ألفا، فلما فعل ذلك ~~تمكن من أمره، وأمر بتخريب سور آمل، وسور سارية، وسور طميس، فخربت الأسوار. # وبنى سرخاستان سورا من طميس إلى البحر، مقدار ثلاثة أميال، كانت الأكاسرة ~~بنته لتمنع الترك من الغارة على طبرستان، وجعل له خندقا ففزع أهل جرجان، ~~وخافوا، فهرب بعضهم إلى نيسابور، فأنفذ عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن ~~الحسين بن مصعب في جيش كثيف لحفظ جرجان وأمره أن ينزل على الخندق الذي عمله ~~سرخاستان، فسار حتى نزله، وصار بينه وبين سرخاستان صاحب الخندق، ووجه أيضا ~~ابن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حد جبال شروين، ~~ووجه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم، ومعه ~~الحسن بن قارن الطبري، ومن كان عنده من الطبرية، ووجه المنصور بن الحسن ~~صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى ~~اللارز ودنباوند. # فلما أحدقت الخيل بمازيار من كل جانب، كان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع ~~أصحاب الحسن بن الحسين، (حتى استأنس بعضهم ببعض، فتآمر بعض أصحاب الحسن في ~~دخول السور، فدخلوه إلى أصحاب سرخاستان) على غفلة من الحسن، ونظر الناس ~~بعضهم إلى بعض، فثاروا، وبلغ الخبر إلى الحسن، فجعل يصيح بالقوم، ويمنعهم ~~خوفا عليهم، فلم يقفوا، ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان، (وانتهى الخبر إلى ~~سرخاستان) ، وهو في الحمام، فهرب في غلالة، وحيث رأى الحسن أن أصحابه قد ~~دخلوا السور، قال: اللهم إنهم عصوني وأطاعوك، فانصرهم. # وتبعهم أصحابه حتى دخلوا إلى الدرب من غير مانع، واستولوا على عسكر ~~سرخاستان، وأسر أخوه شهريار، ورجع الناس عن الطلب لما أدركهم الليل، فقتل ~~الحسن شهريار، وسار سرخاستان حافيا فجهده العطش، فنزل عن ms2350 دابته وشدها، فبصر ~~به رجل من أصحابه، وغلام اسمه جعفر، وقال سرخاستان: يا جعفر! اسقني ماء، ~~فقد هلكت عطشا، فقال: ليس عندي ما أسقيك فيه. # قال جعفر: واجتمع إلي عدة من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا، # PageV06P052 # فلم لا نتقرب إلى السلطان به، ونأخذ لأنفسنا الأمان؟ فثاورناه، وكتفناه، ~~فقال لهم: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني، فإن العرب لا تعطيكم شيئا، ~~فقالوا: أحضرها! فقال: سيروا معي إلى المنزل لتقبضوها، وأعطيكم المواثيق ~~على الوفاء، فلم يفعلوا، وساروا به نحو عسكر المعتصم، ولقيتهم خيل الحسن بن ~~الحسين، فضربوهم، وأخذوه منهم، وأتوا به الحسن، فأمر به فقتل. # وكان عند سرخاستان رجل من أهل العراق يقال له أبو شاس يقول الشعر، وهو ~~ملازم له ليتعلم منه أخلاق العرب، فلما هجم عسكر العرب على سرخاستان ~~انتهبوا جميع ما لأبي شاس، وخرج، وأخذ جرة فيها ماء، وأخذ قدحا، وصاح: ~~الماء للسبيل، وهرب، فمر بمضرب كاتب الحسن، فعرفه أصحابه، فأدخلوه إليه، ~~فأكرمه، وأحسن إليه، وقال له: قل شعرا تمدح به الأمير، فقال: والله ما بقي ~~في صدري شيء من كتاب الله من الخوف، فكيف أحسن الشعر؟ # ووجه الحسن برأس سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، وكان حيان بن جبلة مولى ~~عبد الله بن طاهر قد أقبل مع الحسن، كما ذكرنا، وهو بناحية طميس، وكاتب ~~قارن بن شهريار، وهو ابن أخي مازيار، ورغبه في المملكة، وضمن له أن يملكه ~~على جبال أبيه وجده. # وكان قارن من قواد مازيار، وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن، ~~ومعه عدة من قواده، فلما استماله حيان ضمن له قارن أن يسلم إليه الجبال ~~ومدينة سارية إلى حدود جرجان، على هذا الشرط، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله ~~بن طاهر، فأجابه إلى كل ما سأل، وأمر حيان أن لا يوغل حتى يستدل على صدق ~~قارن، لئلا يكون منه مكر، وكتب حيان إلى قارن بإجابة عبد الله، فدعا قارن ~~بعمه عبد الله بن قارن، وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى ms2351 طعامه، فلما ~~وضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح، وكتفهم، ووجه بهم إلى ~~حيان، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب في أصحابه حتى دخل جبال قارن. # PageV06P053 # وبلغ الخبر مازيار، فاغتم لذلك، قال له القوهيار: في حبسك عشرون ألفا من ~~بين حائك، وإسكاف، وحداد، وقد شغلت نفسك بهم، وإنما (أتيت من مأمنك) وأهل ~~بيتك، فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأطلق مازيار جميع من حبسه، ~~ودعا جماعة من أعيان أصحابه، وقال لهم: إن بيوتكم في السهل، وأخاف أن يؤخذ ~~حرمكم وأموالكم، فانطلقوا وخذوا لأنفسكم أمانا، ففعلوا ذلك. # ولما بلغ أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبل شروين وثبوا على عامل ~~مازيار بسارية، فهرب منهم، وفتح الناس السجن، وأخرجوا من فيه، وأتى حيان ~~إلى مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان مع محمد بن ~~موسى بن حفص يطلب الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجده ليسلم إليه مازيار، ~~فحضر عند حيان ومعه أحمد بن الصقر، وأبلغاه الرسالة، فأجاب إلى ذلك. # فلما رجعا رأى حيان تحت أحمد فرسا حسنا، فأرسل إليه وأخذه منه، فغضب أحمد ~~من ذلك، وقال: هذا الحائك العبد يفعل بشيخ مثلي ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ~~ويحك! لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن ~~طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع إليه أخاك، وتضع قدرك، وتحقد ~~عليك الحسن بتركك إياه، وبميلك إلى عبد من عبيده؟ # فكتب إليه قوهيار: أراني قد غلطت في أول الأمر، ووعدت الرجل أن أصير إليه ~~بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويستبيح دمي ومنزلي وأموالي، وإن ~~قاتلته فقتلت من أصحابه، وجرت الدماء فسد كل ما عملناه، ووقعت الشحناء. # فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه برجل من أهلك، واكتب ~~إليه أنه قد عرضت علة منعتني عن الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام، فإن ~~عوفيت، وإلا سرت إليك في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك، فأجابه إليه، ~~وكتب أحمد بن الصقر، ms2352 # PageV06P054 # ومحمد بن موسى بن حفص إلى الحسن بن الحسين، وهو بطميس: أن أقدم علينا ~~لندفع إليك مازيار والخيل، وإلا فاتك، ووجها الكتاب إليه مع من يستحثه. # فلما وصل الكتاب ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، وانتهى ~~إلى سارية، فلما أصبح تقدم إلى خرماباذ، وهو الموعد بين قوهيار وحيان، وسمع ~~حيان (وقع) طبول الحسن، فتلقاه على فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع هاهنا؟ ~~ولم توجه إلى هذا الموضع؟ وقد فتحت جبال شروين وتركتها، فما يؤمنك أن يغدر ~~أهلها، فينتقض جميع ما عملنا؟ ارجع إليهم حتى لا يمكنهم الغدر إن هموا به. ~~فقال حيان: أريد أن أحمل أثقالي، وآخذ أصحابي، فقال له الحسن: سر أنت، فأنا ~~باعث بأثقالك وأصحابك. # فخرج حيان من فوره، كما أمره، وأتاه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر ~~بكور، وهي من جبال ونداد هرمز، وهي أحصنها، وكانت أموال مازيار بها، فأمر ~~عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد من الأموال والجبال، فاحتمل قارن مما ~~كان بها وبغيرها من أموال مازيار وسرخستان، وانتقض على حيان ما كان عمله ~~بسبب شرهه إلى ذلك الفرس، وتوفي بعد ذلك حيان، فوجه عبد الله مكانه عمه ~~محمد بن الحسين بن مصعب، وسار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ، فأتاه محمد بن ~~موسى بن حفص، وأحمد بن الصقر، فشكرهما وكتب إلى قوهيار، فأتاه، فأحسن إليه ~~الحسن، وأكرمه، وأجابه إلى جميع ما طلب (إليه منه لنفسه) وتواعدوا يوما ~~(يحضر مازيار عنده) . # ورجع قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له. وركب ~~الحسن يوم الميعاد (وقت الظهر) ، ومعه ثلاثة غلمان أتراك، وأخذ إبراهيم بن ~~مهران يدله على الطريق إلى أرم، فلما قاربها خاف إبراهيم، وقال: هذا موضع ~~لا يسلكه إلا ألف فارس، فصاحى به: امض! قال: فمضيت وأنا طائش العقل، حتى ~~وافينا أرم، فقال: أين طريق هرمزاباذ؟ قلت: على هذا الجبل في هذا الطريق، ~~فقال: سر إليها! فقلت: الله الله في نفسك وفينا، وفي هذا الخلق الذين معك، ~~فصاح: ms2353 امض يا ابن اللخناء! فقلت: اضرب عنقي أحب إلي من أن يقبلني مازيار، ~~ويلزمني الأمير عبد الله الذنب، فانتهرني حتى ظننت أنه يبطش بي، فسرت وأنا ~~خائف فأتينا هرمزاباذ # PageV06P055 # مع اصفرار الشمس، فنزل فجلس ونحن صيام. # وكانت الخيل قد تقطعت لأنه ركب بغير علم الناس، فعلموا بعد مسيره. قال: ~~وصلينا المغرب، وأقبل الليل، وإذا بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلا، مقبلين ~~من طريق لبورة، فقال الحسن: أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى عليه فرسانا ~~ونيرانا، وأنا داهش لا أقف على حقيقة الأمر، حتى قربت (النيران فنظرت) ، ~~فإذا المازيار مع القوهيار، فنزلا، وتقدم مازيار فسلم على الحسن، فلم يرد ~~عليه السلام، وقال لرجلين من أصحابه: خذاه إليكما، فأخذاه، فلما كان السحر ~~وجه الحسن مازيار معهما إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمزاباذ، فأحرق قصر ~~مازيار، ونهب ماله، وسار إلى خرماباذ، وأخذ إخوة مازيار فحبسوا هنالك، ~~ووكلوا بهم، وسار إلى مدينة سارية، فأقام بها، وحبس مازيار. # ووصل محمد بن إبراهيم بن مصعب إلى الحسن بن الحسين، فسار به ليناظره في ~~معنى المال الذي لمازيار وأهله، فكتب إلى عبد الله بن طاهر، فأمر الحسن ~~بتسليم مازيار وأهله إلى محمد بن إبراهيم ليسير بهم إلى المعتصم، وأمره أن ~~يستقصي على أموالهم ويحرزها، فأحضر مازيار وسأله عن أمواله، فذكر أنها عند ~~خزانه، وضمن قوهيار ذلك، وأشهد على نفسه، وقال مازيار: اشهدوا علي أن جميع ~~ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة ~~قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج، وسيف مذهب مجوهر، وخنجر ~~من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهرا، قيمته ثمانية عشر ألف ألف ~~درهم، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر، وصاحب خبره على العسكر. # وكان مازيار قد استخلف هذا ليوصله إلى الحسن بن الحسين ليظهر للناس ~~والمعتصم أنه آمنه على نفسه، وماله، وولده، وأنه جعل له جبال أبيه، فامتنع ~~الحسن من قبوله، وكان أعف الناس. # فلما كان الغد أنفذ الحسن مازيار إلى المعتصم مع يعقوب ms2354 بن المنصور، ثم ~~أمر الحسن قوهيار أن يأخذ بغاله ليحمل عليها مال مازيار، فأخذها، وأراد ~~الحسن أن ينفذ معه جيشا، فقال: لا حاجة لي بهم. # PageV06P056 # وسار هو وغلمانه، فلما فتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبأها ليحملها، وثب ~~عليه مماليك المرزبان، وكانوا ديالمة، وقالوا: غدرت بصاحبنا، وأسلمته إلى ~~العرب، وجئت لتحمل أمواله! وكانوا ألفا ومائتين، فأخذوه، وقيدوه، فلما جنهم ~~الليل قتلوه، وانتهبوا الأموال والبغال، فانتهى الخبر إلى الحسن بن الحسين، ~~فوجه جيشا، ووجه قارن (جيشا، فأخذ أصحاب قارن) منهم عدة منهم ابن عم مازيار ~~يقال له: شهريار بن المضمغان، وكان هو يحرضهم، فوجهه إلى عبد الله بن طاهر ~~فمات بقومس. # وعلم محمد بن إبراهيم خبرهم، فأرسل في أثرهم، فأخذوا، وبعث بهم إلى مدينة ~~سارية. # وقيل: إن السبب في أخذ مازيار كان ابن عم له اسمه قوهيار كان له جبال ~~طبرستان (وكان لمازيار السهل، وجبال طبرستان) ثلاثة أجبل: جبل وندادهرمز، ~~(وجبل أخيه) (ونداسنجان) ، والثالث جبل شروين بن سرخاب، فقوي مازيار، وبعث ~~[إلى] ابن عمه قوهيار، وقيل هو أخوه، فألزمه بابه، وولى الجبل واليا من ~~قبله يقال له دري، فلما خالف مازيار واحتاج إلى الرجال دعا قوهيار، وقال ~~له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين، ومكاتبته، وأمره ~~بالعود إلى جبله، وحفظه، وأمر الدري بالمجييء إليه، فأتاه فضم إليه ~~العساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، عم عبد الله بن طاهر. # وظن مازيار أنه قد استوثق من الجبل بقوهيار، وتوثق من المواضع المخوفة ~~بدري وعساكره، واجتمعت العساكر عليه، كما تقدم ذكره، وقربت منه. # وكان مازيار، في مدينته، في نفر يسير، فدعا قوهيار الحقد الذي في قلبه ~~على مازيار وما صنع به إلى أن كاتب الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في ~~عسكره ومكاتبة الأفشين، فأنفذ الحسن كتاب قوهيار إلى عبد الله بن طاهر، ~~فأنفذه عبد الله إلى المعتصم، وكاتب عبد الله والحسن قوهيار، وضمنا له جميع ~~ما يريد، وأن يعيد إليه جبله، وما كان بيده لا ينازعه فيه أحد، فرضي بذلك، ~~وواعدهم ms2355 يوما يسلم فيه الجبل. # فلما جاء الميعاد تقدم الحسن فحارب دري، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشا ~~كثيفا، # PageV06P057 # فوافوا قوهيار، فسلم إليهم الجبل، (فدخلوه) ، ودري يحارب الحسن ومازيار ~~في قصره، فلم يشعر مازيار إلا والخيل على باب قصره، فأخذوه أسيرا. # وقيل إن مازيار كان يتصيد، فأخذوه وقصدوا به نحو دري وهو يقاتل، فلم يشعر ~~هو وأصحابه إلا وعسكر عبد الله من ورائهم، ومعهم مازيار، فاندفع دري ~~وعسكره، واتبعوه، وقتلوه، وأخذوا رأسه، وحملوه إلى عبد الله بن طاهر، ~~وحملوا إليه مازيار، فوعده عبد الله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الأفشين ~~أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقر مازيار بذلك، وأظهر الكتب عند عبد ~~الله بن طاهر، فسيرها إلى إسحاق بن إبراهيم، وسير مازيار، وأمره أن لا ~~يسلمها إلا من يده إلى يد المعتصم، ففعل إسحاق ذلك، فسأل المعتصم مازيار عن ~~الكتب، فأنكرها، فضربه حتى مات، وصلبه إلى جانب بابك. # وقيل إن مخالفة مازيار كانت سنة خمس وعشرين، والأول أصح، لأن قتله كان في ~~سنة خمس وعشرين، وقيل إنه اعترف بالكتب على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عصيان منكجور قرابة الأفشين # لما فرغ الأفشين من بابك وعاد إلى سامرا، استعمل على أذربيجان، وكان ~~عامله منكجور، وهو من أقاربه، فوجد في بعض قرى بابك مالا عظيما، ولم يعلم ~~به المعتصم، ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد إلى المعتصم، وكتب منكجور ~~يكذبه، فتناظرا، فهم منكجور ليقتله، فمنعه أهل أردبيل، فقاتلهم منكجور. # وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين بعزل منكجور، فوجه قائدا في عسكر ضخم، ~~فلما بلغ منكجور الخبر خلع الطاعة، وجمع الصعاليك، وخرج من أردبيل، فواقعه ~~القائد، فهزمه، وسار إلى حصن من حصون أذربيجان التي كان بابك خربها، فبناه، ~~وأصلحه، وتحصن فيه، فبقي به شهرا. # ثم وثب به أصحابه، فأسلموه إلى ذلك القائد، فقدم به إلى سامرا، فحبسه ~~المعتصم، واتهم الأفشين في أمره، وكان قدومه سنة خمس وعشرين ومائتين، # PageV06P058 # وقيل إن ذلك القائد (الذي أنفذ إلى منكجور) كان بغا الكبير، وإن منكجور ms2356 ~~خرج إليه بأمان. # ذكر ولاية عبد الله الموصل وقتله # في هذه السنة عصى بأعمال الموصل إنسان من مقدمي الأكراد اسمه جعفر بن ~~فهرجس، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم ممن يريد الفساد، فاستعمل المعتصم ~~عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي على الموصل، وأمره بقتال جعفر، فسار عبد ~~الله إلى الموصل، وكان جعفر بمانعيس قد استولى عليها، فتوجه عبد الله إليه، ~~وقاتله وأخرجه من مانعيس. # فقصد جبل داسن، وامتنع بموضع عال فيه لا يرام، والطريق إليه ضيق، فقصد ~~عبد الله إلى هناك، وتوغل في تلك المضايق، حتى وصل إليه وقاتله، فاستظهر ~~جعفر ومن معه من الأكراد على عبد الله لمعرفتهم بتلك المواضع، وقوتهم على ~~القتال بها رجالة، فانهزم عبد الله وقتل أكثر من معه. # وممن أظهر منهم إنسان اسمه رباح حمل على الأكراد، فخرق صفهم، وطعن فيهم، ~~وقتل، وصار وراء ظهورهم، وشغلهم عن أصحابه، حتى نجا منهم من أمكنه النجاة، ~~فتكاثر الأكراد عليه، فألقى نفسه من رأس الجبل على فرسه، وكان تحته نهر، ~~فسقط الفرس في الماء ونجا رباح. # وكان فيمن أسره جعفر رجلان أحدهما اسمه إسماعيل، والآخر إسحاق بن أنس، ~~وهو عم عبد الله بن السيد، وكان إسحاق صهر جعفر، فقدمهما جعفر إليه، فظن ~~إسماعيل أنه يقتله، ولا يقتل إسحاق للصهر الذي بينهما، فقال: يا إسحاق ~~أوصيك بأولادي، فقال له إسحاق: أتظن أنك تقتل وأبقى بعدك؟ ثم التفت إلى ~~جعفر، فقال: أسألك أن تقتلني قبله لتطيب نفسه، فبدأ به فقتله، وقتل إسماعيل ~~بعده. # فلما بلغ ذلك المعتصم أمر إيتاخ بالمسير إلى جعفر وقتاله، فتجهز، وسار ~~إلى الموصل سنة خمس وعشرين، وقصد جبل داسن، وجعل طريقه على سوق الأحد، # PageV06P059 # فالتقى هو وجعفر، فقاتله قتالا شديدا، فقتل جعفر، وتفرق أصحابه، فانكشف ~~شره وأذاه عن الناس. # وقيل إن جعفرا شرب سما كان معه فمات، وأوقع إيتاخ بالأكراد، فأكثر القتل ~~فيهم، واستباح أموالهم، وحشر الأسرى والنساء والأموال إلى تكريت. # وقيل: إن إيقاع إيتاخ بجعفر كان سنة ست وعشرين، والله أعلم. # ذكر غزاة المسلمين ms2357 بالأندلس # وفي هذه السنة سير عبد الرحمن عبد الله المعروف بابن البلنسي إلى بلاد ~~العدو، فوصلوا إلى ألبة، والقلاع، فخرج المشركون إليه في جمعهم، وكان بينهم ~~حرب شديدة، وقتال عظيم، فانهزم المشركون، وقتل منهم ما لا يحصى، وجمعت ~~الرؤوس أكداسا، حتى كان الفارس لا يرى من يقابله. # وفيها خرج لذريق في عسكره، وأراد الغارة على مدينة سالم من الأندلس، فسار ~~إليه فرتون بن موسى في عسكر جرار، فلقيه، وقاتله، فانهزم لذريق، وكثر القتل ~~في عسكره، وسار فرتون إلى الحصن الذي كان بناه أهل ألبة بإزاء ثغور ~~المسلمين، فحصره، وافتتحه وهدمه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تولى جعفر بن دينار اليمن. # وفيها تزوج الحسين بن الأفشين أتراجة ابنة أشناس، ودخل بها في قصر ~~المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامرا، وكانوا يغلفون ~~العامة بالغالية، وهي في تيغار من فضة. # PageV06P060 # وفيها امتنع محمد بن عبد الله الورثاني بورثان، ثم عاود الطاعة، وقدم على ~~المعتصم بأمان سنة خمس وعشرين ومائتين. # [الوفيات] # وفيها مات ناطس الرومي وصلب بسامرا. # وفيها مات إبراهيم بن المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم. # [بقية الحوادث] # وحج بالناس محمد بن داود. # (وفيها وقع بإفريقية فتنة كان فيها حرب بين عيسى بن ريعان الأزدي وبين ~~لواتة وزواغة ومكناسة، فكانت الحرب بين قفصة وقسطيلية، فقتلهم عيسى عن ~~آخرهم. # وفيها اجتمع أهل سجلماسة مع مدرار بن اليسع على تقديم ميمون بن مدرار في ~~الإمارة على سجلماسة، وإخراج أخيه المعروف بابن تقية، فلما استقر الأمر ~~لميمون أخرج أباه وأمه إلى بعض قرى سجلماسة) . # وفيها فتح نوح بن أسد كاسان وأورشت، بما وراء النهر، وكانتا قد نقضتا ~~الصلح، وافتتح أيضا اسبيجاب، وبنى حوله سورا يحيط بكروم أهله ومزارعهم. # PageV06P061 # [الوفيات] # وفيها مات أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعا وستين ~~سنة، (كانت وفاته بمكة) . # (سلام بتشديد اللام) . # PageV06P062 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين] ### | 225 - # ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين # ذكر وصول مازيار إلى سامرا # في هذه السنة كان وصول ms2358 مازيار إلى سامرا، فخرج إسحاق بن إبراهيم، فأخذه ~~من الدسكرة، وأدخله سامرا على بغل بأكاف، لأنه امتنع من ركوب الفيل، فأمر ~~المعتصم أن يجمع بينه وبين الأفشين. # وكان الأفشين قد حبس قبل ذلك بيوم، فأقر مازيار أن الأفشين كان يكاتبه، ~~ويحسن له الخلاف والمعصية، (فأمر برد الأفشين إلى محبسه) وضرب مازيار ~~أربعمائة وخمسين سوطا، وطلب ماء للشرب، فسقي، فمات من ساعته. # وقيل ما تقدم ذكره، وقد تقدم من اعتراف مازيار بكتب الأفشين في غير موضع ~~ما يخالف هذا، وسببه اختلاف الناقلين. # ذكر غضب المعتصم على الأفشين وحبسه # وفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه. # وكان سبب ذلك أن الأفشين كان أيام محاربة بابك لا تأتيه هدية من أهل ~~أرمينية وأذربيجان إلا وجه بها إلى أشروسنة، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر، ~~فيكتب عبد الله إلى المعتصم يعرفه الخبر، فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه ~~بجميع ما يوجه به الأفشين، ففعل عبد الله ذلك، فكان الأفشين كلما اجتمع ~~عنده مال يجعله على أوساط أصحابه في الهمايين (ويسيره إلى أشروسنة) . # PageV06P063 # فأنفذ مرة مالا كثيرا، فبلغ أصحابه إلى نيسابور، فوجه عبد الله بن طاهر، ~~ففتشهم، فوجد المال في أوساطهم، فقال: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: ~~للأفشين، فقال: كذبتم، لو أراد أخي الأفشين أن يرسل مثل هذه الهدايا ~~والأموال لكتب يعلمني ذلك الأمر (بتسييره) ، وإنما أنتم لصوص. # وأخذ عبد الله المال فأعطاه الجند، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال ~~القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجهت بمثل هذا المال ولم تعلمني، وقد أعطيته ~~الجند عوض المال الذي يوجهه أمير المؤمنين، فإن كان المال لك كما زعموا، ~~فإذا جاء المال من عند أمير المؤمنين رددته عليك، وإن يكن غير هذا، فأمير ~~المؤمنين أحق بهذا المال، وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد [أن] أوجههم إلى ~~بلاد الترك. # فكتب إليه الأفشين: إن مالي ومال أمير المؤمنين واحد، وسأله إطلاق القوم، ~~فأطلقهم، فكان ذلك سبب الوحشة بينهما. # وجعل عبد الله يتتبعه، وكان الأفشين يسمع من المعتصم ms2359 ما يدل على أنه يريد ~~عزل عبد الله عن خراسان، فطمع في ولايتها، فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظنا ~~منه أنه إذا خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليها، وأمره ~~بمحاربة مازيار، فكان من أمر مازيار، ما تقدم، وكان من عصيان منكجور ما ~~ذكرناه أيضا، فتحقق المعتصم من أمر الأفشين، فتغير عليه. # وأحس الأفشين بذلك، فلم يدر ما يصنع، فعزم على أن يهيئ أطوافا في قصره، ~~ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على ~~تلك الأطواف، ويصير إلى أرمينية، وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم يصير إلى ~~بلاد الخزر، ثم يدور في بلاد الترك، ويرجع إلى أشروسنة، أو يستميل الخزر ~~على المسلمين، فلم يمكنه ذلك، فعزم على أن يعمل طعاما كثيرا، ويدعو المعتصم ~~والقواد، ويعمل فيه سما، فإن لم يجئ المعتصم عمل ذلك بالقواد مثل أشناس ~~وإيتاخ وغيرهما، يوم تشاغل المعتصم، فإذا خرجوا من عنده سار في أول الليل، ~~فكان قواده ينوبون في دار المعتصم، كما يفعل القواد، فكان أواجن الأشروسني # PageV06P064 # قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث، فقال أواجن: لا يتم ~~هذا الأمر، فذهب ذلك الرجل إلى الأفشين فأعلمه، فتهدد أواجن، فسمعه بعض من ~~يميل إلى أواجن من خدم الأفشين، فأتاه ذلك الخادم فأعلمه الحال بعد عوده من ~~النوبة، فخاف على نفسه، فخرج إلى دار المعتصم، فقال لإيتاخ: إن لأمير ~~المؤمنين عندي نصيحة، قال: قد نام أمير المؤمنين، فقال أواجن: لا يمكنني أن ~~أصبر إلى غد، فدق إيتاخ الباب على بعض من يخبر المعتصم بذلك، فقال المعتصم: ~~قل له ينصرف الليلة إلى غد! فقال: إن انصرفت ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى ~~إيتاخ: بيته عندك الليلة. # فبيته عنده، فلما أصبح بكر به على باب المعتصم، فأخبره بجميع ما كان ~~عنده، فأمر المعتصم بإحضار الأفشين، فجاء في سواده، فأمر بأخذ سواده وحبسه ~~في الجوسق، وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال على الحسين بن ~~الأفشين، وكان الحسين قد كثرت ms2360 كتبه إلى عبد الله، فشكا من نوح بن الأسد ~~الأمير بما وراء النهر، وتحامله على ضياعه، وناحيته، فكتب عبد الله إلى نوح ~~يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسين، ويأمره أن يجمع أصحابه ويتأهب، ~~فإذا قدم عليه الحسين بكتاب ولايته فخذه، واستوثق منه، واحمله إلي. # وكتب عبد الله إلى الحسين يعلمه أنه قد عزل نوحا، وأنه قد ولاه ناحيته، ~~ووجه إليه بكتاب عزل نوح وولايته، فخرج ابن الأفشين في قلة من أصحابه ~~وسلاحه، حتى ورد على نوح، وهو يظن أنه والي الناحية، فأخذه نوح وقيده، ~~ووجهه إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، فأمر المعتصم ~~بإحضار الأفشين ليقابل على ما قيل عنه، فأحضر عند محمد بن عبد الملك ~~الزيات، وزير المعتصم، وعنده ابن أبي دؤاد، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما من ~~الأعيان، وكان المناظر له ابن الزيات، فأمر بإحضار مازيار، والموبذ، ~~والمرزبان بن بركش، وهو أحد ملوك السغد، ورجلين من أهل السغد، فدعا محمد بن ~~عبد الملك بالرجلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما: ما شأنكما؟ فكشفا عن ~~ظهورهما، وهي عارية من اللحم، فقال للأفشين: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا ~~مؤذن، وهذا إمام بنيا مسجدا بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط، وذلك ~~أن بيني وبين ملك السغد عهدا وشرطا أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذان ~~على # PageV06P065 # بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة، فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجدا، فضربتهما ~~على هذا. # قال ابن الزيات: ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله ~~تعالى؟ # قال: كتاب ورثته عن أبي فيه من آداب العجم وكفرهم، فكنت آخذ الآداب وأترك ~~الكفر، ووجدته محلى، فلم أحتج إلى أخذ الحلية منه، وما ظننت أن هذا يخرج من ~~الإسلام. # ثم تقدم الموبذ فقال: إن هذا يأكل لحم المخنوقة، ويحملني على أكلها، ~~ويزعم أنها أرطب من المذبوحة. وقال لي يوما: قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ~~شيء أكرهه، حتى أكلت الزيت، وركبت الجمل، والبغل، غير أني إلى هذه الغاية ~~لم تسقط ms2361 عني شعرة، يعني أخذ شعر العانة، ولم أختتن. # فقال الأفشين: أخبروني عن هذا أثقة هو في دينه؟ وكان مجوسيا، وإنما أسلم ~~أيام المتوكل، فقالوا: لا! فقال: فما معنى قبول شهادته؟ ثم قال للموبذ: ~~أليس كنت أدخلك علي وأطلعك على سري؟ قال: بلى! قال: لست بالثقة في دينك، ~~ولا بالكريم في عهدك، إذ أفشيت سرا أسررته إليك. # ثم تقدم المرزبان فقال: كيف يكتب إليك أهل بلدك؟ قال: لا أقول! قال: أليس ~~يكتبون بكذا بالأشروسنية؟ قال: بلى! قال: أليس تفسيره بالعربية: إلى إله ~~الآلهة من عبده فلان بن فلان؟ قال: بلى! قال محمد بن عبد الملك الزيات: ~~المسلمون لا يحتملون هذا، فما أبقيت لفرعون؟ (قال: هذه كانت) عادتهم لأبي ~~وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي ~~طاعتهم. # ثم تقدم مازيار فقالوا للأفشين: هل كاتبت هذا؟ قال: لا! قالوا لمازيار: ~~هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين ~~(الأبيض) غيري وغيرك، فأما بابك فإنه لحمقه قتل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف ~~عنه الموت، فأبى # PageV06P066 # لحمقه إلا أن أوقعه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري، ومعي ~~الفرسان، وأهل النجدة، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، ~~والمغاربة، والأتراك، والعربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه، ~~والمغاربة أكلة رأس، والأتراك، فإنما هي ساعة حتى تنفد سهامهم، ثم تجول ~~الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام ~~العجم. # فقال الأفشين: هذا يدعي أن أخي كتب إلى أخيه: لا يجب علي، ولو كتبت هذا ~~الكتاب إليه لأستميله إلي ويثق بي، ثم آخذه بقفاه، وأحظى به عند الخليفة، ~~كما حظي عبد الله بن طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد، فقال الأفشين: يا أبا عبد ~~الله أنت ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى تقتل جماعة. # فقال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما منعك من ذلك وبه ~~تمام الإسلام، والطهور ms2362 من النجاسة؟ فقال: أوليس في الإسلام استعمال التقية؟ ~~قال: بلى! قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت، فقال: أنت تطعن ~~بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك أن يكون ذلك في الحرب، وتجزع من قطع ~~قلفة؟ قال: تلك ضرورة تصيبني فأصبر عليها، وهذا شيء أستجلبه. # فقال ابن أبي دؤاد: قد بان لكم أمره، فقال لبغا الكبير: عليك به! فضرب ~~بيده على منطقته، فجذبها، وأخذ بمجامع القباء عند عنقه، ورده إلى محبسه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غضب المعتصم على جعفر بن دينار لأجل وثوبه على من كان معه ~~من الأصحاب، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يوما، ثم رضي عنه، وعزله عن اليمن، ~~واستعمل عليها إيتاخ. # وفيها عزل الأفشين عن الحرس، وولاه إسحاق بن يحيى بن معاذ. # PageV06P067 # وفيها سار عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيش كثير إلى بلاد المشركين في ~~شعبان، فدخل بلاد جليقية، فافتتح منها عدة حصون، وجال في أرضهم يخرب، ~~ويغنم، ويقتل، ويسبي، وأطال المقام في هذه الغزاة، ثم عاد إلى قرطبة. # وحج بالناس في هذه السنة محمد بن دؤاد. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو دلف العجلي، واسمه القاسم بن عيسى، وأبو عمر الجرمي ~~النحوي، واسمه صالح بن إسحاق، وكان من الصالحين. # وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني، وله ثلاث وتسعون ~~سنة، وله كتب في المغازي وأيام العرب، وكان بصريا، فأقام بالمدائن فنسب ~~إليها. # PageV06P068 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين] ### | 226 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين # فيها وثب علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ، وكان على المعونة بدمشق من قبل ~~صول أرتكين علي بن رجاء، وكان على الخراج، فقتله وأظهر الوسواس، ثم تكلم ~~فيه أحمد بن أبي دؤاد، فأطلق من محبسه. # وفيها مات (محمد بن) عبد الله بن طاهر فصلى عليه المعتصم. # ذكر موت الأفشين # وفيها مات الأفشين، وكان قد أنفذ إلى المعتصم يطلب أن ينفذ إليه من يثق ~~به، وأنفذ إليه حمدون بن إسماعيل، فأخذ يعتذر عما قيل فيه، وقال: ms2363 قل لأمير ~~المؤمنين إنما مثلي ومثلك كرجل ربى عجلا حتى أسمنه، وكبر، وكان له أصحاب ~~يشتهون أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا بذبحه، فلم يجبهم، فاتفقوا جميعا على أن ~~قالوا: لم تربي هذا الأسد، فإنه إذا كبر رجع إلى جنسه؟ ! فقال لهم: إنما هو ~~عجل، فقالوا: هذا أسد، فسل من شئت. وتقدموا إلى جميع من يعرفونه، وقالوا ~~لهم: إن سألكم عن العجل، فقولوا له: إنه أسد، وكلما سأل إنسانا قال: هو ~~سبع، فأمر بالعجل، فذبح، ولكني أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسدا؟ الله ~~الله في أمري. # قال حمدون: فقمت عنه، وبين يديه طبق فيه فاكهة قد أرسله المعتصم مع ابنه # PageV06P069 # الواثق، وهو على حاله، فلم ألبث إلا قليلا حتى قيل إنه يموت، أو قد مات، ~~فحمل إلى دار إيتاخ، فمات بها، وأخرجوه، وصلبوه على باب العامة ليراه ~~الناس، ثم ألقي وأحرق بالنار، وكان موته في شعبان. # قال حمدون: وسألته هل هو مطهر أم لا؟ فقال: (إلى مثل هذا الموضع) إنما ~~قال لي هذا، والناس مجتمعون، ليفضحني إن قلت نعم، قال: تكشف، والموت كان ~~أحب إلي من أن أتكشف بين يدي الناس، ولكن إن شئت أتكشف بين يديك حتى تراني، ~~فقلت له: أنت صادق، فلما انصرف حمدون وبلغ المعتصم رسالته أمر بقطع الطعام ~~والشراب عنه، إلا القليل، حتى مات. # قال: ولما أخذ ماله رأى في داره بيت تمثال لإنسان من خشب عليه حلية كثيرة ~~وجوهر، وفي أذنيه حجران مشتبكان، عليهما ذهب، فأخذ بعض من كان مع سليمان ~~أحد الحجرين وظنه جوهرا، وكان ذلك ليلا، فلما أصبح نزع عنه الذهب، ووجده ~~شيئا شبيها بالصدف يسمى الحبرون، ووجدوا أصناما وغير ذلك، والأطواف الخشب ~~التي أعدها، ووجدوا له كتابا من كتب المجوس، وكتبا غيره فيها ديانته. # ذكر وفاة الأغلب وولاية أبي العباس محمد بن الأغلب إفريقية وما كان منه ~~في هذه السنة، في ربيع الآخر، (توفي الأغلب بن إبراهيم يوم الخميس لسبع ~~بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولايته سنتين وسبعة ms2364 أشهر وسبعة ~~أيام. # ولما توفي) ولي أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلاد ~~إفريقية بعد وفاة والده، ودانت له إفريقية، وابتنى مدينة بقرب تاهرت سماها ~~العباسية في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فأحرقها أفلح بن عبد الوهاب الإباضي، ~~وكتب إلى الأموي، # PageV06P070 # صاحب الأندلس، يعلمه ذلك، فبعث إليه الأموي مائة ألف درهم جزاء له على ~~فعله. # وتوفي محمد بن الأغلب يوم الاثنين غرة المحرم من سنة اثنتين وأربعين ~~ومائتين، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام. # ذكر ولاية ابنه أبي إبراهيم أحمد # لما (توفي أبو العباس محمد بن الأغلب) ولي الأمر بعده ابنه أبو إبراهيم ~~أحمد، وأحسن السيرة مع الرعية، وأكثر العطاء للجند، وبنى بأرض إفريقية عشرة ~~آلاف حصن بالحجارة والكلس، وأبواب الحديد، واشترى العبيد، ولم يكن في أيامه ~~ثائر يزعجه، ثم توفي، رحمه الله، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي ~~القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين، وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر (واثني ~~عشر يوما، وكان عمره ثمانية وعشرين سنة) . # ذكر ولاية أخيه أبي محمد زيادة الله # ولما توفي أحمد ولي أخوه زيادة الله وجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه، ~~فتوفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين، وكانت ~~ولايته سنة واحدة وستة أيام. # ذكر ولاية محمد بن أحمد بن الأغلب ولما توفي زيادة الله ولي بعده أبو عبد ~~الله محمد بن أحمد بن محمد الأغلب، وجرى على سنن أسلافه، وكان أديبا، ~~عاقلا، حسن السيرة، غير أن جزيرة صقلية تغلب الروم على مواضع منها، وبنى ~~أيضا حصونا ومحارس على ساحل البحر. # وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة بينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يوما، # PageV06P071 # وبها مدينة على ساحل البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى ليسوا بروم، ~~فغزاها حياة مولى الأغلب، فلم يقدر عليها، ثم غزاها خلفون البربري، ويقال ~~إنه مولى لربيعة، ففتحها في خلافة المتوكل، وقام بعده رجل يسمى المفرج بن ~~سالم، ففتح أربعة وعشرين حصنا، واستولى عليها، فكتب إلى والي مصر ms2365 يعلمه ~~خبره، وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الإمام ~~على ناحيته، ويوليه إياها، ليخرج من حد المتغلبين، وبنى مسجدا جامعا. # ثم إن أصحابه شغبوا عليه، ثم قتلوه. # ثم توفي أبو عبد الله محمد، رحمه الله، سنة إحدى وستين ومائتين. # إنما ذكرنا ولاية هؤلاء متتابعة لقلة ما لكل واحد منهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زلزلت الأهواز زلزلة شديدة، خمسة أيام، وكان مع الزلزلة ريح ~~شديدة، فخرج الناس عن منازلهم، وخرب كثير منها. # وفيها حج بالناس محمد بن داود، أمره أشناس بذلك، وكان أشناس حاجا، وقد ~~جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرهما من ~~البلاد التي اجتاز بها بالإمرة إلى أن عاد إلى سامرا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الهذيل (محمد بن الهذيل بن) عبد الله بن العلاف البصري، # PageV06P072 # شيخ المعتزلة في زمانه، وزاد عمره على مائة سنة، وله مسائل في الأصول ~~قبيحة تفرد بها. # ويحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري أبو ~~زكرياء، توفي في صفر بنيسابور. # وسليمان بن حرب الواشجي القاضي. # (وأبو هيثم الرازي النحوي، وكان عالما بنحو الكوفيين) . # PageV06P073 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين] ### | 227 - # ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين # ذكر خروج المبرقع # في هذه السنة خرج أبو حرب المبرقع اليماني بفلسطين، وخالف على المعتصم. # وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب، فمنعه بعض ~~نسائه، فضربها الجندي بسوط، فأصاب ذراعها، فأثر فيها، فلما رجع إلى منزله ~~شكت إليه ما فعل بها الجندي، فأخذ سيفه وسار نحوه فقتله، ثم هرب، وألبس ~~وجهه برقعا، وقصد بعض جبال الأردن، فأقام به، وكان يظهر بالنهار متبرقعا، ~~فإذا جاءه أحد ذكره، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر ~~الخليفة وما يأتي، ويعيبه، فاستجاب له قوم من فلاحي تلك الناحية. # وكان يزعم أنه أموي، فقال أصحابه: هذا السفياني، فلما كثر أتباعه من هذه ~~الضفة دعا أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من ms2366 رؤساء اليمانية، منهم رجل ~~يقال له ابن بيهس كان مطاعا في أهل اليمن، (ورجلان من أهل دمشق) . # واتصل الخبر بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه، فسير إليه رجاء بن أيوب ~~الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند، فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف، ~~فكره رجاء مواقعته، وعسكر في مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرض، ~~فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقي في زهاء ألف أو ألفين. # (وتوفي المعتصم وولي الواثق، وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره، فأمر ~~الواثق رجاء بقتال من أراد الفتنة والعودة إلى المبرقع، ففعل ذلك، وعاد إلى ~~المبرقع) ، فناجزه # PageV06P074 # رجاء، فالتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلا له ~~شجاعة غيره، وإنه سيظهر لأصحابه ما عنده، فإذا حمل عليكم فأفرجوا له، فما ~~لبث أن حمل المبرقع، فأفرج له أصحاب رجاء، حتى جاوزهم، ثم رجع فأفرجوا له، ~~حتى أتى أصحابه، ثم حمل مرة أخرى، فلما أراد الرجوع أحاطوا به، وأخذوه ~~أسيرا. # وقيل: كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين، وإنه خرج بنواحي الرملة، وصار في ~~خمسين ألفا، فوجه إليه المعتصم رجاء الحضاري، فقاتله، وأخذ ابن بيهس أسيرا، ~~وقتل من أصحاب المبرقع نحوا من عشرين ألفا، وأسر المبرقع، وحمله إلى سامرا. # ذكر وفاة المعتصم # وفي هذه السنة توفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد ~~المهدي (بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس) ، يوم ~~الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، وكان بدء علته أنه احتجم أول يوم في ~~المحرم، واعتل عندها. # قال زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيها، فركب في الزلال في ~~دجلة، وأنا معه، فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام إزمر لي: # يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى # لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى # والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى # PageV06P075 # قال: فما زلت أزمر له هذا الصوت، وأكرره، وقد تناول منديلا بين ms2367 يديه، فما ~~زال يبكي فيه، وينتحب، حتى رجع إلى منزله. # ولما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل، ليست حيلة، حتى صمت، ثم مات ~~ودفن بسامرا. # وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، وكان مولده سنة تسع وسبعين ~~ومائة. # وقيل: سنة ثمانين ومائة، في الشهر الثامن، وهو من ثامن الخلفاء والثامن ~~من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات، وملك ثماني سنين وثمانية ~~أشهر، فعلى القول الأول يكون عمره سبعا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر ~~يوما، وعلى القول الثاني يكون عمره سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر. # وكان أبيض، أصهب اللحية، طويلها، مربوعا، مشرب اللون حمرة، حسن العينين، ~~وكان مولده بالخلدقار. # وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه: # قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين # اذهب فنعم الحفيظ كنت على ... الدنيا ونعم المعين للدين # لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون # وكانت أمه ماردة من مولدات الكوفة، وكانت أمها صغدية، وكان أبوها نشأ ~~بالبندنيجين. # PageV06P076 # ذكر بعض سيرته # ذكر عن أحمد بن أبي دؤاد؛ لأنه ذكر المعتصم فأسهب في ذكره، وأكثر في ~~وصفه، وذكر من طيب أعراقه، وسعة أخلاقه، وكريم عشرته، قال: وقال يوما، ونحن ~~بعمورية: ما تقول في البسر يا عبد الله؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، نحن ببلاد ~~الروم، والبسر بالعراق، فقال: قد جاؤوا منه بشيء من بغداد، وعلمت أنك ~~تشتهيه، ثم أحضره، فمد يده، فأخذ العذق فارغا، قال: وكنت أزامله كثيرا في ~~سفره ذلك. # ذكر باقي الخبر قال: وأخذت لأهل الشاش منه ألفي ألف درهم; لعمل نهر كان ~~لهم اندفن في صدر الإسلام، فأضر بهم. # وقال غيره: إنه كان لا يبالي إذا غضب من قتل، وما فعل، ولم يكن له لذة في ~~تزيين البناء، ولم يكن بالنفقة أسمح منه بها في الحرب. # قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ: قدم الزبير بن بكار العراق هاربا من ~~العلويين، لأنه كان ينال منهم، فتهددوه، فهرب منهم، وقدم على عمه مصعب بن ~~عبد الله بن الزبير، وشكا إليه حاله، ms2368 وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله ~~إلى المعتصم، فلم يجد عنده ما أراد، وأنكر عليه حاله ولامه. # قال أحمد: فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك ~~وأنكرت عليه إعراضه عنه، فقال لي: إن الزبير فيه جهل وتسرع، فأشر عليه أن ~~يستعطف العلويين، ويزيل ما في نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم، ~~وعفوه عنهم، وميله إليهم؟ قلت: بلى، فهذا أمير المؤمنين، والله، على مثل ~~ذلك، أو فوقه، ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هو ~~عليه من ذمهم. # قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي: دعاني المعتصم يوما، فدخلت عليه فقال: ~~أحببت أن أضرب معك بالصوالجة، فلعبنا بها ساعة، ثم نزل وأخذ بيدي نمشي إلى ~~أن صار إلى حجرة الحمام، فقال: خذ ثيابي، فأخذتها، ثم أمرني بنزع ثيابي، ~~ففعلت، ودخلت، وليس معنا غلام، فقمت إليه، فخدمته، ودلكته، وتولى المعتصم ~~مني ذلك، فاستعفيته، فأبى علي، ثم خرجنا، ومشى وأنا معه، حتى صار إلى ~~مجلسه، فنام، # PageV06P077 # وأمرني فنمت حذاءه بعد الامتناع، ثم قال لي: يا إسحاق إن في قلبي أمرا ~~أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك، فقلت: ~~قل يا أمير المؤمنين، فإنما أنا عبدك وابن عبدك. # قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة، فلم يفلح أحد منهم، قلت: ومن ~~الذين اصطنعهم المأمون؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت، وابنه عبد ~~الله بن طاهر، فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت فأنت والله الرجل الذي لا ~~يعتاض السلطان عنك أبدا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد؟ وأنا ~~فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره، وأشناس ففشل، وإيتاخ فلا شيء، ~~ووصيفا فلا معنى فيه. # فقلت: أجيب على أمان من غضبك؟ قال: نعم! قلت له: يا أمير المؤمنين، نظر ~~أخوك إلى الأصول فاستعملها، فأنجبت، واستعمل أمير المؤمنين فروعا، فلم تنجب ~~إذ لا أصول لها! فقال: يا إسحاق، لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر علي ms2369 ~~من هذا الجواب. # وقال ابن أبي دؤاد: تصدق المعتصم، ووهب على يدي مائة ألف ألف درهم. # وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر، فبينا هو يسير رحله إذ ~~رأى شيخا معه حمار عليه حمل شوك، وقد زلق الحمار، وسقط، والشيخ قائم ينتظر ~~من يمر به فيعينه على حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره، فنزل عن دابته; ~~ليخلص الحمار عن الوحل، ويرفع عليه حمله، فقال له الشيخ: بأبي أنت وأمي لا ~~تبلل ثيابك وطيبك! فقال: لا عليك، ثم إنه خلص الحمار، وجعل الشوك عليه، ~~وغسل يديه، ثم ركب، فقال الشيخ: غفر الله لك يا شاب! ثم لحقه أصحابه، فأمر ~~له بأربعة آلاف درهم، ووكل به من يسير معه إلى بيته. # PageV06P078 # ذكر خلافة الواثق بالله # وفيها بويع الواثق بالله بن المعتصم بن هارون في اليوم الذي توفي فيه ~~أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ~~ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية، تسمى قراطيس. # وفيها هلك توفيل ملك الروم، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وملكت بعده امرأته ~~تدورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبي. # وحج بالناس جعفر بن المعتصم، وحجت معه أم الواثق، فماتت بالحيرة في ذي ~~الحجة، ودفنت بالكوفة. # ذكر الفتنة بدمشق # لما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق، وعاثوا، وأفسدوا، وحصروا أميرهم، ~~فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري، وكانوا معسكرين بمرج راهط، فنزل ~~رجاء بدير مران، ودعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوا، فواعدهم الحرب بدومة يوم ~~الاثنين. # فلما كان يوم الأحد، وقد تفرقت، سار رجاء إليهم، فوافاهم وقد سار بعضهم ~~إلى دومة، وبعضهم في حوائجه، فقاتلهم، فهزمهم، وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة، ~~وقتل من أصحابه نحو ثلاثمائة، وهرب مقدمهم ابن بيهس، وصلح أمر دمشق. # وسار رجاء إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بها، فقاتله، ~~فانهزم # PageV06P079 # المبرقع وأخذ أسيرا على ما ذكرناه. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # (وفيها توفي بشر بن الحارث الزاهد المعروف بالحافي في ربيع الأول، وعبد ~~الرحمن بن ms2370 عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر ~~التيمي، المعروف بابن عائشة البصري، وإنما قيل له: ابن عائشة; لأنه ولد ~~عائشة بنت طلحة، وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة. # وإسماعيل بن أبي أويس، ومولده سنة تسع وثلاثين ومائة، وأحمد بن عبد الله ~~بن يونس، وأبو الوليد الطيالسي، والهيثم بن خارجة) . # [بقية الحوادث] # وفيها سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا إلى أرض العدو، فلما كانوا بين ~~أربونة وشرطانية تجمعت الروم عليهم، وأحاطوا بالعسكر، وقاتلوهم الليل كله، ~~فلما # PageV06P080 # أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، وهزم عدوهم. # وأبلى موسى بن موسى في هذه العدوة بلاء عظيما، وكان على مقدمة العسكر، ~~وجرى بينه وبين جرير بن موفق، وهو من أكابر الدولة أيضا، شر، فكان سببا ~~لخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن. # [بقية الوفيات] # وفيها توفي أذفونس ملك الروم بالأندلس، وكانت إمارته اثنتين وستين سنة. # وفيها توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي، وهو من أهل ~~إفريقية. # (شرطانية: بفتح الشين المعجمة وسكون الراء، وفتح الطاء المهملة، وبعدها ~~نون، ثم ياء تحتانية، ثم هاء) . # PageV06P081 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين] ### | 228 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين # ذكر غزوات المسلمين في جزيرة صقلية # في هذه السنة سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر، فنزل مرسى مسيني، وبث ~~السرايا، فغنموا غنائم كثيرة، واستأمن إليه أهل نابل، وصاروا معه، وقاتل ~~الفضل مدة سنتين واشتد القتال، فلم يقدر على أخذها، فمضى طائفة من العسكر، ~~واستداروا خلف جبل مطل على المدينة، (فصعدوا إليه، ونزلوا إلى المدينة) ~~وأهل البلد مشغولون بقتال جعفر ومن معه، فلما رأى أهل البلد أن المسلمين ~~دخلوا عليهم من خلفهم، انهزموا، وفتح البلد. # وفيها فتحت مدينة مسكان. # وفي سنة تسع وعشرين ومائتين خرج أبو الأغلب العباس بن الفضل في سرية، ~~فبلغ شرة، فقاتله أهلها (قتالا شديدا) ، فانهزمت الروم، وقتل منهم ما يزيد ~~على عشرة آلاف رجل، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، ولم يكن بصقلية قبلها ~~مثلها. ms2371 # (وفي سنة اثنين وثلاثين) ومائتين حصر الفضل بن جعفر مدينة لنتيني فأخبر # PageV06P082 # الفضل أن أهل لنتيني كاتبوا البطريق الذي بصقلية ; لينصرهم، فأجابهم، ~~وقال لهم: إن العلامة عند وصولي أن توقد النار ثلاث ليال على الجبل ~~الفلاني، فإذا رأيتم ذلك، ففي اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا وأنتم ~~على المسلمين بغتة. # فأرسل الفضل من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال، فلما رأى أهل لنتيني ~~النار أخذوا في أمرهم، وأعد الفضل ما ينبغي أن يستعد به وكمن الكمناء، وأمر ~~الذين يحاصرون المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين، فإذا خرج أهلها عليهم ~~قاتلوهم، فإذا جاوزوا الكمين عطفوا عليهم. # فلما كان اليوم الرابع خرج أهل لنتيني، وقاتلوا المسلمين وهم ينتظرون ~~وصول البطريق، فانهزم المسلمون، واستجروا الروم حتى جاوزوا الكمين، ولم يبق ~~بالبلد أحد إلا خرج، فلما جاوزوا الكمين عاد المسلمون عليهم، وخرج الكمين ~~من خلفهم، ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج (منهم) إلا القليل، فسألوا الأمان ~~على أنفسهم وأموالهم ليسلموا المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك وأمنوهم، ~~فسلموا المدينة. # وفيها أقام المسلمون بمدينة طارنت من أرض أنكبردة وسكنوها. # وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وصل عشر شلنديات من الروم، فأرسوا بمرسى ~~الطين، وخرجوا ليغيروا، فضلوا الطريق، فرجعوا خائبين، وركبوا البحر راجعين، ~~فغرق منها سبع قطع. # وفي سنة أربع وثلاثين صالح أهل رغوس، وسلموا المدينة إلى المسلمين بما ~~فيها، فهدمها المسلمون، وأخذوا منها ما أمكن حمله. # وفي سنة خمس وثلاثين سار طائفة من المسلمين إلى مدينة قصريانه، فغنموا # PageV06P083 # وسلبوا وأحرقوا وقتلوا في أهلها. # وكان الأمير على صقلية للمسلمين محمد بن عبد الله بن الأغلب، فتوفي في ~~رجب من سنة ست وثلاثين ومائتين، فكان مقيما بمدينة بلرم لم يخرج منها، ~~وإنما كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح، فتغنم، فكانت إمارته عليها تسع عشرة ~~سنة، والله سبحانه أعلم. # ذكر الحرب بين موسى بن موسى والحارث بن يزيغ # في هذه السنة كانت حرب بين موسى عامل تطيلة وبين عسكر عبد الرحمن أمير ~~الأندلس، والمقدم عليهم الحارث بن يزيغ. # وسبب ذلك أن ms2372 موسى بن موسى كان من أعيان قواد عبد الرحمن، وهو العامل على ~~مدينة تطيلة، فجرى بينه وبين القواد تحاسد سنة سبع وعشرين، وقد ذكرناه، ~~فعصى موسى بن موسى على عبد الرحمن، فسير إليه جيشا، واستعمل عليهم الحارث ~~بن يزيغ والقواد، فاقتتلوا عند برجة، فقتل كثير من أصحاب موسى، وقتل ابن عم ~~له، وعاد الحارث إلى سرقسطة، فسير موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجة، فعاد ~~الحارث إليها، وحصرها، فملكها، وقتل ابن موسى، وتقدم إلى أبيه، فطلبه، ~~فحضر، فصالحه موسى على أن يخرج عنها، فانتقل موسى إلى أرنيط. # وبقي الحارث يتطلبه أياما، ثم سار إلى أرنيط، فحصر موسى بها، فأرسل موسى ~~إلى غرسية، وهو من ملوك الأندلسيين المشركين، واتفقا على الحارث، واجتمعا، ~~وجعلا له كماين في طريقه، واتخذ له الخيل والرجال بموضع يقال له: بلمسة على ~~نهر هناك، فلما جاء الحارث النهر خرج الكمناء عليه، وأحدقوا به، وجرى معه ~~قتال شديد، وكانت وقعة عظيمة، وأصابته ضربة في وجهه، فلقت عينيه، ثم أسر في ~~هذه الوقعة. # PageV06P084 # فلما سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة عظم عليه، فجهز عسكرا كبيرا، واستعمل ~~عليه ابنه محمدا، وسيره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين، ~~وتقدم محمد إلى بنبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين، وقتل فيها ~~غرسية وكثير من المشركين. # ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن، فجهز جيشا كبيرا وسيرهم إلى ~~موسى، فلما رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليها، وأعطى ابنه إسماعيل رهينة، ~~وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة، فسار موسى إليها فوصلها، وأخرج كل من يخافه، ~~واستقر فيها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أعطى الواثق أشناس تاجا ووشاحين. # وفيها مات أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر. # وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ الخبز كل رطل بدرهم، وراوية الماء ~~بأربعين درهما، وأصاب الناس في الموقف حر شديد، ثم أصابهم مطر فيه برد، ~~واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك (الحر) وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة ~~العقبة، فقتلت عدة من ms2373 الحجاج. # وحج بالناس محمد بن داود، # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبو نصر التمار الزاهد، وكان ~~عمره إحدى # PageV06P085 # وتسعين سنة، وكان قد أضر، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو ~~بن عتبة بن أبي سفيان العتبي الأموي البصري أبو عبد الرحمن، وكان عالما ~~بالأخبار والآداب، وأبو سليمان داود الأشقر السمسار المحدث. # PageV06P086 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين] ### | 229 - # ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين # في هذه السنة حبس الواثق الكتاب، وألزمهم أموالا عظيمة، وأخذ من أحمد بن ~~إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربع ~~مائة ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن ~~الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير ~~مائة ألف وأربعين ألف دينار. # وكان سبب ذلك; أنه جلس ليلة مع أصحابه، فسألهم عن نكبة البرامكة، فحكى له ~~عرود بن عبد العزيز الأنصاري أن جارية لعدول الخياط أراد الرشيد شراءها، ~~(فاشتراها) بمائة ألف دينار، وأرسل إلى يحيى بن خالد أن يعطيه (ذلك، فقال ~~يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا أخذ ثمن جارية بمائة ألف دينار، فهو أحرى أن يطلب ~~المال على قدر ذلك) ، فأرسل يحيى إليه: إنني لا أقدر على هذا المال، فغضب ~~الرشيد، وأعاد: لا بد منها، فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على ~~طريق الرشيد ليستكثرها، # PageV06P087 # ففعل ذلك، فاجتاز الرشيد بها، فسأل عنها، فقيل: هذا ثمن الجارية، ~~فاستكثرها، فأمر برد الجارية، وقال لخادم له: اضمم إليك هذا المال، واجعل ~~لي بيت مال لأضم إليه ما أريد، وسماه " بيت مال العروس "، وأخذ في التفتيش ~~عن الأموال، فوجد البرامكة قد فرطوا فيها. # وكان يحضر عنده مع سماره رجل يعرف بأبي العود له أدب، فأمر ليلة له ~~بثلاثين ألف درهم، فمطله بها يحيى، فاحتال أبو العود في تحريض الرشيد على ~~البرامكة، وكان قد شاع تغير الرشيد عليهم، فبينما هو ليلة عند الرشيد ~~يحدثه، وساق ms2374 الحديث إلى أن أنشده قول عمر بن أبي ربيعة: # وعدت هند وما كانت تعد ليت ... هندا أنجزتنا ما تعد # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # فقال الرشيد: أجل إنما العاجز من لا يستبد. # وكان يحيى قد اتخذ من خدام الرشيد خادما يأتيه بأخباره، فعرفه ذلك، فأحضر ~~أبا العود، وأعطاه ثلاثين ألف درهم، ومن عنده عشرين ألف درهم، وأرسل إلى ~~ابنيه الفضل وجعفر، فأعطى كل واحد منهما عشرين ألفا، وجد الرشيد في أمرهم ~~حتى أخذهم، فقال الواثق: صدق والله جدي، إنما العاجز من لا يستبد، وأخذ في ~~ذكر الخيانة وما يستحق أهلها، فلم يمض غير أسبوع حتى نكبهم. # وفيها ولي شير باسبان لإيتاخ اليمن، وسار إليها. # وفيها تولى محمد بن صالح بن العباس المدينة. # وحج بالناس محمد بن داود. # PageV06P088 # [الوفيات] # وفيها توفي خلف بن هشام البزار المقرئ في جمادى الأولى. # البزار: بالزاي المعجمة، والراء المهملة. # PageV06P089 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين] ### | 230 - # ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين # ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة # وفي هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي ~~المدينة. # وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر، ويأخذون مهما ~~أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوا، وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا ~~بناس من بني كنانة وباهلة، فأصابوهم، وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ~~ثلاثين ومائتين، فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير ~~الطبري، وكان مسلحة لأهل المدينة، في مائتي فارس، وأضاف إليهم جندا غيرهم، ~~وتبعهم متطوعة، فسار إليهم حماد، فلقيهم بالرويثة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزمت سودان المدينة بالناس، وثبت حماد وأصحابه، وقريش والأنصار، وأخذ ~~بنو سليم الكراع، والسلاح، والثياب، فطمعوا، ونهبوا القرى والمناهل ما بين ~~مكة والمدينة، وانقطع الطريق. # فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند، فقدم المدينة في ~~شعبان، فلقيهم ببعض مياه الحرة من وراء السوارقية قريتهم التي يأوون إليها، ~~وبها حصون، فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا، وأسر ms2375 مثلهم، وانهزم الباقون، ~~أقام بغا بالسوارقية، ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين، ~~فجمعهم، وترك من يعرف بالفساد، وهم زهاء ألف رجل، وخلى سبيل الباقين، وعاد ~~بالأسرى إلى المدينة في # PageV06P090 # ذي القعدة سنة ثلاثين، فحبسهم، ثم سار إلى مكة. # فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم، عرض على بني هلال مثل ~~الذي عرض على بني سليم، فأقبلوا، وأخذ من المفسدين نحوا من ثلاثمائة رجل، ~~وأطلق الباقين، ورجع إلى المدينة، فحبسهم. # ذكر وفاة عبد الله بن طاهر # وفيها مات عبد الله بن طاهر بنيسابور في ربيع الأول، وهو أمير خراسان، ~~وكان إليه الحرب، والشرطة، والسواد، والري، وطبرستان، وكرمان، وخراسان، وما ~~يتصل بها، وكان خراج هذه الأعمال، يوم مات، ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، ~~وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، وكذلك عمر والده طاهر. # واستعمل الواثق على أعماله كلها ابنه طاهر بن عبد الله. # ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهر # لما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري، فبنى ~~دارا، وخرج بحائطها في الطريق، فلما قدمها عبد الله جمع الناس، وسألهم عن ~~سيرة محمد، فسكتوا، فقال بعض الحاضرين: سكوتهم يدل على سوء سيرته، فعزله ~~عنهم، وأمره بهدم ما بنى في الطريق. # وكان يقول: ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله، فإن العلم أمنع لنفسه ~~من أن يصير إلى غير أهله. # وكان يقول: سمن الكيس، ونبل الذكر لا يجتمعان أبدا. # PageV06P091 # وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور، فاستحضرهم يوما، فحضروا، ~~وتأخر الفضل، ثم حضر، فقال له: أبطأت عني، فقال: كان عندي أصحاب حوائج، ~~وأردت دخول الحمام، (فأمره عبد الله بدخول حمامه) ، وأحضر عبد الله الرقاع ~~التي في حقه، فوقع فيها كلها بالإجابة، وأعادها، ولم يعلم الفضل. # وخرج من الحمام، واشتغلوا يومهم، وبكر أصحاب الرقاع إليه، فاعتذر إليهم، ~~فقال بعضهم: أريد رقعتي، فأخرجها ونظر فيها، فرأى خط عبد الله فيها، فنظر ~~في الجميع، فرأى خطه فيها، فقال لأصحابه: خذوا رقاعكم، فقد قضيت حاجاتكم، ~~واشكروا ms2376 الأمير دوني، فما كان لي فيها سبب. # وكان عبد الله أديبا شاعرا، فمن شعره: # اسم من أهواه اسم حسن ... فإذا صحفته فهو حسن # فإذا أسقطت منه فاءه # كان نعتا لهواه المختزن ... فإذا أسقطت منه ياءه # صار فيه بعض أسباب الفتن # فإذا أسقطت منه راءه # صار شيئا يعتري عند الوسن ... فإذا أسقطت منه طاءه # صار منه عيش سكان المدن # فسروا هذا فلن يعرفه # غير من يسبح في بحر الفطن ... وهذا الاسم هو اسم طريف غلامه. # وكان من أكثر الناس بذلا للمال مع علم، ومعرفة، وتجربة. # وأكثر الشعراء في مراثيه، فمن أحسن ما قيل فيه، وفي ولاية، أبيه طاهر، ~~قول أبي الغمر الطبري: # PageV06P092 # فأيامك الأعياد صارت مآتما ... وساعاتك الصعبات صارت خواشعا # على أننا لم نعتقدك بطاهر ... وإن كان خطبا يقلق القلب راتعا # وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت ... على إثرها بدرا على الناس طالعا # (وما كنت إلا الطود زال مكانه ... وأثبت في مثواه ركنا مدافعا # فلولا التقى قلنا تناسختما معا ... بديعي معان يفضلان البدائعا # وهي طويلة) . # ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلس # في هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد ~~المسلمين، وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين، عند أشبونة، فأقاموا ~~ثلاثة عشر يوما، بينهم وبين المسلمين بها وقائع، ثم ساروا إلى قادس، ثم إلى ~~شدونة، فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع. # ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرم، فنزلوا على اثني عشر فرسخا منها، فخرج ~~إليهم كثير من المسلمين، فالتقوا، فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم، وقتل ~~كثير منهم. # ثم نزلوا على ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، وقاتلوهم، فانهزم ~~المسلمون رابع عشر المحرم، وكثر القتل والأسر فيهم، ولم ترفع المجوس السيف ~~عن أحد، ولا عن دابة، ودخلوا حاجز إشبيلية وأقاموا به يوما وليلة، وعادوا ~~إلى مراكبهم. # وأقام عسكر عبد الرحمن، صاحب البلاد، مع عدة من القواد، فتبادر إليهم ~~المجوس، فثبت المسلمون، وقاتلوهم، فقتل من المشركين سبعون رجلا وانهزموا، ~~حتى # PageV06P093 # دخلوا مراكبهم، وأحجم المسلمون عنهم، فسمع ms2377 عبد الرحمن، فسير جيشا آخر ~~غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالا شديدا، فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ~~ربيع الأول، وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية، ونهضوا لقتال المجوس من ~~كل جانب، فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثم ثبتوا، ~~فترجل كثير منهم، فانهزم المجوس، وقتل نحو خمس مائة رجل، وأخذوا منهم أربعة ~~مراكب، فأخذوا ما فيها، وأحرقوها، وبقوا أياما لا يصلون إلى المجوس، لأنهم ~~في مراكبهم. # ثم خرج المجوس إلى لبلة، فأصابوا سبيا، ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب ~~قوريس، فنزلوها، وقسموا ما كان معهم من الغنيمة، فحمي المسلمون، ودخلوا ~~إليهم في النهر، فقتلوا من المجوس رجلين، ثم رحل المجوس فطرقوا شدونة ~~فغنموا طعمة وسبيا، وأقاموا يومين. # ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن، صاحب الأندلس، إلى إشبيلية، فلما أحس بها ~~المجوس لحقوا بلبلة، فأغاروا، وسبوا، ثم لحقوا بأكشونية، ثم مضوا إلى باجة، ~~ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة، ثم ساروا، فانقطع خبرهم عن البلاد، فسكن ~~الناس. # وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى إشبيلية أيضا، ~~وهي شبيهة بهذه، ثم فلا أعلمه أهي هذه، وقد اختلفوا في وقتها، أم هي غيرها، ~~وما أقرب أن تكون هي إياها، وقد ذكرتها هناك لأن في كل واحدة منهما شيئا في ~~الأخرى. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة مات محمد بن سعد بن منيع (أبو عبد الله) ، كاتب الواقدي، ~~صاحب " الطبقات ". # PageV06P094 # ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي، كاتب المأمون، وعلي بن الجعد أبو الحسن ~~الجوهري، وكان عمره ستا وتسعين سنة، وهو من مشايخ البخاري، وكان يتشيع. # وفيها مات أشناس التركي، بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام. # [من الحوادث] # وحج هذه السنة إسحاق بن مصعب، وإليه أحداث المواسم. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود. # PageV06P095 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين] ### | 231 - # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين # ذكر ما فعله بغا بالأعراب # في هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم وبني هلال. # (وكان سبب ms2378 ذلك أن بغا لما حبس من أخذه من بني سليم وبني هلال) بالمدينة، ~~وهم ألف وثلاثمائة، وكان سار عن المدينة إلى بني مرة، فنقبت الأسرى الحبس ~~ليخرجوا، فرأت امرأة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاؤوا، فوجدوهم قد قتلوا ~~المتوكلين، وأخذوا سلاحهم، فاجتمع عليهم أهل المدينة (ومنعوهم الخروج، ~~وباتوا حول الدار، فقاتلوهم، فلما كان الغد قتلهم أهل المدينة) ، وقتل ~~سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد الميرة، فلما قدم بغا ~~وعلم بقتلهم شق ذلك عليه. # وقيل إن السجان كان قد ارتشى منهم ليفتح لهم الباب، فعجلوا قبل ميعاده، ~~وكانوا يرتجزون: # الموت خير للفتى من العار ... قد أخذ البواب ألف دينار # وكان سبب غيبة بغا عنهم أن فزارة ومرة تغلبوا على فدك، فلما قاربهم أرسل ~~إليهم رجلا من قواده يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلما أتاهم ~~الفزاري حذرهم سطوته، فهربوا، وخلوا فدك، وقصدوا الشام. # (وأقام بغا بجنفا، وهي قرية من حد عمل الشام) مما يلي الحجاز، نحوا # PageV06P096 # من أربعين ليلة، ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر [به] من بني مرة وفزارة. # وفيها سار إلى بغا من بطون غطفان، وفزارة، وأشجع، وثعلبة، جماعة، وكان ~~أرسل إليهم، فلما أتوه استحلفهم الأيمان المؤكدة أن لا يتخلفوا عنه متى ~~دعاهم، فحلفوا، ثم سار إلى ضرية لطلب بني كلاب، فأتاه منهم نحو من ثلاثة ~~آلاف رجل، فحبس من أهل الفساد نحوا من ألف رجل، وخلى سائرهم، ثم قدم بهم ~~المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم، ثم سار إلى مكة، ~~فحج، ثم رجع إلى المدينة. # ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي # وفي هذه السنة تحرك ببغداذ قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم ~~الخزاعي، وجده مالك أحد نقباء بني العباس، وقد تقدم ذكره. # وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين، ~~وابن الدورقي، وأبي زهير، وكان يخالف من يقول القرآن مخلوق، ويطلق لسانه ~~فيه، مع غلظة بالواثق، وكان يقول، إذا ذكر الواثق: فعل هذا ms2379 الخنزير، وقال ~~هذا الكافر، وفشا ذلك، فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشداخ، وآخر يقال ~~له: طالب، وغيرهما، ودعوا الناس إليه، فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وفرق أبو هارون وطالب في الناس مالا فأعطيا كل رجل دينارا، ~~واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلت من شعبان ليضربوا بالطبل فيها، ويثوروا على ~~السلطان. # وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر في الجانب الغربي، فاتفق ~~أن ممن بايعهم رجلين من بني الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء، قبل الموعد ~~بليلة، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد. # وكان إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة غائبا عن بغداد، وخليفته أخوه محمد بن # PageV06P097 # إبراهيم، فأرسل إليهم محمد يسألهم عن قصتهم، فلم يظهر أحد، فدل على رجل ~~يكون في الحمام مصاب العين، يعرف بعيسى الأعور، فأحضره وقرره، فأقر على بني ~~الأشرس، وعلى أحمد بن نصر، وغيرهما؛ فأخذ بعض من سمي، وفيهم طالب، وأبو ~~هارون، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادما لأحمد بن نصر، ~~فقرره، فأقر بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد بن نصر، فأخذه وهو في ~~الحمام، وحمل إليه، وفتش بيته، فلم يجد فيه سلاحا، ولا شيء من الآلات، ~~فسيرهم محمد بن إبراهيم إلى الواثق مقيدين على أكف بغال ليس تحتهم وطاء إلى ~~سامرا. # فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم مجلسا عاما فيه أحمد بن أبي دؤاد، وكان ~~كارها لقتل أحمد بن نصر، فلما حضر أحمد عند الواثق، لم يذكر له شيئا من ~~فعله والخروج عليه، ولكنه قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، وكان ~~أحمد قد استقتل، فتطيب، وتنور، وقال الواثق: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله. ~~قال: فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين! قد جاءت ~~الأخبار عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ترون ربكم يوم ~~القيامة كما ترون القمر، قال: لا تضامون في رؤيته» ، فنحن على الخبر، ~~وحدثني سفيان بحديث رفعه: «أن قلب ابن آدم (المؤمن) بين أصبعين من ms2380 أصابع ~~الرحمان، يقلبه» . # وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يدعو: " «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت ~~قلبي على دينك» ". قال إسحاق بن إبراهيم: انظر ما يقول. قال: أنت أمرتني ~~بذلك، فخاف إسحاق، # PageV06P098 # وقال أنا أمرتك؟ قال: نعم، أمرتني أن أنصح له، ونصيحتي له أن لا يخالف ~~حديث رسول الله عليه وسلم، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فقال عبد ~~الرحمن بن إسحاق، وكان قاضيا على الجانب الغربي: وعزك يا أمير المؤمنين هو ~~حلال الدم. # وقال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد: (اسقني دمه، وقال ابن أبي دؤاد) : هو كافر ~~يستتاب لعل به عاهة ونقص عقل، كأنه كره أن يقتل بسببه، فقال الواثق: إذا ~~رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطاي إليه، ودعا بالصمصامة ~~سيف عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ومشى إليه، وهو في وسط الدار على نطع، فضربه ~~على حبل عاتقه، ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقي رقبته، وحز ~~رأسه، وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، وحمل حتى صلب عند بابك، وحمل ~~رأسه إلى بغداد، فنصب بها، وأقيم عليه الحرس، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس ~~الكافر، المشرك، الضال، أحمد بن نصر. # وتتبع أصحابه، فجعلوا في الحبوس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أراد الواثق الحج، فوجه عمر بن فرج لإصلاح الطريق، فرجع ~~وأخبره بقلة الماء، فبدا له. # وفيها ولي جعفر بن دينار اليمن، فسار في شعبان، وحج في طريقه، وكان معه ~~أربعة آلاف فارس وألف راجل. # وفيها نقب اللصوص بيت المال الذي في دار العامة، وأخذوا اثنين وأربعين ~~ألف # PageV06P099 # درهم وشيئا يسيرا من الدنانير، ثم تتبعوا وأخذوا بعد ذلك. # وفيها خرج محمد بن عبد الله الخارجي الثعلبي في ثلاثة عشر رجلا في ديار ~~ربيعة، فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن حميد الطوسي، وكان على حرب الموصل، ~~في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد بن عبد الله أسيرا، فبعث به ~~إلى سامرا فحبس. # وفيها قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان، والجبال، وفارس، ms2381 وكان قد سار في ~~طلب الأكراد لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقدم معه بنحو من خمس ~~مائة نفس فيهم غلمان صغار، فحبسوا، وأجيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد ~~سيفا. # (وفيها سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جليقية، وقتلوا، ~~وأسروا، وسبوا، وغنموا، ووصلوا إلى مدينة ليون، فحصروها، ورموها بالمجانيق، ~~فخاف أهلها، فتركوها بما فيها، وخرجوا هاربين، فغنم المسلمون منهم ما ~~أرادوا، وخربوا الباقي، ولم يقدروا على هدم سورها، فتركوها ومضوا، لأن عرضه ~~سبع عشرة ذراعا، وقد ثلموا فيه ثلما كثيرة) . # وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، واجتمع المسلمون فيها على نهر ~~اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من ببغداذ وغيرها من الروم. # وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، ~~وأمره بحضور الفداء هو وخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، ~~فمن # PageV06P100 # قال: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، فودي به، وأعطي دينارا، ~~ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. # فلما كان في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى ~~على النهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان ~~المسلمون يطلقون الأسير، فيطلق الروم الأسير من المسلمين، فيلتقيان في وسط ~~النهر، ويأتي هذا أصحابه، فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروا، وإذا وصل ~~الأسير إلى الروم صاحوا، حتى فرغوا. # وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربع مائة وستين نفسا، والنساء ~~والصبيان ثماني مائة، وأهل ذمة المسلمين مائة نفس. # وكان النهر مخاضة تعبره الأسرى، وقيل بل كان عليه جسر. # ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي شاتيا، فأصاب ~~الناس ثلج ومطر، فمات منهم مائتا نفس، وأسر نحوهم، وغرق بالبدندون خلق ~~كثير، فوجد الواثق على أحمد، وكان قد جاء إلى أحمد بطريق من الروم، فقال ~~وجوه الناس لأحمد: إن عسكرا فيه سبعة آلاف لا تتخوف عليه، فإن (كنت كذلك ~~فواجه القوم واطرق بلادهم، ففعل، وغنم نحوا من ألف بقرة وعشرة ms2382 آلاف شاة ~~وخرج، فعزله الواثق، واستعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعي في جمادى الأولى. # [الوفيات] # وفيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان. # PageV06P101 # [بقية الحوادث] # وفيها كان بإفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب، وكان ~~مع أحمد جماعة، فهجموا على محمد في قصره، وأغلق أصحاب محمد بن الأغلب ~~[الباب] ، واقتتلوا، ثم كفوا عن القتال، واصطلحوا، وعظم أمر أحمد، ونقل ~~الدواوين إليه، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا اسمها، ومعناها لأحمد أخيه، ~~فبقي كذلك إلى سنة اثنين وثلاثين ومائتين، فاتفق مع محمد من بني عمه ~~ومواليه جماعة، وقاتل أخاه أحمد، فظفر به، ونفاه إلى الشرق، واستقام أمر ~~محمد بإفريقية، ومات أخوه أحمد بالعراق) . # [بقية الوفيات] # (وفيها مات أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الراوية في ~~شعبان وهو ابن ثمانين سنة) . # وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى بن جعفر، أخت علي بن الرضا، عليه السلام. # وفيها مات مخارق المغني، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي، وعمرو بن ~~أبي عمرو الشيباني، ومحمد بن سعدان النحوي الضرير، توفي في ذي الحجة. # وفيها توفي: إبراهيم بن عرعرة، وعاصم بن علي بن (عاصم) بن صهيب الواسطي، # PageV06P102 # ومحمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي البصري، وكان عالما بالأخبار وأيام ~~الناس. # سلام: بالتشديد. # وعاصم بن عمر بن علي بن مقدم أبو بشر المقدمي، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى ~~البويطي الفقيه، صاحب الشافعي، وكان قد حبس في محنة الناس بخلق القرآن، فلم ~~يجب، وكان من الصالحين. # وهارون بن معروف البغدادي، وكان حافظا للحديث. # PageV06P103 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين] ### | 232 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين # ذكر الحرب مع بني نمير # في هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير، فأوقع بهم. # وكان سبب ذلك أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفى امتدح الواثق ~~بقصيدة، فدخل عليه، وأنشده، فأمر له بثلاثين ألف درهم، فأخبر الواثق بإفساد ~~بني نمير في الأرض، وإغارتهم على اليمامة وما قرب منها، وكتب الواثق إلى ~~بغا يأمره بحربهم ms2383 وهو بالمدينة، فسار نحو اليمامة، فلقي من بني نمير جماعة ~~بالريف فحاربهم، فقتل منهم نيفا وخمسين رجلا، (وأسر أربعين رجلا) . # ثم سار حتى نزل مرأة، وأرسل إليهم يدعوهم إلى السمع والطاعة، فامتنعوا، ~~وسار بعضهم إلى نحو جبال السود، وهي خلف اليمامة، وبث بغا سراياه فيهم، ~~فأصابت منهم، ثم سار بجماعة ممن معه، وهم نحو ألف رجل، سوى من تخلف في ~~العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا لهم وهم نحو ثلاثة آلاف ~~بموضع يقال له: روضة الأمان، على مرحلة من أضاخ، فهزموا مقدمته، وكشفوا ~~ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحو مائة رجل وعشرين رجلا، وعقروا من إبل عسكره ~~نحو سبع مائة بعير، ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال، وبعض الأموال، ثم أدركهم ~~الليل، وجعل بغا يدعوهم إلى الطاعة. # PageV06P104 # فلما طلع الصبح ورأوا قلة من مع بغا عبأوا، وجعلوا رجالتهم أمامهم، ~~ونعمهم ومواشيهم وراءهم، وحملوا على بغا، فهزموه، حتى بلغ معسكره، وأيقن من ~~معه بالهلكة. # وكان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة منهم، فبينا هو قد أشرف ~~على العطب، إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم، فلما نظر بنو نمير ~~ورأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولوا هاربين، وأسلموا رجالتهم، وأموالهم، فلم ~~يفلت من الرجالة إلا اليسير، وأما الفرسان فنجوا على خيلهم. # وقيل: إن الهزيمة كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار، ثم تشاغلوا ~~بالنهب، فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه، فرجع بهم، فهزم بني نمير، ~~وقتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وقت العصر زهاء ألف وخمس مائة راجل، وأقام ~~بموضع الواقعة، فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان، فأمنهم، فأتوه، فقيدهم، ~~وأخذهم معه إلى البصرة، وكانت الواقعة في جمادى الآخرة. # ثم قدم واجن الأشروسني على بغا في سبع مائة مقاتل، مددا له، فسيره بغا في ~~آثارهم، حتى بلغ تبالة من أعمال اليمن، ورجع. # وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداذ (بمن عنده من ~~فزارة، ومرة، وثعلبة، وكلاب، ففعل، فلقيه ببغداذ) ، فسارا جميعا، وقدم بغا ~~سامرا بمن ms2384 بقي معه منهم، سوى من هرب ومات وقتل في الحروب، فكانوا يزيدون ~~على ألفي رجل من نمير، وكلاب، ومرة، وفزارة، وثعلبة، وطيء. # ذكر موت أبي جعفر الواثق # في هذه السنة توفي الواثق بالله أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم في ذي ~~الحجة # PageV06P105 # لست بقين منه، وكانت علته الاستسقاء، وعولج بالإقعاد في تنور مسخن، فوجد ~~لذلك خفة، فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه، ففعل ذلك، وقعد فيه أكثر من ~~اليوم الأول، فحمي عليه، فأخرج منه في محفة، وحضر عنده أحمد بن أبي دؤاد، ~~ومحمد بن عبد الملك الزيات، وعمر بن فرج، فمات فيها، فلم يشعروا بموته، حتى ~~ضرب بوجهه المحفة، فعلموا. # وقيل: إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند موته، وغمضه. # وقيل: إنه لما حضرته الوفاة، جعل يردد هذين البيتين: # الموت فيه جميع الناس مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك # ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا # وأمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ~~ارحم من زال ملكه. # وقال أحمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يمرض الواثق، فلحقه غشية، وأنا ~~وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا: لو عرفنا خبره، فتقدمت إليه، فلما صرت عند ~~رأسه فتح عينيه، فكدت أموت من الخوف، فرجعت إلى الخلف، وتعلقت قنبعة سيفي ~~في عتبة المجلس، فاندقت، وسلمت من جراحه، ووقفت في موقفي. # ثم إن الواثق مات، وسجيناه، وجاء الفراشون وأخذوا ما تحته في المجلس، # PageV06P106 # ورفعوه; لأنه مكتوب عليهم، واشتغلوا بأخذ البيعة، وجلست على باب المجلس; ~~لحفظ الميت ورددت الباب، فسمعت حسا، ففتحت الباب، وإذا جرذ قد دخل من بستان ~~هناك، فأكل إحدى عيني الواثق، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي ~~فتحتها من ساعة، فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة. # وجاؤوا فغسلوه، فسألني أحمد بن أبي دؤاد عن عينه، فأخبرته بالقصة من ~~أولها إلى آخرها فعجب منها. # ولما مات صلى عليه أحمد، وأنزله في قبره، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل، ~~ودفن بالهاروني ms2385 بطريق مكة. # (وكان مولده بطريق مكة) ، وأمه أم ولد اسمها قراطيس. # ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، ~~فقدروا له أن يعيش خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا ~~عشرة أيام ومات. # وكان أبيض، مشربا بحمرة، جميلا، ربعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى، ~~فيها نكتة بياض. # وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين ~~سنة، (وقيل: ستا وثلاثين سنة) . # ذكر بعض سيرة الواثق بالله # لما توفي المعتصم، وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، واشتمل على ~~العلويين، وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم، والتعهد لهم بالأموال، وفرق في ~~أهل # PageV06P107 # الحرمين أموالا لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل. # ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع، ~~فيبكين عليه، ويندبنه، ففعلوا عليه ذلك بينهم مناوبة; حزنا عليه، لما كان ~~يكثر من الإحسان إليهم، وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالا عظيما. # قال الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، أول مجلس ~~جلسه، فغنته جارية إبراهيم بن المهدي. # ما درى الحاملون، يوم استقلوا ... نعشه، للثواء أم للبقاء # فليقل فيك باكياتك ما شئن # صباحا، وعند كل مساء # فبكى، وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، قال: ثم تغنى ~~بعضهم فقال: # ودع هريرة إن الركب مرتحل # وهل تطيق وداعا أيها الرجل # فازداد الواثق بكاء، وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب نعي نفس، ثم تفرق ~~أهل المجلس. # قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق: # أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ما رأيت لها معينا # تقطع حسرة من حب ليلى ... نفوس ما أثبن ولا جزينا # فصنعت فيه علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغناه زرزر الكبير للواثق، ~~فسأله: # PageV06P108 # لمن هذا؟ فقال: لعلم، فأحضر صالحا وطلب منه شراءها، فأهداها له، فعوضه ~~خمسة آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك ~~الله عليك، وعلى من رباك! فقالت: ms2386 وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء فلم يصل ~~إليه! فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له، فدفع إليه ~~عشرة آلاف دينار، وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال. # وقال أبو عثمان المازني النحوي: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت ~~عنده قال: من خلفت بالبصرة؟ قلت: أختا لي صغيرة. قال: فما قالت المسكينة؟ ~~قلت: ما قالت ابنة الأعشى: # تقول ابنتي، حين جد الرحيل # أرانا سواء ومن قد يتم ... فيا أبتا لا تزل عندنا # فإنا نخاف بأن تخترم ... أرانا إذا أضمرتك البلاد # نجفى وتقطع منا الرحم # قال: فما رددت عليها؟ قلت: ما قال جرير لابنته: # ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح # فضحك، وأمر له بجائزة سنية. # ذكر خلافة المتوكل # وفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق. ~~(وسبب خلافته أنه لما مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد، وإيتاخ، ~~ووصيف، وعمر بن فرج، وابن الزيات، وأبو الوزير أحمد بن خالد، وعزموا على ~~البيعة لمحمد بن الواثق) ، وهو غلام أمرد، قصير، فألبسوه دراعة سوداء ~~وقلنسوة، فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتقون الله؟ تولون هذا الخلافة! ~~فتناظروا فيمن تولونه. فذكروا عدة ثم أحضر المتوكل، فلما حضر ألبسه أحمد بن ~~أبي دؤاد الطويلة، وعممه، وقبل بين عينيه، # PageV06P109 # وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق، ~~وصلي عليه، ودفن. # وكان عمر المتوكل، يوم بويع، ستا وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية ~~أشهر، وأراد ابن الزيات [أن] يلقبه المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد ~~رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا، وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه، فكتب ~~إلى الآفاق. # وقيل: بل رأى المتوكل في منامه، قبل أن يستخلف، كأن سكرا ينزل عليه من ~~السماء، مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصها [على] أصحابه، فقالوا: هي ~~والله الخلافة، فبلغ ذلك الواثق، فحبسه وضيق عليه. # وحج بالناس محمد بن داود. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش ms2387 عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ~~ومات منهم خلق كثير. # (وفيها غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، ~~بعد أن كان قد وافقه، وأطاعه، وسير إليه عبد الرحمن جيشا مع ابنه محمد. # وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، وقحط عظيم، وكان ابتداؤه سنة اثنتين ~~وثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب، ويبست الأشجار، ولم يزرع ~~الناس شيئا، فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوا، وزرعوا، وزال عن الناس ~~القحط) . # وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس. # PageV06P110 # (وفيها غرق كثير من الموصل [وهلك] فيها خلق، قيل: كانوا نحو مائة ألف ~~إنسان، وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيما لم يسمع بمثله، بحيث أن بعض ~~أهلها جعل سطلا عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحو ساعة، ~~وزادت دجلة زيادة عظيمة، فركب الماء الربض الأسفل، وشاطئ نهر سوق الأربعاء، ~~فدخل كثيرا من الأسواق، فقيل: إن أمير الموصل، وهو غانم بن حميد الطوسي، ~~كفن ثلاثين ألفا، وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء) . # (وفيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر) . # [الوفيات] # وفيها توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عائذ الدمشقي، مصنف الصوايف وغيرها، ~~ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: غير ذلك. # وأبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي، أخذ العلم عن أبي ~~عبيدة، والأصمعي. # وفيها توفي عمرو الناق. # PageV06P111 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين] ### | 233 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين # ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات # وفي هذه السنة قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، وحبسه لسبع ~~خلون من صفر. # وكان سببه أن الواثق استوزر (محمد بن عبد الملك، وفوض الأمور كلها إليه) ~~وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يحفظه ويأتيه ~~بأخباره، فأتى المتوكل إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم الواثق ليرضى ~~عنه، فوقف بين يديه لا يكلمه، ثم أشار عليه بالقعود فقعد، فلما فرغ ms2388 من ~~الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل ~~أمير المؤمنين الرضى عني، فقال لمن حوله: انظروا، يغضب أخاه ثم يسألني أن ~~أسترضيه له! اذهب، فإذا صلحت; رضي عنك. # فقام من عنده حزينا، فأتى أحمد بن أبي دؤاد، فقام إليه أحمد، واستقبله ~~على باب البيت (وقبله) ، وقال: ما حاجتك؟ جعلت فداك! قال: جئت لتسترضي أمير ~~المؤمنين لي، قال: أفعل، ونعمة عين وكرامة! فكلم أحمد الواثق به، فوعده ولم ~~يرض عنه، (ثم كلمه فيه ثانية فرضي عنه) وكساه. # ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات كتب إلى الواثق: إن جعفرا أتاني في ~~زي # PageV06P112 # المخنثين، له شعر قفا، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه، فكتب ~~إليه الواثق: ابعث إليه، فأحضره، ومر من يجز شعر قفاه، فيضرب به وجهه. # قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سوادا جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد ~~أتاه الرضى عني، فاستدعى حجاما، فأخذ شعري على السواد الجديد، ثم ضرب به ~~وجهي، فلما ولي الخلافة المتوكل أمهل حتى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ ابن ~~الزيات وتعذيبه، فاستحضر، فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل ~~إيتاخ عدل به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، ووكل عليه، وأرسل إلى منازله من ~~أصحابه من هجم عليها، وأخذ كل ما فيها، واستصفى أمواله وأملاكه في جميع ~~البلاد. # وكان شديد الجزع، كثير البكاء والفكر، ثم سوهر، (وكان ينخس بمسلة لئلا ~~ينام، ثم ترك فنام يوما وليلة) ، ثم جعل في تنور عمله هو، وعذب به ابن ~~أسباط المصري، وأخذ ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل ~~التنور، وتمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقا بحيث إن الإنسان كان يمد ~~يديه إلى فوق رأسه; ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه يجلس، ~~فبقي أياما، فمات. # (وكان حبسه لسبع خلون من صفر، وموته) إحدى عشرة بقيت من ربيع الأول، ~~واختلف في سبب موته، فقيل كما ذكرناه، وقيل: بل ضرب فمات وهو يضرب، وقيل ~~مات ms2389 بغير ضرب، وهو أصح. # فلما مات حضره ابناه سليمان، وعبيد الله، وكانا محبوسين، وطرح على الباب ~~في قميصه الذي حبس فيه، فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق! وغسلاه ~~على الباب، ودفناه، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه. # PageV06P113 # قال: وسمع قبل موته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة، والدواب، ~~والدار النظيفة، والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما ~~عملت بنفسك، ثم سكت عن ذلك، وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عز وجل. # وكان ابن الزيات صديقا لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة، صادره بألف ~~ألف وخمس مائة ألف درهم، فقال الصولي: # وكنت أخي برخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا # وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا # وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا # وقال أيضا: # أصبحت من رأي أبي جعفر ... في هيئة تنذر بالصيلم # من غير ما ذنب، ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما ~~كان أخوه الواثق ساخطا عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت ~~المال، فلقيه عمر بالخيبة، وأخذ صكه، فرمى به إلى صحن المسجد، وكان حبسه في ~~شهر رمضان، وأخذ ماله، وأثاث بيته، وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ألف، ~~على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز (حسب) ، فكان قد ألبس في حبسه جبة ~~صوف. قال علي بن الجهم يهجوه: # جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما # تيه الملوك وأفعال الصعاليك ... أردت شكرا بلا بر ومرزئة # لقد سلكت سبيلا غير مسلوك # PageV06P114 # وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانه، ~~وضربه، وأخذ ماله. # وغضب أيضا على أبي الوزير، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه. # وفيها أيضا عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان ~~الخراساني مولى الأزد. # وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات. # وفيها ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن ms2390 والطائف في رمضان. # وفيها فلج أحمد بن أبي دؤاد في جمادى الآخرة. # وفيها وثب ميخائيل بن توفيل بأمه تدورة، فألزمها الدير، وقتل اللقط لأنه ~~كان اتهمها به. فكان ملكها ست سنين. # (وفيها عزل محمد بن الأغلب، وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير ~~إفريقية عامله على الزاب، واسمه سالم بن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلما ~~صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف وسار إلى الأربس، فمنعه أهلها من الدخول ~~إليها، فسار إلى باجة، فدخلها، واحتمى بها، فسير إليه ابن الأغلب جيشا ~~عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل # PageV06P115 # عليه وقاتله، فهرب سالم ليلا، فاتبعه خفاجة، فلحقه، وقتله، وحمل رأسه إلى ~~ابن الأغلب، وكان ابن سالم عند ابن الأغلب محبوسا فقتله) . # [الوفيات] # وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة، وكان مولده سنة ثمان وخمسين ~~ومائة، وهو صاحب الجرح والتعديل. # ومحمد بن سماعة القاضي، صاحب محمد بن الحسن، وقد بلغ مائة سنة وهو صحيح ~~الحواس. # PageV06P116 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين] ### | 234 - # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين # ذكر هرب محمد بن البعيث # في هذه السنة هرب محمد بن البعيث بن الجليس، وكان سبب هربه أنه جيء به ~~أسيرا من أذربيجان إلى سامرا، وكان رجل يخدمه يسمى خليفة، وكان المتوكل ~~مريضا، فأخبر خليفة ابن البعيث أن المتوكل مات، ولم يكن مات، وإنما أراد ~~إطماع ابن البعيث في الهرب، فوافقه على الهرب، وأعد له دواب، فهربا إلى ~~موضعه من أذربيجان، وهو مرند. # وقيل: كان له قلعة شاهي، وقلعة يكدر. # وقيل: إن ابن البعيث كان في حبس إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، ~~فأخذ منه الكفلاء نحوا من ثلاثين كفيلا: منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد ~~الشيباني، فكان يتردد بسامرا، فهرب إلى مرند، وجمع بها الطعام، وهي مدينة ~~حصينة، وفيها عيون ماء، ولها بساتين كثيرة داخل البلد. # وأتاه من أراد الفتنة من ربيعة وغيرهم، فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل، ~~وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه، فولى ms2391 المتوكل ~~حمدويه بن علي بن الفضل السعدي أذربيجان، وسيره على البريد، وجمع الناس، ~~وسار إلى ابن البعيث، فحصره في مرند، فلما طالت مدة الحصار بعث المتوكل ~~زيرك التركي في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئا، فوجه إليه المتوكل ~~عمر بن سيسيل بن # PageV06P117 # كال في تسع مائة فارس، فلم يغن شيئا فوجه بغا الشرابي في ألفي فارس. # وكان حمدويه، وابن سيسيل، وزيرك قد قطعوا من الشجر الذي حول مرند نحو ~~مائة ألف شجرة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقا، ونصب ابن البعيث عليهم مثل ~~ذلك، فلم يقدروا على الدنو من سور المدينة، فقتل من أصحاب المتوكل في حربه، ~~في ثمانية أشهر نحو مائة رجل، وجرح نحو أربع مائة، وأصاب أصحابه مثل ذلك، ~~وكان حمدويه، وعمر وزيرك، يغادونه القتال ويراوحونه، وكان أصحابه يتدلون ~~بالحبال من السور معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة ~~تجاروا إلى السور، وحموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون، فيقاتلون، ~~ثم يرجعون. # ولما قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن السليل، ومعه أمان ~~لوجوه ابن البعيث (أن ينزلوا، وأمان لابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكل، ~~فنزل من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب ~~المتوكل، وخرج ابن البعيث) هاربا، فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرا، ~~وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه، وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي ~~بالأمان، وأخذوا لابن البعيث أختين، وثلاث بنات، وعدة من السراري، ثم ~~وافاهم بغا الشرابي من غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، وكتب بالفتح لنفسه، ~~وأخذ ابن البعيث إليه. # ذكر إيتاخ وما صار إليه أمره # كان إيتاخ غلاما خزريا، طباخا لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة ~~تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم والواثق، وضم إليه أعمالا ~~كثيرة، منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم. # PageV06P118 # وكان المعتصم، إذا أراد قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، وبيده، فحبس منهم أولا ~~المأمون بن سندس، وابن الزيات، وصالح بن عجيف، وغيرهم، وكان مع المتوكل في ~~مرتبته، وإليه الجيش، والمغاربة، ms2392 والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ~~ودار الخلافة # فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، ~~فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه، أنت أبي، وأنت ربيتني، ثم وضع عليه ~~من يحسن له الحج، فاستأذن (فيه المتوكل، فأذن) له، وصيره أمير كل بلد ~~يدخله، وخلع عليه، وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى ~~وصيف في ذي القعدة. # وقيل إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. # ذكر الخلف بإفريقية # في هذه السنة خرج عمرو بن سليم التجيبي المعروف بالقويع على محمد بن ~~الأغلب أمير إفريقية، فسير إليه جيشا، فحصره بمدينة تونس هذه السنة، فلم ~~يبلغوا منه غرضا، فعادوا عنه. # فلما دخلت سنة خمس وثلاثين سير إليه ابن الأغلب جيشا، فالتقوا بالقرب من ~~تونس، ففارق جيش ابن الأغلب جمع كثير، وقصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم ~~جيش ابن الأغلب وقوي القويع، فلما دخلت سنة ست وثلاثين سير محمد بن الأغلب ~~إليه جيشا، فاقتتلوا، فانهزم القويع، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأدرك ~~القويع إنسان، فضرب عنقه، ودخل جيش ابن الأغلب مدينة تونس بالسيف في جمادى ~~الأولى. # PageV06P119 # ذكر عدة حوادث # حج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد (بن علي بن ~~عبد الله بن عباس) . # [الوفيات] # وفيها توفي جعفر بن مبشر بن أحمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة ~~البغداديين، وله مقالة يتفرد بها. # وفيها توفي أبو خثيمة زهير بن حرب في شعبان، وكان حافظا للحديث، وأبو ~~أيوب سليمان بن داود بن بشر المنقري البصري المعروف (بالشاذكوني بأصبهان. # وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف بابن المديني الحافظ، وقيل: ~~سنة خمس وثلاثين [ومائتين] ، وهو إمام ثقة، وكان والده ضعيفا في الحديث. # وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ويحيى بن أيوب المقابري، # PageV06P120 # وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو الربيع الزهراني. # PageV06P121 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين] ### | 235 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين # ذكر قتل إيتاخ # قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه، فلما عاد ms2393 من مكة كتب المتوكل ~~إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداذ يأمره بحبسه، وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى ~~طريق إيتاخ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان ~~إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرا، فكتب إليه إسحاق: إن أمير ~~المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم، ووجوه الناس، وأن تقعد ~~لهم في دار خزيمة بن خازم، وتأمر لهم بالجوائز. # فجاء إلى بغداد، فلقيه إسحاق بن إبراهيم، فلما رآه إسحاق أراد النزول له، ~~فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل، وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه، فلما صار ~~بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: أصلح الله الأمير، ليدخل! فدخل إيتاخ، ~~ووقف إسحاق على الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، ووكل بالأبواب، وأقام ~~عليها الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك، قال: قد فعلوها، ولو يفعلوا ذلك ببغداذ ~~ما قدروا عليه، وأخذوا معه ولديه منصورا ومظفرا، وكاتبيه سليمان بن وهب، ~~وقدامة بن زياد، فحبسوا ببغداذ أيضا. # وأرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم والواثق في أمرك، ~~وكنت أدافع عنك، فليشفعني ذلك عندك في ولدي، فأما أنا فقد مر بي شدة ورخاء، ~~فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان (فلم يعرفا البؤس) ، # PageV06P122 # فاجعل لهما طعاما يصلحهما. # ففعل إسحاق ذلك، وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلا، فمات في جمادى ~~الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب ~~به ولا أثر. # وقيل: كان سبب موته أنهم أطعموه، ومنعوه الماء حتى مات عطشا. # وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة المتوكل، فلما ولي المنتصر أخرجهما، ~~فأما مظفر فبقى بعد أن خرج من السجن ثلاثة أشهر ومات، وأما منصور فعاش ~~بعده. # ذكر أسر ابن البعيث وموته # في هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال، وبخليفته أبي الأغر، ~~وبأخويه صقر وخالد، وكاتبه العلاء، وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا ~~حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل ms2394 أمر ~~بضرب عنقه، فجاء السياف، وسبه المتوكل، وقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ~~الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما ~~إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو، ثم قال بلا فصل: # أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل # وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل # فإنك خير السابقين إلى العلى ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل # فقال المتوكل لبعض أصحابه: إن عنده لأدبا، فقال: بل يفعل أمير المؤمنين ~~ويمن # PageV06P123 # عليه، فأمر برده، فحبس مقيدا، وقيل: إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه، ~~وكان البعيث قد قال حين هرب: # كم قد قضيت أمورا كان أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم # لا تعذليني فمالي ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدار بالقلم # سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد الذي يعطي على العدم # ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر، قيل: كان قد جعل في عنقه مائة ~~رطل، فلم يزل على وجهه حتى مات، وجعل بنوه: (جليس وصقر) ، والبعيث، في عداد ~~الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان. # ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد # في هذا السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم: محمد، ~~ولقبه: المنتصر بالله، وأبو عبد الله محمد، (وقيل: طلحة) ، وقيل: الزبير، ~~ولقبه: المعتز بالله، وإبراهيم، ولقبه: المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم ~~لواءين: أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل، فأعطى كل ~~واحد منهم ما نذكره. # فأما المنتصر فأقطعه إفريقية والمغرب كله، والعواصم، وقنسرين، والثغور ~~جميعها، الشامية والجزرية، وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وهيت، وعانة، # PageV06P124 # والأنبار، والخابور، وكور باجرمى، وكور دجلة، وطساسيج السواد جميعها، ~~والحرمين، واليمن وحضرموت، واليمامة، والبحرين، والسند، ومكران، وقندابيل، ~~وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، والمستغلات بسامرا، وماه الكوفة، وماه ~~البصرة (وماسبذان، ومهرجان قذق، وشهزور، والصامغان، وأصبهان، وقم) ، ~~وقاشان، والجبل جميعه، وصدقات العرب بالبسرة. # وأما المعتز فأقطعه، خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان، والري، وأرمينية، ~~وأذربيجان، وكور ms2395 فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين [ومائتين] خزن الأموال ~~في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم. # وأما المؤيد فأقطعه جند دمشق، وجند فلسطين. # ذكر ظهور رجل ادعى النبوة # وفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، فزعم أنه نبي، ~~وأنه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلا، وخرج من أصحابه ببغداذ رجلان ~~بباب العامة، وآخران بالجانب الغربي، فأتي به وبأصحابه المتوكل، فأمر به ~~فضرب (ضربا شديدا، وحمل إلى باب العامة، فكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يضربوه) ~~كل رجل منهم عشر صفعات، ففعلوا، وأخذوا له مصحفا فيه كلام قد جمعه، وذكر ~~أنه قرآن، وأن جبرائيل نزل به، ثم مات من الضرب في ذي الحجة، وحبس أصحابه، ~~وكان فيهم شيخ # PageV06P125 # يزعم أنه نبي، وأن الوحي يأتيه. # ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث # وفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي، بنواحي تدمير، لمحاربة ~~جمع اجتمعوا، وقدموا على أنفسهم رجلا اسمه محمد بن عيسى بن سابق، فوطئ عباس ~~بلدهم، وأوقع بهم، وأصلحهم وعاد. # وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، ~~صاحب الأندلس، فقاتلهم، وأوقع بهم، وأعظم النكاية فيهم. # وفيها سير عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزو الروم، فبلغوا ألبة. # وفيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرب جسر إستجة، وخرب ~~الأرحاء، وغرق نهر إشبيلية ست عشرة قرية، وخرب نهر تاجة ثماني عشرة قرية، ~~وصار عرضه ثلاثين ميلا، وكان هذا حدثا عظيما وقع في جميع البلاد في شهر ~~واحد. # وفيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، وكانت ولايته ثمانية أعوام. # وفيها هلك أبو السول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد ~~الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مؤخر السروج، وعمل ~~رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منها قدر أربع ~~أصابع، ولون كل واحدة منها غير لون الأخرى، ومن ms2396 خرج من نسائهم تلبس إزارا ~~عسليا، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من ~~منازلهم، وأن يجعل على # PageV06P126 # أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ~~ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبا، وأن يستعملوه في الطريق، ~~وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم (بن الحسين بن مصعب) المصعبي، (وهو ابن أخي ~~طاهر بن الحسين) ، وكان صاحب الشرطة (ببغداذ أيام المأمون، والمعتصم، ~~والواثق، والمتوكل) ، ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من ~~القواد يعودونه، وجزع المتوكل لموته. # وفيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط عليه، فحبس الطبع، فمات، ~~وكان موته وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد، وقيل: مات الحسن ~~في سنة ست وثلاثين. # [بقية الحوادث] # وفيها في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع الناس، ثم ~~صار في لون ماء المدود. # وفيها أتى المتوكل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسن (بن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام) . (وكان قد جمع جمعا ببعض النواحي، فأخذ) ، وحبس، ~~وضرب. # PageV06P127 # وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود. # [بقية الوفيات] # وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء، وكان فيه علم ~~وأدب، وله شعر جيد. # وعبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة. # وإسماعيل بن علية، ومنصور بن أبي مزاحم، وسريج بن يونس أبو الحارث. # (سريج: بالسين المهملة والجيم) . # PageV06P128 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين] ### | 236 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين # ذكر مقتل محمد بن إبراهيم # في هذه السنة قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخو إسحاق بن إبراهيم. # وكان سبب ذلك أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب ~~الخليفة; ليكون نائبا عنه ببابه، فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن ~~إسحاق على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين (وطريق ms2397 مكة) في ~~المحرم من هذه السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلها، وحمل إلى المتوكل ~~وأولاده من الجواهر التي كانت لأبيه، والأشياء النفيسة كثيرا. # وكان عمه محمد بن إبراهيم على فارس، فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاده ~~بابن أخيه ساءه ذلك، وتنكر للخليفة ولابن أخيه، فشكا محمد بن إسحاق ذلك إلى ~~المتوكل، فأطلقه في عمه ليفعل به ما يشاء، فعزله عن فارس، واستعمل مكانه ~~ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد بن ~~إبراهيم. # فلما سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايا، وفيها حلوى ~~فأكل محمد منها، وأدخله الحسين بيتا، ووكل عليه، فطلب الماء ليشرب، فمنع ~~منه، فمات بعد يومين. # PageV06P129 # ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام # في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما ~~حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، ~~فنادى [عامل صاحب الشرطة] بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره، بعد ~~ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث، وزرع. # وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، ~~وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من ~~جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف ~~رأسه، وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع ~~البطين، خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليا، عليه السلام، والمتوكل يشرب، ~~ويضحك، ففعل ذلك يوما، والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفا ~~منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام، وأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين ~~إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، ~~وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال ~~المتوكل للمغنين: غنوا جميعا: # غار الفتى لابن عمه رأس الفتى في حر أمه فكان هذا من الأسباب ms2398 التي استحل ~~بها المنتصر قتل المتوكل. # وقيل: إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، ~~والواثق في محبة علي وأهل بيته، وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا ~~بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم، الشاعر الشامي، ومن بني شامة ابن ~~لؤي، وعمر بن فرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي ~~بني أمية، وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة. # PageV06P130 # وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، ~~والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علو ~~منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع ~~حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ~~ذلك من المحاسن. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان. # وفيها حج المنتصر بالله، وحجت معه جدته أم المتوكل. # وفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف المروزي فجأة، وكان عقد له على أرمينية، ~~وأذربيجان، فلبس أحد خفيه، ومد الآخر ليلبسه، فمات، فولى المتوكل ابنه يوسف ~~ما كان إلى أبيه (من الحرب) وولاه خراج الناحية، فسار إليها وضبطها. # وحج بالناس هذه السنة المنتصر. # وفيها خرج حبيب البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، ~~فأغاروا، واستطالوا، فسار إليهم جيش من عبد الرحمن، فقاتلهم، فهزمهم، ~~فتفرقوا. # (وفيها غزا جيش بالأندلس بلاد برشلونة، فقتلوا من أهلها، فأكثروا، وأسروا ~~جما غفيرا، وغنموا، وعادوا سالمين) . # PageV06P131 # [الوفيات] # وفيها توفي هدبة بن خالد، وشيبان الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي. # وفيها توفي مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ابن ~~العوام أبو عبد الله المدني، وكان عمره ثمانين سنة، وهو عم الزبير بن بكار، ~~وكان عالما فقيها، إلا أنه كان منحرفا عن علي، عليه السلام. # وفيها أيضا توفي منصور بن المهدي، ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي ~~المسيبي البغدادي، وكان ثقة. # وفيها توفي جعفر بن ms2399 حرب الهمذاني أحد أئمة المعتزلة البغداديين، وعمره ~~تسع وخمسون سنة، وأخذ الكلام عن ابن أبي الهذيل العلاف البصري. # PageV06P132 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين] ### | 237 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين # ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملها يوسف بن محمد فقتلوه. # وكان سبب ذلك أن يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريق يقال له بقراط ~~بن أشوط، ويقال له بطريق البطارقة، يطلب الأمان، فأخذه يوسف وابنه نعمة، ~~فسيرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي ابن بقراط بن ~~أشوط، وتحالفوا على قتل يوسف، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهو صهر ~~بقراط على ابنته، فأتى الخبر يوسف، ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه، فلم ~~يقبل، فلما جاء الشتاء، ونزل الثلج، مكثوا حتى سكن الثلج، ثم أتوه وهو ~~بمدينة طرون، فحصروه بها، فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم، فقتلوه وكل من ~~قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك، وانج بنفسك عريانا، ~~ففعلوا، ومشوا حفاة عراة، فهلك أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع كثير منهم، ~~ونجوا، وكان ذلك في رمضان. # وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فوجه إلى كل طائفة منهم ~~طائفة من البطارقة، فقتلوهم في يوم واحد. # فلما بلغ المتوكل خبره وجه بغا الكبير إليهم، طالبا لدم يوسف، فسار إليهم ~~على الموصل والجزيرة، فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زرارة، وله إخوة: إسماعيل، ~~وسليمان، وأحمد، وعيسى ومحمد، وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكل، ~~وأباح قتلة يوسف، فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا، وسبى منهم خلقا كثيرا، ~~فباعهم وسار إلى بلاد # PageV06P133 # الباق، فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، صاحب الباق، والباق من كورة ~~البسفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرا، ثم سار إلى ~~تفليس فحصرها. # ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم القضاء # وفيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه، وحبس ابنه ~~أبا الوليد، وسائر أولاده، فحمل ms2400 أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، ~~وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، ~~وأشهد عليهم جميعا ببيع أملاكهم. # وكان أبوهم أحمد بن أبي دؤاد قد فلج، وأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من ~~بغداد إلى سامرا، ورضي عنه، وولاه قضاء القضاة، ثم ولاه المظالم، فولى يحيى ~~بن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء ~~الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال الجماز: # رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين # هما اقتسما العمى نصفين قدا ... كما اقتسما قضاء الجانبين # وتحسب منهما من هز رأسا ... لينظر في مواريث ودين # كأنك قد وضعت عليه دنا ... وفتحت بزاله من فرد عين # PageV06P134 # هما فأل الزمان بهلك يحيى # إذ افتتح القضاء بأعورين # ذكر ولاية العباس بن الفضل صقلية وما فتح فيها # قد ذكرنا سنة ثمان وعشرين ومائتين أن محمد بن عبد الله، أمير صقلية، ~~(توفي سنة ست وثلاثين ومائتين) ، فلما مات اجتمع المسلمون بها على ولاية ~~العباس بن الفضل بن يعقوب، فولوه أمرهم، فكتبوا بذلك إلى محمد بن الأغلب ~~أمير إفريقية فأرسل إليه عهدا (بولايته، فكان العباس إلى أن وصل عهده يغير، ~~ويرسل السرايا، وتأتيه الغنائم. # فلما قدم إليه عهده بولايته خرج بنفسه وعلى مقدمته عمه رباح، فأرسل في ~~سرية إلى قلعة أبي ثور، فغنم، وأسر، وعاد، فقتل الأسرى، وتوجه إلى مدينة ~~قصريانه، فنهب، وأحرق، وخرب; ليخرج إليه البطريق، فلم يفعل، فعاد العباس. # وفي ثمان وثلاثين ومائتين خرج حتى بلغ قصريانه ومعه جمع عظيم، فغنم، وخرب ~~وأتى قطانة، وسرقوسة، ونوطس، ورغوس، فغنم من جميع هذه البلاد، وخرب وأحرق، ~~ونزل على بثيرة، وحصرها خمسة أشهر، فصالحه أهلها على خمسة آلاف رأس. # وفي سنة اثنتين وأربعين سار العباس في جيش كثيف، ففتح حصونا خمسة. # وفي سنة ثلاث وأربعين سار إلى قصريانه، فخرج أهلها، فلقوه، فهزمهم، وقتل # PageV06P135 # فيهم، فأكثر، وقصد سرقوسة وطبرمين وغيرهما، فنهب، وخرب، وأحرق، ونزل على ~~القصر الجديد وحصره، وضيق على من به من ms2401 الروم، فبذلوا له خمسة عشر ألف ~~دينار، فلم يقبل منهم، وأطال الحصر، فسلموا إليه الحصن على شرط أن يطلق ~~مائتي نفس، فأجابهم إلى ذلك، وملكه، وباع كل من فيه سوى مائتي نفس، وهدم ~~الحصن. # ذكر فتح قصريانه # في سنة أربع وأربعين ومائتين فتح المسلمون مدينة قصريانه، وهي المدينة ~~التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن سرقوسة، فلما ملك ~~المسلمون بعض الجزيرة تم نقل دار الملك إلى قصريانه ; لحصانتها. # وسبب فتحها أن العباس سار في جيوش المسلمين إلى مدينة قصريانه، وسرقوسة، ~~وسير جيشا في البحر، فلقيهم أربعون شلنديا للروم، فاقتتلوا أشد قتال، ~~فانهزم الروم، وأخذ منهم المسلمون عشر شلنديات برجالها، وعاد العباس إلى ~~مدينته. # فلما كان الشتاء سير سرية، فبلغت قصريانه، فنهبوا، وخربوا، وعادوا ومعهم ~~رجل كان له عند الروم قدر ومنزلة، فأمر العباس بقتله، فقال: استبقني، ولك ~~عندي نصيحة! قال: وما هي؟ قال: أملكك قصريانه، والطريق في ذلك أن القوم في ~~هذا الشتاء وهذه الثلوج آمنون من قصدكم إليهم، فهم غير محترسين، ترسل معي ~~طائفة من عسكركم حتى أدخلكم المدينة. # فانتخب العباس ألفي فارس أنجاد، أبطال، وسار إلى أن قاربها، وكمن هناك ~~مستترا، وسير عمه رباحا في شجعانهم، فساروا مستخفين في الليل، والرومي معهم ~~مقيد بين يدي رباح، فأراهم الموضع الذي ينبغي أن يملك منه، فنصبوا ~~السلاليم، وصعدوا الجبل، ثم وصلوا إلى سور المدينة، قريبا من الصبح، والحرس ~~نيام، # PageV06P136 # فدخلوا من نحو باب صغير فيه، يدخل منه الماء وتلقى فيه الأقذار، فدخل ~~المسلمون كلهم، فوضعوا السيف في الروم، وفتحوا الأبواب. # وجاء العباس في باقي العسكر، فدخلوا المدينة وصلوا الصبح يوم الخميس ~~منتصف شوال، وبنى فيها في الحال مسجدا، ونصب فيه منبرا، وخطب فيه يوم ~~الجمعة، وقتل من وجد فيها من المقاتلة، وأخذوا ما فيها من بنات البطارقة ~~بحليهن، وأبناء الملوك، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الشرك يومئذ ~~بصقلية ذلا عظيما. # ولما سمع الروم بذلك أرسل ملكهم بطريقا من القسطنطينية في ثلاثمائة شلندي ~~وعسكر كثير، فوصلوا إلى ms2402 سرقوسة، فخرج إليه العباس من المدينة، ولقي الروم ~~وقاتلهم، فهزمهم، فركبوا في مراكبهم هاربين، وغنم المسلمون منهم مائة ~~شلندي، وكثر القتل فيهم، ولم يصب من المسلمين ذلك اليوم غير ثلاثة نفر ~~بالنشاب. # وفي سنة ست وأربعين ومائتين نكث كثير من قلاع صقلية وهي: سطر، وابلا، ~~وابلاطنوا، وقلعة عبد المؤمن، وقلعة البلوط، وقلعة أبي ثور، وغيرها من ~~القلاع، فخرج العباس إليهم، فلقيهم عساكر الروم، فاقتتلوا، فانهزم الروم، ~~وقتل منهم كثير. # وسار إلى قلعة عبد المؤمن وقلعة ابلاطنوا، فحصرها، فأتاه الخبر (بأن ~~كثيرا من عساكر الروم قد وصلت) ، فرحل إليهم، فالتقوا بجفلودي، وجرى بينهم ~~قتال شديد، فانهزمت الروم، وعادوا إلى سرقوسة، وعاد العباس إلى المدينة، ~~وعمر قصريانه، وحصنها، وشحنها بالعساكر. # PageV06P137 # وفي سنة سبع وأربعين ومائتين سار العباس إلى سرقوسة، فغنم وسار إلى غيران ~~قرقنة، فاعتل ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام، ثالث جمادى الآخرة، فدفن ~~هناك، فنبشه الروم، وأحرقوه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد ~~شتاء وصيفا، وغزا أرض قلورية، وانكبرده وأسكنها المسلمين. # ذكر ابتداء أمر يعقوب بن الليث # وفيها تغلب إنسان من أهل بست، اسمه صالح بن النضر الكناني، على سجستان، ~~ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان واستنقذها ~~من يده. # ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين، من المتطوعة، فتغلب عليها، وكان ~~غير ضابط لعسكره، وكان يعقوب بن الليث هو قائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ~~ضعفه، وعجزه، اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من ~~تدبيره، وحسن سياسته، وقيامه بأمورهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في ~~الأمر، وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالأمر، وضبط البلاد، وقويت ~~شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولي عبيد الله بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد. # وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان في ربيع الأول، فولي ~~الجزية، والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداذ، وأعمال ms2403 السواد وأقام بها. # وفيها عزل أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولاها محمد ~~بن # PageV06P138 # يعقوب المعروف بابن الربيع. # وفيها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه، ~~فحمل إلى بغداد، وضم رأسه إلى بدنه، وغسل، وكفن، ودفن، واجتمع عليه من ~~العامة ما لا يحصى يتمسحون به. # وكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال في القرآن وغيره، وكتب إلى الآفاق ~~بذلك. # وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى الأرمني. # وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور وكان والي مكة. # وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة، وتأول القرآن على ~~غير تأويله، فتبعه قوم من الغوغاء، فكان من شرائعه أنه كان ينهى عن قص ~~الشعر وتقليم الأظفار، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتي به، وكان أول ما ~~خاطبه به أن دعاه إلى اتباعه، فأمره العامل بالتوبة، فامتنع، فصلبه. # وفيها سارت جيوش المسلمين إلى بلاد المشركين، فكانت بينهم وقعة عظيمة كان ~~الظفر فيها للمسلمين، وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، ومشهورة ~~بالأندلس. # [الوفيات] # وفيها توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد ~~النرسي، # PageV06P139 # وعبيد الله بن معاذ العنبري. # (النرسي: بالنون والراء والسين المهملة) . # PageV06P140 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين] ### | 238 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين # ذكر ما فعله بغا بتفليس # قد ذكرنا مسير بغا إلى تفليس، ومحاصرتها، وكان بغا لما سار إليها وجه ~~زيرك التركي، فجاز نهر الكر، وهو نهر كبير، ومدينة تفليس على حافته، ~~وصغدبيل على جانبه الشرقي، فلما عبر النهر نزل بميدان تفليس، ووجه بغا أيضا ~~أبا العباس الوارثي النصراني إلى أهل أرمينية عربها وعجمها، فأتى تفليس مما ~~يلي باب المرصف، فخرج إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية من تفليس إلى زيرك، ~~فقابله عند الميدان، ووقف بغا على تل مشرف ينظر ما يصنع زيرك وأبو العباس، ~~فدعا بغا النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، فأحرقوها وهي من خشب الصنوبر. # وأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة، فرأى النار قد أحرقت ms2404 قصره وجواريه ~~وأحاطت به، فأتاه الأتراك، والمغاربة، فأخذوه أسيرا، وأخذوا ابنه عمرا، ~~فأتوا بهما بغا، فأمر بإسحاق فضربت عنقه، وصلبت جثته على نهر الكر، وكان ~~شيخا محدورا، ضخم الرأس، أحول، واحترق بالمدينة نحو خمسين ألف إنسان، ~~وأسروا من سلم من النار، وسلبوا الموتى. # وأخذ أهل إسحاق ما سلم من ماله بصغدبيل وهي مدينة حصينة حذاء تفليس # PageV06P141 # بناها كسرى أنوشروان، وحصنها إسحاق، وجعل أمواله فيها مع امرأته ابنة ~~صاحب السرير. # ثم إن بغا وجه زيرك إلى قلعة الحرزمان، وهي بين برذعة وتفليس، في جماعة ~~من جنده، ففتحها، وأخذ بطريقها أسيرا، ثم سار بغا إلى عيسى بن يوسف، وهو في ~~قلعة كبيش، في كورة البلقان، ففتحها وأخذه فحمله، وحمل معه أبا العباس ~~الوارثي، واسمه سنباط بن أشوط، (وحمل) معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران. # ذكر مسير الروم إلى ديار مصر # في هذه السنة جاء ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء، فأناخ أحدهم في ~~مائة مركب بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه البحيرة، يكون ماؤها إلى صدر ~~الرجل، فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجازه قوم فسلموا، وغرق ~~كثير من نساء وصبيان، ومن كان به قوة سار إلى مصر. # وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، فلما حضر العيد أمر الجند ~~الذين بدمياط أن يحضروا مصر، فساروا منها، فاتفق وصول الروم وهي فارغة من ~~الجند فنهبوا، وأحرقوا، (وسبوا، وأحرقوا جامعها، وأخذوا ما بها من سلاح ~~ومتاع، وقند، وغير ذلك) ، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة ~~امرأة، وأوقروا سفنهم من ذلك. # وكان عنبسة قد حبس بسر بن الأكشف بدمياط، فكسر قيده، وخرج يقاتلهم، وتبعه ~~جماعة، (وقتل من الروم جماعة) . # PageV06P142 # وسارت الروم إلى أشتوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله ~~المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد. # ذكر وفاة عبد الرحمن بن الحكم وولاية ابنه محمد # وفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ~~الأموي، ms2405 صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، ~~وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر. # وكان أسمر طويلا، أقنى، أعين، عظيم اللحية، مخضبا بالحناء، وخلف خمسة ~~وأربعين ولدا ذكورا. # وكان أديبا، شاعرا، وهو معدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له ~~اسمها طروب، وشهر بها، وكان عالما بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة ~~وغيرهم، وكانت أيامه أيام عافية وسكون، وكثرت الأموال عنده، وكان بعيد ~~الهمة، واخترع قصورا، ومتنزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة ~~رواقين، وتوفي قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه، وبنى جوامع كثيرة ~~بالأندلس. # ولما مات ملك ابنه محمد، فجرى على سيرة والده في العدل، وأتم بناء الجامع ~~بقرطبة، (وأمه تسمى بهتر) ، وولد له مائة ولد كلهم ذكور، وهو أول من أقام ~~أبهة الملك بالأندلس، ورتب رسوم المملكة، وعلا عن التبذل للعامة، فكان يشبه ~~بالوليد بن عبد الملك في أبهة الملك، وهو أول من جلب الماء العذب إلى ~~قرطبة، وأدخله # PageV06P143 # إليه، وجعل لفضل الماء مصنعا كبيرا يرده الناس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار المتوكل نحو المدائن، فدخل بغداد، وسار منها إلى ~~المدائن. # وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني. # [الوفيات] # وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه، وكان إماما ~~عالما، وجرى له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة، وكان عمره سبعا وسبعين سنة. # ومحمد بن بكار المحدث. # PageV06P144 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين] ### | 239 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين # في هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على ~~الأقبية والدراريع، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون ~~الخيل والبراذين. # وفيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان. # (وفيها أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام) . # (وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشا مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح، وكان ~~أهل طليطلة قد خربوا سورها، وقتلوا كثيرا من أهلها، وأصلح الحكم سورها، ~~وأعاد من فارقها من أهلها إليها، وأصلح حالها، وتقدم إلى طليطلة، فأفسد في ~~نواحيها ms2406 وشعثها، وسير محمد أيضا جيشا آخر إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت ~~عليهم الجنود من المكامن، فانهزم العسكر، وأصيب أكثر من فيه) . # [الوفيات] # وفيها مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي ببغداذ في ذي ~~الحجة. # PageV06P145 # [ذكر عدة حوادث] # وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني. # وفيها حج جعفر بن دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وكان ~~والي مكة. # وفيها اتفق الشعانين للنصارى ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة ~~خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط. # وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي أبو أحمد، وهو من مشايخ البخاري ومسلم ~~والترمذي. # PageV06P146 ### | [ثم دخلت سنة أربعين ومائتين] ### | 240 - # ثم دخلت سنة أربعين ومائتين # ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي، ~~وكان قتل رجلا من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه، وأخرجوا عامل ~~الخراج، فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب، ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال ~~لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم ~~محمد بن عبدويه، فإن أبو فأقم وأعلمني، حتى أمدك برجال وفرسان. # فساروا إليهم، فوصلوا في ربيع الآخر، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم ~~الأعاجيب، حتى أحوجهم إلى محاربته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلس # وفي هذه السنة، في المحرم، كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة بالأندلس. # وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد بن عبد ~~الرحمن، صاحب الأندلس، وعلى أبيه من قبله، فلما كان الآن سار محمد في جيوشه # PageV06P147 # إلى طليطلة، فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه وإلى ~~ملك بشكنس فأمداهم بالعساكر الكثيرة. # فلما سمع محمد بذلك، وكان قد قارب طليطلة، عبأ أصحابه، وقد كمن لهم ~~الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم هو إليهم في قلة من العسكر، فلما ms2407 رأى أهل ~~طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم، فسارعوا إلى قتالهم، وطمعوا فيهم، ~~فلما تراءى الجمعان، وانتشب القتال، خرجت الكمناء من كل جهة على المشركين ~~وأهل طليطلة، فقتل منهم ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف رأس فرقت ~~في البلاد، فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من الطائفتين عشرون ألف قتيل، ~~وبقيت جثث القتلى على وادي سليط دهرا طويلا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ~~ألف دينار، وأربعة آلاف جريب بالبصرة. # وفيها ولي جعفر بن عبد الواحد بن سليمان بن علي قضاء القضاة. # وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود. # وكان على أحداث المواسم جعفر بن دينار. # PageV06P148 # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي ~~الوليد بعشرين يوما، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب ~~المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه ~~جهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ~~ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي ~~سحر النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف ~~في ذلك طالوت، وكان زنديقا، فأفشى الزندقة. # وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبو رجاء الثقفي، وله تسعون سنة، وهو ~~خراساني من مشايخ البخاري، ومسلم وأحمد بن حنبل، (وغيرهم من الأئمة. # وتوفي) أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه، وهو من أصحاب ~~الشافعي، وأبو عثمان محمد بن الشافعي، وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن ~~أبيه، وعن ابن عنبسة. # وقيل: مات بعد سنة أربعين [ومائتين] . # وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين. # PageV06P149 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين] ### | 241 - # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين # ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم # في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم محمد ms2408 بن عبدويه، وأعانهم عليه قوم من ~~نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل بذلك، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند ~~من دمشق والرملة، (فظفر بهم) ، فضرب منهم رجلين من رؤسائهم حتى ماتا ~~وصلبهما على باب حمص، وسير ثمانية رجال من أشرافهم إلى المتوكل، وظفر بعد ~~ذلك بعشرة رجال من أعيانهم، فضرب أعناقهم، وأمره المتوكل بإخراج النصارى ~~منها، وهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التي إلى جانب الجامع إلى الجامع، ففعل ~~ذلك. # ذكر الفداء بين المسلمين والروم # وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة ملكة الروم من ~~أسرى المسلمين اثني عشر ألفا، فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن تنصر ~~جعلته أسوة من قبله من المتنصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة لمن ~~بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفا الخادم على الفداء، وطلب قاضي القضاة جعفر ~~بن عبد الواحد أن يحضر الفداء، ويستخلف على القضاء من يقوم مقامه، فأذن له ~~فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهو شاب، ووقع الفداء على نهر ~~اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلا، ومن ~~النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة. # PageV06P150 # وفيها جعل المتوكل كل كورة شمشاط عشرية، وكانت خراجية. # ذكر غارات البجاة بمصر # وفيها أغارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغزو بلاد الإسلام ~~لهدنة قديمة، وقد ذكرناها فيما مضى، وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين ~~عليها، ويؤدون إلى عمال مصر نحو الخمس. # فلما كانت أيام المتوكل امتنعت عن أداء ذلك، فكتب صاحب البريد بمصر ~~بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، فهرب المسلمون ~~منها خوفا على أنفسهم، فأنكر المتوكل ذلك، فشاور في أمرهم، فذكر له أنهم ~~أهل بادية، أصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز، وبين ~~أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة، وأن كل من يدخلها من ~~الجيوش يحتاج أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد ~~الإسلام، فإن جاوز تلك المدة هلك، وأخذتهم البجاة باليد، وأن أرضهم لا ms2409 ترد ~~على سلطان شيئا. # فأمسك المتوكل عنهم، فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم ~~منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم، وولاه معونة تلك ~~الكور، وهي قفط، والأقصر، وأسنا وأرمنت، وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، ~~وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي عامل حرب مصر بإزاحة علته، وإعطائه من الجند ~~ما يحتاج إليه، ففعل ذلك. # وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن يعمل في المعادن والمتطوعة عالم ~~كثير، فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا بين فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، ~~فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق، والزيت، والتمر، والشعير، ~~والسويق، وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر مما يلي بلاد البجاة، ~~وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، وسار إلى حصونهم وقلاعهم، ~~وخرج إليه ملكهم، واسمه علي بابا، في جيش كثير أضعاف من مع القمي، فكانت ~~البجاة على الإبل، وهي إبل فرة تشبه المهاري، فتحاربوا أياما ولم يصدقهم ~~علي بابا القتال لتطول الأيام، وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم ~~بغير حرب، فأقبلت تلك المراكب التي فيها الأقوات في البحر، # PageV06P151 # ففرق القمي ما كان فيها من أصحابه (فامتنعوا فيها) . # فلما رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال، وجمع لهم، فالتقوا واقتتلوا قتالا ~~شديدا، وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء، فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في ~~عسكره وجعلها في أعناق خيله، ثم حملوا على البجاة، فنفرت إبلهم لأصوات ~~الأجراس، فحملتهم على الجبال والأودية، وتبعهم المسلمون قتلا وأسرا، حتى ~~أدركهم الليل، وذلك أول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم رجع إلى معسكره ولم ~~يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم. # ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته وبلاده، فأدى ~~إليهم الخراج للمدة التي كان منعها، وهي أربع سنين، وسار مع القمي إلى ~~المتوكل، واستخلف (على مملكته) ابنه بغش، فلما وصل إلى المتوكل خلع عليه ~~وعلى أصحابه، وكسا جمله رحلا مليحا وجلال ديباج. # وولى المتوكل البجاة طريق مصر، ما بين مصر ومكة، سعدا الخادم الإيتاخي، ~~فولى ms2410 الإيتاخي محمدا القمي، فرجع إليها ومعه علي بابا وهو على دينه، وكان ~~معه صنم من حجارة كهيئة الصبي يسجد له. # ذكر عدة حوادث # وفيها مطر الناس بسامرا مطرا شديدا في آب. # وقيل فيها: إنه أنهي إلى المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب ~~خان عاصم ببغداذ، يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، فكتب إلى # PageV06P152 # محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه بالسياط، فإذا مات رمى به في دجلة، ~~(ففعل ذلك وألقي في دجلة) . # وفيها وقع الصدام فنفقت الدواب والبقر. # وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأخذت من كان بها أسيرا من الزط مع ~~نسائهم وذراريهم ودوابهم. # (وفيها أكثر محمد، صاحب الأندلس، من الرجال بقلعة رباح وتلك النواحي، ~~ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش إلى غزو الفرنج مع موسى، فدخلوا ~~بلادهم، ووصلوا إلى ألبة والقلاع، وافتتحوا بعض حصونها وعادوا) . # [الوفيات] # ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم، المعروف بقوصرة، صاحب بريد مصر ~~والغرب. # [بقية الحوادث] # وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود. # وحج جعفر بن دينار، وهو والي الطريق وأحداث الموسم. # وفيها كثر انقضاض النجوم، فكانت كثيرة لا تحصى، فبقيت ليلة من العشاء ~~الآخرة إلى الصبح. # PageV06P153 # وفيها كانت بالري زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا ~~يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوما. # وفيها خرجت ريح من بلاد الترك، فقتلت خلقا كثيرا، وكان يصيبهم بردها ~~(فيزكمون) ، فبلغت سرخس، ونيسابور، وهمذان، والري، فانتهت إلى حلوان. # [الوفيات] # وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربيع ~~الأول. # PageV06P154 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين] ### | 242 - # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين # في هذه السنة كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت الدور، ~~وهلك تحت الهدم بشر كثير، قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين ~~نفسا، وكان أكثر ذلك بالدامغان. # وكان بالشام وفارس وخراسان في هذه السنة زلازل، وأصوات منكرة، وكان ~~باليمن مثل ذلك مع خسف. # وفيها خرجت الروم من ناحية شمشاط بعد خروج ms2411 علي بن يحيى الأرمني من ~~الصائفة، حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور والجزرية فانتهبوا، وأسروا نحوا ~~من عشرة # PageV06P155 # آلاف، وكان دخولهم من ناحية إبريق قرية قريباس ثم رجعوا، فخرج قريباس ~~وعمر بن عبد الله الأقطع، وقوم من المتطوعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب ~~المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتيا. # وفيها قتل المتوكل رجلا عطارا، وكان نصرانيا فأسلم، فمكث مسلما سنين ~~كثيرة، ثم ارتد، واستتب فأبى الرجوع إلى الإسلام، فقتل وأحرق. # وفيها سير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشا إلى بلد المشركين، فدخلوا ~~إلى برشلونة، وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء أعمالها، فغنموا كثيرا، ~~وافتتحوا حصنا من أعمال برشلونة يسمى طراجة، وهو من آخر حصون برشلونة) . # [الوفيات] # (وفيها مات أبو العباس محمد بن الأغلب أمير إفريقية عاشر المحرم، كان ~~عمره ستا وثلاثين سنة، وولي بعده ابنه أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، ~~وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين) . # وفيها مات أبو حسان الزيادي قاضي الشرقية. # PageV06P156 # ومات الحسن بن علي بن الجعد، قاضي مدينة المنصور. # [بقية الحوادث] # وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو على مكة، ~~وحج جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم. # [بقية الوفيات] # وتوفي القاضي يحيى بن أكثم التميمي بالربذة عائدا من الحج، ومحمد بن ~~مقاتل الرازي، وأبو حصين [بن] يحيى بن سليمان الرازي المحدث. # PageV06P157 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين] ### | 243 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين # وفي هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل، فضحى ~~ببلد، فقال يزيد بن محمد المهلبي: # أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق # فإن يدع العراق وساكنيه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق # وفيها مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي، وكان أديبا شاعرا، ~~فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد بن الجراح، خليفة إبراهيم. # ومات عاصم بن منجور. # [بقية الحوادث] # وحج بالناس عبد الصمد بن موسى. # وحج جعفر بن دينار وهو والي الطريق ms2412 وأحداث الموسم. # PageV06P158 # وفيها خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى طلبيرة وعليها مسعود بن عبد الله ~~العريف، فخرج إليهم فيمن معه من الجنود، فلقيهم، فقاتلهم، فانهزم أهل ~~طليطلة، وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبع مائة رأس. # [بقية الوفيات] # وفيها توفي سهيد بن عيسى بن سهيد الأندلسي، وكان من العلماء. # وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن يوسف المعروف بابن السكيت، النحوي اللغوي، ~~وقيل: سنة أربع، وقيل: خمس، وقيل: ست وأربعين. # والحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله الزاهد، وكان قد هجره الإمام أحمد ~~بن حنبل لأجل الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه إلا أربعة ~~نفر. # PageV06P159 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين] ### | 244 - # ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين # في هذه السنة دخل المتوكل مدينة دمشق في صفر، وعزم على المقام بها، ونقل ~~دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها، ثم استوبأ البلد، وذلك بأن هواءه ~~بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي ~~عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث، وغلت الأسعار، وحال الثلج بين السابلة ~~والميرة، فرجع إلى سامرا. # وكان مقامه بدمشق شهرين وأياما، فلما كان بها وجه بغا الكبير لغزو الروم، ~~فغزا الصائفة فافتتح صملة. # وفيها عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار. # وقيل: عقد له سنة اثنتين وأربعين، وهو الصواب. # وفيها أتي المتوكل بحربة كانت للنبي، صلى الله عليه وسلم، تسمى العنزة، ~~فكانت للنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يدي النبي، صلى الله عليه وسلم، في ~~العيدين، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة. # وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين. # PageV06P160 # وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين للنصارى، وعيد الفطر لليهود، في يوم ~~واحد. # وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى. # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري، وعلي بن حجر ~~السعدي المروزي، وهما إمامان في الحديث. # ومحمد بن عبد الملك بن أبي ms2413 الشوارب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي عثمان بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية القاضي في جمادى الأولى. # (أسيد: بفتح الهمزة) . # PageV06P161 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين] ### | 245 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين # في هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخوزة، وسماها الجعفرية، وأقطع القواد ~~وأصحابه فيها، وجد في بنائها، وأنفق عليها فيما قيل: أكثر من ألفي ألف ~~دينار، وجمع فيها القراء، فقرؤوا، وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ~~ألف درهم، وكان يسميها هو وأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصرا سماه لؤلؤة لم ~~ير مثله في علوه، وحفر لها نهرا يسقي ما حولها، فقتل المتوكل، فبطل حفر ~~النهر، وأخربت الجعفرية. # وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، والقناطر، ففرق ~~المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله. # وزلزل عسكر المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية، فقتل بها خلق كثير، فسقط ~~منها ألف وخمس مائة دار، وسقط من سورها نيف وتسعون برجا، وسمعوا أصواتا ~~هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر. # PageV06P162 # وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر ~~على فرسخ لا يدرى أين ذهب، وسمع أهل سيس، فيما قيل: صيحة دائمة هائلة، فمات ~~منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة، والثغور، وطرسوس، وأدنة، وزلزلت ~~الشام، فلم يسلم من اللاذقية إلا اليسير، وهلك أهل جبلة. # وفيها غارت مشاش عين مكة، فبلغ ثمن القربة درهما، فبعث المتوكل مالا، ~~وأنفق عليها. # وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل، وهلال الرأي. # وفيها هلك نجاح بن سلمة، وكان سبب هلاكه أنه كان على ديوان التوقيع، ~~وتتبع العمال، وكان على الضياع، فكان جميع العمال يتوقونه، ويقضون حوائجه، ~~وكان المتوكل ربما نادمه، وكان الحسن بن مخلد، وموسى بن عبد الملك قد ~~انقطعا إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل، وكان الحسن على ~~ديوان الضياع، وموسى # PageV06P163 # على ديوان الخراج، فكتب نجاح بن سلمة فيهما رقعة إلى المتوكل: أنهما خانا ~~وقصرا، وأنه يستخرج منهما أربعين ألف ألف، ms2414 فقال له المتوكل: بكر غدا حتى ~~أدفعهما إليك. فغدا وقد رتب أصحابه لأخذهما، فلقيه عبيد الله بن يحيى ~~الوزير، فقال له: أنا أشير عليك بمصالحتهما، وتكتب رقعة أنك كنت شاربا، ~~وتكلمت ناسيا، وأنا أصلح بينكما، وأصلح الحال عند أمير المؤمنين. ولم يزل ~~يخدعه حتى كتب خطة بذلك. # فلما كتب خطه صرفه، وأحضر الحسن وموسى، وعرفهما الحال، وأمرهما أن يكتبا ~~في نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار، ففعلا، وأخذ الرقعتين وأدخلهما على ~~المتوكل، وقال: قد رجع نجاح عما قال، وهذه رقعة موسى والحسن يتقبلان بما ~~كتبا، فتأخذ ما ضمنا عليه، ثم تعطف عليهما، فتأخذ منهما قريبا منه. # فسر المتوكل بذلك، وأمر بدفعه إليهما، فأخذاه وأولاده، فأقروا بنحو مائة ~~وأربعين ألف دينار سوى الغلات، والغرس، والضياع، وغير ذلك، فقبض ذلك أجمع، ~~وضرب، ثم عصرت خصيتاه حتى مات، وأقر أولاده بعد الضرب بسبعين ألف دينار، ~~سوى ما لهما من ملك وغيره، فأخذ الجميع وأخذ من وكلائه في جميع البلاد مالا ~~جزيلا. # وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوا، وسبوا، (وأسروا خلقا كثيرا) ، ~~وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة. # ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليها، فبعث إليهم ملك الروم بطريقا، ~~يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا البطريق ~~إليهم، ثم أعطوا # PageV06P164 # أرزاقهم الفائتة وما أرادوا، فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور، فسيره ~~إلى المتوكل، فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم. # وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام يعرف ~~بالزينبي، وهو والي مكة. # وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشرة ~~خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع عشرة خلت من حزيران، ولثمان وعشرين من ~~أردبيهشت، فقال البحتري: # إن يوم النيروز عاد إلى ... العهد الذي سنه أردشير. # ذكر خروج الكفار بالأندلس إلى بلاد الإسلام. # في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس، في مراكب، إلى بلاد الإسلام، ~~فأمر محمد بن عبد الرحمن، صاحب بلاد الإسلام، بإخراج العساكر إلى قتالهم، ~~فوصلت مراكب المجوس ms2415 إلى إشبيلية، فحلت بالجزيرة، ودخلت الحاضر إلى قتالهم، ~~وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى العدوة، فحلت بناكور، ثم عادت إلى ~~الأندلس، فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوالة. # ثم تقدموا إلى حائط إفرنجة، وأغاروا، وأصابوا من النهب والسبي كثيرا، ثم # PageV06P165 # انصرفوا، فلقيتهم مراكب محمد، فقاتلوهم، فأحرقوا مركبين من مراكب الكفار، ~~وأخذوا مركبين آخرين، فغنموا ما فيهما، فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في ~~القتال، فاستشهد جماعة من المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة ~~بنبلونة، فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجي، فافتدى نفسه منهم بتسعين ألف ~~دينار. # وفيها غزا عامل طرسونة إلى بنبلونة، فافتتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم ~~كانت على المسلمين في اليوم الثاني وقعة استشهد فيها جماعة. # ذكر الحرب بين البربر وابن الأغلب بإفريقية # في هذه السنة كانت بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب ~~وقعة عظيمة في جمادى الآخرة. # وسببها أن بربر لهان امتنعوا على عامل طرابلس من أداء عشورهم وصدقاتهم، ~~وحاربوه، فهزموه، فقصد لبدة، فحصنها، وسار إلى طرابلس، فسير إليه أحمد بن ~~محمد الأمير جيشا مع أخيه زيادة الله، فانهزم البربر، وقتل منهم خلق كثير، ~~وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من أدرك منهم، وأسر جماعة، فضربت ~~أعناقهم، وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن البربر بعدها، وأعطوا الرهن، وأدوا ~~طاعتهم. # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، وكان سبب ~~موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيهما أحب إليك المعتز والمؤيد، أو الحسن ~~والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين، عليهما السلام، بما هما أهل له، ~~فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره، فمات. # [الوفيات] # وفيها توفي ذو النون المصري في ذي القعدة، # PageV06P166 # وأبو تراب النخشبي الصوفي، نهشته السباع فمات بالبادية. # وأبو علي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي، وقيل: مات ~~سنة ثمان وأربعين [ومائتين] ، وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، وكان قد ~~عمي. # PageV06P167 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين] ### | 246 - # ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين # وفيها غزا ms2416 عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة (عشر) ألف رأس. # وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس. # وغزا الفضل بن قارن بحرا في عشرين مركبا، فافتتح حصن أنطاكية. # وعزا بلكاجور، فغنم، وسبى. # وغزا علي بن يحيى الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، ~~والحمير، نحوا من عشرة آلاف رأس. # (وفيها تحول المتوكل إلى الجعفرية) . # وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة ~~وسبعة وستين نفسا. # PageV06P168 # وفيها مطر أهل بغداد نيفا وعشرين يوما، حتى نبت العشب فوق الأجاجير، وصلى ~~المتوكل صلاة الفطر بالجعفرية. # وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دما عبيطا. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي. # وضحى أهل سامرا يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء. # (وفيها سار محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوش عظيمة، وأهبة ~~كثيرة، إلى بلد بنبلونة، فوطئ بلادها، ودوخها، وخربها، ونهبها وقتل فيها، ~~فأكثر، وافتتح حصن فيروس، وحصن فالحسن (؟) ، وحصن القشتل، وأصاب فيه فرتون ~~بن غرسيه، فحبسه بقرطبة عشرين سنة، وكان عمره لما مات ستا وتسعين سنة. # وكان مقام محمد بأرض بنبلونة اثنين وثلاثين يوما) . # [الوفيات] # وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، وكان مولده سنة ثمان وأربعين ~~ومائة، وكان يتشيع. # وفيها توفي السري بن معاذ الشيباني بالري، وكان أميرا عليها، حسن السيرة، ~~من أهل الفضل. # PageV06P169 # وتوفي أحمد بن إبراهيم الدورقي [ببغداذ] ، ومحمد بن سليمان الأسدي ~~(الملقب) بلوين. # PageV06P170 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين] ### | 247 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين # ذكر مقتل المتوكل # وفي هذه السنة قتل المتوكل، وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ~~ضياع وصيف بأصبهان والجبل، وإقطاعها الفتح بن خاقان، فكتبت، وصارت إلى ~~الخاتم، فبلغ ذلك وصيفا، وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في ~~رمضان، وشاع في الناس، واجتمعوا لذلك، وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص ~~وكلامه إذا ركب. # فلما كان يوم الجمعة، وأراد الركوب للصلاة، قال له عبيد الله بن يحيى، ~~والفتح بن ms2417 خاقان: إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ومن غيرهم، فبعض متظلم، ~~وبعض طالب حاجة، وأمير المؤمنين يشكو ضيق الصدر، وعلة به، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه، فليفعل. # فأمر المنتصر بالصلاة، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين، إن ~~رأيت أن تأمر المعتز بالصلاة، فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك، وقد بلغ الله ~~به، وكان قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد، فأمر المعتز، فركب فصلى بالناس، وأقام ~~المنتصر في داره بالجعفرية، فزاد ذلك في إغرائه. # فلما فرغ المعتز من خطبته قام إليه عبيد الله والفتح بن خاقان، فقبلا ~~يديه ورجليه، فلما فرغ من الصلاة انصرف ومعه الناس في موكب الخلافة، حتى ~~دخل على أبيه، فأثنوا عليه عنده، فسره ذلك. # PageV06P171 # فلما كان عيد الفطر قال: مروا المنتصر يصلي بالناس! فقال له عبيد الله: ~~قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين، واحتشدوا لذلك، فلم يركب، ~~ولا يأمن إن هو لم يركب اليوم، أن يرجف الناس بعلته، فإذا رأى أمير ~~المؤمنين أن يسر الأولياء، ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل. # فركب وقد صف له الناس نحو أربعة أميال، وترجلوا بين يديه، فصلى، ورجع، ~~فأخذ حفنة من التراب، فوضعها على رأسه، وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ~~ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتواضع لله. # فلما كان اليوم الثالث افتصد، واشتهى لحم جزور، فأكله، وكان قد حضر عنده ~~ابن الحفصي وغيره، فأكلوا بين يديه. قال: ولم يكن يوم أسر من ذلك اليوم، ~~ودعا الندماء والمغنين، فحضروا. # وأهدت له أم المعتز مطرف خز أخضر، لم ير الناس مثله، فنظر إليه، فأطال، ~~وأكثر تعجبه منه، وأمر فقطع نصفين ورده عليها، وقال لرسولها: والله إن نفسي ~~لتحدثني أني لا ألبسه، وما أحب أن يلبسه أحد بعدي; ولهذا أمرت بشقه. # قال: فقلنا: نعيذك بالله أن تقول مثل هذا، قال: وأخذ في الشراب واللهو، ~~ولج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل! ولم يزل في لهوه وسروره إلى ~~الليل. # وكان قد عزم هو والفتح ms2418 أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من ~~قواد الأتراك، وقد كان المنتصر واعد الأتراك ووصيفا وغيره على قتل المتوكل. # وكثر عبث المتوكل، قبل ذلك بيوم، بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه ~~فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من ~~الله ومن قرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن لم تلطمه، يعني ~~المنتصر، فقام إليه فلطمه مرتين، ثم أمر يده على قفاه، ثم قال لمن حضره: ~~اشهدوا علي جميعا أني قد خلعت المستعجل، يعني المنتصر، ثم التفت إليه، ~~فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس، لحمقك، المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل. # PageV06P172 # فقال المنتصر: لو أمرت بضرب عنقي كان أسهل علي مما تفعله بي، فقال: ~~اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، ~~وأمر بنانا غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، وأخذ بيد زرافة (الحاجب) ، وقال ~~له: امض معي! فقال: إن أمير المؤمنين لم ينم، فقال: إنه قد أخذ منه النبيذ، ~~والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي، فإن أوتامش ~~سألني أن أزوج ولده من ابنتك، وابنك من ابنته، فقال: نحن عبيدك فمر بأمرك! ~~فسار معه إلى حجرة هناك، وأكلا طعاما، فسمعا الضجة والصراخ، فقاما، وإذا ~~بغا قد لقي المنتصر، فقال المنتصر: ما هذا؟ فقال: خير يا أمير المؤمنين، ~~قال: ما تقول ويلك؟ قال: أعظم الله أجرك (في سيدنا) أمير المؤمنين، كان عبد ~~الله دعاه فأجابه. # فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوكل، فأغلق، وأغلقت ~~الأبواب كلها، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة ~~المتوكل. # وأما كيفية قتل المتوكل، فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، ~~وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائما عند الستر، وذلك اليوم كان نوبة ~~بغا الكبير، وكان خليفته في الدار ابنه موسى، وموسى هو ابن خالة المتوكل، ~~وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء ~~بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، ms2419 وأمير المؤمنين ~~لم يرتفع، فقال بغا: إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة لا أترك ~~أحدا، وقد شرب أربعة عشر رطلا، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة، وأخرجهم، ~~فلم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدم الخاصة، وأبو أحمد بن المتوكل، وهو ~~أخو المؤيد لأمه. # وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلها، إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين ~~قتلوه، فبصر بهم أبو أحمد، فقال: ما هذا يا سفل! وإذا سيوف مسللة، فلما سمع ~~المتوكل صوت أبي أحمد رفع رأسه، فرآهم، فقال: ما هذا يا بغا؟ فقال: هؤلاء ~~رجال النوبة، فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف ~~حضروا معهم، فقال لهم بغا: يا سفل! أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراما! ~~فرجعوا، فابتدره بغلون، فضربه على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلا! قطع الله ~~يدك، وأراد الوثوب به، # PageV06P173 # واستقبله بيده، فضربها، فأبانها، وشاركه باغر، فقال الفتح: ويلكم! أمير ~~المؤمنين. . . ورمى بنفسه على المتوكل، فبعجوه بسيوفهم، فصاح: الموت! ~~وتنحى، فقتلوه. # وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم، وقالوا: إنا نخاف، فقال: لا بأس عليكم، ~~فقالوا له: أرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحا، وأحمد، ~~وعبد الله، ونصرا، وعبيد الله. # وقيل: إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد فرغنا من ~~الأسد، والحيات، والعقارب، وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية، ~~والعقرب، والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال: يا ويلك! أي سيوف؟ فما استتم ~~كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا الفتح، وخرجوا إلى المنتصر، فسلموا ~~عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف، ~~وقالوا: بايع، فبايع. # وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قد قتل أبي فقتلته، فاحضر في وجوه ~~أصحابك! فحضر هو وأصحابه، فبايعوا. وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته ينفذ ~~الأمور ولا يعلم، وبين يديه جعفر بن حامد، إذ طلع عليه بعض الخدم، فقال: ما ~~يحبسك والدار سيف واحد؟ فأمر جعفرا بالنظر، فخرج، وعاد وأخبره أن المتوكل ~~والفتح قتلا، فخرج فيمن عنده ms2420 من خدمه وخاصته، فأخبر أن الأبواب مغلقة، وأخذ ~~نحو الشط، فإذا أبوابه مغلقة، فأمر بكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط، وركب ~~في زورق، فأتى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه، فقال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، قتل نفسه وقتلني. # واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء، من الأبناء، والعجم، ~~والأمن والزواقيل، وغيرهم، فكانوا زهاء عشرة آلاف، وقيل: كانوا ثلاثة عشر ~~ألفا، وقيل: ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، فقالوا: ما اصطنعتنا إلا لهذا ~~اليوم، فمرنا بأمرك، وائذن لنا أن نمل على القوم، ونقتل المنتصر ومن معه! ~~فأبى ذلك، وقال: المعتز في أيديهم. # وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل، قبل قتله ~~بأيام، كتابا من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل ~~في مجلسه، فتوقفت عن قراءته، فقال: ما لك؟ فقلت: خيرا! قال: لا بد من أن ~~تقرأه، فقرأته، وحدث عن ذكر الخلفاء، فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ ~~فقال أبو الوارث، قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتيا وهو يقول: # PageV06P174 # يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان # أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟ # فأتى البريد بعد أيام بقتلهما. # وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل: ليلة الخميس. # وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وكان مولده بفم ~~الصلح في شوال سنة ست ومائتين، وكان عمره نحو أربعين سنة. # وكان أسمر، حسن العينين، نحيفا، خفيف العارضين. # ورثاه الشعراء فأكثروا، ومما قيل فيه، قول علي بن الجهم: # عبيد أمير المؤمنين قتلنه ... وأعظم آفات الملوك عبيدها # بني هاشم صبرا، فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها # ذكر بعض سيرته # ذكر أن أبا السمط مروان بن أبي الجنوب قال: أنشدت المتوكل شعرا ذكرت فيه ~~الرافضة، فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع، وخلع علي ~~المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، وأمر ابنه المنتصر ~~وسعدا الإيتاخي أن ms2421 يلقطاها لي، ففعلا، والشعر الذي قلته: # ملك الخليفة جعفر ... للدين والدنيا سلامه # لكم تراث محمد ... وبعدلكم تنفى الظلامه # يرجو التراث بنو البنات ... وما لهم فيها قلامه # PageV06P175 # والصهر ليس بوارث # والبنت لا ترث الإمامه ... ما للذين تنحلوا # ميراثكم إلا الندامه ... أخذ الوراثة أهلها # فعلام لومكم علامه ... لو كان حقكم لما # قامت على الناس القيامه ... ليس التراث لغيركم # لا والإله، ولا كرامه ... أصبحت بين محبكم # والمبغضين لكم علامه # ثم نثر علي، بعد ذلك، لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم. # وقال يحيى بن أكثم: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون، فقلت ~~بتفضيله، وتقريظه، ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولا كثيرا، لم يقع لموافقة ~~من حضر، فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ فقلت كان يقول: ما مع ~~القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد، ولا مع البيان ~~والإفهام حجة لتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف، لظهور الحجة. # فقال المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه، فقال يحيى: القول بالمحاسن في ~~المغيب فريضة على ذي نعمة. # قال: فما كان يقول خلال حديثه، فإن أمير المؤمنين المعتصم بالله، رحمه ~~الله، كان يقوله وقد أنسيته، قال كان يقول: اللهم إني أحمدك على النعم التي ~~لا يحصيها غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك. # قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئا، أو بشر بشيء؟ فقد نسيناه، قال يحيى: ~~كان يقول إن ذكر آلاء الله وكثرتها، وتعداد نعمه، والحديث بها فرض من الله ~~على أهلها، وطاعة لأمره فيها، وشكر له عليها، فالحمد لله العظيم الآلاء ~~السابغ النعماء بما هو # PageV06P176 # أهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شكره، المانعة غيره، ~~الموجبة مزيده، على ما لا يحصيه تعدادنا، ولا يحيط به ذكرنا من ترادف منته، ~~وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه، فقال ~~المتوكل: صدقت، [هذا] هو الكلام بعينه. # وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في ms2422 صفر، فشكا ما ناله ~~من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من ~~الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأمر أن يقام على المشعر ~~الحرام، وسائر المشاعر، الشمع مكان الزيت والنفط. # وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند ~~المسجد الجامع، وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر. # ذكر بيعة المنتصر # قد ذكرنا قتل المتوكل، ومن بايع المنتصر (أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل) ~~تلك الليلة، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد، ~~والكتاب، والوجوه، والشاكرية، والجند، وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب ~~كتابا يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل، فقتله به، فبايع ~~الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف. # قيل: وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل ~~فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وإذا ~~رجع قام # PageV06P177 # لقيامه، وإذا ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرجه. # وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوما في طريق المنتصر، ~~ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه، وأحفظه، ووثب عليه، وانصرف ~~غضبان، وانصرفنا معه إلى داره، وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل ~~من النبيذ، قال: فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر، فقد جاءت رسل أمير ~~المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال ~~المنتصر، فركبت في سلاح وعدة، وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن ~~قد جاءه، فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل، فركب، فلحقته في بعض الطريق ~~وأنا مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك بأس، أمير المؤمنين قد شرق بقدح ~~شربه فمات، رحمه الله تعالى. # فشق علي، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر، ~~ووكل بالأبواب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي أن تفارقك مواليك في ~~هذا الوقت، قال: ms2423 أجل، وكن أنت خلف ظهري، فأحطنا به، وبايعه من حضر، وكل من ~~جاء يوقف، (حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف المؤيد، وقال لي: امض أنت إلى ~~المعتز) حتى يحضر، فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان لي، فلما ~~صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحدا من الحرس والبوابين، فصرت إلى الباب ~~الكبير، فدققته دقا عنيفا، فأجبت بعد مدة: من أنت؟ فقلت: رسول أمير ~~المؤمنين (المنتصر) ، فمضى الرسول، وأبطأ، وخفت، وضاقت علي الأرض، ثم فتح ~~الباب، وخرج (بيدون) الخادم، وأغلق الباب، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن ~~المتوكل شرق بكأس شربه، فمات من ساعته، وأن الناس قد اجتمعوا، وبايعوا ~~المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع. # فدخل، ثم خرج، فأدخلني على المعتز، فقال لي: ويلك ما الخبر؟ فأخبرته، ~~وعزيته، وبكيت، وقلت: تحضر، وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك، فقال: # PageV06P178 # حتى يصبح، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب، وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن ~~عبيد الله بن يحيى، فقلت: هو يأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فأيس، ~~وأتينا باب الخير، ففتح لنا، وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه، وعانقه، ~~وعزاه، وأخذ البيعة عليه. # ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد، ففعل به مثل ذلك، فأصبح الناس، وأمر ~~المنتصر بدفن المتوكل والفتح. # ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخوزة، وهي المدينة التي كان بناها ~~المتوكل، وفي أهل سامرا، بقتل المتوكل، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة ~~وبالجعفرية، وغيرهم من الغوغاء والعامة، وكثر الناس، وتسامعوا، وركب بعضهم ~~بعضا، وتكلموا في أمر البيعة، فخرج إليهم عتاب بن عتاب، وقيل: زرافة، ~~فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر، فاسمعوه، فدخل عليه فأعلمه، فخرج المنتصر ~~وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم، وقال: خذوهم! فدفعوهم إلى الأبواب، ~~فازدحم الناس وركب بعضهم بعضا، فتفرقوا وقد مات منهم ستة أنفس. # ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية وابنه محمد وغزواتهما # قد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع ~~وأربعين، فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه ms2424 عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى ~~الأمير بإفريقية بذلك، وأخرج عبد الله السرايا، ففتح قلاعا (متعددة) منها: ~~جبل أبي مالك وقلعة الأرمنيين وقلعة المشارعة، فبقي كذلك خمسة أشهر. # ووصل من إفريقية خفاجة بن سفيان أميرا على صقلية، فوصل في جمادى الأولى # PageV06P179 # سنة ثمان وأربعين ومائتين، فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود، فقصد ~~سرقوسة فغنم، وخرب وأحرق، وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر، وعاد، فاستأمن إليه ~~أهل رغوس. # (وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيها، على ما نذكره، ~~ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين، أم هما غزاتان، ويكون أهلها قد غدروا ~~بعد هذه الدفعة، والله أعلم) . # وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس، وسبب ذلك أن بعض أهلها أخبر ~~المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم، فغنموا منها أموالا جليلة، ~~ثم فتحوا شكلة بعد حصار. # وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة، ثم إلى جبل النار، ~~فأتاه (رسل) أهل طبرمين يطلبون الأمان، فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، ~~(فتم الأمر) ، ثم غدروا، فأرسل خفاجة محمدا في جيش إليها، ففتحها وسبى ~~أهلها. # (وفيها أيضا سار خفاجة إلى رغوس، فطلب أهلها الأمان ليطلق رجلا من أهلها ~~بأموالهم، ودوابهم، ويغنم الباقي، ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال، ~~ورقيق، ودواب، وغير ذلك، وهادنه أهل الغيران وغيرهم، وافتتح حصونا كثيرة، ~~ثم مرض، فعاد إلى بلرم. # وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة ~~وقطانية، وخرب بلادها، وأهلك زروعها، وعاد وسارت سراياه إلى أرض صقلية، ~~فغنموا غنائم كثيرة. # PageV06P180 # وفي سنة أربع وخمسين ومائتين سار خفاجة في العشرين من ربيع الأول، وسير ~~ابنه محمدا على الحراقات، وسير سرية إلى سرقوسة فغنموا، وأتاهم الخبر أن ~~بطريقا قد سار من القسطنطينية في جمع كثير، فوصل إلى صقلية، فلقيه جمع من ~~المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، وغنم ~~المسلمون منهم غنائم كثيرة، ورحل خفاجة إلى سرقوسة، فأفسد زرعها، وغنم ~~منها، وعاد إلى بلرم، وسير ابنه محمدا ms2425 في البحر، مستهل رجب، إلى مدينة ~~غيطة، فحصرها، وبث العساكر في نواحيها، فغنم وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف ~~إلى بلرم في شوال. # وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير خفاجة ابنه محمدا إلى مدينة طبرمين، وهي ~~من أحسن مدن صقلية، فسار في صفر إليها، وكان قد أتاهم من وعدهم أن يدخلهم ~~إليها من طريق يعرفه، فسيره مع ولده، فلما قربوا منها تأخر محمد، وتقدم بعض ~~عسكره رجالة مع الدليل، فأدخلهم المدينة، وملكوا بابها وسورها، وشرعوا في ~~السبي والغنائم، وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معهم من العسكر عن الوقت الذي ~~وعدهم أنه يأتيهم فيه، فلما تأخر عنهم ظنوا أن العدو قد أوقع بهم فمنعهم من ~~السبي، فخرجوا عنها منهزمين، ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه من العسكر، ~~فرأى المسلمين قد خرجوا منها، فعاد راجعا. # وفيها في ربيع الأول خرج خفاجة وسار إلى مرسة، وسير ابنه في جماعة كثيرة ~~إلى سرقوسة، فلقيه العدو في جمع كثير، فاقتتلوا، فوهن المسلمون، وقتل منهم، ~~ورجعوا (إلى خفاجة) ، فسار إلى سرقوسة، فحصرها، (وأقام عليها، وضيق على ~~أهلها، وأفسد بلادها، وأهلك زرعهم، وعاد عنها يريد بلرم، فنزل بوادي الطين ~~وسار منه ليلا، فاغتاله رجل من عسكره، فطعنه طعنة فقتله، وذلك مستهل رجب) ، ~~وهرب الذي قتله # PageV06P181 # إلى سرقوسة، وحمل خفاجة إلى بلرم، فدفن بها. # وولى الناس عليهم ابنه محمدا وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد، أمير ~~إفريقية، فأقره على الولاية، وسير له العهد والخلع. # ذكر ولاية ابنه محمد # لما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدا، وأقره محمد بن أحمد (بن الأغلب) ~~، صاحب القيروان، على ولايته، فسير جيشا في سنة ست وخمسين ومائتين إلى ~~مالطة، وكان الروم يحاصرونها، فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها. # (وفي سنة سبع وخمسين ومائتين) في رجب قتل الأمير محمد، قتله خدمه ~~الخصيان، وهربوا، فطلبهم الناس، فأدركوهم، فقتلوهم. # ذكر عدة حوادث # وفيها ولى المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد، مولى بني هاشم، بعد البيعة له ~~بيوم، المظالم، فقال الشاعر: # يا ضيعة الإسلام لما ... ولي مظالم ms2426 الناس أبو عمره # صير مأمونا على أمة ... وليس مأمونا على بعره # وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي. # واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري. # PageV06P182 # (وفيها سار جيش للمسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة، وهي للفرنج، ~~فأوقعوا بأهلها، فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشا كثيفا، ~~وأرسل المسلمون يستمدون، فأتاهم المدد، فنازلوا برشلونة، وقاتلوا قتالا ~~شديدا، فملكوا أرباضها، وبرجين من أبراج المدينة، فقتل من المشركين بها خلق ~~كثير، وسلم المسلمون، وعادوا وقد غنموا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي، الإمام في العربية) . # PageV06P183 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين] ### | 248 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين # ذكر غزاة وصيف الروم # في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفا التركي إلى بلاد الروم ; وكان سبب ذلك ~~أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيب شحناء وتباغض، فحرض أحمد بن الخصيب ~~المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة، فأمر المنتصر ~~بإحضار وصيف، فلما حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد ~~الثغر، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنه أن يهلك كل ما مر به من ~~بلاد الإسلام، ويقتل ويسبي، فإما شخصت أنت، وإما شخصت أنا. # فقال: بل أشخص أنا، يا أمير المؤمنين، فقال لأحمد بن الخصيب: انظر (إلى) ~~ما يحتاج إليه وصيف، فأتمه له، فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ما نعم؟ ~~قم الساعة! وقال لوصيف: مر كاتبك أن يوافقه إلى ما يحتاج ويلزمه حتى يفرغ ~~منه. فقاما. # ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه، حتى خرج، وانتخب له الرجال، فكان معه ~~اثنا عشر ألف رجل، وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان، أخو الفتح، وكتب ~~المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداذ يعلمه ذلك، ويأمره أن ينتدب ~~الناس إلى الغزاة، ويرغبهم فيها، وأمر وصيفا أن يوافي ثغر ملطية، وجعل على ~~نفقات العسكر، والمغانم، والمقاسم أبا الوليد الحريري البجلي. # ولما سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزو في ~~أوقات الغزو منها، ms2427 إلى أن يأتيه رأيه. # PageV06P184 # ذكر خلع المعتز والمؤيد # وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد، وكان سبب ~~خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخطيب لوصيف وبغا: ~~إنا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي المعتز الخلافة، فيبيد ~~خضراءنا، ولا يبقي منا باقية، والآن الرأي أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد. # فجد الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر، وقالوا: نخلعهما من الخلافة، ~~ونبايع لابنك عبد الوهاب، فلم يزالوا به حتى أجابهم، وأحضر المعتز والمؤيد، ~~بعد أربعين يوما من خلافته، وجعلا في دار، فقال المعتز للمؤيد: يا أخي، (قد ~~أحضرنا للخلع) ، فقال: لا أظن يفعل ذلك. # فبينما هما كذلك إذ جاءت الرسل بالخلع، فقال المؤيد: السمع والطاعة، فقال ~~المعتز: ما كنت لأفعل، فإن أردتم القتل فشأنكم، فأعلموا المنتصر، ثم عادوا ~~بغلظة وشدة، وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتا، وأغلقوا عليه الباب، فلما ~~رأى المؤيد ذلك قال لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب؟ قد ضريتم على ~~دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب، دعوني وإياه حتى أكلمه! فسكتوا عنه، ~~وأذنوا له في الاجتماع به بعد إذن من المنتصر بذلك. # فدخل عليه المؤيد، وقال: يا جاهل تراهم نالوا من أبيك - وهو هو - ما ~~نالوا، ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ويلك، لا تراجعهم! فقال: وكيف أخلع وقد جرى في ~~الآفاق؟ فقال: هذا الأمر قتل أباك، وهو يقتلك، وإن كان في سابق علم الله أن ~~تلي لتلين. فقال: أفعل. # فخرج المؤيد وقال: قد أجاب إلى الخلع، فمضوا، وأعلموا المنتصر، وعادوا ~~فشكروه، ومعهم كاتب، فجلس، فقال للمعتز: اكتب بخطك خلعك! فامتنع، فقال ~~المؤيد للكاتب: هات قرطاسك! أملل علي ما شئت، فأملى عليه كتابا إلى المنتصر ~~يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأن لا يحل له أن يتقلده، وكره أن يأثم ~~المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعا له، ويسأله الخلع، ويعلمه أنه قد خلع نفسه، ~~وأحل الناس من بيعته، # PageV06P185 # فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب! فأبى، فقال: اكتب ويلك! [فكتب] وخرج الكاتب ms2428 ~~عنهما، ثم دعاهما، فدخلا على المنتصر، فأجلسهما وقال: هذا كتابكما؟ فقالا: ~~نعم يا أمير المؤمنين. فقال لهما، والأتراك وقوف: أتراني خلعتكما طمعا في ~~أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك (ساعة) قط، وإذا لم ~~يكن [لي] في ذلك طمع فوالله لأن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو ~~عمي، ولكن هؤلاء، وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم عنده وقاعد، ألحوا ~~علي في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما، ~~فما ترياني صانعا [إذن] ؟ أقتله! فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم، ~~فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل علي. # فقبلا يده وضمهما، ثم إنهما أشهدا على أنفسهما القضاة، وبني هاشم، ~~والقواد، ووجوه الناس، وغيرهم، بالخلع، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن عبد ~~الله بن طاهر وإلى غيره. # ذكر موت المنتصر # في هذه السنة توفي المنتصر في يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر، وقيل: ~~يوم السبت، (وكنيته أبو جعفر أحمد بن المتوكل على الله، وقيل: كنيته أبو ~~العباس، وقيل: أبو عبد الله) . # وكانت علته الذبحة في حلقه أخذته يوم الخميس، (لخمس بقين من شهر ربيع ~~الأول) . # وقيل: كانت علته من ورم في معدته، ثم صعد إلى فؤاده فمات، وكانت علته ~~ثلاثة أيام. # وقيل: إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه، # PageV06P186 # وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذا ليفصده، ووضع مباضعه ~~بين يديه ليستخير أجودها، فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ~~ففصده به، فلما فرغ إليه نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته. # وقيل: إنه كان قد وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنا، فورم ~~رأسه، فمات. # وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات. # وقيل: كان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إنما ~~مدة حياته ستة أشهر، مدة شيرويه بن كسرى، قاتل أبيه، يقوله الخاصة والعامة. # وقيل: إن المنتصر كان نائما في بعض ms2429 الأيام، فانتبه وهو يبكي وينتحب، ~~فسمعه عبد الله بن عمر البازيار، فأتاه، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كنت ~~نائما، فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني، فقال: ويحك يا محمد! ~~قتلتني وظلمتني، وغبنتني خلافتي، والله لا متعت بها بعدي إلا أياما يسيرة، ~~ثم مصيرك إلى النار، فقال عبد الله: هذه رؤيا، وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك ~~الله، ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ في اللهو لا تعبأ بها، ففعل ذلك ولم يزل ~~منكسرا إلى أن توفي. # قال بعضهم: وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، ~~وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرها، فأشاروا بقتله، فكان ~~كما ذكرنا بعضه. # وكان عمره خمسا وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل: أربعا وعشرين سنة، وكانت ~~خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل: كانت ستة أشهر سواء. # وكانت وفاته بسامرا، فلما حضرته الوفاة أنشد: # وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير # PageV06P187 # وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرا، وبها كان مولده. # وكان أعين، أقنى، قصيرا، مهيبا. # وهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره. # وكانت أمه أم ولد رومية. # ذكر بعض سيرته # كان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف، راغبا في الخير، ~~جوادا، كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين ~~عليهما السلام، فأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، ~~وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب، عليه السلام. # وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح بن علي عن ~~المدينة، واستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد. # قال علي: فلما دخلت أودعه، قال لي: يا علي! إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ~~ساعده، وقال: إلى هذا أوجه بك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني ~~إلى آل أبي طالب. فقال: أرجو أن أمتثل أمر أمير المؤمنين، إن شاء الله ~~تعالى، فقال: إذن تسعد عندي. # (ومن ms2430 كلامه: والله ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل ذو حق ~~ولو أصفق العالم عليه) . # PageV06P188 # ذكر خلافة المستعين # وفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة، وكان سبب ذلك أن ~~المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، ~~وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستحلفوا قواد الأتراك، والمغاربة، ~~والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، ~~وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوا، وتشاوروا، وكرهوا أن يتولى الخلافة ~~أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم، وأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، ~~وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست ~~خلون من ربيع الآخر وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب ~~أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش. # فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة في زي الخلافة، وحمل ~~إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة، وصف واجن الأشروسني أصحابه صفين، وقام ~~هو وعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين ~~وغيرهم. # فبينا هم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحوا من خمسين ~~فارسا ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط ~~الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح، وصاحوا: نفير، يا منصور! وشدوا على ~~أصحاب الأشروسني فتضعضعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وتحرك من على باب العامة ~~من المبيضة والشاكرية، وكثروا، فحمل عليهم المغاربة، وبعض الأشروسنية، ~~فهزموهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم، فقتل جماعة، وانصرف # PageV06P189 # الأتراك بعد ثلاث ساعات، وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين ~~وغيرهم. # ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح، ~~والدروع، والجواشن، والسيوف، والترس، وغير ذلك، وكان الذين نهبوا ذلك ~~الغوغاء، وأصحاب الحمامات، وغلمان أصحاب الباقلي، وأصحاب الفقاع، فأتاهم ~~بغا الكبير، في جماعة، فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وكثر القتل من ~~الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرا، وهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على ms2431 ~~البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبايع له هو ~~والناس ببغداذ. # ذكر ابن مسكويه في كتاب " تجارب الأمم " أن المستعين أخو المتوكل لأبيه، ~~وليس هو كذلك، إنما هو ولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم. # ذكر عدة حوادث # وفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، ~~فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبد الله بن طاهر ~~على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعاون السواد، وأفرده به. # وفيها مات بغا الكبير، فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلها، وولي ديوان ~~البريد. # وفيها وجه أنوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي، فقتله بكفرتوثى لخمس ~~بقين من ربيع الآخر. # PageV06P190 # وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه رسول ينفيه ~~إلى برقة، ويمنعه من الحج. # وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما ~~القضاة والفقهاء، وكان الشراء باسم الحسن بن المخلد للمستعين، وترك للمعتز ~~ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف دينار، وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة ~~خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في الجوسق، ووكل بهما، وكان الأتراك حين ~~شغب الغوغاء أرادوا قتلهما، فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال: لا ذنب لهما، ولكن ~~احبسوهما، فحبسوهما. # وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفي ماله ~~ومال ولده، ونفي إلى أقريطش. # وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية، وعقد له على أرمينية ~~وأذربيجان في شهر رمضان. # وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه، فوجه إليهم المستعين الفضل ~~بن قارن، فأخذهم، فقتل منهم خلقا كثيرا، وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى ~~سامرا. # وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيما بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، ~~فافتتح حصن فرورية. # وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيرا. # وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان، وماسبذان، ومهرجان قذف، وجعل المستعين # PageV06P191 # شاهك الخادم على دراه وكراعه، وحرمه، وحراسه، وخاص أموره، وقدمه وأتامش ~~(على جميع الناس) ms2432 . # وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي. # (وفيها حكم محمد بن عمرو (أيام المنتصر) . # وخرج بناحية الموصل (خارجي) ، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني، ~~فأسره مع عدة من أصحابه، فقتلوا وصلبوا. # وفيها تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحو هراة. # [الوفيات] # (وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد ربه أبو محمد الرافعي الزاهد، وكان مستجاب ~~الدعوة، وهو من أهل إفريقية. # [بقية الحوادث] # وفيها سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة، وكان المشركون قد تطاولوا إلى ~~ذلك الجانب، فلقيتهم السرية، فأصابوا من المشركين، وقتلوا كثيرا منهم. # وفيها كان بصقلية سرايا للمسلمين، فغنمت وعادت، ولم يكن حرب بينهم تذكر) ~~. # [بقية الوفيات] # وفيها توفي أبو كريب محمد بن العلاء الهمذاني الكوفي في جمادى الآخرة، ~~وكان من مشايخ البخاري ومسلم، ومحمد بن حميد الرازي المحدث. # PageV06P192 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين] ### | 249 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين # ذكر غزو الروم وقتل علي بن يحيى الأرمني # في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنا، ومطامير، واستأذنه ~~عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق ~~كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك في جمع عظيم من أهل الروم بمرج الأسقف، ~~فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير. # ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفا، وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين ~~في منتصف رجب. # فلما قتل عمر بن عبيد الله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها ~~وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك علي بن يحيى، وهو قافل من أرمينية ~~إلى ميارفارقين في جماعة من أهلها، ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في ~~نحو من أربع مائة رجل وذلك في شهر رمضان. # ذكر الفتنة ببغداذ # وفيها شغب الجند والشاكرية ببغداذ، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم ~~وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله، وعلي بن يحيى، وكانا من شجعان ~~الإسلام، شديدا بأسهما، عظيما غناؤهما عن المسلمين في الثغور، شق ms2433 ذلك عليهم ~~مع قرب مقتل أحدهما من الآخر، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك للمتوكل، # PageV06P193 # واستيلائهم على أمور المسلمين، (يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون ~~من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين) . # فاجتمعت العامة ببغداذ بالصراخ، والنداء بالنفير، وانضم إليهم الأبناء، ~~والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، وكان ذلك أول صفر، ففتحوا السجون، ~~وأخرجوا من فيها، وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر، ~~وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد ~~وسامرا أموالا كثيرة، ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي ~~الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها لغزو الروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ~~ولم يوجه عسكره. # ذكر الفتنة بسامرا # وفيها في ربيع الأول وثب نفر من الناس لا يدرى من هم بسامرا، ففتحوا ~~السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم ~~فهزموهم، فركب بغا، وأتامش، ووصيف، وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، ~~فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهب المغاربة، ثم سكن ذلك آخر ~~النهار. # ذكر قتل أتامش # في هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع، وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد ~~والدته، ويد أتامش، وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وأباحهم (فعل) ما ~~أرادوا، فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة، ~~فأخذ أتامش أكثر # PageV06P194 # ما في بيوت الأموال، وكان في حجره العباس بن المستعين، وكان ما فضل من ~~هؤلاء (الثلاثة) أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته، وكانت الموالي تنظر ~~إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة، ووصيف وبغا بمعزل من ذلك، فأغريا الموالي ~~بأتامش، وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه، وخرج إليه منهم أهل ~~الدور والكرخ، فعسكروا في ربيع الآخر، وزحفوا إليه وهو في الجوسق مع ~~المستعين، وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين، فلم ~~يجره، فأقاموا على ذلك يومين، ثم دخلوا الجوسق، وأخذوا أتامش، فقتلوه، ~~وقتلوا كاتبه شجاعا، ونهبت دور أتامش، فأخذوا منه أموالا جمة وغير ذلك. # فلما قتل استوزر ms2434 المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل ~~الفضل بن مروان عن ديون الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولي وصيف ~~الأهواز، وبغا الصغير فلسطين. # ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح، فهرب إلى بغداد، فاستوزر المستعين محمد ~~بن الفضل الجرجرائي، وجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد، فقال الحمدوني: # لبس السيف سعيد بعدما ... كان ذا طمرين لا توبة له إن لله لآيات # وذا آية لله فينا منزله # PageV06P195 # ذكر عدة حوادث # فيها قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب، كان توجه إلى الثغر، ~~فلقيه خيل لكلب، فقتلوه وأخذوا ما معه، فقال وهو في السياق: # أزيد في الليل ليل أم سال ... في الصبح سيل ذكرت أهل دجيل # وأين مني دجيل ... وكان منزله بشارع دجيل. # وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن (محمد) بن عمار ~~البرجمي الكوفي، وقيل: كان ذلك سنة خمسين ومائتين. # وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة تهدمت [منها] الدور، ومات خلق من ~~أهلها، وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة. # وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو ~~والي مكة. # (وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، جيشا مع ابنه إلى مدينة ألبة، والقلاع من ~~بلد الفرنج، فجالت الخيل في ذلك الثغر، وغنمت، وافتتحت بها حصونا منيعة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، ثالث عشر # PageV06P196 # ذي القعدة، فلما مات ولي أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولي ~~زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان، أمير صقلية، يعرفه موت أخيه، وأمره أن ~~يقيم على ولايته) . # PageV06P197 ### | [ثم دخلت سنة خمسين ومائتين] ### | 250 - # ثم دخلت سنة خمسين ومائتين # ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي ومقتله # في هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين، عليه السلام، بالكوفة، وكانت أمه ~~فاطمة بنت الحسين بن عبد الله (بن إسماعيل بن ms2435 عبد الله) بن جعفر بن أبي ~~طالب، رضي الله عنهم. # وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة، ولزمه دين ضاق به ذرعا، فلقي عمر ~~بن فرج، وهو يتولى أمر الطالبيين، عند مقدمه من خراسان، أيام المتوكل، ~~فكلمه في صلته، فأغلظ له عمر القول، وحبسه، فلم يزل محبوسا حتى كفله أهله، ~~فأطلق، فسار إلى بغداد، فأقام بها بحال سيئة، ثم رجع إلى سامرا، فلقي وصيفا ~~في رزق يجرى له، فأغلظ له وصيف، وقال: لأي شيء يجرى على مثلك؟ # فانصرف عنه إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان ~~(الهاشمي) ، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبو الحسين جمعا كثيرا من ~~الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة، فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد ~~الله بن طاهر، فكتب محمد إلى أيوب، وعبد الله بن محمود السرخسي، عامله على ~~معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر، فمضى يحيى بن عمر ~~إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه، وكان فيما قيل: ألفي دينار وسبعين ألف ~~درهم، وأظهر أمره بالكوفة، وفتح السجون وأخرج من فيها، وأخرج العمال عنها، ~~فلقيه عبد بن محمود # PageV06P198 # السرخسي فيمن معه، فضربه يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثخنه بها، فانهزم ~~عبد الله، وأخذ أصحاب يحيى (ما كان معهم من الدواب والمال. # وخرج يحيى) إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية، وجماعة من أهل تلك ~~النواحي إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان، فكثر جمعه، فوجه محمد بن عبد الله ~~إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل ~~النجدة والقوة، فسار إليه، فنزل في وجهه لم يقدم عليه، فسار يحيى والحسين ~~في أثره، حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس، ~~قبل دخولها، فقاتله، وانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين، ~~فنزلا بشاهي. # واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضى من آل محمد، ~~فاجتمع الناس إليه، وأحبوه، وتولاه العامة من ms2436 أهل بغداد، ولا يعلم أنهم ~~يولون أحدا من بيته سواه، وبايعه جماعة من الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في ~~تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم. # وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح، واتصلت بهم الأمداد، وأقام يحيى ~~بالكوفة يعد العدد، ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية، ممن لا علم ~~لهم بالحرب، بمعاجلة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه، فزحفت إليه ليلة ~~الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه الهيصم العجلي وغيره، ورجاله من أهل ~~الكوفة ليس لهم علم ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم، وصبحوا الحسين وهو مستريح، ~~فثاروا بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووضعوا فيهم ~~السيف، وكان أول أسير الهيصم العجلي، وانهزم رجاله أهل الكوفة، وأكثرهم ~~بغير سلاح، فداستهم الخيل. # وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جوشن، قد تقطر به فرسه، فوقف عليه ~~ابن لخالد بن عمران، فقال له: خيرا، فلم يعرفه، وظنه رجلا من أهل خراسان ~~لما رأى # PageV06P199 # عليه الجوشن، فأمر رجلا، فنزل إليه، فأخذ رأسه، وعرفه رجل كان معه، وسير ~~الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فسير محمد الرأس ~~إلى المستعين، فنصب بسامرا لحظة، ثم حطه، ورده إلى بغداد ; لينصب بها، فلم ~~يقدر محمد على ذلك; لكثرة من اجتمع من الناس، فخاف أن يأخذوه، فلم ينصبه، ~~وجعله في صندوق في بيت السلاح. # ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس من قتل، وبالأسرى، فحبسوا ببغداذ، وكتب ~~محمد بن عبد الله يسأل العفو عنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا ~~تنصب، ففعل ذلك. # ولما وصل الخبر بقتل يحيى جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك، فدخل عليه ~~داود بن الهيثم أبو هاشم الجعفري، فقال: أيها الأمير! إنك لتهنأ بقتل رجل ~~لو كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيا لعزي به، فما رد عليه محمد ~~شيئا، فخرج داود وهو يقول: # يا بني طاهر كلوه وبيئا ... إن لحم النبي غير مري # إن وترا يكون طالبه الله ... لوتر نجاحه بالحري # وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما ms2437 كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك ~~قول بعضهم: # بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول # وبكته العراق شرقا وغربا ... وبكاه الكتاب والتنزيل # والمصلى والبيت والركن والحجر ... جميعا له عليه عويل # كيف لم تسقط السماء علينا يوم قالوا: أبو الحسين قتيل ... وبنات النبي ~~يبدين شجوا موجعات دموعهن همول # قطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم، الجميل # PageV06P200 # إن يحيى أبقى بقلبي غليلا # سوف يودي بالجسم ذاك الغليل ... قتله مذكر لقتل علي وحسين # ويوم أوذي الرسول # صلوات الإله وقفا عليهم ... ما بكى موجع وحنت ثكول # ذكر ظهور الحسن بن زيد العلوي # وفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، عليه السلام، بطبرستان. # وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه ~~المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة (قرب ثغر الديلم، ~~وهما: كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى ~~فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك، إنما هي موات، وهي ذات غياض، وأشجار، ~~وكلأ، فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، واسمه جابر بن هارون ~~النصراني، وعامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن ~~طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان ~~محمد بن أوس البلخي، وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث، ~~سفهاء، فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم، ومن أبيهم، ومن سليمان سوء السيرة. # ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، (فسبى # PageV06P201 # منهم وقتل، فساء ذلك أهل طبرستان) ، فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما ~~أقطعه محمد بن عبد الله، عمد فحاز فيه ما اتصل به من أرض موات يرتفق بها ~~الناس، وفيها حاز كلار وشالوس. # وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطانها ممن رامها من ~~الديلم، مذكوران بإطعام الطعام وبالإفضال، ms2438 يقال لأحدهما محمد، وللآخر جعفر، ~~وهما ابنا رستم، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك ~~الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما ~~جابر، فهرب منهما، فلحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من ~~عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ~~ويعتذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل، فاتفقوا على المعاونة ~~والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره. # ثم أرسل ابنا رستم [ومن وافقهما] إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن ~~إبراهيم، كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكني ~~أدلكم على رجل منا هو أقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد، وهو ~~بالري، فوجهوا إليه، عن رسالة محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى طبرستان، فشخص ~~إليها، فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار، وشالوس، والرويان على ~~بيعته، فبايعوه كلهم، وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان بن عبد ~~الله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا جبال طبرستان كأصمغان، وقادوسيان، وليث ~~بن قتاد، وجماعة من أهل السفح. # ثم تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل، وهي أقرب المدن إليهم، وأقبل ابن ~~أوس من سارية ليدفعه عنها، فاقتتلوا قتالا شديدا، وخالف الحسن بن زيد في ~~جماعة إلى آمل فدخلها. # فلما سمع ابن أوس الخبر، وهو مشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن ~~زيد، لم يكن له همة إلا النجاء بنفسه، فهرب، ولحق بسليمان إلى سارية، فلما ~~استولى الحسن على آمل كثر جمعه، وأتاه كل طالب نهب وفتنة، وأقام بآمل ~~أياما، ثم سار نحو # PageV06P202 # سارية لحرب سليمان بن عبد الله، فخرج إليه سليمان، فالتقوا خارج مدينة ~~سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحو سارية فدخلها، فلما سمع ~~سليمان الخبر انهزم هو ومن معه، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية، ~~واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه، فأما الحريم والأولاد فجعلهم الحسن ~~في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان، وأما ms2439 المال فكان قد نهب وتفرق. # وقيل: إن سليمان انهزم اختيارا لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل ~~الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال. # نبئت خيل ابن زيد أقبلت ... خببا تريدنا لتحسينا الأمرينا # يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ولجميع الطاهرينا # أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا ... أكون من بينهم رأس الموالينا # فالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطميينا # فلما التقوا انهزم سليمان، فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جندا ~~مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن زيد أيضا، فملكها، وطرد عنها عامل ~~الطاهرية، فاستخلف بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف ~~عنها. # وورد الخبر على المستعين، ومدبر أمره وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح بن ~~شيرزاد، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع ~~خيل الحسن عنها، وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب ~~عنه. # فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت منه أمور كرهها أهل الري، ~~ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قائدا من عنده يقال له: محمد بن ~~ميكال (في جمع من الجند إلى الري، وهو أخو الشاه بن ميكال) ، فالتقى هو ~~ومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري، فأسر محمد بن جعفر، وانهزم جيشه، ودخل ~~ابن ميكال الري، فأقام بها، فوجه الحسن بن زيد عسكرا عليه قائد يقال له ~~واجن، فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال، فالتقوا، فاقتتلوا، ~~فانهزم ابن ميكال، والتجأ إلى الري معتصما بها، # PageV06P203 # فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد. # فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير ابن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه (وإدريس بن موسى بن عبد ~~الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ، فصلى ~~أحمد بن عيسى ms2440 بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن ~~علي بن طاهر، فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين. # ذكر عدة حوادث # وفيها غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه [كان] بعث إلى الشاكرية، ~~فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة في ربيع الأول. # وفيها أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي ~~الشوارب، والعثمانيين. # وأخرج الحسن بن الأفشين من الحبس. # وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة. # وفيها وثب أهل حمص، وقوم من كلب، بعاملهم، وهو الفضل بن قارن أخو مازيار ~~بن قارن، فقتلوه، فوجه المستعين إلى حمص موسى بن بغا في رمضان، فلقيه أهلها ~~فيما بين حمص والرستن، وحاربوه، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل أهلها مقتلة ~~عظيمة، وأحرقها، وأسر جماعة من (أهلها الأعيان) . # PageV06P204 # [الوفيات] # وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي، وأحمد بن عبد الكريم الحوراني ~~التيمي، قاضي البصرة. # [بقية الحوادث] # وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا. # وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، ~~فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق. # وفيها وجه محمد بن طاهر [من خراسان] بفيلين وأصنام أتى بها من كابل. # وحج بالناس جعفر بن الفضل بشاشات، وهو والي مكة. # [بقية الوفيات] # (وفيها توفي زيادة الله بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة ~~وستة أيام، ولما مات ملك بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم بن أحمد بن ~~محمد بن الأغلب) . # وفيها توفي محمد بن الفضل الجراجرئي، وزير المتوكل # PageV06P205 # والفضل بن مروان، وزير المعتصم، وكان موته بسر من رأى. # والخليع الشاعر الحسين بن الضحاك، كان مولده سنة اثنين وستين ومائة، وهو ~~مشهور بالأخبار والأشعار. # وفيها توفي الحارث بن مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، (وهو من ولد أبي بكر ~~الثقفي) . # ونصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الحافظ. # (وفيها توفي أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني اللغوي، ms2441 روى عن أبي زيد، ~~والأصمعي، وأبي عبيدة. # وقيل: توفي قبل سنة خمسين [ومائتين] ، والله تعالى بالغيب أعلم) . # PageV06P206 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين] ### | 251 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين # ذكر قتل باغر التركي # وفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله وصيف وبغا. # وكان السبب أن باغر كان أحد قتلة المتوكل، فزيد في أرزاقه، فأقطع قطائع، ~~فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، ~~فوثب رجل من أهل تلك الناحية، يقال له ابن مارمة، بوكيل لباغر، وتناوله، ~~فحبس ابن مارمة، وقيد، ثم تخلص، وسار إلى سامرا، فلقي دليل بن يعقوب ~~النصراني، وهو يومئذ صاحب أمر بغا الشرابي والحاكم في الدولة، وكان ابن ~~مارمة صديقا له، وكان باغر أحد قواد بغا، فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمة، ~~فانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلا. # وكان باغر شجاعا يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذي الحجة من سنة خمسين ~~[ومائتين] وهو سكران، وبغا في الحمام، فدخل إليه وقال: من قتل دليلا (يقتل ~~به) ، فقال له بغا: لو أردت ولدي ما منعتك منه، ولكن اصبر، فإن أمور ~~الخلافة بيد دليل، وأقيم غيره، (ثم افعل به ما تريد. # PageV06P207 # وأرسل بغا إلى دليل يأمره ألا يركب، وعرفه الخبر، وأقام في كتابته غيره) ~~، وتوهم باغر أنه قد عزله، فسكن باغر، ثم أصلح بينهما بغا، وباغر يتهدده، ~~ولزم باغر خدمة المستعين، (فقيل ذلك للمستعين) . # فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من ~~الخدمة؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تجعل هذه الأعمال إلى باغر، وسمع دليل ~~ذلك، فركب إلى بغا، فقال له: أنت في بيتك، وهم في تدبير عزلك، فإذا عزلت ~~قتلت. # فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني؟ فحلف أنه ~~ما علم ما أراد الخليفة، فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه، ~~فأرجفا له أنه يؤمر، ويخلع عليه، ويكون موضع بغا ووصيف، فأحس باغر ومن معه ~~بالشر، ms2442 فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل، ومعهم ~~غيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل المستعين، وبغا، ووصيف، وقال: نبايع على ~~ابن المعتصم، أو ابن الواثق، ويكون الأمر لنا كما هو لهذين، فأجابوه إلى ~~ذلك. # وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف، وقال لهما: أنتما ~~جعلتماني خليفة، ثم تريدان قتلي؟ فحلفا أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما ~~الخبر، فاتفق رأيهم على أخذ باغر ورجلين من الأتراك معه، وحبسهم، فأحضروا ~~باغر، فأقبل في عدة، فعدل به إلى حمام وحبس فيه. # وبلغ الخبر الأتراك، فوثبوا على إصطبل الخليفة، فانتهبوه وركبوا ما فيه، ~~وحصروا الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل. # PageV06P208 # ذكر مسير المستعين إلى بغداد # فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم ~~عليه، فانحدر المستعين، وبغا، ووصيف، وشاهك الخادم، وأحمد بن صالح بن ~~شيرزاد، ودليل إلى بغداد في حراقة، فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء ~~المشغبين فسألوهم الانصراف، فلم يفعلوا، فلما علموا بانحدار المستعين وبغا ~~ووصيف ندموا، ثم قصدوا دار دليل، ودور أهله وجيرانه، فنهبوها، حتى صاروا ~~إلى أخذ الخشب وعليق الدواب، فلما قدموا بغداد مرض ابن مارمة، فعاده دليل، ~~وقال له: ما سبب علتك؟ قال: انتقض عقر القيد، فقال دليل: لئن عقرك القيد ~~لقد نقضت الخلافة، وبغيت الفتنة، ومات ابن مارمة في تلك الأيام، وقال بعض ~~الشعراء في ذلك: # لعمري لئن قتلوا باغرا ... لقد هاج باغر حربا طحونا # وفر الخليفة والقائدان ... بالليل يلتمسون السفينا # وصاحوا بمنشار ملاحهم # فجاءهم يسبق الناظرينا ... فألزمهم بطن حراقة # وصوت مجاذيفهم سائرينا ... وما كان قدر ابن مارمة # فنكسب فيه الحروب الزبونا ... ولكن دليل سعى سعية # فأخزى الإله بها العالمينا ... فحل ببغداذ قبل الشروق # فخل بها منه ما يكرهونا # PageV06P209 # فليت السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا # وأقبلت الترك والمغربون ... وجاء الفراغنة الدارعونا # تسير كراديسهم في السلاح ... يرجون خيلا ورجلا بنينا # فقام بحربهم عالم بأمر ... الحروب تولاه حينا # فجدد سورا على الجانبين ... حتى أحاطهم أجمعينا # وأحكم أبوابها المصمتات ... على السور ms2443 يحمي بها المستعينا # وهيا # مجانيق خطارة # تفيت النفوس، وتحمي العرينا # ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، وأخذوا ملاحا قد أكرى سفينته، ~~فضربوه، وصلبوه على دقلها، فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا سرا. # وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل ~~على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد القواد، سوى جعفر ~~الخياط، وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، ~~وجماعة من أصحاب بغا ووصيف. # ذكر البيعة للمعتز بالله # وفي هذه السنة بويع المعتز بالله، وكان سبب البيعة له أنه لما استقر ~~المستعين ببغداذ أتاه جماعة من قواد الأتراك المشغبين، فدخلوا عليه، وألقوا ~~أنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللا وخضوعا، وسألوه الصفح ~~عنهم والرضا. # قال لهم: أنتم أهل بغي وفساد، واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إلي في أولادكم ~~فألحقهم بكم، وهم نحوا من ألفي غلام، وفي بناتكم، فأمرت بتصييرهن في عداد ~~المتزوجات، وهن نحوا من أربعة آلاف، وغير ذلك كله أجبتكم إليه، وأدررت ~~عليكم # PageV06P210 # الأرزاق، فعملتم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها إرادة ~~لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيا وفسادا، فعادوا وتضرعوا، وسألوه العفو، ~~فقال المستعين: قد عفوت عنكم ورضيت. # فقال له أحدهم، واسمه بابي بك: فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى ~~سامرا، فإن الأتراك ينتظرونك، فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه ~~فضربه، وقال محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين قم فاركب معنا! فضحك المستعين ~~وقال: هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام. # وقال لهم المستعين: ترجعون إلى سامرا، فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر أنا ~~في أمري، فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله إلى بابي ~~بك، وأخبروا من وراءهم خبرهم، وزادوا، وحرفوا تحريضا لهم على خلعه، فاجتمع ~~رأيهم على إخراج المعتز، (وكان هو والمؤيد في حبس الجوسق، وعليهما من ~~يحفظهما، فأخرجوا المعتز) من الحبس، وأخذوا من شعره، وكان قد كثر، وبايعوا ~~له بالخلافة، وأمر للناس برزق عشرة ms2444 أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطوا ~~شهرين لقلة المال عندهم. # وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحو خمس مائة ألف دينار، وفي بيت ~~مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف ~~دينار. # وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه نقرس، في محفة محمولا، ~~فأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعا، فخلعتها وزعمت أنك لا ~~تقوم بها، فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبو أحمد: ما ~~علمنا أنك أكرهت، وقد # PageV06P211 # بايعنا هذا الرجل، فنريد أن تطلق نساءنا، وتخرج عن أموالنا، ولا ندري ما ~~يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا السيف. فتركه المعتز. # وكان ممن بايع إبراهيم الديرج، وعتاب بن عتاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، ~~وأما الديرج فأقر على الشرط، واستعمل على الدواوين، وبيت المال، والكتابة ~~وغير ذلك. # ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع ~~الميرة عن أهل سامرا، وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هو وأهل ~~بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، ~~وإلى سليمان بن عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرا، فأخذت سفينة ~~ببغداذ فيها أرز وغيره، فهرب الملاح، وبقيت السفينة حتى غرقت. # وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك، فأدير عليها ~~السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء، حتى أورده دجلة وأمر بحفر ~~الخنادق من الجانبين جميعا، وجعل على كل باب قائدا، فبلغت النفقة على ذلك ~~جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار، ونصب على الأبواب المنجنيقات ~~والعرادات، وشحن الأسوار، وفرض فرضا للعيارين، وجعل عليهم عريفا اسمه ~~يبنويه، وعمل لهم تراسا من البواري المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها ~~الحجارة للرمي، وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا، فسئلوا المعونة، ~~فأعانوا. # وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال ~~إلى بغداد، لا يحمل منها إلى سامرا شيء، ms2445 وكتب إلى الأتراك، والجند الذين ~~بسامرا، # PageV06P212 # يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له، ويذكرهم أياديه عندهم، ~~وينهاهم عن المعصية والنكث. # ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات يدعو المعتز ~~(محمدا إلى المبايعة، ويذكره ما كان المتوكل أخذ له عليه من البيعة بعد ~~المنتصر، ومحمد يدعو المعتز) إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل واحد ~~منهما على صاحبه. # وأمر محمد بكسر القناطر، وشق المياه بسطوح (الأنبار وبادوريا ليقطع ~~الأتراك عن الأنبار. # وكتب المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا، كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه، ~~وكان بأطراف الشام، كان خرج لقتال أهل حمص، فانصرف إلى المعتز، وصار معه. # وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تخلف بعد ~~أبيه، فاعتذر، وقال لأبيه: إنما قدمت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداذ أياما، ~~ثم هرب إلى سامرا، فاعتذر إلى المعتز، وقال: إنما سرت إلى بغداد لأعلم ~~أخبارهم وآتيك بها. فقبله المعتز، ورده إلى خدمته. # وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضم إليه جمعا من ~~الأشروسنية وغيرهم. # ذكر حصار المستعين ببغداذ # ثم إن المعتز عقد لأخيه أبي أحمد بن المتوكل، وهو الموفق، لسبع بقين من ~~المحرم، على حرب المستعين، ومحمد بن عبد الله، وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، ~~وجعل إليه الأمور كلها، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ~~ألفا من # PageV06P213 # الأتراك والفراغنة، وألفين من المغاربة، فلما بلغ عكبرا صلى بها، وخطب ~~للمعتز، وكتب بذلك إلى المعتز، فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف شديد من ~~مسير محمد بن عبد الله إليهم، ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين عكبرا ~~وبغداد، فخربت الضياع، وأخذ الناس في الطريق. # ولما وصل أبو أحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ~~ووصل أبو أحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر، فقال بعض البصريين، ~~يعرف بباذنجانة: # يا بني طاهر أتتكم جنود الله والموت بينها مشهور ... وجيوش إمامهم أبو ~~أحمد نعم المولى ونعم النصير # ولما نزل أبو أحمد بباب ms2446 الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين بن ~~إسماعيل، وجعل من هناك من القواد تحت يده، فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ~~ساروا إلى الأنبار، فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب ~~الشماسية، فوقفوا بالقرب منه، فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل، ~~والشاه بن ميكال، وبندار الطبري، فيمن معهم، وعزم على الركوب لقتالهم، ~~فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم ~~رجعوا إلى معسكرهم، فترك محمد الركوب. # فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك، وليرهب ~~الأتراك، وركب ومعه وصيف وبغا في الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث ~~إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان، ويبذل لهم ~~الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين، فلم يجيبوا، ومضى نحو ~~باب قطربل، فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنه التقدم لكثرة ~~الناس فانصرف. # فلما كان من الغد أتاه رسل وجه الفلس، وغيره من القواد، يعلمونه أن الترك ~~قد # PageV06P214 # دنوا، وضربوا مضاربهم برقة الشماسية، وأرسل إليهم: لا تبدأوهم بقتال، وإن ~~قاتلوكم فلا تقاتلوهم، وادفعوا اليوم، فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر ~~فارسا فرموا بالسهام، ولم يقاتلهم أحد، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي ~~بحجر، فقتل منهم رجلا، فأخذوه، ورجعوا. # وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل، ~~فخلع عليه محمد بن عبد الله، ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية، ~~فخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم، فاقتتلوا وقتل من ~~الفريقين، وجرح، وكانوا في القتلى والجرحى على السواء، وانهزم أهل بغداد، ~~وثبت أصحاب البواري ثم انصرفوا، وأحضر الأتراك منجنيقا، فغلبهم عليه ~~العامة، فأخذوه. # ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان، فوجه محمد بن عبد الله ~~قائدين من أصحابه في جماعة، وأمرهما بالمقام بتلك الناحية، وحفظها من ~~الأتراك، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، وأخذت دوابهم، فدخلوا ~~بغداد منهزمين، ووجه الأتراك برؤوس القتلى إلى سامرا، واستولوا على طريق ms2447 ~~خراسان، وانقطع الطريق عن بغداد. # ووجه المعتز عسكرا في الجانب الغربي فساروا إلى بغداد، وجاوزوا قطربل، ~~فضربوا عسكرهم هناك، وذلك لاثنتي عشرة خلت من صفر، فلما كان من الغد وجه ~~محمد بن عبد الله عسكرا إليهم، فلقيهم الشاه بن ميكال، فتحاربوا، فانهزم ~~أصحاب المعتز، وخرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله، فانهزموا ووضع أصحاب ~~محمد فيهم السيف، فقتلوهم أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل، ونهب عسكرهم ~~جميعه، ومن سلم من القتل ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد، فأخذه ~~أصحاب السفن، وحملوا الأسرى والرؤوس في الزواريق، فنصب بعضها ببغداذ. # وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، والخلع، والأموال، وطلبت ~~المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانا، وبعضهم بلغ سامرا، وكان عسكر المعتز أربعة ~~آلاف فقتل منهم ألفان، وغرق منهم جماعة، وأسر جماعة، فخلع محمد على جميع ~~القواد، # PageV06P215 # على كل قائد أربع خلع، وطوقا وسوارا، من ذهب. # وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب، وكان أكثر العمل في هذا اليوم ~~للعيارين. # وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لاثنتي عشرة بقيت من صفر إلى الشماسية، ~~فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور، والحوانيت، والبساتين، من باب الشماسية ~~إلى ثلاثة أبواب، ليتسع على من يحارب. # وقدم مال من فارس والأهواز مع منكجور الأشروسني، فوجه أبو أحمد الأتراك ~~لأخذه، فوجه محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال، فعدلوا به عن الأتراك، ~~فقدموا به بغداد، فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحو النهروان، فقتلوا ~~وأحرقوا سفن الجسر، وهي عشرون سفينة، ورجعوا إلى سامرا. # وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد، وكان المستعين قلده إمرة الثغور ~~الجزرية، كان بمدينة بلد ينتظر الجنود والمال ليسير إلى الثغور، فلما كان ~~من أمر المستعين والأتراك ما ذكرنا، سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة ~~في أصحابه وخاصته، وهم زهاء أربع مائة، فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس ~~خلع، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات، ~~فحاربه في نفر يسير، ms2448 فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد، فلما سمع محمد ~~بهزيمته قال: لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به. # وكانت للأتراك وقعة بباب الشماسية، فقاتلوا عليه قتالا شديدا، حتى كشفوا ~~من عليه ورموا (به) المنجنيق بالنار والنفط، فلم يحرقه، ثم كثر الجند على ~~الباب، فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحى، ووجه محمد العرادات في السفن ~~فرموهم بها رميا شديدا، فقتلوا منهم نحو مائة، وكان بعض المغاربة قد صار ~~إلى السور، فرمى بكلاب، فتعلق به، فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه، ~~وألقوا رأسه إلى الأتراك، فرجعوا إلى معسكرهم. # وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فصاح: يا معتز، ~~يا # PageV06P216 # منصور، فظنوه من المغاربة، فقتلوه. # وتقدم الأتراك، في بعض الأيام، إلى باب الشماسية، فرمي الدرغمان، مقدم ~~المغاربة، بحجر منجنيق فقتله، وكان شجاعا، وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف ~~إسته، ويصيح، ويضرط، ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد بسهم في دبره، فجرح من ~~خلفه، فخر ميتا. # واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوقي الجوهريين والصيارفة وغيرهما، فشكا ~~التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد، فقال لهم: كان ينبغي أن تحولوا متاعكم إلى ~~منازلكم، ولم يصنع شيئا، ولا أنكر ذلك. # وقدم لثمان بقين من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور، ويزعمون أن ~~بيعة المعتز وردت عليه، فدعا الناس إلى بيعته، وأخذ الناس بذلك، فمن امتنع ~~ضربه وحبسه، وأنهم امتنعوا وهربوا، فقال وصيف: ما أظنه إلا ظن أن المستعين ~~مات، وقام المعتز، فقالوا: ما فعله إلا عن عمد، فورد كتاب بلكاجور لأربع ~~بقين من صفر، يذكر أنه كان بايع المعتز، فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر ~~جدد له البيعة، وأنه على السمع والطاعة، فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى ~~المستعين، فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم ~~قتلى. # وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية، في كل سفينة خمسة وأربعون رجلا ما بين ~~نفاط وغيره، فمرت إلى ناحية الشماسية، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي ~~أحمد، فانتقلوا إلى ms2449 موضع لا ينالهم شيء من النار. # ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد، فقاتلوا عليها، فقتل ~~من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى العصر. # PageV06P217 # وفي ربيع الأول عمل محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين، ~~فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحوا من خمسين رجلا. # ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة، ~~فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل، فلما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلده سيفا. # ووجه المعتز عسكرا يبلغون ثلاثة آلاف، فعسكروا بإزاء عسكر أبي أحمد بباب ~~قطربل، وركب محمد بن عبد الله في عسكره، وخرج من النظارة خلق كثير، فحاذى ~~عسكر أبي أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة، وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من ~~خمسين رجلا، ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ، فعبرت إليهم سفن لأبي ~~أحمد، فنالت منهم، ورجع محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون برد الناس، ~~فأمرهم بالعود، فأغلظوا له، فشتمهم وشتموه، وضرب رجلا منهم فقتله، فحملت ~~عليه العامة، فانكشف من بين أيديهم، فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن، ~~وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد. # وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوها، وقالوا مايل الأتراك، فانهزم ~~أصحابه، وكلموا محمدا في صرفه، فصرفه، ومنعهم من أخذ ماله. # ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر ~~أخيه أبي أحمد عند عكبرا، فأخرج إليهم ابن طاهر عسكرا، فمضوا حتى بلغوا ~~قطربل وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم، وقتل بينهم جماعة، ~~واندفع أصحاب محمد قليلا إلى باب قطربل، والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، ~~فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ~~وقتل من الأتراك أيضا خلق كثير، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة، فنقبوا ~~السور، فقتل أهل بغداد (أول خارج منه) ، وكان القتل ذلك اليوم أكثره في ~~الأتراك، والجراح بالسهام في أهل بغداد. # وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس، ms2450 فخرجوا معه، وأمر الموكل بباب ~~قطربل # PageV06P218 # ألا يدع منهزما يدخله، ونشبت الحرب، فانهزم أصحاب عبد الله، وثبت أسد بن ~~داود حتى قتل، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشد من الأتراك، فأخذوا منهم ~~الأسرى، وقتلوا فأكثروا، وحملوا الأسرى والرؤوس إلى سامرا، فلما قاربوا ~~منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوا، وارتفعت أصواتهم، ~~وأصوات نسائهم، فبلغ ذلك المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه، فأمر لكل ~~أسير بدينار، وأمر بالرؤوس فدفنت. # وقدم أبو الساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه. # وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من ~~المعتز إلى محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه ~~(تذكير محمد بما) يجب عليه من حفظ العهد القديم (وأن الواجب كان عليه أن ~~يكون) أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته. (فما رد عليه محمد جواب الكتاب) ، ~~وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ومن ~~أصحاب محمد ثلاثمائة. # وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبو الساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، ~~بالمسير إلى المدائن، فقال أبو الساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد ~~مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا العسكر المقيم ~~بإزائك، فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم! فقال: إن لي تدبيرا، ويكفي ~~الله إن شاء الله، فقال أبو الساج: السمع والطاعة! وسار إلى المدائن وحفر ~~خندقها، وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل. # PageV06P219 # وكتب المعتز إلى أخيه أبي أحمد يلومه للتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب ~~إليه في الجواب: # لأمر المنايا علينا طريق ... وللدهر فينا اتساع وضيق # وأيامنا عبرة للأنام فمنها البكور ومنها الطروق ... ومنها هنات تشيب ~~الوليد ويخذل فيها الصديق الصدوق # وفتنة دين لها ذروة تفوق العيون # وبحر عميق قتال متين # وسيف عتيد وخوف شديد # وحصن وثيق وطول صياح ... لداعي الصباح السلاح السلاح # فما يستفيق فهذا طريح وهذا جريح ... وهذا ms2451 حريق وهذا غريق # وهذا قتيل وهذا تليل وآخر يشدخه المنجنيق ... هناك اغتصاب وثم انتهاب ~~ودور خراب # وكانت تروق إذا ما شرعنا إلى مسلك وجدناه ... قد سد عنا الطريق فبالله ~~نبلغ ما نرتجي # وبالله ندفع ما لا نطيق # وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون. # ذكر حال الأنبار # وسير محمد بن عبد الله إلى الأنبار نجوبة بن قيس، فأقام بها، وجمع بها ~~نحوا من ألفي رجل، وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمس مائة، وشق الماء من ~~الفرات إلى # PageV06P220 # خندقها، ففاض على الصحاري، فصار بطيحة واحدة، وقطع القناطر. # وسير المعتز جندا مع علي الإسحاقي نحو الأنبار، فوصلوا ساعة وصول مدد ~~محمد وقد نزلوا ظاهرها، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم مدد محمد بن عبد الله، ~~ورجعوا في الطريق الذي جاؤوا فيه إلى بغداد. # وكان نجوبة بالأنبار لم يخرج منها، فلما بلغه هزيمة مدده، ومسير الأتراك ~~إليه، عبر إلى الجانب الغربي، وقطع الجسر وسار نحو بغداد، فاختار محمد بن ~~عبد الله (إنفاذ) الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من ~~القواد والجند، فجهزهم، وأخرج لهم رزق أربعة أشهر. # وخرج الجند وعرضهم الحسين، وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى ~~الأولى، وتبعه الناس، والقواد، وبنو هاشم إلى الياسرية. # وكان أهل الأنبار لما دخلها الأتراك قد أمنوهم، ففتحوا دكاكينهم، ~~وأسواقهم، ووافاهم سفن من الرقة تحمل الدقيق والزيت وغير ذلك، فانتهبها ~~الأتراك وحملوها إلى منازلهم بسامرا، ووجهوا بالأسرى وبالرؤوس معها. # وسار الحسين حتى نزل دمما، ووافته طلائع الأتراك فوق دمما، فصف أصحابه ~~مقابل الأتراك، بينهما نهر، وكان عسكره عشرة آلاف رجل، (وكان الأتراك فوق ~~دمما، فصف أصحابه) ، وكان الأتراك زهاء ألف رجل، فتراموا بالسهام، فجرح ~~بينهم عدد، وعاد الأتراك إلى الأنبار، وتقدم الحسين فنزل بمكان يعرف ~~بالقطيعة، واسع يحمل العسكر، فأقام فيه يومه، # PageV06P221 # ثم عزم على الرحيل إلى قرب الأنبار، فأشار عليه القواد أن ينزل عسكره ~~بهذا المكان بالقطيعة لسعته وحصانته، ويسير هو وجنده جريدة، فإن كان الأمر ~~له كان قادرا ms2452 على نقل عسكره، (وإن كان عليه رجع إلى عسكره) وعاود عدوه، فلم ~~يقبل منهم وسار من مكانه. # فلما بلغ المكان الذي يريد النزول به أمر الناس بالنزول، فأتت الأتراك ~~جواسيسهم، وأعلموهم بمسيره وضيق مكانه، فأتاهم الأتراك والناس يحطون ~~أثقالهم، فثار أهل العسكر وقاتلوهم فقتل بينهم قتلى من الفريقين، وحمل ~~أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منه خلق كثير. ~~وكان الأتراك قد كمنوا لهم كمينا، فخرج الكمين على بقية العسكر، فلم يكن ~~لهم ملجأ إلا الفرات، وغرق من أصحابه خلق كثير، وقتل جماعة وأسر جماعة. # وأما الفرسان فهربوا لا يلوون على شيء، والقواد ينادونهم: الرجعة، فلم ~~يرجع أحد، فخافوا على نفوسهم، فرجعوا يحمون أصحابهم، وأخذ الأتراك عسكر ~~الحسين بما فيه من الأموال والخلع التي كانت معه، وسلم ما كان معه من سلاح ~~في السفن، لأن الملاحين حذروا السفن، فسلم ما معهم من سلاح وغير ذلك. # ووصل المنهزمون إلى الياسرية لست خلون من جمادى الآخرة، ولقي الحسين رجل ~~من التجار ممن ذهبت أموالهم، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهك، أصعدت في اثني ~~عشر يوما، وانصرفت في يوم واحد! فتغافل عنه. # ولما اتصل خبر الهزيمة بمحمد بن عبد الله بن طاهر منع المنهزمين من دخول ~~بغداد، ونادى: من وجدناه ببغداذ من عسكر الحسين، بعد ثلاثة أيام، ضرب ~~ثلاثمائة سوط، وأسقط من الديوان، فخرج الناس إلى الحسين بالياسرية، وأخرج ~~إليهم [ابن] عبد الله جندا آخر، وأعطاهم الأرزاق، وأمر بعض الناس ليعلم من ~~قتل، ومن غرق، ومن سلم، ففعلوا ذلك. # PageV06P222 # وأتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر ~~من مائتين، والجرحى نحو أربع مائة، وأن جميع من أسره الأتراك مائتان وعشرون ~~رجلا، وأنه عد رؤوس القتلى فكانت سبعين رأسا، وكانوا أخذوا جماعة من أهل ~~الأسواق فأطلقوهم، فرحل الحسين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وسار حتى ~~عبر نهر أربق، فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فأعلمه أن ~~الأتراك يريدون العبور إليه في عدة مخاضات، ms2453 فضربه، ووكل بمواضع المخاض رجلا ~~من قواده يقال له الحسين بن علي بن يحيى الأرمني في مائتي رجل، فأتى ~~الأتراك المخاضة، فرأوا الموكل بها، فتركوها إلى مخاضة أخرى، فقاتلوهم، ~~وصبر الحسين بن علي، وبعث إلى الحسين بن إسماعيل أن الأتراك قد وافوا ~~المخاضة، فقيل للرسول: الأمير نائم، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير في المخرج، ~~فأرسل آخر، فقيل [له] : الأمير قد عاد فنام، فعبر الأتراك، فقعد الحسين بن ~~علي في زورق وانحدر، وهرب أصحابه منهزمين، وقتل الأتراك منهم وأسروا نحو ~~مائتين، وانحدرت عامة السفن فسلمت، ووضع الأتراك السيف، وغرق خلق كثير من ~~الناس، فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل، ووافى بقيتهم في النهار، واستولى ~~الأتراك على أثقالهم وأموالهم، وقتل عدة من قواد الحسين، فقال الهندواني في ~~الحسين: # يا أحزم الناس رأيا في تخلفه ... عن القتال خلطت الصفو بالكدر # لما رأيت سيوف الترك مصلتة ... علمت ما في سيوف الترك من قدر # فصرت مضجرا ذلا ومنقصة ... والنجح يذهب بين العجز والضجر # ولحق فيها جماعة من الكتاب وبني هاشم بالمعتز، فمن بني هاشم علي ومحمد ~~ابنا الواثق وغيرهما. # ثم كانت بينهم عدة وقعات، وقتل فيها من الفريقين جماعة، ودخل الأتراك في ~~بعض تلك الحروب إلى بغداد، ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها. # PageV06P223 # وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك (وقعة، فهزمهم أبو الساج، ثم ~~واقعوه أخرى، فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم، ودخل الأتراك المدائن، وخرجت ~~الأتراك) الذين بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي، حتى بلغوا صرصر ~~وقصر ابن هبيرة. # وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة، خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع ~~القواد والعسكر، ونصب له قبة وجلس فيها، واقتتل الناس قتالا شديدا، فانهزمت ~~الأتراك ودخل أهل بغداد عسكرهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وهربوا على وجوههم ~~لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا: ذهبت الموالي، وساء ذلك من مع ~~بغا ووصيف من الأتراك. # ووقف أبو أحمد بن المتوكل يرد الأتراك، ويخبرهم أنهم إن لم يرجعوا لم يبق ~~لهم بقية، وتبعهم ms2454 أهل بغداد إلى سامرا، فتراجعوا إليه، وإن بعض أهل بغداد ~~رجعوا عن المنهزمين، فرأى أصحابهم أعلامهم، فظنوها أعلام الأتراك قد عادت، ~~فانهزموا نحو بغداد مزدحمين، وتراجع الأتراك إلى عسكرهم، ولم يعلموا بهزيمة ~~أهل بغداد، فتحملوا عليهم. # وفي ذي الحجة وجه أبو أحمد خمس سفائن مملوءة طعاما ودقيقا إلى ابن طاهر. # وفي ذي الحجة علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة ~~للمعتز، ووجه قواده إلى أبي أحمد، فبايعوه للمعتز، وكانت العامة تظن أن ~~الصلح جرى على أن الخليفة المستعين والمعتز ولي عهده. # وفي ذي الحجة أيضا خرج رشيد بن كاوس أخو الأفشين، وكان موكلا بباب ~~السلامة، إلى الأتراك، وسار معهم إلى أبي أحمد، ثم عاد إلى أبواب بغداد ~~يقول للناس: إن أمير المؤمنين المعتز، وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام، ~~ويقولان: من أطاعنا وصلناه، ومن أبى فهو أعلم. # PageV06P224 # فشتمه الناس، وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فعبرت العامة ~~إلى الجزيرة التي حذاء داره، فشتموه أقبح شتم، ثم ساروا إلى باب داره ~~ففعلوا به مثل ذلك، وقاتلوا من على بابه حتى كشفوهم، ودخلوا دهليز داره، ~~وأرادوا إحراق داره فلم يجدوا نارا، وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهو ~~يسمع، فلما ذكروا اسم أمه ضحك، وقال: ما أدري كيف عرفوه، وقد كان أكثر ~~جواري أبي لا يعرفون اسمها. فلما كان الغد فعلوا مثل ذلك، فسار محمد إلى ~~المستعين، وسأله أن يطلع إليهم ويسكتهم، ففعل، وقال لهم: إن محمدا لم يخلع، ~~ولم أتهمه، ووعدهم أن يصلي بهم الجمعة، فانصرفوا. # ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين أبي أحمد مع حماد بن إسحاق (بن ~~حماد) بن يزيد، وثار قوم من رجالة الجند، وكثير من العامة، فطلب الجند ~~أرزاقهم، وشكت العامة سوء الحال، وغلاء السعر، وقالوا: إما خرجت، فقابلت، ~~وإما تركتنا، فوعدهم الخروج، أو فتح باب الصلح، ثم جعل على الجسور ~~وبالجزيرة وبباب داره الرجال والخيل، فحضر الجزيرة بشر كثير، فطردوا من كان ~~بها، وقاتلوا الناس. # وأرسل محمد بن عبد ms2455 الله إلى الجند يعدهم رزق شهرين، وأمرهم بالنزول، ~~فأبوا وقالوا: لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة على أي شيء نحن، فخرج إليهم ~~بنفسه، فقالوا له: إن العامة قد اتهموك بخلع المستعين، والبيعة للمعتز، ~~وتوجيهك القواد بعد القواد، ويخافون دخول الأتراك والمغاربة إليهم، فإن ~~يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار، فهم يخافون على أنفسهم وأولادهم ~~وأموالهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم، فلما رأى ~~محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة، ودخل إليه جماعة ~~من الناس، فنظروا إليه، وخرجوا، فأعلموا الناس الخبر، فلم ينتفعوا بذلك، ~~فأمر المستعين بإغلاق الأبواب، وصعد سطح دار العامة، ومحمد بن عبد الله ~~معه، فرآه الناس وعليه البردة وبيده القضيب، فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق ~~صاحب البردة إلا انصرفوا (فإنه آمن) لا بأس عليه من محمد، فسألوه الركوب ~~معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنونه عليه، فوعدهم ذلك. # PageV06P225 # فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن، فأتاه ~~وجوه الناس، وسألوه الصفح، واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء، فرد ~~عليهم ردا جميلا. # وانتقل المستعين عن داره في ذي الحجة، وأقام بدار رزق الخادم بالرصافة، ~~وسار بين يديه محمد بن عبد الله (بالحربة) ، فلما كان من الغد اجتمع الناس ~~بالرصافة، فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد بن عبد الله ~~والعود معه إذا ركب، ففعلوا ذلك، فركب محمد في جمع وتعبئة، ووقف للناس ~~وعاتبهم، وحلف أنه ما يريد للمستعين، ولا لولي له، ولا لأحد من الناس سوءا، ~~وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، حتى بكى (الناس) ودعوا له، (وسار إلى ~~المستعين) . # وكان ابن طاهر مجدا في أمر المستعين، حتى غيره عبيد الله بن يحيى بن ~~خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره، وتجد في أمره، من أشد الناس نفاقا، ~~وأخبثهم دينا، والله لقد أمر وصيفا وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، ~~وإن كنت شاكا في قولي فسل تخبره، وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا لا يجهر ms2456 ~~ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك، وترك ~~نصرة وليك، وصهرك، وتربيتك، ونحو ذلك من كلام كلمه به، فقال محمد: أخزى ~~الله هذا، ما يصلح لدين ولا لدنيا! ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد بن ~~إسرائيل، والحسن بن مخلد. # فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم حضر محمد بن عبد الله عند ~~المستعين وعند الفقهاء والقضاة، فقال له: قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري ~~في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك، فقال المستعين: أحضر الرقعة، فأحضرها، ~~فإذا فيها # PageV06P226 # ذكر الصلح، وليس فيها ذكر الخلع، فقال: نعم أمض الصلح، فخرج محمد إلى ~~ظاهر باب الشماسية، فضرب له مضرب، فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء ~~أبو أحمد في سميرية، فصعد إليه، فتناظرا طويلا، ثم خرجا، فجاء ابن طاهر إلى ~~المستعين، فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار، ويقطع عليه ثلاثين ألف ~~دينار، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة، يتردد منها إلى مكة، ويخلع نفسه من ~~الخلافة، وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وما والاه، ~~ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان ~~للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفا ~~وبغا معه يكاشفان، فقال: النطع والسيف، فقال له ابن طاهر: أما أنا فأقعد، ~~ولا بد لك من خلعها طائعا أو مكرها! فأجاب إلى الخلع. # وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمدا وبغا ووصيفا لما ناظروه في الخلع ~~أغلظ عليهم، فقال وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر، فصرنا إلى ما نحن فيه، وأنت ~~أمرتنا بقتل أتامش، وقلت إن محمدا ليس بناصح، وما زالوا يفزعونه، وقال ~~محمد: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين، فلما ~~رأى ذلك أذعن بالخلع، وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة خلت ~~من ذي الحجة. # وجمع محمد الفقهاء والقضاة، وأدخلهم على المستعين، وأشهدهم عليه أنه قد ~~صير أمره إلى محمد بن عبد ms2457 الله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة. # وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه، ~~فأتوه فمناهم، وقال لهم: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء. وأمرهم ~~بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده، ليوقع ~~المعتز عليها بخطه، ثم أخرجهم إلى المعتز، فمضوا إليه، فأجاب إلى ما طلبوا، ~~ووقع عليه بخطه، # PageV06P227 # وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم، ووجه معهم من يأخذ البيعة على المستعين، ~~وحمل إلى المستعين أمه وعياله، بعدما فتشوا، وأخذوا ما معهم، وكان دخول ~~الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. # ذكر غزو الإفرنج بالأندلس # في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي، صاحب الأندلس، جيشا مع ابنه ~~المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة، فساروا، وقصدوا الملاحة، وكانت ~~أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع، فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب، ~~جمع لذريق عساكره، وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين، وبه ~~تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوا، فانهزم المشركون، إلا أنهم لم يبعدوا، واجتمعوا ~~بهضبة بالقرب من موضع المعركة، فتبعهم المسلمون، وحملوا عليهم، واشتد ~~القتال، فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء. وتبعهم المسلمون يقتلون ~~ويأسرون. # وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما أخذ من رؤوس المشركين ألفين ~~وأربع مائة واثنين وتسعين رأسا، وكان فتحا عظيما، وعاد المسلمون. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رجع سليمان بن محمد، صرفه عبد الله بن طاهر، إلى طبرستان من ~~جرجان بجمع كثير، وخيل وسلاح، فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان، ولحق ~~بالديلم، ودخلها سليمان، وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار، وأتاه ~~أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم، يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوا، ~~ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى. # وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي بن عبد ~~الله # PageV06P228 # الطالبي المسمى بالمرعشي، فيمن معه من رؤساء الجبل، فهزمه ودخل مدينة ~~آمل. # وفيها ظهر بأرمينية رجلان، فقاتلهما العلاء بن ms2458 أحمد عامل بغا الشرابي، ~~فهزمهما، فصعدا قلعة هناك، فحصرهما، ونصب عليها المجانيق، فهزما منها، وخفي ~~أمرهما عليه وملك القلعة. # وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق. # وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله يخبر الطالبي الذي ظهر بالري، ~~وما أعد له من العساكر المسيرة له، وظفر به، واسمه محمد بن جعفر، فأخذه ~~أسيرا، ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى بن الحسين ~~الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وإدريس بن موسى ~~بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه ~~السلام. # وفيها انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر، وكان لقيه في ثلاثين ألفا، ~~وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة رجل وأربعين رجلا. # وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني. # وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد، وأحمد المولد، وأيوب بن أحمد # PageV06P229 # بالسكير من أرض بني تغلب، فقتل بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب ~~متاعه. # وفيها غزا بلكاجور الروم، ففتح مطمورة، وغنم غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من ~~الروم. # وفيها ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد ~~الله بن الحسين بن [علي بن حسين بن] علي بن أبي طالب، عليه السلام، واستخلف ~~بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ~~عليه السلام، يكنى أبا أحمد، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان ~~العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل ~~الخليفة وهو أحمد بن نضير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، ~~واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي، فسار مزاحم إلى الكوفة، فحمل أهل ~~الكوفة العلوية على قتالهما، ووعدهم النصرة، فتقدم مزاحم وقاتلهم، وكان قد ~~سير قائدا معه جماعة، فأتى أهل الكوفة من ورائهم، فأطبقوا ms2459 عليهم، فلم يفلت ~~منهم واحد، ودخل الكوفة، فرماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق ~~منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها ~~العلوي، فهرب، وأقام مزاحم بالكوفة، فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه، فسار ~~إليه. # وفيها ظهر إنسان علوي بناحية نينوى من أرض العراق، فلقيه هشام بن أبي دلف # PageV06P230 # في شهر رمضان، فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخل الكوفة. # وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد ~~بن علي بن الحسين بن علي المعروف بالكركي، بناحية قزوين، وزنجان، فطرد عمال ~~طاهر عنها. # وفيها قطعت بنو عقيل طريق جدة، فحاربهم جعفر (بشاشات) فقتل من أهل مكة ~~نحو ثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى. # وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر (بشاشات) ، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل ~~أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما كان حمل لإصلاح ~~القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ ~~كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن ~~نهبها، وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوما وسار إلى المدينة، فتوارى ~~عاملها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعا وعطشا، ~~وبلغ الخبز ثلاث أواق # PageV06P231 # بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة ~~منه كل بلاء. # ثم سار (إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوما، فحبس عن الناس الطعام) ، ~~وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب. # ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب ~~البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة، كان المعتز وجههما إليها، ~~فقاتلهما إسماعيل، وقتل من الحاج نحو ألف ومائة، وسلب الناس، وهربوا إلى ~~مكة، لم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهارا، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة ms2460 ~~فأفنى أموالها. # [الوفيات] # وفيها مات سري السقطي الزاهد [الوفيات] # وإسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج، الحافظ النيسابوري، توفي في ~~جمادى الأولى، وله مسند يروى عنه. # PageV06P232 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين] ### | 252 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين # ذكر خلع المستعين # في هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة، ~~وبايع للمعتز بالله بن المتوكل، وخطب للمعتز ببغداذ يوم الجمعة لأربع خلون ~~من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند. # وكان ابن طاهر قد دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد، وقد كتب شروط ~~الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين! قد كتب سعيد كتاب الشروط، فأكده غاية ~~التوكيد، أفنقرأه عليك لتسمعه، فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدها، فما ~~القوم بأعلم بالله منك، ولقد أكدت على نفسك قبلهم، فكان ما علمت، فما رد ~~عليه محمد شيئا. # فلما بايع المستعين للمعتز، وأشهد عليه بذلك، نقل من الرصافة إلى قصر ~~الحسن بن سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعا، ووكل بهم، وأخذ منه البردة، ~~والقضيب، والخاتم، ووجه مع عبد الله بن طاهر، ومنع المستعين من الخروج إلى ~~مكة، فاختار المقام بالبصرة، فقيل له، إن البصرة وبية، فقال: هي أوبأ أو ~~ترك الخلافة! # ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات ~~وغنم كثير. # PageV06P233 # وفيها سير المستعين إلى واسط، واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل، وخلع ~~عليه، ورجع أبو أحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من المحرم، فقال بعض ~~الشعراء في خلع المستعين: # خلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أو يخلع # ويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد تملك منهم يستمتع # إيها بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع # رقعتم دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقا لا يرقع # وقال الشعراء في خلعه كالبحتري، ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما ~~فأكثروا. # وفيها لسبع بقين من المحرم انصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد، ~~فقلده محمد بن عبد ms2461 الله معاون ما سقى الفرات من السواد، فسير نوابه إليها ~~لطرد الأتراك والمغاربة عنها، ثم سار أبو الساج إلى الكوفة. # ذكر حال وصيف وبغا # وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن معهما ~~من الدواوين، وكان محمد بن أبي عون، وهو أحد قواد محمد بن عبد الله، قد وعد ~~أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفا، فعقد له المعتز على اليمامة، والبحرين، ~~والبصرة، فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما محمد بن عبد ~~الله، فركبا إلى محمد، وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهما، وقال بغا، إن ~~القوم قد غدروا، وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لو أرادوا أن يقتلونا ما ~~قدروا عليه. # فكفه وصيف وقال: نحن في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا! ورجعا إلى منزلهما، ~~وجمعا جندهما، ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد، وكان في حجرها، فكلم المؤيد ~~المعتز في الرضاء عنه، فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك، وتكلم أبو أحمد بن ~~المتوكل في بغا، فكتب إليه بالرضاء عنه، وهما ببغداذ، ثم تكلم الأتراك # PageV06P234 # بإحضارهما إلى سامرا، فكتب إليهما بذلك، وكتب إلى محمد ليمنعهما من ذلك، ~~فأتاهما كتاب إحضارهما، فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه، وخرج وصيف ~~وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحو أربع مائة إنسان، وخلفا الثقل والعيال، ~~فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم، فمضوا إلى باب خراسان، وخرجوا ~~منه، ووصلا سامرا، ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهما، وعقد لهما ~~على أعمالهما، ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير. # ذكر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد الله # وفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر. # وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب الفروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون ~~أرزاقهم في رمضان، فقال لهم: إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم، ~~فكتب في الجواب، إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم، وإن كنت تريدهم ~~لنا فلا حاجة لنا فيهم، فشغبوا عليه، ms2462 وأخرج لهم ألفي دينار، ففرقت فيهم، ~~فسكتوا. # ثم اجتمعوا في رمضان أيضا، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام على باب ~~حرب، وعلى باب الشماسية وغيرهما، وبنوا بيوتا من بواري وقصب، وباتوا ~~ليلتهم، فلما أصبحوا كثر جمعهم، وأحضر محمد أصحابه، فباتوا في داره، وشحن ~~داره بالرجال، واجتمع إلى أولئك (المشغبين) خلق كثير، بباب حرب، بالسلاح ~~والأعلام والطبول، ورئيسهم أبو القاسم عبدون بن الموفق، وكان من نواب عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان، فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم. # فلما كان يوم الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء للمعتز، فعلم ~~الخطيب (بذلك) ، فاعتذر بمرض لحقه، ولم يخطب، فمضوا يريدون الجسر، فوجه ~~إليهم ابن طاهر عدة من قواده في جماعة من الفرسان والرجال، فاقتتلوا، فقتل ~~بينهم قتلى، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر، فلما رأى الذين بالجانب ~~الشرقي أن أصحابهم أزالوا أصحاب ابن طاهر (عن الجسر) حملوا يريدون العبور ~~إلى أصحابهم، وكان ابن # PageV06P235 # طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب، فألقى فيها النار، وأرسلها إلى الجسر ~~الأعلى فأحرقت سفنه، وقطعته، وصارت إلى الجسر الآخر، فأدركها أهل الجانب ~~الغربي، فغرقوها، وعبر من [في] الجانب الشرقي إلى الغربي، ودفعوا أصحاب ابن ~~طاهر إلى باب داره، وقتل بينهم نحو عشرة أنفس، ونهب العامة مجلس الشرط، ~~وأخذوا منه شيئا كثيرا من أصناف المتاع. # ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على أصحابه أمر بالحوانيت التي على ~~باب الجسر أن تحرق، فاحترق للتجار متاع كثير، فحالت النار بين الفريقين، ~~ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب، وجمع ابن طاهر عامة أصحابه، وعبأهم تعبئة ~~الحرب خوفا من رجعة الجند، فلم يكن لهم عودة، فأتاه في بعض الأيام رجلان من ~~الجند، فدلاه على عورة القوم، فأمر لهما بمائتي دينار، وأمر الشاه بن ميكال ~~وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم، فسار إلى تلك الناحية، وكان أبو ~~القاسم، وابن الخليل، وهما المقدمان على الجند، قد خافا بمضي ذينك الرجلين، ~~(وقد تفرق الناس عنهما) ، فسار كل واحد منهما إلى ناحية. # وأما ابن الخليل ms2463 فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه، فصاح بهم، وصاح به ~~أصحاب محمد، وصار في وسطهم، فقتل، وأما أبو القاسم فإنه اختفى، فدل عليه ~~فأخذ وحمل إلى ابن طاهر، وتفرق الجند من باب حرب، ورجعوا إلى منازلهم، وقيد ~~أبو القاسم وضرب ضربا مبرحا، فمات منه في رمضان. # ذكر خلع المؤيد وموته # في رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده، وكان سببه أن العلاء ~~بن أحمد، عامل أرمينية، بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، ~~فبعث # PageV06P236 # عيسى بن فرخانشاه إليها، فأخذها، فأغرى المؤيد الأتراك بعيسى، وخافهم ~~المغاربة، فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي أحمد، فأخذهما وحبسهما، وقيد العطاء ~~للأتراك والمغاربة. # وقيل: إنه ضربه أربعين مقرعة، وخلعه بسامرا، وأخذ خطه بخلع نفسه، وكانت ~~وفاته أيضا في رجب لثمان بقين من الشهر. # وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك ~~يريدون إخراج المؤيد من الحبس، فأنهى ذلك إلى المعتز، فذكر موسى بن بغا عنه ~~فقال: ما أرادوه، إنما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به ~~وكان في الحرب التي كانت، فلما كان من الغد دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه، ~~فأخرج المؤيد إليهم ميتا لا أثر به، ولا جرح، وحمل إلى أمه، ومعه كفنه، ~~وأمرت بدفنه. # فقيل: إنه أدرج في لحاف سمور ومسك طرفاه حتى مات. # وقيل: إنه أقعد في الثلج، وجعل على رأسه منه كثير، فجمد بردا. # ولما مات المؤيد نقل أخوه أبو أحمد إلى محبسه، وكانا لأب وأم. # ذكر قتل المستعين # ولما أراد المعتز قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، كتب إلى محمد بن ~~عبد الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين ~~بالمستعين بواسط في تسليمه إليه، وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه، فأخذه ~~أحمد وسار به إلى القاطول، فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله، ~~وضربه حتى مات. # وقيل: بل جعل في رجله حجرا وألقاه في دجلة. # وقيل: كان قد حمل معه داية له تعادله، ms2464 فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف، فصاح، ~~وصاحت دايته، ثم قتل وقتلت المرأة معه، وحمل رأسه إلى المعتز، وهو يلعب # PageV06P237 # بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع! فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست! فلما ~~فرغ نظر إليه، وأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولاه معونة ~~البصرة. # ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة # (وفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة. # وسببها أن الأتراك) وثبوا بعيسى بن فرخانشاه، فضربوه، وأخذوا دابته، ~~واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على ~~الجوسق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، ~~وتعملون وزيرا. # وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها ~~الأتراك، فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى الكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا ~~هم والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوا، ~~فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم، على أن لا يحدثوا شيئا، وكل موضع يكون فيه ~~رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر، فمكثوا مديدة، ثم اجتمع ~~الأتراك، وقالوا: نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق، فبلغ ~~الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد، فخرجا إلى منزل محمد ~~بن عزون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهما، فغمز بهما إلى ~~الأتراك، فأخذوهما فقتلوهما، فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن عزون، فكلم ~~فيه، فنفاه إلى بغداد. # ذكر خروج مساور بالبوازيج # في هذه السنة (في رجب) خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي ~~الموصلي بالبوازيج، وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل. # وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل، وكان يتولاها لبني عمران، وأمراء # PageV06P238 # الموصل، لزموا إنسانا اسمه حسين بن بكير، فأخذ ابنا لمساور هذا اسمه ~~حوثرة، فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلا، فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ~~ليلا ويحضره عنده، ويرده إلى الحبس نهارا، فكتب حوثرة إلى أبيه مساور، وهو ~~بالبوازيج، يقول له: أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك، وقلق، ~~وخرج، وبايعه جماعة، وقصد الحديثة، فاختفى حسين ms2465 بن بكير، وأخرج مساور ابنه ~~حوثرة من الحبس، وكثر جمعه من الأكراد والأعراب، وسار وسار إلى الموصل فنزل ~~بالجانب الشرقي. # وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان ~~الخزاعي، وأهبان يقال إنه مكلم الذئب، وله صحبة، فوافقه (عقبة) من الجانب ~~الغربي، فعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مساور، فقاتلا، فقتلا، وعاد ~~مساور، وكره القتال. # وكان حوثرة بن مساور معهم، فسمع يقول: # أنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجني جوركم من داري # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار، وجماعة من الطالبيين، إلى ~~سامرا، فيهم: أبو أحمد محمد بن جعفر (بن الحسن بن جعفر) بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب، وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان. # وكان سبب ذلك أن رجلا من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية ~~إلى ناحية الكوفة، وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيما ببغداذ، فأمر محمد ~~بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة، فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى ~~الكوفة، فلما صار إليها رمي بالحجارة، وظنوه جاء لحرب العلوي، فقال: لست ~~بعامل، إنما أنا رجل وجهت لحرب الأعراب، فكفوا عنه. # وكان أبو أحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة، بعدما هزم مزاحم ~~بن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بها، وقد تقدم ذكره، فعاث أبو أحمد ~~فيها، وآذى # PageV06P239 # الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه ~~واستماله، حتى خالطه أبو أحمد، وآكله وشاربه، حتى سار به، ثم خرج متنزها ~~إلى بستان، فأمسى وقد عبأ له عبد الرحمن أصحابه، فقيده، وسيره إلى بغداد في ~~ربيع الآخر، ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن ~~زيد، فكتب بخبره إلى المعتز، فكتب إلى محمد بن عبد الله بحمله وحمل ~~الطالبيين المذكورين إلى سامرا، فحملوا جميعا. # وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة. # (وفيها توجه أبو الساج إلى طريق خراسان من قبل محمد ms2466 بن عبد الله) . # وفيها عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة، وأنفذ خليفته أبا المغرا إليها، ~~وعيسى هذا شيباني، وهو عيسى بن الشيخ بن السليل، من ولد جساس بن مرة بن ذهل ~~بن شيبان، واستولى على فلسطين جميعها، فلما كان من الأتراك بالعراق ما ~~ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، ~~واستبد بالأموال. # وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل، وبعث ~~إليه بخلع، فتولى ذلك من قبله. # وفيها قتل محمد بن عمرو الشاري بديار ربيعة، (قتله خليفة لأيوب بن أحمد ~~في ذي القعدة) . # وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى بن أحمد العلوي، # PageV06P240 # والحسين بن أحمد الكوكبي، على الري، فقتلوا، وسبوا، وكان بها عبد الله بن ~~عزير، فهرب منها، فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، فارتحلوا عنها، وعاد ~~ابن عزير، فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور. # [الوفيات] # وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل. # [بقية الحوادث] # وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور. # (وفيها سير محمد بن [عبد الرحمن] صاحب الأندلس جيشا إلى بلاد العدو، ~~فقصدوا ألبة، والقلاع، ومدينة مايه وقتلوا من أهلها عددا كثيرا، ثم قفل ~~الجيش سالمين. # [بقية الوفيات] # وفيها توفي محمد بن بشار بندار [الوفيات] . # وأبو موسى محمد بن المثنى الزمن البصريان، وهما من مشايخ البخاري، ومسلم، ~~في " الصحيح "، وكان مولد بندار سنة سبع وستين ومائة. # PageV06P241 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين] ### | 253 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين # ذكر أخذ كرج من أبي دلف # فيها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في رجب على الجبل، فسار على مقدمته ~~مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف خارج همذان، فتحاربا، وكان مع عبد ~~العزيز أكثر من عشرين ألفا من الصعاليك وغيرهم، فانهزم عبد العزيز وقتل ~~أصحابه. # فلما كان في رمضان سار مفلح نحو كرج، وجعل له كمينين، ووجه عبد العزيز ~~عسكرا فيه أربعة آلاف، فقاتلهم ms2467 مفلح، وخرج الكمينان على أصحاب عبد العزيز، ~~فانهزموا، وقتلوا، وأسروا، وأقبل عبد العزيز ليعين أصحابه، فانهزم ~~بانهزامهم، وترك كرج، ومضى إلى قلعة له يقال لها زر، فتحصن بها، ودخل مفلح ~~كرج، فأخذ أهل عبد العزيز وفيهم والدته. # ذكر قتل وصيف # وفيها قتل وصيف، وكان سبب قتله أن الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا، ~~وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما، فكلمهم وصيف، ~~فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال، وقال بغا: نعم! نسأل أمير المؤمنين ~~ونتناظر في دار أشناس، فدخلوا دار أشناس. # ومضى سيما وبغا إلى المعتز، وبقي وصيف في أيديهم، فوثب عليه بعضهم فضربه ~~بالسيف، ووجأه آخر بسكين، ثم ضربوه بالطبرزينات حتى قتلوه، وأخذوا رأسه # PageV06P242 # ونصبوه على محراك تنور، وجعل المعتز ما كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي، ~~وهو بغا الصغير، وألبسه التاج والوشاحين. # ذكر قتل (بندار) الطبري # وفيها قتل بندار الطبري، وكان سبب قتله (أن مساور بن عبد الحميد الموصلي ~~الخارجي لما خرج بالبوازيج، كما ذكرنا) ، وكان طريق خراسان إلى بندار، ~~ومظفر بن سيسل، وكانا بالدسكرة، أتى الخبر إلى بندار بمسير مساور إلى كرخ ~~حدان، فقال المظفر (في المسير إليه، فقال للمظفر) : قد أمسينا، وغدا العيد، ~~فإذا قضينا العيد سرنا إليه. فسار بندار طمعا في أن يكون الظفر له، فسار ~~ليلا، حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم، فأبى ~~وقال: حتى أراهم ويروني، فأحس به الخوارج، فركبوا، واقتتلوا. # وكان مع بندار ثلاثمائة فارس، ومع الخوارج سبع مائة، فاشتد القتال بينهم، ~~وحمل الخوارج حملة اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة، فصبروا لهم، ~~وقاتلوهم، حتى قتلوا جميعا، فانهزم بندار وأصحابه، وجعل الخوارج يقطعونهم ~~قطعة بعد قطعة، فقتلوهم. # وأمعن بندار في الهرب، فطلبوه، فلحقوه، فقتلوه، ونصبوا رأسه، ونجا من ~~أصحابه نحوا من خمسين رجلا، وقيل: مائة. # وأتى الخبر إلى المظفر، فرحل نحو بغداد، وسار مساور نحو حلوان، فقاتله ~~أهلها، فقتل منهم أربع مائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وقتل عدة من ~~حجاج خراسان كانوا بحلوان، وأعانوا ms2468 أهلها، ثم انصرفوا عنه. # PageV06P243 # وقال ابن مساور في ذلك: # فجعت العراق ببندارها ... وحزت البلاد بأقطارها # وحلوان صبحتها غارة ... فقتلت أغرار غرارها # وعقبه بالموصل أحجرته ... وطوقته الذل في كارها # ذكر موت محمد بن عبد الله بن طاهر # وفي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه، ومع انتهاء خسوفه مات ~~محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحا أصابته ~~في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتايل. # ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى ~~أخيه عبيد الله بن طاهر، فلما مات تنازع ابنه طاهر وأخوه عبيد الله (الصلاة ~~عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع عبيد الله وأصحاب) طاهر، حتى سلوا السيوف، ~~ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع أصحاب طاهر) ، وعبر عبيد الله إلى داره ~~بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على أعماله، ثم ~~وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع ~~بخمسين ألف درهم. # ذكر الفتنة بأعمال الموصل # في هذه السنة كانت حرب بين سليمان بن عمران الأزدي وبين عنزة، وسببها أن ~~سليمان اشترى ناحية من المرج، فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة، ~~فلم يجبه إليها، فسار برهونة إلى عنزة، وهم بين الزابين، فاستجار بهم وببني ~~شيبان، # PageV06P244 # واجتمع معه جمع كثير، (ونهبوا الأعمال فأسرفوا) . # وجمع سليمان لهم بالموصل، وسار إليهم، فعبر الزاب، وكانت بينهم حرب ~~شديدة، (وقتل فيها كثير) ، وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتلة ~~عظيمة، وأدخل من رؤوسهم إلى الموصل أكثر من مائتي رأس، فقال حفص بن عمرو ~~الباهلي قصيدة يذكر فيها الوقعة أولها: # شهدت مواقفنا نزار فأحمدت ... كرات كل سميدع قمقام # جاؤوا وجئنا لا نفيتم صلنا ... ضربا يطيح جماجم الأجسام # وهي طويلة. # وفيها كان أيضا بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير ~~التليدي، وسبب ذلك أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي كان ~~قد اشترى قريتين [كان] رهنهما محمد ms2469 بن علي التليدي عنده، وكره صاحبهما (أن ~~يشتريهما، فشكا ذلك إلى الحباب بن بكير) ، فقال الحباب له: ائتني بكتاب من ~~بغا لأمنع عنهما، وأعطاه دواب ونفقة، وانحدر إلى سر من رأى، وأحضر كتابا من ~~بغا إلى الحباب يأمره بكف يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين، ففعل ~~ذلك، وأرسل إليهما من منع عنهما محمدا، فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا. # فبينما محمد بن عبد الله بن السيد والحباب بالبستان على شراب لهما، ~~ومعهما قينة، قال لها الحباب غني بهذا الشعر: # متى تجمع القلب الزكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم # PageV06P245 # فغنت الجارية، فغضب محمد بن عبد الله، وقال لها بل غني: # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم # ولا صلح حتى تقرع البيض بالقنا ... ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم # وافترقا وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل ~~بالقريتين، فجمع محمد جمعا، وترددت الرسل في الصلح، وأجابا إلى ذلك، وفرق ~~محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لو كان مع محمد أربعة لما أجاب إلى ~~الصلح، فغضب لذلك، وجمع جمعا كثيرا، (وسار مبادرا) إلى الحباب، فخرج إليه ~~الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له وجمع من أصحابه، وكان ~~ذلك في ذي القعدة من هذه السنة. # ذكر عدة حوادث # فيها نفي أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فأنزل في ~~الجانب الشرقي بقصر دينار، ونفي أيضا علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى ~~بغداد. # وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة. # وحج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي. # وفيها غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية، فانهزم، وأسر. # وفيها التقى موسى بن بغا والكوكبي العلوي (عند قزوين) ، فانهزم الكوكبي ~~ولحق بالديلم، وكان سبب الهزيمة أنهم لما اصطفوا للقتال جعل أصحاب الكوكبي ~~تروسهم في وجوههم، فيتقون بها سهام أصحاب موسى، فلما رأى موسى أن سهام ~~أصحابه لا تصل إليهم مع فعلهم، أمر بما معه من النفط أن يصب في ms2470 الأرض، ثم ~~أمر أصحابه بالاستطراد لهم، ففعلوا ذلك، فظن الكوكبي وأصحابه أنهم قد ~~انهزموا، فتبعهم، فلما توسطوا النفط أمر # PageV06P246 # موسى بالنار فألقيت فيه، فالتهب من تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم، فانهزموا ~~فتبعهم موسى، ودخل قزوين. # وفيها (في ذي الحجة) لقي مساور الخارجي عسكرا للخليفة (مقدمهم حطرمس) ~~بناحية جلولاء، فهزمه مساور. # وفيها سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، فافتتحوا حصون ~~جرنيق، وحاصروا فوثب وغلب على أكثر أسوارها. # ذكر ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنج # وكان يعقوب بن الليث وأخوه عمرو يعملان الصفر بسجستان، ويظهران الزهد ~~والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج، ~~يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب، وقاتل معه، فحظي عنده، فجعله صالح ~~مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار ~~يعقوب مع درهم كما كان مع صالح قبله. # ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما عظم شأنه وكثر أتباعه، حتى ظفر به ~~وحمله إلى بغداد، فحبسه بها، ثم أطلق، وخدم الخليفة ببغداذ. # وعظم أمر يعقوب بعد أخذ درهم، وصار متوليا أمر المتطوعة مكان درهم، وقام ~~بمحاربة الشراة، (فظفر بهم) ، وأكثر القتل فيهم، حتى كاد يفنيهم، وخرب ~~قراهم، وأطاعه أصحابه بمكره، وحسن حاله ورأيه طاعة لم يطيعوها أحدا كان من ~~قبله، واشتدت شوكته، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه، ~~وصدر عن أمره، وأظهر أنه هو أمره بقتال الشراة، وملك سجستان وضبط الطرق ~~وحفظها، وأمر بالمعروف ونهى عن # PageV06P247 # المنكر، فكثر أتباعه، فخرج عن حد طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير ~~خراسان للخليفة. # ثم سار من سجستان إلى هراة من خراسان هذه السنة ليملكها، وكان أمير ~~خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد ~~بن أوس الأنباري، فخرج منها لمحاربة يعقوب في تعبئة حسنة وبأس شديد وزي ~~جميل، فتحاربا واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة ~~وبشنج، وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره ~~من ms2471 أصحاب الأطراف. # PageV06P248 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين] ### | 254 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين # ذكر مقتل بغا الشرابي # وفيها قتل بغا الشرابي، وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير ~~إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه، فاتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من ~~صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرا، إلى ~~بايكباك التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا. # وكان سبب انحرافه عنه أنهما كانا على شراب لهما، فعربد أحدهما على الآخر، ~~فاختفى بايكباك من بغا، فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور، ~~ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا، وبلغ ذلك بغا، فخرج في غلمانه وهم ~~زهاء خمسمائة إنسان من ولده وقواده، فسار إلى السن، فشكا أصحابه بعضهم إلى ~~بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد، ~~وأنهم في شتاء، فأتاه بعض أصحابه، وأخبره بقولهم، فقال: دعني حتى أنظر ~~الليلة. # فلما جن عليه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان وشيء من المال الذي صحبه، ~~وكان قد صحبه تسع عشرة بدرة دنانير، ومائة بدرة دراهم، ولم يحمل معه سلاحا، ~~ولا سكينا، ولا شيئا، ولم يعلم به أحد من عسكره. # وكان المعتز، في غيبة بغا، لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح، فسار بغا ~~إلى الجسر في الثلث الأول من الليل، فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو، ~~فصاح بالغلام، فرجع، وخرج بغا في البستان الخاقاني، فلحقه عدة من الموكلين، ~~فوقف لهم بغا، وقال: أنا بغا، إما أن تذهبوا # PageV06P249 # معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم، فتوكل به ~~بعضهم، وأرسلوا إلى المعتز بالخبر، فأمر بقتله، فقتل، وحمل رأسه إلى ~~المعتز، ونصب بسامرا وببغداذ، وأحرقت المغاربة جسده، وكان أراد أن يختفي ~~عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد وكان قد قرب خرج هو وصالح ~~(ووثبوا بالمعتز) . # ذكر ابتداء حال أحمد بن طولون # كانت ديار مصر قد أقطعها بايكباك، وهو من أكابر ms2472 قواد الأتراك، وكان مقيما ~~بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها. # وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضا من الأتراك، وقد نشأ هو بعد والده ~~على طريقة مستقيمة وسيرة حسنة، فالتمس بايكباك من يستخلفه بمصر، فأشير عليه ~~بأحمد بن طولون لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسيره إليها. # وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في البلد، فلما قدمها أحمد كف ~~يد ابن المدبر، واستولى على البلد، وكان بايكباك قد استعمل أحمد بن طولون ~~على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية وغيرها، فلما قتل المهتدي ~~بايكباك وصارت مصر لياركوج التركي وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودة ~~متأكدة، استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا شأنه، ودامت أيامه، ~~{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] . # ذكر وقعة بين مساور الخارجي وبين عسكر الموصل # كان مساور بن عبد الحميد قد استولى على أكثر أعمال الموصل وقوي أمره، ~~فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي - وكان ~~خليفة أبيه بالموصل - عسكرا كثيرا منهم حمدان بن حمدون جد الأمراء ~~الحمدانية، وغيره، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر عنه مساور عن ~~موضعه، ونزل بموضع يقال له وادي الذيات، وهو واد # PageV06P250 # عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا في جمادى الأولى، واقتتلوا، واشتد ~~القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي، ~~فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل إلى حزة من أعمال إربل اليوم، ~~ونجا محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه، وكان فارسا ~~شجاعا فقاتلهم فقتل، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو أحمد بن الرشيد، وهو عم الواثق والمتوكل، وعم أبي ~~المنتصر والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء إخوته الأمين، والمأمون، ~~والمعتصم، وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعتصم، وأبناء ابني أخيه، وهم ~~المنتصر، والمستعين، والمعتز. # وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن ms2473 علي بن موسى بن جعفر بن محمد ~~بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام بسامرا، وهو أحد من ~~يعتقد الإمامية إمامته، (وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل، وكان مولده سنة ~~اثنتي عشرة ومائتين) . # وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر وقنسرين والعواصم. # وفيها أوقع مفلح بأهل قم، فقتل منهم مقتلة عظيمة. # (وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الأندلس الخلاف على محمد بن عبد الرحمن، ~~صاحب الأندلس، وسبب ذلك أنهم خالفوا قديما على أبيه، فظفر بهم، وتفرق كثير ~~من أهلها، فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها، فعادوا إلى الخلاف ~~والعصيان، فسار محمد إليهم، وحصرهم، وضيق عليهم، فانقادوا إلى التسليم ~~والطاعة، فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة، وهدم سور ماردة، وحصن بها الموضع الذي ~~كان يسكنه العمال دون غيرهم. # PageV06P251 # وفيها هلك أردون بن ردمير صاحب جليقية من الأندلس، وولي مكانه أدفونش، ~~وهو ابن اثنتي عشرة سنة. # وفيها انكسف القمر كسوفا كليا لم يبق منه شيء ظاهر. # وفيها كان ببلاد الأندلس قحط شديد، تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين ~~[ومائتين] إلى سنة خمس وخمسين [ومائتين] ، وكشف الله عنهم) . # وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهواز وجنديسابور ~~وتستر، فجبى بها مائتي ألف دينار، ثم انصرف، وكان والده أمره بذلك. # وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري، فلقيه فهزمه، وقتل من أصحابه ~~جماعة كثيرة. # وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد. # [الوفيات] # (وفيها توفي أبو الوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بها، وكان ~~إماما في النحو واللغة، وإماما بالعربية، قيل: مات سنة خمس وخمسين ~~[ومائتين] وهو أصح) . # PageV06P252 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين] ### | 255 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين # ذكر استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على كرمان # وفيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان، وسبب ذلك أن علي بن ~~الحسين بن شبل كان على فارس، فكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز ~~الطاهرية، وأن يعقوب قد ms2474 غلبهم على سجستان، وكان علي بن الحسين قد تباطأ ~~بحمل خراج فارس، فكتب إليه المعتز بولاية كرمان، وكتب إلى يعقوب بن الليث ~~بولايتها أيضا، يلتمس إغراء كل واحد منها بصاحبه ليسقط مؤونة الهالك عنه، ~~وينفرد بالآخر. # وكان كل واحد منها يظهر طاعة لا حقيقة لها، والمعتز يعلم ذلك منها، فأرسل ~~علي بن الحسين طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب إليها، فسبقه طوق ~~واستولى عليها، وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة، فأقام بها ~~شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهر ~~الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتين، وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له ~~في حربه، وترك كرمان، فوضع آلة الحرب، وقعد للأكل والشرب والملاهي. # واتصل بيعقوب إقبال طوق على الشرب، فكر راجعا، فطوى المرحلتين في يوم ~~واحد، فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: غبرة المواشي، ~~فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب، فأحاط به وأصحابه، (فذهب أصحابه) يريدون ~~المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا للقوم! فمروا ~~هاربين، وخلوا كل ما لهم، وأسر يعقوب طوقا. # PageV06P253 # وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيودا ليقيد بها من يأخذه من ~~أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقة وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه، ~~فلما غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك، فقال: ما هذا يا طوق؟ فأخبره، فأخذ الأطوقة ~~والأسورة، فأعطاها أصحابه، وأخذ القيود والأغلال، فقيد بها أصحاب علي، ولما ~~أخرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنها، فقال: ~~أصابتني حرارة ففصدتها. فأمر بنزع خف نفسه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، ~~فقال: يا طوق! هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي، وخبزي في خفي منه آكل، ~~وأنت جالس في الشرب؟ ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان. # ذكر ملك يعقوب فارس # وفيها، رابع جمادى الأولى، ملك يعقوب بن الليث فارس، ولما بلغ علي بن ~~الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه، ms2475 وكان علي ~~بشيراز، فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ~~ومن الجانب الآخر نهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهو ضيق ممره لا ~~يسلكه إلا واحد بعد واحد، وهو على طرف البر، وقال: إن يعقوب لا يقدر على ~~الجواز إلينا. فرجع. # وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق، فنزل على ميل منه، وسار وحده ومعه ~~رجل آخر، فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب [علي بن] الحسن يسبونه وهو ~~ساكت ثم رجع إلى أصحابه، فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف ~~المضيق مما يلي كرمان، فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال، ففعلوا، وركبوا ~~دوابهم عريا، وأخذ كلبا كان معه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب عسكر ~~[علي بن] الحسين، وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله، ~~ويضحكون منه. # وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم، وبأيديهم الرماح، يسيرون ~~خلف الكلب، فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في ~~أمره، وانتقض عليه تدبيره، وخرج أصحاب يعقوب من وراء أصحاب علي، فلما خرج ~~أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون، إذا خرج يعقوب ~~وأصحابه، بين جيش يعقوب والمضيق، ولا يجدون ملجأ، فانهزموا، فسقط علي بن ~~الحسين عن دابته، # PageV06P254 # كبا به الفرس، فأخذ أسيرا، وأتي به إلى يعقوب، فقيده، وأخذ كل ما في ~~عسكره، ثم رحل من موضعه، ودخل شيراز ليلا، فلم يتحرك أحد، فلما أصبح نهب ~~أصحابه دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في بيوت الأموال، وجبى الخراج ورجع ~~إلى سجستان. # وقيل: إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين، بعد عبوره النهر، ~~حرب شديدة، وذلك أن عليا كان قد جمع عنده جمعا كثيرا من الموالي والأكراد ~~وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل، فعبأ أصحابه ميمنة، ~~وميسرة، ووقف هو في القلب، وأقبل الصفار فعبر النهر، فلما صار مع علي على ~~أرض واحدة حمل هو وعسكره حملة واحدة على ms2476 عسكر علي، فثبتوا لهم، ثم حمل ~~ثانية، فأزالهم عن مواقفهم، وصدقهم في الحرب، فانهزموا على وجوههم لا يلوي ~~أحد على أحد. # وتبعهم علي يصيح بهم، ويناشدهم الله ليرجعوا، أو ليقفوا، فلم يلتفت إليه ~~أحد، وقتل الرجالة قتلا ذريعا، وأقبل المنهزمون إلى (باب) شيراز مع العصر، ~~فازدحموا في الأبواب، فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته إلى ~~الأهواز. # فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم، ولولا ذلك لقتلوا عن ~~آخرهم. # وكان القتلى خمسة آلاف قتيل، وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات، ثم أخذ ~~أسيرا لما عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز، وطاف بالمدينة، ونادى بالأمان ~~فاطمأن الناس، وعذب عليا بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة، (وقيل: ~~أربع مائة بدرة) ومن السلاح والأفراس، وغير ذلك ما لا يحد، وكتب إلى ~~الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة، منها عشرة بيزان بيض، وباز أبلق ~~صيني، ومائة من مسكا وغيرها من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي، وطوق، ~~تحت الاستظهار، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها. # PageV06P255 # ذكر خلع المعتز وموته # وفيها، في يوم الأربعاء، لثلاث بقين من رجب، خلع المعتز، ولليلتين خلتا ~~من شعبان ظهر موته. # وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه، ولم يحصل منهم ~~مال، ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقالوا: أعطنا أرزاقنا حتى نقتل ~~صالح بن وصيف، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار، ~~فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالا ليعطيهم، فأرسلت إليه: ما عندي ~~شيء. # فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء، ولا من أمه، وليس في ~~بيت المال شيء، اتفقت كلمتهم، وكلمة المغاربة، والفراغنة، على خلع المعتز، ~~فساروا إليه وصاحوا، فدخل إليه صالح، ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر، ~~وبايكباك في السلاح، فجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينا، فقال: قد ~~شربت أمس دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم! ~~وهو يظن أن أمره واقف ms2477 على حاله، فدخل إليه جماعة منهم، فجروه برجله إلى باب ~~الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس في الدار، فكان ~~يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وأدخلوه ~~حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه، وشهدوا على صالح ~~بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان. # وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربا، فخرجت منه هي وأخت المعتز، وكانوا ~~أخذوا عليها الطريق، (ومنعوا أحدا يجوز إليها) ، وسلموا المعتز إلى من ~~يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر، فمنعوه، ~~ثم أدخلوه سردابا، وجصصوا عليه، فمات، فلما مات أشهدوا على موته بني هاشم ~~والقواد، وأنه لا أثر فيه، ودفنوه مع المنتصر. # وكانت خلافته من لدن بويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين ~~يوما. # PageV06P256 # يوما، وكان عمره كله أربعا وعشرين سنة. # وكان أبيض، أسود الشعر، كثيفه، حسن العينين والوجه، أحمر الوجنتين، حسن ~~الجسم طويلا ; وكان مولده بسر من رأى، وكان فصيحا، فمن كلامه لما سار ~~المستعين إلى بغداذ، وقد أحضر جماعة للرأي، فقال لهم: أما تنظرون إلى هذه ~~العصابة التي ذاع نفاقها؟ # الهمج، العصاة، الأوغاد الذين لا مسكة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز ~~معهم، قد زين لهم تقحم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروا، والمذمون ~~إذا ذكروا، وقد علمت أنه لا يصلح لقواد الجيوش، وسد الثغور، وإبرام الأمور، ~~وتدبير الأقاليم إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع: حزم يتقي به عند موارد ~~الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجزه عن التهور، والتغرير في الأشياء إلا مع ~~إمكان فرصتها، وشجاعة لا تفضها الملمات مع تواتر حوائجها، وجود يهون تبذير ~~الأموال عند سؤالها، وسرعة مكافأة الإحسان إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة ~~على أهل الزيغ والعدوان، والاستعداد للحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان. # وأما الاثنتان فإسقاط الحجاب عن الرعية، والحكم بين القوي والضعيف ~~بالسوية. # وأما الواحدة فالتيقظ للأمور، وقد اخترت لهم رجلا من موالي أحدهم شديد ~~الشكيمة، ماضي العزيمة، لا تبطره ms2478 السراء، ولا تدهشه الضراء، ولا يهاب ما ~~وراءه، ولا يهوله ما يلقاه، فهو كالحريش في أصل الإسلام إن حرك حمل، وإن ~~نهش قتل، عدته عتيدة، ونعمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العديد، ~~بقلب أشد من الحديد، طالب للثأر لا تفله العساكر، باسل البأس، ومقتضب ~~الأنفاس، لا يعوزه ما طلب، ولا يفوته من هرب، واري الزناد مضطلع العماد، لا ~~تشرهه الرغائب، ولا تعجزه # PageV06P257 # النوائب، وإن ولي كفى، وإن قال وفى ; وإن نازل فبطل، وإن قال فعل ; ظله ~~لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل، يفوق من ساماه، ويعجزه من ناواه، ~~ويتعب من جاراه، وينعش من والاه. # ذكر خلافة المهتدي # وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع لمحمد بن الواثق، ولقب بالمهتدي ~~بالله، وكان يكنى أبا عبد الله، وأمه رومية، وكانت تسمى قرب، ولم يقبل بيعة ~~أحد، فأتى بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه، وبالرغبة في ~~تسليمها إلى ابن الواثق، فبايعه الخاصة والعامة. # ذكر الشغب ببغداذ # وفي هذه السنة شغبت العامة ببغداذ سلخ رجب، ووثبوا بسليمان بن عبد الله. # وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمره بأخذ البيعة له ~~; وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداذ، وكان المعتز قد سيره إليها، كما تقدم، ~~فأرسل سليمان إليه، فأخذه إلى داره. # وسمع من ببغداذ من الجند والعامة بأمر المعتز، فاجتمعوا إلى باب دار ~~سليمان، فقاتلهم أصحابه، وقيل لهم: ما يرد علينا من سامرا خبر، فانصرفوا. # ورجعوا الغد، وهو يوم الجمعة، على ذلك، وخطب للمعتز ببغداذ، فانصرفوا، ~~وبكروا يوم السبت، فهجموا على دار سليمان، ونادوا باسم أبي أحمد، ودعوا إلى ~~بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد، فأظهره لهم، ووعدهم أن يصير إلى ~~محبتهم إن تأخر عنهم ما يحبون، فانصرفوا بعد أن أكدوا عليه في حفظ أبي ~~أحمد. # ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم، فرضوا، وبايعوا للمهتدي لسبع خلون ~~من شعبان وسكنت الفتنة. # PageV06P258 # ذكر ظهور قبيحة أم المعتز # قد ذكرنا استتارها عند قتل ابنها ; وكان السبب ms2479 في هربها وظهورها أنها ~~كانت قد واطأت النفر من الكتاب الذين أوقع بهم صالح على الفتك بصالح، فلما ~~أوقع بهم، وعذبهم، علمت أنهم لا يكتمون عنه شيئا، فأيقنت بالهلاك، فعملت في ~~الخلاص، وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال، والجواهر، ~~وغيرها، فأودعته، واحتالت، فحفرت سربا في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش، ~~فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب، فلما فرغوا من ~~المعتز طلبوها فلم يجدوها، ورأوا السرب، فخرجوا منه، فلم يقفوا على خبرها، ~~وبحثوا عنها فلم يظفروا بها. # ثم إنها فكرت أن ابنها قتل، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي ~~نفسها، ويتقرب بها إلى صالح، (فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح) بن وصيف، ~~فتوسطت الحال بينهما، وظهرت في رمضان، وكانت لها أموال ببغداذ، فأحضرتها، ~~وهي مقدار خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال ~~كثيرة، ومن جملتها دار تحت الأرض، وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف ~~دينار، ووجدوا في سفط قدر مكوك زمردا لم ير الناس مثله، وفي سفط آخر مقدار ~~مكوك من اللؤلؤ الكبار ; وفي سفط مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذي لم ~~يوجد مثله، فحمل الجميع إلى صالح، فسبها، وقال: عرضت ابنها للقتل في خمسين ~~ألف دينار، وعندها هذه الأموال كلها! # ثم سارت قبيحة إلى مكة، فسمعت وهي تدعو بصوت عال على صالح بن وصيف، ~~وتقول: اللهم أخز صالحا كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتت شملي، وأخذ مالي، ~~وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني، وأقامت بمكة. # وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها، كما يسمى الأسود كافورا. # قال: وكانت أم المهتدي قد ماتت قبل استخلافه، وكانت تحت المستعين، فلما ~~قتل جعلها المعتز في قصر الرصافة، فماتت، فلما ولي المهتدي قال: أما أنا ~~فليس لي أم أحتاج لها غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريها، وخدمها، ~~والمتصلين بها، وما أريد إلا # PageV06P259 # القوت لنفسي وولدي، وما أريد فضلا إلا لإخوتي، فإن الضائقة قد مستهم. # ذكر قتل أحمد بن إسرائيل وأبي ms2480 نوح # وقيل قتل أحمد بن إسرائيل، وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله ومال ~~الحسن بن مخلد، ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف، كل واحد منهما ~~خمسمائة سوط، فماتا ودفنا، وبقي الحسن بن مخلد [في الحبس] . # ولما بلغ المهتدي ضربهما قال: أما عقوبة إلا السوط والقتل، أما يكفي ~~الحبس؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! يكرر ذلك مرارا. # ذكر ولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداذ وشغب الجند والعامة بها # وفي رمضان وثب عامة بغداذ وجندها بمحمد بن أوس البلخي. # وكان السبب في ذلك أن محمد بن أوس قدم من خراسان مع سليمان بن عبد الله ~~بن طاهر على الجيش القادمين من خراسان، وعلى الصعاليك الذين معهم، ولم تكن ~~أسماؤهم في ديوان العراق ; وكانت العادة أن يقام لمن يقدم من خراسان ~~بالعراق ما كان لهم بخراسان، ويكون وجه ذلك من دخل ضياع ورثة طاهر بن ~~الحسين، ويكتب إلى خراسان ليعطى الورثة من بيت المال عوضه. # فلما سمع عبيد الله بن عبد الله بقدوم سلمان إلى العراق، ومصير الأمر ~~إليه، أخذ ما في بيت مال الورثة، وأخذ نجوما لم تحل، وسار، فأقام بالجويب، ~~في شرقي دجلة، ثم انتقل إلى غربيها، فقدم سليمان فرأى بيت مال الورثة ~~فارغا، فضاقت عليه الدنيا، وأعطى أصحابه من أموال جند بغداذ، وتحرك الجند ~~والشاكرية في طلب الأرزاق. # وكان الذين قدموا مع محمد بن أوس من خراسان قد أساءوا مجاورة أهل بغداذ، # PageV06P260 # وجاهروا بالفاحشة، وتعرضوا للحرم، والغلمان بالقهر، فامتلئوا عليهم غيظا ~~وحنقا، فاتفق العامة مع الجند، وثاروا، وأتوا سجن بغداذ، عند باب الشام، ~~فكسروا بابه، وأطلقوا من فيه، وجرت حرب بين القادمين مع ابن أوس وبين أهل ~~بغداذ، فعبر ابن أوس وأصحابه وأولاده إلى الجزيرة، وتصايح الناس: من أراد ~~النهب فليلحق بنا! فقيل إنه عبر إلى الجزيرة من العامة أكثر من مائة ألف ~~نفس، وأتاهم الجند في السلاح، فهرب ابن أوس إلى منزله، فتبعه الناس، ~~فتحاربوا نصف نهار حربا شديدة، وجرح ابن أوس، ms2481 وانهزم هو وأصحابه، وتبعهم ~~الناس حتى أخرجوهم من باب الشماسية، وانتهبوا منزله وجميع ما كان فيه، ~~فقيل: كان قيمة ذلك ألفي درهم، وأخذوا له من الأمتعة ما لا حد عليه، ونهب ~~أهل بغداذ منازل الصعاليك من أصحابه. # فأرسل سليمان بن عبد الله إلى ابن أوس يأمره بالمسير إلى خراسان، ويعلمه ~~أنه لا طريق له إلى العود إلى بغداذ، فرحل إلى النهروان، فنهب وأفسد، ثم ~~أتى بايكباك التركي، كتب إليه ولاة طريق خراسان في ذي القعدة. # وكان مساور بن عبد الحميد قد استخلف رجلا اسمه موسى بالدسكرة ونواحيها، ~~في ثلاثمائة رجل، وإليه ما بين حلوان والسوس على طريق خراسان وبطن جوخى. # وفيها أمر المهتدي بإخراج القيان والمغنين من سامرا، ونفاهم عنها، وأمر ~~أيضا بقتل السباع التي كانت بدار السلطان، وطرد الكلاب، ورد المظالم، وجلس ~~للعامة، ولما ولي كانت الدنيا كلها بالفتن منسوخة. # ذكر استيلاء مفلح على طبرستان وعوده عنها # في هذه السنة سار مفلح إلى طبرستان، فحارب الحسن بن زيد العلوي، فانهزم ~~الحسن ولحق بالديلم، ودخل مفلح البلد، وأحرق منازل الحسن، وسار إلى الديلم ~~في # PageV06P261 # طلبه، ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلها، وهزم الحسن بن زيد العلوي، وعاد ~~موسى بن بغا من الري. # وسبب ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب الأتراك كتبت إلى موسى تسأله ~~القدوم عليهم، وأملت أن يصل قبل أن يفرط في ولدها فارط، فعزم على الانصراف، ~~وكتب مفلح يأمره بالانصراف عن طبرستان إليه بالري، فورد كتابه إلى مفلح وهو ~~قد توجه إلى أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد العلوي، فلما أتاه الكتاب رجع، ~~فأتاه من كان هرب من الحسن من أهل طبرستان، ورجوا العود إلى بيوتهم، وقالوا ~~له: ما سبب عودك؟ فأخبرهم بكتاب الأمير إليه يعزم عليه، ولم يتهيأ لموسى ~~المسير عن الري حتى أتاه خبر قتل المعتز والبيعة للمهتدي، فبايعوا المهتدي. # ثم إن الموالي الذين مع موسى بلغهم ما أخذ صالح بن وصيف من أموال الكتاب ~~وأسلاب المعتز، فحسدوا المقيمين بسامرا، فدعوا موسى ms2482 بن بغا بالانصراف، وقدم ~~عليهم مفلح وهو بالري فسار نحو سامرا، فكتب إليه المهتدي يأمره بالعود إلى ~~الري ولزوم ذلك الثغر، فلم يفعل، فأرسل إليه رجلين من بني هاشم يعرفانه ضيق ~~الأموال عنده، ويحذرانه غلبة العلويين على ما (يجعله خلفه) ، فلم يسمع ذلك. # وكان صالح بن وصيف يعظم على المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية ~~والخلاف، ويتبرأ إلى المهتدي من فعله، ولما أتى الرسل موسى ضج الموالي، ~~وكادوا أن يثبوا بالرسل، ورد موسى الجواب يتعذر بتخلف من معه عن الرجوع إلى ~~قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، ويحتج بما عاين الرسل، وأنه إن تخلف عنهم ~~قتلوه، وسير مع الرسل جماعة من أصحابه، فقدموا سامرا سنة ست وخمسين ~~ومائتين. # ذكر استيلاء مساور على الموصل # لما انهزم عسكر الموصل من مساور الخارجي، كما ذكرناه، قوي أمره، وكثر ~~أتباعه، فسار من موضعه، وقصد الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، ~~فاستتر أمير البلد منه، وهو عبد الله بن سليمان، لضعفه عن مقاتلته، ولم ~~يدفعه أهل الموصل أيضا # PageV06P262 # (لميلهم إلى الخلاف) ، فوجه مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد، ~~فأحرقها، ودخل مساور الموصل بغير حرب، فلم يعرض لأحد. # وحضرت الجمعة، فدخل المسجد الجامع، وحضر الناس، أو من حضر منهم، فصعد ~~المنبر وخطب عليه، فقال في خطبته: اللهم أصلحنا، وأصلح ولاتنا! ولما دخل في ~~الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه، ثم كبر ست تكبيرات، ثم قرأ بعد ذلك، ولما خطب ~~جعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف، وكذلك في الصلاة ; لأنه ~~خاف من أهل الموصل، ثم فارق الموصل، ولم يقدم على المقام بها لكثرة أهلها، ~~وسار إلى الحديثة ; لأنه كان اتخذها دار هجرته. # ذكر أول خروج صاحب الزنج # وفي شوال خرج في فرات البصرة رجل، وزعم أنه علي بن محمد بن أحمد [بن علي] ~~بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وجمع ~~الزنج الذين كانوا يسكنون السباخ، وعبر دجلة، فنزل الديناري. # قال أبو جعفر: وكان اسمه، فيما ms2483 ذكر، علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في ~~عبد القيس، وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم (من بني أسد بن خزيمة من ~~قرى الري، وكان يقول: جدي محمد بن حكيم) من أهل الكوفة أحد الخارجين على ~~هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين، فلما قتل زيد هرب فلحق بالري، ~~فجاء إلى قرية ورزنين وأقام بها. # وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، وقدم ~~العراق، واشترى جارية سندية، وأولدها محمدا أباه، وكان متصلا قبل بجماعة من ~~حاشية المنتصر، منهم غانم الشطرنجي، وسعيد الصغير، وكان معاشه منهم ومن ~~أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره، (منهم، ومن غيرهم) . # ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى بها أنه # PageV06P263 # علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن ~~علي بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ~~ومن غيرهم، فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة. # وكان أهل البحرين قد أحلوه بمحل نبي، وجبى الخراج، ونفذ فيهم حكمه، ~~وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه، فوتر منهم جماعة، فتنكروا له، فانتقل عنهم ~~إلى الأحساء، ونزل على قوم من بني سعد بن تميم، يقال لهم: بنو الشماس، ~~وأقام فيهم، وفي صحبته جماعة من البحرين منهم: يحيى بن محمد الأزرق ~~البحراني، وسليمان بن جامع، وهو قائد جيشه. # وكان ينتقل بالبادية، فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام بالبادية ~~آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس، منها أني لقنت سورا من القرآن، فجرى بها ~~لساني في ساعة، وحفظتها في دفعة واحدة، منها: سبحان، والكهف، وصاد، ومنها ~~أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث أتيت في البلاد، فأظلتني غمامة، وخوطبت ~~منها، فقيل لي: اقصد البصرة. # وقيل عنه إنه قال لأهل البادية: إنه يحيا به عمر العلوي أبو الحسن ~~المقتول بناحية الكوفة، فخدع أهلها، فأتاه منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى ~~الروم، من البحرين، ms2484 كانت وقعة عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، ~~قتلوا قتلا كثيرا، فتفرقت العرب عنه. # فلما تفرقت عنه سار فنزل البصرة في بني ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة (كبيرة) # PageV06P264 # منهم: علي بن أبان المهلبي، وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ومائتين، ~~ومحمد بن رجاء الحضاري عاملها، ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية، ~~والسعدية. # وطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم، فلم يجبه أحد ~~من أهل البلد، وطلبه ابن رجاء، فهرب، فحبس جماعة ممن كانوا يميلون إليه، ~~منهم: ابنه، وزوجته، وابنة له، وجارية حامل منه. # وسار يريد بغداذ، ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن ~~جامع، ومرقس القريعي، فلما صار بالبطيحة نذر بهم (رجل كان يلي أمرها، اسمه ~~عمير بن عمار، فحملهم إلى محمد بن عوف عامل واسط، فخلص منه) هو وأصحابه، ~~فدخل بغداذ، فأقام بها حولا، فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، فزعم ~~بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعل كل واحد منهم، ~~فاستمال جماعة من أهل بغداذ منهم: جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن ~~صوحان، ومحمد بن القاسم، ومشرق، ورقيق، غلاما يحيى بن عبد الرحمن، فسمى ~~مشرقا حمزة، وكناه أبا أحمد، وسمى رفيقا جعفرا، وكناه أبا الفضل. # وعزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء البلالية، والسعدية، فأخرجوا من ~~في الحبوس، فخلص أهله فيهم، فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان ~~رجوعه في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه علي بن أبان، ويحيى بن محمد، ~~وسليمان، ومشرق، ورقيق، فوافوا البصرة، فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف ~~بعمود ابن المنجم، وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السبخ، فأقام هنالك. # PageV06P265 # وذكر ريحان أحد غلمان السورجيين، وهو أول من صحبه منهم، أنه قال: كنت ~~موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق، فأخذني أصحابه، فساروا بي إليه، ~~وأمروني أن أسلم عليه بالإمرة، ففعلت، فسألني عن الموضع الذي جئت منه، ~~فأخبرته، وسألني عن أخبار البصرة، فقلت: لا ms2485 علم لي ; وسألني عن غلمان ~~السرجيين، وعن أحوالهم، وما يجري لهم، فأعلمته، فدعاني إلى ما هو عليه، ~~فأجبته، فقال: احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان، وأقبل بهم إلي، ووعدني أن ~~يقودني على من آتيه به، واستحلفني أن لا أعلم أحدا بموضعه، وأن أرجع إليه، ~~وخلى سبيلي. # وعدت إليه من الغداة، وقد أتاه جماعة من غلمان الدباسين، فكتب في حريرة: ~~" {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: ~~111] الآية ; وجعلها في رأس مردي، وما زال يدعو غلمان أهل البصرة، ويقبلون ~~إليه للخلاص من الرق والتعب، فاجتمع عنده منهم خلق كثير، فخطبهم، ووعدهم أن ~~يقودهم ويملكهم الأموال، وحلف لهم بالأيمان أن لا يغدر بهم، ولا يخذلهم، ~~ولا يدع شيئا من الإحسان إلا أتى به إليهم، فأتاه مواليهم، وبذلوا له على ~~كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده، فبطح أصحابهم، وأمر كل من عنده من ~~العبيد، فضربوا مواليهم، أو وكيلهم، كل سيد خمسمائة سوط، ثم أطلقهم فمضوا ~~نحو البصرة. # ثم ركب في سفن هناك، فعبر دجيلا إلى نهر ميمون، فأقام هناك، ولم يزل هذا ~~دأبه يتجمع إليه السودان إلى يوم الفطر، فخطبهم، وصلى بهم، وذكرهم ما كانوا ~~فيه من الشقاء وسوء الحال، وأن الله تعالى أبعدهم من ذلك، وأنه يريد أن ~~يرفع أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال. # فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميري، فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة، # PageV06P266 # واستأمن إلى صاحب الزنج رجل (من رؤساء الزنج) يكنى بأبي صالح، ويعرف ~~بالقصير، في ثلاثمائة من الزنج، فلما كثروا جعل القواد فيهم منهم، وقال ~~لهم: كل من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه. # وكان ابن عون قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة، وسار قائد ~~الزنج إلى المحمدية، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون، فصاح الزنج: ~~السلاح، وقاموا، وكان فيهم فتح الحجام، فقام وأخذ طبقا كان بين يديه، فلقيه ~~رجل من السورجيين يقال له بلبل، فلما رآه فتح حمل عليه، وحذفه بالطبق الذي ~~بيده، فرمى سلاحه وولى هاربا، وانهزم ms2486 أصحابه، وكانوا أربعة آلاف، وقتل منهم ~~جماعة، ومات بعضهم عطشا، وأسر منهم، وأمر بضرب أعناقهم. # ثم سار إلى القادسية، فنهبها أصحابه بأمره، وما زال يتردد إلى أنهار ~~البصرة، فوجد بعض السودان دارا لبعض بني هاشم، فيها سلاح بالسيب، فانتهبوه، ~~فصار معهم ما يقاتلون به، فأتاه، وهو بالسبب، جماعة من أهل البصرة ~~يقاتلونه، فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل، فلقوا البصريين، فانهزم ~~البصريون منهم، وأخذوا سلاحهم، ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية ~~اليهود، فهزمهم أيضا، وأثبت أصحابه في الصحراء. # ثم أسرى إلى الجعفرية، فوضع في أهلها السيف، فقتل أكثرهم، وأتى منهم ~~بأسرى فأطلقهم، ولقي جيشا كبيرا للبصريين مع رئيس اسمه عقيل، فهزمهم، وقتل ~~منهم خلقا كثيرا، وكان معهم سفن، فهبت عليها ريح فألقتها إلى الشط، فنزل ~~الزنج وقتلوا من وجدوا فيها، وغنموا ما فيها، وكان مع الرئيس (سفن فركبها ~~ونجا، فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها، ثم نهب) القرية المعروفة ~~بالمهلبية وأحرقها، وأفسد في الأرض وعاث. # ثم لقيه قائد من قواد الأتراك يقال له: أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل على ~~نهر الريان، فاقتتلوا، وحمل السودان عليه حملة صادقة، فقتلوا صاحب علمه، ~~فانهزم هو # PageV06P267 # وأصحابه، وتبعهم السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمسمائة ~~رجل، وأخذوا منهم أسرى فأمر بقتلهم. # ثم إنه أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الخيول، والمتطوعة، ~~والبلالية، والسعدية، وهم خلق كثير، وقد أعدوا الحبال ليكتف من يأخذونه من ~~السودان، والمقدم عليهم أبو منصور، وأخذ موالي الهاشميين، فأرسل علي بن ~~أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم، فلقي طائفة منهم، فهزمهم، وصار من معهم ~~من العبيد إلى علي بن أبان. # وأرسل طائفة أخرى من أصحابه، فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة، ~~ومعها من يحفها، فلما رأوا الزنج هربوا عنها، فأخذ الزنج السفن وأتوا بها ~~إلى صاحبهم، فلما أتوه قعد على نشز من الأرض. # وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة، فناظرهم، فصدقوه ~~على قوله، وقالوا له: لو ms2487 كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك، فأطلقهم، وأرسل ~~طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر، فأتاه خبرهم أنهم قد أتوه في خلق كثير، فأمر ~~محمد بن سالم، وعلي بن أبان أن يقعدا لهم بالنخل، وقعد هو على جبل مشرف، ~~فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال، فأمر الزنج فكبروا، وحملوا عليهم، وحملت ~~الخيول، فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم حملوا، فثبتوا لهم، ~~وقتل من الزنج فتح الحجام، وصدق الزنج الحملة، فأخذوهم بين أيديهم، وخرج ~~محمد بن سالم، وعلي بن أبان، وحملوا عليهم فقتلوا منهم، وانهزم الناس، ~~وذهبوا كل مذهب، وتبعهم السودان إلى نهر بيان، فوقعوا في الوحل، فقتلهم ~~السودان، وغرق كثير منهم. # وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كمينا، فساروا إليه، فإذا الكمين في (أكثر ~~من) ألف من المغاربة، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم حمل السودان عليهم، فقتلوهم ~~أجمعين وأخذوا سلاحهم. # ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة فيها دقيق فأخذوه، ومتاعا فنهبوه، ونهب ~~المعلى بن أيوب ثم سار، فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوه، فقاتلهم، فقتلهم ~~أجمعين، # PageV06P268 # فكانوا مائتين، ثم سار فنهب قرية ميزران، ورأى فيها جمعا من الزنج ففرقهم ~~على قواده ; ثم سار، فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي، ولم ~~يقاتله، فأرسل من ينهب، فأتوه بغنم وبقر، فذبحوا وأكلوا، وفرق أصحابه في ~~انتهاب ما هناك. # ثم إن صاحب الزنج سار يريد البصرة، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي ~~أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة، فلم يلبث إلا ~~يسيرا حتى نادى السودان: السلاح السلاح، وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم، ~~فعبر في ثلاثمائة رجل، وقال له: إن احتجت إلى مدد فاستمدني، فلما مضى علي ~~صاح الزنج: السلاح السلاح، لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجه محمد بن سالم، ~~(فرأى جمعا، فقاتلهم) من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر، ثم حمل الزنوج حملة ~~صادقة، فهزموهم، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة، ورجعوا إلى ~~صاحبهم. # ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه، وقد هزموا من بإزائهم، وقتلوا منهم، ومعه ms2488 ~~رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية، ثم سار من الغد عن ~~ذلك المكان، ونهى أصحابه عن دخول البصرة، فتسرع بعضهم، فلقيهم أهل البصرة ~~في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه، فوجه محمد بن سالم، (وعلي بن أبان) ، ~~ومشرقا، وخلقا كثيرا، وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين، فأرسل إلى أصحابه ~~ليتأخروا عن المكان الذي هم فيه، فتراجعوا، فأكب عليهم أهل البصرة ~~فانهزموا، وذلك عند العصر، ووقع الزنوج في نهر كبير، ونهر شيطان، وقتل منهم ~~جماعة، وغرق جماعة، وتفرق الباقون، وتخلف صاحبهم عنهم، وبقي في نفر يسير، ~~فنجاه الله تعالى. # ثم لقيهم وهم متحيرون لفقده، وسأل عن أصحابه، فإذا ليس معه إلا خمسمائة ~~رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته، فلم يأته أحد، وكان أهل ~~البصرة قد انتهبوا السفن الذي كانت للزنوج، وبها متاعهم، فلما أصبح رأى ~~أصحابه في ألف رجل، وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم، ويعلمهم ما ~~الذي دعاه إلى الخروج، فقتلوه. # PageV06P269 # فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل البصرة وحشدوا لما ~~رأوا من ظهورهم عليه، وانتدب لذلك رجل يعرف بحمار الساجي، وكان من غزاة ~~البحر، وله علم في ركوب السفن، فجمع المتطوعة، ورماة الأهداف، وأهل المسجد ~~الجامع، ومن خف معه من البلالية والسعدية، ومن أحب النظر من غيرهم، وشحن ~~ثلاثة مراكب، وشذوات مقابلة، (وجعلوا يزدحمون) ، ومضى جمهور الناس رجالة، ~~منهم من معه سلاح، ومنه نظارة، فدخلت المراكب في المد، والرجالة على شاطئ ~~النهر. # فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني، في ~~شرقي النهر، كمينا، وطائفة مع شبل، وحسين الحمامي، في غربيه كمينا، وأمر ~~علي بن أبان أن يلقى أهل البصرة، وأن يستتر هو ومن معه بتراسهم، ولا يقاتل ~~حتى تظهر أصحابه، وتقدم إلى الكمينين، إذ جاوزهم أهل البصرة أن يخرجوا، ~~ويصيحوا بالناس، وبقي هو في نفر يسير من أصحابه، وقد هاله ما رأى من كثرة ~~الجمع، فسار أصحابه إليهم، وظهر الكمينان من جانبي النهر ومن وراء ms2489 السفن، ~~والرجالة، فضربوا من ولى من الرجالة والنظارة، فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، ~~وهرب الباقون إلى الشط، فأدركهم السيف، فمن ثبت قتل، ومن ألقى نفسه في ~~الماء غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع، فلم ينج إلا الشريد، وكثر المفقودون من ~~أهل البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس. # وكان فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت ~~للخبيث الرءوس، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين، فأعطاهم ما عرفوا، وجمع ~~الرءوس التي لم تطلب، وجعلها في خزينة، فأطلقها فوافت البصرة، فجاء الناس ~~وأخذوا كل ما عرفوه منها، وقوي بعد هذا اليوم، وتمكن الرعب في قلوب أهل ~~البصرة منه، وأمسكوا عن حربه. # PageV06P270 # وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان، فوجه إليه جعلان التركي مددا، وأمر ~~أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة واليا، وأمده بقائد من الأتراك يقال ~~له جريج. # وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف بأصحابه إلى سبخة في آخر النهار، وهي ~~سبخة أبي قرة، وبث أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب، فهذا ما كان منه في ~~هذه السنة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري، فانهزم عسكر ~~الخليفة. # وفيها مات المعلى بن أيوب. # وفيها ولي سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداذ والسواد في ربيع الأول، وكان ~~قدومه من خراسان فيه أيضا، فسار إلى المعتز، فخلع عليه، وسار إلى بغداذ، ~~فقال ابن الرومي: # من عذيري من الخلائق ضلوا ... في سليمان عن سواء السبيل # (عوضوه بعد الهزيمة بغدا ... ذ كأن قد أتى بفتح جليل # من يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه بالجزاء الجميل # يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي. # وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد، وأبا نوح عيسى ~~بن إبراهيم، فقيدهم، وطالبهم بالأموال. # PageV06P271 # وكان سببه أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فقال صالح للمعتز: هؤلاء يطلبون ~~أرزاقهم، وليس في بيت المال شيء، وقد ذهب هؤلاء الكتاب بالأموال، وكان أحمد ~~وزير المعتز، والحسين وزير ms2490 أم المعتز، وقال له أحمد بن إسرائيل: يا عاصي ~~ابن العاصي، فتراجعا الكلام، فسقط صالح مغشيا عليه، فرش على وجهه الماء. # وبلغ ذلك أصحابه، وهم بالباب، فصاحوا صيحة واحدة، واخترطوا سيوفهم، ~~ودخلوا على المعتز، فدخل وتركهم، وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل، وابن مخلد، ~~وعيسى، فأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتز لصالح، قبل أن ~~يحملهم: هب لي أحمد، فإنه كاتبي، فلم يفعل، ثم ضربهم، وأخذ خطوطهم بمال ~~جزيل قسط عليهم ولم يحصل منهم شيء، وقام جعفر بن محمود بالأمر والنهي. # وفيها، في رجب، ظهر عيسى بن جعفر، وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة، فقتلا ~~بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى. # وفيها، في ذي القعدة حبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وولي عبد ~~الرحمن بن نائل البصري قضاء سامرا في ذي الحجة. # وحج بالناس علي بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. # وفيها ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ~~بن طباطبا، وكان ظهوره بين برقة، والإسكندرية، وسار إلى الصعيد، وكثر ~~أتباعه، وادعى الخلافة، فسير إليه أحمد بن طولون جيشا، فقاتلوه، وانهزم ~~أصحابه عنه، وثبت هو فقتل، وحمل رأسه إلى مصر. # PageV06P272 # [الوفيات] # (وفيها توفي خفاجة بن سفيان أمير صقلية في رجب، وولي بعده ابنه محمد، ~~وتقدم ذكر ذلك سنة سبع وأربعين ومائتين، ولما ولي محمد سير عمه عبد الله بن ~~سفيان إلى سرقوسة، فأهلك زرعها وعاد. # وفيها توفي أبو أحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي، وكان إماما في ~~الأشعار، وروى عن ابن الأعرابي، والرياشي، وغيرهما) . # وفيها توفي محمد بن كرام بن عراف بن حزابة بن البراء، صاحب المقالة ~~المشهورة في التشبيه، وكان موته بالشام، وهو من سجستان. # وفيها توفي الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن ~~الزبير # PageV06P273 # قاضي مكة، وكان سقط من سطح، فمكث يومين ومات، وكان عمره أربعا وثمانين ~~سنة. # وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ms2491 صاحب المسند، توفي في ذي الحجة وعمره ~~خمس وسبعون سنة. # وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو من متكلمي المعتزلة. # وعلي بن المثنى بن يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلى صاحب المسند. # (وفيها توفي محمد سحنون الفقيه المالكي القيرواني بها) . # PageV06P274 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين] ### | 256 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين # ذكر وصول موسى بن بغا إلى سامرا واختفاء صالح # وفيها في ثاني عشر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرا وقد عبأ أصحابه، ~~واختفى صالح بن وصيف، وسار موسى إلى الجوسق، والمهتدي جالس للمظالم، فأعلم ~~بمكان موسى، فأمسك ساعة عن الإذن له، ثم أذن له ولمن معه، فدخلوا، ~~فتناظروا، وأقاموا المهتدي من مجلسه، وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، ~~وانتهبوا ما كان في الجوسق، وأدخلوا المهتدي دار ياجور. # وكان سبب أخذه أن بعضهم قال: إنما سبب هذه المطاولة (حيلة عليكم) حتى ~~يكبسكم صالح بجيشه ; فخافوا من ذلك، فأخذوه، فلما أخذوه قال لموسى بن بغا: ~~اتق الله، ويحك، فإنك قد ركبت أمرا عظيما ; فقال له موسى: وتربة المتوكل ما ~~نريد إلا خيرا ; ولو أراد به خيرا لقال وتربة المعتصم والواثق، ثم أخذوا ~~عليه العهود أن لا يمايل صالحا، ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر ; ثم جددوا ~~له البيعة، ثم أصبحوا، وأرسلوا إلى صالح ليحضر ويطالبوه بدماء الكتاب، ~~والأموال التي للمعتز وأسلابه، فوعدهم ; فلما كان الليل رأى أن أصحابه قد ~~تفرقوا ولم يبق إلا بعضهم، فهرب واختفى. # PageV06P275 # ذكر قتل صالح بن وصيف # وفيها قتل صالح بن وصيف لثمان بقين من صفر، وكان سببه أن المهتدي لما كان ~~لثلاث بقين من المحرم أظهر كتابا زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي، ~~وقالت: إن فيه نصيحة، وإن منزلها بمكان كذا، فإن طلبوني فأنا فيه. وطلبت ~~المرأة فلم توجد. # وقيل إنه لم يدر من ألقى الكتاب. # ودعا المهتدي القواد، وسليمان بن وهب، فأراهم الكتاب، فزعم سليمان أنه خط ~~صالح، فقرأه على القواد، فإذا فيه أنه مستخف بسامرا، وإنما استتر طلبا ms2492 ~~للسلامة وإبقاء الموالي، وطلبا لانقطاع الفتن، وذكر ما صار إليه من أموال ~~الكتاب، وأم المعتز، وجهة خروجها، ويدل فيه على قوة نفسه، فلما فرغوا من ~~قراءته وصله المهتدي بالحث على الصلح، والاتفاق، والنهي عن التباغض ~~والتباين، فاتهمه الأتراك بأنه يعرف مكان صالح ويميل إليه، وطال الكلام ~~بينهم في ذلك. # فلما كان الغد اجتمعوا بدار موسى بن بغا داخل الجوسق، واتفقوا على خلع ~~المهتدي، فقال لهم بايكباك: إنكم قتلتم ابن المتوكل، وهو حسن الوجه، سخي ~~الكف، فاضل النفس، وتريدون قتل هذا، وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ، من غير ~~ذنب! والله لئن قتلتم هذا لألحقن بخراسان (لأشيع أمركم هناك) . # فاتصل الخبر بالمهتدي، فتحول من مجلسه متقلدا سيفا، وقد لبس ثيابا نظافا ~~وتطيب، ثم أمر بإدخالهم عليه، فدخلوا فقال لهم: بلغني ما أنتم عليه، ولست ~~كمن تقدمني مثل المستعين، والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط، ~~وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، ~~والله لئن سقط مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم. # كم هذا الخلاف على الخلفاء، والإقدام، والجرأة على الله! سواء عليكم من ~~قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه هذا منكم دعا بالنبيذ فشربه مسرورا ~~بمكروهكم، # PageV06P276 # حتى تعلموا أنه وصل إلى شيء من دنياكم، أما إنكم لتعلمون أن بعض المتصلين ~~بكم أيسر من جماعة من أهلي وولدي (سوأة لكم) ، يقولون: إني أعلم بمكان ~~صالح، وهل هو إلا رجل من الموالي؟ فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه؟ ~~وإذا أبرمتم الصلح فيه كان (ذلك ما أنفذه لجميعكم، وإن أبيتم فشأنكم، ~~واطلبوا صالحا، وأما أنا فما أعلم مكانه) . # قالوا: فاحلف لنا على ذلك! قال: أما اليمين فنعم، ولكنها تكون بحضرة بني ~~هاشم، والقضاة غدا إذا صليت الجمعة ; ثم قال لبايكباك ولمحمد بن بغا: قد ~~حضرتما ما عمله صالح في أموال الكتاب، وأم المعتز، فإن أخذ منه شيئا فقد ~~أخذتما مثله، فأحفظهما ذلك، ثم أرادوا خلعه، وإنما منعهم خوف الاضطراب وقلة ~~الأموال، فأتاهم مال من فارس ms2493 عشرة آلاف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فلما ~~كان سلخ المحرم انتشر الخبر في العامة أن القوم قد اتفقوا على خلع المهتدي ~~والفتك به، وأنهم قد أرهقوه، وكتبوا الرقاع ورموها في الطرق والمساجد، ~~مكتوب فيها: يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل، الرضا، المضاهي ~~لعمر بن الخطاب، وأن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مئونة ظالمه، وتتم النعمة ~~عليه، وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه، وهو ~~يعذب منذ أيام، وصلى الله على محمد. # فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلون من صفر تحرك الموالي بالكرخ والدور، ~~وبعثوا إلى المهتدي، وسألوه أن يرسل إليهم بعض إخوته ليحملوه رسالة، فوجه ~~إليهم أخاه أبا القاسم عبد الله، فذكروا له أنهم سامعون مطيعون، وأنهم ~~بلغهم أن موسى، وجماعة معه يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك ~~(وما هم دون ذلك) ، وشكوا تأخر أرزاقهم، وما صار من الأقطاع، والزيادات، ~~والرسوم إلى قوادهم التي قد أجحفت بالخراج والضياع، ما قد أخذوا النساء ~~والدخلاء، فكتبوا بذلك كتابا، فحمله # PageV06P277 # إلى المهتدي وكتب جوابه بخطه: قد فهمت كتابكم، وسرني ما ذكرتم من طاعتكم، ~~فأحسن الله جزاءكم، وأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز علي ذلك، ولوددت ~~والله أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا أشرب ولا أطعم ولدي إلا القوت، ولا ~~أكسوه) إلا ستر العورة، وأنتم تعلمون ما صار إلي من الأموال، وأما ما ذكرتم ~~من الإقطاعات وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصرفه إلى محبتكم إن شاء الله ~~تعالى. # فقرءوا الكتاب وكتبوا، بعد الدعاء، يسألون أن يرد الأمور في الخاص والعام ~~إلى أمير المؤمنين، لا يعترض عليه معترض، وأن يرد رسومهم إلى ما كان عليه ~~أيام المستعين، وهو أن يكون على كل تسعة عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى ~~كل مائة قائد، وأن يسقط النساء والزيادات، ولا يدخل مولى في ماله ولا غيره، ~~وأن يوضع لهم العطاء كل شهرين، وأن تبطل الإقطاعات، وذكروا أنهم سائرون إلى ~~بابه ليقضي حوائجهم، وإن بلغهم أن أحدا اعترض عليه ms2494 أخذوا رأسه، وإن سقط من ~~رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا بها موسى بن بغا وبايكباك وياجور وغيرهم. # وأرسلوا الكتاب مع أبي القاسم، وتحولوا إلى سامرا، فاضطرب القواد جدا ; ~~وقد كان المهتدي قعد للمظالم، وعنده الفقهاء، والقضاة، وقام القواد في ~~مراتبهم، فدخل أبو القاسم إليه بالكتاب، فقرأه للقواد قراءة ظاهرة، وفيهم ~~موسى، وكتب جوابه بخطه، فأجابهم إلى ما سألوا، ودفعه إلى أبي القاسم، فقال ~~أبو القاسم لموسى بن بغا، وبايكباك، ومحمد بن بغا: وجهوا معي رسلا يعتذرون ~~إليهم عنكم ; فوجهوا معه رسلا، فوصلوا إلى الأتراك، وهم زهاء ألف فارس، ~~وثلاثة آلاف راجل، وذلك لخمس خلون من صفر، فأوصل الكتاب، وقال: إن أمير ~~المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم، وقال لهم: هؤلاء رسل القواد إليكم، ~~يعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون إنما أنتم إخوة، وأنتم منا ~~وإلينا، واعتذر عنهم. # PageV06P278 # فكتبوا إلى المهتدي يطلبون خمسة توقيعات، توقيعا بخط الزيادات، وتوقيعا ~~برد الإقطاعات، وتوقيعا بإخراج الموالي البرانيين من الخاصة إلى البرانيين، ~~وتوقيعا برد الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعا برد البلاجي، ~~ثم يجعل أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته، أو غيرهم ممن يرى ليرفع إليهم ~~أمورهم، ولا يكون رجلا من الموالي، وأن يحاسب صالح بن وصيف، وموسى بن بغا ~~عما عندهما من الأموال ويجعل لهم العطاء كل شهرين، لا يرضيهم إلا ذلك، ~~ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم، وكتبوا كتابا آخر إلى القواد موسى وغيره ~~[ذكروا فيه] أنهم كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأنه لا يمنعهم شيئا ~~مما طلبوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك لم يوافقوهم، وأن أمير ~~المؤمنين إن شاكه شوكة، وأخذ من رأسه شعرة، أخذوا رءوسهم جميعا، ولا يقنعهم ~~إلا أن يظهر صالح، ويجتمع هو وموسى بن بغا حتى ينظر أين الأموال. # فلما قرأ المهتدي الكتاب أمر بإنشاء التوقيعات الخمسة على ما سألوا، ~~وسيرها إليهم مع أبي القاسم وقت المغرب، وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوا، ~~وكتب إليهم موسى بن بغا (كذلك، وأذن) في ms2495 ظهور صالح، وذكر أنه أخوه وابن ~~عمه، وأنه ما أراد ما يكرهون، فلما قرءوا الكتابين قالوا قد أمسينا، وغدا ~~نعرفكم رأينا، فافترقوا. # فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة، ومعه من عسكره ألف وخمسمائة رجل، ~~فوقف على طريقهم، وأتاهم أبو القاسم، فلم يعقل منهم جوابا إلا كل طائفة ~~يقولون شيئا، فلما طال الكلام انصرف أبو القاسم، فاجتاز بموسى بن بغا وهو ~~في أصحابه، فانصرف معه. # ثم أمر المهتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع أخيه أبي القاسم، فسار في ~~خمسمائة فارس، ورجع موسى إلى مكانه بكرة، وتقدم أبو القاسم ومحمد بن بغا ~~فواعداهم عن المهتدي، وأعطياهم توقيعا فيه أمان صالح بن وصيف، موكدا غاية ~~التوكيد، فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير، وصالح في مرتبة أبيه، ~~ويكون الجيش (في يد من) # PageV06P279 # هو في يده، وأن يظهر صالح بن وصيف، ويوضع لهم العطاء، ثم اختلفوا، فقال ~~قوم: قد رضينا ; وقال قوم: لم نرض ; فانصرف أبو القاسم ومحمد بن بغا على ~~ذلك، وتفرق الناس إلى الكرخ، والدور وسامرا. # فلما كان الغد ركب بنو وصيف في جماعة معهم، وتنادوا: السلاح، ونهبوا دواب ~~العامة، وعسكروا بسامرا، وتعلقوا بأبي القاسم، وقالوا: نريد صالحا! وبلغ ~~ذلك المهتدي، فقال لموسى: يطلبون صالحا مني كأني أنا أخفيته، إن كان عندهم ~~فينبغي لهم أن يظهروه. # ثم ركب موسى، ومن معه من القواد، فاجتمع الناس إليه، فبلغ عسكره أربعة ~~آلاف فارس، وعسكروا، وتفرق الأتراك ومن معهم، ولم يكن للكرخيين ولا ~~للدوريين في هذا اليوم حركة، وجد موسى ومن معه في طلب ابن وصيف، واتهموا ~~جماعة به، فلم يكن عندهم، ثم إن غلاما دخل دارا وطلب ماء ليشربه، فسمع ~~قائلا يقول: أيها الأمير تنح، فإن غلاما يطلب ماء، فسمع الغلام الكلام، ~~فجاء إلى عيار فأخبره، فأخذ معه ثلاثة نفر، وجاء إلى صالح، وبيده مرآة ~~ومشط، وهو يسرح لحيته، فأخذه، فتضرع إليه، فقال: لا يمكنني تركك ولكني أمر ~~بك على ديار أهلك وقوادك، وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك. ms2496 # فأخرج حافيا ليس على رأسه شيء، والعامة تعدو خلفه، وهو على برذون بأكاف، ~~فأتوا به نحو الجوسق، فضربه بعض أصحاب موسى على عاتقه، ثم قتلوه، وأخذوا ~~رأسه، وتركوا جثته، ووافوا به دار المهتدي قبل المغرب، فقالوا له في ذلك: ~~فقال واروه، ثم حمل رأسه وطيف به على قناة، ونودي عليه: هذا جزاء من قتل ~~مولاه. # ولما قتل أنزل موسى رأس بغا الصغير، وسلم إلى أهله ليدفنوه، ولما قتل ~~صالح قال السلولي لموسى بن بغا: # أخذت وترك من فرعون حين طغى ... وجئت إذ جئت يا موسى على قدر # PageV06P280 # ثلاثة كلهم باغ أخو حسد # يرميك بالظلم والعدوان عن وتر ... وصيف في الكرخ ممثول به وبغا # بالجسر محترق بالنار والشرر ... وصالح بن وصيف بعد منعفر # بالحير جثته والروح في سقر # ذكر اختلاف الخوارج على مساور # في هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على ~~مساور. # وسبب ذلك أنه خالفه في توبة المخطئ، فقال مساور: نقبل توبته ; وقال ~~عبيدة: لا نقبل، فجمع عبيدة جمعا كثيرا وسار إلى مساور، وتقدم إليه مساور ~~من الحديثة، فالتقوا بنواحي جهينة، بالقرب من الموصل، في جمادى الأولى سنة ~~سبع وخمسين [ومائتين] ، واقتتلوا أشد قتال، فترجل من عنده، ومعه جماعة من ~~أصحابه، عرقبوا دوابهم، فقتل عبيدة، وانهزم جمعه، فقتل أكثرهم، واستولى ~~مساور على كثير من العراق، ومنع الأموال عن الخليفة، فضاقت على الجند ~~أرزاقهم، فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا، وبايكباك، وغيرهما في ~~عسكر عظيم، فوصلوا إلى السن، فأقاموا به، ثم عادوا إلى سامرا، لما نذكره من ~~خلع المهتدي. # فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحا إلى مساور في عسكر كبير، حسن العدة، ~~فلما قارب الحديثة (فارقهم مساور، وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني، وللآخر ~~عامر، وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح، فعطف عليه مساور وهو في أربعة ~~آلاف فارس، فاقتتل هو ومفلح. # وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة (وقد جمع كثيرا) من أصحابه، فلقوا ~~مفلحا بجبل زيني، فلم يصل مفلح منه إلى ms2497 ما يريده، (فصعد رأس الجبل فاحتمى # PageV06P281 # به) ، ونزل مفلح في (أصل الجبل) ، وجرى بينهما وقعات كثيرة، ثم أصبحوا ~~يوما، وطلبوا مساورا، فلم يجدوه، وكان قد نزل ليلا من غير الوجه الذي فيه ~~مفلح، لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح، (فحيث لم) يره مفلح سار إلى ~~الموصل، فسار إلى الموصل، فسار منها إلى ديار ربيعة سنجار، ونصيبين، ~~والخابور، فنظر في أمرها، ثم (عاد إلى) الموصل، فأحسن السيرة في أهلها، ~~ورجع عنها في رجب متأهبا للقاء مساور. # (فلما قارب الحديثة فارقها مساور، وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح، ~~فتبعه مفلح، فكان مساور) يرحل عن المنزل، فينزله مفلح، فلما طال الأمر على ~~مفلح، وتوغل في الجبال والشعاب، والمضايق (وراء مساور) ، ولحق الجيش الذي ~~معه مشقة، ونصب، عاد عنه، فتبعه مساور يقفو أثره، ويأخذ كل من ينقطع عن ~~ساقة العسكر، فرجع إليه طائفة منهم فقاتلوه، ثم عادوا ولحقوا مفلحا، ووصلوا ~~الحديثة، فأقام بها مفلح أياما، وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرا، فاستولى ~~حينئذ مساور على البلاد، وجبى خراجها، وقويت شوكته، اشتد أمره. # ذكر خلع المهتدي وموته # (في رجب الخامس عشر منه) ، خلع المهتدي، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت ~~منه. # وكان السبب في ذلك أن أهل الكرخ والدور من الأتراك الذين تقدم ذكرهم، # PageV06P282 # تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم، فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم، ~~وكيغلغ وغيرهما، فسكنوهم، فرجعوا، وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال ~~للأتراك: إن الأموال عند محمد وموسى ابني بغا، فهرب إلى أخيه وهو بالسن ~~مقابل مساور الشاري، فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان، فرجع هو ~~وأخوه حيسون، فحبسهما، ومعهما كيغلغ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالأموال، ~~فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من رجب، ورمي به في بئر ~~فأنتن، فأخرجوه إلى منزله، وصلى عليه الحسن بن المأمون. # وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا، لما حبس أخاه أن يسلم العسكر إلى بايكباك ~~ويرجع إليه، وكتب إلى بايكباك أن يتسلم العسكر، ms2498 ويقوم بحرب مساور الشاري، ~~وقتل موسى بن بغا ومفلح، فسار بايكباك بالكتاب إلى موسى، فقرأه عليه وقال: ~~لست أفرح بهذا، فإنه تدبير علينا جميعنا، فما ترى؟ فقال موسى: أرى أن تسير ~~إلى سامرا، وتخبره أنك في طاعته ونصرته علي وعلى مفلح، فهو يطمئن إليك، ثم ~~تدبر في قتله. # فأقبل إلى سامرا، فوصلها ومعه ياركوج، وأسارتكين، وسيما الطويل، وغيرهم، ~~فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب، فحبس بايكباك وصرف الباقين، ~~فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك، وقالوا: لم حبس قائدنا، ولم قتل ~~أبو نصر بن بغا؟ # وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، فشاوره فيه، فقال له: ~~إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا ~~عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده، فما كان إلا أن ~~طرح رأسه حتى سكتوا، فلو فعلت مثل ذلك سكتوا. # فركب المهتدي، وقد (جمع له جميع) المغاربة، والأتراك، والفراغنة، فصير في # PageV06P283 # الميمنة مسرورا البلخي، وفي الميسرة ياركوج، ووقف هو في القلب مع ~~أسارتكين وطبايغوا، وغيرهما من القواد، فأمر بقتل بايكباك، وألقى رأسه ~~إليهم عتاب بن عتاب، فحملوا على عتاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته ~~بمن فيها من الأتراك، فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن ~~المهتدي، وقتل جماعة من الفريقين. # فقيل: قتل سبعمائة وثمانون رجلا، وقيل: قتل من الأتراك نحو أربعة آلاف. # وقيل: ألفان. # وقيل: ألف. # وقيل من أصحاب المهتدي خلق كثير، وولى منهزما، وبيده السيف، وهو ينادي: ~~يا معشر المسلمين! أنا أمير المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم! فلم يجبه أحد من ~~العامة إلى ذلك، فسار إلى باب السجن، فأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه، ~~فهربوا ولم يعنه أحد، فسار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة، فدخلها وهم ~~في أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه، وساروا به إلى الجوسق على بغل فحبس عند أحمد ~~بن خاقان، (وقبل المهتدي يده، فيما قيل، مرارا عديدة) ، وجرى بينهم وبينه، ~~وهو محبوس، كلام كثير ms2499 أرادوه فيه على الخلع، فأبى واستسلم للقتل، فقالوا: ~~إنه كتب بخطه رقعة لموسى بن بغا، وبايكباك، وجماعة من القواد، أنه لا يغدر ~~بهم، ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم، ولا يهم بذلك، وأنه متى فعل ذلك فهم في حل ~~من بيعته، والأمر إليهم (يقعدون من) شاءوا. # فاستحلوا بذلك تقضي أمره، فداسوا خصيتيه، وصفقوه فمات، وأشهدوا على # PageV06P284 # موته أنه سليم ليس به أثر، ودفن بمقبرة المنتصر. # وقيل: كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا وطلبوا أن يدخلوا ~~إلى المهتدي، ويكلموه بحاجاتهم، فدخلوا الدار، وفيها أبو نصر محمد بن بغا، ~~وغيره من القواد، فخرج أبو نصر منها، ودخل أهل الكرخ والدور، وشكوا حالهم ~~إلى المهتدي، وهم في أربعة آلاف، وطلبوا منه أن يعزل منهم أمراؤهم، وأن ~~يصير الأمر إلى إخوته، وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال الذي صار إليهم، ~~فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه، فأقاموا يومهم في الدار، فحمل المهتدي إليهم ~~ما يأكلون. # وسار محمد بن بغا إلى المحمدية، وأصبحوا من الغد يطلبون ما سألوه، فقيل ~~لهم: إن هذا أمر صعب، وإخراج الأمر عن يد هؤلاء القواد ليس بسهل، فكيف إذا ~~جمع إليه مطالبتهم بالأموال؟ فانظروا في أموركم، فانظروا في أموركم، فإن ~~كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن نبلغ غايته، وإلا فأمير المؤمنين يحسن ~~لكم النظر، فأبوا إلا ما سألوه، فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على ~~هذا القول، وأن يقاتلوا من قاتلهم، وينصحوا أمير المؤمنين، فأجابوا إلى ~~ذلك، فأخذت عليهم أيمان البيعة. # ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم، وعن المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير ~~سبب، وأنهم إنما قصدوا ليشكوا حالهم، ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيها، ~~فرجع فحضر عند المهتدي، فقبل رجله ويده ووقف، فسأله عن الأموال وما يقوله ~~الأتراك، فقال: وما أنا والأموال؟ قال: وهل هي إلا عندك وعند أخيك ~~وأصحابكما؟ ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه، وكتبوا إلى موسى بن بغا، ومفلح ~~بالانصراف إلى سامرا، وتسليم العسكر إلى قواد ذكروهم، وكتبوا إلى الأتراك ~~الصغار في تسلم ms2500 العسكر منهما، وذكروا ما جرى لهم، وقالوا: إن أجاب موسى ~~ومفلح إلى ما أمر به من الإقبال إلى سامرا، وتسليم العسكر، وإلا فشدوهما ~~وثاقا، واحملوهم إلى الباب. # وأجرى المهتدي على من أخذت عليه البيعة كل رجل درهمين، فلما وصلت الكتب ~~إلى عسكر موسى أخذها موسى، وقرئت عليه وعلى الناس، وأخذوا عليهم البيعة ~~بالنصرة # PageV06P285 # لهم، وساروا نحو سامرا، فنزلوا عند قنطرة (الرقيق لإحدى) عشرة ليلة خلت ~~من رجب، وخرج المهتدي وعرض الناس. وعاد من يومه، وأصبح الناس من الغد وقد ~~دخل من أصحاب موسى زهاء ألف فارس، منهم كوبكين وغيره، وعاد، وخرج المهتدي ~~فصف أصحابه، وفيهم من أتى من أصحاب موسى، وترددت الرسل بينهم وبين موسى ~~(يريد أن يولي) ناحية ينصرف إليها، وأصحاب المهتدي يريدون أن يجيء إليهم ~~ليناظرهم على الأموال، فلم يتفقوا على شيء. # وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه، فعدل هو ومفلح يريدان طريق خراسان، ~~وأقبل بايكباك، وجماعة من القواد، فوصلوا إلى المهتدي، فسلموا، وأمرهم ~~بالانصراف، وحبس بايكباك، وقتله، ولم يتحرك أحد، ولا تغير شيء إلا تغيرا ~~يسيرا، وكان ذلك يوم السبت. # فلما كان الأحد أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار، ودخولهم ~~معهم، ورفع أن الفراغنة إنما تم لهم هذا بعدم رؤساء الأتراك، فخرجوا من ~~الدار بأجمعهم، وبقيت الدار على الفراغنة، والمغاربة، فأنكر الأتراك ذلك، ~~وأضافوا إليه طلب بايكباك، فقال المهتدي للفراعنة والمغاربة ما جرى من ~~الأتراك، وقال لهم: إن كنتم تظنون فيكم قوة فما أكره قربكم، وإلا أرضيناهم ~~من قبل تفاقم الأمر! فذكروا أنهم يقومون به، فخرج بهم المهتدي وهم في ستة ~~آلاف، منهم من الأتراك نحو ألف وهم أصحاب صالح بن وصيف، وكان الأتراك في ~~عشرة آلاف، فلما التقوا انهزم أصحاب صالح، وخرج عليهم كمين للأتراك، فانهزم ~~أصحاب المهتدي، وذكر نحو ما تقدم إلا أنه قال إنهم لما رأوا المهتدي بدار ~~أحمد بن جميل قاتلهم، فأخرجوه، وكان به أثر طعنة، فلما رأى الجرح ألقى بيده ~~إليهم، وأرادوه على خلع، فأبى أن يجيبهم، فمات يوم الأربعاء ms2501 وأظهروه للناس ~~يوم الخميس، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد. # وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه، وفعلوا به غير شيء حتى مات ~~; # PageV06P286 # وطلبوا محمد بن بغا، فوجدوه ميتا، فكسروا على قبره ألف سيف. # وكانت مدة خلافة المهتدي أحد عشر شهرا وخمس عشرة ليلة، وكان عمره ثمانيا ~~وثلاثين سنة، وكان واسع الجبهة، أسمر، رقيقا، أشهل، جهم الوجه، عريض البطن، ~~عريض المنكبين، قصيرا، طويل اللحية، ومولده بالقاطول. # ذكر بعض سيرة المهتدي # كان المهتدي بالله من أحسن الخلفاء (مذهبا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا، ~~وأكثرهم عبادة) . # قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي: جلس المهتدي للمظالم، فاستعداه رجل ~~على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما، فقال ~~الرجل للمهتدي: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قيل: # حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر # لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر # فقال المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست ~~حتى قرأت: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] الآية، قال: ~~فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. # قال أبو العباس بن هاشم بن القاسم الهاشمي: كنت عند المهتدي بعض عشايا ~~شهر رمضان، فقمت لأنصرف، فأمرني بالجلوس، فجلست حتى صلى المهتدي بنا ~~المغرب، وأمر بالطعام فأحضر، وأحضر طبق خلاف عليه رغيفان، وفي إناء ملح، ~~وفي # PageV06P287 # آخر زيت، وفي آخر خل، فدعاني إلى الأكل، وأكلت مقتصرا ظنا مني أنه يحضر ~~طعاما جيدا، فلما رأى أكلي كذلك قال: أما كنت صائما؟ قلت: بلى. قال: أفلست ~~تريد عشاءك، فليس ههنا غير ما ترى. # فعجبت من قوله، وقلت: ولم يا أمير المؤمنين؟ قد أسبغ الله عليك النعمة ~~ووسع رزقه! فقال: إن الأمر على ما وصفت، والحمد لله، ولكني فكرت في أنه كان ~~من بني أمية عمر بن عبد العزيز، فغرت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله ~~وأخذت نفسي بما رأيت. # قال إبراهيم بن مخلد بن محمد بن عرفة عن بعض الهاشميين: إن المهتدي وجدوا ~~له ms2502 سفطا فيه جبة صوف، وكساء، وبرنس كان يلبسه بالليل، ويصلي فيه، ويقول: ~~أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز؟ وكان قد أطرح ~~الملاهي، وحرم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم، رحمه الله ~~تعالى ورضي عنه. # ذكر خلافة المعتمد على الله # لما أخذ المهتدي بالله وحبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل، وهو ~~المعروف بابن فتيان، وكان محبوسا بالجوسق، فبايعه الناس، فبايعه الأتراك، ~~وكتبوا بذلك إلى موسى بن بغا وهو بخانقين، فحضر إلى سامرا فبايعه، ولقب ~~المعتمد على الله. # ثم إن المهتدي مات ثاني يوم بيعة المعتمد، وسكن الناس. # واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان. # PageV06P288 # ذكر أخبار صاحب الزنج # في هذه السنة سير جعلان لحرب صاحب الزنج بالبصرة، فلما وصل إلى البصرة ~~نزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ، وخندق عليه وعلى أصحابه، وأقام ستة ~~أشهر في خندقة، وجعل يوجه الزينبي وبني هاشم ومن خف لحربهم هذا اليوم الذي ~~تواعدهم جعلان للقائه، فلم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والنشاب، ولا يجد ~~جعلان إلى لقائه سبيلا، لضيق المكان عن مجال الخيل، وكان أكثر أصحاب جعلان ~~خيالة. # فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق، ~~فيبيتوا جعلان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وخاف الباقون خوفا شديدا. # وكان الزينبي قد جمع البلالية، والسعدية ووجه بهم من مكانين، وقاتلوا ~~الخبيث، فظفر بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، فترك جعلان خندقه وانصرف إلى ~~البصرة، وظهر عجزه للسلطان، فصرفه عن حرب الزنج، وأمر سعيدا الحاجب ~~بمحاربتهم. # وتحول صاحب الزنج، بعد ذلك، من السبخة التي كان فيها، ونزل بنهر أبي ~~الخصيب، وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر، وأخذوا منها أموالا كثيرة ~~لا تحصى، وقتل من فيها، ونهبها أصحابه ثلاثة أيام، وأخذ لنفسه بعد ذلك من ~~النهب. # ذكر دخول الزنج الأبلة # وفيها دخل الزنج الأبلة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها. # وكان سبب ذلك أن جعلان لما تنحى عن خندقه إلى البصرة ألح شنا صاحب الزنج ~~بالغارات على الأبلة، ms2503 وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر معقل، ولم يزل يحارب ~~إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب، فافتتحها، وقتل أبو الأحوص (وعبيد الله ~~بن حميد بن الطوسي) ، وأضرمها نارا وكانت مبنية بالساج، فأسرعت النار فيها، ~~وقتل من أهلها خلق كثير، وحووا الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر ~~من الذي نهب. # PageV06P289 # ذكر أخذ الزنج عبادان # وفيها أرسل أهل عبادان إلى صاحب الزنج فسلموا إليه حصنهم. # وكان الذي حملهم على ذلك أنه لما فعل بأهل الأبلة ما فعل خاف أهل عبادان ~~على أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم، فكتبوا إليه يطلبون الأمان على أن يسلموا ~~إليه البلد، فأمنهم، وسلموه إليه، فأنفذ أصحابه إليهم، وأخذوا ما فيه من ~~العبيد والسلاح، ففرقه في أصحابه. # ذكر أخذهم الأهواز # ولما فرغ العلوي البصري من الأبلة وعبادان طمع في الأهواز، فاستنهض ~~أصحابه نحو جي، فلم يلبث أهلها، وهربوا منهم، فدخلها الزنج، وقتلوا من رأوا ~~بها، وأحرقوا ونهبوا، وأخربوا ما وراءها إلى الأهواز، فلما بلغوا الأهواز ~~هرب من فيها من الجند ومن أهلها، ولم يبق إلا القليل، فدخلوا وأخربوها، ~~وكان بها إبراهيم بن المدبر متولي الخراج، فأخذوه أسيرا بعد أن جرح، ونهب ~~جميع ماله، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، فلما فعل ذلك بالأهواز، ~~وعبدان، والأبلة، خافه أهل البصرة، وانتقل كثير من أهلها في البلدان. # ذكر عزل عيسى بن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية # لما استولى ابن الشيخ على دمشق، وقطع الحمل عن بغداذ، اتفق أن ابن المدبر ~~حمل مالا من مصر إلى بغداذ، مقدار سبعمائة ألف دينار، فأخذها عيسى بن ~~الشيخ. # فأرسل من بغداذ إليه حسين الخادم يطالبه بالمال، فذكر أنه أخرجه على ~~الجند، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد، (وكان قد امتنع ~~من ذلك، فأخذ # PageV06P290 # العهد، وأقام الدعوة للمعتمد) ، ولبس السواد، ظنا منه أن الشام تكن بيده. # فأنقذ المعتمد أماجور، وقلده دمشق وأعمالها، فسار إليها في ألف رجل، فلما ~~قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا في عشرين ألف مقاتل، فلما التقوا ~~انهزم عسكر منصور ms2504 وقتل منصور، فوهن عيسى، وسار إلى أرمينية على طريق الساحل ~~وولى أماجور دمشق. # ذكر ابن الصوفي العلوي وخروجه بمصر # وفيها ظهر بصعيد مصر إنسان علوي، ذكر أنه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد ~~الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ويعرف بابن الصوفي، وملك ~~مدينة إسنا، ونهبها، وعم شره البلاد. # فسير إليه أحمد بن طولون جيشا، فهزمه العلوي، وأسر المقدم على الجيش، ~~فقطع يديه ورجليه وصلبه، فسير إليه ابن طولون جيشا آخر، فالتقوا بنواحي ~~إخميم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم العلوي، وقتل كثير من رجاله، وسار هو ~~حتى دخل الواحات. # وسيرد ذكره سنة تسع وخمسين ومائتين، إن شاء الله تعالى. # ذكر ظهور علي بن زيد على الكوفة وخروجه عنها # في هذه السنة ظهر علي بن زيد العلوي بالكوفة، واستولى عليها، وأزال عنها ~~نائب الخليفة، واستقر بها. # فسير إليه الشاه بن ميكال في جيش كثيف، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم الشاه، ~~وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ونجا الشاه. # ثم وجه المعتمد إلى محاربته كيجور التركي، وأمره أن يدعوه إلى الطاعة، ~~ويبذل له الأمان، فسار (كيجور فنزل بشاهي، وأرسل إلى علي بن زيد يدعوه إلى # PageV06P291 # الطاعة، وبذل له الأمان) ، فطلب علي أمورا لم يجبه إليها كيجور، فتنحى ~~علي بن زيد عن الكوفة إلى القادسية، فعسكر بها، ودخل كيجور إلى الكوفة ثالث ~~شوال من السنة، ومضى علي بن زيد إلى خفان، ودخل بلاد بني أسد، وكان قد ~~صاهرهم، وأقام هناك، ثم سار إلى جنبلاء. # وبلغ كيجور خبره، فأسرى إليه من الكوفة سلخ ذي الحجة من السنة، فواقعه، ~~فانهزم علي بن زيد، وطلبه كيجور ففاته، وقتل نفرا من أصحابه، وأسر آخرين، ~~وعاد كيجور إلى الكوفة ; فلما استقامت أمورها عاد إلى سر من رأى بغير أمر ~~الخليفة، فوجه إليه الخليفة نفرا من القواد، فقتلوه بعكبرا في ربيع الأول ~~سنة سبع وخمسين ومائتين. # ذكر عدة حوادث # وفيها تقدم سعيد بن صالح (الحاجب) لحرب صاحب الزنج من قبل السلطان. # وفيها تحارب مساور الخارجي، وأصحابه موسى بن ms2505 بغا (بناحية خانقين، وكان ~~مساور في جمع كثير، وكان أصحاب موسى بن بغا) نحو مائتين فالتقوا بمساور، ~~وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة. # وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي، وهو من أهل فارس، ورجل من ~~أكرادها يقال له أحمد بن الليث، بالحارث بن سيما، عامل فارس، فحارباه ~~وقتلاه، وغلب محمد بن واصل على فارص. # PageV06P292 # وفيها وجه مفلح لحرب مساور. # وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري في رمضان، فسار موسى إلى بن بغا ~~الري في شوال وشيعه المعتمد. # [الوفيات] # وفيها توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ~~الجعفي صاحب المسند الصحيح، وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة. # PageV06P293 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين] ### | 257 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين # ذكر عود أبي أحمد الموفق من مكة إلى سر من رأى # لما اشتد أمر الزنج، وعظم شرهم، وأفسدوا في البلاد، أرسل المعتمد على ~~الله إلى أخيه أبي أحمد الموفق، فأحضره من مكة، فلما حضر عقد له على ~~الكوفة، وطريق مكة، الحرمين، واليمن، ثم عقد له على بغداذ، والسواد، وواسط، ~~وكور دجلة، والبصرة، والأهواز، وفارس، وأمر أن يعقد لياركوج على البصرة، ~~وكور دجله، والبحرين، واليمامة مكان سعيد بن صالح، فاستعمل ياركوج منصور بن ~~جعفر الخياط على البصرة وكور دجلة إلى ما يلي الأهواز. # ذكر انهزام الزنج من سعيد الحاجب # وفيها (في رجب) أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج، فهزمهم، واستنقذ ما ~~معهم (من النساء، والنهب، وجرح سعيد عدة جراحات. # وبلغه الخبر بجمع آخر منهم، فسار إليهم، فلقيهم، فهزمهم أيضا، واستنفذ ما ~~معهم) ، فكانت المرأة من تلك الناحية تأخذ الزنجي فتأتي به عسكر سعيد، فلا ~~يمتنع عليها. # وعسكر سعيد بهطمة، ثم عبر إلى غرب دجلة، فأوقع بصاحب الزنج عدة وقعات، # PageV06P294 # ثم عاد إلى معسكره بهطمة، فأقام إلى ثاني رجب، وعامة شعبان. # ذكر خلاص ابن المدبر من الزنج # وفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الزنج، وكان سبب خلاصه أنه ~~كان محبوسا في بيت يحيى ms2506 بن محمد البحراني، ووكل به رجلين، منزلهما ملاصق ~~المنزل الذي فيه إبراهيم، فضمن لهما مالا، ورغبهما، فعملا سربا إلى البيت ~~الذي فيه إبراهيم، فخرج هو وابن أخ له يقال له أبو غالب ورجل هاشمي. # ذكر انهزام سعيد من الزنج وولاية منصور بن جعفر البصرة # وفيها أوقع العلوي صاحب الزنج بسعيد، وكان يسير إليه جيشا، فأوقعوا به ~~ليلا، وأصابوا مقتلة من أصحاب سعيد، فقتلوا خلقا كثيرا، وأحرقوا عسكره، ~~(فضعف هو ومن معه) ، فأمر بالمسير إلى باب الخليفة. # ونزل بفراج بالبصرة، فسار سعيد عن البصرة، وأقام بها بفراج يحمي أهلها، ~~فرد السلطان أمرها إلى منصور بن جعفر الخياط، بعد سعيد الحاجب، وكان منصور ~~يبذرق السفن، ويحميها، وسيرها إلى البصرة، فضاقت الميرة على الزنج، فجمع ~~منصور الشذا فأكثر منها، وسار نحو صاحب الزنج، فكمن له صاحب الزنج، فلما ~~أقبل خرجوا عليه، فقتلوا في أصحابه مقتله عظيمة، وغرق منهم خلق كثير، ~~وحملوا من رءوس أصحابه إلى البحراني ومن معه من الزنوج بنهر معقل. # ذكر انهزام جيش الزنج بالأهواز # وفيها أرسل صاحب الزنج جيشا مع علي بن أبان لقطع قنطرة أربك، فلقيهم ~~إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس، فأوقع بجيش العلوي فهزمهم، وقتل منهم، ~~وجرح علي بن أبان. # ثم إن إبراهيم سار قاصدا نهر جي، فأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على # PageV06P295 # طريق آخر ليوافيه بنهر جي، بعد الوقعة مع علي بن أبان ; وكان علي بن أبان ~~قد سار من الوقعة فنزل بالخيزرانية، فأتاه رجل فأخبره بإقبال شاهين إليه، ~~فسار نحوه، فالتقيا وقت العصر بموضع بين جي ونهر موسى، واقتتلوا قتالا ~~شديدا، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم، وقتلوا شاهين وابن عم له، وقتل ~~معه خلق كثير. # فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر بقرب إبراهيم بن سيما منهم، فسار علي ~~نحوه، فوافاه وقت العشاء الآخرة، فأوقع بإبراهيم دفعة أخرى شديدة قتل فيها ~~جمعا كثيرا. # قال علي بن أبان: وكان أصحابي قد تفرقوا بعد الوقعة مع شاهين، ولم يشهد ~~معي حرب إبراهيم غير خمسين رجلا، وانصرف ms2507 علي إلى جي. # ذكر أخذ الزنج البصرة وتخريبها # لما سار سعيد عن البصرة ضم السلطان عمله إلى منصور بن جعفر الخياط، وكان ~~منه ما ذكرنا، ولم يعد منصور لقتاله، واقتصر على تخفير القيروانات والسفن، ~~فامتنع أهل البصرة، فعظم ذلك على العلوي، فتقدم إلى علي بن أبان بالمقام ~~بالخيزرانية ليشغل منصورا عن تسيير القيروانات، فكان بنواحي جي، ~~والخيزرانية، وشغل منصورا، فعاد أهل البصرة إلى الضيق، وألح أصحاب الخبيث ~~عليهم بالحرب صباحا ومساء. # فلما كان في شوال أزمع الخبيث على جمع أصحابه لدخول البصرة، والجد في ~~إخرابها لضعف أهله وتفرقهم، وخراب ما حولهم من القرى، ثم أمر محمد بن يزيد ~~الدارمي، وهو أحد من صحبه بالبحرين، أن يخرج إلى الأعراب ليجمعهم، فأتاه ~~منهم خلق كثير، فأناخوا بالقندل، ووجه إليهم العلوي سليمان بن موسى ~~الشعراني، وأمرهم بتطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب على ذلك، ثم ~~أنهض علي بن أبان، # PageV06P296 # وضم إليه طائفة من الأعراب، وأمر بإتيان البصرة من ناحية بني سعيد، وأمر ~~يحيى بن محمد البحراني بإتيانها مما يلي نهر عدي، وضم إليه سائر الأعراب، ~~فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان، وبفراج يومئذ بالبصرة، في جماعة ~~من الجند، فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه. # وأقبل يحيى بن محمد فيمن معه نحو الجسر، فدخل علي بن أبان وقت صلاة ~~الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة، وليلة ~~السبت، ويوم السبت، وغادى يحيى البصرة يوم الأحد، فتلقاه بفراج وبرية في ~~جمع فردوه، فرجع يومه ذلك. # ثم غاداهم اليوم الآخر، فدخل وقد تفرق الجند، وهرب برية، وانحاز بفراج ~~ومن معه، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي، فاستأمنه لأهل البصرة، فأمنهم، ~~فنادى منادي إبراهيم: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة ~~قاطبة، حتى (ملئوا الرحاب) فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة لئلا يتفرقوا، ~~فغدر بهم وأمر أصحابه بقتلهم، فكان السيف يعمل فيهم، وأصواتهم مرتفعة ~~بالشهادة، فقتل ذلك الجمع كله، ولم يسلم إلا النادر منهم، ثم انصرف يومه ~~ذلك إلى الحربية. ms2508 # ودخل علي بن أبان الجامع فأحرقه، وأحرقت البصرة في عدة مواضع، منها ~~المربد، وزهران، وغيرهما، واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل، وعظم الخطب، ~~وعمها القتل والنهب والإحراق، وقتلوا كل من رأوه بها، فمن كان من أهل ~~اليسار أخذوا ماله وقتلوه ; ومن كان فقيرا قتلوه لوقته، بقوا كذلك عدة ~~أيام. # ثم أمر يحيى أن ينادى بالأمان ليظهروا، فلم يظهر أحد ; ثم انتهى الخبر ~~إلى الخبيث، فصرف علي بن أبان عنها، وأقر يحيى عليها لموافقته هواه في كثرة ~~القتل، # PageV06P297 # وصرف عليا لإبقائه على أهلها، فهرب الناس على وجوههم وصرف الخبيث جيشه عن ~~البصرة. # فلما أخرب البصرة انتسب إلى يحيى بن زيد، وذلك لمصير جماعة من العلويين ~~إليه، وكان فيهم علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد وجماعة من نسائهم، ~~فترك الانتساب إلى عيسى بن زيد، وانتسب إلى يحيى بن زيد، قال القاسم بن حسن ~~النوفلي: كذب ابن يحيى لم يعقب غير بنت ماتت وهي ترضع. # ذكر مسير المولد لحرب الزنج # وفيها، في ذي القعدة، أمر المعتمد أحمد المولد بالمسير إلى البصرة لحرب ~~الزنج، فنزل الأبلة، وجاء برية فنزل البصرة، واجتمع إليه من أهلها خلق ~~كثير، فسير العلوي إلى حرب المولد يحيى بن محمد، فسار إليه فقاتله عشرة ~~أيام، ثم وطن المولد نفسه على المقام، فكتب العلوي إلى يحيى يأمره بتبييت ~~المولد، ووجه إليه الشذا مع أبي الليث الأصفهاني، فبيته، ونهض المولد ~~فقاتله تلك الليلة، ومن الغد إلى العصر، ثم انهزم عنه. # ودخل الزنج عسكره فغنموا ما فيه، فاتبعه يحيى إلى الجامدة، فأوقع بأهلها، ~~ونهب تلك القرى جميعها، وسفك ما قدر عليه من الدماء، ثم رجع إلى نهر معقل. # ذكر قصد يعقوب فارس، وملكه بلخ، وغيرها # وفي هذه السنة سار يعقوب بن الليث إلى فارس، فأرسل إليه المعتمد ينكر ذلك ~~عليه، فكتب إليه الموفق بولاية بلخ، وطخارستان، وسجستان، والسند، فقبل ذلك ~~وعاد، وسار إلى بلخ وطخارستان، فلما وصل إلى بلخ نزل بظاهرها، وخرب نوشاد، ~~وهي أبنية كان بناها داود بن العباس ms2509 بن مابنجور خارج بلخ. # ثم سار يعقوب من بلخ إلى كابل، واستولى عليها، وقبض على زنبيل، وأرسل ~~رسولا إلى الخليفة، ومعه هدية جليلة المقدار، وفيها أصنام أخذها من كابل ~~وتلك البلاد، # PageV06P298 # وسار إلى بست فأقام بها سنة. # وسبب إقامته أنه أراد الرحيل، فرأى بعض قواده قد حمل بعض أثقاله، فغضب ~~وقال: أترحلون قبلي؟ وأقام سنة، ثم رجع إلى سجستان، ثم عاد إلى هراة، وحاصر ~~مدينة كروخ حتى أخذها، ثم سار إلى بوشنج، وقبض على الحسين بن طاهر (بن ~~الحسين الكبير، وأنفذ إليه محمد بن طاهر) بن عبد الله، فسأله إطلاقه (وهو ~~عم أبيه الحسين بن طاهر) ، فلم يفعل وبقي في يده. # ذكر ملك الحسن بن زيد العلوي جرجان # وفي هذه السنة قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان جرجان واستولى ~~عليها، وكان محمد بن طاهر أمير خراسان، لما بلغه من عزم الحسن على قصد ~~جرجان قد جهز العساكر فأنفق عليها أموالا كثيرة، وسيرها إلى جرجان لحفظها، ~~فلما قصدها الحسن لم يقوموا له، وظفر بهم وملك البلد، وقتل كثيرا من ~~العساكر، وغنم هو وأصحابه ما عندهم. # وضعف حينئذ محمد بن طاهر، وانتقض عليه كثير من الأعمال التي كان يجيء ~~خراجها إليه، فلم يبق في يده إلا بعض خراسان، وأكثر ذلك مفتون منتقض ~~بالمتغلبين في نواحيها، والشراة الذين يعيثون في عمله، فلا يمكنه دفعهم، ~~فكان ذلك سبب تغلب يعقوب الصفار على خراسان، كما نذكره سنة تسع وستين ~~ومائتين، إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # وفيها أخذ أحمد المولد سعد بن أحمد بن سعد الباهلي، وكان قد تغلب على ~~البطائح، وأفسد الطريق، وحمل إلى سامرا، فضرب سبعمائة سوط فمات، وصلب ميتا. # وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي. # PageV06P299 # وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلبي، وإنما قيل له الصقلبي، وهو من بيت ~~المملكة، لأن أمه صقلبية، على ميخائيل بن توفيل ملك الروم، فقتله ; وكان ~~ملك ميخائيل أربعا وعشرين سنة، وملك بسيل الروم. # وفيها أقطع المعتمد مصر وأعمالها لياركوج ms2510 التركي، فأقر عليها أحمد بن ~~طولون. # وفيها فارق عبد العزيز بن أبي دلف الري من غير خوف، وأخلاها، فأرسل إليها ~~الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان القاسم بن علي (بن القاسم) بن علي العلوي ~~المعروف بدليس، فغلب عليها، فأساء السيرة في أهلها جدا، وقلعوا أبواب ~~المدينة، وكانت من حديد، وسيرها إلى الحسن بن زيد، وبقي كذلك نحو ثلاث ~~سنين. # وفيها خرج علي بن مساور الخارجي، وخارجي آخر اسمه طوق من بني زهير، ~~فاجتمع إليه أربعة آلاف، فسار إلى أذرمة، فحاربها أهلها، فظفر بهم، فدخلها ~~بالسيف، وأخذ جارية بكرا فجعلها فيئا، وافتضها في المسجد، فجمع عليه الحسن ~~بن أيوب بن أحمد العدوي جمعا كثيرا، فحاربه فقتله، وقطع رأسه وأنفذه إلى ~~سامرا. # (وفيها قتل محمد بن خفاجة أمير صقلية، قتله خدمه نهارا، وكتموا قتله، فلم ~~يعرف إلا من الغد. وكان الخدم الذين قتلوه قد هربوا، فطلبوا فأخذوا، وقتل ~~بعضهم، ولما قتل استعمل محمد بن أحمد بن الأغلب على صقلية أحمد بن يعقوب بن ~~المضاء بن سلمة فلم تطل أيامه، ومات سنة ثمان وخمسين ومائتين) . # PageV06P300 # [الوفيات] # وفيها توفي الحسن بن عرفة العبدي، وكان مولده سنة خمسين ومائة بسر من ~~رأى. # وفيها توفي أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي اللغوي، من كبارهم، وروى ~~عن الأصمعي وغيره. # وفيها توفي محمد بن الخطاب الموصلي، وكان (من أهل العلم والزهد) . # PageV06P301 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين] ### | 258 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين # ذكر قتل منصور بن جعفر الخياط # في هذه السنة قتل منصور بن جعفر الخياط، وكان سبب قتله أن العلوي البصري ~~لما فرغ من أمر البصرة أمر علي بن أبان بالمسير إلى جي لحرب منصور بن جعفر، ~~وهو يلي يومئذ الأهواز، وأقام بإزائه شهرا، وكان منصور في قلة من الرجال، ~~فأتى عسكر علي وهو بالخيزرانية. # ثم إن الخبيث صاحب الزنج، وجه إلى علي باثنتي عشرة شذاة مشحونة بجلة ~~أصحابه، وولى أمرهم أبا الليث الأصبهاني، وأمره بطاعة علي، فلما صار إليه ~~خالفه، واستبد عليه، وجاء منصور ms2511 كما كان يجيء للحرب، فتقدم إليه أبو الليث، ~~عن غير إذن علي، فظفر به منصور، وبالشذوات التي معه، وقتل فيها من البيض ~~والزنج خلقا كثيرا، وأفلت أبو الليث، ورجع إلى الخبيث. # ثم إن عليا وجه طلائع يأتونه بخبر منصور، وأسرى إلى وال كان لمنصور على ~~كرنبا، فقتله وقتل أكثر أصحابه، وغنم ما كان معهم ورجع. # وبلغ الخبر منصورا، فأسرى إلى الخيزرانية، وخرج إليه علي، فتحاربوا إلى ~~الظهر، ثم انهزم منصور، وتفرق عنه أصحابه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من ~~الزنج، # PageV06P302 # فحمل عليهم، وقاتلهم حتى تكسر رمحه، وفني نشابه، ثم حمل حصانه ليعبر في ~~النهر، ولم يعبره. # وكان سبب وقوعه أن بعض الزنج رآه حين أراد أن يعبر النهر، فألقى نفسه في ~~النهر قبل منصور وتلقى الفرس حين وثب فنكص، فلما سقط في النهر قتله الأسود، ~~وأخذ سلبه، وقتل معه أخوه خلف بن جعفر وغيره، فولي ياركوج ما كان إلى منصور ~~بن جعفر من العمل. # ذكر مسير أبي أحمد إلى الزنج وقتل مفلح # وفيها، في ربيع الأول، عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على ديار مصر، ~~وقنسرين، والعواصم، وخلع عليه وعلى مفلح في ربيع الآخر، وسيرهما إلى حرب ~~الزنج بالبصرة، وركب المعتمد معه يشيعه، وسار نحو البصرة، ونازل العلوي ~~وقاتله. # وكان سبب تسييره ما فعله بالبصرة، وأكبر الناس ذلك، وتجهزوا إليه وساروا ~~في عدة حسنة كاملة، وصحبه من سوقة بغداذ خلق كثير. # وكان علي بن أبان بجي، على ما ذكرنا، وسار يحيى بن محمد البحراني إلى نهر ~~العباس، ومعه أكثر الزنوج، فبقي صاحبهم في قلة من الناس، وأصحابه يغادون ~~البصرة ويراوحونها لنقل ما نالوه منها، فلما نزل عسكر أبي أحمد بنهر معقل، ~~احتفل من فيه من الزنوج إلى صاحبهم مرعوبين، وأخبروه بعظم الجيش وأنهم لم ~~يرد عليهم مثله، وأحضر رئيسين من أصحابه، فسألهما عن قائد الجيش فلم ~~يعرفاه، فجزع، وارتاع. # ثم أرسل إلى علي بن أبان يأمره بالمسير إليه فيمن معه، فلما كان يوم ~~الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى أتاه بعض ms2512 قواده، فأخبره بمجيء ~~العسكر وتقدمهم، وأنهم ليس في وجوههم من يردهم من الزنوج، وكذبه، وسبه، ~~وأمر فنودي في الزنوج # PageV06P303 # بالخروج إلى الحرب، فخرجوا، فرأوا مفلحا قد أتاهم في عسكر لحربهم، ~~فقاتلهم، فبينما مفلح يقاتلهم إذ أتاه سهم غرب لا يعرف من رمى به، فأصابه، ~~فرجع وانهزم أصحابه، وقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وحملوا الرءوس إلى العلوي، ~~واقتسم الزنج (لحوم القتلى) . # وأتي بالأسرى، فسألهم عن قائد الجيش، فأخبروه أنه أبو أحمد، ومات مفلح من ~~ذلك السهم، فلم يلبث العلوي إلا يسيرا حتى وافاه علي بن أبان. # ثم إن أبا أحمد رحل نحو الأبلة ليجمع ما فرقته الهزيمة، ثم سار إلى نهر ~~أبي الأسد، ولما علم الخبيث كيف قتل مفلح، ولم ير أحدا يدعي قتله، زعم أنه ~~هو الذي قتله، وكذب فإنه لم يحضره. # ذكر قتل يحيى بن محمد البحراني # وفيها أسر يحيى بن محمد البحراني قائد صاحب الزنج، وكان سبب ذلك أنه لما ~~سار نحو نهر العباس لقيه عسكر أصعجور عامل الأهواز بعد منصور، وقاتلهم، ~~وكان أكثر منهم عددا، فنال ذلك العسكر من الزنج بالنشاب، وجرحوهم، فعبر ~~يحيى النهر إليهم، فانحازوا عنه، وغنم سفنا كانت مع العسكر، فيها الميرة، ~~وساروا بها إلى عسكر صاحب الزنج على غير الوجه الذي فيه علي بن أبان، ~~لتحاسد كان بينه وبين يحيى. # ووجه يحيى طلائعه إلى دجلة، فلقيهم جيش أبي أحمد الموفق سائرين إلى نهر ~~أبي الأسد، فرجعوا إلى علي، فأخبروه بمجيء الجيش، فرجع من الطريق الذي كان ~~سلكه، وسلك نهر العباس، وعلى فم النهر شذوات لحمية من عسكر الخليفة، فلما ~~رآهم يحيى راعه ذلك، وخاف أصحابه فنزلوا السفن (وعبروا النهر، ولقي يحيى ~~ومن معه بضعة عشر رجلا، فقاتلهم هو وذلك النفر) اليسير، فرموهم بالسهام، ~~فجرح ثلاث جراحات ; فلما جرح تفرق أصحابه عنه، (ولم يعرف حتى يؤخذ) ، فرجع ~~حتى دخل بعض السفن # PageV06P304 # وهو مثخن بالجراح. # وأخذ أصحاب السلطان الغنائم، وأخذوا السفن، وعبروا إلى سفن كانت للزنج ~~فأحرقوها، وتفرق الزنج عن يحيى بقية نهارهم، فلما رأى (تفرقهم ms2513 ركب سميرية، ~~وأخذ معه طبيبا لأجل الجراح، وسار فيها، فرأى) الملاحون سميريات السلطان، ~~فخافوا، فألقوا يحيى ومن معه على الأرض، فمشى وهو مثقل، وقام الطبيب الذي ~~معه فأتى أصحاب السلطان فأخبرهم خبره. # فأخذوه وحملوه إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى سامرا، فقطعت يداه ~~ورجلاه، ثم قتل، فجزع الخبيث، والزنوج عليه جزعا كبيرا، وقال لهم: لما قتل ~~يحيى اشتد جزعي عليه، فخوطبت أن قتله كان خيرا لك، إنه كان شرها. # ذكر عود أبي أحمد إلى واسط # وفيها انحاز أبو أحمد من موضعه إلى واسط ; وكان سبب ذلك أنه لما سار إلى ~~نهر أبي الأسد كثرت الأمراض في أصحابه، وكثر فيهم الموت، فرجع إلى باذاورد ~~فأقام بها، وأمر بتجديد الآلات، وإعطاء الجند أرزاقهم، وإصلاح السميريات ~~والشذا، وشحنها بالقواد، وعاد إلى عسكر صاحب الزنج، وأمر جماعة من قواده ~~بقصد مواضع سماها من نهر أبي الخصيب وغيره، وبقي معه جماعة، فمال أكثر ~~الخلق، حين التقى الناس ونشبت الحرب، إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في ~~قلة أصحابه، فلم يزل عن موضعه خوفا أن يطمع الزنج. # ولما رأى الزنج قلة من معه طمعوا فيه، وكثروا عليه، واشتدت الحرب عنده، ~~وكثر القتل والجراح، وأحرق أصحاب أبي أحمد منازل الزنوج، واستنقذوا من ~~النساء جمعا كثيرا، ثم ألقى الزنج جدهم نحوه، فلما رأى أبو أحمد ذلك علم أن ~~الحزم في المحاجزة، فأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم على مهل وتؤدة. # (واقتطع الزنج) طائفة من أصحابه، فقاتلوهم، فقتلوا من الزنج خلقا كثيرا، ~~ثم قتلوا جميعهم، وحملت رءوسهم إلى قائد الزنج، وهي مائة رأس وعشرة أرؤس، ~~فزاد ذلك في عتوه. # PageV06P305 # ونزل أبو أحمد في عسكره بباذاورد، فأقام يعبئ أصحابه للرجوع إلى الزنج، ~~فوقعت نار في أطراف عسكره، في يوم ريح عاصف، فاحترق كثير منه، فرحل منها ~~إلى واسط، فلما نزل واسط تفرق عنه عامة أصحابه، فسار منها إلى سامرا، ~~واستخلف على واسط، لحرب العلوي محمد بن المولد. # ذكر عدة حوادث # وفيها وقع الوباء في كور دجلة، فهلك منها خلق ms2514 كثير ببغداذ، وواسط، ~~وسامرا، وغيرها. # وفيها قتل سرسجارس ببلاد الروم مع جماعة كثيرة من أصحابه. # وفيها كانت هدة عظيمة هائلة بالصيمرة، ثم سمع من ذلك اليوم هدة أعظم من ~~الأولى، فانهدم أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان، وهلك من أهلها زهاء عشرين ~~ألفا. # وفيها مات ياركوج التركي في رمضان، وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وكان ~~صاحب مصر، ومقطعها، ودعي له فيها قبل أحمد بن طولون، فلما توفي استقل أحمد ~~بمصر. # وفيها كانت وقعة بين (أصحاب) موسى بن بغا وأصحاب الحسن بن زيد العلوي، ~~فانهزم أصحاب الحسن. # PageV06P306 # وفيها أسر مسرور البلخي جماعة من أصحاب مساور الشاري، وسار مسرور إلى ~~البوازيج، فلقي مساورا هناك، فكان فيها بينهما وقعة أسر فيها من أصحاب ~~مسرور جماعة، ثم انصرف في ذي الحجة إلى سامرا، واستخلف على عسكره بحديثة ~~الموصل جعلان. # وفيها رجع أكثر الناس من القرعاء خوف العطش، وسلم من سار إلى مكة، وحج ~~بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن. # (وفيها أوقع بأعراب بتكريت كانوا أعانوا مساورا الشاري) . # وفيها أوقع مسرور البلخي بالأكراد اليعقوبية، فهزمهم، وأصاب فيها. # وفيها صار محمد بن واصل في طاعة السلطان، وسلم فارس إلى محمد بن الحسن بن ~~أبي الفياض. # وفيها أسر جماعة من الزنج كان فيهم قاض كان لهم بعبادان، فحملوا إلى ~~سامرا، فضربت أعناقهم. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، وله مع ~~البخاري حادثة ظلمه بها حسدا له، ليس هذا مكان ذكرها. # وفيها توفي يحيى بن معاذ الرازي الواعظ في جمادى الأولى، وكان عابدا ~~صالحا صحب أبا يزيد، وغيره. # PageV06P307 ### | [ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين] ### | 259 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين # ذكر دخول الزنج الأهواز # وفيها، في رجب، دخلت الزنج الأهواز، وكان سببه أن العلوي أنفذ علي بن ~~أبان المهلبي، وضم إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحراني، وسليمان ~~بن موسى الشعراني، وسيره إلى الأهواز. # وكان المتولي لها بعد منصور بن جعفر رجل يقال له أصعجور، فبلغه خبر ~~الزنج، فخرج ms2515 إليهم، والتقى العسكران بدشت ميسان، فانهزم أصعجور، وقتل معه ~~ثيرك، وجرح خلق كثير من أصحابه، وغرق أصعجور، وأسر خلق كثير، فيهم الحسن بن ~~هرثمة، والحسن بن جعفر، وحملت الرءوس، والأعلام، والأسرى إلى الخبيث، فأمر ~~بحبس الأسرى، ودخل الزنج الأهواز، فأقاموا يفسدون فيها، ويعيثون إلى أن قدم ~~موسى بن بغا. # ذكر مسير موسى بن بغا لحرب الزنج # وفيها، في ذي القعدة أمر المعتمد موسى بن بغا بالمسير إلى حرب صاحب ~~الزنج، فسير إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح، وإلى البصرة إسحاق بن ~~كنداجيق، وإلى باذاورد إبراهيم بن سيما، وأمرهم بمحاربة صاحب الزنج. # فلما ولي عبد الرحمن الأهواز سار إلى محاربة علي بن أبان، فتواقعا، ~~فانهزم # PageV06P308 # عبد الرحمن، ثم استعد، وعاد إلى علي، فأوقع به وقعة عظيمة قتل فيها من ~~الزنج قتلا ذريعا، وأسر خلقا كثيرا، وانهزم علي بن أبان، والزنج، ثم أراد ~~ردهم فلم يرجعوا من الخوف الذي دخلهم من عبد الرحمن ; فلما رأى ذلك أذن لهم ~~بالانصراف، فانصرفوا إلى مدينة صاحبهم. # ووافى عبد الرحمن حصن مهدي ليعسكر به، فوجه إليه صاحب الزنج علي بن أبان، ~~فواقعه، فلم يقدر عليه، ومضى يريد الموضع المعروف بالدكة، وكان إبراهيم بن ~~سيما بالباذاورد، فواقعه علي بن أبان، فهزمه علي بن أبان، ثم واقعه ثانية، ~~فهزمه إبراهيم، فمضى علي في الليل ومعه الأدلاء في الآجام، حتى انتهى إلى ~~نهر يحيى. # وانتهى خبره إلى عبد الرحمن، فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي، فلم ~~يصل إليه لامتناعه بالقصب والحلافي، فأضرمها عليه نارا، فخرجوا منها ~~هاربين، فأسر منهم أسرى، وانصرف أصحاب عبد الرحمن بالأسرى والظفر. # ثم سار عبد الرحمن نحو علي بن أبان بمكان نزل فيه، فكتب علي إلى صاحب ~~الزنج يستمده، فأمده بثلاث عشرة شذاة، ووافاه عبد الرحمن، فتواقعا يومهما، ~~فلما كان الليل انتخب علي من أصحابه جماعة ممن يثق بهم وسار، وترك عسكره ~~ليخفي أمره، وأتى عبد الرحمن من ورائه فبيته، فنال منه شيئا يسيرا، وانحاز ~~عبد الرحمن، فأخذ علي منهم أربع شذوات، وأتى عبد ms2516 الرحمن دولاب فأقام به. # وسار طاشتمر إلى علي، فوافاه وقاتله، فانهزم علي إلى نهر السدرة، وكتب ~~يستمد عبد الرحمن، فأخبره بانهزام علي عنه، فأتاه عبد الرحمن، وواقع عليا ~~بنهر السدرة وقعة عظيمة، فانهزم علي إلى الخبيث، وعسكر عبد الرحمن بلنبان، ~~فكان هو وإبراهيم بن سيما يتناوبان المسير إلى عسكر الخبيث فيوقعان به، ~~وإسحاق بن كنداجيق بالبصرة، وقد قطع الميرة عن الزنج، فكان صاحبهم يجمع ~~أصحابه يوم محاربة عبد الرحمن # PageV06P309 # وإبراهيم، فإذا انقضت الحرب سير طائفة منهم إلى البصرة، (يقاتل بهم ~~إسحاق) ، فأقاموا كذلك بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الزنج، ~~ووليها مسرور البلخي، فانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث. # ذكر ملك يعقوب نيسابور # وفيها، في شوال، دخل يعقوب بن الليث نيسابور، وكان سبب مسيره إليها أن ~~عبد الله السجزي كان ينازع يعقوب بسجستان، فلما قوي عليه يعقوب هرب منه إلى ~~محمد بن طاهر، فأرسل يعقوب يطلب من ابن طاهر أن يسلمه إليه فلم يفعل، فسار ~~نحوه إلى نيسابور، فلما قرب منها، وأراد دخولها، وجه محمد بن طاهر يستأذنه ~~في تلقيه، فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته فتلقوه. # ثم دخل نيسابور في شوال، فركب محمد بن طاهر، فدخل إليه في مضربه، فساءله، ~~ثم وبخه على تفريطه في عمله، وقبض على محمد بن طاهر، وأهل بيته، واستعمل ~~على نيسابور، وأرسل إلى الخليفة يذكر تفريط محمد بن طاهر في عمله، وأن أهل ~~خراسان سألوه المسير إليهم، ويذكر غلبة العلويين على طبرستان، وبالغ في هذا ~~المعنى، فأنكر عليه ذلك، وأمر بالاقتصار على ما أسند إليه، وألا يسلك معه ~~مسلك المخالفين. # وقيل كان سبب ملك يعقوب نيسابور ما ذكرناه سنة سبع وخمسين [ومائتين] من ~~ضعف محمد بن طاهر أمير خراسان، فلما تحقق يعقوب ذلك، وأنه لا يقدر على ~~الدفع سار إلى نيسابور، وكتب إلى محمد بن طاهر يعلمه أنه قد عزم على قصد ~~طبرستان ليمضي ما أمره الخليفة في الحسن بن زيد المتغلب عليها، وأنه لا ~~يعرض لشيء من عمله، ms2517 ولا لأحد من أسبابه. # وكان بعض خاصة محمد بن طاهر، وبعض أهله لما رأوا إدبار أمره مالوا إلى ~~يعقوب، فكاتبوه، واستدعوه، وهونوا على محمد أمر يعقوب (من نيسابور) ، ~~فأعلموه أنه لا خوف عليه منه، وثبطوه عن التحرز منه، فركن محمد إلى قولهم، ~~حتى قرب # PageV06P310 # يعقوب من نيسابور، فوجه إليه قائدا من قواده يطيب قلبه، وأمره بمنعه عن ~~الانتزاح عن نيسابور إن أراد ذلك. # ثم وصل يعقوب إلى نيسابور رابع شوال وأرسل أخاه عمرو بن الليث إلى محمد ~~بن طاهر، فأحضره عنده، فقبض عليه وقيده، وعنفه عن إهماله عمله، وعجزه عن ~~حفظه، ثم قبض على جميع أهل بيته، وكانوا نحوا من مائة وستين رجلا، وحملهم ~~إلى سجستان، واستولى على خراسان، ورتب في الأعمال نوابه. # وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام. # ذكر ظهور ابن الصوفي بمصر ثانيا # وفيها عاد ابن الصوفي العلوي فظهر بمصر، وقد ذكرنا سنة ست وخمسين ~~[ومائتين] ظهوره وهربه إلى الواحات، فأحم نفسه، ودعا الناس إلى نفسه، فتبعه ~~خلق كثير، وسار بهم إلى الأشمونين، فوجه إليه جيش عليهم قائد يعرف بابن أبي ~~الغيث، فوجده قد أصعد إلى لقاء أبي عبد الرحمن العمري، وسنذكر بعد هذا. # فلما وصل العلوي إلى العمري التقيا، فكان بينهما قتال شديد، أجلت الوقعة ~~عن انهزام العلوي، فولى منهزما إلى أسوان، فعاث فيها، وقطع كثيرا من نخلها. # فسير إليه ابن طولون جيشا، وأمر بطلبه أين كان، فسار الجيش في طلبه فولى ~~هاربا إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكة، وتفرق أصحابه، فلما وصل إلى مكة بلغ ~~خبره إلى واليها، فقبض عليه وحبسه، ثم سيره إلى ابن طولون، فلما وصل إلى ~~مصر أمر به فطيف به في البلد، ثم سجنه مدة وأطلقه، ثم رجع إلى المدينة ~~فأقام بها إلى أن مات. # ذكر حال أبي عبد الرحمن العمري # قد تقدم ذكر أبي عبد الرحمن العمري، واسمه عبد الحميد بن عبد العزيز بن ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب. # وكان سبب ظهوره بمصر أن البجاة ms2518 أقبلت يوم العيد، فنهبوا وقتلوا وعادوا ~~غانمين، وفعلوا ذلك مرات، فخرج هذا العمري غضبا لله وللمسلمين، وكمن لهم في ~~طريقهم، # PageV06P311 # فلما عادوا خرج عليهم، وقتل مقدمهم ومن معه، ودخل بلادهم فنهبها، وقتل ~~فيهم فأكثر، ونهبوا وسبوا ما لا يحصى، وتابع عليهم الغارات حتى أدوا إليه ~~الجزية، ولم يفعلوها قبل ذلك. # واشتدت شوكة العمري، وكثر أتباعه، فلما بلغ خبره ابن طولون سير إليه جيشا ~~كثيفا، فلما التقوا تقدم العمري، وقال لمقدم الجيش: إن ابن طولون لا يعرف ~~خبري، لا شك، على حقيقته، فإني لم أخرج للفساد، ولم يتأذ بي مسلم ولا ذمي، ~~وإنما خرجت طلبا للجهاد، فاكتب إلى الأمير أحمد عرفه كيف حالي، فإن أمرك ~~بالانصراف فانصرف، وإلا إن أمرك بغير ذلك كنت معذورا. فلم يجبه إلى ذلك، ~~وقاتله، فانهزم جيش ابن طولون، فلما وصلوا إليه أخبروه بحال العمري فقال: ~~كنتم أنهيتم حاله إلي، فإنه نصر عليكم ببغيكم، وتركه. # فلما كان بعد مدة وثب على العمري غلامان له فقتلاه، وحملا رأسه إلى أحمد ~~بن طولون، فلما حضرا عنده سألهما عن سبب قتله، فقالا: أردنا التقرب إليك ~~بذلك، فقتلهما، وأمر برأس العمري فغسل، وكفن، ودفن. # ذكر ما كان هذه السنة بالأندلس # في هذه السنة سار محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس، إلى طليطلة ~~فنازلها وحصرها، وكان أهلها قد خالفوا عليه، وطلبوا الأمان فأمنهم، وأخذ ~~رهائنهم. # وفيها خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان، وكان فيه سبعمائة رجل من البربر، ~~وكان أهل طليطلة في عشرة آلاف، فلما التحمت الحرب بينهم انهزم أحد مقدمي ~~أهلها، وهو عبد الرحمن بن حبيب، فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة، وإنما انهزم ~~لعداوة كانت بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة من أهل طليطلة، فأراد أن يوهنه ~~في ذلك، فلما انهزموا قتلوا البرقيل (؟) . # وفيها عاد عمرو بن عمروس إلى طاعة محمد بن عبد الرحمن، وكان مخالفا عليه ~~عدة سنين، فولاه مدينة أمشقة، وحصر محمد حصون بني موسى، ثم تقدم إلى ~~بنبلونة فوطئ أرضها وعاد. # PageV06P312 # ذكر عدة حوادث # (وفيها سارت سرية ms2519 للمسلمين إلى مدينة سرقوسة، فصالحها أهلها على أن ~~أطلقوا الأسرى الذين كانوا عندهم من المسلمين ثلاثمائة وستين أسيرا، فلما ~~أطلقوهم عادت عنهم) . # وفيها قتل كيجور، وكان سبب قتله أنه كان على الكوفة، فسار عنها إلى سامرا ~~بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى، فحمل إليه مال ليفرقه في أصحابه فلم يقنع به، ~~وسار حتى أتى عكبرا، فوجه إليه من سامرا عدة من القواد فقتلوه، وحملوا رأسه ~~إلى سامرا. # وفيها غلب شركب الحمار على مرو، وناحيتها ونهبها. # وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقهستان، وولى عماله هراة، ~~وبوشنج، وباذغيس، وانصرف إلى سجستان. # وفيها فارق عبد الله السجزي يعقوب، وحاصر نيسابور وبها محمد بن طاهر (قبل ~~أن يملكها يعقوب بن الليث، فوجه محمد بن طاهر) إليه الرسل والفقهاء، ~~فاختلفوا بينهما، ثم ولاه الطبسين، وقهستان. # وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس ودخلها أصحابه. # PageV06P313 # وفيها كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن بيان، ووهسوذان بن جستان الديلمي، ~~وانهزم وهسوذان. # وفيها نزلت الروم على سميساط، ثم نزلوا على ملطية، (وقاتلهم أهلها) ، ~~فانهزمت الروم، وقتل بطريق البطارقة. # وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد ~~الله بن عباس المعروف ببرية. # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن يحيى بن موسى أبو عبد الله بن أبي زكرياء الإسفراييني ~~المعروف بابن حيويه. # ومحمد بن عمروس بن يونس بن عمران بن دينار الكوفي التغلبي، وكان شيعيا ~~ضعيف الحديث. # وفيها توفي أبو الحسن بن علي بن حرب الطائي الموصلي، وكان محدثا، (وممن ~~روى عنه أبوه علي بن حرب) . # PageV06P314 ### | [ثم دخلت سنة ستين ومائتين] ### | 260 - # ثم دخلت سنة ستين ومائتين # ذكر دخول يعقوب طبرستان # وفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد العلوي، فهزمه، ودخل طبرستان. # وكان سبب ذلك أن عبد الله السجزي [كان] ينازع يعقوب الرئاسة بسجستان، ~~فقهره يعقوب، فهرب منه عبد الله إلى نيسابور، فلما سار يعقوب إلى نيسابور، ~~كما ذكرنا، هرب عبد الله إلى الحسن بن زيد بطبرستان، فسار يعقوب في أثره، ms2520 ~~فلقيه الحسن بن زيد بقرية سارية. # وكان يعقوب قد أرسل إلى الحسن يسأله أن يبعث إليه عبد الله ويرجع عنه، ~~فإنه إنما جاء لذلك، لا لحربه، فلم يسلمه الحسن، فحاربه يعقوب، فانهزم ~~الحسن، ومضى نحو السر وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، وآمل، وجبى أهلها ~~خراج سنة، ثم سار في طلب الحسن، فسار إلى بعض جبال طبرستان، وتتابعت عليه ~~الأمطار نحوا من أربعين يوما، فلم يتخلص إلا بمشقة شديدة، وهلك عامة ما معه ~~من الظهر. # ثم أراد الدخول خلف الحسن، فوقف على الطريق الذي يريد [أن] يسلكه، وأمر ~~أصحابه بالوقوف، ثم تقدم وحده، وتأمل الطريق، ثم رجع إليهم فأمرهم ~~بالانصراف، وقال لهم: إن لم يكن طريق غير هذا، وإلا لا طريق إليه. # وكان نساء أهل تلك الناحية قلن للرجال: دعوه يدخل، فإنه إن دخل كفيناكم ~~أمره، وعلينا أسره لكم، فلما خرج من طبرستان عرض رجاله، ففقد منهم أربعون ~~ألفا، وذهب أكثر ما كان معه من الخيل، والإبل، والبغال، والأثقال، وكتب إلى ~~الخليفة بما فعله مع # PageV06P315 # الحسن من الهزيمة، وسار إلى الري في طلب عبد الله لأنه كان قد سار إليها ~~بعد هزيمة الحسن، فلما قاربها يعقوب كتب إلى الصلاني، وإليها يخيره بين ~~تسليم عبد الله إليه وينصرف عنه، وبين المحاربة، فسلم إليه عبد الله فرحل ~~عنه، وقتل عبد الله. # ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم # كان الخليفة المعتمد على الله قد استعمل على الموصل أساتكين، وهو من ~~أكابر قواد الأتراك، فسير إليه ابنه أذكوتكين في جمادى الأولى سنة تسع ~~وخمسين ومائتين ; فلما كان يوم النيروز من هذه السنة، وهو الثالث عشر من ~~نيسان، غيره المعتضد بالله، ودعا أذكوتكين ووجوه أهل الموصل إلى قبة في ~~الميدان، وأحضر أنواع الملاهي، وأكثر الخمر، وشرب ظاهرا، وتجاهر أصحابه ~~بالفسوق، وفعل المنكرات، وأساء السيرة في الناس. # وكان تلك السنة برد شديد أهلك الأشجار، والثمار، والحنطة، والشعير، وطالب ~~الناس بالخراج على الغلات التي هلكت، فاشتد ذلك عليهم، وكان لا يسمع بفرس ~~جيد عند أحد إلا أخذه، وأهل الموصل ms2521 صابرون، إلى أن وثب رجل من أصحابه على ~~امرأة فأخذها في الطريق، فامتنعت، واستغاثت، فقام رجل اسمه إدريس الحميري، ~~وهو من أهل القرآن والصلاح، فخلصها من يده، فعاد الجندي إلى أذكوتكين فشكا ~~من الرجل، فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف الأمر، فاجتمع وجوه أهل ~~الموصل إلى الجامع وقالوا: قد صبرنا على أخذ الأموال، وشتم الأعراض، وإبطال ~~السنن والعسف، وقد أفضى الأمر إلى أخذ الحريم، فأجمع رأيهم على إخراجه، ~~والشكوى منه إلى الخليفة. # وبلغه الخبر، فركب إليهم في جنده، وأخذ معه النفاطين، فخرجوا إليه ~~وقاتلوه قتالا شديدا، حتى أخرجوه عن الموصل، ونهبوا داره، وأصابه حجر ~~فأثخنه، ومضى يومه إلى بلده، وسار منها إلى سامرا. # PageV06P316 # واجتمع الناس إلى يحيى بن سليمان، وقلدوه أمرهم، ففعل، فبقي كذلك إلى أن ~~انقضت سنة ستين، فلما دخلت سنة إحدى وستين [ومائتين] كتب أستاتكين إلى ~~الهيثم بن المعمر التغلبي، ثم العدوي، في أن يتقلد الموصل، وأرسل إليه ~~الخلع واللواء، وكان بديار ربيعة، فجمع جموعا كثيرة، وسار إلى الموصل، ونزل ~~بالجانب الشرقي، وبينه وبين البلد دجلة، فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربي ~~وزحف إلى باب البلد، فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل الموصل، فقاتلوه فقتل ~~بينهم قتلى كثيرة، وكثرت الجراحات وعاد الهيثم عنهم. # فاستعمل أساتكين على الموصل إسحاق بن أيوب التغلبي في جمع يبلغون عشرين ~~ألفا، منهم حمدان بن حمدون التغلبي، وغيره، فنزل عند الدير الأعلى، فقاتله ~~أهل الموصل ومنعوه، فبقوا كذلك مدة، فمرض يحيى بن سليمان الأمير، فطمع ~~إسحاق في البلد، ووصل إلى سوق الأربعاء، وأحرق سوق الحشيش، فخرج بعض ~~العدول، اسمه زياد بن عبد الواحد، وعلق في عنقه مصحفا، واستغاث بالمسلمين ~~فأجابوه، وعادوا إلى الحرب، وحملوا على إسحاق وأصحابه، وأخرجوهم من ~~المدينة. # وبلغ يحيى بن سليمان الخبر فأمر فحمل في محفة، وجعل أمام الصف، فلما رآه ~~أهل الموصل قويت نفوسهم، واشتد قتالهم، ولم يزل الأمر كذلك، وإسحاق يراسل ~~أهل الموصل، (ويعدهم الأمان) ، وحسن السيرة، فأجابوه إلى أن يدخل البلد، ~~ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام ms2522 سبعة أيام. # ثم وقع بين بعض أصحابه، وبين قوم من أهل الموصل شر، فرجعوا إلى الحرب، ~~وأخرجوه عنها، واستقر يحيى بن سليمان بالموصل. # ذكر الحرب بين أهل طليطلة وهوارة # وفي هذه السنة ظهر موسى بن ذي النون الهواري بشنت برية، وأغار على أهل ~~طليطلة، ودخل حصن وليد من شنت برية، فخرج أهل طليطلة إليه في نحو عشرين # PageV06P317 # ألفا، فلما التقوا بموسى واقتتلوا انهزم محمد بن طريشة في أصحابه، وهو من ~~أهل طليطلة، فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة، وانهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن، ~~فعمل ذلك محمد مكافأة لمطرف حين انهزم بالناس في العام الماضي، فقتل من أهل ~~طليطلة خلق كثير، وقوي موسى بن ذي النون، وهابه من حاذره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل رجل من أصحاب مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمر، ~~رآه وهو يريد سامرا، فقتله، وحمل رأسه إلى مساور، فطلبت ربيعة بثأره، فندب ~~مسرور البلخي، وغيره إلى أخذ الطرق على مساور. # وفيها اشتد الغلاء في عامة بلاد الإسلام، فانجلى من أهل مكة كثير، ورحل ~~عنها عاملها، وهو برية، وبلغ الكر [من] الحنطة ببغداذ عشرين ومائة دينار، ~~ودام ذلك شهورا. # وفيها قتلت الأعراب منجورا والي حمص، واستعمل عليها بكتمر. # وفيها قتل العلاء بن أحمد الأزدي عامل أذربيجان، وكان سبب قتله أنه فلج، ~~فاستعمل الخليفة مكانه أبا الرديني عمر بن علي، فلما قاربها خرج إليه ~~العلاء، فتحاربا، فقتل العلاء، وانهزم أصحابه، وأخذ أبو الرديني ما خلفه ~~العلاء، وكان مبلغه ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم. # وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ببرية، وهو أمير مكة. # وفيها ظهر بمصر إنسان يكنى أبا روح، واسمه سكن، وكان من أصحاب ابن ~~الصوفي، واجتمع له جماعة، فقطع الطريق، وأخاف السبيل، فوجه إليه ابن طولون # PageV06P318 # جيشا، فوقف أبو روح في أرض كثيرة الشقوق، وقد كان بها قمح فحصد، وبقي من ~~تبنه على الأرض ما يستر الشقوق، وقد ألفوا المشي على مثل هذه الأرض. # فلما جاءهم الجيش لقوهم، ثم انهزم أصحاب أبي ms2523 روح، فتبعهم عسكر ابن طولون، ~~فوقعت حوافر خيولهم في تلك الشقوق، فسقط كثير من فرسانها عنها، وتراجع ~~أصحاب أبي روح عليهم فقتلوهم شر قتلة وانهزم الباقون أسوأ هزيمة. # فسير أحمد جيشا إلى طريقهم إلى الواحات، وجيشا في طلبه، فلقيه الجيش الذي ~~في طلبه وقد تحصن في تلك الأرض، فحذرها عسكر أحمد، فحين بطلت حيلهم انهزم، ~~وتبعهم العسكر، فلما خرجوا إلى طريق الواحات رأى أبو روح الطريق قد ملكت ~~عليه، فراسل يطلب الأمان، فبذل له، وبطلت الحرب، وكفي المسلمون شره. # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن محمد بن جعفر العلوي الحماني، وكان يسكن الحمان، فنسب ~~إليها. # وفيها قتل علي بن يزيد صاحب الكوفة، قتله صاحب الزنج. # (وفيها كان بإفريقية، وبلاد المغرب، والأندلس غلاء شديد، وعم غيرها من ~~البلاد، وتبعه وباء وطاعون عظيم هلك فيه كثير من الناس. # وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه المالكي صاحب المجموعة في ~~الفقه، وهو من أهل إفريقية) . # PageV06P319 # وفيها مات مالك بن طوق التغلبي بالرحبة، وهو بناها، وإليه تنسب. # وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، أبو محمد العلوي العسكري، وهو ~~أحد الأئمة الاثنى عشر، على مذهب الإمامية، وهو والد محمد الذي يعتقدونه ~~المنتظر بسرداب سامرا ; (وكان مولده سنة اثنين وثلاثين ومائتين) . # وفيها توفي أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه الشافعي، ~~وهو من أصحاب الشافعي البغداذيين. # وفيها توفي حسين بن إسحاق الحكيم الطبيب، وهو الذي نقل كتب الحكماء ~~اليونانيين إلى العربية، وكان عالما بها. # PageV06P320 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين] ### | 261 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين # ذكر الحرب بين محمد بن واصل وابن مفلح # وفيها تحارب ابن واصل وعبد الرحمن بن مفلح وطاشتمر. . # وكان سبب ذلك أن واصل كان قتل الحارث بن سيما، وتغلب على فارس، فأضاف إلى ~~المعتمد فارس إلى موسى بن بغا، والأهواز، والبصرة، والبحرين، واليمامة، مع ~~ما كان إليه ; فوجه ms2524 موسى عبد الرحمن بن مفلح، وهو شاب عمره إحدى وعشرون ~~سنة، إلى الأهواز، وولاه إياها مع فارس، وأضاف إليه طاشتمر ; فلما علم ذلك ~~ابن واصل، وأن ابن مفلح قد سار نحوه من الأهواز، زحف إليه من فارس، فالتقيا ~~برامهرمز. وانضم أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل، فاقتتلوا، فانهزم عبد ~~الرحمن وأخذ أسيرا، وقتل طاشتمر، واصطلم عسكرهما، وغنم (ما فيه من) الأموال ~~والعدة وغير ذلك. # وأرسل الخليفة إلى ابن واصل في إطلاق عبد الرحمن، فلم يفعل، وقتله وأظهر ~~أنه مات، وسار ابن واصل من رامهرمز، من بعد هذه الواقعة، مظهرا أنه يريد ~~واسط لحرب موسى بن بغا، فانتهى إلى الأهواز وفيها إبراهيم بن سيما في جمع ~~كثير، فلما رأى موسى شدة الأمر بهذه الناحية، وكثرة المتغلبين عليها، وأنه ~~يعجز عنهم، سأل أن يعفى، فأجيب إلى ذلك. # ذكر ولاية أبي الساج الأهواز # وفيها ولي أبو الساج الأهواز، بعد مسيرة عبد الرحمن عنها إلى فارس، وأمر ~~بمحاربة # PageV06P321 # الزنج، فسير صهره (عبد الرحمن) لمحاربة الزنج، فلقيه علي بن أبان بناحية ~~دولاب، فقتل عبد الرحمن، وانحاز أبو الساج إلى ناحية عسكر مكرم، ودخل الزنج ~~الأهواز، فقتلوا أهلها، وسبوا وأحرقوا. # ثم انصرف أبو الساج عما كان إليه من الأهواز، وحرب الزنج، وولاها إبراهيم ~~بن سيما، فلم يزل بها حتى انصرف عنها مع موسى بن بغا. # وفيها ولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. # ذكر عود الصفار إلى فارس والحرب بينه وبين ابن واصل # لما كان من الواقعة بين عبد الرحمن بن مفلح وبين ابن واصل ما ذكرناه، ~~اتصل خبرهما إلى يعقوب الصفار وهو بسجستان، فتجدد طمعه في ملك بلاد فارس، ~~وأخذ الأموال والخزائن والسلاح التي غنمها ابن واصل من ابن مفلح، فسار ~~مجدا. # وبلغ ابن واصل خبر قربه منه وأنه نزل البيضاء من أرض فارس، وهو بالأهواز، ~~فعاد عنها لا يلوي على شيء، وأرسل خاله أبا بلال مرداسا إلى الصفار، فوصل ~~إليه، وضمن له طاعة ابن واصل، فأرسل يعقوب الصفار إلى ابن واصل كتبا ورسلا ~~في ms2525 المعنى، فحبسهم ابن واصل، وسار يطلب الصفار والرسل معه يريد أن يخفي ~~خبره، وأن يصل إلى الصفار بغتة لم يعلم به، فينال منه غرضه، ويوقع به. # فسار في يوم شديد الحر، في أرض صعبة المسلك، وهو يظن أن خبره قد خفي عن ~~الصفار، فلما كان الظهر تعبت دوابهم، فنزلوا ليستريحوا، فمات من أصحاب ابن ~~واصل من الرجالة كثير جوعا وعطشا، وبلغ خبرهم الصفار، فجمع أصحابه وأعلمهم ~~الخبر وسار، وقال لأبي بلال: إن ابن واصل قد غدر بنا، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل! ومضى الصفار إلى ابن واصل، فلما قاربهم وعلموا به انخذلوا وضعفت ~~نفوسهم عن مقاومته ومقاتلته، ولم يتقدموا خطوة، فلما صار بين الفريقين رمية ~~سهم انهزم أصحاب ابن واصل من غير قتال، وتبعهم عسكر الصفار، وأخذوا منهم ~~جميع ما غنموا من ابن مفلح، واستولى على بلاد فارس، ورتب بها أصحابه وأصلح ~~أحوالها. # (ومضى ابن واصل منهزما، فأخذ أمواله من قلعته، وكانت أربعين ألف ألف # PageV06P322 # درهم، وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل) ، وحدث نفسه ~~بالاستيلاء على الأهواز وغيرها. # ذكر تجهيز أبي أحمد للمسير إلى البصرة # وفيها، في شوال جلس المعتمد في دار العامة، فولى ابنه جعفرا العهد، ولقبه ~~المفوض إلى الله، وضم إليه موسى بن بغا، فولاه إفريقية، ومصر، والشام، ~~والجزيرة، والموصل، (وأرمينية) ، وطريق خراسان ومهرجانقذق، وولى أخاه أبا ~~أحمد العهد بعد جعفر، ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه المشرق، ~~وبغداذ، والسواد والكوفة، وطريق مكة، والمدينة، واليمن، وكسكر، وكور دجلة، ~~الأهواز، وفارس، وأصبهان، وقم، وكرج، ودينور، والري، وزنجان والسند، وعقد ~~لكل واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به الموت، وجعفر لم يبلغ، ~~أن يكون الأمر للموفق، ثم لجعفر بعده، وأخذت البيعة بذلك. # فعقد جعفر لموسى على المغرب، وأمر الموفق أن يسير إلى حرب الزنج ; فولى ~~الموفق الأهواز والبصرة، وكور دجلة مسرورا البلخي، وسيره في مقدمته في ذي ~~الحجة. # وعزم على المسير بعده، فحدث من أمر يعقوب الصفار ما منعه عن المسير، ~~وسنذكر أول سنة اثنين وستين ومائتين. ms2526 # وفيها فارق محمد بن زيدويه يعقوب بن الليث، وسار إلى أبي الساج، وأقام ~~معه بالأهواز، وخلع عليه المعتمد وسأل أن يوجه الحسين بن طاهر بن عبد الله ~~بن طاهر إلى خراسان. # وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن (العباس بن محمد ~~بن) علي بن عبد الله بن عباس. # PageV06P323 # ومات الحسين بن أبي الشوارب بمكة بعدما حج. # ذكر ولاية نصر بن أحمد الساماني ما وراء النهر # في هذه السنة استعمل نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه بن جثمان بن طمغاث ~~بن نوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام خشنش، وكان بهرام خشنش من الري، فجعله ~~كسرى هرمز بن أنوشروان مرزبان أذربيجان، وقد تقدم ذكر بهرام جوبين عند ذكر ~~كسرى هرمز. # ولما ولي المأمون خراسان، واصطلح أولاده وهم: نوح، وأحمد، ويحيى، وإلياس، ~~بنو أسد بن سامان، قربهم ورفع منهم واستعملهم ورعى حق سلفهم، فلما رجع ~~المأمون إلى العراق استخلف على خراسان غسان بن عباد، فولى غسان نوح بن أسد، ~~في سنة أربع ومائتين سمرقند، وأحمد بن أسد فرغانة، ويحيى بن أسد الشاش ~~وأشروسنة، وإلياس بن أسد هراة. # فلما ولي طاهر بن الحسين خراسان ولاهم هذه الأعمال، ثم توفي نوح بن أسد، ~~وأقر طاهر بن عبد الله أخويه على عمله: يحيى، وأحمد، وكان أحمد بن أسد عفيف ~~الطعمة، مرضي السيرة، لا يأخذ رشوة، ولا أحد من أصحابه، ففيه قيل، أو في ~~ابنه نصر: # ثوى ثلاثين حولا في ولايته ... فجاع يوم ثوى في قبره حشمه # وكان إلياس يلي هراة، (وله بها عقب وآثار كثيرة، فاستقدمه عبد الله بن ~~طاهر) ، وكان رسمه فيمن يستقدمه أن يعد أيامه، فأبطأ إلياس، فكتب إليه ~~بالمقام حيث يلقاه # PageV06P324 # كتابه، فبلغه الكتاب وقد سار عن بوشنج، فأقام بها سنة تأديبا له، ثم أذن ~~في القدوم عليه. # فلما مات إلياس بهراة أقر عبد الله ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس على ~~عمله، فأقام بهراة ; وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين، وهم: نصر، وأبو يوسف ~~يعقوب، وأبو ms2527 زكرياء يحيى، وأبو الأشعث أسد، وإسماعيل، وإسحاق، وأبو غانم ~~حميد، لما توفي أحمد بن أسد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند وما ~~وراءها، فبقي عاملا عليها إلى آخر أيام الطاهرية، وبعد زوال أمرهم إلى أن ~~مضى لسبيله. # وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصرا، فولاه نصر بخارى سنة إحدى وستين ~~ومائتين. # ومعنى قول أبي جعفر: وفي سنة إحدى وستين [ومائتين] ولي نصر بن أحمد ما ~~وراء النهر، أنه تولاه من جانب الخليفة، وإنما كان يتولاه، من قبل، من عمال ~~خراسان، وإلا فالقوم تولوا قبل هذا التاريخ. # وكان سبب استعماله إسماعيل أنه لما استولى يعقوب بن الليث على خراسان ~~أنفذ نصر جيشا إلى شط جيحون ليأمن عبور يعقوب، فقتلوا مقدمهم، ورجعوا إلى ~~بخارى، فخافهم أحمد بن عمر نائب نصر على نفسه، فتغيب عنهم، فأمروا عليهم ~~أبا هاشم محمد بن المبشر بن رافع بن الليث بن نصر بن سيار، ثم عزلوه، وولوا ~~أحمد بن محمد بن ليث والد أبي عبد الله بن جنيد، ثم صرفوه، وولوا الحسن بن ~~محمد من ولد عبدة بن حديد ; ثم صرفوه، وبقيت بخارى بغير أمير، فكتب رئيسها ~~وفقيهها أبو عبد الله بن أبي حفص إلى نصر يسأله توجيه من يضبط بخارى، فوجه ~~أخاه إسماعيل، ثم إن إسماعيل كاتب رافع بن هرثمة حين ولي خراسان، فتعاقدا ~~على التعاون، والتعاضد، فطلب منه إسماعيل أعمال خوارزم فولاه إياها. # وكان إسماعيل يؤامره في المكاتبة، ثم سعت السعاة بين نصر، وإسماعيل # PageV06P325 # فأفسدوا ما بينهما، فقصده نصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فأرسل إسماعيل ~~حمويه بن علي إلى رافع بن هرثمة يستنجده، فسار إليه في جيش كثيف، فوافى ~~بخارى، قال حمويه: ففكرت في نفسي، وقلت: إن ظفر إسماعيل بأخيه فما يؤمنني ~~أن يقبض رافع على إسماعيل، ويتغلب على ما وراء النهر؟ # وإن لم يفعل ذلك، ووفى لإسماعيل، فلا يزال إسماعيل معترفا بأنه فقيد رافع ~~وجريحه، ويحتاج [أن] يتصرف على أمره ونهيه، فاجتمعت برافع خلوة، وقلت له: ~~نصيحتك واجبة علي، وقد ظهر لي من نصر، ms2528 وإسماعيل ما كان خفيا عني، ولست ~~آمنهما عليك، والرأي أن لا تشاهد الحرب، وتحملهما (على الصلح ; فقبل ذلك، ~~فتصالحا، وانصرف عنهما. # قال حمويه: ثم إنني أعلمت إسماعيل) ، بعد ذلك الحال كيف كان، فعذر رافعا ~~في إلزامه بالصلح، واستصوب فعل حمويه، بقي نصر وإسماعيل مدة، ثم عادت ~~السعاة، ففسد ما بينهما، حتى تحاربا سنة خمس وسبعين ومائتين، فظهر إسماعيل ~~بأخيه نصر، فلما حمل إليه ترجل له إسماعيل، وقبل يديه، ورده من موضعه إلى ~~سمرقند، وتصرف على النيابة عنه ببخارى. # وكان إسماعيل خيرا، يحب أهل العلم والدين، ويكرمهم، وببركتهم دام ملكه ~~وملك أولاده وطالت أيامهم. # حكى أبو الفضل محمد بن عبد الله البلعمي قال: سمعت الأمير أبا إبراهيم ~~إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يوما للمظالم، وجلس أخي إسحاق ~~إلى جانبي، فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر الفقيه الشافعي، فقمت له إجلالا ~~لعلمه ودينه، فلما خرج عاتبني أخي إسحاق، وقال: أنت أمير خراسان، يدخل عليك ~~رجل من رعيتك فتقوم له، فتذهب السياسة بهذا. # قال: فبت تلك الليلة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام وكأني # PageV06P326 # واقف وأخي إسحاق، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بعضدي فقال ~~لي: يا إسماعيل، ثبت ملكك وملك بيتك لإجلالك لمحمد بن نصر. # ثم التفت إلى إسحاق، وقال: ذهب ملك إسحاق وملك بيته باستخفافه بمحمد بن ~~نصر. # وكان محمد بن نصر هذا من العلماء بالفقه على مذهب الشافعي العاملين ~~بعلمه، المصنفين فيه، وسافر إلى البلاد في طلب العلم، وأخذ العلم بمصر من ~~أصحاب الشافعي يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، ومحمد بن عبد الله ~~بن الحكم، وصحب الحارث المحاسبي، وأخذ عنه علم المعاملة، وبرز فيه أيضا. # ذكر عصيان أهل برقة # وفي هذه السنة عصى أهل برقة على أحمد بن طولون، وأخرجوا أميرهم محمد بن ~~الفرج الفرغاني، فبعث ابن طولون جيشا عليهم غلامه لؤلؤ، وأمره بالرفق بهم، ~~واستعمال اللين، فإن انقادوا وإلا السيف. # فسار العسكر حتى نزلوا على برقة، وحصروا أهلها، وفعلوا ما ms2529 أمرهم من ~~اللين، فطمع أهل برقة، وخرجوا يوما على بعض العسكر، وهم نازلون على باب ~~البلد، فأوقعوا بهم وقتلوا منهم. # فأرسل لؤلؤ إلى صاحبه أحمد يعرفه الخبر، فأمر بالجد في قتالهم، فنصب ~~عليهم المجانيق، وجد في قتلهم، وطلبوا الأمان، فأمنهم، ففتحوا له الباب، ~~فدخل البلد، وقبض على جماعة من رؤسائهم، وضربهم بالسياط وقطع أيدي بعضهم، ~~وأخذ معه جماعة منهم وعاد إلى مصر، واستعمل على برقة عاملا. # ولما وصل لؤلؤ إلى مصر خلع عليه أحمد خلعة فيها طوقان، فوضعها في رقبته، ~~وطيف بالأسرى في البلد. # PageV06P327 # ذكر ولاية إبراهيم بن أحمد إفريقية # في هذه السنة (توفي محمد بن أحمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، سادس جمادى ~~الأولى، وكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما. # ولما حضره الموت عقد لابنه أبي عقال العهد، واستخلف أخاه إبراهيم لئلا ~~ينازعه، وأشهد عليه آل الأغلب ومشايخ القيروان، وأمره أن يتولى الأمر إلى ~~أن يكبر ولده، فلما مات أتى أهل القيروان إبراهيم وسألوه أن يتولى أمرهم، ~~لحسن سيرته، وعدله، فلم يفعل، ثم أجاب، انتقل إلى قصر الإمارة، وباشر ~~الأمور، وقام بها قياما مرضيا) . # وكان عادلا، حازما في (أموره، أمن) البلاد، وقتل أهل البغي والفساد، وكان ~~يجلس للعدل في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين، يسمع شكوى الخصوم، ويصبر ~~عليهم، وينصف بينهم. # وكان القوافل والتجار يسيرون في الطريق آمنين. # وبنى الحصون والمحارس على سواحل البحر، حتى كان يوقد النار من سبتة فيصل ~~الخبر إلى الإسكندرية في الليلة الواحدة، وبنى على سوسة سورا، وعزم على ~~الحج، فرد المظالم، وأظهر الزهد والنسك، وعلم أنه إن جعل طريقه إلى مكة على ~~مصر منعه صاحبها ابن طولون، فتجري بينهما حرب، فيقتل المسلمون، فجعل طريقة ~~على جزيرة صقلية ليجمع بين الحج والجهاد، ويفتح ما بقي من حصونها، فأخرج ~~جميع ما ادخره من المال والسلاح وغير ذلك، وسار إلى سوسة فدخلها وعليه فرو ~~مرقع في زي الزهاد، أول سنة تسع وثمانين ومائتين، وسار منها، في الأسطول، ~~إلى صقلية. # PageV06P328 # وسار إلى مدينة يرطينوا فملكها سلخ ms2530 رجب، وأظهر العدل، وأحسن إلى الرعية، ~~وسار إلى طبرمين، فاستعد أهلها لقتاله، فلما وصل خرجوا إليه والتقوا، فقرأ ~~القارئ: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] فقال الأمير اقرأ: {هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] ، فقرأ فقال: اللهم إني أختصم أنا ~~والكفار إليك في هذا اليوم! وحمل، ومعه أهل البصائر، فهزم الكفار، وقتلهم ~~المسلمون كيف شاءوا، ودخلوا معهم المدينة عنوة، فركب بعض من بها من الروم ~~مراكب فهربوا فيها. # والتجأ بعضهم إلى الحصن وأحاط بهم المسلمون وقاتلوهم، فاستنزلوهم قهرا، ~~وغنموا أموالهم، وسبوا ذراريهم، وذلك لسبع بقين من شعبان، وأمر بقتل ~~المقاتلة، وبيع السبي والغنيمة. # ولما اتصل الخبر بفتح طبرمين إلى ملك الروم عظم عليه، وبقي سبعة أيام لا ~~يلبس التاج، وقال: لا يلبس التاج محزون. # وتحركت الروم، وعزموا على المسير إلى صقلية لمنعها من المسلمين، فبلغهم ~~أنه سائر إلى القسطنطينية، فترك الملك بها عسكرا عظيما، وسير جيشا إلى ~~صقلية. # (وأما الأمير إبراهيم فإنه لما ملك طبرمين بث السرايا في مدن صقلية) التي ~~بيد الروم، وبعث سرية إلى ميقش، وسرية إلى دمنش، فوجدوا أهلها قد أجلوا ~~عنها، فغنموا ما وجدوا بها. # وبعث طائفة إلى رمطة، وطائفة إلى الياج، فأذعن القوم جميعا إلى أداء ~~الجزية، فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقبل منهم غير تسليم الحصون، ففعلوا، ~~فهدمها، وسار إلى كسنتة، فجاءته الرسل منها يطلبون الأمان فلم يجبهم. # PageV06P329 # وكان قد ابتدأ به المرض، وهو علة الذرب، فنزلت العساكر على المدينة، فلم ~~يجدوا في قتالها لغيبه الأمير عنهم، فإنه نزل منفردا لشدة مرضه، وامتنع منه ~~النوم وحدث به الفواق، وتوفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ~~سنة تسع وثمانين ومائتين، فاجتمع أهل الرأي من العسكر أن يولوا أمرهم أبا ~~مضر بن أبي العباس عبد الله ليحفظ العساكر، والأموال، والخزائن، إلى أن يصل ~~إلى ابنه بإفريقية، وجعلوا الأمير إبراهيم في تابوت، وحملوه إلى أفريقية ~~ودفنوه بالقيروان، رحمه الله. # وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وكان عاقلا، حسن السيرة، محبا للخير ~~والإحسان، تصدق بجميع ما ms2531 يملك، ووقف أملاكه جميعها ; وكان له فطنة عظيمة ~~بإظهار خفايا العملات، فمن ذلك أن تاجرا من أهل القيروان كانت له امرأة ~~جميلة صالحة عفيفة، فاتصل خبرها بوزير الأمير إبراهيم، فأرسل إليها، فلم ~~تجبه، فاشتد غرامه بها، وشكا حاله إلى عجوز كانت تغشاه، وكانت أيضا لها من ~~الأمير (منزلة، ومن والدته) منزلة كبيرة وهي موصوفة عندهم بالصلاح، يتبركون ~~بها، ويسألونها الدعاء، فقالت للوزير: # أنا أتلطف بها، وأجمع بينكما. # وراحت إلى بيت المرأة، فقرعت الباب وقالت: قد أصاب ثوبي نجاسة أريد ~~تطهيرها ; فخرجت المرأة ولقيتها (فرحبت بها) وأدخلتها، وطهرت ثوبها، وقامت ~~العجوز تصلي، فعرضت المرأة عليها الطعام، فقالت: # إني صائمة، ولا بد من التردد إليك ; ثم صارت تغشاها، ثم قالت لها: عندي ~~يتيمة أريد أن أحملها إلى زوجها، فإن خف عليك إعارة حليك أجملها به فعلت. # وأحضرت جميع حليها وسلمته إليها، فأخذته العجوز وانصرفت، وغابت أياما، ~~وجاءت إليها، فقالت لها: أين الحلي؟ فقالت: هو عند الوزير، عبرت عليه وهو ~~معي فأخذه مني، وقال لا يسلمه إلا إليك. فتنازعتا، وخرجت العجوز، وجاء ~~التاجر زوج المرأة، فأخبرته الخبر، فحضر دار الأمير إبراهيم، وأخبره ~~بالخبر، فدخل الأمير إلى والدته، وسألها عن العجوز، فقالت: هي تدعو لك ; ~~فأمر بإحضارها ليتبرك بها، فأحضرتها # PageV06P330 # والدته، فلما رآها أكرمها وأقبل عليها، وانبسط معها. # ثم إنه أخذ خاتما من إصبعها، وجعل يقلبه ويعبث به، ثم إنه أحضر خصيا له ~~وقال له: انطلق إلى بيت العجوز، وقل لابنتها تسلم الحق الذي فيه الحلي، ~~وصفته كذا، وهو كذا كذا، وهذا الخاتم علامة منها. # فمضى الخادم، وأحضر الحق، فقال للعجوز: ما هذا؟ فلما رأت الحق سقط في ~~يدها، وقتلها، ودفنها في الدار، وأعطى الحق لصاحبه، وأضاف إليه شيئا آخر، ~~وقال له: أما الوزير فإن انتقمت منه الآن ينكشف الأمر، ولكن سأجعل له ذنبا ~~آخذه به، فتركه مدة يسيرة، وجعل له جرما أخذه به فقتله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل المعتمد على الله الخليفة على أذربيجان محمد بن عمر ~~بن علي بن ms2532 مرا الطائي الموصلي، فسار إليها، وجمع معه جموعا كثيرة من خوارج ~~وغيرهم، وكان على أذربيجان العلاء بن أحمد الأزدي، وهو مفلوج، فخرج في محفة ~~ليمنع محمد بن عمر، فقاتله، فانهزم عسكر العلاء، وأخذ أسيرا، واستولى محمد ~~بن عمر بن علي على قلعة العلاء، وأخذ منها ثلاثة آلاف ألف درهم، ومات ~~العلاء في يده. # وفيها استعمل المعتمد على الله على الموصل الخضر بن أحمد بن عمر بن ~~الخطاب التغلبي الموصلي. # وفيها رجع الحسن بن زيد إلى طبرستان، وأحرق شالوس لممالأة أهلها ليعقوب، ~~وأقطع ضياعهم للديالمة. # وفيها أمر المعتمد بجمع حاج خراسان، والري وطبرستان، وجرجان، وأعلمهم أنه ~~لم يول يعقوب خراسان، ولم يكن دخوله خراسان وأسره محمد بن طاهر بأمره. # وفيها قتل مساور الشاري يحيى بن جعفر الذي كان يلي خراسان، فسار مسرور # PageV06P331 # البلخي في طلبه، وتبعه أبو أحمد، وهو الموفق بن المتوكل، فسار مساور من ~~بين أيديهما فلم يدركاه. # (وفيها هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة، فقصد قلعة الحنش، فملكها، وامتنع ~~بها، فسار إليه محمد صاحب الأندلس، فحصره ثلاثة أشهر، فضاق به الأمر، حتى ~~أكل دوابه، فطلب الأمان، فأمنه محمد، فسار إلى مدينة بطليوس. # وفيها عصى أهل تاكرنا مع أسد بن الحارث بن رافع، فغزاهم جيش محمد صاحب ~~الأندلس، وقاتلهم، فعادوا إلى الطاعة) . # [الوفيات] # وفيها توفي أبو هاشم داود بن سليمان الجعفري. # والحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قاضي القضاة، وكان موته في ~~رمضان. # وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، صاحب " الصحيح ". # وعبد العزيز بن حيان الموصلي، وكان كثير الحديث. # والنضر بن الحسن الفقيه الحنفي، وكان من الموصل أيضا. # PageV06P332 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين] ### | 262 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين # ذكر الحرب بين الموفق والصفار # في هذه السنة، في محرم، سار الصفار من فارس إلى الأهواز، فلما بلغ ~~المعتمد إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبفراج، أطلق من كان في حبسه من ~~أصحاب يعقوب، فإنه كان حبسهم لما أخذ يعقوب محمد بن طاهر بن الحسين. # وعاد ms2533 إسماعيل برسالة من عند يعقوب، (فجلس أبو أحمد ببغداذ، وكان قد أخر ~~مسيره إلى الزنج لما بلغه من خبر يعقوب) ، وأحضر التجار، وأخبرهم بتولية ~~يعقوب خراسان، وجرجان، وطبرستان، والري، وفارس، والشرطة ببغداذ، كان بمحضر ~~من درهم صاحب يعقوب، كان يعقوب قد أرسله يطلب لنفسه ما ذكرنا، وأعاده أبو ~~أحمد إلى يعقوب، ومعه عمر بن سيما، بما أضيف إليه من الولايات. # فعاد الرسل من عند يعقوب يقولون: إنه لا يرضيه ما كتب به دون أن يسير إلى ~~باب المعتمد! وارتحل يعقوب من عسكر مكرم، وسار إليه أبو الساج، وصار معه، ~~فأكرمه، وأحسن إليه ووصله. # فلما سمع المعتمد رسالة يعقوب خرج من سامرا في عساكره، وسار إلى بغداذ، ~~ثم الزعفرانية، فنزلها، وقدم أخاه الموفق، وسار يعقوب من عسكر مكرم إلى ~~واسط، فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة، وارتحل المعتمد من الزعفرانية إلى ~~سيب بني كوما، فوافاه هناك مسرور البلخي عائدا من الوجه الذي كان فيه، وسار ~~يعقوب من واسط إلى دير العاقول ; وسير المعتمد أخاه الموفق في العساكر ~~لمحاربة يعقوب، فجعل الموفق على ميمنته موسى بن بغا، وعلى ميسرته مسرورا ~~البلخي، وقام هو في القلب. # PageV06P333 # والتقيا، فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفق فهزمتها، وقتلت منها جماعة ~~من قوادهم، منهم إبراهيم بن سيما وغيره، ثم تراجع المنهزمون، وكشف أبو أحمد ~~الموفق رأسه، وقال: أنا الغلام الهاشمي! وحمل، وحمل معه سائر عسكره على ~~عسكر يعقوب، فثبتوا، وتحاربوا حربا شديدة، وقتل من أصحاب يعقوب جماعة منهم ~~الحسن الدرهمي، وأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه، ولم تزل الحرب إلى ~~وقت العصر. # ثم وافى أبا أحمد الموفق الديراني، (ومحمد) بن أوس، فاجتمع جميع من بقي ~~في عسكره، وقد ظهر من أصحاب يعقوب كراهة للقتال معه، إذ رأوا الخليفة ~~يقاتله، فحملوا على يعقوب ومن قد ثبت للقتال، فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت ~~يعقوب في خاصة أصحابه، حتى مضوا، وفارقوا موضع الحرب، (وتبعهم أصحاب ~~الموفق) ، فغنموا ما في عسكرهم، وكان فيه من الدواب، والبغال أكثر من عشرة ~~آلاف، ومن ms2534 الأموال ما يكل عن حمله، ومن جرب المسك أمر عظيم، وتخلص محمد بن ~~طاهر، وكان مثقلا بالحديد، وخلع عليه الموفق، وولاه الشرطة ببغداذ بعد ذلك. # وسار يعقوب من الهزيمة إلى خوزستان، فنزل جنديسابور، وراسله العلوي ~~البصري يحثه على الرجوع إلى بغداذ، ويعده المساعدة، فقال لكاتبه: اكتب ~~إليه: {قل ياأيها الكافرون - لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1 - 2] السورة، ~~وسير الكتاب إليه. # وكانت الواقعة لإحدى عشرة خلت من رجب ; وكتب المعتمد إلى ابن واصل ~~بتوليته فارس، وكان قد سار إليها وجمع جماعة فغلب عليها، فسير إليه يعقوب ~~عسكرا عظيما عليهم ابن عزيز بن السري إلى فارس، واستولى عليها، ورجع ~~المعتمد إلى سامرا. # وأما أبو أحمد الموفق فإنه سار إلى واسط ليتبع الصفار، وأمر أصحابه ~~بالتجهز لذلك، فأصابه مرض، فعاد إلى بغداذ ومعه مسرور، وقبض ما لأبي الساج ~~من الضياع، # PageV06P334 # والمنازل، وأقطعها مسرورا البلخي، وقدم محمد بن طاهر بغداذ. # ذكر أخبار الزنج # وفيها نفذ قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودست ميسان. # وكان سبب ذلك أن تلك النواحي، لما خلت من العساكر السلطانية بسبب عود ~~مسرور لحرب يعقوب، بث صاحب الزنج سراياه فيها، تنهب، وتخرب. # وأتته الأخبار بخلو البطيحة من جند السلطان، فأمر سليمان بن جامع، وجماعة ~~من أصحابه بالمسير إلى الحوانيت، وسليمان بن موسى بالمسير إلى القادسية. # وقدم ابن التركي في ثلاثين شذاة يريد عسكر الزنج، فنهب، وأحرق، فكتب ~~الخبيث إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه من العبور، فأخذ سليمان عليه ~~الطريق، فقاتلهم شهرا حتى تخلص، وانحاز سليمان بن جامع من مذكوري البلالية، ~~وأنجادهم، جمع كثير في خمسين ومائة سميرية، وكان مسرور قد وجه قبل مسيره عن ~~واسط إلى المعتمد جماعة من أصحابه إلى سليمان في شذوات، فظفر بهم سليمان ~~وهزمهم، وأخذ منهم سبع شذوات وقتل من أسر منهم. # وأشار الباهليون على سليمان أن يتحصن في عقر، ما وراء طهثا، والأدغال ~~التي فيها، كرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله، وخافوا السلطان، فسار إليه، ~~فنزل بقرية مروان، بالجانب الشرقي من نهر طهثا، وجمع ms2535 إليه رؤساء الباهليين، ~~وكتب إلى الخبيث يعلمه بما صنع، فكتب إليه يصوب رأيه، ويأمر بإنفاذ ما عنده ~~من ميرة ونعم، فأنفذ ذلك إليه. # وورد على سليمان أن أغرتمش، وحشيشا قد أقبلا في الخيل والرجال، # PageV06P335 # والسميريات، والشذا يريدون حربه، فجزع جزعا شديدا ; فلما أشرفوا عليه ~~ورآهم أخذ جمعا من أصحابه وسار راجلا، واستدبر أغرتمش، وجد أغرتمش في ~~المسير إلى عسكر سليمان، وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه من جيشه أن لا ~~يظهر منهم أحد لأصحاب أغرتمش، وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن يسمعوا ~~أصوات طبولهم، فإذا سمعوها خرجوا عليه. # وأقبل أغرتمش إليهم، فجزع أصحاب سليمان جزعا عظيما، فتفرقوا، ونهضت شرذمة ~~منهم، فواقعوهم، وشغلوهم عن دخول العسكر، وعاد سليمان من خلفهم، وضرب ~~طبوله، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم، فانهزم أغرتمش وظهر من كان من ~~السودان بطهثا، ووضعوا السيوف فيهم، وقتل حشيش، وانهزم أغرتمش، وتبعه ~~الزنوج إلى عسكره، فنالوا حاجاتهم منه، وأخذوا منهم شذوات فيها مال، وغيره، ~~فعاد أغرتمش فانتزعها من أيديهم، فعاد سليمان وقد ظفر وغنم، وكتب إلى صاحب ~~(الزنج بالخبر، وسير إليه رأس حشيش، فسيره إلى علي بن أبان، وهو بنواحي) ~~الأهواز، وسير سليمان سرية، فظفروا بإحدى عشرة شذاة، وقتلوا أصحابها. # ذكر وقعة للزنج عظيمة انهزموا فيها # وفيها كانت وقعة للزنوج مع أحمد بن ليثويه ; وكان سببها أن مسرورا البلخي ~~وجه أحمد بن ليثويه إلى كور الأهواز، فنزل السوس، وكان يعقوب الصفار قد قلد ~~محمد بن عبيد الله بن هزارمرد الكردي كور الأهواز، فكاتب محمدا قائد الزنج ~~يطمعه في الميل إليه، وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز. # وكان محمد يكاتبه قديما، وعزم على مداراة الصفار، وقائد الزنج، حتى ~~يستقيم الأمر فيها، فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما طلب على أن يكون علي بن ~~أبان المتولي للبلاد، ومحمد بن عبيد الله يخلفه عليها، فقبل محمد ذلك، فوجه ~~إليه علي بن أبان جيشا كثيرا، وأمدهم محمد بن عبيد الله، فساروا نحو السوس، ~~فمنعهم أحمد بن ليثويه ومن معه من جند الخليفة ms2536 عنها، وقاتلهم فقتل منهم ~~خلقا كثيرا، وأسر جماعة. # وسار أحمد حتى نزل سابور، وسار علي بن أبان من الأهواز ممدا محمد بن # PageV06P336 # عبيد الله على أحمد بن ليثويه، فلقيه محمد في جيش كثير من الأكراد، ~~والصعاليك، ودخل محمد تستر، فانتهى إلى أحمد بن ليثويه الخبر بتضافرهما على ~~قتاله، فخرج عن جنديسابور إلى السوس. # وكان محمد قد وعد علي بن أبان أن يخطب لصاحبه قائد الزنج يوم الجمعة على ~~منبر تستر، فلما كان يوم الجمعة خطب للمعتمد، وللصفار، فلما علم علي بن ~~أبان ذلك انصرف إلى الأهواز، وهدم قنطرة كانت هناك لئلا تلحقه الخيل، ~~فانتهى أصحاب علي إلى عسكر مكرم فنهبوها، وكانت داخلة في سلم الخبيث، ~~فغدروا بها وساروا إلى الأهواز. # فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر، فواقع محمد بن عبيد الله ومن معه، ~~فانهزم محمد بن عبيد الله، ودخل أحمد تستر. # وأتت الأخبار علي بن أبان بأن أحمد على قصدك، فسار إلى لقائه ومحاربته، ~~فالتقيا، واقتتل العسكران، فاستأمن إلى أحمد جماعة من الأعراب الذين مع علي ~~بن أبان، فانهزم باقي أصحاب علي، وثبت معه جماعة يسيرة، واشتد القتال، ~~وترجل علي بن أبان، وباشر القتال راجلا، فعرفه بعض أصحاب أحمد فأنذر الناس ~~به، فلما عرفوه انصرف هاربا، وألقى نفسه في المسرقان، فأتاه بعض أصحابه ~~بسميرية، فركب فيها ونجا مجروحا، وقتل من أبطال أصحابه جماعة كثيرة. # ذكر أخبار أحمد بن عبد الله الخجستاني # كان أحمد بن عبد الله الخجستاني من خجستان، وهي من جبال هراة، من أعمال ~~باذغيس، وكان من أصحاب محمد بن طاهر، فلما استولى يعقوب بن الليث على ~~نيسابور، على ما ذكرناه، ضم أحمد إليه، وإلى أخيه علي بن الليث، وكان بنو ~~شركب ثلاثة إخوة: إبراهيم، وأبو حفص يعمر، وأبو طلحة منصور، بنو مسلم، وكان ~~أسنهم إبراهيم، وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعة الحسن بن زيد ~~بجرجان، فقدمه، # PageV06P337 # فدخل عليه يوما نيسابور، وهو يوم في برد شديد، فخلع عليه يعقوب وبر سمور ~~كان على كتفه، فحسده عليه ms2537 الخجستاني فقال له: إن يعقوب يريد الغدر بك ; ~~لأنه لا يخلع على أحد من خاصته خلعة إلا غدر به. # فغم ذلك إبراهيم، وقال: كيف الحيلة في الخلاص؟ قال: الحيلة أن نهرب جميعا ~~إلى أخيك يعمر، فإني خائف عليه أيضا. وكان يعمر قد حاصر أبا داود الناهجوزي ~~ببلخ، ومعه نحو من خمسة آلاف رجل، فاتفقا على الخروج ليلتهم، فسبقه إبراهيم ~~إلى الموعد، فانتظره ساعة فلم يره، فسار نحو سرخس، وذهب الخجستاني إلى ~~يعقوب فأعلمه، فأرسله في أثره، فلحقوه بسرخس فقتلوه، ومال يعقوب إلى ~~الخجستاني. # فلما أراد يعقوب العود إلى سجستان استخلف على نيسابور عزيز بن السري، ~~وولى أخاه عمرو بن الليث هراة، فاستخلف عمرو عليها طاهر بن حفص الباذغيسي. # وسار يعقوب إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين، وأحب الخجستاني التخلف ~~لما كان يحدث به نفسه، فقال لعلي بن الليث: إن أخويك قد اقتسما خراسان، ~~وليس لك بها من يقوم بشغلك، فيجب أن تردني إليها لأقوم بأمورك ; فاستأذن ~~أخاه يعقوب في ذلك، فأذن له، فلما حضر أحمد يودع يعقوب أحسن له القول، ورده ~~وخلع عليه، فلما ولى عنه قال يعقوب: أشهد أن قفاه قفا مستعص، وأن هذا آخر ~~عهدنا بطاعته. فلما فارقهم جمع نحوا من مائة رجل فورد بهم بشت نيسابور، ~~فحارب عاملها، وأخرجه عنها، وجباها، ثم خرج إلى قومس، فقتل ببسطام مقتلة ~~عظيمة، وتغلب عليها وذلك سنة إحدى وستين ومائتين. # وسار إلى نيسابور، وبها عزيز بن السري، فهرب عزيز، وأخذ أحمد أثقاله، ~~واستولى على نيسابور يدعو إلى الطاهرية، وذلك أول سنة اثنتين وستين ~~ومائتين، وكتب إلى رافع بن هرثمة يستقدمه، فقدم عليه، فجعله صاحب جيشه، ~~وكتب إلى يعمر بن شركب، وهو يحاصر بلخ، يستقدمه ليتفقا على تلك البلاد، فلم ~~يثق إليه يعمر لفعله # PageV06P338 # بأخيه، وسار يعمر إلى هراة، فحارب طاهر بن حفص فقتله، واستولى على أعمال ~~طاهر، فسار إليه أحمد، فكانت بينهما مناوشات. # وكان أبو طلحة بن شركب غلاما من أحسن الغلمان، وكان عبد الله بن بلال ~~يميل إليه، وهو أحد ms2538 قواد يعمر، فراسل الخجستاني، وأعلمه أنه يعمل ضيافة ~~ليعمر وقواده، ويدعوهم إليه يوما ذكره. ويأمره بالنهوض إليهم فيه، فإنه ~~يساعده، وشرط عليه أن يسلم إليه أبا طلحة، فأجابه أحمد إلى ذلك، فصنع ابن ~~بلال طعاما، ودعا يعمر، وأصحابه، وكبسهم أحمد، وقبض على يعمر، وسيره إلى ~~نائبه بنيسابور فقتله، واجتمع إلى أبي طلحة جماعة من أصحاب أخيه فقتلوا ابن ~~بلال، وساروا إلى نيسابور وكان بها الحسين بن طاهر أخو محمد بن طاهر قد ~~وردها من أصبهان، طمعا أن يخطب لهم أحمد كما كان يظهره من نفسه، فلم يفعل، ~~فخطب له أبو طلحة بها، وأقام معه، فسار إليه الخجستاني من هراة في اثني عشر ~~ألف عنان، فأقام على ثلاث مراحل من نيسابور، ووجه أخاه العباس إليها، فخرج ~~إليه أبو طلحة، فقاتله، فقتل العباس وانهزم أصحابه. # فلما بلغ خبرهم إلى أحمد عاد إلى هراة، ولم يعلم لأخيه خبرا، فبذل ~~الأموال لمن يأتيه بخبره، فلم يقدم أحد على ذلك، وأجابه رافع بن هرثمة ~~إليه، فاستأمن إلى أبي طلحة فأمنه وقربه، ووثق إليه، وتحقق رافع خبر ~~العباس، فأنهاه إلى أخيه أحمد، وأنفذه أبو طلحة إلى بيهق، وبست ليجبي ~~أموالها لنفسه، وضم إليه قائدين، فجبى رافع الأموال، وقبض على القائدين، ~~وسار إلى الخجستاني، إلى قرية من قرى خواف، فنزلها وبها حلي بن يحيى ~~الخارجي، فنزل ناحية عنه. # فبلغ الخبر إلى أبي طلحة، فركب مجدا، فوصل إليهم ليلا، فأوقع بحلي، ~~وأصحابه، وهو يظنه رافعا، وهرب رافع سالما، وعلم أبو طلحة بحال حلي بعد حرب ~~شديدة، فكف عنه، وأحسن إليه وإلى أصحابه. # PageV06P339 # ثم وجه أبو طلحة جيشا إلى جرجان، وبها ثابت بن الحسن بن زيد، ومعه ~~الديلم، وكان على جيش أبي طلحة إسحاق الشاري، فحاربوا الديلم بجرجان، ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأجلوهم عنها، وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ~~ومائتين. # ثم عصى إسحاق على أبي طلحة، فسار إليه أبو طلحة، واشتغل في طريقه باللهو ~~والصيد، فكبسه إسحاق وقتل أصحابه، وانهزم أبو طلحة إلى نيسابور، فاستضعفه ~~أهلها، فأخرجوه منها، ms2539 فنزل على فرسخ عنها، وجمع جمعا وحاربهم، ثم افتعل ~~كتابا عن أهل نيسابور إلى إسحاق، يستقدمونه إليهم، ويعدونه المساعدة على ~~أبي طلحة، فاغتر إسحاق بذلك، وكتب أبو طلحة عن إسحاق كتابا إلى أهل نيسابور ~~يعدهم أنه يساعدهم على أبي طلحة، ويأمرهم بحفظ الدروب، وترك مقاربة البلد ~~إلى أن يوافيهم، فاغتروا بذلك، وظنوه كتابه، ففعلوا ما أمرهم. # وسار إسحاق مجدا، فلما قارب نيسابور لقيه أبو طلحة، فغافصه، فطعنه أبو ~~طلحة، فألقاه عن فرسه في بئر هناك، فلم يعلم له خبر، وانهزم أصحابه، ودخل ~~بعضهم إلى نيسابور، وضيق عليهم أبو طلحة، فكاتبوا الخجستاني، واستقدموه من ~~هراة، فأتاهم في يومين وليلتين، وورد عليهم ليلا، ففتحوا له الأبواب، ~~ودخلها وسار عنها أبو طلحة إلى الحسن بن زيد، فأمده بجنود، فعاد إلى ~~نيسابور، فلم يظفر بشيء، فسار إلى بلخ، وحصر أبا داود الناهجوزي، واجتمع ~~معه خلق كثير، وذلك سنة خمس، (وقيل ست) وستين ومائتين. # وسار الخجستاني إلى محاربة الحسن بن زيد لمساعدته أبا طلحة، فاستعان ~~الحسن بأهل جرجان، فأعانوه، فحاربهم الخجستاني فهزمهم، وأغار عليهم، وجباهم ~~أربعة آلاف ألف درهم، وذلك في رمضان سنة خمس وستين [ومائتين] . # واتفق أن يعقوب بن الليث توفي سنة خمس وستين [ومائتين] أيضا، وولي مكانه ~~أخوه عمرو، فعاد إلى سجستان وقصد هراة، فعاد الخجستاني من جرجان إلى ~~نيسابور، ووافاه عمرو بن الليث، فاقتتلا، وانهزم عمرو ورجع إلى هراة، وأقام ~~أحمد بنيسابور. # وكان كيكان، وهو يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي، وجماعة من المتطوعة # PageV06P340 # والفقهاء بنيسابور يميلون إلى عمرو لتولية السلطان إياه، فرأى الخجستاني ~~أن يوقع بينهم ليشتغل بعضهم ببعض، وأحضر منهم جماعة من الفقهاء القائلين ~~بمذاهب أهل العراق، فأحسن إليهم، وقربهم، وأكرمهم، وأظهروا الخلاف على ~~كيكان، ونابذوه. # وكان كيكان يقول بمذهب أهل المدينة، فكفي شرهم، وسار إلى هراة فحصر بها ~~عمرو بن الليث سنة سبع وستين [ومائتين] ، فلم يظفر بشيء، فسار نحو سجستان ~~فحصر في طريقه رمل سي فلم يظفر بشيء منها، فاحتال حتى استمال رجلا قطانا ~~كانت داره إلى جانب ms2540 السور، ووعده أن ينقب من العسكر إلى داره، ويخرج أصحابه ~~إلى البلد، فاستأمن رجلان من البلد من أصحاب الخجستاني، وذكرا الخبر ~~لصاحبه، فأخذ القطان وأخربت داره، وبطل ما كان الخجستاني عزم عليه. # وكان خليفة الخجستاني بنيسابور قد أساء السيرة، وقوى العيارين وأهل ~~الفساد، فاجتمع الناس إلى كيكان، فثار على نائبه، وأعانهم عمرو بن الليث ~~بجنده، فقبضوا على خليفة الخجستاني، وأقام أصحاب عمرو بنيسابور، فبلغ الخبر ~~إلى أحمد، فوافى نيسابور، فخرج عنها كيكان (وغيره، فردهم أصحاب أحمد ~~الخجستاني، فقتل منهم جماعة، وغيب كيكان) ، فلم يظهر إلا بعد مدة ميتا، وقد ~~بنى عليه حائطا فمات فيه. # وأقام أحمد بنيسابور تمام سنة سبع وستين ومائتين. ثم إن عمرا كاتب أبا ~~طلحة، وهو يحاصر بلخ، يستقدمه إلى هراة، فأتاه، فأكرمه، وأعطاه مالا عظيما، ~~ووعده وتركه بخراسان، وعاد إلى سجستان ; فسار أحمد إلى سرخس، وبها عامل ~~عمرو، فأتاه أبو طلحة، فقاتله، فانهزم أبو طلحة، ومر على وجهه، # PageV06P341 # وسار أحمد خلفه، فلحقه بخلم فحاربه، فهزمه أيضا، وسار نحو سجستان، وأقام ~~أحمد بطخارستان. # (وكان ناسرار) عباس القطان قد أتى طلحة، فسار نحو نيسابور، فأعانه أهلها، ~~فأخذوا والدة الخجستاني، وما كان معها ; (وأقام بنيسابور، ولحق به أبو ~~طلحة، فمنعه أهل نيسابور من دخولها) . # واتصل الخبر بالخجستاني، وهو بطايكان من طخارستان، فسار مجدا نحو ~~نيسابور. # ولما أيس الطاهرية من الخجستاني، وكان أحمد بن محمد بن طاهر بخوارزم ~~واليا عليها، أنفذ أبا العباس النوفلي في خمسة آلاف رجل ليخرج أحمد من ~~نيسابور، فبلغ خبره أحمد، فأرسل إليه ينهاه عن سفك الدماء، فأخذ النوفلي ~~الرسل، فأمر بضربهم، وحلق لحاهم، وأراد قتلهم، فبينما هم يطلبون الجلادين، ~~والحجامين ليحلقوا لحاهم، أتاهم الخبر بقرب جيش أحمد منهم، فاشتغلوا، ~~وتركوا الرسل، فهربوا إلى أحمد، وأعلموه الخبر، فعبأ أصحابه، وحملوا على ~~النوفلي حملة رجل واحد، فأكثروا فيهم القتل، وقبضوا على النوفلي، وأحضروه ~~عنده، فقال له: إن الرسل لتختلف إلى بلاد الكفار، فلا تتعرض لهم، أفلا ~~استحييت أن تأمر في رسلي بما أمرت؟ فقال النوفلي: أخطأت ; فقال: ms2541 لكني سأصيب ~~في أمرك! ثم أمر به فقتل. # وبلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بمرو قد جبى أهلها في سنتين خمسة عشر ~~خراجا، فسار إليه في أبيورد في يوم وليلة، فأخذه من على فراشه، وأقام بمرو، ~~فجبى خراجها، ثم ولاها موسى البلخي، ثم وافاها الحسين بن طاهر، فأحسن فيهم ~~السيرة، ووصل إليه نحو عشرين ألف ألف درهم. # ذكر قتل الخجستاني # لما كان الخجستاني بطخارستان وافاه خبر أخذ والدته من نيسابور، وسار ~~مجدا، # PageV06P342 # فلما قارب هراة أتاه غلام لأبي طلحة، يعرف بينال ده هزار، مستأمنا، فأتاه ~~خبره قبل وصوله، وكان للخجستاني غلام اسمه رامجور على خزائنه، فقال له ~~كالممازح له: إنه سيدك ينال ده هزار قد استأمن إلي، كما علمت، فانظر كيف ~~يكون برك به، فحقدها عليه رامجور، وخاف أن يقدم ذلك الغلام عليه، ويطلب ~~الفرصة ليقتله. # وكان لأحمد غلام [يدعى] قتلغ، وهو على شرابه، فسقاه يوما، فرأى في الكوز ~~شيئا، فأمر به فقلعت إحدى عينيه، فتواطأ قتلغ ورامجور على قتله، فشرب يوما ~~بنيسابور عند وصوله من طايكان، فسكر ونام، فتفرق عنه أصحابه، فقتله رامجور، ~~وقتلغ، وكان قتله في شوال سنة ثمان وستين ومائتين، وأخذ رامجور خاتمه ~~فأرسله إلى الإصطبل يأمرهم بإسراج عدة دواب، ففعلوا، فسير عليها جماعة إلى ~~أبي طلحة وهو بجرجان يعلمه الحال، ويأمره بالقدوم، ثم أغلق رامجور الباب ~~على أحمد، واختفى. # وبكر القواد إلى باب أحمد، فوجدوا باب حجرته مغلقا، فانتظروه ساعة طويلة، ~~فرابهم الأمر، ففتحوا الباب فرأوه مقتولا، فبحثوا عن الحال، وأخبرهم صاحب ~~الإصطبل خبر رامجور في إنفاذ الخاتم، فطلبوه فلم يجدوه، ثم وجدوه بعد مدة. # وكان سبب اطلاعهم عليه أن صبيا من أهل تلك الدار التي هو بها طلب نارا، ~~فقيل له: ما تعملون بالنار في اليوم الحار؟ فقيل: نتخذ طعاما للقائد، قيل: ~~ومن القائد؟ قال: رامجور، فأنهوا خبره إلى بعض القواد، فأخذوه، وقتلوه. # واجتمع أصحاب أحمد بعد قتله على رافع بن هرثمة. # وسنذكر أخبار رافع سنة ثمان وستين ومائتين. # وكان أحمد بن عبد الله، ms2542 لما عاد من طايكان بعد قتل والدته، نصب رمحا ~~طويلا في صحن داره وقال: يحتاج أهل نيسابور أن يضعوا الدر حتى يغمروا هذا ~~الرمح، فخافوا منه، واستخفى جمع من الرؤساء والتجار، وفزع الناس إلى ~~الدعاء، وسألوا أبا عثمان، وغيره من أصحاب أبي حفص الزاهد أن يتضرعوا إلى ~~الله تعالى ليفرج عنهم، وفعلوا، فتداركهم الله برحمته، فقتل تلك الليلة، ~~وفرج الله عنهم. # PageV06P343 # وكان أحمد كريما، جوادا، شجاعا، حسن العشرة، كثير البر لإخوانه الذين ~~صحبوه قبل إمارته، والإحسان إليهم، ولم يتغير لهم عما كان يفعله من التواضع ~~والآداب. # ذكر عدة حوادث # (وفيها ولي القضاء علي بن) محمد [بن] أبي الشوارب. # وفيها سار الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى الجبل في صفر. # وفيها مات الصلاني والي الري، ووليها كيغلغ. # وفيها نهب ابن زيدويه الطبيب. # ومات صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور. # وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداذ، فصار له قضاء ~~الجانبين. # وفيها تنافر أبو أحمد الموفق، وأحمد بن طولون أمير ديار مصر، وصار به ~~بينهما وحشة مستحكمة، وتطلب الموفق من يتولى الديار المصرية، فلم يجد أحدا ~~; لأن ابن طولون كانت خدمه وهداياه متصلة إلى القواد بالعراق، وأرباب ~~المناصب، فلم يجد من يتولاها، فكتب إلى ابن طولون يهدده بالعزل، فأجابه ~~جوابا (فيه بعض الغلظة، فسير إليه الموفق موسى بن بغا في جيش كثيف، فسار ~~إلى الرقة) . # وبلغ الخبر ابن طولون، فحصن الديار المصرية، وأقام ابن بغا عشرة أشهر ~~بالرقة، # PageV06P344 # ولم يمكنه المسير لقلة الأموال معه، وطالبه الأجناد بالعطاء، فلم يكن معه ~~ما يعطيهم، فاختلفوا عليه، وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان، فاستتر، ~~واضطر ابن بغا إلى العود إلى العراق، وكفى الله أحمد بن طولون شره فتصدق ~~بأموال كثيرة. # وفيها قتل محمد بن عتاب، وكان سائرا إلى السيبين، وهي في ولايته، فقتله ~~الأعراب. # وفيها قتل القطان صاحب مفلح، وكان عاملا بالموصل، فانصرف عنها، فقتل ~~بالرقة. # وفيها عقد لكفتمر علي بن الحسين بن داود على طريق مكة. # وفيها وقع ms2543 بين الخياطين، والجزارين بمكة قتال يوم التروية، حتى خاف الناس ~~أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس، وقد قتل منهم سبعة عشر رجلا. # وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد. # (وفيها سير محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى الجليقي، وكان ~~بمدينة بطليوس، فلما سمع خبرهم فارقها، ودخل حصن كركر، فحوصر فيه، وكثر ~~القتل في أصحابه في شوال) . # [الوفيات] # وفيها مات عمر بن شبة النميري الإخباري، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين ~~ومائة. # PageV06P345 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين] ### | 263 - # 263 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين # ذكر وقعة الزنج # لما انهزم علي بن أبان جريحا، كما ذكرناه، وعاد إلى الأهواز لم يقم بها، ~~ومضى إلى عسكر صاحبه يداوي جراحه، واستخلف على عسكره بالأهواز، فلما برأ ~~جرحه عاد إلى الأهواز، ووجه أخاه الخليل بن أبان في جيش كثيف إلى أحمد بن ~~ليثويه، وكان أحمد بعسكر مكرم، فكمن لهم أحمد، وخرج إلى قتالهم، فالتقى ~~الجمعان، واقتتلوا أشد قتال، وخرج الكمين على الزنج فانهزموا، وتفرقوا، ~~وقتلوا، ووصل المنهزمون إلى علي بن أبان، فوجه مسلحة إلى المسرقان، فوجه ~~إليهم أحمد ثلاثين فارسا من أصحابه، من أعيانهم، فقتلهم الزنج جميعهم. # ذكر استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها # وفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلما بلغ النوبندجان انصرف أحمد بن ~~الليث عن تستر، فلما بلغ يعقوب جنديسابور ونزلها، ارتحل عن تلك الناحية كل ~~من بها من عسكر الخليفة، ووجه إلى الأهواز رجلا من أصحابه يقال [له] الخضر ~~بن العنبر، فلما قاربها خرج عنها علي بن أبان ومن معه من الزنج، فنزل نهر ~~السدرة، ودخل الخضر الأهواز، وجعل أصحابه، وأصحاب علي بن أبان يغير بعضهم ~~على بعض، ويصيب بعضهم من بعض، إلى أن استعد علي بن أبان وسار إلى الأهواز، ~~فأوقع بالخضر ومن معه وقعة قتل فيها من أصحاب الخضر خلقا كثيرا، وأصاب ~~الغنائم الكثيرة، وهرب الخضر ومن معه إلى عسكر مكرم. # وأقام علي بالأهواز ليستخرج ما كان فيها، ورجع ms2544 إلى نهر السدرة، وسير ~~طائفة إلى # PageV06P346 # دورق، وأوقعوا بمن كان هناك من أصحاب يعقوب، وأنفذ يعقوب إلى الخضر مددا، ~~وأمره بالكف عن قتال الزنج، والاقتصار على المقام بالأهواز، فلم يجبهم علي ~~إلى ذلك دون نقل طعام كان هناك، فأجابه يعقوب إليه، فنقله، وترك العلف الذي ~~كان بالأهواز وكف بعضهم عن بعض. # ذكر ملك الروم لؤلؤة # وفيها سلمت الصقالبة لؤلؤة إلى الروم ; وكان سبب ذلك أن أحمد بن طولون قد ~~أدمن الغزو بطرسوس قبل أن يلي مصر، فلما ولي مصر كان يؤثر أن يلي طرسوس ~~ليغزو منها أميرا، فكتب إلى أبي أحمد الموفق يطلب ولايتها، فلم يجبه إلى ~~ذلك، واستعمل عليها محمد بن هارون التغلبي، فركب في سفينة في دجلة فألقتها ~~الريح إلى الشاطئ، فأخذه أصحاب مساور الشاري فقتلوه، واستعمل عوضه محمد بن ~~علي الأرمني، وأضيف إليه أنطاكية، فوثب به أهل طرسوس فقتلوه، فاستعمل عليها ~~(أرخوز بن يولغ) بن طرخان التركي، فسار بها، وكان غرا جاهلا، فأساء السيرة، ~~وأخر عن أهل لؤلؤة أرزاقهم وميرتهم، فضجوا من ذلك، وكتبوا إلى أهل طرسوس ~~يشكون منه ويقولون: إن لم ترسلوا إلينا أرزاقنا وميرتنا وإلا سلمنا القلعة ~~إلى الروم. # فأعظم ذلك أهل طرسوس وجمعوا من بينهم خمسة عشر ألف دينار ليحملوها إليهم، ~~فأخذها أرخوز ليحملها إلى أهل لؤلؤة، فأخذها لنفسه. # فلما أبطأ عليهم المال سلموا القلعة إلى الروم، فقامت على أهل طرسوس ~~القيامة ; لأنها كانت شجا في حلق العدو، ولم يكن يخرج للروم في بر أو بحر ~~إلا رأوه، وأنذروا به ; واتصل الخبر بالمعتمد، فقلدها أحمد بن طولون، ~~واستعمل عليها من يقوم بغزو الروم ويحفظ ذلك الثغر. # PageV06P347 # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة مات مساور الشاري، وكان قد رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر ~~قد سار إليه من عند الخليفة، فكتب أصحابه إلى محمد بن خرزاد، وهو بشهرزور ~~ليولوه أمرهم فامتنع، وكان كثير العبادة، فبايعوا أيوب بن حيان الوارقي ~~البجلي، فأرسل إليهم محمد بن خرزاد ليذكر لهم أنه نظر في أمره، فلم يسعه ~~إهمال الأمر ms2545 ; لأن مساورا عهد إليه، فقالوا له: قد بايعنا هذا الرجل ولا ~~نغدر به ; فسار إليهم فيمن بايعه، فقاتلهم، فقتل أيوب بن حيان، فبايعوا ~~بعده محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام، فقتل أيضا، فبايع ~~أصحابه هارون بن عبد الله البجلي، فكثر أتباعه، وعاد عنه ابن خرزاد، ~~واستولى هارون على أعمال الموصل، وجبى خراجه. # وفيها كانت وقعة بين موسى والأعراب، فوجه الموفق ابنه أبا العباس المعتضد ~~في جماعة من قواده في طلب الأعراب. # وفيها وثب الديراني بابن أوس، فكبسه ليلا، فتفرق عسكره، ونهبه، ومضى ابن ~~أوس إلى واسط. # وفيها ظفر أصحاب يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل، فأسروه. # وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المعتمد سقط بالميدان من ~~صدمة خادم له، فسال دماغه من منخريه، وأذنه، فمات لوقته، وصلى عليه الموفق، ~~ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فقدم موسى بن بغا سامرا، ~~فاختفى الحسن، واستوزر مكانه سليمان بن وهب، ودفعت دار عبيد الله إلى ~~كيغلغ. # وفيها أخرج (أخو) شركب الحسين بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليها، وأخذ # PageV06P348 # أهله بإعطائه ثلث أموالهم، وسار الحسين إلى مرو وبها ابن خوارزم شاه يدعو ~~لمحمد بن طاهر. # (وفيها سير محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش كثير، وجعل طريقه على ~~ماردة، فلما جاز ماردة إلى أرض العدو تبعه تسعمائة فارس من العسكر، فخرج ~~عليهم جمع كثير من المشركين قد استظهر، فاقتتلوا قتالا كثيرا صبروا فيه، ~~وقتل من المشركين عدد كثير، ثم استظهر ابن الجليقي، ومن معه من المشركين ~~على السبعمائة، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، أكرمهم الله بالشهادة. # وفيها ابتدأ إبراهيم أمير إفريقية ببناء مدينة رقادة) . # [الوفيات] (وفيها توفي أحمد بن حرب الطائي الموصلي أخو علي بن حرب، توفي ~~بآذنة من بلد الثغر) . # PageV06P349 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين] ### | 264 - # ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين # ذكر أسر عبد الله بن كاوس # في هذه السنة أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاوس. # وكان سبب ذلك ms2546 أنه دخل بلد الروم في أربعة آلاف من أهل الثغور الشامية، ~~فغنم وقتل، فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية، وبطريق قرة كوكب، ~~وخرشنة، فأحدقوا بالمسلمين، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابهم وقاتلوا، فقتلوا ~~إلا خمسمائة، فإنهم حملوا حملة رجل واحد، ونجوا على دوابهم، وقتل الروم من ~~قتلوا، وأسروا عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته، وحمل إلى ملك الروم. # ذكر أخبار الزنج هذه السنة ودخولهم واسط # قد ذكرنا سنة اثنتين وستين ومائتين مسير سليمان بن جامع إلى البطائح، وما ~~كان منه مع أغرتمش، فلما أوقع به كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ~~ليحدث به عهدا، ويصلح أمور منزله، (فأذن له في ذلك) ، فأشار عليه الجبائي ~~أن يتطرق إلى عسكرتكين البخاري، وهو ببردود، فقبل قوله، وسار إلى تكين، ~~فلما كان على فرسخ منه قال له الجبائي: الرأي أن تقيم أنت ها هنا، وأمضي ~~أنا في السميريات، وأجر القوم إليك، فيأتونك وقد تعبوا، فتنال منهم حاجتك. # ففعل سليمان ذلك، وجعل بعض أصحابه كمينا، ومضى الجبائي إلى تكين، # PageV06P350 # فقاتله ساعة، ثم تطارد لهم، فتبعوه، فأرسل سليمان يعلمه ذلك، وقال ~~لأصحابه، وهو بين يدي أصحاب تكين شبه المنهزم، ليسمع أصحاب تكين قوله ~~فيطمعوا فيه: غررتموني، وأهلكتموني، وكنت نهيتكم عن الدخول ههنا، فأبيتم، ~~ولا أرانا ننجو منه. # وطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه، وجعلوا ينادون: بلبل في قفص، فما زالوا ~~كذلك حتى جازوا موضع الكمين، وقاربوا عسكر سليمان، وقد كمن أيضا خلف جدر ~~هناك، فخرج سليمان إليهم في أصحابه فقاتلهم، وخرج الكمين من خلفهم، وعطف ~~الجبائي على من في النهر، فاشتد القتال فانهزم أصحاب تكين من الوجوه كلها، ~~وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم أكثر من ثلاثة فراسخ، وعادوا عنهم. # فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم، فكبسوهم، فقاتلهم تكين ~~وأصحابه، فانكشف سليمان، ثم عبأ أصحابه، فأمر طائفة أن تأتيهم من جهة ذكرها ~~لهم، وطائفة من الماء، وأتى هو في الباقين، فقصدوا تكين من جهاته كلها، فلم ~~يقف من أصحابه أحد، وانهزموا، وتركوا عسكرهم، ms2547 فغنم الزنج ما فيه، وعادوا ~~بالغنيمة، واستخلف سليمان الجبائي على عسكره، وسار إلى صاحبه، وكان ذلك سنة ~~ثلاث وستين ومائتين. # فلما سار سليمان إلى الخبيث خرج الجبائي بالعسكر الذي خلفه سليمان معه ~~إلى مازوران لطلب الميرة، فاعترضه جعلان، فقاتله، فانهزم الجبائي، وأخذت ~~سفنه، وأتته الأخبار أن منجورا ومحمد بن علي بن حبيب اليشكري قد بلغا ~~الحجاجية، فكتب إلى صاحبه بذلك، فسير إليه سليمان، فوصل إلى طهثا مجدا، ~~وأظهر أنه يريد قصد جعلان، وقدم الجبائي، وأمره أن يأتي جعلان ويقف بحيث ~~يراه ولا يقاتله. # ثم سار سليمان نحو محمد بن حبيب مجدا، فأوقع به وقعة عظيمة، وغنم غنائم ~~كثيرة، وقتل أخا لمحمد بن علي، ورجع، وكان ذلك في رجب من هذه السنة أيضا. # ثم سار في شعبان إلى قرية حسان، وبها قائد يقال له حسن بن خمارتكين، ~~فأوقع به، فهزمه، ونهب القرية، وأحرقها، وعاد. # PageV06P351 # ثم سار في شعبان أيضا إلى مواضع، فنهبها، وعاد، ثم سار في رمضان وأظهر ~~أنه يريد جعلان بمازوران، فبلغت الأخبار إلى جعلان بذلك، فضبط عسكره، فتركه ~~سليمان وعدل إلى أبا فأوقع به وهو غار، وغنم منه ست شذوات، ثم أرسل الجبائي ~~في جماعة لينتهب، فصادفهم جعلان، فأخذ سفنهم، وغنم منهم، فأتاه سليمان في ~~البر، فهزمه، واستنقذ سفنهم، وغنم شيئا آخر وعاد. # ثم سار سليمان إلى الرصافة في ذي القعدة، فأوقع بمطر بن جامع وهو بها، ~~فغنم غنائم كثيرة، وأحرق الرصافة، واستباحها، وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة ~~الخبيث، وأقام ليعيد هناك بمنزله، فسار مطر إلى الحجاجية، فأوقع بأهلها، ~~وأسر جماعة، وكان بها قاض لسليمان، فأسره مطر وحمله إلى واسط، وسار مطر إلى ~~قريب طهثا ورجع، فكتب الجبائي إلى سليمان بذلك، فسار نحوه، فوافاه لليلتين ~~من ذي الحجة سنة ثلاث وستين [ومائتين] ، ثم صرف جعلان، ووافى أحمد بن ~~ليثويه، فأقام بالشديدية. # ومضى سليمان إلى (نهر أبان، وبه قائد من قواد أحمد، فأوقع به فقتله، ثم ~~سار سليمان إلى) تكين في خمس شذوات سنة أربع وستين [ومائتين] ، فواقعه تكين ~~بالشديدية. ms2548 # وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى الكوفة وجنبلاء، فظهر تكين على ~~سليمان، وأخذ الشذوات بما فيها، وكان بها صناديد سليمان وقواده فقتلهم. # ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية، وضبط تلك الأعمال، حتى وافاه محمد بن ~~المولد، وقد ولاه الموفق مدينة واسط، فكتب سليمان إلى الخبيث يستمده، فأمده ~~بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس، فلما أتاه المدد قصد إلى ~~محاربة محمد بن المولد، ودخل سليمان مدينة واسط، فقتل فيها خلقا كثيرا، ~~ونهب وأحرق، # PageV06P352 # وكان بها ابن منكجور البخاري، فقاتله يومه إلى العصر، ثم قتل، وانصرف ~~سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرب، فأقام هناك تسعين ليلة، وعسكرهم ~~بنهر الأمير. # ذكر وزارة سليمان بن وهب للخليفة - ووزارة الحسن بن مخلد، وعزله # وفيها خرج سليمان بن وهب من بغداذ إلى سامرا وشيعه الموفق، والقواد، فلما ~~صار إلى سامرا غضب عليه المعتمد وحبسه، وقيده، وانتهت داره، واستوزر الحسن ~~بن مخلد في ذي القعدة، فسار الموفق من بغداذ إلى سامرا، ومعه عبيد الله بن ~~سليمان بن وهب، فلما قرب من سامرا تحول المعتمد إلى جانب الغربي فعسكر به ~~(مغاضبا للموفق) ، واختلفت الرسل بينه وبين الموفق، واتفقا، وخلع على ~~الموفق، ومسرور، وكيغلغ، وأحمد بن موسى بن بغا، وأطلق سليمان بن وهب، وعاد ~~إلى الجوسق، وهرب الحسن بن مخلد، وأحمد بن صالح بن أبي الأصبغ، وهرب القواد ~~الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفق، فوصلوا إلى الموصل وجبوا ~~الخراج # ذكر وفاة أماجور، وملك ابن طولون الشام وطرسوس، وقتل سيما الطويل # وفي هذه السنة توفي أماجور مقطع دمشق، وولي ابنه مكانه، فتجهز ابن طولون ~~ليسير إلى الشام فيملكه، فكتب إلى ابن أماجور يذكر له أن الخليفة قد أقطعه ~~الشام والثغور، فأجابه بالسمع والطاعة، سار أحمد، واستخلف بمصر ابنه ~~العباس، فلقيه ابن أماجور (بالرملة فأقره عليها، وسار إلى دمشق فملكها وأقر ~~قواد أماجور) على أقطاعهم، وسار إلى حمص فملكها، وكذلك حماة، وحلب. # وراسل سيما الطويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقره على ولايته، فامتنع، ~~فعاوده ms2549 فلم يطعه، فسار أحمد بن طولون، فحصره بأنطاكية، وكان سيئ السيرة مع ~~أهل البلد، فكاتبوا أحمد بن طولون، ودلوه على عورة البلد، فنصب عليه ~~المجانيق، وقاتله، فملك # PageV06P353 # البلد عنوة، والحصن الذي له، وركب سيما، وقاتل قتالا شديدا حتى قتل ولم ~~يعلم به أحد، فاجتاز به بعض قواده فرآه قتيلا، فحمل رأسه إلى أحمد، فساءه ~~قتله. # ورحل عن أنطاكية إلى طرسوس، فدخلها وعزم على المقام بها، وملازمة الغزاة، ~~فغلا السعر بها، وضاقت عنه وعن عساكره، فركب أهلها إليه بالمخيم، وقالوا ~~له: قد ضيقت بلدنا، وأغليت أسعارنا، فإما أقمت في عدد يسير، وإما ارتحلت ~~عنا، أغلظوا له في القول، وشغبوا عليه، فقال أحمد لأصحابه: # لتنهزموا من الطرسوسيين، وترحلوا عن البلد، ليظهر للناس وخاصة العدو أن ~~ابن طولون على بعد صيته وكثرة عساكره لم يقدر على أهل طرسوس ; وانهزم عنهم ~~ليكون أهيب لهم في قلب العدو. # وعاد إلى الشام. فأتاه خبر ولده العباس، وهو استخلفه بمصر، وأنه قد عصى ~~عليه، وأخذ الأموال، وسار إلى برقة مشاقا لأبيه، فلم يكترث لذلك، ولم ينزعج ~~له، وثبت، وقضى أشغاله، وحفظ أطراف بلاده، وترك بحران عسكرا، وبالرقة عسكرا ~~مع غلامه لؤلؤ، وكانت حران لمحمد بن أتامش، (وكان شجاعا) ، فأخرجه عنها ~~وهزمه هزيمة قبيحة. # واتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، وكان شجاعا بطلا، فجمع عسكرا كثيرا وسار ~~نحو حران، وبها عسكر ابن طولون، ومقدمهم أحمد بن جيعويه، فلما اتصل به خبر ~~مسير موسى أقلقه ذلك وأزعجه، ففطن له رجل من الأعراب يقال له أبو الأغر، ~~فقال له: أيها الأمير، أراك مفكرا منذ أتاك خبر ابن أتامش، وما هذا محله، ~~فإنه طياش قلق، ولو شاء الأمير أن آتيه به أسيرا لفعلت. فغاظه قوله، وقال: ~~قد شئت أن تأتي به أسيرا ; قال: فاضمم إلي عشرين رجلا اختارهم، قال: افعل، ~~فاختار عشرين رجلا وسار بهم إلى عسكر موسى، فلما قاربهم كمن بعضهم، وجعل ~~بينه وبينهم علامة إذا سمعوها ظهروا. # ثم دخل العسكر الباقين في زي الأعراب، وقارب مضارب موسى، وقصد خيلا ms2550 # PageV06P354 # مربوطة فأطلقها، وصاح هو وأصحابه فيها فنفرت، وصاح هو ومن معه من ~~الأعراب، وأصحاب موسى غارون، وقد تفرق بعضهم في حوائجهم، انزعج العسكر، ~~وركبوا، وركب موسى، فانهزم أبو الأغر من بين يديه، فتبعه حتى أخرجه من ~~العسكر، وجاز به الكمين، فنادى أبو الأغر بالعلامة التي بينهم، فثاروا من ~~النواحي، وعطف أبو الأغر على موسى فأسروه، فأخذوه، وساروا حتى وصلوا إلى ~~ابن جيعويه، فعجب الناس من ذلك، وحاروا، فسيره ابن جيعويه إلى ابن طولون، ~~فاعتقله، وعاد إلى مصر، وكان ذلك في سنة خمسين وستين ومائتين. # ذكر الفتنة ببلاد الصين # وفي هذه السنة ظهر ببلاد الصين إنسان لا يعرف، فجمع جمعا كثيرا من أهل ~~الفساد والعامة، فأهمل الملك أمره استصغارا لشأنه، فقوي، وظهر حاله، وكثف ~~جمعه، وقصده أهل الشر من كل ناحية، فأغار على البلاد وأخربها، ونزل على ~~مدينة خانقوا، وحصرها وهي حصينة، ولها نهر عظيم، وبها عالم كثير من ~~المسلمين، والنصارى، واليهود، والمجوس، وغيرهم من أهل الصين، فلما حصر ~~البلد اجتمعت عساكر الملك، وقصدته، فهزمها، وافتتح المدينة عنوة، وبذل ~~السيف، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة. # ثم سار إلى المدينة التي فيها الملك، وأرادوا حصرها، فالتقاه ملك الصين، ~~ودامت الحرب بينهم نحو سنة، ثم انهزم الملك، وتبعه الخارجي إلى أن تحصن منه ~~في مدينة من أطراف بلاده، واستولى الخارجي على أكثر البلاد، والخزائن، وعلم ~~أنه لا بقاء له في الملك إذ ليس هو من أهله، فأخرب البلاد ونهب الأموال، ~~وسفك الدماء. # فكاتب ملك الصين ملوك الهند يستمدهم، فأمدوه بالعساكر، فسار إلى الخارجي، ~~فالتقوا، واقتتلوا نحو سنة أيضا، وصبر الفريقان، ثم إن الخارجي عدم، فقيل: ~~إنه قتل، وقيل بل غرق، وظفر الملك بأصحابه، وعاد إلى مملكته. # ولقب ملوك الصين: يعفور، ومعناه ابن السماء تعظيما لشأنه ; وتفرق الملك ~~عليه، وتغلبت كل طائفة على طرف من البلاد، وصار الصين على ما كان عليه ملوك ~~الطوائف، يظهرون له الطاعة، وقنع منهم بذلك، وبقي على ذلك مدة طويلة. # PageV06P355 # ذكر ملك المسلمين مدينة سرقوسة # وفي هذه السنة، ms2551 رابع عشر رمضان، ملك المسلمون سرقوسة، وهي من أعظم [مدن] ~~صقلية. # وكان سبب ملكها أن جعفر بن محمد أمير صقلية غزاها، فأفسد زرعها، وزرع ~~قطانية، وطبرمين، ورمطة، وغيرها من بلاد صقلية التي بيد الروم، ونازل ~~سرقوسة، وحصرها برا وبحرا، وملك بعض أرباضها، ووصلت مراكب الروم نجدة لها، ~~فسير إليها أسطولا، فأصابوها، فتمكنوا حينئذ من حصرها، فأقام العسكر محاصرا ~~لها تسعة أشهر، وفتحت، وقتل من أهلها عدة ألوف، أصيب فيها من الغنائم ما لم ~~يصب بمدينة أخرى، ولم ينج من رجالها إلا الشاذ الفذ. # وأقاموا فيها بعد فتحها بشهرين، ثم هدموها، ثم وصل بعد هدمها من ~~القسطنطينية أسطول، فالتقوا هم والمسلمون، فظفر بهم المسلمون، وأخذوا منهم ~~أربع قطع، فقتلوا من فيها، وانصرف المسلمون إلى بلدهم آخر ذي القعدة. # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش ~~إلى مدينة بنبلونة، وجعل طريقه على سرقسطة، فقاتل أهلها، ثم انتقل إلى ~~تطيلة، وجال في مواضع بني موسى، ثم دخل بنبلونة، فخرب كثيرا من حصونها ~~وأذهب زروعها وعاد سالما. # وفيها سار جمع من العرب إلى مدينة جليقية، فكان بينهم وقعة عظيمة قتل ~~فيها من الطائفتين كثير. # وفيها فرغ إبراهيم بن محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، من بناء رقادة، وكان ~~ابتداء عمارتها سنة ثلاث وستين ومائتين، ولما (فرغت انتقل إبراهيم إليها) . # PageV06P356 # وفيها وجه يعقوب بن الليث جيشا إلى الصيمرة، مقدمة إليها، وأخذوا صعون ~~فأحضروه عنده، فمات. # وفيها ماتت قبيحة أم المعتز. # وفيها وقع الطاعون بخراسان جميعها وقومس، فأفنى خلقا كثيرا. # وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو زرعة الرازي، واسمه عبيد الله، وكان موته بدمشق. # وفيها مات أبو إبراهيم المزني، صاحب الشافعي، وكان موته بمصر. # وعلي بن حرب الطائي، وكان إماما في الحديث. # PageV06P357 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين] ### | 265 - # ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين # ذكر أخبار الزنج # في هذه السنة كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه ms2552 وبين سليمان بن جامع، والزنج ~~بناحية جنبلاء. # وكان سببها أن سليمان كتب إلى الخبيث يخبره بحال نهر يسمى الزهري، ويسأله ~~أن يأذن في عمله، فإنه متى أنفذه تهيأ له حمل ما في جنبلاء وسواد الكوفة، ~~فأنفذ إليه نكرويه لذلك، وأمره بمساعدته، والنفقة على النهر، فمضى سليمان ~~فيمن معه، وأقام بالشريطة نحوا من شهر، وشرعوا في عمل النهر. # وكان أصحاب سليمان، في أثناء ذلك، يتطرقون ما حولهم، فواقعه أحمد بن ~~ليثويه، وهو عامل الموفق بجنبلاء، فقتل من الزنج نيفا وأربعين قائدا، ومن ~~عامتهم ما لا يحصى كثرة، أحرق سفنهم، فمضى سليمان مهزوما إلى طهثا. # وفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميرية إلى حبل، فأخذوا أربع سفن ~~فيها طعام وانصرفوا. # وفيها دخل الزنج النعمانية فأحرقوها، وسبوا، وساروا إلى جرجرايا، ودخل ~~أهل السواد بغداذ. # PageV06P358 # ذكر استعمال مسرور البلخي على الأهواز وانهزام الزنج منه # وفيها استعمل الموفق مسرورا البلخي على كور الأهواز، فولى مسرور ذلك تكين ~~البخاري، فسار إليها تكين، وكان علي بن أبان، والزنج قد أحاطوا بتستر، فخاف ~~أهلها، وعزموا على تسليمها إليهم، فوافاهم في تلك الحال تكين البخاري، ~~فواقع علي بن أبان قبل أن ينزع ثيابه، فانهزم علي، والزنج، وقتل منهم كثير، ~~وتفرقوا، ونزل تكين بتستر، وهذه الواقعة تعرف بوقعة باب كورك، وهي مشهورة. # ثم إن عليا قدم عليها جماعة من قواد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، ~~فهرب منهم غلام رومي إلى تكين، وأخبره بمقامهم بالقنطرة، وتشاغلهم بالنبيذ، ~~وتفرقهم في جمع الطعام، فسار تكين إليهم ليلا، فأوقع بهم، وقتل من قوادهم ~~جماعة، فانهزم الباقون. # وسار تكين إلى علي بن أبان، فلم يقف له علي، وانهزم، وأسر غلام له يعرف ~~بجعفرويه، ورجع إلى الأهواز، ورجع تكين إلى تستر، وكتب علي إلى تكين يسأله ~~الكف عن قتل غلامه، فحبسه. # ثم تراسل علي، وتكين، وتهاديا، فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج، ~~فسار حتى وافى تكين، وقبض عليه، وحبسه عند إبراهيم بن جعلان، حتى مات، ~~وتفرق أصحاب تكين، ففرقة سارت إلى الزنج، وفرقة إلى ms2553 محمد بن عبيد الله ~~الكردي، فبلغ ذلك مسرورا فأمنهم، فجاءه منهم الباقون. # وكان بعض ما ذكرناه من أمر مسرور سنة خمس وستين، وبعضه سنة ست وستين ~~ومائتين. # ذكر عصيان العباس بن أحمد بن طولون على أبيه # وفيها عصى العباس بن أحمد بن طولون على أبيه، وسبب ذلك أن أباه كان قد ~~خرج إلى الشام، واستخلف ابنه العباس، كما ذكرناه، فلما أبعد عن مصر حسن # PageV06P359 # للعباس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال، والانشراح إلى برقة، ففعل ذلك، ~~وأتى برقة في ربيع الأول. # وبلغ الخبر أباه، فعاد إلى مصر، وأرسل إلى ابنه ولاطفه، واستعطفه، فلم ~~يرجع إليه، وخاف من معه، فأشار عليه بقصد إفريقية، فسار إليها، وكاتب وجوه ~~البربر، فأتاه بعضهم، وامتنع بعضهم، وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب يقول: إن ~~أمير المؤمنين قد قلدني أمر إفريقية وأعمالها ; ورحل، حتى أتى حصن لبدة، ~~ففتحه أهله له، فعاملهم أسوأ معاملة، ونهبهم، فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن ~~منصور النفوسي، رئيس الإباضية هناك، فاستعانوا به، فغضب لذلك، وسار إلى ~~العباس ليقاتله. # وكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشا، وأمره بقتال ~~العباس، فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا قاتل العباس فيه بيده، فلما كان ~~الغد وافاهم إلياس بن منصور الإباضي في اثني عشر ألفا من الإباضية، فاجتمع ~~هو وعامل طرابلس على قتال العباس، فقتل من أصحابه خلق كثير، وانهزم أقبح ~~هزيمة، وكاد يؤسر، فخلصه مولى له، ونهبوا سواده وأكثر ما حمله من مصر، وعاد ~~إلى برقة أقبح عود. # وشاع بمصر أن العباس انهزم، فاغتم والده حتى ظهر عليه، وسير إليه العساكر ~~لما علم سلامته، فقاتلوا قتالا صبر فيه الفريقان، فانهزم العباس ومن معه، ~~وكثر القتلى في أصحابه، وأخذ العباس أسيرا، وحمل إلى أبيه، فحبسه في حجرة ~~إلى داره إلى أن قدم باقي الأسرى من أصحابه، فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده، ~~والعباس معهم، فأمره أبوه أن يقطع أيدي أعيانهم وأرجلهم، ففعل، فلما فرغ ~~منه وبخه أبوه وذمه وقال له: هكذا يكون الرئيس والمقدم؟ كان الأحسن كنت ~~ألقيت ms2554 نفسك بين يدي، وسألت الصفح عنك وعنهم، فكان أعلى لمحلك، وكنت قضيت ~~حقوقهم فيما ساعدوك وفارقوا أوطانهم لأجلك. # ثم أمر به فضرب مائة مقرعة، ودموعه تجري على خديه رقة لولده، ثم رده إلى ~~الحجرة واعتقله، وذلك سنة ثمان وستين ومائتين. # ذكر موت يعقوب، وولاية أخيه عمرو # وفيها مات يعقوب بن الليث الصفار تاسع شوال بجنديسابور من كور الأهواز، # PageV06P360 # وكانت علته القولنج، فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء، فلم يفعل، واختار ~~الموت. # وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولا وكتابا يستميله ويترضاه، ويقلده أعمال ~~فارس، فوصل الرسول ويعقوب مريض، فجلس له، وجعل عنده سيفا، ورغيفا من الخبز ~~الخشكار، ومعه بصل، وأحضر الرسول، فأدى الرسالة، فقال له: قل للخليفة إنني ~~عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا ~~هذا السيف، حتى آخذ بثأري، أو تكسرني وتعقرني، وأعود إلى هذا الخبز والبصل، ~~وأعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات. # وكان الحسن بن زيد العلوي يسمي يعقوب بن الليث السندان لثباته، وكان ~~يعقوب قد افتتح الرخج، وقتل ملكها، أسلم أهلها على يده، كانت مملكته واسعة ~~الحدود، وكان اسم ملكها كبتير، وكان يحمل على سرير من ذهب يحمله اثنا عشر ~~رجلا، وابتنى على جبل عال بيتا، وسماه مكة، وكان يدعي الإلهية، فقتله ~~يعقوب، وافتتح الخلجية، وزابل، وغير ذلك، ولم أعلم أي سنة كان ذلك حتى ~~أذكره فيها. # وكان يعقوب عاقلا، حازما، وكان يقول: من عاشرته أربعين يوما فلم تعرف ~~أخلاقه، فلا تعرفها سنة، وقد تقدم من سيرته ما يدل على عقله. # ولما مات قام بالأمير بعده أخوه عمرو بن الليث، وكتب إلى الخليفة بطاعته، ~~فولاه الموفق خراسان، وفارس، وأصبهان، وسجستان، والسند وكرمان، والشرطة ~~ببغداذ، وأشهد بذلك، وسيره إليه مع الخلع. # PageV06P361 # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة وثب القاسم بن مهاة بدلف بن عبد العزيز بن أبي دلف ~~بأصبهان، فقتله، ووثب جماعة من أصحاب أبي دلف بالقاسم، فقتلوه، وريسوا ~~عليهم أحمد بن عبد العزيز. # وفيها لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث، فأكرمه يعقوب، ms2555 وأحسن إليه، فأمر ~~الخليفة بقبض أمواله وعقاره. # وفيها قتلت الأعراب جعلان المعروف بالعيار، بدمما، وكان خرج يسير قافلة ~~فقتلوه فوجه في طلبهم، فلم يلحقوا. # وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب ابنه عبيد الله، وعدة من أصحابهما، وقبض ~~أموالهم وضياعهم، خلا أحمد بن سليمان، ثم صالح سليمان وابنه عبيد الله على ~~تسعمائة ألف دينار، وجعلا في موضع يصل إليهما من أرادوا، وعسكر موسى بن ~~أتامش، وإسحاق بن كنداجيق الفضل بن موسى بن بغا، وعبروا جسر بغداذ، ومنعهم ~~الموفق، فلم يرجعوا، نزلوا صرصر، (فاستكتب أبو أحمد الموفق صاعد بن مخلد، ~~فمضى إلى أولئك القواد، فردهم من صرصر فخلع عليهم) . # وفيها خرج خمسة بطارقة [من] الروم إلى أذنة فقتلوا، وأسروا، وكان أرجوز ~~والي الثغور، فعزل عنها، فأقام مرابطا، أسروا نحوا من أربعمائة، وقتلوا ~~نحوا من ألف وأربعمائة، وذلك في جمادى الأولى. # وفيها غلب أحمد بن عبد الله الخجستاني على نيسابور، سار الحسين بن طاهر ~~بن # PageV06P362 # عبد الله إلى مرو، وهو عامل أخيه محمد بن طاهر. # وأخربت طوس. # وفيها استوزر أبو إسماعيل بن بلبل. # وفيها وثب جماعة من الأعراب، من بني أسد، على علي بن مسرور البلخي قبل ~~وصوله إلى المغيثة بطريق مكة، وكان الموفق ولاه الطريق. # وفيها بعث ملك الروم إلى أحمد بن طولون بعبد الله بن رشيد بن كاوس وعدة ~~أسرى، وأنفذ معهم عدة مصاحف منه هدية إلية، وحج بالناس هارون بن محمد بن ~~إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. # وفيها كانت موافاة أبي المغيرة عيسى بن محمد المخزومي إلى مكة لصاحب ~~الزنج. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي وعمره ثلاث وثمانون سنة ~~وإبراهيم بن هاني أبو إسحاق (النيسابوري، وكان من الأبدال قد صحب # PageV06P363 # أحمد بن حنبل، وعلي بن حرب بن محمد) الطائي الموصلي ومولده سنة خمس ~~وسبعين ومائة (وقيل غير ذلك، وقد تقدم. # وعلي بن موفق الزاهد. # وفيها قتل أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي، قتله الزنج بالبصرة، أخذ ~~العلم عن أبي عبيدة والأصمعي. # PageV06P364 ### | [ثم دخلت سنة ست ms2556 وستين ومائتين] ### | 266 - # ثم دخلت سنة ست وستين ومائتين # ذكر أخبار الزنج مع أغرتمش # في هذه السنة ولي أغرتمش ما كان يتولاه تكين البخاري من أعمال الأهواز، ~~فدخل تستر في رمضان، ومعه أنا، ومطر بن جامع، وقتل مطر بن جامع جعفرويه ~~غلام علي بن أبان، وجماعة معه كانوا مأسورين، وساروا إلى عسكر مكرم، وأتاهم ~~الزنج هناك مع علي بن أبان، فاقتتلوا، فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر ~~وتحاجزوا، ورجع علي إلى الأهواز، وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة من ~~الزنج. # وسار أغرتمش، ومن معه نحو الخليل إليه من قنطرة أربك، فكتب إلى أخيه علي، ~~فوافاه في النهر، وأخاف أصحابه الذين خلفهم بالأهواز، فارتحلوا إلى نهر ~~السدرة، وتحارب علي وأغرتمش يومهم. # ثم انصرف علي إلى الأهواز، فلم يجد أصحابه الذين خلفهم بالأهواز، فوجه من ~~يردهم من نهر السدرة، فعسر عليهم ذلك، فتبعهم، وأقام معهم، ورجع أغرتمش ~~فنزل عسكر مكرم، واستعد علي لقتالهم. # وبلغ ذلك أغرتمش، ومن معه من عسكر الخليفة، فساروا إليه، فكمن لهم علي ~~وقدم الخليل إلى قتالهم، فاقتتلوا، فكان أول النهار لأصحاب الخليفة، ثم خرج ~~عليهم الكمين، فانهزموا وأسر مطر بن جامع، وعدة من القواد، فقتله علي ~~بغلامه جعفرويه، وعاد إلى الأهواز، وأرسل رءوس القتلى إلى الخبيث العلوي. # وكان علي، وأغرتمش بعد في حروبهم على السواء، وصرف صاحب الزنج # PageV06P365 # أكثر جنوده إلى علي بن أبان، فلما رأى ذلك أغرتمش وادعه، وجعل علي يغير ~~على النواحي، فمن ذلك أنه أغار على قرية بيروذ فنهبها، ووجه الغنائم إلى ~~صاحبه. # ذكر دخول الزنج رامهرمز # وفيها دخل علي بن أبان، والزنج رامهرمز وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله ~~كان يخاف علي بن أبان لما في نفس علي منه، لما ذكرناه، فكتب إلى أنكلاي ابن ~~العلوي وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علي عنه ويضمه إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ ~~علي منه، كتب إلى الخبيث بالإيقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبة ~~بالخراج، فأذن له، فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله، ms2557 ودافعه، فسار ~~إليه علي وهو برامهرمز، فهرب محمد عنها، ودخلها علي والزنج فاستباحها، ولحق ~~محمد بأقصى معاقله، وانصرف علي غانما. # وخاف محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، ~~فحمل إليه مائتي ألف درهم، فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد ~~الله وأعماله. # وفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيها، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله) ~~كتب إلى علي بن أبان، بعد الصلح، يسأله المعونة على الأكراد الدارنان على ~~أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علي إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن ~~وجه إليه جيشا، وأقم أنت، لا تنفذ أحدا حتى تستوثق منه بالرهائن، (ولا يأمن ~~غزوه والطلب بثأره. فكتب علي إلى محمد يطلب منه اليمين) والرهائن، فبذل له ~~اليمين، ومطله بالرهائن، فلحرص علي على الغنائم أنفذ إليه جيشا، فسير محمد ~~معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم، ونشبت ~~الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج، فانهزموا وقتلت الأكراد منهم خلقا ~~كثيرا. # PageV06P366 # وكان محمد قد أعد لهم من يتعرضهم إذا انهزموا، فصادفوهم، وأوقعوا بهم، ~~وسلبوهم، وأخذوا دوابهم، ورجعوا (بأسوإ حال، فكتب علي إلى الخبيث بذلك ~~فعنفه، وقال: ضيعت أمري في ترك الرهائن، وكتب إلى محمد يتهدده، فخاف محمد ~~وكتب إليه يخضع ويذل، ورد بعض الدواب وقال: # إنني كبست من كانت عندهم، وخلصت هذه منهم. فأظهر الخبيث الغضب عليه، ~~فأرسل محمد إليه بهبود، ومحمد بن يحيى الكرماني، وكانا أقرب الناس إلى علي، ~~فضمن لهما مالا إن أصلحا له عليا وصاحبه، ففعلا ذلك، فأجابهما الخبيث إلى ~~الرضا عن محمد على أن يخطب له على منابر بلاده، وأعلما محمدا ذلك، فأجابهما ~~إلى كل ما طلبا، وجعل يراوغ في الدعاء له على المنابر. # ثم إن عليا استعد لمتوث، وسار إليها، فلم يظفر بها، فرجع، وعمل السلاليم، ~~الآلات التي يصعد بها إلى السور، واستعد لقصدها، فعرف ذلك منصور البلخي، ~~وهو يومئذ بكور الأهواز، فلما سار علي إليها سار إليه مسرور، فوافاه قبل ~~المغرب وهو نازل عليها، فلما ms2558 عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح ~~هزيمة، وتركوا جميع ما كانوا أعدوه، وقتل منهم خلق كثير، وانصرف علي ~~مهزوما، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار بإقبال الموفق، ولم يكن لعلي ~~بعد متوث وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهثا على الموفق، فكتب إليه صاحبه ~~يأمره بالعود إليه، ويستحثه حثا شديدا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ولى عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافته ~~على الشرطة ببغداذ وسر من رأى في صفر، وخلع عليه الموفق، وعمرو بن الليث. # وفيها، في صفر، غلب أساتكين على الشرطة وهي الآن من أعمال سجستان وعلى ~~الري، وأخرج منها خطلنخجور العامل عليها، ثم مضى إلى قزوين وعليها أخو # PageV06P367 # كيغلغ، فصالحه، ودخل أساتكين قزوين، ثم رجع إلى الري. # وفيها وردت سرية من سرايا الروم إلى تل يسهى، من ديار ربيعة فأسرت نحوا ~~من مائتين وخمسين إنسانا، ومثلت بالمسلمين، فنفر إليهم أهل الموصل ونصيبين، ~~فرجعت الروم. # وفيها مات أبو الساج بجنديسابور، منصرفا من عسكر عمرو بن الليث (إلى ~~بغداذ، ومات قبله سليمان بن عبد الله بن طاهر. # وولى عمرو بن الليث) فيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان. # وولى محمد بن أبي الساج طريق مكة والحرمين. # وفيها فارق إسحاق بن كنداج أحمد بن موسى بن بغا، وكان سبب ذلك أن أحمد ~~لما سار إلى الجزيرة، وولي موسى بن أتامش ديار ربيعة، أنكر ذلك إسحاق بن ~~كنداج، وفارق عسكره، وسار إلى بلد، فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأخذ ~~أموالهم، ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على ~~مال قد أعدوه. # وكان قائد كبير بمعلثايا، واسمه علي بن داود، وهو المخاطب له عن أهل ~~الموصل، والمدافع، فسار ابن كنداج إليه، فلما بلغه الخبر فارق معلثايا، ~~وعبر دجلة، ومعه حمدان بن حمدون، إلى إسحاق بن أيوب بن أحمد التغلبي ~~العدوي، فاجتمعوا كلهم فبلغت عدتهم نحو خمسة عشر ألفا، وسمع ابن كنداج ~~(باجتماعهم، فعبر إلى # PageV06P368 # بلد، وعبر دجلة إليه وهو في ms2559 ثلاثة آلاف) ، وسار (إلى نهر أيوب) ، فالتقوا ~~بكراثا، وهي التي تعرف اليوم بتل موسى، وتصافوا للحرب، فأرسل مقدم ميسرة ~~ابن أيوب إلى ابن كنداج يقول له: إنني في الميسرة، فاحمل علي لأنهزم، ففعل ~~ذلك، فانهزمت ميسرة ابن أيوب، وتبعها الباقون، فسار حمدان بن حمدون، وعلي ~~بن داود إلى نيسابور، وأخذ ابن أيوب نحو نصيبين، فاتبعه ابن كنداج، فسار ~~ابن أيوب عن نصيبين إلى آمد، واستولى ابن كنداج على نصيبين وديار ربيعة، ~~واستجار ابن أيوب بعيسى بن الشيخ الشيباني، وهو بآمد، فأنجده) ، (وطلب ~~النجدة من أبي المعز بن موسى بن زرارة، وهو بأرزن، فأنجده) أيضا، وعاد ابن ~~كنداج إلى الموصل، ووصل إليه من الخليفة المعتمد عهد بولاية الموصل، فعاد ~~إليها، فأرسل إليه ابن الشيخ، وابن زرارة، وغيرهما بذلوا له مائتي ألف ~~دينار ليقرهم على أعمالهم، فلم يجبهم، فاجتمعوا على حربه، فلما رأى ذلك ~~أجابهم إلى ما طلبوا وعاد عنهم وقصدوا بلادهم. # (وفيها أمر محمد بن عبد الرحمن بإنشاء مراكب بنهر قرطبة، وحملها إلى ~~البحر المحيط، وكان سبب عملها أنه قيل له جليقية ليس لها مانع من جهة البحر ~~المحيط، وإن ملكها من هناك سهل، فأمر بعمل المراكب، فلما فرغت، وكملت ~~برجالها وعدتها، سيرها إلى البحر المحيط، فلما دخلته المراكب تقطعت، ولم ~~يجتمع منها مركبان، ولم يرجع منها إلا اليسير. # وفيها التقى أسطول المسلمين، وأسطول الروم عند صقلية، فجرى بينهم قتال ~~شديد، فظفر الروم بالمسلمين، وأخذوا مركبهم، وانهزم من سلم منهم إلى مدينة ~~بلرم بصقلية. # وفيها كان بإفريقية غلاء شديد وقحط عظيم، كادت الأقوات تعدم) . # PageV06P369 # وفيها قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي. # وفيها أسرى لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من رابية بني تميم إلى موسى بن ~~أتامش، وهو برأس عين، فأخذه سيرا، وسيره إلى الرقة، ثم لقي لؤلؤ أحمد بن ~~موسى بن أتامش بن موسى بن أتامش ومن معه من الأعراب، فانهزم لؤلؤ، ورجع ~~الأعراب إلى عسكر أحمد لينهبوه، فعطف عليهم لؤلؤ وأصحابه، فانهزموا، فبلغت ~~هزيمتهم قرقيسيا، ثم ساروا إلى بغداذ وسامرا. ms2560 # وقد ذكرت فيما تقدم أن الذي أسر موسى غير لؤلؤ على ما ذكره مؤرخو مصر. # وفيها كانت بين (أحمد بن) عبد العزيز، وبكتمر (وقعة، فانهزم بكتمر) ، ~~وسار إلى بغداذ. # وفيها أوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان، وهو غار، فلحق بآمل، وغلب ~~الخجستاني على جرجان وأطراف طبرستان، فكان الحسن لما سار عن طبرستان إلى ~~جرجان استخلف بسارية الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسين الأصغر ~~العقيقي، فلما انهزم الحسن بن زيد أظهر العقيقي بسارية أنه قتل، ودعا إلى ~~البيعة لنفسه، فبايعه قوم، ووافاه الحسن بن زيد، فحاربه، ثم ظفر به فقتله. # وفيها كانت وقعة بين الخجستاني، وعمرو بن الليث انهزم فيها عمرو، ودخل ~~الخجستاني نيسابور، أخرج منها عامل عمرو، ومن كان يميل إليه. # (وفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين العلويين والجعفرية) . # وفيها وثب الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها، وصار بعضها إلى صاحب ~~الزنج، وأصاب الحجاج فيها شدة شديدة. # PageV06P370 # وفيها خرجت الروم على ديار الروم على ديار ربيعة، فاستنفر الناس، فنفروا ~~في برد شديد لا يمكن فيه دخول الدرب. # وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة رجل ~~من أهل طرسوس، فخرج عليهم نحو من أربعة آلاف من بلاد هرقلة، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وقتل المسلمون خلقا كثيرا من العدو، أصيب من المسلمين جماعة. # وفيها كانت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، حرب بين العلويين ~~والجعفريين، وغلا السعر بها حتى تعذرت الأقوات، وعم الغلاء سائر البلاد من ~~الحجاز، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، وغير ذلك، إلا أنه لم يبلغ ~~الشدة التي بالمدينة. # وفيها كان الناس في البلاد التي تحت حكم الخليفة جميعها في شدة عظيمة ~~بتغلب القواد (وأمراء الأجناد على الأمر) ، وقلة المراقبة والأمن من إنكار ~~ما يأتونه ويفعلونه، لاشتغال الموفق بقتال صاحب الزنج، ولعجز الخليفة ~~المعتمد، واشتغاله بغير ذلك. # وفيها اشتد الحر في تشرين الثاني، ثم اشتد فيه البرد حتى جمد الماء. # وفيها قدم محمد بن أبي الساج مكة، فحاربه المخزومي، فهزمه محمد، واستباح ~~ماله، وذلك ms2561 يوم التروية. # وفيها سار كيغلغ إلى الجبل وبكتمر راجعا إلى الدينور. # وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي. # PageV06P371 # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن شجاع أبو بكر الثلجي، وكان من أصحاب الحسن بن زياد ~~اللؤلئي صاحب أبي حنيفة. # الثلجي بالثاء المعجمة بثلاث والجيم. # وفيها توفي صالح بن أحمد بن حنبل، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. # PageV06P372 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين] ### | 267 - # ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين # ذكر أخبار الزنج # وفيها غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان بيد سليمان بن جامع، ~~والزنج من أعمال دجلة، وأبو العباس هذا هو الذي صار خليفة بعد المعتمد، ~~فلقب المعتضد بالله. # وكان سبب مسيره أن الزنج لما دخلوا واسط، وعملوا بأهلها ما ذكرنا، بلغ ~~ذلك الموفق، فأمره ابنه بتعجيل المسير بين يديه إليهم، فسار في ربيع الآخر ~~سنة ست وستين ومائتين، وشيعه أبوه، وسير معه عشرة آلاف من الرجالة والخيالة ~~في العدة الكاملة، أخذ معه الشذوات، والسميريات، والمعابر للرجالة، فسار ~~حتى وافى دير العاقول. # وكان على مقدمته في الشذوات نصير، المعروف بأبي حمزة، فكتب إليه نصير ~~يخبره أن سليمان بن جامع قد وافى بخيله ورجله في شذوات وسميريات، والجبائي ~~على مقدمته، حتى نزل الجزيرة بحضرة بردرويا، وأن سليمان بن موسى الشعراني ~~قد وافى (معرابان بخيله ورجله في سميريات، فركب أبو العباس حتى وافى) ~~الصلح، ووجه طلائعه ليعرف أخبارهم، فعادوا وأعلموه بموافاة الزنج وجيشهم، ~~وأن أولهم بالصلح، وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفل واسط. # وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا: إن أبا العباس فتى حدث، غر # PageV06P373 # بالحرب، والرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجبهه في أول مرة نلقاه في ~~إزالته، فلعل ذلك يروعه فينصرف عنا، فجمعوا، وحشدوا، فلما علم أبو العباس ~~قربهم عدل عن سنن الطريق، اعترض في مسيره، ولقي أصحابه أوائل الزنج، ~~فتطاردوا لهم، حتى طمعوا فيهم، واغتروا واتبعوهم، وجعلوا يقولون: اطلبوا ~~أميرا للحرب، فإن أميركم قد اشتغل بالصيد. # فلما قربوا منه خرج ms2562 عليهم فيمن معه من الخيل والرجل، وصاح بنصير: # إلى أين تتأخر عن هذه الأكلب! فرجع نصير، وركب أبو العباس سميرية وحف به ~~أصحابه من جميع الجهات، فانهزمت الزنج، وكثر القتل فيهم، وتبعوهم إلى أن ~~وصلوا قرية عبد الله، وهي ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم به، وأخذوا منهم ~~خمس شذوات، وعدة سميريات، وأسر جماعة، واستأمن جماعة، فكان هذا أول الفتح، ~~فسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير، وسار سليمان بن موسى الشعراني إلى سوق ~~الخميس، وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر وهو على فرسخ من واسط، وأصلح ~~شذواته، وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم. # ثم إن سليمان استعد وحشد، وجعل أصحابه في ثلاثة أوجه، وقالوا: إنه حدث، ~~غر يغرر بنفسه، وكمنوا كمناء، فبلغ الخبر أبا العباس، فحذروا وأقبلوا وقد ~~كمنوا الكمناء ليغتر باتباعهم فيخرج الكمين عليه، فمنع أبو العباس أصحابه ~~أن يتبعوهم، فلما علموا أن كيدهم لم يتم خرج سليمان في الشذوات والسميريات، ~~فأمر أبو العباس نصيرا أن يبرز إليهم، وركب هو شذاة من شذواته سماها ~~الغزال، ومعه جماعة من خاصته، وأمر الخيالة بالمسير بإزائه على شاطئ النهر ~~إلى أن ينقطع، فعبروا دوابهم، ونشبت الحرب بين الفريقين، فوقعت الهزيمة على ~~الزنج، وغنم أبو العباس منهم أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبائي بعد أن ~~أشفيا على الهلاك، وبلغوا طهثا، وأسلموا ما كان معهم. # ورجع أبو العباس إلى معسكره، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذوات ~~والسميريات، وأقام الزنج عشرين يوما لا يظهر منهم أحد، وجعلوا على طريق ~~الخيل آبارا، وجعلوا فيها سفافيد حديد، وجعلوا على رءوسها البواري والتراب ~~ليسقط فيها # PageV06P374 # المجتازون، فاتفق أنه سقط فيها رجل من الفراغنة، ففطنوا لها، وتركوا ذلك ~~الطريق. # واستمد سليمان صاحب الزنج، فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتلتها، ~~فعادوا للتعرض للحرب، فلم يكونوا يثبتوا لأبي العباس ; ثم سير إليهم عدة ~~سميريات، فأخذها الزنج، فبلغه الخبر وهو يتغدى، فركب في سميرية، ولم ينتظر ~~أصحابه، وتبعه منهم من خف، فأدرك الزنج، فانهزموا وألقوا أنفسهم في الماء، ~~فاستنقذ سميرياته ومن كان فيها، ms2563 وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميرية، ورمى أبو ~~العباس يومئذ، عن قوس حتى دميت إبهامه، فلما رجع أمر لمن معه بالخلع، وأمر ~~بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج. # ثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل [في] مازروان حتى يصير إلى الحجاجية (ونهر ~~الأمير) ، ويعرف ما هناك، فقدم نصيرا في أول السميريات وركب أبو العباس في ~~سميرية ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يظن أن نصيرا أمامه، فلم يقف ~~له على خبر، وكان قد سار على غير طريق أبي العباس، وخرج من مع أبي العباس ~~من الملاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها، فبقي هو ومحمد بن شعيب، فأتاهما جمع ~~من الزنج من جانبي النهر، فقاتلهم أبو العباس بالنشاب، ووافاه زيرك في باقي ~~الشذوات، فسلم أبو العباس وعاد عسكره. # ورجع نصير وجمع سليمان بن جامع أصحابه وتحصن بطهثا، وتحصن الشعراني ~~وأصحابه بسوق الخميس، وجعلوا الغلات إليها، وكذلك اجتمع بالصينية، وأمرهم ~~بالمسير في البر، وإذا عرض لهم نهر عبروه، وركب هو في الشذوات والسميريات، ~~فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا، ولجئوا إلى الماء والسفن، فلم يلبثوا أن ~~وافتهم الشذا مع أبي العباس، فلم يجدوا ملجأ، فاستسلموا، فقتل منهم فريق، ~~وأسر فريق، ألقى نفسه في الماء فريق، أخذ أصحاب أبي العباس سفنهم وهي ~~مملوءة أرزا، أخذ الصينية، وأزاح الزنج عنها، فانحازوا إلى طهثا وسوق ~~الخميس. # وكان قد رأى أبو العباس كركيا، فرماه بسهم، فسقط في عسكر الزنج، # PageV06P375 # (فعرف الزنج السهم) فزاد ذلك في خوفهم، ورجع أبو العباس إلى عسكره، وقد ~~فتح الصينية. # وبلغه أن جيشا عظيما للزنج مع ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ الزنجيين، فسار ~~إليهم، وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر، فقتل منهم خلقا كثيرا، منهم لؤلؤ، ~~وأسر ثابتا، فمن عليه، وجعله مع بعض قواده، واستنقذ من النساء خلقا كثيرا، ~~فأمر بإطلاقهن وردهن إلى أهلهن، أخذ كل ما كان الزنج جمعوه، أمر أصحابه أن ~~يستريحوا للمسير إلى سوق الخميس، وأمر نصيرا بتعبئة أصحابه للمسير، فقال ~~له: إن نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت ونسير نحن، فأبى ms2564 عليه، فقال له محمد ~~بن شعيب: إن كنت لا بد فاعلا فلا تكثر من الشذا، ولا من الرحال، فإن النهر ~~ضيق. # فسار إليه، ونصير بين يديه، إلى فم نهر مساور، فوقف أبو العباس، وتقدمه ~~نصير في خمس عشرة شذاة في نهر براطق، وهو الذي يؤدي إلى مدينة الشعراني ~~التي سماها المنيعة في سوق الخميس، فلما غاب عنه نصير خرج جماعة في البر ~~على أبي العباس، فمنعوه من الوصول إلى المدينة، وقاتلوه قتالا شديدا من أول ~~النهار إلى الظهر، وخفي عليه خبر نصير، وجعل الزنج يقولون: قد قتلنا نصيرا. # واغتم أبو العباس لذلك، وأمر محمد بن شعيب بتعرف خبره، فسار، فرآه عند ~~عسكر الزنج وأحرقه وأضرم النار في مدينتهم، وهو يقاتلهم قتالا شديدا، فعاد ~~إلى أبي العباس فأخبره، فسر بذلك. # وأسر نصير من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس فأخبره، ووقف ~~أبو العباس يقاتلهم، فرجعوا عنه، وكمن بعض شذواته، وأمر أن يظهر واحدة ~~منها، فطمعوا فيها وتبعوها حتى أدركوها فعلقوا بسكانها، فخرجت عليهم السفن ~~المكمنة وفيها أبو العباس، فانهزم الزنج، وغنم أبو العباس منهم ست سميريات، ~~وانهزموا لا يلوون على شيء من الخوف، ورجع إلى عسكره سالما، وخلع على ~~الملاحين وأحسن إليهم. # PageV06P376 # ذكر وصول الموفق إلى قتال الزنج وفتح المنيعة # وفيها، في صفر، سار الموفق عن بغداذ إلى واسط لحرب الزنج، وكان سبب تأخره ~~عن ابنه أبي العباس هذه أنه [كان] يجمع ويحشد الفرسان والرجالة، ويستكثر من ~~العدة التي يقوى بها على حرب الزنج، ويسد الجهات التي يخاف فيها لئلا يبقى ~~له ما يشغل قلبه. # إلا أن الخبيث رئيس الزنج قد أرسل إلى علي بن أبان المهلبي يأمره ~~بالاجتماع مع سليمان بن جامع على حرب أبي العباس، فخاف وهنا يتطرق إلى ابنه ~~أبي العباس، فسار عن بغداذ في صفر، فوصل إلى واسط في ربيع الأول، فلقيه ~~ابنه وأخبره بحال جنده وقواده، فخلع عليه وعليهم، ورجع أبو العباس إلى ~~معسكره بالعمر، ثم نزل الموفق على نهر شداد بإزاء قرية عبد ms2565 الله إلى معسكره ~~بالعمر، ثم نزل الموفق على نهر شداد، وأمر ابنه فنزل شرقي دجلة بإزاء فوهة ~~بردودا، وولاه مقدمته، وأعطى الجيش أرزاقهم، وأمر ابنه أن يسير بما معه من ~~آلات الحرب إلى فوهة نهر مساور، فرحل في نخبة أصحابه، ورحل الموفق بعده، ~~فنزل فوهة نهر مساور فأقام يومين. # ثم رحل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس يوم ~~الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة، وسلك بالسفن في نهر ~~مساور، وسارت الخيل بإزائه شرقي نهر مساور، حتى جازوا براطق الذي يوصل إلى ~~المنيعة، وأمر بتعبير الخيل، وتصييرها من الجانبين، وأمر ابنه أبا العباس ~~بالتقدم بالشذا بعامة الجيش، ففعل، فلقيه الزنج، فحاربوه حربا شديدة، ~~ووافاهم أبو أحمد الموفق، والخيل من جانبي النهر، فلما رأوا ذلك انهزموا ~~وتفرقوا وعلا أصحاب أبي العباس السور، ووضعوا السيوف فيمن لقيهم، ودخلوا ~~المدينة فقتلوا فيها خلقا كثيرا، أسروا عالما عظيما، وغنموا ما كان فيها، ~~وهرب الشعراني ومن معه، وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح، فغرق منهم خلق ~~كثير، ولجأ الباقون إلى الآجام. # PageV06P377 # ورجع أبو أحمد إلى معسكره من يومه، وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة ~~آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات، وأمر أبو أحمد بحفظ النساء وحملهن ~~إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن، ثم بكر إلى المدينة، فأمر الناس بأخذ ما فيه ~~فأخذ جميعه، وأمر بهدم سورها، وطم خندقها، وإحراق ما بقي فيها من السفن، ~~وأخذوا من الطعام، والشعير، والأرز، وغير ذلك، ما لا حد عليه، فأمر ببيع ~~ذلك وصرفه إلى الجند. # ولما انهزم سليمان لحق بالمراز، وكتب إلى الخائن، صاحب الزنج بذلك، فورد ~~الكتاب عليه وهو يتحدث، فانحل بطنه، فقام إلى الخلاء دفعات، وكتب إلى ~~سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني، ويأمره بالتيقظ. # وأقام الموفق بنهر مساور يومين يتعرف أخبار الشعراني، وسليمان بن جامع، ~~فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالجوانيت، فسار حتى وافى الصينية، وأمر ~~ابنه أبا العباس بالتقدم بالشذا والسميريات إلى الجوانيت مختفيا، فسار ms2566 أبو ~~العباس إليها، فلم ير سليمان بها، ورأى هناك جمعا من الزنج مع قائدين لهم ~~خلفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلات كثيرة لهم فيها، فحاربهم أبو العباس، ~~ودامت الحرب إلى أن حجز بينهم الليل، واستأمن إلى أبي العباس رجل، فسأله عن ~~سليمان بن جامع، وأخبره أنه مقيم بطهثا، بمدينته التي سماها المنصورة، فعاد ~~أبو العباس إلى أبيه بالخبر، فأمره بالمسير إليه، فسار حتى نزل بردودا، ~~فأقام بها لإصلاح ما يحتاج إليه، واستكثر من الآلات التي يسد بها الأنهار، ~~ويصلح بها الطرق للخيل، وخلف ببردودا بفراج التركي. # ذكر استيلاء الموفق على طهثا # لما فرغ الموفق من الذي يحتاج إليه سار عن بردودا إلى طهثا لعشر بقين من ~~ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر في خيله، وانحدرت ~~السفن والآلات، فنزل بقرية الجوزية، وعقد جسرا، ثم غدا فعبر خيله عليه، ثم ~~عبر بعد ذلك، فسار حتى نزل معسكرا على ميلين من طهثا، فأقام هنالك يومين. # PageV06P378 # ومطرت السماء مطرا شديدا، فشغل عن القتال، ثم ركب لينظر موضعا للحرب، ~~فانتهى إلى قريب من سور مدينة سليمان بطهثا، وهي التي سماها المنصور، ~~فتلقاه خلق كثير، وخرج عليهم كمناء من مواضع شتى، واشتدت الحرب، وترجل ~~جماعة من الفرسان، وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذي كانوا فيه، وأسروا من ~~غلمان الموفق جماعة. # ورمى أبو العباس بن الموفق أحمد بن هندي الحيامي بسهم خالط دماغه، فسقط ~~وحمل إلى العلوي، صاحب الزنج، فلم يلبث أن مات، فحضره الخبيث، وصلى عليه، ~~وعظمت لديه المصيبة بموته، إذ كان أعظم أصحابه (غناء عنه) . # وانصرف الموفق إلى عسكره وقت المغرب وأمر أصحابه بالتحارس ليلتهم والتأهب ~~للحرب، فلما أصبحوا، وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر، عبأ الموفق ~~أصحابه، وجعلهم كتائب يتلو بعضهم بعضا، فرسانا ورجالة، وأمر بالشذا ~~والسميريات أن يسار بها إلى النهر الذي يشق مدينة سليمان، وهو النهر ~~المعروف بنهر المنذر، ورتب أصحابه في المواضع التي يخاف منها، ثم نزل فصلى ~~أربع ركعات، وابتهل إلى الله تعالى ms2567 في النصر، ثم لبس سلاحه، وأمر ابنه ~~العباس أن يتقدم إلى السور، فتقدم إليه، فرأى خندقا، فأحجم الناس عنه، ~~فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم، فاقتحموه وعبروه، وانتهوا إلى الزنج وهم على ~~سورهم. # فلما رأى الزنج تسرعهم إليهم ولوا منهزمين، واتبعهم أصحاب أبي العباس، ~~فدخلوا المدينة، وكان الزنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق ~~سورا، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق، فكشفهم أصحاب أبي العباس، ودخلت ~~الشذا والسميريات المدينة من النهر، فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من سميرية ~~وشذاة، وقتلوا من بجانبي النهر وأسروا حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل ~~بها، وكان مقدار العمارة فيها فرسخا. # PageV06P379 # وحوى الموفق ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه، وكثر القتل ~~فيهم والأسر، واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط، والكوفة، والقرى، وغيرها، ~~وصبيانهم أكثر من عشرين ألفا، فأمر أبو أحمد بحملهم إلى واسط، ودفعهم إلى ~~أهليهم ; وأحذ ما كان فيها من الذخائر، والأموال، وأمر بصرفه إلى الأجناد، ~~وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة، وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفق، ونجا ~~جمع كثير إلى الآجام فأمر أصحابه بطلبهم، فأقام سبعة عشر يوما، وهدم سور ~~المدينة، وطم خنادقها، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا، فكان إذا أتي ~~بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده وغلمانه، لما كان دبره من استمالتهم. # وأرسل في طلب سليمان بن جامع، حتى بلغوا دجلة العوراء، فلم يظفروا به، ~~وأمر زيرك بالمقام بطهثا ليتراجع إلى تلك الناحية أهلها ويأمنوا. # ذكر مسير الموفق إلى الأهواز وإجلاء الزنج عنها # فلما فرغ أبو أحمد الموفق من المنصور رحل نحو الأهواز لإصلاحها وإجلاء ~~الزنج عنها، فأمر ابنه أبا العباس أن يتقدمه، فأمر بإصلاح الطريق للجيوش، ~~استخلف على من ترك من عسكره بواسط ابنه هارون، ولحقه زيرك فأخبره بعود أهل ~~طهثا إليها، وأمن الناس، فأمر الموفق بالانحدار في الشذا والسميريات مع ~~نصير، وتتبع المنهزمين، والإيقاع بهم وبمن ظفروا به من الزنج، حتى ينتهي ~~إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب، وسار. ms2568 # وارتحل الموفق مستهل جمادى الآخرة من واسط حتى أتى السوس، وأمر مسرورا ~~بالقدوم عليه، وهو عامله هناك، فأتاه. # وكان الخبيث لما بلغه ما عمل الموفق بسليمان بن جامع والزنج خاف أن يأتيه ~~وهو على حال تفرق أصحابه عنه، وكتب إلى علي بن أبان بالقدوم عليه، وكان ~~بالأهواز في # PageV06P380 # ثلاثين ألفا، فترك جميع ما كان عنده من طعام ودواب وأغنام، وغير ذلك، ~~واستخلف عليه محمد بن يحيى الكرنبائي، فلم يقم، واتبع عليا. # وكتب صاحب الزنج أيضا إلى بهبود بن عبد الوهاب، وهو بالفندم والباسيان ~~وما اتصل بهما، يأمره بالقدوم عليه، فترك ما كان عنده من الذخائر، وسار ~~نحوه، فحوى ذلك جميعه الموفق، وقوي به على حرب الخبيث. # ولما سار علي بن أبان عن الأهواز تخلف بها جمع من أصحابه، زهاء ألف رجل، ~~فأرسلوا إلى الموفق يطلبون الأمان فأمنهم، فقدموا عليه، فأجرى عليهم ~~الأرزاق، ثم رحل عن السوس إلى جنديسابور، وتستر، وجبى الأموال، ووجه إلى ~~محمد بن عبيد الله الكردي، وكان خائفا منه، فأمنه وعفا عنه، فطلب منه ~~الأموال والعساكر، فحضر عنده فأحسن إليه. # ثم رحل إلى عسكر مكرم، ووافى الأهواز، ثم رحل عنها إلى نهر المبارك من ~~فرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون ليوافيه بجميع الجيش إلى نهر المبارك، ~~فلقيه الجيش بالمبارك منتصف رجب. # وكان زيرك، ونصير لما خلفهما الموفق ليتتبعا الزنج انحدرا حتى وافيا ~~الأبلة، فأستأمن إليهما رجل أخبرهما أن الخبيث قد أنفذ إليهما عددا كثيرا ~~في الشذا، والسميريات إلى دجلة ليمنع عنها من يريدها، فإنهم يريدون عسكر ~~نصير، وكان عسكره بنهر المرأة، فرجع نصير إلى عسكره من الأبلة لما بلغه ~~ذلك، وسار زيرك من طريق آخر، لأنه قدر أن الزنج يأتون عسكر نصير من ذلك ~~الوجه، فكان كذلك، فلقيهم في طريقهم، فظفر بهم، وانهزموا منه، وكانوا قد ~~جعلوا كمينا، فدل زيرك عليه، فتوغل حتى أتاه فقتل من الكمناء جماعة وأسر ~~جماعة. # PageV06P381 # وكان ممن ظفر به مقدم الزنج، وهو أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري وهو من ~~أكابر قوادهم، وأخذ ms2569 منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية، فجزع لذلك جميع الزنج، ~~فأستأمن إلى نصير منهم زهاء ألفي رجل، فكتب بذلك إلى الموفق، فأمره بقبولهم ~~والإقبال إليه بالنهر المبارك، فوافاه هناك. # وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى محاربة العلوي بنهر أبي الخصيب، ~~فسار إليه، فحارب من بكرة إلى الظهر، فأستأمن إليه قائدا من قواد العلوي ~~ومعه جماعة، فكسر ذلك الخبيث، وعاد أبو العباس بالظفر، وكتب الموفق إلى ~~العلوي كتابا يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك ~~الدماء، وانتهاك المحارم، وإخراب البلدان، واستحلال الفروج والأموال، ~~وادعاء النبوة والرسالة، ويبذل له الأمان، فوصل الكتاب إليه، فقرأه، ولم ~~يكتب جوابه. # ذكر محاصرة مدينة صاحب الزنج # لما أنفذ الموفق الكتاب إلى العلوي، ولم يرد جوابه، عرض عسكره، وأصلح ~~آلاته، ورتب قواده، ثم سار هو وابنه أبو العباس في العشرين من رجب إلى ~~مدينة الخبيث التي سماها المختارة، وأشرف عليها، وتأملها ورأى حصانتها ~~بالأسوار والخنادق، وغور الطريق إليها، وما أعد من المجانيق والعرادات، ~~والقسي، وسائر الآلات على سورها، مما لم ير مثله لمن تقدم من منازعي ~~السلطان، ورأى من كثرة عدد المقاتلة ما استعظمه. # فلما عاين الزنج أصحاب الموفق ارتفعت أصواتهم حتى ارتجت الأرض، فأمر ~~الموفق ابنه بالتقدم إلى سور المدينة، والرمي لمن عليه بالسهام، فتقدم حتى ~~ألصق شذواته بمسناة قصر الخبيث، فكثر الزنج وأصحابهم على أبي العباس ومن ~~معه، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ومقاليعهم، ورمى عوامهم بالحجارة عن ~~أيديهم، حتى ما يقع الطرف إلا على سهم أو حجر. # وثبت أبو العباس، فرأى العلوي من صبره وثبات أصحابه ما لم ير مثله من أحد # PageV06P382 # [ممن] حاربهم، ثم أمرهم الموفق بالرجوع ففعلوا، استأمن إلى الموفق مقاتلة ~~في سميريتين، فأمنهم، فخلع على من فيهما من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ~~ووصلهم وأمر بإدنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم، وكان ذلك من أنجع ~~المكايد، فلما رآهم الباقون رغبوا في الأمان، وتنافسوا فيه، وابتدروا إليه، ~~فصار إلى الموفق عدد كثير ذلك اليوم من أصحاب السميريات، فعمهم بالخلع ms2570 ~~والصلات. # فلما رأى صاحب الزنج ذلك أمر برد أصحابه إلى السميريات إلى نهر أبي ~~الخصيب، ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بهبود، وهو من شر ~~قواده، أن يخرج في الشذوات، فخرج وبرز إليه أبو العباس في شذواته، وقاتله، ~~واشتدت الحرب، فانهزم بهبود إلى فناء قصر الخبيث، وأصابته طعنتان، وجرح ~~بالسهام، وأوهنت أعضاؤه بالحجارة، فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على ~~الموت، فقتل ممن كان معه قائد ذو بأس يقال له عميرة، وظفر أبو العباس بشذاة ~~فقتل أهلها، ورجع هو ومن معه سالمين، فاستأمن إلى أبي العباس أهل شذاة ~~منهم، فأمنهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. # ورجع الموفق ومن معه إلى عسكره بالنهر المبارك، استأمن إليه عند منصرفه ~~خلق كثير، فأمنهم، وخلع عليهم، ووصلهم، وأثبت أسماءهم مع أبي العباس، وأقام ~~عسكره يومين، ثم نقل عسكره لست بقين من رجب إلى نهر جطى فنزله، وأقام به ~~إلى منتصف شعبان لم يقاتل. # ثم ركب منتصف شعبان في الخيل والرجال وأعد الشذا والسميريات، وكان من معه ~~من الجند والمتطوعة زهاء خمسين ألفا، وكان من مع الخبيث أكثر من ثلاثمائة ~~ألف إنسان، كلهم ممن يقاتل بسيف، أو رمح، أو قوس، أو مقلاع، أو منجنيق، ~~وأضعفهم رماة الحجارة من أيديهم، وهم النظارة، والنساء تشركهم في ذلك، ~~فأقام أبو أحمد ذلك اليوم، ونودي بالأمان للناس كافة إلا الخبيث، وكتب ~~الأمان في رقاع، ورماها في السهام، ووعد فيها الإحسان، فمالت قلوب أصحاب ~~الخبيث، واستأمن ذلك اليوم خلق كثير، فخلع عليهم ووصلهم، ولم يكن ذلك اليوم ~~حرب. # ثم رحل من نهر جطى من الغد، فعسكر قرب مدينة الخبيث، ورتب قواده # PageV06P383 # وأجناده، وعين لكل طائفة موضعا يحافظون عليه ويضبطونه، وكتب الموفق إلى ~~البلاد في عمل السميريات، والشذوات، والزواريق، والإكثار منها ليضبط بها ~~الأنهار، ليقطع الميرة عن الخبيث، وأسس في منزلته مدينة سماها الموفقية، ~~وكتب إلى عماله في النواحي بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى ~~مدينته، وأمرهم بإنفاذ من يصلح للإثبات في الديوان، وأقام ينتظر ذلك شهرا، ~~فوردت عليه ms2571 الميرة متتابعة، وجهز التجار صنوف التجارات إلى الموفقية، ~~واتخذت فيها الأسواق، ووردتها مراكب البحر، وبنى الموفق بها المسجد الجامع، ~~وأمر الناس بالصلاة فيه، فجمعت هذه المدينة من المرافق، وسيق إليها من صنوف ~~الأشياء ما لم يكن في مصر من الأمصار القديمة وحملت الأموال، وأدرت ~~الأرزاق. # وعبرت طائفة من الزنج، فنهبوا أطراف عسكر نصير، وأوقعوا به، فأمر الموفق ~~نصيرا بجمع عسكره وضبطهم، وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى طائفة ~~من الزنج كانوا خارج المدينة، فقاتلهم، فقتل منهم خلقا كثيرا، وغنم ما كان ~~معهم، فصار إليه منهم في الأمان، فأمنهم، وخلع عليهم ووصلهم، وأقام أبو ~~أحمد يكايد الخبيث ببذل الأموال لمن صار إليه، ومحاصرة الباقين، والتضييق ~~عليهم. # وكانت قافلة قد أتت من الأهواز، وأسرى إليها بهبود في سميريات فأخذها، ~~وعظم ذلك على الموفق، وغرم لأهلها ما أخذ منهم، وأمر بترتيب الشذوات على ~~مخارج الأنهار، وقلد ابنه أبا العباس الشذا، وحفظ الأنهار بها من البحر إلى ~~المكان الذي هم به. # وفي رمضان عبر طائفة من أصحاب الخبيث يريدون الإيقاع بنصير، (فنذر بهم ~~الناس، فخرجوا إليهم) فردوهم خائبين، وظفروا بصندل الزنجي، كان يكشف رءوس ~~المسلمات، ويقلبهن تقليب الإماء، فلما أتي به أمر الموفق أن يرمى بالسهام ~~ثم قتله. # PageV06P384 # واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير، فبلغت عدة من استأمن إليه في آخر ~~رمضان خمسين ألفا. # وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلاف من شجعانهم وقوادهم، وأمر ~~علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر الموفق، فكان فيهم أكثر من مائتي ~~قائد، فعبروا ليلا، واختفوا في آخر النخل، وأمرهم، إذا ظهر أصحابهم، ~~وقاتلوا الموفق من بين يديه، ظهروا، وحملوا على عسكره وهم غارون، مشاغيل ~~بحرب من أمامهم، فأستأمن منهم إنسان من الملاحين، فأخبر الموفق، فسير ابنه ~~أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق التي يسلكونها، فقاتلوا قتالا شديدا، وأسر ~~أكثرهم، وغرق منهم خلق كثير، وقتل بعضهم، ونجا بعضهم، فأمر أبو العباس أن ~~يحمل الأسرى، والرءوس، والسميريات ويعبر بهم على مدينة الخبيث، ففعلوا ذلك. # وبلغ الموفق ms2572 أن الخبيث قال لأصحابه: إن الأسرى من المستأمنة، وإن الرءوس ~~تمويه عليهم، فأمر بإلقاء الرءوس في منجنيق إليهم، فلما رأوها عرفوها، ~~فأظهروا الجزع والبكاء، وظهر لهم كذب الخبيث. # وفيها أمر الخبيث باتخاذ شذوات، فعملت له، فكانت له خمسون شذاة فقسمها ~~بين ثلاثة من قواده، وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفق ; وكانت شذوات الموفق ~~يومئذ قليلة لأنه لم يصل إليه ما أمر بعمله، والتي كانت عنده منها فرقها ~~على أفواه الأنهار لقطع الميرة عن الخبيث، فخافهم أصحاب الموفق، فورد عليهم ~~شذوات كان الموفق أمر بعملها، فسير ابنه أبا العباس ليوردها خوفا عليها من ~~الزنج، فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذواتهم، فقصدهم غلام لأبي ~~العباس ليمنعهم، وقاتلهم، فانكشفوا بين يديه، وتبعهم حتى أدخلهم نهر ~~الخصيب، انقطع عن أصحابه، فعطفوا عليه، فأخذوه، ومن معه بعد حرب شديدة، ~~فقتلوا، وسلمت الشذوات مع أبي العباس، وأصلحها، ورتب فيها من يقاتل. # ثم أقبلت شذوات العلوي على عادتها، فخرج إليهم أبو العباس في أصحابه، ~~فقاتلهم، فهزمهم، وظفر منهم بعدة شذوات، فقتل منهم من ظفر به فيها، فمنع ~~الخبيث أصحابه من الخروج عن فناء قصره، وقطع أبو العباس الميرة عنهم، فاشتد ~~جزع # PageV06P385 # الزنج، وطلب جماعة من وجوه أصحابه الأمان، فأمنوا، وكان منهم محمد بن ~~الحارث القمي، وكان إليه ضبط السور مما يلي عسكر الموفق، فيخرج ليلا، فأمنه ~~الموفق، ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج معه، وحمله على عدة دواب بآلاتها ~~وحليتها، وأراد إخراج زوجته فلم يقدر، فأخذها الخبيث فباعها ; ومنهم أحمد ~~اليربوعي، وكان من أشجع رجال العلوي، وغيرهما، فخلع عليهم، ووصلهم بصلات ~~كثيرة. # ولما انقطعت الميرة والمواد عن العلوي أمر شبلا وأبا البذي، وهما من ~~رؤساء قواده [الذين] يثق بهم، بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاثة ~~وجوه للغارة على المسلمين، وقطع الميرة عن الموفق، فسير الموفق إليهم زيرك ~~في جمع من أصحابه، فلقيهم بنهر ابن عمر، فرأى كثرتهم، فراعه ذلك، ثم استخار ~~الله تعالى في قتالهم، فحمل عليهم وقاتلهم، فقذف الله تعالى الرعب في ~~قلوبهم فانهزموا، ووضع ms2573 فيهم السيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم مثل ~~ذلك، وأسر خلقا كثيرا، وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق ما أمكنه تغريقه، ~~وكان ما أخذه من سفنهم نحو أربعمائة سفينة، وأقبل بالأسارى والرءوس إلى ~~مدينة الموفق. # ذكر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج # وفيها عبر الموفق إلى مدينة الخبيث لست بقين من ذي الحجة ; وكان سبب ذلك ~~أن جماعة من قواد الخبيث لما رأوا ما حل بهم من البلاء من قبل من يظهر ~~منهم، وشدة الحصار على من لزم المدينة، وحال من خرج بالأمان، جعلوا يهربون ~~من كل وجه، ويخرجون إلى الموفق بالأمان. # فلما رأى الخبيث ذلك جعل على الطرق التي يمكنهم الهرب منها من يحفظها، ~~فأرسل جماعة من القواد إلى الموفق يطلبون الأمان، وأن يوجه لمحاربة الخبيث ~~جيشا ليجدوا طريقا إلى المصير إليه، فأمر ابنه أبا العباس بالمسير إلى ~~النهر الغربي، وبه علي بن أبان (يحميه فنهض أبو العباس ومعه الشذوات، ~~والسميريات، والمعابر، # PageV06P386 # فقصده، وتحارب هو وعلي بن أبان) ، واشتدت الحرب، واستظهر أبو العباس على ~~الزنج، وأمد الخبيث أصحابه بسليمان بن جامع في جمع كثير، فاتصلت الحرب من ~~بكرة إلى العصر، وكان الظفر لأبي العباس، (وصار إليه القوم الذين طلبوا ~~الأمان. # واجتاز أبو العباس) بمدينة الخبيث عند نهر الأتراك، فرأى قلة الزنج هناك، ~~فطمع فيهم، فقصدهم أصحابه وقد انصرف أكثرهم إلى الموفقية، فدخلوا ذلك ~~المسلك، (وصعد جماعة منهم السور وعليه فريق من الزنج، فقتلوهم وسمع العلوي) ~~فجهز أصحابه لحربهم، فلما رأى أبو العباس اجتماعهم وحشدهم لحربه مع قلة ~~أصحابه، رحل فأرسل إلى الموفق يستمده، فأتاه من خف من الغلمان، فظهروا على ~~الزنج فهزموهم. # وكان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أبي العباس سار في النهر مصعدا في جمع ~~كبير، ثم أتى أصحاب أبي العباس من خلفهم، وهم يحاربون من بإزائهم، وخفقت ~~طبوله، فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج، ~~فأصيب جماعة من غلمان الموفق وغيرهم، فأخذ الزنج عدة أعلام، وحامى أبو ~~العباس عن ms2574 أصحابه، فسلم أكثرهم ثم انصرف. # وطمع الزنج بهذه الوقعة، وشدت قلوبهم، فأجمع الموفق على العبور إلى ~~مدينتهم بجيوشه أجمع، وأمر الناس بالتأهب، وجمع المعابر، والسفن وفرقها ~~عليهم، وعبر يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وفرق أصحابه على المدينة ~~ليضطر الخبيث إلى تفرقة أصحابه، وقصد الموفق إلى ركن من أركان المدينة، وهو ~~أحصن ما فيها، وقد أنزله الخبيث ابنه، وهو أنكلاي، وسليمان بن جامع، وعلي ~~بن أبان، وغيرهم، وعليه من المجانيق، والآلات للقتال ما لا حد [له] . # فلما التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه بالدنو من ذلك الركن، وبينهم وبين ~~ذلك السور نهر الأتراك، وهو نهر عريض كثير الماء، فأحجموا عنه، فصاح بهم ~~الموفق، وحرضهم على العبور، فعبروا سباحة، والزنج ترميهم بالمجانيق، ~~والمقاليع، والحجارة، # PageV06P387 # والسهام، فصبروا حتى جاوزوا النهر، وانتهوا إلى السور، ولم يكن عبر معهم ~~من الفعلة من كان أعد لهدم السور، فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم ~~من السلاح، وسهل الله تعالى ذلك، وكان معهم بعض السلاليم، فصعدوا على ذلك ~~الركن، ونصبوا علما من أعلام الموفق، فانهزم الزنج عنه، وأسلموه بعد قتال ~~شديد، وقتل من الفريقين خلق كثير ; ولما علا أصحاب الموفق السور أحرقوا ما ~~كان عليه من منجنيق وقوس وغير ذلك. # وكان أبو العباس قصد ناحية أخرى، فمضى علي بن أبان إلى مقاتلته، فهزمه ~~أبو العباس، وقتل جمعا كثيرا من أصحابه (ونجا علي، ووصل) أصحاب أبي العباس ~~إلى السور، فثلموا فيه ثلمة، ودخلوه، فلقيهم سليمان ابن جامع، فقاتلهم حتى ~~ردهم إلى مواضعهم، ثم إن الفعلة وافوا السور فهدموه في عدة مواضع، فعملوا ~~على الخندق جسرا، فعبر عليه الناس من ناحية الموفق، فانهزم الزنج عن سور ~~باب كانوا قد اعتصموا به، وانهزم الناس معهم، وأصحاب الموفق يقتلونهم، حتى ~~انتهوا إلى نهر ابن سمعان، وقد صارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق، ~~فأحرقوها، وقاتلهم الزنج هناك، ثم انهزموا حتى بلغوا ميدان الخبيث، فركب في ~~جمع من أصحابه، فانهزم أصحابه عنه، وقرب منه بعض رجالة الموفق، فضرب وجه ~~فرسه ms2575 بترسه، وكان ذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفق الناس بالرجع، فرجعوا ~~ومعهم من رءوس أصحاب الخبيث شيء كثير. # وكان قد استأمن إلى أبي العباس أول النهار نفر من قواد الخبيث، فتوقف ~~عليهم حتى حملهم في السفن، وأظلم الليل، وهبت ريح عاصف، وقوي الجزر، فلصق ~~أكثر السفن بالطين، فخرج جماعة من الزنج فنالوا منها، وقتلوا فيها نفرا، ~~وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي، فأوقع بأصحاب مسرور، وقتل منهم جماعة، وأسر ~~جماعة، فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفق. # وكان بعض أصحاب الخبيث قد انهزم على وجهه نحو نهر الأمير، والقندل، ~~وعبادان، وهرب جماعة من الأعراب إلى البصرة، وأرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم ~~الموفق، # PageV06P388 # وخلع عليهم، وأجرى الأرزاق عليهم. # وكان ممن رغب في الأمان من قواد الفاجر ريحان بن صالح المغربي، وكان من ~~رؤساء أصحابه، أرسل يطلب الأمان، وأن يرسل جماعة إلى مكان ذكره ليخرج إليهم ~~ففعل الموفق، فصار إليه فخلع عليه، وأحسن إليه ووصله، وضمه إلى أبي العباس، ~~واستأمن من بعده جماعة من أصحابه ; وكان خروج ريحان لليلة بقيت من ذي الحجة ~~من السنة. # ذكر الحرب بين الخوارج ببلد الموصل # في هذه السنة كان بين هارون الخارجي وبين محمد بن خرزاد، وهو من الخوارج ~~أيضا، وقعة ببعدرى من أعمال الموصل. # وسبب ذلك أنا قد ذكرنا، سنة ثلاث وستين ومائتين الحرب الحادثة بين هارون، ~~ومحمد بعد موت مساور، فلما كان الآن جمع محمد بن خرزاد أصحابه وسار إلى ~~هارون محاربا له، فنزل واسط، وهي محلة بالقرب من الموصل، وكان يركب البقر ~~لئلا يفر من القتال، ويلبس الصوف الغليظ، ويرقع ثيابه، وكان كثير العبادة ~~والنسك، ويجلس على الأرض ليس بينها وبينه حائل. # فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل الموصل، وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب ~~محمد، فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار إليه ورحل ابن خرزاد نحوه، ~~فالتقوا بالقرب من قرية شمرخ، واقتتلوا قتالا شديدا كان فيه مبارزة، وحملات ~~كثيرة، فانهزم هارون، وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل، منهم جماعة من الفرسان ~~المشهورين، ومضى هارون ms2576 منهزما، فعبر دجلة إلى الغرب قاصدا بني تغلب، فنصروه ~~واجتمعوا إليه، ورجع ابن خرزاد من حيث أقبل، وعاد هارون إلى الحديثة، ~~فاجتمع عليه خلق كثير، وكاتب أصحاب ابن خرزاد، واستمالهم، فأتاه منهم ~~الكثير، ولم يبق مع ابن خرزاد إلا عشيرته من الشمردلية، وهم من أهل شهرزور، ~~وإنما فارقه أصحابه لأنه كان # PageV06P389 # خشن العيش، وهو ببلد شهرزور، وهو بلد كثير الأعداء، من الأكراد وغيرهم. # وكان هارون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه، فلما رأى أصحاب ابن ~~خرزاد ذلك مالوا إليه وقصدوه، وواقع ابن خرزاد بنواحي شهرزور الأكراد ~~الجلالية وغيرهم، فقتل، وتفرد هارون (بالرئاسة على الخوارج) ، وقوي وكثر ~~أتباعه، وغلبوا على القرى، والرساتيق، وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من ~~الأموال المنحدرة والمصعدة، وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من ~~الغلات. # ذكر عدة حوادث # (في هذه السنة ابتدر ابن حفصون بالأندلس بالخلاف على محمد بن عبد الرحمن، ~~صاحب الأندلس، بناحية رية، فخرج إليه جيش من تلك الناحية مع عاملها، ~~فقاتله، فانهزم الجيش، وقوي أمر عمر بن حفصون، وشاع ذكره، وأتاه من يريد ~~الشر والفساد، فسير محمد صاحب الأندلس عاملا آخر في جيش، فصالحه عمر، فطلب ~~العامل كل من كان له أثر في مساعدة عمر، فأهلكه، وفيهم من أبعده، فاستقامت ~~تلك الناحية. # وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام، ومصر، وبلاد الجزيرة، وإفريقية، ~~والأندلس، وكان قبلها هدة عظيمة قوية. # وفيها ولي جزيرة صقلية الحسن بن العباس، فبث السرايا إلى كل ناحية، وخرج ~~إلى قطانية فأفسد زرعها وزرع طبرمين، وقطع أشجارها، وسار إلى بقارة فأفسد ~~زرعها، وانصرف إلى بلرم، وأخرجت الروم سرايا فأصابوا من المسلمين كثيرا، ~~وذلك أيام الحسن بن العباس) . # وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وعدة من أهل بيته، بعد ظفر ~~الخجستاني بعمرو بن الليث، وكان عمرو اتهمه بمكاتبة الخجستاني والحسين بن ~~طاهر، حيث كان يذكر أنه على منابر خراسان. # PageV06P390 # وفيها كانت بين كيغلغ التركي وبين أصحاب أحمد بن عبد العزيز (ابن أبي دلف ~~حرب انهزم فيها أصحاب أحمد، وسار ms2577 كيغلغ إلى همذان، فوافاه أحمد بن عبد ~~العزيز) فيمن اجتمع إليه من أصحابه، فانهزم كيغلغ وانحاز إلى الصيمرة. # وفيها في ربيع الآخر ماتت أم حبيب بنت الرشيد. # وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق، وإسحاق بن أيوب، وعيسى ابن الشيخ، ~~وأبي المغرا، وحمدان بن حمدون، ومن اجتمع إليهم من ربيعة، وتغلب، وبكر، ~~واليمن، فهزمهم ابن كنداجيق إلى نصيبين، وتبعهم إلى آمد، وخلف على آمد من ~~حصر عيسى، فكانت بينهم وقعات عند آمد. # وفيها دخل الخجستاني نيسابور، وانهزم عمرو بن الليث وأصحابه، فأساء ~~السيرة في أهلها، وهدم دور معاذ بن مسلم، وضرب من قدر عليه منهم، وترك ذكر ~~محمد بن طاهر، ودعا للمعتمد ولنفسه. # وفيها في شوال كانت لأصحاب أبي الساج وقعة بالهيصم العجلي قتلوا فيها ~~مقدمته، وغنموا عسكره. # وفيها أقبل أحمد بن عبد الله الخجستاني يريد العراق، فبلغ سمنان، وتحصن ~~منه أهل الري، فرجع إلى خراسان. # وفيها رجع خلق كثير من الحجاج من طريق مكة لشدة الحر، ومضى خلق كثير، ~~فمات منهم عالم عظيم من الحر، والعطش، وذاك كله في البيداء وأوقعت فزارة ~~فيها بالتجار، فأخذ فيما قيل سبعمائة حمل بز. # (وفيها نفي الطباع من سامرا) . # PageV06P391 # وفيها ضرب الخجستاني لنفسه دنانير ودراهم. # وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرئ صاحب خلف بن ~~هشام، في ربيع الآخر، ببغداذ. # PageV06P392 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين] ### | 268 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين # ذكر أخبار الزنج # في هذه السنة في المحرم خرج إلى الموفق من قواد الخبيث جعفر بن إبراهيم ~~المعروف بالسجان، وكان من ثقات الخبيث، فارتاع لذلك، وخلع عليه الموفق، ~~وأحسن إليه، وحمله في سميرية إلى إزاء قصر الخبيث، فكلم الناس من أصحابه، ~~وأخبرهم أنهم في غرور، وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره، فاستأمن ~~في ذلك اليوم خلق كثير من قواد الزنج وغيرهم، فأحسن إليهم الموفق، وتتابع ~~الناس في طلب الأمان. # ثم ms2578 أقام الموفق لا يحارب ليريح أصحابه إلى شهر ربيع الآخر، فلما انتصف ~~ربيع الآخر قصد الموفق إلى مدينة الخبيث، وفرق قواده على جهاتها، وجعل مع ~~كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور، وتقدم إلى جميعهم أن لا ~~يزيدوا على هدم السور، ولا يدخلوا المدينة، وتقدم إلى الرماة أن يحموا ~~بالسهام من يهدم السور وينقبه، فتقدموا إلى المدينة من جهاتها وقابلوها، ~~فوصلوا إلى السور، وثلموه في مواضع كثيرة. # (ودخل أصحاب الموفق من جميع تلك الثلم، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم) ، ~~فهزمهم أصحاب الموفق وتبعوهم حتى أوغلوا في طلبهم، فاختلفت # PageV06P393 # بهم طرق المدينة، فبلغوا أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة ~~الأولى، وأحرقوا، وأسروا، وتراجع الزنج عليهم، وخرج الكمناء من مواضع ~~يعرفونها ويجهلها الآخرون، فتحيروا، ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحو دجلة ~~بعد أن قتل منهم جماعة، وأخذ الزنج أسلابهم. # ورجع الموفق إلى مدينته، وأمر بجمعهم، فلامهم على مخالفة أمره، والإفساد ~~عليه من رأيه وتدبيره، وأمر بإحصاء من فقد، وأقر ما كان لهم من رزق على ~~أولادهم وأهليهم، فحسن ذلك عندهم، وزاد في صحة نياتهم. # ذكر الوقعة بين المعتضد والأعراب # وفي هذه السنة أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق - وهو المعتضد بالله - ~~بقوم من الأعراب كانوا يحملون الميرة إلى عسكر الخبيث، فقتل منهم جماعة ~~وأسر الباقين، وغنم ما كان معهم، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع ~~الميرة. # وسير الموفق رشيقا مولى أبي العباس، فأوقع بقوم من بني تميم كانوا يجلبون ~~الميرة إلى الخبيث، فقتل أكثرهم، وأسر جماعة منهم، فحمل الأسرى، والرءوس ~~إلى الموفقية، فأمر بهم الموفق، فوقفوا بإزاء عسكر الزنج، وكان فيهم رجل ~~يسفر بين صاحب الزنج والأعراب بجلب الميرة، فقطعت يده ورجله، وألقي في عسكر ~~الخبيث، وأمر بضرب أعناق الأسارى، وانقطعت الميرة بذلك عن الخبيث بالكلية، ~~فأضر بهم الحصار، وأضعف أبدانهم، فكان يسأل الأسير، والمستأمن عن عهده ~~بالخبز فيقول: عهدي به منذ زمان طويل. # فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق أن يتابع عليهم الحرب ليزيدهم ضرا ~~وجهدا، فكثر ms2579 المستأمنون في هذا الوقت، وخرج كثير من أصحاب الخبيث، فتفرقوا ~~في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت، فبلغ ذلك الموفق، فأمر جماعة من ~~قواد غلمانه السودان بقصد تلك الموضع ودعوة من بها إليه، فمن أبى قتلوه، ~~فقتلوا منهم خلقا # PageV06P394 # كثيرا، وأتاه أكثر منهم. # فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم، فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه ~~وخلطه بغلمانه، ومن كان منهم ضعيفا، أو شيخا، أو جريحا قد أزمنته الجراحة ~~كساه، وأعطاه دراهم، وأمر به أن يحمل إلى عسكر الخبيث (فيلقى هناك) ، ويؤمر ~~بذكر ما رأى من إحسان الموفق إلى من صار إليه، وأن ذلك رأيه فيهم. فتهيأ له ~~بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث. # وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلازمان قتال الخبيث تارة هذا وتارة هذا، ~~وجرح أبو العباس ثم برأ. # وكان من جملة من قتل من (أعيان قواد) الخبيث بهبود بن عبد الوهاب، وكان ~~كثير الخروج في السميريات، وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفق، فإذا ~~رأى من يستضعفه أخذه، وأخذ من ذلك مالا جزيلا، فواقعه في بعض خرجاته أبو ~~العباس، فأفلت بعد أن أشفى على الهلاك، ثم إنه خرج مرة أخرى فرأى سميرية ~~فيها بعض أصحاب أبي العباس، فقصدها طامعا في أخذها، فحاربه أهلها، فطعنه ~~غلام من غلمان أبي العباس في بطنه فسقط في الماء، فأخذه أصحابه، فحملوه إلى ~~عسكر الخبيث، فمات قبل وصوله، (فأراح الله المسلمين من شره) . # وكان قتله من أعظم الفتوح، وعظمت الفجيعة على الخبيث وأصحابه، واشتد ~~جزعهم عليه، وبلغ الخبر الموفق بقتله، فأحضر ذلك الغلام، فوصله، وكساه، ~~وطوقه، وزاد في أرزاقه، وفعل بكل من كان معه في تلك السميرية نحو ذلك. # ثم ظفر الموفق بالذوائبي، وكان ممايلا لصاحب الزنج. # PageV06P395 # ذكر أخبار رافع بن هرثمة # لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني، على ما ذكرناه، وكان قتله هذه ~~السنة، اتفق أصحابه على رافع بن هرثمة فولوه أمرهم. # وكان رافع هذا من أصحاب محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، فلما استولى ~~يعقوب بن ms2580 الليث على نيسابور، وأزال الطاهرية، صار رافع في جملته، فلما عاد ~~يعقوب إلى سجستان صحبه رافع، وكان طويل اللحية، كريه الوجه، قليل الطلاقة، ~~فدخل يوما على يعقوب، فلما خرج من عنده قال: أنا لا أميل إلى هذا الرجل، ~~فليلحق بما شاء من البلاد، فقيل له ذلك، ففارقه وعاد إلى منزله بتامين، وهي ~~من باذغيس، وأقام به إلى أن استقدمه الخجستاني، على ما ذكرناه، وجعله صاحب ~~جيشه. # فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش عليه، وهو بهراة، فأمروه كما ذكرنا. # وسار رافع من هراة إلى نيسابور، وكان أبو طلحة بن شركب قد وردها من ~~جرجان، فحصره فيها رافع وقطع الميرة عنه وعن نيسابور، (فاشتد الغلاء بها، ~~ففارقها أبو طلحة، ودخلها رافع فأقام بها) ، وذلك سنة تسع وستين ومائتين، ~~فسار أبو طلحة إلى مرو، وولى محمد بن مهتدي هراة، وخطب لمحمد بن طاهر بمرو ~~وهراة، فقصده عمرو بن الليث، فحاربه، فهزمه، واستخلف عمرو بمرو محمد بن سهل ~~بن هاشم، وعاد عنها، وخرج شركب إلى بيكند، واستعان بإسماعيل بن أحمد ~~الساماني، فأمده بعسكره، فعاد إلى مرو، فأخرج عنها محمد بن سهل، وأغار على ~~أهل البلد، وخطب لعمرو بن الليث، وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين [ومائتين] ~~. # وقلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان محمد بن طاهر، وكان ببغداذ فاستخلف ~~محمد على أعماله رافع بن هرثمة، ما خلا ما وراء النهر فإنه أقر عليه نصر بن ~~أحمد، ووردت كتب الموفق إلى خراسان بذلك، وبعزل عمرو بن الليث ولعنه، فسار ~~رافع إلى هراة وبها محمد بن مهتدي خليفة أبي طلحة شركب، فقتله يوسف بن ~~معبد، وأقام بهراة، فلما وافاه رافع استأمن إليه يوسف فأمنه وعفا عنه، ~~فاستعمل على هراة مهدي بن محسن، فاستمد رافع إسماعيل بن أحمد، فسار إليه ~~بنفسه في أربعة آلاف فارس، واستقدم رافع أيضا علي بن الحسين المروروذي، ~~فقدم عليه، فساروا بأجمعهم إلى # PageV06P396 # شركب، وهو بمرو، فحاربوه فهزموه، وعاد إسماعيل (إلى محازل) (؟) وذلك سنة ~~اثنتين وسبعين ومائتين، فسار شركب إلى هراة، فطابقه مهدي وخالف رافعا، ms2581 ~~فقصدهما رافع فهزمهما. # وأما شركب فإنه لحق بعمرو بن الليث، وأما مهدي فإنه اختفى في سرب، فدل ~~عليه رافع، فأخذه، وقال له: تبا لك يا قليل الوفاء! ثم عفا عنه وخلى سبيله، ~~وسار رافع إلى خوارزم سنة اثنتين وسبعين [ومائتين] ، فجبى أموالها، ورجع ~~إلى نيسابور. # ذكر الحوادث بالأندلس وبإفريقية # في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا مع ابنه المنذر ~~إلى المخالفين عليه، فقصد مدينة سرقسطة، فأهلك زرعها، وخرب بلدها، وافتتح ~~حصن روطة، فأخذ منه عبد الواحد الروطي، وهو من أشجع أهل زمانه، وتقدم إلى ~~دير تروجة، وبلد محمد بن مركب بن موسى، فهتكهما بالغارة، وقصد مدينة لاردة، ~~وقرطاجة، فكان فيها إسماعيل بن موسى، فحاربه، فأذعن إسماعيل بالطاعة، وترك ~~الخلاف، وأعطى رهائنه على ذلك، وقصد مدينة أنقرة وهي للمشركين، فافتتح ~~هنالك حصونا وعاد. # وفيها أوقع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بأهل بلد الزاب، وكان قد حضر ~~وجوههم عنده، فأحسن إليهم، ووصلهم، وكساهم، وحملهم، ثم قتل أكثرهم، حتى ~~الأطفال، وحملهم على العجل إلى حفرة فألقاهم فيها. # وفيها سارت سرية بصقلية مقدمها رجل يعرف بأبي الثور، فلقيهم جيش الروم، ~~فأصيب المسلمون كلهم غير سبعة نفر. # وعزل الحسن بن العباس عن صقلية، ووليها محمد بن الفضل، فبث السرايا في # PageV06P397 # كل ناحية من صقلية، وخرج هو في حشد وجمع عظيم، فسار إلى مدينة قطانية ~~فأهلك زرعها، ثم رحل إلى أصحاب الشلندية فقاتلهم، فأصاب فيهم فأكثر القتل، ~~ثم رحل إلى طبرمين فأفسد زرعها، ثم رحل فلقي عساكر الروم، فاقتتلوا، فانهزم ~~الروم، وقتل أكثرهم فكانت عدة القتلى ثلاثة آلاف قتيل، ووصلت رءوسهم إلى ~~بلرم. # ثم سار المسلمون إلى قلعة كان الروم بنوها عن قريب، وسموها مدينة الملك، ~~فملكها المسلمون عنوة، وقتلوا مقاتلتها، وسبوا من فيها. # ذكر عدة حوادث # فيها سار عمرو بن الليث إلى فارس لحرب عاملها محمد بن الليث عليها، فهزمه ~~عمرو، واستباح عسكره، ونجا محمد، ودخل عمرو إصطخر، فنهبها، وأصحابه، ووجه ~~في طلب محمد، فظفر به، وأخذه أسيرا، ثم سار إلى ms2582 شيراز فأقام بها. # وفيها زلزلت بغداذ في ربيع الأول، ووقع بها (أربع) صواعق. # وفيها زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه، فخرج إليه أبوه إلى ~~الإسكندرية، فظفر به، ورده إلى مصر، فرجع معه إليها، وقد تقدم خبره سابقا. # وفيها أوقع أخو شركب بالخجستاني، وأخذ أمه. # (وفيها وثب ابن شبث بن الحسين، فأسر عمر بن سيما عامل حلوان) . # وفيها انصرف أحمد بن أبي الأصبغ من عند عمرو بن الليث، وكان عمرو قد ~~أنفذه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فقدم معه بمال، فأرسل عمرو إلى ~~الموفق من # PageV06P398 # المال ثلاثمائة ألف دينار، وخمسين منا مسكا، وخمسين منا عنبرا، ومائتي من ~~عود، وثلاثمائة ثوب وشي، وآنية ذهب وفضة، ودواب، وغلمانا بقيمة مائتي ألف ~~دينار. # وفيها ولي كيغلغ الخليل بن رمال حلوان، فنالهم بالمكاره بسبب عمر بن ~~سيما، وأخذهم بجريرة ابن شبث، وضمنوا له خلاص عمر، وإصلاح ابن شبث. # وفيها كانت وقعة بين أذكوتكين بن أساتكين، وبين أحمد بن عبد العزيز بن ~~أبي دلف، فهزمه أذكوتكين، وغلبه على قم. # وفيها وجه عمرو بن الليث قائدا بأمر أبي أحمد إلى محمد بن عبيد الله ~~الكردي، فأسره القائد وحمله إليه. # وفيها، في ذي القعدة، خرج بالشام رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمي # يقال له بكار بين سلمية، وحلب، وحمص، فدعا لأبي أحمد، فحاربه ابن عباس ~~الكلابي، فانهزم الكلابي، فوجه إليه لؤلؤ صاحب ابن طولون قائدا يقال له ~~يوذر في عسكر، فرجع وليس معه كبير أمر. # وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على مولاه أحمد بن طولون. # وفيها قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني في ذي الحجة، (قتله غلام له) . # PageV06P399 # وفيها قتل أصحاب أبي الساج محمد بن علي بن حبيب اليشكري بالقرية، بناحية ~~واسط، ونصب رأسه ببغداذ. # وفيها حارب محمد بن كيجور علي بن الحسين كفتمر، فأسر كفتمر، ثم أطلقه، ~~وذلك في ذي الحجة. # وفيها سار أبو المغيرة المخزومي إلى مكة، وعاملها هارون بن محمد الهاشمي، ~~فجمع هارون جمعا احتمى بهم، فسار المخزومي إلى ms2583 مشاش فغور ماءها، وإلى جدة ~~فنهب الطعام، وأحرق بيوت أهلها، فصار الخبز بمكة أوقيتان بدرهم. # وفيها خرج ملك الروم المعروف بابن الصقلبية، فنازل ملطية، فأعانهم أهل ~~مرعش، والحدث، فانهزم ملك الروم. # وغزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية، الفرغاني عامل ابن طولون، فقتل من ~~الروم بضعة عشر ألفا، وغنم الناس، فبلغ السهم أربعين دينارا. # وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، وابن أبي الساج على ~~الأحداث والطريق. # [الوفيات] # وفيها مات محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري الفقيه المالكي، وكان قد ~~صحب الشافعي، وأخذ عنه العلم. # PageV06P400 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين] ### | 269 - # ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين # ذكر أخبار الزنج # وفي هذه السنة رمي الموفق بسهم في صدره ; وكان سبب ذلك أن بهبود لما هلك ~~طمع العلوي في ماله من الأموال، وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف ~~دينار، وجوهرا، وفضة، فطلب ذلك، وأخذ أهله وأصحابه فضربهم، وهدم أبنيته ~~طمعا في المال، فلم يجد شيئا، فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه، ودعاهم ~~إلى الهرب منه، فأمر الموفق بالنداء بالأمان في أصحاب بهبود، فسارعوا إليه ~~فألحقهم في العطاء بمن تقدم. # ورأى الموفق ما كان يتعذر عليه من العبور إلى الزنج في الأوقات التي تهب ~~فيها الرياح لتحرك الأمواج، فعزم على أن يوسع لنفسه ولأصحابه موضعا في ~~الجانب الغربي، فأمر بقطع النخل وإصلاح المكان، وأن يعمل له الخنادق، ~~والسور ليأمن البيات، وجعل حماية العاملين فيه نوبا على قواده. # فعلم صاحب الزنج، وأصحابه أن الموفق إذا جاورهم قرب على من يريد اللحاق ~~به المسافة مع ما يدخل قلوب أصحابه من الخوف، وانتقاض تدبيره عليه، فاهتموا ~~بمنع الموفق من ذلك، وبذل الجهد فيه، وقاتلوا أشد قتال، فاتفق أن الريح ~~عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك، فانتهز الخبيث الفرصة في ~~إنفاذ هذا القائد، وانقطاع المدد عنه، فسير إليه جميع أصحابه، فقاتلوه، ~~فهزموه، وقتلوا كثيرا من أصحابه، ولم تجد الشذوات التي لأصحاب الموفق سبيلا ~~إلى ms2584 القرب منهم خوفا من الزنج أن تلقيها على الحجارة فتنكسر، فغلب الزنج ~~عليهم، وأكثروا القتل والأسر، ومن سلم منهم ألقى نفسه في الشذوات وعبروا ~~إلى الموفقية، فعظم ذلك على الناس. # PageV06P401 # ونظر الموفق فرأى أن نزوله بالجانب الغربي لا يأمن عليه حيلة الزنج ~~وصاحبهم، وانتهاز فرصة، لكثرة الأدغال، وصعوبة المسالك، وأن الزنج أعرف ~~بتلك المضايق، وأجرأ عليها من أصحابه، فترك ذلك، وجعل قصده إلى هدم سور ~~الفاسق، وتوسعة الطريق، والمسالك، فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف ~~بمنكي، وباشر الحرب بنفسه، واشتد القتال، وكثر القتل، والجراح من الجانبين، ~~ودام ذلك أياما عدة. # وكان أصحاب الموفق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا في نهر منكي، كان ~~الزنج يعبرون عليهما وقت القتال، فيأتون أصحاب الموفق من وراء ظهورهم ~~فينالون منهم، فعمل الحيلة في إزالتهما، فأمر أصحابه بقصدهما عند اشتغال ~~الزنج، وغفلتهم عن حراستهما، وأمرهم أن يعدوا الفئوس، والمناشير، وما ~~يحتاجون إليه من الآلات، فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار، فأتاهم الزنج ~~لمنعهم، فاقتتلوا، فانهزم الزنج، وكان مقدمهم أبو الندى، فأصابه سهم في ~~صدره فقتله، وقطع أصحاب الموفق القنطرتين ورجعوا. # وألح الموفق على الخبيث بالحرب، وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم، ودخلوا ~~المدينة وقاتلوا فيها، وانتهوا إلى داري ابن سمعان وسليمان بن جامع، ~~فهدموهما ونهبوا ما فيهما، وانتهوا إلى سويقة للخبيث، سماها الميمونة، ~~فهدمت، وأخربت، وهدموا دار الجبائي، وانتهبوا ما كان فيها من خزائن الفاسق، ~~وتقدموا إلى الجامع ليهدموه، فاشتدت محاماة الزنج عنه، فلم يصل إليه أصحاب ~~الموفق ; لأنه كان قد خلص مع الخبيث نخبة من أصحابه، وأرباب البصائر، فكان ~~أحدهم يقتل، أو يجرح، فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف مكانه. # فلما رأى الموفق ذلك أمر أبا العباس بقصد الجامع من أحد أركانه بشجعان ~~أصحابه، وأضاف إليهم الفعلة للهدم، ونصب السلاليم، ففعل ذلك، وقاتل عليه ~~أشد قتال، فوصلوا إليه، فهدموه، فأخذ منبره، فأتي به الموفق، ثم عاد الموفق ~~لهدم السور # PageV06P402 # فأكثر منه، وأخذ أصحابه دواوين الخبيث وبعض خزائنه، فظهر للموفق أمارات ~~الفتح، فإنهم لعلى ذلك إذ وصل ms2585 سهم إلى الموفق فأصابه في صدره، رماه به رومي ~~كان من صاحب الزنج، اسمه قرطاس، وذلك لخمس بقين من جمادى الأولى، فستر ~~الموفق ذلك، وعاد إلى مدينته وبات، ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم ~~الجراح ليشتد بذلك قلوب أصحابه، فزاد في علته، وعظم أمرها، حتى خيف عليه. # واضطرب العسكر، والرعية، وخافوا، فخرج من مدينته جماعة، وأتاه الخبر، وهو ~~في هذه الحال، بحادث في سلطانه، فأشار عليه أصحابه وثقاته بأن يعود إلى ~~بغداذ، ويخلف من يقوم مقامه، فأبى ذلك، وخاف أن يستقيم من حال الخبيث ما ~~فسد، واحتجب عن الناس مدة، ثم برأ من علته، وظهر لهم، ونهض لحرب الخبيث، ~~وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة. # ذكر إحراق قصر صاحب الزنج # لما صح الموفق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من محاربة العلوي، وكان قد ~~أعاد [بناء] بعض الثلم في السور، فأمر الموفق بهدم ذلك، وهدم ما يتصل به. # وركب في بعض العشايا، وكان القتال، ذلك اليوم متصلا مما يلي نهر منكي، ~~والزنج مجتمعون فيه قد شغلوا بتلك الجهة، وظنوا أنهم لا يؤتون إلا منها، ~~فأتى الموفق ومعه الفعلة، وقرب من نهر منكي، وقاتلهم، فلما اشتدت الحرب أمر ~~الذين بالشذوات بالمسير إلى أسفل نهر أبي الخصيب، وهو فارغ من المقاتلة ~~(والرجالة، فقدم أصحاب الموفق، وأخرجوا الفعلة، فهدموا السور من تلك ~~الناحية، وصعد المقاتلة) ، فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة، وانتهوا إلى قصور ~~من قصور الزنج فأحرقوها، وانتهبوا ما فيها، واستنقذوا عددا كثيرا من النساء ~~اللواتي كن فيها، وغنموا منها. # وانصرف الموفق، عند غروب الشمس، بالظفر والسلامة، وبكر إلى حربهم، وهدم ~~السور، فأسرع الهدم حتى اتصل بدار الكلابي وهي متصلة بدار الخبيث، فلما ~~أعيت الخبيث الحيل أشار عليه علي بن أبان بإجراء الماء على السباخ، وأن ~~يحفر خنادق في # PageV06P403 # مواضع عدة تمنعهم عن دخول المدينة، ففعل ذلك، فرأى الموفق أن يجعل قصده ~~لطم الخنادق، والأنهار، والمواضع المغورة، فدام ذلك، فحامى عنه الخبثاء، ~~ودامت الحرب، ووصل إلى الفريقين من ms2586 القتلى، والجراح أمر عظيم وذلك لتقارب ~~ما بين الفريقين. # فلما رأى شدة الأمر من هذه الناحية قصد لإحراق دار الخبيث، والهجوم عليها ~~من دجلة، فكان يعوق عن ذلك كثرة ما أعد الخبيث لها من المقاتلة، والحماة عن ~~داره، فكانت الشذا إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام، والحجارة ~~من المنجنيق والمقلاع، وأذيب الرصاص، وأفرغ عليهم، فتعذر إحراقها لذلك، ~~فأمر الموفق أن تسقف الشذا بالأخشاب، ويعمل عليها الجبس ويطلى بالأدوية ~~التي تمنع النار من إحراقها، ففرغ منها، ورتب فيها أنجاد أصحابه، ومن ~~النفاطين جمعا كثيرا. # واستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب الخبيث، وكان أوثق أصحابه في ~~نفسه، وكان سبب استئمانه أن الخبيث أطلعه على أنه عازم على الخلاص وحده ~~بغير أهل ولا مال، فلما رأى ذلك من عزمه أرسل يطلب الأمان، فأمنه الموفق ~~وأحسن إليه، وقيل: كان سبب خروجه أنه كان كارها لصحبة الخبيث، مطلعا على ~~كفره وسوء باطنه، ولم يمكنه التخلص منه إلى الآن ففارقه، وكان خروجه عاشر ~~شعبان. # فلما كان الغد بكر الموفق إلى محاربة الخبثاء، فأمر أبا العباس بقصد دار ~~محمد الكرنابي، وهي بإزاء دار الخبيث، وإحراقها، وما يليها من منازل قواد ~~الزنج، ليشغلهم بذلك عن حماية دار الخبيث، وأمر المرتبين في الشذا المطلية ~~بقصد دار الخبيث، وإحراقها، ففعلوا ذلك، وألصقوا شذواتهم بسور قصره، ~~وحاربهم الفجرة أشد حرب، ونضحوهم بالنيران، فلم تعمل شيئا، وأحرق من القصر ~~الرواشين، والأبنية الخارجة، وعملت النار فيها، وسلم الذين كانوا في الشذا ~~مما كان الخبثاء يرسلونه عليهم بالظلال التي كانت في الشذا، وكان ذلك سببا ~~لتمكينهم من قصره. # وأمر الموفق الذين في الشذا بالرجوع، فرجعوا، فأخرج من كان فيها ورتب # PageV06P404 # غيرهم، وانتظر إقبال المد، وعلوه، فلما أقبل عادت الشذا إلى قصره، ~~وأحرقوا بيوتا منه كانت تشرع على دجلة، وأضرمت النار فيها، واتصلت، وقويت، ~~فأعجلت الخبيث ومن كان معه عن التوقف على شيء مما كان له من الأموال، ~~والذخائر، وغير ذلك، فخرج هاربا وتركه كله. # وعلا غلمان الموفق قصره مع أصحابهم، ms2587 فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من ~~الذهب، والفضة، والحلي، وغير ذلك، واستنقذوا جماعة من النساء اللواتي كان ~~الخبيث يأنس بهن ممن كان استرقهن، ودخلوا دوره (ودور ابنه أنكلاي) ، ~~فأحرقوها جميعا، وفرح الناس بذلك، وتحاربوا هم وأصحاب الخبيث على باب قصره، ~~فكثر القتل في أصحابه، والجراح، والأسر، وفعل أبو العباس في دار الكرنابي ~~من النهب والهدم، والإحراق مثل ذلك، وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة عظيمة كان ~~الخبيث قطع بها نهر أبي الخصيب ليمنع الشذا من دخوله، فحازها أبو العباس، ~~وأخذها معه. # وعاد الموفق بالناس مع المغرب مظفرا، وأصيب الفاسق في ماله، ونفسه، ~~(وولده، ومن) كان عنده من نساء المسلمين، مثل الذي أصاب المسلمين منه من ~~الذعر، والجلاء، وتشتت الشمل، والمصيبة، وجرح ابنه أنكلاي في بطنه جراحة ~~أشفى منها على الهلاك. # ذكر غرق نصير # وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبو حمزة نصير، وهو صاحب الشذوات. # وكان سبب غرقه أن الموفق بكر إلى القتال، وأمر نصيرا بقصد قنطرة كان ~~الخبيث عملها في نهر أبي الخصيب دون الجسرين اللذين كان اتخذهما على النهر، ~~وفرق أصحابه من الجهات، فعجل نصير، فدخل نهر أبي الخصيب، في أول المد، في ~~عدة من شذواته، فحملها الماء فألصقها بالقنطرة، ودخلت عدة من شذوات الموفق ~~مع غلمانه # PageV06P405 # [ممن] لم يأمرهم بالدخول، فصكت شذوات نصير، وصك بعضها بعضا، ولم يبق ~~للملاحين فيها عمل. # ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على جانبي النهر، وألقى الملاحون أنفسهم في ~~الماء خوفا من الزنج، ودخل الزنج الشذوات، فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق ~~أكثرهم، وصابرهم نصير، حتى خاف الأسر، فقذف نفسه في الماء فغرق، وأقام ~~الموفق يومه يحاربهم، وينهبهم، ويحرق منازلهم، ولم يزل يومه مستعليا عليهم. # وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالا لأصحاب الموفق، وثبت ~~مكانه، حتى خرج عليه كمين للموفق، فانهزم أصحابه، وجرح سليمان جراحة في ~~ساقه، وسقط لوجهه في موضع كان فيه حريق، وفيه بعض الجمر، فاحترق بعض جسده، ~~وحمله أصحابه بعد أن كاد يؤسر، وانصرف الموفق سالما ظافرا. ms2588 # وأصاب الموفق مرض المفاصل، فبقي به شهر شعبان، وشهر رمضان، وأياما من ~~شوال، وأمسك عن حرب الزنج، ثم برأ، وتماثل، فأمر بإعداد آلة الحرب. # ذكر إحراق قنطرة العلوي صاحب الزنج # ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير، وزاد ~~فيها وأحكمها، ونصب دونها أدقال ساج، وألبسها الحديد، وسكر أمام ذلك سكرا ~~من حجارة ليضيق المدخل على الشذا، وتحتد جرية الماء في النهر، فندب الموفق ~~أصحابه، وسير طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب، وطائفة من غربيه، وأرسل معهما ~~النجارين، والفعلة لقطع القنطرة، وما جعل أمامها، وأمر بسفن مملوءة من ~~القصب أن يصب عليها النفط، وتدخل النهر، ويلقى فيها النار ليحترق الجسر، ~~وفرق جنده على الخبثاء ليمنعوهم عن معاونة من عند القنطرة. # فسار الناس إلى ما أمرهم به عاشر شوال، وتقدمت الطائفتان إلى الجسر، ~~فلقيهما # PageV06P406 # أنكلاي ابن الخبيث، وعلي بن أبان، وسليمان بن جامع، واشتبكت الحرب، ~~ودامت، وحامى أولئك عن القنطرة لعلمهم بما عليهم في قطعها من المضرة، وأن ~~الوصول إلى الجسرين العظيمين اللذين يأتي ذكرهما يسهل. # ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر، ثم إن غلمان الموفق أزالوا الخبثاء ~~عنها، وقطعها النجارون، ونقضوها، وما كان عمل من الأدقال الساج، وكان قطعها ~~قد تعذر عليهم، فأدخلوا تلك السفن التي فيها القصب، والنفط، وأضرموها نارا، ~~فوافت القنطرة، فأحرقوها، فوصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا، وأمكن أصحاب ~~الشذا دخول النهر، فدخلوا، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر ~~الأول الذي يتلو هذه القنطرة، وقتل من الزنج خلق كثير، واستأمن بشر كثير، ~~ووصل أصحاب الموفق إلى الجسر المغرب، فكره أن يدركهم الليل، فأمرهم بالرجوع ~~فرجعوا، وكتب إلى البلدان أن يقرأ على المنابر أن يؤتى المحسن على قدر ~~إحسانه ليزدادوا جدا في حرب عدوه، وأخرب من الغد برجين من حجارة كانوا ~~عملوهما ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا دخلته، فلما أخربهما سهل له ما ~~أراد من دخول النهر، والخروج منه. # ذكر انتقال صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه # لما أحرقت دوره، ومساكن ms2589 أصحابه، ونهبت أموالهم، انتقلوا إلى الجانب ~~الشرقي من نهر أبي الخصيب، وجمع عياله حوله، ونقل أسواقه إليه، فضعف أمره ~~بذلك ضعفا شديدا ظهر للناس، فامتنعوا من جلب الميرة إليه، فانقطعت عنه كل ~~مادة، وبلغ الرطل من خبز البر عشرة دراهم، فأكلوا الشعير، وأصناف الحبوب. # ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا انفرد به، والقوي ~~يأكل الضعيف، ثم أكلوا أولادهم. # ورأى الموفق أن يخرب الجانب الشرقي كما أخرب الغربي، فأمر أصحابه بقصد # PageV06P407 # دار الهمداني، ومعهم الفعلة، وكان هذا الموضع محصنا بجمع كثير، وعليه ~~عرادات، ومنجنيقات، وقسي، فاشتبكت الحرب، وكثرت القتلى، فانتصر أصحاب ~~الموفق عليهم، وقتلوهم وهزموهم، وانتهوا إلى الدار، فتعذر عليهم الصعود ~~إليها لعلو سورها، فلم تبلغه السلاليم الطوال، فرمى بعض غلمان الموفق ~~بكلاليب كانت معهم، فعلقوها في أعلام الخبيث، وجذبوها، فتساقطت الأعلام ~~منكوسة، فلم يشك المقاتلة عن الدار في أن أصحاب الموفق قد ملكوها، فانهزموا ~~لا يلوي أحد منهم على صاحبه، فأخذها أصحاب الموفق، وصعد النفاطون وأحرقوها ~~وما كان عليها من المجانيق، والعرادات، ونهبوا ما كان فيها من المتاع، ~~والأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من الدور، واستنقذوا ما كان فيها من النساء، ~~وكن عالما كثيرا من المسلمات، فحملن إلى الموفقية، وأمر الموفق بالإحسان ~~إليهن. # واستأمن يومئذ من أصحاب الخبيث، وخاصته الذين يلون خدمته جماعة كثيرة، ~~فأمنهم الموفق، وأحسن إليهم، ودلت جماعة من المستأمنة الموفق على سوق عظيمة ~~كانت للخبيث متصلة بالجسر الأول، تسمى المباركة، وأعلموه إن أحرقها لم يبق ~~سوق غيرها، وخرج عنهم تجارهم الذين كان بهم قوامهم، فعزم الموفق على ~~إحراقها، وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها، فقصدوها، وأقبلت الزنج إليهم، ~~فتحاربوا أشد حرب تكون، واتصلت أصحاب الموفق إلى طرف من أطراف السوق وألقوا ~~فيه النار فاحترق واتصلت النار. # وكان الناس يقتتلون، والنار محيطة بهم، (واتصلت النار بظلال السوق ~~فاحترقت) وسقطت على المقاتلة، واحترق بعضهم، فكانت هذه حالهم إلى مغيب ~~الشمس، ثم تحاجزوا، ورجع أصحاب الموفق إلى عسكرهم، وانتقل تجار السوق إلى ~~أعلى المدينة، ms2590 وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم وأموالهم من هذه السوق خوفا من ~~مثل هذه. # ثم إن الخبيث فعل بالجانب الشرقي من حفر الخنادق، وتغوير الطرق مثل ما ~~فعل بالجانب الغربي، بعد هذه الوقعة، واحتفر خندقا عريضا حصن به منازل ~~أصحابه التي على النهر الغربي، فرأى الموفق أن يخرب باقي السور إلى النهر ~~الغربي، ففعل ذلك # PageV06P408 # بعد حرب طويلة في مدة بعيدة. # وكان للخبيث في الجانب الغربي جمع من الزنج قد تحصنوا بالسور وهو منيع، ~~وهم أشجع أصحابه، فكانوا يحامون عنه، وكانوا يخرجون على أصحاب الموفق، عند ~~محاربتهم، على حرى كور وما يليه، وأمر الموفق أن يقصد هذا الموضع، ويخرب ~~سوره، ويخرج من فيه، فأمر أبا العباس، والقواد بالتأهب لذلك، وتقدم إليهم، ~~وأمر بالشذا أن تقرب من السور، ونشبت الحرب، ودامت إلى بعد الظهر، وهدم ~~مواضع، وأحرق ما كان عليها من العرادات، وتحاجز الفريقان، وهما على السواء، ~~سوى هدم السور، وإحراق عرادات كانت عليه، فنال الفريقين من الجراح أمر ~~عظيم. # وعاد الموفق، فوصل أهل البلاء والمجروحين على قدر بلائهم، وهكذا كان عمله ~~في محاربته، وأقام الموفق بعد هذه الوقعة أياما، ثم رأى معاودة هذا الموضع ~~لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه، وأنه لا يقدر على ما بينه وبين حرى كور ~~إلا بعد إزالة هؤلاء، فأعد الآلات، ورتب أصحابه، وقصده، وقاتل من فيه، ~~وأدخلت الشذوات النهر، واشتدت الحرب ودامت. # وأمد الخبيث أصحابه بالمهلبي، وسليمان بن جامع في جيشهما، فحملوا على ~~أصحاب الموفق حتى ألحقوهم بسفنهم، وقتلوا منهم جماعة، فرجع الموفق ولم يبلغ ~~منهم ما أراد، وتبين له أنه كان ينبغي أن يقاتلهم من عدة وجوه لتخف وطأتهم ~~على من يقصد هذا الموضع، ففعل ذلك، وفرق أصحابه على جهات أصحاب الخبيث، ~~وسار هو إلى جهة النهر الغربي، وقاتل من فيه. # وطمع الزنج بما تقدم من تلك الوقعة، فصدقهم أصحاب الموفق القتال، ~~فهزموهم، فولوا منهزمين، وتركوا حصنهم في أيدي أصحاب الموفق، فهدموه، ~~وغنموا ما فيه، وأسروا، وقتلوا خلقا لا يحصى، وخلصوا من هذا الحصن ms2591 خلقا ~~كثيرا من النساء، والصبيان، ورجع الموفق إلى عسكره بما أراد. # PageV06P409 # ذكر استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية # لما هدم الموفق دور الخبيث أمر بإصلاح المسالك لتتسع على المقاتلة الطريق ~~للحرب، ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك من ~~معاونة بعضهم بعضا، وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصبا ويجعل فيه من النفط، ~~ويوضع في وسطها دقل طويل يمنعها من مجاورة الجسر إذا التصقت به، ثم أرسلها ~~عند غفلة الزنج، وقوة المد، فوافت الجسر، وعلم بها الزنج، فأتوها، وطموها ~~بالحجارة، والتراب، ونزل بعضهم (في الماء فنقبها) فغرقت، وكان قد احترق من ~~الجسر شيء يسير، فأطفأه الزنج. # فعند ذلك اهتم الموفق بالجسر، فندب أصحابه، وأعد النفاطين، والفعلة، ~~والفئوس، وأمرهم بقصده من غربي النهر، وشرقيه، وركب الموفق في أصحابه، وقصد ~~فوهة نهر أبي الخصيب، وذلك منتصف شوال سنة تسع وستين [ومائتين] ، فسبق ~~الطائفة التي في غرب النهر، فهزم الموكلين على الجسر، وهما سليمان بن جامع، ~~وأنكلاي ولد الخبيث، وأحرقوه. # وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى، ففعلوا بالجانب الشرقي مثل ذلك، وأحرقوا ~~الجسر، وتجاوزوه إلى جانب حظيرة كانت تعمل فيها سميريات الخبيث، وآلاته، ~~واحترق ذلك عن آخره، إلا شيئا يسيرا من الشذوات، والسميريات كانت في النهر، ~~وقصدوا سجنا للخبيث، فقاتلهم الزنج عليه ساعة من النهار، ثم غلبهم أصحاب ~~الموفق عليه، فأطلقوا من فيه، وأحرقوا كل ما مروا به إلى دار مصلح، وهو من ~~قدماء أصحابه، فدخلوها، فنهبوها وما فيها، وسبوا نساءه، وولده، واستنقذوا ~~خلقا كثيرا، وعاد الموفق وأصحابه سالمين. # وانحاز الخبيث، وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي ~~الخصيب، واستولى الموفق على الجانب الغربي غير طريق يسير على الجسر الثاني، ~~فأصلحوا الطرق، فزاد ذلك في رعب الخبيث، وأصحابه، فاجتمع كثير من أصحابه # PageV06P410 # وقواده، وأصحابه الذين كان يرى أنهم لا يفارقونه، على طلب الأمان، فبذل ~~لهم، فخرجوا أرسالا، فأحسن الموفق إليهم، وألحقهم بأمثالهم. # ثم إن الموفق أحب أن يتمرن أصحابه بسلوك النهر ليحرق الجسر الثاني، فكان ms2592 ~~يأمرهم بإدخال الشذا فيه، وإحراق ما على جانبه من المنازل، فهرب إليه بعض ~~الأيام قائد للزنج، ومعه قاض كان لهم، ومنبر، ففت ذلك في أعضاد الخبثاء. # ثم إن الخبيث وكل بالجسر الثاني من يحفظه، وشحنه بالرجال، فأمر الموفق ~~بعض أصحابه بإحراق ما عند الجسر من سفن، (ففعلوا حتى أحرقوها) ، فزاد ذلك ~~في احتياط الخبيث، وفي حراسته للجسر لئلا يحرق ويستولي الموفق على الجانب ~~الغربي فيهلك. # وكان قد تخلف من أصحابه جمع في منازلهم المقاربة للجسر الثاني، وكان ~~أصحاب الموفق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفية، فلما عرفوا ذلك عزموا على ~~إحراق الجسر الثاني، فأمر الموفق ابنه أبا العباس، والقواد بالتجهز لذلك، ~~وأمرهم أن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر، وأعد معهم الفئوس، والنفط، ~~والآلات، ودخل هو في النهر بالشذوات، ومعه أنجاد غلمانه، ومعه الآلات أيضا، ~~واشتبكت الحرب في الجانبين جميعا بين الفريقين، واشتد القتال. # وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن معه أنكلاي ابن الخبيث، ~~وسليمان بن جامع، وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد مولى الموفق، ومن معه ~~الخبيث، والمهلبي في باقي الجيش، فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات، ثم انهزم ~~الخبثاء لا يلوون على شيء، وأخذت السيوف منهم، ودخل أصحاب الشذا النهر، ~~ودنوا من الجسر فقاتلوا من يحميه بالسهام، وأضرموا نارا. # وكان من المنهزمين سليمان، وأنكلاي، وكانا قد أثخنا بالجراح، فوافيا ~~الجسر، والنار فيه، فحالت بينهما وبين العبور، وألقيا أنفسهما في النهر ومن ~~معهما، فغرق منهم خلق كثير، وأفلت أنكلاي، وسليمان بعد أن أشفيا على ~~الهلاك، وقطع الجسر، وأحرق، وتفرق الجيش في مدينة الخبيث في الجانبين، ~~فأحرقوا من دورهم وقصورهم، وأسواقهم شيئا كثيرا، واستنقذوا من (النساء، ~~والصبيان ما لا يحصى، ودخلوا الدار التي كان الخبيث # PageV06P411 # سكنها بعد) إحراق قصره، وأحرقوها ونهبوا ما كان فيها مما كان سلم معه، ~~وهرب الخبيث ولم يقف ذلك اليوم على مواضع أمواله. # واستنقذ في هذا اليوم نسوة من العلويات كن محبسات في موضع قريب من داره ~~التي كان يسكنها، فأحسن الموفق إليهن، وحملهن، وفتح سجنا، كان ms2593 له وأخرج منه ~~خلقا كثيرا ممن كان يحارب الخبيث، ففك الموفق عنهم الحديد، وأخرج ذلك اليوم ~~كل ما كان في نهر أبي الخصيب من شذا، ومراكب بحرية، وسفن صغار، وكبار، ~~وحراقات، وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة، فأباحها الموفق أصحابه مع ما ~~فيها من السلب، وكانت له قيمة عظيمة. # وأرسل أنكلاي ابن الخبيث يطلب الأمان، وسأل أشياء، فأجابه الموفق إليها، ~~فعلم أبوه بذلك فعذله، ورده عما عزم عليه، فعاد إلى الحرب ومباشرة القتال. # ووجه سليمان بن موسى الشعراني، وهو أحد رؤساء الخبيث، يطلب الأمان، فلم ~~يجبه الموفق إلى ذلك، لما كان قد تقدم منه من سفك الدماء والفساد، فاتصل به ~~أن جماعة من (رؤساء) أصحاب الخبيث قد استوحشوا المنعة، فأجابه إلى الأمان، ~~فأرسل الشذا إلى موضع ذكره، فخرج هو وأخوه، وأهله، وجماعة من قواده، فأرسل ~~الخبيث من يمنعهم عن ذلك، فقاتلهم، ووصل إلى الموفق، فزاد في الإحسان إليه، ~~وخلع عليه وعلى من معه، وأمر بإظهاره لأصحاب الخبيث ليزدادوا ثقة، فلم يبرح ~~من مكانه، حتى استأمن جماعة من قواد الزنج منهم شبل بن سالم، فأجابه ~~الموفق، وأرسل إليه شذوات، فركب فيها هو وعياله، وولده، وجماعة من قواده، ~~فلقيهم قوم من الزنج، فقاتلهم، ونجا، ووصل إلى الموفق، فأحسن إليه ووصله ~~بصلة جليلة، وهو من قدماء أصحاب الخبيث، فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما ~~رأوا من رغبة رؤسائهم في الأمان. # ولما رأى الموفق مناصحة شبل، وجودة فهمه، أمره أن يكفيه بعض الأمور، فسار ~~ليلا في جمع من الزنج، لم يخالطهم غيرهم، إلى عسكر الخبيث يعرف مكانهم، ~~وأوقع # PageV06P412 # بهم، وأسر منهم، وقتل، وعاد، فأحسن إليه الموفق، وإلى أصحابه. # وصار الزنج بعد هذه الوقعة لا ينامون الليل، ولا يزالون يتحارسون للرعب ~~الذي دخلهم، وأقام الموفق ينفذ السرايا إلى الخبيث، ويكيده، ويحول بينه ~~وبين القوت، وأصحاب الموفق يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ~~ويوسعونها. # ذكر استيلاء الموفق على مدينة الخبيث الشرقية # لما علم الموفق أن أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوها، ms2594 صمم ~~العزم على العبور إلى محاربة الخبيث من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، ~~فجلس مجلسا عاما، وأحضر قواد المستأمنة، وفرسانهم، فوقفوا بحيث يسمعون ~~كلامه، ثم كلمهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة، والجهل، وانتهاك ~~المحارم، ومعصية الله - عز وجل - وأن ذلك قد أحل له دماءهم، وأنه غفر لهم ~~زلتهم، ووصلهم، وأن ذلك يوجب عليهم حقه، وطاعته، وأنهم لن يرضوا ربهم، ~~وسلطانهم بأكثر من الجد في مجاهدة الخبيث، وأنهم ليعرفون مسالك العسكر، ~~ومضايق مدينته، ومعاقلها التي أعدها، فهم أولى أن يجتهدوا في الولوج على ~~الخبيث، والوغول إلى حصونه، حتى يمكنهم الله منه، فإذا فعلوا ذلك فلهم ~~الإحسان، والمزيد، ومن قصر منهم فقد أسقط منزلته وحاله. # فارتفعت أصواتهم بالدعاء له، والاعتراف بإحسانه، وبما هم عليه من ~~المناصحة، والطاعة، وأنهم يبذلون دماءهم في كل ما يقربهم منه، وسألوه أن ~~يفردهم بناحية ليظهر من نكايتهم في العدو ما يعرف به إخلاصهم، وطاعتهم، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأثنى عليهم، ووعدهم، وكتب في جمع السفن، والمعابر من ~~دجلة، والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره، إذ كان ما عنده يقصر عن ~~الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشذا، والسميريات، وأنواع السفن، فكانوا زهاء ~~عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى سفن أهل ~~العسكر التي يحمل فيها الميرة، ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما كان لكل ~~قائد من السميريات، والحربيات، والزواريق. # فلما تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبي العباس، وقواده بقصد مدينة الخبيث ~~الشرقية # PageV06P413 # من جهاتها، (فسير ابنه أبا العباس إلى) ناحية دار المهلبي أسفل العسكر، ~~وكان قد شحنها بالرجال، والمقاتلين، وأمر جميع أصحابه بقصد دار الخبيث، ~~وإحراقها، فإن عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي، وسار هو في الشذا، وهي ~~مائة وخمسون قطعة، فيها أنجاد غلمانه، وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة ~~آلاف، وأمرهم أن يسيروا على جانبي النهر معه إذا سار، وأن يقفوا معه إذا ~~وقف، ليتصرفوا بأمره. # وبكر الموفق لقتال الفاسقين يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة ~~تسع وستين ومائتين، ms2595 وكانوا قد تقدموا إليهم يوم الاثنين وواقعوهم، وتقدم كل ~~طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها، فلقيهم الزنج، واشتدت الحرب، وكثر القتل ~~والجراح في الفريقين، وحامى الفسقة عن الذي اقتصروا عليه من مدينتهم، ~~واستماتوا، وصبروا، فنصر الله أصحاب الموفق، فانهزم الزنج، وقتل منهم خلق ~~كثير، وأسر من أنجادهم وشجعانهم جمع كثير، فأمر الموفق فضربت أعناق الأسرى ~~في المعركة، وقصد بجمعه الدار التي يسكنها الخبيث، وكان قد لجأ إليها، وجمع ~~أبطال أصحابه للمدافعة عنها، فلم يغنوا عنها شيئا، وانهزموا عنها وأسلموها، ~~ودخلها أصحاب الموفق وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله، وولده، ~~وأثاثه، فنهبوا ذلك أجمع، وأخذوا حرمه، وأولاده، وكانوا عشرين ما بين صبية، ~~وصبي، وسار الخبيث هاربا نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل، ولا مال، وأحرقت ~~داره، وأتي الموفق بأهل الخبيث وأولاده، فسيرهم إلى بغداذ. # وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي، وقد لجأ إليها خلق كثير من ~~المنهزمين، فغلبوهم عليها، واشتغلوا بنهبها، وأخذوا ما فيها من حرم ~~المسلمين، وأولادهم، وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته، فعلوا في ~~الدار ونواحيها، فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا فيهم مقتلة ~~يسيرة. # وكان جماعة من غلمان الموفق الذين قصدوا دار الخبيث تشاغلوا بحمل الغنائم ~~إلى السفن أيضا، فأطمع ذلك الزنج فيهم، فأكبوا عليهم فكشفوهم، واتبعوا ~~آثارهم، وثبت جماعة من أبطال الموفق، فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى ~~مواقفهم، ودامت الحرب إلى العصر، فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم، ~~ففعلوا، فانهزم الخبيث وأصحابه، وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى داره أيضا، ~~فرأى الموفق عند ذلك أن # PageV06P414 # يصرف أصحابه إلى إحسانهم، فردهم وقد غنموا، واستنقذوا جمعا من النساء ~~المأسورات كن يخرجن ذلك اليوم أرسالا فيحملن إلى الموفقية. # وكان أبو العباس قد أرسل في ذلك اليوم قائدا، فأحرق ثم بيادر كانت ذخيرة ~~للخبيث، وكان ذلك مما أضعف به الخبيث وأصحابه. # ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون في القدوم عليه، فأمره بذلك، ~~وأخر القتال إلى أن يحضر. # ذكر خلاف لؤلؤ ms2596 على مولاه أحمد بن طولون # وفيها خالف لؤلؤ غلام أحمد بن طولون صاحب مصر، على مولاه أحمد بن طولون، ~~وفي يده حمص، وقنسرين، وحلب، وديار مضر، من الجزيرة، وسار إلى بالس فنهبها، ~~وكاتب الموفق في المسير إليه، واشترط شروطا، فأجابه أبو أحمد إليها، وكان ~~بالرقة، فسار إلى الموفق فنزل قرقيسيا، وبها ابن صفوان العقيلي، فحاربه، ~~وأخذها منه، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق، وسار إلى الموفق، فوصل إليه ~~وهو يقاتل الخبيث العلوي. # ذكر مسير المعتمد إلى الشام وعوده من الطريق # وفيها سار المعتمد نحو مصر، وكان سبب ذلك أنه لم يكن له من الخلافة غير ~~اسمها، ولا ينفذ له توقيع لا في قليل، ولا كثير، وكان الحكم كله للموفق، ~~والأموال تجبى إليه، فضجر المعتمد من ذلك، وأنف منه، فكتب إلى أحمد بن ~~طولون يشكو إليه حاله سرا من أخيه الموفق، فأشار عليه أحمد باللحاق به ~~بمصر، ووعده النصرة، وسير عسكرا إلى الرقة ينتظر وصول المعتمد إليهم، ~~فاغتنم المعتمد غيبة الموفق عنه، فسار في جمادى الأولى ومعه جماعة من ~~القواد، فأقام بالكحيل يتصيد. # فلما سار إلى عمل إسحاق بن كنداجيق، وكان عامل الموصل، وعامة الجزيرة، ~~وثب ابن كنداجيق بمن مع المعتمد من القواد، فقبضهم، وهم نيزك، وأحمد بن ~~خاقان، وخطارمش، فقيدهم، وأخذ أموالهم ودوابهم، وكان قد كتب إليه صاعد بن ~~مخلد وزير الموفق عن الموفق، وكان سبب وصوله إلى قبضتهم أنه أظهر أنه معهم ~~في طاعة # PageV06P415 # المعتمد، إذ هو الخليفة، ولقيهم لما صاروا إلى عمله، وسار معهم عدة ~~مراحل، فلما قارب عمل ابن طولون ارتحل الأتباع، والغلمان الذين مع المعتمد، ~~وقواده، ولم يترك ابن كنداجيق أصحابه يرحلون، ثم خلا بالقواد عند المعتمد، ~~وقال لهم: إنكم قاربتم عمل ابن طولون، والأمر أمره، وتصيرون من جنده، وتحت ~~يده، أفترضون بذلك، وقد علمتم أنه كواحد منكم؟ # وجرت بينهم في ذلك مناظرة، حتى تعالى النهار، ولم يرحل المعتمد ومن معه، ~~فقال ابن كنداجيق: قوموا بنا نتناظر في غير حضرة أمير المؤمنين ; فأخذ ~~بأيديهم إلى ms2597 خيمته لأن مضاربهم كانت قد سارت، فلما دخلوا خيمته قبض عليهم ~~وقيدهم، وأخذ سائر من مع المعتمد من القواد فقيدهم، فلما فرغ من أمورهم مضى ~~إلى المعتمد فعذله من مسيره في دار ملكه، وملك آبائه، وفراق أخيه الموفق ~~على الحال التي هو بها من حرب يريد قتله، وقتل أهل بيته، وزوال ملكهم، ثم ~~حمله والذين كانوا معه حتى أدخلهم سامرا. # ذكر الحرب بين عسكر ابن طولون وعسكر الموفق بمكة # وفيها كانت وقعة بمكة بين جيش لأحمد بن طولون، وبين عسكر الموفق في ذي ~~القعدة. # وكان سببها أن أحمد بن طولون سير جيشا مع قائدين إلى مكة، فوصلوا إليها، ~~وجمعوا الحناطين، والجزارين، وفرقوا فيهم مالا، وكان عامل مكة هارون بن ~~محمد إذ ذاك ببستان ابن عامر قد فارقها خوفا منهم، فوافى مكة جعفر ~~الباغمردي في ذي الحجة في عسكر، وتلقاه هارون بن محمد في جماعة، فقوي بهم ~~جعفر، والتقوا هم وأصحاب ابن طولون، فاقتتلوا، وأعان أهل خراسان جعفرا، ~~فقتل من أصحاب ابن طولون مائتي رجل، وانهزم الباقون وسلبوا وأخذت أموالهم، ~~وأخذ جعفر من القائدين نحو مائتي ألف دينار، وأمن المصريين، والجزارين، ~~والحناطين، وقرئ كتاب في المسجد الجامع بلعن ابن طولون، وسلم الناس وأموال ~~التجار. # PageV06P416 # ذكر عدة حوادث # في المحرم من هذه السنة قطع الأعراب الطريق على قافلة من الحاج بين ثور ~~وسميراء، فسلبوهم، وساقوا نحوا من خمسة آلاف بعير بأحمالها وأناسا كثيرا. # وفيها انخسف القمر، وغاب منخسفا، وانكسفت الشمس فيه أيضا آخر النهار، ~~وغابت منكسفة، فاجتمع في المحرم كسوفان. # وفيها، في صفر وثبت العامة بإبراهيم الخليجي، فانتهبوا داره، وكان سبب ~~ذلك أن غلاما له رمى امرأة بسهم فقتلها، فاستعدى السلطان عليه، فامتنع، ~~ورمى غلمانه الناس، فقتلوا جماعة، وجرحوا، فثارت بهم العامة، فقتلوا فيهم ~~رجلين من أصحاب السلطان، ونهبوا منزله، ودوابه، وخرج هاربا، فجمع محمد بن ~~عبيد الله بن عبد الله بن طاهر - وكان نائب أبيه - دواب إبراهيم، وما أخذ ~~له، فرده عليه. # وفيها وجه إلى أبي الساج جيش بعدما انصرف من ms2598 مكة، فسيره إلى جدة، فأخذ ~~للمخزومي مركبين فيهما مال وسلاح. # وفيها وثب خلف صاحب أحمد بن طولون بالثغور الشامية، وعامله عليها يازمان ~~الخادم مولى مفلح بن خاقان، فحبسه، فوثب به جماعة فاستنقذوا يازمان، وهرب ~~خلف، وترك الدعاء لابن طولون، فسار إليهم ابن طولون، ونزل أذنة، فاعتصم أهل ~~طرسوس بها، ومعهم يازمان، فرجع عنهم ابن طولون إلى حمص، ثم إلى دمشق، فأقام ~~بها. # وفيها قام رافع بن هرثمة بما كان الخجستاني غلب عليه من مدن خراسان، ~~فاجتبى # PageV06P417 # عدة من كور خراسان خراجها لبضع عشرة سنة، فأفقر أهلها وأخربها. # وفيها كانت وقعة بين الحسنيين، والحسينيين (بالحجاز) ، والجعفريين، فقتل ~~من الجعفريين ثمانية نفر، وخلصوا الفضل بن العباس العباسي عامل المدينة. # وفيها، في جمادى الآخرة، عقد هارون بن الموفق لابن أبي الساج على ~~الأنبار، وطريق الفرات، والرحبة، وولي محمد بن أحمد الكوفة وسوادها، فلقي ~~محمد الهيصم العجلي، فانهزم الهيصم. # وفيها توفي عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني، وبيده أرمينية، وديار بكر. # وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة وأمر بلعنه على المنابر، ~~وولى إسحاق بن كنداجيق على أعمال ابن طولون، وفوض إليه من باب الشماسية إلى ~~إفريقية، وولي شرطة الخاصة. # وكان سبب هذا اللعن أن ابن طولون قطع خطبة الموفق، وأسقط اسمه من الطراز، ~~فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه، ففعل مكرها، لأن هوى المعتمد كان مع ابن ~~طولون. # وفيها كانت وقعة بين ابن أبي الساج، والأعراب، فهزموه، ثم بيتهم فقتل ~~منهم وأسر، ووجه بالرءوس، والأسرى إلى بغداذ. # PageV06P418 # وفيها، في شوال دخل ابن أبي الساج رحبة مالك بن طوق بعد أن قاتله أهلها ~~[فغلبهم] ، وقتلهم، وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام، ثم سار ابن أبي ~~الساج إلى قرقيسيا فدخلها. # وحج بالناس هارون بن محمد ابن إسحاق الهاشمي. # (وفيها خرج محمد بن الفضل أمير صقلية في عسكر إلى ناحية رمطة، وبلغ ~~العسكر إلى قطانية، فقتل كثيرا من الروم، وسبى وغنم، ثم انصرف إلى بلرم في ~~ذي الحجة) . # [الوفيات] وفيها توفي أحمد بن ms2599 مجالد مولى المعتصم، وهو من دعاة المعتزلة، ~~وأخذ الكلام عن جعفر بن مبشر. # (وفيها توفي سليمان بن حفص بن أبي عصفور الإفريقي، وكان معتزليا يقول ~~بخلق القرآن، وأراد أهل القيروان، فسلم لذلك، وصحب بشرا المريسي، وأبا ~~الهذيل، وغيرهما من المعتزلة) . # PageV06P419 ### | [ثم دخلت سنة سبعين ومائتين] ### | 270 - # ثم دخلت سنة سبعين ومائتين # ذكر قتل الخبيث صاحب الزنج # قد ذكرنا من حرب الزنج، وعود الموفق عنهم مؤيدا بالظفر، فلما عاد عن ~~قتالهم إلى مدينة الموفقية عزم على مناجزة الخبثاء، فأتاه كتاب لؤلؤ غلام ~~ابن طولون يستأذنه في المسير، فأذن له وترك القتال ينتظره ليحضر القتال، ~~فوصل إليه ثالث المحرم من هذه السنة في جيش عظيم، فأكرمه الموفق، وأنزله ~~وخلع عليه وعلى أصحابه ووصلهم، وأحسن إليهم، وأمر لهم بالأرزاق على قدر ~~مراتبهم، وأضعف ما كان لهم، ثم تقدم إلى لؤلؤ بالتأهب لحرب الخبثاء. # وكان الخبيث لما غلب على نهر أبي الخصيب، وقطعت القناطر والجسور التي ~~عليه، أحدث سكرا في النهر من جانبيه، وجعل في وسط النهر بابا ضيقا لتحتد ~~جرية الماء فيه، فتمتنع الشذا من دخوله في الجزر، ويتعذر خروجها منه في ~~المد، فرأى الموفق أن جريه لا يتهيأ إلا بقلع هذا السكر، فحاول ذلك، فاشتدت ~~محاماة الخبثاء عليه، وجعلوا يزيدون كل يوم فيه، وهو متوسط دورهم، والمروية ~~تسهل عليهم، وتعظم على من أراد قلعه، فشرع في محاربتهم بفريق بعد فريق من ~~أصحاب لؤلؤ ليتمرنوا على قتالهم، ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، ~~فأمر لؤلؤا أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر، ففعل، فرأى ~~الموفق من شجاعة لؤلؤ # PageV06P420 # وإقدامه، وشجاعة أصحابه ما سره، فأمر لؤلؤا بصرفهم إشفاقا عليهم، ووصلهم ~~الموفق وأحسن إليهم. # وألح الموفق على هذا السكر، وكان يحارب المحامين عليه بأصحابه وأصحاب ~~لؤلؤ وغيرهم، والفعلة يعملون في قلعه، ويحارب الخبيث وأصحابه في عدة وجوه، ~~فيحرق مساكنهم، ويقتل مقاتليهم، واستأمن إليه الجماعة، وكان قد بقي للخبيث ~~وأصحابه بقية من أرضين بناحية النهر الغربي، لهم فيها مزارع وحصون ~~وقنطرتان، وبه جماعة ms2600 يحفظونه، فسار إليهم أبو العباس، وفرق أصحابه من ~~جهاتهم، وجعل كمينا، ثم أوقع بهم فانهزموا، فكلما قصدوا جهة خرج عليهم من ~~يقاتلهم فيها، فقتلوا عن آخرهم لم يسلم منها إلا الشريد، فأخذوا من أسلحتهم ~~ما أثقلهم حمله، وقطع القنطرتين، ولم يزل الموفق يقاتلهم على سكرهم، حتى ~~تهيأ له فيه ما أحبه في خرقه. # فلما فرغ منه عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإصلاح السفن، والآلات للماء ~~والظهر، وتقدم إلى أبي العباس ابنه أن يأتي الخبيث من ناحية دار المهلبي، ~~وفرق العساكر من جميع جهاته، وأضاف المستأمنة إلى شبل، وأمره بالجد في قتال ~~الخبيث، وأمر الناس أن لا يزحف أحد حتى يحرك علما أسود كان نصبه على دار ~~الكرماني وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت. # وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم، فعجل بعض الناس، وزحف ~~نحوهم، فلقيه الزنج، فقتلوا منهم، وردوهم إلى مواقفهم، ولم يعلم سائر ~~العسكر بذلك لكثرتهم، وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض، وأمر الموفق ~~بتحريك العلم الأسود، والنفخ في البوق، فزحف الناس في البر والماء يتلو ~~بعضهم بعضا، فلقيهم الزنج وقد حشدوا، واجترءوا، بما تهيأ لهم، على من كان ~~يسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيات صادقة، وبصائر نافذة، واشتد القتال، وقتل ~~من الفريقين جمع كثير، فانهزم أصحاب الخبيث، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ~~ويأسرون، واختلط بهم ذلك اليوم أصحاب الموفق، فقتل منهم ما لا يحصى عددا، ~~وغرق منهم مثل ذلك، وحوى الموفق المدينة بأسرها، فغنمها أصحابه، واستنقذوا ~~من كان بقي من الأسرى من الرجال، والنساء، والصبيان، وظفروا بجميع عيال علي ~~بن أبان المهلبي، وبأخويه: الخليل، ومحمد، وأولادهما، وعبر # PageV06P421 # بهم إلى المدينة الموفقية. # ومضى الخبيث في أصحابه، ومعه ابنه أنكلاي، وسليمان بن جامع، وقواد من ~~الزنج وغيرهم، هاربين، عامدين إلى موضع كان الخبيث قد أعده ملجأ إذا غلب ~~على مدينته، وذلك المكان على النهر المعروف بالسفياني، وكان أصحاب الموفق ~~قد اشتغلوا بالنهب، والإحراق، وتقدم الموفق في الشذا نحو نهر السفياني، ~~ومعه لؤلؤ وأصحابه، فظن أصحاب الموفق أنه رجع إلى مدينتهم ms2601 الموفقية، ~~فانصرفوا إلى سفنهم بما قد حووا، وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر الخبيث ~~وهم منهزمون، واتبعهم لؤلؤ في أصحابه، حتى عبر السفياني فاقتحم لؤلؤ بفرسه، ~~واتبعه أصحابه، حتى انتهى إلى النهر المعروف بالفربري فوصل إليه لؤلؤ، ~~وأصحابه، فأوقعوا به وبمن معه، فهزمهم حتى عبر نهر السفياني، ولؤلؤ في ~~أثرهم، فاعتصموا بجبل وراءه، وانفرد لؤلؤ وأصحابه باتباعهم إلى هذا المكان ~~في آخر النهار، فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكورا محمولا لفعله، فحمله ~~الموفق معه، وجدد له من البر، والكرامة ورفعة المنزلة ما كان مستحقا له، ~~ورجع الموفق فلم ير أحدا من أصحابه بمدينة الزنج، فرجع إلى مدينته، واستبشر ~~الناس بالفتح، وهزيمة الزنج وصاحبهم. # وكان الموفق قد غضب على أصحابه بمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث أمرهم، ~~فجمعهم جميعا، ووبخهم على ذلك، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه، ~~وأنهم لم يعلموا بمسيره، ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ثم تعاقدوا، وتحالفوا ~~بمكانهم على أن لا ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو الخبيث حتى يظفروا به، ~~فإن أعياهم أقاموا بمكانه حتى يحكم الله بينهم وبينه، وسألوا الموفق أن يرد ~~السفن التي يعبرون فيها إلى الخبيث، لينقطع الناس عن الرجوع، فشكرهم، وأثنى ~~عليهم وأمرهم بالتأهب. # وأقام الموفق بعد ذلك إلى الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه، وأمر الناس ~~عشية الجمعة بالمسير إلى حرب الخبثاء بكرة السبت، وطاف عليهم هو بنفسه يعرف ~~كل قائد مركزه، والمكان الذي يقصده، وغدا الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من ~~صفر، فعبر # PageV06P422 # الناس، وأمر برد السفن، فردت وسار يقدمهم إلى المكان الذي قدر أن يلقاهم ~~فيه. # وكان الخبيث وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم، وأملوا ~~أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفق المتسرعين من ~~فرسان غلمانه والرجالة قد سبقوا الجيش، فأوقعوا بالخبيث وأصحابه وقعة ~~هزموهم بها، وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ~~ويأسرون من لحقوا منهم، وانقطع الخبيث في جماعة من حماة أصحابه وفيهم ~~المهلبي، وفارقه ابنه أنكلاي، وسليمان بن جامع، فقصد ms2602 كل فريق منهم جمعا ~~كثيفا من الجيش. # وكان أبو العباس قد تقدم، فلقي المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ريحان، ~~فوضع أصحابه فيهم السلاح، ولقيهم طائفة أخرى، فأوقعوا بهم أيضا، وقتلوا ~~منهم جماعة، وأسروا سليمان بن جامع، فأتوا به الموفق من غير عهد ولا عقد، ~~فاستبشر الناس بأسره، وكثر التكبير، وأيقنوا الفتح، إذ كان أكثر أصحاب ~~الخبيث غناء عنه، وأسر من بعده إبراهيم بن جعفر الهمذاني، وكان أحد أمراء ~~جيوشه، فأمر الموفق بالاستيثاق منهم وجعلهم في شذاة لأبي العباس. # ثم إن الزنج الذين انفردوا مع الخبيث حملوا على الناس حملة أزالوهم عن ~~مواقفهم، ففتروا، فأحس الموفق بفتورهم، فجد في طلب الخبيث وأمعن، فتبعه ~~أصحابه، وانتهى الموفق إلى آخر نهر أبي الخصيب، فلقيه البشير بقتل الخبيث، ~~وأتاه بشير آخر ومعه كف ذكر أنه كفه، فقوي الخبر عنده، ثم أتاه غلام من ~~أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، وعرضه على جماعة من ~~المستأمنة فعرفوه، فخر لله ساجدا، وسجد معه الناس، وأمر الموفق برفع رأسه ~~على قناة، فتأمله الناس، فعرفوه، وكثر الضجيج بالتحميد. # وكان مع الخبيث لما أحيط به المهلبي وحده، فولى عنه هاربا، وقصد نهر ~~الأمير فألقى نفسه فيه يريد النجاة ; وكان أنكلاي قد فارق أباه قبل ذلك ~~وسار نحو الديناري. # ورجع الموفق ورأس الخبيث بين يديه، وسليمان معه، وأصحابه إلى مدينته، ~~وأتاه من الزنج عالم كبير يطلبون الأمان فأمنهم، وانتهى إليه خبر أنكلاي، ~~والمهلبي، ومكانهما، ومن معهما من مقدمي الزنج، فبث الموفق أصحابه في ~~طلبهم، وأمرهم بالتضييق عليهم، فلما أيقنوا أن لا ملجأ أعطوا بأيديهم، فظفر ~~بهم وبمن معهم، وكانوا زهاء خمسة آلاف، # PageV06P423 # فأمر بالاستيثاق من المهلبي، وأنكلاي، وكان ممن هرب قرطاس الرومي الذي ~~رمى الموفق بالسهم في صدره، فانتهى إلى رامهرمز، فعرفه رجل، فدل عليه عامل ~~البلد، فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله أبو العباس. # وفيها استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد، وكان درمويه من أنجاد الزنج ~~وأبطالهم، وكان الخبيث قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير الشجر، ~~والأدغال، ms2603 والآجام، متصل بالبطيحة، وكان هو ومن معه يقطعون الطريق هنالك ~~على السابلة في زواريق خفاف، فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الصغار الضيقة، ~~واعتصموا بالأدغال، وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجئوا إلى ~~الأمكنة الوسيعة، ويعبرون على قرى البطيحة، ويقطعون الطريق، فظفر بجماعة من ~~عسكر الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم، فقتل الرجال، وأخذ النساء، ~~فسألهن عن الخبر، فأخبرنه بقتل الخبيث، وأسر أصحابه، وقواده، ومصير كثير ~~منهم إلى الموفق بالأمان، وإحسانه إليهم، فسقط في يده، ولم ير لنفسه ملجأ ~~إلا طلب الأمان، والصفح عن جرمه، فأرسل يطلب الأمان، فأجابه الموفق إليه، ~~فخرج وجميع من معه، حتى وافى عسكر الموفق، فأحسن إليهم وأمنهم. # فلما اطمأن درمويه أظهر ما كان في يده من الأموال، والأمتعة، وردها إلى ~~أربابها ردا ظاهرا، فعلم بذلك حسن نيته، فازداد إحسان الموفق إليه، وأمر أن ~~يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع ~~إلى أوطانهم، فسار الناس إلى ذلك ; وأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن ~~الناس بمقامه، وولى البصرة، والأبلة، وكور دجلة، رجلا من قواده قد حمد ~~مذهبه، وعلم حسن سيرته، يقال له العباس بن تركس، وأمره بالمقام بالبصرة، ~~وولى قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد. # وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداذ، ومعه رأس الخبيث ليراه الناس، فبلغها ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة. # وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس ~~وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، ~~وكانت # PageV06P424 # أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام. # وقيل في أمر الموفق، وأصحاب الزنج أشعار كثيرة، فمن ذلك قول يحيى بن محمد ~~الأسلمي: # أقول وقد جاء البشير بوقعة ... أعزت من الإسلام ما كان واهيا # جزى الله خير الناس للناس بعدما ... أبيح حماهم خير ما كان جازيا # تفرد، إذ لم ينصر الله، ناصر ... بتجديد دين كان أصبح باليا # وتجديد ملك قد وهى بعد عزه ... وأخذ بثارات تبين الأعاديا # ورد ms2604 عمارات أزيلت وأخربت ... ليرجع فيء قد تخرم وافيا # وترجع أمصار أبيحت وأحرقت ... مرارا فقد أمست قواء عوافيا # ويشفي صدور المسلمين بوقعة ... يقر بها منها العيون البواكيا # ويتلى كتاب الله في كل مسجد ... ويلقى دعاء الطالبيين خاسيا # فأعرض عن أحبابه ونعيمه ... وعن لذة الدنيا وأصبح غازيا # وهي قصيدة طويلة. # وقال غيره في هذا المعنى أيضا شعرا كثيرا. # انقضى أمر الزنج. # PageV06P425 # ذكر الظفر بالروم # وفي هذه السنة خرجت الروم في مائة ألف، فنزلوا على قلمية، وهي على ستة ~~أميال من طرسوس، فخرج إليهم بازمان ليلا، فبيتهم في ربيع الأول، فقتل منهم، ~~فيما يقال: سبعين ألفا، وقتل مقدمهم، وهو بطريق البطارقة، وقتل أيضا بطريق ~~القبازيق، وبطريق الناطليق، وأفلت بطريق قرة وبه عدة جراحات، وأخذ لهم سبع ~~صلبان من ذهب وفضة ; وصليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر، وأخذ خمسة عشر ~~ألف دابة، ومن السروج وغير ذلك، وسيوفا محلاة، وأربعة كراسي من ذهب، ومائتي ~~كرسي من فضة، وآنية كثيرة، ونحوا من عشرة آلاف علم ديباج، وديباجا كثيرا ~~(وبزيون) وغير ذلك. # ذكر وفاة الحسن بن زيد، وولاية أخيه محمد # وفيها توفي الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب، وكانت ولايته تسع ~~عشرة وثمانية أشهر وستة أيام، وولي مكانه أخوه محمد بن زيد. # وكان الحسن جوادا امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، وكان متواضعا لله ~~تعالى. # حكي عنه أنه مدحه شاعر فقال: الله فرد، وابن زيد فرد، فقال: بفيك الحجر، ~~يا كذاب، هلا قلت الله فرد، وابن زيد عبد! ثم نزل عن مكانه، وخر ساجدا لله ~~تعالى، وألصق خده بالتراب، وحرم الشاعر. # وكان عالما بالفقه والعربية، مدحه شاعر فقال: # PageV06P426 # لا تقل بشرى، ولكن بشريان ... عزة الداعي ويوم المهرجان # فقال له: كان الواجب أن تفتتح الأبيات بغير لا، فإن الشاعر المجيد يتخير ~~لأول القصيدة ما يعجب السامع، ويتبرك به، ولو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان ~~أحسن، فقال الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من قول: لا إله إلا الله، ~~وأولها لا، فقال: أصبت! وأجازه. # وحكي عنه أنه غنى ms2605 عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس في عتبة بن أبي لهب ~~التي أولها: # وأنا الأخضر من يعرفني؟ ... أخضر الجلدة من بيت العرب # فلما وصل إلى قوله: # برسول الله وابني عمه ... وبعباس بن عبد المطلب # غير البيت فقال: لا بعباس بن عبد المطلب، فغضب الحسن، وقال: يا ابن ~~اللخناء، تهجو بني عمنا بين يدي، وتحرف ما مدحوا به؟ لئن فعلتها مرة ثانية ~~لأجعلنها آخر غنائك. # ذكر وفاة أحمد بن طولون، وولاية ابنه خمارويه # في هذه السنة توفي أحمد بن طولون، صاحب مصر، والشام، والثغور الشامية. # وكان سبب موته أن نائبه بطرسوس وثب عليه يازمان الخادم، وقبض عليه، وعصى ~~على أحمد، وأظهر الخلاف، فجمع أحمد العساكر وسار إليه، فلما وصل أذنة كاتبه ~~وراسله يستميله، فلم يلتفت إلى رسالته فسار إليه أحمد، ونازله وحصره، فخرق ~~يازمان نهر البلد على منزلة العسكر، فكاد الناس يهلكون، فرحل أحمد مغيظا ~~حنقا، وكان الزمان شتاء، وأرسل إلى يازمان: إنني لم أرحل إلا خوفا أن تنخرق ~~حرمة هذا الثغر فيطمع فيه العدو. # فلما عاد إلى أنطاكية أكل لبن الجواميس، فأكثر منه، فأصابه منه هيضة، # PageV06P427 # واتصلت حتى صار منها ذرب، وكان الأطباء يعالجونه، وهو يأكل سرا، فلم ينجع ~~الدواء، فتوفي رحمه الله. # وكانت إمارته نحو ست وعشرين سنة وكان عاقلا، حازما، كثير المعروف والصدقة ~~متدينا، يحب العلماء وأهل الدين، وعمل كثيرا من أعمال البر ومصالح ~~المسلمين، وهو الذي بنى قلعة يافا، وكانت المدينة بغير قلعة. # وكان يميل إلى مذهب الشافعي، ويكرم أصحابه. # وولي بعده ابنه خمارويه، وأطاعه القواد، وعصى عليه نائب أبيه بدمشق، فسير ~~إليه العساكر فأجلوه، وساروا من دمشق إلى شيزر. # ذكر مسير إسحاق بن كنداجيق إلى الشام # لما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجيق على الموصل والجزيرة، فطمع ~~هو وابن أبي الساج في الشام، واستصغرا أولاد أحمد، وكاتبا الموفق بالله في ~~ذلك، واستمداه فأمرهما بقصد البلاد، ووعدهما إنفاذ الجيوش، فجمعا، وقصدا ما ~~يجاورهما من البلاد، فاستوليا عليه وأعانهما النائب بدمشق لأحمد بن طولون، ~~ووعدهما الانحياز ms2606 إليهما، فتراجع من بالشام من نواب أحمد بأنطاكية، وحلب، ~~وحمص، وعصى متولي دمشق، واستولى إسحاق على ذلك. # وبلغ الخبر إلى أبي الجيش خمارويه بن أحمد، فسير الجيوش إلى الشام فملكوا ~~دمشق، وهرب النائب الذي كان بها، (وسار عسكر خمارويه) من دمشق إلى شيزر ~~لقتال إسحاق بن كنداجيق وابن أبي الساج، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من ~~العراق، وهجم الشتاء على الطائفتين، وأضر بأصحاب ابن طولون، فتفرقوا في ~~المنازل بشيزر. # ووصل العسكر العراقي إلى كنداجيق، وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفق وهو # PageV06P428 # المعتضد بالله، فلما وصل سار مجدا إلى عسكر خمارويه بشيزر، فلم يشعروا ~~حتى كبسهم في المساكن، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار من ~~سلم إلى دمشق (على أقبح صورة، فسار المعتضد إليهم، فجلوا عن دمشق إلى ~~الرملة، وملك هو دمشق) ، ودخلها في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين، وأقام ~~عسكر ابن طولون بالرملة، فأرسلوا إلى خمارويه يعرفونه الحال، فخرج من مصر ~~في عساكره قاصدا إلى الشام. # ذكر عدة حوادث # وفيها، في جمادى الأولى توفي هارون بن الموفق ببغداذ. # وفيها، كان فداء أهل سندية على يد يازمان # وفيها، في شعبان شغب أصحاب أبي العباس بن الموفق على صاعد بن مخلد، وهو ~~وزير الموفق، وطلبوا الأرزاق، وقاتلهم أصحاب صاعد، وكان بينهم حرب شديدة ~~قتل فيها جماعة، وأسر من أصحاب أبي العباس جماعة، ولم يكن أبو العباس ~~حاضرا، كان قد خرج متصيدا، ودامت الحرب إلى بعد المغرب، ثم كف بعضهم عن ~~بعض، ثم وضع العطاء من الغد، واصطلحوا. # وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق وبين ابن دعباش (وكان ابن دعباش) ~~بالرقة عاملا عليها، وعلى الثغور والعواصم لابن طولون، وابن كنداجيق على ~~الموصل للخليفة. # وفيها ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لاردة من الأندلس، وكان مخالفا ~~لمحمد صاحب الأندلس، ثم صالحه في العام الماضي، فلما سمع صاحب برشلونة ~~الفرنجي جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك، فسمع به إسماعيل، فقصده وقاتله، ~~فانهزم # PageV06P429 # المشركون، وقتل أكثرهم، وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهرا ms2607 طويلا. # [الوفيات] وفيها توفي محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني الحافظ. # ومحمد بن مسلم بن عثمان، المعروف بابن وارة الرازي، وكان إماما في ~~الحديث، وله فيه مصنفات. # (فيها توفي) داود بن علي الأصبهاني الفقيه، إمام أصحاب الظاهر، وكان ~~مولده سنة اثنين ومائتين. # وفيها توفي مصعب بن أحمد بن مصعب أبو أحمد الصوفي الزاهد، وهو من أقران ~~الجنيد. # وفيها مات ملك الروم، وهو ابن الصقلبية. # وحج بالناس هارون بن محمد بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس. # (وفيها توفي خالد بن أحمد بن خالد السيدوسي الذهلي الذي كان أمير خراسان # PageV06P430 # ببغداذ، وكان قد قصد الحج فقبض عليه الخليفة المعتمد وحبسه، فمات بالحبس، ~~وهو الذي أخرج البخاري صاحب " الصحيح " من بخارى وخبره معه مشهور، فدعا ~~عليه البخاري فأدركته الدعوة) . # PageV06P431 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين] ### | 271 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين # ذكر خلاف محمد وعلي العلويين # في هذه السنة دخل محمد، وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة، وقتلا جماعة من أهلها، ~~وأخذا من قوم مالا، ولم يصل أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع جمع، لا جمعة، ولا جماعة، فقال الفضل بن العباس العلوي في ذلك: # أخربت دار هجرة المصطفى الب ... ر فأبكى خرابها المسلمينا # عين فابكي مقام جبريل والقب ... ر فبكى والمنبر الميمونا # وعلى المسجد الذي أسه التق ... وى، خلاء أمسى من العابدينا # وعلى طيبة التي بارك الل ... ه عليها بخاتم المرسلينا # ذكر عزل عمرو بن الليث عن خراسان # وفيها أدخل المعتمد إليه حاج خراسان، وأعلمهم أنه قد عزل عمرو بن الليث ~~عما كان قلده، ولعنه بحضرتهم، وأخبرهم أنه قلد خراسان محمد بن طاهر، وأمر ~~أيضا بلعن عمرو على المنابر، فلعن، فسار صاعد بن مخلد إلى فارس لحرب عمرو، ~~فاستخلف محمد بن طاهر رافع بن هرثمة على خراسان، فلم يغير السامانية ms2608 عما ~~وراء النهر. # PageV06P432 # ذكر وقعة الطواحين # وفي هذه السنة كانت وقعة الطواحين بين أبي العباس المعتضد وبين خمارويه ~~بن أحمد بن طولون. # وسبب ذلك أن المعتضد سار من دمشق، بعد أن ملكها نحو الرملة إلى عساكر ~~خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عساكره، وكثرة من معه من الجموع، ~~فهم بالعود، فلم يمكنه من معه من أصحاب خمارويه الذين صاروا معه، وكان ~~المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق، وابن أبي الساج، ونسبهما إلى الجبن، حيث ~~انتظراه ليصل إليها، ففسدت نياتهما معه. # ولما وصل خمارويه إلى الرملة نزل على الماء الذي عليه الطواحين، فملكه، ~~فنسبت الوقعة إليه، ووصل المعتضد وقد عبأ أصحابه، وكذلك أيضا فعل خمارويه، ~~وجعل له كمينا عليهم سعيدا الأيسر، وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه، ~~فانهزمت، فلما رأى ذلك خمارويه، ولم يكن رأى مصافا قبله، ولى منهزما في نفر ~~من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب ولم يقف دون مصر. # ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه، وهو لا يشك في تمام النصر، فخرج الذين ~~عليهم سعيد الأيسر، وانضاف إليه من بقي من جيش خمارويه، ونادوا بشعارهم، ~~وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد، ووضع المصريون السيف ~~فيهم، وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد، فركب فانهزم ولم يلو على شيء، فوصل ~~إلى دمشق، ولم يفتح له أهلها بابها، فمضى منهزما حتى بلغ طرسوس، وبقي ~~العسكران يضطربان بالسيوف، وليس لواحد منها أمير. # وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده، فأقام أخاه أبا العشائر، وتمت ~~الهزيمة على العراقيين، وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير. # وقال سعيد للعساكر: إن هذا أخو صاحبكم، وهذه الأموال تنفق فيكم، ووضع ~~العطاء، فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال، وسيرت البشارة إلى مصر، ففرح ~~خمارويه بالظفر، وخجل للهزيمة، غير أنه أكثر الصدقة، وفعل مع الأسرى فعلة ~~لم يسبق إلى مثلها # PageV06P433 # أحد قبله، فقال لأصحابه: إن هؤلاء أضيافكم فأكرموهم، ثم أحضرهم بعد ذلك ~~وقال لهم: من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرجوع ~~جهزناه وسيرناه، فمنهم من أقام ومنهم من ms2609 سار مكرما، وعادت عسكر خمارويه إلى ~~الشام ففتحته أجمع، فاستقر ملك خمارويه له. # ذكر الحرب بين عسكر الخليفة، وعمرو الصفار # في هذه السنة عاشر ربيع الأول كانت وقعة بين عساكر الخليفة وفيها أحمد بن ~~عبد العزيز بن أبي دلف، وبين عمرو بن الليث الصفار، ودامت الحرب من أول ~~النهار إلى الظهر، فانهزم عمرو وعساكره، وكانوا خمسة عشر ألفا بين فارس ~~وراجل، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمرو بن الليث، وقتل مائة رجل من حماتهم، ~~وأسر ثلاثة آلاف أسير، استأمن منهم ألف رجل، وغنموا من معسكر عمرو من ~~الدواب والبقر والحمير ثلاثين ألف رأس، وما سوى ذلك فخارج عن الحد. # ذكر حروب الأندلس وإفريقية # في هذه السنة سير محمد صاحب الأندلس جيشا مع ابنه المنذر إلى مدينة ~~بطليوس، فزال عنها ابن مروان الجليقي، وكان مخالفا، كما ذكرنا، وقصد حصن ~~أشير غرة فتحصن به، فأحرق المنذر بطليوس، وسير محمد أيضا جيشا مع هاشم بن ~~عبد العزيز إلى مدينة سرقسطة، بها محمد بن لب بن موسى، فملكها هاشم، وأخرج ~~منها محمدا، وكان معه عمر بن حفصون الذي ذكرنا خروجه على صاحب الأندلس ~~فصالحه. # فلما عادوا إلى قرطبة هرب عمر بن حفصون، وقصد بربشتر مخالفا، فاهتم صاحب ~~الأندلس به، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # PageV06P434 # وفيها سارت سرية للمسلمين عظيمة بصقلية إلى رمطة، فخربت وغنمت وسبت، ~~وأسرت كثيرا وعادت. # وتوفي أمير صقلية، وهو الحسين بن أحمد، فولي بعده سوادة بن محمد بن خفاجة ~~التميمي، وقدم إليها، فسار عسكر كبير إلى مدينة قطانية فأهلك ما فيها، وسار ~~إلى طبرمين فقاتل أهلها، وأفسد زرعها، وتقدم فيها، فأتاه رسول بطريق الروم ~~يطلب الهدنة، والمفاداة، فهادنه ثلاثة أشهر، وفاداه ثلاثمائة أسير من ~~المسلمين، فرجع سوادة إلى بلرم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة، وطريق مكة، فوثب ~~يوسف بن أبي الساج - وهو والي مكة - على بدر غلام الطائي، وكان أميرا على ~~الحاج، فحاربه، وأسره، فثار الجند بيوسف، فقاتلوه، واستنقذوا بدرا، وأسروا ~~يوسف، ms2610 وحملوه إلى بغداذ، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام. # وفيها خربت العامة الدير العتيق الذي وراء نهر عيسى، وانتهبوا ما فيه، ~~وقلعوا أبوابه، فسار إليهم الحسين بن إسماعيل، صاحب شرطة بغداذ من قبل محمد ~~بن طاهر، فمنعهم من هدم ما بقي منه، وكان يتردد هو والعامة إليه أياما، حتى ~~كاد أن يكون بينهم حرب، ثم بنى ما هدم بعد أيام، وكانت إعادة بنائه بقوة ~~عبدون أخي صاعد بن مخلد. وحج بالناس هارون بن إسحاق. # [الوفيات] وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن منصور البصري. # PageV06P435 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين] ### | 272 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين # ذكر الحرب بين أذكوتكين ومحمد بن زيد العلوي # في هذه السنة، منتصف جمادى الأولى، كانت حرب شديدة بين أذكوتكين وبين ~~محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان، ثم سار أذكوتكين من قزوين إلى الري، ~~ومعه أربعة آلاف فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم، والطبرية ~~والخراسانية عالم كبير، فاقتتلوا، فانهزم عسكر محمد بن زيد، وتفرقوا، وقتل ~~منهم ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم أذكوتكين، وعسكره من أثقالهم، وأموالهم، ~~ودوابهم شيئا لم يروا مثله، ودخل أذكوتكين الري فأقام بها، وأخذ من أهلها ~~مائة ألف ألف دينار، وفرق عماله في أعمال الري. # ذكر عدة حوادث # فيها وقع بين أبي العباس بن الموفق وبين يازمان بطرسوس، فثار أهل طرسوس ~~بأبي العباس فأخرجوه، فسار إلى بغداذ في النصف من المحرم. # وفيها توفي سليمان بن وهب في جيش الموفق في صفر. # وفيها خرج خارجي بطرق خراسان، وسار إلى دسكرة الملك فقتل. # PageV06P436 # وفيها دخل حمدان بن حمدون، وهارون الشاري مدينة الموصل، وصلى بهم الشاري ~~في جامعها. # وفيها نقب المطبق من داخله، وأخرج منه الذوائبي العلوي، وفتيان معه، ~~فركبوا دواب أعدت لهم وهربوا، فأغلقت أبواب بغداذ، فأخذ الذوائبي، ومن معه، ~~فأمر الموفق، وهو بواسط، أن تقطع يده، ورجله من خلاف، فقطع. # وفيها قدم صاعد بن مخلد من فارس إلى واسط، فأمر الموفق جميع القواد أن ~~يستقبلوه، فاستقبلوه، وترجلوا له، وقبلوا ms2611 يده، وهو لا يكلمهم كبرا وتيها، ~~ثم قبض الموفق عليه وعلى جميع أهله وأصحابه، ونهب منازلهم بعد أيام، وكان ~~قبضه في رجب، وقبض ابناه أبو عيسى، وصالح، وأخوه عبدون ببغداذ، واستكتب ~~مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، اقتصر به على الكتابة دون غيرها. # (وفيها نزل بنو شيبان، ومن معهم بين الزانين من أعمال الموصل، عاثوا في ~~البلد، وأفسدوا، وجمع هارون الخارجي على قصدهم، وكتب إلى حمدان ابن حمدون ~~التغلبي في المجيء إليه، إلى الموصل، فسار هارون نحو الموصل، وسار حمدان، ~~ومن معه إليه، فعبروا إليه بالجانب الشرقي من دجلة، وساروا جميعا إلى نهر ~~الخازر، وقاربوا حلل بني شيبان، فواقعته طليعة لبني شيبان على طليعة هارون، ~~فانهزمت طليعة هارون، وانهزم هارون، وجلا أهل نينوى عنها، إلا من تحصن ~~بالقصور) . # وفيها زلزلت مصر في جمادى الآخرة زلزلة شديدة أخربت الدور والمسجد ~~الجامع، وأحصي بها في يوم واحد ألف جنازة. # PageV06P437 # وفيها غلا السعر ببغداذ، وكان سببه أن أهل سامرا منعوا من انحدار السفن ~~بالطعام، ومنع الطائي أرباب الضياع من الدياس ليغلوا الأسعار، ومنع أهل ~~بغداذ عن سامرا الزيت، والصابون، وغير ذلك، واجتمعت العامة، ووثبوا ~~بالطائي، فجمع أصحابه، وقاتلهم، فجرح بينهم جماعة، وركب محمد بن طاهر وسكن ~~الناس، وصرفهم عنه. # وفيها توفي إسماعيل بن برية الهاشمي في شوال. # وعبيد الله بن عبد الله الهاشمي. # وفيها تحركت الزنج بواسط، وصاحوا: أنكلاي، يا منصور، وكان هو والمهلبي، ~~وسليمان بن جامع، وجماعة من قوادهم في حبس الموفق ببغداذ، وكتب الموفق ~~بقتلهم، فقتلوا، وأرسلت رءوسهم إليه، وصلبت أبدانهم ببغداذ. # وفيها صلح أمر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتراجع الناس إليها. # وفيها غزا الصائفة يازمان، وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق. # (وفيها سير صاحب الأندلس إلى ابن مروان الجليقي، وهو بحصن أشير غرة، ~~فحصروه وضيقوا عليه، وسير جيشا آخر إلى محاربة عمر بن حفصون بحصن بربشتر. # وفيها انفضت الهدنة بين سوادة أمير صقلية والروم، فأخرج سوادة السرايا ~~إلى بلد الروم بصقلية، فغنمت وعادت. # وفيها قدم من ms2612 القسطنطينية بطريق، يقال له أنجفور، في عسكر كبير، فنزل على ~~مدينة سبرينة فحصرها، وضيق على من بها من المسلمين، فسلموها على أمان ~~ولحقوا # PageV06P438 # بأرض صقلية، ثم وجه أنجفور عسكرا إلى مدينة منتية، فحصرها، حتى سلمها ~~أهلها بأمان (إلى بلرم من صقلية) . # [الوفيات] وفيها مات أبو بكر محمد بن صالح بن عبد الرحمن الأنماطي، ~~المعروف بكيجلة، وهو من أصحاب يحيى بن معين، وهو لقبه. # وفيها توفي أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عطارد العطاردي التميمي، وهو ~~يروي " مغازي ابن إسحاق " عن يونس، عن ابن إسحاق، ومن طريقه سمعناه. # وفيها توفي إبراهيم بن الوليد بن الجشاش. # وفيها توفي شعيب بن بكار الكاتب، وله حديث عن أبي عاصم النبيل. # PageV06P439 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين] ### | 273 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين # ذكر الاختلاف بين ابن أبي الساج، وابن كنداج، والخطبة بالجزيرة لابن ~~طولون # في هذه السنة فسد الحال بين محمد بن أبي الساج، وإسحاق بن كنداج، وكانا ~~متفقين في الجزيرة. # وسبب ذلك أن أبي الساج (نافر إسحاق في الأعمال، وأراد التقدم، وامتنع ~~عليه إسحاق، فأرسل ابن أبي الساج إلى) خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، ~~(وأطاعه، وصار معه) وخطب له بأعماله، وهي قنسرين، وسير ولده ديوداد إلى ~~خمارويه رهينة، فأرسل إليه خمارويه مالا جزيلا له ولقواده. # وسار خمارويه إلى الشام، فاجتمع هو وابن أبي الساج ببالس، وعبر ابن أبي ~~الساج الفرات إلى الرقة، فلقيه ابن كنداج، وجرى بينهما حرب انهزم فيها ابن ~~كنداج، واستولى ابن أبي الساج على ما كان لابن كنداج، وعبر خمارويه الفرات ~~ونزل الرافقة، ومضى إسحاق منهزما إلى قلعة ماردين، (فحصره ابن أبي الساج، ~~وسار عنها إلى سنجار، فأوقع بها بقوم من الأعراب، وسار ابن كنداج من ~~ماردين) نحو الموصل، فلقيه ابن أبي الساج ببرقعيد، فكمن كمينا، فخرجوا على ~~ابن كنداج وقت القتال، فانهزم عنها، وعاد إلى ماردين فكان فيها ; وقوي ابن ~~أبي الساج، وظهر أمره، واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب لخمارويه فيها ثم ~~لنفسه بعده. # PageV06P440 # ذكر ms2613 وقعة بين عسكر ابن أبي الساج والشراة # لما استولى ابن أبي الساج على الموصل أرسل طائفة من عسكره مع غلامه فتح، ~~وكان شجاعا مقدما عنده، إلى المرج من أعمال الموصل، فساروا إليها، وجبوا ~~الخراج منها. # وكان اليعقوبية الشراة بالقرب منه، فأرسل إليهم فهادنهم، وقال: # إنما مقامي بالمرج مدة يسيرة ثم أرحل عنه. فسكنوا إلى قوله، وتفرقوا، ~~فنزل بعضهم بالقرب من سوق الأحد، فأسرى إليهم فتح في السحر، فكبسهم، وأخذ ~~أموالهم، وانهزم الرجال عنه. # وكان باقي اليعقوبية قد خرجوا إلى أصحابهم الذين أوقع بهم فتح من غير أن ~~يعلموا بالواقعة، فلقيهم المنهزمون من أصحابهم، (فاجتمعوا، وعادوا إلى فتح ~~فقاتلوه) ، وحملوا حملة رجل واحد، فهزموه، وقتلوا من أصحابه ثمانمائة رجل، ~~وكان أصحابه ألف رجل، فأفلت في نحو مائة رجل، وتفرق مائة في القرى واختفوا، ~~وعادوا إلى الموصل متفرقين، وأقاموا بها. # ذكر وفاة محمد بن عبد الرحمن، وولاية ابنه المنذر # في هذه السنة توفي محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي صاحب ~~الأندلس، سلخ صفر، وكان عمره نحوا من خمس وستين سنة، وكانت ولايته أربعا ~~وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض، مشربا بحمرة، ربعة، أوقص، يخضب ~~بالحناء، والكتم، وخلف ثلاثة وثلاثين ولدا ذكورا، وكان ذكيا، فطنا بالأمور ~~المشتبهة متعانيا منها. # ولما مات ولي بعده ابنه المنذر بن محمد، بويع له بعد موت أبيه بثلاث ~~ليال، # PageV06P441 # وأطاعه الناس، وأحسن إليهم. # ذكر عدة حوادث # (وفيها أيضا كانت وقعة بالرقة في جمادى الأولى بين إسحاق بن كنداجيق وبين ~~محمد بن أبي الساج، فانهزم إسحاق، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في ذي الحجة ~~فانهزم إسحاق أيضا) . # وفي السنة وثب أولاد ملك الروم على أبيهم، فقتلوه، وملك أحدهم بعده. # وفيها قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون الذي كان قدم عليه بالأمان ~~(حين كان يقاتل الزنج بالبصرة، ولما قبضه قيده) ، وضيق عليه، وأخذ منه ~~أربعمائة ألف دينار، فكان لؤلؤ يقول: ليس لي ذنب إلا كثرة مالي ; ولم تزل ~~أموره في إدبار إلى أن افتقر ولم ms2614 يبق له شيء، ثم عاد إلى مصر في آخر أيام ~~هارون بن خمارويه، فريدا وحيدا، بغلام واحد، فكان هذا ثمرة العقل السخيف، ~~وكفر الإحسان. # وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق. # وفيها ثار السودان بمصر، وحصروا صاحب الشرطة، فسمع خمارويه بن أحمد بن ~~طولون الخبر، فركب، وفي يده سيف مسلول، وقصد دار صاحب الشرطة، وقتل كل من ~~لقيه من السودان، فانهزموا منه، وأكثر القتل فيهم، وسكنت مصر وأمن الناس. # PageV06P442 # [الوفيات] # وفيها مات أبو سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب كتاب " السنن ". # ومحمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وله أيضا كتاب " السنن "، وكان عاقلا، ~~إماما عالما. # وتوفي الفتح بن شخرف أبو داود الكشي الصوفي، وكان موته ببغداذ، وهو من ~~أصحاب الأحوال الشريفة. # وتوفي حنبل بن إسحاق. # PageV06P443 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين] ### | 274 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين # ذكر الحرب بين عسكر عمرو بن الليث وبين عسكر الموفق # في هذه السنة سار الموفق إلى فارس لحرب عمرو بن الليث الصفار، فبلغ الخبر ~~إلى عمرو، فسير العباس بن إسحاق في جمع كبير من العسكر إلى سيراف، وأنفذ ~~ابنه محمد بن عمرو إلى أرجان، وسير أبا طلحة شركب صاحب جيشه، على مقدمته، ~~فاستأمن أبو طلحة إلى الموفق، وسمع عمرو ذلك، فتوقف عن قصد الموفق. # ثم إن أبا طلحة عزم على العود إلى عمرو، فبلغ الموفق خبره فقبض عليه بقرب ~~شيزار، وجعل ماله لابنه المعتضد أبي العباس، وسار يطلب عمرا، فعاد عمرو إلى ~~كرمان، ومنها إلى سجستان على المفازة، فتوفي ابنه محمد بالمفازة، ولم يقدر ~~الموفق على أخذ كرمان (وسجستان من عمرو فعاد عنه) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا يازمان، فأوغل في أرض الروم (فأوقع فيها بكثير من ~~أهلها، وقتل وغنم، وسبى، وأسر، وعاد سالما إلى طرسوس) . # PageV06P444 # وفيها دخل صديق الفرغاني دور سامرا (فنهبها، وأخذ) أموال التجار (منها، ~~وأفسد) ; وكان صديق هذا يخفر الطريق ويحميه، ثم صار يقطعه. # وحج بالناس هارون بن محمد. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس بن الكبش بن ms2615 المتوكل، وكان قد حبسه أخوه المعتمد، ~~ثم أطلقه. # وفيها توفي الحسن بن مكرم. # وعلي [إبراهيم] بن عبد الحميد الواسطي. # [بقية الحوادث] وفيها جمع إسحاق بن كنداج جمعا كثيرا وسار نحو الشام، ~~فبلغ الخبر خمارويه، فسار إليه وقد عبر الفرات، فالتقيا، وجرى بين ~~الطائفتين قتال شديد، انهزم فيه إسحاق هزيمة عظيمة لم يرده شيء، حتى عبر ~~الفرات، وتحصن بها، وسار خمارويه إلى الفرات، فعمل جسرا، فلما علم إسحاق ~~بذلك سار من هناك إلى قلاع له قد أعدها وحصنها، وأرسل إلى خمارويه يخضع له، ~~يبذل له الطاعة في جميع ولايته، وهي الجزيرة وما والاها، فأجابه إلى ذلك. # وصالحه ابن أبي الساج، وجمع جمعا كثيرا، وسار نحو الشام قاصدا منازعة # PageV06P445 # خمارويه حيث كان أبعد إلى مصر، فبلغ الخبر خمارويه فخرج عن مصر في ~~عساكره، فالتقيا في البثنية من أعمال دمشق، فاقتتلا قتالا عظيما، فانهزم ~~ابن أبي الساج، وعاد منهزما حتى عبر الفرات، فأحضر خمارويه ولد ابن أبي ~~الساج، وكان رهينة عنده، فخلع عليه، وأطلقه، وسيره إلى أبيه، وعاد إلى مصر. # PageV06P446 ### | [ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين] ### | 275 - # ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين # ذكر الاختلاف بين خمارويه وابن أبي الساج # قد ذكرنا اتفاق ابن أبي الساج، وخمارويه بن طولون، وطاعة ابن أبي الساج ~~له، فلما كان الآن خالف ابن أبي الساج على خمارويه، فسمع خمارويه الخبر، ~~فسار عن مصر في عساكره نحو الشام، فقدم إليه آخر سنة أربع وسبعين [ومائتين] ~~، فسار ابن أبي الساج إليه، فالتقوا عند ثنية العقاب بقرب دمشق، واقتتلوا ~~في المحرم من هذه السنة، كان القتال بينهما، فانهزمت ميمنة خمارويه، وأحاط ~~باقي عسكره بابن أبي الساج، ومن معه، فمضى منهزما، واستبيح معسكره، وأخذت ~~الأثقال، والدواب، وجميع ما فيه. # وكان قد خلف بحمص شيئا كثيرا، فسير إليه خمارويه قائدا في طائفة من ~~العسكر جريدة فسبقوا ابن أبي الساج إليها، ومنعوه من دخولها والاعتصام بها، ~~واستولوا على ما له فيها، فمضى ابن أبي الساج منهزما إلى حلب، ثم منها إلى ~~الرقة، فتبعه ms2616 خمارويه، ففارق الرقة، فعبر خمارويه الفرات، (سار في أثر ابن ~~أبي الساج، فوصل خمارويه إلى مدينة بلد، وكان قد سبقه ابن أبي الساج إلى ~~الموصل) . # فلما سمع ابن أبي الساج بوصوله إلى بلد سار عن الموصل إلى الحديثة، وأقام ~~خمارويه ببلد، وعمل له سريرا طويل الأرجل، فكان يجلس عليه في دجلة، هكذا ~~ذكر أبو زكرياء يزيد بن إياس الأزدي الموصلي صاحب " تاريخ الموصل ": أن ~~خمارويه وصل إلى بلد، وكان إماما فاضلا عالما بما يقول وهو يشاهد الحال. # PageV06P447 # ذكر الحرب بين ابن كنداج، وابن أبي الساج # لما انهزم كنداج من ابن أبي الساج، كما ذكرناه أقام إلى أن انهزم ابن أبي ~~الساج من خمارويه، فلما وافى خمارويه بلد أقام بها، وسير مع إسحاق بن كنداج ~~جيشا كثيرا، وجماعة من القواد، ورحل يطلب ابن أبي الساج، فمضى بين يديه ~~وابن كنداج يتبعه إلى تكريت، فعبر ابن أبي الساج دجلة، وأقام ابن كنداج، ~~وجمع السفن ليعمل جسرا يعبر عليه، وكان يجري بين الطائفتين مراماة. # وكان ابن أبي الساج في نحو ألفي فارس، وابن كنداج في عشرين ألفا، فلما ~~رأى أبو الساج اجتماع السفن سار عن تكريت إلى الموصل ليلا، فوصل إليها في ~~اليوم الرابع، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، وسار ابن كنداج يتبعه، فوصل ~~إلى العزيق، فلما سمع ابن أبي الساج خبره سار إليه، فالتقوا، واقتتلوا عند ~~قصر حرب، فاشتد القتال بينهم، وصبر محمد بن أبي الساج صبرا عظيما، لأنه في ~~قلة، فنصره الله، وانهزم ابن كنداج، وجميع عسكره، ومضى منهزما. # وكان أعظم الأسباب في هزيمته بغيه، فإنه لما قيل له: إن ابن أبي الساج قد ~~أقبل نحوك من الموصل ليقاتلك، قال: أستقبل الكلب! فعد الناس هذا بغيا ~~وخافوا منه، فلما انهزم، وسار إلى الرقة، تبعه محمد إليها، وكتب إلى أبي ~~أحمد الموفق يعرفه ما كان منه، ويستأذنه في عبور الفرات إلى الشام بلاد ~~خمارويه، فكتب إليه الموفق يشكره، ويأمره بالتوقف إلى أن تصله الأمداد من ~~عنده. # وأما ابن كنداج فإنه سار إلى ms2617 خمارويه، فسير معه جيشا، فوصلوا إلى الفرات، ~~فكان إسحاق بن كنداج على الشام، وابن أبي الساج بالرقة، ووكل بالفرات من ~~يمنع من عبورها، فبقوا كذلك مدة. # ثم إن ابن كنداج سير طائفة من عسكره، فعبروا الفرات في غير ذلك الموضع، ~~وساروا، فلم تشعر طائفة عسكر ابن أبي الساج، وكانوا طليعة، إلا وقد أوقعوا ~~بهم، فانهزموا من عسكر إسحاق إلى الرقة، فلما رأى ابن أبي الساج ذلك سار عن ~~الرقة إلى # PageV06P448 # الموصل، فلما وصل إليها طلب من أهلها المساعدة بالمال، وقال لهم: ليس ~~بالمضطر مروءة ; فأقام بها نحو شهر، وانحدر إلى بغداذ، فاتصل بأبي أحمد ~~الموفق في ربيع الأول من سنة ست وسبعين ومائتين، فاستصحبه معه إلى الجبل، ~~وخلع عليه، ووصله بمال، وأقام ابن كنداج بديار ربيعة، وديار مضر من أرض ~~الجزيرة. # ذكر الحرب بين الطائي، وفارس العبدي # وفيها ظهر فارس العبدي في جمع، فأخاف السبيل، وسار إلى دور سامرا، ونهب، ~~فسار إليه الطائي مقاتلا، فهزمه الطائي، وأخذ سواده، ثم سار الطائي إلى ~~دجلة ليعبرها، فدخل طيارة له، فأدركه بعض أصحاب فارس فتعلقوا بكوثل ~~الطيارة، فرمى الطائي نفسه في الماء وسبح، فلما خرج منه نفض لحيته، وقال: ~~إيش ظن العبدي؟ أليس أنا أسبح من سمكة؟ ثم نزل الطائي السن والعبدي بإزائه، ~~قال علي بن بسام في الطائي: # قد أقبل الطائي ما أقبلا ... يفتح في الأفعال ما أجملا # كأنه من لين ألفاظه ... صبية تمضغ جهد البلا # وجهد البلا ضرب من النافط يتعلك. # وفيها قبض الموفق على الطائي وقيده، وختم على كل شيء له، وكان يلي الكوفة ~~وسوادها، وطريق خراسان، وسامرا، والشرطة ببغداذ، وخراج بادوريا، وقطربل، ~~ومسكن. # ذكر قبض الموفق على ابنه المعتضد بالله # في هذه السنة، في شوال، قبض الموفق على ابنه المعتضد بالله أبي العباس ~~أحمد. # وسبب ذلك أن الموفق دخل إلى واسط ونزل بها، ثم عاد إلى بغداذ، وتخلف # PageV06P449 # المعتمد على الله بالمدائن، وأمر الموفق ابنه أن يسير إلى بعض الوجوه، ~~فقال: لا أخرج إلا إلى الشام لأنها الولاية التي ms2618 ولانيها أمير المؤمنين. # فلما امتنع عليه أمر بإحضاره، فلما حضر أمر بعض خدمه أن يحبسه في حجرة في ~~داره، فلما قام المعتضد تقدم إليه الخادم وأمره بدخول تلك الدار، فدخل ووكل ~~به فيها. # وثار القواد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا، واضطربت بغداذ لما رأوا السلاح ~~والقواد، فركب الموفق إلى الميدان، وقال لهم: ما شأنكم؟ أترون أنكم أشفق ~~على ولدي مني، وقد احتجت إلى تقويمه! فانصرفوا. # (في هذه السنة سار الطائي إلى سامرا بسبب صديق، فراسله، وأمنه، ودخل ~~سامرا في جماعة من أصحابه، فأخذهم الطائي، وقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، ~~وحملهم إلى بغداذ. # وفيها غزا يازمان في البحر، فغنم من الروم أربعة مراكب) . # ذكر استيلاء رافع بن هرثمة على جرجان # في هذه السنة سار رافع بن هرثمة إلى جرجان، فأزال عنها محمد بن زيد، وسار ~~محمد إلى إستراباذ، فحصره فيها رافع، وأقام عليه نحو سنتين فغلت الأسعار ~~بحيث لم يوجد ما يؤكل، وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة، وفارقها محمد بن زيد ~~ليلا في نفر يسير إلى سارية، فسير إليه رافع عسكرا، فتحاربا، وسار محمد عن ~~سارية، وعن طبرستان، وذلك في ربيع الأول سنة سبع وسبعين ومائتين، واستأمن ~~رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان، فصاهره ابن قوله. # وقدم على رافع، وهو بطبرستان علي بن الليث، وكان قد حبسه أخوه عمرو ~~بكرمان، فاحتال حتى تخلص هو وابناه المعدل والليث، وأنفذ رافع إلى شالوس # PageV06P450 # محمد بن هارون نائبا عنه، فأتاه بها علي بن كالي مستأمنا، فأتاهما محمد ~~بن زيد، وحصرهما بشالوس، وأخذ الطريق عليهما، فلم يصل منهما إلى رافع خبر، ~~فلما تأخر خبرهما عنه أرسل جاسوسا يأتيه بأخبارهما، فعاد إليه فأخبره بحصر ~~محمد بن زيد إياهما بشالوس، فعظم عليه، وسار إليهما، فرحل عنهما محمد بن ~~زيد إلى أرض الديلم، فدخل رافع خلفه أرض الديلم فخرقها حتى اتصل بحدود ~~قزوين، وعاد إلى الري، وأقام بها إلى أن توفي الموفق في رجب سنة ست وسبعين ~~ومائتين. # ذكر وفاة المنذر بن محمد الأموي # وفيها في المحرم ms2619 توفي المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ~~الأموي، صاحب الأندلس، وقيل في صفر، وكانت ولايته سنة واحدة وأحد عشر شهرا ~~وعشرة أيام، وكان عمره نحوا من ست وأربعين سنة. # وكان أسمر طويلا بوجهه أثر جدري، جعدا كث اللحية، وخلف ستة ذكور، وكان ~~جوادا يصل الشعراء ويحب الشعر. # ولما توفي بويع أخوه عبد الله بن محمد، بويع له يوم موت أخيه، وكنيته أبو ~~محمد، أمه أم ولد اسمها عشار توفيت قبل ابنها بسنة، وفي أيامه امتلأت ~~الأندلس بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، ولم تزل كذلك طول ولايته. # PageV06P451 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] وفيها توفي أبو بكر أحمد بن الحجاج المروروذي، وهو صاحب أحمد ~~بن حنبل. # وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق العطار الموصلي التميمي، وكان كثير الحديث ~~والرواية، وكان معدلا عند الحكام. # وفيها توفي أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله السكري النحوي اللغوي ~~المشهور، صاحب التصانيف. # وقيل توفي سنة سبعين [ومائتين] ، والأول أصح. # PageV06P452 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائتين] ### | 276 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين [ومائتين] # في هذه السنة جعلت شرطة بغداذ إلى عمر بن الليث، وكتب اسمه على الأعلام، ~~والترسة وغيرها، وكان في شوال. # ثم ترتب في الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من قبل عمرو، ثم أمره ~~بطرح اسم عمرو عن الأعلام، وغيرها في شوال من هذه السنة. # وفيها في منتصف ربيع الأول، سار الموفق إلى بلاد الجبل، وسبب مسيره أن ~~الماذرائي، كاتب أذكوتكين، أخبره أن له هناك مالا عظيما، وأنه إن سار معه ~~أخذه جميعه، فسار إليه، فلم يجد المال، فلما لم يجد شيئا سار إلى الكرج، ثم ~~إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فتنحى أحمد عن البلد بجيشه ~~وعياله، وترك داره بفرشها لينزلها الموفق إذا قدم. # وفيها استعمل الموفق بالله على أذربيجان ابن أبي الساج، فسار إليها، فخرج ~~إليه عبد الله بن الحسن الهمداني، صاحب مراغة، ليصدره عنها، فحاربه، فانهزم ~~عبد الله وحصر، وأخذت منه ms2620 سنة ثمانين ومائتين، كما نذكره، واستقر ابن أبي ~~الساج لعمله. # وفيها توفي محمد بن حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد القاضي. # PageV06P453 # وفيها قتل عامل الموصل لابن كنداج إنسانا من الخوارج اسمه نعيم، فسمع ~~هارون مقدم الخوارج بذلك وهو بحديثة الموصل، فجمع أصحابه وسار إلى الموصل ~~يريد حرب أهلها، فنزل شرقي دجلة، فأرسل إليه أعيانهم ومقدموهم يسألونه ما ~~الذي أقدمه؟ فذكر قتل نعيم، فقالوا: إنما قتله عامل السلطان من غير اختيار ~~منا، وطلبوا منه الأمان ليحضروا عنده يعتذرون، ويتبرءون من قتله، فأمنهم، ~~فخرج إليه جماعة من أهل الموصل، وأعيانهم، وتبرءوا من قتله، فرحل عنهم. # وفيها عاد حجاج اليمن عن مكة، فنزلوا واديا، فأتاهم السيل فحملهم جميعهم، ~~وألقاهم في البحر. # وفيها توفي أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري، وكان يسكن ~~بغداذ. # وفيها ورد الخبر بانفراج تل من نهر الصلة، يعرف بتل [بني] شقيق، عن سبعة ~~أقبر فيها سبعة أبدان صحيحة، والقبور في شبه الحوض من حجر (في لون المسن، ~~عليه كتاب لا يدرى ما هو، وعليهم أكفان جدد) ويفوح منها ريح المسك، أحدهم ~~شاب له جمة، وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماء وكأنه قد كحل، وبه ضربة في ~~خاصرته. # وحج بالناس هارون بن محمد الهاشمي. # PageV06P454 # [الوفيات] # (وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، صاحب كتاب " أدب الكاتب ~~"، وكتاب " المعارف "، وهو كوفي، وإنما قيل له الدينوري لأنه كان قاضيها. # وقيل مات سنة سبعين [ومائتين] . # وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله اليشكري النحوي الراوية، وكان ~~مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين. # وفيها توفي محمد بن علي أبو جعفر القصاب الصوفي، وهو من أقران السري، ~~وصحبه الجنيد كثيرا. # PageV06P455 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين] ### | 277 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين # في هذه السنة دعا يازمان بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون. # وسبب ذلك أن خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار، وخمسمائة ثوب، وخمسمائة ~~مطرف، وسلاحا كثيرا، فلما وصل إليه دعا له، ثم وجه إليه بخمسين ألف ms2621 دينار. # وفيها، في ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج، والبرابرة أصحاب ~~أبي الصقر (فتنة، فاقتتلوا، فقتل بينهم جماعة، كان ذلك بباب الشام، فركب ~~أبو الصقر) ففرقهم. # وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم، وأمر من ينادي: من كانت له مظلمة قبل ~~الأمير الناصر لدين الله الموفق، أو أحد من الناس، فليحضر. # وفيها، في شعبان قدم بغداذ قائد عظيم من قواد خمارويه بن أحمد بن طولون، ~~في جيش عظيم. # وحج بالناس هارون بن محمد بن عيسى الهاشمي. # PageV06P456 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي المثنى الموصلي، وكان كثير ~~الحديث، وهو من أهل الصدق والأمانة. # وفيها توفي أبو حاتم الرازي، واسمه محمد بن إدريس بن المنذر، وهو من ~~أقران البخاري ومسلم. # ومات فيها يعقوب بن سفيان بن جوان الفسوي، وكان يتشيع. # ويعقوب بن يوسف بن معقل الأموي، والد أبي العباس الأصم. # وفيها توفيت عريب المغنية المأمونية، وقيل إنها ابنة جعفر بن يحيى بن ~~خالد بن برمك، وكان مولدها سنة إحدى وثمانين ومائة. # وفيها توفي أبو سعيد الخراز، واسمه أحمد بن عيسى، وقيل سنة ست وثمانين ~~[ومائتين] ، والأول أشبه بالصواب. # (الخراز: بالخاء المعجمة والراء والزاي) . # PageV06P457 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين] ### | 278 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين # ذكر الفتنة ببغداذ # فيها كانت الحرب ببغداذ بين أصحاب وصيف الخادم، والبربر، وأصحاب موسى ابن ~~أخت مفلح، أربعة أيام من المحرم، ثم اصطلحوا، وقد قتل بينهم جماعة، ثم وقع ~~بالجانب الشرقي وقعة بين أصحاب يونس قتل فيها رجل، ثم انصرفوا. # ذكر وفاة الموفق # وفيها توفي أبو أحمد الموفق بالله بن المتوكل، وكان قد مرض في بلاد ~~الجبل، فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس، فلم يقدر على الركوب، فعمل له سرير ~~عليه قبة، فكان يقعد عليه [هو] وخادم له يبرد رجله بالأشياء الباردة، حتى ~~إنه يضع عليها الثلج، ثم صارت علة برجله، داء الفيل، وهو ورم عظيم يكون في ~~الساق، يسيل منه ماء. # وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة، فقال لهم ms2622 يوما: قد ضجرتم من حملي، ~~بودي أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي، وآكل، وأنا في عافية. # وقال في مرضه: أطبق ديواني (على) مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ # PageV06P458 # حالا مني، فوصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر. # وشاع موته بعد انصراف أبي الصقر من داره، وكان تقدم بحفظ أبي العباس، ~~فأغلقت عليه أبواب دون أبواب، وقوي الإرجاف بموته، وكان قد اعترته غشية، ~~فوجه أبو الصقر إلى المدائن، فحمل منها المعتمد وأولاده، فجيء بهم إلى ~~داره، ولم يسر أبو الصقر إلى دار الموفق. # فلما رأى غلمان الموفق المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي ~~العباس ما نزل بالموفق، كسروا الأقفال، والأبواب المغلقة على أبي العباس، ~~فلما سمع أبو العباس ذلك ظن أنهم يريدون قتله، وأخذ سيفه بيده، وقال لغلام ~~عنده: والله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح! فلما وصلوا إليه رأى في أولهم ~~غلامه وصيفا موشكير، فلما رآه ألقى السيف من يده، وعلم أنهم ما يريدون إلا ~~الخير، فأخرجوه، وأقعدوه عند أبيه، فلما فتح عينه رآه، فقربه وأدناه إليه. # وجمع أبو الصقر عند القواد والجند، وقطع الجسرين، وحاربه قوم من الجانب ~~الشرقي، فقتل بينهم قتلى، فلما بلغ الناس أن الموفق حي حضر عنده محمد بن ~~أبي الساج، وفارق أبا الصقر، وتسلل القواد، والناس عن أبي الصقر، فلما رأى ~~أبو الصقر ذلك حضر هو وابنه دار الموفق، فلما قال له الموفق شيئا مما جرى، ~~فأقام في دار الموفق، فلما رأى المعتمد أنه بقي في الدار نزل هو وبنوه ~~وبكتمر، فركبوا زورقا، فلقيهم طيار لأبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، ~~فحمله فيه إلى دار علي بن جهشيار. # وذكر أعداء أبي الصقر أنه أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفق، ~~وأسبابه، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق، فنهبت دار أبي الصقر، حتى ~~أخرجت نساؤه منها حفاة بغير أزر، ونهب ما يجاورها من الدور، وكسرت أبواب ~~السجن، وخرج من كان فيها. # وخلع الموفق على ابنه أبي العباس، وعلى أبي ms2623 الصقر، وركبا جميعا، فمضى أبو ~~العباس إلى منزله، وأبو الصقر إلى منزله وقد نهب، فطلب حصيرة يقعد عليها ~~عارية، # PageV06P459 # فولى أبو العباس غلامه بدرا الشرطة، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على ~~الجانب الشرقي. # ومات الموفق يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر من هذه السنة، ودفن ليلة ~~الخميس بالرصافة، وجلس أبو العباس للتعزية. # وكان الموفق عادلا، حسن السيرة، يجلس للمظالم، وعنده القضاة، وغيرهم، ~~فينتصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالما بالأدب، والنسب، والفقه، وسياسة ~~الملك، وغير ذلك، قال يوما: إن جدي عبد الله بن العباس قال: إن الذباب ليقع ~~على جليسي فيؤذيني ذلك، وهذا نهاية الكرم، وأنا والله أرى جلسائي بالعين ~~التي أرى بها إخواني، والله لو تهيأ لي أن أغير أسماءهم لنقلتها من الجلساء ~~إلى الأصدقاء والإخوان. # وقال يحيى بن علي: دعا الموفق يوما جلساءه، فسبقتهم وحدي، فلما رآني وحدي ~~أنشد يقول: # وأستصحب الأصحاب حتى إذا دنوا ... وملوا من الإدلاج جئتكم وحدي # فدعوت له، واستحسنت إنشاده في موضعه، وله محاسن كثيرة ليس هذا موضع ~~ذكرها. # ذكر البيعة للمعتضد بولاية العهد # لما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد ~~المفوض ابن المعتمد، ولقب المعتضد بالله، وخطب له يوم الجمعة بعد المفوض، ~~وذلك لسبع ليال بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه، وتولى ما كان أبوه ~~يتولاه. # وفيها قبض المعتمد على أبي الصقر وأصحابه، وانتهب منازلهم، وطلب بني ~~الفرات فاختفوا. # وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب، وولاه الوزارة. # PageV06P460 # وسير محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداذ، فمضى وصيف ~~إلى السوس فعاث بها ونهب الطيب، وأبى الرجوع إلى بغداذ. # وفيها قتل علي بن الليث أخو الصفار، قتله رافع بن هرثمة، وكان قد يحنق ~~به، وترك أخاه. # وفيها غار ماء النيل، فغلت الأسعار بمصر. # ذكر ابتداء أمر القرامطة # وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة، وكان ابتداء أمرهم، فيما ~~ذكر، أن رجلا منهم قدم ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة، فكان بموضع يقال له ms2624 ~~النهرين، يظهر الزهد، والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من كسب يده، ويكثر ~~الصلاة، فأقام على ذلك مدة، فكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين، وزهده ~~في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم ~~وليلة، حتى فشا ذلك [عنه] بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من آل بيت ~~الرسول، فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير. # وكان يقعد إلى بقال هناك. فجاء قوم إلى البقال يطلبون منه رجلا يحفظ ~~عليهم ما # PageV06P461 # صرموا من نخلهم، فدلهم عليه وقال لهم: إن أجابكم إلى حفظ تمركم فإنه بحيث ~~تحبون، فكلموه في ذلك، فأجابهم على أجرة معلومة، فكان يحفظ لهم، ويصلي أكثر ~~نهاره، ويصوم، ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر فيفطر عليه، ويجمع نوى ~~ذلك التمر ويعطيه البقال، فلما حمل التجار تمرهم حاسبوا أجيرهم عند البقال، ~~ودفعوا إليه أجرته، وحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، وحط ثمن ~~النوى، فسمع أصحاب التمر محاسبته للبقال بثمن النوى فضربوه، وقالوا له: ألم ~~ترض بأكل تمرنا، حتى بعت النوى؟ فقال لهم البقال: لا تفعلوا! وقص عليهم ~~القصة، فندموا على ضربه، واستحلوا منه ما فعل، وازداد بذلك عند أهل القرية ~~لما وقفوا عليه من زهده. # ثم مرض، فمكث على الطريق مطروحا، وكان في القرية رجل أحمر العينين، يحمل ~~على أثوار له، يسمونه كرميتة لحمرة عينيه، وهو بالنبطية أحمر العين، فكلم ~~البقال الكرميتة في حمل المريض إلى منزله والعناية به، ففعل، وأقام عنده ~~حتى برأ، ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه، فأجابوه، وكان يأخذ من الرجل إذا ~~أجابه دينارا، ويزعم أنه للإمام، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم أن يدعوا ~~الناس إلى مذهبهم، وقال: أنتم كحواريي عيسى ابن مريم، فاشتغل أهل كور تلك ~~الناحية على أعمالهم بما رسم لهم من الصلوات. # كان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فرأى تقصير الأكرة في عمارتها، فسأل عن ~~ذلك، فأخبر بخبر الرجل، فأخذه، وحبسه، وحلف أن يقتله لما اطلع على مذهبه، ~~وأغلق باب ms2625 البيت عليه، وجعل مفتاح البيت تحت وسادته، واشتغل بالشرب، فسمع ~~بعض من في الدار من الجواري بمساءته، فرقت للرجل، فلما نام الهيصم أخذت ~~المفتاح، وفتحت الباب وأخرجته، ثم أعادت المفتاح إلى مكانه، فلما أصبح ~~الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده. # PageV06P462 # وشاع ذلك في الناس، فافتتن أهل تلك الناحية، (وقالوا: رفع) ، ثم ظهر في ~~ناحية أخرى، ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم، وسألوه عن قصته، فقال: لا يمكن ~~أحدا أن ينالني بسوء! فعظم في أعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج إلى ناحية ~~الشام، فلم يوقف له على خبر، وسمي باسم الرجل الذي كان في داره كرميتة صاحب ~~الأثوار، ثم خفف فقيل قرمط، هكذا ذكره بعض أصحاب زكرويه عنه. # وقيل إن قرمط لقب رجل كان بسواد الكوفة يحمل غلة السواد على أثوار له، ~~واسمه حمدان، ثم فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة. # ووقف الطائي أحمد بن محمد على أمرهم، فجعل على الرجل منهم في السنة ~~دينارا، فقدم قوم من الكوفة، فرفعوا أمر القرامطة، والطائي إلى السلطان، ~~وأخبروه أنهم قد أحدثوا دينا غير دين الإسلام، وأنهم يرون السيف على أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، إلا من بايعهم، فلم يلتفت إليهم ولم يسمع قولهم. # وكان فيما حكي عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه: بسم الله ~~الرحمن الرحيم! يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها نصرانة، داعية ~~المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، ~~وهو جبريل، وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان، وقال له: إنك الداعية، ~~وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكرياء، وإنك روح ~~القدس. # وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان بعد غروبها، ~~وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ~~أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول ~~الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، أشهد أن ms2626 عيسى ~~رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول ~~الله، وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح، وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن ~~الحنفية، والقبلة إلى بيت # PageV06P463 # المقدس، [والحج إلى بيت المقدس] ، وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه ~~شيء، والسورة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتخذ لأوليائه بأوليائه. # {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] ، ظاهرها ليعلم ~~عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي ~~سبيلي اتقوني يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم ~~الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي، وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي، ومحنتي، ~~واختباري ألقيته في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري، وكذب رسلي ~~أخذته مهانا في عذابي، وأتممت أجلي، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي. # وأنا الذي لم يعل علي جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا ذللته، وليس الذي أصر ~~على أمره، ودام على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه موقنين، ~~أولئك هم الكافرون. # ثم يركع، ويقول في ركوعه: سبحان ربي رب العزة، وتعالى عما يصف الظالمون، ~~يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلى، الله أعلى، الله أعظم، الله أعظم. # ومن شريعته أن يصوم يومين في السنة، وهما المهرجان والنيروز، وأن النبيذ ~~حرام، والخمر حرام، ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من ~~حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن يخالفه أخذ منه الجزية، ولا يؤكل كل ذي ~~ناب، ولا كل ذي مخلب. # وكان مسير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج، فسار قرمط إليه، ~~وقال له: إني على مذهب ورأي، ومعي مائة ألف ضارب سيف، فتناظرني، فإن اتفقنا ~~على المذهب ملت بمن معي، وإن تكن الأخرى انصرفت عنك، فتناظرا، فاختلفت ~~آراؤهما، فانصرف قرمط عنه. # PageV06P464 # ذكر غزو الروم ووفاة يازمان # فيها، في جمادى الآخرة، دخل أحمد العجيفي طرسوس، وغزا مع يازمان الصائفة، ~~فبلغوا شكند، فأصابت يازمان شظية من حجر منجنيق في أضلاعه، فارتحل عنها بعد ms2627 ~~أن أشرف على أخذها، فتوفي في الطريق منتصف رجب، وحمل إلى طرسوس فدفن بها. # وكان قد أطاع خمارويه بن أحمد بن طولون، فلما توفي خلفه ابن عجيف، وكتب ~~إلى خمارويه يخبره بموته، فأقره على ولاية طرسوس، وأمده بالخيل، والسلاح، ~~والذخائر، وغيرها، ثم عزله، واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن طولون. # ذكر الفتنة بطرسوس # وفيها ثار الناس، بطرسوس، بالأمير محمد بن موسى، فقبضوا عليه. # وسبب ذلك أن الموفق لما توفي كان له خادم من خواصه يقال له: راغب، فاختار ~~الجهاد، فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها، فلما وصل إلى الشام سير ما معه ~~من دواب، وآلات، وخيام وغير ذلك إلى طرسوس، وسار هو جريدة إلى خمارويه ~~ليزوره، ويعرفه عزمه، فلما لقيه بدمشق أكرمه خمارويه، وأحبه، وأنس به، ~~واستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقامه عنده، فظن أصحابه ~~أن خمارويه قبض عليه، فأذاعوا ذلك، فاستعظمه الناس، وقالوا: يعمد إلى رجل ~~قصد الجهاد في سبيل الله فقبض عليه! ثم شغبوا على أميرهم محمد ابن عم ~~خمارويه، وقبضوا عليه، وقالوا: لا يزال في الحبس إلى أن يطلق ابن عمك ~~راغبا، ونهبوا داره، وهتكوا حرمه. # وبلغ الخبر إلى خمارويه، فأطلع راغبا عليه، وأذن له في المسير إلى طرسوس، ~~فلما بلغ إليها أطلق أهلها أميرهم، فلما أطلقوه قال لهم: قبح الله جواركم! ~~وسار عنهم إلى البيت المقدس، فأقام به، ولما سار عن طرسوس عاد العجيفي إلى ~~ولايتها. # PageV06P465 # ذكر عدة حوادث # وفيها ظهر كوكب ذو جمة، وصارت الجمة ذؤابة. # وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي. # [الوفيات] # وتوفي فيها عبد الكريم الديرعاقولي. # وفيها توفي إسحاق بن كنداج، وولي ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ~~ربيعة ابنه محمد. # وتوفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي، وكان كثير الحديث، والصلاح. # PageV06P466 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين] ### | 279 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين # ذكر خلع جعفر بن المعتمد، وولاية المعتضد # في هذه السنة، في المحرم خرج المعتمد على الله، وجلس ms2628 للقواد، والقضاة، ~~ووجوه الناس، وأعلمهم أنه خلع ابنه المفوض إلى الله جعفرا من ولاية العهد، ~~وجعل ولاية العهد للمعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق، وشهدوا على ~~المفوض أنه قد تبرأ من العهد، واسقط اسمه من السكة، والخطبة، والطراز، وغير ~~ذلك، وخطب للمعتضد، وكان يوما مشهودا. فقال يحيى بن علي يهنئ المعتضد: # ليهنك عقد أنت فيه المقدم ... حباك به رب بفضلك أعلم # فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا ... فأنت غدا فينا الإمام المعظم # ولا زال من ولاك فينا مبلغا مناه ... ، ومن عاداك يشجى ويرغم # وكان عمود الدين فيه تأود ... فعاد بهذا العهد وهو مقوم # PageV06P467 # وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا # يضيء لنا منه الذي كان يظلم ... فدونك فاشدد عقد ما حويته # فإنك دون الناس فيه المحكم # وفيها نودي بمدينة السلام أن لا يقعد على الطريق ولا في المسجد الجامع ~~قاض، ولا منجم، ولا زاجر، وحلف الوراقون أن لا يبيعوا كتب الكلام والجدل، ~~والفلسفة. # وفيها قبض على جراد كاتب أبي الصقر إسماعيل بن بلبل. # وفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور، وكانت له، فقبض عليه. # ذكر الحرب بين الخوارج، وأهل الموصل، والأعراب # في هذه السنة اجتمعت الخوارج، ومقدمهم هارون، ومعهم متطوعة أهل الموصل، ~~وغيرهم، وحمدان بن حمدون التغلبي، على قتال بني شيبان. # وسبب ذلك أن جمعا كثيرا من بني شيبان عبروا الزاب، وقصدوا نينوى من أعمال ~~الموصل، للإغارة عليها وعلى البلد، فاجتمع هارون الشاري، وحمدان بن حمدون، ~~وكثير من المتطوعة المواصلة، وأعيان أهلها، على قتالهم ودفعهم. # وكان بنو شيبان نزلوا على باعشيقا، ومعهم هارون بن سليمان مولى أحمد بن ~~عيسى بن الشيخ الشيباني صاحب ديار بكر، وكان قد أنفذه محمد بن إسحاق بن ~~كنداج واليا على الموصل، فلم يمكنه أهلها من المقام عندهم، فطردوه، فقصد ~~بني شيبان (معاونا على الخوارج، وأهل الموصل) ، فالتقوا، وتصافوا، ~~واقتتلوا، فانهزمت بنو شيبان، وتبعهم حمدان، والخوارج، وملكوا بيوتهم، ~~واشتغلوا بالنهب. # وكان الزاب (لما عبره بنو شيبان [زائدا] ، فلما انهزموا) علموا أن لا ~~ملجأ ولا # PageV06P468 # منجى ms2629 غير الصبر، فعادوا إلى القتال، والناس مشغولون بالنهب، فأوقعوا بهم، ~~وقتل كثير من أهل الموصل ومن معهم، وعاد الظفر للأعراب. # وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن إسحاق كنداج يعرفه أن البلد خارج عن يده ~~إن لم يحضر هو بنفسه، فسار في جيش كثيف يريد الموصل، فخافه أهلها، فانحدر ~~بعضهم إلى بغداذ يطلبون إرسال وال إليهم، وإزالة ابن كنداج عنهم، فاجتازوا ~~في طريقهم بالحديثة، وبها محمد بن يحيى المجروح يحفظ الطريق، قد ولاه ~~المعتضد ذلك، وقد وصل إليه عهد بولايته الموصل، فحثوه على تعجيل السير، وأن ~~يسبق محمد بن كنداج إليها، وخوفوه من ابن كنداج إذا دخل الموصل قبله، فسار، ~~فسبق محمد إليها، ووصل محمد بن كنداج إلى بلد، فبلغه دخول المجروح الموصل، ~~(فندم على التباطؤ وكتب إلى خمارويه بن طولون يخبره الخبر، فأرسل أبا عبد ~~الله بن الجصاص بهدايا كثيرة إلى المعتضد، ويطلب أمورا، منها إمرة الموصل ~~كما كانت له قبل، فلم يجب إلى ذلك، وأخبره كراهة أهل الموصل من عماله، ~~(فأعرض عن ذكرها) . # وبقي المجروح بالموصل يسيرا، وعزله المعتضد، واستعمل بعده علي بن داود بن ~~رهزاد الكردي، فقال شاعر يقال له العجيني: # ما رأى الناس لهذا ال ... دهر مذ كانوا شبيها # ذلت الموصل حتى ... أمر الأكراد فيها # (العجيني بالنون) . # ذكر وفاة المعتمد # وفيها توفي المعتمد على الله ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب ~~ببغداذ، وكان # PageV06P469 # قد شرب على الشط في الحسني ببغداذ، يوم الأحد، شرابا كثيرا، وتعشى فأكثر، ~~فمات ليلا، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه، وحمل إلى ~~سامرا فدفن بها. # وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكان أسن من الموفق بستة أشهر، وكانت ~~خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر. # وكان في خلافته محكوما عليه، قد تحكم عليه أخوه أبو أحمد الموفق، وضيق ~~عليه، حتى إنه احتاج في بعض الأوقات، إلى ثلاثمائة دينار، فلم يجدها ذلك ~~الوقت، فقال: # أليس في العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء ms2630 في يديه # إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه # وكان أول الخلفاء انتقل من سر من رأى، مذ بنيت، ثم لم يعد إليها أحد ~~منهم. # ذكر خلافة أبي العباس المعتضد # وفي صبيحة الليلة التي مات فيها المعتمد بويع لأبي العباس المعتضد بالله ~~أحمد بن الموفق أبي طلحة بن المتوكل بالخلافة، فولى غلامه بدرا الشرطة، ~~وعبيد الله بن سليمان الوزارة، ومحمد بن الشاه بن مالك الحرس. # ووصله في شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه ~~خراسان، فعقد له عليها، وسير إليه الخلع، واللواء، والعهد، فنصب اللواء في ~~داره ثلاثة # PageV06P470 # أيام. # ذكر وفاة نصر الساماني # وفيها مات نصر بن أحمد الساماني، وقام بما كان إليه من العمل بما وراء ~~النهر أخوه إسماعيل بن أحمد، وكان نصر دينا، عاقلا، له شعر حسن، منه ما قال ~~في رافع بن هرثمة: # أخوك فيك على خبر ومعرفة ... إن الذليل ذليل حيثما كانا # لولا زمان خئون في تصرفه ... ودولة ظلمت ما كنت إنسانا # ذكر عزل رافع بن هرثمة من خراسان وقتله # وفيها عزل المعتضد رافع بن هرثمة عن خراسان. # وسبب ذلك أن المعتضد كتب إلى رافع بتخلية قرى السلطان بالري، فلم يقبل، ~~فأشار على رافع أصحابه برد القرى لئلا يفسد حاله بكتاب، فلم يقبل أيضا، ~~وكتب المعتضد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بأمره بمحاربة رافع ~~وإخراجه عن الري، وكتب إلى عمرو بن الليث بتوليته خراسان. # ثم إن أحمد بن عبد العزيز لقي رافعا فقاتله، فانهزم رافع عن الري، وسار ~~إلى جرجان، ومات أحمد بن عبد العزيز سنة ثمانين ومائتين، فعاد رافع إلى ~~الري، فلاقاه عمرو، وبكر ابنا عبد العزيز، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ~~عمرو وبكر، وقتل من أصحابهما مقتلة عظيمة، ووصلوا إلى أصبهان، وذلك في ~~جمادى الأولى سنة ثمانين [ومائتين] . # وأقام رافع بالري باقي سنته، ومات علي بن الليث معه في الري. # ثم إن عمرو بن الليث وافى نيسابور في جمادى الأولى سنة ثمانين [ومائتين] ~~، # PageV06P471 # واستولى عليها، وعلى ms2631 خراسان، فبلغ الخبر إلى رافع، فجمع أصحابه، ~~واستشارهم فيما يفعل، وقال لهم: إن الأعداء قد أحدقوا بنا، ولا آمن أن ~~يتفقوا علينا ; هذا محمد بن زيد بالديلم ينتظر فرصة لينتهزها ; وهذا عمرو ~~بن عبد العزيز قد فعلت به ما فعلت، فهو يتربص الدوائر ; وهذا عمرو بن الليث ~~قد وافى خراسان بجموعه، وقد رأيت أن أصالح محمد بن زيد، وأعيد إليه ~~طبرستان، وأصالح ابن عبد العزيز، ثم أسير إلى عمرو، فأخرجه عن خراسان، ~~فوافقوه على ذلك، وأرسل إلى ابن عبد العزيز فصالحه، واستقر الأمر بينهما في ~~شعبان سنة ثمانين [ومائتين] . # ثم سار إلى طبرستان، فوردها في شعبان سنة إحدى وثمانين [ومائتين] ، وكان ~~قد أقام بجرجان، فأحكم أمورها، ولما استقر بطبرستان راسل محمد بن زيد، ~~وصالحه، ووعده محمد بن زيد أن ينجده بأربعة آلاف رجل من شجعان الديلم. # وخطب لمحمد بطبرستان، وجرجان في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين. # وبلغ خبر مصالحة محمد بن زيد ورافع إلى عمرو بن الليث، فأرسل إلى محمد ~~يذكره ما فعل به، ويحذره منه و [من] غدره إن استقام أمره، فعاد عن إنجاده ~~بعسكر. # فلما قوي عمرو عرف لمحمد بن زيد ذلك، وخلى عليه طبرستان ; ولما أحكم رافع ~~أمر محمد بن زيد سار إلى خراسان، فورد نيسابور في ربيع الآخر سنة ثلاث ~~وثمانين ومائتين، وجرى بينه وبين عمرو حرب شديدة انهزم فيها رافع إلى ~~أبيورد، وأخذ عمرو منه المعدل، والليث ولدي أخيه علي بن الليث، وكانا عنده ~~بعد موت أخيه علي. # ولما ورد رافع أبيورد أراد المسير إلى هراة (أو مرو) ، فعلم عمرو بذلك، ~~فأخذ عليه الطريق بسرخس، فلما علم رافع بمسير عمرو عن نيسابور سار على ~~مضايق، وطرق غامضة غير طريق الجيش إلى نيسابور، فدخلها، وعاد إليه عمرو من ~~سرخس فحصره فيها، وتلاقيا، واستأمن بعض قواد رافع إلى عمرو، فانهزم رافع، ~~وأصحابه، وسير أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده، ويطلب ما وعده ~~من الرجال، فلم يفعل، ولم يمده برجل واحد، وتفرق عن رافع ms2632 أصحابه وغلمانه، ~~وكان له أربعة آلاف غلام، ولم يملك أحد من ولاة خراسان قبله مثله، وفارقه ~~محمد بن هارون إلى إسماعيل بن # PageV06P472 # أحمد الساماني ببخارى، وخرج رافع منهزما إلى خوارزم على الجمازات، وحمل ~~ما بقي معه من مال وآلة، وهي في شرذمة قليلة، وذلك في رمضان سنة ثلاث ~~وثمانين ومائتين. # فلما بلغ رباط جبوه وجه إليه خوارزمشاه أبا سعيد الدرغاني ليقيم له ~~الأنزال، ويخدمه إلى خوارزم، فرآه أبو سعيد في قلة من رجاله، وغدر به، ~~وقتله لسبع خلون من شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وحمل رأسه إلى عمرو بن ~~الليث، وهو بنيسابور، وأنفذ عمرو الرأس إلى المعتضد بالله، فوصل إليه سنة ~~أربع وثمانين [ومائتين] ، فنصب ببغداذ. # وصفت خراسان إلى شاطئ جيحون لعمرو. # ذكر عدة حوادث # وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة ~~من خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه. # وفيها ملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين، وكانت بيد محمد بن إسحاق ~~بن كنداجيق. # وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد، وهي آخر حجة حجها، وأول حجة حجها ~~بالناس، سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة. # PageV06P473 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمي بترمذ في رجب، ~~وكان إماما حافظا له تصانيف حسنة، منها: " الجامع الكبير " في الحديث، وهو ~~أحسن الكتب، وكان ضريرا. # وتوفي إبراهيم بن محمد المدبر في شوال [وكان يلي ديوان الضياع] . # PageV06P474 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين] ### | 280 - # ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين # ذكر حبس عبد الله بن المهتدي # في هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدي، ومحمد بن الحسين المعروف ~~بشيلمة، وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفق في ~~الأمان، فأمنه. # وكان سبب أخذه إياه أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأنه يدعو لرجل ~~لا يعرف اسمه، وأنه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فأخذه المعتضد فقرره، ~~فلم يقر بشيء وقال: لو كان الرجل تحت قدمي ما رفعتهما عنه! فأمر ms2633 به فشد على ~~خشبة من خشب الخيم، ثم أوقدت نار عظيمة، وأدير على النار حتى تقطع جلده، ثم ~~ضربت عنقه، وصلب عند الجسر، وحبس عبد الله بن المهتدي إلى أن علم براءته، ~~وأطلقه. # وكان المعتضد قال لشيلمة: بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدي؟ فقال: المشهور ~~عني أنني أتولى آل أبي طالب. # PageV06P475 # ذكر قصد المعتضد بني شيبان، وصلحه معهم # وفيها، في أول صفر سار المعتضد من بغداذ يريد بني شيبان بالموضع الذي ~~يجتمعون به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا إليهم أموالهم، وأغار ~~المعتضد على أعراب عند السن، فنهب أموالهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق ~~منهم في الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غنموه، فبيعت الشاة بدرهم، ~~والبعير بخمسة دراهم. # وسار إلى الموصل وبلد، فلقيه بنو شيبان يسألونه العفو، وبذلوا له رهائن، ~~فأجابهم إلى ما طلبوا، وعاد إلى بغداذ. # وأرسل إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ يطلب منه ما أخذه من أموال ابن كنداجيق ~~بآمد، فبعثه إليه ومعه هدايا كثيرة. # ذكر خروج محمد بن عبادة على هارون وكلاهما خارجيان # في هذه السنة خرج محمد بن عبادة، ويعرف بأبي جوزة، وهو من بني زهير من ~~أهل قبراثا، من البقعاء على هارون، وكلاهما من الخوارج، وكان أول أمره ~~فقيرا، وكان هو وابنان له يلتقطون الكمأة ويبيعونها، إلى غير ذلك من ~~الأعمال، ثم إنه جمع جماعة، وحكم، فاجتمع إليه أهل تلك النواحي من الأعراب، ~~وقوي أمره، وأخذ عشر الغلات، وقبض الزكاة، وسار إلى معلثايا، فقاطعه أهلها ~~على خمسمائة دينار، (وجبى تلك الأعمال) ، وعاد وبنى عند سنجار حصنا، وحمل ~~إليه الأمتعة، والميرة، وجعل فيه ابنه أبا هلال ومعه مائة وخمسون رجلا من ~~وجوه بني زهير، وغيرهم. # ووصل خبرهم إلى هارون الشاري، فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد ~~الحصن أولا، فإذا فرغوا منه ساروا إلى محمد بن عبادة، فجمع أصحابه، فبلغوا ~~مائة راجل، وألفا ومائتي فارس، وسار إليه مبادرا، وأحدق به وحصره ; ومحمد ~~بن عبادة في # PageV06P476 # قبراثا لا يعلم بذلك. # وجد هارون ms2634 في قتال الحصن، وكان معه سلاليم قد أخذها، وزحف إليه وكان ~~أصحابه قد منعوا أحدا يخرج رأسه من أعلى السور، فلما رأى من معه من بني ~~تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني زهير الأمان بغير أمر هارون، فشق ~~عليه، ولم يقدر على تغيير ذلك، إلا أنه قتل أبا هلال بن محمد بن عبادة، ~~ونفرا معه قبل الأمان، وفتحوا الحصن، وملكوا ما فيه. # وساروا إلى محمد، وهو بقبراثا، فلقوه وهو في أربعة آلاف رجل فاقتتلوا، ~~فانهزم هارون ومن معه، فوقف بعض أصحابه ونادى رجالا بأسمائهم فاجتمعوا نحو ~~أربعين رجلا، وحملوا على ميمنة محمد بن عبادة. فانهزمت الميمنة، وعادت ~~الحرب، فانهزم محمد ومن معه، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم ألفا ~~وأربعمائة رجل، وحجز بينهم الليل، وجمع هارون ما لهم فقسمه بين أصحابه، ~~وانهزم محمد إلى آمد، فأخذه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ، بعد حرب، فظفر ~~به، فأخذه أسيرا، وسيره إلى المعتضد، فسلخ جلده كما يسلخ الشاة. # ذكر عدة حوادث # لما افتتح بن أبي الساج مراغة، بعد حرب شديدة وحصار عظيم، أخذ عبد الله ~~بن الحسن بعد أن أمنه وأصحابه، وقيده وحبسه، وقرره بجميع أمواله ثم قتله. # وفيها مات أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وقام بعده أخوه عمر بن عبد ~~العزيز. # وفيها افتتح محمد بن ثور عمان، وبعث برءوس جماعة من أهلها. # وفيها توفي جعفر بن المعتمد في ربيع الآخر، وكان ينادم المعتضد. # PageV06P477 # وفيها دخل عمرو بن الليث نيسابور في جمادى الأولى. # وفيها وجه محمد بن أبي الساج ثلاثين نفسا من الخوارج من طريق الموصل ~~فضربت أعناق أكثرهم، وحبس الباقون. # وفيها دخل أحمد بن أبا طرسوس للغزاة من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون، ~~ودخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعا مع العجيفي أمير طرسوس حتى بلغوا ~~البلقسون. # وفيها غزا إسماعيل بن الساماني بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم، وأسر ~~أباه، وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقا كثيرا، وغنم من ~~الدواب ما لا يعلم عددا، وأصاب ms2635 الفارس من الغنيمة ألف درهم. # وفيها توفي راشد مولى الموفق بالدينورد، وحمل إلى بغداذ في رمضان. # وفي شوال مات مسرور البلخي. # وفيها غارت المياه بالري، وطبرستان، حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم، ~~وغلت الأسعار. # وفي شوال انكسف القمر، وأصبح أهل دبيل والدنيا مظلمة، ودامت الظلمة ~~عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل، فلما كان ~~ثلث الليل زلزلوا فخربت المدينة، ولم يبق من منازلهم إلا قدر مائة دار، ~~وزلزلوا بعد ذلك خمس مرار، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ~~ألفا كلهم موتى. # PageV06P478 # وحج بالناس هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون بن إسحاق المعروف بابن ~~ترنجة. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل الترمذي في رمضان وله ~~تصانيف حسنة. # وأحمد بن سيار بن أيوب الفقيه المروزي، وكان زاهدا عالما. # وأبو جعفر أحمد بن أبي عمران الفقيه الحنفي بمصر. # PageV06P479 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين] ### | 281 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين # ذكر مسير المعتضد إلى ماردين وملكه إياها # وفيها خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل، قاصدا لحمدان بن حمدون، ~~لأنه بلغه أن حمدان مال إلى هارون الشاري، ودعا له، فلما بلغ الأعراب، ~~والأكراد مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقاتلون على دم واحد، واجتمعوا، وعبوا ~~عسكرهم، وسار المعتضد إليهم في خيله جريدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق ~~منهم في الزاب خلق كثير. # وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين، وكانت لحمدان بن حمدون، فهرب ~~حمدان منها وخلف ابنه بها، فنازلها المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك، فلما ~~كان من الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة، وصاح: يا ابن حمدان! فأجابه، ~~فقال: افتح الباب، ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة ~~وهدمها، ثم وجه خلف ابن حمدون، وطلب أشد الطلب، وأخذت أموال له، ثم ظفر به ~~المعتضد بعد عوده إلى بغداذ. # وفي عوده قصد الحسنية وبها رجل كردي يقال له شداد في جيش كثير، قيل كانوا ~~عشرة آلاف ms2636 رجل، وكان له قلعة، فظفر به المعتضد وهدم قلعته. # PageV06P480 # ذكر عدة حوادث # وفيها ورد ترك بن العباس عامل المعتضد على ديار مضر، من الجزيرة إلى ~~بغداذ، ومعه نيف وأربعون من أصحاب ابن الأغر صاحب سميساط على جمال عليهم ~~برانس ودراريع حرير، فمضى بهم إلى الحبس، وعاد إلى داره. # وفيها كانت وقعة لوصيف خادم ابن أبي الساج لعمر بن عبد العزيز، فهزمه، ثم ~~سار وصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج. # وفيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزو الصائفة من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون ~~فبلغ طرابزون، وفتح ملورية في جمادى الآخرة. # وفيها مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى. # (وفيها غارت المياه بالري، وطبرستان) . # وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل، وقصد الدينور، وولى ابنه عليا - وهو ~~المكتفي - الري، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وهمذان، والدينور، وجعل على ~~كتابته أحمد بن الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان، ~~ونهاوند، والكرج، وعاد إلى بغداذ لأجل غلاء السعر. # وفيها استأمن الحسن بن علي كورة عامل رافع على الري إلى علي بن # PageV06P481 # المعتضد [في زهاء ألف رجل] ، فوجهه ومن معه إلى أبيه. # وفيها دخل الأعراب سامرا، فقتلوا ابن سيما في ذي القعدة. # وفيها غزا المسلمون الروم، فدامت الحرب بينهم اثني عشر يوما، فظفر ~~المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وعادوا. # [الوفيات] # وفيها توفي عبيد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا صاحب التصانيف ~~الكثيرة المشهورة. # PageV06P482 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين] ### | 282 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين # ذكر النيروز المعتضدي # فيها أمر المعتضد بالكتابة إلى الأعمال كلها والبلاد جميعها بترك افتتاح ~~الخراج في النيروز العجمي، وتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسماه ~~النيروز المعتضدي، وأنشئت الكتب بذلك من الموصل، والمعتضد بها وأراد ~~الترفيه عن الناس، والرفق بهم. # ذكر قصد حمدان، وانهزامه، وعوده إلى الطاعة # في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب، وحمدان بن حمدون بالمسير ~~إليه، وهو في الموصل، فبادر إسحاق، وتحصن حمدان بقلاعه، وأودع أمواله ~~وحرمه، ms2637 فسير المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير، ونصر القشوري، وغيرهما، ~~فصادفوا الحسن بن علي كورة وأصحابه متحصنين بموضع يعرف بدير الزعفران، من ~~أرض الموصل. # وفيها وصل الحسين بن حمدان بن حمدون، فلما رأى الحسين أوائل العسكر طلب ~~الأمان، فأمن، وسير إلى المعتضد، وسلم القلعة، فأمر المعتضد بهدمها. # وسار وصيف في طلب حمدان، وكان بباسورين، فواقعه وصيف وقتل من أصحابه ~~جماعة، وانهزم حمدان في زورق كان له في دجلة، وحمل معه مالا كان له، وعبر ~~إلى الجانب الغربي من دجلة، فصار في ديار ربيعة. # PageV06P483 # وعبر نفر من الجند، فاقتصوا أثره، حتى أشرفوا على دير قد نزله، فلما رآهم ~~هرب، وترك ماله، فأخذ وأتي به المعتضد. # وسار أولئك في طلب حمدان، فضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق بن أيوب، ~~وهو مع المعتضد، واستجار به، فأحضره إسحاق عند المعتضد، فأمر بالاحتفاظ به ~~وتتابع رؤساء الأكراد في طلب الأمان، وكان ذلك في المحرم. # ذكر انهزام هارون الخارجي من عسكر الموصل # كان المعتضد بالله قد خلف بالموصل نصرا القشوري يجبي الأموال، ويعين ~~العمال على جبايتها، فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، ~~فوقع عليهم طائفة من الخوارج، فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل وفرق بينهم، ~~وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه ~~قتله، وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد. # فكتب نصر القشوري إلى هارون الخارجي كتابا يتهدده بقرب الخليفة، وأنه إن ~~هم به أهلكه وأهلك أصحابه، وأنه لا يغتر بمن سار إلى حربه فعاد عنه بمكر ~~وخديعة. # فكتب إليه هارون كتابا، منه: أما ما ذكرت ممن أراد قصدي، ورجع عني، فإنهم ~~لما رأوا جدنا، واجتهادنا كانوا بإذن الله فراشا متتابعا، ونحن على فرسخ ~~منهم، وما غرك، إلا ما أصبت به صاحبنا، فظننت أن دمه مطلول، أو أن وتره ~~متروك لك، كلا إن الله تعالى من ورائك، وآخذ بناصيتك، ومعين على إدراك الحق ~~منك، ولم تعيرنا بغيرك وتدع أن يكون مكان ذلك إبداء صحفتك، وإظهار عداوتك؟ ~~وإنا إياك كما قيل: ms2638 # فلا توعدنا باللقاء وأبرزوا ... إلينا سوادا نلقه بسواد # ولعمر الله ما ندعو إلى البراز ثقة بأنفسنا، ولا عن ظن أن الحول والقوة ~~لنا، لكن # PageV06P484 # ثقة بربنا، واعتمادا على جميل عوائده عندنا. # وأما ما ذكرت من أمر سلطانك فإن سلطانك لا يزال منا قريب، وبحالنا عالما، ~~(فلا قدم أجلا ولا أخره) ، ولا بسط رزقا، ولا قبضه، قد بعثنا على مقابلتك، ~~وستعلم عن قريب إن شاء الله تعالى. # فعرض نصر كتاب هارون على المعتضد، فجد في قصده، وولى الحسن بن علي كورة ~~الموصل، وأمره بقصد الخوارج، وأمر مقدمي الولايات والعمال كافة بطاعته، ~~فجمعهم، وسار إلى أعمال الموصل، وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس ~~غلاتهم، ثم سار الخوارج، وعبر الزاب إليهم، فلقيهم قريبا من المغلة، ~~وتصافوا للحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانكشف الخوارج عنه ليفرقوا جمعيته، ~~ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم (مواقفهم، ففعلوا، فرجع الخوارج، ~~وحملوا عليهم سبع عشرة حملة، فانكشفت) ميمنة الحسن، وقتل من أصحابه، وثبت ~~هو، فحمل الخوارج عليه حملة رجل واحد، فثبت لهم وضرب على رأسه عدة ضربات ~~فلم تؤثر فيه. # فلما رأى أصحابه ثباته تراجعوا إليه وصبروا، (فانهزم الخوارج أقبح هزيمة) ~~، وقتل منهم خلق كثير، وفارقوا موضع المعركة، ودخلوا أذربيجان. # وأما هارون فإنه تحير في أمره، وقصد البرية، (ونزل عند بني تغلب، ثم عاد ~~معلثايا، ثم) عاد إلى البرية، ثم رجع عبر دجلة إلى حزة، وعاد إلى البرية. # وأما وجوه أصحابه، فإنهم لما رأوا إقبال دولة المعتضد وقوته، وما لحقهم ~~في هذه الوقعة، راسلوا المعتضد يطلبون الأمان فأمنهم، فأتاه كثير منهم، ~~يبلغون ثلاثمائة وستين رجلا، وبقي معه بعضهم يجول بهم في البلاد، إلى أن ~~قتل سنة ثلاث وثمانين [ومائتين] على ما نذكره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول قبض على تكتمر بن طاشتمر، وقيد وأخذ ماله ; # PageV06P485 # (وكان أميرا على) الموصل، واستعمل بعده عليها الحسن بن علي الخراساني، ~~ويعرف بكورة. # وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه زوجة المعتضد، ومعها أحد عمومتها، ~~وكان المعتضد بالموصل. ms2639 # وفيها عاد المعتضد إلى بغداد، وزفت إليه ابنة خمارويه في ربيع الآخر ~~وفيها سار المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالا لابن أبي دلف، وكتب ~~إلى عمر بن عبد العزيز يطلب منه جوهرا كان عنده، فوجه به إليه، تنحى من بين ~~يديه. # وفيها أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون، وحمل على دواب وبغال. # وفيها وجه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مددا القلانسي غلام الموفق، ~~فهرب يوسف فيمن أطاعه إلى أخيه محمد بمراغة، ولقي مالا للمعتضد فأخذه، فقال ~~في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # إمام الهدى أنصاركم آل طاهر ... بلا سبب تخفون والدهر يذهب # وقد خلطوا شكرا بصبر ورابطو ... وغيرهم يعطي ويحبي ويهرب # PageV06P486 # وفيها وجه المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه بالري وعاد منها. # وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين ~~وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ببغداذ، والكوفة، والمدينة، فسعى ~~به المعتضد، فأحضر محمد عند بدر، وسئل عن ذلك، فأقر أنه يوجه إليه كل سنة ~~مثل ذلك، ففرقه، وأنهى بدر إلى المعتضد ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر ~~الرؤيا التي خبرتك بها؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين ; قال: رأيت في النوم ~~كأني أريد ناحية النهروان، وأنا في جيشي، إذ مررت برجل واقف على تل يصلي ~~ولا يلتفت إلي، فعجبت، فلما فرغ من صلاته قال لي: أقبل، فأقبلت إليه فقال ~~لي: أتعرفني؟ قلت: لا! قال: أنا علي بن أبي طالب، خذ هذه فاضرب بها الأرض، ~~بمسحاة بين يديه، فأخذتها، فضربت بها ضربات، فقال لي: إنه سيلي من والدك ~~هذا الأمر بعدد الضربات، فأوصهم بولدي خيرا. # وأمر بدرا بإطلاق المال والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن ~~يوجه ما يريد ظاهرا، وأن يفرق ما يأتيه ظاهرا، وتقدم بمعونته على ذلك. # (وفيها توفي أبو طلحة منصور بن مسلم في حبس المعتضد) . # (وفيها ولدت جارية اسمها شغب للمعتضد ولدا سماه جعفرا، وهو المقتدر) . # وفيها قتل خمارويه بن أحمد بن طولون، ms2640 ذبحه بعض خدمه على فراشه في ذي ~~الحجة بدمشق، وقتل من خدمه الذين اتهموا نيف وعشرون نفسا. # وكان سبب قتله أنه سعى إليه بعض الناس، وقال له إن جواري داره قد اتخذت ~~كل واحدة منهن خصيا من خصيان داره لها كالزوج، وقال: إن شئت أن تعلم صحة ~~ذلك فأحضر بعض الجواري فاضربها وقررها، حتى تعلم صحة ذلك. فبعث من وقته إلى ~~نائبه بمصر يأمره بإحضار عدة من الجواري ليعلم الحال منهن، فاجتمع جماعة من # PageV06P487 # الخدم، وقرروا بينهم الاتفاق على قتله، خوفا من ظهور ما قيل له، وكانوا ~~خاصته، فذبحوه ليلا وهربوا. # فلما قتل اجتمع القواد، وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه في الإمارة، وكان ~~معه بدمشق، وهو أكبر ولده، فبايعوه ففرقت فيهم الأموال وكان صبيا غرا. # [الوفيات] # وفيها توفي عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارمي الفقيه الشافعي أخذ ~~الفقه عن البويطي صاحب الشافعي، والأدب عن ابن الأعرابي. # وفيها توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات ~~وغيره. # وفيها توفي الحارث بن أبي أسامة، وله " مسند " يروى غالبا في زماننا هذا. # (وأبو العيناء محمد بن القاسم، وكان يروي عن الأصمعي) . # PageV06P488 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين] ### | 283 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين # ذكر الظفر بهارون الخارجي # في هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري وظفر به. # وسبب الظفر به أنه وصل إلى تكريت، وأقام بها، وأحضر الحسين بن حمدان ~~التغلبي، وسيره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعة من الفرسان، ~~والرجالة، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين ~~; قال: اذكرها! قال إحداهن إطلاق أبي، وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به. فقال ~~له المعتضد: لك ذلك. فانتخب ثلاثمائة فارس، وسار بهم، ومعهم وصيف بن ~~موشكير، فقال له الحسين: تأمره بطاعتي، يا أمير المؤمنين. فأمره بذلك. # وسار بهم الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن ~~معه: ليقفوا هناك، فإنه ليس له طريق إن هرب غير ms2641 هذا، فلا تبرحن من هذا ~~الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه عن العبور، وأجيء أنا، أو يبلغكم أني قتلت. # ومضى حسين في طلب هارون، (فلقيه، وواقعه، وقتل بينهما قتلى، وانهزم ~~هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنا، ~~ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري، فيكون له الفتح دوننا، والصواب أن نمضي في ~~آثارهم. فأطاعهم ومضى. # وجاء هارون منهزما إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء حسين في أثره فلم ير ~~وصيفا وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهم خبرا فعبر في أثر ~~هارون، وجاء # PageV06P489 # إلى حي من أحياء العرب، فسأل عنه، فكتموه فتهددهم، فأعلموه أنه اجتاز ~~بهم، فتبعه حتى لحقه بعد أيام، وهارون في نحو مائة رجل، فناشده الشاري ~~ووعده، وأبى حسين إلا محاربته، فحاربه فألقى الحسين نفسه عليه، فأخذه أسيرا ~~وجاء به إلى المعتضد، فانصرف المعتضد إلى بغداد، (فوصلها لثمان بقين من ~~ربيع الأول) . # وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان، وطوقه، وخلع على إخوته، وأدخل هارون ~~على الفيل، وأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه، والإحسان ~~إليه، ووعد بإطلاقه. # ولما أركبوا هارون على الفيل أرادوا أن يلبسوه ديباجا مشهرا، فامتنع، ~~وقال: هذا لا يحل ; فألبسوه كارها، ولما صلب نادى بأعلى صوته: لا حكم إلا ~~لله، ولو كره المشركون، وكان هارون صفريا. # ذكر عصيان دمشق على جيش بن خمارويه، وخلاف جنده عليه، وقتله # في هذه السنة خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه عليه، وجاهروا بالمخالفة، ~~وقالوا: لا نرضى بك أميرا، فاعتزلنا حتى نولي عمك الإمارة. وكان سبب ذلك ~~أنه لما ولي وكان صبيا قرب الأحداث، والسفل، وأخلد إلى استماع أقوالهم، ~~فغيروا نيته على قواده، وأصحابه، وصار يقع فيهم ويذمهم، ويظهر العزم على ~~الاستبدال بهم، وأخذ نعمهم، وأموالهم، فاتفقوا عليه ليقتلوه، ويقيموا عمه، ~~فبلغه ذلك، فلم يكتمه بل أطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، وخلعه طغج بن جف ~~أمير دمشق. # وسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق، ~~وخاقان المفلحي، وبدر ms2642 بن جف، أخو طغج، وغيرهم من قواد مصر، فسلكوا البرية، ~~وتركوا أهاليهم، وأموالهم، فتاهوا أياما، ومات من أصحابهم جماعة من العطش، ~~وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، وأحسن إليهم. # PageV06P490 # وبقي سائر الجنود بمصر على خلافهم ابن خمارويه، فسألهم كاتبه علي بن أحمد ~~الماذرائي أن ينصرفوا يومهم ذلك، (فرجعوا) ، فقتل جيش (عمين له، وبكر الجند ~~إليه، فرمى بالرأسين إليهم، فهجم الجند عليه فقتلوه) ونهبوا داره ونهبوا ~~مصر وأحرقوها، وأقعدوا أخاه هارون في الإمرة بعده، فكانت ولايته تسعة أشهر. # ذكر حصر الصقالبة القسطنطينية # وفي هذه السنة سارت الصقالبة إلى الروم، فحصروا القسطنطينية، وقتلوا من ~~أهلها خلقا كثيرا، وخربوا البلاد، فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصا جمع من ~~عنده من أسارى المسلمين، وأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبة، ~~ففعلوا، وكشفوا الصقالبة، وأزاحوهم عن القسطنطينية، ولما رأى ملك الروم ذلك ~~خاف المسلمين على نفسه، فردهم، وأخذ السلاح منهم وفرقهم في البلاد حذرا من ~~جنايتهم عليه. # ذكر الفداء بين المسلمين، والروم # في هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فكان جملة من فدي به من ~~المسلمين الرجال، والنساء، والصبيان، ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس. # ذكر الحرب بين عسكر المعتضد، وأولاد أبي دلف # وفيها سار عبيد الله بن سليمان إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بالجبل، ~~فسار عمر إليه بالأمان في شعبان، فأذعن بالطاعة، فخلع عليه وعلى أهل بيته. # وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز بالأمان إلى عبيد الله بن سليمان ~~وبدر، فولياه عمل أخيه على أن يسير إليه فيحاربه، فلما دخل عمر في الأمان ~~قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في الطاعة، وإنما وليناك عمله على أنه عاص، ~~والمعتضد يفعل في أمركما ما يراه، فامضيا إلى بابه. # PageV06P491 # وولي النوشري أصبهان، وأظهر أنه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن ~~عبد العزيز، فكتب عبيد الله إلى المعتضد بذلك، فكتب إلى بدر ليقيم بمكانه ~~إلى أن يعرف حال بكر. # وسار الوزير إلى علي بن المعتضد بالري، ولحق ms2643 بكر بن عبد العزيز بالأهواز، ~~فسير المعتضد إليه وصيف بن موشكير، فسار إليه، فلحقه بحدود فارس، وباتا ~~متقابلين، وارتحل بكر إلى أصبهان (ليلا، فلم يتبعه وصيف، بل رجع إلى بغداذ، ~~وسار بكر إلى أصبهان) ، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه، فأمر ~~بدر عيسى النوشري بذلك، فقال بكر: # عني ملامك ليس حين ملام ... هيهات أجدب زائد الأيام # ظأرت عنايات الصبا عن مفرقي ... ومضى أوان شراستي وغرامي # ألقى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام # وتقاذفت بأخي النوى ورمت ... به رمي العبيد قطيعة الأرحام # فلأقرعن صفاة دهر نابهم ... قرعا يهز رواسي الأعلام # ولأضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار بقيعة القدام # ولأتركن الواردين حياضهم ... بقرارة لموطئ الأقدام # يا بدر إنك لو شهدت مواقفي ... والموت يلحظ والسيوف دوامي # لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ... ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي # PageV06P492 # حركتني بعد السكون وإنما # حركت من حصن جبال تهام ... وعجمتني فعجمت مني من حمى # خشن المناكب كل يوم زحام ... قل للأمير أبي محمد الذي # يجلو بغرته دجى الإظلام ... أسكنتني ظل العلا فسكنته # في عيشة رغد وعز نام ... حتى إذا خليت عني نابني # نوب أتت وتنكرت أيامي ... فلأشكرن جميل ما أوليتني # ما غردت في الأيك ورق حمام ... هذا أبو حفص يدي وذخيرتي # للنائبات وعدتي وسنامي ... ناديته فأجابني وهززته فهززت # حد الصارم الصمصام ... من رام أن يغضي الجفون على # القذى أو يستكين يروم غير مرام ... ويخيم حين يرى الأسنة شرعا # والبيض مصلتة لضرب الهام # ثم إن النوشري انهزم عن بكر، فقال بكر يذكر هربه، ويعير وصيفا بالإحجام ~~عنه، ويتهدد بدرا [في أبيات] منها: # قد رأى النوشري حين التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفر # جاء في قسطل لهام فصلنا ... صولة دونها الكماة تهر # PageV06P493 # ولواء النوشري آثار نار # رويت عند ذاك بيض وسمر ... غر بدرا حلمي وفضل أتاني # واحتمالي للعبء مما يغر ... سوف يأتيه من خيولي قب # لاحقات البطون جون وشقر ... يتنادون كالسعالي عليها # من بني وائل أسود تكر ... لست بكرا إن لم أدعهم حديثا # ما سرى كوكب ms2644 وما كر دهر # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر المعتضد بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من ~~سهام المواريث إلى ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث. # وفيها، في شوال مات [علي بن] محمد بن أبي الشوارب القاضي، وكانت ولايته ~~للقضاء بمدينة المنصور ستة أشهر. # وفيها قدم عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بغداذ، فأمر المعتضد الناس ~~والقواد باستقباله، وقعد له المعتضد، فدخل عليه، وأكرمه وخلع عليه. # وفيها، (في رمضان، تحارب عمرو بن الليث الصفار ورافع بن هرثمة، فانهزم ~~رافع، وكان سبب ذلك أن عمرا فارق) نيسابور، فخالفه إليها رافع وملكها، # PageV06P494 # وخطب فيها لمحمد بن زيد العلوي، فرجع عمرو من مرو إلى نيسابور فحصرها، ~~فانهزم رافع منها، ووجه عمرو في طلبه عسكرا، فلحقوه بطوس، فانهزم منهم إلى ~~خوارزم، فلحقوه بها، فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى المعتضد، فوصله سنة أربع ~~وثمانين [ومائتين] في المحرم، فأمر بنصبه ببغداذ، وخلع على القاصد به. # [الوفيات] # وفيها مات البحتري الشاعر، واسمه الوليد أبو عبادة، بمنبج، أو حلب، وكان ~~مولده سنة ست ومائتين. # وفيها توفي محمد بن سليمان أبو بكر المعروف بابن الباغندي. # وأبو الحسن علي بن العباس بن جريج الشاعر المعروف بابن الرومي، وقيل: ~~توفي سنة أربع وثمانين [ومائتين] ، وديوانه معروف، رحمه الله تعالى. # وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع التستري، ومولده سنة مائتين، ~~وقيل [إحدى] ومائتين. # PageV06P495 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين] ### | 284 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين # في هذه السنة كان فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة. # وكان سبب ذلك أن راغبا ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، ~~ودعا لبدر مولى المعتضد، واختلف هو وأحمد بن طوغان، فلما انصرف أحمد بن ~~طوغان من الفداء سنة ثلاث وثمانين [ومائتين] ركب البحر ومضى، ولم يدخل ~~طرسوس، وخلف دميانة بها للقيام بأمرها، وأمده ابن طوغان، فقوي بذلك، وأنكر ~~ما كان يفعله راغب، (فوقعت الفتنة، فظفر بهم راغب) ، فحمل دميانة إلى ~~بغداذ. # وفيها أوقع عيسى بن النوشري ms2645 ببكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بنواحي ~~أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، ونجا بكر في نفر يسير من أصحابه، فمضى ~~إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان، وأقام عنده إلى سنة خمس وثمانين ~~[ومائتين] ومات، ولما وصل خبر موته إلى المعتضد أعطى القاصد به ألف دينار. # وفيها، في ربيع الأول، قلد أبو عمر يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة المنصور ~~(مكان علي بن محمد) بن أبي الشوارب. # PageV06P496 # وفيها أخذ خادم نصراني لغالب النصراني وشهد عليه أنه شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فاجتمع أهل بغداذ وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة ~~الحد عليه، فلم يفعل، فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد، فسئلوا عن حالهم، ~~فذكروه للمعتضد، فأرسل معهم إلى القاضي (أبي عمر، فكادوا يقتلونه من كثرة ~~ازدحامهم، فدخل) بابا، وأغلقه، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا للعامة ذكر ~~اجتماع في أمره. # وفيها قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم واليا، ~~وكانوا قد أخرجوا عامل ابن طولون، فسير إليهم المعتضد ابن الإخشيد أميرا. # وفيها، في ربيع الآخر ظهرت بمصر ظلمة وحمرة في السماء شديدة، حتى كان ~~الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر، فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء ~~الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه. # وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء ~~كتاب يقرأ على الناس، وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه ~~بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصح، وذكر في ~~الكتاب يزيد، وغيره من بين أمية، وعملت به نسخ قرئت بجانبي بغداذ، ومنع ~~القصاص والعامة من القعود بالجامعين ورحابهما، ونهي عن الاجتماع على قاض ~~لمناظرة، أو جدل في أمر الدين، ونهي الذين يسقون الماء في الجامعين أن ~~يترحموا على معاوية، أو يذكروه. # فقال له عبيد الله بن سليمان: إنا نخاف اضطراب العامة، وإثارة الفتنة، ~~فلم يسمع منه، فقال عبيد الله للقاضي يوسف بن يعقوب ms2646 ليحتال في منعه عن ذلك، ~~فكلم يوسف المعتضد، وحذره اضطراب العامة، فلم يلتفت، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، فما نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق ~~كثير من الناس لقرابتهم من # PageV06P497 # رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من ~~إطرائهم كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأظهر حجة فيهم اليوم، ~~فأمسك المعتضد، ولم يأمر في الكتاب بعد ذلك بشيء، وكان عبيد الله من ~~المنحرفة من علي، عليه السلام. # وفيها سير المعتضد إلى عمرو بن الليث الخلع واللواء بولاية الري، وهدايا. # وفيها فتحت قرة من بلد الروم على يد راغب مولى الموفق، وابن كلوب في رجب. # وفيها، في شعبان ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم ~~لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه، وهرب الخادم، ودخل الشخص في زرع في ~~البستان فتوارى فيه، فطلب في باقي ليلته، ومن الغد، فلم يعرف له خبر، ~~فاستوحش المعتضد، وكثر الناس في أمره بالظنون حتى قالوا: إنه من الجن، وظهر ~~مرارا كثيرة، حتى وكل المعتضد بسور داره، وأحكمه ضبطا، ثم أحضر المجانين ~~والمعزمين بسبب ذلك الشخص، فسألهم عنه فقال المعزمون: نحن نعزم على بعض ~~المجانين، فإذا سقط سأل الجني عنه فأخبره خبره، فعزموا على امرأة مجنونة ~~فصرعت، والمعتضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف. # وفيها وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة، ~~فقرروا بالضرب فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم، فقبض عليه ~~وحبسه. # وفيها وثب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع ~~الخادم فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز قد أخذه وقيده وحبسه في قلعته ~~زز، ووكل به # PageV06P498 # شفيعا الخادم، ومعه جماعة من غلمان عمر، فلما استأمن عمر إلى المعتضد ~~وهرب بكر بقيت القلعة بما فيها من الأموال بيد شفيع، فكلمه أبو ليلى في ~~إطلاقه، فلم يفعل، وطلب من غلام كان يخدمه مبردا، فأدخله في الطعام، فبرد ~~مسمار قيده. # وكان شفيع ms2647 في كل ليلة يأتي إلى أبي ليلى يفتقده ويمضي وينام، وتحت رأسه ~~سيف مسلول، فجاء شفيع في ليلة إليه، فحادثه، فطلب منه أن يشرب معه أقداحا، ~~ففعل، وقام الخادم لحاجته، فجعل أبو ليلى في فراشه ثيابا تشبه إنسانا ~~نائما، وغطاها باللحاف، وقال لجارية كانت تخدمه: إذا عاد شفيع قولي له هو ~~نائم. # ومضى أبو ليلى فاختفى ظاهر الدار، وقد أخرج قيده من رجله، فلما عاد شفيع ~~قالت له الجارية: هو نائم، فأغلق الباب، ومشى إلى داره، ونام فيها، فخرج ~~أبو ليلى، وأخذ السيف من عند شفيع، وقتله، فوثب الغلمان، فقال لهم أبو ~~ليلى: قد قتلت شفيعا، ومن تقدم إلي قتلته، فأنتم آمنون، فخرجوا من الدار، ~~واجتمع الناس إليه فكلمهم، ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الأيمان، وجمع ~~الأكراد، وغيرهم، وخرج مخالفا على المعتضد. # وكان قتل شفيع في ذي القعدة. # ولما خرج أبو ليلى على السلطان قصده عيسى النوشري، فاقتتلوا، فأصاب أبو ~~ليلى في حلقه سهم فنحره، فسقط عن دابته، وانهزم أصحابه، وحمل رأسه إلى ~~أصبهان، ثم إلى بغداذ. # وفيها كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم ~~منه اليسير، وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار، وزيادة الأنهار، والعيون. # (فقحط الناس، وقلت الأمطار، وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، ~~فاستسقوا ببغداذ مرات) . # [وحج بالناس محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي المعروف بأترنجة] . # وفيها ظهر اختلال حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلفت # PageV06P499 # القواد، وطمعوا، فانحل النظام، وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا على أن جعلوا ~~مدبر دولته أبا جعفر بن أبا، وكان عند والده وجده مقدما، كبير القدر، فأصلح ~~من الأحوال ما استطاع، (وكم جهد الصناع إذا اتسع الخرق) . # وكان [من] بدمشق من الجند قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنا، فلما تولى ~~أبو جعفر الأمور سير جيشا إلى دمشق عليهم بدر الحمامي، والحسين بن أحمد ~~الماذرائي، فأصلحا حالها، وقررا أمور الشام، واستعملا على دمشق طغج بن جف، ~~واستعملا على سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر، والأمور فيها اختلال، ms2648 والقواد ~~قد استولى كل واحد منهم على طائفة من الجند وأخذهم إليه، وهكذا يكون انتقاض ~~الدول، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد لحكمه، وهو سريع الحساب. # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبو يعقوب الأسفرايني الفقيه الشافعي. # والغياثي، واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد عتاب بن أسيد، بفتح الهمزة ~~وكسر السين. # وفيها أيضا توفي أبو عبد الله محمد بن الوضاح بن ربيع الأندلسي، وكان من ~~العلماء المشهورين. # PageV06P500 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين] ### | 285 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين # فيها قطع صالح بن مدرك الطائي الطريق على الحاج بالأجفر في المحرم، ~~فحاربه حبى الكبير، وهو أمير القافلة، (فلم يقو به وبمن معه من الأعراب، ~~وظفر بالحج ومن معه بالقافلة) ، فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، ~~وأخذوا جماعة من النساء، والجواري، والمماليك، فكانت قيمة ما أخذه ألفي ألف ~~دينار. # وفيها ولي عمرو بن الليث ما وراء النهر، وعزل إسماعيل بن أحمد. # وفيها كان بالكوفة ريح صفراء، فبقيت إلى المغرب، ثم اسودت، فتضرع الناس، ~~ثم مطروا مطرا شديدا برعود هائلة وبروق متصلة. # ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمداباذ ونواحيها أحجار بيض وسود مختلفة ~~الألوان، في أوساطها طبق، وحمل منها إلى بغداذ، فرآه الناس. # وفيها سار فاتك مولى المعتضد إلى الموصل لينظر في أعمالها وأعمال الجزيرة # PageV06P501 # والثغور الشامية، والجزرية، وإصلاحها، مضافا إلى ما كان يتقلده من البريد ~~بها. # وفيها كان بالبصرة ريح صفراء، ثم عادت خضراء، ثم سوداء، ثم تتابعت ~~الأمطار بما لم يروا مثله، ثم وقع برد كبار، وزن البردة مائة وخمسون درهما ~~فيما قيل. # وفيها مات الخليل بن رمال بحلوان. # وفيها ولى المعتضد محمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان، وأرمينية، وكان قد ~~تغلب عليها وخالف، وبعث إليه بخلع. # وفيها غزا راغب مولى الموفق في البحر، فغنم مراكب كثيرة، فضرب أعناق ~~ثلاثة آلاف من الروم كانوا فيها، وأحرق المراكب، وفتح حصونا كثيرة، وعاد ~~سالما ومن معه. # وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه ms2649 محمد بآمد وما يليها، ~~على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد بالعساكر، ومعه ابنه أبو محمد علي ~~المكتفي في ذي الحجة، وجعل طريقه على الموصل، فوصل آمد، وحصرها إلى ربيع ~~الآخر من سنة ست وثمانين ومائتين، ونصب عليها المجانيق، فأرسل محمد بن أحمد ~~بن عيسى يطلب الأمان لنفسه، ولمن معه، ولأهل البلد، فأمنهم المعتضد، فخرج ~~إليه وسلم البلد، فخلع عليه المعتضد وأكرمه، وهدم سورها. # ثم بلغه أن محمد بن الشيخ يريد الهرب، فقبض عليه وعلى آله. # وفيها وجه هارون بن خمارويه إلى المعتضد ليسأله أن يقاطعه على ما في يده ~~ويد # PageV06P502 # نوابه من مصر والشام، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد، ويحمل كل سنة ~~أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك، وسار من آمد، واستخلف فيها ~~ابنه المكتفي، ووصل إلى قنسرين، والعواصم، فتسلمها من أصحاب هارون، وكان ~~ذلك سنة ست وثمانين ومائتين. # وفيها غزا ابن الإخشيد بأهل طرسوس، ففتح الله على يديه، وبلغ سلندو. # وحج بالناس محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق الحربي ببغداذ، وهو من أعيان المحدثين. # وإسحاق بن إبراهيم الدبري صاحب عبد الرزاق بصنعاء، (وهو من آخر من روى عن ~~عبد الرزاق) . # (الدبري: بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء) . # وفيها توفي أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي اليماني الخوي، المعروف ~~بالمبرد، وكان قد أخذ النحو عن أبي عثمان المازني. # PageV06P503 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين] ### | 286 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين # وفي هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج المعروف بأبي المسافر إلى بغداذ ~~رهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة. # وفيها أرسل عمرو بن الليث هدية إلى المعتضد من نيسابور، فكانت قيمتها ~~أربعة آلاف [ألف] درهم. # ذكر ابتداء أمر القرامطة بالبحرين # وفيها ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، فاجتمع إليه ~~جماعة من الأعراب والقرامطة، وقوي أمره، فقتل ما حوله من أهل القرى، ثم سار ~~إلى القطيف فقتل [من] بها، وأظهر أنه يريد البصرة، ms2650 فكتب أحمد بن محمد بن ~~يحيى الواثقي، وكان متولي البصرة، إلى المعتضد بذلك، فأمره بعمل سور على ~~البصرة، وكان مبلغ الخرج عليه أربعة عشر ألف دينار. # وكان ابتداء القرامطة بناحية البحرين أن رجلا يعرف بيحيى بن المهدي قصد ~~القطيف فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلى بن حمدان، مولى الزياديين، وكان ~~مغاليا في التشيع، فأظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى # PageV06P504 # وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ~~ظهوره قد قرب ; فوجه علي بن المعلى إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم، ~~وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي، فأجابوه، وأنهم ~~خارجون معه إذا أظهر أمره، ووجه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه. # وكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنابي، وكان يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم ~~بيعهم، ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة، ثم رجع ومعه كتاب يزعم أنه من ~~المهدي إلى شيعته، فيه: قد عرفني رسولي يحيى بن المهدي مسارعتكم إلى أمري، ~~فليدفع إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثين ; ففعلوا ذلك. # ثم غاب عنهم، وعاد ومعه كتاب فيه أن ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا ~~إليه الخمس. # وكان يحيى يتردد في قبائل قيس، ويورد إليهم كتبا يزعم أنها من المهدي، ~~وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة. # وحكى إنسان منهم يقال له إبراهيم الصائغ أنه كان عند أبي سعيد الجنابي، ~~وأتاه يحيى، فأكلوا طعاما، فلما فرغوا خرج أبو سعيد من بيته، وأمر امرأته ~~أن تدخل إلى يحيى، وأن لا تمنعه إن أراد، فانتهى هذا الخبر إلى الوالي، ~~فأخذ يحيى فضربه، وحلق رأسه، ولحيته، وهرب أبو سعيد الجنابي إلى جنابا، ~~وسار يحيى بن المهدي إلى بني كلاب، وعقيل، والخريس، فاجتمعوا معه ومع أبي ~~سعيد، فعظم أمر أبي سعيد، وكان منه ما يأتي ذكره. # ذكر عدة حوادث # (وفيها سار المعتضد من آمد بعد أن ملكها، كما ذكرناه، إلى الرقة، فولى ~~ابنه عليا المكتفي قنسرين، والعواصم، والجزيرة، وكاتبه النصراني، واسمه ~~الحسين ms2651 بن عمرو، فكان ينظر في الأموال، فقال الخليع في ذلك: # PageV06P505 # حسين بن عمرو عدو القرآن ... يصنع في العرب ما يصنع # يقوم لهيبته المسلمون ... صفوفا لفرد إذا يطلع # فإن قيل قد أقبل الجاثليق ... تحفى له ومشى يظلع # وفيها توفي ابن الإخشيد أمير طرسوس، واستخلف أبا ثابت على طرسوس) . # وفيها سار إلى الأنبار جماعة أعراب من بني شيبان، وأغاروا على القرى، ~~وقتلوا من لحقوا من الناس، وأخذوا المواشي، فخرج إليهم أحمد بن محمد بن ~~كمشجور متوليها، فلم يطقهم، فكتب إلى المعتضد بذلك، فأمده بجيش، فأدركوا ~~الأعراب، وقاتلوهم، فهزمهم الأعراب (وقتلوا فيهم، وغرق أكثرهم، وتفرقوا، ~~وعاث الأعراب) في تلك الناحية. # وبلغ خبر الهزيمة إلى المعتضد، فسير جيشا آخر، فرحل الأعراب إلى عين ~~التمر، (فأفسدوا وعاثوا، وذلك في شعبان، ورمضان، فوجه إليهم عسكرا آخر إلى ~~عين التمر) ، فسلكوا البرية إلى نواحي الشام، فعاد العسكر إلى بغداذ ولم ~~يلقهم. # وفيها استدعى المعتضد راغبا مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وهو بالرقة، ~~فحبسه وأخذ جميع ما كان له، فمات بعد أيام من حبسه، وكان ذلك في شعبان، ~~وقبض على بكنون غلام راغب، وأخذ ماله بطرسوس. # وفيها قلد المعتضد ديوان المشرق محمد بن داود بن الجراح، وعزل عنه أحمد ~~بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود ابن الجراح. # PageV06P506 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو [بكر] محمد بن [عبد الله بن عتاب] الأنماطي، المعروف ~~بمربع، صاحب يحيى بن معين، وكان حافظا للحديث. # ومحمد بن يونس الكديمي البصري. # PageV06P507 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين] ### | 287 - # ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين # ذكر قتل أبي ثابت أمير طرسوس وولاية ابن الأعرابي # في هذه السنة اجتمعت الروم، وحشدت في ربيع الآخر، ووافت باب قلمية من ~~طرسوس، فنفر أبو ثابت أمير طرسوس بعد موت ابن الإخشيد، وكان استخلفه عند ~~موته، فبلغ أبو ثابت في نفيره إلى نهر الرجان في طلبهم، فأسر أبو ثابت، ~~وأصيب الناس معه. # وكان ابن كلوب غازيا في درب السلامة، فلما عاد جمع مشايخ الثغر ليتراضوا ms2652 ~~بأمير، فأجمعوا رأيهم على ابن الأعرابي، فولوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر ~~من هذه السنة. # ذكر ظفر المعتضد بوصيف ومن معه # في هذه السنة هرب وصيف خادم محمد بن أبي الساج من برذعة إلى ملطية من ~~أعمال مولاه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور، فأخذ رسله وقررهم عن ~~سبب مفارقة وصيف مولاه، فذكروا له أنه فارقه على مواطأة منهما أنه متى ولي ~~وصيف الثغور سار إليه مولاه، وقصدا ديار مضر وتغلبا عليها. # فسار المعتضد نحوه، فنزل العين السوداء، وأراد الرحيل في طريق المصيصة، # PageV06P508 # فأتته العيون فأخبروه أن وصيفا يريد عين زربة، فسأل أهل المعرفة بذلك ~~الطريق، وسألهم عن أقرب الطرق إلى لقاء وصيف، فأخذوه وساروا به نحوه، وقدم ~~جمعا من عسكره بين يديه، فلقوا وصيفا فقاتلوه، وأخذوه أسيرا، فأحضروه عند ~~المعتضد فحبسه، وأمر فنودي في أصحاب وصيف بالأمان، وأمر العسكر برد ما ~~نهبوه منهم، ففعلوا ذلك. # وكانت الوقعة لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة ; فلما فرغ منه رحل إلى ~~المصيصة، وأحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفا، وأمر بإحراق ~~مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيها، وجميع آلاتها، وكان من جملتها نحو من ~~خمسين مركبا قديمة، قد أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، ولا يمكن عمل ~~مثلها، فأضر ذلك بالمسلمين، وفت في أعضادهم، و [قوي] أمر الروم أن يغزو في ~~البحر، وكان إحراقها بإشارة دميانة غلام يازمان لشيء كان في نفسه على أهل ~~طرسوس، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة. # وسار المعتضد إلى أنطاكية وحلب وغيرهما، وعاد إلى بغداذ. # (وفيها توفيت ابنة خمارويه زوج المعتضد) . # ذكر أمر القرامطة، وانهزام العباس الغنوي منهم # في هذه السنة، في ربيع الآخر، عظم أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على ~~نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد، ~~فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل، وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى ~~البصرة، وعزل العباس بن عمرو الغنوي عن بلاد فارس، وأقطعه اليمامة ~~والبحرين، وأمره بمحاربة القرامطة وضم إليه زهاء ms2653 ألفي رجل، فسار إلى ~~البصرة، واجتمع إليه جمع كثير من المتطوعة والجند، والخدم. # ثم سار منها إلى أبي سعيد الجنابي، فلقوه مساء، وتناوشوا القتال، وحجز ~~بينهم # PageV06P509 # الليل، فلما كان الليل انصرف عن العباس من كان معه من أعراب بني ضبة، ~~وكانوا ثلاثمائة، إلى البصرة، وتبعهم مطوعة البصرة، فلما أصبح العباس باكر ~~الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا. # ثم حمل نجاح غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل على ~~ميمنة أبي سعيد، فوغلوا فيهم، فقتلوا عن آخرهم، وحمل الجنابي ومن معه على ~~أصحاب العباس، فانهزموا وأسر العباس، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره، ~~فلما كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعا وحرقهم، وكانت الوقعة ~~آخر شعبان. # ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة، فدخلها وأمن أهلها، وانصرف من سلم من ~~المنهزمين، وهم قليل نحو البصرة بغير زاد، فخرج إليهم من البصرة نحو ~~أربعمائة رجل على الرواحل، ومعهم الطعام، والكسوة والماء، فلقوا بها ~~المنهزمين، فخرج عليهم بنو أسد، وأخذوا الرواحل وما عليها، وقتلوا من سلم ~~من المعركة، فاضطربت البصرة لذلك، وعزم أهلها على الانتقال منها، فمنعهم ~~الواثقي. # وبقي العباس عند الجنابي أياما ثم أطلقه، وقال له: امض إلى صاحبك، وعرفه ~~ما رأيت، وحمله على رواحل، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافى الأبلة، ~~ثم سار منها إلى بغداذ فوصلها في رمضان، فدخل على المعتضد فخلع عليه. # بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: عجائب الدنيا ثلاث: جيش ~~العباس بن عمرو يؤسر وحده، وينجو وحده، ويقتل جميع جيشه ; وجيش عمرو بن ~~الصفار (يؤسر وحده، ويسلم) جميع جيشه ; وأنا أنزل في بيتي، وتولي ابني أبو ~~العباس الجسرين ببغداذ. # ولما أطلق أبو سعيد العباس أعطاه درجا ملصقا وقال له: أوصله إلى المعتضد ~~فإن لي فيه أسرارا. فلما دخل العباس على المعتضد (عاتبه المعتضد) فأوصل ~~إليه العباس الكتاب، فقال: والله ليس فيه شيء، وإنما أراد أن يعلمني أني ~~أنفذتك إليه في العدد الكثير، فردك فردا ; وفتح الكتاب وإذا ms2654 ليس فيه شيء. # PageV06P510 # وفيها، في ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائي القرامطة، على غرة منهم، ~~بنواحي ميسان، وغيرها، وقتل منهم مقتلة، ثم تركهم خوفا أن تخرب السواد، ~~وكانوا فلاحية، وطلب رؤساءهم فقتل من ظفر به منهم. # ذكر أسر عمرو الصفار وملك إسماعيل خراسان # في هذه السنة، في ربيع الأول أسر عمرو بن الليث الصفار ; وكان سبب ذلك أن ~~عمرا أرسل إلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة، وطلب منه أن يوليه ما وراء ~~النهر، فوجه إليه الخلع واللواء بذلك، وهو بنيسابور، فوجه لمحاربة إسماعيل ~~بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر محمد بن بشير، وكان خليفته وحاجبه، ~~وأخص أصحابه بخدمته، وأكبرهم عنده، وغيره من قواده إلى آمل، فعبر إليهم ~~إسماعيل جيحون، فحاربهم، فهزمهم، وقتل محمد بن بشير في نحو ستة آلاف رجل. # وبلغ المنهزمون إلى عمرو، وهو بنيسابور، وعاد إسماعيل إلى بخارى فتجهز ~~عمرو لقصد إسماعيل، فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش، ولا يخاطر بنفسه، فلم ~~يقبل منهم، وسار عن نيسابور نحو بلخ، فأرسل إليه إسماعيل: إنك قد وليت دنيا ~~عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، ~~واتركني في هذا الثغر. فأبى، فذكر لعمرو، وأصحابه شدة العبور بنهر بلخ، ~~فقال: لو شئت أن أسكره ببذر الأموال، وأعبره لفعلت. # فسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى الجانب الغربي، وجاء عمرو فنزل بلخ، ~~وأخذ # PageV06P511 # إسماعيل عليه النواحي لكثرة جمعه، وصار عمرو كالمحاصر، وندم على ما فعل، ~~وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه، فاقتتلوا، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى ~~انهزم عمرو فولى هاربا، ومر بأجمة في طريقه، فقيل له: إنها أقرب الطرق، ~~فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح ; وسار هو في نفر يسير، فدخل ~~الأجمة، فوحلت به دابته فلم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ولم يعرجوا ~~عليه، وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا، فسيره إسماعيل إلى سمرقند. # ولما وصل الخبر إلى المعتضد ذم عمرا ومدح إسماعيل، ثم إن إسماعيل خير ~~عمرا بين مقامه عنده، أو ms2655 إنفاذه إلى المعتضد، فاختار المقام عند المعتضد، ~~فسيره إليه، فوصل إلى بغداذ سنة ثمان وثمانين ومائتين، فلما وصل ركب على ~~جمل وأدخل بغداذ، ثم حبس، فبقي محبوسا حتى قتل سنة تسع وثمانين ومائتين على ~~ما نذكره. # وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بالخلع، وولاه ما كان بيد عمرو، وخلع على ~~نائبه بالحضرة المعروف بالمرزباني، واستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده. # وكان عمرو أعور شديد السمرة، عظيم السياسة، قد منع أصحابه وقواده أن ~~(يضرب أحد منهم غلاما) إلا بأمره، أو يتولى عقوبة الغلام نائبه، أو أحد ~~حجابه، وكان يشتري المماليك الصغار، ويربيهم، ويهبهم لقواده ويجري عليهم ~~الجرايات الحسنة سرا، ليطالعوه بأحوال قواده، ولا ينكتم عنه من أخبارهم ~~شيء، ولم يكونوا يعلمون من ينقل إليه عنهم، فكان أحدهم يحذره وهو وحده. # حكي عنه أنه كان له عامل بفارس يقال له أبو حصين، فسخط عليه عمرو، وألزمه ~~أن يبيع أملاكه، (ويوصل ثمنها إليه) ، ففعل ذلك، ثم طلب منه مائة ألف درهم، ~~فإن أداها في ثلاثة أيام وإلا قتله، فلم يقدر على شيء منها، فأرسل إلى أبي ~~سعيد الكاتب يطلب منه أن يجتمع به، فأذن له، فاجتمع به، وعرفه ضيق يده ~~وسأله أن يضمنه ليخرج # PageV06P512 # من محبسه ويسعى في تحصيل المبلغ المطلوب منه، ففعل وأخرجه، فلم يفتح عليه ~~بشيء، فعاد إلى أبي سعيد الكاتب، فبلغ خبره عمرا، فقال: والله ما أدري من ~~أيهما أعجب، من أبي سعيد فيما فعل من بذل مائة ألف درهم، أم من أبي حصين ~~كيف عاد وقد علم أنه القتل! ثم أمر بإطلاق ما عليه ورده إلى منزلته. # وحكي عنه أنه كان يحمل أحمالا كثيرة من الجرب، ولا يعلم أحد ما مراده، ~~فاتفق في بعض السنين أنه قصد طائفة من العصاة عليه (للإيقاع بهم) ، فسلك ~~طريقا لا تظن العصاة أنهم يؤتون منه، وكان في طريقه واد، فأمر بتلك الجرب ~~فملئت ترابا، وأحجارا، ونضد بعضها إلى بعض، وجعلها طريقا في الوادي، فعبر ~~أصحابه عليها، وأتاهم وهم آمنون فأثخن فيهم وبلغ منهم ما أراد. ms2656 # وحكي أيضا أن أكبر حجابه كان اسمه محمد بن بشير، وكان يخلفه في كثير من ~~أموره العظام، فدخل عليه يوما، وأخذ يعدد عليه ذنوبه، فحلف محمد بالله ~~والطلاق والعتق أنه لا يملك إلا خمسين بدرة، وهو يحملها إلى الخزانة، ولا ~~يجعل له ذنبا لم يعلمه، فقال عمرو: ما أعقلك من رجل! احملها إلى الخزانة، ~~فحملها، فرضي عنه، وما أقبح هذا من فعل (وشره إلى أموال) من أذهب عمره في ~~خدمته! # ذكر قتل محمد بن زيد العلوي # في هذه السنة قتل محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان والديلم. # وكان سبب قتله أنه لما اتصل به أسر عمرو بن الليث الصفار خرج من طبرستان ~~نحو خراسان ظنا منه أن إسماعيل الساماني لا يتجاوز عمله، ولا يقصد خراسان، ~~وأنه لا دافع له عنها. # فلما سار إلى جرجان أرسل إليه إسماعيل، وقد استولى على خراسان، يقول له: ~~الزم عملك، ولا تتجاوز عمله، ولا تقصد خراسان ; وترك جرجان له، فأبى ذلك ~~محمد، فندب إليه إسماعيل بن أحمد محمد بن هارون، ومحمد هذا كان يخلف رافع ~~بن # PageV06P513 # هرثمة أيام ولايته خراسان، فجمع محمد جمعا كثيرا من فارس وراجل، وسار نحو ~~محمد بن زيد، فالتقوا على باب جرجان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم محمد بن ~~هارون أولا ثم رجع وقد تفرق أصحاب محمد بن زيد في الطلب، فلما رأوه قد رجع ~~إليهم ولوا هاربين، وقتل منهم بشر كثير، وأصابت ابن زيد ضربات، وأسر ابنه ~~زيد، وغنم ابن هارون عسكره وما فيه، ثم مات محمد بن زيد بعد أيام من ~~جراحاته التي أصابته، فدفن على باب جرجان. # وحمل ابنه زيد بن محمد إلى إسماعيل بن أحمد، فأكرمه ووسع في الإنزال ~~عليه، وأنزله بخارى، وسار محمد بن هارون إلى طبرستان. # وكان محمد بن زيد فاضلا، أديبا، شاعرا، عارفا، حسن السيرة، قال أبو عمر ~~الأستراباذي: كنت أورد على محمد بن زيد أخبار العباسيين، فقلت له: إنهم قد ~~لقبوا أنفسهم، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم، أو ألقبهم؟ فقال: الأمر موسع عليك، ~~سمهم ولقبهم ms2657 بأحسن ألقابهم وأسمائهم، وأحبها إليهم. # وقيل حضر عنده خصمان أحدهما اسمه معاوية والآخر اسمه علي، فقال: الحكم ~~بينكما ظاهر، فقال معاوية: إن تحت هذين الاسمين خبرا، قال محمد: وما هو؟ ~~قال: إن أبي كان من صادقي الشيعة، فسماني معاوية لينفي شر النواصب، وإن أبا ~~هذا كان ناصبيا، فسماه عليا خوفا من العلوية والشيعة. فتبسم إليه محمد، ~~وأحسن إليه وقربه. # وقيل: استأذن عليه جماعة من أضراء الشيعة وقرائهم، فقال: ادخلوا، فإنه لا ~~يحبنا إلا كل كسير وأعور. # ذكر ولاية أبي العباس صقلية # كان إبراهيم ابن الأمير أحمد أمير إفريقية قد استعمل على صقلية أبا مالك ~~أحمد بن عمر بن عبد الله، فاستضعفه، فولى بعده ابنه أبا العباس بن إبراهيم ~~بن أحمد بن الأغلب، فوصل إليها غرة شعبان من هذه السنة في مائة وعشرين ~~مركبا، وأربعين حربي، وحصر طرابلس. # PageV06P514 # واتصل خبره بعسكر المسلمين بمدينة بلرم [وهم] يقاتلون أهل جرجنت، فعادوا ~~إلى بلرم، وأرسلوا جماعة من شيوخهم إليه بطاعتهم، واعتذروا من قصدهم جرجنت، ~~ووصل إليه جماعة من أهل جرجنت، وشكوا منهم وأخبروه أنهم مخالفون عليه، ~~وأنهم إنما سيروا مشايخهم خديعة ومكرا، وأنهم لا أيمان لهم ولا عهد ; وإن ~~شئت أن تعلم مصداق هذا فاطلب إليك منهم فلانا وفلانا. # فأرسل إليهم يطلبهم فامتنعوا عن الحضور عنده، وخالفوا عليه، وأظهروا ذلك، ~~فاعتقل الشيوخ الواصلين إليه منهم، واجتمع أهل بلرم وساروا إليه منتصف ~~شعبان، ومقدمهم مسعود الباجي، وأمير السفهاء منهم ركمويه، وصحبهم ثم أسطول ~~في البحر نحو ثلاثين قطعة، فهاج البحر على الأسطول، فعطب أكثره، وعاد ~~الباقي إلى بلرم. # وأما العسكر الذين في البر فإنهم وصلوا إليه وهو على طرابلس، فاقتتلوا ~~أشد القتال، فقتل من الفريقين جماعة وافترقوا، ثم عاودوا القتال في الثاني ~~والعشرين، فانهزم أهل بلرم وقت العصر، وتبعهم أبو العباس إلى بلرم برا ~~وبحرا فعاودوا قتاله عاشر رمضان من بكرة إلى العصر، فانهزم أهل البلد، ووقع ~~القتل فيهم إلى المغرب، واستعمل أبو العباس على أرباضها، ونهبت الأموال، ~~وهرب كثير من الرجال والنساء إلى طبرمين، ms2658 وهرب ركمويه وأمثاله من رجال ~~الحرب إلى بلاد النصرانية، كالقسطنطينية وغيرها، وملك أبو العباس المدينة، ~~ودخلها، وأمن أهلها، وأخذ جماعة من وجوه أهلها فوجههم إلى أبيه بإفريقية. # ثم رحل إلى طبرمين، فقطع كرومها، وقاتلهم، ثم رحل إلى قطانية فحصرها، فلم ~~ينل منها غرضا، فرجع إلى المدينة، وأقام إلى أن دخلت سنة ثمان وثمانين ~~ومائتين فتجهز للغزو، وطاب الزمان، وعمر الأسطول وسيره أول ربيع الآخر ونزل ~~على دمنش، ونصب عليها المجانيق، وأقام أياما. # ثم انصرف إلى مسيني، وجاز في الحربية إلى ريو، وقد اجتمع بها كثير من ~~الروم، فقاتلهم على باب المدينة، وهزمهم، (وملك المدينة) بالسيف في رجب، # PageV06P515 # وغنم من الذهب والفضة ما لا يحد، وشحن المراكب بالدقيق، والأمتعة، ورجع ~~إلى مسيني وهدم سورها، ووجد بها مراكب قد وصلت من القسطنطينية، فأخذ منها ~~ثلاثين مركبا ورجع إلى المدينة، وأقام إلى سنة تسع وثمانين [ومائتين] ، ~~فأتاه كتاب أبيه إبراهيم يأمره بالعود إلى إفريقية، فرجع إليها جريدة في ~~خمس قطع شواني، وترك العسكر مع ولديه أبي مضر، وأبي معد. # فلما وصل إلى إفريقية استخلفه أبوه بها، وسار هو إلى صقلية مجاهدا، عازما ~~على الحج بعد الجهاد، فوصلها في رجب سنة سبع وثمانين ومائتين. # وقد ذكرنا خبره سنة إحدى وستين ومائتين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جمعت طي من قدرت عليه من الأعراب، وخرجوا على قفل الحاج، ~~فواقعوهم بالمعدن، وقاتلوهم يومين بين الخميس والجمعة، لثلاث بقين من ذي ~~الحجة، فانهزم العرب وقتل كثير وسلم الحاج. # وفيها مات إسحاق بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي - عدي ربيعة - ~~أمير ديار ربيعة من بلاد الجزيرة، فولي مكانه عبد الله بن الهيثم ابن عبد ~~الله بن المعتمر. # (وفيها توفيت قطر الندى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، وهي ~~امرأة المعتضد. # وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود. # PageV06P516 # وفيها استعمل المعتضد عيسى النوشري، وهو أمير أصبهان، على بلاد فارس، ~~وأمره بالمسير إليه. # [الوفيات] # وفيها توفي فهد بن أحمد بن فهد ms2659 الأزدي الموصلي، وكان من الأعيان. # وعلي بن عبد العزيز البغوي، توفي بمكة، وهو صاحب أبي عبيد القاسم بن ~~سلام، بالتشديد. # PageV06P517 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين] ### | 288 - # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين # في هذه السنة وقع الوباء بأذربيجان فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ~~ما يكفنون به الموتى، وكانوا يتركونهم على الطرق غير مكفنين ولا مدفنين. # وفيها توفي محمد بن أبي الساج بأذربيجان في الوباء الكثير المذكور، ~~فاجتمع أصحابه، فولوا ابنه ديوداد، واعتزلهم عمه يوسف بن أبي الساج مخالفا ~~لهم، فاجتمع إليه نفر يسير، فأوقع بابن أخيه ديوداد، وهو في عسكر أبيه ~~فهزمه، وعرض عليه يوسف المقام معه فأبى، وسلك طريق الموصل إلى بغداذ، وكان ~~ذلك في رمضان. # وفيها، في صفر دخل طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث بلاد فارس في عسكره، ~~وأخرجوا عنها عامل الخليفة، فكتب الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني إلى طاهر ~~يذكر له أن الخليفة المعتضد قد ولاه سجستان، وأنه سائر إليها، فعاد طاهر ~~لذلك. # وفيها ولى المعتضد مولاه بدرا فارس، وأمره بالشخوص إليها لما بلغه أن ~~طاهرا تغلب عليها، فسار إليه في جيش عظيم في جمادى الآخرة، فلما قرب من ~~فارس تنحى عنها من كان بها من أصحاب طاهر، فدخلها بدر، وجبى خراجها، وعاد ~~طاهر إلى سجستان، كما ذكرناه من مراسلة إسماعيل الساماني إليه بأنه يريد ~~[أن] يقصد سجستان. # PageV06P518 # وفيها تغلب بعض العلويين على صنعاء، فقصده بنو يعفر في جمع كثير، ~~فقاتلوه، فهزموه، ونجا هاربا نحو خمسين فارسا، وأسروا ابنا له، ودخلها بنو ~~يعفر، وخطبوا فيها للمعتضد. # وفيها سير الحسين بن علي كورة صاحبه نزار بن محمد إلى صائفة الروم فغزا، ~~وفتح حصونا كثيرة للروم، وعاد ومعه الأسرى. # ثم إن الروم ساروا في البر والبحر إلى ناحية كيسوم، فأخذوا من المسلمين ~~أكثر من خمسة عشر ألفا وعادوا. # وفيها قرب أصحاب أبي سعيد الجنابي من البصرة، فخاف أهلها، وهموا بالهرب ~~منها، فمنعهم من ذلك واليهم. # وفيها في ذي الحجة، قتل وصيف خادم ابن ms2660 أبي الساج، وصلبت جثته ببغداذ، ~~وقيل إنه مات ولم يقتل. # وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد المكنى أبا بكر. # [الوفيات] # وفيها في ربيع الآخر، توفي عبد الله بن سليمان الوزير، فعظم موته على ~~المعتضد، وجعل ابنه أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بعد أبيه في الوزارة. # وفيها توفي (إبراهيم الحربي) . # وبشر بن موسى الأسدي، وهو من الحفاظ للحديث. # PageV06P519 # وفيها، في صفر توفي ثابت بن قرة بن سنان الصابي الطبيب المشهور، ومعاذ بن ~~المثنى. # PageV06P520 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين] ### | 289 - # ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين # ذكر أخبار القرامطة بالشام # في هذه السنة ظهر بالشام رجل من القرامطة، وجمع جموعا من الأعراب، وأتى ~~دمشق، وأميرها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، وكانت ~~بينهما وقعات. # وكان ابتداء حال هذا القرمطي أن زكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه داعية ~~قرمط هذا، لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد الكوفة من ~~القرامطة، فإن القتل قد أبادهم، سعى في استغواء من قرب من الكوفة من ~~الأعراب: (أسد، وطي، وغيرهم) ، فلم يجبه منهم أحد فأرسل أولاده إلى كلب بن ~~وبرة فاستغووهم، فلم (يجبهم منهم) إلا الفخد المعروف ببني العليص بن ضمضم ~~بن عدي بن خباب ومواليهم خاصة، فبايعوا في سنة تسع وثمانين ومائتين بناحية ~~السماوة ابن زكرويه، المسمى بيحيى، المكنى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم ~~أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب. # وقيل: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله، وزعم أن له بالبلاد ~~مائة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا تتبعوها في مسيرها ~~نصروا، وأظهر عضدا له (ناقصة وذكر أنها آيته) ، وأتاه جماعة من بني الأصبغ، ~~وسموا الفاطميين، ودانوا # PageV06P521 # بدينه، فقصدهم شبل غلام المعتضد من ناحية الرصافة (فاغتروه فقتلوه، ~~وأحرقوا مسجد الرصافة) ، واعترضوا كل قرية اجتازوا بها، حتى بلغوا ولاية ~~هارون بن خمارويه التي قوطع ms2661 عليها طغج بن جف، فأكثروا القتل بها والإغارة، ~~فقاتلهم طغج، فهزموه غير مرة. # ذكر أخبار القرامطة بالعراق # وفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة، فوجه المعتضد إليهم شبلا غلام أحمد ~~بن محمد الطائي، وظفر بهم، وأخذ رئيسا لهم يعرف بأبي الفوارس فسيره إلى ~~المعتضد، فأحضره بين يديه، وقال له: أخبرني، هل تزعمون أن روح الله تعالى ~~وأرواح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل، وتوفقكم لصالح العمل؟ ~~فقال له: يا هذا إن حلت روح (الله فينا فما يضرك؟ وإن حلت روح) إبليس فما ~~ينفعك؟ فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك. # فقال: ما تقول فيما يخصني؟ قال: أقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مات وأبوكم العباس حي، فهل طالب بالخلافة، أم هل بايعه أحد من الصحابة على ~~ذلك، ثم مات أبو بكر فاستخلف عمر، وهو يرى موضع العباس، ولم يوص إليه، ثم ~~مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم، فبماذا ~~تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها. # فأمر به المعتضد فعذب، وخلعت عظامه، ثم قطعت يداه، ورجلاه، ثم قتل. # PageV06P522 # ذكر وفاة المعتضد # في هذه السنة في ربيع الآخر توفي المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن ~~الموفق بن المتوكل، ليلة الاثنين لثمان بقين منه، وكان مولده في ذي الحجة ~~من سنة اثنتين وأربعين ومائتين. # ولما اشتد مرضه اجتمع القواد، منهم يونس الخادم، وموشكير، وغيرهما. ~~وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله ليجدد البيعة للمكتفي. وقالوا: إنا لا ~~نأمن فتنة، فقال: إن هذا المال لأمير المؤمنين ولولده من بعده، وأخاف [أن] ~~أطلق المال، فيبرأ من علته، فينكر علي ذلك. # فقال: إن برئ من مرضه، فنحن المحتجون، والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ~~ولده، فلا يلومنا، ونحن نطلب الأمر له. # فأطلق المال وجدد عليه البيعة، وأحضر عبد الواحد بن (الموفق، وأخذ عليه ~~البيعة فوكل به، وأحضر ابن المعتز، ومضى ابن المؤيد، وعبد العزيز بن) ~~المعتمد، ووكل بهم. # فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب، وأبا حازم، ms2662 وأبا عمر بن يوسف بن يعقوب ~~فتولى غسله محمد بن يوسف، وصلى عليه الوزير، ودفن ليلا في دار محمد بن ~~طاهر، وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء، وجدد البيعة للمكتفي. # وكانت أم المعتضد، واسمها ضرار، قد توفيت قبل خلافته. # PageV06P523 # وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر، وثلاثة عشر يوما ; وخلف من الولد ~~الذكور: عليا وهو المكتفي، وجعفرا وهو المقتدر، وهارون، ومن البنات إحدى ~~عشرة بنتا، وقيل: سبع عشرة. # (ولما حضرته الوفاة أنشد: # تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى وخذ ... صفوها ما إن صفت ودع الرنقا # ولا تأمنن الدهر إني أمنته فلم ... يبق لي حالا ولا يرع لي حقا # قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على طغيه خلقا # وأخليت دار الملك من كل نازع ... فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا # فلما بلغت النجم عزا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا # رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى # ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي الملك والأحياء في حسنها رفقا # فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى # إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى # PageV06P524 # ذكر صفته وسيرته # كان المعتضد أسمر، نحيف الجسم، معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، وكان شهما ~~شجاعا مقداما ; (وكان ذا عزم) ، وكان فيه شح ; بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي ~~الساج، وعليه قباء أصفر، فسار من ساعته، وظفر بوصيف، وعاد. فدخل أنطاكية، ~~وعليه القباء، فقال بعض أهلها: الخليفة بغير سواد ; فقال بعض أصحابه: إنه ~~سار فيه، ولم ينزعه عنه إلى الآن، وكان عفيفا. # حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت على المعتضد، وعلى رأسه أحداث روم ~~صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود، فجلست، فلما تفرق ~~الناس قال: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي على غير حلال قط. # وكان مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته، ويكفون عن الظلم خوفا منه. # ذكر خلافة المكتفي بالله ولما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي ~~بن المعتضد، وهو المكتفي بالله، يعرفه بذلك ويأخذ البيعة له، ms2663 وكان بالرقة. ~~فلما وصله الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، ووضع لهم العطاء، وسار ~~إلى بغداذ، ووجه إلى النواحي من ديار ربيعة. ومضر، ونواحي العرب من يحفظها، ~~ودخل بغداذ، لثمان خلون من جمادى الأولى، فلما سار إلى منزله أمر بهدم ~~المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم. # ذكر قتل عمرو بن الليث الصفار # وفي هذا اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداذ قتل عمرو بن الليث الصفار ودفن ~~من الغد، # PageV06P525 # وكان المعتضد بعدما امتنع من الكلام، أمر صافيا الحرمي بقتل عمرو بن ~~الليث بالإيماء والإشارة، ووضع يده على (رقبته، وعلى عينه بأن) اذبح ~~الأعور، وكان عمرو أعور، فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بقرب وفاة المعتضد، وكره ~~قتل عمرو. فلما وصل المكتفي بغداذ سأل (الوزير عنه، فقال) : هو حي، فسر ~~بذلك وأراد الإحسان إليه لأنه كان يكثر من الهدية إليه لما كان بالري، فكره ~~الوزير ذلك، فبعث إليه من قتله. # ذكر استيلاء محمد بن هارون على الري # وفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد بن زيد ~~العلوي، وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد، وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة ~~إسماعيل فسأله أهل الري المسير إليهم ليسلموها إليه. # وكان سبب ذلك أن الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم. فسار محمد بن ~~هارون إليهم فحاربه واليها وهو الدتمش التركي، فقتله محمد، وقتل ابنين له ~~وأخا كيغلغ، وهو من قواد الخليفة، ودخل محمد بن هارون الري، واستولى عليها ~~في رجب. # ذكر قتل بدر # وفيها قتل بدر غلام المعتضد، وكان سبب ذلك أن القاسم الوزير كان قد هم ~~بنقل الخلافة عن ولد المعتضد بعده، فقال لبدر، في ذلك في حياة المعتضد بعد ~~أن استحلفه واستكتمه، فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي، ~~فلم # PageV06P526 # يمكنه مخالفة بدر إذ كان صاحب الجيش، وحقدها على بدر، فلما مات المعتضد ~~كان بدر بفارس، فعقد القاسم البيعة للمكتفي وهو بالرقة. # وكان المكتفي أيضا مباعدا لبدر في حياة أبيه، وعمل ms2664 القاسم في هلاك بدر ~~خوفا على نفسه أن يذكر ما كان منه للمكتفي. فوجه المكتفي محمد بن كشتمر ~~برسائل إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر، ففارقه ~~جماعة، منهم العباس بن عمرو الغنوي، ومحمد بن إسحاق بن كنداج، وخاقان ~~المفلحي، وغيرهم، فأحسن إليهم المكتفي. # وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره، وقبض على أصحابه وقواده، وحبسهم ~~وأمر بمحو بدر من التراس، والأعلام، وسير الحسن بن علي كورة في جيش واسط. # وأرسل إلى بدر يعرض عليه أي النواحي شاء، فأبى ذلك، وقال: لا بد لي من ~~المسير إلى باب مولاي ; فوجد القاسم مساغا للقول، وخوف المكتفي غائلته، ~~وبلغ بدرا ما فعل بأهله وأصحابه، وأرسل من يأتيه بولده هلال سرا، فعلم ~~الوزير بذلك فاحتاط عليه ودعا أبا حازم قاضي الشرقية، وأمره بالمسير إلى ~~بدر، وتطييب نفسه على المكتفي، وإعطائه الأمان عنه لنفسه وولده وماله، فقال ~~له أبو حازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين ; فصرفه، ودعا أبا عمر ~~القاضي، وأمره بمثل ذلك فأجابه، وسار ومعه كتاب الأمان. فسار بدر عن واسط ~~نحو بغداذ، فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما أيقن بالقتل سأل أن يمهل حتى ~~يصلي ركعتين، فصلاهما ثم ضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان. ثم ~~أخذ رأسه وتركت جثته هنالك، فوجه عياله من أخذها سرا وجعلوها في تابوت. ~~فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة فدفنوها بها وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل ~~أن يقتل كل مملوك كان له. # ورجع أبو عمر القاضي إلى داره كئيبا حزينا لما كان منه، وقال الناس فيه ~~أشعارا وتكلموا فيه، فمما قيل فيه. # قل لقاضي مدينة المنصور بم أحللت أخذ رأس الأمير # PageV06P527 # عند إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور # أين أيمانك التي شهد الل ... ه على أنها يمين فجور # إن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى أن ترى عليل السرير # يا قليل الحياء يا أكذب الأم ... ة يا شاهدا شهادة زور # ليس هذا فعل القضاة ولا يح ms2665 ... سن أمثاله ولاة الجسور # أي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء منه في خير هذي الشهور # قد مضى من قتلت في رمضا ... ن صائما بعد سجدة التعفير # يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداذ منكم في غرور # بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياة هذا الوزير # فأعدوا الجواب للحكم العد ... ل ومن بعد منكر ونكير # أنتم كلكم فدا لأبي حا ... زم المستقيم كل الأمور # ذكر ولاية أبي العباس عبد الله بن إبراهيم إفريقية # قد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد أمير إفريقية عهد ~~إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين، وتوفي فيها. فلما ~~توفي والده قام # PageV06P528 # بالملك بعده، وكان أديبا لبيبا شجاعا أحد الفرسان المذكورين مع علمه ~~بالحرب، وتصرفها. وكان عاقلا عالما له نظر حسن في الجدل. # وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي، فأرسل أخاه الأحول، ولم يكن ~~أحول، وإنما لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائما ربما كسر جفنه، فلقب بالأحول، ~~إلى قتال أبي عبد الله الشيعي. فلما بلغه حركته خرج إليهم في جموع كثيرة، ~~والتقوا عند كموشة، فقتل بينهم خلق عظيم، وانهزم الأحول، إلا أنه أقام في ~~مقابلة أبي عبد الله. # وكان أبو العباس أيام أبيه على خوف شديد منه لسوء أخلاقه، واستعمله أبوه ~~على صقلية ففتح فيها مواضع متعددة، وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده. # ولما ولي أبو العباس إفريقية، كتب إلى العمال كتابا يقرأ على العامة، ~~يعدهم فيه الإحسان، والعدل، والرفق، والجهاد، ففعل ما وعد من نفسه، (وأحضر ~~جماعة من العلماء ليعينوه على أمر الرعية) . # وله شعر، فمن ذلك قوله بصقلية وقد شرب دواء: # شربت الدواء على غربة ... بعيدا من الأهل والمنزل # وكنت إذا ما شربت الدوا ... أطيب بالمسك والمندل # وقد # صار شربي بحار الدما # ونقع العجاجة والقسطل # PageV06P529 # واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على ~~اللهو، وإدمانه شرب الخمر، فعزله وولى محمد (بن) السرقوسي، وحبس ولده. # فلما كان ليلة الأربعاء ms2666 آخر شعبان من سنة تسعين ومائتين قتل أبو العباس، ~~قتله ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده، وحملوا رأسه إلى ولده أبي ~~مضر، وهو في الحبس، فقتل الخدم وصلبهم، وكان هو الذي وضعهم، فكانت إمارته ~~سنة واثنتين وخمسين يوما. # وكان سكناه وقتله، رحمه الله بمدينة تونس. # وكان كثير العدل، أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل، ويعرفوه من ~~أحوال الناس ما يفعل فيه (على سبيل) الإنصاف، وأمر الحاكم في بلده أن يقضي ~~عليه، وعلى جميع أهله، وخواص أصحابه، ففعل ذلك. # ولما قتل ولي ابنه أبو مضر، وكان من أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ~~ومائتين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، منتصف رمضان قتل عبد الواحد بن الموفق، وكانت والدته إذا ~~سألت عنه قيل لها: إنه في دار المكتفي. فلما مات المكتفي أيست منه، فأقامت ~~عليه مأتما. # وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين ابن جستان الديلمي ~~بطبرستان، فانهزم ابن جستان. # وفيها لحق إسحاق الفرغاني، وهو من أصحاب بدر، بالبادية، وأظهر الخلاف على ~~الخليفة المكتفي، فحاربه أبو الأغر، فهزمه إسحاق، وقتل من أصحابه جماعة. # PageV06P530 # وفيها سير خاقان المفلحي إلى الري في جيش كثيف ليتولاها. # وفيها صلى الناس العصر في قمص الصيف ببغداذ، ثم هب هواء من ناحية الشمال، ~~فبرد الوقت، واشتد البرد، حتى احتاج الناس إلى النار ولبس الجباب، وجعل ~~البرد يزداد حتى جمد الماء. # وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد وبين محمد بن هارون بالري، فانهزم ~~محمد، ولحق بالديلم مستجيرا بهم، ودخل إسماعيل الري. # وفيها زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعا. # وفيها خلع المكتفي على هلال بن بدر، وغيره من أصحاب أبيه في جمادى ~~الأولى. # وفيها هبت ريح عاصف بالبصرة، فقلعت كثيرا من نخلها، وخسف بموضع منها هلك ~~فيه ستة آلاف نفس، وزلزلت بغداد في رجب عدة مرات، فتضرع أهلها في الجامع ~~(فكشف عنهم) . # [الوفيات] # وفيها مات أبو حمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي، وهو من أقران سري السقطي. # PageV06P531 ### | [ثم دخلت سنة تسعين ومائتين] ### | 290 ms2667 - # ثم دخلت سنة تسعين ومائتين # ذكر أخبار القرامطة # في هذه السنة في ربيع الآخر، سير طغج بن جف جيشا من دمشق إلى القرمطي، ~~عليهم غلام له اسمه بشير، فهزمهم القرمطي، وقتل بشيرا. # وفيها حصر القرمطي دمشق، وضيق على أهلها، وقتل أصحاب طغج، ولم يبق منهم ~~إلا القليل، وأشرف أهلها على الهلكة، فاجتمع جماعة من أهل بغداذ وأنهوا ذلك ~~إلى الخليفة، فوعدهم النجدة، (وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من ~~القواد) ، فقاتلوا الشيخ مقدم القرامطة، فقتل على باب دمشق، رماه بعض ~~المغاربة بمزراق، وزرقه نفاط بالنار فاحترق، وقتل منهم خلق كثير. # وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه ~~انهزموا. # ولما قتل يحيى المعروف بالشيخ وقتل أصحابه، اجتمع من بقي منهم على أخيه ~~الحسين، وسمى نفسه أحمد، وكناه أبا العباس، ودعا الناس فأجابه أكثر أهل ~~البوادي وغيرهم، فاشتدت شوكته، وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته. فسار ~~إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه وانصرف عنهم. # PageV06P532 # ثم سار إلى أطراف حمص، فغلب عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى المهدي ~~أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن المهدي، المسمى عبد الله بن أحمد بن ~~محمد بن إسماعيل، فلقبه المدثر وعهد إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ~~ولقب غلاما من أهله المطوق، وقلده قتل أسرى المسلمين. # ولما أطاعه أهل حمص، وفتحوا له بابها خوفا منه، سار إلى حماة، ومعرة ~~النعمان، وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء، والصبيان. ثم سار إلى بعلبك، ~~فقتل عامة أهلها، ولم يبق منهم إلا اليسير. ثم سار إلى سلمية فمنعه أهلها، ~~ثم صالحهم، وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها، فبدأ بمن فيها من بني هاشم، ~~وكانوا جماعة، فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم، والصبيان بالمكاتب. ثم خرج ~~منها، وليس بها عين تطرف. # وسار فيما حولها من القرى يسبي، ويقتل ويخيف السبيل. فذكر عن متطبب بباب ~~المحول يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة ~~بغداد، وقالت: أريد أن تعالج جرحا في ms2668 كتفي ; فقلت: ههنا امرأة تعالج النساء ~~فانتظرتها، فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها قالت: كان لي ولد ~~طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد، فلم أره، فخرجت من الرقة في طلبه، ~~فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، فشكوت إليه حالي وحال إخوته، فقال: ~~دعيني من هذا، أخبريني ما دينك؟ فقلت: أما تعرف ما ديني؟ فقال: ما كنا فيه ~~باطل، والدين ما نحن فيه اليوم، فعجبت من ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ~~[ولحم] فلم أمسه، حتى عاد فأصلحه. # وأتاه رجل من أصحابه فسألني هل أحسن من أمر النساء شيئا؟ فقلت: نعم، ~~فأدخلني دارا فإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت أكلمها ولا تكلمني، ~~حتى ولدت غلاما، فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني، فسألتها عن حالها، ~~فقالت: # PageV06P533 # أنا امرأة هاشمية أخذنا هؤلاء الأقوام، فذبحوا أبي، وأهلي جميعا، وأخذني ~~صاحبهم، فأقمت عنده (خمسة أيام) ، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من ~~قواده، فوهبني لهم، وكنت معهم، فوالله ما أدري ممن هذا الولد منهم. # قالت: فجاء رجل، فقالت لي: هنيه، فهنيته، فأعطاني سبيكة فضة (وجاء آخر، ~~وآخر، أهني كل واحد منهم، ويعطيني سبيكة فضة، ثم جاء الرابع، ومعه جماعة، ~~فهنيته، فأعطاني ألف درهم، وبتنا، فلما أصبحنا قلت للمرأة: قد وجب حقي ~~عليك، فالله الله خلصيني قالت: ممن أخلصك؟ فأخبرتها خبر ابني، فقالت: عليك ~~بالرجل الذي جاء آخر القوم، فأقمت يومي، فلما أمسيت، وجاء الرجل قمت له، ~~وقبلت يده ورجله، ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى بناتي ; فدعا ~~قوما من غلمانه، وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره، وقال: اتركوها فيه وارجعوا ; ~~فساروا بي عشرة فراسخ، فلحقنا ابني، فضربني بالسيف، فجرحني، ومنعه القوم، ~~وساروا بي إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم، وتركوني، وجئت إلى ههنا. # قالت: ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على جمل عليه ~~برنس، وهو يبكي، فقلت: لا خفف الله عنك ولا خلصك. # ثم إن كتب أهل الشام، ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي ms2669 ~~من القتل والسبي، وتخريب البلاد، فأمر الجند بالتأهب وخرج من بغداذ، في ~~رمضان، وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر في ~~عشرة آلاف رجل، فنزل قريبا من حلب، فكبسهم القرمطي صاحب الشامة، فقتل منهم ~~خلقا كثيرا، وسلم أبو الأغر، فدخل حلب في ألف رجل، وكانت هذه الوقعة في ~~رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب، فحاربه أبو الأغر بمن بقي معه وأهل ~~البلد، فرجع عنهم. # وسار المكتفي حتى نزل الرقة، وسير الجيوش إليه، وجعل أمرهم إلى محمد بن ~~سليمان الكاتب. # PageV06P534 # وفيها، في شوال تحارب القرمطي صاحب الشامة، وبدر مولى ابن طولون، فانهزم ~~القرمطي، وقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى من سلم منهم نحو البادية. فوجه ~~المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان، وغيره من القواد. # وفيها كبس ابن بانوا أمير البحرين حصنا للقرامطة، فظفر بمن فيه، وواقع ~~قرابة أبي سعيد الجنابي، فهزمه ابن بانوا، وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف، ~~وهو ولي عهد أبي سعيد، ثم أنه وجد بعدما انهزم أصحابه قتيلا، فأخذ رأسه، ~~وسار ابن بانوا إلى القطيف، فافتتحها. # ذكر أسر محمد بن هارون # وفيها أخذ محمد بن هارون أسيرا ; وكان سبب ذلك أن المكتفي أنفذ عهدا إلى ~~إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الري، فسار إليها، وبها محمد بن هارون، ~~فسار عنها محمد إلى قزوين وزنجان، ثم عاد إلى طبرستان، فاستعمل إسماعيل بن ~~أحمد على جرجان بارس الكبير، وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسرا، أو صلحا، ~~وكاتبه بارس، وضمن له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل، فقبل محمد قوله، ~~وانصرف عن جستان الديلمي، وقصد بخارى. فلما بلغ مرو قيد بها، وذلك في شعبان ~~سنة تسعين ومائتين. ثم حمل إلى بخارى، فأدخلها على جمل وحبس بها، فمات بعد ~~شهرين محبوسا. # وكان ابتداء أمره أنه كان خياطا، ثم أنه جمع جمعا من الرعاع، وأهل ~~الفساد، فقطع الطريق بمفازة سرخس مدة. ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة، وبقي ~~معه إلى أن انهزم عمرو الصفار، فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ms2670 ~~ما وراء النهر، بعد قتل رافع، فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن زيد، على ما ~~تقدم ذكره. # وقد ذكره الخوافي في شعره فقال: # كان أبو هارون خياطا له ... إبر وراية سامها عشرا بقيراط # PageV06P535 # فانسل في الأرض يبغي الملك في # عصب زط ونوب وأكراد وأنباط ... أنى ينال الثريا كف ملتزق # بالترب عن ذروة العلياء هباط ... صبرا أميرك إسماعيل منتقم # منه ومن كل غدار وخياط ... رأيت عيرا سما جهلا على أسد يا # عين ويحك ما أشقاك من شاطي # ذكر عدة حوادث # وفيها، في ربيع الآخر، خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس، وعزل ~~عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه. # وفيها قوطع طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث على مال يحمله عن بلاد فارس، ~~وعقد له المكتفي عليها. # وفيها، في جمادى الأولى، هرب القائد أبو سعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى ~~الخليفة، (وأخذ نحو طريق الموصل) ، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون ~~بتكريت، وهو يتولى تلك النواحي، فعارضه عبد الله، واجتمع به، فخدعه أبو ~~سعيد وقتله، وسار نحو شهرزور، واجتمع هو وابن الربيع الكردي على عصيان ~~الخليفة. # وفيها أراد المكتفي البناء بسامرا، وخرج إليها ومعه الصناع، فقدروا له ما ~~يحتاج، وكان مالا جليلا، وطولوا له مدة الفراغ، فعظم الوزير ذلك عليه، ~~وصرفه إلى بغداذ. # وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك (بن عبد الواحد) بن عبد الله ~~(بن # PageV06P536 # عبيد الله) بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن علي بن علويه بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني، ~~وكان قد تفقه على المزني صاحب الشافعي. # وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة، وكان مولده سنة ثلاث ~~عشرة ومائتين. # PageV06P537 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين] ### | 291 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين # ذكر أخبار القرامطة، وقتل صاحب الشامة # قد ذكرنا مسير المكتفي إلى الرقة، وإرساله الجيوش إلى صاحب الشامة، ~~وتولية حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب، فلما ms2671 كانت هذه السنة أمر ~~محمد بن سليمان بمناهضة صاحب الشامة، فسار إليه عساكر الخليفة، حتى لقوه ~~وأصحابه بمكان بينهم، وبين حماة اثنا عشر ميلا لست خلون من المحرم، فقدم ~~القرمطي أصحابه إليهم، وبقي في جماعة من أصحابه، معه مال كان جمعه، وسواد ~~عسكره، والتحمت الحرب بين أصحاب الخليفة، والقرامطة، واشتدت، وانهزمت ~~القرامطة، وقتلوا كل قتلة وأسر (من رجالهم بشر كثير) ، وتفرق الباقون في ~~البوادي، وتبعهم أصحاب الخليفة. # فلما رأى صاحب الشامة ما نزل بأصحابه حمل أخا له يكنى أبا الفضل مالا، ~~وأمره أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر بمكان فيسير إليه، وركب هو وابن عمه ~~المسمى بالمدثر، والمطوق صاحبه، وغلام له رومي، [وأخذ دليلا] وسار يريد ~~الكوفة عرضا في البرية، فانتهى إلى الدالية من أعمال الفرات، وقد نفد ما ~~معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض أصحابه إلى الدالية المعروفة بابن طوق ~~ليشتري لهم ما يحتاجون إليه، فأنكروا رأيه، فسألوه عن حاله فكتمه، فرفعوه ~~إلى متولي تلك الناحية خليفة أحمد بن محمد بن كشمرد، فسأله عن خبره، فأعلمه ~~أن صاحب الشامة خلف رابية هناك مع ثلاثة نفر، فمضى إليهم وأخذهم، وأحضرهم ~~عند ابن كشمرد، فوجه بهم إلى المكتفي بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن ~~قتلوا وأسروا، وكان أكثر الناس أثرا في الحرب الحسين بن حمدان، وكتب محمد ~~بن سليمان يثني عليه وعلى بني شيبان، فإنهم اصطلوا # PageV06P538 # الحرب، وهزموا القرامطة، وأكثروا القتل فيهم والأسر، حتى لم ينج منهم إلا ~~قليل. # وفي يوم الاثنين لأربع بقين من المحرم أدخل صاحب الشامة الرقة ظاهرا ~~للناس على فالج، وهو الجمل ذو السنامين، وبين يديه المدثر والمطوق ; وسار ~~المكتفي إلى بغداذ ومعه صاحب الشامة، وأصحابه، وخلف العساكر مع محمد بن ~~سليمان، وأدخل القرمطي بغداذ على فيل، وأصحابه على الجمل، ثم أمر المكتفي ~~بحبسهم إلى أن يقدم محمد بن سليمان، فقدم بغداذ، وقد استقصى في طلب ~~القرامطة، فظفر بجماعة من أعيانهم ورءوسهم، فأمر المكتفي بقطع أيديهم، ~~وأرجلهم، وضرب أعناقهم بعد ذلك، وأخرجوا من الحبس، وفعل بهم ms2672 ذلك، وضرب صاحب ~~الشامة مائتي سوط، وقطعت يداه، وكوي، فغشي عليه، وأخذوا خشبا وجعلوا فيه ~~نارا، ووضعوه على خواصره، فجعل يفتح عينه ويغمضها، فلما خافوا موته ضربوا ~~عنقه، ورفعوا رأسه على خشبة، فكبر الناس لذلك، ونصب على الجسر. # وفيها قدم رجل من بني العليص من وجوه القرامطة، يسمى إسماعيل بن النعمان، ~~وكان نجا في جماعة لم ينج من رؤسائهم غيره، فكاتبه المكتفي وبذل له الأمان، ~~فحضر في الأمان هو ونيف (ومائة) وستون نفسا، فأمنوا وأحسن إليهم، ووصلوا ~~بمال، وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، وهي من عمله، ~~فأقاموا معه مدة، ثم أرادوا الغدر بالقاسم، وعزموا على أن يثبوا بالرحبة ~~يوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة، وكان قد صار معهم جماعة كبيرة، فعلم ~~بذلك، فقتلهم، فارتدع من كان بقي من موالي بني العليص، وذلوا، وألزموا ~~السماوة، حتى جاءهم كتاب من الخبيث زكرويه يعلمهم أنه مما أوحي إليه أن ~~صاحب الشامة، وأخاه المعروف بالشيخ يقتلان، وأن إمامه الذي هو حي يظهر ~~بعدهما ويظفر. # PageV06P539 # ذكر عدة حوادث # وفيها جاءت أخبار أن حوى وما يليها جاءها سيل فغرق نحو من ثلاثين فرسخا، ~~وغرق خلق كثير، وغرقت المواشي والغلات، وخربت القرى، وأخرج من الغرقى ألف ~~ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم. # وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش، وعلى جماعة من القواد ~~وأمرهم بالمسير إلى الشام، ومصر لأخذ الأعمال من هارون بن خمارويه، لما ظهر ~~من عجزه، وذهاب رجاله بقتل القرمطي، فسار عن بغداذ في رجب وهو في عشرة آلاف ~~رجل، وجد في السير. # وفيها خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى وراء النهر، وكان في عسكرهم ~~سبعمائة قبة تركية، ولا يكون إلا للرؤساء منهم، فوجه إليهم إسماعيل بن أحمد ~~جيشا كثيرا، وتبعهم من المتطوعة خلق كثير، فساروا نحو الترك، فوصلوا إليهم ~~وهم غارون، فكبسهم المسلمون مع الصبح، فقتلوا منهم خلقا عظيما لا يحصون، ~~وانهزم الباقون، استبيح عسكرهم، وعاد المسلمون سالمين غانمين. # وفيها خرج من الروم عشرة ms2673 صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور، فقصد ~~جماعة منهم إلى الحدث، فأغاروا، وسبوا، وأحرقوا. # وفيها سار المعروف بغلام زرافة من طرسوس نحو بلاد الروم، ففتح مدينة # PageV06P540 # أنطالية، وهي تعادل القسطنطينية، فتحها بالسيف عنوة، فقتل خمسة آلاف رجل ~~وأسر مثلهم، واستنفذ من الأسارى خمسة آلاف، وأخذ لهم ستين مركبا فحمل فيها ~~ما غنم لهم من الأموال والمتاع، والرقيق، وقدر نصيب كل رجل ألف دينار، وهذه ~~المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمون بذلك. # PageV06P541 # وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس. # [الوفيات] # وفيها توفي القاسم بن عبيد الله، وزير الخليفة، في ذي القعدة، وكان عمره ~~اثنين وثلاثين سنة وسبعة أشهر، واثنين وعشرين يوما، ولما مات قال ابن سيار: # أمات ليحيا، فما إن حيي # وأفنى ليبقى، فما إن بقي ... وما زال في كل يوم يرى # أمارة حتف وشيك وحي ... ومازال يسلح من دبره إلى # أن خري النفس فيما خري # وفيها مات أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن الماستواي ~~الفقيه بنيسابور. # (ومحمد بن محمد الجزوعي) ، قاضي الموصل ببغداذ. # (وفيها توفي أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني النحوي، وكان عالما بنحو ~~الكوفيين، كان موته ببغداذ) . # PageV06P542 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين] ### | 292 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين # ذكر استلاء المكتفي على الشام، ومصر وانقراض ملك الطولونية # وفي المحرم منها سار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه ~~بن أحمد بن طولون. # وسبب ذلك أن محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي، وعاد عن محاربة ~~القرامطة، واستقصى محمد في طلبهم، فلما بلغ ما أراد عزم على العود إلى ~~العراق، فأتاه كتاب بدر الحمامي غلام ابن طولون، وكتاب فائق، وهما بدمشق، ~~يدعوانه إلى قصد البلاد بالعساكر ليساعداه على أخذها، فلما عاد إلى بغداذ ~~أنهى ذلك إلى المكتفي، فأمره بالعود، وسير معه الجنود، والأموال. # ووجه المكتفي دميانة غلام يازمان، وأمره بركوب البحر إلى مصر، ودخول ~~النيل، وقطع المواد عن مصر، ففعل، وضيق عليهم. # وزحف ms2674 إليهم محمد بن سليمان في الجيوش، في البر، حتى دنا من مصر، وكاتب من ~~بها من القواد ; وكان أول من خرج إليه بدر الحمامي، وكان رئيسهم، فكسرهم ~~ذلك، وتتابع المستأمنة من قواد المصريين، فلما رأى ذلك هارون خرج فيمن معه ~~لقتال # PageV06P543 # محمد بن سليمان، فكانت بينهم وقعات، ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض ~~الأيام عصبية، فاقتتلوا، فخرج هارون يسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمزراق معه ~~فقتله، فلما قتل قام عمه شيبان بالأمر من بعده، وبذل المال للجند، فأطلقوه ~~وقاتلوا معه، فأتتهم كتب بدر يدعوهم إلى الأمان، فأجابوه إلى ذلك. # فلما علم محمد بن سليمان الخبر سار إلى مصر، فأرسل إليه شيبان يطلب ~~الأمان، فأجابه، فخرج إليه ليلا، لم يعلم به أحد من الجند، فلما أصبحوا ~~قصدوا داره، ولم يجدوه، فبقوا حيارى، لما وصل محمد مصر دخلها، واستولى على ~~دور آل طولون، وأموالهم، وأخذهم جميعا، وهم بضعة عشر رجلا، فقيدهم، وحبسهم، ~~واستقصى أموالهم، (وكان ذلك في صفر) ، وكتب بالفتح إلى المكتفي، فأمر ~~بإشخاص آل طولون وأسبابهم من مصر والشام إلى بغداذ، لا يترك منهم أحدا، ~~ففعل ذلك، وعاد إلى بغداذ، وولى معونة مصر عيسى النوشري. # ثم ظهر بمصر إنسان يعرف بالخلنجي، وهو من قوادهم، وكان تخلف عن محمد بن ~~سليمان، فاستمال جماعة، وخالف على السلطان، وكثر جمعه، وعجز النوشري (عنه، ~~فسار) إلى الإسكندرية، ودخل إبراهيم الخلنجي مصر، وكتب النوشري إلى المكتفي ~~بالخبر، فسير إليه الجنود مع فاتك مولى المعتضد، وبدر الحمامي، فساروا في ~~شوال نحو مصر. # PageV06P544 # ذكر عدة حوادث # وفيها أخذ بالبصرة رجل ذكروا أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده وتسعة ~~وثلاثون رجلا، وحملوا إلى بغداد، فكانوا يبكون، ويستغيثون، ويحلفون أنهم ~~برآء، فأمر بهم المكتفي فحبسوا. # وفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ونواحيها، فنفر أهل المصيصة وأهل ~~طرسوس فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين، فعزل الخليفة ~~أبا العشائر عن الثغور، واستعمل عليهم رستم بن بردوا. # وفيها كان الفداء على يد رستم، فكان جملة من فودي به من ms2675 المسلمين ألف نفس ~~(ومائتي نفس) . # وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عباس بن محمد. # وفيها زادت دجلة زيادة مفرطة، حتى تهدمت الدور التي على شاطئها بالعراق. # وفيها في العشرين من أيار، طلع كوكب له ذنب عظيم جدا في برج الجوزاء. # وفيها وقع الحريق ببغداذ بباب الطاق من الجانب الشرقي إلى طرق الصفارين، ~~فاحترق ألف دكان مملوءة متاعا للتجار. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، ويقال الكشي. # PageV06P545 # وفيها توفي القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حازم، قاضي المعتضد ~~بالله، ببغداذ، وكان من أفاضل القضاة. # PageV06P546 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين] ### | 293 - # ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين # ذكر إمارة بني حمدان بالموصل وما فعلوه بالأكراد # في هذه السنة ولى المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان بن حمدون التغلبي العدوي، فسار إليها، فقدمها أول المحرم، فأقام بها ~~يومه، وخرج من الغد (لعرض الرجال) الذين قدموا معه، والذين بالموصل، فأتاه ~~الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية، ومقدمهم محمد بن بلال، قد أغاروا ~~على البلد، وغنموا كثيرا منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، ~~فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه، فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما ~~الحمداني، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة، فأتته النجدة بعد ~~شهور كثيرة، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين. # ففي ربيع الأول منها سار فيمن معه إلى الهذبانية، وكانوا قد اجتمعوا في ~~خمسة آلاف بيت، فلما رأوا جده (في طلبهم) ساروا إلى البابة التي في جبل ~~السلق، وهو مضيق في جبل عال مشرف على شهرزور، فامتنعوا [بها] وأغار مقدمهم ~~محمد بن بلال، وقرب من ابن حمدان، وراسله في أن يطيعه ويحضر هو وأولاده، ~~ويجعلهم عنده يكونون رهينة، ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك، فرجع محمد ~~ليأتي بمن ذكر، فحث أصحابه على المسير نحو أذربيجان، وإنما أراد في الذي ~~فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد في الطلب ليأخذ (أصحابه أهبتهم ms2676 ويسيروا ~~آمنين. # PageV06P547 # فلما تأخر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده، فجرد معه جماعة من جملتهم) ~~إخوته سليمان، وداود، وسعيد وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي ~~جاءته من الخليفة أن يسيروا معه، فتثبطوا، فتركهم وسار يقفو أثرهم، فلحقهم ~~وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، (وصعدوا ذروة) ~~الجبل، وانصرف ابن حمدان عنهم. # ولحق الأكراد بأذربيجان، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة ~~والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل ~~السلق، وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد، فدخله ابن حمدان، والجواسيس بين ~~يديه، خوفا من كمين يكون فيه، وتقدم من بين يدي أصحابه، وهم يتبعونه، فلم ~~يتخلف منهم أحد، وجاوزوا الجبل، وقاربوا الأكراد، وسقط عليهم الثلج، واشتد ~~البرد، وقلت الميرة والعلف عندهم، وأقام على ذلك عشرة أيام، وبلغ الحمل ~~[من] التبن ثلاثين درهما، ثم عدم عندهم وهو صابر. # فلما رأى الأكراد صبرهم وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال ~~وأولاده ومن لحق به، واستولى ابن حمدان على بيوتهم، وسوادهم، وأهلهم، ~~وأموالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم، وأبقى عليهم، وردهم إلى بلد حزة، ورد ~~عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل منهم غير رجل واحد، وهو الذي قتل صاحبه ~~سيما الحمداني، وأمنت البلاد معه، وأحسن السيرة في أهلها. # ثم إن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمنه، وحضر عنده، وأقام ~~بالموصل، وتتابع الأكراد الحميدية، وأهل جبل داسن إليه بالأمان، فأمنت ~~البلاد واستقامت. # PageV06P548 # ذكر الظفر بالخلنجي # في هذه السنة، في صفر، وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر، وتقدم أحمد بن ~~كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح ~~هزيمة، فندب جماعة من القواد إليهم ببغداذ، وفيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا ~~في ربيع الأول وساروا نحو مصر. # واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي، فبرز المكتفي إلى باب الشماسية ليسير إلى ~~مصر في رجب، فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى ~~الخلنجي، وكانت بينهم حروب كثيرة قتل بينهم ms2677 فيها خلق كثير، فإن آخر حرب ~~كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخلنجي، وانهزم الباقون، وظفروا بهم، ~~وغنموا عسكرهم، وهرب الخلنجي، فدخل فسطاط مصر، فاستتر بها عند رجل من أهل ~~البلد، فدخلنا المدينة، فدلونا عليه، فأخذناه ومن استتر عنده، وهم في ~~الحبس. # فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى بغداذ، وعاد المكتفي ~~فدخل بغداذ، وأمر برد خزائنه، وكانت قد بلغت تكريت، فوجه فاتك الخلنجي إلى ~~بغداذ، فدخلها هو ومن معه في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم. # ذكر أمر القرامطة # فيها أنفذ زكرويه بن مهرويه، بعد قتل صاحب الشامة، رجلا كان يعلم الصبيان ~~بالرافوفة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فسمي نصرا، ~~وقيل كان المنفذ ابن زكرويه، فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم ~~إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد، إلا رجلا من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال، ~~واستقوى بطوائف من الأصبغيين المنتمين إلى الفواطم، وغيرهم من العليصيين، ~~وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، والعامل بدمشق والأردن أحمد ~~بن كيغلغ، وهو بمصر يحارب الخلنجي، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد، وسار إلى ~~بصرى # PageV06P549 # وأذرعات والبثنية، فحارب أهلها، ثم أمنهم، فلما استسلموا إليه قتل ~~مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم. # ثم قصد دمشق، فخرج إليهم نائب ابن كيغلغ، وهو صالح بن الفضل، فهزمه ~~القرامطة، وأثخنوا فيهم، ثم [أمنوهم] وغدروهم بالأمان، وقتلوا صالحا، وفضوا ~~عسكره، وساروا إلى دمشق، فمنعهم أهلها، فقصدوا طبرية، وانضاف إليه جماعة من ~~جند دمشق افتتنوا به، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي، وهو خليفة أحمد ~~بن كيغلغ بالأردن، فهزموه، وبذلوا له الأمان، وغدروا به، وقتلوه، ونهبوا ~~طبرية، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها وسبوا النساء. # فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم، فوردوا دمشق، ~~فلما علم بهم القرامطة رجعوا نحو السماوة، وتبعهم الحسين في السماوة وهم ~~ينتقلون في المياه ويغورونها، حتى لجئوا إلى ماءين يعرف أحدهما بالدمعانة، ~~والآخر بالحبالة. # وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، وعاد إلى ms2678 الرحبة، وأسرى القرامطة مع ~~نصر إلى هيت وأهلها غافلون، فنهبوا ربضها، وامتنع أهل المدينة بسورهم، ~~ونهبوا السفن، وقتلوا من أهل المدينة مائتي نفس، ونهبوا الأموال والمتاع، ~~وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة. # وبلغ الخبر إلى المكتفي فسير محمد بن إسحاق بن كنداج، فلم يقيموا لمحمد، ~~ورجعوا إلى الماءين فنهض محمد خلفهم، فوجدهم قد غوروا المياه، فأنفذ إليه ~~من بغداذ الأزواد والدواب، وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرحبة ~~ليجتمع هو ومحمد على الإيقاع بهم، ففعل ذلك. # فلما أحس الكلبيون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه، قتله رجل منهم ~~يقال له الذئب بن القائم، وسار برأسه إلى المكتفي متقربا بذلك، مستأمنا، ~~فأجيب إلى ذلك، وأجيز بجائزة سنية، وأمر بالكف عن قومه. # PageV06P550 # واقتتلت القرامطة بعد نصر حتى صارت بينهم الدماء، وسارت فرقة كرهت أمورهم ~~إلى بني أسد بنواحي عين التمر، واعتذروا إلى الخليفة، فقبل عذرهم، وبقي على ~~الماءين بقيتهم ممن له بصيرة في دينه، فكتب الخليفة إلى ابن حمدان يأمره ~~بمعاودتهم، واجتثاث أصلهم، فأرسل إليهم زكرويه بن مهرويه داعية له يسمى ~~القاسم بن أحمد، ويعرف بأبي محمد، وأعلمهم أن فعل الذئب قد نفره منهم، ~~وأنهم قد ارتدوا عن الدين، وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له من أهل ~~الكوفة أربعون ألفا، وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في شأن موسى صلى الله ~~عليه وسلم وعدوه فرعون إذ {قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى} [طه: ~~59] ، ويأمرهم أن يفوا أمرهم، وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة يوم النحر سنة ~~ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منها، وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعده ~~الذي يعدهم إياه، وأن يحملوا إليه القاسم بن أحمد. # فامتثلوا رأيه، ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن مصلاهم، وعاملهم ~~إسحاق بن عمران، ووصلوها في ثمانمائة فارس عليهم الدروع، والجواشن، والآلات ~~الحسنة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد قبة، وقالوا هذا أثر رسول الله، ~~ونادوا: يا لثارات الحسين، يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداذ، ~~وشعارهم: يا أحمد، يا ms2679 محمد، يعنون ابني زكرويه المقتولين، فأظهروا الأعلام ~~البيض، وأرادوا استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك، فلم يمل إليهم أحد، فأوقع ~~القرامطة بمن لحقوه من أهل الكوفة، وقتلوا نحوا من عشرين نفسا. # وبادر الناس الكوفة، وأخذوا السلاح، ونهض بهم إسحاق، ودخل مدينة الكوفة ~~من القرامطة مائة فارس، فقتل منهم عشرون نفسا، وأخرجوا عنها، وظهر إسحاق، ~~وحاربهم إلى العصر، ثم انصرفوا نحو القادسية، وكان فيمن يقاتلهم مع إسحاق ~~جماعة من الطالبية. # وكتب إسحاق إلى الخليفة يستمده، فأمده بجماعة من قواده، منهم: وصيف بن ~~صوارتكين التركي، والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشيني، ورائق ~~الخزري، مولى أمير المؤمنين، وغيرهم من الغلمان الحجرية، فساروا منتصف # PageV06P551 # ذي الحجة حتى قاربوا القادسية فنزلوا بالصوان، فلقيهم زكرويه. # وأما القرامطة فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعا ~~فيه سنين كثيرة، بقرية الدرية، وكان على الجب باب حديد محكم العمل، وكان ~~زكرويه إذا خاف الطلب جعل تنورا هناك على باب الجب، وقامت امرأة تسجره، فلا ~~يفطن إليه، وكان ربما أخفي في بيت خلف باب الدار التي كان بها ساكنا، فإذا ~~انفتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل الدار فلا يرى شيئا، ~~فلما استخرجوه حملوه على أيديهم، وسموه ولي الله، ولما رأوه سجدوا له، وحضر ~~معه جماعة من دعاته وخاصته، وأعلمهم أن القاسم بن أحمد (من) أعظم الناس ~~عليهم ذمة ومنة، وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم عنه، وأنهم إن امتثلوا ~~أوامره أنجز موعدهم، وبلغوا آمالهم، ورمز لهم رموزا ذكر فيها آيات من ~~القرآن نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، فاعترف له من رسخ حب الكفر في قلبه ~~أنه رئيسهم وكهفهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل. # وسار بهم وهو محجوب يدعونه السيد ولا يبرزونه، والقاسم يتولى الأمور، ~~وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام بسقي الفرات عدة أيام، فلم ~~يصل إليه منهم إلا خمسمائة رجل، ثم وافته الجنود المذكورة من عند الخليفة، ~~فلقيهم زكرويه بالصوان، وقاتلهم واشتدت الحرب بينهم، وكانت الهزيمة أول ~~النهار على القرامطة ms2680 وكان زكرويه قد كمن لهم كمينا من خلفهم، فلم يشعر ~~أصحاب الخليفة إلا والسيف فيهم من ورائهم، فانهزموا أقبح هزيمة، ووضع ~~القرامطة السيف فيهم، فقتلوهم كيف شاءوا، وغنموا سوادهم، ولم يسلم من أصحاب ~~الخليفة إلا من دابته قوية، أو من أثخن بالجراح، فوضع نفسه بين القتلى، ~~فتحاملوا بعد ذلك. # وأخذ للخليفة في هذا العسكر أكثر من ثلاثمائة جمازة عليها المال والسلاح، ~~وخمسمائة بغل، وقتل من أصحاب الخليفة، سوى الغلمان، ألف وخمسمائة رجل، وقوي ~~القرامطة بما غنموا. # PageV06P552 # ولما ورد خبر هذه الوقعة إلى بغداذ أعظمها الخليفة والناس، وندب إلى ~~القرامطة محمد بن إسحاق بن كنداج، وضم إليه من الأعراب بني شيبان وغيرهم ~~أكثر من ألفي رجل، وأعطاهم الأرزاق، ورحل زكرويه من مكانه إلى نهر المثنية ~~لنتن القتلى. # ذكر عدة حوادث # وفيها، في ربيع الآخر، قدم إلى بغداذ قائد من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو ~~بن الليث مستأمنا، ويعرف بأبي قابوس. # وسبب ذلك أن طاهرا تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سجستان للصيد والتنزه، ~~فغلب على الأمر بفارس الليث بن علي بن الليث، وسبكري مولى عمرو بن الليث، ~~فوقع بينهما وبين هذا القائد تباعد، ففارقهم، ووصل إلى بغداذ، فخلع عليه ~~الخليفة، وأحسن إليه، فكتب طاهر بن محمد يسأل رد أبي قابوس، ويذكر أنه جبى ~~المال وأخذه، ويقول له: إما أن ترد إليه، أو تحتسب له بما ذهب معه من المال ~~من جملة القرار الذي عليه، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك. # وفيها صارت الداعية التي للقرامطة باليمن إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلها، ~~فظفر بهم وقتلهم، فلم يفلت إلا اليسير، وتغلب على سائر مدن اليمن، ثم اجتمع ~~أهل صنعاء وغيرها، فحاربوا الداعية، فهزموه فانحاز إلى موضع من نواحي ~~اليمن، وبلغ الخبر الخليفة، فخلع على المظفر بن حاج في شوال، وسيره إلى ~~عمله باليمن، وأقام بها إلى أن مات. # وفيها أغارت الروم على قورس، من أعمال حلب، فقاتلهم أهلها قتالا شديدا، ~~ثم انهزموا، وقتلوا (أكثرهم، وقتلوا رؤساء بني تميم) # PageV06P553 # ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعها، وساقوا ms2681 من بقي من أهلها. # وفيها افتتح إسماعيل بن أحمد الساماني، ملك ما وراء النهر مواضع من بلاد ~~الترك ومن بلاد الديلم. # وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي نصر بن أحمد الحافظ في رمضان، وأبو العباس عبد الله بن محمد ~~الناشي الشاعر الكاتب الأنباري. # PageV06P554 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين] ### | 294 - # ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين # ذكر أخبار القرامطة وأخذهم الحاج # في هذه السنة، في المحرم، ارتحل زكرويه من نهر المثنية يريد الحاج، فبلغ ~~السلمان، وأقام ينتظرهم، فبلغت القافلة الأولى واقصة سابع المحرم، فأنذرهم ~~أهلها وأخبروهم بقرب القرامطة، فارتحلوا لساعتهم. # وسار القرامطة إلى واقصة، فسألوا أهلها عن الحاج، فأخبروهم أنهم ساروا، ~~فاتهمهم زكرويه، فقتل العلافة، وأحرق العلف، وتحصن أهل واقصة في حصنهم، ~~فحصرهم أياما، ثم ارتحل عنهم نحو زبالة، وأغار في طريقه على جماعة من بني ~~أسد. # ووصلت العساكر المنفذة من بغداذ إلى عيون الطف، فبلغهم مسير زكرويه من ~~السلمان، فانصرفوا، وسار علان بن كشمرد جريدة، فنزل واقصة بعد أن جازت ~~القافلة الأولى. # ولقي زكرويه القرمطي قافلة الخراسانية بعقبة الشيطان راجعين من مكة، ~~فحاربهم حربا شديدة، فلما رأى شدة حربهم سألهم: هل فيكم نائب للسلطان؟ ~~فقالوا: ما معنا أحد، قال: فلست أريدكم. # فاطمأنوا وساروا، فلما ساروا أوقع بهم، وقتلهم عن آخرهم، ولم ينج إلا ~~الشريد، وسبوا من النساء ما أرادوا، وقتلوا منهن. # PageV06P555 # ولقي بعض المنهزمين علان بن كشمرد، فأخبروه خبرهم، وقالوا له: ما بينك ~~وبينهم إلا القليل، ولو رأوك لقويت نفوسهم، فالله الله فيهم! فقال: لا أعرض ~~أصحاب السلطان للقتل، ورجع هو وأصحابه. # وكتب من نجا من الحجاج من هذه القافلة الثانية إلى رؤساء القافلة الثالثة ~~من الحجاج يعلمونهم ما جرى من القرامطة، ويأمرونهم بالتحذر، والعدول عن ~~الجادة نحو واسط والبصرة، والرجوع إلى فيد والمدينة إلى أن تأتيهم جيوش ~~السلطان، فلم يسمعوا، ولم يقيموا. # وسارت القرامطة من العقبة بعد أخذ الحاج، وقد طموا الآبار والبرك بالجيف، ~~والتراب، بواقصة، والثعلبية، والعقبة، وغيرها من المناهل في جميع طريقهم. ms2682 # وأقام [زكرويه] بالهبير ينتظر القافلة الثالثة، فساروا فصادفوه هناك، ~~فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيام، وهم على غير ماء، فاستسلموا لشدة العطش، فوضع ~~فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم، وجمع القتلى كالتل، وأرسل خلف المنهزمين من ~~يبذل لهم الأمان، فلما رجعوا قتلهم، وكان في القتلى مبارك القمي، وولده أبو ~~العشائر بن حمدان. # وكان نساء القرامطة يطفن بالماء بين القتلى يعرضن عليهم الماء، فمن كلمهن ~~قتلنه، فقيل إن عدة القتلى بلغت عشرين ألفا، ولم ينج إلا من كان بين القتلى ~~فلم يفطن له فنجا بعد ذلك، ومن هرب عند اشتغال القرامطة بالقتل والنهب، ~~فكان من مات من هؤلاء أكثر ممن سلم ومن استعبدوه، وكان مبلغ ما أخذوه من ~~هذه القافلة ألفي ألف دينار. # وكان في جملة ما أخذوا فيها أموال الطولونية وأسبابهم، فإنهم لما عزموا ~~على الانتقال من مصر إلى بغداذ خافوا أن يستصحبوها فتؤخذ منهم، فعملوا ~~الذهب والنقرة سبائك، وجعلوها في حدائج الجمال، وجميع ما لهم من الحلي ~~والجوهر، وسيروا الجميع إلى مكة سرا، وسار من مكة في هذه القافلة فأخذت. # وبث زكرويه الطلائع خوفا من عسكر الخليفة الذي كان بالقادسية، وأقام ~~ينتظر وصول من كان في الحج من عسكر الخليفة وأصحابه، فكانوا بفيد ينتظرون ~~هل تعرض القرامطة للحاج أم لا، فكان معهم جماعة من التجار أرباب الأموال، ~~فلما بلغهم ما صنع القرامطة أقاموا ينتظرون وصول عسكر من عند الخليفة، فسار ~~زكرويه إليهم # PageV06P556 # وغور الآبار، والمصانع، والمياه إلى فيد، فاحتمى أهل فيد ومن بها من ~~الحجاج بالحصنين اللذين بفيد وحصرهم فيهما القرامطة، وأرسل زكرويه إلى أهل ~~فيد يأمرهم بإخراجهم أو بتسليم الحصنين إليه، وبذل لهم الأمان على ذلك، فلم ~~يجيبوه، فتهددهم بالنهب والقتل، فازداد امتناعهم، وأقام عليهم عدة أيام، ثم ~~سار إلى النباج ثم إلى حفير أبي موسى. # ذكر قتل زكرويه لعنه الله # لما فعل زكرويه بالحجاج ما ذكرناه عظم ذلك على الخليفة خاصة، وعلى جميع ~~المسلمين عامة، فجهز المكتفي الجيوش، فلما كان أول ربيع الأول سير وصيف بن ~~صوارتكين مع جماعة من ms2683 القواد والعساكر إلى القرامطة، فسار على طريق حفان، ~~فلقيهم زكرويه، ومن معه من القرامطة، ثامن ربيع الأول، فاقتتلوا يومهم، (ثم ~~حجز بينهم الليل، وباتوا يتحارسون، ثم بكروا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا) ~~، فقتل من القرامطة مقتلة عظيمة. # ووصل عسكر الخليفة إلى عدو الله زكرويه، فضربه بعض الجند وهو مول بالسيف ~~على رأسه، فبلغت الضربة دماغه، وأخذه أسيرا، وأخذ خليفته وجماعة من خواصه ~~وأقربائه، وفيهم ابنه، وكاتبه، وزوجته، واحتوى الجند على ما في العسكر. # وعاش زكرويه خمسة أيام ومات، فسيرت جيفته والأسرى إلى بغداذ، وانهزم ~~جماعة من أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم الحسين بن حمدان، فقتلوهم جميعا، ~~وأخذوا جماعة من النساء والصبيان، وحمل رأس زكرويه إلى خراسان، لئلا ينقطع ~~الحجاج، وأخذ الأعراب رجلين من أصحاب زكرويه يعرف أحدهما بالحداد، والآخر ~~بالمنتقم، وهو أخو امرأة زكرويه، كانا قد سارا إليهم يدعوانهم إلى الخروج ~~معهم، فلما # PageV06P557 # أخذوهما سيروهما إلى بغداذ، وتتبع الخليفة القرامطة بالعراق، فقتل بعضهم، ~~وحبس بعضهم، ومات بعضهم في الحبس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا ابن كيغلغ الروم من طرسوس، فأصاب من الروم أربعة آلاف ~~رأس سبي ودواب ومتاعا، ودخل بطريق من بطارقة الروم في الأمان وأسلم. # وفيها غزا ابن كيغلغ فبلغ شكند، وافتتح الله عليه، وسار إلى الليس، ~~فغنموا نحوا من خمسين ألف رأس، وقتلوا مقتلة عظيمة من الروم، وانصرفوا ~~سالمين. # وكاتب أندرونقس البطريق المكتفي بالله يطلب منه الأمان، وكان على حرب أهل ~~الثغور من قبل ملك الروم، فأعطاه المكتفي ما طلب، فخرج ومعه مائتا أسير من ~~المسلمين كانوا في حصنه، وكان ملك الروم قد أرسل للقبض عليه، فأعطى ~~المسلمين سلاحا وخرجوا معه، فقبضوا على الذي أرسله ملك الروم ليقبض عليه ~~ليلا، فقتلوا ممن معه خلقا كثيرا، وغنموا ما في عسكرهم، فاجتمعت الروم على ~~أندرونقس ليحاربوه، فسار إليهم جمع من المسلمين ليخلصوه ومن معه من أسرى ~~المسلمين، فبلغوا قونية، فبلغ الخبر إلى الروم، فانصرفوا عنه، وسار جماعة ~~من ذلك العسكر إلى أندرونقس، وهو بحصنه، فخرج ومعه أهله وماله إليهم، ms2684 وسار ~~معهم إلى بغداذ، وأخرب المسلمون قونية، فأرسل ملك الروم إلى الخليفة ~~المكتفي فطلب الفداء. # PageV06P558 # وفيها ظهر بالشام رجل يدعي أنه السفياني، فأخذ وحمل إلى بغداذ فقيل إنه ~~موسوس. # وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وبين أعراب من بني كلب، وطي، ~~واليمن، وأسد، وغيرهم. # وفيها حاصر أعراب طي وصيف بن صوارتكين بفيد، وقد سيره المكتفي أميرا على ~~الموسم، فحصروه ثلاثة أيام، ثم خرج فواقعهم، فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت ~~الأعراب ورحل وصيف بمن معه، وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الله ~~الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي صالح بن محمد الحافظ الملقب بجزرة البغداذي، وأبو عبيد الله ~~محمد بن نصر المروزي، الفقيه الشافعي، وكان موته بسمرقند، وله تصانيف ~~كثيرة. # وفيها قتل محمد بن إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه بطريق مكة، قتله ~~القرامطة حين أخذوا الحاج. # PageV06P559 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين] ### | 295 - # ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين # ذكر وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني وولاية ابنه أحمد # في هذه السنة، منتصف صفر، توفي إسماعيل بن أحمد أمير خراسان وما وراء ~~النهر، ببخارى، وكان يلقب بعد موته بالماضي، وولي بعده ابنه أبو نصر أحمد، ~~وأرسل إليه المكتفي عهده بالولاية، وعقد لواءه بيده. # وكان إسماعيل عاقلا، عادلا، حسن السيرة في رعيته، حليما، حكي عنه أنه كان ~~لولده أحمد مؤدب يؤدبه، فمر به الأمير إسماعيل يوما، والمؤدب لا يعلم به، ~~فسمعه وهو يسب ابنه، ويقول له: لا بارك الله فيك، ولا فيمن ولدك! فدخل ~~إليه، وقال له: يا هذا، نحن لم نذنب ذنبا لتسبنا، فهل ترى أن تعفينا من ~~سبك، وتخص المذنب بشتمك وذمك؟ فارتاع المؤدب، فخرج إسماعيل عنه، وأمر له ~~بصلة جزاء لخوفه منه. # وقيل: جرى بين يديه ذكر الأنساب والأحساب فقال لبعض جلسائه: كن # PageV06P560 # عصاميا ولا تكن عظاميا، فلم يفهم مراده، فذكر له معنى ذلك. # وسأل يوما يحيى بن زكرياء النيسابوري فقال له: ما السبب في أن آل معاذ ~~لما زالت دولتهم بقيت عليهم نعمتهم بخراسان، مع سوء سيرتهم وظلمهم، ms2685 وأن آل ~~طاهر لما زالت دولتهم عن خراسان زالت معها نعمتهم مع عدلهم، وحسن سيرتهم، ~~ونظرهم لرعيتهم؟ فقال له يحيى: السبب في ذلك أن آل معاذ لما تغير أمرهم كان ~~الذي ولي البلاد بعدهم آل طاهر في عدلهم، وإنصافهم، واستعفافهم عن أموال ~~الناس، ورغبتهم في اصطناع أهل البيوتات، فقدموا آل معاذ وأكرموهم، وأن آل ~~طاهر لما زالت عنهم كان سلطان بلادهم آل الصفار في ظلمهم، وغشمهم، ~~ومعاداتهم لأهل البيوتات ومناصبتهم لأهل الشرف والنعم، فأتوا عليهم وأزالوا ~~نعمتهم. # فقال إسماعيل: لله درك يا يحيى، فقد شفيت صدري! وأمر له بصلة، # ولما ولي بعد أخيه كان يكاتب أصحابه وأصدقاءه بما كان يكاتبهم أولا، فقيل ~~له في ذلك، فقال: يجب علينا، إذا زادنا الله رفعة، أن لا ننقص إخواننا بل ~~نزيدهم رفعة، وعلا، وجاها، ليزيدوا لنا إخلاصا وشكرا. # ولما ولي بعده ابنه أبو نصر أحمد، واستوثق أمره، أراد الخروج إلى الري ~~فأشار # PageV06P561 # عليه إبراهيم بن زيدويه بالخروج إلى سمرقند والقبض على عمه إسحاق بن أحمد ~~لئلا يخرج عليه ويشغله، ففعل ذلك، واستدعى عمه إلى بخارى، فحضر فاعتقله ~~بها، ثم عبر إلى خراسان، فلما ورد نيسابور هرب بارس الكبير من جرجان إلى ~~بغداذ، خوفا منه. # وكان سبب خوفه أن الأمير إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان لما ~~أخذها من محمد بن زيد، ثم عزله عنها، واستعمل عليها بارس الكبير، على ما ~~ذكرناه، فاجتمع عند بارس أموال جمة من خراج الري، وطبرستان، وجرجان، فبلغت ~~ثمانين وقرا، فحملها إلى إسماعيل، فلما سارت عنه بلغه خبر موت إسماعيل، ~~فردها وأخذها، فلما سار إليه أحمد خافه، وكتب إلى المكتفي يستأذنه في ~~المصير إليه، فأذن له في ذلك، فسار إليه في أربعة آلاف فارس، فأرسل أحمد ~~خلفه عسكرا، فلم يدركوه، واجتاز الري، فتحصن بها نائب أحمد بن إسماعيل، ~~فسار (إلى بغداذ) ، فوصلها وقد مات المكتفي، وولي المقتدر بعده، (فأعجبه ~~المقتدر) . # وكان وصوله بعد حادثة ابن المعتز، فسيره المقتدر في عسكره إلى بني حمدان ~~وولاه ديار ربيعة، فخافه ms2686 أصحاب الخليفة أن يتقدم عليهم، فوضعوا عليه غلاما ~~له فسمه فمات، واستولى غلامه على ماله، وتزوج امرأته، وكان موته بالموصل. # ذكر وفاة المكتفي # في هذه السنة في ذي القعدة توفي أمير المؤمنين المكتفي بالله (أبو محمد ~~علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بن المتوكل) ، وكانت ~~خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة، ~~وقيل اثنتين وثلاثين سنة، وكان ربعا جميلا، رقيق البشرة، حسن الشعر، وافر ~~اللحية، (وكنيته # PageV06P562 # أبو محمد) وأمه أم ولد تركية، اسمها جيجك، وطال عليه مرضه عدة شهور، ولما ~~مات دفن بدار محمد بن طاهر، (رحمه الله) . # ذكر خلافة المقتدر بالله # وكان السبب في ولاية المقتدر بالله الخلافة، وهو أبو الفضل جعفر بن ~~المعتضد، أن المكتفي لما ثقل في مرضه أفكر الوزير حينئذ، وهو العباس بن ~~الحسن، فيمن يصلح للخلافة، وكان عادته أن يسايره، إذا ركب إلى دار الخلافة، ~~واحد من هؤلاء الأربعة الذين يتولون الدواوين، وهم: أبو عبد الله محمد بن ~~داود بن الجراح، وأبو الحسن محمد بن عبدان، وأبو الحسن علي بن محمد بن ~~الفرات، وأبو الحسن علي بن عيسى، فاستشار الوزير يوما محمد بن داود بن ~~الجراح في ذلك، فأشار بعبد الله بن المعتز، ووصفه بالعقل والأدب والرأي، ~~واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات، فقال: هذا شيء ما جرت به عادتي أشير ~~فيه، وإنما أشاور في العمال لا في الخلفاء، فغضب الوزير وقال: هذه مقاطعة ~~باردة، وليس يخفى عليك الصحيح. # وألح عليه، فقال: إن كان رأي الوزير قد استقر على أحد يعينه فليفعل، فعلم ~~أنه عنى ابن المعتز لاشتهار خبره، فقال الوزير: لا أقنع إلا أن تمحضني ~~النصيحة. فقال ابن الفرات: فليتق الله الوزير، ولا ينصب إلا من قد عرفه، ~~واطلع على جميع أحواله، ولا ينصب بخيلا فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم، ولا ~~طماعا فيشره في أموالهم، فيصادرهم ويأخذ أموالهم وأملاكهم، ولا قليل الدين ~~فلا يخاف العقوبة والآثام، ويرجو الثواب فيما يفعله، ولا يول من عرف نعمة ms2687 ~~هذا، وبستان هذا، وضيعة # PageV06P563 # هذا، وفرس هذا، ومن قد لقي الناس ولقوه، وعاملهم وعاملوه، ويتخيل، ويحسب ~~حساب نعم الناس، وعرف وجوه دخلهم وخرجهم. # فقال الوزير: صدقت ونصحت، فبمن تشير؟ قال: أصلح الموجود جعفر بن المعتضد، ~~قال: ويحك، هو صبي، قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد، ولم نأت برجل ~~كامل يباشر الأمور بنفسه، غير محتاج إلينا. # ثم إن الوزير استشار علي بن عيسى، فلم يسم أحدا، وقال: لكن ينبغي أن يتقي ~~الله، وينظر من يصلح للدين والدنيا، فمالت نفس الوزير إلى ما أشار إليه به ~~ابن الفرات، وانضاف إلى ذلك وصية المكتفي، فإنه أوصى، لما اشتد مرضه، ~~بتقليد أخيه جعفر الخلافة، # فلما مات المكتفي نصب الوزير جعفرا للخلافة، وعينه لها، وأرسل صافيا ~~الحرمي إليه ليحذره من دور آل طاهر بالجانب الغربي وكان يسكنها، فلما حطه ~~في الحراقة وحدره، وصارت الحراقة مقابل دار الوزير، صاح غلمان الوزير ~~بالملاح ليدخل إلى دار الوزير، فظن صافي الحرمي أن الوزير يريد القبض على ~~جعفر، وينصب في الخلافة غيره، فمنع الملاح من ذلك، وسار إلى دار الخلافة، ~~وأخذ له صافي البيعة على الخدم، وحاشية الدار، ولقب نفسه المقتدر بالله، ~~ولحق الوزير به وجماعة الكتاب فبايعوه، ثم جهزوا المكتفي ودفنوه بدار محمد ~~بن طاهر. # PageV06P564 # ولما بويع المقتدر كان في بيت المال، حين بويع، خمسة عشر ألف (ألف) ~~دينار، فأطلق يد الوزير في بيت المال فأخرج منه حق البيعة. # وكان مولد المقتدر ثامن رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وأمه أم ولد ~~يقال لها شغب، فلما بويع استصغره الوزير، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، ~~وكثر كلام الناس (فيه) ، فعزم على خلعه، وتقليد الخلافة أبا عبد الله محمد ~~بن المعتمد على الله، وكان حسن السيرة، (جميل الوجه) والفعل، فراسله في ~~ذلك، واستقر الحال، وانتظر الوزير قدوم بارس حاجب إسماعيل صاحب خراسان، ~~وكان قد أذن له في القدوم، كما ذكرناه، وأراد الوزير [أن] يستعين به على ~~ذلك، ويتقوى به على غلمان المعتضد، فتأخر بارس. # واتفق أنه وقع بين ms2688 أبي عبد الله بن المعتمد وبين ابن عمرويه، صاحب ~~الشرطة، (منازعة) في ضيعة مشتركة بينهما، فأغلظ ابن عمرويه، فغضب ابن ~~المعتمد غضبا شديدا، وأغمي عليه، وفلج في المجلس، فحمل إلى ثيته في محفة، ~~فمات في اليوم الثاني، فأراد الوزير البيعة لأبي الحسين بن المتوكل، فمات ~~أيضا بعد # PageV06P565 # خمسة أيام، وتم أمر المقتدر. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت وقعة بين نجح بن جاخ وبين الأجناد بمنى، ثاني عشر ذي ~~الحجة، فقتل منهم جماعة، لأنهم طلبوا جائزة بيعة المقتدر بالله، وهرب الناس ~~إلى بستان ابن عامر، وأصاب الحجاج في عودهم عطش عظيم (فمات) منهم جماعة. # (وحكي أن أحدهم كان يبول في كفه ثم يشربه) . # وفيها خرج عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن أصبهان إلى قرية من قراها ~~مخالفا للخليفة، واجتمع إليه نحو (من) عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم، فأمر ~~بدر الحمامي بالمسير إليه، فسار في خمسة آلاف من الجند، وأرسل إليه منصور ~~بن عبد الله بن منصور الكاتب يخوفه عاقبة الخلاف، فسار إليه وأدى (إليه) ~~الرسالة، فرجع إلى الطاعة، وسار إلى بغداذ، واستخلف على عمله بأصبهان، فرضي ~~عنه المكتفي بالله. # وفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طي، الذين كانوا حصروا وصيفا، ~~على غرة منهم، فقتل فيهم كثيرا، وأسر. # PageV06P566 # وفيها أوقع الحسن بن أحمد بالأكراد الذين تغلبوا على نواحي الموصل، فظفر ~~بهم، واستباحهم، ونهب أموالهم، وهرب رئيسهم إلى رءوس الجبال، فلم يدرك. # وفيها فتح المظفر بن جاخ بعض ما كان غلب عليه الخارجي باليمن، وأخذ رئيسا ~~من (رؤساء أصحابه) ، يعرف بالحكيمي. # وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان عدة من فودي به ~~من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس. # وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل بن مهران الجرجاني الإسماعيلي، ~~الفقيه (الشافعي) المحدث. # ومحمد بن أحمد بن (نصر أبو) جعفر الترمذي، الفقيه الشافعي، توفي ببغداذ. # وأبو الحسين أحمد بن محمد النوري شيخ الصوفية. # PageV06P567 # وتوفي الحسين بن عبد الله بن ms2689 أحمد أبو علي الخرقي، الفقيه الحنبلي، يوم ~~الفطر (الخرقي بالخاء المعجمة والقاف) ، وعبد الله بن أبي وارة. # PageV06P568 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين] ### | 296 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين # ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز # وفي هذه السنة اجتمع القواد، والقضاة، والكتاب، مع الوزير العباس بن ~~الحسن، على خلع المقتدر، والبيعة لابن المعتز، (وأرسلوا إلى ابن المعتز) في ~~ذلك، فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم، ولا حرب، فأخبروه باجتماعهم عليه، ~~وأنهم ليس لهم منازع ولا محارب. # وكان الرأس في ذلك العباس بن الحسن، ومحمد بن داود بن الجراح، وأبو ~~المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، ومن القواد الحسين بن حمدان، وبدر الأعجمي، ~~ووصيف بن صوارتكين. # ثم إن الوزير رأى أمره صالحا مع المقتدر، وأنه على ما يحب، فبدا له في ~~ذلك، فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولى قتله منهم الحسين بن حمدان، ~~وبدر الأعجمي، ووصيف، ولحقوه، وهو سائر إلى بستان له، فقتلوه في طريقه، ~~وقتلوا معه فاتكا المعتضدي، وذلك في العشرين من ربيع الأول، وخلع المقتدر ~~من الغد، وبايع الناس لابن المعتز. # وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظنا منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة، ~~فيقتله، فلم يصادفه، لأنه كان هناك، فبلغه قتل الوزير وفاتك، فركض دابته ~~فدخل الدار، وغلقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر. # PageV06P569 # وأحضروا ابن المعتز وبايعوه بالخلافة، وكان الذي يتولى أخذ البيعة له ~~محمد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس، والقواد، وأصحاب الدواوين، سوى أبي الحسن ~~بن الفرات، وخواص المقتدر، فإنهم لم يحضروا. # ولقب ابن المعتز المرتضي بالله، واستوزر محمد بن داود الجراح، وقلد علي ~~بن عيسى الدواوين، وكتبت الكتب إلى البلاد من أمير المؤمنين المرتضي بالله ~~أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله، ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال ~~إلى دار ابن طاهر التي كان مقيما فيها، لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه ~~بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى الليل. # وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة، فقاتله الخدم والغلمان ~~والرجالة من ms2690 وراء الستور عامة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار، فلما جنه ~~الليل سار عن بغداذ بأهله وماله وكل ما له إلى الموصل، لا يدري لم فعل ذلك، ~~ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغريب ~~الخال وحاشية الدار. # فلما هم المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من ~~غير أن نبلي عذرا، ونجتهد في دفع ما أصابنا، فأجمع رأيهم على أن يصعدوا في ~~الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتز بالحرم يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر ~~السلاح والزرديات وغير ذلك، وركبوا السميريات، وأصعدوا في الماء، فلما رآهم ~~من عند ابن المعتز هالهم كثرتهم، واضطربوا وهربوا على وجوههم من قبل أن ~~يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إن الحسن بن حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب ~~من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه. # PageV06P570 # ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب ومعه وزيره محمد بن داود وهربا، وغلام له ~~ينادي بين يديه: يا معشر العامة، ادعوا لخليفتكم السني البربهاري، وإنما ~~نسبت هذه النسبة لأن الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهاري كان مقدم ~~الحنابلة والسنة من العامة، ولهم فيها اعتقاد عظيم، فأراد استمالتهم بهذا ~~القول. # ثم إن ابن المعتز ومن معه ساروا نحو الصحراء، ظنا منهم أن من بايعه من ~~الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد، فكانوا عزموا أن يسيروا إلى سر من رأى ~~بمن يتبعهم من الجند، فيشتد سلطانهم، فلما رأوا أنهم لم يأتهم أحد رجعوا عن ~~ذلك الرأي، واختفى محمد بن داود (في داره) ونزل ابن المعتز عن (دابته) ومعه ~~غلامه يمن، وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصاص، فاستجار به، واستتر ~~أكثر من بايع ابن المعتز، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداذ، وثار ~~العيارون والسفل ينهبون الدور. # وكان ابن عمرويه، صاحب الشرطة، ممن بايع ابن المعتز، فلما هرب جمع ابن ~~عمرويه أصحابه، ونادى بشعار المقتدر، يدلس بذلك فناداه العامة: يا مرائي، ~~يا كذاب! وقاتلوه، فهرب واستتر، وتفرق أصحابه، فهجاه يحيى ms2691 بن علي بأبيات ~~منها: # بايعوه فلم يكن عند الأن ... وك إلا التغيير والتخبيط # PageV06P571 # رافضيون بايعوا أنصب الأ # مة هذا لعمري التخليط ... ثم ولى من زعقة ومحامو # ه ومن خلفهم لهم تضريط # وقلد المقتدر، تلك الساعة، الشرطة مؤنسا الخازن، وهو غير مؤنس الخادم، ~~وخرج بالعسكر، وقبض على وصيف بن صوارتكين وغيره، فقتلهم، وقبض على القاضي ~~أبي عمر، وعلي بن عيسى، والقاضي محمد بن خلف وكيع، ثم أطلقهم، وقبض على ~~القاضي المثنى أحمد بن يعقوب، فقتله لأنه قيل له: بايع المقتدر، فقال: لا ~~أبايع صبيا، فذبح. # وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن بن الفرات، وكان مختفيا، فأحضره، واستوزره، ~~وخلع عليه. # وكان في هذه الحادثة عجائب منها: أن الناس كلهم أجمعوا على خلع المقتدر ~~والبيعة لابن المعتز، فلم يتم ذلك، بل كان على العكس من إرادتهم، وكان أمر ~~الله مفعولا. # ومنها أن ابن حمدان، على شدة تشيعه وميله إلى علي، عليه السلام، وأهل ~~بيته، يسعى في البيعة لابن المعتز على انحرافه عن علي وغلوه في النصب إلى ~~غير ذلك. # ثم إن خادما لابن الجصاص، يعرف بسوسن، أخبر صافيا الحرمي بأن ابن المعتز ~~عند مولاه، ومعه جماعة، فكبست دار ابن الجصاص، وأخذ ابن المعتز منها، وحبس ~~إلى الليل، وعصرت خصيتاه حتى مات، ولف في كساء، وسلم إلى أهله. # وصودر ابن الجصاص على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز، وكان # PageV06P572 # مستترا، فقتل، ونفي علي بن عيسى إلى واسط، فأرسل إلى الوزير ابن الفرات ~~يطلب منه أن يأذن له في المسير إلى مكة، فأذن له في ذلك فسار إليها على ~~طريق البصرة وأقام بها. # وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسيرت العساكر من بغداذ في طلب ~~الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل، ثم إلى بلد فلم يظفروا به فعادوا إلى ~~بغداذ (فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن حمدان، وهو الأمير على الموصل، ~~يأمره بطلبه، فسار إليه إلى بلد، ففارقها الحسين إلى سنجار وأخوه في أثره، ~~فدخل البرية فتبعه أخوه عشرة أيام، ms2692 فأدركه فاقتتلوا فظفر أبو الهيجاء، وأسر ~~بعض أصحابه، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وعاد عنه إلى الموصل، ثم انحدر إلى ~~بغداذ، فلما كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين، فبيته، فقتل منهم قتلى، ~~وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداذ. # وأرسل الحسين إلى ابن الفرات، وزير المقتدر، يسأله الرضى عنه، فشفع فيه ~~إلى المقتدر بالله ليرضى عنه، وعن) إبراهيم بن كيغلغ، وابن عمرويه صاحب ~~الشرطة وغيرهم، (فرضي عنهم، ودخل الحسين بغداذ، فرد عليه أخوه ما أخذ منه، ~~وأقام الحسين ببغداذ إلى أن ولي قم فسار إليها) ، وأخذ الجرائد التي فيها ~~أسماء من أعان على المقتدر، فغرقها في دجلة. # وبسط ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للعباسيين والطالبيين، ~~وأرضى القواد بالأموال، ففرق معظم ما كان في بيوت الأموال. # ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط من مثلها ويفعل فيها مثل فعل صاحبها # كان سليمان بن الحسن بن مخلد متصلا بابن الفرات، وبينهما مودة وصداقة، ~~فوجد الوزير كتب البيعة لابن المعتز بخط سليمان لاتصال كان لمحمد بن داود ~~بن الجراح وقرابة بينهما، فلم يظهر عليها المقتدر، وأخفاها عنه، وأحسن ابن ~~الفرات إلى # PageV06P573 # سليمان، وقلده الأعمال، فسعى سليمان بابن الفرات إلى المقتدر، وكتب بخطه ~~مطالعة تتضمن ذكر أملاك الوزير وضياعه ومستغلاته وما يتعلق بأسبابه، وأخذ ~~الرقعة ليوصلها إلى المقتدر، فلم يتهيأ له ذلك. # وحضر دار الوزير وهي معه، وسقطت من كمه، فظفر بها بعض الكتاب فأوصلها إلى ~~الوزير، فلما قرأها قبض على سليمان، وجعله في زورق وأحضره إلى واسط، ووكل ~~به هناك، وصادره، ثم أراد العفو عنه، فكتب إليه: نظرت - أعزك الله - في حقك ~~علي وجرمك إلي، فرأيت الحق موفيا على الجرم، وتذكرت من سالف خدمتك ما عطفني ~~عليك، وثناني إليك وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، وأطلق له ~~عشرة آلاف درهم، وعفا عنه، واستعمله وأكرمه. # ذكر ولاية أبي مضر إفريقية وهربه إلى العراق وما كان من أمره # في هذه السنة، مستهل شهر رمضان، ولي أبو مضر زيادة الله بن (أبي العباس ~~بن) عبد الله ms2693 إفريقية، بعد قتل أبيه، فعكف على اللذات والشهوات وملازمة ~~الندماء والمضحكين، وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعية، وأرسل كتابا، (يوم ~~ولي) إلى عمه الأحول على لسان أبيه يستعجله (في القدوم عليه ويحثه على ~~السرعة، فسار مجدا ولم يعلم بقتل أبي العباس) ، فلما وصل قتله وقتل من قدر ~~عليه من أعمامه وإخوته. # واشتدت شوكة أبي عبد الله الشيعي في أيامه، وقوي أمره، وكان الأحول ~~قبالته، فلما قتل صفت له البلاد، ودانت له الأمصار والعباد، فسير إليه ~~زيادة الله جيشا مع # PageV06P574 # إبراهيم بن أبي الأغلب، وهو من بني عمه، بلغت عدتهم أربعين ألفا سوى من ~~انضاف إليه، فهزمه أبو عبد الله الشيعي على ما ذكرناه (آنفا) ، فلما اتصل ~~بزيادة الله خبر الهزيمة علم أنه لا مقام له لأن هذا (الجمع) هو آخر ما ~~انتهت قدرته إليه، فجمع ما عز عليه من أهل ومال وغير ذلك وعزم على الهرب ~~إلى بلاد الشرق، وأظهر للناس أنه قد جاءه خبر، (هزيمة أبي عبد الله الشيعي) ~~، وأمر بإخراج رجال من الحبس، فقتلهم، وأعلم خاصته حقيقة الحال، وأمرهم ~~بالخروج معه. # فأشار عليه أهل دولته بأن لا يفعل ولا يترك ملكه. # قال لهم: إن أبا عبد الله لا يجسر عليه فشتمه، ورد عليه رأيه، وقال: أحب ~~الأشياء إليك أن يأخذني بيدي. # وانصرف كل واحد من خاصته وأهله يتجهز للمسير معه، وأخذ ما أمكنه حمله. # وكانت دولة آل (الأغلب بإفريقية) قد طالت مدتها، وكثرت عبيدها (وقوي ~~سلطانها) ، وسار عن إفريقية إلى مصر في سنة ست وتسعين ومائتين واجتمع معه ~~خلق عظيم، فلم يزل سائرا حتى وصل طرابلس، فدخلها، فأقام بها تسعة عشر يوما، ~~ورأى بها أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي، وكان محبوسا بالقيروان، حبسه ~~زيادة الله، فهرب إلى طرابلس، فلما رآه أحضره وقرره: هل هو أخو أبي عبد ~~الله؟ فأنكر وقال: أنا رجل تاجر قيل عني، (إنني أخو أبي عبد الله) فحبستني. # فقال له زيادة الله: أنا أطلقك فإن كنت صادقا في أنك تاجر فلا نأثم فيك، ~~وإن ms2694 كنت كاذبا، وأنت أخو # PageV06P575 # أبي عبد الله، فليكن للصنيعة عندك موضع، وتحفظنا فيمن خلفناه. وأطلقه. # وكان من كبار أهله وأصحابه إبراهيم بن أبي الأغلب، فأراد قتله وقتل رجل ~~آخر كانا قد عرضا أنفسهما على ولاية القيروان، فعلما ذلك، وهربا إلى مصر، ~~وقدما على العامل بها وهو عيسى النوشري، فتحدثا معه، وسعيا بزيادة الله ~~وقالا له: إنه يمني نفسه بولاية مصر، فوقع ذلك في نفسه، وأراد منعه عن دخول ~~مصر إلا بأمر الخليفة من بغداذ، فوصل زيادة الله ليلا، وعبر الجسر إلى ~~الجيزة قهرا، فلما رأى ذلك النوشري لم يمكنه منعه، فأنزله بدار ابن الجصاص، ~~ونزل أصحابه في مواضع كثيرة، فأقام ثمانية أيام، ورحل يريد بغداذ، فهرب عنه ~~أصحابه، وفيهم غلام له، (وأخذ منه مائة) ألف دينار فأقام عند النوشري، ~~فأرسل النوشري إلى الخليفة، وهو المقتدر بالله، يعرفه حال زيادة الله وحال ~~من تخلف عنه بمصر، فأمره برد من تخلف عنه إليه مع المال، ففعل. # وسار زيادة الله حتى بلغ الرقة وكتب إلى الوزير وهو ابن الفرات يسأله في ~~الإذن له لدخول بغداذ، فأمره بالتوقف، فبقي على ذلك (سنة) ، فتفرق عنه ~~أصحابه، وهو مع هذا مدمن الخمر، واستماع الملاهي، وسعي به إلى المقتدر، ~~وقيل له يرد إلى المغرب يطلب بثأره، فكتب إليه بذلك وكتب إلى النوشري ~~بإنجاده بالرجال والعدد والأموال من مصر ليعود إلى المغرب فعاد إلى مصر، ~~فأمره النوشري بالخروج إلى ذات الحمام ليكون هناك إلى أن يجتمع إليه ما ~~يحتاج إليه من الرجال والمال، ففعل، (ومطله) ، فطال مقامه، وتتابعت به ~~الأمراض. # وقيل بل سمه بعض غلمانه، فسقط شعر لحيته، فعاد إلى مصر، وقصد البيت # PageV06P576 # المقدس، فتوفي بالرملة ودفن بها. # فسبحان الحي الذي لا يموت، ولا يزول ملكه ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب ~~أحد، وكانت مدة ملكهم مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وكانوا يقولون إننا نخرج ~~إلى مصر والشام، ونربط خيلنا في زيتون فلسطين، فكان زيادة الله هو الخارج ~~إلى فلسطين على هذه الحال لا على ما ظنوه. # ذكر ms2695 ابتداء الدولة العلوية بإفريقية # هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فإنها ملكت إفريقية هذه ~~السنة، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة، فنحتاج أن نستقصي ~~ذكرها فنقول: # أول من ولي منهم أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون ~~بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ~~رضي الله عنهم، (ومن ينسب هذا النسب يجعله عبد الله بن ميمون القداح الذي ~~ينسب إليه القداحية. # وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني ابن محمد بن إسماعيل بن ~~جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم) . # وقد اختلف العلماء في صحة نسبه، فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته: إن ~~نسبه صحيح على ما ذكرناه، ولم يرتابوا فيه. # وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، ويشهد بصحة ~~هذا القول ما قاله الشريف الرضي: # PageV06P577 # ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي # ألبس الذل في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي # من أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي # لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: محمد، وعلي # إن ذلي بذلك الجو عز ... وأوامي بذلك النقع ري # وإنما لم يودعها في بعض ديوانه خوفا، ولا حجة بما كتبه في المحضر المتضمن ~~القدح في أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدق ~~ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر ~~بن الباقلاني، فأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريف الرضي، يقول ~~له: قد عرفت منزلتك منا، وما لا نزال عليه من الاعتداد بك بصدق الموالاة ~~منك، وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على ~~خليفة ترضاه، ويكون ولدك على ما يضادها، وقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا ~~وكذا، فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام، وهو ناظر في ms2696 النقابة والحج، وهما ~~من أشرف الأعمال، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا، وأطال القول، فحلف أبو ~~أحمد أنه ما علم بذلك. # وأحضر ولده، وقال له في المعنى فأنكر الشعر، فقال له: اكتب خطك إلى ~~الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصري مدخول، وأنه مدع في نسبه، ~~فقال: لا أفعل! فقال أبوه: تكذبني في قولي؟ # PageV06P578 # فقال: ما أكذبك، ولكني أخاف من الديلم، وأخاف من المصري ومن الدعاة في ~~البلاد، فقال أبوه: أتخاف ممن هو بعيد عنك، وتراقبه، وتسخط من (هو قريب) ~~وأنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟ # وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضي خطه، فحرد عليه أبوه وغضب وحلف أنه ~~لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضي (أنه) ما قال هذا الشعر ~~واندرجت القصة على هذا. # ففي امتناع الرضي من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا في نسبهم مع الخوف، دليل ~~قوي على صحة نسبهم. # وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين في نسبه، فلم يرتابوا في صحته، وذهب ~~غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وعدا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه ~~يهوديا، وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده، ~~وكتب فيه جماعة من العلويين وغيرهم أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي غير ~~صحيح. # فممن كتب فيه من العلويين المرتضى، وأخوه الرضي، وابن البطحاوي، وابن ~~الأزرق العلويان، ومن غيرهم ابن الأكفاني وابن الخرزي، وأبو العباس ~~الأبيوردي، وأبو حامد، والكشفلي، والقدوري، والصيمري أبو الفضل النسوي، ~~وأبو جعفر النسفي، وأبو عبد الله بن النعمان، فقيه الشيعة. # PageV06P579 # وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا ~~وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. # وزعم الأمير عبد العزيز، صاحب تاريخ إفريقية والمغرب، أن نسبه معرق في ~~اليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى، ذكر ابتداء دولتهم، ~~وبالغ. # وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد ~~أحسن فيما ذكر، ms2697 قال: # لما بعث الله تعالى سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم عظم ~~ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وقريش، وسائر العرب، لأنه سفه ~~أحلامهم، (وعاب) أديانهم وآلهتهم، وفرق جمعهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، ~~فكفاه الله كيدهم، ونصره عليهم، فأسلم منهم من هداه الله تعالى، فلما قبض ~~صلى الله عليه وسلم نجم النفاق، وارتدت العرب، وظنوا أن الصحابة يضعفون ~~بعده، فجاهد أبو بكر، رضي الله عنه، في سبيل الله، فقتل مسيلمة، ورد الردة، ~~وأذل الكفر، ووطأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا ~~أن بوفاته ينتقص الإسلام. # فاستخلف عمر بن الخطاب، فأذل فارس والروم، وغلب على ممالكها، فدس عليه ~~المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام. # فولي بعده عثمان، فزاد في الفتوح، واتسعت مملكة الإسلام، فلما قتل وولي ~~بعده أمير المؤمنين علي قام بالأمر أحسن قيام. # فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث ~~الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا ~~الصحيح # PageV06P580 # بالتأويل والطعن عليه. # فكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد وأبو شاكر ~~ميمون بن ديصان صاحب كتاب " الميزان " في نصرة الزندقة، وغيرهما، فألقوا ~~إلى من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا وأن الله تعالى لم يوجب على ~~أوليائه، ومن عرف الأئمة والأبواب، صلاة ولا زكاة، ولا غير ذلك، ولا حرم ~~عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وإنما هذه قيود للعامة ~~ساقطة عن الخاصة. # وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي صلى الله عليه وسلم ليستروا أمرهم، ~~ويستميلوا العامة، وتفرق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون ~~الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان ~~أصحابه قالوا له: إنا نخاف الجند، فقال لهم: إن أسلحتهم لا تعمل فيكم، فلما ~~ابتدؤوا في ضرب أعناقهم قال له أصحابه ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا؟ ~~فقال: إذا كان قد أراد الله فما حيلتي؟ وتفرقت ms2698 هذه الطائفة في البلاد ~~وتعلموا الشعبذة، والنارنجيات، والزرق والنجوم، والكمياء، فهم يحتالون على ~~كل قوم بما يتفق عليهم وعلى العامة بإظهار الزهد. # ونشأ لابن ديصان ابن يقال له عبد الله القداح، علمه الحيل، وأطلعه على ~~أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم. # PageV06P581 # وكان بنواحي كرخ وأصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بدندان يتولى ~~تلك المواضع، وله نيابة عظيمة، وكان يبغض العرب ويجمع مساويهم، فسار إليه ~~القداح، وعرفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار عليه أن لا يظهر، (ما في نفسه) ~~، وإنما يكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فإن الطعن فيهم طعن في ~~الشريعة، فإن بطريقهم وصلت إلى من بعدهم، فاستحسن قوله وأعطاه مالا عظيما ~~ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب فسيره إلى كور الأهواز والبصرة، والكوفة، ~~وطالقان، وخراسان، وسلمية، من أرض حمص، وفرقه في دعاته، وتوفي القداح، ~~ودندان. # وإنما لقب القداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها. # فلما توفي القداح قام بعده ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له رستم بن ~~الحسين بن حوشب بن داذان النجار، من أهل الكوفة، فكانا يقصدان المشاهد، ~~وكان باليمن رجل اسمه محمد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجند، ~~يتشيع، فجاء إلى مشهد الحسين بن علي يزوره، فرآه أحمد ورستم يبكي كثيرا، ~~فلما خرج اجتمع به أحمد، وطمع فيه لما رأى من بكائه، وألقى إليه مذهبه ~~فقبله، وسير معه النجار إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعوة الناس ~~إلى المهدي وأنه خارج في هذا الزمان باليمن، فسار النجار إلى اليمن، ونزل ~~بعدن، بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى، وأخذ في بيع ما معه. # وأتاه بنو موسى، وقالوا له: فيم جئت؟ قال: للتجارة. # PageV06P582 # قالوا: لست بتاجر، وإنما أنت رسول المهدي، وقد بلغنا خبرك، ونحن بنو ~~موسى، ولعلك قد سمعت بنا، فانبسط ولا تحتشم، فإنا إخوانك، فأظهر أمره، وقوى ~~عزائمهم، وقرب أمر المهدي بالاستكثار من الخيل والسلاح، وأخبرهم أن هذا ~~أوان ظهور المهدي، ومن عندهم يظهر. # واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه فكثر جمعهم ms2699 وعظم ~~بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة ~~من ولد عبد الله القداح هدايا عظيمة، وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلين ~~أحدهما يعرف بالحلواني، والآخر يعرف بأبي سفيان، وقالوا لهما: إن المغرب ~~أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجيء صاحب البدر، فسارا فنزل بأرض كتامة ببلد ~~(يسمى مرمجنة) والآخر بسوق حمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، ~~وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة، وماتا، وكان أحدهما قريب ~~الوفاة من الآخر. # ذكر إرسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب # كان أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الشيعي من أهل صنعاء، ~~وقد سار إلى ابن حوشب النجار، وصحبه بعدن، وصار من كبار أصحابه، وكان له ~~علم وفهم ودهاء ومكر، فلما أتى خبر وفاة الحلواني وأبي سفيان (إلى ابن ~~حوشب) قال لأبي عبد الله الشيعي: إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني ~~وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر، فإنها موطأة ممهدة لك. # فخرج أبو عبد الله (إلى مكة) ، وأعطاه ابن حوشب مالا، وسير معه عبد الله ~~بن # PageV06P583 # أبي ملاحف، فلما قدم أبو عبد الله مكة سأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم، ~~فاجتمع بهم، ولم يعرفهم قصده، وجلس قريبا منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل ~~البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدثهم بما لم يعلموه، # فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والانبساط معه، فأذن لهم ~~في ذلك، فسألوه أين مقصده، فقال: أريد مصر، ففرحوا بصحبته. # وكان من رؤساء الكتاميين بمكة رجل اسمه حريث الجميلي، وآخر اسمه موسى بن ~~مكاد، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر لهم العبادة، والزهد، فازدادوا ~~فيه رغبة، وخدموه، وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم ~~لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام. # قال: أفتحملون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا، ولم يزل يتعرف أحوالهم، حتى ~~وصلوا إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب بمصر؟ قال: أطلب ~~التعليم بها، قالوا: إذا كنت تقصد هذا ms2700 فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقك، ~~ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير (معهم) بعد الخضوع والسؤال، فسار ~~معهم. # فلما قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبره، فرغبوا في ~~نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيفه (منهم) ثم رحلوا حتى وصلوا إلى أرض ~~كتامة، منتصف شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، فسأله قوم منهم أن ينزل ~~عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج الأخيار؟ فتعجبوا من ذلك، ~~ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان. # فقال: إليه نقصد، ثم نأتي قوما منكم في دياركم، ونزورهم في بيوتهم، فأرضى ~~بذلك الجميع. # PageV06P584 # وسار إلى جبل يقال له إنكجان، وفيه فج الأخيار، (فقال: هذا فج الأخيار) ، ~~وما سمي إلا بكم، ولقد جاء في الآثار: إن للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان، ~~ينصره فيها الأخيار من (أهل) ذلك الزمان، قوم مشتق اسمهم من الكتمان، ~~(فإنهم كتامة) ، وبخروجكم من هذا الفج يسمى فج الأخيار. # فتسامعت القبائل، وصنع من الحيل والمكيدات والنارنجيات ما أذهل عقولهم، ~~وأتاه البربر من كل مكان، وعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل ~~البربر، وسلم من القتل مرارا وهو (في كل) ذلك لا يذكر اسم المهدي، فاجتمع ~~أهل العلم على مناظرته وقتله، فلم يتركه الكتاميون يناظرهم، وكان اسمه ~~عندهم أبا عبد الله المشرقي. # وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل عامله على ~~مدينة ميلة يسأله عن أمره، فصغره وذكر (له) أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير ~~والعبادة فسكت عنه. # ثم إنه قال للكتاميين: أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني، ~~فازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، وتفرقت كلمة البربر وكتامة بسببه، ~~فأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بإنسان اسمه ~~الحسن بن هارون، وهو من أكابر كتامة، فأخذ أبا عبد الله إليه، ودافع عنه، ~~ومضيا إلى مدينة ناصرون، فأتته القبائل من كل مكان وعظم شأنه، وصارت ~~الرئاسة للحسن بن هارون. # PageV06P585 # وسلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهر الحروب، ms2701 فكان ~~الظفر له فيها، وغنم الأموال، وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها، فزحفت ~~قبائل البربر إليها، واقتتلوا، ثم اصطلحوا، ثم أعادوا القتال، وكان بينهم ~~وقائع كثيرة وظفر بهم، وصارت إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة ~~كتامة. # ذكر ملكه مدينة ميلة وانهزامه # فلما تم لأبي عبد الله ذلك زحف إلى مدينة ميلة، فجاءه منها رجل اسمه ~~الحسن بن أحمد، فأطلعه على غرة البلد، فقاتل أهله قتالا شديدا، وأخذ ~~الأرباض، فطلبوا منه الأمان فأمنهم، ودخل مدينة ميلة، وبلغ الخبر أمير ~~إفريقية، وهو حينئذ إبراهيم بن أحمد، فنفذ ولده الأحول في اثني عشر ألفا، ~~وتبعهم مثلهم، فالتقيا، فاقتتل العسكران، فانهزم أبو عبد الله، وكثر القتل ~~في أصحابه، وتبعه الأحول، وسقط ثلج عظيم حال بينهم، وسار أبو عبد الله إلى ~~جبل إنكجان، فوصل الأحول إلى مدينة ناصرون، فأحرقها، وأحرق مدينة ميلة، ~~(ولم يجد بها أحدا) . # وبنى أبو عبد الله بإنكجان دار هجرة، فقصدها أصحابه، وعاد الأحول إلى ~~إفريقية، فسار أبو عبد الله بعد رحيلهم، فغنم مما رأى مما تخلف عنهم، وأتاه ~~(خبر) وفاة إبراهيم، فسر به، ثم أتاه خبر قتل أبي العباس ولده، وولاية ~~زيادة الله، واشتغاله باللهو واللعب، فاشتد سروره، # وكان الأحول قد جمع جيشا كثيرا أيام أخيه أبي العباس، ولقي أبا عبد الله، ~~فانهزم الأحول. # (وبقي الأحول) قريبا منه يقاتله ويمنعه من التقدم، فلما ولي أبو مضر ~~زيادة الله # PageV06P586 # إفريقية أحضر الأحول وقتله، كما ذكرناه، ولم يكن أحول، وإنما كان يكسر ~~عينه إذا أدام النظر فلقب به، فلما قتل انتشرت حينئذ جيوش أبي عبد الله في ~~البلاد، وصار أبو عبد الله يقول: المهدي يخرج في هذه الأيام، ويملك الأرض، ~~فيا طوبى لمن هاجر إلي وأطاعني! ويغري الناس بأبي مضر، ويعيبه. # وكان كل من عند زيادة الله من الوزراء شيعة، فلا يسوءهم أن يظفر أبو عبد ~~الله لا سيما مع ما كان يذكر لهم من الكرامات التي للمهدي من إحياء الموتى، ~~ورد الشمس من مغربها، وملكه الأرض بأسرها! وأبو عبد الله يرسل ms2702 إليهم، ~~ويسحرهم، ويعدهم. # ذكر سبب اتصال المهدي عبيد الله بأبي عبد الله الشيعي ومسيره إلى سجلماسة # لما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنهم من ولد عقيل بن أبي ~~طالب، وهم مع هذا يسترون، ويسرون أمرهم، ويخفون أشخاصهم. # وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفي وخلف ولده محمدا، وكان هو ~~الذي يكاتبه الدعاة في البلاد، وتوفي محمد وخلف أحمد والحسين، فسار الحسين ~~إلى سلمية من أرض حمص، وله بها ودائع وأموال من ودائع جده عبد الله القداح، ~~ووكلاء، وغلمان، وبقي ببغداذ من أولاد القداح أبو الشلغلغ. # وكان الحسين يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب ~~يكاتبونه ويراسلونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية، فوصفوا له ~~امرأة # PageV06P587 # رجل يهودي حداد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الحسن، فتزوجها، ولها ولد ~~من الحداد يماثلها في الجمال، فأحبها وحسن موقعها معه، وأحب ولدها، وأدبه، ~~وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة. # فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول: إن الإمام الذي كان بسلمية، وهو ~~الحسين، مات ولم يكن [له] ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد، وهو عبيد ~~الله، وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه الأموال ~~والعلامات، وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصي، وزوجه ~~ابنة عمه أبي الشلغلغ. # وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلوي وغيره، وجعل لنفسه نسبا، وهو عبيد ~~الله بن الحسن بن علي (بن محمد بن علي) بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب. # وبعض الناس يقولون، وهم قليل: إن عبيد الله (هذا من ولد القداح، وهذه ~~الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعري ما الذي حمل أبا عبد الله) الشيعي ~~وغيره ممن قام بإظهار هذه الدعوة، حتى يخرجوا (هذا) الأمر من أنفسهم، ~~ويسلموا إلى ولد يهودي، وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده دينا يثاب ~~عليه؟ # قال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، ms2703 ~~وتلقى محنا شديدة، فتوفي الحسين، وقام بعده عبيد الله، وانتشرت دعوته، وبذل ~~الأموال خلاف ما تقدم، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ~~ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه. # وشاع خبره عند الناس أيام المكتفي فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم نزار # PageV06P588 # الذي ولي بعده، وتلقب بالقائم، وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه ~~يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله، فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزي ~~التجار، وكان عامل مصر حينئذ عيسى النوشري، فأتته الكتب من الخليفة بصفته ~~وحليته، وأمر بالقبض عليه وعلى كل من يشبهه. # وكان بعض خاصة عيسى متشيعا، فأخبر المهدي وأشار عليه بالانصراف، فخرج من ~~مصر مع أصحابه، ومعه أموال كثيرة، فأوسع النفقة على من صحبه، فلما وصل ~~الكتاب إلى النوشري فرق الرسل في طلب المهدي وخرج بنفسه فلحقه، فلما رآه لم ~~يشك فيه، فقبض عليه، ونزل ببستان، ووكل به، فلما حضر الطعام دعاه ليأكل، ~~فأعلمه أنه صائم، فرق له، وقال له: أعلمني بحقيقة حالك حتى أطلقك، فخوفه ~~بالله تعالى، وأنكر حاله، ولم يزل يخوفه ويتلطفه فأطلقه، وخلى سبيله، وأراد ~~أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة بي إلى ذلك، ودعا له. # وقيل: إنه أعطاه في الباطن مالا حتى أطلقه، فرجع (بعض) أصحاب النوشري ~~عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردوه، وكان ~~المهدي لما لحق أصحابه رأى ابنه أبا القاسم قد ضيع كلبا كان له يصيد به، ~~وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع ~~المهدي بسبب الكلب، حتى دخل البستان ومعه عبيده، فرآهم النوشري فسأل عنهم ~~فقيل: إنه فلان، وقد عاد بسبب كذا وكذا، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله! ~~أردتم أن تحملوني على قتل هذا حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو كان مريبا ~~لكان يطوي المراحل، ويخفي نفسه، وما كان رجع في طلب كلب، وتركه. # وجد المهدي في الهرب، فلحقه (لصوص بموضع يقال له الطاحونة، فأخذوا # PageV06P589 # بعض متاعه، ms2704 وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه، فأخذت) ، فعظم أمرها عليه، ~~فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية ~~أخذها من ذلك المكان. # وانتهى المهدي وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرق من صحبه من التجار، وكان في ~~صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله الشيعي، فقدمه المهدي إلى القيروان ببعض ~~ما معه، وأمره أن يلحق بكتامة. فلما وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الخبر ~~قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهدي، فسأل عنه رفقته، فأخبروا أنه تخلف ~~بطرابلس، وأن صاحبه أبا العباس بالقيروان، فأخذ أبو العباس، وقرر فأنكر، ~~وقال: إنما أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل، فحبسه. # وسمع المهدي، فسار إلى قسطيلة، ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس ~~بأخذه، وكان المهدي قد أهدى له واجتمع به، فكتب العامل يخبره أنه قد سار ~~ولم يدركه، فلما وصل المهدي إلى قسطيلة ترك قصد أبي عبد الله الشيعي، لأن ~~أخاه أبا العباس كان قد أخذ، فعلم أنه إذا قصد أخاه تحققوا الأمر وقتلوه، ~~فتركه وسار إلى سجلماسة، ولما سار من قسطيلة وصل الرسل في طلبه فلم يوجد، ~~ووصل سجلماسة، فأقام بها، وفي كل ذلك عليه العيون في طريقه. # وكان صاحب سجلماسة رجلا يسمى أليسع بن مدرار، فأهدى له المهدي، وواصله، ~~فقربه أليسع، وأحبه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أنه الرجل الذي يدعو إليه ~~أبو عبد الله الشيعي، فقبض عليه وحبسه، فلم يزل محبوسا حتى أخرجه أبو عبد ~~الله على ما نذكره. # ذكر استيلاء أبي عبد الله على إفريقية وهرب زيادة الله أميرها # قد ذكرنا من حال أبي عبد الله ما تقدم، ثم إن زيادة الله لما رأى استيلاء ~~أبي عبد الله على البلاد، وأنه قد فتح مدينة ميلة ومدينة سطيف، وغيرهما، ~~أخذ في جمع # PageV06P590 # العساكر، وبذل الأموال فاجتمعت إليه عساكر عظيمة، فقدم عليهم إبراهيم بن ~~خنيش وهو من أقاربه، وكان لا يعرف الحرب، فبلغت عدة جيشه أربعين ألفا، وسلم ~~إليه الأموال والعدد، ولم يترك بإفريقية شجاعا إلا أخرجه معه، ms2705 وسار إليه، ~~فانضاف إليه مثل جيشه، فلما وصل قسطنطينية الهواء، وهي مدينة قديمة حصينة، ~~نزل بها، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، فقتل في طريقه ~~كثيرا من أصحاب أبي عبد الله، وخاف أبو عبد الله منه، وجميع كتامة، وأقام ~~بقسطنطينية ستة أشهر، وأبو عبد الله متحصن في الجبل. # فلما رأى إبراهيم أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه بادر وزحف بالعساكر ~~المجتمعة إلى بلد اسمه كرمة، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا اختارها (ليختبر ~~نزوله) ، فوافاها بالموضع المذكور، فلما رأى إبراهيم الخيل قصد إليها ~~بنفسه، ولم يصحبه (إليها) أحد من جيشه، وكانت أثقال العسكر على ظهور الدواب ~~لم تحط، ونشبت الحرب، واقتتلوا قتالا شديدا. # واتصل الخبر بأبي عبد الله، فزحف بالعساكر، فوقعت الهزيمة على إبراهيم ~~ومن معه، فجرح وعقر فرسه وتمت الهزيمة على الجيش جميعه، وأسلموا الأثقال ~~بأسرها، فغنمها أبو عبد الله وقتل منهم خلقا كثيرا، وتم [أمر] إبراهيم إلى ~~القيروان، فشاشت بلاد إفريقية، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرت دولته، وكتب ~~أبو عبد الله كتابا إلى المهدي، وهو في سجن سجلماسة يبشره، وسير الكتاب مع ~~بعض ثقاته، فدخل السجن في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه ذلك. # وسار أبو عبد الله إلى مدينة طبنة فحصرها، ونصب عليها الدبابات، ونقب ~~برجا وبدنة، فسقط السور بعد قتال شديد، وملك البلد، فاحتمى المقدمون بحصن ~~البلد، فحصرهم، فطلبوا الأمان، فأمنهم، وأمن أهل البلد، وسار إلى مدينة ~~بلزمة # PageV06P591 # وكان قد حصرها مرارا كثيرة فلم يظفر بها فلما حصرها الآن ضيق عليها، وجد ~~في القتال ونصب عليها الدبابات، ورماها بالنار، فأحرقها، وفتحها بالسيف ~~وقتل الرجال، وهدم الأسوار. # واتصلت الأخبار بزيادة الله، فعظم عليه [ذلك] ، وأخذ في الجمع والحشد، ~~فجمع عسكرا عدتهم اثنا عشر ألفا، وأمر عليهم هارون بن الطبني، فسار، واجتمع ~~معه خلق كثير، وقصد مدينة دار ملوك، وكان أهلها قد أطاعوا أبا عبد الله، ~~فقتل هارون أهلها، وهدم الحصن، ولقيه في طريقه خيل لأبي عبد الله كان قد ~~أرسلها ms2706 ليختبروا عسكره، فلما رآها العسكر اضطربوا وصاحوا صيحة عظيمة، ~~وهربوا من غير قتال، فظن أصحاب أبي عبد الله أنها مكيدة، فلما ظهر أنها ~~هزيمة استدركوا الأمر، ووضعوا السيف، فما يحصى من قتلوا، وقتل هارون أمير ~~العسكر، وفتح أبو عبد الله مدينة تيجس صلحا، فاشتد الأمر حينئذ على زيادة ~~الله، وأخرج الأموال، وجيش الجيوش وخرج بنفسه إلى محاربة أبي عبد الله، ~~فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين، فقال له وجوه دولته: إنك تغرر ~~بنفسك، فإن يكن عليك لا يبقى لنا ملجأ، والرأي أن ترجع إلى مستقر ملكك، ~~وترسل الجيش مع من تثق به فإن كان # الفتح لنا فنصل إليك، وإن كان غير ذلك فتكون ملجأ لنا. # ورجع ففعل ذلك، وسير الجيش، وقدم عليه رجلا من بني عمه يقال له إبراهيم ~~بن أبي الأغلب، وكان شجاعا، وبلغ أبا عبد الله الخبر، وكان أهل باغاية قد ~~كاتبوه بالطاعة، فسار إليهم، فلما قرب منها، هرب عاملها إلى الأربس، فدخلها ~~أبو عبد الله، وترك بها جندا، وعاد إلى إنكجان ووصل الخبر إلى زيادة الله، ~~فزاده غما وحزنا، فقال له إنسان كان يضحكه يا مولانا لقد عملت بيت شعر، ~~فعسى تجعل من # PageV06P592 # يلحنه وتشرب عليه، واترك هذا الحزن، فقال: ما هو؟ فقال المضحك، (للمغنين: ~~غنوا شعرا كذا) وقولوا بعد فراغ كل بيت: # اشرب واسقنا من القرن يكفينا # فلما غنوا طرب زيادة الله (وشرب) ، وانهمك في الأكل والشرب والشهوات، ~~فلما رأى ذلك أصحابه ساعدوه على مراده. # ثم إن أبا عبد الله أخرج خيلا إلى مدينة مجانة فافتتحها عنوة، وقتل ~~عاملها، وسير عسكرا آخر إلى مدينة تيفاش، فملكها وأمن أهلها. # وقصد جماعة من رؤساء القبائل أبا عبد الله يطلبون منه الأمان فأمنهم وسار ~~بنفسه إلى مسكيانة ثم إلى تبسة، ثم إلى مدبرة، فوجد فيها أهل قصر الإفريقي ~~ومدينة مرمجنة، ومدينة مجانة وأخلاطا من الناس قد التجئوا إليها وتحصنوا ~~فيها، وهي حصينة، فنزل عليها، وقاتلها، فأصابه علة الحصى، وكانت تعتاده، ~~فشغل بنفسه، وطلب أهلها الأمان فأمنهم بعض ms2707 أهل العسكر، ففتحوا الحصن، ~~فدخلها العسكر، ووضعوا السيف، وانتهبوا. وبلغ ذلك أبا عبد الله فعظم عليه، ~~ورحل، فنزل على القصرين من قمودة وطلب أهلها الأمان فأمنهم، وبلغ إبراهيم ~~بن أبي الأغلب، أمير الجيش الذي سيره زيادة الله، أن أبا عبد الله يريد ~~[أن] يقصد زيادة الله برقادة، ولم يكن مع زيادة الله كبير عسكر، فخرج من # PageV06P593 # الأربس ونزل دردمين، (وسير أبو عبد الله سرية إلى دردمين) ، فجرى بينهما ~~وبين أصحاب زيادة الله قتال، فقتل من أصحاب أبي عبد الله جماعة، وانهزم ~~الباقون. # واستبطأ أبو عبد الله خبرهم، فسار في جميع عساكره، فلقي أصحابه منهزمين، ~~فلما رأوه قويت قلوبهم، ورجعوا، وكروا على أصحاب إبراهيم، وقتلوا منهم ~~جماعة، وحجز الليل بينهم. # ثم سار أبو عبد الله إلى قسطيلة، فحصرها، فقاتله أهلها، ثم طلبوا الأمان ~~فأمنهم (وأخذ ما كان لزيادة الله فيها من الأموال والعدد ورحل إلى قفصة، ~~فطلب أهلها الأمان فأمنهم) ورجع إلى باغاية، فترك بها جيشا وعاد إلى جبل ~~إنكجان. # فسار إبراهيم بن أبي الأغلب (في جيشه إلى باغاية) وحصرها، فبلغ الخبر أبا ~~عبد الله، فجمع عسكره وسار مجدا إليها، ووجه اثني عشر ألف فارس، وأمر ~~مقدمهم أن يسير إلى باغاية، فإن كان إبراهيم قد رحل عنها فلا يجاوز فج ~~العرعار، فمضى الجيش وكان أصحاب أبي عبد الله الذين في باغاية قد قاتلوا ~~عسكر إبراهيم قتالا شديدا، فلما رأى صبرهم عجب هو وأصحابه منهم، فأرعب ذلك ~~قلوبهم، ثم بلغهم قرب العسكر منهم فعاد إبراهيم بعساكره، فوصل عسكر أبي عبد ~~الله فلم ير واحدا فنهبوا ما وجدوا وعادوا. # ورجع إبراهيم إلى الأربس. ولما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد ~~الله عساكره، فبلغت مائتي ألف فارس وراجل، واجتمع من عساكر زيادة الله ~~بالأربس مع إبراهيم ما لا يحصى، وسار أبو عبد الله أول جمادى الآخرة سنة ست ~~وتسعين ومائتين، فالتقوا واقتتلوا أشد قتال وطال زمانه، وظهر أصحاب زيادة ~~الله فلما رأى ذلك أبو عبد الله # PageV06P594 # اختار من أصحابه ستمائة راجل، وأمرهم ms2708 أن يأتوا عسكر زيادة الله من خلفهم، ~~فمضوا لما أمرهم في الطريق (الذي أمرهم) بسلوكه. # واتفق أن إبراهيم فعل مثل ذلك، فالتقى الطائفتان، فاقتتلوا في مضيق هناك، ~~(فانهزم أصحاب إبراهيم، ووقع الصوت في عسكره بكمين أبي عبد الله) ~~(وانهزموا، وتفرقوا) ، وهرب كل قوم إلى جهة بلادهم، وهرب إبراهيم وبعض من ~~معه إلى القيروان، (وتبعهم أصحاب أبي عبد الله) يقتلون ويأسرون، وغنموا ~~الأموال والخيل والعدد، ودخل أصحابه مدينة الأربس فقتلوا بها خلقا عظيما، ~~ودخل كثير من أهلها الجامع فقتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد، ~~وكانت الوقعة أواخر جمادى الآخرة وانصرف أبو عبد الله إلى قمودة. # فلما وصل خبر الهزيمة إلى زيادة الله هرب (إلى الديار المصرية، وكان من ~~أمره ما تقدم، ولما هرب زيادة الله هرب) أهل مدينة رقادة على وجوههم، في ~~الليل، إلى القصر القديم، وإلى القيروان، وسوسة، ودخل أهل القيروان رقادة ~~ونهبوا ما فيها، وأخذ القوي الضعيف، ونهبت قصور بني الأغلب، وبقي النهب ستة ~~أيام. # ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، واجتمع إليه ~~أهل القيروان، ونادى مناديه بالأمان، وتسكين الناس، وذكر لهم أحوال زيادة ~~الله، وما كان عليه، حتى أفسد ملكه، وصغر أمر أبي عبد الله الشيعي، ووعدهم ~~أن يقاتل عنهم، ويحمي حريمهم وبلدهم، وطلب منهم المساعدة بالسمع والطاعة ~~والأموال، فقالوا: إنما نحن فقهاء، وعامة، وتجار، وما في أموالنا ما يبلغ ~~غرضك، وليس لنا بالقتال طاقة، فأمرهم بالانصراف، فلما خرجوا من عنده ~~وأعلموا الناس بما قاله صاحوا به: اخرج عنا، فما لك عندنا سمع ولا طاعة! ~~وشتموه، فخرج عنهم وهم يرجمونه. # ولما بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سبيبة، ورحل فنزل بوادي # PageV06P595 # النمل، وقدم بين يديه عروبة بن يوسف، وحسن بن أبي خنزير، في ألف فارس إلى ~~رقادة، فوجدوا الناس ينهبون ما بقي من الأمتعة والأثاث، فأمنوهم ولم ~~يتعرضوا لأحد، وتركوا لكل واحد ما حمله، فأتى الناس إلى القيروان، فأخبروه ~~الخبر، ففرح أهلها. # وخرج الفقهاء ووجوه البلد إلى لقاء أبي ms2709 عبد الله، فلقوه، وسلموا عليه، ~~وهنئوه بالفتح، فرد عليهم ردا حسنا، وحدثهم، وأعطاهم الأمان، فأعجبهم ذلك ~~وسرهم، وذموا زيادة الله، وذكروا مساوئه، فقال لهم: ما كان (إلا قويا) ، ~~وله منعة، ودولة شامخة، وما قصر في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا ~~يدافع! فأمسكوا عن الكلام، ورجعوا إلى القيروان. # ودخل رقادة يوم السبت، مستهل رجب من سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض ~~قصورها، وفرق دورها على كتامة، ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها، وأمر فنودي ~~بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر ~~فقتلهم، وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال، والسلاح، وغير ذلك، ~~فاجتمع كثير منه، وفيه كثير من الجواري لهن مقدار وحظ من الجمال، فسأل عمن ~~كان يكفلهن، فذكر له امرأة صالحة كانت لزيادة الله، فأحضرها، وأحسن إليها، ~~وأمر بحفظهن، وأمر لهن بما يصلحهن ولم ينظر إلى واحدة منهن. # ولما حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة، فخطبوا ولم يذكروا أحدا، ~~وأمر بضرب السكة، وأن لا ينقش عليها اسم، ولكنه جعل مكان الاسم من وجه: ~~بلغت حجة الله، ومن الوجه الآخر: تفرق أعداء الله، ونقش على السلاح: عدة في ~~سبيل الله، ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله، وأقام على ما كان عليه من ~~لبس الدون الخشن، والقليل من الطعام الغليظ. # PageV06P596 # ذكر مسير أبي عبد الله إلى سجلماسة وظهور المهدي # لما استقرت الأمور لأبي عبد الله (في رقادة وسائر بلاد إفريقية) أتاه ~~أخوه أبو العباس محمد، ففرح به، وكان هو الكبير، فسار أبو عبد الله في ~~رمضان من السنة من رقادة، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس، وأبا زاكي، ~~وسار في جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن ~~طريقه، وجاءت رسلهم ودخلوا في طاعته. # فلما قرب من سجلماسة، (وانتهى خبره إلى أليسع بن مدرار، أمير سجلماسة) ، ~~أرسل إلى المهدي، وهو في حبسه، على ما ذكرناه، يسأله عن نسبه وحاله، وهل ~~إليه قصد أبو عبد الله؟ فحلف له المهدي أنه ما ms2710 رأى أبا عبد الله، (ولا ~~عرفه) ، وإنما أنا رجل تاجر، فاعتقل في دار وحده، وكذلك فعل بولده أبي ~~القاسم، وجعل عليهما الحرس، وقرر ولده أيضا، فما حال عن كلام أبيه، وقرر ~~رجالا كانوا معه، (وضربهم) ، فلم يقروا بشيء. # وسمع أبو عبد الله ذلك، فشق عليه، فأرسل إلى أليسع يتلطفه، وأنه لم يقصد ~~الحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، ووعده الجميل، فرمى الكتاب، وقتل الرسل، ~~فعادوه بالملاطفة خوفا على المهدي، ولم يذكره له، فقتل الرسول أيضا، فأسرع ~~أبو عبد الله في السير، ونزل عليه، فخرج إليه أليسع، وقاتله يومه ذلك، ~~(وافترقوا) ، فلما جنهم الليل هرب أليسع وأصحابه من أهله وبني عمه، وبات ~~أبو عبد الله ومن معه في غم عظيم لا يعلمون ما صنع بالمهدي وولده، فلما ~~أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب أليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، ~~وأتوا # PageV06P597 # المكان الذي فيه المهدي، فاستخرجه، واستخرج ولده، فكانت في الناس مسرة ~~عظيمة كادت تذهب بعقولهم، فأركبهما، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، ~~وأبو عبد الله يقول للناس: هذا مولاكم، (وهو يبكي) من شدة الفرح، حتى وصل ~~إلى فسطاط قد ضرب له فنزل فيه، وأمر بطلب أليسع (فطلب) ، فأدرك، فأخذ وضرب ~~السياط ثم قتل. # فلما ظهر المهدي أقام بسجلماسة أربعين يوما، وسار إلى إفريقية، وأحضر ~~الأموال من إنكجان، فجعلها أحمالا وأخذها معه، ووصل إلى رقادة العشر الأخير ~~(من ربيع الآخر) من سنة سبع وتسعين ومائتين، وزال ملك بني الأغلب، وملك بني ~~مدرار الذين منهم أليسع وكان لهم ثلاثون ومائة سنة منفردين بسجلماسة، وزال ~~ملك بني رستم من تاهرت، ولهم ستون ومائة سنة تفردوا بتاهرت، وملك المهدي ~~جميع ذلك. فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها، وأهل القيروان، وأبو عبد الله، ~~ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وولده خلفه، فسلموا عليه، فرد [ردا] جميلا، ~~وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة، وأمر يوم الجمعة بذكر اسمه في ~~الخطبة في البلاد، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين. # وجلس بعد الجمعة رجل يعرف بالشريف، ومعه الدعاة، وأحضروا الناس بالعنف ms2711 ~~والشدة، ودعوهم إلى مذهبهم، (فمن أجاب أحسن إليه، ومن أبى حبس، فلم يدخل في ~~مذهبهم) إلا بعض الناس، وهم قليل، وقتل (كثير ممن) لم يوافقهم على قولهم. # وعرض عليه أبو عبد الله جواري زيادة الله، فاختار منهن كثيرا لنفسه ~~ولولده أيضا، وفرق ما بقي على وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودون ~~الدواوين، وجبى # PageV06P598 # الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها ~~جميعها، فاستعمل على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير، (فوصل إلى ~~مازر عاشر) ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومائتين، (فولى أخاه على جرجنت) ، وجعل ~~قاضيا بصقلية إسحاق بن المنهال، وهو أول قاض تولى بها للمهدي العلوي. # وبقي ابن أبي خنزير إلى سنة ثمان وتسعين [ومائتين] ، فسار في عسكره إلى ~~دمنش، فغنم، وسبى، وأحرق، وعاد فبقي مدة يسيرة، وأساء السيرة في أهلها، ~~فثاروا به، وأخذوه وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي بذلك، واعتذروا، فقبل عذرهم، ~~واستعمل عليهم علي بن عمر البلوي، فوصل آخر ذي الحجة سنة تسع وتسعين ~~ومائتين. # ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي (وأخيه أبي العباس) # في سنة ثمان وتسعين ومائتين قتل أبو عبد الله الشيعي، قتله المهدي عبيد ~~الله. # وسبب ذلك أن المهدي لما استقامت له البلاد، ودانت له العباد، وباشر ~~الأمور بنفسه، وكف يد أبي عبد الله، ويد أخيه أبي العباس، داخل أبا العباس ~~الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يزري على ~~المهدي في مجلس أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يرضى فعله، فلا يزيده ~~ذلك إلا لجاجا. # ثم إنه أظهر أبا عبد الله على ما في نفسه، وقال له: ملكت أمرا، فجئت بمن ~~أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك. # PageV06P599 # ولم يزل حتى أثر في قلب أخيه، فقال يوما للمهدي: لو كنت تجلس في قصرك، ~~وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم، لكان أهيب لك في أعين ~~الناس. # وكان المهدي سمع شيئا مما يجري بين أبي عبد الله وأخيه، فتحقق ذلك، غير ~~أنه رد ردا ms2712 لطيفا، فصار أبو العباس يشير إلى المقدمين بشيء من ذلك، فمن رأى ~~منه قبولا كشف له ما في نفسه، وقال: ما جازاكم على ما فعلتم، وذكر لهم ~~الأموال التي أخذها المهدي من إنكجان، وقال: هلا قسمها فيكم! # وكل ذلك يتصل بالمهدي، وهو يتغافل، وأبو عبد الله يداري، ثم صار أبو ~~العباس يقول: إن هذا ليس الذي كنا نعتقد طاعته، وندعو إليه لأن المهدي يختم ~~بالحجة، ويأتي بالآيات الباهرة، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس، منهم إنسان ~~من كتامة يقال له شيخ المشايخ، فواجه المهدي بذلك، وقال: إن كنت المهدي ~~فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك، فقتله المهدي، فخافه أبو عبد الله، وعلم أن ~~المهدي قد تغير عليه، فاتفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع عند أبي زاكي، ~~وعزموا على قتل المهدي واجتمع معهم قبائل كتامة إلا قليلا منهم. # وكان معهم رجل يظهر أنه منهم، وينقل ما يجري إلى المهدي، ودخلوا عليه ~~مرارا فلم يجسروا على قتله، فاتفق أنهم اجتمعوا ليلة عند أبي زاكي، فلما ~~أصبحوا لبس أبو عبد الله ثوبه مقلوبا، ودخل على المهدي، فرأى ثوبه، فلم ~~يعرفه به، ثم دخل عليه ثلاثة أيام والقميص بحاله، فقال له المهدي: ما هذا ~~الأمر الذي أذهلك عن إصلاح ثوبك؟ فهو مقلوب منذ ثلاثة أيام فعلمت أنك ما ~~نزعته، فقال: ما علمت بذلك إلا ساعتي هذه، قال: أين كنت البارحة والليالي ~~قبلها؟ فسكت أبو عبد الله # PageV06P600 # فقال: أليس بت في دار أبي زاكي؟ قال: بلى. قال: وما الذي أخرجك من دارك؟ ~~قال: خفت. قال: وهل يخاف الإنسان إلا من عدوه؟ فعلم أن أمره ظهر للمهدي، ~~فخرج وأخبر أصحابه، وخافوا، وتخلفوا عن الحضور. # فذكر ذلك للمهدي، وعنده رجل يقال له ابن القديم، كان من جملة القوم، ~~وعنده أموال كثيرة، من أموال زيادة الله، فقال: يا مولاي إن شئت أتيتك بهم، ~~ومضى فجاء بهم، فعلم المهدي صحة ما قيل عنه، فلاطفهم وفرقهم في البلاد، ~~وجعل أبا زاكي واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها أن يقتله ms2713 عند وصوله، فلما ~~وصلها قتله عاملها، وأرسل رأسه إلى المهدي، فهرب ابن القديم، فأخذ، فأمر ~~المهدي بقتله فقتل. # وأمر المهدي عروبة ورجالا معه أن يرصدوا أبا عبد الله وأخاه العباس، ~~ويقتلوهما، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبد الله، فقال: لا ~~تفعل يا بني! فقال: الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك، فقتل هو وأخوه، وكان ~~قتلهما في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي، فقيل: إن المهدي صلى على أبي عبد ~~الله، وقال: رحمك الله، أبا عبد الله، وجزاك خيرا بجميل سعيك. # وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرد أصحابهما السيوف، فركب المهدي وأمن الناس، ~~فسكنوا، ثم تتبعهم حتى قتلهم. # وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان، قتل فيها خلق كثير، فخرج ~~المهدي وسكن الفتنة، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة. # ولما استقامت الدولة للمهدي عهد إلى ولده أبي القاسم نزار بالخلافة، ~~ورجعت # PageV06P601 # كتامة إلى بلادهم، فأقاموا طفلا وقالوا: هذا هو المهدي، ثم زعموا أنه نبي ~~يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، وزحفوا إلى مدينة ميلة، فبلغ ~~ذلك المهدي فأخرج ابنه أبا القاسم، فحصرهم فقاتلوه فهزمهم واتبعهم حتى ~~أجلاهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا عظيما، وقتل الطفل الذي أقاموه. # وخالف عليه أهل صقلية مع ابن وهب، فأنفذ إليهم أسطولا، ففتحها وأتى بابن ~~وهب فقتله. # وخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها ففتحها، وقتل أهل الخلاف، وقتل جماعة من ~~بني الأغلب برقادة كانوا قد رجعوا إليها بعد وفاة زيادة الله. # ذكر عدة حوادث # فيها سير (القاسم بن سيما وجماعة) من القواد في طلب الحسين بن حمدان، ~~فساروا حتى بلغوا قرقيسياء والرحبة، فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي ~~الهيجاء عبد الله بن حمدان، (وهو الأمير بالموصل) يأمره بطلب أخيه الحسين، ~~فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت، فانهزم الحسين، فأرسل أخاه ~~إبراهيم بن حمدان يطلب الأمان، فأجيب إلى ذلك، ودخل بغداذ، وخلع عليه، وعقد ~~له على قم وقاشان، فسار إليها وصرف عنها العباس بن عمرو. # وفيها وصل بارس غلام ms2714 إسماعيل الساماني، وقلد ديار ربيعة، وقد تقدم ذكره. # وفيها كانت وقعة بين طاهر، ومحمد بن عمرو بن الليث وبين سبكري غلام عمرو، ~~فأسر طاهرا ووجهه وأخاه يعقوب بن محمد بن عمرو إلى المقتدر مع كاتبه عبد ~~الرحمن بن جعفر الشيرازي، فأدخلا بغداذ أسيرين، فحبسا، وكان سبكري قد تغلب ~~على فارس بغير أمر الخليفة، فلما وصل كاتبه قرر أمره على مال يحمله، وكان ~~وصوله إلى بغداذ سنة سبع وتسعين. # PageV06P602 # وفيها خلع على مؤنس المظفر الخادم، وأمر بالمسير إلى غزو الروم، فسار في ~~جمع كثيف، فغزا من ناحية ملطية، ومعه أبو الأعز السلمي، فظفر وغنم وأسر ~~منهم جماعة (وعاد) . # وفيها قلد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف ~~وعشرين ألف دينار، فسار إليها من الدينور. # وفيها سقط ببغداذ ثلج كثير من بكرة إلى العصر، فصار على الأرض أربع ~~أصابع، وكان معه برد شديد، وجمد الماء والخل والبيض والأدهان، وهلك النخل، ~~وكثير من الشجر. # وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. # وفيها توفي محمد (بن طاهر بن عبد الله بن طاهر) . # وفيها قتل سوسن حاجب المقتدر، وسبب ذلك أنه كان له أثر في أمر ابن ~~المعتز، فلما بويع ابن المعتز واستحجب غيره لزم المقتدر، فلما استوزر ابن ~~الفرات تفرد بالأمور، فعاداه سوسن، وسعى في فساد حاله، فأعلم ابن الفرات ~~المقتدر بالله بحال سوسن، وأنه كان ممن أعان ابن المعتز، فقبض عليه وقتله. # PageV06P603 # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن داود بن الجراح عم علي بن عيسى الوزير، وكان عالما ~~بالكتابة. # وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن خاقان، وأبو عبد الرحمن الدهكاني. # PageV06P604 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين] ### | 297 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين # ذكر استيلاء الليث على فارس وقتله # في هذه السنة سار الليث بن علي بن الليث من سجستان إلى فارس [في جيش] ~~وأخذها، واستولى عليها، وهرب سبكري عنها إلى أرجان، فلما بلغ الخبر المقتدر ~~جهز مؤنسا الخادم وسيره إلى فارس، معونة لسبكري، فاجتمعا بأرجان. # وبلغ خبر اجتماعهما الليث، ms2715 فسار إليهما، فأتاه الخبر بمسير الحسين بن ~~حمدان من قم إلى البيضاء، معونة لمؤنس، فسير أخاه في بعض جيشه إلى شيراز ~~ليحفظها، ثم سار في بعض جنده في طريق مختصر ليواقع الحسين بن حمدان، فأخذ ~~به الدليل في طريق الرجالة، فهلك أكثر دوابه، ولقي هو وأصحابه مشقة عظيمة، ~~فقتل الدليل، وعدل عن ذلك الطريق، فأشرف على عسكر مؤنس، فظنه هو وأصحابه ~~أنه عسكره الذي سير مع أخيه إلى شيراز، فكبروا، فثار إليهم مؤنس وسبكري في ~~جندهما، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر الليث، وأخذ هو أسيرا. # فلما أسره مؤنس قال له (أصحابه: إن) المصلحة أن نقبض على سبكري، ونستولي ~~على بلاد فارس، ونكتب إلى الخليفة ليقرها عليك، فقال: سأفعل غدا، إذا صار ~~إلينا على عادته. فلما جاء الليل أرسل مؤنس إلى سبكري سرا يعرفه ما أشار به ~~أصحابه، وأمره بالمسير من ليلته إلى شيراز، ففعل، فلما أصبح مؤنس قال ~~لأصحابه: # PageV06P605 # أرى سبكريا قد تأخر عنا، فتعرفوا خبره، فسار إليه بعضهم، وعاد فأخبره أن ~~سبكريا سار من ليلته إلى شيراز، فلام أصحابه، وقال: من جهتكم بلغه الخبر ~~حتى استوحش، وعاد مؤنس ومعه الليث إلى بغداذ، وعاد الحسين بن حمدان إلى قم. # ذكر أخذ فارس من سبكري # لما عاد مؤنس عن سبكري استولى كاتبه عبد الرحمن بن جعفر على الأمور فحسده ~~أصحاب سبكري فنقلوا عنه أنه كاتب الخليفة، وأنه قد حلف أكثر القواد له، ~~فقبض عليه وقيده وحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل بن إبراهيم التيمي، فحمله ~~على العصيان ومنع ما كان يحمله إلى الخليفة ففعل ذلك. # فكتب عبد الرحمن بن جعفر إلى ابن الفرات، وزير الخليفة، يعرفه ذلك وأنه ~~لما نهى سبكريا عن العصيان قبض عليه، فكتب ابن الفرات إلى مؤنس، وهو بواسط، ~~يأمره بالعود إلى فارس، ويعجزه حيث لم يقبض على سبكري، ويحمله مع الليث إلى ~~بغداذ، فعاد مؤنس إلى الأهواز. # وأرسل سبكري مؤنسا، وهاداه، وسأله أن يتوسط حاله مع الخليفة، فكتب في ~~أمره، وبذل عنه مالا، فلم يستقر بينهم شيء، وعلم ابن ms2716 الفرات أن مؤنسا يميل ~~إلى سبكري، فأنفذ وصيفا كاتبه، وجماعة من القواد، (ومحمد بن) جعفر ~~الفريابي، وعول عليه في فتح فارس، وكتب إلى مؤنس يأمره باستصحاب الليث معه ~~إلى بغداذ، فعاد مؤنس. # وسار محمد بن جعفر إلى فارس، وواقع سبكريا على باب شيراز فانهزم سبكري ~~إلى بم وتحصن بها، وتبعه محمد بن جعفر وحصره بها فخرج إليه سبكري وحاربه # PageV06P606 # مرة ثانية، فهزمه محمد ونهب ماله ودخل سبكري مفازة خراسان، فظفر به صاحب ~~خراسان، على ما نذكره، واستولى محمد بن جعفر على فارس فاستعمل عليها فتيحا ~~خادم الأفشين، والصحيح أن فتح فارس كان سنة ثمان وتسعين [ومائتين] . # ذكر عدة حوادث # فيها وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة، وحج بالناس الفضل بن عبد ~~الملك الهاشمي. # [الوفيات] # وفيها توفي عيسى النوشري (في شعبان) بمصر، بعد موت أبي العباس بن بسطام ~~بعشرة أيام، ودفن بالبيت المقدس، (واستعمل المقتدر) مكانه تكين الخادم، ~~وخلع عليه منتصف شهر رمضان. # (وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن سالم، صاحب سهل بن عبد الله التستري) . # PageV06P607 # وفيها توفي الفيض بن الخضر، وقيل ابن محمد أبو الفيض الأولاسي الطرسوسي. # وأبو بكر محمد بن داود بن علي الأصفهاني الفقيه الظاهري. # وموسى بن إسحاق القاضي. # والقاضي أبو محمد يوسف بن يعقوب بن حماد، وله تسع وثمانون سنة. # PageV06P608 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين] ### | 298 - # ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين # ذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان # في هذه السنة، في رجب، استولى أبو نصر أحمد بن إسماعيل الساماني على ~~سجستان. # وسبب ذلك أنه لما استقر أمره، وثبت ملكه، خرج في سنة سبع وتسعين ومائتين ~~إلى الري، وكان يسكن بخارى، ثم سار إلى هراة، فسير منها جيشا في المحرم سنة ~~ثمان وتسعين إلى سجستان، وسير جماعة من أعيان قواده وأمرائه، منهم أحمد بن ~~سهل، ومحمد بن المظفر، وسيمجور الدواتي، وهو والد آل سيمجور ولاة خراسان ~~للسامانية، وسيرد ذكرهم، واستعمل أحمد على هذا الجيش الحسين بن علي ~~المروروذي، فساروا حتى أتوا سجستان، وبها ms2717 المعدل بن علي بن الليث الصفار ~~وهو صاحبها. # فلما بلغ المعدل خبرهم سير أخاه أبا علي محمد بن علي بن الليث إلى بست ~~والرخج ليحمي أموالها، ويرسل منها الميرة إلى سجستان، فسار الأمير أحمد بن ~~إسماعيل إلى أبي علي ببست، وجاذبه، وأخذه أسيرا، وعاد به إلى هراة. # وأما الجيش الذي بسجستان فإنهم حصروا المعدل، وضايقوه، فلما بلغه أن أخاه ~~أبا علي محمدا قد أخذ أسيرا، صالح الحسين بن علي، واستأمن إليه، فاستولى ~~الحسين على سجستان، فاستعمل عليها الأمير أحمد أبا صالح منصور بن إسحاق، ~~وهو ابن عمه، وانصرف الحسين عنها ومعه المعدل إلى بخارى، ثم إن سجستان خالف ~~أهلها سنة ثلاثمائة على ما نذكره. # ولما استولى السامانية على سجستان بلغهم خبر مسير سبكري في المفازة من # PageV06P609 # فارس إلى سجستان، فسيروا إليه جيشا، فلقوه وهو وعسكره قد أهلكهم التعب، ~~فأخذوه أسيرا، واستولوا على عسكره، وكتب الأمير أحمد إلى المقتدر بذلك، ~~وبالفتح، فكتب إليه يشكره على ذلك، ويأمره بحمل سبكري، ومحمد بن علي بن ~~الليث، إلى بغداذ، فسيرهما، وأدخلا بغداذ مشهورين على فيلين، وأعاد المقتدر ~~رسل أحمد، صاحب خراسان، ومعهم الهدايا والخلع. # ذكر عدة حوادث # فيها أطلق الأمير أحمد بن إسماعيل عمه إسحاق بن أحمد من محبسه، وأعاده ~~إلى سمرقند وفرغانة. # وفيها توفي محمد بن جعفر العبرتاي، وقنبج الخادم أمير فارس، فاستعمل ~~عليها عبد الله بن إبراهيم المسمعي، وأضاف إليه كرمان. # وفيها جعلت أم موسى الهاشمية قهرمانة دار المقتدر بالله، فكانت تؤدي ~~الرسائل من المقتدر وأمه، إلى الوزير، وإنما ذكرناها لأن لها فيما بعد من ~~الحكم في الدولة ما أوجب ذكرها، وإلا كان الإضراب عنها أولى. # وفيها غزا القاسم بن سيما الصائفة. # وفيها في رجب، توفي المظفر بن جاخ، أمير اليمن، وحمل إلى مكة ودفن بها، ~~واستعمل الخليفة على اليمن بعده ملاحظا. # PageV06P610 # وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. # وفيها، في شعبان، أخذ جماعة ببغداذ، قيل إنهم أصحاب رجل يدعي الربوبية، ~~يعرف بمحمد بن بشر. # وفيها هبت ريح شديدة ms2718 حارة صفراء بحديثة الموصل، فمات لشدة حرها جماعة ~~كثيرة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو القاسم جنيد بن محمد الصوفي، وكان إمام الدنيا في زمانه، ~~وأخذ الفقه عن أبي ثور، صاحب الشافعي، والتصوف عن سري السقطي. # وفيها توفي أبو برزة الحاسب، واسمه الفضل بن محمد. # وفيها توفي القاسم بن العباس (أبو محمد) المعشري، وإنما قيل له المعشري ~~لأنه ابن بنت أبي معشر نجيح المدني، وكان زاهدا فقيها. # وفيها توفي أحمد بن سعيد بن مسعود بن عصام أبو العباس، (ومحمد بن إياس ~~والد أبي زكرياء، صاحب تاريخ الموصل، وكان خيرا فاضلا، وهو أزدي. # PageV06P611 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين] ### | 299 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين # ذكر القبض على ابن الفرات ووزارة الخاقاني # في هذه السنة قبض المقتدر على الوزير أبي الحسن بن الفرات في ذي الحجة، ~~وكان قد ظهر، قبل القبض عليه بمدة (يسيرة) ، ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها ظهر ~~آخر رمضان في برج الأسد، والآخر ظهر في ذي القعدة في المشرق، والثالث ظهر ~~في المغرب في ذي القعدة أيضا في برج العقرب. # ولما قبض على الوزير وكل بداره، وهتك حرمه، ونهب ماله، ونهبت دور أصحابه ~~ومن يتعلق بهم، وافتتنت بغداذ لقبضه، ولقي الناس شدة ثلاثة أيام، ثم سكنوا. # وكانت مدة وزارته هذه، وهي الوزارة الأولى، ثلاث سنين وثمانية أشهر ~~وثلاثة عشر يوما، وقلد أبو علي محمد بن (يحيى بن عبيد الله بن) يحيى بن ~~خاقان الوزارة، فرتب أصحاب الدواوين، وتولى مناظرة ابن الفرات أبو الحسين ~~أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وكان أخوه أبو الحسن بن أبي البغل مقيما ~~بأصبهان، فسعى أخوه له في الوزارة هو وأم موسى القهرمانة، فأذن المقتدر في ~~حضوره ليتولى الوزارة، فحضر، فلما بلغ ذلك # PageV06P612 # الخاقاني انحلت أموره، فدخل على الخليفة (وأخبره بذلك) ، فأمره بالقبض ~~على أبي الحسن (وأبي الحسين أخيه، فقبض على أبي الحسن) وكتب في القبض على ~~أبي الحسين، فقبض أيضا، ثم خاف القهرمانة، فأطلقهما واستعملهما. # ثم إن أمور الخاقاني انحلت لأنه كان ضجورا، ضيق الصدر، ms2719 مهملا لقراءة كتب ~~العمال، وجباية الأموال، وكان يتقرب إلى الخاصة والعامة، فمنع خدم السلطان ~~وخواصه أن يخاطبوه بالعبد، وكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامة يصلون ~~جماعة، ينزل ويصلي معهم، وإذا سأله أحد حاجة دق صدره، وقال: نعم وكرامة، ~~فسمي " دق صدره "، إلا أنه قصر في إطلاق الأموال للفرسان والقواد، فنفروا ~~عنه واتضعت الوزارة بفعله ما تقدم. # وكان أولاده قد تحكموا عليه، فكل منهم يسعى لمن يرتشي منه، وكان يولي في ~~الأيام القليلة عدة من العمال، حتى إنه ولى بالكوفة، في مدة عشرين يوما، ~~سبعة من العمال، فاجتمعوا في الطريق، فعرضوا توقيعاتهم، فسار الأخير منهم، ~~وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فيه: # وزير قد تكامل في الرقاعه ... يولي ثم يعزل بعد ساعه # إذا أهل الرشى اجتمعوا لديه ... فخير القوم أوفرهم بضاعه # وليس يلام في هذا بحال ... لأن الشيخ أفلت من مجاعه # ثم زاد الأمر، حتى تحكم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال، ~~فانحلت القواعد، وخبثت النيات، واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم، ~~والرجوع إلى قول النساء والخدم، والتصرف على مقتضى آرائهم، فخرجت الممالك، ~~وطمع العمال في الأطراف، وكان ما نذكره فيما بعد. # PageV06P613 # ثم إن الخليفة أحضر الوزير ابن الفرات من محبسه، فجعله عنده في بعض الحجر ~~مكرما، فكان يعرض عليه مطالعات العمال وغير ذلك، وأكرمه، وأحسن إليه، بعد ~~أن أخذ أمواله. # ذكر عدة حوادث # فيها غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طرسوس، ومعه دميانة، فحصر ~~حصن مليح الأرمني، ثم دخل بلده وأحرقه. # وفيها دخل بغداذ العطير والأغبر وهما من قواد زكرويه القرمطي، دخلا ~~بالأمان، وحج بالناس الفضل بن عبد الملك. # وفيها جاء نفر من القرامطة من أصحاب أبي سعيد الجنابي إلى باب البصرة، ~~وكان عليها محمد بن إسحاق بن كنداجيق، وكان وصولهم يوم الجمعة والناس في ~~الصلاة، فوقع الصوت بمجيء القرامطة، فخرج إليهم الموكلون بحفظ باب البصرة، ~~فرأوا رجلين منهم، فخرجوا إليهما، فقتل القرامطة منهم رجلا وعادوا فخرج ~~إليهم محمد بن إسحاق في جمع، فلم يرهم، فسير ms2720 في أثرهم جماعة، فأدركوهم، ~~وكانوا نحو ثلاثين رجلا، فقاتلوهم، فقتل بينهم جماعة، وعاد ابن كنداجيق ~~وأغلق أبواب # PageV06P614 # البصرة، ظنا منه أن أولئك القرامطة كانوا مقدمة لأصحابهم، وكاتب الوزير ~~ببغداذ يعرفه وصول القرامطة ويستمده، (فلما أصبح) ولم ير للقرامطة أثرا ندم ~~على ما فعل، وسير إليه من بغداذ عسكرا مع بعض القواد. # وفيها خالف أهل طرابلس الغرب على المهدي، عبيد الله العلوي، فسير إليها ~~عسكرا فحاصرها، فلم يظفر بها، فسير إليها المهدي ابنه أبا القاسم في جمادى ~~الآخرة سنة ثلاثمائة، فحاصرها، وصابرها، واشتد في القتال، فعدمت الأقوات في ~~البلد حتى أكل أهله الميتة، ففتح البلد عنفا، وعفا عن أهله، وأخذ أموالا ~~عظيمة من الذين أثاروا الخلاف وغرم أهل البلد جميع ما أخرجه على عسكره، ~~وأخذ وجوه البلد رهائن عنده، واستعمل عليه عاملا وانصرف. # وفيها كانت زلازل بالقيروان لم ير مثلها شدة وعظمة، وثار أهل القيروان، ~~فقتلوا من كتامة نحو ألف رجل. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن النحوي، وكان عالما بنحو ~~البصريين والكوفيين، لأنه أخذه عن ثعلب والمبرد. # وفيها توفي محمد بن السري القنطري. # PageV06P615 # وأبو صالح الحافظ، وأبو علي بن سيبويه، وأبو يعقوب بن حنين الطبيب. # PageV06P616 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثمائة] ### | 300 - # ثم دخلت سنة ثلاثمائة # ذكر عزل الخاقاني عن الوزارة، ووزارة علي بن عيسى # في هذه السنة ظهر للمقتدر تخليط الخاقاني، وعجزه في الوزارة، فأراد عزله، ~~وإعادة أبي الحسن بن الفرات إلى الوزارة، فمنعه مؤنس الخادم عن ابن الفرات ~~لنفوره عنه لأمور، منها: إنفاذ الجيش إلى فارس مع غيره، وإعادته إلى بغداذ، ~~وقد ذكرناه، فقال للمقتدر: متى أعدته ظن الناس أنك إنما قبضت عليه شرها في ~~ماله، والمصلحة أن تستدعي علي بن عيسى من مكة وتجعله وزيرا، فهو الكافي ~~الثقة، الصحيح العمل، المتين الدين. # فأمر المقتدر بإحضاره، فأنفذ من يحضره، فوصل إلى بغداذ أول سنة إحدى ~~وثلاثمائة، وجلس في الوزارة، وقبض على الخاقاني (وسلم إليه) ، فأحسن قبضه، ~~ووسع عليه، وتولى علي بن عيسى، ولازم العمل والنظر في ms2721 الأمور، (ورد ~~المظالم، وأطلق) من المكوس شيئا كثيرا بمكة وفارس، وأطلق المواخير ~~والمفسدات بدوبق، وأسقط زيادات كان الخاقاني قد زادها للجند، لأنه عمل ~~الدخل والخرج، فرأى الخرج أكثر، فأسقط أولئك، وأمر بعمارة المساجد، ~~وتبييضها وفرشها بالحصر، وإشعال الأضواء فيها، وأجرى للأئمة، والقراء، ~~والمؤذنين، أرزاقا، وأمر بإصلاح البيمارستانات، وعمل ما يحتاج إليه المرضى ~~من الأدوية، وقرر فيها فضلاء الأطباء، وأنصف المظلومين، وأسقط ما زيد في ~~خراج الضياع، ولما عزل الخاقاني أكثر الناس التزوير على خطه بمسامحات ~~وإدارات، فنظر علي بن عيسى في تلك الخطوط، فأنكرها، وأراد إسقاطها، فخاف ذم ~~الناس، ورأى # PageV06P617 # أن ينفذها إلى الخاقاني ليميز الصحيح من المزور عليه، فيكون الذم له، ~~فلما عرضت تلك الخطوط عليه، قال: هذه جميعها خطي وأنا أمرت بها، فلما عاد ~~الرسول إلى علي بن عيسى بذلك قال: والله لقد كذب، وقد علم المزور من غيره، ~~ولكنه اعترف بها ليحمده الناس ويذموني، وأمر بها فأجيزت. # وقال الخاقاني لولده: يا بني هذه ليست خطي، ولكنه أنفذها إلي وقد عرف ~~الصحيح من السقيم، ولكنه أراد أن يأخذ الشوك بأيدينا، ويبغضنا إلى الناس، ~~وقد عكست مقصوده. # ذكر خلاف سجستان وعودها إلى طاعة أحمد بن إسماعيل الساماني # وفي هذه السنة أنفذ الأمير أبو نصر أحمد بن إسماعيل الساماني عسكرا إلى ~~سجستان ليفتحها ثانيا، وكانت قد عصت عليه، وخاف من بها. # وسبب ذلك أن محمد بن هرمز، المعروف بالمولى الصندلي، كان خارجي المذهب، ~~وكان قد أقام ببخارى وهو من أهل سجستان، وكان شيخا كبيرا، فجاء يوما إلى ~~الحسين بن علي بن محمد العارض يطلب رزقه، فقال له: إن الأصلح لمثلك من ~~الشيوخ أن يلزم رباطا يعبد الله فيه، حتى يوافيه أجله، فغاظه ذلك، فانصرف ~~إلى سجستان والوالي عليها منصور بن إسحاق، فاستمال جماعة من الخوارج، ودعا ~~إلى الصفار، وبايع في السر لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث، وكان ~~رئيسهم محمد بن العباس، المعروف بابن الحفار، وكان شديد القوة، فخرجوا، ~~وقبضوا على منصور بن إسحاق أميرهم وحبسوه في ms2722 (سجن أرك) وخطبوا لعمرو بن ~~يعقوب، وسلموا إليه سجستان. # فلما بلغ الخبر إلى الأمير أحمد بن إسماعيل سير الجيوش مع الحسين بن علي، ~~مرة ثانية إلى زرنج، في سنة ثلاثمائة، فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوما محمد بن # PageV06P618 # هرمز الصندلي إلى السور، وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ لا يصلح إلا للزوم ~~رباط؟ يذكرهم بما قاله العارض ببخارى، واتفق أن الصندلي مات، فاستأمن عمرو ~~بن يعقوب الصفار، وابن الحفار إلى الحسين بن علي، وأطلقوا عن منصور بن ~~إسحاق، وكان الحسين بن علي يكرم ابن الحفار ويقربه، فواطأ ابن الحفار جماعة ~~على الفتك بالحسين، فعلم الحسين ذلك، وكان ابن الحفار يدخل على الحسين، لا ~~يحجب عنه، فدخل إليه يوما وهو مشتمل على سيف، فأمر الحسين بالقبض عليه، ~~وأخذه معه إلى بخارى. # ولما انتهى خبر فتح سجستان إلى الأمير أحمد استعمل عليها سيمجور الدواتي، ~~وأمر الحسين بالرجوع إليه، فرجع ومعه عمرو بن يعقوب وابن الحفار وغيرهما # وكان عوده في ذي الحجة سنة ثلاثمائة، واستعمل الأمير أحمد منصورا ابن عمه ~~إسحاق على نيسابور وأنفذه إليها، وتوفي ابن الحفار. # ذكر طاعة أهل صقلية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهدي العلوي # قد ذكرنا سنة سبع وتسعين ومائتين استعمال المهدي علي بن عمر على صقلية، ~~فلما وليها كان شيخا لينا، فلم يرض أهل صقلية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولوا ~~على أنفسهم أحمد بن قرهب، فلما ولي سير سرية إلى أرض قلورية، فغنموا منها، ~~وأسروا من الروم وعادوا. # وأرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليا إلى قلعة طبرمين المحدثة في جيش، وأمره ~~بحصرها، وكان غرضه إذا ملكها أن يجعل بها ولده وأمواله وعبيده، فإذا رأى من ~~أهل صقلية ما يكره امتنع بها، فحصرها (ابنه ستة) أشهر، ثم اختلف العسكر ~~عليه، وكرهوا المقام، فأحرقوا خيمته، وسواد العسكر، وأرادوا قتله، فمنعهم ~~العرب. # PageV06P619 # ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخطب له ~~بصقلية، وقطع خطبة المهدي، وأخرج ابن قرهب جيشا في البحر إلى ساحل إفريقية، ~~فلقوا هناك أسطول المهدي ومقدمه الحسن ms2723 بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، ~~وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلي إلى مدينة ~~سفاقس، فخربوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهدي، فعادوا. # ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثم أخرج مراكب فيها ~~جيش إلى قلورية، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا، وسير أيضا أسطولا إلى إفريقية، ~~فخرج عليه أسطول المهدي، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك ~~لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه. # وخاف منه أهل جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهدي، فلما رأى ذلك أهل ~~البلاد كاتبوا المهدي أيضا، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيرا ~~سنة ثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهدي مع جماعة من خاصته، فأمر بقتلهم ~~على قبر ابن خنزير، فقتلوا، واستعمل على صقلية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسير ~~معه جماعة كثيرة من شيوخ كتامة، فوصلوا إلى طرابنش. # وسبب إرسال العسكر معه أن ابن قرهب كان قد كتب إلى المهدي يقول له: إن ~~أهل صقلية يكثرون الشغب على أمرائهم، ولا يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا ~~يزول ذلك إلا بعسكر يقهرهم ويزيل الرئاسة عن رؤسائهم، ففعل المهدي ذلك، ~~فلما وصل معه العسكر خاف منه أهل صقلية، فاجتمع عليه أهل جرجنت وأهل ~~المدينة وغيرها، فتحصن منهم أبو سعيد وعمل على نفسه سورا إلى البحر، وصار ~~المرسى معه # PageV06P620 # فاقتتلوا، فانهزم أهل صقلية، وقتل جماعة من رؤسائهم، (وأسر جماعة) وطلب ~~أهل المدينة الأمان، فأمنهم إلا رجلين هما أثارا الفتنة، فرضوا بذلك وتسلم ~~الرجلين، وسيرهما إلى المهدي بإفريقية، وتسلم المدينة، وهدم أبوابها، وأتاه ~~كتاب المهدي يأمره بالعفو عن العامة. # ذكر وفاة عبد الله بن محمد صاحب الأندلس وولاية عبد الرحمن الناصر # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن بن معاوية الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الأول، وكان عمره اثنتين ~~وأربعين سنة، وكان أبيض، أصهب، أزرق، ربعة، يخضب بالسواد، وكانت ولايته ~~خمسا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا، ms2724 أحدهم محمد ~~المقتول، قتله في (حد من الحدود) ، وهو والد عبد الرحمن الناصر. # ولما توفي ولي بعده (ابن) ابنه هذا محمد، واسمه عبد الرحمن بن محمد بن ~~عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن (الداخل ~~إلى الأندلس) ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحاكم الأموي، ~~وأمه أم ولد تسمى مزتة، وكان عمره لما قتل أبوه عشرين يوما. # وكانت ولايته من المستطرف لأنه كان شابا، وبالحضرة أعمامه وأعمام أبيه، ~~فلم يختلفوا عليه، وولي الإمارة والبلاد كلها، وقد اختلف عليهم قبله، ~~وامتنع حصون # PageV06P621 # (بكورة رية وحصن ببشتر) فحاربه، حتى صلحت البلاد بناحيته، وكان من ~~بطليطلة أيضا (قد خالفوا) ، فقاتلهم حتى عادوا إلى الطاعة، ولم يزل يقاتل ~~المخالفين حتى أذعنوا له، وأطاعوا نيفا وعشرين سنة، فاستقامت البلاد، وأمنت ~~في دولته، ومضى لحال سبيله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن فارس وكرمان واستعمل ~~عليها بدر الحمامي، وكان بدر يتقلد أصبهان، واستعمل بعده على أصبهان علي بن ~~وهسوذان الديلمي. # وفيها ورد الخبر إلى بغداذ، ورسول من عامل برقة، وهي من عمل مصر وما ~~بعدها بأربعة فراسخ لمصر وما وراء ذلك من عمل المغرب بخبر خارجي خرج عليهم، ~~وأنهم ظفروا به وبعسكره، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، (ووصل على يد الرسول من ~~أنوفهم وآذانهم شيء كثير) . # وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداذ. # وفيها كلبت الكلاب والذئاب بالبادية، فأهلكت خلقا كثيرا. # وفيها ولي بشر الأفشيني طرسوس. # وفيها قلد مؤنس المظفر الحرمين والثغور. # (وفيها انقضت الكواكب انقضاضا كثيرا إلى جهة المشرق) . # PageV06P622 # وفيها مات إسكندروس بن لاون ملك الروم، وملك بعده ابنه، واسمه قسطنطين، ~~وعمره اثنتا عشرة سنة. # [الوفيات] # وفيها توفي عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكان مولده سنة ~~ثلاث وعشرين ومائتين. # وفيها توفي أحمد بن علي الجارودي، وقيل سنة تسع وتسعين ومائتين وهو ~~الصحيح. # وفيها توفي أحمد بن يعقوب ابن أخي العرق المقرئ، والحسين بن عمر بن أبي ms2725 ~~الأحوص، وعلي بن طيفور النشوي، وأبو عمر القتات. # وفيها، في ربيع الآخر، توفي يحيى بن علي بن يحيى المنجم المعروف بالنديم. # PageV06P623 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة] ### | 301 - # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة # في هذه السنة خلع على الأمير أبي العباس بن المقتدر بالله، وقلد أعمال ~~مصر والمغرب، وعمره أربع سنين، واستخلف له على مصر مؤنس الخادم. # وأبو العباس هذا هو الذي ولي الخلافة بعد القاهر بالله، ولقب بالراضي ~~بالله. وخلع أيضا على الأمير علي بن المقتدر، وولي الري، ودنباوند، وقزوين ~~وزنجان، وأبهر. # وفيها أحضر بدار عيسى رجل يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد، وكان مشعبذا في ~~قول بعضهم، وصاحب حقيقة في قول بعضهم، ومعه صاحب له، فقيل: إنه يدعي ~~الربوبية، وصلب هو وصاحبه ثلاثة أيام، كل يوم من بكرة إلى انتصاف النهار، ~~ثم يؤمر بهما إلى الحبس، وسنذكر أخباره واختلاف الناس فيه عند صلبه. # وفيها، في صفر، (عزل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان عن الموصل) ، وقلد ~~يمن الطولوني المعونة بالموصل، ثم صرف عنها في هذه السنة، واستعمل عليها ~~نحرير (الخادم) الصغير. # وفيها خالف أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان على المقتدر فسير إليه مؤنس ~~المظفر وعلى مقدمته بني بن نفيس، خرج إلى الموصل منتصف صفر ومعه جماعة # PageV06P624 # من القواد، وخرج مؤنس في ربيع الأول، فلما علم أبو الهيجاء بذلك قصد ~~مؤنسا مستأمنا من تلقاء نفسه، وورد معه إلى بغداذ، فخلع المقتدر عليه. # وفيها توفي دميانة أمير الثغور وبحر الروم، وقلد مكانه ابن بلك. # ذكر قتل الأمير أبي نصر أحمد بن إسماعيل الساماني وولاية ولده نصر # وفي هذه السنة قتل الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب خراسان ~~وما وراء النهر، وكان مولعا بالصيد، فخرج إلى فربر متصيدا، فلما انصرف أمر ~~بإحراق ما اشتمل عليه عسكره، وانصرف، فورد عليه كتاب نائبه بطبرستان، وهو ~~أبو العباس صعلوك، وكان يليها بعد وفاة ابن نوح بها، يخبره بظهور الحسن بن ~~علي العلوي الأطروش بها، وتغلبه عليها، وأنه أخرجه عنها، فغم ذلك أحمد، ~~وعاد ms2726 إلى معسكره الذي أحرقه فنزل عليه فتطير الناس من ذلك. # وكان له أسد يربطه كل ليلة على باب مبيته، فلا يجسر أحد [أن] يقربه، ~~فأغفلوا إحضار الأسد تلك الليلة، فدخل إليه جماعة من غلمانه، فذبحوه على ~~سريره وهربوا، وكان قتله ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وثلاثمائة، فحمل إلى بخارى فدفن بها، ولقب حينئذ بالشهيد وطلب أولئك ~~الغلمان، فأخذ بعضهم فقتل. # وولي الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر بن أحمد، وهو ابن ثماني سنين وكانت ~~ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوما، وكان موته في رجب سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة، ولقب بالسعيد، وبايعه أصحاب أبيه ببخارى بعد دفن أبيه وكان الذي ~~تولى ذلك أحمد بن محمد بن الليث، وكان متولي (أمر) بخارى فحمله على عاتقه، ~~وبايع له # PageV06P625 # الناس، ولما حمله خدم أبيه ليظهر للناس خافهم، وقال: أتريدون أن تقتلوني ~~كما قتلتم أبي؟ فقالوا: (لا إنما نريد أن تكون) موضع أبيك أميرا، فسكن ~~روعه. # واستصغر الناس نصرا، واستضعفوه، وظنوا أن أمره لا ينتظم مع قوة عم أبيه ~~الأمير إسحاق بن أحمد، وهو شيخ السامانية، وهو صاحب سمرقند وميل الناس بما ~~وراء النهر سوى بخارى إليه وإلى أولاده، وتولى تدبير دولة السعيد نصر بن ~~أحمد، أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني، فأمضى الأمور وضبط المملكة، ~~واتفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه ومع هذا، فإن أصحاب ~~الأطراف طمعوا في البلاد، فخرجوا من النواحي على ما نذكره. # فممن خرج عن طاعته أهل سجستان، وعم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد بسمرقند، ~~وابناه منصور وإلياس ابنا إسحاق، ومحمد بن الحسين بن مت، وأبو الحسن بن ~~يوسف، والحسين بن علي المروروذي، (ومحمد بن حيد) وأحمد بن سهل، وليلى بن ~~نعمان صاحب العلويين بطبرستان، ووقعه سيمجور مع أبي الحسن بن الناصر، ~~وقراتكين، (وماكان بن كالي) وخرج عليه إخوته يحيى ومنصور وإبراهيم، أولاد ~~أحمد بن إسماعيل، وجعفر (بن أبي جعفر) ، وابن داود، ومحمد بن إلياس، ونصر ~~بن محمد بن مت، ومرداويج ms2727 ووشمكير ابنا زيار، وكان السعيد مظفرا منصورا ~~عليهم. # PageV06P626 # ذكر أمر سجستان # ولما قتل الأمير أحمد بن إسماعيل خالف أهل سجستان على ولده نصر وانصرف ~~عنها سيمجور الدواتي، فولاها المقتدر بالله بدرا الكبير، فأنفذ إليها الفضل ~~بن حميد، وأبا يزيد خالد بن محمد المروزي، وكان عبيد الله بن أحمد الجيهاني ~~ببست، والرخج، وسعد الطالقاني بغزنة من جهة السعيد نصر بن أحمد، فقصدهما ~~الفضل وخالد، وانكشف عنهما عبيد الله، وقبضا على سعد الطالقاني وأنفذاه إلى ~~بغداذ، واستولى الفضل وخالد على غزنة وبست ثم اعتل الفضل، وانفرد خالد ~~بالأمور، وعصى على الخليفة، فأنفذ إليه دركا أخا نجح الطولوني، فقاتله ~~فهزمه خالد. # وسار خالد إلى كرمان، فأنفذ إليه بدر جيشا، فقاتلهم خالد، فجرح، وانهزم ~~أصحابه، وأخذ هو أسيرا، فمات، فحمل رأسه إلى بغداذ. # ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابنه إلياس # وفي هذه السنة، وهي إحدى وثلاثمائة، خرج على السعيد نصر بن أحمد بن ~~إسماعيل عم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد وابنه إلياس، وكان إسحاق بسمرقند لما ~~قتل أحمد بن إسماعيل، وولي ابنه نصر بن أحمد، فلما بلغه ذلك عصى بها، وقام ~~ابنه إلياس يأمر الجيش، وقوي أمرهما، فساروا نحو بخارى، فسار إليه حمويه بن ~~علي في عسكر، وكان ذلك في شهر رمضان فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسحاق ~~إلى سمرقند، ثم جمع وعاد مرة ثانية، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسحاق ~~أيضا، وتبعه حمويه إلى سمرقند فملكها قهرا. # (واختفى إسحاق، وطلبه حمويه) ، ووضع عليه العيون والرصد، فضاق بإسحاق # PageV06P627 # مكانه، فأظهر نفسه، واستأمن إلى حمويه فأمنه وحمله إلى بخارى فأقام بها ~~إلى أن مات. # وأما ابنه إلياس فإنه سار إلى فرغانة، وبقي بها إلى أن خرج ثانيا. # ذكر ظهور الحسن بن علي الأطروش # وفيها استولى الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب على طبرستان، وكان يلقب بالناصر. # وكان سبب ظهوره ما نذكره، وقد ذكرنا فيما تقدم عصيان محمد بن هارون على ~~أحمد بن إسماعيل، وهربه منه، وغير ms2728 ذلك، ثم إن الأمير أحمد بن إسماعيل ~~استعمل على طبرستان أبا العباس عبد الله بن محمد بن نوح، فأحسن فيهم ~~السيرة، وعدل فيهم، وأكرم من بها من العلويين، وبالغ في الإحسان إليهم، ~~وراسل رؤساء الديلم، وهاداهم، واستمالهم. # وكان الحسن بن علي الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمد بن زيد، وأقام ~~بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويقتصر منهم على العشر، ~~ويدافع عنهم ابن حسان ملكهم فأسلم منهم خلق كثير واجتمعوا عليه، وبنى في ~~بلادهم، (مساجد. # وكان للمسلمين بإزائهم) ثغور مثل: قزوين، وسالوس، وغيرهما وكان بمدينة ~~سالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل، ثم إنه جعل ~~يدعوهم إلى الخروج معه إلى طبرستان، فلا يجيبونه إلى ذلك لإحسان ابن نوح، ~~فاتفق أن الأمير أحمد عزل ابن نوح عن طبرستان وولاهما سلاما، فلم يحسن ~~سياسة أهلها، وهاج عليه الديلم، فقاتلهم وهزمهم، واستقال عن ولايتها، فعزله ~~الأمير أحمد، وأعاد إليها ابن نوح، فصلحت البلاد معه. # PageV06P628 # ثم إنه مات بها، واستعمل عليها أبو العباس محمد بن إبراهيم صعلوك، فغير ~~رسوم ابن نوح، (وأساء السيرة، وقطع عن رؤساء الديلم ما كان يهديه إليهم ابن ~~نوح) ، فانتهز الحسن بن علي الفرصة، وهيج الديلم عليه ودعاهم إلى الخروج ~~معه، فأجابوه وخرجوا معه، وقصدهم صعلوك فالتقوا بمكان يسمى نوروز وهو على ~~شاطئ البحر، على يوم من سالوس، فانهزم ابن صعلوك، وقتل من أصحابه نحو أربعة ~~آلاف رجل، وحصر الأطروش الباقين ثم أمنهم على أموالهم وأنفسهم وأهليهم، ~~فخرجوا إليه، فأمنهم وعاد عنهم إلى آمل وانتهى إليهم الحسن بن القاسم ~~الداعي العلوي، وكان ختن الأطروش، فقتلهم عن آخرهم لأنه لم يكن أمنهم، ولا ~~عاهدهم واستولى الأطروش على طبرستان. # وخرج صعلوك إلى الري، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، ثم سار منها إلى بغداذ ~~وكان الأطروش قد أسلم على يده (من الديلم) الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ~~ناحية آمل، وهم يذهبون مذهب الشيعة. # وكان الأطروش زيدي المذهب، شاعرا مفلقا، ظريفا، علامة، إماما في الفقه ~~والدين، كثير المجون، حسن ms2729 النادرة. # حكي عنه أنه استعمل عبد الله بن المبارك على جرجان، وكان يرمى بالأبنة، ~~فاستعجزه الحسن يوما في شغل له وأنكره عليه، فقال: أيها الأمير! أنا أحتاج ~~إلى رجال أجلاد يعينونني، فقال: قد بلغني ذلك. # وكان سبب صممه أنه ضرب على رأسه بسيف في حرب محمد بن زيد فطرش، وكان له ~~من الأولاد أبو الحسن، وأبو القاسم، وأبو الحسين، فقال: يوما لابنه أبي # PageV06P629 # الحسن: يا بني! هاهنا شيء من الغراء نلصق به كاغدا؟ فقال: لا، إنما هاهنا ~~بالخاء، فحقدها عليه، ولم يوله شيئا، وولى ابنيه أبا القاسم، وأبا الحسين، ~~وكان أبو الحسن ينكر تركه معزولا، ويقول: أنا أشرف منهما لأن أمي حسنية، ~~وأمهما أمة. # وكان أبو الحسن شاعرا، وله مناقضات مع ابن المعتز، ولحق أبو الحسن بابن ~~أبي الساج، (فخرج معه يوما متصيدا، فسقط عن دابته فبقي راجلا، فمر به ابن ~~أبي الساج) فقال له: اركب معي على دابتي! فقال: أيها الأمير لا يصلح بطلان ~~على دابة. # ذكر القرامطة وقتل الجنابي # في هذه السنة قتل أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي كبير القرامطة قتله ~~خادم له صقلبي في الحمام، فلما قتله استدعى رجلا من أكابر رؤسائهم وقال له: ~~السيد يستدعيك، فلما دخل قتله، ففعل ذلك بأربعة نفر، (من رؤسائهم) ، ~~واستدعى الخامس، فلما دخل فطن لذلك، فأمسك بيد الخادم وصاح، فدخل الناس، ~~وصاح النساء، وجرى بينهم وبين الخادم مناظرات ثم قتلوه. # وكان أبو سعيد قد عهد إلى ابنه سعيد، وهو الأكبر، فعجز عن الأمر، فغلبه ~~أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان، وكان شهما شجاعا، ويرد من أخباره ما يعلم به ~~محله. # PageV06P630 # ولما قتل أبو سعيد كان قد استولى على هجر والإحساء والقطيف والطائف، ~~وسائر بلاد البحرين، وكان المقتدر قد كتب إلى أبي سعيد كتابا لينا في معنى ~~من عنده من أسرى المسلمين، ويناظره، ويقيم الدليل على فساد مذهبه، ونفذه مع ~~الرسل، فلما وصلوا إلى البصرة بلغهم خبر موته فأعلموا الخليفة بذلك، فأمرهم ~~بالمسير إلى ولده، فأتوا أبا طاهر بالكتاب فأكرم الرسل، وأطلق ms2730 الأسرى، ~~ونفذهم إلى بغداذ، وأجاب عن الكتاب. # ذكر مسير جيش المهدي إلى مصر # في هذه السنة جهز المهدي العساكر من إفريقية، وسيرها مع ولده أبي القاسم ~~إلى الديار المصرية فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجة، وساروا ~~إلى مصر، فملك الإسكندرية والفيوم، وصار في يده أكثر البلاد، وضيق على ~~أهلها، فسير إليها المقتدر بالله مؤنسا الخادم في جيش كثيف فحاربهم وأجلاهم ~~عن مصر، فعادوا إلى المغرب مهزومين. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة كثرت الأمراض الدموية، ومات بها خلق كثير وأكثرهم ~~بالحربية، فإنها أغلقت بها دور كثيرة لفناء أهلها. # PageV06P631 # [الوفيات] # وفيها توفي جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ببغداذ، والقاضي أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي الثقفي. # PageV06P632 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة] ### | 302 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثمائة # في هذه السنة أمر علي بن عيسى الوزير بالمسير إلى طرسوس لغزو الصائفة ~~فسار في ألفي فارس معونة لبشر الخادم والي طرسوس، فلم يتيسر لهم غزو ~~الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج. # وفيها تنحى الحسن بن علي الأطروش العلوي عن آمل، بعد غلبته عليها، كما ~~ذكرناه، وسار إلى سالوس، ووجه إليه صعلوك جيشا من الري فلقيهم الحسن، ~~وهزمهم، وعاد إلى آمل. # وكان الحسن بن علي حسن السيرة، عادلا، ولم ير الناس مثله في عدله وحسن ~~سيرته، وإقامته الحق، وقد ذكره ابن مسكويه في كتاب " تجارب الأمم " فقال: ~~الحسن بن علي الداعي، وليس به، إنما الداعي علي بن القاسم، وهو ختن هذا على ~~ما ذكرناه. # وفيها قبض المقتدر على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن ~~الجصاص الجوهري، وأخذ ما في بيته من صنوف الأموال، وكان قيمته أربعة آلاف ~~ألف دينار، وكان هو يدعي أن قيمة ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ~~ذلك. # PageV06P633 # ذكر مخالفة منصور بن إسحاق # وفي هذه السنة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد على الأمير نصر بن ~~أحمد، ووافقه على المخالفة الحسين بن علي ms2731 المروروذي، ومحمد بن حيد. # وكان سبب ذلك أن الحسين بن علي لما افتتح سجستان، الدفعة الأولى على ما ~~ذكرناه، للأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولاها، فوليها المنصور بن إسحاق ~~هذا، (فخالف أهلها، وحبسوا منصورا، فأنفذ الأمير أحمد عليا أيضا) ، ~~فافتتحها ثانيا، وطمع أن يتولاها فوليها سيمجور، وقد ذكرنا هذا جميعه. # فلما وليها سيمجور استوحش علي لذلك، ونفر منه، وتحدث مع منصور بن إسحاق ~~في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد، وتكون إمارة خراسان لمنصور، ~~ويكون الحسين بن علي خليفته على أعماله، فاتفقا على ذلك فلما قتل الأمير ~~أحمد بن إسماعيل كان منصور بن إسحاق بنيسابور، (والحسين بهراة، فأظهر ~~الحسين العصيان، وسار إلى منصور يحثه على ما كان اتفقا عليه، فخالف أيضا، ~~وخطب لمنصور بنيسابور فتوجه إليها من بخارى حمويه بن علي في عسكر ضخم ~~لمحاربتهما، فاتفق أن منصورا مات، فقيل إن الحسين بن علي سمه، فلما قاربه ~~حمويه سار الحسين بن علي عن نيسابور إلى هراة وأقام بها. # وكان محمد بن حيد (على شرطة) بخارى مدة طويلة، فسير من بخارى إلى نيسابور ~~لشغل يقوم به، فوردها، ثم عاد عنها بغير أمر، فكتب إليه من بخارى بالإنكار ~~عليه، فخاف على نفسه، فعدل عن الطريق إلى الحسين بن علي بهراة، فسار الحسين ~~بن علي من هراة إلى نيسابور، واستخلف بهراة أخاه منصور بن علي، واستولى # PageV06P634 # على نيسابور، فسير من بخارى إليه أحمد بن سهل لمحاربته، فابتدأ أحمد ~~بهراة فحصرها وأخذها، واستأمن إليه منصور بن علي. # وسار أحمد من هراة إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في ربيع الأول سنة ست ~~وثلاثمائة، فنازل الحسين، وحصره، وقاتله، فانهزم أصحاب الحسين، وأسر الحسين ~~بن علي، وأقام أحمد بن سهل بنيسابور. # وكان ينبغي أن نذكر استيلاء أحمد على نيسابور، وأسر الحسين سنة ست ~~وثلاثمائة، لكن رأينا أن نجمع سياق الحادثة لئلا ينسى أولها. # وأما ابن حيد فإنه كان بمرو، فلما بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نيسابور، ~~وأسره الحسين بن علي، سار إليه فقبض عليه أحمد ms2732 وأخذ ماله وسواده، وسيره ~~والحسين بن علي إلى بخارى، فأما ابن حيد فإنه سير إلى خوارزم فمات بها. # وأما الحسين بن علي فإنه حبس ببخارى إلى أن خلصه أبو عبد الله الجيهاني ~~وعاد إلى خدمة الأمير نصر بن أحمد، فبينما هو يوما عنده إذ طلب الأمير نصر ~~ماء، فأتي بماء في كوز غير حسن الصنعة، فقال الحسين بن علي لأحمد (بن ~~حمويه، وكان حاضرا: ألا يهدي والدك) [إلى] الأمير من نيسابور من هذه ~~الكيزان اللطاف النظاف؟ فقال أحمد: إنما يهدي أبي إلى الأمير مثلك ومثل ~~أحمد بن سهل، ومثل ليلى الديلمي، لا الكيزان، فأطرق الحسين مفحما، وأعجب ~~نصرا قوله. # ذكر خبر مصر مع العلوي المهدي # وفيها أنفذ أبو محمد عبيد الله العلوي الملقب بالمهدي جيشا من إفريقية مع ~~قائد من قواده يقال له حباسة إلى الإسكندرية، فغلب عليها. # وكان مسيره في البحر، ثم سار منها إلى مصر، فنزل بين مصر والإسكندرية، ~~فبلغ ذلك المقتدر، فأرسل مؤنسا الخادم في عسكر إلى مصر لمحاربة حباسة وأمده ~~بالسلاح والمال، فسار إليها، فالتقى العسكران في جمادى الأولى، فاقتتلوا ~~(قتالا شديدا) فقتل # PageV06P635 # من الفريقين جمع كثير، وجرح مثلهم، ثم كان بينهم وقعة أخرى بنحوها، ثم ~~وقعة ثالثة ورابعة، فانهزم فيها المغاربة أصحاب العلوي، وقتلوا، وأسروا، ~~فكان مبلغ القتلى سبعة آلاف مع الأسرى وهرب الباقون. # وكانت هذه الوقعة سلخ جمادى الآخرة، وعادوا إلى الغرب، فلما (وصلوا إلى ~~الغرب) قتل المهدي حباسة. # وفيها خالف عروبة بن يوسف الكتامي على المهدي بالقيروان، واجتمع إليه خلق ~~كثير من كتامة والبرابر، فأخرج المهدي إليهم مولاه غالبا، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا في محضر القيروان، فقتل عروبة وبنو عمه، وقتل معهم عالم لا يحصون، ~~وجمعت رءوس مقدميهم في قفة وحملت إلى المهدي، فقال: ما أعجب أمور الدنيا! ~~قد جمعت هذه القفة رءوس هؤلاء، وقد كان يضيق بعساكرهم فضاء المغرب. # ذكر عدة حوادث # فيها غزا بشر الخادم والي طرسوس بلاد الروم، ففتح فيها وغنم وسبى، وأسر ~~مائة وخمسين بطريقا، وكان السبي نحوا من ألفي ms2733 رأس. # وفيها أوقع مؤنس الخادم بناحية وادي الذئاب بمن هنالك من الأعراب من بني ~~شيبان، فقتل منهم خلقا كثيرا، ونهب بيوتهم فأصاب فيها من أموال التجار التي ~~كانوا أخذوها بقطع الطريق ما لا يحصى. # PageV06P636 # (وفيها في ذي الحجة ماتت بدعة المغنية، مولاة عريب مولى المأمون) . ~~وفيها، في ذي الحجة، خرجت الأعراب من الحاجر على الحجاج، فقطعوا عليهم ~~الطريق، وأخذوا من العين وما معهم من الأمتعة والجمال ما أرادوا، وأخذوا ~~مائتين وخمسين امرأة، وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك. # وفيها قلد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل. # وفيها مات الشاه بن ميكال. # وفيها، في ليلة الأضحى، انقض ثلاثة كواكب اثنان أول الليل وواحد آخره سوى ~~كواكب صغار كثيرة. # وإلى (آخر هذه السنة) انتهى تاريخ أبي جعفر الطبري رحمه الله، ورأيت في ~~بعض النسخ إلى آخر سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل إن سنة ثلاث هي زيادة فيه، ~~وليس من تاريخ الطبري، والله أعلم. # PageV06P637 # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، وإبراهيم بن شريك، وأبو عيسى بن ~~العراد، وأبو العباس البراني، وعلي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر وله نيف ~~وسبعون سنة. # PageV06P638 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة] ### | 303 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة # ذكر أمر الحسين بن حمدان # في هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر. وسبب ذلك أن ~~الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة، وهو يتولاها، فدافعه، ~~فأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان، فامتنع. # وكان مؤنس الخادم غائبا بمصر لمحاربة عسكر المهدي العلوي، صاحب إفريقية، ~~فجهز الوزير رائقا الكبير في جيش وسيره إلى الحسين بن حمدان. وكتب إلى مؤنس ~~يأمره بالمسير إلى ديار الجزيرة لقتال الحسين، بعد فراغه من أصحاب العلوي، ~~فسار رائق إلى الحسين بن حمدان. # (وجمع لهم الحسين نحو عشرين) ألف فارس، وسار إليهم فوصل إلى الحبشة وهم ~~قد قاربوها، فلما رأوا كثرة جيشه علموا عجزهم عنه لأنهم كانوا أربعة آلاف ~~فارس، فانحازوا إلى جانب دجلة، ونزلوا بموضع ليس ms2734 له طريق إلا من وجه واحد، ~~وجاء الحسين فنزل عليهم وحصرهم، ومنع الميرة عنهم من فوق ومن أسفل، فضاقت ~~عليهم الأقوات والعلوفات، فأرسلوا إليه يبذلون له أن يوليه الخليفة ما كان ~~بيده ويعود عنهم، فلم يجب إلى ذلك ولزم حصارهم، وأدام قتالهم إلى أن عاد ~~مؤنس من الشام، فلما سمع العسكر بقربه قويت نفوسهم وضعفت نفوس الحسين ومن ~~معه، فخرج العسكر إليه ليلا وكبسوه، فانهزم وعاد إلى ديار ربيعة، وسار ~~العسكر فنزلوا على الموصل. # PageV06P639 # وسمع مؤنس خبر الحسين، وجد مؤنس في المسير نحو الحسين، واستصحب معه أحمد ~~بن كيغلغ، فلما قرب منه راسله الحسين يعتذر، وترددت الرسل بينهما، فلم ~~يستقر حال، فرحل مؤنس نحو الحسين حتى نزل بإزاء جزيرة ابن عمر، ورحل الحسين ~~نحو أرمينية مع ثقله وأولاده، وتفرق عسكر الحسين عنه، وصاروا إلى مؤنس. # ثم إن مؤنسا جهز جيشا في أثر الحسين، مقدمهم بليق ومعه سيما الجزري، وجنى ~~الصفواني، فتبعوه إلى تل فافان، فرأوها خاوية على عروشها، قد قتل أهلها ~~وأحرقها، فجدوا في اتباعه فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقي من أصحابه، وأسر ~~هو ومعه ابنه عبد الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه، وقبض أملاكه. # وعاد مؤنس إلى بغداذ على [طريق] الموصل والحسين معه، فأركب على جمل هو ~~وابنه وعليهما البرانس، واللبود الطوال، وقمصان من شعر أحمر وحبس الحسين ~~وابنه عند زيدان القهرمانة، وقبض المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان (وعلى ~~جميع إخوته وحبسوا، وكان قد هرب بعض أولاد الحسين بن حمدان) ، فجمع جمعا ~~ومضى نحو آمد، فأوقع بهم مستحفظها، وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداذ. # ذكر بناء المهدية # في هذه السنة خرج المهدي بنفسه إلى تونس وقرطاجنة وغيرهما يرتاد موضعا ~~على # PageV06P640 # ساحل البحر يتخذ فيه مدينة. # وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على دولته، ومن أجله بنى المهدية، فلم ~~يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهدية، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف ~~متصلة بزنذ، فبناها وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما وأبوابا عظيمة ~~وزن كل ms2735 مصراع مائة قنطار. # وكان ابتداء بنائها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث ~~وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا [أن] يرمي بالقوس سهما إلى ناحية ~~المغرب، فرمى سهمه فانتهى إلى موضع المصلى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب ~~الحمار، يعني أبا يزيد الخارجي، لأنه كان يركب حمارا. # وكان يأمر الصناع بما يعملون، ثم أمر أن ينقر دار صناعة في الجبل تسعمائة ~~شيني، وعليها باب مغلق، ونقر في أرضها أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى ~~فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: اليوم أمنت على الفاطميات، يعني ~~بناته، وارتحل عنها. # ولما رأى إعجاب الناس بها، وبحصانتها، كان يقول: هذا لساعة من نهار، وكان ~~كذلك لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم، ووقف فيه ساعة، وعاد ولم يظفر. # ذكر عدة حوادث # فيها أغارت الروم على الثغور الجزرية، وقصدوا حصن منصور، وسبوا من فيه # PageV06P641 # وجرى على الناس أمر عظيم، وكانت الجنود متشاغلة بأمر الحسين بن حمدان. # وفيها عاد الحجاج وقد لقوا من العطش والخوف شدة، وخرج جماعة من العرب على ~~أبي حامد ورقاء بن محمد المرتب (على الثعلبية) لحفظ الطريق، فقاتلهم، وظفر ~~بهم، وقتل جماعة منهم، وأسر الباقين وحملهم إلى بغداذ، فأمر المقتدر ~~بتسليمهم إلى صاحب الشرطة ليحبسهم، فثارت بهم العامة فقتلوهم وألقوهم في ~~دجلة. # وفيها ظهر بالجامدة إنسان زعم أنه علوي فقتل العامل بها ونهبها، وأخذ من ~~دار الخراج أموالا كثيرة، ثم قتل بعد ظهوره بيسير، وقتل معه جماعة من ~~أصحابه، وأسر جماعة. # وفيها ظهرت الروم وعليهم الغثيط فأوقعوا بجماعة من مقاتلة طرسوس والغزاة، ~~فقتلوا منهم نحو ستمائة فارس، ولم يكن للمسلمين صائفة. # وفيها خرج مليح الأرمني إلى مرعش، فعاث في بلدها، وأسر جماعة ممن حولها ~~وعاد. # وفيها وقع الحريق ببغداذ في عدة مواضع، فاحترق كثير منها. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، صاحب كتاب " السنن "، ~~بمكة، ودفن بين الصفا والمروة. # PageV06P642 # والحسن بن سفيان النسوي. # وفيها توفي أبو بكر محمد بن عينونة بنصيبين، وكان يتولى أعمال الخراج ms2736 ~~والضياع بديار ربيعة، ولما توفي ولي ابنه الحسن مكانه. # وفيها توفي أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي. # (وفيها توفي يموت بن المزرع العبدي، وهو ابن أخت الجاحظ، توفي بدمشق) . # PageV06P643 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة] ### | 304 - # ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة # ذكر عزل ابن وهسوذان عن أصبهان # في هذه السنة، في المحرم، أرسل علي بن وهسوذان، وهو متولي الحرب بأصبهان، ~~غلاما كان رباه وتبناه إلى أحمد بن شاه، متولي الخراج، في حاجة فلقيه راكبا ~~فكلمه في حاجة مولاه، ورفع صوته، فشتمه أحمد، وقال: يا مؤاجر تكلمني بهذا ~~على الطريق! وحرد عليه، فعاد إلى مولاه باكيا، وعرفه ذلك، فقال: صدق، لولا ~~أنك مؤاجر لقتلته، فعاد الغلام فلقيه وهو راكب فقتله، فأنكر الخليفة ذلك، ~~وصرف علي بن وهسوذان عن أصبهان، وولى مكانه أحمد بن مسرور البلخي، وأقام ~~ابن وهسوذان بنواحي الجبل. # ذكر وزارة ابن الفرات الثانية وعزل علي بن عيسى # في هذه السنة، في ذي الحجة، عزل علي بن عيسى عن الوزارة، وأعيد إليها أبو ~~الحسن علي بن الفرات. # وكان (سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان) محبوسا، وكان المقتدر يشاوره ~~وهو في محبسه، ويرجع إلى قوله، وكان علي بن عيسى يمشي أمر الوزارة، ولم ~~يتبع أصحاب ابن الفرات وأسبابه (ولا غيره) ، وكان جميل المحضر (قليل # PageV06P644 # الشر) ، فبلغه أن أبا الحسن بن الفرات قد تحدث له جماعة من أصحاب الخليفة ~~في إعادته إلى الوزارة، فسارع واستعفى من الوزارة، وسئل في ذلك، فأنكر ~~المقتدر عليه، ومنعه من ذلك، فسكن. # فلما كان آخر ذي القعدة جاءته أم موسى القهرمانة لتتفق معه على ما يحتاج ~~حرم الدار والحاشية التي للدار من الكسوات والنفقات، فوصلت إليه وهو نائم، ~~فقال لها حاجبه: إنه نائم ولا أجسر [أن] أوقظه، فاجلسي في الدار ساعة حتى ~~يستيقظ، فغضبت من هذا وعادت، واستيقظ علي بن عيسى في الحال، فأرسل إليها ~~حاجبه وولده يعتذر، فلم يقبل منه، ودخلت على المقتدر وتخرصت على الوزير ~~عنده وعند أمه، فعزله عن الوزارة، وقبض ms2737 عليه ثامن ذي القعدة. # وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة، وضمن على نفسه أن يحمل كل يوم إلى بيت ~~المال ألف دينار وخمسمائة دينار، فقبض على أصحاب الوزير علي بن عيسى وعاد ~~فقبض على الخاقاني الوزير وأصحابه، واعترض العمال وغيرهم، وعاد عليهم ~~بأموال عظيمة ليقوم بما ضمنه. # وكان علي بن عيسى قد تعجل بمال من الخراج لينفقه في العيد، فاتسع به ابن ~~الفرات. # وكان قد كاتب العمال بالبلاد كفارس، والأهواز، وبلاد الجبل، وغيرهما في ~~حمل المال، وحثهم على ذلك غاية الحث، فوصل بعد قبضه، فادعى ابن الفرات ~~الكفاية والنهضة في جمع المال. # وكان أبو علي بن مقلة مستخفيا مذ قبض ابن الفرات إلى الآن، فلما عاد ابن # PageV06P645 # الفرات إلى الوزارة ظهر، فأشخصه ابن الفرات وقربه. # ذكر أمر يوسف بن أبي الساج # كان يوسف بن أبي الساج على أذربيجان وأرمينية قد ولي الحرب، والصلاة، ~~والأحكام، وغيرها، منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى، وعليه مال يؤديه إلى ~~ديوان الخلافة، فلما عزل ابن الفرات وولي الخاقاني الوزارة، وبعده علي بن ~~عيسى، طمع فأخر حمل بعض المال، فاجتمع له ما قويت به نفسه على الامتناع، ~~وبقي كذلك إلى هذه السنة. # فلما بلغه القبض على الوزير علي بن عيسى أظهر أن الخليفة أنفذ له عهدا ~~بالري، وأن الوزير علي بن عيسى سعى له في ذلك، فأنفذه إليه، وجمع العساكر ~~وسار إلى الري وبها محمد بن علي صعلوك يتولى أمرها لصاحب خراسان، وهو ~~الأمير نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني. وكان صعلوك قد تغلب على الري (وما ~~يليها) ، أيام وزارة علي بن عيسى، ثم أرسل إلى ديوان الخلافة فقاطع عليها ~~بمال يحمله، فلما بلغه مسير يوسف بن أبي الساج نحوه سار إلى خراسان، فدخل ~~يوسف الري واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وأبهر، فلما بلغ المقتدر فعله، ~~وقوله: إن علي بن عيسى أنفذ له العهد واللواء بذلك، أنكره واستعظمه. # وكتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات أن علي بن عيسى أنفذ إليه بعهده على هذه ~~الأماكن، وأنه افتتحها وطرد ms2738 منها المتغلبين عليها، ويعتذر بذلك، ويذكر كثرة ~~ما أخرجه، فعظم ذلك على المقتدر، وأمر ابن الفرات أن يسأل علي بن عيسى عن ~~الذي ذكره يوسف، فأحضره وسأله، فأنكر ذلك، وقال: سلوا الكتاب وحاشية ~~الخليفة، فإن # PageV06P646 # العهد واللواء لا بد أن يسير بهما بعض خدم الخليفة، أو بعض قواده، فعلموا ~~صدقه. # وكتب ابن الفرات إلى ابن أبي الساج ينكر عليه تعرضه لهذه البلاد، وكذبه ~~على الوزير علي بن عيسى، وجهز العساكر لمحاربته، وكان مسير العساكر سنة خمس ~~وثلاثمائة. # وكان المقدم على العسكر خاقان المفلحي، ومعه جماعة من القواد كأحمد بن ~~مسرور البلخي، وسيما الجزري، ونحرير الصغير، فساروا، ولقوا يوسف، واقتتلوا، ~~فهزمهم يوسف، وأسر منهم جماعة، وأدخلهم الري مشهورين على الجمال، فسير ~~الخليفة مؤنسا الخادم في جيش كثيف إلى محاربته، فسار، وانضم إليه العسكر ~~الذي كان مع خاقان، فصرف خاقان عن أعمال الجبل، ووليها نحرير الصغير. # وسار مؤنس فأتاه أحمد بن علي، وهو أخو محمد بن علي صعلوك، مستأمنا، ~~فأكرمه ووصله، وكتب ابن أبي الساج يسأل الرضى، وأن يقاطع على أعمال الري ~~وما يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال، سوى ما يحتاج إليه الجند ~~وغيرهم، فلم يجبه المقتدر إلى ذلك، ولو بذل ملء الأرض لما أقره على الري ~~يوما واحدا لإقدامه على التزوير، فلما عرف ابن أبي الساج ذلك سار عن الري ~~بعد أن أخربها، وجبى خراجها في عشرة أيام. # وقلد الخليفة الري وقزوين وأبهر وصيفا البكتمري، وطلب ابن أبي الساج أن ~~يقاطع على ما كان بيده من الولاية، فأشار ابن الفرات بإجابته إلى ذلك، ~~فعارضه نصر الحاجب، وابن الحواري، وقالا: لا يجوز أن يجاب إلى ذلك إلا بعد ~~أن يطأ البساط. # ونسب ابن الفرات إلى مواطأة ابن أبي الساج والميل معه، فحصل بينهما وبين ~~ابن الفرات عداوة، فامتنع المقتدر من إجابته إلى ذلك إلى أن يحضر في خدمته ~~بنفسه، # PageV06P647 # فلما رأى يوسف أن دمه على خطر إن حضر لخدمته حارب مؤنسا، فانهزم مؤنس إلى ~~زنجان، وقتل من قواده سيما بن ms2739 بويه، وأسر جماعة منهم، فيهم هلال بن بدر، ~~فأدخلهم أردبيل مشتهرين على الجمال. # وأقام مؤنس بزنجان يجمع العساكر، ويستمد الخليفة، وكاتبه ابن أبي الساج ~~في الصلح، وتراسلا في ذلك، وكتب مؤنس إلى الخليفة، فلم يجبه إلى ذلك، فلما ~~كان في المحرم سنة سبع وثلاثمائة، والوزير يومئذ حامد بن العباس، اجتمع ~~لمؤنس عسكر كبير، فسار إلى يوسف، فتواقعا على باب أردبيل، فانهزم عسكر ~~يوسف، وأسر يوسف وجماعة من أصحابه، وعاد بهم مؤنس إلى بغداذ، فدخلها في ~~المحرم أيضا، وأدخل يوسف أيضا بغداذ مشتهرا على جمل، وعليه برنس بأذناب ~~الثعالب، فأدخل إلى المقتدر، ثم حبس بدار الخليفة عند زيدان القهرمانة. # ولما ظفر مؤنس بابن أبي الساج قلد علي بن وهسوذان أعمال الري، ودنباوند، ~~وقزوين، وأبهر، وزنجان، وجعل أموالها لرجاله، وقلد أصبهان، وقم، وقاشان، ~~وساوة لأحمد بن علي بن صعلوك، وسار عن أذربيجان. # ذكر حال هذه البلاد بعد مسير مؤنس # لما سار مؤنس عن أذربيجان إلى العراق وثب سبك غلام يوسف بن أبي الساج على ~~بلاد أذربيجان، فملكها، واجتمع إليه عسكر عظيم، فأنفذ إليه مؤنس محمد بن ~~عبيد الله الفارقي، وقلده البلاد، وسار إلى سبك وحاربه، فانهزم الفارقي ~~وسار إلى بغداذ، وتمكن سبك من البلاد، ثم كتب إلى الخليفة يسأل أن يقاطع ~~على أذربيجان، فأجيب إلى ذلك، وقرر عليه كل سنة مائتان وعشرون ألف دينار، ~~وأنفذت إليه الخلع والعهد، فلم يقف على ما قرره. # ثم وثب أحمد بن مسافر، صاحب الطرم، على ابن أخيه علي بن وهسوذان وهو # PageV06P648 # مقيم بناحية قزوين، فقتله على فراشه، وهرب إلى بلده، فاستعمل مكان علي بن ~~وهسوذان وصيفا البكتمري، وقلد محمد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج بها. # وسار أحمد بن علي بن صعلوك من قم إلى الري، فدخلها، فأنفذ الخليفة ينكر ~~عليه ذلك ويأمره بالعود إلى قم فعاد، ثم إنه أظهر الخلاف، وصرف عمال الخراج ~~عن قم، واستعد للمسير إلى الري، فكوتب نحرير الصغير، وهو على همذان، ليسير ~~هو ووصيف إلى الري لمنع أحمد (بن علي عنها، ms2740 فساروا إليها، فلقيهم أحمد بن ~~علي على باب الري، فهزمهم) أحمد، وقتل محمد بن سليمان، واستولى أحمد على ~~الري، وكاتب نصرا الحاجب ليصلح أمره مع الخليفة، ففعل ذلك، وأصلح أمره، ~~وقرر عليه عن الري ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر مائة وستين ألف دينار ~~محمولة كل سنة إلى بغداذ، فنزل أحمد عن قم، فاستعمل الخليفة عليها من ينظر ~~فيها. # ذكر تغلب كثير بن أحمد على سجستان ومحاربته # كان كثير بن أحمد (بن شهفور) قد تغلب على أعمال سجستان، فكتب الخليفة إلى ~~بدر بن عبد الله الحمامي، وهو متقلد أعمال فارس، يأمره أن يرسل جيشا ~~يحاربون كثيرا، ويؤمر عليهم دركا، ويستعمل على الخراج بها زيد بن إبراهيم، ~~فجهز بدر جيشا كثيفا وسيرهم، فلما وصلوا قاتلهم كثير، فلم يكن له بهم قوة، ~~وضعف أمره وكادوا يملكون البلد، فبلغ أهل البلد أن زيدا معه قيود وأغلال ~~لأعيانهم، فاجتمعوا مع كثير، وشدوا منه، وقاتلوا معه فهزموا عسكر الخليفة، ~~وأسروا زيدا، فوجدوا معه القيود والأغلال، فجعلوها في رجليه وعنقه. # PageV06P649 # وكتب كثير إلى الخليفة يتبرأ من ذلك، ويجعل الذنب فيه لأهل البلد، فأرسل ~~الخليفة إلى بدر الحمامي يأمره أن يسير بنفسه إلى قتال كثير، فتجهز بدر، ~~فلما سمع كثير ذلك خاف، فأرسل يطلب المقاطعة على مال يحمله كل سنة، فأجيب ~~إلى ذلك، وقوطع على خمسمائة ألف درهم، وقررت البلاد عليه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في الصيف، خافت العامة ببغداد من حيوان كانوا يسمونه ~~الزبزب، ويقولون إنهم يرونه في الليل على سطوحهم، وإنه يأكل أطفالهم، وربما ~~عض يد الرجل وثدي المرأة فقطعهما، (وهرب بهما) ، فكان الناس يتحارسون، ~~ويتزاعقون، ويضربون بالطشوت والصواني وغيرها ليفزعوه فارتجت بغداذ لذلك. ثم ~~إن أصحاب السلطان صادوا ليلة حيوانا أبلق بسواد، قصير اليدين والرجلين، ~~فقالوا: هذا هو الزبزب، وصلبوه على الجسر، فسكن الناس، وهذه دابة تسمى ~~طبرة، وأصاب اللصوص حاجتهم لاشتغال الناس عنهم. # وفيها توفي الناصر العلوي، صاحب طبرستان، في شعبان وعمره تسع وسبعون سنة، ~~وبقيت طبرستان في أيدي العلوية إلى أن قتل ms2741 الداعي، وهو الحسن بن القاسم، ~~سنة ست عشرة وثلاثمائة على ما نذكره. # وفيها خالف أبو زيد خالد بن محمد المادرائي على المقتدر بالله بكرمان ~~وكان # PageV06P650 # يتولى الخراج، وسار منها إلى شيراز يريد التغلب على فارس، فخرج إليه بدر ~~الحمامي فحاربه وقتله، وحمل رأسه إلى بغداذ وطيف به. # وفيها سار مؤنس المظفر إلى بلاد الروم لغزاة الصائفة، فلما صار بالموصل ~~قلد سبكا المفلحي بازبدى وقردى، وقلد عثمان العنزي مدينة بلد، وباعيناثا، ~~وسنجار، وقلد وصيفا البكتمري باقي بلاد ربيعة، وسار مؤنس إلى ملطية وغزا ~~فيها، وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد بن بسطام أن يغزو من طرسوس في ~~أهلها، ففعل. # وفتح مؤنس حصونا كثيرة من الروم، وأثر آثارا جميلة، وعتب عليه أهل الثغور ~~وقالوا: لو شار لفعل أكثر من هذا، وعاد إلى بغداذ، فأكرمه الخليفة وخلع ~~عليه. # [الوفيات] # وفيها توفي يموت بن المزرع العبدي، وهو ابن أخت الجاحظ، وسليمان بن محمد ~~بن أحمد أبو موسى النحوي المعروف بالحامض، (أخذ # PageV06P651 # العلم عن ثعلب، وكانت وفاته في ذي الحجة، وكان من أصحاب ثعلب. # ويوسف بن الحسين بن علي بن يعقوب الرازي، وهو من أصحاب ذي النون المصري، ~~وهو صاحب قصة الفأرة معه. # PageV06P652 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة] ### | 305 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة # في هذه السنة، في المحرم، وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان ~~المهادنة والفداء، فأكرما إكراما كثيرا، وأدخلا على الوزير وهو في أكمل ~~أبهة، وقد صف الأجناد بالسلاح، (والزينة التامة) ، وأديا الرسالة إليه، (ثم ~~إنهما دخلا على المقتدر، وقد جلس لهما، واصطف الأجناد بالسلاح والزينة ~~التامة، وأديا الرسالة) ، فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من ~~الفداء، وسير مؤنسا الخادم ليحضر الفداء، وجعله أميرا على كل بلد يدخله ~~يتصرف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وسير معه جمعا من الجنود، وأطلق ~~لهم أرزاقا واسعة، وأنفذ معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أسارى ~~المسلمين، وسار مؤنس والرسل، وكان الفداء على يد مؤنس. # وفيها أطلق أبو الهيجاء عبد ms2742 الله بن حمدان، وإخوته، وأهل بيته من الحبس، ~~وكانوا محبوسين بدار الخليفة، وقد تقدم ذكر حبسهم وسببه. # PageV06P653 # وفيها مات العباس بن عمرو الغنوي وكان متقلدا أعمال الحرب (بديار مصر) ، ~~فجعل مكانه وصيف البكتمري، فلم يقدر على ضبط (العمل، فعزل، وجعل مكانه جني ~~الصفواني، فضبطه أحسن ضبط) . # وفي هذه السنة كانت بالبصرة فتنة عظيمة، وسببها أنه كان الحسن بن الخليل ~~بن رمال متقلدا أعمال الحرب بالبصرة، وأقام بها سنين، وجرت بينه وبين ~~العامة من مضر وربيعة فتن كثيرة، وسكنت، ثم ثارت بينهم فتنة اتصلت، فلم ~~يمكنه الخروج من منزله برحبة بني نمير، واجتمع الجند كلهم معه، وكان لا ~~يوجد أحد منهم (في طريق) إلا قتل، حتى حوصرت، وغورت القناة التي يجري فيها ~~الماء إلى بني نمير، فاضطر إلى الركوب إلى المسجد الجامع، فقتل من العامة ~~خلقا كثيرا. # فلما عجز عن إصلاحهم خرج هو ومعه الأعيان من أهل البصرة إلى واسط، فعزل ~~عنها، واستعمل أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي عليها فبقي نحو سنة وصرف عنها، ~~ووليها سبك المفلحي نيابة عن شفيع المقتدري. # (وفيها عقد لثمال الخادم على الغزاة في بحر الروم، وسار) # PageV06P654 # وفيها غزا جني الصفواني بلاد الروم، فغنم ونهب وسبى وعاد سالما [الوفيات] # وفي هذه السنة مات أبو خليفة المحدث البصري. # (وفيها، في جمادى الأولى، مات) أبو جعفر بن محمد بن عثمان العسكري ~~المعروف بالسمان، ويعرف أيضا بالعمري، رئيس الإمامية، وكان يدعي أنه الباب ~~إلى الإمام المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن الحسين بن روح. # (وفي آخرها توفي أحمد بن محمد بن شريح وكان عالما بمذهب الشافعي) . # PageV06P655 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة] ### | 306 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة # ذكر عزل ابن الفرات ووزارة حامد بن العباس # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات، ~~وكانت مدة وزارته هذه، وهي الثانية، سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما. # وكان سبب ذلك أنه أخر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتج عليهم بضيق الأموال، ~~وأنها أخرجت في محاربة ابن أبي ms2743 الساج، وأن الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال ~~الري وأعمالها، فشغب الجند شغبا عظيما، وخرجوا إلى المصلى، والتمس ابن ~~الفرات من المقتدر إطلاق مائتي ألف دينار من بيت المال الخاص ليضيف إليها ~~مائتي ألف دينار يحصلها، ويصرف الجميع في أرزاق الجند، فاشتد ذلك على ~~المقتدر، وأرسل إليه: إنك ضمنت أنك ترضي جميع الأجناد، وتقوم بجميع النفقات ~~الراتبة على العادة الأولى وتحمل بعد ذلك (ما ضمنت أنك تحمله يوما بيوم) ، ~~فأراك تطلب من بيت المال الخاص، فاحتج بقلة الارتفاع، وما أخذه ابن أبي ~~الساج (من الارتفاع) وما خرج على محاربته، فلم يسمع المقتدر حجته وتنكر له ~~عليه. # وقيل: كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له: إن ابن الفرات يريد إرسال # PageV06P656 # الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه، وإذا صار عنده اتفقا عليك، ~~ثم إن ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج، فقتل ابن ~~حمدان في جمادى الأولى، وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة. # ثم إن بعض العمال ذكر لابن الفرات ما يتحصل لحامد بن العباس من أعمال ~~واسط زيادة على ضمانه، فاستكثره، وأمره أن يكاتبه (بذلك، فكاتبه) ، فخاف ~~حامد أن يؤخذ ويطالب بذلك المال، فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والده المقتدر، ~~وضمن لهما مالا ليتحدثا له في الوزارة، فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه، وكثرة ~~أتباعه، وأنه له أربعمائة مملوك يحملون السلاح، واتفق ذلك عند نفرة المقتدر ~~عن ابن الفرات، فأمره بالحضور من واسط، فحضر وقبض على ابن الفرات وولده ~~المحسن وأصحابهما وأتباعهما. # ولما وصل حامد إلى بغداذ أقام ثلاثة أيام في دار الخليفة، فكان يتحدث مع ~~الناس، ويضاحكهم، ويقوم لهم، فبان للخدم ولأبي القاسم بن الحواري وحاشية ~~الدار قلة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه: يا مولانا! الوزير يحتاج إلى ~~لبسه، وجلسه، وعبسه، فقال له: (تعني أن) تلبس، وتقعد، فلا تقوم لأحد، ولا ~~تضحك في وجه أحد، ولا تحدث أحدا؟ قال: نعم. # قال حامد: إن الله أعطاني وجها طلقا، وخلقا حسنا، وما كنت بالذي أعبس ~~وجهي، وأقبح ms2744 خلقي لأجل الوزارة، فعابوه عند المقتدر، ونسبوه إلى الجهل ~~بأمور الوزارة، فأمر المقتدر بإطلاق علي بن عيسى من محبسه، وجعله يتولى ~~الدواوين شبه النائب عن حامد، فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه، ثم إنه ~~استبد بالأمر دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعلي، حتى ~~قيل فيهما: # هذا وزير بلا سواد وذا سواد بلا وزير # ثم إن حامدا أحضر ابن الفرات ليقابله على أعماله، ووكل بمناظرته علي بن ~~أحمد المادرائي ليصحح عليه الأموال، فلم يقدر على إثبات الحجة عليه، فانتدب ~~له حامد، وسبه، ونال منه، وقام إليه فلكمه. # PageV06P657 # (وكان حامد سفيها) فقال له ابن الفرات: أنت على بساط السلطان، وفي دار ~~المملكة، وليس هذا الموضع مما تعرفه من بيدر تقسمه، أو غلة تستفضل في ~~كيلها، ولا هو مثل أكار تشتمه، ثم قال لشفيع اللؤلؤي: قل لأمير المؤمنين ~~عني إن حامدا إنما حمله على الدخول في الوزارة، وليس من أهلها، إنني أوجبت ~~عليه أكثر من ألفي ألف دينار من فضل ضمانه، وألححت في مطالبته بها، فظن ~~أنها تندفع عنه بدخوله في الوزارة، (وأنه يضيف) إليها غيرها، فاستشاط حامد ~~وبالغ في شتمه، فأنفذ المقتدر، فأقام ابن الفرات من مجلسه، ورده إلى محبسه، ~~وقال علي بن عيسى، ونصر الحاجب لحامد: قد جنيت علينا وعلى نفسك جناية عظيمة ~~بما فعلته بابن الفرات، وأيقظت منه شيطانا لا ينام. # ثم إن ابن الفرات صودر على مال عظيم، وضرب ولده المحسن وأصحابه، وأخذ منه ~~أموال جمة. # وفي هذه السنة عزل نزار عن شرطة بغداذ، وجعل فيها نجح الطولوني، وجعل في ~~الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشرطة بفتواهم، فضعفت هيبة السلطنة بذلك، ~~وطمع اللصوص والعيارون، وكثرت الفتن، وكبست دور التجار، وأخذت بنات الناس ~~في الطريق المنقطعة، (وكثر المفسدون) . # PageV06P658 # ذكر إرسال المهدي العلوي العساكر إلى مصر # وفي هذه السنة جهز المهدي صاحب إفريقية جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم، ~~وسيرهم إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوصل إلى الإسكندرية في ربيع الآخر سنة ~~سبع وثلاثمائة، فخرج عامل ms2745 المقتدر عنها، ودخلها القائم، ورحل إلى مصر، فدخل ~~الجيزة، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى ~~الدخول في طاعته فلم يقبلوا منه. # ووردت بذلك الأخبار إلى بغداذ، فبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم في ~~شعبان، وجد في السير فوصل إلى مصر، وكان بينه وبين القائم عدة وقعات، ووصل ~~من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم، فأرست بالإسكندرية، وعليها سليمان ~~الخادم، ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين، فأمر المقتدر بالله أن يسير مراكب ~~طرسوس إليهم، فسار خمسة وعشرون مركبا، وفيها النفط والعدد، ومقدمها أبو ~~اليمن، فالتقت المراكب بالمراكب، واقتتلوا على رشيد، فظفر أصحاب مراكب ~~المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وهلك أكثر أهلها، وأسر منهم ~~كثير، وفي الأسرى سليمان الخادم، ويعقوب، فقتل من الأسرى كثير، (وأطلق ~~كثير) ، ومات سليمان في الحبس بمصر، وحمل يعقوب إلى بغداذ، ثم هرب منها ~~وعاد إلى إفريقية. # وأما عسكر القائم فكان بينه وبين مؤنس وقعات كثيرة، وكان الظفر لمؤنس ~~فلقب حينئذ بالمظفر. # ووقع الوباء في عسكر القائم، والغلاء، فمات منهم كثير من الناس والخيل، ~~فعاد من سلم إلى إفريقية، وسار عسكر مصر في أثرهم، حتى أبعدوا، فوصل القائم ~~إلى المهدية في رجب من السنة. # PageV06P659 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة غزا بشر الأفشيني بلاد الروم، فافتتح عدة حصون، وغنم، وسلم. # وغزا ثمل في بحر الروم، فغنم، وسبى، وعاد، وكان على الموصل أبو أحمد بن ~~حماد الموصلي. # وفيها دخل جني الصفواني بلاد الروم، فنهب، وخرب، وأحرق، وفتح وعاد، فقرئت ~~الكتب على المنابر ببغداذ بذلك. # وفيها وقعت فتنة ببغداذ بين العامة والحنابلة، فأخذ الخليفة جماعة منهم ~~وسيرهم إلى البصرة فحبسوا. # وفيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان، فبني، وأجري عليه النفقات الكثيرة، ~~وكان يسمى البيمارستان المقتدري. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي محمد بن خلف بن حيان أبو بكر الضبي المعروف بوكيع، ~~وكان عالما بأخبار الناس وغيرها، وله تصانيف حسنة. # PageV06P660 # والقاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح الفقيه الشافعي وله سبع وخمسون ~~سنة. # وفيها مات كنيز المغني، وهو مشهور بالحذق في ms2746 الغناء. (كنيز بضم الكاف ~~وفتح النون وآخرها زاي) . # PageV06P661 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة] ### | 307 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة # في هذه السنة ضمن حامد بن العباس أعمال الخراج، والضياع الخاصة، والعامة، ~~والمستحدثة، والفراتية بسواد بغداذ، والكوفة، وواسط، والبصرة، والأهواز، ~~وأصبهان. # وسبب ذلك أنه لما رأى أنه قد تعطل عن الأمر والنهي وتفرد به علي بن عيسى ~~شرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي، واستأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ~~(ليدبر أمر ضمانه الأول) ، فأذن له في ذلك، فانحدر إليها واسم الوزارة ~~عليه، وعلي بن عيسى يدبر الأمور، وأظهر حامد زيادة ظاهرة في الأموال، وزاد ~~زيادة متوفرة، فسر المقتدر بذلك، وبسط يد حامد على الأعمال، حتى خافه علي ~~بن عيسى. # ثم إن السعر تحرك ببغداذ، فثارت العامة والخاصة لذلك، واستغاثوا، وكسروا ~~المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القواد ونهبت عدة من دكاكين ~~الدقاقين، فأمر المقتدر بإحضار حامد بن العباس، فحضر من الأهواز، فعاد ~~الناس من شغبهم، فأنفذ حامد لمنعهم، فقاتلوهم، وأحرقوا الجسرين، وأخرجوا ~~المحبسين من السجون، ونهبوا دار صاحب الشرطة، ولم يتركوا له شيئا، فأنفذ ~~المقتدر جيشا مع غريب الخال، فقاتل العامة، فهربوا من بين يديه، ودخلوا ~~الجامع بباب الطاق، فوكل بأبواب الجامع، وأخذ كل من فيه فحبسهم، وضرب ~~بعضهم، وقطع أيدي من يعرف بالفساد. # PageV06P662 # ثم أمر المقتدر من الغد، فنودي في الناس بالأمان، فسكنت الفتنة، ثم إن ~~حامدا ركب إلى دار المقتدر في الطيار، فرجمه العامة، ثم أمر المقتدر ~~بتسكينهم فسكنوا، وأمر المقتدر بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد، ولأم ~~المقتدر، وغيرهما، وبيع ما فيها، فرخصت الأسعار، وسكن الناس، فقال علي بن ~~عيسى للمقتدر: إن سبب غلاء الأسعار إنما هو ضمان حامد لأنه منع من بيع ~~الغلال في البيادر وخزنها، فأمر بفسخ الضمان عن حامد، وصرف عماله عن ~~السواد، وأمر علي بن عيسى أن يتولى ذلك، فسكن الناس واطمأنوا، وكان أصحاب ~~حامد يقولون إن ذلك الشغب كان بوضع من علي بن عيسى. # ذكر أمر أحمد بن سهل ms2747 # في هذه السنة ظفر الأمير نصر بن أحمد صاحب خراسان (وما وراء النهر) بأحمد ~~بن سهل، ونحن نذكر حاله من أوله. # كان أحمد بن سهل هذا من كبار قواد الأمير إسماعيل بن أحمد، وولده أحمد بن ~~إسماعيل، وولده نصر بن أحمد، وقد تقدم من ذكر تقدمه على الجيوش في الحروب ~~ما يدل على علو منزلته. # وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد (بن جبلة) بن كامكار بن يزدجرد بن ~~شهريار الملك، وكان كامكار دهقانا بنواحي مرو، وإليه ينسب الورد الكامكاري، ~~وهو الشديد الحمرة، وهو الذي يسمى بالري القصراني، وبالعراق والجزيرة ~~والشام الجوري، ينسب إلى قصران، وهي قرية بالري، وإلى مدينة جور، وهي من ~~مدن فارس. # PageV06P663 # وكان لأحمد إخوة يقال لهم محمد، والفضل، والحسين، قتلوا في عصبية العرب ~~والعجم بمرو، وكان أحمد خليفة عمرو بن الليث على مرو، فقبض عليه عمرو، ~~ونقله إلى سجستان، فحبسه بها، فرأى وهو في السجن كأن يوسف النبي، عليه ~~السلام، على باب السجن، فقال له: ادع الله أن يخلصني ويوليني! فقال له: قد ~~أذن الله في خلاصك، لكنك لا تلي عملا برأسك. # ثم إن أحمد طلب الحمام فأدخل إليه، فأخذ النورة فطلى بها رأسه ولحيته ~~فسقط شعره، وخرج من الحمام ولم يعرفه أحد، فاختفى، فطلبه عمرو فلم يظفر به، ~~ثم خرج من سجستان نحو مرو، فقبض على خليفة عمرو واستولى عليها، واستأمن إلى ~~إسماعيل بن أحمد ببخارى، فأكرمه، وقدمه، ورفع قدره، وكان عاقلا كتوما ~~لأسراره. # فلما عصى الحسين بن علي سير إليه أحمد، فظفر به على ما ذكرناه، وضمن له ~~الأمير نصر أشياء لم يف له بها، فاستوحش من ذلك، فأتاه يوما بعض أصحاب أبي ~~جعفر صعلوك، فحادثه، فأنشده أحمد بن سهل، وقد ذكر حاله، وأنهم لم يفوا له ~~بما وعدوه: # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أي كفيك تبدل # وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار العلى متحول # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان ms2748 يعقل # وتركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد # إليه بوجه، آخر الدهر، تقبل # قال: فعلمت أنه قد أضمر المخالفة، فلم تمض إلا أيام حتى خالفه بنيسابور # PageV06P664 # (واستولى عليها) وأسقط خطبة السعيد نصر بن أحمد، وأنفذ رسولا إلى بغداذ ~~يخطب له أعمال خراسان. # وسار من نيسابور إلى جرجان وبها قراتكين، فحاربه، واستولى عليها، (وأخرج ~~قرائكين عنها، ثم عاد إلى خراسان، وقصد مرو فاستولى عليها) ، وبنى عليها ~~سورا وتحصن بها، فأرسل إليه السعيد نصر الجيوش مع حمويه بن علي من بخارى، ~~فوافى مرو الروذ، فأقام بنواحيها ليخرج إليه أحمد بن سهل منها، فلم يفعل. # ودخل بعض أصحاب أحمد عليه يوما، وهو يفكر بعد نزول حمويه عليه، فقال ~~لصاحبه: لا شك أن الأمير مشغول القلب لهذا الخطب، فما هو رأي الأمير؟ فقال: ~~ليس بي ما تظن، ولكن ذكرت رؤيا رأيتها في حبس سجستان، وذكر قول يوسف ~~الصديق، عليه السلام: إنك لا تلي عملا برأسك. قال: فقلت له: إن القوم ~~يغتنمون سلمك، ويعطونك ما تريد، فإن رأيت أن يتوسط الحال فعلنا، فأنشد: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا # ولما رأى حمويه أنه لا يخرج إليه من مرو عمل الحيلة في ذلك، فجعل يقول: ~~قد أدخلت ابن سهل في جحر فأر، وسددت عليه وجوه الفرار، وأشباه هذا الكلام ~~ليغضب أحمد فيخرج، فلم يفعل ذلك، فحينئذ أمر حمويه جماعة من ثقات قواده، ~~فكاتبوا أحمد بن سهل سرا، وأظهروا له الميل، ودعوه إلى الخروج من مرو ~~ليسلموا إليه حمويه، فأجابهم إلى ذلك، لما في نفسه من الغيظ على حمويه، ~~فخرج عن مرو نحو حمويه، فالتقوا على مرحلة من مرو الروذ في رجب سنة سبع ~~وثلاثمائة، فانهزم أصحاب أحمد، وحارب هو إلى أن عجزت دابته، فنزل عنها ~~واستأمن، فأخذوه أسيرا، وأنفذوه إلى بخارى، فمات بها في الحبس في ذي الحجة ~~من سنة سبع وثلاثمائة. # وكان الأمير أحمد بن إسماعيل بن ms2749 أحمد يقول: لا ينبغي لأحمد بن سهل أن ~~يغيب # PageV06P665 # عن باب السلطان، فإنه إن غاب عنه أثار شغلا عظيما، كأنه يتوسم فيه ما ~~فعل، فهكذا ينبغي أن تكون فراسة الملك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع حريق بالكرخ من بغداذ، فاحترق فيه كثير من الدور ~~والناس. # وفيها قلد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وقلد بني بن نفيس شهرزور فامتنعت ~~عليه، فاستمد المقتدر، فسير إليه جيشا، فحصرها ولم يفتحها، وقلد القتال ~~بالموصل وأعمالها. # وفيها أوقع ثمل متولي الغزو في البحر بمراكب للمهدي العلوي، صاحب ~~إفريقية، وقتل جماعة ممن فيها، وأسر خادما له. # وفيها انقض كوكب عظيم، (فاشتد ضوءه وعظم) ، وتفرق ثلاث فرق، وسمع عند ~~انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم. # وفيها كانت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين الأساكفة، واحترق سوق ~~الأساكفة وما فيه، وكان الوالي على الموصل وأعمالها العباس بن محمد بن ~~إسحاق بن كنداج، وكان خارجا عن البلد، فسمع بالفتنة، فرجع ليوقع بأهل ~~الموصل، فعزموا على قتاله، وحصنوا البلد، وسدوا الدروب فلما علم بذلك ترك ~~قتالهم، وأمر الأعراب بتخريب الأعمال، فصاروا يقطعون الطريق على الجسر وفي ~~الميدان، ويقاسمونه. # PageV06P666 # فخرب البلد، فبلغ الخبر إلى الخليفة، فعزله سنة ثمان وثلاثمائة، واستعمل ~~بعده عبد الله بن محمد الفتان، وكان عفيفا، صارما، كف الأعراب عن البلد. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو يعلى أحمد (بن علي بن المثنى الموصلي، صاحب " المسند " ~~بها) . # PageV06P667 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة] ### | 308 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة # في هذه السنة خلع المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقلد طريق ~~خراسان والدينور، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا. # وفيها وصل رسول أخي صعلوك بالمال، والهدايا، والتحف، ويخبر باستمراره على ~~الطاعة للمقتدر بالله. # وفيها توفي إبراهيم بن حمدان في المحرم. # وفيها قلد بدر الشرابي دقوقا، وعكبرا، وطريق الموصل. # [الوفيات] # وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم بن الحجاج، ومن طريقه ~~يروى " صحيح مسلم " إلى اليوم. # PageV06P668 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة] ### | 309 ms2750 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة # ذكر قتل ليلى بن النعمان الديلمي # في هذه السنة قتل ليلى بن النعمان الديلمي، وكان ليلى هذا أحد قواد أولاد ~~الأطروش العلوي، وكان إليه ولاية جرجان، وكان قد استعمله عليها الحسن بن ~~القاسم الداعي سنة ثمان وثلاثمائة، وكان أولاد الأطروش يكاتبونه: المؤيد ~~لدين الله المنتصر لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلى بن النعمان، وكان ~~كريما، بذالا للأموال، شجاعا، مقداما على الأهوال. # وسار من جرجان إلى الدامغان، فحاربه أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد ~~إلى جرجان، فابتنى أهل الدامغان حصنا يحميهم، وسار قراتكين إليه بجرجان، ~~فحاربه على نحو عشرة فراسخ من جرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه بارس ~~إلى ليلى ومعه ألف فارس، فأكرمه ليلى، وزوجه أخته، واستأمن إليه أبو القاسم ~~بن حفص ابن أخت أحمد بن سهل، فأكرمه ليلى. # ثم إن الأجناد كثروا على ليلى بن النعمان، فضاقت الأموال عليه، فسار نحو ~~نيسابور بأمر الحسن بن القاسم الداعي، وتحريض أبي القاسم بن حفص وكان بها ~~قراتكين، فوردها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة، وأقام بها الخطبة للداعي، ~~وأنفذ السعيد نصر من بخارى إليه حمويه بن علي، فالتقوا بطوس، واقتتلوا، ~~فانهزم أكثر أصحاب حمويه بن علي حتى بلغوا مرو، وثبت حمويه، ومحمد بن عبد ~~الله البلغمي، وأبو جعفر صعلوك، وخوارزم شاه وسيمجور الدواتي، (فاقتتلوا، ~~فانهزم بعض أصحاب # PageV06P669 # ليلى، ومضى ليلى منهزما) ، فدخل (ليلى سكة) لم يكن له فيها مخرج، ولحقه ~~بغرا فيها، فلم يقدر ليلى على الهرب، فنزل وتوارى في دار، فقبض عليه بغرا، ~~وأنفذ إلى حمويه فأعلمه بذلك، فأنفذ من قطع رأس ليلى، ونصبه على رمح، فلما ~~رآه أصحابه طلبوا الأمان فأمنوا. # ثم قال حمويه للجند: قد مكنكم الله من شياطين الجيل والديلم، فأبيدوهم ~~واستريحوا منهم أبد الدهر، فلم يفعلوا، وحامى كل قائد جماعة فخرج منهم من ~~خرج بعد ذلك، وكان قتل ليلى في ربيع الأول سنة تسع وثلاثمائة وحمل رأسه إلى ~~بغداذ، وبقي بارس غلام قراتكين بجرجان. # وقيل إن حمويه لما سار إلى ms2751 قتال ليلى قيل له: إن ليلى يستبطئك في قصده، ~~فقال: إني ألبس أحد خفي للحرب العام، والآخر في العام المقبل، فبلغ قوله ~~ليلى، فقال: لكني ألبس أحد خفي للحرب قاعدا، والثاني قائما وراكبا فلما قتل ~~قال حمويه: هكذا من تعجل إلى الحرب. # ذكر قتل الحسين الحلاج # في هذه السنة قتل الحسين بن منصور الحلاج الصوفي وأحرق، وكان ابتداء حاله ~~أنه كان يظهر الزهد والتصوف، ويظهر الكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في # PageV06P670 # الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم ~~عليها مكتوب: قل هو الله أحد، ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوه، ~~وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا ~~في الحلول، وبالجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح، عليه ~~السلام، فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي، ويدعي فيه الربوبية، ومن قائل إنه ~~ولي الله تعالى، وإن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين ومن قائل إنه ~~مشعبذ، وممخرق، وساحر كذاب، ومتكهن، والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير ~~أوانها. # وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا ~~يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفا، وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له ~~القوام كوز ماء، وقرصا، فيشربه، ويعض من القرص ثلاث عضات (من جوانبه) ، ~~فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئا آخر إلى الغد آخر النهار. # وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي، فأخذ أصحابه ومشى إلى ~~زيارة الحلاج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل أبي قبيس، فصعد ~~إليه، فرآه على صخرة حافيا، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ ~~أصحابه وعاد ولم يكلمه، فقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله، سوف يبتليه ~~الله بما يعجز عنه (صبره وقدرته وعاد الحسين إلى بغداذ. # وأما سبب قتله فإنه نقل عنه) عند عوده إلى بغداذ إلى الوزير حامد بن ~~العباس أنه أحيا جماعة، وأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، ms2752 وأنهم يحضرون ~~عنده # PageV06P671 # ما يشتهي، وأنه قدموه على جماعة من حواشي الخليفة، وأن نصرا الحاجب قد ~~مال إليه وغيره، فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلم إليه الحلاج ~~وأصحابه، فدفع عنه نصر الحاجب، فألح الوزير، فأمر المقتدر بتسليمه إليه، ~~فأخذه، وأخذ معه إنسان يعرف بالشمري، وغيره، قيل إنهم يعتقدون أنه إله ~~فقررهم، فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وقابلوا ~~الحلاج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، (أو النبوة) ، ~~وإنما أنا رجل أعبد الله، عز وجل! فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا ~~جعفر بن البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، فقالوا: لا ~~يفتى في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول من ~~يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة أو إقرار. # وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه ~~الشريعة المطهرة. # وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجد في أمره، وجرى له معه قصص يطول ~~شرحها وفي آخرها أن الوزير رأى كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج، ~~ولم يمكنه، أفرد من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، ~~فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة ثم يجمع ثلاثين ~~يتيما، ويعمل أجود طعام يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت، ويخدمهم بنفسه، فإذا ~~فرغوا كساهم، وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم فإذا، (فعل ذلك كان كمن حج) . # PageV06P672 # فلما قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاج: من أين لك هذا؟ ~~قال: من كتاب " الإخلاص للحسن البصري "، قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم! ~~(قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا، فلما قال له: يا حلال الدم) ، وسمعها الوزير ~~قال له: اكتب بهذا، فدافعه أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب ~~بعده من حضر المجلس. # ولما سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة، ~~ولي كتب موجودة، فالله الله في دمي! (وتفرق ms2753 الناس) وكتب الوزير إلى الخليفة ~~يستأذن في قتله وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلمه الوزير إلى صاحب ~~الشرطة، فضربه ألف سوط فما تأوه ثم قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثم رجله، ثم ~~قتل وأحرق بالنار فلما صار رمادا ألقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداذ، وأرسل ~~إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب، فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل، ~~وإنما ألقي شبهه على دابة، وإنه يجيء بعد أربعين يوما، وبعضهم يقول: لقيته ~~على حمار بطريق النهروان، وإنه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذين ~~يظنون أني ضربت وقتلت. # ذكر عدة حوادث # وفيها في ربيع الأول، وقع حريق كبير في الكرخ، فاحترق فيه بشر كثير. # وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب في # PageV06P673 # جمادى الأولى، وسار إليها فيه، فلما وصل إليها أوقع بمن خالفه من الأكراد ~~المارانية، فقتل، وأسر، وأرسل إلى بغداذ نيفا وثمانين أسيرا، فشهروا. # وفيها قلد داود بن حمدان ديار ربيعة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الآدمي الصوفي من ~~كبار مشايخهم وعلمائهم، وأبو إسحاق إبراهيم بن هارون الحراني الطبيب، وأبو ~~محمد عبد الله بن حمدون النديم. # PageV06P674 ### | [ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة] ### | 310 - # ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة # ذكر حرب سيمجور مع أبي الحسين بن العلوي # قد ذكرنا قتل ليلى بن النعمان، وأن جرجان تخلف بها بارس غلام قراتكين، ~~فلما قتل ليلى بن النعمان عاد قراتكين إلى جرجان، فاستأمن إليه غلامه بارس، ~~فقتله قراتكين، وانصرف عن جرجان، وقدمها أبو الحسين بن الحسن بن علي ~~الأطروش العلوي، الملقب والده بالناصر، وأقام بها فأنفذ إليه السعيد نصر بن ~~أحمد سيمجور الدواتي في أربعة آلاف فارس، فنزل على فرسخين من جرجان، وحاصر ~~أبا الحسين نحو شهر من هذه السنة. # وخرج إليه أبو الحسين في ثمانية آلاف رجل من الديلم، والجرجانية، وصاحب ~~جيشه سرخاب بن وهسوذان ابن عم ماكان بن كالي الديلمي، فتحاربا حربا عظيمة، ~~وكان سيمجور قد جعل كمينا ms2754 من أصحابه، فأبطؤوا عنه فانهزم سيمجور، ووقع ~~أصحاب أبي الحسين في عسكر سيمجور، واشتغلوا بالنهب والغارة، فخرج عليهم ~~الكمين بعد الظفر، فقتلوا من الديلم والجرجانية نحو أربعة آلاف رجل، وانهزم ~~أبو الحسين، وركب في البحر، ثم عاد إلى أستراباذ، واجتمع إليه فل أصحابه. # وكان سرخاب قد تبع سيمجور في هزيمته، فلما عاد رأى أصحابه مقتلين مشردين # PageV06P675 # فسار إلى أستراباذ، واستصحب معه عيال أصحابه ومخلفيهم، وأقام بها مع أبي ~~الحسين بن الناصر، ثم سمع سيمجور بظفر أصحابه، فعاد إليهم، وأقام بجرجان، ~~ثم اعتل سرخاب ومات، ورجع ابن الناصر إلى سارية واستخلف ماكان بن كالي على ~~أستراباذ، فاجتمع إليه الديلم، وقدموه وأمروه على أنفسهم. # ثم سار محمد بن عبيد الله البلغمي وسيمجور إلى باب أستراباذ، وحاربوا ~~ماكان بن كالي، فلما طال مقامهم اتفقوا معه على أن يخرج عن أستراباذ إلى ~~سارية، وبذلوا له على هذا مالا ليظهر للناس أنهم قد افتتحوها، ثم ينصرفون ~~عنها ويعود إليها، ففعل وسار إلى سارية، ثم رحلوا عن أستراباذ، فلما ساروا ~~عنها عاد إليها ماكان بن كالي، ففارقها بغرا، (إلى جرجان، وأساء السيرة في ~~أهلها، وخرج إليه ماكان، فرجع بغرا) إلى نيسابور، وأقام ماكان بجرجان، ونحن ~~نذكر ابتداء حال ماكان، وننقلها عند قتله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. # ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أحمد بن أسد الساماني # ثم خرج إلياس (بن إسحاق) بن أحمد، المقدم ذكره أنه خرج مع أبيه وانهزم ~~إلى فرغانة، فلما بلغ فرغانة أقام بها إلى أن خرج ثانيا، واستعان عند خروجه ~~بمحمد بن الحسين بن مت، وجمع من الترك، فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد ~~سمرقند مشاقا للسعيد نصر بن أحمد، فسير إليه نصر أبا عمرو، ومحمد بن أسد ~~وغيره في ألفين وخمسمائة رجل، فكمنوا خارج سمرقند يوم ورود إلياس فلما ~~وردها، واشتغل هو ومن معه بالنزول، خرج الكمين عليه من بين الشجر، ووضعوا ~~السيوف فيهم، فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة، ووصل ابن مت ~~إلى أسبيجاب، ومنها إلى ناحية طراز، فكوتب ms2755 دهقان الناحية التي نزلها، ~~وأطمع، وقبض عليه وقتله، وأنفذ رأسه إلى بخارى. # وكان ابن مت شجاعا، وكان قد سخر جمالا عند خروجه، فجاء أصحابه # PageV06P676 # يطلبونها منه، فقال: سأردها عليكم ببغداذ، يعني أنه لا يرد شيئا من ~~بغداذ، ثقة بكثرة جمعه وقوته، فجاءت الأقدار بما لم يكن في الحساب. # ثم عاد إلياس فخرج مرة ثالثة، وأعانه أبو الفضل بن أبي يوسف، صاحب الشاش، ~~فسير إليه محمد بن أليسع، فحاربهم، فانهزم إلياس إلى كاشغر وأسر أبو الفضل، ~~وحمل إلى بخارى فمات بها. # وأما إلياس فصاهر دهقان كاشغر طغانتكين، واستقر بها، ثم ولي محمد بن ~~المظفر فرغانة، فرجع إليها ابن إسحاق معاندا، فحاربه محمد بن المظفر، فهزمه ~~مرة أخرى، فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمد بن المظفر، واستماله، ولطف به، فأمن ~~إلياس إليه، وحضر إلى بخارى، فأكرمه السعيد، وصاهره، وأقام معه. # ذكر وفاة محمد بن جرير الطبري # وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، ببغداذ، ومولده ~~سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلا بداره، لأن العامة اجتمعت، ومنعت من ~~دفنه نهارا، وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد، وكان علي بن عيسى ~~يقول: والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه، ولا فهموه، ~~هكذا ذكره ابن مسكويه صاحب " تجارب الأمم "، وحوشي ذلك الإمام عن مثل هذه ~~الأشياء. # وأما ما ذكره عن تعصب العامة، فليس الأمر كذلك، وإنما بعض الحنابلة ~~تعصبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب، (وهو أن الطبري جمع ~~كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، ~~فقيل له في ذلك، # PageV06P677 # فقال: لم يكن فقيها، وإنما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا ~~يحصون كثرة ببغداذ، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا) : # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم # كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم # وقد ذكرت شيئا من كلام الأئمة في أبي جعفر يعلم [منه] محله في العلم، ~~والثقة، وحسن الاعتقاد. # فمن ذلك ما قاله الإمام ms2756 أبو بكر الخطيب، بعد أن ذكر من روى الطبري عنه، ~~ومن روى عن الطبري، فقال: " وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى ~~رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل ~~عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها في ~~أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، ~~عارفا بأقاويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في الأحكام، ومسائل الحلال ~~والحرام، خبيرا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم ~~والملوك، والكتاب الذي في التفسير لم يصنف مثله، وله في أصول الفقه وفروعه ~~كتب كثيرة، وأخبار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه ". # وقال أبو أحمد الحسين بن علي بن محمد الرازي: أول ما سألني الإمام أبو ~~بكر بن خزيمة قال لي: كتبت عن محمد بن جرير الطبري؟ قلت: لا! قال: لم؟ قلت: ~~لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه. # PageV06P678 # فقال بئس ما فعلت! ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنه، وسمعت عن أبي جعفر. # وقال حسينك، واسمه الحسين بن علي التميمي، عن ابن خزيمة نحو ما تقدم. ~~وقال ابن خزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبري: ما أعلم على أديم الأرض أعلم ~~من أبي جعفر، ولقد ظلمته الحنابلة. # وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني، بعد أن ذكر تصانيفه: وكان أبو ~~جعفر ممن لا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يعدل، في علمه وتبيانه، عن حق ~~يلزمه لربه وللمسلمين، إلى باطل لرغبة ولا رهبة، مع عظيم ما كان يلحقه من ~~الأذى والشناعات من جاهل، وحاسد، وملحد. # وأما أهل الدين والورع فغير منكرين علمه، وفضله، وزهده، وتركه الدنيا مع ~~إقبالها عليه، وقناعته بما كان يرد عليه من قرية خلفها له أبوه بطبرستان ~~يسيرة، ومناقبه كثيرة لا يحتمل هاهنا أكثر من هذا. # ذكر عدة حوادث # فيها أطلق المقتدر يوسف بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم وحمل ~~إليه، ودخل إلى المقتدر، وخلع عليه، ثم عقد له على الري، وقزوين، ms2757 وأبهر، ~~وزنجان، وأذربيجان، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة كل سنة إلى بيت ~~المال سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد وخلع في هذا اليوم على وصيف ~~البكتمري، وعلى طاهر ويعقوب ابني محمد بن الليث. # PageV06P679 # وتجهز يوسف، وضم إليه المقتدر بالله العساكر مع وصيف البكتمري وسار عن ~~بغداذ في جمادى الآخرة إلى أذربيجان، وأمر أن يجعل طريقه على الموصل، وينظر ~~في أمور ديار ربيعة، فقدم إلى الموصل، ونظر في الأعمال، وسار إلى أذربيجان، ~~فرأى غلامه سبكا قد مات. # وفيها قلد نازوك الشرطة ببغداذ. # وفيها وصلت هدية إلى أبي زقبور الحسين بن أحمد المادراني من مصر وفيها ~~بغلة، ومعها فلو يتبعها، ويرضع منها، وغلام طويل اللسان، يلحق لسانه أرنبة ~~أنفه. # وفيها قبض المقتدر على أم موسى القهرمانة، وكان سبب ذلك أنها زوجت ابنة ~~أختها من أبي العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل على الله، وكان ~~محسنا، له نعمة ظاهرة، ومروءة حسنة، وكان يرشح للخلافة، فلما صاهرته أكثرت ~~من النثار والدعوات، وخسرت أموالا جليلة، فتكلم أعداؤها، وسعوا بها إلى ~~المقتدر، وقالوا إنها قد سعت لأبي العباس في الخلافة، وحلفت له القواد، ~~(وكثر القول عليها) ، فقبض عليها، وأخذ منها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة. # (وفيها غزا المسلمون في البر والبحر، فغنموا وسلموا) . # PageV06P680 # وفيها كان بالموصل شغب من العامة، وقتلوا خليفة محمد بن نصر الحاجب بها، ~~فتجهز العسكر من بغداذ إلى الموصل. # وفيها، في جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج ~~السنبلة، طوله نحو ذراعين. # وفيها سار محمد بن نصر الحاجب من الموصل إلى الغزاة (على قاليقلا) ، فغزا ~~الروم من تلك الناحية، ودخل أهل طرسوس ملطية، فظفروا، وبلغوا من بلاد الروم ~~والظفر بهم ما لم يظنوه وعادوا. # [الوفيات] . # (وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي ~~الأديب، أخذ العلم عن ثعلب والرياشي) . # PageV06P681 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة] ### | 311 - # ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة # ذكر عزل حامد وولاية ابن الفرات # في هذه السنة ms2758 في ربيع الآخر، عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة، ~~وعلي بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبي الحسين بن الفرات، وأعيد إلى ~~الوزارة. # وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد، والحرم، والخدم ~~والحاشية من تأخير أرزاقهم، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها فإذا اجتمع عدة ~~شهور أعطاهم البعض، وأسقط البعض، وحط من أرزاق العمال في كل سنة شهرين، ~~وغيرهم ممن له رزق، فزادت عداوة الناس له. # وكان حامد بن العباس قد ضجر من المقام ببغداذ وليس إليه من الأمر شيء غير ~~لبس السواد، وأنف من اطراح علي بن عيسى بجانبه، فإنه كان يهينه في توقيعاته ~~بالإطلاق عليه لضمانه بعض الأعمال، وكان يكتب: ليطلق جهبذ الوزير أعزه ~~الله، وليبادر نائب الوزير. # PageV06P682 # وكان إذا شكا إليه بعض نواب حامد يكتب على القصة: إنما عقد الضمان على ~~النائب الوزيري، عن الحقوق الواجبة السلطانية، فليتقدم إلى عماله بكف الظلم ~~عن الرعية، فاستأذن حامد، وسار إلى واسط لينظر في ضمانه، فأذن له، وجرى بين ~~مفلح الأسود وبين حامد كلام، قال له حامد: لقد هممت أن أشتري مائة خادم ~~أسود، وأسميهم مفلحا، وأهبهم لغلماني، فحقده مفلح، وكان خصيصا بالمقتدر، ~~فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة، وضمن أموالا جليلة وكتب على ~~يده رقعة يقول: إن يسلم الوزير، وعلي بن عيسى، وابن الحواري، وشفيع ~~اللؤلؤي، ونصر الحاجب، وأم موسى القهرمانة، والمادرانيون يستخرج منهم سبعة ~~آلاف ألف دينار. # وكان المحسن مطلقا، وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات ~~للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواري كل سنة من المال، فاستكثره فقبض على علي ~~بن عيسى في ربيع الآخر، وسلم إلى زيدان القهرمانة، فحبسته في الحجرة التي ~~كان ابن الفرات محبوسا فيها، وأطلق ابن الفرات، وخلع عليه، وتولى الوزارة، ~~وخلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات. # وكان أبو علي بن مقلة قد سعى بابن الفرات، وكان يتقلد بعض الأعمال أيام ~~حامد، فحضر عند ابن الفرات، وكان ابن الفرات هو الذي قدم ابن مقلة ورباه، ms2759 ~~وأحسن إليه، ولما قيل عنه إنه سعى به لم يصدق ذلك، حتى تكرر ذلك منه. ثم إن ~~حامدا صعد من واسط، فسير إليه ابن الفرات من يقبض عليه (في الطريق) وعلى ~~أصحابه، فقبض على بعض أصحابه، وسمع حامد فهرب واختفى ببغداذ، ثم إن حامدا ~~لبس زي راهب، وخرج من مكانه الذي اختفى فيه، ومشى إلى نصر الحاجب، فاستأذن ~~عليه، فأذن له، فدخل عليه، وسأله إيصال حاله إلى الخليفة، فاستدعى نصر ~~مفلحا الخادم، (وقال: هذا يستأذن إلى الخليفة، إذا كان عند حرمه) . # (فلما حضر مفلح) فرأى حامدا قال: أهلا بمولانا الوزير، أين مماليكك # PageV06P683 # السودان الذين سميت كل واحد منهم مفلحا؟ فسأله نصر أن لا يؤاخذه، وقال ~~له: حامد يسأل أن يكون محبسه في دار الخليفة، ولا يسلم إلى ابن الفرات. # فدخل مفلح، وقال ضد ما قيل له، فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات ~~فأرسل إليه فحبسه في دار حسنة، وأجرى عليه من الطعام، والكسوة، والطيب، ~~وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال، وناظره على ~~ما وصل إليه من المال، وطالبه به، فأقر بجهات تقارب ألف ألف دينار وضمنه ~~المحسن بن أبي الحسن بن الفرات من المقتدر (بخمسمائة ألف دينار) ، فسلمه ~~إليه، فعذبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ما له ~~بواسط، وأمرهم بأن يسقوه سما، فسقوه سما في بيض مشوي، وكان طلبه، فأصابه ~~إسهال، فلما وصل إلى واسط أفرط الإغيام به، وكان قد تسلمه محمد بن علي ~~البزوفري، فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أن ليس له في ~~أمره صنع فلما حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقوني سما في بيض ~~مشوي فأنا أموت منه، وليس لمحمد في أمري صنع، لكنه قد أخذ قطعة من أموالي ~~وأمتعتي، وجعل يحشوها في المساور، وتباع المسورة في السوق بمحضر من أمين ~~السلطان بخمسة دراهم، ووضع عليها من يشتريها، ويحملها إليه، فيكون فيها ~~أمتعة تساوي ثلاثة آلاف دينار، فاشهدوا على ذلك. # وكان صاحب ms2760 الخبر حاضرا، (فكتب ذلك، وسيره) ، وندم البزوفري على ما فعل، ~~ثم مات حامد في رمضان من هذه السنة، ثم صودر علي بن عيسى بثلاثمائة ألف ~~دينار، فأخذه المحسن بن الفرات ليستوفي منه المال، فعذبه وصفعه فلم يؤد ~~إليه شيئا. # PageV06P684 # وبلغ الخبر الوزير أبا الحسن بن الفرات، فأنكر على ابنه ذلك، لأن عليا ~~كان محسنا إليهم أيام ولايته، وكان قد أعطى المحسن، وقت نكبته، عشرة آلاف ~~درهم، وأدى علي بن عيسى مال المصادرة، وسيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى ~~أمير مكة ليسيره إلى صنعاء، ثم قبض ابن الفرات على أبي علي بن مقلة، ثم ~~أطلقه، وقبض على ابن الحواري، وكان خصيصا بالمقتدر، وسلمه إلى ابنه المحسن، ~~فعذبه عذابا شديدا، وكان المحسن وقحا، سيئ الأدب، ظالما، ذا قسوة شديدة، ~~وكان الناس يسمونه الخبيث ابن الطيب، وسير ابن الحواري إلى الأهواز ليستخرج ~~منه الأموال التي له، فضربه الموكل به حتى مات، وقبض أيضا على الحسين بن ~~أحمد، ومحمد بن علي المادرانيين، وكان الحسين قد تولى مصر والشام، فصادرهما ~~على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم. # ثم إن ابن الفرات خوف المقتدر من مؤنس الخادم، وأشار عليه بأن يسيره عن ~~الحضرة إلى الشام ليكون هنالك، فسمع قوله، وأمره بالمسير، وكان قد عاد من ~~الغزاة، فسأل أن يقيم عدة أيام بقيت من شهر رمضان فأجيب إلى ذلك، وخرج في ~~يوم شديد المطر. # وسبب ذلك أن مؤنسا لما قدم ذكر للمقتدر ما اعتمده ابن الفرات من مصادرات ~~الناس، وما يفعله ابنه من تعذيبهم وضربهم، إلى غير ذلك من أعمالهم، فخافه ~~ابن الفرات فأبعده عن المقتدر، ثم سعى ابن الفرات بنصر الحاجب، وأطمع ~~المقتدر في ماله وكثرته، فالتجأ نصر إلى أم المقتدر، فمنعته من ابن الفرات. # ذكر القرامطة # وفيها قصد أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الهجري البصرة، فوصلها ليلا في ~~ألف # PageV06P685 # وسبعمائة رجل، ومعه السلاليم الشعر، فوضعها على السور، وصعد أصحابه ~~ففتحوا الباب، وقتلوا الموكلين به، وكان ذلك في ms2761 ربيع الآخر. وكان على ~~البصرة سبك المفلحي، فلم يشعر بهم إلا في السحر، ولم يعلم أنهم القرامطة بل ~~اعتقد أنهم عرب تجمعوا، فركب إليهم، ولقيهم، فقتلوه ووضعوا السيف في أهل ~~البصرة، وهرب الناس إلى الكلإ (وحاربوا القرامطة عشرة) أيام، فظفر بهم ~~القرامطة، وقتلوا خلقا كثيرا وطرح الناس أنفسهم في الماء، فغرق أكثرهم. # وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوما يحمل منها ما يقدر عليه من المال والأمتعة، ~~والنساء والصبيان، فعاد إلى بلده، واستعمل المقتدر على البصرة محمد بن عبد ~~الله الفارقي، فانحدر إليها وقد سار الهجري عنها. # ذكر استيلاء ابن أبي الساج على الري # في هذه السنة سار يوسف بن أبي الساج من أذربيجان إلى الري فحاربه أحمد بن ~~علي أخو صعلوك، فانهزم أصحاب أحمد وقتل هو في المعركة، وأنفذ رأسه إلى ~~بغداذ، وكان أحمد بن علي قد فارق أخاه صعلوكا، وسار إلى المقتدر فأقطع الري ~~كما ذكرناه، ثم عصى، وهادن ماكان بن كالي وأولاد الحسن بن علي الأطروش، # PageV06P686 # وهم بطبرستان، وجرجان وفارق طاعة المقتدر وعصى عليه، ووصل رأسه إلى ~~بغداذ. # وكان ابن الفرات يقع في نصر الحاجب، ويقول للمقتدر إنه هو الذي أمر أحمد ~~بن علي بالعصيان لمودة بينهما. # وكان قتل أحمد بن علي آخر ذي القعدة، واستولى ابن أبي الساج على الري، ~~ودخلها في ذي الحجة من السنة، ثم سار عنها في أول سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ~~إلى همذان، واستخلف بالري مفلحا، فأخرجه أهل الري عنهم فلحق يوسف، وعاد ~~يوسف إلى الري في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة واستولى عليها. # ذكر عدة حوادث # وفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم، فغنم وفتح حصونا، وغزا ثمل أيضا في ~~البحر، فغنم من السبي ألف رأس، ومن الدواب ثمانية آلاف رأس، ومن الغنم ~~مائتي ألف رأس، ومن الذهب والفضة شيئا كثيرا. # وفيها ظهر جراد كثير بالعراق فأضر بالغلات والشجر وعظم. # وفيها استعمل بني بن نفيس على حرب أصبهان. # [الوفيات] # وفيها توفي بدر المعتضدي بفارس، وهو أميرها، وولي ابنه محمد مكانه. # وفيها توفي ms2762 أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري الصوفي، وهو من ~~مشاهير مشايخهم # PageV06P687 # (الجريري بضم الجيم) ، وأبو إسحاق إبراهيم بن السريج الزجاج النحوي، صاحب ~~كتاب معاني القرآن. # PageV06P688 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة] ### | 312 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة # ذكر حادثة غريبة # في هذه السنة ظهر في دار كان يسكنها المقتدر بالله إنسان أعجمي، وعليه ~~ثياب فاخرة، وتحتها مما يلي بدنه قميص صوف، ومعه مقدحة، وكبريت، ومحبرة، ~~وأقلام، وسكين وكاغد، وفي كيس سويق، وسكر، وحبل طويل من قنب، يقال إنه دخل ~~مع الصناع، فبقي هناك، فعطش، فخرج يطلب الماء فأخذ، فأحضروه عند ابن ~~الفرات، فسأله عن حاله، فقال: لا أخبر إلا صاحب الدار، (فرفق به) ، فلم ~~يخبره بشيء، وقال: لا أخبر إلا صاحب الدار، فضربوه ليقرروه، فقال: بسم الله ~~بدأتم بالشر؟ ولزم هذه اللفظة، ثم جعل يقول بالفارسية: ندانم معناه لا ~~أدري، فأمر به فأحرق. # وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذه الحال حيث هو الحاجب، وعظم الأمر ~~بين يدي المقتدر، ونسبه إلى أنه أخفاه ليقتل المقتدر، فقال نصر: لم أقتل ~~أمير المؤمنين وقد رفعني من الثرى إلى الثريا؟ إنما يسعى في قتله من صادره، ~~وأخذ أمواله، وأطال حبسه هذه السنين، وأخذ ضياعه، وصار لابن الفرات بسبب ~~هذا حديث في معنى نصر. # ذكر أخذ الحاج # في هذه السنة سار أبو طاهر القرمطي إلى الهبير في عسكر عظيم ليلقى الحاج ~~سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في رجوعهم من مكة، فأوقع بقافلة تقدمت معظم # PageV06P689 # الحاج، وكان فيها خلق كثير من أهل بغداذ وغيرهم، فنهبهم، واتصل الخبر ~~بباقي الحاج وهم بفيد فأقاموا بها حتى فني زادهم، فارتحلوا مسرعين. # وكان أبو الهيجاء بن حمدان قد أشار عليهم بالعود إلى وادي القرى، وأنهم ~~لا يقيمون بفيد، فاستطالوا الطريق، ولم يقبلوا منه، وكان إلى أبي الهيجاء ~~طريق الكوفة، وكثير الحاج، فلما فني زادهم ساروا على طريق الكوفة، فأوقع ~~بهم القرامطة، وأخذوهم، وأسروا أبا الهيجاء، وأحمد بن كشمرد، ونحريرا وأحمد ~~بن بدر عم والدة المقتدر، وأخذ أبو ms2763 طاهر جمال الحجاج جميعها وما أراد من ~~الأمتعة، والأموال، والنساء، والصبيان، وعاد إلى هجر وترك الحاج في ~~مواضعهم، فمات أكثرهم جوعا، ومن حر الشمس. # وكان عمر أبي طاهر حينئذ سبع عشرة سنة، وانقلبت بغداذ، واجتمع حرم ~~المأخوذين إلى حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات، وجعلن ينادين: ~~القرمطي الصغير، (أبو طاهر) قتل المسلمين في طريق مكة، والقرمطي الكبير ابن ~~الفرات قد قتل المسلمين ببغداذ. # وكانت صورة فظيعة شنيعة، وكسر العامة منابر الجوامع، وسودوا المحاريب يوم ~~الجمعة لست خلون من صفر، وضعفت نفس ابن الفرات، وحضر عند المقتدر ليأخذ ~~أمره فيما يفعله، وحضر نصر الحاجب المشورة فانبسط لسانه على ابن الفرات، ~~وقال له: الساعة تقول أي شيء نصنع، وما هو الرأي بعد أن زعزعت أركان ~~الدولة، وعرضتها للزوال في الباطن بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته، ~~ومهادنته، وفي الظاهر بإبعادك مؤنسا ومن معه إلى الرقة، وهم سيوف الدولة، ~~فمن يدفع الآن هذا الرجل إن قصد الحضرة أنت أو ولدك؟ وقد ظهر الآن أن ~~مقصودك بإبعاد مؤنس وبالقبض # PageV06P690 # علي وعلى غيري أن تستضعف الدولة وتقوي أعداءها لتشفي، غيظ قلبك ممن صادرك ~~وأخذ أموالك، ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي غيرك لما يجمع بينكما من ~~التشيع والرفض؟ وقد أظهر أيضا أن ذلك العجمي كان من أصحاب القرمطي، وأنت ~~أوصلته. # فحلف ابن الفرات أنه ما كاتب القرمطي، ولا هاداه، ولا رأى ذلك الأعجمي ~~إلا تلك الساعة، والمقتدر معرض عنه، وأشار نصر على المقتدر أن يحضر مؤنسا ~~ومن معه، ففعل ذلك، وكتب إليه بالحضور، فسار إلى ذلك ونهض ابن الفرات، فركب ~~في طيارة فرجمه العامة حتى كاد يغرق. # (وتقدم المقتدر) إلى ياقوت بالمسير إلى الكوفة، (ليمنعها من القرامطة ~~فخرج في جمع كثير، ومعه ولداه المظفر ومحمد، فخرج على ذلك العسكر مال عظيم، ~~وورد الخبر بعود القرامطة، فعطل مسير ياقوت) . # ووصل مؤنس المظفر إلى بغداذ، ولما رأى المحسن ابن (الوزير ابن) الفرات ~~انحلال أمورهم، أخذ كل من كان محبوسا (عنده من المصادرين) ، فقتلهم لأنه ~~كان قد أخذ ms2764 منهم أموالا جليلة (ولم يوصلها إلى المقتدر) ، فخاف أن يقروا ~~عليه. # ذكر القبض على الوزير ابن الفرات وولده المحسن # ثم إن الإرجاف كثر على ابن الفرات، فكتب إلى المقتدر يعرفه ذلك، وأن ~~الناس إنما عادوه لنصحه وشفقته، وأخذ حقوقه منهم، فأنفذ المقتدر إليه يسكنه ~~ويطيب (قلبه # PageV06P691 # فركب هو وولده إلى المقتدر، فأدخلهما إليه فطيب) قلوبهما فخرجا من عنده ~~فمنعهما نصر الحاجب من الخروج ووكل بهما، فدخل على المقتدر، وأشار عليه ~~بتأخير عزله فأمر بإطلاقهما، فخرج هو وابنه المحسن، فأما المحسن فإنه اختفى ~~وأما الوزير فإنه جلس عامة نهاره يمضي الأشغال إلى الليل، ثم بات مفكرا، ~~فلما أصبح سمعه بعض خدمه ينشد: # وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراءه # فلما أصبح الغد، وهو الثامن من ربيع الأول، وارتفع النهار أتاه نازوك، ~~وبليق في عدة من الجند، فدخلوا إلى الوزير، وهو عند الحرم، فأخرجوه حافيا ~~مكشوف الرأس، وأخذ إلى دجلة، فألقى عليه بليق طيلسانا غطى به رأسه، وحمل ~~إلى طيار فيه مؤنس المظفر، ومعه هلال بن بدر، فاعتذر إليه ابن الفرات، ~~وألان كلامه، فقال له: أنا الآن الأستاذ، وكنت بالأمس الخائن الساعي في ~~فساد الدولة، وأخرجتني والمطر على رأسي ورءوس أصحابي، (ولم تمهلني) . # ثم سلم إلى شفيع اللؤلؤي، فحبس عنده، وكانت مدة وزارته هذه عشرة أشهر ~~وثمانية عشر يوما، وأخذ أصحابه وأولاده ولم ينهج منهم إلا المحسن، فإنه ~~اختفى، وصودر ابن الفرات على جملة من المال مبلغها ألف ألف دينار. # PageV06P692 # ذكر وزارة أبي القاسم الخاقاني # ولما تغير حال ابن الفرات سعى عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن يحيى بن ~~خاقان أبو القاسم بن أبي علي الخاقاني في الوزارة، وكتب خطه أنه يتكفل ابن ~~الفرات وأصحابه بمصادرة ألفي ألف دينار، وسعى له مؤنس الخادم، وهارون بن ~~غريب الخال، ونصر الحاجب. # وكان أبو علي الخاقاني، والد أبي القاسم، مريضا شديد المرض، وقد تغير ~~عليه لكبر سنه، فلم يعلم بشيء من حال ولده، وتولى أبو القاسم الوزارة تاسع ~~ربيع ms2765 الأول، وكان المقتدر يكرهه، فلما سمع ابن الفرات، وهو محبوس، بولايته ~~قال: الخليفة هو الذي نكب لا أنا، يعني أن الوزير عاجز لا يعرف أمر ~~الوزارة. # ولما وزر الخاقاني شفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى (من صنعاء) ~~إلى مكة، فكتب إلى جعفر عامل اليمن في الإذن لعلي بن عيسى في العود إلى ~~مكة، وأذن لعلي في الاطلاع على أعمال مصر والشام. ومات أبو علي الخاقاني في ~~وزارة ولده هذه. # ذكر قتل ابن الفرات وولده المحسن # وكان المحسن ابن الوزير ابن الفرات مختفيا، كما ذكرنا، وكان عند حماته ~~حزانة، وهي والدة الفضل بن جعفر بن الفرات، وكانت تأخذه في كل يوم إلى ~~المقبرة، وتعود به إلى المنازل التي يثق بأهلها عشاء وهو في زي امرأة، فمضت ~~يوما إلى مقابر قريش، وأدركها الليل، فبعد عليها الطريق، فأشارت عليها ~~امرأة معها أن تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير، تختفي عندها، فأخذت المحسن ~~وقصدت تلك المرأة وقالت # PageV06P693 # لها: معنا صبية بكر نريد بيتا نكون فيه فأمرتهم بالدخول إلى دارها، وسلمت ~~إليهم قبة في الدار، فأدخلن المحسن إليها، وجلست النساء اللاتي معه في صفة ~~بين يدي باب القبة، فجاءت جارية سوداء، فرأت المحسن في القبة، فعادت إلى ~~مولاتها، فأخبرتها أن في الدار رجلا، فجاءت صاحبتها فلما رأته عرفته. # وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره، فلما رأى الناس في داره يجلدون، ~~ويشقصون، ويعذبون مات فجأة، فلما رأت المرأة المحسن وعرفته ركبت في سفينة، ~~وقصدت دار الخلافة، وصاحت: معي نصيحة لأمير المؤمنين! فأحضرها نصر الحاجب، ~~فأخبرته بخبر المحسن، فانتهى ذلك إلى المقتدر، فأمر نازوك، صاحب الشرطة، أن ~~يسير معها ويحضره، فأخذها معه (إلى منزلها) ، ودخل المنزل، وأخذ المحسن ~~وعاد به إلى المقتدر، فرده إلى دار الوزير، فعذب بأنواع العذاب ليجيب إلى ~~مصادرة يبذلها، فلم يجبهم إلى دينار واحد، وقال: لا أجمع لكم بين نفسي ~~ومالي، واشتد العذاب عليه بحيث امتنع عن الطعام. # فلما علم ذلك المقتدر أمر بحمله مع أبيه إلى دار الخلافة، فقال الوزير ms2766 ~~أبو القاسم لمؤنس، وهارون بن غريب الخال، ونصر الحاجب: إن ينقل ابن الفرات ~~إلى دار الخلافة بذل أمواله، وأطمع المقتدر في أموالنا، وضمننا منه، ~~وتسلمنا فأهلكنا، فوضعوا القواد والجند، حتى قالوا للخليفة: إنه لا بد من ~~قتل ابن الفرات وولده، فإننا لا نأمن على أنفسنا ما داما في الحياة. # وترددت الرسائل في ذلك، وأشار مؤنس، وهارون بن غريب، ونصر الحاجب # PageV06P694 # بموافقتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا، فأمر نازوك بقتلهما، فذبحهما كما يذبح ~~الغنم. # وكان ابن الفرات قد أصبح يوم الأحد صائما، فأتي بطعام فلم يأكله، فأتي ~~أيضا بطعام ليفطر عليه، فلم يفطر، وقال: رأيت أخي العباس في النوم يقول لي: ~~أنت وولدك عندنا يوم الإثنين، ولا شك أننا نقتل، فقتل ابنه المحسن يوم ~~الإثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر، وحمل رأسه إلى أبيه، فارتاع لذلك ~~شديدا، ثم عرض أبوه على السيف فقال: ليس إلا السيف، راجعوا في أمري، فإن ~~عندي أموالا جمة، وجواهر كثيرة، فقيل له: جل الأمر عن ذلك! وقتل وكان عمره ~~إحدى وسبعين سنة، وعمر ولده المحسن ثلاثا وثلاثين سنة، فلما قتلا حمل ~~رأساهما إلى المقتدر بالله، فأمر بتغريقهما. # وقد كان أبو الحسن بن الفرات يقول: إن المقتدر بالله يقتلني، فصح قوله، ~~فمن ذلك أنه عاد من عنده يوما، وهو مفكر كثير الهم، فقيل له في ذلك، فقال: ~~كنت عند أمير المؤمنين فما خاطبته في شيء من الأشياء إلا قال لي نعم، فقلت ~~له الشيء وضده، ففي كل ذلك يقول نعم، فقيل له: هذا لحسن ظنه بك، وثقته بما ~~تقول، واعتماده على شفقتك، فقال: لا والله، ولكنه أذن لكل قائل، وما يؤمني ~~أن يقال له بقتل الوزير، فيقول نعم والله إنه قاتلي! # ولما قتل ركب هارون بن غريب مسرعا إلى الوزير الخاقاني، وهنأه بقتله، ~~فأغمي عليه، حتى ظن هارون ومن هناك أنه قد مات، وصرخ أهله وأصحابه عليه، ~~فلما أفاق من غشيته لم يفارقه هارون حتى أخذ منه ألفي دينار. # وأما أولاده (سوى المحسن) فإن مؤنسا المظفر شفع ms2767 في ابنيه عبد الله وأبي # PageV06P695 # نصر، فأطلقا له فخلع عليهما، ووصلهما بعشرين ألف دينار، وصودر ابنه الحسن ~~على عشرين ألف دينار، وأطلق إلى منزله. # وكان الوزير أبو الحسن بن الفرات كريما، ذا رئاسة وكفاية في عمله حسن ~~السؤال والجواب، ولم يكن له سيئة إلا ولده المحسن. # ومن محاسنه أنه جرى ذكر أصحاب الأدب، وطلبة الحديث، وما هم عليه من الفقر ~~والتعفف، فقال: أنا أحق من أعانهم، وأطلق لأصحاب الحديث عشرين ألف درهم، ~~وللشعراء عشرين ألف درهم، ولأصحاب الأدب عشرين ألف درهم، وللفقهاء عشرين ~~ألف درهم، وللصوفية عشرين ألف درهم، فذلك مائة ألف درهم. # وكان إذا ولي الوزارة ارتفعت أسعار الثلج، والشمع، والسكر، والقراطيس، ~~لكثرة ما كان يستعملها ويخرج من داره للناس، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أن ~~أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون، ويظلمون، فلا يمنعهم، فمن ذلك أن بعضهم ظلم ~~امرأة في ملك لها، فكتبت إليه تشكو منه غير مرة، وهو لا يرد لها جوابا، ~~فلقيته يوما، وقالت له: أسألك بالله أن تسمع (مني كلمة) فوقف لها فقالت: قد ~~كتبت إليك في ظلامتي غير مرة، ولم تجبني، وقد تركتك وكتبتها إلى الله ~~تعالى، فلما (كان بعد أيام) ، ورأى تغير حاله، قال لمن معه من أصحابه: (ما ~~أظن) إلا جواب رقعة # PageV06P696 # تلك المرأة المظلومة (قد خرج) ، فكان كما قال. # ذكر دخول القرامطة الكوفة # وفي هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة، وكان سبب ذلك أن أبا ~~طاهر أطلق من كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحجاج، وفيهم ابن ~~حمدان وغيره، وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، ~~فسار من هجر يريد الحاج. # وكان جعفر بن ورقاء الشيباني متقلدا أعمال الكوفة وطريق مكة، فلما سار ~~الحجاج من بغداذ سار جعفر بين أيديهم خوفا من أبي طاهر، ومعه ألف رجل من ~~بني شيبان، وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمل صاحب البحر، وجني ~~الصفواني، وطريف السبكري وغيرهم، في ستة آلاف رجل، فلقي أبو طاهر القرمطي ms2768 ~~(جعفرا الشيباني، فقاتله جعفر. # فبينما هو يقاتله إذ طلع جمع من القرامطة) عن يمينه، فانهزم من بين ~~أيديهم فلقي القافلة الأولى وقد انحدرت من العقبة، فردهم إلى الكوفة ومعهم ~~عسكر الخليفة، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة، فقاتلهم، فانهزم عسكر ~~الخليفة، وقتل منهم، وأسر جنيا الصفواني، وهرب الباقون والحجاج من الكوفة، ~~ودخلها أبو طاهر، وأقام ستة أيام بظاهر الكوفة يدخل البلد نهارا فيقيم في ~~الجامع إلى الليل، ثم يخرج يبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من ~~الأموال والثياب وغير ذلك، وعاد إلى هجر. # PageV06P697 # ودخل المنهزمون بغداذ، فتقدم المقتدر إلى مؤنس المظفر بالخروج إلى ~~الكوفة، فسار إليها، فبلغها وقد عاد القرامطة عنها، فاستخلف عليها ياقوتا، ~~وسار مؤنس إلى واسط خوفا عليها من أبي طاهر، وخاف أهل بغداذ وانتقل الناس ~~إلى الجانب الشرقي، ولم يحج في هذه السنة (من الناس) أحد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع المقتدر على نجح الطولوني وولي أصبهان. # وفيها ورد رسول ملك الروم بهدايا كثيرة، ومعه أبو عمر بن عبد الباقي ~~فطلبا من المقتدر الهدنة وتقرير الفداء فأجيبا إلى ذلك بعد غزاة الصائفة. # وفي هذه السنة خلع على جني الصفواني بعد عوده من ديار مصر. وفيها استعمل ~~سعيد بن حمدان على المعاون والحرب بنهاوند. # PageV06P698 # وفيها دخل المسلمون بلاد الروم فنهبوا، وسبوا، وعادوا. # وفيها ظهر عند الكوفة رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو رئيس الإسماعيلية، وجمع جمعا عظيما ~~من الأعراب وأهل السواد، واستفحل أمره في شوال فسير إليه جيش من بغداذ، ~~فقاتلوه، فظفروا به وانهزم، وقتل كثير من أصحابه. # [الوفيات] # وفيها، في شهر ربيع الأول توفي محمد بن نصر الحاجب وقد كان استعمل على ~~الموصل، وتقدم ذلك. # وفيها توفي شفيع اللؤلؤي وكان على البريد وغيره من الأعمال، فولي ما كان ~~عليه شفيع المقتدري. # PageV06P699 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة] ### | 313 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة # ذكر عزل الخاقاني عن ms2769 الوزارة ووزارة الخصيبي # في هذه السنة في شهر رمضان، عزل أبو القاسم الخاقاني عن وزارة الخليفة ~~وكان سبب ذلك أن العباس الخصيبي علم بمكان امرأة المحسن بن الفرات، فسأل أن ~~يتولى النظر في أمرها، فأذن له المقتدر في ذلك، (فاستخلص منها سبعمائة ألف ~~دينار وحملها إلى المقتدر) ، فصار له معه حديث، فخافه الخاقاني، فوضع من ~~وقع عليه وسعى به، فلم يصع المقتدر إلى ذلك، فلما علم الخصيبي بالحال كتب ~~إلى المقتدر يذكر معايب الخاقاني، وابنه عبد الوهاب وعجزهما، وضياع ~~الأموال، وطمع العمال. # ثم إن الخاقاني مرض مرضا شديدا وطال به، فوقفت الأحوال، وطلب الجند ~~أرزاقهم، وشغبوا فأرسل المقتدر إليه في ذلك، فلم يقدر على شيء، فحينئذ ~~عزله، واستوزر أبا العباس الخصيبي وخلع عليه، وكان يكتب لأم المقتدر، فلما ~~وزر كتب لها بعده أبو يوسف عبد الرحمن بن محمد، وكان قد تزهد وترك عمل ~~السلطان ولبس الصوف والفوط، فلما أسند إليه هذا العمل ترك ما كان عليه من ~~الزهد، فسماه الناس المرتد. # فلما ولي الخصيبي أقر علي بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام، ~~فكان يتردد من مكة إليها في الأوقات، واستعمل العمال في (الأعمال، واستعمل) ~~أبا # PageV06P700 # جعفر محمد بن القاسم الكرخي بعد أن صادره بثمانية وخمسين ألف دينار على ~~الإشراف على الموصل وديار ربيعة. # ذكر ما فتحه أهل صقلية # في هذه السنة سار جيش صقلية مع أميرهم سالم بن راشد وأرسل إليهم المهدي ~~جيشا من إفريقية، فسار إلى أرض أنكبردة، ففتحوا غيران وأبرجة، وغنموا غنائم ~~كثيرة، وعاد جيش صقلية، وساروا إلى أرض قلورية، وقصدوا مدينة طارنت، ~~فحصروها وفتحوها بالسيف (في شهر رمضان، ووصلوا إلى مدينة أدرنت، فحصروها) ، ~~وخربوا منازلها فأصاب المسلمين مرض شديد كبير، فعادوا، ولم يزل أهل صقلية ~~يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلية، وقلورية، وينهبون ويخربون. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح إبراهيم المسمعي ناحية القفص، وهي من حدود كرمان، وأسر ~~منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس وباعهم. # PageV06P701 # وفيها كثرت الأرطاب ببغداذ، حتى ms2770 عملوا منها التمور، وحملت إلى واسط ~~والبصرة، فنسب أهل بغداذ إلى البغي. # وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه، فإن فعلوا، ~~وإلا قصدهم فقتل الرجال، وسبى الذرية، وقال: إنني صح عندي ضعف ولاتكم، فلم ~~يفعلوا ذلك، فسار إليهم، وأخرب البلاد، ودخل ملطية في سنة أربع عشرة ~~وثلاثمائة، فأخربوها، وسبوا منها، ونهبوا، وأقام فيها ستة عشر يوما. # وفيها اعترض القرامطة الحاج بزبالة فقاتلهم أصحاب الخليفة، فانهزموا، ~~ووضع القرامطة على الحاج قطيعة، فأخذوها، وكفوا عنهم، فساروا إلى مكة. # وفيها انقض كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد وضوء عظيم ~~أضاءت له الدنيا. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن محمد بن سليمان الباغندي في ذي الحجة، وهو من حفاظ ~~المحدثين، وأبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السراج ~~النيسابوري وعمره # PageV06P702 # تسع وتسعون سنة، وكان من العلماء الصالحين، وعبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز البغوي، توفي ليلة الفطر، وكان عمره مائة سنة وسنتين، وهو ابن بنت ~~أحمد بن منيع. # وفيها توفي علي (بن محمد) بن بشار أبو الحسن الزاهد. # PageV06P703 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة] ### | 314 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة # ذكر مسير ابن أبي الساج إلى واسط # وفي هذه السنة قلد المقتدر يوسف بن أبي الساج نواحي المشرق، (وأذن له) في ~~أخذ أموالها وصرفها إلى قواده وأجناده، وأمره بالقدوم إلى بغداذ من ~~أذربيجان، والمسير إلى واسط، ليسير إلى هجر لمحاربة أبي طاهر القرمطي، فسار ~~إلى واسط، وكان بها مؤنس المظفر، فلما قاربها يوسف صعد مؤنس إلى بغداذ ~~ليقيم بها، وجعل له أموال الخراج بنواحي همذان، وساوة، وقم، وقاشان، وماه ~~البصرة، وماه الكوفة، وماسبذان، لينفقها على مائدته، ويستعين بذلك على ~~محاربة القرامطة، وكان هذا كله من تدبير الخصيبي. # ذكر الحرب بين عبد الله بن حمدان والأكراد والعرب # وفي هذه السنة أفسد الأكراد والعرب بأرض الموصل وطريق خراسان، وكان عبد ~~الله بن حمدان يتولى الجميع وهو ببغداذ، وابنه ناصر الدولة بالموصل، فكتب # PageV06P704 # (إليه أبوه) يأمره بجمع ms2771 الرجال، والانحدار إلى تكريت، ففعل (وسار إليها) ~~فوصل إليها في رمضان واجتمع بأبيه، وأحضر العرب، وطالبهم بما أحدثوا في ~~عمله بعد أن قتل منهم، ونكل ببعضهم فردوا على الناس شيئا كثيرا، ورحل بهم ~~إلى شهرزور، فوطئ الأكراد الجلالية، (فقاتلهم، وانضاف إليهم غيرهم، فاشتدت ~~شوكتهم، ثم إنهم) انقادوا إليه لما رأوا قوته، وكفوا عن الفساد والشر. # ذكر عزل الخصيبي ووزارة علي بن عيسى # في هذه السنة، في ذي القعدة، عزل المقتدر أبا العباس الخصيبي عن الوزارة. ~~وكان سبب ذلك أن الخصيبي أضاق إضاقة شديدة، ووقفت أمور السلطان لذلك، ~~واضطرب أمر الخصيبي. # وكان حين ولي الوزارة قد اشتغل بالشرب كل ليلة، وكان يصبح سكران لا قصد ~~فيه لعمل وسماع حديث، وكان يترك الكتب الواردة الدواوين لا يقرؤها إلا بعد ~~مدة، ويهمل الأجوبة عنها، فضاعت الأموال، وفاتت المصالح، ثم إنه لضجره ~~وتبرمه بها وبغيرها من الأشغال، وكل الأمور إلى نوابه، وأهمل الاطلاع ~~عليها، فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم. # فلما صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفر بعزله، وولاية علي بن ~~عيسى، فقبض عليه، وكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحبسوا، ~~وأرسل المقتدر # PageV06P705 # بالله بالغد (إلى دمشق يستدعي علي بن عيسى، وكان بها. وأمر المقتدر) أبا ~~القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني بالنيابة عن علي بن عيسى إلى أن يحضر، ~~فسار علي بن عيسى إلى بغداذ، فقدمها أوائل سنة خمس عشرة [وثلاثمائة] ، ~~واشتغل بأمور الوزارة، ولازم النظر فيها، فمشت الأمور، واستقامت الأحوال. # وكان من أقوم الأسباب في ذلك أن الخصيبي (كان قد) اجتمع عنده رقاع ~~المصادرين، وكفالات من كفل منهم، وضمانات العمال بما ضمنوا من المال ~~بالسواد، والأهواز، وفارس، والمغرب، فنظر فيها علي، وأرسل في طلب تلك ~~الأموال، فأقبلت إليه شيئا بعد شيء، فأدى الأرزاق، وأخرج العطاء، وأسقط من ~~الجند من لا يحمل السلاح، ومن أولاد المرتزقة من هو في المهد، فإن آباءهم ~~أثبتوا أسماءهم، ومن أرزاق المغنين، والمساخرة، والندماء، والصفاعنة، ~~وغيرهم، مثل الشيخ الهرم، ومن ليس له سلاح، فإنه أسقطهم، وتولى الأعمال ms2772 ~~بنفسه ليلا ونهارا، واستعمل العمال في الولايات، واختار الكفاة. # وأمر المقتدر بالله بمناظرة أبي العباس الخصيبي، فأحضره، وأحضر الفقهاء ~~والقضاة والكتاب وغيرهم، وكان علي وقورا لا يسفه، فسأله عما صح من الأموال ~~من الخراج، والنواحي، والأصقاع والمصادرات والمتكلفين بها، ومن البواقي ~~القديمة إلى غير ذلك، فقال: لا أعلمه. # وسأله عن الإخراجات، والواصل إلى المخزن، فقال: لا أعرفه، وقال له: لم ~~أحضرت يوسف بن أبي الساج، وسلمت إليه أعمال المشرق، سوى أصبهان، وكيف تعتقد ~~أنه يقدر هو وأصحابه، وهم قد ألفوا البلاد الباردة الكثيرة المياه، على ~~سلوك البرية القفراء، والصبر على حر بلاد الإحساء والقطيف، ولم لم تجعل معه ~~منفقا يخرج # PageV06P706 # المال على الأجناد؟ فقال: ظننت أنه يقدر على قتال القرامطة، وامتنع من أن ~~يكون معه منفق. # فقال له: كيف استجزت في الدين والمروءة ضرب حرم المصادرين وتسليمهن إلى ~~أصحابك، كامرأة ابن الفرات وغيره، فإن كانوا فعلوا ما لا يجوز ألست أنت ~~السبب في ذلك؟ # ثم سأله عن الحاصل له، وعن إخراجاته، فخلط في ذلك، فقال له: غررت (بنفسك، ~~وغررت) بأمير المؤمنين، ألا قلت له إنني لا أصلح للوزارة، فقد كان الفرس، ~~إذا (أرادوا أن) يستوزروا وزيرا، نظروا في تصرفه لنفسه (فإن وجدوه حازما، ~~ضابطا، ولوه، وإلا قالوا: من لا يحسن يدبر نفسه) فهو عن غير ذلك أعجز، ~~وتركوه، ثم أعاده إلى محبسه. # ذكر استيلاء السامانية على الري # لما استدعى المقتدر يوسف بن أبي الساج إلى واسط كتب إلى السعيد نصر بن ~~أحمد الساماني بولاية الري، وأمره بقصدها، وأخذها من فاتك غلام يوسف، فسار ~~نصر بن أحمد إليها، أوائل سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فوصل إلى جبل قارن، ~~فمنعه أبو نصر الطبري من العبور، فأقام هناك، فراسله، وبذل له ثلاثين ألف ~~دينار حتى مكنه من العبور، فسار حتى قارب الري فخرج فاتك عنها، واستولى نصر ~~بن أحمد عليها في # PageV06P707 # جمادى الآخرة، وأقام بها شهرين، وولى عليها سيمجور الدواتي وعاد عنها. # ثم استعمل عليها محمد بن علي صعلوك، وسار نصر إلى بخارى، ودخل ms2773 صعلوك ~~الري، فأقام بها إلى أوائل شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة فمرض، فكاتب الحسن ~~الداعي، وماكان بن كالي في القدوم عليه ليسلم الري إليهما، فقدما عليه، ~~فسلم الري إليهما وسار عنها، فلما بلغ الدامغان مات. # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة ضمن أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان أعمال الخراج والضياع ~~بالموصل، وقردى، وبازبدى، وما يجري معها. # وفيها سار ثمل إلى عمله بالثغور، (وكان في) بغداذ. # وفيها، في ربيع الآخر، خرجت الروم إلى ملطية وما يليها مع الدمستق، ومعه ~~مليح الأرمني صاحب الدروب، فنزلوا على ملطية، وحصروها، فصبر أهلها، ففتح ~~الروم أبوابا من الربض، فدخلوا، فقاتلهم أهله، وأخرجوهم منه، ولم يظفروا ~~(من المدينة) بشيء، وخربوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الموتى، ومثلوا بهم، ~~ورحلوا عنهم، وقصد أهل ملطية بغداذ مستغيثين، في جمادى الأولى، فلم يعانوا، ~~فعادوا بغير فائدة، # PageV06P708 # وغزا أهل طرسوس صائفة، فغنموا وعادوا. # وفيها جمدت دجلة (عند الموصل) من بلد إلى الحديثة، حتى عبر عليها الدواب ~~لشدة البرد. # وفيها توفي الوزير أبو القاسم الخاقاني، وهرب ابنه عبد الوهاب، ولم يحضر ~~غسل أبيه، ولا الصلاة عليه، وكان الوزير قد أطلق من محبسه قبل موته. # وفيها توجه أبو طاهر القرمطي نحو مكة، فبلغ خبره إلى أهلها، فنقلوا حرمهم ~~وأموالهم إلى الطائف وغيره خوفا منه. # وفيها كتب الكلوذاني إلى الوزير الخصيبي، قبل عزله، بأن أبا طالب ~~النوبندجاني قد صار يجري مجرى أصحاب الأطراف، وأنه قد تغلب على ضياع ~~السلطان، واستغل منها جملة عظيمة، فصودر أبو طالب على مائة ألف دينار. # PageV06P709 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة] ### | 315 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة # ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر ومؤنس # في هذه السنة هاجت الروم، وقصدوا الثغور، ودخلوا سميساط، وغنموا جميع ما ~~فيها من مال وسلاح وغير ذلك، وضربوا في الجامع بالناقوس أوقات الصلوات. # ثم إن المسلمين خرجوا في أثر الروم، وقاتلوهم، وغنموا منهم غنيمة عظيمة، ~~فأمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفر، وخلع المقتدر عليه، في ~~ربيع الآخر، ليسير، فلما لم ms2774 يبق إلا الوداع امتنع مؤنس من دخول دار الخليفة ~~للوداع، واستوحش من المقتدر بالله (وظهر ذلك. # وكان سببه أن خادما من خدام المقتدر حكى لمؤنس أن المقتدر بالله) أمر ~~خواص خدمه أن يحفروا جبا في دار الشجرة، ويغطوه ببراية وتراب، وذكر أنه ~~يجلس فيه لوداع مؤنس، فإذا حضر وقاربها ألقاه الخدم فيها، وخنقوه، وأظهروه ~~ميتا، فامتنع مؤنس من دخول دار الخليفة، وركب إليه جميع الأجناد، وفيهم عبد ~~الله بن حمدان وإخوته، وخلت دار الخليفة، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك ~~إلى أن تنبت لك لحية، فوجه إليه المقتدر رقعة بخطه يحلف له على بطلان ما ~~بلغه، فصرف مؤنس الجيش، وكتب الجواب أنه العبد المملوك، وأن الذي أبلغه ذلك ~~قد كان وضعه # PageV06P710 # من يريد إيحاشه من مولاه، وأنه ما استدعى الجند، وإنما هم حضروا، وقد ~~فرقهم. # ثم إن مؤنسا قصد دار المقتدر في جمع من القواد، ودخل إليه، وقبل يده، ~~وحلف المقتدر على صفاء نيته له، وودعه وسار إلى الثغر في العشر الآخر من ~~ربيع الآخر، وخرج لوداعه أبو العباس بن المقتدر، وهو الراضي بالله، والوزير ~~علي بن عيسى. # ذكر (وصول القرامطة إلى العراق) وقتل يوسف بن أبي الساج # في هذه السنة وردت الأخبار بمسير أبي طاهر القرمطي من هجر نحو الكوفة ثم ~~وردت الأخبار من البصرة بأنه اجتاز قريبا منهم نحو الكوفة. فكتب المقتدر ~~إلى يوسف بن أبي الساج يعرفه هذا الخبر، ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة، فسار ~~إليها عن واسط، آخر شهر رمضان، وقد أعد له بالكوفة الأنزال له ولعسكره، ~~فلما وصلها أبو طاهر الهجري هرب نواب السلطان عنها، واستولى عليها أبو ~~طاهر، وعلى تلك الأنزال والعلوفات، وكان فيها مائة كر دقيقا، وألف كر ~~شعيرا، وكان قد فني ما معه من الميرة والعلوفة، فقووا بما أخذوه. # ووصل يوسف إلى الكوفة بعد وصول القرمطي بيوم واحد، فحال بينهم وبينها، ~~وكان وصوله يوم الجمعة ثامن شوال، فلما وصل إليهم أرسل إليهم يدعوهم إلى ~~طاعة المقتدر، فإن أبوا فموعدهم الحرب يوم الأحد، فقالوا: ms2775 لا طاعة علينا ~~إلا لله تعالى، والموعد بيننا للحرب بكرة غد. # فلما كان الغد ابتدأ أوباش العسكر بالشتم ورمي الحجارة، ورأى يوسف قلة ~~القرامطة، فاحتقرهم، وقال: إن هؤلاء الكلاب بعد ساعة في يدي! وتقدم بأن ~~يكتب كتاب الفتح والبشارة بالظفر قبل اللقاء تهاونا بهم. # PageV06P711 # وزحف الناس بعضهم إلى بعض، (فسمع أبو طاهر) أصوات البوقات والزعقات، فقال ~~لصاحب له: ما هذا؟ فقال: فشل! قال: أجل، لم يزد على هذا، فاقتتلوا من ضحوة ~~النهار، يوم السبت، إلى غروب الشمس، وصبر الفريقان، فلما رأى أبو طاهر ذلك ~~باشر الحرب بنفسه، ومعه جماعة يثق بهم، وحمل بهم، فطحن أصحاب يوسف، ودقهم، ~~فانهزموا بين يديه، وأسر يوسف وعددا كثيرا من أصحابه، وكان أسره وقت ~~المغرب، وحملوه إلى عسكرهم، ووكل به أبو طاهر طبيبا يعالج جراحه. # وورد الخبر إلى بغداذ بذلك، فخاف الخاص والعام من القرامطة خوفا شديدا، ~~وعزموا على الهرب إلى حلوان وهمذان، ودخل المنهزمون بغداذ، أكثرهم رجالة، ~~حفاة، عراة، فبرز مؤنس المظفر ليسير إلى الكوفة، فأتاهم الخبر بأن القرامطة ~~قد ساروا إلى عين التمر، فأنفذ من بغداذ خمسمائة سميرية فيها المقاتلة ~~لتمنعهم من عبور الفرات، (وسير جماعة من الجيش إلى الأنبار لحفظها، ومنع ~~القرامطة من العبور هنالك. # ثم إن القرامطة قصدوا الأنبار، فقطع أهلها الجسر، ونزل القرامطة غرب ~~الفرات، وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن، ولم يعلم أهل ~~الأنبار بذلك، وعبر فيها ثلاثمائة رجل من القرامطة، فقاتلوا عسكر الخليفة، ~~فهزموهم، وقتلوا منهم جماعة، واستولى القرامطة على مدينة الأنبار، وعقدوا ~~الجسر، وعبر أبو طاهر جريدة وخلف سواده بالجانب الغربي. # ولما ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار، خرج نصر الحاجب في عسكر ~~جرار، فلحق بمؤنس المظفر، فاجتمعا في نيف وأربعين ألف مقاتل، سوى الغلمان ~~ومن يريد النهب، وكان ممن معه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، ومن إخوته ~~أبو الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم، وساروا حتى بلغوا نهر زبارا، على ~~فرسخين من بغداذ، عند عقرقوف، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة ~~التي ms2776 عليه، فقطعوها، وسار أبو طاهر ومن معه نحوهم، فبلغوا نهر زبارا، وفي ~~أوائلهم رجل أسود، فما زال الأسود # PageV06P712 # يدنو من القنطرة، والنشاب يأخذه، ولا يمتنع، حتى أشرف عليها، فرآها ~~مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ. # وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم لأن النهر لم يكن فيه مخاضة، ولما ~~أشرفوا على عسكر الخليفة هرب منهم خلق كثير إلى بغداذ من غير أن يلقوهم، ~~فلما رأى ابن حمدان ذلك قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم؟ فوالله لو ~~عبر القرامطة النهر لانهزم كل من معك ولأخذوا بغداذ، ولما رأى القرامطة ~~ذلك، (عادوا إلى الأنبار) ، وسير مؤنس المظفر صاحبه بليقا في ستة آلاف ~~مقاتل، إلى عسكر القرامطة، غربي الفرات، ليغنموه ويخلصوا ابن أبي الساج، ~~فبلغوا إليهم، وقد عبر أبو طاهر الفرات في زورق صياد، وأعطاه ألف دينار، ~~فلما رآه أصحابه قويت قلوبهم، ولما أتاهم عسكر مؤنس كان أبو طاهر عندهم، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر الخليفة. # ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج وهو قد خرج من الخيمة ينظر ويرجو ~~الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج! فلما انهزموا أحضره وقتله، وقتل ~~جميع الأسرى من أصحابه. وسلمت بغداذ من نهب العيارين، لأن نازوك كان يطوف ~~هو وأصحابه ليلا ونهارا، ومن وجدوه بعد العتمة قتلوه فامتنع العيارون، ~~واكترى كثير من أهل بغداذ سفنا، ونقلوا إليها أموالهم، وربطوها لينحدروا ~~إلى واسط، وفيهم من نقل متاعه إلى واسط وإلى حلوان ليسيروا إلى خراسان. ~~وكان عدة القرامطة ألف رجل وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل، ~~وقيل كانوا ألفين وسبعمائة. # وقصد القرامطة مدينة هيت، وكان المقتدر قد سير إليها سعيد بن حمدان، ~~وهارون بن غريب، فلما بلغها القرامطة رأوا عسكر الخليفة قد سبقهم فقاتلوهم ~~على السور، فقتلوا من القرامطة جماعة كثيرة، فعادوا عنها. # PageV06P713 # ولما بلغ أهل بغداذ عودهم من هيت سكنت قلوبهم، ولما علم المقتدر بعدة ~~عسكره وعسكر القرامطة قال: لعن الله نيفا وثمانين ألفا يعجزون عن ألفين ~~وسبعمائة. # وجاء إنسان إلى علي بن عيسى، وأخبره أن في جيرانه ms2777 رجلا من شيراز على مذهب ~~القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار، فأحضره، وسأله واعترف، وقال: ما صحبت ~~أبا طاهر إلا لما صح عندي أنه على الحق وأنت وصاحبك كفار تأخذون ما ليس ~~لكم، ولا بد لله من حجة في أرضه، وإمامنا المهدي محمد بن فلان بن فلان بن ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب، ولسنا كالرافضة، ~~(والاثني عشرية) الذين يقولون بجهلهم إن لهم إماما ينتظرونه، ويكذب بعضهم ~~لبعض فيقول: قد رأيته وسمعته وهو يقرأ، ولا ينكرون بجهلهم وغباوتهم أنه لا ~~يجوز أن يعطى من العمر ما يظنونه، فقال له: قد خالطت عسكرنا وعرفتهم، فمن ~~فيهم على مذهبك؟ فقال: وأنت بهذا العقل تدبر الوزارة، كيف تطمع مني أنني ~~أسلم قوما مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم؟ لا أفعل ذلك. فأمر به فضرب ضربا ~~شديدا، ومنع الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة أيام. # وقد كان ابن أبي الساج قبل قتاله القرامطة قد قبض على وزيره محمد بن خلف ~~النيرماني وجعل مكانه أبا علي الحسن بن هارون، وصادر محمدا على خمسمائة ألف ~~دينار، وكان سبب ذلك أن النيرماني عظم شأنه، وكثر ماله، فحدث نفسه بوزارة ~~الخليفة، فكتب إلى نصر الحاجب يخطب الوزارة. # ويسعى بابن أبي الساج، ويقول له: إنه قرمطي يعتقد إمامة العلوي الذي ~~بإفريقية، وإنني ناظرته على ذلك، فلم يرجع # PageV06P714 # عنه، وإنه لا يسير إلى قتال أبي طاهر القرمطي، وإنما يأخذ المال بهذا ~~السبب، ويقوى به على قصد حضرة السلطان، وإزالة الخلافة عن بني العباس، وطول ~~في ذلك وعرض. # وكان لمحمد بن خلف أعداء قد أساء إليهم من أصحاب ابن أبي الساج (فسعوا ~~به، فأعلموا يوسف بن أبي الساج) ذلك، وأروه كتبا جاءته من بغداذ في المعنى ~~من نصر الحاجب وفيها رموز إلى قواعد قد تقدمت وتقررت، وفيها الوعد له ~~بالوزارة، وعزل علي بن عيسى الوزير، فلما علم ذلك ابن أبي الساج قبض عليه، ~~فلما أسر ابن أبي الساج تخلص من الحبس، وكان ابن أبي الساج يسمى الشيخ ~~الكريم لما جمع الله ms2778 فيه من خلال الكمال والكرم. # ذكر استيلاء أسفار على جرجان # في هذه السنة استولى أسفار بن شيرويه الديلمي على جرجان، وكان ابتداء ~~أمره أنه كان من أصحاب ماكان بن كالي الديلمي، وكان سيئ الخلق والعشرة، ~~فأخرجه ماكان من عسكره، فاتصل ببكر بن محمد بن أليسع، وهو بنيسابور، وخدمه، ~~فسيره بكر بن محمد إلى جرجان ليفتحها. وكان ماكان بن كالي، ذلك الوقت، ~~بطبرستان، وأخوه أبو الحسن بن كالي بجرجان، وقد اعتقل أبا علي بن أبي ~~الحسين الأطروش العلوي عنده، فشرب أبو # PageV06P715 # الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرقهم، وبقي في بيت هو والعلوي، فقام ~~إلى العلوي ليقتله، فظفر به العلوي وقتله، وخرج من الدار واختفى، فلما أصبح ~~أرسل إلى جماعة من القواد يعرفهم الحال ففرحوا بقتل أبي الحسن بن كالي، ~~وأخرجوا العلوي، وألبسوه القلنسوة وبايعوه، فأمسى أسيرا، وأصبح أميرا، وجعل ~~مقدم جيشه علي بن خرشيد ورضي به الجيش، وكاتبوا أسفار بن شيرويه، وعرفوه ~~الحال، واستقدموه إليهم، فاستأذن بكر بن محمد وسار إلى جرجان، واتفق مع علي ~~بن خرشيد، وضبطوا تلك الناحية، فسار إليهم ماكان بن كالي، من طبرستان، في ~~جيشه، فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طبرستان، وأقاموا بها ومعهم العلوي، فلعب ~~يوما بالكرة، فسقط عن دابته فمات. # ثم مات علي بن خرشيد صاحب الجيش، وعاد ماكان بن كالي إلى أسفار، فحاربه، ~~فانهزم أسفار منه، ورجع إلى بكر بن محمد بن أليسع، وهو بجرجان، وأقام بها ~~إلى أن توفي بكر بها، فولاها الأمير السعيد نصر بن أحمد، أسفار بن شيرويه، ~~وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وأرسل أسفار إلى مرداويج بن زيار الجيلي ~~يستدعيه، فحضر عنده، وجعله أمير الجيش، وأحسن إليه، وقصدوا طبرستان ~~واستولوا عليها. # ونحن نذكر حال ابتداء مرداويج وكيف تقلبت به الأحوال. # ذكر الحرب بين المسلمين والروم # في هذه السنة خرجت سرية من طرسوس إلى بلاد الروم، فوقع عليها العدو ~~فاقتتلوا (فاستظهر الروم) وأسروا من المسلمين أربعمائة رجل، فقتلوا صبرا. # وفيها سار الدمستق في جيش عظيم من الروم إلى مدينة دبيل، وفيها ms2779 نصر ~~السبكي في عسكر يحميها، وكان مع الدمستق دبابات ومجانيق ومعه مزراق يزرق ~~بالنار عدة اثني عشر رجلا، فلا يقر بين يديه أحد من شدة ناره واتصاله، فكان ~~من أشد شيء على المسلمين. # PageV06P716 # وكان الرامي به، مباشر بالقتال، (من أشجعهم) ، فرماه رجل من المسلمين ~~بسهم فقتله، وأراح الله المسلمين من شره. # وكان الدمستق يجلس على كرسي عال يشرف على البلد (وعلى عسكره، فأمرهم ~~بالقتال على ما يراه، فصبر له أهل البلد) ، وهو ملازم القتال، حتى وصلوا ~~إلى سور المدينة، فنقبوا فيه نقوبا كثيرة، ودخلوا المدينة، فقاتلهم أهلها ~~ومن فيها من العسكر قتالا شديدا، فانتصر المسلمون، وأخرجوا الروم منها، ~~وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل. # وفيها في ذي القعدة، عاد ثمل إلى طرسوس من الغزاة الصائفة سالما هو ومن ~~معه (فلقوا جمعا كثيرا) من الروم، فاقتتلوا فانتصر المسلمون عليهم وقتلوا ~~من الروم كثيرا، وغنموا ما لا يحصى. # وكان من جملة ما غنموا أنهم ذبحوا من الغنم في بلاد الروم ثلاثمائة ألف ~~رأس، سوى ما سلم معهم، ولقيهم رجل يعرف بابن الضحاك، وهو من رؤساء الأكراد، ~~وكان له حصن يعرف بالجعفري، فارتد عن الإسلام وصار إلى ملك الروم فأجزل له ~~العطية، وأمره بالعود إلى حصنه، فلقيه المسلمون، فقاتلوه، (فأسروه، وقتلوا ~~كل من) معه. # PageV06P717 # ذكر مسير جيش المهدي إلى المغرب # في هذه السنة سير المهدي العلوي، صاحب إفريقية، ابنه أبا القاسم من ~~المهدية إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، لسبب محمد بن خرز الزناتي، وذلك ~~أنه ظفر بعسكر من كتامة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فعظم ذلك على المهدي، فسير ~~ولده، فلما خرج تفرق الأعداء، وسار حتى وصل إلى ما وراء تاهرت، فلما عاد من ~~سفرته هذه خط برمحه في الأرض صفة مدينة وسماها المحمدية، وهي المسيلة. # وكانت خطته لبني كملان، فأخرجهم منها، ونقلهم إلى فحص القيروان، كالمتوقع ~~منهم أمرا، فلذلك أحبوا أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد ~~الخارجي، وانتقل خلق كثير إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام ms2780 ~~ويخزنه ويحتفظ به (ففعل ذلك) ، فلم يزل مخزونا إلى أن خرج أبو يزيد ولقيه ~~المنصور، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات إبراهيم بن المسمعي من حمى حادة، وكان موته ~~بالنوبندجان، فاستعمل المقتدر مكانه على فارس ياقوتا، واستعمل عوضه على ~~كرمان أبا طاهر محمد بن عبد الصمد، وخلع عليهما. # وفيها شغب الفرسان ببغداذ، وخرجوا إلى المصلى، ونهبوا القصر المعروف ~~بالثريا، وذبحوا ما كان فيه من الوحش، فخرج إليهم مؤنس، وضمن لهم أرزاقهم، ~~فرجعوا إلى منازلهم. # وفيها ظفر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الناصر لدين الله الأموي، صاحب # PageV06P718 # الأندلس، بأهل طليطلة وكان قد حصرها مدة لخلاف كان عليه فيها، فلما ظفر ~~بهم أخرب كثيرا من عماراتها وشعثها، وكانت حينئذ دار إسلام. # وفيها قصد الأعراب سواد الكوفة فنهبوه وخربوه، ودخلوا الحيرة فنهبوها، ~~فسير إليهم الخليفة جيشا فدفعوهم عن البلاد. # وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم، وصار له صوت شديد على ساعتين ~~بقيتا من النهار. # وفيها، في جمادى الآخرة، احترق كثير من الرصافة ووصيف الجوهري ومربعة ~~الخرسي ببغداذ. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن السري، المعروف بابن السراج النحوي، صاحب ~~كتاب الأصول في النحو. # وقيل توفي سنة ست عشرة [وثلاثمائة] . # وفيها، في شعبان، توفي أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش فجأة. # PageV06P719 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة] ### | 316 - # ثم دخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة # ذكر أخبار القرامطة # لما سار القرامطة من الأنبار عاد مؤنس الخادم إلى بغداذ، فدخلها ثالث ~~المحرم، وسار أبو طاهر القرمطي إلى الدالية من طريق الفرات، فلم يجد فيها ~~شيئا، فقتل من أهلها جماعة، ثم سار إلى الرحبة، فدخلها ثامن المحرم، بعد أن ~~حاربه أهلها، فوضع فيهم السيف بعد أن ظفر بهم، فأمر مؤنس المظفر بالمسير ~~إلى الرقة، فسار إليها في صفر، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في ربيع ~~الأول، ونزل بها، وأرسل أهل قرقيسيا يطلبون من أبي طاهر الأمان، فأمنهم ~~وأمرهم أن لا ms2781 يظهر أحد بالنهار، فأجابوه إلى ذلك. # وسير أبو طاهر سرية إلى الأعراب بالجزيرة فنهبوهم، وأخذوا أموالهم، فخافه ~~الأعراب خوفا شديدا وهربوا من بين يديه، وقرر عليهم إتاوة على كل رأس دينار ~~يحملونه إلى هجر، ثم صعد أبو طاهر من الرحبة إلى الرقة، فدخل أصحابه الربض ~~وقتلوا منهم ثلاثين رجلا، وأعان أهل الرقة أهل الربض، وقتلوا من القرامطة ~~جماعة، فقاتلهم ثلاثة أيام، ثم انصرفوا آخر ربيع الآخر. # وبثت القرامطة سرية إلى رأس عين، وكفرتوثا، فطلب أهلها الأمان، فأمنوهم، ~~وساروا أيضا إلى سنجار، فنهبوا الجبال، ونازلوا سنجار، فطلب أهلها الأمان، ~~فأمنوهم. # وكان مؤنس قد وصل إلى الموصل، فبلغه قصد القرامطة إلى الرقة (فجد # PageV06P720 # السير إليها، فسار أبو طاهر عنها، وعاد) إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرقة ~~بعد انصراف القرامطة عنها، ثم إن القرامطة ساروا إلى هيت، وكان أهلها قد ~~أحكموا سورها، فقاتلوه، فعاد عنهم إلى الكوفة، فبلغ الخبر إلى بغداذ، فأخرج ~~هارون بن غريب، (وبني بن نفيس) ونصر الحاجب (إليها، ووصلت خيل القرمطي إلى ~~قصر ابن هبيرة، فقتلوا منه جماعة. # ثم إن نصرا الحاجب) حم في طريقه حمى حادة، فتجلد وسار، فلما قاربهم ~~القرمطي لم يكن في نصر قوة على النهوض والمحاربة، فاستخلف أحمد بن كيغلغ، ~~واشتد مرض نصر، وأمسك لسانه لشدة مرضه، فردوه إلى بغداذ، فمات في الطريق في ~~أواخر شهر رمضان، فجعل مكانه على الجيش هارون بن غريب، ورتب ابنه أحمد بن ~~نصر في الحجبة للمقتدر مكان أبيه، فانصرف القرامطة إلى البرية، وعاد هارون ~~إلى بغداذ (في الجيش) ، فدخلها لثمان بقين من شوال. # ذكر عزل علي بن عيسى ووزارة أبي علي بن مقلة # في هذه السنة عزل علي بن عيسى عن وزارة الخليفة، ورتب فيها أبو علي بن ~~مقلة. # وكان سبب ذلك أن عليا لما رأى نقص الارتفاع، واختلال الأعمال بوزارة ~~الخاقاني والخصيبي، وزيادة النفقات، وأن الجند لما عادوا من الأنبار زادهم ~~المقتدر في أرزاقهم مائتي ألف وأربعين ألف دينار في السنة، ورأى أيضا كثرة ~~النفقات للخدم والحرم، لا سيما ms2782 والدة المقتدر، هاله ذلك، وعظم عليه. # ثم إنه رأى نصرا الحاجب يقصده، وينحرف عنه لميل مؤنس إليه، فإن نصرا كان ~~يخالف مؤنسا في جميع ما يشير به، فلما تبين له ذلك استعفى من الوزارة، ~~واحتج # PageV06P721 # بالشيخوخة، وقلة النهضة، فأمره المقتدر بالصبر، وقال له: أنت عندي بمنزلة ~~والدي المعتضد، فألح عليه في الاستعفاء، فشاور مؤنسا في ذلك، وأعلمه أنه قد ~~سمي للوزارة ثلاثة نفر: الفضل بن جعفر بن الفرات الذي أمه حنزانة، وأخته ~~زوجة المحسن بن الفرات، وأبو علي بن مقلة، ومحمد بن خلف النيرماني الذي كان ~~وزير ابن أبي الساج، فقال مؤنس: أما الفضل فقد قتلنا عمه الوزير أبا الحسن، ~~وابن عمه زوج أخته المحسن ابن الوزير، وصادرنا أخته (فلا نأمنه، وأما) ابن ~~مقلة فحدث غر لا تجربة له بالوزارة، ولا يصلح لها، وأما محمد بن خلف فجاهل ~~متهور لا يحسن شيئا، والصواب مداراة علي بن عيسى. # ثم لقي مؤنس علي بن عيسى، وسكنه، فقال علي: لو كنت مقيما لاستعنت بك، ~~ولكنك سائر إلى الرقة ثم إلى الشام. # وبلغ الخبر أبا علي بن مقلة، فجد في السعي، وضمن على نفسه الضمانات، ~~وشاور المقتدر نصرا الحاجب في هؤلاء الثلاثة، فقال: أما الفضل بن الفرات ~~فلا يدفع عن صناعة الكتابة، والمعرفة، والكفاية، ولكنك بالأمس قتلت عمه ~~وابن عمه وصهره، وصادرت أخته وأمه، ثم إن بني الفرات يدينون بالرفض، ~~ويعرفون بولاء آل علي وولده، وأما أبو علي بن مقلة فلا هيبة له في قلوب ~~الناس، ولا يرجع إلى كفاية، ولا تجربة، وأشار بمحمد بن خلف لمودة كانت ~~بينهما، فنفر المقتدر من محمد بن خلف لما علمه من جهله وتهوره، وواصل ابن ~~مقلة بالهدية إلى نصر الحاجب، فأشار على المقتدر به، فاستوزره. # وكان ابن مقلة لما قرب الهجري من الأنبار قد أنفذ صاحبا له معه خمسون ~~طائرا، وأمره بالمقام بالأنبار، وإرسال الأخبار إليه وقتا بوقت، (ففعل ذلك) ~~، فكانت # PageV06P722 # الأخبار ترد من جهته إلى الخليفة على يد نصر الحاجب، فقال نصر: هذا فعله ~~فيما لا ms2783 يلزمه، فكيف يكون إذا اصطنعته! فكان ذلك من أقوى الأسباب في ~~وزارته. # وتقدم المقتدر في منتصف ربيع الأول بالقبض على الوزير علي بن عيسى، وأخيه ~~عبد الرحمن، وخلع على أبي علي بن مقلة، وتولى الوزارة، وأعانه عليها أبو ~~عبد الله البريدي لمودة كانت بينهما. # ذكر ابتداء حال أبي عبد الله البريدي وإخوته # لما ولي علي بن عيسى الوزارة كان أبو عبد الله بن البريدي قد ضمن الخاصة، ~~وكان أخوه أبو يوسف على سرق، فلما استعمل علي بن عيسى العمال، ورتبهم في ~~الأعمال، قال أبو عبد الله: تقلد مثل هؤلاء على هذه الأعمال الجليلة، ~~وتقتصر بي على ضمان الخاصة بالأهواز، وبأخي أبي يوسف على سرق! لعن الله من ~~يقنع بهذا منك، فإن لطلبي صوتا سوف يسمع بعد أيام. # فلما بلغه اضطراب أمر علي بن عيسى أرسل أخاه أبا الحسين إلى بغداذ (وأمره ~~أن يخطب له أعمال الأهواز وما يجري معها إذا تجددت وزارة) لمن يأخذ الرشا، ~~ويرتفق، فلما وزر أبو علي بن مقلة بذل له عشرين ألف دينار على ذلك، فقلد ~~أبا عبد الله الأهواز جميعها، سوى السوس وجنديسابور، وقلد أخاه أبا الحسين ~~الفراتية، وقلد أخاهما أبا يوسف الخاصة والأسافل، على أن يكون المال في ذمة ~~أبي أيوب السمسار إلى أن يتصرفوا في الأعمال. # وكتب أبو علي بن مقلة إلى أبي عبد الله في القبض على ابن أبي السلاسل، ~~فسار # PageV06P723 # بنفسه فقبض عليه بتستر، وأخذ منه عشرة آلاف دينار ولم يوصلها، وكان ~~متهورا لا يفكر في عاقبة أمر، وسيرد من أخباره ما يعلم به دهاؤه، ومكره ~~وقلة دينه، وتهوره. # ثم إن أبا علي بن مقلة جعل أبا محمد الحسين بن أحمد المادرائي مشرفا على ~~أبي عبد الله، فلم يلتفت إليه. # (البريدي بالباء الموحدة والراء المهملة منسوب إلى البريد، هكذا ذكره ~~الأمير ابن ماكولا، وقد ذكره ابن مسكويه بالياء المعجمة باثنتين من تحت، ~~والزاي، وقال: كان جده يخدم يزيد بن منصور الحميري، فنسب إليه، والأول أصح، ~~وما ذكرنا قول ابن مسكويه إلا ms2784 حتى لا يظن ظان أننا لم نقف عليه، وأخطأنا ~~الصواب) . # ذكر من ظهر بسواد العراق من القرامطة # لما كان من أمر أبي طاهر القرمطي ما ذكرناه، اجتمع من كان بالسواد ممن ~~يعتقد مذهب القرامطة فيكتم اعتقاده خوفا، فأظهروا اعتقادهم، فاجتمع منهم ~~بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف رجل، وولوا أمرهم رجلا يعرف بحريث بن مسعود، ~~واجتمع طائفة أخرى بعين التمر ونواحيها في جمع كثير، وولوا أمرهم إنسانا ~~يسمى عيسى بن موسى، وكانوا يدعون إلى المهدي. # وسار عيسى إلى الكوفة، ونزل بظاهرها، وجبى الخراج، وصرف العمال عن ~~السواد. # وسار حريث بن مسعود إلى أعمال الموفقي وبنى بها دارا سماها دار الهجرة، ~~واستولى على تلك الناحية، فكانوا ينهبون، ويسبون، ويقتلون، وكان يتقلد ~~الحرب بواسط بني بن نفيس، فقاتلهم، فهزموه، فسير المقتدر بالله إلى حريث بن ~~مسعود ومن # PageV06P724 # معه هارون بن غريب، وإلى عيسى بن موسى ومن معه بالكوفة صافيا البصري، ~~فأوقع بهم هارون، وأوقع صافي بمن سار إليهم، فانهزمت القرامطة، وأسر منهم ~~كثير، وقتل أكثر ممن أسر، وأخذت أعلامهم، وكانت بيضا، وعليها مكتوب: {ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} ~~[القصص: 5] (فأدخلت بغداذ منكوسة) ، واضمحل أمر من بالسواد منهم، وكفى الله ~~الناس شرهم. # ذكر الحرب بين نازوك وهارون بن غريب # وفيها وقعت الفتنة بين نازوك صاحب الشرطة، وهارون بن غريب. وسبب ذلك أن ~~ساسة دواب هارون بن غريب وساسة نازوك تغايروا على غلام أمرد، وتضاربوا ~~بالعصي، فحبس نازوك (ساسة دواب) هارون، بعد أن ضربهم، فسار أصحاب هارون إلى ~~محبس الشرطة، ووثبوا على نائب نازوك به، وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب ~~نازوك، وشكا إلى المقتدر، فقال: كلاكما عزيز علي، ولست أدخل بينكما، فعاد ~~وجمع رجاله، وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون، فأغلق ~~بابه، وبقي بعض أصحابه خارج الدار، فقتل منهم أصحاب نازوك، وجرحوا، ففتح ~~هارون الباب، وخرج أصحابه، فوضعوا السلاح في أصحاب نازوك، (فقتلوا منهم، ~~وجرحوا، واشتبكت الحرب بينهم، فكف نازوك أصحابه. # وأرسل الخليفة إليهما ms2785 ينكر عليهما ذلك، فكفا، وسكنت الفتنة، واستوحش ~~نازوك) ، واستدل بذلك على تغير المقتدر، ثم ركب إليه هارون وصالحه، وخرج # PageV06P725 # بأصحابه، ونزل بالبستان النجمي ليبعد عن نازوك، فأكثر الناس الأراجيف، ~~وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء، فعظم ذلك على أصحاب مؤنس، وكتبوا إليه ~~بذلك، وهو بالرقة، فأسرع العود إلى بغداذ، (فنزل بالشماسية في أعلى بغداذ) ~~، ولم يلق المقتدر، فصعد إليه الأمير أبو العباس بن المقتدر، والوزير ابن ~~مقلة، فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له، وعاد فاستشعر كل واحد من المقتدر ~~ومؤنس من صاحبه، وأحضر المقتدر هارون بن غريب، وهو ابن خاله، فجعله معه في ~~داره، فلما علم مؤنس بذلك ازداد نفورا واستيحاشا، وأقبل أبو الهيجاء بن ~~حمدان من بلاد الجبل، فنزل عند مؤنس (ومعه عسكر كبير، وصارت المراسلات بين ~~الخليفة ومؤنس) تتردد، والأمراء يخرجون إلى مؤنس، وانقضت السنة وهم على ~~ذلك. # ذكر قتل الحسن بن القاسم الداعي # في هذه السنة قتل الحسن بن القاسم الداعي العلوي، وقد ذكرنا استيلاء ~~أسفار بن شيرويه الديلمي على طبرستان، ومعه مرداويج، فلما استولوا عليها ~~كان الحسن بن القاسم بالري، واستولى عليها، وأخرج منها أصحاب السعيد نصر بن ~~أحمد، واستولى على قزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، وكان معه ماكان بن كالي ~~الديلمي، فسار نحو طبرستان، والتقوا هم وأسفار عند سارية، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم الحسن (وماكان بن كالي فلحق الحسن فقتل، وكان انهزام معظم ~~أصحاب الحسن على تعمد) منهم للهزيمة. # وسبب ذلك أنه كان يأمر أصحابه بالاستقامة، ومنعهم عن ظلم الرعية، وشرب # PageV06P726 # الخمور، وكانوا يبغضونه لذلك، ثم اتفقوا على أن يستقدموا هروسندان وهو ~~أحد رؤساء الجيل، وكان خال مرداويج ووشمكير، ليقدموه عليهم، ويقبضوا على ~~الحسن الداعي، وينصبوا أبا الحسن بن الأطروش، ويخطبوا له. # وكان هروسندان مع أحمد الطويل بالدامغان بعد موت صعلوك، فوقف أحمد على ~~ذلك، فكتب إلى الحسن الداعي يعلمه، فأخذ حذره، فلما قدم هروسندان لقيه مع ~~القواد، وأخذهم إلى قصره بجرجان ليأكلوا طعاما، ولم يعلموا أنه قد اطلع على ~~ما عزموا عليه، وكان قد وافق خواص ms2786 أصحابه على قتلهم، وأمرهم بمنع أصحاب ~~أولئك القواد من الدخول، فلما دخلوا داره قابلهم على ما يريدون [أن] ~~يفعلوه، وما أقدموا عليه من المنكرات التي أحلت له دماءهم، ثم أمر بقتلهم ~~عن آخرهم، وأخبر أصحابهم الذين ببابه بقتلهم، وأمرهم بنهب أموالهم، ~~فاشتغلوا بالنهب، وتركوا أصحابهم، وعظم قتلهم على أقربائهم ونفروا عنه، ~~فلما كانت هذه الحادثة تخلوا عنه حتى قتل. # ولما قتل استولى أسفار على بلاد طبرستان، والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان، ~~وأبهر، وقم، والكرخ، ودعا لصاحب خراسان، وهو السعيد نصر بن أحمد، وأقام ~~بسارية، واستعمل على آمل هارون بن بهرام، وكان هارون يحتاج أن يخطب فيها ~~لأبي جعفر العلوي، وخاف أسفار ناحية أبي جعفر أن يجدد له فتنة وحربا، ~~فاستدعى هارون إليه، وأمره أن يتزوج إلى أحد أعيان آمل، ويحضر عرسه أبا ~~جعفر وغيره من رؤساء العلويين، ففعل ذلك في يوم ذكره أسفار، ثم سار أسفار ~~من سارية مجدا فوافى آمل وقت الموعد، وهجم [على] دار # PageV06P727 # هارون (على حين) غفلة، وقبض على أبي جعفر وغيره من أعيان العلويين، ~~وحملهم إلى بخارى، فاعتقلوا بها إلى أن خلصوا أيام فتنة أبي زكرياء، على ما ~~نذكره. # ولما فرغ أسفار من أمر طبرستان سار إلى الري، وبها ماكان بن كالي، فأخذها ~~منه، واستولى عليها، وسار ماكان إلى طبرستان، فأقام هناك. وأحب أسفار أن ~~يستولي على قلعة ألموت، وهي قلعة على جبل شاهق من حدود الديلم، وكانت لسياه ~~جشم بن مالك الديلمي، ومعناه الأسود العين لأنه كان على إحدى عينيه شامة ~~سوداء، فراسله أسفار وهنأه، فقدم عليه، فسأله أن يجعل عياله في قلعة ألموت، ~~وولاه قزوين، فأجابه إلى ذلك، فنقلهم إليها، ثم كان يرسل إليهم من يثق به ~~من أصحابه، فلما حصل فيها مائة رجل استدعاه من قزوين، فلما حضر عنده قبض ~~عليه، وقتله بعد أيام. # وكان أسفار لما اجتاز بسمنان استأمن إليه ابن أمير كان صاحب جبل دنباوند، ~~وامتنع محمد بن جعفر السماني من النزول إليه، وامتنع بحصن بقرية رأس الكلب، ~~فحقدها عليه أسفار، فلما ms2787 استولى على الري أنفذ إليه جيشا يحصرونه، وعليهم ~~إنسان يقال له عبد الملك (الديلمي، فحصروه) ، ولم يمكنهم الوصول إليه، فوضع ~~عليه عبد الملك من يشير عليه بمصالحته ففعل، وأجابه عبد الملك إلى المسألة، ~~ثم وضع عليه من يحسن له أن يضيف عبد الملك، فأضافه، فحضر في جماعة من شجعان ~~أصحابه، فتركهم تحت الحصن، وصعد وحده إلى محمد بن جعفر، فتحادثا ساعة، ثم ~~استخلاه عبد الملك ليشير إليه شيئا ففعل ذلك، ولم يبق عندهما # PageV06P728 # أحد غير غلام صغير، فوثب عليه عبد الملك فقتله، وكان محمد منقرسا زمنا، ~~وأخرج حبل إبريسم كان قد أعده فشده في نافذة في تلك الغرفة ونزل وتخلص. # واستغاث ذلك الغلام، فجاء أصحاب محمد بن جعفر وكسروا الباب، وكان عبد ~~الملك قد أغلقه، فلما دخلوا رأوه مقتولا، فقتلوا به كل من عندهم من الديلم، ~~وحفظوا نفوسهم. # وعظمت جيوش أسفار وجل قدره، فتجبر وعصى على الأمير السعيد، صاحب خراسان، ~~وأراد أن يجعل على رأسه تاجا وينصب بالري سرير ذهب للسلطنة، ويحارب ~~الخليفة، وصاحب خراسان، فسير المقتدر إليه هارون بن غريب في عسكر نحو ~~قزوين، فحاربه أصحاب أسفار بها، فانهزم هارون، وقتل من أصحابه جمع كثير ~~بباب قزوين، وكان أهل قزوين قد ساعدوا أصحاب هارون، فحقدها عليهم أسفار. # ثم إن الأمير السعيد، صاحب خراسان، سار من بخارى قاصدا نحو أسفار ليأخذ ~~بلاده، فبلغ نيسابور، فجمع أسفار عسكره وأشار على أسفار وزيره مطرف بن محمد ~~الجرجاني بمراسلة صاحب خراسان، والدخول في طاعته وبذل المال له، فإن أجاب، ~~وإلا فالحرب بين يديه. # وكان في عسكره جماعة من أتراك صاحب خراسان قد ساروا معه فخوفه وزيره ~~منهم، فرجع إلى رأيه وراسله، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وعزم على المسير إليه، ~~فأشار عليه أصحابه أن يقبل الأموال، وإقامة الخطبة له وخوفوه الحرب وأنه لا ~~يدري لمن النصر، فرجع إلى قولهم، وأجاب أسفار إلى ما طلب، وشرط عليه شروطا ~~من حمل الأموال وغير ذلك، واتفقا فشرع أسفار بعد إتمام الصلح، وقسط على ~~الري وأعمالها، على ms2788 كل رجل دينارا، سواء كان من أهل البلاد أم من ~~المجتازين، فحصل له مال عظيم أرضى صاحب خراسان ببعضه، ورجع عنه. # PageV06P729 # فعظم أمر أسفار خلاف ما كان، وزاد تجبره، وقصد قزوين لما في نفسه على ~~أهلها، فأوقع بهم وقعة عظيمة أخذ فيها أموالهم، وعذبهم، وقتل كثيرا منهم، ~~وعسفهم عسفا شديدا، وسلط الديلم عليهم، فضاقت الأرض عليهم، وبلغت القلوب ~~الحناجر، وسمع مؤذن الجامع يؤذن، فأمر به فألقي من المنارة إلى الأرض، ~~فاستغاث الناس من شره وظلمه، وخرج أهل قزوين إلى الصحراء: الرجال، والنساء، ~~والولدان يتضرعون ويدعون عليه ويسألون الله كشف ما هم فيه، فبلغه ذلك، فضحك ~~منهم، وشتمهم استهزاء بالدعاء فلما كان الغد انهزم على ما نذكره. # ذكر قتل أسفار # كان في أصحاب أسفار قائد من أكبر قواده يقال له مرداويج بن زيار الديلمي، ~~فأرسله إلى سلار صاحب شميران الطرم يدعوه إلى طاعته، وسلار هذا هو الذي صار ~~ولده فيما بعد صاحب أذربيجان وغيرها، فلما وصل مرداويج إليه تشاكيا ما كان ~~الناس فيه من الجهد والبلاء، فتحالفا، وتعاقدا على قصده، والتساعد على ~~حربه. # وكان أسفار قد وصل إلى قزوين، وهو ينتظر وصول مرداويج بجوابه، فكتب ~~مرداويج إلى جماعة من القواد يثق بهم يعرفهم ما اتفق هو وسلار عليه، ~~فأجابوه إلى ذلك، وكان الجند قد سئموا أسفارا لسوء سيرته، وظلمه، وجوره، ~~وكان في جملة من أجاب إلى مساعدة مرداويج مطرف بن محمد، وزير أسفار، وسار ~~مرداويج وسلار نحو أسفار، وبلغه الخبر، وأن أصحابه قد بايعوا مرداويج، فأحس ~~بالشر، وكان ذلك عقيب حادثته مع أهل قزوين ودعائهم، وثار الجند بأسفار، ~~فهرب منهم في جماعة من غلمانه وورد الري، فأراد أن يأخذ من مال كان (عند # PageV06P730 # نائبه) بها شيئا، فلم يعطه غير خمسة آلاف دينار، وقال له: أنت أمير ولا ~~يعوزك مال، فتركه وانصرف إلى خراسان، فأقام بناحية بيهق. # وأما مرداويج فإنه عاد من قزوين نحو الري، وكتب إلى ماكان بن كالي، وهو ~~بطبرستان، يستدعيه ليتساعدا ويتعاضدا، فسرى ماكان بن كالي إلى أسفار، وكان ms2789 ~~قد عسف أهل الناحية التي هو بها، فلما أحس بماكان سار إلى بست، وركب ~~المفازة نحو الري ليقصد قلعة ألموت التي بها أهله وأمواله، فانقطع عنه بعض ~~أصحابه، وقصد مرداويج فأعلمه خبره، فخرج مرداويج من ساعته في أثره، وقدم ~~بعض قواده بين يديه، فلحقه ذلك القائد وقد نزل يستريح، فسلم عليه بالإمرة، ~~فقال له أسفار: لعلكم اتصل بكم خبري وبعثت في طلبي؟ (قال: نعم) ! فبكى ~~أصحابه، فأنكر عليهم أسفار ذلك، وقال: بمثل هذه القلوب تتجندون! أما علمتم ~~أن الولايات مقرونة بالبليات؟ # ثم أقبل على ذلك القائد وهو يضحك، وسأله عن قواده الذين أسلموه وخذلوه، ~~فأخبره أن مرداويج قتلهم، فتهلل وجهه وقال: كانت حياة هؤلاء غصة في حلقي، ~~وقد طابت الآن نفسي، فامض في ما أمرت به، وظن أنه أمر بقتله، فقال: ما أمرت ~~فيك بسوء، وحمله إلى مرداويج، فسلمه إلى جماعة أصحابه ليحمله إلى الري، ~~فقال له بعض أصحابه: إن أكثر (من معك) كانوا أصحاب هذا، فانحرفوا عنه إليك، ~~(وقد # PageV06P731 # أوحشت أكثرهم بقتل قوادهم) فما يؤمنك أن يرجعوا إليه غدا ويقبضوا عليك؟ ~~فحينئذ أمر بقتله وانصرف إلى الري. # وقيل في قتله: إنه لما عاد نحو قلعة ألموت نزل في واد هناك يستريح، فاتفق ~~أن مرداويج خرج يتصيد، ويسأل عن أخباره، فرأى خيلا يسيرة في واد هناك، ~~فأرسل بعض أصحابه ليأخذ خبرها، فرأوا أسفار بن شيرويه في عدة يسيرة من ~~أصحابه، يريد الحصن ليأخذ ما له فيه ويستعين به على جمع الجيوش، ويعود إلى ~~محاربة مرداويج، فأخذوه ومن معه، وحملوه إلى مرداويج، فلما رآه نزل إليه ~~فذبحه. # واستقر أمر مرداويج في البلاد، وعاد إلى قزوين بعد قتل أسفار، فأحسن إلى ~~أهلها، ووعدهم الجميل. # وقيل: بل دخل أسفار إلى رحى، وقد نال منه الجوع، فطلب من الطحان شيئا ~~يأكله، فقدم له خبزا ولبنا، فأكل منه هو وغلام له ليس معه غيره، فأقبل ~~مرداويج إلى تلك الناحية، فأشرف على الرحى فرأى حوافر الدواب، فسأل عنها، ~~فقيل له: قد دخل فارسان إلى هذه الرحى، ms2790 فكبس مرداويج الرحى، فرآه وقتله. # ذكر ملك مرداويج # ولما انهزم أسفار من مرداويج ابتدأ في ملك البلاد ثم إنه ظفر بأسفار ~~فقتله فتمكن ملكه وثبت، وتنقل في البلاد يملكها مدينة مدينة، وولاية ولاية، ~~فملك قزوين، ووعدهم الجميل فأحبوه، ثم سار إلى الري فملكها، وملك همذان، ~~وكنكور، والدينور، وبروجرد، وقم، وقاشان، وأصبهان، وجرباذقان وغيرها. # PageV06P732 # ثم إنه أساء السيرة في أهل أصبهان خاصة، وأخذ الأموال، وهتك المحارم، ~~وطغى، وعمل له سريرا من ذهب يجلس عليه، وسريرا من فضة يجلس عليه أكابر ~~قواده، وإذا جلس على السرير يقف عسكره صفوفا بالبعد منه، ولا يخاطبه أحد ~~إلا الحجاب الذين رتبهم لذلك، وخافه الناس خوفا شديدا. # ذكر ملك مرداويج طبرستان # قد ذكرنا اتفاق ماكان بن كالي مع مرداويج، ومساعدته على أسفار فلما استقر ~~ملك مرداويج، وقوي أمره، وكثرت أمواله وعساكره، طمع في جرجان، وطبرستان، ~~وكانتا مع ماكان بن كالي، فجمع عساكره وسار إلى طبرستان، فثبت له ماكان، ~~فاستظهر عليه مرداويج، واستولى على طبرستان ورتب فيها بلقاسم بن بانجين، ~~وهو اسفهسلار عسكره، وكان حازما شجاعا، جيد الرأي. # ثم سار مرداويج نحو جرجان، وكان بها من قبل ماكان شيرزيل بن سلار، وأبو ~~علي بن تركي، فهربا من مرداويج، وملكها مرداويج ورتب فيها سرخاب بن باوس، ~~خال ولد بلقاسم بن بانجين، خليفة عن بلقاسم فجمع بلقاسم جرجان، وطبرستان، ~~وعاد مرداويج إلى أصبهان ظافرا غانما. # وسار ماكان إلى الديلم واستنجد أبا الفضل الثائر بها، فأكرمه، وسار معه ~~إلى طبرستان فلقيهما بلقاسم، وتحاربوا، فانهزم ماكان، (والثائر، فأما ~~الثائر فقصد الديلم، # PageV06P733 # وأما ماكان) فسار إلى نيسابور، فدخل في طاعة السعيد نصر، واستنجده، فأمده ~~بأكثر جيشه، وبالغ في تقويته، ووصل إليه ماكان وأبو علي، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم أبو علي وماكان وعادا إلى نيسابور، ثم عاد ماكان بن كالي إلى ~~الدامغان ليتملكها، فسار نحوه بلقاسم، (فصده عنها) ، فعاد إلى خراسان. # وسنذكر باقي أخبار ماكان فيما بعد. # ذكر عدة حوادث # فيها كان ابتداء أمر أبي يزيد الخارجي بالمغرب، وسنذكر أمره سنة أربع ~~وثلاثين ms2791 وثلاثمائة مستقصى. # وفيها ظهر بسجستان خارجي، وسار في جمع إلى بلاد فارس يريد التغلب عليها، ~~فقتله أصحابه قبل الوصول إليها، وتفرقوا. # وفيها صرف أحمد بن نصر العشوري عن حجبة الخليفة وقلدها ياقوت، وكان يتولى ~~بفارس، وهو بها، فاستخلف على الحجبة ابنه أبا الفتح المظفر. # وفيها وصل الدمستق في جيش كثير من الروم إلى أرمينية، فحصروا خلاط، ~~فصالحه أهلها، (ورحل عنهم بعد أن) أخرج المنبر من الجامع وجعل مكانه صليبا، ~~(وفعل ببدليس) كذلك، وخافه أهل أرزن وغيرهم، ففارقوا بلادهم، (وانحدر ~~أعيانهم إلى بغداذ) ، واستغاثوا إلى الخليفة، فلم يغاثوا. # PageV06P734 # وفيها وصل سبعمائة رجل من الروم والأرمن إلى ملطية، (ومعهم الفؤوس ~~والمعاول) ، وأظهروا أنهم يتكسبون بالعمل، ثم ظهر أن مليحا الأرمني، صاحب ~~الدروب، وضعهم ليكونوا بها، فإذا حصرها سلموها إليه، فعلم بهم أهل ملطية، ~~فقتلوهم وأخذوا ما معهم. # وفيها، في منتصف ربيع الأول، قلد مؤنس المؤنسي الموصل وأعمالها. # [الوفيات] # (وفيها مات أبو بكر بن أبي داود السجستاني، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم الأسفرايني، وله مسند مخرج على صحيح مسلم. # وفيها توفي أبو بكر محمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج صاحب كتاب ~~الأصول، في النحو) . # PageV06P735 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة] ### | 317 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة # ذكر خلع المقتدر # في هذه السنة خلع المقتدر بالله من الخلافة، وبويع أخوه القاهر بالله ~~محمد بن المعتضد، فبقي يومين ثم أعيد المقتدر. # وكان سبب ذلك ما ذكرنا في السنة التي قبلها من استيحاش مؤنس ونزوله ~~بالشماسية، وخرج إليه نازوك، صاحب الشرطة، في عسكره، وحضر عنده أبو الهيجاء ~~بن حمدان (في عسكره) ، من بلد الجبل، وبني بن نفيس، وكان المقتدر قد أخذ ~~منه الدينور، فأعادها إليه مؤنس عند مجيئه إليه. # وجمع المقتدر عنده في داره، هارون بن غريب، وأحمد بن كيغلغ، والغلمان ~~الحجرية، والرجالة المصافية، وغيرهم، فلما كان آخر النهار ذلك اليوم انفض ~~أكثر من عند المقتدر، وخرجوا إلى مؤنس، وكان ذلك أوائل المحرم. # ثم كتب مؤنس إلى المقتدر رقعة يذكر فيها أن ms2792 الجيش عاتب منكر للسرف فيما ~~يطلق باسم الخدم والحرم من الأموال والضياع، ولدخولهم في الرأي وتدبير ~~المملكة، ويطالبون بإخراجهم من الدار، وأخذ ما في أيديهم من الأموال ~~والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار. # PageV06P736 # فأجابه المقتدر أنه يفعل من ذلك ما يمكنه فعله، ويقتصر على ما لا بد له ~~منه، واستعطفهم، وذكرهم بيعته في أعناقهم مرة بعد أخرى، وخوفهم عاقبة ~~النكث، وأمر هارون بالخروج من بغداذ، وأقطعه الثغور الشامية والجزرية، وخرج ~~من بغداذ تاسع المحرم من هذه السنة، (وراسلهم المقتدر) ، وذكرهم نعمه عليهم ~~وإحسانه إليهم، وحذرهم كفر إحسانه، والسعي في الشر والفتنة. # فلما أجابهم إلى ذلك دخل مؤنس وابن حمدان ونازوك إلى بغداذ، وأرجف الناس ~~بأن مؤنسا ومن معه قد عزموا على خلع المقتدر وتولية غيره، فلما كان الثاني ~~عشر من المحرم خرج مؤنس والجيش إلى باب الشماسية، فتشاوروا ساعة، ثم رجعوا ~~إلى دار الخليفة بأسرهم، فلما (زحفوا إليها) ، وقربوا منها، هرب المظفر بن ~~ياقوت، وسائر الحجاب والخدم وغيرهم، والفراشون، وكل من في الدار، وكان ~~الوزير أبو علي بن مقلة حاضرا، فهرب ودخل مؤنس والجيش دار الخليفة، وأخرج ~~المقتدر، ووالدته، وخالته، وخواص جواريه، وأولاده، من دار الخلافة، وحملوا ~~إلى دار مؤنس، فاعتقلوا بها. # وبلغ الخبر هارون بن غريب، وهو بقطربل، فدخل بغداذ واستتر، ومضى ابن ~~حمدان إلى دار ابن طاهر، فأحضر محمد بن المعتضد، وبايعوه بالخلافة، ولقبوه ~~القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهد عليه بالخلع، ~~وعنده مؤنس، ونازوك، وابن حمدان، وبني بن نفيس، فقال مؤنس للمقتدر ليخلع ~~نفسه من الخلافة، فأشهد عليه القاضي بالخلع، فقام ابن حمدان، وقال للمقتدر: ~~يا سيدي يعز علي أن أراك على هذه الحال، وقد كنت أخافها عليك، وأحذرها، ~~وأنصح لك، وأحذرك عاقبة القبول من الخدم، والنساء، فتؤثر أقوالهم على قولي، ~~وكأني كنت أرى هذا، وبعد فنحن عبيدك وخدمك. # ودمعت عيناه وعينا المقتدر، وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع، وأودعوا ~~الكتاب # PageV06P737 # بذلك عند القاضي أبي عمر، فكتمه ولم يظهر عليه أحدا، فلما عاد المقتدر ms2793 ~~إلى الخلافة سلمه إليه، وأعلمه أنه لم يطلع عليه غيره، فاستحسن ذلك منه، ~~وولاه قضاء القضاة. # ولما استقر الأمر للقاهر أخرج مؤنس المظفر علي بن عيسى من الحبس، ورتب ~~أبا علي بن مقلة في الوزارة، وأضاف إلى نازوك مع الشرطة حجب الخليفة، وكتب ~~إلى البلاد بذلك، وأقطع ابن حمدان، مضافا إلى ما بيده من أعمال طريق ~~خراسان، حلوان، والدينور، وهمذان، وكنكور، وكرمان، وشاهان، والراذنات، ~~ودقوقا، وخانيجار، ونهاوند، والصيمرة، والسيروان، وماسبذان وغيرها، ونهبت ~~دار الخليفة، ومضى بني بن نفيس إلى تربة لوالدة المقتدر، فأخرج من قبر فيها ~~ستمائة ألف دينار، وحملها إلى دار الخليفة. # وكان خلع المقتدر النصف من المحرم، ثم سكن النهب، وانقطعت الفتنة، ولما ~~تقلد نازوك حجبة الخليفة أمر الرجالة المصافية بقلع خيامهم من دار الخليفة، ~~وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا بمكان المصافية، فعظم ذلك عليهم، وتقدم إلى ~~خلفاء الحجاب أن لا يمكنوا أحدا من الدخول إلى دار الخليفة، إلا من له ~~مرتبة، فاضطربت الحجبة من ذلك. # ذكر عود المقتدر إلى الخلافة # لما كان يوم الإثنين سابع عشر من المحرم بكر الناس إلى دار الخليفة لأنه ~~يوم موكب دولة جديدة، فامتلأت الممرات، والمراحات، والرحاب، وشاطئ دجلة من ~~الناس، وحضر الرجالة المصافية في السلاح الشاكي، يطالبون بحق البيعة، ورزق ~~سنة، وهم حنقون بما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم. # وارتفعت زعقات الرجالة، فسمع بها نازوك، فأشفق أن يجري بينهم وبين أصحابه ~~فتنة وقتال، فتقدم إلى أصحابه، وأمرهم أن لا يعرضوا لهم، ولا يقاتلوهم # PageV06P738 # وزاد شغب الرجالة، وهجموا يريدون الصحن التسعيني، فلم يمنعهم أصحاب ~~نازوك، ودخل من كان على الشط بالسلاح، وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله، ~~وعنده أبو علي بن مقلة الوزير، ونازوك، وأبو الهيجاء بن حمدان، فقال القاهر ~~لنازوك: اخرج إليهم فسكنهم، وطيب قلوبهم! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور، قد ~~شرب طول ليلته، فلما رآه الرجالة تقدموا إليه ليشكوا حالهم إليه في معنى ~~أرزاقهم، فلما رآهم بأيديهم السيوف يقصدونه خافهم على نفسه فهرب، فطمعوا ~~فيه، فتبعوه، ms2794 فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سده أمس، فأدركوه عنده، ~~فقتلوه عند ذلك الباب، وقتلوا قبله خادمه عجيبا، وصاحوا: يا مقتدر، يا ~~منصور! فهرب كل من كان في الدار من الوزير، والحجاب، وسائر الطبقات وبقيت ~~الدار فارغة، وصلبوا نازوك وعجيبا بحيث يراهما من على شاطئ دجلة. # ثم صار الرجالة إلى دار مؤنس يصيحون، ويطالبونه بالمقتدر، وبادر الخدم ~~فأغلقوا أبواب دار الخليفة، وكانوا جميعهم خدم المقتدر، ومماليكه، وصنائعه، ~~وأراد أبو الهيجاء بن حمدان أن يخرج من الدار، فتعلق به القاهر، وقال: أنا ~~في ذمامك، فقال: والله لا أسلمك أبدا، وأخذ بيد القاهر، وقال: قم بنا نخرج ~~جميعا، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون معك ودونك. # فقاما ليخرجا، فوجدا الأبواب مغلقة، فتبعهما فائق وجه القصعة يمشي معهما، ~~فأشرف القاهر من سطح، فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق، فقال ابن ~~حمدان للقاهر: قف حتى أعود إليك، ونزع سواده وثيابه، وأخذ جبة صوف لغلام ~~هناك، فلبسها ومشى نحو باب النوبى، فرآه مغلقا والناس من ورائه، فعاد إلى ~~القاهر، وتأخر عنهما وجه القصعة ومن معه من الخدم، فأمرهم وجه القصعة ~~بقتلهما أخذا بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم ~~بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء # PageV06P739 # وسيفه بيده، ونزع الجبة الصوف، وأخذها بيده الأخرى، وحمل عليهم، فانجفلوا ~~بين يديه، وغشيهم، فرموه بالنشاب ضرورة، فعاد عنهم، وانفرد عنه القاهر ومشى ~~إلى آخر البستان فاختفى منه. # ودخل أبو الهيجاء إلى بيت من ساج، وتقدم الخدم إلى ذلك البيت، فخرج إليهم ~~أبو الهيجاء، فولوا هاربين، ودخل إليهم بعض أكابر الغلمان الحجرية، ومعه ~~أسودان بسلاح، فقصدوا أبا الهيجاء، فخرج إليهم فرمي بالسهام فسقط، فقصده ~~بعضهم فضربه بالسيف فقطع يده اليمنى، وأخذ رأسه فحمله بعضهم، ومشى وهو معه. # وأما الرجالة فإنهم لما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال: ما الذي ~~تريدون؟ فقيل له: نريد المقتدر، فأمر بتسليمه إليهم، فلما قيل للمقتدر ~~ليخرج خاف على نفسه أن تكون حيلة عليه، فامتنع، وحمل وأخرج إليهم، فحمله ~~الرجالة على رقابهم ms2795 حتى أدخلوه دار الخلافة، فلما حصل في الصحن التسعيني ~~اطمأن وقعد، فسأل عن أخيه القاهر، وعن ابن حمدان، فقيل: هما حيان، فكتب ~~لهما أمانا بخطه، وأمر خادما بالسرعة بكتاب الأمان لئلا يحدث على أبي ~~الهيجاء حادث، فمضى بالخط إليه، (فلقيه الخادم) الآخر ومعه رأس، فعاد معه، ~~فلما رآه المقتدر، وأخبره بقتله، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! من قتله؟ ~~فقال الخادم: ما نعرف قاتله، وعظم عليه قتله، وقال: ما كان يدخل علي ~~ويسليني، ويذهب عني الغم هذه الأيام غيره. # ثم أخذ القاهر وأحضر عند المقتدر، فاستدناه، فأجلسه عنده وقبل جبينه وقال ~~له: يا أخي قد علمت أنه لا ذنب لك، وأنك قهرت، ولو لقبوك بالمقهور لكان ~~أولى من القاهر، والقاهر يبكي ويقول: يا أمير المؤمنين! نفسي، نفسي، اذكر ~~الرحم التي بيني وبينك! فقال له المقتدر: وحق رسول الله لا جرى عليك سوء ~~مني أبدا، ولا وصل أحد # PageV06P740 # إلى مكروهك وأنا حي! فسكن وأخرج رأس نازوك، ورأس أبي الهيجاء، وشهرا، ~~ونودي عليهما: هذا جزاء من عصى مولاه. # وأما بني بن نفيس فإنه كان من أشد القوم على المقتدر، فأتاه الخبر برجوعه ~~إلى الخلافة، فركب جوادا وهرب عن بغداذ، (وغير زيه) ، وسار حتى بلغ الموصل، ~~وسار منها إلى أرمينية، وسار حتى دخل القسطنطينية وتنصر. # وهرب أبو السرايا نصر بن حمدان أخو أبي الهيجاء إلى الموصل، وسكنت ~~الفتنة، وأحضر المقتدر أبا علي بن مقلة، وأعاده إلى وزارته، وكتب إلى ~~البلاد بما تجدد له، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم، وباع ما في الخزائن من ~~الأمتعة والجواهر، وأذن في بيع الأملاك من الناس، فبيع ذلك بأرخص الأثمان، ~~ليتم أعطيات الجند. # وقد قيل إن مؤنسا المظفر لم يكن مؤثرا لما جرى على المقتدر من الخلع، ~~وإنما وافق الجماعة مغلوبا على رأيه، ولعلمه أنه إن خالفهم لم ينتفع به ~~المقتدر، ووافقهم ليؤمنوه، وسعى مع الغلمان المصافية والحجرية، ووضع قوادهم ~~على أن عملوا ما عملوا، وأعادوا المقتدر إلى الخلافة، وكان هو قد قال ~~للمقتدر، (لما كان) في داره: ما ms2796 تريدون أن نصنع؟ فلهذا أمنه المقتدر، ولما ~~حملوه إلى دار الخلافة من دار مؤنس ورأى فيها كثرة الخلق والاختلاف عاد إلى ~~دار مؤنس لثقته به، واعتماده عليه، ولولا هوى مؤنس مع المقتدر لكان حضر عند ~~القاهر مع الجماعة، فإنه لم يكن معهم كما ذكرناه، ولكان أيضا قتل المقتدر ~~لما طلب من داره ليعاد إلى الخلافة. # وأما القاهر فإن المقتدر حبسه عند والدته، فأحسنت إليه، وأكرمته، ووسعت ~~عليه النفقة، واشترت له السراري والجواري للخدمة، وبالغت في إكرامه ~~والإحسان إليه (بكل طريق) . # PageV06P741 # ذكر مسير القرامطة إلى مكة وما فعلوه بأهلها وبالحجاج وأخذهم الحجر ~~الأسود # حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي، وسار بهم من بغداذ إلى مكة، ~~فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب هو ~~وأصحابه أموال الحجاج، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع ~~الحجر الأسود ونفذه إلى هجر، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكة، في جماعة من ~~الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب ~~البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن ~~الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير كفن ولا غسل، ولا صلى على أحد ~~منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة. # فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد الله العلوي بإفريقية كتب إليه ينكر ~~عليه ذلك، ويلومه، ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ~~ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى ~~الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر الأسود إلى مكانه، وترد كسوة ~~الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة. # فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود على ما نذكره، واستعاد ما أمكنه ~~من الأموال من أهل مكة، فرده، وقال: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال ~~الحجاج، ولا أقدر على منعهم. # PageV06P742 # ذكر خروج أبي زكرياء وإخوته بخراسان # في هذه السنة خرج أبو زكرياء يحيى، وأبو صالح منصور، وأبو إسحاق إبراهيم، ms2797 ~~أولاد أحمد بن إسماعيل الساماني، على أخيهم السعيد نصر بن أحمد، وقيل كان ~~ذلك ثماني عشرة [وثلاثمائة] وهو الصحيح. # وكان سبب ذلك أن أخاهم نصرا كان قد حبسهم في القهندز ببخارى، ووكل بهم من ~~يحفظهم، فتخلصوا منه، وكان سبب خلاصهم أن رجلا يعرف بأبي بكر الخباز ~~الأصبهاني كان يقول إذا جرى ذكر السعيد نصر بن أحمد: إن له مني يوما طويل ~~البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نيسابور، واستخلف ~~ببخارى أبا العباس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند أبي بكر ~~الخباز وهم في السجن، فسعى لهم أبو بكر مع جماعة من أهل العسكر ليخرجوهم، ~~فأجابوه إلى ذلك، وأعلمهم ما سعى لهم فيه. # فلما سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز يوم جمعة، ~~وكان الرسم أن لا يفتح باب القهندز أيام الجمع إلا بعد العصر، فلما كان ~~الخميس دخل أبو بكر الخباز إلى القهندز قبل الجمعة التي اتعدوا الاجتماع ~~فيها بيوم، فبات فيه، فلما كان الغد، وهو الجمعة، جاء الخباز إلى باب ~~القهندز، وأظهر للبواب زهدا ودينا، وأعطاه خمسة دنانير ليفتح له الباب ~~ليخرجه لئلا تفوته الصلاة، ففتح له (الباب، فصاح أبو بكر الخباز بمن وافقهم ~~على إخراجهم، وكانوا على الباب) ، فأجابوه، وقبضوا على البواب، ودخلوا ~~وأخرجوا يحيى، ومنصورا، وإبراهيم بني أحمد بن إسماعيل من الحبس مع # PageV06P743 # جميع من فيه من الديلم، والعلويين، والعيارين، فاجتمعوا، واجتمع إليهم من ~~كان وافقهم من العسكر، ورأسهم شروين الجيلي وغيره من القواد. ثم إنهم عظمت ~~شوكتهم، ونهبوا خزائن السعيد نصر بن أحمد ودوره وقصوره، واختص يحيى بن أحمد ~~أبا بكر الخباز، وقدمه وقوده، وكان السعيد إذ ذاك بنيسابور، وكان أبو بكر ~~محمد بن المظفر، صاحب جيش خراسان، بجرجان، فلما خرج يحيى وبلغ خبره السعيد، ~~عاد من نيسابور إلى بخارى، وبلغ الخبر إلى محمد بن المظفر، فراسل ماكان بن ~~كالي، وصاهره، وولاه نيسابور، وأمره بمنعها ممن يقصدها، فسار ماكان إليها، ~~وكان السعيد قد سار من نيسابور إلى بخارى، (وكان ms2798 يحيى وكل) بالنهر أبا بكر ~~الخباز، فأخذه السعيد أسيرا، وعبر النهر إلى بخارى فبالغ في تعذيب الخباز، ~~ثم ألقاه في التنور الذي كان يخبز فيه فاحترق. # وسار يحيى من بخارى إلى سمرقند، ثم خرج منها واجتاز بنواحي الصغانيان ~~وبها أبو علي بن أبي بكر محمد بن المظفر، وسار يحيى إلى ترمذ، فعبر النهر ~~إلى بلخ وبها قراتكين، فوافقه قراتكين، وخرجا إلى مرو، ولما ورد محمد بن ~~المظفر بنيسابور كاتبه يحيى، واستماله فأظهر له محمد الميل إليه، ووعده ~~المسير نحوه، ثم سار عن نيسابور، واستخلف بها ماكان بن كالي، وأظهر أنه ~~يريد مرو، ثم عدل عن الطريق نحو بوشنج وهراة مسرعا في سيره واستولى عليهما. # وسار محمد عن هراة نحو الصغانيان على طريق غرشستان، فبلغ خبره يحيى فسير ~~(إلى طريقه) عسكرا فلقيهم محمد فهزمهم وسار عن غرشستان، واستمد ابنه أبا ~~علي من الصغانيان، فأمده بجيش، وسار محمد بن المظفر إلى بلخ، وبها (منصور ~~بن) قراتكين، فالتقيا، واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم منصور إلى الجوزجان، ~~وسار محمد # PageV06P744 # إلى الصغانيان، فاجتمع بولده، وكتب إلى السعيد يخبره، (فسره ذلك) ، ~~(وولاه بلخ وطخارستان) واستقدمه، فولاهما محمد ابنه أبا علي أحمد، وأنفذه ~~إليهما، ولحق محمد بالسعيد، فاجتمع به ببلخ رستاق، وهو في أثر يحيى وهو ~~بهراة. # وكان يحيى قد سار إلى نيسابور، وبها ماكان بن كالي، (فمنعه عنها، ونزلوا ~~عليها، فلم يظفروا بها، وكان مع يحيى محمد) (بن إلياس) فاستأمن إلى ماكان، ~~واستأمن منصور وإبراهيم أخو يحيى إلى السعيد نصر فلما قارب السعيد هراة، ~~وبها يحيى وقراتكين، سارا عن هراة إلى بلخ، فاحتال قراتكين ليصرف السعيد عن ~~نفسه، فأنفذ يحيى من بلخ إلى بخارى، (وأقام هو ببلخ، فعطف السعيد إلى ~~بخارى، فلما عبر النهر هرب يحيى من بخارى إلى سمرقند، ثم عاد من سمرقند ~~ثانيا، فلم يعاونه قراتكين، فسار إلى نيسابور، وبها محمد بن إلياس قد قوي ~~أمره، وسار عنها ماكان إلى جرجان، ووافقه محمد بن إلياس، وخطب له، وأقاموا ~~بنيسابور. # وكان السعيد في أثر يحيى لا ms2799 يمكنه من الاستقرار، فلما بلغهم خبر مجيء ~~السعيد (إلى نيسابور) تفرقوا، فخرج ابن إلياس إلى كرمان وأقام بها، وخرج ~~قراتكين ومعه يحيى إلى بست والرخج، فأقاما بها، ووصل نصر بن أحمد نيسابور ~~في سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ إلى قراتكين، وولاه بلخ، وبذل الأمان ليحيى، ~~فجاء إليه، وزالت الفتنة، وانقطع الشر وكان قد دام هذه المدة كلها. # وأقام السعيد بنيسابور إلى أن حضر عنده يحيى، فأكرمه، وأحسن إليه، ثم مضى ~~بها لسبيله هو وأخوه أبو صالح منصور، فلما رأى أخوهما إبراهيم ذلك هرب من ~~عند السعيد إلى بغداذ، ثم منها إلى الموصل، وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى. # PageV06P745 # وأما قراتكين فإنه مات ببست، ونقل إلى أسبيجاب، فدفن بها في رباطه ~~المعروف برباط قراتكين، (ولم يملك ضيعة قط) ، وكان يقول: ينبغي للجندي أن ~~يصحبه كل ما ملك أين سار، حتى لا يعتقله شيء. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة منتصف المحرم، وقعت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين أهل ~~المربعة والبزازين، (فظهر أصحاب الطعام عليهم أول النهار، فانضم الأساكفة ~~إلى أهل المربعة والبزازين) فاستظهروا بهم، وقهروا أصحاب الطعام وهزموهم ~~وأحرقوا أسواقهم. # وتتابعت الفتنة بعد الحادثة واجترأ أهل الشر، وتعاقد أصحاب الخلقان ~~والأساكفة على أصحاب الطعام، واقتتلوا قتالا شديدا (دام بينهم) ، ثم ظفر ~~أصحاب الطعام فهزموا الأساكفة ومن معهم، وأحرقوا سوقهم، وقتلوا منهم، وركب ~~أمير الموصل، وهو الحسن بن عبد الله بن حمدان الذي لقب بعد بناصر الدولة ~~ليسكن الناس، فلم يسكنوا ولا كفوا، ثم دخل بينهم ناس من العلماء وأهل ~~الدين، فأصلحوا بينهم. # وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداذ بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين ~~غيرهم من العامة، ودخل كثير من الجند فيها، وسبب ذلك أن أصحاب المروزي ~~قالوا في تفسير قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] ~~، هو أن الله سبحانه # PageV06P746 # يقعد النبي صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وقالت الطائفة الأخرى: ~~إنما هو الشفاعة، فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقتل بينهم قتلى كثيرة. # وفيها ضعفت الثغور الجزرية عن دفع ms2800 الروم عنهم، منها ملطية وميافارقين ~~(وآمد وأرزن) وغيرها، وعزموا على طاعة ملك الروم (والتسليم إليه) لعجز ~~الخليفة المقتدر بالله عن نصرهم، وأرسلوا إلى بغداذ يستأذنون في التسليم، ~~(ويذكرون عجزهم، ويستمدون) العساكر لتمنع عنهم، فلم يحصلوا على فائدة، ~~فعادوا. # وفيها قلد القاضي أبو عمر (محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن حماد) بن ~~زيد قضاء القضاة. # وفيها قلد ابنا رائق شرطة بغداذ مكان نازوك. # وفيها مات أحمد بن منيع، وكان مولده سنة أربع عشرة ومائتين. # وفيها أقر المقتدر بالله ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان على ما بيده من أعمال قردى وبازبدى، وعلى أقطاع أبيه وضياعه. # وفيها قلد نحرير الصغير أعمال الموصل، فسار إليها، فمات بها في هذه # PageV06P747 # السنة، (ووليها بعده ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان في المحرم ~~من سنة ثماني عشرة وثلاثمائة) . # (وفيها سار حاج العراق إلى مكة على طريق الشام فوصلوا إلى الموصل أول شهر ~~رمضان، ثم منها إلى الشام، لانقطاع الطريق بسبب القرمطي، وكانت كسوة الكعبة ~~مع ابن عبدوس الجهشياري لأنه كان من أصحاب الوزير) . # (وفيها، في شعبان، ظهر بالموصل خارجي يعرف بابن مطر، وقصد نصيبين، فسار ~~إليها ناصر الدولة بن حمدان، فقاتله، فأسره. وظهر فيها أيضا خارجي اسمه ~~محمد بن صالح بالبوازيج، فسار إليه أبو السرايا نصر بن حمدان، فأخذه أيضا) ~~. # وفيها التقى مفلح الساجي والدمستق، فاقتتلا، فانهزم الدمستق ودخل مفلح ~~وراءه إلى بلاد الروم. # وفيها، آخر ذي القعدة، انقض كوكب عظيم، وصار له ضوء عظيم جدا. # وفيها هبت ريح شديدة، وحملت رملا أحمر شديد الحمرة، فعم جانبي بغداذ، ~~وامتلأت منه البيوت والدروب، يشبه رمل طريق مكة. # [الوفيات] # (وفيها توفي أبو بكر أحمد بن الحسن بن العباس بن شقير النحوي، كان عالما ~~بمذهب الكوفيين، وله فيه تصانيف) . # PageV06P748 ### | [ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة] ### | 318 - # ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة # ذكر هلاك الرجال المصافية # في هذه السنة، في المحرم هلك الرجالة المصافية، وأخرجوا من بغداذ بعد (ما ~~عظم شرهم، ms2801 وقوي أمرهم. # وكان سبب ذلك أنهم لما أعادوا) المقتدر إلى الخلافة، على ما ذكرناه، زاد ~~إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء، منها أنهم ~~يقولون: من أعان ظالما سلطه الله عليه، ومن يصعد الحمار إلى السطح يقدر ~~يحطه، وإن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه، قاتلناه بما يستحق، إلى غير ~~ذلك. # وكثر شغبهم ومطالبتهم، وأدخلوا في الأرزاق أولادهم، وأهليهم، ومعارفهم، ~~وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار. # واتفق أن شغب الفرسان في طلب أرزاقهم، فقيل لهم: إن بيت المال فارغ وقد ~~انصرفت الأموال إلى الرجالة (فثار بهم الفرسان، فاقتتلوا، فقتل من الفرسان ~~جماعة، واحتج المقتدر بقتلهم على الرجالة) ، وأمر محمد بن ياقوت فركب، وكان ~~قد استعمل على الشرطة، فطرد الرجالة عن دار المقتدر، ونودي فيهم بخروجهم عن ~~بغداذ، ومن أقام قبض عليه وحبس، وهدمت دور زعمائهم، وقبضت أملاكهم، وظفر ~~بعد النداء، بجماعة منهم فضربهم، وحلق لحاهم، وشهر بهم. # PageV06P749 # وهاج السودان تعصبا للرجالة، فركب محمد أيضا في الحجرية، وأوقع بهم، ~~وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة كثيرة منهم، ومن أولادهم، ومن نسائهم، ~~فخرجوا إلى واسط، واجتمع بها منهم جمع كثير، (وتغلبوا عليها) ، وطرحوا عامل ~~الخليفة، فسار إليهم مؤنس، فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم، فلم تقم لهم بعدها ~~راية. # ذكر عزل ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل (وولاية عميه سعيد ونصر) # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن ~~حمدان عن الموصل، (ووليها عماه سعيد ونصر ابنا حمدان) ، وولي ناصر الدولة ~~ديار ربيعة، ونصيبين، وسنجار، والخابور، ورأس عين، ومعها من ديار بكر، ~~ميافارقين وأرزن، ضمن ذلك بمال مبلغه معلوم، فسار إليها، ووصل سعيد إلى ~~الموصل (في ربيع الآخر) . # ذكر عزل ابن مقلة ووزارة سليمان بن الحسن # وفي هذه السنة عزل الوزير أبو علي محمد بن مقلة من وزارة الخليفة. # وكان سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس المظفر، وكان ~~المقتدر مستوحشا من مؤنس، ويظهر له الجميل، فاتفق أن مؤنسا خرج ms2802 إلى أوانا، ~~وعكبرا، فركب # PageV06P750 # ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى، فقبض عليه. # وكان بين محمد بن ياقوت وبين ابن مقلة عداوة، فأنفذ إلى داره، بعد أن قبض ~~عليه، وأحرقها ليلا. # وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبد الله، وكان مؤنس قد عاد ~~فأنفذ (إلى المقتدر مع علي بن عيسى يسأل أن يعاد ابن مقلة، فلم يجب) ~~المقتدر إلى ذلك، وأراد قتل ابن مقلة، فرده عن ذلك، فسأل مؤنس أن لا يستوزر ~~الحسين، فتركه، واستوزر سليمان بن الحسن منتصف جمادى الأولى، وأمر المقتدر ~~بالله علي بن عيسى بالاطلاع على الدواوين، وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء، ~~وصودر أبو علي بن مقلة بمائتي ألف دينار، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة ~~أشهر وثلاثة أيام. # ذكر القبض على أولاد البريدي # كان أولاد البريدي، وهم أبو عبد الله، وأبو يوسف، وأبو الحسين، قد ضمنوا ~~الأهواز، كما تقدم، فلما عزل الوزير ابن مقلة كتب المقتدر بخط يده إلى أحمد ~~بن نصر القشوري الحاجب يأمره بالقبض عليهم، ففعل، وأودعهم عنده في داره. ~~ففي بعض الأيام سمع ضجة عظيمة، وأصواتا هائلة، فسأل: ما الخبر؟ فقيل: إن ~~الوزير قد كتب بإطلاق بني البريدي، وأنفذ إليه أبو عبد الله كتابا مزورا ~~يأمره فيه بإطلاقهم، وإعادتهم إلى أعمالهم، فقال لهم أحمد: هذا كتاب ~~الخليفة بخطه، يقول فيه: لا تطلقهم حتى يأتيك كتاب آخر بخطي. # ثم ظهر أن الكتاب مزور، ثم أنفذ المقتدر فاستحضرهم إلى بغداذ، وصودروا # PageV06P751 # على أربعمائة ألف دينار، (وكان لا يطمع فيها منهم) ، وإنما طلب منهم هذا ~~القدر ليجيبوا إلى بعضه، فأجابوا إليه جميعه ليتخلصوا ويعودوا إلى عملهم. # ذكر خروج صالح والأغر # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خرج خارجي من بجيلة، من أهل البوازيج، ~~اسمه صالح بن محمود، وعبر إلى البرية، واجتمع إليه جماعة من بني مالك، وسار ~~إلى سنجار فأخذ من أهلها مالا (فلقيه قوافل) ، فأخذ عشرها، وخطب بسنجار، ~~فذكر بأمر الله، وحذر، وأطال في هذا، ثم قال: نتولى الشيخين، ونبرأ من ~~الخبيثين، ms2803 ولا نرى المسح على الخفين. # وسار منها إلى الشجاجية، من أرض الموصل، فطالب أهلها وأهل أعمال الفرج ~~بالعشر، وأقام أياما، وانحدر إلى الحديثة، تحت الموصل، فطالب المسلمين ~~بزكاة أموالهم، والنصارى بجزية رءوسهم، فجرى بينهم حرب، فقتل من أصحابه ~~جماعة، ومنعوه من دخولها، فأحرق لهم ست عروب، وعبر إلى الجانب الغربي، وأسر ~~أهل الحديثة ابنا لصالح اسمه محمد، فأخذه نصر بن حمدان بن حمدون، وهو ~~الأمير بالموصل، فأدخله إليها، ثم سار صالح إلى السن، فصالحه أهلها على مال ~~أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج، وسار منها إلى تل خوسا، قرية من أعمال ~~الموصل عند الزاب الأعلى، وكاتب أهل الموصل في أمر ولده، وتهددهم إن لم ~~يردوه إليه، ثم رحل # PageV06P752 # إلى السلامية، فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من هذه السنة، ~~ففارقها صالح إلى البوازيج، فطلبه نصر، فأدركه بها، فحاربه حربا شديدا قتل ~~فيه من رجال صالح نحو مائة رجل، وقتل من أصحاب نصر جماعة، وأسر صالح ومعه ~~ابنان له، وأدخلوا إلى الموصل، وحملوا إلى بغداذ فأدخلوا مشهورين. # وفيها، في شعبان خرج بأرض الموصل خارجي اسمه الأغر بن مطرة الثعلبي، وكان ~~يذكر أنه من ولد عتاب بن كلثوم الثعلبي أخي عمرو بن كلثوم الشاعر، وكان ~~خروجه بنواحي رأس العين، وقصد كفرتوثا وقد اجتمع معه نحو ألفي رجل، فدخلها ~~ونهبها وقتل فيها. # وسار إلى نصيبين، فنزل بالقرب منها، فخرج إليه واليها ومعه جمع من الجند ~~ومن العامة، فقاتلوه، فقتل الشاري منهم مائة رجل، وأسر ألف رجل، فباعهم ~~نفوسهم، وصالحه أهل نصيبين على أربعمائة ألف درهم. # (وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان، وهو أمير ديار ربيعة، فسير إليه جيشا) ~~، فقاتلوه، فظفروا به وأسروه، وسيره ناصر الدولة إلى بغداذ. # ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفر وعوده # كان جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود مقيما بالختل، واليا عليها للسامانية ~~فبدت منه أمور نسب بسببها إلى الاستعصاء، فكوتب أبو علي أحمد بن محمد بن ~~المظفر # PageV06P753 # بقصده، فسار إليه، وحاربه، فقبض عليه، وحمله إلى بخارى، ms2804 (وذلك قبل مخالفة ~~أبي زكرياء يحيى، فلما حمل إلى بخارى) حبس فيها، فلما خالف أبو زكرياء يحيى ~~أخرجه من الحبس وصحبه، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختل وجمع الجيوش له ~~بها، فأذن له فسار إليها، وأقام بها، وتمسك بطاعة (السعيد نصر بن) أحمد، ~~فصلح حاله، وذلك سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. # (الختل بالخاء المعجمة والتاء فوقها نقطتان والخاء مضمومة والتاء مشددة ~~مفتوحة) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة شغب الفرسان، وتهددوا بخلع الطاعة، فأحضر المقتدر قوادهم ~~بين يديه، ووعدهم الجميل، وأن يطلق أرزاقهم في الشهر المقبل، فسكنوا، ثم ~~شغب الرجالة، فأطلقت أرزاقهم. # وفيها خلع المقتدر على ابنه هارون، وركب معه الوزير، والجيش، وأعطاه ~~ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران. # وفيها أيضا خلع على ابنه أبي العباس، وأقطعه بلاد الغرب ومصر، والشام، ~~وجعل مؤنسا المظفر يخلفه فيها. # وفيها صرف ابنا رائق عن الشرطة، وقلدها أبو بكر محمد بن ياقوت. # PageV06P754 # وفيها وقعت فتنة بنصيبين بين أهل باب الروم والباب الشرقي، واقتتلوا ~~قتالا شديدا، وأدخلوا إليهم قوما (من العرب) والسواد فقتل بينهم جماعة، ~~وأحرقت المنازل والحوانيت، ونهبت الأموال، ونزل بهم قافلة عظيمة تريد ~~الشام، فنهبوها. # [الوفيات] # وفيها توفي يحيى بن محمد بن صاعد البغداذي وكان عمره تسعين سنة، وهو من ~~فضلاء المحدثين، والقاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الفقيه ~~الحنفي، وكان عالما بالأدب ونحو الكوفيين، وله شعر حسن. # PageV06P755 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة] ### | 319 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة # ذكر تجدد الوحشة بين مؤنس والمقتدر # في هذه السنة تجددت الوحشة بين مؤنس المظفر وبين المقتدر بالله. # وكان سببها أن محمد بن ياقوت كان منحرفا على الوزير سليمان، ومائلا إلى ~~الحسين بن القاسم، وكان مؤنس يميل إلى سليمان، بسبب علي بن عيسى، وثقتهم ~~به، وقوي أمر محمد بن ياقوت، وقلد، مع الشرطة، الحسبة، وضم إليه رجالا، ~~فقوي بهم، فعظم ذلك على مؤنس، وسأل المقتدر صرف محمد عن الحسبة، وقال: هذا ~~شغل لا يجوز أن يتولاه غير القضاة والعدول، فأجابه المقتدر. ms2805 # وجمع مؤنس إليه أصحابه، فلما فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار ~~السلطان، وفي دار محمد بن ياقوت، وقيل لمؤنس: إن محمد بن ياقوت قد عزم على ~~كبس دارك ليلا، ولم يزل به أصحابه حتى أخرجوه إلى باب الشماسية فضربوا ~~مضاربهم هناك، وطالب المقتدر بصرف ياقوت عن الحسبة وصرف ابنه عن الشرطة، ~~وإبعادهما عن الحضرة، فأخرجا إلى المدائن. # وقلد المقتدر ياقوتا أعمال فارس وكرمان، وقلد ابنه المظفر بن ياقوت ~~أصبهان وقلد أبا بكر محمد بن ياقوت سجستان، وتقلد ابنا رائق إبراهيم ومحمد ~~مكان ياقوت وولده الحسبة والشرطة، وأقام ياقوت بشيراز مدة. # PageV06P756 # وكان علي بن خلف بن طياب ضامنا أموال الضياع والخراج بها. فتضافرا، ~~وتعاقدا، وقطعا الحمل على المقتدر، إلى أن ملك علي بن بويه الديلمي بلاد ~~فارس سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. # ذكر قبض الوزير سليمان ووزارة أبي القاسم الكلوذاني # وفي هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان بن الحسن. # وكان سبب ذلك أن سليمان ضاقت الأموال عليه إضاقة شديدة، وكثرت عليه ~~المطالبات، ووقفت وظائف السلطان، واتصلت رقاع من يرشح نفسه للوزارة ~~بالسعاية لها والضمان بالقيام بالوظائف، وأرزاق الجند، وغير ذلك، فقبض ~~عليه، ونقله إلى داره. # وكان المقتدر كثير الشهوة لتقليد الحسن بن القاسم الوزارة، فامتنع مؤنس ~~من ذلك، وأشار بوزارة أبي القاسم الكلوذاني، فاضطر المقتدر إلى ذلك، ~~فاستوزره لثلاث بقين من رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين، وكانت ~~وزارته غير متمكنة أيضا، فإنه كان علي بن عيسى معه على الدواوين وسائر ~~الأمور، وأفرد علي بن عيسى (عنه بالنظر في المظالم) ، واستعمل على ديوان ~~السواد غيره، فانقطعت مواد الوزير، فإنه كان يقيم من قبله من يشتري توقيعات ~~أرزاق جماعة لا يمكنهم مفارقة ما هم عليه بصدده من الخدمة، فكان يعطيهم نصف ~~المبلغ، وكانت إدرارات الفقهاء وأرباب البيوت إلى غير ذلك. # وكان أبو بكر بن قرابة منتميا إلى مفلح الخادم، فأوصله إلى المقتدر، فذكر ~~له أنه يعرف وجوه مرافق الوزراء، فاستعمله عليها ليصلحه للخليفة، فسعى في ~~تحصيل ذلك من العمال، ms2806 والضمان، والتناء، وغيرهم، فأخلق بذلك الخلافة وفضح ~~الديوان ووقفت أحوال الناس، فإن الوزراء وأرباب الولايات لا يقومون بأشغال ~~الرعايا والتعب # PageV06P757 # معهم إلا لرفق يحصل لهم، وليس لهم من الدين ما يحملهم على النظر في ~~أحوالهم، فإنه بعيد منهم، فإذا منعوا تلك المرافق (تركوا الناس يضطربون) ، ~~ولا يجدون من يأخذ بأيديهم، ولا يقضي حوائجهم، فإني قد رأيت هذا عيانا في ~~زماننا هذا، وفات به من المصالح العامة والخاصة ما لا يحصى. # ذكر الحرب بين هارون وعسكر مرداويج # قد ذكرنا فيما تقدم قتل أسفار وملك مرداويج، وأنه استولى على بلد الجبل ~~والري وغيرهما، وأقبلت الديلم إليه من كل ناحية لبذله وإحسانه إلى جنده، ~~فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخراج عليه، فلم يكفه ما في يده، ففرق ~~نوابه في النواحي المجاورة له. # فكان ممن سيره إلى همذان ابن أخت له في جيش كثير، وكان بها أبو عبد الله ~~محمد بن خلف في عسكر الخليفة، فتحاربوا حروبا كثيرة، وأعان أهل همذان عسكر ~~الخليفة، فظفروا بالديلم، وقتل ابن أخت مرداويج، فسار مرداويج من الري إلى ~~همذان، فلما سمع أصحاب الخليفة بمسيره انهزموا من همذان، فجاء إلى همذان، ~~ونزل على باب الأسد، فتحصن منه أهلها، فقاتلهم، فظفر بهم وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وأحرق وسبى، ثم رفع السيف عنهم وأمن بقيتهم. # فأنفذ المقتدر هارون بن غريب الخال في عساكر كثيرة إلى محاربته، فالتقوا ~~بنواحي همذان، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم هارون وعسكر الخليفة، واستولى ~~مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وما وراء همذان، وسير قائدا كبيرا من ~~أصحابه يعرف بابن علان القزويني إلى الدينور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيرا من ~~أهلها، وبلغت عساكره إلى نواحي حلوان، فغنمت، ونهبت، وقتلت، وسبت الأولاد ~~والنساء، وعادوا إليه. # ذكر ما فعله لشكري من المخالفة # كان لشكري الديلمي من أصحاب أسفار، (واستأمن إلى) الخليفة، فلما # PageV06P758 # انهزم هارون بن غريب من مرداويج سار معه إلى قرميسين، وأقام هارون بها، ~~واستمد المقتدر ليعاود (محاربة) مرداويج، وسير هارون لشكري هذا إلى نهاوند ~~لحمل مال بها إليه، فلما صار ms2807 لشكري بنهاوند، ورأى غنى أهلها طمع فيهم، ~~وصادرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، واستخرجها في مدة أسبوع، وجند بها جندا، ~~ثم مضى إلى أصبهان هاربا من هارون في الجند الذين انضموا إليه في جمادى ~~الآخرة. # وكان الوالي على أصبهان حينئذ أحمد بن كيغلغ، وذلك قبل استيلاء مرداويج ~~عليها، فخرج إليه أحمد فحاربه، فانهزم أحمد هزيمة قبيحة، وملك لشكري ~~أصبهان، ودخل أصحابه إليها فنزلوا في الدور والخانات وغيرها ولم يدخل لشكري ~~معهم. # ولما انهزم أحمد نجا إلى بعض قرى أصبهان في ثلاثين فارسا، وركب لشكري ~~يطوف بسور أصبهان من ظاهره، فنظر إلى أحمد في جماعته، فسأل عنه فقيل: لا شك ~~أنه من أصحاب أحمد بن كيغلغ، فسار فيمن معه من أصحابه نحوهم، وكانوا عدة ~~يسيرة، فلما قرب منه تعارفوا، فاقتتلوا، فقتل لشكري، قتله أحمد بن كيغلغ، ~~ضربه بالسيف على رأسه، فقد المغفر والخوذة، ونزل السيف حتى خالط دماغه، ~~فسقط ميتا. # وكان (عمر أحمد) إذ ذاك قد جاوز السبعين، فلما قتل لشكري انهزم من معه، ~~فدخلوا أصبهان، وأعلموا أصحابهم، فهربوا على وجوههم، وتركوا أثقالهم وأكثر ~~رحالهم، ودخل أحمد إلى أصبهان، وكان هذا قبل استيلاء مرداويج على أصبهان، ~~وكان # PageV06P759 # هذا من الفتح الظريف، وكان جزاؤه (أن صرف) عن أصبهان، وولي عليها المظفر ~~بن ياقوت. # ذكر ملك مرداويج أصبهان # ثم أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصبهان، ملكوها واستولوا عليها، وبنوا له ~~فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، والبساتين، فسار مرداويج ~~إليها فنزلها وهو في أربعين ألفا، وقيل خمسين ألفا، وأرسل جمعا آخر إلى ~~الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال هذه البلاد والنواحي، ~~وقسمها في أصحابه، وجمع منها الكثير فاذخره. # ثم إنه أرسل إلى المقتدر رسولا يقرر على نفسه مالا على هذه البلاد كلها، ~~ونزل للمقتدر عن همذان وماه الكوفة، فأجابه المقتدر إلى ذلك، وقوطع على ~~مائتي ألف دينار كل سنة. # ذكر عزل الكلوذاني ووزارة الحسين بن القاسم # في هذه السنة عزل أبو القاسم الكلوذاني عن وزارة الخليفة ووزر الحسين ms2808 بن ~~القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. # وكان سبب ذلك أنه كان ببغداذ إنسان يعرف بالدانيالي، وكان زراقا، ذكيا ~~محتالا، وكان يعتق الكاغد، ويكتب فيه بخطه ما يشبه الخط العتيق، ويذكر فيه ~~إشارات ورموزا يودعها أسماء أقوام من أرباب الدولة، فيحصل له بذلك رفق ~~كثير. # PageV06P760 # فمن جملة ما فعله أنه وضع في جملة كتاب: ميم ميم ميم، يكون منه كذا وكذا، ~~وأحضره عند (مفلح وقال: هذا كناية عنك، فإنك) مفلح مولى المقتدر، وذكر له ~~علامات تدل عليه، فأغناه، (فتوصل الحسين بن القاسم معه، حتى جعل اسمه في ~~كتاب وضعه) وعتقه، وذكر فيه علامة وجهه، وما فيه من الآثار، ويقول إنه يزر ~~للخليفة الثامن عشر من خلفاء بني العباس، وتستقيم الأمور على يديه، ويقهر ~~الأعادي، وتتعمر الدنيا في أيامه، وجعل هذا كله في جملة كتاب ذكر فيه حوادث ~~قد وقعت، وأشياء لم تقع بعد، ونسب ذلك إلى دانيال، وعتق الكتاب وأخذه وقرأه ~~على مفلح، فلما رأى ذلك أخذ الكتاب وأحضره عند المقتدر، وقال له: أتعرف في ~~الكتاب من هو بهذه الصفة؟ فقال: ما أعرفه إلا الحسين بن القاسم، فقال: صدقت ~~وإن قلبي ليميل إليه، فإن جاءك منه رسول برقعة فاعرضها علي، واكتم حاله ولا ~~تطلع على أمره أحدا. # وخرج مفلح إلى الدانيالي فسأله: هل تعرف أحدا من الكتاب بهذه الصفة؟ ~~فقال: لا أعرف أحدا، قال: فمن أين وصل إليك هذا الكتاب؟ فقال: من أبي، وهو ~~ورثه من آبائه، وهو من ملاحم دانيال، عليه السلام، فأعاد ذلك على المقتدر، ~~فقبله، فعرف الدانيالي ذلك الحسين بن القاسم، فلما أعلمه كتب رقعة إلى ~~مفلح، فأوصلها إلى المقتدر، ووعده الجميل، وأمره بطلب الوزارة وإصلاح مؤنس ~~الخادم، فكان ذلك من أعظم الأسباب في وزارته مع كثرة الكارهين له. # ثم اتفق أن الكلوذاني عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات، وعليها خط ~~أصحاب الديوان، فبقي محتاجا إلى سبعمائة ألف دينار، وعرضها على المقتدر، ~~وقال: ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه، فعظم ذلك ms2809 على ~~المقتدر. # وكتب الحسين بن القاسم لما بلغه ذلك يضمن جميع النفقات، ولا يطالبه بشيء ~~من بيت المال، وضمن أنه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت # PageV06P761 # المال، فعرضت رقعته على الكلوذاني فاستقال، وأذن في وزارة الحسين، ومضى ~~الحسين إلى بليق، وضمن له مالا ليصلح له قلب مؤنس، ففعل، فعزل الكلوذاني في ~~رمضان، (وتولى الحسين الوزارة) لليلتين بقيتا من رمضان أيضا، وكانت ولاية ~~الكلوذاني شهرين وثلاثة أيام، واختص بالحسين بنو البريدي وابن قرابة، وشرط ~~أن لا يطلع معه علي بن عيسى، فأجيب إلى ذلك، (وشرع في إخراجه من بغداذ، ~~فأجيب إلى ذلك) ، فأخرج إلى الصافية. # ذكر تأكد الوحشة بين مؤنس والمقتدر # في هذه السنة، في ذي الحجة، تجددت الوحشة بين مؤنس والمقتدر، حتى آل ذلك ~~إلى قتل المقتدر. # وكان سببها ما ذكرنا أولا في غير موضع، فلما كان الآن بلغ مؤنسا أن ~~الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القواد في التدبير عليه، فتنكر ~~له مؤنس، وبلغ الحسين أن مؤنسا قد تنكر له، وأنه يريد أن يكبس داره ليلا ~~ويقبض عليه، فتنقل في عدة مواضع، وكان لا يحضر داره إلا بكرة، ثم إنه انتقل ~~إلى دار الخلافة، فطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته، فأجاب إلى ~~عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم بيته، فلم يقنع مؤنس بذلك (فبقي في ~~وزارته) . # وأوقع الحسين عند المقتدر أن مؤنسا يريد أخذ ولده أبي العباس، وهو ~~الراضي، من داره بالمحرم، والمسير به إلى الشام، والبيعة له، فرده المقتدر ~~إلى دار الخلافة، فعلم ذلك أبو العباس، فلما أفضت الخلافة إليه فعل بالحسين ~~ما نذكر. # وكتب الحسين إلى هارون، وهو بدير العاقول، بعد انهزامه من مرداويج، ~~ليستقدمه # PageV06P762 # إلى بغداذ، وكتب إلى محمد بن ياقوت، وهو بالأهواز. يأمره بالإسراع إلى ~~بغداذ، فزاد استشعار مؤنس، وصح عنده أن الحسين يسعى في التدبير عليه، ~~وسنذكر تمام أمره سنة عشرين وثلاثمائة. # ذكر (الحروب بين المسلمين والروم) # في هذه السنة، في ربيع الأول، غزا ثمل والي طرسوس بلاد ms2810 الروم، فعبر نهرا، ~~ونزل عليهم (ثلج إلى) صدور الخيل، وأتاهم جمع كثير من الروم، فواقعوهم، ~~فنصر الله المسلمين. فقتلوا من الروم ستمائة، وأسروا نحوا من ثلاثة آلاف، ~~وغنموا من الذهب والفضة والديباج وغيره شيئا كثيرا. # وفيها في رجب عاد ثمل (إلى طرسوس) ، ودخل بلاد الروم صائفة في جمع كثير ~~من الفارس والراجل، فبلغوا عمورية، وكان قد تجمع إليها كثير من الروم، ~~ففارقوها لما سمعوا خبر ثمل، ودخلها المسلمون، فوجدوا فيها من الأمتعة ~~والطعام شيئا كثيرا فأخذوه وأحرقوا ما كانوا عمروه منها، وأوغلوا في بلاد ~~الروم (ينهبون، ويقتلون، ويخربون) ، حتى بلغوا أنقرة، (وهي التي تسمى الآن ~~أنكورية) ، وعادوا سالمين لم يلقوا كيدا، فبلغت قيمة السبي مائة ألف دينار ~~وستة وثلاثين ألف دينار، وكان وصولهم إلى طرسوس آخر رمضان. # PageV06P763 # وفيها كاتب ابن الديراني وغيره من الأرمن، وهم بأطراف أرمينية الروم، ~~(وحثوهم على قصد) بلاد الإسلام، ووعدهم النصرة، فسارت الروم في خلق كثير، ~~فخربوا بزكرى وبلاد خلاط وما جاورها، وقتل من المسلمين خلق كثير، وأسروا ~~كثيرا (منهم، فبلغ خبرهم مفلحا) غلام يوسف بن أبي الساج، وهو والي ~~أذربيجان، فسار في عسكر كبير، وتبعه كثير من المتطوعة إلى أرمينية، فوصلها ~~في رمضان، وقصد بلد ابن الديراني ومن وافقه لحربه، وقتل أهله، ونهب ~~أموالهم، وتحصن ابن الديراني (بقلعة له) ، وبالغ الناس في كثرة القتلى من ~~الأرمن، وحتى قيل إنهم كانوا مائة ألف قتيل، والله أعلم. # وسارت عساكر الروم إلى سميساط فحصروها، فاستصرخ أهلها بسعيد بن حمدان، ~~وكان المقتدر قد ولاه الموصل وديار ربيعة، وشرط عليه غزو الروم، وأن يستنقذ ~~ملطية منهم، وكان أهلها قد ضعفوا، فصالحوا الروم، وسلموا مفاتيح البلد ~~إليهم، فحكموا على المسلمين، (فلما جاء رسول أهل سميساط إلى سعيد بن حمدان ~~تجهز وسار إليهم مسرعا، فوصل وقد كان الروم يفتحونها، فلما قاربهم هربوا ~~منه، وسار منها إلى ملطية وبها جمع من الروم ومن عسكر مليح الأرمني ومعه ~~بني بن نفيس، صاحب # PageV06P764 # المقتدر، وكان قد تنصر، وهو مع الروم، فلما أحسوا بإقبال سعيد خرجوا ms2811 ~~منها، وخافوا أن يأتيهم في عسكره من خارج المدينة، ويثور أهلها بهم ~~فيهلكوا، ففارقوها. # ودخلها سعيد ثم استخلف عليها أميرا، (وعاد عنها) ، فدخل بلد الروم غازيا ~~في شوال، وقدم بين يديه سريتين فقتلتا من الروم خلقا كثيرا قبل دخوله ~~إليها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في شوال، جاء إلى تكريت سيل كبير من المطر نزل في البر، ~~فغرق منها أربعمائة دار ودكان، وارتفع الماء في أسواقها أربعة عشر شبرا، ~~وغرق خلق كثير (من الناس، ودفن) المسلمون والنصارى مجتمعين لا يعرف بعضهم ~~من بعض. # وفيها هاجت بالموصل ريح شديدة فيها حمرة شديدة، ثم اسودت حتى لا يعرف ~~الإنسان صاحبه، وظن الناس أن القيامة قد قامت، ثم جاء (الله تعالى بمطر ~~فكشف ذلك) . # [الوفيات] # وفيها توفي أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي في شعبان، وهو ~~من متكلمي المعتزلة البغداذيين. # PageV06P765 ### | [ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة] ### | 320 - # ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة # ذكر مسير مؤنس إلى الموصل # في هذه السنة، في المحرم، سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضبا للمقتدر. # وسبب مسيره أنه لما صح عنده إرسال الوزير الحسين بن القاسم إلى هارون بن ~~غريب ومحمد بن ياقوت يستحضرهما، زاد استيحاشه، ثم سمع بأن الحسين قد جمع ~~الرجال والغلمان الحجرية في دار الخليفة، وقد اتفق فيهم وإن هارون بن غريب ~~قد قرب من بغداذ، فأظهر الغضب، وسار نحو الموصل ووجه خادمه بشرى برسالة إلى ~~المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة، فقال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين، ~~فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر ما معه من الرسالة للوزير، فامتنع، وقال: ما ~~أمرني صاحبي بهذا، فسبه الوزير، وشتم صاحبه، وأمر بضربه، وصادره بثلاثمائة ~~ألف دينار، وأخذ خطه بها، وحبسه ونهب داره. # فلما بلغ مؤنسا ما جرى على خادمه، وهو ينتظر أن يطيب المقتدر قلبه، ~~ويعيده، فلما علم ذلك سار نحو (الموصل ومعه جميع قواده، فكتب الحسين إلى ~~القواد والغلمان يأمرهم بالرجوع إلى بغداذ، فعاد جماعة، وسار مؤنس نحو) ~~الموصل في أصحابه ومماليكه، ومعه من الساجية ms2812 ثمانيمائة رجل وتقدم الوزير ~~بقبض أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصل من ذلك مال عظيم، وزاد ذلك في ~~محل الوزير عند المقتدر، فلقبه " عميد الدولة "، وضرب اسمه على الدينار ~~والدرهم، وتمكن من الوزارة، وولى وعزل. # PageV06P766 # وكان فيمن تولى أبو يوسف يعقوب بن محمد البريدي، ولاه الوزير البصرة ~~وجميع أعمالها بمبلغ لا يفي بالنفقات على البصرة وما يتعلق بها، بل فضل ~~لأبي يوسف مقدار ثلاثين ألف دينار أحاله الوزير بها، فلما علم ذلك الفضل بن ~~جعفر بن محمد بن الفرات استدرك على أبي يوسف، وأظهر له الغلط في الضمان، ~~وأنه لا يمضيه، فأجاب إلى أن يقوم بنفقات البصرة، ويحمل إلى بيت المال كل ~~سنة ثمانين ألف دينار، وانتهى ذلك إلى المقتدر، فحسن موقعه عنده، (فقصده ~~الوزير، فاستتر) ، وسعى بالوزير إلى المقتدر إلى أن أفسد حاله. # ذكر عزل الحسين عن الوزارة # وفيها عزل الحسين بن القاسم عن الوزارة. وسبب ذلك أنه ضاقت عليه الأموال، ~~وكثرت الإخراجات، فاستسلف في هذه السنة جملة وافرة أخرجها في سنة تسع عشرة ~~وثلاثمائة، فأنهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتب معه الخصيبي، فلما ~~تولى معه نظر في أعماله، فرآه قد عمل حسبة إلى المقتدر ليس فيها عليه وجه، ~~وموه وأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتاب وكشف الحال، فحضروا واعترفوا ~~بصدق الخصيبي بذلك، وقابلوا الوزير بذلك، فقبض عليه في شهر ربيع الآخر، ~~وكانت وزارته سبعة أشهر واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر، وسلم ~~إليه الحسين، فلم يؤاخذه بإساءته. # ذكر استيلاء مؤنس على الموصل # قد ذكرنا مسير مؤنس إلى الموصل فلما سمع الحسين الوزير بمسيره كتب إلى ~~سعيد، وداود ابني حمدان، وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة بن عبد الله بن ~~حمدان، يأمرهم بمحاربة مؤنس، وصده عن الموصل. # PageV06P767 # وكان مؤنس كتب في طريقه إلى رؤساء العرب يستدعيهم، ويبذل لهم الأموال ~~والخلع، ويقول لهم: إن الخليفة قد ولاه الموصل وديار ربيعة. # واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس، إلا داود بن حمدان فإنه امتنع من ذلك ~~لإحسان مؤنس إليه، ms2813 فإنه كان قد أخذه (بعد أبيه) ، ورباه في حجره، وأحسن ~~إليه إحسانا عظيما، فلما امتنع من محاربته لم يزل به إخوته حتى وافقهم على ~~ذلك، وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابني حمدان إلى المقتدر مرة بعد ~~مرة، وأنهم يريدون أن يغسلوا تلك السيئة، ولما أجابهم قال لهم: والله إنكم ~~لتحملونني على البغي، وكفران الإحسان، وما آمن أن يجيئني سهم عاثر فيقع في ~~نحري فيقتلني، فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله. # وكان مؤنس إذا قيل له: إن داود عازم على قتالك، ينكره ويقول: كيف يقاتلني ~~وقد أخذته طفلا وربيته في حجري ولما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة ~~فارس، واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفا، والتقوا واقتتلوا، فانهزم بنو ~~حمدان، ولم يقتل منهم غير داود، وكان يلقب بالمجفجف وفيه يقول بعض الشعراء، ~~(وقد هجا أميرا) : # لو كنت في ألف ألف كلهم بطل ... مثل المجفجف داود بن حمدان # وتحتك الريح تجري حيث تأمرها ... وفي يمينك سيف غير خوان # لكنت أول فرار إلى عدن ... إذا تحرك سيف من خراسان # وكان داود هذا من أشجع الناس، ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر واستولى على ~~أموال بني حمدان وديارهم، # PageV06P768 # فخرج إليه كثير من العساكر من بغداذ، والشام، ومصر، من أصناف الناس ~~لإحسانه [الذي] كان إليهم، (وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان، فصار معه، ~~وأقام بالموصل تسعة أشهر وعزم على الانحدار إلى بغداد. # ذكر قتل المقتدر # لما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له: اذهب بنا إلى الخليفة فإن ~~أنصفنا، (وأجرى أرزاقنا) . وإلا قاتلناه، فانحدر مؤنس من الموصل في شوال، ~~وبلغ خبره جند بغداذ، فشغبوا وطلبوا أرزاقهم، ففرق المقتدر فيهم أموالا ~~كثيرة، إلا أنه لم يسعهم، وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في ~~خيل إلى سر من رأى، وأنفذ أبا بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس، ومعه ~~الغلمان الحجرية، إلى المعشوق. # فلما وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه، فلما قربوا من المعشوق جعل العسكر ~~الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى ms2814 بغداذ، فلما رأى ذلك رجع إلى ~~عكبرا، وسار مؤنس، فتأخر ابن ياقوت وعسكره، وعادوا إلى بغداذ، فنزل بباب ~~الشماسية ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم، واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن ~~غريب ليخرج، فلم يفعل، وقال: أخاف من عسكري، فإن بعضهم أصحاب مؤنس، وبعضهم ~~قد انهزم # PageV06P769 # أمس من مرداويج، فأخاف أن يسلموني وينهزموا عني، فأنفذ إليه الوزير فلم ~~يزل به حتى أخرجه، وأشاروا على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضي ~~الجند، ومتى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه واضطر إلى الهرب، ~~فقال: لم يبق لي ولا لوالدتي جهة شيء. # وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط، ويكاتب العساكر من جهة البصرة، ~~والأهواز، وفارس، وكرمان، وغيرها، ويترك بغداذ لمؤنس إلى أن يجتمع عليه ~~العساكر، ويعود إلى قتاله، فرده ابن ياقوت عن ذلك، وزين له اللقاء، وقوى ~~نفسه بأن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه، فرجع إلى قوله وهو كاره. # (ثم أشار عليه بحضور الحرب، فخرج وهو كاره) ، وبين يديه الفقهاء والقراء ~~معهم المصاحف مشهورة، وعليه البردة والناس حوله، فوقف على تل عال بعيد عن ~~المعركة، فأرسل قواد أصحابه يسألونه التقدم مرة بعد أخرى، (وهو واقف) ، ~~فلما ألحوا عليه تقدم من موضعه، فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم، وكان قد ~~أمر فنودي: من جاء بأسير فله عشرة دنانير، ومن جاء برأس فله خمسة دنانير ~~فلما انهزم أصحابه لقيه علي بن بليق، وهو من أصحاب مؤنس، فترجل وقبل الأرض ~~وقال له: إلى أين تمضي؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك بالحضور! فأراد ~~الرجوع، فلقيه قوم من المغاربة والبربر، فتركه علي معهم وسار عنه، فشهروا ~~عليه سيوفهم، فقال: ويحكم أنا الخليفة! فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، أنت ~~خليفة إبليس، تبذل في كل رأس خمسة دنانير، وفي كل أسير عشرة دنانير! وضربه ~~أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم، فقيل: إن علي بن بليق ~~غمز بعضهم فقتله. # وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثة، فلما قتلوه رفعوا رأسه على خشبة ~~وهم يكبرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ms2815 ما عليه حتى سراويله، وتركوه مكشوف ~~العورة، إلى أن مر به رجل من الأكرة، فستره بحشيش، ثم حفر له موضعه، ودفن، ~~وعفي قبره. # PageV06P770 # وكان مؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب، فلما حمل رأس المقتدر إليه بكى، ~~ولطم وجهه ورأسه، وقال: يا مفسدون! ما هكذا أوصيتكم، وقال: قتلتموه، وكان ~~هذا آخر أمره، والله لنقتلن كلنا، وأقل ما في الأمر أنكم تظهرون أنكم ~~قتلتموه خطأ، ولم تعرفوه. # وتقدم مؤنس إلى الشماسية، وأنفذ إلى دار الخليفة من يمنعها من النهب، ~~ومضى عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومحمد بن ياقوت، وابنا رائق ~~إلى المدائن، وكان ما فعله مؤنس سببا لجرأة أصحاب الأطراف (على) الخلفاء ~~وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بال، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة حتى ~~صار الأمر إلى ما نحكيه. # على أن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيرا، وحكم فيها النساء والخدم، ~~وفرط في الأموال، وعزل من الوزراء وولى مما أوجب طمع أصحاب الأطراف ~~والنواب، وخروجهم عن الطاعة. # وكان جملة ما أخرجه من الأموال، تبذيرا وتضييعا في غير وجه، نيفا وسبعين ~~ألف ألف دينار، سوى ما أنفقه في الوجوه الواجبة، وإذا اعتبرت أحوال الخلافة ~~في أيامه وأيام أخيه المكتفي ووالده المعتضد، رأيت بينهم تفاوتا بعيدا، ~~وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وستة عشر يوما، وكان عمره ~~ثمانيا وثلاثين سنة ونحوا من شهرين. # PageV06P771 # ذكر خلافة القاهر بالله # لما قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس، وقال: الرأي أن ننصب ولده أبا ~~العباس (أحمد) في الخلافة، فإنه تربيتي، وهو صبي عاقل، وفيه دين وكرم، ~~(ووفاء بما يقول) ، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدته، والدة المقتدر ~~وإخوته، وغلمان أبيه ببذل الأموال، ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان، فاعترض ~~عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي، وقال: بعد الكد والتعب استرحنا ~~من خليفة له أم، وخالة، وخدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحال! والله لا نرضى ~~إلا برجل كامل، يدبر نفسه، ويدبرنا وما زال حتى رد مؤنسا عن رأيه، وذكر ms2816 له ~~أبو منصور محمد بن المعتضد فأجابه مؤنس إلى ذلك، وكان النوبختي في ذلك ~~كالباحث عن حتفه بظلفه فإن القاهر قتله، كما نذكره وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم. # وأمر مؤنس بإحضار محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة لليلتين بقيتا من ~~شوال، ولقبوه القاهر بالله، وكان مؤنس كارها لخلافته، (والبيعة له) ، ~~ويقول: إنني عارف بشره، وسوء نيته، ولكن لا حيلة. # ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بليق، ولعلي بن بليق وأخذوا # PageV06P772 # خطه بذلك واستقرت الخلافة له، (وبايعه الناس) ، واستوزر أبا علي بن مقلة، ~~وكان بفارس، فاستقدمه، ووزر له، واستحجب القاهر علي بن بليق، وتشاغل القاهر ~~بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر وحرمه، وبمناظرة والدة المقتدر، وكانت ~~مريضة قد ابتدأ بها الاستسقاء، وقد زاد مرضها بقتل ابنها، ولما سمعت أنه ~~بقي مكشوف العورة جزعت جزعا شديدا، وامتنعت عن المأكول والمشروب حتى كادت ~~تهلك، فوعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح. # ثم أحضرها القاهر عنده، وسألها عن مالها، فاعترفت له بما عندها من المصوغ ~~والثياب، ولم تعترف بشيء من المال والجوهر، فضربها أشد ما يكون من الضرب، ~~وعلقها برجلها، وضرب المواضع الغامضة من بدنها، فحلفت أنها لا تملك غير ما ~~أطلعته عليه، وقالت: لو كان عندي مال لما أسلمت ولدي للقتل، ولم تعترف ~~بشيء. # وصادر جميع حاشية المقتدر وأصحابه، وأخرج القاهر والدة المقتدر لتشهد على ~~نفسها القضاة والعدول بأنها قد حلت أوقافها، ووكلت في بيعها، فامتنعت عن ~~ذلك، وقالت: قد أوقفتها على أبواب البر والقرب بمكة والمدينة والثغور، وعلى ~~الضعفى والمساكين، ولا أستحل حلها ولا بيعها وإنما أوكل على بيع أملاكي. # فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول، وأشهدهم على نفسه أنه قد حل ~~وقوفها جميعها، ووكل في بيعها، فبيع ذلك جميعه مع غيره، واشتراه الجند من ~~أرزاقهم، وتقدم القاهر بكبس الدور التي سعي إليه أنه اختفى فيها ولد ~~المقتدر، فلم يزل كذلك إلى أن وجدوا منهم أبا العباس الراضي، وهارون، ~~وعليا، والعباس، وإبراهيم، والفضل، فحملوا إلى دار الخليفة فصودروا ms2817 على مال ~~كثير، وسلمهم علي بن بليق إلى كاتبه الحسن بن هارون فأحسن صحبتهم. # PageV06P773 # واستقر أبو علي بن مقلة في الوزارة، (وعزل وولى) ، وقبض على (جماعة من ~~العمال، وقبض على) بني البريدي، وعزلهم عن أعمالهم وصادرهم. # ذكر وصول وشمكير إلى أخيه مرداويج # وفيها أرسل مرداويج إلى أخيه وشمكير، وهو ببلاد جيلان، يستدعيه إليه وكان ~~الرسول ابن الجعد، قال: أرسلني مرداويج، وأمرني بالتلطف لإخراج أخيه وشمكير ~~إليه، فلما وصل سألت عنه، فدللت عليه فإذا هو مع جماعة يزرعون الأرز (فلما ~~رأوني قصدوني) وهم حفاة عراة عليهم سراويلات ملونة الخرق، وأكسية ممزقة، ~~فسلمت عليه، وأبلغته رسالة أخيه، وأعلمته بما ملك من البلاد والأموال ~~وغيرها، فضرط بفمه في لحية أخيه وقال: إنه لبس السواد، وخدم المسودة، يعني ~~الخلفاء من بني العباس. # فلم أزل أمنيه وأطمعه حتى خرج معي، فلما بلغنا قزوين اجتهدت به ليلبس ~~السواد، فامتنع ثم لبس بعد الجهد. قال: فرأيت من جهله أشياء أستحيي من ~~ذكرها، ثم أعطته السعادة ما كان له في الغيب فصار من أعرف الملوك بتدبير ~~الممالك وسياسة الرعايا. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # فيها توفي القاضي أبو عمر محمد (بن يوسف) بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن ~~زيد، وكان عالما فاضلا حليما، وأبو علي الحسين بن صالح بن خوان الفقيه ~~الشافعي، وكان عابدا ورعا، # PageV06P774 # أريد على القضاء فلم يفعل. # وفيها توفي أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه الشافعي الجرجاني ~~المعروف بالأستراباذي. # PageV06P775 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة] ### | 321 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة # ذكر حال عبد الواحد بن المقتدر ومن معه # قد ذكرنا هرب عبد الواحد بن المقتدر، وهارون بن غريب، ومفلح، ومحمد بن ~~ياقوت، وابني رائق، بعد قتل المقتدر إلى المدائن، ثم إنهم انحدروا منها إلى ~~واسط، وأقاموا بها، وخافهم الناس، فابتدأ هارون بن غريب وكتب إلى بغداد ~~يطلب الأمان، ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه، ~~وينزل عن الأملاك التي استأجرها، ويؤدي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة، ms2818 ~~فأجابه القاهر (ومؤنس) إلى ذلك، وكتبا له كتاب أمان وقلد أعمال ماه الكوفة، ~~وماسبذان ومهرجان قذق، وسار إلى بغداذ. # وخرج عبد الواحد بن المقتدر من واسط فيمن بقي معه ومضوا إلى السوس وسوق ~~الأهواز، وجبوا المال، وطردوا العمال، وأقاموا بالأهواز فجهز مؤنس إليهم ~~جيشا كثيفا، وجعل عليهم بليقا. # وكان الذي حرضهم على إنفاذ الجيش أبو عبد الله البريدي، فإنه كان قد خرج ~~من الحبس فخوفهم عاقبة إهمال عبد الواحد ومن معه وبذل مساعدة معجلة خمسين ~~ألف دينار على أن يتولى الأهواز، وعند استقراره بتلك البلاد يعجل باقي ~~المال، وأمر # PageV06P776 # مؤنس بالتجهيز، وأنفق ذلك المال، وسار العسكر وفيهم أبو عبد الله. # وكان محمد بن ياقوت قد استبد بالأموال والأمر، فنفرت لذلك قلوب من معه من ~~القواد والجند فلما قرب العسكر من واسط أظهر من معه من القواد ما في ~~نفوسهم، وفارقوه، ولما وصل بليق إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ياقوت ~~الأهواز وسارا إلى تستر، فعمل القراريطي، وكان مع العسكر، (بأهل الأهواز) ~~ما لم يفعله أحد: نهب أموالهم، وصادرهم جميعهم، ولم يسلم منهم أحد. # ونزل عبد الواحد وابن ياقوت بتستر، وفارقهما من معهما من القواد إلى بليق ~~بأمان وبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد، فقالا لمحمد بن ياقوت: أنت ~~معتصم بهذه المدينة، وبمالك ورجالك، ونحن فلا مال معنا، ولا رجال، ومقامنا ~~معك يضرك، ولا ينفعك، وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن ~~المقتدر، فأذن لهما في ذلك فكتبا إلى بليق فأمنهم، فعبروا إليه، وبقي محمد ~~بن ياقوت منفردا، فضعفت نفسه، وتحير، فتراسل هو وبليق، واستقر بينهما أنه ~~يخرج إلى بليق على شرط أنه يؤمنه، ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل ذلك ~~وحلف له، وخرج محمد بن ياقوت معه إلى بغداذ. # واستولى أبو عبد الله البريدي على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار ~~وعمل بأهل البلاد ما لا يعمله الفرنج، ولم يمنعه أحد عما يريد، ولم يكن ~~عنده من الدين ما يزعه عن ذلك، وعاد إخوته إلى أعمالهم، ms2819 ولما عاد عبد ~~الواحد ومحمد بن ياقوت وفى لهم القاهر، وأطلق لعبد الواحد # PageV06P777 # أملاكه، وترك لوالدته المصادرة التي صادرها بها. # ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر # في هذه السنة استوحش مؤنس المظفر وبليق الحاجب وولده علي والوزير أبو علي ~~بن مقلة من القاهر، وضيقوا عليه وعلى أسبابه. # وكان سبب ذلك أن محمد بن ياقوت تقدم عند القاهر، وعلت منزلته وصار يخلو ~~به ويشاوره فغلظ ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبين محمد، فألقى إلى ~~مؤنس أن محمدا يسعى به عند القاهر، وأن عيسى الطبيب يسفر بينهما في التدبير ~~عليه، فوجه مؤنس علي بن بليق لإحضار عيسى الطبيب، فوجده بين يدي القاهر، ~~فأخذه وأحضره عند مؤنس فسيره من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع ~~بمحمد بن ياقوت، وكان في الخيام (فركب علي بن بليق في جنده ليكبسه، فوجده ~~قد اختفى، فنهب أصحابه واستتر محمد بن ياقوت) . # ووكل علي بن بليق على دار الخليفة أحمد بن زيرك، وأمره بالتضييق على ~~القاهر، وتفتيش كل من يدخل الدار ويخرج منها، وأن يكشف وجوه النساء ~~المنقبات، وإن وجد مع أحد رقعة دفعها إلى مؤنس، ففعل ذلك، وزاد عليه، حتى ~~إنه حمل إلى دار الخليفة لبن، فأدخل يده فيه لئلا يكون فيه رقعة ونقل بليق ~~من كان بدار القاهر محبوسا إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها وقطع أرزاق ~~حاشيته. # فأما والدة المقتدر فإنها كانت قد اشتدت علتها لشدة الضرب الذي ضربها ~~القاهر، فأكرمها علي بن بليق وتركها عند والدته، فماتت في جمادى الآخرة ~~وكانت مكرمة مرفهة، ودفنت بتربتها بالرصافة. # PageV06P778 # وضيق علي بن بليق على القاهر، فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد، وأن ذلك ~~برأي مؤنس وابن مقلة، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم. # وكان قد عرف فساد قلب طريف السبكري وبشرى خادم مؤنس لبليق وولده علي، ~~وحسدهما على مراتبهما، فشرع في إغرائهما ببليق وابنه. # وعلم أيضا أن مؤنسا وبليقا أكثر اعتمادهما على الساجية أصحاب يوسف بن أبي ~~الساج وغلمانه المنتقلين إليهما بعده، وكانا قد وعدا الساجية ms2820 بالموصل ~~مواعيد أخلفاها، فأرسل القاهر إليهم يغريهم بمؤنس، وبليق، ويحلف لهم على ~~الوفاء بما أخلفاهم، فتغيرت قلوب الساجية، ثم إنه راسل أبا جعفر محمد بن ~~القاسم بن عبيد الله، وكان من أصحاب ابن مقلة، وصاحب مشورته، ووعده ~~الوزارة، فكان يطالعه بالأخبار، وبلغ ابن مقلة أن القاهر قد تغير عليه، ~~وأنه مجتهد في التدبير عليه وعلى مؤنس، وبليق، وابنه علي، والحسن بن هارون، ~~فأخبرهم ابن مقلة بذلك. # ذكر القبض على مؤنس وبليق # في هذه السنة، أول شعبان، قبض القاهر بالله على بليق وابنه، ومؤنس ~~المظفر. # وسبب ذلك أنه لما ذكر ابن مقلة لمؤنس وبليق ما هو عليه القاهر من التدبير ~~في استئصالهم خافوه، وحملهم الخوف على الجد في خلعه، واتفق رأيهم على ~~استخلاف أبي أحمد بن المكتفي وعقدوا له الأمر سرا، وحلف له بليق وابنه علي، ~~والوزير أبو علي بن مقلة، والحسن بن هارون، وبايعوه، ثم كشفوا الأمر لمؤنس ~~فقال لهم: لست أشك في شر القاهر وخبثه، ولقد كنت كارها لخلافته، وأشرت بابن ~~المقتدر، فخالفتم وقد بالغتم الآن في الاستهانة به، وما صبر على الهوان إلا ~~من خبث طويته ليدبر # PageV06P779 # عليكم، فلا تعجلوا (على أمر حتى تؤنسوه وينبسط إليكم، ثم فتشوا لتعرفوا ~~من واطأه من القواد ومن الساجية والحجرية، ثم اعملوا على ذلك) ، فقال علي ~~بن بليق، (والحسن بن هارون) : ما يحتاج إلى هذا التطويل، فإن الحجبة لنا، ~~والدار في أيدينا وما يحتاج أن نستعين في القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر ~~في قفص. # وعملوا على معاجلته، فاتفق أن سقط بليق من الدابة، فاعتل ولزم منزله، ~~واتفق ابنه علي وأبو علي بن مقلة وزينا لمؤنس خلع القاهر، وهونا عليه ~~الأمر، فأذن لهما، فاتفق رأيهما على أن يظهروا أن أبا طاهر القرمطي قد ورد ~~الكوفة في خلق كثير، وأن علي بن بليق سائر إليه في الجيش ليمنعه عن بغداذ، ~~فإذا دخل على القاهر ليودعه ويأخذ أمره فيما يفعل قبض عليه. # (فلما اتفقا على ذلك جلس ابن مقلة، وعنده الناس، فقال لأبي بكر ms2821 بن قرابة) ~~: أعلمت أن القرمطي قد دخل الكوفة في ستة آلاف مقاتل بالسلاح التام؟ قال: ~~لا قال ابن مقلة: قد وصلنا كتب النواب بها بذلك، فقال ابن قرابة: هذا كذب ~~ومحال، فإن في جوارنا إنسانا من الكوفة، وقد أتاه اليوم كتاب على جناح طائر ~~تاريخه اليوم يخبر فيه بسلامته، فقال له ابن مقلة: سبحان الله، أنتم أعرف ~~منا بالأخبار؟ فسكت ابن قرابة. # وكتب ابن مقلة إلى الخليفة يعرفه ذلك، ويقول له: إني قد جهزت (جيشا مع) ~~علي بن بليق ليسير يومنا هذا، والعصر يحضر إلى الخدمة ليأمره مولانا بما ~~يراه، فكتب القاهر في جوابه يشكره، ويأذن له في حضور ابن بليق، فجاءت رقعة ~~القاهر وابن مقلة نائم، فتركوها ولم يوصلوها إليه، فلما استيقظ عاد وكتب ~~رقعة أخرى في المعنى، فأنكر القاهر الحال، حيث قد كتب جوابه، وخاف أن يكون ~~هناك مكر. # PageV06P780 # وهو في هذا إذ وصلت رقعة طريف السبكري يذكر أن عنده نصيحة وأنه قد حضر في ~~زي امرأة لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما قد زعموا عليه، ~~وما فعلوه من التدبير ليقبض ابن بليق عليه إذا اجتمع به وأنهم قد بايعوا ~~أبا أحمد بن المكتفي، فلما سمع القاهر ذلك أخذ حذره وأنفذ إلى الساجية ~~فأحضرهم متفرقين، وكمنهم في الدهاليز، (والممرات) ، والرواقات، وحضر علي بن ~~بليق بعد العصر، وفي رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف، في ~~طيارة، وأمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة، وصعد من ~~الطيارة، وطلب الإذن، فلم يأذن له القاهر، فغضب وأساء أدبه، وقال: لا بد من ~~لقائه شاء أو أبى. # وكان القاهر قد أحضر الساجية، كما ذكرنا، وهم عنده في الدار فأمرهم ~~القاهر برده، فخرجوا إليه وشتموه وشتموا أباه وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه ~~جميعهم، ففر أصحابه عنه، وألقى نفسه في الطيارة وعبر إلى الجانب الغربي ~~واختفى من ساعته، فبلغ ابن مقلة الخبر، فاستتر واستتر الحسن بن هارون أيضا. # فلما سمع طريف الخبر ركب في أصحابه، وعليهم السلاح، وحضروا ms2822 دار الخليفة ~~ووقف القاهر، فعظم الأمر حينئذ على ابن بليق وجماعتهم وأنكر بليق ما جرى ~~على ابنه، وسب الساجية، وقال: لا بد من المضي إلى دار الخليفة، فإن كان ~~الساجية فعلوا هذا بغير تقدم قابلتهم بما يستحقونه، وإن كان بتقدم سألته عن ~~سبب ذلك. # فحضر دار الخليفة ومعه جميع القواد الذين بدار مؤنس، فلم يوصله القاهر ~~إليه، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وأمر بالقبض على أحمد بن زيرك صاحب الشرطة # PageV06P781 # وحصل الجيش كلهم في الدار، فأنفذ القاهر وطيب نفوسهم، ووعدهم الزيادة، ~~وأنه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم، فعادوا. # وراسل القاهر مؤنسا يسأله الحضور عنده ليعرض عليه ما رفع عليهم ليفعل ما ~~يراه، وقال: إنه عندي بمنزلة الوالد، وما أحب أن أعمل شيئا إلا عن رأيه، ~~فاعتذر مؤنس عن الحركة، (ونهاه أصحابه عن الحضور) عنده. # فلما كان الغد أحضر القاهر طريفا السبكري وناوله خاتمه، وقال له: قد فوضت ~~إلى ولدي عبد الصمد ما كان المقتدر فوضه إلى ابنه محمد، وقلدتك خلافته، ~~ورئاسة الجيش، وإمارة الأمراء، وبيوت الأموال، كما كان ذلك إلى مؤنس، ويجب ~~أن تمضي إليه وتحمله إلى الدار، فإنه ما دام في منزله يجتمع إليه من يريد ~~الشر ولا يأمن أن يولد شغل، فيكون هاهنا مرفها، ومعه من أصحابه من يخدمه ~~على عادته. # فمضى إلى دار مؤنس، وعنده أصحابه في السلاح، وهو قد استولى عليه الكبر ~~والضعف، فسأله أصحاب مؤنس عن الحال، فذكر سوء صنيع بليق وابنه، فكلهم ~~سبهما، وعرفهم ما أخذ لهم من الأمان والعهود، فسكتوا، ودخل إلى مؤنس وأشار ~~عليه بالحضور عند القاهر، وحمله عليه، وقال له: إن تأخرت طمع، ولو رآك ~~نائما ما تجاسر أن يوقظك، وكان موافقا على مؤنس وأصحابه لما نذكره، فسار ~~مؤنس إليه فلما دخل الدار قبض القاهر عليه وحبسه ولم يره. # قال طريف: لما أعلمت القاهر بمجيء مؤنس ارتعد، وتغيرت أحواله، وزحف من ~~صدر فراشه، فخفته أن أكلمه في معناه، وعلمت أنني قد أخطأت، وندمت وتيقنت ~~أنني # PageV06P782 # لاحق بالقوم عن قريب، ms2823 وذكرت قول مؤنس (فيه إنه يعرفه بالهوج، والشر ~~والإقدام، والجهل) وكان أمر الله قدرا مقدورا وكانت وزارة ابن مقلة هذه ~~تسعة أشهر وثلاثة أيام. # واستوزر القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، مستهل شعبان، وخلع ~~عليه، وأنفذ القاهر وختم على دور مؤنس، وبليق وابنه علي، وابن مقلة، وأحمد ~~بن زيرك، والحسن بن هارون، ونقل دوابهم، ووكل بحرمهم وأنفذ فاستقدم عيسى ~~المتطبب من الموصل، وأمر بنقل ما في دار ابن مقلة وإحراقها، فنهبت وأحرقت، ~~ونهبت دور المتعلقين بهم، وظهر محمد بن ياقوت، وقام بالحجبة ثم رأى كراهية ~~طريف السبكري والساجية له، فاختفى وهرب إلى أبيه بفارس، فكاتبه القاهر ~~يلومه على عجلته بالهرب، وقلده كور الأهواز. # وكان السبب في ميل طريف السبكري، والساجية، والحجرية إلى القاهر، ~~ومواطأتهم على مؤنس وبليق وابنه ما نذكره، وهو أن طريفا كان قد أخذ قواد ~~مؤنس وأعلاهم منزلة، وكان بليق وابنه ممن يقبل يده ويخدمه فلما استخلف ~~القاهر بالله تقدم بليق وابنه، وحكما في الدولة كما ذكرناه وأهمل ابن بليق ~~جانب طريف، وقصده وعطله من أكثر أعماله، فلما طالت عطلته استحيا منه بليق، ~~وخاف جانبه، فعزم على استعماله على ديار مصر ليقضي حقه، ويبعده، ومعه أعيان ~~رفقائه ليأمنهم، وقال ذلك للوزير أبي علي بن مقلة، فرآه صوابا، فاعتذر بليق ~~إلى طريف لسبب عطلته، وأعلمه بحديث مصر فشكره، وشكر الوزير أيضا، فمنع علي ~~ابن بليق من إتمامه، وتولى هو العمل، وأرسل إليه من يخلفه فيه، فصار طريف ~~عدوا يتربص بهم الدوائر. # وأما الساجية فإنهم كانوا عدة مؤنس وعضده، وساروا معه إلى الموصل، وعادوا ~~معه إلى قتال المقتدر، ووعدهم مؤنس المظفر بالزيادة فلما قتل المقتدر لم ~~يروا لميعاده وفاء، ثناه عنه ابن بليق، واطرحهم ابن بليق أيضا، وأعرض عنهم. # PageV06P783 # وكان من جملتهم خادم أسود اسمه صندل، وكان من أعيانهم، وكان خادم اسمه ~~مؤتمن، فباعه، فاتصل بالقاهر قبل خلافته، فلما استخلف قدمه وجعله لرسائله، ~~فلما بلي القاهر بابن بليق وسوء معاملته كان كالغريق يتمسك بكل شيء، وكان ~~خبيرا ms2824 بالدهاء والمكر، فأمر مؤتمنا أن يقصد صندلا الساجي الذي باعه، ويشكو ~~من القاهر، فإن رأى منه ردا لما يقوله أعلمه بحال القاهر وما يقاسي من ابن ~~بليق وابنه، وإن رأى منه خلاف ذلك سكت فجاء إليه وفعل ما أمره. # فلما شكا قال له صندل: وفي أي شيء هو الخليفة حتى يعطيك، ويوسع عليك؟ إن ~~فرج الله عنه من هذا المفسد احتجت أنا وغيري إليك، ولله علي صوم وصدقة إن ~~ملك الخليفة أمره، واستراح، وأراحنا من هذا الملعون، فأعاد المؤتمن الحديث ~~على القاهر، فأرسل على يده هدية جميلة من طيب وغيره إلى زوجة صندل، وقال ~~له: تحمله إليها، وزوجها غائب عنها، وتقول لها إن الخليفة قسم فينا شيئا، ~~وهذا من نصيبي أهديته إليكم، ففعل هذا، فقبلته ثم عاد إليها من الغد وقال: ~~أي شيء قال صندل لما رأى انبساطي عليكم؟ فقالت: اجتمع هو وفلان، وذكرت ستة ~~نفر من أعيانهم، ورأوا ما أهديت إلينا فاستعملوا منه ودعوا للخليفة. # فبينما هو عندها إذ حضر زوجها فشكر مؤتمنا، وسأله عن أحوال الخليفة، ~~فأثنى عليه، ووصفه بالكرم، وحسن الأخلاق، وصلابته في الدين، فقال صندل إن ~~ابن بليق نسبه إلى قلة الدين، ويرميه بأشياء قبيحة، فحلف مؤتمن على بطلان ~~ذلك، وأن جميعه كذب. # ثم أمر القاهر مؤتمنا أن يقصد زوجة صندل، ويستدعيها إلى قهرمانة القاهر ~~فتحضر متنكرة على أنها قابلة يأنس بها من عند القاهر، لما كانوا بدار ابن ~~طاهر وقد حضرت لحاجة بعض أهل الدار إليها، ففعلت ذلك، ودخلت الدار وباتت ~~عندهم، فحملها القاهر رسالة إلى زوجها ورفقائه، وكتب إليهم رقعة بخطه يعدهم ~~بالزيادة في الأقطاع والجاري، وأعطاها لنفسها مالا، فعادت إلى زوجها ~~وأخبرته بما كان جميعه، فوصل الخبر إلى ابن بليق أن امرأة من دار ابن طاهر ~~دخلت إلى دار الخليفة، فلهذا منع ابن بليق من دخول امرأة حتى تبصر وتعرف. # PageV06P784 # وكان للساجية قائد كبير اسمه سيما، وكلهم يرجعون إلى قوله، فاتفق صندل ~~ومن معه على إعلام سيما بذلك إذ لا بد لهم منه، ms2825 وأعلموه برسالة القاهر ~~إليهم، فقال: هذا صواب، والعاقبة فيه جميلة، ولكن لا بد من أن يدخلوا في ~~الأمر بعض هؤلاء القوم، يعني أصحاب بليق ومؤنس، وليكن من أكابرهم، فالتقوا ~~على طريف السبكري، وقالوا: هو أيضا متسخط فحضروا عنده وشكوا إليه ما هم ~~فيه، وقالوا: لو كان الأستاذ، يعنون مؤنسا، يملك أمره لبلغنا مرادنا، ولكن ~~قد عجز وضعف، واستبد عليه ابن بليق بالأمور، فوجدوا عنده من كراهتهم أضعاف ~~ما أرادوا، فأعلموه حينئذ حالهم فأجابهم إلى موافقتهم، واستحلفهم أنه لا ~~يلحق مؤنسا وبليقا وابنه مكروه وأذى في أنفسهم وأبدانهم وأموالهم، وإنما ~~يلزم بليق وابنه بيوتهم ويكون مؤنسا على مرتبته لا يتغير، فحلفوا على ذلك، ~~وحلف لهم على الموافقة وطلب خط القاهر بما طلب، فأرسلوا إلى القاهر بما كان ~~فكتب إليهم بما أرادوا وزاد بأن قال: إنه يصلي بالناس، ويخطب أيام الجمع، ~~ويحج بهم (ويغزو معهم) ، ويقعد للناس ويكشف مظالمهم إلى غير ذلك من حسن ~~السيرة. # ثم إن طريفا اجتمع بجماعة من رؤساء الحجرية، وكان ابن بليق قد أبعدهم عن ~~الدار وأقام بها أصحابه، فهم حنقون عليه، فلما أعلمهم طريف الأمر أجابوه ~~إليه، فظهر شيء من هذا الحديث إلى ابن مقلة، وابن بليق، ولم يعلموا تفصيله، ~~فاتفقوا على أن يقبضوا على جماعة من قواد الساجية والحجرية، فلم يقدموا ~~عليهم خوف الفتنة. # وكان القاهر قد أظهر مرضا من دماميل وغيرها، فاحتجب عن الناس خوفا منهم، ~~فلم يكن يراه أحد إلا خواص خدمه من الأوقات النادرة فتعذر على ابن مقلة ~~وابن بليق الاجتماع به ليبلغوا منه ما يريدون، فوضعا ما ذكرناه من أخبار ~~القرامطة ليظهر لهم ويفعلوا به ما أرادوا # PageV06P785 # (ولما قبض القاهر على مؤنس وجماعته) استعمل القاهر على الحجبة سلامة ~~الطولوني وعلى الشرطة أبا العباس أحمد بن خاقان، واستوزر أبا جعفر محمد بن ~~القاسم بن عبيد الله، وأمر بالنداء على المستترين، وإباحة مال من أخفاهم ~~وهدم داره، وجد في طلب أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبنى عليه حائطا وهو حي ~~فمات، وظفر بعلي بن ms2826 بليق فقتله. # ذكر قتل مؤنس وبليق وولده علي والنوبختي # وفيها، في شعبان، قتل القاهر مؤنسا المظفر، وبليقا، وعلي بن بليق. # وكان سبب قتلهم أن أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، وأحرقوا ~~روشن دار الوزير أبي جعفر، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا: لا نرضى إلا بإطلاق ~~مؤنس. # وكان القاهر قد ظفر بعلي بن بليق، وأفرد كل واحد منهم في منزل، فلما شغب ~~الجند دخل القاهر إلى علي بن بليق، فأمر به فذبح واحتز رأسه، فوضعوه في ~~طشت، ثم مضى القاهر والطشت يحمل بين يديه حتى دخل على بليق فوضع الطشت بين ~~يديه، وفيه رأس ابنه، فلما رآه بكى، وأخذه يقبله ويترشفه، فأمر به القاهر ~~فذبح أيضا، وجعل رأسه في طشت، وحمل بين يدي القاهر، ومضى حتى دخل على مؤنس ~~فوضعهما بين يديه، فلما رأى الرأسين تشهد، واسترجع، ولعن قاتلهما، فقال ~~القاهر: جروا برجل الكلب الملعون! فجروه وذبحوه وجعلوا رأسه في طشت، وأمر ~~فطيف بالرءوس في جانبي بغداذ، ونودي عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ويسعى ~~في فساد دولته، ثم أعيدت ونظفت وجعلت في خزانة الرءوس، كما جرت العادة. # PageV06P786 # وقيل إنه قتل بليقا وابنه مستخف، ثم ظفر بابنه بعد ذلك، فأمر به فضرب، ~~فأقبل ابن بليق على القاهر، وسبه أقبح سب، وأعظم شتم، فأمر به القاهر فقتل، ~~وطيف برأسه في جانبي بغداذ، ثم أرسل إلى ابن يعقوب النوبختي، وهو في مجلس ~~وزيره محمد بن القاسم، فأخذه وحبسه، ورأى الناس من شدة القاهر ما علموا معه ~~أنهم لا يسلمون من يده، وندم كل من أعانه من سبك، والساجية، والحجرية، حيث ~~لم ينفعهم الندم. # ذكر وزارة أبي جعفر محمد بن القاسم للخليفة وعزله ووزارة الخصيبي # لما قبض القاهر بالله على مؤنس وبليق وابنه سأل عمن يصلح للوزارة، فدل ~~على أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، فاستوزره، فبقي وزيرا إلى يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة، فأرسل القاهر فقبض عليه، وعلى ~~أولاده، وعلى أخيه عبيد الله، وحرمه، وكان مريضا بقولنج، فبقي ms2827 محبوسا ~~ثمانية عشر يوما، ومات، فحمل إلى منزله، وأطلق أولاده، واستوزر أبا العباس ~~أحمد بن عبيد الله بن سليمان الخصيبي، وكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر ~~واثني عشر يوما. # PageV06P787 # ذكر القبض على طريف السبكري # لما تمكن القاهر، وقبض على مؤنس وأصحابه، وقتلهم، لم يقف على اليمين ~~والأمان اللذين كتبهما لطريف، وكان القاهر يسمع طريفا ما يكره، ويستخف به، ~~ويعرض له بالأذى، فلما رأى ذلك خافه، وتيقن القبض عليه والقتل، فوصى وفرغ ~~من جميع ما يريده. # واشتغل القاهر عنه بقبض من قبض عليه من وزير وغيره، ثم أحضره بعد أن قبض ~~على وزيره أبي جعفر، فقبض عليه، فتيقن القتل أسوة بمن قتل من أصحابه ~~ورفقائه، فبقي محبوسا يتوقع القتل صباحا ومساء إلى أن خلع القاهر. # ذكر أخبار خراسان # في هذه السنة سار مرداويج من الري إلى جرجان، وبها أبو بكر محمد بن ~~المظفر مريضا، فلما قصده مرداويج عاد إلى نيسابور، وكان السعيد نصر بن أحمد ~~بنيسابور، فلما بلغها محمد بن المظفر سار السعيد نحو جرجان، وكاتب محمد بن ~~عبيد الله البلغمي (مطرف بن محمد وزير مرداويج، واستماله، فمال إليه، ~~فانتهى الخبر بذلك إلى مرداويج، فقبض على مطرف وقتله. # وأرسل محمد بن عبيد الله البلغمي) إلى مرداويج يقول له: أنا أعلم أنك لا ~~تستحسن كفر ما يفعله معك الأمير السعيد، وأنك إنما حملك على قصد جرجان ~~وزيرك مطرف ليرى أهلها محله منك، كما فعله أحمد بن أبي ربيعة كاتب عمرو بن ~~الليث، حمل عمرا على قصد بلخ ليشاهد أهلها منزلته من عمرو، فكان منه ما ~~بلغك، وأنا لا أرى مناصبة ملك يطيف به مائة ألف رجل من غلمانه ومواليه ~~وموالي أبيه، والصواب أنك تترك جرجان له، وتبذل عن الري مالا تصالحه عليه، ~~ففعل مرداويج ذلك، وعاد عن جرجان، وبذل عن الري مالا، وعاد إليها، وصالحه ~~السعيد عليها. # PageV06P788 # ذكر ولاية محمد بن المظفر على خراسان # ولما فرغ السعيد من أمر جرجان، وأحكمه، استعمل أبا بكر محمد بن المظفر بن ~~محتاج على جيوش خراسان، ms2828 ورد إليه تدبير الأمور بنواحي خراسان جميعها، وعاد ~~إلى بخارى مقر عزه، وكرسي ملكه. # وكان سبب تقدم محمد بن المظفر أنه كان يوما عند السعيد، وهو يحادثه في ~~بعض مهماته خاليا، فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدة لسعات، فلم يتحرك، ولم ~~يظهر عليه أثر ذلك، فلما فرغ من حديثه، وعاد محمد إلى منزله، نزع خفه فرأى ~~العقرب فأخذها. # فانتهى خبر ذلك إلى السعيد، فأعجب به، وقال: ما عجبت إلا من فراغ بالك ~~لتدبير ما قلته لك، فهلا قمت وأزلتها! فقال: ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب ~~عقرب، وإذا لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب فكيف أصبر، وأنا بعيد منك على ~~حد سيوف أعداء دولتك إذا دفعتهم عن مملكتك؟ فعظم محله عنده، وأعطاه مائتي ~~ألف درهم. # PageV06P789 # ذكر ابتداء دولة بني بويه # [بقية سنة 321 ه] # وهم عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة ~~أبو الحسن أحمد، أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل ~~الأصغر بن شيركنده بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سشتان شاه ~~بن سيس فيروز بن شيروزيل بن سنباد بن بهرام جور الملك ابن يزدجرد الملك ~~(ابن هرمز الملك) ابن شابور الملك بن شابور ذي الأكتاف، وباقي النسب قد ~~تقدم في # PageV07P005 # أول الكتاب عند ذكر ملوك الفرس؛ هكذا ساق نسبهم الأمير أبو نصر بن ~~ماكولا، رحمه الله. # وأما ابن مسكويه فإنه قال: (إنهم يزعمون) أنهم من ولد يزدجرد بن شهريار، ~~آخر ملوك الفرس، إلا أن النفس (أكثر ثقة) بنقل ابن ماكولا ; لأنه الإمام ~~العالم بهذه الأمور، وهذا نسب عريق في الفرس، ولا شك أنهم نسبوا إلى الديلم ~~حيث طال مقامهم ببلادهم. # وأما ابتداء أمرهم، فإن والدهم أبا شجاع بويه كان متوسط الحال، فماتت ~~زوجته وخلفت له ثلاثة بنين، وقد تقدم ذكرهم، فلما ماتت اشتد حزنه عليها، ~~فحكى شهريار بن رستم الديلمي، قال: كنت صديقا لأبي شجاع بويه، فدخلت إليه ~~يوما فعذلته على كثرة حزنه، وقلت ms2829 له: أنت رجل يحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين ~~أولادك يهلكهم الحزن، (وربما مات أحدهم، فيجدد ذلك من الأحزان ما ينسيك ~~المرأة، وسليته بجهدي، وأخذته ففرجته، وأدخلته ومعه أولاده إلى منزلي ~~ليأكلوا طعاما، وشغلته عن حزنه. # فبينما هم كذلك اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: إنه منجم، ومعزم، ومعبر ~~للمنامات، ويكتب الرقى والطلسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع، وقال له: ~~رأيت في منامي كأنني أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة، استطالت وعلت حتى كادت ~~تبلغ السماء، ثم انفجرت فصارت ثلاث شعب، وتولد من تلك الشعب عدة شعب، ~~فأضاءت الدنيا بتلك النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران. # فقال المنجم: هذا منام عظيم، لا أفسره إلا بخلعة، وفرس، ومركب، فقال أبو ~~شجاع: والله، ما أملك إلا الثياب التي على جسدي، فإن أخذتها بقيت عريانا، ~~قال # PageV07P006 # المنجم: فعشرة دنانير، قال: والله، ما أملك دينارا فكيف عشرة، فأعطاه ~~شيئا، فقال المنجم: اعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد، يملكون الأرض ومن عليها، ~~ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار، ويولد لهم جماعة ملوك ما رأيت من ~~تلك الشعب. # فقال أبو شجاع: أما تستحي تسخر منا؟ أنا رجل فقير، وأولادي هؤلاء فقراء ~~مساكين، كيف يصيرون ملوكا؟ # (فقال المنجم) : أخبرني بوقت ميلادهم، فأخبره، فجعل يحسب، ثم قبض على يد ~~أبي الحسن علي فقبلها، وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا من بعده، ~~وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع، وقال لأولاده: ~~اصفعوا هذا الحكيم، فقد أفرط في السخرية بنا، فصفعوه، وهو يستغيث، ونحن ~~نضحك منه، ثم أمسكوا، فقال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتكم وأنتم ملوك، ~~فضحكنا منه، وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم. # ثم خرج من بلاد الديلم جماعة، تقدم ذكرهم ليملك البلاد منهم ماكان بن ~~بالي، وليلى بن النعمان، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج بن زيار، وخرج مع كل ~~واحد منهم خلق كثير من الديلم، وخرج أولاد أبي شجاع في جملة من خرج، وكانوا ~~من جملة قواد ماكان بن كالي، فلما كان ms2830 من أمر ماكان ما ذكرناه في الاتفاق ~~ثم الاختلاف، بعد قتل أسفار، واستيلاء مرداويج على ما كان (بيد ماكان) من ~~طبرستان وجرجان، وعود ماكان مرة أخرى إلى جرجان والدامغان، وعوده إلى ~~نيسابور مهزوما. # فلما رأى أولاد بويه ضعفه وعجزه، قال له عماد الدولة وركن الدولة: نحن في ~~جماعة، وقد صرنا ثقلا عليك وعيالا، وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفف # PageV07P007 # عنك مؤونتنا، فإذا صلح أمرنا عدنا إليك، فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج، ~~واقتدى بهما جماعة من قواد ماكان وتبعوهما، فلما صاروا إليه قبلهم أحسن ~~قبول، وخلع على ابني بويه، وأكرمهما، وقلد كل واحد من قواد ماكان الواصلين ~~إليه ناحية من نواحي الجبل، فأما علي بن بويه فإنه قلده كرج. # ذكر سبب تقدم علي بن بويه # (كان السبب في ارتفاع) علي بن بويه (من بينهم) - بعد الأقدار - أنه كان ~~سمحا، حليما، شجاعا، فلما قلده مرداويج كرج، وقلد جماعة القواد المستأمنة ~~معه الأعمال، وكتب لهم العهود، وساروا إلى الري، وبها وشمكير بن زيار أخو ~~مرداويج، ومعه الحسين بن محمد الملقب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الذي وزر ~~لركن الدولة بن بويه، وكان العميد يومئذ وزير مرداويج. # وكان مع عماد الدولة بغلة شهباء من أحسن ما يكون، فعرضها للبيع، فبلغ ~~ثمنها مائتي دينار، فعرضت على العميد، فأخذها وأنفذ ثمنها، فلما حمل الثمن ~~إلى عماد الدولة، أخذ منه عشرة دنانير ورد الباقي، وجعل معه هدية جميلة. # ثم إن مرداويج ندم على ما فعل من تولية أولئك القواد البلاد، فكتب إلى ~~أخيه وشمكير وإلى العميد يأمرهما بمنعهم من المسير إلى أعمالهم، وإن كان ~~بعضهم قد خرج، فيرد. # وكانت الكتب تصل إلى العميد قبل وشمكير، فيقرأها ثم يعرضها على وشمكير، ~~فلما وقف العميد على هذا الكتاب، أنفذ إلى عماد الدولة يأمره بالمسير من ~~ساعته إلى عمله، ويطوي المنازل، فسار من وقته، وكان المغرب، وأما العميد ~~فلما أصبح، عرض الكتاب على وشمكير، فمنع سائر القواد من الخروج من الري، ~~واستعاد التوقيعات التي # PageV07P008 # معهم بالبلاد، وأراد وشمكير أن ms2831 ينفذ خلف عماد الدولة من يرده، فقال ~~العميد: إنه لا يرجع طوعا، وربما قاتل من يقصده وخرج عن طاعتنا، فتركه. # وسار عماد الدولة إلى كرج، وأحسن إلى الناس، ولطف بعمال البلاد، فكتبوا ~~إلى مرداويج يشكرونه، ويصفون ضبطه البلد، وسياسته، وافتتح قلاعا كانت ~~للخرمية، وظفر منها بذخائر كثيرة، صرفها جميعها إلى استمالة الرجال، ~~والصلات، والهبات، فشاع ذكره، وقصده الناس وأحبوه. # وكان مرداويج ذلك الوقت بطبرستان، فلما عاد إلى الري أطلق مالا لجماعة من ~~قواده على كرج، فاستمالهم عماد الدولة، ووصلهم، وأحسن إليهم، حتى مالوا ~~إليه، وأحبوا طاعته. # وبلغ ذلك مرداويج، فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القواد إلى الكرج، فكتب ~~إلى عماد الدولة وأولئك يستدعيهم إليه، وتلطف بهم، فدافعه عماد الدولة، ~~واشتغل بأخذ العهود، وخوفهم من سطوة مرداويج، فأجابوه جميعهم، فجبى مال ~~كرج، واستأمن إليه شيرزاد، وهو من أعيان قواد الديلم، فقويت نفسه بذلك، ~~وسار بهم عن كرج إلى أصبهان، وبها المظفر بن ياقوت، في نحو من عشرة آلاف ~~مقاتل، وعلى خراجها أبو علي بن رستم، فأرسل عماد الدولة إليهما يستعطفهما، ~~ويستأذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، ليمضي إلى الحضرة ~~ببغداذ، فلم يجيباه إلى ذلك، وكان أبو علي أشدهما كراهة، فاتفق للسعادة أن ~~أبا علي مات في تلك الأيام، وبرز ابن ياقوت عن أصبهان ثلاثة فراسخ، وكان في ~~أصحابه جيل وديلم مقدار ستمائة رجل، فاستأمنوا إلى عماد الدولة لما بلغهم ~~من كرمه، فضعف قلب ابن ياقوت، وقوي جنان عماد الدولة، فواقعه، واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم ابن ياقوت، واستولى عماد الدولة على أصبهان، وعظم في ~~عيون الناس ; لأنه كان في تسعمائة رجل هزم بهم ما يقارب عشرة آلاف رجل، ~~وبلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه، وخاف على ~~ما بيده من البلاد، (واغتم لذلك غما شديدا) . # PageV07P009 # ذكر استيلاء ابن بويه على أرجان وغيرها، وملك مرداويج أصبهان # لما بلغ خبر الوقعة إلى مرداويج، خاف عماد الدولة بن بويه، فشرع في إعمال ~~الحيلة، فراسله يعاتبه ويستميله، ويطلب منه أن يظهر ms2832 طاعته حتى يمده ~~بالعساكر الكثيرة ; ليفتح بها البلاد، ولا يكلفه سوى الخطبة له في البلاد ~~التي يستولي عليها. # فلما سار الرسول، جهز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبس ابن بويه، ~~وهو مطمئن إلى الرسالة التي تقدمت، فعلم ابن بويه بذلك، فرحل عن أصبهان بعد ~~أن جباها شهرين، وتوجه إلى أرجان، وبها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم أبو بكر ~~من غير قتال، وقصد رامهرمز، واستولى ابن بويه على أرجان في ذي الحجة، ولما ~~سار عن أصبهان دخلها وشمكير وعسكر أخيه مرداويج وملكوها، فلما سمع القاهر ~~أرسل إلى مرداويج قبل خلعه ليمنع أخاه عن أصبهان ويسلمها إلى محمد بن ~~ياقوت، ففعل ذلك ووليها محمد. # وأما ابن بويه فإنه لما ملك أرجان، استخرج منها أموالا فقوي بها، ووردت ~~عليه كتب أبي طالب زيد بن علي النوبندجاني يستدعيه، (ويشير عليه) بالمسير ~~إلى شيراز، ويهون عليه أمر ياقوت وأصحابه، ويعرفه تهوره، واشتغاله بجباية ~~الأموال، وكثرة مئونته ومئونة أصحابه، وثقل وطأتهم على الناس، مع فشلهم ~~وجبنهم، فخاف ابن بويه أن يقصد ياقوتا مع كثرة عساكره وأمواله، ويحصل بين ~~ياقوت وولده، فلم يقبل مشورته، ولم يبرح من مكانه، فعاد أبو طالب وكتب إليه ~~يشجعه، ويعلمه أن مرداويج قد كتب إلى ياقوت يطلب مصالحته، فإن تم ذلك ~~اجتمعا على محاربته، ولم يكن له بهما طاقة، ويقول له: إن الرأي لمن كان في ~~مثل حاله أن يعاجل من بين يديه، ولا ينتظر بهم الاجتماع والكثرة، وأن ~~يحدقوا به من كل جانب، فإنه إذا هزم من بين يديه، خافه الباقون، ولم يقدموا ~~عليه. # ولم يزل أبو طالب يراسله إلى أن سار نحو النوبندجان في ربيع الآخر سنة ~~إحدى # PageV07P010 # وعشرين وثلاثمائة، وقد سبقه إليهما مقدمة ياقوت في نحو ألفي فارس من ~~شجعان أصحابه، فلما وافاهم ابن بويه، لم يثبتوا له لما لقيهم، وانهزموا إلى ~~كركان، وجاءهم ياقوت في جميع أصحابه إلى هذا الموضع، وتقدم أبو طالب إلى ~~وكلائه بالنوبندجان بخدمة ابن بويه، والقيام بما يحتاج إليه، وتنحى هو عن ~~البلد ms2833 إلى بعض القرى، حتى لا يعتقد فيه المواطأة له، فكان مبلغ ما خسر عليه ~~في أربعين يوما مقدار مائتي ألف دينار. # وأنفذ عماد الدولة أخاه ركن الدولة الحسن إلى كازرون وغيرها من أعمال ~~فارس، فاستخرج منها أموالا جليلة، فأنفذ ياقوت عسكرا إلى كازرون، فواقعهم ~~ركن الدولة، فهزمهم وهو في نفر يسير، وعاد غانما سالما إلى أخيه. # ثم إن عماد الدولة انتهى إليه مراسلة مرداويج وأخيه وشمكير إلى ياقوت ~~ومراسلته إليهما، فخاف اجتماعهم، فسار من النوبندجان إلى إصطخر ثم إلى ~~البيضاء، وياقوت يتبعه، وانتهى إلى قنطرة على طريق كرمان، فسبقه ياقوت ~~إليها، ومنعه من عبورها، واضطر إلى الحرب، وذلك في آخر سنة إحدى وعشرين ~~[وثلاثمائة] . # ودخلت سنة اثنتين وعشرين [وثلاثمائة] # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اجتمعت بنو ثعلبة إلى بني أسد القاصدين إلى أرض الموصل ومن ~~معهم من طي، فصاروا يدا واحدة على بني مالك ومن معهم من تغلب، وقرب بعضهم ~~من بعض للحرب، فركب ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان في أهله ~~ورجاله، ومعه أبو الأغر بن سعيد بن حمدان للصلح بينهم، فتكلم أبو الأغر، ~~فطعنه رجل من حزب بني ثعلبة فقتله، فحمل عليهم ناصر الدولة ومن معه، ~~فانهزموا وقتل منهم، وملكت بيوتهم، وأخذ حريمهم وأموالهم، ونجوا على ظهور ~~خيولهم، وتبعهم ناصر الدولة إلى الحديثة، فلما وصلوا إليها لقيهم يأنس غلام ~~مؤنس، وقد ولي الموصل، (وهو مصعد إليها) ، فانضم إليه بنو ثعلبة وبنو أسد، ~~وعادوا إلى ديار ربيعة. # PageV07P011 # وفيها ورد الخبر إلى بغداذ بوفاة تكين الخاصة بمصر، وكان أميرا عليها، ~~فولي مكانه ابنه محمد، وأرسل له القاهر بالله الخلع، وثار الجند بمصر، ~~فقاتلهم محمد وظفر بهم. # وفيها أمر علي بن بليق قبل قبضه، وكاتبه الحسن بن هارون بلعن معاوية بن ~~أبي سفيان وابنه يزيد على المنابر ببغداد، فاضطربت العامة، فأراد علي بن ~~بليق أن يقبض على البربهاري رئيس الحنابلة، وكان يثير الفتن هو وأصحابه، ~~فعلم بذلك فهرب، فأخذ جماعة من أعيان أصحابه، وحبسوا وجعلوا في زورق، ~~وأحدروا ms2834 إلى عمان. # وفيها أمر القاهر بتحريم الخمر والغناء وسائر الأنبذة، ونفى بعض من كان ~~يعرف بذلك إلى البصرة والكوفة، وأما الجواري المغنيات فأمر ببيعهن على أنهن ~~سوذاج لا يعرفن الغناء، ثم وضع من يشتري له كل حاذقة في صنعة الغناء، ~~فاشترى منهن ما أراد بأرخص الأثمان، وكان القاهر مشتهرا بالغناء والسماع، ~~فجعل ذلك طريقا إلى تحصيل غرضه رخيصا، نعوذ بالله من هذه الأخلاق التي لا ~~يرضاها عامة الناس. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد اللغوي في شعبان، وأبو هاشم بن ~~أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي في يوم واحد، ودفنا بمقابر الخيزران. # PageV07P012 # وفيها توفي محمد بن يوسف بن مطر الفربري، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين ~~ومائتين، وهو الذي روي " صحيح البخاري " عنه، (وكان قد سمعه عشرات ألوف من ~~البخاري) ، فلم ينتشر إلا عنه، وهو منسوب إلى فربر بالفاء والراءين ~~المهملتين، وبينهما باء معجمة موحدة، وهي من قرى بخارى. # PageV07P013 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة] ### | 322 - # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة # ذكر استيلاء ابن بويه على شيراز # في هذه السنة ظفر عماد الدولة بن بويه (بياقوت، وملك شيراز، وقد ذكرنا ~~مسير عماد الدولة بن بويه) إلى القنطرة، وسبق ياقوت إليها، فلما وصلها ابن ~~بويه وصده ياقوت عن عبورها، اضطر إلى محاربته، فتحاربا في جمادى الآخرة، ~~وأحضر علي بن بويه أصحابه، ووعدهم (أنه يترجل معهم عند الحرب [ويقاتل ~~كأحدهم] ، ومناهم ووعدهم) الإحسان. وكان من سعادته أن جماعة من أصحابه ~~استأمنوا إلى ياقوت فحين رآهم ياقوت، أمر بضرب رقابهم، فأيقن من مع ابن ~~بويه أنهم لا أمان لهم عنده، فقاتلوا قتال مستقتل. # ثم إن ياقوتا قدم أمام أصحابه رجالة كثيرة يقاتلون بقوارير النفط، ~~فانقلبت الريح في وجوههم، واشتدت، فلما ألقوا النار عادت النار عليهم، ~~فعلقت بوجوههم وثيابهم، فاختلطوا وأكب عليهم أصحاب ابن بويه، فقتلوا أكثر ~~الرجالة، وخالطوا الفرسان فانهزموا، فكانت الدائرة على ياقوت وأصحابه. # فلما انهزم صعد على نشز مرتفع، ونادى في أصحابه الرجعة، فاجتمع إليه نحو ~~أربعة آلاف ms2835 فارس، فقال لهم: اثبتوا، فإن الديلم يشتغلون بالنهب، ويتفرقون، ~~فنأخذهم، فثبتوا معه، فلما رأى ابن بويه ثباتهم، نهى أصحابه عن النهب، ~~وقال: إن عدوكم يرصدكم لتشتغلوا بالنهب، فيعطف عليكم ويكون هلاككم، فاتركوا ~~هذا، وافرغوا من المنهزمين ثم عودوا إليه، ففعلوا ذلك، فلما رأى ياقوت أنهم ~~على قصده، ولى منهزما واتبعه أصحاب ابن بويه، يقتلون ويأسرون ويغنمون الخيل ~~والسلاح. # PageV07P014 # وكان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه في ذلك اليوم من أحسن الناس ~~أثرا، وكان صبيا لم تنبت لحيته، وكان عمره تسع عشرة سنة، ثم رجعوا إلى ~~السواد، فغنموا ووجدوا في سواده برانس لبود عليها أذناب الثعالب، ووجدوا ~~قيودا وأغلالا، فسألوا عنها، فقال أصحاب ياقوت: إن هذه أعدت لكم لتجعل ~~عليكم، ويطاف بكم في البلاد، فأشار أصحاب ابن بويه أن يفعل بهم (مثل ذلك) ، ~~فامتنع وقال: إنه بغي، ولؤم ظفر، ولقد لقي ياقوت بغيه. # ثم أحسن إلى الأسارى وأطلقهم، وقال: هذه نعمة، والشكر عليها واجب يقتضي ~~المزيد، وخير الأسارى بين المقام عنده واللحوق بياقوت، فاختاروا المقام ~~عنده، فخلع عليهم وأحسن إليهم. # وسار من موضع الوقعة حتى نزل بشيراز، ونادى في الناس بالأمان، وبث العدل، ~~وأقام لهم شحنة يمنع من ظلمهم، واستولى على تلك البلاد، وطلب الجند ~~أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فكاد ينحل أمره، فقعد في غرفة في دار ~~الإمارة بشيراز يفكر في أمره، فرأى حية خرجت من موضع في سقف تلك الغرفة، ~~ودخلت في ثقب هناك، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين، ففتحوا الموضع، ~~فرأوا وراءه بابا، فدخلوه إلى غرفة أخرى، وفيها عشرة صناديق مملوءة مالا ~~ومصوغا، وكان فيها ما قيمته خمسمائة ألف دينار، فأنفقها، وثبت ملكه بعد أن ~~كان قد أشرف على الزوال. # وحكي أنه أراد أن يفصل ثيابا، فدلوه على خياط كان لياقوت، فأحضره، فحضر ~~خائفا، وكان أصم، فقال له عماد الدولة: لا تخف، فإنما أحضرناك لتفصل ثيابا، ~~فلم يعلم ما قال، فابتدأ وحلف بالطلاق والبراءة من دين الإسلام أن الصناديق ~~التي عنده لياقوت ما فتحها، فتعجب ms2836 الأمير من هذا الاتفاق، فأمره بإحضارها، ~~فأحضر ثمانية صناديق فيها مال وثياب قيمته ثلاثمائة ألف دينار، ثم ظهر له ~~من ودائع ياقوت وذخائر يعقوب وعمرو ابني الليث جملة كثيرة، فامتلأت خزائنه ~~وثبت ملكه. # فلما تمكن من شيراز وفارس، كتب إلى الراضي بالله، وكانت قد أفضت إليه ~~الخلافة، على ما نذكره، وإلى وزيره أبي علي بن مقلة يعرفهما أنه على ~~الطاعة، # PageV07P015 # ويطلب منه أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ~~ذلك، فأنفذوا له الخلع، وشرطوا على الرسول أن لا يسلم إليه الخلع إلا بعد ~~قبض المال. # فلما وصل الرسول، خرج عماد الدولة إلى لقائه، وطلب منه الخلع واللواء، ~~فذكر له الشرط، فأخذهما منه قهرا، ولبس الخلع، ونشر اللواء بين يديه، ودخل ~~البلد، وغالط الرسول بالمال، فمات الرسول عنده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ~~وعظم شأنه، وقصده الرجال من الأطراف. # ولما سمع مرداويج بما ناله من ابن بويه، قام لذلك وقعد وسار إلى أصبهان ~~للتدبير عليه، وكان بها أخوه وشمكير ; لأنه لما خلع القاهر، وتأخر محمد بن ~~ياقوت عنها، عاد إليها وشمكير بعد أن بقيت تسعة عشر يوما خالية من أمير، ~~فلما وصلها مرداويج، رد أخاه وشمكير إلى الري. # ذكر استيلاء نصر بن أحمد على كرمان # في هذه السنة خرج أبو علي محمد بن إلياس من ناحية كرمان إلى بلاد فارس، ~~وبلغ إصطخر، فأظهر لياقوت أنه يريد [أن] يستأمن إليه حيلة ومكرا، فعلم ~~ياقوت مكره، فعاد إلى كرمان، فسير إليه السعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان، ~~ماكان بن كالي في جيش كثيف، فقاتله، فانهزم ابن إلياس، واستولى ماكان على ~~كرمان، نيابة عن صاحب خراسان. # وكان محمد بن إلياس هذا من أصحاب نصر بن أحمد، فغضب عليه وحبسه، ثم شفع ~~فيه محمد بن عبيد الله البلعمي، فأخرجه، وسيره مع محمد بن المظفر إلى ~~جرجان، فلما خرج يحيى بن أحمد وإخوته ببخارى، على ما ذكرناه، سار محمد بن # PageV07P016 # إلياس إليه فصار معه، فلما أدبر أمره سار محمد من نيسابور ms2837 إلى كرمان، ~~فاستولى عليها إلى هذه الغاية، فأزاله ماكان عنها، فسار إلى الدينور، وأقام ~~ماكان بكرمان، فلما عاد عنها - على ما نذكره - رجع إليها محمد بن إلياس. # ذكر خلع القاهر بالله # وفيها خلع القاهر بالله في جمادى الأولى، وكان سبب ذلك أن أبا علي بن ~~مقلة كان مستترا من القاهر، والقاهر يتطلبه، وكذلك الحسن بن هارون، فكانا ~~يراسلان قواد الساجية، والحجرية، ويخوفانهم من شره، ويذكران لهم غدره ونكثه ~~مرة بعد أخرى، كقتل مؤنس، وبليق، وابنه علي بعد الأيمان لهم، وكقبضه على ~~طريف السبكري بعد اليمين له، مع نصح طريف له، إلى غير ذلك. # وكان ابن مقلة يجتمع بالقواد ليلا، تارة في زي أعمى، وتارة في زي مكد، ~~وتارة في زي امرأة، ويغريهم به. # ثم إنه أعطى منجما كان لسيما مائتي دينار، وأعطاه الحسن مائة دينار، وكان ~~يذكر لسيما أن طالعه يقتضي أن ينكبه القاهر ويقتله، (وأعطى ابن مقلة أيضا) ~~لمعبر كان لسيما يعبر له المنامات، فكان يحذره أيضا من القاهر، ويعبر له ~~على ما يريد، فازداد نفورا (من القاهر) . # ثم إن القاهر شرع في عمل مطامير في الدار، فقيل لسيما ولجماعة قواد ~~الساجية والحجرية: إنما عملها لأجلكم، فازدادا نفورا، ونقل إلى سيما أن ~~القاهر يريد قتله، # PageV07P017 # فجمع الساجية، وكان هو رئيسهم المقدم عليهم، وأعطاهم السلاح، وأنفذوا إلى ~~الحجرية: إن كنتم موافقين لنا، فجيئوا إلينا حتى نحلف بعضنا لبعض، وتكون ~~كلمتنا واحدة، فاجتمعوا جميعهم، وتحالفوا على اجتماع الكلمة وقتل من خالف ~~منهم. # فاتصل ذلك بالقاهر ووزيره الخصيبي، فأرسل إليهم الوزير: ما الذي حملكم ~~على هذا؟ فقالوا: قد صح عندنا أن القاهر يريد القبض على سيما، وقد عمل ~~مطامير ليحبس فيها قوادنا ورؤساءنا، فلما كان يوم الأربعاء لست خلون من ~~جمادى الأولى، اجتمع الساجية والحجرية عند سيما، وتحالفوا على الاجتماع على ~~القبض على القاهر، فقال لهم سيما: قوموا بنا الساعة حتى نمضي هذا العزم، ~~فإنه إن تأخر علم به، واحترز وأهلكنا. # وبلغ ذلك الوزير، فأرسل الحاجب سلامة وعيسى الطبيب ليعلماه بذلك، فوجداه ms2838 ~~نائما قد شرب أكثر ليلته، فلم يقدرا على إعلامه بذلك. # وزحف الحجرية والساجية إلى الدار، ووكل سيما بأبوابها من يحفظها، وبقي هو ~~على باب العامة، وهجموا إلى الدار من سائر الأبواب، فلما سمع القاهر ~~الأصوات والجلبة، استيقظ مخمورا، وطلب بابا يهرب منه، فقيل له: إن الأبواب ~~جميعها مشحونة بالرجال، فهرب إلى سطح حمام، فلما دخل القوم لم يجدوه، ~~فأخذوا الخدم وسألوهم عنه، فدلهم عليه خادم صغير، فقصدوه، فرأوه وبيده ~~السيف، فاجتهدوا به فلم ينزل لهم، فألانوا له القول، وقالوا: نحن عبيدك، ~~وإنما نريد أن نأخذ عليك العهود، فلم يقبل منهم، وقال: من صعد إلي قتلته. ~~فأخذ بعضهم سهما، وقال: إن نزلت، وإلا وضعته في نحرك. فنزل حينئذ إليهم، ~~فأخذوه وساروا به إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري، ففتحوه وأخرجوه منه، ~~وحبسوا القاهر مكانه، ثم سلموه، وهرب وزيره الخصيبي وسلامة حاجبه. # وقيل في سبب خلعه وقيام الساجية والحجرية غير ما تقدم، وهو أن القاهر لما ~~تمكن من الخلافة، أقبل ينقص الساجية والحجرية على ممر الأيام، ولا يقضي ~~لأكابرهم حاجة، ويلزمهم النوبة في داره، ويؤخر أعطياتهم، ويغلط لمن يخاطبه ~~منهم في أمر، ويحرمه، فأقبل بعضهم ينذر بعضا، ويتشاكون بينهم، ثم إنه كان ~~يقول لسلامة # PageV07P018 # حاجبه: يا سلامة، أنت بين يدي كنز مال يمشي، فأي شيء يبين في مالك لو ~~أعطيتني ألف ألف دينار؟ فيحمل ذلك منه على الهزل. # وكان وزيره الخصيبي أيضا خائفا لما يرى منه، ثم إنه حفر في الدار نحو ~~خمسين مطمورة تحت الأرض، وأحكم أبوابها، فكان يقال: إنه عملها لمقدمي ~~الساجية والحجرية، فازداد نفورهم منه وخوفهم، ثم إن جماعة من القرامطة ~~أخذوا بفارس وأرسلوا إلى بغداذ، كما تقدم، فحبسوا في تلك المطامير، ثم تقدم ~~سرا بفتح الأبواب عليهم، والإحسان إليهم، وعزم على أن يقوى بهم على القبض ~~على مقدمي الحجرية والساجية، وبمن معه من غلمانه. # وأنكر الحجرية والساجية حال القرامطة، وكونهم معه في داره محسنا إليهم، ~~وقالوا لوزيره الخصيبي، وحاجبه سلامة في ذلك، فقالا له، فأخرجهم من الدار، ~~فسلمهم ms2839 إلى محمد بن ياقوت، وهو على شرطة بغداذ، فأنزلهم في دار، وأحسن ~~إليهم، وكان يدخل إليهم من يريد، فعظم استيحاشهم. # ثم صار يذمهم في مجلسه، ويظهر كراهتهم، حتى تبينوا ذلك في وجهه وحركاته ~~معهم، فأظهروا أن لبعض قوادهم عرسا، فاجتمعوا بحجته، وقرروا بينهم ما ~~أرادوا، وافترقوا، وأرسلوا إلى سابور خادم والدة المقتدر، فقالوا له: قد ~~علمت ما فعله بمولاتك، وقد ركبت في موافقته كل عظيم، فإن وافقتنا على ما ~~نحن عليه، وتقدمت إلى الخدم بحفظه، فعفا الله عما سلف منك، وإلا فنحن نبدأ ~~بك، فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنه موافقهم، وكان ابن ~~مقلة مع هذا يصنع عليه ويسعى فيه إلى أن خلع، كما ذكرنا، وكانت خلافته سنة ~~واحدة وستة أشهر وثمانية أيام. # ذكر خلافة الراضي بالله # هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله، ولما قبض القاهر سألوا الخدم عن ~~المكان الذي فيه أبو العباس بن المقتدر، فدلوهم عليه، وكان هو ووالدته ~~محبوسين، فقصدوه، # PageV07P019 # وفتحوا عليه ودخلوا فسلموا عليه بالخلافة، وأخرجوه وأجلسوه على سرير ~~القاهر يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى، ولقبوه بالراضي بالله، ~~وبايعه القواد والناس، وأمر بإحضار علي بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وصدر عن ~~رأيهما فيما يفعله، واستشارهما وأراد علي بن عيسى على الوزارة، فامتنع ~~لكبره، وعجزه، وضعفه، وأشار بابن مقلة. # ثم إن سيما قال للراضي: إن الوقت لا يحتمل أخلاق علي، وابن مقلة أليق ~~بالوقت، فكتب له أمانا وأحضره واستوزره، فلما وزر، أحسن إلى كل من أساء ~~إليه، وأحسن سيرته، وقال: عاهدت الله عند استتاري بذلك، فوفى به، وأحضر ~~الشهود والقضاة، وأرسلهم إلى القاهر ; ليشهدوا عليه بالخلع، فلم يفعل، فسمل ~~من ليلته، فبقي أعمى لا يبصر. # وأرسل ابن مقلة إلى الخصيبي وعيسى المتطبب بالأمان، فظهرا وأحسن إليهما، ~~واستعمل الخصيبي وولاه، واستعمل الراضي بالله على الشرطة بدرا الخرشني، ~~واستعمل ابن مقلة أبا الفضل بن جعفر بن الفرات، في جمادى الأولى، نائبا عنه ~~على سائر العمال بالموصل، وقردى، وبازبدي، وماردين، وطور عبدين، وديار ~~الجزيرة، وديار ms2840 بكر، وطريق الفرات، والثغور الجزرية والشامية، وأجناد ~~الشام، وديار مصر، يصرف من يرى، ويستعمل من يرى في الخراج، والمعاون، ~~والنفقات، والبريد وغير ذلك. # وأرسل إلى محمد بن رائق يستدعيه ليوليه الحجبة، وكان قد استولى على ~~الأهواز # PageV07P020 # وأعمالها، ودفع عنها ابن ياقوت، (ولم يبق بيد ابن ياقوت) من تلك الولاية ~~إلا السوس، وجنديسابور، وهو يريد المسير إلى أصبهان أميرا عليها، على ما ~~ذكرناه، وكان ذلك آخر أيام القاهر، فلما ولي الراضي، واستحضره، سار إلى ~~واسط، وأرسل محمد بن ياقوت يخطب الحجبة، فأجيب إليها، فسار في أثر ابن ~~رائق، وبلغ ابن رائق الخبر، فلم يقف وسار من واسط مصعدا إلى بغداذ يسابق ~~ابن ياقوت، فلما وصل إلى المدائن، لقيه توقيع الراضي يأمره بترك دخول ~~بغداذ، وتقليده الحرب والمعاون بواسط، مضافا إلى ما بيده من البصرة وغيرها، ~~فعاد منحدرا في دجلة، ولقيه ابن ياقوت مصعدا فيها أيضا، فسلم بعضهم على ~~بعض، وأصعد ابن ياقوت إلى بغداذ فتولى الحجبة على ما نذكره. # ذكر وفاة المهدي صاحب إفريقية، وولاية ولده القائم في هذه السنة في شهر ~~ربيع الأول، توفي المهدي أبو محمد عبيد الله العلوي بالمهدية، وأخفى ولده ~~أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، وكان يخاف أن يختلف الناس عليه إذا ~~علموا بموته، وكان عمر المهدي لما توفي ثلاثا وستين سنة، وكانت ولايته منذ ~~دخل رقادة ودعي له بالإمامة إلى أن توفي أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين ~~يوما. # ولما توفي ملك بعده ابنه أبو القاسم محمد، وكان أبوه قد عهد إليه، ولما ~~أظهر وفاة والده كان قد تمكن وفرغ من جميع ما أراده، واتبع سنة أبيه، وثار ~~عليه جماعة، فتمكن منهم، وكان من أشدهم رجل يقال له ابن طالوت القرشي في ~~ناحية طرابلس، ويزعم أنه ولد المهدي، فقاموا معه، وزحف إلى مدينة طرابلس، ~~فقاتله أهلها، ثم تبين للبربر كذبه، فقتلوه وحملوا رأسه إلى القائم. # وجهز القائم أيضا جيشا كثيفا مع ميسور الفتى إلى المغرب، فانتهى إلى فاس، ~~وإلى تكرور، وهزم خارجيا هناك، وأخذ ولده ms2841 أسيرا، وسير أيضا جيشا في البحر، ~~وقدم # PageV07P021 # عليهم رجلا اسمه يعقوب بن إسحاق إلى بلد الروم، فسبى وغنم في بلد جنوة، ~~وسير جيشا آخر مع خادمه زيدان، وبالغ في النفقة عليهم وتجهيزهم إلى مصر، ~~فدخلوا الإسكندرية، فأخرج إليهم محمد الإخشيد عسكرا كثيفا، فقاتلهم، وهزموا ~~المغاربة، وقتلوا فيهم وأسروا، وعاد المغاربة مفلولين. # ذكر استيلاء مرداويج على الأهواز # لما بلغ مرداويج استيلاء علي بن بويه على فارس، اشتد ذلك عليه، فسار إلى ~~أصبهان للتدبير على ابن بويه، فرأى أن ينفذ عسكرا إلى الأهواز ليستولي ~~عليها، ويسد الطريق على عماد الدولة بن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق ~~إلى الخليفة، ويقصده هم من ناحية أصبهان، ويقصده عسكره من ناحية الأهواز، ~~فلا يثبت لهم. # سارت عساكر مرداويج في شهر رمضان، حتى بلغت إيذج، فخاف ياقوت أن يحصل ~~بينهم وبين ابن بويه، فسار إلى الأهواز (ومعه ابنه المظفر، وكتب إلى الراضي ~~ليقلده أعمال الأهواز) ، فقلده ذلك، وصار أبو عبد الله بن البريدي كاتبه ~~مضافا له إلى ما بيده من أعمال الخراج بالأهواز، وصار أخوه أبو الحسين يخلف ~~ياقوتا ببغداذ. # ثم استولى عسكر مرداويج على رامهرمز، أول شوال من هذه السنة، وساروا نحو ~~الأهواز، فوقف لهم ياقوت على قنطرة أربق، فلم يمكنهم من العبور لشدة جرية ~~الماء، فأقاموا بإزائه أربعين يوما، ثم رحلوا فعبروا على الأطواف نهر ~~المسرقان، فبلغ الخبر إلى ياقوت، وقد أتاه مدد من بغداذ قبل ذلك بيومين، ~~فسار بهم إلى قرية الريخ، وسار منها إلى واسط، وبها حينئذ محمد بن رائق، ~~فأخلى له غربي واسط، فنزل فيه ياقوت. # PageV07P022 # ولما بلغ عماد الدولة استيلاء مرداويج على الأهواز، كاتب نائب مرداويج ~~يستميله، ويطلب منه أن يتوسط الحال بينه وبين مرداويج، (ففعل ذلك، وسعى ~~فيه، فأجابه مرداويج) إلى ذلك على أن يطيعه ويخطب له، فاستقر الحال بينهما، ~~وأهدى له ابن بويه هدية جليلة، وأنفذ أخاه ركن الدولة رهينة، وخطب لمرداويج ~~في بلاده، فرضي مرداويج منه، واتفق أنه قتل على ما نذكره، فقوي أمر ابن ~~بويه. ms2842 # ذكر عود ياقوت إلى الأهواز # ولما وصل ياقوت إلى واسط، أقام بها إلى أن قتل مرداويج، ومعه أبو عبد ~~الله البريدي يكتب له، فلما قتل مرداويج عاد ياقوت إلى الأهواز، واستولى ~~على تلك الولاية، ولما وصل ياقوت إلى عسكر مكرم، بعد قتل مرداويج، كانت ~~عساكر ابن بويه قد سبقته، فالتقوا بنواحي أرجان، وكان ابن بويه قد لحق ~~بأصحابه، واشتد قتالهم بين يديه، فانهزم ياقوت، ولم يفلح بعدها. # وراسل أبو عبد الله البريدي ابن بويه في الصلح، فأجاب إلى ذلك، وكتب به ~~إلى الراضي، فأجاب (إلى ذلك) ، وقرر بلاد فارس على ابن بويه، واستقر ~~بشيراز، واستقر ياقوت بالأهواز ومعه ابن البريدي. # وكان محمد بن ياقوت قد سار إلى بغداذ وتولى الحجبة، وخلع الراضي عليه، ~~وتولى مع الحجبة رئاسة الجيش، وأدخل يده في أمر الدواوين، وتقدم إليهم بأن ~~لا يقبلوا توقيعا بولاية ولا عزل وإطلاق إلا إذا كان خطه عليه، وأمرهم ~~بحضور مجلسه، فصبر أبو علي بن مقلة على ذلك، وألزم نفسه بالمصير إلى دار ~~ياقوت، في بعض الأوقات، وبقي كالمتعطل. # ولقد كان في هذه الأيام القليلة حوادث عظيمة منها: انصراف وشمكير أخي ~~مرداويج عن أصبهان بكتاب القاهر، بعد أن ملكها، واستعمال القاهر محمد بن ~~ياقوت عليها، وخلع القاهر، وخلافة الراضي، وأمر الحجة لمحمد بن رائق، ثم ~~انفساخه، ومسير محمد بن ياقوت من رامهرمز إلى بغداذ، وولايته الحجبة، بعد ~~أن كان سائرا # PageV07P023 # إلى أصبهان ليتولاها، وإعادة مرداويج أخاه وشمكير إليها، وملك علي بن ~~بويه أرجان، هذا جميعه في هذه اللحظة القريبة في سبعين يوما، فتبارك الله ~~الذي بيده الملك والملكوت، يصرف الأمور كيف يشاء، لا إله إلا هو. # ذكر قتل هارون بن غريب # في هذه السنة قتل هارون بن غريب، وكان سبب قتله أنه كان - كما ذكرنا - قد ~~استعمله القاهر على ماه الكوفة، وقصبتها الدينور، وعلى ماسبذان وغيرها، ~~فلما خلع القاهر واستخلف الراضي، رأى هارون أنه أحق بالدولة من غيره ; ~~لقرابته من الراضي، حيث هو ابن خال المقتدر، فكاتب القواد ببغداذ يعدهم ms2843 ~~الإحسان والزيادة في الأرزاق، ثم سار من الدينور إلى خانقين، فعظم ذلك على ~~ابن مقلة وابن ياقوت والحجرية والساجية، واجتمعوا وشكوه إلى الراضي، ~~فأعلمهم أنه كاره له، وأذن لهم في منعه، فراسلوه أولا، وبذلوا له طريق ~~خراسان زيادة على ما في يده، فلم يقنع به، وتقدم إلى النهروان، وشرع في ~~جباية الأموال، وظلم الناس وعسفهم، وقويت شوكته. # فخرج إليه محمد بن ياقوت في سائر جيوش بغداذ، ونزل قريبا منه، ووقعت ~~الطلائع بعضها على بعض، وهرب بعض أصحاب محمد بن ياقوت إلى هارون، وراسله ~~محمد يستميله، ويبذل له، فلم يجب إلى ذلك، وقال: لا بد من دخول بغداذ. # فلما كان (يوم الثلاثاء) لست بقين من جمادى الآخرة، تزاحف العسكران، ~~واشتد القتال، واستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، فانهزم أكثر أصحاب ابن ياقوت ~~ونهب أكثر سوادهم، وكثر فيهم الجراح والقتل، فسار محمد بن ياقوت حتى قطع ~~قنطرة نهر بين، فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفردا عن أصحابه، طمعا ~~في قتل محمد بن # PageV07P024 # ياقوت، أو أسره، فتقنطر به فرسه، فسقط عنه في ساقية، فلحقه غلام له اسمه ~~يمن، فضربه بالطبرزين حتى أثخنه، وكسر عظامه، ثم نزل إليه فذبحه، ثم رفع ~~رأسه وكبر، فانهزم أصحابه وتفرقوا، ودخل بعضهم بغداذ سرا، ونهب سواد هارون، ~~وقتل جماعة من قواده وأسر جماعة. # وسار محمد إلى موضع جثة هارون، فأمر بحملها إلى مضربه، وأمر بغسله ~~وتكفينه، ثم صلى عليه ودفنه، وأنفذ إلى داره من يحفظها من النهب، ودخل ~~بغداذ ورأس هارون بين يديه ورءوس جماعة من قواده، فنصب ببغداذ. # ذكر ظهور إنسان ادعى النبوة # في هذه السنة ظهر بباسند من أعمال الصغانيان رجل ادعى النبوة، فقصده فوج ~~بعد فوج، واتبعه خلق كثير، وحارب من خالفه، فقتل خلقا كثيرا ممن كذبه، فكثر ~~أتباعه من أهل الشاش خصوصا. # وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده في حوض ملآن ماء، فيخرجها مملوءة ~~دنانير، إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه، فأنفذ إليه أبو علي بن محمد ~~بن المظفر جيشا، فحاربوه وضيقوا عليه، ms2844 وهو فوق جبل عال، حتى قبضوا عليه ~~وقتلوه، وحملوا رأسه إلى أبي علي، وقتلوا خلقا كثيرا ممن اتبعه وآمن به، ~~وكان يدعي أنه متى مات، عاد إلى الدنيا، فبقي بتلك الناحية جماعة كثيرة على ~~ما دعاهم إليه مدة طويلة، ثم اضمحلوا وفنوا. # PageV07P025 # ذكر قتل الشلمغاني وحكاية مذهبه # وفي هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي ~~العزاقر، (وشلمغان التي ينسب إليها قرية بنواحي واسط) . # وسبب ذلك أنه قد أحدث مذهبا غاليا في التشيع والتناسخ، وحلول الإلهية ~~فيه، إلى غير ذلك مما يحكيه، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين بن روح، ~~الذي تسميه الإمامية الباب، متداول وزارة حامد بن العباس، ثم اتصل أبو جعفر ~~الشلمغاني بالمحسن بن أبي الحسن بن الفرات في وزارة أبيه الثالثة، ثم إنه ~~طلب في وزارة الخاقاني، فاستتر وهرب إلى الموصل، فبقي سنين عند ناصر الدولة ~~الحسن بن عبد الله بن حمدان في حياة أبيه عبد الله بن حمدان، ثم انحدر إلى ~~بغداذ واستتر، وظهر عنه ببغداذ أنه يدعي لنفسه الربوبية، وقيل إنه اتبعه ~~على ذلك الحسين بن القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر ~~بالله، وأبو جعفر، وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم بن محمد بن أبي عون، وابن ~~شبيب الزيات، وأحمد بن محمد بن عبدوس، كانوا يعتقدون ذلك فيه، وظهر ذلك ~~عنهم، وطلبوا أيام وزارة ابن مقلة للمقتدر بالله، فلم يجدوا. # PageV07P026 # فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ظهر الشلمغاني، فقبض عليه ~~الوزير ابن مقلة وسجنه، وكبس داره فوجد فيها رقاعا وكتبا ممن يدعي عليه أنه ~~على مذهبه، يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم بعضا، وفيها خط الحسين بن ~~القاسم، فعرضت الخطوط فعرفها الناس، وعرضت على الشلمغاني فأقر أنها خطوطهم، ~~وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام، وتبرأ مما يقال فيه، وأخذ ابن أبي عون، وابن ~~عبدوس معه، وأحضرا معه عند الخليفة، وأمرا بصفعه فامتنعا، فلما أكرها مد ~~ابن عبدوس يده وصفعه، وأما ابن أبي عون فإنه مد ms2845 يده إلى لحيته ورأسه، ~~فارتعدت يده، فقبل لحية الشلمغاني ورأسه، ثم قال: إلهي، وسيدي، ورازقي، ~~فقال له الراضي: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية، فما هذا؟ فقال: وما علي من ~~قول ابن أبي عون، والله يعلم أنني ما قلت له إنني إله قط. # فقال ابن عبدوس: إنه لم يدع الإلهية، وإنما ادعى أنه الباب إلى الإمام ~~المنتظر، مكان ابن روح، وكنت أظن أنه يقول ذلك تقية. # ثم أحضروا عدة مرات، ومعهم الفقهاء، والقضاة، والكتاب، والقواد، وفي آخر ~~الأيام أفتى الفقهاء بإباحة دمه، فصلب ابن الشلمغاني، وابن أبي عون، في ذي ~~القعدة فأحرقا بالنار. # وكان من مذهبه أنه إله الآلهة الحق، وأنه الأول القديم، الظاهر، الباطن، ~~الرازق، التام، المومأ إليه بكل معنى، وكان يقول: إن الله - سبحانه وتعالى ~~- يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل، وإنه خلق الضد ليدل على المضدود، فمن ~~ذلك أنه حل في آدم لما خلقه، وفي إبليسه أيضا، وكلاهما ضد لصاحبه لمضادته ~~إياه في معناه، وإن الدليل على الحق أفضل من الحق، وإن الضد أقرب إلى الشيء ~~من شبهه، وإن الله - عز وجل - إذا حل في جسد ناسوتي، ظهر من القدرة ~~والمعجزة ما يدل على أنه هو، وإنه لما غاب آدم، ظهر اللاهوت في خمسة ~~ناسوتية، كلما غاب منهم واحد، ظهر مكانه # PageV07P027 # آخر، وفي خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتية في إدريس ~~وإبليسه، وتفرقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم، واجتمعت في نوح - عليه السلام - ~~وإبليسه، وتفرقت عند غيبتهما، واجتمعت في هود وإبليسه، وتفرقت بعدهما، ~~واجتمعت في صالح - عليه السلام - وإبليسه عاقر الناقة، وتفرقت بعدهما، ~~واجتمعت في إبراهيم - عليه السلام - وإبليسه نمروذ، وتفرقت لما غابا، ~~واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرقت بعدهما، واجتمعت (في سليمان ~~وإبليسه، وتفرقت بعدهما، واجتمعت) في عيسى وإبليسه، فلما غابا تفرقت في ~~تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه. # ثم إن الله يظهر في كل شيء، وكل معنى، وإنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر ~~بقلبه، فيتصور ms2846 له ما يغيب عنه، حتى كأنه يشاهده، وإن الله اسم لمعنى، وإن ~~من احتاج الناس إليه فهو إله، ولهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلها، ~~وإن كل أحد من أشياعه يقول: إنه رب لمن هو في دون درجته، وإن الرجل منهم ~~يقول: أنا رب لفلان، وفلان رب (لفلان وفلان رب) ربي، حتى يقع الانتهاء إلى ~~ابن أبي العزاقر، فيقول: أنا رب الأرباب، لا ربوبية بعده. # ولا ينسبون الحسن والحسين - رضي الله عنهما - إلى علي - كرم الله وجهه ; ~~لأن من اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولد ولا والد، وكانوا يسمون موسى ~~ومحمدا - صلى الله عليه وسلم - الخائنين ; لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى، ~~وعليا أرسل محمدا، فخاناهما، ويزعمون أن عليا أمهل محمدا عدة سني أصحاب ~~الكهف، فإذا انقضت هذه العدة وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، انتقلت الشريعة، ~~ويقولون: إن الملائكة كل من ملك # PageV07P028 # نفسه وعرف الحق، وإن الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم ~~والعدول عن مذهبهم. ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا ~~يتناكحون بعقد، ويبيحون الفروج، ويقولون: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، ونفوسهم أبية، فأمرهم بالسجود، وإن ~~الحكمة الآن أن يمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم، وإنه يجوز أن يجامع ~~الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وحرم صديقه وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، ~~وإنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، ومن امتنع من ذلك ~~قلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأة، إذ كان مذهبهم التناسخ، ~~وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا. # وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيرية، ولعلها هي هي، فإن النصيرية ~~يعتقدون في ابن الفرات، ويجعلونه رأسا في مذهبهم. # وكان الحسين بن القاسم بالرقة، فأرسل الراضي بالله إليه، فقتل آخر ذي ~~القعدة، وحمل رأسه إلى بغداذ. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أرسل محمد بن ياقوت حاجب الخليفة رسولا إلى أبي طاهر ~~القرمطي يدعوه إلى طاعة ms2847 الخليفة، ليقره على ما بيده من البلاد، ويقلده بعد ~~ذلك ما شاء من البلدان، ويحسن إليه، ويلتمس منه أن يكف عن الحاج جميعهم، ~~وأن يرد الحجر الأسود إلى موضعه بمكة، فأجاب أبو طاهر إلى أنه لا يتعرض ~~للحاج، ولا يصيبهم بمكروه، ولم يجب إلى رد الحجر الأسود إلى مكة، وسأل أن ~~يطلق له الميرة من البصرة ليخطب في أعمال هجر، فسار الحاج إلى مكة وعاد ولم ~~يتعرض لهم القرامطة. # PageV07P029 # وفيها في ذي القعدة عزم محمد بن ياقوت على المسير إلى الأهواز ; لمحاربة ~~عسكر مرداويج، فتقدم إلى الجند الحجرية والساجية بالتجهز للمسير معه، وبذل ~~مالا يتجهزون به، فامتنعوا وتجمعوا وقصدوا دار محمد بن ياقوت، فأغلظ لهم في ~~الخطاب، فسبوا، ورموا داره بالحجارة، ولما كان الغد قصدوا داره أيضا، ~~وأغلظوا له في الخطاب، وقاتلوا من بداره من أصحابه، فرماهم أصحابه وغلمانه ~~بالنشاب، فانصرفوا وبطلت الحركة إلى الأهواز. # وفيها سار جماعة من أصحاب أبي طاهر القرمطي إلى نواحي توج في مراكب، ~~وخرجوا منها إلى تلك الأعمال، فلما بعدوا عن المراكب، أرسل الوالي في ~~البلاد إلى المراكب وأحرقها، وجمع الناس وحارب القرامطة، فقتل بعضا، وأسر ~~بعضا فيهم ابن الغمر، وهو من أكابر دعاتهم، وسيرهم إلى بغداذ (أيام القاهر) ~~، فدخلوها مشهورين، وسجنوا، وكان من أمرهم ما ذكرناه في خلع القاهر. # وفيها قتل القاهر بالله إسحاق بن إسماعيل النوبختي، وهو الذي أشار ~~باستخلافه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وقتل أيضا أبا السرايا بن حمدان، ~~وهو أصغر ولد أبيه، وسبب قتلهما أنه أراد أن يشتري مغنيتين قبل أن يلي ~~الخلافة، فزاد عليه في ثمنهما، فحقد ذلك عليهما، فلما أراد قتلهما ~~استدعاهما للمنادمة، فتزينا وتطيبا، وحضرا عنده، فأمر بإلقائهما إلى بئر في ~~الدار وهو حاضر، فتضرعا وبكيا، فلم يلتفت إليهما وألقاهما فيها وطمها ~~عليهما. # وفيها أحضر أبو بكر بن مقسم ببغداذ في دار سلامة الحاجب، وقيل له إنه قد ~~ابتدع قراءة لم تعرف، وأحضر ابن مجاهد والقضاة والقراء وناظروه، فاعترف ~~بالخطأ وتاب منه، وأحرقت كتبه. # PageV07P030 # وفيها سار الدمستق ms2848 قرقاش في خمسين ألفا من الروم، فنازل ملطية وحصرها مدة ~~طويلة، وهلك أكثر أهلها بالجوع، وضرب خيمتين على إحداهما صليب، وقال: من ~~أراد النصرانية، انحاز إلى خيمة الصليب ليرد عليه أهله وماله، ومن أراد ~~الإسلام، انحاز إلى الخيمة الأخرى، وله الأمان على نفسه، ونبلغه مأمنه، ~~فانحاز أكثر المسلمين إلى الخيمة التي عليها الصليب، طمعا في أهليهم ~~وأموالهم، وسير مع الباقين بطريقا يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان مستهل ~~جمادى الآخرة يوم الأحد، وملكوا سميساط، وخربوا الأعمال وأكثروا القتل، ~~وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد في أيديهم. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الفقيه الجرجاني ~~الإستراباذي وأبو علي الروذباري الصوفي، واسمه محمد بن أحمد بن القاسم، ~~(وقيل: توفي سنة ثلاث وعشرين) [وثلاثمائة] . وفيها توفي خير بن عبد الله ~~النساج الصوفي من أهل سامرا، وكان من الأبدال، ومحمد بن علي بن جعفر أبو ~~بكر الكتاني الصوفي المشهور، وهو من # PageV07P031 # أصحاب الجنيد، وأبي سعيد الخراز، (الخراز: بالخاء المعجمة والراء والزاي) ~~. # PageV07P032 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة] ### | 323 - # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة # ذكر قتل مرداويج # في هذه السنة قتل مرداويج (الديلمي صاحب بلاد الجبل وغيرها) . # وكان سبب قتله أنه كان كثير الإساءة للأتراك، وكان يقول: إن روح سليمان ~~بن داود - عليه السلام - حلت فيه، وإن الأتراك هم الشياطين والمردة، فإن ~~قهرهم وإلا أفسدوا، فثقلت وطأته عليهم وتمنوا هلاكه. # فلما كان ليلة الميلاد من هذه السنة، وهي ليلة الوقود، أمر بأن يجمع ~~الحطب من الجبال والنواحي، وأن يجعل على جانبي الوادي المعروف بزندروذ ~~كالمنابر والقباب العظيمة، ويعمل مثل ذلك على الجبل المعروف بكريم كوه ~~المشرف على أصبهان، من أسفله إلى أعلاه، بحيث إذا اشتعلت تلك الأحطاب، يصير ~~الجبل كله نارا، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك، وأمر فجمع ~~له النفط ومن يلعب به، وعمل من الشموع ما لا يحصى، وصيد له من الغربان ~~والحدأ زيادة على ألفي طائر ليجعل في أرجلها النفط وترسل لتطير بالنار في ~~الهواء، وأمر ms2849 بعمل سماط عظيم كان من جملة ما فيه: مائة فرس، ومائتان من ~~البقر مشوية صحاحا، سوى ما شوي من الغنم، فإنها كانت ثلاثة آلاف رأس، سوى ~~المطبوخ، وكان فيه من الدجاج وغيره من أنواع الطير زيادة على عشرة آلاف ~~عدد، وعمل من ألوان الحلواء ما لا يحد، وعزم على أن يجمع الناس على ذلك ~~السماط، فإذا فرغوا قام إلى مجلس الشراب ويشعل النيران فيتفرج. # PageV07P033 # فلما كان آخر النهار، ركب وحده وغلمانه رجالة، وطاف بالسماط ونظر إليه ~~وإلى تلك الأحطاب، فاستحقر الجميع لسعة الصحراء، فتضجر وغضب، ولعن من صنعه ~~ودبره، فخافه من حضر، فعاد ونزل ودخل خركاة له فنام، فلم يجسر أحد [أن] ~~يكلمه. # واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم، وأرجفوا عليه، فمن قائل إنه غضب لكثرته ; ~~لأنه كان بخيلا، ومن قائل إنه قد اعتراه جنون، وقيل بل أوجعه فؤاده، وقيل ~~غير ذلك، وكادت الفتنة تثور. # وعرف العميد وزيره صورة الحال، فأتاه ولم يزل حتى استيقظ وعرفه ما الناس ~~فيه، فخرج وجلس على الطعام، وأكل ثلاث لقم، ثم قام ونهب الناس الباقي، ولم ~~يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، وبقي في معسكره بظاهر أصبهان ثلاثة أيام لا ~~يظهر. # فلما كان اليوم الرابع، تقدم بإسراج الدواب ليعود من منزلته (إلى داره ~~بأصبهان) ، فاجتمع ببابه خلق كثير، وبقيت الدواب مع الغلمان، وكثر صهيلها ~~ولعبها، والغلمان يصيحون بها لتسكن من الشغب، وكانت مزدحمة، فارتفع من ~~الجميع أصوات هائلة. # وكان مرداويج نائما، فاستيقظ، فصعد فنظر فرأى، فسأل فعرف الحال، فازداد ~~غضبا، وقال: أما كفى من خرق الحرمة ما فعلوه في ذلك الطعام، وما أرجفوا به، ~~حتى انتهى أمري إلى هؤلاء الكلاب؟ ثم سأل عن أصحاب الدواب، فقيل: إنها ~~للغلمان الأتراك، وقد نزلوا إلى خدمتك، فأمر أن تحط السروج عن الدواب وتجعل ~~على ظهور أصحابها الأتراك، ويأخذوا بأرسان الدواب إلى الإسطبلات، # PageV07P034 # ومن امتنع من ذلك، ضربه الديلم بالمقارع حتى يطيع، ففعلوا ذلك بهم، وكانت ~~صورة قبيحة، يأنف منها أحقر الناس. # ثم ركب هو بنفسه مع خاصته، وهو يتوعد الأتراك، ms2850 حتى صار إلى داره قرب ~~العشاء، وكان قد ضرب قبل ذلك جماعة من أكابر الغلمان الأتراك، فحقدوا عليه ~~وأرادوا قتله، فلم يجدوا أعوانا، فلما جرت هذه الحادثة انتهزوا الفرصة، ~~وقال بعضهم: ما وجه صبرنا على هذا الشيطان؟ فاتفقوا وتحالفوا على الفتك به، ~~فدخل الحمام، وكان كورتكين يحرسه في خلواته وحمامه، فأمره ذلك اليوم أن لا ~~يتبعه، فتأخر عنه مغضبا، وكان هو الذي يجمع الحرس، فلشدة غضبه لم يأمر أحدا ~~أن يحضر حراسته، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. # وكان له أيضا خادم أسود يتولى خدمته بالحمام، فاستمالوه فمال إليهم، ~~فقالوا للخادم: ألا يحمل معه سلاحا؟ ، وكانت العادة أن يحمل معه خنجرا طوله ~~نحو ذراع ملفوفا في منديل، فلما قالوا ذلك للخادم قال: ما أجسر؛ فاتفقوا ~~على أن كسروا حديد الخنجر، وتركوا النصاب في الغلاف بغير حديد، فلفوه في ~~المنديل كما جرت العادة لئلا ينكر الحال. # فلما دخل مرداويج الحمام، فعل الخادم ما قيل له، وجاء خادم آخر وهو أستاذ ~~داره، (فجلس على باب الحمام، فهجم الأتراك إلى الحمام، فقام أستاذ داره) ~~ليمنعهم، وصاح بهم، فضربه بعضهم بالسيف فقطع يده، فصاح بالأسود وسقط، وسمع ~~مرداويج الضجة، فبادر إلى الخنجر ليدفع به عن نفسه، فوجده مكسورا، فأخذ ~~سريرا من خشب كان يجلس عليه إذا اغتسل، فترس به باب الحمام من داخل، ودفع ~~الأتراك الباب، فلم يقدروا على فتحه، فصعد بعضهم إلى السطح، وكسروا ~~الجامات، ورموه بالنشاب، فدخل البيت الحار، وجعل يتلطفهم ويحلف لهم على ~~الإحسان، فلم يلتفتوا إليه، وكسروا باب الحمام ودخلوا عليه فقتلوه. # PageV07P035 # وكان الذين ألبوا الناس عليه وشرعوا في قتله توزون، وهو الذي صار أمير ~~العساكر ببغداذ وياروق، وابن بغرا، ومحمد بن ينال الترجمان، ووافقهم بجكم، ~~وهو الذي ولي أمر العراق قبل توزون، وسيرد ذكر ذلك، إن شاء الله تعالى. ~~فلما قتلوه بادروا فأعلموا أصحابهم، فركبوا ونهبوا قصره وهربوا، ولم يعلم ~~بهم الديلم ; لأن أكثرهم كانوا قد دخلوا المدينة ليلحق بهم، وتخلف الأتراك ~~معه لهذا السبب. # فلما علم الديلم والجيل، ms2851 ركبوا في أثرهم، فلم يلحقوا منهم إلا نفرا يسيرا ~~وقفت دوابهم، فقتلوهم، وعادوا لينهبوا الخزائن، فرأوا العميد قد ألقى النار ~~فيها، فلم يصلوا إليها، فبقيت بحالها. # ومن عجب ما يحكى أن العساكر (في ذلك اليوم لما رأوا غضب مرداويج) ، قعدوا ~~يتذاكرون ما هم فيه معه من الجور، وشدة عتوه، وتمرده عليهم، ودخل بينهم رجل ~~شيخ لا يعرفه منهم أحد، وهو راكب، فقال: قد زاد أمر هذا الكافر، واليوم ~~تكفنونه ويأخذه الله، ثم سار، فلحقت الجماعة دهشة، ونظر بعضهم في وجوه بعض، ~~ومر الشيخ، فقالوا: المصلحة أننا نتبعه ونأخذه ونستعيده الحديث، لئلا يسمع ~~مرداويج ما جرى، فلا نلقى منه خيرا، فتبعوه فلم يروا أحدا. # وكان مرداويج قد تجبر قبل أن يقتل وعتا، وعمل له كرسيا من ذهب يجلس عليه، ~~وعمل كراسي من فضة يجلس عليها أكابر قواده، وكان قد عمل تاجا مرصعا على صفة ~~تاج كسرى، وقد عزم على قصد العراق والاستيلاء عليه، وبناء المدائن ودور ~~كسرى ومساكنه، وأن يخاطب إذا فعل ذلك بشاهنشاه، فأتاه أمر الله وهو غافل ~~عنه، واستراح الناس من شره، ونسأل الله تعالى أن يريح الناس من كل ظالم ~~سريعا. ولما قتل مرداويج، اجتمع أصحابه الديلم والجيل وتشاوروا، وقالوا: إن ~~بقينا بغير رأس هلكنا، فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير بن زيار، وهو والد ~~قابوس، وكان بالري، فحملوا تابوت مرداويج وساروا نحو الري، فخرج من بها من ~~أصحابه مع أخيه وشمكير، # PageV07P036 # فالتقوه على أربعة فراسخ مشاة حفاة، وكان يوما مشهودا. # وأما أصحابه الذين كانوا بالأهواز وأعمالها، فإنهم لما بلغهم الخبر ~~كتموه، وساروا نحو الري، فأطاعوا وشمكير أيضا، واجتمعوا عليه. # ولما قتل مرداويج، كان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده، كما ذكرناه، فبذل ~~للموكلين مالا فأطلقوه، فخرج إلى الصحراء ليفك قيوده، فأقبلت بغال عليها ~~تبن، وعليها أصحابه وغلمانه، فألقي التبن، وكسر أصحابه قيوده وركبوا ~~الدواب، ونجوا إلى أخيه عماد الدولة بفارس. # ذكر ما فعله الأتراك بعد قتله # لما قتل الأتراك مرداويج، هربوا وافترقوا فرقتين، ففرقة سارت إلى عماد ~~الدولة ms2852 بن بويه (مع خجخج الذي سلمه توزون فيما بعد، وسنذكره) . # وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم، وهي أكثرها، فجبوا خراج الدينور وغيرها، ~~وساروا إلى النهروان، فكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداذ، فأذن لهم، ~~فدخلوا بغداذ، فظن الحجرية أنها حيلة عليهم، فطلبوا رد الأتراك إلى بلد ~~الجبل، فأمرهم ابن مقلة بذلك، وأطلق لهم مالا، فلم يرضوا به، وغضبوا، ~~فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط، وله البصرة أيضا، فاستدعاهم فمضوا إليه، وقدم ~~عليهم بجكم، وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج، فكاتبهم، ~~فأتاه منهم عدة وافرة، فأحسن إليهم، وخلع عليهم وإلى بجكم خاصة، وأمره أن ~~يكتب إلى الناس بجكم الرائقي، فأقام عنده، وكان من أمرهما ما نذكره. # ذكر حال وشمكير بعد قتل أخيه # وأما وشمكير فإنه لما قتل أخوه، وقصدته العساكر التي كانت لأخيه وأطاعته، ~~وأقام بالري، فكتب الأمير نصر بن أحمد الساماني إلى أمير جيشه بخراسان محمد ~~بن المظفر بن محتاج، بالمسير إلى قومس، وكتب إلى ماكان بن كالي، وهو ~~بكرمان، بالمسير عنها إلى محمد بن المظفر ; ليقصدوا جرجان والري. # PageV07P037 # فسار ماكان إلى الدامغان على المفازة، فتوجه إليه بانجين الديلمي من ~~أصحاب وشمكير في جيش كثيف، واستمد ماكان محمد بن المظفر، وهو ببسطام، فأمده ~~بجمع كثير أمرهم بترك المحاربة إلى أن يصل إليهم، فخالفوه وحاربوا بانجين، ~~فلم يتعاونوا وتخاذلوا (فهزمهم بانجين) فرجعوا إلى محمد بن المظفر، وخرجوا ~~إلى جرجان، فسار إليهم بانجين ليصدهم عنها، فانصرفوا إلى نيسابور وأقاموا ~~بها وجعلت ولايتها لماكان بن كالي وأقام بها، وكان ذلك آخر سنة ثلاث وعشرين ~~وأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. # ولما سار ماكان عن كرمان، عاد إليها أبو علي محمد بن إلياس فاستولى ~~عليها، وصفت له بعد حروب له مع جنود نصر بكرمان، وكان الظفر له أخيرا، ~~وسنذكر باقي خبرهم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. # ذكر القبض على ابني ياقوت # في هذه السنة في جمادى الأولى قبض الراضي بالله على محمد والمظفر ابني ~~ياقوت. # وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد قلق ms2853 لتحكم محمد بن ياقوت ~~في المملكة بأسرها، وأنه هو ليس له حكم في شيء، فسعى به إلى الراضي، وأدام ~~السعاية، فبلغ ما أراده. # فلما كان خامس جمادى الأولى، ركب جميع القواد إلى دار الخليفة على ~~عادتهم، وحضر الوزير، وأظهر الراضي أنه يريد [أن] يقلد جماعة من القواد ~~أعمالا، وحضر # PageV07P038 # محمد بن ياقوت للحجبة، ومعه كاتبه أبو إسحاق القراريطي، فخرج الخدم إلى ~~محمد بن ياقوت، فاستدعوه إلى الخليفة، فدخل مبادرا، فعدلوا به إلى حجرة ~~هناك، فحبسوه فيها ثم استدعوا القراريطي، فدخل فعدلوا به إلى حجرة (أخرى، ~~ثم استدعوا المظفر بن ياقوت من بيته، وكان مخمورا، فحضر) ، فحبسوه أيضا. # وأنفذ الوزير أبو علي بن مقلة إلى دار محمد يحفظها من النهب، وكان ياقوت ~~حينئذ مقيما بواسط، فلما بلغه القبض على ابنيه، انحدر يطلب فارس ليحارب ابن ~~بويه، وكتب إلى الراضي يستعطفه، ويسأله إنفاذ ابنيه ليساعداه على حروبه، ~~فاستبد ابن مقلة بالأمر. # ذكر حال البريدي # وفيها قوي أمر عبد الله البريدي، وعظم شأنه. # وسبب ذلك أنه كان ضامنا أعمال الأهواز، فلما استولى عليها، عسكر مرداويج ~~وانهزم ياقوت، كما ذكرنا، عاد البريدي إلى البصرة، وصار يتصرف في أسافل ~~أعمال الأهواز، مضافا إلى كتابة ياقوت، وسار إلى ياقوت فأقام معه بواسط. # فلما قبض على ابني ياقوت، كتب ابن مقلة إلى ابن البريدي يأمره أن يسكن ~~ياقوتا، ويعرفه أن الجند اجتمعوا وطلبوا القبض على ولديه، فقبضا تسكينا ~~للجند، وأنهما يسيران إلى أبيهما عن قريب، وأن الرأي أن يسير هو لفتح فارس، ~~فسار ياقوت من واسط على طريق السوس، وسار البريدي على طريق الماء إلى ~~الأهواز، وكان إلى أخويه أبي الحسين وأبي يوسف ضمان السوس وجند يسابور، ~~وادعيا أن دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين [وثلاثمائة] أخذه عسكر مرداويج، ~~وأن دخل سنة ثلاث وعشرين [وثلاثمائة] لا يحصل منه شيء ; لأن نواب مرداويج ~~ظلموا الناس، فلم يبق لهم ما يزرعونه. # وكان الأمر بضد ذلك في السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة، فأنفذ نائبا ~~له ليحقق # PageV07P039 # الحال، فواطأ ابني البريدي، ms2854 وكتب يصدقهم، فحصل لهم بذلك مال عظيم، وقويت ~~حالهم، وكان مبلغ ما أخذوه أربعة آلاف ألف دينار. # وأشار ابن البريدي على ياقوت بالمسير إلى أرجان لفتح فارس، وقام هو ~~بجباية الأموال من البلاد، فحصل منها ما أراد، فلما سار ياقوت إلى فارس (في ~~جموعه) لقيه ابن بويه بباب أرجان، فانهزم أصحاب ياقوت وبقي إلى آخرهم، ثم ~~انهزم وسار ابن بويه خلفه إلى رامهرمز، وسار ياقوت إلى عسكر مكرم، وأقام ~~ابن بويه برامهرمز إلى أن وقع الصلح بينهما. # ذكر فتنة الحنابلة ببغداذ # وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد ~~والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة ~~الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا ~~رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب ~~الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداذ. # فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي ~~بغداذ، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا ~~يتناظروا في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، ~~واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي ~~المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت. # فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبخهم ~~باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة ~~السمجة على مثال رب # PageV07P040 # العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين ~~والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، ~~تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار ~~الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد - صلى الله عليه وسلم - (إلى الكفر والضلال، ~~ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا ~~يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها ~~بالابتداع) ، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر ms2855 رجل من العوام ليس بذي ~~شرف ولا نسب، (ولا سبب) برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتأمرون ~~بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانا ~~زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه. # وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا ~~عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، ~~وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم. # ذكر قتل أبي العلاء بن حمدان # وفيها قتل ناصر الدولة أبو محمد بن عبد الله بن حمدان عمه أبا العلاء بن ~~حمدان. # وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة سرا، وكان ~~بها ناصر الدولة ابن أخيه أميرا، فسار عن بغداذ في خمسين رجلا، وأظهر أنه ~~متوجه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه، فلما وصل إلى الموصل، خرج ابن أخيه ~~إلى تلقيه، وقصد مخالفة طريقه، فوصل أبو العلاء، ودخل دار ابن أخيه، وسأل ~~عنه فقيل: إنه خرج إلى لقائك، فقعد ينتظره، فلما علم ناصر الدولة بمقامه في ~~الدار، أنفذ جماعة من غلمانه، فقبضوا عليه، ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه. # PageV07P041 # ذكر مسير ابن مقلة إلى الموصل، وما كان بينه وبين ناصر الدولة # لما قتل ناصر الدولة عمه أبا العلاء واتصل خبره بالراضي، عظم ذلك عليه ~~وأنكره، وأمر ابن مقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في العساكر في ~~شعبان، فلما قاربها، رحل عنها ناصر الدولة بن حمدان، ودخل الزوزان، وتبعه ~~الوزير إلى جبل التنين، ثم عاد عنه وأقام بالموصل يجبي مالها. # ولما طال مقامه بالموصل، احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير، وكان ~~ينوب عنه في الوزارة ببغداذ، فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه ~~يستدعيه، فكتب إليه يقول: إن الأمور بالحضرة قد اختلت، وإن تأخر لم يأمن ~~حدوث ما يبطل به أمرهم، فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل علي بن خلف ~~بن طياب وماكرد الديلمي، وهو من الساجية، وانحدر إلى بغداذ منتصف شوال. # فلما فارق الموصل، عاد إليها ناصر الدولة بن ms2856 حمدان، فاقتتل هو وماكرد ~~الديلمي، فانهزم ابن حمدان، ثم عاد وجمع عسكرا آخر، فالتقوا على نصيبين في ~~ذي الحجة، فانهزم ماكرد إلى الرقة، وانحدر منها إلى بغداذ، وانحدر أيضا ابن ~~طياب، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد، وكتب إلى الخليفة يسأله ~~الصفح، وأن يضمن البلاد، فأجيب إلى ذلك واستقرت البلاد عليه. # PageV07P042 # ذكر فتح جنوة وغيرها # في هذه السنة سير القائم العلوي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية ~~الفرنج، ففتحوا مدينة جنوة، ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها، وأحرقوا مراكب ~~كثيرة، ومروا بقرقيسيا، فأحرقوا مراكبها وعادوا سالمين. # ذكر القرامطة # في هذه السنة خرج الناس إلى الحج، فلما بلغوا القادسية اعترضهم أبو طاهر ~~القرمطي ثاني عشر ذي القعدة، فلم يعرفوه، فقاتله أصحاب الخليفة، وأعانهم ~~الحجاج، ثم التجئوا إلى القادسية، فخرج جماعة من العلويين بالكوفة إلى أبي ~~طاهر، فسألوه أن يكف عن الحجاج، فكف عنهم، وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداذ، ~~فرجعوا، ولم يحج بهذه السنة من العراق أحد، وسار أبو طاهر إلى الكوفة فأقام ~~بها عدة أيام ورحل عنها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في المحرم قلد الراضي بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ~~ناحيتي المشرق والمغرب مما بيده، وكتب بذلك إلى البلاد. # وفيها في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة، وهي الليلة التي أوقع القرمطي ~~بالحجاج، انقضت الكواكب من أول الليل إلى آخره انقضاضا دائما مسرفا جدا لم ~~يعهد مثله. # PageV07P043 # وفيها مات أبو بكر محمد بن ياقوت في الحبس بنفث الدم، فأحضر القاضي ~~والشهود (وعرض عليهم) ، فلم يروا به أثر ضرب ولا خنق، وجذبوا شعره فلم يكن ~~مسموما، فسلم إلى أهله، وأخذوا ماله وأملاكه ومعامليه ووكلاءه وكل من ~~يخالطه. # وفيها كان بخراسان غلاء شديد، ومات من أهلها خلق كثير من الجوع، فعجز ~~الناس عن دفنهم، فكانوا يجمعون الغرباء والفقراء في دار إلى أن يتهيأ لهم ~~تكفينهم ودفنهم. # وفيها جهز عماد الدولة بن بويه أخاه ركن الدولة الحسن إلى بلاد الجبل، ~~وسير معه العساكر بعد عوده لما قتل مرداويج، فسار إلى أصبهان، ms2857 فاستولى ~~عليها، وأنزل عنها وعن عدة من بلاد الجبل نواب وشمكير، وأقبل وشمكير وجهز ~~العساكر نحوه، وبقي هو وشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي أصبهان وهمذان، ~~وقم، وقاجان، وكرج، والري، وكنكور، وقزوين وغيرها. # وفيها في آخر جمادى الآخرة، شغب الجند ببغداذ، وقصدوا دار الوزير أبي علي ~~بن مقلة وابنه، وزاد شغبهم، فمنعهم أصحاب ابن مقلة، فاحتال الجند ونقبوا ~~دار الوزير من ظهرها ودخلوها، وملكوها وهرب الوزير وابنه إلى الجانب ~~الغربي، فلما سمع الساجية بذلك، ركبوا إلى دار الوزير، ورفقوا بالجند ~~فردوهم، وعاد الوزير وابنه إلى منازلهما. # واتهم الوزير بإثارة هذه الفتنة بعض أصحاب ابن ياقوت، فأمر فنودي أن لا ~~يقيم أحد منهم بمدينة السلام، ثم عاود الجند الشغب حادي عشر ذي الحجة، ~~ونقبوا دار الوزير عدة نقوب، فقاتلهم غلمانه ومنعوهم، فركب صاحب الشرطة، ~~وحفظ السجون حتى لا تفتح، ثم سكنوا من الشغب. # (وفي هذه السنة أطلق المظفر بن ياقوت من حبس الراضي بالله بشفاعة الوزير ~~ابن مقلة، وحلف للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه، ولا يسعى له ولا لولده ~~بمكروه، فلم يف له (ولا لولده) ووافق الحجرية عليه، فجرى في حقه ما يكره. # PageV07P044 # وكان المظفر حقد على الوزير حين قتل أخوه لأنه اتهمه أنه سمه) . # (وفيها أرسل ابن مقلة رسولا إلى محمد بن رائق بواسط، وكان قد قطع الحمل ~~عن الخليفة، فطالبه بارتفاع البلاد، واسط والبصرة وما بينهما، فأحسن إلى ~~الرسل وردهم برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة مغالطة، وأخرى باطنة إلى الخليفة ~~الراضي بالله وحده، مضمونها أنه إن استدعي إلى الحضرة وفوضت إليه الأمور ~~وتدبير الدولة، قام بكل ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند، فلما ~~سمع الخليفة الرسالة، لم يعد إليه جوابها. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس الهذلي من ~~ولد عتبة بن مسعود بالكوفة، وهو من نيسابور. وإبراهيم بن محمد بن عرفة ~~المعروف بنفطويه النحوي، وله مصنفات، وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة. # PageV07P045 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة] ### | 324 ms2858 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة # ذكر القبض على ابن مقلة ووزارة عبد الرحمن بن عيسى # لما عاد الرسل من عند ابن رائق بغير مال، رأى الوزير أن يسير ابنه، ~~فتجهز، وأظهر أنه يريد الأهواز، فلما كان منتصف جمادى الأولى، حضر الوزير ~~دار الراضي لينفذ رسولا إلى ابن رائق يعرفه عزمه على قصد الأهواز ; لئلا ~~يستوحش لحركته فيحتاط، فلما دخل الدار، قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية، ~~وكان المظفر قد أطلق من محبسه على ما نذكره. # ووجهوا إلى الراضي يعرفونه ذلك، فاستحسن فعلهم، واختفى أبو الحسين بن أبي ~~علي بن مقلة وسائر أولاده وحرمه وأصحابه، وطلب الحجرية والساجية من الراضي ~~أن يستوزر وزيرا، فرد الاختيار إليهم، فأشاروا بوزارة علي بن عيسى، فأحضره ~~الراضي للوزارة، فامتنع وأشار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره، وسلم إليه ابن ~~مقلة فصادره وصرف بدرا الخرشني عن الشرطة، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية ~~الأمور وضاق عليه، فاستعفى [من] الوزارة. # ذكر القبض على عبد الرحمن ووزارة أبي جعفر الكرخي # لما ظهر عجز عبد الرحمن للراضي ووقوف الأمور، قبض عليه وعلى أخيه علي بن ~~عيسى، فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار. # PageV07P046 # ذكر قتل ياقوت # وفي هذه السنة قتل ياقوت بعسكر مكرم. # وكان سبب قتله ثقته بأبي عبد الله البريدي فخانه، وقابل إحسانه بالإساءة ~~على ما نذكره. # وقد ذكرنا أن أبا عبد الله ارتسم بكتابة ياقوت مع ضمان الأهواز، فلما كتب ~~إليه، وثق به وعول على ما يقوله، وكان إذا قيل له شيء في أمره وخوف من شره، ~~يقول: إن أبا عبد الله ليس كما تظنون ; لأنه لا يحدث نفسه بالإمرة وقود ~~العساكر، وإنما غايته الكتابة، فاغتر بهذا منه. # وكان - رحمه الله - سليم القلب، حسن الاعتقاد، فلهذا لم يخرج عن طاعة ~~الخليفة حين قبض على ولديه بل دام على الوفاء. # فأما حاله مع البريدي، فإنه لما عاد مهزوما من عماد الدولة بن بويه إلى ~~عسكر مكرم، كتب إليه أبو عبد الله أن يقيم بعسكر ms2859 مكرم ليستريح، ويقع ~~التدبير بعد ذلك، وكان بالأهواز، وهو يكره الاجتماع معه في بلد واحد، فسمع ~~ياقوت قوله وأقام، فأرسل إليه أخاه أبا يوسف البريدي يتوجع له ويهنيه ~~بالسلامة، وقرر القاعدة على أن يحمل له أخوه من مال الأهواز خمسين ألف ~~دينار، واحتج بأن عنده من الجند خلقا كثيرا منهم البربر، والشفيعية، ~~والنازوكية، والبلقية، والهارونية. كان ابن مقلة قد ميز هذه الأصناف من ~~عسكر بغداذ وسيرهم إلى الأهواز ; ليخف عليه مؤونتهم، فذكر أبو يوسف أن ~~هؤلاء متى رأوا المال يخرج عنهم إليك شغبوا، ويحتاج أبو عبد الله إلى ~~مفارقة الأهواز، ثم يصير أمرهم إلى أنهم يقصدونك ولا نعلم كيف يكون الحال، ~~ثم قال له: إن رجالك مع سوء أثرهم يقنعون بالقليل. # PageV07P047 # فصدقه ياقوت فيما قال، وأخذ ذلك المال وفرقه، وبقي عدة شهور لم يصله منه ~~شيء إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين [وثلاثمائة] ، فضاق الرزق على أصحاب ياقوت ~~واستغاثوا، وذكروا ما فيه أصحاب البريدي بالأهواز من السعة، وما هم فيه من ~~الضيق. # وكان قد اتصل بياقوت طاهر الجيلي، وهو من كبار أصحاب ابن بويه، في ~~ثمانمائة رجل، وهو من أرباب المراتب العالية، وممن يسمو إلى معالي الأمور. # وسبب اتصاله به خوفه من ابن بويه أن يقبض عليه خوفا منه، فلما رأى حال ~~ياقوت انصرف عنه إلى غربي تستر، وأراد أن يتغلب على ماه البصرة، وكان معه ~~أبو جعفر الصيمري، وهو كاتبه، فسمع به عماد الدولة بن عماد بن بويه فكبسه، ~~فانهزم هو وأصحابه واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه، وأسر الصيمري، فأطلقه ~~الخياط وزير عماد الدولة بن بويه، فمضى إلى كرمان، واتصل بالأمير معز ~~الدولة أبي الحسن بن بويه، وكان ذلك سبب إقباله. # فلما سار طاهر من عند ياقوت، ضعفت نفسه واستطال عليه أصحابه، فخافهم ~~وراسل البريدي وعرفه ما هو فيه، وأعلمه أن معوله على ما يدبره به، فأنفذ ~~إليه البريدي يقول: إن عسكرك قد فسدوا، وفيهم من ينبغي أن يخرج، والرأي أن ~~ينفذهم إليه ليستصلحهم، فإنه له أشغال تمنعه ms2860 أن يحضر عنده، ولو حضر عنده ~~والجند مجتمعون، لم يتمكن من الانتصاف منهم ; لأنهم يظاهر بعضهم بعضا، وإذا ~~حضروا عنده بالأهواز متفرقين، فعل بهم ما أراد ولا يمكنهم خلافه. # ففعل ذلك ياقوت، وأنفذ أصحابه إليه، فاختار منهم من أراد لنفسه، ورد من ~~لا خير فيه إلى ياقوت، (بعد أن كسرهم وأسقط من أرزاقهم، فقيل ذلك لياقوت) ، ~~فأشير عليه بمعاجلة البريدي قبل أن يستفحل أمره، فلم يلتفت وقال: جعلتهم ~~عنده عدة لي. # PageV07P048 # وأحسن البريدي إلى من عنده من الجند، فقال أصحاب ياقوت له في ذلك، وطلبوا ~~أرزاقهم التي قررها البريدي، فكتب إليه فلم ينفذ شيئا، فراجعه فلم ينفذ ~~شيئا، فسار ياقوت إليه جريدة لئلا يستوحش منه، فلما بلغه ذلك خرج إلى ~~لقائه، وقبل يده وقدمه، وأنزله داره وقام بين يديه، وقدم بنفسه الطعام ~~ليأكل. # وكان قد وضع الجند على إثارة الفتنة، فحضروا الباب وشغبوا واستغاثوا، ~~فسأل ياقوت عن الخبر، فقيل له: إن الجند بالأبواب قد شغبوا، ويقولون: قد ~~اصطلح ياقوت والبريدي، ولا بد لنا من قتل ياقوت، فقال له البريدي: قد ترى ~~ما دفعنا إليه، فانج بنفسك وإلا قتلنا جميعا، فخرج من باب آخر خائفا يترقب، ~~ولم يفاتح البريدي بكلمة واحدة، وعاد إلى عسكر مكرم، فكتب إليه البريدي ~~يقول له: إن العسكر الذين شغبوا قد اجتهدت في إصلاحهم وعجزت عن ذلك، ولست ~~آمنهم أن يقصدوك، وبين عسكر مكرم والأهواز ثمانية فراسخ، والرأي أن تتأخر ~~إلى تستر لتبعد عنهم، وهي حصينة، وكتب له على عامل تستر بخمسين ألف دينار. # فسار ياقوت إليها، وكان له خادم اسمه مؤنس، فقال: أيها الأمير، إن ~~البريدي [يحز مفاصلنا] ويفعل بنا ما ترى، وأنت مغتر به، (وهو الذي وضع ~~الجند بالأهواز حتى فعلوا ذلك) ، وقد شرع في إبعادك بعد أن أخذ وجوه ~~أصحابك، (وقد أطلق لك) ما لا يقوم بأود أصحابك الذين عندك، وما أعطاك ذلك ~~أيضا إلا حتى تتبلغ به، وتضيق الأرزاق علينا، ويفنى ما لنا من دابة وعدة ~~فننصرف عنك على أقبح حال، فحينئذ يبلغ ms2861 منك ما يريده، فاحفظ نفسك منه ولا ~~تأمنه، ولم يثق للجند الحجرية ببغداذ شيخ غيرك، وقد كاتبوك فسر إليهم، فكل ~~من ببغداذ يسلم إليك الرئاسة، فإن فعلت، وإلا فسر بنا إلى الأهواز ; لنطرد ~~البريدي عنها، وإن كان أكثر منا، فأنت أمير وهو كاتب. # فقال: لا تقل في أبي عبد الله هذا، فلو كان لي أخ ما زاد على محبته. # PageV07P049 # ثم إن ياقوتا ظهر منه ما يدل على ضعفه وعجزه عن البريدي، فضعفت نفوس ~~أصحابه، وصار كل ليلة يمضي منهم طائفة إلى البريدي، فإذا قيل ذلك لياقوت، ~~يقول: إلى كاتبي يمضون، فلم يزل كذلك حتى بقي في ثمانمائة رجل. # ثم إن الراضي قبض على المظفر بن ياقوت في جمادى الأولى، وسجنه أسبوعا ثم ~~أطلقه وسيره إلى أبيه، فلما اجتمع به بتستر أشار عليه بالمسير إلى بغداذ، ~~فإن دخلها، فقد حصل له ما يريد، وإلا سار إلى الموصل وديار ربيعة فاستولى ~~عليها، فلم يسمع منه، ففارقه ولده إلى البريدي، فأكرمه وجعل موكلين ~~يحفظونه. # ثم إن البريدي خاف من عنده من أصحاب ياقوت أن يعاودوا الميل والعصبية له، ~~وينادوا بشعاره فيهلك، فأرسل إلى ياقوت يقول له: إن كتاب الخليفة ورد علي ~~يأمرني أن لا أتركك تقيم بهذه البلاد، وما يمكنني مخالفة السلطان، وقد ~~أمرني أن أخيرك إما أن تمضي إلى حضرته في خمسة عشر غلاما، وإما إلى بلاد ~~الجبل ليوليك بعض الأعمال، فإن خرجت طائعا، وإلا أخرجتك قهرا. # فلما وصلت الرسالة إلى ياقوت تحير في أمره، واستشار مؤنسا غلامه، فقال ~~له: قد نهيتك عن البريدي وما سمعت، وما بقي للرأي وجه، فكتب ياقوت يستمهله ~~شهرا ليتأهب، وعلم حينئذ خبث البريدي حيث لا ينفعه علمه. # فلما وصل كتاب ياقوت يطلب المهلة، أجابه أنه لا سبيل إلى المهلة، وسير ~~العساكر من الأهواز إليه، فأرسل ياقوت الجواسيس ليأتوه بالأخبار، فظفر ~~البريدي بجاسوس، فأعطاه مالا على أن يعود إلى ياقوت ويخبره أن البريدي ~~وأصحابه قد وافوا عسكر مكرم، ونزلوا في الدور متفرقين مطمئنين، فمضى ~~الجاسوس وأخبر ياقوتا ms2862 بذلك، فأحضر مؤنسا وقال: قد ظفرنا بعدونا وكافر ~~نعمتنا، وأخبره بما قال الجاسوس، وقال: نسير من تستر العتمة، ونصبح عسكر ~~مكرم وهم غارون، فنكبسهم في الدور، فإن وقع البريدي فالله مشكور، وإن هرب ~~اتبعناه. # فقال مؤنس: ما أحسن هذا إن صح، وإن كان الجاسوس صادقا، فقال ياقوت: إنه ~~يحبني ويتولاني وهو صادق، فسار ياقوت فوصل إلى عسكر مكرم طلوع الشمس، فلم ~~ير للعسكر أثرا، فعبر البلد إلى نهار جارود، وخيم هناك، وبقي يومه ولا يرى ~~لعسكر البريدي أثرا، فقال له مؤنس: إن الجاسوس كذبنا، وأنت تسمع كلام ~~الكاذبين، وإنني خائف عليك. # PageV07P050 # فلما كان بعد العصر، أقبلت عساكر البريدي، فنزلوا على فرسخ من ياقوت، ~~وحجز بينهم الليل وأصبحوا الغد، فكانت بينهم مناوشة، واتعدوا للحرب الغد. # وكان البريدي قد سير عسكرا من طريق أخرى ليصيروا وراء ياقوت من حيث لا ~~يشعر، فيكون كمينا يظهر عند القتال فهم ينتظرونه، فلما كان الموعد باكروا ~~بالقتال، فاقتتلوا من بكرة إلى الظهر، وكان عسكر البريدي قد أشرف على ~~الهزيمة مع كثرتهم، وكان مقدمهم أبا جعفر الحمال. فلما جاء الظهر، ظهر ~~الكمين من وراء عسكر ياقوت، فرد إليهم مؤنسا في ثلاثمائة رجل، فقاتلهم وهم ~~في ثلاثة آلاف رجل، فعاد مؤنس منهزما، فحينئذ انهزم أصحاب ياقوت، وكانوا ~~سوى الثلاثمائة خمسمائة، فلما رأى ياقوت ذلك نزل عن دابته، وألقى سلاحه، ~~وجلس بقميص إلى جانب جدار رباط. ولو دخل الرباط واستتر فيه لخفي أمره، وكان ~~أدركه الليل، فربما سلم، ولكن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا. # فلما جلس مع الحائط غطى وجهه بكمه، ومد يده كأنه يتصدق ويستحيي [أن] يكشف ~~وجهه، فمر به قوم من البربر من أصحاب البريدي فأنكروه، فأمروه بكشف وجهه ~~فامتنع، فنخسه أحدهم بمزراق معه، فكشف وجهه وقال: أنا ياقوت، فما تريدون ~~مني؟ احملوني إلى البريدي، فاجتمعوا عليه فقتلوه، وحملوا رأسه إلى العسكر، ~~وكتب أبو جعفر الحمال كتابا إلى البريدي على جناح طائر يستأذنه في حمل رأسه ~~(إلى العسكر) ، فأعاد الجواب بإعادة ms2863 الرأس إلى الجثة وتكفينه ودفنه، وأسر ~~غلامه مؤنس وغيره من قواده فقتلوا، وأرسل البريدي إلى تستر فحمل ما فيها ~~لياقوت من جوار ومال وغير ذلك، فلم يظهر لياقوت غير اثني [عشر] ألف دينار، ~~فحمل الجميع إليه، وقبض على المظفر بن ياقوت، فبقي في حبس البريدي مدة ثم ~~نفذه إلى بغداذ. # PageV07P051 # وتجبر البريدي بعد ياقوت وعصى، وقد أطلنا في ذكر هذه الحادثة، وإنما ~~ذكرناها على طولها لما فيها من الأسباب المحرضة على الاحتياط والاحتراز، ~~فإنها من أولها إلى آخرها فيها تجارب وأمور يكثر وقوع مثلها. # ذكر عزل أبي جعفر ووزارة سليمان بن الحسن # لما تولى الوزير أبو جعفر الكرخي، على ما تقدم، رأى قلة الأموال وانقطاع ~~المواد، فازداد عجزا إلى عجزه، وضاق عليه الأمر. # وما زالت الإضاقة تزيد، وطمع من بين يديه من المعاملين فيما عنده من ~~الأموال، وقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدي حمل الأهواز ~~وأعمالها. # وكان ابن بويه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر، وكثرت المطالبات عليه، ~~ونقصت هيبته، واستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فلما استتر استوزر ~~الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن، فكان في الوزارة كأبي جعفر في وقوف ~~الحال وقلة المال. # ذكر استيلاء ابن رائق على أمر العراق وتفرق البلاد # لما رأى الراضي وقوف الحال عنده، ألجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر ~~محمد بن رائق وهو بواسط، يعرض عليه إجابته إلى ما كان بذله من القيام ~~بالنفقات وأرزاق الجند ببغداذ، فلما أتاه الرسول بذلك فرح به، وشرع يتجهز ~~للمسير إلى بغداذ، فأنفذ إليه الراضي الساجية، وقلده إمارة الجيش، وجعله ~~أمير الأمراء، وولاه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين، وأمر بأن ~~يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع. # PageV07P052 # وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتاب والحجاب، وتأخر الحجرية عن الانحدار، ~~فلما استقر الذين انحدروا إلى واسط، قبض ابن رائق على الساجية سابع ذي ~~الحجة، ونهب رحلهم ومالهم ودوابهم، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفر أرزاقهم ~~على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا: اليوم ms2864 لهؤلاء وغدا لنا، ~~وخيموا بدار الخليفة، فأصعد ابن رائق إلى بغداذ ومعه بجكم، وخلع الخليفة ~~عليه أواخر ذي الحجة، وأتاه الحجرية يسلمون عليه، فأمرهم بقلع خيامهم، ~~فقلعوها وعادوا إلى منازلهم. # وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، (وبطلت الوزارة) ، فلم يكن الوزير ينظر في ~~شيء من الأمور، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها، وكذلك ~~كل من تولى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون ~~فيها كما يريدون، ويطلقون للخليفة ما يريدون، وبطلت بيوت الأموال، وتغلب ~~أصحاب الأطراف، وزالت عنهم الطاعة، ولم يبق للخليفة غير بغداذ وأعمالها، ~~والحكم في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم. # وأما باقي الأطراف فكانت البصرة في يد (ابن رائق، وخوزستان في يد) ~~البريدي. # وفارس في يد عماد الدولة بن بويه. # وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس. # والري وأصبهان في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخي مرداويج يتنازعان ~~عليها، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد ~~محمد بن طغج. # والمغرب وإفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهدي العلوي، ~~وهو الثاني منهم، ويلقب بأمير المؤمنين، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد ~~الملقب بالناصر الأموي، # PageV07P053 # وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد الساماني. # وطبرستان وجرجان في يد الديلم. # والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي. # ذكر مسير معز الدولة بن بويه إلى كرمان، وما جرى عليه بها # في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بويه، الملقب بمعز الدولة، إلى ~~كرمان. # وسبب ذلك أن عماد الدولة بن بويه وأخاه ركن الدولة لما تمكنا من بلاد ~~فارس وبلاد الجبل، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبد ~~بها، رأيا أن يسيراه إلى كرمان، ففعلا ذلك، وسار إلى كرمان في عسكر ضخم ~~شجعان، فلما بلغ السيرجان استولى عليها، وجبى أموالها وأنفقها في عسكره. # وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتي يحاصر محمد بن إلياس بن أليسع بقلعة هناك ~~بعساكر نصر بن أحمد صاحب ms2865 خراسان، فلما بلغه إقبال معز الدولة، سار عن كرمان ~~إلى خراسان، ونفس عن محمد بن إلياس، فتخلص من القلعة، وسار إلى مدينة بم، ~~وهي على طرف المفازة بين كرمان وسجستان، فسار إليه أحمد بن بويه، فرحل من ~~مكانه إلى سجستان بغير قتال، فسار أحمد إلى جيرفت، وهي قصبة كرمان، واستخلف ~~على بم بعض أصحابه. # فلما قارب جيرفت أتاه (رسول علي) بن الزنجي المعروف بعلي كلويه، وهو رئيس ~~القفص، والبلوص، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية، إلا أنهم ~~يجاملون كل سلطان يرد البلاد ويطيعونه، ويحملون إليه مالا معلوما ولا يطئون ~~بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع أحمد من قبوله إلا بعد دخول ~~جيرفت، فتأخر علي بن كلويه نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل ~~أحمد بن بويه جيرفت، واصطلح هو وعلي، وأخذ رهائنه وخطب له. # فلما استقر الصلح وانفصل الأمر، أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد ~~عليا ويغدر به، ويسري إليه سرا على غفلة، وأطمعه في أمواله، وهون عليه أمره ~~بسكونه إلى # PageV07P054 # الصلح، فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك لحداثة سنه، وجمع أصحابه ~~وأسرى نحوهم جريدة. # وكان علي محترزا ومن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه، (فساعة تحرك ~~بلغته الأخبار، فجمع أصحابه ورتبهم بمضيق على الطريق، فلما اجتاز بهم ابن ~~بويه) ثاروا به ليلا من جوانبه، فقتلوا في أصحابه، وأسروا، ولم يفلت منهم ~~إلا اليسير، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة، ووقعت ضربة منها في يده ~~اليسرى فقطعتها من نصف الذراع، وأصاب يده اليمنى ضربة أخرى سقط [منها] بعض ~~أصابعه، وسقط مثخنا بالجراح بين القتلى، وبلغ الخبر بذلك إلى جيرفت، فهرب ~~كل من كان بها من أصحابه. # ولما أصبح علي كلويه تتبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين قد أشرف على ~~التلف، فحمله إلى جيرفت، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، ~~وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن بويه، ويعرفه غدر أخيه، ويبذل من ~~نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، ms2866 واستقر بينهما الصلح، وأطلق ~~علي كل من عنده من الأسرى وأحسن إليهم. # ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه، فسار من سجستان ~~إلى البلد المعروف بجنابة، فتوجه إليه ابن بويه، وواقعه ودامت الحرب بينهما ~~عدة أيام، فانهزم ابن إلياس، وعاد أحمد بن بويه ظافرا، وسار (نحو علي) ~~كلويه لينتقم منه، فلما قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجالة، فكبسوا عسكره ~~ليلا في ليلة شديدة المطر، فأثروا فيهم وقتلوا ونهبوا وعادوا، وبقي ابن ~~بويه باقي ليلته، فلما أصبح سار نحوهم، فقتل منهم عددا كثيرا، وانهزم علي ~~كلويه. # وكتب ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس ~~وهزيمته، فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائدا ~~من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام ~~عنده بإصطخر إلى أن قصدهم أبو # PageV07P055 # عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق وبجكم، فأطمع عماد الدولة في ~~العراق، وسهل عليه ملكه، فسير معه أخاه معز الدولة أبا الحسين، على ما ~~نذكره سنة ست وعشرين وثلاثمائة. # ذكر استيلاء ماكان على جرجان # وفي هذه السنة استولى ماكان بن كالي على جرجان. # وسبب ذلك أننا ذكرنا أولا أن ماكان لما عاد من جرجان، أقام بنيسابور، ~~وأقام بانجين بجرجان، فلما كان بعد ذلك، خرج بانجين يلعب بالكرة، فسقط عن ~~دابته فوقع ميتا. # وبلغ خبره ماكان بن كالي وهو بنيسابور، وكان قد استوحش من عارض جيش ~~خراسان، فاحتج علي [بن] محمد بن المظفر صاحب الجيش بخراسان بأن بعض أصحابه ~~قد هرب منه، وأنه قد يخرج في طلبه، فأذن له في ذلك، وسار عن نيسابور إلى ~~أسفرايين، فأنفذ جماعة من عسكره إلى جرجان واستولوا عليها، فأظهر العصيان ~~على محمد بن المظفر، وسار من أسفرايين إلى نيسابور مغافصة، وبها محمد بن ~~المظفر، فخذل محمدا أصحابه ولم يعاونوه، وكان في قلة من العسكر غير مستعد ~~له، فسار نحو سرخس، وعاد ماكان من نيسابور خوفا من اجتماع العساكر عليه، ~~وكان ms2867 في ذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. # ذكر وزارة الفضل بن جعفر للخليفة # وفيها كتب ابن رائق كتابا عن الراضي إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن ~~الفرات يستدعيه ليجعله وزيرا، وكان يتولى الخراج بمصر والشام، وظن ابن رائق ~~أنه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر، فقدم إلى بغداذ، ونفذت له الخلع ~~قبل وصوله، فلقيته بهيت، فلبسها ودخل بغداذ، وتولى وزارة الخليفة ووزارة ~~ابن رائق جميعا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد الراضي محمد بن طغج أعمال مصر مضافا إلى ما بيده من ~~الشام، وعزل أحمد بن كيغلغ عن مصر. # PageV07P056 # وفيها انخسف القمر جميعه ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من ربيع الأول، ~~وانخسف جميعه أيضا لأربع عشرة خلت من شوال) . # (وفيها قبض على أبي عبد الله بن عبدوس الجهشياري، وصودر على مائتي ألف ~~دينار) . # وفيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن ~~بويه بأصبهان. # [الوفيات] # وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، المعروف ~~بجحظة، وله شعر مطبوع، وكان عارفا بفنون شتى من العلوم. # وفيها توفي أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد في شعبان، وكان ~~إماما في معرفة القراءات. # وعبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس أبو الحسن الفقيه الظاهري، صاحب ~~التصانيف المشهورة. # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل أبو بكر النيسابوري الفقيه ~~الشافعي في ربيع الأول، وكان مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان قد جالس ~~الربيع بن سليمان والمزني، ويونس بن عبد الأعلى أصحاب الشافعي، وكان إماما. # PageV07P057 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة] ### | 325 - # ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة # ذكر مسير الراضي بالله إلى حرب البريدي # في هذه السنة أشار محمد بن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى واسط ~~ليقرب من الأهواز، ويراسل أبا عبد الله بن البريدي، فإن أجاب إلى ما يطلب ~~منه، وإلا قرب قصده عليه، فأجاب الراضي إلى ذلك، وانحدر أول ms2868 المحرم، فخالف ~~الحجرية وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية، فلم يلتفت ~~ابن رائق إليهم، وانحدر وتبعه بعضهم، ثم انحدروا بعده، فلما صاروا بواسط، ~~اعترضهم ابن رائق، فأسقط أكثرهم، فاضطربوا وثاروا، فقاتلهم قتالا شديدا، ~~فانهزم الحجرية، وقتل منهم جماعة. # ولما وصل المنهزمون إلى بغداذ، ركب لؤلؤ صاحب الشرطة ببغداذ ولقيهم، ~~فأوقع بهم فاستتروا، فنهبت دورهم، وقبضت أموالهم وأملاكهم، وقطعت أرزاقهم. # فلما فرغ منهم ابن رائق، قتل من كان اعتقله من الساجية سوى صافي الخازن، ~~وهارون بن موسى، فلما فرغ، أخرج مضاربه ومضارب الراضي نحو الأهواز لإجلاء ~~ابن البريدي عنها، فأرسل إليهم في معنى تأخير الأموال، وما قد ارتكبه من ~~الاستبداد بها وإفساد الجيوش وتزيين العصيان لهم، إلى غير ذلك من ذكر ~~معايبه، ثم يقول بعد ذلك: وإنه إن حمل الواجب عليه وسلم الجند الذين أفسدهم ~~أقر على عمله، وإن أبى قوبل بما استحقه. # فلما سمع الرسالة جدد ضمان الأهواز، كل سنة بثلاثمائة وستين ألف دينار، ~~يحمل كل شهر بقسطه، وأجاب إلى تسليم الجيش إلى أن يؤمر بتسليمه إليه ممن ~~يسير بهم # PageV07P058 # إلى قتال ابن بويه، إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداذ لضيق الأموال بها ~~واختلاف الكلمة، فكتب الرسل ذلك إلى ابن رائق، فعرضه على الراضي، وشاور فيه ~~أصحابه، فأشار الحسين بن علي النوبختي بأن لا يقبل منه ذلك، فإنه خداع ومكر ~~للقرب منه، ومتى عدتم عنه لم يقف على ما بذله. # وأشار أبو بكر بن مقاتل بإجابته إلى ما التمس من الضمان، وقال: إنه لا ~~يقوم غيره مقامه، وكان يتعصب للبريدي، فسمع قوله وعقد الضمان على البريدي، ~~وعاد هو والراضي إلى بغداذ، فدخلاها ثامن صفر. # فأما المال فما حمل منه دينارا واحدا، وأما الجيش فإن ابن رائق أنفذ جعفر ~~بن ورقاء ليتسلمه منه وليسير إلى فارس، فلما وصل إلى الأهواز لقيه ابن ~~البريدي في الجيش جميعه، ولما عاد سار الجيش مع البريدي إلى داره واستصحب ~~معه جعفرا وقدم لهم طعاما كثيرا، فأكلوا وانصرفوا، وأقام جعفر عدة أيام. ms2869 # ثم إن جعفرا أمر الجيش فطالبوه بمال يفرقه فيهم ليتجهزوا به إلى فارس، ~~فلم يكن معه شيء، فشتموه وتهددوه بالقتل، فاستتر منهم ولجأ إلى البريدي، ~~وقال (له البريدي) : ليس العجب ممن أرسلك، وإنما العجب منك كيف جئت بغير ~~شيء، فلو أن الجيش مماليك لما ساروا إلا بمال ترضيهم به، ثم أخرجه ليلا، ~~وقال: انج بنفسك، فسار إلى بغداذ خائبا. # ثم إن ابن مقاتل شرع مع ابن رائق في عزل الحسين بن علي النوبختي وزيره، ~~وأشار عليه بالاعتضاد بالبريدي، وأن يجعله وزيرا له عوض النوبختي، وبذل له ~~ثلاثين ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، فلم يزل ابن مقاتل يسعى ويجتهد إلى أن ~~أجابه إليه، فكان من أعظم الأسباب في بلوغ ابن مقاتل غرضه أن النوبختي كان ~~مريضا، فلما تحدث ابن مقاتل مع ابن رائق في عزله امتنع من ذلك، وقال: له ~~علي حق كثير، هو الذي سعى لي حتى بلغت هذه الرتبة، فلا أبتغي به بديلا. # فقال ابن مقاتل: فإن النوبختي مريض لا مطمع في عافيته. # قال له ابن رائق: فإن الطبيب قد أعلمني أنه قد صلح وأكل الدراج. # PageV07P059 # فقال: إن الطبيب يعلم منزلته منك، وأنه وزير الدولة، فلا يلقاك في أمره ~~بما تكره، ولكن أحضر ابن أخي النوبختي وصهره علي بن أحمد، واسأله عنه سرا، ~~فهو يخبرك بحاله. فقال: أفعل. # وكان النوبختي قد استناب ابن أخيه هذا عند ابن رائق ليقوم بخدمته في ~~مرضه، ثم إن ابن مقاتل فارق ابن رائق على هذا، واجتمع بعلي بن أحمد وقال ~~له: قد قررت لك مع الأمير ابن رائق الوزارة، فإذا سألك عن عمك، فأعلمه أنه ~~على الموت ولا يجيء منه شيء لتتم لك الوزارة. # فلما اجتمع ابن رائق بعلي بن أحمد سأله عن عمه، فغشي عليه، ثم لطم برأسه ~~ووجهه، وقال: يبقي الله الأمير ويعظم أجره فيه، فلا يعده الأمير إلا في ~~الأموات، فاسترجع وحوقل، وقال: لو فدي بجميع ما أملكه لفعلت. # فلما حضر عنده ابن مقاتل، قال له ابن رائق: قد ms2870 كان الحق معك، وقد يئسنا ~~من النوبختي، فاكتب إلى البريدي ليرسل من ينوب عنه في وزارتي، ففعل وكتب ~~إلى البريدي (بإنفاذ أحمد بن علي) الكوفي لينوب عنه في وزارة ابن رائق، ~~فأنفذه، فاستولى على الأمور، وتمشى حال البريدي بذلك، فإن النوبختي كان ~~عارفا به لا يتمشى معه محاله. # فلما استولى الكوفي وابن مقاتل، شرعا في تضمين البصرة من أبي يوسف بن ~~البريدي أخي عبد الله، فامتنع ابن رائق من ذلك، فخدعاه إلى أن أجاب إليه، ~~وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمد بن يزداد، وقد أساء السيرة وظلم أهلها، ~~(فلما ضمنها البريدي، حضر عنده بالأهواز جماعة من أعيان أهلها) فوعدهم ~~ومناهم، وذم ابن رائق عندهم بما كان يفعله ابن يزداد، فدعوا له. # PageV07P060 # ثم أنفذ البريدي غلامه إقبالا في ألفي رجل، وأمرهم بالمقام بحصن مهدي إلى ~~أن يأمرهم بما يفعلون، فلما علم ابن يزداد بهم، قامت قيامته من ذلك، وعلم ~~أن البريدي يريد التغلب على البصرة، وإلا لو كان يريد التصرف في ضمانه، ~~لكان يكفيه عامل في جماعته. # وأمر البريدي بإسقاط بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، حتى ~~اطمأنوا، وقاتلوا معه عسكر ابن رائق، ثم عطف عليهم، فعمل بهم أعمالا تمنوا ~~[معها] أيام ابن رائق وعدوها أعيادا. # ذكر ظهور الوحشة بين ابن رائق والبريدي، والحرب بينهما # في هذه السنة أيضا ظهرت الوحشة بين ابن رائق والبريدي، وكان لذلك عدة ~~أسباب منها: أن ابن رائق لما عاد من واسط إلى بغداذ، أمر بظهور من اختفى من ~~الحجريين، فظهروا، فاستخدم منهم نحو ألفي رجل، وأمر الباقين بطلب الرزق أين ~~أرادوا، فخرجوا من بغداذ، واجتمعوا بطريق خراسان، ثم ساروا إلى أبي عبد ~~الله البريدي، فأكرمهم وأحسن إليهم، وذم ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداذ ~~يعتذر عن قبولهم، ويقول: إنني خفتهم، فلهذا قبلتهم، وجعلهم طريقا إلى قطع ~~ما استقر عليه من المال، وذكر أنهم اتفقوا مع الجيش الذي عنده ومنعوه من ~~حمل المال (الذي استقر عليه) ، فأنفذ إليه ابن رائق يلزمه بإبعاد الحجرية، ms2871 ~~فاعتذر ولم يفعل. # ومنها ابن رائق بلغه ما ذمه به ابن البريدي عند أهل البصرة، فساءه ذلك، ~~وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهدي، فعظم عليه، واتهم الكوفي بمحاباة ~~البريدي، وأراد عزله، فمنعه عنه أبو بكر محمد بن مقاتل، وكان مقبول القول ~~عند ابن رائق، فأمر الكوفي أن يكتب إلى البريدي يعاتبه على هذه الأشياء، ~~ويأمره بإعادة عسكره # PageV07P061 # من حصن مهدي، فكتب إليه في ذلك، فأجاب بأن أهل البصرة يخفون القرامطة، ~~وابن يزداد عاجز عن حمايتهم، وقد تمسكوا بأصحابي لخوفهم. # وكان أبو طاهر الهجري قد وصل إلى الكوفة في الثالث والعشرين من ربيع ~~الآخر، فخرج ابن رائق في عساكره إلى قصر ابن هبيرة، وأرسل إلى القرمطي، فلم ~~يستقر بينهم أمر، فعاد القرمطي إلى بلده، فعاد حينئذ ابن رائق وسار إلى ~~واسط، فبلغ ذلك البريدي، فكتب إلى عسكره بحصن مهدي يأمرهم بدخول البصرة، ~~وقتال من منعهم، وأنفذ إليهم جماعة من الحجرية معونة لهم، فأنفذ ابن يزداد ~~جماعة من عنده ليمنعهم من دخول البصرة، فاقتتلوا بنهر الأمير، فانهزم أصحاب ~~ابن يزداد، فأعادهم، وزاد في عدتهم كل متجند في البصرة، واقتتلوا ثانيا ~~فانهزموا أيضا. # ودخل إقبال وأصحاب البريدي البصرة، وانهزم ابن يزداد إلى الكوفة، وقامت ~~القيامة على ابن رائق، وكتب إلى أبي عبد الله البريدي يتهدده، ويأمره ~~بإعادة أصحابه من البصرة، فاعتذر ولم يفعل، وكان أهل البصرة في أول الأمر ~~يريدون البريدي لسوء سيرة ابن يزداد. # ذكر استيلاء بجكم على الأهواز # لما وصل جواب الرسالة من البريدي إلى ابن رائق بالمغالطة عن إعادة جنده ~~من البصرة، استدعى بدرا الخرشني وخلع عليه، وأحضر بجكم أيضا وخلع عليه، ~~وسيرهما في جيش، وأمرهم أن يقيموا بالجامدة، فبادر بجكم، ولم يتوقف على بدر ~~ومن معه، وسار إلى السوس. # فبلغ ذلك البريدي، فأخرج إليه جيشا كثيفا في ثلاثة آلاف مقاتل، ومقدمهم ~~غلامه محمد المعروف بالحمال، فاقتتلوا بظاهر السوس، وكان مع بجكم مائتان ~~وسبعون رجلا من الأتراك، فانهزم أصحاب البريدي وعادوا إليه، فضرب البريدي ~~محمدا الحمال، وقال: انهزمت بثلاثة ms2872 آلاف من ثلاثمائة؟ فقال له: أنت ظننت ~~أنك تحارب ياقوتا المدبر، قد جاءك خلاف ما عهدت، فقام إليه وجعل يلكمه ~~بيديه. # PageV07P062 # ثم رجع عسكره، وأضاف إليهم من لم يشهد الوقعة، فبلغوا ستة آلاف رجل، ~~وسيرهم مع الحمال أيضا، فالتقوا عند نهر تستر، فبادر بجكم فعبر النهر هو ~~وأصحابه، فلما رآه أصحاب البريدي، انهزموا من غير حرب، فلما رآهم أبو عبد ~~الله البريدي، ركب هو وإخوته ومن يلزمه في السفن، فأخذ معه ما بقي عنده من ~~المال، وهو ثلاثمائة ألف دينار، فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغواصون وقد ~~كادوا يغرقون، وأخرج (بعض المال، وأخرج) باقي المال لبجكم، ووصلوا إلى ~~البصرة، فأقاموا بالأبلة، وأعدوا المراكب للهرب إن انهزم إقبال. # وسير أبو عبد الله البريدي غلامه إقبالا إلى مطارا، وسير معه جمعا من ~~فتيان البصرة، فالتقوا بمطارا مع أصحاب ابن رائق، فانهزمت الرائقية، وأسر ~~منهم جماعة، فأطلقهم البريدي، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة ~~من أعيان أهل البصرة، فلم يجبهم، وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا ~~معه ويساعدوه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها، ويقتل كل من فيها، ~~فازدادوا بصيرة في قتاله. # واطمأن البريديون بعد انهزام عسكر ابن رائق، وأقاموا حينئذ بالبصرة، ~~واستولى بجكم على الأهواز، فلما بلغ ابن رائق هزيمة أصحابه، جهز جيشا آخر ~~وسيره إلى البر والماء، (فالتقى عسكره الذي على الظهر مع عسكر البريدي، ~~فانهزم الرائقية، وأما العسكر الذي في الماء) ، فإنهم استولوا على الكلاء، ~~فلما رأى ذلك أبو عبد الله البريدي، ركب في السفن وهرب إلى جزيرة أوال، ~~وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة في عسكر يحميها، فخرج أهل البصرة مع أبي ~~الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء، فقاتلوهم حتى أجلوهم عنه. # فلما اتصل ذلك بابن رائق، سار بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر، وكتب ~~إلى بجكم ليلحق به، فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدموا وقاتلوا أهل البصرة، ~~(فاشتد # PageV07P063 # القتال، وحامى أهل البصرة) ، وشتموا ابن رائق، فلما رأى بجكم ذلك هاله، ~~وقال لابن رائق: ما الذي ms2873 عملت بهؤلاء القوم حتى أحوجتهم إلى هذا؟ فقال: ~~والله لا أدري. وعاد ابن رائق وبجكم إلى معسكرهما. # وأما أبو عبد الله البريدي فإنه سار من جزيرة أوال إلى عماد الدولة ابن ~~بويه، واستجار به، وأطمعه في العراق، وهو عليه أمر الخليفة وابن رائق، فنفذ ~~معه أخاه معز الدولة على ما نذكره. # فلما سمع ابن رائق بإقبالهم من فارس إلى الأهواز، سير بجكم إليها، فامتنع ~~من المسير إلا أن يكون إليه الحرب والخراج، فأجابه إلى ذلك وسيره إليها. # ثم إن جماعة من أصحاب البريدي قصدوا عسكر ابن رائق ليلا، فصاحوا في ~~جوانبه فانهزموا، فلما رأى ابن رائق ذلك، أمر بإحراق سواده وآلاته ; لئلا ~~يغنمه البريدي، وسار إلى الأهواز جريدة، فأشار جماعة على بجكم بالقبض عليه، ~~فلم يفعل، وأقام ابن رائق أياما، وعاد إلى واسط، وكان باقي عسكره قد سبقوه ~~إليها. # ذكر الفتنة بين أهل صقلية وأمرائهم # في هذه السنة خالف أهل جرجنت، وهي من بلاد صقلية على أميرهم سالم بن ~~راشد، وكان استعمله عليهم القائم العلوي، صاحب إفريقية، وكان سيئ السيرة في ~~الناس، فأخرجوا عامله عليهم، فسير إليهم سالم جيشا كثيرا من أهل صقلية ~~وإفريقية، فاقتتلوا أشد قتال، فهزمهم أهل جرجنت، وتبعهم فخرج إليهم سالم ~~ولقيهم، واشتد القتال بينهم وعظم الخطب، فانهزم أهل جرجنت في شعبان. # فلما رأى أهل المدينة خلاف أهل جرجنت، خرجوا أيضا على سالم وخالفوه، وعظم ~~شغبهم عليه، وقاتلوه في ذي القعدة من هذه السنة، فهزمهم وحصرهم في المدينة، ~~فأرسل إلى القائم بالمهدية يعرفه أن أهل صقلية قد خرجوا عن طاعته، وخالفوا # PageV07P064 # عليه، ويستمده، فأمده القائم بجيش، واستعمل عليهم خليل بن إسحاق، فساروا ~~حتى وصلوا إلى صقلية، فرأى خليل من طاعة أهلها ما سره، وشكوا إليه من ظلم ~~سالم وجوره، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، فرق الناس لهم، وبكوا ~~لبكائهم. # وجاء أهل البلاد إلى خليل وأهل جرجنت، فلما وصلوا، اجتمع بهم سالم ~~وأعلمهم أن القائم قد أرسل خليلا لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، فعاودوا ~~الخلاف، فشرع ms2874 خليل في بناء مدينة على مرسى المدينة وحصنها، ونقض كثيرا من ~~المدينة، وأخذ أبوابها، وسماها الخالصة. # ونال الناس شدة في بناء المدينة، فبلغ ذلك أهل جرجنت، فخافوا وتحقق عندهم ~~ما قال لهم سالم، وحصنوا مدينتهم واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل في جمادى ~~الأولى سنة ست وعشرين وثلاثمائة وحصرهم، فخرجوا إليه والتحم القتال، واشتد ~~الأمر، وبقي (محاصرا لهم) ثمانية أشهر لا يخلو يوم من قتال، وجاء الشتاء ~~فرحل عنهم في ذي الحجة إلى الخالصة فنزلها. # ولما دخلت سنة سبع وعشرين [وثلاثمائة] ، خالف على خليل جميع القلاع وأهل ~~مازر، كل ذلك بسعي أهل جرجنت، وبثوا سراياهم، واستفحل أمرهم، وكاتبوا ملك ~~القسطنطينية يستنجدونه، فأمدهم بالمراكب فيها الرجال والطعام، فكتب خليل ~~إلى القائم يستنجده، فبعث إليه جيشا كثيرا، فخرج خليل بمن معه من أهل صقلية ~~فحصروا قلعة (أبي ثور، فملكوها وكذلك أيضا البلوط ملكوها، وحصروا قلعة ~~أبلاطنوا) ، وأقاموا عليها حتى انقضت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. # فلما دخلت سنة ثمان وعشرين، رحل خليل عن أبلاطنوا، وحصر جرجنت وأطال ~~الحصار، ثم رحل عنها وترك عليها عسكرا يحاصرها، مقدمهم أبو خلف بن هارون، ~~فدام الحصار إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار كثير من أهلها إلى بلاد ~~الروم، وطلب الباقون الأمان، فأمنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلما نزلوا ~~غدر بهم وحملهم إلى المدينة. # PageV07P065 # فلما رأى أهل سائر القلاع ذلك أطاعوا، فلما عادت البلاد الإسلامية إلى ~~طاعته، رحل عن إفريقية في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ معه ~~وجوه أهل جرجنت، وجعلهم في مركب، وأمر بنقبه وهو في لجة البحر فغرقوا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرجت الفرنج إلى بلاد الأندلس التي للمسلمين، فنهبوا وقتلوا ~~وسبوا، وممن قتل من المشهورين جحاف بن يمن قاضي بلنسية. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن سفيان أبو الحسين الخزاز النحوي في ربيع ~~الأول، وكان صحب ثعلبا والمبرد، وله تصانيف في علوم القرآن. # PageV07P066 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة] ### | 326 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة # ذكر استيلاء معز ms2875 الدولة على الأهواز # في هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز وتلك ~~البلاد، فملكها (واستولى عليها) . # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبد الله البريدي إلى عماد الدولة ~~كما سبق، فلما وصل إليه، أطمعه في العراق والاستيلاء عليه، فسير معه أخاه ~~معز الدولة إلى الأهواز، وترك أبو عبد الله البريدي ولديه: أبا الحسن ~~محمدا، وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة بن بويه رهينة وساروا، فبلغ الخبر ~~إلى بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم، فانهزم من بين أيديهم. # وكان سبب الهزيمة أن المطر اتصل أياما كثيرة، فعطلت أوتار قسي الأتراك، ~~فلم يقدروا على رمي النشاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره ~~بعسكر مكرم، فقاتلوا معز الدولة بها ثلاثة عشر يوما، ثم انهزموا إلى تستر، ~~فاستولى معز الدولة على عسكر مكرم، وسار بجكم إلى تستر من الأهواز، وأخذ ~~معه جماعة من أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل من الطريق إلى ~~ابن رائق يعلمه الخبر، ويقول له: إن العسكر محتاج إلى المال، فإن كان معك ~~مائتا ألف دينار فتقيم بواسط حتى نصل إليك، وتنفق فيه المال، وإن كان المال ~~قليلا، فالرأي أنك تعود إلى بغداذ لئلا يجري من العسكر شغب. # فلما بلغ الخبر إلى ابن رائق، عاد من واسط إلى بغداذ، ووصل بجكم إلى واسط ~~فأقام بها، واعتقل من معه من الأهوازيين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان ~~فيهم أبو زكرياء يحيى بن سعيد السوسي. # PageV07P067 # قال أبو زكرياء: أردت أن أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذت إليه أقول: عندي ~~نصيحة، فأحضرني عنده، فقلت: أيها الأمير، أنت تحدث نفسك بمملكة الدنيا، ~~وخدمة الخلافة، وتدبير الممالك، كيف يجوز أن تعتقل قوما منكوبين قد سلبوا ~~نعمتهم، وتطالبهم بمال وهم في بلد غربة، وتأمر بتعذيبهم حين جعل أمس طشت ~~فيه نار على بطن بعضهم؟ أما تعلم أن هذا إذا سمع عنك استوحش منك الناس، ~~وعاداك من لا يعرفك؟ وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة، أتراه ~~أساء إلى ms2876 جميعهم؟ لا والله، بل أساء إلى بعضهم، فأبغضوه كلهم، وعوام بغداذ ~~لا تحتمل أمثال هذا، وذكرت له فعل مرداويج، فلما سمع ذلك، قال: قد صدقتني، ~~ونصحتني، ثم أمر بإطلاقهم. # ولما استولى ابن بويه والبريدي على عسكر مكرم، سار أهل الأهواز إلى ~~البريدي يهنونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريدي يحم بحمى الربع، فقال لذلك ~~الطبيب: أما ترى يا أبا زكرياء حالي وهذه الحمى؟ فقال له: خلط، يعني في ~~المأكول، فقال له: أكثر من هذا التخليط، قد رهجت الدنيا. # ثم ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب البريدي من ~~ابن بويه إلى الباسيان، فكاتبه بعتب كثير، ويذكر غدره في هربه. # وكان سبب هربه أن ابن بويه طلب عسكره الذين بالبصرة ليسيروا إلى أخيه ركن ~~الدولة بأصبهان، معونة له على حرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف، فلما ~~حضروا، قال لمعز الدولة: إن أقاموا، وقع بينه وبين الديلم فتنة، والرأي أن ~~يسيروا إلى السوس ثم يسيروا إلى أصبهان، فأذن له في ذلك، ثم طالبه بأن يحضر ~~عسكره الذين بحصن مهدي ليسيرهم في الماء إلى واسط، فخاف البريدي أن يعمل به ~~مثل ما عمل هو بياقوت. # وكان الديلم يهينونه ولا يلتفتون إليه، فهرب وأمر جيشه الذي بالسوس، ~~فساروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة بالإفراج له عن الأهواز حتى يتمكن من ~~ضمانه، فإنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة بن بويه، كل سنة ~~بثمانية عشر ألف ألف درهم، # PageV07P068 # فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفا من أخيه عماد الدولة ; لئلا يقول له: كسرت ~~المال، فانتقل البريدي إلى بناباذ، وأنفذ خليفته إلى الأهواز، وأنفذ إلى ~~معز الدولة يذكر حاله وخوفه منه، ويطلب أن ينتقل إلى السوس من عسكر مكرم ; ~~ليبعد عنه ويأمن بالأهواز. # فقال له أبو جعفر الصيمري وغيره: إن البريدي (يريد أن) يفعل بك كما فعل ~~بياقوت، ويفرق أصحابك عنك، ثم يأخذك فيتقرب بك إلى بجكم (وابن رائق، ~~ويستعيد أخاك لأجلك، فامتنع معز الدولة من ذلك. # وعلم بجكم بالحال) ، فأنفذ جماعة من ms2877 أصحابه، فاستولوا على السوس ~~وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبق بيد معز الدولة من كور ~~الأهواز إلا عسكر مكرم، فاشتد الحال عليه، وفارقه بعض جنده، وأرادوا الرجوع ~~إلى فارس، فمنعهم أصفهدوست وموسى قياذة، هما من أكابر القواد، وضمنا لهم ~~أرزاقهم ليقيموا شهرا، فأقاموا وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه حاله، ~~فأنفذ له جيشا، فقوي بهم، وعاد فاستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى ~~البصرة (واستقر فيها) فاستقر ابن بويه بالأهواز. # وأقام بجكم بواسط طامعا في الاستيلاء على بغداذ ومكان ابن رائق، ولا يظهر ~~له شيئا من ذلك، وأنفذ ابن رائق علي بن خلف بن طياب إلى بجكم ليسير معه إلى ~~الأهواز ويخرج منها ابن بويه، فإذا فعل ذلك كانت ولايتها لبجكم والخراج إلى ~~علي بن خلف، فلما وصل علي إلى بجكم بواسط استوزره بجكم، وأقام معه وأخذ ~~بجكم جميع مال واسط. # ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداذ إدبار الأمور، أطمع ابن رائق في مصر ~~والشام، # PageV07P069 # وصاهره، وعقد بينه ابن طغج عهدا وصهرا، وقال لابن رائق: أنا أجبي إليك ~~مال مصر والشام إن سيرتني إليهما، فأمره بالتجهز للحركة، ففعل وسار أبو ~~الفتح إلى الشام في ربيع الآخر. # ذكر الحرب بين بجكم والبريدي، والصلح بعد ذلك # لما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه، خافه ابن رائق ; لأنه ظن ما فعله بجكم من ~~التغلب على العراق، فراسل أبا عبد الله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم، ~~فإذا انهزم تسلم البريدي واسطا، وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة على أن ~~ينفذ أبو عبد الله عسكرا. # فسمع بجكم بذلك، فخاف واستشار أصحابه في الذي يفعله، فأشاروا عليه بأن ~~يبتدئ بأبي عبد الله البريدي، وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة، ولا يكاشف ابن ~~رائق إلا بعد الفراغ من البريدي، (فجمع عسكره، وسار إلى البصرة يريد ~~البريدي) ، فسير أبو عبد الله جيشا بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل، عليهم غلامه ~~أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر البريدي، ولم يتبعهم ~~بجكم بل كف عنهم. # وكان البريديون بمطارا ينتظرون ms2878 ما ينكشف من الحال، فلما انهزم عسكرهم ~~خافوا، وضعفت نفوسهم، إلا أنه لما رأى عسكره سالما لم يقتل منهم أحد (ولا ~~غرق) طاب قلبه. # وكانت نية بجكم إذلال البريدي وقطعه عن ابن رائق، ونفسه معلقة بالحضرة، ~~فأرسل ثاني يوم الهزيمة إلى البريدي يعتذر إليه مما جرى، ويقول له: أنت ~~بدأت وتعرضت بي، وقد عفوت عنك وعن أصحابك، ولو تبعتهم لغرق وقتل أكثرهم، ~~وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطا إذا ملكت الحضرة، وأصاهرك، فسجد البريدي ~~شكرا # PageV07P070 # لله تعالى، وحلف بجكم وتصالحا، وعاد إلى واسط، وأخذ في التدبير على ابن ~~رائق، والاستيلاء على الحضرة ببغداذ. # ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانه # في هذه السنة في منتصف شوال قطعت يد الوزير أبي علي بن مقلة. # وكان سبب قطعها أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن ~~الوزارة وسار إلى الشام، استوزر الخليفة الراضي بالله أبا علي بن مقلة، ~~وليس له من الأمر شيء، إنما الأمر جميعه إلى ابن رائق، وكان ابن رائق قبض ~~أموال ابن مقلة وأملاكه، وأملاك ابنه، فخاطبه فلم يردها، فاستمال أصحابه، ~~وسألهم مخاطبته في ردها، فوعدوه، فلم يقضوا حاجته، فلما رأى ذلك، سعى بابن ~~رائق، فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير بمثل ذلك وهو ~~بالري، وكتب إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه، ويضمن أنه ~~يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار عليه باستدعاء بجكم وإقامته مقام ~~ابن رائق، فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة، وكتب إلى بجكم ~~يعرفه إجابة الراضي، ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداذ. # وطلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم ~~على ابن رائق ما اتفقا عليه، فأذن له في ذلك، فحضر متنكرا آخر ليلة من ~~رمضان، وقال: إن القمر تحت الشعاع، وهو يصلح للأسرار، فكان عقوبته حين نظر ~~إلى غير الله أن ذاع سره وشهر أمره، فلما حصل بدار الخليفة لم يوصله الراضي ~~إليه، واعتقله في حجرة، ms2879 فلما كان الغد، أنفذ إلى ابن رائق يعرفه الحال، ~~ويعرض عليه خط ابن مقلة، فشكر الراضي، وما زالت الرسل تتردد بينهما في معنى ~~ابن مقلة إلى منتصف شوال، فأخرج ابن مقلة من محبسه، وقطعت يده ثم عولج ~~فبرأ، فعاد يكاتب الراضي، ويخطب الوزارة، ويذكر [أن] قطع يده لم يمنعه من ~~عمله، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب. # فلما قرب بجكم من بغداذ، سمع الخدم يتحدثون بذلك، فقال: إن وصل بجكم # PageV07P071 # فهو يستخلصني، وأكافئ ابن رائق، وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل ~~خبره إلى الراضي وإلى ابن رائق، فأمرا بقطع لسانه، ثم نقل إلى محبس ضيق، ثم ~~لحقه ذرب في الحبس، ولم يكن عنده من يخدمه، فآل الحال إلى أن كان يستقي ~~الماء من البئر بيده اليسرى، ويمسك الحبل بفيه، ولحقه شقاء شديد إلى أن ~~مات، ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه، فنبش وسلم إليهم، فدفنوه في ~~داره، ثم نبش فنقل إلى دار أخرى. # ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء، وسافر ثلاث ~~سفرات: اثنتين منفيا إلى شيراز، وواحدة في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد ~~موته ثلاث مرات، وخص به من خدمه ثلاثة. # ذكر استيلاء بجكم على بغداذ # وفي هذه السنة دخل بجكم بغداذ، ولقي الراضي، وقلد إمرة الأمراء مكان ابن ~~رائق، ونحن نذكر ابتداء أمر بجكم، وكيف بلغ إلى هذه الحال، فإن بعض أمره قد ~~تقدم، وإذا افترق لم يحصل الغرض منه. # كان بجكم هذا من غلمان أبي علي العارض، وكان وزيرا لماكان بن كالي ~~الديلمي، فطلبه منه ماكان، فوهبه له، ثم إنه فارق ماكان مع من فارقه من ~~أصحابه # PageV07P072 # والتحق بمرداويج، وكان في جملة من قتله، وسار إلى العراق، واتصل بابن ~~رائق، وسيره إلى الأهواز، فاستولى عليها وطرد البريدي عنها. # (ثم خرج البريدي مع معز الدولة بن بويه من فارس إلى الأهواز، فأخذوها من ~~بجكم، وانتقل بجكم من الأهواز إلى واسط) ، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلا، فلما ~~استقر بواسط تعلقت همته ms2880 بالاستيلاء على حضرة الخليفة، وهو مع ذلك يظهر ~~التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي، فلما وصلته كتب ~~ابن مقلة يعرفه أنه قد استقر مع الراضي أن يقلده إمرة الأمراء، طمع في ذلك، ~~وكاشف ابن رائق ومحا نسبته إليه من أعلامه، وسار من واسط نحو بغداذ غرة ذي ~~القعدة. # واستعد ابن رائق له، وسأل الراضي أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى ~~واسط، فكتب الراضي إليه، وسير الكتاب، فلما قرأه، ألقاه عن يده ورمى به، ~~وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي، وكان أصحاب ابن رائق على غربيه، فألقى أصحاب ~~بجكم نفوسهم في الماء، فانهزم أصحاب ابن رائق، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى ~~بغداذ، وخرج ابن رائق عنها إلى عكبرا، ودخل بجكم بغداذ ثالث عشر ذي القعدة، ~~ولقي الراضي من الغد، وخلع عليه، وجعله أمير الأمراء، وكتب كتبا عن الراضي ~~إلى القواد الذين مع ابن رائق يأمرهم بالرجوع إلى بغداذ، ففارقوه جميهم ~~وعادوا. # فلما رأى ابن رائق ذلك، عاد إلى بغداذ واستتر، ونزل بجكم بدار مؤنس، ~~واستقر أمره ببغداذ، فكانت مدة إمارة أبي بكر بن رائق سنة واحدة وعشرة أشهر ~~وستة عشر يوما، ومن مكر بجكم أنه كان يراسل ابن رائق على لسان أبي زكرياء ~~يحيى بن سعيد السوسي، قال أبو زكرياء: أشرت على بجكم أنه لا يكاشف ابن ~~رائق، فقال: لم أشرت بهذا؟ فقلت له: إنه قد كان له عليك رئاسة وإمرة، وهو ~~أقوى منك وأكثر عددا، والخليفة معه، والمال عنده كثير، فقال: أما كثرة ~~رجاله، فهو جوز فارغ، وقد بلوتهم، فما أبالي بهم قلوا أم كثروا، وأما كون ~~الخليفة معه، فهذا لا يضرني عند أصحابي، وأما قلة المال معي، فليس الأمر ~~كذلك، قد وفيت أصحابي مستحقهم، ومعي ما يستظهر به، # PageV07P073 # فكم تظن مبلغه؟ فقلت: لا أدري. فقال: على كل حال، فقلت: مائة ألف درهم، ~~فقال: غفر الله لك، معي خمسون ألف دينار لا أحتاج إليها. # فلما استولى على بغداذ، قال لي يوما: أتذكر إذ قلت لك: معي ms2881 خمسون ألف ~~دينار؟ والله لم يكن معي غير خمسة آلاف درهم، فقلت: هذا يدل على قلة ثقتك ~~بي؟ قال: لا، ولكنك كنت رسولي إلى ابن رائق، فإذا علمت قلة المال معي، ضعفت ~~نفسك، فطمع العدو فينا، فأردت أن تمضي إليه بقلب قوي، فتكلمه بما تخلع [به] ~~قلبه وتضعف نفسه. قال: فعجبت من مكره وعقله. # ذكر استيلاء لشكري على أذربيجان وقتله # وفيها تغلب لشكري بن مردى على أذربيجان، ولشكري هذا أعظم من الذي تقدم ~~ذكره، فإن هذا كان خليفة وشمكير على أعمال الجبل، فجمع مالا ورجالا وسار ~~إلى أذربيجان، وبها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي، وهو من أصحاب ابن أبي ~~الساج، فجمع عسكرا وتحارب هو ولشكري، (فانهزم ديسم، ثم عاد وجمع) ، وتصافا ~~(مرة ثانية) ، فانهزم أيضا واستولى لشكري على بلاده إلا أردبيل، فإن أهلها ~~امتنعوا بها لحصانتها، ولهم بأس ونجدة، وهي دار المملكة بأذربيجان، فراسلهم ~~لشكري، ووعدهم الإحسان لما كان يبلغهم من سوء سيرة الديلم مع بلاد الجبل ~~همذان وغيرها، فحصرهم وطال الحصار، ثم صعد أصحابه السور ونقبوه أيضا في عدة ~~مواضع ودخلوا البلد. # وكان لشكري يدخله نهارا، ويخرج منه ليلا إلى عسكره، فبادر أهل البلد ~~وأصلحوا ثلم السور، وأظهروا العصيان، وعاودوا الحرب، فندم على التفريط ~~وإضاعة الحزم، فأرسل أهل أردبيل إلى ديسم يعرفونه الحال ويواعدونه يوما ~~يجيء فيه ليخرجوا فيه إلى # PageV07P074 # قتال لشكري، ويأتي هو من ورائه، ففعل وسار نحوهم، وظهروا يوم الموعد في ~~عدد كثير، وقاتلوا لشكري، وأتاه ديسم من خلف ظهره، فانهزم أقبح هزيمة، وقتل ~~من أصحابه خلق كثير، وانحاز إلى موقان، فأكرمه أصبهبذها ويعرف بابن دولة، ~~(وأحسن ضيافته. # وجمع لشكري وسار نحو ديسم، وساعده ابن دولة) ، فهرب ديسم (وعبر نهر أرس، ~~وعبر بعض أصحاب لشكري إليه، فانهزم ديسم) ، وقصد وشمكير، وهو بالري، وخوفه ~~من لشكري، وبذل له مالا كل سنة ليسير معه عسكرا، فأجابه إلى ذلك وسير معه ~~عسكرا، وكاتب عسكر لشكري وشمكير يعلمونه بما هم عليه من طاعته، وأنهم متى ~~رأوا عسكره صاروا معه على لشكري، ms2882 فظفر لشكري بالكتب، فكتم ذلك عنهم، فلما ~~قرب منه عسكر وشمكير، جمع أصحابه وأعلمهم ذلك وأنه لا يقوى بهم، وأنه يسير ~~بهم نحو الزوزان، وينهب من على طريقه من الأرمن، ويسير نحو الموصل ويستولي ~~عليها وعلى غيرها، فأجابوه إلى ذلك، فسار بهم إلى أرمينية وأهلها غافلون، ~~فنهب وغنم وسبى، وانتهى إلى الزوزان ومعهم الغنائم، فنزل بولاية إنسان ~~أرمني، وبذل له مالا ليكف عنه وعن بلاده، فأجابه إلى ذلك. # ثم إن الأرمني كمن كمينا في مضيق هناك، وأمر بعض الأرمن أن ينهب شيئا من ~~أموال لشكري ويسلك ذلك المضيق، ففعلوا، وبلغ الخبر إلى لشكري، فركب في خمسة ~~أنفس، فسار وراءهم، فخرج عليه الكمين فقتلوه ومن معه، ولحقه عسكره، فرأوه ~~قتيلا ومن معه، فعادوا وولوا عليهم ابنه لشكرستان، واتفقوا على أن يسيروا ~~على عقبة التنين، وهي تجاوز الجودي، ويحرزوا سوادهم، ويرجعوا إلى بلد طرم ~~الأرمني فيدركوا آثارهم، فبلغ ذلك طرم، فرتب الرجال على تلك المضايق ~~يرمونهم بالحجارة، ويمنعونهم العبور، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسلم القليل ~~منهم، وفيمن سلم لشكرستان، وسار فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان ~~بالموصل، فأقام بعضهم عنده وانحدر بعضهم إلى بغداذ. # PageV07P075 # فأما الذين أقاموا بالموصل، فسيرهم مع ابن عم أبي عبد الله الحسين بن ~~سعيد بن حمدان إلى ما بيده من أذربيجان لما أقبل نحوه ديسم (ليستولي عليه) ~~، وكان أبو عبد الله من قبل ابن عمه ناصر الدولة على معاون أذربيجان، فقصده ~~ديسم وقاتله، فلم يكن لابن حمدان به طاقة، ففارق أذربيجان، واستولى عليها ~~ديسم. # ذكر اختلال أمور القرامطة # في هذه السنة فسد حال القرامطة، وقتل بعضهم بعضا. # وسبب ذلك أنه كان رجل منهم يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبي سعيد ~~القرمطي والمطلعين على سره، وكان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، ~~فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصبهان، وقال له: إذا ملكتك أمر القرامطة، أريد ~~منك أن تقتل عدوي أبا حفص، فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار ~~أبي سعيد، وعلامات كان ms2883 يذكر أنها في صاحبهم الذي يدعون إليه، فحضر عند ~~أولاد أبي سعيد، وذكر لهم ذلك، فقال أبو طاهر: هذا الذي يدعو إليه، ~~فأطاعوه، ودانوا له، حتى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره ~~رجلا يقول له إنه مريض، يعني أنه قد شك في دينه، ويأمر بقتله. # وبلغ أبا طاهر أن الأصبهاني يريد قتله ليتفرد بالملك، فقال لإخوته: لقد ~~أخطأنا في هذا الرجل، وسأكشف حاله، فقال له: إن لنا مريضا، فانظر إليه ~~ليبرأ، فحضروا وأضجعوا والدته وغطوها بإزار، فلما رآها قال: إن هذا المريض ~~لا يبرأ فاقتلوه، فقالوا له: كذبت، هذه والدته، ثم قتلوه بعد أن قتل منهم ~~خلق كثير من عظمائهم وشجعانهم. وكان هذا سبب تمسكهم بهجر، وترك قصد البلاد، ~~والإفساد فيها. # PageV07P076 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان القيم ~~به ابن ورقاء الشيباني، وكان عدة من فودي من المسلمين ستة آلاف وثلاثمائة ~~من بين ذكر وأنثى، وكان الفداء على نهر البدندون. # وفيها ولد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد. # PageV07P077 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة] ### | 327 - # ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة # ذكر مسير الراضي وبجكم إلى الموصل، وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام # في هذه السنة في المحرم سار الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة. # وسبب ذلك أن ناصر الدولة بن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان البلاد ~~التي بيده، فاغتاظ الراضي منه لسبب ذلك، فسار هو وبجكم إلى الموصل، ومعهما ~~قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد، فلما بلغوا تكريت أقام الراضي بها، ~~وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بالكحيل على ستة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا، ~~واشتد القتال، فانهزم أصحاب ناصر الدولة، وساروا إلى نصيبين، وتبعهم بجكم ~~ولم ينزل بالموصل. # فلما بلغ نصيبين سار ابن حمدان إلى آمد، وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح، ~~فسار من تكريت في الماء يريد الموصل، وكان مع الراضي جماعة من القرامطة، ~~فانصرفوا عنه إلى بغداذ قبل وصول كتاب بجكم، وكان ابن ms2884 رائق يكاتبهم، فلما ~~بلغوا بغداذ ظهر ابن رائق من استتاره واستولى على بغداذ، ولم يعرض لدار ~~الخليفة. # وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء إلى البر، وسار إلى الموصل، وكتب ~~إلى بجكم بذلك، فعاد عن نصيبين، فلما بلغ خبر عوده إلى ناصر الدولة سار من ~~آمد إلى نصيبين، فاستولى عليها وعلى ديار ربيعة، فقلق بجكم لذلك، وتسلل ~~أصحابه إلى بغداذ، فاحتاج أن يحفظ أصحابه، وقال: قد حصل الخليفة وأمير ~~الأمراء على # PageV07P078 # قصبة الموصل حسب. # وأنفذ ابن حمدان قبل أن يتصل به خبر ابن رائق، يطلب الصلح ويعجل خمسمائة ~~ألف درهم، ففرح بجكم بذلك، وأنهاه إلى الراضي، فأجاب إليه، واستقر الصلح ~~بينهم، وانحدر الراضي وبجكم إلى بغداذ. وكان قد راسلهم ابن رائق مع أبي ~~جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يلتمس الصلح، فسار إليهم إلى الموصل وأدى ~~الرسالة (إلى بجكم، فأكرمه بجكم وأنزله معه، وأحسن إليه، وقدمه إلى الراضي ~~فأبلغه الرسالة أيضا) ، فأجابه الراضي وبجكم إلى ما طلب، وأرسل في جواب ~~رسالته قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد، وقلده طريق الفرات وديار مضر: ~~(حران، والرها، وما جاورها) ، وجند قنسرين، والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضا ~~إلى هذه القاعدة، وسار عن بغداذ إلى ولايته، ودخل الراضي وبجكم بغداذ تاسع ~~ربيع الآخر. # ذكر وزارة البريدي للخليفة # في هذه السنة مات الوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بالرملة، وقد ~~ذكرنا سبب مسيره إلى الشام، فكانت وزارته سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين ~~يوما، ولما سار إلى الشام، استناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري. # وكان بجكم قد قبض على وزيره علي بن خلف بن طياب، فاستوزر أبا جعفر محمد ~~بن يحيى بن شيرزاد، فسعى أبو جعفر في الصلح بين بجكم والبريدي، فتم ذلك، ثم ~~ضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة، ثم شرع ابن شيرزاد أيضا ~~بعد موت أبي الفتح الوزير بالرملة في تقليد أبي عبد الله البريدي الوزارة، ~~فأرسل إليه الراضي في ذلك، فأجاب إليه في رجب، واستناب بالحضرة عبد ms2885 الله بن ~~علي # PageV07P079 # النقري أيضا كما كان يخلف أبا الفتح. # ذكر مخالفة بالبا على الخليفة # كان بجكم قد استناب بعض قواده الأتراك ويعرف ببالبا على الأنبار، فكاتبه ~~يطلب أن يقلد أعمال طريق الفرات بأسرها ليكون في وجه ابن رائق وهو بالشام، ~~فقلده بجكم ذلك، فسار إلى الرحبة، وكاتب ابن رائق، وخالف على بجكم والراضي، ~~وأقام الدعوة لابن رائق وعظم أمره. # فبلغ الخبر إلى بجكم فسير طائفة من عسكره وأمرهم بالجد، وأن يطووا ~~المنازل ويسبقوا خبرهم ويكبسوا بالرحبة، ففعلوا ذلك، فوصلوا إلى الرحبة في ~~خمسة أيام، ودخلوها على حين غفلة من بالبا، وهو يأكل الطعام، فلما بلغه ~~الخبر، اختفى عند إنسان حائك، ثم ظفروا به فأخذوه وأدخلوه بغداذ على جمل ثم ~~حبس، فكان آخر العهد به. # ذكر ولاية أبي علي بن محتاج خراسان # في هذه السنة استعمل الأمير السعيد نصر بن أحمد على خراسان وجيوشها أبا ~~علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفر بن محتاج، وعزل أباه واستقدمه إلى ~~بخارى. # وسبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا طال به، فأنفذ السعيد فأحضر ابنه أبا ~~علي من الصغانيان، واستعمله مكان أبيه، وسيره إلى نيسابور، وكتب إلى أبيه ~~يستدعيه إليه، فسار عن نيسابور، فلقيه ولده على ثلاث مراحل من نيسابور، ~~فعرفه ما يحتاج إلى معرفته، وسار أبو بكر إلى بخارى مريضا، ودخل ولده أبو ~~علي نيسابور أميرا في شهر رمضان من هذه السنة. # وكان أبو علي عاقلا شجاعا حازما، فأقام بها ثلاثة أشهر، يستعد للمسير إلى ~~جرجان وطبرستان، وسنذكر ذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. # PageV07P080 # ذكر غلبة وشمكير على أصبهان وألموت # وفيها أرسل وشمكير بن زيار أخو مرداويج جيشا كثيفا من الري إلى أصبهان، ~~وبها أبو علي الحسن بن بويه، وهو ركن الدولة، فأزالوه عنها واستولوا عليها، ~~وخطبوا فيها لوشمكير، ثم سار (ركن الدولة إلى بلاد فارس، فنزل بظاهر إصطخر، ~~وسار) وشمكير إلى قلعة ألموت، فملكها وعاد عنها، وسيرد من أخبارهما سنة ~~ثمان وعشرين [وثلاثمائة] ما تقف عليه. # ذكر الفتنة بالأندلس # وفي ms2886 هذه السنة عصى أمية بن إسحاق بمدينة شنترين، على عبد الرحمن الأموي ~~صاحب الأندلس. # وسبب ذلك أنه كان له أخ اسمه أحمد، وكان وزيرا لعبد الرحمن، فقتله عبد ~~الرحمن، وكان أمية بشنترين، فلما بلغه ذلك عصى فيها، والتجأ إلى ردمير ملك ~~الجلالقة، ودله على عورات المسلمين، ثم خرج أمية في بعض الأيام يتصيد، ~~فمنعه أصحابه من دخول البلد، فسار إلى ردمير فاستوزره. # وغزا عبد الرحمن بلاد الجلالقة، (فالتقى هو وردمير هذه السنة، فانهزمت ~~الجلالقة) ، وقتل منهم خلق كثير، وحصرهم عبد الرحمن. # ثم إن الجلالقة خرجوا عليه وظفروا به وبالمسلمين، وقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة، وأراد اتباعهم، فمنعه أمية وخوفه المسلمين (ورغبه في الخزائن ~~والغنيمة. # وعاد عبد الرحمن بعد هذه الوقعة، فجهز الجيوش إلى بلاد الجلالقة، فألحوا ~~عليهم بالغارات، وقتلوا منهم أضعاف ما قتلوا من المسلمين) ، ثم إن أمية ~~استأمن إلى عبد الرحمن، فأكرمه. # PageV07P081 # ذكر عدة حوادث # وفي هذه السنة انكسف القمر جميعه في صفر. # [الوفيات] # وفيها مات عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب " الجرح والتعديل ". # وعثمان بن الخطاب بن عبد الله أبو الدنيا المعروف بالأشج الذي يقال إنه ~~لقي علي بن أبي طالب، عليه السلام. وقيل: إنهم كانوا يسمونه، ويكنونه أبا ~~الحسن آخر أيامه، وله صحيفة تروى عنه ولا تصح، وقد رواها كثير من المحدثين ~~مع علم منهم بضعفها. # وفيها توفي محمد بن جعفر بن (محمد بن) سهل أبو بكر الخرائطي صاحب ~~التصانيف المشهورة، كاعتلال القلوب وغيره، بمدينة يافا. # PageV07P082 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة] ### | 328 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة # ذكر استيلاء أبي علي على جرجان # في هذه السنة في المحرم، سار أبو علي بن محتاج في جيش خراسان من نيسابور ~~إلى جرجان، وكان بجرجان ماكان بن كالي قد خلع طاعة الأمير نصر بن أحمد، ~~فوجدهم أبو علي قد غوروا المياه، فعدل عن الطريق إلى غيره، فلم يشعروا به، ~~حتى نزل على فرسخ من جرجان، فحصر ماكان بها، وضيق عليه، وقطع الميرة عن ~~البلد، فاستأمن إليه كثير من ms2887 أصحاب ماكان، وضاق الحال بمن بقي بجرجان حتى ~~صار الرجل يقتصر كل يوم على حفنة سمسم، أو كيلة من كسب، أو باقة بقل. # واستمد ماكان من وشمكير وهو بالري، فأمده بقائد من قواده يقال له شيرح بن ~~النعمان، فلما وصل إلى جرجان ورأى الحال، شرع في الصلح بين أبي علي وبين ~~ماكان بن كالي ; ليجعل له طريقا ينجو فيه، ففعل أبو علي ذلك، وهرب ماكان ~~إلى طبرستان، واستولى أبو علي على جرجان في أواخر سنة ثمان وعشرين، واستخلف ~~عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، بعد أن أصلح حالها وأقام بها إلى المحرم ~~سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فسار إلى الري على ما نذكره. # ذكر مسير ركن الدولة إلى واسط # في هذه السنة سار ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه إلى واسط. # وكان سبب ذلك أن أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشا إلى السوس، وقتل قائدا ~~من الديلم، فتحصن أبو جعفر الصيمري بقلعة السوس، وكان على خراجها. # PageV07P083 # وكان معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه بالأهواز، فخاف أن يسير إليه ~~البريدي من البصرة، فكتب إلى أخيه ركن الدولة، وهو بباب إصطخر قد عاد من ~~أصبهان على ما ذكرناه، فلما أتاه كتاب أخيه سار إليه مجدا يطوي المنازل حتى ~~وصل إلى السوس، ثم سار إلى واسط ليستولي عليها إذ كان قد خرج عن أصبهان، ~~وليس له ملك ليستقل به، فنزل بالجانب الشرقي، وكان البريديون بالجانب ~~الغربي، فاضطرب رجال ابن بويه، فاستأمن منهم مائة رجل إلى البريدي. # ثم سار الراضي وبجكم من بغداذ نحو واسط لحربه، فخاف أن يكثر الجمع عليه ~~ويستأمن رجاله فيهلك ; لأنه كان له سنة لم ينفق فيهم مالا، فعاد من واسط ~~إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز. # ذكر ملك ركن الدولة أصبهان # وفيها عاد ركن الدولة فاستولى على أصبهان، سار من رامهرمز فاستولى عليها، ~~وأخرج عنها أصحاب وشمكير وقتل منهم، واستأسر بضعة عشر قائدا، وكان سبب ذلك ~~أن وشمكير كان قد أنفذ عسكره إلى ماكان نجدة له على ما ذكرناه، فخلت ms2888 بلاد ~~وشمكير من العساكر، (وسار ركن الدولة إلى أصبهان، وبها نفر يسير من ~~العساكر) ، فهزمهم واستولى عليها، وكاتب هو وأخوه عماد الدولة أبا علي بن ~~محتاج يحرضانه على ماكان ووشمكير، ويعدانه المساعدة عليهما، فصار بينهم ~~بذلك مودة. # ذكر مسير بجكم نحو بلاد الجبل وعوده # في هذه السنة سار بجكم من بغداذ نحو بلاد الجبل، ثم عاد عنها. # وكان سبب ذلك أنه صالح هذه السنة أبا عبد الله البريدي وصاهره، وتزوج ~~ابنته، فأرسل إليه البريدي يشير عليه بأن يسير إلى بلاد الجبل لفتحها ~~والاستيلاء عليها، ويعرفه أنه إذ سار إلى الجبل سار هو إلى الأهواز ~~واستنقذها من يد ابن بويه، فاتفقا على ذلك، وأنفذ إليه بجكم خمسمائة رجل من ~~أصحابه معونة له، وأنفذ إليه صاحبه أبا زكرياء السوسي يحثه على الحركة، ~~ويكون عنده إلى أن يرحل عن واسط إلى الأهواز. # وسار بجكم إلى حلوان، وصار أبو زكرياء السوسي يحث ابن البريدي على المسير # PageV07P084 # إلى السوس والأهواز، وهو يدافع الأوقات، وكان عازما على قصد بغداذ إذا ~~أبعد عنها بجكم ليستولي عليها، وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وينتظر به ~~الدوائر من هزيمة أو قتل. وأقام أبو زكرياء عنده نحو شهر يحثه على المسير، ~~وهو يغالطه، فعلم أبو زكرياء مقصوده، فكتب إلى بجكم، فلحقه الخبر وهو سائر، ~~فركب الجمازات وعاد إلى بغداذ، وخلف عسكره وراءه. # ووصل الخبر إلى البريدي بدخول بجكم إلى بغداذ، فسقط في يده، ثم أتته ~~الأخبار بأن بجكم قد سار نحوه. # ذكر استيلاء بجكم على واسط # لما عاد بجكم إلى بغداذ، تجهز للانحدار إلى واسط، وحفظ الطرق لئلا يصل ~~خبره إلى البريدي فيتحرز، وانحدر هو في الماء في العشرين من ذي القعدة، ~~وسير عسكره في البر، وأسقط اسم البريدي من الوزارة، وجعل مكانه أبا القاسم ~~سليمان بن الحسن بن مخلد، وكانت وزارة البريدي سنة واحدة وأربعة أشهر ~~وأربعة عشر يوما، وقبض على ابن شيرزاد ; لأنه هو كان سبب وصلته بالبريدي، ~~(وأخذ منه مائة وخمسين ألف دينار) . # فمن عجيب الاتفاق أن بجكم ms2889 كان له كاتب على أمر داره وحاشيته، وهو معه في ~~السفينة عند انحداره إلى واسط، فجاء طائر فسقط على صدر السفينة، فأخذ وأحضر ~~عند بجكم، فوجد على ذنبه كتابا ففتحه، وإذا هو من هذا الكاتب إلى أخ له مع ~~البريدي، يخبره بخبر بجكم، وما هو عازم عليه، فألقى الكتاب إليه، فاعترف به ~~إذ لم يمكنه جحده ; لأنه بخطه، فأمر بقتله، فقتل وألقاه في الماء. # ولما بلغ خبر بجكم إلى البريدي سار عن واسط إلى البصرة، ولم يقم بها، ~~فلما وصل إليها بجكم لم يجد بها أحدا، فاستولى عليها، وكان بجكم قد خلف ~~عسكرا ببلد الجبل، (قصدهم الديلم والجيل) ، فانهزموا وعادوا إلى بغداذ. # PageV07P085 # ذكر استيلاء ابن رائق على الشام # في هذه السنة استولى ابن رائق على الشام، وقد ذكرنا مسيره فيما تقدم، ~~فلما دخل الشام، قصد مدينة حمص فملكها، ثم سار إلى دمشق، وبها بدر بن عبد ~~الله الإخشيدي المعروف ببدير، واليا عليها للإخشيد، فأخرجه ابن رائق منها ~~وملكها، وسار منها إلى (الرملة فملكها. # وسار إلى) عريش مصر يريد الديار المصرية، فلقيه الإخشيد محمد بن طغج، ~~وحاربه، فانهزم الإخشيد، فاشتغل أصحاب ابن رائق بالنهب، ونزلوا في خيم ~~أصحاب الإخشيد، فخرج عليهم كمين للإخشيد، فأوقع بهم وهزمهم وفرقهم، ونجا ~~ابن رائق في سبعين رجلا، ووصل إلى دمشق على أقبح صورة. # فسير إليه الإخشيد أخاه أبا نصر بن طغج في جيش كثيف، فلما سمع بهم ابن ~~رائق، سار إليهم من دمشق، فالتقوا باللجون رابع ذي الحجة، فانهزم عسكر أبي ~~نصر وقتل هو، فأخذه ابن رائق وكفنه وحمله إلى أخيه الإخشيد، (وهو بمصر، ~~وأنفذ معه ابنه مزاحم بن محمد بن رائق، وكتب إلى الإخشيد) كتابا يعزيه عن ~~أخيه، ويعتذر مما جرى ويحلف أنه ما أراد قتله، وأنه قد أنفذ ابنه ليفديه به ~~إن أحب ذلك، فتلقى الإخشيد مزاحما بالجميل، وخلع عليه، ورده إلى أبيه، ~~واصطلحا على أن تكون الرملة وما وراءها إلى مصر للإخشيد، وباقي الشام لمحمد ~~بن رائق، ويحمل إليه الإخشيد (عن الرملة) ms2890 (كل سنة) مائة ألف وأربعين ألف ~~دينار. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل طريف السبكري. # PageV07P086 # (وفيها عزل بجكم وزيره أبا جعفر بن شيرزاد لما ذكرناه، وصادره على مائة ~~وخمسين ألف دينار، واستوزر بعده أبا عبد الله الكوفي) . # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن يعقوب أبو جعفر الكليني، وهو من أئمة الإمامية ~~وعلمائهم. # (الكليني: بالياء المعجمة باثنتين من تحت ثم بالنون، وهو ممال) . # وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب المقرئ البغداذي المعروف بابن ~~شنبوذ في صفر. # وفيها توفي أبو محمد جعفر المرتعش، وهو من أعيان مشايخ الصوفية، وهو ~~نيسابوري سكن بغداذ، وقاضي القضاة عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد ~~ولي القضاء بعد أبيه. # وفيها توفي أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن محمد بن بشار المعروف بابن ~~الأنباري، وهو مصنف كتاب الوقف والابتداء. # PageV07P087 # وفيها في حادي عشر شوال مات الوزير أبو علي بن مقلة في الحبس. # وفيها لليلتين بقيتا من شوال، توفي الوزير أبو العباس الخصيبي بسكتة ~~لحقته، بينه وبين ابن مقلة سبعة عشر يوما. # وفيها مات أبو عبد الله القمي، وزير ركن الدولة بن بويه، فاستوزر بعده ~~أبا الفضل بن العميد، فتمكن منه، فنال ما لم ينله أحد من وزراء بني بويه، ~~وسيرد من أخباره ما يعلم به محله. # PageV07P088 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة] ### | 329 - # ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة # ذكر موت الراضي بالله في هذه السنة مات الراضي بالله أبو العباس أحمد بن ~~المقتدر منتصف ربيع الأول، وكانت خلافته ست سنين (وعشرة أشهر) وعشرة أيام، ~~وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وشهورا، وكانت علته الاستسقاء، وكان أديبا ~~شاعرا، فمن شعره: # يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا # حتى كأن الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا # وله أيضا يرثي أباه المقتدر: # ولو أن حيا كان قبرا لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا # ولو أن عمري كان طوع مشيئتي ... وساعدني التقدير قاسمته العمرا # بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى ... لقد ضم ms2891 منك الغيث والليث والبدرا # PageV07P089 # ومن شعره أيضا: # كل صفو إلى كدر ... كل أمن إلى حذر # ومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكدر # در در المشيب من ... واعظ ينذر البشر # أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغرر # أين من كان قبلنا ... درس العين والأثر # سيرد المعاد من ... عمره كله خطر # رب إني ذخرت عن ... دك أرجوك مدخر # إنني مؤمن بما بي ... ن الوحي في السور # واعترافي بترك نف ... عي وإيثاري الضرر # رب فاغفر لي الخطي ... ئة يا خير من غفر # وكان الراضي أيضا سمحا، سخيا، يحب محادثة الأدباء والفضلاء والجلوس معهم. # ولما مات أحضر بجكم ندماءه وجلساءه، وطمع أن ينتفع بهم، فلم يفهم منهم ما ~~ينتفع به، وكان منهم سنان بن ثابت الصابي الطبيب، فأحضره وشكا إليه غلبة ~~القوة الغضبية عليه، وهو كاره لها، فما زال معه في تقبيح ذلك عنده وتحسين ~~ضده من الحلم، والعفو، والعدل، وتوصل معه حتى زال أكثر ما كان يجده، وكف عن ~~القتل والعقوبات. # وكان الراضي أسمر، أعين، خفيف العارضين، وأمه أم ولد اسمها ظلوم، وختم ~~الخلفاء في أمور عدة، فمنها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة خطب ~~كثيرا # PageV07P090 # على منبر، وإن كان غيره قد خطب نادرا لا اعتبار به، وكان آخر خليفة جالس ~~الجلساء، ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت له نفقته، وجوائزه، وعطاياه، ~~وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، ومجالسه، وخدمه، وحجابه، وأموره على ترتيب ~~الخلفاء المتقدمين. # ذكر خلافة المتقي لله # لما مات الراضي بالله، بقي الأمر في الخلافة موقوفا انتظارا لقدوم أبي ~~عبد الله الكوفي كاتب بجكم (من واسط، وكان بجكم بها) . # واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع مع ~~أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، كل من تقلد الوزارة، وأصحاب ~~الدواوين، والعلويون، والقضاة، والعباسيون، ووجوه البلد، ويشاورهم الكوفي ~~فيمن ينصب للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقته، فجمعهم الكوفي واستشارهم، فذكر ~~بعضهم إبراهيم بن المقتدر، وتفرقوا على هذا. # فلما كان الغد، اتفق الناس عليه، فأحضر في دار الخلافة، ms2892 وبويع له في ~~العشرين من ربيع الأول، وعرضت عليه ألقاب، فاختار " المتقي لله "، وبايعه ~~الناس كافة، وسير الخلع واللواء إلى بجكم بواسط. # وكان بجكم بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي، قد أرسل إلى دار الخلافة # PageV07P091 # فأخذ فرشا وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجبه، وأقر سليمان ~~على وزارته، وليس له من الوزارة إلا اسمها، وإنما التدبير كله إلى الكوفي ~~كاتب بجكم. # ذكر قتل ماكان بن كالي، واستيلاء أبي علي بن محتاج على الري # قد ذكرنا مسير أبي علي بن محمد بن المظفر بن محتاج إلى جرجان، وإخراج ~~ماكان عنها، فلما سار عنها ماكان، قصد طبرستان وأقام بها، وأقام أبو علي ~~بجرجان يصلح أمرها، ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيمجور الدواتي، وسار نحو ~~الري في المحرم من هذه السنة، فوصلها في ربيع الأول، وبها وشمكير بن زيار ~~أخو مرداويج. # وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي، ويحثانه على ~~قصد وشمكير، ويعدانه المساعدة، وكان قصدهما أن تؤخذ الري من وشمكير، فإذا ~~أخذها أبو علي، لا يمكنه المقام بها لسعة ولايته بخراسان، فيغلبان عليها. # وبلغ أمر اتفاقهم إلى وشمكير. وكاتب ماكان بن كالي يستخدمه ويعرفه الحال، ~~فسار ماكان بن كالي من طبرستان إلى الري، وسار أبو علي وأتاه عسكر ركن ~~الدولة بن بويه، فاجتمعوا معه بإسحاقاباذ، والتقوا هم ووشمكير، ووقف ماكان ~~بن كالي في القلب وباشر الحرب بنفسه، وعبأ أبو علي أصحابه كراديس، وأمر من ~~بإزاء القلب أن يلحوا عليهم في القتال، ثم يتطاردوا لهم ويستجروهم، ثم وصى ~~من بإزاء الميمنة والميسرة أن يناوشوهم مناوشة بمقدار ما يشغلونهم عن ~~مساعدة من في القلب، ولا يناجزوهم، ففعلوا ذلك. # وألح أصحابه على قلب وشمكير بالحرب، ثم تطاردوا لهم، فطمع فيهم ماكان ومن ~~معه، فتبعوهم وفارقوا مواقفهم، فحينئذ أمر أبو علي الكراديس التي بإزاء ~~الميمنة والميسرة أن يتقدم بعضهم، ويأتي من في قلب وشمكير من ورائهم، ~~ففعلوا ذلك، فلما رأى أبو علي أصحابه قد أقبلوا من وراء ماكان ومن معه من ~~أصحابه، أمر ms2893 المتطاردين # PageV07P092 # بالعود والحملة على ماكان وأصحابه، وكانت نفوسهم قد قويت بأصحابهم، ~~فرجعوا وحملوا على أولئك، وأخذهم السيف من بين أيديهم ومن خلفهم، فولوا ~~منهزمين. # فلما رأى ماكان ذلك، ترجل وأبلى بلاء حسنا، وظهرت منه شجاعة لم ير الناس ~~مثلها، فأتاه سهم غرب، فوقع في جبينه، فنفذ في الخوذة والرأس حتى طلع من ~~قفاه وسقط ميتا، وهرب وشمكير ومن سلم معه إلى طبرستان، فأقام بها، واستولى ~~أبو علي على الري، وأنفذ رأس ماكان إلى بخارى والسهم فيه، ولم يحمل إلى ~~بغداذ حتى قتل بجكم ; لأن بجكم كان من أصحابه، وجلس للعزاء لما قتل، فلما ~~قتل بجكم، حمل الرأس من بخارى إلى بغداذ والسهم فيه وفي الخوذة، وأنفذ أبو ~~علي الأسرى إلى بخارى أيضا، وكانوا بها حتى دخل وشمكير في طاعة آل سامان، ~~وسار إلى خراسان فاستوهبهم، فأطلقوا له على ما نذكره سنة ثلاثين ~~[وثلاثمائة] . # ذكر قتل بجكم # وفي هذه السنة قتل بجكم. # وكان سبب قتله أن أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشا من البصرة إلى مذار، ~~فأنفذ بجكم جيشا إليهم عليهم توزون، فاقتتلوا قتالا شديدا كان أولا على ~~توزون، فكتب إلى بجكم يطلب أن يلحق به، فسار بجكم إليهم من واسط منتصف رجب، ~~فلقيه كتاب توزون بأنه ظفر بهم وهزمهم، فأراد الرجوع إلى واسط، فأشار عليه ~~بعض أصحابه بأن يتصيد، فقبل منه، وتصيد حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك ~~أكرادا لهم مال وثروة، فشرهت نفسه (إلى أخذه) ، فقصدهم في قلة من أصحابه ~~بغير جنة تقيه، فهرب الأكراد من بين يديه، ورمى هو أحدهم فلم يصبه، فرمى ~~آخر فأخطأه أيضا، وكان لا يخيب سهمه، فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه ~~في خاصرته، وهو لا يعرفه، فقتله وذلك # PageV07P093 # لأربع بقين من رجب، واختلف عسكره، فمضى الديلم خاصة نحو البريدي، وكانوا ~~ألفا وخمسمائة، فأحسن إليهم، وأضعف أرزاقهم، وأوصلها إليهم دفعة واحدة. # وكان البريدي قد عزم على الهرب من البصرة هو وإخوته، وكان بجكم قد راسل ~~أهل البصرة وطيب قلوبهم، فمالوا إليه، فأتى ms2894 البريديين الفرج من حيث لم ~~يحتسبوا، وعاد أتراك بجكم إلى واسط، وكان تكينك محبوسا بها، حبسه بجكم، ~~وأخرجوه من محبسه، فسار بهم إلى بغداذ، وأظهروا طاعة المتقي لله. # وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون يدبر الأمور، واستولى المتقي على دار ~~بجكم، فأخذ ماله منها، وكان قد دفن فيها مالا كثيرا، وكذلك أيضا في الصحراء ~~; لأنه خاف أن ينكب فلا يصل إلى ماله في داره. # وكان مبلغ ما أخذ من ماله ودفائنه ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكانت ~~مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام. # ذكر إصعاد البريديين إلى بغداذ # لما قتل بجكم، اجتمعت الديلم على بلسواز بن مالك بن مسافر، فقتله ~~الأتراك، فانحدر الديلم إلى أبي عبد الله البريدي، وكانوا منتخبين ليس فيهم ~~حشو، فقوي بهم، وعظمت شوكته، فأصعدوا من البصرة إلى واسط في شعبان، فأرسل ~~المتقي لله إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا، فقالوا: نحن محتاجون إلى مال، فإن ~~أنفذ لنا منه شيء، لم نصعد، فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال ~~الأتراك للمتقي: نحن نقاتل بني البريدي، فأطلق لنا مالا وانصب لنا مقدما، ~~فأنفق فيهم مالا، وفي أجناد بغداذ القدماء أربعمائة ألف دينار من المال ~~الذي أخذ لبجكم، وجعل عليه سلامة الطولوني، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ~~ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان. # وسار البريدي من واسط إلى بغداذ، ولم يقف على ما استقر معه، فلما قرب من ~~بغداذ اختلف الأتراك البجكمية، واستأمن بعضهم إلى البريدي، وبعضهم سار إلى ~~الموصل، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبد الله الكوفي، ولم يحصل الخليفة إلا ~~على # PageV07P094 # إخراج المال، وهم أرباب النعم والأموال، بالانتقال من بغداذ خوفا من ~~البريدي وظلمه وتهوره. # ودخل أبو عبد الله البريدي بغداذ ثان عشر من رمضان، ونزل بالشفيعي، ولقيه ~~الوزير أبو الحسين، والقضاة، والكتاب، وأعيان الناس، وكان معه من أنواع ~~السفن ما لا يحصى كثرة، فأنفذ إليه المتقي يهنيه بسلامته، وأنفذ إليه طعاما ~~وغيره عدة ليال، وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو الحسين بن ميمون ms2895 وزير ~~الخليفة أيضا، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارة أبي الحسين ثلاثة ~~وثلاثين يوما، ثم قبض أبو عبد الله البريدي على أبي الحسين وسيره إلى ~~البصرة، وحبسه بها إلى أن مات (في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة من حمى حادة) . # ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطلب خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند، ~~فامتنع عليه، فأرسل إليه يتهدده، ويذكره ما جرى على المعتز، والمستعين، ~~والمهتدي، وترددت الرسل، فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار، ولم يلق ~~البريدي المتقي لله مدة مقامه ببغداذ. # ذكر عود البريدي إلى واسط # كان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ الخليفة إليه ~~المال المذكور، انصرفت أطماع الجند عن الخليفة إلى البريدي وعادت مكيدته ~~عليه، فشغب الجند عليه، وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي، ~~وقدم الأتراك على أنفسهم تكينك التركي غلام بجكم، وثار الديلم إلى دار ~~البريدي، فأحرقوا دار أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها، ونفروا عن البريدي، ~~وانضاف تكينك إليهم، وصارت أيديهم واحدة، واتفقوا على قصد البريدي ونهب ما ~~عنده من الأموال، فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة، (فقطع البريدي الجسر، ~~ووقعت الحرب في الماء، ووثب العامة) بالجانب الغربي على أصحاب البريدي، ~~فهرب هو وأخوه وابنه أبو القاسم وأصحابه، وانحدروا في الماء إلى واسط، ~~ونهبت داره في النجمي ودور قواده، وكان هربه سلخ رمضان، وكانت مدة مقامه ~~أربعة وعشرين يوما. # PageV07P095 # ذكر إمارة كورتكين الديلمي # لما هرب البريدي، استولى كورتكين على الأمور ببغداذ، ودخل إلى المتقي ~~لله، فقلده إمارة الأمراء، وخلع عليه، واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه ~~عبد الرحمن بن عيسى، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسمية بوزارة، ثم ~~إن كورتكين قبض تكينك التركي خامس شوال، وغرقه، وتفرد بالأمر، ثم إن العامة ~~اجتمعوا يوم الجمعة سادس شوال، وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم، فلم ~~ينكر ذلك، فمنعت العامة الخطيب من الصلاة، واقتتلوا هم والديلم، فقتل من ~~الفريقين جماعة. # ذكر عود ابن رائق إلى بغداذ # في هذه السنة عاد (أبو بكر) محمد بن ms2896 رائق من الشام إلى بغداذ، وصار أمير ~~الأمراء. # وكان سبب ذلك أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل، لم يروا عند ابن ~~حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من القواد ~~توزون، وخجخج، ونوشتكين، وصيغون، فلما وصلوا إليه، أطمعوه في العود إلى ~~العراق، ثم وصلت إليه كتب المتقي يستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من ~~رمضان، واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل، فلما وصل إلى ~~الموصل، تنحى عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا، واتفقا على أن ~~يتصالحا، وحمل ابن حمدان إليه مائة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداذ، ~~فقبض كورتكين على القراريطي الوزير، واستوزر أبا # PageV07P096 # جعفر محمد بن القاسم الكرخي في ذي القعدة، وكانت وزارة القراريطي ثلاثة ~~وأربعين يوما. # وبلغ خبر ابن رائق إلى أبي عبد الله البريدي، فسير إخوته إلى واسط ~~فدخلوها، وأخرجوا الديلم عنها، وخطبوا له بواسط، وخرج كورتكين عن بغداذ إلى ~~عكبرا، ووصل إليه ابن رائق، فوقعت الحرب بينهم، واتصلت عدة أيام. # فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة، سار ابن رائق ليلا من عكبرا ~~هو وجيشه، فأصبح ببغداذ فدخلها من الجانب الغربي هو وجميع جيشه، ونزل في ~~النجمي، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقيه، وركب المتقي لله معه في دجلة، ثم ~~عاد ووصل هذا اليوم بعد الظهر كورتكين مع جميع جيشه من الجانب الشرقي، ~~وكانوا يستهزئون بأصحاب ابن رائق، ويقولون: أين نزلت هذه القافلة الواصلة ~~من الشام؟ ونزلوا بالجانب الشرقي. # ولما دخل كورتكين بغداذ أيس ابن رائق من ولايتها، فأمر بحمل أثقاله ~~والعود إلى الشام، فرفع الناس أثقالهم، ثم إنه عزم (أن يناوشهم) شيئا من ~~قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا الأتراك من ~~ورائهم، ثم إنه ركب في سميرية، وركب معه عدة من أصحابه في عشرين سميرية، ~~ووقفوا يرمون الأتراك بالنشاب، ووصل أصحابه وصاحوا من خلفهم، واجتمعت ~~العامة مع أصحاب ابن رائق يضجون، فظن كورتكين أن العسكر قد جاءه ms2897 من خلفه ~~ومن بين يديه، فانهزم هو وأصحابه، واختفى هو، ورجمهم العامة بالآجر وغيره. # وقوي أمر ابن رائق، وأخذ من استأمن إليه من الديلم فقتلهم عن آخرهم، ~~وكانوا نحو أربعمائة، فلم يسلم منهم غير رجل واحد اختفى بين القتلى، وحمل ~~معهم في الجواليق، وألقي في دجلة فسلم وعاش بعد ذلك دهرا، وقتل الأسرى من ~~قواد الديلم، وكانوا بضعة عشر رجلا. # PageV07P097 # وخلع المتقي على ابن رائق، وجعله أمير الأمراء، وأمر جعفر الكرخي بلزوم ~~بيته، وكانت وزارته ثلاثة وثلاثين يوما، واستولى أحمد الكوفي على الأمر ~~فدبره، ثم ظفر ابن رائق بكورتكين فحبس بدار الخليفة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بالعراق غلاء شديد، فاستسقى الناس في ربيع الأول، فسقوا ~~مطرا قليلا لم يجر منه ميزاب، ثم اشتد الغلاء والوباء، وكثر الموت حتى كان ~~يدفن الجماعة في القبر الواحد ولا يغسلون، ولا يصلى عليهم، ورخص العقار ~~ببغداذ الأثاث حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم، وانقضى تشرين الأول وتشرين ~~الثاني، والكانونان، وشباط، ولم يجئ مطر غير المطرة التي عند الاستسقاء، ثم ~~جاء المطر في آذار ونيسان. # وفيها في شوال، استوزر المتقي لله أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي ~~المعروف بالقراريطي، بعد عود بني البريدي من بغداذ، وجعل بدرا الخرشي ~~حاجبه، فبقي وزيرا إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة، فقبض عليه كورتكين، ~~وكانت وزارته ثلاثة وأربعين يوما، واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم ~~الكرخي، فبقي وزيرا إلى الثامن # PageV07P098 # والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فعزله ابن رائق لما استولى على ~~الأمور ببغداذ، فكانت وزارته اثنين وثلاثين يوما، ودبر الأمور أبو عبد الله ~~الكوفي كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة. # وفيها عاد الحجاج إلى العراق، ولم يصلوا إلى المدينة، بل سلكوا الجادة ~~بسبب طالبي ظهر بتلك الناحية وقوي أمره. # وفيها كثرت الحميات ووجع المفاصل في الناس، ومن عجل الفصاد برئ وإلا طال ~~مرضه. # [الوفيات] # وفي أيام الراضي توفي أبو بشر أخو متى بن يونس الحكيم الفيلسوف، وله ~~تصانيف في شرح كتب أرسطاطاليس. ms2898 # وفيها في ذي الحجة، مات بختيشوع بن يحيى الطبيب. # وفيها مات محمد بن عبيد الله البلعمي وزير السعيد نصر بن أحمد صاحب ~~خراسان، وكان من عقلاء الرجال، وكان نصر قد صرفه عن وزارته سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة، وجعل مكانه محمد بن محمد الجيهاني. # PageV07P099 # وفيها توفي أبو بكر محمد بن المظفر بن محتاج، ودفن بالصغانيان. وأبو محمد ~~الحسن بن علي بن خلف البربهاري رئيس الحنابلة، توفي مستترا ودفن في تربة ~~نصر القشوري، وكان عمره ستا وسبعين سنة. # PageV07P100 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة] ### | 330 - # ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة # ذكر وزارة البريدي # في هذه السنة وزر أبو عبد الله البريدي للمتقي لله. # وكان سبب ذلك أن ابن رائق استوحش من البريدي ; لأنه أخر حمل المال، ~~وانحدر إلى واسط عاشر المحرم، فهرب بنو البريدي إلى البصرة، وسعى لهم أبو ~~عبد الله الكوفي حتى عادوا وضمنوا بقايا واسط بمائة وتسعين ألف دينار، ~~وضمنوها (كل سنة) بستمائة ألف دينار. # وعاد ابن رائق إلى بغداذ، فشغب الجند عليه ثاني ربيع الآخر، وفيهم توزون ~~وغيره من القواد، ورحلوا في العشر الآخر من ربيع الآخر إلى أبي عبد الله ~~البريدي بواسط، فلما وصلوا إليه قوي بهم، فاحتاج ابن رائق إلى مداراته، ~~فكاتب أبا عبد الله البريدي بالوزارة، وأنفذ له الخلع، واستخلف أبا (عبد ~~الله) بن شيرزاد. # ثم وردت الأخبار إلى بغداذ بعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداذ، فأزال ~~ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطي، ولعن بني البريدي ~~على المنابر بجانبي بغداذ. # PageV07P101 # ذكر استيلاء البريدي على بغداذ، وإصعاد المتقي إلى الموصل # وسير أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسين إلى بغداذ في جميع الجيش من ~~الأتراك والديلم، وعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخليفة، فأصلح سورها، ~~ونصب عليه العرادات والمنجنيقات، وعلى دجلة، وأنهض العامة، وجند بعضهم، ~~فثاروا في بغداذ وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلا ونهارا. # وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم ~~أبو الحسين عنده في الماء والبر، واقتتل الناس، ms2899 وكانت العامة على شاطئ دجلة ~~في الجانبين يقاتلون من في الماء من أصحاب البريدي، (وانهزم أهل بغداذ، ~~واستولى أصحاب البريدي) على دار الخليفة، ودخلوا إليها في الماء وذلك لتسع ~~بقين من جمادى الآخرة، وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين ~~فارسا، ولحق بهما ابن رائق في جيشه، فساروا جميعا نحو الموصل، واستتر ~~الوزير القراريطي، وكانت مدة وزارته الثانية أربعين يوما، وإمارة ابن رائق ~~ستة أشهر، وقتل أصحاب البريدي من وجدوا في دار الخليفة من الحاشية، ~~ونهبوها، ونهبوا دور الحرم. # وكثر النهب في بغداذ ليلا ونهارا، وأخذوا كورتكين من حبسه، وأنفذه أبو ~~الحسين إلى أخيه بواسط فكان آخر العهد به، ولم يتعرضوا للقاهر بالله، ونزل ~~أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق وعظم النهب، فأقام أبو الحسين ~~توزون على الشرطة بشرقي بغداذ، وجعل نوشتكين على شرطة الجانب الغربي، فسكن ~~الناس شيئا يسيرا، وأخذ أبو الحسين البريدي رهائن القواد الذين مع توزون ~~وغيره، وأخذ نساءهم وأولادهم فسيرهم إلى أخيه أبي عبد الله بواسط. # PageV07P102 # ذكر ما فعله البريدي ببغداذ # لما استولى على بغداذ أخذ أصحابه في النهب والسلب وأخذ الدواب، وجعلوا ~~طلبها طريقا إلى غيرها من الأثاث، وكبست الدور، وأخرج أهلها منها ونزلت، ~~وعظم الأمر، وجعل على كر من الحنطة والشعير وأصناف الحبوب خمسة دنانير، ~~وغلت الأسعار فبيع كر الحنطة بثلاثمائة وستة عشر دينارا، والخبز الخشكوار ~~رطلين بقيراطين صحيح أميري، وحبط أهل الذمة، وأخذ القوي بالضعيف، وورد من ~~الكوفة وسوادها خمسمائة كر من الحنطة والشعير، فأخذه جميعه وادعى أنه ~~للعامل بتلك الناحية. # ووقعت الفتن بين الناس، فمن ذلك أنه كان معه طائفة من القرامطة، فجرى ~~بينهم وبين الأتراك حرب قتل فيها جماعة، وانهزم القرامطة، وفارقوا بغداذ، ~~ووقعت حرب بين الديلم والعامة، قتل فيها جماعة من حد نهر طابق إلى القنطرة ~~الجديدة. # وفي آخر شعبان زاد البلاء على الناس، فكبسوا منازلهم ليلا ونهارا، واستتر ~~أكثر العمال (لعظيم ما) طولبوا به مما ليس في السواد، وافترق الناس، (فخرج ~~الناس) وأصحاب السلطان إلى ms2900 قرب من بغداذ، فحصدوا ما استحصدوا من الحنطة ~~والشعير، وحملوه بسنبله إلى منازلهم، وكان مع ذلك ينهب ويعسف أهل العراق ~~ويظلمهم ظلما لم يسمع بمثله قط، والله المستعان. # (وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه ~~الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله، سبحانه وتعالى. # PageV07P103 # ذكر قتل ابن رائق، وولاية ابن حمدان إمرة الأمراء # كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريديين، ~~فأرسل أخاه سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان نجدة له في جيش كثيف، فلقي ~~المتقي وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدولة للمتقي خدمة عظيمة، ~~وسار معه إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقي، وتوجه نحو ~~معلثايا، وترددت الرسل بينه وبين ابن رائق، حتى تعاهدا واتفقا، فحضر ناصر ~~الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن ~~المتقي وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقي، ~~فلما أرادوا الانصراف من عنده ركب ابن المتقي، وأراد ابن رائق الركوب، فقال ~~له ناصر الدولة: تقيم اليوم عندي لنتحدث فيما نفعله، فاعتذر ابن رائق بابن ~~المتقي، فألح عليه ابن حمدان، فاستراب به، وجذب كمه من يده فقطعه، وأراد ~~الركوب فشب به الفرس فسقط، فصاح ابن حمدان بأصحابه: اقتلوه. فقتلوه، وألقوه ~~في دجلة. # وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله، ~~ففعل به ما فعل، فرد عليه المتقي ردا جميلا، وأمره بالمسير إليه، فسار ابن ~~حمدان إلى المتقي لله، فخلع عليه، ولقبه " ناصر الدولة "، وجعله أمير ~~الأمراء، وذلك مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين علي، ولقبه " سيف ~~الدولة ". # وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب. # PageV07P104 # ولما قتل ابن رائق، سار الإخشيد من مصر إلى دمشق، وكان بها محمد بن يزداد ~~خليفة ابن رائق، فاستأمن إلى الإخشيد وسلم إليه دمشق، فأقره عليها، ثم نقله ~~عنها إلى مصر وجعله على شرطتها، ويقال أن لابن ms2901 رائق شعرا منه: # يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا # حتى كأن الذي بوجنته ... من دم قلبي إليه قد نقلا. # وقد قيل: إنها للراضي بالله، وقد تقدم. # ذكر عود المتقي إلى بغداذ، وهرب البريدي عنها # لما استولى أبو الحسين البريدي على بغداذ، وأساء السيرة كما ذكرناه، نفرت ~~عنه قلوب الناس العامة والأجناد، فلما قتل ابن رائق، سارع الجند إلى الهرب ~~من البريدي، فهرب خجخج إلى المتقي، وكان قد استعمله البريدي على الراذانات ~~وما يليها، ثم تحالف توزون ونوشتكين والأتراك على كبس أبي الحسين البريدي، ~~فغدر نوشتكين، فأعلم البريدي الخبر، فاحتاط وأحضر الديلم عنده، وقصده ~~توزون، فحاربه الديلم، وعلم توزون غدر نوشتكين به، فعاد ومعه جملة وافرة من ~~الأتراك، وسار نحو الموصل خامس رمضان، فقوي بهم ابن حمدان، وعزم على ~~الانحدار إلى بغداذ، وتجهز وانحدر هو والمتقي، واستعمل على أعمال الخراج ~~والضياع بديار مضر، وهي الرها وحران والرقة أبا الحسن علي بن طياب، وسيره ~~من الموصل. # وكان على ديار مضر أبو الحسين أحمد بن علي بن مقاتل خليفة لابن رائق، # PageV07P105 # فاقتتلوا، فقتل أبو الحسين بن مقاتل، واستولى ابن طياب عليها، فلما قارب ~~المتقي لله وناصر الدولة بن حمدان بغداذ، هرب أبو الحسين منها إلى واسط، ~~واضطربت العامة ببغداذ، ونهب الناس بعضهم بعضا، وكان مقام أبي الحسين ~~ببغداذ ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ودخل المتقي لله إلى بغداذ ومعه بنو حمدان ~~في جيوش كثيرة، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي، وقلد توزون شرطة جانبي ~~بغداذ، وذلك في شوال. # ذكر الحرب بين ابن حمدان والبريدي # لما هرب أبو الحسين البريدي إلى واسط، ووصل بنو حمدان والمتقي إلى بغداذ، ~~خرج بنو حمدان عن بغداذ نحو واسط، وكان أبو الحسين قد سار من واسط إليهم ~~ببغداذ، فأقام ناصر الدولة بالمدائن، وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه أبا ~~عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان في الجيش إلى قتال أبي الحسين، فالتقوا ~~نحو المدائن بفرسخين، واقتتلوا عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة، وكان توزون ~~وخجخج والأتراك مع ms2902 ابن حمدان، فانهزم سيف الدولة ومن معه إلى المدائن، وبها ~~ناصر الدولة، فردهم وأضاف إليهم من كان عنده من الجيش، فعاودوا القتال، ~~فانهزم أبو الحسين البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل جماعة، وعاد ~~أبو الحسين البريدي منهزما إلى واسط، ولم يقدر سيف الدولة على اتباعه إليها ~~; لما في أصحابه من الوهن والجراح. # وكان المتقي قد سير أهله من بغداذ إلى سر من رأى، فأعادهم، وكان أعيان ~~الناس قد هربوا من بغداذ، فلما انهزم البريدي عادوا إليها، وعاد ناصر ~~الدولة بن حمدان إلى بغداذ، فدخلها ثالث عشر ذي الحجة، وبين يديه الأسرى ~~على الجمال، ولما استراح # PageV07P106 # سيف الدولة وأصحابه، انحدروا من موضع المعركة إلى واسط، فرأوا البريديين ~~قد انحدروا إلى البصرة، فأقام بواسط ومعه الجيش، وسنذكر من أخباره سنة إحدى ~~وثلاثين [وثلاثمائة] . # ولما عاد ناصر الدولة إلى بغداذ، نظر في العيار، فرآه ناقصا، فأمر بإصلاح ~~الدنانير، فضرب دنانير سماها الإبريزية، عيارها خير من غيرها، فكان الدينار ~~بعشرة دارهم، فبيع هذا الدينار بثلاثة عشر درهما. # ذكر استيلاء الديلم على أذربيجان # كانت أذربيجان بيد ديسم بن إبراهيم الكردي، وكان قد صحب يوسف بن أبي ~~الساج، وخدم وتقدم حتى استولى على أذربيجان، وكان يقول بمذهب الشراة هو ~~وأبوه، وكان أبوه من أصحاب هارون الشاري، فلما قتل هارون، هرب إلى ~~أذربيجان، وتزوج ابنة رئيس من أكرادها، فولدت له ديسم، فانضم إلى أبي ~~الساج، فارتفع وكبر شأنه، وتقدم إلى أن ملك أذربيجان بعد يوسف بن أبي ~~الساج، وكان معظم جيوشه الأكراد، إلا نفرا يسيرا من الديلم من عسكر وشمكير، ~~أقاموا عنده حين صحبوه إلى أذربيجان. # ثم إن الأكراد تقووا، وتحكموا عليه، وتغلبوا على بعض قلاعه وأطراف بلاده، ~~فرأى أن يستظهر عليهم بالديلم، فاستكثر ذلك منهم، وكان فيهم صعلوك بن محمد ~~بن مسافر، وعلي بن الفضل وغيرهما، فأكرمهم ديسم، وأحسن إليهم، وانتزع من ~~الأكراد ما تغلبوا عليه من بلاده، وقبض على جماعة من رؤسائهم. # PageV07P107 # وكان وزيره أبا القاسم علي بن جعفر، وهو من أهل أذربيجان، فسعى ms2903 به ~~أعداؤه، فأخافه ديسم، فهرب إلى الطرم إلى محمد بن مسافر، فلما وصل إليه رأى ~~ابنيه وهسوذان والمرزبان قد استوحشا منه، واستوليا على بعض قلاعه، وكان سبب ~~وحشتهما سوء معاملته معهما ومع غيرهما، ثم إنهما قبضا على أبيهما محمد بن ~~مسافر، وأخذوا أمواله وذخائره، وبقي في حصن آخر وحيدا فريدا بغير مال ولا ~~عدة، فرأى علي بن جعفر الحال، فتقرب إلى المزربان وخدمه وأطعمه في ~~أذربيجان، وضمن له تحصيل أموال كثيرة يعرف هو وجوهها، فقلده وزارته. # وكان يجمعهما مع الذي ذكرنا أنهما كانا مع الشيعة، فإن علي بن جعفر كان ~~من دعاة الباطنية، والمزربان مشهور بذلك، وكان ديسم كما ذكرنا يذهب إلى ~~مذهب الخوارج في بغض علي، عليه السلام. فنفر عنه من عنده من الديلم، وابتدأ ~~علي بن جعفر فكاتب من يعلم أنه يستوحش من ديسم يستميله، إلى أن أجابه أكثر ~~أصحابه، وفسدت قلوبهم على ديسم، وخاصة الديلم، وسار المرزبان إلى أذربيجان، ~~وسار ديسم إليه، فلما التقيا للحرب عاد الديلم إلى المرزبان، وتبعهم كثير ~~من الأكراد مستأمنين، فحمل المرزبان على ديسم، فهرب في طائفة يسيرة من ~~أصحابه إلى أرمينية، واعتصم بحاجيق بن الديراني، لمودة بينهما، فأكرمه ~~واستأنف ديسم يؤلف الأكراد، وكان أصحابه يشيرون عليه بإبعاد الديلم ~~لمخالفتهم إياه في الجنس والمذهب، فعصاهم وملك المرزبان أذربيجان، واستقام ~~أمره إلى أن فسد ما بينه وبين وزيره علي بن جعفر. # وكان سبب الوحشة بينهما أن عليا أساء السيرة مع أصحاب المرزبان، ~~(فتضافروا عليه، فأحس بذلك، فاحتال على المرزبان) فأطمعه في أموال كثيرة ~~يأخذها له من بلد تبريز، فضم جندا من الديلم وسيرهم إليها، فاستمال أهل ~~البلد، فعرفهم أن المرزبان إنما سيره إليهم ليأخذ أموالهم، وحسن لهم قتل من ~~عندهم من الديلم، ومكاتبة ديسم ليقدم عليهم، فأجابوه إلى ذلك. # PageV07P108 # وكاتب ديسم، ووثب أهل البلد بالديلم فقتلوهم، وسار ديسم فيمن اجتمع إليه ~~من العسكر إلى تبريز، وكان المرزبان قد أساء إلى من استأمن إليه من ~~الأكراد، فلما سمعوا بديسم أنه يريد تبريز ساروا إليه، فلما ms2904 اتصل ذلك ~~بالمرزبان، ندم على إيحاش علي بن جعفر، ثم جمع عسكره وسار إلى تبريز، ~~فتحارب هو وديسم بظاهر تبريز، فانهزم ديسم والأكراد، وعادوا فتحصنوا ~~بتبريز، وحصرهم المرزبان وأخذ في إصلاح علي بن جعفر ومراسلته، وبذل له ~~الأيمان على ما يريده، فأجابه علي: إنني لا أريد من جميع ما بذلته إلا ~~السلامة وترك العمل، فأجابه إلى ذلك وحلف له. # واشتد الحصار على ديسم، فسار من تبريز إلى أردبيل، (وخرج علي بن جعفر إلى ~~المزربان، فساروا إلى أردبيل) وترك المرزبان على تبريز من يحصرها، وحصر هو ~~ديسم بأردبيل، فلما طال الحصار عليه طلب الصلح، وراسل المرزبان في ذلك، ~~فأجابه إليه، فاصطلحا وتسلم المرزبان أردبيل، فأكرم ديسم وعظمه، ووفى له ~~بما حلف له عليه، ثم إن ديسم خاف على نفسه من المرزبان، فطلب منه أن يسيره ~~إلى قلعته بالطرم فيكون فيها هو وأهله، ويقنع بما يتحصل له منها، ولا يكلفه ~~شيئا آخر، ففعل المرزبان ذلك، وأقام ديسم بقلعته هو وأهله. # ذكر استيلاء أبي علي بن محتاج على بلد الجبل، وطاعة وشمكير للسامانية # قد ذكرنا سنة تسع وعشرين [وثلاثمائة] مسير أبي علي بن محتاج صاحب جيوش ~~خراسان للسامانية إلى الري، وأخذها من وشمكير، ومسير وشمكير إلى طبرستان، ~~وأقام أبو علي بالري بعد ملكها تلك الشتوة، وسير العساكر إلى بلد الجبل ~~فافتتحها، واستولى على زنكان، وأبهر، وقزوين، وقم، وكرج، وهمذان، ونهاوند ~~والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال، وجبى أموالها. # PageV07P109 # وكان الحسن بن الفيرزان بسارية، فقصده وشمكير وحصره، فسار إلى أبي علي ~~واستنجده، وأقام وشمكير متحصنا بسارية، فسار إليه أبو علي ومعه الحسن ~~وحصراه بها سنة ثلاثين [وثلاثمائة] وضيق عليه، وألح عليه بالقتال كل يوم، ~~وهم في شتاء شات كثير المطر، فسأل وشمكير المواعدة، فصالحه أبو علي، وأخذ ~~رهائنه على لزوم طاعة الأمير نصر بن أحمد الساماني، ورحل عنه إلى جرجان في ~~جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فأتاه موت الأمير نصر بن أحمد، ~~فسار عنها إلى خراسان. # ذكر استيلاء الحسن بن الفيرزان على ms2905 جرجان # كان الحسن بن الفيرزان عم ماكان بن كالي، وكان قريبا منه في الشجاعة، ~~فلما قتل ماكان، راسله وشمكير ليدخل في طاعته، فلم يفعل، وكان بمدينة ~~سارية، وصار يسب وشمكير، وينسبه إلى المواطأة على قتل ماكان، فقصده وشمكير، ~~فسار الحسن من سارية إلى أبي علي صاحب جيوش خراسان، واستنجده، فسار معه أبو ~~علي من الري، فحصر وشمكير بسارية، وأقام يحاصره إلى سنة إحدى وثلاثين ~~[وثلاثمائة] ، واصطلحا. # وعاد أبو علي إلى خراسان، وأخذ ابنا لوشمكير - اسمه سالار - رهينة، وصحبه ~~الحسن بن الفيرزان، وهو كاره للصلح، فبلغه وفاة السعيد نصر بن أحمد صاحب ~~خراسان، فلما سمع الحسن ذلك، عزم على الفتك بأبي علي، فثار به وبعسكره، ~~فسلم أبو علي، ونهب الحسن سواده، وأخذ ابن وشمكير، وعاد إلى جرجان فملكها، ~~وملك الدامغان وسمنان، ولما وصل أبو علي إلى نيسابور، رأى إبراهيم بن ~~سيمجور الدواتي قد امتنع عليه بها وخالفه، فترددت الرسل بينهم فاصطلحوا. # ذكر ملك وشمكير الري # لما انصرف أبو علي إلى خراسان، وجرى عليه من الحسن ما ذكرناه، وعاد إلى ~~جرجان، سار وشمكير من طبرستان إلى الري، فملكها واستولى عليها، وراسله ~~الحسن بن الفيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سالار الذي كان عند أبي علي ~~رهينة، وقصد أن يتقوى به # PageV07P110 # على الخراسانية إن عادوا إليه، فألان له وشمكير الجواب، ولم يصرح بما ~~يخالف قاعدته مع أبي علي. # ذكر استيلاء ركن الدولة على الري # لما سمع ركن الدولة وأخوه عماد الدولة ابنا بويه بملك وشمكير الري، طمعا ~~فيه ; لأن وشمكير كان قد ضعف، وقلت رجاله وماله بتلك الحادثة مع أبي علي، ~~فسار ركن الدولة الحسن بن بويه إلى الري، واقتتل هو ووشمكير، فانهزم ~~وشمكير، واستأمن كثير من رجاله إلى ركن الدولة، فسار وشمكير إلى طبرستان، ~~فقصده الحسن بن الفيرزان، فاستأمن إليه كثير من عسكره أيضا، فانهزم وشمكير ~~إلى خراسان. # ثم إن الحسن بن الفيرزان راسل ركن الدولة وواصله، فتزوج (ركن الدولة) ~~بنتا للحسن، فولدت له ولده فخر الدولة عليا. # وكان ينبغي أن نذكر هذه ms2906 الحوادث بعد وفاة السعيد نصر بن أحمد، وإنما ~~ذكرناها هاهنا ; ليتلو بعضها بعضا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة صرف بدر الخرشني عن حجبة الخليفة، وجعل مكانه سلامة ~~الطولوني. # وفيها ظهر كوكب في المحرم بذنب عظيم في أول برج القوس، وآخر برج العقرب ~~بين الغرب والشمال، (وكان رأسه في المغرب وذنبه في المشرق، وكان عظيما ~~منتشر الذنب، وبقي ظاهرا ثلاثة عشر يوما، وسار في القوس والجدي، ثم اضمحل) ~~. # وفيها اشتد الغلاء لا سيما بالعراق، وبيع الخبز أربعة أرطال بقيراطين ~~صحيح أميري، وأكل الضعفاء الميتة، وكثر الوباء والموت جدا. # PageV07P111 # وفيها في ربيع الآخر، وصل الروم إلى قرب حلب، ونهبوا وخربوا البلاد، ~~وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان. # وفيها دخل الثملي من ناحية طرسوس إلى بلاد الروم، فقتل وسبى، وغنم وعاد ~~سالما، وقد أسر عدة من بطارقتهم المشهورين. # وفيها في ذي القعدة، قلد المتقي لله بدرا الخرشني طريق الفرات، فسار إلى ~~الإخشيد مستأمنا، فقلده بلدة دمشق، فلما كان بعد مدة، حم ومات بها. # وفيها في جمادى الآخرة، ولد أبو منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه، وهو ~~مؤيد الدولة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن (عبد الله) المعروف بالصيرفي، الفقيه ~~الشافعي، وله تصانيف في أصول الفقه. # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ~~المحاملي الفقيه الشافعي، وهو من المكثرين في الحديث، وكان مولده سنة (خمس ~~وثلاثين) (ومائتين، وكان على قضاء الكوفة وفارس، فاستعفى من القضاء وألح في ~~ذلك، فأجيب إليه. # وفيها توفي أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي) بشر الأشعري المتكلم، صاحب ~~المذهب المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبي موسى ~~الأشعري. # PageV07P112 # وفيها مات محمد (بن محمد) الجيهاني وزير السعيد نصر بن أحمد تحت الهدم. # وفيها توفي محمد بن يوسف [بن بشر] بن النضر الهروي، الفقيه الشافعي، وكان ~~مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، وأخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي ~~وتعلم منه. # PageV07P113 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة] ### | 331 - # ثم دخلت ms2907 سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة # ذكر ظفر ناصر بعدل البجكمي # في هذه السنة ظفر أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان بعدل حاجب بجكم، ~~وسمله، وسيره إلى بغداذ. # وسبب ذلك أن عدلا صار بعد قتل بجكم مع ابن رائق، وسار معه (إلى بغداذ، ~~وأصعد معه) إلى الموصل، فلما قتل ناصر الدولة أبا بكر بن رائق، كما ذكرناه، ~~صار عدل في جملة ناصر الدولة، فسيره ناصر الدولة مع علي بن خلف بن طياب إلى ~~ديار مضر، والشام الذي كان بيد ابن رائق، (وكان بالرحبة من جهة ابن رائق ~~رجل يقال له مسافر بن الحسن، فلما قتل ابن رائق، استولى مسافر هذا على ~~الناحية، ومنع منها، وجبى خراجها، فأرسل إليه ابن طياب عدلا في جيش ليخرجه ~~عن الرحبة، فلما سار إليها، فارقها مسافر من غير قتال، وملك عدل الحاجب ~~البلد، وكاتب من ببغداد من البجكمية، فقصدوه مستخفين، فقوي أمره بهم، ~~واستولى على طريق الفرات وبعض الخابور. # ثم إن مسافرا جمع جمعا من بني نمير وسار إلى قرقيسيا، فأخرج منها أصحاب ~~عدل وملكها، فسار عدل إليها، واستتر عنها، وعزم عدل على قصد الخابور وملكه، ~~فاحتاط أهله منه، واستنصروا ببني نمير، فلما علم ذلك عدل، ترك قصدهم. # ثم صار يركب كل يوم قبل العصر بساعة في جميع عسكره ويطوف صحاري قرقيسيا ~~إلى آخر النهار، وعيونه تأتيه من أهل الخابور بأنهم يحذرون كلما سمعوا # PageV07P114 # بحركته، ففعل ذلك أربعين يوما، فلما رأى أهل الخابور اتصال ركوبه، وأنه ~~لا يقصدهم، فرقوا جمعهم وأمنوه، فأتته عيونه بذلك على رسمه، فلما تكامل ~~رجاله أمرهم بالمسير، وأن يرسلوا غلمانهم في حمل أثقالهم، وسار لوقته فصبح ~~الشمسانية، وهي من أعظم قرى الخابور وأحصنها، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم ~~ونقب السور وملكها وقتل فيها، وأخذ من أهلها مالا كثيرا، وأقام بها أياما، ~~ثم سار إلى غيرها، فبقي في الخابور ستة أشهر، فجبى الخراج والأموال ~~العظيمة، واستظهر بها، وقوي أصحابه بما وصل إليهم أيضا، وعاد إلى الرحبة، ~~واتسعت حاله، واشتد أمره، وقصده العساكر من ms2908 بغداذ، فعظم حاله. # ثم إنه سار يريد نصيبين لعلمه ببعد ناصر الدولة عن الموصل والبلاد ~~الجزيرية، ولم يمكنه قصد الرقة وحران لأنها كان بها يأنس المؤنسي في عسكر، ~~ومعه جمع من بني نمير، فتركها وسار إلى رأس عين، ومنها إلى نصيبين، فاتصل ~~خبره بالحسين بن حمدان، فجمع الجيش وسار إليه إلى نصيبين، فلما قرب منه ~~لقيه عدل في جيشه، فلما التقى العسكران، استأمن أصحابه من عدل إلى ابن ~~حمدان، وبقي معه منهم نفر يسير من خاصته، فأسره ابن حمدان، وأسر معه ابنه، ~~فسمل عدلا، وسيرهما إلى بغداذ، فوصلها في العشرين من شعبان، فشهر هو وابنه ~~فيها. # ذكر حال سيف الدولة بواسط # قد ذكرنا مقام سيف الدولة علي بن حمدان بواسط بعد انحدار البريديين عنها، ~~وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريدي، ولا يمكنه لقلة المال ~~عنده، ويكتب إلى أخيه في ذلك، فلا ينفذ إليه شيئا، وكان توزون وخجخج يسيئان ~~الأدب ويتحكمان عليه. # ثم إن ناصر الدولة أنفذ إلى أخيه مالا مع أبي عبد الله الكوفي ليفرقه في ~~الأتراك، فأسمعه توزون وخجخج المكروه، وثارا به، فأخذه سيف الدولة وغيبه ~~عنهما وسيره إلى بغداذ، وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد ~~بحاصلها، وأمر خجخج أن يسير إلى مذار ويحفظها ويأخذ حاصلها، # PageV07P115 # وكان سيف الدولة يزهد بالأتراك في العراق، ويحسن لهم قصد الشام معه ~~والاستيلاء عليه وعلى مصر، ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه في أخيه، ~~ولا يجيبونه إلى المسير إلى الشام معه، ويتسحبون عليه، وهو يجيبهم إلى الذي ~~يريدونه. # فلما كان سلخ شعبان، ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلا، فهرب من ~~معسكره إلى بغداذ، ونهب سواده، وقتل جماعة من أصحابه. # وأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه أبو عبد الله الكوفي وأخبره الخبر، ~~برز ليسير إلى الموصل، فركب المتقي إليه، وسأله التوقف عن المسير، فأظهر له ~~الإجابة إلى أن عاد، ثم سار إلى الموصل ونهبت داره، وثار الديلم والأتراك ~~ودبر الأمر أبو إسحاق القراريطي من غير تسمية بوزارة. # وكانت إمارة ms2909 ناصر الدولة أبي محمد الحسين بن عبد الله بن حمدان ببغداذ ~~ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام، ووزارة أبي العباس إلى الأصبهاني أحدا وخمسين ~~يوما، ووصل سيف الدولة إلى بغداذ. # ذكر حال الأتراك بعد إصعاد سيف الدولة # لما هرب سيف الدولة من واسط، عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين ~~توزون وخجخج، وتنازعا الإمارة، ثم استقر الحال على أن يكون توزون أميرا ~~وخجخج صاحب الجيش، وتصاهرا. # وطمع البريدي في واسط، فأصعد إليها، فأمر توزون خجخج بالمسير إلى نهر ~~أبان، وأرسل البريدي إلى توزون يطلب أن يضمنه واسط، فرده ردا جميلا، ولم ~~يفعل. ولما عاد الرسول أتبعه توزون بجاسوس يأتيه بخبره مع خجخج، فعاد ~~الجاسوس فأخبر توزون بأن الرسول اجتمع هو وخجخج وطال الحديث بينهما، وأن ~~خجخج يريد أن # PageV07P116 # ينتقل إلى البريدي، فسار توزون إليه جريدة في مائتي غلام يثق بهم، وكبسه ~~في فراشه ليلة الثاني عشر من رمضان، فلما أحس به ركب دابته بقميص، وفي يده ~~لت، ودفع عن نفسه قليلا، ثم أخذ وحمل إلى توزون فحمله إلى واسط، فسمله ~~وأعماه ثاني يوم وصوله إليها. # ذكر عود سيف الدولة إلى بغداذ وهربه عنها # لما هرب سيف الدولة، على ما ذكرنا، لحق بأخيه، فبلغه خلاف توزون وخجخج، ~~فطمع في بغداذ، فعاد ونزل بباب حرب، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالا ~~ليقاتل توزون إن قصد بغداذ، فأنفذ إليه أربعمائة ألف درهم، ففرقها في ~~أصحابه، وظهر من كان مستخفيا ببغداذ وخرجوا إليه، وكان وصوله ثالث عشر ~~رمضان. # ولما بلغ توزون وصول سيف الدولة إلى بغداذ، خلف بواسط كيغلغ في ثلاثمائة ~~رجل وأصعد إلى بغداذ، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده، رحل من باب حرب فيمن ~~انضم إليه من أجناد بغداذ، وفيهم الحسن بن هارون. # ذكر إمارة توزون # قد ذكرنا مسير سيف الدولة من بغداذ، فلما فارقها دخلها توزون، وكان دخوله ~~بغداذ في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه المتقي لله، وجعله أمير ~~الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخي ينظر في الأمور، كما كان الكوفي ينظر ms2910 فيها. # ولما سار توزون عن واسط، أصعد إليها البريدي، فهرب من بها من أصحاب توزون ~~إلى بغداذ، ولم يمكن توزون المبادرة إلى واسط إلى أن تستقر الأمور ببغداذ، ~~فأقام إلى أن مضى بعض ذي القعدة. # وكان توزون قد أسر غلاما عزيزا على سيف الدولة قريبا منه، يقال له ثمال، ~~فأطلقه # PageV07P117 # وأكرمه وأنفذه إليه، فحسن موقع ذلك من بني حمدان، ثم إن توزون انحدر إلى ~~واسط لقصد البريدي، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد (هاربا من البريدي) ، فقبله ~~وفرح به، وقلده أموره كلها. # ذكر مسير صاحب عمان إلى البصرة # في هذه السنة في ذي الحجة، سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب كثيرة ~~يريد البصرة، وحارب البريدي (فملك الأبلة) ، وقوي قوة عظيمة، وقارب أن يملك ~~البصرة، فأشرف البريدي وإخوته على الهلاك. # وكان له ملاح يعرف بالرنادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فوعده الإحسان ~~العظيم، وأخذ الملاح زورقين فملأهما سعفا يابسا، ولم يعلم به أحد، وأحدرهما ~~في الليل حتى قارب الأبلة. # وكانت مراكب ابن وجيه تشد بعضها إلى بعض (في الليل) ، فتصير كالجسر، فلما ~~انتصف الليل، أشعل ذلك الملاح النار في السعف الذي في الزورقين، وأرسلهما ~~مع الجزر والنار فيهما، فأقبلا أسرع من الريح، فوقعا في تلك السفن ~~والمراكب، فاشتعلت واحترقت قلوسها، واحترق من فيها، ونهب الناس منها مالا ~~عظيما، ومضى يوسف بن وجيه هاربا في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ~~(وأحسن البريدي إلى ذلك الملاح) ، وفي هذه الفتنة هرب ابن شيرزاد (من ~~البريدي) وأصعد إلى توزون. # PageV07P118 # ذكر الوحشة بين المتقي لله وتوزون # كان محمد بن ينال الترجمان من أكبر قواد توزون، وهو خليفته ببغداذ، فلما ~~انحدر توزون إلى واسط، سعى بمحمد إليه وقبح ذكره عنده، فبلغ ذلك محمدا فنفر ~~منه. # وكان الوزير أبو الحسين بن مقلة قد ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداذ، ~~فخسر فيها جملة، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد ~~بتوزون، فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مصيره إلى توزون باتفاق من البريدي، ~~فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبوا ms2911 إلى ابن حمدان لينفذ عسكرا يسيرا صحبة ~~المتقي لله إليه، وقالوا للمتقي: قد رأيت ما فعل معك البريدي بالأمس، أخذ ~~منك خمسمائة ألف دينار، وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدي من ~~توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى، زعم أنها في يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد ~~واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدي، فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد ~~إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد في ثلاثمائة رجل جريدة. # ذكر موت السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل # في هذه السنة توفي السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان وما وراء ~~النهر (في رجب) ، وكان مرضه السل، فبقي مريضا ثلاثة عشر شهرا، ولم يكن بقي ~~من مشايخ دولتهم أحد، فإنهم كانوا قد سعى بعضهم ببعض، فهلك بعضهم، ومات ~~بعضهم، وكانت ولايته ثلاثين سنة (وثلاثة وثلاثين يوما، وكان عمره ثمانيا ~~وثلاثين سنة) . # وكان حليما، كريما، عاقلا، فمن حلمه أن بعض الخدم سرق جوهرا نفيسا وباعه # PageV07P119 # من بعض التجار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد، وأعلمه أنه ~~قد اشترى جوهرا نفيسا لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر عنده، فحين رآه ~~عرفه أنه كان له وقد سرق، فسأله عن ثمنه، ومن أين اشتراه، فذكر له الخادم ~~والثمن، فأمر فأحضر ثمنه في الحال، وأربحه ألفي درهم زيادة. # ثم إن التاجر سأله في دم الخادم، فقال: لا بد من تأديبه، وأما دمه فهو ~~لك، فأحضره وأدبه، ثم أنفذه إلى التاجر، وقال: كنا وهبنا لك دمه، فقد ~~أنفذناه إليك، فلو أن صاحب الجوهر بعض الرعايا، لقال: هذا مالي قد عاد إلي، ~~وخذ أنت مالك ممن سلمته إليه. # وحكي أنه استعرض جنده، وفيهم إنسان اسمه نصر بن أحمد، فلما بلغه العرض، ~~سأله عن اسمه فسكت، فأعاد السؤال فلم يجبه، فقال بعض من حضر: اسمه نصر بن ~~أحمد، وإنما سكت إجلالا للأمير، فقال السعيد: إذا يوجب حقه، ونزيد في رزقه، ~~ثم قربه وزاد في أرزاقه. # وحكي عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو زكرياء، نهب خزائنه وأمواله، فلما ms2912 ~~عاد السعيد إلى ملكه، قيل له عن جماعة انتهبوا ماله، فلم يعرض إليهم، ~~وأخبروه أن بعض السوقة اشترى منها سكينا نفيسا بمائتي درهم، فأرسل إليه ~~وأعطاه مائتي درهم وطلب السكين، فأبى أن يبيعه إلا بألف درهم، فقال: ألا ~~تعجبون من هذا؟ أرى عنده مالي فلم أعاقبه، وأعطيته حقه، فاشتط في الطلب، ثم ~~أمر برضائه. # وحكي أنه طال مرضه فبقي به ثلاثة عشر شهرا، فأقبل على الصلاة والعبادة، ~~وبنى له في قصره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشي إليه ~~حافيا، ويصلي فيه، ويدعو ويتضرع، ويجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ودفن ~~عند والده. # ذكر ولاية ابنه الأمير نوح بن نصر # لما مات نصر بن أحمد، تولى بعده خراسان وما وراء النهر ابنه نوح، واستقر ~~في شعبان من هذه السنة، وبايعه الناس وحلفوا له، ولقب بالأمير الحميد، وفوض ~~أمره # PageV07P120 # وتدبير مملكته إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الحاكم، وصدر عن رأيه. # ولما ولي نوح، هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمويه، وهو من أكابر أصحاب ~~أبيه، وكان سبب ذلك أن السعيد نصرا كان قد ولى ابنه إسماعيل بخارى، وكان ~~أبو الفضل يتولى أمره وخلافته، فأساء السيرة مع نوح وأصحابه، فحقد ذلك ~~عليه، ثم توفي إسماعيل في حياة أبيه. # وكان نصر يميل إلى أبي الفضل ويؤثره، فقال له: إذا حدث علي حادث الموت ~~فانج بنفسك، فإني لا آمن نوحا عليك، فلما مات الأمير نصر، سار أبو الفضل من ~~بخارى وعبر جيحون، وورد آمل، وكاتب أبا علي بن محتاج وهو بنيسابور، يعرفه ~~الحال، وكان بينهما مصاهرة، فكتب إليه أبو علي ينهاه عن الإلمام بناحيته ~~لمصلحة. # ثم إن الأمير نوحا أرسل إلى أبي الفضل كتاب أمان بخطه، فعاد إليه فأحسن ~~الفعل معه، وولاه سمرقند وكان أبو الفضل معرضا عن محمد بن أحمد الحاكم، ولا ~~يلتفت إليه، ويسميه الخياط، فأضمر الحاكم بغضه والإعراض عنه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في المحرم وصل معز الدولة بن بويه إلى البصرة، فحارب ~~البريديين، وأقام ms2913 عليهم مدة، ثم استأمن جماعة من قواده إلى البريديين، ~~فاستوحش من الباقين، فانصرف عنهم. # وفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقي لله بابنة ناصر الدولة بن حمدان، ~~وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف دينار. # وفيها قبض ناصر الدولة على الوزير أبي إسحاق القراريطي، ورتب مكانه أبا ~~العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني في رجب، وكان أبو عبد الله الكوفي هو ~~الذي يدبر الأمور، وكانت وزارة القراريطي ثمانية أشهر وستة عشر يوما، وكان ~~ناصر الدولة ينظر في قصص الناس وتقام الحدود بين يديه، ويفعل ما يفعل صاحب ~~الشرطة. # PageV07P121 # وفيها كانت الزلزلة المشهورة بناحية نسا (من خراسان) ، فخربت قرى كثيرة، ~~ومات تحت الهدم عالم عظيم، وكانت عظيمة جدا. # وفيها استقدم الأمير نوح محمد بن أحمد النسفي البردهي، وكان قد طعن فيه ~~عنده، فقتله وصلبه، فسرق من الجذع، ولم يعلم من سرقه. # وفيها استوزر المتقي لله أبا الحسين بن مقلة ثامن شهر رمضان، بعد إصعاد ~~ناصر الدولة من بغداذ إلى الموصل، وقبل إصعاد أخيه سيف الدولة من واسط إلى ~~بغداد. # وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقي لله يطلب منديلا، زعم أن المسيح مسح به ~~وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وأنه في بيعة الرها. وذكر أنه إن أرسل المنديل، ~~أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي لله القضاة والفقهاء، ~~واستفتاهم فاختلفوا، فبعض رأى تسليمه إلى الملك وإطلاق الأسرى، وبعض قال: ~~إن هذا المنديل لم يزل من قديم الدهر في بلاد الإسلام لم يطلبه ملك من ملوك ~~الروم، وفي دفعه إليهم غضاضة. # وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير، فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر ~~ومن الضر والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة ~~بتسليمه إليهم، وإطلاق الأسرى، ففعل ذلك وأرسل إلى الملك من يتسلم الأسرى ~~من بلاد الروم، فأطلقوا. # PageV07P122 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر ~~الدقاق، وهو مشهور بين المشايخ. # وفيها توفي محمد بن يزداد الشهرزوري، وكان يلي إمرة دمشق ms2914 لمحمد بن رائق، ~~ثم اتصل بالإخشيد فجعله على شرطته بمصر. # وفيها توفي سنان بن ثابت بن قرة، مستهل ذي القعدة، بعلة الذرب، وكان ~~حاذقا في الطب، فلم يغن عنه عند دنو الأجل شيئا. # وفيها أيضا مات أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري. # PageV07P123 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة] ### | 332 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة # ذكر مسير المتقي إلى الموصل # في هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل. # وسبب ذلك ما ذكرناه أولا من سعاية ابن مقلة والترجمان مع المتقي بتوزون ~~وابن شيرزاد، ثم إن ابن شيرزاد وصل خامس المحرم إلى بغداذ في ثلاثمائة غلام ~~جريدة، فازداد خوف المتقي، وأقام ببغداذ يأمر وينهى، ولا يراجع المتقي في ~~شيء. # وكان المتقي قد أنفذ يطلب من ناصر الدولة بن حمدان إنفاذ جيش إليه ~~ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن ~~حمدان، فلما وصلوا إلى بغداذ نزلوا بباب حرب، واستتر ابن شيرزاد، وخرج ~~المتقي إليهم في حرمه، وأهله، ووزيره، وأعيان بغداذ، مثل سلامة الطولوني، ~~وأبي زكرياء يحيى بن سعيد السوسي، وأبي محمد المارداني، وأبي إسحاق ~~القراريطي، وأبي عبد الله الموسوي، وثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب، ~~وأبي نصر محمد بن ينال الترجمان، وغيرهم. # ولما سار المتقي من بغداذ، ظلم ابن شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم، وأرسل ~~إلى توزون وهو بواسط يخبره بذلك، فلما بلغ توزون الخبر، عقد ضمان واسط على ~~البريدي وزوجه ابنته، وسار إلى بغداذ وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتقي ~~لله بتكريت، فأرسل المتقي (إلى ناصر الدولة يستدعيه ويقول له: لم يكن الشرط ~~معك إلا أن تنحدر إلينا، فانحدر، فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ~~ربيع الآخر، وركب المتقي إليه، فلقيه بنفسه وأكرمه. # وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو ~~تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين، فاقتتلوا ثلاثة ~~أيام، ثم انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الآخر، وغنم ~~توزون والأعراب ms2915 سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت إلى الموصل ~~ومعهما المتقي لله) . # PageV07P124 # وشغب أصحاب توزون (فعاد إلى بغداذ، وعاد سيف الدولة وانحدر، فالتقى هو ~~وتوزون بحربى) في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرة ثانية، وتبعه توزون. # ولما بلغ سيف الدولة إلى الموصل، سار عنها هو وأخوه ناصر الدولة والمتقي ~~لله ومن معهم إلى نصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار المتقي إلى الرقة، ولحقه ~~سيف الدولة، وأرسل المتقي إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدي، ~~وأنهما صارا يدا واحدة، فإن آثر رضاه يصالح سيف الدولة وناصر الدولة ليعود ~~إلى بغداذ، وتردد أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي من الموصل إلى ~~توزون في ذلك، فتم الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة لما بيده من البلاد ~~ثلاث سنين، كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعاد توزون إلى ~~بغداذ، وأقام المتقي عند بني حمدان بالموصل، ثم ساروا عنها إلى الرقة ~~فأقاموا بها. # ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وديالي وعوده # وفي هذه السنة بلغ معز الدولة أبا الحسين بن بويه إصعاد توزون إلى ~~الموصل، فسار هو إلى واسط لميعاد من البريديين، وكانوا قد وعدوه أن يمدوه ~~بعسكر في الماء، فأخلفوه. # وعاد توزون من الموصل إلى بغداذ، وانحدر منها إلى لقاء معز الدولة، ~~والتقوا سابع عشر ذي القعدة بقباب حميد، وطالت الحرب بينهما بضعة عشر يوما، ~~إلا أن أصحاب توزون يتأخرون، والديلم يتقدمون، إلى أن عبر توزون نهر ديالي، ~~ووقف عليه، ومنع الديلم من العبور. # وكان مع توزون مقابلة في الماء في دجلة، فكانوا يودون [أن] الديلم ~~يستولون على أطرافهم، فرأى ابن بويه أن يصعد على ديالي ليبعد عن دجلة وقتال ~~من بها، ويتمكن من الماء، فعلم توزون بذلك، فسير بعض أصحابه، وعبروا ديالي ~~وكمنوا، فلما سار معز الدولة مصعدا وسار سواده في أثره، خرج الكمين عليه، ~~فحالوا بينهما، ووقعوا في العسكر وهو على غير تعبية. # PageV07P125 # وسمع توزون الصياح، فتعجل وعبر أكثر أصحابه سباحة، فوقعوا في عسكر ابن ~~بويه يقتلون ويأسرون ms2916 حتى ملوا، وانهزم ابن بويه ووزيره الصيمري إلى السوس ~~رابع ذي الحجة، ولحق به من سلم من عسكره، وكان قد أسر منهم أربعة عشر قائدا ~~منهم ابن الداعي العلوي، واستأمن كثير من الديلم إلى توزون. # ثم إن توزون عاوده ما كان يأخذه من الصرع، فشغل بنفسه عن معز الدولة وعاد ~~إلى بغداذ. # ذكر قتل أبي يوسف البريدي # في هذه السنة قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف. # وكان سبب قتله أن أبا عبد الله البريدي كان قد نفذ ما عنده من المال في ~~محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط، وفي محاربة توزون، فلما رأى جنده قلة ~~ماله، مالوا إلى أخيه أبي يوسف ; لكثرة ماله، فاستقرض أبو عبد الله من أخيه ~~أبي يوسف مرة بعد مرة، وكان يعطيه القليل من المال، ويعيبه ويذكر تضييعه ~~وسوء تدبيره وجنونه وتهوره، فصح ذلك عند أبي عبد الله، ثم صح عنده أنه يريد ~~القبض عليه أيضا، والاستبداد بالأمر وحده، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه. ~~ثم إن أبا عبد الله أنفذ إلى أخيه جوهرا نفيسا كان بجكم قد وهبه لبنته لما ~~تزوجها البريدي، وكان قد أخذه من دار الخلافة، فأخذه أبو عبد الله منها حين ~~تزوجها، فلما جاءه الرسول وأبلغه ذلك وعرض عليه (الجوهر، أحضر) الجوهريين ~~ليثمنوه، فلما أخذوا في وصفه، أنكر عليهم ذلك، وحرد ونزل في ثمنه إلى خمسين ~~ألف درهم، وأخذ في الوقيعة في أخيه أبي عبد الله، وذكر معايبه وما وصل إليه ~~من المال، وأنفذ مع الرسول خمسين ألف درهم، فلما عاد الرسول إلى أبي عبد ~~الله، أبلغه ذلك فدمعت عيناه، وقال: ألا قلت له: جنوني وقلة تحصيلي أقعدك ~~هذا المقعد وصيرك كقارون، ثم عدد ما عمله معه من الإحسان. # PageV07P126 # فلما كان بعد أيام، أقام غلمانه في طريق (مسقف) بين داره والشط، وأقبل ~~أخوه أبو يوسف من الشط، فدخل في ذلك الطريق، فثاروا به فقتلوه وهو يصيح: يا ~~أخي، يا أخي، قتلوني. وأخوه يسمعه، ويقول: إلى لعنة الله! فخرج أخوهما أبو ~~الحسين ms2917 من داره، وكان بجنب دار أخيه أبي عبد الله، وهو يستغيث: يا أخي، ~~قتلته! فسبه وهدده، فسكت، فلما قتل دفنه، وبلغ ذلك الخبر الجند، فثاروا ~~وشغبوا ظنا منهم أنه حي، فأمر به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا، ~~فأمر به فدفن، وانتقل أبو عبد الله إلى دار أخيه أبي يوسف، فأخذ ما فيها، ~~والجوهر في جملته، ولم يحصل من مال أخيه على طائل، فإن أكثره انكسر على ~~الناس، وذهبت نفس أخيه. # ذكر وفاة أبي عبد الله البريدي # وفيها في شوال مات أبو عبد الله البريدي بعد أن قتل أخاه بثمانية أشهر ~~بحمى حادة، واستقر في الأمر بعده أخوه أبو الحسين، فأساء السيرة إلى ~~الأجناد، فثاروا به ليقتلوه ويجعلوه أبا القاسم ابن أخيه أبي عبد الله ~~مكانه، فهرب منهم إلى هجر، واستجار بالقرامطة فأعانوه، وسار معه إخوان لأبي ~~طاهر القرمطي في جيش إلى البصرة، فرأوا أبا القاسم قد حفظها، فردهم عنها، ~~فحصروه مدة ثم ضجروا وأصلحوا بينه وبين عمه وعادوا، ودخل أبو الحسين ~~البصرة، فتجهز منها، وسار إلى بغداذ فدخل على توزون. # ثم طمع يأنس مولى أبي عبد الله البريدي في التقدم، فواطأ قائدا من قواد ~~الديلم على أن تكون الرئاسة بينهما، ويزيلا أبا القاسم مولاه، فاجتمعت ~~الديلم عند ذلك القائد، فأرسل أبو القاسم إليهم يأنس، وهو لا يشعر بالأمر، ~~فلما أتاهم يأنس، أشار عليهم بالتوقف، فطمع فيه ذلك القائد الديلمي، وأحب ~~التفرد بالرئاسة، فأمر به فضرب بزوبين في ظهره فجرح، وهرب يأنس واختفى. # ثم إن الديلم اختلفت كلمتهم فتفرقوا، واختفى ذلك القائد، فأخذ ونفي، وأمر ~~أبو القاسم البريدي بمعالجة يأنس، وقد ظهر له حاله، فعولج حتى برأ، ثم قبض ~~عليه أبو القاسم بعد نيف وأربعين يوما، وصادره على مائة ألف دينار، وقتله، ~~واستقام أمر أبي القاسم إلى أن أتاه أمر الله على ما نذكره. # PageV07P127 # ذكر مراسلة المتقي توزون في العود # وفيها أرسل المتقي لله إلى توزون يطلب [منه] العود إلى بغداذ. # وسبب ذلك أنه رأى من بني حمدان تضجرا ms2918 به وإيثار المفارقة، فاضطر إلى ~~مراسلة توزون، فأرسل الحسن بن هارون وأبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي ~~إليه في الصلح، فلقيهما توزون وابن شيرزاد بنهاية الرغبة فيه والحرص عليه، ~~فاستوثقا من توزون وحلفاه للمتقي لله، وأحضر لليمين خلقا كثيرا من القضاة، ~~والعدول، والعباسيين، والعلويين، وغيرهم من أصناف الناس، وحلف توزون للمتقي ~~والوزير، وكتبوا خطوطهم بذلك، وكان من أمر المتقي لله ما نذكره سنة ثلاث ~~وثلاثين وثلاثمائة. # ذكر ملك الروس مدينة بردعة # في هذه السنة خرجت طائفة من الروسية في البحر إلى نواحي أذربيجان، وركبوا ~~في البحر في نهر الكر، وهو نهر كبير، فانتهوا إلى بردعة، فخرج إليهم نائب ~~المرزبان ببردعة في جمع من الديلم والمطوعة يزيدون على خمسة آلاف رجل، ~~فلقوا الروس، فلم يكن إلا ساعة حتى انهزم المسلمون منهم، وقتل الديلم عن ~~آخرهم، تبعهم الروس إلى البلد، فهرب من كان له مركوب وترك البلد، فنزله ~~الروس ونادوا فيه بالأمان فأحسنوا السيرة. # وأقبلت العساكر الإسلامية من كل ناحية، فكانت الروس تقاتلهم، فلا يثبت ~~المسلمون لهم، وكان عامة البلد يخرجون ويرجمون الروس بالحجارة، ويصيحون ~~بهم، # PageV07P128 # فينهاهم الروس عن ذلك، فلم ينتهوا، سوى العقلاء فإنهم كفوا أنفسهم وسائر ~~العامة والرعاع لا يضبطون أنفسهم، فلما طال ذلك عليهم نادى مناديهم بخروج ~~أهل البلد منه، وأن لا يقيموا بعد ثلاثة أيام، فخرج من كان له ظهر يحمله، ~~وبقي أكثرهم بعد الأجل، فوضع الروسية فيهم السلاح، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ~~وأسروا بعد القتل بضعة عشر ألف نفس، وجمعوا من بقي بالجامع، وقالوا: اشتروا ~~أنفسكم وإلا قتلناكم، وسعى لهم إنسان نصراني، فقرر عن كل رجل عشرين درهما، ~~فلم يقبل منهم إلا عقلاؤهم، فلما رأى الروسية أنه لا يحصل منهم شيء، قتلوهم ~~عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا أموال أهلها واستعبدوا السبي، ~~واختاروا من النساء من استحسنوها. # ذكر مسير المرزبان إليهم، والظفر بهم # لما فعل الروس بأهل بردعة ما ذكرناه، استعظمه المسلمون، وتنادوا بالنفير، ~~وجمع المرزبان بن محمد الناس واستنفرهم، فبلغ عدة من معه ms2919 ثلاثين ألفا، وسار ~~بهم فلم يقاوم الروسية، وكان يغاديهم القتال ويراوحهم، فلا يعود إلا ~~مفلولا، فبقوا كذلك أياما كثيرة، وكان الروسية قد توجهوا نحو مراغة، ~~فأكثروا من أكل الفواكه، فأصابهم الوباء، وكثرت الأمراض والموت فيهم. # ولما طال الأمر على المرزبان، أعمل الحيلة، فرأى أن يكمن كمينا، ثم ~~يلقاهم في عسكره، ويتطارد لهم، فإذا خرج الكمين عاد عليهم، فتقدم إلى ~~أصحابه بذلك، ورتب الكمين ثم لقيهم، (واقتتلوا، فتطارد لهم المرزبان ~~وأصحابه، وتبعهم الروسية) حتى جازوا موضع الكمين، فاستمر الناس على هزيمتهم ~~لا يلوي أحد على أحد. # فحكى المرزبان، قال: صحت بالناس ليرجعوا، فلم يفعلوا لما تقدم في قلوبهم ~~من هيبة الروسية، فعلمت أنه إن استمر الناس على الهزيمة، قتل الروس أكثرهم، ~~ثم عادوا إلى الكمين (ففطنوا بهم) ، فقتلوهم عن آخرهم. # PageV07P129 # قال: فرجعت وحدي، وتبعني أخي وصاحبي، ووطنت نفسي على الشهادة، فحينئذ عاد ~~أكثر الديلم استحياء فرجعوا وقاتلناهم، ونادينا بالكمين بالعلامة بيننا، ~~فخرجوا من ورائهم، وصدقناهم القتال، فقتلنا منهم خلقا كثيرا منهم أميرهم، ~~والتجأ الباقون إلى حصن البلد، ويسمى شهرستان، وكانوا قد نقلوا إليه ميرة ~~كثيرة، وجعلوا معهم السبي والأموال، فحاصرهم المرزبان وصابرهم، فأتاه الخبر ~~بأن أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان قد سار إلى أذربيجان، (وأنه واصل ~~إلى سلماس، وكان ابن عمه ناصر الدولة قد سيره ليستولي على أذربيجان) ، فلما ~~بلغ الخبر إلى المرزبان، ترك على الروسية من يحاصرهم وسار إلى ابن حمدان، ~~فاقتتلوا، ثم نزل الثلج، فتفرق أصحاب ابن حمدان ; لأن أكثرهم أعراب، ثم ~~أتاه كتاب ناصر الدولة يخبره بموت توزون، وأنه يريد الانحدار إلى بغداذ ~~ويأمره بالعود إليه، فرجع. # وأما أصحاب المرزبان فإنهم أقاموا يقاتلون الروسية، (وزاد الوباء على ~~الروسية) (فكانوا إذا دفنوا الرجل، دفنوا معه سلاحه، فاستخرج المسلمون من ~~ذلك شيئا) كثيرا بعد انصراف الروس. # ثم إنهم خرجوا من الحصن ليلا وقد حملوا على ظهورهم ما أرادوا من الأموال ~~وغيرها، ومضوا إلى الكر، وركبوا في سفنهم ومضوا، وعجز أصحاب المرزبان عن ~~اتباعهم وأخذ ما معهم، فتركوهم ms2920 وطهر الله البلاد منهم. # ذكر خروج ابن أشكام على نوح # وفي هذه السنة خالف عبد الله بن أشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، ~~فسار نوح من بخارى إلى مرو بسببه، وسير إليه جيشا، وجعل عليهم إبراهيم بن ~~بارس، وساروا نحوه، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن أشكام ملك الترك ~~وراسله، واحتمى به. # وكان لملك الترك ولد في يد نوح، وهو محبوس ببخارى، فراسل نوح أباه في ~~إطلاقه ليقبض على ابن أشكام، فأجابه ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن أشكام ~~الحال، عاد إلى طاعة نوح، وفارق خوارزم، فأحسن إليه نوح وأكرمه، وعفا عنه. # PageV07P130 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في رمضان مات أبو طاهر الهجري رئيس القرامطة، أصابه جدري ~~فمات، وكان له ثلاثة إخوة منهم: أبو القاسم سعيد بن الحسن، وهو الأكبر، ~~وأبو العباس الفضل بن الحسن، وهذان كانا يتفقان مع أبي طاهر على الرأي ~~والتدبير، وكان لهما أخ ثالث لا يجتمع بهما، وهو مشغول بالشرب واللهو. # وفيها في جمادى الأولى غلت الأسعار في بغداذ حتى بيع القفيز الواحد من ~~الدقيق الخشكار بنيف وستين درهما، والخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم. # وكانت الأمطار كثيرة مسرفة جدا حتى (خربت المنازل، ومات خلق كثير تحت ~~الهدم، ونقصت قيمة العقار حتى) صار ما كان يساوي دينارا يباع بأقل من درهم ~~حقيقة، وما يسقط من الأبنية لا يعاد، وتعطل كثير من الحمامات، والمساجد، ~~والأسواق ; لقلة الناس، وتعطل كثير من أتاتين الآجر ; لقلة البناء، ومن ~~يضطر إليه اجتزأ بالأنقاض، وكثرت الكبسات من اللصوص بالليل والنهار من ~~أصحاب ابن حمدي، وتحارس الناس بالبوقات، وعظم أمر ابن حمدي فأعجز الناس، ~~وأمنه ابن شيرزاد وخلع عليه، وشرط معه أن يوصله كل شهر خمسة عشر ألف دينار ~~مما يسرقه هو وأصحابه، وكان يستوفيها من ابن حمدي بالروزات، فعظم شره ~~حينئذ، وهذا ما لم يسمع بمثله. # ثم إن أبا العباس الديلمي، صاحب الشرطة ببغداذ، ظفر بابن حمدي فقتله في ~~جمادى الآخرة، فخف عن الناس بعض ما هم فيه. # وفيها في شعبان ms2921 وهو الواقع في نيسان، ظهر في الجو شيء كثير ستر عين # PageV07P131 # الشمس ببغداد، فتوهمه الناس جرادا لكثرته، ولم يشكوا في ذلك إلى أن سقط ~~منه شيء على الأرض، فإذا هو حيوان يطير في البساتين وله جناحان قائمان ~~منقوشان، فإذا أخذ الإنسان جناحه بيده بقي أثر ألوان الجناح في يده ويعدم ~~الجناح، ويسميه الصبيان طحان الذريرة. # وفيها استولى معز الدولة على واسط، وانحدر من كان من أصحاب البريدي فيها ~~إلى البصرة. # وفيها قبض سيف الدولة بن حمدان على محمد بن ينال الترجمان بالرقة وقتله، ~~وسبب ذلك أنه قد بلغه أنه قد واطأ المتقي على الإيقاع بسيف الدولة. # وفيها عرض لتوزون صرع وهو جالس للسلام، والناس بين يديه، فقام ابن شيرزاد ~~ومد في وجهه ما ستره عن الناس، فصرفهم وقال: إنه قد ثار به خمار لحقه. # وفيها ثار نافع غلام يوسف بن وجيه صاحب عمان على مولاه يوسف، وملك البلد ~~بعده. # وفيها دخل الروم رأس عين في ربيع الأول، فأقاموا بها ثلاثة أيام ونهبوها، ~~وسبوا من أهلها، وقصدهم الأعراب، فقاتلوهم ففارقها الروم، وكان الروم في ~~ثمانين ألفا مع الدمستق. # وفيها في ربيع الأول، استعمل ناصر الدولة بن حمدان أبا بكر محمد بن علي ~~بن مقاتل على طريق الفرات، وديار مضر، وجند قنسرين، والعواصم، وحمص، وأنفذه ~~إليها من الموصل ومعه جماعة من القواد، ثم استعمل بعده في رجب من السنة ابن ~~عمه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان على ذلك، فلما وصل إلى الرقة ~~منعه أهلها، فقاتلهم فظفر بهم، وأحرق من البلد قطعة، وأخذ رؤساء أهلها وسار ~~إلى حلب. # PageV07P132 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة] ### | 333 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة # ذكر مسير المتقي إلى بغداذ وخلعه # كان المتقي لله قد كتب إلى الإخشيد محمد بن طغج متولي مصر يشكو حاله ~~ويستقدمه إليه، فأتاه من مصر، فلما وصل إلى حلب، سار عنها أبو عبد الله بن ~~سعيد بن حمدان، وكان ابن مقاتل بها معه، فلما علم برحيله عنها اختفى، فلما ms2922 ~~قدم الإخشيد إليها، ظهر إليه ابن مقاتل، فأكرمه الإخشيد، واستعمله على خراج ~~مصر، وانكسر عليه ما بقي من المصادرة التي صادره بها ناصر الدولة بن حمدان، ~~ومبلغه خمسون ألف دينار. # وسار الإخشيد من حلب، فوصل إلى المتقي منتصف محرم وهو بالرقة، فأكرمه ~~المتقي واحترمه، ووقف الإخشيد وقوف الغلمان، ومشى بين يديه، فأمره المتقي ~~بالركوب فلم يفعل إلى أن نزل المتقي، وحمل إلى المتقي هدايا عظيمة، وإلى ~~الوزير أبي الحسين بن مقلة وسائر الأصحاب، واجتهد بالمتقي ليسير معه إلى ~~مصر والشام، ويكون بين يديه، فلم يفعل وأشار عليه بالمقام مكانه، ولا يرجع ~~إلى بغداذ، وخوفه من توزون، فلم يفعل وأشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى ~~مصر ليحكمه في جميع بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فخوفه أيضا من توزون، فكان ~~ابن مقلة يقول (بعد ذلك) : نصحني الإخشيد، فلم أقبل نصيحته. # وكان قد أنفذ رسلا إلى توزون في الصلح، على ما ذكرناه، فحلفوا توزون ~~للخليفة والوزير، فلما حلف كتب الرسل إلى المتقي بذلك، فكتب إليه الناس ~~أيضا بما شاهدوا من تأكيد اليمين، فانحدر المتقي من الرقة في الفرات إلى ~~بغداذ لأربع بقين من المحرم، وعاد الإخشيد إلى مصر، فلما وصل المتقي إلى ~~هيت أقام بها، وأنفذ من # PageV07P133 # يجدد اليمين على توزون، فعاد وحلف، وسار عن بغداذ لعشر بقين من صفر ~~ليلتقي المتقي، فالتقاه بالسندية، فنزل توزون وقبل الأرض وقال: ها أنا قد ~~وفيت بيميني والطاعة لك، ثم وكل به وبالوزير وبالجماعة، وأنزلهم في مضرب ~~نفسه مع حرم المتقي، ثم كحله فأذهب عينيه، فلما سمله صاح، وصاح من عنده من ~~الحرم والخدم، وارتجت الدنيا، فأمر توزون بضرب الدبادب لئلا تظهر أصواتهم، ~~فخفيت أصواتهم، وعمي المتقي لله، وانحدر توزون من الغد إلى بغداذ والجماعة ~~في قبضته. # وكانت خلافة المتقي لله ثلاث سنين وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، وكان ~~أبيض (أشهل) العينين، وأمه أم ولد اسمها خلوب، وكانت وزارة ابن مقلة سنة ~~واحدة وخمسة أشهر واثني عشر يوما. # ذكر خلافة المستكفي بالله # هو المستكفي ms2923 بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد ~~بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، يجتمع هو ~~والمتقي لله في المعتضد، لما قبض توزون على المتقي لله، أحضر المستكفي إليه ~~إلى السندية، وبايعه هو وعامة الناس. # وكان سبب البيعة له ما حكاه أبو العباس التميمي الرازي، وكان من خواص ~~توزون، قال: كنت أنا السبب في البيعة للمستكفي، وذلك أنني دعاني إبراهيم بن ~~الزوبيندار الديلمي، فمضيت إليه، فذكر لي أنه تزوج إلى قوم وأن امرأة منهم ~~قالت له: إن المتقي هذا قد عاداكم وعاديتموه، وكاشفكم ولا يصفو قلبه لكم، ~~وها هنا رجل من أولاد الخلفاء من ولد المكتفي - وذكرت عقله، وأدبه، ودينه - ~~تنصبونه للخلافة فيكون صنيعتكم وغرسكم، ويدلكم على أموال جليلة لا يعرفها ~~غيره، وتستريحون من الخوف والحراسة. # PageV07P134 # قال: فعلمت أن هذا أمر لا يتم إلا بك، فدعوتك له، فقلت: أريد [أن] أسمع ~~كلام المرأة، فجاءني بها، فرأيت امرأة عاقلة جزلة، فذكرت لي نحوا من ذلك، ~~فقلت: لا بد أن ألقى الرجل، فقالت: تعود غدا إلى ها هنا حتى أجمع بينكما، ~~فعدت إليها من الغد، فوجدته قد أخرج من دار ابن طاهر في زي امرأة، فعرفني ~~نفسه، وضمن إظهار ثمانمائة ألف دينار منها مائة ألف لتوزون، وذكر وجوهها ~~وخاطبني خطاب رجل فهم عاقل، ورأيته يتشيع، قال: فأتيت توزون فأخبرته، فوقع ~~كلامي بقلبه، وقال: أريد [أن] أبصر الرجل، فقلت: لك ذلك، ولكن اكتم أمرنا ~~من ابن شيرزاد، فقال: أفعل، وعدت إليهم وأخبرتهم الذي ذكر، ووعدتهم حضور ~~توزون من الغد. # فلما كان ليلة الأحد لأربع عشرة خلت من صفر، مشيت مع توزون مستخفيين، ~~فاجتمعنا به، وخاطبه توزون وبايعه تلك الليلة، وكتم الأمر، فلما وصل ~~المتقي، قلت لتوزون لما لقيه: أنت على ذلك العزم؟ قال: نعم، قلت: فافعله ~~الساعة، فإنه إن دخل الدار بعد عليك مرامه، فوكل به وسمله، وجرى ما جرى. # وبويع المستكفي بالخلافة يوم خلع المتقي. وأحضر المتقي، فبايعه وأخذ منه ~~البردة والقضيب، وصارت ms2924 تلك المرأة قهرمانة المستكفي، وسمت نفسها علما، ~~وغلبت على أمره كله. # واستوزر المستكفي بالله أبا الفرج محمد بن علي السامري يوم الأربعاء لست ~~بقين من صفر، ولم يكن له إلا اسم الوزارة، والذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، ~~وحبس المتقي، وخلع المستكفي بالله على توزون خلعة وتاجا، وطلب المستكفي ~~بالله أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله، وهو الذي ولي الخلافة، ولقب " ~~المطيع لله " ; # PageV07P135 # لأنه كان يعرفه يطلب الخلافة، فاستتر مدة خلافة المستكفي، فهدمت داره ~~التي على دجلة عند دار ابن طاهر، حتى لم يبق منها شيء. # ذكر خروج أبي يزيد الخارجي بإفريقية # في هذه السنة اشتدت شوكة أبي يزيد بإفريقية، وكثر أتباعه وهزم الجيوش، ~~وكان ابتداء أمره أنه من زناتة، واسم والده كيداد من مدينة توزر من ~~قسطيلية، وكان يختلف إلى بلاد السودان لتجارة، فولد له بها أبو يزيد من ~~جارية هوارية، فأتى بها إلى توزر، فنشأ بها، وتعلم القرآن، وخالط جماعة من ~~النكارية، فمالت نفسه إلى مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت فأقام بها يعلم ~~الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي، فانتقل ~~إلى تقيوس، واشترى ضيعة وأقام يعلم فيها. # وكان مذهبه تكفير أهل الملة، واستباحة الأموال والدماء والخروج على ~~السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ومذاهبهم، فصار له جماعة ~~يعظمونه، وذلك أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن ~~اشتدت شوكته، وكثر أتباعه في أيام القائم (ولد المهدي، فصار يغير ويحرق ~~ويفسد، وزحف إلى بلاد القائم) وحاصر باغاية، وهزم الجيوش الكثيرة عليها، ثم ~~حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وفتح تبسة ومجانة وهدم سورها، ~~وأمن أهلها، ودخل مرمجنة، فلقيه رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب مليح ~~الصورة، فركبه أبو يزيد من ذلك اليوم. # وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة، قبيح الصورة. # ثم إنه هزم كتامة، وأنفذ طائفة من عسكره إلى سبيبة، ففتحها وصلب عاملها، ~~وسار إلى الأربس، ففتحها وأحرقها ونهبها، وجاء الناس إلى الجامع، فقتلهم ~~فيه، فلما ms2925 اتصل ذلك بأهل المهدية استعظموه، وقالوا للقائم: الأربس باب ~~إفريقية، ولما أخذت، زالت دولة بني الأغلب، فقال: لا بد أن يبلغ أبو يزيد ~~المصلى، وهو أقصى غايته. # PageV07P136 # ثم إن القائم أخرج الجيوش لضبط البلاد، فأخرج جيشا إلى رقادة، وجيشا إلى ~~القيروان، وجمع العساكر، فخاف أبو يزيد، وعول على أخذ بلاد إفريقية ~~وإخرابها وقتل أهلها، وسير القائم الجيش الذي اجتمع له مع فتاه ميسور، وسير ~~بعضه مع فتاه بشرى إلى باجة، فلما بلغ أبا يزيد خبر بشرى، ترك أثقاله (وسار ~~جريدة إليه، فالتقوا) بباجة، فانهزم عسكر أبي يزيد، وبقي في نحو أربعمائة ~~مقاتل، فقال لهم: ميلوا بنا نخالفهم إلى خيامهم، ففعلوا ذلك، فانهزم بشرى ~~إلى تونس، وقتل من عسكره كثير من وجوه كتامة وغيرهم، ودخل أبو يزيد باجة ~~فأحرقها ونهبها، وقتلوا الأطفال، وأخذوا النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم ~~إلى نفسه فأتوه، وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب. # ولما وصل بشرى إلى تونس، جمع الناس وأعطاهم الأموال، فاجتمع إليه خلق ~~كثير، فجهزهم وسيرهم إلى أبي يزيد، وسير إليهم أبو يزيد جيشا، فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزم أصحاب أبي يزيد، ورجع أصحاب بشرى إلى تونس غانمين، ووقعت ~~فتنة في تونس، ونهب أهلها دار عاملها، فهرب، وكاتبوا أبا يزيد، فأعطاهم ~~الأمان، وولى عليهم رجلا منهم يقال له رحمون، وانتقل إلى فحص أبي صالح، ~~وخافه الناس، فانتقلوا إلى القيروان، وأتاه كثير منهم خوفا ورعبا. # وأمر القائم بشرى أن يتجسس أخبار أبي يزيد، (فمضى نحوه، وبلغ الخبر إلى ~~أبي يزيد) ، فسير إليهم طائفة من عسكره، وأمر مقدمه أن يقتل، ويمثل وينهب، ~~ليرعب قلوب الناس، ففعل ذلك، والتقى هو وبشرى، واقتتلوا وانهزم عسكر أبي ~~يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر خمسمائة، فسيرهم بشرى إلى المهدية في ~~السلاسل، فقتلهم العامة. # ذكر استيلاء أبي يزيد على القيروان ورقادة # لما انهزم أصحاب أبي يزيد، غاظه ذلك، وجمع الجموع، ورحل وسار إلى قتال ~~الكتاميين، فوصل إلى الجزيرة، وتلاقت الطلائع، وجرى بينهما قتال، فانهزمت ~~طلائع الكتاميين، وتبعهم البربر إلى رقادة، ونزل أبو يزيد بالغرب من ms2926 ~~القيروان في مائة ألف مقاتل، ونزل من الغد شرقي رقادة، وعاملها خليل لا ~~يلتفت إلى أبي يزيد، ولا يبالي به، والناس يأتونه ويخبرونه بقربهم، فأمر أن ~~لا يخرج أحد لقتال، وكان ينتظر وصول ميسور في الجيش الذي معه. # PageV07P137 # فلما علم أبو يزيد ذلك، زحف إلى البلد بعض عسكره، فأنشبوا القتال، فجرى ~~بينهم قتال (عظيم) قتل فيه من أهل القيروان خلق كثير، فانهزموا وخليل لم ~~يخرج معهم، فصاح به الناس، فخرج متكارها من باب تونس، وأقبل أبو يزيد، ~~فانهزم خليل بغير قتال، ودخل القيروان ونزل بداره وأغلق بابها ينتظر وصول ~~ميسور، وفعل كذلك أصحابه، ودخل البربر المدينة فقتلوا وأفسدوا، وقاتل بعض ~~الناس في أطراف البلد. # وبعث أبو يزيد رجلا من أصحابه اسمه أيوب الزويلي إلى القيروان بعسكر، ~~فدخلها أواخر صفر، فنهب البلد وقتل، وعمل أعمالا عظيمة، وحصر خليلا في ~~داره، فنزل هو ومن معه بالأمان، فحمل خليل إلى أبي يزيد فقتله، وخرج شيوخ ~~أهل القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة، فسلموا عليه وطلبوا الأمان، ~~فماطلهم، وأصحابه يقتلون وينهبون، فعاودوا الشكوى، وقالوا: خربت المدينة، ~~فقال: وما يكون؟ خربت مكة، والبيت المقدس! ثم أمر بالأمان، وبقي طائفة من ~~البربر ينهبون، فأتاهم الخبر بوصول ميسور في عساكر عظيمة، فخرج عند ذلك ~~البربر من المدينة خوفا منه. # وقارب ميسور مدينة القيروان، واتصل الخبر بالقائم أن بني كملان قد كاتب ~~بعضهم أبا يزيد على أن يمكنوه من ميسور، فكتب إلى ميسور يعرفه ويحذره، ~~ويأمره بطردهم، فرجعوا إلى أبي يزيد، وقالوا له: إن عجلت ظفرت به، فسار من ~~يومه، فالتقوا، واشتد القتال بينهم، وانهزمت ميسرة أبي يزيد، فلما رأى أبو ~~يزيد ذلك، حمل على ميسور، فانهزم أصحاب ميسور، فعطف ميسور فرسه، فكبا به، ~~فسقط عنه، وقاتل أصحابه عليه ليمنعوه، فقصده بنو كملان الذين طردهم، فاشتد ~~القتال حينئذ، فقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبي يزيد، وانهزم عامة عسكره، ~~وسير الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر، وطيف برأس ميسور بالقيروان. # واتصل خبر الهزيمة بالقائم، فخاف هو ومن معه ms2927 بالمهدية، وانتقل أهلها من ~~أرباضها إلى البلد، فاجتمعوا واحتموا بسوره، فمنعهم القائم، ووعدهم الظفر، ~~فعادوا إلى زويلة، واستعدوا للحصار، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في ~~خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون، وأرسل سرية ~~إلى سوسة ففتحوها بالسيف، وقتلوا الرجال، وسبوا النساء، وأحرقوها، وشقوا ~~فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق في إفريقية موضع معمور # PageV07P138 # ولا سقف مرفوع، ومضى جميع من بقي إلى القيروان حفاة عراة، ومن تخلص من ~~السبي، مات جوعا وعطشا. # وفي آخر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة أمر القائم بحفر ~~الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب إلى زيري بن مناد سيد صنهاجة، وإلى سادات ~~كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية وقتال النكار، فتأهبوا للمسير ~~إلى القائم. # ذكر حصار أبي يزيد المهدية # لما سمع أبو يزيد بتأهب صنهاجة وكتامة وغيرهم لنصرة القائد، خاف ورحل من ~~ساعته نحو المهدية، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبث سراياه إلى ناحية ~~المهدية، فانتهبت ما وجدت، وقتلت من أصابت، فاجتمع الناس إلى المهدية، ~~واتفقت كتامة وأصحاب القائم على أن يخرجوا إلى أبي يزيد ليضربوا عليه في ~~معسكره؛ لما سمعوا أن عسكره قد تفرق في الغارة، فخرجوا يوم الخميس لثمان ~~بقين من جمادى الأولى من السنة. # وبلغ ذلك أبا يزيد، وقد أتاه فضل بعسكر من القيروان، فوجههم إلى قتال ~~كتامة، وقدم عليهم ابنه، فالتقوا على ستة أميال من المهدية واقتتلوا، وبلغ ~~الخبر أبا يزيد، فركب بجميع من بقي معه، فلقي أصحابه منهزمين، وقد قتل كثير ~~منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال، وأبو يزيد في أثرهم إلى باب ~~الفتح، واقتحم قوم من البربر فدخلوا باب الفتح، فأشرف أبو يزيد على ~~المهدية، ثم رجع إلى منزله، ثم تقدم إلى المهدية في جمادى الآخرة، فأتى باب ~~الفتح، ووجه زويلة إلى باب بكر، ثم وقف هو على الخندق المحدث، وبه جماعة من ~~العبيد، فناشبهم أبو يزيد القتال على الخندق، ثم اقتحم أبو يزيد ومن معه ~~البحر، فبلغ الماء صدور الدواب، ms2928 حتى جاوزوا السور المحدث، فانهزم العبيد، ~~وأبو يزيد في طلبهم. # ووصل أبو يزيد إلى باب المهدية، عند المصلى الذي للعيد، وبينه وبين ~~المهدية رمية سهم، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون، وأهلها يطلبون ~~الأمان، والقتال عند باب الفتح بين كتامة والبربر وهم لا يعلمون ما صنع أبو ~~يزيد في ذلك # PageV07P139 # الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، فهزموهم وقتلوا فيهم، وسمع أبو يزيد ~~بذلك، ووصول زيري بن مناد (في صنهاجة) ، فخاف المقام، فقصد باب الفتح ليأتي ~~زيري وكتامة من ورائهم بطبوله وبنوده، فلما رأى أهل الأرباض ذلك، ظنوا أن ~~القائم قد خرج بنفسه من المهدية، فكبروا وقويت نفوسهم، واشتد قتالهم، فتحير ~~أبو يزيد، وعرفه أهل تلك الناحية، فمالوا عليه ليقتلوه، فاشتد القتال عنده، ~~فهدم بعض أصحابه حائطا وخرج منه فتخلص، ووصل إلى منزله بعد المغرب، وهم ~~يقاتلون العبيد، فلما رأوه قويت قلوبهم، وانهزم العبيد وافترقوا. # ثم رحل أبو يزيد إلى ثرنوطة، وحفر على عسكره خندقا، واجتمع إليه خلق عظيم ~~من إفريقية، والبربر، ونفوسة، والزاب، وأقاصي المغرب، فحصر المهدية حصارا ~~شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها، ثم زحف إليها لسبع بقين ~~من جمادى الآخرة من السنة، فجرى قتال عظيم قتل [فيه] جماعة من وجوه عسكر ~~القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل إلى قرب الباب، فعرفه بعض العبيد، ~~فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد فاقتلوه، فأتاه رجل من أصحاب أبي يزيد ~~فقطع يده، وخلص أبو يزيد. # فلما رأى شدة قتال أصحاب القائم، كتب إلى عامل القيروان يأمره بإرسال ~~مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، فوصلوا إليه، فزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال ~~شديد انهزم فيه أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل فيه جماعة من أصحابه وأكثر أهل ~~القيروان، ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، ~~وانصرف (إلى منزله، وكثر خروج) الناس من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك ~~القائم الأهراء التي عملها المهدي وملأها طعاما، وفرق ما فيها على رجاله، ~~وعظم البلاء على الرعية حتى أكلوا الدواب والميتة، ms2929 وخرج من المهدية أكثر ~~السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج ~~ويقتلونهم ويشقون بطونهم طلبا للذهب. # PageV07P140 # (ثم وصلت كتامة) فنزلت بقسنطينة، فخاف أبو يزيد، فسار رجل من عسكره في ~~جمع عظيم من ورفجومة وغيرهم (إلى كتامة) ، فقاتلهم فهزمهم، فتفرقوا، وكان ~~البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية، وينهبون، ويقتلون، ويرجعون إلى ~~منازلهم، حتى أفنوا ما كان في إفريقية: (فلما لم يبق ما ينهب، توقفوا عن ~~المجيء إليه) فلم يبق معه سوى أهل أوراس وبني كملان. # (فلما علم القائم) تفرق عساكره، أخرج عسكره إليه، وكان بينهم قتال شديد ~~لست خلون من ذي القعدة من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثم صبحوهم من الغد، ~~فلم يخرج إليهم أحد، وكان أبو يزيد قد بعث في طلب الرجال من أوراس، ثم زحفت ~~عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واقتتلوا، واشتد بينهم القتال، فقتل من ~~أصحاب أبي يزيد جماعة منهم رجل من وجوه أصحابه، فعظم قتله عليه، ودخل خندقه ~~ثم عاود القتال، فهبت ريح شديدة مظلمة، فكان الرجل لا يبصر صاحبه، فانهزم ~~(عسكر القائم) (وقتل منهم) جماعة وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب (كثير ~~من أهل المهدية) إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم. # وفي آخر ذي القعدة اجتمع عند أبي يزيد جموع عظيمة، وتقدم إلى المهدية ~~فقاتل عليها، فتخير الكتاميون منهم مائتي فارس، فحملوا حملة رجل واحد، ~~فقتلوا في أصحابه كثيرا، وأسروا مثلهم، وكادوا يصلون إليه، فقاتل أصحابه ~~دونه وخلصوه، وفرح أهل المهدية، وأخذوا الأسرى في الحبال إلى المهدية، ~~(ودخلت سنة أربع وثلاثين # PageV07P141 # وثلاثمائة وهو مقيم على المهدية) . # وفي المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو الناس إلى نفسه، فأجابه خلق كثير ~~وأطاعوه، وادعى أنه عباسي ورد من بغداذ ومعه أعلام سود، فظفر به بعض أصحاب ~~أبي يزيد وقبض عليه، وسيره إلى أبي يزيد فقتله، ثم إن بعض أصحاب أبي يزيد ~~هرب إلى المهدية؛ بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم إليه، فخرجوا ~~من المهدية (مع أصحاب القائم) ms2930 فقتلوا أصحاب أبي يزيد، فظفروا، فتفرق عند ~~ذلك أصحاب أبي يزيد، ولم يبق معه غير هوارة وأوراس وبني كملان، وكان ~~اعتماده عليهم. # ذكر رحيل أبي يزيد عن المهدية # لما تفرق أصحابه عنه كما ذكرنا، اجتمع رؤساء من بقي معه وتشاوروا، ~~وقالوا: نمضي إلى القيروان، ونجمع البربر من كل ناحية، ونرجع إلى أبي يزيد، ~~فإننا لا نأمن أن يعرف القائم خبرنا فيقصدنا، فركبوا ومضوا، ولم يشاوروا ~~أبا يزيد، ومعهم أكثر العسكر، فبعث إليهم أبو يزيد ليردهم، فلم يقبلوا منه، ~~فرحل مسرعا في ثلاثين رجلا، وترك جميع أثقاله، فوصل إلى القيروان سادس صفر، ~~فنزل المصلى، ولم يخرج إليه أحد من أهل القيروان سوى عامله، وخرج الصبيان ~~يلعبون حوله ويضحكون منه. # وبلغ القائم رجوعه، فخرج الناس إلى أثقاله، فوجدوا الطعام والخيام (وغير ~~ذلك) على حاله، فأخذوه وحسنت أحوالهم، واستراحوا من شدة الحصار، ورخصت ~~الأسعار، وأنفذ القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد عنها، فلما ~~رأى أهل القيروان قلة عسكر أبي يزيد خافوا القائم، فأرادوا أن يقبضوا أبا ~~يزيد، ثم هابوه، فكاتبوا القائم يسألونه الأمان، فلم يجبهم. # وبلغ أبا يزيد الخبر، فأنكر على عامله بالقيروان اشتغاله بالأكل والشرب ~~وغير # PageV07P142 # ذلك، وأمره أن يخرج العساكر من القيروان للجهاد، ففعل ذلك، وألان لهم ~~القول، وخوفهم القائم، فخرجوا إليه. # وتسامع الناس في البلاد بذلك، فأتاه العساكر من كل ناحية، وكل أهل ~~المدائن والقرى لما سمعوا تفرق عساكره عنه، أخذوا عماله، فمنهم (من قتل، ~~ومنهم) من أرسل إلى المهدية. # وثار أهل سوسة، فقبضوا على جماعة من أصحابه، فأرسلوهم إلى القائم، فشكر ~~لهم ذلك، وأرسل إليهم سبعة مراكب من الطعام، فلما اجتمعت عساكر أبي يزيد، ~~أرسل الجيوش إلى البلاد وأمرهم بالقتل والسبي والنهب والخراب وإحراق ~~المنازل، فوصل عسكره إلى تونس، فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا ~~الرجال، (وهدموا المساجد) ، ونجا كثير من الناس إلى البحر فغرق. # فسير إليهم القائم عسكرا إلى تونس، فخرج إليهم أصحاب أبي ms2931 يزيد، واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم عسكر القائم هزيمة قبيحة، وحال بينهم الليل، والتجئوا ~~إلى جبل الرصاص، ثم إلى اصطفورة، فتبعهم عسكر أبي يزيد فلحقوهم واقتتلوا، ~~وصبر عسكر القائم، فانهزم عسكر أبي يزيد وقتل منهم خلق كثير، وقتلوا، حتى ~~دخلوا تونس خامس ربيع الأول وأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد بعد أن ~~قتلوا أكثرهم، وأخذ لهم من الطعام شيء كثير. # وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب، فلما بلغه الخبر أخرج معه عسكرا كثيرا، ~~فاجتمع مع من سلم من ذلك الجيش، ورجعوا إلى تونس فقتلوا من عاد إليها ~~وأحرقوا ما بقي فيها، وتوجه إلى باجة، فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها ~~بالسيف وأحرقها، وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف. # واتفق جماعة على قتل أبي يزيد، وأرسلوا إلى القائم فرغبهم ووعدهم، فاتصل ~~الخبر بأبي يزيد فقتلهم، وهجم رجال من البربر في الليل على رجل من أهل ~~القيروان، وأخذوا ماله وثلاث بنات أبكار، فلما أصبح واجتمع الناس لصلاة ~~الصبح، قام الرجل في # PageV07P143 # الجامع وصاح، وذكر ما حل به، فقام الناس معه وصاحوا، فاجتمع الخلق ~~العظيم، ووصلوا إلى أبي يزيد فأسمعوه كلاما غليظا، فاعتذر إليهم ولطف بهم ~~وأمر برد البنات. # فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلا مقتولا، فسألوا عنه، فقيل إن فضل بن ~~أبي يزيد قتله وأخذ امرأته، وكانت جميلة، فحمل الناس المقتول إلى الجامع، ~~وقالوا: لا طاعة إلا للقائم، وأرادوا الوثوب بأبي يزيد، فاجتمع أصحاب أبي ~~يزيد عنده ولاموه، وقالوا: فتحت على نفسك ما لا طاقة لك به لا سيما والقائم ~~قريب منا، فجمع أهل القيروان، واعتذر إليهم، وأعطاهم العهود أنه لا يقتل، ~~وينهب، ولا يأخذ الحريم، فأتاه سبي أهل تونس وهم عنده، فوثبوا إليهم ~~وخلصوهم. # وكان القائم قد أرسل إلى مقدم من أصحابه يسمى علي بن حمدون يأمره بجمع ~~العساكر ومن قدر عليه من المسيلة، فجمع منها ومن سطيف وغيرها، فاجتمع له ~~خلق كثير، وتبعه بعض بني هراس فقصد المهدية، فسمع به أيوب بن أبي يزيد، ms2932 وهو ~~بمدينة باجة، ولم يعلم به علي بن حمدون، فسار إليه أيوب وكبسه واستباح ~~عسكره، وقتل فيهم وغنم أثقالهم، وهرب علي المذكور، ثم سير أيوب جريدة خيل ~~إلى طائفة من عسكر المهدي خرجوا إلى تونس، فساروا واجتمعوا، ووقع بعضهم على ~~بعض (فكان بين الفريقين قتال عظيم) (قتل فيه) جمع كثير وانهزم عسكر القائم، ~~ثم عادوا ثانية وثالثة، (وعزموا على الموت، وحملوا) حملة رجل واحد، فانهزم ~~أصحاب أبي يزيد وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم وعددهم، وانهزم أيوب ~~وأصحابه إلى القيروان في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. # فعظم ذلك على أبي يزيد، وأراد أن يهرب (عن القيروان) ، فأشار عليه # PageV07P144 # أصحابه بالتوقف وترك العجلة، ثم جمع عسكرا عظيما، وأخرج ابنه أيوب ثانية ~~لقتال علي بن حمدون بمكان يقال له بلطة، وكانوا يقتتلون، فمرة يظفر أيوب، ~~ومرة يظفر علي، وكان علي قد وكل بحراسة المدينة من يثق به، وكان يحرس بابا ~~منها رجل اسمه أحمد، فراسل أيوب في التسليم إليه على مال يأخذه، فأجابه ~~أيوب إلى ما طلب، وقاتل على ذلك الباب، ففتحه أحمد ودخله أصحاب أبي يزيد، ~~فقتلوا من كان بها، وهرب علي إلى بلاد كتامة في ثلاثمائة فارس وأربعمائة ~~راجل، وكتب إلى قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وغيرهم، فاجتمعوا وعسكروا على ~~مدينة القسنطينة. # ووجه عسكرا إلى هوارة، فقتلوا هوارة، وغنموا أموالهم، وكان اعتماد أبي ~~يزيد عليهم، فاتصل الخبر بأبي يزيد، فسير إليهم عساكر عظيمة يتبع بعضهم ~~بعضا، وكان بينهم حروب كثيرة، والفتح والظفر في كلها لعلي وعسكر القائم، ~~وملك مدينة تيجس، ومدينة باغاية، وأخذهما من أبي يزيد. # ذكر محاصرة أبي يزيد سوسة وانهزامه منها # لما رأى أبو يزيد ما جرى على عسكره من الهزيمة، جد في أمره، فجمع العساكر ~~وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة من السنة، وبها جيش كثير للقائم، فحصرها ~~حصرا شديدا، فكان يقاتلها كل يوم، فمرة له، ومرة عليه، وعمل الدبابات ~~والمنجنيقات، فقتل من أهل سوسة خلق كثير، وحاصرها إلى أن فوض القائم العهد ~~إلى ولده إسماعيل المنصور ms2933 في شهر رمضان، وتوفي القائم وملك الملك ابنه ~~المنصور على ما نذكره، وكتم موت أبيه خوفا من أبي يزيد لقربه، وهو على ~~مدينة سوسة. # فلما ولي عمل المراكب، وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، واستعمل عليها ~~رشيقا الكاتب، ويعقوب بن إسحاق، ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما، ثم سار ~~من الغد يريد السوسة، ولم يعلم أصحابه ذلك، فلما انتصف الطريق علموا ~~فتضرعوا إليه، وسألوه أن يعود ولا يخاطر بنفسه، فعاد وأرسل إلى رشيق ويعقوب ~~بالجد في القتال، فوصلوا إلى سوسة وقد أعد أبو يزيد الحطب لإحراق السور، ~~وعمل دبابة عظيمة # PageV07P145 # فوصل أسطول المنصور إلى سوسة، واجتمعوا بمن فيها، وخرجوا إلى قتال أبي ~~يزيد، فركب بنفسه، واقتتلوا واشتدت الحرب، وانهزم بعض أصحاب المنصور حتى ~~دخلوا المدينة، فألقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه أبو يزيد، وفي ~~الدبابة، فأظلم الجو بالدخان، واشتعلت النار. # فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا، وظنوا أن أصحابه في تلك الناحية قد ~~هلكوا، فلهذا تمكن أصحاب المنصور من إحراق الحطب إذ لم ير بعضهم بعضا، ~~فانهزم أبو يزيد وأصحابه، وخرجت عساكر المنصور، فوضعوا السيف فيمن تخلف من ~~البربر، وأحرقوا خيامه. # وجد أبو يزيد هاربا حتى دخل القيروان من يومه، وهرب البربر على وجوههم، ~~فمن سلم من السيف، مات جوعا وعطشا. # ولما وصل أبو يزيد إلى القيروان، أراد الدخول إليها، فمنعه أهلها، ورجعوا ~~إلى دار عامله فحصروه، وأرادوا كسر الباب، فنثر الدنانير على رءوس الناس ~~فاشتغلوا عنه، فخرج إلى أبي يزيد، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه ~~أصحابه بعيالاتهم، ورحلوا إلى ناحية سبيبة، وهي على مسافة يومين من ~~القيروان، فنزلوها. # ذكر ملك المنصور مدينة القيروان وانهزام أبي يزيد # لما بلغ المنصور الخبر، سار إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال من السنة، ~~فنزل خارجا منها، وسر بما فعله أهل القيروان، فكتب إليهم كتابا يؤمنهم فيه ~~; لأنه كان واجدا عليهم لطاعتهم أبا يزيد، وأرسل من ينادي في الناس ~~بالأمان، وطابت نفوسهم، ورحل إليهم، فوصلها يوم الخميس لست بقين من ms2934 شوال، ~~وخرج إليه أهلها، فأمنهم ووعدهم خيرا. # ووجد في القيروان من حرم أبي يزيد وأولاده جماعة، فحملهم إلى المهدية ~~وأجرى عليهم الأرزاق. # ثم إن أبا يزيد جمع عساكره، وأرسل سرية (إلى القيروان) يتخبرون له، فاتصل # PageV07P146 # خبرهم بالمنصور، فسير إليهم سرية، فالتقوا واقتتلوا، وكان أصحاب أبي يزيد ~~قد جعلوا كمينا، فانهزموا، وتبعهم أصحاب المنصور، فخرج الكمين عليهم، فأكثر ~~فيهم القتل والجراح. # فلما سمع الناس ذلك، سارعوا إلى أبي يزيد، فكثر جمعه، فعاد ونازل ~~القيروان، وكان المنصور قد جعل خندقا في عسكره، ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث ~~فرق، وقصد هو بشجعان أصحابه إلى خندق المنصور، فاقتتلوا، وعظم الأمر، وكان ~~الظفر للمنصور، ثم عاودوا القتال، فباشر المنصور القتال بنفسه، وجعل يحمل ~~يمينا وشمالا، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه خمسمائة فارس، وأبو يزيد في ~~مقدار ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق ~~ونهبوا، وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا. # وأقبل أبو يزيد قاصدا إلى المنصور، فلما رآهم شهر سيفه وثبت مكانه، وحمل ~~بنفسه على أبي يزيد حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل المنصور من ~~أدرك منهم، وأرسل من يرد عسكره فعادوا، وكانوا قد سلكوا طريق المهدية ~~وسوسة، وتمادى القتال إلى الظهر فقتل منهم خلق كثير، وكان يوما من الأيام ~~المشهودة لم يكن في ماضي الأيام مثله. # ورأى الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت هيبته في قلوبهم، ورحل ~~أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ثم عاد ~~إليها فلم يخرج إليه أحد، ففعل ذلك غير مرة، ونادى المنصور: من أتى برأس ~~أبي يزيد، فله عشرة آلاف دينار، وأذن الناس في القتال، فجرى قتال شديد، ~~فانهزم أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم رجعت الهزيمة على أبي يزيد، ~~فافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وقتل بينهم جمع عظيم، وعادت الحرب مرة ~~لهذا ومرة لهذا، وصار أبو يزيد يرسل السرايا، فيقطع الطريق بين المهدية ~~والقيروان وسوسة. # ثم إنه أرسل إلى المنصور يسأل أن يسلم إليه حرمه وعياله ms2935 الذين خلفهم ~~بالقيروان وأخذهم المنصور، فإن فعل ذلك، دخل في طاعته على أن يؤمنه ~~وأصحابه، وحلف له بأغلظ الأيمان على ذلك، فأجابه المنصور إلى ما طلب، وأحضر ~~عياله وسيرهم إليه # PageV07P147 # مكرمين، بعد أن وصلهم، وأحسن كسوتهم، وأكرمهم، فلما وصلوا إليه، نكث جميع ~~ما عقده، وقال: إنما وجههم خوفا مني، فانقضت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ~~ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهم على حالهم (في القتال) . # ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بين الفريقين ~~قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، ~~فانهزموا منه بعد أن قتل خلق كثير، فلما انتصف المحرم عبأ المنصور عسكره، ~~فجعل في الميمنة أهل إفريقية، وكتامة في الميسرة، وهو في عبيده وخاصته في ~~القلب، فوقع بينهم قتال شديد، فحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها، ثم حمل ~~على القلب فبادر إليه المنصور، وقال: هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى. ~~وحمل هو ومن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه ~~فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وهرب أبو يزيد على وجهه، فقتل من أصحابه ~~ما لا يحصى، فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رءوس القتلى عشرة آلاف ~~رأس، وسار أبو يزيد إلى تاه مديت. # ذكر قتل أبي يزيد # لما تمت الهزيمة على أبي يزيد، أقام المنصور يتجهز للمسير في أثره، ثم ~~رحل أواخر شهر ربيع الأول من السنة، واستخلف على البلد مذاما الصقلي، فأدرك ~~أبا يزيد وهو محاصر مدينة باغاية ; لأنه أراد دخولها لما انهزم، فمنع من ~~ذلك، فحصرها، فأدركه المنصور وقد كاد يفتحها، فلما قرب منه هرب أبو يزيد، ~~وجعل كلما قصد موضعا يتحصن فيه، سبقه المنصور، حتى وصل طبنة، فوصلت رسل ~~محمد بن خزر # PageV07P148 # الزناتي، وهو من أعيان أصحاب أبي يزيد يطلب الأمان، فأمنه المنصور، وأمره ~~أن يرصد أبا يزيد، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر ويسمى ~~برزال، وأهله على مذهبه، وسلك الرمال ليختفي أثره، فاجتمع معه خلق كثير، ~~فعاد إلى نواحي ms2936 مقبرة والمنصور (بها، فكمن أبو يزيد أصحابه، فلما وصل عسكر ~~المنصور رآهم، فحذروا منهم، فعبأ حينئذ أبو يزيد أصحابه، واقتتلوا، فانهزمت ~~ميمنة المنصور) ، وحمل هو بنفسه ومن معه، فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، ~~ورحل المنصور في أثره، (فدخل مدينة المسيلة، ورحل في أثر أبي يزيد) في جبال ~~وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فأراد الدخول وراءه، فعرفه الأدلاء أن هذه ~~الأرض لم يسلكها جيش قط، واشتد الأمر على أهل العسكر، فبلغ عليق كل دابة ~~دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا، وإن ما وراء ذلك رمال وقفار بلاد ~~السودان، ليس فيها عمارة، وإن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل ~~بالسيف. # فلما سمع بذلك، رجع إلى بلاد صنهاجة، فوصل إلى موضع يسمى قرية دمره، ~~فاتصل به الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري بعساكر صنهاجة، وزيري هذا ~~هو جد بني باديس ملوك إفريقية - كما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى - فأكرمه ~~المنصور وأحسن إليه، ووصل كتاب محمد بن خزر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد ~~من الرمال. # ومرض المنصور مرضا شديدا أشفى منه، فلما أفاق من مرضه، رحل إلى المسيلة ~~ثاني رجب، وكان أبو يزيد قد سبقه إليها لما بلغه من مرض المنصور، وحصرها، ~~فلما قصده المنصور، هرب منه يريد بلاد السودان، فأبى ذلك بنو كملان وهوارة ~~وخدعوه، وصعد # PageV07P149 # إلى جبال كتامة وعجيسة وغيرهم، فتحصن بها واجتمع إليه أهلها، وصاروا ~~ينزلون يتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، ~~فلما عاد نزل إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب فانهزم أبو يزيد، ~~وأسلم أولاده وأصحابه، ولحقه فارسان فعقرا فرسه فسقط عنه، فأركبه بعض ~~أصحابه، ولحقه زيري بن مناد فطعنه فألقاه، وكثر القتال عليه، فخلصه أصحابه ~~وخلصوا معه، وتبعهم أصحاب المنصور، فقتلوا منهم ما يزيد على عشرة آلاف. # ثم سار المنصور في أثره أول شهر رمضان، فاقتتلوا أيضا أشد قتال، ولم يقدر ~~أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته، ثم انهزم أبو يزيد أيضا، ~~واحترقت أثقاله وما فيها، وطلع ms2937 أصحابه على رءوس الجبال يرمون بالصخر، وأحاط ~~القتال (بالمنصور وتواخذوا بالأيدي، وكثر القتل) حتى ظنوا أنه الفناء، ~~وافترقوا على السواء، والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة، وهي منيعة، فاحتمى ~~بها. # وفي ذلك اليوم (أتى إلى المنصور) جند له من كتامة برجل ظهر في أرضهم ادعى ~~الربوبية، فأمر المنصور بقتله، وأقبلت هوارة وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون ~~الأمان، فأمنهم المنصور، وسار إلى قلعة كتامة، فحصر أبا يزيد فيها، وفرق ~~جنده حولها، فناشبه أصحاب أبي يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرة، ~~ففي آخرها ملك أصحابه بعض القلعة، وألقوا فيها النيران، وانهزم أصحاب أبي ~~يزيد (وقتلوا قتلا ذريعا، ودخل أبو يزيد) وأولاده وأعيان أصحابه إلى قصر في ~~القلعة، فاجتمعوا فيه، فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل، فأمر المنصور بإشعال ~~النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب أبو يزيد، فصار الليل كالنهار. # فلما كان آخر الليل، خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على # PageV07P150 # الناس حملة منكرة، فأفرجوا لهم، فنجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، ~~فأخذوا، فأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور يطلبه، وقال: ما أظنه إلا ~~قريبا منا، فبينما هم كذلك إذ أتي بأبي يزيد، وذلك أن ثلاثة من أصحابه ~~حملوه من المعركة ثم ولوا عنه، وإنما حملوه لقبح عرجه، فذهب لينزل من ~~الوعر، فسقط في مكان صعب، فأدرك فأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكرا لله - ~~تعالى، والناس يكبرون حوله، وبقي عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة، فمات من الجراح التي به، فأمر بإدخاله في قفص عمل له، وجعل معه ~~قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده وحشاه تبنا، وأمر بالكتب إلى سائر ~~البلاد بالبشارة. # ثم خرج عليه عدة خوارج منهم محمد بن خزر، فظفر به المنصور سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة، وكان يريد نصرة أبي يزيد، وخرج أيضا فضل بن أبي يزيد، وأفسد ~~وقطع الطريق، فغدر به بعض أصحابه وقتله، وحمل رأسه إلى المنصور سنة ست ~~وثلاثين [وثلاثمائة] أيضا، وعاد المنصور إلى المهدية، فدخلها في شهر رمضان ~~من السنة. ms2938 # ذكر قتل أبي الحسين البريدي وإحراقه # في هذه السنة في ربيع الأول، قدم أبو الحسين البريدي إلى بغداذ مستأمنا ~~إلى توزون، فأمنه، وأنزله أبو جعفر بن شيرزاد إلى جانب داره، وأكرمه، وطلب ~~أن يقوي يده على ابن أخيه، وضمن أنه إذا أخذ البصرة يوصل له مالا كثيرا، ~~فوعدوه النجدة والمساعدة، فأنفذ ابن أخيه من البصرة مالا كثيرا (خدم به) ~~توزون وابن شيرزاد، فأنفذوا له الخلع وأقروه على عمله. # فلما علم أبو الحسين بذلك سعى في أن يكتب لتوزون، ويقبض على ابن شيرزاد، ~~فعلم ابن شيرزاد بذلك، فسعى به إلى أن قبض عليه، وقيد وضرب ضربا عنيفا، ~~وكان أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي قد أخذ أيام ناصر الدولة فتوى ~~الفقهاء # PageV07P151 # والقضاة بإحلال دمه، فأحضرها، وأحضر القضاة والفقهاء في دار الخليفة، ~~وأخرج أبو الحسين، وسئل الفقهاء عن الفتاوى، فاعترفوا أنهم أفتوا بذلك، ~~فأمر بضرب رقبته، فقتل وصلب، ثم أنزل وأحرق، ونهبت داره، وكان هذا آخر أمر ~~البريديين، وكان قتله منتصف ذي الحجة. # وفيها نقل المستكفي بالله القاهر بالله من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر، ~~وكان قد بلغ به الضر والفقر إلى أن كان ملتفا بقطن جبة، وفي رجله قبقاب ~~خشب. # ذكر مسير أبي علي إلى الري وعوده قبل ملكها # لما استقر الأمير نوح في ولايته (بما وراء النهر وخراسان) ، أمر أبا علي ~~بن محتاج أن يسير في عساكر خراسان إلى الري ويستنقذها من يد ركن الدولة بن ~~بويه، فسار في جمع كثير، فلقيه وشمكير بخراسان وهو يقصد الأمير نوحا، فسيره ~~إليه، وكان نوح حينئذ بمرو، فلما قدم عليه أكرمه وأنزله، وبالغ في إكرامه ~~والإحسان إليه. # وأما أبو علي فإنه سار نحو الري، فلما نزل ببسطام خالف عليه بعض من معه، ~~وعادوا عنه مع منصور بن قراتكين، وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه، فساروا ~~نحو جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فصدهم الحسن عنها، فانصرفوا إلى ~~نيسابور، وسار أبو علي (نحو الري) فيمن بقي معه، فخرج إليه ركن الدولة ~~محاربا، فالتقوا ms2939 على ثلاثة فراسخ من الري، وكان مع أبي علي جماعة كثيرة من ~~الأكراد، فغدروا به، واستأمنوا إلى ركن الدولة، فانهزم أبو علي، وعاد نحو ~~نيسابور وغنموا بعض أثقاله. # ذكر استيلاء وشمكير على جرجان # لما عاد أبو علي إلى نيسابور، لقيه وشمكير، وقد سيره الأمير نوح ومعه جيش ~~فيهم مالك بن شكرتكين، وأرسل إلى أبي علي يأمره بمساعدة وشمكير، فوجه فيمن ~~معه إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الحسن، ~~واستولى وشمكير على جرجان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. # PageV07P152 # ذكر استيلاء أبي علي على الري # في هذه السنة سار أبو علي من نيسابور إلى نوح، وهو بمرو، فاجتمع به ~~فأعاده إلى نيسابور، وأمره بقصد الري، وأمده بجيش كثير، فعاد إلى نيسابور، ~~وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة، وبها ركن الدولة، فلما علم ركن الدولة ~~بكثرة جموعه، سار عن الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال، ~~وأنفذ نوابه إلى الأعمال، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة. # ثم إن الأمير نوحا سار من مرو إلى نيسابور، فوصل إليها في رجب، وأقام بها ~~خمسين يوما، فوضع (أعداء أبي) علي جماعة من الغوغاء والعامة، فاجتمعوا ~~واستغاثوا عليه، وشكوا سوء سيرته وسيرة نوابه، فاستعمل الأمير نوح على ~~نيسابور إبراهيم بن سيمجور وعاد عنها (إلى بخارى في رمضان، وكان مرادهم ~~بذلك أن يقطعوا طمع أبي علي عن خراسان) ليقيم بالري وبلاد الجبل، فاستوحش ~~أبو علي لذلك، فإنه كان يعتقد أنه يحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال، ~~فلما عزل شق ذلك عليه، ووجه أخاه أبا العباس الفضل بن محمد إلى كور الجبال، ~~وولاه همذان، وجعله خليفة على من معه من العساكر، فقصد الفضل نهاوند ~~والدينور وغيرهما واستولى عليها، واستأمن إليه رؤساء الأكراد من تلك ~~الناحية، وأنفذوا رهائنهم. # ذكر وصول معز الدولة إلى واسط وعوده عنها # في هذه السنة آخر رجب، وصل معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى مدينة ~~واسط، فسمع توزون به، فسار هو والمستكفي بالله من بغداذ ms2940 إلى واسط، فلما سمع ~~معز الدولة بمسيرهم إليه، فارقها سادس رمضان، ووصل الخليفة وتوزون إلى ~~واسط، فأرسل أبو القاسم البريدي يضمن البصرة، فأجابه توزون إلى ذلك وضمنه، ~~وسلمها إليه، وعاد الخليفة وتوزون إلى بغداذ، فدخلاها ثامن شوال من السنة. # ذكر ملك سيف الدولة مدينة حلب وحمص # في هذه السنة سار سيف الدولة (علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان) إلى ~~حلب، فملكها واستولى عليها، وكان مع المتقي لله بالرقة، فلما عاد المتقي ~~إلى بغداذ وانصرف الإخشيد إلى الشام، بقي يأنس المؤنسي بحلب، فقصده سيف ~~الدولة، (فلما # PageV07P153 # نازلها، فارقها يأنس وسار إلى الإخشيد، فملكها سيف الدولة) ، ثم سار منها ~~إلى حمص، فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج، صاحب الشام ومصر مع مولاه ~~كافور، واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وكافور، وملك سيف الدولة مدينة حمص، ~~وسار إلى دمشق فحصرها، فلم يفتحها أهلها له فرجع. # وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام، وسار خلف سيف الدولة، فالتقيا ~~بقنسرين، فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما ~~عاد الإخشيد إلى دمشق، رجع سيف الدولة إلى حلب، ولما ملك سيف الدولة حلب، ~~سارت الروم إليها، فخرج إليهم، فقاتلهم بالقرب منها، فظفر بهم وقتل منهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثامن جمادى الأولى، قبض المستكفي بالله على كاتبه أبي عبد ~~الله بن أبي سليمان وعلى أخيه، واستكتب أبا أحمد الفضل بن عبد الرحمن ~~الشيرازي على خاص أمره، وكان أبو أحمد لما تقلد المستكفي الخلافة بالموصل، ~~يكتب لناصر الدولة، فلما بلغه خبر تقلده الخلافة، انحدر إلى بغداذ ; لأنه ~~كان يخدم المستكفي بالله، ويكتب له وهو في دار ابن طاهر. # وفيها في رجب سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداذ يريدان الموصل، ~~وقصد ناصر الدولة ; لأنه كان قد أخر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد، ~~واستخدم غلمانا هربوا من توزون، وكان الشرط بينهم أنه لا يقبل أحدا من عسكر ~~توزون. # فلما خرج الخليفة وتوزون من بغداذ، ترددت الرسل في الصلح، وتوسط ms2941 أبو جعفر ~~بن شيرزاد الأمر، وانقاد ناصر الدولة لحمل المال، وكان أبو القاسم بن مكرم ~~كاتب ناصر الدولة هو الرسول في ذلك، ولما تقرر الصلح عاد المستكفي وتوزون ~~فدخلا بغداذ. # PageV07P154 # وفيها في (سابع) ربيع الآخر، قبض المستكفي على وزيره أبي الفرج ~~(السرمرائي) ، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، وكانت مدة وزارته اثنين ~~وأربعين يوما. # PageV07P155 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة] ### | 334 - # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة # ذكر موت توزون وإمارة ابن شيرزاد # في هذه السنة في المحرم، مات توزون في داره ببغداذ، وكانت مدة إمارته ~~سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، وكتب له ابن شيرزاد مدة إمارته، غير ~~ثلاثة أيام. # ولما مات توزون كان ابن شيرزاد بهيت لتخليص أموالها، فلما بلغه الخبر، ~~عزم على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدوا ~~الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، فحضر ونزل بباب حرب مستهل صفر، وخرج عليه ~~الأجناد جميعهم، واجتمعوا عليه وحلفوا له، ووجه إلى المستكفي بالله ليحلف ~~له، فأجابه إلى ذلك، (وحلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد) ~~، وعاد مكرما يخاطب بأمير الأمراء، وزاد الأجناد زيادة كثيرة، فضاقت ~~الأموال عليه، فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبد الله محمد بن أبي موسى ~~الهاشمي وهو بالموصل، يطالبه بحمل المال، ويعده برد الرئاسة إليه، وأنفذ له ~~خمسمائة ألف درهم وطعاما كثيرا، ففرقها في عسكره، فلم يؤثر، فقسط الأموال ~~على العمال والكتاب والتجار وغيرهم لأرزاق الجند، وظلم الناس ببغداذ. # PageV07P156 # وظهر اللصوص وأخذوا الأموال، وجلا التجار، واستعمل على واسط ينال كوشة، ~~وعلى تكريت اللشكري، فأما ينال فإنه كاتب معز الدولة بن بويه، واستقدمه ~~وصار معه، وأما الفتح اللشكري فإنه سار إلى ناصر الدولة بالموصل، وصار معه، ~~فأقره على تكريت. # ذكر استيلاء معز الدولة على بغداذ # لما كاتب ينال كوشة معز الدولة بن بويه وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، سار ~~معز الدولة نحوه، فاضطرب الناس ببغداذ، فلما وصل إلى باجسرى، اختفى ~~المستكفي بالله وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وعشرين يوما، فلما ~~استتر، سار ms2942 الأتراك إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفي وعاد إلى بغداذ ~~إلى دار الخلافة، وقدم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي صاحب معز الدولة إلى ~~بغداذ، فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الذي استتر فيه، ثم اجتمع بالمستكفي، ~~فأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه إنما استتر من الأتراك ~~ليتفرقوا فيحصل الأمر لمعز الدولة بلا قتال. # ووصل معز الدولة إلى بغداذ حادي عشر جمادى الأولى، فنزل بباب الشماسية، ~~ودخل من الغد على الخليفة المستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي، وسأله معز ~~الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور، وأن يأذن أن يستكتبه، فأجابه إلى ذلك، ~~فظهر ابن شيرزاد، ولقي معز الدولة، فولاه الخراج وجباية الأموال، وخلع ~~الخليفة على معز الدولة، ولقبه ذلك اليوم " معز الدولة "، ولقب أخاه (عليا) ~~" عماد الدولة "، ولقب أخاه الحسن " ركن الدولة "، وأمر أن تضرب ألقابهم ~~وكناهم على الدنانير والدراهم. # PageV07P157 # ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك ~~شدة عظيمة، وصار رسما عليهم بعد ذلك، وهو أول من فعله ببغداذ، ولم يعرف بها ~~قبله. # وأقيم للمستكفي بالله كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكانت ربما تأخرت ~~عنه، فأقرت له مع ذلك ضياع سلمت إليه تولاها أبو أحمد الشيرازي كاتبه. # ذكر خلع المستكفي بالله # وفي هذه السنة خلع المستكفي بالله لثمان بقين من جمادى الآخرة. # وكان سبب ذلك أن علما القهرمانة صنعت دعوة، حضرها جماعة من قواد الديلم ~~والأتراك، فاتهمها معز الدولة أنها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمستكفي ~~ويزيلوا معز الدولة، فساء ظنه لذلك لما رأى من إقدام علم، وحضر أصفهدوست ~~عند معز الدولة، وقال: قد راسلني الخليفة في أن ألقاه متنكرا. # فلما مضى اثنان وعشرون يوما من جمادى الآخرة، حضر معز الدولة والناس عند ~~الخليفة، وحضر رسول صاحب خراسان، ومعز الدولة جالس، ثم حضر رجلا من نقباء ~~الديلم يصيحان، فتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، ~~(فمدها إليهما) ، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في حلقه، ونهض معز الدولة، ~~واضطرب الناس، ونهبت الأموال، وساق ms2943 الديلميان المستكفي بالله ماشيا إلى دار ~~معز الدولة، فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء، # PageV07P158 # وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي، وأخذت علم القهرمانة فقطع ~~لسانها. # وكانت مدة خلافة المستكفي سنة واحدة وأربعة أشهر، وما زال مغلوبا على ~~أمره مع توزون وابن شيرزاد، ولما بويع المطيع لله، سلم إليه المستكفي، ~~فسمله وأعماه، وبقي محبوسا إلى أن مات (في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة، وكان مولده ثالث عشر صفر سنة) ست وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد ~~اسمها غصن. # وكان أبيض، حسن الوجه، قد وخطه الشيب. # ذكر خلافة المطيع لله # لما ولي المستكفي بالله الخلافة، خافه المطيع، وهو أبو القاسم الفضل بن ~~المقتدر ; لأنه كان بينهما منازعة، وكان كل منهما يطلب الخلافة، وهو يسعى ~~فيها، فلما ولي المستكفي (خافه واستتر منه، فطلبه المستكفي) أشد الطلب، فلم ~~يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداذ، قيل: إن المطيع انتقل إليه، واستتر ~~عنده، وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسمله، فلما قبض المستكفي، بويع ~~للمطيع لله بالخلافة يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، ولقب المطيع لله، ~~وأحضر المستكفي عنده، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع. # PageV07P159 # وازداد أمر الخلافة إدبارا، ولم يبق لهم من الأمر شيء البتة، وقد كانوا ~~يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل، والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كان أيام ~~معز الدولة، زال ذلك جميعه، بحيث أن الخليفة لم يبق له وزير، إنما كان له ~~كاتب يدبر أقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر ~~لنفسه من يريد. # وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم كانوا يتشيعون، ويغالون في ~~التشيع، ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها، فلم ~~يكن (عندهم) باعث ديني يحثهم على الطاعة، حتى لقد بلغني أن معز الدولة ~~استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز ~~لدين الله العلوي، أو لغيره من العلويين، فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض ~~خواصه، فإنه قال: ليس هذا برأي فإنك اليوم مع ms2944 خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ~~ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه (مستحلين دمه) ، ومتى أجلست ~~بعض العلويين خليفة، كان معك من يعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم ~~بقتلك لفعلوه، فأعرض عن ذلك، فهذا كان من أعظم الأسباب في زوال أمرهم ~~ونهبهم مع حب الدنيا وطلب التفرد بها. # وتسلم معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق بيد الخليفة منه شيء البتة، إلا ~~ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته. # ذكر الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولة # وفيها في رجب، سير معز الدولة عسكرا فيهم موسى فيادة وينال كوشة إلى ~~الموصل (في مقدمته، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشة بموسى فيادة) ، (ونهب # PageV07P160 # سواده) ، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل نحو ~~العراق، ووصل ناصر الدولة إلى سامرا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب ~~معز الدولة بعكبرا. # وفي رمضان سار معز الدولة مع المطيع لله إلى عكبرا، فلما سار عن بغداذ ~~لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداذ مع عسكر لناصر الدولة، ~~(فاستولوا عليها، ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن ناصر الدولة) ، ~~(وناصر الدولة) يحارب معز الدولة، فلما كان عاشر رمضان، سار ناصر الدولة من ~~سامرا إلى بغداذ فأقام بها، فلما سمع معز الدولة الخبر، سار إلى تكريت ~~فنهبها ; لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد الخليفة معه إلى بغداذ، فنزلوا ~~بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب للمطيع ببغداذ. # ثم وقعت الحرب بينهم ببغداذ، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي، ~~فمنعوا أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف، فغلت الأسعار على الديلم، حتى ~~بلغ الخبز عندهم كل رطل بدرهم وربع، وكان السعر عند ناصر الدولة رخيصا، ~~كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل، فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال ~~بدرهم. # ومنع ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع، وضرب ~~دنانير ودراهم على سكة سنة إحدى وثلاثين وعليها اسم المتقي لله، واستعان ~~ابن شيرزاد بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة، فكان ms2945 يركب في الماء وهم ~~معه ويقاتل الديلم. # وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معز الدولة، فلقيهم ~~أسفهدوست فهزمهم، وكان من أعظم الناس شجاعة، وضاق الأمر بالديلم حتى عزم ~~معز الدولة على العود إلى الأهواز، وقال: نعمل معهم حيلة هذه المرة، فإن ~~أفادت وإلا عدنا، فرتب ما معه من المعابر بناحية الثمارين، وأمر وزيره أبا ~~جعفر الصيمري # PageV07P161 # وأسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه باقي العسكر، وأظهر أنه يعبر في قطربل، ~~وسار ليلا ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ~~ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمري وأسفهدوست من العبور، فعبروا وتبعهم ~~أصحابهم. # فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه، فعلموا بحيلته، فلقيهم ~~ينال كوشة في جماعة أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة، ~~وملك الديلم الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة خمس ~~وثلاثين [وثلاثمائة] ، وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداذ، فكان مقدار ~~ما غنموه ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم ~~معز الدولة برفع السيف والكف عن النهب، وأمن الناس فلم ينتهوا، فأمر وزيره ~~أبا جعفر الصيمري، فركب وقتل وصلب جماعة، وطاف بنفسه فامتنعوا. # واستقر معز الدولة ببغداذ، وأقام ناصر الدولة بعكبرا، وأرسل في الصلح ~~بغير مشورة من الأتراك التوزونية، فهموا بقتله، فسار عنهم مجدا نحو الموصل. # ثم استقر الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم سنة خمس وثلاثين ~~[وثلاثمائة] . # ذكر وفاة القائم وولاية المنصور # في هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبد الله المهدي ~~العلوي صاحب إفريقية لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه ~~إسماعيل وتلقب المنصور بالله، وكتم موته خوفا أن يعلم بذلك أبو يزيد، وهو ~~بالقرب منه على سوسة، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولم يغير ~~السكة، ولا الخطبة، ولا البنود، وبقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، ~~فلما فرغ منه أظهر موته، وتسمى بالخلافة، وعمل آلات الحرب والمراكب، وكان ~~شهما شجاعا ms2946 وضبط الملك والبلاد. # PageV07P162 # ذكر أقطاع البلاد وتخريبها # فيها شغب الجند على معز الدولة بن بويه، وأسمعوه المكروه، فضمن لهم إيصال ~~أرزاقهم في مدة ذكرها لهم، فاضطر إلى خبط الناس، وأخذ الأموال من غير ~~وجوهها، وأقطع قواده وأصحابه القرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك، ~~فبطل لذلك أكثر الدواوين، وزالت أيدي العمال، وكانت البلاد قد خربت من ~~الاختلاف، والغلاء، والنهب، فأخذ قواده القرى العامرة، وزادت عمارتها معهم، ~~وتوفر دخلها بسبب الجاه، فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك. # وأما الأتباع فإن الذي أخذوه ازداد خرابا، فردوه وطلبوا العوض عنه، ~~فعوضوا، وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها، فهلكت وبطل ~~الكثير منها. # وأخذ غلمان المقطعين في ظلم وتحصيل العاجل، فكان أحدهم إذا عجز الحاصل ~~تممه (بمصادراتها) . # ثم إن معز الدولة فوض حماية كل موضع إلى بعض أكابر أصحابه فاتخذه مسكنا ~~وأطمعه، فاجتمع إليهم الإخوة، وصار القواد يدعون الخسارة في الحاصل، فلا ~~يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك، فإن اعترضهم معترض صاروا أعداء له، ~~فتركوا وما يريدون، فازداد طمعهم، ولم يقفوا عند غاية، فتعذر على معز ~~الدولة جمع ذخيرة تكون للنوائب والحوادث، وأكثر من إعطاء غلمانه الأتراك ~~والزيادة لهم في الأقطاع، فحسدهم الديلم وتولد من ذلك الوحشة والمنافرة، ~~فكان من ذلك ما نذكره. # ذكر موت الإخشيد وملك سيف الدولة دمشق # في هذه السنة في ذي الحجة، مات الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج صاحب ديار ~~مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداذ، وكان موته بدمشق، # PageV07P163 # وقيل: مات سنة خمس وثلاثين [وثلاثمائة] ، وولي الأمر بعده ابنه أبو ~~القاسم أنوجور، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم ~~الإخشيد، وغلب أبا القاسم واستضعفه وتفرد بالولاية، وكافور هذا هو الذي ~~مدحه المتنبي ثم هجاه. # وكان أبو القاسم صغيرا، وكان كافور أتابكه، فلهذا استضعفه وحكم عليه، ~~فسار كافور إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق، فملكها وأقام بها، فاتفق أنه ~~كان يسير هو والشريف العقيلي بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه ~~الغوطة إلا لرجل ms2947 واحد، فقال له العقيلي: هي لأقوام كثيرة، فقال سيف الدولة: ~~لئن أخذتها القوانين السلطانية لينبرون منها، فأعلم العقيلي أهل دمشق بذلك، ~~فكاتبوا كافورا يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم (سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة، وكان أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف ~~الدولة فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثم استقر الأمر بينهما، ~~وعاد أنوجور إلى مصر وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيرا ~~وولي عليها بدر الإخشيدي، ويعرف ببدير، وعاد إلى مصر، فبقي بدير على دمشق ~~سنة، ثم وليها أبو المظفر بن طغج وقبض على بدير. # PageV07P164 # ذكر مخالفة أبي علي على الأمير نوح # وفي هذه السنة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير نوح، صاحب خراسان وما ~~وراء النهر. # وسبب ذلك أن أبا علي لما عاد من مرو إلى نيسابور وتجهز للمسير إلى الري، ~~أنفذ إليه الأمير نوح عارضا يستعرض العسكر، فأساء العارض السيرة معهم، ~~وأسقط منهم ونقص، فنفرت قلوبهم، فساروا وهو على ذلك (وانضاف إلى ذلك) أن ~~نوحا أنفذ معهم من يتولى أعمال الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق ~~بعد أن كان جميعه أيام السعيد نصر بن أحمد إلى أبي علي، فنفر قلبه لذلك، ~~(ثم إنه عزل عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور كما ذكرناه) . # ثم إن المتولي أساء إلى الجند في معاملاتهم وحوائجهم وأرزاقهم، فازدادوا ~~نفورا، فشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذاك بهمذان، واتفق رأيهم على مكاتبة ~~إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل عم نوح، واستقدامه إليهم ومبايعته وتمليكه ~~البلاد. وكان إبراهيم حينئذ بالموصل في خدمة ناصر الدولة، وكان سبب مسيره ~~إليها ما ذكرناه قبل، فلما اتفقوا على ذلك أظهروا عليه أبا علي، فنهاهم ~~عنه، فتوعدوه بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوا، فكاتبوا ~~إبراهيم وعرفوه حالهم، فسار إليهم في تسعين فارسا، فقدم عليهم في رمضان من ~~هذه السنة، ولقيه أبو علي بهمذان وساروا معه إلى الري في شوال، فلما وصلوا ~~إليها اطلع أبو علي من أخيه الفضل على كتاب ms2948 كتبه إلى الأمير نوح يطلعه على ~~حالهم، فقبض عليه وعلى ذلك المتولي الذي أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور ~~واستخلف على الري والجبل نوابه. # وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فتجهز وسار إلى مرو من بخارى، وكان الأجناد ~~قد ملوا من محمد بن أحمد الحاكم المتولي للأمور لسوء سيرته، فقالوا لنوح: ~~إن الحاكم أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علي إلى العصيان، وأوحش ~~الجنود، وطلبوا تسليمه إليهم، وإلا ساروا إلى عمه إبراهيم وأبي علي، فسلمه ~~إليهم، فقتلوه في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين [وثلاثمائة] . # PageV07P165 # ولما وصل أبو علي إلى نيسابور، كان بها إبراهيم بن سيمجور، ومنصور بن ~~قراتكين، وغيرهما من القواد، فاستمالهما أبو علي، فمالا إليه وصارا معه، ~~ودخلها في المحرم سنة خمس وثلاثين [وثلاثمائة] ، ثم ظهر له من منصور ما ~~يكره فقبض عليه. # ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ~~[وثلاثمائة] إلى مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبي علي من محبسه، ~~احتال على الموكلين به وهرب إلى قوهستان فأقام بها، وسار أبو علي إلى مرو، ~~فلما قاربها أتاه كثير من عسكر نوح، وسار نوح عنها إلى بخارى، واستولى أبو ~~علي على مرو في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين [وثلاثمائة] وأقام بها أياما، ~~وأتاه أكثر أجناد نوح وسار نحو بخارى، وعبر النهر إليها، ففارقها نوح وسار ~~إلى سمرقند، ودخل أبو علي بخارى في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ~~وثلاثمائة، وخطب فيها لإبراهيم العم، وبايع له الناس. # ثم إن أبا علي اطلع من إبراهيم على سوء قد أضمره له، ففارقه وسار إلى ~~تركستان، وبقي إبراهيم في بخارى، وفي خلال ذلك أطلق أبو علي منصور بن ~~قراتكين، فسار إلى الأمير نوح. # ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على أن يخلع نفسه من الأمر ويرده إلى ~~ولد أخيه الأمير نوح، ويكون هو صاحب جيشه، ويتفق معه على قصد أبي علي، ودعا ~~أهل بخارى إلى ذلك، فأجابوه واجتمعوا وخرجوا إلى أبي علي وقد تفرق عنه ~~أصحابه، ms2949 وركب إليهم في خيل، فردهم إلى البلد أقبح رد، وأراد إحراق البلد، ~~فشفع إليه مشايخ بخارى، فعفا عنهم وعاد إلى مكانه، واستحضر أبا جعفر محمد ~~بن نصر بن أحمد، وهو أخو الأمير نوح، وعقد له الإمارة وبايع له، وخطب له في ~~النواحي كلها. # ثم ظهر لأبي علي فساد نيات جماعة من الجند، فرتب أبا جعفر في البلد، ورتب ~~ما يجب ترتيبه، وخرج عن البلد يظهر المسير إلى سمرقند، ويضمر العود إلى ~~الصغانيان، ومنها إلى نسف، فلما خرج من البلد، رد جماعة من الجند والحشم ~~إلى بخارى، وكاتب نوحا بإفراجه عنها. # ثم سار إلى الصغانيان في شعبان، # PageV07P166 # ولما فارق أبو علي بخارى، خرج إبراهيم وأبو جعفر محمد بن نصر إلى سمرقند ~~مستأمنين إلى نوح، مظهرين الندم على ما كان منهم، فقربهم وقبلهم ووعدهم ~~وعاد إلى بخارى في رمضان، وقتل نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمه ~~إبراهيم، وأخويه أبا جعفر محمدا وأحمد، وعادت الجيوش فاجتمعت عليه ~~والأجناد، وأصلح الفساد. # وأما الفضل بن محمد أخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه كما ذكرناه ولحق ~~بقوهستان، جمع جمعا كثيرا وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزاق من ~~قبل أبي علي، فخرج منها الفضل، فالتقيا وتحاربا، فانهزم الفضل ومعه فارس ~~واحد، فلحق ببخارى، فأكرمه الأمير نوح، وأحسن إليه وأقام في خدمته. # ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسان # لما عاد الأمير نوح إلى بخارى وأصلح البلاد، وكان أبو علي بالصغانيان، ~~وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني، فرأى نوح أن يجعل منصور بن قراتكين ~~على جيوش خراسان، فولاه ذلك، وسيره إلى مرو وبها أبو أحمد، وقد غور المناهل ~~ما بين آمل ومرو، ووافق أبا علي ثم تخلى عنه. # وسار إليه منصور جريدة في ألفي فارس، فلم يشعر القزويني إلا بنزول منصور ~~بكشماهن على خمسة فراسخ من مرو، واستولى منصور على مرو، واستقبله أبو أحمد ~~القزويني فأكرمه، وسيره إلى بخارى مع ماله وأصحابه، فلما بلغها أكرمه ~~(الأمير نوح) وأحسن إليه (إلا أنه ms2950 وكل به، فظفر بعض الأيام برقعة قد كتبها ~~القزويني بما أنكره) ، فأحضره وبكته بذنوبه ثم قتله. # PageV07P167 # ذكر مصالحة أبي علي مع نوح # ثم إن أبا علي أقام بالصغانيان، فبلغه أن الأمير نوحا قد عزم على تسيير ~~عسكر إليه، فجمع أبو علي الجيوش وخرج إلى بلخ وأقام بها، وأتاه رسول الأمير ~~نوح في الصلح، فأجاب إليه، فأبى عليه جماعة ممن معه من قواد نوح الذين ~~انتقلوا إليه، وقالوا: نحب أن تردنا إلى منازلنا، ثم صالح، (فخرج أبو علي ~~نحو بخارى) ، فخرج إليه الأمير نوح في عساكره، وجعل الفضل بن محمد أخا أبي ~~علي صاحب جيشه، فالتقوا بجرجيك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ~~وتحاربوا قبيل العصر، فاستأمن إسماعيل بن الحسن الداعي إلى نوح، وتفرق ~~العسكر عن أبي علي، فانهزم ورجع إلى الصغانيان. # ثم بلغه أن الأمير نوحا قد أمر العساكر بالمسير إليه من بخارى وبلخ ~~وغيرهما، وأن صاحب الختل قد تجهز لمساعدة أبي علي، فسار أبو علي في جيشه ~~إلى ترمذ، وعبر جيحون، وسار إلى بلخ واستولى عليها وعلى طخارستان، وجبى مال ~~تلك الناحية. # وسار من بخارى عسكر جرار إلى الصغانيان، فأقاموا بنسف ومعهم الفضل بن ~~محمد أخو أبي علي، فكتب جماعة من قواد العسكر إلى الأمير نوح بأن الفضل قد ~~اتهموه بالميل إلى أخيه، فأمرهم بالقبض عليه، فقبضوا عليه وسيروه إلى ~~بخارى. # وبلغ خبر العسكر إلى أبي علي، وهو بطخارستان، فعاد إلى الصغانيان ووقعت ~~بينهم حروب، وضيق عليهم أبو علي في العلوفة، فانتقلوا إلى قرية أخرى على ~~فرسخين من الصغانيان، فقاتلهم أبو علي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين ~~[وثلاثمائة] قتالا شديدا، فقهروه، وسار إلى شومان وهي على ستة عشر فرسخا من ~~الصغانيان، ودخل عسكر نوح إلى الصغانيان، فأخربوا قصور أبي علي ومساكنه، ~~وتبعوا أبا علي، فعاد إليهم واجتمع إليه الكتيبة، وضيق على عسكر نوح، وأخذ ~~عليهم المسالك، فانقطعت عنهم # PageV07P168 # أخبار بخارى، وأخبارهم عن بخارى نحو عشرين يوما، فأرسلوا إلى أبي علي ~~يطلبون الصلح، فأجابهم إليه واتفقوا على إنفاذ ms2951 ابنه أبي المظفر عبد الله ~~رهينة إلى الأمير نوح، واستقر الصلح بينهما في جمادى الآخرة سنة سبع ~~وثلاثين وثلاثمائة. # وسير ابنه إلى بخارى، فأمر نوح باستقباله، فأكرمه وأحسن إليه، وكان قد ~~دخل إليه بعمامة، فخلع عليه القلنسوة، وجعله من ندمائه، وزال الخلف. # وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث في السنين التي هي فيها كانت، وإنما ~~أوردناها متتابعة في هذه السنة لئلا يتفرق ذكرها. # هذا الذي ذكره أصحاب التواريخ من الخراسانيين، وقد ذكر العراقيون هذه ~~الحوادث على غير هذه السياقة، وأهل كل بلد أعلم بأحوالهم، ونحن نذكر ما ~~ذكره العراقيون مختصرا، قالوا: إن أبا علي لما سار نحو الري في عساكر ~~خراسان، كتب ركن الدولة إلى أخيه عماد الدولة يستمده، فأرسل إليه يأمره ~~بمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك، ففعل ركن الدولة ذلك. # ودخل أبو علي الري، فكتب عماد الدولة إلى نوح سرا يبذل له في الري في كل ~~سنة زيادة على ما بذله أبو علي مائة ألف دينار، ويعجل ضمان سنة، ويبذل من ~~نفسه مساعدته على أبي علي حتى يظفر به (وخوفه منه) ، فاستشار نوح أصحابه، ~~وكانوا يحسدون أبا علي ويعادونه، فأشاروا عليه بإجابته، فأرسل نوح إلى ابن ~~بويه من يقرر القاعدة ويقبض المال، فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل، وأرسل ~~إلى أبي علي يعلمه خبر هذه الرسالة، وأنه مقيم على عهده ووده، وحذره من غدر ~~الأمير نوح، فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم وهو بالموصل يستدعيه ليملكه ~~البلاد، فسار إبراهيم، فلقيه أبو علي بهمذان، وساروا إلى خراسان. # وكتب عماد الدولة إلى أخيه ركن الدولة يأمره بالمبادرة إلى الري، فعاد ~~إليه، واضطربت خراسان، ورد عماد الدولة رسول نوح بغير مال، وقال: أخاف أن ~~أنفذ المال فيأخذه أبو علي، وأرسل إلى نوح يحذره من أبي علي ويعده المساعدة ~~عليه، وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له، ويشير عليه بسرعة ~~اللقاء، وإن نوحا (سار # PageV07P169 # فالتقى) هو وأبو علي بنيسابور، فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند، واستولى أبو ~~علي على بخارى، ms2952 وإن أبا علي استوحش من إبراهيم فانقبض عنه. وجمع نوح ~~العساكر وعاد إلى بخارى، وحارب عمه إبراهيم، فلما التقى الصفان، عاد جماعة ~~من قواد إبراهيم إلى نوح، وانهزم الباقون، وأخذ إبراهيم أسيرا، فسمل هو ~~وجماعة من أهل بيته، سملهم نوح. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اصطلح معز الدولة وأبو القاسم البريدي، وضمن أبو القاسم ~~مدينة واسط وأعمالها منه. # وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الميتة، والكلاب، والسنانير، ~~وأخذ بعضهم ومعه صبي قد شواه ليأكله، وأكل الناس خروب الشوك (فأكثروا منه) ~~، وكانوا يسلقون حبه ويأكلونه، فلحق الناس أمراض وأورام في أحشائهم، وكثر ~~فيهم الموت، حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانت الكلاب تأكل لحومهم، ~~وانحدر كثير من أهل بغداذ إلى البصرة، فمات أكثرهم في الطريق، ومن وصل ~~منهم، مات بعد مديدة يسيرة، وبيعت الدور والعقار بالخبز، فلما دخلت الغلات ~~انحل السعر. # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير وله تسعون سنة، وقد ~~تقدم من أخباره ما يدل على دينه وكفايته. # PageV07P170 # وفيها توفي أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي الفقيه الحنبلي ~~ببغداذ. # وأبو بكر الشبلي الصوفي، توفي في ذي الحجة. # ومحمد بن عيسى أبو عبد الله، ويعرف بابن أبي موسى الحنفي، في ربيع الأول. # PageV07P171 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة] ### | 335 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة # في هذه السنة في المحرم، استقر معز الدولة ببغداذ، وأعاد المطيع لله إلى ~~دار الخلافة بعد أن استوثق منه، وقد تقدم ذلك مفصلا. # وفيها اصطلح معز الدولة وناصر الدولة، وكانت الرسل تتردد بينهما بغير علم ~~من الأتراك التوزونية، وكان ناصر الدولة نازلا شرقي تكريت، فلما علم ~~الأتراك بذلك ثاروا بناصر الدولة، فهرب منهم وعبر دجلة إلى الجانب الغربي، ~~فنزل على ملهم والقرامطة، فأجاروه وسيروه ومعه ابن شيرزاد إلى الموصل. # ذكر حرب تكين وناصر الدولة # لما هرب ناصر الدولة من الأتراك ولم يقدروا عليه، اتفقوا على تأمير تكين ~~الشيرازي، وقبضوا على ابن قرابة، وعلى كتاب ناصر الدولة ms2953 (ومن تخلف من ~~أصحابه، وقبض ناصر الدولة) على ابن شيرزاد عند وصوله إلى جهينة، ولم يلبث ~~ناصر الدولة بالموصل بل سار إلى نصيبين، ودخل تكين والأتراك إلى الموصل، ~~وساروا في طلبه، فمضى إلى سنجار، فتبعه تكين إليها، فسار ناصر الدولة من ~~سنجار إلى الحديثة، فتبعه تكين. # وكان ناصر الدولة قد كتب إلى معز الدولة يستصرخه، فسير الجيوش إليه، فسار # PageV07P172 # ناصر الدولة من الحديثة إلى السن، فاجتمع هناك بعسكر معز الدولة، وفيهم ~~وزيره أبو جعفر الصيمري، وساروا بأسرهم إلى الحديثة لقتال تكين، فالتقوا ~~بها، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم تكين والأتراك بعد أن كادوا يستظهرون، ~~فلما انهزموا، تبعهم العرب من أصحاب ناصر الدولة، فأدركوهم وأكثروا القتل ~~فيهم، وأسروا تكين الشيرازي وحملوه إلى ناصر الدولة، فسمله في الوقت ~~فأعماه، وحمله إلى قلعة من قلاعه فسجنه بها. # وسار ناصر الدولة والصيمري (إلى الموصل فنزلوا شرقيها، وركب ناصر الدولة ~~إلى خيمة الصيمري) ، فدخل إليه ثم خرج من عنده إلى الموصل، ولم يعد إليه. ~~فحكي عن ناصر الدولة أنه قال: ندمت حين دخلت خيمته، فبادرت وخرجت. # وحكي عن الصيمري أنه قال: لما خرج ناصر الدولة من عندي، ندمت حيث لم أقبض ~~عليه، ثم تسلم الصيمري بن شيرزاد من ناصر الدولة ألف كر حنطة وشعيرا وغير ~~ذلك. # ذكر استيلاء ركن الدولة على الري # لما كان من عساكر خراسان ما ذكرناه من الاختلاف، وعاد أبو علي إلى ~~خراسان، رجع ركن الدولة إلى الري واستولى عليها وعلى سائر أعمال الجبل، ~~وأزال عنها الخراسانية، وعظم ملك بني بويه، فإنهم صار بأيديهم أعمال الري، ~~والجبل، وفارس، والأهواز، والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل، وديار بكر، ~~وديار مضر (من الجزيرة) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اختلف معز الدولة بن بويه وأبو القاسم بن البريدي والي ~~البصرة، فأرسل معز الدولة جيشا إلى واسط، فسير إليهم ابن البريدي جيشا من ~~البصرة في الماء # PageV07P173 # وعلى الظهر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب البريدي، وأسر من أعيانهم ~~جماعة كثيرة. # وفيها كان الفداء بالثغور بين المسلمين والروم على يد ms2954 نصر الثملي أمير ~~الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدة الأسرى ألفين وأربعمائة أسير ~~وثمانين أسيرا من ذكر وأنثى، وفضل للروم على المسلمين مائتان وثلاثون أسيرا ~~لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف الدولة. # وفيها في شعبان، قبض سيف الدولة بن حمدان على أبي إسحاق محمد القراريطي، ~~وكان استكتبه استظهارا على أبي الفرج محمد بن علي السر من رائي، واستكتب ~~أبا عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن بحر أبو عبد الله الفارسي، الفقيه ~~الشافعي، في شوال، ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس (بن محمد بن صول) ~~أبو بكر الصولي، وكان عالما بفنون الآداب والأخبار. # PageV07P174 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة] ### | 336 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة # ذكر استيلاء معز الدولة على البصرة # في هذه السنة سار معز الدولة ومعه المطيع لله إلى البصرة ; لاستنقاذها من ~~يد أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي، وسلكوا البرية إليها، ~~فأرسل القرامطة من هجر إلى معز الدولة ينكرون عليه مسيره إلى البرية بغير ~~أمرهم، وهي لهم، فلم يجبهم عن كتابهم، وقال للرسول: قل لهم من أنتم حتى ~~تستأمروا، وليس قصدي من أخذ البصرة غيركم، وستعلمون ما تلقون مني. ولما وصل ~~معز الدولة إلى الدرهمية، استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي، وهرب أبو ~~القاسم في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، ~~وملك معز الدولة البصرة، فانحلت الأسعار ببغداذ انحلالا كثيرا. # وسار معز الدولة من البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وأقام ~~الخليفة وأبو جعفر الصيمري بالبصرة، وخالف كوركير، وهو من أكابر القواد، ~~على معز الدولة، فسير إليه الصيمري، فقاتله فانهزم كوركير وأخذ أسيرا، ~~فحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز، ولقي معز الدولة أخاه عماد الدولة بأرجان ~~في شعبان، وقبل الأرض بين يديه، وكان يقف قائما عنده، فيأمره بالجلوس، فلا ~~يفعل، ثم عاد إلى بغداذ، وعاد المطيع أيضا إليها، وأظهر معز الدولة أنه ~~يريد [أن] يسير إلى ms2955 الموصل، فترددت الرسل بينه وبين ناصر الدولة، واستقر ~~الصلح وحمل المال إلى معز الدولة فسكت عنه. # PageV07P175 # ذكر مخالفة محمد بن عبد الرزاق بطوس # كان محمد بن عبد الرزاق بطوس وأعمالها، وهي في يده ويد نوابه، فخالف على ~~الأمير نوح بن نصر الساماني، وكان منصور بن قراتكين صاحب جيش خراسان بمرو ~~عند نوح، فوصل إليهما وشمكير منهزما من جرجان، قد غلبه عليها الحسن بن ~~الفيرزان، فأمر نوح منصورا بالمسير إلى نيسابور، ومحاربة محمد بن عبد ~~الرزاق وأخذ ما بيده من الأعمال، ثم يسير مع وشمكير إلى جرجان، فسار منصور ~~ووشمكير إلى نيسابور، وكان بها محمد بن عبد الرزاق، ففارقها نحو أستوا، ~~فاتبعه منصور، فسار محمد إلى جرجان، وكاتب ركن الدولة بن بويه، واستأمن ~~إليه، فأمره بالوصول إلى الري. # وسار منصور من نيسابور إلى طوس، وحصروا رافع بن عبد الرزاق بقلعة شميلان، ~~فاستأمن بعض أصحاب رافع إليه، فهرب رافع من شميلان إلى حصن درك، فاستولى ~~منصور على شميلان، (وأخذ ما فيها من مال وغيره) ، واحتمى رافع بدرك، وبها ~~أهله ووالدته، وهي على ثلاثة فراسخ من شميلان، (فأخرب منصور شميلان) ، وسار ~~إلى درك فحاصرها، وحاربهم عدة أيام، فتغيرت المياه بدرك، فاستأمن أحمد بن ~~عبد الرزاق إلى منصور في جماعة من بني عمه وأهله، وعمد أخوه رافع إلى ~~الصامت من الأموال، والجواهر، وألقاها في البسط إلى تحت القلعة، ونزل هو ~~وجماعة فأخذوا تلك الأموال وتفرقوا في الجبال. # واحتوى منصور على ما كان في قلعة درك، وأنفذ عيال محمد بن عبد الرزاق ~~ووالدته إلى بخارى فاعتقلوا بها، وأما محمد بن عبد الرزاق فإنه سار من ~~جرجان إلى الري، وبها ركن الدولة بن بويه، فأكرمه ركن الدولة، وأحسن إليه، ~~وحمل إليه شيئا كثيرا من الأموال وغيرها، وسرحه إلى محاربة المرزبان على ما ~~نذكره. # ذكر ولاية الحسن بن علي صقلية # في هذه السنة استعمل المنصور الحسن بن علي بن أبي الحسن الكلبي على جزيرة ~~صقلية، وكان له محل كبير عند المنصور، وله أثر عظيم في قتال أبي ms2956 يزيد. # وكان سبب ولايته أن المسلمين كانوا قد استضعفهم الكفار بها أيام عطاف ~~لعجزه وضعفه، وامتنعوا من إعطاء مال الهدنة، وكانوا بصقلية بنو الطبري من ~~أعيان الجماعة، ولهم أتباع كثيرون، فوثبوا بعطاف أيضا، وأعانهم أهل المدينة ~~عليه يوم عيد الفطر سنة # PageV07P176 # خمس وثلاثين [وثلاثمائة] ، وقتلوا جماعة من رجاله، وأفلت عطاف هاربا ~~بنفسه إلى الحصن، فأخذوا أعلامه وطبوله وانصرفوا إلى ديارهم، فأرسل أبو ~~عطاف إلى المنصور يعلمه الحال ويطلب المدد. # فلما علم المنصور ذلك، استعمل على الولاية الحسن بن علي، وأمره بالمسير، ~~فسار في المراكب، فأرسى بمدينة مازر، فلم يلتفت إليه أحد، فبقي يومه، فأتاه ~~في الليل جماعة من أهل إفريقية، وكتامة، وغيرهم، وذكروا أنهم خافوا الحضور ~~عنده من ابن الطبري ومن اتفق معه من أهل البلاد، وأن علي بن الطبري، ومحمد ~~بن عبدون، وغيرهما قد ساروا إلى إفريقية، وأوصوا بنيهم ليمنعوه من دخول ~~البلد، ومفارقة مراكبه إلى أن تصل كتبهم بما يلقون من المنصور، وقد مضوا ~~يطلبون أن يولي المنصور غيره. # ثم أتاه نفر من أصحاب ابن الطبري ومن معه ليشاهدوا من معه، فرأوه في قلة، ~~فطمعوا فيه، وخادعوه وخادعهم، ثم عادوا إلى المدينة، وقد وعدهم أنه يقيم ~~بمكانه إلى أن يعودوا إليه، فلما فارقوه جد السير إلى المدينة قبل أن ~~يجمعوا أصحابهم ويمنعوه، فلما انتهى إلى البيضاء، أتاه حاكم البلد وأصحاب ~~الدواوين، وكل من يريد العافية، فلقيهم وأكرمهم، وسألهم عن أحوالهم، فلما ~~سمع إسماعيل بن الطبري بخروج هذا الجمع إليه، اضطر إلى الخروج إليه، فلقيه ~~الحسن وأكرمه وعاد إلى داره، ودخل الحسن البلد، ومال إليه كل منحرف عن بني ~~الطبري ومن معهم. # فلما رأى ابن الطبري ذلك، أمر رجلا صقليا، فدعا بعض عبيد الحسن وكان ~~موصوفا بالشجاعة، فلما دخل بيته، خرج الرجل يستغيث ويصيح ويقول: إن هذا دخل ~~بيتي، وأخذ امرأتي بحضرتي غصبا، فاجتمع أهل البلد لذلك، وحركهم ابن الطبري ~~وخوفهم وقال: هذا فعلهم، ولم يتمكنوا من البلد، وأمر الناس بالحضور عند ~~الحسن ظنا منه أنه لا يعاقب مملوكه، ms2957 فيثور الناس به، فيخرجونه من البلد. # فلما اجتمع الناس، وذلك الرجل يصيح ويستغيث، أحضره الحسن عنده، وسأله عن ~~حاله، فحلفه بالله - تعالى - على ما يقول، فحلف، فأمر بقتل الغلام فقتل، ~~فسر # PageV07P177 # أهل البلد وقالوا: الآن طابت نفوسنا، وعلمنا أن بلدنا يتعمر، ويظهر فيه ~~العدل، فانعكس الأمر على ابن الطبري، وأقام الحسن وهو خائف منهم. # ثم إن المنصور أرسل إلى الحسن يعرفه أنه قبض على علي بن الطبري، وعلى ~~محمد بن عبدون، ومحمد بن جنا، ومن معهم، ويأمره بالقبض على إسماعيل بن ~~الطبري، ورجاء بن جنا ومحمد. . ومخلفي الجماعة المقبوضين، فاستعظم الأمر، ~~ثم أرسل إلى ابن الطبري يقول له: كنت قد وعدتني أن نتفرج في البستان الذي ~~لك، فتحضر لنمضي إليه، وأرسل إلى الجماعة على لسان ابن الطبري يقول: تحضرون ~~لنمضي مع الأمير إلى البستان، فحضروا عنده، وجعل يحادثهم ويطول إلى أن ~~أمسوا، فقال: قد فات الليل، وتكونون أضيافنا، فأرسل إلى أصحابهم يقول: إنهم ~~الليلة في ضيافة الأمير، فتعودون إلى بيوتهم إلى الغد، فمضى أصحابهم، فقبض ~~عليهم، وأخذ جميع أموالهم، وكثر جمعه، واتفق الناس عليه وقويت نفوسهم، فلما ~~رأى الروم ذلك، أحضر الراهب مال الهدنة لثلاث سنين. # ثم إن ملك الروم أرسل بطريقا في البحر في جيش كثير إلى صقلية، واجتمع هو ~~والسردغوس، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه الحال، فأرسل إليه أسطولا ~~فيه سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل سوى البحرية، وجمع الحسن ~~إليهم جمعا كثيرا، وسار (في البر) والبحر، فوصل إلى مسيني، وعدت العساكر ~~الإسلامية إلى ريو، وبث الحسن السرايا في أرض قلورية، ونزل الحسن على ~~جراجة، وحاصرها أشد حصار، وأشرفوا على الهلاك من شدة العطش، # PageV07P178 # فوصلهم الخبر أن الروم قد زحفوا إليه، فصالح أهل جراجة على مال أخذه ~~منهم، وسار إلى لقاء الروم، ففروا من غير حرب إلى مدينة بارة، ونزل الحسن ~~على قلعة قسانة، وبث سراياه إلى قلورية، وأقام عليها شهرا، فسألوه الصلح، ~~فصالحهم على مال أخذه منهم. # ودخل الشتاء، فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى ms2958 الأسطول بها، فأرسل المنصور ~~يأمره بالرجوع إلى قلورية، فسار الحسن، وعدا المجاز إلى جراجة، فالتقى ~~المسلمون والسردغوس ومعه الروم يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا ~~أشد قتال رآه الناس، فانهزمت الروم، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، ~~وأكثروا القتل فيهم، وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم. # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين [وثلاثمائة] فقصد الحسن جراجة فحصرها، فأرسل ~~إلى قسطنطين ملك الروم يطلب منه الهدنة، فهادنه، وعاد الحسن إلى ريو وبنى ~~بها مسجدا كبيرا في وسط المدينة، وبنى في أحد أركانه مئذنة، وشرط على الروم ~~أنهم لا يمنعون المسلمين من عمارته، وإقامة الصلاة فيه، والأذان، وأن لا ~~يدخله نصراني، ومن دخله من الأسارى المسلمين، فهو آمن سواء كان مرتدا أو ~~مقيما على دينه، وإن أخرجوا حجرا منه، هدمت كنائسهم كلها بصقلية وإفريقية، ~~فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا. # وبقي الحسن بصقلية إلى أن توفي المنصور وملك المعز، فسار إليه وكان ما ~~نذكره. # ذكر عصيان جمان بالرحبة وما كان منه # كان جمان هذا من أصحاب توزون، وصار في جملة ناصر الدولة بن حمدان، فلما ~~كان ناصر الدولة ببغداذ في الجانب الشرقي، وهو يحارب معز الدولة، ضم ناصر ~~الدولة جميع الديلم الذين معه إلى جمان لقلة ثقته بهم، وقلده الرحبة وأخرجه ~~إليها، فعظم أمره هناك، وقصده الرجال، فأظهر العصيان على ناصر الدولة، وعزم ~~على التغلب على # PageV07P179 # الرقة وديار مضر، فسار إلى الرقة فحصرها سبعة عشر يوما، فحاربه أهلها ~~وهزموه، ووثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله، فقتلوهم لشدة ظلمهم، وسوء ~~معاملتهم. # فلما عاد من الرقة، وضع السيف في أهلها، فقتل منهم مقتلة عظيمة، فأرسل ~~إليه ناصر الدولة حاجبه ياروخ في جيش، فاقتتلوا على شاطئ الفرات، فانهزم ~~جمان، فوقع في الفرات فغرق، واستأمن أصحابه إلى ياروخ، وأخرج جمان من الماء ~~فدفن مكانه. # ذكر ملك ركن الدولة طبرستان وجرجان # وفيها في ربيع الأول، اجتمع ركن الدولة بن بويه، والحسن بن الفيرزان، ~~وقصدا بلاد وشمكير، فالتقاهما وشمكير وانهزم منهما، وملك ركن الدولة ~~طبرستان، وسار منها إلى جرجان فملكها، واستأمن من ms2959 قواد وشمكير مائة وثلاثة ~~عشر قائدا، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان ~~مستجيرا ومستنجدا لإعادة بلاده، فكان ما نذكره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في صفر، ظهر كوكب له ذنب طوله نحو ذراعين في المشرق، وبقي ~~نحو عشرة أيام واضحمل. # [الوفيات] # وفيها مات سلامة الطولوني الذي كان حاجب الخلفاء، فأخذ ماله وعياله، وسار ~~إلى الشام أيام المستكفي، فمات هناك، ولما سار عن بغداذ، أخذ ماله في ~~الطريق ومات (هو الآن) ، فذهبت نعمته ونفسه حيث ظن السلامة # PageV07P180 # ولقد أحسن القائل حيث يقول: # وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... فهربت منه فنحوه تتقدم. # وفيها توفي محمد بن أحمد بن حماد أبو العباس الأثرم المقرئ. # PageV07P181 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة] ### | 337 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة # ذكر ملك معز الدولة الموصل وعوده عنها # في هذه السنة سار معز الدولة من بغداذ إلى الموصل قاصدا لناصر الدولة، ~~فلما سمع ناصر الدولة بذلك، سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل معز الدولة ~~فملك الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر ~~الدعاء عليه. # وأراد معز الدولة أن يملك جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ~~ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان والري، ويستمده ويطلب منه ~~العساكر، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسل بينهما (في ذلك) ، ~~واستقر الصلح بينهما على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة ~~كلها، والشام، كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، ويخطب في بلاده لعماد الدولة، ~~(وركن الدولة) ، ومعز الدولة بني بويه، فلما استقر الصلح عاد معز الدولة ~~إلى بغداذ فدخلها في ذي الحجة من السنة. # ذكر مسير عسكر خراسان إلى جرجان # في هذه السنة سار منصور بن قراتكين في جيوش خراسان إلى جرجان، صحبة ~~وشمكير، وبها الحسن بن الفيرزان، وكان منصور منحرفا عن وشمكير في السير، ~~فتساهل لذلك مع الحسن، وصالحه وأخذ ابنه رهينة. # ثم بلغ منصورا أن الأمير نوحا اتصل بابنة ختكين، مولى قراتكين، وهو # PageV07P182 # صاحب بست والرخج، ms2960 فساء ذلك منصورا وأقلقه، وكان نوح قد زوج قبل ذلك بنتا ~~لمنصور من بعض مواليه، اسمه فتكين، فقال منصور: يتزوج الأمير بابنة مولاي، ~~وتزوج ابنتي من مولاه؟ فحمله ذلك على مصالحة الحسين بن الفيرزان وأعاد عليه ~~ابنه، وعاد عنه إلى نيسابور، وأقام الحسن بزوزن، وبقي وشمكير بجرجان. # ذكر مسير المرزبان إلى الري # في هذه السنة سار المرزبان محمد بن مسافر صاحب أذربيجان إلى الري. # وسبب ذلك أنه بلغه خروج عساكر خراسان إلى الري، وأن ذلك يشغل ركن الدولة ~~عنه، ثم إنه كان أرسل رسولا إلى معز الدولة، فحلق معز الدولة لحيته، وسبه ~~وسب صاحبه، وكان سفيها، فعظم ذلك على المرزبان، وأخذ في جمع العساكر، ~~واستأمن إليه بعد قواد ركن الدولة، وأطمعه في الري، وأخبره أن من وراءه من ~~القواد يريدونه، فطمع لذلك، فراسله ناصر الدولة يعد المساعدة، ويشير عليه ~~أن يبتدئ ببغداذ، فخالفه، ثم أحضر أباه وأخاه وهسوذان، واستشارهما في ذلك، ~~فنهاه أبوه عن قصد الري، فلم يقبل، فلما ودعه بكى أبوه وقال: يا بني، أين ~~أطلبك بعد يومي هذا؟ قال: إما في دار الإمارة بالري، وإما بين القتلى. # فلما عرف ركن الدولة خبره، كتب إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة ~~يستمدهما، فسير عماد الدولة ألفي فارس، وسير إليه معز الدولة جيشا مع ~~سبكتكين التركي، وأنفذ عهدا من المطيع لله لركن الدولة بخراسان، فلما صاروا ~~بالدينور خالف الديلم على سبكتكين، وكبسوه ليلا، فركب فرس النوبة ونجا، ~~واجتمع الأتراك عليه، فعلم الديلم أنهم لا قوة لهم به، فعادوا إليه ~~وتضرعوا، فقبل عذرهم. # وكان ركن الدولة قد شرع مع المرزبان في المخادعة، وإعمال الحيلة، فكتب ~~إليه يتواضع له ويعظمه، ويسأله أن ينصرف عنه على شرط أن يسلم إليه ركن ~~الدولة زنجان، وأبهر، وقزوين، وترددت الرسل في ذلك إلى أن وصله المدد من ~~عماد الدولة # PageV07P183 # ومعز الدولة، وأحضر معه محمد بن عبد الرزاق، وأنفذ له الحسن بن الفيرزان ~~عسكرا مع محمد بن ماكان، فلما كثر جمعه قبض على جماعة ممن كان يتهمهم من ms2961 ~~قواده وسار إلى قزوين، فعلم المرزبان عجزه عنه، وأنف من الرجوع، فالتقيا، ~~فانهزم عسكر المرزبان، وأخذ أسيرا، وحمل إلى سميرم فحبس بها، وعاد ركن ~~الدولة، ونزل محمد بن عبد الرزاق بنواحي أذربيجان. # وأما أصحاب المرزبان فإنهم اجتمعوا على أبيه محمد بن مسافر، وولوه أمرهم، ~~فهرب منه ابنه وهسوذان إلى حصن له، فأساء محمد السيرة مع العسكر، فأرادوا ~~قتله، فهرب إلى ابنه وهسوذان، فقبض عليه، وضيق عليه حتى مات، ثم تحير ~~وهسوذان في أمره، فاستدعى ديسم الكردي لطاعة الأكراد له، وقواه، وسيره إلى ~~محمد بن عبد الرزاق، فالتقيا، فانهزم ديسم، وقوي ابن عبد الرزاق، فأقام ~~بنواحي أذربيجان يجبي أموالها، ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة، وكاتب الأمير نوحا، وأهدى له هدية، وسأله الصفح، فقبل عذره، ~~وكاتب وشمكير بمهادنته، فهادنه، ثم عاد محمد إلى طوس سنة تسع وثلاثين ~~[وثلاثمائة] لما خرج منصور إلى الري. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم، فلقيه الروم، ~~واقتتلوا، فانهزم سيف الدولة، وأخذ الروم مرعش، وأوقعوا بأهل طرسوس. # وفيها قبض معز الدولة على أسفهدوست، وهو خال معز الدولة، وكان من أكابر ~~قواده، وأقرب الناس إليه. # وكان سبب ذلك أنه كان يكثر الدالة عليه، ويعيبه في كثير من أفعاله، ونقل ~~عنه أنه # PageV07P184 # (كان) يراسل المطيع لله في قتل معز الدولة، فقبض عليه، وسيره إلى رامهرمز ~~فسجنه بها. # وفيها استأمن أبو القاسم البريدي إلى معز الدولة، وقدم بغداذ فلقي معز ~~الدولة، فأحسن إليه وأقطعه. # PageV07P185 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة] ### | 338 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة # ذكر حال عمران بن شاهين # في هذه السنة استفحل أمر عمران بن شاهين، وقوي شأنه، وكان ابتداء حاله ~~أنه من أهل الجامدة، فجبى جبايات، فهرب إلى البطيحة خوفا من السلطان، وأقام ~~بين القصب والآجام، واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء قوتا، ثم صار ~~يقطع الطريق على من يسلك البطيحة، واجتمع إليه جماعة من الصيادين، وجماعة ~~من اللصوص، فقوي بهم، وحمى جانبه ms2962 من السلطان، فلما خاف أن يقصد، استأمن ~~(إلى أبي القاسم) البريدي، فقلده حماية الجامدة ونواحي البطائح، وما زال ~~يجمع الرجال إلى أكثر أصحابه، وقوي واستعد بالسلاح، واتخذ معاقل على التلول ~~التي بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي. # فلما اشتد أمره، سير معز الدولة إلى محاربته وزيره أبا جعفر الصيمري، ~~فسار إليه في الجيوش، وحاربه مرة بعد مرة، واستأسر أهله وعياله، وهرب عمران ~~بن شاهين واستتر، وأشرف على الهلاك. # فاتفق أن عماد الدولة بن بويه مات، واضطرب جيشه بفارس، فكتب معز الدولة ~~إلى الصيمري بالمبادرة إلى شيراز لإصلاح الأمور بها، فترك عمران وسار إلى ~~شيراز، على ما نذكره في موت عماد الدولة، فلما سار الصيمري عن البطائح، ظهر ~~عمران بن شاهين من استتاره، وعاد إلى أمره، وجمع من تفرق عنه من أصحابه، ~~وقوي أمره، وسنذكر من أخباره فيما بعد ما تدعو الحاجة إليه. # PageV07P186 # ذكر موت عماد الدولة بن بويه # في هذه السنة مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز في ~~جمادى الآخرة، وكانت علته التي مات بها قرحة في كليته طالت به، وتوالت عليه ~~الأسقام والأمراض، فلما أحس بالموت، أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ~~ينفذ ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله ولي عهده، ووارث مملكته بفارس ; لأن ~~عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذ ركن الدولة ولده عضد الدولة، فوصل في ~~حياة عمه قبل موته بسنة، وسار في جملة ثقات أصحاب ركن الدولة، فخرج عماد ~~الدولة إلى لقائه في جميع عسكره، وأجلسه في داره على السرير، ووقف هو بين ~~يديه، وأمر الناس بالسلام على عضد الدولة والانقياد له، وكان يوما عظيما ~~مشهودا. # وكان في قواد عماد الدولة جماعة من الأكابر يخافهم، ويعرفهم بطلب ~~الرئاسة، وكانوا يرون أنفسهم أكبر منه نفسا وبيتا، وأحق بالتقدم، وكان ~~يداريهم، فلما جعل ولد أخيه في الملك، خافهم عليه، فأفناهم بالقبض، وكان ~~منهم قائد كبير يقال له شيرنحين، فقبض عليه، فشفع فيه أصحابه وقواده، فقال ~~لهم: إني أحدثكم عنه بحديث، فإن رأيتم ms2963 أن أطلقه فعلت، فحدثهم أنه كان في ~~خراسان في خدمة نصر بن أحمد، ونحن شرذمة قليلة من الديلم، ومعنا هذا، فجلس ~~يوما نصر وفي خدمته من مماليكه ومماليك أبيه بضعة عشر ألفا سوى سائر ~~العسكر، فرأيت شيرنحين هذا قد جرد سكينا معه ولفه في كسائه، فقلت: ما هذا؟ ~~فقال: أريد أن أقتل هذا الصبي، يعني نصرا، ولا أبالي بالقتل بعده، فإني قد ~~أنفت نفسي من القيام في خدمته. # (وكان عمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سنة، وقد خرجت لحيته، فعلمت أنه) إذا ~~فعل ذلك، لم يقتل وحده بل نقتل كلنا، فأخذت بيده وقلت له: بيني وبينك حديث، ~~فمضيت به إلى ناحية، وجمعت الديلم، وحدثتهم حديثه، فأخذوا منه السكين، ~~فتريدون مني بعد أن سمعتم حديثه في معنى نصر أن أمكنه من الوقوف بين يدي ~~هذا الصبي، يعني ابن أخي؟ # PageV07P187 # فأمسكوا عنه، وبقي محبوسا حتى مات في محبسه. # ومات عماد الدولة وبقي عضد الدولة بفارس، فاختلف أصحابه، فكتب معز الدولة ~~إلى وزيره الصيمري بالمسير إلى شيراز، وترك محاربة عمران بن شاهين، فسار ~~إلى فارس، ووصل ركن الدولة (أيضا، واتفقا على تقرير قاعدة عضد الدولة، وكان ~~ركن الدولة) قد استخلف على الري علي بن كامة، وهو من أعيان أصحابه، ولما ~~وصل ركن الدولة إلى شيراز، ابتدأ بزيارة قبر أخيه بإصطخر، فمشى حافيا حاسرا ~~ومعه العساكر على حاله، ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد الأكابر ~~ليرجع إلى المدينة، فرجع إليها، وأقام تسعة أشهر، وأنفذ إلى أخيه معز ~~الدولة شيئا كثيرا من المال والسلاح وغير ذلك. # وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات، صار أخوه ركن ~~الدولة أمير الأمراء، وكان معز الدولة هو المستولي على العراق والخلافة، ~~وهو كالنائب عنهما، وكان عماد الدولة كريما، حليما، عاقلا، حسن السياسة ~~(للملك والرعية) ، وقد تقدم من أخباره ما يدل على عقله وسياسته. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في جمادى الآخرة، قلد أبو السائب عتبة بن عبد الله قضاء ~~القضاة ببغداذ. # وفيها في ms2964 ربيع الآخر، مات المستكفي بالله في دار السلطان، وكانت علته نفث ~~الدم. # PageV07P188 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة] ### | 339 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة # ذكر موت الصيمري ووزارة المهلبي # في هذه السنة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري، وزير معز الدولة ~~بأعمال الجامدة، وكان قد عاد من فارس إليها، وأقام يحاصر عمران بن شاهين، ~~فأخذته حمى حادة مات منها. # واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي في جمادى الأولى، ~~وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة، فعرف أحوال الدولة والدواوين، فامتحنه ~~معز الدولة، فرأى فيه ما يريده من الأمانة، والكفاية، والمعرفة بمصالح ~~الدولة، وحسن السيرة، فاستوزره ومكنه من وزارته، فأحسن السيرة، وأزال كثيرا ~~من المظالم خصوصا بالبصرة، فإن البريديين كانوا قد أظهروا فيها كثيرا من ~~المظالم، فأزالها وقرب أهل العلم والأدب، وأحسن إليهم، وتنقل في البلاد ~~لكشف ما فيها من المظالم وتخليص الأموال، فحسن أثره، رحمه الله تعالى. # ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم، فغزا وأوغل فيها، ~~وفتح فيها حصونا كثيرة، وسبى وغنم، فلما أراد الخروج من بلد الروم، أخذوا ~~عليه المضايق # PageV07P189 # فهلك من كان معه من المسلمين أسرا وقتلا، واسترد الروم الغنائم والسبي، ~~وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم، ونجا سيف الدولة في عدد يسير. # ذكر إعادة القرامطة الحجر الأسود # في هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وقالوا: أخذناه بأمر، ~~وأعدناه بأمر. # وكان بجكم قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، وردوه الآن ~~بغير شيء في ذي القعدة، فلما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها ~~حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، (وكانوا أخذوه من ركن البيت الحرام سنة ~~سبع عشرة وثلاثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة) . # ذكر مسير الخراسانيين إلى الري # في هذه السنة سار منصور بن قراتكين من نيسابور إلى الري في صفر، أمره ~~الأمير نوح بذلك، وكان ركن الدولة ببلاد فارس على ما ذكرناه، فوصل منصور ~~إلى ms2965 الري # PageV07P190 # وبها علي بن كامة خليفة ركن الدولة، فسار علي عنها إلى أصبهان، ودخل ~~منصور الري واستولى عليها، وفرق العساكر في البلاد فملكوا بلاد الجبل إلى ~~قرميسين، وأزالوا عنها نواب ركن الدولة، (واستولوا على همذان وغيرها. # فبلغ الخبر إلى ركن الدولة) وهو بفارس، فكتب إلى أخيه معز الدولة يأمره ~~بإنفاذ عسكر بدفع تلك العساكر عن النواحي المجاورة للعراق، فسير سبكتكين ~~الحاجب في عسكر ضخم من الأتراك، والديلم، والعرب، فلما سار سبكتكين عن ~~بغداذ، خلف أثقاله، وأسرى جريدة إلى من بقرميسين من الخراسانيين، فكبسهم ~~وهم غارون، فقتل فيهم، وأسر مقدمهم من الحمام واسمه بجكم الخمارتكيني، ~~فأنفذه مع الأسرى إلى معز الدولة، فحبسه مدة ثم أطلقه. # فلما بلغ الخراسانية ذلك، اجتمعوا إلى همذان، فسار سبكتكين نحوهم، ~~ففارقوا همذان ولم يحاربوه، ودخل سبكتكين همذان، وأقام بها إلى أن ورد عليه ~~ركن الدولة (في شوال. # وسار منصور من الري في العساكر نحو همذان، وبها ركن الدولة) ، فلما بقي ~~بينهما مقدار عشرين فرسخا، عدل منصور إلى أصبهان، ولو قصد همذان، لانحاز ~~ركن الدولة عنه، وكان ملك البلاد بسبب اختلاف كان في عسكر ركن الدولة، ~~ولكنه عدل عنه لأمر يريده الله - تعالى، وتقدم ركن الدولة إلى سبكتكين ~~بالمسير في مقدمتهم، فلما أراد المسير، شغب عليه بعض الأتراك مرة بعد أخرى، ~~فقال ركن الدولة: هؤلاء أعداؤنا ومعنا، والرأي أن نبدأ بهم، فواقعهم ~~واقتتلوا، فانهزم الأتراك. # وبلغ الخبر إلى معز الدولة، فكتب إلى ابن أبي الشوك الكردي وغيره يأمرهم ~~بطلبهم والإيقاع بهم، فطلبوهم وأسروا منهم وقتلوا، ومضى من سلم منهم إلى ~~الموصل، وسار ركن الدولة نحو أصبهان، ووصل ابن قراتكين إلى أصبهان، فانتقل ~~من # PageV07P191 # كان بها من أصحاب ركن الدولة، وأهله وأسبابه، وركبوا الصعب والذلول، حتى ~~البقر والحمير، وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان مائة درهم، وهي على ~~تسعة فراسخ من أصبهان، فلم يمكنهم مجاورة ذلك الموضع، ولو سار إليهم منصور ~~لغنمهم وأخذ ما معهم، وملك ما وراءهم، إلا أنه دخل أصبهان وأقام بها. # ووصل ركن الدولة ms2966 فنزل بخان لنجان، وجرت بينهما حروب عدة أيام، وضاقت ~~الميرة على الطائفتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن ~~الدولة الانهزام لفعل، ولكنه تعذر عليه ذلك، واستشار وزيره أبا الفضل بن ~~العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا الله - تعالى، ~~فانو للمسلمين خيرا، وصمم العزم على حسن السيرة، والإحسان إليهم، فإن الحيل ~~البشرية كلها تقطعت بنا، وإن انهزمنا، تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا، فلا ~~يفلت منا أحد، (فقال له: قد سبقتك إلى هذا) . # فلما كان الثلث الأخير من الليل، أتاهم الخبر أن منصورا وعسكره قد عادوا ~~إلى الري وتركوا خيامهم، وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضا، ~~إلا أن الديلم كانوا يصبرون، ويقنعون بالقليل من الطعام، وإذا ذبحوا دابة ~~أو جملا، اقتسمه الخلق الكثير منهم، وكان الخراسانية بالضد منهم لا يصبرون ~~ولا يكفيهم القليل، فشغبوا على منصور واختلفوا، وعادوا إلى الري، فكان ~~عودهم في المحرم سنة أربعين [وثلاثمائة] ، فأتى الخبر ركن الدولة فلم يصدقه ~~حتى تواتر عنده، فركب هو وعسكره، واحتوى على ما خلفه الخراسانية. # حكى أبو الفضل بن العميد، قال: استدعاني ركن الدولة تلك الليلة الثلث ~~الأخير، وقال لي: قد رأيت الساعة في منامي كأني على دابتي فيروز، وقد انهزم ~~عدونا، وأنت تسير إلى جانب، وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب، فمددت عيني ~~فرأيت على الأرض خاتما، فأخذته فإذا فصه من فيروزج، فجعلته في إصبعي، ~~وتبركت به، وانتبهت وقد أيقنت بالظفر، فإن الفيروزج معناه الظفر، ولذلك لقب ~~الدابة فيروز. # PageV07P192 # قال ابن العميد: فأتانا الخبر والبشارة بأن العدو قد رحل، فما صدقنا حتى ~~تواترت الأخبار، فركبنا ولا نعرف سبب هربهم، وسرنا حذرين من كمين، وسرت إلى ~~جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز، فصاح ركن الدولة بغلام بين يديه: ~~ناولني ذلك الخاتم، فأخذ خاتما من الأرض فناوله إياه، فإذا هو فيروزج، ~~فجعله في إصبعه وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا الخاتم الذي رأيت منذ ساعة. ~~وهذا من أحسن ما يحكى ms2967 وأعجبه. # ذكر أخبار عمران بن شاهين، وانهزام عساكر معز الدولة # وقد ذكرنا حال عمران بن شاهين بعد مسير الصيمري عنه، وأنه زاد قوة وجرأة، ~~فأنفذ معز الدولة إلى قتاله روزبهان، وهو من أعيان عسكره، فنازله وقاتله، ~~فطاوله عمران، وتحصن منه في مضايق البطيحة، فضجر روزبهان وأقدم عليه طالبا ~~للمناجزة، فاستظهر عليه عمران وهزمه وأصحابه، وقتل منهم وغنم جميع ما معهم ~~من السلاح وآلات الحرب، فقوي بها، وتضاعفت قوته، فطمع أصحابه في السلطان، ~~فصاروا إذا اجتاز بهم أحد من أصحاب السلطان، يطلبون منه البذرقة والخفارة، ~~فإن أعطاهم، وإلا ضربوه واستخفوا به وشتموه. # وكان الجند لا بد لهم من العبور عليهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة ~~وغيرها، ثم انقطع الطريق إلى البصرة إلا على الظهر، فشكا الناس ذلك إلى معز ~~الدولة، فكتب إلى المهلبي بالمسير إلى واسط لهذا السبب، وكان بالبصرة، ~~فأصعد إليها، وأمده معز الدولة بالقواد والأجناد والسلاح، وأطلق يده في ~~الإنفاق، فزحف إلى البطيحة وضيق على عمران، وسد المذاهب عليه، فانتهى إلى ~~المضايق لا يعرفها إلا عمران وأصحابه، وأحب روزبهان أن يصيب المهلبي ما ~~أصابه من الهزيمة، ولا يستبد بالظفر والفتح، وأشار على المهلبي بالهجوم على ~~عمران، فلم يقبل منه، فكتب إلى معز الدولة يعجز المهلبي، ويقول: إنه يطاول ~~لينفق الأموال ويفعل ما يريد، فكتب معز الدولة بالعتب والاستبطاء، # PageV07P193 # فترك المهلبي الحزم، وما كان يريد [أن] يفعله، ودخل بجميع عسكره، وهجم ~~على مكان عمران، وكان قد جعل الكمناء في تلك المضايق، وتأخر روزبهان ليسلم ~~عند الهزيمة. # فلما تقدم المهلبي، خرج عليه وعلى أصحابه الكمناء، ووضعوا فيهم السلاح، ~~فقتلوا، وغرقوا، وأسروا، وانصرف روزبهان سالما هو وأصحابه، وألقى المهلبي ~~نفسه في الماء فنجا سباحة، وأسر عمران القواد والأكابر، فاضطر معز الدولة ~~إلى مصالحته وإطلاق من عنده من أهل عمران وإخوته، فأطلق عمران من في أسره ~~من أصحاب معز الدولة، وقلده معز الدولة البطائح، فقوي واستفحل أمره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة يوم السبت رابع عشر ذي الحجة، طلع القمر منكسفا، ~~وانكسف ms2968 جميعه. # [الوفيات] # وفيها في المحرم، توفي أبو بكر محمد بن أحمد بن قرابة بالموصل، وحمل ~~تابوته إلى بغداذ. # وفيها توفي أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، الحكيم الفيلسوف، صاحب ~~التصانيف فيها، وكان موته بدمشق، وكان تلميذ يوحنا بن جيلان، وكانت وفاة ~~يوحنا أيام المقتدر بالله. # وفيها مات أبو القاسم (عبد الرحمن بن إسحاق) الزجاجي النحوي، وقيل: سنة ~~أربعين [وثلاثمائة] . # PageV07P194 ### | [ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة] ### | 340 - # ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة # ذكر وفاة منصور بن قراتكين وأبي المظفر بن محتاج # في هذه السنة مات منصور بن قراتكين صاحب الجيوش الخراسانية في شهر ربيع ~~الأول، بعد عوده من أصبهان إلى الري، فذكر العراقيون أنه أدمن الشرب عدة ~~أيام بلياليها، فمات فجأة، وقال الخراسانيون: إنه مرض ومات، والله أعلم. # ولما مات، رجعت العساكر الخراسانية إلى نيسابور، وحمل تابوت منصور، ودفن ~~إلى جانب والده بأسبيجاب. # ومن عجيب ما يحكى أن منصورا لما سار من نيسابور إلى الري، سير غلاما له ~~إلى أسبيجاب ليقيم في رباط والده قراتكين الذي فيه قبره، فلما ودعه، قال: ~~كأنك بي قد حملت في تابوت إلى تلك البرية، فكان كما قال بعد قليل: مات وحمل ~~تابوته إلى ذلك الرباط، ودفن عند قبر والده. # وفيها توفي أبو المظفر بن أبي علي بن محتاج ببخارى، كان قد ركب دابة ~~أنفذها إليه أبوه، فألقته وسقطت عليه فهشمته، ومات من يومه، وذلك في ربيع ~~الأول، وعظم موته على الناس كافة، وشق موته على الأمير نوح، وحمل إلى ~~الصغانيان إلى والده أبي علي، وكان مقيما بها. # ذكر عود أبي علي إلى خراسان # وفي هذه السنة أعيد أبو علي بن محتاج إلى قيادة الجيوش بخراسان، وأمر ~~بالعود إلى نيسابور. # وكان سبب ذلك أن منصور بن قراتكين كان قد تأذى بالجند، واستصعب # PageV07P195 # إيالتهم، وكانوا قد استبدوا بالأمور دونه، وعاثوا في نواحي نيسابور، ~~فتواترت كتبه إلى الأمير نوح بالاستعفاء من ولايتهم، ويطلب أن يقتصر به على ~~هراة، ويولي ما بيده من أراد نوح، فكان نوح يرسل إلى أبي ms2969 علي يعده بإعادته ~~إلى مرتبته، فلما توفي منصور، أرسل الأمير نوح إلى أبي علي الخلع واللواء، ~~وأمره بالمسير إلى نيسابور، وأقطعه الري وأمره بالمسير إليها، فسار عن ~~الصغانيان في شهر رمضان، واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ووصل إلى مرو وأقام ~~بها إلى أن أصبح أمر خوارزم، وكانت شاغرة، وسار إلى نيسابور، فوردها في ذي ~~الحجة فأقام بها. # ذكر الحرب بصقلية بين المسلمين والروم # كان المنصور العلوي صاحب إفريقية قد استعمل على صقلية سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، فدخلها واستقر بها كما ~~ذكرناه، وغزا الروم الذين بها عدة غزوات، فاستمدوا ملك قسطنطينية فسير ~~إليهم جيشا كثيرا، فنزلوا أذرنت، فأرسل الحسن بن علي إلى المنصور يعرفه ~~الحال، فسير إليه جيشا كثيفا مع خادمه فرح، فجمع الحسن جنده مع الواصلين، ~~وسار إلى ريو، وبث السرايا في أرض قلورية، وحاصر الحسن جراجة أشد حصار، ~~فأشرف أهلها على الهلاك من شدة العطش ولم يبق إلا أخذها، فأتاه الخبر أن ~~عسكر الروم واصل إليه، فهادن أهل جراجة على مال يؤدونه، وسار إلى الروم، ~~فلما سمعوا بقربه منهم، انهزموا بغير قتال وتركوا أذرنت. # ونزل الحسن على قلعة قسانة، وبث سراياه تنهب، فصالحه أهل قسانة على مال، ~~ولم يزل كذلك إلى شهر ذي الحجة، وكان المصاف بين المسلمين وعسكر قسطنطينية ~~ومن معه من الروم الذين بصقلية ليلة الأضحى، واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم ~~الروم، وركبهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، وغنموا جميع أثقالهم، ~~وسلاحهم، ودوابهم، وسير الرءوس إلى مدائن صقلية، وإفريقية، وحصر الحسن ~~جراجة، فصالحوه على مال يحملونه، ورجع عنهم، وسير سرية إلى المدينة بطرقوقة ~~ففتحوها، وغنموا ما فيها. # PageV07P196 # ولم يزل الحسن بجزيرة صقلية إلى سنة إحدى وأربعين [وثلاثمائة] ، فمات ~~المنصور، فسار عنها إلى إفريقية، واتصل بالمعز بن المنصور، واستخلف على ~~صقلية ابنه أبا الحسن أحمد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رفع إلى المهلبي أن رجلا يعرف بالبصري مات ببغداذ، وهو مقدم ~~القراقرية يدعي أن روح أبي جعفر محمد بن علي بن ms2970 أبي القراقر قد حلت فيه، ~~وأنه خلف مالا كثيرا كان يجبيه من هذه الطائفة، وأن له أصحابا يعتقدون ~~ربوبيته، وأن أرواح الأنبياء والصديقين حلت فيهم، فأمر بالختم على التركة، ~~والقبض على أصحابه، والذي قام بأمرهم بعده، فلم يجد إلا مالا يسيرا، ورأى ~~دفاتر فيها أشياء من مذاهبهم. # وكان فيهم غلام شاب يدعي أن روح علي بن أبي طالب حلت فيه، وامرأة يقال ~~لها فاطمة تدعي أن روح فاطمة حلت فيها، وخادم لبني بسطام يدعي أنه ميكائيل، ~~فأمر بهم المهلبي فضربوا ونالهم مكروه، ثم إنهم توصلوا بمن ألقى إلى معز ~~الدولة أنهم من شيعة علي بن أبي طالب، فأمر بإطلاقهم، وخاف المهلبي أن يقيم ~~على تشدده في أمرهم فينسب إلى ترك التشيع، فسكت عنهم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي عبيد الله بن الحسين بن لال أبو الحسن الكرخي الفقيه ~~الحنفي المشهور في شعبان، ومولده سنة ستين ومائتين، وكان عابدا معتزليا. ~~وفيها توفي أبو جعفر الفقيه ببخارى. # PageV07P197 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة] ### | 341 - # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة # ذكر حصار البصرة # في هذه السنة سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في البحر والبر إلى البصرة ~~(فحصرها. # وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة) ، وأرسل القرامطة ~~ينكرون عليه ذلك، وأجابهم بما ذكرناه، علم يوسف بن وجيه استيحاشهم من معز ~~الدولة، فكتب إليهم يطمعهم في البصرة، وطلب منهم أن يمدوه من ناحية البر، ~~فأمدوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر، فبلغ الخبر إلى الوزير المهلبي ~~وقد فرغ من الأهواز والنظر فيها، فسار مجدا في العساكر إلى البصرة، فدخلها ~~قبل وصول يوسف إليها، وشحنها بالرجال، وأمده معز الدولة بالعساكر وما يحتاج ~~إليه، وتحارب هو وابن وجيه أياما، ثم انهزم ابن وجيه، وظفر المهلبي بمراكبه ~~وما معه من سلاح وغيره. # ذكر وفاة المنصور العلوي وملك ولده المعز # في هذه السنة توفي المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم أبي ~~القاسم محمد بن عبيد الله المهدي سلخ شوال، وكانت خلافته ms2971 سبع سنين وستة عشر ~~يوما، # PageV07P198 # وكان عمره تسعا وثلاثين سنة، وكان خطيبا بليغا، يخترع الخطبة لوقته، ~~وأحواله مع أبي يزيد الخارجي وغيره تدل على شجاعة وعقل. # وكان سبب وفاته أنه خرج إلى سفاقس وتونس ثم إلى قابس، وأرسل إلى أهل ~~جزيرة جربة يدعوهم إلى طاعته، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ منهم رجالا معه وعاد، ~~وكانت سفرته شهرا، وعهد إلى ابنه معد بولاية العهد، فلما كان رمضان، خرج ~~متنزها أيضا إلى مدينة جلولاء، وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا ~~يرى مثله في عظمه، يكون شيء يحمل الجمل منه أربع أترجات، فحمل منه إلى ~~قصره. # وكان للمنصور جارية حظية عنده، فلما رأته استحسنته، وسألت المنصور أن ~~تراه في أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل إليها في خاصته، وأقام بها أياما ثم ~~عاد إلى المنصورية، فأصابه في الطريق (ريح شديدة) وبرد ومطر، ودام عليه ~~فصبر وتجلد، وكثر الثلج، فمات جماعة من الذين معه، واعتل المنصور علة ~~شديدة، لأنه لما وصل إلى المنصورية أراد دخول الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن ~~سليمان الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل منه ودخل الحمام، ففنيت الحرارة ~~الغريزية منه ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالج المرض والسهر باق بحاله، ~~فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض الخدم: أما في القيروان طبيب غير إسحاق ~~يخلصني من هذا الأمر؟ قال: هاهنا شاب قد نشأ الآن اسمه إبراهيم، فأمر ~~بإحضاره، وشكا إليه ما يجده من السهر، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة ~~على النار، وكلفه شمها، فلما أدمن شمها نام. # وخرج إبراهيم وهو مسرور بما فعل، وبقي المنصور نائما، فجاء إسحاق فطلب ~~الدخول عليه، فقيل: هو نائم، فقال: إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات، ~~فدخلوا عليه فوجدوه ميتا، فدفن في قصره وأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ~~ما له ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض وما ~~عرفتموه، وذلك أنني كنت (في معالجته) أنظر في تقوية الحرارة الغريزية وبها ~~يكون النوم، فلما عولج بالأشياء المطفئة لها، علمت ms2972 أنه قد مات. # PageV07P199 # ولما مات ولي الأمر بعده ابنه معد، وهو المعز لدين الله، وأقام في تدبير ~~الأمور إلى سابع ذي الحجة، فأذن للناس فدخلوا عليه، وجلس لهم فسلموا عليه ~~بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة. # فلما دخلت سنة ست وأربعين [وثلاثمائة] صعد جبل أوراس، وجال فيه عسكره، ~~وهو ملجأ كل منافق على الملوك، وكان فيه بنو كملان، ومليلة، وقبيلتان من ~~هوارة، لم يدخلوا في طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، ~~وأمر نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم أحد إلا أتاه، وأحسن إليهم ~~المعز، وعظم أمره، ومن جملة من استأمن إليه محمد بن خزر الزناتي أخو معبد، ~~فأمنه المعز وأحسن إليه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول، ضرب معز الدولة وزيره أبا محمد المهلبي ~~بالمقارع مائة وخمسين مقرعة، ووكل به في داره ولم يعزله من وزارته، وكان ~~نقم عليه أمورا ضربه بسببها. # وفيها في ربيع الآخر، وقع حريق عظيم ببغداذ في سوق الثلاثاء، فاحترق فيه ~~للناس ما لا يحصى. # وفي هذه السنة ملك الروم مدينة سروج، وسبوا أهلها وغنموا أموالهم، ~~وأخربوا المساجد. # وفيها سار ركن الدولة من الري إلى طبرستان وجرجان، فسار عنها إلى ناحية ~~نسا وأقام بها، واستولى ركن الدولة على تلك البلاد، وعاد عنها إلى الري، ~~واستخلف بجرجان الحسن بن فيرزان وعلي بن كامة، فلما رجع ركن الدولة عنها، ~~قصدها وشمكير فانهزموا منه، واستردها وشمكير. # PageV07P200 # وفيها ولد أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وهو فخر الدولة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار النحوي المحدث، ~~وهو من أصحاب المبرد، وكان مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، (وكان مكثرا من ~~الحديث) . # PageV07P201 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة] ### | 342 - # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة # ذكر هرب ديسم عن أذربيجان # في هذه السنة هرب ديسم بن إبراهيم أبو سالم عن أذربيجان، وكنا قد ذكرنا ~~استيلاءه عليها. # وأما سبب هربه عنها فإنه كان ركن الدولة بن بويه قد قبض على ms2973 بعض قواده، ~~واسمه علي بن ميسكي، فأفلت من الحبس وقصد الجبل، وجمع جمعا وسار إلى ~~وهسوذان أخي المرزبان، فاتفق معه وتساعدا على ديسم. # ثم إن المرزبان استولى على قلعة سميرم على ما نذكره، ووصلت كتبه إلى أخيه ~~وعلي بن ميسكي بخلاصه، وكاتب الديلم واستمالهم، ولم يعلم ديسم بخلاصه، إنما ~~كان يظن أن وهسوذان وعلي بن ميسكي يقاتلانه. # وكان له وزير يعرف بأبي عبد الله النعيمي، فشره إلى ماله وقبض عليه، ~~واستكتب إنسانا كان يكتب للنعيمي، (فاحتال النعيمي) بأن أجابه إلى كل ما ~~التمس منه، (وضمن منه) ذلك الكاتب بمال، فأطلقه ديسم، وسلم إليه كاتبه ~~وأعاده إلى حاله. # ثم سار ديسم وخلفه بأردبيل ليحصل المال الذي بذله، فقتل النعيمي ذلك ~~الكاتب وهرب بما معه من المال إلى علي بن ميسكي، فبلغ الخبر ديسم بقرب ~~زنجان، فعاد إلى أردبيل، فشغب الديلم عليه، ففرق فيهم ما كان له من مال، ~~وأتاه الخبر بمسير علي بن ميسكي إلى أردبيل في عدة يسيرة، فسار نحوه ~~والتقيا واقتتلا، فانحاز الديلم إلى علي، وانهزم ديسم إلى أرمينية في نفر ~~من الأكراد، فحمل إليه ملوكها ما تماسك به. # وورد عليه الخبر بمسير المرزبان عن قلعة سميرم إلى أردبيل، واستيلائه على # PageV07P202 # أذربيجان، وإنفاذه جيشا نحوه، فلم يمكنه المقام، فهرب عن أرمينية إلى ~~بغداذ، فكان وصوله هذه السنة، فلقيه معز الدولة وأكرمه وأحسن إليه، فأقام ~~عنده في أرغد عيش. # ثم كاتبه أهله وأصحابه بأذربيجان يستدعونه، فرحل عن بغداذ سنة ثلاث ~~وأربعين [وثلاثمائة] وطلب من معز الدولة أن ينجده بعسكر، فلم يفعل؛ لأن ~~المرزبان كان قد صالح ركن الدولة وصاهره، فلم يمكن معز الدولة مخالفة ركن ~~الدولة، فسار ديسم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل يستنجده، فلم ينجده، ~~فسار إلى سيف الدولة بالشام، وأقام عنده إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. # واتفق أن المرزبان خرج عليه جمع بباب الأبواب، فسار إليهم، فأرسل مقدم من ~~أكراد أذربيجان إلى ديسم يستدعيه إلى أذربيجان ليعاضده على ملكها، فسار ~~إليها، وملك مدينة سلماس، فأرسل إليه المرزبان ms2974 قائدا من قواده، فقاتله، ~~فاستأمن أصحاب القائد إلى ديسم، فعاد القائد منهزما، وبقي ديسم بسلماس. # فلما فرغ المرزبان من أمر الخوارج عليه، عاد إلى أذربيجان، فلما قرب من ~~ديسم، فارق سلماس وسار إلى أرمينية وقصد ابن الديراني وابن حاجيق لثقته ~~بهما، فكتب المرزبان إلى ابن الديراني يأمره بالقبض على ديسم، فدافعه ثم ~~قبض عليه خوفا من المرزبان، (فلما قبض عليه أمره المرزبان بأن) يحمله إليه، ~~فدافعه ثم اضطر إلى تسليمه، فلما تسلمه المرزبان سمله وأعماه، ثم حبسه، ~~فلما توفي المرزبان قتل ديسم بعض أصحاب المرزبان خوفا من غائلته. # ذكر استيلاء المرزبان على سميرم # قد ذكرنا أسر المرزبان وحبسه بسميرم، وأما سبب خلاصه فإن والدته، وهي ~~ابنة جستان بن وهسوذان الملك، وضعت جماعة للسعي في خلاصه، فقصدوا سميرم، ~~وأظهروا أنهم تجار، وأن المرزبان قد أخذ منهم أمتعة نفيسة ولم يوصل ثمنها ~~إليهم، واجتمعوا بمتولي سميرم، ويعرف ببشير أسفار، وعرفوه ما ظلمهم به ~~المرزبان، وسألوه أن # PageV07P203 # يجمع بينهم ليحاسبوه وليأخذوا خطه إلى والدته بإيصال ما لهم إليهم، فرق ~~لهم بشير أسفار وجمع بينهم، فطالبوه بمالهم، فأنكر المرزبان ذلك، فغمزه ~~أحدهم، ففطن لهم واعترف لهم، وقال: حتى أتذكر مالكم، فإنني لا أعرف مقداره، ~~فأقاموا هناك، وبذلوا الأموال لبشير أسفار والأجناد، وضمنوا لهم الأموال ~~الجليلة إذا خلص ما لهم عند المرزبان، فصاروا لذلك يدخلون الحصن بغير إذن، ~~وكثر اجتماعهم بالمرزبان وأوصلوا إليه أموالا من عند والدته، وأخبارا، ~~وأخذوا منه ما عنده من الأموال. # وكان لبشير أسفار غلام أمرد، جميل الوجه، يحمل ترسه وزوبينه، فأظهر ~~المرزبان لذلك الغلام محبة شديدة وعشقا، وأعطاه مالا كثيرا مما جاءه من ~~والدته، فواطأه على ما يريد، وأوصل إليه درعا ومبارد، فبرد قيده، واتفق ~~المرزبان وذلك الغلام والذين جاءوا لتخليص المرزبان على أن يقتلوا بشير ~~أسفار في يوم ذكروه. # وكان بشير أسفار يقصد المرزبان كل أسبوع ذلك اليوم يفتقده وقيوده ويصبره ~~ويعود، فلما كان يوم الموعد، دخل أحد أولئك التجار، فقعد عند المرزبان، ~~وجلس آخر عند البواب، وأقام الباقون عند ms2975 باب الحصن ينتظرون الصوت، ودخل ~~بشير أسفار إلى المرزبان، فتلطف به المرزبان وسأله أن يطلقه، وبذل له ~~أموالا جليلة وإقطاعا كثيرا، فامتنع عليه، وقال: لا أخون ركن الدولة أبدا. ~~فنهض المرزبان وقد أخرج رجله من قيده، وتقدم إلى الباب، فأخذ الترس ~~والزوبين من ذلك الغلام، وعاد إلى بشير أسفار، فقتله هو وذلك التاجر الذي ~~عنده، وثار الرجل الذي عند البواب به فقتله، ودخل من كان عند باب الحصن إلى ~~المرزبان. # وكان أجناد القلعة متفرقين، فلما وقع الصوت اجتمعوا، فرأوا صاحبهم قتيلا، ~~فسألوا الأمان، فأمنهم المرزبان، وأخرجهم من القلعة، واجتمع إليه أصحابه ~~وغيرهم، وكثر جمعه، وخرج فلحق بأمه وأخيه، واستولى على البلاد على ما ~~ذكرناه قبل. # PageV07P204 # ذكر مسير أبي علي إلى الري # لما كان من أمر وشمكير وركن الدولة ما ذكرناه، كتب وشمكير إلى الأمير نوح ~~يستمده، فكتب نوح إلى أبي علي بن محتاج يأمره بالمسير في جيوش خراسان إلى ~~الري وقتال ركن الدولة، فسار أبو علي في جيوش كثيرة، واجتمع معه وشمكير، ~~فسارا إلى الري في شهر ربيع الأول من هذه السنة. # وبلغ الخبر إلى ركن الدولة، فعلم أنه لا طاقة له بمن قصده، فرأى أن يحفظ ~~بلده، ويقاتل عدوه من وجه واحد، فحارب الخراسانيين بطبرك، وأقام عليه أبو ~~علي عدة شهور يقاتله، فلم يظفر به وهلكت دواب الخراسانية، وأتاهم الشتاء ~~وملوا فلم يصبروا، فاضطر أبو علي إلى الصلح، فتراسلوا في ذلك، وكان الرسول ~~أبا جعفر الخازن، صاحب كتاب زيج الصفائح، وكان عارفا بعلوم الرياضة، وكان ~~المشير به محمد بن عبد الرزاق المقدم ذكره، فتصالحا وتقرر على ركن الدولة ~~كل سنة مائتا ألف دينار، وعاد أبو علي إلى خراسان. # وكتب وشمكير إلى الأمير نوح يعرفه الحال، ويذكر له أن أبا علي لم يصدق في ~~الحرب، وأنه مالأ ركن الدولة، (فاغتاظ نوح من أبي علي، وأما ركن الدولة) ~~فإنه لما عاد عنه أبو علي، سار نحو وشمكير، فانهزم وشمكير من بين يديه إلى ~~أسفرايين، واستولى ركن الدولة على طبرستان. # ذكر عزل ms2976 أبي علي عن خراسان # لما اتصل خبر أبي علي عن الري إلى الأمير نوح، ساءه ذلك، وكتب وشمكير إلى ~~نوح يلزم الذنب فيه أبا علي، فكتب إلى أبي علي بعزله عن خراسان، وكتب إلى ~~القواد يعرفهم أنه قد عزله عنهم، فاستعمل على الجيوش بعده أبا سعيد بكر بن ~~مالك الفرغاني، فأنفذ أبو علي يعتذر، وراسل جماعة من أعيان نيسابور يقيمون ~~عذره، ويسألون أن لا يعزل عنهم، فلم يجابوا إلى ذلك، وعزل أبو علي عن ~~خراسان، وأظهر الخلاف وخطب لنفسه بنيسابور. # PageV07P205 # وكتب (نوح إلى) وشمكير والحسن بن فيرزان يأمرهما بالصلح، وأن يتساعدا على ~~من يخالف الدولة، ففعلا ذلك، فلما علم أبو علي باتفاق الناس مع نوح، كاتب ~~عليه ركن الدولة في المصير إليه ; لأنه علم أنه يمكنه المقام بخراسان، ولا ~~يقدر على العود إلى الصغانيان، فاضطر إلى مكاتبة ركن الدولة في المصير ~~إليه، فأذن له في ذلك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في الحادي والعشرين من شباط، ظهر بسواد العراق جراد كثير ~~أقام أياما، وأثر في الغلات آثارا قبيحة، وكذلك ظهر بالأهواز، وديار ~~الموصل، والجزيرة والشام، وسائر النواحي، ففعل مثل ما فعله بالعراق. # وفيها عاد رسل كان الخليفة أرسلهم إلى خراسان للصلح بين ركن الدولة ونوح ~~صاحب خراسان، فلما وصل إلى حلوان، خرج عليهم ابن أبي الشوك في أكراده، ~~فنهبهم ونهب القافلة التي كانت معهم، وأسر الرسل ثم أطلقهم، فسير معز ~~الدولة عسكرا إلى حلوان، فأوقعوا بالأكراد وأصلحوا البلاد هناك وعادوا. # وفيها سير الحجاج الشريفان أبو الحسن محمد بن عبد الله، وأبو عبد الله ~~أحمد بن عمر بن يحيى العلويان، فجرى بينهما وبين عساكر المصريين من أصحاب ~~ابن طغج حرب شديدة، وكان الظفر لهما، فخطب لمعز الدولة بمكة، فلما خرجا من ~~مكة، لحقهما عسكر مصر، فقاتلهما فظفرا به أيضا. # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن أبي الفهم داود أبو القاسم جد القاضي علي بن الحسن بن ~~علي التنوخي في ربيع الأول، وكان عالما بأصول المعتزلة والنجوم، وله شعر. # PageV07P206 # وفيها في رمضان، ms2977 مات الشريف أبو علي عمر بن علي (العلوي الكوفي) ببغداذ ~~بصرع لحقه. # وفيها في شوال، مات أبو عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي. # وفيها مات أبو الفضل العباس بن فسانجس بالبصرة من ذرب لحقه، وحمل إلى ~~الكوفة، فدفن بمشهد أمير المؤمنين علي، وتقلد الديوان بعده ابنه أبو الفرج، ~~وجرى على قاعدة أبيه. # وفيها (في ذي القعدة) ماتت بدعة المغنية المشهورة، المعروفة ببدعة ~~الحمدونية عن اثنتين وتسعين سنة. # PageV07P207 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة] ### | 343 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة # ذكر حال أبي علي بن محتاج # قد ذكرنا من أخبار أبي علي ما تقدم، فلما كتب إلى ركن الدولة يستأذنه في ~~المصير إليه، أذن له، فسار إلى الري، فلقيه ركن الدولة وأكرمه، وأقام ~~الأتراك الضيافة له ولمن معه، وطلب أبو علي أن يكتب له عهدا من جهة الخليفة ~~بولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى معز الدولة في ذلك، فسير له عهدا بما ~~طلب، وسير له نجدة من عسكره، فسار أبو علي إلى خراسان (واستولى على ~~نيسابور، وخطب للمطيع بها وبما استولى عليه من خراسان) ، ولم يكن يخطب له ~~بها قبل ذلك. # ثم إن نوحا مات في خلال ذلك، وتولى بعده ولده عبد الملك، فلما استقر ~~أمره، سير بكر بن مالك إلى خراسان من بخارى، وجعله مقدما على جيوشها، وأمره ~~بإخراج أبي علي من خراسان، فسار في العساكر نحو أبي علي، فتفرق عن أبي علي ~~أصحابه وعسكره، وبقي معه من أصحابه مائتا رجل سوى من كان عنده من الديلم ~~نجدة له، فاضطر إلى الهرب، فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الري، ~~واستولى ابن مالك على خراسان، فأقام بنيسابور وتتبع أصحاب أبي علي. # ذكر موت الأمير نوح بن نصر، وولاية ابنه عبد الملك. # وفي هذه السنة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكان يلقب # PageV07P208 # بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق، ولما توفي، ملك بعده ~~ابنه عبد الملك، (وكان قد استعمل بكر بن مالك على جيوش ms2978 خراسان، كما ذكرنا، ~~فمات قبل أن يسير بكر إلى خراسان، فقام بكر بأمر عبد الملك) بن نوح، وقرر ~~أمره، فلما استقر حاله وثبت ملكه، أمر بكرا بالمسير إلى خراسان، فسار ~~إليها، وكان من أمره مع أبي علي ما قدمنا ذكره. # ذكر غزاة لسيف الدولة بن حمدان # في هذه السنة في شهر ربيع الأول، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، ~~فقتل وأسر، وسبى وغنم، وكان فيمن قتل قسطنطين بن الدمستق، فعظم الأمر على ~~الروم، وعظم الأمر على الدمستق، فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار ~~وغيرهم وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، فالتقوا عند الحدث في ~~شعبان، فاشتد القتال بينهم وصبر الفريقان، ثم إن الله - تعالى - نصر ~~المسلمين، فانهزم الروم، وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق ~~وابن ابنته وكثير من بطارقته، وعاد الدمستق مهزوما مسلولا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بخراسان والجبال وباء عظيم، هلك فيه خلق كثير لا يحصون ~~كثرة. # وفيها صرف الأبرعاجي عن شرطة بغداذ، وصودر على ثلاثمائة ألف درهم، ورتب ~~مكانه بكبيك نقيب الأتراك. # وفيها سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه أبو علي بن محتاج، فدخلها بغير حرب، ~~وانصرف وشمكير عنها إلى خراسان. # PageV07P209 # وفيها وقعت الحرب بمكة بين أصحاب معز الدولة وأصحاب ابن طغج من المصريين، ~~فكانت الغلبة لأصحاب معز الدولة، فخطب بمكة والحجاز لركن الدولة ومعز ~~الدولة وولده عز الدولة بختيار، وبعدهم لابن طغج. # وفيها أرسل معز الدولة سبكتكين في جيش إلى شهرزور في رجب، ومعه ~~المنجنيقات لفتحها، فسار إليها وأقام بتلك الولاية إلى المحرم من سنة أربع ~~وأربعين وثلاثمائة، فعاد ولم يمكنه فتحها ; لأنه اتصل به خروج عساكر خراسان ~~إلى الري على ما نذكره إن شاء الله - تعالى، فعاد إلى بغداذ، فدخلها في ~~المحرم. # [الوفيات] # وفيها في شوال، مات (أبو) الحسين محمد بن العباس بن الوليد المعروف بابن ~~النحوي الفقيه. وفيها في شوال أيضا، (مات) أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي. # PageV07P210 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة] ### | 344 - # ثم ms2979 دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة # ذكر مرض معز الدولة وما فعله ابن شاهين # كان قد عرض لمعز الدولة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين [وثلاثمائة] مرض ~~يسمى فريافسمس، وهو دوام الإنعاظ مع وجع شديد في ذكره، مع توتر أعصابه، ~~وكان معز الدولة خوارا في أمراضه، فأرجف الناس به، واضطربت بغداذ، فاضطر ~~إلى الركوب، فركب في ذي الحجة على ما به من شدة المرض، فلما كان في المحرم ~~من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، أوصى إلى ابنه بختيار، وقلده الأمر بعده، ~~وجعله أمير الأمراء. # وبلغ عمران بن شاهين أن معز الدولة قد مات، واجتاز عليه مال يحمل إلى معز ~~الدولة من الأهواز، وفي صحبته خلق كثير من التجار، فخرج عليهم فأخذ الجميع، ~~فلما عوفي معز الدولة، راسل ابن شاهين في المعنى، فرد عليه ما أخذه له، ~~وحصل له أموال التجار، وانفسخ الصلح بينهما، وكان ذلك في المحرم. # ذكر خروج الخراسانية إلى الري وأصبهان # في هذه السنة خرج عسكر خراسان إلى الري وبها ركن الدولة، وكان قد قدمها ~~من جرجان أول المحرم، فكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده، فأمده بعسكر مقدمهم ~~الحاجب سبكتكين، وسير من خراسان عسكرا آخر إلى أصبهان على طريق المفازة، ~~وبها # PageV07P211 # الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة. # فلما بلغه خبرهم، سار عن أصبهان بالخزائن والحرم التي لأبيه، فبلغوا خان ~~لنجان، وكان مقدم العسكر الخراساني محمد بن ماكان، فوصلوا إلى أصبهان، ~~فدخلوها وخرج ابن ماكان منها في طلب بويه، فأدرك الخزائن فأخذها وسار في ~~أثره، وكان من لطف الله به أن الأستاذ أبا الفضل بن العميد وزير ركن ~~الدولة، اتصل بهم في تلك الساعة، فعارض ابن ماكان وقاتله، فانهزم أصحاب ابن ~~العميد عنه، واشتغل (أصحاب) ابن ماكان بالنهب. # قال ابن العميد: فبقيت وحدي وأردت اللحاق بأصحابي، ففكرت وقلت: بأي وجه ~~ألقى صاحبي وقد أسلمت أولاده، وأهله، وأمواله، وملكه، ونجوت بنفسي؟ فرأيت ~~القتل أيسر علي من ذلك، فوقفت، وعسكر ابن ماكان ينهب أثقالي وأثقال عسكري، ~~فلحق بابن العميد نفر من أصحابه، ms2980 ووقفوا معه، وأتاهم غيرهم فاجتمع معهم ~~(جماعة) ، فحمل على الخراسانيين وهم مشغولون بالنهب، وصاحوا فيهم، فانهزم ~~الخراسانيون فأخذوا من بين قتيل وأسير، وأسر ابن ماكان وأحضر عند ابن ~~العميد، وسار ابن العميد إلى أصبهان، فأخرج من كان بها من أصحاب ابن ماكان، ~~وأعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصبهان، واستنقذ أمواله. # ثم إن ركن الدولة راسل بكر بن مالك صاحب جيوش خراسان، واستماله فاصطلحا ~~على مال يحمله ركن الدولة (إليه، ويكون الري وبلد الجبل بأسره مع ركن ~~الدولة، وأرسل ركن الدولة) إلى أخيه معز الدولة يطلب خلعا ولواء بولاية ~~خراسان لبكر بن مالك، فأرسل إليه ذلك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع بالري وباء كثير، مات فيه من الخلق ما لا يحصى، وكان ~~فيمن مات أبو علي بن محتاج الذي كان صاحب جيوش خراسان، ومات معه ولده، وحمل ~~أبو علي إلى الصغانيان، وعاد من كان معه من القواد إلى خراسان. # PageV07P212 # وفيها وقع الأكراد بناحية ساوة على قفل من الحجاج فاستباحوه، وفيها خرج ~~بناحية دنباوند رجل ادعى النبوة، فقتل، وخرج بأذربيجان رجل آخر يدعي أنه ~~يحرم اللحوم وما يخرج من الحيوان، وأنه يعلم الغيب، فأضافه رجل أطعمه كشكية ~~بشحم، فلما أكلها قال له: ألست تحرم اللحم وما يخرج من الحيوان، وأنك تعلم ~~الغيب؟ قال: بلى. قال: فهذه الكشكية بشحم، ولو علمت الغيب لما خفي عليك ~~ذلك، فأعرض الناس عنه. وفيها أنشأ عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مركبا ~~كبيرا لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة إلى بلاد الشرق، فلقي في البحر مركبا ~~فيه رسول من صقلية إلى المعز، فقطع عليه أهل المركب الأندلسي، وأخذوا ما ~~فيه، وأخذوا الكتب التي إلى المعز، فبلغ ذلك المعز، فعمر أسطولا واستعمل ~~عليه الحسن بن علي صاحب صقلية، وسيره إلى الأندلس، فوصلوا إلى المرية، ~~فدخلوا المرسى وأحرقوا جميع ما فيه من المراكب، وأخذوا ذلك المركب، وكان قد ~~عاد من الإسكندرية، وفيه أمتعة لعبد الرحمن، وجوار مغنيات، وصعد من الأسطول ~~إلى البر فقتلوا ونهبوا، ورجعوا سالمين إلى ms2981 المهدية. # ولما سمع عبد الرحمن الأموي، سير أسطولا إلى بعض بلاد إفريقية، فنزلوا ~~ونهبوا، فقصدتهم عساكر المعز، فعادوا إلى مراكبهم، ورجعوا إلى الأندلس وقد ~~قتلوا وقتل منهم (خلق كثير) . # PageV07P213 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة] ### | 345 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة # ذكر عصيان روزبهان على معز الدولة # في هذه السنة خرج روزبهان (بن) ونداد خرشيد الديلمي على معز الدولة، وعصى ~~عليه، وخرج أخوه بلكا بشيراز، وخرج أخوهما أسفار بالأهواز، ولحق روزبهان ~~إلى الأهواز، وكان يقاتل عمران بالبطيحة، فعاد إلى واسط وسار إلى الأهواز ~~في رجب، وبها الوزير المهلبي، فأراد محاربة روزبهان، فاستأمن رجاله إلى ~~روزبهان، فانحاز المهلبي عنه. # وورد الخبر بذلك إلى معز الدولة فلم يصدقه لإحسانه إليه، لأنه رفعه بعد ~~الضعة، ونوه بذكره بعد الخمول، فتجهز معز الدولة إلى محاربته، ومال الديلم ~~بأسرهم إلى روزبهان، ولقوا معز الدولة بما يكره، واختلفوا عليه وتتابعوا ~~على المسير إلى روزبهان، وسار معز الدولة عن بغداذ خامس شعبان، وخرج ~~الخليفة المطيع لله منحدرا إلى معز الدولة ; لأن ناصر الدولة لما بلغه ~~الخبر، سير العساكر من الموصل مع ولده أبي المرجى جابر لقصد بغداذ ~~والاستيلاء عليها، فلما بلغ ذلك الخليفة، انحدر من بغداذ، فأعاد معز الدولة ~~الحاجب سبكتكين وغيره ممن يثق بهم من عسكره إلى بغداذ، فشغب الديلم الذين ~~ببغداد، فوعدوا بأرزاقهم فسكنوا وهم على قنوط من معز الدولة. # (وأما معز الدولة) فإنه سار إلى أن بلغ قنطرة أربق، فنزل هناك وجعل على ~~الطرق من يحفظ أصحاب الديلم من الاستئمان إلى روزبهان، لأنهم كانوا يأخذون ~~العطاء # PageV07P214 # منه ثم يهربون عنه، وكان اعتماد معز الدولة على أصحابه الأتراك ومماليكه ~~ونفر يسير من الديلم. # فلما كان سلخ رمضان، أراد معز الدولة العبور هو وأصحابه الذين يثق بهم ~~إلى محاربة روزبهان، فاجتمع الديلم وقالوا لمعز الدولة: إن كنا رجالك، ~~فأخرجنا معك نقاتل بين يديك، فإنه لا صبر لنا على القعود مع الصبيان ~~والغلمان، فإن ظفرت كان الاسم لهؤلاء دوننا، وإن ظفر عدوك لحقنا العار، ~~وإنما قالوا ms2982 هذا الكلام خديعة ليمكنهم من العبور معه فيتمكنوا (منه، فلما ~~سمع قولهم) سألهم التوقف، وقال: إنما أريد [أن] أذوق حربهم ثم أعود، فإذا ~~كان الغد لقيناهم بأجمعنا وناجزناهم، وكان يكثر لهم العطاء فأمسكوا عنه. # وعبر معز الدولة، وعبأ أصحابه كراديس تتناوب الحملات، فما زالوا كذلك إلى ~~غروب الشمس، ففني نشاب الأتراك وتعبوا، وشكوا إلى معز الدولة ما أصابهم من ~~التعب، وقالوا: نستريح الليلة ونعود غدا، فعلم معز الدولة أنه إن رجع، زحف ~~إليه روزبهان والديلم، وثار معهم أصحابه الديلم، فيهلك ولا يمكنه الهرب، ~~فبكى بين يدي أصحابه، وكان سريع الدمعة، ثم سألهم أن تجمع الكراديس كلها ~~ويحملوا حملة واحدة، (وهو في أولهم) ، فإما أن يظفروا، وإما أن يقتل (أول ~~من يقتل) ، فطالبوه بالنشاب، فقال: قد بقي مع صغار الغلمان نشاب، فخذوه ~~واقسموه. # وكان جماعة صالحة من الغلمان الأصاغر تحتهم الخيل الجياد، وعليهم اللبس ~~الجيد، وكانوا سألوا معز الدولة أن يأذن لهم في الحرب، فلم يفعل، وقال: إذا ~~جاء وقت يصلح لكم أذنت لكم في القتال، فوجه إليهم تلك الساعة من يأخذ منهم ~~النشاب، وأومأ معز الدولة إليهم بيده أن اقبلوا منه وسلموا إليه النشاب، ~~فظنوا أنه يأمرهم بالحملة، فحملوا وهم مستريحون، فصدموا صفوف روزبهان ~~فخرقوها، وألقوا بعضها فوق بعض، فصاروا خلفهم، وحمل معز الدولة فيمن معه ~~باللتوت، فكانت الهزيمة على روزبهان وأصحابه، وأخذ روزبهان أسيرا وجماعة من ~~قواده، وقتل من أصحابه خلق كثير، وكتب # PageV07P215 # معز الدولة (بذلك، فلم يصدق الناس) لما علموا من قوة روزبهان وضعف معز ~~الدولة، وعاد إلى بغداذ ومعه روزبهان ليراه الناس، وسير سبكتكين إلى أبي ~~المرجى بن ناصر الدولة، وكان بعكبرا، فلم يلحقه لأنه لما بلغه الخبر، عاد ~~إلى الموصل، وسجن معز الدولة روزبهان، فبلغه أن الديلم قد عزموا على إخراجه ~~قهرا والمبايعة له، فأخرجه ليلا وغرقه. # وأما أخو روزبهان الذي خرج بشيراز، فإن الأستاذ أبا الفضل بن العميد سار ~~إليه في الجيوش، فقاتله فظفر به، وأعاد عضد الدولة (بن ركن الدولة) إلى ~~ملكه، وانطوى خبر ms2983 روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار. # وقبض معز الدولة على جماعة من الديلم، وترك من سواهم، واصطنع الأتراك ~~وقدمهم، وأمرهم بتوبيخ الديلم والاستطالة عليهم، ثم أطلق للأتراك إطلاقات ~~زائدة على واسط (والبصرة) ، فساروا لقبضها مدلين بما صنعوا، فأخربوا البلاد ~~ونهبوا الأموال، وصار ضررهم أكثر من نفعهم. # ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة في رجب، سار سيف الدولة بن حمدان في جيوش إلى بلاد الروم ~~وغزاها حتى بلغ خرشنة، وصارخة، وفتح عدة حصون، وسبى وأسر، وأحرق وخرب، ~~وأكثر القتل فيهم، ورجع إلى أذنة فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس، فخلع عليه ~~وأعطاه شيئا كثيرا، وعاد إلى حلب. # PageV07P216 # فلما سمع الروم بما فعل، جمعوا وساروا إلى ميافارقين، وأحرقوا سوادها ~~ونهبوه، وخربوا وسبوا أهله، ونهبوا أموالهم وعادوا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعت الفتنة بأصبهان بين أهلها وبين أهل قم بسبب المذاهب، ~~وكان سببها أنه قيل عن رجل قمي إنه سب بعض الصحابة، وكان من أصحاب شحنة ~~أصبهان، فثار أهلها، واستغاثوا بأهل السواد، فاجتمعوا في خلق لا يحصون ~~كثرة، وحضروا دار الشحنة، وقتل بينهم قتلى، ونهب أهل أصبهان أموال التجار ~~من أهل قم، فبلغ الخبر ركن الدولة، فغضب لذلك وأرسل إليها فطرح على أهلها ~~مالا كثيرا. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد، غلام ثعلب، ~~في ذي القعدة. # وفيها كانت الزلزلة بهمذان، وأستراباذ ونواحيها، وكانت عظيمة أهلكت تحت ~~الهدم خلقا كثيرا، وانشقت منها حيطان قصر شيرين من صاعقة. # وفيها في جمادى الآخرة، سار الروم في البحر، فأوقعوا بأهل طرسوس، وقتلوا ~~منهم ألفا وثمانمائة رجل، وأحرقوا القرى التي حولها. # وفيها سار الحسن بن علي صاحب صقلية على أسطول كثير إلى بلاد الروم. # PageV07P217 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة] ### | 346 - # ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة # ذكر موت المرزبان # في هذه السنة في رمضان، توفي السلار المرزبان بأذربيجان، وهو صاحبها، ~~فلما يئس من نفسه، أوصى إلى أخيه وهسوذان بالملك، وبعده لابنه جستان بن ~~المرزبان. ms2984 # وكان المرزبان قد تقدم أولا إلى نوابه بالقلاع أن لا يسلموها بعده إلا ~~إلى ولده جستان، فإن مات فإلى ابنه إبراهيم، فإن مات فإلى ابنه ناصر، فإن ~~لم يبق منهم أحد فإلى أخيه وهسوذان، فلما أوصى هذه الوصية إلى أخيه، عرفه ~~علامات بينه وبين نوابه في قلاعه ليستلمها منهم، فلما مات المرزبان، أنفذ ~~أخوه وهسوذان خاتمه وعلاماته إليهم، فأظهروا وصيته الأولى، فظن وهسوذان ~~أخاه خدعه بذلك، فأقام مع أولاد أخيه، فاستبدوا بالأمر دونه، فخرج من ~~أردبيل كالهارب إلى الطرم، فاستبد جستان بالأمر، وأطاعه إخوته، وقلد وزارته ~~أبا عبد الله النعيمي، وأتاه قواد أبيه إلا جستان بن شرمزن فإنه عزم على ~~التغلب على أرمينية، وكان واليا عليها. # وشرع وهسوذان في الإفساد بين أولاد أخيه وتفريق كلمتهم، وإطماع أعدائهم ~~فيهم، حتى بلغ ما أراد وقتل بعضهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر ببغداذ ونواحيهما أورام الحلق والماشرا، وكثر الموت ~~بهما، # PageV07P218 # وموت الفجأة، وكل من افتصد، انصب إلى ذراعيه مادة حادة عظيمة، تبعها حمى ~~حادة، وما سلم أحد ممن افتصد، وكان المطر معدوما. # وفيها تجهز معز الدولة وسار نحو الموصل لقصد ناصر الدولة بسبب ما فعله، ~~فراسله ناصر الدولة، وبذل له مالا، وضمن البلاد منه كل سنة بألفي ألف درهم، ~~وحمل إليه مثلها، فعاد معز الدولة بسبب خراب بلاده للفتنة المذكورة، ولأنه ~~لم يثق بأصحابه. # ثم إن ناصر الدولة منع حمل المال، فسار إليه معز الدولة على ما نذكره. # وفيها نقص البحر ثمانين باعا، فظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الأموي النيسابوري ~~المعروف بالأصم، وكان عالي الإسناد في الحديث، وصحب الربيع بن سليمان صاحب ~~الشافعي، وروى عنه كتب الشافعي. # وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (بن أحمد) بن إسحاق الفقيه البخاري ~~الأمين. # وفيها كانت بالعراق وبلاد الجبال وقم ونواحيها زلازل كثيرة متتابعة دامت ~~نحو أربعين يوما تسكن وتعود، فتهدمت الأبنية، وغارت المياه، وهلك تحت الهدم ~~من الأمم ms2985 الكثير، وكذلك كانت زلزلة (بالري ونواحيها مستهل ذي الحجة، أخربت ~~كثيرا من البلد، وهلك من أهلها كثير # PageV07P219 # وكذلك أيضا كانت الزلزلة) بالطالقان ونواحيها عظيمة جدا، أهلكت أمما ~~كثيرة. # PageV07P220 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة] ### | 347 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة # ذكر استيلاء معز الدولة على الموصل وعوده عنها # قد ذكرنا صلح معز الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، فلما ~~كان هذه السنة، أخر ناصر الدولة حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل ~~وسار نحوها منتصف جمادى الأولى، ومعه وزيره المهلبي، ففارقها ناصر الدولة ~~إلى نصيبين، واستولى معز الدولة على الموصل. # فكان من عادة ناصر الدولة إذا قصده أحد، سار عن الموصل واستصحب معه جميع ~~الكتاب، والوكلاء، ومن يعرف أبواب المال، ومنافع السلطان، وربما جعلهم في ~~قلاعه كقلعة كواشى، والزعفران، وغيرهما، وكانت قلعة كواشى تسمى ذلك الوقت ~~قلعة أردمشت، وكان ناصر الدولة يأمر العرب بالإغارة على العلافة ومن يحمل ~~الميرة، فكان الذي يقصد بلاد ناصر الدولة يبقى محصورا مضيقا عليه. # فلما قصده معز الدولة هذه المرة فعل ذلك به، فضاقت الأقوات على معز ~~الدولة وعسكره، وبلغه أن بنصيبين من الغلات السلطانية شيئا كثيرا، فسار عن ~~الموصل نحوها، واستخلف بالموصل سبكتكين الحاجب الكبير، فلما توسط الطريق، ~~بلغه أن أولاد ناصر الدولة أبا المرجى وهبة الله بسنجار في عسكر، فسير ~~إليهم عسكرا، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلا وهو معهم، فعجلوا عن ~~أخذ أثقالهم، فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم وهم غارون، فوضعوا السيف فيهم ~~فقتلوا، وأسروا، وأقاموا بسنجار. # وسار معز الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، ففارقه ~~أصحابه وعادوا إلى معز الدولة مستأمنين، فلما رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى ~~أخيه سيف الدولة # PageV07P221 # بحلب، فلما وصل خرج إليه ولقيه، وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه، حتى إنه ~~نزع خفه بيديه. # وكان أصحاب ناصر في حصونه ببلد الموصل، والجزيرة، يغيرون على أصحاب معز ~~الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون منهم، ويقطعون الميرة عنهم. # ثم إن سيف الدولة راسل ms2986 معز الدولة في الصلح، وترددت الرسل (في ذلك) ، ~~فامتنع معز الدولة في تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة بعد أخرى، فضمن سيف ~~الدولة البلاد منه بألفي درهم وتسعمائة ألف درهم، وإطلاق من أسر من أصحابه ~~بسنجار وغيرها، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين [وثلاثمائة] . # وإنما أجاب معز الدولة إلى الصلح بعد تمكنه من البلاد ; لأنه ضاقت عليه ~~الأموال، وتقاعد الناس في حمل الخراج، واحتجوا بأنهم لا يصلون إلى غلاتهم، ~~وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة، فاضطر معز الدولة إلى ~~الانحدار، وأنف من ذلك، فلما وردت عليه رسالة سيف الدولة، استراح إليها، ~~وأجابه إلى ما طلبه من الصلح، ثم انحدر إلى بغداذ. # ذكر مسير جيوش المعز العلوي إلى أقاصي المغرب # وفيها عظم أمر أبي الحسن جوهر عند المعز بإفريقية، وعلا محله، وصار في ~~رتبة الوزارة، فسيره المعز في صفر في جيش كثيف منهم زيري بن مناد الصنهاجي ~~وغيره، وأمره بالمسير إلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت، فحضر عنده يعلى بن ~~محمد الزناتي، فأكرمه، وأحسن إليه، ثم خالف على جوهر، فقبض عليه، وثار ~~أصحابه، فقاتلهم جوهر، فانهزموا وتبعهم جوهر إلى مدينة أفكان، فدخلها ~~بالسيف ونهبها، # PageV07P222 # ونهب قصور يعلى، وأخذ ولده، وكان صبيا، وأمر بهدم أفكان وإحراقها بالنار، ~~وكان ذلك في جمادى الآخرة. # ثم سار منها إلى فاس، وبها صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، فنازلها ~~جوهر وقاتلها مدة، فلم يقدر عليها، وأتته هدايا الأمراء الفاطميين بأقاصي ~~السوس، وأشار على جوهر وأصحابه بالرحيل إلى سجلماسة، وكان صاحبها محمد بن ~~واسول قد تلقب بالشاكر لله، ويخاطب بأمير المؤمنين، وضرب السكة باسمه، وهو ~~على ذلك ست عشرة سنة، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أراد الرجوع إلى سجلماسة، ~~فلقيه أقوام، فأخذوه أسيرا، وحملوه إلى جوهر. # ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط، فأمر أن يصطاد له من سمكه ~~فاصطادوا له، فجعله في قلال الماء وحمله إلى المعز، وسلك تلك البلاد جميعها ~~فافتتحها وعاد إلى فاس، فقاتلها مدة طويلة، فقام زيري بن مناد فاختار من ms2987 ~~قومه رجالا لهم شجاعة، (وأمرهم أن يأخذوا السلاليم، وقصدوا البلد) فصعدوا ~~إلى السور الأدنى في السلاليم، وأهل فاس آمنون، فلما صعدوا على السور، ~~قتلوا من عليه ونزلوا إلى السور الثاني، وفتحوا الأبواب، (وأشعلوا المشاعل) ~~، وضربوا الطبول، وكانت الإمارة بين زيري وجوهر، فلما سمعها جوهر، ركب في ~~العساكر فدخل فاسا، فاستخفى صاحبها، وأخذ بعد يومين، وجعل مع صاحب سجلماسة، ~~وكان فتحها في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فحملهما في قفصين إلى ~~(المعز بالمهدية) ، وأعطى تاهرت لزيري بن مناد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان ببلاد الجبل وباء عظيم، مات فيه أكثر أهل البلاد، وكان ~~أكثر من مات في النساء، والصبيان، وتعذر على الناس عيادة المرضى، وشهود ~~الجنائز لكثرتها. # وفيها انخسف القمر جميعه. # PageV07P223 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي بنيسابور، وهو أحد ~~المشهورين منهم، وأبو الحسن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب قاضي ~~بغداذ، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأبو علي الحسين بن علي بن ~~يزيد الحافظ النيسابوري في جمادى الأولى. # وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن درستويه أبو محمد الفارسي النحوي في صفر، ~~(وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين) ، (وأخذ النحو عن المبرد) . # PageV07P224 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة] ### | 348 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة # [ذكر عدة حوادث] . # في هذه السنة في المحرم، تم الصلح بين سيف الدولة ومعز الدولة، وعاد معز ~~الدولة إلى العراق، ورجع ناصر الدولة إلى الموصل. # وفيها أنفذ الخليفة لواء وخلعة لأبي علي بن إلياس صاحب كرمان. وفيها مات ~~أبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي كاتب معز الدولة، وكتب بعده أبو بكر بن ~~أبي سعيد. # وفيها كانت حرب شديدة بين علي بن كامة، وهو ابن أخت ركن الدولة، وبين ~~بيستون بن وشمكير، فانهزم بيستون. # وفيها غرق من حجاج الموصل في الماء بضعة عشر زورقا. # وفيها غزت الروم طرسوس والرها، فقتلوا وسبوا، وغنموا وعادوا سالمين. # وفيها سار مؤيد الدولة بن ركن الدولة من الري إلى بغداذ، فتزوج ms2988 بابنة عمه ~~معز # PageV07P225 # الدولة، ونقلها معه إلى الري، ثم عاد إلى أصبهان. # وفيها في جمادى الأولى، وقعت حرب شديدة بين عامة بغداذ، وقتل فيها جماعة، ~~واحترق من البلد كثير. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن، الفقيه الحنبلي المعروف ~~بالنجاد، وكان عمره خمسا وتسعين سنة، وجعفر بن محمد بن نصير الخلدي الصوفي، ~~وهو من أصحاب الجنيد، فروى الحديث وأكثر. # وفيها انقطعت الأمطار، وغلت الأسعار في كثير من البلاد، فخرج الناس ~~يستسقون في كانون الثاني في البلاد، ومنها بغداذ، فما سقوا، فلما كان في ~~آذار، ظهر جراد عظيم، فأكل ما كان قد نبت من الخضروات وغيرها، فاشتد الأمر ~~على الناس. # PageV07P226 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة] ### | 349 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة # ذكر ظهور المستجير بالله # في هذه السنة ظهر بأذربيجان رجل من أولاد عيسى بن المكتفي بالله، وتلقب ~~بالمستجير بالله، وبايع للرضا من آل محمد، ولبس الصوف وأظهر العدل، وأمر ~~بالمعروف، ونهى عن المنكر، وكثر أتباعه. # وكان السبب في ظهوره أن جستان بن المرزبان صاحب أذربيجان، ترك سيرة والده ~~في سياسة الجيش، واشتغل باللعب، ومشاورة النساء، وكان جستان بن شرمزن ~~بأرمية (متحصنا بها) ، وكان وهسوذان بالطرم يضرب بين أولاد أخيه ليختلفوا. # ثم إن جستان بن المرزبان قبض على وزيره النعيمي، وكان بينه وبين وزير ~~جستان بن شرمزن مصاهرة، وهو أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه، ~~فاستوحش أبو الحسن لقبض النعيمي، فحمل صاحبه ابن شرمزن على مكاتبة إبراهيم ~~بن المرزبان، وكان بأرمينية، فكاتبه وأطمعه في الملك، فسار إليه فقصدوا ~~مراغة واستولوا عليها، فلما علم جستان بن المرزبان بذلك، راسل ابن شرمزن ~~ووزيره أبا الحسن، فأصلحهما، وضمن لهما إطلاق النعيمي، فعاد عن نصرة ~~إبراهيم، وظهر له ولأخيه نفاق ابن شرمزن، فتراسلا واتفقا عليه. # ثم إن النعيمي هرب من حبس جستان بن المرزبان، وسار إلى موقان، وكاتب ابن ~~عيسى بن المكتفي بالله، وأطمعه في الخلافة، وأن يجمع له الرجال، ويملك له ~~أذربيجان، فإذا قوي قصد العراق، فسار ms2989 إليه في نحو ثلاثمائة رجل، وأتاه ~~جستان بن # PageV07P227 # شرمزن فقوي به، وبايعه الناس، واستفحل أمره، فسار إليهم جستان وإبراهيم ~~ابنا المرزبان قاصدين قتالهم، فلما التقوا، انهزم أصحاب المستجير، وأخذ ~~أسيرا فعدم، فقيل: إنه قتل، وقيل: بل مات. # ذكر استيلاء وهسوذان على بني أخيه وقتلهم # وأما وهسوذان فإنه لما رأى اختلاف أولاد أخيه، وأن كل واحد منهم قد انطوى ~~على غش صاحبه، راسل إبراهيم بعد وقعة المستجير، واستزاره فزاره، فأكرمه ~~عمه، ووصله بما ملأ عينه، وكاتب ناصرا ولد أخيه أيضا، واستغواه، ففارق أخاه ~~جستان وصار إلى موقان، فوجده الجند طريقا إلى تحصيل الأموال، ففارق أكثرهم ~~جستان وصاروا إلى أخيه ناصر، فقوي بهم على أخيه جستان، واستولى على أردبيل. # ثم إن الأجناد طالبوا ناصرا بالأموال، فعجز عن ذلك، وقعد عمه وهسوذان عن ~~نصرته، فعلم أنه كان يغويه، فراسل أخاه جستان، وتصالحا واجتمعا، (وهما في) ~~غاية ما يكون من قلة الأموال واضطراب الأمور، وتغلب أصحاب الأطراف على ما ~~بأيديهم، فاضطر جستان وناصر ابنا المرزبان إلى المسير إلى عمهما وهسوذان مع ~~والدتهما، فراسلاه في ذلك، وأخذا عليه العهود وساروا إليه، فلما حصلوا عنده ~~نكث، وغدر بهم، وقبض عليهم، وهم جستان وناصر ووالدتهما، واستولى على ~~العسكر، وعقد الإمارة لابنه إسماعيل وسلم إليه أكثر قلاعه، وأخرج الأموال ~~وأرضى الجند. # وكان إبراهيم بن المرزبان قد سار إلى أرمينية، فتأهب لمنازعة إسماعيل ~~واستنفاذ أخويه من حبس عمهما وهسوذان، فلما علم وهسوذان ذلك ورأى اجتماع ~~الناس عليه، بادر فقتل جستان وناصرا ابني أخيه وأمهما، وكاتب جستان بن ~~شرمزن، وطلب إليه أن يقصد إبراهيم، وأمده بالجند والمال، ففعل ذلك، واضطر ~~إبراهيم إلى الهرب والعود إلى أرمينية، واستولى ابن شرمزن على عسكره وعلى ~~مدينة مراغة مع أرمية. # PageV07P228 # ذكر غزو سيف الدولة بلاد الروم # في هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم في جمع كثير، فأثر فيها آثارا ~~كثيرة، وأحرق وفتح عدة حصون، وأخذ من السبي والغنائم والأسرى شيئا كثيرا، ~~وبلغ إلى خرشنة، ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق، فلما أراد الرجوع، ms2990 قال له ~~من معه من أهل طرسوس: إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على ~~العود منه والرأي أن ترجع معنا، فلم يقبل منهم وكان معجبا برأيه يحب أن ~~يستبد ولا يشاور أحدا ; لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره وعاد في الدرب الذي ~~دخل منه، فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم، (وأخذوا أثقاله) ~~، ووضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلا وأسرا، وتخلص هو في ثلاثمائة ~~رجل بعد جهد ومشقة، (وهذا من سوء رأي كل من يجهل آراء الناس العقلاء، والله ~~أعلم بالصواب) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عبد الملك بن نوح صاحب خراسان، وما وراء النهر على رجل ~~من أكابر قواده وأمرائه يسمى نجتكين، وقتله، فاضطربت خراسان. # وفيها استأمن أبو الفتح المعروف بابن العربان، أخو عمران بن شاهين صاحب # PageV07P229 # البطيحة، إلى معز الدولة بأهله وماله، وكان خاف أخاه، فأكرمه معز الدولة ~~وأحسن إليه. # وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي. # وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاة. # وفيها انصرف حجاج مصر من الحج، فنزلوا واديا وباتوا فيه، فأتاهم السيل ~~ليلا، فأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم، فألقاهم في البحر. # وفيها سار ركن الدولة من الري إلى جرجان، فلقيه الحسن بن الفيرزان وابن ~~عبد الرزاق، فوصلهما بمال جليل. # وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، وكان أكثره بالموصل، فبلغ الكر من الحنطة ~~ألفا ومائتي درهم، والكر من الشعير ثمانمائة درهم، وهرب أهلها إلى الشام ~~والعراق. # وفيها خامس شعبان، وكان ببغداد فتنة عظيمة بين العامة، وتعطلت الجمعة من ~~الغد لاتصال الفتنة في الجانبين، سوى مسجد براثا، (فإن الجمعة تمت فيه) ، ~~وقبض على جماعة من بني هاشم اتهموا أنهم سبب الفتنة، ثم أطلقوا من الغد. # PageV07P230 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الخير الأقطع التيناتي، أو قريبا من هذه السنة، وكان عمره ~~مائة وعشرين سنة، وله كرامات مشهورة مسطورة. # (التيناتي بالتاء المكسورة المعجمة باثنتين من فوق، ثم الياء المعجمة ~~باثنتين من تحت، ثم بالنون والألف ثم بالتاء ms2991 المثناة من فوق أيضا) . # وفيها مات أبو إسحاق بن ثوابة كاتب الخليفة ومعز الدولة، وقلد ديوان ~~الرسائل بعده إبراهيم بن هلال الصابي. # وفيها في آخرها، مات أنوجور بن الإخشيد صاحب مصر، وتقلد أخوه علي مكانه. # PageV07P231 ### | [ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة] ### | 350 - # ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة # ذكر بناء معز الدولة دوره ببغداذ # في هذه السنة في المحرم، مرض معز الدولة، وامتنع عليه البول، ثم كان يبول ~~بعد جهد ومشقة دما، وتبعه البول، والحصى، والرمل، فاشتد جزعه وقلقه، وأحضر ~~الوزير المهلبي، والحاجب سبكتكين، فأصلح بينهما، ووصاهما بابنه بختيار، ~~وسلم جميع ماله إليه. # ثم إنه عوفي، فعزم على المسير إلى الأهواز ; لأنه اعتقد أن ما اعتاده من ~~الأمراض إنما هو بسبب مقامه ببغداذ، وظن أنه إن عاد إلى الأهواز، عاوده ما ~~كان فيه من الصحة، ونسي الكبر والشباب، فلما انحدر إلى كلواذى ليتوجه إلى ~~الأهواز، أشار عليه أصحابه بالمقام، وأن يفكر في هذه الحركة ولا يعجل، ~~فأقام بها، ولم يؤثر أحد من أصحابه انتقاله لمفارقة أوطانهم وأسفا على ~~بغداذ كيف تخرب بانتقال دار الملك عنها، فأشاروا عليه بالعود إلى بغداذ، ~~(وأن يبني بها) له دارا في أعلى بغداذ لتكون أرق هواء، وأصفى ماء، ففعل، ~~وشرع في بناء داره في موضع المسناة المعزية، فكان مبلغ ما خرج عليها (إلى ~~أن مات ثلاثة عشر) ألف ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادرة جماعة من ~~أصحابه. # PageV07P232 # ذكر موت الأمير عبد الملك بن نوح # في هذه السنة سقط الفرس تحت الأمير عبد الملك بن نوح صاحب خراسان، فوقع ~~إلى الأرض، فمات من سقطته، وافتتنت خراسان بعده، وولي بعده أخوه منصور بن ~~نوح، وكان موته يوم الخميس حادي عشر شوال. # ذكر وفاة عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس، وولاية ابنه الحاكم # في هذه السنة توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله صاحب الأندلس، الملقب ~~بالناصر لدين الله، في رمضان، فكانت إمارته خمسين سنة وستة أشهر، وكان عمره ~~ثلاثا وسبعين سنة، كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، ms2992 قصير الساقين، ~~كان ركاب سرجه يقارب الشبر، وكان طويل الظهر، وهو أول من تلقب من الأمويين ~~بألقاب الخلفاء، تسمى بأمير المؤمنين، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا، وكان من ~~تقدمه من آبائه يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف. # وبقي هو كذلك إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف ~~الخلفاء بالعراق وظهور العلويين بإفريقية، ومخاطبتهم بأمير المؤمنين، أمر ~~حينئذ أن يلقب الناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين، ويقول أهل ~~الأندلس: إنه أول خليفة ولي بعد جده، كانت أمه أم ولد اسمها مزنة، ولم يبلغ ~~أحد ممن تلقب بأمير المؤمنين مدته في الخلافة غير المستنصر العلوي صاحب ~~مصر، فإن خلافته كانت ستين سنة. # ولما مات ولي الأمر بعده ابنه الحاكم بن عبد الرحمن، وتلقب بالمستنصر، ~~وأمه أم ولد تسمى مرجانة، وخلف الناصر عدة أولاد منهم عبد الله، وكان شافعي # PageV07P233 # المذهب، عالما بالشعر والأخبار وغيرهما، وكان ناسكا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار قفل عظيم من أنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب أنطاكية، ~~فخرج عليهم كمين للروم، فأخذ من كان فيها من المسلمين، وقتل كثيرا منهم، ~~وأفلت صاحب أنطاكية وبه جراحات. # وفيها في رمضان، دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم من ناحية ميافارين ~~غازيا، وإنه في رمضان غنم ما قيمته قيمة عظيمة، وسبى، وأسر وخرج سالما. # [الوفيات] # وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله، وقبضت أملاكه، وتولى قضاء ~~القضاة أبو العباس بن عبد الله بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي كل سنة مائتي ~~ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة، ولم يسمع بذلك ~~قبله، فلم يأذن له الخليفة المطيع لله بالدخول عليه، وأمر بأن لا يحضر ~~الموكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداذ. # وفيها وصل أبو القاسم أخو عمران بن شاهين إلى معز الدولة مستأمنا. # PageV07P234 # وفيها توفي القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، وهو من أصحاب الطبري وكان يروي ~~تاريخه. # PageV07P235 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة] ms2993 ### | 351 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة # ذكر استيلاء الروم على عين زربة # في هذه السنة في المحرم، نزل الروم مع الدمستق على عين زربة، وهي في سفح ~~جبل عظيم، وهو مشرف عليها، وهم جمع عظيم، فأنفذ بعض عسكره، فصعدوا الجبل ~~فملكوه، فلما رأى ذلك أهلها، وأن الدمستق قد ضيق عليهم ومعه الدبابات، وقد ~~وصل إلى السور وشرع في النقب، طلبوا الأمان فأمنهم الدمستق، وفتحوا له باب ~~المدينة فدخلها، فرأى أصحابه الذين في الجبل قد نزلوا إلى المدينة، فندم ~~على إجابتهم إلى الأمان. # ونادى في البلد أول الليل بأن يخرج جميع أهله إلى المسجد الجامع، ومن ~~تأخر في منزله قتل، فخرج من أمكنه الخروج، فلما أصبح أنفذ رجالته في ~~المدينة، وكانوا ستين ألفا، وأمرهم بقتل من وجدوه في منزله، فقتلوا خلقا ~~كثيرا (من الرجال والنساء والصبيان، وأمر بجمع ما في البلد من السلاح فجمع، ~~فكان شيئا كثيرا) . # وأمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاءوا يومهم ذلك، ومن أمسى ~~قتل، فخرجوا مزدحمين، فمات بالزحمة جماعة، ومروا على وجوههم لا يدرون أين ~~يتوجهون، فماتوا في الطرقات، وقتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر النهار، ~~وأخذوا كل ما خلفه الناس من أموالهم وأمتعتهم، وهدموا سوري المدينة. # PageV07P236 # وأقام الدمستق في بلد الإسلام أحدا وعشرين يوما، وفتح حول عين زربة أربعة ~~وخمسين حصنا للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وإن حصنا من تلك الحصون ~~التي فتحت بالأمان أمر أهله بالخروج منه فخرجوا، فتعرض أحد الأرمن لبعض حرم ~~المسلمين، فلحق المسلمين غيرة عظيمة، فجردوا سيوفهم، فاغتاظ الدمستق لذلك، ~~فأمر بقتل جميع المسلمين وكانوا أربعمائة رجل، وقتل النساء والصبيان، ولم ~~يترك إلا من يصلح أن يسترق. # فلما أدركه الصوم، انصرف على أن يعود بعد العيد، وخلف جيشه بقيسارية، ~~وكان ابن الزيات صاحب طرسوس، قد خرج في أربعة آلاف رجل من الطرسوسيين، ~~فأوقع بهم الدمستق، فقتل أكثرهم، وقتل أخا لابن الزيات، فعاد إلى طرسوس، ~~وكان قد قطع الخطبة لسيف الدولة (بن حمدان، فلما أصابهم هذا الوهن، أعاد ms2994 ~~أهل البلد الخطبة لسيف الدولة) وراسلوه بذلك، فلما علم ابن الزيات حقيقة ~~الأمر، صعد إلى روشن في داره فألقى نفسه منه إلى نهر تحته فغرق، وراسل أهل ~~بغراس الدمستق، وبذلوا له مائة ألف درهم، فأقرهم وترك معارضتهم. # ذكر استيلاء الروم على مدينة حلب (وعودهم عنها بغير سبب) # في هذه السنة استولى الروم على مدينة حلب دون قلعتها. # وكان سبب ذلك أن الدمستق سار إلى حلب، ولم يشعر به المسلمون ; لأنه كان ~~قد خلف عسكره بقيسارية ودخل بلادهم كما ذكرناه، فلما قضى صوم النصارى، خرج ~~إلى عسكره من البلاد جريدة، ولم يعلم به أحد، وسار بهم عند وصوله، فسبق ~~خبره، وكبس مدينة حلب، ولم يعلم به سيف الدولة بن حمدان ولا غيره. # فلما بلغها وعلم سيف الدولة الخبر، أعجله الأمر عن الجمع والاحتشاد، فخرج ~~إليه # PageV07P237 # فيمن معه، فقاتله فلم يكن له قوة الصبر لقلة من معه، فقتل أكثرهم، ولم ~~يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، قتلوا جميعهم، فانهزم سيف الدولة في نفر ~~يسير، وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب، (تسمى الدارين) ، فوجد ~~فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ له ألفا وأربعمائة بغل، ~~ومن خزائن السلاح ما لا يحصى، فأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر ~~المدينة، فقاتله أهلها. # وهدم الروم في السور ثلمة، فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم كثير، ~~ودفعوهم عنها، فلما جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك، تأخروا إلى جبل ~~جوشن. # ثم إن رجالة الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها، ~~فلحق الناس أموالهم ليمنعوها، فخلا السور منهم، فلما رأى الروم السور خاليا ~~من الناس، قصدوه وقربوا منه، فلم يمنعهم أحد، فصعدوا إلى أعلاه، فرأوا ~~الفتنة قائمة في البلد بين أهله، فنزلوا وفتحوا الأبواب، ودخلوا البلد ~~بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا السيف إلى أن تعبوا وضجروا. # وكان في حلب ألف وأربعمائة من الأسارى، فتخلصوا، وأخذوا السلاح وقتلوا ~~الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرة، ms2995 ~~فلما لم يبق مع الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق الباقي، ~~وأحرق المساجد، وكان قد بذل لأهل البلد الأمان على أن يسلموا إليه ثلاثة ~~آلاف صبي وصبية (ومالا ذكره) ، وينصرف عنهم، فلم يجيبوه إلى ذلك، فملكهم ~~كما ذكرنا، وكان عدة عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن، ~~وثلاثون ألفا للهدم، وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك ~~الحديد. # ولما دخل الروم البلد، قصد الناس القلعة، فمن دخلها نجا بحشاشة نفسه، ~~وأقام الدمستق تسعة أيام، وأراد الانصراف عن البلد بما غنم، فقال له ابن ~~أخت الملك، وكان معه: هذا البلد قد حصل في أيدينا، وليس من (يدفعنا عنه) ، ~~فلأي سبب ننصرف عنه؟ فقال الدمستق: قد بلغنا ما لم يكن الملك يؤمله، وغنمنا ~~وقتلنا، وخربنا وأحرقنا، وخلصنا أسرانا، وبلغنا ما لم يسمع بمثله، فتراجعا ~~الكلام إلى أن قال له # PageV07P238 # الدمستق: انزل على القلعة فحاصرها، فإنني مقيم بعسكري على باب المدينة، ~~فتقدم ابن أخت الملك إلى القلعة، ومعه سيف وترس، وتبعه الروم، فلما قرب من ~~باب القلعة، ألقي عليه حجر فسقط، ورمي بخشب فقتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى ~~الدمستق، فلما رآه قتيلا، قتل من معه من أسرى المسلمين، وكانوا ألفا ومائتي ~~رجل، وعاد إلى بلاده، ولم يعرض لسواد حلب، وأمر أهله بالزراعة والعمارة ~~ليعود إليهم بزعمه. # ذكر استيلاء ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجان # في هذه السنة في المحرم، سار ركن الدولة إلى طبرستان، وبها وشمكير، فنزل ~~على مدينة سارية فحصرها وملكها، ففارق حينئذ وشمكير طبرستان وقصد جرجان، ~~(فأقام ركن الدولة بطبرستان إلى أن ملكها كلها، وأصلح أمورها، وسار في طلب ~~وشمكير إلى جرجان) ، فأزاح وشمكير عنها، واستولى عليها، واستأمن إليه من ~~عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل، فازداد قوة، وازداد وشمكير ضعفا ووهنا، فدخل ~~بلاد الجبل. # ذكر ما كتب على مساجد بغداذ # في هذه السنة في ربيع الآخر، كتب عامة الشيعة ببغداذ بأمر معز الدولة على ~~المساجد ما هذه صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ms2996 ولعن من غصب فاطمة - ~~رضي الله عنها - فدكا، ومن منع من أن يدفن الحسن عند قبر جده - عليه ~~السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى، فأما الخليفة ~~فكان محكوما عليه لا # PageV07P239 # يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك. # فلما كان الليل، حكه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه ~~الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحدا في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك. # ذكر فتح طبرمين من صقلية # وفي هذه السنة سارت جيوش المسلمين بصقلية، وأميرهم أحمد (بن الحسن بن علي ~~بن) أبي الحسين إلى قلعة طبرمين من صقلية أيضا، وهي بيد الروم، فحصروها، ~~وهي من أمنع الحصون وأشدها على المسلمين، فامتنع أهلها، ودام الحصار عليهم، ~~فلما رأى المسلمون ذلك، عمدوا إلى الماء الذي يدخلها فقطعوه عنها، وأجروه ~~إلى مكان آخر، فعظم الأمر عليهم، وطلبوا الأمان، فلم يجابوا إليه، فعادوا ~~وطلبوا أن يؤمنوا على دمائهم، ويكونوا رقيقا للمسلمين، وأموالهم فيئا، ~~فأجيبوا إلى ذلك، وأخرجوا من البلد، وملكه المسلمون في ذي القعدة. # وكانت مدة الحصار سبعة أشهر ونصفا، وأسكنت القلعة نفرا من المسلمين، ~~وسميت المعزية، نسبة إلى المعز العلوي صاحب إفريقية، وسار جيش إلى رمطة (مع ~~الحسن بن عمار) ، فحصروها وضيقوا عليها، فكان ما نذكره سنة ثلاث وخمسين ~~وثلاثمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول، أرسل الأمير منصور بن نوح، صاحب خراسان وما ~~وراء النهر إلى بعض قواده الكبار، واسمه الفتكين يستدعيه، فامتنع، فأنفذ ~~إليه جيشا، # PageV07P240 # فلقيهم الفتكين فهزمهم، وأسر وجوه القواد منهم، وفيهم خال منصور. # وفيها في منتصف ربيع الأول أيضا، انخسف القمر جميعه. # وفيها جمادى الأولى، كانت فتنة بالبصرة وبهمذان أيضا بين العامة بسبب ~~المذاهب، قتل فيها خلق كثير. # وفيها أيضا فتح الروم حصن دلوك وثلاثة حصون مجاورة له بالسيف. # وفيها لقب الخليفة المطيع لله (فناخسرو بن ركن الدولة بعضد الدولة) . # وفيها في جمادى الآخرة، ms2997 أعاد سيف الدولة بناء عين زربة، وسير حاجبه في ~~جيش مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم، فغنموا، وقتلوا، وسبوا وعادوا، فقصد ~~الروم حصن سيسية فملكوه. # وفيها سار نجا غلام سيف الدولة في جيش إلى حصن زياد، فلقيه جمع من الروم، ~~فهزمهم، واستأمن إليه من الروم خمسمائة رجل. # وفيها في شوال، أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان ~~متقلدا لها، وله ديوان شعر جيد. # PageV07P241 # وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة أقريطش، فأرسل أهلها إلى ~~المعز لدين الله العلوي صاحب إفريقية يستنجدونه، فأرسل إليهم نجدة، فقاتلوا ~~الروم، فانتصر المسلمون، وأسر من كان بالجزيرة من الروم. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش المقرئ، صاحب كتاب " ~~شفاء الصدور "، وعبد الباقي بن قانع مولى بني أمية، وكان مولده سنة خمس ~~وتسعين ومائتين، ودعلج بن أحمد السجزي المعدل، وأبو عبد الله محمد بن أبي ~~موسى الهاشمي. # PageV07P242 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة] ### | 352 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة # ذكر عصيان أهل حران في هذه السنة (في صفر) ، امتنع أهل حران على صاحبها ~~هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وعصوا عليه. # وسبب ذلك أنه كان متقلدا لها ولغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة، ~~فعسفهم نوابه وظلموهم، وطرحوا المتعة على التجار من أهل حران، وبالغوا في ~~ظلمهم. # وكان هبة الله عند عمه سيف الدولة بحلب، فثار أهلها على نوابه وطردوهم، ~~فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم وحاربهم، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه أكثر ~~من شهرين، فقتل منهم خلق كثير، فلما رأى سيف الدولة شدة الأمر واتصال الشر، ~~قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما يريدون، فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، ~~وهرب منه العيارون خوفا من هبة الله. # ذكر وفاة الوزير أبي محمد المهلبي في هذه السنة سار الوزير أبو محمد ~~المهلبي وزير معز الدولة، في جمادى الآخرة في جيش كثيف إلى عمان ليفتحها، ~~فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداذ، فمات في الطريق ms2998 في ~~شعبان، وحمل تابوته إلى بغداذ فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله وذخائره ~~وكل ما كان له، وأخذ أهله وأصحابه وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوما ~~واحدا، فقبض عليهم وحبسهم، فاستعظم الناس ذلك واستقبحوه. # PageV07P243 # وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان كريما فاضلا ذا عقل ~~ومروة، فمات بموته الكرم. # ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي، وأبو الفرج ~~محمد بن العباس بن فسانجس من غير تسمية لأحدهما بوزارة. # ذكر غزوة إلى الروم وعصيان حران # في هذه السنة في شوال، دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها أيضا نجا ~~غلام سيف الدولة (بن حمدان من درب آخر، ولم يكن سيف الدولة) معهم لمرضه، ~~فإنه كان قد لحقه قبل ذلك بسنتين فالج، فأقام على رأس درب من تلك الدروب، ~~فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتى وصلوا إلى قونية وعادوا، فرجع سيف الدولة ~~إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن ~~أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن نجا النصراني فقتله، وكان خصصيا بسيف ~~الدولة، وإنما قتله لأنه كان يتعرض لغلام له، فغار لذلك. # ثم أفاق سيف الدولة، فلما علم هبة الله أن عمه لم يمت، هرب إلى حران، ~~فلما دخلها، أظهر لأهلها أن عمه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلما ~~لمن سالمه، وحربا لمن حاربه، فحلفوا له، واستثنوا عمه في اليمين، فأرسل سيف ~~الدولة غلامه نجا إلى حران في طلب هبة الله، فلما قاربها، هرب هبة الله إلى ~~أبيه بالموصل، فنزل نجا على حران في السابع والعشرين من شوال، فخرج أهلها ~~إليه (من الغد) ، فقبض عليهم، وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكل بهم حتى ~~أدوها في خمسة أيام، بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا ~~أمتعتهم فباعوا كل ما يساوي دينارا بدرهم ; لأن أهل البلد كلهم كانوا ~~يبيعون ليس فيهم من يشتري ; لأنهم مصادرون، فاشترى # PageV07P244 # ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد، وسار نجا إلى ميافارقين، ~~وترك حران شاغرة ms2999 بغير وال، فتسلط العيارون على أهلها، وكان من أمر نجا ما ~~نذكره (سنة ثلاث وخمسين) [وثلاثمائة] . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عاشر المحرم، أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ~~ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا (قبابا ~~عملوها) بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ~~ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي - رضي ~~الله عنهما، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة ~~الشيعة ; ولأن السلطان معهم. # وفيها في ربيع الأول، اجتمع من رجاله الأرمن جماعة كثيرة، وقصدوا الرها ~~فأغاروا عليها، فغنموا وأسروا، وعادوا موفورين. # وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن قضاء بغداذ، وتقلد مكانه أبو بشر عمرو بن ~~أكثم، وعفي عما كان يحمله ابن أبي الشوارب من الضمان عن القضاء، وأمر ~~بإبطال أحكامه وسجلاته. # وفيها في شعبان، ثار الروم بملكهم فقتلوه وملكوا غيره، وصار ابن شمشقيق ~~دمستقا، وهو الذي يقوله العامة ابن الشمشكي. # وفيها في الثامن عشر ذي الحجة، أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، ~~وأشعلت النيران بمجلس الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل، كما يفعل ~~ليالي الأعياد # PageV07P245 # فعل ذلك فرحا بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات، وكان ~~يوما مشهودا. # وفيها في ذي الحجة الواقع في كانون الثاني، خرج الناس في العراق ~~للاستسقاء لعدم المطر. # PageV07P246 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة] ### | 353 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة # ذكر عصيان نجا وقتله وملك سيف الدولة بعض أرمينية # قد ذكرنا سنة اثنتين وخمسين [وثلاثمائة] ما فعله نجا غلام سيف الدولة بن ~~حمدان بأهل حران، وما أخذه من أموالهم، فلما اجتمعت عنده تلك الأموال، قوي ~~بها وبطر، ولم يشكر ولي نعمته بل كفره، وسار إلى ميافارقين، وقصد بلاد ~~أرمينية، وكان قد استولى على كثير منها رجل من العرب يعرف بأبي الورد، ~~فقاتله نجا، فقتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خلاط، وملازكرد، وموش، ~~وغيرها، وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير، فأظهر العصيان على ms3000 سيف ~~الدولة. # فاتفق أن معز الدولة بن بويه سار من بغداذ إلى الموصل، ونصيبين، واستولى ~~عليها، وطرد عنها ناصر الدولة على ما ذكرناه آنفا، فكاتبه نجا وراسله، وهو ~~بنصيبين، يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلما عاد معز ~~الدولة إلى بغداذ واصطلح هو وناصر الدولة، سار سيف الدولة إلى نجا ليقاتله ~~على عصيانه عليه، وخروجه عن طاعته، فلما وصل إلى ميافارقين، هرب نجا من بين ~~يديه، فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه ~~جماعة من أصحاب نجا فقتلهم، (واستأمن إليه أخو نجا، فأحسن إليه وأكرمه، ~~وأرسل إلى نجا يرغبه ويرهبه إلى أن أحضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى ~~مرتبته. # ثم إن غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميافارقين، في ~~ربيع الأول (سنة أربع وخمسين) [وثلاثمائة] ، فقتلوه بين يديه، فغشي على سيف ~~الدولة، # PageV07P247 # وأخرج نجا فألقي في مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد ثم أخرج ودفن. # ذكر حصر الروم المصيصة ووصول الغزاة من خراسان في هذه السنة حصر الروم مع ~~الدمستق المصيصة، وقاتلوا أهلها، ونقبوا سورها، واشتد قتال أهلها على النقب ~~حتى دفعهم عنه بعد قتال عظيم، وأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنة وطرسوس ~~لمساعدتهم أهلها، فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل، وأقام الروم في بلاد ~~الإسلام خمسة عشر يوما لم يقصدهم من يقاتلهم، فعادوا لغلاء الأسعار وقلة ~~الأقوات. # ثم إن إنسانا وصل إلى الشام من خراسان يريد الغزاة ومعه نحو خمسة آلاف ~~رجل، وكان طريقهم على أرمينية وميافارقين، فلما وصلوا إلى سيف الدولة في ~~صفر، أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين، فوجدوا ~~الروم قد عادوا، فتفرق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدة الغلاء، وعاد ~~أكثرهم إلى بغداذ ومنها إلى خراسان. # ولما أراد الدمستق العود إلى بلاد الروم، أرسل إلى أهل المصيصة وأذنة ~~وطرسوس: إني منصرف عنكم لا لعجز، ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء، وأنا عائد ~~إليكم، فمن انتقل منكم فقد نجا، ومن وجدته بعد عودي قتلته. ms3001 # ذكر ملك معز الدولة الموصل وعوده عنها # في هذه السنة في رجب، سار معز الدولة من بغداذ إلى الموصل وملكها. # وسبب ذلك أن ناصر الدولة كان قد استقر الصلح بينه وبين معز الدولة على ~~ألف ألف درهم، يحملها ناصر الدولة كل سنة، فلما حصلت الإجابة من معز ~~الدولة، بذل زيادة ليكون اليمين أيضا لولده أبي تغلب فضل الله الغضنفر معه، ~~وأن يحلف معز الدولة لهما، فلم يجب إلى ذلك، وتجهز معز الدولة وسار إلى ~~الموصل في جمادى الآخرة، فلما # PageV07P248 # قاربها، سار (ناصر الدولة) إلى نصيبين، ووصل معز الدولة إلى الموصل ~~وملكها في رجب، وسار يطلب ناصر الدولة (حادي عشر) شعبان، واستخلف على ~~الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلات ويجبي الخراج، وخلف بكتوزون ~~وسبكتكين العجمي في جيش ليحفظ البلد. # فلما قارب معز الدولة نصيبين، (فارقها ناصر الدولة، وملك معز الدولة ~~نصيبين) ، ولم يعلم أي جهة قصد ناصر الدولة، فخاف أن يخالفه إلى الموصل، ~~فعاد عن نصيبين نحو الموصل، وترك بها من يحفظها، وكان أبو تغلب بن ناصر ~~الدولة قد قصد الموصل، وحارب من أصحاب معز الدولة، وكانت الدائرة عليه، ~~فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعز الدولة وأصحابه. # ولما انتهى الخبر إلى معز الدولة بظفر أصحابه، سكنت نفسه، وأقام ببرقعيد ~~يتوقع أخبار ناصر الدولة، فبلغه أنه نزل بجزيرة ابن عمر، فرحل عن برقعيد ~~إليها، فوصلها سادس شهر رمضان، فلم يجد بها ناصر الدولة، فملكها وسأل عن ~~ناصر الدولة، فقيل: إنه بالحسنية، ولم يكن كذلك، وإنما كان قد اجتمع هو ~~وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل، فأوقع بمن فيها من أصحاب معز الدولة، ~~فقتل كثيرا منهم، وأسر كثيرا، وفي الأسرى أبو العلاء، وسبكتكين، وبكتوزون، ~~وملك جميع ما خلفه معز الدولة من مال وسلاح وغير ذلك، وحمل جميعه مع الأسرى ~~إلى قلعة كواشى. # فلما سمع معز الدولة بما فعله ناصر الدولة، سار يقصده، فرحل ناصر الدولة ~~إلى سنجار، فلما وصل معز الدولة، بلغه مسير ناصر الدولة إلى سنجار، فعاد ~~إلى نصيبين، فسار ms3002 أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل، فنزل بظاهرها عند ~~الدير الأعلى، ولم يتعرض إلى أحد ممن بها من أصحاب معز الدولة، فلما سمع ~~معز الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها، ففارقها أبو تغلب وقصد الزاب ~~فأقام عنده، وراسل معز الدولة (في الصلح) ، فأجابه لأنه علم أنه متى فارق ~~الموصل، عادوا وملكوها، ومتى أقام بها لا # PageV07P249 # يزال مترددا وهم يغيرون على النواحي، فأجابه إلى ما التمسه، وعقد عليه ~~ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة وما كان في يد أبيه بمال قرره، وأن يطلق ~~من عندهم من الأسرى، فاستقرت القواعد على ذلك، ورحل معز الدولة إلى بغداذ، ~~وكان معه في سفرته هذه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة. # ذكر حال الداعي العلوي # كان قد هرب أبو عبد الله محمد بن الحسين المعروف بابن الداعي من بغداذ، ~~وهو حسني من أولاد الحسن بن علي -، رضي الله عنهما، وسار نحو بلاد الديلم، ~~وترك أهله وعياله ببغداذ، فلما وصل إلى بلاد الديلم، اجتمع عليه عشرة آلاف ~~رجل، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه، وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين ~~الله، وعظم شأنه، وأوقع بقائد كبير من قواد وشمكير فهزمه. # ذكر حصر الروم طرسوس والمصيصة # وفي هذه السنة أيضا نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها، وجرى بينهم وبين ~~أهلها حروب كثيرة سقط في بعضها الدمستق بن الشمشقيق إلى الأرض، وكاد يؤسر ~~فقاتل عليه الروم وخلصوه، وأسر أهل طرسوس بطريقا كبيرا من بطارقة الروم، ~~ورحل الروم عنهم، وتركوا عسكرا على المصيصة مع الدمستق، فحصرها ثلاثة أشهر ~~لم يمنعهم منها أحد، فاشتد الغلاء على الروم، وكان شديدا قبل نزولهم، فلهذا ~~طمعوا في البلاد لعدم الأقوات عندهم، فلما نزل الروم زاد شدة، وكثر الوباء ~~أيضا، فمات من الروم كثير، فاضطروا إلى الرحيل. # ذكر فتح رمطة والحرب بين المسلمين والروم بصقلية # قد ذكرنا سنة إحدى وخمسين [وثلاثمائة] فتح طبرمين وحصر رمطة والروم فيها، # PageV07P250 # فلما رأى الروم ذلك، خافوا وأرسلوا إلى ملك القسطنطينية يعلمونه الحال، ~~ويطلبون منه أن ينجدهم ms3003 بالعساكر، فجهز إليهم عسكرا عظيما يزيدون على أربعين ~~ألف مقاتل، وسيرهم في البحر، فوصلت الأخبار إلى الأمير أحمد أمير صقلية، ~~فأرسل إلى المعز بإفريقية يعرفه ذلك ويستمده، ويسأل إرسال العساكر إليه ~~سريعا، وشرع هو في إصلاح الأسطول، والزيادة فيه، وجمع الرجال المقاتلة في ~~البر والبحر. # وأما المعز فإنه جمع الرجال، وحشد وفرق فيهم الأموال الجليلة، وسيرهم مع ~~الحسن بن علي والد أحمد، فوصلوا إلى صقلية في رمضان، وسار بعضهم إلى الذين ~~يحاصرون رمطة، فكانوا معهم على حصارها. # فأما الروم فإنهم وصلوا أيضا إلى صقلية، ونزلوا عند مدينة مسيني في شوال، ~~وزحفوا منها بجموعهم التي لم يدخل صقلية مثلها إلى رمطة، فلما سمع الحسن بن ~~عمار مقدم الجيش الذين يحاصرون رمطة ذلك، جعل عليها طائفة من عسكره يمنعون ~~من يخرج منها، وبرز بالعساكر للقاء الروم وقد عزموا على الموت، ووصل الروم ~~وأحاطوا بالمسلمين. # ونزل أهل رمطة إلى من يليهم ليأتوا المسلمين من ظهورهم، فقاتلهم الذين ~~جعلوا هناك لمنعهم، وصدوهم عما أرادوا، وتقدم الروم إلى القتال، وهم مدلون ~~بكثرتهم وبما معهم من العدد وغيرها، والتحم القتال وعظم الأمر على ~~المسلمين، وألحقهم العدو بخيامهم، وأيقن الروم بالظفر، فلما رأى المسلمون ~~عظم ما نزل بهم، اختاروا الموت، ورأوا أنه أسلم لهم، وأخذوا بقول الشاعر: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما. # فحمل بهم الحسن بن عمار أميرهم، وحمي الوطيس حينئذ، وحرضهم على قتال ~~الكفار، وكذلك فعل بطارقة الروم، حملوا وحرضوا عساكرهم. # وحمل منويل مقدم الروم، فقتل في المسلمين، (فطعنه المسلمون) ، فلم يؤثر ~~فيه لكثرة ما عليه من اللباس، فرمى بعضهم فرسه فقتله، واشتد القتال عليه، ~~فقتل هو # PageV07P251 # وجماعة من بطارقته، فلما قتل انهزم الروم أقبح هزيمة، وأكثر المسلمون ~~فيهم القتل، ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة، فسقطوا فيها من خوف ~~السيف، فقتل بعضهم بعضا حتى امتلأت، وكانت الحرب من بكرة إلى العصر، وبات ~~المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية، وغنموا من السلاح والخيل، وصنوف الأموال ~~ما لا يحد. # وكان في جملة ms3004 الغنيمة سيف هندي عليه مكتوب: هذا سيف هندي، وزنه مائة ~~وسبعون مثقالا، طالما ضرب به بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ~~فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرءوس، وسار من سلم من الروم إلى ريو. # وأما أهل رمطة فإنهم ضعفت نفوسهم، وكانت الأقوات قد قلت عندهم، فأخرجوا ~~من فيها من الضعفاء، وبقي المقاتلة، فزحف إليهم المسلمون وقاتلوهم إلى ~~الليل، (ولزموا) القتال في الليل أيضا، وتقدموا بالسلاليم فملكوها عنوة، ~~وقتلوا من فيها، وسبوا الحرم والصغار، وغنموا ما فيها، وكان شيئا كثيرا ~~عظيما، ورتب فيها من المسلمين من يعمرها ويقيم فيها. # ثم إن الروم تجمع من سلم منها، وأخذوا معهم من في صقلية وجزيرة ريو منهم، ~~وركبوا مراكبهم يحفظون نفوسهم، فركب الأمير أحمد في عساكره وأصحابه في ~~المراكب أيضا، وزحف إليهم في الماء وقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وألقى ~~جماعة من المسلمين نفوسهم في الماء، وخرقوا كثيرا من المراكب التي للروم، ~~(فغرقت، وكثر القتل في الروم) ، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، وسارت سرايا ~~المسلمين في مدائن الروم، فغنموا منها، فبذل أهلها لهم من الأموال، ~~وهادنوهم، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهذه الوقعة الأخيرة هي ~~المعروفة بوقعة المجاز. # PageV07P252 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عاشر المحرم، أغلقت الأسواق ببغداذ يوم عاشوراء، وفعل الناس ~~ما تقدم ذكره، فثارت فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة، جرح فيها كثير، ونهبت ~~الأموال. # وفيها في ذي الحجة، ظهر بالكوفة إنسان ادعى أنه علوي، وكان مبرقعا، فوقع ~~بينه وبين أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقائع، فلما عاد معز الدولة من ~~الموصل، هرب المبرقع. # PageV07P253 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة] ### | 354 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة # ذكر استيلاء الروم على المصيصة وطرسوس # في هذه السنة فتح الروم المصيصة وطرسوس. # وكان سبب ذلك أن نقفور ملك الروم بنى بقيسارية مدينة ليقرب من بلاد ~~الإسلام، وأقام بها، ونقل أهله إليها، فأرسل إليه أهل طرسوس والمصيصة ~~(يبذلون له إتاوة) ، ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه يقيم عندهم، ~~فعزم على ms3005 إجابتهم إلى ذلك. # فأتاه الخبر بأنهم قد ضعفوا وعجزوا، وأنهم لا ناصر لهم، وأن الغلاء قد ~~اشتد عليهم، وقد عجزوا عن القوت، وأكلوا الكلاب والميتة، وقد كثر فيهم ~~الوباء، فيموت منهم في اليوم ثلاثمائة نفس، فعاد نقفور عن إجابتهم، وأحضر ~~الرسول وأحرق الكتاب على رأسه، واحترقت لحيته، وقال لهم: أنتم كالحية، في ~~الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها وأدفأها، ~~انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتكم حتى تستقيم أحوالكم، ~~تأذيت بكم. # وأعاد الرسول، وجمع جيوش الروم، وسار إلى المصيصة بنفسه، فحاصرها وفتحها ~~عنوة (بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب) ، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، ثم رفع السيف ونقل كل من بها إلى بلد الروم، كانوا نحو مائتي ألف ~~إنسان. # PageV07P254 # ثم سار إلى طرسوس فحصرها، فأذعن أهلها بالطاعة، وطلبوا الأمان، فأجابهم ~~إليه وفتحوا البلد، فلقيهم بالجميل، وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ~~(ما يطيقون) ويتركوا الباقي، ففعلوا ذلك، وساروا برا وبحرا، وسير معهم من ~~يحميهم حتى بلغوا أنطاكية. # وجعل الملك المسجد الجامع إصطبلا لدوابه، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس ~~وحصنها، وجلب الميرة إليها حتى رخصت الأسعار، وتراجع إليها كثير من أهلها، ~~ودخلوا في طاعة الملك، وتنصر بعضهم. # وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام، ثم عاد إلى القسطنطينية، وأراد ~~الدمستق وهو ابن الشمشقيق أن يقصد ميافارقين، وبها سيف الدولة، فأمره الملك ~~باتباعه إلى القسطنطينية، فمضى إليه. # ذكر مخالفة أهل أنطاكية على سيف الدولة # وفي هذه السنة عصى أهل أنطاكية على سيف الدولة بن حمدان. # وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل طرسوس كان متقدما فيها، يسمى رشيقا ~~النسيمي، كان في جملة من سلمها إلى الروم وخرج إلى أنطاكية، فلما وصلها، ~~خدمه إنسان يعرف بابن الأهوازي كان يضمن الأرحاء بأنطاكية، فسلم إليه ما ~~اجتمع عنده من حاصل الأرحاء، وحسن له العصيان، وأعلمه أن سيف الدولة ~~بميافارقين قد عجز عن العود إلى الشام، فعصى واستولى على أنطاكية، وسار إلى ~~حلب، وجرى بينه وبين النائب عن سيف ms3006 الدولة، وهو قرغويه حروب كثيرة، وصعد ~~قرغويه إلى قلعة حلب فتحصن بها، وأنفذ سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة ~~نجدة لقرغويه، فلما علم بهم رشيق، انهزم عن حلب، فسقط عن فرسه، فنزل إليه ~~إنسان عربي فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى قرغويه وبشارة. # PageV07P255 # ووصل ابن الأهوازي إلى أنطاكية، فأظهر إنسانا من الديلم اسمه دزبر، وسماه ~~الأمير، وتقوى بإنسان علوي ليقيم له الدعوة، وتسمى هو بالأستاذ، فظلم ~~الناس، وجمع الأموال، وقصد قرغويه إلى أنطاكية، وجرت بينهما وقعة عظيمة، ~~فكانت على ابن الأهوازي أولا، ثم عادت على قرغويه، فانهزم وعاد إلى حلب. # ثم إن سيف الدولة عاد عن ميافارقين عند فراغه من الغزاة إلى حلب، فأقام ~~بها ليلة، وخرج من الغد، فواقع دزبر وابن الأهوازي، فقاتل من بها فانهزموا، ~~وأسر دزبر وابن الأهوازي، فقتل دزبر، وسجن ابن الأهوازي مدة ثم قتله. # ذكر عصيان أهل سجستان # وفي السنة عصى أهل سجستان على أميرهم خلف بن أحمد، وكان خلف هذا هو صاحب ~~سجستان حينئذ، وكان عالما محبا لأهل العلم، فاتفق أنه حج سنة ثلاث وخمسين ~~ثلاثمائة، واستخلف على أعماله إنسانا من أصحابه يسمى طاهر بن الحسين، فطمع ~~في الملك، وعصى على خلف لما عاد من الحج، فسار خلف إلى بخارى، واستنصر ~~بالأمير منصور بن نوح، وسأله معونته، ورده إلى ملكه، فأنجده وجهز معه ~~العساكر، فسار بهم نحو سجستان، فلما أحس بهم طاهر، فارق مدينة خلف وتوجه ~~نحو اسفرار، وعاد خلف إلى قراره وملكه وفرق العساكر. # فلما علم طاهر بذلك، عاد إليه، وغلب على سجستان، وفارقها خلف، وعاد إلى ~~حضرة الأمير منصور أيضا ببخارى، فأكرمه وأحسن إليه، وأنجده بالعساكر ~~الكثيرة، ورده # PageV07P256 # إلى سجستان، فوافق وصوله موت طاهر، وانتصاب ابنه الحسين مكانه، فحاصره ~~خلف وضايقه، وكثر بينهم القتلى، واستظهر خلف عليه، فلما رأى ذلك كتب إلى ~~بخارى يعتذر ويتنصل، ويظهر الطاعة، ويسأل الإقالة، فأجابه الأمير منصور إلى ~~ما طلبه، وكتب في تمكينه من المسير إليه فسار من سجستان إلى بخارى، فأحسن ~~الأمير منصور إليه. # واستقر خلف بن ms3007 أحمد بسجستان، ودامت أيامه فيها، وكثرت أمواله ورجاله، ~~فقطع ما كان يحمله إلى بخارى من الخلع والخدم والأموال التي استقرت القاعدة ~~عليها، فجهزت العساكر إليه، وجعل مقدمها الحسن بن طاهر بن الحسين المذكور، ~~فساروا إلى سجستان، وحصروا خلف بن أحمد بحصن أرك، وهو من أمنع الحصون ~~وأعلاها محلا وأعمقها خندقا، فدام الحصار عليه سبع سنين. # وكان خلف يقاتلهم بأنواع السلاح، ويعمل بهم أنواع الحيل، حتى إنه كان ~~يأمرهم بصيد الحيات ويجعلها في جراب ويقذفها في المنجنيق إليهم، فكانوا ~~ينتقلون لذلك من مكان إلى مكان. # فلما طال ذلك الحصار، وفنيت الأموال والآلات، كتب نوح بن منصور إلى أبي ~~الحسن بن سيمجور الذي كان أمير جيوش خراسان، وكان حينئذ قد عزل عنها على ما ~~سنذكره، يأمره بالمسير إلى خلف ومحاصرته، وكان بقوهستان، فسار منها إلى ~~سجستان، وحصر خلفا، وكان بينهما مودة، فأرسل إليه أبو الحسن يشير عليه ~~بالنزول عن حصن أرك وتسليمه إلى الحسين بن طاهر، ليصير لمن قد حصره من ~~العساكر طريق وحجة يعودون بها إلى بخارى، فإذا تفرقت العساكر عاود هو ~~محاربة الحسين (وبكر بن الحسين مفردا من) العساكر، فقبل خلف مشورته، وفارق ~~حصن أرك إلى حصن الطارق، ودخل أبو الحسن السيمجوري إلى أرك، وأقام به ~~الخطبة للأمير نوح، وانصرف عنه، وقرر الحسين بن طاهر فيه. # وسنورد ما يتجدد فيما بعد، وكان هذا أول وهن دخل على دولة السامانية، ~~فطمع أصحاب الأطراف فيهم لسوء طاعة أصحابهم لهم، وقد كان ينبغي أن نورد كل ~~حادث من # PageV07P257 # هذه الحوادث في سنته، لكننا جمعناه لقلته، فإنه كان ينسى أوله لبعد ما ~~بينه وبين آخره. # ذكر طاعة أهل عمان معز الدولة وما كان منهم # وفيها سير معز الدولة عسكرا إلى عمان، فلقوا أميرها، وهو نافع مولى يوسف ~~بن وجيه، وكان يوسف قد هلك، وملك نافع البلد بعده، وكان أسود، فدخل نافع في ~~طاعة معز الدولة، وخطب له، وضرب له اسمه على الدينار والدرهم، فلما عاد ~~العسكر عنه وثب به أهل عمان فأخرجوه عنهم، وأدخلوا ms3008 القرامطة الهجريين ~~إليهم، وتسلموا البلد، فكانوا يقيمون فيه نهارا ويخرجون ليلا إلى معسكرهم، ~~وكتبوا إلى أصحابهم بهجر يعرفونهم الخبر ليأمروهم بما يفعلون. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة السبت رابع عشر صفر انخسف القمر جميعه. # وفيها نزلت طائفة من الترك على بلاد الخزر، فانتصر الخزر بأهل خوارزم فلم ~~ينجدوهم وقالوا: أنتم كفار، فإن أسلمتم نصرناكم، فأسلموا إلا ملكهم، فنصرهم ~~أهل خوارزم وأزالوا الترك عنهم، ثم أسلم ملكهم بعد ذلك. # وفيها، رابع جمادى الآخرة، تقلد الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى والد ~~الرضي والمرتضى نقابة العلويين، (وإمارة الحاج) ، وكتب له منشور من ديوان ~~الخليفة. # وفيها أنفذ القرامطة سرية إلى عمان، والشراة في جبالها (كثير فاجتمعوا) ، ~~فأوقعوا بالقرامطة فقتلوا كثيرا منهم، وعاد الباقون. # وفيها ثار إنسان من القرامطة الذين استأمنوا إلى سيف الدولة، واسمه مروان ~~وكان يتقلد السواحل لسيف الدولة، فلما تمكن ثار بحمص فملكها وملك غيرها، ~~فخرج # PageV07P258 # إليه غلام لقرغويه حاجب سيف الدولة، اسمه بدر وواقع القرمطي عدة وقعات، ~~ففي بعضها رمى بدر مروان بنشابة مسمومة، واتفق أن أصحاب مروان أسروا بدرا، ~~فقتله مروان، ثم عاش بعد قتله أياما ومات. # وفيها قتل المتنبي الشاعر، واسمه أبو الطيب أحمد بن الحسين الكندي، قريبا ~~من النعمانية وقتل معه ابنه، وكان قد عاد من عند عضد الدولة بفارس، فقتله ~~الأعراب هناك وأخذوا ما معه. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن حبان (بن أحمد بن حبان) أبو حاتم البستي، صاحب ~~التصانيف المشهورة، وأبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم المفسر النحوي ~~المقرئ، وكان عالما بنحو الكوفيين وله تفسير كبير حسن، ومحمد بن عبد الله ~~بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر الشافعي في ذي الحجة، وكان عالما بالحديث ~~عالي الإسناد. # (حبان: بكسر الحاء والباء الموحدة) . # PageV07P259 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة] ### | 355 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة # ذكر ما تجدد بعمان واستيلاء معز الدولة عليه # قد ذكرنا في السنة التي قبل هذه خبر عمان ودخول القرامطة إليها، وهرب ~~نافع عنها، فلما هرب نافع، ms3009 واستولى القرامطة على البلد، كان معهم كاتب يعرف ~~بعلي بن أحمد ينظر في أمر البلد، وكان بعمان قاض له عشيرة وجاه، فاتفق هو ~~وأهل البلد أن ينصبوا في الإمرة رجلا يعرف بابن طغان، وكان من صغار القواد ~~بعمان، وأدناهم مرتبة، فلما استقر (في الإمرة) خاف ممن فوقه من القواد، ~~فقبض على ثمانين قائدا، فقتل بعضهم، وغرق بعضهم. # وقدم البلد ابنا أخت لرجل ممن قد غرقهم، فأقاما مدة، ثم إنهما دخلا على ~~طغان يوما من أيام السلام، فسلما عليه، فلما تقوض المجلس قتلاه، فاجتمع رأي ~~الناس على تأمير عبد الوهاب بن أحمد بن مروان، وهو من أقارب القاضي، فولي ~~الإمارة بعد امتناع منه، واستكتب علي بن أحمد الذي كان مع الهجريين، فأمر ~~عبد الوهاب كاتبه عليا أن يعطي الجند أرزاقهم صلة، ففعل ذلك، فلما انتهى ~~إلى الزنج، وكانوا ستة آلاف رجل، (ولهم بأس وشدة) ، قال لهم علي: إن الأمير ~~عبد الوهاب أمرني أن أعطي البيض من الجند كذا وكذا، (وأمر لكم بنصف) ذلك، ~~فاضطربوا وامتنعوا، فقال لهم: هل لكم أن تبايعوني فأعطيكم مثل سائر ~~الأجناد؟ فأجابوه إلى ذلك، وبايعوه، وأعطاهم # PageV07P260 # مثل البيض من الجند، فامتنع البيض من ذلك، ووقع بينهم حرب، فظهر الزنج ~~عليهم، فسكنوا، واتفقوا مع الزنج وأخرجوا عبد الوهاب من البلد، فاستقر في ~~الإمارة علي بن أحمد. # ثم إن معز الدولة سار إلى واسط لحرب عمران بن شاهين، ولإرسال جيش إلى ~~عمان، فلما وصل إلى واسط قدم عليه نافع الأسود الذي كان صاحب عمان، فأحسن ~~إليه، وأقام للفراغ من أمر عمران بن شاهين، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # وانحدر من واسط إلى الأبلة، في شهر رمضان، فأقام بها يجهز الجيش والمراكب ~~ليسيروا إلى عمان، ففرغ منه، وساروا منتصف شوال، واستعمل عليهم أبا الفرج ~~محمد بن العباس بن فسانجس، وكانوا في مائة قطعة، فلما كانوا بسيراف انضم ~~إليهم الجيش الذي جهزه عضد الدولة من فارس نجدة لعمه معز الدولة، فاجتمعوا ~~وساروا إلى عمان، ودخلها تاسع ذي الحجة، وخطب ms3010 لمعز الدولة فيها، وقتل من ~~أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقت مراكبهم، وهي تسعة وثمانون مركبا. # ذكر هزيمة إبراهيم بن المرزبان # في هذه السنة انهزم إبراهيم بن المرزبان عن أذربيجان إلى الري. # وسبب ذلك أن إبراهيم لما انهزم من جستان بن شرمزن، على ما ذكرناه سنة تسع ~~وأربعين وثلاثمائة، قصد أرمينية، وشرع يستعد ويتجهز للعود إلى أذربيجان، ~~وكانت ملوك أرمينية من الأرمن والأكراد، وراسل جستان بن شرمزن وأصلحه، ~~فأتاه الخلق الكثير. # واتفق أن إسماعيل ابن عمه وهسوذان توفي، فسار إبراهيم إلى أردبيل فملكها، ~~وانصرف أبو القاسم بن مسيكي إلى وهسوذان، وصار معه، وسار إبراهيم إلى عمه ~~وهسوذان يطالبه بثأر إخوته، فخافه عمه وهسوذان، وسار هو وابن مسيكي إلى بلد ~~الديلم، واستولى إبراهيم على أعمال عمه، وخبط أصحابه، وأخذ أمواله التي ظفر ~~بها. # وجمع وهسوذان الرجال وعاد إلى قلعته بالطرم، وسير أبا القاسم بن مسيكي في ~~الجيوش إلى إبراهيم، فلقيهم إبراهيم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم إبراهيم ~~وتبعه # PageV07P261 # الطلب فلم يدركوه، وسار وحده حتى وصل إلى الري إلى ركن الدولة، فأكرمه ~~ركن الدولة وأحسن إليه، وكان زوج أخت إبراهيم، فبالغ في إكرامه لذلك، وأجزل ~~له الهدايا والصلات. # ذكر خبر الغزاة الخراسانية مع ركن الدولة # في هذه السنة، في رمضان، خرج من خراسان جمع عظيم يبلغون عشرين ألفا إلى ~~الري بنية الغزاة، فبلغ خبرهم إلى ركن الدولة، وكثرة جمعهم، وما فعلوه في ~~أطراف بلاده من الفساد، وأن رؤساءهم لم يمنعوهم (عن ذلك) ، (فأشار عليه ~~الأستاذ أبو الفضل بن العميد، وهو وزيره، بمنعهم من دخول بلاده مجتمعين، ~~فقال: لا تتحدث الملوك أنني خفت جمعا من الغزاة، فأشار عليه بتأخيرهم إلى ~~أن يجمع عسكره، وكانوا متفرقين في أعمالهم، فلم يقبل منه، فقال له: أخاف أن ~~يكون لهم مع صاحب خراسان مواطأة على بلادك ودولتك، فلم يلتفت إلى قوله. # فلما وردوا الري اجتمع رؤساؤهم، وفيهم القفال الفقيه، وحضروا مجلس ابن ~~العميد، وطلبوا مالا ينفقونه، فوعدهم فاشتطوا في الطلب وقالوا: نريد خراج ~~هذه البلاد جميعها، فإنه لبيت المال، وقد ms3011 فعل الروم بالمسلمين ما بلغكم، ~~واستولوا على بلادكم، وكذلك الأرمن، ونحن غزاة، وفقراء، وأبناء سبيل، فنحن ~~أحق بالمال منكم، وطلبوا جيشا يخرج معهم، واشتطوا في الاقتراح، فعلم ابن ~~العميد حينئذ خبث سرائرهم، وتيقن ما كان ظنه فيهم، فرفق بهم وداراهم، ~~فعدلوا عنه إلى مشاتمة الديلم، ولعنهم، وتكفيرهم، ثم قاموا عنه، وشرعوا ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسلبون العامة بحجة ذلك، ثم إنهم ~~أثاروا الفتنة، وحاربوا جماعة من الديلم إلى أن حجز بينهم الليل، ثم باكروا ~~القتال ودخلوا المدينة، ونهبوا دار الوزير ابن العميد وجرحوه، وسلم من ~~القتل. # وخرج ركن الدولة إليهم في أصحابه، وكان في قلة، فهزمه الخراسانية، فلو ~~تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه، لكنهم عادوا عنه لأن الليل أدركهم، ~~فلما أصبحوا راسلهم ركن الدولة ولطف بهم، لعلهم يسيرون من بلده، فلم ~~يفعلوا، وكانوا ينتظرون مددا يأتيهم # PageV07P262 # من صاحب خراسان، فإنهم كان بينهم مواعدة على تلك البلاد. # ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه، فخرج ركن الدولة إليهم فقاتلهم، ~~وأمر نفرا من أصحابه أن يسيروا إلى مكان يراهم، ثم يثيروا غبرة شديدة، ~~ويرسلوا إليه من يخبره أن الجيوش قد أتته، ففعلوا ذلك. # وكان أصحابه قد خافوا لقلتهم، وكثرة عدوهم، فلما رأوا الغبرة وأتاهم من ~~أخبرهم أن أصحابه لحقوهم قويت نفوسهم، وقال لهم ركن الدولة: احملوا على ~~هؤلاء لعلنا نظفر بهم قبل وصول أصحابنا، فيكون الظفر والغنيمة لنا، فكبروا، ~~وحملوا حملة صادقة، فكان لهم الظفر، وانهزم الخراسانية، وقتل منهم خلق ~~كثير، وأسر أكثر ممن قتل، وتفرق الباقون، فطلبوا الأمان، فأمنهم ركن ~~الدولة. # وكان قد دخل البلد جماعة منهم يكبرون كأنهم يقاتلون الكفار، ويقتلون كل ~~من رأوه بزي الديلم، ويقولون هؤلاء رافضة، فبلغهم خبر انهزام أصحابهم، ~~وقصدهم الديلم ليقتلوهم، فمنعهم ركن الدولة وأمنهم، وفتح لهم الطريق ~~ليعودوا، ووصل بعدهم نحو ألفي رجل بالعدة والسلاح، فقاتلهم ركن الدولة، ~~فهزمهم وقتل فيهم، ثم أطلق الأسارى، وأمر لهم بنفقات، وردهم إلى بلادهم، ~~وكان إبراهيم بن المرزبان عند ركن الدولة، فأثر فيهم آثارا حسنة. # ذكر عود ms3012 إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان # في هذه السنة عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها. # وكان سبب ذلك أنه لما قصد ركن الدولة، على ما ذكرناه، جهز العساكر معه، ~~وسير معه الأستاذ أبا الفضل بن العميد ليرده إلى ولايته، ويصلح له أصحاب ~~الأطراف، فسار معه إليها، واستولى عليها، وأصلح له جستان بن شرمزن، وقاده ~~إلى طاعته، وغيره من طوائف الأكراد، ومكنه من البلاد. # وكان ابن العميد لما وصل إلى تلك البلاد رأى كثرة دخلها، وسعة مياهها ~~ورأى ما # PageV07P263 # يتحصل لإبراهيم منها، فوجده قليلا لسوء تدبيره، وطمع الناس فيه لاشتغاله ~~بالشرب والنساء، فكتب إلى ركن الدولة يعرفه الحال، ويشير بأن يعوضه من بعض ~~ولايته بمقدار ما يتحصل (له من) هذه البلاد ويأخذها منه، فإنه لا يستقيم له ~~حال مع الذين بها، وإنها تؤخذ منه، فامتنع ركن الدولة من قبول ذلك منه، ~~وقال: لا يتحدث الناس عني أني استجار بي إنسان وطمعت فيه، وأمر أبا الفضل ~~بالعود عنه وتسليم البلاد إليه، ففعل وعاد وحكى لركن الدولة صورة الحال، ~~وحذره خروج البلاد من يد إبراهيم، وكان الأمر كما ذكره، حتى أخذ إبراهيم ~~وحبس، على ما نذكره. # ذكر خروج الروم إلى بلاد الإسلام # وفي هذه السنة، في شوال، خرجت الروم، فقصدوا مدينة آمد، ونزلوا عليها، ~~وحصروها وقاتلوا أهلها، فقتل منهم ثلاثمائة رجل، وأسر نحو أربعمائة أسير، ~~ولم يمكنهم فتحها، فانصرفوا إلى دارا، وقربوا من نصيبين، (ولقيهم قافلة ~~واردة من ميافارقين، فأخذوها، وهرب الناس من نصيبين) خوفا منهم، حتى بلغت ~~أجرة الدابة مائة درهم. # وراسل سيف الدولة الأعراب ليهرب معهم، وكان في نصيبين، فاتفق أن الروم ~~عادوا قبل هربه، فأقام بمكانه، وساروا من ديار الجزيرة إلى الشام، فنازلوا ~~أنطاكية، فأقاموا عليها مدة طويلة يقاتلون أهلها، فلم يمكنهم فتحها، فخربوا ~~بلدها ونهبوه، وعادوا إلى طرسوس. # ذكر ما جرى لمعز الدولة مع عمران بن شاهين # قد ذكرنا انحدار معز الدولة إلى واسط لأجل قصد ولاية عمران بن شاهين ~~بالبطائح، فلما وصل إلى واسط أنفذ الجيش مع ms3013 أبي الفضل العباس بن الحسن، # PageV07P264 # فساروا، فنزلوا الجامدة، وشرعوا في سد الأنهار التي تصب إلى البطائح. # وسار معز الدولة إلى الأبلة، وأرسل الجيش إلى عمان، على ما ذكرناه، وعاد ~~إلى واسط لإتمام حرب عمران وملك بلده، فأقام بها، فمرض، وأصعد إلى بغداد ~~لليلتين بقيتا من ربيع الأول (سنة ست وخمسين) [وثلاثمائة وهو عليل، وخلف ~~العسكر بها، ووعدهم أنه يعود إليهم، فلما وصل إلى بغداذ توفي، على ما ~~نذكره، فدعت الضرورة إلى مصالحة عمران والانصراف عنه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرجت بنو سليم على الحجاج السائرين من مصر والشام، وكانوا ~~عالما كثيرا، ومعهم من الأموال ما لا حد عليه لأن كثيرا من الناس من أهل ~~الثغور والشام هربوا من خوفهم من الروم، بأموالهم وأهليهم، وقصدوا مكة ~~ليسيروا منها إلى العراق، فأخذوا، ومات من الناس في البرية ما لا يحصى، ولم ~~يسلم إلا القليل. # وفيها عظم أمر أبي عبد الله الداعي بالديلم، ولبس الصوف، وأظهر النسك ~~والعبادة، وحارب ابن وشمكير، فهزمه وعزم على المسير إلى طبرستان، وكتب إلى ~~العراق كتابا يدعوهم فيه إلى الجهاد. # وفيها تم الفداء بين سيف الدولة والروم، وسلم سيف الدولة ابن عمه أبا ~~فراس بن حمدان، وأبا الهيثم ابن القاضي أبي الحصين. # وفيها انخسف القمر جميعه ليلة السبت ثالث عشر شعبان، وغاب منخسفا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم المعروف بابن الجعابي # PageV07P265 # الحافظ البغدادي بها، وكان يتشيع، وأبو عبد الله محمد بن الحسين (بن علي ~~بن الحسين) بن الوضاح الوضاحي، الشاعر الأنباري. # PageV07P266 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة] ### | 356 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة # ذكر موت معز الدولة وولاية ابنه بختيار # في هذه السنة، ثالث عشر ربيع الآخر، توفي معز الدولة بعلة الذرب، وكان ~~بواسط، وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين، فابتدأ به الإسهال، وقوي ~~عليه، فسار نحو بغداذ، وخلف أصحابه، ووعدهم أنه يعود إليهم لأنه رجا ~~العافية، فلما وصل إلى بغداذ اشتد مرضه، وصار لا يثبت في ms3014 معدته شيء، فلما ~~أحس بالموت عهد إلى ابنه عز الدولة بختيار، وأظهر التوبة، وتصدق بأكثر ~~ماله، وأعتق مماليكه، ورد شيئا كثيرا على أصحابه، وتوفي ودفن بباب التبن في ~~مقابر قريش، فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ويومين. # وكان حليما كريما عاقلا، ولما مات معز الدولة وجلس ابنه عز الدولة في ~~الإمارة مطر الناس ثلاثة أيام بلياليها مطرا دائما منع الناس من الحركة، ~~فأرسل إلى القواد فأرضاهم، فانجلت السماء، وقد رضوا فسكنوا ولم يتحرك أحد. # وكتب عز الدولة إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين، ففعلوا وعادوا. # وكانت إحدى يدي معز الدولة مقطوعة، واختلف في سبب قطعها، فقيل قطعت ~~بكرمان لما سار إلى قتال من بها، وقد ذكرناه، وقيل غير ذلك، وهو الذي أحدث ~~أمر السعاة، وأعطاهم عليه الجرايات الكثيرة، لأنه أراد أن يصل خبره إلى ~~أخيه ركن الدولة سريعا، فنشأ في أيامه فضل ومرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان ~~كل واحد منهما يسير # PageV07P267 # في اليوم نيفا وأربعين فرسخا، وتعصب لهما الناس، وكان أحدهما ساعي السنة، ~~والآخر ساعي الشيعة. # ذكر سوء سيرة بختيار وفساد حاله # لما حضرت معز الدولة الوفاة وصى ولده بختيار بطاعة عمه ركن الدولة، ~~واستشارته في كل ما يفعله، وبطاعة عضد الدولة ابن عمه، لأنه أكبر منه سنا، ~~وأقوم بالسياسة، ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس بن الحسين، وأبي ~~الفرج محمد بن العباس، (لكفايتهما وأمانتهما، ووصاه بالديلم والأتراك) ~~وبالحاجب سبكتكين، فخالف هذه الوصايا جميعها، واشتغل باللهو واللعب، وعشرة ~~النساء، والمساخر، والمغنين، وشرع في إيحاش كاتبيه وسبكتكين، فاستوحشوا، ~~وانقطع سبكتكين عنه فلم يحضر داره. # ونفى كبار الديلم عن مملكته شرها إلى إقطاعاتهم وأموالهم وأموال المتصلين ~~بهم، فاتفق أصاغرهم عليه، وطلبوا الزيادات، واضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم ~~الأتراك فعملوا مثل ذلك، ولم يتم له على سبكتكين ما يريد لاحتياطه، واتفق ~~الأتراك معه، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالبوا بختيار بإعادة من أسقط ~~منهم، فاحتاج أن يجيبهم لتغير سبكتكين عليه، وفعل الأتراك أيضا مثل فعلهم. # واتصل خبر موت معز الدولة بكاتبه أبي ms3015 الفرج محمد بن العباس، وهو متولي ~~أمر عمان، فسلمها إلى نواب عضد الدولة وسار نحو بغداذ. # وكان سبب تسليمها إلى عضد الدولة أن بختيار لما ملك بعد موت أبيه تفرد ~~أبو الفضل بالنظر في الأمور، فخاف أبو الفرج أن يستمر انفراده عنه، فسلم ~~عمان إلى عضد الدولة لئلا يؤمر بالمقام فيها لحفظها وإصلاحها، وسار إلى ~~بغداد، فلم يتمكن من الذي أراد، وتفرد أبو الفضل بالوزارة. # PageV07P268 # ذكر خروج عساكر خراسان وموت وشمكير # وفي هذه السنة جهز الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر ~~الجيوش إلى الري. # وكان سبب ذلك أن أبا علي بن إلياس سار من كرمان إلى بخارى ملتجئا إلى ~~الأمير منصور، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فلما ورد عليه أكرمه ~~وعظمه، فأطمعه في مالك بني بويه، وحسن له قصدها، وعرفه أن نوابه لا ~~يناصحونه، وأنهم يأخذون الرشى من الديلم، فوافق ذلك ما كان يذكره له ~~وشمكير، فكاتب الأمير منصور وشمكير، والحسن بن الفيرزان، يعرفهما ما عزم ~~عليه من قصد الري، ويأمرهما بالتجهز لذلك ليسيرا مع عسكره. # ثم إنه جهز العساكر وسيرها مع صاحب جيوش خراسان، وهو أبو الحسن محمد بن ~~إبراهيم سيمجور الدواتي، وأمره بطاعة وشمكير، والانقياد له، والتصرف بأمره، ~~وجعله مقدم الجيوش جميعها. # فلما بلغ الخبر إلى ركن الدولة أتاه ما لم يكن في حسابه، وأخذه المقيم ~~المقعد، وعلم أن الأمر قد بلغ الغاية، فسير أولاده وأهله إلى أصبهان، وكاتب ~~ولده عضد الدولة يستمده، وكاتب ابن أخيه عز الدولة بختيار يستنجده أيضا. # فأما عضد الدولة فإنه جهز العساكر وسيرهم إلى طريق خراسان، وأظهر أنه ~~يريد قصد خراسان لخلوها من العساكر، فبلغ الخبر أهل خراسان فأحجموا قليلا، ~~ثم ساروا حتى بلغوا الدامغان، وبرز ركن الدولة في عساكره من الري نحوهم، ~~فاتفق موت وشمكير، فكان سبب موته أنه وصله من صاحب خراسان هدايا من جملتها ~~خيل، فاستعرض الخيل واختار أحدها وركبه للصيد، فعارضه خنزير قد رمي بحربة، ~~وهي ثابتة فيه، فحمل الخنزير على وشمكير، وهو غافل، ms3016 فضرب الفرس، فشب تحته، ~~فألقاه إلى الأرض، وخرج الدم من أذنيه وأنفه، فحمل ميتا، وذلك في المحرم من ~~سنة سبع وخمسين [وثلاثمائة] ، وانتقض جميع ما كانوا فيه، وكفى الله ركن ~~الدولة شرهم. # ولما مات وشمكير قام ابنه بيستون مقامه، وراسل ركن الدولة وصالحه، فأمد ~~ركن الدولة بالمال والرجل. # ومن أعجب ما يحكى مما يرغب في حسن النية وكرم المقدرة أن وشمكير لما # PageV07P269 # اجتمعت معه عساكر خراسان وسار كتب إلى ركن الدولة يتهدده بضروب من الوعيد ~~والتهديد، ويقول: والله لئن ظفرت بك لأفعلن بك ولأصنعن، بألفاظ قبيحة، فلم ~~يتجاسر الكاتب أن يقرأه، فأخذ ركن الدولة فقرأه وقال للكاتب: اكتب إليه: ~~أما جمعك وأحشادك فما كنت قط أهون منك علي الآن، وأما تهديدك وإيعادك ~~فوالله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضده، ولأحسنن إليك ولأكرمنك، فلقي وشمكير سوء ~~نيته، ولقي ركن الدولة حسن نيته. # وكان بطبرستان عدو لركن الدولة يقال له نوح بن نصر، شديد العداوة له، لا ~~يزال يجمع له ويقصد أطراف بلاده، فمات الآن، وعصى عليه بهمذان إنسان يقال ~~له أحمد بن هارون الهمذاني لما رأى خروج عساكر خراسان، وأظهر العصيان، فلما ~~أتاه خبر موت وشمكير مات لوقته، وكفى الله ركن الدولة هم الجميع. # ذكر القبض على ناصر الدولة بن حمدان # في هذه السنة قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه، وحبسه في القلعة، ~~ليلة السبت لست بقين من جمادى الأولى. # وكان سبب قبضه أنه كان قد كبر وساءت أخلاقه، وضيق على أولاده وأصحابه، ~~وخالفهم في أغراضهم للمصلحة، فضجروا منه. # وكان فيما خالفهم فيه أنه لما مات معز الدولة عزم أولاده على قصد العراق ~~وأخذه من بختيار، فنهاهم وقال لهم: إن معز الدولة قد خلف مالا يستظهر به ~~ابنه عليكم، فاصبروا حتى يفرق ما عنده من المال، ثم اقصدوه وفرقوا الأموال، ~~فإنكم تظفرون به لا محالة، فوثب عليه أبو تغلب، فقبضه، ورفعه إلى القلعة، ~~ووكل به من يخدمه، (ويقوم بحاجاته وما يحتاج إليه) . # فلما فعل ذلك خالفه بعض إخوته، وانتشر أمرهم ms3017 الذي كان يجمعهم، وصار ~~قصاراهم حفظ ما في أيديهم، واحتاج أبو تغلب إلى مداراة عز الدولة بختيار، ~~وتجديد # PageV07P270 # عقد الضمان ليحتج بذلك على إخوته، ومن خلفه، فضمنه البلاد بألف ألف ~~ومائتي ألف درهم كل سنة. # ذكر من مات هذه السنة من الملوك # مات فيها وشمكير بن زياد، كما ذكرناه، ومعز الدولة، وقد ذكرناه، والحسن ~~بن الفيرزان، وكافور الإخشيدي، ونقفور ملك الروم، وأبو علي محمد بن إلياس ~~صاحب كرمان، وسيف الدولة بن حمدان. # فأما سيف الدولة (أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن ~~حمدون التغلبي الربعي) فإنه مات بحلب في صفر، وحمل تابوته إلى ميافارقين ~~فدفن بها، وكانت علته الفالج، وقيل عسر البول، وكان مولده في ذي الحجة سنة ~~ثلاث وثلاثمائة، وكان جوادا كريما، شجاعا، وأخباره مشهورة في ذلك، وكان ~~يقول الشعر في أخيه ناصر الدولة: # وهبت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق # وما كان بي عنها نكول وإنما ... تجاوزت عن حقي فتم لك الحق # أما كنت ترضى أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق # PageV07P271 # وله أيضا: # قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه؟ # رد عنه الطرف منك فقد ... جرحته منك أسهمه # كيف يستطيع التجلد من ... خطرات الوهم تؤلمه # (ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده بعده ابنه أبو المعالي شريف) . # وأما أبو علي بن إلياس فسيرد ذكر موته سنة سبع وخمسين [وثلاثمائة] . # وأما كافور فإنه كان صاحب مصر، وكان من موالي الإخشيد محمد بن طغج، ~~واستولى على مصر ودمشق بعد موت الإخشيد لصغر أولاده، وكان خصيا أسود، ~~وللمتنبي فيه مديح وهجو، وكان قصده إلى مصر، وخبره معه مشهور، ولما دفن كتب ~~على قبره: # انظر إلى غير الأيام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا # وقد فنيت دنياهم ضحكت أيام دولتهم ... حتى إذا انقرضوا ناحت لهم وبكت # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصبهاني الأموي، ~~وهو من ولد محمد بن مروان بن الحكم ms3018 الأموي، وكان شيعيا، وهذا من العجب، وهو ~~صاحب كتاب " الأغاني " وغيره. # PageV07P272 # وفيها توفي يوسف بن عمر (بن أبي عمر) القاضي، وكان مولده سنة خمس ~~وثلاثمائة، وولي قضاء بغداذ في حياة أبيه وبعده. # (وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم صاحب سهل التستري - رضي الله ~~عنه) . # PageV07P273 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة] ### | 357 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة # ذكر عصيان حبشي بن معز الدولة على بختيار بالبصرة وأخذه قهرا # في هذه السنة عصى حبشي بن معز الدولة على أخيه بختيار، وكان بالبصرة (لما ~~مات والده، فحسن له من عنده من أصحابه الاستبداد بالبصرة) ، وذكروا له أن ~~أخاه بختيار لا (يقدر على قصده) ، فشرع في ذلك، فانتهى الخبر إلى أخيه، ~~فسير وزيره أبا الفضل العباس بن الحسين إليه، وأمره بأخذه كيف أمكن، فأظهر ~~الوزير أنه يريد الانحدار إلى الأهواز. # ولما بلغ واسط أقام بها ليصلح أمرها، وكتب إلى حبشي يعده أنه يسلم إليه ~~البصرة سلما، ويصالحه عليها، ويقول له: إنني قد لزمني مال على الوزارة، ولا ~~بد من مساعدتي، فأنفذ إليه حبشي مائتي ألف درهم، وتيقن حصول البصرة له، ~~وأرسل الوزير إلى عسكر الأهواز يأمرهم بقصد الأبلة في يوم ذكره لهم، (وسار ~~هو من واسط نحو البصرة، فوصلها هو وعسكر الأهواز لميعادهم، فلم يتمكن حبشي ~~من إصلاح شأنه وما يحتاج إليه، فظفروا به وأخذوه أسيرا وحبسوه برامهرمز، ~~فأرسل عمه ركن الدولة وخلصه، فسار إلى عضد الدولة، فأقطعه إقطاعا وافرا، ~~وأقام عنده ركن إلى أن مات في آخر سنة تسع وستين وثلاثمائة، وأخذ الوزير من ~~أمواله بالبصرة شيئا كثيرا، ومن جملة ما أخذ له خمسة عشر مجلدا سوى الأجزاء ~~والمسرس وما ليس له جلد. # PageV07P274 # ذكر البيعة لمحمد بن المستكفي في هذه السنة ظهر ببغداذ بين الخاص والعام، ~~دعوة إلى رجل من أهل البيت اسمه محمد بن عبد الله، وقيل إنه الدجال الذي ~~وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~ويجدد ما عفا من ms3019 أمور الدين فمن كان من أهل السنة قيل له إنه عباسي ومن كان ~~من أهل الشيعة قيل له إنه علوي فكثرت الدعاة إليه والبيعة له. وكان الرجل ~~بمصر وقد أكرمه كافور الإخشيدي وأحسن إليه وكان (في جملة من بايع له ~~سبكتكين العجمي وهو من أكابر قواد معز الدولة، وكان) يتشيع فظنه علويا وكتب ~~إليه يستدعيه من مصر فسار إلى الأنبار وخرج سبكتكين إلى طريق الفرات وكان ~~يتولى حمايته فلقي ابن المستكفي وترجل له وخدمه وأخذه وعاد إلى بغداذ وهو ~~لا يشك في حصول الأمر له. ثم ظهر لسبكتكين أن الرجل عباسي فعاد عن ذلك ~~الرأي ففطن ابن المستكفي وخاف هو وأصحابه فهربوا وتفرقوا فأخذ ابن المستكفي ~~ومعه أخ له وأحضرا عند بختيار فأعطاهما الأمان ثم إن المطيع تسلمه من ~~بختيار فجدع أنفه ثم خفي خبره. # ذكر استيلاء عضد الدولة على كرمان في هذه السنة ملك عضد الدولة بلاد ~~كرمان وكان سبب ذلك أن أبا علي بن إلياس كان صاحبها مدة طويلة على ما ~~ذكرناه ثم إنه أصابه فالج خاف منه على نفسه فجمع أكابر أولاده وهم ثلاثة ~~إليسع وإلياس وسليمان فاعتذر إلى إليسع من جفوة كانت منه له قديما وولاه ~~الأمر ثم بعده أخاه # PageV07P275 # إلياس وأمر سليمان بالعود إلى بلادهم وهي بلاد الصغد وأمره بأخذ أموال له ~~هناك وقصد إبعاده عن إليسع لعداوة كانت بينهما. فسار من عند أبيه واستولى ~~على السيرجان فلما بلغ أباه ذلك أنفذ إليه إليسع في جيش وأمره بمحاربته ~~وإجلائه عن البلاد ولم يمكنه من قصد الصغد إن طلب ذلك فسار إليه وحصره ~~واستظهر عليه إليسع بالسيرجان وملكها وأمر بنهبها فنهبت فسأله القاضي ~~وأعيان البلد العفو عنهم فعفا. ثم إن جماعة من أصحاب والده خافوه، فسعوا به ~~إلى أبيه، فقبض عليه وسجنه في قلعة له، فمشت والدته إلى أخيه إلياس وقالت ~~لها: إن صاحبنا قد فسخ ماكان عقده لولدي، وبعده يفعل بولدك مثله، ويخرج ~~الملك عن آل إلياس، والرأي أن تساعديني على تخليص ولدي ليعود الأمر ms3020 إلى ~~ماكان عليه. # وكان والده أبو علي تأخذه غشية في بعض الأوقات، فيمكث زمانا طويلا لا ~~يعقل، فاتفقت المرأتان وجمعتا الجواري في وقت غشيته، وأخرجن إليسع من حبسه ~~ودلينه من ظهر القلعة إلى الأرض، فكسر قيده وقصد العسكر، فاستبشروا به ~~وأطاعوه، وهرب منه من كان أفسد حاله مع أبيه، وأخذ بعضهم، ونجا بعضهم، ~~وتقدم إلى القلعة ليحصرها. # فلما أفاق والده وعرف الصورة راسل ولده، وسأله أن يكف عنه ويؤمنه على ~~ماله وأهله حتى يسلم إليه القلعة وجميع أعمال كرمان، ويرحل إلى خراسان، ~~ويكون عونا له هناك، فأجابه إلى ذلك، وسلم إليه القلعة وكثيرا من المال، ~~وأخذ معه ما أراد إلى خراسان وقصد بخارى، فأكرمه الأمير منصور بن نوح، ~~وأحسن إليه وقربه منه، فحمل منصورا على تجهيز العساكر إلى الري وقصد بني ~~بويه، على ما ذكرناه، وأقام عنده إلى أن توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة بعلة ~~الفالج، على ماذكرناه. # وكان ابنه سليمان ببخارى أيضا وأما إليسع فإنه صفت له كرمان، فحمله ترف ~~الشباب وجهله على مغالبة عضد الدولة على بعض حدود عمله، وأتاه جماعة من ~~أصحاب عضد الدولة وأحسن إليهم، ثم عاد بعضهم إلى عضد الدولة، فاتهم إليسع ~~الباقين، فعاقبهم، ومثل بهم. # PageV07P276 # ثم إن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى عضد الدولة، فأحسن إليهم وأكرمهم ~~ووصلهم، فلما رأى أصحابه تباعد مابين الحالين تألبوا عليه وفارقوه متسللين ~~إلى عضد الدولة، وأتاه منهم في دفعة واحدة نحو ألف رجل من وجوه أصحابه، ~~فبقي في خاصته، وفارقه معظم عسكره. # فلما رأى ذلك أخذ أمواله وأهله وسار بهم نحو بخارى لا يلوي على شيء، وسار ~~عضد الدولة إلى كرمان فاستوى عليها وملكها وأخذ ما بها من أموال آل إلياس، ~~وكان ذلك في شهر رمضان، وأقطعها ولده أبا الفوارس، وهو الذي لقب بعد ذلك ~~شرف الدولة، وملك العراق، واستخلف، عليها كورتكين بن جستان، وعاد إلى فارس ~~وراسله صاحب سجستان، وخطب له بها، وكان هذا أيضا من الوهن على بني سامان ~~ومما طرق الطمع فيهم. # وأما إليسع فإنه ms3021 لما وصل إلى بخارى أكرمه وأحسن إليه، وصار يذم أهل سامان ~~في قعودهم عن نصره، وإعادته إلى ملكه، فنفي عن بخارى إلى خوارزم. # وبلغ أبا علي بن سيمجور خبره، فقصد ماله وأثقاله، وكان خلفها ببعض نواحي ~~خراسان، فاستولى على ذلك جميعه، وأصاب إليسع رمد شديد بخوارزم، فأقلقه، ~~فحمله الضجر وعدم السعادة إلى أن قلع عينه الرمدة بيده، وكان ذلك سبب ~~هلاكه، ولم يعد لآل إلياس بكرمان دولة، وكان الذي أصابه لشؤم عصيان والده ~~وثمرة عقوقه. # ذكر قتل أبي فراس بن حمدان # في هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل أبو فراس بن أبي العلاء سعيد بن حمدان. # وسبب ذلك أنه كان مقيما بحمص، فجرى بينه وبين أبي المعالي (بن سيف الدولة ~~بن حمدان وحشة، فطلبه أبو المعالي) ، فانحاز أبو فراس إلى صدد، وهي قرية في ~~طرف البرية عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وسيرهم ~~في طلبه مع قرغويه، فأدركه بصدد، فكبسوه، فاستأمن أصحابه، واختلط هو # PageV07P277 # بمن استأمن منهم، فقال قرغويه لغلام له: اقتله، فقتله وأخذ رأسه وتركت ~~جثته في البرية، حتى دفنها بعض الأعراب. # وأبو فراس هو خال أبي المعالي بن سيف الدولة، ولقد صدق من قال: إن الملك ~~عقيم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، منتصف شعبان، مات المتقي لله إبراهيم بن المقتدر في داره ~~ودفن فيها. # وفيها في ذي القعدة، وصلت سرية كثيرة من الروم إلى أنطاكية فقتلوا في ~~سوادها وغنموا، وسبوا اثني عشر ألفا من المسلمين. # وفيها كان بين هبة الرفعاي وبني أسد بن وزير الغبري حرب، فاستمدت أسد خزر ~~اليشكري الذي مع عمران بن شاهين، صاحب البطائح، وأوقع بهبة، وقتل من أصحابه ~~مقتلة عظيمة وهزمه، واستولى على جنبلا وقسين من أرض العراق، فسار سبكتكين ~~العجمي إلى خزر، وضيق عليه، فمضى إلى البصرة واستأمن إلى الوزير أبي الفضل، ~~وفيها عمل أهل بغداذ يوم عاشوراء وغدير خم، كما جرت به عادتهم من إظهار ~~الحزن يوم عاشوراء، والسرور يوم الغدير، # PageV07P278 # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن بندار ms3022 بن الحسين أبو الحسن الصوفي المعروف بالصيرفي ~~النيسابوري. # PageV07P279 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة] ### | 358 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة # ذكر ملك المعز العلوي مصر # في هذه السنة سير المعز لدين الله أبو تميم معد بن إسماعيل المنصور بالله ~~القائد أبا الحسن جوهرا، غلام والده المنصور، وهو رومي، في جيش كثيف إلى ~~الديار المصرية، فاستولى عليها. # وكان سبب ذلك أنه لما مات كافور الإخشيدي، صاحب مصر، اختلفت القلوب فيها، ~~ووقع بها غلاء شديد، حتى بلغ الخبز كل رطل بدرهمين، والحنطة كل ويبة بدينار ~~وسدس مصري، فلما بلغ الخبر بهذه الأحوال إلى المعز، وهو بإفريقية، سير ~~جوهرا إليها، فلما اتصل خبر مسيره إلى العساكر الإخشيدية بمصر هربوا عنها ~~جميعهم قبل وصوله. # ثم إنه قدمها سابع عشر شعبان، وأقيمت الدعوة للمعز بمصر في الجامع العتيق ~~في شوال، وكان الخطيب أبا محمد عبد الله بن الحسين الشمشاطي. # وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين [وثلاثمائة] سار جوهر إلى جامع ابن ~~طولون، وأمر المؤذن فأذن بحي على خير العمل، وهو أول ما أذن بمصر ثم أذن ~~بعده في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولما ~~استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة. # PageV07P280 # ذكر ملك عسكر المعز دمشق وغيرها من بلاد الشام # لما استقر جوهر بمصر، وثبت قدمه، سير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام في ~~جمع كبير، فبلغ الرملة، وبها أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طغج، فقاتله في ~~ذي الحجة من السنة، وجرت بينهما حروب كان الظفر فيها لجعفر بن فلاح، وأسر ~~ابن طغج وغيره من القواد فسيرهم إلى جوهر، وسيرهم جوهر إلى المعز بإفريقية، ~~ودخل ابن الفلاح البلد عنوة، فقتل كثيرا من أهله، ثم أمن من بقي، وجبى ~~الخراج وسار إلى طبرية، فرأى ابن ملهم قد أقام الدعوة للمعز لدين الله، ~~فسار عنها إلى دمشق، فقاتله أهلها، فظفر بهم وملك البلد، ونهب بعضه وكف عن ~~الباقي، وأقام الخطبة للمعز يوم الجمعة لأيام خلت من المحرم سنة تسع ms3023 وخمسين ~~[وثلاثمائة] وقطعت الخطبة العباسية. # وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي، وكان جليل القدر، ~~نافذ الحكم في أهلها، فجمع أحداثها ومن يريد الفتنة، فثار بهم في الجمعة ~~الثانية، وأبطل الخطبة للمعز لدين الله وأعاد خطبة المطيع لله. ولبس السواد ~~وعاد إلى داره، فقاتله جعفر بن فلاح ومن معه قتالا شديدا، وصبر أهل دمشق، ~~ثم افترقوا آخر النهار، فلما كان الغد تزاحف الفريقان واقتتلوا ونشبت الحرب ~~بينهما، وكثر القتلى من الجانبين ودام القتال، فعاد عسكر دمشق منهزمين ~~والشريف بن أبي يعلى مقيم على باب البلد يحرض الناس على القتال، ويأمرهم ~~بالصبر. # وواصل المغاربة الحملات على الدماشقة حتى ألجئوهم إلى باب البلد، ووصل ~~المغاربة إلى قصر حجاج، ونهبوا ما وجدوا، فلما رأى ابن أبي يعلى (الهاشمي ~~والأحداث ما) لقي الناس من المغاربة خرجوا من البلاد ليلا، فأصبح الناس ~~حيارى، فدخل الشريف الجعفري، وكان خرج من البلد إلى جعفر بن فلاح في الصلح، ~~فأعاده وأمره بتسكين الناس وتطييب قلوبهم، ووعدهم بالجميل، ففعل ما أمره، ~~وتقدم إلى الجند والعامة بلزوم منازلهم، وأن لا يخرجوا منها إلى أن يدخل ~~جعفر بن فلاح البلد ويطوف فيه ويعود إلى عسكره، ففعلوا ذلك. # PageV07P281 # فلما دخل المغاربة البلد عاثوا فيه، ونهبوا قطرا منه، فثار الناس، وحملوا ~~عليهم، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا منهم جماعة، وشرعوا في تحصين البلد وحفر ~~الخنادق، وعزموا على اصطلاء الحرب، وبذل النفوس في الحفظ، وأحجمت المغاربة ~~عنهم، ومشى الناس إلى الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى، فطلبوا منه أن يسعى ~~فيما يعود بصلاح الحال، ففعل، ودبر الحال إلى أن تقرر الصلح يوم الخميس لست ~~عشرة خلت من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكان الحريق قد أتى على ~~عدة كثيرة من الدور وقت الحرب. # ودخل صاحب الشرطة جعفر بن فلاح البلد يوم الجمعة فصلى مع الناس وسكنهم ~~وطيب قلوبهم، وقبض على جماعة من الأحداث في المحرم سنة ستين وثلاثمائة، ~~وقبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى الهاشمي المذكور، وسيره إلى مصر، ~~واستقر ms3024 أمر دمشق. # (وكان ينبغي أن يؤخر) (ملك ابن الفلاح دمشق إلى آخر السنة) ، وإنما قدمته ~~ليتصل خبر المغاربة بعضه ببعض. # ذكر اختلاف أولاد ناصر الدولة وموت أبيهم # كان سبب اختلاف أولاد ناصر الدولة أنه كان أقطع ولده حمدان مدينة الرحبة ~~وماردين وغيرهما. وكان أبو تغلب وأبو البركات وأختهما جملة أولاد ناصر ~~الدولة من زوجته فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر ناصر الدولة، ~~فاتفقت مع ابنها أبي تغلب، وقبضوا على ناصر الدولة، على ما ذكرناه، فابتدأ ~~ناصر الدولة يدبر في القبض عليهم، فكاتب ابنه حمدان يستدعيه ليتقوى به ~~عليهم، فظفر أولاده بالكتاب، فلم ينفذوه، وخافوا أباهم وحذروه، فحملهم خوفه ~~على نقله إلى قلعة كواشي. # واتصل ذلك بحمدان، فعظم عليه، وصار عدوا مباينا، وكان أشجعهم، وكان قد # PageV07P282 # سار عند وفاة عمه (سيف الدولة من الرحبة إلى الرقة فملكها، وسار) إلى ~~نصيبين وجمع من أطاعه، وطالب إخوته بالإفراج عن والده وإعادته إلى منزله، ~~فسار أبو تغلب، (إليه ليحاربه، فانهزم حمدان قبل اللقاء إلى الرقة، فنازله ~~أبو تغلب) وحصره ثم اصطلحا على دخن، وعاد كل واحد منهما إلى موضعه. # وعاش ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ~~التغلبي شهورا، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، (ودفن بتل ~~توبة، شرقي الموصل) ، وقبض أبو تغلب أملاك أخيه حمدان، وسير أخاه أبا ~~البركات إلى حمدان، فلما قرب الرحبة استأمن إليه كثير من أصحاب حمدان، ~~فانهزم حينئذ، وقصد العراق مستأمنا إلى بختيار، فوصل بغداذ في شهر رمضان ~~سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فأكرمه بختيار وعظمه، وحمل إليه هدية كثيرة ~~جليلة المقدار ومعها كل ما يحتاج إليه مثله، وأرسل إلى أبي تغلب النقيب أبا ~~أحمد الموسوي والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه، فاصطلحا، وعاد حمدان إلى ~~الرحبة، وكان مسيره من بغداذ في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. # فلما سمع أبو البركات بمسير أخيه حمدان على هذه الصورة فارق الرحبة، ~~ودخلها حمدان، وراسله أخوه أبو تغلب في الاجتماع به، فامتنع من ms3025 ذلك، فعاد ~~أبو تغلب وسير إليه أخاه أبا البركات، فلما علم حمدان بذلك فارقها، فاستولى ~~أبو البركات عليها، واستناب بها من يحفظها في طائفة من الجيش، وعاد إلى ~~الرقة ثم إلى عربان. # فلما سمع حمدان بعودته عنها، وكان ببرية تدمر، عاد إليها في شعبان، ~~فوافاها ليلا، فأصعد جماعة من غلمانه السور، وفتحوا له باب البلد فدخله، ~~ولا يعلم من به من الجند، فلما صار في البلد وأصبح أمر بضرب البوق، (فبادر ~~من بالرحبة من الجند # PageV07P283 # منقطعين يظنون أن صوت البوق) من خارج البلد، وكل من وصل إلى حمدان أسره، ~~حتى أخذهم جميعهم، فقتل بعضا واستبقى بعضا، فلما سمع أبو البركات بذلك عاد ~~إلى قرقيسيا، واجتمع هو وأخوه حمدان منفردين، فلم يستقر بينهما قاعدة، فقال ~~أبو البركات لحمدان: أنا أعود إلى عربان، وأرسل إلى أبي تغلب يجيب إلى ما ~~تلتمسه منه. # فسار عائدا إلى عربان، وعبر حمدان الفرات في مخاضة بها، وسار في أثر أخيه ~~أبي البركات، فأدركه بعربان وهو آمن، فلقيهم أبو البركات بغير جنة ولا ~~سلاح، فقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وحمل أبو البركات بنفسه في وسطهم، ~~فضربه أخوه حمدان فألقاه وأخذه أسيرا، فمات من يومه، وهو ثالث رمضان، فحمل ~~في تابوت إلى الموصل، ودفن بتل توبة عند أبيه. # وتجهز أبو تغلب ليسير إلى حمدان، وقدم بين يديه أخاه أبا الفوارس محمدا ~~إلى نصيبين، فلما وصلها كاتب أخاه حمدان ومالأ على أبي تغلب، فبلغ الخبر ~~أبا تغلب، فأرسل إليه يستدعيه ليزيد في إقطاعه، فلما حضر عنده قبض عليه ~~وسيره إلى قلعة كواشي، من بلد الموصل، وأخذ أمواله، وكانت قيمتها خمسمائة ~~ألف دينار. # فلما قبض عليه سار إبراهيم والحسين ابنا ناصر الدولة إلى أخيهما حمدان، ~~خوفا من أبي تغلب، فاجتمعا معه، وساروا إلى سنجار، فسار أبو تغلب إليهم من ~~الموصل في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة، ولم يكن لهم بلقائه طاقة، فراسله ~~أخوه إبراهيم والحسين يطلبان العود إليه خديعة منهما ليؤمنهما ويفتكا به، ~~فأجابهما إلى ذلك، فهربا إليه، وتبعهما كثير من ms3026 أصحاب حمدان، (فعاد حمدان) ~~حينئذ من سنجار إلى عربان، واستأمن إلى أبي تغلب، صاحب حمدان وأطلعه حيلة ~~أخويه عليه، وهما إبراهيم والحسين، فأراد القبض عليهما فحذرا وهربا. # ثم إن غلام حمدان ونائبه بالرحبة أخذ جميع ماله وهرب إلى أصحاب أبي تغلب ~~بحران، وكانوا مع صاحبه سلامة البرقعيدي، فاضطر حمدان إلى العود إلى ~~الرحبة، وسار أبو تغلب إلى قرقيسيا، وأرسل سرية عبروا الفرات وكبسوا حمدان ~~بالرحبة، وهو لا يشعر، فنجا هاربا، واستولى أبو تغلب عليها، وعمر سورها، ~~وعاد إلى الموصل، # PageV07P284 # ودخلها في ذي الحجة سنة ستين وثلاثمائة. # (وسار حمدان إلى بغداذ، فدخلها آخر ذي الحجة سنة ستين) [وثلاثمائة] ~~ملتجئا إلى بختيار ومعه أخوه إبراهيم، وكان أخوهما الحسين قد عاد إلى أخيه ~~أبي تغلب مستأمنا، وحمل بختيار إلى حمدان وأخيه إبراهيم هدايا جليلة ~~المقدار، وأكرمهما واحترمهما. # ذكر ما فعله الروم بالشام والجزيرة # وفي هذه السنة دخل ملك الروم الشام، ولم يمنعه أحد، ولا قاتله، فسار في ~~البلاد إلى طرابلس، وأحرق ربضها، وحصر قلعة عرقة، فملكها ونهبها وسبى من ~~فيها. # وكان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها لشدة ظلمه، فقصد عرقة، فأخذه الروم ~~وجميع ماله، وكان كثيرا. # وقصد (ملك الروم) حمص، وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها فأحرقها ملك ~~الروم ورجع إلى بلدان الساحل (فأتى عليها نهبا وتخريبا) ، وملك ثمانية عشر ~~منبرا، فأما القرى فكثير لا يحصى، وأقام في الشام شهرين يقصد أي موضع شاء، ~~ولا يمنعه أحد إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطرافهم، فأتاه جماعة ~~منهم وتنصروا وكادوا المسلمين من العرب وغيرهم، فامتنعت العرب من قصدهم، ~~وصار للروم الهيبة العظيمة في قلوب المسلمين، فأراد أن يحضر أنطاكية وحلب، ~~فبلغه أن أهلها قد أعدوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه، فامتنع من ذلك ~~وعاد ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس، ولم يأخذ إلا الصبيان، والصبايا، # PageV07P285 # والشبان، فأما الكهول، والشيوخ، فمنهم من قتله، ومنهم من أطلقه. # وكان بحلب قرغويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، وقد أخرج أبا المعالي بن ~~سيف الدولة منها، على ms3027 ما نذكره، فصانع الروم عليها، فعادوا إلى بلادهم، ~~فقيل: كان سبب عودهم كثرة الأمراض، والموت، وقيل: ضجروا من طول السفر ~~والغيبة عن بلادهم، فعادوا على عزم العود. # وسير ملك الروم سرية كثيرة إلى الجزيرة، فبلغوا كفر توثا، ونهبوا وسبوا ~~وأحرقوا وعادوا، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك نكير ولا أثر. # ذكر استيلاء قرغويه على حلب وإخراج أبي المعالي بن حمدان منها # في هذه السنة أيضا استولى قرغويه غلام سيف الدولة بن حمدان (على حلب، ~~وأخرج منها أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان) ، فسار أبو المعالي ~~إلى حران، فمنعه أهلها من الدخول إليهم، فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن ~~يدخلوا فيتزودا منها يومين فأذنوا لهم، ودخل إلى والدته بميافارقين، وهي ~~ابنة سعيد بن حمدان، وتفرق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى أبي تغلب بن حمدان. # فلما وصل إلى والدته بلغها أن غلمانه وكتابه قد عملوا على القبض عليها ~~وحبسها، كما فعل أبو تغلب بأبيه ناصر الدولة، فأغلقت أبواب المدينة ومنعت ~~ابنها من # PageV07P286 # دخولها ثلاثة أيام، حتى أبعدت من تحب إبعاده، واستوثقت لنفسها، وأذنت له ~~ولمن بقي معه في دخول البلد وأطلقت لهم الأرزاق، وبقيت حران لا أمير عليها، ~~ولكن الخطبة فيها لأبي المعالي بن سيف الدولة، وفيها جماعة من مقدمي أهلها ~~يحكمون فيها، ويصلحون من أمور الناس. # ثم إن أبا المعالي عبر الفرات إلى الشام، وقصد حماة فأقام بها، على ما ~~نذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. # ذكر خروج أبي خزر بإفريقية # في هذه السنة خرج بإفريقية أبو خزر الزناتي، واجتمع إليه جموع عظيمة من ~~البربر والنكار، فخرج المعز إليه بنفسه يريد قتاله، حتى بلغ مدينة باغاية، ~~وكان أبو خزر قريبا منها، وهو يقاتل نائب المعز عليها، فلما سمع أبو خزر ~~بقرب المعز تفرقت عنه جموعه، وسار المعز في طلبه فسلك الأوعار، فعاد المعز ~~وأمر أبا الفتوح يوسف بلكين بن زيري بالمسير في طلبه أين سلك، فسار في أثره ~~حتى خفي عليه خبره، ووصل المعز إلى مستقره بالمنصورية. ms3028 # فلما كان ربيع الآخر من سنة تسع وخمسين [وثلاثمائة] وصل أبو خزر الخارجي ~~إلى المعز مستأمنا، ويطلب الدخول في طاعته، فقبل منه المعز ذلك وفرح به، ~~وأجرى عليه رزقا كثيرا. # ووصله، عقيب هذه الحال، كتب جوهر بإقامة الدعوة له في مصر والشام، ويدعوه ~~إلى المسير إليه، ففرح المعز فرحا شديدا أظهره للناس كافة (ومدحه الشعراء، ~~فممن ذكر ذلك محمد بن هانئ الأندلسي) فقال: يقول بنو العباس قد فتحت مصر ~~فقل لبني العباس: قد قضي الأمر # PageV07P287 # ذكر قصد أبي البركات بن حمدان ميافارقين وانهزامه # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار أبو البركات بن ناصر الدولة بن حمدان في ~~عسكره إلى ميافارقين، فأغلقت زوجة سيف الدولة أبواب البلد في وجهه، ومنعته ~~من دخوله، فأرسل إليها يقول: إنني ما قصدت إلا الغزاة، ويطلب منها ما ~~يستعين به، فاستقر بينهما أن تحمل إليه مائتي ألف درهم، وتسلم إليه قرايا ~~كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين. # ثم ظهر لها أنه يعمل سرا في دخول البلد، فأرسلت إلى من معه من غلمان سيف ~~الدولة تقول لهم: ما من حق مولاكم أن تفعلوا بحرمه وأولاده هذا، فنكلوا عن ~~القتال والقصد، ثم جمعت رجالة وكبست أبا البركات ليلا، فانهزم ونهب سواده ~~وعسكره، وقتل جماعة من أصحابه وغلمانه، فراسلها: إنني لم أقصد لسوء، فردت ~~ردا جميلا، وأعادت إليه بعض ما نهب منه، وحملت إليه مائة ألف درهم، وأطلقت ~~الأسرى، فعاد عنها. # وكان ابنها (أبو المعالي بن) سيف الدولة على حلب يقاتل قرغويه غلام أبيه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، عاشر المحرم، عمل أهل بغداذ ما قد صار عادة من إغلاق ~~الأسواق، وتعطيل المعاش، وإظهار النوح والمأتم، بسبب الحسين بن علي، رضوان ~~الله عليهما. # وفيها أرسل القرامطة رسلا إلى بني نمير وغيرهم من العرب يدعونهم إلى ~~طاعتهم، فأجابوا إلى ذلك، وأخذت عليهم الأيمان بالطاعة، وأرسل أبو تغلب بن ~~حمدان إلى القرامطة بهجر هدايا جميلة قيمتها خمسون ألف درهم. # وفيها طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن ms3029 يسلموا الأمير إليه ~~والجيش، وذكر أن أباه عهد إليه بذلك، فحبسوه في داره، ووكلوا به، ثم أخرج ~~ميتا في نصف رمضان، فدفن ومنع أهله من البكاء عليه، ثم أذن لهم بعد أسبوع ~~أن يعملوا ما يريدون. # PageV07P288 # وفيها، ليلة الخميس رابع عشر رجب، انخسف القمر جميعه، وغاب منخسفا. # وفيها في شعبان، وقعت حرب بين أبي عبد الله بن الداعي العلوي وبين علوي ~~آخر يعرف بأميرك، وهو أبو جعفر الثائر في الله، قتل فيها خلق كثير من ~~الديلم والجيل، وأسر أبو عبد الله بن الداعي، وسجن في قلعة، ثم أطلق في ~~المحرم سنة تسع وخمسين [وثلاثمائة] وعاد إلى رئاسته، وصار أبو جعفر صاحب ~~جيشه. # وفيها قبض بختيار على وزيره أبي الفضل العباس بن الحسين، وعلى جميع ~~أصحابه، وقبض أموالهم وأملاكهم، واستوزر أبا الفرج محمد بن العباس، ثم عزل ~~أبا الفرج وأعاد أبا الفضل. # وفيها اشتد الغلاء بالعراق، واضطرب الناس، فسعر السلطان الطعام، فاشتد ~~البلاء، فدعته الضرورة إلى إزالة التسعير، فسهل الأمر، وخرج الناس من ~~العراق إلى الموصل والشام وخراسان من الغلاء. # وفيها نفي شيرزاد، وكان قد غلب على أمر بختيار، وصار يحكم على الوزير ~~والجند وغيرهم، فأوحش الأجناد، وعزم الأتراك على قتله، فمنعهم سبكتكين وقال ~~لهم: خوفوه ليهرب، فهرب من بغداذ، وعهد إلى بختيار ليحفظ ماله وملكه، فلما ~~سار عن بغداذ قبض بختيار أمواله وأملاكه ودوره وكان هذا مما يعاب به ~~بختيار. # ثم إن شيرزاد سار إلى ركن الدولة ليصلح أمره مع بختيار، فتوفي بالري عند ~~وصوله إليها. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن محمد أبو الفتح النحوي، المعروف بجخجخ. # وفيها مات عيسى الطبيب الذي كان طبيب القاهر بالله، والحاكم في دولته، ~~وكان قد عمي قبل موته بسنتين، وكان مولده سنة إحدى وسبعين ومائتين. # PageV07P289 ### | [ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة] ### | 359 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة # ذكر ملك الروم مدينة أنطاكية # في هذه السنة، في المحرم، ملك الروم مدينة أنطاكية. # وسبب ذلك أنهم حصروا حصنا بالقرب من أنطاكية يقال ms3030 له حصن لوقا، وأنهم ~~وافقوا أهله، وهم نصارى، على أن يرتحلوا منه إلى أنطاكية، ويظهروا أنهم ~~إنما انتقلوا منه خوفا من الروم، فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها، ~~وانصرف الروم عنهم بعد موافقتهم على ذلك، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية ~~بالقرب من الجبل الذي بها. # فلما كان انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخي نقفور الملك، وكانوا نحو ~~أربعين ألف رجل، فأحاطوا بسور أنطاكية، (وصعدوا الجبل إلى الناحية التي بها ~~أهل حصن لوقا) ، فلما رآهم أهل البلد قد ملكوا تلك الناحية طرحوا أنفسهم من ~~السور، وملك الروم البلد، ووضعوا في أهله السيف، ثم أخرجوا المشايخ، ~~والعجائز، والأطفال من البلد، وقالوا لهم: اذهبوا حيث شئتم، فأخذوا الشباب ~~من الرجال، والنساء والصبيان، والصبايا، فحملوهم إلى بلاد الروم سبيا، ~~وكانوا يزيدون على ألف إنسان، وكان حصرهم له في ذي الحجة. # PageV07P290 # ذكر ملك الروم مدينة حلب وعودهم عنها لما ملك الروم أنطاكية أنفذوا جيشا ~~كثيفا إلى حلب، وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة محاصرا لها، وبها ~~قرغويه السيفي متغلبا عليها. فلما سمع أبو المعالي خبرهم فارق حلب وقصد ~~البرية ليبعد عنهم، وحصروا البلد، وفيه قرغويه وأهل البلد قد تحصنوا ~~بالقلعة، فملك الروم المدينة، وحصروا القلعة فخرج إليهم جماعة من أهل حلب، ~~وتوسطوا بينهم وبين قرغويه، وترددت الرسل، فاستقر الأمر بينهم على هدنة ~~مؤبدة على مال يحمله قرغويه إليهم، وأن يكون للروم إذا أرادوا الغزاة أن لا ~~يمكن قرغويه أهل القرايا من الجلاء عنها ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه ~~منها. # وكان مع حلب حماة، وحمص، وكفر طاب، والمعرة، وأفامية، وشيزر، وما بين ذلك ~~من الحصون والقرايا، وسلموا الرهائن إلى الروم، وعادوا عن حلب وتسلمها ~~المسلمون. # ذكر ملك الروم ملازكرد # وفيها أرسل ملك الروم جيشا إلى ملازكرد من أعمال أرمينية، فحصروها، ~~وضيقوا على من بها من المسلمين، وملكوها عنوة وقهرا، وعظمت شوكتهم، وخافهم ~~المسلمون في أقطار البلاد، وصارت كلها سائبة لا تمتنع عليهم يقصدون أيها ~~شاءوا. # ذكر مسير ابن العميد إلى حسنويه # وفي هذه السنة جهز ms3031 ركن الدولة وزيره أبا الفضل بن العميد في جيش كثيف، ~~وسيرهم إلى بلد حسنويه. # وكان سبب ذلك أن حسنويه بن الحسن الكردي كان قد قوي واستفحل أمره # PageV07P291 # لاشتغال ركن الدولة بما هو أهم منه، ولأنه كان يعين الديلم على جيوش ~~خراسان إذا قصدتهم، فكان ركن الدولة يراعيه لذلك ويغضي على ما يبدو منه، ~~وكان يتعرض إلى القوافل وغيرها بخفارة، فبلغ ذلك ركن الدولة، فسكت عنه. # فلما كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف أدى إلى أن قصده سهلان ~~وحاربه، وهزمه حسنويه، فانحاز هو وأصحابه إلى مكان اجتمعوا فيه، فقصدهم ~~حسنويه وحصرهم فيه، ثم إنه جمع من الشوك والنبات وغيره شيئا كثيرا، وفرقه ~~في نواحي أصحاب سهلان وألقى فيه النار، وكان الزمان صيفا، فاشتد عليهم ~~الأمر حتى كادوا يهلكون، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأمنهم فأخذهم عن ~~آخرهم. # وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يتحمل له، فحينئذ أمر ابن العميد بالمسير إليه، ~~فتجهز وسار في المحرم ومعه ولده أبو الفتح، وكان شابا مرحا، قد أبطره ~~الشباب والأمر والنهي، وكان يظهر منه ما يغضب بسببه والده، وازدادت علته، ~~وكان به نقرس وغيره من الأمراض. فلما وصل إلى همذان توفي بها، وقام ولده ~~مقامه، فصالح حسنويه على مال أخذه منه، وعاد إلى الري إلى خدمة ركن الدولة. # وكان والده يقول عند موته: ما قتلني إلا ولدي، وما أخاف على بيت العميد ~~أن يخرب ويهلكوا إلا منه. فكان على ما ظن. # وكان أبو الفضل بن العميد بن محاسن الدنيا، قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في ~~غيره من حسن التدبير، وسياسة الملك، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع. # وكان عالما في عدة فنون منها الأدب، فإنه كان من العلماء به، (ومنها حفظ ~~أشعار العرب، فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله) ، ومنها علوم الأوائل ~~فإنه كان ماهرا فيها مع سلامة اعتقاد، إلى غير ذلك من الفضائل، ومع حسن خلق ~~ولين عشرة مع أصحابه وجلسائه، وشجاعة تامة، ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات، ~~وبه تخرج ms3032 عضد الدولة، ومنه تعلم سياسة الملك، ومحبة العلم والعلماء، وكان ~~عمر ابن العميد قد زاد # PageV07P292 # على ستين سنة يسيرا، وكانت وزارته أربعا وعشرين سنة. # ذكر قتل نقفور ملك الروم # في هذه السنة قتل نقفور ملك الروم، ولم يكن من أهل بيت المملكة، وإنما ~~كان دمستقا، والدمستق عندهم الذي كان يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج ~~القسطنطينية، وأكثرها اليوم بيد أولاد فلج أرسلان، وكان كل من يليها يلقب ~~بالدمستق، وكان نقفور هذا شديدا على المسلمين، وهو الذي أخذ حلب أيام سيف ~~الدولة فعظم شأنه عند الروم، وهو أيضا الذي فتح طرسوس، والمصيصة، وأذنة، ~~وعين زربة، وغيرها. # ولم يكن نصراني الأصل، وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن ~~الفقاس تنصر، وكان ابنه هذا شهما، شجاعا، حسن التدبير لما يتولاه. فلما عظم ~~أمره وقوي شأنه قتل الملك الذي كان قبله، وملك الروم بعده. وقد ذكرنا هذا ~~جميعه. # فلما ملك تزوج امرأة الملك المقتول على كره منها، وكان لها من الملك ~~المقتول ابنان، وجعل نقفور همته قصد بلاد الإسلام والاستيلاء عليها، وتم له ~~ما أراد باشتغال ملوك الإسلام بعضهم ببعض، فدوخ البلاد وكان قد بنى أمره ~~على أن يقصد سواد البلاد فينهبه ويخربه، فيضعف البلاد فيملكها، وغلب على ~~ثغور الجزرية والشامية وسبى، وأسر ما يخرج عن الحصر، وهابه المسلمون هيبة ~~عظيمة، ولم يشكوا في أنه يملك جميع الشام، ومصر، والجزيرة وديار بكر لخلو ~~الجميع من مانع. # PageV07P293 # فلما استفحل أمره أتاه أمر الله من حيث لم يحتسب، وذلك أنه عزم على أن ~~يخصي ابني الملك المقتول لينقطع نسلهما، ولا يعارض أحد أولاده في الملك، ~~فلما علمت أمهما ذلك قلقت منه، واحتالت على قتله، فأرسلت إلى ابن الشمشقيق، ~~وهو الدمستق حينئذ، ووافقته على أن يصير إليها في زي النساء ومعه جماعة، ~~وقالت لزوجها إن نسوة من أهلها قد زاروها، فلما صار إليها هو ومن معه جعلهم ~~في بيعة تتصل بدار الملك، وكان الشمشقيق شديد الخوف منه لعظم هيبته، ~~فاستجاب للمرأة إلى ms3033 ما دعته إليه، فلما كان ليلة الميلاد من هذه السنة نام، ~~واستقل في نومه، ففتحت امرأته الباب ودخلوا إليه فقتلوه، وثار بهم جماعة من ~~أهله وخاصته، فقتل منهم نيف وسبعون رجلا، وأجلس في الملك الأكبر من ولدي ~~الملك المقتول، وصار المدبر له ابن الشمشقيق، ويقال: إن نقفور ما بات قط ~~إلا بسلاح إلا تلك الليلة لما يريده الله تعالى من قتله وفناء أجله. # ذكر ملك أبي تغلب مدينة حران # في هذه السنة، في الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سار أبو تغلب بن ناصر ~~الدولة بن حمدان إلى حران، فرأى أهلها قد أغلقوا أبوابها، وامتنعوا منه، ~~فنازلهم وحصرهم، فرعى أصحابه زروع تلك الأعمال، وكان الغلاء في العسكر ~~كثيرا، فبقي كذلك إلى ثالث عشر جمادى الآخرة، فخرج إليه نفران من أعيان ~~أهلها ليلا وصالحاه، وأخذا الأمان لأهل البلد وعادا. # فلما أصبحا أعلما أهل حران ما فعلاه، فاضطربوا، وحملوا السلاح وأرادوا ~~قتلهما، فسكنهم بعض أهلها، فسكنوا، واتفقوا على إتمام الصلح، وخرجوا جميعهم ~~إلى أبي تغلب، وفتحوا أبواب البلد ودخله أبو تغلب وإخوته وجماعة من أصحابه، ~~وصلوا به الجمعة وخرجوا إلى معسكرهم، واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي لأنه ~~طلبه أهله لحسن سيرته، وكان إليه أيضا عمل الرقة، وهو من أكابر أصحاب بني ~~حمدان، وعاد أبو تغلب إلى # PageV07P294 # الموصل ومعه جماعة من أحداث حران، وسبب سرعة عوده أن بني نمير عاثوا في ~~بلد الموصل، وقتلوا العامل ببرقعيد، فعاد إليهم ليكفيهم. # ذكر قتل سليمان بن أبي علي بن إلياس # في هذه السنة قتل سليمان بن أبي علي بن إلياس الذي كان والده صاحب كرمان. # وسبب ذلك أنه ذكر للأمير منصور بن نوح صاحب خراسان أن أهل كرمان من القفص ~~والبلوص معه وفي طاعته، (وأطمعه في كرمان، فسير معه عسكرا إليها، فلما وصل ~~إليها وافقه القفص والبلوص) وغيرهما من الأمم المفارقة لطاعة عضد الدولة، ~~فاستفحل أمره، وعظم جمعه، فلقيه كوركير بن جستان، خليفة عضد الدولة بكرمان، ~~وحاربه، فقتل سليمان وابنا أخيه إليسع، وهما بكر والحسين، وعدد كثير من ms3034 ~~القواد والخراسانية، وحملت رءوسهم إلى عضد الدولة بشيراز، فسيرها إلى أبيه ~~ركن الدولة، فأخذ منهم جماعة كثيرة أسرى. # ذكر الفتنة بصقلية # وفي السنة استعمل المعز لدين الله (الخليفة العلوي) ، على جزيرة صقلية، ~~يعيش مولى الحسن بن علي بن أبي الحسين، فجمع القبائل في دار الصناعة فوقع ~~الشر بين موالي كتامة (والقبائل، فاقتتلوا) ، فقتل من (موالي كتامة كثير، ~~وقتل من) الموالي بناحية سرقوسة جماعة. # وازداد الشر بينهم، وتمكنت العداوة، وسعى يعيش في الصلح، فلم يوافقوه، ~~وتطاول أهل الشر من كل ناحية، (ونهبوا) وأفسدوا، واستطالوا على أهل ~~(المراعي، واستطالوا على أهل) القلاع المستأمنة، فبلغ الخبر إلى المعز، ~~فعزل يعيش، واستعمل أبا القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين نيابة عن ~~أخيه أحمد، فسار إليها، فلما وصل فرح به الناس، وزال الشر من بينهم، ~~واتفقوا على طاعته. # PageV07P295 # ذكر حصر عمران بن شاهين # في هذه السنة، في شوال، انحدر بختيار إلى محاصرة عمران بن شاهين، فأقام ~~بواسط يتصيد شهرا، ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى الجامدة، وطفوف ~~البطيحة، وبنى أمره على أن يسد أفواه الأنهار ومجاري المياه إلى البطيحة، ~~ويردها إلى دجلة والفاروث، وربع طير، فبنى المسنيات التي يمكن السلوك عليها ~~إلى العراق، فطالت الأيام، وزادت دجلة فخربت ما عملوه. # وانتقل عمران إلى معقل آخر من معاقل البطيحة ونقل كل ماله إليه، فلما ~~نقصت المياه، واستقامت الطرق، وجدوا مكان عمران بن شاهين فارغا، فطالت ~~الأيام، وضجر الناس من المقام، وكرهوا تلك الأرض من الحر، والبق، والضفادع، ~~وانقطاع المواد التي ألفوها، وشغب الجند على الوزير، وشتموه، وأبوا أن ~~يقيموا، فاضطر بخيتار إلى مصالحة عمران على مال يأخذه منه. # وكان عمران قد خافه في الأول، وبذل له خمسة آلاف ألف درهم، فلما رأى ~~اضطراب أمر بختيار بذل ألفي ألف درهم في نجوم، ولم يسلم إليهم رهائن، ولا ~~حلف لهم على تأدية المال، ولما رحل العسكر تخطف عمران أطراف الناس فغنم ~~منهم، وفسد عسكر بختيار، وزالت عنهم الطاعة والهيبة، ووصل بختيار إلى بغداذ ~~في ms3035 رجب سنة إحدى وستين وثلاثمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، اصطلح قرغويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، ~~وأبو المعالي بن سيف الدولة، وخطب لأبي المعالي بحلب، وكان بحمص، # PageV07P296 # وخطب هو وقرغويه في أعماله للمعز لدين الله العلوي، صاحب المغرب ومصر. # وفيها، في رمضان، وقع حريق عظيم ببغداذ في سوق الثلاثاء، فاحترق جماعة ~~رجال ونساء، وأما الرحال، وغيرها فكثير، ووقع الحريق أيضا في أربعة مواضع ~~من الجانب الغربي فيها أيضا. # وفيها كانت الخطبة بمكة للمطيع لله وللقرامطة الهجريين، وخطب بالمدينة ~~للمعز لدين الله العلوي، وخطب أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي خارج ~~المدينة للمطيع لله. # [الوفيات] # وفيها مات عبيد الله بن عمر بن أحمد أبو القاسم العبسي المقرئ الشافعي ~~بقرطبة، وله تصانيف كثيرة، وكان مولده ببغداذ سنة خمس وتسعين ومائتين، وأبو ~~بكر محمد بن داود الدينوري الصوفي، المعروف بالرقي وهو من مشاهير مشايخهم، ~~وقيل مات سنة اثنتين وستين [وثلاثمائة] . # وفيها توفي القاضي أبو العلاء محارب بن محمد الفقيه الشافعي في جمادى ~~الآخرة، وكان عالما بالفقه والكلام. # PageV07P297 ### | [ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة] ### | 360 - # ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة # ذكر عصيان أهل كرمان على عضد الدولة # لما ملك عضد الدولة كرمان، كما ذكرناه، اجتمع القفص والبلوص، وفيهم أبو ~~سعيد البلوصي وأولاده، على كلمة واحدة في الخلاف، وتحالفوا على الثبات ~~والاجتهاد، فضم عضد الدولة إلى كوركير بن جستان عابد بن علي فسارا إلى ~~جيرفت فيمن معهما من العساكر، فالتقوا عاشر صفر، فاقتتلوا، وصبر الفريقان ~~ثم انهزم القفص ومن معهم، فقتل منهم خمسة آلاف من شجعانهم ووجوههم، وقتل ~~ابنان لأبي سعيد. # ثم سار عابد بن علي يقص آثارهم ليستأصلهم، فأوقع بهم عدة وقائع، وأثخن ~~فيهم، وانتهى إلى هرموز فملكها، واستولى على بلاد التيز ومكران، وأسر ألفي ~~أسير، وطلب الباقون الأمان، وبذلوا تسليم معاقلهم وجبالهم، على أن يدخلوا ~~في السلم، وينزعوا شعار الحرب، ويقيموا حدود الإسلام من الصلاة والزكاة ~~والصوم. # ثم سار عابد إلى طوائف أخر يعرفون بالحرومية والحاسكية يخيفون السبيل في ms3036 ~~البحر والبر، وكانوا قد أعانوا سليمان بن أبي علي بن إلياس، وقد تقدم ~~ذكرهم، فأوقع بهم، وقتل كثيرا منهم، وأنقذهم إلى عضد الدولة، فاستقامت تلك ~~الأرض مدة من الزمان. # PageV07P298 # ثم لم يلبث البلوص أن عادوا إلى ما كانوا عليه من سفك الدم وقطع الطريق، ~~فلما فعلوا ذلك تجهز عضد الدولة وسار إلى كرمان في ذي القعدة، فلما وصل إلى ~~السيرجان رأى فسادهم وما فعلوه من قطع الطريق بكرمان وسجستان وخراسان، فجرد ~~عابد بن علي في عسكر كثيف، وأمره باتباعهم، فلما أحسوا به أوغلوا في الهرب ~~إلى مضايق ظنوا أن العسكر لا يتوغلها، فأقاموا آمنين. # فسار في آثارهم، فلم يشعروا إلا وقد أطل عليهم، فلم يمكنهم الهرب، فصبروا ~~يومهم، وهو تاسع ربيع الأول من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم انهزموا آخر ~~النهار، وقتل أكثر رجالهم المقاتلة، وسبي الذراري والنساء، وبقي القليل، ~~وطلبوا الأمان فأجيبوا إليه، ونقلوا عن تلك الجبال، وأسكن عضد الدولة ~~مكانهم الأكرة والزراعين، حتى طبقوا تلك الأرض بالعمل، وتتبع عابد تلك ~~الطوائف برا حتى أتى عليهم وبدد شملهم. # ذكر ملك القرامطة دمشق # في هذه السنة، في ذي القعدة، وصل القرامطة إلى دمشق فملكوها، وقتلوا جعفر ~~بن فلاح. # وسبب ذلك أنهم لما بلغهم استيلاء جعفر بن فلاح على الشام أهمهم وأزعجهم ~~وقلقوا (لأنه) كان قد تقرر بينهم وبين ابن طغج أن يحمل إليهم كل سنة ~~ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملكها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على ~~قصد الشام، وصاحبهم حينئذ الحسين بن أحمد بن بهرام القرمطي، فأرسل إلى عز ~~الدولة بختيار يطلب منه المساعدة بالسلاح والمال، فأجابه إلى ذلك، واستقر ~~الحال أنهم إذا وصلوا (إلى الكوفة سائرين إلى الشام حمل الذي استقر، فلما ~~وصلوا " إلى الكوفة أوصل إليهم ذلك، وساروا إلى دمشق. # وبلغ خبرهم إلى جعفر بن فلاح فاستهان بهم ولم يحترز منهم، فلم يشعر بهم ~~حتى كبسوه بظاهر دمشق وقتلوه وأخذوا ماله وسلاحه ودوابه، وملكوا دمشق، ~~وأمنوا أهلها، وساروا إلى الرملة، واستولوا على جميع ما بينهما. # PageV07P299 # فلما سمع ms3037 من بها من المغاربة خبرهم ساروا عنها إلى يافا فتحصنوا بها، ~~وملك القرامطة الرملة، وساروا إلى مصر، وتركوا على يافا من يحصرها، فلما ~~وصلوا إلى مصر اجتمع معهم خلق كثير والجند والإخشيدية والكافورية، فاجتمعوا ~~بعين شمس عند مصر، واجتمع عساكر جوهر وخرجوا إليهم، فاقتتلوا غير مرة، ~~الظفر في جميع تلك الأيام للقرامطة، وحصروا المغاربة حصرا شديدا، ثم إن ~~المغاربة خرجوا في بعض الأيام من مصر، وحملوا على ميمنة القرامطة، فانهزم ~~من بها من العرب وغيرهم، وقصدوا سواد القرامطة فنهبوه، فاضطروا إلى الرحيل، ~~فعادوا إلى الشام، فنزلوا الرملة. # ثم حصروا يافا حصرا شديدا، وضيقوا على من بها، فسير جوهر من مصر نجدة إلى ~~أصحابه المحصورين بيافا، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل القرامطة ~~مراكبهم إليها، فأخذوا مراكب جوهر، ولم ينج منها غير مركبين، فغنمها مراكب ~~الروم. # وللحسين بن بهرام مقدم القرامطة شعر، فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين ~~الله: # زعمت رجال الغرب أني ... هبتها فدمي إذا ما بينهم مطلول # يا مصر إن لم أسق أرضك من ... دم يروي ثراك فلا سقاني النيل # ذكر قتل محمد بن الحسين الزناتي # في هذه السنة قتل يوسف بلكين بن زيري محمد بن الحسين بن خزر الزناتي ~~وجماعة من أهله وبني عمه، وكان قد عصى على المعز لدين الله بإفريقية، وكثر ~~جمعه من زناتة والبربر، فأهم المعز أمره لأنه أراد الخروج إلى مصر، فخاف أن ~~يخلف محمدا في البلاد عاصيا، وكان جبارا عاتيا طاغيا. # وأما كيفية قتله فإنه كان يشرب هو وجماعة من أهله وأصحابه، فعلم يوسف به، ~~فسار إليه جريدة متخفيا، فلم يشعر به محمد حتى دخل عليه، فلما رآه محمد قتل ~~نفسه بسيفه، وقتل يوسف الباقين وأسر منهم، فحل ذلك عند المعز محلا عظيما، ~~وقعد للهناء به ثلاثة أيام. # PageV07P300 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عضد الدولة على كوركير بن جستان قبضا فيه إبقاء وموضع ~~للصلح. # وفيها تزوج أبو تغلب بن حمدان ابنة عز الدولة بختيار، وعمرها ثلاث سنين، ~~على صداق مائة ms3038 ألف دينار، وكان الوكيل في قبول العقد أبا الحسن (علي بن) ~~عمرو بن ميمون صاحب أبي تغلب بن حمدان، ووقع العقد في صفر. # وفيها قتل رجلان بمسجد دير مار ميخائيل بظاهر الموصل، فصادر أبو تغلب ~~جماعة من النصارى. # وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة أبا القاسم بن عباد، وأصلح أموره ~~كلها. # [الوفيات] # وفيها مات أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة ~~(بأصبهان) وكان عمره مائة سنة، وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري بمكة، وهما ~~من حفاظ المحدثين. # وفيها توفي السري بن أحمد بن السري أبو الحسن الكندي الرفا، الشاعر ~~الموصلي، ببغداد. # PageV07P301 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة] ### | 361 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة # ذكر ما فعله الروم بالجزيرة # في هذه السنة، في المحرم، أغار ملك الروم على الرها ونواحيها، وسار في ~~ديار الجزيرة حتى بلغوا نصيبين، فغنموا، وسبوا وأحرقوا وخربوا البلاد، ~~وفعلوا مثل ذلك بديار بكر، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة، ولا ~~سعي في دفعه، لكنه حمل إليه مالا كفه (به عن نفسه) . # فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداذ مستنفرين، وقاموا في الجوامع ~~والمشاهد، واستنفروا المسلمين، وذكروا ما فعله الروم من النهب، والقتل ~~والأسر، والسبي، فاستعظمه الناس، وخوفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع ~~الروم، وأنهم لا مانع لهم عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداذ، وقصدوا دار ~~الخليفة الطائع لله، وأرادوا الهجوم عليه، فمنعوا من ذلك، وأغلقت الأبواب، ~~فأسمعوا ما يقبح ذكره. # وكان بختيار حينئذ يتصيد الكوفة، فخرج إليه (وجوه) أهل بغداذ مستغيثين، ~~منكرين عليه اشتغاله بالصيد، وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم، وترك جهاد ~~الروم، ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها، فوعدهم التجهز للغزاة وأرسل ~~إلى سبكتكين يأمره بالتجهز للغزو وأن يستنفر العامة، ففعل سبكتكين ذلك، ~~فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة، وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن ~~حمدان، صاحب الموصل، يأمره بإعداد الميرة والعلوفات، ويعرفه عزمه على ~~الغزاة، فأجابه # PageV07P302 # بإظهار الفرح، وإعداد ما طلب منه. # ذكر ms3039 الفتنة ببغداذ # في هذه السنة وقعت ببغداذ فتنة عظيمة، وأظهروا العصبية الزائدة، وتحزب ~~الناس، وظهر العيارون وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس. # وكان سبب ما ذكرناه من استنفار العامة للغزاة، فاجتمعوا وكثروا فتولد ~~بينهم من أصناف البنوية، والفتيان، والسنة، والشيعة، والعيارين، فنهبت ~~الأموال، وقتل الرجال، وأحرقت الدور، وفي جملة ما احترق محلة الكرخ، وكانت ~~معدن التجار والشيعة، وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي ~~والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة. # ثم إن بختيار أنفذ إلى المطيع لله يطلب منه مالا يخرجه في الغزاة، فقال ~~المطيع: إن الغزاة والنفقة عليها، وغيرها من مصالح المسلمين، تلزمني إذا ~~كانت الدنيا في يدي وتجبى إلي الأموال، وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني ~~شيء من ذلك، وإنما يلزم من البلاد في يده وليس لي إلا الخطبة، فإن شئتم أن ~~أعتزل فعلت. # وترددت الرسائل بينهما، حتى بلغ إلى التهديد، فبذل المطيع لله أربعمائة ~~ألف درهم، فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره، وغير ذلك، وشاع بين الناس من ~~العراقيين وحجاج خراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر. فلما قبض بختيار المال ~~صرفه في مصالحه، وبطل حديث الغزاة. # PageV07P303 # ذكر مسير المعز لدين الله العلوي من الغرب إلى مصر # في هذه السنة سار المعز لدين الله العلوي من إفريقية (يريد الديار ~~المصرية) . # وكان أول مسيره أواخر شوال من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكان أول رحيله ~~من المنصورية، فأقام بسردانية، وهي قرية قريبة من القيروان، ولحقه بها ~~رجاله، وعماله وأهل بيته وجميع ما كان له في قصره من أموال وأمتعة وغير ~~ذلك، حتى إن الدنانير سكبت وجعلت كهيئة الطواحين وحمل كل طاحونتين على جمل. # وسار عنها واستعمل على بلاد إفريقية يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي ~~الحميري، إلا أنه لم يجعل له حكما على جزيرة صقلية، ولا على مدينة طرابلس ~~الغرب، ولا على أجدابية، وسرت، وجعل على (صقلية حسن بن) علي بن أبي الحسين، ~~على ما قدمنا ذكره، وجعل على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي، وكان أثيرا ~~عنده ms3040 وجعل على جباية أموال إفريقية زيادة الله بن زياد بن القديم، وعلى ~~الخراج عبد الجبار الخراساني، وحسين بن خلف الموصدي، وأمرهم بالانقياد ~~ليوسف بن زيري. # فأقام بسردانية أربعة أشهر حتى فرغ من جميع ما يريد، ثم رحل عنها، ومعه ~~يوسف بلكين وهو يوصيه بما يفعله، ونحن نذكر من سلف يوسف بلكين وأهله ما تمس ~~الحاجة إليه، ورد يوسف إلى أعماله، وسار إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه، ~~فهرب منه بها جمع من عسكره إلى جبال نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم. # ثم سار إلى مصر، فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي، ~~قتل غيلة، فرؤي ملقى على جانب البحر قتيلا لا يدرى من قتله، وكان قتله ~~أواخر رجب # PageV07P304 # من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وكان من الشعراء المجيدين إلا أنه غالى ~~في مدح المعز حتى كفره العلماء، فمن ذلك قوله: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار # وقوله: () # ولطال ما زاحمت حول ركابه جبريلا # ومن ذلك ما ينسب إليه ولم أجدها في ديوانه قوله: # حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح # حل بها الله ذو المعالي ... فكل شىء سواه ريح # ورقادة اسم مدينة بالقرب من القيروان، إلى غير ذلك، وقد تأول ذلك من ~~يتعصب له، والله أعلم، وبالجملة فقد جاز حد المديح. # ثم سار المعز حتى وصل إلى الإسكندرية أواخر شعبان من السنة، وأتاه أهل ~~مصر وأعيانها، فلقيهم، وأكرمهم، وأحسن إليهم، وسار فدخل القاهرة خامس شهر ~~رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وأنزل عساكره مصر والقاهرة في الديار، ~~وبقي كثير منهم في الخيام. # وأما يوسف بلكين فإنه لما عاد من وداع المعز أقام بالمنصورية يعقد ~~الولايات للعمال على البلاد، ثم سار في البلاد، وباشر الأعمال، وطيب قلوب ~~الناس، فوثب أهل باغاية على عامله فقاتلوه فهزموه، فسير إليهم يوسف جيشا ~~فقاتلهم فلم يقدر عليهم، # PageV07P305 # فأرسل إلى يوسف يعرفه الحال فتأهب يوسف، وجمع العساكر ليسير إليهم، ~~فبينما هو في التجهز أتاه الخبر عن تاهرت أن أهلها قد عصوا، وخالفوا، ~~وأخرجوا ms3041 عامله، فرحل إلى تاهرت فقاتلها، فظفر بأهلها، وخربها، فأتاه الخبر ~~بها أن زناتة قد نزلوا على تلمسان، فرحل إليهم، فهربوا منه، وأقام على ~~تلمسان فحصرها مدة ثم نزلوا على حكمه فعفا عنهم، إلا أنه نقلهم إلى مدينة ~~أشير، فبنوا عندها مدينة سموها تلمسان. # ثم إن زيادة الله بن القديم جرى بينه وبين عامل آخر كان معه، اسمه عبد ~~الله بن محمد الكاتب، منافسة صارت إلى محاربة، واجتمع مع كل واحد منهما ~~جماعة، وكان بينهما حروب عدة دفعات، وكان يوسف بلكين مائلا مع عبد الله ~~لصحبة قديمة بينهما، ثم إن أبا عبد الله قبض على ابن القديم وسجنه واستبد ~~بالأمور بعده، وبقي ابن القديم محبوسا حتى توفي المعز بمصر، وقوي أمر يوسف ~~بلكين. # وفي سنة أربع وستين [وثلاثمائة] طلع خلف بن حسين إلى قلعة منيعة، فاجتمع ~~إليه خلق كثير من البربر وغيرهم، وكان من أصحاب ابن القديم المساعدين له، ~~فسمع يوسف بذلك، فسار إليه ونازل القلعة وحاربه، فقتل بينهما عدة قتلى، ~~وافتتحها، وهرب خلف بن حسين، وقتل ممن كان بها خلق كثير، وبعث إلى القيروان ~~من رءوسهم سبعة آلاف رأس، ثم أخذ خلف وأمر به فطيف به على جمل، (ثم صلب) ~~وسير رأسه إلى مصر، فلما سمع أهل باغاية بذلك خافوا، فصالحوا يوسف ونزلوا ~~على حكمه، فأخرجهم من باغاية وخرب سورها. # ذكر خبر يوسف بلكين بن زيري بن مناد وأهل بيته # هو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري، اجتمعت صنهاجة ومن ~~والاها بالمغرب على طاعته، قبل أن يقدمه المنصور، وكان أبوه مناد كبيرا في ~~قومه، كثير المال والولد، حسن الضيافة لمن يمر به، ويقدم ابنه زيري في ~~أيامه، وقاد كثيرا من # PageV07P306 # صنهاجة، وأغار بهم، وسبى، فحسدته زناتة، وجمعت له لتسير إليه وتحاربه، ~~فسار إليهم مجدا، فكبسهم ليلا وهم غارون بأرض مغيلة، فقتل منهم كثيرا، وغنم ~~ما معهم، فكثر تبعه، فضاقت بهم أرضهم، فقالوا له: لو اتخذت لنا بلدا غير ~~هذا، فسار بهم إلى موضع مدينة أشير، فرأى ما فيه ms3042 من العيون، فاستحسنه، وبنى ~~فيه مدينة أشير، وسكنها هو وأصحابه، وكان ذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة. # وكانت زناتة تفسد في البلاد، فإذا طلبوا احتموا بالجبال والبراري، فلما ~~بنيت أشير صارت صنهاجة بين زناتة والبربر، فسر بذلك القائم. # وسمع زيري بغمارة وفسادهم، واستحلالهم المحرمات، وأنهم قد ظهر فيهم نبي، ~~فسار إليهم وغزاهم، وظفر بهم، وأخذ الذي كان يدعي النبوة أسيرا، وأحضر ~~الفقهاء فقتله. # ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد الخارجي، وحمل الميرة إلى القائم ~~بالمهدية، فحسن موقعها منه. # ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير، فجمع لهم زيري جموعا كثيرة، وجرى بينهم عدة ~~وقعات قتل فيها كثير من الفريقين، ثم ظفر بهم واستباحهم. # ثم ظهر بجبل أوراس رجل، وخالف على المنصور، وكثر جمعه، يقال له سعيد بن ~~يوسف، فسير إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف، فلقيه عند باغاية، واقتتلوا، ~~فقتل الخارجي ومن معه من هوارة وغيرهم، فزاد محله عند المنصور، وكان له في ~~فتح مدينة فاس أثر عظيم، على ما ذكرناه. # ثم إن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر الزناتي، وقد خرج عن طاعة ~~المعز، وكثر جمعه، وعظم شأنه، فظفر به يوسف بلكين، وأكثر القتل في أصحابه، ~~فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد [أن] يستخلف يوسف بلكين على ~~الغرب لقوته، وكثرة أتباعه، وكان يخاف أن يتغلب على البلاد بعد مسيره عنها ~~إلى مصر. فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبه على البلاد. # ثم إن جعفر بن علي، صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب، كان بينه وبين زيري ~~محاسدة، فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفرا، ففارق بلاده ولحق ~~بزناتة فقبلوه قبولا عظيما، وملكوه عليهم عداوة لزيري، وعصى على المعز، ~~فسار زيري إليه # PageV07P307 # في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم، فالتقوا في شهر رمضان، واشتد القتال ~~بينهم، فكبا بزيري فرسه (فوقع) فقتل، ورأى جعفر من زناتة تغيرا عن طاعته، ~~وندما على قتل زيري، فقال لهم: إن ابنه يوسف بلكين لا يترك ثأر أبيه، ms3043 ولا ~~يرضى بمن قتل منكم، والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة، والأوعار، فأجابوه ~~إلى ذلك، فحمل ماله وأهله في المراكب، وبقي هو مع الزناتيين، وأمر عبيده ~~(في المراكب) أن يعملوا في المراكب فتنة، ففعلوا وهو يشاهدهم من البر، فقال ~~لزناتة: أريد [أن] أنظر ما سبب هذا الشر، فصعد المركب، ونجا معهم، وسار إلى ~~الأندلس إلى الحاكم الأموي، فأكرمه، وأحسن إليه، وندمت زناتة كيف لم يقتلوه ~~ويغنموا ما معه. # ثم إن يوسف بلكين جمع فأكثر، وقصد زناتة، وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم، ~~وغنم أولادهم، وأمر أن تجعل القدور على رءوسهم، ويطبخ فيها، ولما سمع المعز ~~بذلك سره أيضا، وزاد في أقطاع بلكين المسيلة وأعمالها، وعظم شأنه، ونذكر ~~باقي أحواله بعد ملكه إفريقية. # ذكر الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة # في هذه السنة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني، صاحب خراسان ~~وما وراء النهر، وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة، على أن يحمل ركن الدولة ~~وابنه عضد الدولة، إليه كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوج نوح بابنة ~~عضد الدولة، وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله، وكتب بينهم كتاب ~~صالح، وشهد فيه أعيان خراسان، وفارس، والعراق. # وكان الذي سعى في هذا الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيوش ~~خراسان من جهة الأمير منصور. # PageV07P308 # ذكر عدة حوادث في هذه السنة في صفر، انقض كوكب عظيم، وله نور كثير، وسمع ~~له عند انقضاضه صوت كالرعد، وبقي ضوءه. # وفي شوال منها ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين، سلمها إليه نائب أخيه ~~حمدان، فأخذ أبو تغلب كل ما كان لأخيه فيها من أهل ومال وأثاث وسلاح، وحمل ~~الجميع إلى الموصل. # PageV07P309 ### | [ثم دخلت سنة اثنين وستين وثلاثمائة.] ### | 362 - # ثم دخلت سنة اثنين وستين وثلاثمائة. # ذكر انهزام الروم وأسر الدمستق في هذه السنة كانت وقعت بين هبة الله بن ~~ناصر الدولة بن حمدان وبين الدمستق بناحية ميافارقين. # وكان سببها ما ذكرناه من غزو الدمستق بلاد ms3044 الإسلام، ونهبه ديار ربيعة ~~وديار بكر، فلما رأى الدمستق أنه لا مانع له من مراده له قوي طمعه على أخذ ~~آمد إليها، وبها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان، فكتب إلى أبي تغلب ~~يستصرخه ويستنجده، ويعلمه الحال، فسير إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ~~ناصر الدولة، واجتمعا على حرب الدمستق، وسارا فلقياه سلخ رمضان، وكان ~~الدمستق في كثرة لكن لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل، والروم على غير ~~أهبة، فانهزموا، وأخذ المسلمون الدمستق أسيرا، ولم يزل محبوسا إلى أن مرض ~~سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فبالغ أبو تغلب في علاجه، واجتمع الأطباء له، ~~فلم ينفعه ذلك ومات. # ذكر حريق الكرخ # في هذه السنة في شعبان، احترق الكرخ حريقا عظيما. # وسبب ذلك أن صاحب المعونة قتل عاميا، فثار به العامة والأتراك، فهرب ودخل ~~دار بعض الأتراك، فأخرج منها مسحوبا، وقتل وأحرق، وفتحت السجون فأخرج (من ~~فيها، فركب) الوزير أبو الفضل لأخذ الجناة، وأرسل حاجبا له يسمى صافيا في ~~جمع # PageV07P310 # لقتال العامة بالكرخ، وكان شديد العصبية للسنة، فألقى النار في عدة ~~أماكن، فاحترق حريقا عظيما، وكان عدة من احترق فيه سبعة عشر ألف إنسان، ~~وثلاثمائة دكان، وكثيرا من الدور، وثلاثة وثلاثين مسجدا،، ومن الأموال ما ~~لا يحصى. # ذكر عزل أبي الفضل من وزارة عز الدولة ووزارة ابن بقية # وفيها أيضا عزل الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين من وزارة عز الدولة ~~بختيار في ذي الحجة، واستوزر محمد بن بقية، فعجب الناس لذلك لأنه كان وضيعا ~~في نفسه، وأهل أوانا، وكان أبوه أحد الزراعين، لكنه كان قريبا من بختيار، ~~وكان يتولى له المطبخ، ويقدم إليه الطعام ومنديل الخوان على كتفه، إلى أن ~~استوزر. # وحبس الوزير أبو الفضل، فمات عن قريب، فقيل إنه مات مسموما، وكان في ~~ولايته مضيعا لجانب الله. فمن ذلك أنه أحرق الكرخ ببغداذ، فهلك فيه من ~~الناس والأموال ما لا يحصى، ومن ذلك أنه ظلم الرعية، وأخذ الأموال ليفرقها ~~على الجند ليسلم، فما سلمه الله تعالى، ولا نفعه ذلك، ms3045 وصدق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث يقول: «من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط ~~عليه الناس» . # وكان ما فعله من ذلك أبلغ الطرق التي سلكها أعداؤه من الوقيعة فيه، ~~والسعي به، وتمشى لهم ما أرادوا لما كان عليه من تفريطه في أمر دينه، وظلم ~~رعيته، وعقب ذلك أن زوجته ماتت وهو محبوس وحاجبه وكاتبه، فخربت داره، وعفي ~~أثرها، نعوذ بالله من سوء الأقدار، ونسأله أن يختم بخير أعمالنا، فإن ~~الدنيا إلى زوال ما هي. # وأما ابن بقية فإنه استقامت أموره، ومشت الأموال بين يديه بما أخذه من ~~أموال أبي # PageV07P311 # الفضل، وأموال أصحابه، فلما فني ذلك عاد إلى ظلم الرعية، فانتشرت الأمور ~~على يده، وخربت النواحي، وظهر العيارون، وعملوا ما أرادوا، وزاد الاختلاف ~~بين الأتراك وبين بختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال مع بختيار ~~وسبكتكين، فاصطلحوا، وكانت هدنة على دخن وركب سبكتكين إلى بختيار ومعه ~~الأتراك، فاجتمع به، ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد. # وسبب ذلك أن ديلميا اجتاز بدار سبكتكين وهو سكران، فرمى الروشن بزوبين في ~~يده، فأثبته فيه، وأحس به سبكتكين، فصاح بغلمانه فأخذوه، وظن سبكتكين أنه ~~قد وضع على قتله، فقرره فلم يعترف، وأنفذه إلى بختيار وعرفه الحال، فأمر به ~~فقتل، فقوي ظن سبكتكين أنه كان وضعه عليه، وإنما قتله لئلا يفشي ذلك، وتحرك ~~الديلم بقتله، وحملوا السلاح، ثم أرضاهم بختيار فرجعوا. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة في ذي الحجة، أرسل عز الدولة بختيار الشريف ~~أبا أحمد الموسوي، والد الرضي والمرتضي، في رسالة إلى أبي تغلب بن حمدان ~~بالموصل، فمضى إليه، وعاد في المحرم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس محمد بن الحسن بن سعيد المخرمي الصوفي صاحب الشبلي ~~بمكة. # PageV07P312 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة] ### | 363 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة # ذكر استيلاء بختيار على الموصل وما كان من ذلك في هذه السنة في ربيع ~~الأول، سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى أعمالها ms3046 وما بيد أبي تغلب ~~بن حمدان. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه ~~إبراهيم إلى بختيار، واستجارتهما به، وشكواهما إليه من أخيهما أبي تغلب، ~~فوعدهما أن ينصرهما ويخلص أعمالهما وأموالهما منه، وينتقم لهما، واشتغل عن ~~ذلك بما كان منه في البطيحة وغيرها، فلما فرغ من جميع أشغاله عاود حمدان ~~وإبراهيم الحديث معه، وبذل له حمدان مالا جزيلا، وصغر عنده أمر أخيه أبي ~~تغلب، وطلب أن يضمنه بلاده ليكون في طاعته، ويحمل إليه الأموال ويقيم له ~~الخطبة. # ثم إن الوزير أبا الفضل حسن ذلك، وأشار به ظنا منه أن الأموال تكثر عليه ~~فتمشي الأمور بين يديه، ثم إن إبراهيم بن ناصر الدولة هرب من عند بختيار، ~~وعاد إلى أخيه أبي تغلب، فقوي عزم بختيار على قصد الموصل أيضا، ثم عزل أبا ~~الفضل الوزير واستوزر ابن بقية، فكاتبه أبو تغلب، فقصر في خطابه فأغرى به ~~بختيار، وحمله على قصده، فسار عن بغداذ، ووصل إلى الموصل تاسع عشر ربيع ~~الآخر ونزل بالدير الأعلى. # وكان أبو تغلب بن حمدان قد سار عن الموصل لما قرب منه بختيار، وقصد ~~سنجار، وكسر العروب، وأخلى الموصل من كل ميرة، وكاتب الديوان، ثم سار إلى ~~سنجار يطلب بغداذ، ولم يعرض إلى أحد من سوادها بل كان هو وأصحابه يشترون # PageV07P313 # الأشياء بأوفى الأثمان. فلما سمع بختيار بذلك أعاد وزيره ابن بقية، ~~والحاجب سبكتكين إلى بغداذ، فأما ابن بقية فدخل إلى بغداذ، وأما سبكتكين ~~فأقام بحربى، وكان أبو تغلب قد قارب بغداذ، فثار العيارون بها، وأهل الشر ~~بالجانب الغربي، ووقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، وحمل أهل سوق الطعام، ~~وهم من السنة، امرأة على جمل وسموها عائشة، وسمى بعضهم نفسه طلحة، وبعضهم ~~الزبير، وقاتلوا (الفرقة الأخرى) ، وجعلوا يقولون: نقاتل أصحاب علي بن أبي ~~طلحة، وأمثال هذا الشر. # وكان الجانب الشرقي آمنا، والجانب الغربي مفتونا، فأخذ جماعة من رؤساء ~~العيارين وقتلوا، فسكن الناس بعض السكون، وأما أبو تغلب لما بلغه دخول ابن ~~بقية بغداذ، ms3047 ونزول سبكتكين الحاجب بحربى، عاد عن بغداذ، ونزل بالقرب منه، ~~وجرى بينهما مطاردة يسيرة، ثم اتفقا في السر على أن يظهرا الاختلاف إلى أن ~~يتمكنا من القبض على الخليفه والوزير ووالدة بختيار وأهله، فإذا فعلوا ذلك ~~انتقل سبكتكين إلى بغداذ، وعاد أبو تغلب إلى الموصل، فيبلغ من بختيار ما ~~أراد ويملك دولته. # ثم إن سبكتكين خاف سوء الأحدوثة، فتوقف وسار الوزير ابن بقية إلى ~~سبكتكين، فاجتمع به، وانفسخ ما كان بينهما وتراسلوا في الصلح على أن أبا ~~تغلب يضمن البلاد على ما كانت معه، وعلى أن يطلق لبختيار ثلاثة آلاف كر غلة ~~عوضا عن مئونة سفره، وعلى أن يرد على أخيه حمدان أملاكه وأقطاعه، إلا ~~ماردين. # ولما اصطلحوا أرسلوا إلى بختيار بذلك ليرحل عن الموصل، وعاد أبو تغلب ~~إليها ودخل سبكتكين بغداذ، وأسلم بختيار. فلما سمع بختيار بقرب أبي تغلب ~~منه خافه لأن عسكره قد عاد أكثره مع سبكتكين، وطلب الوزير ابن بقية من ~~سبكتكين أن يسير نحو بختيار، فتثاقل، ثم فكر في العواقب، فسار على مضض، ~~وكان أظهر للناس ما كان هم به. # وأما بختيار فإنه جمع أصحابه وهو بالدير الأعلى، ونزل أبو تغلب بالحصباء، ~~(تحت # PageV07P314 # الموصل) ، وبينهما عرض البلد، وتعصب أهل الموصل لأبي تغلب، وأظهروا محبته ~~لما نالهم من بختيار من المصادرات وأخذ الأموال، ودخل الناس بينهما في ~~الصلح، فطلب أبو تغلب من بختيار أن يلقب لقبا سلطانيا، وأن يسلم إليه زوجته ~~ابنة بختيار، وأن يحط عنه القرار. فأجابه بختيار خوفا منه، وتحالفا، وسار ~~بختيار عن الموصل عائدا إلى بغداذ، فأظهر أهل الموصل السرور برحيله، لأنه ~~كان قد أساء معهم السيرة وظلمهم. # فلما وصل بختيار إلى الكحيل بلغه أن أبا تغلب قد قتل قوما كانوا من ~~أصحابه، وقد استأمنوا إلى بختيار، فعادوا إلى الموصل ليأخذوا ما لهم بها من ~~أهل ومال فقتلهم. فلما بلغه ذلك اشتد عليه، وأقام بمكانه، وأرسل إلى الوزير ~~أبي طاهر بن بقية والحاجب سبكتكين يأمرهما بالإصعاد إليه، وكان قد أرسل ~~إليهما يأمرهما بالتوقف، ويقول ms3048 لهما إن الصلح قد استقر، فلما أرسل إليها ~~يطلبها أصعدا إليه في العساكر، فعادوا جميعهم، (إلى الموصل) ، ونزلوا ~~بالدير الأعلى أواخر جمادى الآخرة، وفارقها أبو تغلب إلى تل يعفر، وعزم عز ~~الدولة على قصده وطلبه أين سلك، فأرسل أبو تغلب كاتبه وصاحبه أبا الحسن علي ~~بن أبي عمرو إلى عز الدولة، فاعتقله، واعتقل معه أبا الحسن بن عرس، وأبا ~~أحمد بن حوقل. # وما زالت المراسلات بينهما، وحلف أبو تغلب أنه لم يعلم بقتل أولئك، فعاد ~~الصلح واستقر، وحمل إليه ما استقر من المال، فأرسل عز الدولة الشريف أبا ~~أحمد الموسوي، والقاضي أبا بكر محمد بن عبد الرحمن، فحلفا أبا تغلب، وتجدد ~~الصلح، وانحدر عز الدولة عن الموصل سابع عشر رجب، وعاد أبو تغلب إلى بلده. # ولما عاد بختيار عن الموصل جهز ابنته وسيرها إلى أبي تغلب، وبقيت معه إلى ~~أن أخذت منه، ولم يعرف لها بعد ذلك خبر. # PageV07P315 # ذكر الفتنة بين بختيار وأصحابه # في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز، فعمت العراق ~~جميعه، واشتدت. # وكان سبب ذلك أن عز الدولة بختيار قلت عنه الأموال، وكثر إدلال جنده، ~~واطراحهم لجانبه، وشغبهم، فتعذر عليه القرار، ولم يجد ديوانه ووزيره جهة ~~يحتال منها بشيء، وتوجهوا إلى الموصل لهذا السبب، فلم ينفتح عليهم، فرأوا ~~أن يتوجهوا إلى الأهواز، ويتعرضوا لبختكين آزادرويه وكان متوليها، ويعملوا ~~له حجة يأخذون منه مالا ومن غيره، فسار بختيار وعسكره، وتخلف عنه سبكتكين ~~التركي، فلما وصلوا إلى الأهواز خدم بختيار وحمل له أموالا جليلة المقدار، ~~وبذل له من نفسه الطاعة، وبختيار يفكر في طريق يأخذه به. # فاتفق أنه جرى فتنة بين الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل ~~دارا بالأهواز، ونزل قريبا منه بعض الأتراك، وكان هناك لبن موضوع فأراد ~~غلام الديلمي [أن] يبني منه معلفا للدواب، فمنعه غلام التركي، فتضاربا، ~~وخرج كل واحد من التركي والديلمي إلى نصرة غلامه، فضعف التركي عنه، فركب، ~~واستنصر بالأتراك، فركبوا الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بينهم بعض قواد ~~الأتراك، وطلب الأتراك ms3049 بثأر صاحبهم، وقتلوا به من الديلم قائدا أيضا، ~~وخرجوا إلى البلد. # واجتهد في تسكين الفتنة، فلم يمكنه ذلك، فاستشار الديلم فيما يفعله، كان ~~أذنا يتبع كل قائل، فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك لتصفو له البلاد، ~~فأحضروا آزادرويه وكاتبه سهل بن بشر، وسباشى الخوارزمي بكتيجور، وكان حما ~~لسبكتكين، فحضروا، فاعتقلهم وقيدهم، وأطلق الديلم في الأتراك، فنهبوا ~~أموالهم # PageV07P316 # ودوابهم وقتل بينهم قتلى، وهرب الأتراك، واستولى بختيار على أقطاع ~~سبكتكين فأخذه، وأمر فنودي بالبصرة بإباحة دم الأتراك. # ذكر حيلة لبختيار عادت عليه # كان بختيار قد واطأ والدته وإخوته أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك ~~يظهرون أن بختيار قد مات، ويجلسون للعزاء، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا ~~عليه، فلما قبض بختيار على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور يعرفهم ~~بذلك، فلما وقفوا على الكتب وقع الصراخ في داره، وأشاعوا موته، ظنا منهم أن ~~سبكتكين يحضر عندهم ساعة يبلغه الخبر، فلما سمع الصراخ أرسل يسأل عن الخبر، ~~فأعلموه، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر، فلم يجد نقلا يثق ~~القلب به، فارتاب بذلك. # ثم وصله رسله الأتراك بما جرى، فعلم أن ذلك كان مكيدة عليه، ودعاه ~~الأتراك إلى أن يتأمر عليهم، فتوقف، وأرسل إلى أبي إسحاق بن معز الدولة ~~يعلمه أن الحال قد انفسد بينه وبين أخيه، فلا يرجى صلاحه، وأنه لا يرى ~~العدول عن طاعة مواليه وإن أساءوا إليه، يدعوه إلى أن يعقد الأمر له. فعرض ~~قوله على والدته، فمنعته. # فلما رأى سبكتكين ذلك ركب في الأتراك، وحصر دار بختيار (يومين، ثم أحرقها ~~ودخلها) ، وأخذ أبا إسحاق وأبا طاهر ابني معز الدولة ووالدتهما ومن كان ~~معهما، فسألوه أن يمكنهم من الانحدار إلى واسط، ففعل، وانحدروا، وانحدر ~~معهم المطيع لله في الماء، فأنفذ سبكتكين فأعاده ورده إلى داره وذلك تاسع ~~ذي القعدة، واستولى على ما كان لبختيار جميعه ببغداذ، ونزل الأتراك في دور ~~الديلم، وتتبعوا أموالهم وأخذوها، وثارت العامة من أهل السنة ينصرون ~~سبكتكين لأنه كان يتسنن، فخلع عليهم، وجعل لهم العرفاء والقواد، ms3050 فثاروا ~~بالشيعة وحاربوا (وسفكت بينهم) الدماء، وأحرقت # PageV07P317 # الكرخ حريقا ثانيا، وظهرت السنة عليهم. # ذكر خلع المطيع وخلافة الطائع لله # وفي هذه السنة، منتصف ذي القعدة، خلع المطيع لله، وكان به مرض الفالج، ~~وقد ثقل لسانه، وتعذرت الحركة عليه، وهو يستر ذلك، فانكشف حاله لسبكتكين ~~هذه الدفعة، فدعاه إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى والده الطائع ~~لله، واسمه أبو الفضل عبد الكريم، ففعل ذلك، وأشهد على نفسه بالخلع ثالث ~~عشر ذي القعدة. وكانت مدة خلافته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام، ~~وبويع للطائع لله بالخلافة، واستقر أمره. # ذكر الحرب بين المعز لدين الله العلوي والقرامطة في هذه السنة سار ~~القرامطة، ومقدمهم الحسن بن أحمد، من الأحساء إلى ديار مصر فحصرها، ولما ~~سمع المعز لدين الله صاحب مصر بأنه يريد قصد مصر كتب إليه كتابا يذكر فيه ~~فضل نفسه وأهل بيته، وأن الدعوة واحدة، وأن القرامطة إنما كانت دعوتهم ~~إليه، وإلى آبائه من قبله، ووعظه وبالغ، وتهدده، وسير الكتاب إليه. # فكتب جوابه: وصل كتابك الذي قل تحصيله وكثر تفضيله، ونحن سائرون إليك على ~~أثره، والسلام. # وسار حتى وصل إلى مصر، فنزل على عين شمس بعسكره، وأنشب القتال، وبث # PageV07P318 # السرايا في البلاد ينهبونها فكثرت جموعه، وأتاه من العرب خلق كثير، وكان ~~ممن أتاه حسان بن الجراح الطائي، أمير العرب بالشام، ومعه جمع عظيم. # فلما رأى المعز كثرة جموعه استعظم ذلك وأهمه، وتحير في أمره، ولم يقدم ~~على إخراج عسكره لقتاله، فاستشار أهل الرأي من نصحائه، فقالوا: ليس حيلة ~~غير السعي في تفريق كلمتهم، وإلقاء الخلف بينهم، ولا يتم ذلك إلا بابن ~~الجراح، فراسله المعز واستماله، وبذل له مائة ألف دينار إن هو خالف على ~~القرمطي، فأجابه ابن الجراح إلى ما طلب منه، فاستحلفوه، فحلف أنه إذا وصل ~~إليه المال المقرر انهزم بالناس. # فأحضروا المال، فلما رأوه استكثروه، فضربوا أكثرها دنانير من صفر، ~~وألبسوها الذهب، وجعلوها في أسفل الأكياس، وجعلوا الذهب الخاص على رءوسها، ~~وحمل إليه، فأرسل إلى المعز أن يخرج ms3051 في عسكره يوم كذا ويقاتلوه وهو في ~~الجهة الفلانية فإنه ينهزم، ففعل المعز ذلك فانهزم وتبعه العرب كافة، فلما ~~رآه الحسن القرمطي منهزما تحير في أمره، وثبت، وقاتل بعسكره إلا أن عسكر ~~المعز طمعوا فيه وتابعوا الحملات عليه من كل جانب، فأرهقوه، فولى منهزما، ~~واتبعوا أثره، وظفروا بمعسكره فأخذوا من فيه أسرى، وكانوا نحو ألف وخمسمائة ~~أسير، فضربت أعناقهم، ونهب ما في المعسكر. # وجرد المعز القائد أبو محمد بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل، وأمره ~~باتباع القرامطة بهم، فاتبعهم، وتثاقل في سيره خوفا أن ترجع القرامطة إليه، ~~وأما هم فإنهم ساروا حتى نزلوا أذرعات، وساروا منهم إلى بلدهم الأحساء، ~~ويظهرون أنهم يعودون. # PageV07P319 # ذكر ملك المعز دمشق وما كان فيها من الفتن # لما بلغ المعز انهزام القرمطي من الشام، وعوده إلى بلاده، أرسل القائد ~~ظالم بن موهب العقيلي واليا على دمشق، فدخلها، وعظم حاله، وكثرت جموعه ~~وأمواله وعدته، لأن أبا المنجى وابنه صاحبي القرمطي كانا بدمشق، ومعهما ~~جماعة من القرامطة، فأخذهم ظالم وحبسهم، وأخذ أموالهم وجميع ما يملكون. # ثم إن القائد أبا محمود الذي سيره المعز يتبع القرامطة وصل إلى دمشق بعد ~~وصول ظالم إليها بأيام قليلة، فخرج ظالم متلقيا له مسرورا بقدومه، لأنه كان ~~مستشعرا من عود القرمطي إليه، فطلب منه أن ينزل بعسكره بظاهر دمشق، ففعل، ~~وسلم إليه أبا المنجى وابنه ورجلا آخر يعرف بالنابلسي، وكان هرب من الرملة، ~~وتقرب إلى القرمطي، فأسر بدمشق أيضا، فحملهم أبو محمد إلى مصر، فسجن أبو ~~المنجى وابنه، وقيل للنابلسي: أنت الذي قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت ~~تسعة في المغاربة وواحدا في الروم؟ فاعترف، فسلخ جلده وحشي تبنا وصلب. # ولما نزل أبو محمود بظاهر دمشق امتدت أيدي أصحابه بالعيث والفساد، وقطع ~~الطرق، فاضطرب الناس وخافوا، ثم إن صاحب الشرطة أخذ إنسانا من أهل البلد ~~فقتله، فثار به الغوغاء والأحداث، وقتلوا أصحابه، وأقام ظالم بين الرعية ~~يداريهم، وانتزح أهل القرى منها لشدة نهب المغاربة أموالهم، وظلمهم لهم. ~~ودخلوا البلد، فلما ms3052 كان نصف شوال من السنة وقعت فتنة عظيمة بين عسكر أبي ~~محمود وبين العامة، وجرى بين الطائفتين قتال شديد، وظالم مع العامة يظهر ~~أنه يريد الإصلاح، ولم يكاشف أبا محمود، وانفصلوا. # ثم إن أصحاب أبي محمود أخذوا من الغوطة قفلا من حوران، وقتلوا منه ثلاثة ~~نفر، فأخذهم أهلوهم وألقوهم في الجامع، فأغلقت الأسواق، وخاف الناس، ~~وأرادوا القتال، فسكنهم عقلاؤهم. # PageV07P320 # ثم إن المغاربة أرادوا نهب قينية واللؤلؤة، فوقع الصائح في أهل البلد، ~~فنفروا، وقاتلوا المغاربة في السابع عشر ذي القعدة، وركب أبو محمود في ~~جموعه وزحف الناس بعضهم إلى بعض، فقوي المغاربة، وانهزم العامة إلى سور ~~البلد، فصبروا عنده، وخرج إليهم من تخلف عنهم، وكثر النشاب على المغاربة ~~فأثخن فيهم، فعادوا، فتبعهم العامة، فاضطروهم إلى العودة، فعادوا، وحملوا ~~على العامة فانهزموا، وتبعوهم إلى البلد، وخرج ظالم من دار الإمارة. # وألقى المغاربة النار في البلد من ناحية باب الفراديس، وأحرقوا تلك ~~الناحية فأخذت النار إلى القبلة فأحرقت من البلد كثيرا، وهلك فيه جماعة من ~~الناس، وما لا يحد من الأثاث والرحال والأموال، وبات الناس على أقبح صورة، ~~ثم إنهم اصطلحوا هم وأبو محمود، ثم انتقضوا، ولم يزالوا كذلك إلى ربيع ~~الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة. # ذكر ولاية جيش بن الصمصامة دمشق # ثم عادت الفتنة في ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة، وترددوا في ~~الصلح، فاستقر الأمر بين القائد أبي محمود والدمشقيين على إخراج ظالم من ~~البلد، وأن يليه جيش بن الصمصامة، وهو ابن أخت أبي محمود، واتفقوا على ذلك ~~وخرج ظالم من البلد، ووليه جيش بن الصمصامة، وسكنت الفتنه واطمأن الناس. # ثم إن المغاربة بعد أيام عاثوا وأفسدوا باب الفراديس، فثار الناس عليهم ~~وقاتلوهم، وقتلوا من لحقوه، وصاروا إلى القصر الذي فيه جيش، فهرب منه هو ~~ومن معه من الجند المغاربة، ولحق بالعسكر، فلما كان من الغد، وهو أول جمادى ~~الأولى من السنة، زحف جيش في العسكر إلى البلد، وقاتله أهله، فظفر بهم ~~وهزمهم، وأحرق من البلد ما كان سلم، ودام القتال ms3053 بينهم أياما كثيرة فاضطرب ~~الناس وخافوا، وخربت المنازل، وانقطعت المواد، وانسدت المسالك، وبطل البيع ~~والشراء، وقطع الماء عن # PageV07P321 # البلد، فبطلت القنوات والحمامات، ومات كثير من الفقراء على الطرقات من ~~الجوع والبرد، فأتاهم الفرج بعزل أبي محمود. # ذكر ولاية ريان الخادم دمشق # لما كان بدمشق ما ذكرناه من القتال، والتحريق، والتخريب، وصل الخبر بذلك ~~إلى المعز صاحب مصر، فأنكر ذلك واستبشعه واستعظمه، فأرسل إلى القائد ريان ~~الخادم، والي طرابلس، ويأمره بالمسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أمور ~~أهلها، (وتعريفه حقيقة الأمر) ، وأن يصرف القائد أبا محمود عنها، فامتثل ~~ريان ذلك، وسار إلى دمشق، وكشف الأمر فيها وكتب به إلى المعز، وتقدم إلى ~~القائد أبي محمود بالانصراف عنها، فسار في جماعة قليلة من العسكر إلى ~~الرملة، وبقي الأكثر منهم مع ريان. وبقي الأمر كذلك إلى أن ولي الفتكين، ~~على ما نذكره. # ذكر حال بختيار بعد قبض الأتراك # لما فعل بختيار ما ذكرناه من قبض الأتراك ظفر بذخيرة لآزادرويه ~~بجنديسابور، فأخذها، ثم رأى ما فعله الأتراك مع سبكتكين، وأن بعضهم بسواد ~~الأهواز قد عصوا عليه، واضطرب عليه غلمانه الذين في داره، وأتاه مشايخ ~~الأتراك من البصرة، فعاتبوه على ما فعل بهم، وقال له عقلاء الديلم: لا بد ~~لنا في الحرب من الأتراك يدفعون عنا بالنشاب، فاضطرب رأي بختيار، ثم أطلق ~~آزادرويه، وجعله صاحب الجيش موضع سبكتكين، وظن أن الأتراك يأنسون به، وأطلق ~~المعتقلين وسار إلى والدته وإخوته بواسط، وكتب إلى عمه ركن الدولة وإلى ابن ~~عمه عضد الدولة يسألهما أن ينجداه، ويكشفا ما نزل به، وكتب إلى أبي تغلب بن ~~حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه، وأنه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الذي ~~عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعا وأسقط عنه باقي المال الذي ~~اصطلحا عليه وخطب إليه إحدى بناته، وطلب منه أن يسير إليه عسكرا. # PageV07P322 # فأما ركن الدولة عمه فإنه جهز عسكرا مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وكتب ~~إلى ابنه عضد الدولة يأمر بالمسير إلى عمه والاجتماع مع ms3054 ابن العميد. # وأما عضد الدولة فإنه وعد بالمسير، وانتظر ببختيار الدوائر طمعا في ملك ~~العراق. # وأما عمران بن شاهين فإنه قال: أما إسقاط المال فنحن نعلم أنه لا أصل له، ~~وقد قبلته، وأما الوصلة فإنني لا أتزوج أحدا إلا أن يكون الذكر من عندي، ~~وقد خطب إلي العلويون، وهم موالينا، فما أجبتهم إلى ذلك، وأما الخلع والفرس ~~فإنني لست ممن يلبس ملبوسكم، وقد (قبلها ابني) ، وأما إنقاذ عسكر فإن رجالي ~~لا يسكنون إليكم لكثرة ما قتلوا منكم. # ثم ذكر ما عامله به هو وأبوه مرة بعد أخرى، وقال: ومع هذا فلا بد أن ~~يحتاج إلى أن يدخل بيتي مستجيرا بي، والله ولأعاملنه بضد ما عاملني به هو ~~وأبوه، فكان كذلك. # وأما أبو تغلب بن حمدان فإنه أجاب إلى المسارعة، وأنفذ أخاه أبا عبد الله ~~الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر، وانتظر انحدار الأتراك ~~عن بغداذ، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداذ مالكا لها، فلما انحدر الأتراك عن ~~بغداذ سار أبو تغلب إليها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط المال الذي ~~عليه، ووصل إلى بغداذ والناس في بلاء عظيم مع العيارين، فحمى البلد، وكف ~~أهل الفساد. # وأما الأتراك فإنهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط، وأخذوا معهم الخليفة ~~الطائع لله، والمطيع أيضا وهو مخلوع، فلما وصلوا إلى دير العاقول توفي بها ~~المطيع لله، ومرض سبكتكين فمات بها أيضا، فحملا إلى بغداذ، وقدم الأتراك ~~عليهم الفتكين، وهو # PageV07P323 # من أكابر قوادهم وموالي معز الدولة، وفرح بختيار بموت سبكتكين، وظن أن ~~أمر الأتراك ينحل وينتشر بموته، فلما رأى انتظام أمورهم ساءه ذلك. # ثم إن الأتراك ساروا إليه، وهو بواسط، فنزلوا قريبا منه، وصاروا يقاتلونه ~~نوائب، نحو خمسين يوما، ولم تزل الحرب بين الأتراك وبختيار متصلة، والظفر ~~للأتراك في كل ذلك، وحصروا بختيار، واشتد عليه الحصار، وأحدقوا به، وصار ~~خائفا يترقب، وتابع إنفاذ الرسل إلى عضد الدولة بالحث والإسراع وكتب إليه: ~~فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق # فلما رأى ms3055 عضد الدولة ذلك، وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما كان يرجوه، سار ~~نحو العراق نجدة له في الظاهر، وباطنه بضد ذلك. # ذكر ملك عضد الدولة عمان # في هذه السنة استولى الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة ~~على جبال عمان، ومن بها من الشراة، في ربيع الأول. # وسبب ذلك أن معز الدولة لما توفي، وبعمان أبو الفرج بن العباس، نائب معز ~~الدولة، فارقها، فتولى أمرها عمر بن نهبان الطائي، وأقام الدعوة لعضد ~~الدولة، ثم إن الزنج غلبت على البلد، ومعهم طوائف من الجند، وقتلوا ابن ~~نهبان، وأمروا عليهم إنسانا يعرف بابن حلاج، فسير عضد الدولة جيشا من ~~كرمان، واستعمل عليهم أبا حرب طغان، فساروا في البحر إلى عمان، فخرج أبو ~~حرب من المركب إلى البر وسارت المراكب في البحر من ذلك المكان، فتوافوا على ~~صحار قصبة عمان فخرج إليهم الجند والزنج واقتتلوا قتالا شديدا في البر ~~والبحر، فظفر أبو حرب، واستولى على صحار، وانهزم أهلها، وكان ذلك سنة ~~اثنتين وستين [وثلاثمائة] . # PageV07P324 # ثم إن الزنج اجتمعوا إلى بريم، وهو رستاق بينه وبين صحار مرحلتان، فسار ~~إليهم أبو حرب، فأوقع بهم وقعة أتت عليهم قتلا وأسرا، فاطمأنت البلاد. # ثم إن جبال عمان اجتمع بها كثير من الشراة، وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن ~~زياد، وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد، فاشتدت شوكتهم، فسير عضد الدولة ~~المطهر بن عبد الله في البحر أيضا، فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان، ~~فأوقع بأهلها، وأثخن فيهم، وأسر، ثم سار إلى دما وهي على أربعة أيام من ~~صحار، فقاتل من بها، وأوقع بهم وقعة عظيمة فيها وأسر كثيرا من رؤسائهم، ~~وانهزم أميرهم ورد، وإمامهم حفص، واتبعهم المطهر إلى نزوى وهي قصبة تلك ~~الجبال، فانهزموا منه، فسير إليهم العساكر، فأوقعوا بهم وقعة أتت على ~~باقيهم، وقتل ورد، وانهزم حفص إلى اليمن، فصار معلما، وسار المطهر إلى مكان ~~يعرف بالشرف به جمع كثير من العرب، نحو عشرة آلاف، فأوقع بهم، واستقامت ~~البلاد، ودانت بالطاعة، ولم ms3056 يبق فيها مخالف. # ذكر عدة حوادث # وفيها خطب للمعز لدين الله العلوي، صاحب مصر، بمكة والمدينة، في الموسم. # وفيها خرج بنو هلال وجمع من العرب على الحاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ~~وضاق الوقت، فبطل الحج، ولم يسلم إلا من مضى مع الشريف أبي أحمد الموسوي، ~~والد الرضي، على طريق المدينة، فتم حجهم. # وفيها كانت بواسط زلزلة عظيمة في ذي الحجة. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد العزيز بن جعفر بن أبي يزداد الفقيه الحنبلي المعروف ~~بغلام الخلال وعمره ثمان وسبعون سنة. # PageV07P325 # وإلى آخر هذه السنة انتهى " تاريخ " ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة، وأوله ~~من خلافة المقتدر بالله سنة خمس وتسعين ومائتين. # PageV07P326 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة] ### | 364 - # ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة # ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق وقبض بختيار # في هذه السنة وصل عضد الدولة واستولى على العراق، وقبض بختيار ثم عاد ~~فأخرجه. # وسبب ذلك أن بختيار لما تابع كتبه إلى عضد الدولة يستنجده، ويستعين به ~~على الأتراك، وسار إليه في عساكر فارس، واجتمع به أبو الفتح بن العميد، ~~وزير أبيه ركن الدولة، في عساكر الري بالأهواز، وساروا إلى واسط. فلما سمع ~~الفتكين بخبر وصولهم رجع إلى بغداذ، وعزم على أن يجعلها وراء ظهره، ويقاتل ~~على ديالى. # ووصل عضد الدولة فاجتمع به بختيار، وسار عضد الدولة إلى بغداذ في الجانب ~~الشرقي، وأمر بختيار أن يسير في الجانب الغربي. # ولما بلغ الخبر إلى أبي تغلب بقرب الفتكين منه عاد عن بغداذ إلى الموصل ~~لأن أصحابه شغبوا عليه، فلم يمكنه المقام، ووصل الفتكين إلى بغداذ، فحصل ~~محصورا من جميع جهاته، وذلك أن بختيار كتب إلى ضبة بن محمد الأسدي، وهو من ~~أهل عين التمر، وهو الذي هجاه المتنبي، فأمره بالإغارة على أطراف بغداذ، ~~وبقطع الميرة عنها، وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان. # وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية الموصل يمنع الميرة وينفذ سراياه، فغلا ~~السعر ببغداذ، وثار العيارون والمفسدون فنهبوا الناس ببغداذ، وامتنع الناس ~~من المعاش لخوف # PageV07P327 # الفتن، ms3057 وعدم الطعام والقوت بها، وكبس الفتكين المنازل في طلب الطعام. # وسار عضد الدولة نحو بغداذ، فلقيه الفتكين والأتراك بين ديالى والمدائن، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم الأتراك فقتل منهم خلق كثير، ووصلوا إلى ~~ديالى فعبروا على جسور كانوا عملوها عليه، فغرق منهم أكثرهم من الزحمة، ~~وكذلك قتل وغرق من العيارين الذين أعانوهم من بغداذ، واستباحوا عسكرهم، ~~وكانت الوقعة رابع عشر جمادى الأولى. # وسار الأتراك إلى تكريت، وسار عضد الدولة فنزل بظاهر بغداذ، فلما علم ~~وصول الأتراك إلى تكريت دخل بغداذ ونزل بدار المملكة، وكان الأتراك قد ~~أخذوا الخليفة معهم كارها، فسعى عضد الدولة حتى رده إلى بغداذ، فوصلها ثامن ~~رجب في الماء وخرج عضد الدولة فلقيه في الماء أيضا، وامتلأت دجلة ~~بالسميريات والزبازب، ولم يبق ببغداذ أحد، ولو أراد إنسان أن يعبر دجلة على ~~السميريات من واحدة إلى أخرى لأمكنه ذلك لكثرتها، وسار عضد الدولة مع ~~الخليفة وأنزله بدار الخلافة. # وكان عضد الدولة قد طمع في العراق، واستضعف بختيار، وإنما خاف أباه ركن ~~الدولة، فوض جند بختيار على أن يثوروا به ويشغبوا عليه، ويطالبوه بأموالهم ~~والإحسان لأجل صبرهم مقابل الأتراك، ففعلوا ذلك وبالغوا، وكان بختيار لا ~~يملك قليلا ولا كثيرا، وقد نهب البعض، وأخرج هو الباقي، والبلاد خراب، فلا ~~تصل يده إلى أخذ شيء منها. # وأشار عضد الدولة على بختيار بترك الالتفات إليهم، والغلظة لهم وعليهم، ~~وأن لا يعدهم بما لا يقدر عليه، وأن يعرفهم أنه لا يريد الإمارة والرئاسة ~~عليهم، ووعده أنه إذا فعل ذلك توسط الحال بينهم على ما يريده. فظن بختيار ~~أنه ناصح له، مشفق عليه، ففعل ذلك، واستعفى من الإمارة، وأغلق باب داره، ~~وصرف كتابه وحجابه، # PageV07P328 # فراسله عضد الدولة ظاهرا بمحضر من مقدمي الجند يشير عليه بمقاربتهم، ~~وتطييب قلوبهم، وكان أوصاه سرا أن لا يقبل منه ذلك. فعمل بختيار بما أوصاه، ~~وقال: لست أميرا لهم، ولا بيني وبينهم معاملة، وقد برئت منهم. فترددت الرسل ~~بينهم ثلاثة أيام، وعضد الدولة يغريهم به، والشغب يزيد، وأرسل بختيار إليه ~~يطلب ms3058 نجاز ما وعده به، ففرق الجند على عدة جميلة، واستدعى بختيار وإخوته ~~إليه، فقبض عليهم، ووكل بهم، وجمع الناس وأعلمهم استعفاء بختيار عن الإمارة ~~عجزا عنها، ووعدهم الإحسان والنظر في أمورهم فسكنوا إلى قوله. وكان قبضه ~~على بختيار [في] السادس (والعشرين من) جمادى الآخرة. # وكان الخليفة الطائع لله نافزا عن بختيار لأنه كان مع الأتراك في حروبهم، ~~فلما بلغه قبضه سره ذلك، وعاد إلى عضد الدولة، فأظهر عضد الدولة من تعظيم ~~الخلافة ما كان قد نسي وترك، وأمر بعمارة الدار، والإكثار من الآلات، ~~وعمارة ما يتعلق بالخليفة، وحماية أقطاعه، ولما دخل الخليفة إلى بغداذ ودخل ~~دار الخلافة أنفذ إليه عضد الدولة مالا كثيرا، وغيره من الأمتعة والفرش ~~وغير ذلك. # ذكر عود بختيار إلى ملكه # لما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متوليا لها، فلما بلغه قبض ~~والده امتنع فيها على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على ~~والده وعميه من عضد الدولة ومن أبي الفتح بن العميد، ويذكر له الحيلة التي ~~تمت عليه، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه (عن سريره) إلى الأرض وتمرغ ~~عليها، وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام، ومرض مرضا لم يستقل منه باقي ~~حياته. # وكان محمد بن بقية، بعد بختيار، قد خدم عضد الدولة، وضمن منه مدينة واسط ~~وأعمالها، فلما صار إليها خلع طاعة الدولة، وخالف عليه وأظهر الامتعاض لقبض # PageV07P329 # بختيار، وكاتب عمران بن شاهين، وطلب مساعدته، وحذره مكر عضد الدولة، ~~فأجابه عمران إلى ما التمس. # وكان عضد الدولة قد ضمن سهل بن بشر، وزير الفتكين، بلد الأهواز، وأخرجه ~~(من حبس) بختيار، فكاتبه محمد بن بقية واستماله، فأجابه، فلما عصى ابن بقية ~~أنفذ إليه عضد الدولة جيشا قويا، فخرج إليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر ~~قد سيره إليه عمران، فانهزم أصحاب عضد الدولة أقبح هزيمة، وكاتب ركن الدولة ~~بحاله حال بختيار، فكتب ركن الدولة إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممن احتمى ~~لبختيار، يأمرهم بالثبات والصبر، ويعرفهم أنه على المسير إلى العراق لإخراج ms3059 ~~عضد الدولة وإعادة بختيار. # فاضطربت النواحي على عضد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار ~~أبيه عليه، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداذ، ~~وطمع فيه العامة وأشرف على ما يكره، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة ~~إلى أبيه يعرفه ما جرى له وما فرق من الأموال، وضعف بختيار عن حفظ البلاد، ~~وإن أعيد إلى حاله خرجت المملكة والخلافة عنهم، وكان بوارهم، ويسأل ترك ~~نصرة بختيار، وقال لأبي الفتح: فإن أجاب إلى ما تريد منه، وإلا فقل له: ~~إنني أضمن منك أعمال العراق، وأحمل إليك منها كل سنة ثلاثين ألف ألف درهم، ~~وأبعث بختيار وأخويه إليك لتجعلهم بالخيار، فإن اختاروا أقاموا عنك، وإن ~~اختاروا بعض بلاد فارس سلمته إليهم، ووسعت عليهم، وإن أجبت أنت أن تحضر في ~~العراق لتلي تدبير الخلافة، وتنفذ بختيار إلى الري وأعود أنا إلى فارس ~~فالأمر إليك. # وقال لابن العميد: فإن أجاب إلى ما ذكرت له، وإلا فقل له: أيها السيد ~~الوالد، أنت مقبول الحكم والقول، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد ~~مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه، فتنتشر ~~الكلمة، ويختلف أهل البيت أبدا، فإن قبلت ما ذكرته فأنا العبد الطائع، وإن ~~أبيت، وحكمت بانصرافي، فإني سأقتل بختيار وأخويه، وأقبض على كل من أتهمه ~~بالميل إليهم وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سائبة ليدبرها من اتفقت له. # فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة، وأشار أن يسير بها غيره، ويسير هو ~~بعد ذلك، ويكون كالمشير على ركن الدولة بإجابته إلى ما طلب، فأرسل عضد ~~الدولة رسولا بهذه الرسالة، وسير بعده ابن العميد على الجمازات، فلما حضر ~~الرسول عند ركن # PageV07P330 # الدولة، وذكر بعض الرسالة، وثب إليه ليقتله، فهرب من بين يديه، ثم رده ~~بعد أن سكن غضبه، وقال: قل لفلان، يعني عضد الدولة، وسماه بغير اسمه، ~~وشتمه، خرجت إلى نصرة ابن أخي وللطمع في مملكته، أما عرفت أني نصرت الحسن ~~بن الفيرزان، وهو غريب مني، مرارا كثيرة أخاطر فيها ms3060 بملكي ونفسي، فإذا أعدت ~~له بلاده، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد. ثم انصرف إبراهيم بن المرزبان، ~~وأعدته إلى أذربيجان، وأنفذت وزيري وعساكري في نصرته، ولم آخذ منه درهما ~~واحدا، كل ذلك طلبا لحسن الذكر، ومحافظة على الفتوة، تريد أن تمن أنت علي ~~بدرهمين أنفقتهما أنت علي وعلى أولاد أخي، ثم تطمع في ممالكهم وتهددني ~~بقتلهم! . # فعاد الرسول ووصل ابن العميد، فحجبه عنه، ولم يسمع حديثه، وتهدده ~~بالهلاك، وأنفذ إليه يقول له: لأتركنك وذلك الفاعل، يعني عضد الدولة، ~~تجتهدان جهدكما، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمازة وعليها الرجل، ثم ~~اثبتوا إن شئتم، فوالله لا قاتلتكما إلا بأقرب الناس إليكما. # وكان ركن الدولة يقول: إنني أرى أخي معز الدولة كل ليلة في المنام يعض ~~على أنامله ويقول: يا أخي هكذا ضمنت لي أن تخلفني في ولدي. وكان ركن الدولة ~~يحب أخاه محبة شديدة لأنه رباه، فكان عنده بمنزلة الولد. # ثم إن الناس سعوا لابن العميد، وتوسطوا الحال بينه وبين ركن الدولة، ~~وقالوا: إنما تحمل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا للخلاص من عضد ~~الدولة، والوصول إليك لتأمر بما تراه. فأذن له في الحضور عنده، فاجتمع به، ~~وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس، وتقرير بختيار بالعراق، فرده إلى عضد ~~الدولة، وعرفه جلية الحال. # فلما رأى عضد الدولة انحراف الأمور عليه من كل ناحية إلى المسير إلى فارس ~~وإعادة بختيار، فأخرجه من محبسه، وخلع عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا عنه ~~بالعراق، ويخطب له، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار، ورد ~~عليهم جميع ما كان لهم، وسار إلى فارس في شوال في هذه السنة، وأمر أبا ~~الفتح بن العميد، وزير أبيه، أن يلحقه بعد ثلاثة أيام. # فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار متشاغلا بالذات، وبما هو ~~بختيار مغرى به من اللعب، واتفقا باطنا على أنه إذا مات ركن الدولة سار ~~إليه ووزر له، واتصل ذلك بعضد الدولة، فكان سبب هلاك ابن العميد، على ما ms3061 ~~نذكره. # PageV07P331 # واستقر بختيار ببغداذ، ولم يقف لعضد الدولة على العهود. فلما ثبت أمر ~~بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، وأكد الوحشة بين بختيار وعضد ~~الدولة، (وثارت الفتنة بعد مسير عضد الدولة) ، واستمال ابن بقية الأجناد، ~~وجبى كثيرا من الأموال إلى خزانته، وكان إذا طالبه بختيار بالمال وضع الجند ~~على مطالبته، فثقل على بختيار فاستشار في مكروه يوقعه به، فبلغ ذلك ابن ~~بقية، فعاتب بختيار عليه، فأنكره وحلف له فاحترز ابن بقية منه. # ذكر اضطراب كرمان على عضد الدولة وعودها له # في هذه السنة خالف أهل كرمان على عضد الدولة. # وسبب ذلك أن رجلا من الجرومية، وهي البلاد، يقال له طاهر بن الصمة، ضمن ~~من عضد الدولة ضمانات، فاجتمع عليه أموال كثيرة، فطمع فيها، وكان عضد ~~الدولة قد سار إلى العراق، وسير وزيره المطهر بن عبد الله إلى عمان ليستولي ~~عليها، فخلت كرمان من العساكر، فجمع طاهر الرجال الجرومية وغيرهم، فاجتمع ~~له خلق كثير. # واتفق أن بعض الأتراك السامانية، اسمه يوزتمر، كان قد استوحش من أبي ~~الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور، صاحب جيش خراسان للسامانية، فكاتبه طاهر، ~~وأطمعه في أعمال كرمان، فسار إليه، واتفقا، وكان يوزتمر هو الأمير، فاتفق ~~أن الرجال الجرومية شغبوا على يوزتمر، فظن أن طاهرا وضعهم، فاختلفا ~~واقتتلا، فظفر يوزتمر بطاهر وأسره، وظفر بأصحابه. # وبلغ الخبر إلى الحسين بن أبي علي بن إلياس، وهو بخراسان، فطمع في ~~البلاد، فجمع جمعا وسار إليها، فاجتمع عليه بها جموع كثيرة. ثم إن المطهر ~~بن عبد الله استولى على عمان وجبالها، وأوقع بالشراة فيها وعاد، فوصله كتاب ~~عضد الدولة من بغداذ يأمره بالمسير إلى كرمان، فسار إليها مجدا، وأوقع في ~~طريقه بأهل العيث والفساد، وقتلهم وصلبهم، (ومثل بهم، ووصل إلى يوزتمر على ~~حين غفلة منه، فاقتتلوا بنواحي مدينة # PageV07P332 # بم، فانهزم يوزتمر ودخل المدينة وحصره المطهر في حصن في وسط المدينة، ~~فطلب الأمان فأمنه، فخرج إليه ومعه طاهر فأمر المطهر بطاهر فشهر، ثم ضرب ~~عنقه. # وأما يوزتمر فإنه رفعه ms3062 إلى القلاع، فكان آخر العهد، وسار المطهر إلى ~~الحسين بن إلياس، فرأى كثرة من معه، فخاف جانبهم، ولم يجد من اللقاء بدا، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحسين على باب جيرفت، وانهزم عسكره فمنعهم ~~سور المدينة من الهرب، فكثر فيهم القتل، وأخذ الحسين أسيرا، وأحضر عند ~~المطهر، فلم يعرف له بعد خبر، وصلحت كرمان لعضد الدولة. # ذكر ولاية الفتكين دمشق وماكان منه إلى أن مات # قد ذكرنا ما كان من انهزام الفتكين التركي، مولى معز الدولة بن بويه، من ~~مولاه بختيار بن معز الدولة، ومن عضد الدولة في فتنة الأتراك بالعراق، فلما ~~انهزم منهم سار في طائفة صالحة من الجند الترك، فوصل إلى حمص، فنزل بالقرب ~~منها، فقصده ظالم بن موهوب العقيلي الذي كان أمير دمشق للمعز لدين الله ~~ليأخذه، فلم يتمكن من أخذه، فعاد عنه وسار الفتكين إلى دمشق فنزل بظاهرها. # وكان أميرها حينئذ ريان الخادم للمعز، وكان الأحداث قد غلبوا عليها، وليس ~~للأعيان معهم حكم، ولا للسلطنة عليهم طاعة، فلما نزل خرج أشرافها وشيوخها ~~إليه، وأظهروا له السرور بقدومه، وسألوه أن يقيم عندهم، ويملك بلدهم، ويزيل ~~عنهم سمة المصريين، فإنهم يكرهونها بمخالفة الاعتقاد، ولظلم عمالهم، ويكف ~~عنهم شر الأحداث، فأجابهم إلى ذلك، واستخلفهم على الطاعة والمساعدة، وحلف ~~لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره، ودخل البلد، وأخرج عنه ريان ~~الخادم، وقطع خطبة المعز، وخطب للطائع لله في شعبان، وقمع أهل العيث ~~والفساد، وهابه الناس كافة، وأصلح كثيرا من أمورهم. # فكانت العرب قد استولت على سواد البلد وما يتصل به، فقصدهم، وأوقع بهم، # PageV07P333 # وقتل كثيرا منهم، وأبان عن شجاعة، وقوة نفس، وحسن تدبير، فأذعنوا له ~~وأقطع البلاد، وكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه. # وكاتب المعز بمصر يداريه، ويظهر له الانقياد، فشكره، وطلب منه أن يحضره ~~عنده ليخلع عليه، ويعيده واليا من جانبه، فلم يثق به، وامتنع (من المسير) ~~فتجهز المعز وجمع العساكر لقصده، فمرض ومات، على ما نذكره سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة، وولي بعده ابنه العزيز بالله، فأمن ms3063 الفتكين بموته جهة مصر، فقصد ~~بلاد العزيز التي بساحل الشام، فعمد إلى صيدا فحصرها وبها ابن الشيخ، ومعه ~~رءوس المغاربة، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي، فقاتلهم وكانوا في كثرة، ~~فطمعوا فيه وخرجوا إليه، فاستجرهم حتى أبعدوا، ثم عاد عليهم فقتل منهم نحو ~~أربعة آلاف قتيل. # وطمع في أخذ عكا، فتوجه إليها، وقصد طبرية، فيها من القتل والنهب مثل ~~صيدا، وعاد إلى دمشق. # فلما سمع العزيز بذلك استشار وزيره يعقوب بن كلس فيما يفعل، فأشار بإرسال ~~جوهر في العساكر إلى الشام، فجهزه وسيره. فلما سمع الفتكين بمسيره جمع أهل ~~دمشق وقال: قد علمتم أنني ما وليت أمركم إلا عن رضى منكم، وطلب من كبيركم ~~وصغيركم لي، وإنما كنت مجتازا وقد أظلكم هذا الأمر، وأنا سائر عنكم لئلا ~~ينالكم أذى بسببي. فقالوا: لا نمكنك من فراقنا، ونحن نبذل الأنفس والأموال ~~في هواك، وننصرك، ونقوم معك، فاستحلفهم على ذلك، فحلفوا له، فأقام عندهم. ~~فوصل جوهر إلى البلد في ذي القعدة من سنة خمس وستين وثلاثمائة، فحصره، فرأى ~~من قتال الفتكين ومن معه ما استعظمه، ودامت الحرب شهرين، قتل فيها عدد كثير ~~من الطائفتين. # فلما رأى أهل دمشق طول مقام المغاربة عليهم أشاروا على الفتكين بمكاتبة ~~الحسن بن أحمد القرمطي، واستنجاده، ففعل ذلك، فسار القرمطي إليه من ~~الأحساء، فلما قرب منه رحل جوهر عن دمشق، خوفا أن يبقى بين عدوين، وكان ~~مقامه عليها سبعة # PageV07P334 # أشهر، ووصل القرمطي واجتمع هو والفتكين، وسارا في أثر جوهر، فأدركاه وقد ~~نزل بظاهر الرملة، وسير أثقاله إلى عسقلان، فاقتتلوا، فكان جمع الفتكين ~~والقرمطي كثيرا من رجال الشام والعرب وغيرهم، فكانوا نحو خمسين ألف فارس ~~وراجل، فنزلوا على نهر الطواحين، على ثلاثة فراسخ من البلد، ومنه ماء أهل ~~البلد، فقطعوه عنهم، فاحتاج جوهر ومن معه إلى ماء المطر في الصهاريج وهو ~~قليل لا يقوم بهم، فرحل إلى عسقلان، وتبعه الفتكين والقرمطي فحصراه بها، ~~وطال الحصار فقلت الميرة، وعدمت الأقوات، وكان الزمان شتاء، فلم يمكن حمل ~~الذخائر في البحر من مصر ms3064 وغيرها، فاضطروا إلى أكل الميتة، وبلغ الخبز كل ~~خمسة أرطال، بالشامي، بدينار مصري. # وكان جوهر يراسل الفتكين، ويدعوه إلى الموافقة والطاعة، ويبذل له البذول ~~الكثيرة، فيهم أن يفعل، فيمنعه القرمطي ويخوفه منه، فزادت الشدة على جوهر ~~ومن معه، فعاينوا الهلاك، فأرسل إلى الفتكين يطلب منه أن يجتمع به، فتقدم ~~إليه واجتمعا راكبين. فقال له جوهر: قد عرفت ما يجمعنا من عصمة الإسلام ~~وحرمة الدين، وقد طالت هذه الفتنة، وأريقت فيها الدماء ونهبت الأموال، ونحن ~~المؤاخذون بها عند الله تعالى، وقد دعوتك إلى الصلح والطاعة والموافقة، ~~وبذلت لك الرغائب، فأبيت إلا القبول ممن يشب (نار الفتنة) فراقب الله ~~تعالى، وراجع نفسك، وغلب رأيك على هوى غيرك. # فقال الفتكين: أنا والله واثق بك (في صحة) الرأي والمشورة منك، لكني غير ~~متمكن مما تدعوني إليه بسبب القرمطي الذي أحوجتني أنت إلى مداراته والقبول ~~منه. # فقال جوهر: إذا كان الأمر على ما ذكرت فإنني أصدقك الحال تعويلا على ~~أمانتك، وما أجده من الفتوة عندك، وقد ضاق الأمر بنا، وأريد أن تمن علي ~~بنفسي وبمن معي من المسلمين، وتذم لنا، وأعود إلى صاحبي شاكرا لك وتكون قد ~~جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف. # فأجابه إلى ذلك، وحلف له على الوفاء به، وعاد واجتمع بالقرمطي وعرفه ~~الحال (فقال: لقد أخطأت) فإن جوهرا له رأي وحزم ومكيدة، وسيرجع إلى صاحبه ~~فيحمله # PageV07P335 # على قصدنا بما لا طاقة لنا به، والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعا، ~~ونأخذهم بالسيف، فامتنع الفتكين من ذلك وقال: لا أغدر به، وأذن لجوهر ولمن ~~معه بالسير إلى مصر، فسار إليه، واجتمع بالعزيز، وشرح له الحال وقال: إن ~~كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك، وإلا فهم واصلون على أثري، فبرز العزيز، ~~وفرق الأموال، وجمع الرجال، وسار وجوهر على مقدمته. # وورد الخبر إلى الفتكين والقرمطي فعادا إلى الرملة، وجمعا العرب وغيرها، ~~وحشدا، ووصل العزيز فنزل بظاهر الرملة، ونزلا بالقرب منه، ثم اصطفوا للحرب ~~في المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة، فرأى العزيز من شجاعة الفتكين ما ~~أعجبه، ms3065 فأرسل إليه (في تلك الحال) يدعوه إلى طاعته، ويبذل له الرغائب ~~والولايات، وأن يجعله مقدم عسكره، والمرجوع إليه في دولته، ويطلب أن يحضر ~~عنده ويسمع قوله، فترجل وقبل الأرض بين الصفين، وقال للرسول: قل لأمير ~~المؤمنين: لو قدم هذا القول لسارعت وأطعت، وأما الآن فلا يمكن إلا ما ترى. ~~(وحمل على المسيرة) فهزمها، وقتل كثيرا منها فلما رأى العزيز ذلك حمل من ~~القلب، وأمر الميمنة (فحملت، فانهزم القرمطي والفتكين ومن معهما، ووضع ~~المغاربة السيف، فأكثروا القتل، وقتلوا نحو عشرين ألفا. # ونزل العزيز في خيامه، وجاءه الناس بالأسرى، فكل من أتاه بأسير خلع عليه، ~~وبذل لمن أتاه بالفتكين أسيرا مائة ألف دينار، (وكان الفتكين) قد مضى ~~منهزما فكظه العطش، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي وكان بينهما أنس قديم، ~~فطلب منه الفتكين ماء، فسقاه، وأخذه معه إلى بيته فأنزله وأكرمه، وسار إلى ~~العزيز بالله فأعلمه بأسر الفتكين، وطلب منه المال، فأعطاه ما ضمنه، وسير ~~معه من تسلم الفتكين منه، فلما وصل الفتكين إلى العزيز لم يشك أنه يقتله ~~لوقته، فرأى من إكرام العزيز له والإحسان إليه ما أعجزه، وأمر له بالخيام ~~فنصبت، وأعاد إليه جميع (من كان يخدمه) ، فلم يفقد من حاله شيئا، وحمل إليه ~~من التحف والأموال ما لم ير مثله، وأخذه معه إلى مصر وجعله من أخص خدمه ~~وحجابه. # PageV07P336 # وأما الحسن القرمطي فإنه وصل منهزما إلى طبرية، فأدركه رسول العزيز يدعوه ~~إلى العود إليه ليحسن إليه، ويفعل أكثر مما فعل مع الفتكين، فلم يرجع، ~~فأرسل إليه العزيز عشرين ألف دينار وجعلها كل سنة، فكان يرسلها إليه، وعاد ~~إلى الأحساء. # ولما عاد العزيز إلى مصر أنزل الفتكين عنده قصره، وزاد أمره، وتحكم، ~~فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس، وترك الركوب إليه، فصار بينهما عداوة ~~متأكدة، فوضع عليه من سقاه سما فمات، فحزن عليه العزيز واتهم الوزير فحبسه ~~نيفا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ثم وقفت أمور دولة العزيز ~~باعتزال الوزير، فخلع عليه، وأعاده إلى وزارته. # ذكر عدة حوادث # في ms3066 هذه السنة سار الحجاج إلى سميراء فرأوا هلال ذي الحجة بها، والعادة ~~جارية بأن يرى الهلال بعده بأربعة أيام، وبلغهم أنهم لا يرون الماء إلى ~~غمرة، وهو بها أيضا قليل، وبينهما نحو عشرة أيام، فغدوا إلى المدينة فوقفوا ~~بها وعادوا، فكانوا أول المحرم في الكوفة. # وفيها ظهر بإفريقية كوكب عظيم من جهة المشرق، وله ذؤابة وضوء عظيم، فبقي ~~يطلع كذلك نحوا من شهر ثم غاب فلم ير. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو القاسم عبد السلام بن أبي موسى المخرمي الصوفي نزيل مكة، ~~وكان قد صحب أبا علي الروذباري وطبقته وغيره. # PageV07P337 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة] ### | 365 - # ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة # ذكر وفاة المعز لدين الله العلوي وولاية ابنه العزيز بالله # في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله ~~إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله ~~العلوي الحسيني بمصر، وأمه أم ولد، وكان موته سابع عشر شهر ربيع الآخر من ~~هذه السنة، وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة ~~وثلاثمائة، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا. # وكان سبب موته أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه ~~بإفريقية، فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: أتذكر إذ أتيتني رسولا، وأنا ~~بالمهدية، فقلت لك: لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها؟ قال: نعم! قال: وأنا ~~أقول لك: لتدخلن علي ببغداذ وأنا خليفة. # PageV07P338 # فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي، ولم تغضب، قلت لك ما عندي. قال له ~~المعز: قل وأنت آمن، قال: بعثني إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك في ~~عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك، فرأيت عليه نورا عظيما ~~غطى بصري، ثم دخلت عليك، فرأيتك على سريرك، فظننتك خالقا، فلو قلت لي إنك ~~تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن، فما رأيت من ذلك شيئا، ~~أشرفت على مدينتك، فكانت في عيني سوداء مظلمة، ثم ms3067 دخلت عليك، فما وجدت من ~~المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا، وإنه الآن بضد ما ~~كان عليه. # فأطرق المعز وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد، واتصل ~~مرضه حتى مات. # وكانت ولايته ثلاثا وعشرين وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها: مقامه بمصر، ~~والباقي بإفريقية، وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر وخرج إليها، وكان مغرى ~~بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين. قال له منجمه: إن عليه قطعا في وقت كذا، ~~وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره ~~وأحضر قواده، فقال لهم: إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد استخلفت ~~عليكم ابني نزارا، يعني العزيز، فاسمعوا له وأطيعوا. # ونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا نزل وأومأ بالسلام إليه، ~~ظنا منه أن المعز فيه. فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مديدة، ومرض وتوفي، فستر ابنه ~~العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزى ~~بأبيه. # وكان المعز عالما، فاضلا، جوادا شجاعا، جاريا على منهاج أبيه من حسن ~~السيرة، وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه، إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر ~~الدعاة بإظهاره إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به. # ولما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، وكان هو يدبر ~~الأمور منذ مات أبوه إلى أن أظهره، ثم سير إلى الغرب دنانير عليها اسمه، ~~فرقت في الناس، وأقر يوسف بلكين على ولاية إفريقية، وأضاف إليه ما كان أبوه ~~استعمل عليه غير يوسف، وهي # PageV07P339 # طرابلس، وسرت، وأجدابية، فاستعمل عليها يوسف عماله، وعظم حينئذ، وأمن ~~ناحية العزيز، واستبد بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة، ومراقبة لا طائل ~~وراءها. # ذكر حرب يوسف بلكين مع زناتة وغيرها بإفريقية # في هذه السنة جمع خزرون بن فلفول بن خزر الزناتي جمعا كثيرا، وسار إلى ~~(سجلماسة، فلقيه صاحبها في رمضان فقتله خزرون وملك) سجلماسة، وأخذ منها، من ~~الأموال والعدد، شيئا كثيرا وبعث برأس صاحبها إلى الأندلس، وعظم شأن زناتة، ms3068 ~~واشتد ملكها. # وكان بلكين عند سبتة، وكان قد رحل إلى فاس وسجلماسة وأرض الهبط، وملكه ~~كله وطرد عنه عمال بني أمية وهربت زناتة منه، فلجأ كثير منهم إلى سبتة، وهي ~~للأموي صاحب الأندلس، وكان في طريقه شعاري مشتبكة، ولا تسلك، فأمر بقطعها ~~وإحراقها، فقطعت وأحرقت حتى صارت للعسكر طريقا. # ثم مضى بنفسه حتى أشرف على سبتة من جبل مطل عليها، فوقف نصف نهار لينظر ~~من أي جهة يحاصرها ويقاتلها، فرأى أنها لا تؤخذ إلا بأسطول، فخافه أهلها ~~خوفا عظيما، ثم رجع عنها نحو البصرة، وهي مدينة حسنة تسمى بصرة في المغرب، ~~فلما سمعت به زناتة رحلوا إلى أقاصي الغرب في الرمال والصحارى هاربين منه ~~فدخل يوسف البصرة، وكان قد عمرها صاحب الأندلس عمارة عظيمة، فأمر بهدمها ~~ونهبها، ورحل إلى بلد برغواطة. # وكان ملكهم عبس بن أم الأنصار وكان مشعبذا، ساحرا وادعى النبوة، فأطاعوه ~~في كل ما أمرهم به، وجعل لهم شريعة، فغزاه بلكين، وكانت بينهم حروب عظيمة ~~لا توصف كان الظفر في آخرها لبلكين، وقتل الله عبس بن أم الأنصار، وهزم ~~عساكره، وقتلوا قتلا ذريعا، وسبى من نسائهم وأبنائهم ما لا يحصى، وسيره إلى ~~إفريقية، (فقال أهل # PageV07P340 # إفريقية) : إنه لم يدخل إليهم من السبي مثله قط، وأقام يوسف بلكين بتلك ~~الناحية قاهرا لأهلها، وأهل سبتة منه خائفون، وزناتة هاربون في الرمال إلى ~~سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. # ذكر حصر كسنتة وغيرها # في هذه السنة سار أمير صقلية، وهو أبو القاسم بن الحسين بن علي بن أبي ~~الحسين، في عساكر المسلمين، ومعه جماعة من المصلحين والعلماء، فنازل مدينة ~~مسيني في رمضان، فهرب العدو عنها، وعدا المسلمون إلى كسنتة فحصروها أياما، ~~فسأل أهلها الأمان، فأجابهم إليه، وأخذ منهم مالا، ورحل عنها إلى قلعة ~~جلوا، ففعل كذلك بها وبغيرها، وأمر أخاه القاسم أن يذهب بالأسطول إلى ناحية ~~بربولة ويبث السرايا في جميع قلورية، ففعل ذلك فغنم غنائم كثيرة، وقتل ~~وسبى، وعاد هو وأخوه إلى المدينة. # فلما كان سنة ست وستين وثلاثمائة أمر أبو القاسم ms3069 بعمارة رمطة، وكانت قد ~~خربت قبل ذلك، وعاود الغزو وجمع الجيوش، وسار فنازل قلعة إغاثة، فطلب أهلها ~~الأمان فأمنهم، وسلموا إليه القلعة بجميع ما فيها ورحل إلى مدينة طارنت، ~~فرأى أهلها قد هربوا منها وأغلقوا أبوابها، فصعد الناس السور، وفتحوا ~~الأبواب، ودخلها الناس، فأمر الأمير بهدمها فهدمت وأحرقت، وأرسل السرايا ~~فبلغوا أذرنت وغيرها، ونزل هو على مدينة عردلية، فقاتلها، فبذل أهلها له ~~مالا صالحهم عليه وعاد إلى المدينة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خطب للعزيز العلوي بمكة، حرسها الله تعالى، بعد أن أرسل ~~جيشا # PageV07P341 # إليها فحصروها، وضيقوا على أهلها، ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ~~ولقي أهلها شدة شديدة. # وفيها أقام بسيلس بن أرمانوس ملك الروم وردا، المعروف بسقلاروس، دمستقا، ~~فلما استقر في الولاية استوحش من الملك، فعصى عليه، واستظهر بأبي تغلب بن ~~حمدان، وصاهره، ولبس التاج وطلب الملك. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو أحمد بن عدي الجرجاني في جمادى الآخرة، وهو إمام مشهور، ~~ومحمد بن بدر الكبير الحمامي، غلام ابن طولون، وكان قد ولي فارس بعد أبيه. # وفيها، في ذي القعدة، توفي ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي، صاحب " ~~التاريخ ". # PageV07P342 ### | [ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة] ### | 366 - # ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة # ذكر وفاة ركن الدولة وملك عضد الدولة # في هذه السنة، في المحرم، توفي ركن الدين أبو علي الحسن بن بويه، واستخلف ~~على ممالكه ابنه عضد الدولة، وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ابن ~~أخيه معز الدولة، وكان ابنه عضد الدولة قد عاد من بغداذ، بعد أن أطلق ~~بختيار على الوجه الذي ذكرناه. # وظهر عند الخاص والعام غضب والده عليه، فخاف أن يموت أبوه وهو على حال ~~غضبه (فيختل ملكه، وتزول طاعته) ، فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد، وزير ~~والده، يطلب منه أن يتوصل مع أبيه وإحضاره عنده، وأن يعهد إليه بالملك ~~بعده. فسعى أبو الفتح في ذلك، فأجابه إليه ركن الدولة، وكان قد وجد في نفسه ~~خفة، فسار من الري إلى أصبهان، فوصلها في ms3070 جمادى الأولى سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة، وأحضر ولده عضد الدولة من فارس، وجمع عنده أيضا سائر أولاده ~~بأصبهان، فعمل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها ركن الدولة وأولاده، ~~والقواد والأجناد. # فلما فرغوا من الطعام عهد ركن الدولة إلى ولده عضد الدولة بالملك، وجعل ~~لولده فخر الدولة أبي الحسن علي همذان وأعمال الجبل، ولولده مؤيد الدولة ~~أصبهان وأعماله، وجعلهما في هذه البلاد بحكم أخيهما عضد الدولة. - # وخلع (عضد الدولة) على سائر الناس، ذلك اليوم، الأقبية والأكسية على زي ~~الديلم، وحياه القواد وإخوته بالريحان على عادتهم مع ملوكهم، وأوصى ركن ~~الدولة أولاده بالاتفاق وترك الاختلاف، وخلع عليهم. # PageV07P343 # ثم سار عن أصبهان في رجب نحو الري، فدام مرضه إلى أن توفي، فأصيب به ~~الدين والدنيا جميعا لاستكمال جميع خلال الخير فيه، وكان عمره قد زاد على ~~سبعين سنة، وكانت إمارته أربعا وأربعين سنة. # ذكر بعض سيرته # كان حليما، كريما واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه وجنده، ~~رءوفا بهم، عادلا في الحكم بينهم، وكان بعيد الهمة، عظيم الجد والسعادة، ~~متحرجا من الظلم، مانعا لأصحابه منه، عفيفا عن الدماء، يرى حقنها واجبا إلا ~~فيما لا بد منه، وكان يحامي على أهل البيوتات، وكان يجري عليهم الأرزاق، ~~ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة، في أشهر الصيام، للصلاة، ~~وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق بالأموال ~~الجليلة على ذوي الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام. # قال له بعض أصحابه في ذلك،، وذكر له شد مرداويج، فقال: انظر كيف اخترم، ~~ووثب عليه أخص أصحابه به، وأقربهم منه لعنفه وشدته، وكيف عمرت، وأحبني ~~الناس للين جانبي. # وحكي عنه أنه سار في سفر، فنزل في خركاة قد ضربت له قبل أصحابه، وقدم ~~إليه طعام، فقال لبعض أصحابه: لأي قيل في المثل: خير الأشياء في القرية ~~الإمارة؟ فقال صاحبه: لقعودك في الخركاة، وهذا الطعام بين يديك، وأنا لا ~~خركاة ولا طعام، فضحك وأعطاه الخركاة والطعام، فانظر إلى هذا الخلق ما ~~أحسنه وما أجمله. # وفي فعله في حادثة بختيار ms3071 ما يدل على كمال مروءته وحسن عهده، وصلته لرحمه ~~- رضي الله عنه - (وأرضاه، وكان له حسن عهد ومودة وإقبال) . # PageV07P344 # ذكر مسير عضد الدولة إلى العراق # في هذه السنة تجهز عضد الدولة وسار يطلب العراق لما كان يبلغه عن بختيار ~~وابن بقية من استمالة أصحاب الأطراف كحسنويه الكردي، وفخر الدولة بن ركن ~~الدولة، وأبي تغلب بن حمدان، وعمران بن شاهين، وغيرهم والاتفاق على ~~معاداته، ولما كانا يقولانه من الشتم القبيح له، ولما رأى من حسن العراق ~~وعظم مملكته غير ذلك. # وانحدر بختيار إلى واسط على عزم محاربة عضد الدولة، وكان حسنويه وعده أنه ~~يحضر بنفسه لنصرته، وكذلك أبو تغلب بن حمدان، فلم يف له واحد منهما. # ثم سار بختيار إلى الأهواز، أشار بذلك ابن بقية، وسار عضد الدولة من فارس ~~نحوهم، فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا، فخامر على بختيار بعض عسكره، ~~وانتقلوا إلى عضد الدولة، فانهزم بختيار، وأخذ ماله ومال ابن بقية، ونهبت ~~الأثقال وغيرها، ولما وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة ~~مالا، وغير ذلك من الهدايا النفيسة، ودخل بختيار إليه، فأكرمه، وحمل مالا ~~جليلا، وأعلاقا نفيسة، وعجب الناس من قول عمران: إن بختيار سيدخل منزلي ~~وسيستجير بي، فكان كما ذكر، ثم أصعد بختيار إلى واسط. # وأما عضد الدولة فإنه سير إلى البصرة جيشا فملكوها. وسبب ذلك أن أهلها ~~اختلفوا، وكانت مضر تهوى عضد الدولة، وتميل إليه لأسباب قررها معهم، ~~وخالفتهم ربيعة، ومالت إلى بختيار، فلما انهزم ضعفوا، وقويت مضر، وكاتبوا ~~عضد الدولة، وطلبوا منه إنفاذ جيش إليهم، فسير جيشا تسلم البلد وأقام ~~عندهم. # وأقام بختيار بواسط، وأحضر ما كان له ببغداذ والبصرة من مال وغيره ففرقه ~~(في أصحابه) ، ثم إنه قبض على ابن بقية لأنه اطرحه واستبد بالأمور دونه، ~~وجبى الأموال إلى نفسه، ولم يوصل إلى بختيار منها شيئا، وأراد أيضا التقرب ~~إلى عضد الدولة بقبضه لأنه هو الذي كان يفسد الأحوال بينهم. # ولما قبض عليه أخذ أمواله ففرقها، وراسل عضد الدولة في الصلح، وترددت ~~الرسل ms3072 بذلك، وكان أصحاب بختيار يختلفون عليه، فبعضهم يشير به، وبعضهم ينهى ~~عنه، ثم إنه أتاه عبد الرزاق وبدر ابنا حسنويه في نحو ألف فارس معونة له، ~~فلما وصلا إليه أظهر المقام بواسط ومحاربة عضد الدولة. فاتصل بعضد الدولة ~~أنه نقض الشرط، ثم بدا لبختيار في # PageV07P345 # المسير، فسار إلى بغداذ، فعاد عنه ابنا حسنويه إلى أبيهما، وأقام بختيار ~~ببغداذ وانقضت السنة وهو بها، وسار عضد الدولة إلى واسط، ثم سار منها إلى ~~البصرة، فأصلح بين ربيعة ومضر، وكانوا في الحروب والاختلاف نحو مائة وعشرين ~~سنة. # ومن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثة أنه كان له غلام تركي يميل إليه، ~~فأخذ في جملة الأسرى، وانقطع خبره عن بختيار، فحزن لذلك، وامتنع من لذاته ~~والاهتمام بما رفع إليه من زوال ملكه وذهاب نفسه، حتى قال على رءوس ~~الأشهاد: إن فجيعتي بهذا الغلام أعظم من فجيعتي بذهاب ملكي، ثم سمع أنه في ~~جملة الأسرى، فأرسل إلى عضد الدولة يبذل له ما أحب في رده إليه، فأعاده ~~عليه، وسارت هذه الحادثة عنه، فازداد فضيحة وهوانا عند الملوك وغيرهم. # ذكر وفاة منصور بن نوح وملك ابنه نوح # في هذه السنة مات الأمير منصور بن نوح صاحب خراسان، وما وراء النهر، ~~منتصف شوال، وكان موته ببخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وولي الأمر بعده ~~ابنه أبو القاسم نوح، وكان عمره حين ولي الأمر ثلاث عشرة سنة، ولقب ~~بالمنصور. # ذكر وفاة القاضي منذر البلوطي # في هذه السنة، في ذي القعدة، مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي، أبو ~~الحاكم، قاضي قضاة الأندلس، وكان إماما فقيها، خطيبا، شاعرا، فصيحا، ذا دين ~~متين، دخل على عبد الرحمن الناصر، صاحب الأندلس، بعد أن فرغ من بناء ~~الزهراء وقصورها، وقد قعد في قبة مزخرفة بالذهب، والبناء البديع الذي لم ~~يسبق إليه، ومعه جماعة من الأعيان، فقال عبد الرحمن الناصر: هل بلغكم أن ~~أحدا بنى مثل هذا البناء؟ فقال له الجماعة: لم # PageV07P346 # نر ولم نسمع بمثله، وأثنوا وبالغوا، والقاضي مطرق، فاستنطقه عبد الرحمن، ms3073 ~~فبكى القاضي، وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن أن الشيطان، ~~أخزاه الله تعالى، يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكن، ~~مع ما آتاك الله، وفضلك به، حتى أنزلك منازل الكافرين. # فقال له عبد الرحمن: انظر ما تقول، وكيف أنزلني منزل الكافرين؟ فقال: قال ~~الله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها ~~يتكئون وزخرفا} [الزخرف: 33] إلى قوله: {والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: ~~35] . # فوجم عبد الرحمن وبكى، وقال: جزاك الله خيرا، وأكثر في المسلمين مثلك. # وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدا، منها: أنه قحط الناس وأرادوا الخروج ~~للاستسقاء، فأرسل إليه عبد الرحمن يأمره بالخروج، فقال القاضي للرسول: يا ~~ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير يومنا هذا؟ فقال: ما رأيته قط أخشع منه ~~الآن، قد لبس خشن الثياب، وافترش التراب، وجعله على رأسه ولحيته، وبكى، ~~واعترف بذنوبه، ويقول: هذه ناصيتي بيديك، أتراك تعذب هذا الخلق لأجلي؟ # فقال القاضي يا غلام احمل الممطر معك، فقد أذن الله بسقيانا، إذا خشع ~~جبار الأرض رحم جبار السماء، فخرج واستسقى بالناس، فلما صعد المنبر ورأى ~~الناس قد شخصوا إليه بأبصارهم قال: {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح} [الأنعام: 54] الآية، ~~وكررها، فضج الناس بالبكاء والتوبة، وتمم خطبته فسقي الناس. # ذكر القبض على أبي الفتح بن العميد # في هذه السنة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد، وزير أبيه، وسمل ~~عينه الواحدة وقطع أنفه. # وكان سبب ذلك أن أبا الفتح لما كان ببغداذ مع (عضد الدولة، على ما ~~شرحناه، وسار) عضد الدولة نحو فارس تقدم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن ~~بغداذ إلى الري، # PageV07P347 # فخالفه وأقام، وأعجبه المقام ببغداذ، وشرب مع بختيار، ومال في هواه، ~~واقتنى ببغداذ أملاكا ودورا على عزم العود إليها إذا مات ركن الدولة، ثم ~~صار يكاتب بختيار بأشياء يكرهها عضد ms3074 الدولة. # (وكان له نائب يعرضها على بختيار، فكان ذلك النائب يكاتب بها عضد الدولة) ~~ساعة فساعة، (فلما ملك عضد الدولة) بعد موت أبيه، كتب إلى أخيه فخر الدولة ~~بالري يأمره بالقبض عليه وعلى أهله وأصحابه، ففعل ذلك، وانقلع بيت العميد ~~على يده كما ظنه أبوه الفضل. # وكان أبو الفتح ليلة قبض قد أمسى مسرورا، فأحضر الندماء والمغنين، وأظهر ~~من الآلات الذهبية، والزجاج المليح، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، ~~وشربوا، وعمل شعرا وغني له فيه وهو: # دعوت المنى ودعوت العلى ... فلما أجابا دعوت القدح # وقلت لأيام شرخ الشباب ... إلي فهذا أوان الفرح # إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح # فلما غني في الشعر استطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، وقام وقال لغلمانه: ~~اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غدا، وقال لندمائه: بكروا إلي غدا ~~لنصطبح، ولا تتأخروا. فانصرف الندماء، ودخل هو إلى بيت منامه، فلما كان ~~السحر دعاه مؤيد الدولة فقبض عليه، وأرسل إلى داره فأخذ جميع ما فيها ومن ~~جملته ذلك المجلس بما فيه. # ذكر وفاة الحاكم وولاية ابنه هشام # وفي هذه السنة توفي الحاكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~عبد الرحمن المستنصر بالله الأموي، صاحب الأندلس، وكانت إمارته خمس عشرة ~~سنة وخمسة أشهر، وعمره ثلاثا وستين سنة وسبعة أشهر، وكان أصهب أعين، أقنى، ~~عظيم # PageV07P348 # الصوت، ضخم الجسم، أفقم، وكان محبا لأهل العلم، عالما فقيها في المذاهب، ~~عالما بالأنساب والتواريخ، جماعا للكتب والعلماء، مكرما لهم، محسنا إليهم، ~~أحضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم. # ولما توفي ولي بعده ابنه هشام بعهد أبيه، وله عشر سنين، ولقب المؤيد ~~بالله، واختلفت البلاد في أيامه، وأخذ وحبس، ثم عاد إلى الإمارة. # وسببه أنه لما ولي المؤيد تحجب له المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر ~~المعافري، وابناه المظفر والناصر، فلما حجب له أبو عامر حجبه عن الناس، فلم ~~يكن أحد يراه ولا يصل إليه، وقام بأمر دولته القيام المرضي، وعدل في ~~الرعية، وأقبلت ms3075 الدنيا إليه، واشتغل بالغزو، وفتح من بلاد الأعداء كثيرا، ~~وامتلأت بلاد الأندلس بالغنائم والرقيق، وجعل أكثر جنده منهم كواضح الفتى ~~وغيره من المشهورين، وكانوا يعرفون بالعامريين. # (وأدام الله) له الحال ستا وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزاة ما ~~بين صائفة وشاتية، وتوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان حازما، قوي ~~العزم، كثير العدل والإحسان، حسن السياسة. # فمن محاسن أعماله: أنه دخل بلاد الفرنج غازيا، فجاز الدرب إليها، وهو ~~مضيق بين جبلين، وأوغل في بلاد الفرنج يسبي، ويخرب، ويغنم، فلما أراد ~~الخروج رآهم قد سدوا الدرب وهم عليه يحفظونه من المسلمين، فأظهر أنه يريد ~~المقام في بلادهم، وشرع هو وعسكره في عمارة المساكن وزرع الغلات، وأحضروا ~~الحطب، والتبن، والميرة، وما يحتاجون إليه، فلما رأوا عزمه على المقام ~~مالوا إلى السلم، فراسلوه في ترك الغنائم والجواز إلى بلاده، فقال: أنا ~~عازم على المقام، فتركوا له الغنائم، فلم يجبهم إلى الصلح، فبذلوا له مالا، ~~ودواب تحمل له ما غنمه من بلادهم، فأجابهم إلى الصلح، وفتحوا الدرب، فجاز ~~إلى بلاده. # وكان أصله من الجزيرة الخضراء، وورد شابا إلى قرطبة، طالبا للعلم والأدب ~~وسماع الحديث، فبرع فيها وتميز، ثم تعلق بخدمة صبح والدة المؤيد، وعظم محله ~~عندها، فلما مات الحاكم المستنصر كان المؤيد صغيرا، فخيف على الملك أن ~~يختل، فضمن لصبح سكون البلاد، وزوال الخوف، وكان قوي النفس، وساعدته ~~المقادير، # PageV07P349 # وأمدته الأمراء بالأموال، فاستمال العساكر، وجرت الأمور على أحسن نظام. # وكانت أمه تميمية، وأبوه معافريا، بطن من حمير، فلما توفي ولي بعده ابنه ~~عبد الملك الملقب بالمظفر، فسار كسيرة أبيه، وتوفي سنة تسع وتسعين ~~وثلاثمائة، فكانت ولايته سبع سنين. # وكان سبب موته أن أخاه عبد الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم ~~أحد جانبيها، فناول أخاه ما يلي الجانب المسموم، وأخذ هو ما يلي الجانب ~~الصحيح، فأكله بحضرته، فاطمأن المظفر، وأكل ما بيده منها فمات. # فلما توفي ولي بعده أخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر، فسلك غير طريق أبيه ~~وأخيه، وأخذ في المجون، وشرب ms3076 الخمور، وغير ذلك، ثم دس إلى المؤيد من خوفه ~~منه إن لم يجعله ولي عهده، ففعل ذلك، فحقد الناس وبنو أمية عليه ذلك، ~~وأبغضوه، وتحركوا في أمره إلى أن قتل. # وغزا شاتية، وأوغل في بلاد الجلالقة، فلم يقدم ملكها على لقائه، وتحصن ~~منه في رءوس الجبال، ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار، وكثرة ~~الثلوج، فأثخن في البلاد التي وطئها، وخرج موفورا، فبلغه في طريقه ظهور ~~محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله بقرطبة، واستيلاؤه عليها ~~وأخذه المؤيد أسيرا، فتفرق عنه عسكره، ولم يبق معه إلا خاصته، فسار إلى ~~قرطبة ليتلافى ذلك الخطب، فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه ~~إلى قرطبة فطافوا به، وكان قتله سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ثم صلبوه. # ذكر ظهور محمد بن هشام بقرطبة # وفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ظهر بقرطبة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن ~~عبد الرحمن الناصر لدين الله الأموي، ومعه اثنا عشر رجلا، فبايعه الناس. ~~وكان ظهوره سلخ جمادى الآخرة، وتلقب بالمهدي بالله، وملك قرطبة، وأخذ ~~المؤيد فحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات. # وكان قد مات إنسان نصراني يشبه المؤيد، فأبرزه للناس في شعبان من هذه ~~السنة، وذكر لهم أنه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه، ودفنوه في ~~مقابر المسلمين، ثم # PageV07P350 # إنه أظهره، على ما نذكره، وأكذب نفسه، فكانت مدة ولاية المؤيد هذه إلى أن ~~حبس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ونقم الناس على ابن عبد الجبار أشياء ~~منها أنه كان يعمل النبيذ في قصره، فسموه نباذا، ومنها فعله بالمؤيد، وأنه ~~كان كذابا، متلونا، مبغضا للبربر، فانقلب الناس عليه. # ذكر خروج هشام بن سليمان عليه # لما استوحش أهل الأندلس من ابن عبد الجبار، وأبغضوه، قصدوا هشام بن ~~سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، فأخرجوه من داره، وبايعوه، فتلقب ~~بالرشيد، وذلك لأربع بقين من شوال سنة تسع وتسعين [وثلاثمائة] ، واجتمعوا ~~بظاهر قرطبة، وحصروا ابن عبد الجبار، وترددت الرسل بينهم ليخلع ms3077 ابن عبد ~~الجبار من الملك على أن يؤمنه وأهله (وجميع أصحابه) . # ثم إن ابن عبد الجبار جمع أصحابه وخرج إليهم فقاتلهم، فانهزم هشام ~~وأصحابه، وأخذ هشام أسيرا فقتله ابن عبد الجبار، وقتل معه عدة من قواده، ~~استقر أمر ابن عبد الجبار، وكان عم هشام. # ذكر خروج سليمان عليه أيضا # ولما قتل ابن عبد الجبار هشام بن سليمان بن ناصر وانهزم أصحابه، انهزم ~~معهم سليمان بن الحاكم بن سليمان بن ناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول، ~~فبايعه أصحاب عمه، وأكثرهم البربر، بعد الوقعة بيومين، ولقبوه المستعين ~~بالله، ثم لقب بالظاهر بالله، وساروا إلى النصارى فصالحوهم واستنجدوهم ~~وأنجدوهم، وساروا معهم إلى قرطبة، فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج، وهي ~~الوقعة المشهورة غزوا فيها وقتل ما لا يحصى، فانهزم ابن عبد الجبار، وتحصن ~~بقصر قرطبة، ودخل سليمان البلد، وحصره في القصر. # فلما رأى ابن عبد الجبار ما نزل به أظهر المؤيد ظنا منه أنه (يخلع هو ~~وسليمان ويرجع الأمر إلى المؤيد، فلم يوافقه أحد ظنا منهم أن) المؤيد قد ~~مات. فلما أعياه # PageV07P351 # الأمر احتال في الهرب، فهرب سرا واختفى، ودخل سليمان القصر، وبايعه الناس ~~بالخلافة في شوال سنة أربعمائة، وبقي بقرطبة أياما، وكان عدة القتلى بقنتيج ~~نحو خمسة وثلاثين ألفا، وأغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا وأسروا ~~عددا عظيما. # ذكر عود ابن الجبار وقتله وعود المؤيد # لما اختفى ابن عبد الجبار سار سرا إلى طليطلة، وأتاه واضح الفتى العامري ~~في أصحابه، وجمع له النصارى وسار بهم إلى قرطبة، فخرج إليهم سليمان فالتقوا ~~بقرب عقبة البقر، واقتتلوا أشد قتال، فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة ~~أربعمائة، ومضى سليمان إلى شاطبة، ودخل ابن عبد الجبار قرطبة وجدد البيعة ~~لنفسه، وجعل الحجابة لواضح وتصرف بالاختيار. # ثم إن جماعة من الفتيان العامريين، منهم عنبر، وخيرون، وغيرهما، كانوا مع ~~سليمان، فأرسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم، وأن يجعلهم في ~~جملة رجاله، فأجابهم إلى ذلك، وإنما فعلوا ذلك مكيدة به ليقتلوه، فلما ~~دخلوا قرطبة استمالوا ms3078 واضحا فأجابهم إلى قتله، فلما كان تاسع ذي الحجة سنة ~~أربعمائة اجتمعوا في القصر فملكوه، وأخذوا ابن عبد الجبار أسيرا، وأخرجوا ~~المؤيد بالله فأجلسوه مجلس الخلافة وبايعوه، وأحضروا ابن عبد الجبار بين ~~يديه، فعدد ذنوبه عليه، ثم قتل، وطيف برأسه في قرطبة، وكان عمره ثلاثا ~~وثلاثين سنة، وأمه أم ولد. # وكان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث متأخرة، وإنما قدمناها لتعلق بعضها ببعض، ~~(ولأن كلا منهم ليس له من طول المدة ما تؤخر أخباره وتفرق) . # ذكر عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى ملك حلب # في هذه السنة عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان ملك حلب وكان ~~سببه أن قرغويه لما تغلب عليها أخرج منها مولاه أبا المعالي، (كما ذكرناه # PageV07P352 # سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فسار أبو المعالي إلى والدته بميافارقين) ، ثم ~~أتى حماة، وهي له، فنزل بها، وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها، وقد ذكر ~~أيضا، فنزل إليه يارقتاش مولى أبيه، وهو بحصن برزويه، وخدمه، وعمر له مدينة ~~حمص، فكثر أهلها. # وكان قرغويه قد استناب بحلب مولى له اسمه بكجور، فقوي بكجور واستفحل ~~أمره، وقبض على مولاه قرغويه، وحبسه في قلعة حلب، وأقام بها نحو ست سنين، ~~فكتب من بحلب من أصحاب قرغويه إلى أبي المعالي بن سيف الدولة ليقصد حلب ~~ويملكها، فسار إليها، وحصرها أربعة أشهر وملكها. # وبقيت القلعة بيد بكجور، فترددت الرسل بينهما، فأجاب إلى التسليم على أن ~~يؤمنه في نفسه وأهله وماله، ويوليه حمص، وطلب بكجور أن يحضر هذا الأمان ~~والعهد وجوه بني كلاب، ففعل أبو المعالي ذلك، وأحضرهم الأمان والعهد، وسلم ~~قلعة حلب إلى أبي المعالي، وسار بكجور إلى حمص فوليها لأبي المعالي، وصرف ~~همته إلى عمارتها، وحفظ الطرق، فازدادت عمارتها، وكثر الخير بها، ثم انتقل ~~منها إلى ولاية دمشق، على ما نذكره سنة ست وسبعين وثلاثمائة. # ذكر ابتداء دولة آل سبكتكين # في هذه السنة ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها، وكان ابتداء أمره أنه كان ~~من غلمان أبي إسحاق بن البتكين، صاحب جيش غزنة ms3079 للسامانية، وكان مقدما عنده، ~~وعليه مدار أمره، وقدم إلى بخارى، أيام الأمير منصور بن نوح، مع أبي إسحاق، ~~فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل، والعفة، وجودة الرأي والصرامة، وعاد معه ~~إلى غزنة، فلم يلبث أبو إسحاق أن توفي، ولم يخلف من أهله وأقاربه من يصلح ~~للتقدم، فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم، ويجمع كلمتهم، فاختلفوا ثم ~~اتفقوا على سبكتكين، لما عرفوه من عقله، ودينه، ومروءته، وكمال خلال الخير ~~فيه، فقدموه عليهم، وولوه أمرهم، وحلفوا له وأطاعوه فوليهم وأحسن السيرة ~~فيهم، وساس أمورهم سياسة حسنة، وجعل # PageV07P353 # نفسه كأحدهم في الحال والمال، وكان يذخر من أقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم ~~في كل أسبوع مرتين. # ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهدا، وجرى بينه وبين الهنود حروب ~~يشيب لها الوليد، وكشف بلادهم، وشن الغارات عليها، وطمع فيها، وخافه ~~الهنود، ففتح من بلادهم حصونا ومعاقل، وقتل منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء. # واتفق له في بعض غزواته أن الهنود اجتمعوا في خلق كثير، وطاولوه الأيام، ~~وماطلوه القتال، فعدم الزاد عند المسلمين، وعجزوا عن الامتيار، فشكوا إليه ~~ما هم فيه، فقال لهم: إني استصحبت لنفسي شيئا من السويق استظهارا، وأنا ~~أقسمه بينكم قسمة عادلة على السواء إلى أن يمن الله بالفرج، فكان يعطي كل ~~إنسان منهم ملء قدح معه، ويأخذ لنفسه مثل أحدهم، فيجتزئ به يوما وليلة، وهم ~~مع ذلك يقاتلون الكفار، فرزقهم الله عليهم النصر عليهم والظفر بهم، فقتلوا ~~منهم وأسروا خلقا كثيرا. # ذكر ولاية سبكتكين على قصدار وبست # ثم إن سبكتكين عظم شأنه، وارتفع قدره، وحسن بين الناس ذكره، وتعلقت ~~الأطماع بالاستعانة به، فأتاه بعض الأمراء الكبار، وهو صاحب بست واسمه ~~طغان، مستعينا به مستنصرا. # وسبب ذلك أنه خرج عليه أمير يعرف ببابي تور، فملك مدينة بست عليه، وأجلاه ~~عنها بعد حرب شديدة، فقصد سبكتكين مستنصرا به، وضمن له مالا مقررا، وطاعة ~~يبذلها له، فتجهز وسار معه حتى نزل على بست وخرج إليه بابي تور فقاتله ~~قتالا شديدا، ثم انهزم بابي تور ms3080 وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد. # فلما استقر فيه طالبه سبكتكين بما استقر عليه من المال، فأخذ في المطل، ~~فأغلظ له في القول لكثرة مطله، فحمل طغان جهله على أن سل السيف فضرب يد ~~سبكتكين فجرحها، فأخذ سبكتكين السيف وضربه أيضا فجرحه، وحجز العسكر بينهما، ~~وقامت الحرب على ساق، فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست. # PageV07P354 # ثم إنه سار إلى قصدار، وكان متوليها قد عصى عليه لصعوبة مسالكها، ~~وحصانتها، وظن أن ذلك يمنعه، فسار إليه جريدة مجدا، فلم يشعر إلا والخيل ~~معه، فأخذ من داره، ثم إنه من عليه ورده إلى ولايته، وقرر عليه مالا يحمله ~~إليه كل سنة. # ذكر مسير الهند إلى بلاد الإسلام وما كان منهم مع سبكتكين # لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند، فافتتح قلاعا حصينة على شواهق ~~الجبال، وعاد سالما ظافرا. # ولما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه، وأن بلاده تملك من أطرافها، أخذه ما ~~قدم وحدث، فحشد وجمع واستكثر من الفيول، وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين، وقد ~~باض الشيطان في رأسه وفرخ، فسار سبكتكين عن غزنة إليه ومعه عساكره (وخلق ~~كثير من المتطوعة، فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة، وصبر الفريقان) . # (وكان بالقرب منهم) عقبة غورك، وفيها عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا، ~~وإذا ألقي بها شيء من ذلك اكفهرت السماء وهبت الرياح، وكثر الرعد والبرق ~~والأمطار ولا تزال كذلك إلى أن تطهر من الذي ألقي فيها فأمر سبكتكين بإلقاء ~~نجاسة في تلك العين، فجاء الغيم والرعد والبرق، وقامت القيامة على الهنود ~~لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وتوالت عليهم الصواعق والأمطار، واشتد البرد، ~~حتى هلكوا، وعميت عليهم المذاهب، واستسلموا لشدة ما عاينوه. # وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح، وترددت الرسل فأجابهم إليه بعد ~~امتناع من ولده محمود، على مال يؤديه، وبلاد يسلمها، وخمسين فيلا يحملها ~~إليه، فاستقر ذلك، ورهن عنده جماعة من أهله (على تسليم البلاد) ، وسير معه ~~سبكتكين من يتسلمها، فإن المال والفيلة كانت معجلة، فلما أبعد جيبال ملك ~~الهند قبض على ms3081 من معه من المسلمين وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه. # فلما سمع سبكتكين بذلك جمع العساكر وسار نحو الهند، فأخرب كل ما مر عليه ~~من بلادهم، وقصد لمغان، وهي من أحصن قلاعهم، فافتتحها عنوة وهدم بيوت # PageV07P355 # الأصنام، وأقام فيها شعار الإسلام، وسار عنها يفتح البلاد ويقتل أهلها ~~فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة. # فلما بلغ الخبر إلى جيبال سقط في يده، وجمع العساكر وسار في مائة ألف ~~مقاتل، فلقيه سبكتكين، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع الهنود ففعلوا ~~ذلك فضجر الهنود من دوام القتال معهم، وحملوا حملة واحدة، فعند ذلك اشتد ~~الأمر وعظم الخطب، وحمل أيضا المسلمون جميعهم، واختلط بعضهم ببعض، فانهزم ~~الهنود، وأخذهم السيف من كل جانب، وأسر منهم ما لا يعد وغنم أموالهم ~~وأثقالهم ودوابهم الكثيرة. # وذل الهنود بعد هذه الوقعة، ولم يكن لهم بعدها راية، ورضوا بأن لا يطلبوا ~~في أقاصي بلادهم، ولما قوي سبكتكين، بعد هذه الوقعة، أطاعه الأفغانية ~~والخلج وصاروا في طاعته. # ذكر ملك قابوس بن وشكمير جرجان # في هذه السنة توفي ظهير الدولة بيستون بن وشكمير بجرجان، وكان قابوس أخوه ~~زائرا خاله رستم بجبل شهريار، وخلف بيستون ابنا صغيرا بطبرستان مع جده ~~لأمه، فطمع أن يأخذ الملك، فبادر إلى جرجان، فرأى بها جماعة من القواد قد ~~مالوا إلى قابوس، فقبض عليهم، وبلغ الخبر إلى قابوس فسار إلى جرجان، فلما ~~قاربها خرج الجيش إليه، وأجمعوا عليه، وملكوه، وهرب من كان مع ابن بيستون، ~~فأخذه عمه قابوس وكفله، وجعله أسوة أولاده، واستولى على جرجان وطبرستان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، نقلت ابنة عز الدولة بختيار إلى الطائع ~~لله، وكان تزوجها. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكرياء بن حيويه في رجب. # PageV07P356 # وفي صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشئ المعروف بالخلال، صاحب ~~المراثي الكثيرة في أهل البيت. # وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي صاحب هجر، وكان مولده سنة ~~ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده ms3082 ستة نفر شركة، وسموا السادة، ~~وكانوا متفقين. # PageV07P357 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة] ### | 367 - # ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة # ذكر استيلاء عضد الدولة على العراق # في هذه السنة سار عضد الدولة إلى بغداذ، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى ~~طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أي جهة أراد، وضمن مساعدته بما يحتاج إليه ~~من مال وسلاح وغير ذلك. # فاختلف أصحاب بختيار عليه في الإجابة إلى ذلك، إلا أنه أجاب إليه لضعف ~~نفسه، فأنفذ له عضد الدولة خلعة، فلبسها، وأرسل إليه يطلب منه ابن بقية، ~~فقلع عينيه وأنفذه إليه. # (وتجهز بختيار بما أنفذه إليه) عضد الدولة، وخرج عن بغداذ عازما على قصد ~~الشام، وسار عضد الدولة فدخل بغداذ، وخطب له بها، ولم يكن قبل ذلك يخطب ~~لأحد ببغداذ، وضرب على بابه ثلاث نوب، ولم تجر بذلك عادة من تقدمه، وأمر ~~بأن يلقى ابن بقية بين قوائم الفيلة لتقتله، ففعل به ذلك، وخبطته الفيلة ~~حتى قتلته، وصلب على رأس الجسر في شوال من هذه السنة، فرثاه أبو الحسن ~~الأنباري بأبيات حسنة في معناها وهي: # علو في الحياة وفي الممات ... لحق تلك إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات # PageV07P358 # كأنك قائم فيهم خطيبا # وكلهم قيام للصلاة # مددت يديك نحوهم اقتفاء # كمدهما إليهم في الهبات ... ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الممات ... أصاروا الجو قبرك، واستنابوا # عن الأكفان ثوب السافيات ... لعظمك في النفوس تبيت ترعى # بحراس وحفاظ ثقات ... وتشعل عندك النيران ليلا # كذلك كنت أيام الحياة ... ولم أر قبل جذعك قط جذعا # تمكن من عناق المكرمات ... ركبت مطية من قبل زيد # علاها في السنين الذاهبات # وهي كثيرة، قوله: زيد علاها يعني: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنهم - لما قتل وصلب أيام هشام بن عبد الملك، وقد ذكر، ~~وبقي ابن بقية مصلوبا إلى أيام صمصام الدولة فأنزل من جذعه ودفن. # ذكر قتل بختيار # لما سار بختيار عن بغداذ عزم قصد ms3083 الشام ومعه ابن ناصر الدولة ابن حمدان، ~~فلما صار بختيار بعكبرا حسن له حمدان قصد الموصل، (وكثرة أموالها) ، وأطمعه ~~فيها، وقال إنها خير من الشام وأسهل. # فسار بختيار نحو الموصل، وكان عضد الدولة قد حلفه أنه لا يقصد ولاية أبي ~~تغلب بن حمدان لمودة ومكاتبة كانت بينهما، فنكث وقصدها، فلما صار إلى تكريت ~~أتته # PageV07P359 # رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ويسلمه إليه، وإذا فعل سار ~~بنفسه وعساكره إليه، وقاتل معه عضد الدولة، وأعاده إلى ملكه بغداذ، فقبض ~~بختيار على حمدان وسلمه إلى نواب أبي تغلب، فحبسه في قلعة له، وسار بختيار ~~إلى الحديثة، واجتمع مع أبي تغلب، وسارا جميعا نحو العراق، وكان مع أبي ~~تغلب نحو من عشرين ألف مقاتل. # وبلغ ذلك عضد الدولة فسار عن بغداذ نحوهما، فالتقوا بقصر الجص بنواحي ~~تكريت ثامن عشر شوال، فهزمهما، وأسر بختيار، وأحضر عند عضد الدولة، فلم ~~يأذن بإدخاله إليه، وأمر بقتله فقتل، وذلك بمشورة أبي الوفاء طاهر بن ~~إبراهيم، وقتل من أصحابه خلق كثير، واستقر ملك عضد الدولة بعد ذلك، (وكان ~~عمر بختيار ستا وثلاثين سنة، وملك إحدى عشرة سنة وشهورا) . # ذكر استيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدان # لما انهزم أبو تغلب وبختيار سار عضد الدولة نحو الموصل، فملكها ثاني عشرة ~~ذي القعدة، وما يتصل بها، وظن أبو تغلب أنه كما كان غيره يفعل، يقيم يسيرا، ~~ثم يضطر إلى المصالحة، ويعود. # وكان عضد الدولة أحزم من ذلك، فإنه لما قصد الموصل حمل معه الميرة ~~والعلوفات، ومن يعرف ولاية الموصل وأعمالها، وأقام بالموصل مطمئنا، وبث ~~السرايا في طلب أبي تغلب، فأرسل أبو تغلب يطلب أن يضمن البلاد، فلم يجبه ~~عضد الدولة إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحب إلي من العراق. # وكان مع أبي تغلب المرزبان بن بختيار، وأبو إسحاق، وأبو طاهر ابنا معز ~~الدولة، ووالدتهما، وهي أم بختيار، وأسبابهم، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، ~~فسير عضد الدولة سرية عليها حاجبه أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، وسير في ms3084 ~~طلب أبي تغلب سرية، واستعمل عليها أبا الوفاء طاهر بن محمد، على طريق ~~سنجار، فسار أبو تغلب مجدا، فبلغ ميافارقين، وأقام بها ومعه أهله، فلما ~~بلغه مسير أبي الوفاء إليه سار نحو بدليس ومعه النساء وغيرهن من أهله، ووصل ~~أبو الوفاء إلى ميافارقين، فأغلقت دونه وهي حصينة من حصون الروم القديمة، ~~وتركها وطلب أبا تغلب. # PageV07P360 # (وكان أبو تغلب) قد عدل من أرزن الروم إلى الحسنية من أعمال الجزيرة وصعد ~~إلى قلعة كواشى وغيرها من قلاعه، وأخذ ما له فيها من الأموال، وعاد أبو ~~الوفاء إلى ميافارقين وحصرها. # ولما اتصل بعضد الدولة مجئ أبي تغلب إلى قلاعه سار إليه بنفسه، فلم ~~يدركه، ولكنه استأمن إليه أكثر أصحابه، وعاد إلى الموصل، وسير في أثر أبي ~~تغلب عسكرا مع قائد من أصحابه يقال له طغان، فتعسف أبو تغلب إلى بدليس، وظن ~~أنه لا يتبعه أحد، فتبعه طغان، فهرب من بدليس وقصد بلاد الروم ليتصل بملكهم ~~المعروف بورد الرومي، وليس من بيت الملك، وإنما تملك عليهم قهرا، (واختلف ~~الروم عليه) ، ونصبوا غيره من أولاد ملوكهم، فطالت الحرب بينهم، فصاهر ورد ~~هذا أبا تغلب ليتقوى به فقدر أن أبا تغلب احتاج إلى الاعتضاد به. # ولما سار أبو تغلب من بدليس أدركه عسكر عضد الدولة، وهم حريصون على أخذ ~~ما معه من المال، فإنهم كانوا قد سمعوا بكثرته، فلما وقعوا عليه نادى ~~أميرهم: لا تتعرضوا لهذا المال، فهو لعضد الدولة، ففتروا عن القتال. # فلما رآهم أبو تغلب فاترين حمل عليهم فانهزموا، فقتل منهم مقتلة عظيمة ~~ونجا منهم، فنزل بحصن زياد ويعرف الآن بخرتبرت، وأرسل ورد المذكور فعرفه ما ~~هو بصدده من اجتماع الروم عليه واستمده وقال: إذا فرغت عدت إليك. فسير إليه ~~أبو تغلب طائفة من عسكره، فاتفق أن وردا انهزم، فلما علم أبو تغلب بذلك يئس ~~من نصره، وعاد إلى بلاد الإسلام، فنزل بآمد، وأقام بها شهرين إلى أن فتحت ~~ميافارقين. # ذكر عدة حوادث # فيها ظهر بإفريقية في السماء حمرة بين المشرق والشمال، مثل لهب ms3085 النار ~~فخرج الناس يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه. # وكان بالمهدية زلازل وأهوال أقامت أربعين يوما، حتى فارق أهلها منازلهم، ~~وأسلموا أمتعتهم. # PageV07P361 # وفيها سير العزيز بالله العلوي صاحب مصر وإفريقية أميرا على الموسم ليحج ~~بالناس، وكانت الخطبة له بمكة، وكان الأمير على الموسم باديس بن زيري أخا ~~يوسف بلكين، خليفته بإفريقية، فلما وصل إلى مكة أتاه اللصوص بها فقالوا له: ~~نتقبل منك الموسم بخمسين ألف درهم، ولا تتعرض لنا، فقال لهم: أفعل ذلك، ~~اجمعوا إلي أصحابكم حتى يكون العقد مع جميعكم، فاجتمعوا فكانوا نيفا ~~وثلاثين رجلا، فقال: هل بقي منكم أحد؟ (فحلفوا أنه لم يبق منهم أحد) ، فقطع ~~أيديهم كلهم. # وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة، وغرقت كثيرا من الجانب الشرقي ببغداذ، ~~وغرقت أيضا مقابر بباب التبن بالجانب الغربي منها، وبلغت السفينة أجرة ~~وافرة، وأشرفت الناس على الهلاك، ثم نقص الماء فأمنوا. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة، وله نوادر ~~مجموعة، وعمره خمس وستون سنة. # وفيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد بالري، وولي القضاء بها وبما ~~تحت حكم مؤيد الدولة من البلاد، وهو من أئمة المعتزلة، ويرد في تراجم ~~تصانيفه: قاضي القضاة، ويعني به قاضي قضاة أعمال الري، وبعض من لا يعلم ذلك ~~يظنه قاضي القضاة مطلقا وليس كذلك. # PageV07P362 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة] ### | 368 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة # ذكر فتح ميافارقين وآمد وغيرهما من ديار بكر على يد عضد الدولة # لما عاد أبو الوفاء من طلب أبي تغلب نازل ميافارقين، وكان الوالي عليها ~~هزارمرد، فضبط البلد، وبالغ في قتال أبي الوفاء ثلاثة أشهر، ثم مات ~~هزارمرد، فكوتب أبو تغلب بذلك، فأمر أن يقام مقامه غلام من الحمدانية اسمه ~~مؤنس (فولي البلد) ولم يكن لأبي الوفاء فيه حيلة، فعدل عنه، وأرسل رجلا من ~~أعيان البلد اسمه أحمد بن عبيد الله، واستماله فأجابه، وشرع في استمالة ~~الرعية إلى أبي الوفاء، فأجابوه إلى ذلك، وعظم أمره، وأرسل إلى مؤنس يطلب ~~له الأمان، فأرسل ms3086 أحمد بن عبيد الله إلى أبي الوفاء في ذلك فأمنه، وأمن ~~سائر أهل البلد، ففتح له البلد وسلمه إليه. # وكان أبو الوفاء مدة مقامه على ميافارقين قد بث سراياه في تلك الحصون ~~المجاورة لها، فافتتحها جميعها، فلما سمع أبو تغلب بذلك سار عن آمد نحو ~~الرحبة، هو وأخته جميلة، وأمر بعض أهله بالاستئمان إلى أبي الوفاء، ففعلوا، ~~ثم إن أبا الوفاء سار إلى آمد فحصرها، فلما رأى أهلها ذلك سلكوا مسلك أهل ~~ميافارقين، فسلموا البلد بالأمان فاستولى أبو الوفاء على سائر ديار بكر، ~~وقصده أصحاب أبي تغلب وأهله مستأمنين إليه، فأمنهم، وأحسن إليهم، وعاد إلى ~~الموصل. # وأما أبو تغلب فإنه لما قصد الرحبة أنفذ رسولا إلى عضد الدولة يستعطفه، ~~ويسأله # PageV07P363 # الصفح، فأحسن جواب الرسل، وبذل له إقطاعا يرضيه، على أن يطأ بساطه، فلم ~~يجبه أبو تغلب إلى ذلك، (وسار إلى الشام، إلى العزيز بالله صاحب مصر) . # ذكر فتح ديار مضر على يد عضد الدولة # كان متولي ديار مضر لأبي تغلب بن حمدان سلامة البرقعيدي، فأنفذ إليه سعد ~~الدولة بن سيف الدولة من حلب جيشا، فجرت بينهم حروب، وكان سعد الدولة قد ~~كاتب عضد الدولة، وعرض نفسه عليه، فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا أحمد، والد ~~الرضي، إلى البلاد التي بيد سلامة، فتسلمها بعد حرب شديدة، ودخل أهلها في ~~الطاعة، فأخذ عضد الدولة لنفسه الرقة حسب، ورد باقيها إلى سعد الدولة فصارت ~~له. # ثم استولى عضد الدولة على الرحبة، وتفرغ بعد ذلك لفتح قلاعه وحصونه، وهي ~~قلعة كواشى، وكان فيها خزائنه وأمواله، وقلعة هرور والملاسي وبرقى ~~والشعباني وغيرها من الحصون، فلما استولى على جميع أعمال أبي تغلب استخلف ~~أبا الوفاء على الموصل، وعاد إلى بغداذ في سلخ ذي القعدة، ولقيه الطائع ~~لله، وجمع من الجند وغيرهم. # ذكر ولاية قسام دمشق # لما فارق الفتكين دمشق كما ذكرناه، تقدم على أهلها قسام، وكان سبب تقدم ~~قسام أن الفتكين قربه ووثق إليه، وعول في كثير من أموره عليه، فعلا ذكره ~~وصيته، وكثر أتباعه من الأحداث، ms3087 فاستولى على البلد وحكم فيه. # وكان القائد أبو محمود قد عاد إلى البلد عليه واليا عليه للعزيز، فلم يتم ~~له مع قسام أمر، وكان لا حكم له، ولم يزل أمر قسام على دمشق نافذا، وهو ~~يدعو للعزيز بالله العلوي. ووصل إليه أبو تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، ~~منهزما كما ذكرناه، فمنعه # PageV07P364 # قسام من دخول دمشق، وخافه على البلد أن يتولاه، إما غلبة، وإما بأمر ~~العزيز، فاستوحش (أبو تغلب) وجرى بين أصحابه وأصحاب أبي تغلب شيء من قتال، ~~فرحل أبو تغلب إلى طبرية. # وورد من عند العزيز قائد اسمه الفضل في جيش، فحصر قساما بدمشق، فلم يظفر ~~به، فعاد عنه، وبقي قسام كذلك إلى سنة تسع وستين وثلاثمائة، فسير من مصر ~~أميرا إلى دمشق اسمه سلمان بن جعفر بن فلاح، فوصل إليها، فنزل بظاهرها، ولم ~~يتمكن من دخولها، وأقام في غير شيء، فنهى الناس عن حمل السلاح، فلم يسمعوا ~~منه، ووضع قسام أصحابه على سلمان، فقاتلوه وأخرجوه من الموضع الذي كان فيه. # وكان قسام بالجامع، والناس عنده، فكتب محضرا وسيره إلى العزيز يذكر أنه ~~كان بالجامع عند هذه الفتنة، ولم يشهدها، وبذل من نفسه أنه إن قصده عضد ~~الدولة بن بويه أو عسكر له قاتله، (ومنعه من البلد، فأغضى العزيز لقسام على ~~هذه الحال لأنه يخاف أن يقصد عضد الدولة الشام، فلما فارق سلمان دمشق عاد ~~إليها القائد أبو محمود، ولا حكم له، والحكم جميعه لقسام) ، (فدام ذلك) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت زلازل شديدة كثيرة، وكان أشدها بالعراق. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي مصنف " ~~شرح كتاب سيبويه "، وكان فقيها، فاضلا، مهندسا منطقيا، فيه كل فضيلة، وعمره ~~أربع وثمانون سنة، وولي بعده أبو محمد بن معروف الحاكم بالجانب الشرقي ~~ببغداذ. # PageV07P365 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة] ### | 369 - # ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة # ذكر قتل أبي تغلب بن حمدان # في هذه السنة، في صفر، قتل أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ms3088 بن حمدان. # وكان سبب قتله أنه سار إلى الشام، على ما تقدم ذكره، ووصل إلى دمشق، وبها ~~قسام قد تغلب عليها، كما ذكرناه، فلم يمكن أبا تغلب من دخولها فنزل بظاهر ~~البلد، وأرسل رسولا إلى العزيز بمصر يستنجده ليفتح له دمشق، فوقع بين ~~أصحابه، وأصحاب قسام فتنة، فرحل إلى نوى، وهي من أعمال دمشق، فأتاه كتاب ~~رسوله من مصر يذكر أن العزيز يريد أن يحضر هو عنده بمصر ليسير معه العساكر، ~~فامتنع، وترددت الرسل، ورحل إلى بحيرة طبرية، وسير العزيز عسكرا إلى دمشق ~~مع قائد اسمه الفضل، فاجتمع بأبي تغلب عند طبرية، ووعده، عن العزيز، بكل ما ~~أحب، وأراد أبو تغلب المسير معه إلى دمشق، فمنعه بسبب الفتنة التي جرت بين ~~أصحابه وأصحاب قسام، لئلا يستوحش قسام، وأراد أخذ البلد منه سلما، ورحل ~~الفضل إلى دمشق فلم يفتحها. # وكان بالرملة دغفل بن المفرج بن الجراح الطائي قد استولى على هذه ~~الناحية، وأظهر طاعة العزيز من غير أن يتصرف بأحكامه، وكثر جمعه، وسار إلى ~~أحياء عقيل المقيمة بالشام ليخرجها من الشام، فاجتمعت عقيل إلى أبي تغلب ~~وسألته نصرتها، وكتب إليه دغفل يسأله أن لا يفعل، فتوسط أبو تغلب الحال، ~~فرضوا بما يحكم به العزيز. # (ورحل أبو تغلب، فنزل في جوار عقيل) ، فخافه دغفل، والفضل صاحب العزيز، ~~وظنا أنه يريد أخذ تلك الأعمال. # PageV07P366 # ثم إن أبا تغلب سار إلى الرملة في المحرم سنة تسع وستين [وثلاثمائة] ، ~~فلم يشك ابن الجراح والفضل أنه يريد حربهما، وكانا بالرملة، فجمع الفضل ~~العساكر من السواحل، وكذلك جمع دغفل من أمكنه (جمعه) ، وتصاف الناس للحرب، ~~فلما رأت عقيل كثرة الجمع انهزمت، ولم يبق مع أبي تغلب إلا نحو سبعمائة ~~رجل، من غلمانه وغلمان أبيه، فانهزم ولحقه الطلب، فوقف يحمي نفسه وأصحابه، ~~فضرب على رأسه فسقط، وأخذ أسيرا، وحمل إلى دغفل فأسره وكتفه. # وأراد الفضل أخذه وحمله إلى العزيز بمصر، فخاف دغفل أن يصطنعه العزيز، ~~كما فعل بالفتكين، ويجعله عنده، فقتله، فلامه الفضل على قتله، وأخذ رأسه ~~وحمله ms3089 إلى مصر، وكان معه أخته جميلة بنت ناصر الدولة وزوجته، وهي بنت عمه ~~سيف الدولة، (فلما قتل حملهما بنو عقيل إلى حلب إلى سعد الدولة بن سيف ~~الدولة) ، فأخذ أخته، وسير جميلة إلى الموصل، فسلمت إلى أبي الوفاء نائب ~~عضد الدولة، فأرسلها إلى بغداذ، فاعتقلت في حجرة دار عضد الدولة. # ذكر محاربة الحسن بن عمران مع جيوش عضد الدولة # في هذه السنة توفي عمران بن شاهين، فجأة، في المحرم، وكانت ولايته، بعد ~~أن طلبه الملوك والخلفاء وبذلوا الجهد في أخذه، وأعملوا الحيل، أربعين سنة، ~~فلم يقدرهم الله عليه، ومات حتف أنفه. # فلما مات ولي مكانه ابنه الحسن، فتجدد لعضد الدولة طمع في أعمال البطيحة، ~~فجهز العساكر مع وزيره المطهر بن عبد الله، فأمدهم بالأموال والسلاح ~~والآلات، وسار المطهر في صفر، فلما وصل شرع في سد أفواه الأنهار الداخلة في ~~البطائح، فضاع فيها الزمان والأموال، وجاءت المدود، وبثق الحسن بن عمران ~~بعض تلك السدود، فأعانه الماء فقلعها. # PageV07P367 # وكان المطهر إذا سد جانبا انفتحت عدة جوانب، ثم جرت بينه وبين الحسن وقعة ~~في الماء فاستظهر عليه الحسن، وكان المطهر سريعا قد ألف المناجزة، ولم يألف ~~في المصابرة، فشق ذلك عليه. # وكان معه في عسكره أبو الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتهمه بمراسلة ~~الحسن، وإطلاعه على أسراره، وخاف المطهر أن تنقص منزلته عند عضد الدولة، ~~ويشمت به أعداؤه، كأبي الوفاء وغيره، فعزم على قتل نفسه، فأخذ سكينا وقطع ~~شرايين ذراعه، فخرج الدم منه، فدخل فراش له، فرأى الدم فصاح، فدخل الناس ~~فرأوه، وظنوا أن أحدا فعل به ذلك، فتكلم، وكان بآخر رمق، وقال: إن محمد بن ~~عمر أحوجني إلى هذا، ثم مات وحمل إلى بلده كازرون، فدفن فيها. # وأرسل عضد الدولة من حفظ العسكر، وصالح الحسن بن عمران على مال يؤديه، ~~وأخذ رهائنه، وانفرد نصر بن هارون بوزارة عضد الدولة، وكان مقيما بفارس ~~فاستخلف له عضد الدولة بحضرته أبا الريان حمد بن محمد. # ذكر الحرب بين بني شيبان وعسكر عضد الدولة # في ms3090 هذه السنة، في رجب، سير عضد الدولة جيشا إلى بني شيبان، وكانوا قد ~~أكثروا الغارات على البلاد والفساد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا ~~بينهم وبين أكراد شهرزور مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر ~~عضد الدولة عسكره بمنازلة شهرزور لينقطع طمع بني شيبان عن التحصن بها، ~~فاستولى أصحابه عليها وملكوها، فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، ~~وأوقعوا بهم وقيعة عظيمة قتل من بني شيبان فيها خلق كثير، ونهبت أموالهم ~~ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير وحملوا إلى بغداذ. # ذكر وصول ورد الرومي إلى ديار بكر وما كان منه # في هذه السنة وصل ورد الرومي إلى ديار بكر مستجيرا بعضد الدولة، وأرسل ~~إليه يستنصره على ملوك الروم، ويبذل له الطاعة إذا ملك وحمل الخراج. # PageV07P368 # وكان سبب قدومه أن أرمانوس ملك الروم لما توفي خلف ولدين له صغيرين، ~~فملكا بعده، وكان نفقور، وهو حينئذ الدمستق، قد خرج إلى بلاد الإسلام فنكى ~~فيها وعاد، فلما قارب القسطنطينية بلغه موت أرمانوس، فاجتمع إليه الجند ~~وقالوا: إنه لا يصلح للنيابة عن الملكين غيرك، فإنهما صغيران، فامتنع، ~~فألحوا عليه فأجابهم، وخدم الملكين، وتزوج بوالدتهما، ولبس التاج. # ثم إنه جفا والدتهما، فراسلت ابن الشمشقيق في قتل نقفور وإقامته مقامه، ~~فأجابها إلى ذلك، وسار إليه سرا هو وعشرة رجال، فاغتالوا الدمستق فقتلوه، ~~واستولى ابن الشمشقيق على الأمر، وقبض على لاون أخي الدمستق، وعلى ورديس بن ~~لاون، واعتقله في بعض القلاع، وسار إلى أعمال الشام فأوغل فيها، ونال من ~~المسلمين ما أراد، وبلغ إلى طرابلس فامتنع عليه أهلها فحصرهم. # وكان لوالدة الملكين أخ خصي، وهو حينئذ الوزير، فوضع على ابن الشمشقيق من ~~سقاه سما، فلما أحس به أسرع العود إلى القسطنطينية، فمات في طريقه. # وكان ورد بن منير من أكابر أصحاب الجيوش وعظماء البطارقة، فطمع في الأمر، ~~وكاتب أبا تغلب بن حمدان وصاهره، واستجاش بالمسلمين من الثغور، فاجتمعوا ~~عليه، فقصد الروم، فأخرج إليه الملكان جيشا بعد جيش وهو يهزمهم، فقوي جنانه ~~وعظم شأنه، وقصد القسطنطينية، فخافه الملكان، ms3091 فأطلقا ورديس بن لاون، وقدماه ~~على الجيوش، وسيراه لقتال ورد، فاقتتلوا قتالا شديدا، وطال الأمر بينهما، ~~ثم انهزم ورد إلى بلاد الإسلام، فقصد ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، ~~وراسل عضد الدولة، وأنفذ إليه أخاه يبذل الطاعة والاستنصار به، فأجابه إلى ~~ذلك ووعده به. # ثم إن ملكي الروم راسلا عضد الدولة واستمالاه، فقوي في نفسه ترجيح جانب ~~الملكين، وعاد عن نصرة ورد، وكاتب أبا علي التميمي، وهو حينئذ ينوب عنه ~~بديار بكر، بالقبض على ورد وأصحابه، فشرع يدبر الحيلة عليه، واجتمع إلى ورد ~~أصحابه وقالوا له: # PageV07P369 # إن ملوك الروم قد كاتبوا عضد الدولة وراسلوه في أمرنا، ولا شك أنهم ~~يرغبونه في المال وغيره فيسلمنا إليهم، والرأي أن نرجع إلى بلاد الروم على ~~صلح إن أمكننا، أو على حرب نبذل فيها أنفسنا، فإما ظفرنا أو متنا كراما. # فقال: ما هذا رأي، ولا رأينا من عضد الدولة إلا الجميل، ولا يجوز أن ~~ننصرف عنه قبل أن نعلم ما عنده، ففارقه في كثير من أصحابه، فطمع فيه أبو ~~علي التميمي، وراسله في الاجتماع، فأجابه في ذلك، فلما اجتمع به قبض عليه، ~~وعلى ولده وأخيه، وجماعة من أصحابه، واعتقلهم بميافارقين ثم حملهم إلى ~~بغداذ، فبقوا في الحبس إلى أن فرج الله عنهم، على ما نذكره، وكان قبضه سنة ~~سبعين وثلاثمائة. # ذكر عمارة عضد الدولة بغداذ # في هذه السنة شرع عضد الدولة في عمارة بغداذ، وكانت قد خربت بتوالي الفتن ~~فيها، وعمر مساجدها وأسواقها، وأدر الأموال على الأئمة، والمؤذنين، ~~والعلماء، والقراء، والغرباء، والضعفاء، الذين يأوون [إلى] المساجد، وألزم ~~أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار، وأعاد حفرها ~~وتسويتها، وأطلق مكوس الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، شرفها الله ~~تعالى، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة ~~والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهدي علي والحسين، عليهما السلام، وسكن الناس من ~~الفتن، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، ~~والنحاة، والشعراء، والنسابين، والأطباء، والحساب، والمهندسين، وأذن لوزيره ~~نصر بن هارون، وكان نصرانيا، في عمارة البيع ms3092 والديرة، وإطلاق الأموال ~~لفقرائهم. # ذكر وفاة حسنويه الكردي # في هذه السنة توفي حسنويه بن الحسين الكردي البرزيكاني بسرماج، وكان ~~أميرا على جيش من البرزيكان يسمون البرزينية، وكان خالاه ونداد وغانم ابنا ~~أحمد أميرين # PageV07P370 # صنف آخر منهم يسمون العيشانية، وغلبا على أطراف نواحي الدينور، وهمذان، ~~ونهاوند، والصامغان، وبعض أطراف أذربيجان إلى حد شهرزور نحو خمسين سنة. # وكان يقود كل واحد منهما عدة ألوف، فتوفي غانم سنة خمسين وثلاثمائة، فكان ~~ابنه أبو سالم ديسم بن غانم مكانه بقلعته قسان، إلى أن أزاله أبو الفتح بن ~~العميد، واستصفى قلاعه المسماة قسنان، وغانم آباذ وغيرهما. # وتوفي ونداد بن أحمد سنة تسع وأربعين [وثلاثمائة] ، فقام مقامه ابنه أبو ~~الغنائم عبد الوهاب إلى أن أسره الشاذنخان وسلموه إلى حسنويه، فأخذ قلاعه ~~وأملاكه. # وكان حسنويه مجدودا، حسن السياسة والسيرة، ضابطا لأمره، ومنع أصحابه من ~~التلصص، وبنى قلعة سرماج بالصخور المهندمة، وبنى بالدينور جامعا على هذا ~~البناء، وكان كثير الصدقة بالحرمين، إلى أن مات في هذه السنة، وافترق ~~أولاده من بعده، فبعضهم انحاز إلى فخر الدولة، وبعضهم إلى عضد الدولة، وهم ~~أبو العلاء، وعبد الرزاق، وأبو النجم بدر، وعاصم، وأبو عدنان، وبختيار، ~~وعبد الملك. # وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عضد الدولة ورغب ~~في طاعته، ثم تلون عنه وتغير، فسير عضد الدولة إليه جيشا فحصره وأخذ قلعته، ~~وكذلك قلاع غيره من إخوته، واصطنع من بينهم أبا النجم بدر بن حسنويه، وقواه ~~بالرجال، فضبط تلك النواحي، وكف عادية من بها من الأكراد، واستقام أمره، ~~وكان عاقلا. # ذكر قصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة وأخذ بلاده # في هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلاد الجبل، فاحتوى عليها. # وكان سبب ذلك أن بختيار بن معز الدولة كان يكاتب ابن عمه فخر الدولة، بعد ~~موت ركن الدولة، ويدعوه إلى الاتفاق معه على عضد الدولة، فأجابه إلى ذلك ~~واتفقا. # وعلم عضد الدولة به، فكتم ذلك إلى الآن، فلما فرغ من أعدائه كأبي تغلب، ~~وبختيار، وغيرهما، ومات حسنويه بن الحسين، ظن عضد ms3093 الدولة أن الأمر يصلح ~~بينه وبين أخويه، فراسل أخويه فخر الدولة، ومؤيد الدولة، وقابوس بن وشمكير. # PageV07P371 # فأما رسالته إلى أخيه مؤيد الدولة، فيشكره على طاعته وموافقته، فإنه كان ~~مطيعا له غير مخالف. # وأما إلى فخر الدولة، فيعاتبه ويستميله، ويذكر له ما يلزمه به الحجة. # وأما إلى قابوس، فيشير عليه بحفظ العهود التي بينهما. # فأجاب فخر الدولة جواب المناظر المناوئ، ونسي كبر السن، وسعة الملك وعهد ~~أبيه. # وأما قابوس فأجاب جواب المراقب. وكان الرسول خواشاده، وهو من أكابر ~~أصحابه، فاستمال أصحاب فخر الدولة، فضمن له الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، ~~فلما عاد الرسول برز عضد الدولة من بغداذ على عزم المسير إلى الجبل وإصلاح ~~تلك الأعمال، وابتدأ فقدم العساكر بين يديه يتلو بعضها بعضا، منهم أبو ~~الوفاء على عسكر، وخواشاده على عسكر، وأبو الفتح المظفر بن محمد في عسكر، ~~فسارت هذه العساكر، وأقام هو بظاهر بغداذ. # ثم سار عضد الدولة، فلقيته البشائر بدخول جيوشه همذان، واستئمان العدد ~~الكثير من قواد فخر الدولة ورجال حسنويه، ووصل إليه أبو الحسن عبيد الله بن ~~محمد بن حمدويه وزير فخر الدولة، (ومعه جماهير أصحابه، فانحل أمر فخر ~~الدولة) ، وكان بهمذان، فخاف من أخيه، وتذكر قتل ابن عمه بختيار، فخرج ~~هاربا، وقصد بلد الديلم، ثم خرج منها إلى جرجان، فنزل على شمس المعالي ~~قابوس بن وشمكير، والتجأ إليه فأمنه وآواه، وحمل إليه فوق ما حدث به نفسه، ~~وشركه فيما تحت يده من ملك وغيره. # وملك عضد الدولة ما كان بيد فخر الدولة همذان، والري، وما بينهما من ~~البلاد (وسلمها إلى أخيه مؤيد الدولة بن بويه، وجعله خليفته ونائبه في تلك ~~البلاد) ، ونزل الري، واستولى على تلك النواحي. # ثم عرج عضد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي، فقصد نهاوند، وكذلك الدينور، ~~وقلعة سرماج، وأخذ ما فيها من ذخائر حسنويه، وكانت جليلة المقدار، وملك ~~معها عدة # PageV07P372 # من قلاع حسنويه، ولحقه في هذه السفرة صرع، وكان هذا قد أخذه بالموصل، ~~وحدث به فيها، فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا ms3094 بعد جهد، وكتم ~~ذلك أيضا، وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد. # وأتاه أولاد حسنويه، فقبض على عبد الرزاق، وأبي العلاء، وأبي عدنان، ~~وأحسن إلى بدر بن حسنويه، وخلع عليه، وولاه رعاية الأكراد، (هذا آخر ما في ~~" تجارب الأمم " تأليف أبي علي بن مسكويه) . # ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية (وما معها) # في هذه السنة سير عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، ~~فأوقع بهم وحصر قلاعهم، وطال مقام الجند في حصرها. # وكان من بالحصون من الأكراد ينتظرون نزول الثلج لترحل العساكر عنهم، فقدر ~~الله تعالى أن الثلج تأخر نزوله (في تلك السنة) ، فأرسلوا يطلبون الأمان، ~~فأجيبوا إلى ذلك، وسلموا قلاعهم، ونزلوا مع العسكر إلى الموصل، فلم يفارقوا ~~أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل الثلج. # ثم إن مقدم الجيش غدر بهم، وصلبهم على جانبي الطريق من معلثايا إلى ~~الموصل (نحو خمسة فراسخ) وكف الله شرهم عن الناس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد رسول العزيز بالله صاحب مصر إلى عضد الدولة برسائل ~~أداها. # PageV07P373 # وفيها قبض عضد الدولة على محمد بن عمر العلوي وأنفذه إلى فارس، وكان سبب ~~قبضه ما تكلم به المطهر في حقه عند موته، وأرسل إلى الكوفة فقبض أمواله، ~~فوجد له من المال والسلاح والذخائر ما لا يحصى، واصطنع عضد الدولة أخاه أبا ~~الفتح أحمد، وولاه الحج بالناس. # وفيها تجددت وصلة بين الطائع لله وبين عضد الدولة، فتزوج الطائع ابنته، ~~وكان غرض عضد الدولة أن تلد ابنته ولدا ذكرا فيجعله ولي عهده، فتكون ~~الخلافة في (ولد لهم فيه نسب) ، وكان الصداق مائة ألف دينار. # وفيها كانت فتنة عظيمة بين عامة شيراز من المسلمين وبين المجوس، نهبت ~~فيها دور المجوس، وضربوا، وقتل منهم جماعة، فسمع عضد الدولة الخبر، فسير ~~إليهم من جمع كل من له أثر في ذلك، وضربهم، وبالغ في تأديبهم وزجرهم. # وفيها أرسل سرية إلى عين التمر، وبها ضبة بن محمد الأسدي، وكان يسلك سبيل ~~اللصوص وقطاع الطريق، فلم يشعر إلا والعساكر معه، فترك أهله ms3095 وماله ونجا ~~بنفسه فريدا، وأخذ ماله وأهله، وملكت عين التمر، وكان قبل ذلك قد نهب مشهد ~~الحسين، صلوات الله عليه، فعوقب بهذا. # وفيها قبض عضد الدولة على النقيب أبي أحمد الحسين الموسوي، والد الشريف ~~الرضي، وعلى أخيه أبي عبد الله، وعلى قاضي القضاة أبي محمد وسيرهم إلى ~~فارس، واستعمل على قضاء القضاة أبا سعد بشر بن الحسين، وهو شيخ كبير، وكان ~~مقيما بفارس، واستناب على القضاء ببغداذ. # PageV07P374 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عبد الله أحمد بن عطاء بن أحمد (بن محمد) بن عطاء ~~الروذباري، الصوفي، بنواحي عكا، وكان قد انتقل من بغداذ إلى الشام. # وفيها، في ذي الحجة، توفي محمد بن عيسى بن عمرويه أبو أحمد الجلودي ~~الزاهد، راوي " صحيح مسلم " عن ابن سفيان، ودفن بالحيرة في نيسابور (وله ~~ثمانون سنة) . # (الجلودي: بفتح الجيم، وقيل بضمها، وهو قليل، والحيرة: بكسر الحاء ~~المهملة وبالراء المهملة، وهي محلة بنيسابور) . # وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن زكرياء بن فارس اللغوي، صاحب كتاب " ~~المجمل " وغيره، وله شعر، فمن ذلك قوله قبل وفاته بيومين: # يا رب إن ذنوبي [قد] أحطت بها ... علما، وبي وبإعلاني وإسراري # أنا الموحد لكني المقر بها # فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري # وفي شوال توفي أبو الحسن ثابت بن إبراهيم الحراني المتطبب، الصابي، ~~ومولده بالرقة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وكان عارفا حاذقا في الطب. # PageV07P375 ### | [ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة] ### | 370 - # ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة # ذكر إقطاع مؤيد الدولة همذان # في هذه السنة أرسل الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد إلى عضد الدولة ~~بهمذان رسولا من عند أخيه مؤيد الدولة يبذل له الطاعة والموافقة، فالتقاه ~~عضد الدولة بنفسه، وأكرمه، وأقطع أخاه مؤيد الدولة همذان وغيرها، وأقام عند ~~عضد الدولة إلى أن عاد إلى بغداذ، فرده إلى مؤيد الدولة، فأقطعه إقطاعا ~~كثيرا، وسير معه عسكرا يكون عند مؤيد الدولة في خدمته. # ذكر قتل أولاد حسنويه سوى بدر # لما خلع عضد الدولة على بدر وأخويه عاصم وعبد الملك، وفضل بدرا عليهما ~~وولاه الأكراد حسده أخواه، (فشقا ms3096 العصا، وخرجا عن الطاعة، واستمال عاصم ~~جماعة الأكراد المخالفين) ، فاجتمعوا عليه، فسير إليه عضد الدولة عسكرا، ~~فأوقعوا بعاصم ومن معه، فانهزموا، وأسر عاصم، وأدخل همذان على جمل، ولم ~~يعرف له خبر بعد ذلك اليوم، وقتل أولاد حسنويه، إلا بدرا فإنه ترك على ~~حاله، وأقر على عمله، وكان عاقلا، لبيبا، حازما، كريما، حليما، وسيرد من ~~أخباره ما يعلم به ذلك، إن شاء الله تعالى. # PageV07P376 # ذكر ملك عضد الدولة قلعة سنده وغيرها # وفيها استولى عضد الدولة على قلاع أبي عبد الله المري بنواحي الجبل، وكان ~~منزله بسنده، وله فيها مساكن نفيسة، وكان قديم البيت، فقبض عليه وعلى ~~أولاده واعتقلهم، فبقوا كذلك إلى أن أطلقهم الصاحب بن عباد فيما بعد، ~~واستخدم ابنه أبا طاهر، واستكتبه، وكان حسن الخط واللفظ. # ذكر الحرب بين عسكر العزيز وابن جراح وعزل قسام عن دمشق # في هذه السنة سيرت العساكر من مصر لقتال المفرج بن جراح. # وسبب ذلك أن ابن جراح عظم شأنه بأرض فلسطين، وكثر جمعه، وقويت شوكته، ~~وبالغ هو في العيث والفساد، وتخريب البلاد، فجهز العزيز بالله العساكر ~~وسيرها، وجعل عليها القائد يلتكين التركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه من ~~العرب، من قيس وغيرها، جمع كثير، وكان مع ابن جراح جمع يرمون بالنشاب، ~~ويقاتلون قتال الترك، فالتقوا ونشبت الحرب بينهما، وجعل يلتكين كمينا، فخرج ~~على عسكر ابن جراح، من وراء ظهورهم، عند اشتداد الحرب، فانهزموا وأخذتهم ~~سيوف المصريين، ومضى ابن جراح منهزما إلى أنطاكية، فاستجار بصاحبها فأجاره، ~~وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر عظيمة يريد بلاد الإسلام، ~~فخاف ابن جراح، وكاتب بكجور بحمص والتجأ إليه. # وأما عسكر مصر فإنهم نازلوا دمشق، مخادعين لقسام، لم يظهروا له إلا أنهم ~~جاءوا لإصلاح البلد، وكف الأيدي المتطرقة (إلى الأذى) وكان القائد أبو ~~محمود قد مات سنة سبعين [وثلاثمائة] وهو والي البلد، ولا حكم له، وإنما ~~الحكم لقسام، فلما مات قام بعده في الولاية جيش بن الصمصامة، وهو ابن أخت ~~أبي محمود، # PageV07P377 # فخرج إلى يلتكين، وهو يظن أنه ms3097 يريد إصلاح البلد، فأمره أن يخرج هو ومن ~~معه وينزلوا بظاهر البلد، ففعلوا. وحذر قسام، وأمر من معه بمباشرة الحرب، ~~فقاتلوا دفعات عدة فقوي عسكر يلتكين، ودخلوا أطراف البلد، وملكوا الشاغور، ~~وأحرقوا ونهبوا، فاجتمع مشايخ البلد عند قسام، وكلموه في أن يخرجوا إلى ~~يلتكين، ويأخذوا أمانا لهم وله، فانخذل (وذل، وخضع بعد تجبره وتكبره وقال: ~~افعلوا ما شئتم. # وعاد أصحاب قسام) إليه، فوجدوه خائفا، ملقيا بيده، فأخذ كل لنفسه. # وخرج شيوخ البلد إلى يلتكين، فطلبوا منه الأمان لهم ولقسام، فأجابهم إليه ~~وقال: أريد [أن] أتسلم البلد اليوم فقالوا: افعل ما تؤمر! فأرسل واليا يقال ~~(له ابن) خطلخ، ومعه خيل ورجل. # وكان مبدأ هذه الحرب والحصر في المحرم سنة سبعين و [ثلاثمائة] لعشر بقين ~~منه، والدخول إلى البلد لثلاث بقين منه، ولم يعرض لقسام ولا لأحد من ~~أصحابه، وأقام قسام في البلد يومين ثم استتر، فأخذ كل ما في داره وما حولها ~~من دور أصحابه وغيرهم، ثم خرج إلى الخيام، فقصد حاجب يلتكين وعرفه نفسه، ~~فأخذه وحمله إلى يلتكين، فحمله يلتكين إلى مصر، فأطلقه العزيز، واستراح ~~الناس من تحكمه عليهم، وتغلبه بمن تبعه من الأحداث، من أهل العيث والفساد. # ذكر عدة حوادث # وفيها توفي علي بن محمد الأحدب المزور، وكان يكتب على خط كل واحد فلا # PageV07P378 # يشك المكتوب عنه أنه خطه، وكان عضد الدولة إذا أراد الإيقاع بين الملوك ~~أمره أن يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد إفساد الحال ~~بينهما، ثم يتوصل ليصل المكتوب إليه، فيفسد الحال. وكان هذا الأحدب ربما ~~ختمت يده لهذا السبب. # وفيها زادت الفرات زيادة عظيمة جاوزت المألوف، وغرق كثير من الغلات، ~~وتمردت الصراة، وخربت قناطرها العتيقة الجديدة، وأشفى أهل الجانب الغربي من ~~بغداذ على الغرق، وبقيت الزيادة بها وبدجلة ثلاثة أشهر ثم نقصت. # وفيها زفت ابنة عضد الدولة إلى الخليفة الطائع، ومعها من الجواهر شيء لا ~~يحصى. # وفيها ورد على عضد الدولة هدية من صاحب اليمن فيها قطعة واحدة [من] عنبر ~~وزنها ms3098 ستة وخمسون، رطلا وحج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوي، ~~وخطب بمكة والمدينة للعزيز بالله صاحب مصر العلوي. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر (أحمد بن علي) الرازي، إمام الفقهاء الحنفية في ~~زمانه، وطلب ليلي قضاء القضاة، فامتنع، وهو من أصحاب الكرخي. # وفيها توفي الزبير بن عبد الواحد بن موسى أبو يعلى البغداذي، سمع البغوي # PageV07P379 # وابن صاعد، وسافر إلى أصبهان وخراسان وأذربيجان وغيرها، وسمع فيها ~~الكثير، وتوفي بالموصل هذه السنة ومحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد أبو بكر ~~المفيد، المعروف بغندر، توفي بمفازة بخارى، وأبو الفرج محمد بن العباس بن ~~فسانجس، وأبو محمد علي بن الحسن الأصبهاني، والحسن بن بشر الآمدي. # وفيها توفي القائد أبو محمود إبراهيم بن جعفر والي دمشق للعزيزي، وقام ~~بعده جيش بن الصمصامة. # PageV07P380 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة] ### | 371 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة # ذكر عزل ابن سيمجور عن خراسان # في هذه السنة عزل أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش ~~خراسان، واستعمل عوضه حسام الدولة أبو العباس تاش. # وكان سبب ذلك أن الأمير نوح بن منصور لما ملك خراسان وما وراء النهر، وهو ~~صبي، استوزر أبا الحسين العتبي، فقام في حفظ الدولة القيام المرضي، وكان ~~محمد بن سيمجور قد استوطن خراسان، وطالت أيامه فيها، فلا يطيع إلا فيما ~~يريد، فعزله أبو الحسين العتبي عنها، واستعمل مكانه حسام الدولة أبا العباس ~~تاش، وسيره من بخارى إلى نيسابور في هذه السنة، فاستقر بها ودبر خراسان، ~~ونظر في أمورها، وأطاعه جندها. # ذكر استيلاء عضد الدولة على جرجان # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، استولى عضد الدولة على بلاد جرجان ~~وطبرستان، وأجلى عنها صاحبها قابوس بن وشمكير. # وسبب ذلك أن عضد الدولة لما استولى على بلاد أخيه فخر الدولة انهزم فخر # PageV07P381 # الدولة، فلحق بقابوس، كما ذكرناه، وبلغ ذلك عضد الدولة، فأرسل إلى قابوس ~~يبذل له الرغائب من البلاد، والأموال، والعهود، وغير ذلك، ليسلم إليه أخاه ~~فخر الدولة، فامتنع قابوس من ذلك،، ms3099 ولم يجب إليه. فجهز عضد الدولة أخاه ~~مؤيد الدولة، وسيره، ومعه العساكر، والأموال، والعدد، إلى جرجان. # وبلغ الخبر قابوسا، فسار إليه، فلقيه بنواحي أستراباذ، فاقتتلوا من بكرة ~~إلى الظهر، فانهزم قابوس وأصحابه في جمادى الأولى، وقصد قابوس بعض قلاعه ~~التي فيها ذخائره وأمواله، فأخذ ما أراد وسار نحو نيسابور، فلما وردها لحق ~~به فخر الدولة، وانضم إليهما من تفرق من أصحابهما. # وكان وصولهما إليها عند ولاية حسام الدولة أبي العباس تاش خراسان، فكتب ~~حسام الدولة إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور يعرفه خبر وصولهما، وكتبا ~~أيضا إلى نوح يعرفانه حالهما، ويستنصرانه على مؤيد الدولة. فوردت كتب نوح ~~على حسام الدولة يأمره بإجلال محلهما، وإكرامهما، وجمع العساكر والمسير ~~معهما، وإعادتهما إلى ملكهما، وكتب وزيره أبو الحسين بذلك أيضا. # ذكر مسير حسام الدولة وقابوس إلى جرجان # فلما وردت الكتب من الأمير نوح على حسام الدولة بالمسير بعساكر خراسان ~~جميعها مع فخر الدولة وقابوس، جمع العساكر وحشد، فاجتمع بنيسابور عساكر سدت ~~الفضاء، وساروا نحو جرجان فنازلوها وحصروها، وبها مؤيد الدولة، ومعه من ~~عساكره وعساكر أخيه عضد الدولة جمع كثير، إلا أنهم لا يقاربون عساكر ~~خراسان، فحصرهم حسام الدولة شهرين يغاديهم القتال ويراوحهم، وضاقت الميرة ~~على أهل جرجان، حتى كانوا يأكلون نخالة الشعير معجونة بالطين، فلما اشتد ~~عليهم الأمر خرجوا من جرجان، في شهر رمضان، على عزم صدق القتال إما لهم ~~وإما عليهم. فلما رآهم أهل خراسان ظنوها كما تقدم من الدفعات، يكون قتال، ~~ثم تحاجز، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فرأوا الأمر خلاف [ما] ظنوه. # PageV07P382 # وكان مؤيد الدولة قد كاتب بعض قواد خراسان، يسمى فائق الخاصة، وأطمعه ~~ورغبه، فأجابه إلى الانهزام عند اللقاء. وسيرد من أخبار فائق هذا ما يعرف ~~به محله من الدولة. # فلما خرج مؤيد الدولة، هذا اليوم، حمل عسكره على فائق وأصحابه، فانهزم هو ~~ومن معه، وتبعه الناس، وثبت فخر الدولة، وحسام الدولة في القلب، واشتد ~~القتال إلى آخر النهار، فلما رأوا تلاحق الناس في الهزيمة لحقوا بهم، وغنم ~~أصحاب ms3100 مؤيد الدولة منهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وأخذوا من الأقوات ~~شيئا كثيرا. # وعاد حسام الدولة، وفخر الدولة، وقابوس إلى نيسابور، وكتبوا إلى بخارى ~~بالخبر، فأتاهم الجواب يمنيهم، ويعدهم بإنفاذ العساكر والعود إلى جرجان ~~والري، وأمر الأمير نوح سائر العساكر بالمسير إلى نيسابور، فأتوها من كل ~~حدب ينسلون، فاجتمع بظاهر نيسابور من العساكر أكثر من المرة الأولى، وحسام ~~الدولة ينتظر تلاحق الأمداد ليسير بهم، فأتاهم الخبر بقتل الوزير أبي ~~الحسين العتبي، فتفرق ذلك الجمع، وبطل ذلك التدبير. # وكان سبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع جماعة من المماليك على قتله، ~~فوثبوا به فقتلوه، فلما قتل كتب الرضي نوح بن منصور إلى حسام الدولة ~~يستدعيه إلى بخارى ليدبر دولته، ويجمع ما انتشر منها بقتل أبي الحسين، فسار ~~عن نيسابور إليها، وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسين، وكان قتله سنة ~~اثنتين وسبعين [وثلاثمائة] . # ذكر قتل الأمير أبي القاسم أمير صقلية وهزيمة الفرنج # في هذه السنة، في ذي القعدة، سار الأمير أبو القاسم، أمير صقلية، من ~~المدينة يريد الجهاد. # وسبب ذلك أن ملكا من ملوك الفرنج، يقال له بردويل، خرج في جموع كثيرة # PageV07P383 # من الفرنج إلى صقلية، فحصر قلعة ملطة، وملكها، وأصاب سريتين للمسلمين، ~~فسار الأمير أبو القاسم بعساكره ليرحله عن القلعة، فلما قاربها خاف وجبن ~~فجمع وجوه أصحابه، وقال لهم: إني راجع من مكاني هذا فلا تكسروا علي رأيي. ~~فرجع هو وعساكره. # وكان أسطول الكفار يساير المسلمين في البحر، فلما رأوا المسلمين راجعين ~~أرسلوا إلى بردويل، ملك الروم، يعلمونه ويقولون له: إن المسلمين خائفون ~~منك، فالحق بهم فإنك تظفر. فجرد الفرنجي عسكره من أثقالهم، وسار جريدة، وجد ~~في السير، فأدركهم في العشرين من المحرم سنة اثنتين وسبعين [وثلاثمائة] ، ~~فتعبأ المسلمون للقتال، واقتتلوا، واشتدت الحرب بينهم، فحملت طائفة من ~~الفرنج على القلب والأعلام، فشقوا العسكر ووصلوا إليها، وقد تفرق كثير من ~~المسلمين عن أميرهم، واختل نظامهم، فوصل الفرنج إليه، فأصابته ضربة على أم ~~رأسه فقتل، وقتل معه جماعة من ms3101 أعيان الناس وشجعانهم. # ثم إن المنهزمين من المسلمين رجعوا مصممين على القتال ليظفروا أو يموتوا، ~~واشتد حينئذ الأمر، وعظم الخطب على الطائفتين، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، ~~وقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل، وأسر من بطارقتهم كثير وتبعوهم إلى أن ~~أدركهم الليل، وغنموا من أموالهم كثيرا. وأفلت ملك الفرنج هاربا ومعه رجل ~~يهودي كان خصيصا به، فوقف فرس الملك، فقال له اليهودي: اركب فرسي، فإن قتلت ~~فأنت لولدي فركبه الملك وقتل اليهودي، فنجا الملك إلى خيامه وبها زوجته ~~وأصحابه فأخذهم وعاد إلى رومية. # ولما قتل الأمير أبو القاسم كان معه ابنه جابر، فقام مقام أبيه، ورحل ~~بالمسلمين لوقتهم، ولم يمكنهم من إتمام الغنيمة، فتركوا كثيرا منها، وسأله ~~أصحابه ليقيم إلى أن يجمع السلاح وغيره ويعمر به الخزائن، فلم يفعل. # PageV07P384 # وكانت ولاية أبي القاسم على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، ~~وكان عادلا، حسن السيرة، كثير الشفقة على رعيته والإحسان إليهم، عظيم ~~الصدقة، لم يخلف دينارا ولا درهما ولا عقارا، فإنه كان قد وقف جميع أملاكه ~~على الفقراء وأبواب البر. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع حريق بالكرخ ببغداذ فاحترق [فيها] مواضع كثيرة هلك فيها ~~خلق كثير من الناس، وبقي الحريق أسبوعا. # وفيها قبض عضد الدولة على القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي، وألزمه ~~منزله، وعزله عن أعماله التي كان يتولاها، وكان حنفي المذهب شديد التعصب ~~على الشافعي يطلق لسانه فيه، قاتله الله! . # وفيها أفرج عضد الدولة عن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب. وكان ~~القبض عليه سنة سبع وستين [وثلاثمائة] . # وكان سبب قبضه أنه كان يكتب عن بختيار كتبا في معنى الخلف الواقع بينه ~~وبين عضد الدولة، فكان ينصح صاحبه، فمما كتبه عن الخليفة الطائع إلى عضد ~~الدولة في المعنى، وقد لقب عز الدولة بشاهنشاه، فتزحزح له عن سنن المساواة، ~~فنقم عليه عضد الدولة ذلك، وهذا من أعجب الأشياء، فإنه كان ينبغي أن يعظم ~~في عينه لنصحه لصاحبه، فلما أطلقه أمره بعمل كتاب يتضمن أخبارهم ومحاسنها، ms3102 ~~فعمل التاجي في دولة الديلم. # وفيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الأشعري المعروف # PageV07P385 # بابن الباقلاني إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت منه، فلما وصل إلى ~~الملك قيل له ليقبل الأرض بين يديه، فلم يفعل، فقيل: لا سبيل إلى الدخول ~~إلا مع تقبيل الأرض فأصر على الامتناع، فعمل الملك بابا صغيرا يدخل منه ~~القاضي منحنيا ليوهم الحاضرين أنه قبل الأرض، فلما رأى القاضي الباب علم ~~ذلك، فاستدبره ودخل منه، فلما جازه استقبل الملك وهو قائم، فعظم عندهم ~~محله. # وفيها فتح المارستان العضدي، غربي بغداذ، ونقل إليه جميع ما يحتاج إليه ~~من الأدوية. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ~~الإسماعيلي الجرجاني، الفقيه الشافعي، وكان عالما بالحديث وغيره من العلوم، ~~والإمام محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد أبو زيد المروزي الفقيه الشافعي ~~الزاهد، يروي صحيح البخاري (عن الفربري) ، وتوفي في رجب، وأبو عبد الله ~~محمد بن خفيف الشيرازي، شيخ الصوفية في وقته، صحب الجريري وابن عطاء ~~وغيرهما. # (وفيها توفي أبو الحسن علي بن إبراهيم الصوفي المعروف بالحصري) . # PageV07P386 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة] ### | 372 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة # ذكر ولاية بكجور دمشق # قد ذكرنا سنة ست وستين [وثلاثمائة] ولاية بكجور حمص لأبي المعالي بن سيف ~~الدولة بن حمدان، فلما وليها عمرها وكان بلد دمشق قد خربه العرب وأهل العيث ~~والفساد مدة تحكم قسام عليها، وانتقل أهله إلى أعمال حمص، فعمرت، وكثر ~~أهلها والغلات فيها، ووقع الغلاء والقحط بدمشق، فحمل بكجور الأقوات من حمص ~~إليها وتردد الناس في حمل الغلات، وحفظ الطرق وحماها. # وكاتب العزيز بالله بمصر، وتقرب إليه، فوعده ولاية دمشق، فبقي كذلك إلى ~~هذه السنة. # ووقعت وحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة وبين بكجور، فأرسل ~~سعد الدولة يأمره بأن يفارق بلده، فأرسل بكجور إلى العزيز بالله يطلب نجاز ~~ما وعده من إمارة دمشق. وكان الوزير ابن كلس يمنع العزيز من ولايته إلى هذه ms3103 ~~الغاية. # وكان القائد يلتكين قد ولي دمشق بعد قسام، كما ذكرناه، فهو مقيم بها. ~~فاجتمع المغاربة بمصر على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله، فدعته الضرورة إلى ~~أن # PageV07P387 # يستحضر يلتكين من دمشق، فأمره العزيز بإحضاره وتسليم دمشق إلى بكجور. ~~فقال: إن بكجور إن وليها عصى فيها. فلم يصغ إلى قوله وأرسل إلى يلتكين ~~يأمره بقصد مصر، وتسليم دمشق إلى بكجور، ففعل ذلك، ودخلها في رجب من هذه ~~السنة واليا عليها، فأساء السيرة إلى أصحاب الوزير ابن كلس والمتعلقين به، ~~حتى إنه صلب بعضهم، وفعل مثل ذلك في أهل البلد، وظلم الناس، وكان لا يخلو ~~من أخذ مال، وقتل، وصلب، وعقوبة، فبقي كذلك إلى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، ~~وسنذكر هناك عزله، إن شاء الله تعالى. # ذكر وفاة عضد الدولة # في هذه السنة، في شوال، اشتدت علة عضد الدولة، وهو ما كان يعتاده من ~~الصرع فضعفت قوته (عن دفعه) ، فخنقه، فمات منه ثامن شوال ببغداذ، وحمل إلى ~~مشهد (أمير المؤمنين) علي، عليه السلام، فدفن به. # وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفا. ولما توفي جلس ابنه صمصام الدولة ~~أبو كاليجار للعزاء، فأتاه الطائع لله معزيا، وكان عمر عضد الدولة سبعا ~~وأربعين سنة. وكان قد سير ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكا ~~لها، قبل أن يشتد مرضه، وقيل إنه لما احتضر لم ينطلق لسانه إلا بتلاوة {ما ~~أغنى عني ماليه - هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 28 - 29] . # وكان عاقلا، فاضلا، حسن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ~~ثاقب الرأي، محبا للفضائل وأهلها، باذلا في مواضع العطاء، مانعا في أماكن ~~الحزم ناظرا في عواقب الأمور. # PageV07P388 # قيل: لما مات عضد الدولة بلغ خبره بعض العلماء، وعنده جماعة من أعيان ~~الفضلاء، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء عند موت الإسكندر، وقد ~~ذكرتها في أخباره، فقال بعضهم: لو قلتم أنتم مثلها لكان ذلك يؤثر عنكم. # فقال أحدهم: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، ~~وطلب الربح فيها فخسر روحه فيها. # وقال الثاني: من استيقظ للدنيا فهذا ms3104 نومه، ومن حلم فيها فهذا انتباهه. # وقال الثالث: ما رأيت عاقلا في عقله، ولا غافلا في غفلته مثله، لقد كان ~~ينقض جانبا وهو يظن أنه مبرم، ويغرم وهو يظن أنه غانم. # وقال الرابع: من جد للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدت له. # وقال الخامس: ترك هذا الدنيا شاغرة، ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة. # وقال السادس: إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن ~~لعصوف. # وقال السابع: إنما سلبك من قدر عليك. # وقال الثامن: أما إنه لو كان معتبرا في حياته لما صار عبرة في مماته. # وقال التاسع: الصاعد في درجات الدنيا إلى استفال، والنازل في درجاتها إلى ~~تعال. # وقال العاشر: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه ~~جنة تقيك، إن في ذلك لعبرة للمعتبرين، وإنك لآية للمستبصرين. # وبنى على مدينة النبي، صلى الله عليه سلم، سورا. وله شعر حسن، فمن شعره ~~لما أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته بختيار، ويطلب الأمان، ~~فقال عضد الدولة: # أأفاق حين وطئت ضيق خناقه # يبغي الأمان وكان يبغي صارما ... فلأركبن عزيمة عضدية # تاجية، تدع الأنوف رواغما # PageV07P389 # وقال أبياتا منها بيت لم يفلح بعده، (وهي هذه) : # ليس شرب الكأس إلا ... في المطر، وغناء من جوار # في السحر غانيات، سالبات ... للنهى، ناغمات في تضاعيف الوتر # مبرزات الكأس من مطلعها # ساقيات الراح من فاق البشر ... عضد الدولة وابن ركنها # ملك الأملاك غلاب القدر # وهذا البيت هو المشار إليه. # وحكي عنه أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من ~~الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم إلى الخازن بأن يسلم جامكية ~~الغلمان إلى نقيبهم في شهر قد بقي منه ثلاثة أيام. قال أبو نصر: فأنسيت ذلك ~~أربعة أيام، فسألني عضد الدولة عن ذلك فقلت: أنسيته فأغلظ لي، فقلت: أمس ~~استهل الشهر، والساعة نحمل المال، وما هاهنا ما يوجب شغل القلب. # فقال: المصيبة بما لا تعلمه من الغلط أكثر منها في التفريط، ألا ms3105 تعلم أنا ~~إذا أطلقنا لهم مالهم قبل محله كان الفضل لنا عليهم، فإذا أخرنا ذلك عنهم، ~~حتى استهل الشهر الآخر، حضروا عند عارضهم وطالبوه، فيعدهم فيحضرونه في ~~اليوم الثاني، فيعدهم، ثم يحضرونه في اليوم الثالث، (ويبسطون ألسنتهم) ، ~~فتضيع المنة، وتحصل الجرأة، ونكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح. # وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقا إلى ~~معارضة من ليس من جنس الشافع، ولا فيما يتعلق به. # PageV07P390 # حكي عنه أن مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدم ~~إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال: ليس هذا من أشغالك، إنما الذي يتعلق ~~بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل مرتبة جندي، وما يتعلق بهم، وأما الشهادة ~~وقبولها فهو إلى القاضي وليس لنا ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من ~~إنسان ما يجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير شفاعة. # وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئا كثيرا من الأموال للصدقة والبر في سائر ~~بلاده، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه. # وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به إذا عملوا. # وكان محبا للعلوم وأهلها، مقربا لهم، محسنا إليهم، وكان يجلس معهم ~~يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها " ~~الإيضاح " في النحو، و " الحجة " في القراءات، و " الملكي " في الطب، و " ~~التاجي " في التاريخ، إلى غير ذلك، وعمل المصالح في سائر البلاد ~~كالبيمارستانات والقناطر وغير ذلك من المصالح العامة، إلا أنه أحدث في آخر ~~أيامه رسوما جائرة في المساحة، والضرائب على بيع الدواب، وغيرها من ~~الأمتعة، وزاد على ما تقدم، ومنع من عمل الثلج، والقز، وجعلهما متجرا ~~للخاص، وكان يتوصل إلى أخذ المال بكل طريق. # ولما توفي عضد الدولة قبض على نائبه أبي الريان من الغد، فأخذ من كمه ~~رقعة فيها: # أيا واثقا بالدهر عند انصرافه! ... رويدك إني بالزمان أخو خبر # ويا شامتا مهلا، فكم ذي شماتة ... تكون له العقبى بقاصمة الظهر # PageV07P391 # ذكر ولاية ms3106 صمصام الدولة العراق وملك أخيه شرف الدولة بلاد فارس # لما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ولده أبي كاليجار ~~المرزبان، فبايعوه وولوه الإمارة، ولقبوه صمصام الدولة، فلما ولي خلع على ~~أخويه أبي الحسين أحمد، وأبي طاهر فيروزشاه، وأقطعهما فارس، وأمرهما بالجد ~~في السير ليسبقا أخاهما شرف الدولة أبا الفوارس شيرزيل إلى شيراز. # فلما وصلا إلى أرجان أتاهما خبر وصول شرف الدولة إلى شيراز، فعادا إلى ~~الأهواز. وكان شرف الدولة بكرمان، فلما بلغه خبر وفاة أبيه سار مجدا إلى ~~فارس فملكها، وقبض على نصر بن هارون النصراني، وزير أبيه، وقتله لأنه كان ~~يسيء صحبته أيام أبيه، وأصلح أمر البلاد، وأطلق الشريف أبا الحسين محمد بن ~~عمر العلوي والنقيب أبا أحمد الموسوي (والد الشريف الرضي) ، والقاضي أبا ~~محمد بن معروف، وأبا نصر خواشاذه، وكان عضد الدولة حبسهم، وأظهر مشاقة أخيه ~~صمصام الدولة، وقطع خطبته، وخطب لنفسه، وتلقب بتاج الدولة، وفرق الأموال، ~~وجمع الرجال، وملك البصرة وأقطعها أخاه أبا الحسين، فبقي كذلك ثلاث سنين ~~إلى أن قبض عليه شرف الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # فلما سمع صمصام الدولة بما فعله شرف الدولة سير إليه جيشا واستعمل عليهم ~~الأمير (أبا الحسن بن دبعش، حاجب عضد الدولة، فجهز تاج الدولة عسكرا، ~~واستعمل عليهم الأمير) أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدي، فالتقيا بظاهر ~~قرقوب، واقتتلوا، فانهزم عسكر صمصام الدولة، وأسر دبعش، فاستولى حينئذ أبو ~~الحسين بن عضد الدولة على الأهواز، وأخذ ما فيها وفي رامهرمز، وطمع في ~~الملك، وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. # PageV07P392 # ذكر قتل الحسين بن عمران بن شاهين # في هذه السنة قتل الحسين بن عمران بن شاهين، صاحب البطيحة، قتله أخوه أبو ~~الفرج واستولى على البطيحة. # وكان سبب قتله أنه حسده على ولايته ومحبة الناس له، فاتفق أن أختا لهما ~~مرضت، فقال أبو الفرج لأخيه الحسين: إن أختنا مشفية، فلو عدتها ففعل وسار ~~إليها، ورتب أبو الفرج في الدار نفرا يساعدونه على قتله، فلما دخل الحسين ms3107 ~~الدار تخلف عنه أصحابه، ودخل أبو الفرج معه وبيده سيفه، فلما خلا به قتله، ~~ووقعت الصيحة، فصعد إلى السطح وأعلم العسكر بقتله، ووعدهم الإحسان فسكتوا، ~~وبذل لهم المال، فأقروه في الأمر، وكتب إلى بغداذ يظهر الطاعة، ويطلب ~~تقليده الولاية، وكان متهورا جاهلا. # ذكر عود ابن سيمجور إلى خراسان # لما عزل أبو الحسن بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان ووليها أبو العباس سار ~~ابن سيمجور إلى سجستان فأقام بها، فلما انهزم أبو العباس عن جرجان، على ما ~~ذكرناه، رأى الفتنة قد رفعت رأسها، سار عن سجستان نحو خراسان، وأقام ~~بقهستان. فلما سار أبو العباس إلى بخارى، وخلت منه خراسان، كاتب ابن سيمجور ~~فائقا يطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان، فأجابه إلى ذلك، واجتمعا ~~بنيسابور، واستوليا على تلك النواحي. # وبلغ الخبر إلى أبي العباس فسار عن بخارى في جمع كثير إلى مرو، وترددت ~~الرسل بينهم، فاصطلحوا على أن تكون نيسابور وقيادة الجيوش لابن العباس، ~~وتكون بلخ لفائق، وتكون هراة لأبي علي بن أبي الحسن بن سيمجور، وتفرقوا على ~~ذلك، وقصد كل واحد منهم ولايته. # PageV07P393 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي نقيب النقباء أبو تمام الزينبي، وولي النقابة بعده ~~ابنه أبو الحسن، وتوفي محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرة في صفر ببغداذ، ~~وتوفي في جمادى الأولى منصور بن أحمد بن هارون الزاهد وهو ابن خمس وستين ~~سنة. # PageV07P394 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة] ### | 373 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة # ذكر موت مؤيد الدولة وعود فخر الدولة إلى مملكته # في هذه السنة، في شعبان، توفي مؤيد الدولة أبو منصور بويه بن ركن الدولة ~~بجرجان، وكانت علته الخوانيق، وقال له الصاحب بن عباد: لو عهدت إلى أحد ~~فقال: أنا في شغل عن هذا، ولم يعهد بالملك إلى أحد وكان عمره ثلاثا وأربعين ~~سنة. # وجلس صمصام الدولة للعزاء ببغداذ، فأتاه الطائع لله معزيا، فلقيه في ~~طيارة. ولما مات مؤيد الدولة تشاور أكابر دولته فيمن يقوم مقامه، فأشار ~~الصاحب إسماعيل بن عباد بإعادة فخر ms3108 الدولة إلى مملكته، إذ هو كبير البيت، ~~ومالك تلك البلاد قبل مؤيد الدولة، ولما فيه من آيات الإمارة والملك. فكتب ~~إليه واستدعاه، وهو بنيسابور، وأرسل الصاحب إليه من استخلفه لنفسه، وأقام ~~في الوقت خسرو فيروز بن ركن الدولة ليسكن الناس إلى قدوم فخر الدولة. # فلما وصلت الأخبار إلى فخر الدولة سار إلى جرجان، فلقيه العسكر بالطاعة، ~~وجلس في دست ملكي في رمضان بغير منة لأحد، فسبحان من إذا أراد أمرا كان. ~~ولما عاد إلى مملكته قال له الصاحب: يا مولانا قد بلغك الله، وبلغني فيك ما ~~أملته، من حقوق خدمتي لك إجابتي إلى ترك الجندية، وملازمة داري والتوفر على ~~أمر الله. فقال: لا تقل هذا، فما أريد الملك إلا لك، ولا يستقيم لي أمر إلا ~~بك، وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهتها أنا أيضا وانصرفت. # PageV07P395 # فقبل الأرض، وقال: الأمر لك فاستوزره وأكرمه وعظمه، وصدر عن رأيه في جليل ~~الأمور وصغيرها. # وسيرت الخلع من الخليفة إلى فخر الدولة، والعهد، واتفق فخر الدولة وصمصام ~~الدولة فصارا يدا واحدة. # ذكر عزل أبي العباس عن خراسان وولاية ابن سيمجور # لما عاد أبو العباس عن بخارى إلى نيسابور، كما ذكرناه،، استوزر الأمير ~~نوح عبد الله بن عزير، وكان ضدا لأبي الحسين العتبي، وأبي العباس، فلما ولي ~~الوزارة بدأ بعزل أبي العباس عن خراسان، وإعادة أبي الحسن بن سيمجور إليها، ~~فكتب من بخراسان من القواد إليه يسألونه أن يقر أبا العباس على عمله، فلم ~~يجبهم إلى ذلك، فكتب أبو العباس إلى فخر الدولة بن بويه يستمده، فأمده بمال ~~كثير وعسكر، فأقاموا بنيسابور، وأتاهم أبو محمد عبد الله بن عبد الرزاق ~~معاضدا لهم على ابن سيمجور. # وكان أبو العباس حينئذ بمرو، فلما سمع أبو الحسن بن سيمجور وفائق بوصول ~~عسكر فخر الدولة إلى نيسابور قصدوهم، فانحاز عسكر فخر الدولة وابن عبد ~~الرزاق، وأقاموا ينتظرون أبا العباس، ونزل ابن سيمجور ومن معه بظاهر ~~نيسابور، ووصل أبو العباس فيمن معه واجتمع بعسكر الديلم، ونزل بالجانب ~~الآخر، وجرى بينهم حروب عدة ms3109 أيام، وتحصن ابن سيمجور بالبلد، وأنفذ فخر ~~الدولة إلى أبي العباس عسكرا آخر، أكثر من ألفي فارس، فلما رأى ابن سيمجور ~~قوة أبي العباس انحاز عن نيسابور، فسار عنها ليلا، وتبعه عسكر أبي العباس، ~~فغنموا كثيرا من أموالهم ودوابهم، واستولى أبو العباس على نيسابور، وراسل ~~الأمير نوح بن منصور يستميله ويستعطفه، ولج ابن عزير في عزله، ووافقه على ~~ذلك والدة الأمير نوح، وكانت تحكم في دولة ولدها، وكانوا يصدرون عن رأيها، ~~فقال بعض أهل العصر في ذلك: # PageV07P396 # شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء، وإمرة الصبيان # أما النساء فميلهن إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغير عنان # ذكر انهزام أبي العباس إلى جرجان ووفاته # لما انهزم ابن سيمجور أقام أبو العباس بنيسابور يستعطف الأمير نوحا ~~ووزيره ابن عزير، وترك اتباع ابن سيمجور وإخراجه من خراسان، فتراجع إلى ابن ~~سيمجور أصحابه المنهزمون، وعادت قوته، وأتته الأمداد من بخارى، وكاتب شرف ~~الدولة أبا الفوارس بن عضد الدولة، وهو بفارس، يستمده، فأمده بألفي فارس ~~مراغمة لعمه فخر الدولة، فلما كثف جمعه قصد أبا العباس، (فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا إلى آخر النهار، فانهزم أبو العباس) وأصحابه، وأسر منهم جماعة ~~كثيرة. # وقصد أبو العباس جرجان، وبها فخر الدولة، فأكرمه وعظمه، وترك له جرجان ~~ودهستان وأستراباذ صافية له ولمن معه، وسار عنها إلى الري، وأرسل إليه من ~~الأموال والآلات ما يجل عن الوصف. # وأقام أبو العباس بجرجان هو وأصحابه، وجمع العساكر وسار نحو خراسان، فلم ~~يصل إليها، وعاد إلى جرجان وأقام بها ثلاث سنين، ثم وقع بها وباء شديد مات ~~فيه كثير من أصحابه، ثم مات هو أيضا، وكان موته سنة سبع وسبعين [وثلاثمائة] ~~، وقيل: إنه مات مسموما. # وكان أصحابه قد أساءوا السيرة مع أهل جرجان، فلما مات ثار بهم أهلها ~~ونهبوهم، وجرت بينهم وقعة عظيمة أجلت عن هزيمة الجرجانية، وقتل منهم خلق ~~كثير، وأحرقت دورهم، ونهبت أموالهم، وطلب مشايخهم الأمان، فكفوا عنهم، ~~وتفرق أصحابه، فسار أكثرهم إلى خراسان، واتصلوا بأبي علي بن أبي الحسن بن ~~سيمجور، ms3110 وكان حينئذ صاحب الجيش مكان أبيه، وكان والده قد توفي فجأة، وهو ~~يجامع بعض حظاياه، فمات على صدرها، فلما مات قام بالأمر بعده ابنه أبو علي، # PageV07P397 # واجتمع إخوته على طاعته، منهم أخوه أبو القاسم وغيره، فنازعه فائق ~~الولاية، وسنذكر ذلك سنة ثلاث وثمانين [وثلاثمائة] عند ملك الترك بخارى، إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر قتل أبي الفرج محمد بن عمران وملك أبي المعالي ابن أخيه الحسن # في هذه السنة قتل أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة، وولي، ~~أبو المعالي ابن أخيه الحسن. # وسبب قتله أن أبا الفرج قدم الجماعة الذين ساعدوه على قتل أخيه، ووضع من ~~حال مقدمي القواد، فجمعهم المظفر بن علي الحاجب، وهو أكبر قواد أبيه عمران ~~وأخيه الحسن، وحذرهم عاقبة أمرهم، فاجتمعوا على قتل أبي الفرج، فقتله ~~المظفر وأجلس أبا المعالي مكانه، وتولى تدبيره بنفسه، وقتل كل من كان يخافه ~~من القواد، ولم يترك معه إلا من يثق به، وكان أبو المعالي صغيرا. # ذكر استيلاء المظفر على البطيحة # لما طالت أيام علي المظفر بن علي الحاجب، وقوي أمره، طمع في الاستقلال ~~بأمر البطيحة، فوضع كتابا عن لسان صمصام الدولة إليه يتضمن التعويل عليه في ~~ولاية البطيحة، وسلمه إلى ركابي غريب، وأمره أن يأتيه إذا كان القواد ~~والأجناد عنده، ففعل ذلك، وأتاه وعليه أثر الغبار، وسلم إليه الكتاب، فقبله ~~وفتحه، وقرأه بمحضر من الأجناد، وأجاب بالسمع والطاعة، وعزل أبا المعالي، ~~وجعله مع والدته، وأجرى عليهما جراية، ثم أخرجهما إلى واسط، وكان يصلهما ~~بما ينفقانه، واستبد بالأمر وأحسن السيرة، وعدل في الناس مدة. # ثم إنه عهد إلى ابن أخته أبي الحسن علي بن نصر الملقب بمهذب الدولة وكان ~~يلقب حينئذ بالأمير المختار، وبعده إلى أبي الحسن علي بن جعفر، وهو ابن ~~أخته الأخرى، وانقرض بيت عمران بن شاهين، وكذلك الدنيا دول، وما أشبه حاله ~~بحال باذ، فإنه ملك، وانتقل الملك إلى ابن أخته ممهد الدولة ابن مروان. # PageV07P398 # ذكر عصيان محمد بن غانم # وفيها عصى محمد بن غانم ms3111 البرزيكاني بناحية كوردر، من أعمال قم، على فخر ~~الدولة، وأخذ بعض غلات السلطان، وامتنع بحصن الهفتجان، وجمع البرزيكاني إلى ~~نفسه، فسارت إليه العساكر، في شوال، لقتاله، فهزمها، وأعيدت إليه من الري ~~مرة أخرى فهزمها. # فأرسل فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه ينكر ذلك عليه، ويأمره ~~بإصلاح الحال معه، ففعل، وراسله، فاصطلحوا أول سنة أربع وسبعين [وثلاثمائة] ~~(وبقي إلى سنة خمس وسبعين) ، فسار إليه جيش لفخر الدولة، فقاتله، فأصابته ~~طعنة، وأخذ أسيرا، فمات من طعنته. # ذكر انتقال بعض صنهاجة من إفريقية إلى الأندلس وما فعلوه # في هذه السنة انتقل أولاد زيري بن مناد، وهم زاوي وجلالة وماكسن إخوة ~~بلكين، إلى الأندلس. # وسبب ذلك أنهم وقع بينهم وبين أخيهم حماد حروب وقتال على بلاد بينهم، ~~فغلبهم حماد، فتوجهوا إلى طنجة ومنها إلى قرطبة، فأنزلهم محمد بن أبي عامر ~~وسر بهم، وأجرى عليهم الوظائف وأكرمهم، وسألهم عن سبب انتقالهم، فأخبروه، ~~وقالوا له: إنما اخترناك على غيرك، وأحببنا أن نكون معك نجاهد في سبيل ~~الله. فاستحسن ذلك منهم، ووعدهم ووصلهم، فأقاموا أياما. # ثم دخلوا عليه وسألوه إتمام ما وعدهم به من الغزو، فقال: انظروا ما أردتم ~~من الجند نعطكم فقالوا: ما يدخل معنا بلاد العدو غيرنا إلا الذين معنا من ~~بني عمنا، وصنهاجة وموالينا فأعطاهم الخيل والسلاح والأموال، وبعث معهم ~~دليلا، وكان الطريق ضيقا، فأتوا أرض جليقية، فدخلوها ليلا، وكمنوا في بستان ~~بالقرب من # PageV07P399 # المدينة، وقتلوا كل من به وقطعوا أشجاره. فلما أصبحوا خرج جماعة من البلد ~~فضربوا عليهم وأخذوهم وقتلوهم جميعهم ورجعوا. # وتسامع العدو، فركبوا في أثرهم، فلما أحسوا بذلك كمنوا وراء ربوة، فلما ~~جاوزهم العدو خرجوا عليهم من ورائهم، وضربوا في ساقتهم وكبروا، فلما سمع ~~العدو تكبيرهم ظنوا أن العدد كثير، فانهزموا، وتبعهم صنهاجة، فقتلوا خلقا ~~كثيرا، وغنموا دوابهم وسلاحهم وعادوا إلى قرطبة، فعظم ذلك عند ابن أبي ~~عامر، ورأى من شجاعتهم ما لم يره من جند الأندلس، فأحسن إليهم وجعلهم ~~بطانته. # ذكر غزو ابن أبي عامر إلى الفرنج بالأندلس ms3112 # لما رأى أهل الأندلس فعل صنهاجة حسدوهم، ورغبوا في الجهاد، وقالوا ~~للمنصور بن أبي عامر: لقد نشطنا هؤلاء للغزو. فجمع الجيوش الكثيرة من سائر ~~الأقطار، وخرج إلى الجهاد، وكان رأى في منامه، تلك الليالي، كأن رجلا أعطاه ~~الأسبراج، فأخذه من يده وأكل منه، فعبره على ابن أبي جمعة، فقال له: اخرج ~~إلى بلد إليون فإنك ستفتحها فقال: من أين أخذت هذا؟ فقال: لأن الأسبراج ~~يقال له في المشرق الهليون، فملك الرؤيا قال لك: ها ليون. # فخرج إليها ونازلها، وهي من أعظم مدائنهم، واستمد أهلها الفرنج، فأمدوهم ~~بجيوش كثيرة، واقتتلوا ليلا ونهارا، فكثر القتل فيهم، وصبرت صنهاجة صبرا ~~عظيما، ثم خرج قومص كبير من الفرنج لم يكن لهم مثله، فجال بين الصفوف وطلب ~~البراز، فبرز إليه جلالة بن زيري الصنهاجي فحمل كل واحد منهما على صاحبه، ~~فطعنه الفرنجي فمال عن الطعنة وضربه بالسيف على عاتقه فأبان عاتقه، فسقط ~~الفرنجي إلى الأرض، وحمل المسلمون على النصارى، فانهزموا إلى بلادهم، وقتل ~~منهم ما لا يحصى (وملك المدينة) . # PageV07P400 # وغنم ابن أبي عامر غنيمة عظيمة لم ير مثلها، واجتمع من السبي ثلاثون ~~ألفا، وأمر بالقتلى فنضدت بعضها على بعض، وأمر مؤذنا أذن فوق القتلى ~~المغرب، وخرب مدينة قامونة، ورجع سالما هو وعساكره. # ذكر وفاة يوسف بلكين وولاية ابنه المنصور # في هذه السنة، لسبع بقين من ذي الحجة، توفي يوسف بلكين بن زيري صاحب ~~إفريقية بوارقلين. # وسبب مضيه إليها أن خزرون الزناتي دخل سجلماسة، وطرد عنها نائب يوسف ~~بلكين، ونهب ما فيها من الأموال والعدد، وتغلب على فاس زيري بن عطية ~~الزناتي، فرحل يوسف إليها، فاعتل في الطريق بقولنج، وقيل خرج في يده بثرة ~~فمات منها، فأوصى بولاية ابنه المنصور، وكان المنصور بمدينة أشير، فجلس ~~للعزاء بأبيه، وأتاه أهل القيروان وسائر البلاد يعزونه بأبيه ويهنونه ~~بالولاية، فأحسن إلى الناس وقال لهم: إن أبي يوسف وجدي زيري كانا يأخذان ~~الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يولى بكتاب ويعزل ~~بكتاب، يعني أن الخليفة بمصر لا ms3113 يقدر على عزله بكتاب. # ثم سار إلى القيروان، وسكن برقادة، وولي الأعمال، واستعمل الأمراء وأرسل ~~هدية عظيمة إلى العزيز بالله بمصر، قيل: كانت قيمتها ألف ألف دينار، ثم عاد ~~إلى أشير، واستخلف على جباية الأموال بالقيروان، والمهدية، وجميع إفريقية ~~إنسانا يقال له عبد الله بن الكاتب. # ذكر أمر باذ الكردي خال بني مروان وملكه الموصل # في هذه السنة قوي أمر باذ الكردي، واسمه أبو عبد الله الحسين بن دوستك # PageV07P401 # وهو من الأكراد الحميدية، وكان ابتداء أمره أنه كان يغزو بثغور ديار بكر ~~كثيرا، وكان عظيم الخلقة، له بأس وشدة، فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر ~~عنده، فلما رأى عضد الدولة خافه وقال: ما أظنه يبقي علي فهرب حين خرج من ~~عنده، وطلبه عضد الدولة بعد خروجه ليقبض عليه، وقال: له بأس وشدة، وفيه شر، ~~ويجوز الإبقاء على مثله فأخبر بهربه فكف عن طلبه. # وحصل بثغور ديار بكر، وأقام بها إلى أن استفحل أمره وقوي، وملك ميافارقين ~~وكثيرا من ديار بكر بعد موت عضد الدولة، ووصل بعض أصحابه إلى نصيبين، ~~فاستولى عليها، فجهز صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن ~~أردشير، فواقعه، فانهزم بهرام وأسر جماعة من أصحابه، وقوي أمر باذ، فأرسل ~~صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمد الحاجب في عسكر كثير، فالتقوا ~~بباجلايا على خابور الحسينية، من بلد كواشى، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم ~~سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير من الديلم، فقتل وأسر، ثم قتل الأسرى ~~صبرا. وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسن البشنوي: # بباجلايا جلونا عنه غمته # ونحن في الروع جلاءون للكرب # (يعني باذا) ، (وسنذكر سببه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، إن شاء الله ~~تعالى. # ولما هزم باذ الديلم وسعدا، وفعل بهم ما تقدم ذكره، سبقه سعد فدخل ~~الموصل، وسار باذ في أثره، فثار العامة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم، فنجا ~~منهم بنفسه، ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها، وقويت شوكته، وحدث نفسه ~~بالتغلب على بغداذ وإزالة الديلم عنها، وخرج من حد المتطرفين، وصار في عداد ms3114 ~~أصحاب # PageV07P402 # الأطراف. فخافه صمصام الدولة، وأهمه أمره، وشغله عن غيره، وجمع العساكر ~~ليسيرها إليه، فانقضت السنة. # وقد حدثني بعض أصدقائنا من الأكراد الحميدية ممن يعتني بأخبار باذ أن ~~باذا كنيته أبو شجاع، واسمه باذ، وأن أبا عبد الله هو الحسين بن دوستك، وهو ~~أخو باذ، وكان ابتداء أمره أنه، كان يرعى الغنم، وكان كريما جوادا، وكان ~~يذبح الغنم التي له ويطعم الناس، فظهر عنه اسم الجود، فاجتمع عليه الناس، ~~وصار يقطع الطريق، وكلما حصل له شيء أخرجه، فكثر جمعه، وصار يغزو، ثم إنه ~~دخل أرمينية، فملك مدينة أرجيش، وهي أول مدينة ملكها، فقوي بها، وسار منها ~~إلى ديار بكر، فملك مدينة آمد، ثم ملك مدينة ميافارقين وغيرها من ديار بكر، ~~وسار إلى الموصل فملكها كما ذكرناه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل العزيز بالله (الخليفة العلوي) على دمشق وأعمالها ~~بكجور التركي مولى قرغويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان، وكان له حمص، ~~فسار منها إلى دمشق، وظلم أهلها، وعسفهم وأساء السيرة فيهم، وقد ذكرناه سنة ~~اثنتين وسبعين [وثلاثمائة] مستقصى. # وفيها وزر أبو محمد علي بن العباس بن فسانجس لشرف الدولة. # وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم أضاءت له الدنيا، وسمع له مثل دوي ~~الرعد الشديد. # وفيها غلت الأسعار بالعراق وما يجاوره من البلاد، وعدمت الأقوات، فمات ~~كثير من الناس جوعا. # PageV07P403 # وفيها وزر أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان لصمصام الدولة. # وفيها ورد القرامطة إلى قريب بغداذ، وطمعوا بموت عضد الدولة، فصولحوا على ~~مال أخذوه وعادوا. # [الوفيات] # وفيها، (في جمادى الآخرة) ، توفي (سعيد بن سلام) أبو عثمان المغربي ~~بنيسابور، ومولده بالقيروان، ودخل الشام، فصحب الشيوخ منهم أبو الخير ~~الأقطع وغيره، (وكان من أرباب الأحوال) . # PageV07P404 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة] ### | 374 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة # ذكر عود الديلم إلى الموصل وانهزام باذ # لما استولى باذ الكردي على الموصل اهتم صمصام الدولة ووزيره ابن سعدان ~~بأمره، فوقع الاختيار على إنفاذ زيار بن شهراكويه، وهو أكبر قوادهم، ms3115 فأمره ~~بالمسير إلى قتاله، وجهزه، وبالغ في أمره، وأكثر معه الرجال والعدد ~~والأموال، وسار إلى باذ، فخرج إليهم، ولقيهم في صفر من هذه السنة، فأجلت ~~الوقعة عن هزيمة باذ وأصحابه وأسر كثير من عسكره وأهله، وحملوا إلى بغداذ ~~فشهروا بها، وملك الديلم الموصل. # وأرسل زيار عسكرا مع سعد الحاجب في طلب باذ، فسلكوا على جزيرة ابن عمر، ~~وأرسل عسكرا آخر إلى نصيبين، فاختلفوا على مقدميهم، فلم يطاوعوهم على ~~المسير إليه، وكان باذ بديار بكر قد جمع خلقا كثيرا، فكتب وزير صمصام ~~الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وبذل له تسليم ديار بكر ~~إليه، فسير إليها جيشا، فلم يكن لهم قوة بأصحاب باذ، فعادوا إلى حلب، ~~وكانوا قد حصروا ميافارقين، فلما شاهد سعد ذلك من عسكره أعمل الحيلة في قتل ~~باذ، فوضع رجلا على ذلك فدخل الرجل خيمة باذ ليلا، وضربه بالسيف، وهو يظن ~~أنه يضرب رأسه، فوقعت الضربة على ساقه، فصاح، وهرب ذلك الرجل، فمرض باذ من ~~تلك الضربة، فأشفى على الموت، وكان قد جمع معه من الرجال خلقا كثيرا، فراسل ~~زيارا وسعدا # PageV07P405 # يطلب الصلح، فاستقر الحال بينهم، واصطلحوا على أن تكون ديار بكر لباذ، ~~والنصف من طور عبدين أيضا، وانحدر زيار إلى بغداذ، وأقام سعد بالموصل. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد أبو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الكوفة، وهي أول ~~إمارة بني ثمال. # وفيها خطب أبو الحسين بن عضد الدولة بالأهواز لفخر الدولة، وخطب له أبو ~~طاهر بن عضد الدولة بالبصرة، ونقشا اسمه على السكة. # وفيها خطب لصمصام الدولة بعمان، وكانت لشرف الدولة، ونائبه بها أستاذ ~~هرمز، فصار مع صمصام الدولة، فلما بلغ الخبر إلى شرف الدولة أرسل إليه ~~جيشا، فانهزم أستاذ هرمز وأخذ أسيرا، وعادت عمان إلى شرف الدولة، وحبس ~~أستاذ هرمز في بعض القلاع وطولب بمال كثير. # وفيها توفي علي بن كامة، مقدم عسكر ركن الدولة. # وفيها أفرج شرف الدولة عن أبي منصور بن صالحان واستوزره، وقبض على وزيره ~~أبي محمد ms3116 بن فسانجس. # وفيها أرسل شرف الدولة رسولا إلى القرامطة، فلما عاد قال: إن القرامطة ~~سألوني عن الملك فأخبرتهم (بحسن سيرته) فقالوا: من ذلك أنه استوزر ثلاثة في ~~سنة لغير سبب، فلم يغير شرف الدولة بعد هذا (على وزيره) أبي منصور بن ~~صالحان. # PageV07P406 # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي، الحافظ ~~المشهور، وقيل في سنة (تسع وستين [وثلاثمائة] ، وكان ضعيفا في الحديث) . # PageV07P407 ### | [ثم دخلت سنة خمس سبعين وثلاثمائة] ### | 375 - # ثم دخلت سنة خمس سبعين وثلاثمائة # ذكر الفتنة ببغداذ # في هذه السنة جرت فتنة ببغداذ بين الديلم، وكان سببها أن أسفار بن ~~كردويه، وهو من أكابر القواد، استنفر من صمصام الدولة، واستمال كثيرا من ~~العسكر إلى طاعة شرف الدولة، واتفق رأيهم على أن يولوا الأمير بهاء الدولة ~~أبا نصر بن عضد الدولة (العراق نيابة عن أخيه شرف الدولة) . # وكان صمصام الدولة مريضا، فتمكن أسفار من الذي عزم عليه، وأظهر ذلك، ~~وتأخر عن الدار، وراسله صمصام الدولة يستميله ويسكنه، فما زاده إلا تماديا، ~~فلما رأى ذلك من حاله راسل الطائع يطلب منه الركوب معه، وكان صمصام الدولة ~~قد أبل من مرضه، فامتنع الطائع من ذلك، فشرع صمصام الدولة، واستمال فولاذ ~~زماندار، وكان موافقا لأسفار إلا أنه كان يأنف من متابعته لكبر شأنه. فلما ~~راسله صمصام الدولة أجابه، واستحلفه على ما أراد، وخرج من عنده، وقاتل ~~أسفار، فهزمه فولاذ، وأخذ الأمير أبو نصر أسيرا، وأحضر عند أخيه صمصام ~~الدولة، فرق له، وعلم أنه لا ذنب له، فاعتقله مكرما، وكان عمره حينئذ خمس ~~عشرة سنة. # وثبت أمر صمصام الدولة، وسعى إليه بابن سعدان الذي كان وزيره، فعزله، # PageV07P408 # وقيل إنه كان هواه معهم، فقتل ومضى أسفار إلى الأهواز، واتصل بالأمير أبي ~~الحسين بن عضد الدولة، وخدمه، وسار باقي العسكر إلى شرف الدولة. # ذكر أخبار القرامطة # في هذه السنة ورد إسحاق وجعفر البحريان، وهما من الستة القرامطة الذين ~~يلقبون بالسادة، فملكا الكوفة وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما في ~~النفوس من ms3117 هيبتهم وبأسهم وكان لهم من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار ~~أقطعاهم الكثير. # وكان نائبهم ببغداذ يعرف بأبي بكر بن شاهويه يتحكم تحكم الوزراء فقبض ~~عليه صمصام الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة ~~يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم ~~بلاده، وبثا أصحابهما وجبيا المال. # ووصل أبو قيس الحسن بن المنذر إلى الجامعين، وهو من أكابرهم، فأرسل صمصام ~~الدولة العساكر ومعهم العرب فعبروا الفرات إليه وقاتلوه فانهزم عنهم، وأسر ~~أبو قيس وجماعة من قوادهم فقتلوا فعاد القرامطة وسيروا جيشا آخر في عدد ~~كثير وعدة فالتقوا هم وعساكر صمصام الدولة بالجامعين أيضا، فأجلت الوقعة عن ~~هزيمة القرامطة، وقتل مقدمهم وغيره، وأسر جماعة، ونهب سوادهم، فلما بلغ ~~المنهزمون إلى الكوفة رحل القرامطة وتبعهم العسكر إلى القادسية فلم يدركوهم ~~وزال من حينئذ ناموسهم. # ذكر الإفراج عن ورد الرومي وما صار أمره إليه ودخول الروس في النصرانية # في هذه السنة أفرج صمصام الدولة عن ورد الرومي، وقد تقدم ذكر حبسه. فلما ~~كان الآن أفرج عنه وأطلقه، وشرط عليه إطلاق عدد كثير من أسارى المسلمين، # PageV07P409 # وأن يسلم إليه سبعة حصون من بلد الروم برساتيقها، وأن لا يقصد بلاد ~~الإسلام هو ولا أحد من أصحابه ما عاش، وجهزه بما يحتاج إليه من مال وغيره، ~~فسار إلى بلاد الروم، واستمال في طريقه خلقا كثيرا من البوادي وغيرهم، ~~وأطمعهم في العطاء والغنيمة، وسار حتى نزل بملطية، فتسلمها، وقوي بها وبما ~~فيها من مال وغيره. # وقصد ورديس بن لاون، فتراسلا، واستقر الأمر بينهما على أن تكون ~~القسطنطينية، وما جاورها من شمالي الخليج، لورديس. وهذا الجانب من الخليج ~~لورد، وتحالفا واجتمعا، فقبض ورديس على ورد وحبسه، ثم إنه ندم فأطلقه عن ~~قريب، وعبر ورديس الخليج، وحصر القسطنطينية وبها الملكان ابنا أرمانوس، ~~وهما بسيل وقسطنطين، وضيق عليهما، فراسلا ملك الروسية، واستنجداه وزوجاه ~~بأخت لهما، فامتنعت من تسليم نفسها إلى من يخالفها في الدين، فتنصر، وكان ~~هذا أول النصرانية بالروس، وتزوجها وسار إلى ms3118 لقاء ورديس، فاقتتلوا وتحاربوا ~~فقتل ورديس، واستقر الملكان في ملكهما، وراسلا وردا وأقراه على ما بيده، ~~فبقي مديدة ومات، وقيل: إنه مات مسموما. # وتقدم بسيل في الملك، وكان شجاعا عادلا، وحسن الرأي، ودام ملكه، وحارب ~~البلغار خمسا وثلاثين سنة، وظفر بهم، وأجلى كثيرا منهم من بلادهم، وأسكنها ~~الروم، وكان كثير الإحسان إلى المسلمين والميل إليهم. # ذكر ملك شرف الدولة الأهواز # في هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من فارس يطلب ~~الأهواز، وأرسل إلى أخيه أبي الحسين وهو بها يطيب نفسه، ويعده الإحسان، وأن ~~يقره على ما بيده من الأعمال، وأعلمه أن مقصده العراق، وتخليص أخيه الأمير ~~أبي نصر من محبسه، فلم يصغ أبو الحسين إلى قوله، وعزم على منعه، وتجهز ~~لذلك، فأتاه الخبر بوصول شرف الدولة إلى أرجان، ثم إلى رامهرمز، فتسلل ~~أجناده إلى شرف الدولة ونادوا بشعاره، فهرب أبو الحسين نحو الري إلى عمه ~~فخر الدولة، فبلغ أصبهان وأقام بها، واستنصر عمه فأطلق له مالا ووعده ~~بنصره. # PageV07P410 # فلما طال عليه الأمر قصد التغلب على أصبهان ونادى بشعار أخيه شرف الدولة، ~~فثار به جندها وأخذوه أسيرا وسيروه إلى الري، فحبسه عمه، وبقي محبوسا إلى ~~أن مرض عمه فخر الدولة مرض الموت، فلما اشتد مرضه أرسل إليه من قتله، وكان ~~يقول شعرا، فمن قوله: # هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى، وفك من الأسر # فمن لي بأيام الشباب التي مضت ... ومن لي بما قد فات في الحبس من عمري # وأما شرف الدولة فإنه سار إلى الأهواز وملكها، وأرسل إلى البصرة فملكها، ~~وقبض على أخيه أبي طاهر، وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة، فراسله في الصلح، ~~فاستقر الأمر على أن يخطب لشرف الدولة بالعراق قبل صمصام الدولة، ويكون ~~صمصام الدولة نائبا عنه، ويطلق أخاه الأمير بهاء الدولة أبا نصر، فأطلقه ~~وسيره إليه، وصلح الحال واستقام. # وكان قواد شرف الدولة يحبون الصلح لأجل العود إلى أوطانهم، وخطب لشرف ~~الدولة بالعراق، وسيرت إليه الخلع والألقاب من الطائع لله، فإلى أن عادت ms3119 ~~الرسل إلى شرف الدولة ليحلفوه ألقت إليه البلاد مقاليدها كواسط وغيرها، ~~وكاتبه القواد بالطاعة، فعاد عن الصلح، وعزم على قصد بغداذ والاستيلاء على ~~الملك، ولم يحلف لأخيه. # وكان معه الشريف أبو الحسن محمد بن عمر يشير عليه بقصد العراق، ويحثه ~~عليه، ويطمعه فيه، فوافقه على ذلك. وسنذكر باقي خبره سنة ست وسبعين ~~[وثلاثمائة] ، إن شاء الله تعالى. # ذكر انهزام عساكر المنصور من صاحب سجلماسة # قد ذكرنا استيلاء خزرون وزيري الزناتيين على سجلماسة وفاس، وموت يوسف ~~بلكين لما قصدهما، فلما مات تمكنا من تلك البلاد فلما استقر المنصور سير # PageV07P411 # جيشا كثيفا إليهما ليردهما إلى طاعته، فلما صار الجيش قريب فاس خرج إليهم ~~صاحبها زيري بن عطية الزناتي، المعروف بالقرطاس، في عساكره، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم عسكر المنصور، وقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة كثيرة، وثبت ~~قدمه في ولايته. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج بعمان طائر من البحر كبير، أكبر من الفيل، ووقف على تل ~~هناك، وصاح بصوت عال، ولسان فصيح: قد قرب، قد قرب، قد قرب، ثلاثا ثم غاص في ~~البحر، فعل ذلك ثلاثة أيام، ثم غاب ولم ير بعد ذلك. # وفيها جدد صمصام الدولة ببغداذ على الثياب الإبريسم والقطن المبيعة ضريبة ~~مقدارها عشر الثمن، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع الصلاة، ~~وكاد البلد يفتتن، فأعفوا من ذلك. # [الوفيات] # وفيها توفي ابن مؤيد الدولة بن بويه، فجلس صمصام الدولة للعزاء، فأتاه ~~الطائع لله معزيا. # وفيها توفي أبو علي الحسين بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي ~~المشهور، وأبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي، وكان رئيس أصحاب # PageV07P412 # الشافعي بالعراق، وتوفي في شوال وله نيف وسبعون سنة، وأبو بكر محمد بن ~~عبد الله بن محمد بن صالح الفقيه المالكي، ومولده سنة سبع وثمانين ومائتين، ~~وسئل أن يلي قضاء القضاة فامتنع. والوليد بن أحمد بن محمد بن الوليد أبو ~~العباس الزوزني الصوفي المحدث، كان من العلماء في الحقائق، وله تصانيف ~~حسنة. # PageV07P413 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة] ### | 376 ms3120 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة # ذكر ملك شرف الدولة العراق وقبض صمصام الدولة # في هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى ~~واسط فملكها، فأرسل إليه صمصام الدولة أخاه أبا نصر يستعطفه بإطلاقه، وكان ~~محبوسا عنده، فلم يتعطف له، واتسع الخرق على صمصام الدولة، وشغب عليه ~~جنده،، فاستشار أصحابه في قصد أخيه والدخول في طاعته، فنهوه عن ذلك، وقال ~~بعضهم: الرأي أننا نصعد إلى عكبرا لنعلم بذلك من هو لنا ممن هو علينا، فإن ~~رأينا عدتنا كثيرة قاتلناهم وأخرجنا الأموال، وإن عجزنا سرنا إلى الموصل، ~~فهي وسائر بلاد الجبل لنا، فيقوى أمرنا، ولا بد أن الديلم والأتراك تجري ~~بينهم منافسة ومحاسدة ويحدث اختلال فنبلغ الغرض. # وقال بعضهم: الرأي أننا نسير إلى قرميسين تكاتب عمك فخر الدولة وتستنجده، ~~وتسير على طريق خراسان وأصبهان إلى فارس، فتتغلب عليها، على خزائن شرف ~~الدولة وذخائره، فما هناك ممانع ولا مدافع، فإذا فعلنا ذلك لا يقدر شرف ~~الدولة على المقام بالعراق، فيعود حينئذ فيقع الصلح. # فأعرض صمصام الدولة عن الجميع، وسار في طيار إلى أخيه شرف الدولة في ~~خواصه، فوصل إلى أخيه شرف الدولة، فلقيه وطيب قلبه. فلما خرج من عنده قبض ~~عليه، وأرسل إلى بغداذ من يحتاط على دار المملكة، وسار فوصل إلى بغداذ في ~~شهر # PageV07P414 # رمضان، فنزل بالشفيعي، وأخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال، وكانت ~~إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرا. # ذكر الفتنة بين الأتراك والديلم # في هذه السنة جرت فتنة بين الديلم والأتراك الذين مع شرف الدولة ببغداذ. # وسببها أن الديلم اجتمعوا مع شرف الدولة في خلق كثير بلغت عدتهم خمسة عشر ~~ألف رجل، وكان الأتراك في ثلاثة آلاف، فاستطال عليهم الديلم، فجرت منازعة ~~بين بعضهم في دار وإصطبل، ثم صارت إلى المحاربة، فاستظهر الديلم لكثرتهم، ~~وأرادوا إخراج صمصام الدولة وإعادته إلى ملكه. # وبلغ شرف الدولة الخبر، فوكل بصمصام الدولة من يقتله إن هم الديلم ~~بإخراجه. ثم إن الديلم لما استظهروا على الأتراك تبعوهم، فتشوشت ms3121 صفوفهم، ~~فعادت الأتراك عليهم من أمامهم وخلفهم، فانهزموا وقتل منهم زيادة على ثلاثة ~~آلاف، ودخل الأتراك البلد، فقتلوا من وجدوه منهم، ونهبوا أموالهم، وتفرق ~~الديلم، فبعضهم اعتصم بشرف الدولة، وبعضهم سار عنه. # فلما كان الغد دخل شرف الدولة بغداذ، والديلم المعتصمون به معه، فخرج ~~الطائع لله ولقيه وهنأه بالسلامة، وقبل شرف الدولة الأرض، وأخذ الديلم ~~يذكرون صمصام الدولة، فقيل لشرف الدولة: اقتله، وإلا ملكوه الأمر. # ثم إن شرف الدولة أصلح بين الطائفتين، وحلف بعضهم لبعض، وحمل صمصام ~~الدولة إلى فارس، فاعتقل في قلعة هناك، فرد شرف الدولة على الشريف محمد بن ~~عمر جميع أملاكه وزاده عليها، وكان خراج أملاكه كل سنة ألفي ألف وخمس مائة ~~ألف درهم، ورد على النقيب أبي أحمد الموسوي أملاكه، وأقر الناس # PageV07P415 # على مراتبهم، ومنع الناس من السعايات ولم يقبلها، فأمنوا وسكنوا ووزر له ~~أبو منصور بن صالحان. # ذكر ولاية مهذب الدولة البطيحة # في هذه السنة توفي المظفر بن علي، وولي بعده ابن أخته أبو الحسن علي بن ~~نصر بالعهد المذكور، وكتب إلى شرف الدولة يبذل له الطاعة، ويطلب التقليد، ~~فأجيب إلى ذلك، ولقب بمهذب الدولة، فأحسن السيرة، وبذل الخير والإحسان، ~~فقصده الناس، وأمن عنده الخائف. # وصارت البطيحة معقلا لكل من قصدها، واتخذها الأكابر وطنا، وبنوا فيها ~~الدور الحسنة، ووسعهم بره وإحسانه، وكاتب ملوك الأطراف وكاتبوه، وزوجه بهاء ~~الدولة ابنته، وعظم شأنه إلى أن قصده القادر بالله فحماه، وبقي عنده إلى أن ~~أتته الخلافة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، المنجم لعضد ~~الدولة، وكان مولده بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين. # وفيها كان بالموصل زلزلة شديدة تهدم بها كثير من المنازل، وهلك كثير من ~~الناس. # وفيها قتل المنصور بن يوسف، صاحب إفريقية، عبد الله الكاتب، وقام على ~~ولاية الأعمال بإفريقية عوضه يوسف بن أبي محمد، وكان والي قفصة قبل ذلك. # وفيها كان بالعراق غلاء شديد جلا لشدته أكثر أهله. # PageV07P416 # [الوفيات] # وفيها توفي ms3122 أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول التنوخي الأزرق، الأنباري ~~الكاتب. # وأحمد بن الحسين بن علي أبو حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري الفقيه ~~الحنفي، تفقه ببغداذ على أبي الحسن الكرخي، وولي قضاء القضاة بخراسان، ومات ~~في صفر وكان عابدا محدثا ثقة. # وإسحاق بن المقتدر بالله أبو محمد والد القادر، ومولده سنة سبع عشرة ~~وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه القادر وهو حينئذ أمير. # وأبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، صاحب " الإيضاح " ~~قيل: كان معتزليا. وقد جاوز تسعين سنة. # وأبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين بن الغطريف الجرجاني، توفي في رجب، ~~(وهو عالي الإسناد في الحديث) . # PageV07P417 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة] ### | 377 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة # ذكر الحرب بين بدر بن حسنويه وعسكر شرف الدولة # في هذه السنة جهز شرف الدولة عسكرا كثيفا مع قراتكين الجهشياري، وهو مقدم ~~عسكره وكبيرهم، وأمرهم بالمسير إلى بدر بن حسنويه وقتاله. # وسبب ذلك أن شرف الدولة كان مغيظا حنقا على بدر لانحرافه عنه، وميله إلى ~~عمه فخر الدولة، فلما استقر ملكه ببغداذ وأطاعه الناس شرع في أمر بدر، وكان ~~قراتكين قد جاوز الحد في التحكم والإدلال، وحماية الناس على نواب شرف ~~الدولة، فرأى أن يخرجه في هذا الوجه، فإن ظفر ببدر شفى غيظه منه، وإن ظفر ~~به بدر استراح منه. # فساروا نحو بدر، وتجهز بدر وجمع العساكر، وتلاقيا على الوادي بقرميسين، ~~فلما اقتتلوا انهزم بدر حتى توارى عنه، وظن قراتكين وأصحابه أنه مضى على ~~وجهه، فنزلوا عن خيولهم وتفرقوا في خيامهم، فلم يلبثوا إلا ساعة حتى كر بدر ~~راجعا إليهم، وأكب عليهم، وأعجلهم عن الركوب، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ~~واحتوى على جميع ما في عسكرهم، ونجا قراتكين في نفر من غلمانه، فبلغ جسر ~~النهروان، وأقام به حتى اجتمع إليه المنهزمون، ودخل بغداذ. # واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها، وقويت شوكته. # وأما قراتكين فإنه لما عاد من الهزيمة زاد إدلاله وتجنيه، وأغرى العسكر # PageV07P418 # بالشغب، والتوثب على الوزير ms3123 أبي منصور بن صالحان، فلقوه بما يكره، ~~فلاطفهم ودفعهم، وأصلح لشرف الدولة بين الوزير وبين قراتكين، (وشرع في ~~إعمال الحيلة على قراتكين) ، فلم تمض غير أيام حتى قبض عليه وعلى جماعة من ~~أصحابه وكتابه، وأخذ أموالهم، وشغب الجند لأجله، فقتله شرف الدولة، فسكنوا، ~~وقدم عليهم طغان الحاجب، فصلحت طاعته. # ذكر مسير المنصور بن يوسف لحرب كتامة # في هذه السنة جمع المنصور، صاحب إفريقية، عساكره وسار إلى كتامة قاصدا ~~حربها. # وسبب ذلك أن العزيز بالله العلوي بمصر كان قد أرسل داعيا له إلى كتامة، ~~يقال له أبو الفهم، واسمه حسن بن نصر، يدعوهم إلى طاعته، وغرضه أن تميل ~~كتامة إليه وترسل إليه جندا يقاتلون المنصور، ويأخذون إفريقية منه، لما رأى ~~من قوته. فدعاهم أبو الفهم، فكثر تبعه، وقاد الجيوش، وعظم شأنه، وعزم ~~المنصور على قصده، فأرسل إلى العزيز بمصر يعرفه الحال، فأرسل العزيز رسولين ~~إلى المنصور ينهاه عن التعرض لأبي الفهم وكتامة، وأمرهما أن يسيرا إلى ~~كتامة بعد الفراغ من رسالة المنصور. # فلما وصلا إلى المنصور وأبلغاه رسالة العزيز أغلظ القول لهما وللعزيز ~~أيضا، وأغلظا له، فأمرهما بالمقام عنده بقية شعبان ورمضان، ولم يتركهما ~~يمضيان إلى كتامة، وتجهز لحرب كتامة وأبي الفهم، وسار بعد عيد الأضحى، فقصد ~~مدينة ميلة، وأراد قتل أهلها وسبي نسائهم وذراريهم، فخرجوا إليه يتضرعون ~~ويبكون فعفا عنهم، (وخرب سورها، وسار منها إلى كتامة والرسولان معه) . # فكان لا يمر بقصر ولا منزل إلا هدمه، حتى بلغ مدينة سطيف، وهي كرسي # PageV07P419 # عزهم، فاقتتلوا عندها قتالا عظيما، فانهزمت كتامة، وهرب أبو الفهم إلى ~~جبل وعر فيه ناس من كتامة يقال لهم بنو إبراهيم، فأرسل إليهم المنصور ~~يتهددهم إن لم يسلموه، فقالوا: هو ضيفنا ولا نسلمه، ولكن أرسل أنت إليه ~~فخذه ونحن لا نمنعه. فأرسل فأخذه، وضربه ضربا شديدا، ثم قتله وسلخه، وأكلت ~~صنهاجة وعبيد المنصور لحمه، وقتل معه جماعة من الدعاة ووجوه كتامة، وعاد ~~(إلى أشير) ، ورد الرسولين إلى العزيز، فأخبراه بما فعل بأبي الفهم، وقالا: ~~جئنا من عند شياطين ms3124 يأكلون الناس. فأرسل العزيز إلى المنصور يطيب قلبه، ~~وأرسل إليه هدية، ولم يذكر له أبا الفهم. # ذكر معاودة باذ القتال # في هذه السنة تجدد لباذ الكردي طمع في بلاد الموصل وغيرها. # وسبب ذلك أن سعدا الحاجب الذي تقدم ذكره توفي بالموصل، فسير إليها شرف ~~الدولة أبا نصر خواشاذه، وجهز إليه العساكر، وكتب يستمد من شرف الدولة ~~العساكر والأموال، فتأخرت الأموال عنه فأحضر العرب من بني عقيل وأقطعهم ~~البلاد ليمنعوا عنها، وانحدر باذ فاستولى على طور عبدين، ولم يقدر على ~~النزول إلى الصحراء، وأرسل أخاه في عسكر، فقاتلوا العرب، فقتل أخوه وانهزم ~~عسكره، وأقام بعضهم مقابل بعض. # فبينما هم كذلك أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فعاد خواشاذه إلى الموصل ~~وأظهر موته، وأقامت العرب بالصحراء تمنع باذا من النزول إليها، وباذ ~~بالجبل، وكان # PageV07P420 # خواشاذه يصلح أمره ليعاود حرب باذ، فأتاه إبراهيم وأبو الحسن ابنا ناصر ~~الدولة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جلس الطائع لله لشرف الدولة جلوسا عاما حضره أعيان الدولة، ~~وخلع عليه، وحلف كل واحد منهما لصاحبه. # وفيها ولد الأمير أبو علي الحسن بن فخر الدولة في رجب. # وفيها سار الصاحب بن عباد إلى طبرستان فأصلحها، ونفى المتغلبين عنها، ~~وفتح عدة حصون (منها: حصن قريم) ، وعاد في سنته. # وفيها عصى الأمير أبو منصور بن كوريكنج، صاحب قزوين، على فخر الدولة، ~~فلاطفه فخر الدولة، وبذل له الأمان والإحسان، فعاد إلى طاعته. # وفيها، في رمضان، حدثت فتنة شديدة بين الديلم والعامة بمدينة الموصل، قتل ~~فيها مقتلة عظيمة، ثم أصلح الحال بين الطائفتين. # وفيها تأخر المطر حتى انتصف كانون الثاني، وغلت الأسعار بالعراق وما ~~يجاوره من البلاد، واستسقى الناس مرتين فلم يسقوا، حتى جاء المطر سابع عشر ~~كانون الثاني، وزال القنوط، وتتابعت الأمطار. # PageV07P421 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة] ### | 378 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة # ذكر القبض على شكر الخادم # في هذه السنة قبض شرف الدولة على شكر الخادم، وكان أخص الناس عند والده ~~عضد ms3125 الدولة وأقربهم إليه، يرجع إلى قوله ويعول عليه. # وكان سبب قبضه أنه كان أيام والده يقصد شرف الدولة ويؤذيه، وهو الذي تولى ~~إبعاده إلى كرمان من بغداذ، وقام بأمر صمصام الدولة، فحقد عليه شرف الدولة ~~ذلك، فلما ملك شرف الدولة العراق اختفى شكر، فطلبه أشد الطلب فلم يوجد، ~~وكان له جارية حبشية قد تزوجها، فطلبها إليه، فأقامت عنده مدة تخدمه. # وكان قد علق بقلبها غيره، فصارت تأخذ المأكول وغيره وتحمله إلى حيث شاءت، ~~فأحس بها شكر، فلم يحتملها، فضربها، فخرجت غضبى إلى باب دار شرف الدولة، ~~فأخبرت بحال شكر، فأخذ وأحضر عند شرف الدولة، فأراد قتله، فشفع فيه نحرير ~~الخادم، فوهبه له، واستأذنه في الحج، فأذن له، فسار إلى مكة ثم منها إلى ~~مصر، فنال هناك منزلة كبيرة، وسيرد خبره إن شاء الله تعالى. # ذكر عزل بكجور عن دمشق # في هذه السنة عزل بكجور عن دمشق. # وسبب ذلك أنه أساء السيرة في دمشق، وفعل الأعمال الذميمة، وكان الوزير ~~يعقوب بن كلس منحرفا عنه، يسيء الرأي فيه، وانضاف إلى ذلك ما فعله بأصحابه ~~بدمشق على ما ذكرناه. فلما بلغه فعله بدمشق تحرك في عزله، وقبح ذكره عند ~~العزيز # PageV07P422 # بالله، فأجابه إلى ذلك، فجهزت العساكر من مصر مع القائد منير الخادم، ~~فساروا إلى الشام. # فجمع بكجور العرب وغيرها وخرج، فلقي العسكر المصري عند داريا، وقاتلهم ~~فاشتد القتال بينهم، فانهزم بكجور وعسكره، وخاف من وصول نزال والي طرابلس، ~~وكان قد كوتب من مصر بمعاضدة منير، فلما انهزم بكجور خاف أن يجيء نزال ~~فيؤخذ، فأرسل يطلب الأمان ليسلم البلد إليهم، فأجابوه إلى ذلك، فجمع ماله ~~جميعه وسار، وأخفى أثره لئلا يغدر المصريون به، وتوجه إلى الرقة فاستولى ~~عليها، وتسلم منير البلد، ففرح به أهله وسرهم ولايته، وسنذكر سنة إحدى ~~وثمانين [وثلاثمائة] باقي أخباره وقتله، إن شاء الله تعالى. # ذكر ظفر الأصفر بالقرامطة # في هذه السنة جمع إنسان يعرف بالأصفر من بني المنتفق جمعا كثيرا، وكان ~~بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها ms3126 مقدم القرامطة، وانهزم ~~أصحابه وقتل منهم، وأسر كثير. # وسار الأصفر إلى الأحساء، فتحصن منه القرامطة، فعدل إلى القطيف فأخذ ما ~~كان فيها من عبيدهم وأموالهم ومواشيهم وسار بها إلى البصرة. # ذكر نكتة حسنة # في هذه السنة أهدى الصاحب بن عباد، أول المحرم، إلى فخر الدولة دينارا ~~وزنه ألف مثقال، وكان على أحد جانبيه مكتوب: # وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ... فأوصافه مشتقة من صفاته # فإن قيل دينار فقد صدق اسمه ... وإن قيل ألف كان بعض سماته # PageV07P423 # بديع، ولم يطبع على الدهر مثله # ولا ضربت أضرابه لسراته ... فقد أبرزته دولة فلكية # أقام بها الإقبال صدر قناته ... وصار إلى شاهانشاه انتسابه # على أنه مستصغر لعفاته ... يخبر أن يبقى سنين كوزنه # لتستبشر الدنيا بطول حياته ... تأنق فيه عبده، وابن عبده # وغرس أياديه، وكافي كفاته # (وكان على الجانب الآخر سورة الإخلاص، ولقب الخليفة الطائع لله، ولقب فخر ~~الدولة، واسم جرجان لأنه ضرب بها. قوله: " دولة فلكية " يعني أن لقب فخر ~~الدولة كان فلك الأمة. وقوله: " وكافي كفاته "، فإن الصاحب كان لقبه كافي ~~الكفاة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تتابعت الأمطار، وكثرت البروق والرعود، والبرد الكبار، ~~وسالت منه الأودية، وامتلأت الأنهار والآبار ببلاد الجبل، وخربت المساكن، ~~وامتلأت الأقناء طينا وحجارة، وانقطعت الطرق. # وفيها عصى نصر بن الحسن بن الفيرزان بالدامغان على فخر الدولة، واجتاز به ~~أحمد بن سعيد الشبيبي الخراساني مقبلا من الري ومعه عسكر من الديلم ~~لمحاربته، فلما رأى الجد في أمره راسل فخر الدولة، وعاود طاعته، فأجابه إلى ~~قبول ذلك منه وأقره على حاله. # وفيها توفي الأمير أبو علي بن فخر الدولة في رجب. # وفيها وقع الوباء بالبصرة والبطائح من شدة الحر، فمات خلق كثير حتى ~~امتلأت منهم الشوارع. # PageV07P424 # وفي شعبان كثرت الرياح العواصف، وجاءت وقت العصر، خامس شعبان، ريح عظيمة ~~بفم الصلح، فهدمت قطعة من الجامع، وأهلكت جماعة من الناس، وغرقت كثيرا من ~~السفن الكبار المملوءة، واحتملت زورقا منحدرا فيه دواب، وعدة من السفن، ~~وألقت الجميع على مسافة من موضعها. # [الوفيات] # وفيها ms3127 توفي أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب المفيد، كان محدثا ~~مكثرا، ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين. # وأبو حامد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم النيسابوري، في ربيع ~~الأول، وهو صاحب التصانيف المشهورة. # PageV07P425 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة] ### | 379 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة # ذكر سمل صمصام الدولة # كان نحرير الخادم يشير على شرف الدولة بقتل أخيه صمصام الدولة، وشرف ~~الدولة يعرض عن كلامه، فلما اعتل شرف الدولة واشتدت علته ألح عليه نحرير ~~وقال له: (الدولة معه على خطر) ، فإن لم تقتله فاسمله. # فأرسل في ذلك محمدا الشيرازي الفراش، فمات شرف الدولة قبل أن يصل الفراش ~~إلى صمصام الدولة، فلما وصل الفراش إلى القلعة التي بها صمصام الدولة لم ~~يقدم على سمله، فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار ~~بذلك، فسمله. وكان صمصام الدولة يقول: ما أعماني إلا العلاء لأنه أمضى في ~~حكم سلطان قد مات. # ذكر وفاة شرف الدولة وملك بهاء الدولة # في هذه السنة، مستهل جمادى الآخرة، توفي الملك شرف الدولة أبو الفوارس ~~شيرزيل بن عضد الدولة مستسقيا، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه ~~السلام، فدفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتين وثمانية أشهر، وكان عمره ~~ثمانيا وعشرين سنة وخمسة أشهر. # ولما اشتدت علته سير ولده أبا علي إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن والعدد ~~وجماعة كثيرة من الأتراك، فلما أيس أصحابه منه اجتمع إليه أعيانهم وسألوه ~~أن يملك أحدا، فقال: أنا في شغل عما تدعونني إليه. فقالوا له ليأمر أخاه ~~بهاء الدولة أبا نصر # PageV07P426 # أن ينوب عنه إلى أن يعافى ليحفظ الناس لئلا تثور فتنة، ففعل ذلك، وتوقف ~~بهاء الدولة ثم أجاب إليه. # فلما مات جلس بهاء الدولة في المملكة، وقعد للعزاء، وركب الطائع لله أمير ~~المؤمنين إلى العزاء في الزبزب، فتلقاه بهاء الدولة، وقبل الأرض بين يديه، ~~وانحدر الطائع لله إلى داره، وخلع على بهاء الدولة خلع السلطنة، وأقر بهاء ~~الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته. # ذكر مسير ms3128 الأمير أبي علي بن شرف الدولة إلى فارس وما كان منه مع صمصام ~~الدولة # لما اشتد مرض شرف الدولة جهز ولده الأمير أبا علي وسيره إلى فارس ومعه ~~والدته وجواريه، وسير معه من الأموال والجواهر والسلاح أكثرها. فلما بلغ ~~البصرة أتاهم الخبر بموت شرف الدولة، فسير ما معه في البحر إلى أرجان، وسار ~~هو مجدا إلى أن وصل إليها، واجتمع معه من بها من الأتراك، وساروا نحو ~~شيراز، وكاتبهم متوليها وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ~~ليسلمها إليهم، وكان المرتبون في القلعة التي بها صمصام الدولة وأخوه أبو ~~طاهر قد أطلقوهما ومعهما فولاذ وساروا إلى سيراف. # (واجتمع على صمصام الدولة كثير من الديلم. وسار الأمير أبو علي إلى ~~شيراز) ، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك والديلم، وخرج الأمير أبو علي من ~~داره إلى معسكر الأتراك، فنزل معهم، واجتمع الديلم وقصدوا ليأخذوه ويسلموه ~~إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القناع، ونابذوا ~~الأتراك، وجرى بينهم قتال عدة أيام. # ثم سار أبو علي والأتراك إلى فسا، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من ~~المال، وقتلوا من بها من الديلم، وأخذوا أموالهم وسلاحهم فقووا بذلك. # PageV07P427 # وسار أبو علي إلى أرجان، وعاد الأتراك إلى شيراز، فقاتلوا صمصام الدولة ~~ومن معه من الديلم، ونهبوا البلد، وعادوا إلى أبي علي بأرجان وأقاموا معه ~~مديدة. # ثم وصل رسول من بهاء الدولة إلى أبي علي وأدى الرسالة، وطيب قلبه ووعده، ~~ثم إنه راسل الأتراك سرا، واستمالهم إلى نفسه وأطمعهم، فحسنوا لأبي علي ~~المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه، فلقيه بواسط منتصف جمادى الآخرة سنة ~~ثمانين وثلاثمائة، فأنزله وأكرمه، وتركه عدة أيام، وقبض عليه، ثم قتله بعد ~~ذلك بيسير، وتجهز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصد بلاد فارس. # ذكر الفتنة ببغداذ بين الأتراك والديلم # وفي هذه السنة أيضا وقعت الفتنة ببغداذ بين الأتراك والديلم واشتد الأمر، ~~ودام القتال بينهم خمسة أيام، وبهاء الدولة في داره يراسلهم في الصلح، فلم ~~يسمعوا قوله، وقتل بعض رسله. # ثم إنه خرج ms3129 إلى الأتراك، وحضر القتال معهم، فاشتد حينئذ الأمر، وعظم ~~الشر، ثم إنه شرع في الصلح، ورفق بالأتراك، وراسل الديلم، فاستقر الحال ~~بينهم، وحلف بعضهم لبعض، وكانت مدة الحرب اثني عشر يوما. # ثم إن الديلم تفرقوا، فمضى فريق بعد فريق، وأخرج بعضهم، وقبض على البعض، ~~فضعف أمرهم، وقويت شوكة الأتراك، واشتدت حالهم. # ذكر مسير فخر الدولة إلى العراق وما كان منه # وفي هذه السنة سار فخر الدولة بن ركن الدولة من الري إلى همذان عازما على ~~قصد العراق والاستيلاء عليها. # وكان سبب حركته أن الصاحب بن عباد كان يحب العراق لا سيما بغداذ، ويؤثر # PageV07P428 # التقدم بها ويرصد أوقات الفرصة، فلما توفي شرف الدولة علم أن الفرصة قد ~~أمكنت، فوضع على فخر الدولة من يعظم عنده ملك العراق ويسهل أمره عليه، ولم ~~يباشر على ذلك خوفا من خطر العاقبة، إلى أن قال له فخر الدولة: ما عندك في ~~هذا الأمر؟ فأحال على أن سعادته تسهل كل صعب، وعظم البلاد. فتجهز وسار إلى ~~همذان، وأتاه بدر بن حسنويه، وقصده دبيس بن عفيف الأسدي، فاستقر الأمر على ~~أن يسير الصاحب بن عباد وبدر إلى العراق على الجادة، ويسير فخر الدولة على ~~خوزستان، فلما سار الصاحب حذر فخر الدولة من ناحيته وقيل له: ربما استماله ~~أولاد عضد الدولة. فاستعاده إليه، وأخذه معه إلى الأهواز فملكها وأساء ~~السيرة مع جندها وضيق عليهم، ولم يبذل المال فخابت ظنون الناس فيه، واستشعر ~~منه أيضا عسكره وقالوا: هكذا يفعل بنا إذا تمكن من إرادته فتخاذلوا. # وكان الصاحب قد أمسك نفسه تأثرا بما قيل عنه من اتهامه، فالأمور بسكوته ~~غير مستقيمة، فلما سمع بهاء الدولة بوصولهم إلى الأهواز سير إليهم العساكر، ~~والتقوا هم وعساكر فخر الدولة. # فاتفق أن دجلة الأهواز زادت الوقت زيادة عظيمة، وانفتحت البثوق منها ~~فظنها عسكر فخر الدولة مكيدة فانهزموا، فقلق فخر الدولة من ذلك، وكان قد ~~استبد برأيه، فعاد حينئذ إلى رأي الصاحب، فأشار لبذل المال واستصلاح الجند ~~وقال له: إن الرأي في مثل هذه الأوقات ms3130 إخراج المال، وترك مضايقة الجند، فإن ~~أطلقت المال ضمنت لك حصول أضعافه بعد سنة. فلم يفعل ذلك، وتفرق عنه كثير من ~~عسكر الأهواز، واتسع الخرق عليه وضاقت الأمور به، فعاد إلى الري وقبض في ~~طريقه على جماعة من القواد الرازيين وملك أصحاب بهاء الدولة الأهواز. # ذكر هرب القادر بالله إلى البطيحة # في هذه السنة هرب القادر بالله من الطائع لله إلى البطيحة فاحتمى فيها. # وكان سبب ذلك أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفي جرى بين القادر # PageV07P429 # وبين أخت له منازعة في ضيعة طال الأمر بينهما. ثم إن الطائع لله مرض مرضا ~~أشفى منه، ثم أبل، فسعت إليه بأخيه القادر وقالت له: إنه شرع في طلب ~~الخلافة عند مرضك فتغير رأيه فيه، فأنفذ أبا الحسن بن النعمان وغيره للقبض ~~عليه، وكان بالحريم الطاهري، فأصعدوا في الماء إليه. # وكان القادر قد رأى في منامه كأن رجلا يقرأ عليه: {الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} [آل عمران: 173] فهو يحكي هذا المنام لأهله ويقول: أنا خائف من ~~طالب يطلبني ووصل أصحاب الطائع لله إليه واستدعوه، فأراد لبس ثيابه، فلم ~~يمكنوه من مفارقتهم، فأخذه النساء منهم قهرا، وخرج عن داره واستتر، ثم سار ~~إلى البطيحة، فنزل على مهذب الدولة، فأكرم نزله، ووسع عليه، وحفظه، وبالغ ~~في خدمته، ولم يزل عنده إلى أن أتته الخلافة، فلما وليها جعل علامته: ~~{حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] . # ذكر عود بني حمدان إلى الموصل # في هذه السنة ملك أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين ابنا ناصر ~~الدولة بن حمدان الموصل. # وسبب ذلك أنهما كانا في خدمة شرف الدولة ببغداذ، فلما توفي وملك بهاء ~~الدولة استأذنا في الإصعاد إلى الموصل، فأذن لهما، فأصعدا، ثم علم القواد ~~الغلط في ذلك، فكتب بهاء الدولة إلى خواشاذه، وهو يتولى الموصل، يأمره ~~بدفعهما عنها، فأرسل إليهما خواشاذه يأمرهما بالعود عنه، فأعادا جوابا ~~جميلا، وجدا في السير حتى نزلا بالدير الأعلى ms3131 بظاهر الموصل. # PageV07P430 # وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك، فنهبوهم، وخرجوا إلى بني حمدان، وخرج ~~الديلم إلى قتالهم، فهزمهم المواصلة وبنو حمدان، وقتل منهم خلق كثير، ~~واعتصم الباقون بدار الإمارة، وعزم أهل الموصل على قتلهم والاستراحة منهم، ~~فمنعهم بنو حمدان عن ذلك، وسيروا خواشاذه ومن معه إلى بغداذ، وأقاموا ~~بالموصل، وكثر العرب عندهم. # ذكر خلاف كتامة على المنصور # وفي هذه السنة خرج إنسان آخر من كتامة يقال له أبو الفرج، لا يعرف من أي ~~موضع هو، وزعم أن أباه ولد القائم العلوي، جد المعز لدين الله، فعمل أكثر ~~مما عمله أبو الفهم، واجتمعت إليه كتامة، واتخذ البنود والطبول، وضرب ~~السكة، وجرت بينه وبين نائب المنصور وعساكره بمدينة ميلة وسطيف حروب كثيرة ~~ووقعات متعددة، فسار المنصور إليه في عساكره، وزحف هو إلى المنصور في عساكر ~~كتامة، فكان بينهما حرب شديدة، فانهزم أبو الفرج وكتامة، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، واختفى أبو الفرج في غار في جبل، فوثب عليه غلامان كانا له فأخذاه ~~وأتيا به المنصور، فسره ذلك وقتله شر قتلة. # وشحن المنصور بلاد كتامة بالعساكر، وبث عماله فيها، ولم يدخلها عامل قبل ~~ذلك، فجبوا أموالها وضيقوا على أهلها. # ورجع المنصور إلى مدينة أشير، فأتاه سعيد بن خزرون الزناتي، وكان أبوه قد ~~تغلب على سجلماسة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وصار في طاعة المنصور، واختص ~~به، وعلت منزلته عنده، فقال له المنصور يوما: يا سعيد هل تعرف أحدا أكرم ~~مني؟ وكان قد وصله بمال كثير، فقال: نعم! أنا أكرم منك. فقال المنصور: وكيف ~~ذلك؟ قال: لأنك جدت علي بالمال، وأنا جدت عليك بنفسي. فاستعمله المنصور على ~~طبنة، وزوج ابنه ببعض بنات سعيد. فلامه على ذلك بعض أهله، فقال: كان أبي ~~وجدي يستتبعانهم بالسيف، [وأما] أنا فمن رماني برمح رميته بكيس، حتى تكون ~~مودتهم طبعا واختيارا. # PageV07P431 # ورجع سعيد إلى أهله، وبقي إلى سنة إحدى وثمانين [وثلاثمائة] ، ثم عاد إلى ~~المنصور زائرا، فاعتل سعيد أياما، وتوفي أول رجب. ثم قدم فلفل بن سعيد على ~~المنصور، فأحسن إليه، وحمل ms3132 إليه مالا كثيرا، فرده إلى طبنة ولاية أبيه. # ذكر خلاف عم المنصور عليه # وفي هذه السنة أيضا خالف أبو البهار عم المنصور بن يوسف بلكين، صاحب ~~إفريقية، عليه لشيء جرى عليه من المنصور لم يحمله له لعزة نفسه، فسار ~~المنصور إليه بتاهرت، ففارقها عمه إلى الغرب بمن معه من أهله وأصحابه، ودخل ~~عسكر المنصور تاهرت فانتهبوها، ثم طلب أهلها الأمان فأمنهم، ثم سار في طلب ~~عمه حتى جاوز تاهرت سبع عشرة مرحلة، ولقي العسكر شدة. # وقصد عمه زيري بن عطية، صاحب فاس، فأكرمه، وأعلى محله، وبقي جنده يغيرون ~~على نواحي المنصور. # وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قصدوا النواحي المجاورة لفاس، فأوقعوا ~~بأصحاب المنصور بها واستولوا عليها. ثم ندم أبو البهار، فسار إلى المنصور ~~معتذرا مما جرى منه، فقبله المنصور، وأحسن إليه وأكرمه، وحمل إليه كل ما ~~يحتاج إليه من مال وغيره. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبي الحسن محمد بن عمر ~~العلوي الكوفي، وكان قد عظم شأنه مع شرف الدولة، واتسع جاهه، وكثرت أمواله، ~~فلما ولي بهاء الدولة سعى به أبو الحسن المعلم إليه، وأطمعه في أمواله ~~وملكه، وعظم ذلك عنده وقبض عليه. # PageV07P432 # وفيها أسقط بهاء الدولة ما كان يؤخذ من المراعي من سائر السواد. # وفيها ولد الأمير أبو طالب رستم بن فخر الدولة. # وفيها خرج ابن الجراح الطائي على الحجاج بين سميراء وفيد ونازلهم، ~~فصالحوه على ثلاثمائة ألف درهم، وشيء من الثياب، فأخذها وانصرف. # وفيها بني جامع القطيعة ببغداذ. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن أحمد بن العباس بن أحمد بن جلاد أبو العباس السلمي ~~النقاش، كان من متكلمي الأشعرية، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان الكلام، وكان ~~ثقة في الحديث. # PageV07P433 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة] ### | 380 - # ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة # ذكر قتل باذ # في هذه السنة قتل باذ الكردي، صاحب ديار بكر. # وكان سبب قتله أن أبا طاهر والحسين ابني حمدان لما ملكا الموصل طمع فيها ~~باذ، وجمع الأكراد فأكثر، وممن أطاعه الأكراد ms3133 البشنوية أصحاب قلعة فنك، ~~وكانوا كثيرا، ففي ذلك يقول الحسين البشنوي الشاعر لبني مروان يعتد عليهم ~~بنجدتهم خالهم باذا من قصيدة: البشنوية # أنصار لدولتكم وليس في ذا ... خفا في العجم والعرب أنصار # باذ بأرجيش وشيعته ... بظاهر الموصل الحدباء في العطب # بباجلايا جلونا عنه غمته ... ونحن في الروع جلاءون للكرب # وكاتب أهل الموصل فاستمالهم، فأجابه بعضهم فسار إليهم، ونزل بالجانب ~~الشرقي، فضعفا عنه، وراسلا أبا الذواد محمد بن المسيب، أمير بنى عقيل، ~~واستنصراه، فطلب منهما جزيرة ابن عمر، ونصيبين، وبلدا، وغير ذلك، فأجاباه ~~إلى ما طلب، واتفقوا، وسار إليه أبو عبد الله بن حمدان وأقام أبو طاهر ~~بالموصل يحارب باذا. # فلما اجتمع أبو عبد الله وأبو الذواد سارا إلى بلد، وعبرا دجلة، وصارا مع ~~باذ # PageV07P434 # على أرض واحدة وهو لا يعلم، فأتاه الخبر بعبورهما وقد قارباه، فأراد ~~الانتقال إلى الجبل لئلا يأتيه هؤلاء من خلفه وأبو طاهر من أمامه، فاختلط ~~أصحابه، وأدركه الحمدانية، فناوشوهم القتال، وأراد باذ الانتقال من فرس إلى ~~آخر، فسقط واندقت ترقوته، فأتاه ابن أخته أبو علي بن مروان، وأراده على ~~الركوب فلم يقدر، فتركوه وانصرفوا واحتموا بالجبل. # ووقع باذ بين القتلى فعرفه بعض العرب فقتله وحمل رأسه إلى بني حمدان وأخذ ~~جائزة سنية، وصلبت جثته على دار الإمارة، فثار العامة وقالوا: رجل غاز، ولا ~~يحل فعل هذا به. وظهر منهم محبة كثيرة له، وأنزلوه وكفنوه وصلوا عليه ~~ودفنوه. # ذكر ابتداء دولة بني مروان # لما قتل باذ سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن ~~كيفا، وهو على دجلة، وهو من أحصن المعاقل، وكان به امرأة باذ وأهله، فلما ~~بلغ الحصن قال لزوجة خاله: قد أنفذني خالي إليك في مهم فظنته حقا، فلما صعد ~~إليها أعلمها بهلاكه، وأطمعها في التزوج بها، فوافقته على ملك الحصن وغيره، ~~ونزل وقصد حصنا حصنا، حتى ملك ما كان لخاله، وسار إلى ميافارقين وسار إليه ~~أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان وطمعا فيه، ومعهما رأس باذ، فوجدا ms3134 أبا ~~علي قد أحكم أمره، فتصافوا واقتتلوا، وظفر أبو علي وأسر أبا عبد الله بن ~~حمدان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر، وهو بآمد ~~يحصرها، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان، فلم يفعل، واضطر أبو عبد الله إلى ~~موافقته، وسارا إلى ابن مروان فواقعاه، فهزمهما، وأسر أبا عبد الله أيضا ~~فأساء إليه وضيق عليه، إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع فيه فأطلقه، ومضى إلى ~~مصر وتقلد منها ولاية حلب، وأقام بتلك الديار إلى أن توفي. # وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذواد فأسره وعليا ~~ابنه، والمزعفر أمير بني نمير، وقتلهم صبرا. # PageV07P435 # وأقام ابن مروان بديار بكر وضبطها، وأحسن إلى أهلها، وألان جانبه لهم، ~~فطمع فيه أهل ميافارقين، فاستطالوا على أصحابه، فأمسك عنهم إلى يوم العيد، ~~وقد خرجوا إلى المصلى، فلما تكاملوا في الصحراء وافى إلى البلد، وأخذ أبا ~~الصقر شيخ البلد فألقاه من على السور، وقبض على من كان معه، وأخذ الأكراد ~~ثياب الناس خارج البلد، وأغلق أبواب البلد، وأمر أهله أن ينصرفوا حيث ~~شاءوا، ولم يمكنهم من الدخول فذهبوا كل مذهب. # وكان قد تزوج ست الناس بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فأتته من ~~حلب، فعزم على زفافها بآمد، فخاف شيخ البلد، واسمه عبد البر، أن يفعل به ~~مثل فعله بأهل ميافارقين، فأحضر ثقاته وحلفهم على كتمان سره، وقال لهم: قد ~~صح عزم الأمير على أن يفعل بكم مثل فعله بأهل ميافارقين، وهو يدخل من باب ~~الماء ويخرج من باب الجهاد، فقفوا له في الدركاه، وانثروا عليه هذه ~~الدراهم، ثم اعتمدوا بها وجهه، فإنه سيغطيه بكمه، فاضربوه بالسكاكين في ~~مقتله ففعلوا. # وجرت الحال كما وصف، وتولى قتله إنسان يقال [له] ابن دمنة كان فيه إقدام ~~وجرأة، فاختبط الناس وماجوا، فرمى برأسه إليهم، فأسرعوا السير إلى ~~ميافارقين. # وحدث جماعة من الأكراد نفوسهم بملك البلد، فاستراب بهم مستحفظ ميافارقين ~~لإسراعهم، وقال: إن كان الأمير حيا فادخلوا معه، وإن كان قتل فأخوه مستحق ms3135 ~~لموضعه. فما كان بأسرع من أن وصل ممهد الدولة أبو منصور بن مروان أخو أبي ~~علي إلى ميافارقين، ففتح له باب البلد فدخله وملكه، ولم يكن له فيه إلا ~~السكة والخطبة لما نذكره. # وأما عبد البر فاستولى على آمد، وزوج ابن دمنة، الذي قتل أبا علي، ابنته ~~فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله، وملك آمد، وعمر البلد وبنى لنفسه قصرا عند ~~السور، وأصلح أمره مع ممهد الدولة، وهادى ملك الروم، وصاحب مصر، وغيرهما من ~~الملوك وانتشر ذكره. # PageV07P436 # وأما ممهد الدولة فإنه كان معه إنسان من أصحابه يسمى شروة، حاكما في ~~مملكته، وكان لشروة غلام قد ولاه الشرطة، وكان ممهد الدولة يبغضه، ويريد ~~قتله، ويتركه احتراما لصاحبه، ففطن الغلام لذلك، فأفسد ما بينهما، فعمل ~~شروة طعاما بقلعة الهتاخ، وهي إقطاعه، ودعا إليها ممهد الدولة، فلما حضر ~~عنده قتله، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة، وخرج من الدار إلى بني عم ممهد ~~الدولة، فقبض عليهم وقيدهم، وأظهر أن ممهد الدولة أمره بذلك، ومضى إلى ~~ميافارقين وبين يديه المشاعل، ففتحوا له ظنا منهم أنه ممهد الدولة، فملكها، ~~وكتب إلى أصحاب القلاع يستدعيهم، وأنفذ إنسانا إلى أرزن ليحضر متوليها، ~~ويعرف بخواجه أبي القاسم، فسار خواجه نحو ميافارقين، ولم يسلم القلعة إلى ~~القاصد إليه. # فلما توسط الطريق سمع بقتل ممهد الدولة فعاد إلى أرزن، وأرسل إلى أسعرد، ~~فأحضر أبا نصر بن مروان أخا ممهد الدولة، وكان أخوه قد (أبعده عنه، وكان ~~يبغضه لمنام رآه، وهو أنه رأى) كأن الشمس سقطت في حجره، فنازعه أبو نصر ~~عليها وأخذها، فأبعده لهذا، وتركه بأسعرد مضيقا عليه، فلما استدعاه خواجه ~~قال له دبير: تفلح؟ قال: نعم. # وكان شروة قد أنفذ إلى أبي نصر، فوجدوه قد سار إلى أرزن، فعلم حينئذ ~~انتقاض أمره. وكان مروان والد ممهد الدولة قد أضر، وهو بأرزن، عند قبر ابنه ~~أبي علي، وهو وزوجته، فأحضر خواجه أبا نصر عندهما، وحلفه على القبول منه، ~~والعدل، وأحضر القاضي والشهود على اليمين وملكه أرزن، ثم ملك سائر بلاد ~~ديار بكر، ms3136 فدامت أيامه، وأحسن السيرة، وكان مقصدا للعلماء من سائر الآفاق، ~~وكثروا ببلاده. # PageV07P437 # وممن قصده أبو عبد الله الكازروني، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر، ~~وقصده الشعراء وأكثروا مدحه وأجزل جوائزهم، وبقي كذلك من سنة اثنتين ~~وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين، فتوفي فيها وكان عمره نيفا وثمانين سنة، ~~وكانت الثغور معه آمنة، وسيرته في رعيته أحسن سيرة، فلما مات ملك بلاده ~~ولده. # ذكر ملك آل المسيب الموصل # لما انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي علي بن مروان، كما ذكرناه، سار إلى ~~نصيبين في قلة من أصحابه، وكانوا قد تفرقوا، فطمع فيه أبو الذواد محمد بن ~~المسيب، أمير بني عقيل، وكان صاحب نصيبين حينئذ، كما ذكرناه، فثار بأبي ~~طاهر، فأسره وأسر ولده وعدة من قوادهم، وقتلهم، وسار إلى الموصل فملكها ~~وأعمالها، وكاتب بهاء الدولة يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه ~~يتولى الأمور، فسير إليه قائدا من قواده. # وكان بهاء الدولة قد سار من العراق إلى الأهواز، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. وأقام نائب بهاء الدولة، ليس له من الأمر شيء ولا يحكم إلا ~~فيما يريده أبو الذواد، وسيرد من ذكره وذكر عقبه ما تقف عليه إن شاء الله ~~تعالى. # ذكر مسير بهاء الدولة إلى الأهواز وما كان منه ومن صمصام الدولة # في هذه السنة سار بهاء الدولة عن بغداذ إلى خوزستان عازما على قصد فارس، ~~واستخلف ببغداذ أبا نصر خواشاذه، ووصل إلى البصرة ودخلها، وسار عنها إلى ~~خوزستان، فأتاه نعي أخيه أبي طاهر، فجلس للعزاء به، ودخل أرجان فاستولى ~~عليها وأخذ ما فيها من الأموال، فكان ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، ~~ومن الثياب والجواهر وما لا يحصى، فلما علم الجند بذلك شغبوا شغبا متتابعا ~~فأطلقت تلك الأموال كلها لهم ولم يبق منها إلا القليل. ثم سارت مقدمته ~~وعليها أبو # PageV07P438 # العلاء بن الفضل إلى النوبندجان، وبها عساكر صمصام الدولة، فهزمهم، وبث ~~أصحابه في نواحي فارس، فسير إليهم صمصام الدولة عسكرا وعليهم فولاذ ~~زماندار، فواقعهم، فانهزم ms3137 أبو العلاء وعاد مهزوما. # وكان سبب الهزيمة أنه كان بين العسكرين واد عليه قنطرة، وكان أصحاب أبي ~~العلاء يعبرون القنطرة ويغيرون على أثقال الديلم، عسكر صمصام الدولة، فوضع ~~فولاذ كمينا عند القنطرة، فلما عبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا عليهم فقتلوهم ~~جميعهم، وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه، ثم سار إليه وكبسه، فانهزم من بين ~~يديه وعاد إلى أرجان مهزوما، وغلت الأسعار بها. # ولما بلغ الخبر إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ، وترددت الرسل ~~في الصلح، فتم على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان، ولبهاء الدولة ~~خوزستان والعراق، وأن يكون لكل واحد منهما إقطاع في بلد صاحبه، وحلف كل ~~واحد منهما لصاحبه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز. # ولما سار بهاء الدولة عن بغداذ ثار العيارون بجانبي بغداذ، ووقعت الفتن ~~بين السنة والشيعة، وكثر القتل بينهم، وزالت الطاعة، وأحرق عدة محال، ونهبت ~~الأموال، وأخربت المساكن، ودام ذلك عدة شهور إلى أن عاد بهاء الدولة إلى ~~بغداذ. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على وزيره أبي منصور بن صالحان، واستوزر ~~أبا نصر سابور بن أردشير قبل مسيره إلى خوزستان، وكان المدبر لدولة بهاء ~~الدولة أبا الحسين المعلم، وإليه الحكم. # PageV07P439 # وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وزير العزيز، صاحب مصر، وكان ~~كامل الأوصاف، متمكنا من صاحبه، فلما مرض عاده العزيز صاحب مصر، وقال: وددت ~~أنك تباع فأبتاعك بملكي، فهل من حاجة ترضى بها؟ فبكى، وقبل يده، ووضعها على ~~عينه، وقال: أما فيما يخصني فإنك أرعى لحقي من أن أوصيك بمخلفي، ولكن فيما ~~يتعلق بدولتك سالم الحمدانية ما سالموك، واقنع منهم بالدعة، وإن ظفرت ~~بالمفرج فلا تبق عليه. # فلما مات حزن العزيز عليه، وحضر جنازته، وصلى عليه، وألحده بيده في قصره، ~~وأغلق الدواوين عدة أيام، واستوزر بعده أبا عبد الله الموصلي، ثم صرفه، ~~وقلد عيسى بن نسطورس النصراني، فمال إلى النصارى وولاهم، واستناب بالشام ~~يهوديا يعرف بمنشا، ففعل مع اليهود مثل ما فعل عيسى بالنصارى، وجرى على ms3138 ~~المسلمين تحامل عظيم. # وفيها، في ربيع الأول، قلد الشريف أبو أحمد والد الرضي نقابة العلويين ~~والمظالم، وإمارة الحج، وحج بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله ~~العلوي نيابة عن النقيب أبي أحمد الموسوي. # PageV07P440 # [الوفيات] # (وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الفقيه الحنفي، ومولده سنة عشرين ~~وثلاثمائة. # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري بالأندلس، والد الإمام ~~أبي عمر بن عبد البر) . # PageV07P441 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة] ### | 381 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة # ذكر القبض على الطائع لله # في هذه السنة قبض (الطائع لله، قبضه) بهاء الدولة، وهو الطائع لله أبو ~~بكر عبد الكريم بن الفضل المطيع لله بن جعفر المقتدر بالله بن المعتضد ~~بالله بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل. # وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة قلت عنده الأموال، فكثر شغب الجند، ~~فقبض على وزيره سابور، فلم يغن عنه ذلك شيئا. # وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة، وحكم في مملكته، فحسن ~~له القبض على الطائع، وأطمعه في ماله، وهون عليه ذلك وسهله، فأقدم عليه ~~بهاء الدولة، وأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحضور في خدمته ليجدد العهد ~~به، فأذن له في ذلك، وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع ~~كثير، فلما دخل قبل الأرض، وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد [أن] ~~يقبل يد الخليفة فجذبه، فأنزله عن سريره، والخليفة يقول: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون! وهو يستغيث ولا يلتفت إليه، وأخذ ما في دار الخليفة من الذخائر ~~(فمشوا به [في] الحال) ، ونهب الناس بعضهم بعضا، وكان من جملتهم الشريف ~~الرضي فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتا من جملتها: # PageV07P442 # من بعد ما كان رب الملك مبتسما إلي أدنوه في النجوى ويدنيني أمسيت أرحم ~~من قد كنت أغبطه لقد تقارب بين العز والهون (ومنظر كان بالسراء يضحكني يا ~~قرب ما عاد بالضراء يبكيني) هيهات أغتر بالسلطان ثانية قد ضل ولاج أبواب ~~السلاطين # ولما ms3139 حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، وكانت مدة خلافته ~~سبع عشرة سنة وثمانية شهور وستة أيام، وحمل إلى القادر بالله لما ولي ~~الخلافة، فبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين [وثلاثمائة] ، ليلة الفطر، ~~وصلى عليه القادر بالله، وكبر عليه خمسا. # وكان مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان أبيض، مربوعا، حسن الجسم وكان ~~أنفه كبيرا جدا، وكان شديد القوة، كثير الإقدام، اسم أمه عتب، وعاشت إلى أن ~~أدركت أيامه، ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به على ~~سيرته. # ذكر خلافة القادر بالله # لما قبض على الطائع لله ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة، فاتفقوا على ~~القادر بالله وهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد، وأمه أم ~~ولد اسمها دمنة، وقيل تمنى، وكان بالبطيحة، كما ذكرناه، فأرسل إليه بهاء ~~الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداذ ليتولى الخلافة، فانحدروا إليه، وشغب ~~الديلم ببغداذ، ومنعوا من الخطبة، فقيل على المنبر: اللهم أصلح عبدك ~~وخليفتك القادر بالله، ولم يذكروا اسمه، وأرضاهم بهاء الدولة. # PageV07P443 # ولما وصل الرسل إلى القادر بالله كان تلك الساعة يحكي مناما رآه تلك ~~الليلة، وهو ما حكاه هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال: كنت أحضر عند ~~القادر بالله كل أسبوع مرتين، فكان يكرمني، فدخلت عليه يوما فوجدته قد تأهب ~~تأهبا لم تجر به عادته، ولم أر منه مما ألفته من إكرامه، واختلفت بي الظنون ~~فسألته عن سبب ذلك، فإن كان لزلة مني اعتذرت عن نفسي. فقال: بل رأيت ~~البارحة في منامي كأن نهركم هذا، نهر الصليق، قد اتسع، فصار مثل دجلة، ~~دفعات، فسرت على حافته متعجبا منه، ورأيت قنطرة عظيمة، فقلت: من قد حدث ~~نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم؟ ثم صعدتها، وهي محكمة، فبينما ~~أنا عليها أتعجب منها إذ رأيت شخصا قد تأملني من ذلك الجانب، فقال: أتريد ~~أن تعبر؟ قلت: نعم فمد يده حتى وصلت إلي، فأخذني وعبرني، فهالني وتعاظمني ~~فعله، قلت: من ms3140 أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، هذا الأمر صائر إليك، ويطول عمرك ~~فيه، فأحسن إلى ولدي، وشيعتي. # فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم، وسألنا ~~عن ذلك، وإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة، فخاطبته بإمرة ~~المؤمنين وبايعته، وقام مهذب الدولة بخدمته أحسن قيام، وحمل إليه من المال ~~وغيره ما يحمله كبار الملوك للخلفاء وشيعه. فسار القادر بالله إلى بغداذ، ~~فلما دخل جبل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس لاستقباله، وساروا في خدمته، ~~فدخل دار الخلافة ثاني عشر رمضان، وبايعه بهاء الدولة والناس، وخطب له ثالث ~~عشر رمضان، وجدد أمر الخلافة، وعظم ناموسها، وسيرد من أخباره، إن شاء الله ~~تعالى، ما يعلم به ذلك، وحمل إليه بعض ما نهب من دار الخلافة، وكانت مدة ~~مقامه في البطيحة سنتين وأحد عشر شهرا، (ولم يخطب له في جميع خراسان، كانت ~~الخطبة فيها للطائع لله) . # ذكر ملك خلف بن أحمد كرمان # في هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد، صاحب سجستان، وهو ابن بانوا بنت عمرو بن ~~الليث الصفار، ابنه عمرا إلى كرمان فملكها. # PageV07P444 # وكان سبب ذلك أنه كان لما قوي أمره، وجمع الأموال الكثيرة، حدث نفسه بملك ~~كرمان، ولم يتهيأ له ذلك لهدنة كانت بينه وبين عضد الدولة. فلما مات عضد ~~الدولة، وملك شرف الدولة استقر أمره وانتظم، وأمن ملكه، ولم يتحرك بشيء من ~~ذلك. فلما توفي شرف الدولة، واضطرب ملوك بني بويه، ووقع الخلف بين صمصام ~~الدولة وبهاء الدولة، قوي طمعه، وانتهز الفرصة، وجهز ولده عمرا، وسيره في ~~عسكر كثير إلى كرمان، وبها قائد يقال له تمرتاش كان قد استعمله شرف الدولة، ~~فلم يشعر تمرتاش إلا وعمرو قد قاربه، فلم يكن له ولمن معه حيلة إلا الدخول ~~إلى بردسير، وحملوا ما أمكنهم حمله، وغنم عمرو الباقي، وملك كرمان ما عدا ~~بردسير، وصادر الناس وجبى الأموال. # فلما وصل الخبر إلى صمصام الدولة، وهو صاحب فارس، جهز العساكر وسيرها إلى ~~تمرتاش، وقدم عليهم قائدا يقال له أبو جعفر، وأمره بالقبض على ms3141 تمرتاش عند ~~الاجتماع به، لأنه اتهمه بالميل إلى أخيه بهاء الدولة. فسار أبو جعفر، فلما ~~اجتمع بتمرتاش أنزله عنده بعلة الاجتماع على ما يفعلانه، وقبض عليه وحمله ~~إلى شيراز، فسار أبو جعفر بالعسكر جميعه يقصد عمرو بن خلف ليحاربه، فالتقوا ~~بدارزين واقتتلوا، فانهزم أبو جعفر والديلم، وعادوا على طريق جيرفت. # وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة وأصحابه، فانزعجوا لذلك، ثم أجمعوا أمرهم ~~على إنفاذ العباس بن أحمد في عسكر أكثر من الأول، فسيروه في عدد كثير وعدة ~~ظاهرة، فسار حتى بلغ عمرا، فالتقوا بقرب السيرجان، واقتتلوا فكانت الهزيمة ~~على عمرو بن خلف وأسر جماعة من قواده وأصحابه، وكان هذا في المحرم سنة ~~اثنتين وثمانين [وثلاثمائة] ، وعاد عمرو إلى أبيه بسجستان مهزوما، فلما دخل ~~عليه لامه ووبخه، ثم حبسه أياما، ثم قتله [بين يديه] وتولى غسله والصلاة ~~عليه، ودفنه في القلعة. فسبحان الله ما كان أقسى قلب هذا الرجل مع علمه ~~ومعرفته! . # PageV07P445 # ثم إن صمصام الدولة عزل العباس عن كرمان واستعمل عليها أستاذ هرمز، فلما ~~وصل إلى كرمان خافه خلف بن أحمد، فكاتبه في تجديد الصلح، واعتذر عن فعله، ~~فاستقر الصلح، وأنفذ خلف قاضيا كان بسجستان يعرف بأبي يوسف وكان له قبول ~~عند العامة والخاصة، ووضع عليه إنسانا يكون معه وأمره أن يسقيه سما إذا صار ~~عند أستاذ هرمز ويعود مسرعا ويشيع بأن أستاذ هرمز قتله. # فسار أبو يوسف إلى كرمان، فصنع له أستاذ هرمز طعاما، فحضره وأكل منه، ~~فلما عاد إلى منزله سقاه ذلك الرجل سما فمات منه، وركب جمازة وسار مجدا إلى ~~خلف، فجمع له خلف وجوه الناس ليسمعوا له، فذكر أن أستاذ هرمز قتل القاضي ~~أبا يوسف، وبكى خلف وأظهر الجزع عليه، ونادى في الناس بغزو كرمان والأخذ ~~بثأر أبي يوسف، فاجتمع الناس واحتشدوا، فسيرهم مع ولده طاهر، فوصلوا إلى ~~نرماسير، وبها عسكر الديلم، فهزموهم وأخذوا البلد منهم. # ولحق الديلم بجيرفت، فاجتمعوا بها، وجعلوا ببردسير من يحميها، وهي أصل ~~بلاد كرمان ومصرها، فقصدها طاهر وحصرها ثلاثة أشهر، فضاق بأهلها، ms3142 وكتبوا ~~إلى أستاذ هرمز يعلمونه حالهم، وأنه إن لم يدركهم سلموا البلد. فركب الخطر ~~وسار مجدا في مضايق جبال وعرة، حتى أتى بردسير، فلما وصل إليها رحل طاهر ~~ومن معه عنها، وعادوا إلى سجستان، واستقرت كرمان للديلم، وكان ذلك سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة. # ذكر عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتله # لما وصل بكجور إلى الرقة منهزما من عساكر مصر بدمشق وأقام، على ما ~~ذكرناه، واستولى على الرحبة وما يجاور الرقة، وراسل الملك بهاء الدولة بن ~~بويه بالانضمام إليه، وكاتب أيضا باذا الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل ~~بالمسير # PageV07P446 # إليه، وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب، بأن يعود إلى ~~طاعته على قاعدته الأولى، (ويقطعه منه) مدينة حمص كما كانت له، فليس فيهم ~~من أجابه إلى شيء مما طلب، فبقي في الرقة يراسل جماعة رفقاء من مماليك سعد ~~الدولة، ويستميلهم، فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة، وأخبروه ~~أنه مشغول بلذاته وشهواته عن تدبير الملك فأرسل حينئذ بكجور إلى العزيز ~~بالله، صاحب مصر، يطمعه في حلب، ويقول له إنها دهليز العراق، ومتى أخذت كان ~~ما بعدها أسهل منها، ويطلب الإنجاد بالعساكر. فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل ~~إلى نزال، والي طرابلس، وإلى ولاة غيرها من البلاد الشامية يأمرهم بتجهيز ~~العساكر مع نزال إلى بكجور، والتصرف على ما يأمرهم به من قتال سعد الدولة ~~وقصد بلاده. # وكتب عيسى بن نسطورس النصراني، وزير العزيز، إلى نزال يأمره بمدافعة ~~بكجور، وإطماعه في المسير إليه، فإذا تورط في قصد سعد الدولة تخلى عنه. # وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنه كان بينه وبين بكجور عداوة ~~مستحكمة، وولي الوزارة بعد وفاة ابن كلس، فكتب إلى نزال ما ذكرناه. # فلما وصل أمر العزيز إلى نزال بإنجاد بكجور كتب إليه يعرفه ما أمر به من ~~نجدته بنفسه وبالعساكر معه، وقال له بكجور: مسيرك عن الرقة يوم كذا، ومسيري ~~أنا عن طرابلس يوم كذا، ويكون اجتماعنا على حلب يوم كذا وتابع رسله إليه ms3143 ~~بذلك، فسار مغترا بقوله إلى بالس، فامتنعت عليه، فحصرها خمسة أيام فلم يظفر ~~بها فسار عنها. # وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة، فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير، ~~مولى أبيه سيف الدولة، وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه إلى الموادعة، ورعاية ~~حق الرق والعبودية، ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فلم يقبل منه ذلك. # PageV07P447 # وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده، فسير إليه ~~جيشا كثيرا من الروم، وكاتب أيضا من مع بكجور من العرب يرغبهم في الإقطاع، ~~والعطاء الكثير، والعفو عن مساعدتهم بكجور، فمالوا إليه، ووعدوه الهزيمة ~~بين يديه، فلما التقى العسكران اقتتلوا، (واشتد القتال) ، فلما اختلط الناس ~~في الحرب وشغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه، واستأمنوا إلى ~~سعد الدولة، فلما رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمائة رجل، وعزم ~~على أن يقصد موقف سعد الدولة ويلقي نفسه عليه، فإما له وإما عليه، فهرب ~~واحد ممن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرفه ذلك، فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن ~~يتحرك من موقفه ويقف مكانه، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع. فحمل بكجور ومن ~~معه، فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد عجب الناس منه واستعظموه كلهم، ~~فلما رأى لؤلؤا ألقى نفسه عليه وهو يظنه سعد الدولة، فضربه على رأسه، فسقط ~~إلى الأرض، فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه، ففرح به أصحابه وقويت ~~نفوسهم، وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال فمضى منهزما هو وعامة أصحابه، ~~وتفرقوا، وبقي منهم معه سبعة أنفس، وكثر القتل والأسر في الباقين. # ولما طال الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار، فوقف فرسه، فنزل عنه وسار راجلا، ~~فلحقه نفر من العرب، فأخذوا ما عليه، وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه، ~~وضمن له حمل بعير ذهبا ليوصله إلى الرقة، فلم يصدقه لبخله المشهور عنه، ~~فتركه في بيته وتوجه إلى سعد الدولة (فعرفه أن بكجور عنده، فحكمه سعد ~~الدولة) في مطالبه، فطلب مائتي فدان ملكا، ومائة ألف درهم، ومائة جمل تحمل ~~له حنطة، ms3144 وخمسين قطعة ثياب، فأعطاه ذلك أجمع وزيادة وسير معه سرية، فتسلموا ~~بكجور وأحضروه عند سعد الدولة، فلما رآه أمر بقتله، فقتل، ولقي عاقبة بغيه ~~وكفره إحسان مولاه. # فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها، وبها سلامة الرشيقي، ومعه ~~أولاد بكجور (وأبو الحسن علي بن الحسن المغربي وزير بكجور، فسلموا البلد ~~إليه بأمان # PageV07P448 # وعهود أكدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم، وللوزير المغربي، ~~ولسلامة الرشيقي، ولأموالهم، فلما خرج أولاد بكجور) بأموالهم رأى سعد ~~الدولة ما معهم، فاستعظمه واستكثره. # وكان عنده القاضي ابن أبي الحصن، فقال سعد الدولة: ما كنت أظن أن بكجور ~~يملك هذا جميعه، فقال له القاضي: لم لا تأخذه؟ فهو لك لأنه مملوك ولا يملك ~~شيئا، ولا حرج عليك ولا حنث. فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم، ~~وهرب الوزير المغربي إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وكتب أولاد ~~بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم، فأرسل إليه يشفع فيهم، ويأمره أن ~~يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن لم يفعل. فأهان الرسول وقال له: قل لصاحبك أنا ~~سائر إليك. وسير مقدمته إلى حمص ليلحقهم. # ذكر وفاة سعد الدولةبن حمدان # فلما برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه قولنج، فعاد إلى حلب ليتداوى، ~~فزال ما به وعوفي، وعزم على العود إلى معسكره، وحضر عند إحدى سراريه ~~فواقعها فسقط عنها وقد فلج وبطل نصفه، فاستدعى الطبيب، فقال له: أعطني يدك ~~لآخذ مجسك فأعطاه اليسرى، فقال: أعطني اليمين فقال: لا تركت لي اليمين ~~يمينا، يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه، (وقد ذكر ذلك) ، وندم عليه ~~حيث لم تنفعه الندامة، وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام ومات بعد أن عهد إلى ولده ~~أبي الفضائل، ووصى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله. # PageV07P449 # فلما توفي قام أبو الفضائل، وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد، وتراجعت ~~العساكر إلى حلب. # وكان الوزير أبو الحسن المغربي قد سار من مشهد علي، عليه السلام، إلى ~~العزيز بمصر، وأطمعه في حلب، فسير جيشا وعليهم منجوتكين أحد أمرائه (إلى ~~حلب) ، فسار إليها ms3145 في جيش كثيف فحصرها، وبها أبو الفضائل ولؤلؤ، فكتبا إلى ~~بسيل ملك الروم يستنجدانه، وهو يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه ~~بأنطاكية يأمره بإنجاد أبي الفضائل، فسار في خمسين ألفا، حتى نزل على الجسر ~~الجديد بالعاصي، فلما سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل ~~اجتماعهم بأبي الفضائل، وعبر إليهم العاصي، وأوقعوا بالروم فهزموهم وولوا ~~الأدبار إلى أنطاكية، وكثر القتل فيهم. # وسار منجوتكين إلى أنطاكية، فنهب بلدها وقراها وأحرقها، وأنفذ أبو ~~الفضائل إلى بلد حلب، فنقل ما فيه من الغلال وأحرق الباقي إضرارا بعساكر ~~مصر، وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها، فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي ~~وغيرهم وبذل لهم مالا ليردا منجوتكين عنهم، هذه السنة، بعلة تعذر الأقوات، ~~ففعلوا ذلك، وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب، فأجابهم إليه وسار إلى دمشق. # ولما بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب، وإبعاد ~~المغربي، وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس، ومنها إلى العسكر، ~~فنازل العسكر حلب، وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهرا، فقلت الأقوات بحلب. # وعاد [إلى] مراسلة ملك الروم والاعتضاد به، وقال له: متى أخذت حلب أخذت ~~أنطاكية وعظم عليك الخطب. وكان قد توسط بلاد البلغار، فعاد وجد في السير، ~~وكان الزمان ربيعا، وعسكر مصر قد أرسل إلى منجوتكين يعرفه الحال، وأتته ~~جواسيسه بمثل ذلك، فأخرب ما كان بناه من سوق وحمام وغير ذلك، وسار # PageV07P450 # كالمنهزم عن حلب، ووصل ملك الروم فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو ~~الفضائل ولؤلؤ، وعاد إلى حلب، ورحل بسيل إلى الشام، ففتح حمص وشيزر ~~ونهبهما، وسار إلى طرابلس فنازلها، فامتنعت عليه، وأقام عليها نيفا وأربعين ~~يوما، فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم. # ولما بلغ الخبر إلى العزيز عظم عليه، ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم، ~~وبرز من القاهرة، وحدث به أمراض منعته، وأدركه الموت، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل المنصور، صاحب إفريقية، نائبه في البلاد يوسف، واستعمل ~~بعده (على البلاد) أبا عبد ms3146 الله محمد بن أبي العرب. # وفيها توفي القائد جوهر، بعد عزله، وجوهر هذا هو الذي فتح مصر للمعز ~~العلوي. # وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي نصر سابور بالأهواز، واستوزر أبا ~~القاسم عبد العزيز بن يوسف. # (وفيها أيضا قبض بهاء الدولة) على أبي نصر خواشاذه وأبي عبد الله بن ~~طاهر، بعد عوده من خوزستان، وكان سبب قبضهما أن أبا نصر كان شحيحا، فلم ~~يواصل ابن المعلم بخدمه وهداياه، فشرع في القبض عليه. # PageV07P451 # وفيها هرب فولاذ زماندر من عند صمصام الدولة إلى الري، وكان سبب هربه أنه ~~تحكم على صمصام الدولة تحكما عظيما أنف منه، فأراد القبض (عليه، فعلم) به ~~فهرب منه. # وفيها كتب أهل الرحبة إلى بهاء الدولة يطلبون إنفاذ من يسلمون إليه ~~الرحبة، فأنفذ خمارتكين الحفصي إلى الرحبة فتسلمها، وسار منها إلى الرقة، ~~وبها بدر غلام سعد الدولة بن حمدان، فجرت بينهما وقعات، فلم يظفر بها، ~~وبلغه اختلاف ببغداذ، فعاد، فخرج عليه بعض العرب، فأخذوه أسيرا، ثم افتدى ~~منهم بمال كثير. # وفيها حلف بهاء الدولة للقادر بالله على الطاعة، والقيام بشروط البيعة، ~~وحلف له القادر بالوفاء والخلوص، وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه. # وفيها كثرت الفتن بين العامة ببغداذ، وزالت هيبة السلطنة، وتكرر الحريق ~~في المحال، واستمر الفساد. # [الوفيات] # وفيها توفي قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد بن معروف أبو محمد، ومولده سنة ~~ست وثلاثمائة، وكان فاضلا، عفيفا، نزيها، وكان معتزليا، ومحمد بن إبراهيم ~~بن علي بن عاصم بن زاذان أبو بكر المعروف بابن المقري الأصبهاني، وله ست ~~وتسعون سنة، وهو راوي مسند أبي يعلى الموصلي عنه. # PageV07P452 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة] ### | 382 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة # ذكر عود الديلم إلى الموصل # كان بهاء الدولة قد أنفذ أبا جعفر الحجاج بن هرمز في عسكر كثير إلى ~~الموصل، فملكها آخر سنة إحدى وثمانين [وثلاثمائة] ، فاجتمعت عقيل، وأميرهم ~~أبو الذواد محمد بن المسيب، على حربه، فجرى بينهم عدة وقائع ظهر من أبي ~~جعفر فيها بأس شديد، حتى ms3147 إنه كان يضع له كرسيا بين الصفين ويجلس عليه، ~~فهابه العرب، واستمد من بهاء الدولة عسكرا، فأمده بالوزير أبي القاسم علي ~~بن أحمد، وكان مسيره أول هذه السنة، فلما وصل إلى العسكر كتب بهاء الدولة ~~إلى أبي جعفر بالقبض عليه، فعلم أبو جعفر أنه إن قبض عليه اختلف العسكر، ~~وظفر به العرب، فتراجع في أمره. # وكان سبب ذلك أن ابن المعلم كان عدوا له، فسعى به عند بهاء الدولة، فأمر ~~بقبضه، كان بهاء الدولة أذنا يسمع ما يقال له ويفعل به، وعلم الوزير الخبر، ~~فشرع في صلح أبي الذواد وأخذ رهائنه والعود إلى بغداذ، فأشار عليه أصحابه ~~باللحاق بأبي الذواد، فلم يفعل أنفة، وحسن عهد، فلما وصل إلى بغداذ رأى ابن ~~المعلم قد قبض وقتل وكفي شره. # ولما أتاه خبر قبض ابن المعلم وقتله ظهر عليه الانكسار، فقال له خواصه: ~~ما هذا الهم وقد كفيت شر عدوك فقال: إن ملكا قرب رجلا كما قرب بهاء الدولة ~~ابن المعلم، ثم فعل به هذا، لحقيق بأن تخاف ملابسته. # PageV07P453 # وكان بهاء الدولة قد أرسل الشريف أبا أحمد الموسوي رسولا إلى أبي الذواد، ~~فأسره العرب، ثم أطلقوه، فورد إلى الموصل وانحدر إلى بغداذ. # ذكر تسليم الطائع إلى القادر وما فعله معه # في هذه السنة، في رجب، سلم بهاء الدولة الطائع لله إلى القادر بالله، ~~فأنزله حجرة من خاص حجره، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته، وأحسن ~~ضيافته، وكان يطلب الزيادة في الخدمة كما كان أيام الخلافة، فيؤمر له بذلك. # حكي عنه أن القادر بالله أرسل إليه طيبا فقال: من هذا يتطيب أبو العباس؟ ~~يعني القادر، فقالوا: نعم فقال: قولوا له عني: في الموضع الفلاني كندوج فيه ~~مما كنت أستعمله، فليرسل إلي بعضه ويأخذ الباقي لنفسه. ففعل ذلك. # وأرسل إليه يوما القادر بالله عدسية، فقال: ما هذا؟ فقالوا: عدس وسلق، ~~فقال: أو قد أكل أبو العباس من هذا؟ قالوا: نعم قال: قولوا له عني: لما ~~أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت، فما كانت ms3148 العدسية تعوزك، ولم تقلدت هذا ~~الأمر؟ فأمر حينئذ القادر أن يفرد له جارية من طباخاته تطبخ له ما يلتمسه ~~كل يوم، فأقام على هذا إلى أن توفي. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة قبض بهاء الدولة على أبى الحسن بن المعلم، ~~وكان قد استولى على الأمور كلها، وخدمه الناس كلهم، حتى الوزراء، فأساء ~~السيرة مع الناس، فشغب الجند في هذا الوقت، وشكوا منه، وطلبوا منه تسليمه ~~إليهم، فراجعهم بهاء الدولة، ووعدهم كف يده عنهم، فلم يقبلوا منه، فقبض ~~عليه وعلى جميع أصحابه، # PageV07P454 # فظن أن الجند يرجعون، فلم يرجعوا، فسلمه إليهم، فسقوه السم مرتين، فلم ~~يعمل فيه شيئا، فخنقوه ودفنوه. # وفيها، في شوال، تجددت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم، واشتد الحال، فركب ~~أبو الفتح محمد بن الحسن الحاجب، فقتل وصلب، فسكن البلد. # وفيها غلت الأسعار ببغداذ، فبيع رطل الخبز بأربعين درهما. # وفيها قبض بهاء الدولة على وزيره أبي القاسم علي بن أحمد المذكور، وكان ~~سبب قبضه أن بهاء الدولة اتهمه بمكاتبة الجند في أمر ابن المعلم، واستوزر ~~أبا نصر بن سابور، وأبا منصور بن صالحان، وجمع بينهما في الوزارة. # وفيها قبض صمصام الدولة على وزيره أبي القاسم العلاء بن الحسن بشيراز، ~~وكان غالبا على أمره، وبقي محبوسا إلى سنة ثلاث وثمانين [وثلاثمائة] ، ~~فأخرجه صمصام الدولة واستوزره، وكان يدبر الأمر مدة حبسه أبو القاسم ~~المدلجي. # وفيها نزل ملك الروم بأرمينية، وحصر خلاط، وملازكرد، وأرجيش، فضعفت نفوس ~~الناس عنه، ثم هادنه أبو علي الحسن بن مروان مدة عشر سنين، وعاد ملك الروم. # وفيها، في شوال، ولد الأمير أبو الفضل بن القادر بالله. # وفيها سار بغراخان أيلك، ملك الترك، بعساكره إلى بخارى، فسير إليه الأمير ~~نوح بن منصور جيشا كثيرا ولقيهم أيلك وهزمهم، فعادوا إلى بخارى مفلولين، ~~وهو # PageV07P455 # في أثرهم، فخرج نوح بنفسه وسائر عسكره، ولقيه فاقتتلوا قتالا شديدا وأجلت ~~المعركة عن هزيمة أيلك، فعاد منهزما إلى بلاساغون، وهي كرسي مملكته. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عمرو محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، ومولده سنة ms3149 خمس ~~وتسعين ومائتين. # PageV07P456 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة] ### | 383 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة # ذكر خروج أولاد بختيار # في هذه السنة ظهر أولاد بختيار من محبسهم، واستولوا على القلعة التي ~~كانوا معتقلين بها. # وكان سبب حبسهم أن شرف الدولة أحسن إليهم، بعد والده، وأطلقهم، وأنزلهم ~~بشيراز، وأقطعهم، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا ~~مستحفظها، ومن معه من الديلم، فأفرجوا عنهم، وأنفذوا إلى أهل تلك النواحي، ~~وأكثرهم رجالة، فجمعوهم تحت القلعة. # وعرف صمصام الدولة الحال، فسير أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر، فلما ~~قاربهم تفرق من معهم من الرجالة، وتحصن بنو بختيار، وكانوا ستة، ومن معهم ~~من الديلم بالقلعة، وحصرهم أبو علي، وراسل أحد وجوه الديلم وأطمعه في ~~الإحسان، فأصعدهم إلى القلعة سرا، فملكوها، وأخذوا أولاد بختيار أسراء، ~~فأمر صمصام الدولة بقتل اثنين منهم وحبس الباقين، ففعل ذلك بهم. # ذكر ملك صمصام الدولة خوزستان # في هذه السنة ملك صمصام الدولة خوزستان. # وكان سبب نقض الصلح أن بهاء الدولة سير أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى ~~الأهواز، وتقدم إليه بأن يكون مستعدا لقصد بلاد فارس، وأعلمه أنه يسير إليه # PageV07P457 # العساكر متفرقين، فإذا اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتة، فلا ~~يشعر صمصام الدولة إلا وهم معه في بلاده. # فسار أبو العلاء، ولم يتهيأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر، وظهر الخبر، ~~فجهز صمصام الدولة عسكره وسيرهم إلى خوزستان، وكتب أبو العلاء إلى بهاء ~~الدولة بالخبر وبطلب إمداده بالعساكر، فسير إليه عسكرا كثيرا، ووصلت عساكر ~~فارس، فلقيهم أبو العلاء، فانهزم هو وأصحابه وأخذ أسيرا وحمل إلى صمصام ~~الدولة، فألبس ثيابا مصبغة وطيف به، وسألت فيه والدة صمصام الدولة، فلم ~~يقتله، واعتقله. # ولما سمع بهاء الدولة بذلك أزعجه وأقلقه، وكانت خزانته قد خلت من ~~الأموال، فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ليحصل ما أمكنه، وأعطاه ~~رهونا من الجواهر والأعلاق النفيسة ليقترض عليها من مهذب الدولة، صاحب ~~البطيحة، فلما وصل إلى واسط تقرب منها إلى مهذب ms3150 الدولة، وترك ما معه من ~~الرهون بحاله، وأرسل بهاء الدولة ورهنها واقترض عليها. # ذكر ملك الترك بخارى # في هذه السنة ملك مدينة بخارى شهاب الدولة هارون بن سليمان أيلك المعروف ~~ببغراخان التركي، وكان له كاشغر وبلاساغون إلى حد الصين. # وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور لما مات وولي ابنه أبو علي خراسان ~~بعده، كاتب الأمير الرضي نوح بن منصور يطلب أن يقره على ما كان أبوه ~~يتولاه، فأجيب إلى ذلك، وحملت إليه الخلع، وهو لا يشك أنها له، فلما بلغ ~~الرسول طريق هراة عدل إليها، وبها فائق، فأوصل الخلع والعهد بخراسان إليه، ~~فعلم أبو علي أنهم مكروا به، وأن هذا دليل سوء يريدونه به، فلبس فائق الخلع ~~وسار عن هراة نحو أبي علي فبلغه الخبر، فسار جريدة في نخبة أصحابه، وطوى ~~المنازل حتى سبق خبره، فأوقع بفائق فيما بين بوشنج وهراة، فهزم فائقا ~~وأصحابه، وقصدوا مرو الروذ. # PageV07P458 # وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك، ~~وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفائق، فعاد أبو علي إلى ~~نيسابور ظافرا، وجبى أموال خراسان، فكتب إليه نوح يستنزله عن بعضها ليصرفه ~~في أرزاق جنده، فاعتذر إليه ولم يفعل، وخاف عاقبة المنع، فكتب إلى بغراخان ~~المذكور يدعوه إلى أن يقصد بخارى ويملكها على السامانية، وأطمعه فيهم، ~~واستقر الحال بينهما على أن يملك بغراخان ما وراء النهر كله، ويملك أبو علي ~~خراسان، فطمع بغراخان في البلاد، وتجدد له إليها حركة. # وأما فائق فإنه أقام بمرو الروذ حتى انجبر كسره واجتمع إليه أصحابه وسار ~~نحو بخارى من غير إذن، فارتاب الأمير نوح به، فسير إليه الجيوش وأمرهم ~~بمنعه، فلما لقوه قاتلوه، فانهزم فائق وأصحابه، وعاد على عقبيه، وقصد ترمذ. ~~فكتب الأمير نوح إلى صاحب الجوزجان من قبله، وهو أبو الحرث أحمد بن محمد ~~الفريغوني، وأمره بقصد فائق فجمع جمعا كثيرا وسار نحوه، فأوقع بهم فائق ~~فهزمهم وغنم أموالهم. # وكاتب أيضا بغراخان يطمعه في البلاد، فسار نحو ms3151 بخارى وقصد بلاد ~~السامانية، فاستولى عليها شيئا بعد شيء فسير إليه نوح جيشا كثيرا، واستعمل ~~عليهم قائدا كبيرا من قواده اسمه انج، فلقيهم بغراخان، فهزمهم، وأسر انج ~~وجماعة من القواد، فلما ظفر بهم قوي طمعه في البلاد، وضعف نوح وأصحابه، ~~وكاتب الأمير نوح أبا علي بن سيمجور يستنصره، ويأمره بالقدوم إليه ~~بالعساكر، فلم يجبه إلى ذلك، ولا لبى دعوته، (وقوي طمعه) في الاستيلاء على ~~خراسان. # وسار بغراخان نحو بخارى، فلقيه فائق، واختص به، وصار في جملته ونازلوا ~~بخارى، فاختفى الأمير نوح، وملكها بغراخان ونزلها، وخرج نوح منها مستخفيا ~~فعبر النهر إلى آمل الشط، وأقام بها ولحق به أصحابه، فاجتمع عنده منهم جمع ~~كثير، وأقاموا هناك. # PageV07P459 # وتابع نوح كتبه إلى أبي علي ورسله يستنجده ويخضع له، فلم يصغ إلى ذلك. ~~وأما فائق فإنه استأذن بغراخان في قصد بلخ والاستيلاء عليها، فأمره بذلك، ~~فسار نحوها ونزلها. # ذكر عود نوح إلى بخارى وموت بغراخان # لما نزل بغراخان بخارى وأقام بها استوخمها، فلحقه مرض ثقيل، فانتقل عنها ~~نحو بلاد الترك، فلما فارقها ثار أهلها بساقة عسكر ففتكوا بهم وغنموا ~~أموالهم، ووافقهم الأتراك الغزية على النهب والقتل لعسكر بغراخان. # فلما سار بغراخان عن بخارى (أدركه أجله فمات، ولما سمع الأمير نوح بمسيره ~~عن بخارى) بادر إليها فيمن معه من أصحابه، فدخلها، وعاد إلى دار ملكه وملك ~~آبائه، وفرح أهلها به وتباشروا بقدومه. # وأما بغراخان فإنه لما مات عاد أصحابه إلى بلادهم، وكان دينا، خيرا، ~~عادلا، حسن السيرة، محبا للعلم وأهل الدين، مكرما لهم، وكان يحب أن يكتب ~~عنه: مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولي أمر الترك بعده أيلك خان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر شغب الديلم على بهاء الدولة، ونهبوا دار الوزير أبي نصر ~~بن سابور، واختفى منهم، واستعفى ابن صالحان من الانفراد بالوزارة فأعفي، ~~واستوزر أبا القاسم علي بن أحمد، ثم هرب، وعاد سابور إلى الوزارة بعد أن ~~أصلح الديلم. # PageV07P460 # وفيها جلس القادر بالله لأهل خراسان، بعد عودهم من الحج، ms3152 وقال لهم. في ~~معنى الخطبة له، وحملوا رسالة وكتبا إلى صاحب خراسان في المعنى. # وفيها عقد النكاح للقادر على بنت بهاء الدولة بصداق مبلغه مائة ألف ~~دينار، وكان العقد بحضرته، والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى، والد ~~الرضي، وماتت قبل النقلة. # وفيها كان بالعراق غلاء شديد فبيعت كارة الدقيق بمائتين وستين درهما، وكر ~~الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم غياثية. # وفيها بنى أبو نصر سابور بن أردشير ببغداذ دارا للعلم، ووقف فيها كتبا ~~كثيرة على المسلمين المنتفعين بها. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الماسرجسي، الفقيه الشافعي، شيخ ~~أبي الطيب الطبري بنيسابور (وأبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر، ~~وأبو طالب عبد السلام بن الحسن المأموني، وهو من أولاد المأمون، وكان فاضلا ~~حسن الشعر) . # PageV07P461 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة] ### | 384 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة # ذكر ولاية محمود بن سبكتكين خراسان وإجلاء أبي علي عنها # في هذه السنة ولى الأمير نوح محمود بن سبكتكين خراسان. # وكان سبب ذلك أن نوحا لما عاد إلى بخارى، على ما تقدم ذكره، سقط في يد ~~أبي علي، وندم على ما فرط فيه من ترك معونته عند حاجته إليه. # وأما فائق فإنه لما استقر نوح ببخارى حدث نفسه بالمسير إليه، والاستيلاء ~~عليه، والحكم في دولته، فسار عن بلخ إلى بخارى. فلما علم نوح بذلك سير إليه ~~الجيوش لترده (عن ذلك) ، فلقوه واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم فائق وأصحابه، ~~ولحقوا بأبي علي، ففرح بهم، وقوي جنانه بقربهم، واتفقوا على مكاشفة الأمير ~~نوح بالعصيان، فلما فعلوا ذلك كتب الأمير نوح إلى سبكتكين، وهو حينئذ ~~بغزنة، يعرفه الحال، ويأمره بالمسير إليه لينجده، وولاه خراسان. # وكان سبكتكين في هذه الفتن مشغولا بالغزو، غير ملتفت إلى ما هم فيه، فلما ~~أتاه كتاب نوح ورسوله أجابه إلى ما أراد، وسار نحوه جريدة، واجتمع به، ~~وقررا بينهما ما يفعلانه، وعاد سبكتكين فجمع العساكر وحشد، فلما بلغ أبا ~~علي وفائقا الخبر جمعا وراسلا فخر الدولة بن بويه يستنجدانه، ms3153 ويطلبان منه ~~عسكرا، فأجابهما # PageV07P462 # إلى ذلك وسير إليهما عسكرا كثيرا وكان وزيره الصاحب بن عباد هو الذي قرر ~~القاعدة في ذلك. # وسار سبكتكين من غزنة، ومعه ولده محمود نحو خراسان وسار نوح فاجتمع هو ~~وسبكتكين فقصدوا أبا علي وفائقا، فالتقوا بنواحي هراة. واقتتلوا، فانحاز ~~دار بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبي علي إلى نوح ومعه أصحابه، فانهزم أصحاب ~~أبي علي، وركبهم أصحاب سبكتكين يأسرون ويقتلون ويغنمون، وعاد أبو علي وفائق ~~نحو نيسابور، وأقام سبكتكين ونوح بظاهر هراة حتى استراحوا وساروا نحو ~~نيسابور، فلما علم بهم أبو علي سار هو وفائق نحو جرجان، (وكتبا إلى) فخر ~~الدولة بخبرهما، فأرسل إليهما الهدايا والتحف والأموال وأنزلهما بجرجان. # واستولى نوح على نيسابور واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن ~~سبكتكين (ولقبه سيف الدولة ولقب أباه سبكتكين) ناصر الدولة، فأحسنا السيرة، ~~وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة، وأقام محمود بنيسابور. # ذكر عود الأهواز إلى بهاء الدولة # في هذه السنة ملك بهاء الدولة الأهواز. # وكان سببه أنه أنفذ عسكرا إليها عدتهم سبعمائة رجل وقدم عليهم طغان ~~التركي، فلما بلغوا السوس رحل عنها أصحاب صمصام الدولة، فدخلها عسكر بهاء ~~الدولة، وانتشروا في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم من الترك، فعلت كلمتهم على ~~الديلم، وتوجه صمصام الدولة إلى الأهواز ومعه عسكر الديلم وتميم وأسد، فلما ~~بلغ تستر رحل ليلا ليكبس الأتراك من عسكر بهاء الدولة، فضل الأدلاء في ~~الطريق، فأصبح على بعد منهم، ورأتهم طلائع الأتراك، فعادوا بالخبر، فحذروا، ~~واجتمعوا، واصطفوا، وجعل مقدمهم، واسمه طغان، كمينا، فلما التقوا واقتتلوا ~~خرج الكمين # PageV07P463 # على الديلم، فكانت الهزيمة، وانهزم صمصام الدولة ومن معه من الديلم، ~~وكانوا ألوفا كثيرة، واستأمن منهم أكثر من ألفي رجل، وغنم الأتراك من ~~أثقالهم شيئا كثيرا. # وضرب طغان للمستأمنة خيما يسكنونها، فلما نزلوا اجتمع الأتراك وتشاوروا ~~وقالوا: هؤلاء أكثر من عدتنا، ونحن نخاف أن يثوروا بنا، واستقر رأيهم على ~~قتلهم، فلم يشعر الديلم إلا وقد ألقيت الخيام عليهم، ووقع الأتراك فيهم ~~بالعمد حتى أتوا عليهم فقتلوا ms3154 كلهم. # وورد الخبر على بهاء الدولة، وهو بواسط، قد اقترض مالا من مهذب الدولة، ~~فلما سمع ذلك سار إلى الأهواز، وكان طغان والأتراك قد ملكوها قبل وصوله ~~إليها. # وأما صمصام الدولة فإنه لبس السواد وسار إلى شيراز فدخلها، فغيرت والدته ~~ما عليه من السواد، وأقام يتجهز للعود إلى أخيه بهاء الدولة بخوزستان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عقد النكاح لمهذب الدولة على ابنة بهاء الدولة، وللأمير أبي ~~منصور بويه بن بهاء الدولة على ابنة مهذب الدولة وكان الصداق من كل جانب ~~مائة ألف دينار. # وفيها قبض بهاء الدولة على أبي نصر خواشاذه. # وفيها عاد الحجاج من الثعلبية، ولم يحج من العراق والشام أحد، وسبب عودهم ~~أن الأصيفر، أمير العرب، اعترضهم وقال: إن الدراهم التي أرسلها السلطان عام ~~أول كانت نقرة مطلية، وأريد العوض فطالت المخاطبة والمراسلة وضاق الوقت على ~~الحجاج فرجعوا. # PageV07P464 # وفيها توفي أبو القاسم النقيب الزينبي، وولي النقابة بعده ابنه أبو ~~الحسن. # وفيها ولي نقابة الطالبيين أبو الحسن النهرسابسي، وعزل عنها أبو أحمد ~~الموسوي، وكان ينوب عنه فيها ابناه المرتضى والرضي. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، ~~وكان من الصالحين، حج من نيسابور ماشيا، وبقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط ~~ولا إلى مخدة، وعلي بن الحسين بن حمويه بن زيد أبو الحسن الصوفي، سمع ~~الحديث وحدث، وصحب أبا الخير الأقطع وغيره، وعلي بن عيسى (بن علي) بن عبد ~~الله أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، ومولده سنة ست وتسعين ومائتين، ~~روى عن ابن دريد وغيره، وله " تفسير " كبير، ومحمد بن العباس بن أحمد بن ~~القزاز أبو الحسن، سمع الكثير، وكتب الكثير، وخطه حجة في صحة # PageV07P465 # النقل وجودة الضبط، وأبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني الكاتب، ~~والمحسن (بن علي بن) علي بن محمد بن أبي الفهم أبو علي التنوخي القاضي، ~~ومولده سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وكان فاضلا. # وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، الكاتب المشهور، (وكان ~~عمره ms3155 إحدى وتسعين سنة، وكان قد زمن، وضاقت به الأمور، وقلت عليه الأموال) . # وفيها اشتد أمر العيارين ببغداذ، ووقعت الفتنة بين أهل الكرخ وأهل باب ~~البصرة، واحترق كثير من المحال، ثم اصطلحوا. # PageV07P466 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة] ### | 385 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة # ذكر عود أبي علي إلى خراسان. # لما عاد الأمير نوح إلى بخارى، وسبكتكين إلى هراة، وبقي محمود بنيسابور، ~~طمع أبو علي وفائق في خراسان، فسارا عن جرجان إلى نيسابور في ربيع الأول، ~~فلما بلغ محمودا خبرهما كتب إلى أبيه بذلك، وبرز هو فنزل بظاهر نيسابور ~~وأقام ينتظر المدد، فأعجلاه فصبر لهما فقاتلاه، وكان في قلة من الرجال ~~فانهزم عنهما نحو أبيه، وغنم أصحابهما منه شيئا كثيرا، وأشار أصحاب أبي علي ~~عليه باتباعه وإعجاله ووالده عن الجمع والاحتشاد فلم يفعل، وأقام بنيسابور ~~وكاتب الأمير نوحا يستميله ويستقيل من عثرته وزلته، وكذلك كاتب سبكتكين ~~بمثل ذلك، وأحال بما جرى على فائق فلم يجيباه إلى ما أراد. # وجمع سبكتكين العساكر فأتوه على كل صعب وذلول وسار نحو أبي علي فالتقوا ~~بطوس في جمادى الآخرة فاقتتلوا عامة يومهم، وأتاهم محمود بن سبكتكين في ~~عسكر ضخم من ورائهم، فانهزموا وقتل من أصحابهم خلق كثير، ونجا أبو علي ~~وفائق فقصدا أبيورد، فتبعهم سبكتكين واستخلف ابنه محمودا بنيسابور، فقصدا ~~مرو ثم آمل الشط، وراسلا الأمير نوحا يستعطفانه، فأجاب أبا علي إلى ما طلب ~~من قبول عذره إن فارقا فائقا ونزلا بالجرجانية ففعل ذلك، فحذره فائق، وخوفه ~~من مكيدتهم به ومكرهم فلم يلتفت لأمر يريده الله، عز وجل، ففارق فائقا # PageV07P467 # وسار نحو الجرجانية ونزل بقرية بقرب خوارزم تسمى هزار أسب، فأرسل إليه ~~أبو عبد الله خوارزمشاه من أقام له ضيافة، ووعده أن يقصده ليجتمع به، فسكن ~~إلى ذلك، فلما كان الليل أرسل إليه خوارزمشاه جمعا من عسكره فأحاطوا به ~~وأخذوه أسيرا في رمضان من هذه السنة، فاعتقله في بعض دوره، وطلب أصحابه ~~فأسر أعيانهم وتفرق الباقون. # وأما فائق فإنه سار إلى أيلك خان بما ms3156 وراء النهر فأكرمه وعظمه ووعده أن ~~يعيده إلى قاعدته، وكتب إلى نوح يشفع في فائق، وأن يولى سمرقند فأجابه إلى ~~ذلك وأقام بها. # ذكر خلاص أبي علي وقتل خوارزمشاه # لما أسر أبو علي بلغ خبره إلى مأمون بن محمد، والي الجرجانية، فقلق لذلك ~~وعظم عليه، وجمع عساكره وسار نحو خوارزمشاه، وعبر إلى كاث، وهي مدينة ~~خوارزمشاه، فحصروها وقاتلوها، وفتحوها عنوة، وأسروا أبا عبد الله ~~خوارزمشاه، وأحضروا أبا علي ففكوا عنه قيده وأخذوه وعادوا إلى الجرجانية، ~~واستخلف مأمون بخوارزم بعض أصحابه، وصارت [في] جملة ما بيده، وأحضر ~~خوارزمشاه وقتله بين يدي أبي علي سيمجور. # ذكر قبض أبي علي سيمجور وموته # لما حصل أبو علي عند مأمون بن محمد بالجرجانية كتب إلى الأمير نوح يشفع ~~فيه، ويسأل الصفح عنه، فأجيب إلى ذلك، وأمر أبا علي بالمسير إلى بخارى، ~~فسار إليها فيمن بقي معه من أهله وأصحابه، فلما بلغوا بخارى لقيهم الأمراء ~~والعساكر، فلما دخلوا على الأمير نوح أمر بالقبض عليهم. # PageV07P468 # وبلغ سبكتكتين أن ابن عزير، وزير الأمير نوح، يسعى في خلاص أبي علي، ~~فأرسل إليه (يطلب أبا علي إليه) ، فحبسه، فمات في حبسه سنة سبع وثمانين ~~وثلاثمائة، وكان ذلك خاتمة أمره، (وآخر حال) بيت سيمجور جزاء لكفران إحسان ~~مولاهم، فتبارك الحي الدائم الباقي الذي لا يزول ملكه. # وكان ابنه أبو الحسن قد لحق بفخر الدولة بن بويه، فأحسن إليه وأكرمه، ~~فسار عنه سرا إلى خراسان لهوى كان له بها، وظن أن أمره يخفى، فظهر حاله، ~~فأخذ أسيرا وسجن عند والده. # وأما أبو القاسم أخو أبي علي فإنه أقام في خدمة سبكتكين مدة يسيرة، ثم ~~ظهر منه خلاف الطاعة، وقصد نيسابور، فلم يتم له ما أراد، وعاد محمود بن ~~سبكتكين إليه، فهرب منه وقصد فخر الدولة وبقي عنده، وسيرد باقي أخباره، إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر وفاة الصاحب بن عباد # في هذه السنة مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد، وزير فخر الدولة ~~بالري، وكان واحد زمانه علما وفضلا، وتدبيرا، وجودة رأي، وكرما، ms3157 عالما ~~بأنواع العلوم، وعارفا بالكتابة وموادها، ورسائله مشهورة مدونة، وجمع من ~~الكتب ما لم يجمعه غيره، حتى إنه كان يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل. # ولما مات وزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب ~~بالكافي. # ولما حضره الموت قال لفخر الدولة: قد خدمتك خدمة استفرغت فيها وسعي # PageV07P469 # وسرت سيرة جلبت لك حسن الذكر، فإن أجريت الأمور على ما كانت عليه نسب ذلك ~~الجميل إليك وتركت أنا، وإن عدلت عنه كنت أنا المشكور ونسبت الطريقة ~~الثانية إليك وقدح ذلك في دولتك. فكان هذا نصحه له إلى أن مات. # فلما توفي أنفذ فخر الدولة من احتاط على ماله وداره، ونقل جميع ما فيها ~~إليه، فقبح الله خدمة الملوك، هذا فعلهم مع من نصح لهم، فكيف مع غيره. # ونقل الصاحب بعد ذلك إلى أصبهان، وكثير ما بين فعل فخر الدولة مع ابن ~~عباد وبين العزيز بالله العلوي مع وزيره يعقوب بن كلس وقد تقدم. # وكان الصاحب بن عباد قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي ~~وقدمه، وولاه قضاء الري وأعمالها، فلما توفي قال عبد الجبار: لا أرى الترحم ~~عليه، لأنه مات عن غير توبة ظهرت منه، فنسب عبد الجبار إلى قلة الوفاء. # ثم إن فخر الدولة قبض على عبد الجبار وصادره، فباع في جملة ما باع ألف ~~طيلسان، وألف ثوب صوف رفيع، فلم لا نظر لنفسه، وتاب عن أخذ مثل هذا واذخاره ~~من غير حله؟ . # ثم إن فخر الدولة قبض على أصحاب ابن عباد وأبطل كل مسامحة كانت منه، وقرر ~~هو ووزراؤه المصادرات في البلاد، فاجتمع له منها كثير، ثم تمزق بعد وفاته ~~في أقرب مدة، وحصل بالوزر وسوء الذكر. # ذكر إيقاع صمصام الدولة بالأتراك # في هذه السنة أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك، فقتل منهم ~~جماعة، وهرب الباقون فعاثوا في البلاد وانصرفوا إلى كرمان ثم منها إلى بلاد ~~السند، واستأذنوا ملكها في دخول بلاده، فأذن لهم وخرج إلى تلقيهم ووافق # PageV07P470 # أصحابه على الإيقاع بهم، ms3158 فلما رآهم جعل أصحابه صفين، فلما حصل الأتراك في ~~وسطهم أطبقوا عليهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر جرحى وقعوا بين القتلى ~~وهربوا تحت الليل # ذكر وفاة خواشاذه # في هذه السنة توفي أبو نصر خواشاذه بالبطائح، وكان قد هرب إليها بعد أن ~~قبض، وكاتبه بهاء الدولة، وفخر الدولة، وصمصام الدولة، وبدر بن حسنويه، كل ~~منهم يستدعيه، ويبذل له ما يريده، وقال له فخر الدولة: لعلك تسيء الظن بما ~~قدمته في خدمة عضد الدولة، وما كنا لنؤاخذك بطاعة من قدمك ومناصحته، وقد ~~علمت ما عملته مع الصاحب بن عباد، وتركنا ما فعله معنا. فعزم على قصده، ~~فأدركه أجله قبل ذلك، وتوفي، وكان من أعيان، قواد عضد الدولة. # ذكر عود عسكر صمصام الدولة إلى الأهواز # في هذه السنة جهز صمصام الدولة عسكره من الديلم وردهم إلى الأهواز مع ~~العلاء بن الحسن، واتفق أن طغان، نائب بهاء الدولة بالأهواز، توفي، وعزم من ~~معه من الأتراك على العود إلى بغداذ، وكتب من هناك إلى بهاء الدولة بالخبر، ~~فأقلقه ذلك وأزعجه، فسير أبا كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز ~~نائبا عنه، وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى الفتكين، وهو برامهرمز، قد ~~عاد من بين يدي عسكر صمصام الدولة إليها، يأمره بالمقام بموضعه، فلم يفعل، ~~وعاد إلى الأهواز، فكتب إلى أبي محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال، وسار ~~بعدهم بهاء الدولة نحو خوزستان، فكاتبه العلاء، وسلك طريق اللين، والخداع. # ثم سار على نهر المسرقان إلى أن حصل بخان طوق، ووقعت الحرب بينه وبين أبي ~~محمد بن مكرم والفتكين، وزحف الديلم بين البساتين، حتى دخلوا البلد، وانزاح ~~عنه ابن مكرم والفتكين، وكتبا إلى بهاء الدولة يشيران عليه بالعبور إليها ~~فتوقف عن # PageV07P471 # ذلك ووعدهما به وسير إليهما ثمانين غلاما من الأتراك، فعبروا وحملوا على ~~الديلم من خلفهم، فأفرج لهم الديلم، فلما (توسطوا بينهم) أطبقوا عليهم ~~فقتلوهم. # فلما عرف بهاء الدولة ذلك ضعفت نفسه وعزم على العود، ولم يظهر ذلك، فأمر ~~بإسراج الخيل وحمل السلاح ففعل ذلك، وسار ms3159 نحو الأهواز يسيرا، ثم عاد إلى ~~البصرة فنزل بظاهرها. فلما عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عاد إلى عسكر ~~مكرم، وتبعهم العلاء والديلم فأجلوهم عنها، فنزلوا براملان بين عسكر مكرم ~~وتستر، وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة. # وكان بيد الأتراك، أصحاب بهاء الدولة من تستر إلى رامهرمز ومع الديلم ~~منها إلى أرجان، وأقاموا ستة أشهر، ثم رجعوا إلى الأهواز، ثم عبر بهم النهر ~~إلى الديلم، واقتتلوا نحو شهرين، ثم رحل الأتراك وتبعهم العلاء، فوجدهم قد ~~سلكوا طريق واسط، فكف عنهم، وأقام بعسكر مكرم. # ذكر حادثة غريبة بالأندلس # في هذه السنة سير المنصور محمد بن أبي عامر، أمير الأندلس لهشام المؤيد ~~عسكرا إلى بلاد الفرنج للغزاة، فنالوا منهم وغنموا، وأوغلوا في ديارهم، ~~وأسروا غرسية، وهو ملك للفرنج ابن ملك من ملوكهم يقال له شانجة، وكان من ~~أعظم ملوكهم وأمنعهم، وكان من القدر أن شاعرا للمنصور، يقال له أبو العلاء ~~صاعد بن الحسن الربعي، قد قصده من بلاد الموصل، وأقام عنده وامتدحه قبل هذا ~~التاريخ، فلما كان الآن أهدى أبو العلاء إلى المنصور أيلا. وكتب معه أبياتا ~~منها: # يا حرز كل مخوف وأمان كل ... مشرد ومعز كل مذلل # جدواك إن تخصص به فلأهله ... وتعم بالإحسان كل مؤمل # (يقول فيها) : # PageV07P472 # مولاي مؤنس غربتي، متخطفي ... من ظفر أيامي، ممنع معقلي # عبد رفعت بضبعه، وغرسته ... في نعمة أهدى إليك بأيل # سميته غرسية، وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي # فلئن قبلت، فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو نعمة وتطول # فسمى هذا الشاعر الأيل غرسية تفاؤلا بأسر ذلك غرسية، فكان أسره في اليوم ~~الذي أهدى فيه الأيل، فانظر إلى هذا الاتفاق ما أعجبه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد الوزير أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي من البطيحة ~~إلى بهاء الدولة، بعد عوده من خوزستان وكان قد التجأ إلى مهذب الدولة، ~~فأرسل بهاء الدولة يطلبه ليستوزره، فحضر عنده، فلم يتم له ذلك، فعاد إلى ~~البطيحة، وكان الفاضل، وزير بهاء الدولة، معه بواسط، فلما علم الحال استأذن ~~في ms3160 الإصعاد (إلى بغداذ) ، فأذن له فأصعد، فعاد بهاء الدولة وطلبه ليرجع ~~إليه، فغالطه ولم يعد. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في ذي الحجة توفي أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد بن أيوب ~~المعروف بابن شاهين الواعظ، مولده في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين، وكان ~~مكثرا من الحديث ثقة. # وفيها، في ذي القعدة، توفي الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي ~~المعروف بالدارقطني الإمام المشهور. # PageV07P473 # وفيها، في ربيع الأول، توفي محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي من ولد علي ~~بن المهدي بالله، وكان منحرفا عن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكان خبيث ~~اللسان يتقى سفهه، ومن جيد شعره: # في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد # الوجه بدر، والصدغ غالية ... والريق خمر، والثغر من برد # وفيها توفي يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القواس، الزاهد، في ربيع ~~الأول، وله خمس وخمسون سنة. # PageV07P474 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة] ### | 386 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة # ذكر وفاة العزيز بالله وولاية ابنه الحاكم وما كان من الحروب إلى أن ~~استقر أمره # في هذه السنة توفي العزيز أبو منصور نزار بن المعز أبي تميم معد العلوي، ~~صاحب مصر، لليلتين بقيتا من رمضان، وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر ~~ونصف، بمدينة بلبيس، وكان برز إليها لغزو الروم، فلحقه عدة أمراض منها ~~النقرس والحصا والقولنج، فاتصلت به إلى أن مات. # وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومولده بالمهدية من ~~إفريقية. # وكان أسمر طويلا، أصهب الشعر، عريض المنكبين، عارفا بالخيل والجوهر، قيل ~~إنه ولى عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشا، ~~فاعتز بهما النصارى واليهود، وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة ~~وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس، فيها: بالذي أعز اليهود بمنشا ~~والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي، وأقعدوا تلك ~~الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها، فلما (قرأ ~~ما فيها) ، # PageV07P475 # ورأى الصورة من ms3161 قراطيس، علم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ~~ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليهودي شيئا كثيرا. # وكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر ~~الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس وزير العزيز وكاتب الإنشاء ~~من جهته أبا نصر عبد الله الحسين القيرواني، فقال: # قل لأبي نصر صاحب القصر ... والمتأتي لنقض ذا الأمر # انقض عرى الملك للوزير تفز ... منه بحسن الثناء والذكر # وأعط، وامنع، ولا تخف أحدا ... فصاحب القصر ليس في القصر # وليس يدري ماذا يراد به ... وهو إذا ما درى، فما يدري # فشكاه ابن كلس إلى العزيز، وأنشده الشعر فقال له: هذا شيء اشتركنا فيه في ~~الهجاء فشاركني في العفو عنه. ثم قال هذا الشاعر أيضا وعرض بالفضل القائد: # تنصر، فالتنصر دين حق ... عليه زماننا هذا يدل # وقل بثلاثة عزوا وجلوا ... وعطل ما سواهم فهو عطل # فيعقوب الوزير أب، وهذا ... العزيز ابن، وروح القدس فضل # فشكاه أيضا إلى العزيز، فامتعض منه إلا أنه قال: اعف عنه فعفا عنه. # ثم دخل الوزير على العزيز، فقال: لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غض من ~~السياسة، ونقض لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن زبارج نديمك، ~~وسبك بقوله: # زبارجي نديم وكلسي وزير ... نعم على قدر الكلب يصلح الساجور # فغضب العزيز، وأمر بالقبض عليه، فقبض عليه (لوقته، ثم بدا للعزيز إطلاقه) ~~، فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير عين في القصر، فأخبره بذلك فأمر بقتله ~~فقتل. # PageV07P476 # فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعا، فعاد إليه فأخبره، فاغتم ~~له. # ولما مات العزيز ولي بعده ابنه أبو علي المنصور، ولقب الحاكم بأمر الله، ~~بعهد من أبيه، فولي وعمره إحدى عشرة سنة (وستة أشهر) ، وأوصى العزيز إلى ~~أرجوان الخادم، وكان يتولى أمر داره، وجعله مدبر دولة ابنه الحاكم، فقام ~~بأمره، وبايع له، وأخذ له البيعة على الناس، وتقدم الحسن بن عمار، شيخ ~~كتامة وسيدها، وحكم في دولته، واستولى عليها، وتلقب بأمين الدولة، هو أول ~~من تلقب ms3162 في دولة العلويين المصريين، فأشار عليه ثقاته بقتل الحاكم، وقالوا: ~~لا حاجة [بنا] إلى من يتعبدنا، فلم يفعل احتقارا له، واستصغارا لسنه. # وانبسطت كتامة في البلاد، وحكموا فيها، ومدوا أيديهم إلى أموال الرعية ~~وحريمهم، وأرجوان مقيم مع الحاكم في القصر يحرسه، واتفق معه شكر خادم عضد ~~الدولة، وقد ذكرنا قبض شرف الدولة عليه ومسيره إلى مصر، فلما اتفقا، وصارت ~~كلمتهما واحدة، كتب أرجوان إلى منجوتكين يشكو ما (يتم عليه) من ابن عمار، ~~فتجهز وسار من دمشق نحو مصر، فوصل الخبر إلى ابن عمار، فأظهر أن منجوتكين ~~قد عصى على الحاكم، وندب العساكر إلى قتاله، وسير إليه جيشا كثيرا، وجعل ~~عليهم أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي، فساروا إليه فلقوه ~~بعسقلان، فانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفا رجل، وأسر منجوتكين وحمل ~~إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمار، وأطلقه استمالة للمشارقة بذلك. # واستعمل ابن عمار على الشام أبا تميم الكتامي، واسمه سليمان بن جعفر، ~~فسار إلى طبرية، فاستعمل على دمشق أخاه عليا، فامتنع أهلها عليه، فكاتبهم ~~أبو تميم # PageV07P477 # يتهددهم فخافوا وأذعنوا بالطاعة، واعتذروا من فعل سفهائهم، وخرجوا إلى ~~علي فلم يعبأ بهم وركب ودخل البلد فأحرق وقتل وعاد إلى معسكره. # وقدم عليهم أبو تميم فأحسن إليهم وأمنهم، وأطلق المحبسين ونظر في أمر ~~الساحل، واستعمل أخاه عليا على طرابلس، وعزل عنها جيش بن الصمصامة الكتامي، ~~فمضى إلى مصر، واجتمع مع أرجوان على الحسن بن عمار، فانتهز أرجوان الفرصة ~~ببعد كتامة عن مصر مع أبي تميم، فوضع المشارقة على الفتك بمن بقي بمصر ~~منهم، وبابن عمار معهم. # فبلغ ذلك ابن عمار، فعمل على الإيقاع بأرجوان وشكر العضدي فأخبرهما عيون ~~لهما على ابن عمار بذلك، فاحتاطا ودخلا قصر الحاكم باكين، وثارت الفتنة، ~~واجتمعت المشارقة، ففرق فيهم المال، وواقعوا ابن عمار ومن معه، فانهزم ~~واختفى. # فلما ظفر أرجوان أظهر الحاكم، وأجلسه، وجدد له البيعة، وكتب إلى وجوه ~~القواد والناس بدمشق بالإيقاع بأبي تميم، فلم يشعر إلا وقد هجموا عليه ~~ونهبوا خزائنه، فخرج هاربا، وقتلوا ms3163 من كان عنده من كتامة، وعادت الفتنة ~~بدمشق، واستولى الأحداث. # ثم إن أرجوان أذن للحسن بن عمار في الخروج من استتاره، وأجراه على ~~إقطاعه، وأمره بإغلاق بابه. # وعصى أهل صور، وأمروا عليهم رجلا ملاحا يعرف بعلاقة، وعصى أيضا المفرج بن ~~دغفل بن الجراح، ونزل على الرملة وعاث في البلاد. # PageV07P478 # واتفق أن الدوقس، صاحب الروم، نزل على حصن أفامية، فأخرج أرجوان جيش ابن ~~الصمصامة في عسكر ضخم، فسار حتى نزل بالرملة، فأطاعه واليها، وظفر فيها ~~بأبي تميم فقبض عليه، وسير عسكرا إلى صور، وعليهم أبو عبد الله الحسين بن ~~ناصر الدولة بن حمدان، فغزاها برا وبحرا. فأرسل علاقة إلى ملك الروم ~~يستنجده فسير إليه عدة مراكب مشحونة بالرجال، فالتقوا بمراكب المسلمين على ~~صور فاقتتلوا، وظفر المسلمون، وانهزم الروم، وقتل منهم جمع، فلما انهزموا ~~انخذل أهل صور، وضعفت نفوسهم، فملك البلد أبو عبد الله بن حمدان، ونهبه، ~~وأخذت الأموال، وقتل كثير من جنده، وكان أول فتح كان على يد أرجوان، وأخذ ~~علاقة أسيرا فسيره إلى مصر، فسلخ وصلب بها، وأقام بصور، وسار جيش بن ~~الصمصامة لقصد المفرج بن دغفل، فهرب من بين يديه، (وأرسل يطلب العفو فأمنه. # وسار جيش أيضا إلى عسكر الروم) ، فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها مذعنين، ~~فأحسن إلى رؤساء الأحداث، وأطلق المؤن، وأباح دم كل مغربي يتعرض لأهلها، ~~فاطمأنوا إليه. # وسار إلى أفامية، فصاف الروم عندها، فانهزم هو وأصحابه، ما عدا بشارة ~~الإخشيدي، فإنه ثبت في خمسمائة فارس. ونزل الروم إلى سواد المسلمين يغنمون ~~ما فيه، والدوقس واقف على رايته، وبين يديه ولده وعدة غلمان، فقصده كردي ~~يعرف بأحمد بن الضحاك، من أصحاب بشارة، ومعه خشت، فظنه الدوقس مستأمنا، فلم # PageV07P479 # يحترز منه، فلما دنا منه حمل عليه وضربه بالخشت فقتله، فصاح المسلمون: ~~قتل عدو الله! وعادوا ونزل النصر عليهم، فانهزمت الروم وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة. # وسار جيش إلى باب أنطاكية يغنم ويسبي ويحرق، وعاد إلى دمشق فنزل بظاهرها، ~~وكان الزمان شتاء، فسأله أهل دمشق ليدخل البلد، فلم يفعل، ms3164 ونزل ببيت لهيا، ~~وأحسن السيرة في أهل دمشق، واستخص رؤساء الأحداث، واستحجب جماعة منهم، وجعل ~~يبسط الطعام كل يوم لهم ولمن يجئ معهم من أصحابهم، فكان يحضر كل إنسان منهم ~~في جمع من أصحابه وأشياعه، وأمرهم إذا فرغوا من الطعام أن (يحضروا إلى) ~~حجرة له يغسلون أيديهم فيها، فعبر على ذلك برهة من الزمان، فأمر أصحابه أن ~~رؤساء الأحداث، إذا دخلوا الحجرة لغسل أيديهم، أن يغلقوا باب الحجرة عليهم، ~~ويضعوا السيف في أصحابهم، فلما كان الغد حضروا الطعام، وقام الرؤساء إلى ~~الحجرة، فأغلقت الأبواب عليهم، وقتل من أصحابهم نحو ثلاثة آلاف رجل، ودخل ~~دمشق فطافها، فاستغاث الناس وسألوه العفو وعفا عنهم، وأحضر أشراف أهلها، ~~وقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وسير الأشراف إلى مصر، وأخذ أموالهم ~~ونعمهم، ثم مرض بالبواسير وشدة الضربان فمات. # وولي بعده ابنه محمد، وكانت ولايته هذه تسعة أشهر. ثم إن أرجوان بعد هذه ~~الحادثة راسل بسيل ملك الروم وهادنه عشر سنين، واستقامت الأمور على يد ~~أرجوان. وسير أيضا جيشا إلى برقة، وطرابلس الغرب ففتحها، واستعمل عليها ~~أنسا الصقلبي ونصح الحاكم، وبالغ في ذلك، ولازم خدمته فثقل مكانه على ~~الحاكم، فقتله سنة تسع وثمانين [وثلاثمائة] . # PageV07P480 # وكان خصيا أبيض، وكان لأرجوان وزير نصراني اسمه (فهد بن) إبراهيم، ~~فاستوزره الحاكم، ثم إن الحاكم رتب الحسين بن جوهر موضع أرجوان، ولقبه قائد ~~القواد ثم قتل الحسن بن عمار، المقدم ذكره، ثم قتل الحسين بن جوهر، ولم يزل ~~يقيم الوزير بعد الوزير ويقتلهم. ثم جهز يارختكين للمسير إلى حلب، وحصرها، ~~وسير معه العساكر الكثيرة، فسار عنها، فخافه حسان بن المفرج الطائي، فلما ~~رحل من غزة إلى عسقلان كمن له حسان ووالده، وأوقعا به وبمن معه، وأسراه ~~وقتلاه، وقتل من الفريقين قتلى كثير، وحصرا الرملة، ونهبا النواحي، وكثر ~~جمعهما، وملكا الرملة وما والاها، فعظم ذلك على الحاكم، وأرسل يعاتبهما، ~~وسبق السيف العذل، فأرسلا إلى الشريف أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي ~~الحسني، أمير مكة، وخاطباه بأمير المؤمنين، وطلباه إليهما ليبايعا له ~~بالخلافة، فحضر، ms3165 واستناب بمكة، وخوطب بالخلافة. # ثم إن الحاكم راسل حسانا وأباه، وضمن لهما الأقطاع الكثيرة والعطاء ~~الجزيل، واستمالهما، فعدلا عن أبي الفتوح، ورداه إلى مكة، وعادا إلى طاعة ~~الحاكم. # ثم إن الحاكم جهز عسكرا إلى الشام، واستعمل عليهم علي بن جعفر بن فلاح، ~~فلما وصل إلى الرملة أزاح حسان بن المفرج وعشيرته عن تلك الأرض، وأخذ ما ~~كان له من الحصون بجبل الشران، واستولى على أمواله وذخائره، وسار إلى دمشق ~~واليا عليها، فوصل إليها في شوال سنة تسعين وثلاثمائة. # PageV07P481 # وأما حسان فإنه بقي شريدا نحو سنتين، ثم أرسل والده إلى الحاكم فأمنه ~~وأقطعه، فسار حسان إليه بمصر، فأكرمه وأحسن إليه، وكان المفرج والد حسان قد ~~توفي مسموما، وضع الحاكم عليه من سمه، فبموته ضعف أمر حسان على ما ذكرناه. # ذكر استيلاء صمصام الدولة على البصرة # في هذه السنة سار قائد كبير من قواد صمصام الدولة، اسمه لشكرستان، إلى ~~البصرة، فأجلى عنها نواب بهاء الدولة. # وسبب ذلك أن الأتراك لما عادوا عن العلاء، كما ذكرناه، كان لشكرستان هذا ~~مع العلاء، فأتاهم من الديلم الذين مع بهاء الدولة أربعمائة رجل مستأمنين، ~~فأخذهم لشكرستان، وسار بهم بمن معه إلى البصرة، فكثر جمعه، فنزلوا قرب ~~البصرة بين البساتين يقاتلون أصحاب بهاء الدولة، ومال إليهم بعض أهل ~~البصرة، ومقدمهم أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي، وكانوا يحملون إليهم ~~الميرة. # وعلم بهاء الدولة بذلك، فأنفذ من يقبض عليهم، فهرب كثير منهم إلى ~~لشكرستان، فقوي بهم، وجمعوا السفن وحملوه فيها، ونزلوا إلى البصرة، فقاتلوا ~~أصحاب بهاء الدولة بها، وأخرجوهم عنها، وملك لشكرستان البصرة، وقتل من ~~أهلها كثيرا وهرب كثير منهم، وأخذ كثيرا من أموالهم. # فكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة، صاحب البطيحة، يقول: أنت أحق بالبصرة. ~~فسير إليها جيشا مع عبد الله بن مرزوق، فأجلى لشكرستان عن البصرة، فقيل: ~~إنه سار عن البصرة بغير حرب ودخلها ابن مرزوق. # وقيل: إنما فارقها بعد أن حارب فيها، وضعف عن المقام بين يديه. وصفت ~~البصرة لمهذب الدولة. # PageV07P482 # ثم إن لشكرستان عمل ms3166 على العود إلى البصرة، فهجم عليها في السفن، ونزل ~~أصحابه بسوق الطعام، واقتتلوا، فاستظهر لشكرستان، وكاتب بهاء الدولة يطلب ~~المصالحة، ويبذل الطاعة، ويخطب له بالبصرة، فأجابه مهذب الدولة إلى ذلك، ~~وأخذ ابنه رهينة. # وكان لشكرستان يظهر طاعة صمصام الدولة وبهاء الدولة ومهذب الدولة، وعسف ~~أهل البصرة مدة، فتفرقوا، ثم إنه أحسن إليهم (وعدل فيهم) ، فعادوا. # ذكر ولاية المقلد الموصل # في هذه السنة ملك المقلد بن المسيب مدينة الموصل. # وكان سبب ذلك أن أخاه أبا الذواد توفي هذه السنة، فطمع المقلد في ~~الإمارة، فلم تساعده عقيل على ذلك، وقلدوا أخاه عليا لأنه أكبر منه، فأسرع ~~المقلد واستمال الديلم الذين كانوا مع أبي جعفر الحجاج بالموصل، فمال إليه ~~بعضهم، وكتب إلى بهاء الدولة يضمن منه البلد بألفي ألف درهم كل سنة. ثم حضر ~~عند أخيه علي، وأظهر له أن بهاء الدولة قد ولاه الموصل، وسأله مساعدته على ~~أبي جعفر لأنه قد منعه عنها، فساروا ونزلوا على الموصل فخرج إليهم كل من ~~استماله المقلد من الديلم، وضعف الحجاج، وطلب منهم الأمان، فأمنوه، وواعدهم ~~يوما يخرج إليهم فيه. # ثم إنه انحدر في السفن قبل ذلك اليوم، فلم يشعروا به إلا بعد انحداره، ~~فتبعوه، فلم ينالوا منه شيئا، ونجا بماله منهم، وسار إلى بهاء الدولة، ودخل ~~المقلد البلد، واستقر الأمر بينه وبين أخيه على أن يخطب لهما، ويقدم علي ~~لكبره، ويكون له # PageV07P483 # معه نائب يجبي المال، واشتركا في البلد والولاية، وسار علي (إلى البر) ، ~~وأقام المقلد، وجرى الأمر على ذلك مديدة، ثم تشاجروا واختصموا وكان ما ~~نذكره إن شاء الله. # وكان المقلد يتولى حماية غربي الفرات من أرض العراق، وكان له ببغداذ نائب ~~فيه تهور، فجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة (مشاجرة، فكتب إلى المقلد ~~يشكو، فانحدر من الموصل في عساكره وجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة) حرب ~~انهزموا فيها، وكتب إلى بهاء الدولة يعتذر، وطلب إنفاذ من يعقد عليه ضمان ~~القصر وغيره. # وكان بهاء الدولة مشغولا بمن يقاتله من عسكر أخيه فاضطر إلى المغالطة، ms3167 ~~ومد المقلد يده فأخذ الأموال، فبرز نائب بهاء الدولة ببغداذ، وهو حينئذ أبو ~~علي بن إسماعيل، وخرج إلى حرب المقلد، فبلغ الخبر إليه، فأنفذ أصحابه ليلا، ~~فاقتتلوا، وعادوا إلى المقلد، فلما بلغ الخبر إلى بهاء الدولة بمجئ أصحاب ~~المقلد إلى بغداذ، أنفذ أبا جعفر الحجاج إلى بغداذ، (أمره بمصالحة المقلد ~~والقبض على أبي علي بن إسماعيل، فسار إلى بغداذ) ، في آخر ذي الحجة، فلما ~~وصل إليها راسله المقلد في الصلح، فاصطلحا على أن يحمل إلى بهاء الدولة ~~عشرة آلاف دينار، ولا يأخذ من البلاد إلا رسم الحماية، ويخطب لأبي جعفر بعد ~~بهاء الدولة، وأن يخلع على المقلد الخلع السلطانية، ويلقب بحسام الدولة، ~~ويقطع الموصل، والكوفة، والقصر والجامعين، واستقر الأمر على ذلك، وجلس ~~القادر بالله له. # ولم يف المقلد من ذلك بشيء إلا بحمل المال، واستولى على البلاد، ومد يده ~~في المال، وقصده المتصرفون والأماثل، وعظم قدره، وقبض أبو جعفر على أبي # PageV07P484 # علي، ثم هرب أبو علي، نائب بهاء الدولة، واستتر وسار إلى البطيحة مستترا، ~~ملتجئا إلى مهذب الدولة. # ذكر وفاة المنصور بن يوسف وولاية ابنه باديس # في هذه السنة توفي المنصور بن يوسف بلكين أمير إفريقية، أوائل ربيع ~~الأول، خارج صبرة، ودفن بقصره. # وكان ملكا كريما، شجاعا، حازما، ولم يزل مظفرا منصورا، حسن السيرة، محبا ~~للعدل والرعية، أوسعهم عدلا، وأسقط البقايا عن أهل إفريقية، وكانت مالا ~~جليلا. # ولما توفي ولي بعده ابنه باديس، ويكنى أبا مناد، فلما استقر في الأمر سار ~~إلى سردانية، وأتاه الناس من كل ناحية للتعزية والتهنئة، وأراد بنو زيري ~~أعمام أبيه أن يخالفوا عليه، فمنعهم أصحاب أبيه وأصحابه. # وكان مولد باديس سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وأتته الخلع والعهد بالولاية ~~من الحاكم بأمر الله من مصر، فقرئ العهد، وبايع للحاكم هو وجماعة بني عمه ~~والأعيان من القواد. # وفيها ثار على باديس رجل صنهاجي اسمه خليفة بن مبارك، فأخذ وحمل إلى ~~باديس، فأركب حمارا، وجعل خلفه رجل أسود يصفعه، وطيف به، ولم يقتل احتقارا ~~له وسجن. # وفيها استعمل ms3168 باديس عمه حماد بن يوسف بلكين على أشير، وأقطعه إياها، # PageV07P485 # وأعطاه من الخيل والسلاح والعدد شيئا كثيرا، فخرج إليها، وحماد هذا هو جد ~~بني حماد الذين كانوا ملوك إفريقية، والقلعة المنسوبة إليهم مشهورة ~~بإفريقية، ومنهم أخذها عبد المؤمن بن علي. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض بهاء الدولة على الفاضل وزيره، وأخذ ماله، واستوزر بهاء ~~الدولة سابور بن أردشير، فأقام نحو شهرين، وفرق الأموال، ووقع بها للقواد ~~قصدا ليضعف بهاء الدولة، ثم هرب إلى البطيحة، وبقي منصب الوزارة فارغا، ~~واستوزر أبو العباس (عيسى) بن سرجس. # وفيها استكتب القادر بالله أبا الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان. # [الوفيات] # وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إسحاق أبو حامد (بن أبي إسحاق) ~~المزكي، النيسابوري، في شعبان، وكان إماما، ومولده سنة ثلاث وعشرين ~~[وثلاثمائة] . # وفيها توفي علي بن عمر بن محمد بن الحسن أبو إسحاق الحميري، المعروف ~~بالسكري، وبالحربي، وبالكيال، ومولده سنة ست وتسعين ومائتين. # PageV07P486 # وفيها توفي أبو الأغر دبيس بن عفيف الأسدي بخوزستان، وأبو طالب محمد بن ~~علي بن عطية المكي، صاحب " قوت القلوب "، روي أنه صنف " قوت القلوب " وكان ~~قوته عروق البردي. # PageV07P487 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة] ### | 387 - # ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة # ذكر موت الأمير نوح بن منصور وولاية ابنه منصور # في هذه السنة توفي الأمير الرضي نوح بن منصور الساماني في رجب، واختل ~~بموته ملك آل سامان، وضعف أمرهم ضعفا ظاهرا، وطمع فيهم أصحاب الأطراف، فزال ~~ملكهم بعد مدة يسيرة. # ولما توفي قام بالملك بعده ابنه أبو الحرث منصور بن نوح، وبايعه الأمراء ~~والقواد وسائر الناس، وفرق فيهم بقايا الأموال، فاتفقوا على طاعته. وقام ~~بأمر دولته وتدبيرها بكتوزون. ولما بلغ خبر موته إلى أيلك خان سار إلى ~~سمرقند، وانضم إليه فائق الخاصة، فسيره جريدة إلى بخارى، فلما سمع بمسيره ~~الأمير منصور تحير في أمره، وأعجله عن التجهز، فسار عن بخارى، وقطع النهر، ~~ودخل فائق بخارى، وأظهر أنه إنما قصد المقام بخدمة الأمير منصور، ms3169 رعاية لحق ~~أسلافه عليه، إذ هو مولاهم، وأرسل إليه مشايخ بخارى ومقدمهم في العود إلى ~~بلده وملكه، وأعطاه من نفسه ما يطمئن إليه من العهود والمواثيق، فعاد إليها ~~ودخلها وولي فائق أمره وحكم في دولته، وولي بكتوزون إمرة الجيوش بخراسان. # وكان محمود بن سبكتكين حينئذ مشغولا بمحاربة أخيه إسماعيل، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى، وسار بكتوزون إلى خراسان فوليها، واستقرت القواعد بها. # PageV07P488 # ذكر موت سبكتكين وملك ولده إسماعيل # وفي هذه السنة توفي ناصر الدولة سبكتكين في شعبان، وكان مقامه ببلخ، وقد ~~ابتنى بها دورا ومساكن، فمرض، وطال مرضه، وانزاح إلى هواء غزنة، فسار عن ~~بلخ إليها، فمات في الطريق، فنقل ميتا إلى غزنة ودفن فيها، وكانت مدة ملكه ~~نحو عشرين سنة. # وكان عادلا، خيرا، كثير الجهاد، حسن الاعتقاد، ذا مروة تامة، وحسن عهد ~~ووفاء، لا جرم بارك الله في بيته، ودام ملكهم مدة طويلة جازت مدة ملك ~~السامانية والسلجوقية وغيرهم. # وكان ابنه محمود أول من لقب بالسلطان، لم يلقب به أحد قبله. # ولما حضرته الوفاة عهد إلى ولده إسماعيل بالملك بعده، فلما مات بايع ~~الجند لإسماعيل، وحلفوا له، وأطلق لهم الأموال، وكان أصغر من أخيه محمود، ~~فاستضعفه الجند، فاشتطوا في الطلب حتى أفنى الخزائن التي خلفها أبوه. # ذكر استيلاء أخيه محمود بن سبكتكين على الملك # لما توفي سبكتكين، وبلغ الخبر إلى ولده يمين الدولة محمود بنيسابور، جلس ~~للعزاء، ثم أرسل إلى أخيه إسماعيل يعزيه بأبيه، ويعرفه أن أباه إنما عهد ~~إليه لبعده عنه، ويذكره ما يتعين من تقديم الكبير، ويطلب منه الوفاق، ~~وإنفاذ ما يخصه من تركة أبيه. فلم يفعل، وترددت الرسل بينهما فلم تستقر ~~القاعدة فسار محمود عن نيسابور إلى هراة عازما على قصد أخيه بغزنة، واجتمع ~~بعمه بغراجق بهراة، فساعده على أخيه إسماعيل، وسار نحو بست، وبها أخوه نصر، ~~فتبعه وأعانه وسار معه إلى غزنة. # وبلغ الخبر إلى إسماعيل، وهو ببلخ، فسار عنها مجدا، فسبق أخاه محمودا # PageV07P489 # إليها، وكان الأمراء الذين مع إسماعيل كاتبوا أخاه محمودا ms3170 يستدعونه، ~~ووعدوه الميل إليه، فجد في المسير، والتقى هو وإسماعيل بظاهر غزنة، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم إسماعيل وصعد إلى قلعة غزنة فاعتصم بها، ~~فحصره أخوه محمود واستنزله بأمان. فلما نزل إليه أكرمه، وأحسن إليه، وأعلى ~~منزلته، وشركه في ملكه وعاد إلى بلخ واستقامت الممالك له. # وكانت مدة ملك إسماعيل سبعة أشهر، وهو فاضل، حسن المعرفة، له نظم ونثر، ~~وخطب في بعض الجمعات، فكان يقول بعد الخطبة للخليفة: {رب قد آتيتني من ~~الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . # ذكر وفاة فخر الدولة بن بويه وملك ابنه مجد الدولة # في هذه السنة توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة أبي علي الحسن ~~بن بويه بقلعة طبرق في شعبان. # وكان سبب ذلك أنه أكل لحما مشويا، وأكل بعده عنبا، فأخذه المغص، ثم اشتد ~~مرضه فمات منه. فلما مات كانت مفاتيح الخزائن بالري عند أم ولده مجد ~~الدولة، فطلبوا له كفنا فلم يجدوه، وتعذر النزول إلى البلد لشدة شغب ~~الديلم، فاشتروا له من قيم الجامع ثوبا كفنوه فيه، وزاد شغب الجند فلم ~~يمكنهم دفنه فبقي حتى أنتن ثم دفنوه. # وحين توفي قام بملكه بعده ولده مجد الدولة أبو طالب رستم، وعمره أربع ~~سنين، أجلسه الأمراء في الملك، وجعلوا أخاه شمس الدولة بهمذان وقرميسين إلى ~~حدود العراق. وكان المرجع إلى والدة أبي طالب في تدبر الملك، وعن رأيها # PageV07P490 # يصدرون، وبين يديها، في مباشرة الأعمال، أبو طاهر صاحب فخر الدولة، وأبو ~~العباس الضبي الكافي. # ذكر وفاة مأمون بن محمد وولاية ابنه علي # وفيها توفي مأمون بن محمد، صاحب خوارزم والجرجانية، فلما توفي اجتمع ~~أصحابه على ولده علي وبايعوه، واستقر له ما كان لأبيه، وراسل يمين الدولة ~~محمود بن سبكتكين، وخطب إليه أخته، فزوجه، واتفقت كلمتهما وصارا يدا واحدة ~~إلى أن مات علي وقام بعده أخوه أبو العباس مأمون بن مأمون، واستقر في ~~الملك، فأرسل إلى يمين الدولة يخطب أخته أيضا، فأجابه إلى ms3171 ذلك، وزوجه، ~~فداما أيضا على الاتفاق والاتحاد مدة. # وسيرد من أخباره معه سنة سبع وأربعمائة إن شاء الله تعالى ما تقف عليه. # ذكر وفاة العلاء بن الحسن وما كان بعده # في هذه السنة توفي أبو القاسم العلاء بن الحسن نائب صمصام الدولة ~~بخوزستان، وكان موته بعسكر مكرم، وكان شهما، شجاعا، حسن التدبير، فأنفذ ~~صمصام الدولة أبا علي بن أستاذ هرمز، ومعه المال، ففرقه في الديلم، وسار ~~إلى جنديسابور فدفع أصحاب بهاء الدولة عنها، وجرت له معهم وقائع كثيرة كان ~~الظفر فيها له، وأزاح الأتراك عن خوزستان، وعادوا إلى واسط، وخلت لأبي علي ~~البلاد، ورتب العمال، وجبى الأموال، وكاتب أتراك بهاء الدولة واستمالهم، ~~فأتاه بعضهم فأحسن إليهم، واستمر حال أبي علي في أعمال خوزستان. # ثم إن أبا محمد بن مكرم والأتراك عادوا من واسط، واستعد أبو علي للحرب، ~~وجرى بينهم وقائع. ولم يكن للأتراك قوة على الديلم، فعزموا على العود إلى ~~واسط # PageV07P491 # ثانيا، فاتفق مسير بهاء الدولة من البصرة إلى القنطرة البيضاء، وكان ما ~~نذكره إن شاء الله. # ذكر القبض على علي بن المسيب وما كان بعد ذلك # في هذه السنة قبض المقلد على أخيه علي. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من الاختلاف الواقع بين أصحابهما بالموصل، واشتغل ~~المقلد بما ذكرناه بالعراق، فلما خلا وجهه وعاد إلى الموصل عزم على ~~الانتقام من أصحاب أخيه، ثم خافه، فأعمل الحيلة في قبض أخيه، فأحضر عسكره ~~من الديلم والأكراد وأعلمهم أنه يريد قصد دقوقا، وحلفهم على الطاعة، وكانت ~~داره ملاصقة دار أخيه، فنقب في الحائط ودخل إليه وهو سكران، فأخذه وأدخله ~~الخزانة، وقبض عليه، وأرسل إلى زوجته يأمرها بأخذ ولديه قرواش وبدران ~~واللحاق بتكريت، قبل أن يسمع أخوه الحسن الخبر، ففعلت ذلك، وخلصت، وكانت في ~~الحلة التي له على أربعة فراسخ من تكريت. # وسمع الحسن الخبر، فبادر إلى الحلة ليقبض أولاد أخيه، فلم يجدهم وأقام ~~المقلد بالموصل يستدعي رؤساء العرب ويخلع عليهم، فاجتمع عنده زهاء ألفي ~~فارس، وسار الحسن في حلل أخيه، ومعه أولاد ms3172 أخيه علي وحرمه، ويستنفرهم على ~~المقلد، فاجتمع معهم نحو عشرة آلاف، وراسل المقلد يؤذنه بالحرب، فسار عن ~~الموصل، وبقي بينهم منزل واحد، ونزل بإزاء العلث، فحضره وجوه العرب، ~~واختلفوا عليه، فمنهم من أشار بالحرب ومنهم رافع بن محمد بن مقن، ومنهم من ~~أشار بالكف عن القتال، وصلة الرحم، ومنهم غريب بن محمد بن مقن، وتنازع هو ~~وأخوه. # فبينما هم (في ذلك) قيل لمقلد: إن أختك رهيلة بنت المسيب تريد لقاءك # PageV07P492 # وقد جاءتك، فركب وخرج إليها، فلم تزل معه حتى أطلق أخاه عليا، ورد إليه ~~ماله ومثله معه، وأنزله في خيم ضربها له. فسر الناس بذلك، وتحالفا، وعاد ~~علي إلى حلته. # وعاد المقلد إلى الموصل، وتجهز للمسير إلى أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي ~~لأنه تعصب لأخيه علي، وقصد ولاية المقلد بالأذى فسار إليه. # ولما خرج علي من محبسه اجتمع العرب إليه، وأشاروا عليه بقصد أخيه المقلد، ~~فسار إلى الموصل، وبها أصحاب المقلد، فامتنعوا عليه، فافتتحها فسمع المقلد ~~بذلك، فعاد إليه، واجتاز في طريقه بحلة أخيه الحسن، فخرج إليه، ورأى كثرة ~~عسكره، فخاف على أخيه علي منه، فأشار عليه بالوقوف ليصلح الأمر، وسار إلى ~~أخيه علي وقال له: إن الأعور، يعني المقلد قد أتاك بحده وحديده وأنت غافل، ~~وأمره بإفساد عسكر المقلد، فكتب إليهم، فظفر المقلد بالكتب فأخذها وسار ~~مجدا إلى الموصل، فخرج إليه أخواه علي والحسن وصالحاه، ودخل الموصل وهما ~~معه. # ثم خاف علي فهرب من الموصل ليلا، وتبعه الحسن، وترددت الرسل بينهم، ~~فاصطلحوا على أن يدخل أحدهما البلد في غيبة الآخر، وبقوا كذلك إلى سنة تسع ~~وثمانين [وثلاثمائة] . # ومات علي سنة تسعين [وثلاثمائة] وقام الحسن مقامه، فقصده المقلد ومعه بنو ~~خفاجة، فهرب الحسن إلى العراق، وتبعه المقلد فلم يدركه فعاد. # ولما استقر أمر المقلد، بعد أخيه علي، سار إلى بلد علي بن مزيد الأسدي ~~فدخله ثانية، والتجأ ابن مزيد إلى مهذب الدولة، فتوسط ما بينه وبين المقلد، ~~وأصلح الأمر معه، وسار المقلد إلى دقوقا فملكها. # ذكر ملك جبرئيل دقوقا ms3173 # في هذه السنة ملك جبرئيل بن محمد دقوقا. وجبرئيل هذا كان من الرجالة # PageV07P493 # الفرس ببغداذ، وخدم مهذب الدولة بالبطيحة، فهم بالغزو، وجمع جمعا كثيرا، ~~واشترى السلاح وسار فاجتاز في طريقه بدقوقا، فوجد المقلد بن المسيب ~~يحاصرها، فاستغاث أهلها بجبرئيل فحماهم ومنع عنهم. # وكان بدقوقا رجلان نصرانيان قد تمكنا في البلد، وحكما فيه، واستعبدا ~~أهله، فاجتمع جماعة من المسلمين إلى جبرئيل وقالوا له: إنك تريد الغزو، ~~ولست تدري أتبلغ غرضا أم لا، وعندنا من هذين النصرانيين من قد تعبدنا، وحكم ~~علينا، فلو أقمت عندنا، وكفيتنا أمرهما، ساعدناك على ذلك. فأقام وقبض ~~عليهما، وأخذ مالهما، وقوي أمره، فملك البلد في شهر ربيع الأول، وثبت قدمه، ~~وأحسن معاملة أهل البلد، وعدل فيهم، وبقي مدة على اختلاف الأحوال. # ثم ملكها المقلد، وملكها بعده محمد بن عناز، ثم أخذها بعده قرواش، ثم ~~انتقلت إلى فخر الدولة أبي غالب، فعاد جبرئيل هذا حينئذ إلى دقوقا، واجتمع ~~مع أمير من الأكراد يقال له موصك بن جكويه، ودفعا عمال فخر الدولة عنها ~~وأخذاها، فقصدها بدران بن المقلد وغلبهما وأخذها منهما. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج أبو الحسن علي بن مزيد عن طاعة بهاء الدولة، فسير إليه ~~عسكرا، فهرب من بين أيديهم إلى مكان لا يقدرون على الوصول إليه فيه، ثم ~~أرسل بهاء الدولة وأصلح حاله معه وعاد إلى طاعته. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الوفاء محمد بن المهندسي الحاسب. # وفيها، في المحرم، توفي عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله # PageV07P494 # العكبري المعروف بابن بطة الحنبلي، وكان مولده في شوال سنة أربع ~~وثلاثمائة، وكان زاهدا، عابدا، عالما، ضعيفا في الرواية. # وفيها، في ذي القعدة، توفي أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل المعروف ~~بابن سمعون، الواعظ، الزاهد، له كرامات، وكان مولده سنة ثلاثمائة. # وفيها، تاسع ذي الحجة، توفي الحسن بن عبد الله بن سعيد أبو أحمد العسكري، ~~الراوية، العلامة، صاحب التصانيف الكثيرة في الأدب، واللغة، والأمثال، ~~وغيرها. # PageV07P495 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة] ### | 388 - # ثم دخلت ms3174 سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة # ذكر عود أبي القاسم السيمجوري إلى نيسابور # قد ذكرنا مسير أبي القاسم بن سيمجور أخي أبي علي إلى جرجان ومقامه بها. ~~فلما مات فخر الدولة أقام عند ولده مجد الدولة، واجتمع عنده جماعة كثيرة من ~~أصحاب أخيه. وكان قد أرسل إلى شمس المعالي يستدعيه من نيسابور ليسلمها ~~إليه، فسار إليه حتى وافى جرجان، فلما بلغها رأى أبا القاسم قد سار عنها، ~~فعاد شمس المعالي إلى نيسابور. # فكتب فائق من بخارى إلى أبي القاسم يغريه ببكتوزون، ويأمره بقصد خراسان، ~~وإخراج بكتوزون عنها لعداوة بينهما. فسار أبو القاسم عن جرجان نحو نيسابور، ~~وسير سرية إلى أسفرايين، وبها عسكر لبكتوزون، فقاتلوهم وأجلوهم عن ~~أسفرايين، واستولى أصحاب أبي القاسم عليها، وسار أبو القاسم إلى نيسابور، ~~فالتقى هو وبكتوزون بظاهرها في ربيع الأول، واقتتلوا، واشتد القتال بينهم ~~فانهزم أبو القاسم وقتل من أصحابه وأسر خلق كثير. # وسار أبو القاسم إلى قهستان وأقام بها حتى اجتمع إليه أصحابه، وسار إلى ~~بوشنج واحتوى عليها، وتصرف فيها، فسار إليه بكتوزون، وترددت الرسل بينهما، ~~حتى اصطلحا وتصاهرا، وعاد بكتوزون إلى نيسابور. # PageV07P496 # ذكر استيلاء محمود بن سبكتكين على نيسابور وعوده عنها # لما فرغ محمود من أمر أخيه، وملك غزنة، وعاد إلى بلخ رأى بكتوزون قد ولي ~~خراسان، على ما ذكرناه، فأرسل إلى الأمير منصور بن نوح يذكر طاعته ~~والمحاماة عن دولته، ويطلب خراسان، فأعاد الجواب يعتذر عن خراسان ويأمره ~~بأخذ ترمذ وبلخ وما وراءها من أعمال بست وهراة، فلم يقنع بذلك، وأعاد ~~الطلب، فلم يجبه إلى ذلك، فلما تيقن المنع سار إلى نيسابور، وبها بكتوزون، ~~فلما بلغه خبر مسيره نحوه رحل عنها، فدخلها محمود وملكها. فلما سمع الأمير ~~منصور بن نوح سار عن بخارى نحو نيسابور، فلما علم محمود بذلك سار عن ~~نيسابور إلى مرو الروذ، ونزل عند قنطرة راعول ينتظر ما يكون منهم. # ذكر عود قابوس إلى جرجان # في هذه السنة عاد شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى جرجان وملكها، ولما ~~ملك فخر الدولة بن ms3175 بويه جرجان والري أراد أن يسلم جرجان إلى قابوس، فرده عن ~~ذلك الصاحب بن عباد، وعظمها في عينه، فأعرض عن الذي أراده، ونسي ما كان ~~بينهما من الصحبة بخراسان، وأنه بسببه خرجت البلاد عن يد قابوس، والملك ~~عقيم. # (وقد ذكرنا كيف أخذت منه، ومقامه بخراسان، وإنفاذ ملوك السامانية الجيوش ~~في نصرته مرة بعد أخرى، فلم يقدر الله تعالى عودة الملك إليه) . # ولما ولي سبكتكين خراسان اجتمع به ووعده أن يسير معه الجيوش ليرده إلى ~~مملكته، فمضى إلى بلخ ومرض ومات. # فلما كان هذه السنة، بعد موت فخر الدولة، وسير شمس المعالي قابوس ~~الأصبهبذ شهريار (بن شروين إلى جبل شهريار) ، وعليه رستم بن المرزبان، خال ~~مجد الدولة بن فخر الدولة، فاقتتلا، فانهزم رستم، واستولى الأصبهبذ على ~~الجبل، وخطب لشمس المعالي، وكان باتي بن سعيد بناحية الاستندارية، وله ميل ~~إلى # PageV07P497 # شمس المعالي، فسار إلى آمل، وبها عسكر لمجد الدولة، فطردهم عنها واستولى ~~عليها، وخطب لقابوس، وكتب إليه بذلك. # ثم إن أهل جرجان كتبوا إلى قابوس يستدعونه، (فسار إليهم من نيسابور) ، ~~وسار الأصبهبذ وباتي بن سعيد إلى جرجان، وبها عسكر لمجد الدولة، فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزم عسكر مجد الدولة إلى جرجان، فلما بلغوها صادفوا مقدمة ~~قابوس قد بلغتها، فأيقنوا بالهلاك، وانهزموا من أصحاب قابوس هزيمة ثانية، ~~وكانت قرحا على قرح، ودخل شمس المعالي جرجان في شعبان من هذه السنة. # وبلغ المنهزمون الري، فجهزت العساكر من الري نحو جرجان، فساروا وحصروها، ~~فغلت الأسعار بالبلد، وضاقت الأمور بالعسكر أيضا، وتوالت عليهم الأمطار ~~والرياح، فاضطروا إلى الرحيل، فتبعهم شمس المعالي فلحقهم وواقعهم فاقتتلوا، ~~وانهزم عسكر الري وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة، وقتل (أكثر منهم) ، فأطلق ~~شمس المعالي الأسرى، واستولى على تلك الأعمال ما بين جرجان وأستراباذ. # ثم إن الأصبهبذ حدث نفسه بالاستقلال، والتفرد عن قابوس، واغتر بما اجتمع ~~عنده من الأموال والذخائر، فسارت إليه العساكر من الري، وعليها المرزبان، ~~خال مجد الدولة، فهزموا الأصبهبذ وأسروه، ونادوا بشعار شمس المعالي لوحشة ~~كانت عند المرزبان من مجد الدولة، وكتب ms3176 إلى شمس المعالي بذلك، وانضافت ~~مملكة الجبل جميعها إلى ممالك جرجان وطبرستان، فولاها شمس المعالي ولده ~~منوجهر، ففتح الرويان وسالوس، وراسل قابوس يمين الدولة محمودا، وهاداه، ~~وصالحه، واتفقا على ذلك. # ذكر مسير بهاء الدولة إلى واسط وما كان منه # في هذه السنة عاد أبو علي بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة، وهو بواسط، # PageV07P498 # فوزر له، ودبر أمره، وأشار عليه بالمسير إلى أبي محمد بن مكرم ومن معه من ~~الجند ومساعدتهم، ففعل ذلك، وسار على كره وضيق، فنزل بالقنطرة البيضاء، ~~وثبت أبو علي بن أستاذ هرمز وعسكره، وجرى لهم معه وقائع كثيرة. # وضاق الأمر ببهاء الدولة، وتعذرت عليه الأقوات، فاستمد بدر بن حسنويه، ~~فأنفذ إليه شيئا قام ببعض ما يريده، وأشرف بهاء الدولة على الخطر، وسعى ~~أعداء أبي علي بن إسماعيل به حتى كاد يبطش به، فتجدد من أمر ابني بختيار ~~وقتل صمصام الدولة ما يأتي ذكره، وأتاه الفرج من حيث لم يحتسب، وصلح أمر ~~أبي علي عنده، واجتمعت الكلمة عليه، وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى. # ذكر قتل صمصام الدولة # في هذه السنة، في ذي الحجة، قتل صمصام الدولة بن عضد الدولة. # وسبب ذلك أن جماعة كثيرة من الديلم استوحشوا من صمصام الدولة لأنه أمر ~~بعرضهم، وإسقاط من ليس بصحيح النسب، فأسقط منهم مقدار ألف رجل، فبقوا حيارى ~~لا يدرون ما يصنعون. # واتفق أن أبا القاسم وأبا نصر ابني عز الدولة بختيار كانا مقبوضين، فخدعا ~~الموكلين بهما في القلعة، فأفرجوا عنهما فجمعا لفيفا من الأكراد، واتصل ~~خبرهما بالذين أسقطوا من الديلم، فأتوهم، وقصدوا إلى أرجان، فاجتمعت عليها ~~العساكر، وتحير صمصام الدولة، ولم يكن عنده من يدبره. # وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بفسا، فأشار عليه بعض من عنده بتفريق ما ~~عنده من المال في الرجال، والمسير إلى صمصام الدولة، وأخذه إلى عسكره # PageV07P499 # بالأهواز وخوفه إن لم يفعل ذلك. فشح بالمال، فثار به الجند ونهبوا داره ~~وهربوا، فاختفى، فأخذ وأتي به إلى ابني بختيار، فحبس، ثم احتال فنجا. # وأما صمصام ms3177 الدولة فإنه أشار عليه أصحابه بالصعود إلى القلعة التي على ~~باب شيراز والامتناع بها إلى أن يأتي عسكره ومن يمنعه، فأراد الصعود إليها، ~~فلم يمكنه المستحفظ بها، وكان معه ثلاثمائة رجل، فقالوا له: الرأي أننا ~~نأخذك ووالدتك، ونسير إلى أبي علي بن أستاذ هرمز، وأشار بعضهم بقصد الأكراد ~~وأخذهم والتقوي بهم، ففعل ذلك، وخرج معهم بخزائنه وأمواله، فنهبوه، وأرادوا ~~أخذه فهرب وسار إلى الدودمان، على مرحلتين من شيراز. # وعرف أبو نصر بن بختيار الخبر، فبادر إلى شيراز، ووثب رئيس الدودمان، ~~واسمه طاهر، بصمصام الدولة فأخذه، وأتاه أبو نصر بن بختيار وأخذه منه فقتله ~~في ذي الحجة، فلما حمل رأسه إليه قال: هذه سنة سنها أبوك، يعني ما كان من ~~قتل عضد الدولة بختيار. # وكان عمر صمصام الدولة خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر ومدة إمارته بفارس ~~تسع سنين وثمانية أيام، وكان كريما حليما. وأما والدته فسلمت إلى بعض قواد ~~الديلم، فقتلها وبنى عليها دكة في داره فلما ملك بهاء الدولة فارس أخرجها ~~ودفنها في تربة بني بويه. # ذكر هرب ابن الوثاب # في هذه السنة هرب أبو عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال ~~في دار الخلافة. # وكان هذا الرجل يقرب بالنسب من الطائع، فلما خلع الطائع هرب هذا وصار # PageV07P500 # عند مهذب الدولة، فأرسل القادر بالله في أمره، فأخرجه، فسار إلى المدائن، ~~وأتى خبره إلى القادر فأخذه وحبسه، فهرب هذه السنة، ومضى إلى كيلان، وادعى ~~أنه هو الطائع لله، وذكر من أمور الخلافة ما كان يعرفه، وزوجه محمد بن ~~العباس، مقدم كيلان، وشد منه، وأقام له الدعوة، وأطاعه أهل نواح أخر، وأدوا ~~إليه العشر على عادتهم. # وورد من هؤلاء القوم جماعة يحجون، فأحضرهم القادر وكشف لهم حاله، وكتب ~~على أيديهم كتبا في المعنى، فلم يقدح ذلك فيه. وكان أهل كيلان يرجعون إلى ~~القاضي أبي القاسم بن كج، فكوتب من بغداذ في المعنى، فكشف لهم الأمر، ~~فأخرجوا أبا عبد الله عنهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عظم أمر بدر بن ms3178 حسنويه، وعلا شأنه، ولقب، من ديوان الخليفة، ~~ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصدقات بالحرمين، ويكثر الخرج على العرب ~~بطريق مكة ليكفوا عن أذى الحجاج، ومنع أصحابه من الفساد وقطع الطريق، فعظم ~~محله وسار ذكره. # وفيها نظر أبو علي بن أبي الريان في الوزارة بواسط. # [الوفيات] # وفيها مات أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الجكار. # PageV07P501 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة] ### | 389 - # ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة # ذكر القبض على الأمير منصور بن نوح وملك أخيه عبد الملك. # في هذه السنة قبض على الأمير منصور بن نوح بن منصور الساماني، صاحب بخارى ~~وما وراء النهر، وملك أخوه عبد الملك. # وسبب قبضه ما ذكرناه من قصد محمود بن سبكتكين بكتوزون بخراسان، وعوده عن ~~نيسابور إلى مرو الروذ، فلما نزلها سار بكتوزون إلى الأمير منصور وهو ~~بسرخس، فاجتمع به فلم ير من إكرامه وبره ما كان يؤمله، فشكا ذلك إلى فائق ~~فقابله فائق بأضعاف شكواه، فاتفقا على خلعه من الملك، وإقامة أخيه مقامه، ~~وأجابهما إلى ذلك جماعة من أعيان العسكر، فاستحضره بكتوزون بعلة الاجتماع ~~لتدبر ما هم بصدده من أمر محمود، فلما اجتمعوا به قبضوا عليه، وأمر بكتوزون ~~من سمله فأعماه، ولم يراقب الله ولا إحسان مواليه، وأقاموا أخاه عبد الملك ~~مقامه في الملك، وهو صبي صغير. # وكانت مدة ولاية منصور سنة وسبعة أشهر. وماج الناس بعضهم في بعض، وأرسل ~~محمود إلى فائق وبكتوزون يلومهما ويقبح فعلهما، وقويت نفسه على لقائهما، ~~وطمع في الاستقلال بالملك، فسار نحوهما عازما على القتال. # PageV07P502 # ذكر استيلاء يمين الدولة محمود بن سبكتكين على خراسان # لما قبض الأمير منصور سار محمود نحو فائق وبكتوزون، ومعهما عبد الملك بن ~~نوح، فلما سمعوا بمسيره ساروا إليه، فالتقوا بمرو آخر جمادى الأولى، ~~واقتتلوا أشد قتال رآه الناس إلى الليل، فانهزم بكتوزون وفائق ومن معهما. # فأما عبد الملك وفائق فإنهما لحقا ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور، وقصد ~~أبو القاسم بن سيمجور قهستان، فرأى محمود أن يقصد بكتوزون وأبا القاسم، ~~ويعجلهما عن الاجتماع والاحتشاد ms3179 فسار إلى طوس، فهرب منه بكتوزون إلى نواحي ~~جرجان، فأرسل محمود خلفه أكبر قواده وأمرائه وهو أرسلان الجاذب في عسكر ~~جرار، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان، وعاد فاستخلفه محمود على طوس، وسار إلى ~~هراة. # فلما علم بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها فملكها، فقصده محمود، ~~فأجفل من بين يديه إجفال الظليم، واجتاز بمرو فنهبها، وسار عنها إلى بخارى، ~~واستقر ملك محمود بخراسان، فأزال عنها اسم السامانية، وخطب (فيها للقادر ~~بالله، وكان إلى هذا الوقت لا يخطب له فيها، إنما كان يخطب) للطائع لله، ~~واستقل بملكها منفردا، وتلك سنة الله تعالى يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن ~~يشاء. # وولى محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا، وجعله بنيسابور على ما كان يليه ~~آل سيمجور للسامانية، وسار هو إلى بلخ، مستقر والده، فاتخذها دار ملك، ~~واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل فريغون، أصحاب الجوزجان، ونحن ~~نذكرهم إن شاء الله تعالى، وكالشار الشاه، صاحب غرشستان، ونحن نذكر هاهنا # PageV07P503 # أخبار هذا الشار، فاعلم أن هذا اللقب هو الشار، لقب كل من يملك بلاد ~~غرشستان، ككسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة، وكان الشار أبو نصر ~~قد اعتزل الملك وسلمه إلى ولده الشاه، وفيه لوثة وهوج، واشتغل والده أبو ~~نصر بالعلوم ومجالسة العلماء. # ولما عصى أبو علي بن سيمجور على الأمير نوح أرسل إلى غرشستان من حصرها، ~~وأجلى عنها الشاه الشار ووالده أبا نصر، فقصدا حصنا منيعا في آخر ولايتهما، ~~فتحصنا به إلى أن جاء سبكتكين إلى نصرة الأمير نوح، فنزلا إليه وأعاناه على ~~أبي علي وعادا إلى ملكهما. فلما ملك الآن يمين الدولة محمود خراسان أطاعاه ~~وخطبا له. # ثم إن يمين الدولة، بعد هذا، أراد الغزوة إلى الهند، فجمع لها وتجهز، ~~وكتب إلى الشاه الشار يستدعيه ليشهد معه غزوته فامتنع وعصى، فلما فرغ من ~~غزوته، سير إليه الجيوش ليملكوا بلاده، فلما دخلوا البلاد طلب والده أبو ~~نصر الأمان، فأجيب إلى ذلك، وحمل إلى يمين الدولة فأكرمه، واعتذر أبو نصر ~~بعقوق ولده، وخلافه عليه فأمره بالمقام ms3180 بهراة متوسعا عليه إلى أن مات سنة ~~اثنتين وأربعمائة. # وأما ولده الشاه، فإنه قصد ذلك الحصن الذي احتمى به على أبي علي، فأقام ~~به ومعه أمواله وأصحابه، فحصره عسكر يمين الدولة في حصنه، ونصبوا عليه ~~المجانيق، وألحوا عليه بالقتال ليلا ونهارا، فانهدمت أسوار حصنه، وتسلق ~~العسكر إليه، فلما أيقن بالعطب طلب الأمان، والعسكر يقاتله، فلم يزل كذلك ~~حتى أخذ أسيرا، وحمل إلى يمين الدولة، فضرب تأديبا له، ثم أودع السجن إلى ~~أن مات، وكان موته قبل موت والده. # ورأيت عدة مجلدات من كتاب " التهذيب " للأزهري في اللغة بخطه، وعليه ما # PageV07P504 # هذه نسخته: " يقول محمد بن أحمد بن الأزهري: قرأ علي الشار أبو نصر هذا ~~الجزء من أوله إلى آخره، وكتبه بيده صح ". فهذا يدل على اشتغاله وعلمه ~~بالعربية، فإن من يصحب مثل الأزهري، ويقرأ كتابه " التهذيب "، يكون فاضلا. # ذكر انقراض دولة السامانية وملك الترك ما وراء النهر # في هذه السنة انقرضت دولة آل سامان على يد محمود بن سبكتكين، وأيلك الخان ~~التركي، واسمه أبو نصر أحمد بن علي، ولقبه شمس الدولة. # فأما محمود فإنه ملك خراسان، كما ذكرناه، وبقي بيد عبد الملك بن نوح ما ~~وراء النهر، فلما انهزم من محمود قصد بخارى واجتمع بها هو وفائق وبكتوزون ~~وغيرهما من الأمراء والأكابر، فقويت نفوسهم، وشرعوا في جمع العساكر، وعزموا ~~على العود إلى خراسان، فاتفق أن مات فائق، وكان موته في شعبان من هذه ~~السنة، فلما مات ضعفت نفوسهم، ووهنت قوتهم، فإنه كان هو المشار إليه من ~~بينهم، وكان خصيا من موالي نوح بن نصر. # وبلغ خبرهم إلى أيلك الخان، فسار في جمع الأتراك إلى بخارى، وأظهر لعبد ~~الملك المودة والموالاة، والحمية له، فظنوه صادقا، ولم يحترسوا منه، وخرج ~~إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقواد، فلما اجتمعوا قبض عليهم، وسار حتى ~~دخل بخارى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فلم يدر عبد الملك ما ~~يصنع لقلة عدده، فاختفى ونزل أيلك الخان دار الإمارة، وبث الطلب والعيون ~~على عبد الملك، ms3181 حتى ظفر به، فأودعه بافكند فمات بها، وكان آخر ملوك ~~السامانية، وانتقضت دولتهم على يده كأن لم تغن بالأمس، كدأب الدول قبلها، ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. وحبس معه أخوه أبو الحرث منصور بن نوح الذي ~~كان في الملك قبله، وأخواه أبو إبراهيم إسماعيل، وأبو يعقوب ابنا نوح، ~~وعماه أبو زكرياء وأبو سليمان، وغيرهم من آل سامان، وأفرد كل واحد منهم في ~~حجرة. # PageV07P505 # وكانت دولتهم قد انتشرت وطبقت كثيرا من الأرض من حدود حلوان إلى بلاد ~~الترك، بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلا، وعبد الملك هذا هو ~~عبد الملك بن نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل كلهم ملكوا، ~~وكان منهم من ليس مذكورا في هذا النسب، وعبد الملك بن نوح بن نصر ملك قبل ~~أخيه منصور بن نوح المذكور، وكان منهم أيضا منصور بن نوح بن منصور أخو عبد ~~الملك هذا الأخير الذي زال الملك في ولايته ولي قبله. # ذكر ملك بهاء الدولة فارس وخوزستان # في هذه السنة دخل الديلم الذين مع أبي علي بن أستاذ هرمز بالأهواز في ~~طاعة بهاء الدولة. # وكان سبب ذلك أن ابني بختيار لما قتلا صمصام الدولة، كما تقدم، وملكا ~~بلاد فارس، كتبا إلى أبي علي بن أستاذ هرمز بالخبر، ويذكران تعويلهما عليه، ~~واعتضادهما به، ويأمرانه بأخذ اليمين لهما على من معه من الديلم، والمقام ~~بمكانه، والجد بمحاربة بهاء الدولة. فخافهما أبو علي لما كان أسلفه إليهما ~~من قبل أخويهما وأسرهما، فجمع الديلم الذي معه وأخبرهم الحال، واستشارهم ~~فيما يفعل، فأشاروا بطاعة ابني بختيار ومقاتلة بهاء الدولة، فلم يوافقهم ~~على ذلك، ورأى أن يراسل بهاء الدولة ويستميله ويحلفه لهم، فقالوا: إنا نخاف ~~الأتراك، وقد عرفت ما بيننا وبينهم، فسكت عنهم وتفرقوا. # وراسله بهاء الدولة يستميله، ويبذل له وللديلم الأمان والإحسان، وترددت ~~الرسل، وقال بهاء الدولة: إن ثأري وثأركم عند من قتل أخي، فلا عذر لكم في ~~التخلف عن الأخذ بثأره، واستمال الديلم فأجابوه إلى الدخول في ms3182 طاعته، ~~وأنفذوا # PageV07P506 # جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة فحلفوه واستوثقوا منه، وكتبوا إلى ~~أصحابهم المقيمين بالسوس بصورة الحال. # وركب بهاء الدولة من الغد إلى باب السوس، رجاء أن يخرج من فيه إلى طاعته، ~~فخرجوا إليه في السلاح، وقاتلوه قتالا شديدا لم يقاتلوا مثله، فضاق صدره، ~~فقيل له إن هذه عادة الديلم أن يشتد قتالهم عند الصلح، لئلا يظن بهم، ثم ~~كفوا عن القتال وأرسلوا من يحلفه لهم، ونزلوا إلى خدمته، واختلط العسكران، ~~وساروا إلى الأهواز، فقرر أبو علي بن إسماعيل أمورها، وقسم الإقطاعات بين ~~الأتراك والديلم، ثم ساروا إلى رامهرمز فاستولوا عليها وعلى أرجان وغيرها ~~من بلاد خوزستان. # وسار أبو علي بن إسماعيل إلى شيراز، فنزل بظاهرها، فخرج إليه ابنا بختيار ~~في أصحابهما، فحاربوه، فلما اشتدت الحرب مال بعض من معهما إليه، ودخل بعض ~~أصحابه البلد، ونادوا بشعار بهاء الدولة، وكان النقيب أبو أحمد الموسوي ~~بشيراز قد وردها رسولا من بهاء الدولة إلى صمصام الدولة، فلما قتل صمصام ~~الدولة كان بشيراز، فلما سمع النداء بشعار بهاء الدولة ظن أن الفتح قد تم، ~~فقصد الجامع، وكان يوم الجمعة، وأقام الخطبة لبهاء الدولة. # ثم عاد ابنا بختيار، واجتمع إليهما أصحابهما، فخاف النقيب، فاختفى، وحمل ~~في سلة إلى أبي علي بن إسماعيل ثم إن أصحاب ابني بختيار قصدوا أبا علي ~~وأطاعوه، فاستولى على شيراز، وهرب ابنا بختيار فأما أبو نصر فإنه لحق ببلاد ~~الديلم، وأما الثاني، وهو أبو القاسم، فلحق ببدر بن حسنويه ثم قصد البطيحة. # ولما ملك أبو علي شيراز كتب إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار إليها ونزلها، ~~فلما استقر بها أمر بنهب قرية الدودمان وإحراقها، وقتل كل من كان بها من ~~أهلهم فاستأصلهم، وأخرج أخاه صمصام الدولة وجدد أكفانه، وحمل إلى التربة ~~بشيراز فدفن # PageV07P507 # بها، وسير عسكرا مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان فملكها وأقام بها ~~نائبا عن بهاء الدولة. # إلى هاهنا آخر ما في " ذيل " الوزير أبي شجاع، رحمه الله. # ذكر مسير باديس إلى زناتة # في هذه السنة، منتصف ms3183 صفر، أمر باديس بن المنصور، صاحب إفريقية، نائبه ~~محمد بن أبي العرب بالتجهز والاستكثار من العساكر والعدد، والمسير إلى ~~زناتة. # وسبب ذلك أن عمه يطوفت كتب إليه يعلمه أن زيري بن عطية الملقب بالقرطاس، ~~وقد تقدم ذكره، نزل عليه بتاهرت محاربا، فأمر محمدا بالتجهز إليه، فسار في ~~عساكر كثيرة حتى وصل إلى أشير، وبها حماد بن يوسف عم باديس، كان قد أقطعه ~~إياها باديس، فرحل حماد معه، فوصل إلى تاهرت، واجتمعا بيطوفت، وبينهم وبين ~~زيري بن عطية مرحلتان، فزحفوا إليه، فكانت بينهما حروب عظيمة. # وكان أكثر عسكر حماد يكرهونه لقلة عطائه، فلما اشتد القتال انهزموا، ~~فتبعهم جميع العسكر، فأراد محمد بن أبي العرب أن يرد الناس، فلم يقدر على ~~ذلك، وتمت الهزيمة، وملك زيري بن عطية مالهم وعددهم ورجعت العساكر إلى ~~أشير. # وبلغ خبر الهزيمة إلى باديس، فرحل، فلما قارب طبنة بعث في طلب فلفل بن ~~سعيد، فخاف فأرسل يعتذر إليه، وطلب عهدا بإقطاع مدينة طبنة، فكتب له، وسار ~~باديس، فلما أبعد قصد فلفل مدينة طبنة، وغلب على ما حولها، وقصد باغاية ~~فحصرها، وباديس سائر إلى أشير. فلما سمع زيري بن عطية بأنه قد قرب منه رحل ~~إلى تاهرت، فقصده باديس، فسار زيري إلى العرب. فلما سمع باديس برحيله ~~استعمل عمه يطوفت على أشير، وأعطاه أموالا وعددا، وعاد إلى أشير، فبلغه ما # PageV07P508 # فعل فلفل بن سعيد، فأرسل إليه العساكر، وبقي يطوفت ومعه أعمامه وأولاد ~~أعمامه، فلما أبعد عنهم باديس عصوا، وخالفوا عليه، منهم ماكسن، وزاوي ~~وغيرهما، وقبضوا على يطوفت، وأخذوا جميع ما معه من المال، فهرب من أيديهم ~~وعاد إلى باديس. # وأما فلفل بن سعيد فإنه لما وصل إليه العسكر (المسير إلى قتاله لقيهم) ~~وقاتلهم وهزمهم، وقتل فيهم، وسار يطلب القيروان. فسار عند ذلك باديس إلى ~~باغاية، فلقيه أهلها، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل، وأنه حصرهم خمسة ~~وأربعين يوما، فشكرهم، ووعدهم الإحسان، وسار يطلب فلفلا، فوصل إلى مرمجنة، ~~وسار فلفل إليه في جمع كثير من البربر وزناتة، ومعه كل ms3184 من في نفسه حقد على ~~باديس وأهل بيته، فالتقوا بوادي أغلان وكان بينهم حرب عظيمة لم يسمع ~~بمثلها، وطال القتال بينهم، وصبر الفريقان، ثم أنزل الله تعالى نصره على ~~باديس وصنهاجة، وانهزم البربر وزناتة هزيمة قبيحة، وانهزم فلفل فأبعد في ~~الهزيمة، وقتل من زويلة تسعة آلاف قتيل سوى من قتل من البربر، وعاد باديس ~~إلى قصره، وفرح أهل القيروان لأنهم خافوا أن يأتيهم فلفل. # ثم إن عمومة باديس اتصلوا بفلفل، وصاروا معه على باديس، فلما سمع باديس ~~بذلك سار إليهم، فلما وصل قصر الإفريقي وصله أن عمومته فارقوا فلفلا، ولم ~~يبق معه سوى ماكسن بن زيري، وذلك أول سنة تسعين وثلاثمائة. # ذكر ملك الحاكم طرابلس الغرب وعودها إلى باديس # كان لباديس نائب بطرابلس الغرب، فكاتب الحاكم بأمر الله بمصر، وطلب أن ~~يسلم إليه طرابلس ويلتحق به، فأرسل إليه الحاكم يأنس الصقلي، وكان خصيصا # PageV07P509 # بالحاكم، وهو المتولي لبلاد برقة، فوصل يأنس وتسلم طرابلس وأقام بها، ~~وذلك سنة تسعين [وثلاثمائة] . # فأرسل باديس إلى يأنس يسأله عن سبب وصوله إلى طرابلس، وقال له: إن كان ~~الحاكم استعملك عليها فأرسل العهد لأقف عليه. فقال يأنس: إنما أرسلني معينا ~~ونجدة إن احتيج إلي، مثلي لا يطلب منه عهد بولاية لمحلي من دولة الحاكم. ~~فسير إليه جيشا، فلقيهم يأنس خارج طرابلس فقتل في المعركة، وانهزم أصحابه ~~ودخلوا طرابلس فتحصنوا بها. # وكان قد قتل منهم في المعركة كثير، ونزل عليهم الجيش وحصرهم، وأرسلوا إلى ~~الحاكم يستمدونه، فجهز جيشا عليهم يحيى بن علي الأندلسي، وسيرهم إلى ~~طرابلس، وأطلق لهم مالا على برقة، فلم يجد يحيى فيها مالا، فاختلت حاله، ~~فسار إلى فلفل وكان قد دخل إلى طرابلس واستولى عليها، فأقام معه فيها، ~~واستوطنها من ذلك الوقت. وسنذكر باقي خبرهم سنة ثلاث وتسعين [وثلاثمائة] . # (وفي سنة إحدى وتسعين [وثلاثمائة] سار ماكسن بن زيري، عم أبي باديس، إلى ~~أشير، وبها ابن أخيه حماد بن يوسف بلكين، فكان بينهما حرب شديدة قتل فيها ~~ماكسن وأولاده محسن، وباديس، وحباسة، وتوفي زيري بن ms3185 عطية بعد قتل ماكسن ~~بتسعة أيام) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، عاشر ربيع الأول، انقض كوكب عظيم ضحوة نهار. # وفيها عمل أهل باب البصرة يوم السادس والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة ~~وفرحا كثيرا، وكذلك عملوا ثامن عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء، # PageV07P510 # وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب، (وتعلق الثياب) للزينة، ~~اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير، وكانوا يعملون يوم عاشوراء ~~من المأتم، والنوح، وإظهار الحزن ما هو مشهور، فعمل أهل باب البصرة في ~~مقابل ذلك، بعد يوم الغدير بثمانية أيام، مثلهم قالوا: هو يوم دخل النبي، ~~صلى الله عليه سلم، وأبو بكر - رضي الله عنه - الغار، وعملوا بعد عاشوراء ~~بثمانية أيام مثل ما يعملون يوم عاشوراء، وقالوا: هو يوم قتل مصعب بن ~~الزبير. # [الوفيات] # وتوفي هذه السنة [زاهر بن] أحمد بن محمد بن عيسى أبو محمد السرخسي المقرئ ~~الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي إسحاق المروزي، وله رواية للحديث أيضا، ~~وكان شيخ خراسان في زمانه، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، والأدب على ابن ~~الأنباري، ومات وله ست وتسعون سنة، وعبيد الله بن محمد بن إسحاق بن سليمان ~~أبو القاسم البزاز، المعروف بابن حبابة، وكان شيخ الحنابلة في زمانه. # PageV07P511 ### | [ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمائة] ### | 390 - # ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمائة # ذكر خروج إسماعيل بن نوح وما جرى له بخراسان # في هذه السنة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه، وكان قد حبسه ~~أيلك الخان لما ملك بخارى مع جماعة من أهله. # وسبب خلاصه أنه كانت تأتيه جارية تخدمه، وتتعرف أحواله، فلبس ما كان ~~عليها وخرج، فظنه الموكلون الجارية فلما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى، ~~فلما سكن الطلب عنه سار من بخارى إلى خوارزم، وتلقب المنتصر، واجتمع إليه ~~بقايا القواد السامانية والأجناد، فكثف جمعه، وسير قائدا من أصحابه في عسكر ~~إلى بخارى، فبيت من بها من أصحاب أيلك الخان، فهزمهم وقتل منهم، وكبس جماعة ~~من أعيانهم، مثل جعفر تكين ms3186 وغيره، وتبع المنهزمين نحو أيلك الخان إلى حدود ~~سمرقند، فلقي هناك عسكرا جرارا جعلهم أيلك الخان يحفظون سمرقند، فانضاف ~~إليهم المنهزمون، ولقوا عسكر المنتصر، فانهزم أيضا عسكر أيلك الخان، وتبعهم ~~عسكر المنتصر، فغنموا أثقالهم فصلحت أحوالهم بها، وعادوا إلى بخارى، ~~فاستبشر أهلها بعود السامانية. # ثم إن أيلك جمع الترك وقصد بخارى، فانحاز من بها من السامانية وعبروا ~~النهر إلى آمل الشط، فضاقت عليهم، فساروا هم والمنتصر نحو أبيورد فملكها، ~~وجبوا أموالها، وساروا نحو نيسابور، وبها منصور بن سبكتكين، نائبا عن أخيه ~~محمود، فالتقوا قرب نيسابور في ربيع الآخر، فاقتتلوا، فانهزم منصور ~~وأصحابه، وقصدوا هراة، وملك المنتصر نيسابور، وكثر جمعه. # PageV07P512 # وبلغ يمين الدولة الخبر، (فسار مجدا نحو نيسابور، فلما قاربها سار) عنها ~~المنتصر إلى أسفرايين، فلما أزعجه الطلب سار نحو شمس المعالي قابوس بن ~~وشمكير ملتجئا إليه ومتكثرا به، فأكرم مورده، وحمل إليه شيئا كثيرا، وأشار ~~على المنتصر بقصد الري إذ كانت ليس بها من يذب عنها، لاشتغال أصحابها ~~باختلافهم، ووعده بأن ينجده بعسكر جرار مع أولاده، فقبل مشورته وسار نحو ~~الري، فنازلها، فضعف من بها عن مقاومته، إلا أنهم حفظوا البلد منه، ودسوا ~~إلى أعيان عسكره كأبي القاسم بن سيمجور وغيره، وبذلوا لهم الأموال ليردوه ~~عنهم، ففعلوا، ذلك، وصغروا أمر الري عنده وحسنوا له العود إلى خراسان. فسار ~~نحو الدامغان، وعاد عنه عسكر قابوس. # ووصل المنتصر إلى نيسابور (في آخر شوال سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، فجبى ~~له الأموال بها، فأرسل إليه) ، يمين الدولة جيشا فلقوه، فانهزم المنتصر ~~وسار نحو أبيورد، وقصد جرجان، فرده شمس المعالي عنها، فقصد سرخس وجبى ~~أموالها وسكنها. فسار إليه منصور بن سبكتكين من نيسابور، فالتقوا بظاهر ~~سرخس واقتتلوا فانهزم المنتصر وأصحابه، وأسر أبو القاسم علي بن محمد بن ~~سيمجور وجماعة من أعيان عسكره، وحملوا إلى المنصور، فسيرهم إلى غزنة، وذلك ~~في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين [وثلاثمائة] . # وسار المنتصر تائها حتى وافى الأتراك الغزية ولهم ميل إلى آل سامان، ~~فحركتهم الحمية، واجتمعوا معه، وسار بهم نحو ms3187 أيلك الخان وكان ذلك في شوال ~~سنة ثلاث وتسعين [وثلاثمائة] ، فلقيهم أيلك بنواحي سمرقند، فهزموه واستولوا ~~على أمواله وسواده، وأسروا جماعة من قواده وعادوا إلى أوطانهم، واجتمعوا ~~على إطلاق # PageV07P513 # الأسرى تقربا إلى أيلك الخان بذلك. فعلم المنتصر، فاختار من أصحابه جماعة ~~يثق بهم، وسار بهم، فعبر النهر، ونزل بآمل الشط، فلم يقبله مكان، وكلما قصد ~~مكانا رده أهله خوفا من معرته، فعاد وعبر النهر إلى بخارى، وطلب واليها ~~لأيلك الخان، فلقيه واقتتلوا فانهزم المنتصر إلى دبوسية وجمع بها، ثم ~~عاودهم فهزمهم، فخرج إليه خلق كثير من فتيان سمرقند، وصاروا في جملته، وحمل ~~له أهلها المال والآلات والثياب والدواب وغير ذلك. # فلما سمع أيلك الخان بحاله جمع الأتراك وسار إليه في قضه وقضيضه، والتقوا ~~بنواحي سمرقند، واشتدت الحرب بينهم، فانهزم أيلك الخان، وكان ذلك في شعبان ~~سنة أربع وتسعين [وثلاثمائة] ، وغنموا أمواله ودوابه. # وعاد أيلك الخان إلى بلاد الترك، فجمع وحشد وعاد إلى المنتصر، فوافق عوده ~~تراجع الغزية الذين كانوا مع المنتصر إلى أوطانهم، وقد زحف جمعه، فاقتتلوا ~~بنواحي أسروشنة، فانهزم المنتصر، وأكثر الترك في أصحابه القتل. # وسار المنتصر منهزما، حتى عبر النهر، وسار إلى الجوزجان فنهب أموالها، ~~وسار يطلب مرو، فسير يمين الدولة العساكر، ففارق مكانه وسار وهم في أثره، ~~حتى أتى بسطام، فأرسل إليه قابوس عسكرا أزعجه عنها، فلما ضاقت عليه المذاهب ~~عاد إلى ما وراء النهر، فعبر أصحابه وقد ضجروا وسئموا من السهر والتعب ~~والخوف، ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب أيلك الخان، فأعلموهم بمكانه، فلم ~~يشعر المنتصر إلا وقد أحاطت الخيل به من كل جانب، فطاردهم ساعة ثم ولاهم ~~الدبر وسار فنزل بحلة من العرب في طاعة يمين الدولة، وكان يمين الدولة قد ~~أوصاهم بطلبه، فلما رأوه أمهلوه حتى أظلم الليل، ثم وثبوا عليه فأخذوه ~~وقتلوه، وكان ذلك خاتمة أمره، وإنما أوردت الحادثة هذه السنة لترد متتابعة، ~~فلو تفرقت في السنين لم تعلم على هذه الصورة لقلتها. # PageV07P514 # ذكر محاصرة يمين الدولة سجستان # في هذه السنة سار يمين ms3188 الدولة إلى سجستان، وصاحبها خلف بن أحمد، فحصره ~~بها. # وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما اشتغل بالحروب التي ذكرناها سير خلف بن ~~أحمد ابنه طاهرا إلى قهستان فملكها، ثم سار منها إلى بوشنج فملكها، وكانت ~~هي وهراة لبغراجق، عم يمين الدولة، (فلما فرغ يمين الدولة) من تلك الحروب ~~استأذنه عمه في إخراج طاهر بن خلف من ولايته، فأذن له في ذلك، فسار إليه، ~~فلقيه طاهر بنواحي بوشنج، فاقتتلوا، فانهزم طاهر ولج بغراجق في طلبه، فعطف ~~عليه طاهر فقتله ونزل إليه وأخذ رأسه. # فلما سمع يمين الدولة بقتل عمه عظم عليه، وكبر لديه، وجمع عساكره وسار ~~نحو خلف بن أحمد، فتحصن منه خلف بحصن أصبهبذ، وهو حصن يناطح النجوم علوا ~~وارتفاعا، فحصره فيه وضيق عليه، فذل وخضع، وبذل أموالا جليلة لينفس عن ~~خناقه، فأجابه يمين الدولة إلى ذلك، وأخذ رهنه على المال. # ذكر قتل ابن بختيار بكرمان واستيلاء بهاء الدولة عليها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قتل الأمير أبو نصر بن بختيار، الذي كان ~~قد استولى على بلاد فارس. # وسبب قتله أنه لما انهزم من عسكر بهاء الدولة بشيراز سار إلى بلاد ~~الديلم، وكاتب الديلم بفارس وكرمان من هناك يستميلهم، وكاتبوه واستدعوه، ~~فسار إلى بلاد فارس، واجتمع عليه جمع كثير من الزط، والديلم، والأتراك، ~~وتردد في تلك النواحي. # ثم سار إلى كرمان، فلم يقبله الديلم الذين بها، وكان المقدم عليهم أبو # PageV07P515 # جعفر بن أستاذ هرمز، فجمع وقصد أبا جعفر، فالتقيا، فانهزم أبو جعفر إلى ~~السيرجان، ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فملكه، وملك أكثر كرمان، فعظم الأمر ~~على بهاء الدولة، فسير إليه الموفق علي بن إسماعيل في جيش كثير، وسار مجدا ~~حتى أطل على جيرفت، فاستأمن إليه من بها من أصحاب ابن بختيار ودخلها. فأنكر ~~عليه من معه من القواد سرعة سيره، وخوفوه عاقبة ذلك، فلم يصغ إليهم، وسأل ~~عن حال ابن بختيار، فأخبر أنه على ثمانية فراسخ من جيرفت، فاختار ثلاثمائة ~~رجل من شجعان أصحابه وسار بهم، وترك الباقين ms3189 مع السواد بجيرفت. # فلما بلغ ذلك المكان لم يجده ودل عليه فلم يزل يتبعه من منزل إلى منزل، ~~حتى لحقه بدارزين، فسار ليلا، وقدر وصوله إليه عند الصبح فأدركه. فركب ابن ~~بختيار واقتتلوا قتالا شديدا، وسار الموفق في نفر من غلمانه، فأتى ابن ~~بختيار من ورائه، فانهزم ابن بختيار وأصحابه، ووضع فيهم السيف، فقتل منهم ~~الخلق الكثير. فغدر بابن بختيار بعض أصحابه، وضربه بلت فألقاه وعاد إلى ~~الموفق ليخبره بقتله، فأرسل معه من ينظر إليه، فرآه وقد قتله غيره، وحمل ~~رأسه إلى الموفق. # وأكثر الموفق القتل في أصحاب ابن بختيار، واستولى على بلاد كرمان، ~~واستعمل عليها أبا موسى سياهجيل، وعاد إلى بهاء الدولة، فخرج بنفسه ولقيه، ~~وأكرمه وعظمه ثم قبض عليه بعد أيام. # ومن أعجب ما يذكر أن الموفق أخبره منجم أنه يقتل ابن بختيار يوم الاثنين، ~~فلما كان قبل الاثنين بخمسة أيام قال للمنجم: قد بقي خمسة أيام وليس لنا ~~علم به. فقال له المنجم: إن لم تقتله فاقتلني عوضه، وإلا فأحسن إلي. فلما ~~كان يوم الاثنين أدركه وقتله، وأحسن إلى المنجم إحسانا كثيرا. # PageV07P516 # ذكر القبض على الموفق أبي علي بن إسماعيل # قد ذكرنا مسيره إلى قتال ابن بختيار، (وقتله ابن بختيار) ، فلما عاد ~~أكرمه بهاء الدولة ولقيه بنفسه، فاستعفى الموفق من الخدمة، فلم يعفه بهاء ~~الدولة، فألح كل واحد منهما، فأشار أبو محمد بن مكرم على الموفق بترك ذلك، ~~فلم يقبل، فقبض عليه بهاء الدولة وأخذ أمواله، وكتب إلى وزيره سابور ببغداذ ~~بالقبض على أنساب الموفق، فعرفهم ذلك سرا، فاحتالوا لنفوسهم وهربوا، ~~واستعمل بهاء الدولة أبا محمد بن مكرم على عمان، ثم إن بهاء الدولة قتل ~~الموفق سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعمل بهاء الدولة أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز على ~~خوزستان، وكانت قد فسدت أحوالها بولاية أبي جعفر الحجاج لها، ومصادرته ~~لأهلها، فعمرها أبو علي، ولقبه بهاء الدولة عميد الجيوش، وحمل إلى بهاء ~~الدولة منها أموالا جليلة مع حسن سيرة في ms3190 أهلها وعدل. # وفيها ظهر في سجستان معدن الذهب، فكانوا يحفرون التراب ويخرجون منه الذهب ~~الأحمر. # [الوفيات] # وفيها توفي الشريف أبو الحسن محمد بن عمر العلوي، ودفن بالكرخ، # PageV07P517 # وعمره خمس وسبعون سنة، وهو مشهور بكثرة المال والعقار، والقاضي أبو الحسن ~~ابن قاضي القضاة أبي محمد بن معروف، القاضي أبو الفرج المعافى بن زكرياء ~~المعروف بابن طرار الجريري، بفتح الجيم، منسوب إلى محمد بن جرير الطبري ~~لأنه كان يتفقه على مذهبه، وكان عالما بفنون العلوم، كثير الرواية والتصنيف ~~فيها. # PageV07P518 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة] ### | 391 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة # ذكر قتل المقلد وولاية ابنه قرواش # هذه السنة قتل حسام الدولة المقلد بن المسيب العقيلي غيلة، قتله مماليك ~~له ترك. # وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منه، فتبعهم وظفر بهم ~~وقتل منهم وقطع، وأعاد الباقين، فخافوه على نفوسهم، فاغتنم بعضهم غفلته ~~وقتله بالأنبار، وكان قد عظم أمره، وراسل وجوه العساكر ببغداذ وأراد التغلب ~~على الملك، فأتاه الله من حيث لا يشعر. # ولما قتل كان ولده الأكبر قرواش غائبا، وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار، ~~فخاف نائبه عبد الله بن إبراهيم بن شهرويه بادرة الجند، فراسل أبا منصور بن ~~قراد اللديد، وكان بالسندية، فاستدعاه إليه وقال له: أنا أجعل بينك وبين ~~قرواش عهدا، وأزوجه ابنتك وأقاسمك على ما خلفه أبوه، ونساعده على عمه الحسن ~~إن قصده وطمع فيه. فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد. # وأرسل عبد الله إلى قرواش يحثه على الوصول، فوصل وقاسمه على المال، وأقام ~~قراد عنده. # ثم إن الحسن بن المسيب جمع مشايخ عقيل، وشكا قرواشا إليهم وما صنع مع ~~قراد، فقالوا له: خوفه منك حمله على ذلك، فبذل من نفسه الموافقة له، ~~والوقوف # PageV07P519 # عند رضاه، وسفر المشايخ بينهما فاصطلحا، واتفقا على أن يسير الحسن إلى ~~قرواش شبه المحارب، ويخرج هو وقراد لقتاله، فإذا لقي بعضهم بعضا عادوا ~~جميعا على قراد فأخذوه، فسار الحسن وخرج قرواش وقراد لقتاله. # فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه فأعلمه ms3191 الحال، فهرب على فرس ~~له، وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه، وعاد قرواش إلى بيت قراد فأخذ ما فيه ~~من الأموال التي أخذها من قرواش، وهي بحالها، وسار قرواش إلى الكوفة، فأوقع ~~بخفاجة عندها وقعة عظيمة، فساروا بعدها إلى الشام، فأقاموا هناك حتى أحضرهم ~~(أبو جعفر) الحجاج، على ما نذكره إن شاء الله. # ذكر البيعة لولي العهد # في هذه السنة، في ربيع الأول، أمر القادر بالله بالبيعة لولده أبي الفضل ~~بولاية العهد، وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم ذلك، ولقبه الغالب بالله. # وكان سبب البيعة له أن أبا عبد الله بن عثمان الواثقي، من ولد الواثق ~~بالله أمير المؤمنين، كان من أهل نصيبين، فقصد بغداذ، ثم سار عنها إلى ~~خراسان، وعبر النهر إلى هارون بن أيلك بغراخاقان، وصحبه الفقيه أبو الفضل ~~التميمي، وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقي، ~~فإنه ولي عهد، فأجابه خاقان إلى ذلك، وبايع له وخطب له ببلاده وأنفق عليه. ~~فبلغ ذلك القادر بالله، فعظم عليه، وراسل خاقان في معناه، فلم يصغ إلى ~~رسالته. # فلما توفي هارون خاقان، وولي بعده أحمد قراخاقان، كاتبه الخليفة في ~~معناه، فأمر بإبعاده، فحينئذ بايع الخليفة لولده بولاية العهد. # وأما الواثقي فإنه خرج من عند أحمد قراخاقان وقصد بغداذ فعرف بها وطلب، ~~فهرب منها إلى البصرة، ثم إلى فارس وكرمان، ثم إلى بلاد الترك، فلم يتم له ~~ما # PageV07P520 # أراد، وراسل الخليفة الملوك يطلبه، فضاقت عليه الأرض، وسار إلى خوارزم ~~وأقام بها، ثم فارقها، فأخذه يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه (في قلعة) ~~إلى أن توفي بها. # ذكر استيلاء طاهر بن خلف على كرمان وعوده عنها # في هذه السنة سار طاهر بن خلف بن أحمد، صاحب سجستان، إلى كرمان طالبا ~~ملكها. # وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد خرج عن طاعة أبيه، وجرى بينهما حروب كان ~~الظفر فيها لأبيه، ففارق سجستان وسار إلى كرمان، وبها عسكر بهاء الدولة، ~~وهي له على ما ذكرناه، فاجتمع من بها من العسكر إلى المقدم عليهم (ومتولي ms3192 ~~أمر البلاد، هو أبو موسى سياهجيل) ، فقالوا له: إن هذا الرجل قد وصل، وهو ~~ضعيف، والرأي أن تبادره قبل أن يقوى أمره ويكثر جمعه. فلم يفعل واستهان به، ~~فكثر جمع طاهر، وصعد إلى الجبال، وبها قوم من العصاة على السلطان، فاحتمى ~~بهم وقوي، فنزل إلى جيرفت فملكها وملك غيرها، وقوي طمعه في الباقي. # فقصده أبو موسى والديلم، فهزمهم، وأخذ بعض ما بقي بأيديهم، فكاتبوا بهاء ~~الدولة، فسير إليهم جيشا عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز، فسار إلى كرمان، ~~وقصد بم، وبها طاهر، فجرى بين طلائع العسكرين حرب، وعاد طاهر إلى سجستان، ~~وفارق كرمان، فلما بلغ سجستان أطلق المأسورين، ودعاهم إلى قتال أبيه معه، ~~وحلف لهم أنهم إذا نصروه وقاتلوا معه أطلقهم، ففعلوا ذلك، وقاتل أباه، ~~فهزمه وملك طاهر البلاد ودخل أبوه إلى حصن له منيع فاحتمى به. # وأحب الناس طاهرا لحسن سيرته، وسوء سيرة والده، وأطلق طاهر الديلم، ثم # PageV07P521 # إن أباه راسل أصحابه ليفسدهم عليه، فلم يفعلوا فعدل إلى مخادعته، وراسله ~~يظهر له الندم على ما كان منه، ويستميله بأنه ليس له ولد غيره، وأنه يخاف ~~أن يموت فيملك بلاده غير ولده. ثم استدعاه إليه جريدة ليجتمع به ويعرفه ~~أحواله، فتواعدا تحت قلعة خلف، فأتاه ابنه جريدة، ونزل هو إليه كذلك، وكان ~~قد كمن بالقرب منه كمينا، فلما لقيه اعتنقه، وبكى خلف، وصاح في بكائه، فخرج ~~الكمين وأسروا طاهرا، فقتله أبوه بيده، وغسله ودفنه، ولم يكن له ولد غيره. # فلما قتل طمع الناس في خلف، لأنهم كانوا يخافون ابنه لشهامته، وقصده ~~حينئذ محمود بن سبكتكين، فملك بلاده على ما نذكره، وأما العتبي فذكر في سبب ~~فتحها غير هذا، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداذ بنائب السلطان، وهو أبو نصر سابور، فهرب ~~منهم، ووقعت الفتنة بين الأتراك العامة من أهل الكرخ، وقتل بينهم قتلى ~~كثيرة، ثم إن السنة من أهل بغداذ ساعدوا الأتراك على أهل الكرخ، فضعفوا عن ~~الجميع، فسعى الأشراف في ms3193 إصلاح الحال فسكنت الفتنة. # وفيها ولد الأمير أبو جعفر عبد الله بن القادر، وهو القائم بأمر الله. # [الوفيات] # وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، وكان فاضلا ~~[عالما] بعلوم الإسلام وبالمنطق، وكان يجلس للتحديث، وروى الناس عنه. # PageV07P522 # وفيها توفي القاضي أبو الحسن الجوزي، وكان على مذهب داود الظاهري، وكان ~~يصحب عضد الدولة قديما. # وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر بطريق النيل، وحمل إلى ~~بغداذ، وديوانه مشهور. # وفيها توفي بكران بن أبي الفوارس خال الملك جلال الدولة بواسط. # وفيها توفي جعفر بن الفضل بن جعفر (بن محمد) بن الفرات المعروف بابن ~~حنزابة، الوزير، ومولده سنة ثمان وثلاثمائة، وكان سار إلى مصر فولي وزارة ~~كافور وروى حديثا كثيرا. # PageV07P523 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة] ### | 392 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة # ذكر وقعة ليمين الدولة بالهند # في هذه السنة أوقع يمين الدولة محمود بن سبكتكين بجيبال ملك الهند وقعة ~~عظيمة. # وسبب ذلك أنه لما اشتغل بأمر خراسان وملكها، وفرغ منها ومن قتال خلف بن ~~أحمد، وخلا وجهه من ذلك، أحب أن يغزو الهند غزوة تكون كفارة لما كان منه من ~~قتال المسلمين، فثنى عنانه نحو تلك البلاد، فنزل على مدينة برشور، فأتاه ~~عدو الله جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة، فاختار يمين الدولة من عساكره ~~والمطوعة خمسة عشر ألفا، وسار نحوه، فالتقوا في المحرم من هذه السنة، ~~فاقتتلوا، وصبر الفريقان. # فلما انتصف النهار انهزم الهند، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وأسر جيبال ومعه ~~جماعة كثيرة من أهله وعشيرته، وغنم المسلمون منهم أموالا جليلة، وجواهر ~~نفيسة، وأخذ من عنق (عدو الله) جيبال قلادة من الجوهر العديم النظير قومت ~~بمائتي ألف دينار، وأصيب أمثالها في أعناق مقدمي الأسرى، وغنموا خمسمائة ~~ألف رأس من العبيد، وفتح من بلاد الهند بلادا كثيرة، فلما فرغ من غزواته ~~أحب أن يطلق جيبال ليراه الهنود في شعار الذل، فأطلقه بمال، قرره عليه، ~~فأدى المال. # PageV07P524 # ومن عادة الهند أنهم من حصل منهم في ms3194 أيدي المسلمين أسيرا لم ينعقد له ~~بعدها رئاسة، فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصه حلق رأسه، ثم ألقى نفسه في ~~النار، فأحرق بنار الدنيا قبل نار الآخرة. # ذكر غزوة أخرى إلى الهند أيضا # فلما فرغ يمين الدولة من أمر جيبال رأى أن يغزو غزوة أخرى، فسار نحو ~~ويهند، فأقام عليها محاصرا لها، حتى فتحها قهرا، وبلغه أن جماعة من الهند ~~قد اجتمعوا بشعاب تلك الجبال عازمين على الفساد والعناد، فسير إليهم طائفة ~~من عسكره، فأوقعوا بهم، وأكثروا القتل فيهم، ولم ينج منهم إلا الشريد ~~الفريد، وعاد إلى غزنة سالما ظافرا. # ذكر الحرب بين قرواش وعسكر بهاء الدولة # في هذه السنة سير قرواش بن المقلد جمعا من عقيل إلى المدائن فحصروها، ~~فسير إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشا فأزالوهم عنها، فاجتمعت عقيل ~~وأبو الحسن مزيد في بني أسد، وقويت شوكتهم، فخرج الحجاج إليهم، واستنجد ~~خفاجة، وأحضرهم من الشام، فاجتمعوا معه، واقتتلوا بنواحي باكرم في رمضان، ~~فانهزمت الديلم والأتراك، وأسر منهم خلق كثير، واستبيح عسكرهم. # فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد فالتقوا ~~بنواحي الكوفة، واشتد القتال بينهم، فانهزمت عقيل وابن مزيد، وقتل من ~~أصحابهم خلق كثير، وأسر مثلهم، وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها ~~فانهزموا أيضا، فنهبت الحلل والبيوت والأموال، ورأوا فيها من العين والمصاغ ~~والثياب ما لا يقدر قدره. # ولما سار أبو جعفر عن بغداذ اختلت الأحوال بها، وعاد أمر العيارين فظهر، # PageV07P525 # واشتد الفساد، وقتلت النفوس، ونهبت الأموال، وأحرقت المساكن، فبلغ ذلك ~~بهاء الدولة، فسير إلى العراق لحفظه أبا علي بن أبي جعفر المعروف بأستاذ ~~هرمز، ولقبه عميد الجيوش، وأرسل إلى أبي جعفر الحجاج، وطيب قلبه، ووصل أبو ~~علي إلى بغداذ فأقام السياسة، ومنع المفسدين، فسكنت الفتنة وأمن الناس. # [الوفيات] # (وفيها توفي محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه الشافعي المعروف بابن ~~الدقاق، صاحب الأصول) . # PageV07P526 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة] ### | 393 - # ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة # ذكر ملك ms3195 يمين الدولة سجستان # في هذه السنة ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان، وانتزعها من يد ~~خلف بن أحمد. # قال العتبي: وكان سبب أخذها أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد أن صالحه، ~~كما تقدم ذكره سنة تسعين [وثلاثمائة] ، عهد خلف إلى ولده طاهر، وسلم إليه ~~مملكته، وانعكف هو على العبادة والعلم، وكان عالما، فاضلا، محبا للعلماء، ~~وكان قصده أن يوهم يمين الدولة أنه ترك الملك وأقبل على طلب الآخرة ليقطع ~~طمعه عن بلاده. # فلما استقر طاهر في الملك عق أباه وأهمل أمره، فلاطفه أبوه ورفق به، ثم ~~إنه تمارض في حصنه المذكور، واستدعى ولده ليوصي إليه، فحضر عنده غير محتاط، ~~ونسي إساءته، فلما صار عنده قبض عليه وسجنه، وبقي في السجن إلى أن مات فيه، ~~وأظهر عنه أنه قتل نفسه. # ولما سمع عسكر خلف وصاحب جيشه بذلك تغيرت نياتهم في طاعته، وكرهوه، ~~وامتنعوا عليه في مدينته، (وأظهروا طاعة يمين الدولة، وخطبوا له، وأرسلوا ~~إليه يطلبون من يتسلم المدينة) ، ففعل وملكها، واحتوى عليها في هذه السنة، ~~وعزم على قصد خلف وأخذ ما بيده والاستراحة من مكره. فسار إليه، وهو في حصن # PageV07P527 # الطاق، وله سبعة أسوار محكمة، يحيط بها خندق عميق، عريض، لا يخاض إلا من ~~طريق على جسر يرفع عند الخوف، فنازله وضايقه فلم يصل إليه، فأمر بطم الخندق ~~ليمكن العبور إليه، فقطعت الأخشاب وطم بها بالتراب في يوم واحد مكانا ~~يعبرون فيه ويقاتلون منه. # وزحف الناس ومعهم الفيول، واشتدت الحرب، وعظم الأمر، وتقدم أعظم الفيول ~~إلى باب السور فاقتلعه بنابيه وألقاه، وملكه أصحاب يمين الدولة، وتأخر ~~أصحاب خلف إلى السور الثاني، فلم يزل أصحاب يمين الدولة يدفعونهم عن سور ~~سور، فلما رأى خلف اشتداد الحرب، وأن أسواره تملك عليه، وأن أصحابه قد ~~عجزوا، وأن الفيلة تحطم الناس طار قلبه خوفا وفرقا، فأرسل يطلب الأمان، ~~فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب وكف عنه، فلما حضر عنده أكرمه واحترمه، ~~وأمره بالمقام في أي البلاد شاء، فاختار أرض الجوزجان، فسير إليها ms3196 في هيئة ~~حسنة، فأقام بها نحو أربع سنين. # ونقل إلى يمين الدولة عنه أنه يراسل أيلك الخان يغريه بقصد يمين الدولة، ~~فنقله إلى جردين، واحتاط عليه هناك، إلى أن أدركه أجله في رجب سنة تسع ~~وتسعين [وثلاثمائة] ، فسلم يمين الدولة جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص. ~~وكان خلف مشهورا بطلب العلم وجمع العلماء، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن ~~من أكبر الكتب. # ذكر الحرب بين عميد الجيوش أبي علي وبين أبي جعفر الحجاج # في هذه السنة كانت الحرب بين أبي علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز، وبين أبي ~~جعفر الحجاج. # وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نائبا عن بهاء الدولة بالعراق، فجمع وغزا، # PageV07P528 # واستناب بعده عميد الجيوش أبا علي، فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة، ولم ~~يستقر بينه وبين أبي علي صلح. # وكان أبو جعفر قد جمع جمعا من الديلم والأتراك وخفاجة فجمع أبو علي أيضا ~~جمعا كثيرا وسار إليه، والتقوا بنواحي النعمانية، فاقتتلوا قتالا عظيما، ~~وأرسل أبو علي بعض عسكره، فأتوا أبا جعفر من ورائه، فانهزم أبو جعفر ومضى ~~منهزما. # فلما أمن أبو علي سار من العراق، بعد الهزيمة، إلى خوزستان، وبلغ السوس، ~~وأتاه الخبر أن أبا جعفر قد عاد إلى الكوفة، فرجع إلى العراق، وجرى بينه ~~وبين أبي جعفر منازعات ومراجعات إلى أن آل الأمر إلى الحرب فاستنجد كل واحد ~~منهم بني عقيل وبني خفاجة وبني أسد، فبينما هم كذلك أرسل بهاء الدولة إلى ~~عميد الجيوش أبي علي يستدعيه، فسار إليه إلى خوزستان لأجل أبي العباس بن ~~واصل، صاحب البطيحة. # ذكر عصيان سجستان وفتحها ثانية # لما ملك يمين الدولة سجستان عاد عنها واستخلف عليها أميرا كبيرا من ~~أصحابه، يعرف بقنجى الحاجب، فأحسن السيرة في أهلها. # ثم إن طوائف من أهل العيث والفساد قدموا عليهم رجلا يجمعهم، وخالفوا على ~~السلطان، فسار إليهم يمين الدولة، وحصرهم في حصن أرك، ونشبت الحرب في ذي ~~الحجة من هذه السنة، فظهر عليهم، وظفر بهم، وملك حصنهم، وأكثر القتل فيهم، ~~وانهزم بعضهم فسير في ms3197 آثارهم من يطلبهم، فأدركوهم، فأكثروا القتل فيهم حتى ~~خلت سجستان منهم وصفت له واستقر ملكها عليه، فأقطعها أخاه نصرا مضافة إلى ~~نيسابور. # PageV07P529 # ذكر وفاة الطائع لله # في هذه السنة، (في شوال منها) ،، توفي الطائع لله المخلوع ابن المطيع ~~لله، وحضر الأشراف والقضاة وغيرهم دار الخلافة للصلاة عليه والتعزية، وصلى ~~عليه القادر بالله، وكبر عليه خمسا، وتكلمت العامة في ذلك فقيل: إن هذا مما ~~يفعل بالخلفاء، وشيع جنازته ابن حاجب النعمان، ورثاه الشريف الرضي فقال: ما ~~بعد يومك ما يسلو به السالي ومثل يومك لم يخطر على بالى # وهي طويلة. # ذكر وفاة المنصور بن أبي عامر # في هذه السنة توفي أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري، الملقب بالمنصور، ~~أمير الأندلس مع المؤيد هشام بن الحاكم، وقد تقدم ذكره عند ذكر المؤيد، ~~وكان أصله من الجزيرة الخضراء من بيت مشهور بها، وقدم قرطبة طالبا للعلم، ~~وكانت له همة، فتعلق بوالدة المؤيد في حياة أبيه المستنصر. # فلما ولي هشام كان صغيرا، فتكفل المنصور لوالدته القيام بأمره، وإخماد ~~الفتن الثائرة عليه، وإقرار الملك عليه، فولته أمره وكان شهما، شجاعا، قوي ~~النفس، حسن التدبر، فاستمال العساكر وأحسن إليهم، فقوي أمره، وتلقب ~~بالمنصور، وتابع الغزوات إلى الفرنج وغيرهم، وسكنت البلاد معه، فلم يضطرب ~~منها شيء. # وكان عالما، محبا للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم، وقد أكثر العلماء ذكر ~~مناقبه، وصنفوا لها تصانيف كثيرة، ولما مرض كان متوجها إلى الغزو، فلم ~~يرجع، # PageV07P530 # ودخل بلاد العدو فنال منهم وعاد وهو مثقل، فتوفي بمدينة سالم، وكان قد ~~جمع الغبار الذي وقع على درعه (في غزواته شيئا صالحا) ، فأمر أن يجعل في ~~كفنه تبركا به. # وكان حسن الاعتقاد والسيرة، عادلا، كانت أيامه أعيادا لنضارتها، وأمن ~~الناس فيها، رحمه الله. وله شعر جيد، وكانت أمه تميمية، ولما مات ولي بعده ~~ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك، فجرى مجرى أبيه. # ذكر محاصرة فلفل مدينة قابس وما كان منه # في هذه السنة سار يحيى بن علي الأندلسي وفلفل من طرابلس إلى مدينة قابس ~~في ms3198 عسكر كثير، فحصروها، ثم رجعوا إلى طرابلس. ولما رأى يحيى بن علي ما هو ~~عليه من قلة المال، واختلال حاله وسوء مجاورة فلفل وأصحابه له، رجع إلى مصر ~~إلى الحاكم، بعد أن أخذ فلفل وأصحابه خيولهم، وما اختاروه من عددهم بين ~~الشراء والغصب، فأرادا الحاكم قتله ثم عفا عنه. # وأقام فلفل بطرابلس إلى سنة أربعمائة، فمرض وتوفي، وولي أخوه ورو، ~~فأطاعته زناتة، واستقام أمره، فرحل باديس إلى طرابلس لحرب زناتة، فلما ~~بلغهم رحيله فارقوها وملكها باديس، ففر أهلها وأرسل ورو أخو فلفل إلى باديس ~~يطلب أن يكون هو ومن معه من زناتة في أمانه، ويدخلون في طاعته، ويجعلهم ~~عمالا كسائر عماله، فأمنهم وأحسن إليهم وأعطاهم نفزاوة وقسطيلة على أن ~~يرحلوا من أعمال طرابلس، ففعلوا ذلك. # ثم إن خزرون بن سعيد أخا ورو جاء إلى باديس، ودخل في طاعته، وفارق # PageV07P531 # أخاه، فأكرمه باديس، وأحسن إليه ثم إن أخاه خالف على باديس، وسار إلى ~~طرابلس فحصرها، وسار إليه خزرون ليمنعه عن حصارها، وكان ذلك سنة ثلاث ~~وأربعمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رمضان، طلع كوكب كبير له ذؤابة، وفي ذي القعدة انقض ~~كوكب كبير أيضا كضوء القمر عند تمامه، وانمحق نوره وبقي جرمه يتموج. # وفيها اشتدت الفتنة ببغداذ، وانتشر العيارون والمفسدون، فبعث بهاء الدولة ~~عميد الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره، فوصل إلى بغداذ، ~~فزينت له، وقمع المفسدين، ومنع السنة والشيعة من إظهار مذاهبهم، ونفى، بعد ~~ذلك، ابن المعلم فقيه الإمامية، فاستقام البلد. # وفيها، في ذي الحجة، ولد الأمير أبو علي الحسن بن بهاء الدولة، وهو الذي ~~ملك الأمر، وتلقب بمشرف الدولة. # وفيها هرب الوزير أبو العباس الضبي، وزير مجد الدولة بن فخر الدولة بن ~~بويه، من الري إلى بدر بن حسنويه، فأكرمه، وقام بالوزارة بعده الخطير أبو ~~علي. # وفيها ولى الحاكم بأمر الله على دمشق، وقيادة العساكر الشامية، أبا محمد ~~الأسود، واسمه تمصولت، فقدم إليها، ونزل في قصر الإمارة، فأقام واليا عليها # PageV07P532 # سنة وشهرين ومن ms3199 أعماله فيها أنه أطاف إنسانا مغربيا، وشهره، ونادى عليه: ~~هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر! ثم أخرجه عنها. # [الوفيات] # وفيها توفي عثمان بن جني النحوي، مصنف " اللمع " وغيرها، ببغداذ، وله شعر ~~بارز. والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني بالري، وكان إماما فاضلا، ذا ~~فنون كثيرة. والوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي الفقيه المالكي، وهو محدث ~~مشهور. # وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي الشاعر البغداذي ومن شعره ~~يصف الدرع، (وهي هذه الأبيات) : # يا رب سابغة حبتني نعمة ... كافأتها بالسوء غير مفند # أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند # وله من أحسن المديح (في عضد الدولة) : # وليت، وعزمي والظلام وصارمي ... ثلاثة أشباح كما اجتمع النسر # PageV07P533 # وبشرت آمالي بملك هو الورى # ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر # (وقدم الموصل، فاجتمع بالخالديين من الشعراء منهم أبو الفرج الببغاء، ~~وأبو الحسين التلعفري، فامتحنوه، وكان صبيا، فبرز عند الامتحان. # وفيها توفي محمد بن العباس الخوارزمي الأديب الشاعر، وكان فاضلا، وتوفي ~~بنيسابور) . # وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن زكرياء أبو طاهر المخلص المحدث ~~المشهور، وأول سماعه سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. # PageV07P534 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة] ### | 394 - # ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة # ذكر استيلاء أبي العباس على البطيحة # في هذه السنة، في شعبان، غلب أبو العباس بن واصل على البطيحة، وأخرج منها ~~مهذب الدولة. # وكان ابتداء حال أبي العباس أنه كان ينوب عن طاهر بن زيرك الحاجب في ~~الجهبذة، وارتفع معه، ثم أشفق منه ففارقه وسار إلى شيراز، واتصل بخدمة ~~فولاذ، وتقدم عنده، فلما قبض على فولاذ عاد أبو العباس إلى الأهواز بحال ~~سيئة، فخدم فيها. # ثم أصعد إلى بغداذ، فضاق الأمر عليه، فخرج منها، وخدم أبا محمد بن مكرم، ~~ثم انتقل إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة، فجرد معه عسكرا، وسيره إلى حرب ~~لشكرستان حين استولى على البصرة، ومضى إلى سيراف وأخذ ما بها لأبي محمد بن ~~مكرم من سفن ومال، وأتى أسافل دجلة، فغلب عليها، وخلع طاعة مهذب ms3200 الدولة. # فأرسل إليه مهذب الدولة مائة سميرية فيها مقاتلة، فغرق بعضها، وأخذ أبو ~~العباس ما بقي منها، وعدل إلى الأبلة، فهزم أبا سعد بن ماكولا، وهو يصحب ~~لشكرستان، فانهزم أيضا لشكرستان من بين يديه، واستولى ابن واصل على البصرة، ~~ونزل دار الإمارة، وأمن الديلم والأجناد. # PageV07P535 # وقصد لشكرستان مهذب الدولة، فأعاده إلى قتال أبي العباس في جيش، فلقيه ~~أبو العباس وقاتله، فانهزم لشكرستان وقتل كثير من رجاله، واستولى أبو ~~العباس على ثقله وأمواله، وأصعد إلى البطيحة، (وأرسل إلى) مهذب الدولة يقول ~~له: قد هزمت جندك، ودخلت بلدك، فخذ لنفسك، فسار مهذب الدولة إلى بشامني، ~~وصار عند أبي شجاع فارس بن مردان وابنه صدقة، فغدرا به وأخذا أمواله، فاضطر ~~إلى الهرب، وسار إلى واسط فوصلها على أقبح صورة، فخرج إليه أهلها فلقوه ~~وأصعدت زوجته ابنة الملك بهاء الدولة إلى بغداذ وأصعد مهذب الدولة إليها ~~فلم يمكن من الوصول إليها. # وأما ابن واصل فإنه استولى على أموال مهذب الدولة وبلاده، وكانت عظيمة، ~~ووكل بدار زوجته ابنة بهاء الدولة من يحرسها، ثم جمع كل ما فيها وأرسله إلى ~~أبيها، واضطرب عليه أهل البطائح واختلفوا، فسير سبعمائة فارس إلى الجازرة ~~لإصلاحها، فقاتلهم أهلها، فظفروا بالعسكر، وقتلوا فيهم كثيرا. # وانتشر الأمر على أبي العباس بن واصل. فعاد إلى البصرة خوفا أن ينتشر ~~الأمر عليه بها، وترك البطائح شاغرة ليس فيها أحد يحفظها. # ولما سمع بهاء الدولة بحال أبي العباس وقوته خافه على البلاد، فسار من ~~فارس إلى الأهواز لتلافي أمره، وأحضر عنده عميد الجيوش من بغداذ، وجهز معه ~~عسكرا كثيفا وسيرهم إلى أبي العباس، فأتى إلى واسط وعمل ما يحتاج إليه من ~~سفن وغيرها، وسار إلى البطائح، وفرق جنده في البلاد لتقرير قواعدها. # وسمع أبو العباس بمسيره إليه، فأصعد إليه من البصرة، وأرسل يقول له: ما ~~أحوجك تتكلف الانحدار، وقد أتيتك فخذ لنفسك. # PageV07P536 # ووصل إلى عميد الجيوش وهو على تلك الحال من (تفرق العسكر عنه) ، فلقيه ~~فيمن معه بالصليق، فانهزم عميد الجيوش، ووقع من معه بعضهم ms3201 على بعض، ولقي ~~عميد الجيوش شدة إلى أن وصل إلى واسط، وذهب ثقله وخيامه وخزائنه، فأخبره ~~خازنه أنه قد دفن في الخيمة ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم، فأنفذ [من] ~~أحضرها، فقوي بها. ونذكر باقي خبر البطائح سنة خمس وتسعين [وثلاثمائة] . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد بهاء الدولة النقيب أبا أحمد الموسوي، (والد الشريف ~~الرضي) ، نقابة العلويين بالعراق، وقضاء القضاة، والحج، والمظالم، وكتب ~~عهده بذلك من شيراز، ولقب الطاهر ذا المناقب، فامتنع الخليفة من تقليده ~~قضاء القضاة، وأمضى ما سواه. # وفيها خرج الأصيفر المنتفقي على الحاج، وحصرهم بالبطانية، وعزم على أخذهم ~~وكان فيهم أبو الحسن الرفاء، وأبو عبد الله الدجاجي وكانا يقرآن القرآن ~~بأصوات لم يسمع مثلها، فحضرا عند الأصيفر وقرآ القرآن، فترك الحجاج وعاد، ~~وقال لهما: قد تركت لكما ألف ألف دينار. # PageV07P537 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة] ### | 395 - # ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة # ذكر عود مهذب الدولة إلى البطيحة # قد ذكرنا انهزام عميد الجيوش من أبي العباس بن واصل، فلما انهزم أقام ~~بواسط، وجمع العساكر عازما على العود إلى البطائح، وكان أبو العباس قد ترك ~~بها نائبا له، فلم يتمكن من المقام بها، ففارقها إلى صاحبه، فأرسل عميد ~~الجيوش إليها نائبا من أهل البطائح، فعسف الناس، وأخذ الأموال، ولم يلتفت ~~إلى عميد الجيوش، فأرسل إلى بغداذ وأحضر مهذب الدولة، وسير معه العساكر في ~~السفن إلى البطيحة، فلما وصلها لقيه أهل البلاد، وسروا بقدومه، وسلموا إليه ~~جميع الولايات، واستقر عليه بهاء الدولة كل سنة خمسين ألف دينار، ولم يعترض ~~عليه ابن واصل، فاشتغل عنه (بالتجهيز إلى) خوزستان، وحفر نهرا إلى جانب ~~النهر العضدي، بين البصرة والأهواز، وكثر ماؤه، وكان قد اجتمع عنده جمع ~~كثير من الديلم وأنواع الأجناد. # ولما كثر ماله وذخائره، و [ما] استولى عليه من البطيحة، قوي طمعه في ~~الملك، وسار هو وعسكره إلى الأهواز في ذي القعدة، فجهز إليها بهاء الدولة ~~جيشا في الماء، فالتقوا بنهر السدرة، فاقتتلوا، وخاتلهم أبو العباس، وسار ~~إلى ms3202 الأهواز وتبعه من كان قد لقيه من العسكر، فالتقوا بظاهر الأهواز، ~~وانضاف إلى عسكر بهاء الدولة العساكر التي بالأهواز، فاستظهر أبو العباس ~~عليهم. # PageV07P538 # ورحل بهاء الدولة إلى قنطرة أربق، عازما على المسير إلى فارس، ودخل أبو ~~العباس إلى دار المملكة وأخذ ما فيها من الأمتعة والأثاث المتخلف عن بهاء ~~الدولة، إلا أنه لم يمكنه المقام لأن بهاء الدولة كان قد جهز عسكرا ليسير ~~في البحر إلى البصرة، فخاف أبو العباس من ذلك، وراسل بهاء الدولة، وصالحه ~~وزاد في أقطاعه، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وعاد إلى البصرة، وحمل معه كل ~~ما أخذه من دار بهاء الدولة ودور الأكابر والقواد والتجار. # ذكر غزوة بهاطية # في هذه السنة غزا يمين الدولة بهاطية من أعمال الهند، وهي وراء المولتان، ~~وصاحبها يعرف ببحيرا، وهي مدينة حصينة، عالية السور، يحيط بها خندق عظيم، ~~فامتنع صاحبها بها، ثم إنه خرج إلى ظاهرها، فقاتل المسلمين ثلاثة أيام ثم ~~انهزم في الرابع، وطلب المدينة ليدخلها، فسبقهم المسلمون إلى باب البلد ~~فملكوه عليهم، وأخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم، فقتل المقاتلة ~~وسبيت الذرية وأخذت الأموال. # أما بحيرا فإنه لما عاين الهلاك أخذ جماعة من ثقاته وسار إلى رءوس تلك ~~الجبال، فسير إليه يمين الدولة سرية، فلم يشعر بهم بحيرا إلا وقد أحاطوا ~~به، وحكموا السيوف في أصحابه، فلما أيقن بالعطب أخذ خنجرا معه فقتل به ~~نفسه، وأقام يمين الدولة ببهاطية حتى أصلح أمرها، ورتب قواعدها، وعاد عنها ~~إلى غزنة، واستخلف بها من يعلم من أسلم من أهلها وما يجب عليهم تعلمه، ولقي ~~في عوده شدة شديدة من الأمطار وكثرتها، وزيادة الأنهار، فغرق منه من عسكره ~~عظيم. # PageV07P539 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد بحيث تعطلت المخابز والحمامات، وهلك ~~الناس، وذهبت الأموال من الأغنياء، وكثر الوباء، فكان يموت كل يوم ما بين ~~خمسمائة إلى سبعمائة. # وفيها وصل قرواش وأبو جعفر الحجاج إلى الكوفة، فقبضا على أبي علي عمر بن ~~محمد بن عمر العلوي، وأخذ منه قرواش ms3203 مائة ألف دينار، وحمله معه إلى ~~الأنبار. # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن محمد بن حمدان بن محمد بن نوح أبو إبراهيم المهلبي. # (وفيها توفي محمد بن علي بن الحسين بن الحسن بن أبي إسماعيل العلوي ~~الهمذاني، الفقيه الشافعي، رحمه الله تعالى) . # PageV07P540 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمائة] ### | 396 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمائة # ذكر غزوة المولتان # في هذه السنة غزا السلطان يمين الدولة المولتان. # وكان سبب ذلك أن واليها أبا الفتوح نقل عنه خبث اعتقاده، ونسب إلى ~~الإلحاد، وأنه قد دعا أهل ولايته إلى ما هو عليه، فأجابوه. فرأى يمين ~~الدولة أن يجاهده ويستنزله عما هو عليه، فسار نحوه، فرأى الأنهار التي في ~~طريقه كثيرة الزيادة، عظيمة المد، وخاصة سيحون، فإنه منع جانبه من العبور ~~فأرسل إلى أندبال يطلب إليه أن يأذن له في العبور ببلاده إلى المولتان، فلم ~~يجبه إلى ذلك، فابتدأ به قبل المولتان، وقال: نجمع بين غزوتين، لأنه لا غزو ~~إلا التعقيب فدخل بلاده، وجاسها، وأكثر القتل فيها، والنهب لأموال أهلها، ~~والإحراق لأبنيتها، ففر أندبال من بين يديه وهو في أثره كالشهاب في أثر ~~الشيطان، من مضيق إلى مضيق، إلى أن وصل إلى قشمير. # ولما سمع أبو الفتوح بخبر إقباله إليه علم عجزه عن الوقوف بين يديه ~~والعصيان عليه، فنقل أمواله إلى سرنديب، وأخلى المولتان، فوصل يمين الدولة ~~إليها ونازلها، فإذا أهلها في ضلالهم يعمهون، فحصرهم، وضيق عليهم، وتابع ~~القتال حتى افتتحها عنوة، وألزم أهلها عشرين ألف درهم عقوبة لعصيانهم. # PageV07P541 # ذكر غزوة كواكير # ثم سار عنها إلى قلعة كواكير، وكان صاحبها يعرف ببيدا، وكان بها ستمائة ~~صنم، فافتتحها وأحرق الأصنام، فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة بكالنجار، ~~فسار خلفه إليها، وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان، وفيه خمسمائة فيل، ~~وعشرون ألف دابة، وفي الحصن ما يكفي الجميع مدة. فلما قاربها يمين الدولة ~~بقي بينهما سبعة فراسخ رأى من الغياض المانعة من سلوك الطريق ما لا حد ~~عليه، فأمر بقطعها، ورأى في الطريق واديا عظيم العمق، بعيد ms3204 القعر، فأمر أن ~~يطم منه مقدار ما يسع عشرين فارسا،، فطموه بالجلود المملوءة ترابا، ووصل ~~إلى القلعة فحصرها ثلاثة وأربعين يوما، وراسله صاحبها في الصلح فلم يجبه. # ثم بلغه عن خراسان اختلاف بسبب قصد أيلك الخان لها، فصالح ملك الهند على ~~خمسمائة فيل، وثلاثة آلاف من فضة، ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من ~~شد المنطقة، فإنه اشتد عليه، فلم يجبه يمين الدولة إلى ذلك، فشد المنطقة، ~~وقطع إصبعه الخنصر وأنفذها إلى يمين الدولة توثقة فيما يعتقدونه، وعاد يمين ~~الدولة إلى خراسان لإصلاح ما اختلف فيها، وكان عازما على الوغول في بلاد ~~الهند. # ذكر عبور عسكر أيلك الخان إلى خراسان # كان يمين الدولة لما استقر له ملك خراسان، وملك أيلك الخان ما وراء ~~النهر، قد راسله ووافقه، وتزوج ابنته وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة، فلم ~~تزل السعادة حتى أفسدوا ذات بينهما، وكتم أيلك الخان ما في نفسه، فلما سار ~~يمين الدولة إلى المولتان اغتنم أيلك الخان خلو خراسان، فسير سباشي تكين، ~~صاحب جيشه في هذه السنة، إلى خراسان في معظم جنده، وسير أخاه جعفر تكين إلى ~~بلخ في عدة من الأمراء. # PageV07P542 # وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميرا من أكابر أمرائه يقال له: أرسلان ~~الجاذب. فأمره إذا ظهر عليه مخالف أن ينحاز إلى غزنة. فلما عبر سباشي تكين ~~إلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة، وملك سباشي هراة وأقام بها، وأرسل إلى ~~نيسابور من استولى عليها. واتصلت الأخبار بيمين الدولة، وهو بالهند، فرجع ~~إلى غزنة لا يلوي على دار، ولا يركن إلى قرار، فلما بلغها فرق في عساكره ~~الأموال، وقواهم، وأصلح ما أراد إصلاحه، واستمد الأتراك الخلجية، فجاءه ~~منهم خلق كثير، وسار بهم نحو بلخ، وبها جعفر تكين أخو أيلك الخان، فعبر إلى ~~ترمذ، ونزل يمين الدولة ببلخ، وسير العساكر إلى سباشي تكين بهراة، فلما ~~قاربوه سار نحو مرو ليعبر النهر، فلقيه التركمان الغزية، فقاتلوه فهزمهم ~~وقتل منهم مقتلة عظيمة. # ثم سار نحو أبيورد لتعذر العبور عليه، فتبعه عسكر يمين الدولة، ms3205 كلما رحل ~~نزلوا، حتى ساقه الخوف من الطلب إلى جرجان فأخرج عنها، ثم عاد إلى خراسان، ~~فعارضه يمين الدولة، فمنعه عن مقصده، وأسر أخو سباشي تكين وجماعة من قواده، ~~ونجا هو في خف من أصحابه، فعبر النهر. # وكان أيلك الخان قد عبر أخاه جعفر تكين إلى بلخ ليلفت يمين الدولة عن طلب ~~سباشي، فلم يرجع، وجعل دأبه إخراج سباشي من خراسان، فلما أخرجه عنها عاد ~~إلى بلخ، فانهزم من كان بها مع جعفر تكين، وسلمت خراسان ليمين الدولة. # ذكر الحرب بين عسكر بهاء الدولة والأكراد # في هذه السنة سير عميد الجيوش عسكرا إلى البندنيجين، وجعل المقدم عليهم ~~قائدا كبيرا من الديلم، فلما وصلوا إليها سار إليهم جمع كثير من الأكراد، ~~فاقتتلوا، # PageV07P543 # فانهزم الديلم، وغنم الأكراد رحلهم ودوابهم، وجرد المقدم عليهم من ثيابه، ~~فأخذ قميصا من رجل سوادي، وعاد راجلا حافيا، ولم يكن مقامهم غير أيام ~~قليلة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلد الشريف الرضي نقابة الطالبيين بالعراق، ولقب بالرضي ذي ~~الحسبين، ولقب أخوه المرتضى ذا المجدين، فعل ذلك بهاء الدولة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو أحمد عبد الرحيم بن علي بن المرزبان الأصبهاني، قاضي ~~خراسان، وكان إليه أمر البيمارستان ببغداذ. # وفيها، مستهل شعبان، طلع كوكب كبير يشبه الزهرة عن يسرة قبلة العراق، له ~~شعاع على الأرض كشعاع القمر، وبقي إلى منتصف ذي القعدة وغاب. # وفيها توفي أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي، ~~الإمام، الفقيه الشافعي، بجرجان في ربيع الآخر. ومحمد بن إسحاق بن محمد بن ~~يحيى بن منده أبو عبد الله الحافظ الأصبهاني المشهور، له التصانيف ~~المعروفة. # PageV07P544 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة] ### | 397 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة # ذكر هزيمة أيلك الخان # لما أخرج يمين الدولة عساكر أيلك الخان من خراسان، راسل أيلك الخان قدر ~~خان بن بغرا خان ملك الختن لقرابة بينهما، وذكر له حاله، واستعان به ~~واستنصره، واستنفر الترك من أقاصي بلادها، وسار نحو خراسان، واجتمع هو ~~وأيلك الخان، فعبرا النهر. # وبلغ ms3206 الخبر يمين الدولة، وهو بطخارستان، فسار وسبقهما إلى بلخ، واستعد ~~للحرب، وجمع الترك الغزية والخلج، والهند، والأفغانية والغزنوية، وخرج عن ~~بلخ، فعسكر على فرسخين بمكان فسيح يصلح للحرب، وتقدم أيلك الخان، وقدرخان ~~في عسكرهما، فنزلوا بإزائه، واقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل. # فلما حان الغد برز بعضهم إلى بعض واقتتلوا، واعتزل يمين الدولة إلى نشز ~~مرتفع ينظر إلى الحرب، ونزل عن دابته وعفر وجهه على الصعيد تواضعا لله ~~تعالى، وسأله النصر والظفر، ثم نزل وحمل في فيلته على قلب أيلك الخان، ~~فأزاله عن مكانه، ووقعت الهزيمة فيهم، وتبعهم أصحاب يمين الدولة يقتلون، ~~ويأسرون، ويغنمون إلى أن عبروا بهم النهر، وأكثر الشعراء تهنئة يمين الدولة ~~بهذا الفتح. # PageV07P545 # ذكر غزوه إلى الهند # فلما فرغ يمين الدولة من الترك سار نحو الهند للغزاة. # وسبب ذلك أن بعض أولاد ملوك الهند، يعرف بنواسه شاه، كان قد أسلم على ~~يده، واستخلفه على بعض ما افتتحه من بلادهم. # فلما كان الآن بلغه أنه ارتد عن الإسلام، ومالأ أهل الكفر والطغيان، فسار ~~إليه مجدا، فحين قاربه فر الهندي من بين يديه، واستعاد يمين الدولة تلك ~~الولاية، وأعادها إلى حكم الإسلام، واستخلف عليها بعض أصحابه، وعاد إلى ~~غزنة. # ذكر حصر أبي جعفر الحجاج بغداذ # في هذه السنة جمع أبو جعفر الحجاج جمعا كثيرا، وأمده بدر بن حسنويه بجيش ~~كثير، فسار بالجميع وحصر بغداذ. # وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نازلا على قلج حامي طريق خراسان، وكان قلج ~~مباينا لعميد الجيوش، فاجتمعا لذلك. فتوفي قلج هذه السنة، فجعل عميد الجيوش ~~على حماية الطريق أبا الفتح بن عناز، وكان عدوا لبدر بن حسنويه، فحقد ذلك ~~بدر، فاستدعى أبا جعفر الحجاج، وجمع له جمعا كثيرا، منهم الأمير هندي بن ~~سعدي، وأبو عيسى شاذي بن محمد، وورام بن محمد، وغيرهم، وسيرهم إلى بغداذ. # وكان الأمير أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي قد عاد من عند بهاء الدولة ~~بخوزستان مغضبا، فاجتمع معهم، فزادت عدتهم على عشرة آلاف فارس. # وكان عميد الجيوش عند بهاء الدولة ms3207 لقتال أبي العباس بن واصل، فسار أبو ~~جعفر ومن اجتمع معه إلى بغداذ، ونزلوا على فرسخ منها، وأقاموا شهرا، ~~وببغداذ جمع من الأتراك، ومعهم أبو الفتح بن عناز، فحفظوا البلد، فبينما هم ~~كذلك أتاهم خبر انهزام أبي العباس وقوة بهاء الدولة، ففت ذلك في أعضاد أبي ~~جعفر ومن # PageV07P546 # معه، فتفرقوا، فعاد ابن مزيد إلى بلده، وسار أبو جعفر وأبو عيسى إلى ~~حلوان، وراسل أبو جعفر في إصلاح حاله مع بهاء الدولة، فأجابه إلى ذلك، فحضر ~~عنده بتستر، فلم يلتفت إليه لئلا يستوحش عميد الجيوش. # ذكر قصة بدر وولاية رافع بن مقن # كان أبو الفتح بن عناز التجأ إلى رافع بن محمد بن مقن، ونزل عليه، حين ~~أخذ بدر بن حسنويه منه حلوان وقرميسين، فأرسل بدر إلى رافع يذكر مودة أبيه، ~~وحقوقه عليه، ويعتب عليه حيث آوى خصمه، ويطلب إليه أن يبعده ليدوم له على ~~العهد والود القديم. فلم يفعل رافع ذلك، فأرسل بدر جيشا إلى أعمال رافع ~~بالجانب الشرقي من دجلة فنهبها، وقصدوا داره بالمطيرة فنهبوها، وأحرقوها ~~وساروا إلى قلعة البردان، وهي لرافع أيضا، ففتحوها قهرا، وأحرقوا ما كان ~~بها من الغلات، وطموا بئرها، فسار أبو الفتح إلى عميد الجيوش ببغداذ، فخلع ~~عليه وأكرمه ووعده نصره. # ذكر قتل أبي العباس بن واصل # في هذه السنة قتل أبو العباس بن واصل صاحب البصرة، وقد تقدم ذكر ابتداء ~~حاله، وارتفاعه، واستيلائه على البطيحة، وما أخذه من الأموال، وما هزم من ~~جيوش السلطان، وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه. # فلما عظم أمره سار بهاء الدولة من فارس إلى الأهواز ليحفظ خوزستان منه، ~~وكان في البطائح مقابل عميد الجيوش، فلما فرغ منه سار إلى الأهواز، وبها ~~بهاء الدولة، فملكها على ما ذكرناه، (وعاد عنها على صلح مع بهاء الدولة إلى ~~البصرة، وقد ذكرناه) أيضا. # PageV07P547 # ثم تجدد ما أوجب عوده إلى الأهواز، فعاد إليها في جيشه، وبهاء الدولة ~~مقيم بها، فلما قاربها رحل بهاء الدولة عنها لقلة عسكره، وتفرقهم: بعضهم ~~بفارس، وبعضهم بالعراق، وقطع ms3208 قنطرة أربق، وبقي النهر يحجز بين الفريقين، ~~فاستولى أبو العباس على الأهواز، وأتاه مدد من بدر بن حسنويه ثلاثة آلاف ~~فارس، فقوي بهم. # وعزم بهاء الدولة على العود إلى فارس، فمنعه أصحابه فأصلح أبو العباس ~~القنطرة، وجرى بين العسكرين قتال شديد دام إلى السحر، ثم عبر أبو العباس ~~على القنطرة بعد أن أصلحها، والتقى العسكران واشتد القتال، فانهزم أبو ~~العباس، وقتل من أصحابه كثير، وعاد إلى البصرة مهزوما منتصف رمضان سنة ست ~~وتسعين وثلاثمائة. # فلما عاد منهزما جهز بهاء الدولة إليه العساكر مع وزيره أبي غالب، فسار ~~إليه، ونزل عليه محاصرا له، وجرى بين العسكرين القتال، وضاق الأمر على ~~الوزير، وقل المال عنده، واستمد بهاء الدولة فلم يمده # ثم إن أبا العباس جمع سفنه وعساكره، وأصعد إلى عسكر الوزير، وهجم عليه، ~~فانهزم الوزير، وكاد يتم على الهزيمة، فاستوقفه بعض الديلم وثبته، وحملوا ~~على أبي العباس فانهزم هو وأصحابه، وأخذ الوزير سفنه، فاستأمن إليه كثير من ~~أصحابه. # ومضى أبو العباس منهزما، وركب مع حسان بن ثمال الخفاجي هاربا إلى الكوفة، ~~ودخل الوزير البصرة، وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح. # ثم إن (أبا العباس) سار من الكوفة، وقطع دجلة، ومضى عازما على اللحاق ~~ببدر بن حسنويه، فبلغ خانقين، وبها جعفر بن العوام في طاعة بدر، فأنزله ~~وأكرمه، وأشار عليه بالمسير في وقته، وحذره الطلب، فاعتل بالتعب، وطلب ~~الاستراحة، ونام، وبلغ خبره إلى أبي الفتح بن عناز، وهو في طاعة بهاء ~~الدولة، وكان قريبا منهم، فسار إليهم بخانقين، وهو بها، فحصره وأخذه وسار ~~به إلى بغداذ، فسيره عميد الجيوش إلى بهاء الدولة، فلقيهم في الطريق قاصد ~~من بهاء الدولة يأمر بقتله، فقتل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة، وطيف به ~~بخوزستان وفارس، وكان بواسط عاشر صفر. # PageV07P548 # ذكر مسير عميد الجيوش إلى حرب بدر وصلحه معه # كان في نفس بهاء الدولة على بدر بن حسنويه حقد لما اعتمده في بلاده ~~لاشتغاله عنه بأبي العباس بن واصل، فلما قتل أبو العباس أمر بهاء الدولة ~~عميد الجيوش بالمسير ms3209 إلى بلاده، وأعطاه مالا أنفقه في الجند، فجمع عسكرا ~~وسار يريد بلاده، فنزل جنديسابور. فأرسل إليه بدر: إنك لم تقدر على أن تأخذ ~~ما تغلب عليه بنو عقيل من أعمالكم، وبينهم وبين بغداذ فرسخ، حتى صالحتهم، ~~فكيف تقدر على أخذ بلادي وحصوني مني، ومعي من الأموال ما ليس معك مثلها؟ # وأنا معك بين أمرين إن حاربتك، فالحرب سجال، ولا نعلم لمن العاقبة، فإن ~~انهزمت أنا لم ينفعك ذلك لأنني أحتمي بقلاعي ومعاقلي، وأنفق أموالي، وإذا ~~عجزت فأنا رجل صحراوي، صاحب عمد، أبعد ثم أقرب، وإن انهزمت أنت لم تجتمع، ~~وتلقى من صاحبك العتب، والرأي أن أحمل إليك مالا ترضي به صاحبك، ونصطلح ~~فأجابه إلى ذلك، وصالحه، وأخذ منه ما كان أخرجه على تجهيز الجيش وعاد عنه. # ذكر الحرب بين قرواش وأبي علي بن ثمال الخفاجي # في المحرم جرت وقعة بين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلد ~~العقيلي، وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي، وكان سببها أن قرواشا جمع جمعا ~~كثيرا وسار إلى الكوفة، وأبو علي غائب عنها، فدخلها ونزل بها، وعرف أبو علي ~~الخبر، فسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قرواش وعاد إلى الأنبار مفلولا ~~وملك أبو علي الكوفة، وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم. # ذكر خروج أبي ركوة على الحاكم بمصر # في هذه السنة ظفر الحاكم بأبي ركوة، ونحن نذكر هاهنا خبره أجمع. # PageV07P549 # كان أبو ركوة اسمه الوليد وإنما كني أبا ركوة لركوة كان يحملها في ~~أسفاره، سنة الصوفية، وهو من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان، ويقرب في ~~النسب من المؤيد هشام بن الحاكم الأموي، صاحب الأندلس، وإن المنصور بن أبي ~~عامر لما استولى على المؤيد وأخفاه عن الناس، تتبع أهله ومن يصلح منهم ~~للملك، فطلبه، فقتل البعض، وهرب البعض. # وكان أبو ركوة ممن هرب، وعمره حينئذ قد زاد على العشرين سنة، وقصد مصر، ~~وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن، (وعاد إلى مصر ودعا بها) إلى القائم، ~~فأجابه بنو قرة وغيرهم. # وسبب استجابتهم أن الحاكم بأمر الله كان ms3210 قد أسرف في مصر في قتل القواد، ~~وحبسهم، وأخذ أموالهم، وسائر القبائل معه في ضنك وضيق، ويودون خروج الملك ~~عن يده، وكان الحاكم في الوقت الذي دعا أبو ركوة بني قرة قد آذاهم، وحبس ~~منهم جماعة من أعيانهم، وقتل بعضهم، فلما دعاهم أبو ركوة انقادوا له. # وكان بين بني قرة وبين زناتة حروب ودماء، فاتفقوا على الصلح، ومنع أنفسهم ~~من الحاكم، فقصد بني قرة، وفتح يعلم الصبيان الخط، وتظاهر بالدين والنسك، ~~وأمهم في صلواتهم، فشرع في دعوتهم إلى ما يريد، فأجابوه وبايعوه، واتفقوا ~~عليه، وعرفهم حينئذ نفسه، وذكر لهم أن عندهم في الكتب أنه يملك مصر وغيرها، ~~ووعدهم ومناهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. فاجتمعت بنو قرة وزناتة على ~~بيعته، وخاطبوه بالإمامة، وكانوا بنواحي برقة. فلما سمع الوالي ببرقة خبره ~~كتب إلى الحاكم (ينهيه إليه) ، ويستأذنه في قصدهم وإصلاحهم، فأمره بالكف ~~عنهم واطراحهم. # PageV07P550 # ثم إن أبا ركوة جمعهم وسار إلى برقة، واستقر بينهم على أن يكون الثلث من ~~الغنائم له، والثلثان لبني قرة وزناتة، فلما قاربها خرج إليه واليها، ~~فالتقوا، فانهزم عسكر الحاكم، وملك أبو ركوة برقة، وقوي هو ومن معه بما ~~أخذوا من الأموال والسلاح وغيره، ونادى بالكف عن الرعية والنهب، وأظهر ~~العدل وأمر بالمعروف. # فلما وصل المنهزمون إلى الحاكم عظم عليه الأمر، وأهمته نفسه وملكه، وعاود ~~الإحسان إلى الناس، والكف عن أذاهم، وندب عسكرا نحو خمسة آلاف فارس وسيرهم، ~~وقدم عليهم قائدا يعرف بينال الطويل، وسيره، فبلغ ذات الحمام، وبينها وبين ~~برقة مفازة فيها منزلان، لا يلقى السالك الماء إلا في آبار عميقة بصعوبة ~~وشدة. فسير أبو ركوة قائدا في ألف فارس، وأمرهم بالمسير إلى ينال ومن معه ~~ومطاردتهم قبل الوصول إلى المنزلين المذكورين، وأمرهم إذا عادوا أن يغوروا ~~الآبار، ففعلوا ذلك وعادوا، فحينئذ سار أبو ركوة في عساكره ولقيهم وقد ~~خرجوا من المفازة على ضعف وعطش، فقاتلهم، فاشتد القتال، فحمل ينال على عسكر ~~أبي ركوة، فقتل منهم خلقا كثيرا، وأبو ركوة واقف لم يحمل هو ولا عسكره، ms3211 ~~فاستأمن إليه جماعة كثيرة من كتامة لما نالهم من الأذى والقتل من الحاكم، ~~وأخذوا الأمان لمن بقي من أصحابهم، ولحقهم الباقون، فحمل حينئذ بهم على ~~عساكر الحاكم، فانهزمت وأسر ينال وقتل، وأسر أكثر عسكره، وقتل منهم خلق ~~كثير، وعاد إلى برقة وقد امتلأت أيديهم من الغنائم. # وانتشر ذكره، وعظمت هيبته، وأقام ببرقة، وترددت سراياه إلى الصعيد وأرض ~~مصر، وقام الحاكم من ذلك وقعد، وسقط في يده، وندم على ما فرط، وفرح جند مصر ~~وأعيانها، وعلم الحاكم ذلك، فاشتد قلقه، وأظهر الاعتذار عن الذي فعله. # وكتب الناس إلى أبي ركوة يستدعونه، وممن كتب إليه الحسين بن جوهر المعروف ~~بقائد القواد، فسار حينئذ عن برقة إلى الصعيد، وعلم الحاكم، فاشتد خوفه، ~~وبلغ الأمر كل مبلغ، وجمع عساكره واستشارهم، وكتب إلى الشام يستدعي # PageV07P551 # العساكر فجاءته، وفرق الأموال، والدواب، والسلاح، وسيرهم وهم اثنا عشر ~~ألف رجل بين فارس وراجل، سوى العرب، واستعمل عليهم الفضل بن عبد الله. فلما ~~قاربوا أبا ركوة لقيهم في عساكره، ورام مناجزة المصريين، والفضل يحاجزه ~~ويدافع، ويراسل أصحاب أبي ركوة يستميلهم ويبذل لهم الرغائب، فأجابه قائد ~~كبير من بني قرة يعرف بالماضي، وكان يطالعه بأخبار القوم وما هم عازمون، ~~فيدبر الفضل أمره على حسب ما يعلمه منه. # وضاقت الميرة على العساكر فاضطر الفضل إلى اللقاء، فالتقوا واقتتلوا بكوم ~~شريك، فقتل بين الفريقين قتلى كثيرة، ورأى الفضل من جمع أبي ركوة ما هاله، ~~وخاف المناجزة فعاد إلى عسكره. # وراسل بنو قرة العرب الذين في عسكر الحاكم يستدعونهم إليهم ويذكرونهم ~~أعمال الحاكم بهم، فأجابوهم، واستقر الأمر أن يكون الشام للعرب ويصير لأبي ~~ركوة ومن معه مصر، وتواعدوا ليلة يسير فيها أبو ركوة إلى الفضل، فإذا وصل ~~إليه انهزمت العرب، ولا يبقى دون مصر مانع. فكتب الماضي إلى الفضل بذلك، ~~فلما كانت ليلة الميعاد جمع الفضل رؤساء العرب ليفطروا عنده، وأظهر أنه ~~صائم، وطاولهم الحديث، وتركهم في خيمة واعتزلهم، ووصى أصحابه بالحذر، ورام ~~العرب العود إلى خيامهم، فعللهم وطاولهم، ثم أحضر الطعام وأحضرهم، ms3212 فأكلوا ~~وتحدثوا. # وسير الفضل سرية إلى طريق أبي ركوة، فلقوا العسكر الوارد من عنده، ~~فاقتتلوا، ووصل الخبر إلى العسكر وارتج، وأراد العرب الركوب، فمنعهم، وأرسل ~~إلى أصحابهم من العرب فأمرهم بالركوب والقتال، ولم يكن عندهم علم بما فعل ~~رؤساؤهم، فركبوا واشتد القتال، ورأى بنو قرة الأمر على خلاف ما قرروه. # ثم ركب الفضل ومعه رؤساء العرب، وقد فاتهم ما عزموا عليه، فباشروا الحرب ~~وغاصوا فيها، وورد أبو ركوة مددا لأصحابه، فلما رآه الفضل رد أصحابه وعاد ~~إلى المدافعة. # PageV07P552 # وجهز الحاكم عسكرا آخر، أربعة آلاف فارس، وعبروا إلى الجيزة، فسمع أبو ~~ركوة بهم، فسار مجدا في عسكره ليوافقهم عند مصر، وضبط الطرق لئلا يسمع ~~الفضل، ولم يكن الماضي يكاتبه، فساروا، وأرسل إليه من الطريق يعرفه الخبر، ~~وقطع أبو ركوة مسيرة خمس ليال في ليلتين، وكبسوا عسكر الحاكم بالجيزة، ~~وقتلوا نحو ألف فارس، وخاف أهل مصر، ولم يبرز الحاكم من قصره، وأمر الحاكم ~~من عنده من العساكر بالعبور إلى الجيزة، ورجع أبو ركوة فنزل عند الهرمين، ~~ثم انصرف من يومه، وكتب الحاكم إلى الفضل كتابا ظاهرا يقول فيه: إن أبا ~~ركوة انهزم من عساكرنا، ليقرأه على القواد، وكتب إليه سرا يعلمه الحال. ~~فأظهر الفضل البشارة بانهزام أبي ركوة تسكينا للناس. # ثم سار أبو ركوة إلى موضع يعرف بالسبخة، كثير الأشجار، وتبعه الفضل، وكمن ~~أبو ركوة بين الأشجار، وطارد عسكر الفضل، ورجع عسكره القهقرى ليستجروا عسكر ~~الفضل ويخرج الكمين عليهم، فلما رأى الكمناء رجوع عسكر أبي ركوة ظنوها ~~الهزيمة لا شك فيها، فولوا يتبعونهم، وركبهم أصحاب الفضل، وعلوهم بالسيوف ~~فقتل منهم ألوف كثيرة، وانهزم أبو ركوة ومعه بنو قرة وساروا إلى حللهم، ~~فلما بلغوها ثبطهم الماضي عنه فقالوا له: قد قاتلنا معك، ولم يبق فينا ~~قتال، فخذ لنفسك وانج; فسار إلى بلد النوبة، فلما بلغ إلى حصن يعرف بحصن ~~الجبل للنوبة أظهر أنه رسول من الحاكم إلى ملكهم، فقال له صاحب الحصن: ~~الملك عليل، ولا بد من استخراج أمره في مسيرك إليه. # وبلغ ms3213 الفضل الخبر، فأرسل إلى صاحب القلعة بالخبر على حقيقته، فوكل به من ~~يحفظه، وأرسل إلى الملك بالحال، وكان ملك النوبة قد توفي وملك ولده فأمر ~~بأن يسلم إلى نائب الحاكم، فتسلمه رسول الفضل وسار به، فلقيه الفضل وأكرمه ~~وأنزله في مضاربه، وحمله إلى مصر فأشهر بها، وطيف به. # وكتب أبو ركوة إلى الحاكم رقعة يقول فيها: يا مولانا الذنوب عظيمة، وأعظم # PageV07P553 # منها عفوك، والدماء حرام ما لم يحللها سخطك، وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت ~~إلا نفسي، وسوء عملي أوبقني، وأقول: # فررت فلم يغن الفرار، ومن يكن ... مع الله لم يعجزه في الأرض هارب # ووالله ما كان الفرار لحاجة # سوى فزع الموت الذي أنا شارب ... وقد قادني جرمي إليك برمتي # كما خر ميت في رحا الموت سارب # وأجمع كل الناس أنك قاتلي # فيا رب ظن ربه فيك كاذب ... وما هو إلا الانتقام، وينتهي # وأخذك منه واجبا لك واجب # ولما طيف به ألبس طرطورا، وجعل خلفه قرد يصفعه، كان معلما بذلك، ثم حمل ~~إلى ظاهر القاهرة ليقتل ويصلب، فتوفي قبل وصوله، فقطع رأسه وصلب، وبالغ ~~الحاكم في إكرام الفضل إلى حد أنه عاده في مرضة مرضها دفعتين، فاستعظم ~~الناس ذلك، ثم إنه عمل في قتل الفضل لما عوفي فقتله. # ذكر القبض على مجد الدولة وعوده إلى ملكه # في هذه السنة قبضت والدة مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، صاحب الري ~~وبلد الجبل عليه. # وكان سبب ذلك أن الحكم كان إليها في جميع أعمال ابنها، فلما وزر له # PageV07P554 # الخطير أبو علي بن علي بن القاسم استمال الأمراء، ووضعهم عليها، والشكوى ~~عليها، وخوف ابنها منها، فصار كالمحجور عليه. فخرجت من الري إلى القلعة ~~فوضع عليها من يحفظها، فعملت الحيلة حتى هربت إلى بدر بن حسنويه، واستعانت ~~به في ردها إلى الري. # وجاءها ولدها شمس الدولة، وعساكر همذان، وسار معها بدر إلى الري فحصروها، ~~وجرى بين الفريقين قتال كثير مدة، ثم استظهر بدر، ودخل البلد، وأسر مجد ~~الدولة، فقيدته والدته وسجنته بالقلعة، وأجلست أخاه ms3214 شمس الدولة في الملك ~~وصار الأمر إليها. # وعاد بدر إلى بلده، وبقي شمس الدولة في الملك نحو سنة، فرأت والدته منه ~~تنكرا وتغيرا، وأن أخاه مجد الدولة ألين عريكة، وأسلم جانبا، فأعادته إلى ~~الملك، وسار شمس الدولة إلى همذان، وكره بدر هذه الحالة إلا أنه اشتغل ~~بولده هلال عن الحركة فيها، وصارت هي تدبر الأمر، وتسمع رسائل الملوك، ~~وتعطي الأجوبة. # وأرسل شمس الدولة إلى بدر يستمده، فسير إليه جندا، فأخذهم وسار بهم إلى ~~قم، فحصروها، فمنعها أهلها. ثم إن العساكر دخلوا طرفا منها واشتغلوا ~~بالنهب، فأكب عليهم العامة وقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل، وانهزم الباقون ~~إلى معسكرهم، ثم قبض هلال بن بدر على أبيه، فتفرق ذلك الجمع كله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بالعراق، فضج العامة، وشغب الجند وكانت فتنة. # PageV07P555 # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الصمد الزاهد، ودفن عند قبر أحمد، وكان غاية في الزهد ~~والورع. # وفيها هب على الحجاج ريح سوداء بالثعلبية أظلمت لها الأرض، ولم ير الناس ~~بعضهم بعضا، وأصابهم عطش شديد، ومنعهم ابن الجراح الطائي من المسير ليأخذ ~~منهم مالا، فضاق الوقت عليهم، فعادوا ولم يحجوا. # وفيها مات علي بن [عمر بن] أحمد أبو الحسن الفقيه المالكي، المعروف بابن ~~القصار. # PageV07P556 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة] ### | 398 - # ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة # ذكر غزوة بهيم نغر # لما فرغ يمين الدولة من الغزوة المتقدمة وعاد إلى غزنة، واستراح هو ~~وعسكره، استعد لغزوة أخرى، فسار في ربيع الآخر من هذه السنة، فانتهى إلى ~~شاطئ نهر هندمند، فلاقاه هناك إبرهمن بال بن إندبال في جيوش الهند، ~~فاقتتلوا مليا من النهار، وكادت الهند تظفر بالمسلمين، ثم إن الله تعالى ~~نصر عليهم، فظفر بهم المسلمون فانهزموا على أعقابهم، وأخذهم المسلمون ~~بالسيف. # وتبع يمين الدولة أثر إبرهمن بال، حتى بلغ قلعة بهيم نغر، وهي على جبل ~~عال كان الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم، فينقلون إليها أنواع ~~الذخائر، قرنا بعد قرن، وأعلاق الجواهر، وهم يعتقدون ذلك دينا وعبادة، ~~فاجتمع فيها ms3215 على طول الأزمان ما لم يسمع بمثله، فنازلهم يمين الدولة وحصرهم ~~وقاتلهم. # فلما رأى الهنود كثرة جمعه، وحرصهم على القتال، وزحفهم إليهم مرة بعد ~~أخرى، خافوا وجبنوا، وطلبوا الأمان، وفتحوا باب الحصن، وملك المسلمون ~~القلعة، وصعد يمين الدولة إليها في خواص أصحابه وثقاته، فأخذ منها من ~~الجواهر ما لا يحد، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية، ومن الأواني ~~الذهبيات والفضيات سبعمائة ألف وأربعمائة من، وكان فيها بيت مملوء من فضة ~~طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا، إلى غير ذلك من الأمتعة. وعاد إلى ~~غزنة بهذه # PageV07P557 # الغنائم، ففرش تلك الجواهر في صحن داره، وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك، ~~فأدخلهم إليه، فرأوا ما لم يسمعوا بمثله. # ذكر حال أبي جعفر بن كاكويه # هو أبو جعفر بن دشمنزيار، وإنما قيل كاكويه لأنه كان ابن خال والدة مجد ~~الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وكاكويه هو الخال بالفارسية، وكانت والدة ~~مجد الدولة قد استعملته على أصبهان، فلما فارقت ولدها فسد حاله، فقصد الملك ~~بهاء الدولة وأقام عنده مدة، ثم عادت والدة مجد الدولة إلى ابنها بالري ~~فهرب أبو جعفر وسار إليها، فأعادته إلى أصبهان، واستقر فيها قدمه، وعظم ~~شأنه وسيأتي من أخباره ما يعلم [به] صحة ذلك، إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في (ربيع الأول) وقع ثلج كثير ببغداذ وواسط والكوفة، ~~والبطائح إلى عبادان، وكان ببغداذ نحو ذراع، وبقي في الطرق نحو عشرين يوما. # وفيها وقعت الفتنة ببغداذ في رجب، وكان أولها أن بعض الهاشميين من باب ~~البصرة أتى ابن المعلم فقيه الشيعة في مسجده بالكرخ، فآذاه، ونال منه، فثار ~~به أصحاب ابن المعلم، واستنفر بعضهم بعضا، وقصدوا أبا حامد الإسفراييني ~~وابن الأكفاني فسبوهما وطلبوا الفقهاء ليوقعوا بهم، فهربوا، وانتقل أبو ~~حامد الإسفراييني إلى دار القطن، وعظمت الفتنة، ثم إن السلطان أخذ جماعة ~~وسجنهم، فسكنوا، وعاد أبو حامد إلى مسجده، وأخرج ابن المعلم من بغداذ، فشفع ~~فيه علي بن مزيد فأعيد. # PageV07P558 # وفيها (وقع الغلاء بمصر واشتد) ms3216 ، وعظم الأمر، وعدمت الأقوات، ثم تعقبه ~~وباء كثير أفنى كثيرا من أهلها. # وفيها زلزلت الدينور زلزلة شديدة خربت المساكن، وهلك خلق كثير من أهلها، ~~وكان الذين دفنوا ستة عشر ألفا سوى من بقي تحت الهدم ولم يشاهد. وفيها أمر ~~الحاكم بأمر الله، صاحب مصر، بهدم بيعة قمامة، وهي بالبيت المقدس، وتسميها ~~العامة القيامة، وفيها الموضع الذي دفن فيه المسيح، عليه السلام، فيما ~~يزعمه النصارى، وإليها يحجون من أقطار الأرض، وأمر بهدم البيع في جميع ~~مملكته، فهدمت، وأمر اليهود والنصارى إما أن يسلموا، أو يسيروا إلى بلاد ~~الروم ويلبسوا الغيار، فأسلم كثير منهم، ثم أمر بعمارة البيع ومن اختار ~~العود إلى دينه عاد، فارتد كثير من النصارى. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي، وزير مجد الدولة، # PageV07P559 # ببروجرد، وكان سبب مجيئه إليها أن أم مجد الدولة بن بويه اتهمته أنه سم ~~أخاه فمات، فلما توفي أخوه طلبت منه مائتي دينار لتنفقها في مأتمه، فلم ~~يعطها، فأخرجته، فقصد بروجرد، وهي من أعمال بدر بن حسنويه، فبذل بعد ذلك ~~مائتي ألف دينار ليعود إلى عمله، فلم يقبل منه، فأقام بها إلى أن توفي، ~~وأوصى أن يدفن بمشهد الحسين عليه السلام، فقيل للشريف أبي أحمد، والد ~~الشريف الرضي، أن يبيعه بخمسمائة دينار موضع قبره، فقال: من يريد جوار جدي ~~لا يباع؛ وأمر أن يعمل له قبر، وسير معه من أصحابه خمسين رجلا، فدفنه ~~بالمشهد. # وتوفي بعده بيسير ابنه أبو القاسم سعد، وأبو عبد الله الجرجاني الحنفي ~~بعد أن فلج، وأبو الفرج (عبد الواحد بن نصر المعروف بالببغاء) الشاعر، ~~وديوانه مشهور، والقاضي أبو عبد الله الضبي بالبصرة، والبديع أبو الفضل ~~أحمد بن الحسين الهمذاني، صاحب المقامات المشهورة، وله شعر حسن، وقرأ الأدب ~~على أبي الحسين بن فارس مصنف المجمل. # وتوفي أبو بكر أحمد بن علي بن لال الفقيه الشافعي الهمذاني بنواحي عكا ~~بالشام، وكان انتقل إلى هناك) . # PageV07P560 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة] ### | 399 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة # ذكر ابتداء حال ms3217 صالح بن مرداس # لما قتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرحبة وملكها، أقام فيها مدة، ثم ~~قصده بدران بن المقلد العقيلي، فأخذ الرحبة منه وبقيت لبدران. فأمر الحاكم ~~بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤا البشاري بالمسير إليها، فقصد الرقة أولا ~~وملكها، ثم سار إلى الرحبة وملكها، ثم عاد إلى دمشق. # وكان بالرحبة رجل من أهلها يعرف بابن محكان، فملك البلد، واحتاج إلى من ~~يجعله ظهره، ويستعين به على من يطمع فيه، فكاتب صالح بن مرداس الكلابي، ~~فقدم عليه وأقام عنده مدة، ثم إن صالحا تغير عن ذلك، فسار إلى ابن محكان ~~وقاتله على البلد، وقطع الأشجار، ثم تصالحا، وتزوج ابنة ابن محكان، ودخل ~~صالح البلد، إلا أنه كان أكثر مقامه بالحلة. # ثم إن ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه، ونقل أهله وماله إليهم، وأخذ ~~رهائنهم، ثم خرجوا عن طاعته وأخذوا ماله، واستعادوا رهائنهم، وردوا أولاده، ~~فاجتمع ابن محكان وصالح على قصد عانة، فسارا إليها، فوضع صالح على ابن ~~محكان من يقتله، فقتل غيلة، وسار صالح إلى الرحبة فملكها، وأخذ أموال ابن ~~محكان وأحسن إلى الرعية، واستمر على ذلك، إلا أن الدعوة للمصريين. # PageV07P561 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي، وكان الحاكم بأمر الله صاحب ~~مصر، قد ولاه الرحبة، فسار إليها، فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي فقتله ~~وملك الرحبة، ثم ملكها بعده غيره، فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي ~~صاحب حلب. # وفيها صرف أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي عن قضاء البصرة، وكان قد علا ~~إسناده في رواية السنن لأبي داود السجستاني، ومن طريقه سمعناه، وولي القضاء ~~بعده أبو الحسن بن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر: # عندي حديث طريف بمثله يتغنى ... من قاضيين يعزى هذا وهذا يهنا # فذا يقول أكرهونا وذا يقول استرحنا ... ويكذبان ونهذي فمن يصدق منا # [الوفيات] # وفيها توفي أبو داود بن سيامرد بن باجعفر، ودفن عند قبر النذور بنهر ~~المعلى، وقبته مشهورة، وأبو محمد البافي الفقيه الشافعي، وهو القائل: # يا ms3218 ذا الذي قاسمني في البلى # فاختار أن يسكنه أولا ... ما وطنت نفسي، ولكنها # تسري إليكم منزلا منزلا # PageV07P562 ### | [ثم دخلت سنة أربعمائة] ### | 400 - # ثم دخلت سنة أربعمائة # ذكر وقعة نارين بالهند # في هذه السنة تجهز يمين الدولة إلى الهند عازما على غزوها، فسار إليها ~~واخترقها واستباحها ونكس أصنامها. فلما رأى ملك الهند أنه لا قوة له به ~~راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه، وخمسين فيلا، وأن يكون له في خدمته ~~ألفا فارس لا يزالون. فقبض منه ما بذله وعاد عنه إلى غزنة. # ذكر الخلف بين بدر بن حسنويه وابنه هلال # في هذه السنة كانت حرب بين بدر بن حسنويه الكردي وبين ابنه هلال. # وكان سبب الوحشة بينهما أن أم هلال كانت من الشاذنجان، فاعتزلها أبوه عند ~~ولادته، فنشأ هلال مبعدا منه لا يميل إليه، وكانت نعمة بدر لابنه الآخر أبي ~~عيسى. # فلما كان في بعض الأيام خرج هلال مع أبيه متصيدا، فرأيا سبعا، وكان بدر ~~إذا رأى سبعا قتله بيده، فتقدم هلال إلى الأسد بغير إذن أبيه فقتله، فاغتاظ ~~أبوه وقال: كأنك قد فتحت فتحا، وأي فرق بين السبع والكلب؟ ورأى إبعاده عنه ~~لشدته، فأقطعه الصامغان، وسهل ذلك على هلال لينفرد بنفسه عن أبيه، فأول ما ~~فعله أنه أساء مجاورة ابن الماضي صاحب شهرزور، وكان موافقا لأبيه بدر، فنهى ~~بدر ابنه هلالا عن معارضته فلم يسمع قوله، وأرسل إلى ابن الماضي يتهدده، ~~فأعاد بدر # PageV07P563 # مراسلة ابنه في معناه، وتهدده إن تعرض بشيء هو له، فكان جواب نهيه أنه ~~جمع عسكره وحصر شهرزور ففتحها، وقتل ابن الماضي وأهله، وأخذ أموالهم. فورد ~~على بدر من ذلك ما أزعجه وأقلقه، وأظهر السخط على هلال. # وشرع هلال يفسد جند أبيه ويستميلهم ويبذل لهم، فكثر أصحاب هلال لإحسانه ~~إليهم وبذله المال لهم، وأعرض الناس عن بدر لإمساكه المال، فسار كل واحد ~~منهما إلى صاحبه، فالتقيا على باب الدينور، فلما تراءى الجمعان انحازت ~~الأكراد إلى هلال، فأخذ بدر أسيرا، وحمل إلى ابنه، فأشير على هلال بقتله، ms3219 ~~وقالوا: لا يجوز أن تستبقيه بعدما أوحشته، فقال: ما بلغ من عقوقي له أن ~~أقتله، وحضر عند أبيه وقال له: أنت الأمير، وأنا مدبر جيشك. فخادعه أبوه ~~بأن قال له: لا يسمعن هذا منك أحد فيكون هلاكنا جميعا، وهذه القلعة لك، ~~والعلامة في تسليمها كذا وكذا، واحفظ المال الذي بها، فإنك الأمير ما دام ~~الناس يظنون بقاءه، وأريد أن تفرد لي قلعة أتفرغ فيها للعبادة. ففعل ذلك، ~~وأعطاه جملة من المال. # فلما استقر بدر بالقلعة عمرها وحصنها، وراسل أبا الفتح بن عناز، وأبا ~~عيسى شاذي بن محمد، وهو بأساداباذ، يقول لكل واحد منهما ليقصد أعمال هلال ~~ويشعثها. فسار أبو الفتح إلى قرميسين فملكها، وسار أبو عيسى إلى سابور ~~خواست، فنهب حلل هلال، ومضى إلى نهاوند، وبها أبو بكر بن رافع، فاتبعه هلال ~~إليها ووضع السيف في الديلم فقتل منهم أربعمائة نفس، منهم تسعون أميرا، ~~وأسلم ابن رافع أبا عيسى إلى هلال فعفا عنه، ولم يؤاخذه على فعله، وأخذه ~~معه. # وأرسل بدر إلى الملك بهاء الدولة يستنجده فجهز فخر الملك أبا غالب في جيش ~~وسيره إلى بدر، فسار حتى وصل إلى سابور خواست فقال هلال لأبي عيسى شاذي: قد ~~جاءت عساكر بهاء الدولة، فما الرأي؟ قال: الرأي أن تتوقف عن لقائهم، وتبذل ~~لبهاء الدولة الطاعة. وترضيه بالمال فإن لم يجيبوك فضيق عليهم، وانصرف بين ~~أيديهم، فإنهم لا يستطيعون المطاولة، ولا تظن هذا العسكر كمن لقيته بباب ~~نهاوند، فإن أولئك ذللهم أبوك على ممر السنين. # PageV07P564 # فقال: غششتني ولم تنصحني، وأردت بالمطاولة أن يقوى أبي وأضعف أنا، وقتله، ~~وسار ليكبس العسكر ليلا. فلما وصل إليهم وقع الصوت، فركب فخر الملك في ~~العساكر، وجعل عند أثقالهم من يحميها، وتقدم إلى قتال هلال، فلما رأى هلال ~~صعوبة الأمر ندم، وعلم أن أبا عيسى بن شاذي نصحه، فندم على قتله، ثم أرسل ~~إلى فخر الملك يقول له: إنني ما جئت لقتال وحرب، إنما جئت لأكون قريبا منك ~~وأنزل على حكمك، فترد العسكر عن الحرب، فإنني أدخل ms3220 في الطاعة. # فمال فخر الملك إلى هذا القول، وأرسل الرسول إلى بدر ليخبره بما جاء به. ~~فلما رأى بدر الرسول سبه وطرده، وأرسل إلى فخر الملك يقول له: # إن هذا مكر من هلال، لما رأى ضعفه، والرأي أن لا تنفس خناقه. فلما سمع ~~فخر الملك الجواب قويت نفسه، وكان يتهم بدرا بالميل إلى ابنه وتقدم إلى ~~الجيش بالحرب، فقاتلوا، فلم يكن أسرع من أن أتي بهلال أسيرا، فقبل الأرض، ~~وطلب أن لا يسلمه إلى أبيه فأجابه إلى ذلك، وطلب علامته بتسليم القلعة، ~~فأعطاهم العلامة، فامتنعت أمه ومن بالقلعة من التسليم، وطلبوا الأمان، ~~فأمنهم فخر الملك، وصعد القلعة ومعه أصحابه، ثم نزل منها وسلمها إلى بدر، ~~وأخذ ما فيها من الأموال وغيرها، وكانت عظيمة، قيل: كان بها أربعون ألف ~~بدرة دراهم، وأربعمائة بدرة ذهبا، سوى الجواهر النفيسة، والثياب، والسلاح ~~وغير ذلك. وأكثر الشعراء ذكر هذا، فممن قال مهيار: # فظنوك تعبا بحمل العراق # كأن لم يروك حملت الجبالا ... ولو لم تكن في العلو السماء # لما كان غنمك منها هلالا ... سريت إليه، فكنت السرار # له، ولبدر أبيه كمالا # وهي كثيرة. # ذكر عود المؤيد إلى إمارة الأندلس وما كان منه # قد ذكرنا سبب خلعه وحبسه، فلما كان هذه السنة أعيد إلى خلافته، واسمه ~~هشام بن الحاكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان عوده تاسع ذي الحجة، وكان الحكم # PageV07P565 # في دولته هذه إلى واضح العامري، وأدخل أهل قرطبة إليه، فوعدهم ومناهم، ~~وكتب إلى البربر الذين مع سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن ~~الناصر، ودعاهم إلى طاعته والوفاء ببيعته، فلم يجيبوه إلى ذلك، فأمر أجناده ~~وأهل قرطبة بالحذر والاحتياط، فأحبه الناس. # ثم نقل إليه أن نفرا من الأمويين بقرطبة قد كاتبوا سليمان، وواعدوه ليكون ~~بقرطبة في السابع والعشرين من ذي الحجة ليسلموا إليه البلد، فأخذهم وحبسهم، ~~فلما كان الميعاد قدم البربر إلى قرطبة، فركب الجند وأهل قرطبة، وخرجوا ~~إليهم مع المؤيد، فعاد البربر وتبعتهم عساكره، فلم يلحقوهم. وترددت الرسل ~~بينهم فلم يتفقوا على شيء. # ثم ms3221 إن سليمان والبربر راسلوا ملك الفرنج يستمدونه، وبذلوا له تسليم حصون ~~كان المنصور بن أبي عامر قد فتحها منهم، فأرسل ملك الفرنج إلى المؤيد يعرفه ~~الحال، ويطلب منه تسليم هذه الحصون لئلا يمد سليمان بالعساكر. فاستشار أهل ~~قرطبة في ذلك، فأشاروا بتسليمها إليه خوفا من أن ينجدوا سليمان، واستقر ~~الصلح في المحرم سنة إحدى وأربعمائة. فلما أيس البربر من إنجاد الفرنج ~~رحلوا، فنزلوا قريبا من قرطبة في صفر سنة إحدى وأربعمائة، وجعلت خيلهم تغير ~~يمينا وشمالا، وخربوا البلاد. # وعمل المؤيد وواضح العامري سورا وخندقا على قرطبة أمام السور الكبير، ثم ~~نزل سليمان قرطبة خمسة وأربعين يوما، فلم يملكها، فانتقل إلى الزهراء ~~وحصرها، وقاتل من بها ثلاثة أيام. ثم إن بعض الموكلين بحفظها سلم إليه ~~الباب الذي هو موكل بحفظه، فصعد البربر السور، وقاتلوا من عليه حتى ~~أزالوهم، وملكوا البلد عنوة، وقتل أكثر من به من الجند، وصعد أهل الجبل، ~~واجتمع الناس بالجامع، فأخذهم البربر وذبحوهم حتى النساء والصبيان، وألقوا ~~النار في الجامع والقصر والديار، فاحترق أكثر ذلك ونهبت الأموال. # ثم إن واضحا كاتب سليمان يعرفه أنه يريد الانتقال عن قرطبة سرا، ويشير ~~عليه بمنازلتها بعد مسيره عنها، ونمى الخبر إلى المؤيد، فقبض عليه وقتله، ~~واشتد الأمر # PageV07P566 # بقرطبة، وعظم الخطب، وقلت الأقوات، وكثر الموت، وكانت الأقوات عند البربر ~~أقل منها بالبلد، لأنهم كانوا قد خربوا البلاد، وجلا أهل قرطبة، وقتل ~~المؤيد كل من مال إلى سليمان. # ثم إن البربر وسليمان لازموا الحصار والقتال لأهل قرطبة، وضيقوا عليهم، ~~وفي مدة هذا الحصار ظهر بطليطلة عبيد الله بن محمد بن عبد الجبار، وبايعه ~~أهلها، فسير إليهم المؤيد جيشا، فحصروهم، فعادوا إلى الطاعة، وأخذ عبيد ~~الله أسيرا، وقتل في شعبان سنة إحدى وأربعمائة. # ثم إن أهل قرطبة قاتلوا في بعض الأيام البربر فقتل منهم خلق كثير، وغرق ~~في النهر مثلهم، فرحلوا عنها، وساروا إلى إشبيلية فحصروها، فأرسل المؤيد ~~إليها جيشا فحماها ومنع البربر عنها، وراسل سليمان نائب المؤيد بسرقسطة ~~وغيرها يدعوهم إليه، فأجابوه وأطاعوه، ms3222 فسار البربر وسليمان عن إشبيلية إلى ~~قلعة رباح فملكوها وغنموا ما فيها، واتخذوها دارا، ثم عادوا إلى قرطبة ~~فحصروها، وقد خرج كثير من أهلها وعساكرها من الجوع والخوف، واشتد القتال ~~عليها، وملكها سليمان عنوة وقهرا، وقتلوا من وجدوا في الطرق، ونهبوا البلد ~~وأحرقوه، فلم تحص القتلى لكثرتهم. # ونزل البربر في الدور التي لم تحرق، فنال أهل قرطبة من ذلك ما لم يسمع ~~بمثله، وأخرج المؤيد من القصر، وحمل إلى سليمان، ودخل سليمان قرطبة منتصف ~~شوال سنة ثلاث وأربعمائة وبويع له بها. # ثم إن المؤيد جرى له مع سليمان أقاصيص طويلة، ثم خرج إلى شرق الأندلس (من ~~عنده) . وكان ممن قتل في هذا الحصر أبو الوليد بن الفرضي مظلوما رحمه الله. # PageV07P567 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أرسل الحاكم بأمر الله من مصر إلى المدينة، ففتح بيت جعفر ~~الصادق، وأخرج منه مصحف وسيف وكساء وقعب وسرير. # وفيها نقص الماء بدجلة حتى أصلحت ما بين أوانا وقريب بغداذ، حتى جرت ~~السفن فيها. # وفيها مرض أبو محمد بن سهلان، فاشتد مرضه، فنذر إن عوفي بنى سورا على ~~مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، فعوفي، فأمر ببناء سور عليه، فبني في ~~هذه السنة، تولى بناءه أبو إسحاق الأرجاني. وفيها ولد عدنان بن الشريف ~~الرضي. # [الوفيات] # وفيها توفي النقيب أبو أحمد الموسوي، والد الرضي، بعد أن أضر، ووقف بعض ~~أملاكه على البر، وصلى عليه ابنه الأكبر المرتضى، ودفن بداره، ثم نقل إلى ~~مشهد الحسين، عليه السلام، وكان مولده سنة أربع وثلاثمائة. # وفيها توفي أيضا أبو جعفر الحجاج بن هرمز، بالأهواز، وعمدة الدولة أبو ~~إسحاق بن معز الدولة بن بويه بمصر. # PageV07P568 # وفيها مرض الخليفة القادر بالله، واشتد مرضه، فأرجف عليه، فجلس للناس ~~وبيده القضيب، فدخل إليه أبو حامد الإسفراييني، فقال لابن حاجب النعمان: ~~اسأل أمير المؤمنين أن يقرأ شيئا من القرآن ليسمع الناس قراءته، فقرأ: # {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم} [الأحزاب: 60] الآيات الثلاث. # وفيها توفي أبو العباس النامي ms3223 الشاعر. # (وأبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب الشاعر، صاحب الطريقة المشهورة في ~~التجنيس، فمن شعره: # يا أيها السائل عن مذهبي ... ليقتدي فيه بمنهاجي # منهاجي العدل. وقمع الهوى # فهل لمنهاجي من هاجي # ) ؟ # PageV07P569 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعمائة] # ذكر غزوة يمين الدولة بلاد الغور وغيرها # بلاد الغور تجاور غزنة، وكان الغور يقطعون الطريق، ويخيفون السبيل، ~~وبلادهم جبال وعرة، ومضايق غلقة، وكانوا يحتمون بها، ويعتصمون بصعوبة ~~مسلكها، فلما كثر ذلك منهم أنف يمين الدولة محمود بن سبكتكين أن يكون مثل ~~أولئك المفسدين جيرانه، وهم على هذه الحال من الفساد والكفر، فجمع العساكر ~~وسار إليهم وعلى مقدمته التونتاش الحاجب، صاحب هراة، وأرسلان الجاذب، صاحب ~~طوس، وهما أكبر أمرائه، فسارا فيمن معهما حتى انتهوا إلى مضيق قد شحن ~~بالمقاتلة، فتناوشوا الحرب، وصبر الفريقان. # فسمع يمين الدولة الحال، فجد بالسير إليهم، وملك عليهم مسالكهم، فتفرقوا، ~~وساروا إلى عظيم الغورية المعروف بابن سورى، فانتهوا إلى مدينته التي تدعى ~~آهنكران، فبرز من المدينة في عشرة آلاف مقاتل، فقاتلهم المسلمون إلى أن ~~انتصف النهار، فرأوا أشجع الناس وأقواهم على القتال، فأمر يمين الدولة أن ~~يولوهم الأدبار على سبيل الاستدراج، ففعلوا. فلما رأى الغورية ذلك ظنوه ~~هزيمة، فاتبعوهم حتى أبعدوا عن مدينتهم، فحينئذ عطف المسلمون عليهم ووضعوا ~~السيوف فيهم فأبادوهم قتلا وأسرا، وكان في الأسرى كبيرهم وزعيمهم ابن سورى، ~~ودخل # PageV07P570 # المسلمون المدينة وملكوها، وغنموا ما فيها، وفتحوا تلك القلاع والحصون ~~التي لهم جميعها، فلما عاين ابن سورى ما فعل المسلمون بهم شرب سما كان معه، ~~فمات وخسر الدنيا والآخرة، {ذلك هو الخسران المبين} [الحج: 11] . # وأظهر يمين الدولة في تلك الأعمال شعار الإسلام، وجعل عندهم من يعلمهم ~~شرائعه وعاد، ثم سار إلى طائفة أخرى من الكفار، فقطع عليهم مفازة من رمل، ~~ولحق عساكره عطش شديد وكادوا يهلكون، فلطف الله، سبحانه وتعالى، بهم وأرسل ~~عليهم مطرا سقاهم، وسهل عليهم السير في الرمل، فوصل إلى الكفار، وهم جمع ~~عظيم، ومعهم ستمائة فيل، فقاتلهم أشد قتال صبر فيه، (بعضهم لبعض) ، ثم إن ~~الله ms3224 نصر المسلمين، وهزم الكفار، وأخذ غنائمهم، وعاد سالما مظفرا منصورا. # ذكر الحرب بين أيلك الخان وبين أخيه # وفي هذه السنة سار أيلك الخان في جيوش قاصدا قتال أخيه طغان خان، فلما ~~بلغ يوزكند سقط من الثلج ما منعهم من سلوك الطرق، فعاد إلى سمرقند. # وكان سبب قصده أن أخاه أرسل إلى يمين الدولة يعتذر، ويتنصل من قصد أخيه ~~أيلك الخان بلاد خراسان، ويقول: إنني ما رضيت ذلك منه، ويلزم أخاه وحده ~~الذنب، وتبرأ هو منه، فلما علم أخوه أيلك الخان ذلك ساءه وحمله على قصده. # ذكر الخطبة للمصريين العلويين بالكوفة والموصل # في هذه السنة أيضا خطب قرواش بن المقلد أمير بني عقيل للحاكم بأمر الله ~~(العلوي، صاحب مصر) ، بأعماله كلها، وهي: الموصل، والأنبار، والمدائن، # PageV07P571 # والكوفة وغيرها، وكان ابتداء الخطبة بالموصل: الحمد لله الذي انجلت بنوره ~~غمرات الغضب. وانهدت بقدرته أركان النصب. واطلع بنوره شمس الحق من الغرب. # فأرسل القادر بالله، أمير المؤمنين، القاضي أبا بكر بن الباقلاني إلى ~~بهاء الدولة يعرفه ذلك، وأن العلويين والعباسيين انتقلوا من الكوفة إلى ~~بغداذ، فأكرم بهاء الدولة القاضي أبا بكر، وكتب إلى عميد الجيوش يأمره ~~بالمسير إلى حرب قرواش، وأطلق له مائة ألف دينار ينفقها في العسكر، وخلع ~~على القاضي أبي بكر، وولاه قضاء عمان والسواحل. وسار عميد الجيوش إلى حرب ~~قرواش فأرسل يعتذر، وقطع خطبة العلويين وأعاد خطبة القادر بالله. # ذكر الحرب بين بني مزيد وبني دبيس # كان أبو الغنائم محمد بن مزيد مقيما عند بني دبيس في جزيرتهم، بنواحي ~~خوزستان، لمصاهرة بينهم، فقتل أبو الغنائم أحد وجوههم، ولحق بأخيه أبي ~~الحسن علي بن مزيد، فتبعوه فلم يدركوه، وانحدر إليهم سند الدولة أبو الحسن ~~بن مزيد في ألفي فارس، واستنجد عميد الجيوش، فانحدر إليه عجلا في زبزبة في ~~ثلاثين ديلميا، وسار ابن مزيد إليهم فلقيهم، واقتتلوا فقتل أبو الغنائم، ~~وانهزم أبو الحسن بن مزيد، فوصل الخبر بهزيمته إلى عميد الجيوش وهو منحدر ~~فعاد. # ذكر وفاة عميد الجيوش وولاية فخر الملك العراق # في هذه ms3225 السنة توفي عميد الجيوش أبو علي بن أستاذ هرمز ببغداذ، وكانت # PageV07P572 # ولايته ثماني سنين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما، وكان عمره تسعا وأربعين ~~سنة، وتولى تجهيزه ودفنه الشريف الرضي، دفنه بمقابر قريش، ورثاه الرضي ~~وغيره. # وكان أبوه، أبو جعفر أستاذ هرمز، من حجاب عضد الدولة، وجعل عضد الدولة ~~عميد الجيوش في خدمة ابنه صمصام الدولة، فلما قتل اتصل بخدمة بهاء الدولة. ~~فلما استولى الخراب على بغداذ، وظهر العيارون، وانحلت الأمور بها، أرسله ~~إليها، فأصلح الأمور، وقمع المفسدين وقتلهم. فلما مات استعمل بهاء الدولة ~~مكانه بالعراق فخر الملك أبا غالب، فأصعد إلى بغداذ، فلقيه الكتاب والقواد ~~وأعيان الناس، وزينوا له البلاد، ووصل بغداذ في ذي الحجة، ومدحه مهيار ~~وغيره من الشعراء. # ومن محاسن أعمال عميد الجيوش أنه حمل إليه مال كثير قد خلفه بعض التجار ~~المصريين، وقيل له: ليس للميت وارث فقال: لا يدخل خزانة السلطان ما ليس ~~لها، يترك إلى أن يصح خبره. فلما كان بعد مدة جاء أخ للميت بكتاب من مصر ~~بأنه مستحق للتركة، فقصد باب عميد الجيوش ليوصل الكتاب، فرآه يصلي على روشن ~~داره فظنه بعض الحجاب، فأوصل الكتاب إليه فقضى حاجته، فلما علم التاجر أن ~~الذي أخذ الكتاب كان عميد الجيوش عظم الأمر عنده، فأظهر ذلك فاستحسنه ~~الناس، ولما وصل التاجر إلى مصر أظهر الدعاء له، فضج الناس بالدعاء له ~~والثناء عليه، فبلغه الخبر فسره ذلك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعدم القوت حتى أكل الناس ~~بعضهم بعضا، فكان الإنسان يصيح: الخبز الخبز ويموت، ثم تبعه وباء عظيم حتى ~~عجز الناس عن دفن الموتى. # PageV07P573 # [الوفيات] # وفيها مات أبو الفتح محمد بن عناز بحلوان، وكانت إمارته عشرين سنة، وقام ~~بعده ابنه أبو الشوك فسيرت إليه العساكر من بغداذ لقتاله ولقيهم أبو الشوك ~~وقاتلهم قتالا شديدا، وانهزم أبو الشوك إلى حلوان، وأقام بها إلى أن أصلح ~~حاله مع الوزير أبي غالب لما قدم العراق. # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن مقن بن ms3226 مقلد بن جعفر (بن عمرو) بن ~~المهيا العقيلي، وفي مقلد يجتمع آل المسيب وآل مقن، وكان عمره مائة وعشر ~~سنين، وكان بخيلا شديد البخل، وشهد مع القرامطة أخذ الحجر الأسود. # وفيها توفي الأمير أبو نصر أحمد بن أبي الحارث محمد بن فريغون صاحب ~~الجوزجان، وكان صهر يمين الدولة على أخته، وكان هو وأبوه قبله يحبان ~~العلماء ويحسنان إليهم. # وفيها انقض كوكب كبير لم ير أكبر منه. # وفيها زادت دجلة إحدى وعشرين ذراعا، وغرق كثير من بغداذ والعراق، وتفجرت ~~البثوق، ولم يحج هذه السنة من العراق أحد. # وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدمشقي الحافظ، سافر # PageV07P574 # الكثير في طلب الحديث، وله عناية بصحيحي البخاري ومسلم. # وتوفي أيضا خلف بن محمد بن علي بن حمدون أبو محمد الواسطي، كان فاضلا، ~~وله " أطراف الصحيحين " أيضا. # PageV07P575 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعمائة] # ذكر ملك يمين الدولة قصدار # في هذه السنة استولى يمين الدولة على قصدار، وملكها. # وسبب ذلك أن ملكها كان قد صالحه على قطيعة يؤديها إليه، ثم قطعها اغترارا ~~بحصانة بلده، وكثرة المضايق في الطريق، واحتمى بأيلك الخان، وكان يمين ~~الدولة يريد قصدها، فيتقي ناحية أيلك الخان. فلما فسد ذات بينهما صمم العزم ~~وقصدها وتجهز، وأظهر أنه يريد هراة. فسار من غزنة في جمادى الأول، فلما ~~استقل على الطريق سار نحو قصدار، فسبق خبره، وقطع تلك المضايق والجبل، فلم ~~يشعر صاحبها إلا وعسكر يمين الدولة قد أحاط به ليلا، فطلب الأمان فأجابه ~~وأخذ منه المال الذي كان قد اجتمع عنده، وأقره على ولايته وعاد. # ذكر أسر صالح بن مرداس وملكه حلب وملك أولاده # في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب، وبين صالح بن ~~مرداس، وكان ابن لؤلؤ من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فقوي ~~على ولد سعد الدولة وأخذ البلد منه، وخطب للحاكم صاحب مصر، ولقبه الحاكم ~~مرتضى الدولة. # PageV07P576 # ثم فسد ما بينه وبين الحاكم، فطمع فيه ابن مرداس، وبنو كلاب، وكانوا ~~يطالبونه ms3227 بالصلات والخلع. ثم إنهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة فارس، ~~ودخلوا مدينة حلب، فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقبض عليهم، فقبض على ~~مائة وعشرين رجلا، منهم صالح بن مرداس، وحبسهم، وقتل مائتين، وأطلق من لم ~~يفكر به. # وكان صالح قد تزوج بابنة عم له يسمى جابرا، وكانت جميلة، فوصفت لابن ~~لؤلؤ، فخطبها إلى إخوتها، وكانوا في حبسه، فذكروا له أن صالحا قد تزوجها، ~~فلم يقبل منهم، وتزوجها، ثم أطلقهم، وبقي صالح بن مرداس في الحبس، فتوصل ~~حتى صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها، واختفى في مسيل ماء. # ووقع الخبر بهربه، فأرسل ابن لؤلؤ الخيل في طلبه، فعادوا ولم يظفروا به. ~~فلما سكن عنه الطلب سار بقيده ولبنة حديد في رجليه، حتى وصل قرية تعرف ~~بالياسرية، فرأى ناسا من العرب فعرفوه وحملوه إلى أهله بمرج دابق، فجمع ~~ألفي فارس فقصد حلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوما، فخرج إليه ابن لؤلؤ، ~~(فقاتله، فهزمهم) صالح وأسر ابن لؤلؤ، وقيده بقيده الذي كان في رجله ~~ولبنته. وكان لابن لؤلؤ أخ فنجا وحفظ مدينة حلب. # ثم إن ابن لؤلؤ بذل لابن مرداس مالا على أن يطلقه، فلما استقر الحال ~~بينهما أخذ رهائنه وأطلقه، فقالت أم صالح لابنها: قد أعطاك الله ما لا كنت ~~تؤمله، فإن رأيت أن تتم صنيعك بإطلاق الرهائن فهو المصلحة، فإنه إن أراد ~~الغدر بك لا يمنعه من عندك؛ فأطلقهم، فلما دخلوا البلد حمل ابن لؤلؤ إليه ~~أكثر مما استقر، وكان قد تقرر عليه مائتا ألف دينار، ومائة ثوب، وإطلاق كل ~~أسير عنده من بني كلاب # PageV07P577 # فلما انفصل الحال ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قبض غلامه فتح، وكان دزدار ~~القلعة، لأنه اتهمه بالممالأة على الهزيمة، وكان خلاف ظنه، فأطلع على ذلك ~~غلاما له اسمه سرور، وأراد أن يجعله مكان فتح، فأعلم سرور بعض أصدقائه ~~ويعرف بابن غانم. # وسبب إعلامه أنه حضر عنده، وكان يخاف ابن لؤلؤ لكثرة ماله، فشكا إلى سرور ~~ذلك، فقال له: سيكون أمر تأمن معه; فسأله، ms3228 فكتمه، فلم يزل يخدعه حتى أعلمه ~~الخبر. # وكان بين ابن غانم وبين فتح مودة، فصعد إليه بالقلعة متنكرا، فأعلمه ~~الخبر، وأشار عليه بمكاتبة الحاكم صاحب مصر، وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش ~~بالصعود إلى القلعة بحجة افتقاد الخزائن، فإذا صار فيها قبض على فتح، وأرسل ~~إلى فتح يعلمه أنه يريد افتقاد الخزائن، ويأمره بفتح الأبواب، فقال فتح: ~~إنني قد شربت اليوم دواء، وأسأل تأخير الصعود في هذا اليوم، فإنني لا أثق ~~في فتح الأبواب لغيري ; وقال للرسول: إذا لقيته فاردده. فلما علم ابن لؤلؤ ~~الحال، أرسل والدته إلى فتح ليعلم سبب ذلك، فلما صعدت إليه أكرمها، وأظهر ~~لها الطاعة، فعادت وأشارت على ابنها بترك محاقته ففعل، وأرسل إليه يطلب ~~جوهرا كان له بالقلعة، فغالطه فتح ولم يرسله، فسكت على مضض لعلمه أن ~~المحاقة لا تفيد لحصانة القلعة، وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأن يتمارض، ~~ويظهر شدة المرض، ويستدعي الفتح لينزل إليه ليجعله وصيا، فإذا حضر قبضه. ~~ففعل ذلك، فلم ينزل الفتح، واعتذر، وكاتب الحاكم، وأظهر طاعته، وخطب له، ~~وأظهر العصيان على أستاذه، وأخذ من الحاكم صيدا، وبيروت، وكل ما في حلب من ~~الأموال. وخرج ابن لؤلؤ من حلب إلى أنطاكية، وبها الروم، فأقام عندهم. # وكان صالح بن مرداس قد مالأ الفتح على ذلك، فلما عاد عن حلب استصحب معه ~~والدة ابن لؤلؤ ونساءه، وتركهن بمنبج، وتسلم حلب نواب الحاكم، وتنقلت # PageV07P578 # بأيديهم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك، فقدمه الحاكم ~~واصطنعه وولاه حلب، فلما قتل الحاكم وولي الظاهر عصى عليه، فوضعت ست الملك ~~أخت الحاكم فراشا له على قتله فقتله. # وكان للمصريين بالشام نائب يعرف بأنوشتكين الدزبري، وبيده دمشق، والرملة، ~~وعسقلان، وغيرها، فاجتمع حسان أمير بني طي، وصالح بن مرداس أمير بني كلاب، ~~وسنان بن عليان، وتحالفوا، واتفقوا على أن يكون من حلب إلى عانة لصالح، ومن ~~الرملة إلى مصر لحسان، ودمشق لسنان، فسار حسان إلى الرملة فحصرها، وبها ~~أنوشتكين، فسار عنها إلى عسقلان، واستولى عليها حسان ونهبها ms3229 # PageV07P579 # وقتل أهلها، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة، أيام الظاهر لإعزاز دين الله ~~خليفة مصر. # وقصد صالح حلب، وبها إنسان يعرف بابن ثعبان يتولى أمرها للمصريين، ~~وبالقلعة خادم يعرف بموصوف، فأما أهل البلد فسلموه إلى صالح لإحسانه إليهم، ~~ولسوء سيرة المصريين معهم، وصعد ابن ثعبان إلى القلعة، فحصره صالح بالقلعة، ~~فغار الماء الذي بها فلم يبق لهم ما يشربون، فسلم الجند القلعة إليه، وذلك ~~سنة أربع عشرة [وأربعمائة] ، وملك من بعلبك إلى عانة، وأقام بحلب ست سنين. # فلما كان سنة عشرين وأربعمائة، جهز الظاهر صاحب مصر جيشا، وسيرهم إلى ~~الشام لقتال صالح وحسان، وكان مقدم العسكر أنوشتكين الدزبري، فاجتمع صالح ~~وحسان على قتاله، فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن، عند طبرية، فقتل صالح ~~وولده الأصغر، وأنفذ رأساهما إلى مصر، ونجا ولده أبو كامل نصر بن صالح، ~~فجاء إلى حلب وملكها، وكان لقبه شبل الدولة. # فلما علمت الروم بأنطاكية الحال، تجهزوا إلى حلب في عالم كثير، فخرج ~~أهلها فحاربوهم فهزموهم، ونهبوا أموالهم، وعادوا إلى أنطاكية، وبقي شبل ~~الدولة مالكا لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، فأرسل إليه الدزبري ~~العساكر # PageV07P580 # المصرية، (وصاحب مصر حينئذ المستنصر بالله) ، فلقيهم عند حماة، فقتل في ~~شعبان وملك الدزبري حلب في رمضان سنة تسع وعشرين [وأربعمائة] ، وملك الشام ~~جميعه، وعظم أمره، وكثر ماله، وأرسل يستدعي الجند الأتراك من البلاد، فبلغ ~~المصريين عنه أنه عازم على العصيان، فتقدموا إلى أهل دمشق بالخروج عن ~~طاعته، ففعلوا، فسار عنها نحو حلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ~~[وأربعمائة] وتوفي بعد ذلك بشهر واحد. # وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة، فلما ~~بلغه موت الدزبري جاء إلى حلب فملكها تسليما من أهلها، وحاصر امرأة الدزبري ~~وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهرا، وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين [وأربعمائة] ~~فبقي فيها إلى سنة أربعين. فأنفذ المصريون إلى محاربته أبا عبد الله بن ~~ناصر الدولة بن حمدان، فخرج أهل حلب إلى حربه، فهزمهم، واختنق منهم بالباب ~~جماعة، ثم إنه رحل عن حلب ms3230 وعاد إلى مصر، وأصابهم سيل ذهب بكثير من دوابهم ~~وأثقالهم. فأنفذ المصريون إلى قتال معز الدولة خادما يعرف برفق فخرج إليه ~~في أهل حلب فقاتلوه، فانهزم المصريون، وأسر رفق، ومات عندهم، وكان أسره سنة ~~إحدى وأربعين [وأربعمائة] في ربيع الأول. # ثم إن معز الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المصريين، وأصلح أمره معهم، ~~ونزل لهم عن حلب، فأنفذوا إليها أبا علي الحسن بن علي بن ملهم، ولقبوه مكين # PageV07P581 # الدولة، فتسلمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع وأربعين [وأربعمائة] ، ~~وسار ثمال إلى مصر في ذي الحجة وسار أخوه (أبو ذؤابة) عطية بن صالح إلى ~~الرحبة، وأقام ابن ملهم بحلب، فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب. # وسمع ابن ملهم أن بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح ~~يستدعونه ليسلموا البلد إليه، فقبض على جماعة منهم، وكان منهم رجل يعرف ~~بكامل بن نباتة، فخاف، فجلس يبكي، وكان يقول لكل من سأله عن بكائه: إن ~~أصحابنا الذين أخذوا قد قتلوا، وأخاف على الباقين، فاجتمع أهل البلد، ~~واشتدوا، وراسلوا محمودا، وهو عنهم مسيرة يوم، يستدعونه، وحصروا ابن ملهم، ~~وجاء محمود وحصره معهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين [وأربعمائة] . # ووصلت الأخبار إلى مصر، فسيروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة بن ~~حمدان في عسكر، بعد اثنين وثلاثين يوما من دخول محمود حلب، فلما قارب البلد ~~خرج محمود عن حلب إلى البرية، واختفى الأحداث جميعهم، وكان عطية بن صالح ~~نازلا بقرب البلد، وقد كره فعل محمود ابن أخيه، فقبض ابن ملهم على مائة ~~وخمسين من الأحداث، ونهب وسط البلد، وأخذ أموال الناس. # وأما ناصر الدولة فلم يمكن أصحابه من دخول البلد ونهبه، وسار في طلب ~~محمود، فالتقيا بالفنيدق في رجب، فانهزم أصحاب ابن حمدان، وثبت هو فجرح، ~~وحمل إلى محمود أسيرا، فأخذه وسار إلى حلب فملكها، وملك القلعة في شعبان ~~سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وأطلق ابن حمدان، فسار هو وابن ملهم إلى مصر، # PageV07P582 # فجهز المصريون معز الدولة ثمال ms3231 بن صالح إلى ابن أخيه، فحصره (في حلب) في ~~ذي الحجة من السنة، فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري، صاحب ~~حران، فجاء إليه، فلما بلغ ثمالا مجيئه سار عن حلب إلى البرية في المحرم ~~سنة ثلاث وخمسين [وأربعمائة] . # وعاد منيع إلى حران، فعاد ثمال إلى حلب، وخرج إليه محمود ابن أخيه، ~~فاقتتلوا، وقاتل محمود قتالا شديدا، ثم انهزم محمود فمضى إلى أخواله بني ~~نمير بحران، وتسلم ثمال حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين [وأربعمائة] ، ~~وخرج إلى الروم، فغزاهم، ثم توفي بحلب في ذي القعدة سنة أربع وخمسين ~~[وأربعمائة] ، وكان كريما، وحليما، وأوصى بحلب لأخيه عطية بن صالح فملكها. # ونزل به قوم من التركمان مع ابن خان التركماني، فقوي بهم، فأشار أصحابه ~~بقتلهم، فأمر أهل البلد بذلك، فقتلوا منهم جماعة، ونجا الباقون، فقصدوا ~~محمودا بحران، واجتمعوا معه على حصار حلب، فحصرها وملكها في رمضان سنة أربع ~~وخمسين [وأربعمائة] . # وقصد عمه عطيةالرقة فملكها، ولم يزل بها حتى أخذها منه شرف الدولة مسلم ~~بن قريش سنة ثلاث وستين [وأربعمائة] ، وسار عطية إلى بلد الروم، فمات ~~بالقسطنطينية سنة خمس وستين. # وأرسل محمود التركمان مع أميرهم ابن خان إلى أرتاح، فحصرها وأخذها من ~~الروم سنة ستين [وأربعمائة] ، وسار محمود إلى طرابلس، فحصرها، وأخذ من ~~أهلها مالا وعاد، وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان، ومات # PageV07P583 # محمود في حلب سنة ثمان وستين [وأربعمائة] في ذي الحجة، ووصى بها بعده ~~لابنه شيب، فلم ينفذ أصحابه وصيته لصغره، وسلموا البلد إلى ولده الأكبر، ~~واسمه نصر، وجده لأمه الملك العزيز بن الملك جلال الدولة بن بويه وتزوجها ~~عند دخولهم مصر لما ملك طغرلبك العراق. # وكان نصر يدمن شرب الخمر، فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ~~ملكوا أباه البلد، وهم بالحاضر، يوم الفطر، فلقوه، وقبلوا الأرض بين يديه، ~~فسبهم وأراد قتلهم، فرماه أحدهم بنشابة فقتله، وملك أخوه سابق، وهو الذي ~~كان أبوه أوصى له بحلب، فلما صعد القلعة استدعى أحمد شاه مقدم التركمان، ms3232 ~~وخلع عليه، وأحسن إليه، وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين [وأربعمائة] ، ~~فقصده تتش بن ألب أرسلان، فحصره بحلب أربعة أشهر ونصفا، ثم رحل عنه، ونازله ~~شرف الدولة، فأخذ البلد منه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى ; (فهذه جميع ~~أخبار بني مرداس أتيت بها متتابعة لئلا تجهل إذا تفرقت) . # ذكر قتل جماعة من خفاجة # لما (فتح) الملك فخر الدولة دير العاقول أتاه سلطان، وعلوان، ورجب، أولاد ~~ثمال الخفاجي، ومعهم أعيان عشائرهم، وضمنوا حماية سقي الفرات، ودفع عقيل ~~عنها، وساروا معه إلى بغداذ، فأكرمهم وخلع عليهم، وأمرهم بالمسير مع ذي ~~السعادتين الحسن بن منصور إلى الأنبار، فساروا، فلما صاروا بنواحي الأنبار ~~أفسدوا # PageV07P584 # وعاثوا، فقبض ذو السعادتين على نفر منهم، ثم أطلقهم واستحلفهم على ~~الطاعة، والكف عن الأذى، فأشار كاتب نصراني من أهل دقوقا على سلطان بن ثمال ~~بالقبض على ذي السعادتين، وأن يظهر أن عقيلا قد أغاروا، فإذا خرج عسكر ذي ~~السعادتين انفرد به فأخذه. فوصل إلى ذي السعادتين الخبر. # ثم إن سلطانا أرسل إليه يقول له إن عقيلا قد قاربوا الأنبار، ويطلب منه ~~إنفاذ العسكر، فقال ذو السعادتين: أنا أركب وآخذ العساكر ثم دافعه إلى أن ~~فات وقت السير، فانتقض على سلطان ما دبره، فأرسل يقول: قد أخذت جماعة من ~~عقيل، ثم إن ذا السعادتين صنع طعاما كثيرا، وحضر عنده سلطان وكاتبه ~~النصراني وجماعة من أعيان خفاجة، فأمر أصحابه بقتل كثير منهم، وقبض على ~~سلطان وكاتبه وجماعته، ونهب بيوتهم وما فيها، وحبس سلطانا ومن معه ببغداذ، ~~حتى شفع فيهم أبو الحسن بن مزيد، وبذل مالا عنهم فأطلقوا. وذكر ابن نباتة ~~وغيره هذه الحادثة. # ذكر القدح في نسب العلويين المصريين # في هذه السنة كتب ببغداذ محضر يتضمن القدح في نسب العلويين خلفاء مصر، ~~وكتب فيه المرتضى وأخوه الرضي، وابن البطحاوي العلوي، وابن الأزرق الموسوي، ~~والزكي أبو يعلى [محمد بن محمد بن عمر بن أبي يعلى] ، ومن القضاة والعلماء ~~ابن الأكفاني وابن الخرزي، وأبو العباس الأبيوردي، وأبو حامد الإسفراييني، ~~والكشفلي، والقدوري، والصيمري، ms3233 وأبو عبد الله بن البيضاوي، وأبو الفضل ~~النسوي، وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، وغيرهم، وقد ذكرنا الاختلاف ~~فيهم عند ابتداء دولتهم سنة ست وتسعين ومائتين # PageV07P585 # ذكر أخذ بني خفاجة الحجاج # في هذه السنة سارت خفاجة إلى واقصة، ونزحوا ماء البرمكي والريان وألقوا ~~فيهما الحنظل ووصل الحجاج من مكة إلى العقبة، فلقيهم خفاجة ومنعوهم الماء، ~~ثم قاتلوهم فلم يكن فيهم امتناع، فأكثروا القتل، وأخذوا الأموال، ولم يسلم ~~من الحاج إلا اليسير، فبلغ الخبر فخر الملك الوزير ببغداذ، فسير العساكر في ~~إثرهم، وكتب إلى أبي الحسن علي بن مزيد (يأمره بطلب العرب، والأخذ منهم ~~بثأر الحاج، والانتقام، فسار خلفهم فلحقهم) وقد قاربوا البصرة، فأوقعوا ~~بهم، فقتل منهم وأسر جمعا كثيرا، وأخذ من أموال الحاج ما رآه، وكان الباقي ~~قد أخذه العرب وتفرقوا، وأرسل الأسرى وما استرده من أمتعة الحاج إلى ~~الوزير، فحسن موقعه منه. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي أبو الحسن بن اللبان الفرضي في ربيع الأول، وتوفي في ~~شهر رمضان عثمان بن (عيسى أبو عمرو) الباقلاني العابد، وكان مجاب الدعوة، ~~رحمة الله عليه. # PageV07P586 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة] ### | 403 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة # ذكر قتل قابوس # في هذه السنة قتل شمس المعالي قابوس بن وشمكير. # وكان سبب قتله أنه كان مع كثرة فضائله ومناقبه، عظيم السياسة، شديد ~~الأخذ، قليل العفو، يقتل على الذنب اليسير، فضجر أصحابه منه، واستطالوا ~~أيامه، واتفقوا على خلعه والقبض عليه. # وكان حينئذ غائبا عن جرجان، فخفي عليه الأمر، فلم يشعر ذات ليلة إلا وقد ~~أحاط العسكر بباب القلعة التي كان بها، وانتهبوا أمواله، ودوابه، وأرادوا ~~استنزاله من الحصن، فقاتلهم هو ومن معه من خواصه وأصحابه، فعادوا ولم ~~يظفروا به، ودخلوا جرجان واستولوا عليها، وعصوا عليه بها، وبعثوا إلى ابنه ~~منوجهر، وهو بطبرستان، يعرفونه الحال، ويستدعونه ليولوه أمرهم، فأسرع السير ~~نحوهم خوفا من خروج الأمر عنه، فالتقوا واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه، ~~فأجابهم إلى ذلك على كره. # وكان أبوه شمس ms3234 المعالي قد سار نحو بسطام عند حدوث هذه الفتنة لينظر فيما ~~تسفر عنه، فأخذوا منوجهر معهم، عازمين على قصد والده وإزعاجه من مكانه، ~~فسار معهم مضطرا، فلما وصل إلى أبيه أذن له وحده دون غيره، فدخل عليه وعنده ~~جمع من أصحابه المحامين عنه، فلما دخل عليه تشاكيا ما هما فيه، وعرض عليه ~~منوجهر # PageV07P587 # أن يكون بين يديه في قتال أولئك القوم ودفعهم وإن ذهبت نفسه. فرأى شمس ~~المعالي ضد ذلك، وسهل عليه حيث صار الملك إلى ولده، فسلم إليه خاتم الملك، ~~ووصاه بما يفعله، واتفقا على أن ينتقل هو إلى قلعة جناشك يتفرغ للعبادة إلى ~~أن يأتيه اليقين وينفرد منوجهر بتدبير الملك. # وسار إلى القلعة المذكورة مع من اختاره لخدمته، وسار منوجهر إلى جرجان، ~~وتولى الملك وضبطه، ودارى أولئك الأجناد، وهم نافرون خائفون من شمس المعالي ~~ما دام حيا، فما زالوا يحتالون ويجيلون الرأي حتى دخلوا إلى منوجهر وخوفوه ~~من أبيه مثل ما جرى لهلال بن بدر مع أبيه، وقالوا له: مهما [كان] والدك في ~~الحياة لا نأمن نحن ولا أنت واستأذنوه في قتله، فلم يرد عليهم جوابا، فمضوا ~~إليه إلى الدار التي هو فيها، وقد دخل إلى الطهارة متخففا، فأخذوا ما عنده ~~من كسوة، وكان الزمان شتاءا، وكان يستغيث: أعطوني ولو جل دابة فلم يفعلوا، ~~فمات من شدة البرد وجلس ولده للعزاء، ولقب القادر بالله منوجهر فلك ~~المعالي. # ثم إن منوجهر راسل يمين الدولة، ودخل في طاعته، وخطب له على منابر بلاده، ~~وخطب إليه أن يزوجه بعض بناته، ففعل، فقوي جنانه، وشرع في التدبير على ~~أولئك الذين قتلوا أباه، فأبادهم بالقتل والتشريد. # وكان قابوس عزيز الأدب، وافر العلم، له رسائل وشعر حسن، وكان عالما ~~بالنجوم وغيرها من العلوم، فمن شعره: # قل للذي، بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر # أما ترى البحر يطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره # الدرر # فإن تكن نشبت أيدي الخطوب بنا # ومسنا من توالي صرفها ضرر # PageV07P588 # ففي السماء نجوم (لا عداد لها) ms3235 ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر # ذكر موت أيلك الخان وولاية أخيه طغان خان # في هذه السنة توفي أيلك الخان وهو يتجهز للعود إلى خراسان، ليأخذ بثأره ~~من يمين الدولة، وكاتب قدر خان وطغان خان ليساعداه على ذلك. # فلما توفي ولي بعده أخوه طغان، فراسل يمين الدولة وصالحه، وقال له: ~~المصلحة للإسلام والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند، وأشتغل أنا بغزو ~~الترك، وأن يترك بعضنا بعضا، فوافق ذلك هواه، فأجابه إليه، وزال الخلاف، ~~واشتغلا بغزو الكفار. # وكان أيلك الخان خيرا، عادلا، حسن السيرة، محبا للدين وأهله، معظما للعلم ~~وأهله، محسنا إليهم. # ذكر وفاة بهاء الدولة وملك سلطان الدولة # في هذه السنة، خامس جمادى الآخرة، توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد ~~الدولة بن بويه، وهو الملك حينئذ بالعراق، وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض ~~أبيه، وكان موته بأرجان، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، ~~فدفن # PageV07P589 # عند أبيه عضد الدولة، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصفا، ~~وملكه أربعا وعشرين سنة. # ولما توفي ولي الملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع، وسار من أرجان إلى ~~شيراز، وولى أخاه جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة البصرة، وأخاه أبا ~~الفوارس كرمان. # ذكر ولاية سليمان الأندلس، الدولة الثانية # في هذه السنة ملك سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولقب المستعين، ~~وهذه غبر ولايته، منتصف شوال، على ما ذكرناه سنة أربعمائة، وبايعه الناس ~~وخرج أهل قرطبة إليه يسلمون عليه، فأنشد متمثلا: # إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون من هذا، وقد عرفوني # يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني # وكان سليمان أديبا شاعرا بليغا، وأريق في أيامه دماء كثيرة لا تحد، وقد ~~تقدم ذكر ذلك سنة أربعمائة، وكان البربر هم الحاكمين في دولته لا يقدر على ~~خلافهم، لأنهم كانوا عامة جنده، وهم الذين قاموا معه حتى ملكوه، وقد تقدم ~~ذكر ذلك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خلع سلطان الدولة على أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي، وهو ~~أول ms3236 من تقدم من أهل بيته. # PageV07P590 # وفيها قلد الرضي الموسوي، (صاحب الديوان المشهور) ، نقابة العلويين ~~ببغداذ، وخلع عليه سواد، وهو أول طالبي خلع عليه السواد. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر الخوارزمي، واسمه (محمد بن موسى) ، الفقيه الحنفي، ~~وأبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي، نقيب الكوفة، وكان يسير بالحاج ~~عشر سنين، (وأبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان، الفقيه الحنبلي، ~~وله تصانيف في الفقه) ، والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب المتكلم الأشعري، ~~وكان مالكي المذهب، رثاه بعضهم فقال: # انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف # وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا ... وانظر إلى درة الإسلام في الصدف # (وفيها قتل أبو الوليد عبد الله بن محمد، المعروف بابن الفرضي الأندلسي، ~~بقرطبة، قتله البربر) . # PageV07P591 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعمائة] ### | 404 - # ثم دخلت سنة أربع وأربعمائة # ذكر فتح يمين الدولة ناردين # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند في جمع عظيم وحشد كثير، وقصد ~~واسطة البلاد من الهند، فسار شهرين، حتى قارب مقصده، ورتب أصحابه وعساكره، ~~فسمع عظيم الهند به، فجمع من عنده من قواده وأصحابه، وبرز إلى جبل هناك، ~~صعب المرتقى، ضيق المسلك، فاحتمى به، وطاول المسلمين، وكتب إلى الهنود ~~يستدعيهم من كل ناحية، فاجتمع عليه منهم كل من يحمل سلاحا، فلما تكاملت ~~عدته نزل من الجبل، وتصاف هو والمسلمون، واشتد القتال وعظم الأمر. # ثم إن الله تعالى منح المسلمين أكتافهم فهزموهم، وأكثروا القتل فيهم، ~~وغنموا ما معهم من مال، وفيل، وسلاح، وغير ذلك. # ووجد في بيت بدا عظيما حجرا منقورا دلت كتابته على أنه مبني منذ أربعين ~~ألف سنة، فعجب الناس لقلة عقولهم. # فلما فرغ من غزوته عاد إلى غزنة، وأرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا ~~وعهدا بخراسان وما بيده من الممالك، فكتب له ذلك، ولقب نظام الدين. # ذكر ما فعله خفاجة دفعة أخرى # في هذه السنة جاء سلطان بن ثمال، واستشفع بأبي الحسن بن مزيد إلى فخر ~~الملك ليرضى عنه، ms3237 فأجابه إلى ذلك، فأخذ عليه العهود بلزوم ما يحمد أمره، ~~فلما # PageV07P592 # خرج وصلت الأخبار بأنهم نهبوا سواد الكوفة، (وقتلوا طائفة من الجند، وأتى ~~أهل الكوفة مستغيثين) ، فسير فخر الملك إليهم عسكرا، وكتب إلى ابن مزيد ~~وغيره بمحاربتهم، فسار إليهم، وأوقع بهم بنهر الرمان وأسر محمد بن ثمال ~~وجماعة معه، ونجا سلطان، وأدخل الأسرى إلى بغداذ مشهرين وحبسوا. # وهب على المنهزمين من بني خفاجة ريح شديدة حارة، فقتلت منهم نحو خمسمائة ~~رجل، وأفلت منهم جماعة ممن كانوا أسروا من الحجاج، وكانوا يرعون إبلهم ~~وغنمهم، فعادوا إلى بغداذ، فوجد بعضهم نساءهم قد تزوجن وولدن، واقتسمت ~~تركاتهم. # ذكر استيلاء طاهر بن هلال على شهرزور # قد ذكرنا حال شهرزور، وأن بدر بن حسنويه سلمها إلى عميد الجيوش، فجعل ~~فيها نوابه. فلما كان الآن سار طاهر بن هلال بن بدر إلى شهرزور، وقاتل من ~~بها من عسكر فخر الملك، وأخذها منهم في رجب، فلما سمع الوزير الخبر أرسل ~~إلى طاهر يعاتبه، ويأمره بإطلاق من أسر من أصحابه، ففعل، ولم تزل شهرزور ~~بيد طاهر إلى أن قتله أبو الشوك، وأخذها منه، وجعلها لأخيه مهلهل. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي إلى أبي الشوك على عزم ~~محاربته، فاصطلحا من غير حرب وتزوج ابنه أبو الأغر دبيس بن علي بأخت أبي ~~الشوك. # PageV07P593 # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو الحسن علي بن سعيد الإصطخري، وهو شيخ من شيوخ ~~المعتزلة ومشهوريهم، وكان عمره قد زاد على ثمانين سنة، (وله تصانيف في الرد ~~على الباطنية) . # PageV07P594 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة] ### | 405 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة # ذكر غزوة تانيشر # قد ذكر ليمين الدولة أن بناحية تانيشر فيلة من جنس فيلة الصيلمان ~~الموصوفة في الحرب، وأن صاحبها غال في الكفر والطغيان، والعناد للمسلمين، ~~فعزم على غزوه (في عقر داره، وأن يذيقه شربة من كأس قتاله) ، فسار في ~~الجنود والعساكر والمتطوعة، فلقي في طريقه أودية بعيدة القعر، وعرة ~~المسالك، وقفارا فسيحة الأقطار والأطراف، بعيدة الأكناف، والماء بها ms3238 قليل، ~~فلقوا شدة، وقاسوا مشقة إلى أن قطعوها. # فلما قاربوا مقصدهم لقوا نهرا شديد الجرية، صعب المخاضة، وقد وقف صاحب ~~تلك البلاد على طرفه، يمنع من عبوره، ومعه عساكره وفيلته التي كان يدل بها. ~~فأمر يمين الدولة شجعان عسكره بعبور النهر، وإشغال الكافر بالقتال ليتمكن ~~باقي العسكر من العبور، ففعلوا ذلك، وقاتلوا الهنود، وشغلوهم عن حفظ النهر، ~~حتى عبر سائر العسكر في المخاضات، وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار، ~~فانهزم الهند، وظفر المسلمون، وغنموا ما معهم من أموال وفيلة، وعادوا إلى ~~غزنة موفرين ظافرين. # PageV07P595 # ذكر قتل بدر بن حسنويه وإطلاق ابنه هلال وقتله # في هذه السنة قتل بدر بن حسنويه أمير الجبل. # وكان سبب قتله أنه سار إلى الحسين بن مسعود الكردي ليملك عليه بلاده، ~~فحصره بحصن كوسحد، فضجر أصحاب بدر منه لهجوم الشتاء، فعزموا على قتله، ~~فأتاه بعض خواصه وعرفه ذلك، فقال: فمن هم الكلاب حتى يفعلوا ذلك، وأبعدهم، ~~فعاد إليه، فلم يأذن له، فقال من وراء الخركاة: الذي أعلمتك قد قوي العزم ~~عليه فلم يلتفت إليه. # وخرج فجلس على تل، فثاروا به، فقتله طائفة منهم تسمى الجورقان، ونهبوا ~~عسكره، وتركوه وساروا. فنزل الحسين بن مسعود، فرآه ملقى على الأرض، فأمر ~~بتجهيزه وحمله إلى مشهد علي عليه السلام ليدفن فيه، ففعل ذلك. # وكان عادلا، كثير الصدقة والمعروف، كبير النفس، عظيم الهمة. ولما قتل هرب ~~الجورقان إلى شمس الدولة أبي طاهر بن فخر الدولة بن بويه، فدخلوا في طاعته. # وكان طاهر بن هلال بن بدر هاربا من جده بنواحي شهرزور، فلما عرف بقتله ~~بادر يطلب ملكه، فوقع بينه وبين شمس الدولة حرب، فأسر طاهر وحبس وأخذ ما ~~كان قد جمعه بعد (أن ملك نائبا من أبيه) هلال، وكان عظيما، وحمله إلى ~~همذان، وسار اللرية والشاذنجان إلى أبي الشوك فدخلوا في طاعته. # وحين قتل كان ابنه هلال محبوسا عند الملك سلطان الدولة، كما ذكرنا، فلما ~~قتل بدر استولى شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه على بعض بلاده، فلما علم ms3239 # PageV07P596 # سلطان الدولة بذلك أطلق هلالا وجهزه وسيره ومعه العساكر ليستعيد ما ملكه ~~شمس الدولة (من بلاده. فسار إلى شمس الدولة) ، فالتقيا في ذي القعدة، ~~واقتتل العسكران، فانهزم أصحاب هلال، وأسر هو، فقتل أيضا، وعادت العساكر ~~التي كانت معه إلى بغداذ على أسوء حال. # وكان ممن أسر معه أبو المظفر أنوشتكين الأعرابي، وكان في مملكة بدر سابور ~~خواست، والدينور، وبروجرد، ونهاوند، وأسداباذ، وقطعة من أعمال الأهواز، وما ~~بين ذلك من القلاع والولايات. # ذكر الحرب بين علي بن مزيد وبين بني دبيس # في هذه السنة، في المحرم، كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي ~~وبين مضر، ونبهان، وحسان، وطراد بني دبيس. # وسببها أنهم كانوا قد قتلوا أبا الغنائم بن مزيد أخا أبي الحسن في حرب ~~بينهم، وقد تقدم ذكرها، وحالت الأيام بينه وبين الأخذ بثأره، فلما كان الآن ~~تجهز لقصدهم، وجمع العرب، والشاذنجان، والجوانية، وغيرهما من الأكراد، وسار ~~إليهم، فلما قرب منهم خرجت زوجته ابنة دبيس وقصدت أخاها مضر بن دبيس ليلا، ~~وقالت له: قد أتاكن ابن مزيد فيما لا قبل لكم به، وهو يقنع منكم بإبعاد ~~نبهان قاتل أخيه، فأبعدوه، وقد تفرقت هذه العساكر. فأجابها أخوها مضر إلى ~~ذلك، وامتنع أخوه حسان. # فلما سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره، وأراد طلاقها، فقالت له: خفت ~~أن أكون في هذه الحرب بين فقد أخ حميم، أو زوج كريم، ففعلت ما فعلت رجاء ~~الصلاح، فزال ما عنده منها، وتقدم إليهم، وتقدموا إليه بالحلل والبيوت، ~~فالتقوا # PageV07P597 # واقتتلوا، (واشتد القتال لما بين الفريقين من الذحول) ، فظفر ابن مزيد ~~بهم، وهزمهم، وقتل حسان ونبهان ابني دبيس، واستولى على البيوت والأموال، ~~ولحق من سلم من الهزيمة بالحويزة. # ولما ظفر بهم رأى عندهم مكاتبات فخر الملك يأمرهم بالجد في أمره ويعدهم ~~النصرة، فعاتبه على ذلك، وحصل بينهما نفرة، ودعت فخر الملك الضرورة إلى ~~تقليد ابن مزيد الجزيرة الدبيسية، واستثنى مواضع منها: الطيب وقرقوب ~~وغيرهما، وبقي أبو الحسن هناك إلى جمادى الأولى. # ثم إن مضر بن دبيس ms3240 جمع جمعا، وكبس أبا الحسن ليلا، فهرب في نفر يسير، ~~واستولى مضر على حلله (وأمواله، وكل ماله) ، ولحق أبو الحسن ببلد النيل ~~منهزما. # ذكر ملك شمس الدولة الري وعوده عنها # لما ملك شمس الدولة بن فخر الدولة ولاية بدر بن حسنويه وأخذ ما في قلاعه ~~من الأموال عظم شأنه، واتسع ملكه، فسار إلى الري، وبها أخوه مجد الدولة، ~~فرحل عن الري ومعه والدته إلى دنباوند، وخرجت عساكر الري إلى شمس الدولة ~~مذعنة بالطاعة، ودخل الري وملكها وخرج منها يطلب أخاه ووالدته، فشغب الجند ~~عليه، وزاد خطبهم، وطالبوه مطالبات اتسع الخرق بها، فعاد إلى همذان وأرسل ~~إلى أخيه ووالدته يأمرهما بالعود إلى الري، فعادا. # PageV07P598 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة، في شعبان، توفي أبو الحسن أحمد بن علي البتي، الكاتب ~~الشاعر، ومن شعره في تكة: # لم لا أتيه ومضجعي بين الروادف والخصور ... وإذا نسجت، فإنني بين الترائب ~~والنحور # ولقد نشأت صغيرة بأكف ربات الخدور # وله نوادر كثيرة منها أنه شرب فقاعا في دار فخر الملك، فلم يستطبه، فجلس ~~مفكرا، فقال له الفقاعي: في أي شيء تفكر؟ فقال: في دقة صنعتك، كيف (أمكنك ~~الخراء) في هذه الكيزان الضيقة كلها؟ . # وفي رمضان منها قتل القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الفقيه، وكان ~~من أئمة أصحاب الشافعي، وكان قاضي الدينور، قتله طائفة من عامتها خوفا منه. # وتوفي أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة السعدي الشاعر، والقاضي أبو # PageV07P599 # محمد بن الأكفاني، قاضي بغداذ، وولي بعده قضاء القضاة أبو الحسن بن أبي ~~الشوارب البصري. # وتوفي أبو أحمد عبد السلام بن الحسن البصري الأديب، وأبو القاسم هبة الله ~~بن عيسى، كاتب مهذب الدولة بالبطيحة، وهو من الكتاب المفلقين، ومكاتباته ~~مشهورة، وكان ممدحا، وممن مدحه ابن الحجاج. # وتوفي أيضا عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس أبو سعد ~~الإدريسي، الإستراباذي، الحافظ، نزيل سمرقند، وهو مصنف تاريخ سمرقند. # وتوفي أيضا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، صاحب ms3241 ~~التصانيف الحسنة المشهورة، وأبو الحسن بن عياض، وكان يلقب الناصر، وكان ~~يتولى الأهواز، وقام ولده بنكير مقامه، وأبو علي الحسن بن الحسين بن حمكان ~~الهمذاني، الفقيه الشافعي، وكان إماما عالما. # PageV07P600 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعمائة] ### | 406 - # ثم دخلت سنة ست وأربعمائة # ذكر الفتنة بين باديس وعمه حماد # في هذه السنة ظهر الاختلاف بين الأمير باديس صاحب إفريقية، وعمه حماد حتى ~~آل الأمر بينهما إلى الحرب التي لا بقيا بعدها. # وسبب ذلك أن باديس أبلغ عن عمه حماد قوارص وأمورا أنكرها، فأغضى عليها، ~~حتى كثر ذلك عليه، وكان لباديس ولد اسمه المنصور أراد أن يقدمه ويجعله ولي ~~عهده، فأرسل إلى عمه حماد يقول له بأن يسلم بعض ما بيده من الأعمال التي ~~أقطعه إلى نائب ابنه المنصور، وهي مدينة تيجس، وقصر الإفريقي وقسنطينة، ~~وسير إلى تسليم ذلك هاشم بن جعفر، وهو من كبار قوادهم، وسير معه عمه ~~إبراهيم ليمنع أخاه حمادا من أمر إن أراده. فسارا إلى أن قاربا حمادا، ~~ففارق إبراهيم هاشما، وتقدم إلى أخيه حماد، فلما وصل إليه حسن له الخلاف ~~على باديس، ووافقه على ذلك، وخلعا الطاعة، وأظهرا العصيان، وجمعا الجموع ~~الكثيرة، فكانوا ثلاثين ألف مقاتل. # فبلغ ذلك باديس، فجمع عساكره وسار إليهما، ورحل حماد وأخوه إبراهيم إلى ~~هاشم بن جعفر والعسكر الذين معه، وهو بقلعة شقنبارية، فكان بينهم حرب انهزم ~~فيها ابن جعفر ولجأ إلى باجة، وغنم حماد ماله وعدده، فرحل باديس إلى مكان # PageV07P601 # يسمى قبر الشهيد، فأتاه جمع كثير من عسكر عمه حماد، ووصلت كتب حماد ~~وإبراهيم إلى باديس أنهما ما فارقا الجماعة، ولا خرجا عن الطاعة، فكذبهما ~~ما ظهر من أفعالهما من سفك الدماء، وقتل الأطفال، وإحراق الزروع والمساكن، ~~وسبي النساء. # ووصل حماد إلى باجة فطلب أهلها منه الأمان، فأمنهم، واطمأنوا إلى عهده، ~~فدخلها يقتل وينهب ويحرق ويأخذ الأموال. # وتقدم باديس إليه بعساكره، فلما كان في صفر سنة ست وأربعمائة، وصل حماد ~~إلى مدينة أشير، وهي له، فيها نائبه، واسمه خلف الحميري، فمنعه خلف من ms3242 ~~دخولها، وصار في طاعة باديس، فسقط في يد حماد، فإنها هي كانت معوله ~~لحصانتها وقوتها. # ووصل باديس إلى مدينة المسيلة، ولقيه أهلها، وفرحوا به، وسير جيشا إلى ~~المدينة التي أحدثها حماد، فخربوها إلا أنهم لم يأخذوا مال أحد، وهرب إلى ~~باديس جماعة كثيرة من جند القلعة التي له، وفيها أخوه إبراهيم، فأخذ ~~إبراهيم أبناءهم، وذبحهم على صدور أمهاتهم، فقيل إنه ذبح بيده منهم ستين ~~طفلا، فلما فرغ من الأطفال قتل الأمهات. # وتقارب باديس وحماد، والتقوا مستهل جمادى الأولى، واقتتلوا أشد قتال ~~وأعظمه، ووطن أصحاب باديس أنفسهم على الصبر أو الموت لما كان حماد يفعله ~~لمن يظفر به، واختلط الناس بعضهم ببعض، وكثر القتل، ثم انهزم حماد وعسكره ~~لا يلوي على شيء، وغنم عسكر باديس أثقاله وأمواله، وفي جملة ما غنم منه ~~عشرة آلاف درقة مختارة لمط، ولولا اشتغال العسكر بالنهب لأخذ حماد أسيرا. # وسار حتى وصل إلى قلعته تاسع جمادى الأولى، وجاء إلى مدينة دكمة، فتجنى ~~على أهلها، فوضع السيف فيهم، فقتل ثلاثمائة رجل. فخرج إليه فقيه منها وقال ~~له: يا حماد إذا لقيت الجيوش انهزمت، وإذا قاومتك الجموع فررت، وإنما قدرتك # PageV07P602 # وسلطانك على أسير لا قدرة له عليك؛ فقتله وحمل جميع ما في المدينة من ~~طعام وملح وذخيرة إلى القلعة التي له. # وسار باديس خلفه، وعزم على المقام بناحيته، وأمر بالبناء، وبذل الأموال ~~لرجاله، فاشتد ذلك على حماد، وأنكر رجاله، وضعفت نفسه، وتفرق عنه أصحابه. # ثم مات ورو بن سعيد الزناتي المتغلب على ناحية طرابلس، واختلفت كلمة ~~زناتة، فمالت فرقة مع أخيه خزرون، وفرقة مع ابن ورو، فاشتد ذلك أيضا على ~~حماد، وكان يطمع أن زناتة تغلب على بعض البلاد، فيضطر باديس إلى الحركة ~~إليهم. # ذكر وفاة باديس وولاية ابنه المعز # لما كان يوم الثلاثاء، سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة، أمر باديس بعرض ~~العساكر، فرأى ما سره، وركب آخر النهار، ونزل ومعه جماعة من أصحابه، ~~ففارقوه إلى خيامهم، فلما كان نصف الليل توفي. # وخرج الخادم في الوقت إلى ms3243 حبيب بن أبي سعيد، وباديس بن أبي حمامة، وأيوب ~~بن يطوفت، وهم أكبر قواده، (فأعلمهم بوفاته) . # وكان بين حبيب وباديس بن حمامة عداوة، فخرج حبيب مسرعا إلى باديس وخرج ~~باديس إليه أيضا، فالتقيا في الطريق، فقال كل واحد منهما لصاحبه: قد عرفت ~~الذي بيننا، والأولى أن نتفق على إصلاح هذا الخلل، فإذا انقضى رجعنا إلى # PageV07P603 # المنافسة. فاجتمعا مع أيوب وقالوا: إن العدو قريب منا، وصاحبنا بعيد عنا، ~~ومتى لم نقدم رأسا نرجع إليه في أمورنا لم نأمن العدو، ونحن نعلم ميل ~~صنهاجة إلى المعز، وغيرهم إلى كرامت بن المنصور أخي باديس، فاجتمعوا على ~~تولية كرامت ظاهرا، فإذا وصلوا إلى موضع الأمن، ولوا المعز بن باديس، ~~وينقطع الشر. # فأحضروا كرامت وبايعوه، وولوه في الحال، وأصبحوا وليس عند أحد من العسكر ~~خبر من ذلك، وعزموا أن يقولوا للناس بكرة إن باديس قد شرب دواء، فلما ~~أصبحوا أغلق أهل مدينة المحمدية أبوابها، وكأنما نودي فيهم بموت باديس، ~~فشاع الخبر، وخاف الناس خوفا عظيما، واضطربوا لموته وأظهروا ولاية كرامت، ~~فلما رأى ذلك عبيد باديس ومن معهم أنكروه، فخلا حبيب بأكابرهم، وعرفهم ~~الحال فسكنوا. # ومضى كرامت إلى مدينة أشير ليجمع صنهاجة، وتلكاتة، وغيرهم، وأعطوهم من ~~الخزائن مائة ألف دينار. # وأما المعز فإنه كان عمره ثماني سنين وستة أشهر وأياما تقريبا، لأن مولده ~~كان في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ولما وصل إليه الخبر بموت ~~أبيه أجلسه من عنده للعزاء، ثم ركب في الموكب، وبايعه الناس فكان يركب كل ~~يوم، ويطعم الناس كل يوم بين يديه. # وأما العساكر فإنهم رحلوا من مدينة المحمدية إلى المعز، وجعلوا باديس في ~~تابوت بين يدي العسكر، والطبول والبنود على رأسه، والعساكر تتبعه ميمنة ~~وميسرة، وكان وصولهم إلى المنصورية رابع المحرم سنة سبع وأربعمائة ووصلوا ~~إلى المهدية، والمعز بها ثامن المحرم، فركب المعز ووقف حبيب يعلمه بهم، ~~ويذكر له أسماءهم، ويعرفه بقوادهم وأكابرهم، فرحل المعز من المهدية فوصل ~~إلى المنصورية منتصف المحرم. # PageV07P604 # وهذا المعز أول من حمل الناس بإفريقية على ms3244 مذهب مالك، وكان الأغلب عليهم ~~مذهب أبي حنيفة. # وأما كرامت فإنه لما وصل إلى مدينة أشير اجتمع عليه قبائل صنهاجة وغيرهم، ~~فأتاه حماد في ألف وخمسمائة فارس، فتقدم إليه كرامت [في] سبعة آلاف مقاتل، ~~فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فرجع بعض أصحاب كرامت إلى بيت المال ~~فانتهبوه وهربوا، فتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، ووصل إلى مدينة أشير ~~فأشار عليه قاضيها وأعيان أهلها بالمقام ومنع حماد عنها، ففعل، ونازلهم ~~حماد، وطلب كرامت ليجتمع به، فخرج إليه، فأعطاه مالا، وأذن له في المسير ~~إلى المعز، وقتل حماد من أهل أشير كثيرا حيث أشاروا على كرامت بحفظ البلد ~~ومنع حماد منه، ووصل كرامت إلى المعز في المحرم هذه السنة، فأكرمه وأحسن ~~إليه. # وفي آخر ذي الحجة سير الحاكم الخلع من مصر إلى المعز، ولقبه شرف الدولة، ~~(ولم يذكر ما كان منه إلى الشيعة من القتل والإحراق) ، وسار المعز إلى حماد ~~لثمان بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة بالعساكر لمنعه عن البلاد، فإنه كان ~~يحاصر باغاية وغيرها، فلما قاربه رحل عن باغاية، والتقوا آخر ربيع الأول، ~~فاقتتلوا، فما كان إلا ساعة حتى انهزم حماد وأصحابه، ووضع أصحاب المعز فيهم ~~السيف، وغنموا ما لهم من عدد ومال وغير ذلك، فنادى المعز: من أتى برأس فله ~~أربعة دنانير، فأتي بشيء كثير، وأسر إبراهيم أخو حماد، ونجا حماد وقد ~~أصابته جراحة، وتفرق عنه أصحابه، ورجع المعز، وورد رسول من حماد إليه ~~يعتذر، ويقر بالخطإ، ويسأل العفو، فأجابه المعز: إن كنت على ما قلته فأرسل ~~ولدك القائد إلينا. # واستعمل المعز على جميع العرب المجاورة لإبراهيم عمه كرامت، فعاد جواب ~~حماد أنه إذا وصله كتاب أخيه إبراهيم بالعلامات التي بينهم أنه قد أخذ ~~لهعهد # PageV07P605 # المعز، بعث ولده القائد، أو حضر هو بنفسه. فحضر إبراهيم وأخذ العهود على ~~المعز، وأرسل إليه يعرفه ذلك ويشكر المعز على إحسانه إليه، ووصل المعز إلى ~~قصره آخر جمادى الأولى، ولما وصل أطلق عمه إبراهيم، وخلع عليه، وأعطاه ~~الأموال والدواب وجميع ما يحتاج إليه، فلما سمع ms3245 حماد ذلك أرسل ولده القائد ~~إلى المعز، وكان وصوله للنصف من شعبان، فأكرمه وأعطاه شيئا كثيرا، وأقطعه ~~المسيلة وطبنة وغيرهما، وعاد إلى أبيه في شهر رمضان، ورضي الصلح، وحلف ~~عليه، واستقرت الأمور بينهما، وتصاهرا، وزوج المعز أخته بعبد الله بن حماد، ~~فازدادوا اتفاقا وأمنا. # وكان بإفريقية والغرب غلاء بسبب الجراد، واختلاف الملوك، ولما استقر ~~الصلح والاتفاق سير المعز الجيوش إلى القبائل من البربر وغيرهم، فإن الحروب ~~بينهم كانت بسبب الاختلاف كثيرة، والدماء مسفوكة، فلما رأوا عساكر السلطان ~~رجعوا إلى السكون وترك الحرب، ومن أبى قوتل، فقتل المفسدون، وأصلح ما بين ~~القبائل. # ووصل (من جزيرة الأندلس) زاوي بن زيري بن مناد، عم أبي المعز، وأهله ~~وولده وحشمه، وكان قد أقام بالأندلس مدة طويلة، وقد ذكرنا سبب دخوله ~~الأندلس، وملك بالأندلس غرناطة وقاسى حروبا كثيرة، ووصل معه من الأموال ~~والعدد والجواهر شيء كثير لا يحد، فأكرمهم المعز، وحمل لهم شيئا عظيما، ~~وإقامات زائدة، وأقاموا عنده. # وكان ينبغي أن يكتب وفاة باديس وما بعده سنة سبع وأربعمائة، وإنما أتبعنا ~~بعض أخبارهم بعضا. # PageV07P606 # ذكر غزوة محمود إلى الهند # في هذه السنة غزا محمود بن سبكتكين الهند على عادته، فضل أدلاؤه الطريق، ~~ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر، فغرق كثير ممن معه، وخاض الماء ~~بنفسه أياما حتى تخلص، وعاد إلى خراسان. # ذكر قتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان # وفيها قبض سلطان الدولة (على نائبه بالعراق) ووزيره فخر الملك أبي غالب، ~~وقتل سلخ ربيع الأول، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرا، وكان ~~نظره بالعراق خمس سنين وأربعة شهور واثني عشر يوما، وكان كافيا حسن الولاية ~~والآثار، ووجد له ألف ألف دينار عينا سوى ما نهب، وسوى الأعراض، وكان قبضه ~~بالأهواز، ولما مات نقل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن هناك. # قيل: كان ابن علمكار، وهو من كبار قوادهم، وقد قتل إنسانا ببغداذ، فكانت ~~زوجته تكتب إلى فخر الملك أبي غالب تتظلم منه ولا يلتفت إليها، فلقيته يوما ~~وقالت له: تلك ms3246 الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إلى الله تعالى. فلم ~~يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكار، فقال له فخر الملك: قد برز ~~جواب رقاع تلك المرأة. ولما قبض فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد ~~الحسن بن سهلان فلقب عميد أصحاب الجيوش وكان مولده برامهرمز في شعبان سنة ~~إحدى وستين وثلاثمائة. # PageV07P607 # ذكر قتل طاهر بن هلال بن بدر # في هذه السنة أطلق شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه طاهر بن هلال بن ~~بدر، واستحلفه على الطاعة له، واجتمع معه طوائف فقوي بهم. وحارب أبا الشوك ~~فهزمه، وقتل سعدي أخو أبي الشوك ثم انهزم أبو الشوك منه مرة ثانية، ومضى ~~منهزما إلى حلوان، وبذل له أبو الحسن بن مزيد الأسدي المعاونة، فلم يكن فيه ~~معاودة الحرب. # وأقام طاهر بالنهروان، وصالح أبا الشوك، وتزوج أخته، فلما أمنه طاهر وثب ~~عليه أبو الشوك فقتله بثأر أخيه سعدي، وحمله وأصحابه فدفنوه بمشهد باب ~~التبن. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # فيها توفي الشريف الرضي (محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن ~~جعفر أبو الحسن) ، صاحب الديوان المشهور، وشهد جنازته الناس كافة، ولم ~~يشهدها أخوه لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته، فأقام بالمشهد إلى أن أعاده ~~الوزير فخر الملك إلى داره، ورثاه كثير من الشعراء منهم أخوه المرتضى، ~~فقال: # يا للرجال لفجعة جذمت يدي # ووددتها ذهبت علي براسي ... ما زلت آبى وردها، حتى أتت # فحسوتها في بعض ما أنا حاسي ... ومطلتها زمنا، فلما صممت # لم يثنها مطلي، وطول مكاسي ... لا تنكروا من فيض دمعي عبرة # فالدمع خير مساعد ومؤاس ... واها لعمرك من قصير طاهر # ولرب عمر طال بالأرجاس # وفيها توفي أبو طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي، مصنف " شرح # PageV07P608 # الإيضاح "، وأبو أحمد عبيد الله بن أبي مسلم الفرضي، والإمام أبو حامد ~~(أحمد بن محمد بن أحمد) الإسفراييني إمام أصحاب الشافعي، وكان يحضر دراسته ~~أربعمائة متفقه، وكان يدرس بمسجد عبد الله بن المبارك بقطيعة الفقهاء، وكان ~~عمره إحدى ms3247 وستين سنة وأشهرا. # وفيها توفي أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن والد عميد الجيوش، بشيراز، وكان ~~عمره مائة وخمس سنين، وتوفي شهاب الدولة أبو درع رافع بن محمد بن مقن، وله ~~شعر حسن، منه: # وما زلت أبكي في الديار تأسفا ... لبين خليل، أو فراق حبيب # فلما عرفت الربع لا شك أنه ... هو الربع فاضت مقلتي بغروب # وجربت دهري ناسيا، فوجدته ... أخا غير لا تنقضي وخطوب # وعاشرت أبناء الزمان، فلم أجد ... من الناس خدنا حافظا لمغيب # ولم يبق منهم حافظ لذمامه ... ولا ناصر يرعى جوار قريب # وفيها توفي خاشاذه أبو نصر الذي كان صاحب غرشسحتان من خراسان، في قبض ~~يمين الدولة، وقد ذكرنا سبب ذلك. # [عدة حوادث] وفيها، في صفر، قلد الشريف المرتضى أبو القاسم أخو الرضي ~~نقابة العلويين، والحج، والمظالم، بعد موت أخيه الرضي. # PageV07P609 # (وفيها وقعت فتنة ببغداذ بين أهل الكرخ وبين أهل باب الشعير، ونهبوا ~~القلائين، فأنكر فخر الملك على أهل الكرخ، ومنعوا من النوح يوم عاشوراء، ~~ومن تعليق المسوح. # وفيها وقع بالبصرة وما جاورها وباء شديد عجز [معه] الحفارون عن حفر ~~القبور. # وفيها، في حزيران، جاء مطر شديد في بلاد العراق وكثير من البلاد) . # PageV07P610 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعمائة] ### | 407 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعمائة # ذكر قتل خوارزمشاه وملك يمين الدولة خوارزم وتسليمها إلى التونتاش # في هذه السنة قتل خوارزمشاه أبو العباس مأمون بن مأمون (وملك يمين الدولة ~~خوارزم) . # وسبب ذلك أن أبا العباس كان قد ملك خوارزم والجرجانية، كما ذكرناه، وخطب ~~إلى يمين الدولة، فزوجه أخته، ثم إن يمين الدولة أرسل إليه يطلب أن يخطب له ~~على منابر بلاده، فأجابه إلى ذلك، وأحضر أمراء دولته واستشارهم في ذلك، ~~فأظهروا الامتناع، ونهوه عنه، وتهددوه بالقتل إن فعله، فعاد الرسول وحكى ~~ليمين الدولة ما شاهده. # ثم إن الأمراء خافوه حيث ردوا أمره، فقتلوه غيلة، ولم يعلم قاتله، ~~وأجلسوا مكانه أحد أولاده، وعلموا أن يمين الدولة يسوءه ذلك، وربما طالبهم ~~بثأره، فتعاهدوا على مقاتلته ومقارعته. # واتصل الخبر بيمين الدولة فجمع ms3248 العساكر وسار نحوهم، فلما قاربهم جمعهم ~~صاحب جيشهم، ويعرف بالبتكين البخاري، وأمرهم بالخروج إلى لقاء مقدمة يمين ~~الدولة والإيقاع بمن فيها من الأجناد، فساروا معه وقاتلوا مقدمة يمين ~~الدولة، واشتد القتال بينهم. # PageV07P611 # واتصل الخبر بيمين الدولة، فتقدم نحوهم في سائر جيوشه، فلحقهم وهم في ~~الحرب، فثبت الخوارزمية إلى أن انتصف النهار، وأحسنوا القتال، ثم إنهم ~~انهزموا، وركبهم أصحاب يمين الدولة يقتلون ويأسرون، ولم يسلم إلا القليل. # ثم إن البتكين ركب سفينة لينجو فيها، فجرى بينه وبين من معه منافرة، ~~فقاموا عليه وأوثقوه، وردوا السفينة إلى ناحية يمين الدولة وسلموه إليه، ~~فأخذه وسائر القواد المأسورين معه، وصلبهم عند قبر أبي العباس خوارزمشاه، ~~وأخذ الباقين من الأسرى، فسيرهم إلى غزنة، فوجا بعد فوج، فلما اجتمعوا بها ~~أفرج عنهم، وأجرى لهم الأرزاق، وسيرهم إلى أطراف بلاده من أرض الهند ~~يحمونها من الأعداء، ويحفظونها من أهل الفساد، وأخذ خوارزم واستناب بها ~~حاجبه التونتاش. # ذكر غزوة قشمير وقنوج وغيرهما # في هذه السنة غزا يمين الدولة بلاد الهند، بعد فراغه من خوارزم، فسار ~~منها إلى غزنة (ومنها إلى الهند) عازما على غزو قشمير، إذ كان قد استولى ~~على بلاد الهند ما بينه وبين قشمير، وأتاه من المتطوعة نحو عشرين ألف مقاتل ~~من ما وراء النهر، وغيره من البلاد، وسار إليها من غزنة ثلاثة أشهر سيرا ~~دائما، وعبر نهر سيحون، وجيلوم، وهما نهران عميقان شديدا الجرية، فوطئ أرض ~~الهند، وأتاه رسل ملوكها بالطاعة وبذل الإتاوة. # فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها وأسلم على يده، وسار بين يديه إلى مقصده، ~~فبلغ ماجون في العشرين من رجب، وفتح ما حولها من الولايات الفسيحة (والحصون ~~المنيعة) ، حتى بلغ حصن هودب، وهو آخر ملوك الهند، فنظر هودب # PageV07P612 # من أعلى حصنه، فرأى من العساكر ما هاله ورعبه، وعلم أنه لا ينجيه إلا ~~الإسلام، فخرج في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة الإخلاص، طلبا للخلاص فقبله ~~يمين الدولة، وسار عنه إلى قلعة كلجند، وهو من أعيان الهند وشياطينهم، وكان ~~على طريقه غياض ملتفة لا ms3249 يقدر السالك على قطعها إلا بمشقة، فسير كلجند ~~عساكره وفيوله إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها، فترك يمين الدولة ~~عليهم من يقاتلهم، وسلك طريقا مختصرة إلى الحصن، فلم يشعروا به إلا وهو ~~معهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فلم يطيقوا الصبر على حد السيوف، فانهزموا، ~~وأخذهم السيف من خلفهم، ولقوا نهرا عميقا بين أيديهم، فاقتحموه، فغرق ~~أكثرهم وكان القتلى والغرقى قريبا من خمسين ألفا، وعمد كلجند إلى زوجته ~~فقتلها ثم قتل نفسه بعدها، وغنم المسلمون أمواله وملكوا حصونه. # ثم سار نحو بيت متعبد لهم، وهو مهرة الهند، وهو من أحصن الأبنية على نهر، ~~ولهم به من الأصنام كثير، منها خمسة أصنام من الذهب الأحمر المرصع ~~بالجواهر، وكان فيها من الذهب ستمائة ألف وتسعون ألفا وثلاثمائة مثقال، ~~وكان بها من الأصنام المصوغة من النقرة نحو مائتي صنم، فأخذ يمين الدولة ~~ذلك جميعه، وأحرق الباقي، وسار نحو قنوج، (وصاحبها راجيال) ، فوصل إليها في ~~شعبان، فرأى صاحبها قد فارقها: وعبر الماء المسمى كنك، وهو ماء شريف عندهم ~~يرون أنه من الجنة، وأن من غرق نفسه فيه طهر من الآثام، فأخذها يمين ~~الدولة، وأخذ قلاعها وأعمالها، وهي سبع على الماء المذكور، وفيها قريب من ~~عشرة آلاف بيت صنم، يذكرون أنها عملت من مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف ~~كذبا منهم وزورا، ولما فتحها أباحها عسكره. # ثم سار إلى قلعة البراهمة، فقاتلوه وثبتوا، فلما عضهم السلاح علموا أنهم ~~لا طاقة لهم، فاستسلموا للسيف فقتلوا، ولم ينج منهم إلا الشريد. # PageV07P613 # ثم سار نحو قلعة آسي، وصاحبها جند بال، فلما قاربها هرب جند بال، وأخذ ~~يمين الدولة حصنه وما فيه، ثم سار إلى قلعة شروة، وصاحبها جندرآي، فلما ~~قاربه نقل ماله وفيوله نحو جبال هناك منيعة يحتمي بها، وعمي خبره فلم يدر ~~أين هو، فنازل يمين الدولة حصنه فافتتحه وغنم ما فيه، وسار في طلب جندرآي ~~جريدة، (وقد بلغه خبره) ، فلحق به في آخر شعبان فقاتله، فقتل أكثر جند ~~جندرآي، وأسر أكثر منهم، وغنم ما معه من مال ms3250 وفيل، وهرب جندرآي في نفر من ~~أصحابه فنجا. # وكان السبي في هذه الغزوة كثيرا حتى إن أحدهم كان يباع بأقل من عشرة ~~دراهم، ثم عاد إلى غزنة ظافرا، ولما عاد من هذه الغزوة أمر ببناء جامع ~~غزنة، فبني بناء لم يسمع بمثله، ووسع فيه، وكان جامعها القديم صغيرا، وأنفق ~~ما غنمه في هذه الغزاة في بنائه. # ذكر حال ابن فولاذ # في هذه السنة عظمت شوكة ابن فولاذ وكبر شأنه. # وكان ابتداء أمره أنه كان وضيعا، فنجم في دولة بني بويه، وعلا صيته، ~~وارتفع قدره، واجتمع إليه الرجال، فلما كان الآن طلب من مجد الدولة ووالدته ~~أن يقطعاه قزوين لتكون له ولمن معه (من الرجال) ، فلم يفعلا، واعتذرا إليه، ~~فقصد أطراف ولاية الري، وأظهر العصيان، وجعل يفسد ويغير، ويقطع السبل، وملك ~~ما يليه من القرى، فعجزا عنه، فاستعانا بإصبهبذ المقيم بفريم، فأتاهما في ~~رجال الجيل، # PageV07P614 # وجرى بينهم وبين ابن فولاذ (عدة حروب، وجرح ابن فولاذ، وولى) منهزما حتى ~~بلغ الدامغان، فأقام حتى عاد أصحابه إليه ورجع إصبهبذ إلى بلاده. # وكتب ابن فولاذ إلى منوجهر بن قابوس يطلب أن ينفذ له عسكرا ليملك البلاد، ~~ويقيم له الخطبة فيها، ويحمل إليه المال، فأنفذ له ألفي رجل، فسار بهم حتى ~~نزل بظاهر الري، وأعاد الإغارة، ومنع الميرة عنها، فضاقت الأقوات بها، ~~فاضطر مجد الدولة ووالدته إلى مداراته وإعطائه ما يلتمسه، فاستقر بينهم أن ~~يسلما إليه مدينة أصبهان، فسار إليها، وأعاد عسكر منوجهر إليه، وزال ~~الفساد، وعاد إلى طاعة مجد الدولة. # ذكر ابتداء الدولة العلوية بالأندلس وقتل سليمان # وفي هذه السنة ولي الأندلس علي بن حمود بن أبي العيش بن ميمون بن أحمد بن ~~علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وقيل في نسبه غير ذلك (مع اتفاق على صحة ~~نسبه إلى أمير المؤمنين علي، عليه السلام) . # وكان سبب ذلك أن الفتى خيران العامري لم يكن راضيا بولاية ms3251 سليمان بن ~~الحاكم الأموي لأنه كان من أصحاب المؤيد على ما ذكرناه قبل، فلما ملك ~~سليمان قرطبة انهزم خيران في جماعة كثيرة من الفتيان العامريين، فتبعهم ~~البربر وواقعهم، فاشتد القتال بينهم، وجرح خيران عدة جراحات وترك على أنه ~~ميت، فلما فارقوه قام يمشي، فأخذه رجل من البربر إلى داره بقرطبة وعالجه ~~فبرأ وأعطاه مالا، وخرج منها سرا إلى شرق الأندلس، فكثر جمعه، وقويت نفسه، ~~وقاتل من هناك من البربر، وملك المرية، واجتمع إليه الأجناد، وأزال البربر ~~عن البلاد المجاورة له، فغلظ أمره وعظم شأنه. # PageV07P615 # وكان علي بن حمود بمدينة سبتة بينه وبين الأندلس عدوة المجاز مالكا لها، ~~وكان أخوه القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء مستوليا عليها، وبينهما المجاز، ~~وسبب ملكهما أنهما كانا من جملة أصحاب سليمان بن الحاكم، فقودهما على ~~المغاربة، ثم ولاهما هذه البلاد، وكان خيران يميل إلى دولة المؤيد، ويرغب ~~فيها، ويخطب له على منابر بلاده التي استولى عليها لأنه كان يظن حياته حيث ~~فقد من القصر، فحدث لعلي بن حمود طمع في ملك الأندلس لما رأى من الاختلاف، ~~فكتب إلى خيران يذكر له أن المؤيد كان كتب له بولاية العهد والأخذ بثأره إن ~~هو قتل فدعا لعلي بن حمود بولاية العهد. # وكان خيران يكاتب الناس، ويأمرهم بالخروج على سليمان، فوافقه جماعة منهم ~~عامر بن فتوح وزير المؤيد، وهو بمالقة، وكاتبوا علي بن حمود، وهو بسبتة، ~~ليعبر إليهم وليقوموا معه ويسيروا إلى قرطبة، فعبر إلى مالقة في سنة خمس ~~وأربعمائة، فخرج عنها عامر بن فتوح، وسلمها إليه، ودعا له بولاية العهد، ~~وسار خيران ومن أجابه إليه، فاجتمعوا بالمنكب، وهي ما بين المرية ومالقة، ~~سنة ست وأربعمائة، وقرروا ما يفعلونه، وعادوا يتجهزون لقصد قرطبة، فتجهزوا ~~وجمعوا من وافقهم، وساروا إلى قرطبة وبايعوا عليا على طاعة المؤيد الأموي. # فلما بلغوا غرناطة (وافقهم أميرها، وسار معهم إلى قرطبة، فخرج سليمان ~~والبربر إليهم، فالتقوا) واقتتلوا على عشرة فراسخ من قرطبة، ونشب القتال ~~بينهم، فانهزم سليمان والبربر، وقتل منهم خلق كثير، وأخذ سليمان ms3252 أسيرا فحمل ~~إلى علي بن حمود ومعه أخوه وأبوه الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، ~~ودخل علي بن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع [وأربعمائة] ، ودخل خيران وغيره ~~إلى القصر طمعا في أن يجدوا المؤيد حيا فلم يجدوه، ورأوا شخصا مدفونا ~~فنبشوه، وجمعوا له الناس، وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه، ~~ففتشه، وفتش أسنانه لأنه كان له سن سوداء وكان يعرفها ذلك الفتى، فأجمع هو ~~وغيره على أنه المؤيد خوفا على أنفسهم من علي فأخبروا خيران أنه المؤيد، ~~وكان ذلك الفتى يعلم أن # PageV07P616 # المؤيد حي، فأخذ علي بن حمود سليمان وقتله سابع المحرم سنة سبع ~~[وأربعمائة] ، وقتل أباه وأخاه. # ولما حضر أبوه بين يدي علي بن حمود قال له: يا شيخ قتلتم المؤيد، فقال: ~~والله ما قتلناه، وإنه لحي فحينئذ أسرع في قتله، وكان شيخا صالحا منقبضا لم ~~يتدنس بشيء من أحوال ابنه، واستولى علي بن حمود على قرطبة، ودعا الناس إلى ~~بيعته، فبويع، واجتمع له الملك، ولقب المتوكل على الله. # ثم إن خيران أظهر الخلاف عليه لأشياء منها أنه كان طامعا أن يجد المؤيد ~~فلم يجده، ومنها أنه نقل إليه أن عليا يريد قتله فخرج عن قرطبة وأظهر ~~الخلاف عليه. # ذكر ظهور عبد الرحمن الأموي # لما خالف خيران عليا أرسل يسأل عن بني أمية، فدل على عبد الرحمن بن محمد ~~بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، وكان قد خرج من قرطبة مستخفيا، ~~ونزل بجيان، وكان أصلح من بقي من بني أمية، فبايعه خيران وغيره، ولقبوه ~~المرتضى، وراسل خيران منذر بن يحيى التجيبي أمير سرقسطة والثغر الأعلى، ~~وراسل أهل شاطبة، وبلنسية، وطرطوشة، والبنت، فأجابوا كلهم إلى بيعته، ~~والخلاف على علي بن حمود، فاتفق عليه أكثر الأندلس، واجتمعوا بموضع يعرف ~~بالرياحين في الأضحى سنة ثمان وأربعمائة، ومعهم الفقهاء، والشيوخ، وجعلوا ~~الخلافة شورى، وأصفقوا على بيعته، وساروا معه إلى صنهاجة والنزول على ~~غرناطة. # وأقبل المرتضى على أهل بلنسية، وشاطبة، وأظهر الجفاء لمنذر بن يحيى ~~التجيبي، ولخيران، ولم يقبل ms3253 عليهما، فندما على ما كان منهما، وسار حتى وصل ~~إلى غرناطة، فوصل إليها، ونزل عليها، وقاتلوا أياما قتالا شديدا، فغلبهم ~~أهل غرناطة وأميرهم زاوي بن زيري الصنهاجي، وانهزم المرتضى وعسكره، ~~واتبعتهم صنهاجة يقتلون ويأسرون، وقتل المرتضى في هذه الهزيمة وعمره أربعون ~~سنة، وهو أصغر # PageV07P617 # من أخيه هشام، وسار أخوه هشام إلى البنت، وأقام بها إلى أن خوطب ~~بالخلافة، ولم يزل علي بن حمود بعد هذه الهزيمة يقصد بلاد خيران والعامريين ~~مرة بعد أخرى. # ذكر قتل علي بن حمود العلوي # فلما كان في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، تجهز (علي بن حمود) ، للمسير ~~إلى جيان لقتال من بها من عسكر خيران، فلما كان الثامن والعشرون منه برزت ~~العساكر إلى ظاهر قرطبة بالبنود والطبول، ووقفوا ينتظرون خروجه، فدخل ~~الحمام ومعه غلمانه، فقتلوه، فلما طال على الناس انتظاره بحثوا عن أمره، ~~فدخلوا عليه، فرأوه مقتولا، فعاد العسكر إلى البلد. # وكان لقبه المتوكل على الله، وقيل الناصر لدين الله، كان أسمر، أعين، ~~أكحل، خفيف الجسم، طويل القامة، حازما، عازما، عادلا، حسن السيرة، وكان قد ~~عزم على أن يعيد إلى أهل قرطبة أموالهم التي أخذها البربر، فلم تطل أيامه، ~~وكان يحب المدح، ويجزل العطاء عليه. # ثم ولي بعده أخوه القاسم، وهو أكبر من علي بعدة أعوام، وكان عمر علي ~~ثمانيا وأربعين سنة، بنوه يحيى وإدريس، وأمه قرشية، وكنيته أبو الحسن، ~~وكانت ولايته سنة وتسعة أشهر. # PageV07P618 # ذكر ولاية القاسم بن حمود العلوي بقرطبة # قد ذكرنا (قتل أخيه علي بن حمود) سنة سبع وأربعمائة، فلما قتل بايع الناس ~~أخاه القاسم، ولقب المأمون، فلما ولي، واستقر ملكه، كاتب العامريين ~~واستمالهم وأقطع زهيرا جيان، وقلعة رباح، وبياسة، وكاتب خيران واستعطفه، ~~فلجأ إليه واجتمع به، ثم عاد عنه إلى المرية، وبقي القاسم مالكا لقرطبة ~~وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. # وكان وادعا، لينا، يحب العافية، فأمن الناس معه، وكان يتشيع إلا أنه لم ~~يظهر شيئا من ذلك، فسار عن قرطبة إلى إشبيلية، فخالفه يحيى ابن أخيه فيها. # ذكر دولة يحيى ms3254 بن علي بن حمود وما كان منه ومن عمه # لما سار القاسم بن حمود عن قرطبة إلى إشبيلية سار ابن أخيه يحيى بن علي ~~من مالقة إلى قرطبة، فدخلها بغير مانع، فلما تمكن بقرطبة دعا الناس إلى ~~بيعته فأجابوه، فكانت البيعة مستهل جمادى الأولى من سنة اثنتي عشرة ~~وأربعمائة، ولقب بالمعتلي، وبقي بقرطبة يدعى له بالخلافة وعمه القاسم ~~بإشبيلية يدعى له بالخلافة، إلى ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. فسار ~~يحيى عن قرطبة إلى مالقة. # ووصل الخبر إلى عمه، فركب وجد في السير ليلا ونهارا إلى أن وصل إلى قرطبة ~~فدخلها ثامن عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة [وأربعمائة] ، وكان مدة مقامه ~~بإشبيلية، قد استمال العساكر من البربر وقوي بهم، وبقي القاسم بقرطبة ~~شهورا، ثم اضطرب أمره بها، وسار ابن أخيه يحيى بن علي إلى الجزيرة الخضراء، ~~وغلب عليها # PageV07P619 # وبها أهل عمه وماله، وغلب أخوه إدريس بن علي، صاحب سبتة، على طنجة، وهي ~~كانت عدة القاسم التي يلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس، فلما ملك ابنا ~~أخيه بلاده طمع فيه الناس، وتسلط البربر على قرطبة فأخذوا أموالهم، فاجتمع ~~أهلها وبرزوا إلى قتاله عاشر جمادى الأولى إلى سنة أربع عشرة [وأربعمائة] ، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم سكنت الحرب، وأمن بعضهم بعضا إلى منتصف جمادى ~~الأول من السنة، والقاسم بالقصر يظهر التودد لأهل قرطبة، وأنه معهم، وباطنه ~~مع البربر. # فلما كان يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة صلى الناس الجمعة، فلما فرغوا ~~تنادوا: السلاح! السلاح! فاجتمعوا ولبسوا السلاح، وحفظوا البلد، ودخلوا قصر ~~الإمارة، فخرج عنها القاسم، واجتمع معه البربر، وقاتلوا أهل البلد، وضيقوا ~~عليهم، وكانوا أكثر من أهله، فبقوا كذلك نيفا وخمسين يوما والقتال متصل، ~~فخاف أهل قرطبة، وسألوا البربر في أن يفتحوا لهم الطريق ويؤمنوهم على ~~أنفسهم وأهليهم، فأبوا إلا أن يقتلوهم، فصبروا حينئذ على القتال، وخرجوا من ~~البلد ثاني عشر شعبان، وقاتلوهم قتال مستقتل، فنصرهم الله على البربر، {ومن ~~عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله} [الحج: 60] ، وانهزم ms3255 ~~البربر هزيمة عظيمة، ولحق كل طائفة منهم ببلد فاستولوا عليه. # وأما القاسم بن حمود فإنه سار إلى إشبيلية، وكتب إلى أهلها في إخلاء ألف ~~دار ليسكنها البربر، فعظم ذلك عليهم، وكان بها ابنا محمد والحسن، فثار بهما ~~أهلها، فأخرجوهما عنهم ومن معهما، وضبطوا البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة ~~من شيوخهم وكبرائهم وهم: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد ~~اللخمي، ومحمد بن يريم الألهاني، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدي، وكانوا ~~يدبرون أمر البلد والناس # ثم اجتمع ابن يريم والزبيدي، وسألوا ابن عباد أن ينفرد بتدبير أمورهم، ~~فامتنع # PageV07P620 # وألحوا عليه، فلما خاف على البلد بامتناعه أجابهم إلى ذلك، وانفرد ~~بالتدبير وحفظ البلد. # فلما رأى القاسم ذلك سار في تلك البلاد، ثم إنه نزل بشريش، فزحف إليه ~~يحيى ابن أخيه علي، ومعه جمع من البربر فحصروه ثم أخذوه أسيرا، فحبسه يحيى ~~فبقي في حبسه إلى أن توفي يحيى وملك أخوه إدريس، فلما ملك قتله، وقيل: بل ~~مات حتف أنفه، وحمل إلى ابنه محمد، وهو بالجزيرة الخضراء فدفنه. # وكانت مدة ولاية القاسم بقرطبة، مذ تسمى بالخلافة إلى أن أسره ابن أخيه، ~~ستة أعوام، وبقي محبوسا ست عشرة سنة إلى أن قتل سنة إحدى وثلاثين ~~وأربعمائة، وكان له ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن، وأمهما أميرة ~~بنت الحسن بن القاسم المعروف بقتون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس ~~بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وكان أسمر، ~~أعين، أكحل، مصفر اللون، طويلا، خفيف العارضين. # ذكر عود بني أمية إلى قرطبة وولاية المستظهر # لما انهزم البربر والقاسم بن علي من أهل قرطبة، على ما ذكرناه، اتفق رأي ~~أهل قرطبة على رد بني أمية، فاختاروا عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن ~~عبد الرحمن الناصر الأموي، فبايعوه بالخلافة ثالث عشر رمضان من سنة أربع ~~عشرة وأربعمائة، وعمره حينئذ اثنتان وعشرون سنة، وتلقب بالمستظهر بالله، ~~فكانت ولايته شهرا واحدا وسبعة عشر يوما وقتل. # وكان سبب ms3256 قتله أنه أخذ جماعة من أعيان قرطبة فسجنهم لميلهم إلى سليمان بن ~~المرتضى بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وأخذ ~~أموالهم، فسعوا عليه من السجن، وألبوا الناس، فأجابهم صاحب الشرطة وغيره، ~~واجتمعوا وقصدوا السجن فأخرجوا من فيه. # PageV07P621 # وكان ممن وافقهم على ذلك أبو عبد الرحمن محمد (بن عبد الرحمن) الأموي في ~~جماعة كثيرة، فظفروا بالمستظهر، فقتلوه في ذي القعدة، ولم يعقب، وكنيته أبو ~~المطرف، وأمه أم ولد، وكان أبيض أشقر، أعين، شثن الكفين، رحب الصدر، وكان ~~أديبا، خطيبا، بليغا، رقيق الطبع وله شعر جيد، وكان وزيره أبا محمد علي بن ~~أحمد بن سعيد بن حزم، وكان سليمان بن المرتضى قد مات قبل قتله بعشرة أيام. # ذكر ولاية محمد بن عبد الرحمن # لما قتل المستظهر بايع الناس بقرطبة محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن ~~الناصر، وكنيته أبو عبد الرحمن الأموي، في ذي القعدة سنة أربع عشرة ~~وأربعمائة، وخطبوا له بالخلافة، ولقبوه المستكفي بالله، وكان همه لا يعدو ~~فرجه وبطنه، وليس له هم ولا فكر في سواهما، وبقي بها ستة عشر شهرا وأياما، ~~وثار عليه أهل قرطبة في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، فخلعوه وخرج عن ~~قرطبة ومعه جماعة من أصحابه، حتى صار إلى أعمال مدينة سالم فضجر منه بعض ~~أصحابه، فشوى له دجاجة، وعمل فيها شيئا من البيش، فأكلها فمات في ربيع ~~الآخر من هذه السنة. # وكان في غاية التخلف، وله أخبار يقبح ذكرها، وكان ربعة، أشقر، أزرق، مدور ~~الوجه، ضخم الجسم، وكان عمره نحو خمسين سنة، ولما توفي أعاد أهل قرطبة دعوة ~~المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمود العلوي بها. # PageV07P622 # ذكر عود يحيى العلوي إلى قرطبة وقتله # لما مات أبو عبد الرحمن الأموي، وصح عند أهل قرطبة خبر موته، سعى معهم ~~بعض أهلها ليحيى بن علي بن حمود العلوي ليعيدوه إلى الخلافة، وكان بمالقة ~~يخطب لنفسه بالخلافة، فكتبوا إليه وخاطبوه بالخلافة، وخطبوا له في رمضان ~~سنة ست عشرة وأربعمائة، فأجابهم ms3257 إلى ذلك، وأرسل إليهم عبد الرحمن بن عطاف ~~اليفرني واليا عليهم، ولم يحضر هو باختياره، فبقي عبد الرحمن فيها إلى محرم ~~سنة سبع عشرة، فسار إليه مجاهد، وخيران العامريان، في ربيع الأول منها، في ~~جيش كثير، فلما قاربوا قرطبة ثار أهلها بعبد الرحمن، فأخرجوه، وقتلوا من ~~أصحابه جماعة كثيرة، ونجا الباقون. # وأقام خيران ومجاهد بها نحو شهر، ثم اختلفا، فخاف كل واحد منهما صاحبه، ~~فعاد خيران عن قرطبة لسبع بقين من ربيع الآخر من السنة إلى المرية، وبقي ~~بها إلى سنة ثماني عشرة وتوفي، وقيل سنة تسع عشرة، وصارت المرية بعده ~~لصاحبه زهير العامري، فخالف حبوس بن ماكسن الصنهاجي البربري وأخوه على طاعة ~~يحيى بن علي العلوي، وبقي مجاهد مدة ثم سار إلى دانية، وقطعت خطبة يحيى ~~منها، وأعيدت خطبة الأمويين، على ما نذكره فيما بعد إن شاء الله، وبقي ~~يتردد عليها بالعساكر، واتفق البربر على طاعته، وسلموا إليه ما بأيديهم من ~~الحصون والمدن، فقوي وعظم شأنه وبقي كذلك مدة. # ثم سار إلى قرمونة، فأقام بها محاصرا لإشبيلية، طامعا في أخذها، فأتاه ~~الخبر يوما أن خيلا لأهل إشبيلية قد أخرجها القاضي أبو القاسم بن عباد إلى ~~نواحي قرمونة، فركب إليهم ولقيهم، وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قتل، ~~وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وخلف من الولد الحسن وإدريس لأمي ~~ولد، وكان أسمر # PageV07P623 # أعين، أكحل، طويل الظهر، قصير الساقين، وقورا، هينا، لينا، وكان عمره ~~اثنتين وأربعين سنة، وأمه بربرية. # ذكر أخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه وغيرهم وقتل ابن عمار # نذكر هاهنا ما كان من أخبار أولاده، وأولاد أخيه، وغيرهم من العلويين، ~~متتابعا لئلا ينقطع الكلام، وليأخذ بعضه ببعض. # ولما قتل يحيى بن علي رجع أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقية، ~~ونجا الخادم الصقلبي، وهما مدبرا دولة العلويين، فأتيا مالقة، وهي دار ~~مملكتهم، فخاطبا أخاه إدريس بن علي، وكان له سبتة وطنجة، وطلباه فأتى إلى ~~مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول ms3258 مكانه بسبتة، ~~فأجابهما إلى ذلك، فبايعاه، وسار حسن بن يحيى، ونجا إلى سبتة وطنجة، وتلقب ~~إدريس بالمتأيد بالله، فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين ~~وأربعمائة. # فسير القاضي أبو القاسم بن عباد ولده إسماعيل في عسكر ليتغلب على تلك ~~البلاد، فأخذ قرمونة، وأخذ أيضا أشبونة، وإستجة، فأرسل صاحبها إلى إدريس، ~~وإلى باديس بن حبوس، صاحب صنهاجة، فأتاه صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس ~~بعسكر يقوده ابن بقية مدبر دولته، فلم يجسروا على إسماعيل بن عباد، فعادوا ~~عنه، فسار إسماعيل مجدا ليأخذ على صنهاجة الطريق، فأدركهم وقد فارقهم عسكر ~~إدريس قبل ذلك بساعة، فأرسلت صنهاجة من ردهم فعادوا، وقاتلوا إسماعيل بن ~~عباد، فلم يلبث أصحابه أن انهزموا وأسلموه، فقتل وحمل رأسه إلى إدريس. # PageV07P624 # وكان إدريس قد أيقن بالهلاك، وانتقل عن مالقة إلى جبل يحتمي به وهو مريض، ~~فلما أتاه الرأس عاش بعده يومين، ومات وترك من الولد يحيى، ومحمدا، وحسنا، ~~وكان يحيى بن علي المقتول قد حبس ابني عمه محمدا والحسن ابني القاسم بن ~~حمود بالجزيرة، فلما مات إدريس أخرجهما الموكل بهما، ودعا الناس إليهما، ~~فبايعهما السودان خاصة قبل الناس لميل أبيهما إليهم فملك محمد الجزيرة، ولم ~~يتسم بالخلافة. # وأما الحسن بن القاسم فإنه تنسك وترك الدنيا وحج، وكان ابن بقية قد أقام ~~يحيى بن إدريس بعد موت والده بمالقة، فسار إليها نجا الصقلبي من سبتة هو ~~والحسن بن يحيى، فهرب ابن بقية، (ودخلها الحسن ونجا، فاستمالا ابن بقية) ~~حتى حضر، فقتله الحسن وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس، وبايعه الناس بالخلافة، ~~ولقب بالمستنصر بالله، ورجع نجا إلى سبتة، وترك مع الحسن المستنصر نائبا له ~~يعرف بالشطيفي، فبقي حسن كذلك نحوا من سنتين، ثم مات سنة أربع وثلاثين ~~وأربعمائة، فقيل إن زوجته ابنة عمه إدريس سمته أسفا على أخيها يحيى، فلما ~~مات المستنصر، اعتقل الشطيفي إدريس بن يحيى، وسار نجا من سبتة إلى مالقة، ~~(وعزم على محو أمر العلويين، وأن يضبط البلاد لنفسه، وأظهر) البربر على ~~ذلك، فعظم عندهم، فقتلوه، وقتلوا ms3259 الشطيفي) وأخرجوا إدريس بن يحيى، وبايعوه ~~بالخلافة، وتسمى بالعالي، وكان كثير الصدقة يتصدق كل جمعة بخمسمائة دينار، ~~ورد كل مطرود عن وطنه وأعاد عليهم أملاكهم. # وكان متأدبا، حسن اللقاء، له شعر جيد، إلا أنه كان يصحب الأرذال ولا يحجب ~~نساءه عنهم، وكل من طلب منهم حصنا من بلاده أعطاه، فأخذ منه صنهاجة # PageV07P625 # عدة حصون، وطلبوا وزيره ومدبر أمره صاحب أبيه موسى بن عفان ليقتلوه، ~~فسلمه إليهم فقتلوه، وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ابني إدريس بن ~~علي (في حصن أيرش، فلما رأى ثقته بأيرش اضطراب آرائه خالف عليه وبايعه ابن ~~عمه محمد بن إدريس بن علي) ، وثار بإدريس بن يحيى من عنده من السودان، ~~وطلبوا محمدا فجاء إليهم فسلم إليه إدريس الأمر، وبايع له سنة اثنتين ~~وثلاثين وأربعمائة، فاعتقله محمد، وتلقب بالمهدي، وولى أخاه الحسن عهده، ~~ولقبه السامي. # وظهرت من المهدي شجاعة وجرأة، فهابه البربر وخافوه، فراسلوا الموكل ~~بإدريس بن يحيى، فأجابهم إلى إخراجه، وأخرجه وبايع له، وخطب له بسبتة وطنجة ~~بالخلافة، وبقي إلى أن توفي سنة ست وأربعين [وأربعمائة] . # ثم إن المهدي رأى من أخيه السامي ما أنكره، فنفاه عنه، فسار إلى العدوة ~~إلى جبال غمارة، وأهلها ينقادون للعلويين ويعظمونهم، فبايعوه، ثم إن البربر ~~خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيرة، واجتمعوا إليه وبايعوه بالخلافة، وتسمى ~~بالمهدي أيضا، فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة، أربعة كلهم يسمى أمير ~~المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا، فرجعت البرابر عنه، عاد ~~إلى الجزيرة، فمات بعد أيام، فولي الجزيرة ابنه القاسم، ولم يتسم بالخلافة، ~~وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين [وأربعمائة] ، وكان ~~إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا، فلما توفي محمد بن ~~إدريس بن علي قصد إدريس بن يحيى مالقة فملكها، ثم انتقلت إلى صنهاجة. # PageV07P626 # ذكر ولاية هشام الأموي قرطبة # لما قطعت دعوة يحيى بن علي العلوي عن قرطبة سنة سبع عشرة وأربعمائة، على ~~ما ذكرناه قبل، أجمع أهلها على خلع العلويين لميلهم إلى ms3260 البربر، وإعادة ~~الخلافة بالأندلس إلى بني أمية، وكان رأسهم في ذلك أبا الحزم جهور بن محمد ~~بن جهور، فراسلوا أهل الثغور والمتغلبين هناك في هذا، فاتفقوا معهم، ~~فبايعوا أبا بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ~~وكان مقيما بالبنت مذ قتل أخوه المرتضى، فبايعوه في ربيع الأول سنة ثماني ~~عشرة، وتلقب بالمعتد بالله، وكان أسن من المرتضى، ونهض إلى الثغور فتردد ~~فيها، وجرى له هناك فتن واضطراب شديد من الرؤساء إلى أن اتفق أمرهم على أن ~~يسير إلى قرطبة دار الملك، فسار إليها ودخلها ثامن ذي الحجة سنة عشرين ~~[وأربعمائة] وبقي بها حتى خلع ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين. # وكان سبب خلعه أن وزيره أبا عاصي بن سعيد القزاز لم يكن له قديم رئاسة، ~~وكان يخالف الوزراء المتقدمين، ويتسبب إلى أخذ أموال التجار وغيرهم، وكان ~~يصل البربر، ويحسن إليهم ويقربهم، فنفر عنه أهل قرطبة، فوضعوا عليه من ~~قتله، فلما قتلوه استوحشوا من هشام فخلعوه بسببه، فلما خلع هشام قام أمية ~~بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر، وتسور القصر مع جماعة من ~~الأحداث، ودعا إلى نفسه، فبايعه من سواد الناس كثير، فقال له بعض أهل ~~قرطبة: نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة، فإن السعادة قد ولت عنكم فقال: ~~بايعوني اليوم واقتلوني غدا. فأنفذ أهل قرطبة وأعيانهم إليه وإلى المعتد ~~بالله يأمرونهما بالخروج عن قرطبة # PageV07P627 # فودع المعتد أهله وخرج إلى حصن محمد بن الشور بجبل قرطبة، فبقي معه إلى ~~أن غدر أهل الحصن بمحمد بن الشور (فقتلوه، وأخرجوا المعتد إلى حصن آخر ~~حبسوه فيه، فاحتال في) الخروج منه ليلا، وسار إلى سليمان بن هود الجذامي، ~~فأكرمه وبقي عنده إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين [وأربعمائة] ، ودفن ~~بناحية لاردة، وهو آخر ملوك بني أمية بالأندلس. # وأما أمية فإنه اختفى بقرطبة، فنادى أهل قرطبة بالأسواق والأرباض أن لا ~~يبقى أحد من بني أمية بها، ولا يتركهم عنده أحد، فخرج أمية فيمن ms3261 خرج، ~~وانقطع خبره مدة، ثم أراد العود إليها، فعاد طمعا في أن يسكنها، فأرسل إليه ~~شيوخ قرطبة من منعه عنها، وقيل قتل وغيب، وذلك في جمادى الآخرة سنة أربع ~~وعشرين [وأربعمائة] ، ثم انحل عقد الجماعة وانتشر وافترقت البلاد، على ما ~~نذكره. # ذكر تفرق ممالك الأندلس # ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء، فتغلب كل إنسان على شيء ~~منه، فصاروا مثل ملوك الطوائف، وكان ذلك أضر على المسلمين فطمع بسببه العدو ~~الكافر، خذله الله، فيهم، ولم يكن لهم اجتماع إلى أن ملكه أمير المسلمين ~~علي بن يوسف بن تاشفين، على ما نذكره إن شاء الله. # فأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور، المقدم ذكره، ~~وكان من وزارة الدولة العامرية، قديم الرئاسة، موصوفا بالدهاء والعقل، ولم ~~يدخل في شيء من الفتن قبل هذا (بل كان يتصاون عنها) فلما خلا له الجو # PageV07P628 # وأمكنته الفرصة، وثب عليها فتولى أمرها وقام بحمايتها، ولم يتنقل إلى ~~رتبة الإمارة ظاهرا، بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه، وأظهر أنه حام للبلد ~~إلى أن يجيء من يستحقه، ويتفق عليه الناس، فيسلمه إليه، ورتب البوابين ~~والحشم على أبواب قصور الإمارة، ولم يتحول هو عن داره إليها، وجعل ما يرتفع ~~من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك، وهو المشرف عليهم، وصير أهل ~~الأسواق جندا، وجعل أرزاقهم ربح أموال تكون بأيديهم دينا عليهم، فيكون ~~الربح لهم، ورأس المال باقيا عليهم، وكان يتعهدهم في الأوقات المتفرقة ~~لينظر كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم، فكان أحدهم لا يفارقه سلاحه حتى ~~يعجل حضوره إن احتاج إليه. # وكان جهور يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويحضر الأفراح على طريقة ~~الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير الملوك، وكان مأمون الجانب، وأمن ~~الناس في أيامه، وبقي كذلك إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ~~وقام بأمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير إلى أن ~~مات، فغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون، صاحب طليطلة، فدبرها إلى أن مات ~~بها. # [خبر إشبيلية] ms3262 وأما إشبيلية فاستولى عليها القاضي أبو القاسم محمد بن ~~إسماعيل بن عباد اللخمي، وهو من ولد النعمان بن المنذر، وقد ذكرنا سبب ذلك ~~في دولة يحيى بن علي بن حمود قبل هذا. وفي هذا الوقت ظهر أمر المؤيد هشام ~~بن الحاكم، وكان قد اختفى وانقطع خبره، وكان ظهوره بمالقة، ثم سار منها إلى ~~المرية، فخافه صاحبها زهير العامري فأخرجه منها فقصد قلعة رباح، فأطاعه ~~أهلها، فسار إليهم صاحبه إسماعيل بن ذي النون وحاربهم، فضعفوا عن مقاومته، ~~فأخرجوه، فاستدعاه # PageV07P629 # القاضي أبو القاسم محمد (بن إسماعيل) بن عباد إليه بإشبيلية، وأذاع أمره، ~~وقام بنصره، وكان رؤساء الأندلس في طاعته، فأجابه إلى ذلك صاحب بلنسية ~~ونواحيها، وصاحب قرطبة، وصاحب دانية والجزائر، وصاحب طرطوشة، وأقروا ~~بخلافته وخطبوا له، وجددت بيعته بقرطبة في المحرم سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة. # ثم إن ابن عباد سير جيشا إلى زهير العامري لأنه لم يخطب للمؤيد، فاستنجد ~~زهير حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة، فسار إليه بجيشه، فعادت عساكر ~~ابن عباد، ولم يكن بين العسكرين قتال، وأقام زهير في بياسة، وعاد حبوس إلى ~~مالقة، فمات في رمضان من هذه السنة، وولي بعده ابنه باديس، واجتمع هو وزهير ~~ليتفقا كما كان زهير وحبوس، فلم تستقر بينهما قاعدة، واقتتلا، فقتل زهير ~~وجمع كثير من أصحابه أواخر سنة تسع وعشرين [وأربعمائة] . # ثم في سنة إحدى وثلاثين [وأربعمائة] التقى عسكر ابن عباد وعليهم ابنه ~~إسماعيل مع باديس بن حبوس وعسكر إدريس العلوي على ما ذكرناه عند أخبار ~~العلويين فيما تقدم، إلا أنهم اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل إسماعيل، ثم مات ~~بعده أبوه القاضي أبو القاسم سنة ثلاث وثلاثين وولي بعده ابنه أبو عمرو ~~عباد بن محمد، ولقب بالمعتضد بالله فضبط ما ولي، وأظهر موت المؤيد. # هذا قول ابن أبي الفياض في المؤيد، وقال غيره إن المؤيد لم يظهر خبره منذ ~~عدم من قرطبة عن دخول علي بن حمود إليها، وقتله سليمان، وإنما كان هذا من # PageV07P630 # تمويهات ابن عباد وحيله ومكره، وأعجب من اختفاء حال المؤيد، ms3263 ثم تصديق ~~الناس ابن عباد فيما أخبر به من حياته، أن إنسانا حضريا ظهر بعد موت المؤيد ~~بعشرين سنة وادعى أنه (المؤيد، فبويع) بالخلافة، وخطب له على منابر جميع ~~بلاد الأندلس في أوقات متفرقة، وسفكت الدماء بسببه، واجتمعت العساكر في ~~أمره. # ولما أظهر ابن عباد موت هشام المؤيد، واستقل بأمر إشبيلية وما انضاف ~~إليها، بقي كذلك إلى أن مات (من ذبحة لحقته) لليلتين خلتا من جمادى الآخرة ~~سنة إحدى وستين وأربعمائة، وولي بعده ابنه أبو القاسم محمد بن عباد ابن ~~القاضي أبي القاسم، ولقب بالمعتمد على الله، فاتسع ملكه، وشمخ سلطانه، وملك ~~كثيرا من الأندلس، وملك قرطبة أيضا، وولى عليها ابنه الظافر بالله، فبلغ ~~خبر ملكه لها إلى يحيى بن ذي النون، صاحب طليطلة، فحسده عليها، فضمن له ~~جرير بن عكاش أن يجعل ملكها له، وسار إلى قرطبة، وأقام بها يسعى في ذلك وهو ~~ينتهز الفرصة. # فاتفق أن في بعض الليالي جاء مطر عظيم ومعه ريح شديد ورعد وبرق، فثار ~~جرير فيمن معه، ووصل إلى قصر الإمارة، فلم يجد من يمانعه، فدخل صاحب الباب ~~إلى الظافر وأعلمه، فخرج بمن معه من العبيد والحرس، وكان صغير السن، وحمل ~~عليهم، ودفعهم عن الباب، ثم إنه عثر في بعض كراته فسقط، فوثب بعض من يقاتله ~~وقتله، ولم يبلغ الخبر إلى الأجناد وأهل البلد إلا والقصر قد ملك، وتلاحق ~~بجرير أصحابه وأشياعه، وترك الظافر ملقى على الأرض عريانا، فمر عليه بعض ~~أهل قرطبة، فأبصره على تلك الحال، فنزع رداءه وألقاه عليه، وكان أبوه إذا ~~ذكره يتمثل: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجد محض # ولم يزل المعتمد يسعى في أخذها، حتى عاد ملكها، وترك ولده المأمون # PageV07P631 # فيها، فأقام بها حتى أخذها جيش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وقتل فيها ~~بعد حروب كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى سنة أربع وثمانين [وأربعمائة] ~~. # وأخذت إشبيلية من أبيه المعتمد في السنة المذكورة، وبقي محبوسا في أغمات ~~إلى أن مات بها، رحمه ms3264 الله، وكان هو وأولاده جميعهم الرشيد، والمأمون. ~~والراضي، والمعتمد، وأبوه، وجده علماء فضلاء شعراء. # [خبر بطليوس] وأما بطليوس فقام بها سابور الفتى العامري وتلقب بالمنصور، ~~ثم انتقلت بعده إلى أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة، المعروف بابن ~~الأفطس، أصله من بربر مكناسة، لكنه ولد أبوه بالأندلس، ونشأوا بها، وتخلقوا ~~تخلق أهلها، وانتسبوا إلى تجيب، وشاكلهم الملك، فلما توفي صارت بعده إلى ~~ابنه أبي محمد عمر بن محمد، واتسع ملكه إلى أقصى المغرب، وقتل صبرا مع ~~(ولدين له) عند تغلب أمير المسلمين (على الأندلس) . # [خبر طليطلة] وأما طليطلة فقام بأمرها ابن يعيش، فلم تطل مدته، وصارت ~~رئاسته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون، ولقبه ~~الظافر بحول الله، وأصله من البربر وولد بالأندلس، تأدب بآداب أهلها، وكان ~~مولد إسماعيل سنة تسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان ~~عالما بالأدب، وله شعر جيد، وصنف كتابا في الآداب والأخبار. # PageV07P632 # وولي بعده ابنه يحيى فاشتغل، بالخلاعة والمجون، وأكثر مهاداة الفرنج ~~ومصانعتهم ليتلذذ باللعب، وامتدت يده إلى أموال الرعية، ولم تزل الفرنج ~~تأخذ حصونه شيئا بعد شيء، حتى أخذت طليطلة في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ~~وصار هو ببلنسية، وأقام بها إلى أن قتله القاضي ابن جحاف الأحنف، وفيه يقول ~~الرئيس أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر: # أيها الأحنف مهلا ... فلقد جئت عويصا # إذا قتلت الملك يحيى ... وتقمصت القميصا # رب يوم فيه تجري ... إن تجد فيه محيصا # [خبر سرقسطة] وأما سرقسطة والثغر الأعلى فكان بيد منذر بن يحيى التجيبي، ~~ثم توفي وولي بعده ابنه يحيى، ثم صارت بعده لسليمان بن أحمد بن محمد بن هود ~~الجذامي وكان يلقب بالمستعين بالله، وكان من قواد منذر على مدينة لاردة، ~~وله وقعة مشهورة بالفرنج بطليطلة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ثم توفي وولي ~~بعده ابنه (المقتدر بالله، وولي) بعده ابنه يوسف بن أحمد المؤتمن، ثم ولي ~~بعده ابنه أحمد المستعين بالله على لقب جده، ثم ولي بعده ابنه عبد الملك ~~عماد الدولة، ms3265 ثم ولي بعده ابنه # PageV07P633 # المستنصر بالله، وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة، فصارت بلادهم ~~جميعا (لابن تاشفين) . # ورأيت بعض أولادهم بدمشق سنة تسعين وخمسمائة، وهو فقير جدا، وهو قيم ~~الربوة، فسبحان من لا يزول، ولا تغيره الدهور. # [خبر طرطوشة] وأما طرطوشة فوليها (لبيب الفتى) العامري. # [خبر بلنسية] وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن المنصور بن أبي عامر المعافري. ثم انضاف إليه المرية وما ~~كان إليها، وبعده ابنه محمد، ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن ~~إسماعيل بن ذي النون وأخذ منه رئاسة بلنسية في ذي الحجة سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة، فانتزح إلى المرية، وأقام بها إلى أن خلع، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # [خبر السهلة] وأما السهلة فملكها عبود بن رزين، وأصله بربري، ومولده ~~بالأندلس، فلما # PageV07P634 # هلك ولي بعده ابنه عبد الملك، وكان أديبا شاعرا، ثم ولي بعده ابنه عز ~~الدولة، ومنه ملكها الملثمون. # [خبر دانية والجزائر] وأما دانية والجزائر فكانت بيد الموفق أبي الحسن ~~مجاهد العامري، وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبد الله المعيطي ومعه ~~خلق كثير، فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عن رأيه، وبايعه في جمادى الآخرة ~~سنة خمس وأربعمائة، فأقام المعيطي بدانية مع مجاهد ومن انضم إليه نحو خمسة ~~أشهر، ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر التي في البحر، وهي ميورقة ~~بالياء، ومنورقة بالنون، ويابسة. # ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدا إلى سردانية في مائة وعشرين مركبا بين ~~كبير وصغير ومعه ألف فارس، ففتحها في ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة، ~~وقتل بها خلقا كثيرا من النصارى، وسبى مثلهم، فسار إليه الفرنج والروم من ~~البر في آخر هذه السنة، فأخرجوه منها، ورجع إلى الأندلس والمعيطي قد توفي، ~~فغاص مجاهد في تلك الفتن إلى أن توفي، وولي بعده ابنه علي بن مجاهد، وكانا ~~جميعا من أهل العلم والمحبة لأهله والإحسان إليهم، وجلباهم من أقاصي البلاد ~~وأدانيها، ثم مات ابنه علي فولي ms3266 بعده ابنه أبو عامر، ولم يكن مثل أبيه ~~وجده، ثم إن دانية وسائر بلاد بني مجاهد صارت إلى المقتدر بالله أحمد بن ~~سليمان بن هود في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. # PageV07P635 # [خبر مرسية] # وأما مرسية فوليها بنو طاهر، واستقامت رئاستها لأبي عبد الرحمن منهم، ~~المدعو بالرئيس، ودامت رئاسته إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد ~~وزيره أبي بكر بن عمار المهري، فلما ملكها عصى على المعتمد فيها، فوجه إليه ~~عسكرا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق القشيري، (فحصروه وضيقوا عليه ~~حتى هرب منها، فلما دخلها القشيري عصى فيها أيضا على المعتمد) ، إلى أن دخل ~~في طاعة الملثمين، وبقي أبو عبد الرحمن بن طاهر بمدينة بلنسية إلى أن مات ~~بها سنة سبع وخمسمائة، ودفن بمرسية، وقد نيف على تسعين سنة. # [خبر المرية] # وأما المرية فملكها خيران العامري، وتوفي كما ذكرنا، ووليها بعده زهير ~~العامري، واتسع ملكه إلى شاطبة، إلى ما يجاور عمل طليطلة، ودام إلى أن قتل، ~~كما تقدم، وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ~~المنصور بن أبي عامر، فولي بعده ابنه محمد، فلما توفي عبد العزيز ببلنسية ~~أقام ابنه محمد بالمرية، وهو يدبر بلنسية، فانتهز الفرصة فيها المأمون يحيى ~~بن ذي النون وأخذها منه، وبقي بالمرية إلى أن أخذها منه صهره ذو الوزارتين ~~أبو الأحوص المعتصم معن (بن محمد) بن صمادح التجيبي، ودانت له لورقة، ~~وبياسة، وجيان، وغيرها إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين [وأربعمائة] ، وولي ~~بعده ابنه أبو يحيى # PageV07P636 # محمد بن معن وهو ابن أربع عشرة سنة، فكفله عمه أبو عتبة بن محمد إلى أن ~~توفي سنة ست وأربعين، فبقي أبو يحيى مستضعفا لصغره، وأخذت بلاده البعيدة ~~عنه، ولم يبق له غير المرية وما يجاورها. # فلما كبر أخذ نفسه بالعلوم، ومكارم الأخلاق، فامتد صيته، واشتهر ذكره، ~~وعظم سلطانه، والتحق بأكابر الملوك، ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين، ~~فمرض في أثناء ذلك، وكان القتال تحت قصره، فسمع يوما صياحا ms3267 وجلبة، فقال: ~~نغص علينا كل شيء حتى الموت! وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من ربيع الأول ~~سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ودخل أولاده وأهله البحر في مركب إلى بجاية ~~قاعدة مملكة بني حماد من إفريقية، وملك الملثمون المرية وما معها. # [خبر مالقة] # وأما مالقة فملكها بنو علي بن حمود، فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم ~~فيها إلى أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب غرناطة سنة سبع وأربعين ~~[وأربعمائة] ، وانقضى أمر العلويين بالأندلس. # [خبر غرناطة] # وأما غرناطة فملكها حبوس بن ماكسن الصنهاجي ثم مات سنة تسع # PageV07P637 # وعشرين وأربعمائة، وولي بعده ابنه باديس، فلما توفي ولي بعده ابن أخيه ~~عبد الله بن بلكين، وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في رجب سنة أربع ~~وثمانين وأربعمائة، وانقرضت دول جميعهم، وصارت الأندلس جميعها للملثمين، ~~وملكهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى ~~آخر بلاد المسلمين بالأندلس (نعود إلى سنة سبع وأربعمائة) . # ذكر الحرب بين سلطان الدولة وأخيه أبي الفوارس # قد ذكرنا أن الملك سلطان الدولة لما ملك بعد أبيه بهاء الدولة ولى أخاه ~~أبا الفوارس بن بهاء الدولة كرمان، فلما وليها، اجتمع إليه الديلم، وحسنوا ~~له محاربة أخيه وأخذ البلاد منه، فتجهز وتوجه إلى شيراز، فلم يشعر سلطان ~~الدولة حتى دخل أبو الفوارس إلى شيراز، فجمع عساكره، وسار إليه فحاربه ~~فانهزم أبو الفوارس، وعاد إلى كرمان، فتبعه إليها فخرج منها هاربا إلى ~~خراسان، وقصد يمين الدولة محمود بن سبكتكين وهو ببست فأكرمه وعظمه وحمل ~~إليه شيئا كثيرا، وأجلسه فوق دارا بن قابوس بن وشمكير فقال دارا: نحن أعظم ~~محلا منهم لأن أباه وأعمامه خدموا آبائي، فقال محمود: لكنهم أخذوا الملك ~~بالسيف، أراد بهذا نصرة نفسه حيث أخذ خراسان من السامانية (ووعد محمود أن ~~ينصره. # ثم إن) أبا الفوارس باع جوهرتين كانتا على جبهة فرسه بعشرة آلاف دينار ~~فاشتراهما محمود وحملهما إليه فقال له: من غلطكم تتركون هذا على جبهة الفرس ~~وقيمتها ستون ألف دينار. ثم إن محمودا سير ms3268 جيشا مع أبي الفوارس إلى كرمان، ~~مقدمهم أبو سعد الطائي وهو من أعين قواده، فسار إلى كرمان فملكها وقصد بلاد ~~فارس وقد فارقها سلطان الدولة إلى بغداذ، فدخل شيراز. # فلما سمع سلطان الدولة عاد إلى فارس فالتقوا هناك واقتتلوا، فانهزم أبو # PageV07P638 # الفوارس وقتل كثير من أصحابه، وعاد بأسوإ حال، وملك سلطان الدولة بلاد ~~فارس، وهرب أبو الفوارس سنة ثمان وأربعمائة إلى كرمان، فسير سلطان الدولة ~~الجيوش في أثره، فأخذوا كرمان منه، فلحق بشمس الدولة بن فخر الدولة بن ~~بويه، صاحب همذان، ولم يمكنه العود إلى يمين الدولة، لأنه أساء السيرة مع ~~أبي سعد الطائي. # ثم فارق شمس الدولة، ولحق بمهذب الدولة، صاحب البطيحة، فأكرمه وأنزله ~~داره، وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة من البصرة مالا وثيابا، وعرض عليه ~~الانحدار إليه فلم يفعله، وترددت الرسل بينه وبين سلطان الدولة، فأعاد ~~(إليه كرمان) ، وسيرت إليه الخلع (والتقليد بذلك، وحملت إليه) الأموال، ~~فعاد إليها. # ذكر قتل الشيعة بإفريقية # في هذه السنة، في محرم، قتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية. # وكان سبب ذلك أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان والناس يسلمون عليه ~~ويدعون له، فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء رافضة يسبون أبا بكر ~~وعمر فقال: رضي الله عن أبي بكر وعمر! فانصرفت العامة من فورها إلى درب ~~المعلى من القيروان، وهو [مكان] تجتمع به الشيعة، فقتلوا منهم، وكان ذلك ~~شهوة العسكر وأتباعهم، طمعا في النهب، وانبسطت أيدي العامة في الشيعة، ~~وأغراهم عامل القيروان وحرضهم. # وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد، فبلغه أن المعز بن باديس يريد عزله # PageV07P639 # فأراد فساده، فقتل من الشيعة خلق كثير، وأحرقوا بالنار ونهبت ديارهم، ~~وقتلوا في جميع إفريقية، واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قريب القيروان ~~فتحصنوا به فحصرهم العامة وضيقوا عليهم فاشتد عليهم الجوع، فأقبلوا يخرجون ~~والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم، ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع ~~فقتلوا كلهم، وكانت الشيعة تسمى بالمغرب المشارقة نسبة إلى أبي عبد الله ~~الشيعي، وكان من المشرق، وأكثر ms3269 الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور ومن ~~باك حزين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، احترقت قبة مشهد الحسين والأروقة، وكان ~~سببه أنهم أشعلوا شمعتين كبيرتين، فسقطتا في الليل على التأزير، فاحترق، ~~وتعدت النار، وفيه أيضا احترق نهر طابق ودار القطن، وكثير من باب البصرة ~~واحترق جامع سر من رأى. # وفيها تشعث الركن اليماني من البيت الحرام وسقط حائط بين يدي حجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ووقعت القبة الكبيرة على الصخرة بالبيت المقدس. # وفيها كانت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة بواسط، فانتصر السنة وهرب وجوه ~~الشيعة والعلويين إلى علي بن مزيد فاستنصروه. # PageV07P640 # [الوفيات] # وفيها، في رجب، مات محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل أبو الحسين الضبي ~~القاضي المعروف بابن المحاملي وكان من أعيان الفقهاء الشافعية وكبار ~~المحدثين مولده سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. # ومحمد بن الحسين بن محمد بن الهيثم أبو عمر البسطامي، الواعظ، الفقيه، ~~الشافعي ولي قضاء نيسابور. # PageV07P641 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعمائة] ### | 408 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعمائة # ذكر خروج الترك من الصين وموت طغان خان # في هذه السنة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون على ثلاثمائة ألف ~~خركاة من أجناس الترك، منهم الخطائية الذين ملكوا ما وراء النهر، وسيرد خبر ~~ملكهم إن شاء الله تعالى. # وكان سبب خروجهم أن طغان خان لما ملك تركستان مرض مرضا شديدا، وطال به ~~المرض فطمعوا في البلاد لذلك، فساروا إليها وملكوا بعضها وغنموا وسبوا وبقي ~~بينهم وبين بلاساغون ثمانية أيام فلما بلغه الخبر كان بها مريضا، فسأل الله ~~تعالى أن يعافيه لينتقم من الكفرة، ويحمي البلاد منهم ثم يفعل به بعد ذلك ~~ما أراد، فاستجاب الله له وشفاه، فجمع العساكر، وكتب إلى سائر بلاد الإسلام ~~يستنفر الناس، فاجتمع إليه من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا، فلما بلغ ~~الترك خبر عافيته وجمعه العساكر وكثرة من معه عادوا إلى بلادهم، فسار خلفهم ~~نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم وهم آمنون لبعد المسافة، فكبسهم وقتل منهم زيادة ~~على ms3270 مائتي ألف رجل، وأسر نحو مائة ألف، وغنم من الدواب والخركاهات وغير ذلك ~~من الأواني الذهبية والفضية ومعمول الصين ما لا عهد لأحد بمثله، وعاد إلى ~~بلاساغون، فلما بلغها، عاوده مرضه فمات منه. # PageV07P642 # وكان عادلا، خيرا، دينا، يحب العلم وأهله، ويميل إلى أهل الدين، ويصلهم ~~ويقربهم، وما أشبه قصته بقصة سعد بن معاذ الأنصاري، وقد تقدمت في غزوة ~~الخندق، وقيل: كانت هذه الحادثة مع أحمد بن علي قراخان، أخي طغان خان، ~~وإنها كانت سنة ثلاث وأربعمائة. # ذكر ملك أخيه أرسلان خان # لما مات طغان خان ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان، ولقبه شرف ~~الدولة، فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغرا خان هارون بن سليمان الذي ملك ~~بخارى، وقد تقدم ذكره، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند، فكاتب يمين الدولة ~~يستنجده على أرسلان خان، فعقد على جيحون جسرا من السفن، وضبطه بالسلاسل، ~~فعبر عليه، ولم يكن يعرف هناك قبل هذا، وأعانه على أرسلان خان. # ثم إن يمين الدولة خافه، فعاد إلى بلاده، فاصطلح قدر خان وأرسلان خان على ~~قصد بلاد يمين الدولة واقتسامها، وسارا إلى بلخ. # وبلغ الخبر إلى يمين الدولة، فقصدهما، واقتتلوا، وصبر الفريقان، ثم انهزم ~~الترك وعبروا جيحون، فكان من غرق منهم أكثر ممن نجا. # وورد رسول متولي خوارزم إلى يمين الدولة يهنئه بالفتح عقيب الوقعة، فقال ~~له: من أين علمتم؟ فقال: من كثرة القلانس التي جاءت على الماء، وعبر يمين ~~الدولة، فشكا أهل تلك البلاد إلى قدر خان ما يلقون من عسكر يمين الدولة، ~~فقال: قد قرب الأمر بيننا وبين عدونا، فإن ظفرنا منعنا عنكم، وإن ظفر عدونا ~~فقد استرحتم منا. ثم اجتمع هو وقدر خان، وأكلا طعاما، وكان قدر خان عادلا، ~~حسن السيرة، كثير الجهاد، فمن فتوحه ختن، وهي بلاد بين الصين وتركستان وهي ~~كثيرة العلماء والفضلاء، وبقي كذلك إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي ~~فيها، وكان يديم الصلاة في الجماعة. # PageV07P643 # ولما توفي خلف ثلاثة بنين [منهم] أبو شجاع أرسلان خان، وكان له كاشغر، ~~وختن، ms3271 وبلاساغون، وخطب له على منابرها، وكان لقبه شرف الدولة، ولم يشرب ~~الخمر قط، وكان دينا، مكرما للعلماء وأهل الدين، فقصدوه من كل ناحية، ~~فوصلهم وأحسن إليهم، وخلف أيضا بغرا خان بن قدر خان، وكان له طراز ~~وإسبيجاب، (فقدم أخوه) أرسلان وأخذ مملكته، فتحاربا، فانهزم أرسلان خان ~~وأخذ أسيرا، فأودعوه الحبس، وملك بلاده. # ثم إن بغرا خان عهد بالملك لولده الأكبر، واسمه حسين جغري تكين، وجعله ~~ولي عهده، وكان لبغرا خان امرأة له منها ولد صغير، فغاظها ذلك، فعمدت إليه ~~وسمته فمات هو وعدة من أهله، وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدر خان، وكان ذلك ~~سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وقتلت وجوه أصحابه، وملكت ابنه، واسمه إبراهيم، ~~وسيرته في جيش إلى مدينة تعرف ببرسخان، وصاحبها يعرف بينالتكين، فظفر به ~~ينالتكين وقتله، وانهزم عسكره إلى أمه، واختلف أولاد بغرا خان، فقصدهم ~~طفغاج خان صاحب سمرقند. # ذكر ملك طفغاج خان وولده # وكان طفغاج خان أبو المظفر إبراهيم بن نصر أيلك يلقب عماد الدولة، وكان ~~بيده سمرقند وفرغانة، وكان أبوه زاهدا ومتعبدا، وهو الذي ملك سمرقند، فلما ~~مات ورثه ابنه طفغاج، وملك بعده، وكان طفغاج متدينا لا يأخذ مالا حتى ~~يستفتي الفقهاء، فورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ، وكان زاهدا، فوعظه وقال ~~له: إنك لا تصلح للملك. فأغلق طفغاج بابه، وعزم على ترك الملك، فاجتمع عليه ~~أهل البلد # PageV07P644 # وقالوا: قد أخطأ هذا، والقيام بأمورنا متعين عليه. فعند ذلك فتح بابه، ~~ومات سنة ستين وأربعمائة. # وكان السلطان ألب أرسلان قد قصد بلاده ونهبها أيام عمه طغرلبك، فلم يقابل ~~الشر بمثله، وأرسل رسولا إلى القائم بأمر الله سنة ثلاث وخمسين [وأربعمائة] ~~يهنئه بعوده إلى مستقره، ويسأل التقدم إلى ألب أرسلان بالكف عن بلاده، ~~فأجيب إلى ذلك، وأرسل إليه الخلع والألقاب، ثم فلج سنة ستين. # وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك، فقصده أخوه طغان خان بن ~~طفغاج، وحصره بسمرقند، فاجتمع أهلها إلى شمس الملك، وقالوا له: قد خرب أخوك ~~ضياعنا وأفسدها، ولو كان غيره ms3272 لساعدناك، ولكنه أخوك فلا ندخل بينكما فوعدهم ~~المناجزة، وخرج من البلد نصف الليل في خمسمائة غلام معدين، وكبس أخاه، وهو ~~غير محتاط، فظفر به، فهزمه، وكان هذا وأبوهما حي. # ثم قصده هارون بغرا خان بن يوسف قدر خان، وطغرل قرا خان، وكان طفغاج قد ~~استولى على ممالكهما، وقاربا سمرقند، فلم يظفر بشمس الملك، فصالحاه وعادا ~~فصارت الأعمال المتاخمة لجيحون لشمس الملك، وأعمال الخاهر في أيديهما، ~~والحد بينهما خجندة. # وكان السلطان ألب أرسلان قد تزوج ابنة قدر خان، وكانت قبله عند مسعود بن ~~محمود بن سبكتكين، وتزوج شمس الملك ابنة ألب أرسلان، وزوج بنت عمه عيسى خان ~~من السلطان ملكشاه، وهو خاتون الجلالية أم الملك محمود الذي ولي السلطنة ~~بعد أبيه، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. # ثم اختلف ألب أرسلان وشمس الملك، وسنذكره سنة خمس وستين [وأربعمائة] عند ~~قتل ألب أرسلان، ثم مات شمس الملك، فولي بعده أخوه خضر خان ثم مات فولي ~~ابنه أحمد خان وهو الذي قبض عليه ملكشاه، ثم أطلقه وأعاده إلى ولايته سنة ~~خمس وثمانين، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى. # PageV07P645 # ثم إن جنده ثاروا به فقتلوه وملك بعده محمود خان، وكان جده من ملوكهم، ~~وكان أصم، فقصده طغان خان بن قرا خان، صاحب طراز، فقتله واستولى على الملك، ~~واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن زيد العلوي البغداذي، فولي ثلاث سنين ~~ثم عصى عليه، فحاصره طغان خان وأخذه وقتله، وقتل خلقا كثيرا معه. # ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان، فلقيه السلطان سنجر وظفر به وقتله ~~وصارت أعمال ما وراء النهر له، فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم ~~بن طفغاج خان، فأخذها منه عمر خان، وملك سمرقند، ثم هرب من جنده وقصد ~~خوارزم فظفر به السلطان سنجر فقتله وولي سمرقند محمد خان وولي بخارى محمد ~~تكين بن طغانتكين. # ذكر كاشغر وتركستان # وأما كاشغر، وهي مدينة تركستان، فإنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدر خان، ~~كما ذكرنا، ثم صارت بعده لمحمود بغرا خان، صاحب ms3273 طراز والشاش، خمسة عشر ~~شهرا، ثم مات فولي بعده طغرل خان بن يوسف قدر خان فاستولى على الملك، وملك ~~بلاساغون، وكان ملكه ست عشرة سنة ثم توفي. # وملك ابنه طغرلتكين، وأقام شهرين، ثم أتى هارون بغرا خان أخو يوسف ~~طغرلخان بن طفغاج بغرا خان، وعبر كاشغر، وقبض على هارون، وأطاعه عسكره، ~~وملك كاشغر، وختن، وما يتصل بهما إلى بلاساغون، وأقام مالكا تسعا وعشرين ~~سنة، وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولي ابنه أحمد بن أرسلان خان، وأرسل ~~رسولا إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب، فأرسل إليه ما ~~طلب، ولقبه نور الدولة. # PageV07P646 # ذكر وفاة مهذب الدولة وحال البطيحة بعده # في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر، ~~ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهو الذي نزل عليه القادر بالله. # وكان سبب موته أنه افتصد، فانتفخ ساعده، ومرض منه، واشتد مرضه فلما كان ~~قبل وفاته بثلاثة أيام تحدث الجند بإقامة ولده أبي الحسين أحمد مقامه، فبلغ ~~ابن أخت مهذب الدولة، وهو أبو محمد عبد الله بن يني، فاستدعى الديلم ~~والأتراك، ورغبهم ووعدهم، واستحلفهم لنفسه، وقرر معهم القبض على أبي الحسين ~~بن مهذب الدولة وتسليمه إليه، فمضوا إليه ليلا وقالوا له: أنت ولد الأمير، ~~ووارث الأمر من بعده، فلو قمت معنا إلى دار الإمارة ليظهر أمرك وتجتمع ~~الكلمة عليك لكان حسنا. # فخرج من داره معهم، فلما فارقها قبضوا عليه وحملوه إلى أبي محمد، فسمعت ~~والدته، فدخلت إلى مهذب الدولة قبل موته بيوم، فأعلمته الخبر، فقال: أي شيء ~~أقدر أعمل وأنا على هذه الحال؟ وتوفي في الغد، وولي الأمر أبو محمد، وتسلم ~~الأموال والبلد، وأمر بضرب أبي الحسين بن مهذب الدولة، فضرب ضربا شديدا ~~توفي منه بعد ثلاثة أيام من موت أبيه. # وبقي أبو محمد أميرا إلى منتصف شعبان، وتوفي بالذبحة، وكان قد قال قبل ~~موته: رأيت مهذب الدولة في المنام وقد مسك حلقي ليخنقني، ويقول: قتلت ابني ~~أحمد، وقابلت نعمتي عليك بذاك. فمات بعد أيام، فكان ملكه ms3274 أقل من ثلاثة ~~أشهر. # فلما توفي اتفق الجماعة على تأمير أبي عبد الله الحسين بن بكر الشرابي، ~~وكان من خواص مهذب الدولة فصار أمير البطيحة، وبذل للملك سلطان الدولة ~~بذولا، فأقره عليها، وبقي إلى سنة عشر وأربعمائة، فسير إليه سلطان الدولة ~~صدقة بن فارس # PageV07P647 # المازياري، فملك البطيحة، وأسر أبا عبد الله الشرابي، فبقي عنده أسيرا ~~إلى أن توفي صدقة وخلص، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر وفاة علي بن مزيد وإمارة ابنه دبيس # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي، وقام ~~بعده ابنه نور الدولة أبو الأغر دبيس، وكان أبوه قد جعله ولي عهده في ~~حياته، وخلع عليه سلطان الدولة، وأذن في ولايته، فلما توفي والده اختلفت ~~العشيرة على دبيس، فطلب أخوه المقلد بن أبي الحسن علي الإمارة، وسار إلى ~~بغداذ وبذل للأتراك بذولا كثيرة ليعاضدوه، فسار معه منهم جمع كثير، وكبسوا ~~دبيسا بالنعمانية ونهبوا حلته، فانهزم إلى نواحي واسط، وعاد الأتراك إلى ~~بغداذ، وقام الأثير الخادم بأمر دبيس حتى ثبت قدمه، ومضى المقلد أخوه إلى ~~بني عقيل ونذكر باقي أخباره موضعها إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ضعف أمر الديلم ببغداذ، وطمع فيهم العامة، فانحدروا إلى ~~واسط، فخرج إليهم عامتها وأتراكها فقاتلوهم، فدفع الديلم عن أنفسهم، وقتلوا ~~من أتراك واسط وعامتها خلقا كثيرا، وعظم أمر العيارين ببغداذ، فأفسدوا ~~ونهبوا الأموال. # [الوفيات] # وفيها توفي الحاجب أبو طاهر شباشي المشطب، وكان كثير المعروف. # PageV07P648 # وأبو الحسن الهماني وكان متولي البصرة وغيرها وهو الذي مدحه مهيار بقوله: # أستنجد الصبر فيكم، وهو مغلوب # [ذكر عدة حوادث] # وفيها قدم سلطان الدولة بغداذ، وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم ~~تجر به عادة، إنما كان عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات. # وفيها هرب ابن سهلان من سلطان الدولة إلى هيت وأقام عند قرواش، وولى ~~سلطان الدولة موضعه أبا القاسم جعفر بن أبي الفرج بن فسانجس، ومولده ببغداذ ~~سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. # (وفيها ms3275 كانت ببغداذ فتنة بين أهل الكرخ من الشيعة وبين غيرهم من السنة ~~اشتدت. # وفيها استناب القادر بالله المعتزلة والشيعة وغيرهما من أرباب المقالات ~~المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم، ونهى من المناظرة في شيء منها، ومن فعل ~~ذلك نكل به وعوقب) . # PageV07P649 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعمائة] ### | 409 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعمائة # ذكر ولاية ابن سهلان العراق # في هذه السنة عرض سلطان الدولة على الرخجي ولاية العراق، فقال: ولاية ~~العراق تحتاج إلى من فيه عسف وخرق، وليس غير ابن سهلان، وأنا أخلفه هاهنا. ~~فولاه سلطان الدولة العراق في المحرم، فسار من عند سلطان الدولة، فلما كان ~~ببعض الطريق ترك ثقله، والكتاب، وأصحابه، وسار جريدة في خمسمائة فارس مع ~~طراد بن دبيس الأسدي يطلب مهارش ومضرا ابني دبيس، وكان مضر قد قبض قديما ~~عليه بأمر فخر الملك، فكان يبغضه لذلك، وأراد أن يأخذ جزيرة بني أسد منه ~~ويسلمها إلى طراد. # فلما علم مضر ومهارش قصده لهما سارا عن المذار، فتبعهما، والحر شديد، ~~فكاد يهلك هو ومن معه عطشا فكان من لطف الله به أن بني أسد اشتغلوا بجمع ~~أموالهم وإبعادها، وبقي الحسن بن دبيس فقاتل قتالا شديدا، وقتل جماعة من ~~الديلم والأتراك، ثم انهزموا ونهب ابن سهلان أموالهم، وصان حرمهم ونساءهم، ~~فلما نزل في خيمته قال: الآن ولدتني أمي، وبذل الأمان لمهارش ومضر وأهلهما، ~~وأشرك بينهم وبين طراد في الجزيرة ورحل. # وأنكر على سلطان الدولة فعله ذلك، ووصل إلى واسط والفتن بها قائمة، ~~فأصلحها، وقتل جماعة من أهلها. # PageV07P650 # وورد عليه الخبر باشتداد الفتن (ببغداذ، فسار إليها) ، فدخلها أواخر شهر ~~ربيع الآخر، فهرب منه العيارون، ونفى جماعة من العباسيين وغيرهم، ونفى أبا ~~عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة، ~~ولم يكن قبل ذلك، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله. # فمن ذلك أن رجلا من المستورين أغلق بابه عليه خوفا منهم، فلما كان أول ~~يوم من شهر رمضان خرج لحاجته، فرآهم على حال عظيم من شرب الخمر والفساد، ms3276 ~~فأراد الرجوع إلى بيته، فأكرهوه على الدخول معهم إلى دار نزلوها، وألزموه ~~بشرب الخمر فامتنع فصبوها في فيه قهرا، وقالوا له: قم إلى هذه المرأة فافعل ~~بها، فامتنع فألزموه فدخل معها إلى بيت في الدار، وأعطاها دراهم، وقال: هذا ~~أول يوم في رمضان، والمعصية فيه تتضاعف، وأحب أن تخبريهم أنني قد فعلت. ~~فقالت: لا كرامة ولا عزازة، أنت تصون دينك عن الزناء، وأنا أريد أن أصون ~~أمانتي في هذا الشهر عن الكذب! فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداذ. # ثم إن أبا محمد بن سهلان أفسد الأتراك والعامة، فانحدر الأتراك إلى واسط، ~~فلقوا بها سلطان الدولة، فشكوا إليه فسكنهم ووعدهم الإصعاد إلى بغداذ ~~وإصلاح الحال. # واستحضر سلطان الدولة ابن سهلان، فخافه ومضى إلى بني خفاجة ثم أصعد إلى ~~الموصل فأقام بها مدة، ثم انحدر إلى الأنبار ومنها إلى البطيحة. فأرسل ~~سلطان الدولة إلى البطيحة رسولا من الشرابي، فلم يسلمه، فسير إليها عسكرا ~~فانهزم الشرابي، وانحدر ابن سهلان إلى البصرة، فاتصل بالملك جلال الدولة، ~~وكان الرخجي قد خرج مع ابن سهلان إلى الموصل، ففارقه بها، وأصلح حاله مع ~~سلطان الدولة وعاد إليه. # PageV07P651 # ذكر غزوة يمين الدولة إلى الهند والأفغانية # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند غازيا، واحتشد وجمع، واستعد وأعد ~~أكثر مما تقدم. # وسبب هذا الاهتمام أنه لما فتح قنوج، وهرب صاحبها منه، ويلقب رآي قنوج، ~~ومعنى رآي هو لقب الملك كقيصر وكسرى، فلما عاد إلى غزنة أرسل بيدا اللعين، ~~وهو أعظم ملوك الهند مملكة، وأكثرهم جيشا، وتسمى مملكته كجوراهة، رسلا إلى ~~رآي قنوج، واسمه راجيبال، يوبخه على انهزامه، وإسلام بلاده للمسلمين، وطال ~~الكلام بينهما، وآل أمرهما إلى الاختلاف. # وتأهب كل واحد منهما لصاحبه، وسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فقتل راجيبال، ~~وأتى القتل على أكثر جنوده، فازداد بيدا بما اتفق له شرا وعتوا، وبعد صيت ~~في الهند، وعلوا، وقصده بعض ملوك الهند الذي ملك يمين الدولة بلاده، وهزمه ~~وأباد أجناده، وصار في جملته وخدمته والتجأ إليه، فوعده بإعادة ملكه إليه، ~~وحفظ ms3277 ضالته عليه، واعتذر بهجوم الشتاء وتتابع الأنداء. # فنمت هذه الأخبار إلى يمين الدولة فأزعجته وتجهز للغزو، وقصد بيدا، وأخذ ~~ملكه منه، وسار عن غزنة، وابتدأ في طريقه بالأفغانية، وهم كفار يسكنون ~~الجبال، ويفسدون في الأرض، ويقطعون الطريق بين غزنة وبينه، فقصد بلادهم، ~~وسلك مضايقها، وفتح مغالقها، وخرب عامرها، وغنم أموالهم، وأكثر القتل فيهم ~~والأسر، وغنم المسلمون من أموالهم الكثير. # ثم استقل على المسير، وبلغ إلى مكان لم يبلغه فيما تقدم من غزواته، وعبر ~~نهر # PageV07P652 # كنك، ولم يعبره قبلها، فلما جازه رأى قفلا قد بلغت عدة أحمالهم ألف عدد، ~~فغنمها، وهي من العود، والأمتعة الفائقة، وجد به السير، فأتاه في الطريق ~~خبر ملك من ملوك الهند يقال له تروجنبال، قد سار من بين يديه ملتجئا إلى ~~بيدا ليحتمي به عليه، فطوى المراحل، فلحق تروجنبال ومن معه، رابع عشر شعبان ~~وبينه وبين الهنود نهر عميق فعبر إليهم بعض أصحابه وشغلهم بالقتال، ثم عبر ~~هو وباقي العسكر إليهم، فاقتتلوا عامة نهارهم وانهزم تروجنبال ومن معه، ~~وكثر فيه القتل والأسر، وأسلموا أموالهم وأهليهم، فغنمها المسلمون، وأخذوا ~~منهم الكثير من الجواهر وأخذ ما يزيد على مائتي فيل، وسار المسلمون يقتصون ~~آثارهم، وانهزم ملكهم جريحا وتحير في أمره، وأرسل إلى يمين الدولة يطلب ~~الأمان فلم يؤمنه، ولم يقنع منه إلا الإسلام، وقتل من عساكره ما لا يحصى. # وسار تروجنبال ليلحق ببيدا، فانفرد [به] بعض الهنود فقتله. فلما رأى ملوك ~~الهند ذلك تابعوا رسلهم إلى يمين الدولة يبذلون له الطاعة والإتاوة، وسار ~~يمين الدولة بعد الوقعة إلى مدينة باري، وهي من أحصن القلاع والبلاد ~~وأقواها، فرآها من سكانها خالية، وعلى عروشها خاوية، فأمر بهدمها وتخريبها ~~وعشر قلاع معها متناهية الحصانة، وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وسار يطلب بيدا ~~الملك فلحقه وقد نزل إلى جانب نهر، وأجرى الماء من بين يديه فصار وحلا، ~~وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل منه إذا أراد القتال، وكان عدة من ~~معه ستة وخمسين ألف فارس، ومائة ألف وأربعة وثمانين ألف راجل، ms3278 وسبعمائة ~~وستة وأربعين فيلا. فأرسل يمين الدولة # PageV07P653 # طائفة من عسكره للقتال، فأخرج إليهم بيدا مثلهم، ولم يزل كل عسكر يمد ~~أصحابه، حتى كثر الجمعان، واشتد الضرب والطعان، فأدركهم الليل وحجز بينهم. # فلما كان الغد بكر يمين الدولة إليهم، فرأى الديار منهم بلاقع، وركب كل ~~فرقة منهم طريقا مخالفا لطريق الأخرى. ووجد خزائن الأموال والسلاح بحالها، ~~فغنموا الجميع، واقتفى آثار المنهزمين، فلحقوهم في الغياض والآجام، وأكثروا ~~فيهم القتل والأسر، ونجا بيدا فريدا وحيدا، وعاد يمين الدولة إلى غزنة ~~منصورا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض سلطان الدولة على وزيره ابن فسانجس وإخوته، وولى وزارته ~~ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور، ومولده بسيراف سنة اثنتين وخمسين ~~وثلاثمائة. # [الوفيات] # وفيها توفي الغالب بالله ولي عهد أبيه القادر بالله في شهر رمضان، وتوفي ~~أيضا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن أبي علان، قاضي الأهواز، ومولده سنة ~~إحدى وعشرين وثلاثمائة، وله تصانيف حسنة، وكان معتزليا. # وفي هذه السنة مات عبد الغني بن سعيد بن بشر بن مروان الحافظ المصري، ~~صاحب " المؤتلف والمختلف "، ومولده سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. # PageV07P654 # وتوفي رجاء بن عيسى بن محمد أبو العباس الأنصناوي، وأنصنا من قرى مصر، ~~وهو من الفقهاء المالكية وسمع (الحديث الكثير) . # PageV07P655 ### | [ثم دخلت سنة عشر وأربعمائة] ### | 410 - # ثم دخلت سنة عشر وأربعمائة # [ذكر القبض على الوزير ابن ماكولا] # في هذه السنة قبض الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة على وزيره ~~أبي سعد عبد الواحد بن علي بن ماكولا، وكان ابن عمه أبو جعفر محمد بن مسعود ~~كاتبا فاضلا، وكان يعرض الديلم لعضد الدولة، ولأبي سعد شعر منه: # وإن لقائي للشجاع لهين ... ولكن حمل الضيم منه شديد # إذا كان قلب القرن ينبو عن الوغى ... فإن جناني جلمد وحديد # [الوفيات] # وفيها توفي وثاب بن سابق النميري، صاحب حران، وأبو الحسن بن أسد الكاتب، ~~وأبو بكر محمد بن عبد السلام الهاشمي القاضي بالبصرة، وأبو الفضل (عبد ~~الواحد بن عبد العزيز) التميمي، (الفقيه الحنبلي البغداذي) ، عم أبي محمد. ms3279 # قال أبو الفضل: سمعت أبا الحسن بن القصاب الصوفي قال: دخلت أنا وجماعة ~~إلى البيمارستان ببغداذ، فرأينا شابا مجنونا شديد الهوس فولعنا به، فرد ~~بفصاحة وقال: انظروا إلى شعور مطررة. وأجساد معطرة. . . وقد جعلوا اللهو ~~صناعة. # PageV07P656 # واللعب بضاعة. وجانبوا العلم رأسا. فقلت: أتعرف شيئا من العلم فنسألك؟ ~~قال: نعم إن عندي علما جما، فاسألوني. # فقال بعضنا: من الكريم في الحقيقة؟ قال: من رزق أمثالكم، وأنتم لا تساوون ~~ثومة. فأضحكنا. فقال آخر: من أقل الناس شكرا؟ فقال: من عوفي من بلية ثم ~~رآها في غيره فترك الاعتبار، فإن الشكر عليها واجب. فأبكانا بعد أن أضحكنا. ~~فقلنا: ما الظرف؟ قال: خلاف ما أنتم عليه. ثم قال: اللهم إن لم ترد عقلي، ~~فرد يدي لأصفع كل واحد منهم صفعة! فتركناه وانصرفنا. # وفيها مات الأصيفر المنتفقي الذي كان يؤذي الحاج في طريقهم، وأبو بكر ~~أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ الأصبهاني، وعبد الصمد بن بابك (أبو القاسم) ~~الشاعر، قدم على الصاحب بن عباد فقال: أنت ابن بابك فقال: أنا ابن بابك، ~~فاستحسن قوله. # PageV07P657 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة] ### | 411 - # ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة # ذكر قتل الحاكم وولاية ابنه الظاهر # في هذه السنة، ليلة الاثنين لثلاث بقين من شوال، فقد الحاكم بأمر الله ~~أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز العلوي، صاحب مصر بها، ولم ~~يعرف له خبر. # وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة على رسمه، وأصبح عند قبر الفقاعي، وتوجه ~~إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت ~~المال، وأمر لهم بجائزة ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه خلفه عند العين ~~والمقصبة. # وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال، فلما ~~كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم، ~~ومعهم القاضي، فبلغوا سلوان، ودخلوا في الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان ~~عليه راكبا، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا ~~الأثر، فانتهوا ms3280 به إلى البركة التي شرقي حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع # PageV07P658 # صوف، وهي مزررة بحالها، لم تحل وفيها أثر السكاكين، فعادوا ولم يشكوا في ~~قتله. # وقيل: كان سبب قتله أن أهل مصر كانوا يكرهونه لما يظهر منه من سوء ~~أفعاله، فكانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبه، وسب أسلافه، والدعاء عليه، ~~حتى إنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها رقعة، فلما رآها ظن أنها امرأة ~~تشتكي، (فأمر بأخذ) الرقعة منها، فقرأها، وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة، وذكر ~~حرمه بما يكره، فأمر بطلب المرأة، فقيل إنها من قراطيس، فأمر بإحراق مصر ~~ونهبها، ففعلوا ذلك، وقاتل أهلها أشد قتال، وانضاف إليهم في اليوم الثالث ~~الأتراك والمشارقة، فقويت شوكتهم وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ~~ويعتذرون، فلم يقبل، فصاروا إلى التهديد، فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم، ~~وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها، وتتبع المصريون من أخذ نساءهم وأبناءهم، ~~فابتاعوا ذلك بعد أن فضحوهن، فازداد غيظهم منه وحنقهم عليه. # ثم إنه أوحش أخته، وأرسل إليها مراسلات قبيحة يقول فيها: بلغني أن الرجال ~~يدخلون إليك، وتهددها بالقتل، فأرسلت إلى قائد كبير من قواد الحاكم يقال له ~~ابن دواس، وكان أيضا يخاف الحاكم، تقول له: إنني أريد أن ألقاك فحضرت عنده ~~وقالت له: قد جئت إليك في أمر تحفظ فيه نفسك ونفسي، وأنت تعلم ما يعتقده ~~أخي فيك، وأنه متى تمكن منك لا يبقي عليك، وأنا كذلك، وقد انضاف إلى هذا ما ~~تظاهر به مما يكرهه المسلمون، ولا يصبرون عليه، وأخاف أن يثوروا به فيهلك ~~هو ونحن معه، وتنقلع هذه الدولة، فأجابها إلى ما تريد، فقالت: إنه يصعد إلى ~~هذا الجبل غدا، وليس معه غلام إلا الركابي وصبي، وينفرد بنفسه، فتقيم رجلين ~~تثق بهما # PageV07P659 # يقتلانه، ويقتلان الصبي، وتقيم ولده بعده، وتكون أنت مدبر الدولة، وأزيد ~~في إقطاعك مائة ألف دينار. # فأقام رجلين، وأعطتهما هي ألف دينار، ومضيا إلى الجبل، وركب الحاكم على ~~عادته، وسار منفردا إليه، فقتلاه، وكان عمره ستا وثلاثين سنة وتسعة أشهر، ~~وولايته خمسا وعشرين ms3281 سنة وعشرين يوما، وكان جوادا بالمال، سفاكا للدماء، ~~قتل عددا كثيرا من أماثل دولته وغيرهم، فكانت سيرته عجيبة. # منها: أنه أمر في صدر خلافته بسب الصحابة، رضي الله عنهم، (وأن تكتب) على ~~حيطان الجوامع والأسواق، وكتب إلى سائر عماله بذلك، وكان ذلك سنة خمس ~~وتسعين وثلاثمائة. # ثم أمر بعد ذلك بمدة بالكف عن السب، وتأديب من يسبهم، أو يذكرهم بسوء، ثم ~~أمر في سنة تسع وتسعين [وثلاثمائة] بترك صلاة التراويح، فاجتمع الناس ~~بالجامع العتيق وصلى بهم إمام جميع رمضان، فأخذه وقتله، ولم يصل أحد ~~التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة، فرجع عن ذلك، وأمر بإقامتها على العادة. # وبنى الجامع براشدة، وأخرج إلى الجوامع والمساجد من الآلات # PageV07P660 # والمصاحف، والستور، والحصر، ما لم ير الناس مثله، وحمل أهل الذمة على ~~الإسلام، أو المسير إلى مأمنهم أو لبس الغيار، فأسلم كثير منهم، ثم كان ~~الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له: إنني أريد العودة إلى ديني، فيأذن له، ~~ومنع النساء من الخروج من بيوتهن وقتل من خرج منهن، فشكت إليه من لا قيم ~~لها يقوم بأمرها، فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق إلى الدروب ~~ويبيعوه (على النساء) ، وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل ~~يمده إلى المرأة، وهي من وراء الباب، وفيه ما تشتريه، فإذا رضيت وضعت الثمن ~~في المغرفة، وأخذت ما فيها لئلا يراها، فنال الناس من ذلك شدة عظيمة. # (ولما فقد الحاكم ولي الأمر بعده ابنه أبو الحسن علي، ولقب الظاهر لإعزاز ~~دين الله، وأخذت له البيعة، ورد النظر في الأمور جميعها إلى الوزير أبي ~~القاسم علي بن أحمد الجرجرائي) . # ذكر ملك مشرف الدولة العراق # في هذه السنة، في ذي الحجة، عظم أمر أبي علي مشرف الدولة بن بهاء الدولة، ~~وخوطب بأمير الأمراء، ثم ملك العراق، وأزال عنه أخاه سلطان الدولة. # وكان سببه أن الجند شغبوا على سلطان الدولة، ومنعوه من الحركة، وأراد ~~ترتيب أخيه مشرف الدولة في الملك، فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه، فلم ms3282 ~~يمكنه ذلك، وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط، فقال الجند: إما أن تجعل # PageV07P661 # عندنا ولدك أو أخاك مشرف الدولة. فراسل أخاه بذلك، فامتنع، ثم أجاب بعد ~~معاودة، ثم إنهما اتفقا، واجتمعا ببغداذ، واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ~~ابن سهلان، وفارق سلطان الدولة بغداذ، وقصد الأهواز واستخلف أخاه مشرف ~~الدولة على العراق. # فلما انحدر سلطان الدولة ووصل إلى تستر استوزر ابن سهلان، فاستوحش مشرف ~~الدولة، فأنفذ سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من ~~العراق، فجمع مشرف الدولة عسكرا كثيرا منهم أتراك واسط، وأبو الأغر دبيس بن ~~علي بن مزيد، ولقي ابن سهلان عند واسط، فانهزم ابن سهلان وتحصن بواسط، ~~وحاصره مشرف الدولة وضيق عليه، فغلت الأسعار حتى بلغ الكر من الطعام ألف ~~دينار قاسانية، وأكل الناس الدواب، حتى الكلاب، فلما رأى ابن سهلان إدبار ~~أموره سلم البلد، واستحلف مشرف الدولة وخرج إليه، وخوطب حينئذ مشرف الدولة ~~بشاهنشاه، وكان ذلك في آخر ذي الحجة، ومضت الديلم الذين كانوا بواسط في ~~خدمته، وساروا معه، فحلف لهم وأقطعهم، واتفق هو وأخوه جلال الدولة أبو ~~طاهر، فلما سمع سلطان الدولة ذلك سار عن الأهواز إلى أرجان، وقطعت خطبته من ~~العراق، وخطب لأخيه ببغداذ آخر المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقبض على ~~ابن سهلان وكحل. # ولما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وسار إلى الأهواز في أربعمائة ~~فارس، فقلت عليهم الميرة، فنهبوا السواد في طريقهم، فاجتمع الأتراك الذين ~~بالأهواز، (وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة) ، ونادوا بشعار مشرف الدولة وساروا ~~منها، فقطعوا الطريق على قافلة وأخذوها وانصرفوا. # ذكر ولاية الظاهر لإعزاز دين الله # لما قتل الحاكم، على ما ذكرناه، بقي الجند خمسة أيام ثم اجتمعوا إلى أخته # PageV07P662 # واسمها ست الملك، وقالوا: قد تأخر مولانا ولم تجر عادته بذلك. فقالت: قد ~~جاءتني رقعته بأنه يأتي بعد غد. فتفرقوا، وبعثت بالأموال إلى القواد على يد ~~ابن دواس، فلما كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن عليا ابن أخيها الحاكم ~~أفخر الملابس، وكان الجند قد حضروا للميعاد، فلم يرعهم ms3283 إلا وقد أخرج أبو ~~الحسن، وهو صبي، والوزير بين يديه، فصاح: يا عبيد الدولة، مولاتنا تقول ~~لكم: هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه! فقبل ابن دواس الأرض، والقواد ~~الذين أرسلت إليهم الأموال، ودعوا له، فتبعهم الباقون ومشوا معه، ولم يزل ~~راكبا إلى الظهر، فنزل ودعا الناس من الغد فبايعوا له، ولقب الظاهر لإعزاز ~~دين الله، وكتبت الكتب إلى البلاد بمصر والشام بأخذ البيعة له. # وجمعت أخت الحاكم الناس، ووعدتهم، وأحسنت إليهم، ورتبت الأمر ترتيبا ~~حسنا، وجعلت الأمر بيد ابن دواس، وقالت له: إننا نريد أن نرد جميع أحوال ~~المملكة إليك، ونزيد في إقطاعك، ونشرفك بالخلع، فاختر يوما يكون ذلك. فقبل ~~الأرض ودعا، وظهر الخبر به بين الناس، ثم أحضرته، وأحضرت القواد معه، ~~وأغلقت أبواب القصر، وأرسلت إليه خادما وقالت له: قل للقواد إن هذا قتل ~~سيدكم، واضربه بالسيف، ففعل ذلك، وقتله، فلم يختلف رجلان، وباشرت الأمور ~~بنفسها، وقامت هيبتها عند الناس، واستقامت الأمور، وعاشت بعد الحاكم أربع ~~سنين وماتت. # ذكر الفتنة بين الأتراك والأكراد بهمذان # في هذه السنة زاد شغب الأتراك بهمذان على صاحبهم شمس الدولة بن فخر ~~الدولة، وكان قد تقدم ذلك منهم غير مرة، وهو يحلم عنهم بل يعجز، فقوي طمعهم # PageV07P663 # فزادوا في التوثب والشغب، وأرادوا إخراج القواد القوهية من عنده، فلم ~~يجبهم إلى ذلك، فعزموا على الإيقاع بهم بغير أمره، فاعتزل الأكراد مع وزيره ~~تاج الملك أبي نصر بن بهرام إلى قلعة برجين، فسار الأتراك إليهم فحصروهم، ~~ولم يلتفتوا إلى شمس الدولة فكتب الوزير إلى أبي جعفر بن كاكويه صاحب ~~أصبهان، يستنجده، وعين له ليلة يكون قدوم العساكر إليه فيها بغتة، ليخرج هو ~~أيضا تلك الليلة ليكبسوا الأتراك. (ففعل أبو) جعفر ذلك، وسير ألفي فارس، ~~وضبطوا الطرق لئلا يسبقهم الخبر، وكبسوا الأتراك سحرا على غفلة، ونزل ~~الوزير والقوهية من القلعة، فوضعوا فيهم السيف، فأكثروا القتل، وأخذوا ~~المال، ومن سلم من الأتراك نجا فقيرا. # وفعل شمس الدولة بمن عنده في همذان كذلك، وأخرجهم، فمضى ثلاثمائة منهم ~~إلى كرمان، ms3284 وخدموا أبا الفوارس بن بهاء الدولة صاحبها. # ذكر القبض على أبي القاسم المغربي وابن فهد # في هذه السنة قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم ~~المغربي، وعلى أبي القاسم سليمان بن فهد بالموصل، وكان ابن فهد يكتب في ~~حداثته بين يدي الصابي، وخدم المقلد بن المسيب وأصعد إلى الموصل، واقتنى ~~بها ضياعا، ونظر فيها لقرواش، فظلم أهلها وصادرهم، ثم سخط قرواش عليهما ~~فحبسهما، وطولب سليمان بالمال، فادعى الفقر فقتل. # وأما المغربي فإنه خدع قرواشا، ووعده بمال له في الكوفة وبغداذ، فأمر ~~بحمله وترك. وفي قرواش وابن فهد يقول الشاعر، وهو ابن الزمكدم: # وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه، وطول قرونه # سريت، ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه # PageV07P664 # على أولق فيه التفات كأنه # أبو جابر في خطبه وجنونه ... إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه # سنا وجه قرواش وضوء جبينه # وهذه الأبيات قد أجمع أهل البيان على أنها غاية في الجودة لم يقل خير ~~منها في معناها. # ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن # في هذه السنة، في ربيع الأول، اجتمع غريب بن مقن، ونور الدولة دبيس بن ~~علي بن مزيد الأسدي، وأتاهم عسكر من بغداذ، فقاتلوا قرواشا، ومعه رافع بن ~~الحسين، عند كرخ سر من رأى، فانهزم قرواش ومن معه، وأسر في المعركة، ونهبت ~~خزائنه وأثقاله، واستجار رافع بغريب، وفتحوا تكريت عنوة، وعاد عسكر بغداذ ~~إليها بعد عشرة أيام. # ثم إن قرواشا خلص، وقصد سلطان بن الحسين بن ثمال، أمير خفاجة، فسار إليهم ~~جماعة من الأتراك، فعاد قرواش وانهزم ثانيا هو وسلطان، وكانت الوقعة بينهم ~~غربي الفرات. ولما انهزم قرواش مد نواب السلطان أيديهم إلى أعماله، فأرسل ~~يسأل الصفح عنه، ويبذل الطاعة. # ذكر عدة حوادث # فيها أغارت زناتة بإفريقية على دواب المعز بن باديس، صاحب البلاد ~~ليأخذوها، فخرج إليهم عامل مدينة قابس فقاتلهم فهزمهم. # وفيها، في ربيع الآخر، نشأت سحابة بإفريقية أيضا شديدة البرق والرعد # PageV07P665 # فأمطرت حجارة كثيرة ما رأى الناس أكبر منها، فهلك كل ms3285 من أصابه (شيء منها) ~~. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر العنبري الشاعر، وديوانه مشهور، ومن ~~قوله: # ذنبي إلى الدهر أني لم أمد يدي ... في الراغبين، ولم أطلب ولم أسل # وأنني كلما نابت نوائبه ... ألفيتني بالرزايا غير محتفل # PageV07P665 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة] ### | 412 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة # ذكر الخطبة لمشرف الدولة ببغداذ وقتل وزيره أبي غالب # في هذه السنة، في المحرم، قطعت خطبة سلطان الدولة من العراق، وخطب لمشرف ~~الدولة، فطلب الديلم من مشرف الدولة أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان، فأذن ~~لهم وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم، فقال له: إني إن فعلت خاطرت ~~بنفسي، ولكن أبذلها في خدمتك. # ثم انحدر في العساكر، فلما وصل إلى الأهواز نادى الديلم بشعار سلطان ~~الدولة، وهجموا على أبي غالب فقتلوه، فسار الأتراك الذين كانوا معه إلى ~~طراد بن دبيس الأسدي بالجزيرة التي لبني دبيس، ولم يقدروا [أن] يدفعوا عنه، ~~فكانت وزارته ثمانية عشر شهرا وثلاثة أيام، وعمره ستين سنة وخمسة أشهر، ~~فأخذ ولده أبو العباس، وصودر على ثلاثين ألف دينار. فلما بلغ سلطان الدولة ~~قتله اطمأن، وقويت نفسه، وكان قد خافه، وأنفذ ابنه أبا كاليجار إلى الأهواز ~~فملكها. # ذكر وفاة صدقة صاحب البطيحة # في هذه السنة مرض صدقة صاحب البطيحة، فقصدها أبو الهيجاء محمد بن عمران ~~بن شاهين، في صفر، ليملكها، وكان أبو الهيجاء بعد موت أبيه قد تمزق في ~~البلاد ; تارة بمصر، وتارة عند بدر بن حسنويه، وتارة بينهما، فلما ولي ~~الوزير أبو غالب أنفق عليه لأدب كان فيه، فكاتبه بعض أهل البطيحة ليسلموا ~~إليه فسار إليهم # PageV07P667 # فسمع به صدقة قبل موته بيومين، فسير إليه جيشا فقاتلوه فانهزم أبو ~~الهيجاء وأخذ أسيرا فأراد استبقاءه فمنعه سابور بن المرزبان بن مروان وقتله ~~بيده. # ثم توفي صدقة، بعد قتله، في صفر فاجتمع أهل البطيحة على ولاية سابور بن ~~المرزبان فوليهم وكتب إلى مشرف الدولة يطلب أن يقرر عليه ما كان على صدقة ~~من الحمل، ويستعمل على البطيحة فأجابه إلى ms3286 ذلك، وزاد في القرار عليه واستقر ~~في الأمر. # ثم إن أبا نصر شيراز بن الحسن بن مروان زاد في المقاطعة، فلم يدخل سابور ~~في الزيادة، فولي أبو نصر البطيحة، وسار إليها وفارقها سابور إلى جزيرة بني ~~دبيس، واستقر أبو نصر في الولاية، وأمنت به الطرق. # [ذكر عدة حوادث] # في هذه السنة توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب، الكاتب المشهور، ~~وإليه انتهى الخط، ودفن بجوار أحمد بن حنبل، وكان يقص بجامع بغداذ، ورثاه ~~المرتضى، وقيل كان موته سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. # وفيها حج الناس من العراق، وكان قد انقطع سنة عشر وسنة إحدى عشرة، فلما ~~كان هذه السنة قصد جماعة من أعيان خراسان السلطان محمود بن سبكتكين وقالوا ~~له: أنت أعظم ملوك الإسلام، وأثرك في الجهاد مشهور، والحج قد انقطع كما ~~ترى، والتشاغل به واجب، وقد كان بدر بن حسنويه، وفي أصحابك كثير أعظم منه، ~~يسير الحاج بتدبيره، وما له عشرون، فاجعل لهذا الأمر حظا من اهتمامك. # فتقدم إلى أبي محمد الناصحي قاضي قضاة بلاده بأن يسير بالحاج، وأعطاه ~~ثلاثين ألف دينار يعطيها للعرب وسوى النفقة في الصدقات، ونادى في خراسان ~~بالتأهب للحج، فاجتمع خلق عظيم، وساروا، وحج بهم أبو الحسن الأقساسي، فلما # PageV07P668 # بلغوا فيد حصرهم العرب، فبذل لهم الناصحي خمسة آلاف دينار، فلم يقنعوا، ~~وصمموا العزم على أخذ الحاج، وكان مقدمهم رجل يقال له حمار بن عدي، بضم ~~العين، من بني نبهان فركب فرسه، وعليه درعه وسلاحه، وجال جولة يرهب بها، ~~وكان من سمرقند شاب يوصف بجودة الرمي، فرماه بسهم فقتله، وتفرق أصحابه، ~~وسلم الحاج فحجوا، وعادوا سالمين. # وفيها قلد أبو جعفر السمناني الحسبة، والمواريث، ببغداذ، والموتى. # [الوفيات] # وتوفي هذه السنة أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الماليني ~~الصوفي بمصر، في شوال، وهو من المكثرين في الحديث، ومحمد بن أحمد بن محمد ~~بن رزق البزاز، المعروف بابن رزقويه، شيخ الخطيب أبي بكر، ومولده سنة خمس ~~وعشرين وثلاثمائة، وكان فقيها شافعيا، وأبو عبد الرحمن محمد بن ms3287 الحسين ~~السلمي الصوفي، النيسابوري، صاحب " طبقات الصوفية "، وأبو علي الحسن بن علي ~~الدقاق النيسابوري، الصوفي، شيخ أبي القاسم القشيري (وأبو الفتح بن أبي ~~الفوارس) . # PageV07P669 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة] ### | 413 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة # ذكر الصلح بين سلطان الدولة ومشرف الدولة # في هذه السنة اصطلح سلطان الدولة وأخوه مشرف الدولة وحلف كل واحد منهما ~~لصاحبه، وكان الصلح بسعي من أبي محمد بن مكرم، ومؤيد الملك الرخجي وزير ~~مشرف الدولة، على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة، وفارس وكرمان لسلطان ~~الدولة. # ذكر قتل المعز وزيره وصاحب جيشه # في هذه السنة قتل المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وزيره وصاحب جيشه أبا ~~عبد الله محمد بن الحسن. # وسبب ذلك أنه أقام سبع سنين لم يحمل إلى المعز من الأموال شيئا بل يجبيها ~~ويرفعها عنده، وطمع طمعا عظيما، لا يصبر على مثله، بكثرة أتباعه، ولأن أخاه ~~عبد الله بطرابلس الغرب مجاور لزناتة، وهم أعداء دولته، فصار المعز لا ~~يكاتب ملكا، ولا يراسله، إلا ويكتب أبو عبد الله معه عن نفسه، فعظم ذلك على ~~المعز وقتله. # يحكى عن أبي عبد الله أنه قال: سهرت ليلة أفكر في شيء أحدثه في الناس ~~وأخرجه عليهم من الخدم التي التزمتها، فنمت فرأيت عبد الله بن محمد الكاتب، ~~وكان # PageV07P670 # وزيرا لباديس، والد هذا المعز، وكان عظيم القدر والمحل، وهو يقول لي: اتق ~~الله، أبا عبد الله، في الناس كافة، وفي نفسك خاصة، فقد أسهرت عينيك، ~~وأبرمت حافظيك، وقد بدا لي منك ما خفي عليك، وعن قليل ترد على ما وردنا، ~~وتقدم على ما قدمنا. فاكتب عني ما أقول فإني لا أقول إلا حقا. فأملى علي ~~(هذه الأبيات) : # وليت، وقد رأيت مصير قوم ... هم كانوا السماء وكنت أرضا # سموا درج العلى حتى اطمأنوا ... وهد بهم، فعاد الرفع خفضا # وأعظم أسوة لك بي لأني ... ملكت ولم أعش طولا وعرضا # فلا تغتر بالدنيا وأقصر ... فإن أوان أمرك قد تقضى # قال: فانتبهت مرعوبا، ورسخت الأبيات في حفظي، فلم يبق بعد ms3288 هذا المنام غير ~~شهرين حتى قتل. # ولما وصل خبر قتله إلى أخيه عبد الله بطرابلس بعث إلى زناتة فعاهدهم، ~~وأدخلهم مدينة طرابلس، فقتلوا من كان فيها من صنهاجة وسائر الجيش، وأخذوا ~~المدينة. فلما سمع المعز ذلك أخذ أولاد عبد الله ونفرا من أهلهم فحبسهم، ثم ~~قتلهم بعد أيام، لأن نساء المقتولين بطرابلس استغثن إلى المعز في قتلهم ~~فقتلهم. # ذكر عدة حوادث # وفيها كان بإفريقية غلاء شديد، ومجاعة عظيمة لم يكن مثلها في تعذر ~~الأقوات، إلا أنه لم يمت فيها أحد بسبب الجوع، ولم يجد الناس كبير مشقة. # وفيها، في شهر رمضان استوزر مشرف الدولة أبا الحسين بن الحسن الرخجي # PageV07P671 # ولقب مؤيد الملك، وامتدحه مهيار وغيره من الشعراء وبنى مارستانا بواسط، ~~وأكثر فيه من الأدوية والأشربة، ورتب له الخزان والأطباء، ووقف عليه الوقوف ~~الكثيرة، وكان يعرض عليه الوزارة فيأباها، فلما قتل أبو غالب ألزمه بها ~~مشرف الدولة فلم يقدر على الامتناع. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى السكري شاعر السنة، ومولده ببغداذ في ~~صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وكان قد قرأ الكلام على القاضي أبي بكر بن ~~الباقلاني، (وإنما سمي شاعر السنة لأنه أكثر مدح الصحابة، ومناقضات شعراء ~~الشيعة) . # وفيها توفي أبو علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، وأخذ السلطان ماله جميعه. # وفيها توفي أبو عبد الله بن المعلم، فقيه الإمامية، ورثاه المرتضى. # PageV07P672 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمائة] ### | 414 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمائة # ذكر استيلاء علاء الدولة على همذان # في هذه السنة استولى أبو جعفر بن كاكويه على همذان وملكها وكذلك غيرها ~~مما يقاربها. # وسبب ذلك أن فرهاذ بن مرداويج الديلمي، مقطع بروجرد، قصده سماء الدولة ~~أبو الحسن بن شمس الدولة بن بويه، صاحب همذان، وحصره فالتجأ فرهاذ إلى علاء ~~الدولة، فحماه ومنع عنه، وسارا جميعا إلى همذان فحصراها وقطعا الميرة عنها، ~~فخرج إليهما من بها من العسكر، فاقتتلوا فرحل علاء الدولة إلى جرباذقان، ~~فهلك من عسكره ثلاثمائة رجل من شدة البرد. # فسار إليه تاج ms3289 الملك القوهي، مقدم عسكر همذان، فحصره بها، فصانع علاء ~~الدولة الأكراد الذين مع تاج الملك، فرحلوا عنه، فخلص من الحصار، وشرع ~~بالتجهز ليعاود حصار همذان، فأكثر من الجموع، وسار إليها. فلقيه سماء ~~الدولة في عساكره ومعه تاج الملك، فاقتتلوا، فانهزم عسكر همذان، ومضى تاج ~~الملك إلى قلعة فاحتمى بها، وتقدم علاء الدولة إلى سماء الدولة، فترجل له ~~وخدمه، وأخذه وأنزله في خيمته وحمل إليه المال وما يحتاج إليه، وسار وهو ~~معه إلى القلعة التي بها تاج الملك، فحصره وقطع الماء عن القلعة، فطلب تاج ~~الملك الأمان فأمنه فنزل إليه، ودخل معه همذان. # PageV07P673 # ولما ملك علاء الدولة همذان سار إلى الدينور فملكها، ثم إلى سابور خواست ~~فملكها أيضا، وجمع تلك الأعمال، وقبض على أمراء الديلم (الذين بهمذان) ، ~~وسجنهم بقلعة عند أصبهان، وأخذ أموالهم وأقطاعهم، وأبعد كل من فيه شر من ~~الديلم، وترك عنده من يعلم أنه لا شر فيه، وأكثر القتل، فقامت هيبته، وخافه ~~الناس، وضبط المملكة. وقصد حسام الدولة أبا الشوك، فأرسل إليه مشرف الدولة ~~يشفع فيه، فعاد عنه. # ذكر وزارة أبي القاسم المغربي لمشرف الدولة # في هذه السنة قبض مشرف الدولة على وزيره مؤيد الملك الرخجي في شهر رمضان، ~~وكانت وزارته سنتين وثلاثة أيام. # وكان سبب عزله أن الأثير الخادم تغير عليه لأنه صادر ابن شعيا اليهودي ~~على مائة ألف دينار، وكان متعلقا على الأثير، فسعى وعزله، واستوزر بعده أبا ~~القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، ومولده بمصر سنة سبعين وثلاثمائة، ~~وكان أبوه من أصحاب سيف الدولة في همذان، فسار إلى مصر، فتولى بها، فقتله ~~الحاكم، فهرب ولده أبو القاسم إلى الشام، وقصد حسان بن الفرج بن الجراح ~~الطائي، وحمله على مخالفة الحاكم والخروج عن طاعته، ففعل ذلك، وحسن له أن ~~يبايع أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلوي، أمير مكة، فأجابه إليه، واستقدمه ~~إلى الرملة، وخوطب بأمير المؤمنين. # فأنفذ الحاكم إلى حسان مالا جليلا، وأفسد معه حال أبي الفتوح، فأعاده ~~حسان إلى وادي القرى، وسار أبو الفتوح منه ms3290 إلى مكة. ثم قصد أبو القاسم ~~العراق # PageV07P674 # واتصل بفخر الملك، فاتهمه القادر بالله لأنه من مصر، فأبعده فخر الملك، ~~فقصد قرواشا بالموصل، فكتب له، ثم عاد عنه وتنقلت به الحال إلى أن وزر بعد ~~مؤيد الملك الرخجي. # وكان خبيثا، محتالا، حسودا، إذا دخل عليه ذو فضيلة سأله عن غيرها ليظهر ~~للناس جهله. # وفيها، في المحرم، قدم مشرف الدولة إلى بغداذ، ولقيه القادر بالله في ~~الطيار، وعليه السواد، ولم يلق قبله أحدا من ملوك بني بويه. # وفيها قتل أبو محمد بن سهلان، قتله نبكير بن عياض عند إيذج. # ذكر الفتنة بمكة # في هذه السنة كان يوم النفر الأول يوم الجمعة، فقام رجل من مصر، بإحدى ~~يديه سيف مسلول، وفي الأخرى دبوس، بعدما فرغ الإمام من الصلاة، فقصد ذلك ~~الرجل الحجر الأسود كأنه يستلمه، فضرب الحجر ثلاث ضربات بالدبوس، وقال: إلى ~~متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي؟ فليمنعني مانع من هذا، فإني أريد [أن] ~~أهدم البيت. فخاف أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه، وكاد يفلت فثار به رجل فضربه ~~بخنجر فقتله، وقطعه الناس وأحرقوه، وقتل ممن اتهم بمصاحبته جماعة وأحرقوا، ~~وثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا غير من اختفى ~~منهم. # وألح الناس، ذلك اليوم، على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب، وعلى # PageV07P675 # غيرهم في طريق منى إلى البلد. فلما كان الغد ماج الناس واضطربوا، وأخذوا ~~أربعة من أصحاب ذلك الرجل، فقالوا: نحن مائة رجل فضربت أعناق هؤلاء ~~الأربعة، وتقشر بعض وجه الحجر من الضربات، فأخذ ذلك الفتات وعجن بلك وأعيد ~~إلى موضعه. # ذكر فتح (قلعة من) الهند # في هذه السنة أوغل يمين الدولة محمود بن سبكتكين في بلاد الهند، فغنم ~~وقتل، حتى وصل إلى قلعة على رأس جبل منيع، وليس له مصعد إلا من موضع واحد، ~~وهي كبيرة تسع خلقا، وبها خمسمائة فيل، وفي رأس الجبل من الغلات، والمياه، ~~وجميع ما يحتاج الناس إليه، فحصرهم يمين الدولة، وأدام الحصار، وضيق عليهم، ~~واستمر القتال، فقتل منهم كثير. # فلما رأوا ما حل بهم أذعنوا ms3291 له، وطلبوا الأمان، فأمنهم وأقر ملكهم فيها ~~على خراج يأخذه منه، وأهدى له هدايا كثيرة، منها طائر على هيئة القمري من ~~خاصيته إذا أحضر الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منهما ماء ~~وتحجر، فإذا حك وجعل على الجراحات الواسعة ألحمها. # PageV07P676 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # فيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الرازي، صاحب التصانيف ~~المشهورة في الكلام وغيره، وكان موته بمدينة الري، وقد جاوز تسعين سنة، ~~وأبو عبد الله الكشفلي، الفقيه الشافعي. # وأبو جعفر محمد بن أحمد الفقيه الحنفي النسفي، وكان زاهدا مصنفا # (وهلال بن محمد بن جعفر أبو الفتح الحفار، ومولده سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة، وكان عالما بالحديث، عالي الإسناد) . # PageV07P677 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة] ### | 415 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة # ذكر الخلف بين مشرف الدولة والأتراك وعزل الوزير المغربي # في هذه السنة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم، ومعه الوزير ابن ~~المغربي، وبين الأتراك، فاستأذن الأثير والوزير ابن المغربي الملك مشرف ~~الدولة في الانتزاح إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما، فقال: أنا أسير معكما. ~~فساروا جميعا ومعهم جماعة من مقدمي الديلم إلى السندية، وبها قرواش، ~~فأنزلهم، ثم ساروا كلهم إلى أوانا. # فلما علم الأتراك ذلك عظم عليهم، وانزعجوا منه، وأرسلوا المرتضى وأبا ~~الحسن الزينبي وجماعة من قواد الأتراك يعتذرون، ويقولون: نحن العبيد فكتب ~~إليهم أبو القاسم المغربي: إنني تأملت ما لكم من الجامكيات، فإذا هي ستمائة ~~ألف دينار، وعملت دخل بغداذ، فإذا هو أربعمائة ألف دينار، فإن أسقطتم مائة ~~ألف دينار تحملت بالباقي فقالوا: نحن نسقطها، فاستشعر منهم أبو القاسم ~~المغربي، فهرب إلى قرواش، فكانت وزارته عشرة أشهر وخمسة أيام، فلما أبعد ~~خرج الأتراك فسألوا الملك والأثير الانحدار معهم، فأجابهم إلى ذلك ~~(وانحدروا جميعهم) . # ذكر الفتنة بالكوفة ووزارة أبي القاسم المغربي لابن مروان # في هذه السنة وقعت فتنة بالكوفة بين العلويين والعباسيين. # PageV07P678 # وسببها أن المختار أبا علي بن عبيد الله العلوي وقعت بينه وبين الزكي أبي ~~علي النهرسابسي، وبين أبي الحسن علي بن ms3292 أبي طالب بن عمر مباينة، فاعتضد، ~~المختار بالعباسيين، فساروا إلى بغداذ، وشكوا ما يفعل بهم النهرسابسي، ~~فتقدم الخليفة القادر بالله بالإصلاح بينهم مراعاة لأبي القاسم الوزير ~~المغربي لأن النهرسابسي كان صديقه، وابن أبي طالب كان صهره، فعادوا، ~~واستعان كل فريق بخفاجة، فأعان كل فريق من الكوفيين طائفة من خفاجة، فجرى ~~بينهم قتال، فظهر العلويون، وقتل من العباسيين ستة نفر، وأحرقت دورهم ~~ونهبت، فعادوا إلى بغداذ ومنعوا من الخطبة يوم الجمعة، وثاروا، وقتلوا ابن ~~أبي العباس العلوي وقالوا: إن أخاه كان في جملة الفتكة بالكوفة. # فبرز أمر الخليفة إلى المرتضى يأمره بصرف ابن أبي طالب عن نقابة الكوفة ~~وردها إلى المختار، فأنكر الوزير المغربي ما يجري على صهره ابن أبي طالب من ~~العزل وكان عند قرواش بسر من رأى، فاعترض أرحاء كانت للخليفة بدرزيجان، ~~فأرسل الخليفة القاضي أبا جعفر السمناني في رسالة إلى قرواش يأمره بإبعاد ~~المغربي عنه ففعل، فسار المغربي إلى ابن مروان بديار بكر، وغضب الخليفة على ~~النهرسابسي، وبقي تحت السخط إلى سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فشفع فيه ~~الأتراك وغيرهم، فرضي عنه، وحلفه على الطاعة فحلف. # ذكر وفاة سلطان الدولة وملك ولده أبي كاليجار وقتل ابن مكرم # في هذه السنة، في شوال، توفي الملك سلطان الدولة (أبو شجاع بن بهاء ~~الدولة أبي نصر بن عضد الدولة) بشيراز، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وخمسة ~~أشهر. # PageV07P679 # وكان ابنه أبو كاليجار بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو محمد بن مكرم ليملك ~~بعد أبيه، وكان هواه معه، وكان الأتراك يريدون عمه أبا الفوارس بن بهاء ~~الدولة، صاحب كرمان، فكاتبوه يطلبونه إليهم أيضا، فتأخر أبو كاليجار عنها، ~~فسبقه عمه أبو الفوارس إليها فملكها. # وكان أبو المكارم بن أبي محمد بن مكرم قد أشار على أبيه، لما رأى ~~الاختلاف، أن يسير إلى مكان يأمن فيه على نفسه فلم يقبل قوله، فسار وتركه ~~وقصد البصرة فندم أبوه حيث لم يكن معه، فقال له العادل أبو منصور بن مافنة: ~~المصلحة أن تقصد سيراف، وتكون مالك أمرك، وابنك أبو القاسم ms3293 بعمان، فتحتاج ~~الملوك إليك. فركب سفينة ليمضي إليها، فأصابه برد، فبطل عن الحركة، وأرسل ~~العادل بن مافنة إلى كرمان لإحضار أبي الفوارس، فسار إليه العادل، وأبلغه ~~رسالة ابن مكرم باستدعائه، فسار مجدا ومعه العادل، فوصلوا إلى فارس، وخرج ~~ابن مكرم يلتقي أبا الفوارس ومعه الناس، فطالبه الأجناد بحق البيعة، ~~فأحالهم على ابن مكرم، فتضجر ابن مكرم، فقال له العادل: الرأي أن تبذل مالك ~~وأموالنا حتى تمشي الأمور، فانتهره فسكت، وتلوم ابن مكرم بإيصال المال إلى ~~الأجناد، فشكوه إلى أبي الفوارس فقبض عليه وعلى العادل بن مافنة، ثم قتل ~~ابن مكرم واستبقى ابن مافنة. # فلما سمع ابنه أبو القاسم بقتله صار مع الملك أبي كاليجار وأطاعه، وتجهز ~~أبو كاليجار، وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم، وكان مربيه، وساروا ~~بالعساكر إلى فارس، فسير عمه أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبي منصور الحسن ~~بن علي الفسوي لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير متهاون به لكثرة عسكره، ~~فأتوه وهو نائم، وقد تفرق عسكره في البلد يبتاعون ما يحتاجون إليه، وكان ~~جاهلا بالحرب، فلما شاهدوا أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر، وقد ~~داخلهم الرعب، فحمل عليهم أبو كاليجار وهم على اضطراب، فانهزموا، وغنم أبو ~~كاليجار وعسكره # PageV07P680 # أموالهم، ودوابهم وكل ما لهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى عمه أبي ~~الفوارس سار إلى كرمان، وملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز. # ذكر عود أبي الفوارس إلى فارس وإخراجه عنها # ولما ملك أبو كاليجار بلاد فارس دخل شيراز جرى على الديلم الشيرازية من ~~عسكره ما أخرجهم عن طاعته وتمنوا معه أنهم كانوا قتلوا مع عمه. # وكان جماعة من الديلم بمدينة فسا في طاعة أبي الفوارس، وهم يريدون أن ~~يصلحوا حالهم مع أبي كاليجار ويصيروا معه، فأرسل إليهم الديلم الذين بشيراز ~~يعرفونهم ما يلقون من الأذى، ويأمرونهم بالتمسك بطاعة أبي الفوارس، ففعلوا ~~ذلك. # ثم إن عسكر أبي كاليجار طالبوه بالمال، وشغبوا عليه، فأظهر الديلم ~~الشيرازية ما في نفوسهم من الحقد، فعجز عن المقام معهم، فسار عن شيراز إلى ~~النوبندجان، ms3294 ولقي شدة في طريقه، ثم انتقل عنها لشدة حرها، ووخامة هوائها، ~~ومرض أصحابه، فأتى شعب بوان فأقام به. # فلما سار عن شيراز أرسل الديلم الشيرازية إلى عمه أبي الفوارس يحثونه على ~~المجيء إليهم، ويعرفونه بعد أبي كاليجار عنهم، فسار إليهم، فسلموا إليه ~~شيراز، وقصد إلى أبي كاليجار بشعب بوان ليحاربه ويخرجه عن البلاد، فاختار ~~العسكران الصلح، فسفروا فيه، فاستقر لأبي الفوارس كرمان وفارس، ولأبي ~~كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو كاليجار إلى أرجان. # ثم إن وزير أبي الفوارس خبط الناس، وأفسد قلوبهم، وصادرهم، وجاز به مال ~~لأبي كاليجار والديلم الذين معه، فأخذه، فحينئذ حث العادل بن مافنة صندلا ~~الخادم على العود إلى شيراز، وكان قد فارق بها نعمة عظيمة، وصار مع أبي ~~كاليجار، وكان الديلم يطيعونه، فعادت الحال إلى أشد مما كانت عليه، فسار كل ~~واحد من أبي # PageV07P681 # كاليجار وعمه أبي الفوارس إلى صاحبه والتقوا واقتتلوا، فانهزم أبو ~~الفوارس إلى دارابجرد وملك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع ~~الأكراد فأكثر، فاجتمع معه منهم نحو عشرة آلاف مقاتل، فالتقوا بين البيضاء ~~وإصطخر فاقتتلوا أشد من القتال الأول، فعاود أبو الفوارس الهزيمة، فسار إلى ~~كرمان، واستقر ملك أبي كاليجار بفارس سنة سبع عشرة وأربعمائة، وكان أهل ~~شيراز يكرهونه. # ذكر خروج زناتة والظفر بهم # في هذه السنة خرج بإفريقية جمع كثير من زناتة، فقطعوا الطريق، وأفسدوا ~~بقسطيلية ونفزاوة، وأغاروا وغنموا، واشتدت شوكتهم، وكثر جمعهم. فسير إليهم ~~المعز بن باديس جيشا جريدة، وأمرهم أن يجدوا السير ويسبقوا أخبارهم، ففعلوا ~~ذلك، وكتموا خبرهم، وطووا المراحل حتى أدركوهم وهم آمنون من الطلب، فوضعوا ~~فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وعلق خمسمائة رأس في أعناق الخيول وسيرت ~~إلى المعز، وكان يوم دخولها يوما مشهودا. # ذكر عود الحاج على الشام وما كان من الظاهر إليهم # في هذه السنة عاد الحجاج من مكة إلى العراق على الشام لصعوبة الطريق ~~المعتاد، فلما وصلوا إلى مكة بذل لهم الظاهر العلوي، صاحب مصر، أموالا ~~جليلة وخلعا نفيسة، وتكلف ms3295 شيئا كثيرا، وأعطى لكل رجل في الصحبة جملة من ~~المال ليظهر لأهل خراسان ذلك. # وكان على تسيير الحجاج الشريف أبو الحسن الأقساسي، وعلى حجاج خراسان حسنك ~~نائب يمين الدولة بن سبكتكين، فعظم ما جرى على الخليفة القادر بالله، وعبر ~~حسنك دجلة عند أوانا، وسار إلى خراسان، وتهدد القادر بالله ابن الأقساسي، ~~فمرض فمات، ورثاه المرتضى وغيره، وأرسل إلى يمين الدولة في المعنى، فسير ~~يمين الدولة الخلع التي خلعت على صاحبه حسنك إلى بغداذ فأحرقت. # PageV07P682 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة تزوج السلطان مشرف الدولة بابنة علاء الدولة بن كاكويه، ~~وكان الصداق خمسين ألف دينار، وتولى العقد المرتضى. # وفيها قلد القاضي أبو جعفر السمناني قضاء الرصافة وباب الطاق. # [الوفيات] # (وفيها توفي أبو الحسن علي بن عبيد الله السمسمي الأديب، وابن الدقيقي ~~النحوي) ، أبو الحسن بن بشران المحدث، وعمره سبع وثمانون سنة، والقاضي أبو ~~محمد بن أبي حامد المروروذي قاضي البصرة بها، وأبو الفرج أحمد بن عمر ~~المعروف بابن المسلمة، الشاهد، وهو جد رئيس الرؤساء، وأحمد بن محمد بن أحمد ~~بن القاسم أبو الحسن المحاملي، الفقيه الشافعي، تفقه على أبي حامد، وصنف ~~المصنفات المشهورة (وعبيد الله بن عمر بن علي بن محمد بن الأشرس أبو القاسم ~~المقرئ، الفقيه الشافعي) . # PageV07P683 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة] ### | 416 - # ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة # ذكر فتح سومنات # في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن، وأخذ الصنم ~~المعروف بسومنات، وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند، وهم يحجون إليه كل ليلة ~~خسوف، فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان، وتزعم الهنود أن الأرواح ~~إذا فارقت الأجسام (اجتمعت إليه) على مذهب التناسخ، فينشئها فيمن شاء، وأن ~~المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته. # وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس، ويعطون سدنته كل مال جزيل، وله من ~~الموقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية، وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من ~~نفيس الجوهر ما لا تحصى قيمته. ms3296 # ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم، ويلقون فيه عظام من ~~يموت من كبرائهم، ويعتقدون أنها تساق إلى جنة النعيم. # وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ، وكان يحمل من مائه كل يوم ~~إلى سومنات ما يغسل به، ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادته # PageV07P684 # وتقديم الوفود إليه، وثلاثمائة رجل يحلقون رءوس زواره ولحاهم، وثلاثمائة ~~رجل وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم، ولكل واحد من هؤلاء شيء ~~معلوم كل يوم. # وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحا، وكسر صنما يقول الهنود: إن هذه ~~الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء، فلما ~~بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه ظنا منه أن الهنود إذا فقدوه، ~~ورأوا كذب ادعائهم الباطل، دخلوا في الإسلام فاستخار الله تعالى وسار عن ~~غزنة عاشر شعبان من هذه السنة، في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة، ~~وسلك سبيل الملتان، فوصلها منتصف شهر رمضان. # وفي طريقه إلى الهند برية قفر، لا ساكن فيها، ولا ماء، ولا ميرة. فتجهز ~~هو وعسكره على قدرها، ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة، ~~وقصد أنهلوارة، فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصونا مشحونة بالرجال، ~~وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه حصرها، فيسر الله تعالى فتحها عند قربه ~~منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم، وتسلمها، وقتل سكانها وأهلك أوثانها، ~~وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه. # وسار إلى أنهلوارة فوصلها مستهل ذي القعدة، فرأى صاحبها المدعو بهيم قد ~~أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب، وقصد حصنا له يحتمي به فاستولى يمين ~~الدولة على المدينة، وسار إلى سومنات، فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من ~~الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات، على ما سول لهم الشيطان، فقاتل من ~~بها، وفتحها وخربها، وكسر أصنامها، وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة ~~الماء، فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك، فأرسل إليهم ~~السرايا، فقاتلوهم # PageV07P685 # فهزموهم وغنموا ms3297 مالهم، وامتاروا من عندهم، وساروا حتى بلغوا دبولوارة، ~~وهي على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت أهلها له ظنا منهم أن سومنات يمنعهم ~~ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وشل رجالها، وغنم أموالها، وسار عنها إلى ~~سومنات، فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة فرأى حصنا حصينا مبنيا على ساحل ~~البحر بحيث تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار يتفرجون على المسلمين، واثقين ~~أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم. # فلما كان الغد، هو الجمعة، زحف وقاتل من به، فرأى الهنود من المسلمين ~~قتالا لم يعهدوا مثله، ففارقوا السور فنصب المسلمون عليه السلالم، وصعدوا ~~إليه وأعلنوا بكلمة الإخلاص، وأظهروا شعار الإسلام، فحينئذ اشتد القتال، ~~وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات، فعفروا له خدودهم، وسألوه ~~النصر، وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض. # فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود القتل، ~~وأجلوهم عن المدينة إلى بيت صنمهم سومنات، فقاتلوا على بابه أشد قتال، وكان ~~الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون، ويتضرعون ~~إليه، ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم، فبقي منهم ~~القليل، فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجوا فيهما، فأدركهم المسلمون ~~فقتلوا بعضا وغرق بعض. # وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج ~~المصفح بالرصاص، وسومنات من حجر طوله خمسة أذرع: ثلاثة مدورة ظاهرة، ~~وذراعان في البناء، وليس بصورة مصورة، فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق ~~بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة الجامع. # وكان بيت الصنم مظلما، وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر الفائق، ~~وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس، ووزنها مائتا من، كلما مضى طائفة معلومة من # PageV07P686 # الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى عبادتهم، ~~وعنده خزانة فيها عدد من الأصنام الذهبية والفضية، وعليها الستور المعلقة ~~المرصعة بالجوهر، كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظمائهم، وقيمة ما في ~~البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع، وكانت عدد القتلى تزيد ~~على خمسين ألف قتيل. # ثم إن يمين الدولة ms3298 ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب أنهلوارة قد قصد قلعة ~~تسمى كندهة في البحر، بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا، فسار ~~إليها يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين، ~~فسألهما عن خوض البحر هناك، فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيرا ~~غرق من فيه. فاستخار الله تعالى، وخاضه هو ومن معه فخرجوا سالمين، فرأوا ~~بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ~~ارتد عن الإسلام، فلما بلغه خبر مجيء يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض ~~أشبة، فقصده يمين الدولة من موضعين، فأحاط به وبمن معه، فقتل أكثرهم، وغرق ~~منهم كثير، ولم ينج منهم إلا القليل. # ثم سار إلى بهاطية، فأطاعه أهلها، ودانوا له، فرحل إلى غزنة، فوصلها عاشر ~~صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة. # ذكر وفاة مشرف الدولة وملك أخيه جلال الدولة # في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء # PageV07P687 # الدولة بمرض حاد، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وملكه خمس سنين ~~وخمسة وعشرون يوما، وكان كثير الخير، قليل الشر، عادلا، حسن السيرة، وكانت ~~والدته في الحياة، وتوفيت سنة خمس وعشرين [وأربعمائة] . # ولما توفي مشرف الدولة خطب ببغداذ، بعد موته، لأخيه أبي ظاهر جلال ~~الدولة، وهو بالبصرة، وطلب إلى بغداذ، فلم يصعد إليها، وإنما بلغ إلى واسط، ~~وأقام بها، ثم عاد إلى البصرة، فقطعت خطبته، وخطب لابن أخيه الملك أبي ~~كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوال، وهو حينئذ صاحب خوزستان، ~~والحرب بينه وبين عمه أبي الفوارس، صاحب كرمان، بفارس، فلما سمع جلال ~~الدولة بذلك أصعد إلى بغداذ، فانحدر عسكرها ليردوه عنها، فلقوه بالسيب من ~~أعمال النهروان، فردوه فلم يرجع، فرموه بالنشاب، ونهبوا بعض خزائنه، فعاد ~~إلى البصرة، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار ليصعد إلى بغداذ ليملكوه فوعدهم ~~الإصعاد، ولم يمكنه لأجل صاحب كرمان ولما أصعد جلال الدولة كان وزيره أبا ~~سعد بن ماكولا. # ذكر ملك نصر الدولة بن مروان مدينة ms3299 الرها # وفي هذه السنة ملك نصر الدولة بن مروان، صاحب ديار بكر، مدينة الرها. # وكان سبب ملكها أن الرها كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا، وفيه شر ~~وجهل، واستخلف عليها نائبا له اسمه أحمد بن محمد، فأحسن السيرة، وعدل في ~~الرعية، فمالوا إليه. # وكان عطير يقيم بحلته، ويدخل البلد في الأوقات المتفرقة، فرأى أن نائبه # PageV07P688 # يحكم في البلد، ويأمر وينهى، فحسده، فقال له يوما: قد أكلت مالي، ~~واستوليت على بلدي، وصرت الأمير وأنا النائب، فاعتذر إليه، فلم يقبل عذره ~~وقتله. فأنكرت الرعية قتله، وغضبوا على عطير، وكاتبوا نصر الدولة بن مروان ~~ليسلموا إليه البلد، فسير إليهم نائبا كان له بآمد يسمى زنك، فتسلمها وأقام ~~بها ومعه جماعة من الأجناد، ومضى عطير إلى صالح بن مرداس، وسأله الشفاعة له ~~إلى نصر الدولة، فشفع فيه، فأعطاه نصف البلد، ودخل عطير إلى نصر الدولة ~~بميافارقين، فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه، فلم يفعل وقال: لا أغدر به وإن ~~كان أفسد، وأرجو أن أكف شره بالوفاء. # وتسلم عطير نصف البلد ظاهرا وباطنا، وأقام فيه مع نائب نصر الدولة. # ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاما ودعاه فأكل وشرب، واستدعى ولدا كان ~~لأحمد الذي قتله عطير، وقال: تريد أن تأخذ بثأر أبيك؟ قال: نعم! قال: هذا ~~عطير عندي في نفر يسير، فإذا خرج فتعلق به في السوق وقل له: يا ظالم قتلت ~~أبي فإنه سيجرد سيفه عليك، فإذا فعل فاستنفر الناس عليه واقتله وأنا من ~~ورائك. ففعل ما أمره، وقتل عطيرا ومعه ثلاثة نفر من العرب. فاجتمع بنو نمير ~~وقالوا: هذا فعل زنك، ولا ينبغي لنا أن نسكت عن ثأرنا، ولئن لم نقتله ~~ليخرجنا من بلادنا. فاجتمعت نمير، وكمنوا له بظاهر البلد كمينا، وقصد فريق ~~منهم البلد، فأغاروا على ما يقاربه. فسمع زنك الخبر، فخرج فيمن عنده من ~~العساكر، وطلب القوم، فلما جاوز الكمناء خرجوا عليه، فقاتلهم، فأصابه حجر ~~مقلاع فسقط وقتل، وكان قتله سنة ثماني عشرة وأربعمائة في أولها، وخلصت ~~المدينة لنصر الدولة. # ثم ms3300 إن صالح بن مرداس شفع في ابن عطير وابن شبل النميريين ليرد الرها ~~إليهما، فشفعه وسلمها إليهما، وكان فيها برجان أحدهما أكبر من الآخر، فأخذ ~~ابن عطير البرج الكبير، وأخذ ابن شبل البرج الصغير، وأقاما في البلد، إلى ~~أن باعه ابن عطير من الروم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر غرق الأسطول بجزيرة صقلية # في هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير، وملكوا ما كان # PageV07P689 # للمسلمين في جزيرة قلورية، وهي مجاورة لجزيرة صقلية، وشرعوا في بناء ~~المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك. فبلغ ذلك المعز بن ~~باديس، فجهز أسطولا كبيرا: أربعمائة قطعة، وحشد فيها، وجمع خلقا كثيرا ~~وتطوع جمع كثير بالجهاد، رغبة في الأجر، فسار الأسطول في كانون الثاني، ~~فلما قرب من جزيرة قوصرة، وهي قريب من بر إفريقية، خرج عليهم ريح شديدة، ~~ونوء عظيم، فغرق أكثرهم ولم ينج إلا اليسير. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ظهر أمر العيارين ببغداذ وعظم شرهم، فقتلوا النفوس، ونهبوا ~~الأموال، وفعلوا ما أرادوا، وأحرقوا الكرخ، وغلا السعر بها حتى بيع كر ~~الحنطة بمائتي دينار قاسانية. # وفيها قبض جلال الدولة على وزيره أبي سعد بن ماكولا، واستوزر ابن عمه أبا ~~علي بن ماكولا. # وفيها أرسل القادر بالله القاضي أبا جعفر السمناني إلى قرواش يأمره ~~بإبعاد الوزير أبي القاسم المغربي وكان عنده، فأبعده، فقصد نصر الدولة بن ~~مروان بميافارقين (وقد تقدم السبب فيه) . # وفيها توفي الوزير أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان، وزير مشرف الدولة ~~أبي الفوارس، وعمره ست وسبعون سنة. # PageV07P690 # وقاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب، ومولده في ذي ~~القعدة سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكان عفيفا نزها، وقيل توفي سنة سبع عشرة. # وبسيل ملك الروم، وملك بعده أخوه قسطنطين. # وفيها ورد رسول محمود بن سبكتكين إلى القادر بالله ومعه خلع قد سيرها له ~~الظاهر لإعزاز دين الله العلوي، صاحب مصر، ويقول: أنا الخادم الذي أرى ~~الطاعة مرضا، ويذكر إرسال هذه الخالع ms3301 إليه، وأنه سيرها إلى الديوان ليرسم ~~فيها بما يرى، فأحرقت على باب النوبي، فخرج منها ذهب كثير تصدق به على ~~ضعفاء بني هاشم. # [تابع الوفيات] # وفيها توفي سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة وكان كاتبا سديدا، وعمل ~~دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف ~~مجلد، وبقيت إلى أن احترقت عند مجيء طغرلبك إلى بغداذ سنة خمسين وأربعمائة. # وفيها توفي عثمان الخركوشي، الواعظ النيسابوري، وكان صالحا، خيرا، وكان ~~إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه، وكان محمود قد قسط على نيسابور ~~مالا يأخذه منهم، فقال له الخركوشي: بلغني أنك (تكدي الناس، وضاق صدري، ~~فقال: وكيف؟ قال: بلغني أنك) تأخذ أموال الضعفاء، وهذه كدية. فترك القسط ~~وأطلقه. # وفيها بطل الحج من العراق وخراسان. # PageV07P691 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة] ### | 417 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة # ذكر الحرب بين عسكر علاء الدولة والجوزقان # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكويه وبين ~~الأكراد الجوزقان. # وكان سببها أن علاء الدولة استعمل أبا جعفر ابن عمه على سابور خواست وتلك ~~النواحي، فضم إليه الأكراد الجوزقان، وجعل معه على الأكراد أبا الفرج ~~البابوني، منسوب إلى بطن منهم، فجرى بين أبي جعفر وأبي الفرج مشاجرة أدت ~~إلى المنافرة، فأصلح بينهما علاء الدولة، وأعادهما إلى عملهما. # فلم يزل الحقد يقوى، والشر يتجدد، فضرب أبو جعفر أبا الفرج بلت كان في ~~يده فقتله، فنفر الجوزقان بأسرهم، ونهبوا وأفسدوا، فطلبهم علاء الدولة، ~~وسير عسكرا، واستعمل عليهم أبا منصور ابن عمه أخا أبي جعفر الأكبر، وجعل ~~معه فرهاذ بن مرداويج، وعلي بن عمران. # فلما علم الجوزقان ذلك أرسلوا علي بن عمران يسألونه أن يصلح حالهم مع ~~علاء الدولة، وقصده جماعة منهم، فشرع في الإصلاح فطالبه أبو جعفر وفرهاذ ~~بالجماعة الذين قصدوه ليسلمهم إليهما، وأرادا أخذهم منه قهرا، فانتقل إلى ~~الجوزقان، واحتمى كل منهم بصاحبه، وجرى بين الطائفتين قتال غير مرة كان في # PageV07P692 # آخره لعلي بن عمران والجوزقان فانهزم فرهاذ، ms3302 وأسر أبو منصور وأبو جعفر، ~~ابنا عم علاء الدولة. فأما أبو جعفر فقتل (قصاصا بأبي الفرج) وأما أبو ~~منصور فسجن. فلما قتل أبو جعفر علم علي بن عمران أن الأمر قد فسد مع علاء ~~الدولة ولا يمكن إصلاحه، فشرع في الاحتياط. # ذكر الحرب بين قرواش وبني أسد وخفاجة # في هذه السنة اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن ~~حسان، أمير بني خفاجة، وجمعا عشائرهما وغيرهم، وانضاف إليهما عسكر بغداذ ~~على قتال قرواش بن المقلد العقيلي. # وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه، فانحدر من ~~الموصل لدفعهم فاستعانوا بدبيس فسار إليهم، واجتمعوا، فأتاهم عسكر بغداذ ~~فالتقوا بظاهر الكوفة، وهي لقرواش، فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة. # وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم، فسار ليلا جريدة في نفر يسير، وعلم ~~أصحابه بذلك، فتبعوه منهزمين، فوصلوا إلى الأنبار، وسارت أسد وخفاجة خلفهم، ~~فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله، فلم يمكنهم الإقدام عليه، ~~واستولوا على الأنبار، ثم تفرقوا. # ذكر الفتنة ببغداذ وطمع الأتراك والعيارين # في هذه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداذ، فأكثروا مصادرات الناس، وأخذوا ~~الأموال حتى إنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار، وعظم الخطب، وزاد ~~الشر وأحرقت المنازل، والدروب، والأسواق، ودخل في الطمع العامة والعيارون، ~~فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره، كما يفعل السلطان بمن يصادره، ~~فعمل الناس الأبواب على الدروب، فلم تغن شيئا ووقعت الحرب بين الجند ~~والعامة، فظفر الجند، ونهبوا الكرخ وغيره، فأخذ منه مال جليل، وهلك أهل ~~الستر والخير. # فلما رأى القواد وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم، وأن ~~البلاد # PageV07P693 # قد خربت، وطمع فيهم المجاورون من العرب والأكراد، راسلوا جلال الدولة في ~~الحضور إلى بغداذ، فحضر، على ما نذكره سنة ثماني عشرة وأربعمائة. # ذكر إصعاد الأثير إلى الموصل والحرب الواقعة بين بني عقيل # في هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداذ. # وكان سببه أن الأثير كان حاكما في الدولة البويهية، ماضي الحكم، نافذ ~~الأمر، ms3303 والجند من أطوع الناس له، وأسمعهم لقوله. فلما كان الآن زال ذلك، ~~وخالفه الجند، فزالت طاعته عنهم، فلم يلتفتوا إليه، فخافهم على نفسه، فسار ~~إلى قرواش، فندم الجند على ذلك، وسألوه أن يعود فلم يفعل وأصعد إلى الموصل ~~مع قرواش فأخذ ملكه وإقطاعه بالعراق. # ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا جمعا كثيرا من عقيل، ~~وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا يريدون حرب قرواش، وكان قرواش لما سمع ~~خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن مقن، والأثير عنبر، وأتاه مدد من ابن مروان ~~فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل فالتقوا عند بلد واقتتلوا، وثبت بعضهم لبعض، ~~وكثر القتل، ففعل ثروان بن قراد فعلا جميلا، وذاك أنه قصد غريبا في وسط ~~المصاف واعتنقه وصالحه، وفعل أبو الفضل بدران بن المقلد بأخيه قرواش كذلك، ~~فاصطلح الجميع، وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين. # PageV07P694 # ذكر إحراق خفاجة الأنبار وطاعتهم لأبي كاليجار # في هذه السنة سار منيع بن حسان أمير خفاجة إلى الجامعين، وهي لنور الدولة ~~دبيس، فنهبها، فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار، وهي ~~لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل. فلما نازلها منيع قاتله أهلها، فلم ~~يكن لهم بخفاجة طاقة، فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها، وأحرقوا أسواقها، فانحدر ~~قرواش إليهم ليمنعهم، وكان مريضا، ومعه غريب والأثير عنبر، إلى الأنبار ثم ~~تركها ومضى إلى القصر، فاشتد طمع خفاجة، وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ~~ثانية. # وسار قرواش إلى الجامعين، فاجتمع هو ونور الدولة دبيس بن مزيد في عشرة ~~آلاف مقاتل، (وكانت خفاجة في ألف) ، فلم يقدم قرواش في ذلك الجيش العظيم ~~على هذه الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد وأعانهم قرواش ~~وأقام عندهم الشتاء. # ثم إن منيع بن حسان سار إلى الملك أبي كاليجار، فأطاعه، فخلع عليه، (وأتى ~~منيع الخفاجي إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار) ، وأزال حكم عقيل عن سقي ~~الفرات. # ذكر الصلح بإفريقية بين كتامة وزناتة وبين المعز بن باديس # في هذه السنة وردت رسل ms3304 زناتة وكتامة إلى المعز بن باديس، صاحب إفريقية، ~~يطلبون منه الصلح، وأن يقبل منهم الطاعة والدخول تحت حكمه، وشرطوا أنهم ~~يحفظون الطريق، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم، فأجابهم إلى ما سألوا، ~~وجاءت مشيخة زناتة وكتامة إليه، فقبلهم وأنزلهم ووصلهم، وبذل لهم أموالا ~~جليلة. # ذكر وفاة حماد بن المنصور وولاية ابنه القائد # في هذه السنة توفي حماد بن بلكين، عم المعز بن باديس، صاحب إفريقية # PageV07P695 # وكان خرج من قلعته متنزها، فمرض ومات وحمل إلى القلعة فدفن بها، وولي ~~بعده ابنه القائد، وعظم على المعز موته، لأن الأمر بينهما كان قد صلح، ~~واستقامت الأمور للمعز بعده، وأذعن له أولاد عمه حماد بالطاعة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان بالعراق برد شديد جمد فيه الماء في دجلة والأنهار ~~الكبيرة، فأما السواقي فإنها جمدت كلها، وتأخر المطر وزيادة دجلة، فلم يزرع ~~في السواد إلا القليل. # وفيها بطل الحج من خراسان والعراق. # (وفيها انقض كوكب عظيم استنارت له الأرض، فسمع له دوي عظيم، كان ذلك في ~~رمضان) . # [الوفيات] # وفيها مات أبو سعد بن ماكولا، وزير جلال الدولة، في محبسه. # وأبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي النيسابوري الحافظ، وهو من ~~مشايخ خطيب بغداذ. # PageV07P696 # وأبو الحسن علي بن أحمد بن عمر الحمامي المقرئ، مولده سنة ثمان وعشرين ~~وثلاثمائة. # PageV07P697 ### | [ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمائة] ### | 418 - # ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمائة # ذكر الحرب بين علاء الدولة وإصبهبذ ومن معه وما تبع ذلك من الفتن # في هذه السنة، في ربيع الأول، كانت حرب شديدة بين علاء الدولة بن كاكويه ~~وبين الإصبهبذ ومن معه. # وكان سببها ما ذكرناه من خروج علي بن عمران عن طاعة علاء الدولة. فلما ~~فارقه اشتد خوفه من علاء الدولة، فكاتب إصبهبذ صاحب طبرستان. وكان مقيما ~~بالري مع ولكين بن وندرين، وحثه على قصد بلاد الجبل، وكاتب أيضا منوجهر بن ~~قابوس بن وشمكير، واستمده، وأوهم الجميع أن البلاد في يده لا دافع له عنها. # وكان إصبهبذ معاديا لعلاء الدولة، فسار هو وولكين ms3305 إلى همذان، فملكاها ~~وملكا أعمال الجبل، وأجليا عنها عمال علاء الدولة، وأتاهم عسكر منوجهر وعلي ~~بن عمران، فازدادوا قوة، وساروا كلهم إلى أصبهان، فتحصن علاء الدولة بها، ~~وأخرج الأموال فحصروه، وجرى بينهم قتال استظهر فيه علاء الدولة، وقصده كثير ~~من ذلك العسكر، وهو يبذل لمن يجيء إليه المال الجزيل ويحسن إليهم، فأقاموا ~~أربعة أيام، وضاقت عليهم الميرة، فعادوا عنها. # وتبعهم علاء الدولة، واستمال الجوزقان، فمال إليه بعضهم، وتبعهم إلى ~~نهاوند، فالتقوا عندها، واقتتلوا قتالا كثر فيه القتلى والأسرى فظفر علاء ~~الدولة # PageV07P698 # وقتل ابنين لولكين في المعركة. وأسر الإصبهبذ وابنان له ووزيره، ومضى ~~ولكين في نفر يسير إلى جرجان. وقصد علي بن عمران قلعة كنكور، فتحصن بها، ~~فسار إليه علاء الدولة فحصره بها، وبقي إصبهبذ محبوسا عند علاء الدولة إلى ~~أن توفي في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة. # ثم إن ولكين بن وندرين سار بعد خلاصه من الوقعة إلى منوجهر بن قابوس، ~~وأطمعه في الري وملكها، وهون عليه أمر البلاد لا سيما مع اشتغال علاء ~~الدولة بمحاصرة علي بن عمران، وانضاف إلى ذلك أن ولد ولكين، كان صهر علاء ~~الدولة على ابنته، وقد أقطعه علاء الدولة مدينة قم، فعصى عليه وصار مع ~~أبيه، وأرسل إليه يحثه على قصد البلاد، فسار إليها ومعه عسكره، وعساكر ~~منوجهر، حتى نزلوا على الري، وقاتلوا مجد الدولة بن بويه ومن معه، وجرى بين ~~الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري. فلما رأى علاء الدولة ذلك صالح علي ~~بن عمران. # فلما بلغ ولكين الصلح بين علاء الدولة وعلي بن عمران رحل عن الري من غير ~~بلوغ غرض، فتوجه علاء الدولة إلى الري، وراسل منوجهر، ووبخه وتهدده، وأظهر ~~قصد بلاده، فسمع أن علي بن عمران قد كاتب منوجهر، وأطمعه ووعده النصرة، ~~وحثه على العود إلى الري، فعاد علاء الدولة عن قصد بلاد منوجهر، وتجهز لقصد ~~علي بن عمران، فأرسل ابن عمران إلى منوجهر يستمده، فسير إليه ستمائة فارس ~~وراجل مع قائد من قواده وتحصن ابن عمران، وجمع عنده الذخائر ms3306 بكنكور، وقصده ~~علاء الدولة وحصره وضيق عليه، ففني ما عنده، فأرسل يطلب الصلح، فاشترط علاء ~~الدولة أن يسلم قلعة كنكور والذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه، والقائد الذي ~~سيره إليه منوجهر، فأجابه إلى ذلك وسيرهم إليه (فقتل قتلة) ابن عمه، وسجن ~~القائد، وتسلم القلعة، وأقطع عليا عوضا عنها مدينة الدينور، وأرسل منوجهر ~~إلى علاء الدولة فصالحه، فأطلق صاحبه. # PageV07P699 # ذكر عصيان البطيحة على أبي كاليجار # في هذه السنة عصى أهل البطيحة على الملك أبي كاليجار، ومقدمهم أبو عبد ~~الله الحسين بن بكر الشرابي، الذي كان قديما صاحب البطيحة، وقد تقدم خبره. # وكان سبب هذا الخلاف أن الملك أبا كاليجار سير وزيره أبا محمد بن بابشاذ ~~إلى البطيحة، فعسف الناس، وأخذ أموالهم، وأمر الشرابي فوضع على كل دار ~~بالصليق قسطا، وكان في صحبته، ففعل ذلك، فتفرقوا في البلاد، وفارقوا ~~أوطانهم، فعزم من بقي على أن يستدعوا من يتقدم عليهم في العصيان على أبي ~~كاليجار، وقتل الشرابي، وكانوا ينسبون كل ما يجري (عليهم إلى الشرابي) . ~~فعلم الشرابي بذلك، فحضر عندهم، واعتذر إليهم، وبذل من نفسه مساعدتهم على ~~ما يريدونه، (فرضوا به) ، وحلفوا له، وحلف لهم، وأمرهم بكتمان الحال. # وعاد إلى الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهات ذكرها ليحصلوا ~~الأموال، فقبل منه، ثم أشار عليه بإحضار سفنه إلى مكان ذكره ليصلح ما فسد ~~منها، ففعل. فلما تم له ذلك وثب هو وأهل البطيحة عليه، وأخرجوه من عندهم، ~~وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة في الحبس، فأخرجوهم، واستعانوا بهم، ~~واتفقوا معهم، وفتحوا السواقي، وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام مهذب الدولة، ~~وقاتلوا كل من قصدهم، وامتنعوا فتم لهم ذلك. ثم قصده ابن المعبراني فاستولى ~~على البطيحة، وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد، فأقام عنده مكرما. # ذكر صلح أبي كاليجار مع عمه صاحب كرمان # في هذه السنة استقر الصلح بين أبي كاليجار وبين عمه أبي الفوارس، صاحب # PageV07P700 # كرمان، وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمه وأخذ كرمان منه، ~~فاحتمى منه بالجبال، وحمي ms3307 الحر على أبي كاليجار وعسكره، فكثرت الأمراض، ~~فتراسلا في الصلح، فاصطلحا على أن تكون كرمان لأبي الفوارس، وبلاد فارس ~~لأبي كاليجار، ويحمل إلى عمه كل سنة عشرين ألف دينار. # ولما عاد أبو كاليجار إلى الأهواز جعل أمور دولته إلى العادل بن مافنة، ~~فأجابه بعد امتناع، وكان مولد العادل بكازرون سنة ستين وثلاثمائة، وشرط ~~العادل أن لا يعارض في الذي يفعله، فأجيب إلى ذلك. # ذكر الخطبة لجلال الدولة ببغداذ وإصعاده إليها # في هذه السنة، في جمادى الأولى، (خطب للملك جلال الدولة) أبي طاهر بن ~~بهاء الدولة ببغداذ، وأصعد إليها من البصرة فدخلها ثالث شهر رمضان. # وكان سبب ذلك أن الأتراك لما رأوا أن البلاد تخرب، وأن العامة والعرب ~~والأكراد قد طمعوا، وأنهم ليس عندهم سلطان يجمع كلمتهم، قصدوا دار الخلافة، ~~وأرسلوا يعتذرون إلى الخليفة من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولا، ثم ~~برده ثانيا، وبالخطبة لأبي كاليجار، ويشكرون الخليفة حيث لم يخالفهم في شيء ~~من ذلك، وقالوا: إن أمير المؤمنين صاحب الأمر، ونحن العبيد، وقد أخطأنا ~~ونسأل العفو، وليس عندنا الآن من يجمع كلمتنا، ونسأل أن ترسل إلى جلال ~~الدولة ليصعد إلى بغداذ، ويملك الأمر، ويجمع الكلمة، ويخطب له فيها، ~~ويسألون أن يحلفه الرسول السائر لإحضاره لهم. فأجابهم الخليفة إلى ما ~~سألوا، وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك، فحلف ~~لهم، وأصعد إلى بغداذ، وانحدر الأتراك إليه، فلقوه في الطريق، وأرسل ~~الخليفة إليه القاضي أبا جعفر السمناني، فأعاد تجديد العهد عليه للخليفة ~~والأتراك، ففعل. # ولما وصل إلى بغداذ نزل النجمي، فركب الخليفة في الطيار وانحدر يلتقيه # PageV07P701 # فلما رآه جلال الدولة قبل الأرض بين يديه، وركب في زبزبه، ووقف قائما، ~~فأمره الخليفة بالجلوس، فخدم وجلس ودخل إلى دار المملكة بعد أن مضى إلى ~~مشهد موسى بن جعفر فزار، وقصد الدار فدخلها، وأمر بضرب الطبل أوقات الصلوات ~~الخمس، فراسله الخليفة في منعه، فقطعه غضبا، حتى أذن له في إعادته ففعل. # وأرسل جلال الدولة مؤيد الملك أبا عالي الرخجي إلى الأثير عنبر الخادم. ms3308 ~~وهو عند قرواش، وقد ذكرنا ذلك، يعرفه اعتضاده به، واعتماده عليه، ومحبته ~~له، ويعتذر إليه عن الأتراك، فعذرهم وقال: هم أولاد وإخوة. # ذكر وفاة أبي القاسم بن المغربي وأبي الخطاب # أما أبو القاسم بن المغربي فتوفي هذه السنة بميافارقين، وكان عمره ستا ~~وأربعين سنة، ولما أحس بالموت كتب كتبا عن نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء ~~والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة، ويعرفهم أن حظية له توفيت، وأنه قد سير ~~تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين، علي، عليه السلام، وخاطبهم في المراعاة ~~لمن في صحبته. وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته بمنع، وينطوي خبره. فلما ~~توفي سار به أصحابه، كما أمرهم، وأوصلوا الكتب، فلم يعرض أحد إليه فدفن ~~بالمشهد، ولم يعلم به أحد إلا بعد دفنه. # ولأبي القاسم شعر حسن، فمنه (هذه الأبيات) : # وما ظبية أدماء تحنو على طلا # ترى الإنس وحشا وهي تأنس بالوحش ... غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعه # فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش # PageV07P702 # فطافت بذاك القاع ولهى # فصادفت سباع الفلا ينهشنه أيما نهش # بأوجع مني يوم ظلت أنامل ... تودعني بالدر من شبك النقش # وأجمالهم تحدى وقد خيل الهوى ... كأن مطاياهم على ناظري تمشي # وأعجب ما في الأمر أن عشت بعدهم ... على أنهم ما خلفوا لي من بطش # وأما أبو الخطاب حمزة بن إبراهيم فإنه مات بكرخ سامرا مفلوجا، غريبا، قد ~~زال عنه أمره وجاهه، وكان مولده سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ورثاه المرتضى، ~~وكان سبب اتصاله ببهاء الدولة معرفة النجوم، وبلغ منه منزلة لم يبلغها ~~أمثاله، فكان الوزراء يخدمونه، وحمل إليه فخر الملك مائة ألف دينار ~~فاستقلها، وصار أمره إلى ما صار من الضيق والفقر والغربة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سقط في العراق جميعه برد كبار (يكون في) الواحدة رطل أو ~~رطلان، وأصغره كالبيضة، فأهلك الغلات، ولم يصح منها إلا القليل. # وفيها آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل، ~~وبطل دوران الدواليب على دجلة. # وفيها انقطع الحج من خراسان والعراق. # PageV07P703 # وفيها نقضت ms3309 الدار المعزية، وكان معز الدولة بن بويه بناها وعظمها، وغرم ~~عليها ألف ألف دينار، وأول من شرع في تخريبها بهاء الدولة، فإنه لما عمر ~~داره بسوق الثلاثاء نقل إليها من أنقاضها، وأخذ سقفا منها وأراد أن ينقله ~~إلى شيراز، فلم يتم ذلك، فبذل فيه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار، ونقضت ~~الآن، وبيع أنقاضها. # [الوفيات] # وفيها توفي هبة الله بن الحسن بن منصور أبو القاسم اللالكائي الرازي، سمع ~~الحديث الكثير، وتفقه على أبي حامد الإسفراييني، وصنف كتبا. # وأبو القاسم طباطبا الشريف العلوي، وله شعر جيد، فمنه أن صديقا له كتب ~~إليه رقعة، فأجابه على ظهرها (هذه الأبيات) : # وقرأت الذي كتبت، وما ... زا ل نجيي ومؤنسي وسميري # وغدا الفأل بامتزاج السطور ... حاكما بامتزاج ما في الضمير # واقتران الكلام لفظا وخطا ... شاهدا باقتران ود الصدور # وتبركت باجتماع الكلامي ... ن رجاء اجتماعنا في سرور # وتفاءلت بالظهور على الوا شي # فصارت إجابتي في الصدور # PageV07P704 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة] ### | 419 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة # ذكر الحرب بين بدران وعسكر نصر الدولة. # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار بدران بن المقلد العقيلي في جمع من ~~العرب إلى نصيبين وحصرها، وكانت لنصر الدولة بن مروان، فخرج إليه عسكر نصر ~~الدولة الذين بها، وقاتلوه، فهزمهم، واستظهر عليهم، وقتل جماعة من أهل ~~نصيبين والعسكر، فسير نصر الدولة عسكرا آخر نجدة لمن بنصيبين، فأرسل إليهم ~~بدران عسكرا، فلقوهم، فقاتلوهم وهزموهم، وقتلوا أكثرهم. فأزعج ذلك ابن ~~مروان، وأقلقه فسير عسكرا آخر ثلاثة آلاف فارس، فدخلوا نصيبين، واجتمعوا ~~بمن فيها، وخرجوا إلى بدران فاقتتلوا فانهزم بدران ومن معه بعد قتال شديد، ~~وقت الظهر، وتبعهم عسكر ابن مروان. # ثم عطف عليهم بدران وأصحابه، فلم يثبتوا له، فأكثر فيهم القتل والأسر، ~~وغنم الأموال، فعاد عسكر ابن مروان مفلولين، فدخلوا نصيبين، فاجتمعوا بها ~~واقتتلوا مرة أخرى، وكانوا على السواء، ثم سمع بدران بأن أخاه قرواشا قد ~~وصل إلى الموصل فرحل خوفا منه لأنهما كانا مختلفين. # ذكر شغب الأتراك ببغداذ على ms3310 جلال الدولة # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداذ على جلال الدولة، وشغبوا، وطالبوا ~~الوزير أبا علي بن ماكولا بما لهم من العلوفة والإدرار، ونهبوا داره، ودور ~~كتاب الملك # PageV07P705 # وحواشيه، حتى المغنين والمخنثين، ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب ~~دنانير ودراهم، وتفرق فيهم وحصروا جلال الدولة في داره، ومنعوه الطعام ~~والماء حتى شرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثمرة البستان. فسألهم أن يمكنوه من ~~الانحدار، فاستأجروا له ولأهله وأثقاله سفنا، فجعل بين الدار والسفن سرادقا ~~لتجتاز حرمه فيه، لئلا يراهم العامة والأجناد فقصد بعض الأتراك السرادق، ~~فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحرم، فصاح بهم يقول لهم: بلغ أمركم إلى ~~الحرم! وتقدم إليهم، وبيده طبر، فصاح صغار الغلمان والعامة: جلال الدولة يا ~~منصور، ونزل أحدهم عن فرسه وأركبه إياه، وقبلوا الأرض بين يديه. # فلما رأى قواد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة، وخافوا على نفوسهم، ~~وكان في الخزانة سلاح كثير، فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغلمان وجعلهم عنده، ~~ثم أرسل إلى الخليفة ليصلح الأمر مع أولئك القواد، فأرسل إليهم الخليفة ~~القادر بالله، فأصلح بينهم وبين جلال الدولة، وحلفوا، فقبلوا الأرض بين ~~يديه، ورجعوا إلى منازلهم، فلم يمض غير أيام حتى عادوا إلى الشغب، فباع ~~جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه وفرق ثمنه فيهم حتى سكنوا. # ذكر الاختلاف بين الديلم والأتراك بالبصرة # في هذه السنة ولي النفيس أبو الفتح محمد بن أردشير البصرة، استعمله عليها ~~جلال الدولة، فلما وصل إلى المشان منحدرا إليها وقع بينه وبين الديلم الذين ~~بالمشان وقعة فاستظهر عليهم وقتل منهم. # وكانت الفتن بالبصرة بين الأتراك والديلم، وبها الملك العزيز أبو منصور ~~[بن] جلال الدولة، فقوي الأتراك بها فأخرجوا الديلم، فمضوا إلى الأبلة، ~~وصاروا مع بختيار بن علي، فسار إليهم الملك العزيز بالأبلة ليعيدهم ويصلح ~~بينهم وبين الأتراك # PageV07P706 # فكاشفوه وحملوا عليه، ونادوا بشعار أبي كاليجار، فعاد منهزما في الماء ~~إلى البصرة، ونهب بختيار نهر الدير والأبلة وغيرهما من السواد، وأعانه ~~الديلم، ونهب الأتراك أيضا، وارتكبوا المحظور، ونهبوا دار بنت الأوحد بن ~~مكرم زوجة ms3311 جلال الدولة. # ذكر استيلاء أبي كاليجار على البصرة # لما بلغ الملك أبا كاليجار ما كان بالبصرة سير جيشا إلى بختيار، وأمره أن ~~يقصد البصرة فيأخذها. فساروا إليها، وبها الملك العزيز بن جلال الدولة ~~فقاتلهم ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فانهزم منهم، وفارق البصرة، وكاد ~~يهلك هو ومن معه عطشا، فمن الله عليهم بمطر جود، فشربوا منه، وأصعدوا إلى ~~واسط. # وملك عسكر أبي كاليجار البصرة، ونهب الديلم أسواقها، وسلم منها البعض ~~بمال بذلوه لمن يحميهم، وتتبعوا أموال أصحاب جلال الدولة من الأتراك ~~وغيرهم. فلما بلغ جلال الدولة الخبر أراد الانحدار إلى واسط، فلم يوافقه ~~الجند، وطلبوا منه مالا يفرق فيهم، فلم يكن عنده، فمد يده في مصادرات الناس ~~وأخذ أموالهم لا سيما أرباب الأموال، فصادر جماعة. # ذكر وفاة صاحب كرمان واستيلاء أبي كاليجار عليها # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء ~~الدولة، صاحب كرمان، وكان قد تجهز لقصد بلاد فارس، وجمع عسكرا كثيرا، ~~فأدركه أجله. فلما توفي نادى أصحابه بشعار الملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه ~~يطلبونه إليهم، فسار مجدا، وملك البلاد بغير حرب ولا قتال، وأمن الناس معه، ~~وكانوا يكرهون عمه أبا الفوارس لظلمه وسوء سيرته، وكان إذا شرب ضرب أصحابه، ~~وضرب وزيره يوما مائتي مقرعة، وحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه، ولا يخبر بذلك ~~أحدا، فقيل إنهم سموه فمات. # PageV07P707 # ذكر استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسية # كان منصور بن الحسين الأسدي قد ملك الجزيرة الدبيسية، وهي تجاور خوزستان، ~~ونادى بشعار جلال الدولة، وأخرج صاحبها طراد بن دبيس الأسدي سنة ثماني عشرة ~~وأربعمائة، فمات طراد عن قريب، فلما مات طراد سار ابنه أبو الحسن علي إلى ~~بغداذ يسأل أن يرسل جلال الدولة معه عسكرا إلى بلدهليخرج منصورا منه ويسلمه ~~إليه، وكان منصور قد قطع خطبة جلال الدولة وخطب للملك أبي كاليجار، فسير ~~معه جلال الدولة طائفة من الأتراك، فلما وصلوا إلى واسط لم يقف علي بن طراد ~~حتى تجتمع معه طائفة من عسكر واسط، ms3312 وسار عجلا. # واتفق أن أبا صالح كوركير كان قد هرب من جلال الدولة وهو يريد اللحاق ~~بأبي كاليجار، فسمع هذا الخبر، فقال لمن معه: المصلحة أننا نعين منصورا، ~~ولا نمكن عسكر جلال الدولة من إخراجه، ونتخذ بهذا الفعل يدا عند أبي ~~كاليجار. فأجابوه إلى ذلك، فسار إلى منصور واجتمع معه، والتقوا هم وعسكر ~~جلال الدولة الذين مع علي بن طراد بيسبروذ، فاقتتلوا، فانهزم عسكر جلال ~~الدولة، وقتل علي بن طراد جماعة كثيرة من الأتراك، وهلك كثير من المنهزمين ~~بالعطش، واستقر ملك منصور بها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار الدزبري وعساكر مصر إلى الشام، فأوقعوا بصالح بن مرداس ~~وابن الجراح الطائي، فهزمهما، وقتل صالحا وابنه الأصغر، وملك جميع الشام، ~~(وقيل سنة عشرين) [وأربعمائة] . # PageV07P708 # وفيها توفيت أم مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، وهي التي تدبر المملكة ~~وترتب الأمور. # وفيها عزل الحسن بن علي بن جعفر أبو علي بن ماكولا من وزارة جلال الدولة، ~~وولي الوزارة بعده أبو طاهر المحسن بن طاهر ثم عزل بعد أربعين يوما، وولي ~~بعده أبو سعد بن عبد الرحيم. # وفيها توفي قسطنطين ملك الروم، وانتقل الملك إلى بنت له، وقام بتدبر ~~الملك والجيوش زوجها، وهو ابن خالها. # وفيها توفي الوزير أبو القاسم جعفر بن محمد بن فسانجس بأربق. # وفيها عدمت الأرطاب بالعراقللبرد الذي تقدم في السنة قبلها، وكان يحمل من ~~الأماكن البعيدة الشيء اليسير منه. # وفيها انقطع الحج من العراق، فمضى حجاج خراسان إلى كرمان، وركبوا في ~~البحر إلى جدة، وحجوا. # [الوفيات] # وتوفي في هذه السنة محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن التاجر، ~~وهو آخر من حدث عن إسماعيل بن محمد الصفار، ومحمد بن عمرو الرزاز وعمر بن ~~الحسن الشيباني، وكان له مال كثير فسافر إلى مصر خوف المصادرة، فأقام بها ~~سنة، ثم عاد إلى بغداذ، فأخذ ماله في التقسيط على الكرخ الذي ذكرناه سنة ~~ثماني عشرة وأربعمائة، فافتقر، فلما مات لم يوجد له كفن، فأرسل له القادر ~~بالله ما يكفن ms3313 فيه. # PageV07P709 ### | [ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة] ### | 420 - # ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة # ذكر ملك يمين الدولة الري وبلد الجبل # في هذه السنة سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري، فانصرف منوجهر ~~بن قابوس من بين يديه وهو صاحب جرجان وطبرستان، وحمل إليه أربعمائة ألف ~~دينار وأنزالا كثيرة. # وكان مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه، صاحب الري، قد كاتبه يشكو إليه ~~جنده وكان متشاغلا بالنساء، ومطالعة الكتب ونسخها، وكانت والدته تدبر ~~مملكته، فلما توفيت طمع جنده فيه. واختلت أحواله، فحين وصلت كتبه إلى محمود ~~سير إليه جيشا، وجعل مقدمهم حاجبه، وأمره أن يقبض على مجد الدولة. فلما وصل ~~العسكر إلى الري ركب مجد الدولة يلتقيهم. فقبضوا عليه وعلى أبي دلف ولده. # فلما انتهى الخبر إلى يمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري، فوصلها في ~~ربيع الآخر، ودخلها، وأخذ من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته ~~خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها ما لا ~~يحصى، وأحضر مجد الدولة، وقال له: أما قرأت شاهنامه، وهو تاريخ الفرس، ~~وتاريخ الطبري، وهو تاريخ المسلمين؟ قال: بلى! قال: ما حالك من قرأها. أما ~~لعبت بالشطرنج؟ قال: بلى! قال: فهل رأيت شاها يدخل على شاه؟ قال: لا، قال: ~~فما حملك على أن سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك؟ ثم سيره إلى خراسان مقبوضا، ~~ثم ملك قزوين # PageV07P710 # وقلاعها. ومدينة ساوة وآبه، ويافت، وقبض على صاحبها ولكين بن وندرين، ~~وسيره إلى خراسان. # ولما ملك محمود الري كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد ~~الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ~~ولدا، ولما سئل عن ذلك، قال: هذه عادة سلفي. وصلب من أصحابه الباطنية خلقا ~~كثيرا. ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال ~~والنجوم، وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل. # وتحصن منه منوجهر بن قابوس بن وشمكير بجبال حصينة، وعرة المسالك، فلم ~~يشعر إلا وقد أطل عليه يمين ms3314 الدولة، فهرب منه إلى غياض حصينة، وبذل خمسمائة ~~ألف دينار ليصلحه، فأجابه إلى ذلك، فأرسل المال إليه، فسار عنه إلى ~~نيسابور. # ثم توفي منوجهر عقيب ذلك، وولي بعده ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ~~ولايته. وقرر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل ~~إلى حدود أرمينية، وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر، وخطب له علاء الدولة ~~بأصبهان، وعاد محمود إلى خراسان واستخلف بالري ابنه مسعودا، فقصد أصبهان، ~~وملكها من علاء الدولة، وعاد عنها، واستخلف بها بعض أصحابه، فثار به أهلها ~~فقتلوه، فعاد إليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة نحو خمسة آلاف قتيل. وسار إلى ~~الري فأقام بها. # ذكر ما فعله السالار إبراهيم بن المرزبان بعد عود يمين الدولة عن الري # هذا السالار هو إبراهيم المرزبان بن إسماعيل بن وهسوذان بن محمد بن مسافر ~~الديلمي، وكان له من بلاد سرجهان، وزنجان، وأبهر، وشهرزور، وغيرها، وهي ما ~~استولى عليها بعد وفاة فخر الدولة بن بويه. فلما ملك يمين الدولة محمود بن # PageV07P711 # سبكتكين الري سير المرزبان بن الحسن بن خراميل، وهم من أولاد ملوك ~~الديلم، وكان قد التجأ إلى يمين الدولة، فسيره إلى بلاد السالار إبراهيم ~~ليملكها فقصدها واستمال الديلم فمال إليه بعضهم. # واتفق عود يمين الدولة إلى خراسان، فسار السالار إبراهيم إلى قزوين، وبها ~~عسكر يمين الدولة فقاتلهم، فأكثر القتل فيهم. وهرب الباقون، وأعانه أهل ~~البلد، وسار السالار أيضا إلى مكان بقرب سرجهان تطيف به الأنهار والجبال، ~~فتحصن به. فسمع مسعود بن يمين الدولة، وهو بالري، بما فعل فسار مجدا إلى ~~السالار فجرى بينهما وقائع كان الاستظهار فيها للسالار. # ثم إن مسعودا راسل طائفة من جند السالار واستمالهم، وأعطاهم الأموال ~~فمالوا إليه. ودلوه على عورة السالار. وحملوا طائفة من عسكره في طريق ~~غامضة، حتى جعلوه من ورائهم، وكبسوا السالار أول رمضان وقاتله مسعود من بين ~~يديه وأولئك من خلفه فاضطرب السالار ومن معه، وانهزموا وطلب كل إنسان منهم ~~مهربا، واختفى السالار في مكان، فدلت عليه امرأة سوادية، فأخذه مسعود وحمله ~~إلى ms3315 سرجهان، وبها ولده، فطلب منه أن يسلمها فلم يفعل، فعاد عنها وتسلم باقي ~~قلاعه وبلاده، وأخذ أمواله، وقرر على ابنه المقيم بسرجهان مالا، وعلى كل من ~~جاوره من مقدمي الأكراد. وعاد إلى الري. # ذكر ملك أبي كاليجار مدينة واسط ومسير جلال الدولة إلى الأهواز ونهبها ~~(وعود واسط إليه) # في هذه السنة أصعد الملك أبو كاليجار إلى مدينة واسط فملكها، وكان ابتداء ~~ذلك أن نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد، صاحب الحلة والنيل، ولم تكن الحلة ~~بنيت ذلك الوقت، خطب لأبي كاليجار في أعماله. # وسببه أن أبا حسان المقلد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور ~~الدولة عداوة، فاجتمع، هو ومنيع أمير بني خفاجة، وأرسلا إلى بغداذ يبذلان ~~مالا # PageV07P712 # يتجهز به العسكر لقتال نور الدولة، فاشتد الأمر على نور الدولة، فخطب ~~لأبي كاليجار به وراسله يطمعه في البلاد. # ثم اتفق أنه ملك البصرة، على ما ذكرناه، فقوي طمعه، فسار من الأهواز إلى ~~واسط، وبها الملك العزيز بن جلال الدولة، ومعه جمع من الأتراك. # ففارقها العزيز، وقصد النعمانية، ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده، ~~فهلك كثير من أثقالهم، وغرق جماعة منهم، وخطب في البطيحة لأبي كاليجار، ~~وورد إليه نور الدولة. # وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش، صاحب الموصل، وعنده الأثير عنبر، يطلب (منه ~~أن ينحدر) إلى العراق ليبقى جلال الدولة بين الفريقين. فانحدر إلى الكحيل، ~~فمات به الأثير عنبر، ولم ينحدر معه قرواش، وجمع جلال الدولة عساكره، ~~واستنجد أبا الشوك وغيره، وانحدر إلى واسط، ولم يكن بين العسكرين قتال، ~~وتتابعت الأمطار حتى هلكوا. # واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره وقلة الأموال وغيره عنده، فاستشار ~~أصحابه فيما يفعل، فأشاروا أن يقصدوا الأهواز وينهبها، ويأخذ ما بها من ~~أموال أبي كاليجار وعسكره. فسمع أبو كاليجار ذلك فاستشار أيضا أصحابه فقال ~~بعضهم: ما عدل جلال الدولة عن القتل إلا لضعف فيه، والرأي أن تسير إلى ~~العراق فتأخذ من أموالهم ببغداذ أضعاف ما يأخذون منا، فاتفقوا على ذلك ~~فأتاهم جاسوس من أبي ms3316 الشوك يخبر بمجيء عساكر محمود بن سبكتكين إلى (طخر، ~~وأنهم) يريدون العراق، ويشير بالصلح، واجتماع الكلمة على دفعهم عن البلاد. ~~فأنفذ أبو كاليجار الكتاب إلى جلال الدولة، وقد سار إلى الأهواز وأقام ~~ينتظر الجواب ظنا منه أن جلال الدولة يعود بالكتاب، فلم يلتفت جلال الدولة ~~ومضى إلى الأهواز فنهبها، وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار، وأخذوا ما ~~لا يحصى، ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم إلى البلد، فأهلكوا الناس بالنهب ~~والسبي، وأخذت والدة أبي # PageV07P713 # كاليجار وابنته وأم ولده وزوجته، فماتت أمه، وحمل من عداها إلى بغداذ. # ولما سمع أبو كاليجار الخبر سار ليلقى جلال الدولة فتخلف عنه دبيس بن ~~مزيد، خوفا على أهله وحلله من خفاجة، والتقى أبو كاليجار، وجلال الدولة آخر ~~ربيع الأول سنة إحدى وعشرين [وأربعمائة] ، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وانهزم أبو ~~كاليجار، وقتل من أصحابه ألفا رجل، ووصل إلى الأهواز بأسوأ حال، فأتاه ~~العادل بن مافنة بمال، فحسنت حاله. # وأما جلال الدولة فإنه عاد واستولى على واسط، وجعل ابنه العزيز بها، ~~وأصعد إلى بغداذ، ومدحه المرتضى ومهيار وغيرهما، وهنأوه بالظفر. # ذكر حال دبيس بن مزيد بعد الهزيمة # لما عاد دبيس بن مزيد الأسدي، وفارق أبا كاليجار، وصل إلى بلده، وكان قد ~~خالف عليه قوم من بني عمه، ونزلوا الجامعين، وأتاهم وقاتلهم، فظفر بهم، ~~وأسر منهم جماعة منهم شبيب، وسرايا، ووهب، بنو حماد بن مزيد، (وأبو عبد ~~الله الحسن بن أبي الغنائم بن مزيد، وحملهم إلى الجوسق. # ثم إن المقلد بن أبي الأعز بن مزيد) وغيره اجتمعوا ومعهم عسكر من جلال ~~الدولة وقصدوا دبيسا وقاتلوه، فانهزم منهم، وأسر من بني عمه خمسة عشر رجلا، ~~فنزل المعتقلون بالجوسق، وهم شبيب وأصحابه، إلى حلله فحرسوها، وسار دبيس ~~منهزما إلى السندية، إلى نجدة الدولة أبي منصور كامل بن قراد فاصطحبه إلى ~~أبي سنان غريب بن مقن، حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره، وتكفل به، ~~وضمن عنه عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد إلى ولايته، فأجيب إلى ذلك، ~~وخلع عليه. # فعرف المقلد الحال ms3317 ومعه جمع من خفاجة فنهبوا مطيراباذ، والنيل، وسورا، ~~أقبح نهب، واستاقوا مواشيها، وأحرقوا منازلها، وعبر المقلد دجلة إلى أبي ~~الشوك، وأقام عنده إلى أن أحكم أمره. # PageV07P714 # ذكر عصيان زناتة ومحاربتهم بإفريقية # في هذه السنة تجمعت زناتة وعاودت الخلاف على المعز بإفريقية، فبلغ ذلك ~~المعز، فجمع عساكره، وسار إليهم بنفسه، فالتقوا بموضع يعرف بحمديس الصابون، ~~ووقعت الحرب بين الطائفتين، واشتد القتال، فانهزمت زناتة وقتل منهم عدد ~~كثير، وأسر مثلهم، وعاد المعز ظافرا غانما. # ذكر ما فعله يمين الدولة وولده بعده بالغز # في هذه السنة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية، وفرقهم في بلاده، لأنهم ~~كانوا قد أفسدوا فيها، وهؤلاء كانوا أصحاب أرسلان بن سلجوق التركي، وكانوا ~~بمفازة بخارى، فلما عبر يمين الدولة النهر إلى بخارى هرب علي تكين صاحبها ~~منه، على ما نذكره. # وحضر أرسلان بن سلجوق عند يمين الدولة، فقبض عليه وسجنه ببلاد الهند، ~~وأسرى إلى خركاهاته، فقتل كثيرا من أصحابه، وسلم منهم خلق كثير، فهربوا منه ~~ولحقوا بخراسان فأفسدوا فيها، ونهبوا هذه السنة، فأرسل إليهم جيشا فسبوهم ~~وأجلوهم عن خراسان، فسار منهم أهل ألفي خركاة، فلحقوا بأصبهان، فكتب يمين ~~الدولة إلى علاء الدولة بإنفاذهم، أو إنفاذ رءوسهم فأمر نائبه أن يعمل ~~طعاما ويدعوهم إليه ويقتلهم، فأرسل إليهم وأعلمهم أنه يريد إثبات أسمائهم ~~ليستخدمهم، وكمن الديلم في البساتين فحضر جمع كثير منهم فلقيهم مملوك تركي ~~لعلاء الدولة، فأعلمهم الحال، فعادوا، فأراد نائب علاء الدولة أن يمنعهم من ~~العود، فلم يقبلوا منه، فحمل ديلمي من قواد الديلم على إنسان منهم، فرماه ~~التركي بسهم فقتله. # ووقع الصوت بذلك، فخرجت الديلم وانضاف إليهم أهل البلد، فجرى بينهم حرب، ~~فهزموهم، فقلع الترك خركاهاتهم وساروا، ولم يجتازوا على قرية إلا نهبوها ~~إلى أن وصلوا إلى وهسوذان بأذربيجان، فراعاهم وتفقدهم. # وبقي بخراسان أكثر ممن قصد أصبهان، فأتوا جبل بلجان وهو الذي عنده # PageV07P715 # خوارزم القديمة، فنزل كثير منهم من الجبل إلى البلاد فنهبوا، وأخربوا ~~وقتلوا، فجرد محمود بن سبكتكين إليهم أرسلان الجاذب، أمير طوس فسار إليهم، ~~ولم يزل ms3318 يتبعهم نحو سنتين في جموع كثيرة من العساكر، فاضطر محمود إلى قصد ~~خراسان بسببهم، فسار يطلبهم من نيسابور إلى دهستان، فساروا إلى جرجان، ثم ~~عاد عنهم، وجعل ابنه مسعودا بالري، على ما ذكرناه فاستخدم بعضهم ومقدمهم ~~يغمر. # فلما مات محمود بن سبكتكين سار مسعود ابنه إلى خراسان وهم معه، فلما ملك ~~غزنة سألوه فيمن بقي منهم بجبل بلجان، فأذن لهم في العود على شرط الطاعة ~~والاستقامة. # ثم إن مسعودا قصد بلاد الهند عند عصيان أحمد ينالتكين، فعاودوا الفساد، ~~فسير تاش فراش في عسكر كثير إلى الري لأخذها من علاء الدولة فلما بلغ ~~نيسابور، ورأى سوء فعلهم، دعا مقدميهم، وقتل منهم نيفا وخمسين رجلا، فيهم ~~يغمر، فلم ينتهوا، وساروا إلى الري. # وبلغ مسعودا ما هم عليه من الشر والفساد، فأخذ حللهم، وسيرها إلى الهند، ~~وقطع أيدي كثير منهم وأرجلهم وصلبهم. # هذه أخبار عشيرة أرسلان بن سلجوق، وأما أخبار طغرلبك، وداود، وأخيهما ~~بيغو، فإنهم كانوا بما وراء النهر، وكان من أمرهم ما نذكره بعد إن شاء الله ~~تعالى لأنهم صاروا ملوكا تجيء أخبارهم على السنين. # ولما أوقع تاش فراش حاجب السلطان مسعود بالغز ساروا إلى الري يزعمون أنهم ~~يريدون أذربيجان، واللحاق بمن مضى منهم أولا إلى هناك، ويسمون العراقية، ~~وكان اسم أمراء هذه الطائفة كوكتاش، وبوقا، وقزل، ويغمر، وناصغلي، فوصلوا ~~إلى الدامغان، فخرج إليهم عسكرها وأهل البلد ليمنعوهم عنه، فلم يقدروا، ~~فصعدوا # PageV07P716 # الجبل وتحصنوا به ودخل الغز البلد ونهبوا، وانتقلوا إلى سمنان ففعلوا ~~فيها مثل ذلك، ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله، ونهبوا إسحاق آباذ وما ~~يجاورها من القرى، وساروا إلى مشكويه من أعمال الري فنهبوها. # وتجهز أبو سهل الحمدوني، وتاش فراش، وكاتبا الملك مسعودا، وصاحب جرجان ~~وطبرستان بالحال، وطلبا النجدة، وأخذ تاش ثلاثة آلاف فارس، وما عنده من ~~الفيلة والسلاح وسار إلى الغز ليواقعهم، وبلغهم خبره،، فتركوا نساءهم ~~وأموالهم وما غنموا من خراسان وهذه البلاد المذكورة، وساروا جريدة، فالتقوا ~~فركب تاش الفيل، ووقعت الحرب بين الفريقين، فكانت أولا لتاش، ثم إن الغز ms3319 ~~أسروا مقدم الأكراد الذين مع تاش، وأرادوا قتله، فقال لهم: استبقوني حتى ~~آمر الأكراد (الذين مع تاش) بترك قتالهم، فتركوه، وعاهدوه على إطلاقه، ~~فأرسل إلى الأكراد يقول لهم: إن قاتلهم قتلت ; ففتروا في القتال. # وحملت الغز، وكانوا خمسة آلاف، على تاش فراش وعسكره، فانهزم الأكراد، ~~وثبت تاش، وأصحابه، فقتل الغز الفيل الذي تحته فسقط فقتلوه وقطعوه أخذا ~~بثأر من قتل منهم، وقتل معه عدد كثير من الخراسانية وأكابر القواد وغنموا ~~بقية الفيلة وأثقال العسكر، وساروا إلى الري فاقتتلوا هم وأبو سهل ~~الحمدوني. ومن معه من الجند وأهل البلد فصعد هو ومن معه قلعة طبرك، ودخل ~~الغز البلد، ونهبوا عدة محال نهبا اجتاحوا [به] الأموال، ثم اقتتلوا هم ~~وأبو سهل، فأسر منهم ابن أخت ليغمر أمير الغز وقائدا كبيرا من قوادهم، ~~فبذلوا فيهما إعادة ما أخذوا من عسكر تاش، وإطلاق الأسرى، وحمل ثلاثين ألف ~~دينار، فقال: لا أفعل إلا بأمر السلطان. # وخرج الغز عن البلد، ووصل عسكر من جرجان، فلما قربوا من الري سار إليهم ~~الغز فكبسوهم، وأسروا مقدمهم، وأسروا معه نحو ألفي رجل، وانهزم الباقون ~~وعادوا، وكان هذا سنة سبع وعشرين وأربعمائة. # PageV07P717 # ذكر وصول علاء الدولة إلى الري واتفاقه مع الغز وعودهم إلى الخلاف عليه # لما فارق الغز الري إلى أذربيجان علم علاء الدولة ذلك، فسار إليها، ~~ودخلها وهو يظهر طاعة السلطان مسعود بن سبكتكين، فأرسل إلى أبي سهل ~~الحمدوني يطلب منه أن يقرر الذي عليه بمال يؤديه فامتنع من إجابته مخافة ~~علاء الدولة فأرسل إلى الغز يستدعيهم ليعطيهم الأقطاع، ويتقوى بهم على ~~الحمدوني، فعاد منهم نحو ألف وخمسمائة، مقدمهم قزل، وسار الباقون إلى ~~أذربيجان. # فلما وصل الغز إلى علاء الدولة أحسن إليهم، وتمسك بهم، وأقاموا عنده، ثم ~~ظهر على بعض القواد الخراسانية الذين عنده أنه دعا الغز إلى موافقته على ~~الخروج عليه والعصيان، فأرسل إليه علاء الدولة وأحضره وقبض عليه، وسجنه في ~~قلعة طبرك، فاستوحش الغز لذلك ونفروا فاجتهد علاء الدولة في تسكينهم فلم ~~يفعلوا وعاودوا الفساد والنهب وقطع ms3320 الطريق، وعاد علاء الدولة فراسل أبا سهل ~~الحمدوني، وهو بطبرستان، وقرر معه أمر الري ليكون في طاعة مسعود، فأجابه ~~إلى ذلك، وسار إلى نيسابور وبقي علاء الدولة بالري. # ذكر ما كان من الغز الذين بأذربيجان ومفارقتها # قد ذكرنا أن طائفة من الغز وصلوا إلى أذربيجان، فأكرمهم وهسوذان، ~~وصاهرهم، رجاء نصرهم وكف شرهم. # وكان أسماء مقدميهم: بوقا، وكوكتاش، ومنصور، ودانا، وكان ما أمله بعيدا ~~فإنهم لم يتركوا الشر والفساد، والقتل والنهب، وساروا إلى مراغة، فدخلوها ~~سنة تسع وعشرين [وأربعمائة] ، وأحرقوا جامعها، وقتلوا من عوامها مقتلة ~~كثيرة، ومن الأكراد الهذبانية كذلك، وعظم الأمر، واشتد البلاء. # فلما رأى الأكراد ما حل بهم وبأهل البلاد شرعوا في الصلح والاتفاق على ~~دفع # PageV07P718 # شرهم، فاصطلح أبو الهيجاء بن ربيب الدولة ووهسوذان صاحب أذربيجان واتفقت ~~كلمتهما، واجتمع معهما أهل تلك البلاد، فانتصفوا من الغز.، فلما رأوا ~~اجتماع أهل البلاد على حربهم انصرفوا عن أذربيجان، وتعذر عليهم المقام بها، ~~ثم إنهم افترقوا، فسار طائفة إلى (الذين على) الري، ومقدمهم بوقا، وسار ~~طائفة منهم، ومقدمهم منصور وكوكتاش إلى همذان فحصروها، وبها أبو كاليجار بن ~~علاء الدولة بن كاكويه، فاتفق هو وأهل البلاد على قتالهم، ودفعهم عن أنفسهم ~~وبلدهم فقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وطال مقامهم على همذان، فلما رأى ~~أبو كاليجار بن علاء الدولة ذلك، وضعفه عن مقاومتهم، راسل كوكتاش وصالحه ~~وصاهره. # وأما الذين قصدوا الري فإنهم حصروها، وبها علاء الدولة بن كاكويه، واجتمع ~~معهم فناخسرو بن مجد الدولة، وكامرو الديلمي، صاحب ساوة، فكثر جمعهم، ~~واشتدت شوكتهم. فلما رأى علاء الدولة أنهم كلما جاء أمرهم ازدادوا قوة، ~~وضعف هو، خاف على نفسه، وفارق البلد في رجب ليلا، ومضى هاربا إلى أصبهان، ~~وأجفل أهل البلد وتمزقوا، وعدلوا عن القتال إلى الاحتيال للهرب، وغاداهم ~~الغز من الغد القتال، فلم يثبتوا لهم، ودخلوا البلد، ونهبوا نهبا فاحشا، ~~وسبوا النساء، وبقوا كذلك خمسة أيام، حتى لجأ الحرم إلى الجامع، وتفرق ~~الناس في كل مذهب ومهرب، وكان السعيد من نجا بنفسه، وكانت هذه الوقعة ms3321 بعد ~~التي تقدمتها مستأصلة، حتى قيل إن بعض الجمع لم يكن بالجامع إلا خمسون ~~نفسا. # ولما فارق علاء الدولة الري تبعه جمع من الغز فلم يدركوه فعدلوا إلى كرج ~~فنهبوها، وفعلوا فيها الأفاعيل القبيحة. ومضى طائفة منهم ومقدمهم ناصغلي، ~~إلى قزوين، فقاتلهم أهلها، ثم صالحوهم على سبعة آلاف دينار، وصاروا في ~~طاعته. # وكان بأرمية طائفة منهم، فساروا إلى بلد الأرمن، فأوقعوا بهم وأثخنو فيهم # PageV07P719 # وأكثروا القتل، وغنموا وسبوا، وعادوا إلى أرمية وأعمال أبي الهيجاء ~~الهذباني، فقاتلهم أكرادها لما أنكروه من سوء مجاورتهم، فقتل خلق كثير، ~~ونهب الغز سواد البلاد هناك، وقتلوا من الأكراد كثيرا. # ذكر ملك الغز همذان # قد ذكرنا حصار الغز همذان وصلحهم مع صاحبها أبي كاليجار بن علاء الدولة ~~بن كاكويه، فلما كان الآن، وملك الغز الري، عاودوا حصار همذان، وساروا ~~إليها من الري، ما عدا قزل وجماعته، واجتمعوا مع من بها من الغز. فلما سمع ~~أبو كاليجار بهم علم أنه لا قدرة له عليهم، فسار عنها ومعه وجوه التجار ~~وأعيان البلد، وتحصن بكنكور. # ودخل الغز همذان سنة ثلاثين وأربعمائة، واجتمع عليها من مقدميهم: # كوكتاش، (وبوقا، وقزل) ، ومعهم فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في عدة ~~كثيرة من الديلم، فلما دخلوها نهبوها نهبا منكرا لم يفعلوه بغيرها من ~~البلاد، غيظا منهم، وحنقا عليهم، حيث قاتلوهم أولا وأخذوا الحرم، وضربت ~~سراياهم إلى أسداباذ وقرى الدينور، واستباحوا تلك النواحي، وكان الديلم ~~أشدهم فخرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك،، صاحب الدينور، فواقعهم، واستظهر ~~عليهم، وأسر منهم جماعة فراسله أمراؤهم في إطلاقهم، فامتنع إلا على صلح ~~وعهود، فأجابوه وصالحوه فأطلقهم. # ثم إن الغز بهمذان راسلوا أبا كاليجار علاء الدولة وصالحوه، وطلبوا إليه ~~أن ينزل إليهم ليدبر أمرهم، ويصدرون عن رأيه، وأرسلوا إليه زوجته التي ~~تزوجها منهم، فنزل إليهم، فلما صار معهم وثبوا عليه فانهزم، ونهبوا ماله ~~وما كان معه من دواب وغيرها. فسمع أبوه فخرج من أصبهان إلى أعماله بالجبل ~~ليشاهدها، فوقع بطائفة كثيرة من الغز، فظفر بهم، وقتل منهم فأكثر، ms3322 وأسر ~~مثلهم، ودخل أصبهان منصورا. # PageV07P720 # ذكر قتل الغز بمدينة تبريز وفراقهم أذربيجان إلى الهكارية # في سنة اثنتين وثلاثين [وأربعمائة] قتل وهسوذان بن مهلان جمعا كثيرا من ~~الغز بمدينة تبريز. # وكان سبب ذلك أنه دعا جمعا كثيرا منهم إلى طعام صنعه لهم، فلما طعموا ~~وشربوا قبض على ثلاثين رجلا منهم من مقدميهم، فضعف الباقون، فأكثر فيهم ~~القتل، فاجتمع الغز المقيمون بأرمية وساروا نحو بلاد الهكارية من أعمال ~~الموصل فقاتلهم أكرادها، وقاتلوهم قتالا عظيما، فانهزم الأكراد وملك الغز ~~حللهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وتعلق الأكراد بالجبال والمضايق. وسار ~~الغز في أثرهم فواقعوهم فظفر بهم الأكراد، فقتلوا منهم ألفا وخمسمائة رجل، ~~وأسروا جمعا فيه سبعة من أمرائهم، ومائة نفس من وجوههم، وغنموا سلاحهم ~~ودوابهم وما معهم من غنيمة استردوها، وسلك الغز طريق الجبال فتمزقوا ~~وتفرقوا، وسمع ابن ربيب الدولة الخبر، فسير في آثارهم من يفني باقيهم. # ثم توفي قزل أمير الغز المقيم بالري، وخرج إبراهيم ينال أخو السلطان ~~طغرلبك إلى الري. فلما سمع به المقيمون بها أجفلوا من بين يديه، وفارقوا ~~بلاد الجبل خوفا منه وقصدوا ديار بكر والموصل في سنة ثلاث وثلاثين ~~[وأربعمائة] . # ذكر دخول الغز ديار بكر # في سنة ثلاث وثلاثين [وأربعمائة] فارق الغز أذربيجان. # وسبب ذلك أن إبراهيم ينال، وهو أخو طغرلبك، سار إلى الري، فلما سمع الغز ~~الذين بها خبره أجفلوا من بين يديه، وفارقوا بلاد الجبل خوفا وقصدوا # PageV07P721 # أذربيجان، ولم يمكنهم المقام بها لما فعلوا بأهلها، ولأن إبراهيم ينال ~~وراءهم، وكانوا يخافونه لأنهم كانوا له ولأخويه طغرلبك وداود رعية، فأخذوا ~~بعض الأكراد، وعرفهم الطريق، فأخذ بهم في جبال وعرة على الزوزان، وخرجوا ~~إلى جزيرة ابن عمر، فسار بوقا وناصغلي وغيرهما إلى ديار بكر، ونهبوا قردى، ~~وبازبدى، والحسنية، وفيشابور وبقي منصور بن غزغلي بالجزيرة من الجانب ~~الشرقي. # فراسله سليمان بن نصر الدولة بن مروان المقيم بالجزيرة في المصالحة ~~والمقام بأعمال الجزيرة إلى أن ينكشف الشتاء، ويسير مع باقي الغز إلى ~~الشام، فتصالحا وتحالفا، وأضمر سليمان الغدر به، فعمل له طعاما ms3323 احتفل فيه ~~ودعاه، فلما دخل الجزيرة قبض عليه وحبسه، وانصرف أصحابه متفرقين في كل جهة. # فلما علم بذلك قرواش سير جيشا كثيفا إليهم، واجتمع معهم الأكراد ~~البشنوية، أصحاب فنك وعسكر نصر الدولة فتبعوا الغز، فلحقوهم وقاتلوهم، فبذل ~~الغز جميع ما غنموه على أن يؤمنوهم، فلم يفعلوا، فقاتلوا قتال من [لا] يخاف ~~الموت، فجرحوا من العرب كثيرا، وافترقوا. # وكان بعض الغز قد قصد نصيبين وسنجار للغارة، فعادوا إلى الجزيرة وحصروها، ~~وتوجهت العرب إلى العراق ليشتوا به، فأخربت الغز ديار بكر، ونهبوا وقتلوا، ~~فأخذ نصر الدولة منصورا (أمير الغز) من ابنه سليمان وراسل الغز، وبذل لهم ~~مالا، وإطلاق منصور ليفارقوا عمله، فأجابوه، فأطلق منصورا، وأرسل بعض المال ~~فغدروا، وزادوا في الشر، وسار بعضهم إلى نصيبين وسنجار والخابور، فنهبوا ~~وعادوا وسار بعضهم إلى جهينة وأعمال الفرج فنهبوها، فدخل قرواش الموصل خوفا ~~منهم. # ذكر ملك الغز مدينة الموصل # لما خرجوا من أذربيجان إلى جزيرة ابن عمر، وهي من أعمال نصر الدولة بن # PageV07P722 # مروان، سار بعضهم إلى ديار بكر مع أمرائهم المذكورين، وسار الباقون إلى ~~البقعاء، ونزلوا برقعيد، فأرسل إليهم قرواش صاحب الموصل من ينظر فيهم، ~~ويغير عليهم. فلما رأوا ذلك تقدموا إلى الموصل، فأرسل إليهم يستعطفهم ويلين ~~لهم، وبذل لهم ثلاثة آلاف دينار فلم يقبلوا فأعاد مراسلتهم ثانية، فطلبوا ~~خمسة عشر ألف دينار، فالتزمها، وأحضر أهل البلد وأعلمهم الحال. # فبينما هم بجمع المال وصل الغز إلى الموصل ونزلوا بالحصباء، فخرج إليهم ~~قرواش وأجناده والعامة فقاتلوهم عامة نهارهم وأدركهم الليل فافترقوا فلما ~~كان الغد عادوا إلى القتال فانهزمت العرب وأهل البلد، وهرب قرواش في سفينة ~~نزلها من داره، وخرج من جميع ماله إلا الشيء اليسير، ودخل الغز البلد ~~فنهبوا كثيرا منه، ونهبوا جميع ما لقرواش من مال وجوهر وحلي وثياب وأثاث، ~~ونجا قرواش في السفينة ومعه نفر، فوصل إلى السن وأقام بها، وأرسل إلى الملك ~~جلال الدولة يعرفه الحال، ويطلب النجدة، وأرسل إلى دبيس بن مزيد وغيره من ~~أمراء العرب والأكراد يستمدهم ويشكو ما نزل ms3324 به. # وعمل الغز بأهل الموصل الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال، ~~وسلم عدة محال منها سكة أبي نجيح، والجصاصة، وجارسوك، وشاطئ نهر، وباب ~~القصابين على مال ضمنوه، فكفوا عنهم. # ذكر وثوب أهل الموصل بالغز وما كان منهم # قد ذكرنا ملك الغز الموصل، فلما استقروا فيها قسطوا على أهلها عشرين ألف ~~دينار وأخذوها، ثم تتبعوا الناس وأخذوا كثيرا من أموالهم بحجة أموال العرب، ~~ثم # PageV07P723 # قسطوا أربعة آلاف دينار أخرى، فحضر جماعة من الغز عند ابن فرغان الموصلي، ~~وطالبوا إنسانا بحضرته، وأساءوا الأدب والقول. # وجرى بين بعض الغز وبعض المواصلة مشاجرة، فجرحه الغزي وقطع شعره، وكان ~~للموصلي والدة سليطة فلطخت وجهها بالدم، وأخذت الشعر بيدها وصاحت: المستغاث ~~بالله وبالمسلمين، قد قتل لي ابن وهذا دمه، وابنة وهذا شعرها! وطافت في ~~الأسواق، فثار الناس وجاءوا إلى ابن فرغان، فقتلوا من عنده من الغز وقتلوا ~~من ظفروا به منهم ثم حصروهم في دار، فقاتلوا من بسطحها فنقب الناس عليهم ~~الدار وقتلوهم جميعهم، غير سبعة أنفس منهم أبو علي ومنصور، فخرج منصور إلى ~~الحصباء، ولحق به من سلم منهم. # وكان كوكتاش قد فارق الموصل في جمع كثير، فأرسلوا إليه يعلمونه الحال، ~~فعاد إليهم، ودخل البلد عنوة في الخامس والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين ~~[وأربعمائة] ، ووضعوا السيف في أهله، وأسروا كثيرا، ونهبوا الأموال، ~~وأقاموا على ذلك اثني عشر يوما يقتلون وينهبون، وسلمت سكة أبي نجيح، فإن ~~أهلها أحسنوا إلى الأمير منصور، فرعى لهم ذلك، والتجأ من سلم إليها، وبقي ~~القتلى في الطريق، فأنتنوا لعدم من يواريهم، ثم طرحوا بعد ذلك كل جماعة في ~~حفيرة. وكانوا يخطبون للخليفة، ثم لطغرلبك. # لما طال مقامهم بهذه البلاد، وجرى منهم مما ذكرناه، كتب الملك جلال ~~الدولة بن بويه إلى طغرلبك يعرفه ما يجري منهم، وكتب إليه نصر الدولة بن ~~مروان يشكو منهم، فكتب إلى نصر الدولة يقول له: بلغني أن عبيدنا قصدوا ~~بلادك، وأنك صانعتهم بمال بذلته لهم، وأنت صاحب ثغر ينبغي أن تعطى ما ~~تستعين به ms3325 على قتال الكفار، ويعده أنه يرسل إليهم يرحلهم من بلده. # وكانوا يقصدون بلاد الأرمن، وينهبون ويسبون، حتى إن الجارية الحسناء بلغت ~~قيمتها خمسة دنانير، وأما الغلمان فلا يرادون. فأما كتاب طغرلبك إلى جلال ~~الدولة # PageV07P724 # فيعتذر بأن هؤلاء التركمان كانوا لنا عبيدا، وخدما، ورعايا، وتبعا، ~~يمتثلون الأمر، ويخدمون الباب، ولما نهضنا لتدبير خطب آل محمود بن سبكتكين ~~وانتدبنا لكفاية أمر خوارزم، انحازوا إلى الري فعاثوا فيها، وأفسدوا، ~~فزحفنا بجنودنا من خراسان إليهم مقدرين أنهم يلجأون إلى الأمان، ويلوذون ~~بالعفو والغفران، فملكتهم الهيبة، وزحزحتهم الحشمة، ولا بد من أن نردهم إلى ~~راياتنا خاضعين، ونذيقهم من بأسنا جزاء المتمردين، قربوا أم بعدوا، أغاروا ~~أم أنجدوا. # ذكر ظفر قرواش صاحب الموصل بالغز # قد ذكرنا انحدار قرواش إلى السن ومراسلته سائر أصحاب الأطراف في طلب ~~النجدة منهم، فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده ~~الأتراك أما دبيس بن مزيد فسار إليه، واجتمعت عليه عقيل كافة، وأتته أمداد ~~أبي الشوك وابن ورام، وغيرهما، فلم يدركوا الوقعة، فإن قرواشا لما اجتمعت ~~عقيل ودبيس عنده سار إلى الموصل. # وبلغ الخبر إلى الغز فتأخروا إلى تلعفر، وبومارية وتلك النواحي، وراسلوا ~~الغز الذين كانوا بديار بكر، ومقدمهم ناصغلي وبوقا، وطلب منهم المساعدة على ~~العرب، فساروا إليهم. # وسمع قرواش بوصولهم فلم يعلم أصحابه لئلا يفشلوا ويجبنوا، وسار حتى نزل ~~على العجاج، وسارت الغز فنزلوا برأس الأيل من الفرج، وبينهما نحو فرسخين، ~~وقد طمع الغز في العرب، فتقدموا حتى شارفوا حلل العرب، ووقعت الحرب في ~~العشرين من شهر رمضان من أول النهار، فاستظهرت الغز، وانهزمت العرب حتى صار ~~القتال عند حللهم، ونساؤهم يشاهدن القتال، فلم يزل الظفر للغز إلى الظهر، ~~ثم أنزل الله نصره على العرب وانهزمت الغز، وأخذهم السيف وتفرقوا وكثر ~~القتل فيهم، فقتل ثلاثة من مقدميهم، وملك العرب حلل الغز وخركاهاتهم، ~~وغنموا أموالهم، فعمتهم الغنيمة، وأدركهم الليل فحجز بينهم. # وسير قرواش رءوس كثير من القتلى في سفينة إلى بغداذ. فلما قاربتها أخذها # PageV07P725 # الأتراك ودفنوها، ولم يتركوها تصل ms3326 أنفة وحمية للجنس، وكفى الله أهل ~~الموصل شرهم، وتبعهم قرواش إلى نصيبين، وعاد عنهم فقصدوا ديار بكر فنهبوها، ~~ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم ثم قصدوا بلاد أذربيجان، وكتب قرواش ~~إلى الأطراف يبشر بالظفر بهم، وكتب إلى ابن ربيب الدولة، صاحب أرمية، يذكر ~~له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل فقال للرسول: هذا عجب! فإن القوم لما ~~اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بد لهم من عبورها من عدهم، فكانوا نيفا ~~وثلاثين ألفا مع لفيفهم، فلما عادوا بعد هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل، ~~فإما أن يكونوا قتلوا أو هلكوا. ومدح الشعراء قرواشا بهذا الفتح، وممن مدحه ~~ابن شبل بقصيدة منها: # بأبي الذي أرست نزار بيتها ... في شامخ من عزه المتخير # وهي طويلة. هذه أخبار الغز العراقيين، وإنما أوردناها متتابعة لأن دولتهم ~~لم تطل حتى نذكر حوادثها في السنين وإنما كانت سحابة صيف تقشعت عن قريب. # وأما السلجوقية فنحن نذكر حوادثهم في السنين ونذكر ابتداء أمرهم سنة ~~اثنتين وثلاثين [وأربعمائة] إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # (وفي هذه السنة سير الظاهر جيشا من مصر، مقدمهم أنوشتكين البريدي، فقتل ~~صالح بن مرداس، وملك نصر بن صالح مدينة حلب، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين ~~وأربعمائة) . # وفيها سقط في البلاد برد عظيم، وكان أكثره بالعراق، وارتفعت بعده ريح ~~شديدة سوداء، فقلعت كثيرا من الأشجار بالعراق، فقلعت شجرا كبارا من الزيتون ~~من شرقي النهروان وألقته على بعد من غربيها، وقلعت نخلة من أصلها وحملتها ~~إلى دار بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور، وقلعت سقف مسجد الجامع ببعض ~~القرى. # PageV07P726 # وفيها، في ذي القعدة تولى أبو عبد الله بن ماكولا قضاء القضاة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي عن نيف وتسعين سنة، وأخذ ~~النحو عن أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، وكان فكها، كثير الدعابة، ~~فمن ذلك أنه كان يوما على شاطئ دجلة ببغداذ، والملك جلال الدولة، (والمرتضى ~~والرضي كلاهما) في سميرية، ومعهما عثمان بن جني النحوي، فناداه الربعي: ms3327 ~~أيها الملك ما أنت صادق في تشيعك لعلي بن أبي طالب، يكون عثمان إلى جانبك، ~~وعلي، يعني نفسه، هاهنا! فأمر بالسميرية فقربت إلى الشاطئ وحمله معه. # وقيل إن هذا القول كان للشريف الرضي وأخيه المرتضى، ومعهما عثمان بن جني، ~~فقال: ما أعجب أحوال الشريفين! يكون عثمان معهما، وعلي يمشي على الشط. # وفيها أيضا توفي أبو المسك عنبر، الملقب بالأثير، وكان قد أصعد إلى ~~الموصل مغاضبا لجلال الدولة، فلقيه قرواش وأهله، وقبلوا الأرض بين يديه، ~~فأقام عندهم، وكان خصيا لبهاء الدولة بن بويه، وكان قد بلغ مبلغا عظيما، لم ~~يخل أمير ولا وزير في دولة بني بويه من تقبيل يده والأرض بين يديه، وكان قد ~~استقر بينه وبين قرواش وأبي كاليجار قاعدة أن يصعد أبو كاليجار من واسط، ~~وينحدر الأثير وقرواش من الموصل لقصد جلال الدولة، وكان الأثير قد انحدر من ~~الموصل، فلما وصل مشهد الكحيل توفي فيه. # وفيها انقض كوكب عظيم، في رجب، أضاءت منه الأرض، وسمع له صوت عظيم ~~كالرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه، وانقض # PageV07P727 # بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءا. # وفيها كانت ببغداذ فتنة قوي فيها أمر العيارين واللصوص، فكانوا يأخذون ~~العملات ظاهرا. # وفيها قطعت الجمعة من جامع براثا، وسببها أنه كان يخطب فيها إنسان يقول ~~في خطبته: بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أخيه أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومحييها البشري الإلهي، مكلم ~~الفتية أصحاب الكهف، إلى غير ذلك (من الغلو) ، المبتدع، فأقام الخليفة ~~خطيبا، فرجمه العامة، فانقطعت الصلاة فيه فاجتمع جماعة من أعيان الكرخ مع ~~المرتضى، واعتذروا إلى الخليفة بأن سفهاء لا يعرفون فعلوا ذلك، وسألوا ~~إعادة الخطبة، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأعيدت الصلاة والخطبة فيه. # [تابع الوفيات] # وفيها توفي ابن أبي الهبيش الزاهد المقيم بالكوفة، وهو من أرباب الطبقات ~~الغالية في الزهد، وقبره يزار إلى الآن وقد زرته. # وفيها توفي منوجهر بن قابوس بن وشمكير، وملك ابنه أنوشروان. # PageV07P728 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة] ms3328 ### | 421 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة # ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكين همذان # في هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشا إلى همذان، فملكوها، ~~وأخرجوا نواب علاء الدولة بن كاكويه عنها، وسار هو إلى أصبهان، فلما قاربها ~~فارقها علاء الدولة، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر، فإن ~~علاء الدولة أعجل عن أخذه فلم يأخذ إلا بعضه، وسار إلى خوزستان، فبلغ إلى ~~تستر ليطلب من الملك أبي كاليجار نجدة، ومن الملك جلال الدولة، ويعود إلى ~~بلاده يستنقذها فبقي عند أبي كاليجار مدة، وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ~~(ضعيف، ومع هذا فهو يعده النصرة وتسيير العساكر، إذا اصطلح هو وجلال ~~الدولة) . # فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود، ومسير مسعود إلى ~~خراسان، فسار علاء الدولة إلى بلاده، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر غزوة للمسلمين إلى الهند # في هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين، النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد ~~الهند، مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم، يقال لها نرسى، ومع أحمد نحو مائة ~~ألف فارس وراجل، وشن الغارة على البلاد، ونهب، وسبى، وخرب الأعمال # PageV07P729 # وأكثر القتل والأسر، فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب ~~المسلمون في ذلك الجانب يوما من بكرة إلى آخر النهار، ولم يفرغوا من نهب ~~سوق العطارين والجوهريين، حسب، وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك، لأن طوله ~~منزل من منازل الهنود وعرضه مثله، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت ~~فيه لكثرة أهله، فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره. # وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلا، ولم يصل ~~إلى هذه المدينة عسكر للمسلمين قبله ولا بعده، فلما فارقه أراد العود إليه ~~فلم يقدر على ذلك، منعه أهله عنه. # ذكر ملك بدران بن المقلد نصيبين # قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفا من قرواش، (فلما رحل، ~~شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا. ثم جرى بين قرواش) ms3329 ونصر الدولة بن مروان ~~نفرة كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش فآثر عليها غيرها. ~~فأرسلت إلى أبيها تشكو منه، فأرسل يطلبها إليه، فسيرها فأقامت بالموصل. ثم ~~إن ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش في الجزيرة ~~فأرسل إلى نصر الدولة يطلب منه صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار، ويطلب ~~الجزيرة لنفقتها، ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول، ~~وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال، فسير جيشا لمحاصرة الجزيرة ~~وجيشا مع أخيه بدران إلى نصيبين، فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها معه فلم ~~يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد. فلما رأى بدران ~~تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه ~~نصيبين، فسلمها إليه وأرسل من صداق ابنة قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا. # PageV07P730 # ذكر ملك أبي الشوك دقوقا # وفيها حصر أبو الشوك دقوقا، وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي، فطال ~~حصاره، وكان قد أرسل إليه يقول له: إن هذه المدينة كانت لأبي.، ولا بد لي ~~منها، والصواب أن تنصرف عنها. فامتنع من تسليمها، فحصره بها، ثم استظهر، ~~وملك البلد، فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه، فأمنه على نفسه ~~حسب، فلما خرج إليه مالك قال له أبو الشوك: قد كنت سألتك أن تسلم البلد ~~طوعا، وتحقن دم المسلمين، فلم تفعل. فقال: لو فعلت لعيرتني العرب، وأما ~~الآن فلا عار علي. فقال أبو الشوك: إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك ~~إليك ; فأعطاه ما كان له أجمع، فأخذه وعاد سالما. # ذكر وفاة يمين الدولة محمود بن سبكتكين وملك ولده محمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن ~~سبكتكين، ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة (وقيل إنه توفي أحد عشر ~~صفر) ، وكان مرضه سوء مزاج وإسهالا، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس ~~لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته ms3330 فأشار عليه الأطباء بالراحة، ~~كان يجلس للناس بكرة وعشية، فقال: أتريدون أن أعتزل الإمارة؟ فلم يزل كذلك ~~حتى توفي قاعدا. # فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد، وهو ببلخ، وكان أصغر من مسعود، ~~إلا أنه كان معرضا عن مسعود لأن أمره لم يكن عنده نافذا، وسعى بينهما أصحاب ~~الأغراض، فزادوا أباه نفورا عنه فلما وصى بالملك لولده محمد توفي، فخطب ~~لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور، وكان لقبه جلال الدولة، وأرسل إليه ~~أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك، ويستدعونه، ويحثونه ~~على # PageV07P731 # السرعة، ويخوفونه من أخيه مسعود، فحين بلغه الخبر سار إلى غزنة، فوصلها ~~بعد موت أبيه بأربعين يوما، فاجتمعت العساكر على طاعته، وفرق فيهم الأموال ~~والخلع النفيسة، فأسرف في ذلك. # ذكر ملك مسعود وخلع محمد # لما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان، فلما بلغه الخبر سار إلى ~~خراسان، واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر، فحين فارقها ثار ~~أهلها بالوالي عليهم بعده فقتلوه، وقتلوا من معه من الجند. # وأتى مسعودا الخبر، فعاد إليها وحصرها وفتحها عنوة، وقتل فيها فأكثر، ~~ونهب الأموال، واستخلف فيها رجلا كافيا، وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك، ~~وأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئا، وأنه يكتفي بما فتحه من ~~بلاد طبرستان، وبلد الجبل، وأصبهان، وغيرها، ويطلب منه الموافقة، وأن يقدمه ~~في الخطبة على نفسه، فأجابه محمد جواب مغالط. # وكان مسعود قد وصل إلى الري، فأحسن إلى أهلها، وسار منها إلى نيسابور ~~ففعل مثل ذلك، وأما محمد فإنه أخذ على عسكره العهود والمواثيق على المناصحة ~~له، والشد منه، وسار في عساكره إلى أخيه مسعود محاربا له، وكان بعض عساكره ~~يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش وفتح ~~البلاد، وبعضها يخافه لقوة نفسه. # وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين، فلما هم الركوب، في ~~داره بغزنة، ليسير سقطت قلنسوته من رأسه، فتطير الناس من ذلك، وأرسل إليه ~~ألتونتاش، صاحب خوارزم، وكان ms3331 من أعيان أصحاب أبيه محمود، يشير عليه بموافقة ~~أخيه وترك مخالفته، فلم يصغ إلى قوله، وسار فوصل إلى تكناباذ أول يوم # PageV07P732 # رمضان، وأقام إلى العيد، فعيد هناك، فلما كان ليلة الثلاثاء، ثالث شوال، ~~ثار به جنده، فأخذوه وقيدوه وحبسوه، وكان مشغولا بالشرب واللعب عن تدبير ~~المملكة، والنظر في أحوال الجند والرعايا. # وكان الذي سعى في (خذلانه علي) خويشاوند، صاحب أبيه، وأعانه على ذلك عمه ~~يوسف بن سبكتكين. فلما قبضوا عليه نادوا بشعار أخيه مسعود، ورفعوا محمدا ~~إلى قلعة تكناباذ، وكتبوا إلى مسعود بالحال. فلما وصل إلى هراة لقيته ~~العساكر مع الحاجب علي خويشاوند، فلما لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله، ~~وقبض بعد ذلك أيضا على عمه يوسف، وهذه عاقبة الغدر، وهما سعيا له في رد ~~الملك إليه، وقبض أيضا على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة، وكان ~~اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة، وأخرج الوزير أبا القاسم ~~أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير أبيه من محبسه، واستوزره، ورد الأمر ~~إليه، وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها، وقيل ~~شره في ماله، وأخذ منه (لما قبض عليه) مالا وأعراضا بقيمة خمسة آلاف ألف ~~دينار. # وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن جمادى الآخرة (من سنة اثنتين وعشرين ~~وأربعمائة) ، فلما وصل إليها وثبت ملكه بها أتته رسل الملوك من سائر ~~الأقطار إلى بابه، واجتمع له ملك خراسان، وغزنة، وبلاد الهند والسند، ~~وسجستان، وكرمان، ومكران، والري، وأصبهان، وبلد الجبل، وغير ذلك، وعظم ~~سلطانه، وخيف جانبه. # PageV07P733 # ذكر بعض سيرة يمين الدولة # كان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلا، دينا، خيرا، عنده علم ومعرفة، ~~وصنف له كثير من الكتب في فنون العلوم، وقصده العلماء من أقطار البلاد، ~~وكان يكرمهم، ويقبل عليهم، ويعظمهم، ويحسن إليهم، وكان عادلا، كثير الإحسان ~~إلى رعيته والرفق بهم، كثير الغزوات، ملازما للجهاد، وفتوحه مشهورة مذكورة، ~~وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا على بعد الدهر، وفيه ما يستدل به على بذل نفسه ~~لله تعالى ms3332 واهتمامه بالجهاد. # ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخذ الأموال بكل طريق، فمن ~~ذلك أنه بلغه أن إنسانا من نيسابور كثير المال، عظيم الغنى، فأحضره إلى ~~غزنة وقال له: بلغنا أنك قرمطي، فقال: لست بقرمطي، ولي مال يؤخذ منه ما ~~يراد وأعفى من هذا الاسم، فأخذ منه مالا، وكتب معه كتابا بصحة اعتقاده. # وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا، والرشيد، وأحسن ~~عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم عن ~~ذلك. # وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام، في ~~المنام وهو يقول له: إلى متى هذا؟ فعلم أنه يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته. # وكان ربعة مليح اللون، حسن الوجه، صغير العينين، أحمر الشعر، وكان ابنه ~~محمد يشبهه، وكان ابنه مسعود ممتلئ البدن، طويلا. # ذكر عود علاء الدولة إلى أصبهان وغيرها وما كان منه # لما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري، ~~وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود. فقصد قصران، وهي ~~حصينة، فامتنع بها. فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع ~~فناخسرو هذا جمعا من الديلم والأكراد وغيرهم، وقصدوا الري، فخرج إليه نائب # PageV07P734 # مسعود بها ومن معه (من العسكر) ، فقاتلوه، فانهزم منهم وعاد إلى بلده، ~~وقتل جماعة من عسكره. # ثم إن علاء الدولة بن كاكويه، لما بلغه وفاة يمين الدولة كان بخوزستان ~~عند الملك أبي كاليجار كما ذكرنا. وقد أيس من نصره، وتفرق بعض من عنده من ~~عسكره وأصحابه، والباقون على عزم مفارقته وهو خائف من مسعود أن يسير إليه ~~من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به، فأتاه من الفرج بموت يمين الدولة ~~ما لم يكن في حسابه فلما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها، وملك همذان، ~~وغيرهما من البلاد، وسار إلى الري فملكها، وامتد إلى أعمال أنوشروان بن ~~منوجهر بن قابوس فأخذ منه خوار الري ودنباوند. # فكتب ms3333 أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك، وسأله تقرير الذي عليه بمال ~~يحمله، فأجابه إلى ذلك، وسير إليه عسكرا من خراسان، فساروا إلى دنباوند ~~فاستعادوها، وساروا نحو الري، فأتاهم المدد والعساكر، وممن أتاهم علي بن ~~عمران، فكثر جمعهم فحصروا الري، وبها علاء الدولة، فاشتد القتال في بعض ~~الأيام، فدخل العسكر الري قهرا، والفيلة معهم، فقتل جماعة من أهل الري ~~والديلم، ونهبت المدينة، وانهزم علاء الدولة، وتبعه بعض العسكر وجرحه في ~~رأسه وكتفه، فألقى لهم دنانير كانت معه، فاشتغلوا بها عنه، فنجا، وسار إلى ~~قلعة فردجان، على خمسة عشر فرسخا من همذان، فأقام بها إلى أن برأ من ~~جراحته، وكان من أمره ما نذكره، إن شاء الله تعالى، وخطب بالري وأعمال ~~أنوشروان لمسعود، فعظم شأنه. # ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار # في هذه السنة، في شوال، سير جلال الدولة عسكرا إلى المذار، وبها عسكر أبي ~~كاليجار، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر أبي كاليجار، واستولى أصحاب جلال ~~الدولة على المذار، وعملوا بأهلها كل محظور. # فلما سمع أبو كاليجار الخبر سير إليهم عسكرا كثيفا، فاقتتلوا بظاهر البلد # PageV07P735 # فانهزم عسكر جلال الدولة، وقتل أكثرهم، وثار أهل البلد بغلمانهم فقتلوهم، ~~ونهبوا أموالهم لقبيح سيرتهم معهم، وعاد من سلم من المعركة إلى واسط. # ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن # في هذه السنة، في جمادى الأولى، اختلف قرواش وغريب بن مقن. وكان سبب ذلك ~~أن غريبا جمع جمعا كثيرا من العرب والأكراد، واستمد جلال الدولة، فأمده ~~بجملة صالحة من العسكر، فسار إلى تكريت فحصرها، وهي لأبي المسيب رافع بن ~~الحسين، وكان قد توجه إلى الموصل، وسأل قرواشا النجدة، فجمعا وحشدا وسارا ~~منحدرين فيمن معهما، فبلغا الدكة، وغريب يحاصر تكريت، وقد ضيق على من بها، ~~وأهلها يطلبون منه الأمان، فلم يؤمنهم، فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشد قتال. # فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم، فالتقوا بالدكة واقتتلوا، فغدر ~~بغريب بعض من معه، ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية، فانهزم، وتبعهم ~~قرواش ورافع، ثم كفوا عنه وعن أصحابه، ولم يتعرضوا إلى ms3334 حلته وما له فيها، ~~وحفظوا ذلك أجمع، ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من ~~الوفاق. # ذكر خروج ملك الروم إلى الشام وانهزامه # في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل إلى ~~الشام، (فلم يزل [يسير] بعساكره) حتى بلغوا قريب حلب، (وصاحبها شبل الدولة ~~نصر بن صالح بن مرداس) ، فنزلوا على يوم منها، فلحقهم عطش شديد، وكان ~~الزمان صيفا، وكان أصحابه مختلفين عليه، فمنهم من يحسده، ومنهم من يكرهه. # وممن كان معه ابن الدوقس، وهو من أكابرهم، وكان يريد هلاك الملك ليملك # PageV07P736 # بعده، فقال الملك: الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه. فقبح ~~ابن الدوقس هذا الرأي، وأشار بالإسراع قصدا لشر يتطرق إليه، ولتدبير كان قد ~~دبره عليه. فسار، ففارقه ابن الدوقس، وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس، وسلكوا ~~طريقا آخر، فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد ~~حالفا أربعين رجلا، هو أحدهم، على الفتك به، واستشعر من ذلك وخاف، ورحل من ~~يومه راجعا. # ولحقه ابن الدوقس، وسأله عن السبب الذي أوجب عوده، فقال له: قد اجتمعت ~~علينا العرب وقربوا منا وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة ~~معهما، فاضطرب الناس واختلفوا، ورحل الملك، وتبعهم العرب وأهل السواد حتى ~~الأرمن يقتلون وينهبون، وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالا وثيابا، ~~وهلك كثير من الروم عطشا، ونجا الملك وحده، ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه ~~شيء ألبتة وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. # وقيل في عوده غير ذلك، وهو أن جمعا من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره، ~~وظن الروم أنها كبسة، فلم يدروا ما يفعلون، حتى إن ملكهم لبس خفا أسود، ~~وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر، فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده، ~~وانهزموا، وغنم المسلمون جميع ما كان معهم. # ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله # لما استولى الملك جلال الدولة على واسط، وجعل ولده فيها سير وزيره أبا ~~علي بن ms3335 ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها، فملك البطائح، وسار إلى البصرة ~~في # PageV07P737 # الماء، وأكثر من السفن والرجال. # وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائبا لأبي كاليجار، فجهز جيشا في ~~أربعمائة سفينة وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة، ~~وسيره، فالتقى هو والوزير أبو علي، فعند اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت ~~على البصريين ومعونة للوزير، فانهزم البصريون وعادوا إلى البصرة، فعزم ~~بختيار على الهرب إلى عبادان، فمنعه من سلم عنده من عسكره، فأقام متجلدا. # وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يعجل الانحدار، ويغتنم الفرصة قبل أن ~~يعود بختيار يجمع. فلما قاربهم، وهو في ألف وثلاثمائة عدد من السفن سير ~~بختيار ما عنده من السفن، وهي نحو ثلاثين قطعة، وفيها المقاتلة، وكان قد ~~سير عسكرا آخر في البر، وكان له في فم نهر أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة ~~فيها ماله ولجميع عسكره من المال والأثاث والأهل، فلما تقدمت سفنه صاح من ~~فيها، وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم وأموالهم، وورد عليهم العسكر ~~الذين في البر، فقال الوزير لمن أشار عليه بمعاجلة بختيار: ألستم زعمتم أنه ~~في خف من العسكر، وأن معاجلته أولى، وأرى الدنيا مملوئة عساكر؟ فهونوا عليه ~~الأمر، فغضب، وأمر بإعادة السفن إلى الشاطئ، إلى الغد، ويعود إلى القتال. # فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد انهزم، فصاحوا: الهزيمة! فكانت هي. # وقيل: " بل لما أعاد سفنه لحقهم من في سفن بختيار، وصاحوا: الهزيمة! ~~الهزيمة! وأجابهم من في البر من عسكر بختيار، ومن في سفنهم التي فيها ~~أموالهم، فانهزم أبو علي حقا، وتبعه أصحاب بختيار وأهل السواد، ونزل بختيار ~~في الماء، واستصرخ الناس، وسار في آثارهم يقتل ويأسر، وهم يغرقون، فلم يسلم ~~من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة. # وسار الوزير أبو علي منهزما، فأخذ أسيرا، وأحضر عند بختيار فأكرمه وعظمه، ~~وجلس بين يديه، وقال له: ما الذي تشتهي أن أفعل معك قال: ترسلني إلى الملك # PageV07P738 # أبي كاليجار. فأرسله إليه فأطلقه، فاتفق أن غلاما له وجارية ms3336 اجتمعا على ~~فساد، فعلم بهما، وعرفا أنه قد علم حالهما، فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر. # وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة وسن سننا سيئة منها جباية سوق ~~الدقيق، ومقالي الباذنجان، وسميريات المشارع، ودلالة ما يباع من الأمتعة، ~~وأجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن، وبما يعطيه الذباحون لليهود، ~~فجرى في ذلك مناوشة بين العامة والجند. # ذكر استيلاء عسكر جلال الدولة على البصرة وأخذها منهم # لما انحدر الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة على ما ذكرناه لم يستصحب ~~معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة، تأنيسا للديلم الذين بالبصرة ~~فلما أصيب، على ما ذكرنا، تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى البصرة، فوصلوا ~~إليها، وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار، فانهزم عسكر أبي كاليجار، ودخل ~~عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان. # واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأبلة مع بختيار، فأقاموا بها يستعدون للعود ~~وكتبوا إلى أبي كاليجار يستمدونه فسير إليهم عسكرا كثيرا مع وزيره ذي ~~السعادات أبي الفرج بن فسانجس، فقدموا إلى الأبلة، واجتمعوا مع بختيار، ~~ووقع الشروع في قتال من بالبصرة من أصحاب جلال الدولة فسير بختيار جمعا ~~كثيرا في عدة من السفن فقاتلوهم. فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم، ~~فوبخهم بختيار، وسار من وقته في العدد الكثير، والسفن الكثيرة، فاقتتلوا. ~~واشتد القتال، فانهزم بختيار وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وأخذ هو فقتل من ~~غير قصد لقتله. وأخذوا كثيرا من سفنه وعاد كل فريق إلى موضعه. # وعزم الأتراك من أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب، وإتمام الهزيمة، ~~وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال، واختلفوا، وتنازعوا في الإقطاعات، ~~فأصعد ابن المعبراني، صاحب البطيحة، فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين # PageV07P739 # ليردوه، فلم يرجع، فتبعوه، وخاف من بقي بعضهم من بعض أن لا يناصحوهم، ~~ويسلموهم عند الحرب، فتفرقوا، واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات، وقد كان ~~خائفا منهم، فجاءه ما لم يقدره من الظفر، ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي ~~كاليجار، فدخلها عسكره، وأرادوا نهبها، فمنعهم ذو السعادات. # ذكر غزو فضلون الكردي الخزر ms3337 وما كان منه # كان فضلون الكردي هذا بيده قطعة من أذربيجان قد استولى عليها، وملكها.، ~~فاتفق أنه غزا الخزر، هذه السنة، فقتل منهم، وسبى، وغنم شيئا كثيرا، فلما ~~عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الاستظهار في أمره، ظنا منه أنه قد دوخهم ~~وشغلهم بما عمله بهم، فاتبعوه مجدين، وكبسوه، وقتلوا من أصحابه والمطوعة ~~الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل، واستردوا الغنائم التي أخذت منهم، ~~وغنموا أموال العساكر الإسلامية وعادوا. # ذكر البيعة لولي العهد # في هذه السنة مرض القادر بالله، وأرجف بموته، فجلس جلوسا عاما وأذن ~~للخاصة والعامة فوصلوا إليه، فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال: ~~خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء، وشاكرون لما بلغهم من ~~نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد. # فقال الخليفة للناس: قد أذنا في العهد له، وكان أراد أن يبايع له قبل ~~ذلك، فثناه عنه أبو الحسن بن حاجب النعمان. فلما عهد إليه ألقيت الستارة. ~~وقعد أبو جعفر على السرير الذي كان قائما عليه، وخدمه الحاضرون وهنأوه. ~~وتقدم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبل يده وهنأه، فقال: {ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا ~~عزيزا} [الأحزاب: 25] يعرض له بإفساده رأي الخليفة فيه، فأكب على تقبيل ~~قدمه. وتعفير خده بين يديه والاعتذار. فقبل عذره ودعي له على المنابر يوم ~~الجمعة # PageV07P740 # لتسع بقين من جمادى الأولى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم بعد ابن ماكولا، ~~ولقبه عميد الدولة. # وفيها توفي أبو الحسن بن حاجب النعمان، ومولده سنة أربعين وثلاثمائة وكان ~~خصيصا بالقادر بالله، حاكما في دولته كلها، وكتب له وللطائع أربعين سنة. # وفيها ظهر متلصصة ببغداذ من الأكراد، فكانوا يسرقون دواب الأتراك، فنقل ~~الأتراك خيلهم إلى دورهم، ونقل جلال الدولة دوابه إلى بيت في دار المملكة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي، النحوي، بفسا، وهو نسيب أبي ~~علي الفارسي. # وفيها توفي أبو ms3338 عبد الله الحسين بن يحيى العلوي، النهرسابسي، الملقب ~~بالكافي، وكان موته بالكوفة. # PageV07P741 # وفيها، في رجب، جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع، وغرق كثيرا من ~~الناس لا يحصون، وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث، وكان هذا الحادث ~~عظيما. # وفيها، في رمضان، تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين، في غزنة، بألف ألف ~~درهم، وأدر على الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة. # PageV07P742 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة] ### | 422 - # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة # ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكين التيز ومكران # في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا إلى التيز، ~~فملكها وما جاورها. # وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي، وخلف ولدين أبا العساكر وعيسى، فاستبد ~~عيسى بالولاية والمال، فسار أبو العساكر إلى خراسان، وطلب من مسعود النجدة، ~~فسير معه عسكرا، وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى، أو الاتفاق مع أخيه على ~~طاعته، فوصلوا إليها، ودعوا عيسى إلى الطاعة والموافقة، فأبى وجمع جمعا ~~كثيرا بلغوا ثمانية عشر ألفا، وتقدم إليهم، فالتقوا، فاستأمن كثير من أصحاب ~~عيسى إلى أخيه أبي العساكر، فانهزم عيسى ثم عاد وحمل في نفر من أصحابه، ~~فتوسط المعركة فقتل، واستولى أبو العساكر على البلاد، ونهبها ثلاثة أيام، ~~فأجحف بأهلها. # ذكر ملك الروم مدينة الرها # في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها، وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر ~~الدولة بن مروان، كما ذكرناه، فلما قتل عطير الذي كان صاحبها، شفع صالح بن ~~مرداس، صاحب حلب، إلى نصر الدولة ليعيد الرها إلى ابن عطير، وإلى ابن شبل، ~~بينهما نصفين، فقبل شفاعته، وسلمها إليهما. # PageV07P743 # وكان له في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر، فتسلم ابن عطير ~~الكبير، وابن شبل الصغير، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة، فراسل ابن ~~عطير أرمانوس ملك الروم، وباعه حصته من الرها بعشرين ألف دينار، وعدة قرايا ~~من جملتها قرية تعرف إلى الآن بسن ابن عطير، وتسلموا البرج الذي له، ودخلوا ~~البلد فملكوه، وهرب منه أصحاب ابن شبل، ms3339 وقتل الروم المسلمين، وخربوا ~~المساجد. # وسمع نصر الدولة الخبر، فسير جيشا إلى الرها، فحصروها وفتحوها عنوة، ~~واعتصم من بها من الروم بالبرجين، واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم، وهي من ~~أكبر البيع وأحسنها عمارة، فحصرهم المسلمون بها، وأخرجوهم، وقتلوا أكثرهم، ~~ونهبوا البلد، وبقي الروم في البرجين، وسير إليهم عسكرا نحو عشرة آلاف ~~مقاتل، فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم، ودخلوا البلد وما جاورهم من ~~بلاد المسلمين، وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجا. # ذكر ملك مسعود بن محمود كرمان وعود عسكره عنها # وفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها، وكانت للملك أبي كاليجار، ~~فاحتمى عسكره بمدينة بردسير، وحصرهم الخراسانيون فيها، وجرى بينهم عدة ~~وقائع، وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد فسير إليهم العادل ~~بهرام بن مافنة في عسكر كثيف، ثم إن الذين ببردسير خرجوا إلى الخراسانية ~~فواقعوهم، واشتد القتال، وصبروا لهم، فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية، ~~وتبعهم الديلم حتى أبعدوا، ثم عادوا إلى بردسير. # ووصل العادل عقيب ذلك إلى جيرفت، وسير عسكره إلى الخراسانية وهم # PageV07P744 # بأطراف البلاد، فواقعوهم، فانهزم الخراسانية، ودخلوا المفازة عائدين إلى ~~خراسان، وأقام العادل بكرمان إلى أن أصلح أمورها وعاد إلى فارس. # ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر الله # في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الإمام القادر بالله، أمير المؤمنين، ~~وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر، وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر ~~وعشرون يوما، وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما وليها ~~القادر بالله أعاد جدتها، وجدد ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق ~~فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها. # وكان حليما، كريما، خيرا يحب الخير وأهله، ويأمر به، وينهى عن الشر ويبغض ~~أهله، وكان حسن الاعتقاد، صنف فيه كتابا على مذهب السنة. # ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله، وكان القادر بالله أبيض حسن ~~الجسم، كث اللحية، طويلها، يخضب، وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور ~~قبور الصالحين، كقبر معروف وغيره، وإذا وصل إليه حال ms3340 أمر فيه بالحق. # قال القاضي الحسين بن هارون: كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له فيه قيمة ~~جيدة، فأرسل إلي ابن حاجب النعمان، وهو حاجب القادر. يأمرني أن أفك عنه # PageV07P745 # الحجر ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك، فلم أفعل فأرسل يستدعيني، فقلت ~~لغلامه: تقدمني حتى ألحقك، وخفته. فقصدت قبر معروف فدعوت الله أن يكفيني ~~شره، وهناك شيخ، فقال لي: على من تدعو؟ فذكرت له ذلك، ووصلت إلى ابن حاجب ~~النعمان، فأغلظ لي في القول، ولم يقبل عذري، فأتاه خادم برقعة ففتحها ~~وقرأها وتغير لونه، (ونزل من) الشدة، فاعتذر إلي ثم قال: كتبت إلى الخليفة ~~قصة؟ فقلت: لا. وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة. # وقيل: كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام: فقسم كان يتركه بين يديه، ~~وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، وقسم يرسله إلى جامع المدينة، يفرق على ~~المقيمين فيهما، فاتفق أن الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع المدينة، ففرقه ~~على الجماعة، فأخذوا، إلا شابا فإنه رده. # فلما صلوا المغرب خرج الشاب، وتبعه الفراش، فوقف على باب فاستطعم فأطعموه ~~كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع، فقال له الفراش: ويحك ألا تستحي ينفذ إليك ~~خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج (وتأخذ من) الأبواب فقال: والله ما ~~رددته إلا لأنك عرضته علي قبل المغرب، وكنت غير محتاج إليه، فلما احتجت ~~طلبت، فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له: راع مثل هذا، واغتنم ~~أخذه، وأقم إلى وقت الإفطار. # وقال أبو الحسن الأبهري: أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة، ~~فسمعته ينشد: # سبق القضاء بكل ما هو كائن ... والله يا هذا لرزقك ضامن # PageV07P746 # تعنى بما يفنى، وتترك ما به # تغنى، كأنك للحوادث آمن ... أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها # فاعمل ليوم فراقها، يا حائن ... واعلم بأنك لا أبا لك في الذي # أصبحت تجمعه لغيرك خازن ... يا عامر الدنيا أتعمر منزلا # لم يبق فيه مع المنية ساكن ... الموت شيء أنت تعلم أنه # حق، وأنت بذكره متهاون ... إن المنية لا تؤآمر من أتت # في نفسه يوما ولا تستأذن ms3341 # فقلت: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات. فقال: ~~بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره، ووفقنا لشكره. ألم تسمع قول الحسن البصري في ~~أهل المعاصي: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، ومناقبه كثيرة. # ذكر خلافة القائم بأمر الله # لما مات القادر بالله جلس في الخلافة ابنه القائم بأمر الله، أبو جعفر ~~عبد الله، وجددت له البيعة، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى ~~وعشرين [وأربعمائة] ، كما ذكرناه، واستقرت الخلافة له، وأول من بايعه ~~الشريف أبو القاسم المرتضى، وأنشده: # فإما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسا # وإما فجعنا ببدر التمام فقد ... بقيت منه شمس الضحى # لنا حزن في محل السرور ... وكم ضحك في خلال البكا # PageV07P747 # فيا صارم أغمدته يد لنا # بعدك الصارم المنتضى # وهي أكثر من هذا. وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي ~~إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة، ويخطب له في بلاده، فأجاب وبايع، ~~وخطب له في بلاده، وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة. # ذكر الفتنة ببغداذ # في هذه السنة في ربيع الأول، تجددت الفتنة ببغداذ بين السنة والشيعة. # وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة واستأذن الخليفة ~~في ذلك، فأذن له، وكتب له منشور من دار الخلافة، وأعطي علما، فاجتمع له ~~لفيف كثير، فسار واجتاز بباب الشعير، وطاق الحراني، وبين يديه الرجال ~~بالسلاح فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وقالوا: هذا يوم ~~معاوية، فنافرهم أهل الكرخ ورموهم، وثارت الفتنة ونهبت دور اليهود لأنهم ~~قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ. # فلما كان الغد اجتمع السنة من الجانبين، ومعهم كثير من الأتراك، وقصدوا ~~الكرخ، فأحرقوا وهدموا الأسواق، وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة. وأنكر ~~الخليفة ذلك إنكارا شديدا، ونسب إليهم تخريق علامته التي مع الغزاة، فركب ~~الوزير، فوقعت في صدره آجرة، فسقطت عمامته، وقتل من أهل الكرخ جماعة، وأحرق ~~وخرب في هذه الفتنة سوق العروس، وسوق الصفارين، وسوق الأنماط، وسوق ~~الدقاقين، وغيرها، واشتد الأمر، ms3342 فقتل العامة الكلالكي، وكان ينظر في ~~المعونة، وأحرقوه. # PageV07P748 # ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه، واقتتل أهل الكرخ، ونهر طابق، ~~والقلائين، وباب البصرة، وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء، وسوق يحيى، ~~وباب الطاق، والأساكفة، والرهادرة، ودرب سليمان، فقطع الجسر ليفرق بين ~~الفريقين، ودخل العيارون البلد، وكثر الاستقفاء بها والعملات ليلا ونهارا. ~~وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة، وأرادوا قطع خطبته، ففرق فيهم مالا ~~وحلف لهم فسكنوا، ثم عاودوا الشكوى إلى الخليفة منه، وطلبوا أن يأمر بقطع ~~خطبته، فلم يجبهم إلى ذلك فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس، وضربه ~~النوبة أوقات الصلوات، وانصرف الطبالون لانقطاع الجاري لهم، ودامت هذه ~~الحال إلى عيد الفطر، فلم يضرب بوق، ولا طبل، ولا أظهرت الزينة، وزاد ~~الاختلاط. # ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكسية وأصحاب الخلعان، وهما شيعة، وزاد ~~الشر، ودام إلى ذي الحجة، فنودي في الكرخ بإخراج العيارين، فخرجوا، واعترض ~~أهل باب البصرة قوما (من قم) أرادوا زيارة مشهد علي والحسين، عليهما ~~السلام، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، وامتنعت زيارة مشهد موسى بن جعفر. # ذكر ملك الروم قلعة أفامية # في هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام. # وسبب ملكها أن الظاهر خليفة مصر سير إلى الشام الدزبري، وزيره، فملكه، ~~وقصد حسان بن المفرج الطائي، فألح في طلبه، فهرب منه، ودخل بلد الروم، ولبس ~~خلعة ملكهم، وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب، ومعه عسكر كثير، فسار ~~إلى أفامية فكبسها، وغنم ما فيها، وسبى أهلها، وأسرهم، وسير الدزبري إلى ~~البلاد يستنفر الناس للغزو. # PageV07P749 # ذكر الوحشة بين بارسطغان وجلال الدولة # اجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة، وقالوا له: قد هلكنا ~~فقرا وجوعا، وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا، وهذا بارسطغان ~~ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضا. # فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى جلال الدولة، واستوحشا، وأرسل ~~إليهما الغلمان يطالبونهما بمعلومهم، فاعتذرا بضيق أيديهما عن ذلك، وسارا ~~إلى المدائن. فندم الأتراك على ذلك، وأرسل إليهما جلال الدولة مؤيد الملك ~~الرخجي والمرتضى وغيرهما، فرجعا، ms3343 وزاد تسحب الغلمان على جلال الدولة إلى أن ~~نهبوا من داره فرشا، وآلات، ودوابا، وغير ذلك، فركب وقت الهاجرة إلى دار ~~الخلافة، ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان وجمع كثير من العامة وهو ~~سكران، فانزعج الخليفة من حضوره، فلما علم الحال أرسل إليه يأمره بالعود ~~إلى داره، ويطيب قلبه، فقبل قربوس سرجه ومسح حائط الدار بيده وأمرها على ~~وجهه، وعاد إلى داره والعامة معه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل ~~محمد بن عبد العزيز الهادي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي الحسين بن ~~المهتدي، وشهد عنده أبو القاسم بن بشران، وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك. # وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة الري، وهمذان، والجبال إلى ~~تاش فراش، وكتب له إلى عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه، ففعل ذلك ~~وسار إلى عمله، وأساء السيرة فيه. # PageV07P750 # وفيها، في رجب، أخرج الملك جلال الدولة دوابه من الإصطبل، وهي خمس عشرة ~~دابة، وسيبها في الميدان بغير سائس، ولا حافظ، ولا علف، فعل ذلك لسببين: ~~أحدهما عدم العلف، والثاني أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه ويطلبونها ~~كثيرا، فضجر منهم، فأخرجها وقال: هذه دوابي منها: خمس لمركوبي، والباقي ~~لأصحابي، ثم صرف حواشيه، وفراشيه، وأتباعه، وأغلق باب داره لانقطاع الجاري ~~له، فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند وعظم الأمر، وظهر العيارون. # وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة، ووزر بعده أبو الفتح محمد بن ~~الفضل بن أردشير، فبقي أياما، ولم يستقم أمره، فعزل، ووزر بعده أبو إسحاق ~~إبراهيم بن أبي الحسين، (وهو ابن أخي أبي الحسين) السهلي، وزير مأمون صاحب ~~خوارزم، فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يوما وهرب. # [الوفيات] # (وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر، وكان ~~ببغداذ ففارقها إلى مصر عن ضائقة، فأغناه المغاربة) . # PageV07P751 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة] ### | 423 - # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة # ذكر وثوب الأجناد بجلال الدولة وإخراجه من بغداذ # في هذه السنة، ms3344 في ربيع الأول، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين ~~الأتراك، فأغلق بابه فجاءت الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكتاب وأرباب ~~الديوان ثيابهم، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهلي، فهرب إلى حلة كمال الدولة ~~غريب بن محمد، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا في شهر ربيع الآخر، وخطب الأتراك ~~ببغداذ للملك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز. # فمنعه العادل بن مافنة عن الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم. # فلما رأوا امتناعه من الوصول إليهم، أعادوا خطبة جلال الدولة، وساروا ~~إليه، وسألوه العود إلى بغداذ، واعتذروا، فعاد إليها بعد ثلاثة وأربعين ~~يوما، ووزر له أبو القاسم بن ماكولا، ثم عزل، ووزر بعده عميد الدولة أبو ~~سعد بن عبد الرحيم، فبقي وزيرا أياما ثم استتر. # وسبب ذلك أن جلال الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي المعمر إبراهيم بن ~~الحسين البسامي طمعا في ماله، فقبض عليه، وجعله في داره. فثار الأتراك، ~~وأرادوا منعه، وقصدوا دار الوزير، وأخذوه وضربوه، وأخرجوه من داره حافيا، ~~ومزقوا ثيابه، وأخذوا عمامته وقطعوها، وأخذوا خواتيمه من يده فدميت أصابعه، ~~وكان جلال الدولة في الحمام، فخرج مرتاعا، فركب وظهر لينظر ما الخبر، فأكب ~~الوزير يقبل الأرض، ويذكر ما فعل به، فقال جلال الدولة: أنا ابن بهاء ~~الدولة، وقد فعل بي أكثر من هذا ; ثم أخذ من البسامي ألف دينار وأطلقه، ~~واختفى الوزير. # PageV07P752 # ذكر انهزام علاء الدولة بن كاكويه من عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين # قد ذكرنا انهزام علاء الدولة أبي جعفر من الري ومسيره عنها، فلما وصل إلى ~~قلعة فردجان أقام بها لتندمل جراحه، ومعه فرهاذ بن مرداويج، كان قد جاءه ~~مددا له، وتوجهوا منها إلى بروجرد فسير تاش فراش مقدم عسكر خراسان جيشا إلى ~~علاء الدولة، واستعمل عليهم علي بن عمران، فسار يقص أثر علاء الدولة فلما ~~قارب بروجرد صعد فرهاذ إلى قلعة سليموه، ومضى أبو جعفر إلى سابور خواست، ~~ونزل عند الأكراد الجوزقان. # وملك عسكر خراسان بروجرد، وراسل فرهاذ الأكراد الذين مع علي بن عمران، ~~واستمالهم، فصاروا معه، وأرادوا أن ms3345 يفتكوا بعلي، وبلغه الخبر، فركب ليلا في ~~خاصته وسار نحو همذان، ونزل في الطريق بقرية تعرف (بكسب، وهي منيعة) ، ~~فاستراح فيها، فلحقه فرهاذ وعسكره والأكراد الذين صاروا معه، وحصروه في ~~القرية، فاستسلم وأيقن بالهلاك، فأرسل الله تعالى ذلك اليوم مطرا وثلجا، ~~فلم يمكنهم المقام عليه لأنهم كانوا جريدة بغير خيام ولا آلة شتاء، فرحلوا ~~عنه، وراسل علي بن عمران الأمير تاش فراش يستنجده ويطلب العسكر إلى همذان. # ثم اجتمع فرهاذ وعلاء الدولة ببروجرد، واتفقا على قصد همذان، وسير علاء ~~الدولة إلى أصبهان وبها ابن أخيه، يطلبه، وأمره بإحضار السلاح والمال، ففعل ~~وسار. فبلغ خبره علي بن عمران، فسار إليه من همذان جريدة، فكبسه بجرباذقان، ~~وأسره وأسر كثيرا من عسكره، وقتل منهم، وغنم ما معه من سلاح ومال وغير ذلك. # ولما سار علي عن همذان دخلها علاء الدولة، وملكها ظنا منه أن عليا سار ~~منهزما، وسار علاء الدولة من همذان إلى كرج، فأتاه خبر ابن أخيه ففت في ~~عضده. # PageV07P753 # وكان علي بن عمران قد سار بعد الوقعة إلى أصبهان طامعا في الاستيلاء ~~عليها، وعلى مال علاء الدولة وأهله، فتعذر عليه ذلك، ومنعه أهلها والعسكر ~~الذي فيها، فعاد عنها، فلقيه علاء الدولة وفرهاذ، فاقتتلوا، فانهزم منهما، ~~وأخذا ما معه من الأسرى، إلا أبا منصور ابن أخي علاء الدولة فإنه كان قد ~~سيره إلى تاش فراش، وسار علي من المعركة منهزما نحو تاش فراش، فلقيه بكرج ~~فعاتبه على تأخره عنه، واتفقا على المسير إلى علاء الدولة وفرهاذ، وكان قد ~~نزل بجبل عند بروجرد متحصنا فيه، فافترق تاش وعلي (وقصداه من) جهتين: ~~إحداهما من خلفه، والأخرى من الطريق المستقيم، فلم يشعر إلا وقد خالطه ~~العسكر فانهزم علاء الدولة وفرهاذ، وقتل كثير من رجالهما. فمضى علاء الدولة ~~إلى أصبهان، وصعد فرهاذ إلى قلعة سليموه فتحصن بها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي قدر خان ملك الترك بما وراء النهر. # وفيها ورد أحمد بن محمد المنكدري الفقيه الشافعي رسولا من مسعود بن ~~سبكتكين إلى القائم ms3346 بأمر الله معزيا له بالقادر بالله. # وفيها نقل تابوت القادر بالله إلى المقبرة بالرصافة، وشهده الخلق العظيم، ~~وحجاج خراسان، وكان يوما مشهودا. # وفيها كان بالبلاد غلاء شديد، واستسقى الناس فلم يسقوا، وتبعه وباء عظيم، ~~وكان عاما في جميع البلاد بالعراق، والموصل، والشام، وبلد الجبل، وخراسان، ~~وغزنة، والهند، وغير ذلك، وكثر الموت، فدفن في أصبهان، في عدة أيام، أربعون ~~ألف ميت وكثر الجدري في الناس فأحصي بالموصل أنه مات به أربعة آلاف صبي، ~~ولم تخل دار من مصيبة لعموم المصائب، وكثرة الموت، وممن جدر القائم بأمر ~~الله وسلم. # PageV07P754 # وفيها جمع نائب نصر الدولة بن مروان بالجزيرة جمعا ينيف على عشرة آلاف ~~رجل، وغزا من يقاربه من الأرمن، وأوقع بهم، وأثخن فيهم، وغنم وسبى كثيرا، ~~وعاد ظافرا منصورا. # وفيها كان بين أهل تونس من إفريقية خلف، فسار المعز بن باديس إليهم ~~بنفسه، فأصلح بينهم، وسكن الفتنة وعاد. # وفيها اجتمع ناس كثير من الشيعة بإفريقية، وساروا إلى أعمال نفطة، ~~فاستولوا على بلد منها وسكنوه فجرد إليهم المعز عسكرا، فدخلوا البلاد ~~وحاربوا الشيعة وقتلوهم أجمعين. # (وفيها خرجت العرب على حاج البصرة ونهبوهم، وحج الناس من سائر البلاد إلا ~~من العراق) . # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الحسن بن رضوان المصري، النحوي، في رجب. # وفيها قتل الملك أبو كاليجار صندلا الخصي، وكان قد استولى على المملكة، ~~وليس لأبي كاليجار معه غير الاسم. # وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن النعيمي ~~البصري، حدث عن جماعة، وكان حافظا، شاعرا، فقيها على مذهب الشافعي. # PageV07P755 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة] ### | 424 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة # ذكر عود مسعود إلى غزنة والفتن بالري وبلد الجبل # في هذه السنة، في رجب، عاد الملك مسعود بن سبكتكين من نيسابور إلى غزنة ~~وبلاد الهند. # وكان سبب ذلك أنه لما كان قد استقر له الملك بعد أبيه أقر بما كان قد ~~فتحه أبوه من الهند نائبا يسمى أحمد ينالتكين، وقد كان أبوه محمود استنابه ~~بها ثقة بجلده ms3347 ونهضته، فرست قدمه فيها، وظهرت كفايته. # ثم إن مسعودا بعد فراغه من تقرير قواعد الملك، والقبض على عمه يوسف ~~والمخالفين له، سار إلى خراسان عازما على قصد العراق، فلما أبعد عصى ذلك ~~النائب بالهند، فاضطر مسعود إلى العود، فأرسل إلى علاء الدولة بن كاكويه ~~وأمره على أصبهان بقرار يؤديه كل سنة، وكان علاء الدولة قد أرسل يطلب ذلك، ~~فأجابه إليه، وأقر ابن قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مال يؤديه ~~إليه، وسير أبا سهل الحمدوني إلى الري للنظر في أمور هذه البلاد الجبلية، ~~والقيام بحفظها، وعاد إلى الهند، فأصلح الفاسد، وأعاد المخالف إلى طاعته، ~~وفتح قلعة حصينة تسمى سرستى، على ما نذكره، وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم ~~يتهيأ له فتحها. # ولما سار أبو سهل إلى الري أحسن إلى الناس، وأظهر العدل، فأزال الأقساط ~~والمصادرات. # PageV07P756 # وكان تاش فراش قد ملأ البلاد ظلما وجورا، حتى تمنى الناس الخلاص منهم ومن ~~دولتهم، وخربت البلاد، وتفرق أهلها، فلما ولي الحمدوني، وأحسن، وعدل، عادت ~~البلاد فعمرت، والرعية أمنت، وكان الإرجاف شديدا بالعراق لما كان الملك ~~مسعود بنيسابور، فلما عاد سكن الناس واطمأنوا. # ذكر ظفر مسعود بصاحب ساوة وقتله # فيها قبض عسكر السلطان مسعود بن محمود على شهريوش بن ولكين، فأمر به ~~مسعود فقتل وصلب على سور ساوة. # وكان سبب ذلك أن شهريوش كان صاحب ساوة وقم وتلك النواحي، فلما اشتغل ~~مسعود بأخيه محمد بعد موت والده جمع شهريوش جمعا وسار إلى الري محاصرا لها، ~~فلم يتم ما أراده، وجاءت العساكر فعاد عنها. # ثم [في] هذه السنة اعترض الحجاج الواردين من خراسان، وعمهم أذاه، وأخذ ~~منهم ما لم تجر به عادة، وأساء إليهم، وبلغ ذلك إلى مسعود، فتقدم إلى تاش ~~فراش، وإلى أبي الطيب طاهر بن عبد الله خليفته معه، يطلب شهريوش وقصده أين ~~كان، واستنفاد الوسع في قتاله، فسارت العساكر في أثره، فاحتمى بقلعة تقارب ~~قما تسمى فستق، وهي حصينة، عالية المكان، وثيقة البنيان، فأحاطوا به ~~وأخذوه، وكتبوا إلى مسعود في أمره، ms3348 فأمرهم بصلبه على سور ساوة. # PageV07P757 # ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة وخروجها عن طاعته # في هذه السنة سارت عساكر جلال الدولة مع ولده الملك العزيز فدخلوا البصرة ~~في جمادى الأولى. # وكان سبب ذلك أن بختيار متولي البصرة توفي، فقام بعده ظهير الدين أبو ~~القاسم خال ولده لجلد كان فيه، وكفاية، وهو في طاعة الملك أبي كاليجار، ~~ودام كذلك، فقيل لأبي كاليجار: إن أبا القاسم ليس لك من طاعته غير الاسم، ~~ولو رمت عزله لتعذر عليك. # وبلغ ذلك أبا القاسم، فاستعد للامتناع وأرسل أبو كاليجار إليه يعزله ~~فامتنع، وأظهر طاعة جلال الدولة. وخطب له، وأرسل إلى ابنه، وهو بواسط، ~~يطلبه، فانحدر إليه في عساكر أبيه التي كانت معه بواسط ودخلوا البصرة ~~وأقاموا بها، وأخرجوا عساكر أبي كاليجار منها. وبقي الملك العزيز بالبصرة ~~مع أبي القاسم إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين [وأربعمائة] وليس له معه أمر، ~~والحكم إلى أبي القاسم. # ثم إنه أراد القبض على بعض الديلم، فهرب ودخل دار الملك العزيز مستجيرا، ~~فاجتمع الديلم إليه، وشكوا من أبي القاسم، فصادفت شكواهم صدرا موغرا حنقا ~~عليه لسوء صحبته، فأجابهم إلى ما أرادوه من إخراجه عن البصرة، واجتمعوا، ~~وعلم أبو القاسم بذلك فامتنع بالأبلة، وجمع أصحابه وجرى بين الفريقين حروب ~~كثيرة أجلت عن خروج العزيز عن البصرة وعوده إلى واسط، وعود أبي القاسم إلى ~~طاعة أبي كاليجار. # ذكر إخراج جلال الدولة من دار المملكة وإعادته إليها # في هذه السنة، في رمضان، شغب الجند على جلال الدولة وقبضوا عليه ثم ~~أخرجوه من داره، ثم سألوه ليعود إليها فعاد. # وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير أن يعلموا، فلما قدم ظنوا # PageV07P758 # أنه إنما ورد للتعرض إلى أموالهم ونعمهم فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره ~~وهجموا عليه، وأخرجوه إلى مسجد هناك فوكلوا به فيه، ثم إنهم أسمعوه ما ~~يكره، ونهبوا بعض ما في داره، فلما وكلوا به جاء بعض القواد في جماعة من ~~الجند، ومن انضاف إليه من العامة والعيارين، فأخرجه من المسجد وأعاده إلى ms3349 ~~داره، فنقل جلال الدولة ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي، وعبر هو ~~في الليل إلى الكرخ فلقيه أهل الكرخ بالدعاء، فنزل بدار المرتضى، وعبر ~~الوزير أبو القاسم معه. # ثم إن الجند اختلفوا، فقال بعضهم: نخرجه من بلادنا ونملك غيره. وقال ~~بعضهم: ليس من بني بويه غيره وغير أبي كاليجار، وذلك قد عاد إلى بلاده، ولا ~~بد من مداراة هذا. فأرسلوا إليه يقولون له: نريد أن تنحدر عنا إلى واسط، ~~وأنت ملكنا، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر. فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سرا ~~إلى الغلمان الأصاغر فاستمالهم، وإلى كل واحد من الأكابر، وقال: إنما أثق ~~بك، وأسكن إليك واستمالهم أيضا، فعبروا إليه، وقبلوا الأرض بين يديه، ~~وسألوه العود إلى دار الملك، فعاد، وحلف لهم على إخلاص النية، والإحسان ~~إليهم، وحلفوا له على المناصحة، واستقر في داره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي الوزير أحمد بن الحسن الميمندي، وزير مسعود بن ~~سبكتكين، ووزر بعده أبو نصر أحمد بن علي بن عبد الصمد، وكان وزير هارون ~~ألتونتاش، صاحب خوارزم، ووزر بعده لهارون ابنه عبد الجبار. # وفيها ثار العيارون ببغداذ، وأخذوا أموال الناس ظاهرا، وعظم الأمر على ~~أهل البلد، وطمع المفسدون إلى حد أن بعض القواد الكبار أخذ أربعة من ~~العيارين، فجاء عقيدهم وأخذ من أصحاب القائد أربعة، وحضر باب داره ودق عليه ~~الباب، فكلمه من داخل، فقال العقيد: قد أخذت من أصحابك أربعة فإن أطلقت من ~~عندك أطلقت أنا # PageV07P759 # من عندي، وإلا قتلتهم، وأحرقت دارك فأطلقهم القائد. # وفيها تأخر الحاج من خراسان. # وفيها خرج حجاج البصرة بخفير فغدر بهم ونهبهم. # [الوفيات] # وفيها في جمادى الأولى، توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيضاوي، ~~الفقيه الشافعي عن نيف وثمانين سنة. # وفيها، في شوال، توفي أبو الحسن بن السماك القاضي عن خمس وتسعين سنة. # PageV07P760 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة] ### | 425 - # ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة # ذكر فتح قلعة سرستى وغيرها من بلد الهند # في هذه السنة فتح السلطان مسعود ms3350 بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستى وما ~~جاورها من بلد الهند. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه، من عصيان نائبه بالهند أحمد ينالتكين عليه ~~ومسيره إليه. فلما عاد أحمد إلى طاعته، أقام بتلك البلاد طويلا حتى أمنت ~~واستقرت، وقصد قلعة سرستى، وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها، فحصرها، وقد ~~كان أبوه حصرها غير مرة، فلم يتهيأ له فتحها، فلما حصرها مسعود راسله ~~صاحبها، وبذل له مالا على الصلح فأجابه إلى ذلك. # وكان فيها قوم من التجار المسلمين، فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها ~~إلى مسعود من جملة القرار عليه، فكتب التجار رقعة في نشابة، ورموا بها إليه ~~يعرفونه فيها ضعف الهنود بها، وأنه إن صابرهم ملكها، فرجع عن الصلح إلى ~~الحرب وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره، وفتح الله عليه، وقتل كل من ~~فيها، وسبى ذراريهم، وأخذ ما جاورها من البلاد، وكان عازما على طول المقام ~~والجهاد، فأتاه من خراسان خبر الغز، فعاد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # PageV07P761 # ذكر حصر قلعة بالهند أيضا # لما ملك مسعود قلعة سرستى رحل عنها إلى قلعة نغسى، فوصل إليها عاشر صفر، ~~وحصرها فرآها عالية لا ترام، يرتد البصر دونها وهو حسير، إلا أنه أقام ~~عليها يحصرها، فخرجت عجوز ساحرة، فتكلمت باللسان الهندي طويلا، وأخذت مكنسة ~~فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين، فمرض وأصبح ولا يقدر أن ~~يرفع رأسه، وضعفت قوته ضعفا شديدا، فرحل عن القلعة لشدة المرض، فحين فارقها ~~زال ما كان به، وأقبلت الصحة والعافية إليه، وسار نحو غزنة. # ذكر الفتنة بنيسابور # لما اشتد أمر الأتراك بخراسان، على ما نذكره، تجمع كثير من المفسدين وأهل ~~العيث والشر، وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس، واجتمع معهم خلق ~~كثير، وساروا إلى نيسابور لينهبوها، وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى ~~الملك مسعود فخافهم خوفا عظيما، وأيقنوا بالهلاك. # فبينما هم يترقبون البوار والاستئصال، وذهاب الأنفس والأموال، إذ وصل ~~إليهم أمير كرمان في ثلاثمائة فارس، قدم متوجها إلى مسعود أيضا، فاستغاث به ms3351 ~~المسلمون، وسألوه أن يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى، فأقام عليهم، وقاتل معهم، ~~وعظم الأمر، واشتدت الحرب، وكان الظفر له ولأهل نيسابور، فانهزم أهل طوس ~~وأبيورد ومن تبعهم، وأخذتهم السيوف من كل جانب، وعمل بهم أمير كرمان أعمالا ~~عظيمة، وأثخن فيهم، وأسر كثيرا منهم، وصلبهم على الأشجار في الطرق، فقيل ~~إنه عدم من أهل طوس عشرون ألف رجل. # ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قرى طوس، وأخذ أولادهم وإخوانهم وغيرهم من ~~أهليهم رهائن، فأودعهم السجون، وقال: إن اعترض منكم واحد إلى أهل نيسابور ~~أو غيرهم، أو قطع طريقا، فأولادكم وإخوانكم ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم. ~~فسكن الناس، وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم يكن في حسابهم. # PageV07P762 # ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسان # في هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج، واتفقا على ~~قتال عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين، وكانت العساكر قد خرجت من خراسان مع ~~أبي سهل الحمدوني، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان، ثم ~~انهزم علاء الدولة، وقتل فرهاذ، واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان ~~وجرباذقان، ونزل عسكر مسعود بكرج. # وأرسل (أبو سهل) إلى علاء الدولة يقول له ليبذل المال، ويراجع الطاعة ~~ليقره على ما بقي من البلاد. ويصلح حاله مع مسعود. فترددت الرسل، فلم يستقر ~~بينهم أمر، فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها، وانهزم علاء الدولة من بين ~~يديه لما خاف الطلب إلى إيذج، وهي للملك أبي كاليجار. # ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة (وأمواله، وكان ~~أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة) فأخذت كتبه وحملت إلى غزنة فجعلت في ~~خزائن كتبها إلى أن أحرقها عساكر الحسين بن الحسين الغوري، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابت # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ~~ثابت بن علي بن مزيد. # وسبب ذلك أن ثابتا كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه، فلما كان سنة أربع ~~وعشرين ms3352 وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس، فدخلوا النيل ~~واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة فسير نور الدولة إليهم طائفة من ~~أصحابه. فقاتلوهم فانهزموا فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده، وبقي ~~ثابت فيه إلى الآن # PageV07P763 # فاجتمع دبيس وأبو المغرا عناز بن المغرا، وبنو أسد وخفاجة، وأعانه أبو ~~كامل منصور بن قراد، وساروا جريدة لإعادة دبيس إلى بلده وأعماله، وتركوا ~~حللهم بين خصا وحربى. # فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا، وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من ~~الفريقين، ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس إلى أعماله، ويقطع أخاه ثابتا ~~إقطاعا، وتحالفوا على ذلك، وسار البساسيري نجدة لثابت، فلما وصل إلى ~~النعمانية سمع بصلحهم، فعاد إلى بغداذ. # ذكر ملك الروم قلعة بركوي # هذه قلعة متاخمة للأرمن في يد أبي الهيجاء بن ربيب الدولة، ابن أخت ~~وهسوذان بن مملان، فتنافر هو وخاله، فأرسل خاله إلى الروم فأطمعهم فيها، ~~فسير الملك إليها جمعا كثيرا فملكوها، فبلغ الخبر إلى الخليفة فأرسل إلى ~~أبي الهيجاء وخاله من يصلح بينهما ليتفقا على استعادة القلعة، فاصطلحا، ولم ~~يتمكنا من استعادتها، واجتمع إليهما خلق كثير من المتطوعة، فلم يقدروا على ~~ذلك لثبات قدم الروم بها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استوزر جلال الدولة عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم، ~~(وهي الوزارة الخامسة، وكان قبله) في الوزارة ابن ماكولا، ففارقها وسار إلى ~~عكبرا، فرده جلال الدولة إلى الوزارة، وعزل أبا سعد. فبقي أياما، ثم فارقها ~~إلى أوانا. # وفيها استخلف البساسيري، في حماية الجانب الغربي ببغداذ لأن العيارين ~~اشتد # PageV07P764 # أمرهم وعظم فسادهم، وعجز عنهم نواب السلطان، فاستعملوا البساسيري لكفايته ~~ونهضته. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ربيع الآخر، في كرخ ~~سامرا، وكان يلقب سيف الدولة، وكان قد ضرب دراهم سماها السيفية، وقام ~~بالأمر بعده ابنه أبو الريان، وخلف خمسمائة ألف دينار وأمر فنودي: قد أحللت ~~كل من لي عنده شيء فحللوني كذلك، فحللوه، وكان عمره سبعين سنة. # وفيها توفي بدران بن ms3353 المقلد، وقصد ولده عمه قرواشا، فأقر عليه حاله وماله ~~وولاية نصيبين، وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحصروها، فسار إليهم ابن بدران ~~فدفعهم عنها. # وفيها توفي أرمانوس ملك الروم، وملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك، ~~وإنما بنت قسطنطين اختارته. # [تابع عدة حوادث] وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام، وكان أكثرها بالرملة، ~~فإن أهلها فارقوا منازلهم عدة أيام، وانهدم منها نحو ثلثها، وهلك تحت الهدم ~~خلق كثير. # وفيها كان بإفريقية مجاعة شديدة وغلاء. # وفيها قبض قرواش على البرجمي العيار وغرقه، وكان سبب ذلك أن قرواشا قبض ~~على ابن القلعي عامل عكبرا، فحضر البرجمي العيار عند قرواش مخاطبا # PageV07P765 # في أمره لمودة بينهما، فأخذه قرواش وقبض عليه، فبذل مالا كثيرا ليطلقه، ~~فلم يفعل وغرقه، وكان هذا البرجمي قد عظم شأنه وزاد شره، وكبس عدة مخازن ~~بالجانب الشرقي، وكبس دار المرتضى، ودار ابن عديسة، وهي مجاورة دار الوزير، ~~وثار العامة بالخطيب يوم الجمعة، وقالوا: إما أن تخطب للبرجمي، وإلا فلا ~~تخطب لسلطان ولا غيره، وأهلك الناس ببغداذ، وحكاياته كثيرة، وكان مع هذا ~~فيه فتوة، وله مروءة، لم يعرض إلى امرأة، ولا إلى من يستسلم إليه. # وفيها هبت ريح سود بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيرا من الأشجار، وكان في ~~بعض البساتين قصر مبني بجص وآجر وكلس، فقلعته من أصله. # وفيها كثر الموت بالخوانيق في كثير من بلاد العراق، والشام، والموصل، ~~وخوزستان، وغيرها حتى كانت الدار يسد بابها لموت أهلها. # (وفيها، في ذي القعدة، انقض كوكب هال منظره الناس، وبعده بليلتين انقض ~~شهاب آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، ومكث ~~طويلا حتى غاب أثره) . # [تابع الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس الأبيوردي، الفقيه الشافعي، قاضي البصرة، وأبو بكر # PageV07P766 # أحمد بن محمد (بن غالب) البرقاني، المحدث، الإمام المشهور، وكانت وفاته ~~في رجب. # والحسين بن عبد الله بن يحيى أبو علي البندنيجي الفقيه الشافعي، وهو من ~~أصحاب أبي حامد الإسفراييني. # وعبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد أبو الفرج التميمي الفقيه ms3354 ~~الحنبلي. # PageV07P767 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة] ### | 426 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة # ذكر حال الخلافة والسلطنة ببغداذ # في هذه السنة انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداذ، حتى إن بعض الجند خرجوا ~~إلى قرية يحيى، فلقيهم أكراد، فأخذوا دوابهم، فعادوا إلى قراح الخليفة ~~القائم بأمر الله، فنهبوا شيئا من ثمرته، وقالوا للعمالين فيه: أنتم عرفتم ~~حال الأكراد ولم تعلمونا. # فسمع الخليفة الحال، فعظم عليه، ولم يقدر جلال الدولة على أخذ أولئك ~~الأكراد لعجزه ووهنه، واجتهد في تسليم الجند إلى نائب الخليفة، فلم يمكنه ~~ذلك، فتقدم الخليفة إلى القضاة (بترك القضاء والامتناع عنه) ، وإلى الشهود ~~بترك الشهادة، وإلى الفقهاء بترك الفتوى. # فلما رأى جلال الدولة ذلك سأل أولئك الأجناد ليجيبوه إلى أن يحملهم إلى ~~ديوان الخلافة، ففعلوا، فلما وصلوا إلى دار الخلافة أطلقوا، وعظم أمر ~~العيارين، وصاروا يأخذون الأموال ليلا ونهارا، ولا مانع لهم لأن الجند ~~يحمونهم على السلطان ونوابه، والسلطان عاجز عن قهرهم، وانتشر العرب في ~~البلاد فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداذ، حتى وصلوا ~~إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر. # PageV07P768 # ذكر إظهار أحمد ينالتكين العصيان وقتله # في سنة خمس وعشرين [وأربعمائة] عاد مسعود بن محمود من الهند لقتال الغز، ~~كما ذكرناه، فعاد أحمد ينالتكين إلى إظهار العصيان ببلاد الهند، وجمع ~~الجموع، وقصد البلاد بالأذى، فسير إليه مسعود جيشا كثيفا، وكانت ملوك الهند ~~تمنعه من الدخول إلى بلادهم، وسد منافذ هربه. # ولما وصل الجيش المنفذ إليه قاتلهم، فانهزم ومضى هاربا إلى الملتان، وقصد ~~بعض ملوك الهند بمدينة بهاطية ومعه جمع كثير من عساكره الذين سلموا، فلم ~~يكن لذلك الملك قدرة على منعه، وطلب منه سفنا ليعبر نهر السند، فأحضر له ~~السفن. # وكان في وسط النهر جزيرة ظنها أحمد ومن معه متصلة بالبر من الجانب الآخر، ~~ولم يعلموا أن الماء محيط بها، فتقدم ملك الهند إلى أصحاب السفن بإنزالهم ~~في الجزيرة والعود عنهم، ففعلوا ذلك، وبقي أحمد ومن معه فيها وليس معهم ~~طعام (إلا ما معهم) ، فبقوا ms3355 بها تسعة أيام، ففني زادهم، وأكلوا دوابهم، ~~وضعفت قواهم، فأرادوا خوض الماء فلم يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه، ~~فعبر الهند إليهم عسكرهم في السفن، وهم على تلك الحال، فأوقعوا بهم وقتلوا ~~أكثرهم، وأخذوا ولدا لأحمد أسيرا، فلما رآه أحمد على تلك الحال قتل نفسه، ~~واستوعب أصحابه القتل والأسر والغرق. # ذكر ملك مسعود جرجان وطبرستان # كان الملك مسعود قد أقر دارا بن منوجهر بن قابوس على جرجان وطبرستان ~~وتزوج أيضا بابنة أبي كاليجار القوهي، مقدم جيش دارا، والقيم بتدبير أمره ~~استمالة. فلما سار إلى الهند منعوا ما كان استقر عليهم من المال، وراسلوا ~~علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بالاجتماع على العصيان والمخالفة، وقوى عزمهم ~~على ذلك ما بلغهم (من خروج الغز بخراسان) . # PageV07P769 # فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز وهزمهم سار إلى جرجان فاستولى عليها ~~وملكها، وسار إلى آمل طبرستان، وقد فارقها أصحابها، واجتمعوا بالغياض ~~والأشجار الملتفة، الضيقة المدخل، الوعرة المسلك، فسار إليهم واقتحمها ~~عليهم فهزمهم وأسر منهم وقتل، ثم راسله دارا وأبو كاليجار وطلبوا منه العفو ~~وتقرير البلاد عليهم، فأجابهم إلى ذلك، وحملوا من الأموال ما كان عليهم، ~~وعاد إلى خراسان. # ذكر مسير ابن وثاب والروم إلى بلد ابن مروان # فيها جمع ابن وثاب النميري جمعا كثيرا من العرب وغيرهم، واستنجد من ~~بالرها من الروم، فسار معه منهم جيش كثيف، وقصد بلد نصر الدولة بن مروان، ~~ونهب وأخرب. فجمع ابن مروان جموعه وعساكره واستمد قرواشا وغيره، وأتته ~~الجنود من كل ناحية، فلما رأى ابن وثاب ذلك وأنه لا يتم له غرض عاد عن ~~بلاده. # وأرسل ابن مروان إلى ملك الروم يعاتبه على نقض الهدنة، وفسخ الصلح الذي ~~كان بينهما، وراسل أصحاب الأطراف يستنجدهم للغزاة، فكثر جمعه من الجند ~~والمتطوعة، وعزم على قصد الرها ومحاصرتها، فوردت رسل ملك الروم يعتذر، ~~ويحلف أنه لم يعلم بما كان، وأرسل إلى عسكره الذين بالرها والمقدم عليهم ~~ينكر ذلك، وأهدى إلى نصر الدولة هدية سنية، فترك ما كان عازما عليه من ~~الغزو، وفرق العساكر ms3356 المجتمعة عنده. # ذكر عدة حوادث # فيها خرج أبو سعد، وزير جلال الدولة، إلى أبي الشوك مفارقا للوزارة، ووزر ~~بعده أبو القاسم، وكثرت (مطالبات الجند) ، فهرب، فأخرج وحمل إلى دار ~~المملكة # PageV07P770 # مكشوف الرأس في قميص خفيف، وكانت وزارته هذه شهرين وثمانية أيام، وعاد ~~أبو سعد بن عبد الرحيم إلى الوزارة. # وفيها، في ذي الحجة، وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمه علي ~~بن ثمال أمير بني خفاجة، فقتله، وقام بإمارة بني خفاجة. # وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب، فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن ~~صالح بن مرداس، فتصافوا واقتتلوا، فانهزمت الروم، وتبعهم إلى عزاز، وغنم ~~غنائم كثيرة وعاد سالما. # وفيها قصدت خفاجة الكوفة، ومقدمهم الحسن بن أبي البركات بن ثمال، ~~فنهبوها، وأرادوا تخريبها، ومنعوا النخل من الماء فهلك أكثره. # وفيها هرب الزكي أبو علي النهرسابسي من محبسه، وكان قرواش قد اعتقله ~~بالموصل، فبقي سنتين إلى الآن، ولم يحج هذه السنة من العراق أحد. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أحمد بن كليب، الأديب، الشاعر الأندلسي، وحديثه مع ~~أسلم بن أحمد بن سعيد مشهور، وكان يهواه، فقال فيه: # PageV07P771 # أسلمني في هواه ... أسلم هذا الرشا # غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا # وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى # ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى # ومات كمدا من هواه. # وتوفي في جمادى الأولى منها أحمد بن عبد الملك (بن أحمد) بن شهيد الأديب ~~الأندلسي، ومن شعره: # إن الكريم إذا نالته مخمصة ... أبدى إلى الناس شبعا، وهو طيان # يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا ... والوجه غمر بماء البشر ملآن # وله أيضا: # كتبت لها أنني عاشق ... على مهرق اللثم بالناظر # فردت علي جواب الهوى ... بأحور عن مائه حائر # منعمة نطقت بالجفون # فدلت على دقة الخاطر ... كأن فؤادي، إذا أعرضت # تعلق في مخلبي طائر # وفيها توفي أبو المعالي بن سخطة العلوي النقيب بالبصرة، وأبو محمد بن ~~معية # PageV07P772 # العلوي بها أيضا. # وأبو علي الحسين بن أحمد بن شاذان، المحدث الأشعري مذهبا، وكان مولده ~~ببغداذ ms3357 سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. # (وحمزة بن يوسف الجرجاني، وكان من أهل الحديث) . # PageV07P773 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة] ### | 427 - # ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة # ذكر وثوب الجند بجلال الدولة # في هذه السنة ثار الجند ببغداذ بجلال الدولة، وأرادوا إخراجه منها، ~~فاستنظرهم ثلاثة أيام، فلم ينظروه، ورموه بالآجر، فأصابه بعضهم، واجتمع ~~الغلمان فردوهم عنه، فخرج من باب لطيف في سميرية متنكرا، وصعد راجلا منها ~~إلى دار المرتضى بالكرخ، وخرج من دار المرتضى، وسار إلى رافع (بن الحسين) ~~بن مقن بتكريت، وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها، وقلعوا كثيرا من ~~ساجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليه، وقرر أمر الجند وأعاده إلى بغداذ. # ذكر الحرب بين أبي سهل الحمدوني وعلاء الدولة # في هذه السنة سار طائفة من العساكر الخراسانية التي مع الوزير أبي سهل ~~الحمدوني بأصبهان يطلبون الميرة، فوضع عليهم علاء الدولة من أطمعهم في ~~الامتيار من النواحي القريبة منه، فساروا إليها، ولا يعلمون قربه منهم، ~~فلما أتاه خبرهم (خرج إليهم) وأوقع بهم وغنم ما معهم. # وقوي طمعه بذلك، فجمع جمعا من الديلم وغيرهم وسار إلى أصبهان، وبها # PageV07P774 # أبو سهل في عساكر مسعود بن سبكتكين، فخرجوا إليه وقاتلوه، فغدر الأتراك ~~بعلاء الدولة، فانهزم ونهب سواده فسار إلى بروجرد، ومنها إلى الطرم، فلم ~~يقبله ابن السلار، وقال: لا قدرة لي على مباينة الخراسانية فتركه وسار عنه. # ذكر وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر # في هذه السنة في منتصف شعبان، توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي ~~بن أبي علي المنصور الحاكم الخليفة العلوي، بمصر، وكان عمره ثلاثا وثلاثين ~~سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما، وكان له مصر، ~~والشام، والخطبة له بإفريقية، وكان جميل السيرة، حسن السياسة، منصفا ~~للرعية، إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة، قد فوض الأمور إلى وزيره ~~أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ; لمعرفته بكفايته وأمانته. # ولما مات ولي بعده ابنه أبو تميم معد، ولقب المستنصر بالله، ومولده ~~بالقاهرة سنة عشر وأربعمائة، وفي أيامه كانت قصة ms3358 البساسيري، وخطب له ببغداذ ~~سنة خمسين وأربعمائة. # وكان الحاكم في دولته بدر بن عبد الله الجمالي الملقب بالأفضل، أمير ~~الجيوش، وكان عادلا، حسن السيرة. # وفي سنة تسع وسبعين [وأربعمائة] وصل الحسن بن الصباح الإسماعيلي في زي ~~تاجر إلى المستنصر بالله، وخاطبه في إقامته الدعوة له بخراسان وبلاد العجم ~~فأذن له في ذلك، فعاد ودعا إليه سرا، وقال للمستنصر: من إمامي بعد؟ فقال: ~~ابني نزار. والإسماعيلية يعتقدون إمامة نزار، وسيرد كيف صرف الأمر عنه سنة ~~سبع وثمانين [وأربعمائة] إن شاء الله تعالى. # PageV07P775 # ذكر فتح السويداء وربض الرها # في رجب من هذه السنة اجتمع ابن وثاب وابن عطير، وتصاهرا، وجمعا، وأمدهما ~~نصر الدولة بن مروان بعسكر كثيف، فساروا جميعهم إلى السويداء، وكان الروم ~~قد أحدثوا عمارتها في ذلك الوقت، واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها، ~~فحصرها المسلمون وفتحوها عنوة، وقتلوا فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، ~~وغنموا ما فيها، وسبوا خلقا كثيرا، وقصدوا الرها فحصروها، وقطعوا الميرة ~~عنها، حتى بلغ مكوك الحنطة دينارا، واشتد الأمر، فخرج البطريق الذي فيها ~~متخفيا، ولحق بملك الروم، وعرفه الحال، فسير معه خمسة آلاف فارس، فعاد بهم. # فعرف ابن وثاب ومقدم عساكر نصر الدولة الحال، فكمنا لهم، فلما قاربوهم ~~خرج الكمين عليهم، فقتل من الروم خلق كثير، وأسر مثلهم، وأسر البطريق وحمل ~~إلى باب الرها، وقالوا لمن فيها: إما أن تفتحوا البلد لنا، وإما قتلنا ~~البطريق والأسرى الذين معه! ففتحوا البلد للعجز عن حفظه، وتحصن أجناد الروم ~~بالقلعة، ودخل المسلمون المدينة، وغنموا ما فيها، وامتلأت أيديهم من ~~الغنائم والسبي، وأكثروا القتل، (وأرسل ابن وثاب إلى آمد مائة وستين راحلة ~~عليها رءوس القتلى) وأقام محاصرا للقلعة. # ثم إن حسان بن الجراح الطائي سار في خمسة آلاف فارس من العرب والروم نجدة ~~لمن بالرها فسمع ابن وثاب بقربه، فسار إليه مجدا ليلقاه قبل وصوله، فخرج من ~~الرها من الروم إلى حران فقاتلهم أهلها، وسمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعا، ~~فوقع على الروم، فقتل منهم كثيرا، وعاد المنهزمون إلى الرها. # ذكر ms3359 غدر السناسنة وأخذ الحاج وإعادة ما أخذوه # في هذه السنة ورد خلق كثير من أذربيجان وخراسان، وطبرستان، وغيرها من ~~البلاد يريدون الحج، وجعلوا طريقهم على أرمينية وخلاط، فوردوا إلى آني ~~ووسطان # PageV07P776 # فثار بهم الأرمن من تلك البلاد، وأعانهم السناسنة، وهم من الأرمن أيضا ~~إلا أنهم لهم حصون منيعة تجاور خلاط، وهم صلح مع صاحب خلاط. # (ولم تزل هذه الحصون بأيديهم منفردين بها) ، إلا أنهم متعاهدون إلى سنة ~~ثمانين وخمسمائة، فملكها المسلمون منهم، وأزالوهم عنها، على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. # فلما اتفقوا مع الأرمن من رعية البلاد أخذوا الحاج فقتلوا منهم كثيرا، ~~وأسروا، وسبوا، ونهبوا الأموال، وحملوا ذلك أجمع إلى الروم، وطمع الأرمن في ~~تلك البلاد، فسمع نصر الدولة بن مروان الخبر، فجمع العساكر وعزم على غزوهم، ~~فلما سمعوا ذلك، ورأوا جده فيه راسله ملك السناسنة، وبذل إعادة جميع ما أخذ ~~أصحابه، وإطلاق الأسرى والسبي فأجابهم إلى الصلح، وعاد عنهم لحصانة قلاعهم، ~~وكثرة المضايق في بلادهم، ولأنهم بالقرب من الروم، فخاف أن يستنجدوهم ~~ويمتنعوا بهم، فصالحهم. # ذكر الحرب بين المعز وزناتة # في هذه السنة اجتمعت زناتة بإفريقية، وزحفت في خيلها ورجلها يريدون مدينة ~~المنصورة، فلقيهم جيوش المعز بن باديس، صاحبها، بموضع يقال له الجفنة قريب ~~من القيروان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت عساكر المعز، ففارقت المعركة، ~~وهم على حامية، ثم عاودوا القتال، وحرض بعضهم بعضا، فصبرت صنهاجة، وانهزمت ~~زناتة هزيمة قبيحة، وقتل منهم عدد كثير، وأسر خلق عظيم، وتعرف هذه الوقعة ~~بوقعة الجفنة، وهي مشهورة لعظمها عندهم. # PageV07P777 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رجب، انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس، وشوهد في ~~آخرها مثل التنين يضرب إلى السواد، وبقي ساعة وذهب. # وفيها كانت ظلمة عظيمة اشتدت حتى إن إنسانا كان لا يبصر جليسه، وأخذ ~~بأنفاس الخلق، فلو تأخر انكشافها لهلك أكثرهم. # وفيها قبض على الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم، وزير جلال الدولة، وهي ~~الوزارة السادسة. # [الوفيات] # وفيها في رمضان، توفي رافع بن الحسين بن مقن، وكان ms3360 حازما، شجاعا، وخلف ~~بتكريت ما يزيد على خمسمائة ألف دينار، فملكها ابن أخيه خميس بن ثعلب، وكان ~~طريدا في أيام عمه. وحمل إلى جلال الدولة ثمانين ألف دينار فأصلح بها ~~الجند، وكانت يده قد قطعت [لأن] بعض عبيد بني عمه كان يشرب معه، فجرى بينه ~~وبين آخر خصومة، فجردا سيفيهما فقام رافع ليصلح بينهما، فضرب العبد يده ~~فقطعها غلطا، ولرافع فيها شعر، ولم تمنعه من قتال [فقد] عمل له كفا أخرى ~~يمسك بها العنان ويقاتل، وله شعر جيد، من ذلك قوله: # لها ريقة، أستغفر الله، إنها ... ألذ وأشهى في النفوس من الخمر # وصارم طرف لا يزايل جفنه # ولم أر سيفا قط في جفنه يفري ... فقلت لها، والعيس تحدج بالضحى # أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر # PageV07P778 # سأنفق ريعان الشبيبة آنفا # على طلب العلياء أو طلب الأجر # (أليس من الخسران أن لياليا # تمر بلا نفع وتحسب من عمري # (وفيها، في صفر، أمر القائم بأمر الله بترك التعامل بالدنانير المغربية، ~~وأمر الشهود أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا غيره يذكر فيه هذا الصنف من ~~الذهب، فعدل الناس إلى القادرية، والسابورية، والقاسانية) . # PageV07P779 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة] ### | 428 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة # ذكر الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان # في هذه السنة كانت الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان، وهو من أكابر ~~الأمراء ويلقب حاجب الحجاب. # وكان سبب ذلك أن جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك، والأتراك نسبوه إلى ~~أخذ الأموال، فخاف على نفسه، فالتجأ إلى دار الخلافة في رجب من السنة ~~الخالية. # وترددت الرسل بين جلال الدولة والقائم بأمر الله في أمره، فدافع الخليفة ~~عنه، وبارسطغان يراسل الملك أبا كاليجار، فأرسل أبو كاليجار جيشا، فوصلوا ~~إلى واسط واتفق معهم عسكر واسط، وأخرجوا الملك العزيز بن جلال الدولة، ~~فأصعد إلى أبيه، وكشف بارسطغان القناع، فاستتبع أصاغر المماليك ونادوا ~~بشعار أبي كاليجار، وأخرجوا جلال الدولة من بغداذ، فسار إلى أوانا ومعه ~~البساسيري، وأخرج بارسطغان الوزير أبا الفضل العباس بن الحسن بن ms3361 فسانجس، ~~فنظر في الأمور نيابة عن الملك أبي كاليجار، وأرسل بارسطغان إلى الخليفة ~~يطلب الخطبة لأبي كاليجار فاحتج بعهود جلال الدولة، فأكره الخطباء على ~~الخطبة لأبي كاليجار ففعلوا. # وجرى بين الفريقين مناوشات، وسار الأجناد الواسطيون إلى بارسطغان (ببغداذ ~~فكانوا معه، وتنقلت الحال بين جلال الدولة وبارسطغان) ، فعاد جلال الدولة ~~إلى بغداذ، ونزل بالجانب الغربي ومعه قرواش بن المقلد العقيلي، ودبيس بن ~~علي بن مزيد # PageV07P780 # الأسدي، وخطب لجلال الدولة به، وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار، وأعان أبو ~~الشوك، وأبو الفوارس منصور بن الحسين بارسطغان على طاعة أبي كاليجار. # ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار، وسار قرواش إلى الموصل، وقبض بارسطغان ~~على ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده، وأتى الخبر إلى بارسطغان ~~بعود الملك أبي كاليجار إلى فارس، ففارقه الديلم الذين جاءوا نجدة له، فضعف ~~أمره، (فدفع ماله) وحرمه إلى دار الخلافة، وانحدر إلى واسط، وعاد جلال ~~الدولة إلى بغداذ، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في أثره فتبعهم جلال ~~الدولة ودبيس بن علي بن مزيد، فلحقوه بالخيزرانية، فقاتلوه فسقط عن فرسه، ~~فأخذ أسيرا وحمل إلى جلال الدولة، فقتله وحمل رأسه، وكان عمره نحو سبعين ~~سنة. # (وسار جلال الدولة إلى واسط فملكها، وأصعد إلى بغداذ) ، فضعف أمر ~~الأتراك، وطمع فيهم الأعراب، واستولوا على إقطاعاتهم فلم يقدروا على كف ~~أيديهم عنها، وكانت مدة بارسطغان من حين كاشف جلال الدولة إلى أن قتل ستة ~~أشهر وعشرة أيام. # ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار والمصاهرة بينهما # في هذه السنة ترددت الرسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار، سلطان ~~الدولة، في الصلح والاتفاق، وزوال الخلف، وكان الرسل (أقضى القضاة) أبا ~~الحسن الماوردي، وأبا عبد الله المردوستي، وغيرهما، فاتفقا على الصلح. وحلف ~~كل واحد من الملكين لصاحبه، وأرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى أبي ~~كاليجار الخلع # PageV07P781 # النفيسة، ووقع العقد لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جلال الدولة، ~~وكان الصداق خمسين ألف دينار قاسانية. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # فيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين ms3362 بن مكرم صاحب عمان، وكان جوادا، ~~ممدحا، وقام ابنه مقامه. # وفيها توفي الأمير أبو عبد الله الحسين بن سلامة، أمير تهامة، باليمن، ~~وولي ابنه بعده، فعصى عليه خادم كان لوالده. وأراد أن يملك فجرى بينهما ~~حروب كثيرة تمادت أيامها، ففارق أهل تهامة أوطانهم إلى غير مملكة ولد ~~الحسين هربا من الشر وتفاقم الأمر. # وفيها توفي مهيار الشاعر، وكان مجوسيا، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، ~~وصحب الشريف الرضي، وقال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار قد انتقلت ~~بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية! قال: كيف؟ قال: لأنك كنت مجوسيا، ~~فصرت تسب أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، في شعرك. # وفيها توفي أبو الحسين القدوري الفقيه الحنفي، والحاجب أبو الحسين هبة ~~الله بن الحسن، المعروف بابن أخت الفاضل، وكان من أهل الأدب وله شعر جيد، ~~وأبو علي بن أبي الريان بمطيراباذ، ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقد ~~مدحه الرضي وابن نباتة وغيرهما. # PageV07P782 # وفيها عاود المعز بن باديس حرب زناتة بإفريقية، فهزمهم وأكثر القتل فيهم، ~~وخرب مساكنهم وقصورهم. # وفي شعبان توفي أبو علي بن سينا الحكيم، الفيلسوف المشهور، صاحب التصانيف ~~السائرة على مذاهب الفلاسفة، وكان موته بأصبهان، وكان يخدم علاء الدولة أبا ~~جعفر بن كاكويه، ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد، فلهذا أقدم ابن ~~سينا على تصانيفه في الإلحاد، والرد على الشرائع (في بلده) . # PageV07P783 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة] ### | 429 - # ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة # ذكر محاصرة الأبخاز تفليس وعودهم عنها # في هذه السنة حصر ملك الأبخاز مدينة تفليس، وامتنع أهلها عليه، فأقام ~~عليهم محاصرا ومضيقا، فنفدت الأقوات، وانقطعت الميرة، فأنفذ أهلها إلى ~~أذربيجان يستنفرون المسلمين، ويسألونهم إعانتهم، فلما وصل الغز إلى ~~أذربيجان، وسمع الأبخاز بقربهم، وبما فعلوا بالأرمن، رحلوا عن تفليس مجفلين ~~خوفا. ولما رأى وهسوذان صاحب أذربيجان قوة الغز، وأنه لا طاقة له بهم، ~~لاطفهم وصاهرهم واستعان بهم، (وقد تقدم ذكر ذلك) . # ذكر ما فعله طغرلبك بخراسان # في هذه السنة دخل ركن الدين أبو طالب ms3363 طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق ~~مدينة نيسابور مالكا لها. # وكان سبب ذلك أن الغز السلجقية لما ظهروا بخراسان أفسدوا، ونهبوا، وخربوا ~~البلاد، وسبوا، على ما ذكرناه، وسمع الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين ~~الخبر، فسير إليهم حاجبه سباشي في ثلاثين ألف مقاتل، فسار إليهم من غزنة، ~~فلما بلغ خراسان ثقل على ما سلم من البلاد بالإقامات فخرب السالم من تخريب ~~الغز، فأقام مدة سنة على المدافعة والمطاولة، لكنه كان يتبع أثرهم إذا ~~بعدوا، ويرجع عنهم إذا أقبلوا استعمالا للمحاجزة، وإشفاقا من المحاربة حتى ~~إذا كان في هذه السنة # PageV07P784 # وهو بقرية بظاهر سرخس، والغز بظاهر مرو مع طغرلبك، وقد بلغهم خبره، أسروا ~~إليه وقاتلوه يوم وصلوا فلما جنهم الليل أخذ سباشي ما خف من مال وهرب في ~~خواصه، وترك خيمه ونيرانه على حالها، قيل فعل ذلك مواطأة للغز على الهزيمة، ~~فلما أسفر الصبح عرف الباقون من عسكره خبره، فانهزموا، واستولى الغز على ما ~~وجدوه في معسكرهم من سوادهم، وقتلوا من الهنود الذين تخلفوا مقتلة عظيمة. # وأسرى داود أخو طغرلبك، وهو والد السلطان ألب أرسلان، إلى نيسابور، وسمع ~~أبو سهل الحمدوني ومن معه بها، ففارقوها، ووصل داود ومن معه إليها، فدخلوها ~~بغير قتال، ولم يغيروا شيئا من أمورها، ووصل بعدهم طغرلبك ثم وصلت إليهم ~~رسل الخليفة في ذلك الوقت، وكان قد أرسل إليهم وإلى الذين بالري وهمذان ~~وبلد الجبل ينهاهم عن النهب والقتل والإخراب، ويعظهم، فأكرموا الرسل، ~~وعظموهم، وخدموهم. # وخاطب داود طغرلبك في نهب البلد فمنعه فامتنع واحتج بشهر رمضان، فلما ~~انسلخ رمضان صمم داود على نهبه، فمنعه طغرلبك، واحتج عليه برسل الخليفة ~~وكتابه، فلم يلتفت داود إليه، وقوي عزمه على النهب، فأخرج طغرلبك سكينا ~~وقال له: والله لئن نهبت شيئا لأقتلن نفسي! فكف عن ذلك، وعدل إلى التقسيط، ~~فقسط على أهل نيسابور نحو ثلاثين ألف دينار، وفرقها في أصحابه. # وأقام طغرلبك بدار الإمارة، وجلس على سرير الملك مسعود، وصار يقعد ~~للمظالم يومين في الأسبوع على قاعدة ولاة خراسان (وسير أخاه ms3364 داود إلى سرخس ~~فملكها، ثم استولوا على سائر بلاد خراسان سوى بلخ، وكانوا يخطبون للملك ~~مسعود على سبيل المغالطة. وكانوا ثلاثة إخوة: طغرلبك، وداود، وبيغو، وكان ~~ينال، واسمه إبراهيم أخا طغرلبك وداود لأمهما، ثم خرج مسعود من غزنة وكان ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. # PageV07P785 # ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك # في هذه السنة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله ليخاطب بملك ~~الملوك، فامتنع، ثم أجاب إليه إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فكتب فتوى إلى ~~الفقهاء في ذلك فأفتى القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله ~~الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، وأبو القاسم الكرخي بجوازه، وامتنع منه ~~قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات ~~وخطب لجلال الدولة بملك الملوك. # وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة، وكان يتردد إلى دار المملكة كل ~~يوم، فلما أفتى بهذه الفتيا انقطع ولزم بيته خائفا، فأقام منقطعا من شهر ~~رمضان إلى يوم عيد النحر، فاستدعاه جلال الدولة، فحضر خائفا فأدخله وحده ~~وقال له: قد علم كل أحد أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا وقد ~~خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك، واتباع الحق، ~~وقد بان لي موضعك من الدين، ومكانك من العلم. وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن ~~أدخلتك إلي وحدك، وجعلت إذن الحاضرين إليك، ليتحققوا عودي إلى ما تحب. ~~فشكره ودعا له، وأذن لكل من حضر بالخدمة والانصراف. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، قتله ~~الدزبري وعساكر مصر، وملكوا حلب. # وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من ~~صفات الله سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه يعتقد التجسم، وحضر أبو الحسن ~~القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # PageV07P786 # وفيها صالح ابن وثاب النميري صاحب حران، الروم الذين بالرها لعجزه عنهم، ~~وسلم إليهم ربض الرها، وكان تسلمه على ما ذكرناه أولا، فنزلوا من الحصن ms3365 ~~الذي للبلد إليه، وكثر الروم بها، وخاف المسلمون على حران منهم، وعمر الروم ~~الرها العمارة الحسنة وحصنوها. # وفيها هادن المستنصر بالله الخليفة العلوي، صاحب مصر، ملك الروم، وشرط ~~عليه إطلاق خمسة آلاف أسير، وشرط الروم عليه أن يعمروا بيعة قمامة، فأرسل ~~الملك إليها من عمرها، وأخرج عليها مالا جليلا. # وفي هذه السنة سارت عساكر المعز بن باديس، بإفريقية إلى بلد الزاب، ~~ففتحوا مدينة تسمى بورس، وقتلوا من البربر خلقا كثيرا، وفتح من بلاد زناتة ~~قلعة تسمى كروم. # [الوفيات] # وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مخلد أبو الفضل المعروف بابن الباقرحي في ~~ربيع الآخر. # PageV07P787 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة] ### | 430 - # ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة # ذكر وصول الملك مسعود من غزنة إلى خراسان وإجلاء السلجقية عنها # في صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة وزوج (ابنه من) ~~ابنة بعض ملوك الخانية، كان يتقي جانبه، وأقطع خوارزم لشاه ملك الجندي، ~~فسار إليها، وبها خوارزمشاه إسماعيل بن ألتونتاش، فجمع أصحابه، ولقي شاه ~~ملك وقاتله، ودامت الحرب بينهما مدة شهر، وانهزم إسماعيل والتجأ إلى طغرلبك ~~وأخيه داود السلجقية، وملك شاه ملك خوارزم. # وكان مسير مسعود من غزنة أول سنة ثمان وعشرين [وأربعمائة] ; وسبب خروجه ~~ما وصل إليه من أخبار الغز، وما فعلوه بالبلاد وأهلها من الإخراب والقتل ~~والسبي والاستيلاء، وأقام ببلخ حتى أراح واستراح، وفرغ من أمر خوارزم ~~والخانية ثم أمد سباشي الحاجب بعسكر ليتقوى بهم ويهتم بأمر الغز ~~واستئصالهم، فلم يكن عنده من الكفاية ما يقهرهم بل أخلد إلى المطاولة التي ~~هي عادته. # وسار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه، وقصد سرخس، فتجنب الغز لقاءه، ~~وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة، وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين ~~مرو وخوارزم، فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم ~~فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا منهم. # PageV07P788 # ثم إنه واقعهم بنفسه، في شعبان من هذه السنة، وقعة استظهر [فيها] عليهم، ~~فأبعدوا عنه، ثم عاودوا القرب منه بنواحي مرو، فواقعهم وقعة أخرى قتل منهم ~~[فيها] ms3366 نحو ألف وخمسمائة قتيل، وهرب الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون ~~بها. # وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم، فقتلوا بعضا وانهزم الباقون إلى ~~أصحابهم بالبرية. وعدل مسعود إلى هراة ليتأهب في العساكر للمسير خلفهم ~~وطلبهم أين كانوا، فعاد طغرلبك إلى الأطراف النائية عن مسعود. فنهبها وأثخن ~~فيها، وكان الناس قد تراجعوا فملئوا أيديهم من الغنائم، فحينئذ سار مسعود ~~يطلبه، فلما قاربه انزاح طغرلبك من بين يديه إلى أستوا وأقام بها، وكان ~~الزمان شتاء، ظنا منه أن الثلج والبرد يمنع عنه، فطلبه مسعود إليها ففارقه ~~طغرلبك وسلك الطريق على طوس، واحتمى بجبال منيعة، ومضايق صعبة المسلك، فسير ~~مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد بن عبد الصمد في عساكر كثيرة، فطوى ~~المراحل إليه جريدة، فلما رأى طغرلبك قربه منه فارق مكانه إلى نواحي ~~أبيورد. # وكان مسعود قد سار ليقطعه عن جهة إن أرادها فلقي طغرلبك مقدمته فواقعهم ~~فانتصروا عليه، واستأمن من أصحابه جماعة كثيرة، ورأى الطلب له من كل جانب، ~~فعاود دخول المفازة إلى خوارزم وأوغل فيها. # فلما فارق الغز خراسان قصد مسعود جبلا من جبال طوس منيعا لا يرام، وكان ~~أهله قد وافقوا الغز وأفسدوا معهم، فلما فارق الغز تلك البلاد تحصن هؤلاء ~~بجبلهم ثقة منهم بحصانته وامتناعه، فسرى مسعود إليهم جريدة، فلم يرعهم إلا ~~وقد خالطهم، فتركوا أهلهم وأموالهم وصعدوا إلى قلة الجبل واعتصموا بها ~~وامتنعوا، وغنم عسكر مسعود أموالهم وما ادخروه. # ثم أمر مسعود أصحابه أن يزحفوا إليهم في قلة الجبل، وباشر هو القتال ~~بنفسه، فزحف الناس إليهم، وقاتلوهم قتالا لم يروا مثله، وكان الزمان شتاء، ~~والثلج # PageV07P789 # على الجبل كثيرا، فهلك من العسكر في مخارم الجبل وشعابه كثير، ثم إنهم ~~ظفروا بأهله وأكثروا فيهم القتل والأسر وفرغوا منهم، وأراحوا المسلمين من ~~شرهم. # وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ~~ليريح ويستريح، وينتظر الربيع ليسير خلف الغز، ويطلبهم في المفاوز التي ~~احتموا بها. وكانت هذه الوقعة، إجلاء الغز عن خراسان، سنة إحدى وثلاثين، ~~على ما نذكره ms3367 إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك أبي الشوك مدينة خولنجان # كان حسام الدولة أبو الشوك قد فتح قرميسين من أعمال الجبل، وقبض على ~~صاحبها، وهو من الأكراد القوهية، فسار أخوه إلى قلعة أرنبة، فاعتصم بها من ~~أبي الشوك، وجعل أصحابه في مدينة خولنجان يحفظونها منه أيضا. # فلما كان الآن سير أبو الشوك عسكرا إلى خولنجان فحصروها، فلم يظفروا منها ~~بشيء، فأمر العسكر فعاد فأمن من في البلد بعود العسكر عنه. # ثم جهز عسكرا آخر جريدة لم يعلم بهم أحد، وسيرهم ليومهم، وأمرهم بنهب ربض ~~قلعة أرنبة، وقتل من ظفروا به والإتمام لوقتهم إلى خولنجان ليسبقوا خبرهم ~~إليها، ففعلوا ذلك، ووصلوا إليها ومن بها غير متأهبين فاقتتلوا شيئا من ~~قتال، ثم استسلم من بالمدينة إليهم فتسلموها، وتحصن من كان بها من الأجناد ~~في قلعة في وسط البلد، فحصرها أصحاب أبي الشوك، فملكوها في ذي القعدة من ~~هذه السنة. # ذكر الخطبة العباسية بحران والرقة # في هذه السنة خطب شبيب بن وثاب النميري، صاحب حران والرقة، للإمام القائم ~~بأمر الله، وقطع خطبة المستنصر بالله العلوي. # PageV07P790 # وكان سببها أن نصر الدولة بن مروان كان قد بلغه عن الدزبري نائب العلويين ~~بالشام أنه يتهدده ويريد قصد بلاده، فراسل قرواشا، صاحب الموصل، وطلب منه ~~عسكرا (وراسل شبيبا النميري يدعوه) إلى الموافقة، ويحذره من المغاربة، ~~فأجابه إلى ذلك، وقطع الخطبة العلوية، وأقام الخطبة العباسية، فأرسل إليه ~~الدزبري يتهدده، ثم أعاد الخطبة العلوية بحران في ذي الحجة من السنة. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # فيها توفي مؤيد الملك أبو علي الحسين بن الحسن الرخجي، وكان وزيرا لملوك ~~بني بويه ثم ترك الوزارة، وكان في عطلته يتقدم على الوزراء. # وفيها أيضا توفي أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة. # وفيها توفي الوزير أبو القاسم بن ماكولا محبوسا بهيت، (وكان مقامه في ~~الحبس سنتين وخمسة أشهر ومولده سنة خمس وستين وثلاثمائة) وكان وزير جلال ~~الدولة، وهو والد الأمير أبي نصر، مصنف كتاب " الإكمال في المؤتلف والمختلف ~~" وكان جلال الدولة سلمه ms3368 إلى قرواش فحبسه بهيت . # وفيها سقط الثلج ببغداذ لست بقين من ربيع الأول، فارتفع على الأرض شبرا ~~ورماه الناس عن (السطوح إلى الشوارع) وجمد الماء ستة أيام متوالية، وكان ~~أول ذلك الثاث والعشرين من كانون الثاني. # PageV07P791 # [تابع الوفيات] # وتوفي هذه السنة أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن (أحمد بن) إسحاق الأصبهاني ~~الحافظ، وأبو الرضا الفضل بن منصور بن الظريف الفارقي، الأمير الشاعر، له ~~ديوان حسن، وشعر جيد فمنه: # ومخطف الخصر مطبوع على صلف ... عشقته ودواعي البين تعشقه # وقد تسامح قلبي في مواصلة ... وكل يوم لنا شمل يفرقه # وقد تسامح قلبي في مواصلتي ... على السلو ولكن من يصدقه # أهابه وهو طلق الوجه مبتسم ... وكيف يطمعني في السيف رونقه # PageV07P792 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة] ### | 431 - # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة # في هذه السنة فتح الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة بخراسان كانت بيد ~~الغز، وقتل فيها جماعة منهم، وكانت بينه وبينهم وقعات أجلت عن فراقهم ~~خراسان إلى البرية، وقد ذكرناه سنة ثلاثين [وأربعمائة] . # ذكر ملك الملك أبي كاليجار البصرة # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار عساكره مع العادل أبي منصور بن مافنة ~~إلى البصرة، فملكها في صفر، وكانت بيد الظهير أبي القاسم، وقد ذكرنا أنه ~~وليها بعد بختيار، وأنه عصى على أبي كاليجار مرة، وصار في طاعة جلال ~~الدولة، ثم فارق طاعته وعاد إلى طاعة الملك أبي كاليجار، وكان يترك محاقته ~~ومعارضته فيما يفعله، ويضمن الظهير أن يحمل إلى أبي كاليجار كل سنة سبعين ~~ألف دينار، وكثرت أمواله ودامت أيامه وثبت قدمه وطار اسمه. # واتفق أنه تعرض إلى أملاك أبي الحسن بن أبي القاسم بن مكرم، صاحب عمان، ~~وأمواله، وكاتب أبو الحسن الملك أبا كاليجار، وبذل له زيادة ثلاثين ألف ~~دينار في ضمان البصرة كل سنة، وجرى الحديث في قصد البصرة، فصادف قلبا موغرا ~~من الظهير، فحصلت الإجابة، وجهز الملك العساكر مع العادل أبي منصور فسار ~~إليها وحصرها. # وسارت العساكر من عمان أيضا في البحر وحصرت البصرة ms3369 وملكت، وأخذ الظهير ~~وقبض عليه، وأخذ جميع ماله، وقرر عليه مائة ألف وعشرة آلاف دينار # PageV07P793 # يحملها في أحد عشر يوما، بعد تسعين ألف دينار أخذت منه قبلها، ووصل الملك ~~أبو كاليجار إلى البصرة، فأقام بها ثم عاد إلى الأهواز، وجعل ولده عز ~~الملوك فيها، ومعه الوزير أبو الفرج بن فسانجس، ولما سار أبو كاليجار عن ~~البصرة أخذ معه الظهير إلى الأهواز. # ذكر ما جرى بعمان بعد موت أبي القاسم بن مكرم # لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين: أبو الجيش، والمهذب، وأبو ~~محمد، وآخر صغير، فولي بعده ابنه أبو الجيش، وأقر علي بن هطال المنوجاني، ~~صاحبجيش أبيه، على قاعدته، وأكرمه وبالغ في احترامه، فكان إذا جاء إليه قام ~~له، فأنكر هذه الحال عليه أخوه المهذب، فطعن على ابن هطال، وبلغه ذلك فأضمر ~~له سوءا، واستأذن أبا الجيش في أن يحضر أخاه المهذب لدعوة عملها له، فأذن ~~له في ذلك، فلما حضر المهذب عنده خدمه وبالغ في خدمته، فلما أكل وشرب ~~وانتشى وعمل السكر فيه قال له ابن هطال: إن أخاك أبا الجيش فيه ضعف وعجز عن ~~الأمر، والرأي أننا نقوم معك، وتصير أنت الأمير، وخدعه، فمال إلى هذا ~~الحديث، فأخذ ابن هطال خطه بما فوض إليه، وبما يعطيه من الأعمال إذا عمل ~~معه هذا الأمر. فلما كان الغد حضر ابن هطال عند أبي الجيش، وقال له: إن ~~أخاك كان قد أفسد كثيرا من أصحابك عليك تحدث معي، واستمالني فلم أوافقه، ~~فلهذا كان يذمني، ويقع في، وهذا خطه بما استقر هذه الليلة. فلما رأى خط ~~أخيه أمره بالقبض عليه، ففعل ذلك واعتقله، ثم وضع عليه من خنقه وألقى جثته ~~إلى منخفض من الأرض، وأظهر أنه سقط فمات. # ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير، وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد ~~فيوليه عمان ثم يقتله، فلم تخرجه إليه والدته، وقالت له: أنت تتولى الأمور، ~~هذا صغير لا يصلح لها. ففعل ذلك، وأساء السيرة، وصادر التجار، وأخذ ~~الأموال. # PageV07P794 # وبلغ ms3370 ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار، والعادل أبي منصور ~~بن مافنة، فأعظما الأمر واستكبراه، وشد العادل في الأمر، وكاتب نائبا كان ~~لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضى، وأمره بقصد ابن هطال، ~~وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضى، فجمع المرتضى الخلق، ~~وتسارعوا إليه، وخرجوا عن طاعة ابن هطال، وضعف أمره، واستولى المرتضى على ~~أكثر البلاد، ثم وضعوا خادما كان لابن مكرم، وقد التحق بابن هطال على قتله، ~~وساعده على ذلك فراش كان له، فلما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من أخرج ~~أبا محمد بن مكرم، ورتبه في الإمارة، وكان قد استقر أن الأمر لأبي محمد في ~~هذه السنة. # ذكر الحرب بين أبي الفتح بن أبي الشوك وبين عمه مهلهل (في هذه السنة كان ~~بين أبي الشوك وبين عمه مهلهل حرب شديدة) . # وكان سبب ذلك أن أبا الفتح كان نائبا عن والده في الدينور، وقد عظم محله، ~~وافتتح عدة قلاع، وحمى أعماله من الغز، وقتل فيهم، فأعجب بنفسه، وصار لا ~~يقبل أمر والده. # فلما كان هذه السنة، في شعبان، سار إلى قلعة بلوار ليفتحها، وكان فيها ~~زوجة صاحبها، وكان من الأكراد، فعلمت أنها تعجز عن حفظها، فراسلت مهلهل بن ~~محمد بن عناز، وهو بحلله في نواحي الصامغان، واستدعته لتسلم إليه القلعة، ~~فسأل الرسول عن أبي الفتح: هو هو بنفسه على القلعة أم عسكره؟ فأخبره أنه ~~عاد عنها وبقي عسره، فسار مهلهل إليها، فلما وصل رأى أبا الفتح قد عاد إلى ~~القلعة، فقصد موضعا يوهم أبا الفتح أنه لم يرد هذه القلعة، ثم رجع عائدا، ~~وتبعه أبو الفتح ولحقه وتراءت الفئتان، فعاد مهلهل إليه، فاقتتلوا، فرأى ~~أبو الفتح من أصحابه تغيرا # PageV07P795 # فخافهم، فولى منهزما، وتبعه أصحابه في الهزيمة، وقتل عسكر مهلهل من كان ~~في عسكر أبي الفتح من الرجالة، وساروا في أثر المنهزمين يقتلون ويأسرون، ~~ووقف فرس أبي الفتح به فأسر وأحضر عند عمه مهلهل، فضربه عدة مقارع، وقيده، ~~وحبسه عنده وعاد. # ثم ms3371 إن أبا الشوك جمع عساكره وسار إلى شهرزور وحصرها، وقصد بلاد أخيه ~~ليخلص ابنه أبا الفتح، فطال الأمر ولم يخلص ابنه، وحمل مهلهل اللجاج على أن ~~استدعى علاء الدولة بن كاكويه إلى بلد أبي الفتح، فدخل الدينور وقرميسين، ~~وأساء إلى أهلها وظلمهم وملكها، وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. # ذكر شغب الأتراك على جلال الدولة ببغداذ # في هذه السنة شغب الأتراك على الملك جلال الدولة ببغداذ، وأخرجوا خيامهم ~~إلى ظاهر البلد، ثم أوقعوا النهب في عدة مواضع، فخافهم جلال الدولة، فعبر ~~خيامه إلى الجانب الغربي، وترددت الرسل بينهم في الصلح، وأراد الرحيل عن ~~بغداذ، فمنعه أصحابه، فراسل دبيس بن مزيد، وقرواشا، صاحب الموصل، وغيرهما، ~~وجمع عنده العساكر، فاستقرت القواعد بينهم، وعاد إلى داره، وطمع الأتراك، ~~وآذوا الناس، ونهبوا وقتلوا، وفسدت الأمور بالكلية (إلى حد لا يرجى صلاحه) ~~. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة في جمادى الآخرة، ولد للخليفة القائم بأمر ~~الله ولده أبو العباس، وهو ذخير الدين . # PageV07P796 # [الوفيات] # وفيها توفي شبيب بن وثاب النميري، صاحب الرقة وسروج وحران. # وفيها توفي أبو نصر بن مشكان، كاتب الإنشاء لمحمود بن سبكتكين ولولده ~~مسعود، وكان من الكتاب المفلقين، (رأيت له كتابة في غاية الجودة) . # PageV07P797 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | 432 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة # ذكر ابتداء الدولة السلجوقية وسياقة أخبارهم متتابعة # في هذه السنة اشتد ملك السلطان طغرلبك محمد وأخيه جغري بك داود ابني ~~ميكائيل بن سلجوق بن تقاق، فنذكر أولا حال آبائه، ثم نذكر حاله كيف تنقلت ~~حتى صار سلطانا، على أنني قد ذكرت أكثر أخبارهم متقدمة على السنين، وإنما ~~أوردناها هاهنا مجموعة لترد سياقا واحدا، فهي أحسن، فأقول: فأما تقاق ~~فمعناه القوس الجديد، وكان شهما ذا رأي وتدبير، وكان مقدم الأتراك الغز، ~~ومرجعهم إليه، لا يخالفون له قولا، ولا يتعدون أمرا. # فاتفق يوما من الأيام أن ملك الترك الذي يقال له بيغو جمع عساكره، وأراد ~~المسير إلى بلاد الإسلام، فنهاه تقاق عن ذلك، وطال ms3372 الخطاب بينهما فيه، ~~فأغلظ له ملك الترك الكلام، فلطمه تقاق فشج رأسه، فأحاط به خدم ملك الترك، ~~وأرادوا أخذه، فمانعهم وقاتلهم، واجتمع معه من أصحابه من منعه، فتفرقوا ~~عنه، ثم صلح الأمر بينهما، وأقام تقاق عنده، وولد له سلجوق. # وأما سلجوق فإنه لما كبر ظهرت عليه أمارات النجابة ومخايل التقدم، فقربه # PageV08P005 # ملك الترك وقدمه، ولقبه سباشي، ومعناه قائد الجيش، وكانت امرأة الملك ~~تخوفه من سلجوق لما ترى من تقدمه، وطاعة الناس له، والانقياد إليه، وأغرته ~~بقتله وبالغت في ذلك. # وسمع سلجوق الخبر، فسار بجماعته كلهم ومن يطيعه من دار الحرب إلى ديار ~~الإسلام، وسعد بالإيمان ومجاورة المسلمين، وازداد حاله علوا، (وإمرة، ~~وطاعة) ، وأقام بنواحي جند، وأدام غزو كفار الترك، وكان ملكهم يأخذ الخراج ~~من المسلمين في تلك الديار، وطرد سلجوق عماله منها، وصفت للمسلمين. # ثم إن بعض ملوك السامانية كان هارون بن أيلك الخان قد استولى على بعض ~~أطراف بلاده، فأرسل إلى سلجوق يستمده، فأمده بابنه أرسلان في جمع من ~~أصحابه، فقوي بهم الساماني على هارون، واسترد ما أخذه منه، وعاد أرسلان إلى ~~أبيه. # وكان لسلجوق من الأولاد: أرسلان، وميكائيل، وموسى، وتوفي سلجوق بجند، ~~وكان عمره مائة سنة وسبع سنين، ودفن هناك، وبقي أولاده، فغزا ميكائيل بعض ~~بلاد الكفارالأتراك، فقاتل وباشر القتال بنفسه، فاستشهد في سبيل الله، وخلف ~~من الأولاد: بيغو، وطغرلبك محمدا، وجغري بك داود، فأطاعهم عشائرهم، ووقفوا ~~عند أمرهم ونهيم، ونزلوا بالقرب من بخارى على عشرين فرسخا منها، فخافهم ~~أمير بخارى فأساء جوارهم، وأراد إهلاكهم والإيقاع بهم، فالتجئوا إلى ~~بغراخان ملك تركستان، وأقاموا في بلاده، واحتموا به وامتنعوا، واستقر الأمر ~~بين # PageV08P006 # طغرلبك وأخيه داود أنهما لا يجتمعان عند بغراخان، إنما يحضر عنده أحدهما، ~~ويقيم الآخر في أهله خوفا من مكر يمكره بهم، فبقوا كذلك. # ثم إن بغراخان اجتهد في اجتماعهما عنده، فلم يفعلا، فقبض على طغرلبك ~~وأسره، فثار داود في عشائره ومن يتبعه، وقصد بغراخان ليخلص أخاه، فأنفذ ~~إليه بغراخان عسكرا، فاقتتلوا، فانهزم عسكر بغراخان وكثر القتل فيهم، ms3373 وخلص ~~أخاه من الأسر، وانصرفوا إلى جند، وهي قريب بخارى، فأقاموا هناك. # فلما انقرضت دولة السامانية، وملك أيلك الخان بخارى عظم محل أرسلان بن ~~سلجوق عم داود وطغرلبك بما وراء النهر، وكان علي تكين في حبس أرسلان خان، ~~فهرب، (وهو أخو أيلك الخان) ولحق ببخارى واستولى عليها، واتفق مع أرسلان بن ~~سلجوق فامتنعا، واستفحل أمرهما، وقصدهما أيلك أخو أرسلان خان وقاتلهما، ~~فهزماه وبقيا ببخارى # وكان علي تكين يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكين فيما يجاوره في ~~بلاده، ويقطع الطريق على رسله المترددين إلى ملوك الترك، فلما عبر محمود ~~جيحون، على ما ذكرناه، هرب علي تكين من بخارى، وأما أرسلان بن سلجوق ~~وجماعته فإنهم دخلوا المفازة والرمل، فاحتموا من محمود، فرأى محمود قوة ~~السلجوقية وما لهم من الشوكة وكثرة العدد، فكاتب أرسلان بن سلجوق واستماله ~~ورغبه، فورد إليه، فقبض يمين الدولة عليه في الحال ولم يمهله، وسجنه في ~~قلعة ونهب خركاهاته، واستشار فيما يفعل بأهله وعشيرته، فأشار أرسلان ~~الجاذب، وهو من أكبر خواص محمود، بأن يقطع أباهمهم لئلا يرموا بالنشاب، أو ~~يغرقوا في جيحون، فقال له: ما أنت إلا قاسي القل! ثم أمر بهم فعبروا نهر ~~جيحون، ففرقهم في نواحي خراسان، ووضع عليهم الخراج، فجار العمال عليهم، ~~وامتدت # PageV08P007 # الأيدي إلى أموالهم وأولادهم، انفصل منهم أكثر من ألفي رجل، وساروا إلى ~~كرمان، ومنها إلى أصبهان، وجرى بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن كاكويه ~~حرب، قد ذكرناها، فساروا من أصبهان إلى أذربيجان، وهؤلاء جماعة أرسلان. ~~فأما أولاد إخوته فإن علي تكين صاحب بخارى أعمل الحيل في الظفر بهم، فأرسل ~~إلى يوسف بن موسى بن سلجوق، وهو ابن عم طغرلبك محمد وجغري بك داود، ووعده ~~الإحسان، وبالغ في استمالته، وطلب منه الحضور عنده، ففعل، ففوض إليه علي ~~تكين التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته، وأقطعه أقطاعا كثيرة، ولقب ~~بالأمير إينانج بيغو. # وكان الباعث له على ما فعله به أن يستعين به وبعشيرته وأصحابه على طغرلبك ~~وداود ابني عمه، ويفرق كلمتهم، ويضرب بعضهم ms3374 ببعض، فعلموا مراده، فلم يطعه ~~يوسف إلى شيء مما أراده منه، فلما رأى علي تكين أن مكره لم يعمل في يوسف، ~~ولم يبلغ به غرضا، أمر بقتله، فقتل يوسف، تولى قتله أمير من أمراء علي تكين ~~اسمه ألب قرا. # فلما قتل عظم ذلك على طغرلبك وأخيه داود وجميع عشائرهما، ولبسوا ثياب ~~الحداد، وجمعا من الأتراك من قدرا على جمعه للأخذ بثأره، وجمع علي تكين ~~أيضا جيوشه، وسيرها إليهم، فانهزم عسكر علي تكين، وكان قد ولد السلطان ألب ~~أرسلان بن داود أول محرم سنة عشرين وأربعمائة قبل الحرب، فتبركوا به، ~~وتيمنوا بطلعته، وقيل في مولده غير ذلك. # فلما كان سنة إحدى وعشرين [وأربعمائة] قصد طغرلبك وداود ألب قرا الذي قتل ~~يوسف ابن عمهما، فقتلاه وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين، فقتلا منها نحو ~~ألف رجل، فجمع علي تكين عسكره وقصدهم هو وأولاده ومن حمل السلاح من أصحابه، ~~وتبعهم من أهل البلاد خلق كثير، فقصدوهم من كل جانب، وأوقعوا بهم وقعة ~~عظيمة قتل [فيها] كثير من عساكر السلجوقية، وأخذت أموالهم وأولادهم، وسبوا ~~كثيرا من نسائهم وذراريهم، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان. # PageV08P008 # فلما عبروا جيحون كتب إليهم خوارزمشاه هارون بن التونتاش يستدعيهم ~~ليتفقوا معه، وتكون أيديهم واحدة. فسار طغرلبك وأخواه داود وبيغو إليه، ~~وخيموا بظاهر خوارزم سنة ست وعشرين [وأربعمائة] ووثقوا به، واطمأنوا إليه، ~~فغدر بهم، فوضع عليهم الأمير شاهملك، فكبسهم ومعه عسكر من هارون، فأكثر ~~القتل فيهم والنهب والسبي، وارتكب من الغدر خطة شنيعة، فساروا عن خوارزم ~~بجموعهم إلى مفازة نسا، وقصدوا مرو في هذه السنة أيضا، ولم يتعرضوا لأحد ~~بشر، وبقي أولادهم وذراريهم في الأسر. # وكان الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين هذه السنة بطبرستان قد ملكها، كما ~~ذكرناه، فراسلوه وطلبوا منه الأمان، وضمنوا أنهم يقصدون الطائفة التي تفسد ~~في بلاده، ويدفعونهم عنها ويقاتلونهم، ويكونون من أعظم أعوانه عليهم وعلى ~~غيرهم. فقبض على الرسل، وجهز عسكرا جرارا إليهم مع إيلتغدي حاجبه، وغيرهم ~~من الأمراء الأكبر، فساروا إليهم، والتقوا عند نسا ms3375 في شعبان من السنة، ~~واقتتلوا وعظم الأمر، وانهزم السلجوقية وغنمت أموالهم، فجرى بين عسكر مسعود ~~منازعة في الغنيمة أدت إلى القتال. # واتفق في تلك الحال أن السلجوقية لما انهزموا قال لهم داود: إن العسكر ~~الآن قد نزلوا واطمأنوا وأمنوا الطلب، والرأي أن نقصدهم لعلنا نبلغ منهم ~~غرضا. فعادوا فوصلوا إليهم وهم على تلك الحال من الاختلاف وقتال بعضهم ~~بعضا، فأوقعوا بهم وقتلوا منهم وأسروا، واستردوا ما أخذوا من أموالهم ~~ورجالهم، وعاد المنهزمون من العسكر إلى الملك مسعود وهو بنيسابور، فندم على ~~رده طاعتهم، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت من قلوب عساكره، وأنهم قد طمعوا بهذه ~~الهزيمة، وتجرءوا على قتال العساكر السلطانية بعد الخوف الشديد، وخاف من ~~أخوات هذه الحادثة، فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم، فقال طغرلبك لإمام ~~صلاته: اكتب إلى السلطان قل اللهم ما الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. ولا ~~تزد على هذا. # PageV08P009 # فكتب ما قال، فلما ورد الكتاب على مسعود أمر فكتب إليهم كتاب مملوء من ~~المواعيد الجميلة، وسير معه الخلع النفيسة، وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط، ~~وهي مدينة على جيحون، ونهاهم عن الشر والفساد، وأقطع دهستان لداود، ونسا ~~لطغرلبك، وفراوة لبيغو، ولقب كل واحد منهم بالدهقان. # فاستخفوا بالرسول والخلع وقالوا للرسول: لو علمنا أن السلطان يبقي علينا ~~إذا قدر، لأطعناه، ولكنا نعلم أنه متى ظفر بنا أهلكنا لما عملناه وأسلفناه، ~~فنحن ل نطيعه، ولا نثق به. # وأفسدوا، ثم كفوا وتركوا ذلك، فقالوا: إن كان لنا قدرة على الانتصاف من ~~السلطان، وإلا فلا حاجة بنا إلى إهلاك العالم ونهب أموالهم، وأرسلوا إلى ~~مسعود يخادعونه إظهار الطاعة له، والكف عن الشر، ويسألونه أن يطلق عمهم ~~أرسلان بن سلجوق من الحبس، فأجابهم إلى ذلك، فأحضره عنده ببلخ، وأمره ~~بمراسلة بني أخيه بيغو وطغرلبك وداود يأمرهم بالاستقامة، والكف عن الشر، ~~فأرسل إليهم رسولا يأمرهم بذلك، وأرسل معه إشفى، وأمره بتسليمه إليهم، فلما ~~وصل الرسول وأدى الرسالة ms3376 وسلم إليهم الإشفى نفروا واستوحشوا، وعادوا إلى ~~أمرهم الأول في الغارة والشر، فأعاده مسعود إلى محبسه، وسار إلى غزنة، فقصد ~~السلجوقية بلخ ونيسابور وطوس وجوزجان، (على ما ذكرناه) . # وأقام داود بمدينة مرو، وانهزمت عساكر السلطان مسعود منهم مرة بعد مرة، ~~واستولى الرعب على أصحابه، لاسيما مع بعده إلى غزنة، فتوالت كتب نوابه ~~وعماله إليه يستغيثون به ويشكون إليه، ويذكرون ما يفعل السلجوقية في ~~البلاد، وهو لا يجيبهم ولا يتوجه إليهم، وأعرض عن خراسان والسلجوقية، ~~واشتغل بأمور بلاد الهند. فلما اشتد أمرهم بخراسان وعظمت حالهم اجتمع وزراء ~~مسعود وأرباب الرأي في دولته، وقالوا له: إن قلة المبالاة بخراسان من أعظم ~~سعادة السلجوقية، وبها يملكو البلاد، ويستقيم لهم الملك، ونحن نعلم، وكل ~~عاقل، أنهم إذا تركوا على هذه الحال استولوا على خراسان سريعا، ثم ساروا ~~منها إلى غزنة، وحينئذ لا ينفعنا # PageV08P010 # حركاتنا ولا نتمكن من البطالة والاشتغال باللعب واللهو والطرب. # فاستيقظ من رقدته، وأبصر رشده بعد غفلته، وجهز العساكر الكثيرة مع أكبر ~~أمير عنده يعرف بسباشي، وكان حاجبه، وقد سيره قبل إلى الغز العراقية، وقد ~~تقدم ذكر ذلك، وسير معه أميرا كبيرا اسمه مرداويج بن بشو. # وكان سباشي جبانا، فأقام بهراة ونيسابور، ثم أغار بغتة على مرو وبها ~~داود، فسار مجدا، فوصل إليها في ثلاثة أيام، فأصاب جيوشه ودوابه التعب ~~والكلال، فانهزم داود بين يديه ولحقه العسكر، فحمل عليه صاحب جوزجان، ~~فقاتله داود، فقتل صاحب جوزجان وانهزمت عساكره، فعظم قتله على سباشي وكل من ~~معه، ووقعت عليهم الذلة، وقويت نفوس السلجوقية وزاد طمعهم. # وعاد داود إلى مرو، فأحسن السيرة في أهلها، وخطب له فيها أول جمعة في رجب ~~سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ولقب في الخطبة بملك الملوك. وسباشي يمادي ~~الأيام، ويرحل من منزل إلى منزل، والسلجوقية يراوغونه مراوغة الثعلب، فقيل: ~~إنه كان يفعل ذلك جبنا وخورا، وقيل: بل راسله السلجوقية واستمالوه ورغبوه، ~~فنفس عنهم، وتراخى في تتبعهم. والله أعلم. # ولما طال مقام سباشي وعساكره والسلجوقية بخراسان، والبلاد منهوبة، ~~والدماء مسفوكة، قلت الميرة ms3377 والأقوات على العساكر خاصة . # فأما السلجوقية فلا يبالون بذلك لأنهم يقنعون بالقليل، فاضطر سباشي إلى ~~مباشرة الحرب وترك المحاجزة، فسار إلى داود، وتقدم داود إليه، فالتقوا في ~~شعبان سنة ثمان وعشرين [وأربعمائة] على باب سرخس. ولداود منجم يقال له ~~الصومعي، فأشار على داود بالقتال، وضمن له الظفر، وأشهد على نفسه أنه إن ~~أخطأ فدمه مباح له فاقتتل العسكران، فلم يثبت عسكر سباشي وانهزموا أقبح ~~هزيمة، وساروا أخزى مسير إلى هراة، فتبعهم داود وعسكره إلى طوس يأخذونهم ~~باليد، وكفوا عن القتل، وغنموا أموالهم، فكانت هذه الوقعة هي التي ملك ~~السلجوقية بعدها خراسان، ودخلوا قصبات البلاد، فدخل طغرلبك نيسابور، # PageV08P011 # وسكن الشاذياخ، وخطب له فيها في شعبان بالسلطان المعظم، وفرقوا النواب في ~~النواحي. # وسار داود إلى هراة، ففارقها سباشي ومضى إلى غزنة، فعاتبه مسعود وحجبه، ~~وقال له: ضيعت العساكر، وطاولت الأيام حتى قوي أمر العدو وصفا لهم مشربهم، ~~وتمكن من البلاد ما أرادوا. فاعتذر بأن القوم تفرقوا ثلاث فرق، كلما تبعت ~~فرقة سارت بين يدي، وخلفي الفريقان في البلاد يفعلون ما أرادوا، فاضطر ~~مسعود إلى المسير إلى خراسان، فجمع العساكر وفرق فيهم الأموال العظيمة، ~~وسار عن غزنة في جيوش يضيق بها الفضاء ومعه من الفيلة عدد كثير، فوصل إلى ~~بلخ، وقصده داود إليها أيضا، ونزل قريبا منها، فدخلها يوما جريدة (في طائفة ~~يسيرة) على حين غفلة من العساكر، فأخذ الفيل الكبير الذي على باب دار الملك ~~مسعود، وأخذ معه عدة جنائب، فعظم قدره في النفوس، وازداد العسكر هيبة له. # ثم سار مسعود من بلخ أول شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ومعه مائة ~~ألف فارس سوى الأتباع، وسار على جوزجان، فأخذ واليها الذي كان بها ~~للسلجوقية، فصلبه، وسار منها فوصل إلى مرو الشاهجان، وسار داود إلى سرخس، ~~واجتمع هو وأخواه طغرلبك وبيغو، فأرسل مسعود إليهم رسلا في الصلح، فسار في ~~الجواب بيغو، فأكرمه مسعود وخلع عليه، وكان مضمون رسالته: إنا لا نثق ~~بمصالحتك بعد ما فعلنا هذه الأفعال التي سخطتها، كل فعل منها ms3378 موبق مهلك. ~~وآيسوه من الصلح، فسار مسعود من مرو إلى هراة، وقصد داود مرو، فامتنع أهلها ~~عليه، فحصرها سبعة أشهر، وضيق عليهم وألح في قتالهم، فملكها. # فلما سمع مسعود هذا الخبر سقط في يده، وسار من هراة إلى نيسابور، ثم منها # PageV08P012 # إلى سرخس، وكلما تبع السلجوقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره، ولم يزل ~~كذلك، فأدركهم الشتاء، فأقاموا بنيسابور ينتظرون الربيع، فلما جاء الربيع ~~كان الملك مسعود مشغولا بلهوه وشربه، فتقضى الربيع والأمر كذلك، فلما جاء ~~الصيف عاتبه وزراؤه وخواصه على إهماله أمر عدوه، فسار من نيسابور إلى مرو ~~يطلب السلجوقية، فدخلوا البرية، فدخلها وراءهم مرحلتين والعسكر الذي له قد ~~ضجروا من طول سفرهم وبيكارهم، وسئموا الشد والترحل، فإنهم كان لهم في السفر ~~نحو ثلاث سنين، بعضها مع سباشي، وبعضها مع الملك مسعود، فلما دخلوا البرية ~~نزل منزلا قليل الماء، والحر شديد، فلم يكف الماء للسلطان وحواشيه. # وكان داود في معظم السلجوقية بإزائه، وغيره من عشيرته مقابل ساقة عساكره، ~~يتخطفون من تخلف منهم. فاتفق لما يريده الله - تعالى - أن حواشي مسعود ~~اختصموا هم جمع من العسكر على الماء وازدحموا، وجرى بينهم فتنة، حتى صار ~~بعضهم يقاتل بعضا، (وبعضهم نهب بعضا) فاستوحش لذلك أمر العسكر، ومشى بعضهم ~~إلى بعض في التخلي عن مسعود، فعلم داود ما هم فيه من الاختلاف، فتقدم إليهم ~~وحمل عليهم وهم في ذلك التنازع والقتال والنهب، فولوا منهزمين لا يلوي أول ~~على آخر، وكثر القتل فيهم، والسلطان مسعود ووزيره يناديانهم، ويأمرانهم ~~بالعود فلا يرجعون، وتمت الهزيمة على العسكر، وثبت مسعود فقيل له: ما ~~تنتظر؟ قد فارقك أصحابك، وأنت في بريةمهلكة، وبين يديك عدو، وخلفك عدو، ولا ~~وجه للمقام. فمضى منهزما ومعه نحو مائة فارس، فتبعه فارس من السلجوقية فعطف ~~عليه مسعود فقتله، وصار لا يقف على شيء حتى أتى غرشستان. # وأما السلجوقية فإنهم غنموا من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء، ~~وقسمه داود على أصحابه، وآثرهم على نفسه، ونزل في سرادق مسعود وقعد على ~~كرسيه، ولم ms3379 ينزل عسكره ثلاثة أيام عن ظهور دوابهم، لا يفارقونها إلا لما لا ~~بد لهم # PageV08P013 # منه، من مأكول ومشروب وغير ذلك، خوفا من عود العسكر، وأطلق الأسرى، وأطلق ~~خراج سنة كاملة. # وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها، ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين ~~[وأربعمائة] (وأول سنة اثنتين وثلاثين) ونهب أصحابه الناس، فقيل عنه: إنه ~~رأى لوزينجا فأكله وقال: هذا قطماج طيب إلا أنه لا ثوم فيه. ورأى الغز ~~الكافور (فظنوه ملحا) وقالوا: هذا ملح مر، ونقل عنهم أشياء من هذا كثير. ~~وكان العيارون قد عظم ضررهم، واشتد أمرهم، وزادت البلية بهم على أهل ~~نيسابور، فهم ينهبون الأموال، ويقتلون النفوس، ويرتكبون الفروج الحرام، ~~ويفعلون كل مايريدونه، لا يردعهم عن ذلك رادع، ولا يزجرهم زاجر، فلما دخل ~~طغرلبك البلد خافه العيارون، وكفوا عما كانوا يفعلون، وسكن الناس واطمأنوا. # واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد، فسار بيغو إلى هراة فدخلها، ~~وسار داود إلى بلخ وبها ألتونتاق الحاجب واليا عليها لمسعود، فأرسل إليه ~~داود يطلب منه تسليم البلد إليه، ويعرفه عجز صاحبه عن نصرته، فسجن ألتونتاق ~~الرسل، فنازله داود وحصر المدينة، فأرسل ألتونتاق إلى مسعود وهو بغزنة ~~يعرفه الحال وما هو فيه من ضيق الحصار، فجهز مسعود العساكر الكثيرة وسيرها، ~~فجاءت طائفة منهم إلى الرخج وبها جمع من السلجوقية، فقاتلوهم، فانهزم ~~السلجوقية وقتل منهم ثمانمائة رجل، وأسر كثير، وخلا ذلك الصقع منهم. # وسار طائفة منهم إلى هراة وبها بيغو، فقاتلوه ودفعوه عنها، ثم إن مسعودا ~~سير ولده مودودا في عسكر كثير مددا لهذه العساكر، فقتل مسعود وهو بخراسان # PageV08P014 # على ما نذكره إن شاء الله - تعالى - فساروا عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين ~~وأربعمائة، فلما قاربوا بلخ سير داود طائفة من عسكره، فأوقعوا بطلائع ~~مودود، وانهزمت الطلائع وتبعهم عسكر داود، فلما أحس به عسكر مودود رجعوا ~~إلى ورائهم وأقاموا، فلما سمع ألتونتاق صاحب بلخ الخبر أطاع داود، وسلم ~~إليه البلد، ووطئ بساطه. # ذكر قبض السلطان مسعود وقتله وملك أخيه محمد # قد ذكرنا عود مسعود بن محمود بن سبكتكين ms3380 إلى غزنة من خراسان، فوصلها في ~~شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقبض على سباشي وغيره من الأمراء، كما ~~ذكرناه، (وأثبت غيرهم) وسير ولده مودودا إلى خراسان في جيش كثيف ليمنع ~~السلجوقية عنها، فسار مودود إلى بلخ ليرد عنها داود أخا طغرلبك، وجعل أبوه ~~مسعود معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبر الأمور، وكان ~~مسيرهم (من غزنة) في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين. # وسار مسعود بعدهم بسبعة أيام يريد بلاد الهند ليشتو بها على عادة والده، ~~فلما سار أخذ معه أخاه محمدا مسمولا، واستصحب الخزائن، وكان عازما على ~~الاستنجاد بالهند على قتال السلجوقية ثقة بعهودهم. فلما عبر سيحون وهو نهر ~~كبير نحو دجلة، وعبر بعض الخزائن - اجتمع أنوش تكين البلخي وجمع من الغلمان ~~الدارية، ونهبوا ما خلف من الخزانة، وأقاموا أخاه محمدا ثالث عشر ربيع ~~الآخر، وسلموا عليه بالإمارة، فامتنع من قبول ذلك، فتهددوه وأكرهوه، فأجاب، ~~وبقي مسعود فيمن معه من العسكر وحفظ نفسه، فالتقى الجمعان منتصف ربيع ~~الآخر، فاقتتلوا، وعظم الخطب على الطائفتين، ثم انهزم عسكر مسعود، وتحصن هو ~~في رباط ماريكلة، # PageV08P015 # فحصره أخوه فامتنع عليه، فقالت له أمه: إن مكانك لا يعصمك، ولأن تخرج ~~إليهم بعهد خير من أن يأخذوك قهرا. فخرج إليهم فقبضوا عليه، فقال له أخوه ~~محمد: وه لا قابلتك على فعلك بي، ولا عاملتك إلا بالجميل، فانظر أين تريد ~~أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك وحرمك. فاختار قلعة كيكي، فأنفذه إليها ~~محفوظا، وأم بإكرامه وصيانته. # وأرسل مسعود إلى أخيه يطلب منه مالا ينفقه، فأنفذ له خمسمائة درهم، فبكى ~~مسعود وقال : كان بالأمس حكمي على ثلاثة آلاف حمل من الخزائن، واليوم لا ~~أملك الدرهمالفرد. فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار فقبلها، وكانت سبب ~~سعادة الرسول ; لأنه لما ملك مودود بن مسعود بالغ في الإحسان إليه. # ثم إن محمدا فوض أمر دولته إلى ولده أحمد، وكان فيه خبط وهوج، فاتفق هو ~~وابن عمه يوسف بن سبكتكين وابن علي خويشاوند على قتل مسعود، ليصفو ms3381 الملك له ~~ولوالده، فدخل إلى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن، فأعطاه، فسار به ~~إلى القلعة، وأعطوا الخاتم لمستحفظها وقالوا: معنا رسالة إلى مسعود، ~~فأدخلهم إليه فقلوه، فلما علم محمد بذلك ساءه وشق عليه وأنكره. # وقيل: إن مسعودا لما حبس دخل عليه ولد أخيه محمد، واسم أحدهما عبد الرحمن ~~والآخر عبد الرحيم، فمد عبد الرحمن يده فأخذ القلنسوة من رأس عمه مسعود، ~~فمد عبد الرحيم يده وأخذ القلنسوة من أخيه، وأنكر عليه ذلك وسبه وقبلها، ~~وتركها على رأس عمه، فنجا بذلك عبد الرحيم من الأسر لما ملك مودود بن ~~مسعود، على ما نذكره إن شاء الله. # ثم إن محمدا أغراه ولده أحمد بقتل عمه مسعود، فأمر بذلك، وأرسل إليه من # PageV08P016 # قتله، وألقاه في بئر وسد رأسها، وقيل: بلى ألقي في بئر حيا وسد رأسها ~~فمات. والله أعلم. # فلما مات كتب محمد إلى ابن أخيه مودود وهو بخراسان يقول: إن والدك قتل ~~قصاصا، قتله أولاد أحمد ينال تكين بلا رضا مني. فأجاب مودود يقول: أطال ~~الله بقاء الأير العم، ورزق ولده المعتوه أحمد عقلا يعيش به، فقد ركب أمرا ~~عظيما، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيد ~~الملوك والسلاطين، وستعلمون في أي حتف تورطتم، وأي شر تأبطتم وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون. نفلق هاما من رجال أعزة علينا، وهم كانوا أعق ~~وأظلما # وطمع جند محمد فيه، وزالت عنهم هيبته، فمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا ~~فنهبوها، فخربت البلاد وجلا أهلها، لاسيما مدينة برشاوور، فإنها هلك أهلها، ~~ونهبت أموالهم، وكان المملوك بها يباع بدينار، وتباع الخمر كل منا بدينار، ~~ثم رحل محمد عنها لليلتين بقيتا من رجب، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وكان السلطان مسعود شجاعا كريما، ذا فضائل كثيرة، محبا للعلماء، كثير ~~الإحسان إليهم والتقرب لهم، صنفوا له التصانيف الكثيرة في فنون العلوم، ~~وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحاجة، تصدق مرة في شهر رمضان بألف ألف ~~درهم، وأكثر الإدرارات والصلات، وعمر كثيرا ms3382 من المساجد في ممالكه، وكانت ~~صنائعه ظاهرة مشهورة تسير بها الركبان، مع عفة عن أموال رعاياه، وأجاز ~~الشعراء بجوائز عظيمة، أعطى شامرا على قصيدة ألف دينار، وأعطى آخر بكل بيت ~~ألف # PageV08P017 # درهم، وكان يكتب خطا حسنا، وكان ملكه عظيما، فسيحا، ملك أصبهان والري ~~وهمذان وما يليها من البلاد، وملك طبرستان، وجرجان، وخراسان، وخوارزم، ~~وبلاد الروان، وكرمان، وسجستان، والسند، والرخج، وغزنة، وبلاد الغور، ~~والهند، وملك كثيرا منها، وأطاعه أهل البر والبحر، ومناقبه كثيرة، وقد صنفت ~~فيها التصانيف المشهورة، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها. # ذكر ملك مودود بن مسعود وقتله عمه محمدا لما قتل الملك مسعود وصل الخبر ~~إلى ابنه مودود وهو بخراسان، فعاد مجدا في عساكره إلى غزنة، فتصاف هو وعمه ~~محمد في ثالث شعبان، فانهزم محمد وعسكره، وقبض عليه وعلى ولده أحمد، ~~وأنوشتكين الخصي البلخي، وابن علي خويشاوند، فقتلهم، وقتل أولاد عمه ~~جميعهم، إلا عبد الرحيم لإنكاره على أخيه عبد الرحمن ما فعله بعمه مسعود، ~~وبنى موضع الوقعة قرية ورباطا، وسماها فتح آباذ، وقتل كل من له في القبض ~~على والده صنع، وعاد إلى غزنة فدخلها في ثالث وعشرين شعبان سنة اثنتين ~~وثلاثين [وأربعمائة] واستوزر أبا نصر وزير أبيه، وأظهر العدل وحسن السيرة، ~~وسلك سيرة جده محمود. # وكان داود أخو طغرلبك قد ملك مدينة بلخ واستباحها، كما ذكرناه، ومودود # PageV08P018 # مقابله، فتجدد قتل مسعود، فعاد ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فلما تجدد ~~هذا الظفر لمودود ثار أهل هراة بمن عندهم من الغز السلجوقية، فأخرجوهم ~~وحفظوها لمودود، واستقر الأمر لمودود بغزنة، ولم يبق له هم إلا أمر أخيه ~~مجدود، فإن أباه قد سيره إلى الهند سنة ست وعشرين [وأربعمائة] فخاف أن ~~يخالف عليه، فأتاه خبره أنه قصد لهاوور وملتان، فملكهما، وأخذ الأموال وجمع ~~بها العساكر، وأظهر الخلاف على أخيه، فندب إليه مودود جيشا ليمنعوه ~~ويقاتلوه، وعرض مجدود عسكره للمسير، وحضر عيد الأضحى، فبقي بعده ثلاثة ~~أيام، وأصبح ميتا بلهاوور لا يدرى كيف كان موته، وأطاعت البلاد بأسرها ~~مودودا، ورست قدمه، وثبت ملكه، ms3383 ولما سمعت الغز السلجوقية ذلك خافوه، ~~واستشعروا منه، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة. # ذكر الخلف بين جلال الدولة وقرواش صاحب الموصل في هذه السنة اختلف جلال ~~الدولة ملك العراق وقرواش بن المقلد العقيلي صاحب الموصل. # وكان سبب ذلك أن قرواشا كان قد أنفذ عسكرا سنة إحدى وثلاثين [وأربعمائة] ~~فحصروا خميس بن ثعلب بتكريت، وجرى بين الطائفتين حرب شديدة في ذي القعدة ~~منها، فأرسل خميس ولده إلى الملك جلال الدولة، وبذل بذولا كثيرة ليكف عنه ~~قرواشا، فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى قرواش يأمره بالكف عنه، فغالط ولم يفعل، ~~وسار بنفسه ونزل عليه يحاصره، فتأثر جلال الدولة منه. # ثم إنه أرسل كتبا إلى الأتراك ببغداد يفسدهم، وأشار عليهم بالشغب على ~~الملك وإثارة الفتنة معه، فوصل خبرها إلى جلال الدولة، وأشياء أخر كانت هذه ~~هي # PageV08P019 # الأصل، فأرسل جلال الدولة أبا الحارث أرسلان البساسيري في صفر من سنة ~~اثنتين وثلاثين ليقبض على نائب قرواش بالسندية، فسار ومعه جماعة من ~~الأتراك، (وتبعه جمع من العرب) فرأى في طريقه جمالا لبني عيسى، فتسرع إليها ~~الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة، وأوغل الأتراك في الطلب. # وبلغ الخبر إلى العرب، وركبوا وتبعوا الأتراك، وجرى بين الطائفتين حرب ~~انهزم فيها الأتراك، وأسر منهم جماعة، وعاد المنهزمون فأخبروا البساسيري ~~بكثرة العرب، فعاد ولم يصل إلى مقصده. # وسار طائفة من بني عيسى، فكمنوا بين صرصر وبغداذ ليفسدوا في السواد، ~~فاتفق أن وصل بعض أكابر القواد الأتراك، فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة من ~~أصحابه، وحملوا إلى بغداذ، فارتج البلد واستحكمت الوحشة مع معتمد الدولة ~~قرواش، فجمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار، وهي لقرواش، على عزم ~~أخذها منه وغيرها من أقطاعه بالعراق، فلما وصلوا إلى الأنبار أغلقت، ~~وقاتلهم أصحاب قرواش، وسار قرواش من تكريت إلى خصة على عزم القتال، فلما ~~نزل الملك جلال الدولة على الأنبار قلت عليهم العلوفة، فسار جماعة من ~~العسكر والعرب إلى الحديثة ليمتاروا منها، فخرج عليهم عندها جمع كثير من ~~العرب، فأوقعوا بهم، فانهزم بعضهم وعادوا إلى ms3384 العسكر، ونهبت العرب ما معهم ~~من الدواب التي تحمل الميرة، وبقي المرشد أبو الوفاء وهو المقدم على العسكر ~~الذين ساروا لإحضار الميرة، وثبت معه جماعة. # ووصل الخبر إلى جلال الدولة أن المرشد أبا الوفاء (يقاتل، وأخبر سلامته ~~وصبره للعرب) وأنهم يقاتلونه وهو يطلب النجدة، فسار الملك إليه بعسكر، ~~فوصلوا وقد عجز العرب عن الوصول إليه، وعادوا عنه بعد أن حملوا عليه وعلى ~~من # PageV08P020 # معه عدة حملات صبر لها في قلة من معه. ثم اختلفت عقيل على قرواش، فراسل ~~جلال الدولة وطلب رضاه، وبذل له بذلا أصلحه به، وعاد إلى طاعته، فتحالفا ~~وعاد كل إلى مكانه. # ذكر ملك أبي الشوك دقوقا # كانت دقوقا لأبي الماجد المهلهل بن محمد بن عناز، فسير إليها أخوه حسام ~~الدولة أبو الشوك ولده سعدي، فحصرها، فقاتله من بها. # ثم سار أبو الشوك إليها فجد في حصارها، ونقب سورها، ودخلها عنوة، ونهب ~~أصحابه بعض البلد، وأخذوا سلاح الأكراد وثيابهم، وأقام حسام الدولة بالبلد ~~ليلة، وعاد خوفا على البندنيجين وحلوان، فإن أخاه سرخاب بن محمد بن عناز ~~كان قد أغار على عدة مواضع من ولايته، وحالف أبا الفتح بن ورام والجاوانية ~~عليه، فأشفق من ذلك، وأرسل إلى جلال الدولة يطلب منه نجدة، فسير إليه عسكرا ~~امتنع بهم. # ذكر الحرب بين عسكر مصر والروم # في هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المصريين (سيره الدزبري) وبين الروم، ~~فظفر المسلمون. # وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي صاحب مصر، على ~~ما ذكرناه. فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ويستميله، وراسله ~~قبله صالحليتقوى به على الدزبري، خوفا أن يأخذ منه الرقة، فبلغ ذلك ~~الدزبري، فتهدد ابن صالح، فاعتذر وجحد. # ثم إن جمعا من بني جعفر بن كلاب دخلوا ولاية أفامية، فعاثوا فيها ونهبوا # PageV08P021 # عدة قرى، فخرج عليهم جمع من الروم فقاتلهم وأوقعوا بهم، ونكوا فيهم، ~~وأزالوهم عن بلادهم. # وبلغ ذلك الناظر بحلب، فأخرج من بها من تجار الفرنج، وأرسل إلى المتولي ~~بأنطاكية يأمره بإخراج من ms3385 عندهم من تجار المسلمين، فأغلظ للرسول وأراد ~~قتله، ثم تركه، فأرسل الناظر بحلب إلى الدزبري يعرفه الحال، وأن القوم على ~~التجهز لقصد البلاد، فجهز الدزبري جيشا وسيره على مقدمته، فاتفق أنهم لقوا ~~جيشا للروم وقد خرجوا لمثل ما خرج إليه هؤلاء، والتقى الفريقان بين مدينة ~~حماة وأفامية، واشتد القتال بينهم، ثم إن الله نصر المسلمين وأذل الكافرين، ~~فانهزموا وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر ابن عم للملك، بذلوا في فدائه مالا ~~جزيلا وعدة وافرة من أسراء المسلمين، وانكف الروم عن الأذى بعدها. # ذكر الخلف بين المعز وبني حماد # في هذه السنة خالف أولاد حماد على المعز بن باديس صاحب إفريقية، وعادوا ~~إلى ما كانوا عليه من العصيان والخلاف عليه، فسار إليه المعز، وجمع العساكر ~~وحشدها، وحصر قلعتهم المعروفة بقلعة حماد، وضيق عليهم، وأقام عليهم نحو ~~سنتين. # ذكر صلح أبي الشوك وعلاء الدولة # وفيها سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى علاء الدولة بن كاكويه واستصرخه، ~~واستعان به على أخيه أبي الشوك، فسار معه، فلما بلغ قرميسين رجع أبو الشوك ~~إلى # PageV08P022 # حلوان، فعرف علاء الدولة رجوعه، فسار يتبعه حتى بلغ المرج، وقرب من أبي ~~الشوك، فعزم أبو الشوك على قصد قلعة السيروان والتحصن بها، ثم تجلد وأرسل ~~إلى علاء الدولة: إنني لم أنصرف من بين يديك إلا مراقبة لك، وإعظاما لقدرك، ~~واستعطافا لك، فإذا اضطررتني إلى ما لا أجد بدا منه كان العذر قائما لي ~~فيه، فإن ظفرت بك طمع فيك الأعداء، وإن ظفرت بي سلمت قلاعي وبلادي إلى ~~الملك جلال الدولة. فأجابه علاء الدولة إلى الصلح على أن يكون له الدينور، ~~وعاد فلحقه المرض في طريقه وتفي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة كان بإفريقية غلاء شديد، وسببه عدم الأمطار، ~~فسميت سنة الغبار، ودام ذلك إلى سنة أربع وثلاثين [وأربعمائة] فخرج الناس ~~فاستسقوا. # [الوفيات] # وفيها توفي قزل أمير الغز العراقية بالري، ودفن بناحية من أعمالها. # وفيها توفي صاعد بن محمد أبو العلاء النيسابوري ثم الأستوائي، ms3386 قاضي ~~نيسابور، وكان عالما فقيها حنفيا، انتهت إليه رئاسة الحنفية بخراسان. # PageV08P023 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة] ### | 433 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة # ذكر وفاة علاء الدولة بن كاكويه # في هذه السنة في المحرم توفي علاء الدولة أبو جعفر بن دشمنزيار، المعروف ~~بابن كاكويه، بعد عوده من بلد أبي الشوك، وإنما قيل له كاكويه لأنه ابن خال ~~مجد الدولة بن بويه، والخال بلغتهم كاكويه، وقام بأصبهان ابنه ظهير الدين ~~أبو منصور فرامرز مقامه، وهو أكبر أولاده، وأطاعه الجند بها، فسار ولده أبو ~~كاليجار كرشاسف إلى نهاوند، فأقام بها وحفظها، وضبط أعمال الجبل، وأخذها ~~لنفسه، فأمسك عنه أخوه أبو منصور فرامرز. # ثم إن مستحفظا لعلاء الدولة بقلعة نطنز أرسل أبو منصور إليه يطلب شيئا ~~مما عنده من الأموال والذخائر، فامتنع وأظهر العصيان، فسار إليه أبو منصور ~~وأخوه الأصغر أبو حرب، ليأخذا القلعة منه كيف أمكن، فصعد أبو حرب إليها، ~~ووافق المستحفظ على العصيان، فعاد أبو منصور إلى أصبهان، وأرسل أبو حرب إلى ~~الغز السلجوقية بالري يستنجدهم، فسار طائفة منهم إلى قاجان، فدخلوها ~~ونهبوها وسلموها إلى أبي حرب، وعادوا إلى الري، فسير إليها أبو منصور عسكرا ~~ليستنقذها من أخيه، فجمع أبو حرب الأكراد وغيرهم، وجعل عليهم صاحبا له، ~~وسيرهم إلى أصبهان ليملكوها بزعمه، فسير إليهم أخوه أبو منصور عسكرا، ~~فالتقوا، وانهزم عسكر أبي حرب وأسر جماعة منهم. # وتقدم أصحاب أبي منصور فحصروا أبا حرب، فلما رأى الحال وخاف، نزل # PageV08P024 # منها متخفيا، وسار إلى شيراز إلى الملك أبي كاليجار، صاحب فارس والعراق، ~~فحسن له قصد أصبهان وأخذها من أخيه، فسار الملك إليها وحصرها، وبها الأمير ~~أبو منصور، فامتنع عليه، وجرى بين الفريقين عدة وقائع، وكان آخر الأمر ~~الصلح على أن يبقى أبو منصور بأصبهان، وتقرر عليه مال، وعاد أبو حرب إلى ~~قلعة نطنز، واشتد الحصار عليه، فأرسل إلى أخيه يطلب المصالحة، فاصطلحا على ~~أن يعطي أخاه بعض ما في القلعة، ويبقى بها على حاله . # ثم إن إبراهيم ينال خرج إلى الري، على ms3387 ما نذكره، وأرسل إلى أبي منصور ~~فرامرز يطلب منه الموادعة، فلم يجبه، وسار فرامرز إلى همذان وبرجرد ~~فملكهما، ثم اصطلح هو وأخوه كرشاسف، وأقطعه همذان، وخطب لأبي منصور على ~~منابر بلاد كرشاسف، واتفقت كلمتهما، وكان المدبر لأمرهما الكيا أبو الفتح ~~الحسن بن عبد الله، وهو الذي سعى في جمع كلمتهما. # ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان # في هذه السنة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، وسبب ذلك أن أنوشروان بن منوجهر ~~بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي، صاحب جيشه ~~وزوج أمه، بمساعدة أمه عليه، فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا مانع له عنها، ~~فسار إليها وقصد جرجان ومعه مرداويج بن بسو، فلما نازلها فتح له المقيم بها ~~فدخلها، وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا، وسلمها إلى مرداويج بن بسو، ~~وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال، وعاد إلى نيسابور. # وقصد مرداويج أنوشروان بسارية، وكان بها، فاصطلحا على أن ضمن أنوشروان له ~~ثلاثين ألف دينار، وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها، وتزوج مرداويج ~~بوالدة أنوشروان، وبقي أنوشروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شيء ~~البتة. # PageV08P025 # ذكر أحوال ملوك الروم # نذكر هاهنا أحوال الروم من عهد بسيل إلى الآن، فنقول : من عادة ملوك ~~الروم أن يركبوا أيام الأعياد إلى البيعة المخصوصة بذلك العيد، فإذا اجتاز ~~الملك بالأسواق شاهه الناس وبأيديهم المداخن يبخرون فيها، فركب والد بسيل ~~وقسطنطين في بعض الأعياد، وكان لبعض أكابر الروم بنت جميلة، فخرجت تشاهد ~~الملك، فلما مر بها استحسنها، فأمر من يسأل عنها، فلما عرفها خطبها وتزوجها ~~وأحبها، وولدت منه بسيل وقسطنطين، وتوفي وهما صغيران، فتزوجت بعده بمدة ~~طويلة نقفور، فكره كل واحد منهما صاحبه، فعملت على قتله، فراسلت الشمشقيق ~~في ذلك، فقصد قسطنطينية متخفيا، فأدخلته إلى دار الملك، واتفقا وقتلاه ~~ليلا، وأحضرت البطارقة متفرقين وأعطتهم الأموال ودعتهم إلى تمليك الشمشقيق، ~~ففعلوا، ولم يصبح وقد فرغت مما تريد، ولم يجر خلف. # وتزوجت الشمشقيق وأقامت معه سنة، فخافها واحتال عليها، وأخرجها إلى ms3388 دير ~~بعيد، وحمل ولديها معها، فأقامت فيه سنة، ثم أحضرت راهبا، ووهبته مالا، ~~وأمرته بقصد قسطنطينية والمقام بكنيسة الملك، والاقتصار على قدر القوت، ~~فإذا وثق به الملك، وأراد القربان من يده ليلة العيد سقاه سما، ففعل الراهب ~~ذلك، فلما كان ليلة العيد سارت ومعها ولداها، ووصلت قسطنطينية في اليوم ~~الذي توفي فيه الشمشقيق، فملك ولدها بسيل، ودبرت هي الأمر لصغره، فلما كبر ~~بسيل قصد بلد البلغار، وتوفيت وهو هناك، فبلغه وفاتها، فأمر خادما له أن ~~يدبر الأمور في غيبته. # ودام قتاله لبلغار أربعين سنة، فظفروا به، فعاد مهزوما وأقام ~~بالقسطنطينية يتجهز للعود، فعاد إليهم، فظفر بهم وقتل ملكهم، وسبى أهله ~~وأولاده، وملك بلاده، ونقل أهلها إلى الروم، وأسكن البلاد طائفة من الروم، ~~وهؤلاء البلغار غير الطائفة المسلمة، فإن هؤلاء أقرب إلى بلد الروم من ~~المسلمين بنحو شهرين، وكلاهما يسمى بلغار. # PageV08P026 # وكان بسيل عادلا، حسن السيرة، ودام ملكه نيفا وسبعين سنة، وتوفي ولم يخلف ~~ولدا، فملك أخوه قسطنطين، وبقي إلى أن توفي ولم يخلف غير ثلاث بنات، فملكت ~~الكبرى وتزوجت أرمانوس، وهو من أقارب الملك، وملكته فبقي مدة، وهو الذي ملك ~~الرها من المسلمين. # وكان لأرمانوس صاحب له يخدمه قبل ملكه، من أولاد بعض الصيارف، اسمه ~~ميخائيل، فلما ملك حكمه في داره، فمالت زوجة قسطنطين إليه، وعملا الحيلة في ~~قتل أرمانوس، فمرض أرمانوس فأدخلاه إلى الحمام كارها وخنقاه، وأظهرا أنه ~~مات في الحمام، وملكت زوجته ميخائيل، وتزوجته على كره من الروم. # وعرض لميخائيل صرع لازمه وشوه صورته، فعهد بالملك بعده إلى ابن أخت له ~~اسمه ميخائيل أيضا، فلما توفي ملك ابن أخته وأحسن السيرة، وقبض على أهل ~~خاله وإخوته، وهم أخواله، وضرب الدنانير في هذه السنة، وهي [سنة] ثلاث ~~وثلاثين، ثم أحضر زوجته بنت الملك، وطلب منها أن تترهب وتنزع نفسها عن ~~الملك، فأبت، فضربها وسيرها إلى جزيرة في البحر، ثم عزم على القبض على ~~البطرك والاستراحة من تحكمه عليه، فإنه كان لا يقدر على مخالفته، فطلب إليه ~~أن يعمل له ms3389 طعاما في دير ذكره بظاهر القسطنطينية ليحضر عنده، فأجابه إلى ~~ذلك، وخرج إلى الدير ليعمل ما قال الملك، فأرسل الملك جماعة من الروس ~~والبلغار، ووافقهم على قتله سرا، فقصدوه ليلا وحصروه في الدير، فبذل لهم ~~مالا كثيرا، وخرج متخفيا، وقصد البيعة التي يسكنها، وضرب الناقوس، فاجتمع ~~الروم عليه، ودعاهم إلى عزل الملك فأجابوه إلى ذلك، وحصروا الملك في دار، ~~فأرسل الملك إلى زوجته وأحضرها من الجزيرة التي نفاها إليها، ورغب في أن ~~ترد عنه فلم تفعل، وأخرجته إلى بيعة يترهب فيها. # ثم إن البطرك والروم نزعوا زوجته من الملك، وملكوا أختا لها صغيرة، ~~واسمها تذورة، وجعلوا معها خدم أبيها يدبرون الملك، وكحلوا ميخائيل، ووقعت ~~الحرب # PageV08P027 # بالقسطنطينية بين من يتعصب له وبين من يتعصب لتذورة والبطرك، فظفر أصحاب ~~تذورة بهم، ونهبوا أموالهم. # ثم إن الروم افتقروا إلى ملك يدبرهم، فكتبوا أسماء جماعة يصلحون للملك في ~~رقاع، ووضعوها في بنادق طين، وأمروا من يخرج منها بندقة، وهو لا يعرف باسم ~~من فيها، فخرج اسم قسطنطين، فملكوه وتزوجته الملكة الكبيرة، واستنزلت أختها ~~الصغيرة تذورة عن الملك بمال بذلته لها، واستقر في الملك سنة أربع وثلاثين ~~[وأربعمائة] فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس، ودعا إلى نفسه، ~~فكثر جمعه حتى زادوا على عشرين ألفا، فأهم قسطنطين أمره، وسير إليه جيشا ~~كثيفا، فظفروا بالخارجي وقتلوه، وحملوا رأسه إلى القسطنطينية، وأسر من ~~أعيان أصحابه مائة رجل، فشهروا في البلد، ثم أطلقوا وأعطوا نفقة، وأمروا ~~بالانصراف إلى أي جهة أرادوا. # ذكر فساد حال الدزبري بالشام وما صار الأمر إليه بالبلاد # في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر ~~بالشام، وقد كان كبيرا على مخدومه بما يراه من تعظيم الملوك له، وهيبة ~~الروم منه. # وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يقصده ويحسده، إلا أنه لا يجد طريقا ~~إلى الوقيعة فيه، ثم اتفق أنه سعي بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد، وقيل عنه: ~~إنه يستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين، فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يفعل، ~~واستوحشوا ms3390 منه، ووضع الجرجرائي حاجب الدزبري وغيره على مخالفته. # ثم إن جماعة من الأجناد قصدوا مصر، وشكوا إلى الجرجرائي منه، فعرفهم سوء ~~رأيه فيه، وأعادهم إلى دمشق، وأمرهم بإفساد الجند عليه، ففعلوا ذلك. # PageV08P028 # وأحس الدزبري بما يجري، فأظهر ما في نفسه، وأحضر نائب الجرجرائي عنده، ~~وأمر بإهانته وضربه، ثم إنه أطلق لطائفة من العسكر يلزمون خدمته أرزاقهم، ~~ومنع الباقين، فحرك ما في نفوسهم، وقوى طمعهم فيه بما كوتبوا به من مصر، ~~فأظهروا الشغب عليه وقصدوا قصره، وهو بظاهر البلد، وتبعهم من العامة من ~~يريد النهب، فاقتتلوا، فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم، ففارق مكانه، واستصحب ~~أربعين غلاما له وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال، ونهب الباقي، وسار ~~إلى بعلبك فمنعه مستحفظها، وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري، وتبعه طائفة ~~من الجند يقفون أثره، وينهبون ما يقدرون عليه. # وسار إلى مدينة حماة فمنع عنها وقوتل، وكاتب المقلد بن منقذ الكناني ~~الكفرطابي واستدعاه، فأجابه وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها، ~~فاحتمى به، وسار إلى حلب ودخلها، وأقام بها مدة، وتوفي في منتصف جمادى ~~الأولى من هذه السنة. # فلما توفي فسد أمر بلاد الشام، وانتشرت الأمور بها، وزال النظام، وطمعت ~~العرب، وخرجوا في نواحيه، فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين، وخرج معز ~~الدولة بن صالح الكلابي بحلب، وقصدها وحصرها، وملك المدينة، وامتنع أصحاب ~~الدزبري بالقلعة، وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة، فلم يفعلوا، واشتغل عساكر ~~دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق بعد الدزبري بحرب حسان، ~~ووقع الموت في الذين في القلعة، فسلموها إلى معز الدولة بالأمان . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكرا في البحر إلى عمان، # PageV08P029 # وكان قد عصى من بها، فوصل العسكر إلى صحار مدينة عمان فملكوها، واستعادوا ~~الخارجين عن الطاعة، واستقرت الأمور بها، وعادت العساكر إلى فارس. # وفيها قصد أبو نصر بن الهيثم الصليق من البطائح، فملكها ونهبها، ثم استقر ~~أمرها على مال يؤديه إلى جلال الدولة. # وفيها توفي أبو ms3391 منصور بهرام بن مافنة، وهو الملقب بالعادل، وزير الملك ~~أبي كاليجار، ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان حسن السيرة، وبنى دار ~~الكتب بفيروزاباذ، وجعل فيها سبعة آلاف مجلد، فلما مات وزر بعده مهذب ~~الدولة أبو منصور هبة الله بن أحمد الفسوي . # وفيها وصل جماعة من البلغار إلى بغداذ يريدون الحج، فأقيم لهم من الديوان ~~الإقامات الوافرة، فسئل بعضهم: من أي الأمم هم البلغار؟ فقال: هم قوم ~~تولدوا بين ارك والصقالبة، وبلدهم في أقصى الترك، وكانوا كفارا، فأسلموا عن ~~قريب، وهم على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. # [الوفيات] # وفيها توفي ميخائيل ملك الروم، وملك بعده ابن أخيه ميخائيل أيضا. # وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو الحسن محمد بن جعفر الجهرمي الشاعر، وهو ~~القائل: # PageV08P030 # يا ويح قلبي من تقلبه ... أبدا يحن إلى معذبه # قالوا كتمت هواه عن جلد ... لو أن لي رمقا لبحت به # بأبي حبيبا غير مكترث ... عني ويكثر من تعتبه # حسبي رضاه من الحياة ... وما قلقي وموتي من تغضبه # وكان بينه وبين المطرز مهاجاة. # PageV08P031 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة] ### | 434 - # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة # ذكر ملك طغرلبك مدينة خوارزم # قد تقدم أن خوارزم كانت من جملة مملكة محمود بن سبكتكين، فلما توفي وملك ~~بعده ابنه مسعود كانت له، وكان فيها ألتونتاش حاجب أبيه محمود، وهو من ~~أكابر أمرائه، يتولاها لمحمود ومسعود بعده، ولما كان مسعود مشغولا بقصد ~~أخيه محمد لأخذ الملك، قصد الأمير علي تكين صاحب ما وراء النهر أطراف بلاده ~~وشعثها، فلما فرغ مسعود من أمر أخيه واستقر الملك له كاتب ألتونتاش في سنة ~~أربع وعشرين بقصد أعمال علي تكين، وأخذ بخارى وسمرقند، وأمده بجيش كثيف، ~~فعبر جيحون، وفتح من بلاد علي تكين ما أراد، وانحاز علي تكين من بين يديه. # وأقام ألتونتاش بالبلاد التي فتحها، فرأى دخلها لا يفي بما تحتاج عساكره ~~; لأنه كان يريد [أن] يكون في جمع كثير يمتنع بهم على الترك، فكاتب مسعودا ~~في ذلك واستأذنه في العود إلى خوارزم، فأذن ms3392 له، فلما عاد لحقه علي تكين على ~~غرة وكبسه، فانهزم علي تكين، وصعد إلى قلعة دبوسية، فحصره ألتونتاش وكاد ~~يأخذه! فراسله لي تكين واستعطفه وضرع إليه، فرحل عنه وعاد إلى خوارزم. # وأصاب ألتونتاش في هذه الوقعة جراحة، فلما عاد إلى خوارزم مرض منها ~~وتوفي، وخلف من الأولاد ثلاثة بنين: هارون، ورشيد، وإسماعيل، فلما توفي ضبط ~~البلد وزيه أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد، وحفظ الخزائن وغيرها، وأعلم ~~مسعودا، فولى ابنه الكبير هارون خوارزم، وسيره إليها، وكان عنده . # PageV08P032 # واتفق أن الميمندي وزير مسعود توفي، فاستحضر أبا نصر بن محمد بن عبد ~~الصمد واستوزره، فاستناب أبو نصر عند هارون ابنه عبد الجبار، وجعله وزيره، ~~فجرى بينه وبين هارون منافرة أسرها هارون في نفسه، وحسن له أصحابه القبض ~~على عبد الجبار، والعصيان على مسعود، فأظهر العصيان في شهر رمضان سنة خمس ~~وعشرين [وأربعمائة] ، وأراد قتل عبد الجبار فاختفى منه، فقال أعداء أبيه ~~للملك مسعود : إن أبا نصر واطأ هارون على العصيان، وإنما اختفى ابنه حيلة ~~ومكرا، فاستوحش منه إلا أنه لم يظهر ذلك له. # وعزم مسعود على الخروج من غزنة إلى خوارزم، فسار عن غزنة والزمان شتاء، ~~فلم يمكنه قصد خوارزم، فسار إلى جرجان طالبا أنوشروان بن منوجهر، ليقابله ~~على ما ظهر منه عند اشتغال مسعود بقتال أحمد ينال تكين ببلاد الهند. # فلما كان ببلاد جرجان أتاه كتاب عبد الجبار أبي نصر بقتل هارون، وإعادة ~~البلد إلى طاعته، وكان عبد الجبار في بدء استتاره يعمل على قتل هارون، ووضع ~~جماعة على الفتك به، فقتلوه عند خروجه إلى الصيد، وقام عبد الجبار بحفظ ~~البلد. # فلما وقف مسعود على كتاب عبد الجبار علم أن الذي قيل عن أبيه كان باطلا، ~~فعاد إلى الثقة به، وبقي عبد الجبار أياما يسيرة، فوثب به غلمان هارون ~~فقتلوه، وولوا البلد إسماعيل بن ألتونتاش، وقام بأمره شكر خادم أبيه، وعصوا ~~على مسعود. # فكتب مسعود إلى شاهملك بن علي، أحد أصحاب الأطراف بنواحي خوارزم، بقصد ~~خوارزم وأخذها، فسار إليها، ms3393 فقاتله شكر وإسماعيل ومنعاه عن البلد، فهزمهما ~~وملك البلد، فسارا إلى طغرلبك وداود السلجقيين والتجآ إليهما، وطلبا ~~المعونة منهما، فسار داود معهما إلى خوارزم، فلقيهم شاهملك وقاتلهم فهزمهم، ~~ولما جرى على مسعود من القتل ما جرى وملك مودود، دخل شاهملك في طاعته ~~وصافاه، وتمسك كل واحد منهما بصاحبه . # ثم إن طغرلبك سار إلى خوارزم فحصرها وملكها واستولى عليها، وانهزم شاهملك ~~بين يديه، واستصحب أمواله وذخائره ومضى في المفازة إلى دهستان، ثم انتقل ~~عنها إلى طبس، ثم إلى أطراف كرمان، ثم إلى أعمال التيز ومكران، فلما وصل # PageV08P033 # إلى هناك علم خلاصه ببعده، وأمن في نفسه، فعرف خبره أرتاش أخو إبراهيم ~~ينال، وهو ابن عم طغرلبك، فقصده في أربعة آلاف فارس، فأوقع به وأسره وأخذ ~~ما معه، ثم عاد به فسلمه إلى داود، وحصل هو بما غنم من أمواله، وعاد بعد ~~ذلك إلى باذغيس المقاربة لهراة، وأقام على محاصرة هراة، لأنهم إلى هذه ~~الغاية كانوا مقيمين على الامتناع والاعتصام ببلدهم والثبات على طاعة مودود ~~بن مسعود، فقاتلهم أهل هراة، وحفظوا بلدهم مع خراب سوادهم، وإنما حملهم على ~~ذلك الحرب، خوفا من الغز . # ذكر قصد إبراهيم ينال همذان وما كان منه # قد ذكرنا خروج إبراهيم ينال من خراسان إلى الري واستيلاءه عليها. فلما ~~استقر أمرها سار عنها، وملك البلاد المجاورة لها، ثم انتقل إلى برجرد ~~فملكها، ثم قصدهمذان، وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة صاحبها، ~~ففارقها إلى سابور خواست، ونزل إبراهيم ينال على همذان وأراد دخولها، فقال ~~له أهلها: إن كنت تريد الاعة وما يطلبه السلطان من الرعية، فنحن باذلوه، ~~وداخلون تحته، فاطلب أولا هذا المخالف عليك الذي كان عندنا - يعنون كرشاسف ~~- فإنا لا نأمن عوده إلينا، فإذا ملكته أو دفعته كنا لك. # فكف عنهم وسار إلى كرشاسف بعد أن أخذ من أهل البلد مالا، فلما قارب سابور ~~خواست صعد كرشاسف إلى القلعة فتحصن بها، وحصر إبراهيم البلد، فقاتله أهله ~~خوفا من الغز، فلم يكن لهم طاقة على دفعهم، فملك البلد ms3394 قهرا، ونهب الغز ~~أهله، وفعلوا الأفاعيل القبيحة بهم، ثم عادوا بما غنموه إلى الري، فرأوا ~~طغرلبك قد وردها، ولما فارق إبراهيم والغز همذان نزل كرشاسف إليها، فأقام ~~بها إلى أن وصل طغرلبك إلى الري، فسار إليه إبراهيم، على ما نذكر إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر خروج طغرلبك إلى الري وملك بلد الجبل # في هذه السنة خرج طغرلبك من خراسان إلى الري بعد فراغه من خوارزم، ~~وجرجان، وطبرستان، فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه، ~~وتسلم # PageV08P034 # طغرلبك الري منه، وتسلم غيرها من بلد الجبل، وسار إبراهيم إلى سجستان، ~~وأخذ طغرلبك أيضا قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرما، وأمر ~~طغرلبك بعمارة الري، وكانت قد خربت، فوجد في دار الإمارة مراكب ذهب مجوهرة ~~وبرنيتي صيني مملوءتين جوهرا ومالا كثيرا، وغير ذلك . # وكان كامرو يهادي طغرلبك وهو بخراسان ويخدمه، وخدم أخاه إبراهيم لما كان ~~بالري، فلما حضر عنده أهدى له هدايا كثيرة من أنواع شتى، وهو يظن أن طغرلبك ~~يزيد في إقطاعه، ويرعى له ما تقدم من خدمته له، فخاب ظنه، وقرر على ما بيده ~~كل سنة سبعة وعشرين ألف دينار. # ثم سار إلى قزوين، فامتنع عليه أهلها، فزحف إليهم ورماهم بالسهام ~~والحجارة، فلم يقدروا أن يقفوا على السور، وقتل من أهل البلد برشق، وأخذ ~~ثلاثمائة وخمسين رجلا، فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك ~~البلد عنوة وينهب، فمنعوا الناس من القتال، وأصلحوا الحال على ثمانين ألف ~~دينار، وصار صاحبها في طاعته. # ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من أمراء الغز الذين تقدم خروجهم - ~~يمنيهم ويدعوهم إلى الحضور في خدمته، فلما وصل رسوله إليهم ساروا حتى نزلوا ~~على نهر بنواحي زنجان، ثم أعادوا رسوله، وقالوا له: قل له قد علمنا أن غرضك ~~أن تجمعنا لتقبض علينا، والخوف منك أبعدنا عنك، وقد نزلنا هاهنا، فإن ~~أردتنا قصدنا خراسا أو الروم، ولا نجتمع بك أبدا. # وأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة ويطلب منه مالا، ms3395 ففعل ذلك، ~~وحمل إليه مالا وعروضا، وأرسل أيضا إلى سلار الطرم يدعوه إلى خدمته، # PageV08P035 # ويطالبه بحمل مائتي ألف دينار، فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء من ~~المال. وأرسل سرية إلى أصبهان وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة، ~~فأغارت على أمالها وعادت سالمة. # وخرج طغرلبك من الري، وأظهر قصد أصبهان، فراسله فرامرز وصانعه بمال، فعاد ~~عنه، وسار إلى همذان فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، وكان قد نزل ~~إليه وهو بالري بعد أن راسله طغرلبك غير مرة، وسار معه من الري إلى ~~أبهروزنجان، فأخذ منه همذان، وتفرق أصحابه عنه، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة ~~كنكور، فأرسل إلى من بها بالتسليم، فلم يفعلوا وقالوا لرسل طغرلبك: قل ~~لصاحبك والله لو قطعته قطعا ما سلمناها إليك. فقال له طغرلبك: ما امتنعوا ~~إلا بأمرك ورأيك، فاص إليهم وأقم معهم، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك. # ثم عاد إلى الري، واستناب بهمذان ناصرا العلوي، وكان كرشاسف قد قبض عليه، ~~فأخرجه طغرلبك وولاه الري، وأمره بمساعدة من يجعله في البلد، وكان معه ~~مرداويج بن بسو نائبه في جرجان وطبرستان، فمات، وقام ولده جستان مقامه، ~~فسار طغرلبك إلى جرجان، فعزل جستان عنها، واستعمل على جرجان أسفار، وهو من ~~خواص منوجهر بن قابوس، فلما فرغ أمر جرجان وطبرستان سار إلى دهستان فحصرها، ~~وبها صاحبها كاميار معتصما بها لحصانتها. # ذكر مسير عساكر طغرلبك إلى كرمان # وسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال بعد أن دخل ~~الري، وقيل: إن إبراهيم لم يقصد كرمان، وإنما قصد سجستان، وكان مقدم ~~العساكر التي سارت إلى كرمان غيره، فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا، ولم ~~يقدموا على التوغل فيها، فلم يروا من العساكر من يكفهم، فتوسطوها وملكوا ~~عدة مواضع منها، ونهبوها. # فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار صاحبها، فسير وزيره مهذب الدولة في # PageV08P036 # العساكر الكثيرة، وأمره بالجد في المسير ليدركهم قبل أن يملكوا جيرفت، ~~وكانوا يحاصرونها، فطوى المراحل حتى قاربهم، فرحلوا عن جيرفت ونزلوا على ~~ستة فراسخ منها. ms3396 # وجاء مهذب الدولة فنزلها، وأرسل ليحمل الميرة إلى العسكر، فخرجت الغز إلى ~~الجمال والبغال والميرة ليأخذوها، وسمع مهذب الدولة ذلك فسير طائفة من ~~العسكر لمنعهم، فتواقعوا واقتتلوا، وتكاثر الغز فسمع مهذب الدولة الخبر، ~~فسار في العساكر إلى المعركة وهم يقتتلون، وقد ثبتت كل طائفة لصاحبتها، ~~واشتد القتال إلى حد أن بعض الغز رمى فرس بعض أصحاب أبي كاليجار بسهم، فوقع ~~فيه، وطعنه صاحب الفرس برمح، فأصاب فرس الغزي، وحمل الغزي على صاحب الفرس ~~فضربه ضربة قطعت يده، وحمل عليه صاحب الفرس وهو على هذه الحالة، فضربه ~~بسيفه فقطعه قطعتين، وسقطا إلى الأرض قتيلين، والفرسان قتيلان، وهذه حالة ~~لم يدون عن مقدمي الشجعان أحسن منها. # فلما وصل مهذب الدولة إلى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبونه، ~~ودخلوا المفازة، وتبعهم الديلم إلى رأس الحد، وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما ~~فسد منها. 0 # ذكر الوحشة بين القائم بأمر الله أمير المؤمنين وجلال الدولة # في هذه السنة افتتحت الجوالي في المحرم ببغداذ، فأنفذ الملك جلال الدولة ~~فأخذ ما تحصل منها، وكانت العادة أن يحمل ما يحصل منها إلى الخلفاء لا ~~تعارضهم فيها الملوك، فلما فعل جلال الدولة ذلك عظم الأمر فيه على القائم ~~بأمر الله واشتد عليه، وأرسل مع أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي في ذلك، ~~وتكررت الرسائل، # PageV08P037 # فلم يصغ جلال الدولة لذلك، وأخذ الجوالي، فجمع الخليفة الهاشميين بالدار ~~والرجالة، وتقدم بإصلاح الطيار والزبازب، وأرسل إلى أصحاب الأطراف والقضاة ~~بما عزم عليه، وأظهر العزم على مفارقة بغداذ، فلم يتم ذلك، وحدث وحشة من ~~الجهتين، فاقتضت الحال أن الملك يترك معارضة النواب الإمامية فيها في السنة ~~الآتية. # ذكر محاصرة شهرزور وغيرها # (في هذه السنة) سار أبو الشوك إلى شهرزور، فحصرها ونهبها وأحرقها، وخرب ~~قراها وسوادها، وحصر قلعة تبرانشاه، فدفعه أبو القاسم بن عياض عنها، ووعده ~~أن يخلص ولده أبا الفتح من أخيه مهلهل، وأن يصلح بينهما. # وكان مهلهل قد سار من شهرزور لما بلغه أن أخاه أبا الشوك يريد قصدها، ~~وقصد نواحي سندة وغيرها ms3397 من ولايات أبي الشوك، فنهبها وأحرقها، وهلكت الرعية ~~في الجهتين. # ثم إن أبا الشوك راسل أبا القاسم بن عياض يستنجزه ما وعده به من تخليص ~~ولده، والشروط التي تقررت بينهما، فأجابه بأن مهلهلا غير مجيب إليه. فعند ~~ذلك سار أبو الشوك من حلوان إلى الصامغان ونهبها، ونهب الولاية التي لمهلهل ~~جميعها، فانزاح مهلهل من بين يديه، وترددت الرسل بينهما، فاصطلحا على دغل ~~ودخل، وعاد أبو الشوك. # ذكر خروج سكين بمصر # في هذه السنة في رجب خرج بمصر إنسان اسمه سكين، كان يشبه الحاكم # PageV08P038 # صاحب مصر، فادعى أنه الحاكم، وقد رجع بعد موته، فاتبعه جمع ممن يعتقد ~~رجعة الحاكم، فاغتنموا خلو دار الخليفة بمصر من الجند وقصدوها مع سكين نصف ~~النهار، فدخلوا الدهليز، فوثب من هناك من الجند، فقال لهم أصحابه: إنه ~~الحاكم، فارتاعوا لذلك، ثم ارتابوا به، فقبضوا على سكين ووقع الصوت، ~~واقتتلوا، فتراجع الجند إلى القصر، والحرب قائمة، فقتل من أصحابه جماعة، ~~وأسر الباقون وصلبوا أحياء، ورماهم الجند بالنشاب حتى ماتوا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، هدمت قلعتها وسورها ودورها ~~وأسواقها وأكثر دار الإمارة، وسلم الأمير لأنه كان في بعض البساتين، فأحصي ~~من هلك من أهل البلد، وكانوا قربا من خمسين ألفا، ولبس الأمير السواد ~~والمسوح لعظم المصيبة، وعزم على الصعود إلى بعض قلاعه، خوفا من توجه الغز ~~السلجوقية إليه، وأخبر بذلك أبو جعفر بن الرقي العلوي النقيب بالموصل. # وفيها قتل قرواش كاتبه أبا الفتح بن المفرج صبرا. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن أحمد أبو ذر الهروي الحافظ، أقام بمكة، وتزوج من # PageV08P039 # العرب، وأقام بالسروات، وكان يحج كل سنة، يحدث في الموسم ويعود إلى أهله، ~~وصحب (القاضي أبا بكر الباقلاني. # وفيها توفي عمر بن إبراهيم بن سعيد الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص، وكان ~~فقيها شافعيا) . # PageV08P040 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة] ### | 435 - # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة # ذكر إخراج المسلمين والنصارى والغرباء من القسطنطينية # في هذه السنة أخرج ملك الروم ms3398 الغرباء من المسلمين والنصارى وسائر الأنواع ~~من القسطنطينية # وسبب ذلك أنه وقع الخبر بالقسطنطينية أن قسطنطين قتل ابنتي الملك المتقدم ~~اللتين قد صار الملك فيهما الآن، فاجتمع أهل البلد وأثاروا الفتنة، وطمعوا ~~في النهب، فأشرف عليهم قسطنطين، وسألهم عن السبب في ذلك، فقالوا: قتلت ~~الملكتين وأفسدت الملك. فقال: ما قتلتهما. وأخرجهما حتى رآهما الناس، ~~فسكنوا. ثم إنه سأل عن سبب ذلك فقيل له: إنه فعل الغرباء. وأشاروا ~~بإبعادهم، وأمر فنودي أن لا يقيم أحد ورد البلد منذ ثلاثين سنة، فمن أقام ~~بعد ثلاثة أيام كحل، فخرج منها أكثر من مائة ألف إنسان، ولم يبق بها أكثر ~~من اثني عشر نفسا ضمنهم الروم، فتركهم. # ذكر وفاة جلال الدولة وملك أبي كاليجار # في هذه السنة في سادس شعبان توفي الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداذ، وكان مرضه ورما في كبده، وبقي عدة ~~أيام مريضا وتوفي، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وملكه ببغداد ست ~~عشرة # PageV08P041 # سنة وأحد عشر شهرا، ودفن بداره، ومن علم سيرته وضعفه واستيلاء الجند ~~والنواب عليه ودوام ملكه إلى هذه الغاية - علم أن الله على كل شيء قدير، ~~يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء. # وكان يزور الصالحين ويقرب منهم، وزار مرة مشهدي علي والحسين - عليهما ~~السلام - وكان يمشي حافيا قبل أن يصل إلى كل مشهد منهما نحو فرسخ، يفعل ذلك ~~تدينا. ولما توفي انتقل الوزير كمال الملك بن عبد الرحيم وأصحاب الملك ~~الأكابر إلى باب المراتب، وحريم دار الخلافة، خوفا من نهب الأتراك والعامة ~~دورهم، فاجتمع قواد العسكر تحت دار المملكة، ومنعوا الناس من نهبها. # ولما توفي كان ولده الأكبر الملك العزيز أبو منصور بواسط على عادته، ~~فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة من حق البيعة، ~~فترددت المراسلات بينهم في مقداره (وتأخيره لفقده) . # وبلغ موته إلى الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، فكاتب ~~القواد والأجناد، ورغبهم في المال وكثرته وتعجيله، فمالوا إليه، وعدلوا ms3399 عن ~~الملك العزيز. # وأما الملك العزيز فإنه أصعد (إلى بغداذ لما) قرب الملك أبو كاليجار ~~منها، على ما نذكره سنة ست وثلاثين [وأربعمائة] عازما على قصد بغداذ ومعه # PageV08P042 # عسكره، فلما بلغ النعمانية غدر به عسكره ورجعوا إلى واسط، وخطبوا لأبي ~~كاليجار، فلما رأى ذلك مضى إلى نور الدولة دبيس بن مزيد، لأنه بلغه ميل جند ~~بغداذ إلى أبي كاليجار، وسار من عند دبيس إلى قرواش بن المقلد، فاجتمع به ~~بقرية خصة من أعمال بغداذ، وسار معه إلى الموصل، ثم فارقه وقصد أبا الشوك ~~لأنه حموه، فلما وصل إلى أبي الشوك غدر به، وألزمه بطلاق ابنته، ففعل، وسار ~~عنه إلى إبراهيم ينال أخي طغرلبك، وتنقلت به الأحوال حتى قدم بغداذ في نفر ~~يسير عازما على استمالة العسكر وأخذ الملك، فثار به أصحاب الملك أبي ~~كاليجار، فقتل بعض من عنده، وسار هو متخفيا، فقصد نصر الدولة بن مروان، ~~فتوفي عنده بميافارقين، وحمل إلى بغداد، ودفن عند أبيه بمقابر قريش، في ~~مشهد باب التبن سنة إحدى وأربعين [وأربعمائة] . # وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي أنه آخر ملوك بني بويه، وليس كذلك، ~~فإنه ملك بعده أبو كاليجار، ثم الملك الرحيم بن أبي كاليجار، وهو آخرهم على ~~ما تراه. وأما الملك أبو كاليجار فلم تزل الرسل تتردد بينه وبين عسكر بغداذ ~~حتى استقر الأمر له، وحلفوا، وخطبوا له ببغداذ في صفر من سنة ست وثلاثين ~~وأربعمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر حال أبي الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين # في هذه السنة سير الملك أبو الفتح مودود بن مسعود بن سبكتكين عسكرا مع ~~حاجب له إلى نواحي خراسان، فأرسل إليهم داود أخو طغرلبك، وهو صاحب خراسان - ~~ولده ألب أرسلان في عسكر، فالتقوا واقتتلوا، فكان الظفر للملك ألب أرسلان، ~~وعاد عسكر غزنة منهزما. # وفيها أيضا في صفر سار جمع من الغز إلى نواحي بست، وفعلوا ما عرف منهم من ~~النهب والشر، فسير إليهم أبو الفتح مودود عسكرا، فالتقوا بولاية بست، ms3400 # PageV08P043 # واقتتلوا قتالا شديدا، انهزم الغز فيه، وظفر عسكر مودود، وأكثروا فيهم ~~القتل والأسر. # ذكر ملك مودود عدة حصون من بلد الهند # في هذه السنة اجتمع ثلاثة ملوك من ملوك الهند، وقصدوا لهاوور وحصروها، ~~فجمع مقدم العساكر الإسلامية بتلك الديار من عنده منهم، وأرسل إلى صاحبه ~~مودود يستنجده، فسير إليه العساكر. # فاتفق أن بعض أولئك الملوك فارقهم وعاد إلى طاعة مودود، فرحل الملكان ~~الآخران إلى بلادهما، فسارت العساكر الإسلامية إلى أحدهما، ويعرف بدوبال ~~هرباته، فانهزم منهم، وصعد إلى قلعة له منيعة هو وعساكره، فاحتموا بها، ~~وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل، وحصرهم المسلمون وضيقوا عليهم، ~~وأكثروا القتل فيهم، فطلب الهنود الأمان على تسليم الحصن، فامتنع المسلمون ~~من إجابتهم إلى ذلك إلا بعد أن يضيفوا إليه باقي حصون ذلك الملك الذي لهم، ~~فحملهم الخوف وعدم الأقوات على إجابتهم إلى ما طلبوا، وتسلموا الجميع، وغنم ~~المسلمون الأموال، وأطلقوا ما في الحصون من أسرى المسلمين، وكانوا نحو خمسة ~~آلاف نفر. # فلما فرغوا من هذه الناحية قصدوا ولاية الملك الثاني، واسمه تابت، بالري، ~~فتقدم إليهم ولقيهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزمت الهنود، وأجلت المعركة ~~عن قتل ملكهم وخمسة آلاف قتيل، وجرح وأسر ضعفاهم، وغنم المسلمون أموالهم ~~وسلاحهم ودوابهم. # فلما رأى باقي الملوك من الهند ما لقي هؤلاء أذعنوا بالطاعة، وحملوا ~~الأموال، وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم، فأجيبوا إلى ذلك. # PageV08P044 # ذكر الخلف بين الملك أبي كاليجار وفرامرز بن علاء الدولة # في هذه السنة نكث الأمير أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة بن كاكويه صاحب ~~أصبهان - العهد الذي بينه وبين الملك أبي كاليجار، وسير عسكرا إلى نواحي ~~كرمان، فملكوا منها حصنين، وغنموا ما فيهما. # فأرسل الملك أبو كاليجار إليه في إعادتهما وإزالة الاعتراض عنهما، فلم ~~يفعل، فجهز عسكرا وسيره إلى أبرقوه فحصرها وملكها، فانزعج فرامرز لذلك، ~~وجهز عسكرا كثيرا وسيره إليهم، فسمع الملك أبو كاليجار بذلك، فسير عسكرا ~~ثانيا مددا لعسكره الأول، والتقى العسكران فاقتتلوا وصبروا، ثم انهزم عسكر ~~أصبهان، وأسر مقدمهم الأمير إسحاق بن ينال، واسترد ms3401 نواب أبي كاليجار ما ~~كانوا أخذوه من كرمان. # ذكر أخبار الترك بما وراء النهر # في هذه السنة في صفر أسلم من كفار الترك الذين كانوا يطرقون بلاد الإسلام ~~بنواحي بلاساغون وكاشغر، ويغيرون ويعيثون - عشرة آلاف خركاة، وضحوا يوم عيد ~~الأضحى بعشرين ألف رأس غنم، وكفى الله المسلمين شرهم. # وكانوا يصيفون بنواحي بلغار، ويشتون بنواحي بلاساغون، فلما أسلموا تفرقوا ~~في البلاد، فكان في كل ناحية ألف خركاة وأقل وأكثر، لأمنهم، فإنهم إنما ~~كانوا يجتمعون ليحمي بعضهم بعضا من المسلمين، وبقي من الأتراك من لم يسلم ~~تتر وخطا، وهم بنواحي الصين. # وكان صاحب بلاساغون وبلاد الترك شرف الدولة، وفيه دين، وقد أقنع من إخوته ~~وأقاربه بالطاعة، وقسم البلاد بينهم، فأعطى (أخاه أصلان تكين كثيرا من بلاد ~~الترك، وأعطى أخاه بغراخان طراز وأسبيجاب، وأعطى عمه طغاخان فرغانة بأسرها) ~~، وأعطى ابن علي تكين بخارى وسمرقند وغيرهما، وقنع هو ببلاساغون وكاشغر. # PageV08P045 # ذكر أخبار الروم والقسطنطينية # في هذه السنة في صفر أيضا ورد إلى القسطنطينية عدد كثير من الروس في ~~البحر، وراسلوا قسطنطين ملك الروم بما لم تجر به عادتهم، فاجتمعت الروم على ~~حربهم، وكان بعضهم قد فارق المراكب إلى البر، وبعضهم فيها، فألقى الروم في ~~مراكبهم النار، فلم يهتدوا إلى إطفائها، فهلك كثير منهم بالحرق والغرق، ~~وأما الذين على البر فقاتلوا وأبلوا، وصبروا ثم انهزموا، فلم يكن لهم ملجأ، ~~فمن استسلم أولا استرق وسلم، ومن امتنع حتى أخذ قهرا قطع الروم أيمانهم، ~~وطيف بهم في البلد، ولم يسلم منهم إلا اليسير مع ابن ملك الروسية، وكفي ~~الروم شرهم. # ذكر طاعة المعز بإفريقية للقائم بأمر الله # في هذه السنة أظهر المعز ببلاد إفريقية الدعاء للدولة العباسية، وخطب ~~للإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، ووردت عليه الخلع والتقليد ببلاد ~~إفريقية وجميع ما يفتحه، وفي أول الكتاب الذي مع الرسل : " من عبد الله ~~ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد ثقة ~~الإسلام، وشرف الإمام، وعمة الأنام، ناصر دين الله، قاهر أعداء الله، ومؤيد ~~سنة ms3402 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ~~ولي أمير المؤمنين بولاية جميع المغرب وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين ". ~~وهو طويل . # وأرسل إليه سيف وفرس وأعلام على طريق القسطنطينية، فوصل ذلك يوم الجمعة، ~~فدخل به إلى الجامع والخطيب ابن الفاكاة على المنبر يخطب الخطبة الثانية، ~~فدخلت الأعلام فقال : هذا لواء الحمد يجمعكم ، وهذا معز الدين يسمعكم ، ~~وأستغفر الله لي ولكم . وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت، وأحرقت ~~أعلامهم # PageV08P046 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة جرت حرب بين ابن الهيثم صاحب البطيحة، وبين الأجناد من الغز ~~والديلم، فأحرق الجامدة وغيرها، وخطب الجند للملك أبي كاليجار. # وفيها أرسل الخليفة القائم بأمر الله أقضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد ~~بن حبيب الماوردي الفقيه الشافعي - إلى السلطان طغرلبك قبل وفاة جلال ~~الدولة، وأمره أن يقرر الصلح بين طغرلبك والملك جلال الدولة وأبي كاليجار، ~~فسار إليه وهو بجرجان، فلقيه طغرلبك على أربعة فراسخ إجلالا لرسالة ~~الخليفة، وعاد الماوردي سنة ست وثلاثين [وأربعمائة] ، وأخبر عن طاعة طغرلبك ~~للخليفة، وتعظيمه لأوامره، ووقوفه عنده . # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم (بن ~~أبي الفتح) الأزهري (الصيرفي، المعروف بابن السوادي، شيخ الخطباء أبي بكر) ~~وكان إماما في الحديث، ومن تلامذته الخطيب البغداذي . # PageV08P047 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة] ### | 436 - # ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة # ذكر قتل الإسماعيلية بما وراء النهر # في هذه السنة أوقع بغراخان صاحب ما وراء النهر بجمع كثير من الإسماعيلية ~~. # وكان سبب ذلك أن نفرا منهم قصدوا ما وراء النهر، ودعوا إلى طاعة المستنصر ~~بالله العلوي صاحب مصر، فتبعهم جمع كثير، وأظهروا مذاهب أنكرها أهل تلك ~~البلاد . وسمع ملكها بغراخان خبرهم، وأراد الإيقاع بهم، فخاف أن يسلم منه ~~بعض من أجابهم من أهل تلك البلاد، فأظهر لبعضهم أنه يميل إليهم، ويريد ~~الدخول في مذاهبهم، وأعلمهم ذلك، وأحضرهم مجالسه، ولم يزل حتى علم جميع من ~~أجابهم إلى مقالتهم، فحينئذ قتل من بحضرته ms3403 منهم، وكتب إلى سائر البلاد بقتل ~~من فيها، ففعل بهم ما أمر، وسلمت تلك البلاد منهم. # ذكر الخطبة للملك أبي كاليجار وإصعاده إلى بغداذ # قد ذكرنا لما توفي الملك جلال الدولة ما كان من مراسلة الجند الملك أبا ~~كاليجار والخطبة له . فلما استقرت القواعد بينه وبينهم أرسل أموالا فرقت ~~على الجند بغداذ، وعلى أولادهم، وأرسل عشرة آلاف دينار للخليفة ومعها هدايا ~~كثيرة، فخطب له ببغداذ في صفر، وخطب له أيضا أبو الشوك في بلاده، ودبيس بن ~~مزيد ببلاده، # PageV08P048 # ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، ولقبه الخليفة محيي الدين، وسار إلى ~~بغداذ في مائة فارس من أصحابه لئلا تخافه الأتراك . # فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد، ومضى إلى زيارة المشهدين ~~بالكوفة وكربلاء، ودخل إلى بغداذ في شهر رمضان ومعه وزيره ذو السعادات أبو ~~الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن فسانجس، ووعده الخليفة القائم بأمر الله أن ~~يستقبله، فاستعفى من ذلك، وأخرج عميد الدولة (أبا سعد بن عبد الرحيم وأخاه ~~كمال الملك وزيري جلال الدولة) من بغداذ، فمضى أبو سعد إلى تكريت، وزينت ~~بغداذ لقدومه، وأمر فخلع على أصحاب الجيوش، وهم: البساسيري، والنشاووري، ~~والهمام أبو اللقاء، وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير، فشغب ~~بعضهم وقتلوا واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار، فنزل في ~~سميرية بكنكور، وانحدر خوفا من انخراق الهيبة، وأصعد بفم الصلح. # [وفاة الجرجرائي] # وفي رمضان منها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وزير الظاهر ~~والمستنصر الخليفتين، وكان فيه كفاية وشهامة وأمانة، وصلى عليه المستنصر ~~بالله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة نزل الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة من كنكور، ~~وقصد همذان فملكها، وأزاح عنها نواب السلطان طغرلبك، وخطب للملك أبي ~~كاليجار، وصار في طاعته . # PageV08P049 # وفيها أمر الملك أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز، فبني وأحكم بناؤه، ~~وكان دوره اثني عشر ألف ذراع، وعرضه ثمانية أذرع، وله أحد عشر بابا، وفرغ ~~منه سنة أربعين وأربعمائة . # وفيها نقل تابوت جلال الدولة ms3404 من داره إلى مشهد باب التبن إلى تربة له ~~هناك . # وفيها استوزر السلطان طغرلبك وزيره أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني، ~~وهو أول وزير وزر له، ثم وزر له بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين بن ~~علي بن ميكائيل، ثم وزر له بعده نظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد ~~الدهستاني، وهو أول من لقب نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك الكندري، ~~وهو أشهرهم، وإنما اشتهر لأن طغرلبك في أيامه عظمت دولته، ووصل إلى العراق ~~وخطب له بالسلطنة، وسيرد في أخباره ما فيه كفاية، فلا حاجة إلى ذكرها ~~هاهنا. # [الوفيات] # وفيها توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي أخو الرضي في آخر ربيع الأول، ~~ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وولي نقابة العلويين بعده أبو أحمد عدنان ~~ابن أخيه الرضي . # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله (الحسين بن علي بن محمد) الصيمري، وهو ~~شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه، ومن جملة تلامذته القاضي أبو عبد الله # PageV08P050 # الدامغاني، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وولي بعده قضاء الكرخ ~~القاضي أبو الطيب الطبري مضافا إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطاق . # وفيها توفي القاضي أبو الحسن عبد الوهاب بن منصور بن المشتري قاضي ~~خوزستان وفارس، وكان شافعي المذهب . # وفيها أيضا توفي أبو الحسين محمد بن علي البصري، المتكلم المعتزلي، صاحب ~~التصانيف المشهورة . # PageV08P051 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة] ### | 437 - # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة # ذكر وصول إبراهيم ينال إلى همذان وبلد الجبل # في هذه السنة أمر السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلد ~~الجبل وملكها، فسار إليها من كرمان، وقصد همذان وبها كرشاسف بن علاء ~~الدولة، ففارقها خوفا، ودخلها ينال فملكها، والتحق كرشاسف بالأكراد ~~الجوزقان. # وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور، فسار عنها إلى قرمسين خوفا وإشفاقا من ~~ينال، فقوي طمع ينال حينئذ في البلاد، وسار إلى الدينور فملكها ورتب ~~أمورها، وسار منها يطلب قرمسين. # (فلما سمع أبو الشوك به سار إلى حلوان وترك بقرمسين) من في عسكره من ms3405 ~~الديلم والأكراد الشاذنجان ليمنعوها ويحفظوها، ووافاهم ينال جريدة، ~~فقاتلوه، فدفعوه عنها، فانصرف عنهم وعاد بخركاهاته وحلله، فقاتلوه فضعفوا ~~عنه وعجزوا عن منعه، فملك البلد في رجب عنوة، وقتل من العساكر جماعة كثيرة، ~~وأخذ أموال من سلم من القتل وسلاحهم، وطردهم، ولحقوا بأبي الشوك، ونهب ~~البلد، وقتل وسبى كثيرا من أهله . # ولما سمع أبو الشوك ذلك سير أهله وأمواله وسلاحه من حلوان إلى قلعة ~~السيروان، وأقام جريدة في عسكره، ثم إن ينال سار إلى الصيمرة في شعبان ~~فملكها ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لها من الجوزقان، فانهزموا، وكان ~~كرشاسف بن # PageV08P052 # علاء الدولة نازلا عندهم، فسار هو وهم إلى بلد شهاب الدولة أبي الفوارس ~~منصور بن الحسين. # ثم إن إبراهيم ينال سار إلى حلوان وقد فارقها أبو الشوك، ولحق بقلعة ~~السيروان، فوصل إليها إبراهيم آخر شعبان وقد جلا أهلها عنها وتفرقوا في ~~البلاد، فنهبها وأحرقها، وأحرق دار أبي الشوك، وانصرف بعد أن اجتاحها ~~ودرسها. # وتوجه طائفة من الغز إلى خانقين في أثر جماعة من أهل حلوان كانوا ساروا ~~بأهليهم وأولادهم وأموالهم، فأدركوهم وظفروا بهم وغنموا ما معهم، وانتشر ~~الغز في تلك النواحي، فبلغوا مايدشت وما يليها، فنهبوها وأغاروا عليها. # فلما سمع الملك أبو كاليجار هذه الأخبار أزعجته وأقلقته، وكان بخوزستان، ~~فعزم على المسير، ودفع ينال ومن معه من الغز عن البلاد، فأمر عساكره ~~بالتجهز للسفر إليهم، فعجزوا عن الحركة لكثرة ما مات من دوابهم، فلما تحقق ~~ذلك سار نحو بلاد فارس، فحمل العسكر أثقالهم على الحمير. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في المحرم خطب للملك أبي كاليجار بأصبهان وأعمالها، وعاد ~~الأمير أبو منصور بن علاء الدولة إلى طاعته . # وكان سبب ذلك أنه لما عصى على الملك أبي كاليجار، وقصد كرمان على ما ~~ذكرناه، والتجأ إلى طاعة طغرلبك - لم يبلغ ما كان يؤمله من طغرلبك، فلما ~~عاد طغرلبك إلى خراسان خاف أبو منصور من الملك أبي كاليجار، فراسله في ~~العود إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك واصطلحا. # وفيها اصطلح أبو الشوك وأخوه مهلهل، وكانا ms3406 متقاطعين من حين أسر مهلهل أبا ~~الفتح بن أبي الشوك وموت أبي الفتح في سجنه . فلما كان الآن وخافا من الغز ~~تراسلا في اللح، واعتذر مهلهل، وأرسل ولده أبا الغنائم إلى أبي الشوك، وحلف ~~له أن أبا الفتح توفي حتف أنفه من غير قتل، وقال: هذا ولدي تقتله عوضه. ~~فرضي أبو الشوك وحسن إلى أبي الغنائم، ورده إلى أبيه، واصطلحا واتفقا. # PageV08P053 # وفيها في جمادى الأولى خلع الخليفة على أبي القاسم علي بن الحسن بن ~~المسلمة واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، وهو ابتداء حاله . # وكان السبب في ذلك أن ذا السعادات بن فسانجس وزير الملك أبي كاليجار - ~~كان يسيء الرأي في عميد الرؤساء وزير الخليفة، فطلب من الخليفة أن يعزله ~~فعزله، واستوزر رئيس الرؤساء نيابة، ثم خلع عليه وجلس في الدست . # وفيها في شعبان سار سرخاب بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى البندنيجين، ~~وبها سعدي بن أبي الشوك، ففارقها سعدي ولحق بأبيه، ونهب سرخاب بعضها، وكان ~~أبو الشوك قد أخذ بلد سرخاب ما عدا دزديلوية، وهما متباينان لذلك . # وفيها في آخر رمضان توفي أبو الشوك فارس بن محمد بن عناز بقلعة السيروان، ~~وكان مرض لما سار إلى السيروان (من حلوان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه) ~~سعدي، وصاروا مع عمه مهلهل، فعند ذلك مضى سعدي إلى إبراهيم ينال وأتى ~~بالغز، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وفيها قتل عيسى بن موسى الهذباني صاحب إربل، وكان خرج إلى الصيد، فقتله ~~ابنا أخ له، وسارا إلى قلعة إربل فملكاها، وكان سلار بن موسى أخو المقتول ~~نازلا على قرواش بن المقلد، صاحب الموصل، لنفرة كانت بينه وبين أخيه، فلما ~~قتل سار قرواش مع السلار إلى إربل فملكها وسلمها إلى السلار، وعاد قرواش ~~إلى الموصل . # وفيها كانت ببغداذ فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، وقتال اشتد قتل فيه ~~جماعة. # (وفيها وقع البلاء والوباء في الخيل، فهلك من عسكر الملك أبي كاليجار ~~اثنا # PageV08P054 # عشر ألف فرس، وعم ذلك البلاد) . # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن محمد ms3407 بن نصر أبو الحسن الكاتب بواسط، صاحب الرسائل ~~المشهورة. # PageV08P055 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة] ### | 438 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة # ذكر ملك مهلهل قرمسين والدينور # في هذه السنة ملك مهلهل بن محمد بن عناز مدينة قرمسين والدينور. # وسبب ذلك أن إبراهيم ينال كان قد استعمل عند عوده من حلوان على قرمسين ~~بدر بن طاهر بن هلال، فلما ملك مهلهل بعد موت أخيه أبي الشوك سار إلى ~~مايدشت، ونزل (بها، ثم توجه نحو قرمسين، فانصرف عنها بدر، فملكها) مهلهل، ~~وسير ابنه محمدا إلى الدينور وبها عساكر ينال، فاقتتلوا، فقتل بين الفريقين ~~جماعة، وانهزم أصحاب ينال، وملك محمد البلد . # ذكر اتصال سعدي بن أبي الشوك بإبراهيم ينال وما كان منه # في هذه السنة في شهر ربيع الأول فارق سعدي بن أبي الشوك عمه مهلهلا، ولحق ~~بإبراهيم ينال فصار معه. # وسبب ذلك أن عمه تزوج أمه وأهمل جانبه واحتقره، وكذلك أيضا قصر في مراعاة ~~الأكراد الشاذنجان، فراسل سعدي إبراهيم ينال في اللحاق به، فأذن له في ذلك، ~~ووعده أن يملكه ما كان لأبيه، فسار إليه في جماعة من الأكراد الشاذنجان، ~~فقوي بهم، فأكرمه ينال، وضم إليه جمعا من الغز، وسيره إلى حلوان فملكها، # PageV08P056 # (وخطب فيها لإبراهيم ينال في شهر ربيع الأول، وأقام بها أياما، ورجع إلى ~~مايدشت، فسار عمه مهلهل إلى حلوان فملكها) ، وقطع منها خطبة ينال. # فلما سمع سعدي بذلك سار إلى حلوان، ففارقها عمه مهلهل إلى ناحية بلوطة، ~~وملك سعدي حلوان وسار إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب ما كان معه، وسير جمعا إلى ~~البندنيجين، فاستولوا عليها وقبضوا على نائب سرخاب بها، ونهبوا بعضها، ~~وانهزم سرخاب فصعد إلى قلعة دزديلوية، ثم عاد سعدي إلى قرمسين، فسير عمه ~~مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي وأكثر وعاد إلى حلوان، ~~ففارقها من كان بها من أصحاب عمه إلا من كان بالقلعة، وملكها سعدي، وكان قد ~~صحبه كثير من الغز، فسار بهم منها إلى عمه مهلهل، وترك بها من يحفظها، فلما ~~علم ms3408 عمه بقربه منه سار بين يديه إلى قلعة تيرانشاه بقرب شهرزور، فاحتمى ~~بها، وملك الغز كثيرا من النواحي والمواشي، وغنموا كثيرا من الأموال ~~والدواب . # فلما رأى سعدي تحصن عمه منه خاف على من خلفه بحلوان، فعاد عازما على ~~محاصرة القلعة فمضى وحصرها، وقاتله من بها من أصحاب عمه، ونهب الغز حلوان ~~وفتكوا فيها وافتضوا الأبكار، وأحرقوا المساكن، وتفرق الناس، وفعلوا في تلك ~~النواحي جميعها أقبح فعل. # ولما سمع أصحاب الملك أبي كاليجار ووزيره هذه الأخبار ندبوا العساكر إلى ~~الخروج إلى مهلهل ومساعدته على ابن أخيه، ودفعه عن هذه الأعمال، فلم ~~يفعلوا. # ثم إن سعدي أقطع أبا الفتح بن ورام البندنيجين واتفقا، واجتمعا على قصد ~~عمه سرخاب بن محمد بن عناز وحصره بقلعة دزديلوية، فسارا فيمن معهما من ~~العساكر، فلما قاربوا القلعة دخلوا في مضيق هناك من غير أن يجعلوا لهم ~~طليعة، طمعا فيه وإدلالا بقوتهم، وكان سرخاب قد جعل على رأس الجبل على فم ~~المضيق جمعا من الأكراد، فلما دخلوا المضيق لقيهم سرخاب، وكان قد نزل من ~~القلعة # PageV08P057 # فاقتتلوا، وعادوا ليخرجوا من المضيق فتقطرت بهم خيلهم، فسقطوا عنها ~~ورماهم الأكراد الذين على الجبل، فوهنوا، وأسر سعدي وأبو الفتح بن ورام ~~وغيرهما من الرءوس، وتفرق الغز والأكراد من تلك النواحي، بعد أن كانوا قد ~~توطنوها وملكوها. # ذكر حصار طغرلبك أصبهان # في هذه السنة حصر طغرلبك مدينة أصبهان، وبها صاحبها أبو منصور فرامرز بن ~~علاء الدولة، فضيق عليه، ولم يظفر من البلد بطائل، ثم اصطلحوا على مال ~~يحمله فرامرز بن علاء الدولة لطغرلبك، وخطب له بأصبهان وأعمالها. # ذكر عدةا حوادث # في هذه السنة خرج من الترك من بلد التبت خلق لا يحصون كثرة، فراسلوا ~~أرسلان خان صاحب بلاساغون، يشكرونه على حسن سيرته في رعيته، ولم يكن منهم ~~تعرض إلى مملكته، ولكنهم أقاموا بها، وراسلهم ودعاهم إلى الإسلام، فلم ~~يجيبوا، ولم ينفروا منه . # وفيها توفي أبو الحسن الخيشي النحوي (في ذي الحجة) وله نيف وتسعون سنة. # PageV08P058 # وفيها انحدر علاء الدين أبو الغنائم ابن ms3409 الوزير ذي السعادات إلى البطائح، ~~وحصرها وبها صاحبها أبو نصر بن الهيثم، وضيق عليه، واجتمع مع جمع كثير. # [الوفيات] # وفيها في ذي القعدة توفي عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني، والد إمام ~~الحرمين أبي المعالي، وكان إماما في الشافعية، تفقه على أبي الطيب سهل بن ~~محمد الصعلوكي، وكان عالما بالأدب وغيره من العلوم، (وهو من بني سنبس، بطن ~~من طيئ) . # PageV08P059 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة] ### | 439 - # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة # ذكر صلح الملك أبي كاليجار والسلطان طغرلبك # في هذه السنة أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في ~~الصلح، فأجابه إليه واصطلحا، وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما ~~وراء ما بيده، واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، ~~ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك، وجرى ~~العقد في شهر ربيع الآخر من هذه السنة. # ذكر القبض على سرخاب أخي أبي الشوك # في هذه السنة قبض الأكراد اللرية وجماعة من عسكر سرخاب عليه ; لأنه أساء ~~السيرة معهم ووترهم، فقبضوا عليه وحملوه إلى إبراهيم ينال، فقلع إحدى ~~عينيه، وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك، فلم يفعل. # وكان أبو العسكر بن سرخاب قد غاضبه لما قبض على سعدي، واعتزله كراهية ~~لفعله، فلما أسر أبوه سرخاب سار إلى القلعة وأخرج سعدي ابن عمه، وفك قيوده ~~وأحسن إليه وأطلقه، وأخذ عليه بطرح ما مضى، والسعي في خلاص والده سرخاب، ~~فسار سعدي، واجتمع عليه خلق كثير من الأكراد، ووصل إلى إبراهيم ينال، فلم ~~يجد # PageV08P060 # عنده الذي أراد، ففارقه وعاد إلى الدسكرة، وكاتب الخليفة ونواب الملك أبي ~~كاليجار بالعود إلى الطاعة، وأقام بها. # ذكر ملك إبراهيم ينال قلعة كنكور وغيرها # في هذه السنة سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور وبها عكبر بن فارس صاحب ~~كرشاسف بن علاء الدولة يحفظها له، فامتنع عكبر بها إلى أن فنيت ذخائره، ~~وكانت قليلة، فلما نفدت الذخائر عمد إلى بيوت الطعام التي في القلعة وملأها ~~ترابا وحجارة، ms3410 وسد أبوابها، ونثر من داخل الأبواب شيئا من طعام، وعلى رأس ~~التراب والحجارة كذلك أيضا، وراسل إبراهيم في تسليم القلعة إليه على أن ~~يؤمنه على من بها من الرجال، وما بها من الأموال، فأرسل إليه إبراهيم يمتنع ~~عليه من ترك المال، فأخذ عكبر رسول إبراهيم فطوفه على البيوت التي فيها ~~الطعام، وفتح مواضع من المسدود، فرآها مملوءة فظنها طعاما، وقال له عكبر: ~~ما راسلت صاحبك خوفا من المطاولة، ولا إشفاقا من ناد الميرة، لكنني أحببت ~~الدخول في طاعته، فإن بذل لي الأمان على ما طلبته لي وللأمير كرشاسف ~~وأمواله ولمن بالقلعة - سلمت إليه، وكفيته مؤونة المقام. # فلما عاد الرسول إلى إبراهيم وأخبره أجابه إلى ما طلب، ونزل عكبر وتسلمها ~~إبراهيم، فلما صعد إلى القلعة انكشفت الحيلة، وسار عكبر بمن معه إلى قلعة ~~سرماج، وصعد إليها. # ولما ملك ينال كنكور عاد إلى همذان، فسير جيشا لأخذ قلاع سرخاب، واستعمل ~~عليهم نسيبا له اسمه أحمد، وسلم إليه سرخابا ليفتح به قلاعه، فسار به إلى ~~قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فساروا إلى قلعة دزديلوية فحصروها، وامتدت طائفة ~~منهم إلى البندنيجين فنهبوها في جمادى الآخرة، وفعلوا الأفاعيل القبيحة من ~~النهب والقتل وافتراش النساء والعقوبة على تخليص الأموال، فمات منهم جماعة ~~لشدة الضرب. # PageV08P061 # وسارت طائفة منهم إلى أبي الفتح بن ورام، فانصرف عنهم خوفا منهم، وترك ~~حلله بحالها، وقصد أن يشتغلوا بنهب حلله فيعود عليهم، فلم يعرجوا على النهب ~~وتبعوه، فلشدة خوفه أن يظفروا به ويأخذوه قاتلهم، فظفر بهم، وقتل وأسر ~~جماعة منهم، وغنم ما معهم، ورجع الباقون، وأرسل إلى بغداذ يطلب نجدة خوفا ~~من عودهم، فلم ينجدوه لعدم الهيبة وقلة إمساك الأمر، فعبر بنو ورام دجلة ~~إلى الجانب الغربي. # ثم إن الغز أسروا إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب وهو نازل على فرسخين من ~~باجسرى، وكبسوه فانهزم هو ومن معه لا يلوي الآخر على أخيه، ولا الوالد على ~~ولده، فقتل منهم خلق كثير، وغنم الغز أموالهم، ونهبوا تلك الأعمال، وكان ~~سعدي قد أنزل مالا ms3411 من قلعة السيروان، فوصله تلك الليلة، فغنمه الغز إلا ~~قليلا منه سلم معه، ونجا سعدي من الوقعة بجريعة الذقن، ونهب الغز الدسكرة، ~~وباجسرى، والهارونية، وقصر سابور، وجميع تلك الأعمال. # ووصل الخبر إلى بغداذ بأن إبراهيم ينال عازم على قصد بغداذ، فارتاع ~~الناس، واجتمع الأمراء والقواد إلى الأمير أبي منصور ابن الملك أبي كاليجار ~~ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنعوه، واتفقوا على ذلك، فلم يخرج غير خيم الأمير ~~أبي منصور والوزير ونفر يسير، وتخلف الباقون، وهلك من أهل تلك النواحي ~~المنهوبة خلق كثير، فمنهم من قتل، ومنهم من غرق، ومنهم من قتله البرد. # ووصل سعدي إلى ديالى، ثم سار منها إلى أبي الأغر دبيس بن مزيد فأقام عنده ~~. ثم إن إبراهيم ينال سار إلى السيروان، فحصر القلعة، وضيق على من بها، ~~وأرسل سرية نهبت البلاد، وانتهت إلى مكان بينه وبين تكريت عشرة فراسخ، ودخل ~~بغداذ من أهل طريق خراسان خلق كثير، وذكروا من حالهم ما أبكى العيون، ثم ~~سلمها إليه مستحفظها، بعد أن أمنه على نفسه وماله، وأخذ منها ينال من بقايا ~~ما خلفه سعدي شيئا كثيرا، ولما فتحها استخلف فيها مقدما كبيرا من أصحابه ~~يقال له # PageV08P062 # سخت كمان، وانصرف إلى حلوان، وعاد منها إلى همذان، ومعه بدر ومالك ابنا ~~مهلهل، فأكرمهما. # ثم إن صاحب قلعة سرماج توفي، وهو من ولد بدر بن حسنويه، وسلمت القلعة ~~بعده إلى إبراهيم ينال، وسير إبراهيم ينال وزيره إلى شهرزور، فأخذها ~~وملكها، فهرب منه مهلهل، فأبعد في الهرب . # ثم نزل أحمد على قلعة تيرانشاه وحاصرها، ونقب عليها عدة نقوب، ثم إن ~~مهلهلا راسل أهل شهرزور يعدهم بالمسير إليهم في جمع كثير، ويأمرهم بالوثوب ~~بمن عندهم من الغز، ففعلوا وقتلوا منهم، وسمع أحمد بن طاهر فعاد إليهم ~~وأوقع بهم ونهبهم، وقتل كثيرا منهم. # ثم إن الغز المقيمين بالبندنيجين ومن معهم ساروا إلى براز الروز، وتقدموا ~~إلى نهر السليل، فاقتتلوا هم وأبو دلف القاسم بن محمد الجاواني قتالا شديدا ~~ظفر فيه أبو دلف، وانهزم الغز وأخذ ما معهم. # وسار ms3412 في ذي الحجة جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم الكردي، فأغاروا ~~وعاثوا، فأخذ عليهم المضيق، وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم، وارتجع ما غنموه من ~~بلده. # ذكر استيلاء أبي كاليجار على البطيحة # في هذه السنة اشتد الحصار من عسكر الملك أبي كاليجار على أبي نصر بن ~~الهيثم صاحب البطيحة، فجنح إلى الصلح، فاشتط عليه أبو الغنائم ابن الوزير ~~ذي السعادات، ثم استأمن نفر من أصحاب أبي نصر وملاحيه إلى أبي الغنائم، ~~وأخبروه بضعف أبي نصر، وعزمه على الانتقال من مكانه، فحفظ الطرق عليه، فلما ~~كان خامس صفر جرت وقعة كبيرة بين الفريقين، واشتد القتال، فظفر أبو ~~الغنائم، وقتل من البطائحيين جماعة كثيرة، وغرق منهم سفن كثيرة، وتفرقوا في ~~الآجام، ومضى ابن الهيثم ناجيا بنفسه في زبزب، وملكت داره ونهب ما فيها. # PageV08P063 # ذكر ظهور الأصفر وأسره # في هذه السنة ظهر الأصفر التغلبي برأس عين، وادعى أنه من المذكورين في ~~الكتب، واستغوى قوما بمخاريق وضعها، وجمع جمعا وغزا نواحي الروم، فظفر وغنم ~~وعاد، وظهر حديثه، وقوي ناموسه، وعاودوا الغزو في عدد أكثر من العدد الأول، ~~ودخل نواحي الروم وأوغل، وغنم أضعاف ما غنمه أولا، حتى بيعت الجارية ~~الجميلة بالثمن البخس. # وتسامع الناس به فقصدوه، وكثر جمعه، واشتدت شوكته، وثقلت على الروم ~~وطأته، فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان يقول له: إنك عالم بما ~~بيننا من الموادعة وقد فعل هذا الرجل هذه الأفاعيل، فإن كنت قد رجعت عن ~~المهادنة فعرفنا لندبر أمرنا بحسبه. # واتفق في ذلك الوقت أن وصل رسول من الأصفر إلى نصر الدولة أيضا، ينكر ~~عليه ترك الغزو والميل إلى الدعة، فساءه ذلك أيضا، واستدعى قوما من بني ~~نمير وقال لهم: إن هذا الرجل قد أثار الروم علينا، ولا قدرة لنا عليهم. ~~وبذل لهم مالا على الفتك به، فساروا إليه، فقربهم ولازموه، فركب يوما غير ~~متحرز، فأبعد وهم معه، فعطفوا عليه وأخذوه، وحملوه إلى نصر الدولة بن مروان ~~فاعتقله، وتلافى أمر الروم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ms3413 تجددت الهدنة بين صاحب مصر وبين الروم، وحمل كل واحد منهما ~~لصاحبه هدية عظيمة . # وفيها كان ببغداذ والموصل وسائر البلاد العراقية والجزرية (غلاء عظيم، ~~حتى أكل الناس الميتة، وتبعه) وباء شديد مات فيه كثير من الناس، حتى خلت # PageV08P064 # الأسواق، وزادت أثمان ما يحتاج إليه المرضى، حتى بيع المن من الشراب بنصف ~~دينار، ومن اللوز بخمسة عشر قيراطا، والرمانة بقيراطين، والخيارة بقيراط، ~~وأشباه ذلك. # وفيها جمع الأمير أبو كاليجار فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه جمعا، وسار ~~إلى آمد فدخلها، وساعده أهلها، وأوقع بمن كان فيها من أصحاب طغرلبك، فقتل ~~وأسر، وعرف طغرلبك ذلك، فسار عن الري قاصدا إليه، ومتوجها إلى قتاله. # وفيها توفي عميد الدولة أبو سعد محمد بن الحسين بن عبد الرحيم بجزيرة ابن ~~عمر في ذي القعدة، وله شعر حسن، ووزر لجلال الدولة عدة دفعات . # وفيها سير المعز بن باديس صاحب إفريقية أسطولا إلى جزائر القسطنطينية، ~~فظفر وغنم وعاد. # وفيها اقتتلت طوائف من تلكاتة، قاتل بعضهم بعضا، وكان بينهم حرب صبروا ~~فيها، فقتل منهم خلق كثير. # وفيها قبض الملك أبي كاليجار على وزيره محمد بن جعفر بن أبي الفرج الملقب ~~بذي السعادات بن فسانجس، وسجنه، وهرب ولده أبو الغنائم، وبقي الوزير مسجونا ~~إلى أن مات في شهر رمضان سنة أربعين [وأربعمائة] ، وقيل: أرسل إليه أبو ~~كاليجار من قتله، وعمره إحدى وخمسون سنة، وللوزير ذي السعادات مكاتبات ~~حسنة، وشعر جيد، منه: # PageV08P065 # أودعكم وإني ذو اكتئاب ... وأرحل عنكم والقلب آبي # وإن فراقكم في كل حال ... لأوجع من مفارقة الشباب # أسير وما ذممت لكم جوارا ... ولا ملت منازلكم ركابي # وأشكر كلما أوطنت دارا ... ليالينا القصار بلا اجتناب # وأذكركم إذا هبت جنوب ... فتذكرني غرارات التصابي # لكم مني المودة في اغتراب ... وأنتم إلف نفسي في اقترابي. # وهو أطول من هذا. # ولما قبض ذو السعادات استوزر أبو كاليجار كمال الملك أبا المعالي بن عبد ~~الرحيم. # [الوفيات] # فيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المعروف ~~بالمطرز الشاعر، وله شعر جيد، ms3414 فمن قوله في الزهد: # يا عبد كم لك من ذنب ومعصية ... إن كنت ناسيها فالله أحصاها # لا بد يا عبد من يوم تقوم به ... ووقفة لك يدمي القلب ذكراها # إذا عرضت على قلبي تذكرها ... وساء ظني فقلت استغفر الله # وفيها مات أبو الخطاب الجبلي الشاعر، ومضى إلى الشام، ولقي المعري، وعاد ~~ضريرا، وله شعر، منه قوله: # PageV08P066 # ما حكم الحب فهو ممتثل ... وما جناه الحبيب محتمل # تهوى وتشكو الضنى وكل هوى ... لا ينحل الجسم فهو منتحل # وفيها توفي أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال الحافظ، ومولده سنة ~~اثنتين وخمسين وثلاثمائة، سمع أبا بكر القطيعي وغيره، ومن أصحابه الخطيب ~~أبو بكر الحافظ. # وفيها قتل الفقيه أحمد الولوالجي، وهو من أعيان الفقهاء الحنفية، إلا أنه ~~كان يكثر الوقيعة في الأئمة والعلماء، وسلك طريق الرياضة، وفسد دماغه، فقتل ~~بين مرو وسرخس (في ذي الحجة) . # PageV08P067 ### | [ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة] ### | 440 - # ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة # ذكر رحيل عسكر ينال عن تيرانشاه وعود مهلهل إلى شهرزور # قد ذكرنا في السنة المتقدمة استيلاء أحمد بن طاهر وزير ينال على شهرزور ~~ومحاصرته قلعة تيرانشاه، ولم يزل يحاصرها إلى الآن، فوقع في عسكره الوباء ~~وكثر الموت، فأرسل إلى صاحبه ينال يستمده ويطلب إنجاده، ويعرفه كثرة الوباء ~~عنده، فأمره بالرحيل عنها، فسار إلى مايدشت. فلما سمع مهلهل ذلك سير أحد ~~أولاده إلى شهرزور فملكها، وانزعج الغز الذين بالسيروان وخافوا. # ثم سار جمع من عسكر بغداذ إلى حلوان، وحصروا قلعتها، فلم يظفروا بها، ~~فنهبوا تلك الأعمال وأتوا على ما تخلف من الغز، فخربت الأعمال بالكلية، ~~وسار مهلهل ومعه أهله وأمواله إلى بغداذ، فأنزلهم بباب المراتب، بدار ~~الخلافة، خوفا من الغز، وعاد إلى حلله وبينه وبين بغداذ ستة فراسخ، وسار ~~جمع من عسكر بغداذ إلى البندنيجين، وبها جمع من الغز مع عكبر بن أحمد بن ~~عياض، فتواقعوا واقتتلوا، فانهزم عسكر بغداذ، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة ~~قتلوا أيضا صبرا. # ذكر غزو إبراهيم ينال الروم # في هذه السنة غزا إبراهيم ms3415 ينال الروم، فظفر بهم وغنم. # وكان سبب ذلك أن خلقا كثيرا من الغز بما وراء النهر قدموا عليه، فقال ~~لهم: بلادي تضيق عن مقامكم والقيام بما تحتاجون إليه، والرأي أن تمضوا إلى ~~غزو الروم، # PageV08P068 # وتجاهدوا في سبيل الله وتغنموا، وأنا سائر على أثركم، ومساعد لكم على ~~أمركم . ففعلوا. وساروا بين يديه وتبعهم، فوصلوا إلى ملازكرد، وأرزن الروم، ~~وقاليقلا، وبلغوا طرابزون وتلك النواحي كلها، ولقيهم عسكر عظيم للروم ~~والأبخاز يبلغون خمسين ألفا، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم، وكانت بينهم عدة ~~وقائع تارة يظفر هؤلاء وتارة هؤلاء، وكان آخر الأمر الظفر للمسلمين، ~~فأكثروا القتل في الروم وهزموهم، وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم، وممن أسر ~~قاريط ملك الأبخاز، فبذل في نفسه ثلاثمائة ألف دينار، وهدايا بمائة ألف، ~~فلم يجبه إلى ذلك، ولم يزل يجوس تلك البلاد وينهبها إلى أن بقي بينه وبين ~~القسطنطينية خمسة عشر يوما، واستولى المسلمون على تلك النواحي فنهبوها، ~~وغنموا ما فيها، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وأخذوا من الدواب والبغال ~~والغنائم والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء، وقيل: إن الغنائم حملت على عشرة ~~آلاف عجلة، وإن في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع . # وكان قد دخل بلد الروم جمع من الغز يقدمهم إنسان نسيب طغرلبك، فلم يؤثر ~~كبير أثر، وقتل من أصحابه جماعة وعاد، ودخل بعده إبراهيم ينال ففعل هذا ~~الذي ذكرناه. # ذكر موت الملك أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيم # في هذه السنة توفي الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه، رابع جمادى الأولى، بمدينة جناب من كرمان. # وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد عول في ولاية كرمان حربا وخرابا على ~~بهرام بن لشكرستان الديلمي، وقرر عليه مالا، فتراخى بهرام في تحرير الأمر، # PageV08P069 # وأحاله إلى المغالظة والمدافعة، فشرع حينئذ أبو كاليجار في إعمال الحيلة ~~عليه، وأخذ قلعة بردسير من يده، وهي معقله الذي يحتمي به ويعول عليه، فراسل ~~بعض من بها من الأجناد وأفسدهم، فعلم بهم بهرام فقتلهم، وزاد ms3416 نفوره ~~واستشعاره، وأظهر ذلك، فسار إليه الملك أبو كاليجار في ربيع الآخر، فبلغ ~~قصر مجاشع فوجد في حلقه خشونة، فلم يبال بها، وشرب وتصيد وأكل من كبد غزال ~~مشوي، واشتدت علته ولحقه حمى، وضعف عن الركوب، ولم يمكنه المقام لعدم ~~الميرة بذلك المنزل، فحمل في محفة على أعناق الرجال إلى مدينة جناب، فتوفي ~~بها، وكان عمره أربعين سنة وشهورا، وكان ملكه بالعراق بعد وفاة جلال الدولة ~~أربع سنين وشهرين ونيفا وعشرين يوما. # ولما توفي نهب الأتراك من العسكر الخزائن والسلاح والدواب، وانتقل ولده ~~أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور، وكانت منفردة عن العسكر، ~~فأقام عنده، وأراد الأتراك نهب الوزير والأمير، فمنعهم الديلم، وعادوا إلى ~~شيراز، فملكها الأمير أبو منصور، واستشعر الوزير، فصعد إلى قلعة خرمة ~~فامتنع بها. # فلما وصل خبر وفاته إلى بغداذ وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خرة فيروز ~~أحضر الجند واستحلفهم، وراسل الخليفة القائم بأمر الله في معنى الخطبة له ~~وتلقيبه بالملك الرحيم، وترددت الرسل بينهم في ذلك إلى أن أجيب إلى ملتمسه ~~سوى الملك الرحيم، فإن الخليفة امتنع من إجابته وقال: لا يجوز أن يلقب بأخص ~~صفات الله تعالى. # PageV08P070 # واستقر ملكه بالعراق، وخوزستان، والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو علي بن ~~أبي كاليجار. وخلف أبو كاليجار من الأولاد : الملك الرحيم، والأمير أبا ~~منصور فلاس، وأبا طالب كامرو، وأبا المظفر بهرام، وأبا علي كيخسرو، وأبا ~~سعد خسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر، فاستولى ابنه أبو منصور على شيراز، فسير ~~إليه الملك الرحيم أخاه أبا سعد في عسكر، فملكوا شيراز وخطبوا للملك ~~الرحيم، وقبضوا على الأمير أبي منصور ووالدته، وكان ذلك في شوال . # ذكر محاصرة العساكر المصرية مدينة حلب في جمادى الآخرة وصلت عساكر مصر ~~إلى حلب في جمع كثير فحصروها وبها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح ~~الكلابي، فجمع جمعا كثيرا بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل، فلما نزلوا على حلب ~~خرج إليهم ثمال، وقاتلهم قتالا شديدا صبر فيه لهم إلى الليل، ثم دخل البلد، ~~فلما كان الغد ms3417 اقتتلوا إلى آخر النهار، وصبر أيضا ثمال، وكذلك أيضا اليوم ~~الثالث. # فلما رأى المصريون صبر ثمال، وكانوا ظنوا أن أحدا لا يقوم بين أيديهم، ~~رحلوا عن البلد، فاتفق أن تلك الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله، فجاءت ~~المدود إلى منزلهم، فبلغ الماء ما يقارب قامتين، ولو لم يرحلوا لغرقوا، ثم ~~رحلوا إلى الشام الأعلى. # ذكر الخلف بين قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية # في هذه السنة اختلف قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية، وكان للحميدية ~~عدة حصون تجاور الموصل، منها العقر وما قاربها، وللهذبانية قلعة إربل ~~وأعمالها، وكان صاحب العقر حينئذ أبا الحسن بن عيسكان الحميدي، وصاحب إربل ~~أبو الحسن بن موسك الهذباني، وله أخ اسمه أبو علي بن موسك، فأعانه الحميدي ~~على أخذ إربل # PageV08P071 # من أخيه أبي الحسن فملكها منه، وأخذ صاحبها أبا الحسن أسيرا. # وكان قرواش وأخوه زعيم الدولة أبو كامل بالعراق مشغولين، فلما عادا إلى ~~الموصل وقد سخطا هذه الحالة لم يظهراها، وأرسل قرواش يطلب من الحميدي ~~والهذباني نجدة له على نصر الدولة بن مروان . فأما أبو الحسن الحميدي فسار ~~إليه بنفسه، وأما أبو علي الهذباني فأرسل أخاه، واصطلح قرواش ونصر الدولة، ~~وقبض على أبي الحسن الحميدي، ثم صانعه على إطلاق أبي الحسن الهذباني الذي ~~كان صاحب إربل، وأخذ إربل من أخيه أبي علي وتسليمها إليه، فإن امتنع أبو ~~علي كان عونا عليه، فأجاب إلى ذلك، ورهن عليه أهله وأولاده وثلاث قلاع من ~~حصونه إلى أن يتسلم إربل، وأطلق من (الحبس) . # وكان أخ له قد استولى على قلاعه، فخرج إليها وأخذها منه، وعاد إلى قرواش ~~وأخيه زعيم الدولة، فوثقا به، وأطلقا أهله، ثم إنه راسل أبا علي صاحب إربل ~~في تسليمها، فأجاب إلى ذلك، وحضر بالموصل ليسلم إربل إلى أخيه أبي الحسن ~~فقال الحميدي لقرواش : إنني قد وفيت بعهدي، فتسلمان إلي حصوني. فسلما إليه ~~قلاعه، وسار ه وأبو الحسن وأبو علي الهذباني إلى إربل ليسلماها إلى أبي ~~الحسن، فغدرا به في الطريق، وكان قد أحس بالشر فتخلف عنهما، وسير ms3418 معهما ~~أصحابه ليتسلموا إربل، فقبضا على أصحابه وطلبوه ليقبضوه، فهرب إلى الموصل، ~~وتأكدت الوحشة حينئذ بين الأكراد وقرواش وأخيه، وتقاطعوا، وأضمر كل منهم ~~الشر لصاحبه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار الملك الرحيم من بغداذ إلى خوزستان، فلقيه من بها من ~~الجند وأطاعوه، وفيهم كرشاسف بن علاء الدولة الذي كان صاحب همذان وكنكور، ~~فإنه كان انتقل إلى الملك أبي كاليجار بعد أن استولى ينال على أعماله، ولما ~~مات أبو كاليجار سار الملك العزيز ابن الملك جلال الدولة إلى البصرة طمعا ~~في ملكها، # PageV08P072 # فلقيه من بها من الجند وقاتلوه وهزموه، فعاد عنها، وكان قبل ذلك عند ~~قرواش ثم عند ينال، ولما سمع باستقامة الأمور للملك الرحيم انقطع أمله، ~~ولما سار الملك الرحيم عن بغداذ كثرت الفتن بها، ودامت بين أهل باب الأزج ~~والأساكفة، (وهم السنة) فأحرقوا عقارا كثيرا. # وفيها سار سعدي بن أبي الشوك من حلة دبيس بن مزيد إلى إبراهيم ينال بعد ~~أن راسله وتوثق منه، وتقرر بينهما أنه كل ما يملكه سعدي مما ليس بيد ينال ~~ونوابه فهو له، فسار سعدي إلى الدسكرة، وجرى بينه وبين من بها من عسكر ~~بغداذ (حرب انهزموا [فيها] منه، وملكها وما يليها، فسير إليها عسكر ثان من ~~بغداذ، فقتل مقدمهم وهزمهم، وسار من الدسكرة وتوسط تلك الأعمال بالقرب من ~~بعقوبا، ونهب أصحابه البلاد، وخطبوا لإبراهيم ينال. # وفيها كان ابتداء الوحشة بين معتمد الدولة قرواش بن المقلد وبين أخيه ~~زعيم الدولة أبي كامل بن المقلد، فانضاف قريش بن بدران بن المقلد إلى عمه ~~قرواش، وجمع جمعا، وقاتل عمه أبا كامل فظفر ونصر وانهزم أبو كامل، ولم يزل ~~قريش يغري قرواشا بأخيه حتى تأكدت الوحشة، وتفاقم الشر بينهما. # وفيها خطب للأمير أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله بولاية العهد، ~~ولقب ذخيرة الدين وولي عهد المسلمين. # وفيها في رمضان قتل الأمير أقسنقر بهمذان، قتله الباطنية لأنه كان كثير ~~الغزو إليهم، والقتل فيهم، والنهب لأموالهم، والتخريب لبلادهم، فلما كان ~~الآن قصد إنسانا من الزهاد ليزوره، ms3419 فوثب عليه جماعة من الإسماعيلية فقتلوه ~~. # PageV08P073 # [الوفيات] # وفيها توفي أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، وكان من الصالحين ~~ورواة الحديث، وأوصى أن يدفن بجوار أحمد بن حنبل، ومولده سنة ثلاث وأربعين ~~وثلاثمائة. # وأبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز، ومولده سنة سبع وأربعين ~~وثلاثمائة، روى عن أبي بكر الشافعي وغيره، وتوفي في شوال، وهو راوي ~~الأحاديث المعروفة بالغيلانيات التي خرجها الدارقطني له، وهي من أعلى ~~الحديث وأحسنه. وعبيد الله بن عمر بن أحمد بن عثمان أبو القاسم الواعظ، ~~المعروف بابن شاهين، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة . # وفيها كان الغلاء والوباء عاما في البلاد جميعها، بمكة، والعراق، ~~والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر، وغيرها من البلاد . # وفيها قبض بمصر على الوزير فخر الملك صدقة بن يوسف وقتل، وكان أول أمره ~~يهوديا، فأسلم واتصل بالدزبري، وخدمه بالشام، ثم خافه فعاد إلى مصر وخدم ~~الجرجرائي الوزير، وأنفق عليه، فلما توفي الجرجرائي استوزره المستنصر إلى ~~الآن، ثم قتله واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري في ذي ~~القعدة . # PageV08P074 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة] ### | 441 - # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة # ذكر ظهور الخلف بين قرواش وأخيه أبي كامل وصلحهما # في هذه السنة ظهر الخلف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة ~~أبي كامل ظهورا آل إلى المحاربة، وقد تقدم سبب ذلك . # فلما اشتد الأمر وفسد الحال فسادا لا يمكن إصلاحه - جمع كل منهما جمعا ~~لمحاربة صاحبه، وسار قرواش في المحرم وعبر دجلة بنواحي بلد، وجاءه سليمان ~~بن نصر الدولة بن مروان، وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي، وغيرهما من ~~الأكراد، وساروا إلى معلثايا فأخربوا المدينة ونهبوها، ونزلوا بالمغيثة، ~~وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيب، فنزلوا بمرج بابنيثا، وبين ~~الطائفتين نحو فرسخ، واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرم، وافترقوا من غير ~~ظفر، ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك، ولم يلابس الحرب سليمان بن مروان، بل كان ~~ناحية، ووافقه أبو الحسن الحميدي، وساروا عن قرواش، وفارقه جمع من العرب، ~~وقصدوا ms3420 أخاه، فضعف أمر قرواش، وبقي في حلته وليس معه إلا نفر يسير، فركبت ~~العرب من أصحاب أبي كامل لقصده، فمنعهم، وأسفر الصبح يوم الاثنين وقد تسرع ~~بعضهم ونهب بعضا من عرب قرواش، وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به، ونقله ~~إلى حلته، وأحسن عشرته، ثم أنفذه إلى الموصل محجورا عليه، وجعل معه بعض ~~زوجاته في دار. # وكان مما فت في عضد قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين ~~بالأنبار لسوء طريقهم وفسادهم، فهرب الباقون منهم، وبقي بعضهم # PageV08P075 # بالسندية، فلما كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار، وتسلقوا السور ليلة ~~خامس المحرم من هذه السنة، وقتلوا حارسا، وفتحوا الباب ونادوا بشعار أبي ~~كامل، فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل، فكثروا، وثار ~~بهم أصحاب قرواش فاقتتلوا، فظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش ~~جماعة، وهرب الباقون، فبلغه خبر استيلاء أخيه، ولم يبلغه عود أصحابه . # ثم إن المسيب وأمراء العرب كلفوا أبا كامل ما يعجز عنه، واشتطوا عليه، ~~فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته، فبادرهم إليه ~~وقبل يده وقال له : إنني وإن كنت أخاك فإنني عبدك، وما جرى هذا إلا بسبب من ~~أفسد رأيك في، وأشعرك الوحشة مني، والآن فأنت الأمير، وأنا الطائع لأمرك ~~والتابع لك. فقا له قرواش : بل أنت الأخ، والأمر لك مسلم، وأنت أقوم به ~~مني. وصلح الحال بينهما، وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره . وكان أبو ~~كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حربى وأوانا، فلما اصطلح أبو كامل وقرواش ~~أرسلا إلى حربى من منع بلالا عنها، فتظاهر بلال (بالخلاف عليهما) وجمع إلى ~~نفسه جمعا وقاتل أصحاب قرواش، وأخذ حربى وأوانا بغير اختيارهما، فانحدر ~~قرواش من الموصل إليهما وحصرهما وأخذهما. # ذكر مسير الملك الرحيم إلى شيراز وعوده عنها # في هذه السنة في المحرم سار الملك الرحيم من الأهواز إلى بلاد فارس، ~~فوصلها، وخرج عسكر شيراز إلى خدمته، ونزل بالقرب من شيراز ليدخل البلد . # ثم ms3421 إن الأتراك الشيرازيين والبغداذيين اختلفوا، وجرى بينهم مناوشة استظهر ~~فيها البغداذيون، وعادوا إلى العراق، فاضطر الملك الرحيم إلى المسير معهم ; ~~لأنه لم يكن يثق بالأتراك الشيرازية . # وكان ديلم بلاد فارس قد مالوا إلى أخيه فولاستون، وهو بقلعة إصطخر، فهو # PageV08P076 # أيضا منحرف عنهم، فاضطر إلى صحبة البغداذيين، فعاد في ربيع الأول من هذه ~~السنة إلى الأهواز، وأقام بها، واستخلف بأرجان أخويه أبا سعد وأبا طالب، ~~ووقع الخلف بفارس، فإن الأمير أبا منصور فولاستون، وكان قد خلص وصار بقلعة ~~إصطخر، واجتمع معه جماعة من أعيان العسكر الفارسي، فلما عاد الملك الرحيم ~~إلى الأهواز انبسط في البلاد، وقصده كثير من العساكر، واستولى على بلاد ~~فارس، ثم سار إلى أرجان عازما على قصد الأهواز وأخذها. # ذكر الحرب بين البساسيري وعقيل # في هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق ~~وبادوريا، فنهبوهما وأخذوا من الأموال الكثير، وكانا في إقطاع البساسيري، ~~فسار من بغداذ بعد عوده من فارس إليهم، فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل ~~بن المقلد، واقتتلوا قتالا شديدا أبلى الفريقان فيه بلاء حسنا، (وصبرا صبرا ~~جميلا، وقتل جماعة من الفريق‍ين) . # ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال # في هذه السنة استوحش إبراهيم ينال من أخيه السلطان طغرلبك. # وكان سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همذان ~~(والقلاع التي بيده من بلد الجبل) فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا علي ~~بالسعي بينهما في الفساد، فقبض عليه وأمر به فضرب بين يديه، وسمل إحدى ~~عينيه، وقطع شفتيه، وسار عن طغرلبك، وجمع جمعا من عسكره، والتقيا، وكان بين ~~العسكرين قتال شديد انهزم [فيه] ينال وعاد منهزما، فسار طغرلبك في أثره، ~~فملك قلاعه وبلاده جميعها. # PageV08P077 # وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج، وامتنع على أخيه، فحصره طغرلبك فيها، ~~وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر، وقاتله فملكها في أربعة ~~أيام، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، واستنزل ينال منها مقهورا، وأرسل إلى ~~نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة ms3422 الخطبة له في بلاده، فأطاعه وخطب له في ~~سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم طغرلبك، وأرسل إليه هدية عظيمة، وطلب منه ~~المعاهدة فأجابه إلى ذلك . # وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسأله أن يسعى في فداء ملك الأبخاز المقدم ~~ذكره، فأرسل نصر الدولة شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى ~~السلطان طغرلبك، فأطلقه بغير فداء، فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم، وأرسل ~~عوضه من الهدايا شيئا كثيرا، وعمروا مسجد القسطنطينية، وأقاموا فيه الصلاة ~~والخطبة لطغرلبك، ودان حينئذ الناس كلهم له، وعظم شأنه، وتمكن ملكه وثبت . # ولما نزل ينال إلى طغرلبك أكرمه وأحسن إليه، ورد عليه كثيرا مما أخذ منه، ~~وخيره بين أن يقطعه بلادا يسير إليها وبين أن يقيم معه، فاختار المقام معه ~~. # ذكر الحرب بين دبيس بن مزيد وعسكر واسط # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك ~~الواسطيين. # وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصلة ونهر الفضل، ~~وهما من إقطاع الواسطيين، فسار إليهما ووليهما، فسمع عسكر واسط ذلك فسخطوه، ~~واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنهما، وأرسلوا إليه ~~يتهددونه، فأعاد الجواب يقول : إن الملك أقطعني هذا، فنرسل إليه أنا وأنتم، ~~فبأي شيء أمر رضا به . فسبوه، وساروا مجدين إليه، فأرسل إلى طريقهم طائفة ~~من # PageV08P078 # عسكره، فلقوهم، وكمن لهم، فلما التقوا استجرهم العرب إلى أن جاوزوا ~~الكمين، وخرج عليهم الكمين) فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا ~~كثيرا، وجرح مثلهم، وتمت الهزيمة على الواسطيين، وغنم نور الدولة أموالهم ~~ودوابهم، وساروا إلى واسط فنزلوا بالقرب منها. # وأرسل الواسطيون إلى بغداذ يستنجدون جندها، ويبذلون للبساسيري أن يدفع ~~عنهم نور الدولة، ويأخذ نهر الصلة ونهر الفضل لنفسه . # ذكر وفاة مودود بن مسعود وملك عمه عبد الرشيد # في هذه السنة في العشرين من رجب توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود ~~بن سبكتكين، صاحب غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملكه تسع سنين وعشرة أشهر، ~~وكان موته بغزنة، وكان ms3423 قد كاتب أصحاب الأطراف في سائر البلاد، ودعاهم إلى ~~نصرته وإمداده بالعساكر، وبذل لهم الأموال الكثيرة، وتفويض أعمال خراسان ~~ونواحيها إليهم على قدر مراتبهم، فأجابوا إلى ذلك، منهم أبو كاليجار صاحب ~~أصبهان، فإنه جمع عساكره وسار في المفازة، فهلك كثير من عسكره، ومرض وعاد . # ومنهم خاقان ملك الترك، فإنه سار إلى ترمذ، ونهب وخرب، وصادر أهل تلك ~~الأعمال، وسارت طائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم . # وسار مودود من غزنة فلم يسر غير مرحلة واحدة حتى عارضه قولنج اشتد عليه، ~~فعاد إلى غزنة مريضا، وسير وزيره أبا الفتح عبد الرزاق بن أحمد الميمندي ~~إلى سجستان في جيش كثيف لأخذها من الغز، واشتدت العلة بمودود فتوفي، وقام ~~في الملك بعده ولده، فبقي خمسة أيام ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن ~~مسعود. # PageV08P079 # وكان مودود لما ملك قبض على عمه عبد الرشيد بن محمود وسجنه في قلعة ميدين ~~بطريق بست، فلما توفي كان وزيره قد قارب هذه القلعة، فنزل عبد الرشيد إلى ~~العسكر ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة، فلما قاربها هرب ~~عنها علي بن مسعود، وملك عبد الرشيد، واستقر الأمر له، ولقب شمس دين الله ~~سيف الدولة، وقيل جمال الدولة، ودفع الله شر مودود عن داود، وهذه السعادة ~~التي تقتل الأعداء بغير سلاح ولا أجناد. # ذكر استيلاء البساسيري على الأنبار في هذه السنة أيضا في ذي القعدة ملك ~~البساسيري الأنبار، ودخلها أصحابه . # وكان سبب ملكها أن قرواشا أساء السيرة في أهلها، ومد يده إلى أموالهم، ~~فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداذ، وسألوه أن ينفذ معهم عسكرا ~~يسلمون إليه الأنبار، فأجابهم إلى ذلك، وسير معهم جيشا، فتسلموا الأنبار، ~~ولحقهم البساسيري وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم، ولم يمكن أحدا من أصحابه أن ~~يأخذ رطل الخبز بغير ثمنه، وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها، ~~وعاد إلى بغداذ. # ذكر انهزام الملك الرحيم من عسكر فارس # في هذه السنة عاد الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة، ~~فلما ms3424 وصل إلى وادي الملح لقيه عسكر فارس، واقتتلوا (قتالا شديدا، فغدر ~~بالملك الرحيم بعض عسكره) وانهزم هو وجميع العسكر، ووصل إلى بصنى ومعه ~~أخواه أبو سعد وأبو طالب، وسار منها إلى واسط، وسار عسكر فارس إلى الأهواز ~~فملكوها وخيموا بظاهرها. # PageV08P080 # ذكر عدة حوادث # وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، ~~فخافهم لكثرتهم فانصرف عنها، فملكها المصريون . # وفيها في ذي القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا، فزادت ظلمتها على ~~ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة، (وهبت معها ريح شديدة ~~قلعت رواشن دارالخليفة) ، وشاهد الناس من ذلك ما أزعجهم وخوفهم، فلزموا ~~الدعاء والتضرع، فانكشفت في باقي الليل . # وفيها في شعبان سار البساسيري من بغداذ إلى طريق خراسان، وقصد ناحية ~~الدزدار وملكها وغنم ما فيها، وكان سعدي بن أبي الشوك قد ملكها، وقد عمل ~~لها سورا وحصنها، وجعلها معقلا يتحصن فيه، ويدخر بها كل ما يغنمه، فأخذه ~~البساسيري جميعه . # وفيها منع أهل الكرخ من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء، فلم ~~يقبلوا، وفعلوا ذلك، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة قتل فيها وجرح كثير ~~من الناس، ولم ينفصل الشر بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم، ~~فكفوا حينئذ، ثم شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ، فلما رآهم السنة من ~~القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين، وأخرج ~~الطائفتان في العمارة مالا جليلا، وجرت بينهما فتن كثيرة، وبطلت الأسواق ~~وزاد الشر، حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به، ~~وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكف الشر، فسمع ~~أهل الجانب الغربي # PageV08P081 # ذلك، فاجتمع السنة والشيعة (على المنع) منه، وأذنوا في القلائين وغيرها ~~بحي على خير العمل، وأذنوا في الكرخ : الصلاة خير من النوم، وأظهروا الترحم ~~على الصحابة، فطل عبوره . # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ، كان ~~إماما صحب عبد الغني بن سعيد ms3425 وتخرج به، ومن تلامذته الخطيب أبو بكر . # وفيها توفي الملك العزيز أبو منصور بن جلال الدولة، وقد ذكرنا تنقل ~~الأحوال به فيما تقدم، وله شعر حسن . # وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن العتيقي، نسب إلى جد له يسمى ~~عتيقا، ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة . # وفيها توفي أبو الفائز عبد الوهاب ابن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي، ~~وكانت شهادته سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقبلها القاضي في بيت النوبة، ~~ولم يفعل ذلك مع غيره، وإنما فعل معه هذا احتراما لأبيه . # PageV08P082 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة] ### | 442 - # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة # ذكر ملك طغرلبك أصبهان # كان أبو منصور بن علاء الدولة صاحب أصبهان غير ثابت على طريقة واحدة مع ~~السلطان طغرلبك، كان يكثر التلون معه، تارة يطيعه وينحاز إليه، وتارة ينحرف ~~عنه ويطيع الملك الرحيم، فأضمر له طغرلبك سوءا، فلما عاد هذه الدفعة من ~~خراسان لأخذ البلاد الجبلية من أخيه إبراهيم ينال واستولى عليها، على ما ~~ذكرناه - عدل إلى أصبهان عازما على أخذها من أبي منصور، فسمع ذلك، فتحصن ~~ببلده واحتمى بأسواره، ونازله طغرلبك في المحرم، وأقام على محاصرته نحو ~~سنة، وكثرت الحروب بينهما، إلا أن طغرلبك قد استولى على سواد البلد، وأرسل ~~سرية من عسكره نحو فارس، فبلغوا إلى البيضاء، فأغاروا على السواد هناك ~~وعادوا غانمين. # ولما طال الحصار على أصبهان، وأخرب أعمالها - ضاق الأمر بصاحبها وأهلها، ~~وأرسلوا إليه يبذلون له الطاعة والمال، فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقنع منهم ~~إلا بتسليم البلد، فصبروا حتى نفدت الأقوات، وامتنع الصبر، وانقطعت المواد، ~~واضطر الناس حتى نقضوا الجامع، وأخذوا أخشابه لشدة الحاجة إلى الحطب، فحيث ~~بلغ بهم الحال إلى هذا الحد خضعوا له واستكانوا، وسلموا البلد إليه، فدخله ~~وأخرج أجناده منه وأقطعهم في بلاد الجبل، وأحسن إلى الرعية، وأقطع صاحبها ~~أبا منصور ناحيتي يزد وأبرقوية، وتمكن من أصبهان ودخلها في المحرم من سنة ~~ثلاث وأربعين [وأربعمائة] واستطابها، ونقل ما كان له بالري من مال وذخائر ~~وسلاح إليها، وجعلها ms3426 # PageV08P083 # دار مقامه، وخرب قطعة من سورها، وقال: وإنما يحتاج إلى الأسوار من تضعف ~~قوته، فأما من حصنه عساكره وسيفه فلا حاجة به إليها. # ذكر عود عساكر فارس من الأهواز وعود الرحيم إليها # في هذه السنة في المحرم عادت عساكر فارس التي مع الأمير أبي منصور صاحبها ~~عن الأهواز إلى فارس. # وسبب هذا العود أن الأجناد اختلفوا وشغبوا واستطالوا، وعاد بعضهم إلى ~~فارس بغير أمر صاحبهم، وأقام بعضهم معه، وسار بعضهم إلى الملك الرحيم وهو ~~بالأهواز، يطلبونه ليعود إليهم، فعاد فيمن عنده من العساكر، وأرسل إلى ~~بغداذ يأمر العساكر التي فيها بالحضور عنده ليسير بهم إلى فارس، فلما وصل ~~إلى الأهواز لقيه العساكر مقرين بالطاعة، وأخبروه بطاعة عساكر فارس، وأنهم ~~ينتظرون قدومه، فدخل الأهواز في شهر ربيع الآخر، فتوقف بالأهواز ينتظر ~~عساكر بغداذ، ثم سار عنها إلى عسكر مكرم فملكها وأقام بها. # ذكر استيلاء زعيم الدولة على مملكة أخيه قرواش # في هذه السنة في جمادى الأولى استولى زعيم الدولة أبو كامل بركة بن ~~المقلد على أخيه قرواش وحجر عليه، ومنعه من التصرف على اختياره . # وسبب ذلك أن قرواشا كان قد أنف من تحكم أخيه في البلاد، وأنه قد صار لا ~~حكم له، فعمل على الانحدار إلى بغداذ ومفارقة أخيه، وسار عن الموصل، فشق ~~ذلك على بركة وعظم عنده . # PageV08P084 # ثم أرسل إليه نفرا من أعيان يشيرون عليه بالعود واجتماع الكلمة، ويحذرونه ~~من الفرقة والاختلاف، فلما بلغوه ذلك امتنع عليهم، فقالوا: أنت ممنوع عن ~~فعلك والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك. فعلم حينئذ أنه يمنع ~~قهرا، فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل، وسار معهم، ~~فلما قارب حلة أخيه زعيم الدولة لقيه وأنزله عنده، فهرب أصحابه وأهله خوفا، ~~فأمنهم زعيم الدولة، وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة، وجعل عليه من يمنعه ~~من التصرف على اختياره. # ذكر استيلاء الغز على مدينة فسا # وفيها في جمادى الأولى سار الملك ألب أرسلان بن داود أخي طغرلبك من مدينة ~~مرو بخراسان، وقصد ms3427 بلاد فارس في المفازة، فلم يعلم به أحد، ولا أعلم عمه ~~طغرلبك، فوصل إلى مدينة فسا، فانصرف النائب بها من بين يديه، ودخلها ألب ~~أرسلان، فقتل من الديلم بها ألف رجل وعددا كثيرا من العامة، ونهبوا ما قدره ~~ألف ألف دينار، وأسروا ثلاثة آلاف إنسان، وكان الأمر عظيما. # فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى خراسان، ولم يلبثوا خوفا من طغرلبك أن يرسل ~~إليهم، ويأخذ ما غنموه منهم . # ذكر استيلاء الخوارج على عمان # في هذه السنة استولى الخوارج المقيمون بجبال عمان على مدينة تلك الولاية ~~. # وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر ابن الملك أبي كاليجار كان مقيما ~~بها، ومعه خادم له قد استولى على (الأمور، وحكم على) البلاد، وأساء السيرة ~~في أهلها، فأخذ أموالهم، فنفروا منه وأبغضوه . # وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال، فجمع من عنده منهم، فقصد ~~المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا، ~~فانهزمت الخوارج، وعادوا إلى موضعهم. # PageV08P085 # وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد، ثم سار ثانيا، وقاتله الديلم، فأعانه ~~أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم، وملك ابن راشد البلد، ~~وقتل الخادم وكثيرا من الديلم، وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله ~~مستظهرا عليه، وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم، وأصحاب الأعمال، وأخرب ~~دار الإمارة وقال : هذه أحق دار بالخراب! وأظهر العدل، وأسقط المكوس، ~~واقتصر على رفع عشر ما يرد إليهم، وخطب لنفسه، وتلقب بالراشد بالله، ولبس ~~الصوف، وبنى موضعا على شكل مجد، وقد كان هذا الرجل تحرك أيضا أيام أبي ~~القاسم (بن مكرم) ، فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره وأزال طمعه . # ذكر دخول العرب إلى إفريقية # في هذه السنة دخلت العرب إلى إفريقية . # وسبب ذلك أن المعز بن باديس كان خطب للقائم بأمر الله الخليفة العباسي، ~~وقطع خطبة المستنصر العلوي صاحب مصر سنة أربعين وأربعمائة، فلما فعل ذلك ~~كتب إليه المستنصر العلوي يتهدده، فأغلظ المعز في الجواب . # ثم إن المستنصر استوزر الحسن بن علي اليازوري، ms3428 ولم يكن من أهل الوزارة، ~~إنما كان من أهل التناية والفلاحة، فلم يخاطبه المعز كما كان يخاطب من قبله ~~من الوزراء، كان يخاطبهم بعبده، فخاطب اليازوري بصنيعته، فعظم ذلك عليه ~~فعاتبه، فلم يرجع إلى ما يحب، فأكثر الوقيعة في المعز، وأغرى به المستنصر، ~~وشرعوا في إرسال العرب إلى الغرب، فأصلحوا بني زغبة ورياح، وكان بينهم حروب ~~وحقود، وأعطوهم مالا، وأمروهم بقصد بلاد القيروان، وملكوهم كل ما يفتحونه، # PageV08P086 # ووعدوهم بالمدد والعدد . # فدخلت العرب إلى إفريقية، وكتب اليازوري إلى المعز : أما بعد، فقد أرسلنا ~~إليكم خيولا فحولا، وحملنا عليها رجالا كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ~~فا حلوا أرض برقة وما والاها وجدوا بلادا كثيرة المرعى خالية من الأهل ; ~~لأن زناتة كانوا أهلها فأبادهم المعز، فأقامت العرب بها واستوطنتها، وعاثوا ~~في أطراف البلاد. وبلغ ذلك المعز فاحتقرهم. # وكان المعز لما رأى تقاعد صنهاجة عن قتال زناتة اشترى العبيد، وأوسع لهم ~~في العطاء، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. # وكانت عرب زغبة قد ملكت مدينة طرابلس سنة ست وأربعين [وأربعمائة] ، ~~فتتابعت رياح والأثبج وبنو عدي إلى إفريقية، وقطعوا السبيل وعاثوا في ~~الأرض، وأرادوا الوصول إلى القيروان، فقال مؤنس بن يحيى المرداسي: ليس ~~المبادرة عندي برأي. فقالوا: كيف تحب أن تصنع؟ فأخذ بساطا فبسطه، ثم قال ~~لهم : من يدخل إلى وسط الب من غير أن يمشي عليه؟ قالوا: لا نقدر على ذلك! ~~قال : فهكذا القيروان، خذوا شيئا فشيئا حتى لا يبقى إلا القيروان، فخذوها ~~حينئذ. فقالوا: إنك لشيخ اوأميرها، وأنت المقدم علينا، ولسنا نقطع أمرا ~~دونك . # ثم قدم أمراء العرب إلى المعز فأكرمهم وبذل لهم شيئا كثيرا، فلما خرجوا ~~من عنده لم يجازوه بما فعل من الإحسان، بل شنوا الغارات، وقطعوا الطريق، ~~وأفسدوا الزروع، وقطعوا الثمار، وحاصروا المدن، فضاق بالناس الأمر وساءت ~~أحوالهم، وانقطعت أسفارهم، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط، فحينئذ ~~احتفل المعز وجمع عساكره، فكانوا ثلاثين ألف فارس، ومثلها رجالة، وسار حتى ~~أتى جندران، وهو جبل بينه وبين القيروان ثلاثة أيام، ms3429 وكانت عدة العرب ثلاثة ~~آلاف فارس، فلما # PageV08P087 # رأت العرب عساكر صنهاجة والعبيد مع المعز هالهم ذلك، وعظم عليهم، فقال ~~لهم مؤنس بن يحيى: ما هذا يوم فرار. فقالوا: أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا ~~الكزادات والمغافر؟ قال : في أعينهم. فسمي ذلك اليوم يوم العين. والتحم ~~القتال واشتدت الحرب، فاتفقت صنهاجة على الهزيمة وترك المعز مع العبيد حتى ~~يرى فعلهم، ويقتل أكثرهم، فعند ذلك يرجعون على العرب، فانهزمت صنهاجة وثبت ~~العبيد مع المعز، فكثر القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير، وأرادت صنهاجة ~~الرجوع على العرب فلم يمكنهم ذلك، واستمرت الهزيمة، وقتل من صنهاجة أمة ~~عظيمة، ودخل المعز القيروان مهزوما، على كثرة من معه، وأخذت العرب الخيل ~~والخيام وما فيها من مال وغيره، وفيه يقول بعض الشعراء: # وإن ابن باديس لأفضل مالك ... ولكن لعمري ما لديه رجال # ثلاثون ألفا منهم غلبتهم ... ثلاثة ألف إن ذا لمحال # ولما كان يوم النحر من هذه السنة جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس، وسار ~~إلى العرب جريدة، وسبق خبره، وهجم عليهم وهم في صلاة العيد، فركبت العرب ~~خيولهم وحملت، فانهزمت صنهاجة، فقتل منهم عالم كثير. # ثم جمع المعز وخرج بنفسه في صنهاجة وزناتة في جمع كثير، فلما أشرف على ~~بيوت العرب، وهو قبلي جبل جندران - (انتشب القتال) ، واشتعلت نيران الحرب، ~~وكانت العرب سبعة آلاف فارس، فانهزمت (صنهاجة، وولى كل رجل منهم إلى منزله، ~~وانهزمت) زناتة، وثبت المعز فيمن معه من عبيده ثباتا عظيما لم يسمع بمثله، ~~ثم # PageV08P088 # انهزم وعاد إلى المنصورية. وأحصي من قتل من صنهاجة ذلك اليوم، فكانوا ~~ثلاثة آلاف وثلاثمائة . # ثم أقبلت العرب حتى نزلت بمصلى القيروان، ووقعت الحرب، فقتل من المنصورية ~~ورقادة خلق كثير، فلما رأى ذلك المعز أباحهم دخول القيروان لما يحتاجون ~~إليه من بيع وشراء، فلما دخلوا استطالت عليهم العامة، ووقعت بينهم حرب كان ~~سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي، وكانت الغلبة للعرب. # وفي سنة أربع وأربعين [وأربعمائة] بني سور زويلة والقيروان، وفي سنة ست ~~وأربعين حاصرت العرب القيروان، وملك مؤنس ms3430 بن يحيى مدينة باجة، وأشار المعز ~~على الرعية بالانتقال إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب . # وشرعت العرب في هدم الحصون والقصور، وقطعوا الثمار وخربوا الأنهار، وأقام ~~المعز والناس ينتقلون إلى المهدية إلى سنة تسع وأربعين، فعندها انتقل المعز ~~إلى المهدية في شعبان، فتلقاه ابنه تميم، ومشى بين يديه، وكان أبوه قد ولاه ~~المهدية سنة خمس وأربعين، فأقام بها إلى أن قدم أبوه الآن . # وفي رمضان من سنة تسع وأربعين نهبت العرب القيروان . # وفي سنة خمسين خرج بلكين ومعه العرب لحرب زناتة، فقاتلهم، فانهزمت زناتة ~~وقتل منها عدد كثير. # وفي سنة ثلاث وخمسين (وقعت الحرب بين العرب وهوارة، فانهزمت هوارة وقتل ~~منها الكثير. # وفي سنة ثلاث وخمسين) قتل أهل تقيوس من العرب مائتين وخمسين رجلا، # PageV08P089 # وسبب ذلك أن العرب دخلت المدينة متسوقة، فقتل رجل من العرب رجلا متقدما ~~من أهل البلد، لأنه سمعه يثني على المعز ويدعو له، فلما قتل ثار أهل البلد ~~بالعرب، فقتلوا منهم العدد المذكور. # وكان ينبغي أن يأتي كل شيء من ذلك في السنة التي حدث فيها، وإنما أوردناه ~~متتابعا ليكون أحسن لسياقته، فإنه إذا انقطع وتخللته الحوادث في السنين لم ~~يفهم . # ذكر عدة حوادث # فيها سار المهلهل بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، ~~فأحسن إليه وأقره على إقطاعه، ومن جملته السيروان، ودقوقا، وشهرزور، ~~والصامغان، وشفعه في أخيه سرخاب بن محمد بن عناز، وكان محبوسا عند طغرلبك، ~~وسار سرخاب إلى قلعة الماهكي، وهي له، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الراوندين. # وفيها قبض المستنصر بمصر على أبي البركات عم أبي القاسم الجرجرائي، ~~واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري، ويازور: من أعمال ~~الرملة. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي ~~بالله أبو الحسين، ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة . # وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد، وكان من ~~الصالحين، روى الحديث والحكايات والأشعار، وروى عن ابن نباتة شيئا من ms3431 شعره، ~~فمن ذلك قال ابن نباتة : # PageV08P090 # وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزج له إن المزج وفاق # فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق # وفيها في ذي القعدة توفي أبو القاسم عمر بن ثابت النحوي الضرير، المعروف ~~بالثمانيني. # PageV08P091 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة] ### | 443 - # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة # ذكر نهب سرق والحرب الكائنة عندها، وملك الرحيم رامهرمز # وفيها في المحرم اجتمع جمع كثير من العرب والأكراد، وقصدوا سرق (من ~~خوزستان) ونهبوها، ونهبوا دورق، ومقدمهم مطارد بن منصور، ومذكور بن نزار، ~~فأرسل إليهم الملك الرحيم جيشا، ولقوهم بين سرق ودورق، فاقتتلوا، فقتل ~~مطارد وأسر ولده، وكثر القتل فيهم، واستنقذوا ما نهبوه، ونجا الباقون على ~~أقبح صورة من الجراح والنهب، فلما تم هذا الفتح للملك الرحيم انتقل من عسكر ~~مكرم متقدما إلى قنطرة أربق، ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما. # ثم إن (الأمير أبا منصور صاحب فارس) وهزارسب بن بنكير، ومنصور بن الحسين ~~الأسدي، ومن معهما من الديلم والأتراك - ساروا من أرجان يطلبون تستر، ~~فسابقهم الرحيم إليها، وحال بينهم وبينها، والتقت الطلائع، فكان الظفر ~~لعسكر الرحيم. # ثم إن الإرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور ابن الملك أبي ~~كاليجار بمدينة شيراز، فسقط في أيديهم وعادوا، وقصد كثير منهم الملك الرحيم ~~فصاروا معه، فسير قطعة من الجيش إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارسب، وقد أفسدوا ~~في تلك الأعمال، فلما وصل إليها عسكر الرحيم خرج أولئك إلى قتالهم، # PageV08P092 # فاقتتلوا قتالا شديدا أكثر فيه القتل والجراح، (ثم انهزم أصحاب هزارسب ~~فدخلوا البلد وحصروا فيه) ، ثم ملك البلد عنوة، ونهب وأسر جماعة من العساكر ~~التي فيه، وهرب كثير منهم إلى هزارسب وهو بأيذج، وملك الملك الرحيم البلد ~~في ربيع الأول من هذه السنة. # ذكر ملك الملك الرحيم إصطخر وشيراز # في هذه السنة سير الملك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد ~~فارس. وكان سبب ذلك أن المقيم في قلعة إصطخر، وهو أبو نصر بن خسرو، كان له ~~أخوان قبض ms3432 عليها هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور، فكتب إلى الملك ~~الرحيم يبذل له الطاعة والمساعدة، ويطلب أن يسير إليه أخاه ليملكه بلاد ~~فارس، فسير إليه أخاه أبا سعد في جيش، فوسل إلى دولتاباذ، فأتاه كثير من ~~عساكر فارس الديلم، والترك، والعرب، والأكراد، وسار منها إلى قلعة إصطخر، ~~فنزل إليه صاحبها أبو نصر، فلقيه وأصعده إلى القلعة، وحمل له وللعساكر التي ~~معه الإقامات والخلع وغيرها. # ثم ساروا منها إلى قلعة بهندر فحصروها، (وأتاه كتب) (بعض مستحفظي البلاد ~~الفارسية بالطاعة، منها مستحفظ درابجرد وغيرها، ثم سار إلى شيراز فملكها في ~~رمضان) فلما سمع (أخوه الأمير) أبو منصور، وهزارسب، ومنصور بن الحسين ~~الأسدي ذلك - ساروا في عسكرهم إلى الملك الرحيم فهزموه، على ما نذكره إن ~~شاء الله - تعالى - وفارق الأهواز إلى واسط، ثم عطفوا من الأهواز إلى شيراز ~~لإجلاء الأمير أبي سعد عنها، فلما قاربوها لقيهم أبو سعد وقاتلهم فهزمهم، ~~فالتجأوا إلى جبل قلعة بهندر، وتكررت الحروب بين الطائفتين إلى منتصف شوال، ~~فتقدمت طائفة من # PageV08P093 # عسكر أبي سعد، فاقتتلوا عامة النهار ثم عادوا، فلما كان الغد التقى ~~العسكران جميعا واقتتلوا، فانهزم عسكر الأمير أبي منصور، وظفر أبو سعد، ~~وقتل منهم خلقا كثيرا، واستأمن إليه كثير منهم، وصعد أبو منصور إلى قلعة ~~بهندر واحتمى بها، وأقام إلى أن عاد إلى ملكه، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # ولما فارق الأمير أبو منصور الأهواز أعيدت الخطبة للملك الرحيم، وأرسل من ~~بها من الجند يستدعونه إليهم . # ذكر انهزام الملك الرحيم بالأهواز # لما انصرف الأمير أبو منصور، وهزارسب، ومن معهما من منزلهم قريب تستر، ~~على ما ذكرناه، مضوا إلى أيذج وأقاموا فيها، وخافوا الملك الرحيم، ~~واستضعفوا نفوسهم عن مقاومته، فاتفق رأيهم على أن راسلوا السلطان طغرلبك، ~~وبذلوا له الطاعة، وطلبوا منه المساعدة، فأرسل إليهم عسكرا كثيرا، وكان قد ~~ملك أصبهان وفرغ باله منها. # وعرف الملك الرحيم ذلك وقد فارقه كثير من عسكره، منهم : البساسيري، ونور ~~الدولة دبيس بن مزيد، والعرب والأكراد، وبقي في الديلم الأهوازية ms3433 وطائفة ~~قليلة م الأتراك البغداذيين كانوا وصلوا إليه أخيرا، فقرر رأيه على أن عاد ~~من عسكر مكرم إلى الأهواز لأنها أحصن، وينتظر بالمقام فيها وصول العساكر، ~~ورأى أن يرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس، حيث طلب إلى إصطخر، على ما ~~ذكرناه، وسير معه جمعا صالحا من العساكر، ظنا منه أن أخاه إذا وصل إلى فارس ~~وملكت قلعة إصطخر - انزعج الأمير أبو منصور وهزارسب ومن معهما، واشتغلوا ~~بتلك النواحي عنه، فازداد قلقا وضعفا، فلم يلتفت أولئك إلى الأمير أبي سعد ~~بل ساروا مجدين إلى الأهواز، فوصلوها أواخر ربيع الآخر . # ووقعت الحرب بين الفريقين يومين متتابعين كثر فيهما القتال واشتد، فانهزم # PageV08P094 # الملك الرحيم، وسار في نفر قليل إلى واسط، ولقي في طريقه مشقة، وسلم ~~واستقر بواسط فيمن لحق به من المنهزمين، ونهبت الأهواز، وأحرق فيها عدة ~~محال، وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم، (وزير ~~الملك الرحيم) ، فلم يعرف له خبر. # ذكر الفتنة بين العامة ببغداذ وإحراق المشهد - على ساكنيه السلام - # في هذه السنة في صفر تجددت الفتنة ببغداذ بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ~~ما كانت قديما، فكان الاتفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون ~~الانتقاض، لما في الصدور من الإحن . # وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السماكين، وأهل ~~القلائين في عمل ما بقي من باب مسعود، ففرغ أهل الكرخ، وعملوا أبراجا كتبوا ~~عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر. وأنكر السنة ذلك وادعوا أن المكتوب: ~~محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر. وأنكر أهل الكرخ ~~الزيادة وقالوا: اتجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا. فأرسل ~~الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العباسيين، ونقيب العلويين وهو ~~عدنان بن الرضي، لكشف الحرب وإنهائه، فكتبا بتصديق قول الكرخيين، فأمر ~~حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال، فلم يقبلوا، وانتدب ابن المذهب ~~القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد [أن] يحمل العامة على ~~الإغراق في الفتنة، فأمسك ms3434 نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظا من رئيس الرؤساء ~~لميله إلى الحنابلة، ومنع هؤلاء السنة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ، ~~وكان نهر عيسى قد انفتح # PageV08P095 # بثقه، فعظم الأمر عليهم، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء ~~وجعلوه في الظروف، وصبوا عليه ماء الورد، ونادوا: الماء للسبيل. فأغروا بهم ~~السنة . وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة، فمحوا: خير البشر، وكتبوا: عليهما ~~السلام، فقالت السنة : لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي، وأن ~~لا يؤذن حي على خير العمل. وامتنع الشيعة من ذلك، ودام القتال إلى ثالث ~~ربيع الأول، وقتل فيه رجل هاشمي من السنة، فحمله أهله على نعش، وطافوا به ~~في الحربية وباب البصرة وسائر محال السنة، واستنفروا الناس للأخذ بثأره، ثم ~~دفنوه عند أحمد بن حنبل، وقد اجتمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدم. # فلما رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأغلق بابه، فنقبوا في سوره ~~وتهددوا البواب، فخافهم وفتح الباب، فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ~~ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ذلك، ونهبوا ما (في الترب والدور) وأدركهم ~~الليل فعادوا. # فلما كان الغد كثر الجمع، فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآزاج، ~~واحترق ضريح موسى، وضريح ابن ابنه محمد بن علي، والجوار، والقبتان الساج ~~اللتان عليهما، واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه معز ~~الدولة، وجلال الدولة، ومن قبور الوزراء والرؤساء، وقبر جعفر بن أبي ~~المنصور، وقبر الأمير محمد بن الرشيد، وقبر أمه زبيدة، وجرى من الأمر ~~الفظيع ما لم يجر في الدنيا مثله . # فلما كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمد بن علي، ~~لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، ~~فجاء الحفر إلى جانبه. # وسمع أبو تمام نقيب العباسيين وغيره من الهاشميين السنة الخبر، فجاءوا ~~ومنعوا عن ذلك، وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء (الحنفيين فنهبوه، وقتلوا ~~مدرس # PageV08P096 # الحنفية أبا سعد السرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء) ، وتعدت الفتنة ~~إلى الجانب الشرقي، فاقتتل ms3435 أهل باب الطاق وسوق بج والأساكفة وغيرهم . # ولما انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد عظم عليه واشتد ~~وبلغ منه كل مبلغ، لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الولاية كلهم ~~شيعة، فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله، فروسل في ذلك وعوتب، ~~فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة، واتفقوا على ذلك، فلم يمكنه أن يشق عليهم، كما ~~أن الخليفة لم يمكنه كف السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا، وأعاد ~~الخطبة إلى حالها. # ذكر عصيان بني قرة على المستنصر بالله بمصر # في هذه السنة في شعبان عصى بنو قرة بمصر على المستنصر بالله الخليفة ~~العلوي . # وكان سبب ذلك أنه أمر عليهم رجلا منهم يقال له المقرب، وقدمه، فنفروا من ~~ذلك وكرهوه واستعفوا منه، فلم يعزله عنهم، فكاشفوا بالخلاف والعصيان، ~~وأقاموا بالبحيرة مقابل مصر، وتظاهروا بالفساد، فعبر إليهم المستنصر بالله ~~جيشا يقاتلهم ويكفهم، فقاتلهم بنو قرة فانهزم الجيش وكثر القتل فيهم، ~~فانتقل بنو قرة إلى طرف البر، فعظم الأمر على المستنصر بالله، وجمع العرب ~~من طيئ وكلب وغيرهما من العساكر، وسيرهم في أثر بني قرة، فأدركوهم ~~بالبحيرة، فواقعوهم في ذي القعدة، واشتد القتال وكثر القتل في بني قرة، ~~وانهزموا، وعاد العسكر إلى مصر، # PageV08P097 # وتركوا في مقابل بني قرة طائفة منهم لترد بني قرة إن أرادوا التعرض إلى ~~البلاد، وكفى الله شرهم . # ذكر وفاة زعيم الدولة وإمارة قريش بن بدران # في هذه السنة في شهر رمضان توفي زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد ~~بتكريت، وكان انحدر إليها في حلله قاصدا نحو العراق لينازع النواب به عن ~~الملك الرحيم، وينهب البلاد، فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز ~~لما ملكوا الموصل، فتوفي، ودفن بمشهد الخضر بتكريت. # واجتمعت (العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران ~~بن المقلد، فعاد بالحلل) والعرب إلى الموصل، وأرسل إلى عمه قرواش وهو تحت ~~الاعتقال، يعلمه بوفاة زعيم الدولة، وقيامه (بالإمارة، وأنه يتصرف على ~~اختياره، ويقوم) بالأمر نيابة ms3436 عنه . # فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش منازعة ضعف فيها قرواش ~~وقوي ابن أخيه، ومالت العرب إليه واستقرت الإمارة له، وعاد عمه إلى ما كان ~~عليه من الاعتقال الجميل، والاقتصار به على قليل من الحاشية والنساء ~~والنفقة، ثم نقله إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل فاعتقل بها. # ذكر عدة حوادث # ظهر ببغداذ يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر - كوكب غلب نوره على نور ~~الشمس، له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرا بطيئا ثم انقض، والناس يشاهدونه . # PageV08P098 # وفيها في رمضان ورد رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة جوابا عن رسالة ~~الخليفة إليه، وشكرا لإنعام الخليفة عليه بالخلع والألقاب، وأرسل معه ~~طغرلبك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار عينا، وأعلاقا نفيسة من الجواهر ~~والثياب والطيب وغير ذلك، وأرسل خمسة آلاف دينار للحاشية، وألفي دينار ~~لرئيس الرؤساء، وأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب، وأمر بإكرامهم، ولما جاء ~~العيد أظهر أجناد بغداذ الزينة الرائقة، والخيول النفيسة، (والتجافيف ~~الحسنة) ، وأرادوا إظهار قوتهم عند الرسل . # وفيها عاد الغز أصحاب الملك داود أخي طغرلبك عن كرمان، وسبب عودهم أن عبد ~~الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة - سار عنها إلى خراسان، فالتقى هو ~~والملك داود، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم داود، فاقتضى الحال عود أصحابه ~~عن كرمان. # وفيها أيضا عاد السلطان طغرلبك عن أصبهان إلى الري. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة بن كاكويه بالأهواز، وكان ~~قد استخلفه بها الأمير أبو منصور عند عوده عنها إلى شيراز، فلما توفي خطب ~~للملك الرحيم بالأهواز . # وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن المرتضى الموسوي . # وفيها في ربيع الأول توفي أبو الحسن محمد بن محمد البصروي (الشاعر، وهو) ~~منسوب إلى قرية تسمى بصرى قريب عكبرا، وكان صاحب نادرة، قال له رجل : شربت ~~البارح ماء كثيرا، فاحتجت إلى القيام كل ساعة كأني جدي. فقال له : لم تصغر ~~نفسك؟ # ومن شعره : # PageV08P099 # ترى الدنيا وزينتها فتصبو ... وما يخلو من الشهوات قلب # فضول العيش أكثرها هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب # فلا ms3437 يغررك زخرف ما تراه ... وعيش لين الأعطاف رطب # إذا ما بلغة جاءتك عفوا ... فخذها، فالغنى مرعى وشرب # إذا اتفق القليل وفيه سلم ... فلا ترد الكثير وفيه حرب # PageV08P100 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة] ### | 444 - # ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة # ذكر قتل عبد الرشيد صاحب غزنة وملك فرخ زاد # في هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة. # وكان سبب ذلك أن حاجبا لمودود ابن أخيه مسعود، اسمه طغرل، وكان مودود قد ~~قدمه ونوه باسمه، وزوجه أخته، فلما توفي مودود وملك عبد الرشيد أجرى طغرل ~~على عادته في تقدمه، وجعله حاجب حجابه، فأشار عليه طغرل بقصد الغز وإجلائهم ~~من خراسان، فتوقف استبعادا لذلك، فألح عليه طغرل، فسيره في ألف فارس، فسار ~~نحو سجستان وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو، فأقام طغرل على حصار قلعة طاق، ~~وأرسل إلى أبي الفضل يدعوه إلى طاعة عبد الرشيد، فقال له: إنني نائب عن ~~بيغو، وليس من الدين ولمروءة خيانته، فاقصده، فإذا فرغت منه سلمت إليك . ~~فقام على حصار طاق أربعين يوما، فلم يتهيأ له فتحها، وكتب أبو الفضل إلى ~~بيغو يعرفه حال طغرل، فسار إلسجستان ليمنع عنها طغرل. # ثم إن طغرل ضجر من مقامه على حصار طاق، فسار نحو مدينة سجستان، فلما كان ~~على نحو فرسخ منها كمن بحيث لا يراه أحد، (لعلة يجدها، وفرصة ينتهزها) فسمع ~~أصوات دبادب وبوقات، فخرج وسأل بعض من على الطريق، فأخبره أن بيغو قد وصل، ~~فعاد إلى أصحابه وأخبرهم، وقال لهم : ليس لنا إلا أن نلتقي القوم، ونموت # PageV08P101 # تحت السيوف أعزة، فإنه لا سبيل لنا إلى الهرب، لكثرتهم وقلتنا. # فخرجوا من مكمنهم فلما رآهم بيغو سأل أبا الفضل عنهم، فأخبره أنه طغرل، ~~فاستقل من معه وسير طائفة من أصحابه لقتالهم، فلما رآهم طغرل لم يعرج ~~عليهم، بل أقحم فرسه نهرا هناك فعبره، وقصد بيغو ومن معه فقاتلهم، وهزمهم ~~طغرل وغنم ما معهم، ثم عطف على الفريق الآخر، فصنع بهم مثل ذلك، وأم بيغو ~~وأبو الفضل ms3438 نحو هراة، وتبعهم طغرل نحو فرسخين، وعاد إلى المدينة فملكها، ~~وكتب إلى عبد الرشيد بما كان منه، ويطلب الإمداد ليسير إلى خراسان، فأمده ~~بعدة كثيرة من الفرسان، فوصلوا إليه، فاشتد بهم وأقام مديدة. # ثم حدث نفسه بالعود إلى غزنة والاستيلاء عليها، فأعلم أصحابه ذلك، وأحسن ~~إليهم، واستوثق منهم، ورحل إلى غزنة طاويا للمراحل كاتما أمره، فلما صار ~~على خمسة فراسخ من غزنة أرسل إلى عبد الرشيد مخادعا له يعلمه أن العسكر ~~خالفوا عليه وطلبوا الزيادة في العطاء، وأنهم عادوا بقلوب متغيرة مستوحشة. ~~فلما وقف على ذلك مع أصحابه وأهل ثقته وأعلمهم الخبر، فحذروه منه وقالوا له ~~: إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد، وليس غير الصعود إلى القلعة والتحصن بها. ~~فصعد إلى قلعة غة وامتنع بها. # ووافى طغرل من الغد إلى البلد، ونزل في دار الإمارة، وراسل المقيمين ~~بالقلعة في تسليم عبد الرشيد، ووعدهم ورغبهم إن فعلوا، وتهددهم إن امتنعوا. ~~فسلموه إلي، فأخذه طغرل فقتله، واستولى على البلد وتزوج ابنة مسعود كرها. # وكان في الأعمال الهندية أمير يسمى خرخيز ومعه عسكر كثير، فلما قتل طغرل ~~عبد الرشيد واستولى على الأمر - كتب إليه ودعاه إلى الموافقة والمساعدة على ~~ارتجاع الأعمال من أيدي الغز، ووعده على ذلك، وبذل البذول الكثيرة، فلم يرض # PageV08P102 # فعله، وأنكره وامتعض منه، وأغلظ له في الجواب، وكتب إلى ابنة مسعود بن ~~محمود زوجة طغرل ووجوه القواد، ينكر ذلك عليهم، ويوبخهم على إغضائهم وصبرهم ~~على ما فعله طغرل من قتل ملكهم وابن ملكهم، ويحثهم على الأخذ بثأره . فلما ~~وفوا على كتبه عرفوا غلطتهم، ودخل جماعة منهم على طغرل، ووقفوا بين يديه، ~~فضربه أحدهم بسيفه وتبعه الباقون، فقتله . # وورد خرخيز الحاجب بعد خمسة أيام، وأظهر الحزن على عبد الرشيد، وذم طغرل ~~ومن تابعه على فعله، وجمع وجوه القواد وأعيان أهل البلد وقال لهم : قد ~~عرفتم ما جى مما خولفت به الديانة والأمانة، وأنا تابع، ولا بد للأمر من ~~سائس، فاذكروا ما عندكم من ذلك . فأشاروا بولاية فرخ زاد بن مسعود بن ms3439 محمود ~~وكان محبوسا في بعض القلاع، فأحضر وأجلس بدار الإمارة، وأقام خرخيز بين ~~يديه يدبر الأمور، وأخذ من أعان على قتل عبد الرشيد فقتله، فلما سمع داود ~~أخو طغرلبك صاحب خراسان بقتل عبد الرشيد جمع عساكره وسار إلى غزنة، فخرج ~~إليه خرخيز ومنعه وقاتله، فانهزم داود وغنم ما كان معه . # ولما استقر ملك فرخ زاد، وثبت قدمه - جهز جيشا جرارا إلى خراسان، ~~فاستقبلهم الأمير كلسارغ، وهو من أعظم الأمراء، فقاتلهم وصبر لهم، فظفروا ~~به، وانهزم أصحابه عنه، وأخذ أسيرا، وأسر معه كثير من عسكر خراسان ووجوههم ~~وأمرائهم . # فجمع ألب أرسلان عسكرا كثيرا، وسير والده داود في ذلك العسكر إلى الجيش ~~الذي أسر كلسارغ، فقاتلهم وهزمهم، وأسر جماعة من أعيان العسكر، فأطلق فرخ ~~زاد الأسرى، وخلع على كلسارغ وأطلقه . # PageV08P103 # ذكر وصول الغز إلى فارس وانهزامهم عنها # في هذه السنة وصل أصحاب السلطان طغرلبك إلى فارس، وبلغوا إلى شيراز، ~~ونزلوا بالبيضاء، واجتمع معهم العادل أبو منصور الذي كان وزير الأمير أبي ~~منصور الملك أبي كاليجار، ودبر أمرهم، فقبضوا عليه وأخذوا منه ثلاث قلاع، ~~وهي: قلعة كبزة، وقلعة جويم، وقلعة بهندر، فأقاموا بها، وسار من الغز نحو ~~مائتي رجل إلى الأمير أبي سد أخي الملك الرحيم، وصاروا معه، وراسل أبو سعد ~~الذي بالقلاع المذكورة، فاستمالهم، فأطاعوه وسلموا القلاع إليه، وصاروا في ~~خدمته . # واجتمع العسكر الشيرازي وعليهم الظهير أبو نصر، وأوقعوا بالغز بباب ~~شيراز، فانهزم الغز، وأسر تاج الدين نصر بن هبة الله بن أحمد، وكان من ~~المقدمين عند الغز، فلما انهزم الغز سار العسكر الشيرازي إلى فسا، وكان قد ~~تغلب عليها بعض السفل، وقوي أمره لاشتغال العساكر بالغز، فأزالوا المتغلب ~~عليها واستعادوها. # ذكر الحرب بين قريش وأخيه المقلد # في هذه السنة جرى خلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلد، ~~وكان قريش قد نقل عمه قرواشا إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل، وسجنه ~~بها، وارتحل يطلب العراق، فجرى بينه وبين أخيه المقلد منازعة أدت إلى ~~الاختلاف . فسار المقلد إلى نور الدولة ms3440 دبيس بن مزيد ملتجئا إليه، فحمل ~~أخاه الغيظ منه على أن نهب لته وعاد إلى الموصل، واختلت أحواله، واختلفت ~~العرب عليه، وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداذ إلى ما كان بيد قريش من العراق ~~بالجانب الشرقي من عكبرا والعلث وغيرهما، من قبض غلته، وسلم الجانب الغربي ~~من أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب . # ثم إن قريشا استمال العرب وأصلحهم، فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش، فإنه # PageV08P104 # توفي هذه الأيام، وانحدر إلى العراق ليستعيد ما أخذ منه، فوصل إلى ~~الصالحية، وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها، فنهبوا ما هناك ~~وعادوا، فلقوا كامل بن محمد بن المسيب صاحب الحظيرة، فأوقع بهم وقاتلهم، ~~فأرسلوا إلى قريش يعرفونه الحال، فسار إليهم في عدة كثيرة من العرب ~~والأكراد ، فانهزم كامل وتبعه قريش فلم يلحقه، فقصد حلل بلال بن غريب وهي ~~خالية من الرجال، فنهبها، وقاتله بلال وأبلى بلاء حسنا، فجرح ثم انهزم، ~~وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل الطاعة، ويطلب تقرير ما كان له عليه، ~~فأجابوه إلى ذلك على كره لقوته وضعفهم، واشتغال الملك الرحيم بخوزستان ~~عنهم، فاستقر أمره وقوي شأنه . # ذكر وفاة قرواش # في هذه السنة مستهل رجب توفي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد ~~العقيلي، الذي كان صاحب الموصل - محبوسا بقلعة الجراحية من أعمال الموصل، ~~على ما ذكرناه قبل، وحمل ميتا إلى الموصل، ودفن بتل توبة من مدينة نينوى ~~شرقي الموصل. # وكان من رجال العرب وذوي العقل منهم، وله شعر حسن، فمن ذلك ما ذكره أبو ~~الحسن علي بن الحسن الباخرزي في " دمية القصر " من شعره : # لله در النائبات فإنها ... صدأ النفوس وصيقل الأحرار # ما كنت إلا زبرة فطبعنني ... سيفا، وأطلق شفرتي وغراري # وذكر له أيضا: # PageV08P105 # من كان يحمد أو يذم مورثا ... للمال من آبائه وجدوده # إني امرؤ لله شكر وحده ... شكرا كثيرا جالبا لمزيده # لي أشقر سمح العنان مغاور ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده # ومهند عضب إذا جردته ... خلت البروق تموج في تجريده # ومثقف لدن السنان كأنما ms3441 ... أم المنايا ركبت في عوده # وبذا حويت المال إلا أنني ... سلطت جود يدي على تبديده # قيل: إنه جمع بين أختين في نكاحه، فقيل له : إن الشريعة تحرم هذا. فقال: ~~وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة؟ وقال مرة: ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من ~~الباة قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم . # ذكر استيلاء الملك الرحيم على البصرة # في هذه السنة في شعبان سير الملك الرحيم جيشا مع الوزير والبساسيري إلى ~~البصرة، وبها أخوه أبو علي بن أبي كاليجار، فحصروه بها، فأخرج عسكره في ~~السفن لقتالهم، فاقتتلوا عدة أيام، ثم انهزم البصريون في الماء إلى البصرة، ~~واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهر جميعا، وسارت العساكر على البر من ~~المنزلة بمطارا إلى البصرة، فلما قاربوها لقيهم رسل مضر وربيعة يطلبون ~~الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها، ودخلها الملك ~~الرحيم، فسر به أهلها، وبذل لهم الإحسان. # فلما دخل البصرة وردت إليه رسل الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة، ويذكرون ~~أنهم ما زالوا عليها. فشكرهم على ذلك، وأقام بالبصرة ليصلح أمرها. وأما ~~أخوه أبو علي صاحب البصرة فإنه مضى إلى شط عثمان فتحصن به # PageV08P106 # وحفر الخندق، فمضى الملك الرحيم إليه وقاتلهم، فملك الموضع ومضى أبو علي ~~ووالدته إلى عبادان، وركبوا البحر إلى مهروبان، وخرجوا من البحر واكتروا ~~دواب، وساروا إلى أرجان عازمين على قصد السلطان طغرلبك، وأخرج الملك الرحيم ~~كل من بالبصرة من الديلم أجناد أخيه، وأقام غيرهم . # ثم إن الأمير أبا علي وصل إلى السلطان طغرلبك وهو بأصبهان، فأكرمه وأحسن ~~إليه، وحمل إليه مالا، وزوجه امرأة من أهله، وأقطعه إقطاعا من أعمال ~~جرباذقان، وسلم إليه قلعتين من تلك الأعمال أيضا. # وسلم الملك الرحيم البصرة إلى البساسيري ومضى إلى الأهواز، وترددت الرسل ~~بينه وبين منصور بن الحسين وهزارسب حتى اصطلحوا، وصارت أرجان وتستر للملك ~~الرحيم . # ذكر ورود سعدي العراق # وفيها في ذي القعدة ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك ~~إلى نواحي العراق، فنزل مايدشت، وسار منها جريدة ms3442 فيمن معه من الغز إلى أبي ~~دلف الجاواني، فنذر به أبو دلف وانصرف من بين يديه، ولحقه سعدي فنهبه وأخذ ~~ماله، وأفلت أبو دلف بحشاشة نفسه، ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى بلغوا ~~النعمانية، فأسرفوا في النهب والغارة، وفتكوا في البلاد، وافتضوا الأبكار، ~~فأخذوا الأموال والأثاث فلم يتركوا شيئا، وقصد البندنيجين. # وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمر وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن ~~مقن العقيليين، فأرسل إليه ولده مع أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم ~~به عمه مهلهل، وقريش بن بدران، فلحقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم، فوعدهم ~~المسير إليهم، والأخذ لهم ممن قصدهم . فعادوا من عنده، فلقيهم نفر من أصحاب ~~مهلهل فواقعهم، فظفر بهم العقيليون وأسروهم . # PageV08P107 # وبلغ الخبر مهلهلا، فسار إلى حلل الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس، فأوقع ~~بهم على تل عكبرا ونهبهم، وانهزم الرجال، فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن ~~أبي الشوك على تامرا، فأعلموه الحال وحملوه على قتال عمه، فتقدم إلى طريقه ~~والتقى القوم، وكان سعدي في جمع كثير، فظفر بعمه وأسره، وانهزم أصحابه في ~~كل جهة، وأسر أيضا مالك ابن عمه مهلهل، وأعاد الغنائم التي كانت معهم على ~~أصحابها، وعاد إلى حلوان . # ووصل الخبر إلى بغداذ فارتج الناس بها وخافوا، وبرز عسكر الملك الرحيم ~~ليقصدوا حلوان لمحاربة سعدي، ووصل إليهم أبو الأغر دبيس بن مزيد الأسدي، ~~ولم يصنعوا شيئا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام صاحب تكريت بها، ~~وسجنه في سرداب بالقلعة، واستولى على تكريت. # وفيها زلزلت خوزستان وأرجان وأيذج وغيرها من البلاد زلازل كثيرة، وكان ~~معظمها بأرجان، فخرب كثير من بلادها وديارها، وانفرج جبل كبير قريب من ~~أرجان وانصدع، فظهر في وسطه درجة مبنية بالآجر والجص قد خفيت في الجبل، ~~فتعجب الناس من ذلك . # وكان بخراسان أيضا زلزلة عظيمة خربت كثيرا، وهلك بسببها كثير، وكان أشدها ~~بمدينة بيهق فأتى الخراب عليها، وخرب سورها ومساجدها، ولم يزل سورها خرابا ~~إلى سنة أربع وستين ms3443 وأربعمائة، فأمر نظام الملك ببنائه فبني، ثم خربه ~~أرسلان # PageV08P108 # أرغو بعد موت السلطان ملكشاه، وقد ذكرناه، ثم عمره مجد الملك البلاساني. # وفيها عمل محضر ببغداذ يتضمن القدح في نسب العلويين أصحاب مصر، وأنهم ~~كاذبون في ادعائهم النسب إلى علي - عليه السلام - وعزوهم فيه إلى الديصانية ~~من المجوس، والقداحية من اليهود، وكتب فيه العلويون والعباسيون والفقهاء ~~والقضاة والشهود، وعمل به عدة نسخ، وسير في البلاد، وشيع بين الحاضر ~~والبادي. # وفيها شهد الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ مصنف ~~الشامل - عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا. # وفيها حدثت فتنة بين السنة والشيعة ببغداذ، وامتنع الضبط، وانتشر ~~العيارون وتسلطوا، وجبوا الأسواق، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال، وكان ~~مقدمهم الطقطقي والزيبق، وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل، وكتبوا ~~على مساجدهم : محمد وعلي خير البشر، وجرى القتال بينهم وعظم الشر . وفيها ~~زوج نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصورا بابنة أبي البركات بن ~~البساسيري. # [الوفيات] # وفيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل، وكان # PageV08P109 # إماما في الفقه على مذهب أبي حنيفة، والأصول على مذهب الأشعري، وروى ~~الحديث عن الدارقطني وغيره . # وفي هذا الشهر توفي أيضا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ، وهو ~~راوي مسند أحمد بن حنبل. # PageV08P110 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة] ### | 445 - # ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة # ذكر الفتنة بين السنة والشيعة ببغداذ # في هذه السنة في المحرم زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنة، وكان ~~ابتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين [وأربعمائة] . # فلما كان الآن عظم الشر، واطرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين ~~طوائف من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع القواد واتفقوا على الركوب إلى ~~المحال، وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنسانا علويا ~~وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن، فتبعهن العامة من أهل الكرخ، ~~وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد، وطرح الأتراك النار ~~في أسواق الكرخ، ms3444 فاحترق كثير منها، وألحقتها بالأرض، وانتقل كثير من الكرخ ~~إلى غيرها من المحال . # وندم القواد على ما فعلوه، وأنكر الإمام القائم بأمر الله ذلك، وصلح ~~الحال، وعاد الناس إلى الكرخ بعد أن استقرت القاعدة بالديوان بكف الأتراك ~~أيديهم عنهم . # ذكر استيلاء الملك الرحيم على أرجان ونواحيها # في هذه السنة في جمادى الأولى استولى الملك الرحيم على مدينة أرجان، ~~وأطاعه من كان بها من الجند، وكان المقدم عليهم فولاذ بن خسرو الديلمي . # وكان قد تغلب على ما جاورها من البلاد إنسان متغلب يسمى خشنام، فأنفذ ~~إليه فولاذ جيشا فأوقعوا به وأجلوه عن تلك النواحي، واستضافوا إلى طاعة ~~الرحيم . # PageV08P111 # وخاف هزارسب بن بنكير من ذلك لأنه كان مباينا للملك الرحيم على ما ~~ذكرناه، فأرسل يتضرع ويتقرب، ويسأل التقدم إلى فولاذ بإحسان مجاورته، فأجيب ~~إلى ذلك . 0 ذكر مرض السلطان طغرلبك # في هذه السنة وصل السلطان طغرلبك إلى أصبهان مريضا، وقوي الإرجاف عليه ~~بالموت، ثم عوفي ووصل إليه الأمير أبو علي ابن الملك أبي كاليجار الذي كان ~~صاحب البصرة، ووصل إليه أيضا هزارسب بن بنكير بن عياض صاحب أيذج، فإنه كان ~~قد خاف الملك الرحيم لما استولى على البصرة وأرجان. فأكرمهما طغرلبك وأحسن ~~ضيافتهما، ووعدهمالنصرة والمعونة . # ذكر عود سعدي بن أبي الشوك إلى طاعة الرحيم # قد ذكرنا سنة أربع وأربعين [وأربعمائة] وصول سعدي إلى العراق، وأسره عمه، ~~فلما أسره سار ولده بدر بن المهلهل إلى السلطان طغرلبك، وتحدث معه في ~~مراسلة سعدي ليطلق أباه، فسلم إليه طغرلبك ولدا كان لسعدي عنده رهينة، ~~وأرسل معه رسولا يقول فيه : إن أردت فدية عن أسيرك فهذا ولدك قد رددته ~~عليك، وإن أبيت إلا المالفة ومفارقة الجماعة قابلناك على فعلك . # فلما وصل بدر والرسول إلى همذان تخلف بدر، وسار الرسول إليه، فامتعض من ~~قوله، وخالف طغرلبك، وسار إلى حلوان وأراد أخذها، فلم يمكنه، وتردد بين ~~روشنقباذ والبردان، وكاتب الملك الرحيم، وصار في طاعته، فسار إليه إبراهيم ~~بن إسحاق وسخت كمان، وهما من أعيان عسكر طغرلبك، في عسكر ms3445 مع بدر بن ~~المهلهل، فأوقعوا به، فانهزم هو وأصحابه، وعاد الغز عنهم إلى حلوان، وسار ~~بدر إلى شهرزور في طائفة من الغز، ومضى سعدي إلى قلعة روشنقباذ. # PageV08P112 # ذكر عود الأمير أبي منصور إلى شيراز # في هذه السنة في شوال عاد الأمير أبو منصور فولاستون ابن الملك أبي ~~كاليجار إلى شيراز مستوليا عليها، وفارقها أخوه الأمير أبو سعد . # وكان سبب ذلك أن الأمير أبا سعد كان قد تقدم معه في دولته إنسان يعرف ~~بعميد الدين أبي نصر بن الظهير، فتحكم معه، واطرح الأجناد واستخف بهم، ~~وأوحش أبا نصر بن خسرو صاحب قلعة إصطخر، الذي كان قد استدعى الأمير أبا سعد ~~وملكه . # فلما فعل ذلك اجتمعوا على مخالفته وتألبوا عليه، وأحضر أبو نصر بن خسرو ~~الأمير أبا منصور بن أبي كاليجار إليه ، وسعى في اجتماع الكلمة عليه، ~~فأجابه كثير من الأناد لكراهتهم لعميد الدين، فقبضوا عليه، ونادوا بشعار ~~الأمير أبي منصور، وأظهروا طاعته، وأخرجوا الأمير أبا سعد عنهم، فعاد إلى ~~الأهواز في نفر يسير، ودخل الأمير أبو منصور إلى شيراز مالكا لها، مستوليا ~~عليها، وخطب فيها لطغرلبك وللملك الرحيم ولنفسه بعدهما. # ذكر إيقاع البساسيري بالأكراد والأعراب # وفيها في شوال وصل الخبر إلى بغداذ بأن جمعا من الأكراد وجمعا من الأعراب ~~قد أفسدوا في البلاد، وقطعوا الطريق، ونهبوا القرى، طمعا في السلطنة بسبب ~~الغز، فسار إليهم البساسيري جريدة، وتبعهم إلى البوازيج، فأوقع بطوائف ~~كثيرة منهم، وقتل فيهم، وغنم أموالهم، وانهزم بعضهم فعبروا الزاب عند ~~البوازيج، فلم يدركهم، وأراد العبور إليهم وهم بالجانب الآخر، وكان الماء ~~زائدا، فلم يتمكن من عبوره، فنجوا. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي الشريف أبو تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي، نقيب ~~النقباء، وقام بعده في النقابة ابنه أبو علي . # PageV08P113 # وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، وكان مكثرا من ~~الحديث، سمع ابن مالك القطيعي وغيره، وإنما قيل له البرمكي لأنه سكن محلة ~~ببغداذ تعرف بالبرامكة، وقيل: كان من قرية عند البصرة تعرف ms3446 بالبرمكية . # PageV08P114 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة] ### | 446 - # ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة # ذكر فتنة الأتراك ببغداذ # في هذه السنة في المحرم كانت فتنة الأتراك ببغداذ. # وكان سببها أنهم تخلف لهم على الوزير الذي للملك الرحيم مبلغ كثير من ~~رسومهم، فطالبوه وألحوا عليه، فاختفى في دار الخلافة، فحضر الأتراك ~~بالديوان وطالبوه، وشكوا ما يلقونه منه من المطال بمالهم، فلم يجابوا إلى ~~إظهاره، فعدلوا عن الشكوى منه إلى الشكوى من الديوان، وقالوا: إن أرباب ~~المعاملات قد سكنوا بالحريم، وأخذوا اأموال، وإذا طلبناهم بها يمتنعون ~~بالمقام بالحريم، وانتصب الوزير والخليفة لمنعنا عنهم، وقد هلكنا. # فتردد الخطاب منهم والجواب عنه، فقاموا نافرين، فلما كان الغد ظهر الخبر ~~أنهم على عزم حصر دار الخلافة، فانزعج الناس لذلك، وأخفوا أموالهم، وحضر ~~البساسيري دار الخلافة، وتوصل إلى معرفة خبر الوزير، فلم يظهر له على خبر، ~~فطلب من داره ودور من يتهم به، وكبست الدور فلم يظهروا له على خبر. # وركب جماعة من الأتراك إلى دار الروم فنهبوها، وأحرقوا البيع والقلايات، ~~ونهبوا فيها دار أبي الحسن بن عبيد وزير البساسيري. # وقام أهل نهر المعلى وباب الأزج وغيرهما من المحال في منافذ الدروب - ~~لمنع الأتراك، وانخرق الأمر، ونهب الأتراك كل من ورد إلى بغداذ، (فغلت ~~الأسعار) ، # PageV08P115 # وعدمت الأقوات، وأرسل إليهم الخليفة ينهاهم، فلم ينتهوا، فأظهر أنه يريد ~~الانتقال عن بغداذ، فلم يزجروا. # هذا جميعه والبساسيري غير راض بفعلهم، وهو مقيم بدار الخليفة. وتردد ~~الأمر إلى أن ظهر الوزير، وقام لهم بالباقي من مالهم من ماله وأثمان دوابه ~~وغيرها، ولم زالوا في خبط وعسف، فعاد طمع الأكراد والأعراب أشد منه أولا، ~~وعاودوا الغارة والنهب والقتل، فخربت البلاد وتفرق أهلها. # وانحدر أصحاب قريش بن بدران من الموصل طامعين، فكبسوا حلل كامل بن محمد ~~بن المسيب، وهي بالبردان، فنهبوها، وبها دواب وجمال بخاتي للبساسيري، ~~فأخذوا الجميع، ووصل الخبر إلى بغداذ، فازداد خوف الناس من العامة ~~والأتراك، وعظم انحلال أمر السلطنة بالكلية، وهذا من ضرر الخلاف . # ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان ms3447 وغزو الروم # في هذه السنة سار طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو ~~منصور وهسوذان بن محمد الروادي، فأطاعه وخطب له وحمل إليه ما أرضاه به، ~~وأعطاه ولده رهينة، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار صاحب جنزة، ~~فأطاعه أيضا وخطب له، وكذلك سائر تلك النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة ~~والخطبة . # وانقادت العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم، وسار إلى ~~أرمينية، وقصد ملازكرد، وهي للروم، فحصرها وضيق على أهلها، ونهب ما جاورها ~~من البلاد وأخربها، وهي مدينة حصينة. فأرسل إليه نصر الدولة بن مراون صاحب ~~ديار بكر الهدايا الكثيرة والعساكر، وقد كان خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه، ~~وأثر السلطان طغرلبك في غزو الروم آثارا عظيمة، ونال منهم من النهب والقتل ~~والأسر شيئا كثيرا. # PageV08P116 # وبلغ في غزوته هذه إلى أرزن الروم، وعاد إلى أذربيجان لما هجم الشتاء من ~~غير أن يملك ملازكرد، وأظهر أنه يقيم إلى أن ينقضي الشتاء، ويعود يتم ~~غزاته، ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى أن دخلت سنة سبع وأربعين ~~[وأربعمائة] ، وعاد نحو العراق، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر محاربة بني خفاجة وهزيمتهم # في هذه السنة في رجب قصد بنو خفاجة الجامعين وأعمال نور الدولة دبيس، ~~ونهبوا وفتكوا في أهل تلك الأعمال، وكان نور الدولة شرقي الفرات، وخفاجة ~~غربيها، فأرسل نور الدولة إلى البساسيري يستنجده، فسار إليه، فلما وصل عبر ~~الفرات من ساعته، وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين، فانهزموا منه ودخلوا ~~البر، فلم يتبعهم وعاد عنهم، فرجعوا إلى الفساد، فاستعد لسلوك البر خلفهم ~~أين قصدوا، وعطف نحوهم قاصدا حربهم، فدخلوا البر أيضا، فتبعهم فلحقهم ~~بخفان، وهو حصن بالبر، فأوقع بهم، (وقتل منهم) ونهب أموالهم وجمالهم ~~وعبيدهم وإماءهم، وشردهم كل مشرد، وحصر خفان ففتحه وخربه، وأراد تخريب ~~القائم به، وهو بناء من آجر وكلس، وصانع عنه صاحبه ربيعة بن مطاع بمال ~~بذله، فتركه وعاد إلى البلاد . # وهذا القائم قيل: إنه كان علما يهتدي به السفن لما كان البحر يجيء إلى ~~النجف. ودخل ms3448 بغداذ ومعه خمسة وعشرون رجلا من خفاجة عليهم البرانس، وقد شدهم ~~بالحبال إلى الجمال، وقتل منهم جماعة، وصلب جماعة، وتوجه إلى حربى فحصرها، ~~وقرر على أهلها تسعة آلاف دينار، وأمنهم . # PageV08P117 # ذكر استيلاء قريش بن بدران على الأنبار والخطبة لطغرلبك بأعماله # في شعبان من هذه السنة حصر الأمير أبو المعالي قريش بن بدران صاحب الموصل ~~مدينة الأنبار وفتحها، وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر أعماله، ونهب ما كان ~~فيها للبساسيري وغيره، ونهب حلل أصحابه بالخالص، وفتحوا بثوقه، فامتعض ~~البساسيري من ذلك، وجمع جموعا كثيرة وقصد الأنبار وحربى، فاستعادهما، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر وفاة القائد بن حماد وما كان من أهله بعده # في هذه السنة في رجب توفي القائد ابن حماد، وأوصى إلى ولده محسن، وأوصاه ~~بالإحسان إلى عمومته، فلما مات خالف ما أمره به، وأراد عزل جميعهم، فلما ~~سمع عمه يوسف بن حماد بما عزم عليه خالفه، وجمع جمعا عظيما وبنى قلعة في ~~جبل منيع، وسماها الطيارة. # ثم إن محسنا قتل من عمومته أربعة، فازداد يوسف، نفورا وكان ابن عمه بلكين ~~بن محمد في بلده أفريون، فكتب إليه محسن يستدعيه، فسار إليه، فلما قرب منه ~~أمر محسن رجالا من العرب أن يقتلوه، فلما خرجوا قال لهم أميرهم خليفة بن ~~مكن: إن بلكين لم يزل محسنا إلينا، فكيف نقتله؟ فأعلموه ما أمرهم به محسن، ~~فخاف، فقال له خليفة: لا تخف، وإن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك. فاستعد ~~بلكين لقتاله، وسار إليه، فلما علم محسن بذلك وكان قد فارق القلعة عاد ~~هاربا إليها، فأدركه بلكين فقتله، وملك القلعة وولي الأمر، وكان ملكه ~~القلعة سنة سبع وأربعين وأربعمائة. # ذكر ابتداء الوحشة بين البساسيري والخليفة # في شهر رمضان من هذه السنة ابتدأت الوحشة بين الخليفة والبساسيري. # PageV08P118 # وسبب ذلك أن أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبان صاحبي قريش بن بدران، ~~وصلا إلى بغداذ سرا، فامتعض البساسيري من ذلك، وقال: هؤلاء وصاحبهم كبسوا ~~حلل أصحابي، ونهبوا، وفتحوا البثوق، وأسرفوا في إهلاك الناس. ms3449 وأراد أخذهم ~~فلم يمكن منهم، فمضى إلى حربى وعاد ولم يقصد دار الخلافة على عادته، فنسب ~~ذلك إلى رئيس الرؤساء. # واجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء، فمنعها وطالب بالضريبة التي ~~عليها، وأسقط مشاهرات الخليفة من دار الضرب، وكذلك مشاهرات رئيس الرؤساء، ~~وحواشي الدار، وأراد هدم دور بني المحلبان، فمنع منه، فقال: ما أشكو إلا من ~~رئيس الرؤساء الذي قد خرب البلاد، وأطمع الغز وكاتبهم. # ودام ذلك إلى ذي الحجة، فسار البساسيري إلى الأنبار، وأحرق ناحيتي دما، ~~والفلوجة، وكان أبو الغنائم بن المحلبان بالأنبار قد أتاها من بغداذ، وورد ~~نور الدولة دبيس إلى البساسيري، معاونا له على حصرها، ونصب البساسيري عليها ~~المجانيق، فهدم برجا، ورماهم بالنفط، فأحرق أشياء كان قد أعدها أهل البلد ~~لقتاله، ودخلها قهرا، فأسر مائة نفس من بني خفاجة، وأسر أبا الغنائم بن ~~المحلبان، فأخذ وقد ألقى نفسه في الفرات، ونهب الأنبار، وأسر من أهلها ~~خمسمائة رجل، وعاد إلى بغداذ وبين يديه أبو الغنائم على جمل، وعليه قميص ~~أحمر، وعلى رأسه برنس، وفي رجليه قيد، وأراد صلبه وصلب من معه من الأسرى، ~~فسأله نور الدولة أن يؤخر ذلك حتى يعود، وأتى البساسيري إلى مقابل التاج، ~~فقبل الأرض، وعاد إلى منزله، وترك أبا الغنائم لم يصلبه، وصلب جماعة من ~~الأسرى، فكان هذا أول الوحشة. # ذكر وصول الغز إلى الدسكرة وغيرها # في شوال من هذه السنة وصل إبراهيم بن إسحاق، وهو من الأمراء الغزية # PageV08P119 # السلجوقية، إلى الدسكرة، وكان مقيما بحلوان، فلما وصل إليها قاتله أهلها ~~ثم ضعفوا وعجزوا وهربوا متفرقين، ودخل الغز البلد فنهبوه أقبح نهب، وضربوا ~~النساء وأولادهن، فاستخرجوا بذلك أموالا كثيرة، وساروا إلى روشنقباذ ~~لفتحها، وهي بيد سعدي، وأمواله فيها وفي قلعة البردان. # وكان سعدي قد فارق طاعة السلطان طغرلبك على ما ذكرناه، فلم يفتحها، وأجلى ~~أهل تلك البلاد، وخربت القرى، ونهبت أموال أهلها. # وسار طائفة أخرى من الغز إلى نواحي الأهواز وأعمالها، فنهبوها واجتاحوا ~~أهلها، وقوي طمع الغز في البلاد، وانخذل الديلم ومن معهم من الأتراك، ms3450 وضعفت ~~نفوسهم. # ثم سير طغرلبك الأمير أبا علي ابن الملك أبي كاليجار، الذي كان صاحب ~~البصرة، في جيش من الغز إلى خوزستان ليملكها، فوصل سابور خواست، وكاتب ~~الديلم الذين بالأهواز يدعوهم إلى طاعته، ويعدهم الإحسان إن أجابوا، ~~والعقوبة إن امتنعوا، فمنهم من أطاع، ومنهم من خالف، فسار إلى الأهواز، ~~فملكها واستولى عليها، ولم يعرض لأحد في مال ولا غيره، فلم يوافقه الغز على ~~ذلك، ومدوا أيديهم إلى النهب والغارة والمصادرة، ولقي الناس منهم عنتا ~~وشدة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثرت الصراصر ببغداذ، حتى كان يسمع لها بالليل دوي كدوي ~~الجراد إذا طار. # [الوفيات] # وفيها في ذي الحجة توفي أبو حسان المقلد بن بدران أخو قريش بن بدران، ~~صاحب الموصل. # PageV08P120 # وفيها في شوال توفي قسطنطين ملك الروم، زوج تذورة بنت قسطنطين، الموسومة ~~بالملك، وإنما ملك قسطنطين هذا حيث تزوجها. # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو محمد الأصبهاني، المعروف ~~بابن اللبان، الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب أبي حامد الإسفراييني، وروى ~~الحديث عن ابن المقري والمخلص وغيرهما. # وتوفي فيها أحمد بن عمر بن روح أبو الحسين النهرواني، وله شعر جيد، فمنه ~~أنه سمع رجلا يتغنى وهو يقول: # وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا # فاستوقفه وقال له: أضف إليه: ( # على قلبي الأحبة با ... لتمادي في الهوى غلبوا # وبالهجران من عيني ... طيب النوم قد سلبوا # وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا # PageV08P121 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة] ### | 447 - # ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة # ذكر استيلاء الملك الرحيم على شيراز وقطع خطبة طغرلبك فيها # في هذه السنة في المحرم سار قائد كبير من الديلم، يسمى فولاذ، وهو صاحب ~~قلعة إصطخر، إلى شيراز، فدخلها وأخرج عنها الأمير أبا منصور فولاستون ابن ~~الملك أبي كاليجار، فقصد فيروزاباذ وأقام بها. # وقطع فولاذ خطبة السلطان طغرلبك في شيراز، وخطب للملك الرحيم، ولأخيه أبي ~~سعد، وكاتبهما يظهر لهما الطاعة، (فعلما أنه) يخدعهما بذلك، فسار إليه أبو ~~سعد، وكان بأرجان، ومعه ms3451 عساكر كثيرة، واجتمع هو وأخوه الأمير أبو منصور على ~~قصد شيراز ومحاصرتها على قاعدة استقرت بينهما من طاعة أخيهما الملك الرحيم، ~~فتوجها نحوها فيمن معهما من العساكر، وحصرا فولاذ فيها. # وطال الحصار إلى أن عدم القوت فيها، وبلغ السعر سبعة أرطال حنطة بدينار، ~~ومات أهلها جوعا، وكان من بقي فيها نحو ألف إنسان، وتعذر المقام في البلد ~~على فولاذ، ففر هاربا مع من في صحبته من الديلم إلى نواحي البيضاء وقلعة ~~إصطخر، ودخل الأمير أبو سعد، والأمير أبو منصور شيراز، وعساكرهما، وملكوها ~~وأقاموا بها. # PageV08P122 # ذكر قتل أبي حرب بن مروان صاحب الجزيرة # في هذه السنة قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وكان ~~والده قد سلم إليه الجزيرة وتلك النواحي ليقيم بها ويحفظها، وكان شجاعا ~~مقداما، فاستبد بالأمر واستولى عليه، فجرى بينه وبين الأمير موسك بن المجلي ~~ابن زعيم الأكراد البختية، وله حصون منيعة شرقي الجزيرة - نفرة. # ثم راسله أبو حرب واستماله، وسعى أن يزوجه ابنة الأمير أبي طاهر البشنوي، ~~صاحب قلعة فنك وغيرها من الحصون، وكان أبو طاهر هذا ابن أخت نصر الدولة بن ~~مروان، فلم يخالف أبو طاهر صاحب فنك أبا حرب في الذي أشار به من تزويج ~~الأمير موسك، فزوجه ابنته ونقلها إليه، فاطمأن حينئذ موسك، وسار إلى ~~سليمان، فغدر به وقبض عليه وحبسه. # ووصل السلطان طغرلبك إلى تلك الأعمال لما توجه إلى غزو الروم على ما ~~ذكرناه، فأرسل إلى نصر الدولة يشفع في موسك، فأظهر أنه توفي، فشق ذلك على ~~حميه أبي طاهر البشنوي، وأرسل إلى نصر الدولة وابنه سليمان فقال لهما: حيث ~~أردتما قتله، فلم جعلتما ابنتي طريقا إلى ذلك، وقلدتموني العار؟ وتنكر لهما ~~وخافه أبو حرب، فوضع عليه من سقاه سما، فقتله. # وولي بعده ابنه عبيد الله، فأظهر له أبو حرب المودة استصلاحا له، وتبرؤا ~~إليه من كل ما قيل عنه، واستقر الأمر بينهما على الاجتماع وتجديد الأيمان، ~~فنزلوا من فنك، وخرج إليهم أبو حرب من الجزيرة في نفر قليل، فقتلوه. ms3452 # وعرف والده ذلك، فأقلقه وأزعجه، وأرسل ابنه نصرا إلى الجزيرة ليحفظ تلك ~~النواحي، ويأخذ بثأر أخيه، وسير معه جيشا كثيفا. # وكان الأمير قريش بن بدران، صاحب الموصل، لما سمع قتل أبي حرب انتهز ~~الفرصة، وسار إلى الجزيرة ليملكها، وكاتب البختية والبشنوية، واستمالهم، ~~فنزلوا إليه واجتمعوا معه على قتال نصر بن مروان، فالتقوا واقتتلوا قتالا ~~شديدا كثر فيه القتلى، وصبر الفريقان، فكانت الغلبة أخيرا لابن مروان، وجرح ~~قريش جراحة قوية # PageV08P123 # بزوبين رمي به، وعاد عنه، وثبت أمر ابن مروان بالجزيرة، وعاود مراسلة ~~البشنوية والبختية، واستمالهم لعله يجد فيهم طمعا، فلم يطيعوه. # ذكر وثوب الأتراك ببغداذ بأهل البساسيري والقبض عليه ونهب دوره وأملاكه ~~وتأكد الوحشة بينه وبين رئيس الرؤساء # في هذه السنة ثارت فتنة ببغداذ بالجانب الشرقي بين العامة، وثار جماعة من ~~أهل السنة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحضروا الديوان، ~~وطلبوا أن يؤذن لهم في ذلك، وأن يتقدم إلى أصحاب الديوان بمساعدتهم، ~~فأجيبوا إلى ذلك، وحدث من ذلك شر كثير. # ثم إن أبا سعد النصراني، صاحب البساسيري، حمل في سفينة ستمائة جرة خمرا ~~ليحدرها إلى البساسيري بواسط في ربيع الآخر، فحضر ابن سكرة الهاشمي وغيره ~~من الأعيان في هذا الباب، وتبعهم خلق كثير، وحاجب باب المراتب من قبل ~~الديوان، وقصدوا السفينة، وكسروا جرار الخمر وأراقوها. # وبلغ ذلك البساسيري، فعظم عليه، ونسبه إلى رئيس الرؤساء، وتجددت الوحشة، ~~فكتب فتاوى أخذ فيها خطوط الفقهاء الحنفية بأن الذي فعل من كسر الجرار ~~[وإراقة الخمر] تعد غير واجب، (وهي ملك رجل نصراني، لا يجوز، وتردد القول ~~في هذا المعنى) ، فتأكدت الوحشة من الجانبين، ووضع رئيس الرؤساء الأتراك ~~البغداذيين على ثلب البساسيري والذم له، ونسب كل ما يجري عليهم من نقض ~~إليه، فطمعوا فيه، وسلكوا في هذا المعنى زيادة على ما أراد رئيس الرؤساء، ~~وتمادت الأيام إلى رمضان، فحضروا دار الخليفة، واستأذنوا في قصد دور ~~البساسيري ونهبها، فأذن لهم في ذلك، فقصدوها ونهبوها وأحرقوها، ونكلوا ~~بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداذ. # PageV08P124 # وأطلق ms3453 رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمه، ونسبه إلى مكاتبة المستنصر، ~~صاحب مصر، وأفسد الحال مع الخليفة إلى حد لا يرجى صلاحه، وأرسل إلى الملك ~~الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري، فأبعده، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب ~~في ملك السلطان طغرلبك العراق، وقبض الملك الرحيم، وسيرد من ذلك ما تراه إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر وصول طغرلبك إلى بغداذ والخطبة له بها # قد ذكرنا قبل مسير طغرلبك إلى الري، وبعد عوده من غزو الروم، للنظر في ~~ذلك الطرف، فلما فرغ من الري عاد إلى همذان في المحرم من هذه السنة، وأظهر ~~أنه يريد الحج وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة المستنصر ~~العلوي صاحبها. # وكاتب أصحابه بالدينور وقرمسين وحلوان وغيرها، فأمرهم بإعداد الأقوات ~~والعلوفات. فعظم الإرجاف ببغداذ، وفت في أعضاد الناس، وشغب الأتراك ببغداذ، ~~وقصدوا ديوان الخلافة. # ووصل السلطان طغرلبك إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل ~~الناس غربي بغداذ، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهر بغداذ. # وسمع الملك الرحيم بقرب طغرلبك من بغداذ، فأصعد من واسط إليها، وفارقه ~~البساسيري في الطريق لمراسلة وردت من القائم في معناه إلى الملك الرحيم أن ~~البساسيري خلع الطاعة، وكاتب الأعداء، يعني المصريين، وأن الخليفة له على ~~الملك عهود، وله على الخليفة مثلها، فإن آثره فقد قطع ما بينهما، وإن أبعده ~~وأصعد إلى بغداذ تولى الديوان تدبير أمره، فقال الملك الرحيم ومن معه: نحن ~~لأوامر الديوان متبعون، وعنه منفصلون. # PageV08P125 # وكان سبب ذلك ما ذكر. وسار البساسيري إلى بلد نور الدولة دبيس بن مزيد ~~لمصاهرة بينهما، وأصعد الملك الرحيم إلى بغداذ. وأرسل طغرلبك رسولا إلى ~~الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداذيين يعدهم ~~الجميل والإحسان، فأنكر الأتراك ذلك، وراسلوا الخليفة في المعنى، وقالوا: ~~إننا فعلنا بالبساسيري ما فعلنا، وهو كبيرنا، ومقدمنا، بتقدم أمير ~~المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين بإبعاد هذا الخصم عنا، ونراه قد قرب منا، ~~ولم يمنع من المجيء. وسألوا التقدم عليه (في العود) ، فغولطوا في الجواب، ~~وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض ms3454 الدولة الديلمية. # ثم إن الملك الرحيم وصل إلى بغداذ منتصف رمضان، وأرسل إلى الخليفة يظهر ~~له العبودية، وأنه قد سلم أمره إليه ليفعل ما تقتضيه العواطف معه في تقرير ~~القواعد مع السلطان طغرلبك، وكذلك قال من مع الرحيم من الأمراء، فأجيبوا ~~بأن المصلحة أن يدخل الأجناد خيامهم من ظاهر بغداذ، وينصبوها بالحريم، ~~ويرسلوا رسولا إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك ~~وفعلوه، وأرسلوا رسلا إليه، فأجابهم إلى ما طلبوا، ووعدهم الإحسان إليهم. # وتقدم الخليفة إلى الخطباء بالخطبة لطغرلبك بجوامع بغداذ، فخطب له يوم ~~الجمعة لثمان بقين من رمضان من السنة. وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول ~~بغداذ، فأذن له، فوصل إلى النهروان، وخرج الوزير رئيس الرؤساء إلى لقائه في ~~موكب عظيم من القضاة، والنقباء، والأشراف، والشهود، والخدم، وأعيان الدولة، ~~وصحبه أعيان الأمراء من عسكر الرحيم. فلما علم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم ~~الأمراء ووزيره أبا نصر الكندري، فلما وصل رئيس الرؤساء (إلى السلطان) ~~أبلغه رسالة الخليفة، واستحلفه للخليفة، وللملك الرحيم، وأمراء الأجناد، ~~وسار طغرلبك ودخل بغداذ يوم الاثنين لخمس بقين من الشهر، ونزل بباب ~~الشماسية، ووصل إليه # PageV08P126 # قريش بن بدران صاحب الموصل، وكان في طاعته قبل هذا الوقت على ما ذكرناه. # ذكر وثوب العامة ببغداذ بعسكر السلطان طغرلبك وقبض الملك الرحيم # لما وصل السلطان طغرلبك بغداذ دخل عسكره البلد للامتيار وشراء ما يريدونه ~~من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء بعض ~~العسكر إلى باب الأزج، وأخذ واحدا من أهله ليطلب منه تبنا، وهو لا يفهم ما ~~يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة بهم، ورجموهم، وهاجوا عليهم. # وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال ~~طغرلبك، فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز ~~من وجد في محال بغداذ، إلا أهل الكرخ فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز، بل جمعوهم ~~وحفظوهم. # وبلغ السلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ من حماية أصحابه، فأمر بإحسان ~~معاملتهم. فأرسل عميد الملك الوزير، إلى ms3455 عدنان بن الرضي، نقيب العلويين، ~~يأمره بالحضور، فحضر، فشكره عن السلطان، وترك عنده خيلا بأمر السلطان تحرسه ~~وتحرس المحلة. # وأما عامة بغداذ، فلم يقنعوا بما عملوا، حتى خرجوا ومعهم جماعة من العسكر ~~إلى ظاهر بغداذ، يقصدون العسكر السلطاني، فلو تبعهم الملك الرحيم وعسكره ~~لبلغوا ما أرادوا، لكن تخلفوا، ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخلافة، وأقاموا ~~بها نفيا للتهمة عن أنفسهم، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم. # وأما عسكر طغرلبك فلما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد قاتلوهم، فقتل ~~بين الفريقين جمع كثير، وانهزمت العامة، وجرح فيهم وأسر كثير، ونهب الغز ~~درب يحيى، ودرب سليم، وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله، فنهب الجميع، ونهبت ~~الرصافة، وترب الخلفاء، وأخذ منها من الأموال ما لا يحصى، لأن أهل تلك ~~الأصقاع # PageV08P127 # نقلوا إليها أموالهم اعتقادا منهم أنها محترمة. # ووصل النهب إلى أطراف نهر المعلى، واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف، ~~ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبي، وباب العامة، وجامع القصر، فتعطلت ~~الجمعات لكثرة الزحمة. # وأرسل طغرلبك من الغد إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم ~~وأجناده، ويقول: إن حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور أيقنت أن ما ~~جرى إنما كان بوضع منهم. # وأرسل للملك الرحيم وأعيان أصحابه أمانا لهم، فتقدم إليهم الخليفة بقصده، ~~فركبوا إليه، وأرسل الخليفة معهم رسولا يبرئهم مما خامر خاطر السلطان، فلما ~~وصلوا إلى خيامه نهبهم الغز، ونهبوا رسل الخليفة معهم، وأخذوا دوابهم ~~وثيابهم. # ولما دخل الملك الرحيم إلى خيمة السلطان أمر بالقبض عليه وعلى من معه، ~~فقبضوا كلهم آخر شهر رمضان، وحبسوا، ثم حمل الرحيم إلى قلعة السيروان، ~~وكانت ولاية الملك الرحيم على بغداذ ست سنين وعشرة أيام، ونهب أيضا قريش بن ~~بدران صاحب الموصل، ومن معه من العرب، ونجا مسلوبا، فاحتمى بخيمة بدر بن ~~المهلهل، فألقوا عليه الزلالي حتى أخفوه بها عن الغز. # ثم علم السلطان ذلك، فأرسل إليه، وخلع عليه، وأمره بالعود إلى أصحابه ~~وحلله تسكينا له. # وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى من قبض ms3456 الرحيم وأصحابه، ونهب ~~بغداذ، ويقول: إنهم إنما خرجوا إليك بأمري وأماني، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا ~~أفارق بغداذ، فإني إنما اخترتك واستدعيتك اعتقادا مني أن تعظيم الأوامر ~~الشريفة يزداد، وحرمة الحريم تعظم، وأرى الأمر بالضد. # فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات # PageV08P128 # عسكر الرحيم، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم. فتوجه كثير منهم ~~إلى البساسيري ولزموه، فكثر جمعه ونفق سوقه. # وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداذيين، وأرسل إلى نور الدولة دبيس ~~يأمره بإبعاد البساسيري عنه، ففعل، فسار إلى رحبة مالك بالشام، على ما ~~نذكره، وكاتب المستنصر صاحب مصر بالدخول في طاعته. وخطب نور الدولة لطغرلبك ~~في بلاده، وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداذ، فنهبوا من الجانب الغربي ~~من تكريت إلى النيل ومن الشرقي إلى النهروان وأسافل الأعمال، وأسرفوا في ~~النهب، حتى بلغ ثمن الثور ببغداذ خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار بقيراطين ~~إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلي أهله عنه. # وضمن السلطان طغرلبك البصرة والأهواز من هزارسب بن بنكير بن عياض ~~بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه ~~بالأهواز، دون الأعمال التي ضمنها، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار ~~الملك قرمسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحرا: الصلاة ~~خير من النوم، وأمر بعمارة دار المملكة، فعمرت وزيد فيها، وانتقل إليها في ~~شوال. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداذ، ومقدم ~~الحنابلة أبو يعلى بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، ~~وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، ~~والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة ~~إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا وقال: ~~أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها. # PageV08P129 # وفيها كان بمكة غلاء شديد، وبلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي، ثم تعذر ~~وجوده، فأشرف الناس والحجاج على الهلاك، فأرسل الله تعالى عليهم من الجراد ~~ما ملأ الأرض، فتعوض الناس به، ثم عاد الحاج فسهل الأمر على أهل ms3457 مكة، وكان ~~سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر عن العادة، فلم يحمل منها الطعام إلى ~~مكة. # وفيها ظهر باليمن إنسان يعرف بأبي كامل علي بن محمد الصليحي، واستولى على ~~اليمن، وكان معلما، فجمع إلى نفسه جمعا، وانتمى إلى صاحب مصر، وتظاهر ~~بطاعته، فكثر جمعه وتبعه، واستولى على البلاد، وقوي على ابن سادل وابن ~~الكريدي المقيمين بها على طاعة القائم بأمر الله، وكان يتظاهر بمذهب ~~الباطنية. # وفيها خطب محمود الخفاجي للمستنصر العلوي، صاحب مصر، بشفاثا والعين، وصار ~~في طاعته. # [الوفيات] # وفيها في شوال توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا، ~~ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وبقي في القضاء سبعا وعشرين سنة، وكان ~~شافعيا، ورعا، نزها، أمينا، وولي بعده أبو عبد الله محمد بن علي بن ~~الدامغاني الحنفي. # وفيها في ذي القعدة توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد ابن أمير المؤمنين، ~~ومولده في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. # PageV08P130 # وفيها قبض الملك الرحيم (قبل وصول طغرلبك إلى بغداذ) على الوزير أبي عبد ~~الله عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحيم، وطرح في بئر في دار المملكة، وطم ~~عليه، وكان وزيرا متحكما في دولته. # وفيها في المحرم توفي القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي، ~~ومولده بالبصرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وخلف ولدا صغيرا، وهو أبو الحسن ~~محمد بن علي، ثم توفي في شوال سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وانقرض بيته ~~بموته. # قال القاضي أبو عبد الله بن الدامغاني: دخلت على أبي القاسم قبل موته ~~بقليل، فأخرج إلي ولده هذا من جاريته وبكى، فقلت: يعيش إن شاء الله وتربيه. ~~فقال: هيهات! والله ما يتربى إلا يتيما، وأنشد: # أرى ولد الفتى كلا عليه ... لقد سعد الذي أمسى عقيما # فإما أن تربيه عدوا ... وإما أن تخلفه يتيما # فتربى يتيما كما قال. # PageV08P131 # وفي جمادى الأولى توفي (أبو محمد الحسن بن رجاء الدهان اللغوي. # وفي جمادى الآخرة فيها توفي) أبو القاسم منصور بن عمر بن علي الكرخي (من ~~كرخ جدان) ، الفقيه ms3458 الشافعي. # (وفي رجب توفي أبو نصر أحمد بن عبد الله الثابتي، الفقيه الشافعي) ، وهما ~~من شيوخ أصحاب أبي حامد الإسفراييني. # وفي شعبان توفي أبو البركات حسين بن علي بن عيسى الربعي النحوي، وكان ~~ينوب عن الوزراء ببغداذ. # PageV08P132 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة] ### | 448 - # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة # ذكر نكاح الخليفة ابنة داود أخي طغرلبك # في هذه السنة في المحرم جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوسا عاما، ~~وحضر عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وجماعة من الأمراء، منهم: أبو علي ~~ابن الملك أبي كاليجار، وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي، وابن أبي الشوك، ~~وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك. # وقام عميد الملك، وزير طغرلبك، وبيده دبوس، ثم خطب رئيس الرؤساء، وعقد ~~العقد على أرسلان خاتون، واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك، وقبل ~~الخليفة بنفسه النكاح، وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام، ~~وعدنان بن الشريف الرضي، نقيب العلويين، وأقضى القضاة الماوردي، وغيرهم، ~~وأهديت خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضا في شعبان، وكانت والدة الخليفة ~~قد سارت ليلا وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار. # PageV08P133 # ذكر الحرب بين عبيد المعز بن باديس وعبيد ابنه تميم # في هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز، المقيمين بالمهدية، وعبيد ابنه ~~تميم، بسبب منازعة أدت إلى المقاتلة، فقامت عامة زويلة وسائر من بها من ~~رجال الأسطول مع عبيد تميم، فأخرجوا عبيد المعز، وقتل منهم كثير، ومضى ~~الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان، فوضع عليهم تميم العرب، فقتلوا ~~منهم جمعا غفيرا، وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ~~ملك. # ذكر ابتداء دولة الملثمين # في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين، وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير، ~~أشهرها: لمتونة، ومنها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وجدالة، ~~ولمطة. # وكان أول مسيرهم من اليمن أيام أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فسيرهم ~~إلى الشام، وانتقلوا إلى مصر، ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع ~~طارق إلى طنجة، ms3459 فأحبوا الانفراد، فدخلوا الصحراء واستوطنوها إلى هذه ~~الغاية. # فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم، اسمه الجوهر، من قبيلة جدالة إلى ~~إفريقية، طالبا للحج، وكان محبا للدين وأهله، فمر بفقيه بالقيروان، وعنده ~~جماعة يتفقهون، قيل: هو أبو عمران الفاسي في غالب الظن، فأصغى الجوهر إليه، ~~وأعجبه حالهم. # فلما انصرف من الحج قال للفقيه: ما عندنا في الصحراء من هذا شيء غير ~~الشهادتين، والصلاة في بعض الخاصة، فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام، ~~فأرسل معه رجلا اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي، وكان فقيها، صالحا، شهما، ~~فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة، فنزل الجوهر عن جمله، وأخذ بزمام جمل عبد ~~الله بن ياسين، تعظيما لشريعة الإسلام، فأقبلوا إلى الجوهر يهنئونه ~~بالسلامة، وسألوه عن # PageV08P134 # الفقيه فقال: هذا حامل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء ~~يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام. فرحبوا بهما وأنزلوهما، وقالوا: تذكر لنا ~~شريعة الإسلام. فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه، فقالوا: أما ما ذكرت من ~~الصلاة والزكاة، فهو قريب، وأما قولك: من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى ~~يجلد أو يرجم - فأمر لا نلتزمه، اذهب إلى غيرنا. # فرحلا عنهم، فنظر إليهما شيخ كبير فقال: لا بد وأن يكون لهذا الجمل في ~~هذه الصحراء شأن يذكر في العالم. فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة، قبيل ~~الجوهر، فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذين يجاورونهم إلى حكم ~~الشريعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من أعرض وعصى. # ثم إن المخالفين لهم تحيزوا وتجمعوا، فقال ابن ياسين للذين أطاعوا: قد ~~وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق، وأنكروا شرائع الإسلام، ~~واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم راية، وقدموا عليكم أميرا. فقال له الجوهر: ~~أنت الأمير. فقال: لا، إنما أنا حامل أمانة الشريعة، ولكن أنت الأمير. فقال ~~الجوهر: لو فعلت هذا تسلط قبيلي على الناس، ويكون وزر ذلك علي. فقال له ابن ~~ياسين: الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر، رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل ~~سيد، مشكور الطريق، مطاع في قومه، فهو يستجيب ms3460 لنا لحب الرئاسة، وتتبعه ~~قبيلته، فنتقوى بهم. # فأتيا أبا بكر بن عمر، وعرضا ذلك عليه، فأجاب، فعقدوا له البيعة، وسماه ~~ابن ياسين أمير المسلمين، وعادوا إلى جدالة، وجمعوا إليهم من حسن إسلامه، ~~وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد في سبيل الله، وسماهم مرابطين، وتجمع ~~عليهم من خالفهم، فلم يقاتلهم المرابطون، بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن ~~عمر على أولئك # PageV08P135 # الأشرار بالمصلحين من قبائلهم، فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم نحو ~~ألفي رجل من أهل البغي والفساد، فتركوهم في مكان، وخندقوا عليهم وحفظوهم، ~~ثم أخرجوهم قوما بعد قوم، فقتلوهم، فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء، ~~وهابوهم، فقويت شوكة المرابطين. # هذا وعبد الله بن ياسين مشتغل بالعلم، وقد صار عنده منهم جماعة يتفقهون، ~~ولما استبد بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي، وبقي لا حكم له - ~~تداخله الحسد، وشرع سرا في فساد الأمر، فعلم بذلك منه، وعقد له مجلس، وثبت ~~عليه ما نقل عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة وشق العصا، وأراد ~~محاربة أهل الحق، فقتل بعد أن صلى ركعتين، وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء ~~الله تعالى. فاجتمعت القبائل على طاعتهم، ومن خالفهم قتلوه. # فلما كانت سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم، (فأمر ابن ياسين ضعفاءهم ~~بالخروج إلى السوس وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو تسعمائة رجل، فقدموا ~~سجلماسة، وطلبوا الزكاة، فجمعوا لهم شيئا له قدر وعادوا. # ثم إن الصحراء ضاقت عليهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، والعبور إلى الأندلس ~~ليجاهدوا الكفار، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فجمع لهم أهل السوس وقاتلوهم، ~~فانهزم المرابطون، وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه، فعاد أبو بكر بن عمر ~~فجمع جيشا وخرج إلى السوس في ألفي راكب، فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنا ~~عشر ألف فارس، فأرسل إليهم وقال: افتحوا لنا الطريق لنجوز إلى الأندلس ~~ونجاهد أعداء الإسلام. فأبوا ذلك، فصلى أبو بكر، ودعا الله - تعالى - وقال: ~~اللهم إن كنا على الحق فانصرنا، وإلا فأرحنا من هذه الدنيا. ثم قاتلهم وصدق ~~هو وأصحابه القتال، فنصرهم الله ms3461 - تعالى - وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر ~~القتل فيهم، وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم، وقويت نفسه ونفوس أصحابه، ~~وساروا إلى سجلماسة فنزلوا عليها، وطلبوا من أهلها الزكاة، فامتنعوا عليهم، ~~وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم، فهزموه # PageV08P136 # وقتلوه، ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها، وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين ~~وأربعمائة. # ذكر ولاية يوسف بن تاشفين # لما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني، ~~وهو من بني عمه الأقربين، ورجع إلى الصحراء، فأحسن يوسف السيرة في الرعية، ~~ولم يأخذ منهم سوى الزكاة، فأقام بالصحراء مدة، ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى ~~سجلماسة، فأقام بها سنة، والخطبة والأمر والنهي له، واستخلف عليها ابن أخيه ~~أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز مع يوسف بن تاشفين جيشا من المرابطين إلى ~~السوس، ففتح على يديه. # وكان يوسف رجلا دينا، خيرا، حازما، داهية، مجربا، وبقوا كذلك إلى سنة ~~اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء، فاجتمعت طوائف ~~المرابطين على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ولقبوه أمير المسلمين، وكانت ~~الدولة في بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا في أيام الفتن، وهي دولة ردية ~~مذمومة، سيئة السيرة، لا سياسة ولا ديانة، (وكان أمير المسلمين وطائفته على ~~نهج السنة، واتباع الشريعة) ، فاستغاث به أهل المغرب، فسار إليها وافتتحها ~~حصنا حصنا، وبلدا بلدا بأيسر سعي، فأحبه الرعايا، وصلحت أحوالهم. # ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش، وهو قاع صفصف، لا عمارة فيه، وهو موضع ~~متوسط في بلاد المغرب كالقيروان في إفريقية، ومراكش تحت جبال المصامدة ~~الذين هم أشد أهل المغرب قوة، وأمنعهم معقلا، فاختط هناك مدينة مراكش ليقوى ~~على قمع أهل تلك الجبال إن هموا بفتنة، واتخذها مقرا، فلم يتحرك أحد بفتنة، ~~وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة، وطنجة، وسلا، وغيرها، وكثرت عساكره. # وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم، وضيقوا حينئذ لثامهم، وكانوا قبل أن # PageV08P137 # يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد كما يفعل العرب، والغالب على ~~ألوانهم السمرة، فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام. # وقيل: كان سبب اللثام لهم ms3462 أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم، ~~فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما ~~تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال، ويتلثمن، ~~ويضيقنه، حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح. ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان ~~أمامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعا عظيما، فظنه ~~رجالا، فقال: هؤلاء عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق ~~النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم. # فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ قد أقبل رجال الحي، فبقي العدو ~~بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو فأكثروا، وكان من قتل النساء أكثر، فمن ~~ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه، فلا يعرف الشيخ من الشاب، فلا ~~يزيلونه ليلا ولا نهارا، ومما قيل في اللثام: # قوم لهم درك العلى في حمير ... وإن انتموا صنهاجة فهم هم # لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا # ونذكر باقي أخبار أمير المسلمين في مواضعها إن شاء الله تعالى. # ذكر تبييض أبي الغنائم بن المحلبان # في هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط، وخطب فيها ~~للعلويين المصريين. # وكان سبب ذلك أن رئيس الرؤساء سعى له في النظر على واسط وأعمالها، # PageV08P138 # فأجيب إلى ذلك، فانحدر إليها، (فصار عنده) جماعة من أعيانها، وجند جماعة ~~عظيمة، وتقوى بالبطائحيين، وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقا، وبنى ~~عليه سورا، وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة، فسير لحربه عميد العراق أبو ~~نصر، فاقتتلوا، فانهزم ابن المحلبان، وأسر من أصحابه عدد كثير، ووصل أبو ~~نصر إلى السور، فقاتله العامة من على السور. # ثم تسلم البلد، وأمر أهله بطم الخندق، وتخريب السور، ثم أصعد إلى بغداذ، ~~فلما فارقها (عاد إليها) ابن فسانجس، ونهب قرية عبد الله، وقتل كل أعمى رآه ~~بواسط، وأعاد خطبة المصريين، وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور. # ومضى منصور بن الحسين إلى المدار، وأرسل إلى بغداذ يطلب المدد، فكتب إليه ~~عميد العراق ورئيس الرؤساء يأمرانه ms3463 أن يقصد واسطا هو وابن الهيثم، وأن ~~يحاصراها، فأقبلا إليها فيمن معهما وحصروها في الماء والبر، وكان هذا ~~الحصار سنة تسع وأربعين [وأربعمائة] ، فاشتد فيها الغلاء حتى بيع التمر ~~والخبز وكروش البقر، كل خمسة أرطال بدينار، وإذا وجد الخبازى باعوه كل ~~عشرين رطلا بدينار. # ثم ضعفوا وضجروا من الحصار، فخرج ابن فسانجس ليقاتل، فلم يثبت، وقتل ~~جماعة من أصحابه، وانهزموا إلى سور البلد، واستأمن جماعة من الواسطيين إلى ~~منصور بن الحسين، وفارق ابن فسانجس واسطا، ومضى إلى قصر ابن أخضر، وسار ~~إليه طائفة من العسكر ليقاتلوه، فأدركوه بقرب النيل، فأسر هو وأهله، وحمل ~~إلى بغداذ، فدخلها في صفر سنة تسع وأربعين [وأربعمائة] وشهر على جمل، وعليه ~~قميص أحمر، وعلى رأسه طرطور بودع، وصلب. # ذكر الوقعة بين البساسيري وقريش # في هذه السنة سلخ شوال كانت وقعة بين البساسيري ومعه نور الدولة # PageV08P139 # دبيس بن مزيد، وبين قريش بن بدران، صاحب الموصل، ومعه قتلمش، وهو ابن عم ~~السلطان طغرلبك، وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان، ومعه أيضا سهم ~~الدولة أبو الفتح بن عمرو، وكانت الحرب عند سنجار، فاقتتلوا، فاشتد القتال ~~بينهم، فانهزم قريش وقتلمش، وقتل من أصحابهما الكثير. # ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت، وبالغوا في أذاه وأذى أصحابه، وجرح قريش ~~بن بدران، وأتى إلى نور الدولة جريحا، فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر، ~~فلبسها وصار في جملتهم، وساروا إلى الموصل، وخطبوا لخليفة مصر بها، وهو ~~المستنصر بالله، وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بطاعتهم، فأرسل إليهم ~~الخلع من مصر للبساسيري، ولنور الدولة دبيس بن مزيد، ولجابر بن ناشب، ~~ولمقبل بن بدران أخي قريش، ولأبي الفتح بن ورام، ونصير بن عمر، وأبي الحسن ~~بن عبد الرحيم، ومحمد بن حماد، وانضاف إليهم قريش بن بدران. # ذكر مسير السلطان طغرلبك إلى الموصل # لما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداذ، وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم ~~مساكنهم، فإن العساكر نزلوا فيها، وغلبوهم على أقواتهم، وارتكبوا منهم كل ~~محظور، أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء ms3464 أن يكتب إلى عميد ~~الملك الكندري، وزير السلطان طغرلبك، يستحضره، فإذا حضر قال له عن الخليفة ~~ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم، ويعظه ويذكره، فإن أزال ذلك، ~~وفعل ما أمر الله به، وإلا فيساعد الخليفة على الانتزاح عن بغداذ ليبعد عن ~~المنكرات. # فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري يستدعيه، فحضر، فأبلغه ما أمر به الخليفة، ~~وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ، فمضى إلى السلطان وعرفه ~~الحال، فاعتذر بكثرة العساكر، وعجزه عن تهذيبهم وضبطهم، وأمر عميد الملك أن ~~يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء، ويعتذر بما ذكره. # PageV08P140 # فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عند الكعبة وكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه، وقال له: ~~يحكمك الله في بلاده وعباده، فلا تراقبه فيهم، ولا تستحيي من جلاله - عز ~~وجل - في سوء معاملتهم، وتغتر بإهماله عند الجور عليهم! # فاستيقظ فزعا، وأحضر عميد الملك، وحدثه ما رأى، وأرسله إلى الخليفة يعرفه ~~أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة، وأخرج الجند من دور العامة، وأمر أن ~~يظهر من كان مختفيا، وأزال التوكيل عمن كان وكل به. # فبينما هو على ذلك، وقد عزم على الرحيل عن بغداذ للتخفيف عن أهلها، وهو ~~يتردد فيه، إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة، فتجهز وسار عن بغداذ عاشر ~~ذي القعدة، ومعه خزائن السلاح، والمنجنيقات، وكان مقامه ببغداذ ثلاثة عشر ~~شهرا وأياما، لم يلق الخليفة فيها، فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر، ونهبوا ~~عكبرا وغيرهما. # ووصل إلى تكريت فحصرها، وبها صاحبها نصر بن (علي بن خميس) فنصب على ~~القلعة علما أسود، وبذل مالا، فقبله السلطان. ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر ~~جمع العساكر ليسير إلى الموصل، فلما رحل عن تكريت توفي صاحبها، وكانت أمه ~~أميرة بنت غريب بن مقن، فخافت أن يملك البلدة أخوه أبو الغشام، فقتلته ~~وسارت إلى الموصل، فنزلت على دبيس بن مزيد، فتزوجها قريش بن بدران، ولما ~~رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم ابن المحلبان، فراسل رئيس ms3465 الرؤساء ~~واستعطفه، فصلح ما بينهما، وسلم تكريت إلى السلطان ورحل إلى بغداذ. # وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين [وأربعمائة] فأتاه ~~أخوه ياقوتي في العساكر، فسار بهم إلى الموصل، وأقطع مدينة بلد لهزارسب بن ~~بنكير، فأجفل أهل البلاد إلى بلد، (فأراد العسكر نهبهم، فمنعهم السلطان ~~وقال: لا يجوز أن # PageV08P141 # تعرضوا إلى بلد) هزارسب. فلجوا وقالوا: نريد الإقامة. (فقال السلطان ~~لهزارسب: إن هؤلاء قد احتجوا بالإقامة) ، فأخرج أهل البلد إلى معسكرك لتحفظ ~~نفوسهم. ففعل ذلك وأخرجهم إليه، فصار البلد بعد ساعة قفرا، وفرق فيهم ~~هزارسب مالا، وأركب من يعجز عن المشي، وسيرهم إلى الموصل ليأمنوا. # وتوجه السلطان إلى نصيبين، فقال له هزارسب: قد تمادت الأيام، وأرى أن ~~أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية، فلعلي أنال من العرب غرضا، ~~فأذن له في ذلك، فسار إليهم، فلما قاربهم كمن لهم كمينين، وتقدم إلى الحلل، ~~فلما رأوه قاتلوه، فصبر لهم ساعة، ثم انزاح بين أيديهم كالمنهزم، فتبعوه، ~~فخرج عليهم الكمينان، فانهزمت العرب، وكثر فيهم القتل والأسر، وكان قد ~~انضاف إليهم جماعة من بني نمير أصحاب حران والرقة وتلك الأعمال، وحمل ~~الأسرى إلى السلطان، فلما أحضروا بين يديه قال لهم: هل وطئت لكم أرضا، ~~وأخذت لكم بلدا. قالوا: لا! قال: فلم أتيتم لحربي؟ وأحضر الفيل فقتلهم، إلا ~~صبيا أمرد، فلما امتنع الفيل من قتله عفا عنه السلطان. # ذكر عود نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش بن بدران إلى طاعة طغرلبك # لما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طغرلبك أرسل إليه نور الدولة ~~وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان، ويصلح أمرهما معه، فسعى في ~~ذلك، واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأما ~~البساسيري فذنبه إلى الخليفة، ونحن متبعون أمر الخليفة فيه، فرحل البساسيري ~~عند ذلك إلى الرحبة، وتبعه الأتراك البغداذيون، ومقبل بن المقلد، وجماعة من ~~عقيل. # وطلب دبيس وقريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورام، فأرسله، فعاد # PageV08P142 # من عندهما، وأخبر بطاعتهما، وأنهما يطلبان أن يمضي ms3466 هزارسب إليهما ~~ليحلفهما. فأمره السلطان بالمضي إليهما، فسار واجتمع بهما، وأشار عليهما ~~بالحضور عند السلطان، فخافا وامتنعا، فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن ~~جعفر. وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصورا، فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب ~~لهما بأعمالهما، وكان لقريش نهر الملك، وبادوريا، والأنبار، وهيت، ودجيل، ~~ونهر بيطر، وعكبرا، وأوانا، وتكريت، والموصل، ونصيبين، وأعاد الرسل إلى ~~أصحابهم. # ذكر قصد السلطان ديار بكر وما فعله بسنجار # لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان، وكان ابن ~~مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والثلج، فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر ~~فحصرها، وهي لابن مروان، فأرسل إليه ابن مروان يبذل له مالا يصلح حاله به، ~~ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، وما يعانيه من جهاد الكفار، ~~ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمر أكمن، وفيه ~~أربعمائة راهب، فذبحوا منهم مائة وعشرين راهبا، وافتدى الباقون أنفسهم بستة ~~مكاكيك ذهبا وفضة. # ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه، فلقيه الأمراء والناس كلهم، وحملوا ~~إليه الهدايا. وقال لعميد الملك الوزير: من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء ~~السلطان، وتصلح بينهم؟ فقال: مع حضورك يكون ما تريد، فأنت نائب السلطان. # ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلى نور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما ~~وصوله، ويحذرهما منه، فسارا من جبل سنجار إلى الرحبة، فلم يلتفت البساسيري ~~إليهما، فانحدر نور الدولة إلى (بلده بالعراق) ، وأقام قريش عند البساسيري ~~بالرحبة معه ابنه مسلم بن قريش. # PageV08P143 # وشكا قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل سنجار في العام الماضي لما ~~انهزم، وأنهم قتلوا رجالا، فسير العساكر إليهم فأحاطت بهم، وصعد أهلها على ~~السور وسبوا، وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلانسهم، وتركوها على رءوس ~~القصب، ففتحها السلطان عنوة، وقتل أميرها مجلى بن مرجا وخلقا كثيرا من ~~رجالها، وسبى نساءهم، وخربت، وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم، فسلمها ~~هي والموصل والبلاد إلى إبراهيم ينال، ونادى في عسكره: من تعرض لنهب صلبته. ~~فكفوا عنهم. ms3467 # وعاد السلطان إلى بغداذ، على ما نذكره، كان ينبغي أن نذكر هذه الحادثة ~~سنة تسع وأربعين [وأربعمائة] ، وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها ~~كان فيها، فأتبعنا بعضها بعضا، وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب، فغلت الأسعار، وكثر ~~الغلاء، وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء، وأكل الناس الميتة، ولحقهم وباء ~~عظيم، فكثر الموت حتى دفن الموتى بغير غسل ولا تكفين، فبيع رطل لحم بقيراط، ~~(وأربع دجاجات بدينار، ورطل شراب بدينار، وسفرجلة بدينار) ، ورمانة بدينار، ~~وكل شيء كذلك. # وكان بمصر أيضا وباء شديد، فكان يموت في اليوم ألف نفس، ثم عم ذلك # PageV08P144 # سائر البلاد من الشام، والجزيرة، والموصل، والحجاز، واليمن وغيرها. # وفيها في جمادى الأولى ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة، الذي ذكرنا ~~وفاته قبل، ولدا ذكرا، ويسمى عبد الله، وكني أبا القاسم، وهو المقتدي. # وفيها في العشر الثاني من جمادى الآخرة، ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة ~~بيضاء طولها نحو عشرة أذرع في رأي العين، وعرضها ذراع، وبقيت كذلك إلى نصف ~~رجب، واضمحلت. # وفيها أمر الخليفة بأن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرهما: الصلاة خير من ~~النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل. ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة ~~وقوتها. # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب، المعروف بالفالي، من ~~أهل مدينة فالة بالقرب من إيذج، روى الحديث والأدب، وله شعر حسن، فمنه ~~قوله: # تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه المدرس # فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس # لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس # وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين بن محمد بن السري أبو الحسن البزاز # PageV08P145 # الموصلي، ولد بالموصل، ونشأ ببغداذ، وروى عن ابن حيويه، والدارقطني، وابن ~~بطة وغيرهم، وكان موته بمصر. # وفيها توفي أميرك الكاتب البيهقي في شوال، وكان من رجال الدنيا. ومحمد بن ~~عبد الواحد بن عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي. ms3468 # PageV08P146 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة] ### | 449 - # ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة # ذكر عود السلطان طغرلبك إلى بغداذ # لما سلم السلطان طغرلبك الموصل وأعمالها إلى أخيه إبراهيم ينال - عاد إلى ~~بغداذ، فلما وصل إلى القفص خرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، فلما قارب القفص ~~لقيه عميد الملك، وزير السلطان، في جماعة من الأمراء، وجاء رئيس الرؤساء ~~إلى السلطان فأبلغه سلام الخليفة واستيحاشه، فقبل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء ~~جاما من ذهب فيه جواهر، وألبسة فرجية جاءت معه من عند الخليفة، ووضع ~~العمامة على مخدته، فخدم السلطان، وقبل الأرض، (ووصل إلى بغداذ) ولم يمكن ~~أحدا من النزول في دور الناس، وطلب السلطان الاجتماع بالخليفة، فأذن له في ~~ذلك. # وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة جلوسا عاما، وحضر وجوه ~~عسكر السلطان وأعيان بغداذ، وحضر السلطان في الماء، وأصحابه حوله في ~~السميريات، فلما خرج من السميرية أركب فرسا من مراكب الخليفة، فحضر عند ~~الخليفة، والخليفة على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وبيده القضيب الخيزران، فقبل السلطان الأرض، وقبل ~~يده، وأجلس على كرسي، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له: إن أمير المؤمنين ~~شاكر لسعيك، حامد لفعلك مستأنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله من ~~بلاده، ورد عليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاك، واعرف نعمته عليك في ~~ذلك، واجتهد في نشر العدل وكف الظلم، وإصلاح الرعية. # PageV08P147 # فقبل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه ~~وعاد، وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق ~~والمغرب، وأعطي العهد، وخرج، وأرسل إلى الخليفة خدمة كثيرة، منها خمسون ألف ~~دينار، وخمسون مملوكا أتراكا من أجود ما يكون، ومعهم خيولهم وسلاحهم، وإلى ~~غير ذلك من الثياب وغيرها. # ذكر الحرب بين هزارسب وفولاذ # كان السلطان قد ضمن هزارسب بن بنكير بن عياض البصرة، وأرجان، وخوزستان، ~~وشيراز، فتجرد رسولتكين ابن عم السلطان ومعه فولاذ لهزارسب، وقصدا أرجان ~~ونهباها. # وكان هزارسب مع طغرلبك بالموصل ms3469 والجزيرة، فلما فرغ السلطان من تلك ~~الناحية رد هزارسب إلى بلاده، وأمره بقتال رسولتكين وفولاذ، فسار إلى ~~البصرة وصادر بها تاج الدين بن سخطة العلوي وابن سمحا اليهودي بمائة ~~ألفوعشرين ألف دينار، وسار منها إلى قتال فولاذ ورسولتكين فلقيهما، ~~وقاتلهما قتالا شديدا، فقتل فولاذ، وأسر رسولتكين ابن عم السلطان، فأبقى ~~عليه هزارسب، فسأل رسولتكين هزارسب ليرسله إلى دار الخلافة ليشفع فيه ~~الخليفة، ففعل ذلك. # ووصل بغداذ مع أصحاب هزارسب، فاجتاز بدار رئيس الرؤساء، فهجم ودخلها، ~~واستدعى طعاما إيجازا للحرمة، فأمر الخليفة بإحضار عميد الملك (وإعلامه ~~بحال رسولتكين ليخاطب السلطان في أمره، فلما حضر عميد الملك) وقيل له ذلك ~~قال: إن السلطان يقول إن هذا لا حرمة له يستحق بها المراعاة، وقد قابل ~~إحساني بالعصيان، ويجب تسليمه ليتحقق الناس منزلتي، وتتضاعف هيبتي. فاستقر ~~الأمر بعد مراجعة على أن يقيده، وخرج توقيع الخليفة: إن منزلة ركن الدين - ~~يعني طغرلبك - # PageV08P148 # عندنا اقتضت ما لم نفعله مع غيره ; لأنه لم تجر العادة بتقييد أحد في ~~الدار العزيزة، ولا بد أن يكون الرضا في جواب ما فعل. فراسله رئيس الرؤساء ~~حتى رضي. # وقد كانت دار الخلافة أيام بني بويه ملجأ لكل خائف منهم، من وزير وعميد ~~وغير ذلك، ففي الأيام السلجوقية سلك غير ذلك، وكان أول شيء فعلوه هذا. # ذكر القبض على الوزير اليازوري بمصر # في هذه السنة، في ذي الحجة، قبض بمصر على الوزير أبي محمد الحسن بن عبد ~~الرحمن اليازوري، وقرر عليه أموال عظيمة منه ومن أصحابه، ووجد له مكاتبات ~~إلى بغداذ. # وكان في ابتداء أمره قد حج، فلما قضى حجه أتى المدينة، وزار مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فسقط على منكبيه قطعة من الخلوق الذي على حائط ~~الحجرة، فقال له أحد القوام: أيها الشيخ إني أبشرك، ولي الحباء والكرامة إذ ~~بلغته، أنك تلي ولاية عظيمة، وهذا الخلوق دليل على ذلك. # فلم يحل عليه الحول حتى ولي الوزارة، وأحسن إلى ذلك الرجل ورعاه. # وكان يتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان قاضيا ms3470 بالرملة، يكرم العلماء، ويحسن ~~إليهم ويجالسهم، وكان ابتداء أمره كابتداء أمر رئيس الرؤساء: الشهادة، ~~والقضاء، وكانت سعادتهما متفقة، ونهايتهما متقاربة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زاد الغلاء ببغداذ والعراق حتى بيعت كارة الدقيق السميد ~~بثلاثة # PageV08P149 # عشر دينارا، والكارة من الشعير والذرة بثمانية دنانير، وأكل الناس الميتة ~~والكلاب وغيرها، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى، فكانوا يجعلون ~~الجماعة في الحفيرة. # [وفاة أبي العلاء المعري] # وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان ~~المعري، الأديب، وله نحو ست وثمانين سنة، وعلمه أشهر من أن يذكر، إلا أن ~~أكثر الناس يرمونه بالزندقة، وفي شعره ما يدل على ذلك، حكي أنه قال يوما ~~لأبي يوسف القزويني: ما هجوت أحدا. فقال له القزويني: هجوت الأنبياء. فتغير ~~وجهه وقال: ما أخاف أحدا سواك. # وحكى عنه القزويني أنه قال: ما رأيت شعرا في مرثية الحسين بن علي يساوي ~~أن يحفظ. فقال القزويني: بلى، قد قال بعض أهل سوادنا: # رأس ابن بنت محمد ووصيه ... للمسلمين على قناة يرفع # والمسلمون بمنظر وبمسمع # لا جازع منهم، ولا متفجع ... أيقظت أجفانا وكنت لها كرى # وأنمت عينا لم تكن بك تهجع # كحلت بمصرعك العيون عماية # وأصم نعيك كل أذن تسمع ... ما روضة إلا تمنت أنها # لك مضجع ولخط قبرك موضع # وفيها أصلح دبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن الأخرم الخفاجي حالهما مع ~~السلطان، فعاد دبيس إلى بلاده فوجدها خرابا لكثرة من مات بها من الوباء ~~الجارف، ليس بها أحد. # PageV08P150 # وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل: إنه مات في يوم واحد ثمانية عشر ألف ~~إنسان من أعمال بخارى، وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ألف ألف وستمائة ~~ألف وخمسون ألفا، وكان بسمرقند مثل ذلك، ووجد ميت، وقد دخل تركي يأخذ لحافا ~~عليه، فمات التركي وطرف اللحاف بيده، وبقيت أموال الناس سائبة. # وفيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وهو فقيه الإمامية، وأخذ ما ~~فيها، وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي. # [الوفيات] # وفيها، في ms3471 صفر، توفي أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، مقدم ~~أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيها، خطيبا، إماما في عدة علوم. # وفيها، في ربيع الأول، توفي إياز بن أيماق أبو النجم غلام محمود بن ~~سبكتكين، وأخباره معه مشهورة. # وفيها مات أبو أحمد عدنان ابن الشريف الرضي نقيب العلويين. # وفيها توفي أبو الحسين عبد الوهاب بن أحمد بن هارون الغساني، المعروف ~~بابن الجندي. # PageV08P151 ### | [ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة] ### | 450 - # ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة # ذكر مفارقة إبراهيم ينال الموصل واستيلاء البساسيري عليها وأخذها منه # في هذه السنة فارق إبراهيم ينال الموصل نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان ~~طغرلبك رحيله إلى العصيان، فأرسل إليه رسولا يستدعيه وصحبته الفرجية التي ~~خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة إليه أيضا كتابا في المعنى، فرجع إبراهيم ~~إلى السلطان، وهو ببغداذ، فخرج الوزير الكندري لاستقباله، وأرسل الخليفة ~~إليه الخلع. # ولما فارق إبراهيم الموصل قصدها البساسيري وقريش بن بدران، وحاصراها، ~~فملكا البلد ليومه، وبقيت القلعة، وبها الخازن وأردم وجماعة من العسكر، ~~فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل من فيها دوابهم، فخاطب ابن موسك صاحب إربل ~~قريشا حتى أمنهم فخرجوا، فهدم البساسيري القلعة، وعفى أثرها. # وكان السلطان قد فرق عسكره في النوروز، وبقي جريدة في ألفي فارس حين بلغه ~~الخبر، فسار إلى الموصل فلم يجد بها أحدا، وكان قريش والبساسيري قد ~~فارقاها، فسار السلطان إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه ~~أخوه إبراهيم ينال، وسار نحو همذان، فوصلها في السادس والعشرين من رمضان ~~سنة خمسين [وأربعمائة] ، وكان قد قيل: إن المصريين كاتبوه، والبساسيري قد ~~استماله وأطمعه في السلطنة والبلاد، فلما عاد إلى همذان سار السلطان في ~~أثره. # PageV08P152 # ذكر الخطبة بالعراق للعلوي المصري وما كان إلى قتل البساسيري # لما عاد إبراهيم ينال إلى همذان (سار طغرلبك خلفه) ، ورد وزيره عميد ~~الملك الكندري وزوجته إلى بغداذ. # وكان مسيره من نصيبين منتصف شهر رمضان، ووصل إلى همذان، وتحصن بالبلد، ~~وقاتل أهلها بين يديه، وأرسل إلى الخاتون زوجته وعميد الملك الكندري ~~يأمرهما باللحاق به، فمنعهما الخليفة ms3472 من ذلك تمسكا بهما، وفرق غلالا كثيرة ~~في الناس، وسار من كان ببغداذ من الأتراك إلى السلطان بهمذان، وسار عميد ~~الملك إلى دبيس بن مزيد فاحترمه وعظمه، ثم سار من عنده إلى هزارسب وسارت ~~خاتون إلى السلطان بهمذان، فأرسل الخليفة إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ~~يأمره بالوصول إلى بغداذ، فورد إليها في مائة فارس، ونزل في النجمي ثم عبر ~~إلى الأتانين. # وقوي الإرجاف بوصول البساسيري، فلما تحقق الخليفة وصوله إلى هيت أمر ~~الناس بالعبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، فأرسل دبيس بن مزيد إلى ~~الخليفة وإلى رئيس الرؤساء يقول: الرأي عندي خروجكما من البلد معي، فإنني ~~أجتمع أنا وهزارسب - فإنه بواسط - على دفع عدوكما. فأجيب ابن مزيد بأن يقيم ~~حتى يقع الفكر في ذلك، فقال: العرب لا تطيعني على المقام، وأنا أتقدم إلى ~~ديالى، فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم. وسار وأقام بديالى ينتظرهما، فلم ير ~~لذلك أثرا، فسار إلى بلاده. # ثم إن البساسيري وصل إلى بغداذ يوم الأحد ثامن ذي القعدة، ومعه أربعمائة ~~غلام على غاية الضر والفقر، وكان معه أبو الحسن بن عبد الرحيم الوزير، فنزل ~~البساسيري بمشرعة الروايا، ونزل قريش بن بدران، وهو في مائتي فارس، عند ~~مشرعة باب البصرة، وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام، وأقاموا بإزاء ~~عسكر # PageV08P153 # البساسيري وعادوا، وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي ~~صاحب مصر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، وعقد الجسر، وعبر عسكره إلى الزاهر ~~وخيموا فيه، وخطب في الجمعة من وصوله (بجامع الرصافة) للمصري، وجرى بين ~~الطائفتين حروب في أثناء الأسبوع. # وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء بالتوقف عن المناجزة، ويرى ~~المحاجزة ومطاولة الأيام انتظارا لما يكون من السلطان، ولما يراه من ~~المصلحة بسبب ميل العامة إلى البساسيري، أما الشيعة فللمذهب، وأما السنة ~~فلما فعل بهم الأتراك. # وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من البساسيري يرى ~~المبادرة إلى الحرب، فاتفق أن في بعض الأيام حضر القاضي الهمذاني عند رئيس ~~الرؤساء، واستأذنه في الحرب، وضمن له ms3473 قتل البساسيري، فأذن له من غير علم ~~عميد العراق، فخرج ومعه الخدم والهاشميون والعجم والعوام إلى الحلبة، ~~وأبعدوا، والبساسيري يستجرهم، فلما أبعدوا حمل عليهم فعادوا منهزمين، وقتل ~~منهم جماعة، ومات في الزحمة جماعة من الأعيان، ونهب باب الأزج، وكان رئيس ~~الرؤساء واقفا دون الباب، فدخل الدار، وهرب كل من في الحريم. # ولما بلغ عميد العراق فعل رئيس الرؤساء لطم على وجهه كيف استبد برأيه ولا ~~معرفة له بالحرب. ورجع البساسيري إلى معسكره، واستدعى الخليفة عميد العراق ~~وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرعهم إلا الزعقات، وقد نهب الحريم، وقد ~~دخلوا بباب النوبي، فركب الخليفة لابسا للسواد، وعلى كتفه البردة، وبيده ~~السيف، وعلى رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف ~~المسلولة، فرأى النهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه، ~~ومضى نحو عميد العراق فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد المنظرة، وصاح ~~رئيس الرؤساء: يا علم الدين - يعني قريشا - أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا ~~منه. فقال له رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير ~~المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله - تعالى - وذمام ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذمام العربية. # PageV08P154 # فقال: قد أذم الله - تعالى - له. قال: ولي ولمن معه؟ قال: نعم. وخلع ~~قلنسوته فأعطاها الخليفة، وأعطى مخصرته رئيس الرؤساء ذماما، فنزل إليه ~~الخليفة ورئيس الرؤساء من الباب المقابل لباب الحلبة، وصارا معه. # فأرسل إليه البساسيري: أتخالف ما استقر بيننا، وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ ~~فقال قريش: لا. وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما، وأن لا ~~يستبد أحدهما دون الآخر بشيء، فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى ~~البساسيري ; لأنه عدوه، ويترك الخليفة عنده، فأرسل قريش رئيس الرؤساء إلى ~~البساسيري، فلما رآه قال: مرحبا بمهلك الدول، ومخرب البلاد! فقال: العفو ~~عند المقدرة. فقال البساسيري: فقد قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وركبت ~~الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب السيف؟ # وأما الخليفة فإنه حمله قريش راكبا ms3474 إلى معسكره وعليه السواد والبردة، ~~وبيده السيف، وعلى رأسه اللواء، وأنزله في خيمة، وأخذ أرسلان خاتون، (زوجة ~~الخليفة، وهي) ابنة أخي السلطان طغرلبك، فسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة ~~ليقوم بخدمتها. # ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما، وسلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش ~~بن المجلي، وهو رجل فيه دين، وله مروءة. فحمله في هودج وسار به إلى حديثة ~~عانة، فتركه بها، وسار من كان مع الخليفة من خدمه وأصحابه إلى السلطان ~~طغرلبك مستنفرين. # فلما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه ما ~~يلبسه، فأرسل له جبة فيها قطن ولحافا. # وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر، وعبر إلى المصلى بالجانب # PageV08P155 # الشرقي، وعلى رأسه الألوية المصرية، فأحسن إلى الناس، وأجرى الجرايات على ~~المتفقهة، ولم يتعصب لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة القائم بأمر الله دارا، ~~وكانت قد قاربت تسعين سنة، وأعطاها جاريتين من جواريها للخدمة، وأجرى لها ~~الجراية، وأخرج محمود بن الأخرم إلى الكوفة، وسقي الفرات أميرا. # وأما رئيس الرؤساء فأخرجه البساسيري آخر ذي الحجة من محبسه بالحريم ~~الطاهري، مقيدا وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود ~~بعير، وهو يقرأ: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء} [آل عمران: 26] الآية. # وبصق أهل الكرخ في وجهه عند اجتيازه بهم، لأنه كان يتعصب عليهم، وشهر إلى ~~حد النجمي، وأعيد إلى معسكر البساسيري، وقد نصبت له خشبة، وأنزل عن الجمل، ~~وألبس جلد ثور، وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في فكيه كلابان من حديد، وصلب، ~~فبقي يضطرب إلى آخر النهار، ومات. # وكان مولده في شعبان سنة سبعين وثلاثمائة، وكانت شهادته عند ابن ماكولا ~~سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكان حسن التلاوة للقرآن، جيد المعرفة بالنحو. # وأما عميد العراق فقتله البساسيري، وكان فيه شجاعة وله فتوة، وهو الذي ~~بنى رباط شيخ الشيوخ. # ولما خطب البساسيري للمستنصر العلوي بالعراق أرسل إليه بمصر يعرفه ما ~~فعل، وكان الوزير هناك أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ms3475 ممن هرب ~~من البساسيري وفي نفسه ما فيها، فوقع فيه، وبرد فعله، وخوف عاقبته، فتركت ~~أجوبته مدة، ثم عادت بغير الذي أمله ورجاه. # PageV08P156 # وسار البساسيري من بغداذ إلى واسط والبصرة، فملكهما، وأراد قصد الأهواز، ~~فأنفذ صاحبها هزارسب بن بنكير إلى دبيس بن مزيد يطلب منه أن يصلح الأمر على ~~مال يحمله إليه، فلم يجب البساسيري إلى ذلك، وقال: لا بد من الخطبة ~~للمستنصر، والسكة باسمه. فلم يفعل هزارسب ذلك، ورأى البساسيري أن طغرلبك ~~يمد هزارسب بالعساكر، فصالحه، وأصعد إلى واسط في مستهل شعبان من سنة إحدى ~~وخمسين [وأربعمائة] ، وفارقه صدقة بن منصور بن الحسن الأسدي، ولحق بهزارسب، ~~وكان قد ولي بعد أبيه على ما نذكره. # وأما أحوال السلطان طغرلبك وإبراهيم ينال، فإن السلطان كان في قلة من ~~العسكر، كما ذكرناه، وكان إبراهيم قد اجتمع معه كثير من الأتراك، وحلف لهم ~~أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلفهم المسير إلى العراق، وكانوا يكرهونه ~~لطول مقامهم، وكثرة إخراجاتهم، فلم يقو به طغرلبك، وأتى إلى إبراهيم محمد ~~وأحمد ابنا أخيه أرتاش في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفا، ~~فانزاح (من بين يديه) إلى الري، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتي، وقاورت بك، ~~أولاد أخيه داود، وكان داود قد مات، (على ما نذكره سنة إحدى وخمسين ~~[وأربعمائة] إن شاء الله تعالى، وملك خراسان بعده ابنه ألب أرسلان، فأرسل ~~إليهم طغرلبك يستدعيهم إليه، فجاءوا بالعساكر الكثيرة، فلقي إبراهيم بالقرب ~~من الري، فانهزم إبراهيم ومن معه، وأخذ أسيرا هو ومحمد وأحمد ولدا أخيه، ~~فأمر به فخنق بوتر قوسه تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين [وأربعمائة] ، ~~وقتل ولدا أخيه معه. # وكان إبراهيم قد خرج على طغرلبك مرارا، فعفا عنه، وإنما قتله في هذه ~~الدفعة لأنه علم أن جميع ما جرى على الخليفة كان بسببه، فلهذا لم يعف عنه. # PageV08P157 # ولما قتل إبراهيم أرسل طغرلبك إلى هزارسب بالأهواز يعرفه ذلك، وعنده عميد ~~الملك الكندري، فسار إلى السلطان، فجهزه هزارسب تجهيز مثله. # ذكر عود الخليفة إلى بغداذ # لما فرغ السلطان ms3476 من أمر أخيه إبراهيم ينال عاد يطلب العراق، ليس له هم ~~إلا إعادة القائم بأمر الله إلى داره، فأرسل إلى البساسيري وقريش في إعادة ~~الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك العراق، ويقنع بالخطبة والسكة، فلم ~~يجب البساسيري إلى ذلك، فرحل طغرلبك إلى العراق، فوصلت مقدمته إلى قصر ~~شيرين، فوصل الخبر إلى بغداذ، فانحدر حرم البساسيري وأولاده، ورحل أهل ~~الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر، ونهب بنو شيبان الناس، وقتلوا ~~كثيرا منهم، وكان دخول البساسيري وأولاده بغداذ سادس ذي القعدة سنة خمسين ~~[وأربعمائة] وخرجوا منها سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين. # وثار أهل باب البصرة إلى الكرخ، فنهبوه، وأحرقوا درب الزعفران، وهو من ~~أحسن الدروب وأعمرها، ووصل طغرلبك إلى بغداذ، وكان قد أرسل من الطريق ~~الإمام أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب المعروف بابن فورك، إلى قريش بن بدران ~~يشكره على فعله بالخليفة، وحفظه على صيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة، ~~ويعرفه أنه قد أرسل أبا بكر بن فورك للقيام بخدمة الخليفة وإحضاره وإحضار ~~أرسلان خاتون ابنة أخيه امرأة الخليفة. # ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له: أودعنا ~~الخليفة عندك ثقة بأمانتك، لينكف بلاء الغز عنا، والآن فقد عادوا وهم ~~عازمون على قصدك، فارحل أنت وأهلك إلى البرية، فإنهم إذا علموا أن الخليفة ~~عندنا في # PageV08P158 # البرية لم يقصدوا العراق، ونحكم عليهم بما نريد، فقال مهارش: كان بيني ~~وبين البساسيري عهود ومواثيق نقضها، وإن الخليفة قد استحلفني بعهود ومواثيق ~~لا مخلص منها. وسار مهارش ومعه الخليفة حادي عشر ذي القعدة (سنة إحدى ~~وخمسين وأربعمائة إلى العراق، وجعلا طريقهما على بلد بدر بن مهلهل ليأمنا ~~من يقصدهما، ووصل ابن فورك إلى حلة بدر بن مهلهل، وطلب منه أن يوصله إلى ~~مهارش، فجاء إنسان سوادي إلى بدر، وأخبره أنه رأى الخليفة ومهارشا بتل ~~عكبرا، فسر بذلك بدر، ورحل ابن فورك، وخدماه، وحمل له بدر شيئا كثيرا، ~~وأوصل إليه ابن فورك رسالة طغرلبك، وهدايا كثيرة أرسلها معه. ولما ms3477 سمع ~~طغرلبك بوصول الخليفة إلى بلد بدر أرسل وزيره الكندري، والأمراء، والحجاب، ~~وأصحبهم الخيام العظيمة، والسرادقات، والتحف (من الخيل بالمراكب الذهب وغير ~~ذلك، فوصلوا إلى الخليفة وخدموه ورحلوا، ووصل الخليفة إلى النهروان في ~~الرابع والعشرين من ذي القعدة، وخرج السلطان إلى خدمته، فاجتمع به، وقبل ~~الأرض بين يديه، وهنأه بالسلامة، وأظهر الفرح بسلامته، واعتذر من تأخره ~~بعصيان إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه من الوهن على الدولة ~~العباسية، وبوفاة أخيه داود بخراسان، وأنه اضطر إلى التريث حتى يرتب أولاده ~~بعده في المملكة، وقال: أنا أمضي خلف هذا الكلب، يعني البساسيري، وأقصد ~~الشام، وأفعل في حق صاحب مصر ما أجازي به فعله! وقلده الخليفة بيده سيفا، ~~وقال: لم يبق مع أمير المؤمنين في داره سواه، وقد تبرك به أمير المؤمنين، ~~فكشف غشاء الخركاة حتى رآه الأمراء، فخدموا وانصرفوا. # PageV08P159 # ولم يبق ببغداذ من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضي أبي عبد الله ~~الدامغاني، وثلاثة نفر من الشهود. وتقدم السلطان في المسير، فوصل إلى ~~بغداذ، وجلس في باب النوبي مكان الحاجب، ووصل الخليفة فقام طغرلبك، وأخذ ~~بلجام بغلته، حتى صار على باب حجرته، وكان وصوله يوم الاثنين لخمس بقين من ~~ذي القعدة سنة إحدى وخمسين [وأربعمائة] ، وعبر السلطان إلى معسكره، وكانت ~~السنة مجدبة، ولم ير الناس فيها مطرا، فجاء تلك الليلة وهنأ الشعراء ~~الخليفة والسلطان بهذا الأمر، ودام البرد بعد قدوم الخليفة نيفا وثلاثين ~~يوما، ومات بالجوع والعقوبة عدد لا يحصى، وكان أبو علي بن شبل ممن هرب من ~~طائفة من الغر، فوقع به غيرهم فأخذوا ماله فقال: خرجنا من قضاء الله خوفا ~~فكان فرارنا منه إليه وأشقى الناس ذو عزم توالت مصائبه عليه من يديه تضيق ~~عليه طرق العذر منها ويقسو قلب راحمه عليه # ذكر قتل البساسيري أنفذ السلطان بعد استقرار الخليفة في داره جيشا عليهم ~~خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس نحو الكوفة، فأضاف إليهم سرايا ابن منيع ~~الخفاجي، وكان قد قال للسلطان: أرسل معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة، ms3478 ~~وأمنع البساسيري من الإصعاد إلى الشام. وسار السلطان طغرلبك في أثرهم، فلم ~~يشعر دبيس بن مزيد والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إليهم ثامن ذي الحجة من ~~طريق الكوفة، بعد أن نهبوها، وأخذ نور الدولة دبيس رحله جميعه، وأحدره إلى ~~البطيخة، وجعل أصحاب نور الدولة دبيس يرحلون بأهليهم فيمنعهم الأتراك، ~~فتقدم نور الدولة ليرد العرب إلى القتال، فلم يرجعوا فمضى. # PageV08P160 # ووقف البساسيري في جماعته، وحمل عليه الجيش، فأسر من أصحابه أبو الفتح بن ~~ورام، وأسر منصور وبدران وحماد، بنو نور الدولة دبيس، وضرب فرس البساسيري ~~بنشابة، وأراد قطع تجفافه لتسهل عليه النجاة فلم ينقطع، وسقط عن الفرس، ~~ووقع في وجهه ضربة ودل عليه بعض الجرحى، فأخذه كمشتكين دواتي عميد الملك ~~الكندري وقتله، وحمل رأسه إلى السلطان ودخل الجند في الظعن، فساقوه جميعه ~~وأخذت أموال أهل بغداذ وأموال البساسيري مع نسائه وأولاده. وهلك من الناس ~~الخلق العظيم، وأمر السلطان بحمل رأس البساسيري إلى دار الخلافة، فحمل ~~إليها ووصل منتصف ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فنظف وغسل وجعل على ~~قناة وطيف به. وصلب قبالة باب النوبي. # وكان في أسر البساسيري جماعة من النساء المتعلقات بدار الخلافة، فأخذن، ~~وأكرمن وحملن إلى بغداذ. # ومضى نور الدولة دبيس إلى البطيحة ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم، ~~وكان من حق هذه الحوادث المتأخرة أن تذكر سنة إحدى وخمسين [وأربعمائة] ، ~~وإنما ذكرناها هاهنا لأنها كالحادثة الواحدة يتلو بعضها بعضا. # وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة تقلبت ~~به الأمور حتى بلغ هذا المقام المشهور، واسمه أرسلان، وكنيته أبو الحارث، ~~وهو منسوب إلى بسا مدينة بفارس والعرب تجعل عوض الباء فاء فتقول فسا، ~~والنسبة إليها فساوي، ومنها أبو علي الفارسي النحوي، وكان سيد هذا المملوك ~~أولا من بسا، فقيل له البساسيري لذلك، وجعل العرب الباء فاء فقيل فساسيري. # PageV08P161 # ذكر عدة حوادث في هذه السنة أقر السلطان طغرلبك حملان بن وهسوذان بن ~~مملان على ولاية أبيه بأذربيجان. # وفيها مات شهاب الدولة أبو الفوارس منصور ms3479 بن الحسين الأسدي، صاحب الجزيرة ~~(عند خوزستان) ، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة. # وفيها توفي الملك الرحيم، آخر ملوك بني بويه بقلعة الري، وكان طغرلبك ~~سجنه أولا بقلعة السيروان، ثم نقله إلى قلعة الري فتوفي بها. وفيها عصى علي ~~بن أبي الجبر بالبطائح، وكان متقدم بعض نواحيها، فأرسل إليه طغرلبك جيشا مع ~~عميد العراق أبي النصر، فهزمهم أبو علي. # وفيها يوم النوروز أرسل السلطان مع وزيره عميد الملك إلى الخليفة عشرة ~~آلاف دينار سوى ما أضيف إليها من الأعلاق النفيسة. # [الوفيات] # وفيها، في صفر، توفي أبو الفتح بن شيطا القاري، الشاهد، وكانت شهادته سنة ~~خمس وأربعين وأربعمائة. # وفيها، في شهر ربيع الأول، توفي القاضي أبو الطيب الطبري، الفقيه # PageV08P162 # الشافعي، وله مائة سنة وسنتان وكان صحيح السمع والبصر، سليم الأعضاء، ~~يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء، وحضر عميد الملك جنازته، (ودفن عند قبر ~~أحمد، وله شعر حسن. # وفي سلخه توفي قاضي القضاة أبو الحسين) علي (بن محمد) بن حبيب الماوردي، ~~الفقيه الشافعي وكان إماما وله تصانيف كثيرة منها: الحاوي وغيره في علوم ~~كثيرة، وكان عمره ستا وثمانين سنة. # وفي آخر هذه السنة توفي أبو عبد الله الحسين بن محمد الرفا، الضرير ~~الفرضي، وكان إماما فيها على مذهب الشافعي. # وفيها، في شوال، كانت زلزلة عظيمة بالعراق، والموصل، ووصلت إلى همدان، ~~ولبثت ساعة، فخربت كثيرا من الدور، وهلك فيها الجم الغفير. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض المعروف بابن أبي عقيل، ~~وكان قد سمع الكثير من الحديث ورواه. # وتوفي أيضا القاضي أبو الحسن علي بن هندي قاضي حمص، وكان وافر العلم ~~والأدب. # PageV08P163 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.] ### | 451 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. # ذكر وفاة فرخ زاد صاحب غزنة وملك أخيه إبراهيم. # في هذه السنة، في صفر، توفي الملك فرخ زاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، ~~صاحب غزنة، وكان قد ثار به مماليكه سنة خمسين واتفقوا على قتله، فقصدوه وهو ~~في الحمام، وكان معه سيف، فأخذه وقاتلهم ms3480 ومنعهم عن نفسه حتى أدركه أصحابه ~~وخلصوه، وقتلوا أولئك الغلمان. # وصار بعد أن نجا من هذه الحادثة يكثر ذكر الموت ويحتقر الدنيا ويزدريها، ~~وبقي كذلك إلى هذه السنة، فأصابه قولنج فمات منه، وملك بعده أخوه إبراهيم ~~بن مسعود بن محمود، فأحسن السيرة، فاستعد لجهاد الهند، ففتح حصونا امتنعت ~~على أبيه وجده، وكان يصوم رجبا وشعبان ورمضان. # ذكر الصلح بين الملك إبراهيم وجغري بك داود. # في هذه السنة استقر الصلح بين الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين وبين داود بن ميكائيل بن سلجوق، صاحب خراسان، على أن يكون كل واحد ~~منهما على ما بيده، ويترك منازعة الآخر في ملكه. # وكان سبب ذلك أن العقلاء من الجانبين نظروا فرأوا أن كل واحد من الملكين ~~لا يقدر على أخذ ما بيد الآخر، وليس يحصل غير إنفاق الأموال وإتعاب ~~العساكر، # PageV08P164 # ونهب البلاد، وقتل النفوس، فسعوا في الصلح، فوقع الاتفاق واليمين، وكتبت ~~النسخ بذلك، فاستبشر الناس وسرهم لما أشرفوا عليه من العافية. # ذكر وفاة داود وملك ابنه ألب أرسلان. # في هذه السنة، في رجب، توفي جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق، # أخو السلطان طغرلبك، وقيل كان موته في صفر سنة اثنتين وخمسين، وعمره نحو ~~سبعين سنة، وكان صاحب خراسان، وهو مقابل آل سبكتكين ومقاتلهم ومانعهم عن ~~خراسان، فلما توفي ملك بعده خراسان ابنه السلطان ألب أرسلان (وخلف داود عدة ~~أولاد ذكور منهم: السلطان ألب أرسلان) وياقوتي وسليمان، وقاروت بك، فتزوج ~~أم سليمان السلطان طغرلبك، بعد أخيه داود ووصى له بالملك بعده، وكان من ~~أمره ما نذكره. # وكان خيرا، عادلا، حسن السيرة، معترفا بنعمة الله تعالى عليه، شاكرا ~~عليها، فمن ذلك أنه أرسل إلى أخيه طغرلبك مع عبد الصمد، قاضي سرخس يقول له: ~~بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها وملكتها، وجلا أهلها عنها وهذا ما لا خفاء ~~به مخالفة أمر الله تعالى في عباده وبلاده، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة ~~وإيحاش الرعية. # وقد علمت أننا لقينا أعداءنا ونحن في ثلاثين رجلا، وهم ms3481 في ثلاثمائة ~~فغلبناهم، وكنا في ثلاثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، وكنا في ثلاثة ~~آلاف، وهم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، وقاتلنا بالأمس شاه ملك، وهو في أعداد ~~كثيرة متوافرة، فقهرناه، وأخذنا مملكته بخوارزم، وهرب من بين أيدينا إلى ~~خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به وأسرناه وقتلناه، واستولينا على ممالك ~~خراسان وطبرستان # PageV08P165 # وسجستان، وصرنا ملوكا متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضي نعم ~~الله علينا أن نقابلها هذه المقابلة. # فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يا أخي أنت ملكت خراسان وهي بلاد عامرة، ~~فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلادا خربها من ~~تقدمني، واجتاحها من كان قبلي، فما أتمكن من عمارتها والأعداء محيطة بها، ~~والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، ولا يمكن دفع مضرتها عنها. # وله مناقب كثيرة تركناها خوف التطويل. # ذكر حريق بغداذ. # في هذه السنة احترقت بغداذ: الكرخ وغيره، وبين السورين، واحترقت فيه ~~خزانة الكتب التي وقفها أردشير الوزير ونهبت بعض كتبها، وجاء عميد الملك ~~الكندري، فاختار من الكتب خيرها، وكان بها عشرة آلاف مجلد وأربعمائة مجلد ~~من أصناف العلوم منها: مائة مصحف بخطوط بني مقلة، وكان العامة قد نهبوا ~~بعضها لما وقع الحريق، فأزالهم عميد الملك، وقعد يختارها، فنسب ذلك إلى سوء ~~سيرته، وفساد اختياره، وشتان بين فعله وفعل نظام الملك الذي عمر المدارس، ~~ودون العلم في بلاد الإسلام جميعها، ووقف الكتب وغيرها. # ذكر انحدار السلطان إلى واسط وما فعل العسكر وإصلاح دبيس. # في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداذ ~~فرآها قد نهبت، وحضر عنده هزارسب بن بنكير، وأصلح معه حال دبيس بن مزيد، ~~وأحضره معه إلى خدمة السلطان، وأصعد في صحبته إلى بغداذ، وكذلك صدقة بن ~~منصور بن الحسين، وضمن واسطا أبو علي بن فضلان بمائتي ألف دينار وضمن ~~البصرة الأغر أبو سعد سابور بن المظفر، وعبر السلطان إلى الجانب الشرقي من ~~دجلة، وسار إلى # PageV08P166 # قرب البطائح، فنهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز. # وأصعد السلطان إلى بغداذ ms3482 في صفر اثنتين وخمسين [وأربعمائة] ومعه أبو ~~الفتح بن ورام، وهزارسب بن بنكير بن عياض، ودبيس بن مزيد، وأبو علي ابن ~~الملك أبي كاليجار، وصدقة بن منصور بن الحسين وغيرهم، واجتمع السلطان ~~بالخليفة، وأمر الخليفة بعمل طعام كثير حضره السلطان والأمراء وأصحابهم، ~~وعمل السلطان أيضا سماطا أحضر في الجماعة، وخلع عليهم وسار إلى بلاد الجبل ~~في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين، وجعل ببغداذ شحنة الأمير برسق، ~~وضمنها أبو الفتح المظفر بن الحسين ثلاث سنين بأربع مائة ألف دينار. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة عزل أبو الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنه ~~خطب للعلوي ببغداذ في الفتنة، وأقيم مقامه بهاء الشرف أبو علي الحسن بن عبد ~~الودود بن المهتدي بالله. # [الوفيات] # وفيها توفي علي بن محمود (بن إبراهيم) الزوزني أبو الحسن صحب أبا الحسن ~~الحصري، وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو الذي نسب إليه رباط الزوزني ~~المقابل لجامع المنصور. # وفيها، في جمادى الأولى، توفي محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو ~~طالب العشاري، ومولده في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وسمع الدارقطني ~~وغيره. # PageV08P167 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.] ### | 452 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. # ذكر عود ولي العهد إلى بغداذ مع أبي الغنائم بن المحلبان. # في جمادى الآخرة ورد عدة الدين أبو القاسم المقتدي بأمر الله، ولي العهد، ~~ومعه جدته أم الخليفة، وخرج الناس لاستقباله، وجلس في الزبزب على رأسه أبو ~~الغنائم بن المحلبان، وقدم له بباب الغربة فرس، فحمله ابن المحلبان على ~~كتفه وأركبه وسلمه إلى مجلس الخليفة، فشكره، وخرج ابن المحلبان فركب في ~~الزبزب، وانحدر إلى دار أفردت له بباب المراتب، ودخل إلى الخليفة واجتمع ~~به. # وكان سبب مصير ولي العهد مع ابن المحلبان أنه دخل داره، فوجد زوجة رئيس ~~الرؤساء وأولاده بها، وهم مطلوبون من البساسيري، فعرفوه أن رئيس الرؤساء ~~أمرهم بقصده، فأدخلهم إلى أهله، وأقام لهم من حملهم إلى ميافارقين، فساروا ~~مع قرواش لما أصعد من بغداذ، ms3483 ولم يعلم بهم. # ثم لقيه أبو الفضل محمد بن عامر الوكيل، وعرفه ما عليه ولي العهد ومن معه ~~من إيثار الخروج من بغداذ، وما هم عليه من تناقص الحال، فبعث ابن المحلبان ~~زوجته، فأتته بهم سرا، فتركهم عنده ثمانية أشهر، وكان يحضر ابن البساسيري ~~وأصحابه، ويعمل لهم الدعوات، وولي العهد ومن معه مستترون عنده يسمعون ما ~~يقول أولئك فيهم. # ثم اكترى لهم، وسار هو في صحبتهم إلى قريب سنجار، ثم حملوا إلى حران، # PageV08P168 # وسار مع صاحبها أبي الزمام منيع بن وثاب النميري، حين قصد الرحبة، وفتح ~~قرقيسيا، وعقد لعدة الدين على بنت منيع، وانحدروا إلى بغداذ. # ذكر ملك محمود بن شبل الدولة حلب. # في هذه السنة، (في جمادى الآخرة) ، حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن ~~مرداس الكلابي مدينة حلب، وضيق عليها، واجتمع مع جمع كثير من العرب، فأقام ~~عليها، فلم يتسهل له فتحها، فرحل عنها، ثم عاودها فحصرها، فملك المدينة ~~عنوة في جمادى الآخرة، بعد أن حصرها، وامتنعت القلعة عليه. # وأرسل من بها إلى المستنصر بالله صاحب مصر ودمشق، يستنجدونه، فأمر ناصر ~~الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان، الأمير بدمشق، أن يسير بمن عنده ~~من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود، فسار إلى حلب فلما سمع محمود بقربه ~~منه خرج من حلب، ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها. # ثم إن الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حلب، واشتد القتال بينهم، ~~فانهزم ناصر الدولة وعاد مقهورا إلى مصر، وملك محمود حلب، وقتل عمه معز ~~الدولة، واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفنيدق، وهي مشهورة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة خلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجي، وردت # PageV08P169 # إليه إمارة بني خفاجة، وولاية الكوفة، وسقي الفرات، وضمن خواص السلطان ~~هناك بأربعة آلاف دينار كل سنة، وصرف عنها رجب بن منيع. # وفيها توفي أبو محمد النسوي، صاحب الشرطة ببغداذ، وقد جاوز ثمانين سنة. # وفيها سد بنو ورام بثق النهروانات، وشرع العميد أبو الفتح في عمارة بثوق ms3484 ~~الكرخ. # وفيها في ذي القعدة، توفيت خاتون زوجة السلطان طغرلبك بزنجان، فوجد فيها ~~وجدا شديدا، وحمل تابوتها إلى الري فدفنت بها. # وفيها، ثالث جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية ~~المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه. # وفيها جمع عطية بن صالح بن مرداس جمعا وحصر الرحبة، وضيق على أهلها، ~~فملكها في صفر من هذه السنة. # [الوفيات] # وفيها توفيت والدة الخليفة القائم بأمر الله، واسمها قطر الندى، وقيل بدر ~~الدجى، وقيل علم، وهي جارية أرمينية. # PageV08P170 # وفيها توفي محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن أبو علي المعروف بالجازري ~~النهرواني، وكان مكثرا من الرواية، الجازري بالجيم وبعد الألف زاي ثم راء. # وفيها توفي باي أبو منصور الفقيه الجيلي، بالباء الموحدة وبعد الألف ياء ~~تحتها نقطتان، ومحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد أبو عمرو بن أبي الفضل، ~~الفقيه المالكي. # PageV08P171 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.] ### | 453 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. # ذكر وزارة ابن دارست للخليفة. # لما عاد الخليفة إلى بغداذ استخدم أبا تراب الأثيري في الإنهاء، وحضور ~~المواكب، ولقبه حاجب الحجاب، وكان قد خدمه بالحديث، وقرب منه، فخاطب الشيخ ~~أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست، وقال إنه ~~يخدم بغير إقطاع، ويحمل مالا، فأجيب إلى ذلك، فأحضر من الأهواز إلى بغداذ ~~وخلع عليه خلعة الوزارة منتصف ربيع الآخر، وجلس في منصبه، ومدحه الشعراء، ~~فممن مدحه وهنأه أبو الحسن الخباز بقصيدة منها: # أمن الملك بالأمين أبي الفت ... ح وصدت عن صفوة الأقذاء # دولة أصبحت وأنت ولي ... الرأي فيها، لدولة غراء. # وهي طويلة. وكان ابن دارست في أول أمره تاجرا للملك أبي كاليجار. # ذكر موت المعز بن باديس وولاية ابنه تميم. # في هذه السنة توفي المعز بن باديس، صاحب إفريقية، من مرض أصابه، وهو # PageV08P172 # ضعف الكبد، وكانت مدة ملكه سبعا وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك إحدى ~~عشرة سنة، وقيل ثماني سنين وستة أشهر. # وكان رقيق القلب، خاشعا، متجنبا لسفك الدماء ms3485 إلا في حد، حليما، يتجاوز عن ~~الذنوب العظام، (حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه، مكرما لأهل العلم، كثير ~~العطاء لهم) ، كريما، وهب مرة مائة ألف دينار للمستنصر الزناتي وكان عنده ~~وقد جاءه هذا المال، فاستكثره، فأمر به فأفرغ بين يديه، ثم وهبه له، فقيل ~~له: لم أمرت بإخراجه من أوعيته؟ قال: لئلا يقال لو رآه ما سمحت نفسه به، ~~وكان له شعر حسن. # ولما مات رثاه الشعراء، فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال: # لكل حي وإن طال المدى هلك ... لا عز مملكة يبقى، ولا ملك # ولى المعز على أعقابه فرمى ... أو كاد ينهد من أركانه الفلك # مضى فقيدا، وأبقى في خزائنه ... هام الملوك، وما أدراك ما ملكوا # ما كان إلا حساما سله قدر ... على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا # كأنه لم يخض للموت بحر وغى ... ، خضر البحار، إذا قيست به، برك # ولم يجد بقناطير مقنطرة ... قد أرخت باسمه إبريزها السكك # روح المعز وروح الشمس قد قبضا ... فانظر بأي ضياء يصعد الفلك # ولما توفي ملك بعده ابنه تميم، وكان مولد تميم بالمنصورية التي هي مقره، ~~منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وولاه المهدية في صفر سنة خمس ~~وأربعين وأربعمائة، فأقام بها إلى أن وافاه أبو المعز، لما انتزح عن ~~القيروان من العرب، وقام بخدمة أبيه، وأظهر من طاعته وبره ما بان به كذب ما ~~كان ينسب إليه. # PageV08P173 # ولما استبد بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن السيرة، ومحبة أهل العلم، ~~إلا أنه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب، وزالت الهيبة والطاعة عنهم ~~في أيام المعز، فلما مات ازداد طمعهم، وأظهر كثير منهم الخلاف، فممن أظهر ~~الخلاف القائد حمو بن مليك، صاحب سفاقس، واستعان بالعرب، وقصد المهدية ~~ليحاصرها، فخرج إليه تميم وصافه، فاقتتلوا، فانهزم حمو وأصحابه، وكثر القتل ~~فيهم، ومضى حمو ونجا بنفسه، وتفرقت خيله ورجاله، وكان ذلك سنة خمس وخمسين ~~[وأربعمائة] . # (وسار تميم) إلى سوسة، وكان أهلها قد خافوا أباه المعز وعصوا عليه، ~~فملكها وعفا عن أهلها. # ذكر وفاة قريش صاحب ms3486 الموصل وإمارة ابنه شرف الدولة. # في هذه السنة توفي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين، أصابه خروج الدم ~~من فيه وأنفه وعينيه وأذنيه، فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين، حتى حفظ ~~خزانته بها، وتوفي هناك. # وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير حاله، فسار من دارا إلى ~~نصيبين، وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم، ~~وكان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوجه فخر الدولة بأخت مسلم، وزوج مسلما ~~بابنة نصر بن منصور. # ذكر وفاة نصر الدولة بن مروان. # في هذه السنة توفي نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر، ~~ولقبه القادر بالله نصر الدولة، وكان عمره نيفا وثمانين سنة، وإمارته ~~اثنتين وخمسين # PageV08P174 # سنة، واستولى على الأمور ببلاده استيلاء تاما، وعمر الثغور وضبطها، وتنعم ~~تنعما لم يسمع بمثله عن أحد من أهل زمانه. # وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهم بخمسة آلاف دينار، وأكثر من ~~ذلك، وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن، وخمسمائة خادم. # وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وتزوج من ~~بنات الملوك جملة، وأرسل طباخين إلى الديار المصرية، وغرم على إرسالهم جملة ~~وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك. # وأرسل إلى السلطان طغرلبك هدايا عظيمة، من جملتها الجبل الياقوت الذي كان ~~لبني بويه، اشتراه من الملك العزيز أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه ~~مائة ألف دينار سوى ذلك. # ووزر له أبو القاسم بن المغربي، وفخر الدولة بن جهير، ورخصت الأسعار في ~~أيامه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وأقام عنده العلماء ~~والزهاد. # وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد، فأمر أن يطرح ~~لها الحب من الأهراء التي له، فكانت في ضيافته طول عمره. # ولما مات اتفق وزيره فخر الدولة بن جهير وابنه نصر، فرتب نصرا في الملك ~~بعد أبيه، وجرى بينه وبين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها لنصر، ~~فاستقر في الإمارة بميافارقين وغيرها، وملك أخوه سعيد ms3487 آمد. # ذكر عدة حوادث. # في رجب خلع على الكامل أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وقلد نقابة ~~النقباء، ولقب الكامل ذا الشرفين. # PageV08P175 # وفيها تولى شمس الدين أسامة بن أبي عبد الله بن علي تولى نقابة العلويين ~~ببغداذ، ولقب المرتضى. # (وفيها، في جمادى الأولى، انكسفت الشمس جميعها، فظهرت الكواكب، وأظلمت ~~الدنيا، وسقطت الطيور الطائرة. # [الوفيات] # وفيها، في شهر رمضان، توفي شكر العلوي الحسيني، أمير مكة، وله شعر حسن، ~~فمنه: # قوض خيامك عن أرض تضام بها ... ، وجانب الذل، إن الذل مجتنب # وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب. # وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد بن يحيى السميساطي بدمشق، وكان عالما ~~بالهندسة والرياضيات من علوم الفلاسفة، وإليه ينسب الرباط الذي عند جامع ~~دمشق. # PageV08P176 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة.] ### | 454 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة. # ذكر نكاح السلطان طغرلبك ابنة الخليفة. # في هذه السنة عقد للسلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، ~~وكانت الخطبة تقدمت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة مع أبي سعد قاضي الري، ~~فانزعج الخليفة من ذلك، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي، وأمره أن ~~يستعفي، فإن أعفي، وإلا تمم الأمر على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار، ~~ويسلم واسطا وأعمالها. # فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الوزير ما ورد فيه من الاستعفاء، ~~فقال: لا يحسن أن يرد السلطان، وقد سأل وتضرع، ولا يجوز مقابلته أيضا بطلب ~~الأموال والبلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه. # فقال التميمي: الأمر لك، ومهما فعلته فهو الصواب، فبنى الوزير الأمر على ~~الإجابة، وطالع به السلطان، فسر به، وجمع الناس وعرفهم أن همته سمت به إلى ~~الاتصال بهذه الجهة النبوية، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك. ~~وتقدم إلى عميد الملك الوزير أن يسير ومعه أرسلان خاتون، زوجة الخليفة، وأن ~~يصحبها مائة ألف دينار برسم الحمل، وما شاكلها من الجواهر وغيرها، ووجه معه ~~فرامرز بن كاكويه، وغيره من وجوه الأمراء وأعيان الري. # PageV08P177 # فلما وصل إلى الإمام القائم ms3488 بأمر الله، وأوصل خاتون زوجة الخليفة إلى ~~دارها، وأنهى حضوره وحضور من معه، ذكر حال الوصلة، فامتنع الخليفة من ~~الإجابة إليها وقال: إن أعفينا، وإلا خرجنا من بغداذ. # فقال عميد الملك: كان الواجب الامتناع من غير اقتراح، وعند الإجابة إلى ~~ما طلب، فالامتناع سعي على دمي، وأخرج خيامه إلى النهروان، فاستوقفه قاضي ~~القضاة، والشيخ أبو منصور بن يوسف، وأنهيا إلى الخليفة عاقبة انصرافه على ~~هذا الوجه، وصنع له ابن دارست وزير الخليفة (دعوة فحضر عنده) ، فرأى على ~~مسجد مكتوبا: معاوية خال علي، فأمر بحكه. # وكتب من الديوان إلى خمارتكين الطغرائي كتابا يتضمن الشكوى من عميد ~~الملك، فورد الجواب عليه بالرفق، وكتب الخليفة إلى عميد الملك: نحن نرد ~~الأمر إلى رأيك، ونعول على أمانتك ودينك. # فحضر يوما عند الخليفة، ومعه جماعة من الأمراء، والحجاب، والقضاة ~~والشهود، فأخذ المجلس لنفسه، ولم يتكلم سواه، وقال للخليفة: أسأل مولانا ~~أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه، ركن الدين، ~~فيما رغب فيه ليعرفه الجماعة. # فغالطه، وقال: قد سطر في المعنى ما فيه كفاية. فانصرف عميد الملك مغيظا، ~~ورحل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وأخذ المال معه إلى همذان، وعرف ~~السلطان أن السبب في اتفاق الحال من خمارتكين الطغرائي، فتغير السلطان ~~عليه، فهرب في ستة غلمان. # وكتب السلطان إلى قاضي القضاة الشيخ أبي منصور بن يوسف يعتب ويقول: هذا ~~جزاء من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته، وأنفقت أموالي في نصرته، وأهلكت ~~خواصي في محبته. وأطال العتاب، وعاد الجواب إليه بالاعتذار. # PageV08P178 # وأما الطغرائي فإنه أدرك ببروجرد فقال أولاد إبراهيم ينال للسلطان: إن ~~هذا قتل أبانا، ونسأل أن نمكن من قتله، وأعانهم عميد الملك، فأذن لهم في ~~قتله، فساروا إلى طريقه وقتلوه، وجعل مكانه ساوتكين، وبسط الكندري لسانه. ~~وطلب طغرلبك ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لتعاد إليه، وجرى ما كاد يقضي إلى ~~الفساد الكلي. # فلما رأى الخليفة شدة الأمر أذن في ذلك، وكتب الوكالة باسم عميد الملك، ~~وسيرت الكتب مع أبي الغنائم بن المحلبان، ms3489 وكان العقد في شعبان سنة أربع ~~وخمسين وأربعمائة بظاهر تبريز، وهذا ما لم يجر للخلفاء مثله، فإن بني بويه ~~مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فعله. # وحمل السلطان أموالا كثيرة، وجواهر نفيسة للخليفة، ولولي العهد، وللجهة ~~المطلوبة، ولوالدتها، وغيرهم، وجعل بعقوبا وما كان بالعراق للخاتون زوجة ~~السلطان التي توفيت للسيدة ابنة الخليفة. # ذكر عزل ابن دارست ووزارة ابن جهير. # في هذه السنة عزل أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من وزارة الخليفة. # وسببه أنه وصل معه إنسان يهودي يقال له ابن علان، فضمن أعمال الوكلاء ~~التي لخاص الخليفة بستة آلاف كر غلة، ومائة ألف دينار، فصح منها ألفا كر، ~~وثلاثون ألف دينار، وانكسر الباقي، فظهر عجز ابن دارست ووهنه، فعزل إلى ~~الأهواز، فتوفي بها سنة سبع وستين [وأربعمائة] . # وكان فخر الدولة أبو نصر بن جهير، وزير نصر الدولة بن مروان، قد أرسل # PageV08P179 # يخطب الوزارة، وبذل فيها بذولا كثيرة، فأجيب إليها، وأرسل كامل طراد ~~الزينبي إلى ميافارقين كأنه رسول، فلما عاد سار معه ابن جهير كالمودع له، ~~فتمم السير معه. # وخرج ابن مروان في أثره، فلم يدركه، فلما وصل إلى بغداذ خرج الناس إلى ~~استقباله، وخلع عليه خلع الوزارة يوم عرفة، ولقب فخر الدولة، واستقر في ~~الوزارة، ومدحه وهنأه ابن الفضل وغيره من الشعراء. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة عم الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من التمر ~~بثمانية قراريط. # وفاة القضاعي. # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي بمصر. # وفيها سار السلطان طغرلبك إلى قلعة الطرم من بلاد الديلم، وقرر على مسافر ~~ملكها مائة ألف دينار وألف ثوب. # [الوفيات] # وفيها مات أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب معز الدولة بحلب، وقام ~~أخوه عطية مقامه. # PageV08P180 # وتوفي الحسن بن علي بن محمد أبو محمد الجوهري، ومولده سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة، وكان من الأئمة المكثرين من سماع الحديث وروايته، وهو آخر من ~~حدث عن أبي بكر القطيعي، ms3490 والأبهري، وابن شاذان، وغيرهم. # PageV08P181 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة.] ### | 455 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة. # ذكر ورود السلطان بغداذ ودخوله بابنة الخليفة. # في هذه السنة، في المحرم، توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداذ، ~~وأراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفاه من ذلك، وخرج الوزير ابن جهير ~~فاستقبله. # وكان مع السلطان من الأمراء: أبو علي ابن الملك أبي كاليجار، وسرخاب ابن ~~بدر، وهزارسب، وأبو منصور فرامرز بن كاكويه، فنزل عسكره في الجانب الغربي، ~~فزاد بهم أذى. # ووصل عميد الملك إلى الخليفة، وطالب بالجهة، وبات بالدار، فقيل له: خطك ~~موجود بالشرط، وإن المقصود بهذه الوصلة الشرف لا الاجتماع، وإنه إن كانت ~~مشاهدة فتكون في دار الخلافة، فقال السلطان: نفعل هذا، ولكن نفرد له من ~~الدور والمساكن ما يكفيه، ومعه خواصه، وحجابه، ومماليكه، فإنه لا يمكنه ~~مفارقتهم، فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر، فجلست على سرير ملبس ~~بالذهب، ودخل السلطان إليها، وقبل الأرض وخدمها، ولم تكشف الخمار عن وجهها، ~~ولا قامت هي له، وحمل لها شيئا كثيرا من الجواهر وغيرها، وبقي كذلك يحضر كل ~~يوم يخدم وينصرف. # وخلع على عميد الملك وعمل السماط عدة أيام، وخلع على جميع الأمراء، وظهر ~~عيله سرور عظيم، وعقد ضمان بغداذ على أبي سعيد القايني بمائة وخمسين ألف ~~دينار، فأعاد ما كان أطلقه رئيس العراقين من المواريث والمكوس، وقبض على # PageV08P182 # الأعرابي سعد، ضامن البصرة، وعقد ضمان واسط على أبي جعفر ابن صقالب ~~بمائتي ألف دينار. # ذكر وفاة السلطان طغرلبك. # في هذه السنة سار السلطان من بغداذ، في ربيع الأول إلى بلد الجبل، فوصل ~~إلى الري واستصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه، زوجة الخليفة، لأنها شكت ~~اطراح الخليفة لها، فأخذها معه، فمرض، وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان ~~وكان عمره سبعين سنة تقريبا، وكان عقيما لم يلد ولدا. # وكان وزيره الكندري على سبعين فرسخا، فأتاه الخبر، فسار، ووصل إليه في ~~يومين وهو بعد لم يدفن فدفنه. وجلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغداذ ~~للعزاء. # حكى ms3491 عنه الكندري أنه قال: رأيت، وأنا بخراسان، في المنام كأنني رفعت إلى ~~السماء، وأنا في ضباب لا أبصر معه شيئا، غير أني أشم رائحة طيبة، وأنني ~~أنادى: إنك قريب من الباري، جلت قدرته، فاسأل حاجتك لتقضى، فقلت في نفسي: ~~أسأل طول العمر، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يا رب ما يكفيني، فقيل: لك ~~سبعون سنة، فقلت: يا رب لا يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة. فلما مات حسب عميد ~~الملك عمره، على التقريب، فكان سبعين سنة. وكانت مملكته، بحضرة الخلافة، ~~سبع سنين وأحد عشر شهرا واثنى عشر يوما. # وأما الأحوال بالعراق، بعد وفاته، فإنه كتب من ديوان الخلافة إلى شرف ~~الدولة مسلم بن قريش، صاحب الموصل، وإلى نور الدولة دبيس بن مزيد، وإلى ~~هزارسب، وإلى بني ورام، وإلى بدر بن المهلهل، بالاستدعاء إلى بغداذ، وأرسل ~~لشرف الدولة تشريف، وعمل أبو سعيد القايني، ضامن بغداذ، سورا على قصر عيسى، ~~وجمع # PageV08P183 # الغلات. فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا، وتسلم أصحابه الأنبار، ~~وانتشرت البادية في البلاد، وقطعوا الطرقات. # وقدم إلى بغداذ دبيس بن مزيد، وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله، وقدم أيضا ~~ورام، وتوفي ببغداذ أبو الفتح بن ورام، مقدم الأكراد الجاوانية، فحمل إلى ~~جرجرايا، وفارق شرف الدولة مسلم بغداذ، ونهب النواحي، فسار نور الدولة، ~~والأكراد، وبنو خفاجة إلى قتاله. # ثم أرسل إليه من ديوان الخلافة رسول معه خلعة له، وكوتب بالرضاء عنه، ~~وانحدر إليه نور الدولة دبيس، فعمل له شرف الدولة سماطا كثيرا، وكان في ~~الجماعة الأشرف أبو الحسين بن فخر الملك أبي غالب بن خلف، كان قصد شرف ~~الدولة مستجديا، فمضغ لقمة، فمات من ساعته. # وحكى عنه بعض من صحبه أنه سمعه ذلك اليوم يقول: اللهم اقبضني، فقد ضجرت ~~من الإضاقة! فلما توفي ورفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظن من حضر أنه ~~تناول طعاما مسموما قصد به غيره، فقال: يا معشر العرب لا برح منكم أحد، ~~ونهض وجلس مكان ابن فخر الملك المتوفى، وجعل يأكل من الطعام الذي بين يديه، ms3492 ~~فاستحسن الجماعة فعله، وعادوا عنه وخلع على دبيس وولده منصور وعاد إلى ~~حلته. # ولما رأى الناس ببغداذ انتشار الأعراب في البلاد ونهبها، حملوا السلاح ~~لقتالهم، وكان ذلك سببا لكثرة العيارين وانتشار المفسدين. # ذكر شيء من سيرته. # كان عاقلا حليما من أشد الناس احتمالا، وأكثرهم كتمانا لسره، ظفر بملطفات ~~كتبها بعض خواصه إلى الملك أبي كاليجار، فلم يطلعه على ذلك، ولا تغير عليه، ~~حتى أظهره بعد مدة طويلة لغيره. # وحكى عنه أقضى القضاة الماوردي قال: لما أرسلني القائم بأمر الله إليه ~~سنة # PageV08P184 # ثلاث وثلاثين، [وأربعمائة] كتبت كتابا إلى بغداذ أذكر فيه سيرته وخراب ~~بلاده، وأطعن عليه بكل وجه، فوقع الكتاب من غلامي، فحمل إليه، فوقف عليه ~~وكتمه، ولم يحدثني فيه بشيء، ولا تغير عما كان عليه من إكرامي. # وكان، رحمه الله، يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين، والخميس، وكان لبسه ~~الثياب البياض، وكان ظلوما، غشوما، قاسيا، وكان عسكره يغصبون الناس ~~أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك نهارا وليلا. # وكان كريما، فمن كرمه أن أخاه إبراهيم ينال أسر من الروم، لما غزاهم، بعض ~~ملوكهم فبذل في نفسه أربعمائة ألف دينار، فلم يقبل إبراهيم منه وحمله إلى ~~طغرلبك، فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان حتى خاطب طغرلبك في ~~فكاكه، فلما سمع طغرلبك رسالته أرسل الرومي إلى ابن مروان بغير فداء، وسير ~~معه رجلا علويا، فأنفذ ملك الروم إلى طغرلبك ما لم يحمل في الزمان المتقدم، ~~وهو ألف ثوب ديباج، وخمسمائة ثوب أصناف، وخمسمائة رأس من الكراع إلى غير ~~ذلك، وأنفذ مائتي ألف دينار، ومائة لبنة فضة، وثلاثمائة شهري، وثلاثمائة ~~حمار مصرية، وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى ابن مروان ~~عشرة أمناء مسكا، وعمر ملك الروم الجامع الذي بناه مسلمة بن عبد الملك ~~بالقسطنطينية، وعمر منارته، وعلق فيه القناديل، وجعل في محرابه قوسا ~~ونشابة، وأشاع المهادنة. # ذكر ملك السلطان ألب أرسلان. # لما مات السلطان طغرلبك عميد الملك الكندري في السلطنة سليمان بن داود ~~جغري بك، أخي السلطان طغرلبك، وكان طغرلبك قد ms3493 عهد إليه بالملك، وكانت والدة ~~سليمان عند طغرلبك، فلما خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء، فمضى باغي سيان ~~وأردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، وهو ~~حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره، والناس مائلون إليه. فلما رأى ~~عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالري للسلطان ألب ~~أرسلان، وبعده لأخيه سليمان. # PageV08P185 # ذكر خروج حمو عن طاعة تميم بن المعز بإفريقية. # في هذه السنة خالف حمو بن مليك، صاحب مدينة سفاقس بإفريقية، على الأمير ~~تميم بن المعز بن باديس، فجمع أصحابه، واستعان بالعرب، وسار إلى المهدية، ~~فسمع تميم الخبر، فسار إليه بعساكر ومعه أيضا طائفة من العرب من زغبة، ~~ورياح، ووصل حمو إلى سلقطة، والتقى الفريقان بها، وكانت بينهما حرب شديدة ~~فانهزم حمو ومن معه، وأخذتهم السيوف، فقتل أكثر حماته وأصحابه، ونجا بنفسه، ~~وتفرقت رجاله، وعاد تميم مظفرا منصورا. # ثم قصد، بعد هذه الحادثة، مدينة سوسة، وكان أهلها قد خالفوا عليه، ~~فملكها، وعفا عنهم وحقن دماءهم. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، (في المحرم) ، قبض بمصر على الوزير أبي الفرج بن المغربي. # وفيها دخل الصليحي، صاحب اليمن، إلى مكة مالكا لها، فأحسن السيرة فيها، ~~وجلب إليها الأقوات، ورفع جور من تقدم، وظهرت منه أفعال جميلة. # وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عظيم، وكان له ضوء كثير. # PageV08P186 # وفيها، في شعبان، كان بالشام زلزلة عظيمة خرب منها كثير من البلاد، ~~وانهدم سور طرابلس. # وفيها ملك أمير الجيوش بدر دمشق للمستنصر، صاحب مصر، فوصل إليها في ~~الثالث والعشرين من ربيع الآخر، وأقام بها، واختلف هو والجند، فثاروا به، ~~ووافقهم العامة، فضعف عنهم، ففارقها في رجب سنة ست وخمسين [وأربعمائة] . # [الوفيات] # وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة بن مروان، صاحب آمد، من ديار بكر. وزهير ~~بن الحسين بن علي أبو نصر الجذامي، الفقيه الشافعي، تفقه على أبي حامد ~~الإسفراييني، وسمع الحديث الكثير ورواه، وكان موته بسرخس. # PageV08P187 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمائة.] ### | 456 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين ms3494 وأربعمائة. # ذكر القبض على عميد الملك وقتله. # في هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر ~~(منصور بن محمد) الكندري وزير طغرلبك. # وسبب ذلك أن عميد الملك قصد خدمة نظام الملك، وزير ألب أرسلان، وقدم بين ~~يديه خمسمائة دينار، واعتذر، وانصرف من عنده، فسار أكثر الناس معه، فخوف ~~السلطان من غائلة ذلك، فقبض عليه وأنفذه إلى مرو الروذ، وأتت عليه سنة في ~~الاعتقال، ثم نفذ إليه غلامين فدخلا عليه وهو محموم، فقالا له: تب مما أنت ~~عليه، ففعل، ودخل فودع أهله، وخرج إلى مسجد هناك فصلى ركعتين، وأراد ~~الغلامان خنقه، فقال: لست بلص! وخرق خرقة من طرف كمه وعصب عينيه، فضربوه ~~بالسيف، وكان قتله في ذي الحجة، ولف في قميص دبيقي من ملابس الخليفة، وخرقة ~~كانت البردة التي عند الخلفاء فيها، وحملت جثته إلى كندر، فدفن عند أبيه، ~~وكان عمره يوم قتل نيفا وأربعين سنة. # وكان سبب اتصاله بالسلطان طغرلبك أن السلطان لما ورد نيسابور طلب رجلا ~~يكتب له، ويكون فصيحا بالعربية، فدل عليه الموفق، والد أبي سهل، وأعطته # PageV08P188 # السعادة، وكان فصيحا، فاضلا، وانتشر من شعره ما قاله في غلام تركي صغير ~~السن كان واقفا على رأسه يقطع بالسكين قصبة، فقال عميد الملك فيه: # أنا مشغول بحبه، وهو مشغول بلعبه ... لو رد الله خيرا، وصلاحا لمحبه # نقلت رقة خدي ه إلى قسوة قلبه ... صانه الله فما أك ثر إعجابي بعجبه. # ومن شعره:. # إذا كان بالناس ضيق على مناقشتي ... فالموت قد وسع الدنيا على الناس # مضيت، والشامت المغبون يتبعني ... ، كل لكأس المنايا شارب حاسي # وقال أبو الحسن الباخرزي يخاطب ألب أرسلان عند قتل الكندري: # وعمك أدناه، وأعلى محله ... ، وبوأه من ملكه كنفا رحبا # قضى كل مولى منكما حق عبده ... فخوله الدنيا، وخولته العقبى # وكان عميد الملك خصيا، قد خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب عليه امرأة ~~ليتزوجها، فتزوجها هو، وعصى عليه، فظفر به وخصاه، وأقره على خدمته. # وقيل بل أعداؤه أشاعوا أنه تزوجها، فخصى نفسه ليخلص من سياسة ms3495 السلطنة، ~~فقال فيه علي بن الحسن الباخرزي: # قالوا: محا السلطان عنه بعزة ... سمة الفحول، وكان قرما صائلا # قلت، اسكتوا، فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا # فالفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى، لذلك جذه مستأصلا. # PageV08P189 # يعني بالأنثى واحدة الأنثيين. # وكان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقيعة في الشافعي، رضي الله عنه، ~~بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن في ~~ذلك، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم: ~~الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني، وغيرهما، ففارقوا ~~خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرس، ~~ويفتي، فلهذا لقب إمام الحرمين، فلما جاءت الدولة النظامية، أحضر من انتزح ~~منهم وأكرمهم، وأحسن إليهم. # وقيل إنه تاب من الوقيعة في الشافعي، فإن صح فقد أفلح، وإلا فعلى نفسها ~~براقش تجني. # ومن العجب أن ذكره دفن بخوارزم لما خصي، ودمه مسفوح بمرو، وجسده مدفون ~~بكندر، ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام ~~الملك كان هناك، فاعتبروا يا أولي الأبصار. # ولما قرب للقتل قال القاصد إليه: قل لنظام الملك: بئس ما عودت الأتراك ~~قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، ومن حفر قليبا وقع فيه، ولم يخلف عميد الملك ~~غير بنت. # ذكر ملك ألب أرسلان ختلان وهراة وصغانيان. # لما توفي طغرلبك وملك ألب أرسلان عصى عليه أمير ختلان بقلعته ومنع ~~الخراج، فقصده السلطان، فرأى الحصن منيعا على شاهق، فأقام عليه وقاتله، فلم ~~يصل منه إلى مراده. # ففي بعض الأيام باشر ألب أرسلان القتال بنفسه، وترجل، وصعد في الجبل، # PageV08P190 # فتبعه الخلق وتقدموا عليه في الموقف، وألحوا في الزحف والقتال، وكان صاحب ~~القلعة على شرفة من سورها يحرض الناس على القتال، فأتته نشابة من العسكر ~~فقتله، وتسلم ألب أرسلان القلعة وصارت في جملة ممالكه. # وكان عمه فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضا عليه، وطمع في ~~الملك لنفسه، فسار إليه ألب أرسلان في العساكر العظيمة، فحصره وضيق عليه، ms3496 ~~وأدام القتال ليلا ونهارا، فتسلم المدينة، وخرج عمه إليه، فأبقى عليه ~~وأكرمه وأحسن صحبته. # وسار من هناك إلى صغانيان، وأميرها اسمه موسى، وكان قد عصى عليه. # فلما قاربه ألب أرسلان صعد موسى إلى قلعة على رأس جبل شاهق، ومعه من ~~الرجال الكماة جماعة كثيرة، فوصل السلطان إليه، وباشر الحرب لوقته، فلم ~~ينتصف النهار حتى صعد العسكر الجبل، وملكوا القلعة قهرا، وأخذ موسى أسيرا، ~~فأمر بقتله، فبذل في نفسه أموالا كثيرة، فقال السلطان: ليس هذا أسيرا، فأمر ~~بقتله، فبذل في نفسه أموالا كثيرة، فقال السلطان: ليس هذا أوان تجارة، ~~واستولى على تلك الولاية بأسرها، وعاد إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور. # ذكر عود ابنة الخليفة إلى بغداذ والخطبة للسلطان ألب أرسلان ببغداذ. # في هذه السنة أمر السلطان ألب أرسلان السيدة ابنة الخليفة بالعود إلى ~~بغداذ، وأعلمها أنه لم يقبض على عميد الملك إلا لما اعتمده من نقلها من ~~بغداذ إلى الري بغير رضاء الخليفة، وأمر الأمير أيتكين السليماني بالمسير ~~في خدمتها إلى بغداذ، والمقام بها شحنة، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله، ~~المعروف بابن الموفق، للمسير في الصحبة، وأمره بالمخاطبة في إقامة الخطبة ~~له، فمات في الطريق مجدرا. # PageV08P191 # وهذا أبو سهل من رؤساء أصحاب الشافعي بنيسابور، وكان يحضر طعامه في ~~رمضان، كل ليلة، أربع مائة متفقه، ويصلهم ليلة العيد بكسوة ودنانير تعمهم، ~~فلما سمع بموته أرسل العميد أبا الفتح المظفر بن الحسين فمات أيضا في ~~الطريق، فألزم السلطان رئيس العراقين بالمسير، فوصلوا بغداذ منتصف ربيع ~~الآخر، وخرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لتلقيهم، واقترح ~~السلطان أن يخاطب بالولد المؤيد، فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء الدولة عضد ~~الدولة. # وجلس الخليفة جلوسا عاما سابع جمادى الأولى، وشافه الرسل بتقليد ألب ~~أرسلان للسلطنة، وسلمت الخلع بمشهد من الخلق، وأرسل إليه من الديوان لأخذ ~~البيعة النقيب طرادا الزينبي، فوصلوا إليه وهو بنقجوان من أذربيجان، فلبس ~~الخلع، وبايع الخليفة. # ذكر الحرب بين ألب أرسلان وقتلمش. # سمع ألب أرسلان أن شهاب الدولة قتلمش، ms3497 وهو من السلجوقية أيضا، وهو جد ~~الملوك أصحاب قونية، وقيصرية، وأقصرا، وملطية، يومنا هذا، قد عصى عليه، ~~وجمع جموعا كثيرة، وقصد الري ليستولي عليها، فجهز ألب أرسلان جيشا عظيما ~~وسيرهم على المفازة إلى الري، فسبقوا قتلمش إليها. # وسار ألب أرسلان من نيسابور أول المحرم من هذه السنة، فلما وصل إلى ~~دامغان أرسل إلى قتلمش ينكر عليه فعله، وينهاه عن ارتكاب هذه الحال، ويأمره ~~بتركها، فإنه يرى له القرابة والرحم، فأجاب قتلمش جواب مغتر بمن معه من ~~الجموع، ونهب قرى الري، وأجرى الماء على وادي الملح، وهي سبخة، فتعذر ~~سلوكها، فقال نظام الملك: قد جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك ولا # PageV08P192 # يخذلونك، ويرمون دونك بسهام لا تخطئ، وهم العلماء والزهاد، فقد جعلتهم ~~بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك. # وقرب السلطان من قتلمش، فلبس نظام الملك السلاح، وعبأ الكتائب، واصطف ~~العسكران. # وكان قتلمش يعلم علم النجوم، فوقف ونظر، فرأى أن طالعه في ذلك اليوم قد ~~قارنه نحوس لا يرى معها ظفرا، فقصد المحاجزة، وجعل السبخة بينه وبين ألب ~~أرسلان ليمتنع من اللقاء. فسلك ألب أرسلان طريقا في الماء، وخاض غمرته، ~~وتبعه العسكر، فطلع منه سالما هو وعسكره، فصاروا مع قتلمش واقتتلوا، فلم ~~يثبت عسكر قتلمش لعسكر السلطان، وانهزموا لساعتهم، ومضى منهزما إلى قلعة ~~كردكوه، وهي من جملة حصونه ومعاقله، واستولى القتل والأسر على عسكره، فأراد ~~السلطان قتل الأسرى، فشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم وأطلقهم. # ولما سكن الغبار، ونزل العسكر، وجد قتلمش ميتا ملقى على الأرض لا يدرى ~~كيف كان موته، قيل: إنه مات من الخوف، والله أعلم، فبكى السلطان لموته، ~~وقعد لعزائه، وعظم عليه فقده، فسلاه نظام الملك، ودخل ألب أرسلان إلى مدينة ~~الري آخر المحرم من السنة. # ومن العجب أن قتلمش هذا كان يعلم علم النجوم، قد أتقنه، مع أنه تركي، ~~ويعلم غيره من علوم القوم، ثم إن أولاده من بعده لم يزالوا يطلبون هذه ~~العلوم الأولية، ويقربون أهلها، فنالهم بهذا غضاضة في دينهم، وسيرد من ~~أخبارهم ما يعلم (منه ذلك) ms3498 وغيره من أحوالهم. # PageV08P193 # ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آني وغيرها من بلاد النصرانية. # ثم سار السلطان من الري أول ربيع الأول، وسار إلى أذربيجان، فوصل إلى ~~مرند عازما على قتال الروم وغزوهم، فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء ~~التركمان، كان يكثر غزو الروم، اسمه طغدكين، ومعه من عشيرته خلق كثير، قد ~~ألفوا الجهاد، وعرفوا تلك البلاد، وحثه على قصد بلادهم، وضمن له سلوك ~~الطريق المستقيم إليها، فسار معه، فسلك بالعساكر في مضايق تلك الأرض ~~ومخارمها، فوصل إلى نقجوان، فأمر بعمل السفن لعبور نهر أرس، فقيل له إن ~~سكان خوي، وسلماس، من أذربيجان، لم يقوموا بواجب الطاعة، وإنهم قد امتنعوا ~~ببلادهم، فسير إليهم عميد خراسان، ودعاهم إلى الطاعة، وتهددهم إن امتنعوا، ~~فأطاعوا، وصاروا من جملة حزبه وجنده، واجتمع عليه هناك من الملوك والعساكر ~~ما لا يحصى. # فلما فرغ من جمع العساكر والسفن سار إلى بلاد الكرج، وجعل مكانه في عسكره ~~ولده ملكشاه، ونظام الملك وزيره، فسار ملكشاه ونظام الملك إلى قلعة فيها ~~جمع كثير من الروم، فنزل أهلها منها، وتخطفوا من العسكر، وقتلوا منهم فئة ~~كثيرة، فنزل نظام الملك وملكشاه، وقاتلوا من بالقلعة، وزحفوا إليهم، فقتل ~~أمير القلعة، وملكها المسلمون، وساروا منها إلى قلعة سرماري، وهي قلعة فيها ~~المياه الجارية والبساتين، فقاتلوها وملكوها، وأنزلوا منها أهلها، وكان ~~بالقرب منها قلعة أخرى، ففتحها ملكشاه، وأراد تخريبها، فنهاه نظام الملك عن ~~ذلك، وقال: هي ثغر للمسلمين، وشحنها بالرجال والذخائر والأموال والسلاح، ~~وسلم هذه القلاع إلى أمير نقجوان. # PageV08P194 # وسار ملكشاه ونظام الملك إلى مدينة مريم نشين، وفيها كثير من الرهبان ~~والقسيسين وملوك النصارى وعامتهم يتقربون إلى أهل هذه البلدة، وهي مدينة ~~حصينة، سورها من الأحجار الكبار الصلبة، المشدودة بالرصاص والحديد، وعندها ~~نهر كبير، فأعد نظام الملك لقتالها ما يحتاج إليه من السفن وغيرها، ~~وقاتلها، وواصل قتالها ليلا ونهارا، وجعل العساكر عليها يقاتلون بالنوبة، ~~فضجر الكفار، وأخذهم الإعياء والكلال، فوصل المسلمون إلى سورها، ونصبوا ~~عليه السلاليم، وصعدوا إلى أعلاه، لأن المعاول كلت عن نقبه ms3499 لقوة حجره. # فلما رأى أهلها المسلمين على السور فت ذلك في أعضادهم، وسقط في أيديهم، ~~ودخل ملكشاه البلد، ونظام الملك، وأحرقوا البيع، وخربوها، وقتلوا كثيرا من ~~أهلها، وأسلم كثير فنجوا من القتل. # واستدعى ألب أرسلان إليه ابنه، ونظام الملك، وفرح بما يسره الله من الفتح ~~على يد ولده، وفتح ملكشاه في طريقه عدة من القلاع والحصون، وأسر من النصارى ~~ما لا يحصون كثرة، وساروا إلى سبيذ شهر، فجرى بين أهلها وبين المسلمين حروب ~~شديدة استشهد فيها كثير من المسلمين، ثم إن الله تعالى يسر فتحها فملكها ~~ألب أرسلان. # وسار منها إلى مدينة أعآل لآل، وهي حصينة، عالية الأسوار، شاهقة البنيان، ~~وهي من جهة الشرق والغرب على جبل عال، وعلى الجبل عدة من الحصون، ومن ~~الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، فلما رآها المسلمون علموا عجزهم عن ~~فتحها والاستيلاء عليها، وكان ملكها من الكرج، وهكذا ما تقدم من البلاد ~~التي ذكرنا فتحها، وعقد السلطان جسرا على النهر عريضا، واشتد القتال وعظم ~~الخطب، فخرج من المدينة رجلان يستغيثان، ويطلبان الأمان، والتمسا من ~~السلطان أن يرسل # PageV08P195 # معهما طائفة من العسكر، فسير جمعا صالحا، فلما جاوزوا الفصيل أحاط بهم ~~الكرج من أهل المدينة وقاتلوهم فأكثروا القتل فيهم، ولم يتمكن المسلمون من ~~الهزيمة لضيق المسلك. # وخرج الكرج من البلد وقصدوا العسكر، واشتد القتال، وكان السلطان، ذلك ~~الوقت، يصلي، فأتاه الصريخ، فلم يبرح حتى فرغ من صلاته، وركب، وتقدم إلى ~~الكفار، فقاتلهم، وكبر المسلمون عليهم، فولوا منهزمين، فدخلوا البلد ~~والمسلمون معهم، ودخلها السلطان وملكها، واعتصم جماعة من أهلها في برج من ~~أبراج المدينة، فقاتلهم المسلمون، فأمر السلطان بإلقاء الحطب حول البرج ~~وإحراقه، ففعل ذلك، وأحرق البرج ومن فيه، وعاد السلطان إلى خيامه، وغنم ~~المسلمون من المدينة ما لا يحد ولا يحصى. # ولما جن الليل عصفت ريح شديدة. وكان قد بقي من تلك النار التي أحرق بها ~~البرج بقية كثيرة، فأطارتها الريح، فاحترقت المدينة بأسرها، وذلك في رجب ~~سنة ست وخمسين وأربعمائة، وملك السلطان قلعة حصينة كانت ms3500 إلى جانب تلك ~~المدينة، وأخذها. وسار منها إلى ناحية قرس ومدينة آني بالقرب منها ناحيتان ~~يقال لهما سيل ورده. ونورة، فخرج أهلها مذعنين بالإسلام، وخربوا البيع، ~~وبنوا المساجد. # وسار منها إلى مدينة آني فوصل إليها فرآها مدينة حصينة، شديدة الامتناع، ~~لا ترام، ثلاثة أرباعها على نهر أرس، والربع الآخر نهر عميق شديد الجرية، ~~لو طرحت فيه الحجارة الكبار لدحاها وحملها، والطريق إليها على خندق عليه ~~سور من الحجارة الصم، وهي بلدة كبيرة، عامرة، كثيرة الأهل، فيها ما يزيد ~~على خمسمائة بيعة، فحصرها وضيق عليها، إلا أن المسلمين قد أيسوا من فتحها ~~لما رأوا من حصانتها، فعمل السلطان برجا من خشب، وشحنه بالمقاتلة. ونصب ~~عليه المنجنيق، ورماة النشاب، فكشفوا الروم عن السور، وتقدم المسلمون إليه ~~لينقبوه، فأتاهم من لطف الله ما لم يكن في حسابهم، فانهدم قطعة كبيرة من ~~السور بغير سبب، فدخلوا المدينة وقتلوا من أهلها ما لا يحصى بحيث إن كثيرا ~~من المسلمين عجزوا عن دخول البلد من كثرة القتلى، وأسروا نحوا مما قتلوا. # PageV08P196 # وسارت البشرى بهذه الفتوح في البلاد، فسر المسلمون، وقرئ كتاب الفتح ~~ببغداذ في دار الخلافة، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان والدعاء ~~له. # ورتب السلطان فيها أميرا في عسكر جرار، وعاد عنها، وقد راسله ملك الكرج ~~في الهدنة، فصالحه على أداء الجزية كل سنة، فقبل ذلك. # ولما رحل السلطان عائدا قصد أصبهان، ثم سار منها إلى كرمان، فاستقبله ~~أخوه قاورت بك بن جغري بك داود، ثم سار منها إلى مرو، فزوج ابنه ملكشاه ~~بابنة خاقان، ملك ما وراء النهر، وزفت إليه في هذا الوقت، وزوج ابنه ~~أرسلانشاه بابنة صاحب غزنة، واتحد البيتان البيت السلجوقي، والبيت ~~المحمودي، واتفقت الكلمة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، في ربيع الأول، ظهر بالعراق وخوزستان وكثير من البلاد ~~جماعة من الأكراد، خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خيما سودا، وسمعوا منها ~~لطما شديدا وعويلا كثيرا، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم ~~يلطم أهله عليه ويعملوا له ms3501 العزاء قلع أصله، وأهلك أهله، فخرج كثير من ~~النساء إلى المقابر يلطمن، وينحن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من سفلة الناس ~~يفعلون ذلك، وكان ذلك ضحكة عظيمة. # PageV08P197 # ولقد جرى في أيامنا نحن في الموصل، وما والاها من البلاد إلى العراق، ~~وغيرها، نحو هذا، وذلك أن الناس سنة ستمائة أصابهم وجع كثير في حلوقهم، مات ~~منه كثير من الناس، فظهر أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود، مات ابنها ~~عنقود، وكل من لا يعمل له مأتما أصابه هذا المرض، فكثر فعل ذلك، وكانوا ~~يقولون: يا أم عنقود اعذرينا قد مات عنقود ما درينا وكان النساء يلطمن، ~~وكذلك الأوباش. # وفيها ولي أبو الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله العلوي نقابة ~~العلويين ببغداذ، وإمارة الموسم، ولقب بالطاهر ذي المناقب، وكان المرتضى ~~أبو الفتح أسامة قد استعفى من النقابة، وصاهر بني خفاجة، وانتقل معهم إلى ~~البرية، وتوفي أسامة بمشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، في رجب سنة ~~اثنتين وسبعين وأربعمائة. # [الوفيات] # وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان ~~الأسدي النحوي المتكلم، وكان له اختيار في الفقه، وكان عالما بالنسب، ويمشي ~~في الأسواق مكشوف الرأس، ولم يقبل من أحد شيئا، وكان موته في جمادى الآخرة. # PageV08P198 # وقد جاوز ثمانين سنة، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن ~~الكفار لا يخلدون في النار. # وفيها انقض كوكب عظيم، وكثر نوره فصار أكثر نوره من نور القمر. وسمع له ~~دوي عظيم، ثم غاب. # PageV08P199 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة.] ### | 457 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة. # ذكر الحرب بين بني حماد والعرب. # في هذه السنة كانت حرب بين الناصر بن علناس بن حماد ومن معه من رجال ~~المغاربة من صنهاجة ومن زناتة، ومن العرب: عدي والأثبج، وبين رياح وزغبة، ~~وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي، على مدينة سبتة. # وكان سببها أن حماد بن بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور ~~من الخلف، وموت باديس محاصرا قلعة حماد، ما ms3502 هو مذكور، ولولا تلك القلعة ~~لأخذ سريعا، وإنما امتنع هو وأولاده بها بعده، وهي من أمنع الحصون، وكذلك ~~ما استمر بين حماد والمعز بن باديس، ودخول حماد في طاعته ما تقدم ذكره، ~~وكذلك أيضا ما كان بين القائد بن حماد وبين المعز، وكان القائد يضمر الغدر ~~وخلع طاعة المعز، والعجز يمنعه من ذلك، فلما رأى القائد قوة العرب، وما نال ~~المعز منهم، خلع الطاعة، واستبد بالبلاد، وبعده ولده محسن، وبعده ابن عمه ~~بلكين بن محمد بن حماد، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، ~~وكل منهم متحصن بالقلعة، وقد جعلوها دار ملكهم. # فلما رحل المعز من القيروان وصبرة إلى المهدية تمكنت العرب، ونهبت الناس، ~~وخربت البلاد، فانتقل كثير من أهلها إلى بلاد بني حماد لكونها جبالا وعرة ~~يمكن الامتناع بها من العرب، فعمرت بلادهم، وكثرت أموالهم، وفي نفوسهم ~~الضغائن والحقود من باديس، ومن بعده من أولادهم، يرثه صغير عن كبير. # PageV08P200 # وولي تميم بن المعز بعد أبيه، فاستبد كل من هو ببلد وقلعة بمكانه وتميم ~~صابر يداري ويتجلد. # واتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع في مجلسه ويذمه، وأنه عزم على المسير ~~إليه ليحاصره بالمهدية، وأنه قد حالف بعض صنهاجة، وزناتة، وبني هلال ~~ليعينوه على حصار المهدية. فلما صح ذلك عنده أرسل إلى أمراء بني رباح، ~~فأحضرهم إليه وقال: أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع، أكثره في البحر، لا ~~يقاتل منه في البر غير أربعة أبراج يحميها أربعون رجلا، وإنما جمع الناصر ~~هذه العساكر إليكم، فقالوا له: الذي تقوله حق، ونحب منك المعونة، فأعطاهم ~~المال، والسلاح من الرماح والسيوف والدروع والدرق، فجمعوا قومهم، وتحالفوا، ~~واتفقوا على لقاء الناصر. # وأرسلوا إلى من مع الناصر من بني هلال يقبحون عندهم مساعدتهم للناصر ~~ويخوفونهم منه إن قوي، وأنه يهلكهم بمن معه من زناتة وصنهاجة، وأنهم إنما ~~يستمر لهم المقام، والاستيلاء على البلاد، إذا تم الخلف وضعف السلطان، ~~فأجابهم بنو هلال إلى الموافقة، وقالوا: اجعلوا أول حملة تحملونها علينا، ~~فنحن ننهزم بالناس، ms3503 ونعود عليهم، ويكون لنا ثلث الغنيمة، فأجابوهم إلى ذلك، ~~واستقر الأمر. # وأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه ~~أيضا أن ينهزموا، فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعها، وسار إليهم الناصر ~~بصنهاجة، وزناتة، وبني هلال، فالتقت العساكر بمدينة سبتة، فحملت رياح على ~~بني هلال، وحمل المعز على زناتة، فانهزمت الطائفتان، وتبعهم عساكر الناصر ~~منهزمين، ووقع فيهم القتل، فقتل فيمن قتل القاسم بن علناس، أخو الناصر، ~~وكان مبلغ من قتل من صنهاجة وزناتة أربعة وعشرين ألفا، وسلم الناصر في نفر ~~يسير، وغنمت العرب جميع ما كان في العسكر من مال وسلاح ودواب وغير ذلك، ~~فاقتسموها على ما # PageV08P201 # استقر بينهم، وبهذه الوقعة تم للعرب ملك البلاد، فإنهم قدموها في ضيق ~~وفقر وقلة دواب فاستغنوا، وكثرت دوابهم وسلاحهم، وقل المحامي عن البلاد، ~~وأرسلوا الألوية والطبول وخيم الناصر بدوابها إلى تميم، فردها وقال: يقبح ~~بي أن آخذ سلب ابن عمي! فأرضى العرب بذلك. # ذكر بناء مدينة بجاية. # لما كانت هذه الوقعة بين بني حماد والعرب، (وقويت العرب) ، اهتم تميم بن ~~المعز لذلك، وأصابه حزن شديد، فبلغ ذلك الناصر، وكان له وزير اسمه أبو بكر ~~بن أبي الفتوح، وكان رجلا جيدا يحب الاتفاق بينهم، ويهوى دولة تميم، فقال ~~للناصر: ألم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب، فإنكما لو ~~اتفقتما لأخرجتما العرب. # فقال الناصر: لقد صدقت، ولكن لا مرد لما قدر، فأصلح ذات بيننا، فأرسل ~~الوزير رسولا من عنده إلى تميم يعتذر، ويرغب في الإصلاح، فقبل تميم قوله، ~~وأراد أن يرسل رسولا إلى الناصر، فاستشار أصحابه، فاجتمع رأيهم على محمد بن ~~البعبع. وقالوا له: هذا رجل غريب، وقد أحسنت إليه، وحصل له منك الأموال ~~والأملاك، فأحضره، وأعطاه مالا ودواب وعبيدا وأرسله، فسار مع الرسول حتى ~~وصل إلى بجاية، وكانت حينئذ منزلا فيه رعية من البربر، فنظر إليها محمد بن ~~البعبع، وقال في نفسه: إن هذا المكان يصلح أن يكون به مرسى ومدينة، وسار ~~حتى وصل إلى ms3504 الناصر، فلما أوصل الكتاب وأدى الرسالة قال للناصر: معي وصية ~~إليك، وأحب أن تخلي المجلس، فقال الناصر: أنا لا أخفي عن وزيري شيئا، فقال: ~~بهذا أمرني الأمير تميم، فقام الوزير أبو بكر وانصرف فلما خرج قال الرسول: ~~يا مولاي إن الوزير مخامر عليك، هواه مع الأمير تميم، لا يخفي عنه من أمورك ~~شيئا، وتميم مشغول مع # PageV08P202 # عبيده قد استبد بهم، واطرح صنهاجة وغير هؤلاء، ولو وصلت بعسكرك ما بت إلا ~~فيها لبغض الجند والرعية لتميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية ~~وغيرها. وذكر له عمارة بجاية، وأشار عليه أن يتخذها دار ملك، ويقرب من بلاد ~~إفريقية، وقال له: أنا أنتقل إليك بأهلي، وأدبر دولتك، فأجابه الناصر إلى ~~ذلك، وارتاب بوزيره، وسار مع الرسول إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة. # فلما وصل الناصر والرسول إلى بجاية أراه موضع الميناء والبلد والدار ~~السلطانية، وغير ذلك، فأمر الناصر من ساعته بالبناء والعمل، وسر بذلك، ~~وشكره، وعاهده على وزارته إذا عاد إليه، ورجعا إلى القلعة فقال الناصر ~~لوزيره: إن هذا الرسول محب لنا، وقد أشار ببناء بجاية، ويريد الانتقال ~~إلينا، فاكتب له جواب كتبه، ففعل. # وسار الرسول، وقد ارتاب به تميم، حيث تجدد بناء بجاية عقيب مسيره إليهم، ~~وحضوره مع الناصر فيها، وكان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل مع بعض ثقاته ~~ليشاهد الأخبار ويعود بها، فأرسل معه رسولا يثق به، فكتب معه: إنني لما ~~اجتمعت بتميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن بناء بجاية، وقد عظم أمرها ~~عليه، واتهمني، فانظر إلى من تثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا، فإني ~~سائر إليهم مسرعا، وقد أخذت عهود زويلة وغيرها على طاعتك. وسير الكتاب، ~~فلما رآه الناصر سلمه إلى الوزير، فاستحسن الوزير ذلك، وشكره، وأثنى عليه، ~~وقال: لقد نصح وبالغ في الخدمة، فلا تؤخر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم. # ومضى الوزير إلى داره، وكتب نسخة من الكتاب، وأرسل الكتاب الذي بخط ~~الرسول إلى تميم، وكتابا منه يذكر الحال من أوله إلى آخره. ms3505 فلما وقف تميم ~~على الكتاب عجب من ذلك، وبقي يتوقع له سببا يأخذه به، إلا أنه جعل عليه من ~~يحرسه # PageV08P203 # في الليل والنهار من حيث لا يشعر، فأتى بعض أولئك الحرس إلى تميم، وأخبره ~~أن الرسول صنع طعاما، وأحضر عنده الشريف الفهري، وكان هذا الشريف من رجال ~~تميم وخواصه، فأحضره تميم، فقال: كنت واصلا إليك، وحدثه أن ابن البعبع ~~الرسول دعاني، فلما حضرت عنده قال: أنا في ذمامك، أحب أن تعرفني مع من أخرج ~~من المهدية، فمنعته من ذلك وهو خائف، فأوقفه تميم على الكتاب الذي بخطه، ~~وأمره بإحضاره، فأحضره الشريف. فلما وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب ~~العرب الذين سيرهم الناصر، ومعهم كتاب الناصر إليه يأمره بالحضور عنده، ~~فأخذ الكتاب وخرج الأمير تميم، فلما رآه ابن البعبع سقطت الكتب منه، فإذا ~~عنوان أحدها: من الناصر بن علناس إلى فلان، فقال له تميم: من أين هذه ~~الكتب؟ فأخذها وقرأها، فقال الرسول ابن البعبع: العفو يا مولانا! فقال: لا ~~عفا الله عنك! وأمر به فقتل وغرقت جثته. # ذكر ملك ألب أرسلان جند وصبران. # في هذه السنة عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصبران، وهما عند ~~بخارى، وقبر جده سلجوق بجند، فلما عبر النهر استقبله ملك جند وأطاعه، وأهدى ~~له هدايا جليلة، فلم يغير ألب أرسلان عليه شيئا، وأقره على ما بيده، وعاد ~~عنه بعد أن أحسن إليه وأكرمه، ووصل إلى كركانج خوارزم، وسار منها إلى مرو. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداذ. # PageV08P204 # وفيها انقض كوكب عظيم، وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر، وسمع له ~~صوت مفزع. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن أحمد أبو الحسين بن الآبنوسي، روى عن الدارقطني ~~وغيره. # PageV08P205 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.] ### | 458 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. # ذكر عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنه ملكشاه. # في هذه السنة سار ألب أرسلان من مرو إلى رايكان، فنزل بظاهرها، ومعه ~~جماعة أمراء دولته، فأخذ عليهم العقود والمواثيق لولده ملكشاه ms3506 بأنه السلطان ~~بعده، وأركبه، ومشى بين يديه يحمل الغاشية. # وخلع السلطان على جميع الأمراء، وأمرهم بالخطبة له في جميع البلاد التي ~~يحكم عليها، ففعل ذلك، وأقطع البلاد، فأقطع مازندران للأمير إينانج بيغو، ~~وبلخ لأخيه سليمان بن داود جغري بك، وخوارزم لأخيه أرسلان أرغو، ومرو لابنه ~~الآخر أرسلان شاه، وصغانيان وطخارستان لأخيه إلياس، وولاية بغشور ونواحيها ~~لمسعود بن أرتاش، وهو من أقارب السلطان، وولاية أسفرار لمودود بن أرتاش. # ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس. # في هذه السنة سير تميم، صاحب إفريقية، عسكرا كثيفا إلى مدينة تونس، وبها ~~أحمد بن خراسان قد أظهر عليه الخلاف. # وسبب ذلك أن المعز بن باديس، أبا تميم، لما فارق القيروان والمنصورية ~~ورحل إلى المهدية، على ما ذكرناه، استخلف على القيروان وعلى قابس قائد بن ~~ميمون الصنهاجي، وأقام بها ثلاث سنين، ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم ~~وخرج إلى المهدية، فلما ولي الملك تميم بن المعز بعد أبيه رده إليها، وأقام ~~عليها إلى الآن، ثم أظهر الخلاف على تميم والتجأ إلى طاعة الناصر بن علناس ~~بن حماد، فسير # PageV08P206 # إليه تميم الآن عسكرا كثيرا، فلما سمع بهم قائد بن ميمون علم أنه لا طاقة ~~له بهم، فترك القيروان وسار إلى الناصر، فدخل عسكر تميم القيروان، وخربوا ~~دور القائد، وسار العسكر إلى قابس، وبها ابن خراسان، فحصروه بها سنة ~~وشهرين، ثم أطاع ابن خراسان تميما وصالحه. # وأما قائد فإنه أقام عند الناصر، ثم أرسل إلى أمراء العرب، فاشترى منهم ~~إمارة القيروان، فأجابوه إلى ذلك، فعاد إليها فبنى سورها وحصنها. # ذكر ملك شرف الدولة الأنبار وهيت وغيرهما. # في هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران، صاحب الموصل، إلى ~~السلطان ألب أرسلان، فأقطعه الأنبار، وهيت، وحربى، والسن، والبوازيج، ووصل ~~إلى بغداذ فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في الموكب، فلقيه، ونزل شرف ~~الدولة بالحريم الطاهري، وخلع عليه الخليفة. # ذكر عدة حوادث. # في (العشر الأول) من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير له ذؤابة طويلة بناحية ~~المشرق عرضها نحو ثلاث ms3507 أذرع، وهي ممتدة إلى وسط السماء، وبقي إلى السابع ~~والعشرين من الشهر وغاب، ثم ظهر أيضا آخر الشهر المذكور، عند غروب الشمس ~~كوكب قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، ولما أظلم الليل ~~صار له ذوائب نحو الجنوب، وبقي عشرة أيام ثم اضمحل. # PageV08P207 # وفيها، في جمادى الآخرة، كانت بخراسان والجبال زلزلة عظيمة، بقيت تتردد ~~أياما، تصدعت منها الجبال، وأهلكت خلقا كثيرا، وانخسف منها عدة وخرج الناس ~~إلى الصحراء فأقاموا هناك. # (وفيها، في جمادى الأولى، وقع حريق بنهر معلى، فاحترق من باب الجريد إلى ~~آخر السوق الجديد، من الجانبين) . # وفيها ولدت صبية بباب الأزج ولدا برأسين، ورقبتين ووجهين وأربع أيد على ~~بدن واحد. # [الوفيات] # وفي جمادى الآخرة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ~~ومولده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان إماما في الحديث والفقه على مذهب ~~الشافعي، وله فيه مصنفات أحدها: " السنن الكبير "، عشرة مجلدات، وغيره من ~~التصانيف الحسنة وكان عفيفا، زاهدا، ومات بنيسابور. وفي شهر رمضان منها ~~توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، # PageV08P208 # ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وعنه انتشر مذهب أحمد، رضي الله عنه، وكان ~~إليه قضاء الحريم ببغداذ بدار الخلافة، وهو مصنف كتاب " الصفات " أتى فيه ~~بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك، وكان ~~ابن تميمي الحنبلي يقول: لقد خرئ أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا ~~يغسلها الماء. # PageV08P209 ### | [ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة.] ### | 459 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة. # ذكر عصيان ملك كرمان على ألب أرسلان وعوده إلى طاعته. # في هذه السنة عصى ملك كرمان وهو قرا أرسلان على السلطان ألب أرسلان، وسبب ~~ذلك أنه كان له وزير جاهل سولت له نفسه الاستبداد بالبلاد عن السلطان، وأن ~~صاحبه إذا عصى، احتاج إلى التمسك به، فحسن لصاحبه الخلاف على السلطان فأجاب ~~إلى ذلك، وخلع الطاعة، وقطع الخطبة. فسمع ألب أرسلان، فسار إلى كرمان، فلما ~~قاربها وقعت طليعته على طليعة قرا أرسلان بعد قتال، فلما سمع ms3508 قرا أرسلان ~~وعسكره بانهزام طليعتهم، خافوا وتحيروا، فانهزموا لا يلوي أحد على آخر، ~~فدخل قرا أرسلان إلى جيرفت وامتنع بها، وأرسل إلى السلطان ألب أرسلان يظهر ~~الطاعة ويسأل العفو عن زلته، فعفا عنه، وحضر عند السلطان فأكرمه، وبكى ~~وأبكى من عنده، فأعاده إلى مملكته، ولم يغير عليه شيئا من حاله، فقال ~~للسلطان: إن لي بنات تجهيزهن إليك، وأمورهن إليك، فأجابه إلى ذلك، وأعطى كل ~~واحدة منهن مائة ألف دينار سوى الثياب والإقطاعات. # ثم سار منها إلى فارس فوصل إلى إصطخر، وفتح قلعتها، واستنزل واليها، # PageV08P210 # فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار، من جملتها قدح فيروزج، فيه ~~منوان من المسك، مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، وأطاعه جميع حصون فارس، وبقي ~~قلعته يقال لها بهنزاد، فسار نظام الملك إليها، وحصرها تحت جبلها، وأعطى كل ~~من رمى بسهم وأصاب قبضة من الدنانير، ومن رمى حجرا ثوبا نفيسا، ففتح القلعة ~~في اليوم السادس عشر من نزوله، ووصل السلطان إليه بعد الفتح، فعظم محل نظام ~~الملك عنده، فأعلى منزلته، وزاد في تحكيمه. # ذكر عدة حوادث. # في المحرم منها توفي الأغر أبو سعد، ضامن البصرة، على باب السلطان بالري، ~~وعقدت البصرة وواسط على هزارسب بثلاثمائة ألف دينار. # وفي صفر منها وصل إلى بغداذ شرف الملك أبو سعد المستوفي، وبنى على مشهد ~~أبي حنيفة، رضي الله عنه، مدرسة لأصحابه، وكتب الشريف أبو جعفر بن البياضي ~~على القبة التي أحدثها: # ألم تر أن العلم كان مشتتا ... فجمعه هذا المغيب في اللحد # كذلك كانت هذه الأرض ميتة # فأنشرها فضل العميد أبي سعد # وفيها، في جمادى الأولى، وصلت أرسلان خاتون، أخت السلطان ألب أرسلان، وهي ~~زوجة الخليفة، إلى بغداذ، واستقبلها فخر الدولة بن جهير الوزير على فراسخ. # PageV08P211 # وفيها، في ذي القعدة، احترقت تربة معروف الكرخي، رحمة الله عليه، وسبب ~~حريقها أن قيمها كان مريضا، فطبخ لنفسه ماء الشعير، فاتصلت النار بخشب ~~وبواري كانت هناك، فأحرقته واتصل الحريق، فأمر الخليفة أبا سعد الصوفي، شيخ ~~الشيوخ، بعمارتها. # وفيها، في ذي القعدة، فرغت ms3509 عمارة المدرسة النظامية، وتقرر التدريس بها ~~للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فلما اجتمع الناس لحضور الدرس، وانتظروا مجيئه، ~~تأخر، فطلب، فلم يوجد. # وكان سبب تأخره أنه لقيه صبي، فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فتغيرت ~~نيته عن التدريس بها، فلما ارتفع النهار، وأيس من حضوره، أشار الشيخ أبو ~~منصور بن يوسف بأبي نصر الصباغ، صاحب كتاب الشامل، وقال: لا يجوز أن ينفصل ~~هذا الجمع إلا عن مدرس، ولم يبق ببغداذ من لم يحضر غير الوزير، فجلس أبو ~~نصر للدرس، وظهر الشيخ أبو إسحاق بعد ذلك، ولما بلغ نظام الملك الخبر أقام ~~القيامة على العميد أبي سعد، ولم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى درس ~~بالمدرسة، وكانت مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوما. وفيها، في ذي القعدة، ~~قتل الصليحي، أمير اليمن، بمدينة المهجم، قتله أحد أمرائها وأقيمت الدعوة ~~العباسية هناك، وكان قد ملك مكة، على ما ذكرناه سنة خمس وأربعمائة، وأمن ~~الحجاج في أيامه، فأثنوا عليه خيرا، وكسا البيت بالحرير الأبيض الصيني، ورد ~~حلي البيت إليه، وكان بنو حسن قد أخذوه وحملوه إلى اليمن، فابتاعه الصليحي ~~منهم. # PageV08P212 # [الوفيات] # (وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن أحمد أبو علي الطوسي، قاضيها، وكان يلقب ~~العراقي لطول مقامه ببغداذ، وتفقه على أبي طاهر الإسفراييني الشافعي، وأبي ~~محمد الشاشي وغيرهما. # PageV08P213 ### | [ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة.] ### | 460 - # ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة كانت حرب بين شرف الدولة بن قريش وبين بني كلاب بالرحبة، ~~وهم في طاعة العلوي المصري، فكسرهم شريف الدولة، وأخذ أسلابهم، وأرسل ~~أعلاما كانت معهم، عليها سمات المصري، إلى بغداذ، وكسرت، وطيف بها في ~~البلد، وأرسلت الخلع إلى شرف الدولة. # وفيها، في جمادى الأولى، كانت بفلسطين ومصر زلزلة شديدة خربت الرملة، ~~وطلع الماء من رءوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة، وانشقت ~~الصخرة بالبيت المقدس، وعادت بإذن الله تعالى، وعاد البحر من الساحل مسيرة ~~يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه، فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا ms3510 ~~كثيرا. # وفيها، في رجب، ورد أبو العباس الخوافي بغداذ عميدا من جهة السلطان. # وفيها عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة الخليفة، فخرج من بغداذ إلى # PageV08P214 # نور الدولة دبيس بن مزيد بالفلوجة، وأرسل الخليفة إلى أبي يعلى والد ~~الوزير أبي شجاع يستحضره ليوليه الوزارة، وكان يكتب لهزارسب بن بنكير، ~~فسار، فأدركه أجله في الطريق فمات، ثم شفع نور الدولة في فخر الدولة بن ~~جهير، فأعيد إلى الوزارة سنة إحدى وستين وأربعمائة في صفر. # وفيها كان بمصر غلاء شديد، وانقضت سنة إحدى وستين وأربعمائة. وفيها حاصر ~~الناصر بن علناس مدينة الأربس بإفريقية ففتحها وأمن أهلها. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي الشيخ أبو منصور بن عبد الملك بن يوسف، ورثاه ابن ~~الفضل وغيره من الشعراء، وعم مصابه المسلمين، وكان من أعيان الزمان، فمن ~~أفعاله أنه تسلم المارستان العضدي، وكان قد دثر واستولى عليه الخراب، فجد ~~في عمارته، وجعل فيه ثمانية وعشرين طبيبا، وثلاثة من الخزان، إلى غير ذلك، ~~واشترى له الأملاك النفيسة، بعد أن كان ليس به طبيب ولا دواء، وكان كثير ~~المعروف والصلات والخير، ولم يكن يلقب في زمانه أحد بالشيخ الأجل سواه. # وفي المحرم أيضا توفي أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية، بمشهد أمير ~~المؤمنين (علي بن أبي طالب) ، عليه السلام. # PageV08P215 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة.] ### | 461 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، في صفر، أعيد فخر الدولة بن جهير إلى وزارة الخليفة، على ~~ما ذكرناه، فلما عاد مدحه ابن الفضل فقال: # قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به. # ما كنت إلا السيف سلته # يد ثم أعادته إلى قرابه. # وهي طويلة. # وفي شعبان احترق جامع دمشق. وكان سبب احتراقه أنه وقع بدمشق حرب بين ~~المغاربة أصحاب المصريين والمشارقة، فضربوا دارا مجاورة للجامع بالنار ~~فاحترقت، واتصلت بالجامع، (وكانت العامة تعين المغاربة، فتركوا القتال ~~واشتغلوا بإطفاء النار من الجامع) فعظم الخطب واشتد الأمر، وأتى الحريق على ~~الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان ms3511 فيه من الأعمال النفيسة. # PageV08P216 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة.] ### | 462 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينية في عسكر كثيف إلى الشام، ~~ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتل أهلها، وهزم محمود بن صالح بن مرداس، وبني ~~كلاب، وابن حسان الطائي، ومن معهما من جموع العرب، ثم إن ملك الروم ارتحل ~~وعاد إلى بلاده، ولم يمكنه المقام لشدة الجوع. # وفيها سار أمير الجيوش بدر من مصر في عساكر كثيرة إلى مدينة صور وحصرها، ~~وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، فلما حصره أرسل القاضي ~~إلى الأمير قرلوا، مقدم الأتراك المقيمين بالشام يستنجده، فسار في اثني ~~[عشر] ألف فارس، فحصر مدينة صيدا، وهي لأمير الجيوش بدر، فرحل حينئذ بدر ~~فعاد الأتراك، فعاود بدر حصر صور برا وبحرا سنة، وضيق على أهلها حتى أكلوا ~~الخبز كل رطل بنصف دينار ولم يبلغ غرضه فرحل عنها. # PageV08P217 # وفيها صارت دار ضرب الدنانير ببغداذ في يد وكلاء الخليفة، وسبب ذلك أن ~~البهرج كثر في أيدي الناس على السكك السلطانية وضرب اسم ولي العهد على ~~الدينار وسمي الأميري ومنع من التعامل بسواه. # وفيها ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم، ومعه ولده، إلى السلطان ألب ~~أرسلان، يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة، ~~وإسقاط خطبة العلوي، صاحب مصر، وترك الأذان بحي على خير العمل فأعطاه ~~السلطان ثلاثين ألف دينار، وخلعا نفيسة، وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار، ~~وقال: إذا فعل أمير (المدينة مهنأ) كذلك، أعطيناه عشرين ألف دينار، وكل سنة ~~خمسة آلاف دينار. # وفيها تزوج عميد الدولة بن جهير بابنة نظام الملك بالري وعاد إلى بغداذ، ~~وفيها، في شهر رمضان، توفي تاج الملوك هزارسب بن بنكير بن عياض بأصبهان وهو ~~عائد من عند السلطان إلى خوزستان، وكان قد علا أمره، وتزوج بأخت السلطان، ~~وبغى على نور الدولة دبيس بن مزيد، وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده فلما مات ~~سار دبيس إلى ms3512 السلطان، ومعه شرف الدولة مسلم، صاحب الموصل فخرج نظام الملك ~~فلقيهما، وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب، وعادا إلى ~~بلادهما من همذان. # وفيها كان بمصر غلاء شديد، ومجاعة عظيمة، حتى أكل الناس بعضهم # PageV08P218 # بعضا، وفارقوا الديار المصرية، فورد بغداذ منهم خلق كثير هربا من الجوع، ~~وورد التجار، ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته، نهبت من الجوع، وكان فيها أشياء ~~كثيرة نهبت من دار الخلافة وقت القبض على الطائع لله سنة إحدى وثمانين ~~وثلاثمائة، ومما نهب أيضا في فتنة البساسيري وخرج من خزائنهم ثمانون ألف ~~قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وأحد عشر ألف ~~كزاغند، وعشرون ألف سيف محلى. # وقال ابن الفضل يمدح القائم بأمر الله، ويذكر الحال بقصيدة فيها: # قد علم المصري أن جنوده سنو ... يوسف منها وطاعون عمواس # أقامت به حتى استراب بنفسه # وأوجس منه خيفة أي إيجاس # في أبيات. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي، كان أديبا، شاعرا، ~~حسن القول، فمن قوله: # واحسرتي من قولها # خان عهودي ولها # PageV08P219 # وحق من صيرني ... وقفا عليها ولها # ما خطرت بخاطري # إلا كستني ولها # وتوفي محمد بن أحمد أبو غالب بن بشران الواسطي الأديب، وانتهت الرحلة ~~إليه في الأدب وله شعر، فمنه في الزهد: # يا شائدا للقصور كهلا أقصر # فقصر الفتى الممات ... لم يجتمع شمل أهل قصر # إلا قصاراهم الشتات # وإنما العيش مثل ظل ... منتقل ما له ثبات # وفيها توفي القاضي أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن حذلم، قاضي دمشق، وأبو ~~محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي العجائز، الخطيب بدمشق. # PageV08P220 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة.] ### | 463 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة. # ذكر الخطبة للقائم بأمر الله والسلطان بحلب. # في هذه السنة خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم ~~بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان. # وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان وقوتها، وانتشار دعوتها، فجمع أهل ~~حلب وقال: هذه دولة جديدة، ومملكة شديدة، ونحن تحت الخوف ms3513 منهم، وهم يستحلون ~~دماءكم لأجل مذاهبكم، والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه ~~قول ولا بذل، فأجاب المشايخ [إلى] ذلك ولبس المؤذنون السواد، وخطبوا للقائم ~~بأمر الله والسلطان، فأخذت العامة حصر الجامع، وقالوا: هذه حصر علي بن أبي ~~طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها بالناس. # وأرسل الخليفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي، ~~فلبسها، ومدحه ابن سنان الخفاجي، وأبو الفتيان بن حيوس. # وقال أبو عبد الله بن عطية يمدح القائم بأمر الله، ويذكر الخطبة بحلب ~~ومكة والمدينة: # كم طائع لك لم تجلب عليه # ولم تعرف لطاعته غير التقى سببا ... هذا البشير بإذعان الحجاز # وذا داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا # PageV08P221 # ذكر استيلاء السلطان ألب أرسلان على حلب. # في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب، وجعل طريقه على ديار بكر، ~~فخرج إليه صاحبها، نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار، وحمل إليه إقامة ~~عرف السلطان أنه قسطها على البلاد، فأمر بردها. # ووصل إلى آمد فرآها ثغرا منيعا، فتبرك به، وجعل يمر يده على السور ويمسح ~~بها صدره. # وسار إلى الرها فحصرها فلم يظفر منها بطائل، فسار إلى حلب وقد وصلها نقيب ~~النقباء أبو الفوارس طراد بالرسالة القائمية، والخلع، فقال له محمود، صاحب ~~حلب: أسألك الخروج إلى السلطان، والاستعفاء لي من الحضور عنده، فخرج نقيب ~~النقباء، وأخبر السلطان بأنه قد لبس الخلع القائمية وخطب فقال: أي شيء ~~تساوي خطبتهم وهم يؤذنون: حي على خير العمل؟ ولا بد من الحضور، ودوس بساطي، ~~فامتنع محمود من ذلك. # فاشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وعظم القتال، وزحف السلطان يوما ~~وقرب من البلد، فوقع حجر منجنيق في فرسه، فلما عظم الأمر على محمود خرج ~~ليلا، ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان وقالت له: ~~فافعل به ما تحب. فتلقاها بالجميل، وخلع على محمود وأعاده إلى بلده، فأنفذ ~~إلى السلطان مالا جزيلا. # PageV08P222 # ذكر خروج ملك الروم إلى خلاط وأسره. # في هذه السنة خرج أرمانوس ms3514 ملك الروم في مائتي ألف من الروم، والفرنج، ~~والغرب، والروس، والبجناك، والكرج، وغيرهم، من طوائف تلك البلاد، فجاءوا في ~~تجمل كثير، وزي عظيم، وقصد بلاد الإسلام، فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط. ~~فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر. وهو بمدينة خوي من أذربيجان، قد عاد من ~~حلب. وسمع ما هو ملك الروم فيه من كثرة الجموع، فلم يتمكن من جمع العساكر ~~لبعدها وقرب العدو، فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان، وسار هو ~~فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس. وجد في السير وقال لهم: إنني ~~أقاتل محتسبا صابرا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإن ~~ابني ملكشاه ولي عهدي، وساروا. # فلما قارب العدو جعل له مقدمة، فصادفت مقدمته، عند خلاط، مقدم الروسية في ~~نحو عشرة آلاف من الروم، فاقتتلوا، فانهزمت الروسية، وأسر مقدمهم، وحمل إلى ~~السلطان، فجدع أنفه، وأنفذ بالسلب إلى نظام الملك، وأمره أن يرسله إلى ~~بغداذ، فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، ~~فقال: لا هدنة إلا بالري، فانزعج السلطان لذلك، فقال له إمامه وفقيهه أبو ~~نصر محمد بن عبد الملك البخاري، الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره ~~وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا ~~الفتح، فالقهم يوم الجمعة، بعد الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على ~~المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة. # PageV08P223 # فلما كانت تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ~~ودعوا معه وقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر ~~وينهى، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل ~~عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني. # وزحف إلى الروم وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، ~~وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل، وحملت العساكر معه، فحصل المسلمون في ~~وسطهم وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وأنزل الله نصره ~~عليهم، فانهزم الروم، ms3515 وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى، ~~وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهرائين، أراد قتله ولم يعرفه، فقال له ~~خادم مع الملك: لا تقتله، فإنه الملك. # وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك، فرده استحقارا له، ~~فأثنى عليه كوهرائين، فقال نظام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيرا، ~~فكان كذلك. # فلما أسر الغلام الملك أحضره عند كوهرائين، فقصد السلطان وأخبره بأسر ~~الملك، فأمر بإحضاره، فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده ~~وقال له: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما ~~تريد! فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال ~~له: فما تظن أنني أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلاد ~~الإسلام، والأخرى بعيدة، وهي العفو، وقبول الأموال، واصطناعي نائبا عنك. ~~قال: ما عزمت على غير هذا. # ففداه بألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وأن يرسل إليه عساكر الروم أي ~~وقت طلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله ~~في خيمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، فأطلق له جماعة من ~~البطارقة، # PageV08P224 # وخلع عليه (من الغد) ، فقال ملك الروم: أين جهة الخليفة؟ فقام وكشف رأسه ~~وأومأ إلى الأرض بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وسيره إلى بلاده، وسير ~~معه عسكرا أوصلوه إلى مأمنه، وشيعه السلطان فرسخا. # وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد، ~~فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر، فلبس الصوف وأظهر ~~الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر من السلطان، وقال: إن شئت أن تفعل ~~ما استقر، وإن شئت أمسكت، فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر، وطلب وساطته، ~~وسؤال السلطان في ذلك. # وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار، فأرسله إلى ~~السلطان، وطبق ذهب عليه جواهر بتسعين ألف دينار، وحلف له أنه لا يقدر على ~~غير ذلك، ثم إن أرمانوس استولى على ms3516 أعمال الأرمن وبلادهم. ومدح الشعراء ~~السلطان، وذكروا هذا الفتح، فأكثروا. # PageV08P225 # ذكر ملك أتسز الرملة وبيت المقدس. # في هذه السنة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، ~~بلد الشام، فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين، ففتح مدينة الرملة، وسار منها ~~إلى البيت المقدس وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما من ~~البلاد، ما عدا عسقلان، وقصد دمشق فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، ~~وقطع الميرة عنها، فضاق الأمر بالناس، فصبروا، ولم يمكنوه من ملك البلد، ~~فعاد عنه، وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم. # ذكر عدة حوادث. # [الوفيات] # في هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران ~~الفوراني، الفقيه الشافعي، مصنف كتاب " الإبانة " وغيره. # وفي هذه السنة، في ذي الحجة، توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي # PageV08P226 # بن ثابت البغداذي، صاحب " التاريخ " والمصنفات الكثيرة ببغداذ، وكان إمام ~~الدنيا في زمانه، وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. # وتوفي أيضا فيها، في شهر رمضان، أبو يعلى حمزة بن محمد بن الحسن بن حمزة ~~الجعفري، فقيه الإمامية، وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن عبد الله ~~المنيعي المخزومي من أهل مرو الروذ، كان كثير الصدقة والمعروف والعبادة، ~~والقنوع بالقليل من القوت، والإعراض عن زينة الدنيا وبهجتها، وكان السلاطين ~~يزورونه ويتبركون به، وأكثر من بناء المساجد والخانقاهات والقناطر، وغير ~~ذلك من مصالح المسلمين. # وتوفيت أيضا كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية، وهي التي تروي " صحيح ~~البخاري "، توفيت بمكة، وإليها انتهى علو الإسناد للصحيح إلى أن جاء أبو ~~الوقت. # PageV08P227 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة.] ### | 464 - # ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة. # ذكر ولاية سعد الدولة كوهرائين شحنكية بغداذ. # في ربيع الأول من هذه السنة ورد إيتكين السليماني شحنة بغداذ من عند ~~السلطان إلى بغداذ، فقصد دار الخلافة، وسأل العفو عنه، وأقام أياما، فلم ~~يجب إلى ذلك. # وكان سبب غضب الخليفة عليه أنه قد استخلف ابنه عند مسيره إلى السلطان، ~~وجعل شحنة ببغداد، فقتل أحد ms3517 المماليك الدارية، فأنفذ قميصه من الديوان إلى ~~السلطان، ووقع الخطاب في عزله. # وكان نظام الملك يعنى بالسليماني، فأضاف إلى إقطاعه تكريت، فكوتب واليها، ~~من ديوان الخلافة، بالتوقف عن تسليمها، فلما رأى نظام الملك والسلطان إصرار ~~الخليفة على الاستقالة من ولايته شحنكية بغداذ، سير سعد الدولة كوهرائين ~~إلى بغداذ شحنة، وعزل السليماني عنها، اتباعا لما أمر به الخليفة القائم ~~بأمر الله، ولما ورد سعد الدولة خرج الناس لتلقيه، وجلس له الخليفة. # ذكر تزويج ولي العهد بابنة السلطان. # في هذه السنة أرسل الإمام القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير، ومعه ~~الخلع للسلطان ولولده ملكشاه، وكان السلطان قد أرسل يطلب من الخليفة أن ~~يأذن في أن يجعل ولده ملكشاه ولي عهده، فأذن، وسيرت له الخلع مع عميد ~~الدولة، وأمر عميد الدولة أن يخطب ابنة السلطان ألب أرسلان من سفري خاتون ~~لولي العهد المقتدي بأمر الله، فلما حضر عند السلطان خطب ابنته، فأجيب إلى ~~ذلك. # PageV08P228 # وعقد النكاح بظاهر نيسابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح، ~~ونظام الملك الوكيل من جهة السلطان في العقد، وكان النثار جواهر، وعاد عميد ~~الدولة من عند السلطان إلى ملكشاه، وكان ببلاد فارس، فلقيه بأصبهان، فأفاض ~~عليه الخلع، فلبسها وسار إلى والده، وعاد عميد الدولة إلى بغداذ، فدخلها في ~~ذي الحجة. # ذكر ولاية أبي الحسن بن عمار طرابلس. # في هذه السنة، في رجب، توفي القاضي أبو طالب بن عمار، قاضي طرابلس، وكان ~~قد استولى عليها، واستبد بالأمر فيها، فلما توفي قام مكانه ابن أخيه جلال ~~الملك أبو الحسن بن عمار، فضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمه أثر ~~لكفايته. # ذكر ملك السلطان ألب أرسلان قلعة فضلون بفارس. # في هذه السنة سير السلطان ألب أرسلان وزيره نظام الملك في عسكر إلى بلاد ~~فارس، وكان بها حصن من أمنع الحصون والمعاقل، وفيه صاحبه فضلون، وهو لا ~~يعطي الطاعة، فنازله وحصره، ودعاه إلى طاعة السلطان فامتنع، فقاتله فلم ~~يبلغ بقتاله غرضا لعلو الحصن وارتفاعه، فلم يطل مقامهم عليه حتى نادى ms3518 أهل ~~القلعة الأمان ليسلموا الحصن إليه، فعجب الناس من ذلك. # وكان السبب فيه أن جميع الآبار التي بالقلعة غارت مياهها في ليلة واحدة ~~فقادتهم ضرورة العطش إلى التسليم، فلما طلبوا الأمان أمنهم نظام الملك، ~~وتسلم # PageV08P229 # الحصن، والتجأ فضلون إلى قلة القلعة، وهي أعلى موضع فيها، وفيه بناء ~~مرتفع، فاحتمى فيها، فسير نظام الملك طائفة من العسكر إلى الموضع الذي فيه ~~أهل فضلون وأقاربه ليحملوهم إليه وينهبوا مالهم، فسمع فضلون الخبر، ففارق ~~موضعه مستخفيا فيمن عنده من الجند، وسار ليمنع عن أهله، فاستقبلته طلائع ~~نظام الملك، فخافهم، فتفرق من معه، واختفى في نبات الأرض، فوقع فيه بعض ~~العسكر، فأخذه أسيرا، وحمله إلى نظام الملك، فأخذه وسار به إلى السلطان ~~فأمنه وأطلقه. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة توفي القاضي أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الصمد بن ~~المهتدي بالله الخطيب بجامع المنصور، وكان قد أضر، ومولده سنة أربع وثمانين ~~وثلاثمائة، وكان إليه قضاء واسط، وخليفته عليها أبو محمد بن السمان. # PageV08P230 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة.] ### | 465 - # ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة. # ذكر قتل السلطان ألب أرسلان. # في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان، واسمه محمد، وإنما غلب عليه ~~ألب أرسلان ما وراء النهر، وصاحبه شمس الملك تكين، فعقد على جيحون جسرا ~~وعبر عليه في نيف وعشرين يوما، وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس، فأتاه ~~أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، في سادس شهر ربيع الأول، وحمل ~~إلى قرب سريره مع غلامين، فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها، ~~فقال له يوسف: يا مخنث! مثلي يقتل هذه القتلة؟ فغضب السلطان ألب أرسلان، ~~وأخذ القوس والنشاب، وقال للغلامين: خلياه! ورماه السلطان بسهم فأخطأه، ولم ~~يكن يخطئ سهمه، فوثب يوسف يريده، والسلطان على سدة، فلما رأى يوسف يقصده ~~قام عن السدة ونزل عنها، فعثر، فوقع على وجهه، فبرك عليه يوسف وضربه بسكين ~~كانت معه في خاصرته، وكان سعد الدولة واقفا، فجرحه يوسف أيضا جراحات، ونهض ~~السلطان إلى خيمة ms3519 أخرى، وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله، ~~وقطعه الأتراك. # وكان أهل سمرقند لما بلغهم عبور السلطان النهر، وما فعل عسكره بتلك ~~البلاد لا سيما بخارى، اجتمعوا، وختموا ختمات، وسألوا الله أن يكفيهم أمره، ~~فاستجاب لهم. # ولما جرح السلطان قال: ما من وجه قصدته، وعدو أردته، إلا استعنت بالله ~~عليه، ولما كان أمس صعدت على تل، فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة ~~العسكر، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا، وما يقدر أحد علي، # PageV08P231 # فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله تعالى، وأستقيله من ذلك ~~الخاطر. فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة، فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه. # ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهورا، ~~وقيل كان مولده سنة عشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة ~~إلى أن قتل تسع سنين وستة أشهر وأياما، ولما وصل خبر موته إلى بغداذ جلس ~~الوزير فخر الدولة بن جهير للعزاء به في صحن السلام. # ذكر نسب ألب أرسلان وبعض سيرته. # هو ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق، وكان كريما، ~~عادلا، عاقلا، يسمع السعايات، واتسع ملكه جدا، ودان له العالم، وبحق قيل له ~~سلطان العالم. # وكان رحيم القلب رفيقا بالفقراء، كثير الدعاء بدوام ما أنعم الله به ~~عليه. اجتاز يوما بمرو على فقراء الخرائين، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه ~~من فضله. # وكان يكثر الصدقة، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه ~~أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم ~~يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي ~~يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقا بهم. # وكتب إليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره، وذكر ما له في ممالكه ~~من الرسوم والأموال، وتركت على مصلاه، فأخذها فقرأها، ثم سلمها إلى نظام ~~الملك # PageV08P232 # وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح ~~أحوالك، وإن كذبوا فاغفر ms3520 لهم زلتهم واشغلهم بمهم يشتغلون به عن السعاية ~~بالناس. # وهذه حالة لا يذكر عن أحد الملوك أحسن منها. # وكان كثيرا ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولما ~~اشتهر بين الملوك حسن سيرته، ومحافظته على عهوده أذعنوا له بالطاعة ~~والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقصى ~~الشام. # وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية، بلغه أن بعض خواص مماليكه ~~سلب من بعض الرستاقية إزارا، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض ~~إلى مال غيرهم. # ومناقبه كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها. وخلف ألب ~~أرسلان من الأولاد: ملكشاه، وهو صار السلطان بعده، وإياز، وتكش، وبوري برش، ~~وتتش، وأرسلان أرغو، وسارة، وعائشة، وبنتا أخرى. # ذكر ملك السلطان ملكشاه. # لما جرح السلطان ألب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه، وكان معه، وأمر ~~أن يحلف له العسكر، فحلفوا جميعهم، وكان المتولي للأمر في ذلك نظام الملك، ~~وأرسل ملكشاه إلى بغداذ يطلب الخطبة له، فخطب له على منابرها، وأوصى ألب # PageV08P233 # أرسلان ابنه ملكشاه أيضا أن يعطي أخاه قاورت بك بن داود أعمال فارس ~~وكرمان، وشيئا عينه من المال، وأن يزوج بزوجته، وكان قاورت بك بكرمان، ~~وأوصى أن يعطى ابنه إياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف ~~دينار، وقال: كل من لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه، واستعينوا بما جعلته له ~~على حربه. # وعاد ملكشاه من بلاد ما وراء النهر، فعبر العسكر الذي قطع النهر في نيف ~~وعشرين يوما في ثلاثة أيام، وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك، وزاد الأجناد ~~في معايشهم سبع مائة ألف دينار، وعادوا إلى خراسان، وقصدوا نيسابور، وراسل ~~ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه، ~~وأقام إياز أرسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى ~~الري. # ذكر ملك صاحب سمرقند مدينة ترمذ. # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك ألتكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ. وسبب ~~ذلك أنه لما بلغه وفاة ألب أرسلان، وعود ms3521 ابنه ملكشاه عن خراسان، طمع في ~~البلاد المجاورة له، فقصد ترمذ أول ربيع الآخر، وفتحها، ونقل ما فيها من ~~ذخائر وغيرها إلى سمرقند. # وكان إياز بن ألب أرسلان قد سار عن بلخ إلى الجوزجان، فخاف أهل بلخ، ~~فأرسلوا إلى ألتكين يطلبون منه الأمان، فأمنهم، فخطبوا له فيها، وورد ~~إليها، فنهب عسكره شيئا من أموال الناس، وعاد إلى ترمذ، فثار أوباش بلخ ~~بجماعة من أصحابه فقتلوهم، فعاد إليهم وأمر بإحراق المدينة، فخرج إليه ~~أعيان أهلها وسألوه # PageV08P234 # الصفح، واعتذروا، فعفا عنهم، لكنه أخذ أموال التجار فغنم شيئا عظيما. # فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من الجوزجان إلى بلخ، فوصل غرة جمادى ~~الأولى، فأطاعه أهلها، وسار عنها إلى ترمذ في عشرة آلاف فارس في الثالث ~~والعشرين من جمادى الآخرة، فلقيهم عسكر ألتكين، فانهزم إياز، فغرق من عسكره ~~في جيحون أكثرهم، وقتل كثير منهم، ولم ينج إلا القليل. # ذكر قصد صاحب غزنة سكلكند. # وفي هذه السنة أيضا، في جمادى الأولى، وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة إلى ~~سكلكند، وبها عثمان عم السلطان ملكشاه، ويلقب بأمير الأمراء، فأخذوه أسيرا، ~~وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه، فسمع الأمير كمشتكين بلكابك، وهو من ~~أكابر الأمراء، فتبع آثارهم، وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في زماننا، ~~فنهبوا مدينة سكلكند. # ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وعمه قاورت بك. # لما بلغ قاورت بك، وهو بكرمان، وفاة أخيه ألب أرسلان سار طلبا للري يريد ~~الاستيلاء على الممالك، فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملك، وسارا ~~(منها إليه) ، فالتقوا بالقرب من همذان في شعبان، وكان العسكر يميلون إلى ~~قاورت بك، فحملت ميسرة قاورت على ميمنة ملكشاه، فهزموها، وحمل شرف الدولة ~~مسلم بن قريش، وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد، وهما مع ملكشاه، ومن ~~معهما من العرب والأكراد، على ميمنة قاورت بك فهزموها، وتمت الهزيمة على # PageV08P235 # أصحاب قاورت بك، ومضى المنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف ~~الدولة، وبهاء الدولة فنهبوها غيظا منهم، حيث هزموا عسكر قاورت بك، ونهبوا ~~أيضا ما ms3522 كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة. # وجاء رجل سوادي إلى السلطان ملكشاه، فأخبره أن عمه قاورت بك في بعض ~~القرى، فأرسل من أخذه وأحضره، فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه، وأقر كرمان ~~بيد أولاده، وسير إليهم الخلع، وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيرة لما ~~فعلوه في الوقعة. # وكان السبب في حضور شرف الدولة وبهاء الدولة عند ملكشاه أن السلطان ألب ~~أرسلان كان ساخطا على شرف الدولة، فأرسل الخليفة نقيب النقباء طراد بن محمد ~~الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل، فأخذه وسار به إلى ألب أرسلان ليشفع فيه ~~عند الخليفة، فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره أبو جابر بن ~~صقلاب، فأخذه شرف الدولة فغرقه، وسار مع طراد، فبلغهما الخبر بوفاة ألب ~~أرسلان ومصير ابنه ملكشاه، فتمما إليه. # وأما بهاء الدولة فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان، فحضر ~~الحرب بهذا السبب. # ذكر تفويض الأمور إلى نظام الملك. # ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيديهم في أموال الرعية، وقالوا: ما يمنع ~~السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك فنال الرعية أذى شديد فذكر ذلك ~~نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الوهن، وخراب البلاد وذهاب ~~السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ما ~~يمكنني أن أفعل إلا بأمرك. # PageV08P236 # فقال السلطان: قد رددت الأموال كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد، ~~وحلف له، وأقطعه إقطاعا زائدا على ما كان، من جملته طوس مدينة نظام الملك، ~~وخلع عليه، ولقبه ألقابا من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهر في ~~كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما هو مشهور، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت ~~به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما ~~استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك، ثم صرفه عن ~~حجابته. # ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدان. # في هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان، وهو من أولاد ناصر ~~الدولة بن حمدان، ms3523 بمصر، وكان قد تقدم فيها تقدما عظيما. # ونذكر هاهنا الأسباب الموجبة لقتله، فإنها تتبع بعضها بعضا، وفي حروب ~~وتجارب، وكان أول ذلك انحلال أمر الخلافة، وفساد أحوال المستنصر بالله ~~العلوي، صاحبها، وسببه أن والدته كانت غالبة على أمره، وقد اصطنعت أبا سعيد ~~إبراهيم التستري اليهودي، وصار وزيرا لها، فأشار عليها بوزارة أبي نصر ~~الفلاحي، فولته الوزارة، واتفقا مدة، ثم صار الفلاحي ينفرد بالتدبير، فوقع ~~بينهما وحشة، فخافه الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر فاصطنع الغلمان ~~الأتراك، واستمالهم، وزاد في أرزاقهم، فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي، ~~فقتلوه، فعظم الأمر على أم المستنصر، وأغرت به ولدها، فقبض عليه وأرسلت من ~~قتله تلك الليلة، وكان بينهما في القتل تسعة أشهر. # ووزر بعده أبو البركات حسن بن محمد، فوضعه على الغلمان الأتراك فأفسد # PageV08P237 # أحوالهم، وشرع يشتري العبيد للمستنصر، واستكثر منهم، فوضعته أم المستنصر ~~ليغري العبيد المجردين بالأتراك، فخاف عاقبة ذلك، وعلم أنه يورث شرا ~~وفسادا، فلم يفعل، فتنكرت له، وعزلته عن الوزارة. # وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قرى الرملة اسمها يازور، ~~فأمرته أيضا بذلك، فلم يفعل، وأصلح الأمور إلى أن قتل. # ووزر بعده أبو عبد الله الحسن بن البابلي، فأمرته بما أمرت به غيره من ~~الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك، ففعل، فتغيرت نياتهم. # ثم إن المستنصر ركب ليشيع الحجاج، فأجرى بعض الأتراك فرسه، فوصل به إلى ~~جماعة العبيد المحدثين، وكانوا يحيطون بالمستنصر، فضربه أحدهم فجرحه، فعظم ~~ذلك على الأتراك ونشبت بينهم الحرب، ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم ~~واستحكمت العداوة، فقال الوزير للعبيد: خذوا حذركم، فاجتمعوا في محلتهم. # وعرف الأتراك ذلك، فاجتمعوا إلى مقدميهم، وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان، ~~وهو أكبر قائد بمصر، وشكوا إليه، واستمالوا المصامدة، وكتامة، وتعاهدوا، ~~وتعاقدوا، فقوي الأتراك، وضعف العبيد المحدثون، فخرجوا من القاهرة إلى ~~الصعيد ليجتمعوا هناك، فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس ~~وراجل، فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر، فأعاد الجواب أنه لا علم له بما ~~فعل العبيد، وأنه ms3524 لا حقيقة له، فظنوا قوله حيلة عليهم. # ثم قرب الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم، فأجفل الأتراك وكتامة والمصامدة، ~~وكانت عدتهم ستة آلاف، فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش، واقتتلوا، فانهزم ~~الأتراك ومن معهم إلى القاهرة، وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس، فلما ~~انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومن معهم، وحملوا عليهم # PageV08P238 # حملة منكرة، وضربت البوقات، فارتاع العبيد، وظنوها مكيدة من المستنصر، ~~وأنه قد ركب باقي العسكر، فانهزموا، وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم ~~السيوف، فقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفا وكان يوما مشهودا. # وقويت نفوس الأتراك، وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم، وتجمعوا، وحشدوا، ~~فتضاعف عدتهم، وزادت واجباتهم للإنفاق فيهم، فخلت الخزائن، واضطربت الأمور، ~~وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، فاجتمعوا مع العبيد، فصاروا ~~خمسة عشر ألف فارس وراجل، وساروا إلى الجيزة، فخرج عليهم الأتراك ومن معهم، ~~واقتتلوا في الماء عدة أيام، ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن ~~حمدان، فاقتتلوا، فانهزم العبيد إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك ~~منصورين. # ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر ألف فارس وراجل، فقلق الأتراك ~~لذلك، فحضر مقدموهم دار المستنصر لشكوى حالهم، فأمرت أم المستنصر من عندها ~~من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم، ففعلوا ذلك، وسمع ناصر الدولة ~~الخبر، فهرب إلى ظاهر البلد، واجتمع الأتراك إليه ووقعت الحرب بينهم وبين ~~العبيد، ومن تبعهم من مصر، والقاهرة، وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنه ~~لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعاما حتى ينفصل الحال بينهم، فبقيت الحرب ثلاث ~~أيام، ثم ظفر بهم ناصر الدولة، وأكثر القتل فيهم، ومن سلم هرب، وزالت ~~دولتهم من القاهرة. # وكان بالإسكندرية جماعة كثيرة من العبيد، فلما كانت هذه الحادثة طلبوا ~~الأمان، فأمنوا وأخذت منهم الإسكندرية، وبقي العبيد الذين بالصعيد. # PageV08P239 # فلما خلت الدولة للأتراك طمعوا في المستنصر، وقل ناموسه عندهم، وطلبوا ~~الأموال، فخلت الخزائن، فلم يبق فيها شيء البتة، واختل ارتفاع الأعمال، وهم ~~يطالبون، واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده، فطلب ناصر الدولة العروض، ~~فأخرجت ms3525 إليهم، وقومت بالثمن البخس، وصرفت إلى الجند، قيل إن واجب الأتراك ~~كان في الشهر عشرين ألف دينار، فصار الآن في الشهر أربعمائة ألف دينار. # وأما العبيد بالصعيد فإنهم أفسدوا، وقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، فسار ~~إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير، فمضى العبيد من بين يديه إلى الصعيد ~~الأعلى، فأدركهم، فقاتلهم، وقاتلوه، فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى ~~الجيزة بمصر، واجتمع إليه من سلم من أصحابه، وشغبوا على المستنصر. واتهموه ~~بتقوية العبيد والميل إليهم، ثم جهزوا جيشا وسيروه إلى طائفة من العبيد، ~~فوهن الباقون، وزالت دولتهم. # وعظم أمر ناصر الدولة، وقويت شوكته، وتفرد بالأمر دون الأتراك، فامتنعوا ~~من ذلك، وعظم عليهم، وفسدت نياتهم له، فشكوا ذلك إلى الوزير، وقالوا: كلما ~~خرج من الخليفة مال أخذ أكثره له ولحاشيته، ولا يصل إلينا منه إلا القليل. ~~فقال الوزير: إنما وصل إلى هذا وغيره بكم، فلو فارقتموه لم يتم له أمر. ~~فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة، وإخراجه من مصر، فاجتمعوا، وشكوا إلى ~~المستنصر، وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة، فأرسل إليه يأمره بالخروج، ~~ويتهدده إن لم يفعل، فخرج من القاهرة إلى الجيزة، ونهبت داره ودور حواشيه ~~وأصحابه. # فلما كان الليل دخل ناصر الدولة مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك ~~شاذي، فقبل رجله، وقال: اصطنعني! فقال: أفعل، فحالفه على قتل مقدم من ~~الأتراك اسمه إلدكز، والوزير الخطير، وقال ناصر الدولة لشاذي: تركب في ~~أصحابك، وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك فيهما فاقتلهما. # PageV08P240 # وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة. وفعل شاذي ما أمره، فركب إلدكز ~~إلى القصر، فرأى شاذي في جمعه، فأنكره وأسرع فدخل القصر، ففاته، ثم أقبل ~~الوزير في موكبه، فقتله شاذي، وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب، فركب ~~إلى باب القاهرة، فقال إلدكز للمستنصر: إن لم تركب، وإلا هلكت أنت ونحن. ~~فركب، ولبس سلاحه، وتبعه خلق عظيم من العامة والجند، واصطفوا للقتال، فحمل ~~الأتراك على ناصر الدولة فانهزم، وقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى منهزما على ~~وجهه لا يلوي على شيء، وتبعه فل ms3526 أصحابه، ومضى إلى بني سنبس، فأقام عندهم ~~وصاهرهم فقوي بهم. # وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه، فساروا حتى قربوا منه، وكانوا ثلاث طوائف، ~~فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر وحده دون أصحابه، فعبر فيمن معه إلى ~~ناصر الدولة، وحمل عليه فقاتله، فظفر به ناصر الدولة، فأخذه أسيرا، وأكثر ~~القتل في أصحابه، وعبر العسكر الثاني، ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم، ~~فحمل ناصر الدولة عليهم، ورفع رءوس القتلى على الرماح، فوقع الرعب في ~~قلوبهم، فانهزموا وقتل أكثرهم، وقويت نفس ناصر الدولة. # وعبر العسكر الثالث، فهزمه وأكثر القتل فيهم، وأسر مقدمهم، وعظم أمره، ~~ونهب الريف فأقطعه، وقطع الميرة عن مصر برا وبحرا، فغلت الأسعار بها، وكثر ~~الموت بالجوع، وامتدت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل، وعظم الوباء ~~حتى إن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة. # واشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، فاستبعد ذلك، ~~فقيل: إنها باعت عروضا قيمتها ألف دينار بثلاثمائة دينار، واشترت بها حنطة ~~وحملها الحمال على ظهره، فنهبت الحنطة في الطريق، فنهبت هي مع الناس، فكان ~~الذي حصل لها ما عملته رغيفا واحدا. # وقطع ناصر الدولة الطريق برا وبحرا، فهلك العالم، ومات أكثر أصحاب # PageV08P241 # المستنصر، وتفرق كثير منهم، فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في ~~الصلح، فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شاذي نائبا عن ناصر الدولة ~~بالقاهرة، يحمل المال إليه، ولا يبقى معه لأحد حكم. # فلما دخل تاج الملوك إلى القاهرة تغير عن القاعدة، واستبد بالأموال دون ~~ناصر الدولة ولم يرسل إليه منها شيئا، فسار ناصر الدولة إلى الجيزة، ~~واستدعى إليه شاذي وغيره من مقدمي الأتراك، فخرجوا إليه إلا أقلهم، فقبض ~~عليهم كلهم، ونهب ناحيتي مصر، وأحرق كثيرا منهما، فسير إليه المستنصر عسكرا ~~فكبسوه فانهزم منهم ومضى هاربا، فجمع جمعا وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم، وقطع ~~خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط، وكانا معه، وكذلك جميع الريف، وأرسل إلى ~~الخليفة ببغداذ يطلب خلعا ليخطب له بمصر. # واضمحل أمر المستنصر، وبطل ذكره، وتفرق الناس من القاهرة وأرسل ناصر ms3527 ~~الدولة إليه أيضا يطلب المال، فرآه الرسول جالسا على حصير، وليس حوله غير ~~ثلاثة خدم، ولم ير الرسول شيئا من آثار المملكة، فلما أدى الرسالة قال: أما ~~يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير؟ فبكى ~~الرسول وعاد إلى ناصر الدولة، فأخبره الخبر فأجرى له كل يوم مائة دينار، ~~وعاد إلى القاهرة، وحكم فيها، وأذل السلطان وأصحابه. # وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله، ويعيب ~~المستنصر، وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد، وقبض على أم المستنصر، ~~وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله إلى ~~الغرب، وغيره من البلاد، فمات كثير منهم جوعا. # PageV08P242 # وانقضت سنة أربع وستين [وأربعمائة] وما قبلها بالفتن. وانحط السعر سنة ~~خمس وستين، ورخصت الأسعار، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، وفرق عنه ~~عامة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: إنني أريد أن أوليك عمل كذا، فيسير إليه ~~فلا يمكنه من العمل ويمنعه من العود، وكان غرضه بذلك (أن يخطب) للخليفة ~~القائم بأمر الله، ولا يمكنه مع وجودهم، ففطن لفعله قائد كبير من الأتراك ~~اسمه إلدكز، وعلم أنه متى ما تم ما أراد تمكن منه ومن أصحابه، فأطلع على ~~ذلك غيره من قواد الأتراك، فاتفقوا على قتل ناصر الدولة، (وكان قد أمن ~~لقوته، وعدم عدوه) ، فتواعدوا ليلة على ذلك، فلما كان سحر الليلة التي ~~تواعدوا فيها على قتله جاءوا إلى باب داره، وهي (التي تعرف بمنازل العز، ~~وهي) على النيل، فدخلوا، من غير استئذان إلى صحن داره، فخرج إليهم ناصر ~~الدولة في رداء لأنه كان آمنا منهم، فلما دنا منهم ضربوه بالسيوف، فسبهم، ~~وهرب منهم، يريد الحرم، فلحقوه فضربوه حتى قتلوه، وأخذوا رأسه. # ومضى رجل منهم، يعرف بكوكب الدولة، إلى فخر العرب، أخي ناصر الدولة، وكان ~~فخر العرب كثير الإحسان إليه، فقال للحاجب: استأذن لي على فخر العرب، وقل ~~صنيعتك فلان على الباب، فاستأذن له، فأذن له وقال: لعله قد دهمه أمر. فلما ~~دخل عليه ms3528 أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه، وضربه بالسيف على كتفه، فسقط ~~إلى الأرض، فقطع رأسه، وأخذ سيفه، وكان ذا قيمة وافرة، وأخذ جارية له ~~أردفها خلفه، وتوجه إلى القاهرة، وقتل أخوهما تاج المعالي، وانقطع # ذكر الحمدانية بمصر بالكلية. # فلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي، أمير # PageV08P243 # الجيوش، وقتل إلدكز والوزير ابن كدينة، وجماعة من المسلحية، وتمكن من ~~الدولة إلى أن مات، وولي بعده ابنه الأفضل وسيرد ذكرهم إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس. # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير ليث بن منصور صدقة بن الحسين بالدامغان، والشريف أبو ~~الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن المأمون ببغداذ، وكان موته في شوال، ~~ومولده سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وكان عالي الإسناد في الحديث. # وفيها في ذي الحجة، توفي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن [محمد بن] ~~(عبيد الله بن) عبد الصمد بن المهتدي بالله، المعروف بابن # PageV08P244 # الغريق، وكان يسمى راهب بني العباس، وهو آخر من حدث عن الدارقطني وابن ~~شاهين وغيرهما، وكان موته ببغداذ. # وفيها قتل ناصر الدولة أبو علي الحسين بن حمدان بمصر، قتله إلدكز التركي، ~~وقد تقدم شرحه مستوفى. # وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، النيسابوري، ~~مصنف " الرسالة " وغيرها، وكان إماما، فقيها، أصوليا، مفسرا، كاتبا، ذا ~~فضائل جمة، وكان له فرس قد أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ ~~لم يأكل الفرس شيئا فعاش أسبوعا ومات. # وفيها أيضا توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور، الكاتب المعروف ~~بابن صربعر، وكان نظام الملك قال له أنت ابن صردر لا صربعر، فبقي ذلك عليه، ~~وهو من الشعراء المجيدين، وهجاه ابن البياضي فقال: # لئن نبز الناس قدما أباك ... فسموه من شعره صر بعرا # فإنك تنظم ما صره عقوقا ... له، وتسميه شعرا # وهذا ظلم من ابن البياضي، فإنه كان شاعرا محسنا، ومن شعر ابن صردر قوله: # تزاورن عن أذرعات يمينا ... نواشز ليس ms3529 يطقن البرينا # PageV08P245 # كلفن بنجد، كأن الرياض # أخذن لنجد عليها يمينا ... وأقسمن يحملن إلا نحيلا # إليه ويبلغن إلا حزينا ... فلما استمعن زفير المشوق # ونوح الحمام، تركن الحنينا # إذا جئتما بانة الواديين # فأرخوا النسوع، وحلوا الوضينا ... فثم علائق من أجلهن # ملاء الدجى والضحى قد طوينا # وقد أنبأتهم مياه الجفون ... بأن بقلبك داء دفينا. # PageV08P246 ### | [ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمائة.] ### | 466 - # ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمائة. # ذكر تقليد السلطان ملكشاه السلطنة والخلع عليه. # في هذه السنة، في صفر، ورد كوهرائين إلى بغداذ من عسكر السلطان، وجلس له ~~الخليفة القائم بأمر الله، ووقف على رأسه ولي العهد المقتدي بأمر الله، ~~وسلم الخليفة إلى كوهرائين عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة، وقرأ الوزير أوله، ~~وسلم إليه أيضا لواء عقده الخليفة بيده، ولم يمنع يومئذ أحد من الدخول إلى ~~دار الخلافة، فامتلأ صحن السلام بالعامة، حتى كان الإنسان تهمه نفسه ~~ليتخلص، وهنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة. # ذكر غرق بغداذ. # في هذه السنة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداذ. # وسببه أن دجلة زادت زيادة عظيمة، وانفتح القورج عند المسناة المعزية، ~~وجاء في الليل سيل عظيم، وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء ~~إلى المنازل من فوق، ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقي، وهلك خلق ~~كثير تحت الهدم، وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق. # وقام الخليفة يتضرع ويصلي، وعليه البردة، وبيده القضيب، وأتى أيتكين ~~السليماني من عكبرا، فقال للوزير: إن الملاحين يؤذون الناس في المعابر، ~~فأحضرهم، وتهددهم بالقتل، وأمر بأخذ ما جرت به العادة. # وجمع الناس، وأقيمت الخطبة للجمعة في الطيار مرتين، وغرق من الجانب # PageV08P247 # الغربي مقبرة أحمد، ومشهد باب التبن، وتهدم سوره، فأطلق شرف الدولة ألف ~~دينار تصرف في عمارته، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي. # ومن عجيب ما يحكى في هذا الغرق أن الناس، في العام الماضي، كانوا قد ~~أنكروا كثرة المغنيات والخمور، فقطع بعضهم أوتار عود مغنية كانت عند جندي، ~~فثار به الجندي الذي كانت عنده، فضربه فاجتمعت العامة ومعهم كثير من الأئمة ms3530 ~~منهم أبو إسحاق الشيرازي، واستغاثوا بالخليفة وطلبوا هدم المواخير والحانات ~~وتبطيلها، فوعدهم أن يكاتب السلطان في ذلك، فسكنوا وتفرقوا. # ولازم كثير من الصالحين الدعاء بكشفه، فاتفق أن غرقت بغداذ، ونال الخليفة ~~والجند من ذلك أمر عظيم، وعمت مصيبته الناس كافة، فرأى الشريف أبو جعفر بن ~~أبي موسى بعض الحجاب الذين يقولون: نحن نكاتب السلطان، ونسعى في تفريق ~~الناس، ويقول: اسكنوا إلى أن يرد الجواب. فقال له أبو جعفر: قد كتبنا، ~~وكتبتم، فجاء جوابنا قبل جوابكم، يعني أنهم شكوا ما حل بهم إلى الله تعالى، ~~وقد أجابهم بالغرق، قبل ورود جواب السلطان. # ذكر ملك السلطان ملكشاه ترمذ والهدنة بينه وبين صاحب سمرقند. # قد ذكرنا أن خاقان ألتكين صاحب سمرقند ملك ترمذ بعد قتل السلطان ألب ~~أرسلان، فلما استقامت الأمور للسلطان ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها، وطم # PageV08P248 # العسكر خندقها، ورماها بالمجانيق، فخاف من بها، فطلبوا الأمان فأمنهم، ~~وخرجوا منها وسلموها. # وكان بها أخ لخاقان ألتكين، فأكرمه السلطان، وخلع عليه (وأحسن إليه) ~~وأطلقه، وسلم قلعة ترمذ إلى الأمير ساوتكين، وأمره بعمارتها وتحصينها ~~وعمارة سورها بالحجر المحكم، وحفر خندقها وتعميقه، ففعل ذلك. # وسار السلطان ملكشاه يريد سمرقند، ففارقها صاحبها، وأنفذ يطلب المصالحة، ~~ويضرع إلى نظام الملك في إجابته إلى ذلك، ويعتذر من تعرضه إلى ترمذ، فأجيب ~~إلى ذلك، واصطلحوا، وعاد ملكشاه عنه إلى خراسان، ثم منها إلى الري، وأقطع ~~بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكش. # ذكر عدة حوادث. # [الوفيات] # فيها توفي زعيم الدولة أبو الحسن بن عبد الرحيم بالنيل فجأة، وله سبعون ~~سنة، وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية. # وفيها توفي إياز أخو السلطان ملكشاه، وكفي شره كما كفي شر عمه قاورت بك. # وفيها، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو الحسين بن أبي جعفر السمناني # PageV08P249 # حمو قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وولي ابنه أبو الحسن ما كان ~~إليه من القضاء بالعراق والموصل، وكان مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ~~بسمنان، وكان هو وأبوه من المغالين في مذهب الأشعري، ولأبيه فيه تصانيف ~~كثيرة، وهذا ms3531 مما يستطرف أن يكون حنفي أشعريا. # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي عبد العزيز [بن] أحمد بن محمد بن علي أبو ~~محمد الكتاني الدمشقي، الحافظ وكان مكثرا في الحديث، ثقة، وممن سمع منه ~~الخطيب أبو بكر البغداذي. # PageV08P250 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة.] ### | 467 - # ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة. # ذكر وفاة القائم بأمر الله وذكر بعض سيرته. # في هذه السنة، ليلة الخميس ثالث عشر شعبان، توفي القائم بأمر الله أمير ~~المؤمنين، رضي الله عنه، واسمه عبد الله أبو جعفر بن القادر بالله أبي ~~العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل بن المعتضد بالله ~~أبي العباس أحمد. # وكان سبب موته أنه قد أصابه شرى، فافتصد، ونام منفردا، فانفجر فصاده، ~~وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته، فأيقن بالموت، ~~فأحضر ولي العهد، ووصاه بوصايا، وأحضر النقيبين وقاضي القضاة وغيرهم مع ~~الوزير ابن جهير، وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله ~~بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده. # ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وصلى عليه المقتدي ~~بأمر الله. # وكان عمره ستا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وخلافته أربعا وأربعين ~~سنة وثمانية أشهر وأياما، وقيل كان مولده ثامن عشر ذي # PageV08P251 # الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، (وعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة ~~وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما. # وأمه أم ولد تسمى قطر الندى، أرمنية، وقيل رومية، أدركت خلافته، وقيل ~~اسمها علم. وماتت في رجب سنة اثنين وخمسين وأربعمائة. # وكان القائم جميلا، مليح الوجه، أبيض، مشربا حمرة، حسن الجسم، ورعا، ~~دينا، زاهدا، عالما قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصبر، وكان للقائم عناية ~~بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان، ~~فكان يصلح فيه أشياء، وكان مؤثرا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس، لا ~~يرى المنع من شيء يطلب منه. # قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يوما إلى المخزن، فلم يبق أحد ms3532 إلا ~~أعطاني قصة، فامتلأت أكمامي منها، فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض ~~عن هذه كلها، فألقيتها في بركة، والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت إليه أمر ~~الخدم بإخراج الرقاع من البركة، فأخرجت، ووقف عليها، ووقع فيها بأغراض ~~أصحابها، ثم قال لي: ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها، فقال: لا تعد ~~إلى مثلها! فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا، إنما نحن وكلاء. # ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب، وأبو الفتح بن دارست، ورئيس الرؤساء، ~~وأبو نصر بن جهير، وكان قاضيه ابن ماكولا، وأبو عبد الله الدامغاني. # ذكر خلافة المقتدي بأمر الله. # لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله بن محمد بن القائم ~~بالخلافة، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك، والوزير فخر الدولة بن جهير ~~وابنه # PageV08P252 # عميد الدولة، والشيخ أبو إسحاق، وأبو نصر بن الصباغ، ونقيب النقباء طراد، ~~والنقيب الطاهر المعمر بن محمد، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، ~~وغيرهم من الأعيان والأماثل، فبايعوه. # وقيل: كان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، فإنه لما ~~فرغ من غسل القائم بايعه، وأنشده: # إذا سيد منا مضى قام سيد # ثم أرتج عليه، فقال المقتدي: # قئول بما قال الكرام فعول # فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر. # ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه، فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن ~~القائم توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره، فأيقن الناس بانقراض نسله، وانتقال ~~الخلافة من البيت القادري إلى غيره، ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد ~~القائم، لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد، ويجرون ~~مجرى السوقة، فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول، ولا ~~تلك الهيبة، فقدر الله تعالى أن الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها ~~أرجوان، وكان يلم بها، فلما توفي ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه ~~من انقراض عقبه، ذكرت أنها حامل، فتعلقت النفوس بذلك، فولدت بعد موت سيدها ~~بستة أشهر المقتدي، فاشتد فرح ms3533 القائم، وعظم سروره وبالغ [في] الإشفاق عليه ~~والمحبة له. # فلما كانت حادثة البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين، فأخفاه أهله، ~~وحمله أبو الغنائم بن المحلبان إلى حران، كما ذكرنا ولما عاد القائم إلى ~~بغداذ أعيد المقتدي إليه. فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد، ولما ولي الخلافة ~~أقر فخر الدولة # PageV08P253 # بن جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك، وسير عميد الدولة بن فخر ~~الدولة بن جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة، وكان مسيره في شهر رمضان، ~~وأرسل معه من أنواع الهدايا ما يجل عن الوصف. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، في شوال، وقعت نار ببغداذ في دكان خباز بنهر المعلى، ~~فاحترقت من السوق مائة وثمانون دكانا سوى الدور، ثم وقعت نار في المأمونية، ~~ثم في الظفرية، ثم في درب المطبخ، ثم في دار الخليفة، ثم في حمام ~~السمرقندي، ثم في باب الأزج ودرب خراسان، ثم في الجانب الغربي في نهر طابق، ~~ونهر القلائين، والقطيعة، وباب البصرة، واحترق ما لا يحصى. # وفيها أرسل المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر، إلى صاحب مكة ابن أبي هاشم ~~رسالة وهدية جلية، وطلب منه أن يعيد الخطبة بمكة حرسها الله تعالى، وقال: ~~إن أيمانك وعهودك كانت للقائم، وللسلطان ألب أرسلان، وقد ماتا، فخطب له ~~بمكة وقطع خطبة المقتدي، وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة ~~أشهر، ثم أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين [وأربعمائة] . # PageV08P254 # وفيها كانت الحرب شديدة بين بني رياح وزغبة ببلاد إفريقية، فقويت بنو ~~رياح على زغبة فهزموهم وأخرجوهم عن البلاد. # وفيها جمع نظام الملك، والسلطان ملكشاه، جماعة من أعيان المنجمين، وجعلوا ~~النيروز أول نقطة من الحمل، وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف ~~الحوت. وصار ما فعله السلطان مبدأ التقاويم. # وفيها أيضا عمل الرصد للسلطان ملكشاه، واجتمع جماعة من أعيان المنجمين في ~~عمله منهم: عمر بن إبراهيم الخيامي، وأبو المظفر الإسفزاري وميمون بن ~~النجيب الواسطي، وغيرهم، وخرج عليه من الأموال شيء عظيم، وبقي الرصد دائرا ~~إلى أن مات السلطان سنة ms3534 خمس وثمانين وأربعمائة، فبطل (بعد موته) . # PageV08P255 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمائة.] ### | 468 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمائة. # ذكر ملك أقسيس دمشق. # قد ذكرنا سنة ثلاث وستين [وأربعمائة] ملك أقسيس الرملة، والبيت المقدس، ~~وحصره مدينة دمشق، فلما عاد عنها جعل يقصد أعمالها كل سنة عند إدراك الغلات ~~فيأخذها، فيقوى هو وعسكره، ويضعف أهل دمشق وجندها، فلما كان رمضان سنة سبع ~~وستين سار إلى دمشق فحصرها. وأميرها المعلى بن حيدرة من قبل الخليفة ~~المستنصر، فلم يقدر عليها، فانصرف عنها في شوال، فهرب أميرها المعلى في ذي ~~الحجة. # وكان سبب هربه أنه أساء السيرة مع الجند والرعية وظلمهم، فكثر الدعاء ~~عليه، وثار به العسكر، وأعانهم العامة، فهرب منها إلى بانياس، ثم منها إلى ~~صور، ثم أخذ إلى مصر فحبس بها، فمات محبوسا. # فلما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة، وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودي، ~~المعروف برزين الدولة، وغلت الأسعار بها حتى أكل الناس بعضهم بعضا. # ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد، وعرف أقسيس ذلك، فعاد إلى دمشق، ~~فنزل عليها في شعبان من هذه السنة، فحصرها، فعدمت الأقوات، فبيعت الغرارة، ~~إذا وجدت، بأكثر من عشرين دينارا، فسلموها إليه بأمان، (وعوض انتصار عنها ~~بقلعة بانياس، ومدينة يافا من الساحل) ، ودخلها هو وعسكره في ذي القعدة، # PageV08P256 # وخطب بها يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة، للمقتدي بأمر الله الخليفة ~~العباسي، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين، وتغلب على أكثر الشام، ~~ومنع الأذان بحي على خير العمل، ففرح أهلها فرحا عظيما، وظلم أهلها، وأساء ~~السيرة فيهم. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج وأخذها من الروم. # وفيها قدم سعد الدولة كوهرائين شحنة إلى بغداذ من عسكر السلطان، ومعه ~~العميد أبو نصر ناظرا في أعمال بغداذ. # وفيها وثب الجند بالبطيحة على أميرها أبي نصر بن الهيثم، وخالفوا عليه، ~~فهرب منهم، وخرج من ملكه والذخائر والأموال التي جمعها في المدة الطويلة، ~~ولم يصحبه من ذلك جميعه شيء، وصار نزيلا ms3535 على كوهرائين شحنة العراق. # وفيها انفجر البثوق بالفلوجة، وانقطع الماء من النيل وغيره من تلك ~~الأعمال من بلاد دبيس بن مزيد، فجلا أهل البلاد، ووقع الوباء فيهم، ولم يزل ~~كذلك إلى أن سده عميد الدولة بن جهير سنة اثنتين وسبعين [وأربعمائة] . # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أبو علي الحسن بن القاسم بن محمد المقري، المعروف ~~بغلام الهراس الواسطي، بها، وكان محدثا علامة في كثير من العلوم. # PageV08P257 # وفي شعبان توفي القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن البيضاوي الفقيه ~~الشافعي، وكان يدرس الفقه بدرب السلولي بالكرخ، وهو زوج ابنة القاضي أبي ~~الطيب الطبري، وعبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود أبو ~~الحسن بن أبي طلحة الداودي. راوي " صحيح البخاري " ولد سنة أربع وسبعين ~~وثلاثمائة، وسمع الحديث وتفقه للشافعي على أبي بكر القفال، وأبي حامد ~~الإسفراييني، وصحب أبا علي الدقاق، وأبا عبد الرحمن السلمي، وكان عابدا ~~خيرا، فقصده نظام الملك، فجلس بين يديه، فوعظه، وكان في قوله: إن الله ~~تعالى سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم، فبكى. وكان موته ~~ببوشنج. # (وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن متويه الواحدي المفسر، ~~مصنف " الوسيط "، " والبسيط "، " والوجيز "، في التفسير، وهو نيسابوري، ~~إمام) مشهور، وأبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست، وزير القائم، توفي ~~بالأهواز، ومحمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس أبو بكر الصفار النيسابوري، ~~الفقيه الشافعي، تفقه على أبي محمد الجويني، وسمع من الحاكم أبي عبد الله ~~وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهما. # PageV08P258 # وفيها توفي مسعود بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق أبو جعفر البياضي ~~الشاعر، له شعر مطبوع، فمنه قوله: # يا من لبست لبعده ثوب الضنى ... حتى خفيت به عن العواد # وأنست بالسهر الطويل، فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي # إن كان يوسف بالجمال مقطع ال ... أيدي، فأنت مفتت الأكباد # PageV08P259 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمائة.] ### | 469 - # ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمائة. # ذكر حصر أقسيس مصر وعوده عنها. # في هذه السنة ms3536 سار أقسيس من دمشق إلى مصر، وحصرها، وضيق على أهلها، ولم ~~يبق غير أن يملكها، فاجتمع أهلها مع ابن الجوهري الواعظ في الجامع، وبكوا ~~وتضرعوا ودعوا، فقبل الله دعاءهم، فانهزم أقسيس من غير قتال، وعاد على أقبح ~~صورة بغير سبب، فوصل إلى دمشق وقد تفرق أصحابه، فرأى أهلها قد صانوا مخلفيه ~~وأمواله، فشكرهم، ورفع عنهم الخراج تلك السنة. # وأتى البيت المقدس، فرأى أهله قد قبحوا على أصحابه ومخلفيه، وحصروهم في ~~محراب داود، عليه السلام، فلما قارب البلد تحصن أهله منه وسبوه، فقاتلهم، ~~ففتح البلاد عنوة ونهبه، وقتل من أهله فأكثر حتى قتل من التجأ إلى المسجد ~~الأقصى، وكف عمن كان عند الصخرة وحدها. # هكذا يذكر الشاميون (هذا الاسم) أقسيس، والصحيح أنه أتسز، وهو اسم تركي، ~~وقد ذكر بعض مؤرخي الشام أن أتسز لما وصل إلى مصر جمع أمير الجيوش بدر ~~العساكر، واستمد العرب وغيرهم من أهل البلاد، فاجتمع معه خلق كثير، ~~واقتتلوا، فانهزم أتسز، وقتل أكثر أصحابه، وقتل أخ له، وقطعت يد أخ آخر، ~~وعاد # PageV08P260 # منهزما إلى الشام في نفر قليل من عسكره، فوصل إلى الرملة، ثم سار منها ~~إلى دمشق. # وحكى لي من أثق به عن جماعة من فضلاء مصر: أن أتسز لما وصل إلى مصر ونزل ~~بظاهر القاهرة أساء أصحابه السيرة في الناس، وظلموهم، وأخذوا أموالهم، ~~وفعلوا الأفاعيل القبيحة، فأرسل رؤساء القرى ومقدموها إلى الخليفة المستنصر ~~بالله العلوي يشكون إليه ما نزل بهم، فأعاد الجواب بأنه عاجز عن دفع هذا ~~العدو، فقالوا له: نحن نرسل إليك من عندنا من الرجال المقاتلة يكونون معك، ~~ومن ليس له سلاح تعطيه من عندك سلاحا، وعسكر هذا العدو قد أمنوا، وتفرقوا ~~في البلاد، فنثور بهم في ليلة واحدة ونقتلهم، وتخرج أنت إليه فيمن اجتمع ~~عندك من الرجال، فلا يكون له بك قوة. فأجابهم إلى ذلك. # وأرسلوا إليه الرجال، وثاروا كلهم في ليلة واحدة بمن عندهم، فأوقعوا بهم، ~~وقتلوهم عن آخرهم، ولم يسلم منهم إلا من كان عنده في عسكره، وخرج إليه ~~العسكر ms3537 الذي عند المستنصر بالقاهرة، فلم يقدر على الثبات لهم، فولى منهزما، ~~وعاد إلى الشام، وكفي أهل مصر شره وظلمه. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ورد بغداذ أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجا ~~وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس، وفي رباط شيخ الشيوخ وجرى له مع ~~الحنابلة فتن لأنه تكلم على مذهب الأشعري، ونصره، وكثر أتباعه والمتعصبون ~~له، وقصد خصومه من الحنابلة، ومن تبعهم، سوق المدرسة النظامية وقتلوا ~~جماعة. # PageV08P261 # وكان من المتعصبين الشيخ أبو إسحاق، وشيخ الشيوخ، وغيرهما من الأعيان، ~~وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة. # وفيها تزوج الأمير علي بن أبي منصور بن فرامرز بن علاء الدولة أبي جعفر ~~بن كاكويه أرسلان خاتون بنت داود عمة السلطان ملكشاه التي كانت زوجة القائم ~~بأمر الله. # وفيها كان بالجزيرة والعراق والشام وباء عظيم، وموت كثير حتى بقي كثير ~~[من] الغلات ليس لها من يعملها لكثرة الموت في الناس. # [الوفيات] # وفيها مات محمود بن مرداس، صاحب حلب، وملك بعده ابنه نصر، فمدحه ابن حيوس ~~بقصيدة يقول فيها: # ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شعر # ضميرك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر # وكان لمحمود بن نصر سجية ... وغالب ظني أن سيخلفها نصر # فقال: والله لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها له. وأمر له بما كان يعطيه ~~أبوه، وهو ألف دينار، في طبق فضة. # PageV08P262 # وكان على بابه جماعة من الشعراء، فقال بعضهم: # على بابك المعمور منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس # وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس # وما بيننا هذا التقارب كله # ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس # فقال لو قال: بمثل الذي أعطيته، لأعطيتهم ذلك، وأمر لهم بمثل نصفه. # وفيها توفي أسبهدوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي الشاعر، وكان قد ~~لقي ابن الحجاج، وابن نباتة وغيرهما وكان يتشيع، وتركه وقال في ذلك: # وإذا سئلت عن اعتقادي قلت # ما كانت عليه مذاهب الأبرار ... وأقول: خير الناس بعد محمد # صديقه وأنيسه في الغار ms3538 # وفيها توفي رئيس العراقين أبو أحمد النهاوندي الذي كان عميد بغداذ، ~~والشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الحنبلي، ورزق الله بن محمد بن أحمد ~~بن علي أبو سعد الأنباري الخطيب، الفقيه، الحنفي، سمع الحديث الكثير، وكان ~~ثقة حافظا، وطاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، المصري، توفي في رجب، # PageV08P263 # سقط من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر فمات لوقته، وعبد الله بن عمر بن ~~أحمد المعروف بابن هزارمرد، الصريفيني، راوية أحاديث علي بن الجعد، وهو آخر ~~من رواها وكان ثقة، صالحا، ومن طريقه سمعناها. # PageV08P264 ### | [ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة.] ### | 470 - # ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ولد مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداذ من العسكر. # وفيها اصطلح تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية. مع الناصر بن علناس، ~~وهو من بني حماد عم جده، وزوجه تميم ابنته بلارة، وسيرها إليه من المهدية ~~في عسكر، وأصحبها من الحلي والجهاز ما لا يحد وحمل الناصر ثلاثين ألف ~~دينار، فأخذ منها تميم دينارا واحدا ورد الباقي. # وفيها استعمل تميم ابنه مقلدا على مدينة طرابلس الغرب. # وكان ببغداذ، في هذه السنة فتنة بين أهل سوق المدرسة وسوق الثلاثاء بسبب ~~الاعتقاد، فنهب بعضهم بعضا، وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد بالدار ~~التي عند المدرسة، فأرسل إلى العميد والشحنة فحضرا ومعهما الجند فضربوا ~~الناس، فقتل بينهم جماعة وانفصلوا. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في ربيع الأول، توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن محمد ~~(بن محمد) بن البيضاوي الفقيه الشافعي، وكان القاضي أبو الطيب الطبري جده ~~لأمه. # PageV08P265 # وفيها توفي أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور أبو ~~الحسين البزاز في رجب، وكان مكثرا من الحديث، ثقة في الرواية، وأحمد بن عبد ~~الملك بن علي أبو صالح المؤذن النيسابوري، كان يعظ ويؤذن، وكان كثير ~~الرواية - حافظا، ومولده سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعبد الرحمن بن محمد ~~بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني أبو القاسم ms3539 بن أبي عبد الله ~~الحافظ، له تصانيف كثيرة، منها: تاريخ أصبهان، وله طائفة ينتمون إليه في ~~الاعتقاد من أهل أصبهان، يقال لهم العبد رحمانية. # وفي شوال منها توفيت ابنة نظام الملك، زوجة عميد الدولة بن جهير، نفساء ~~بولد مات من يومه، ودفن بدار الخلافة، ولم تجر بذلك عادة لأحد، فعل ذلك ~~إكراما لأبيها، وجلس الوزير فخر الدولة بن جهير، وابنه عميد الدولة زوجها، ~~للعزاء في دار باب العامة ثلاثة أيام. # PageV08P266 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.] ### | 471 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. # ذكر عزل ابن جهير من وزارة الخليفة. # في هذه السنة عزل فخر الدولة أبو نصر بن جهير من وزارة الخليفة المقتدي ~~بأمر الله، ووزر بعده أبو شجاع محمد بن الحسين. # وكان السبب في ذلك أن أبا نصر بن القشيري ورد إلى بغداذ، على ما تقدم ~~ذكره، وجرى له الفتن مع الحنابلة، لما ذكر مذهب الأشعرية، ونصره، وعاب من ~~سواهم، وفعلت الحنابلة ومن معهم ما ذكرناه، نسب أصحاب نظام الملك ما جرى ~~إلى الوزير فخر الدولة، وإلى الخدم، وكتب أبو الحسن محمد بن علي بن أبي ~~الصقر الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك: # يا نظام الملك قد حل ... ببغداذ النظام # وابنك القاطن فيها ... مستهان مستضام # وبها أودى له قت ... لى غلام، وغلام # والذي منهم تبقى ... سالما فيه سهام # يا قوام الدين لم يب ... ق ببغداذ مقام # عظم الخطب وللحر ... ب اتصال، ودوام # فمتى لم تحسم الدا ... ء أياديك الحسام # ويكف القوم في بغ ... داذ قتل، وانتقام # فعلى مدرسة في ... ها، ومن فيها السلام ### | 2 - # واعتصام بحريم ... لك من بعد حرام # PageV08P267 # فلما سمع نظام الملك ما جرى من الفتن، وقصد مدرسته، والقتل بجوارها، مع ~~أن ابنه مؤيد الملك فيها، عظم عليه، فأعاد كوهرائين إلى شحنكية العراق، ~~وحمله رسالة إلى الخليفة المقتدي بأمر الله تتضمن الشكوى من بني جهير، وسأل ~~عزل فخر الدولة من الوزارة، وأمر كوهرائين بأخذ أصحاب بني جهير، وإيصال ~~المكروه إليهم وإلى حواشيهم. # فسمع بنو جهير الخبر، ms3540 فسار عميد الدولة إلى المعسكر يريد نظام الملك ~~ليستعطفه، وتجنب الطريق، وسلك الجبال خوفا أن يلقاه كوهرائين ويناله فيها ~~أذى، فلما وصل كوهرائين إلى بغداذ اجتمع بالخليفة وأبلغه رسالة نظام الملك، ~~فأمر فخر الدولة بلزوم منزله. # ووصل عميد الدولة إلى المعسكر السلطاني، ولم يزل يستصلح نظام الملك حتى ~~عاد إلى ما ألفه منه، وزوجه بابنة بنت له، وعاد إلى بغداذ في العشرين من ~~جمادى الأولى، فلم يرد الخليفة أباه إلى وزارته، وأمرهما بملازمة منازلهما، ~~واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين. # ثم إن نظام الملك راسل الخليفة في إعادة بني جهير إلى الوزارة، وشفع في ~~ذلك، فأعيد عميد الدولة إلى الوزارة، وأذن لأبيه فخر الدولة في فتح بابه، ~~وكان ذلك في صفر سنة اثنتين وسبعين [وأربعمائة] . # ذكر استيلاء تتش على دمشق. # في هذه السنة ملك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان دمشق. # PageV08P268 # وسبب ذلك أن أخاه السلطان ملكشاه أقطعه الشام، وما يفتحه في تلك النواحي، ~~سنة سبعين وأربعمائة، فأتى حلب وحصرها، ولحق أهلها مجاعة شديدة، وكان معه ~~جمع كثير من التركمان، فأنفذ إليه أقسيس، صاحب دمشق، يستنجده، ويعرفه أن ~~عساكر مصر قد حصرته بدمشق. # وكان أمير الجيوش بدر قد سير عسكرا من مصر، ومقدمهم قائد يعرف بنصر ~~الدولة، فحصر دمشق، فأرسل أقسيس إلى تاج الدولة تتش يستنصره، فسار إلى نصرة ~~أقسيس، فلما سمع المصريون بقربه أجفلوا من بين يديه شبه المنهزمين، وخرج ~~أقسيس إليه يلتقيه عند سور البلد، فاغتاظ منه تتش حيث لم يبعد في تلقيه، ~~وعاتبه على ذلك، فاعتذر بأمور لم يقبلها تتش، فقبض عليه في الحال، وقتله من ~~ساعته، وملك البلد، وأحسن السيرة في أهله، وعدل فيهم. # قد ذكر ابن الهمذاني وغيره من العراقيين أن ملك تتش دمشق كان هذه السنة، ~~وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي في كتاب " تاريخ دمشق " أن ملكه ~~إياها كان سنة اثنتين وسبعين [وأربعمائة] . # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ولد الملك بركيارق ابن السلطان ملكشاه. # PageV08P269 # وفيها في المحرم، وصل سعد الدولة كوهرائين ms3541 إلى بغداذ، وضرب الطبل على باب ~~داره، أوقات الصلوات، وكان قد طلب ذلك من قبل، فلم يجب إليه لأنه لم تجر به ~~عادة. # [الوفيات] # وفيها توفي سيف الدولة أبو النجم بدر بن ورام الكردي، الجاواني، في شهر ~~ربيع الأول، ودفن بطسفونج. # وفي رجب توفي أبو علي بن البنا المقري الحنبلي، وله مصنفات كثيرة، وسليم ~~الجوري بناحية جور من دجيل، وكان زاهدا، يعمل، ويأكل من كسبه، ولم يكلف ~~أحدا حاجة، وأقام بطنزة من ديار بكر، وهي كثيرة الفواكه، فلم يأكل بها ~~فاكهة البتة. # PageV08P270 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.] ### | 472 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. # ذكر فتوح إبراهيم صاحب غزنة في بلاد الهند. # في هذه السنة غزا الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد ~~الهند، فحصر قلعة أجود، وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور، وهي قلعة ~~حصينة، في غاية الحصانة، كبيرة، تحوي عشرة آلاف رجل من المقاتلة، فقاتلوه، ~~وصبروا تحت الحصر، وزحف إليهم غير مرة، فرأوا من شدة حربه ما ملأ قلوبهم ~~خوفا ورعبا، فسلموا القلعة (إليه في الحادي والعشرين من صفر هذه السنة. # وكان في نواحي الهند قلعة) يقال لها قلعة روبال، على رأس جبل شاهق، ~~وتحتها غياض أشبة، وخلفها البحر، وليس عليها قتال إلا من مكان ضيق، وهو ~~مملوء بالفيلة المقاتلة، وبها من رجال الحرب ألوف كثيرة، فتابع عليهم ~~الوقائع، وألح عليهم بالقتال بجميع أنواع الحرب، وملك القلعة، واستنزلهم ~~منها. # وفي موضع يقال له دره نوره أقوام من أولاد الخراسانيين، الذين جعل ~~أجدادهم فيها أفراسياب التركي من قديم الزمان، ولم يتعرض إليهم أحد من ~~الملوك، فسار إليهم إبراهيم، ودعاهم إلى الإسلام أولا، فامتنعوا من إجابته، ~~وقاتلوه، فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، وتفرق من سلم في البلاد، وسبى واسترق ~~من النسوان والصبيان # PageV08P271 # مائة ألف. وفي هذه القلعة حوض للماء يكون قطره نحو نصف فرسخ لا يدرك ~~قعره، يشرب منه أهل القلعة وجميع ما عندهم من دابة، ولا يظهر فيه نقص. # وفي بلاد الهند موضع يقال له ms3542 وره، وهو بر بين خليجين، فقصده الملك ~~إبراهيم، فوصل إليه في جمادى الأولى، وفي طريقه عقبات كثيرة، وفيها أشجار ~~ملتفة، فأقام هناك ثلاثة أشهر ولقي الناس من الشتاء شدة، ولم يفارق الغزوة ~~حتى أنزل الله نصره على أوليائه، وذله على أعدائه، وعاد إلى غزنة سالما ~~مظفرا. # هذه الغزوات لم أعرف تاريخها، (وأما الأولى فكانت هذه السنة) ، فلهذا ~~أوردتها متتابعة في هذه السنة. # ذكر ملك شرف الدولة مسلم مدينة حلب. # في هذه السنة ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي، صاحب الموصل، مدينة ~~حلب. # (وسبب ذلك أن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان) حصرها مرة بعد أخرى، فاشتد ~~الحصار بأهلها، وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها. # ثم إن تتش حصرها هذه السنة، وأقام عليها أياما ورحل عنها وملك بزاغة ~~والبيرة، وأحرق ربض عزاز، وعاد إلى دمشق. # فلما رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه، فلما # PageV08P272 # قاربها امتنعوا من ذلك، وكان مقدمهم يعرف بابن الحتيتي العباسي، فاتفق أن ~~ولده خرج يتصيد بضيعة له، فأسره أحد التركمان وهو صاحب حصن بنواحي حلب، ~~وأرسله إلى شرف الدولة، فقرر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه، فأجاب إلى ~~ذلك، فأطلقه، فعاد إلى حلب، واجتمع بأبيه، وعرفه ما استقر، فأذعن إلى تسليم ~~البلد، ونادى بشعار شرف الدولة، وسلم البلد إليه، فدخله سنة ثلاث وسبعين ~~[وأربعمائة] ، وحصر القلعة، واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن ~~مرداس، فلما ملك البلد أرسل ولده، وهو ابن عمة السلطان، إلى السلطان يخبره ~~بملك البلد، وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل أن ~~يقرر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب، وأقطع ابن عمته مدينة بالس. # ذكر مسير ملكشاه إلى كرمان. # في أول هذه السنة سار السلطان ملكشاه إلى بلاد كرمان، فلما سمع صاحبها ~~سلطانشاه بن قاورت بك، وهو ابن عم السلطان، بوصوله إليها خرج إلى طريقه ~~ولقيه وحمل له الهدايا الكثيرة، وخدمه، وبالغ في الخدمة، فأقره السلطان على ~~البلاد، وأحسن إليه، وعاد عنه في المحرم سنة ms3543 ثلاث وسبعين [وأربعمائة] إلى ~~أصبهان. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ولد للخليفة المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ولد سماه ~~موسى، وكناه أبا جعفر، وزينت بغداذ سبعة أيام. # وفيها وصل السلطان ملكشاه إلى خوزستان متصيدا، فوصل معه خمارتكين # PageV08P273 # وكوهرائين [وكانا يسعيان] في قتل ابن علان اليهودي، ضامن البصرة، وكان ~~ملتجئا إلى نظام الملك، وكان بين نظام الملك وخمارتكين الشرابي وكوهرائين ~~عداوة، فسعيا باليهودي لذلك، فأمر السلطان بتغريقه فغرق، وانقطع نظام الملك ~~عن الركوب ثلاثة أيام، وأغلق بابه، ثم أشير عليه بالركوب فركب، وعمل ~~للسلطان دعوة عظيمة قدم فيها أشياء كثيرة، وعاتبه على فعله، فاعتذر إليه. # وكان أمر (اليهودي قد عظم) إلى حد أن زوجته توفيت، فمشى خلف جنازتها كل ~~من في البصرة، إلا القاضي، وكان له نعمة عظيمة، وأموال كثيرة، فأخذ السلطان ~~منه مائة ألف دينار، وضمن خمارتكين البصرة كل سنة بمائة ألف دينار ومائة ~~فرس. # وفيها زادت [مياه] الفرات تسع أذرع، فخربت بعض دواليب هيت، وخربت فوهة ~~نهر عيسى، وزادت تامرا نيفا وثلاثين ذراعا، وعلا على قنطرتي طراستان ~~وخانقين الكسرويتين فقطعهما. # [الوفيات] # وفيها، في ذي الحجة، توفي نصر بن مروان، صاحب ديار بكر، وملك بعده ابنه ~~منصور، ودبر دولته ابن الأنباري. # وفيها توفي أبو منصور محمد بن عبد العزيز العكبري، ومولده سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة، وهو من المحدثين المعروفين، وكان صدوقا. # ومحمد بن هبة الله بن الحسن بن منصور أبو بكر بن أبي القاسم الطبري # PageV08P274 # اللالكائي وولد سنة تسع وأربعمائة، وحدث عن هلال الحفار وغيره، وتوفي في ~~جمادى الأولى. # وفيها توفي أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر المشهور، وحدث عن ~~جده لأمه القاضي أبي نصر محمد بن هارون بن الجندي. # PageV08P275 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.] ### | 473 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. # ذكر استيلاء تكش على بعض خراسان وأخذها منه. # في هذه السنة، في شعبان، سار السلطان ملكشاه إلى الري، وعرض العسكر، ~~فأسقط منهم سبعة آلاف رجل لم يرض حالهم، فمضوا إلى أخيه تكش، وهو ببوشنج، ms3544 ~~فقوي بهم، وأظهر العصيان على أخيه ملكشاه، واستولى على مرو الروذ، ومرو ~~الشاهجان، وترمذ، وغيرها، وسار إلى نيسابور طامعا في ملك خراسان. # وقيل: إن نظام الملك قال للسلطان لما أمر بإسقاطهم: إن هؤلاء ليس فيهم ~~كاتب، ولا تاجر، ولا خياط، ولا من له صنعة غير الجندية، فإذا أسقطوا لا ~~نأمن أن يقيموا منهم رجلا ويقولوا هذا السلطان، فيكون لنا منهم شغل، ويخرج ~~عن أيدينا أضعاف ما لهم من الجاري إلى أن نظفر بهم. فلم يقبل السلطان قوله، ~~فلما مضوا إلى أخيه وأظهر العصيان ندم على مخالفة وزيره حيث لم ينفع الندم. # واتصل خبره بالسلطان ملكشاه، فسار مجدا إلى خراسان، فوصل إلى نيسابور قبل ~~أن يستولي تكش عليها، فلما سمع تكش بقربه منها سار عنها، وتحصن بترمذ، ~~وقصده السلطان، فحصره بها، وكان تكش قد أسر جماعة من أصحاب السلطان، ~~فأطلقهم، واستقر الصلح بينهما، ونزل تكش إلى أخيه السلطان ملكشاه، ونزل عن ~~ترمذ. # PageV08P276 # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة تسلم مؤيد الملك بن نظام الملك تكريت من صاحبها المهرباط. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو علي بن شبل الشاعر المشهور، ومن شعره في الزهد: # أهم بترك الذنب ثم يردني ... طموح شباب بالغرام موكل # فمن لي إذا أخرت ذا اليوم توبة ... بأن المنايا لي إلى الشيب تمهل # أأعجز ضعفا عن أدا حق خالقي # وأحمل وزرا فوق ما يتحمل # وفيها أيضا توفي العميد أبو منصور بالبصرة. # وفيها توفي عبد السلام بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو الفتح الصوفي من أهل ~~فارس، سافر الكثير، وسمع الحديث بالعراق، والشام، ومصر، وأصبهان وغيرها، ~~وكانت وفاته بفارس، ويوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن أبو الهيثم التفكري، ~~الزنجاني، ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وسمع من أبي نعيم الحافظ وغيره، ~~وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأدرك أبا الطيب الطبري، وكان من العلماء ~~العاملين، المشتغلين بالعبادة. # PageV08P277 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمائة.] ### | 474 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمائة. # ذكر خطبة الخليفة ابنة السلطان ملكشاه. # في هذه السنة أرسل الخليفة الوزير ms3545 فخر الدولة أبا نصر بن جهير إلى ~~السلطان يخطب ابنته لنفسه، فسار فخر الدولة إلى أصبهان، إلى السلطان يخطب ~~ابنته، فأمر نظام الملك أن يمضي معه إلى خاتون زوجة السلطان في المعنى، ~~فمضيا إليها فخاطباها، فقالت: إن ملك غزنة وملوك الخانية بما وراء النهر ~~طلبوها، وخطبوها لأولادهم، وبذلوا أربع مائة ألف دينار، فإن حمل الخليفة ~~هذا المال فهو أحق منهم، فعرفتها أرسلان خاتون التي كانت زوجة القائم بأمر ~~الله ما يحصل لها من الشرف والفخر بالاتصال بالخليفة، وأن هؤلاء كلهم عبيده ~~وخدمه، ومثل الخليفة لا يطلب منه المال، فأجابت إلى ذلك، وشرطت أن يكون ~~الحمل المعجل خمسين ألف دينار، وأنه لا يبقي له سرية ولا زوجة غيرها، ولا ~~يكون مبيته إلا عندها، فأجيبت إلى ذلك، فأعطى السلطان يده، وعاد فخر الدولة ~~إلى بغداذ. # ذكر وفاة نور الدولة بن مزيد وإمارة ولده منصور. # في هذه السنة، في شوال، توفي نور الدولة أبو الأغر دبيس بن علي بن مزيد ~~الأسدي بمطيراباذ، وكان عمره ثمانين سنة، وإمارته سبعا وخمسين سنة، وما زال ~~ممدحا في كل زمان مذكورا بالتفضل والإحسان، ورثاه الشعراء فأكثروا، وولي ~~بعده ما كان إليه ابنه أبو كامل منصور، ولقبه بهاء الدولة، فأحسن السيرة، ~~واعتمد الجميل، # PageV08P278 # وسار إلى السلطان ملكشاه في ذي القعدة، واستقر له الأمر، وعاد في صفر سنة ~~خمس وسبعين [وأربعمائة] ، وخلع الخليفة أيضا عليه. # ذكر محاصرة تميم بن المعز مدينة قابس. # في هذه السنة حصر الأمير تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، مدينة ~~قابس حصارا شديدا، وضيق على أهلها، وعاث عساكره في بساتينها المعروفة ~~بالغابة، فأفسدوها. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة سار تتش، بعد عود شرف الدولة عن دمشق، وقصد الساحل الشامي، ~~فافتتح أنطرطوس، وبعضا من الحصون، وعاد إلى دمشق. # وفيها ملك شرف الدولة، صاحب الموصل، مدينة حران، وأخذها من بني وثاب ~~النميريين، وصالحه صاحب الرها، ونقش السكة باسمه. # وفيها سد ظفر القائمي بثق نهر عيسى، وكان خرابا منذ ثلاث وعشرين سنة، وسد ~~مرارا، وتخرب إلى ms3546 أن سده ظفر. # وفيها أرسل السلطان إلى بغداذ ليخرج الوزير أبو شجاع الذي وزر للخليفة ~~بعد بني جهير، فأرسله الخليفة إلى نظام الملك، وسير معه رسولا، وكتب معه ~~إلى نظام # PageV08P279 # الملك كتابا بخطه، يأمره بالرضا عن أبي شجاع، فرضي عنه وأعاده إلى بغداذ. # [الوفيات] # وفيها مات ابن السلطان ملكشاه، واسمه داود، فجزع عليه جزعا شديدا، وحزن ~~حزنا عظيما، ومنع من أخذه وغسله، حتى تغيرت رائحته، وأراد قتل نفسه مرات، ~~فمنعه خواصه، ولما دفن لم يطق المقام، فخرج يتصيد، وأمر بالنياحة عليه في ~~البلد، ففعل ذلك في عدة أيام، وجلس له وزير الخليفة في العزاء ببغداذ. # وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن رضوان أبو القاسم، وهو من أعيان أهل ~~بغداذ وكان مرضه شقيقة، وبقي ثلاث سنين في بيت مظلم لا يقدر يسمع صوتا ولا ~~يبصر ضوءا. # وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو محمد بن أبي عثمان المحدث، وكان صالحا، ~~يقرئ القرآن بمسجده بنهر القلائين. # وتوفي علي بن أحمد بن علي أبو القاسم البسري البندار، ومولده سنة ست ~~وثمانين وثلاثمائة، سمع المخلص وغيره، وكان ثقة صالحا. # وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عقيل بن حبش القرشي النحوي. # PageV08P280 ### | [ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمائة.] ### | 475 - # ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمائة. # ذكر وفاة جمال الملك بن نظام الملك. # في هذه السنة، في رجب، توفي جمال الملك [أبو] منصور بن نظام الملك، وورد ~~الخبر بوفاته إلى بغداذ في شعبان، فجلس أخوه مؤيد الملك للعزاء، وحضر فخر ~~الدولة بن جهير، وابنه عميد الملك، معزيين، وأرسل الخليفة إليه في اليوم ~~الثالث فأقامه من العزاء. # وكان سبب موته أن مسخرة كان للسلطان ملكشاه يعرف بجعفرك يحاكي نظام ~~الملك، ويذكره في خلواته مع السلطان، فبلغ ذلك جمال الملك، وكان يتولى ~~مدينة بلخ وأعمالها، فسار من وقته يطوي المراحل إلى والده والسلطان، وهما ~~بأصبهان، فاستقبله أخواه، فخر الملك ومؤيد الملك، فأغلظ لهما القول في ~~إغضائهما على ما بلغه عن جعفرك، فلما وصل إلى حضرة السلطان رأى جعفرك ~~يساره، ms3547 فانتهره وقال: مثلك يقف هذا الموقف، وينبسط بحضرة السلطان في هذا ~~الجمع! فلما خرج من عند السلطان أمر بالقبض على جعفرك، وأمر بإخراج لسانه ~~من قفاه وقطعه فمات. # ثم سار مع السلطان وأبيه إلى خراسان، وأقاموا بنيسابور مدة، ثم أرادوا ~~العود إلى أصبهان وتقدمهم نظام الملك، فأحضر السلطان عميد خراسان، وقال له: ~~أيما أحب لك رأسك أم رأس جمال الملك؟ فقال: بل رأسي. فقال: لئن لم تعمل في # PageV08P281 # قتله لأقتلنك، فاجتمع بخادم يختص بخدمة جمال الملك، وقال له سرا: الأولى ~~أن تحفظوا نعمتكم، ومناصبكم، وتدبر في قتل جمال الملك، فإن السلطان يريد أن ~~يأخذه ويقتله، ولأن تقتلوه أنتم سرا أصلح لكم من أن يقتله السلطان ظاهرا. ~~فظن الخادم أن ذلك صحيح، فجعل له سما في كوز فقاع، فطلب جمال الملك فقاعا، ~~فأعطاه الخادم ذلك الكوز، فشربه فمات، فلما علم السلطان بموته سار مجدا، ~~حتى لحق نظام الملك، فأعلمه بموت ابنه، وعزاه، وقال: أنا ابنك، وأنت أولى ~~من صبر واحتسب. # ذكر الفتنة ببغداذ بين الشافعية والحنابلة. # ورد إلى بغداذ هذه السنة الشريف أبو القاسم البكري، المغربي، الواعظ، ~~وكان أشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك، فأحبه ومال إليه، وسيره إلى ~~بغداذ، وأجرى عليه الجراية الوافرة، فوعظ بالمدرسة النظامية، وكان يذكر ~~الحنابلة ويعيبهم، ويقول: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: ~~102] ، والله ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا. # ثم إنه قصد يوما دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني بنهر القلائين، ~~فجرى بينه وبين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة، ~~وكثر جمعه، فكبس دور بني الفراء، وأخذ كتبهم، وأخذ منها كتاب الصفات (لأبي ~~يعلى) فكان يقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ، فيشنع به عليهم، وجرى ~~له معهم خصومات وفتن، ولقب البكري من الديوان بعلم السنة، ومات ببغداذ، ~~ودفن عند قبر أبي الحسن الأشعري. # PageV08P282 # ذكر مسير الشيخ أبي إسحاق إلى السلطان في رسالة. # في هذه السنة، في ذي الحجة، أوصل الخليفة المقتدي بأمر الله الشيخ أبا ~~إسحاق ms3548 الشيرازي إلى حضرته، وحمله رسالة إلى السلطان ملكشاه، ونظام الملك، ~~تتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث، عميد العراق، وأمره أن ~~ينهي ما يجري على البلاد من النظار. فسار فكان كلما وصل إلى مدينة من بلاد ~~العجم يخرج أهلها بنسائهم وأولادهم يتمسحون بركابه، ويأخذون تراب بغلته ~~للبركة. # وكان في صحبته جماعة من أعيان بغداذ، منهم الإمام أبو بكر الشاشي وغيره. # ولما وصل إلى ساوة خرج جميع أهلها، وسأله فقهاؤها كل منهم أن يدخل بيته، ~~فلم يفعل، ولقيه أصحاب الصناعات، ومعهم ما ينثرونه على محفته، فخرج ~~الخبازون ينثرون الخبز، وهو ينهاهم، فلم ينتهوا، وكذلك أصحاب الفاكهة، ~~والحلواء، وغيرهم، وخرج إليه الأساكفة، وقد عملوا مداسات لطافا تصلح لأرجل ~~الأطفال، ونثروها، فكانت تسقط على رءوس الناس، فكان الشيخ يتعجب، ويذكر ذلك ~~لأصحابه بعد رجوعه، ويقول: ما كان حظكم من ذلك النثار؟ فقال له بعضهم: ما ~~كان حظ سيدنا منه، فقال: [أما] أنا فغطيت بالمحفة، وهو يضحك، فأكرمه ~~السلطان ونظام الملك، وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ~~مناظرة بحضرة نظام الملك، وأجيب إلى جميع ما التمسه، ولما عاد أهين العميد ~~(وكسر عما كان يعتمده) ، ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشي الخليفة. # ولما وصل الشيخ إلى بسطام خرج إليه السهلكي، شيخ الصوفية بها، وهو شيخ ~~كبير، فلما سمع الشيخ أبو إسحاق بوصوله خرج إليه ماشيا، فلما رآه السهلكي ~~ألقى # PageV08P283 # نفسه من دابة كان عليها، وقبل يد الشيخ أبي إسحاق، فقبل أبو إسحاق رجله، ~~وأقعده موضعه، وجلس أبو إسحاق بين يديه، وأظهر كل واحد منهما من تعظيم ~~صاحبه كثيرا، وأعطاه شيئا من حنطة ذكر أنها من عهد أبي يزيد البسطامي، ففرح ~~بها أبو إسحاق. # ذكر حصر شرف الدولة دمشق وعوده عنها. # في هذه السنة جمع تاج الدولة تتش جمعا كثيرا، وسار عن بغداذ، وقصد بلاد ~~الروم: (أنطاكية وما جاورها) ، فسمع شرف الدولة، صاحب حلب، الخبر، فخافه، ~~فجمع أيضا العرب من عقيل، والأكراد، وغيرهم، فاجتمع معه جمع كثير، فراسل ~~الخليفة بمصر يطلب ms3549 منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق، فوعده ذلك فسار إليها، ~~فلما سمع تتش الخبر عاد إلى دمشق، فوصلها أول المحرم سنة ست وسبعين ~~[وأربعمائة] ، ووصل شرف الدولة أواخر المحرم، وحصر المدينة وقاتله أهلها. # وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمشق وقاتلوه، وحملوا على عسكره حملة ~~صادقة، فانكشفوا وتضعضعوا، وانهزمت العرب، وثبت شرف الدولة، وأشرف على ~~الأسر وتراجع إليه أصحابه، فلما رأى شرف الدولة ذلك، ورأى أيضا أن مصر لم ~~يصل إليه منها عسكر، وأتاه عن بلاده (الخبر أن أهل حران عصوا عليه) رحل عن ~~دمشق إلى بلاده، وأظهر أنه يريد البلاد بفلسطين، فرحل أولا إلى مرج الصفر، ~~فارتاع أهل دمشق وتتش واضطربوا، ثم إنه رحل من مرج الصفر مشرقا في البرية # PageV08P284 # (وجد في مسيره) ، فهلك من المواشي الكثير مع عسكره، ومن الدواب شيء كثير، ~~وانقطع خلق كثير. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداذ من أصبهان، فخرج ~~عميد الدولة بن جهير إلى لقائه، ونزل بالمدرسة النظامية، وضرب على بابه ~~الطبول أوقات الصلوات الثلاث، فأعطي مالا جليلا حتى قطعه، وأرسل الطبول إلى ~~تكريت. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني، في ~~جمادى الآخرة، بأصبهان، وكان حافظا فاضلا، والأمير أبو نصر علي ابن الوزير ~~أبي القاسم هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا، مصنف كتاب " الإكمال "، ~~ومولده سنة عشرين وأربعمائة، وكان فاضلا حافظا، قتله مماليكه الأتراك ~~بكرمان، وأخذوا ماله. # PageV08P285 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمائة.] ### | 476 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمائة. # ذكر عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة ومسير والده فخر الدولة ~~إلى ديار بكر. # في هذه السنة، في صفر، عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة، ووصل ~~يوم عزل رسول من السلطان، ونظام الملك، إلى الخليفة يطلبان أن يرسل إليهما ~~بنو جهير، فأذن لهما في ذلك، وساروا بجميع أهلهم ونسائهم إلى السلطان، ~~فصادفوا منه، ومن نظام الملك الإكرام والاحترام، وعقد السلطان على ms3550 فخر ~~الدولة بن جهير ديار بكر، وخلع عليه، وأعطاه الكوسات، وسير معه العساكر، ~~وأمره أن يقصدها ويأخذها من بني مروان، وأن يخطب لنفسه، ويذكر اسمه على ~~السكة، فسار إليها. # ولما فارق بنو جهير بغداذ رتب في الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس ~~الرؤساء، وكان قبل ذلك على أبنية الدار وغيرها. # ذكر عصيان أهل حران على شرف الدولة وفتحها. # في هذه السنة عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ~~ابن جلبة، (وأرادوا هم) وابن عطير النميري تسليم البلد إلى # PageV08P286 # جبنق أمير التركمان، وكان شرف الدولة على دمشق، يحاصر تاج الدولة تتش ~~بها، فبلغه الخبر، فعاد إلى حران وصالح ابن ملاعب، صاحب حمص، وأعطاه سلمية ~~ورفنية، وبادر بالمسير إلى حران، فحصرها، ورماها بالمنجنيق، فخرب من سورها ~~بدنة، وفتح البلد في جمادى الأولى، وأخذ القاضي ومعه ابنان له، فصلبهم على ~~السور. # ذكر وزارة أبي شجاع محمد بن الحسين للخليفة. # في هذه السنة عزل الخليفة أبا الفتح ابن رئيس الرؤساء من النيابة في ~~الديوان، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين، وخلع عليه خلع الوزارة في ~~شعبان، ولقبه ظهير الدين، ومدحه الشعراء فأكثروا، فممن مدحه وهنأه أبو ~~المظفر محمد بن العباس الأبيوردي بالقصيدة المشهورة التي أولها: # ها إنها مقل الظباء العين ... فتكت بسر فؤادي المكنون # ومنها: # فانهل أسراب الدموع كأنها ... منح يتابعها ظهير الدين # ذكر قتل أبي المحاسن بن أبي الرضا. # في هذه السنة، (في شوال) ، قتل سيد الرؤساء أبو المحاسن بن كمال الملك ~~أبي الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قربا عظيما، وكان أبوه يكتب ~~الطغراء # PageV08P287 # فقال أبو المحاسن للسلطان: سلم إلي نظام الملك وأصحابه، وأنا أسلم إليك ~~منهم ألف ألف دينار، فإنهم يأكلون الأموال، ويقتطعون الأعمال، وعظم عنده ~~ذخائرهم. # فبلغ ذلك نظام الملك، فعمل سماطا عظيما، وأقام عليه مماليكه، وهم ألوف من ~~الأتراك، وأقام خيلهم وسلاحهم على حيالهم، فلما حضر السلطان قال له: إنني ~~قد خدمتك، وخدمت أباك وجدك، ولي حق خدمة، وقد بلغك أخذي لعشر أموالك، وصدق ms3551 ~~هذا، أنا آخذه وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، وأصرفه أيضا إلى ~~الصدقات، والصلات، والوقوف التي أعظم ذكرها وشكرها وأجرها لك، وأموالي ~~وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية. فأمر السلطان بالقبض ~~على أبي المحاسن وأن تسمل عيناه، وأنفذه إلى قلعة ساوة. # وسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بدار نظام الملك، فسلم، وبذل مائتي ~~ألف دينار وعزل عن الطغراء، ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك. # ذكر استيلاء مالك بن علوي على القيروان وأخذها منه. # في هذه السنة جمع مالك بن علوي الصخري العرب فأكثر، وسار إلى المهدية ~~فحصرها، فقام الأمير تميم بن المعز قياما تاما، ورحله عنها، ولم يظفر منها ~~بشيء، فسار مالك منها إلى القيروان فحصرها وملكها، فجرد إليه تميم العساكر ~~العظيمة، فحصروه بها، فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بتميم خرج عنها وتركها، ~~فاستولى عليها عسكر تميم وعادت إلى ملكه كما كانت. # PageV08P288 # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة عم الرخص جميع البلاد فبلغ كر الحنطة الجيدة ببغداذ عشرة ~~دنانير. # [الوفيات] # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكان مولده سنة ~~ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وأكثر الشعراء مراثيه، فمنهم أبو الحسن الخباز، ~~والبندنيجي، وغيرهما، وكان رحمة الله عليه، واحد عصره علما وزهدا وعبادة ~~وسخاء، وصلي عليه في جامع القصر، وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة النظامية ~~ثلاثة أيام، ولم يتخلف أحد عن العزاء. # وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداذ، فرتب في التدريس أبا سعد عبد ~~الرحمن بن المأمون المتولي، فلما بلغ ذلك نظام الملك أنكره، وقال: كان يجب ~~أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنة، وصلي عليه بباب الفردوس، وهذا لم ~~يفعل على غيره، وصلى عليه الخليفة المقتدي بأمر الله، وتقدم في الصلاة عليه ~~أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء، وهو ينوب في الوزارة، ثم صلي عليه بجامع ~~القصر، ودفن بباب أبرز. # PageV08P289 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمائة.] ### | 477 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمائة. # ذكر الحرب بين فخر الدولة بن جهير وابن ms3552 مروان وشرف الدولة. # قد تقدم ذكر مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر السلطانية إلى ديار بكر، ~~فلما كانت هذه السنة سير السلطان إليه أيضا جيشا فيهم الأمير أرتق بن أكسب، ~~وأمرهم بمساعدته. # وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة وسأله نصرته على أن يسلم إليه آمد، ~~وحلف كل واحد لصاحبه، وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب لما كان بينهما من ~~العداوة المستحكمة، واجتمعا على حرب فخر الدولة، وسارا إلى آمد، وقد نزل ~~فخر الدولة بنواحيها، فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح، وقال: ~~لا أوثر أن يحل بالعرب بلاء على يدي. فعرف التركمان ما عزم عليه، فركبوا ~~ليلا وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول، والتحم القتال واشتد، ~~فانهزمت العرب، ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة، ولا أرتق، وغنم ~~التركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة، وحمى نفسه حتى وصل إلى ~~فصيل آمد، وحصره فخر الدولة ومن معه. فلما رأى شرف الدولة أنه محصور خاف ~~على نفسه، فراسل الأمير أرتق، وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه بنفسه، ~~ويمكنه من الخروج من آمد، وكان هو على حفظ الطرق والحصار، فلما سمع أرتق ما ~~بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج، فخرج منها في الحادي والعشرين من ربيع ~~الأول، وقصد الرقة، وأرسل إلى أرتق بما كان # PageV08P290 # وعده به، وسار ابن جهير إلى ميافارقين ومعه من الأمراء بهاء الدولة منصور ~~بن مزيد، وابنه سيف الدولة صدقة، ففارقوه وعادوا إلى العراق، وسار فخر ~~الدولة إلى خلاط. # ولما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب، وغنموا أموالهم، وسبوا ~~حريمهم، بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال، وافتك أسرى بني ~~عقيل ونساءهم وأولادهم وجهزهم جميعهم وردهم إلى بلادهم، ففعل أمرا عظيما، ~~وأسدى مكرمة شريفة، ومدحه الشعراء في ذلك فأكثروا، فمنهم محمد بن خليفة ~~السنبسي يذكر ذلك في قصيدة: # كما أحرزت شكر بني عقيل ... بآمد يوم كظهم الحذار # غداة رمتهم الأتراك طرا ... بشهب في حوافلها ازورار # فما جبنوا، ولكن ms3553 فاض بحر ... عظيم لا تقاومه البحار # فحين تنازلوا تحت المنايا ... وفيهن الرزية والدمار # مننت عليهم، وفككت عنهم ... وفي أثناء حبلهم انتشار # ولولا أنت لم ينفك منهم ... أسير حين أعلقه الإسار. # في أبيات كثيرة، وذكرها أيضا البندنيجي فأحسن، ولولا خوف التطويل لذكرت ~~أبياته. # ذكر استيلاء عميد الدولة على الموصل. # لما بلغ السلطان أن شرف الدولة انهزم وحصر بآمد لم يشك في أسره فخلع على ~~عميد الدولة بن جهير، وسيره في جيش كثيف إلى الموصل، وكاتب أمراء التركمان ~~بطاعته، وسير معه من الأمراء آقسنقر، قسيم الدولة جد ملوكنا أصحاب الموصل، ~~وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حلب. # PageV08P291 # وكان الأمير أرتق قد قصد السلطان، فعاد صحبة عميد الدولة من الطريق فسار ~~عميد الدولة حتى وصل إلى الموصل، فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان ~~وترك عصيانه، ففتحوا له البلد وسلموه إليه، وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى ~~بلاد شرف الدولة ليملكها، فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش بخراسان، على ما ~~نذكره. # ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر، فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى ~~شرف الدولة، وهو مقابل الرحبة، فأعطاه العهود والمواثيق، وأحضره عند ~~السلطان، وهو بالبوازيج، فخلع عليه آخر رجب، وكانت أمواله قد ذهبت، فاقترض ~~ما خدم به، وحمل للسلطان خيلا رائقة، من جملتها فرسه بشار وهو فرسه المشهور ~~الذي نجا عليه من المعركة، ومن آمد أيضا، وكان سابقا لا يجارى، فأمر ~~السلطان بأن يسابق به الخيل، فجاء سابقا، فقام السلطان قائما لما تداخله من ~~العجب. # وأرسل الخليفة النقيب طرادا الزينبي في لقاء شرف الدولة، فلقيه بالموصل ~~فزاد أمر الدولة قوة، وصالحه السلطان، وأقره على بلاده، وعاد إلى خراسان ~~لحرب أخيه. # ذكر عصيان تكش على أخيه السلطان ملكشاه. # قد تقدم ذكره، وذكر مصالحته للسلطان، فلما كان الآن، ورأى بعد السلطان ~~عنه عاود العصيان، وكان أصحابه يؤثرون الاختلاط، فحسنوا له مفارقة طاعة ~~أخيه، فأجابهم، وسار معهم، فملك مرو الروذ وغيرها إلى قلعة تقارب سرخس، وهي # PageV08P292 # لمسعود ابن الأمير ياخز، وقد حصنها جهده، فحصروه بها، ms3554 ولم يبق غير أخذها ~~منه. # فاتفق أبو الفتوح الطوسي، صاحب نظام الملك، وهو بنيسابور، وعميد خراسان، ~~وهو أبو علي، على أن يكتب أبو الفتوح ملطفا إلى مسعود بن ياخز، وكان خط أبي ~~الفتوح أشبه شيء بخط نظام الملك، ويقول فيه: كتبت هذه الرقعة من الري يوم ~~كذا، ونحن سائرون من الغد نحوك، فاحفظ القلعة، ونحن نكبس العدو في ليلة ~~كذا. واستدعيا فيجا يثقون به، وأعطياه دنانير صالحة وقالا: سر نحو مسعود، ~~فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فأقم به ونم وأخف هذا الملطف في بعض حيطانه ~~فستأخذك طلائع تكش، فلا تعترف لهم حتى يضربوك، فإذا فعلوا ذلك وبالغوا ~~فأخرجه لهم، وقل إنك فارقت السلطان بالري، ولك منا الحباء والكرامة. # ففعل ذلك، وجرى الأمر على ما وصفا، وأحضر بين يدي تكش وضرب، وعرض على ~~القتل، فأظهر الملطف وسلمه إليهم، وأخبرهم أنه فارق السلطان ونظام الملك ~~بالري في العساكر، وهو سائر، فلما وقفوا على الملطف، وسمعوا كلام الرجل، ~~ساروا من وقتهم، وتركوا خيامهم ودوابهم، والقدور على النار، فلم يصبروا على ~~ما فيها، وعادوا إلى قلعة ونج. وكان هذا من الفرج العجيب. فنزل مسعود وأخذ ~~ما في المعسكر. وورد السلطان إلى خراسان بعد ثلاثة أشهر، ولولا هذا الفعل ~~لنهب تكش إلى باب الري. # ولما وصل السلطان قصد تكش وأخذه وكان قد حلف له بالأيمان أنه لا يؤذيه، ~~ولا يناله منه مكروه، فأفتاه بعض من حضر بأن يجعل الأمر إلى ولده أحمد، ~~ففعل ذلك، فأمر أحمد بكحله، فكحل وسجن. # PageV08P293 # ذكر فتح سليمان بن قتلمش أنطاكية. # في هذه السنة سار سليمان بن قتلمش صاحب قونية وأقصرا وأعمالها من بلاد ~~الروم، إلى الشام، فملك مدينة أنطاكية من أرض الشام، وكانت بيد الروم من ~~سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. # وسبب ملك سليمان أن صاحبها الفردوس الرومي كان قد سار عنها إلى بلاد ~~الروم ورتب بها شحنة، وكان الفردوس مسيئا إلى أهلها. وإلى جنده أيضا، حتى ~~إنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان بن قتلمش، ~~وكاتبوه ms3555 يستدعونه، فركب البحر في ثلاثمائة فارس وكثير من الرجالة وخرج منه، ~~وسار في جبال وعرة، ومضايق شديدة، حتى وصل إليها للموعد، فنصب السلاليم، ~~باتفاق من الشحنة ومن معه، وصعد السور، واجتمع بالشحنة وأخذ البلد في ~~شعبان، فقاتله أهل البلد، فهزمهم مرة بعد أخرى، وقتل كثيرا من أهلها، ثم ~~عفا عنهم وتسلم القلعة المعروفة بالقسيان، وأخذ من الأموال ما يجاوز ~~الإحصاء، وأحسن إلى الرعية، وعدل فيهم، وأمرهم بعمارة ما خرب، ومنع أصحابه ~~من النزول في دورهم ومخالطتهم. # ولما ملك سليمان أنطاكية أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بذلك، وينسب هذا ~~الفتح إليه لأنه من أهله، وممن يتولى طاعته، فأظهر ملكشاه البشارة به وهنأه ~~الناس، فممن قال فيه الأبيوردي من قصيدة مطلعها: # لمعت كناصية الحصان الأشقر ... نار بمعتلج الكثيب الأعفر # وفتحت أنطاكية الروم التي ... نشرت معاقلها على الإسكندر # وطئت مناكبها جيادك فانثنت ... تلقي أجنتها بنات الأصفر. # وهي طويلة. # PageV08P294 # ذكر قتل شرف الدولة وملك أخيه إبراهيم. # قد تقدم ذكر ملك سليمان بن قتلمش مدينة أنطاكية، فلما ملكها أرسل إليه ~~شرف الدولة مسلم بن قريش ; يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال، ~~ويخوفه معصية السلطان، فأجابه: # أما طاعة السلطان، فهي شعاري، ودثاري والخطبة له، والسكة في بلادي، وقد ~~كاتبته بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد، وأعمال الكفار. # وأما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي، فهو كان كافرا، وكان يحمل ~~جزية رأسه وأصحابه، وأنا بحمد الله مؤمن، ولا أحمل شيئا، فنهب شرف الدولة ~~بلد أنطاكية، فنهب سليمان أيضا بلد حلب، فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب ~~عسكره، فقال: # أنا كنت أشد كراهية لما يجري، ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت ولم تجر ~~عادتي بنهب مال مسلم، ولا أخذ ما حرمته الشريعة. وأمر أصحابه بإعادة ما ~~أخذوه منهم فأعاده. # ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتركمان وكان ممن معه جبق أمير ~~التركمان في أصحابه، وسار إلى أنطاكية ليحصرها. فلما سمع سليمان الخبر جمع ~~عساكره وسار إليه، فالتقيا في الرابع ms3556 والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين ~~وأربعمائة في طرف من أعمال أنطاكية، واقتتلوا، فمال تركمان جبق إلى سليمان، ~~فانهزمت العرب وتبعهم شرف الدولة منهزما، فقتل بعد أن صبر، وقتل بين يديه ~~أربعمائة غلام من أحداث حلب، وكان قتله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر ~~سنة ثمان وسبعين [وأربعمائة] وذكرته هاهنا لتتبع الحادثة بعضها بعضا. # وكان أحول، وكان قد ملك من السندية التي على نهر عيسى إلى منبج من # PageV08P295 # الشام، وما والاها من البلاد، وكان في يده ديار ربيعة ومضر من أرض ~~الجزيرة والموصل وحلب، وما كان لأبيه وعمه قرواش، وكان عادلا، حسن السيرة، ~~والأمن في بلاده عام، والرخص شامل، وكان يسوس بلاده سياسة عظيمة بحيث يسير ~~الراكب والراكبان فلا يخافان شيئا. وكان له في كل بلد وقرية عامل، وقاض، ~~وصاحب خبر، بحيث لا يتعدى أحد على أحد. # ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش، وهو محبوس، فأخرجوه وملكوه ~~أمرهم، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث إنه لم يمكنه المشي والحركة ~~لما أخرج، ولما قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب فحصرها مستهل ~~ربيع الأول سنة ثمان وسبعين [وأربعمائة] ، فأقام عليها إلى خامس ربيع الآخر ~~من السنة، فلم يبلغ منها غرضا، فرحل عنها. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، في صفر، انقض كوكب من المشرق إلى المغرب، كان حجمه كالقمر ~~وضوءه كضوئه، وسار مدى بعيدا على مهل وتؤدة في نحو ساعة، ولم يكن له شبيه ~~من الكواكب. # وفيها ولد السلطان سنجر بن ملكشاه في الخامس والعشرين من رجب، بمدينة ~~سنجار من أرض الجزيرة مقارب الموصل بينهما يومان، عند نزول السلطان بها، ~~وسماه أحمد، وإنما قيل له سنجر باسم المدينة التي ولد فيها، وأمه أم ولد. # PageV08P296 # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد ~~بن عبد الواحد بن الصباغ، الفقيه الشافعي، صاحب الشامل والكامل، وكفاية ~~المسائل وغيرها من التصانيف، بعد أن أضر عدة سنين، وكان مولده سنة ~~أربعمائة. # والقاضي ms3557 أبو عبد الله الحسن بن علي البغداذي المعروف بابن البقال، وهو من ~~شيوخ أصحاب الشافعي، وكان إليه القضاء بباب الأزج، وحج لما انقطع الحج على ~~سبيل التجريد. # وإسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم أبو القاسم الإسماعيلي، ~~الجرجاني، ومولده سنة أربع وأربعمائة، وكان إماما فقيها شافعيا، محدثا، ~~أديبا، وداره مجمع العلماء. # PageV08P297 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.] ### | 478 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. # ذكر استيلاء الفرنج على مدينة طليطلة. # في هذه السنة استولى الفرنج، لعنهم الله، على مدينة طليطلة من بلاد ~~الأندلس، وأخذوها من المسلمين، وهي من أكبر البلاد وأحصنها. # وسبب ذلك أن الأذفونش، ملك الفرنج بالأندلس، كان قد قوي شأنه، وعظم ملكه ~~وكثرت عساكره، مذ تفرقت بلاد الأندلس، وصار كل بلد بيد ملك، فصاروا مثل ~~ملوك الطوائف، فحينئذ طمع الفرنج فيهم، وأخذوا كثيرا من ثغورهم. # وكان قد خدم قبل ذلك صاحبها القادر بالله بن المأمون بن يحيى بن ذي ~~النون، وعرف من أين يؤتى البلد، وكيف الطريق إلى ملكه. # فلما كان الآن جمع الأذفونش عساكره وسار إلى مدينة طليطلة فحصرها سبع ~~سنين، وأخذها من القادر، فازداد قوة إلى قوته. # وكان المعتمد على الله أبو عبد الله محمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس من ~~المسلمين، وكان يملك أكثر البلاد مثل قرطبة وإشبيلية، وكان يؤدي إلى ~~الأذفونش ضريبة كل سنة. فلما ملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد ~~الضريبة على عادته، فردها عليه ولم يقبلها منه، فأرسل إليه يتهدده ويتوعده ~~أنه يسير إلى مدينة قرطبة ويتملكها إلا أن يسلم إليه جميع الحصون التي في ~~الجبل، ويبقي السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير كانوا خمسمائة فارس، ~~فأنزله محمد بن عباد، وفرق أصحابه على قواد عسكره، ثم أمر كل من عنده منهم ~~رجل أن يقتله، وأحضر الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة ~~نفر، فعادوا إلى الأذفونش # PageV08P298 # فأخبروه الخبر وكان متوجها إلى قرطبة ليحاصرها، فلما بلغه الخبر عاد إلى ~~طليطلة ليجمع آلات الحصار، ورحل المعتمد إلى إشبيلية. # ذكر ms3558 استيلاء ابن جهير على آمد. # في المحرم من هذه السنة ملك ابن جهير آمد. # وسبب ذلك أن فخر الدولة بن جهير كان قد أنفذ إليها ولده زعيم الرؤساء أبا ~~القاسم، ومعه جناح الدولة، المعروف بالمقدم السالار، وأرادوا قلع كرومها ~~وبساتينها، ولم يطمع مع ذلك في فتحها لحصانتها، فعم أهلها الجوع وتعذرت ~~الأقوات، وكادوا يهلكون وهم صابرون على الحصار، غير مكترثين له. # فاتفق أن بعض الجند نزل من السور لحاجة لهم، وتركوا أسلحتهم مكانها، فصعد ~~إلى ذلك المكان عدد من العامة تقدمهم رجل من السواد يعرف بأبي الحسن فلبس ~~السلاح، ووقف على ذلك المكان، ونادى بشعار السلطان وفعل من معه كفعله، ~~وطلبوا زعيم الرؤساء فأتاهم وملك البلد، واتفق أهل المدينة على نهب بيوت ~~النصارى لما كانوا يلقون من نواب بني مروان من الجور والحكم، وكان أكثرهم ~~نصارى، فانتقموا منهم. # ذكر ملكه أيضا ميافارقين. # وفي هذه السنة أيضا، في سادس جمادى الآخرة، ملك فخر الدولة ميافارقين، ~~وكان مقيما على حصارها، فوصل إليه سعد الدولة كوهرائين في عسكره نجدة له # PageV08P299 # فجد في القتال فسقط من سورها قطعة، فلما رأى أهلها ذلك نادوا بشعار ~~ملكشاه، وسلموا البلد إلى فخر الدولة وأخذ جميع ما استولى عليه من أموال ~~بني مروان وأنفذه إلى السلطان مع ابنه زعيم الرؤساء، فانحدر هو وكوهرائين ~~إلى بغداذ، وسار زعيم الرؤساء منها إلى أصبهان، فوصلها في شوال، وأوصل ما ~~معه إلى السلطان. # ذكر ملك جزيرة ابن عمر. # في هذه السنة أرسل فخر الدولة جيشا إلى جزيرة ابن عمر، وهي لبني مروان ~~أيضا، فحصروها، فثار أهل بيت من أهلها يقال لهم بنو وهبان، وهم من أعيان ~~أهلها، وقصدوا بابا للبلد صغيرا يقال له باب البويبة لا يسلكه إلا الرجالة ~~لأنه يصعد إليه من ظاهر البلد بدرج، فكسروه، وأدخلوا العسكر، فملكه، ~~وانقرضت دولة بني مروان، فسبحان من لا يزول ملكه. # وهؤلاء بنو وهبان، إلى يومنا هذا، كلما جاء إلى الجزيرة من يحصرها يخرجون ~~من البلد، ولم يبق منهم من له شوكة، ولا منزلة ms3559 يفعل بها شيئا، وإنما بتلك ~~الحركة يؤخذون إلى الآن. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، (في ربيع الأول) ، وصل أمير الجيوش في عساكر مصر إلى ~~الشام، فحصر دمشق، وبها صاحبها تاج الدولة تتش، فضيق عليه، وقاتله، فلم ~~يظفر منها بشيء، فرحل عنها عائدا إلى مصر. # PageV08P300 # وفيها كانت الفتنة بين أهل الكرخ وسائر المحال من بغداذ، وأحرقوا من نهر ~~الدجاج درب الآجر وما قاربه، وأرسل الوزير أبو شجاع جماعة من الجند، ونهاهم ~~عن سفك الدماء تحرجا من الإثم، فلم يمكنهم تلافي الخطب فعظم. # وفيها كانت زلزلة شديدة بخوزستان وفارس، وكان أشدها بأرجان، فسقطت الدور، ~~وهلك تحتها خلق كثير. # وفيها، في ربيع الأول، هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء، وكثر الرعد ~~والبرق، وسقط على الأرض رمل أحمر وتراب كثير، وكانت النيران تضطرم في أطراف ~~السماء، وكان أكثرها بالعراق وبلاد الموصل، فألقت النخيل والأشجار وسقط ~~معها صواعق في كثير من البلاد، حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت ثم انجلى ~~ذلك نصف الليل. # [الوفيات] # وفيها، في ربيع الآخر، توفي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد ~~الله بن يوسف الجويني، ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو الإمام المشهور ~~في الفقه والأصولين وغيرهما من العلوم، وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري ~~وغيره. # PageV08P301 # وفيها، في ذي الحجة، توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد ~~أبو علي المتكلم، كان أحد رؤساء المعتزلة وأئمتهم، ولزم بيته خمسين سنة لم ~~يقدر أن يخرج منه من عامة بغداذ، وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصري وعبد ~~الجبار الهمذاني القاضي، ومن جملة تلاميذه ابن برهان، وهو أكبر منه. # وفي هذه السنة توفي القاضي أبو الحسن هبة الله محمد بن السيبي، قاضي ~~الحريم، بنهر معلى، ومولده سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وكان يذاكر الإمام ~~المقتدي بأمر الله، وولي أبو الفرج عبد الوهاب بين يدي قاضي القضاة ابن ~~الدامغاني. # وفيها، في جمادى الأولى، توفي أبو العز بن صدقة، وزير شرف الدولة، ~~ببغداذ، وكان قد قبض عليه شرف الدولة وسجنه ms3560 بالرحبة، فهرب منها إلى بغداذ، ~~فمات بعد وصوله إلى مأمنه بأربعة أشهر، وكان كريما متواضعا لم تغيره ~~الولاية عن إخوانه. # وفيها، في رجب، توفي قاضي القضاة أبو عبد الله بن الدامغاني، ومولده سنة ~~ثمان وتسعين وثلاثمائة، ودخل بغداذ سنة تسع عشرة وأربعمائة، وكان قد صحب ~~القاضي أبا العلاء بن صاعد، وحضر ببغداذ مجلس أبي الحسين القدوري، ووليه ~~قضاء القضاة بعده القاضي أبو بكر بن المظفر بن بكران الشامي، وهو من أكبر ~~أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري. # وفيها توفي (عبد الرحمن بن مأمون بن علي) أبو سعد المتولي مدرس النظامية، ~~وهو من أصحاب القاضي حسين المروروذي وتمم كتاب " الإبانة ". # PageV08P302 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمائة.] ### | 479 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمائة. # ذكر قتل سليمان بن قتلمش. # لما قتل سليمان بن قتلمش شرف الدولة مسلم بن قريش على ما ذكرناه، أرسل ~~إلى ابن الحتيتي العباسي، مقدم أهل حلب، يطلب منه تسليمها إليه، فأنفذ ~~إليه، واستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه، وأرسل ابن الحتيتي إلى تتش، ~~صاحب دمشق، يعده أن يسلم إليه حلب، فسار تتش طالبا لحلب، فعلم سليمان بذلك، ~~فسار نحوه مجدا، فوصل إلى تتش وقت السحر على غير تعبئة، فلم يعلم به حتى ~~قرب منه، فعبأ أصحابه. # وكان الأمير أرتق بن أكسب مع تتش، وكان منصورا لم يشهد حربا إلا وكان ~~الظفر له، وقد ذكرنا فيما تقدم حضوره مع ابن جهير على آمد، وإطلاقه شرف ~~الدولة من آمد، فلما فعل ذلك خاف أن ينهي ابن جهير ذلك إلى السلطان، ففارق ~~خدمته، ولحق بتاج الدولة تتش، فأقطعه البيت المقدس، وحضر معه هذه الحرب، ~~فأبلى فيها بلاء حسنا، وحرض العرب على القتال، فانهزم أصحاب سليمان، وثبت ~~وهو في القلب، فلما رأى انهزام عساكره أخرج سكينا معه فقتل نفسه، وقيل بل ~~قتل في المعركة، واستولى تتش على عسكره. # وكان سليمان بن قتلمش، في السنة الماضية (في صفر) ، قد أنفذ جثة شرف # PageV08P303 # الدولة إلى حلب على بغل ملفوفة في إزار، وطلب من أهلها أن ms3561 يسلموها إليه. # وفي هذه السنة، في صفر، أرسل تتش جثة سليمان في إزار ليسلموها إليه، ~~فأجابه ابن الحتيتي أنه يكاتب السلطان، ومهما أمره فعل، فحصر تتش البلد، ~~وأقام عليه، وضيق على أهله. # وكان ابن الحتيتي قد سلم كل برج من أبراجها إلى رجل من أعيان البلد ~~ليحفظه، وسلم برجا فيها إلى إنسان يعرف بابن الرعوي. ثم إن ابن الحتيتي ~~أوحشه بكلام أغلظ له فيه، وكان هذا الرجل شديد القوة، ورأى ما الناس فيه من ~~الشدة، فدعاه إلى ذلك إلى أن أرسل إلى تتش يستدعيه، وواعده ليلة يرفع ~~الرجال إلى السور في الحبال، فأتى تتش للميعاد الذي ذكره، فأصعد الرجال في ~~الحبال والسلاليم، وملك تتش المدينة، واستجار ابن الحتيتي بالأمير أرتق ~~فشفع فيه، وأما القلعة فكان بها سالم بن مالك بن بدران، وهو ابن عم شرف ~~الدولة مسلم بن قريش، فأقام تتش يحصر القلعة سبعة عشر يوما، فبلغه الخبر ~~بوصول مقدمة أخيه السلطان ملكشاه، فرحل عنها. # ذكر ملك السلطان حلب وغيرها. # كان ابن الحتيتي قد كاتب السلطان ملكشاه يستدعيه ليسلم إليه حلب، لما خاف ~~تاج الدولة تتش، فسار إليه من أصبهان في جمادى الآخرة، وجعل على مقدمته ~~الأمير برسق، وبوزان، وغيرهما من الأمراء، وجعل طريقه على الموصل، فوصلها ~~في رجب، وسار منها، فلما وصل إلى حران سلمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها ~~السلطان لمحمد بن شرف الدولة، وسار إلى الرها، وهي بيد الروم، فحصرها ~~وملكها، وكانوا قد اشتروها من ابن عطير، وتقدم ذكر ذلك، وسار إلى قلعة ~~جعبر، فحصرها يوما # PageV08P304 # وليلة وملكها، وقتل من بها من بني قشير، وأخذ جعبر من صاحبها، وهو شيخ ~~أعمى، وولدين له، وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطرق ويلجئون إليها. # ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب، فملك في طريقه مدينة منبج، فلما قارب حلب ~~رحل عنها أخوه تتش، وكان قد ملك المدينة، كما ذكرناه، وسار عنها يسلك ~~البرية، ومعه الأمير أرتق، فأشار بكبس عسكر السلطان، وقال: إنهم قد وصلوا، ~~وبهم وبدوابهم من التعب ما ليس عندهم معه ms3562 امتناع، ولو فعل لظفر بهم. # فقال تتش: لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله، فإنه يعود بالوهن علي ~~أولا. # وسار إلى دمشق، ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة، وسلم إليه سالم ~~بن مالك القلعة على أن يعوضه عنها قلعة جعبر، وكان سالم قد امتنع بها أولا، ~~فأمر السلطان أن يرمى إليه رشقا واحدا بالسهام، فرمى الجيش، فكادت الشمس ~~تحتجب لكثرة السهام، فصانع عنها بقلعة جعبر وسلمها، وسلم السلطان إليه قلعة ~~جعبر، فبقيت بيده وبيد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكي، ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وأرسل إليه الأمير نصر بن علي بن منقذ الكناني، صاحب شيزر، فدخل في ~~طاعته، وسلم إليه اللاذقية، وكفرطاب، وأفامية، فأجابه إلى المسالمة، وترك ~~قصده، وأقر عليه شيزر. # ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آقسنقر، فعمرها، وأحسن ~~السيرة فيها. # PageV08P305 # وأما ابن الحتيتي فإنه كان واثقا بإحسان السلطان ونظام الملك إليه، لأنه ~~استدعاهما، فلما ملك السلطان البلد طلب أهله أن يعفيهم من ابن الحتيتي، ~~فأجابهم إلى ذلك، واستصحبه معه، وأرسله إلى ديار بكر، فافتقر، وتوفي بها ~~على حال شديدة من الفقر، وقتل ولده بأنطاكية، قتله الفرنج لما ملكوها. # ذكر وفاة بهاء الدولة منصور بن مزيد وولاية ابنه صدقة. # في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس ~~بن علي بن مزيد الأسدي، صاحب الحلة، والنيل، وغيرهما (مما يجاورها) ، ولما ~~سمع نظام الملك خبر وفاته قال: مات أجل صاحب عمامة، وكان فاضلا قرأ على علي ~~بن برهان، فبرع بذكائه في الذي استفاد منه وله شعر حسن، فمنه: # فإن أنا لم أحمل عظيما ولم أقد ... لهاما ولم أصبر على فعل معظم # ولم أجر الجاني، وأمنع حوزه ... غداة أنادي للفخار وأنتمي. # وله في صاحب له يكنى أبا مالك يرثيه: # فإن كان أودى خدننا، ونديمنا ... أبو مالك، فالنائبات تنوب # فكل ابن أنثى لا محالة ميت ... وفي كل حي للمنون نصيب # ولو رد حزن، أو بكاء لهالك ms3563 ... بكيناه ما هبت صبا وجنوب. # PageV08P306 # ولما توفي أرسل الخليفة إلى ولده سيف الدولة صدقة نقيب العلويين أبا ~~الغنائم يعزيه، وسار سيف الدولة إلى السلطان ملكشاه، فخلع عليه، وولاه ما ~~كان لأبيه، وأكثر الشعراء مراثي بهاء الدولة. # ذكر وقعة الزلاقة بالأندلس وهزيمة الفرنج. # قد تقدم ذكر ملك الفرنج طليطلة، وما فعله المعتمد بن عباد برسول ~~الأذفونش، ملك الفرنج، وعود المعتمد إلى إشبيلية. فلما عاد إليها، وسمع ~~مشايخ قرطبة بما جرى، ورأوا قوة الفرنج، وضعف المسلمين، واستعانة بعض ~~ملوكهم بالفرنج على بعض، اجتمعوا وقالوا: هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها ~~الفرنج، ولم يبق منها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت ~~نصرانية كما كانت. # وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم، فقالوا له: ألا تنظر إلى ما ~~فيه المسلمون من الصغار والذلة، وعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها، وقد ~~رأينا رأيا نعرضه عليك. قال: ما هو؟ قالوا: نكتب إلى غرب إفريقية ونبذل ~~لهم، فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا، وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل ~~الله. قال: نخاف، إذا وصلوا إلينا، يخربون بلادنا، كما فعلوا بإفريقية، ~~ويتركون الفرنج ويبدءون بكم، والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا. # قالوا له: فكاتب أمير المسلمين، وارغب إليه ليعبر إلينا، ويرسل بعض ~~قواده. # وقدم عليهم المعتمد بن عباد، وهم في ذلك، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما ~~كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد ~~أن يبرئ نفسه من تهمة، فألح عليه المعتمد، فسار إلى أمير المسلمين (يوسف بن ~~تاشفين) ، فأبلغه الرسالة، وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش. # وكان أمير المسلمين بمدينة سبتة، ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى ~~الأندلس، وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من عساكره، فأقبلت إليه تتلو بعضها ~~بعضا، فلما تكاملت عنده عبر البحر وسار، فاجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، ~~وكان قد جمع # PageV08P307 # عساكره أيضا، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير، وقصده المتطوعة من سائر بلاد ~~الأندلس. # ووصلت الأخبار إلى الأذفونش، فجمع فرسانه ms3564 وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير ~~المسلمين كتابا كتبه له بعض أدباء المسلمين، يغلظ له القول، ويصف ما عنده ~~من القوة والعدد والعدد، وبالغ الكاتب في الكتاب. فأمر أمير المسلمين أبا ~~بكر بن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتبا مفلقا، فكتب فأجاد، فلما قرأه على ~~أمير المسلمين قال: هذا كتاب طويل، أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره الذي ~~يكون سترا له. # فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك، وعلم أنه بلي برجل له عزم ~~وحزم، فازداد استعدادا، فرأى في منامه كأنه راكب فيل، وبين يديه طبل صغير، ~~وهو ينقر فيه، فقص رؤياه على القسيسين، فلم يعرفوا تأويلها فأحضر رجلا ~~مسلما، عالما بتعبير الرؤيا، فقصها عليه، فاستعفاه من تعبيرها، فلم يعفه، ~~فقال: تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز، وهو قوله تعالى: {ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] ، وقوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور - ~~فذلك يومئذ يوم عسير - على الكافرين غير يسير} [المدثر: 8 - 10] ، ويقتضي ~~هلاك هذا الجيش الذي تجمعه. # فلما اجتمع جيشه رأى كثرته فأعجبته، فأحضر ذلك المعبر، وقال له: بهذا ~~الجيش ألقى إله محمد، صاحب كتابكم، فانصرف المعبر، وقال لبعض المسلمين: هذا ~~الملك هالك وكل من معه، وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، " «ثلاث ~~مهلكات» " الحديث، وفيه: " «وإعجاب المرء بنفسه» ". # وسار أمير المسلمين، والمعتمد بن عباد، حتى أتوا أرضا يقال لها الزلاقة، ~~من بلد بطليوس، وأتى الأذفونش فنزل موضعا بينه وبينهم ثمانية عشر ميلا، ~~فقيل لأمير # PageV08P308 # المسلمين: إن ابن عباد ربما لم ينصح، ولا يبذل نفسه دونك. فأرسل إليه ~~أمير المسلمين يأمره أن يكون في المقدمة، ففعل ذلك، وسار، وقد ضرب الأذفونش ~~خيامه في لحف جبل، والمعتمد في سفح جبل آخر، يتراءون، وينزل أمير المسلمين ~~وراء الجبل الذي عنده المعتمد، وظن الأذفونش أن عساكر المسلمين ليس إلا ~~الذي يراه. # وكان الفرنج في خمسين ألفا، فتيقنوا الغلب، وأرسل الأذفونش إلى المعتمد ~~في ميقات القتال، وقصده الملك، فقال: غدا الجمعة، وبعده الأحد، فيكون ~~اللقاء يوم الاثنين، فقد وصلنا ms3565 على حال تعب، واستقر الأمر على هذا، وركب ~~ليلة الجمعة سحرا، وصبح بجيشه جيش المعتمد بكرة الجمعة، غدرا، وظنا منه أن ~~ذلك المخيم هو جميع عسكر المسلمين، فوقع القتال بينهم، فصبر المسلمون، ~~فأشرفوا على الهزيمة. # وكان المعتمد قد أرسل إلى أمير المسلمين يعلمه بمجيء الفرنج للحرب، فقال: ~~احملوني إلى خيام الفرنج، فسار إليها، فبينما هم في القتال وصل أمير ~~المسلمين إلى خيام الفرنج، فنهبها، وقتل من فيها، فلما رأى الفرنج ذلك لم ~~يتمالكوا أن انهزموا، وأخذهم السيف، وتبعهم المعتمد من خلفهم، ولقيهم أمير ~~المسلمين من بين أيديهم، ووضع فيهم السيف، فلم يفلت منهم أحد، ونجا ~~الأذفونش في نفر يسير، وجعل المسلمون من رءوس القتلى كوما كثيرة، فكانوا ~~يؤذنون عليها إلى أن جيفت فأحرقوها: # وكانت الوقعة يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وتسعين ~~[وأربعمائة] ، وأصاب المعتمد جراحات في وجهه، وظهرت ذلك اليوم شجاعته. ولم ~~يرجع من الفرنج إلى بلادهم غير ثلاثمائة فارس، وغنم المسلمون كل ما لهم من ~~مال وسلاح ودواب وغير ذلك. # وعاد ابن عباد إلى إشبيلية، ورجع أمير المسلمين إلى الجزيرة الخضراء، ~~وعبر إلى سبتة، وسار إلى مراكش، فأقام بها إلى العام المقبل، وعاد إلى ~~الأندلس، وحضر # PageV08P309 # معه المعتمد بن عباد في عسكره، وعبد الله بن بلكين الصنهاجي، صاحب ~~غرناطة، في عسكره، وساروا حتى نزلوا على ليط، وهو حصن منيع بيد الفرنج، ~~فحصروه حصرا شديدا فلم يقدروا على فتحه، فرحلوا عنه بعد مدة، ولم يخرج ~~إليهم أحد من الفرنج لما أصابهم في العام الماضي، فعاد ابن عباد إلى ~~إشبيلية، وعاد أمير المسلمين إلى غرناطة، وهي طريقه، ومعه عبد الله بن ~~بلكين، فغدر به أمير المسلمين، وأخذ غرناطة منه وأخرجه منها، فرأى في قصوره ~~من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك قبله بالأندلس، ومن جملة ما وجده سبحة ~~فيها أربعمائة جوهرة، قومت كل جوهرة بمائة دينار، ومن الجواهر ما له قيمة ~~جليلة، إلى غير ذلك من الثياب والعدد وغيرها، وأخذ معه عبد الله، وأخاه ~~تميما ابني ms3566 بلكين إلى مراكش، فكانت غرناطة أول ما ملكه من بلاد الأندلس. # وقد ذكرنا فيما تقدم سبب دخول صنهاجة إلى الأندلس، وعود من عاد منهم إلى ~~المعز بإفريقية، وكان آخر من بقي منهم بالأندلس عبد الله هذا، وأخذت ~~مدينته، ورحل إلى العدوة. # ولما رجع أمير المسلمين إلى مراكش أطاعه من كان لم يطعه من بلاد السوس، ~~وورغة، وقلعة مهدي، وقال له علماء الأندلس إنه ليست طاعته بواجبة حتى يخطب ~~للخليفة، ويأتيه تقليد منه بالبلاد، فأرسل إلى الخليفة المقتدي بأمر الله ~~ببغداذ، فأتاه الخلع، والأعلام، والتقليد، ولقب بأمير المسلمين، وناصر ~~الدين. # ذكر دخول السلطان إلى بغداذ. # في هذه السنة دخل السلطان ملكشاه بغداذ في ذي الحجة، بعد أن فتح حلب ~~وغيرها من بلاد الشام، والجزيرة، وهي أول قدمة قدمها، ونزل بدار المملكة، ~~وركب # PageV08P310 # من الغد إلى الحلبة، ولعب بالجوكان والكرة، وأرسل إلى الخليفة هدايا ~~كثيرة، فقبلها الخليفة، ومن الغد أرسل نظام الملك إلى الخليفة خدمة كثيرة، ~~فقبلها، وزار السلطان ونظام الملك مشهد موسى بن جعفر، وقبر معروف، وأحمد بن ~~حنبل وأبي حنيفة، وغيرها من القبور المعروفة، فقال ابن زكرويه الواسطي يهنئ ~~نظام الملك بقصيدة منها: # زرت المشاهد زورة مشهودة # أرضت مضاجع من بها مدفون ... فكأنك الغيث استهل بتربها # وكأنها بك روضة ومعين # فازت قداحك بالثواب وأنجحت ... ولك الإله على النجاح ضمين. # وهي مشهورة. # وطلب نظام الملك إلى دار الخلافة ليلا، فمضى في الزبزب، وعاد من ليلته، ~~ومضى السلطان ونظام الملك إلى الصيد في البرية، فزارا المشهدين: مشهد أمير ~~المؤمنين علي، ومشهد الحسين، عليه السلام، ودخل السلطان البر، فاصطاد شيئا ~~كثيرا من الغزلان وغيرها، وأمر ببناء منارة القرون بالسبيعي، وعاد السلطان ~~إلى بغداذ، ودخل إلى الخليفة، فخلع عليه الخلع السلطانية. # ولما خرج من عنده لم يزل نظام الملك قائما يقدم أميرا أميرا إلى الخليفة، ~~وكلما قدم أميرا يقول: هذا العبد فلان بن فلان، وأقطاعه كذا وكذا، وعدة ~~عسكره كذا وكذا، إلى أن أتى على آخر الأمراء، وفوض الخليفة إلى السلطان أمر ~~البلاد والعباد، ms3567 وأمره بالعدل فيهم، وطلب السلطان أن يقبل يد الخليفة، فلم ~~يجبه، فسأل أن يقبل خاتمه، فأعطاه إياه فقبله، ووضعه على عينه، وأمره ~~الخليفة بالعود فعاد. # وخلع الخليفة أيضا على نظام الملك، ودخل نظام الملك إلى المدرسة ~~النظامية، وجلس في خزانة الكتب، وطالع فيها كتبا، وسمع الناس عليه بالمدرسة ~~جزء # PageV08P311 # حديث، وأملى جزءا آخر. # وأقام السلطان ببغداذ إلى صفر سنة ثمانين [وأربعمائة] ، وسار منها إلى ~~أصبهان. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة، في المحرم، جرى بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة فتنة قتل ~~فيها جماعة، من جملتهم القاضي أبو الحسن ابن القاضي أبي الحسين بن الغريق ~~الهاشمي، الخطيب، أصابه سهم فمات منه، ولما قتل تولى ابنه الشريف أبو تمام ~~ما كان إليه من الخطابة، وكان العميد كمال الملك الدهستاني ببغداذ، فسار ~~بخيله ورجله إلى القنطرة العتيقة وأعان أهل الكرخ، ثم جرت بينهم فتنة ثانية ~~في شوال منها، فأعان الحجاج على أهل الكرخ فانهزموا، وبلغ الناس إلى درب ~~اللؤلؤ، وكاد أهل الكرخ يهلكون، فخرج أبو الحسن بن برغوث العلوي إلى مقدم ~~الأحداث من السنة، فسأله العفو، فعاد عنهم ورد الناس. # (وفيها زاد الماء بدجلة تاسع عشر حزيران، وجاء المطر يومين ببغداد) ~~وفيها، في ربيع الأول، أرسل العميد كمال الملك إلى الأنبار، فتسلمها من بني ~~عقيل، وخرجت من أيديهم. # وفيها، في ربيع الآخر، فرغت المنارة بجامع القصر وأذن فيها. # وفيها، في جمادى الأولى، ورد الشريف أبو القاسم علي بن أبي يعلى الحسني ~~الدبوسي إلى بغداذ في تجمل عظيم، لم ير مثله لفقيه، ورتب مدرسا بالنظامية ~~بعد أبي سعد المتولي. # PageV08P312 # فيها أمر السلطان أن يزاد في إقطاع وكلاء الخليفة نهر برزى من طريق ~~خراسان، وعشرة آلاف دينار من معاملة بغداذ. # وفيها أقطع السلطان ملكشاه محمد بن شرف الدولة مسلم مدينة الرحبة ~~وأعمالها، وحران، وسروج، والرقة، والخابور، وزوجه بأخته زليخا خاتون، فتسلم ~~البلاد جميعها ما عدا حران، فإن محمد بن الشاطر امتنع من تسليمها، فلما وصل ~~السلطان إلى الشام نزل عنها ابن الشاطر، فسلمها السلطان ms3568 إلى محمد. # وفيها وقع ببغداذ صاعقتان، فكسرت إحداهما أسطوانتين، وأحرقت قطنا في ~~صناديق، ولم تحترق الصناديق، وقتلت الثانية رجلا. # وفيها كانت زلازل بالعراق، والجزيرة، والشام، وكثير من البلاد، فخربت ~~كثيرا من البلاد، وفارق الناس مساكنهم إلى الصحراء، فلما سكنت عادوا. # وفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن ديار بكر، وسلمها السلطان إلى العميد ~~أبي علي البلخي، وجعله عاملا عليها. # وفيها أسقط اسم الخليفة المصري من الحرمين الشريفين، وذكر اسم الخليفة ~~المقتدي بأمر الله. # وفيها أسقط السلطان المكوس والاجتيازات بالعراق. # PageV08P313 # وفيها حصر تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، مدينتي قابس وسفاقس في ~~وقت واحد، وفرق عليهما العساكر. # [الوفيات] # وفيها، في ربيع الأول، توفي أبو الحسن بن فضال المجاشعي، النحوي، المقرئ. # وفي ربيع الآخر توفي شيخ الشيوخ أبو سعد الصوفي، النيسابوري، وهو الذي ~~تولى بناء الرباط بنهر المعلى، وبنى وقوفه، وهو رباط شيخ الشيوخ الآن، وبنى ~~وقوف المدرسة النظامية، وكان عالي الهمة، كثير التعصب لمن يلتجئ إليه، وجدد ~~تربة معروف الكرخي بعد أن احترقت، وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان، وكان ~~يقال: نحمد الله الذي أخرج رأس أبي سعد من مرقعة ولو أخرجه من قباء لهلكنا. # وفيها توفي أبو علي (علي) بن أحمد التستري البصري، وكان خيرا، حافظا ~~للقرآن، ذا مال كثير، وهو آخر من روى سنن أبي داود السجستاني عن أبي عمر ~~الهاشمي. # وفيها توفي الشريف أبو نصر الزينبي، العباسي، نقيب الهاشميين، وهو محدث ~~مشهور عالي الإسناد. # PageV08P314 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة.] ### | 480 - # ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة. # ذكر زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة. # في المحرم نقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة ~~وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث ~~عماريات، وعلى أربعة وسبعين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي، وأجراسها ~~وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من الذهب لا ~~يقدر ما فيها من الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرسا من ~~الخيل الرائقة، عليها مراكب الذهب مرصعة ms3569 بأنواع الجوهر، ومهد عظيم كثير ~~الذهب. # وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين، والأمير برسق، وغيرهما، ونثر ~~أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب، وكان السلطان قد خرج عن بغداذ ~~متصيدا، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون، زوجة السلطان، ~~وبين يديه نحو ثلاثمائة موكبية، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكان إلا ~~وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان وأكثر من ذلك. # وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسنا، وقال الوزير لتركان ~~خاتون: سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره. فأجابت ~~بالسمع والطاعة، وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان، وكل منهم ~~معه من الشمع والمشاعل # PageV08P315 # الكثير، وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في ~~جماعتها وتجملها، وبين أيديهن الشمع الموكبيات والمشاعل يحمل ذلك جميعه ~~الفرسان. # ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان، بعد الجميع، في محفة مجللة، عليها من ~~الذهب والجواهر أكثر شيء، وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك ~~بالمراكب العجيبة، وسارت إلى دار الخلافة، وكانت ليلة مشهودة لم ير ببغداذ ~~مثلها. # فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حكي أن فيه ~~أربعين ألفا منا من السكر، وخلع عليهم كلهم، وعلى كل من له ذكر في العسكر، ~~وأرسل الخلع إلى الخاتون زوجة السلطان، وإلى جميع الخواتين، وعاد السلطان ~~من الصيد بعد ذلك. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ولد للسلطان ابن من تركان خاتون، وسماه محمودا، وهو الذي ~~خطب له بالمملكة بعد. # وفيها سلم السلطان ملكشاه مدينة حلب والقلعة إلى مملوكه آقسنقر، فوليها، ~~وأظهر فيها العدل وحسن السيرة وكان زوج داية السلطان ملكشاه، وهي التي ~~تحضنه وتربيه، وماتت بحلب سنة أربع وثمانين [وأربعمائة] . # وفيها استبق ساعيان أحدهما للسلطان فضلي، والآخر للأمير قماج مرعوشي، ~~فسبق ساعي السلطان، وقد تقدم ذكر الفضلي والمرعوشي أيام معز الدولة بن ~~بويه. # PageV08P316 # وفيها جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع أحمد، ms3570 ولقبه ملك الملوك، عضد ~~الدولة، وتاج الملة، عدة أمير المؤمنين، وأرسل إلى الخليفة بعد مسيره من ~~بغداذ، ليخطب له ببغداذ بذلك، فخطب له في شعبان، ونثر الذهب على الخطباء. # وفيها، في شعبان، انحدر سعد الدولة كوهرائين إلى واسط لمحاربة مهذب ~~الدولة بن أبي الجبر، صاحب البطائح، ولما فارق بغداذ كثرت فيها الفتن. # وفيها، في ذي القعدة، ولد للخليفة من ابنة السلطان ولد سماه جعفرا، وكناه ~~أبا الفضل، وزين البلد لأجل ذلك. # وفيها استولى العميد (كمال الملك) أبو الفتح الدهستاني، عميد العراق، على ~~مدينة هيت، أخذها صلحا ومضى إليها، وعاد عنها في ذي القعدة. # وفيها وقعت فتنة بين الكرخ وغيرها من المحال، قتل فيها كثير من الناس. # وفيها كسفت الشمس كسوفا كليا. # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير أبو منصور قتلغ أمير الحاج، وحج أميرا اثنتي عشرة سنة، ~~وكانت له في العرب عدة وقعات، وكانوا يخافونه، ولما مات قال نظام الملك: ~~مات اليوم ألف رجل، وولي إمارة الحاج نجم الدولة خمارتكين. # وفيها، في جمادى الأولى، توفي إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن سعد أبو # PageV08P317 # القاسم الساوي، سمع الحديث الكثير من أبي سعيد الصيرفي وغيره، وروى عنه ~~الناس، وكان ثقة، وطاهر بن الحسين أبو الوفا البندنيجي، الهمذاني، كان ~~شاعرا، أديبا وكان يمدح لا لعرض الدنيا، ومدح نظام الملك بقصيدتين كل واحدة ~~منهما تزيد على أربعين بيتا، إحداهما ليس فيها نقطة، والأخرى جميع حروفها ~~منقوطة. # وفيها توفيت فاطمة بنت علي المؤدب، المعروفة ببنت الأقرع، الكاتبة، كانت ~~من أحسن الناس خطا على طريقة ابن البواب، وسمعت الحديث وأسمعته. # وفيها، في ذي القعدة، توفي غرس النعمة أبو الحسن محمد بن الصابي، صاحب ~~التاريخ، وظهر له مال كثير، وكان له معروف وصدقة. # PageV08P318 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.] ### | 481 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. # ذكر الفتنة ببغداذ. # في هذه السنة، في صفر، شرع أهل باب البصرة في بناء القنطرة الجديدة، ~~ونقلوا الآجر في أطباق الذهب والفضة وبين أيديهم الدبادب، واجتمع إليهم أهل ~~المحال، وكثر عندهم أهل ms3571 باب الأزج في خلق لا يحصى. # واتفق أن كوهرائين سار في سميرية، وأصحابه يسيرون على شاطئ دجلة بسيره، ~~فوقف أهل باب الأزج على امرأة كانت تسقي الناس من مزملة لها على دجلة، ~~فحملوا عليها، على عادة لهم، وجعلوا يكسرون الجرار، ويقولون: الماء للسبيل! ~~فلما رأت سعد الدولة كوهرائين استغاثت به، فأمر بإبعادهم عنها، فضربهم ~~الأتراك بالمقارع، فسل العامة سيوفهم وضربوا وجه فرس حاجبه سليمان، وهو أخص ~~أصحابه، فسقط عن الفرس، فحمل كوهرائين الحنق على أن خرج من السميرية إليهم ~~راجلا، فحمل أحدهم عليه، فطعنه بأسفل رمحه، فألقاه في الماء والطين، فحمل ~~أصحابه على العامة، فقاتلوهم، وحرصوا (على الظفر بالذي) طعنه، فلم يصلوا ~~إليه، (وأخذ ثمانية نفر) ، فقتل أحدهم، وقطع أعصاب ثلاثة نفر، وأرسل # PageV08P319 # قباءه إلى الديوان وفيه أثر الطعنة والطين يستنفر على أهل باب الأزج. ثم ~~إن أهل الكرخ عقدوا لأنفسهم طاقا آخر على باب طاق الحراني، وفعلوا كفعل أهل ~~باب البصرة. # ذكر إخراج الأتراك من حريم الخلافة. # في هذه السنة، في ربيع الآخر، أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع ~~الخاتون زوجته ابنة السلطان من حريم دار الخلافة. # وسبب ذلك أن تركيا منهم اشترى من طواف فاكهة، فتماسكا، فشتم الطواف ~~التركي، فأخذ التركي صنجة من الميزان وضرب بها رأس الطواف فشجه، فاجتمعت ~~العامة، وكاد يكون بينهم وبين الأتراك شر، واستغاثوا، وشنعوا، فأمر الخليفة ~~بإخراج الأتراك، فأخرجوا عن آخرهم، في ساعة واحدة على أقبح صورة، وقت ~~العشاء الآخرة. # ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها. # في هذه السنة فتح الروم مدينة زويلة من إفريقية، وهي بقرب المهدية. # وسبب ذلك أن الأمير تميم بن المعز بن باديس، صاحبها، أكثر غزو بلادهم في ~~البحر، فخربها، وشتت أهلها، فاجتمعوا من كل جهة، واتفقوا على إنشاء الشواني ~~لغزو المهدية، ودخل معهم البيشانيون، والجنويون، وهما من الفرنج، فأقاموا ~~يعمرون الأسطول أربع سنين، واجتمعوا بجزيرة قوصرة في أربع مائة قطعة، فكتب ~~أهل قوصرة كتابا على جناح طائر يذكرون وصولهم وعددهم وحكمهم على الجزيرة، ~~فأراد تميم أن يسير ms3572 عثمان بن سعيد المعروف بالمهر، مقدم الأسطول الذي له، # PageV08P320 # ليمنعهم من النزول، فمنعه من ذلك بعض قواده، واسمه عبد الله بن منكوت، ~~لعداوة بينه وبين المهر، فجاءت الروم، وأرسلوا، وطلعوا إلى البر، ونهبوا، ~~وخربوا وأحرقوا، ودخلوا زويلة ونهبوها، وكانت عساكر تميم غائبة في قتال ~~الخارجين عن طاعته. # ثم صالح تميم الروم على ثلاثين ألف دينار، ورد جميع ما حووه من السبي، ~~وكان تميم يبذل المال الكثير في الغرض الحقير، فكيف في الغرض الكبير، حكي ~~عنه أنه بذل للعرب لما استولوا على حصن له يسمى قناطة ليس بالعظيم اثني عشر ~~ألف دينار حتى هدمه، فقيل له: هذا سرف في المال؛ فقال: هو شرف في الحال. # ذكر وفاة الناصر بن علناس وولاية ولده المنصور # في هذه السنة مات الناصر بن علناس بن حماد، وولي بعده ابنه المنصور، ~~فاقتفى آثار أبيه في الحزم والعزم والرئاسة، ووصله كتب الملوك ورسلهم ~~بالتعزية بأبيه والتهنئة بالملك منهم: يوسف بن تاشفين، وتميم بن المعز، ~~وغيرهما. # ذكر وفاة إبراهيم ملك غزنة وملك ابنه مسعود # في هذه السنة توفي الملك المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، ~~صاحب غزنة، وكان عادلا، كريما، مجاهدا، وقد ذكرنا من فتوحه ما وصل إلينا، ~~وكان عاقلا، ذا رأي متين، فمن آرائه أن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان ~~السلجوقي جمع عساكره وسار يريد غزنة، ونزل بأسفرار، فكتب إبراهيم بن مسعود ~~كتابا إلى جماعة من أعيان أمراء ملكشاه يشكرهم، ويعتد لهم بما فعلوا من ~~تحسين قصد ملكشاه بلاده ليتم لنا ما استقر بيننا من الظفر به، وتخليصهم من ~~يده، ويعدهم الإحسان على ذلك، وأمر القاصد بالكتب أن يتعرض لملكشاه في ~~الصيد، ففعل ذلك، فأخذ، وأحضر عند السلطان، فسأله عن حاله، فأنكره، فأمر ~~السلطان بجلده، فجلد، # PageV08P321 # فدفع الكتب إليه بعد جهد ومشقة، فلما وقف ملكشاه عليها تحيل من أمرائه ~~وعاد، ولم يقل لأحد من أمرائه في هذا الأمر شيئا خوفا أن يستوحشوا منه. # وكان يكتب بخطه، كل سنة، مصحفا، ويبعثه مع الصدقات إلى مكة، وكان ms3573 يقول: ~~لو كنت موضع أبي مسعود بعد وفاة جدي محمود، لما انفصمت عرى مملكتنا، ولكني ~~الآن عاجز عن [أن] أسترد ما أخذوه، واستولى عليه ملوك قد اتسعت مملكتهم، ~~وعظمت عساكرهم. # ولما توفي ملك بعده ابنه مسعود، ولقبه جلال الدين، وكان قد زوجه أبوه ~~بابنة السلطان ملكشاه، وأخرج نظام الملك في هذا الإملاك والزفاف مائة ألف ~~دينار. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حج الوزير أبو شجاع، وزير الخليفة، واستناب ابنه ربيب ~~الدولة أبا منصور، ونقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي. # وفيها أسقط السلطان ما كان يؤخذ من الحجاج من الخفارة. # وفيها جمع آقسنقر، صاحب حلب، عسكره وسار إلى قلعة شيزر فحصرها، وصاحبها ~~ابن منقذ، وضيق عليها، ونهب ربضها، ثم صالحه صاحبها وعاد إلى حلب. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو بكر أحمد بن أبي حاتم عبد الصمد بن أبي الفضل الغورجي، # PageV08P322 # الهروي، والقاضي محمود بن محمد بن القاسم أبو عامر الأزدي، المهلبي، ~~راويا جامع الترمذي عن أبي محمد الجراحي، رواه عنهما أبو الفتح الكروخي. # وتوفي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد (أبو إسماعيل) ، الأنصاري، ~~الهروي، شيخ الإسلام، ومولده سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وكان شديد التعصب ~~في المذاهب. # ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الباقرحي، ومولده في شعبان، وهو من ~~أهل الحديث والرواية. # وفي المحرم توفيت ابنة الغالب بالله بن القادر ودفنت عند قبر أحمد، وكانت ~~ترجع إلى دين، ومعروف كثير، لم يبلغ أحد في فعل الخير ما بلغت. # وفي شعبان توفي عبد العزيز الصحراوي الزاهد. # وفيها توفي الملك أحمد ابن السلطان ملكشاه بمرو، وكان (ولي عهد أبيه في ~~السلطنة، وكان) عمره إحدى عشرة سنة، وجلس الناس ببغداذ للعزاء سبعة أيام في ~~دار الخلافة، ولم يركب أحد فرسا، وخرج النساء ينحن في الأسواق، واجتمع ~~الخلق الكثير في الكرخ للتفرج والمناحات، وسود أهل الكرخ أبواب عقودهم ~~إظهارا للحزن عليه. # PageV08P323 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة] ### | 482 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة # ذكر الفتنة ببغداذ بين العامة # في هذه السنة، في ms3574 صفر، كبس أهل باب البصرة الكرخ، فقتلوا رجلا، وجرحوا ~~آخر، فأغلق أهل الكرخ الأسواق، ورفعوا المصاحف، (وحملوا ثياب الرجلين وهي ~~بالدم) ، ومضوا إلى دار العميد كمال الملك أبي الفتح الدهستاني مستغيثين، ~~فأرسل إلى النقيب طراد بن محمد يطلب منه إحضار القاتلين، فقصد طراد دار ~~الأمير بوزان بقصر ابن المأمون، فطالبه بوزان بهم، (ووكل به) ، فأرسل ~~الخليفة إلى بوزان يعرفه حال النقيب طراد، ومحله، ومنزلته، فخلى سبيله ~~واعتذر إليه، فسكن العميد كمال الملك الفتنة وكف الناس بعضهم عن بعض، ثم ~~سار السلطان، فعاد الناس إلى ما كانوا فيه من الفتنة، ولم ينقض يوم إلا عن ~~قتلى وجرحى. # ذكر ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر # في هذه السنة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر. # وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد خان بن خضر خان، أخوه شمس # PageV08P324 # الملك الذي كان قبله، وهو ابن أخي تركان خاتون، زوجة السلطان ملكشاه، ~~وكان صبيا ظالما، قبيح السيرة، يكثر مصادرة الرعية، فنفروا منه وكتبوا إلى ~~السلطان سرا يستغيثون به، ويسألونه القدوم عليهم ليملك بلادهم، وحضر الفقيه ~~أبو طاهر بن علك الشافعي عند السلطان شاكيا، وكان يخاف من أحمد خان لكثرة ~~ماله، فأظهر السفر للتجارة والحج، فاجتمع بالسلطان، وشكا إليه، وأطمعه في ~~البلاد. فتحركت دواعي السلطان إلى ملكها، فسار من أصبهان. # وكان قد وصل إليه، وهو فيها، رسول ملك الروم، ومعه الخراج المقرر عليه، ~~فأخذه نظام الملك معهم إلى ما وراء النهر، وحضر فتح البلاد، فلما وصل إلى ~~كاشغر أذن له نظام الملك في العود إلى بلاده، وقال: أحب أن يذكر عنا في ~~التواريخ (أن ملك الروم) حمل الجزية وأوصلها إلى باب كاشغر لينهي إلى صاحبه ~~سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه، ولا يحدث نفسه بخلاف الطاعة. وهذا يدل على ~~همة عالية تعلو على العيوق. # ولما سار السلطان من أصبهان إلى خراسان جمع العساكر من البلاد جميعها، ~~فعبر النهر بجيوش لا يحصرها ديوان، ولا تدخل تحت الإحصاء، فلما قطع النهر ~~قصد بخارى، وأخذ ما على طريقه، ms3575 ثم سار إليها وملكها وما جاورها من البلاد، ~~وقصد سمرقند ونازلها، وكانت الملطفات قد قدمها إلى أهل البلد يعدهم النصر، ~~والخلاص مما هم فيه من الظلم، وحصر البلد، وضيق عليه وأعانه أهل البلد ~~بالإقامات، وفرق أحمد خان، صاحب سمرقند، أبراج السور على الأمراء ومن يثق ~~به من أهل البلد، وسلم برجا يقال له برج العيار إلى رجل علوي كان مختصا به، ~~فنصح في القتال. # فاتفق أن ولدا لهذا العلوي أخذ أسيرا ببخارى، فهدد الأب بقتله، فتراخى عن # PageV08P325 # القتال، فسهل الأمر على السلطان ملكشاه، ورمى من السور عدة ثلم ~~بالمنجنيقات، وأخذ ذلك البرج، فلما صعد عسكر السلطان إلى السور هرب أحمد ~~خان، واختفى في بيوت بعض العامة فغمز عليه وأخذ وحمل إلى السلطان، وفي ~~رقبته حبل، فأكرمه السلطان، وأطلقه وأرسله إلى أصبهان، ومعه من يحفظه، ورتب ~~بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم. # وسار السلطان قاصدا إلى كاشغر، فبلغ إلى يوزكند، وهو بلد يجري على بابه ~~نهر، وأرسل منها رسلا إلى ملك كاشغر يأمره بإقامة الخطبة، وضرب السكة ~~باسمه، ويتوعده إن خالف بالمسير إليه. ففعل ذلك وأطاع، وحضر عند السلطان، ~~فأكرمه وعظمه، وتابع الإنعام عليه، وأعاده إلى بلده. # ورجع السلطان إلى خراسان، فلما أبعد عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها ~~المعروفون بالجكلية مع العميد أبي طاهر، نائب السلطان عندهم، حتى كادوا ~~يثبون عليه، فاحتال حتى خرج من عندهم، ومضى إلى خوارزم. # ذكر عصيان سمرقند كان مقدم العسكر المعروف بالجكلية، واسمه عين الدولة، ~~قد خاف السلطان لهذا الحادث، فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر، ومملكته تعرف ~~بآب نباشي، وبيده قلعتها، واستحضره، فحضر عنده بسمرقند، واتفقا، ثم إن ~~يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه، فوضع عليه الرعية الذين كان أساء إليهم، ~~حتى ادعوا عليه دماء قوم كان قتلهم، وأخذ الفتاوى عليه فقتله، واتصلت ~~الأخبار بالسلطان ملكشاه بذلك، فعاد إلى سمرقند. # PageV08P326 # ذكر فتح سمرقند الفتح الثاني # لما اتصلت الأخبار بعصيان سمرقند بالسلطان ملكشاه، وقتل عين الدولة، مقدم ~~الجكلية، عاد إلى سمرقند، فلما وصل ms3576 إلى بخارى هرب يعقوب المستولي على ~~سمرقند، ومضى إلى فرغانة، ولحق بولايته. # ووصل جماعة من عسكره إلى السلطان مستأمنين، فلقوه بقرية تعرف بالطواويس، ~~ولما وصل السلطان إلى سمرقند ملكها، ورتب بها الأمير أبر، وسار في أثر ~~يعقوب حتى نزل بيوزكند، وأرسل العساكر إلى سائر الأكناف في طلبه. # وأرسل السلطان إلى ملك كاشغر، وهو أخو يعقوب، ليجد في أمره، ويرسله إليه، ~~فاتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه، ونهبوا خزائنه، واضطروه إلى أن هرب على ~~فرسه، ودخل إلى أخيه بكاشغر مستجيرا به. # فسمع السلطان بذلك، فأرسل إلى ملك كاشغر يتوعده، إن لم يرسله إليه، أن ~~يقصد بلاده، ويصير هو العدو، فخاف أن يمنع السلطان، وأنف أن يسلم أخاه بعد ~~أن استجار به وإن كانت بينهما عداوة قديمة، ومنافسة في الملك عظيمة، لما ~~يلزمه فيه العار، فأداه اجتهاده إلى أن قبض على أخيه يعقوب، وأظهر أنه كان ~~في طلبه فظفر به، وسيره مع ولده، وجماعة من أصحابه، وكلهم بيعقوب، وأرسل ~~معهم هدايا كثيرة للسلطان، وأمر ولده أنه إذا وصل إلى قلعة بقرب السلطان أن ~~يسمل يعقوب ويتركه، فإن رضي السلطان بذلك، وإلا سلمه إليه. # فلما وصلوا إلى قلعة عزم ابن ملك كاشغر أن يسمل عمه، وينفذ فيه ما أمره ~~به أبوه، فتقدم بكتفه وإلقائه على الأرض، ففعلوا به ذلك، فبينما هم على تلك ~~الحال، وقد أحموا الميل ليسملوه، إذ سمعوا ضجة عظيمة، فتركوه، وتشاوروا ~~بينهم، وظهر عليهم انكسار، ثم أرادوا (بعد ذلك) سمله، ومنع منه بعض، فقال ~~لهم يعقوب: أخبروني عن حالكم، وما يفوتكم الذي تريدونه مني، وإذا فعلتم بي ~~شيئا ربما ندمتم عليه. # PageV08P327 # فقيل له: إن طغرل بن ينال أسرى من ثمانين فرسخا في عشرات ألوف من ~~العساكر، وكبس أخاك بكاشغر، فأخذه أسيرا، ونهب عسكره، وعاد إلى بلاده، فقال ~~لهم: هذا الذي تريدون تفعلونه بي ليس مما تتقربون به إلى الله تعالى، وإنما ~~تفعلونه اتباعا لأمر أخي، وقد زال أمره، ووعدهم الإحسان فأطلقوه. # فلما رأى السلطان ذلك ورأى طمع طغرل بن ينال، ms3577 ومسيره إلى كاشغر، وقبض ~~صاحبها، وملكه لها مع قربه منه، خاف أن ينحل بعض أمره وتزول هيبته، وعلم ~~أنه متى قصد طغرل سار من يديه، فإن عاد عنه رجع إلى بلاده، وكذلك يعقوب ~~(أخو صاحب كاشغر) ، وأنه لا يمكنه المقام لسعة البلاد وراءه وخوف الموت ~~بها، فوضع تاج الملك على أن يسعى في إصلاح أمر يعقوب معه، ففعل ما أمره به ~~السلطان، فاتفق هو ويعقوب، وعاد إلى خراسان، وجعل يعقوب مقابل طغرل يمنعه ~~من القوة، وملك البلاد، وكل منهما يقوم في وجه الآخر. # ذكر عود ابنة السلطان زوجة الخليفة إلى أبيها # وفي هذه السنة أرسل السلطان إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بد منه. # وسبب ذلك أنها أرسلت تشكو من الخليفة، وتذكر أنه كثير الاطراح لها، ~~والإعراض عنها، فأذن لها في المسير، فسارت في ربيع الأول، وسار معها ابنها ~~(من الخليفة) أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله، ومعهما سائر أرباب ~~الدولة، ومشى مع محفتها سعد الدولة كوهرائين، وخدم دار الخلافة الأكابر، ~~وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد. # وسارت الخاتون إلى أصبهان، فأقامت بها إلى ذي القعدة، وتوفيت، وجلس # PageV08P328 # الوزير ببغداذ للعزاء سبعة أيام، وأكثر الشعراء مراثيها ببغداذ، وبعسكر ~~السلطان. # ذكر فتح عسكر مصر عكا وغيرها من الشام # في هذه السنة خرجت عساكر مصر إلى الشام في جماعة من المقدمين، فحصروا ~~مدينة صور، وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، وامتنع ~~عليهم، ثم توفي، ووليها أولاده، فحصرهم العسكر المصري فلم يكن لهم من القوة ~~ما يمتنعون بها، فسلموها إليهم. # ثم سار العسكر عنها إلى مدينة صيدا، ففعلوا بها كذلك. # ثم ساروا إلى مدينة عكا، فحصروها، وضيقوا على أهلها، فافتتحوها. # PageV08P329 # وقصدوا مدينة جبيل، فملكوها أيضا. وأصلحوا أحوال هذه البلاد، وقرروا ~~قواعدها، وساروا عنها إلى مصر عائدين، واستعمل أمير الجيوش على البلاد ~~الأمراء والعمال. # ذكر الفتنة بين أهل بغداذ ثانية # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، كثرت الفتن ببغداذ بين أهل الكرخ وغيرها ~~من المحال، وقتل بينهم عدد كثير، ms3578 واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة من نهر ~~الدجاج، فنهبوها، وأحرقوها، فنزل شحنة بغداذ، وهو خمارتكين النائب عن ~~كوهرائين، على دجلة في خيله ورجله، ليكف الناس عن الفتنة، فلم ينتهوا، وكان ~~أهل الكرخ يجرون عليه وعلى أصحابه الجرايات والإقامات. # وفي بعض الأيام وصل أهل البصرة إلى سويقة غالب فخرج من أهل الكرخ من لم ~~تجر عادته بالقتال، فقاتلوهم حتى كشفوهم. فركب خدم الخليفة والحجاب ~~والنقباء وغيرهم من أعيان الحنابلة، كابن عقيل، والكلوذاني، وغيرهما، إلى ~~الشحنة، وساروا معه إلى أهل الكرخ، فقرأ عليهم مثالا من الخليفة يأمرهم ~~بالكف، ومعاودة السكون، وحضور الجماعة والجمعة، والتدين بمذهب أهل السنة، ~~فأجابوا إلى الطاعة. # فبينما هم كذلك أتاهم الصارخ من نهر الدجاج بأن السنة قد قصدوهم، والقتال ~~عندهم، فمضوا مع الشحنة، ومنعوا من الفتنة، وسكن الناس وكتب أهل الكرخ على ~~أبواب مساجدهم: خير الناس بعد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أبو بكر ~~ثم عثمان ثم علي، ومن عند هذا اليوم ثار أهل الكرخ، وقصدوا شارع ابن أبي ~~عوف ونهبوه. وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بن خيرون المعدل، فقصد ~~الديوان مستنفرا، ومعه # PageV08P330 # الناس، ورفع العامة الصلبان وهجموا على الوزير في هجرته، وأكثروا من ~~الكلام الشنيع، وقتل ذلك اليوم رجل هاشمي من أهل باب الأزج بسهم أصابه، ~~فثار العامة هناك بعلوي كان مقيما بينهم. فقتلوه وحرقوه، وجرى من النهب، ~~والقتل، والفساد أمور عظيمة، فأرسل الخليفة إلى الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل ~~عسكرا إلى بغداذ، فطلبوا المفسدين والعيارين، فهربوا منهم، فهدمت دورهم، ~~وقتل منهم ونفي وسكنت الفتنة، وأمن الناس. # ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا غريبا # كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي، سيد قبيلة كزولة ومالك ~~جبلها، وهو جبل شامخ، وهي قبيلة كثيرة، وبينه وبين أمير المسلمين يوسف بن ~~تاشفين مودة واجتماع، فلما كان هذه السنة أرسل يوسف إلى محمد بن إبراهيم ~~يطلب الاجتماع به، فركب إليه محمد، فلما قاربه خافه على نفسه، فعاد إلى ~~جبله، واحتاط لنفسه، فكتب إليه يوسف، وحلف له ms3579 أنه ما أراد به إلا الخير، ~~ولم يحدث نفسه بغدر، فلم يركن محمد إليه. # فدعا يوسف حجاما، وأعطاه مائة دينار، وضمن له مائة دينار أخرى، إن هو سار ~~إلى محمد بن إبراهيم واحتال على قتله. # فسار الحجام، ومعه مشاريط مسمومة، فصعد الجبل، فلما كان الغد خرج ينادي ~~لصناعته بالقرب من مساكن محمد، فسمع محمد الصوت، فقال: هذا الحجام من ~~بلدنا؟ فقيل: إنه غريب، فقال أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت بذلك، ائتوني به. ~~فأحضر عنده، فاستدعى حجاما آخر وأمره # PageV08P331 # أن يحجمه بمشاريطه التي معه، فامتنع الحجام الغريب، فأمسك وحجم فمات، ~~وتعجب الناس من فطنته. # فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظه ولج في السعي في أذى يوصله إليه، فاستمال ~~قوما من أصحاب محمد، فمالوا إليه، فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم، فحضروا ~~عند محمد وقالوا: قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل أحسن ما يكون، وأردنا ~~إتحافك به، وأحضروها بين يديه، فلما رآه أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك الذين ~~أهدوا إليه العسل أن يأكلوا منه، فامتنعوا. # واستعفوه من أكله، فلم يقبل منهم، وقال: من لم يأكل قتل بالسيف، فأكلوا ~~فماتوا عن آخرهم. # فكتب إلى يوسف بن تاشفين: إنك قد أردت قتلي بكل وجه، فلم يظفرك الله ~~بذلك، فكف عن شرك، فقد أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطني غير هذا الجبل، ~~وهو في بلادك كالشامة البيضاء في الثور الأسود، فلم تقنع بما أعطاك الله، - ~~عز وجل -. # فلما رأى يوسف أن سره قد انكشف وأنه لا يمكنه في أمره شيء لحصانة جبله ~~أعرض عنه وتركه. # ذكر ملك العرب مدينة سوسة وأخذها منهم # في هذه السنة نقض ابن علوي ما بينه وبين تميم بن المعز بن باديس أمير ~~إفريقية من العهد، وسار في جمع من عشيرته العرب، فوصل إلى مدينة سوسة من ~~بلاد إفريقية، وأهلها غارون لم يعلموا به، فدخلها عنوة، وجرى بينه وبين من ~~بها من العسكر والعامة قتال، فقتل من الطائفتين جماعة وكثر القتل في أصحابه ~~والأسر، وعلم أنه لا يتم له ms3580 مع تميم حال، ففارقها، وخرج منها إلى حلته من ~~الصحراء. # وكان بإفريقية هذه السنة غلاء شديد، وبقي كذلك إلى سنة أربع وثمانين ~~[وأربعمائة] ، وصلحت أحوال أهلها، وأخصبت البلاد، ورخصت الأسعار وأكثر ~~أهلها الزرع. # PageV08P332 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قطعت الحرامية الطريق على قفل كبير بولاية حلب، فركب آقسنقر ~~في جماعة من عسكره وتبعهم، ولم يزل حتى أخذهم وقتلهم، فأمنت الطرق بولايته. # وفيها ورد العميد الأغر أبو المحاسن عبد الجليل بن علي الدهستاني إلى ~~بغداذ عميدا، وعزل أخوه كمال الملك على ما ذكرناه. # وفيها درس الإمام أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها تاج الملك مستوفي ~~السلطان بباب إبرز من بغداذ، وهي المدرسة التاجية المشهورة. # وفيها عمرت منارة جامع حلب. # [الوفيات] # وفيها توفي الخطيب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي ~~الحديد السلمي، خطيب دمشق، في ذي الحجة. # وفيها توفي أحمد بن صاعد بن محمد أبو نصر النيسابوري رئيسها، ومولده سنة ~~عشر وأربعمائة، وكان من العلماء، # PageV08P333 # وعاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم العاصمي البغداذي من أهل الكرخ، ~~كان ظريفا كيسا، له شعر حسن، فمنه: # ماذا على متلون الأخلاق لو زارني فأبثه أشواقي وأبوح بالشكوى إليه تذللا، ~~وأفض ختم الدمع من آماقي فعساه يسمح بالوصال لمدنف ذي لوعة وصبابة مشتاق ~~أسر الفؤاد ولم يرق لموثق ما ضره لو جاد بالإطلاق إن كان قد لسبت عقارب ~~صدغه قلبي فإن رضابه درياقي # وقال أيضا: # فديت من ذبت شوقا من محبته # وصرت من هجره فوق الفراش لقا ... سمعته يتغنى وهو مصطبح # أفديه مصطبحا منه ومغتبقا ... وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت # وأصبح الحبل منها واهيا خلقا # والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي الشريف أبو القاسم العلوي، الدبوسي، المدرس ~~بالنظامية ببغداذ، وكان فاضلا فصيحا. # PageV08P334 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة] ### | 483 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة # ذكر وفاة فخر الدولة أبي نصر بن جهير # في هذه السنة، في المحرم، توفي فخر الدولة ms3581 أبو نصر محمد بن محمد بن جهير ~~الذي كان وزير الخليفة بمدينة الموصل، ومولده بها سنة ثمان وتسعين ~~وثلاثمائة، وتزوج إلى أبي العقارب شيخها، ونظر في أملاك جارية قرواش، ~~المعروفة بسرهنك، ثم خدم بركة بن المقلد، حتى قبض على أخيه قرواش وحبسه، ~~ومضى بهدايا إلى ملك الروم، فاجتمع هو ورسول نصر الدولة بن مروان، فتقدم ~~فخر الدولة عليه، فنازعه رسول ابن مروان، فقال فخر الدولة لملك الروم: أنا ~~أستحق التقدم عليه لأن صاحبه يؤدي الخراج إلى صاحبي. # فلما عاد إلى قريش بن بدران أراد القبض عليه، فاستجار بأبي الشداد، وكانت ~~عقيل تجير على أمرائها، وسار إلى حلب، فوزر لمعز الدولة أبي ثمال بن صالح. ~~ثم مضى إلى ملطية، ومنها إلى ابن مروان، فقال له: كيف أمنتني وقد فعلت ~~برسولي ما فعلت عند ملك الروم؟ فقال: حملني على ذلك نصح صاحبي. فاستوزره، ~~فعمر بلاده. # ووزر بعد نصر الدولة لولده، ثم سار إلى بغداذ، وولي وزارة الخليفة، على ~~ما ذكرناه، وتولى أخذ ديار بكر من بني مروان، على ما ذكرناه أيضا، ثم أخذها ~~منه السلطان، فسار إلى الموصل فتوفي بها. # PageV08P335 # ذكر نهب العرب البصرة وفي هذه السنة، في جمادى الأولى نهب العرب البصرة ~~نهبا قبيحا. # وسبب ذلك أنه ورد إلى بغداذ، في بعض السنين، رجل أشقر من سواد النيل يدعي ~~الأدب، والنجوم، ويستجري الناس، فلقبه أهل بغداذ تليا، وكان نازلا في بعض ~~الخانات، فسرق ثيابا من الديباج وغيره، وأخفاها (في خلفا) ، وسار بها، ~~فرآها الذين يحفظون الطريق، فمنعوه من السفر (اتهاما له) ، وحملوه إلى ~~المقدم عليهم، فأطلقه لحرمة العلم. # فسار إلى أمير من أمراء العرب من بني عامر، وبلاده متاخمة الأحساء، وقال ~~له: أنت تملك الأرض، وقد فعل أجدادك بالحاج كذا وكذا، وأفعالهم مشهورة، ~~مذكورة في التواريخ، وحسن له نهب البصرة، وأخذها، فجمع من العرب ما يزيد ~~على عشرة آلاف مقاتل، وقصد البصرة، وبها العميد عصمة، وليس معه من الجند ~~إلا اليسير، لكون الدنيا آمنة من ذاعر، ولأن الناس في جنة من ms3582 هيبة السلطان، ~~فخرج إليهم في أصحابه، وحاربهم، ولم يمكنهم من دخول البلد، فأتاه من أخبره ~~أن أهل البلد يريدون أن يسلموه إلى العرب، فخاف، ففارقهم، وقصد الجزيرة ~~التي هي مكان القلعة بنهر معقل. # فلما علم أهل البلد بذلك فارقوا ديارهم وانصرفوا، ودخل العرب حينئذ ~~البصرة، وقد قويت نفوسهم، وملكوها، ونهبوا ما فيها نهبا شنيعا، فكانوا ~~ينهبون نهارا، وأصحاب العميد عصمة ينهبون ليلا، وأحرقوا مواضع عدة، وفي ~~جملة ما أحرقوا داران للكتب إحداهما وقفت قبل أيام عضد الدولة ابن بويه، ~~فقال عضد الدولة: هذه مكرمة سبقنا إليها، وهي أول دار وقفت في الإسلام. ~~والأخرى وقفها # PageV08P336 # الوزير أبو منصور بن شاه مردان، وكان بها نفائس الكتب وأعيانها، وأحرقوا ~~أيضا النحاسين وغيرها من الأماكن. # وخربت وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير، من جملتها: وقوف على الحمال ~~الدائرة على شاطئ دجلة، وعلى الدواليب التي تحمل الماء وترقيه إلى قنى ~~الرصاص الجارية إلى المصانع، وهي على فراسخ من البلد، وهي من عمل محمد بن ~~سليمان الهاشمي وغيره. # وكان فعل العرب بالبصرة أول خرق جرى في أيام السلطان ملكشاه. فلما فعلوا ~~ذلك، وبلغ الخبر إلى بغداذ انحدر سعد الدولة كوهرائين، وسيف الدولة صدقة بن ~~مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها، فوجدوا العرب قد فارقوها. # ثم إن تليا أخذ بالبحرين، وأرسلوا إلى السلطان، فشهره ببغداذ سنة أربع ~~وثمانين [وأربعمائة] على جمل، وعلى رأسه طرطور، وهو يصفع بالدرة، والناس ~~يشتمونه، ويسبهم، ثم أمر به فصلب. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قدم الإمام أبو عبد الله الطبري بغداذ، في المحرم، بمنشور ~~من نظام الملك بتوليته تدريس المدرسة النظامية، ثم ورد بعده في شهر ربيع ~~الآخر من السنة أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي، وهو أيضا معه منشور ~~بالتدريس، فاستقر أن يدرس يوما، والطبري يوما. # PageV08P337 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة] ### | 484 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة # ذكر عزل الوزير أبي شجاع ووزارة عميد الدولة بن جهير # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل الوزير أبو شجاع من وزارة ms3583 الخليفة. # وكان سبب عزله أن إنسانا يهوديا ببغداذ يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكيل ~~السلطان ونظام الملك، فلقيه إنسان يبيع الحصر، فصفعه صفعة أزالت عمامته، ~~(عن رأسه) فأخذ الرجل، وحمل إلى الديوان، وسئل عن السبب في فعله، فقال: هو ~~وضعني على نفسه، فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى العسكر يشكوان، ~~وكانا متفقين على الشكاية من الوزير أبي شجاع. # فلما سارا خرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بالغيار، ولبس ما شرط ~~عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فهربوا كل مهرب، أسلم ~~بعضهم، فممن أسلم أبو العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب، وابن أخيه ~~أبو نصر هبة الله بن الحسن بن علي صاحب الخبر، أسلما على يدي الخليفة. # ونقل أيضا عنه إلى السلطان ونظام الملك أنه يكسر أغراضهم ويقبح أفعالهم، ~~حتى إنه لما ورد الخبر بفتح السلطان سمرقند قال: وما هذا مما يبشر به، كأنه ~~قد فتح # PageV08P338 # بلاد الروم، هل أتى إلا إلى قوم مسلمين موحدين، فاستباح منهم ما لا ~~يستباح من المشركين! # فلما وصل كوهرائين وابن سمحا إلى العسكر وشكوا من الوزير إلى السلطان ~~ونظام الملك، وأخبراهما بجميع ما يقول عنهما، ويكسر من أغراضهما، أرسلا إلى ~~الخليفة في عزله، فعزله، وأمره بلزوم بيته، وكان عزله يوم الخميس، فلما أمر ~~بذلك أنشد: # تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق # فلما كان الغد، يوم الجمعة، خرج من داره إلى الجامع راجلا، واجتمع الخلق ~~العظيم عليه، فأمر أن لا يخرج من بيته، ولما عزل استنيب في الوزارة أبو سعد ~~بن موصلايا، كاتب الإنشاء، وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي ~~عميد الدولة بن جهير ليستوزره، فسير إليه، فاستوزره في ذي الحجة من هذه ~~السنة، وركب إليه نظام الملك، فهنأه بالوزارة في داره، وأكثر الشعراء ~~تهنئته بالعود إلى الوزارة. # ذكر ملك أمير المسلمين بلاد الأندلس التي للمسلمين # في هذه السنة، في رجب، ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، صاحب بلاد ~~المغرب، من بلاد الأندلس ما هو ms3584 بيد المسلمين: قرطبة وإشبيلية، وقبض على ~~المعتمد بن عباد صاحبها، وملك غيرها من الأندلس. # ولقد جرى للرشيد بن المعتمد حادثة شبيهة بحادثة الأمين محمد بن هارون ~~الرشيد. # قال أبو بكر عيسى بن اللبانة الداني، من مدينة دانية: كنت يوما عند ~~الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، فجرى # ذكر غرناطة، وملك أمير المسلمين لها، وقد ذكرنا أخذها في وقعة الزلاقة، ~~فلما ذكرناها تفجع، وتلهف، # PageV08P339 # واسترجع، وذكر قصرها، فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام فأمر ~~عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى: # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد # فاستحالت مسرته، وتجهمت أسرته. ثم أمر بالغناء من ستارته فغني: # إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبر ... فانظر إلى أي حال أصبح الطلل # فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء، فغنت: # يا لهف نفسي على مال أفرقه ... على المقلين من أهل المروءات # إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات # قال ابن اللبانة: فتلافيت الحال بأن قمت فقلت: # محل مكرمة لا هد مبناه ... وشمل مأثرة لا شته الله # البيت كالبيت لكن زاد ذا ... شرفا إن الرشيد مع المعتد ركناه # ثاو على أنجم الجوزاء مقعده ... وراحل في سبيل الله مثواه # حتم على الملك أن يقوى وقد ... وصلت بالشرق والغرب يمناه ويسراه # بأس توقد فاحمرت لواحظه ... ونائل شب فاخضرت عذاراه # فلعمري قد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعض أنسه، على أني وقعت فيما وقع فيه ~~الكل بقولي: البيت كالبيت. وأمر إثر ذلك بالغناء فغني: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ولم يبق إلا أن تزم الركائب # فأيقنا أن هذه الطير، تعقب الغير. فلما أراد أمير المسلمين ملك الأندلس ~~سار من مراكش إلى سبتة، وأقام بها، وسير العساكر مع سير بن أبي بكر وغيره ~~إلى # PageV08P340 # الأندلس، فعبروا الخليج فأتوا مدينة مرسية، فملكوها وأعمالها، وأخرجوا ~~صاحبها أبا عبد الرحمن بن طاهر منها، وساروا إلى مدينة شاطبة ومدينة دانية ~~فملكوها. # وكانت بلنسية قد ملكها ms3585 الفرنج قديما، بعد أن حصروها سبع سنين، فلما سمعوا ~~بوقعة الزلاقة فارقوها، فملكها المسلمون أيضا، وعمروها وسكنوها، فصارت الآن ~~للمرابطين. # وكانوا قد ملكوا غرناطة نوبة الزلاقة، فقصدوا مدينة إشبيلية، وبها صاحبها ~~المعتمد بن عباد، فحصروه بها، وضيقوا عليه، فقاتل أهلها قتالا شديدا، (وظهر ~~من شجاعة) المعتمد، وشدة بأسه، وحسن دفاعه عن بلده ما لم يشاهد من غيره ما ~~يقاربه، فكان يلقي نفسه في المواقف التي لا يرجى خلاصه منها، فيسلم ~~بشجاعته، وشدة نفسه، ولكن إذا نفدت المدة، لم تغن العدة. # وكانت الفرنج قد سمعوا بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس، فخافوا أن ~~يملكوها ثم يقصدوا بلادهم، فجمعوا فأكثروا، وساروا ليساعدوا المعتمد، ~~ويعينوه على المرابطين، فسمع سير بن أبي بكر، مقدم المرابطين بمسيرهم، ~~ففارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج، فلقيهم، وقاتلهم، وهزمهم، وعاد إلى ~~إشبيلية فحصرها، ولم يزل الحصار دائما، والقتال مستمرا إلى العشرين من رجب ~~من هذه السنة، فعظم الحرب ذلك اليوم، واشتد الأمر على أهل البلد، ودخله ~~المرابطون من واديه، ونهب جميع ما فيه، ولم يبقوا على سبد ولا لبد، وسلبوا ~~الناس ثيابهم، فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وسبيت المخدارت، ~~وانتهكت الحرمات، فأخذ المعتمد أسيرا، ومعه أولاده الذكور والإناث، بعد أن ~~استأصلوا جميع مالهم، فلم يصحبهم من ملكهم بلغة زاد. # وقيل: إن المعتمد سلم البلد بأمان، وكتب نسخة الأمان والعهد، واستحلفهم ~~به لنفسه، وأهله، وماله، وعبيده، وجميع ما يتعلق بأسبابه، فلما سلم إليهم ~~إشبيلية لم يفوا له، وأخذوهم أسراء، ومالهم غنيمة، وسير المعتمد وأهله إلى ~~مدينة أغمات، # PageV08P341 # فحبسوا فيها، وفعل أمير المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن قبله، ولا ~~يفعلها أحد ممن يأتي بعده، إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة، وذلك أنه سجنهم ~~فلم يجر عليهم ما يقوم بهم، حتى كانت بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ~~ينفقونها على أنفسهم، وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عند ذكر وفاته، فأبان ~~أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم قدرة. # وأغمات هذه مدينة في سفح جبل بالقرب من مراكش، وسيرد ms3586 من ذكر المعتمد عند ~~موته، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ما يعرف به محله. # قال أبو بكر بن اللبانة: زرت المعتمد بعد أسره بأغمات، وقلت أبياتا، عند ~~دخولي إليه، منها: # لم أقل في الثقاف كان ثقافا ... كنت قلبا به وكان شغافا # يمكث الزهر في الكمام ... ولكن بعد مكث الكمام يدنو قطافا # وإذا ما الهلال غاب بغيم ... لم يكن ذلك المغيب انكسافا # إنما أنت درة للمعالي ركب ... الدهر فوقها أصدافا # حجب البيت منك شخصا ... كريما مثلما تحجب الدنان السلافا # أنت للفضل كعبة ولو ... أني كنت أسطيع لالتزمت الطوافا # قال: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات ~~الحبيب، وأدل على السماح من فجر على صباح. # ولما أخذ المعتمد وأهله قتل ولداه الفتح ويزيد بين يديه صبرا، فقال في ~~ذلك: # PageV08P342 # يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري # أفتح لقد فتحت لي باب رحمة ... كما بيزيد الله قد زاد في أجري # هوى بكما المقدار عني ولم ... أمت فأدعى وفيا قد نكصت إلى الغدر # ولو عدتما لاخترتما العود في ... الثرى إذا أنتما أبصرتماني في الأسر # أبا خالد أورثتني البث خالدا أبا ... نصر مذ ودعت ودعني نصري # وكان المعتمد يكاتبه فضلاء البلاد، وهو محبوس، بالنثر والنظم، يتوجعون ~~له، ويذمون الزمان وأهله، حيث مثله منكوب، فمن ذلك ما قاله عبد الجبار بن ~~أبي بكر بن حمديس، (وكتبه إليه) يذكر مسيرهم عن إشبيلية إلى أغمات: # جرى لك جد بالكرام عثور ... وجار زمان كنت منه تجير # لقد أصبحت بيض الظبى في ... غمودها إناثا لترك الضرب وهي ذكور # ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير # رفعت لساني بالقيامة قد أتت ... ألا (فانظروا كيف الجبال تسير # وقال شاعره ابن اللبانة في حادثته أيضا: # تبكي السماء بدمع رائح غادي ... على البهاليل من أبناء عباد # على الجبال التي هدت قواعدها ... وكانت الأرض منها تحت أوتاد # عريسة دخلتها النائبات على ... أساود منهم فيها وآساد # وكعبة # كانت الآمال تعمرها # فاليوم لا عاكف فيها ولا باد ms3587 # ولما استقصى عسكر أمير المسلمين ملوك الأندلس، وأخذ بلادهم، جمع # PageV08P343 # ملوكهم وسيرهم إلى بلاد بالغرب، وفرقهم فيها، {إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34] . # ولما فرغ سير من إشبيلية سار إلى المرية فنازلها، وكان صاحبها محمد بن ~~(معن بن صمادح) ، فقال لولده: ما دام المعتمد بإشبيلية فلا نبالي ~~بالمرابطين، فلما سمع بملكهم لها، وما جرى للمعتمد، مات في تلك الأيام غما ~~وكمدا، فلما مات سار ولده الحاجب وأهله في مراكب، ومعهم كل مالهم، وقصدوا ~~بلاد بني حماد، فأحسنوا إليهم. # وكان عمر بن الأفطس، صاحب بطليموس، ممن أعان سير على المعتمد، فلما فتحت ~~إشبيلية رجع ابن الأفطس إلى بلده، فسار إليه سير، وحاربه، فغلبه، وأخذ بلده ~~منه، وأخذه أسيرا هو وولده الفضل، فقتلهما، فقال عمر حين أرادوا قتله: ~~قدموا ولدي قبلي للقتل ليكون في صحيفتي! فقتل ولده قبله، وقتل هو بعده، ~~واحتوى سير على ذخائرهم وأموالهم. # ولم يترك من ملوك الأندلس سوى بني هود، فإنه لم يقصد بلادهم، وهي شرق ~~الأندلس، وكان صاحبها حينئذ المستعين بالله بن هود، وهو من الشجعان الذين ~~يضرب المثل بهم، وكان قد أعد كل ما يحتاج إليه في الحصار، وترك عنده ما ~~يكفيه عدة سنين بمدينة روطة، وكانت قلعة حصينة، وكانت رعيته تخافه، ولم يزل ~~يهادي أمير المسلمين، قبل أن يقصد بلاد الأندلس ويملكها. ويواصله، ويكثر ~~مراسلته، فرعى له ذلك، حتى إنه أوصى ابنه علي بن يوسف عند موته بترك التعرض # PageV08P344 # لبلاد بني هود، وقال: اتركهم بينك وبين العدو، فإنهم شجعان. # ذكر ملك الفرنج جزيرة صقلية # في هذه السنة استولى الفرنج، لعنهم الله، على جميع جزيرة صقلية، أعادها ~~الله تعالى إلى الإسلام والمسلمين. # وسبب ذلك أن صقلية كان الأمير عليها سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أبا ~~الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين، ولاه عليها العزيز العلوي، ~~صاحب مصر وإفريقية، فأصابه هذه السنة فالج، فتعطل جانبه الأيسر، وضعف ~~الجانب الأيمن، فاستناب ابنه جعفرا، فبقي كذلك ضابطا للبلاد، حسن السيرة في ms3588 ~~أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة، فخالف عليه أخوه علي، وأعانه جمع من البربر ~~والعبيد، فأخرج إليه أخوه جعفر جندا من المدينة، فاقتتلوا سابع شعبان، وقتل ~~من البربر والعبيد خلق كثير، وهرب من بقي منهم وأخذ علي أسيرا، فقتله أخوه ~~جعفر، وعظم قتله على أبيه، فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام. # وأمر جعفر حينئذ أن ينفى كل بربري بالجزيرة، فنفوا إلى إفريقية، وأمر ~~بقتل العبيد، فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من أهل صقلية. فقل العسكر ~~بالجزيرة، وطمع أهل الجزيرة في الأمراء، فلم يمض إلا يسير حتى ثار به أهل ~~صقلية، وأخرجوه، وخلعوه، وأرادوا قتله. # وسبب ذلك أنه ولى عليهم إنسانا صادرهم، وأخذ الأعشار من غلاتهم، واستخف ~~بقوادهم وشيوخ البلد، وقهر جعفر إخوته، واستطال عليهم، فلم يشعر إلا وقد ~~زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهم، فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر ~~وأربعمائة، وأشرفوا على أخذه، فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة، وكانوا له ~~محبين، فلطف بهم ورفق، فبكوا رحمة له من مرضه، وذكروا له ما أحدث ابنه ~~عليهم، وطلبوا أن يستعمل ابنه أحمد المعروف بالأكحل، ففعل ذلك. # PageV08P345 # وخاف يوسف على ابنه جعفر منهم، فسيره في مركب إلى مصر، وسار أبوه يوسف ~~بعده، ومعهما من الأموال ستمائة ألف دينار وسبعون ألفا، وكان ليوسف من ~~الدواب ثلاثة عشر ألف حجرة، سوى البغال وغيرها، ومات بمصر وليس له إلا دابة ~~واحدة. # ولما ولي الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد، وجمع المقاتلة، وبث سراياه ~~في بلاد الكفرة، فكانوا يحرقون، ويغنمون، ويسبون، ويخربون البلاد، وأطاعه ~~جميع قلاع صقلية التي للمسلمين. # وكان للأكحل ابن اسمه جعفر كان يستنيبه إذا سافر، فخالف سيرة أبيه، ثم ~~(إن الأكحل) جمع أهل صقلية وقال: أحب أن أشليكم على الإفريقين الذين قد ~~شاركوكم في بلادكم، والرأي إخراجهم، فقالوا: قد صاهرناهم وصرنا شيئا واحدا، ~~فصرفهم. ثم أرسل إلى الإفريقيين، فقال لهم مثل ذلك، فأجابوه إلى ما أراد، ~~فجمعهم حوله، فكان يحمي أملاكهم، ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية، فسار من ~~أهل صقلية جماعة ms3589 إلى المعز بن باديس، وشكوا إليه ما حل بهم، وقالوا: نحب أن ~~نكون في طاعتك، وإلا سلمنا البلاد إلى الروم، وذلك سنة سبع وعشرين ~~وأربعمائة، فسير معهم ولده عبد الله في عسكر، فدخل المدينة، وحصر الأكحل في ~~الخلاصة، ثم اختلف أهل صقلية، وأراد بعضهم نصرة الأكحل، فقتله الذين أحضروا ~~عبد الله بن المعز. # ثم إن الصقليين رجع بعضهم على بعض، وقالوا: أدخلتم غيركم عليكم، والله لا ~~كانت عاقبة أمركم فيه إلى خير! فعزموا على حرب عسكر المعز، فاجتمعوا وزحفوا ~~إليهم، فاقتتلوا، فانهزم عسكر المعز، وقتل منهم ثمانمائة رجل، ورجعوا في ~~المراكب إلى إفريقية، وولى أهل الجزيرة عليهم حسنا الصمصام، أخا الأكحل، ~~فاضطربت أحوالهم، واستولى الأراذل، وانفرد كل إنسان ببلد، وأخرجوا الصمصام، # PageV08P346 # فانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمازر وطرابنش وغيرهما، وانفرد القائد ~~علي بن نعمة، المعروف بابن الحواس، بقصريانة وجرجنت وغيرهما، وانفرد ابن ~~الثمنة بمدينة سرقوسة، وقطانية، وتزوج بأخت ابن الحواس. # ثم إنه جرى (بينها وبين زوجها) كلام فأغلظ كل منهما لصاحبه، وهو سكران، ~~فأمر ابن الثمنة بفصدها في عضديها، وتركها لتموت، فسمع ولده إبراهيم، فحضر، ~~وأحضر الأطباء، وعالجها إلى أن عادت قوتها، ولما أصبح أبوه ندم، واعتذر ~~إليها بالسكر، فأظهرت قبول عذره. # ثم إنها طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها، فأذن لها، وسير معها التحف ~~والهدايا، فلما وصلت ذكرت لأخيها ما فعل بها، فحلف أنه لا يعيدها إليه، ~~فأرسل ابن الثمنة يطلبها، فلم يردها إليه، فجمع ابن الثمنة عسكره، وكان قد ~~استولى على أكثر الجزيرة، وخطب له بالمدينة، وسار، وحصر ابن الحواس ~~بقصريانة، فخرج إليه فقاتله، فانهزم ابن الثمنة، وتبعه إلى قرب مدينته ~~قطانية، وعاد عنه بعد أن قتل من أصحابه فأكثر. # فلما رأى ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت، سولت له نفسه الانتصار بالكفار ~~لما يريده الله تعالى، فسار إلى مدينة مالطة، وهي بيد الفرنج قد ملكوها لما ~~خرج بردويل الفرنجي الذي تقدم ذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، واستوطنها ~~الفرنج # PageV08P347 # إلى الآن، وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي ms3590 في جمع من الفرنج، فوصل إليهم ~~ابن الثمنة وقال: أنا أملككم الجزيرة! فقالوا: إن فيها جندا كثيرا، ولا ~~طاقة لنا بهم، فقال: إنهم مختلفون، وأكثرهم يسمع قولي، ولا يخالفون أمري، ~~فساروا معه في رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فلم يلقوا من يدافعهم، ~~فاستولوا على ما مروا به في طريقهم، وقصد بهم إلى قصريانة فحصروها، فخرج ~~إليهم ابن الحواس، فقاتلهم، فهزمه الفرنج، فرجع إلى الحصن، فرحلوا عنه، ~~وساروا في الجزيرة، واستولوا على مواضع كثيرة، وفارقها كثير من أهلها من ~~العلماء والصالحين، وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وذكروا له ~~ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف، وغلبة الفرنج على كثير منها، فعمر أسطولا ~~كبيرا، وشحنه بالرجال والعدد، وكان الزمان شتاء، فساروا إلى قوصرة، فهاج ~~عليهم البحر، فغرق أكثرهم، ولم ينج إلا القليل. # وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز، وقوى عليه العرب، حتى أخذوا ~~البلاد منه، فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤدة، لا يمنعهم أحد، ~~واشتغل صاحب إفريقية بما دهمه من العرب، ومات المعز سنة ثلاث وخمسين ~~وأربعمائة، وولي ابنه تميم، فبعث إليه أسطولا وعسكرا إلى الجزيرة، وقدم ~~عليه ولديه أيوب وعليا، فوصلوا إلى صقلية، فنزل أيوب والعسكر المدينة، ونزل ~~علي جرجنت، ثم انتقل أيوب إلى جرجنت، فأمر علي ابن الحواس أن ينزل في قصره، ~~وأرسل هدية كثيرة. # فلما أقام أيوب فيها أحبه أهلها، فحسده ابن الحواس، فكتب إليهم ليخرجوه، ~~فلم يفعلوا، فسار إليه في عسكره، وقاتله، فشد أهل جرجنت من أيوب، وقاتلوا ~~معه، فبينما ابن الحواس يقاتل أتاه سهم غرب فقتله، فملك العسكر عليهم أيوب. # ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة أدت إلى القتال، ثم ~~زاد الشر بينهم، فاجتمع أيوب وعلي أخوه، ورجعا في الأسطول إلى إفريقية سنة ~~إحدى وستين وأربعمائة، وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية، ولم يبق ~~للفرنج # PageV08P348 # ممانع، فاستولوا على الجزيرة، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، ~~فحصرهما الفرنج، وضيقوا على المسلمين بهما، فضاق الأمر على أهلهما، ms3591 حتى ~~أكلوا الميتة، ولم يبق عندهم ما يأكلونه فأما أهل جرجنت فسلموها إلى ~~الفرنج، وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى ~~التسليم، فتسلمها الفرنج، لعنهم الله، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك ~~رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين، ولم يترك لأحد من ~~أهلها حماما، ولا دكانا، ولا طاحونا. # ومات رجار، بعد ذلك، قبل التسعين والأربعمائة، وملك بعده ولده رجار، فسلك ~~طريق ملوك المسلمين من الجنائب، والحجاب، والسلاحية، والجاندارية، وغير ~~ذلك، وخالف عادة الفرنج، فإنهم لا يعرفون شيئا منه، وجعل له ديوان المظالم ~~ترفع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم، ولو من ولده، وأكرم المسلمين، وقربهم، ~~ومنع عنهم الفرنج، فأحبوه، وعمر أسطولا كبيرا، وملك الجزائر التي بين ~~المهدية وصقلية، مثل مالطة، وقوصرة، وجربة، وقرقنة، وتطاول إلى سواحل ~~إفريقية، فكان منه ما نذكره إن شاء الله. # ذكر وصول السلطان إلى بغداذ # في هذه السنة، في شهر رمضان، وصل السلطان إلى بغداذ، وهي المرة الثانية، ~~ونزل بدار المملكة، ونزل أصحابه متفرقين، ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش، ~~وقسيم الدولة آقسنقر، صاحب حلب، وغيرهما من زعماء الأطراف، وعمل الميلاد ~~ببغداذ، وتأنقوا في عمله، فذكر الناس أنهم لم يروا ببغداذ مثله أبدا، وأكثر ~~الشعراء وصف تلك الليلة، فممن قال المطرز: # PageV08P349 # وكل نار على العشاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة الصدق # نار تجلت بها الظلماء واشتبهت ... بسدفة الليل فيه غرة الفلق # وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق # مدت على الأرض بسطا من ... جواهرها ما بين مجتمع وار ومفترق # مثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق # اعجب بنار ورضوان يسعرها ... ومالك قائم منها على فرق # في مجلس ضحكت روض الجنان ... له لما جلا ثغره عن واضح يقق # وللشموع عيون كلما نظرت ... تظلمت من يديها أنجم الغسق # من كل مرهفة الأعطاف ... كالغصن المياد لكنه عار من الورق # إني لأعجب منها وهي وادعة ... تبكي وعيشتها من ضربة العنق # وفي هذه المرة أمر بعمارة جامع السلطان، فابتدئ ms3592 في عمارته في المحرم سنة ~~خمس وثمانين وأربعمائة، وعمل قبلته بهرام منجمه، وجماعة من أصحاب الرصد، ~~وابتدأ بعده نظام الملك، وتاج الملوك، والأمراء الكبار بعمل دور لهم ~~يسكنونها إذا قدموا بغداذ، فلم تطل مدتهم بعدها، وتفرق شملهم بالموت، ~~والقتل، وغير ذلك في باقي سنتهم، ولم تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا، ~~فسبحان الدائم الذي لا يزول أمره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصل ابن أبي هاشم من مكة مستغيثا من التركمان. # PageV08P350 # وفي آخرها مرض نظام الملك ببغداذ، فعالج نفسه بالصدقة، فكان يجتمع ~~بمدرسته من الفقراء والمساكين من لا يحصى، وتصدق عنه الأعيان، والأمراء من ~~عسكر السلطان، فعوفي، وأرسل [له] الخليفة خلعا نفيسة. # وفيها، في تاسع شعبان، كان بالشام، وكثير من البلاد، زلازل كثيرة، وكان ~~أكثرها بالشام، ففارق الناس مساكنهم، وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن، ~~وهلك تحته عالم كثير، وخرب من سورها تسعون برجا، فأمر السلطان ملكشاه ~~بعمارتها. # [الوفيات] # وفيها، في شوال، توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد بن علك الفقيه ~~الشافعي، وهو من رؤساء الفقهاء الشافعية، وهو الذي تقدم ذكره في فتح ~~سمرقند، ومشى أرباب الدولة السلطانية كلهم في جنازته، إلا نظام الملك، فإنه ~~اعتذر بعلو السن، وأكثر البكاء عليه، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق (بباب أبرز) ~~، وزار السلطان قبره. # وتوفي محمد بن عبد الله بن الحسين أبو بكر الناصح الحنفي، قاضي الري، ~~وكان من أعيان الفقهاء الحنفية يميل إلى الاعتزال، وكان موته في رجب. # وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن الحسين بن طاوس المقري بمدينة صور. # PageV08P351 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة] ### | 485 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة # ذكر الحرب بين المسلمين، والفرنج بجيان # في هذه السنة جمع أذفونش عساكره، وجموعه، وغزا بلاد جيان من الأندلس، ~~فلقيه المسلمون وقاتلوه، واشتدت الحرب، فكانت الهزيمة أولا على المسلمين، ~~ثم إن الله تعالى رد لهم الكرة على الفرنج، فهزموهم، وأكثروا القتل فيهم، ~~ولم ينج إلا الأذفونش في نفر يسير، وكانت هذه الوقعة من أشهر الوقائع، بعد ~~الزلاقة، ms3593 وأكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم. # ذكر استيلاء تتش على حمص، وغيرها من ساحل الشام لما كان السلطان ببغداذ ~~قدم إليه أخوه تاج الدولة تتش من دمشق، وقسيم الدولة آقسنقر من حلب، وبوزان ~~من الرها، فلما أذن لهم السلطان في العود إلى بلادهم أمر قسيم الدولة ~~وبوزان أن يسيرا مع عساكرهما في خدمة أخيه تاج الدولة، حتى يستولي على ما ~~للخليفة المستنصر العلوي، بساحل الشام، من البلاد، ويسير، وهم معه، إلى مصر ~~ليملكها. # فساروا أجمعون إلى الشام، ونزل على حمص، وبها ابن ملاعب صاحبها، # PageV08P352 # وكان الضرر به، وبأولاده عظيما على المسلمين، فحصروا البلد، وضيقوا على ~~من به، فملكه تاج الدولة، وأخذ ابن ملاعب وولديه، وسار إلى قلعة عرقة ~~فملكها عنوة، وسار إلى قلعة أفامية فملكها أيضا، وكان بها خادم للمصري، ~~فنزل بالأمان فأمنه، ثم سار إلى طرابلس فنازلها، فرأى صاحبها جلال الملك بن ~~عمار جيشا لا يدفع إلا بحيلة، فأرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة، ~~وأطمعهم ليصلحوا حاله، فلم ير فيهم مطمعا. # وكان مع قسيم الدولة آقسنقر وزير له اسمه زرين كمر، فراسله ابن عمار فرأى ~~عنده لينا، فأتحفه، وأعطاه، فسعى مع صاحبه قسيم الدولة في إصلاح حاله ليدفع ~~عنه، وحمل له ثلاثين ألف دينار، وتحفا بمثلها، وعرض عليه المناشير التي ~~بيده من السلطان بالبلد، والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، والشد ~~معه، والتحذير من محاربته، فقال آقسنقر لتاج الدولة تتش: لا أقاتل من هذه ~~المناشير بيده، فأغلظ له تاج الدولة، وقال: هل أنت إلا تابع لي؟ فقال ~~آقسنقر: أنا أتابعك إلا في معصية السلطان، ورحل من الغد عن موضعه، فاضطر ~~تاج الدولة إلى الرحيل، فرحل غضبان، وعاد بوزان أيضا إلى بلاده، فانتقض هذا ~~الأمر. # ذكر ملك السلطان اليمن # وكان ممن حضر أيضا عند السلطان ببغداذ جبق أمير التركمان، وهو صاحب ~~قرميسين وغيرها، فأمره السلطان أن يسير هو ومعه جماعة من أمراء السلطان # PageV08P353 # ذكرهم إلى الحجاز واليمن، ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهرائين، ليفتحوا ~~البلاد هناك، فاستعمل عليهم سعد الدولة ms3594 أميرا اسمه ترشك، فساروا حتى وردوا ~~اليمن، فاستولوا عليها، وأساءوا السيرة في أهلها، ولم يتركوا فاحشة ولا ~~سيئة إلا ارتكبوها، وملكوا عدن، وظهر على ترشك الجدري، فتوفي في سابع يوم ~~من وصوله إليها، وكان عمره سبعين سنة، فعاد أصحابه إلى بغداذ، وحملوه، ~~فدفنوه عند قبر أبي حنيفة - رحمة الله عليه - # ذكر مقتل نظام الملك # في هذه السنة، عاشر رمضان، قتل نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ~~الوزير بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان في أصبهان، وقد عاد إلى بغداذ، ~~فلما كان بهذا المكان، بعد أن فرغ من إفطاره، وخرج في محفته إلى خيمة حرمه، ~~أتاه صبي ديلمي من الباطنية، في صورة مستميح، أو مستغيث فضربه بسكين كانت ~~معه، فقضى عليه، وهرب، فعثر بطنب خيمة، فأدركوه فقتلوه، وركب السلطان إلى ~~خيمه، فسكن عسكره، وأصحابه. # وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ما وزر للسلطان ألب أرسلان، صاحب ~~خراسان، أيام عمه طغرلبك، قبل أن يتولى السلطنة، وكان علت سنه، فإنه كان ~~مولده سنة ثمان وأربعمائة. # وكان سبب قتله أن عثمان بن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولاه جده ~~نظام الملك رئاسة مرو، وأرسل السلطان إليها شحنة يقال له قودن، وهو من أكبر ~~مماليكه، ومن أعظم الأمراء في دولته، فجرى بينه، وبين عثمان منازعة في شيء، ~~فحملت عثمان حداثة سنه، وتمكنه، وطمعه بجده، على أن قبض عليه، وأخرق به، ثم ~~أطلقه، فقصد السلطان مستغيثا شاكيا، فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة ~~(مع # PageV08P354 # تاج الدولة) ومجد الملك البلاساني وغيرهما من أرباب دولته يقول له: إن ~~كنت شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السلطنة، فلذلك حكم، وإن كنت نائبي، ~~وبحكمي، فيجب أن تلزم حد التبعية والنيابة، وهؤلاء أولادك قد استولى كل ~~واحد منهم على كورة عظيمة، وولي ولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك، حتى تجاوزوا ~~أمر السياسة وطمعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا، وأطال القول، وأرسل معهم الأمير ~~يلبرد، وكان من خواصه وثقاته، وقال له: تعرفني ما يقول، فربما كتم هؤلاء ms3595 ~~شيئا. # فحضروا عند نظام الملك وأوردوا عليه الرسالة، فقال لهم: قولوا للسلطان إن ~~كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ~~ورأيي، أما يذكر حين قتل أبوه فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه من ~~أهله، وغيرهم، منهم: فلان وفلان، وذكر جماعة من خرج عليه، وهو ذلك الوقت ~~يتمسك بي ويلزمني، ولا يخالفني، فلما قدت الأمور إليه، وجمعت الكلمة عليه، ~~وفتحت له الأمصار القريبة، والبعيدة، وأطاعه القاصي، والداني، أقبل يتجنى ~~لي الذنوب، ويسمع في السعايات؟ قولوا له عني: إن ثبات تلك القلنسوة معذوق ~~بهذه الدواة، وإن اتفاقهما رباط كل رغيبة وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه ~~زالت تلك، فإن عزم على تغيير فليتزود للاحتياط قبل وقوعه، وليأخذ الحذر من ~~الحادث أمام طروقه، وأطال فيما هذا سبيله، ثم قال لهم: قولوا للسلطان عني ~~مهما أردتم، فقد أهمني ما لحقني من توبيخه، وفت في عضدي. # فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان، وأن يقولوا له ~~ما مضمونه العبودية والتنصل، ومضوا إلى منازلهم، وكان الليل قد انتصف، ومضى ~~يلبرد إلى السلطان فأعلمه ما جرى، وبكر الجماعة إلى السلطان، وهو ينتظرهم، ~~فقالوا له # PageV08P355 # من الاعتذار والعبودية ما كانوا اتفقوا عليه، فقال لهم السلطان: إنه لم ~~يقل هذا، وإنما قال كيت، وكيت، فأشاروا حينئذ بكتمان ذلك رعاية لحق نظام ~~الملك، وسابقته، فوقع التدبير عليه، حتى تم عليه من القتل ما تم. # ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوما، وانحلت الدولة، ووقع السيف، وكان ~~قول نظام الملك شبه الكرامة له، وأكثر الشعراء مراثيه، فمن جيد ما قيل فيه ~~قول شبل الدولة مقاتل بن عطية: # كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف # عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف # ورأى بعضهم نظام الملك بعد قتله في المنام، فسأله عن حاله، فقال: كان ~~يعرض علي جميع عملي لولا الحديدة التي أصبت بها، يعني: القتل. # ذكر ابتداء حاله وشيء من أخباره # أما ابتداء حاله، ms3596 فكان من أبناء الدهاقين بطوس، فزال ما كان لأبيه من ~~مال، وملك، وتوفيت أمه وهو رضيع، فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه ~~حسبة، حتى شب، وتعلم العربية، وسر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة، والاشتغال ~~بالعلم، فتفقه، وصار فاضلا، وسمع الحديث الكثير، ثم اشتغل بالأعمال ~~السلطانية، ولم يزل الدهر يعلو به، ويخفض حضرا، وسفرا. # وكان يطوف بلاد خراسان، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين، ثم لزم أبا ~~علي بن شاذان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان، فحسنت حاله ~~معه، وظهرت كفايته وأمانته، وصار معروفا عندهم بذلك، فلما حضرت أبا علي بن ~~شاذان الوفاة أوصى الملك ألب أرسلان به، وعرفه حاله، فولاه شغله، ثم # PageV08P356 # صار وزيرا له إلى أن ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك، واستمر على الوزارة ~~لأنه ظهرت منه كفاية عظيمة، وآراء سديدة قادت السلطنة إلى ألب أرسلان، فلما ~~توفي ألب أرسلان قام بأمر ابنه ملكشاه، وقد تقدم ذكر هذه الجمل مستوفى ~~مشروحا. # وقيل: إن ابتداء أمره (أنه كان يكتب للأمير تاجر، صاحب بلخ، وكان الأمير) ~~يصادره في رأس كل سنة، ويأخذ ما معه، ويقول له: قد سمنت يا حسن! ويدفع إليه ~~فرسا ومقرعة ويقول: هذا يكفيك، فلما طال ذلك عليه أخفى ولديه فخر الملك، ~~ومؤيد الملك، وهرب إلى جغري بك داود، والد ألب أرسلان، فوقف فرسه في ~~الطريق، فقال: اللهم إني أسألك فرسا تخلصني عليه! فسار غير بعيد، فلقيه ~~تركماني، وتحته فرس جواد، فقال لنظام الملك: انزل عن فرسك، فنزل عنه، فأخذه ~~التركماني وأعطاه فرسه، فركبه، وقال له: لا تنسني يا حسن، قال نظام الملك: ~~فقويت نفسي بذلك، وعلمت أنه ابتداء سعادة. فسار نظام الملك إلى مرو، ودخل ~~على داود، فلما رآه أخذ بيده، وسلمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال له: هذا حسن ~~الطوسي، فتسلمه، واتخذه والدا لا تخالفه. # وكان الأمير تاجر لما سمع بهرب نظام الملك سار في أثره إلى مرو، فقال ~~لداود: هذا كاتبي ونائبي قد أخذ أموالي، فقال له داود: حديثك مع ms3597 محمد، يعني ~~ألب أرسلان، (فكان اسمه محمدا) ، فلم يتجاسر تاجر على خطابه، فتركه وعاد. # وأما أخباره، فإنه كان عالما، دينا، جوادا عادلا، حليما كثير الصفح عن ~~المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامرا بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، ~~وأهل الخير والصلاح، وأمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجرى ~~لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث بالبلاد: ببغداذ وخراسان وغيرهما، وكان ~~يقول: # PageV08P357 # إني لست من أهل هذا الشأن - لما تولاه - ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار ~~نقلة حديث رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -. # وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء ~~قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن، ودخل الوقت يأمره بالأذان، وهذا غاية حال ~~المنقطعين إلى العبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات. # وأسقط المكوس، والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان الوزير ~~عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة، فأمره ~~بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، فلهذا فارق كثير من الأئمة ~~بلادهم، مثل إمام الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وغيرهما، فلما ولي ألب ~~أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه، وأعاد العلماء إلى أوطانهم. # وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو ~~المعالي الجويني، يقوم لهما، ويجلس في مسنده، كما هو، وإذا دخل أبو علي ~~الفارمذي يقوم (إليه، ويجلسه في مكانه) ، ويجلس هو بين يديه، فقيل له في ~~ذلك، فقال: إن هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يقولون لي: أنت كذا وكذا، ~~يثنون علي بما (ليس في) ، فيزيدني كلامهم عجبا وتيها، وهذا الشيخ يذكر لي ~~عيوب نفسي، وما أنا فيه من الظلم، فتنكسر نفسي لذلك، وأرجع عن كثير مما أنا ~~فيه. # وقال نظام الملك: # كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أنفرد فيه لعبادة ربي، ثم بعد ~~ذلك تمنيت أن يكون لي قطعة أرض أتقوت بريعها، (ومسجد # PageV08P358 # أعبد الله فيه) ، وأما الآن فأنا أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد ~~أعبد الله فيه. # وقيل: كان ليلة يأكل ms3598 الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر ~~عميد خراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك، ~~فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، ~~وقرب المقطوع إليه فأكل معه. # وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه، ويقربهم إليه، ويدنيهم. وأخباره ~~مشهورة كثيرة، قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد. # ذكر وفاة السلطان، وذكر بعض سيرته # سار السلطان ملكشاه، بعد قتل نظام الملك، إلى بغداذ، ودخلها في الرابع ~~والعشرين من شهر رمضان، ولقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير، وظهرت من ~~تاج الملك كفاية عظيمة، وكان السلطان قد أمر أن تفصل خلع الوزارة لتاج ~~الملك، وكان هو الذي سعى بنظام الملك، فلما فرغ من الخلع، ولم يبق غير ~~لبسها، والجلوس في الدست، اتفق أن السلطان خرج إلى الصيد، وعاد ثالث شوال ~~مريضا، وأنشب الموت أظفاره فيه، ولم يمنع عنه سعة ملكه، وكثرة عساكره. # وكان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد، ولم يستوف إخراج الدم، فثقل ~~مرضه، وكانت حمى محرقة، فتوفي ليلة الجمعة، النصف من شوال. # ولما ثقل نقل أرباب دولته أموالهم إلى حريم دار الخلافة، ولما توفي سترت ~~زوجته تركان خاتون - المعروفة بخاتون الجلالية - موته، وكتمته، وأعادت ~~جعفرا # PageV08P359 # ابن الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله، وسارت من ~~بغداذ، والسلطان معها محمولا، وبذلت الأموال للأمراء سرا، واستحلفتهم ~~لابنها محمود، وكان تاج الملك يتولى ذلك لها، وأرسلت قوام الدولة كربوقا ~~الذي صار صاحب الموصل إلى أصبهان بخاتم السلطان، فاستنزل مستحفظ القلعة، ~~وتسلمها، وأظهر أن السلطان أمره بذلك، ولم يسمع بسلطان مثله لم يصل عليه ~~أحد، ولم يلطم عليه وجه. # وكان مولده سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان من أحسن الناس صورة، ومعنى، ~~وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال ~~إلى آخر بلاد اليمن، وحمل إليه ملوك الروم الجزية، ولم يفته مطلب، وانقضت ~~أيامه على أمن عام، وسكون شامل، وعدل مطرد. # ومن أفعاله أنه لما خرج عليه أخوه ms3599 تكش بخراسان اجتاز بمشهد علي بن موسى ~~الرضا بطوس، فزاره، فلما خرج قال لنظام الملك: بأي شيء دعوت؟ قال: دعوت ~~الله أن ينصرك، فقال: أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت: اللهم انصر أصلحنا ~~للمسلمين، وأنفعنا للرعية. # وحكي عنه أن سواديا لقيه وهو يبكي، فاستغاث به، وقال: كنت ابتعت بطيخا ~~بدريهمات لا أملك سواها، فغلبني عليه ثلاثة نفر من الأتراك، فأخذوه مني، ~~فقال السلطان له: اقعد! ثم أحضر فراشا وقال: اشتهيت بطيخا، وكان ذلك عند ~~أول استوائه، وأمر بطلبه من العسكر، فغاب ثم عاد ومعه البطيخ فأمره بإحضار ~~من وجده عنده، فأحضره، فسأله السلطان من أين له ذلك البطيخ؟ فقال: غلماني ~~جاءوني به، فأمر أن يجيء بهم إليهم، فمضى، وأمرهم بالهرب، وعاد فقال: لم ~~أجدهم، فقال للسوادي: خذ مملوكي هذا قد وهبته لك عوضا عن بطيخك، ويحضر ~~الذين أخذوه، والله لئن أطلقته لأضربن عنقك. فأخذه السوادي، فاشترى الغلام ~~نفسه منه بثلاثمائة دينار، فعاد السوادي إلى السلطان، وقال: قد بعته نفسه ~~بثلاثمائة دينار، فقال: أرضيت بذلك؟ قال: نعم! قال: امض مصاحبا. # PageV08P360 # وقال عبد السميع بن داود العباسي: شاهدت ملكشاه، وقد أتاه رجلان من أرض ~~العراق السفلى، من قرية الحدادية، يعرفان بابني غزال، فلقياه، فوقف لها، ~~فقالا: إن مقطعنا الأمير خمارتكين قد صادرنا بألف وستمائة دينار، وقد كسر ~~ثنيتي أحدنا، وأراهما السلطان، وقد قصدناك لتقتص لنا منه، فإن أخذت بحقنا ~~كما أوجب الله عليك، وإلا فالله يحكم بيننا. # قال: فرأيت السلطان وقد نزل عن دابته، وقال: ليمسك كل واحد منكما بطرف ~~كمي، واسحباني إلى خواجه حسن، يعني نظام الملك، فامتنعا من ذلك، واعتذرا، ~~فأقسم عليهما إلا فعلا، فأخذ كل واحد منهما بكم من كميه ومشى معهما إلى ~~نظام الملك، فبلغه الخبر، فخرج مسرعا، فلقيه، وقبل الأرض، وقال: يا سلطان ~~العالم! ما حملك على هذا؟ فقال: كيف يكون حالي غدا عند الله إذا طولبت ~~بحقوق المسلمين، وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف، فإن نال ~~الرعية أذى فأنت المطالب، فانظر لي ولنفسك. ms3600 # فقبل الأرض، ومشى في خدمته، وعاد من وقته، وكتب بعزل الأمير خمارتكين عن ~~إقطاعه، ورد المال عليهما، وأعطاهما مائة دينار من عنده، وأمرهما بإثبات ~~البينة أنه قلع ثنيتيه ليقلع ثنيتيه عوضهما، فرضيا، وانصرفا. # وقيل إنه ورد بغداذ ثلاث دفعات، فخافه الناس من غلاء الأسعار، وتعدي ~~الجند، فكانت الأسعار أرخص منها قبل قدومه، وكان الناس يخترقون عساكره ~~ليلا، ونهارا، فلا يخافون أحدا، ولم يتعد عليهم أحد، وأسقط المكوس، والمؤن ~~من جميع البلاد، وعمر الطرق، والقناطر، والربط التي في المفاوز، وحفر ~~الأنهار الخراب، وعمر الجامع ببغداذ، وعمل المصانع بطريق مكة، وبنى البلد ~~بأصبهان، # PageV08P361 # وبنى منارة القرون بالسبيعي بطرق مكة، وبنى مثلها بما وراء النهر. # واصطاد مرة صيدا كثيرا، فأمر بعده، فكان عشرة آلاف رأس، فأمر بصدقة عشرة ~~آلاف دينار، وقال: إنني خائف من الله تعالى كيف أزهقت أرواح هذه الحيوانات ~~بغير ضرورة، ولا مأكلة، وفرق من الثياب والأموال بين أصحابه ما لا يحصى، ~~وصار بعد ذلك كلما صاد شيئا تصدق بعدده دنانير، وهذا فعل من يحاسب نفسه على ~~حركاته وسكناته، وقد أكثر الشعراء مراثيه أيضا. # وقيل إن بعض أمراء السلطان كان نازلا بهراة مع بعض العلماء اسمه عبد ~~الرحمن في داره، فقال يوما ذلك الأمير للسلطان، وهو سكران: إن عبد الرحمن ~~يشرب الخمر، ويعبد الأصنام من دون الله تعالى، ويحلل الحرام، فلم يجبه ~~ملكشاه، فلما كان الغد صحا ذلك الأمير، فأخذ السلطان السيف، وقال له: # اصدقني عن فلان، وإلا قتلتك! فطلب منه الأمان، فأمنه، فقال: إن عبد ~~الرحمن له دار حسناء، وزوجة جميلة، فأردت أن تقتله فأفوز بداره وزوجته، ~~فأبعده السلطان، وشكر الله تعالى على التوقف عن قبول سعايته، وتصدق بأموال ~~جليلة المقدار. # ذكر ملك ابنه الملك محمود وما كان من حال ابنه الأكبر بركيارق إلى أن ملك # لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، كما ذكرناه، وأرسلت ~~إلى الأمراء سرا فأرضتهم، واستحلفتهم لولدها محمود، وعمره أربع سنين، ~~وشهور، وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضا. فأجابها، وشرط ~~أن ms3601 يكون اسم السلطنة لولدها، والخطبة له، ويكون المدبر لزعامة الجيوش، ~~ورعاية البلد - هو الأمير أنر، ويصدر عن رأي تاج الملك، ويكون ترتيب # PageV08P362 # العمال، وجباية الأموال إلى تاج الملك أيضا، وكان تاج الملك هو الذي يدبر ~~الأمر بين يدي خاتون. # فلما جاءت رسالة الخليفة إلى خاتون بذلك امتنعت من قبوله، فقيل لها: # إن ولدك صغير، ولا يجيز الشرع ولايته، وكان المخاطب لها في ذلك الغزالي، ~~فأذعنت له، وأجابت إليه، فخطب لولدها، ولقب ناصر الدنيا والدين، وكانت ~~الخطبة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من السنة، وخطب له بالحرمين ~~الشريفين. # ولما مات السلطان ملكشاه أرسلت تركان خاتون إلى أصبهان في القبض على ~~بركيارق ابن السلطان، وهو أكبر أولاده، خافته أن ينازع ولدها في السلطنة، ~~فقبض عليه، فلما ظهر موت ملكشاه وثب المماليك النظامية على سلاح كان لنظام ~~الملك بأصبهان، فأخذوه وثاروا في البلد، وأخرجوا بركيارق من الحبس، وخطبوا ~~له بأصبهان وملكوه، وكانت والدة بركيارق زبيدة ابنة ياقوتي بن داود، وهي ~~ابنة عم ملكشاه - خائفة على ولدها من خاتون أم محمود، فأتاها الفرج ~~بالمماليك النظامية. # وسارت تركان خاتون من بغداذ إلى أصبهان، فطالب العسكر تاج الملك ~~بالأموال، فوعدهم، فلما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها لينزل الأموال ~~منها، فلما استقر فيها عصى على خاتون، ولم ينزل خوفا من العسكر، فساروا ~~عنه، ونهبوا خزائنه، فلم يجدوا بها شيئا، فإنه كان قد علم ما جرى، فاستظهر ~~وأخفاه. # ولما وصلت تركان خاتون إلى أصبهان لحقها تاج الملك، واعتذر بأن مستحفظ ~~القلعة حبسه، وأنه هرب منه إليها، فقبلت عذره. # وأما بركيارق فإنه لما قاربت خاتون، وابنها محمود أصبهان خرج منها هو، ~~ومن معه من النظامية، وساروا نحو الري، فلقيهم أرغش النظامي في عساكره، ~~ومعه جماعة من الأمراء، وصاروا يدا واحدة، وإنما حمل النظامية على الميل ~~إلى بركيارق كراهتهم لتاج الملك لأنه كان عدو نظام الملك، والمتهم بقتله، ~~فلما اجتمعوا حصروا قلعة طبرك وأخذوها عنوة، فسيرت خاتون العساكر إلى قتال ~~بركيارق، # PageV08P363 # فالتقى العسكران بالقرب من بروجرد، فانحاز جماعة ms3602 من الأمراء الذين في ~~عسكر خاتون إلى بركيارق، منهم: الأمير يلبرد وكمشتكين الجاندار، وغيرهما، ~~فقوي بهم، وجرت الحرب بينهم أواخر ذي الحجة، واشتد القتال فانهزم عسكر ~~خاتون وعادوا إلى أصبهان، وسار بركيارق في أثرهم فحصرهم بأصبهان. # ذكر قتل تاج الملك كان تاج الملك مع عسكر خاتون، وشهد الوقعة، فهرب إلى ~~نواحي بروجرد، فأخذ وحمل إلى عسكر بركيارق، وهو يحاصر أصبهان، وكان يعرف ~~كفايته، فأراد أن يستوزره، فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية، وفرق ~~فيهم مائتي ألف دينار سوى العروض، فزال ما في قلوبهم. # فلما بلغ عثمان نائب نظام الملك الخبر ساءه، فوضع الغلمان الأصاغر على ~~الاستغاثة، وأن لا يقنعوا إلا بقتل قاتل صاحبهم، ففعلوا، فانفسخ ما دبره ~~تاج الملك، وهجم النظامية عليه فقتلوه، وفصلوه أجزاء، وكان قتله في المحرم ~~سنة ست وثمانين [وأربعمائة] ، وحملت إلى بغداذ إحدى أصابعه. # وكان كثير الفضائل، جم المناقب، وإنما غطى جميع محاسنه ممالأته على قتل ~~نظام الملك، وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعمل المدرسة ~~التي إلى جانبها، ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاشي، وكان عمره حين قتل سبعا ~~وأربعين سنة. # PageV08P364 # ذكر ما فعله العرب بالحجاج والكوفة # سار الحجاج هذه السنة من بغداذ، فقدموا الكوفة، ورحلوا منها فخرجت عليهم ~~خفاجة، وقد طمعوا بموت السلطان، وبعد العسكر، فأوقعوا بهم، وقتلوا أكثر ~~الجند الذين معهم، وانهزم باقيهم، ونهبوا الحجاج، وقصدوا الكوفة فدخلوها، ~~وأغاروا عليها، وقتلوا في أهلها، فرماهم الناس بالنشاب، فخرجوا بعد أن ~~نهبوا، وأخذوا ثياب من لقوه من الرجال والنساء، فوصل الخبر إلى بغداذ، ~~فسيرت العساكر منها، فلما سمع بهم بنو خفاجة انهزموا، فأدركهم العسكر، فقتل ~~منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم، وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة. # ذكر عدة حوادث # فيها، في ربيع الأول، عاد السلطان من بغداذ إلى أصبهان، وأخذ معه الأمير ~~أبا الفضل جعفر ابن الخليفة المقتدي بأمر الله من ابنة السلطان، وتفرق ~~الأمراء إلى بلادهم، (ثم عاد إلى بغداذ، فتوفي كما ذكرناه) . # وفيها، في جمادى الأولى، احترق نهر المعلى، فاحترق عقد ms3603 الحديد إلى خربة ~~الهراس، إلى باب دار الضرب، واحترق سوق الصاغة والصيارف، والمخلطين، ~~والريحانيين، وكان الحريق من الظهر إلى العصر، فاحترق منها الأمر العظيم في ~~الزمان القليل، واحترق من الناس خلق كثير، ثم ركب عميد الدولة بن جهير، ~~وزير الخليفة، وجمع السقائين، ولم يزل راكبا حتى طفئت النار. # PageV08P365 # [الوفيات] وفي هذه السنة توفي عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن ناقيا ~~الشاعر البغداذي، سمع الحديث، وكان يتهم بأنه يطعن على الشرائع، فلما مات ~~كانت يده مقبوضة، فلم يطق الغاسل فتحها، فبعد جهد فتحت فإذا فيها مكتوب: # نزلت بجار لا يخيب ضيفه ... أرجي نجاتي من عذاب جهنم # وإني على خوفي من الله واثق ... بإنعامه والله أكرم منعم # وفيها توفي هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد أبو القاسم الشيرازي ~~الحافظ، أحد الرحالين في طلب الحديث شرقا وغربا، وقدم الموصل من العراق، ~~وهو الذي أظهر سماع " الجعديات " لأبي محمد الصريفيني، ولم يكن يعرف ذلك. # PageV08P366 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة] ### | 486 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة # ذكر وزارة عز الملك بن نظام الملك لبركيارق # كان عز الملك أبو عبد الله الحسين بن نظام الملك مقيما بخوارزم، حاكما ~~فيها، وفي كل ما يتعلق بها، إليه المرجع في كل أمورها السلطانية، فلما كان ~~قبل أن يقتل أبوه حضر عنده خدمة له وللسلطان، فقتل أبوه، ومات السلطان، ~~فأقام بأصبهان إلى الآن. # فلما حصرها بركيارق، وكان أكثر عسكره النظامية، خرج من أصبهان هو وغيره ~~من إخوته، فلما اتصل ببركيارق احترمه، وأكرمه، وفوض أمور دولته إليه، وجعله ~~وزيرا له. # ذكر حال تتش بن ألب أرسلان # كان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق، وما جاورها من بلاد الشام، فلما كان ~~قبل موت أخيه السلطان ملكشاه، سار من دمشق إليه ببغداذ، فلما كان بهيت بلغه ~~موته، فأخذ هيت، واستولى عليها، وعاد إلى دمشق يتجهز لطلب السلطنة، فجمع ~~العساكر، وأخرج الأموال، وسار نحو حلب، وبها قسيم الدولة آقسنقر، فرأى قسيم ~~الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه، وصغرهم، فعلم ms3604 أنه لا يطيق دفع تتش، # PageV08P367 # فصالحه، وصار معه، وأرسل إلى ياغي سيان، صاحب أنطاكية، وإلى بوزان، صاحب ~~الرها وحران، يشير عليهما بطاعة تاج الدولة تتش حتى يروا ما يكون من أولاد ~~ملكشاه، ففعلوا، وصاروا معه، وخطبوا له في بلادهم، وقصدوا الرحبة، فحصروها، ~~وملكوها في المحرم من هذه السنة، وخطب لنفسه بالسلطنة. # ثم سار إلى نصيبين، فحصروها، فسب أهلها تاج الدولة، ففتحها عنوة وقهرا، ~~وقتل من أهلها خلقا كثيرا، ونهبت الأموال، وفعل فيها الأفعال القبيحة، ثم ~~سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي، وسار يريد الموصل، وأتاه ~~الكافي بن فخر الدولة بن جهير، وكان في جزيرة ابن عمر، فأكرمه، واستوزره. # ذكر وقعة المضيع، وأخذ الموصل من العرب كان إبراهيم بن قريش بن بدران، ~~أمير بني عقيل، قد استدعاه السلطان ملكشاه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ~~ليحاسبه، فلما حضر عنده اعتقله، وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد، فملك ~~الموصل وغيرها، وبقي إبراهيم مع ملكشاه، وسار معه إلى سمرقند، وعاد إلى ~~بغداذ، فلما مات ملكشاه أطلقته تركان خاتون من الاعتقال، فسار إلى الموصل. # وكان ملكشاه قد أقطع عمته صفية مدينة بلد، وكانت زوجة شرف الدولة، ولها ~~منه ابنها علي، وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة بأخيه إبراهيم، فلما مات ~~ملكشاه قصدت الموصل، ومعها ابنها علي، فقصدها محمد بن شرف الدولة، وأراد ~~أخذ الموصل، فافترقت العرب فرقتين: فرقة معه، وأخرى مع صفية وابنها علي، ~~واقتتلوا بالموصل عند الكناسة، فظفر علي، وانهزم محمد، وملك علي الموصل. # فلما وصل إبراهيم إلى جهينة، وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ، سمع أن # PageV08P368 # الأمير عليا ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها، ومعه أمه صفية، عمة ملكشاه، ~~فأقام مكانه، وراسل صفية خاتون، وترددت الرسل، فسلمت البلد إليه، فأقام به. # فلما ملك تتش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة، ويعطيه طريقا ~~إلى بغداذ لينحدر، ويطلب الخطبة بالسلطنة، فامتنع إبراهيم من ذلك، فسار تتش ~~إليه، وتقدم إبراهيم أيضا نحوه، فالتقوا بالمضيع، من أعمال الموصل، في ربيع ~~الأول، وكان إبراهيم في ms3605 ثلاثين ألفا، وكان تتش في عشرة آلاف، وكان آقسنقر ~~على ميمنته، وبوزان على ميسرته، فحمل العرب على بوزان فانهزم، وحمل آقسنقر ~~على العرب فهزمهم، وتمت الهزيمة على إبراهيم، والعرب، وأخذ إبراهيم أسيرا، ~~وجماعة من أمراء العرب، فقتلوا صبرا، ونهبت أموال العرب، وما معهم من ~~الإبل، والغنم، والخيل، وغير ذلك، وقتل كثير من النساء العرب أنفسهن خوفا ~~من السبي والفضيحة. # وملك تتش بلادهم الموصل، وغيرها، واستناب علي بن شرف الدولة مسلم، وأمه ~~صفية عمة تتش، وأرسل إلى بغداذ يطلب الخطبة، وساعده كوهرائين على ذلك، فقيل ~~لرسوله: إنا ننتظر وصول الرسل من العسكر فعاد إلى تتش بالجواب. # ذكر ملك تتش ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام # فلما فرغ تاج الدولة تتش من أمر العرب، وملك الموصل وغيرها من بلادهم، ~~سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر، فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن ~~مروان، وسار منها إلى أذربيجان. فانتهى خبره إلى ابن أخيه ركن الدين ~~بركيارق، وكان قد استولى على كثير من البلاد، منها: الري، وهمذان، وما ~~بينهما، فلما تحقق الحال سار في عساكره ليمنع عمه عن البلاد، فلما تقارب ~~العسكران قال قسيم الدولة آقسنقر # PageV08P369 # لبوزان: إنما أطعنا هذا الرجل لننظر ما يكون من أولاد صاحبنا، والآن فقد ~~ظهر ابنه، ونريد أن نكون معه. فاتفقا على ذلك وفارقا تتش، وصارا مع ~~بركيارق. # فلما رأى تاج الدولة تتش ذلك علم أنه لا قوة له بهم، فعاد إلى الشام، ~~واستقامت البلاد لبركيارق، فلما قوي أمره سار كوهرائين إلى العسكر يعتذر من ~~مساعدته لتاج الدولة تتش وأعانه برسق، وتعصب عليه كمشتكين الجاندار، فأخذ ~~إقطاعه، وأعطي الأمير يلبرد زيادة، وولي شحنكية بغداذ عوض كوهرائين، وتفرق ~~عن كوهرائين أصحابه، فكان ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر حصر عسكر مصر صور وملكهم لها # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، ملك عسكر المستنصر بالله العلوي، صاحب ~~مصر، مدينة صور. # وسبب ذلك ما ذكرناه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة: أن أمير الجيوش بدرا، ~~وزير المستنصر، سير العساكر إلى مدينة ms3606 صور، وغيرها، من ساحل الشام، وكان من ~~بها قد امتنع من طاعتهم، فملكها، وقرر أمورها، وجعل فيها الأمراء. # وكان قد ولى مدينة صور الأمير الذي يعرف بمنير الدولة الجيوشي، فعصى على ~~المستنصر وأمير الجيوش، وامتنع بصور، فسيرت العساكر من مصر إليه، وكان أهل ~~صور قد أنكروا على منير الدولة عصيانه على سلطانه، فلما وصل العسكر # PageV08P370 # المصري إلى صور وحصروها وقاتلوها ثار أهلها، ونادوا بشعار المستنصر، ~~وأمير الجيوش، وسلموا البلد، وهجم العسكر المصري بغير مانع، ولا مدافع، ~~ونهب من البلد شيء كثير، وأسر منير الدولة، ومن معه من أصحابه، وحملوا إلى ~~مصر، وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار، فأجحفت بهم. # ولما وصل منير الدولة إلى مصر، ومعه الأسرى قتلوا جميعهم، ولم يعف عن ~~واحد منهم. # ذكر قتل إسماعيل بن ياقوتي خال بركيارق # في هذه السنة، في شعبان، قتل إسماعيل بن ياقوتي بن داود، وهو خال ~~بركيارق، وابن عم ملكشاه. # وسبب قتله أنه كان بأذربيجان أميرا عليها، فأرسلت إليه تركان خاتون، زوجة ~~ملكشاه، تطمعه أن تتزوج به، وتدعوه إلى محاربة بركيارق، فأجابها إلى ذلك، ~~وجمع خلقا من التركمان وغيرهم، وصار أصحاب سرهنك ساوتكين في خيله، وأرسلت ~~إليه تركان خاتون كربوقا، وغيره من الأمراء، في عسكر كثير مددا له، فجمع ~~بركيارق عساكره، وسار إلى حرب خاله إسماعيل، فالتقوا عند الكرج، فانحاز ~~الأمير يلبرد إلى بركيارق، وصار معه، فانهزم إسماعيل وعسكره، وتوجه إلى ~~أصبهان، فأكرمته تركان خاتون، وخطبت له، وضربت اسمه على الدينار بعد ابنها ~~محمود بن ملكشاه. # وكاد الأمر في الوصلة يتم بينهما، فامتنع الأمراء من ذلك لا سيما الأمير ~~أنر، # PageV08P371 # وهو مدبر الأمر، وصاحب الجيش، وآثروا خروج إسماعيل عنهم، وخافوه، وخاف هو ~~أيضا منهم، ففارقهم، وراسل أخته زبيدة والدة بركيارق في اللحاق بهم، فأذنت ~~له في ذلك، فوصل إليهم، وأقام عندهم أياما يسيرة، فخلا به كمشتكين ~~الجاندار، وآقسنقر، وبوزان، وبسطوه في القول، فأطلعهم على سره، وأنه يريد ~~السلطنة، وقتل بركيارق، فوثبوا عليه فقتلوه، وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه. # ذكر أخذ الحجاج ms3607 # في هذه السنة انقطع الحج من العراق لأسباب أوجبت ذلك، وسار الحاج من دمشق ~~مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها، فلما قضوا حجهم وعادوا سائرين سير ~~أمير مكة، وهو محمد بن أبي هاشم، عسكرا فلحقوهم بالقرب من مكة، ونهبوا ~~كثيرا من أموالهم وجمالهم، فعادوا إليه، ولقوه، وسألوه أن يعيد عليهم ما ~~أخذ منهم، وشكوا إليه بعد ديارهم، فأعاد بعض ما أخذ منهم، فلما أيسوا منه ~~ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة، فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من ~~العرب في عدة جهات، فصانعوهم على مال أخذوه من الحاج، بعد أن قتل منهم ~~جماعة وافرة، وهلك فيه كثيرون بالضعف والانقطاع، وعاد السالم على أقبح ~~صورة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قدم إلى بغداذ أردشيرين بن منصور أبو ~~الحسين الواعظ، العبادي، وأكثر الوعظ بالمدرسة النظامية، وهو مروزي، وقدم ~~بغداذ قاصدا للحج، وكان له قبول عظيم، بحيث إن الغزالي وغيره من الأئمة ~~ومشايخ الصوفية الكبار يحضرون مجلسه، وذرع في بعض المجالس الأرض التي فيها ~~الرجال، # PageV08P372 # فكان طولها مائة وخمسة وسبعين ذراعا، وعرضها مائة وعشرين ذراعا، وكانوا ~~يزدحمون ازدحاما كثيرا، وكان النساء أكثر من ذلك، وكان له كرامات ظاهرة، ~~وعبادات كثيرة. # وكان سبب منعه من الوعظ أنه نهى أن يتعامل الناس ببيع القراضة بالصحيح، ~~وقال: هو ربا، فمنع من الوعظ، وأخرج من البلد. # وفيها وقعت الفتنة ببغداذ بين العامة، وقصد كل فريق الفريق الآخر، وقطعوا ~~الطرقات بالجانب الغربي، وقتل أهل النصرية مصلحيا، فأرسل كوهرائين فأحرقها، ~~واتصلت الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة، وكان للعميد الأغر أبي المحاسن ~~الدهستاني في إطفاء هذه الفتنة أثر حسن. # وفيها، في شعبان، سار سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى السلطان بركيارق، ~~فلقيه بنصيبين، وسار معه إلى بغداذ، فوصلها في ذي القعدة ومعه وزيره عز ~~الملك بن نظام الملك، وخرج عميد الدولة والناس إلى لقائه من عقرقوف. # وفيها ولد للمستظهر بالله ولد سمي الفضل، وكني أبا منصور، ولقب عمدة ~~الدين، وهو المسترشد بالله. # وفيها، ms3608 في رمضان، قتل الأمير يلبرد، قتله بركيارق، وكان من الأمراء ~~الكبار مع أبيه، فزاده بركيارق إقطاع كوهرائين، وشحنكية بغداذ، فلما وصل ~~إلى دقوقا أعيد منها لأنه تكلم، فيما يتعلق بوالدة السلطان بركيارق، بكلام ~~شنيع، فلما وصل إليه أصبح مقتولا. # [الوفيات] # وفيها (في المحرم) توفي علي بن أحمد بن يوسف أبو الحسن القرشي، # PageV08P373 # الهكاري، المعروف بشيخ الإسلام، وكان فاضلا، عابدا، كثير السماع، إلا أن ~~الغرائب في حديثه كثيرة لا يدرى ما سببها. # (والأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر العجلي، المعروف بابن ~~ماكولا، مصنف كتاب " الإكمال "، قتله غلمانه الأتراك بكرمان، ومولده سنة ~~اثنتين وأربعمائة، وكان حافظا) . # وفيها، في صفر، توفي أبو محمد عامر الضرير، وكان فقيها شافعيا، مقرئا، ~~نحويا، وكان يصلي في رمضان بالإمام المقتدي بأمر الله. # وفي جمادى الأولى توفي الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي، وأمه ابنة ~~السلطان ملكشاه، وإليه تنسب " الجعفريات ". # وفي رجب توفي الشيخ أبو سعد عبد الواحد بن أحمد بن المحسن الوكيل ~~بالمخزن، وكان فقيها شافعيا، كثير الإحسان إلى أهل العلم، وكان محمودا في ~~ولايته. # وفيها توفي كمال الملك الدهستاني الذي كان عميد بغداذ. # وفي رمضان توفي المشطب بن محمد الحنفي بالكحيل من أرض الموصل، وكان ~~الخليفة قد أرسله إلى بركيارق، وكان بالموصل، ومعه تاج الرؤساء أبو نصر بن ~~الموصلايا، وكان شيخا كبيرا عالما، مكرما عند الملوك، وحمل إلى العراق، ~~ودفن عند أبي حنيفة # PageV08P374 # وفيه توفي القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم البرزبيني، قاضي باب الأزج، ~~وولي مكانه القاضي أبو المعالي عزيزي، وكان أبو المعالي شافعيا، أشعريا، ~~مغاليا، وله مع أهل باب الأزج أقاصيص وحكايات عجيبة. # وفيها توفي نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل أبو الليث، وأبو الفتح ~~التنكتي، له كنيتان، سافر [في] البلاد شرقا وغربا، روى صحيح مسلم وغيره، ~~وكان ثقة، ومولده سنة ست وأربعمائة. # وفي ذي الحجة منها توفي أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي، ~~الفقيه، وكان وافر العلم، غزير الدين، حسن الوعظ والسمت. # PageV08P375 ### | [ثم دخلت ms3609 سنة سبع وثمانين وأربعمائة] ### | 487 - # ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة # ذكر الخطبة للسلطان بركيارق # في هذه السنة، يوم الجمعة رابع عشر المحرم، خطب ببغداذ للسلطان بركيارق ~~بن ملكشاه، وكان قدمها أواخر سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأرسل إلى الخليفة ~~المقتدي بأمر الله يطلب الخطبة، فأجيب إلى ذلك، وخطب له، ولقب ركن الدين. # وحمل الوزير عميد الدولة بن جهير الخلع إلى بركيارق، فلبسها، وعرض ~~التقليد على الخليفة ليعلم عليه، فعلم فيه، وتوفي فجأة على ما نذكره، إن ~~شاء الله تعالى، وولي ابنه الإمام المستظهر بالله الخلافة، فأرسل الخلع ~~والتقليد إلى السلطان بركيارق، فأقام ببغداذ إلى ربيع من السنة، وسار عنها ~~إلى الموصل. # ذكر وفاة المقتدي بأمر الله # في هذه السنة، يوم السبت خامس عشر المحرم، توفي الإمام المقتدي بأمر الله ~~أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأة، ~~وكان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه، فقرأه، وتدبره، وعلم ~~فيه، ثم قدم إليه طعام، # PageV08P376 # فأكل منه، وغسل يديه، وعنده قهرمانته شمس النهار، فقال لها: ما هذه ~~الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر شيئا، ورأيته قد ~~تغيرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوته، وسقط إلى الأرض، فظننتها ~~غشية قد لحقته، فحللت أزرار ثوبه، فوجدته وقد ظهرت عليه أمارات الموت، ومات ~~لوقته، قالت: فتماسكت، وقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، ~~فإن صحت قتلتك، وأحضرت الوزير فأعلمته الحال، فشرعوا في البيعة لولي العهد، ~~وجهزوا المقتدي، وصلى عليه ابنه المستظهر بالله، ودفنوه. # وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، وكانت خلافته تسع ~~عشرة سنة وثمانية أشهر غير يومين، وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان، وتدعى ~~قرة العين، أدركت خلافته، وخلافة ابنه المستظهر بالله، وخلافة ابن ابنه ~~المسترشد بالله. # ووزر له فخر الدولة أبو نصر بن جهير، ثم أبو شجاع، ثم عميد الدولة أبو ~~منصور بن جهير. # وقضاته: أبو عبد الله الدامغاني، ثم أبو بكر الشامي. # وكانت أيامه كثيرة الخير، واسعة ms3610 الرزق، وعظمت الخلافة أكثر مما كان من ~~قبله، وانعمرت ببغداذ عدة محال في خلافته منها: البصلية، والقطيعة، ~~والحلبة، والمقتدية، والأجمة، ودرب القيار، وخربة ابن جردة، وخربة الهراس، ~~والخاتونيتين. # PageV08P377 # وأمر بنفي المغنيات، والمفسدات من بغداذ، وبيع دورهن، فنفين، ومنع الناس ~~أن يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وقلع الهرادي، والأبراج التي للطيور، ومنع ~~من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى ~~دجلة، وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، وأمر أن من يغسل السمك المالح يعبر ~~إلى النجمي فيغسله هناك، ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين، ~~وكان قوي النفس، عظيم الهمة من رجال بني العباس. # ذكر خلافة المستظهر بالله # لما توفي المقتدي بأمر الله، أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله، ~~وأعلم بموته، وحضر الوزير فبايعه، وركب إلى السلطان بركيارق، فأعلمه الحال، ~~وأخذ بيعته للمستظهر بالله. # فلما كان اليوم الثالث من موت المقتدي أظهر ذلك، وحضر عز الملك بن نظام ~~الملك وزير بركيارق، وأخوه بهاء الملك، وأمراء السلطان، وجميع أرباب ~~المناصب: النقيبان طراد العباسي، والمعمر العلوي في أصحابهما، وقاضي ~~القضاة، والغزالي، والشاشي، وغيرهما من العلماء، فجلسوا في العزاء، ~~وبايعوا، وكان للمستظهر بالله لما بويع ست عشرة سنة وشهران. # ذكر قتل قسيم الدولة آقسنقر، وملك تتش حلب والجزيرة وديار بكر، وأذربيجان ~~وهمذان، والخطبة له ببغداذ # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قتل قسيم الدولة آقسنقر، جد ملوكنا ~~بالموصل الآن، أولاد الشهيد زنكي بن آقسنقر. # PageV08P378 # وسبب قتله أن تاج الدولة تتش لما عاد من أذربيجان منهزما لم يزل يجمع ~~العساكر، فكثرت جموعه، وعظم حشده، فسار في هذا التاريخ عن دمشق نحو حلب ~~ليطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة آقسنقر، وبوزان، وأمدهما ركن الدين ~~بركيارق بالأمير كربوقا الذي صار بعد صاحب الموصل، فلما اجتمعوا ساروا إلى ~~طريقه، فلقوه عند نهر سبعين قريبا من تل السلطان، بينه وبين حلب ستة فراسخ، ~~واقتتلوا، واشتد القتال، فخامر بعض العسكر الذين مع آقسنقر، فانهزموا، ~~وتبعهم الباقون، فتمت الهزيمة، وثبت آقسنقر، فأخذ أسيرا، وأحضر عند تتش، ms3611 ~~فقال له: لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ قال: كنت أقتلك! فقال له: أنا أحكم عليك ~~بما كنت تحكم علي، فقتله صبرا. # وسار نحو حلب، وكان قد دخل إليها كربوقا، وبوزان، فحفظاها منه، وحصرها ~~تتش ولج في قتالها حتى ملكها، (سلمها إليه المقيم بقلعة الشريف، ومنها دخل ~~البلد، وأخذهما أسيرين، وأرسل إلى حران والرها ليسلموه من بهما - وكانتا ~~لبوزان - فامتنعوا من التسليم إليه، فقتل بوزان، وأرسل رأسه إليهم) وتسلم ~~البلدين. # وأما كربوقا فإنه أرسله إلى حمص، فسجنه بها إلى أن أخرجه الملك رضوان بعد ~~قتل أبيه تتش. # وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته، وحفظا لهم، وكانت بلاده بين ~~رخص عام، وعدل شامل، وأمن واسع، وكان قد شرط على أهل كل قرية من بلاده، متى ~~أخذ عندهم قفل، أو أحد من الناس، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من # PageV08P379 # الأموال من قليل وكثير، فكانت السيارة، إذا بلغوا قرية من بلاده، ألقوا ~~رحالهم وناموا، وحرسهم أهل القرية إلى أن يرحلوا، فأمنت الطرق. # وأما وفاؤه، وحسن عهده، فيكفيه فخرا أنه قتل في حفظ بيت صاحبه وولي ~~نعمته. # فلما ملك تتش حران والرها سار إلى الديار الجزرية فملكها جميعها، ثم ملك ~~ديار بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملك بلادها كلها، ثم سار منها إلى ~~همذان فملكها، ورأى بها فخر الملك بن نظام الملك، وكان بخراسان، فسار منها ~~إلى السلطان بركيارق ليخدمه، فوقع عليه الأمير قماج، وهو من عسكر محمود ابن ~~السلطان ملكشاه بأصبهان، فنهب فخر الملك، فهرب منه ونجا بنفسه، فجاء إلى ~~همذان فصادفه تتش بها، فأراد قتله، فشفع فيه ياغي سيان، وأشار عليه أن ~~يستوزره لميل الناس إلى بيته، فاستوزره، وأرسل إلى بغداذ يطلب الخطبة من ~~الخليفة المستظهر بالله، وكان شحنته ببغداذ أيتكين جب، فلازم الخدمة ~~بالديوان، وألح في طلبها، فأجيب إلى ذلك بعد أن سمعوا أن بركيارق قد انهزم ~~من عسكر عمه تتش، على ما نذكره. # ذكر انهزام بركيارق من عمه تتش وملكه أصبهان بعد ذلك # في هذه السنة، في شوال، انهزم ms3612 بركيارق من عسكر عمه تتش. وكان بركيارق ~~بنصيبين، فلما سمع بمسير عمه إلى أذربيجان، سار هو من نصيبين، وعبر دجلة من ~~بلد فوق الموصل، وسار إلى إربل، ومنها إلى بلد سرخاب بن بدر إلى أن بقي # PageV08P380 # بينه وبين عمه تسعة فراسخ، ولم يكن معه غير ألف رجل، وكان عمه في خمسين ~~ألف رجل، فسار الأمير يعقوب بن آبق من عسكر عمه، فكبسه، وهزمه، ونهب سواده، ~~ولم يبق معه إلا برسق، وكمشتكين الجاندار، واليارق، وهم من الأمراء الكبار، ~~فسار إلى أصبهان. # وكانت خاتون أم أخيه محمود قد ماتت، على ما نذكره، فمنعه من بها من ~~الدخول إليها، ثم أذنوا له خديعة منهم ليقبضوا عليه، فلما قاربها خرج أخوه ~~الملك محمود فلقيه، ودخل البلد، واحتاطوا عليه، فاتفق أن أخاه محمودا حم ~~وجدر، فأراد الأمراء أن يكحلوا بركيارق، فقال لهم أمين الدولة بن التلميذ ~~الطبيب: إن الملك محمودا قد جدر، وما كأنه يسلم منه، وأراكم تكرهون أن ~~يليكم، ويملك البلاد تاج الدولة، فلا تعجلوا على بركيارق، فإن مات محمود ~~أقيموه ملكا، وإن سلم محمود فأنتم تقدرون على كحله. فمات محمود سلخ شوال، ~~فكان هذا من الفرج بعد الشدة، وجلس بركيارق للعزاء بأخيه. # وكان مولد محمود في صفر سنة ثمانين وأربعمائة، وقصده مؤيد الملك بن نظام ~~الملك، فاستوزره في ذي الحجة، وكان أخوه عز الملك بن نظام الملك قد مات لما ~~كان مع بركيارق بالموصل، وحمل إلى بغداذ، فدفن بالنظامية # وكان أصبح الناس وجها، وأحسنهم خلقا وسيرة، وكان قد أجرى الناس على ما ~~بأيديهم من توقيعات أبيه في الإطلاقات من خاصته، منها ببغداذ مائتا كر غلة، ~~وثمانية عشر ألف دينار أميري. # ثم إن بركيارق جدر، بعد أخيه، وعوفي وسلم، فلما عوفي كاتب مؤيد الملك ~~وزيره الأمراء العراقيين، والخراسانيين، واستمالهم، فعادوا كلهم إلى ~~بركيارق، فعظم شأنه وكثر عسكره. # PageV08P381 # ذكر وفاة أمير الجيوش بمصر # في هذه السنة، (في ذي القعدة) ، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي، صاحب ~~الجيش بمصر، وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في ms3613 دولة المستنصر، ~~والمرجوع إليه. # وكان قد استعمله على الشام سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وجرى بينه وبين ~~الرعية والجند بدمشق ما خاف [منه] على نفسه، فخرج عنها هاربا، وجمع وحشد، ~~وقدم إلى الشام فاستولى عليه بأسره سنة ست وخمسين وأربعمائة، ثم خالفه أهل ~~دمشق مرة أخرى، فهرب منهم سنة ستين، وخرب العامة والجند قصر الإمارة، ثم ~~مضى أمير الجيوش إلى مصر، وتقدم بها، وصار صاحب الأمر. # قال علقمة بن (عبد الرزاق) العليمي: قصدت بدرا الجمالي بمصر، فرأيت أشراف ~~الناس، وكبراءهم، وشعراءهم على بابه، قد طال مقامهم، ولم يصلوا إليه، قال: ~~فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرج علقمة في أثره، وأقام إلى أن ~~رجع من صيده، فلما قاربه وقف على نشز من الأرض، وأومأ برقعة في يده، وأنشأ ~~يقول: # نحن التجار وهذه أعلاقنا ... در وجود يمينك المبتاع # قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع # كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع # فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع # حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونك السمسار والبياع # فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع # وسبقت هذا الناس في طلب العلى ... فالناس بعدك كلهم أتباع # يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا # PageV08P382 # وكان على يد بدر بازي فألقاه وانفرد عن الجيش، وجعل يسترد الأبيات وهو ~~ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته: من أحبني ~~فليخلع على هذا الشاعر، فخرج من عنده، ومعه سبعون بغلا، يحمل الخلع والتحف، ~~وأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج من عنده، وفرق كثيرا من ذلك على الشعراء، ~~ولما مات بدر قام بما كان إليه ابنه الأفضل. # ذكر وفاة المستنصر، وولاية ابنه المستعلي # في هذه السنة، ثامن عشر ذي الحجة، توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن ~~أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله العلوي، صاحب مصر والشام، وكانت ~~خلافته ستين سنة وأربعة أشهر، وكان عمره سبعا وستين سنة، وهو الذي خطب له ms3614 ~~البساسيري ببغداذ، وقد ذكرنا ذلك. # وكان الحسن بن الصباح، رئيس هذه الطائفة الإسماعيلية، قد قصده في زي ~~تاجر، واجتمع به، وخاطبه في إقامة الدعوة له ببلاد العجم، فعاد ودعا الناس ~~إليه سرا، ثم أظهرها، وملك القلاع، كما ذكرناه، وقال للمستنصر: من إمامي ~~بعدك؟ فقال: ابني نزار، وهو أكبر أولاده، والإسماعيلية إلى يومنا هذا ~~يقولون بإمامة نزار. # ولقي المستنصر شدائد وأهوالا، وانفتقت عليه الفتوق بديار مصر، أخرج فيها ~~أمواله وذخائره إلى أن بقي لا يملك غير سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا ~~صابر غير خاشع، وقد أتينا على ذكر هذا سنة سبع وستين وأربعمائة وغيرها. # ولما مات ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بالله، ومولده في ~~المحرم سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان قد عهد في حياته بالخلافة لابنه ~~نزار، فخلعه الأفضل وبايع المستعلي بالله. # وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة، أيام المستنصر، ودخل دهليز القصر من # PageV08P383 # باب الذهب راكبا، ونزار خارج، والمجاز مظلم، فلم يره الأفضل، فصاح به ~~نزار: # انزل، يا أرمني، كلب، عن الفرس، ما أقل أدبك فحقدها عليه، فلما مات ~~المستنصر خلعه خوفا منه على نفسه، وبايع المستعلي، فهرب نزار إلى ~~الإسكندرية، وبها ناصر الدولة أفتكين، فبايعه أهل الإسكندرية، وسموه ~~المصطفى لدين الله، فخطب الناس، ولعن الأفضل، وأعانه أيضا القاضي جلال ~~الدولة بن عمار، قاضي الإسكندرية، فسار إليه الأفضل، وحاصره بالإسكندرية، ~~فعاد عنه مقهورا، ثم ازداد عسكرا، وسار إليه فحصره وأخذه، وأخذ أفتكين ~~فقتله، وتسلم المستعلي نزارا فبنى عليه حائطا فمات، وقتل القاضي جلال ~~الدولة بن عمار ومن أعانه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، رأى بعض اليهود بالغرب رؤيا أنهم سيطيرون، ~~فأخبر اليهود بذلك، فوهبوا أموالهم وذخائرهم، وجعلوا ينتظرون الطيران، فلم ~~يطيروا، وصاروا ضحكة بين الأمم. # وفي هذه الشهر كانت بالشام زلازل كثيرة متتابعة يطول مكثها، إلا أنه لم ~~يكن الهدم كثيرا. # PageV08P384 # وفيها كانت الفتنة بين أهل نهر طابق وأهل باب الأرجا، فاحترقت نهر طابق، ~~وصارت تلولا، فلما احترقت عبر يمن، صاحب الشرطة، ms3615 فقتل رجلا مستورا، فنفر ~~الناس منه، وعزل في اليوم الثالث. # وفيها توفي محمد بن أبي هاشم الحسيني، أمير مكة، وقد جاوز سبعين سنة، ولم ~~يكن له ما يمدح به، وكان قد نهب بعض الحجاج سنة ست وثمانين وأربعمائة وقتل ~~منهم خلقا كثيرا. # وفيها، في ربيع الأول، قتل السلطان بركيارق عمه تكش وغرقه، وقتل ولده ~~معه، وكان ملكشاه قد أخذه، لما خرج عليه، وكحله، وحبسه بقلعة تكريت، فلما ~~ملك بركيارق أحضره إليه ببغداذ، وسار بمسيره، فظفر بملطفات إليه من أخيه ~~تتش يحثه على اللحاق به، وقيل إنه أراد المسير إلى بلخ لأن أهلها كانوا ~~يريدونه، فقتله، فلما غرق بقي بسر من رأى، فحمل إلى بغداذ، فدفن عند قبر ~~أبي حنيفة. # وفيها، في جمادى الآخرة، كانت وقعة بين الأمير أنر وتورانشاه، ابن قاورت ~~بك، وكانت تركان خاتون الجلالية، والدة محمود بن ملكشاه، قد أرسلته في عسكر ~~ليأخذ بلاد فارس من تورانشاه، ولم يحسن الأمير أنر تدبير بلاد فارس، ~~فاستوحش منه الأجناد، واجتمعوا مع تورانشاه، وهزموا أنر، ومات تورانشاه، ~~بعد الكسرة (بشهر من سهم) أصابه فيها. # وفيها استولى أصبهبذ بن ساوتكين على مكة، حرسها الله، عنوة، وهرب منها ~~الأمير قاسم بن أبي هاشم العلوي صاحبها، وأقام بها إلى شوال، وجمع الأمير ~~قاسم، # PageV08P385 # وكبسه بعسفان، وجرى بينهما حرب في شوال من هذه السنة، فانهزم أصبهبذ، ~~ودخل قاسم إلى مكة، ومضى أصبهبذ إلى الشام، وقدم إلى بغداذ. # وفيها في رجب، أحرق شحنة بغداذ، وهو أيتكين، جب باب البصرة، وسبب ذلك أن ~~النقيب طرادا الزينبي كان له كاتب يعرف بابن سنان، فقتل، فأنفذ النقيب إلى ~~الشحنة يستدعي منه من يقيم السياسة، فأنفذ حاجبه محمدا، فرجمه أهل باب ~~البصرة، وأدموه، فرجع إلى صاحبه فشكا إليه منهم، فأمر أخاه بقصدهم، ~~ومعاقبتهم على فعلهم، فسار إليهم في جماعة كثيرة، وتبعهم أهل الكرخ، ~~فأحرقوا ونهبوا، فأرسل الخليفة إلى الشحنة يأمره بالكف عنهم فكف. # [الوفيات] # وفيها في رمضان، توفيت تركان خاتون الجلالية بأصبهان، وهي ابنة طفغاج ~~خان، وهو من نسل إفراسياب ms3616 التركي، وكانت قد برزت من أصبهان لتسير إلى تاج ~~الدولة تتش لتتصل به، فمرضت وعادت وماتت، وأوصت إلى الأمير أنر وإلى الأمير ~~سرمز شحنة أصبهان بحفظ المملكة على ابنها محمود، ولم يكن بقي بيدها سوى ~~قصبة أصبهان، ومعها عشرة آلاف فارس أتراك. # وفيها في ذي القعدة، توفي أبو الحسن بن الموصلايا، كاتب ديوان الزمام ~~ببغداذ. # PageV08P386 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة] ### | 488 - # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة # ذكر دخول جمع من الترك إفريقية وما كان منهم # في هذه السنة غدر شاهملك التركي بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وقبض ~~عليه. # وكان شاهملك هذا من أولاد بعض الأمراء الأتراك ببلاد المشرق، فناله في ~~بلده أمر اقتضى خروجه منه، فسار إلى مصر في مائة فارس، فأكرمه الأفضل أمير ~~الجيوش، وأعطاه إقطاعا ومالا، ثم بلغه عنه أسباب أوجبت إخراجه من مصر، فخرج ~~هو، وأصحابه هاربين، فاحتالوا حتى أخذوا سلاحا، وخيلا، وتوجهوا إلى المغرب، ~~فوصلوا إلى طرابلس الغرب، وأهل البلد كارهون لواليها، فأدخلوهم البلد، ~~وأخرجوا الوالي، وصار شاهملك أمير البلد. # فسمع تميم الخبر، فأرسل العساكر إليها، فحصروها، وضيقوا على الترك ~~ففتحوها، ووصل شاهملك معهم إلى المهدية، فسر به تميم وبمن معه، وقال: ولد ~~لي مائة ولد أنتفع بهم، وكانوا لا يخطئ لهم سهم. # فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما عليهم، فعلم شاهملك ذلك، وكان ~~داهيا، خبيثا، فخرج يحيى بن تميم إلى الصيد في جماعة من أعيان أصحابه نحو ~~مائة فارس، ومعه شاهملك، وكان أبوه تميم قد تقدم إليه أن لا يقرب شاهملك، ~~فلم يقبل. فلما أبعدوا في طلب الصيد غدر به شاهملك فقبض عليه، وسار به، ~~وبمن أخذ معه من أصحابه إلى مدينة سفاقس. # وبلغ الخبر تميما، فركب، وسير العساكر في أثرهم، فلم يدركوهم، ووصل # PageV08P387 # شاهملك بيحيى بن تميم إلى سفاقس، فركب صاحبها، واسمه حمو، وكان قد خالف ~~على تميم، ولقي يحيى، ومشى في ركابه راجلا، وقبل يده، وعظمه، واعترف له ~~بالعبودية، فأقام عنده أياما، ولم يذكره أبوه بكلمة، ms3617 وكان قد جعله ولي ~~عهده، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا له آخر اسمه المثنى. # ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند، وأهل البلد، ~~ويملكوه عليهم، فأرسل إلى تميم كتابا يسأله في إنفاذ الأتراك، وأولادهم ~~إليه ليرسل ابنه يحيى، ففعل ذلك بعد امتناع، وقدم يحيى، فحجبه أبوه عنه ~~مدة، ثم أعاده إلى حاله، ورضي عنه، ثم جهز تميم عسكرا إلى سفاقس، ويحيى ~~معهم، فساروا إليها، وحصروها، برا وبحرا، وضيقوا على الأتراك بها، وأقاموا ~~عليها شهرين، واستولوا عليها، (وفارقها الأتراك إلى قابس) . # وكان تميم لما رضي عن ابنه يحيى عظم ذلك على ابنه الآخر المثنى، وداخله ~~الحسد، فلم يملك نفسه، فنقل عنه إلى أبيه ما غير قلبه عليه، فأمر بإخراجه ~~من المهدية بأهله، وأصحابه، فركب في البحر ومضى إلى سفاقس، فلم يمكنه عامله ~~من الدخول إليها، وقصد مدينة قابس، وبها أمير يقال له مكين بن كامل ~~الدهسماني، فأنزله، وأكرمه، فحسن له المثنى الخروج معه إلى سفاقس، ~~والمهدية، وأطمعه فيهما، وضمن الإنفاق على الجند من ماله، فجمع مكين من ~~يمكنه جمعه، وسار إلى سفاقس، ومعهما شاهملك التركي وأصحابه، فنزلوا على ~~سفاقس وقاتلوها. # وسمع تميم، فجرد إليها جندا، فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طاقة لهم ~~بها ساروا عنها إلى المهدية، فنزلوا عليها، وقاتلوها، وكان الذي يتولى ~~القتال في المهدية يحيى بن تميم، وظهرت منه شهامة، وشجاعة، وحزم، وحسن ~~تدبير، فلم يبلغ أولئك منها غرضا، فعادوا خائبين، وقد تلف ما كان مع المثنى ~~من مال، وغيره، وعظم أمر يحيى، وصار هو المشار إليه. # PageV08P388 # ذكر قتل أحمد خان صاحب سمرقند # في هذه السنة، في المحرم، قتل أحمد خان، صاحب سمرقند، وكان قد كرهه عسكره ~~واتهموه بفساد الاعتقاد، وقالوا: هو زنديق. # وكان سبب ذلك أن السلطان ملكشاه، لما فتح سمرقند وأسر أحمد خان هذا، قد ~~وكل به جماعة من الديلم، فحسنوا له معتقدهم، وأخرجوه إلى الإباحة، فلما عاد ~~إلى سمرقند كان يظهر منه أشياء تدل على انحلاله من الدين، ms3618 فلما كرهه ~~أصحابه، وعزموا على قتله، قالوا لمستحفظ قلعة كاسان، وهو طغرل ينال بك، ~~ليظهر العصيان ليسير أحمد خان معهم من سمرقند إلى قتاله، فيتمكنوا من قتله، ~~فعصى طغرل ينال بك، فسار أحمد خان والعسكر إلى قتاله، فلما نازل القلعة ~~تمكن العسكر منه، وقبضوا عليه، وعادوا إلى سمرقند، وأحضروا القضاة ~~والفقهاء، وأقاموا خصوما ادعوا عليه الزندقة، فجحد، فشهد عليه جماعة بذلك، ~~فأفتى الفقهاء بقتله، فخنقوه، وأجلسوا ابن عمه مسعودا مكانه وأطاعوه. # ذكر ما فعله يوسف بن آبق ببغداذ # في هذه السنة، في صفر، سير الملك تتش يوسف بن آبق التركماني شحنة لبغداذ، ~~ومعه جمع من التركمان، فمنع من دخول بغداذ، وورد إليه صدقة بن مزيد صاحب ~~الحلة، وكان يكره تتش، ولم يخطب له في بلاده، فلما سمع ابن آبق بوصوله عاد ~~إلى طريق خراسان ونهب باجسرا، وقاتله العسكر ببعقوبا، فهزمهم ونهبهم أفحش ~~نهب وأكثر معه من التركمان وعاد إلى بغداذ. # PageV08P389 # وكان صدقة قد رجع إلى الحلة، فدخل يوسف بن آبق إلى بغداذ، وأراد نهبها ~~والإيقاع بأهلها، فمنعه أمير كان معه من ذلك، ثم وصل إليه الخبر بقتل تتش، ~~فرحل عن بغداذ إلى الموصل، وسار من هناك إلى حلب. # ذكر الحرب بين بركيارق، وتتش، وقتل تتش # في هذه السنة، في صفر، قتل تتش بن ألب أرسلان. # وكان سبب ذلك أنه لما هزم السلطان بركيارق، كما ذكرناه، سار من موضع ~~الوقعة إلى همذان، وقد تحصن بها أمير آخر، فرحل تتش عنها، فتبعه أمير آخر ~~لأجل أثقاله، فعاد عليه تتش فكسره، فعاد إلى همذان، واستأمن إليه، وصار ~~معه. # وبلغ تتش مرض بركيارق، فسار إلى أصبهان، فاستأذنه أمير آخر في قصد ~~جرباذقان لإقامة الضيافة وما يحتاج إليه، فأذن له، فسار إليها، ومنها إلى ~~أصبهان، وعرفهم خبر تتش. # وعلم تتش خبره، فنهب جرباذقان، وسار إلى الري، وراسل الأمراء الذين ~~بأصبهان يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم البذول الكثيرة، وكان بركيارق مريضا ~~بالجدري، فأجابوه يعدونه بالانحياز إليه، وهم ينتظرون ما يكون من بركيارق، ~~فلما عوفي أرسلوا إلى ms3619 تتش: ليس بيننا غير السيف، وساروا مع بركيارق من ~~أصبهان، وهم في نفر يسير، فلما بلغوا جرباذقان أقبلت إليهم العساكر من كل ~~مكان، حتى صاروا في ثلاثين ألفا، فالتقوا بموضع قريب من الري، فانهزم عسكر ~~تتش، وثبت هو، فقتل، قيل قتله بعض أصحاب آقسنقر، صاحب حلب، أخذا بثأر ~~صاحبه. # وكان قد قبض على فخر الملك بن نظام الملك، وهو معه، فأطلق، واستقام الأمر ~~والسلطنة لبركيارق، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، بالأمس ينهزم من عمه ~~تتش، ويصل إلى أصبهان في نفر يسير، فلا يتبعه أحد، ولو تبعه عشرون فارسا ~~لأخذوه لأنه بقي على باب أصبهان عدة أيام، ثم لما دخلها أراد الأمراء كلحه، ~~فاتفق أن أخاه حم ثاني يوم وصوله، وجدر، فمات، فقام في الملك مقامه، ثم جدر ~~هو، وأصابه معه # PageV08P390 # سرسام، فعوفي، وبقي مذ كسره عمه إلى أن عوفي وسار عن أصبهان أربعة أشهر ~~لم يتحرك عمه، ولا عمل شيئا، ولو قصده وهو مريض أو وقت مرض أخيه لملك ~~البلاد: # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما # كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان، وكتب إليه من ~~بلد الجبل، قبل المصاف الذي قتل فيه، يأمره أن يسير إلى العراق، ويقيم بدار ~~المملكة، فسار في عدد كثير منهم: إيلغازي بن أرتق، وكان قد سار إلى تتش، ~~فتركه عند ابنه رضوان، ومنهم: الأمير وثاب بن محمود بن صالح بن مرداس، ~~وغيرهما، فلما قارب هيت بلغه قتل أبيه، فعاد إلى حلب، ومعه والدته، فملكها، ~~وكان بها أبو القاسم الحسن بن علي الخوارزمي، قد سلمها إليه تتش وحكمه في ~~البلد والقلعة. # ولحق برضوان - زوج أمه جناح الدولة الحسين بن أيتكين، وكان مع تتش، فسلم ~~من المعركة، وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران: أبو طالب وبهرام، وكانوا ~~كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد، واستمال جناح الدولة ~~المغاربة، وكانوا أكثر جند القلعة، فلما انتصف الليل نادوا بشعار ms3620 الملك ~~رضوان، واحتاطوا على أبي القاسم، وأرسل إليه رضوان يطيب قلبه، فاعتذر، فقبل ~~عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، ولم يكن يخطب له بل كانت الخطبة ~~لأبيه، بعد قتله، نحو شهرين. # وسار جناح الدولة في تدبير المملكة سيرة حسنة، وخالف عليهم الأمير ياغي # PageV08P391 # سيان بن محمد بن ألب التركماني، صاحب أنطاكية، ثم صالحهم، وأشار على ~~الملك رضوان بقصد ديار بكر، لخلوها من وال يحفظها، فساروا جميعا، وقدم ~~عليهم أمراء الأطراف الذين كان تتش رتبهم فيها، وقصدوا سروج فسبقهم إليها ~~الأمير سقمان بن أرتق جد أصحاب الحصن اليوم، وأخذها، ومنعهم عنها، وأمر أهل ~~البلد فخرجوا إلى رضوان، وتظلموا إليه من عساكره، وما يفسدون من غلاتهم، ~~ويسألونه الرحيل، فرحل عنهم إلى الرها. # وكان بها رجل من الروم يقال له الفارقليط، وكان يضمن البلد من بوزان، ~~فقاتل المسلمين بمن معه، واحتمى بالقلعة، وشاهدوا من شجاعته ما لم يكونوا ~~يظنونه، ثم ملكها رضوان، وطلب ياغي سيان القلعة من رضوان، فوهبها له، ~~فتسلمها وحصنها، ورتب رجالها، وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم ~~حران، فسمع ذلك قراجة أميرها، فاتهم ابن المفتي، وكان ابن المفتي هذا قد ~~اعتمد عليه تتش في حفظ البلد، فأخذه، وأخذ معه بني أخيه، فصلبهم. # ووصل الخبر إلى رضوان، وقد اختلف جناح الدولة، وياغي سيان، وأضمر كل واحد ~~منهما الغدر بصاحبه، فهرب جناح الدولة إلى حلب، فدخلها، واجتمع بزوجته أم ~~الملك رضوان، وسار رضوان، وياغي سيان، فعبرا الفرات إلى حلب، فسمعا بدخول ~~جناح الدولة إليها، ففارق ياغي سيان الملك رضوان، وسار إلى أنطاكية، ومعه ~~أبو القاسم الخوارزمي، وسار رضوان إلى حلب. # وأما دقاق بن تتش فإنه كان قد سيره أبوه إلى عمه السلطان ملكشاه ببغداذ، ~~وخطب له ابنة السلطان، وسار بعد وفاة السلطان مع خاتون الجلالية وابنها ~~محمود إلى أصبهان، وخرج إلى السلطان بركيارق سرا، وصار معه، ثم لحق بأبيه، ~~وحضر معه الوقعة التي قتل فيها. # PageV08P392 # فلما قتل أبوه أخذه غلام لأبيه اسمه أيتكين الحلبي، وسار به إلى حلب، ~~وأقام عند ms3621 أخيه الملك رضوان، فراسله الأمير ساوتكين الخادم الوالي بقلعة ~~دمشق سرا، يدعوه ليملكه دمشق، فهرب من حلب سرا، وجد في السير، فأرسل أخوه ~~رضوان عدة من الخيالة، فلم يدركوه، فلما وصل إلى دمشق فرح به الخادم، وأظهر ~~الاستبشار، ولقيه، فلما دخلها أرسل إليه ياغي سيان يشير عليه بالتفرد بملك ~~دمشق عن أخيه رضوان. # واتفق وصول معتمد الدولة طغدكين إلى دمشق، ومعه جماعة من خواص تتش ~~وعسكره، وقد سلموا، فإنه كان قد شهد الحرب مع صاحبه، وأسر، فبقي إلى الآن، ~~وخلص من الأسر، فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب دولته، وبالغوا ~~في إكرامه، وكان زوج والدة دقاق فمال إليه لذلك، وحكمه في بلاده، وعملوا ~~على قتل الخادم ساوتكين، فقتلوه، وسار إليهم ياغي سيان من أنطاكية، ومعه ~~أبو القاسم الخوارزمي، فجعله وزيرا لدقاق، وحكمه في دولته. # ذكر وفاة المعتمد بن عباد # في هذه السنة توفي المعتمد بن عباد، الذي كان صاحب الأندلس، مسجونا ~~بأغمات، من بلد المغرب، وقد ذكرنا كيف أخذت بلاده منه سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة، فبقي مسجونا إلى الآن، وتوفي، وكان من محاسن الدنيا كرما، ~~وعلما، وشجاعة، ورئاسة تامة، وأخباره مشهورة، وآثاره مدونة. # وله أشعار حسنة، فمنها ما قاله لما أخذ ملكه وحبس: # سلت علي يد الخطوب سيوفها ... فجذذن من جسدي الحصيف الأمتنا # PageV08P393 # ضربت بها أيدي الخطوب وإنما # ضربت رقاب الآملين بها المنى ... يا آملي العادات من نفحاتنا # كفوا فإن الدهر كف أكفنا # وله من قصيدة يصف القيد في رجله: # تعطف في ساقي تعطف أرقم ... يساورها عضا بأنياب ضيغم # وإني من كان الرجال بسيبه ... ومن سيفه في جنة وجهنم # وقال في يوم عيد: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات مأسورا # قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهيا ومأمورا # من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مسرورا # وكان شاعره أبو بكر بن اللبانة يأتيه وهو مسجون، فيمدحه لا لجدوى ينالها ~~منه، بل رعاية لحقه وإحسانه القديم إليه، فلما توفي أتاه، فوقف ms3622 على قبره، ~~يوم عيد، والناس عند قبور أهليهم، وأنشد بصوت عال: # ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عداك عن الجواب عوادي # لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد # فمثلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد # PageV08P394 # وأخذ في إتمام القصيدة، فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون. ولو أخذنا في ~~تفصيل مناقبه ومحاسنه لطال الأمر، فلنقف عند هذا. # ذكر وفاة الوزير أبي شجاع # في هذه السنة توفي الوزير أبو شجاع محمد بن الحسن بن عبد الله، وزير ~~الخليفة، في جمادى الآخرة، وأصله من روذراور، وولد بالأهواز، وقرأ الفقه ~~على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان عالما بالعربية، وله تصانيف منها: ذيل ~~تجارب الأمم، وكان عفيفا، عادلا، حسن السيرة، كثير الخير والمعروف، وكان ~~موته بمدينة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كان مجاورا فيها. # ولما حضره الموت أمر فحمل إلى مسجد النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فوقف ~~بالحضرة وبكى، وقال: يا رسول الله! قال الله، - عز وجل -: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما} [النساء: 64] ، وقد جئت معترفا بذنوبي، وجرائمي أرجو شفاعتك. # وبكى فأكثر، وتوفي من يومه، ودفن عند قبر إبراهيم ابن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ذكر الفتنة بنيسابور # في هذه السنة، في ذي الحجة، جمع أمير كبير من أمراء خراسان جمعا كثيرا، ~~وسار بهم إلى نيسابور، فحصرها، فاجتمع أهلها وقاتلوه أشد قتال، ولازم ~~حصارهم نحو أربعين يوما، فلما لم يجد له مطمعا فيها سار عنها في المحرم سنة ~~تسع وثمانين وأربعمائة، فلما فارقها وقعت الفتنة بها بين الكرامية وسائر ~~الطوائف من أهلها، فقتل بينهم قتلى كثيرة. # PageV08P395 # وكان مقدم الشافعية أبا القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، ~~ومقدم الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد، وهما متفقان على الكرامية، ~~ومقدم الكرامية محمشاد، فكان الظفر للشافعية والحنفية على الكرامية، فخربت ~~مدارسهم، وقتل كثير منهم ومن غيرهم، وكانت فتنة عظيمة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ms3623 شرع الخليفة في عمل سور على الحريم، وأذن ~~الوزير عميد الدولة بن جهير للعامة في التفرج والعمل، فزينوا البلد، وعملوا ~~القباب، وجدوا في عمارته. # وفيها، في شهر رمضان، جرح السلطان بركيارق، جرحه إنسان ستري له، من أهل ~~سجستان، في عضده، ثم أخذ الرجل، وأعانه رجلان أيضا من أهل سجستان، فلما ضرب ~~الرجل الجارح اعترف أن هذين الرجلين وضعاه، واعترفا بذلك، فضربا الضرب ~~الشديد، ليقرا على من أمرهما بذلك، فلم يقرا، فقربا إلى الفيل ليجعلا تحت ~~قوائمه، وقدم أحدهما، فقال: اتركوني وأنا أعرفكم، فتركوه، فقال لصاحبه: يا ~~أخي لا بد من هذه القتلة، فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار، فقتلا. # وفيها توجه الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشام، وزار القدس، وترك التدريس ~~في النظامية، واستناب أخاه، وتزهد، ولبس الخشن، وأكل الدون، وفي هذه السفرة ~~صنف " إحياء علوم الدين "، وسمعه منه الخلق الكثير بدمشق، وعاد إلى بغداذ ~~بعدما حج في السنة التالية، وسار إلى خراسان. # PageV08P396 # (وفيها، في ربيع الأول، خطب لولي العهد أبي الفضل منصور بن المستظهر ~~بالله) . # وفيها عزل بركيارق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك، واستوزر أخاه فخر ~~الملك، وسبب ذلك أن بركيارق لما هزم عمه تتش، وقتله، أرسل خادما ليحضر ~~والدته زبيدة خاتون من أصبهان، فاتفق مؤيد الملك مع جماعة من الأمراء، ~~وأشاروا عليه بتركها، فقال: لا أريد الملك إلا لها، وبوجودها عندي، فلما ~~وصلت إليه وعلمت الحال تنكرت على مؤيد الملك، وكان مجد الملك أبو الفضل ~~البلاساني قد صحبها في طريقها، وعلم أنه لا يتم له أمر مع مؤيد الملك، وكان ~~بين مؤيد الملك وأخيه فخر الملك (تباعد) بسبب جواهر خلفها أبوهم نظام ~~الملك، فلما علم فخر الملك تنكر أم السلطان على أخيه مؤيد الملك أرسل وبذل ~~أموالا جزيلة في الوزارة، فأجيب إلى ذلك، وعزل أخوه، وولي هو. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب ~~التميمي، الفقيه الحنبلي، وكان عارفا بعدة علوم، وكان قريبا من السلاطين. # PageV08P397 # وفيها، في رجب، توفي ms3624 أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، المعروف بابن ~~الباقلاني، وهو مشهور، ومولده سنة ست وأربعمائة. # وفيها في شعبان، توفي قاضي القضاة أبو بكر محمد بن المظفر الشامي، وكان ~~من أصحاب أبي الطيب الطبري، ولم يأخذ على القضاء أجرا، وأقر الحق مقره، ولم ~~يحاب أحدا من خلق الله، ادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئا، فقال: ألك ~~بينة؟ قال: نعم! فلان، والمشطب الفقيه الفرغاني، فقال: لا أقبل شهادة ~~المشطب لأنه يلبس الحرير، فقال (التركي: فالسلطان ونظام الملك يلبسان ~~الحرير، فقال) : لو شهدا عندي على باقة بقل لم أقبل شهادتهما، وولي القضاء ~~بعده أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد الدامغاني. # وفيها مات القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد القزويني، ومولده سنة إحدى ~~عشرة وأربعمائة، وكان مغاليا في الاعتزال، وقيل كان زيدي المذهب. # وفيها توفي القاضي أبو بكر بن الرطبي، قاضي دجيل، وكان شافعي المذهب، ~~وولي بعده أخوه أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد أبو الفضل الحداد # PageV08P398 # الأصبهاني، صاحب أبي نعيم الحافظ، روى عنه " حليلة الأولياء "، وهو أكبر ~~من أخيه أبي المعالي، وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن ~~حميد الحميدي الأندلسي، ولد قبل العشرين وأربعمائة، وسمع الحديث ببلده، ~~ومصر، والحجاز، والعراق، وهو مصنف " الجمع بين الصحيحين "، وكان ثقة فاضلا، ~~وتوفي في ذي الحجة، ووقف كتبه فانتفع بها الناس. # PageV08P399 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة] ### | 489 - # ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمائة # ذكر قتل يوسف بن آبق والمجن الحلبي # في هذه السنة، في المحرم، قتل يوسف بن آبق الذي ذكرنا أنه سيره تاج ~~الدولة تتش إلى بغداذ، ونهب سوادها. # وكان سبب قتله أنه كان بحلب، بعد قتل تاج الدولة، وكان بحلب إنسان يقال ~~له المجن، وهو رئيس الأحداث بها، وله أتباع كثيرون، فحضر عند جناح الدولة ~~حسين، وقال له: إن يوسف بن آبق يكاتب ياغي سيان، وهو على عزم الفساد، ~~واستأذنه في قتله، فأذن له، وطلب أن يعينه بجماعة من الأجناد، ms3625 ففعل ذلك، ~~فقصد المجن الدار التي بها يوسف، فكبسها من الباب والسطح، وأخذ يوسف فقتله، ~~ونهب كل ما كان في داره، وبقي بحلب حاكما، فحدثته نفسه بالتفرد بالحكم عن ~~الملك رضوان، فقال لجناح الدولة: إن الملك رضوان أمرني بقتلك، فخذ لنفسك، ~~فهرب جناح الدولة إلى حمص، وكانت له، فلما انفرد المجن بالحكم تغير عليه ~~رضوان، وأراد منه أن يفارق البلد، فلم يفعل، وركب في أصحابه، (فلو هم) ~~بالمحاربة لفعل، ثم أمر أصحابه أن ينهبوا ماله، وأثاثه، ودوابه، ففعلوا ~~ذلك، واختفى، فطلب فوجد بعد ثلاثة أيام، فأخذ وعوقب وعذب، ثم قتل هو ~~وأولاده، وكان من السواد يشق الخشب، ثم بلغ هذه الحالة. # PageV08P400 # ذكر وفاة منصور بن مروان # في هذه السنة، في المحرم، توفي منصور بن نظام الدين بن نصر الدولة بن ~~مروان، صاحب ديار بكر، وهو الذي انقرض أمر بني مروان على يده، حين حاربه ~~فخر الدولة بن جهير، وكان جكرمش قد قبض عليه بالجزيرة، وتركه عند رجل ~~يهودي، فمات في داره، وحملته زوجته إلى تربة (آبائه، فدفنته ثم حجت، وعادت ~~إلى بلد البشنوية، فابتاعت ديرا من بلد فنك بقرب) جزيرة ابن عمر، وأقامت ~~فيه تعبد الله. # وكان منصور شجاعا، شديد البخل، له في البخل حكايات عجيبة، فتعسا لطالب ~~الدنيا، المعرض عن الآخرة، ألا ينظر إلى فعلها بأبنائها، بينما منصور هذا ~~ملك من بيت ملك آل أمره إلى أن مات في بيت يهودي، نسأل الله تعالى أن يحسن ~~أعمالنا، ويصلح عاقبة أمرنا في الدنيا والآخرة، بمنه وكرمه. # ذكر ملك تميم مدينة قابس أيضا # في هذه السنة ملك تميم بن المعز مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرا. # وسبب ذلك أنها كان بها إنسان يقال له (قاضي بن) إبراهيم بن بلمونه فمات، ~~فولى أهلها عليهم عمرو بن المعز، فأساء السيرة، وكان قاضي بن إبراهيم عاصيا ~~على تميم، وتميم يعرض عنه، فسلك عمرو طريقه في ذلك، فأخرج تميم # PageV08P401 # العساكر إلى أخيه عمرو ليأخذ المدينة منه، فقال بعض أصحابه: يا مولانا ~~لما كان فيها قاضي ms3626 توانيت) عنه وتركته، فلما وليها أخوك جررت إليه العساكر، ~~فقال: لما كان فيها غلام من عبيدنا كان زواله سهلا علينا، وأما اليوم، وابن ~~المعز بالمهدية، وابن المعز بقابس، فهذا ما لا يمكن السكوت عليه. # وفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة القصيدة المشهورة التي أولها: # ضحك الزمان وكان يلقى عابسا ... لما فتحت بحد سيفك قابسا # الله يعلم ما حويت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبل الغارسا # من كان في زرق الأسنة خاطبا ... كانت له قلل البلاد عرائسا # فابشر تميم بن المعز بفتكة ... تركتك من أكناف قابس قابسا # ولوا فكم تركوا هناك مصانعا ... ومقاصرا ومخالدا ومجالسا # فكأنها قلب وهن وساوس ... جاء اليقين فذاد عنه وساوسا # ذكر ملك كربوقا الموصل # في هذه السنة في ذي القعدة، ملك قوام الدولة أبو سعيد كربوقا مدينة ~~الموصل، وقد ذكرنا أن تاج الدولة تتش أسره لما قتل آقسنقر وبوزان، فلما ~~أسره أبقى عليه، طمعا في استصلاح حميه الأمير أنر، ولم يكن له بلد يملكه ~~إذا قتله، كما فعل بالأمير بوزان، فإنه قتله واستولى على بلاده الرها ~~وحران. # ولم يزل قوام الدولة محبوسا بحلب إلى أن قتل تتش، وملك ابنه الملك رضوان ~~حلب، فأرسل السلطان بركيارق رسولا يأمره بإطلاق أخيه التونتاش، # PageV08P402 # فلما أطلقا سارا واجتمع عليهما كثير من العساكر البطالين، فأتيا حران ~~فتسلماها، وكاتبهما محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، وهو بنصيبين، ومعه ~~ثروان بن وهيب، وأبو الهيجاء الكردي، يستنصرون بهما على الأمير علي بن شرف ~~الدولة، وكان بالموصل قد جعله بها تاج الدولة تتش بعد وقعة المضيع. # فسار كربوقا إليهم، فلقيه محمد بن شرف الدولة على مرحلتين من نصيبين، ~~واستخلفهما لنفسه، فقبض عليه كربوقا بعد اليمين، وحمله معه، وأتى نصيبين، ~~فامتنعت عليه، فحصرها أربعين يوما، وتسلمها، وسار إلى الموصل فحصرها، فلم ~~يظفر منها بشيء، فسار عنها إلى بلد، وقتل بها محمد بن شرف الدولة، وغرقه، ~~وعاد إلى حصار الموصل، ونزل على فرسخ منها بقرية باحلافة، وترك التونتاش ~~شرقي الموصل، فاستنجد علي بن مسلم صاحبها بالأمير جكرمش، صاحب ms3627 جزيرة ابن ~~عمر، فسار إليه نجدة له، فلما علم التونتاش بذلك سار إلى طريقه، فقاتله، ~~فانهزم جكرمش، وعاد إلى الجزيرة منهزما، وصار في طاعة كربوقا، وأعانه على ~~حصر الموصل، وعدمت الأقوات بها، وكل شيء، حتى ما يوقدونه، فأوقدوا القير، ~~وحب القطن. # فلما ضاق بصاحبها علي الأمر فارقها وسار إلى صدقة بن مزيد بالحلة، وتسلم ~~كربوقا البلد بعد أن حصره تسعة أشهر، وخافه أهله لأنهم بلغهم أن التونتاش ~~يريد نهبهم، وأن كربوقا يمنعه من ذلك، فاشتغل التونتاش بالقبض على أعيان ~~البلد، ومطالبتهم بودائع البلد، واستطال على كربوقا، فأمر بقتله، فقتل في ~~اليوم الثالث، وأمن الناس شره، وأحسن كربوقا السيرة فيهم، وسار نحو الرحبة، ~~فمنع عنها، فملكها ونهبها واستناب بها وعاد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اجتمع ستة كواكب في برج الحوت، وهي الشمس، والقمر، # PageV08P403 # والمشترى، والزهرة، والمريخ، وعطارد، فحكم المنجمون بطوفان يكون في الناس ~~يقارب طوفان نوح، فأحضر الخليفة المستظهر بالله ابن عيسون المنجم، فسأله، ~~فقال: إن طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت، والآن فقد اجتمع ~~ستة منها، وليس منها زحل، فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح، ولكن أقول إن ~~مدينة، أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة، فيغرقون، ~~فخافوا على بغداذ، لكثرة من يجتمع فيها من البلاد، فأحكمت المسنيات، ~~والمواضع التي يخشى منها الانفجار والغرق. # فاتفق أن الحجاج نزلوا بوادي المياقت، بعد نخلة، فأتاهم سيل عظيم فأغرق ~~أكثرهم، ونجا من تعلق بالجبال، وذهب المال، والدواب، والأزواد، وغير ذلك، ~~فخلع الخليفة على المنجم. # وفيها، في صفر، درس الشيخ أبو عبد الله الطبري الفقيه الشافعي بالمدرسة ~~النظامية ببغداذ، رتبه فيها فخر الملك بن نظام الملك، وزير بركيارق. # وفيها أغارت خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل في أثرهم ~~عسكرا، مقدمه ابن عمه قريش بن بدران بن دبيس بن مزيد، فأسرته خفاجة، ~~وأطلقوه، وقصدوا مشهد الحسين بن علي، عليه السلام، فتظاهروا فيه بالفساد ~~والمنكر، فوجه إليهم صدقة جيشا، فكبسوهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ms3628 في ~~المشهد، حتى عند الضريح، وألقى رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على السور، ~~فسلم هو والفرس. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في صفر، توفي القاضي أبو مسلم وادع بن # PageV08P404 # سليمان قاضي معرة النعمان والمستولي على أمورها، وكان (رجل زمانه همة) ، ~~وعلما. # (وفيها في ربيع الأول، توفي أبو بكر محمد بن عبد الباقي المعروف بابن ~~الخاضبة، المحدث، وكان عالما. # وفيها، في رمضان، توفي أبو بكر أحمد بن عمر بن السمرقندي، ومولده سنة ~~ثمان وثمانين وثلاثمائة. # وفيها، في رمضان، توفي أبو الفضل عبد الملك بن إبراهيم المقدسي المعروف ~~بالهمذاني، وكان عالما في عدة علوم، وقد قارب ثمانين سنة) . # PageV08P405 ### | [ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة] ### | 490 - # ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة # ذكر قتل أرسلان أرغون # في هذه السنة، في المحرم، قتل أرسلان (أرغون بن ألب، أخو السلطان ملكشاه، ~~بمرو، وكان قد ملك خراسان) . # وسبب قتله أنه كان شديدا على غلمانه، كثير الإهانة لهم والعقوبة، وكانوا ~~يخافونه خوفا عظيما، فاتفق أنه الآن طلب غلاما له، فدخل عليه وليس معه أحد، ~~فأنكر عليه تأخره عن الخدمة، فاعتذر، فلم يقبل عذره، وضربه، فأخرج الغلام ~~سكينا معه، وقتله، وأخذ الغلام، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: لأريح الناس ~~من ظلمه. # وكان سبب ملكه خراسان أنه كان له، أيام أخيه ملكشاه، من الإقطاع ما ~~مقداره سبعة آلاف دينار، وكان معه ببغداذ لما مات، فسار إلى همذان في سبعة ~~غلمان، واتصل به جماعة، فسار إلى نيسابور، فلم يجد فيها مطعما، فتمم إلى ~~مرو، وكان شحنة مرو أمير اسمه قودن من مماليك ملكشاه، وهو الذي كان سبب ~~تنكر السلطان ملكشاه على نظام الملك، وقد تقدم ذلك في قتل نظام الملك، فمال ~~إلى أرسلان أرغون، وسلم البلد إليه، فأقبلت العساكر إليه، وقصد بلخ، وبها ~~فخر الملك بن نظام الملك، فسار عنها، ووزر لتاج الدولة تتش، على ما ذكرناه. # وملك أرسلان أرغون بلخ، وترمذ، ونيسابور، وعامة خراسان، وأرسل إلى # PageV08P406 # السلطان بركيارق وإلى وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك يطلب أن يقر عليه ms3629 ~~خراسان. كما كانت لجده داود، ما عدا نيسابور، ويبذل الأموال ولا ينازع في ~~السلطنة، فسكت عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش، فلما عزل ~~السلطان بركيارق مؤيد الملك عن وزارته، ووليها أخوه فخر الملك، واستولى على ~~الأمور مجد الملك البلاساني، قطع أرسلان أرغون مراسلة بركيارق، وقال: لا ~~أرضى لنفسي مخاطبة البلاساني، فندب بركيارق حينئذ عمه بوربرس بن ألب ~~أرسلان، وسيره في العساكر لقتاله. # وكان قد اتصل بأرسلان عماد الملك أبو القاسم بن نظام الملك، ووزر له، ~~فلما وصلت العساكر إلى خراسان لقيهم أرسلان أرغون، وقاتلهم، وانهزم منهم، ~~وسار منهزما إلى بلخ، وأقام بوربرس والعساكر التي معه بهراة. # ثم جمع أرغون عساكر جمة وسار إلى مرو، فحصرها أياما، وفتحها عنوة، وقتل ~~فيها وأكثر، وقلع أبواب سورها وهدمه، فسار إليه بوربرس من هراة فالتقيا ~~وتصافا، فانهزم بوربرس سنة ثمان وثمانين [وأربعمائة] . # وسبب هزيمته أنه كان معه من جملة العساكر التي سيرها معه بركيارق أمير ~~آخر ملكشاه، وهو من أكابر الأمراء، والأمير مسعود بن تاجر، وكان أبوه مقدم ~~عسكر داود، جد ملكشاه، ولمسعود منزلة كبيرة، ومحل عظيم، عند الناس كافة، ~~وكان بين أمير آخر وبين أرسلان مودة قديمة، فأرسل إليه أرسلان أرغون ~~يستميله، ويدعوه إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك. # ثم إن مسعود بن تاجر قصد أمير آخر زائرا له، ومعه ولده، فأخذهما وقتلهما، ~~فضعف أمر بوربرس، وانهزم من أرسلان أرغون، وتفرق عسكره، وأسر، وحمل إلى ~~أرسلان أرغون، وهو أخوه، فحبسه بترمذ، ثم أمر به فخنق بعد سنة من حبسه، ~~وقتل # PageV08P407 # أكابر عسكر خراسان ممن كان يخافه، ويخشى تحكمه عليه، وصادر وزيره عماد ~~الملك بثلاثمائة ألف دينار، وقتله، وخرب أسوار مدن خراسان، ومنها: سور ~~سبزوار، وسور مرو الشاهجان، وقلعة سرخس، وقهندز نيسابور، وسور شهرستان، ~~وغير ذلك، خربه جميعه سنة تسع وثمانين [وأربعمائة] ، ثم إنه قتل هذه السنة ~~كما ذكرنا. # ذكر استيلاء عسكر مصر على مدينة صور # في هذه السنة، في ربيع الأول، وصل عسكر كثير من مصر إلى ثغر صور، بساحل ~~الشام، فحصرها وملكها. ms3630 # وسبب ذلك أن الوالي بها، ويعرف بكتيلة، أظهر العصيان على المستعلي، صاحب ~~مصر، والخروج عن طاعته، فسير إليه جيشا، فحصروه بها، وضيقوا عليه، وعلى من ~~معه من جندي، وعامي، ثم افتتحها عنوة بالسيف، وقتل بها خلق كثير، ونهب منها ~~المال الجزيل، وأخذ الوالي أسيرا بغير أمان، وحمل إلى مصر فقتل بها. # ذكر ملك بركيارق خراسان وتسليمها إلى أخيه سنجر # كان بركيارق قد جهز العساكر مع أخيه الملك سنجر، وسيرها إلى خراسان لقتال ~~عمه أرسلان أرغون، وجعل الأمير قماج أتابك سنجر، ورتب في وزارته أبا الفتح ~~علي بن الحسين الطغرائي، فلما وصلوا إلى الدامغان بلغهم خبر قتله، فأقاموا، ~~حتى لحقهم السلطان بركيارق، وساروا إلى نيسابور فوصل إليهم خامس جمادى ~~الأولى من السنة وملكها بغير قتال، وكذلك سائر البلاد الخراسانية، وساروا ~~إلى بلخ. # PageV08P408 # وكان عسكر أرسلان أرغون قد ملكوا بعد قتله ابنا له صغيرا، عمره سبع سنين، ~~فلما سمعوا بوصول السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان، وأرسلوا يطلبون ~~الأمان، فأجابهم إلى ذلك، فعادوا ومعهم ابن أرسلان أرغون، فأحسن السلطان ~~لقاءه، وأعطاه ما كان لأبيه من الإقطاع أيام ملكشاه، وكان وصوله إلى ~~السلطان في خمسة عشر ألف فارس، فما انقضى يومهم حتى فارقوه، واتصلت كل ~~طائفة منهم بأمير تخدمه، وبقي وحده مع خادم لأبيه، فأخذته والده السلطان ~~بركيارق إليها، وأقامت له من يتولى خدمته، وتربيته. # وسار بركيارق إلى ترمذ فسلمت إليه، وأقام عند بلخ سبعة أشهر، وأرسل إلى ~~ما وراء النهر، فأقيمت له الخطبة بسمرقند وغيرها، ودانت له البلاد. # ذكر خروج أمير أميران بخراسان مخالفا # في هذه السنة لما كان السلطان بركيارق بخراسان خالف عليه أمير اسمه محمد ~~بن سليمان، ويعرف بأمير أميران، وهو ابن عم ملكشاه، (وتوجه إلى بلخ) ، ~~واستمد من صاحب غزنة، فأمده بجيش كثير، وفيلة، وشرط عليه أن يخطب له في ~~جميع ما يفتحه من خراسان، فقويت شوكته، ومد يده في البلاد، فسار إليه الملك ~~سنجر بن ملكشاه جريدة، ولم يعلم به أمير أميران، فكبسه، فجرى بينهما قتال ~~ساعة، ثم أسر، ms3631 وحمل إلى بين يدي سنجر، فأمر به فكحل. # ذكر عصيان الأمير قودن ويارقطاش على السلطان واستعمال حبشي على خراسان # في هذه السنة عصى يارقطاش وقودن على السلطان بركيارق. # وسبب ذلك أن الأمير قودن كان قد صار في جملة الأمير قماج، فتوفي # PageV08P409 # والسلطان بمرو، فاستوحش قودن، وأظهر المرض، وتأخر بمرو بعد مسير السلطان ~~إلى العراق، وكان من جملة أمراء السلطان أمير اسمه إكنجي، وقد ولاه السلطان ~~خوارزم، ولقبه خوارزمشاه، فجمع عساكره وسار في عشرة آلاف فارس ليلحق ~~السلطان، فسبق العسكر إلى مرو في ثلاثمائة فارس، وتشاغل بالشرب، فاتفق ~~قودن، وأمير آخر اسمه يارقطاش على قتله، فجمعا خمسمائة فارس وكبسوه وقتلوه، ~~وساروا إلى خوارزم، وأظهروا أن السلطان قد استعملهما عليها فتسلماها. # وبلغ الخبر إلى السلطان، فتم المسير إلى العراق، لما بلغه من خروج الأمير ~~أنر ومؤيد الملك عن طاعته، وأعاد (أمير داذ حبشي) بن التونتاق في جيش إلى ~~خراسان لقتالهما، فسار إلى هراة، وأقام ينتظر اجتماع العساكر معه، فعاجلاه ~~في خمسة عشر ألفا، فعلم أمير داذ أنه لا طاقة له بهما، فعبر جيحون، فسار ~~إليه، وتقدم يارقطاش ليلحقه قودن، فعاجله يارقطاش وحده، وقاتله، فانهزم ~~يارقطاش وأخذ أسيرا. # وبلغ الخبر إلى قودن، فثار به عسكره، ونهبوا خزائنه وما معه، فبقي في ~~سبعة نفر، فهرب إلى بخارى، فقبض عليه صاحبها، ثم أحسن إليه، وبقي عنده، ~~وسار من هناك إلى الملك سنجر ببلخ، فقبله أحسن قبول وبذل له قودن أن يكفيه ~~أموره، ويقوم بجمع العساكر على طاعته، فقدر أنه مات عن قريب، وأما يارقطاش ~~فبقي أسيرا إلى أن قتل أمير داذ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر ابتداء دولة محمد بن خوارزمشاه # في هذه السنة أمر بركيارق الأمير حبشي بن ألتونتاق على خراسان، كما ~~ذكرناه، فلما صفت له، وقتل قودن، كما ذكرنا قبل، ولي خوارزم الأمير محمد بن ~~أنوشتكين، وكان أبوه أنوشتكين مملوك أمير من السلجوقية، اسمه بلكباك، قد ~~اشتراه من رجل # PageV08P410 # من غرشستان فقيل له أنوشتكين غرشحه، فكبر، وعلا أمره، ms3632 وكان حسن الطريقة، ~~كامل الأوصاف، وكان مقدما، ومرجوعا إليه، وولد له ولد سماه محمدا، وهو هذا، ~~وعلمه، وخرجه، وأحسن تأديبه، وتقدم بنفسه، وبالعناية الأزلية. # فلما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزمشاه إكنجي قد قتل، وقد تقدم ~~ذكره، ونظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم، فوقع اختياره على محمد بن ~~أنوشتكين، فولاه خوارزم، ولقبه خوارزمشاه، فقصر أوقاته على معدلة ينشرها، ~~ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين، فازداد ذكره حسنا، ومحله علوا. # ولما ملك السلطان سنجر خراسان أقر محمدا خوارزمشاه على خوارزم وأعمالها، ~~فظهرت كفايته وشهامته، فعظم سنجر محله وقدره. # ثم إن بعض ملوك الأتراك جمع جموعا، وقصد خوارزم، ومحمد غائب عنها، وكان ~~طغرلتكين بن إكنجي، الذي كان أبوه خوارزمشاه، قبل عند السلطان سنجر، فهرب ~~منه، والتحق بالأتراك فلما سمع خوارزمشاه محمد الخبر بادر إلى خوارزم، ~~وأرسل إلى سنجر يستمده، وكان بنيسابور، فسار في العساكر إليه، فلم ينتظره ~~محمد، فلما قارب خوارزم هرب الأتراك إلى منقشلاغ، وطغرلتكين أيضا رحل إلى ~~حندخان، وكفي خوارزمشاه شرهم. # ولما توفي خوارزمشاه ولي بعده ابنه إتسز، فمد ظلال الأمن، وأفاض العدل، ~~وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه، وقصد بلاد الأعداء، وباشر الحروب، فملك ~~مدينة منقشلاغ. # ولما ولي بعد أبيه قربه السلطان سنجر، وعظمه، واعتضد به، واستصحبه معه في ~~أسفاره وحروبه، فظهرت منه الكفاية والشهامة، فزاده تقدما وعلوا، وهو ابتداء ~~ملك بيت خوارزمشاه تكش، وابنه محمد الذي ظهرت التتر عليه، على ما نذكره (إن ~~شاء الله تعالى) . # PageV08P411 # ذكر الحرب بين رضوان وأخيه دقاق # في هذه السنة سار الملك رضوان إلى دمشق، وبها أخوه دقاق، عازما على أخذها ~~منه، فلما قاربها، ورأى حصانتها وامتناعها، علم عجزه عنها، فرحل إلى نابلس، ~~وسار إلى القدس ليأخذه، فلم يمكنه، وانقطعت العساكر عنه، فعاد ومعه ياغي ~~سيان، صاحب أنطاكية، وجناح الدولة. # ثم إن ياغي سيان فارق رضوان، وقصد دقاق، وحسن له محاصرة أخيه بحلب، جزاء ~~لما فعله، فجمع عساكر كثيرة وسار ومعه ياغي سيان، فأرسل رضوان رسولا إلى ~~سقمان بن أرتق، وهو بسروج، ms3633 يستنجده، فأتاه في خلق كثير من التركمان، فسار ~~نحو أخيه، فالتقيا بقنسرين، فاقتتلا، فانهزم دقاق وعسكره، ونهبت خيامهم ~~وجميع مالهم، وعاد رضوان إلى حلب، ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل ~~دقاق، وبأنطاكية، وقيل: كانت هذه الحادثة سنة تسع وثمانين [وأربعمائة] . # ذكر الخطبة للعلوي المصري بولاية رضوان # في هذه السنة خطب الملك رضوان في كثير من ولايته للمستعلي بأمر الله ~~العلوي، صاحب مصر. # وسبب ذلك أنه كان عنده الأمير جناح الدولة، وهو زوج أمه، فرأى من رضوان ~~تغيرا، فسار إلى حمص، وهي له، فلما رأى ياغي سيان بعده عن رضوان صالحه، ~~وقدم إليه بحلب، ونزل بظاهرها. # وكان لرضوان منجم يقال له: الحكيم أسعد، وكان يميل إليه، فقدمه بعد مسير ~~جناح الدولة، فحسن له مذاهب العلويين والمصريين، وأتته رسل المصريين يدعونه ~~إلى طاعتهم، ويبذلون له المال، وإنفاذ العساكر إليه ليملك دمشق، فخطب لهم ~~بشيزر # PageV08P412 # وجميع الأعمال سوى أنطاكية، وحلب، والمعرة، أربع جمع، ثم حضر عنده سقمان ~~بن أرتق، وياغي سيان، صاحب أنطاكية، فأنكروا ذلك، واستعظماه، فأعاد الخطبة ~~العباسية في هذه السنة، وأرسل إلى بغداذ يعتذر مما كان منه. # وسار ياغي سيان إلى أنطاكية، فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج ~~إليها وحصروها، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بخراسان بين أهل سبزوار وأهل خسروجرد، ~~وقتال عظيم، فقتل بينهم جماعة كثيرة، وانهزم أهل خسروجرد. # وفيها قتل عثمان، وكيل دار نظام الملك، وكان سبب قتله أنه كان كاتب صاحب ~~غزنة بالأخبار من قبل السلطان، فأخذ وحبس بترمذ مدة، ثم اطلع عليه، وهو في ~~الحبس، أنه كان يكاتبه أيضا فقتل. # وفي صفر منها قتل عبد الرحمن السميرمي، وزير أم السلطان بركيارق، قتله ~~باطني غيلة، وقتل الباطني بعده. # وفيها في شعبان، ظهر كوكب كبير له ذؤابة، وأقام يطلع عشرين يوما، ثم غاب ~~ولم يظهر. # [الوفيات] # وفيها توفي النقيب الطاهر أبو الغنائم محمد بن عبد الله، وكان دينا # PageV08P413 # سخيا، كريما، متعصبا، حنفي المذهب، ms3634 وولي النقابة بعده ولده أبو الفتوح ~~حيدرة. # وفيها توفي أبو القاسم يحيى بن أحمد السيبي وهو ابن مائة سنة وسنتين، وهو ~~صحيح الحواس، وكان مقرئا، محدثا، حاضر القلب. # وفيها قتل أرغش النظامي، مملوك نظام الملك، بالري وكان قد بلغ مبلغا ~~عظيما بحيث إنه تزوج ابنة ياقوتي عم السلطان بركيارق، قتله باطني، وقتل ~~قاتله. # وقتل برسق في شهر رمضان، وهو من أكابر الأمراء، قتله باطني، وكان برسق من ~~أصحاب السلطان طغرلبك، وهو أول شحنة كان ببغداذ. # PageV08P414 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة] ### | 491 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة # ذكر ملك الفرنج مدينة أنطاكية كان ابتداء ظهور دولة الفرنج، واشتداد ~~أمرهم، وخروجهم إلى بلاد الإسلام، واستيلائهم على بعضها، سنة ثمان وسبعين ~~وأربعمائة، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس، وقد تقدم ذكر ذلك. # ثم قصدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها، وقد ذكرته ~~أيضا، وتطرقوا إلى أطراف إفريقية، فملكوا منها شيئا وأخذ منهم، ثم ملكوا ~~غيره على ما نراه. # فلما كان سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام، وكان سبب خروجهم أن ~~ملكهم بردويل جمع جمعا كثيرا من الفرنج، وكان نسيب رجار الفرنجي الذي ملك ~~صقلية، فأرسل إلى رجار يقول له: قد جمعت جمعا كثيرا، وأنا واصل إليك، وسائر ~~من عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكون مجاورا لك. # فجمع رجار أصحابه، واستشار في ذلك، وقالوا: وحق الإنجيل هذا جيد لنا ~~ولهم، وتصبح البلاد بلاد النصرانية. # فرفع رجله وحبق حبقة عظيمة وقال: وحق ديني، هذه خير من كلامكم! قالوا: ~~وكيف ذلك؟ قال: إذا وصلوا إلي أحتاج إلى كلفة كثيرة، ومراكب تحملهم إلى ~~إفريقية، وعساكر من عندي أيضا، فإن فتحوا البلاد كانت لهم، وصارت المئونة ~~لهم من صقلية وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة، وإن لم ~~يفلحوا رجعوا إلى بلادي، وتأذيت بهم، ويقول تميم: غدرت بي، ونقضت عهدي، ~~وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا، وبلاد إفريقية باقية لنا، متى وجدنا قوة ~~أخذناها. # PageV08P415 # وأحضر رسوله، وقال له: إذا عزمتم على جهاد ms3635 المسلمين، فأفضل ذلك فتح بيت ~~المقدس، تخلصونه من أيديهم ويكون لكم الفخر، وأما إفريقية فبيني وبين أهلها ~~أيمان وعهود. فتجهزوا، وخرجوا إلى الشام. وقيل: إن أصحاب مصر من العلويين، ~~لما رأوا قوة الدولة السلجوقية، وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى ~~غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، ودخول أقسيس إلى مصر ~~وحصرها؛ خافوا، وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه، ~~ويكونوا بينهم وبين المسلمين، (والله أعلم) . # فلما عزم الفرنج على قصد الشام، وساروا إلى القسطنطينية ليعبروا المجاز ~~إلى بلاد المسلمين، ويسيروا في البر، فيكون أسهل عليهم، فلما وصلوا إليها ~~منعهم ملك الروم من الاجتياز ببلاده، وقال: لا أمكنكم من العبور إلى بلاد ~~الإسلام حتى تحلفوا لي أنكم تسلمون إلي أنطاكية، وكان قصده [أن] يحثهم على ~~الخروج إلى بلاد الإسلام، ظنا منه أنهم أتراك لا يبقون منهم أحدا، لما رأى ~~من صرامتهم وملكهم البلاد. # فأجابوه إلى ذلك، وعبروا الخليج عند القسطنطينية سنة تسعين [وأربعمائة] ، ~~ووصلوا إلى بلاد قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، وهي قونية وغيرها، فلما ~~وصلوا إليها لقيهم قليج أرسلان في جموعه، ومنعهم، فقاتلوه فهزموه في رجب ~~سنة تسعين وأربعمائة، واجتازوا في بلاده إلى بلاد ابن الأرمني، فسلكوها، ~~وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها. # ولما سمع صاحبها ياغي سيان بتوجههم إليها، خاف من النصارى الذين بها، ~~فأخرج المسلمين من أهلها، ليس معهم غيرهم، وأمرهم بحفر الخندق، ثم أخرج من ~~الغد النصارى لعمل الخندق أيضا، ليس معهم مسلم، فعملوا فيه إلى العصر، فلما # PageV08P416 # أرادوا دخول البلد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم تهبونها لي حتى أنظر ما ~~يكون منا ومن الفرنج، فقالوا له: من يحفظ أبناءنا ونساءنا؟ فقال: أنا ~~أخلفكم فيهم، فأمسكوا، وأقاموا في عسكر الفرنج، فحصروها تسعة أشهر، وظهر من ~~شجاعة ياغي سيان، وجودة رأيه، وحزمه، واحتياطه ما لم يشاهد من غيره، فهلك ~~أكثر الفرنج (موتا، ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد ~~الإسلام) ، وحفظ ياغي سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم، وكف الأيدي ~~المتطرقة إليهم. ms3636 # فلما طال مقام الفرنج على أنطاكية راسلوا أحد المستحفظين للأبراج، وهو ~~زراد يعرف بروزبة، وبذلوا له مالا وأقطاعا، وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي، ~~وهو مبني على شباك في الوادي، فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون ~~الزراد، جاءوا إلى الشباك ففتحوه، ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة بالجبال، ~~فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق، وذلك عند السحر، وقد تعب الناس ~~من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ ياغي سيان، فسأل عن الحال، فقيل: إن هذا ~~البوق من القلعة، ولا شك أنها قد ملكت، ولم يكن من القلعة، وإنما كان من ~~ذلك البرج، فدخله الرعب، وفتح باب البلد، وخرج هاربا في ثلاثين غلاما على ~~وجهه، فجاء نائبه في حفظ البلد، فسأل عنه، فقيل إنه هرب، فخرج من باب آخر ~~هاربا، وكان ذلك معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا. # ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب، ونهبوه، وقتلوا من فيه من المسلمين، ~~وذلك في جمادى الأولى. # وأما ياغي سيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، ~~فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة ~~فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو ~~يقتل، وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ما لحقه ~~سقط عن فرسه مغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه، فلم ~~يكن فيه مسكة [فإنه # PageV08P417 # كان] قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع ~~الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية. # وكان الفرنج قد كاتبوا صاحب حلب، ودمشق، بأننا لا نقصد غير البلاد التي ~~كانت بيد الروم، لا نطلب سواها، مكرا منهم وخديعة، حتى لا يساعدوا صاحب ~~أنطاكية. # ذكر مسير المسلمين إلى الفرنج وما كان منهم # لما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الفرنج، وملكهم أنطاكية، جمع العساكر ~~وسار إلى الشام، وأقام بمرج دابق، واجتمعت معه عساكر الشام، تركها وعربها ~~سوى من كان بحلب، ms3637 فاجتمع معه دقاق بن تتش وطغتكين أتابك، وجناح الدولة، ~~وصاحب حمص، وأرسلان تاش، صاحب سنجار، وسليمان بن أرتق، وغيرهم من الأمراء ~~ممن ليس مثلهم، فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم، وخافوا لما هم فيه من ~~الوهن، وقلة الأقوات عندهم، وسار المسلمون، فنازلوهم على أنطاكية، وأساء ~~كربوقا السيرة، فيمن معه من المسلمين، وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه ~~أنهم يقيمون معه على هذه الحال، فأغضبهم ذلك، وأضمروا له في أنفسهم الغدر، ~~إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند المصدوقة. # وأقام الفرنج بأنطاكية، بعد أن ملكوها، اثني عشر يوما ليس لهم ما ~~يأكلونه، وتقوت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ~~ذلك أرسلوا إلى # PageV08P418 # كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوه، وقال: ~~لا تخرجون إلا بالسيف. # وكان معهم من الملوك بردويل، وصنجيل، وكندفري، والقمص، صاحب الرها ~~وبيمنت، صاحب أنطاكية، وهو المقدم عليهم وكان معهم راهب مطاع فيهم، وكان ~~داهية من الرجال، فقال لهم: إن المسيح، عليه السلام، كان له حربة مدفونة ~~بالقسيان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون، وإن لم ~~تجدوها فالهلاك متحقق. # وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه، وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم ~~والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع ~~جميعهم، ومعهم عامتهم، والصناع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ~~ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من ~~خمسة، وستة، ونحو ذلك، فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن تقف على الباب، ~~فتقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن، وهم متفرقون، سهل فقال لا تفعلوا! ~~أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من ~~المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه، ومنعهم، ونهاهم. # فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافا عظيما، ~~فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم ~~والإعراض عنهم، وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج، وتمت الهزيمة عليهم ولم ~~يضرب ms3638 أحد منهم بسيف، ولا طعن برمح، ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن ~~أرتق، وجناح الدولة، لأنهما كانا في الكمين، وانهزم كربوقا معهم. فلما رأى ~~الفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم، ~~وثبت جماعة من المجاهدين، وقاتلوا حسبة، وطلبا للشهادة، فقتل الفرنج منهم ~~ألوفا، وغنموا ما في # PageV08P419 # العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم، ~~وعادت إليهم قوتهم. # ذكر ملك الفرنج معرة النعمان # لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان، فنازلوها، ~~وحصروها، وقاتلهم أهلها قتالا شديدا، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية، ولقوا ~~منهم الجد في حربهم، والاجتهاد في قتالهم، فعملوا عند ذلك برجا من خشب ~~يوازي سور المدينة، ووقع القتال عليه، فلم يضر المسلمين ذلك، فلما كان ~~الليل خاف قوم من المسلمين، وتداخلهم الفشل والهلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا ~~ببعض الدور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور وأخلوا الموضع الذي كانوا ~~يحفظونه، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم أيضا من السور. # (ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول، حتى خلا السور، فصعد ~~الفرنج إليه على السلاليم، فلما علوه تحير المسلمون) ، ودخلوا دورهم، فوضع ~~الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف، وسبوا السبي ~~الكثير، وملكوه، وأقاموا أربعين يوما، وساروا إلى عرقة فحصروها أربعة أشهر، ~~ونقبوا سورها عدة نقوب، فلم يقدروا عليها، وراسلهم منقذ، صاحب شيزر، ~~فصالحهم عليها، وساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدولة، ~~وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا، فلم يقدروا عليها. # ذكر الحرب بين الملك سنجر ودولتشاه # كان دولتشاه من أبناء الملوك السلجوقية، فاجتمع عليهم جمع من عساكر بيغوا # PageV08P420 # أخي طغرلبك، وكانوا بطخارستان، فأخذوا ولوالج وكمنج، فسار إليهم السلطان ~~سنجر وعساكره، فوصل إلى بلخ، فدخلها في رجب من هذه السنة، وخرج منها لقتال ~~دولتشاه، فلم يكن له من الجموع ما ثبت مقابل عسكر سنجر، فقاتلوا شيئا من ~~قتال، وانهزموا، وأخذوا دولتشاه أسيرا، وأحضر عند سنجر، فعفا عنه من القتل، ms3639 ~~وحبسه، ثم بعد ذلك كحله، وسير سنجر جيشا إلى مدينة ترمذ، فملكوها، وسلمها ~~إلى طغرلتكين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، جزيرة جربة ~~وجزيرة قرقنة، ومدينة تونس، وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من ~~الناس. # وفيها أرسل الخليفة رسولا إلى السلطان بركيارق مستنفرا على الفرنج، ~~ومبالغا في تعظيم الأمر وتداركه قبل أن يزداد قوة. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في شعبان، توفي أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن ~~يوسف، ومولده سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكان فاضلا في الحديث. # وفيها توفي أبو الفضل عبد الوهاب بن أبي محمد التميمي الحنبلي، وكان ~~فاضلا، فصيحا. # وفيها، في شوال، توفي طراد بن محمد الزينبي، وهو عالي الإسناد في الحديث، ~~وولي نقابة العباسيين من بعده ابنه شرف الدين علي بن طراد. # PageV08P421 # وفيها، في ذي القعدة، توفي أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم ~~بن المسلمة، وكان بيته مجمع الفضلاء وأهل الدين، ومن جملة من كان عنده إلى ~~أن توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. وفيها توفي أبو الفرج سهل بن بشر بن ~~أحمد الإسفراييني، وهو من أعيان المحدثين. # PageV08P422 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة] ### | 492 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة # ذكر عصيان الأمير أنر وقتله # لما سار السلطان بركيارق إلى خراسان ولى الأمير أنر بلاد فارس جميعها، ~~وكانت قد تغلب عليها الشوانكارة على اختلاف بطونهم وقبائلهم، واستعانوا ~~بصاحب كرمان إيران شاه بن قاورت، فاجتمعوا، وصافوا الأمير أنر، وكسروه، ~~وعاد مفلولا إلى أصبهان، وأرسل إلى السلطان يستأذنه في اللحاق به إلى ~~خراسان، فأمره بالمقام ببلد الجبال، وولاه إمارة العراق، وكاتب العساكر ~~المجاورة له بطاعته. فأقام بأصبهان، وسار منها إلى أقطاعه بأذربيجان، وعاد ~~وقد انتشر أمر الباطنية بأصبهان، فندب نفسه لقتالهم، وحصر قلعة على جبل ~~أصبهان. # واتصل به مؤيد الملك بن نظام الملك، وكان ببغداذ، فسار منها إلى الحلة، ~~فأكرمه صدقة، وسار من عنده إلى الأمير أنر، فلما اجتمع بالأمير أنر خوفه هو ~~وغيره من ms3640 السلطان بركيارق، وأعظموا عليه الاجتماع به، وحسنوا له البعد عنه، ~~وأشاروا عليه بمكاتبة غياث الدين محمد بن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكنجة، فعزم ~~على المخالفة للسلطان، وتحدث فيه، فظهر ذلك، فزاد خوفه من السلطان، فجمع من ~~العساكر المعروفين بالشجاعة نحو عشرة آلاف فارس، وسار من أصبهان إلى الري، ~~وأرسل إلى السلطان يقول: إنه مملوك، ومطيع، إن سلم إليه مجد الملك ~~البلاساني، وإن لم يسلمه إليه فهو عاص خارج عن الطاعة. # PageV08P423 # فبينما هو يفطر، وكانت عادته أن يصوم أياما من الأسبوع، فلما قارب الفراغ ~~من الإفطار هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم، وهم من جملة ~~خيله، فصدم أحدهم المشعل فألقاه، وصدم الآخر الشمعة فأطفأها، وضربه الثالث ~~بالسكين فقتله، وقتل معه جانداره، واختلط الناس في الظلمة، ونهبوا خزائنه، ~~وتفرق عسكره، وبقي ملقى فلم يوجد ما يحمل عليه، ثم حمل إلى داره بأصبهان، ~~ودفن بها. # ووصل خبر قتله إلى السلطان بركيارق، وهو بخوار الري، قد خرج من خراسان ~~عازما على قتله وهو على غاية الحذر من قتاله وعاقبة أمره، وفرح مجد الملك ~~البلاساني بقتله، وكان له مثل يومه عن قريب، وكان عمر أنر سبعا وثلاثين ~~سنة، وكان كثير الصوم والصلاة والخير والمحبة للصالحين. # ذكر ملك الفرنج، لعنهم الله، البيت المقدس # كان البيت المقدس لتاج الدولة تتش، وأقطعه للأمير سقمان بن أرتق ~~التركماني، فلما ظفر الفرنج بالأتراك على أنطاكية، وقتلوا فيهم، ضعفوا، ~~وتفرقوا، فلما رأى المصريون ضعف الأتراك ساروا إليه، ومقدمهم الأفضل بن بدر ~~الجمالي، وحصروه، وبه الأمير سقمان، وإيلغازي ابنا أرتق، وابن عمهما سونج، ~~وابن أخيهما ياقوتي، ونصبوا عليه نيفا وأربعين منجنيقا، فهدموا مواضع من ~~سوره، وقاتلهم أهل البلد، فدام القتال والحصار نيفا وأربعين يوما، وملكوه ~~بالأمان في شعبان تسع وثمانين وأربعمائة. # وأحسن الأفضل إلى سقمان وإيلغازي ومن معهما، وأجزل لهم العطاء، وسيرهم ~~فساروا إلى دمشق، ثم عبروا الفرات، فأقام سقمان ببلد الرها وسار إيلغازي ~~إلى العراق، واستناب المصريون فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة، وبقي فيه إلى ~~الآن، فقصده # PageV08P424 # الفرنج، بعد ms3641 أن حصروا عكا، فلم يقدروا عليها، فلما وصلوا إليه حصروه نيفا ~~وأربعين يوما، ونصبوا عليه برجين أحدهما من ناحية صهيون، وأحرقه المسلمون، ~~وقتلوا كل من به. # فلما فرغوا من إحراقه أتاهم المستغيث بأن المدينة قد ملكت من الجانب ~~الآخر، وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار الجمعة لسبع بقين من شعبان، ~~وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين، ~~واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ثلاثة ~~أيام، فبذل لهم الفرنج الأمان، فسلموه إليهم، ووفى لهم الفرنج، وخرجوا ليلا ~~إلى عسقلان فأقاموا بها. # وقتل الفرنج، بالمسجد الأقصى، ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كثيرة ~~من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور ~~بذلك الموضع الشريف، وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة، ~~وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا من القناديل الصغار مائة ~~وخمسين قنديلا نقرة، ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا، وغنموا منه ما لا يقع ~~عليه الإحصاء. # وورد المستنفرون من الشام، في رمضان، إلى بغداذ صحبة القاضي أبي سعد ~~الهروي، فأوردوا في الديوان كلاما أبكى العيون، وأوجع القلوب، وقاموا ~~بالجامع يوم الجمعة، فاستغاثوا، وبكوا وأبكوا، وذكر ما دهم المسلمين بذلك ~~البلد الشريف المعظم من قتل الرجال، وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال، ~~فلشدة ما أصابهم أفطروا، فأمر الخليفة أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني، ~~وأبو بكر الشاشي، وأبو القاسم الزنجاني، وأبو الوفا بن عقيل، وأبو سعد ~~الحلواني، وأبو الحسين بن سماك، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك ~~البلاساني، على ما نذكره، فعادوا من # PageV08P425 # غير بلوغ أرب، ولا قضاء حاجة. # واختلف السلاطين على ما نذكره، فتمكن الفرنج من البلاد، فقال أبو المظفر ~~الآبيوردي، في هذا المعنى، أبياتا منها: # مزجنا دماء بالدموع السواجم # فلم يبق منا عرضة للمراحم ... وشر سلاح المرء دمع يفيضه # إذا الحرب شبت نارها بالصوارم ... فإيها، بني الإسلام، إن وراءكم # وقائع يلحقن الذرى بالمناسم ... أتهويمة في ظل أمن وغبطة # وعيش كنوار الخميلة ناعم # وكيف تنام العين ms3642 ملء جفونها # على هفوات أيقظت كل نائم ... وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم # ظهور المذاكي، أو بطون القشاعم ... تسومهم الروم الهوان، وأنتم # تجرون ذيل الخفض فعل المسالم ... وكم من دماء قد أبيحت، ومن دمى # توارى حياء حسنها بالمعاصم ... بحيث السيوف البيض محمرة الظبى # وسمر العوالي داميات اللهاذم ... وبين اختلاس الطعن والضرب # وقفة تظل لها الولدان شيب القوادم ... وتلك حروب من يغب عن غمارها # ليسلم، يقرع بعدها سن نادم ... سللن بأيدي المشركين قواضبا # ستغمد منهم في الطلى والجماجم # يكاد لهن المستجن بطيبة ينادي ... بأعلى الصوت يا آل هاشم # PageV08P426 # أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى # رماحهم، والدين واهي الدعائم ... ويجتنبون النار خوفا من الردى # ولا يحسبون العار ضربة لازم # أترضى صناديد الأعاريب بالأذى # ويغضي على ذل كماة الأعاجم # ومنها: # فليتهم، إذ لم يذودوا حمية ... عن الدين، ضنوا غيرة بالمحارم # وإن زهدوا في الأجر، إذ حمس الوغى # فهلا أتوه رغبة في الغنائم ... لئن أذعنت تلك الخياشيم للبرى # فلا عطسوا إلا بأجدع راغم ... دعوناكم، والحرب ترنو ملحة # إلينا، بألحاظ النسور القشاعم ... تراقب فينا غارة عربية # تطيل عليها الروم عض الأباهم ... فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه # رمينا إلى أعدائنا بالجرائم # ذكر الحرب بين المصريين والفرنج # في هذه السنة، في رمضان، كانت وقعة بين العساكر المصرية والفرنج وسببها ~~أن المصريين لما بلغهم ما تم على أهل القدس، جمع الأفضل أمير الجيوش ~~العساكر، وحشد، وسار إلى عسقلان، وأرسل إلى الفرنج ينكر عليهم ما فعلوا، ~~ويتهددهم، فأعادوا الرسول بالجواب ورحلوا على أثره. وطلعوا على المصريين، ~~عقيب وصول الرسول، ولم يكن عند المصريين خبر من وصولهم، ولا من حركتهم، ولم ~~يكونوا على أهبة القتال، فنادوا إلى ركوب خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، وأعجلهم ~~الفرنج، فهزموهم، وقتلوا منهم من قتل، وغنموا ما في المعسكر من مال وسلاح ~~وغير ذلك. # وانهزم الأفضل، فدخل عسقلان، ومضى جماعة من المنهزمين فاستتروا بشجر # PageV08P427 # الجميز، وكان هناك كثيرا، فأحرق الفرنج بعض الشجر، حتى هلك من فيه، ~~وقتلوا من خرج منه، وعاد الأفضل في خواصه إلى مصر ونازل الفرنج ms3643 عسقلان، ~~وضايقوها، فبذل لهم أهلها قطيعة اثني عشر ألف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، ~~ثم عادوا إلى القدس. # ذكر ابتداء ظهور السلطان محمد بن ملكشاه # كان السلطان محمد وسنجر أخوين لأم وأب، أمهما أم ولد، ولما مات أبوه ~~ملكشاه كان محمد معه ببغداذ، فسار مع أخيه محمود، وتركان خاتون زوجة والده ~~إلى أصبهان، ولما حصر بركيارق أصبهان خرج محمد متخفيا، ومضى إلى والدته، ~~وهي في عسكر أخيه بركيارق، وقصد أخاه السلطان بركيارق، وسار معه إلى بغداذ ~~سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأقطعه بركيارق كنجة وأعمالها، وجعل معه أتابكا ~~له الأمير قتلغ تكين، فلما قوي محمد قتله، واستولى على جميع أعمال أران ~~الذي من جملته كنجة، فعرف ذلك الوقت شهامة محمد. # وكان السلطان ملكشاه قد أخذ تلك البلاد من فضلون بن أبي الأسوار الروادي، ~~وسلمها إلى سرهنك ساوتكين الخادم، وأقطع فضلون أستراباذ، وعاد فضلون ضمن ~~بلاده، ثم عصى فيها لما قوي، فأرسل السلطان إليه الأمير بوزان، فحاربه ~~وأسره، وأقطع بلاده لجماعة منهم: ياغي سيان، صاحب أنطاكية، ولما مات ياغي ~~سيان عاد ولده إلى ولاية أبيه في هذه البلاد، وتوفي فضلون ببغداذ سنة أربع ~~وثمانين [وأربعمائة] وهو على غاية من الإضاقة في مسجد على دجلة. # وقد ذكرنا فيما تقدم تنقل الأحوال بمؤيد الملك عبيد الله بن نظام الملك، ~~وأنه كان عند الأمير أنر، فحسن له عصيان السلطان بركيارق، فلما قتل أنر سار ~~إلى الملك محمد، فأشار عليه بمخالفة أخيه، والسعي في طلب السلطنة، ففعل ~~ذلك، وقطع خطبة بركيارق من بلاده، وخطب لنفسه بالسلطنة واستوزر مؤيد الملك. # PageV08P428 # واتفق قتل مجد الملك البلاساني، واستيحاش العسكر من السلطان بركيارق، ~~وفارقوه وساروا نحو السلطان محمد، فلقوه بخرقان، فصاروا معه، وساروا نحو ~~الري. # وكان السلطان بركيارق لما فارقه عسكره سار مجدا إلى الري، فأتاه بها ~~الأمير ينال بن أنوشتكين الحسامي، وهو من أكابر الأمراء، ووصل إليه أيضا عز ~~الملك منصور بن نظام الملك، وأمه ابنة ملك الأبخاز، ومعه عساكر جمة، فبلغه ~~مسير أخيه محمد إليه في العساكر، فسار ms3644 من الري إلى أصبهان، فلم يفتح أهلها ~~له الأبواب، فسار إلى خوزستان، على ما نذكره. # وورد السلطان محمد إلى الري ثاني ذي القعدة، فوجد زبيدة خاتون والدة أخيه ~~السلطان بركيارق قد تخلفت بعد ابنها، فأخذها مؤيد الملك وسجنها في القلعة، ~~وأخذ خطها بخمسة آلاف دينار، وأراد قتلها، وأشار عليه ثقاته أن لا يفعل ~~ذلك، فلم يقبل منهم، وقالوا له: العسكر محبون لولدها، وإنما استوحشوا منه ~~لأجلها، ومتى قتلت عدلوا عليه، فلا تغتر بهؤلاء الجند، فإنهم غدروا بمن ~~أحسن إليهم أوثق ما كان بهم، فلم يصغ إلى قولهم، ورفعها إلى القلعة، وخنقت، ~~وكان عمرها اثنتين وأربعين سنة، فلما أسر السلطان بركيارق مؤيد الملك رأى ~~خطه في تذكرته بخمسة آلاف دينار، فكان أعظم الأسباب في قتله. # ذكر الخطبة ببغداذ للملك محمد # لما قوي أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة كوهرائين من بغداذ، وكان ~~قد استوحش من السلطان بركيارق، فاجتمع هو وكربوقا، صاحب الموصل وجكرمش، ~~صاحب الجزيرة، وسرخاب بن بدر، صاحب كنكور، وغيرها، فساروا إلى السلطان ~~محمد، فلقوه بقم، فرد سعد الدولة إلى بغداذ، وخلع عليه، وسار كربوقا وجكرمش ~~في خدمته إلى أصبهان، ولما وصل كوهرائين إلى بغداذ خاطب الخليفة في الخطبة ~~للسلطان محمد، فأجاب إلى ذلك، وخطب له يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة، # PageV08P429 # ولقب " غياث الدنيا والدين ". # ذكر قتل مجد الملك البلاساني # قد ذكرنا تحكم مجد الملك أبي الفضل أسعد بن محمد في دولة السلطان ~~بركيارق، وتمكنه منها. فلما بلغ الغاية التي لا مزيد عليها جاءته نكبات ~~الدنيا ومصائبها من حيث لا يحتسب. # وأما سبب قتله، فإن الباطنية لما توالى منهم قتل الأمراء الأكابر من ~~الدولة السلطانية، نسبوا ذلك إليه، وأنه هو الذي وضعهم على قتل من قتلوه، ~~وعظم ذلك قتل الأمير برسق، فاتهم أولاده زنكي واقبوري وغيرهما، مجد الملك ~~بقتله، وفارقوا السلطان. # وسار السلطان إلى زنجان لأنه بلغه خروج السلطان محمد عليه، على ما ~~ذكرناه، فطمع حينئذ الأمراء، فأرسل أمير آخر، وبلكابك، وطغايرك بن اليزن، ~~وغيرهم، إلى الأمراء بني ms3645 برسق يستحضرونهم إليهم ليتفقوا معهم على مطالبة ~~السلطان بتسليم مجد الملك إليهم ليقتلوه، فحضروا عندهم، فأرسلوا إلى ~~السلطان بركيارق، وهم بسجاس، مدينة قريبة من همذان، يلتمسون تسليمه إليهم، ~~ووافقهم على ذلك العسكر جميعه، وقالوا: إن سلم إلينا فنحن العبيد الملازمون ~~للخدمة، وإن منعنا فارقنا، وأخذناه قهرا. فمنع السلطان منه، فأرسل مجد ~~الملك إلى السلطان يقول له: المصلحة أن تحفظ أمراء دولتك، وتقتلني أنت لئلا ~~يقتلني القوم فيكون فيه وهن على دولتك. فلم تطب نفس السلطان بقتله، وأرسل ~~إليهم يستخلفهم على حفظ نفسه، وحبسه في بعض القلاع، فلما حلفوا سلمه إليهم، ~~فقتله الغلمان قبل أن يصل إليهم فسكنت الفتنة. # ومن العجب أنه كان لا يفارقه كفنه سفرا وحضرا، ففي بعض الأيام فتح خازنه ~~صندوقا، فرأى الكفن، فقال: وما أصنع بهذا؟ إن أمري لا يئول إلى كفن، والله ~~ما أبقى إلا طريحا على الأرض. فكان كذلك، ورب كلمة تقول لقائلها دعني. # ولما قتل حمل رأسه إلى مؤيد الملك بن نظام الملك. وكان مجد الملك خيرا، # PageV08P430 # كثير الصلاة بالليل، كثير الصدقة، ولاسيما على العلويين وأرباب البيوت، ~~وكان يكره سفك الدماء، وكان يتشيع إلا أنه كان يذكر الصحابة ذكرا حسنا، ~~ويلعن من يسبهم، ولما قتل أرسل الأمراء يقولون للسلطان: المصلحة أن تعود ~~إلى الري، ونحن نمضي إلى أخيك فنقاتله ونقضي هذا المهم. فسار بعد امتناع، ~~وتبعه مائتا فارس لا غير، ونهب العسكر سرادق السلطان ووالدته وجميع أصحابه، ~~وعاد إلى الري، وسار العسكر إلى السلطان محمد. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شعبان، وصل إلكيا أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف ~~بالهراس، الفقيه الشافعي، ولقبه عماد الدين شمس الإسلام، برسالة من السلطان ~~بركيارق إلى الخليفة، وهو من أصحاب إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، ~~ومولده خمسين وأربعمائة، واعتنى بأمره مجد الملك البلاساني، وقام له الوزير ~~عميد الدولة بن جهير لما دخل عليه. # وفيها قتل أبو القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور، ~~وكان خطيبها، واتهم العامة أبا البركات الثعلبي بأنه هو الذي سعى ms3646 في قتله، ~~فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه. # وفيها كان بخراسان غلاء شديد، تعذرت فيه الأقوات، ودام سنتين، وكان سببه ~~أن البرد أهلك الزروع جميعها، ولحق الناس بعده وباء جارف، فمات منهم خلق ~~كثير عجزوا عن دفنهم لكثرتهم. # [الوفيات] # وفيها، في شعبان، توفي أبو الغنائم الفارقي، الفقيه الشافعي، بجزيرة ابن ~~عمر، وكان إماما فاضلا زاهدا. # PageV08P431 # وفيها، في صفر، توفي أبو عبيد الله الحسين بن طلحة النعالي، وعمره نحو ~~تسعين سنة وكان عالي الإسناد في الحديث، وقيل توفي سنة ثلاث وتسعين ~~وأربعمائة. # وفيها، في شعبان، توفي أبو غالب محمد بن علي بن عبد الواحد بن الصباغ ~~الفقيه الشافعي، تفقه على ابن عمة أبي نصر، وكان حسن الخلق، متواضعا. # PageV08P432 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة] ### | 493 - # ذكر إعادة خطبة السلطان بركيارق ببغداذ # في هذه السنة أعيدت الخطبة للسلطان بركيارق ببغداذ. # وسبب ذلك أن بركيارق سار في العام الماضي من الري إلى خوزستان، فدخلها ~~وجميع من معه على حال سيئة وكان أمير عسكره حينئذ ينال بن أنوشتكين ~~الحسامي، وأتاه غيره من الأمراء، وسار إلى واسط، فظلم عسكره الناس، ونهبوا ~~البلاد، واتصل به الأمير صدقة بن مزيد، صاحب الحلة، ووثب على السلطان قوم ~~ليقتلوه، فأخذوا وأحضروا بين يديه، فاعترفوا أن الأمير سرمز، شحنة أصبهان، ~~وضعهم على قتله، فقتل أحدهم وحبس الباقون، وسار إلى بغداذ، فدخلها سابع عشر ~~صفر، وخطب له ببغداذ يوم الجمعة منتصف صفر قبل وصوله بيومين. # وكان سعد الدولة كوهرائين بالشفيعي، وهو في طاعة السلطان محمد، فسار إلى ~~داي مرج، ومعه إيلغازي بن أرتق وغيره من الأمراء، فأرسل إلى المؤيد، ~~والسلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه، فأرسلا إليه كربوقا، صاحب الموصل، ~~وجكرمش، صاحب جزيرة ابن عمر، فأما جكرمش فاستأذن كوهرائين في العود إلى ~~بلده، وقال إنه قد اختلت الأحوال، فأذن له، وبقي مع كوهرائين جماعة من ~~الأمراء، فاتفقوا على أن يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون، ثم اتفقت آراؤهم ~~على أن كتبوا إلى السلطان بركيارق يقولون له: اخرج إلينا، فما فينا من ~~يقاتلك. ms3647 # PageV08P433 # وكان الذي أشار بذا كربوقا، وقال لكوهرائين: إننا لم نظفر من محمد ومؤيد، ~~بطائل، وكان منحرفا عن مؤيد،. فسار بركيارق إليهم، فترجلوا، وقبلوا الأرض، ~~وعادوا معه إلى بغداذ، وأعاد إلى كوهرائين جميع ما كان أخذ له من سلاح ~~ودواب وغير ذلك، واستوزر بركيارق ببغداذ الأعز أبا المحاسن عبد الجليل بن ~~علي بن محمد الدهستاني، وقبض على عميد الدولة بن جهير أبو بكر وزير ~~الخليفة، وطالبه بالحاصل من ديار بكر والموصل لما تولاها هو وأبوه أيام ~~ملكشاه، فاستقر الأمر على مائة ألف دينار وستين ألف دينار يحملها إليه، ~~وخلع الخليفة على السلطان بركيارق. # ذكر الوقعة بين السلطان بركيارق ومحمد وإعادة خطبة محمد ببغداذ # في هذه السنة سار بركيارق من بغداذ على شهرزور، فأقام بها ثلاثة أيام، ~~والتحق به عالم كثير من التركمان وغيرهم، فسار نحو أخيه السلطان محمد ~~ليحاربه، فكاتبه رئيس همذان ليسير إليها ويأخذ أقطاع الأمراء الذين مع ~~أخيه، فلم يفعل، وسار نحو أخيه فوقعت الحرب بينهم رابع رجب، وهو المصاف ~~الأول بين بركيارق وأخيه السلطان محمد بإسبيذروذ، ومعناه النهر الأبيض، وهو ~~على عدة فراسخ من همذان. # وكان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل، وكان محمد في القلب، ومعه الأمير ~~سرمز، وعلى ميمنته أمير آخر، وابنه إياز، وعلى ميسرته مؤيد الملك، ~~والنظامية، وكان السلطان بركيارق في القلب، ووزيره الأعز أبو المحاسن، وعلى ~~ميمنته كوهرائين وعز الدولة بن صدقة بن مزيد، وسرخاب بن بدر، وعلى ميسرته ~~كربوقا وغيره، فحمل كوهرائين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد، وبها مؤيد ~~الملك، والنظامية، فانهزموا، ودخل عسكر بركيارق في خيامهم، فنهبوهم، وحملت ~~ميمنة محمد على ميسرة بركيارق، فانهزمت الميسرة، وانضافت ميمنة محمد إليه ~~في القلب على بركيارق ومن معه، فانهزم بركيارق، ووقف محمد مكانه، وعاد ~~كوهرائين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه، وكبا به فرسه، فأتاه ~~خراساني فقتله، وأخذ رأسه، وتفرقت عساكر بركيارق، وبقي في خمسين فارسا. # PageV08P434 # وأما وزيره الأعز أبو المحاسن فإنه أخذ أسيرا، فأكرمه مؤيد الملك بن نظام ~~الملك، ونصب له خيما ms3648 وخركاة، وحمل إليه الفرش والكسوة، وضمنه عمادة بغداذ، ~~وأعاده إليها، وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد ببغداذ، فلما ~~وصل إليها خاطب في ذلك، فأجيب إليه، وخطب له يوم الجمعة رابع عشر رجب. # ذكر قتل سعد الدولة كوهرائين # في هذه السنة، في رجب، قتل سعد الدولة كوهرائين في الحرب المذكورة قبل، ~~وكان ابتداء أمره أنه كان خادما للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن ~~بويه، انتقل إليه (من امرأة) من قرقوب بخوزستان، وكان إذا توجه إلى الأهواز ~~حضر عندها، واستعرض حوائجها، وأصاب أهلها منه خيرا كثيرا، فأرسله أبو ~~كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداذ، فلما قبض عليه السلطان طغرلبك مضى معه ~~إلى قلعة طبرك، فلما مات أبو نصر انتقل إلى خدمة السلطان ألب أرسلان، ووقاه ~~بنفسه لما جرحه يوسف الخوارزمي. # وكان ألب أرسلان قد أقطعه واسط، وجعله شحنة لبغداذ، فلما قتل ألب أرسلان ~~أرسله ابنه ملكشاه إلى بغداذ، فأحضر له الخلع والتقليد، ورأى ما لم يره ~~خادم قبله من نفوذ الأمر، وتمام القدرة، وطاعة أعيان الأمراء، وخدمتهم ~~إياه، وكان حليما كريما، حسن السيرة، لم يصادر أحدا من أهل ولايته، ومناقبه ~~كثيرة. # ذكر حال السلطان بركيارق بعد الهزيمة وانهزامه من أخيه سنجر أيضا وقتل ~~أمير داذ حبشي # لما انهزم السلطان بركيارق من أخيه السلطان محمد سار قليلا، وهو في خمسين ~~فارسا، ونزل عتمة، واستراح، وقصد الري، وأرسل إلى من كان يعلم أنه يريده، ~~ويؤثر دولته، فاستدعاه، فاجتمع معه جمع صالح، فسار إلى إسفرايين، وكاتب ~~أمير داذ حبشي بن ألتونتاق، وهو بدامغان، يستدعيه، فأجابه يشير عليه ~~بالمقام بنيسابور حتى يأتيه، وكان بيده حينئذ أكثر خراسان وطبرستان وجرجان، ~~فلما وصل بركيارق إلى # PageV08P435 # نيسابور قبض على رؤسائها، وخرج بهم، وأطلقهم بعد ذلك، وتمسك بعميد خراسان ~~أبي محمد، وأبي القاسم بن أبي المعالي الجويني. فأما أبو القاسم فمات ~~مسموما في قبضه، وقد تقدم أنه قتل سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. # وعاد بركيارق فاستدعى أمير داذ فاعتذر بقصد السلطان سنجر بلاده في عساكر ~~بلخ، ويسأل السلطان ms3649 بركيارق أن يصل إليه على الملك سنجر، فسار إليه في ألف ~~فارس، فلم يعلم بقدومه إلا الأمراء الكبار من أصحاب سنجر ولم يعلموا ~~الأصاغر لئلا ينهزموا. # وكان مع أمير داذ عشرون ألف فارس، فيهم من رجالة الباطنية خمسة آلاف، ~~ووقع المصاف بين بركيارق وأخيه سنجر خارج النوشجان، وكان الأمير بزغش في ~~ميمنة سنجر، والأمير كندكز في ميسرته، والأمير رستم في القلب، واشتغل ~~العسكر بالنهب، فحمل عليهم بزغش وكندكز، فقتلا المنهزمين، وانهزم الرجالة ~~إلى مضيق بين جبلين، فأرسل عليهم الماء فأهلكهم، ووقعت الهزيمة على أصحاب ~~بركيارق، وكان قد أخذ والدة أخيه سنجر لما انهزم أصحابه أولا، فخافت أن ~~يقتلها بأمه، فأحضرها وطيب قلبها، وقال: إنما أخذتك حتى يطلق أخي سنجر من ~~عنده من الأسرى، ولست كفؤا لوالدتي حتى أقتلك. فلما أطلق سنجر الأسرى ~~أطلقها بركيارق. # وهرب أمير داذ إلى بعض القرى، وأخذ بعض التركمان، فأعطاه في نفسه مائة ~~ألف دينار، فلم يطلقه، وحمله إلى بزغش فقتله. # وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى دامغان، وسار في البرية، ورؤي في بعض ~~المواضع ومعه سبعة عشر فارسا، وجمازة واحدة، ثم كثر جمعه، وصار معه ثلاثة ~~آلف فارس، منهم: جاولي سقاووا، وغيره، وسار إلى أصبهان بمكاتبة من أهلها، ~~فسمع السلطان محمد، فسبقه إليها، فعاد إلى سميرم. # ذكر فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس # PageV08P436 # في هذه السنة فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس، وكان صاحبها حمو قد عاد ~~فتغلب عليها، واشتد أمره بوزير كان عنده قد قصده، وهو من كتاب المعز، كان ~~حسن الرأي والتدبير، فاستقامت به دولته، وعظم شأنه، فأرسل إليه تميم يطلبه ~~ليستخدمه، ووعده، وبالغ في استمالته، فلم يقبل، فسير تميم جيشا إلى حصار ~~سفاقس، وأمر الأمير الذي جعله مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه، ~~ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير فإنه لا يتعرض له، ويبالغ في ~~صيانته، ففعل ذلك، فلما رأى حمو ما فعل بأملاك الناس، ما عدا الوزير، ~~اتهمه، فقتله، فانحل نظام دولته، وتسلم عسكر تميم المدينة، وخرج حمو ms3650 منها، ~~وقصد مكن بن كامل الدهماني فأقام عنده، فأحسن إليه، ولم يزل عنده حتى مات. # ذكر عزل عميد الدولة من وزارة الخليفة ووفاته # لما أطلق مؤيد الدولة، وزير السلطان محمد، الأعز أبا المحاسن، وزير ~~بركيارق، وضمنه عمادة بغداذ، أمر أن يخاطب الخليفة بعزل وزيره عميد الدولة ~~بن جهير، فسار من العسكر، وسمع عميد الدولة الخبر، فأمر أصبهبذ صباوة بن ~~خمارتكين بالخروج إلى طريق الأعز وقتله. # وكان أصبهبذ قد حضر الحرب مع بركيارق، ولما انهزم العسكر قصد بغداذ، فخرج ~~إلى طريق الأعز أبي المحاسن، فلقيه قريبا من بعقوبا، فأوقع بمن معه، والتجأ ~~الأعز إلى القرية واحتمى، فلما رأى أصبهبذ صباوة ذلك أرسل إليه يقول له: ~~إنك وزير السلطان بركيارق، وأنا مملوكه، فإن كنت على خدمته فاخرج إلينا حتى ~~نسير إلى بغداذ ونقيم الخطبة للسلطان، وأنت الصاحب الذي لا يخالف، وإن لم ~~تجب إلى هذا، فما بيننا غير السيف. فأجابه الأعز إلى ذلك، واجتمعا، فعرفه ~~صباوة الذي أمره به عميد الدولة من قتله، وباتا تلك الليلة، وأرسل الأعز ~~إلى الأمير إيلغازي بن أرتق، وكان قد # PageV08P437 # ورد في صحبته، وفارقه نحو الراذن، فحضر في الليل، فانقطع حينئذ أمل صباوة ~~منه، وفارقه. # وسار الأعز إلى بغداذ وخاطب في عزل عميد الدولة، فعزل في رمضان، وأخذ من ~~ماله خمسة وعشرين ألف دينار، وقبض عليه وعلى إخوته، وبقي معزولا إلى سادس ~~عشر شوال، فتوفي محبوسا في دار الخلافة، ومولده في محرم سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة، وكان عاقلا، كريما، حليما، إلا أنه كان عظيم الكبر، يكاد يعد ~~كلامه عدا، وكان إذا كلم إنسانا كلمات يسيرة هنئ ذلك الرجل بكلامه. # ذكر ظفر المسلمين بالفرنج # في ذي القعدة من هذه السنة لقي كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ~~ابن الدانشمند لأن أباه كان معلما للتركمان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، ~~وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما، بيمند الفرنجي، وهو من مقدمي الفرنج، قريب ~~ملطية، وكان صاحبها قد كاتبه، واستقدمه إليه، فورد عليه في خمسة آلاف، ~~فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم ms3651 بيمند وأسر. # ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى ~~قلعة تسمى أنكورية، فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة ~~أخرى فيها إسماعيل بن الدانشمند، وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعا كثيرا، ~~ولقي الفرنج، وجعل له كمينا، وقاتلهم، وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من ~~الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا وأفلتوا مجروحين. # وسار الدانشمند إلى ملطية، فملكها وأسر صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج ~~من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة. # PageV08P438 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زاد أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداذ، في شعبان، وعظم ~~ضررهم، فأمر الخليفة كمال الدولة يمن بتهذيب البلد، فأخذ جماعة من أعيانهم، ~~وطلب الباقين فهربوا. # وفيها أيضا انحلت الأسعار بالعراق، وكان الحنطة قد بلغ سبعين دينارا، ~~وربما زاد كثيرا في بعض الأوقات، وانقطعت الأمطار، ويبست الأنهار، وكثر ~~الموت، حتى عجزوا عن دفن الموتى، فحمل في بعض الأوقات ستة أموات على نعش ~~واحد، وعدمت الأدوية والعقاقير. # وفيها، في رجب، سار بيمند الفرنجي، صاحب أنطاكية، إلى قلعة أفامية، ~~فحصروها، وقاتل أهلها أياما، وأفسد زروعها ثم رحل عنها. # وفيها، في آخر رمضان، قتل الأمير بلكابك سرمز بأصبهان،، بدار السلطان ~~محمد، وكان كثير الاحتياط من الباطنية لا يفارقه لبس الدرع ومن يمنع عنه، ~~ففي ذلك اليوم لم يلبس درعا، ودخل دار السلطان في قلة، فقتله الباطنية، ~~فقتل واحد ونجا آخر. # [الوفيات] وفيها توفي أبو الحسن البسطامي الصوفي، ورباطه مشهور على دجلة ~~غربي بغداذ، بناه أبو الغنائم بن المحلبان. # وفيها مات أبو نصر بن أبي عبد الله بن جردة، وأصله من عكبرا، وإليه ينسب ~~مسجد ابن جردة، وخرابة ابن جردة ببغداذ. # PageV08P439 # وفيها توفي أبو يحيى بن جزلة الطبيب، وكان نصرانيا فأسلم، وهو مصنف كتاب ~~المنهاج. # وفيها، في شوال، توفي عبد الرزاق الصوفي، الغزنوي، المقيم برباط عتاب، ~~وحج عدة حجات على التجريد، ولم يخلف ما يكفن فيه، فقالت زوجته: إذا مت ~~افتضحنا، قال: لم نفتضح؟ قالت: ms3652 لأنك ليس لك ما تكفن فيه، فقال: إنما أفتضح ~~إذا خلفت ما أكفن فيه. # وفيها، في رمضان، توفي عز الدولة أبو المكارم محمد بن سيف الدولة صدقة بن ~~مزيد. # PageV08P440 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة] ### | 494 - # ذكر الحرب بين السلطانين بركيارق ومحمد وقتل مؤيد الملك # في هذه السنة، ثالث جمادى الآخرة، كان المصاف الثاني بين السلطان بركيارق ~~والسلطان محمد، وقد ذكرنا سنة ثلاث وتسعين [وأربعمائة] انهزام السلطان ~~بركيارق من أخيه السلطان محمد، وتنقله في البلاد، إلى أصبهان. وأنه لم ~~يدخلها، وسار منها إلى خوزستان، وأتى عسكر مكرم، فأتاه الأميران زنكي ~~وألبكي ابنا برسق، وصارا معه، وأقام بها شهرين، وسار منها إلى همذان، فاتصل ~~به الأمير إياز. # وكان سبب ذلك أن أمير آخر قد مات مذ قريب، فاتهم إياز مؤيد الملك بأنه ~~سقاه السم، وقوى ذلك عنده أن وزير أمير آخر هرب عقيب موته، فازداد ظن إياز ~~باتهامه، فظفر بالوزير فقتله. وكان إياز قد اتخذه أمير آخر ولدا، واتصل به ~~العسكر، ووصى له بجميع ماله، فحين استوحش لهذا السبب كاتب السلطان بركيارق، ~~واتصل به، ومعه خمسة آلاف فارس، وصار من جملة عسكره. # وسار السلطان محمد إلى لقاء أخيه، فلما تقارب العسكران استأمن الأمير ~~سرخاب بن كيخسرو، صاحب آوة، إلى السلطان بركيارق، فأكرمه، ووقع المصاف ثالث ~~جمادى الآخرة، وكان مع السلطان بركيارق خمسون ألفا، ومع أخيه السلطان # PageV08P441 # محمد خمسة عشر ألفا، فالتقوا، فاقتتلوا يومهم أجمع، وكان النفر يستأمنون ~~من عسكر محمد إلى بركيارق، فيحسن إليهم. # ومن العجب الدال على الظفر أن رجالة بركيارق احتاجوا إلى تراس، فوصل إليه ~~يوم المصاف بكرة اثنا عشرة حملا من همذان منها ثمانية أحمال تراس، ففرقت ~~فيهم، فلما وصلت نزل السلطان بركيارق، وصلى ركعتين شكرا لله تعالى. # ولم يزل القتال إلى آخر النهار، فانهزم السلطان محمد وعسكره وأسر مؤيد ~~الملك، أسره غلام لمجد الملك البلاساني وأحضر عند السلطان بركيارق، فسبه، ~~وأوقفه على ما اعتمده معه من سب والدته مرة، ونسبته إلى مذهب الباطنية ~~أخرى، ومن حمل أخيه ms3653 محمد على عصيانه، والخروج عن طاعته إلى غير ذلك، ومؤيد ~~الملك ساكت لا يعيد كلمة، فقتله بركيارق بيده، وألقي على الأرض عدة أيام ~~حتى سأل الأمير إياز في دفنه، فأذن فيه، فحمل إلى تربة أبيه بأصبهان فدفن ~~معه. # وكان بخيلا، سيئ السيرة مع الأمراء، إلا أنه كان كثير المكر والحيل في ~~إصلاح أمر الملك، وكان عمره لما قتل نحو خمسين سنة. # وكان السلطان بركيارق قد استوزر في صفر الأعز أبا المحاسن عبد الجليل بن ~~الدهستاني، فلما قتل مؤيد الملك أرسل الوزير أبو المحاسن رسولا إلى بغداذ، ~~وهو أبو إبراهيم الأسداباذي، لأخذ أموال مؤيد الملك، فنزل ببغداذ بدار مؤيد ~~الملك، وسلم إليه محمد الشرابي، وهو ابن خالة مؤيد الملك، فأخذت منه ~~الأموال والجواهر بعد مكروه أصابه، وعذاب ناله، وأخذ له ذخائر من مواضع أخر ~~ببلاد العجم منها: قطعة بلخش، وزنها واحد وأربعون مثقالا. # ولما فرغ السلطان بركيارق من هذه الوقعة سار إلى الري، فوصل إليه هناك ~~قوام الدولة كربوقا، صاحب الموصل، ونور الدولة دبيس بن صدقة بن مزيد. # PageV08P442 # ذكرحال السلطان محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه الملك سنجر # لما انهزم السلطان محمد، سار طالبا خراسان إلى أخيه سنجر، وهما لأم ~~واحدة، فأقام بجرجان، وراسل أخاه يطلب منه مالا وكسوة، وغير ذلك، فسير إليه ~~ما طلب، وترددت الرسل بينهما، حتى تحالفا واتفقا. # ولم يكن بقي مع السلطان محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس، فلما ~~استقرت القواعد بينهما سار الملك سنجر من خراسان في عساكره نحو أخيه ~~السلطان محمد، فاجتمعا بجرجان، وسارا منها إلى دامغان، فخربها العسكر ~~الخراساني، ومضى أهلها هاربين إلى قلعة كردكوه، وخرب العسكر ما قدروا عليه ~~من البلاد، وعم الغلاء تلك الأصقاع، حتى أكل الناس الميتة والكلاب، وأكل ~~الناس بعضهم بعضا، وسارا إلى الري فلما وصلا إليها انضم إليهما النظامية ~~وغيرهم، فكثر جمعهما، وعظمت شوكتهما، وتمكنت من القلوب هيبتهما. # ذكر ما فعله السلطان بركيارق ودخوله بغداذ # لما كان السلطان بركيارق بالري، بعد انهزام أخيه محمد، اجتمعت عليه ~~العساكر الكثيرة، فصار ms3654 معه نحو مائة ألف فارس، ثم إنهم ضاقت عليهم الميرة ~~فتفرقت العساكر، فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه، وخرج الملك مودود بن إسماعيل ~~بن ياقوتي بأذربيجان، فسير إليه قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف فارس، ~~واستأذن الأمير إياز في أن يقصد داره بهمذان يصوم بها شهر رمضان، ويعود بعد ~~الفطر، فأذن له، وتفرقت العساكر لمثل ذلك، وبقي في العدد القليل. # فلما بلغه أن أخويه قد جمعا الجموع، وحشدا الجنود، وأنهما لما بلغهما قلة ~~من معه جدا في السير إليه، وطويا المنازل ليعاجلاه، قبل أن يجمع جموعه ~~وعساكره، فلما قارباه سار من مكانه، وقد طمع فيه من كان يهابه، وأيس منه من ~~كان يرجوه، فقصد نحو همذان ليجتمع هو وإياز، فبلغه أن إياز قد راسل السلطان ~~محمدا ليكون # PageV08P443 # معه ومن جملة أعوانه، خوفا على ولايته، وهي همذان وغيرها، فلما سمع عنها، ~~وقصد خوزستان، فلما قرب من تستر كاتب الأمراء بني برسق يستدعيهم إليه، فلم ~~يحضروا لما علموا أن إياز لم يحضر، وللخوف من السلطان محمد فسار نحو ~~العراق، فلما بلغ حلوان أتاه رسول الأمير إياز يسأل التوقف ليصل إليه. # وسبب ذلك أن إياز راسل السلطان محمدا في الانضمام إليه والمصير في جملة ~~عسكره، فلم يقبله، وسير العساكر إلى همذان، ففارقها منهزما، ولحق بالسلطان ~~بركيارق، فأقام السلطان بركيارق بحلوان، ووصل إليه إياز، وساروا جميعهم إلى ~~بغداذ. # وأخذ عسكر محمد ما تخلف للأمير إياز بهمذان من مال ودواب، وبرك، وغير ذلك ~~فإنه أعجل عنه، وكان من جملته خمسمائة حصان عربية، قيل كان يساوي كل حصان ~~منها ما بين ثلاثمائة دينار إلى خمسمائة دينار، ونهبوا داره، وصادروا جماعة ~~من أصحابه، وصودر رئيس همذان بمائة ألف دينار. # ولما وصل إياز إلى بركيارق تكاملت عدتهم خمسة آلاف فارس، وقد ذهبت خيامهم ~~وثقلهم ووصل بركيارق إلى بغداذ سابع عشر ذي القعدة، وأرسل الخليفة إلى ~~طريقه يلتقيه أمين الدولة بن موصلايا في الموكب، ولما كان عيد الأضحى نفذ ~~الخليفة منبرا إلى دار السلطان، وخطب عليه الشريف أبو الكرم، ms3655 وصلى صلاة ~~العيد، ولم يحضر بركيارق لأنه كان مريضا. # وضاقت الأموال على بركيارق، فلم يكن عنده ما يخرجه على نفسه وعلى عساكره، ~~فأرسل إلى الخليفة يشكو الضائقة وقلة المال، ويطلب أن يعان بما يخرجه، ~~فتقرر الأمر بعد المراجعات على خمسين ألف دينار، حملها الخليفة إليه، ومد ~~بركيارق وأصحابه أيديهم إلى أموال الناس، فعم ضررهم، وتمنى أهل البلاد ~~زوالهم عنهم، ودعتهم الضرورة إلى أن ارتكبوا خطة شنعاء، وذلك أنه قدم عليهم ~~أبو محمد عبيد الله بن # PageV08P444 # منصور، المعروف بابن صليحة، قاضي جبلة من بلاد الشام وصاحبها، منهزما من ~~الفرنج، على ما نذكره، ومعه أموال جليلة المقدار، فأخذوها منه. # ذكر خلاف صدقة بن مزيد على بركيارق # في هذه السنة خرج الأمير صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد، صاحب الحلة، عن ~~طاعة السلطان بركيارق، وقطع خطبته من بلاده، وخطب فيها للسلطان محمد. # وسبب ذلك أن الوزير الأعز أبا المحاسن الدهستاني، وزير السلطان بركيارق، ~~أرسل إلى صدقة يقول له: قد تخلف عندك لخزانة السلطان ألف ألف دينار، وكذا ~~وكذا دينارا لسنين كثيرة، فإن أرسلتها، وإلا سيرنا العساكر إلى بلادك ~~وأخذناها منك. فلما سمع هذه الرسالة قطع الخطبة، وخطب لمحمد. # فلما وصل السلطان بركيارق إلى بغداذ على هذه الحال أرسل إليه مرة بعد مرة ~~يدعوه إلى الحضور عنده، فلم يجب إلى ذلك، فأرسل إليه الأمير إياز يشير بقصد ~~خدمة السلطان، ويضمن له كل ما يريده، فقال: لا أحضر، ولا أطيع السلطان، إلا ~~إذا سلم وزيره أبا المحاسن إلي، وإن لم يفعل فلا يتصور مني الحضور عنده ~~أبدا، ويكون في ذلك ما يكون، فإن سلمه إلي، فأنا العبد المخلص في العبودية ~~بالحسن والطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فتم على مقاطعته، وأرسل إلى الكوفة، وطرد ~~عنها النائب بها عن السلطان واستضافها إليه. # ذكر وصول السلطان محمد إلى بغداذ ورحيل السلطان بركيارق عنها # في هذه السنة، في السابع والعشرين [من] ذي الحجة، وصل السلطان محمد وسنجر ~~إلى بغداذ، وكان السلطان محمد لما استولى على همذان وغيرها سار ms3656 إلى بغداذ، ~~فلما وصل إلى حلوان سار إليه إيلغازي بن أرتق في عساكره، وخدمه، وأحسن في ~~الخدمة، وكان عسكر محمد يزيد على عشرة آلاف فارس سوى الأتباع. # PageV08P445 # فلما وصلت الأخبار بذلك كان بركيارق على شدة من المرض، يرجف عليه خواصه ~~بكرة وعشيا، فماج أصحابه، وخافوا، واضطربوا، وحاروا، وعبروا به في محفة إلى ~~الجانب الغربي، فنزلوا بالرملة، ولم يبق في بركيارق غير روح يتردد، وتيقن ~~أصحابه موته، وتشاوروا في كفنه، وموضع دفنه. # فبينما هم كذلك إذ قال لهم: إني أجد نفسي قد قويت، وحركتي قد تزايدت، ~~فطابت نفوسهم، وساروا، وقد وصل العسكر الآخر فتراءى الجمعان بينهما دجلة، ~~وجرى بينهما مراماة وسباب، وكان أكثر ما يسبهم عسكر محمد يا باطنية، ~~يعيرونهم بذلك، ونهبوا البلاد في طريقهم إلى أن وصلوا إلى واسط. # ووصل السلطان محمد إلى بغداذ، فنزل بدار المملكة، فبرز إليه توقيع ~~الخليفة المستظهر بالله يتضمن الامتعاض من سوء سيرة بركيارق ومن معه، ~~والاستبشار بقدومه، وخطب له بالديوان، ونزل الملك سنجر بدار كوهرائين، وكان ~~محمد قد استوزر بعد مؤيد الملك خطير الملك أبا منصور محمد بن الحسين، وقدم ~~إليه في المحرم سنة خمس وتسعين وأربعمائة الأمير سيف الدولة صدقة، وخرج ~~الخلق كلهم إلى لقائه. # ذكر حال قاضي جبلة # هو أبو محمد عبيد الله بن منصور المعروف بابن صليحة، وكان والده رئيسها ~~أيام كان الروم مالكين لها على المسلمين، ويقضي بينهم، فلما ضعف أمر الروم، ~~وملكها المسلمون، وصارت تحت حكم جلال الملك أبي الحسن علي بن عمار، صاحب ~~طرابلس كان منصور على عادته في الحكم فيها. فلما توفي منصور قام ابنه أبو ~~محمد مقامه، وأحب الجندية، واختار الجند، فظهرت شهامته، فأراد ابن عمار أن ~~يقبض عليه، فاستشعر منه، وعصى عليه، وأقام الخطبة العباسية، فبذل ابن عمار ~~لدقاق بن تتش مالا ليقصده ويحصره، ففعل، وحصره، فلم يظفر منه بشيء، وأصيب ~~صاحبه أتابك طغتكين بنشابة في ركبتيه وبقي أثرها. # PageV08P446 # وبقي أبو محمد بها مطاعا إلى أن جاء الفرنج، لعنهم الله، فحصروها، فأظهر ~~أن السلطان بركيارق ms3657 قد توجه إلى الشام، وشاع هذا، فرحل الفرنج، فلما تحققوا ~~اشتغال السلطان عنهم عاودوا حصاره، فأظهر أن المصريين قد توجهوا لحربهم، ~~فرحلوا ثانيا، ثم عادوا، فقرر مع النصارى الذين بها أن يراسلوا الفرنج، ~~ويواعدوهم إلى برج من أبراج البلد ليسلموه إليهم ويملكوا البلد، فلما أتتهم ~~الرسالة جهزوا نحو ثلاثمائة رجل من أعيانهم وشجعانهم، فتقدموا إلى ذلك ~~البرج فلم يزالوا يرقون في الجبال، واحدا بعد واحد، وكلما صار عند ابن ~~صليحة، وهو على السور، رجل منهم قتله إلى أن قتلهم أجمعين، فلما أصبحوا رمى ~~الرءوس إليهم فرحلوا عنه. # وحصروه مرة أخرى، ونصبوا على البلد برج خشب، وهدموا برجا من أبراجه، ~~وأصبحوا وقد بناه أبو محمد، ثم نقب في السور نقوبا، وخرج من الباب وقاتلهم، ~~فانهزم منهم، وتبعوه، فخرج أصحابه من تلك النقوب، فأتوا الفرنج من ظهورهم، ~~فولوا منهزمين وأسر مقدمهم المعروف بكند اصطبل، فافتدى نفسه بمال جزيل. # ثم علم أنهم لا يقعدون عن طلبه، وليس له من يمنعهم عنه، فأرسل إلى طغتكين ~~أتابك يلتمس منه إنفاذ من يثق به ليسلم إليه ثغر جبلة، ويحميه ليصل هو إلى ~~دمشق بماله وأهله، فأجابه إلى ما التمس، وسير إليه ولده تاج الملوك بوري، ~~فسلم إليه البلد، ورحل إلى دمشق، وسأله أن يسيره إلى بغداذ، ففعل، وسيره ~~ومعه من يحميه إلى أن وصل إلى الأنبار. # ولما صار بدمشق أرسل ابن عمار صاحب طرابلس إلى الملك دقاق، وقال: سلم إلي ~~ابن صليحة عريانا، وخذ ماله أجمع، وأنا أعطيك ثلاثمائة ألف دينار، فلم ~~يفعل. فلما وصل إلى الأنبار أقام بها أياما، ثم سار إلى بغداذ، وبها ~~السلطان بركيارق، فلما وصل أحضره الوزير الأعز أبو المحاسن عنده، وقال له ~~السلطان محتاج، والعساكر # PageV08P447 # يطالبونه بما ليس عنده، ونريد منك ثلاثين ألف دينار، وتكون له منة عظيمة، ~~تستحق بها المكافأة والشكر. فقال: السمع والطاعة، ولم يطلب أن يحط شيئا، ~~وقال: إن رحلي ومالي في الأنبار بالدار التي نزلتها، فأرسل الوزير إليها ~~جماعة، فوجدوا فيها مالا كثيرا، وأعلاقا نفيسة، فمن جملة ms3658 ذلك ألف ومائة ~~قطعة مصاغ عجيب الصنعة، ومن الملابس والعمائم التي لا يوجد مثلها شيء كثير. # كان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث التي بعد انهزام السلطان محمد إلى هاهنا، ~~بعد قتل الباطنية، فإنها كانت أواخر السنة، وكان قتلهم في شعبان، وإنما ~~قدمناها لنتبع بعض الحادثة بعضا لا يفصل بينها شيء. # وأما تاج الملوك بوري، فإنه لما ملك جبلة، وتمكن منها، أساء السيرة هو ~~وأصحابه مع أهلها، وفعلوا بهم أفعالا أنكروها، فراسلوا القاضي فخر الملك ~~أبا علي عمار بن محمد بن عمار، صاحب طرابلس، وشكوا إليه ما يفعل بهم، ~~وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض أصحابه ليسلموا إليه البلد، ففعل ذلك، وسير ~~إليهم عسكرا، فدخلوا جبلة، واجتمعوا بأهلها، وقاتلوا تاج الملوك ومن معه، ~~فانهزم الأتراك، وملك عسكر ابن عمار جبلة، وأخذوا تاج الملوك أسيرا، وحملوه ~~إلى طرابلس، فأكرمه ابن عمار، وأحسن إليه، وسيره إلى أبيه بدمشق، واعتذر ~~إليه، وعرفه صورة الحال، وأنه خاف أن يملك الفرنج جبلة. # ذكر قتل الباطنية # في هذه السنة، في شعبان، أمر السلطان بركيارق بقتل الباطنية، وهم ~~الإسماعلية وهم الذين كانوا قديما يسمون قرامطة، ونحن نبتدئ بأول أمرهم ~~الآن ثم بسبب قتلهم. # PageV08P448 # فأول ما عرف من أحوالهم، أعني هذه الدعوة الأخيرة التي اشتهرت بالباطنية، ~~والإسماعلية، في أيام السلطان ملكشاه، فإنه اجتمع منهم ثمانية عشر رجلا، ~~فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم سئل فيهم ~~فأطلقهم، فهذا أول اجتماع كان لهم. # ثم إنهم دعوا مؤذنا من أهل ساوة كان مقيما بأصبهان، فلم يجبهم إلى دعوتهم ~~فخافوه أن ينم عليهم، فقتلوه، فهو أول قتيل لهم، وأول دم أراقوه، فبلغ خبره ~~إلى نظام الملك، فأمر بأخذ من يتهم بقتله، فوقعت التهمة على نجار اسمه ~~طاهر، فقتل، ومثل به، وجروا برجله في الأسواق، فهو أول قتيل منهم، وكان ~~والده واعظا، وقدم إلى بغداذ مع السلطان بركيارق سنة ست وثمانين ~~[وأربعمائة] فحظي منه، ثم قصد البصرة فولي القضاء بها، ثم توجه في رسالة ~~إلى كرمان، فقتله العامة في ms3659 الفتنة التي جرت، وذكروا أنه باطني. # ثم إن الباطنية قتلوا نظام الملك، وهي أول فتكة مشهورة كانت لهم وقالوا: ~~قتل نجارا فقتلناه به. # وأول موضع غلبوا وتحصنوا به بلد عند قاين، كان متقدمه على مذهبهم، ~~فاجتمعوا عنده، وقووا به، فاجتازت بهم قافلة عظيمة من كرمان إلى قاين، فخرج ~~عليهم ومعه أصحابه والباطنية، فقتل أهل القفل أجمعين، ولم ينج منهم غير رجل ~~تركماني، فوصل إلى قاين فأخبر بالقصة، فتسارع أهلها مع القاضي الكرماني إلى ~~جهادهم، فلم يقدروا عليهم. # ثم قتل نظام الملك، ومات السلطان ملكشاه، فعظم أمرهم، واشتدت شوكتهم، ~~وقويت أطماعهم. # PageV08P449 # وكان سبب قوتهم بأصبهان، أن السلطان بركيارق لما حصر أصبهان، وبها أخوه ~~محمود، وأمه خاتون الجلالية، وعاد عنهم ظهرت مقالة الباطنية بها، وانتشرت، ~~وكانوا متفرقين في المحال، فاجتمعوا، وصاروا يسرقون من قدروا عليه من ~~مخالفيهم ويقتلونهم، فعلوا هذا بخلق كثير، وزاد الأمر، حتى إن الإنسان كان ~~إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد تيقنوا قتله، وقعدوا للعزاء به، فحذر ~~الناس، وصاروا لا ينفرد أحد، وأخذوا في بعض الأيام مؤذنا، أخذه جار له ~~باطني، فقام أهله للنياحة عليه، فأصعده الباطنية إلى سطح داره وأروه أهله ~~كيف يلطمون ويبكون، وهو لا يقدر أن يتكلم خوفا منهم. # ذكر ما فعل بهم العامة بأصبهان # لما عمت هذه المصيبة الناس بأصبهان، أذن الله تعالى في هتك أستارهم، ~~والانتقام منهم، فاتفق أن رجلا دخل دار صديق له، فرأى فيها ثيابا، ومداسات ~~وملابس لم يعهدها، فخرج من عنده، وتحدث بما كان، فكشف الناس عنها، فعلموا ~~أنها من المقتولين. # وثار الناس كافة يبحثون عمن قتل منهم، ويستكشفون، فظهروا على الدروب التي ~~هم فيها، وإنهم كانوا إذا اجتاز بهم إنسان أخذوه إلى دار منهم وقتلوه ~~وألقوه في بئر في الدار قد صنعت لذلك. # وكان على باب درب منها رجل ضرير، فإذا اجتاز به إنسان يسأله أن يقوده ~~خطوات إلى باب الدرب، فيفعل ذلك، فإذا دخل الدرب أخذ وقتل، فتجرد للانتقام ~~منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي، الفقيه الشافعي، ms3660 وجمع الجم الغفير ~~بالأسلحة، وأمر بحفر أخاديد، وأوقد فيها النيران، وجعل العامة يأتون ~~بالباطنية أفواجا ومنفردين، فيلقون في النار، وجعلوا إنسانا على أخاديد ~~النيران، وسموه مالكا، فقتلوا منهم خلقا كثيرا. # PageV08P450 # ذكر قلاعهم التي استولوا عليها ببلاد العجم # واستولوا على عدة حصون منها قلعة أصبهان، وهذه القلعة لم تكن قديما، ~~وإنما بناها السلطان ملكشاه. # وسبب بنائها أنه كان قد أتاه رجل من مقدمي الروم، فأسلم وصار معه، فاتفق ~~أنه سار يوما إلى الصيد، فهرب منه كلب حسن الصيد، وصعد هذا الجبل، فتبعه ~~السلطان والرومي معه، فوجده موضع القلعة فقال له الرومي: لو أن عندنا مثل ~~هذا الجبل لجعلنا عليه حصنا ننتفع به، فأمر ببناء القلعة، ومنع منها نظام ~~الملك، فلم يقبل قوله، فلما فرغت جعل فيها دزدارا. # فلما انقضت أيام السلطان ملكشاه، وصارت أصبهان بيد خاتون أزالت الدزدار، ~~وجعلت غيره فيها وهو إنسان ديلمي اسمه زيار، فمات، وصار بالقلعة إنسان ~~خوزي، فاتصل به أحمد بن عطاش، وكان الباطنية قد ألبسوه تاجا، وجمعوا له ~~مالا، وقدموه عليهم مع جهله، وإنما كان أبوه مقدما فيهم، فلما اتصل ~~بالدزدار بقي معه، ووثق به وقلده الأمور، فلما توفي الدزدار استولى أحمد بن ~~عطاش عليها، ونال المسلمين منه ضرر عظيم من أخذ الأموال، وقتل النفوس، وقطع ~~الطريق، والخوف الدائم، فكانوا يقولون: إن قلعة يدل عليها كلب، ويشير بها ~~كافر لا بد وأن يكون خاتمة أمرها الشر. # ومنها ألموت، وهي من نواحي قزوين، قيل إن ملكا من ملوك الديلم كان كثير ~~التصيد، فأرسل يوما عقابا، وتبعه، فرآه قد سقط على موضع هذه القلعة، فوجده ~~موضعا حصينا، فأمر ببناء قلعة عليه، فسماها أله موت، ومعناه بلسان الديلم: ~~تعليم العقاب، ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان. # وفيها قلاع حصينة أشهرها ألموت، وكانت هذه النواحي في ضمان شرفشاه ~~الجعفري، وقد استناب فيها رجلا علويا، فيه بله وسلامة صدر. # وكان الحسن بن الصباح رجلا شهما، كافيا، عالما بالهندسة، والحساب، ~~والنجوم، والسحر، وغير ذلك، وكان رئيس الري إنسان يقال له أبو مسلم ms3661 وهو صهر ~~نظام الملك، فاتهم الحسن بن الصباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه، ~~فخافه # PageV08P451 # ابن الصباح، وكان نظام الملك يكرمه، وقال له يوما من طريق الفراسة: عن ~~قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام، فلما هرب الحسن من أبي مسلم طلبه فلم ~~يدركه. # وكان من جملة تلاميذه ابن عطاش، الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان، ومضى ابن ~~الصباح فطاف البلاد، ووصل إلى مصر، ودخل على المستنصر صاحبها، فأكرمه، ~~وأعطاه مالا، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له الحسن: فمن الإمام ~~بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار، وعاد من مصر إلى الشام، والجزيرة، وديار بكر، ~~والروم، ورجع إلى خراسان، ودخل كاشغر، وما وراء النهر، يطوف على قوم يضلهم، ~~فلما رأى قلعة ألموت، واختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم، وطمع في ~~إغوائهم، ودعاهم في السر، وأظهر الزهد، ولبس المسح، فتبعه أكثرهم، والعلوي ~~صاحب القلعة حسن الظن فيه، يجلس إليه يتبرك به، فلما أحكم الحسن أمره، دخل ~~يوما على العلوي بالقلعة، فقال له ابن الصباح: اخرج من هذه القلعة، فتبسم ~~العلوي، وظنه يمزح، فأمر ابن الصباح بعض أصحابه بإخراج العلوي، فأخرجوه إلى ~~دامغان، وأعطاه ماله وملك القلعة. # ولما بلغ الخبر إلى نظام الملك بعث عسكرا إلى قلعة ألموت، فحصروه فيها، ~~وأخذوا عليه الطرق، فضاق ذرعه بالحصر، فأرسل من قتل نظام الملك، فلما قتل ~~رجع العسكر عنها. # ثم إن السلطان محمد بن ملكشاه جهز نحوها العساكر، فحصرها، وسيرد ذكر ذلك ~~إن شاء الله تعالى. # ومنها طبس، وبعض قهستان، وكان سبب ملكهم لها أن قهستان كان قد بقي فيها ~~بقايا من بني سيمجور، أمراء خراسان، أيام السامانية، وكان قد بقي من نسلهم ~~رجل يقال له المنور، وكان رئيسا مطاعا عند الخاصة والعامة، فلما ولي كلسارغ ~~قهستان ظلم الناس وعسفهم، وأراد أختا للمنور بغير حل، فحمل ذلك المنور على ~~أن التجأ إلى الإسماعلية، وصار معهم، فعظم حالهم في قهستان، واستولوا عليها ~~ومن جملتها خور، وخوسف، وزوزن، وقاين، وتون وتلك الأطراف المجاورة لها. # PageV08P452 # ومنها قلعة وسنمكوه، ملكوها، وهي ms3662 بقرب أبهر سنة أربع وثمانين [وأربعمائة] ~~، وتأذى بهم الناس، لا سيما أهل أبهر، فاستغاثوا بالسلطان بركيارق، فجعل ~~عليها من يحاصرها، فحوصرت ثمانية أشهر، وأخذت منهم سنة تسع وثمانين ~~[وأربعمائة] ، وقتل كل من بها عن آخرهم. # ومنها قلعة خالنجان على خمسة فراسخ من أصبهان، كانت لمؤيد الملك بن نظام ~~الملك، وانتقلت إلى جاولي سقاووا، فجعل بها إنسانا تركيا، فصادقه نجار ~~باطني، وأهدى له هدية جميلة، ولزمه حتى وثق به، وسلم إليه مفاتيح القلعة، ~~فعمل دعوة للتركي وأصحابه، فسقاهم الخمر، فأسكرهم، واستدعى ابن عطاش، فجاء ~~في جماعة من أصحابه، فسلم إليهم القلعة، فقتلوا من بها سوى التركي فإنه ~~هرب، وقوي ابن عطاش بها، وصار له على أهل أصبهان القطائع الكثيرة. # ومن قلاعهم المذكورة أستوناوند، وهي بين الري وآمل، ملكوها بعد ملكشاه، ~~نزل منها صاحبها، فقتل وأخذت منه. # ومنها أردهن، وملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن الصباح. # ومنها كردكوه وهي مشهورة. # ومنها قلعة الناظر بخوزستان، وقلعة الطنبور وبينها وبين أرجان فرسخان ~~أخذها أبو حمزة الإسكاف، وهو من أهل أرجان، سافر إلى مصر، وعاد داعية لهم. # وقلعة خلادخان وهي بين فارس وخوزستان، وأقام بها المفسدون نحو مائتي سنة ~~يقطعون الطريق حتى فتحها عضد الدولة بن بويه، وقتل من بها. # فلما صارت الدولة لملكشاه أقطعها الأمير أنر، فجعل بها دزدارا، فأنفذ ~~إليه الباطنية الذين بأرجان يطلبون منه بيعها فأبى، فقالوا له: نرسل إليك ~~من يناظرك # PageV08P453 # حتى يظهر لك الحق، فأجابهم إلى ذلك، فأرسلوا إليه إنسانا ديلميا يناظره، ~~وكان للدزدار مملوك قد رباه، وسلم إليه مفاتيح القلعة، فاستماله الباطني، ~~فأجابه إلى القبض على صاحبه، وتسليم القلعة إليهم، فقبض عليه، وسلم القلعة ~~إليهم، ثم أطلقه، واستولوا بعد ذلك على عدة قلاع هذه أشهرها. # ذكر ما فعله جاولي سقاووا بالباطنية # في هذه السنة قتل جاولي سقاووا خلقا كثيرا منهم. # وسبب ذلك أن هذا الأمير كانت ولايته البلاد التي بين رامهرمز وأرجان. ~~فلما ملك الباطنية القلاع المذكورة بخوزستان وفارس، وعظم شرهم، وقطعوا ~~الطريق بتلك البلاد، واقف جماعة من أصحابه، ms3663 حتى أظهروا الشغب عليه، ~~وفارقوه، وقصدوا الباطنية، وأظهروا أنهم معهم، وعلى رأيهم، فأقاموا عندهم ~~حتى وثقوا بهم. # ثم أظهر جاولي أن الأمراء بني برسق يريدون قصده وأخذ بلاده، وأنه عازم ~~على مفارقتها لعجزه عنهم، والمسير إلى همذان، فلما ظهر ذلك وسار قال من عند ~~الباطنية من أصحابه ممن لهم الرأي: إننا نخرج إلى طريقه ونأخذه وما معه من ~~الأموال، فساروا إليه في ثلاثمائة من أعيانهم وصناديدهم، فلما التقوا صار ~~من معهم من أصحاب جاولي عليهم، ووضعوا السيف فيهم فلم يفلت منهم سوى ثلاثة ~~نفر، صعدوا إلى الجبل وهربوا، وغنم جاولي ما معهم من دواب، وسلاح، وغير ~~ذلك. # ذكر قتل صاحب كرمان الباطني (وملك غيره) # كان تيرانشاه بن تورانشاه بن قاورت بك هو الذي قتل الأتراك الإسماعيلية، ~~وليسوا منسوبين إلى هذه الطائفة الباطنية، إنما نسبوا إلى أمير اسمه # PageV08P454 # إسماعيل، وكانوا من أهل السنة، قتل منهم ألفي رجل صبرا، وقطع أيدي ألفين، ~~ووفد عليه إنسان يقال له أبو زرعة، كان كاتبا بخوزستان، فحسن له مذهب ~~الباطنية، فأجاب إليه. # وكان عنده فقيه حنفي يقال له: أحمد بن حسين البلخي، كان مطاعا في الناس، ~~فأحضره عنده ليلا، وأطال الجلوس معه، فلما خرج من عنده أتبعه بمن قتله، ~~فلما أصبح الناس دخلوا عليه، وفيهم صاحب جيشه، فقال لتيرانشاه: أيها الملك ~~من قتل هذا الفقيه؟ فقال: أنت شحنة البلد، تسألني من قتله؟ فقال: أنا أعرف ~~قاتله! ونهض من عنده، ففارقه في ثلاثمائة فارس، وسار إلى أصبهان، (فأرسل في ~~أثره ألفي فارس ليردوه، فقاتلهم، وهزمهم، وسار إلى أصبهان) ، وبها السلطان ~~محمد ومؤيد الملك، فأكرمه السلطان، وقال: أنت والد الملوك. # وامتعض عسكر كرمان بعد مسيره، واجتمعوا، وقاتلوا تيرانشاه، وأخرجوه عن ~~مدينة بردسير (التي هي كرمان) ، فلما فارقها اتفق القاضي والجند، وأقاموا ~~أرسلانشاه بن كرمانشاه بن قاورت بك، وسار تيرانشاه إلى مدينة بم من كرمان، ~~فحاربه أهلها ومنعوه منها، وفيها أمير يعرف بمحمد بهستون، فأرسل أرسلانشاه ~~جيشا حصروا القلعة، فقال محمد بهستون لتيرانشاه: انصرف عني، فلست أرى الغدر ~~بك، ms3664 وأنا رجل مسلم، ومقامك عندي يؤذيني، وأتهم بك في ديني. فلما عزم على ~~الخروج أرسل محمد بهستون إلى مقدم الجيش الذين يحاصرونهم يعلمه بمسير ~~تيرانشاه، فجرد عسكرا إلى طريقه، فخرجوا عليه، وأخذوه وما معه، وأخذوا أيضا ~~أبا زرعة، فأرسل أرسلانشاه فقتلهما، وتسلم جميع بلاد كرمان. # ذكر السبب في قتل بركيارق الباطنية # لما اشتد أمر الباطنية، وقويت شوكتهم، وكثر عددهم، صار بينهم وبين ~~أعدائهم ذحول وإحن، فلما قتلوا جماعة من الأمراء الأكابر، وكان أكثر من ~~قتلوا من هو في طاعة محمد، مخالف للسلطان بركيارق، مثل شحنة أصبهان سرمز، ~~وأرغش، وكمش النظاميين، وصهره، وغيرهم، نسب أعداء بركيارق ذلك إليه، ~~واتهموه بالميل إليهم. # PageV08P455 # فلما ظفر السلطان بركيارق، وهزم أخاه السلطان محمدا، وقتل مؤيد الملك ~~وزيره، انبسط جماعة منهم في العسكر، واستغووا كثيرا منهم، وأدخلوهم في ~~مذهبهم، وكادوا يظهرون بالكثرة والقوة، وحصل بالعسكر منهم طائفة من وجوههم، ~~وزاد أمرهم، فصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل، فصار يخافهم من يخالفهم، ~~حتى إنهم لم يتجاسر أحد منهم، لا أمير ولا متقدم، على الخروج من منزله ~~حاسرا بل يلبس تحت ثيابه درعا، حتى إن الوزير الأعز أبا المحاسن كان يلبس ~~زردية تحت ثيابه، واستأذن السلطان بركيارق خواصه في الدخول عليه بسلاحهم، ~~وعرفوه خوفهم ممن يقاتلهم، فأذن لهم في ذلك. # وأشاروا على السلطان أن يفتك بهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم، وأعلموه ما ~~يتهمه الناس به من الميل إلى مذهبهم، حتى إن عسكر أخيه السلطان محمد يشنعون ~~بذلك، وكانوا في المصاف يكبرون عليهم، ويقولون يا باطنية. فاجتمعت هذه ~~البواعث كلها، فأذن السلطان في قتلهم، والفتك بهم، وركب هو والعسكر معه، ~~وطلبوهم، وأخذوا جماعة من خيامهم ولم يفلت منهم إلا من لم يعرف. # وكان ممن اتهم بأنه مقدمهم الأمير محمد بن دشمنزيار بن علاء الدولة أبي ~~جعفر بن كاكويه، صاحب يزد، فهرب، وسار يومه وليلته، فلما كان اليوم الثاني ~~وجد في العسكر قد ضل الطريق ولا يشعر، فقتل، وهذا موضع المثل: أتتك بخائن ~~رجلاه، ونهبت خيامه، فوجد عنده ms3665 السلاح المعد، وأخرج الجماعة المتهمون إلى ~~الميدان فقتلوا، وقتل منهم جماعة براء لم يكونوا منهم سعى بهم أعداؤهم، ~~وفيمن قتل ولد كيقباذ، مستحفظ تكريت، فلم يغير والده خطبة بركيارق، ولكن ~~شرع في تحصين القلعة وعمارتها، ونقض جامع البلد، وكان يقاربها، لئلا يؤتى ~~منه، وجعل بيعة في البلد جامعا، وصلى الناس فيه. # وكتب إلى بغداذ بالقبض على إبراهيم الأسداباذي الذي كان قد وصل إليها ~~رسولا من بركيارق ليأخذ مال مؤيد الملك، وكان من أعيانهم ورءوسهم، فأخذ ~~وحبس، فلما أرادوا قتله قال: هبوا أنكم قتلتموني، أتقدرون على قتل من ~~بالقلاع والمدن؟ فقتل، ولم يصل أحد عليه، وألقي خارج السور، وكان له ولد ~~كبير قتل بالعسكر معهم. # وقد كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديما، فأنهي حالهم إلى الوزير ~~أبي # PageV08P456 # شجاع أيام المقتدي بأمر الله، فأحضرهم إلى بغداذ، فسأل مشايخهم على الذي ~~يقال فيهم، فأنكروا وجحدوا، فأطلقهم. # واتهم أيضا إلكيا الهراس، المدرس بالنظامية، بأنه باطني، ونقل ذلك عنه ~~إلى السلطان محمد، فأمر بالقبض عليه، فأرسل المستظهر بالله من استخلصه، ~~وشهد له بصحة الاعتقاد، وعلو الدرجة في العلم، فأطلق. # ذكر حصر الأمير بزغش قهستان وطبس # في هذه السنة جمع الأمير بزغش، وهو أكبر أمير مع السلطان سنجر، جموعا ~~كثيرة، وقواهم بالمال والسلاح، وسار إلى بلد الإسماعيلية، فنهبه، وخربه، ~~وقتل فيهم فأكثر، وحصر طبس، وضيق عليها، ورماها بالمنجنيق، فخرب كثيرا من ~~سورها، وضعف من بها، ولم يبق إلا أخذها، فأرسلوا إليه الرشا الكثيرة، ~~واستنزلوه عما كان يريده منهم، فرحل عنهم وتركهم، فعاودوا عمارة ما انهدم ~~من سورها، وملأوها ذخائر من سلاح وأقوات وغير ذلك، ثم عاودهم بزغش سنة سبع ~~وتسعين وأربعمائة، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر ما ملك الفرنج من الشام # فيها سار كندفري، ملك الفرنج بالشام، وهو صاحب البيت المقدس، إلى مدينة ~~عكا، بساحل الشام، فحصرها، فأصابه سهم فقتله، وكان قد عمر مدينة يافا ~~وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه: طنكري، فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين ~~إلى البيت المقدس ms3666 في خمسمائة فارس وراجل، فبلغ الملك دقاق، صاحب دمشق، ~~خبره، فنهض إليه في عسكره، ومعه الأمير جناح الدولة في جموعه، فقاتله، فنصر ~~على الفرنج. # PageV08P457 # وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من بلاد الجزيرة، وسبب ذلك أن الفرنج كانوا ~~قد ملكوا مدينة الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثرهم أرمن، وليس بها من ~~المسلمين إلا القليل، فلما كان الآن جمع سقمان بسروج جمعا كثيرا من ~~التركمان، وزحف إليهم، فلقوه وقاتلوه، فهزموه في ربيع الأول، فلما تمت ~~الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فحصروها وتسلموها، وقتلوا كثيرا ~~من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم إلا من مضى منهزما. # وفيها ملك الفرنج مدينة حيفا، وهي بالقرب من عكة على ساحل البحر، ملكوها ~~عنوة، وملكوا أرسوف بالأمان، وأخرجوا أهلها منها. # وفيها، في رجب، ملكوا مدينة قيسارية بالسيف، وقتلوا أهلها، ونهبوا ما ~~فيها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر رمضان، تقدم الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع ~~القصر، وأن يصلى فيه صلاة التراويح، ولم تكن جرت بذلك عادة، وأمر بالجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا أيضا لم تجر به عادة، وإنما ترك الجهر ~~بالبسملة في جوامع بغداذ لأن العلويين أصحاب مصر كانوا يجهرون بها، فترك ~~ذلك مخالفة لهم لا اتباعا لمذهب أحمد الإمام، وأمر أيضا بالقنوت على مذهب ~~الشافعي، فلما كانت الليلة التاسعة والعشرون ختم في جامع القصر، وازدحم ~~الناس عنده، وكان زعيم الرؤساء أبو القاسم علي بن فخر الدولة بن جهير أخو ~~عميد الدولة قد أطلق من الاعتقال، فاختلط بالناس، وخرج إلى ظاهر بغداذ من ~~ثلمة في السور، وسار إلى سيف الدولة صدقة بن مزيد، فاستقبله وأنزله وأكرمه. # PageV08P458 # الوفيات # وفيها، في المحرم، توفي جمال الدولة أبو نصر بن رئيس الرؤساء بن المسلمة، ~~وهو أستاذ دار الخليفة. # وفيها توفي القاضي أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبو منصور بن الصباغ ~~الفقيه الشافعي، وأخذ الفقه عن ابن عمه الشيخ أبي نصر بن الصباغ، وكان يصوم ~~الدهر، وروى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري وغيره. # وفيه ms3667 توفي شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور المستوفي، الخوارزمي، ~~بأصبهان، وكان مستوفيا في ديوان السلطان ملكشاه، فبذل مائة ألف دينار حتى ~~ترك الاستيفاء، وبنى مشهدا على قبر أبي حنيفة، رحمة الله عليه، ومدرسة بباب ~~الطاق، ومدرسة بمرو جميعها للحنفيين. # وفيها، في صفر، توفي القاضي أبو المعالي عزيزي، وكان شافعيا، أشعريا، وهو ~~من جيلان، وله مصنفات كثيرة حسنة، وكان ورعا، وله مع أهل باب الأزج أخبار ~~ظريفة، وكان قاضيا عليهم، وكانوا يبغضونه (ويبغضهم) . # وتوفي أسعد بن مسعود بن علي بن محمد أبو إبراهيم العتبي من ولد عتبة بن ~~غزوان نيسابوري، ولد سنة أربع وأربعمائة، وروى عن أبي بكر الحيري وغيره. # وتوفي في صفر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق أبو ~~الفضائل الربعي الموصلي الفقيه الشافعي، تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع ~~الحديث من أبي الطيب الطبري وغيره، وكان ثقة صالحا. # PageV08P459 # وتوفي في ربيع الأول منها محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن ~~سليمان بن ودعان أبو نصر القاضي الموصلي، وهو صاحب الأربعين الودعانية وقد ~~تكلموا فيها، فقيل إنه سرقها، وكانت تصنيف زيد بن رفاعة الهاشمي، والغالب ~~على حديثه المناكير. # وتوفي فيها، في ربيع الأول، نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر القاري أبو ~~الخطاب، ومولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، سمع ابن رزقويه وغيره، وصارت ~~إليه الرحلة لعلو إسناده، وكان سماعه صحيحا. # PageV08P460 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة -] ### | 495 - # ذكر وفاة المستعلي بالله وولاية الآمر بأحكام الله # في هذه السنة توفي المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن معد المستنصر بالله ~~العلوي، الخليفة المصري، لسبع عشرة خلت من صفر، وكان مولده في العشرين من ~~شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكانت خلافته سبع سنين وقريب شهرين، وكان ~~المدبر لدولته الأفضل. # ولما توفي ولي بعده ابنه أبو علي المنصور، ومولده ثالث عشر المحرم سنة ~~تسعين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه، وله خمس ~~سنين وشهر وأربعة أيام، ولقب الآمر ms3668 بأحكام الله، ولم يكن بين من تسمى ~~بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر، وكان المستنصر أكبر من هذا، ولم يقدر ~~أن يركب وحده على الفرس لصغر سنه، وقام بتدبير دولته الأفضل بن أمير الجيوش ~~أحسن قيام، ولم يزل كذلك يدبر الأمر إلى أن قتل سنة خمس عشرة وخمسمائة. # ذكر الحرب بين السلطان بركيارق والسلطان محمد والصلح بينهما # في هذه السنة، في صفر، كان المصاف الثالث بين السلطانين بركيارق ومحمد. # قد ذكرنا سنة أربع وتسعين وأربعمائة قدوم السلطان محمد إلى بغداذ، ورحيل # PageV08P461 # السلطان بركيارق عنها إلى واسط مريضا، فأقام السلطان محمد ببغداذ إلى ~~سابع عشر من المحرم من هذه السنة، وسار عنها هو وأخوه السلطان سنجر عائدين ~~إلى بلادهما، وسنجر يقصد خراسان، والسلطان محمد يقصد همذان. فلما سار محمد ~~عن بغداذ وصلت الأخبار أن بركيارق قد اعترض خاص الخليفة بواسط وسمع منه في ~~حق الخليفة ما يقبح نقله، فأرسل الخليفة وأعاد السلطان محمدا إلى بغداذ، ~~وذكر له ما نقل إليه، وعزم على الحركة مع محمد إلى قتال بركيارق، فقال ~~السلطان محمد: لا حاجة إلى حركة أمير المؤمنين، فإني أقوم في هذا القيام ~~المرضي. وسار عائدا، ورتب ببغداذ أبا المعالي المفضل بن عبد الرزاق في ~~جباية الأموال وإيلغازي شحنة. # وكان لما دخل بغداذ قد خلف عسكره بطريق خراسان، فنهبوا البلاد وخربوها، ~~فأخذهم السلطان محمد معه، وجد السير إلى روذراور. # وأما السلطان بركيارق فقد تقدم سنة أربع وتسعين وأربعمائة أنه سار من ~~بغداذ عند وصول محمد إليها قاصدا إلى واسط، فلما سمع عسكر واسط بقربه منهم، ~~خافوا منه، وأخذوا نساءهم، وأولادهم، وأموالهم، وجمعوا السفن جميعها، ~~وانحدروا إلى الزبيدية، فأقاموا هناك. # ووصل السلطان، وهو شديد المرض، يحمل في محفة، وقد هلك من دواب عسكره ~~ومتاعهم الكثير، فإنهم كانوا يجدون السير خوفا أن يتبعهم السلطان محمد، أو ~~الأمير صدقة، صاحب الحلة، فكانوا كلما جازوا قنطرة هدموها، ليمتنع من يجتاز ~~بها من اتباعهم. # ولما وصلوا إلى واسط عوفي بركيارق، ولم يكن له ولأصحابه همة غير العبور ms3669 ~~من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، فلم يجد هناك سفينة، وكان الزمان ~~شاتيا، شديد البرد، والماء زائدا، وكان أهل البلد قد خافوهم، فلزموا الجامع ~~وبيوتهم، فخلت الطرق والأسواق من مجتاز فيها، فخرج القاضي أبو علي الفارقي ~~إلى العسكر، # PageV08P462 # واجتمع بالأمير إياز، والوزير، واستعطفهما للخلق، وطلب إنفاذ شحنة لتطمئن ~~القلوب، فأجابوه إلى ملتمسه، وقالوا له: نريد أن تجمع لنا من يعبر دوابنا ~~في الماء، ونسبح معها، فجمع لهم من شباب واسط، وأعطاهم الأجرة الوافرة، ~~فعبروا دوابهم من الخيل والبغال والجمال، وكان الأمير إياز بنفسه يسوق ~~الدواب، ويفعل ما يفعله الغلمان، ولم يكن معهم غير سفينة واحدة انحدرت مع ~~السلطان من بغداذ، فعبروا أموالهم ورحالهم فيها. فلما صاروا في الجانب ~~الشرقي اطمأنوا، ونهب العسكر البلد، فرجع القاضي وجدد الخطاب في الكف عنهم، ~~فأجيب إلى ذلك، فأرسل معه من يمنع من النهب. # ثم إن عسكر واسط أرسلوا إلى السلطان بركيارق يطلبون الأمان ليحضروا ~~الخدمة فأمنهم، فحضر أكثرهم عنده، وساروا معه إلى بلاد بني برسق، فحضروا ~~أيضا عنده وخدموه، واجتمعت العساكر عليه. # وبلغه مسير أخيه محمد عن بغداذ، فسار يتبعه على نهاوند، فأدركه بروذراور، ~~وكان العسكران متقاربين في العدة، كل واحد منهما أربعة آلاف فارس من ~~الأتراك، فتصافوا، أول يوم جميع النهار، ولم يجر بينهم قتال لشدة البرد، ~~وعادوا في اليوم الثاني، ثم تواقفوا كذلك، ثم كان الرجل يخرج من أحد الصفين ~~فيخرج إليه من يقاتله، فإذا تقاربا اعتنق كل واحد منهما صاحبه، وسلم عليه، ~~ويعود عنه. # ثم خرج الأمير بلدجي وغيره من عسكر محمد إلى الأمير إياز والوزير الأعز، ~~فاجتمعوا، واتفقوا على الصلح، لما قد عم الناس من الضرر، والملل، والوهن، ~~فاستقرت القاعدة أن يكون بركيارق السلطان، ومحمد الملك، ويضرب له ثلاث نوب، ~~ويكون له من البلاد جنزة وأعمالها، وأذربيجان، وديار بكر، والجزيرة، ~~والموصل، وأن يمده السلطان بركيارق بالعساكر، حتى يفتح ما يمتنع عليه منها، ~~وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وانصرف الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول، ~~وسار بركيارق إلى مرج # PageV08P463 # قراتكين قاصدا ms3670 ساوة، والسلطان محمد إلى أسداباذ، وتفرق العسكران وقصد كل ~~أمير أقطاعه. # ذكر الحرب بين السلطان بركيارق ومحمد وانفساخ الصلح بينهما # في هذه السنة، في جمادى الأولى، كان المصاف الرابع بين السلطان بركيارق ~~وأخيه محمد. # وكان سببه أن السلطان محمدا سار من روذراور، من الوقعة المذكورة، إلى ~~أسداباذ، ومنها إلى قزوين، ونسب الأمراء الذين سعوا في ذلك الصلح إلى ~~المخامرة عليه، والتقاعد به، فوضع رئيس قزوين أن يتوسل إليه بأولئك الأمراء ~~ليحضر دعوته، فاستشفع الرئيس بهم إلى السلطان، فحضر دعوته، بعد أن امتنع، ~~ووصى خواصه بحمل السلاح تحت أقبيتهم، وحضر الدعوة ومعه الأمير أيتكين، ~~وبسمل، فقتل الأمير بسمل، (وهو من أكابر الأمراء) ، وكحل الأمير أيتكين. # وكان الأمير ينال بن أنوشتكين الحسامي قد فارق بركيارق، وأقام مجاهدا ~~للباطنية الذين في القلاع والجبال، فقصد الآن السلطان محمدا، وسار معه إلى ~~الري يضرب النوب الخمس، واجتمعت إليه العساكر، وأقام ثمانية أيام، ووافاه ~~أخوه السلطان بركيارق في اليوم التاسع، ووقع بينهما المصاف عند الري، وكانت ~~عدة العسكرين متقاربة كل عسكر منهما عشرة آلاف فارس، فلما اصطفوا حمل ~~الأمير سرخاب بن كيخسرو الديلمي، صاحب أبة، على الأمير ينال، فهزمه، وتبعه ~~في الهزيمة جميع عسكر محمد، وتفرقوا، ومضى معظمهم نحو طبرستان، ولم يقتل في ~~هذا المصاف غير رجل واحد قتل صبرا. # PageV08P464 # ومضى قطعة من المنهزمين نحو قزوين، ونهبت خزائن محمد، ومضى في نفر يسير ~~إلى أصبهان، وحمل هو علمه بيده ليتبعه أصحابه، وسار في طلبه الأمير ألبكي ~~بن برسق، والأمير إياز إلى قم، وتتبع السلطان بركيارق في أصحاب أخيه محمد، ~~وأخذ أموالهم. # ذكر حصار السلطان محمد بأصبهان # لما انهزم السلطان محمد من الوقعة التي ذكرناها بالري، مضى إلى أصبهان في ~~سبعين فارسا، والبلد في حكمه، وفيه نائبه، ومعه من الأمراء الأمير ينال، ~~وغيره من الأمراء، ودخل المدينة في ربيع الأول، وأمر بتجديد ما تشعث من ~~السور، وهذا السور هو الذي بناه علاء الدولة بن كاكويه سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة، عند خوفه من طغرلبك، وأمر محمد بتعميق الخندق ms3671 حتى صعد الماء ~~فيه، وسلم إلى كل أمير بابا،، وكان معه في البلد ألف ومائة فارس وخمسمائة ~~راجل، ونصب المجانيق. # ولما علم السلطان بركيارق بمسير أخيه محمد إلى أصبهان سار يتبعه، فوصلها ~~في جمادى الأولى، وعساكره كثيرة، تزيد على خمسة عشر ألف فارس، ومعها مائة ~~ألف من الحواشي، وأقام يحاصر البلد، وضيق عليه. # وكان السلطان محمد يدور كل ليلة على سور البلد ثلاث دفعات، فلما زاد ~~الأمر في الحصار، أخرج الضعفاء والفقراء من البلد حتى خلت المحال، وعدمت ~~الأقوات، وأكل الناس الخيل، والجمال، وغير ذلك، وقلت الأموال فاضطر السلطان ~~محمد إلى أن يستقرض من أعيان البلد فأخذ مالا عظيما، ثم عاود الجند الطلب، ~~فقسط على أهل البلد شيئا آخر، وأخذه منهم بالشدة والعنف، فلم تزل الأسعار ~~تغلو، حتى بلغ عشرة أمنان من الحنطة بدينار، وأربعة أرطال لحما بدينار، وكل ~~مائة رطل تبنا بأربعة دنانير، ورخصت الأمتعة وهانت لعدم الطالب. # وكانت الأسعار، في عسكر بركيارق، رخيصة، فبقي الحصار على البلد إلى عاشر # PageV08P465 # ذي الحجة، فلما رأى السلطان محمد أنه لا قدرة له على الدفع عن البلد، ~~وكلما جاء أمره يضعف، قوى عزمه على مفارقته وقصد جهة أخرى، يجمع فيها ~~العساكر، ويعود يدفع الخصم عن الحصار، فسار عن البلد في مائة وخمسين فارسا، ~~ومعه الأمير ينال، واستخلف بالبلد جماعة من الأمراء الكبار في باقي العسكر، ~~فلما فارق العسكر والبلد لم يكن في دوابهم ما يدوم على السير لقلة العلف في ~~الحصار، فنزل على ستة فراسخ. # فلما سمع بركيارق بمسيره سير وراءه الأمير إياز في عسكر كثير، وأمره ~~بالجد في السير في طلبه، فقيل: إن محمدا سبقهم، فلم يدركوه، فرجعوا، وقيل: ~~بل أدركوه، فأرسل إلى الأمير إياز يقول: أنت تعلم أنني لي في رقبتك عهود ~~وأيمان ما نقضت، ولم يكن مني إليك ما تبالغ في أذاي. فعاد عنه، وأرسل له ~~خيلا، وأخذ علمه، والجتر، وثلاثة أحمال دنانير، وعاد إلى بركيارق، فدخل ~~إليه، وأعلام أخيه السلطان محمد منكوسة، فأنكر بركيارق ذلك، وقال: إن كان ms3672 ~~قد أساء، فلا ينبغي أن يعتمد معه هذا، فأخبره الخبر، فاستحسن ذلك منه. # فلما فارق محمد أصبهان اجتمع من المفسدين، والسوادية، ومن يريد النهب، ما ~~يزيد على مائة ألف نفس، وزحفوا إلى البلد بالسلاليم، والدبابات، وطموا ~~الخندق بالتبن، والتصقوا بالسور، وصعد الناس في السلاليم فقاتلهم أهل البلد ~~قتال من يريد أن يحمي حريمه وماله، فعادوا خائبين، فحينئذ أشار الأمراء على ~~بركيارق بالرحيل، فرحل ثامن عشر ذي الحجة من السنة، واستخلف على البلد ~~القديم، الذي يقال له شهرستان، ترشك الصوابي في ألف فارس مع ابنه ملكشاه، ~~وسار إلى همذان، وكان هذا من أعجب ما سطر أن سلطانا محصورا قد تقطعت مواده، ~~وهو يخطب له في أكثر البلاد، ثم يخلص من الحصر الشديد، وينجو من العساكر ~~الكثيرة التي كلها قد شرع إليه وفوق إليه سهمه. # PageV08P466 # ذكر قتل الوزير الأعز ووزارة الخطير أبي منصور # في هذه السنة، ثاني عشر صفر، قتل الوزير الأعز أبو المحاسن عبد الجليل بن ~~محمد الدهستاني، وزير السلطان بركيارق على أصبهان، وكان مع بركيارق محاصرا ~~لها، فركب هذا اليوم من خيمته إلى خدمة السلطان، فجاء شاب أشقر، قيل: إنه ~~كان من غلمان أبي سعيد الحداد، وكان الوزير قتله في العام الماضي، فانتهز ~~الفرصة فيه، وقيل: كان باطنيا، فجرحه عدة جراحات، (فتفرق أصحابه عنه، ثم ~~عادوا إليه، فجرح أقربهم منه جراحات) أثخنته، وعاد إلى الوزير فتركه بآخر ~~رمق. # وكان كريما، واسع الصدر، حسن الخلق، كثير العمارة، ونفر الناس منه لأنه ~~دخل في الوزارة، وقد تغيرت القوانين، ولم يبق دخل ولا مال، ففعل للضرورة ما ~~خافه الناس بسببه. # وكان حسن المعاملة مع التجار، فاستغنى به خلق كثير، فكانوا يسألونه ~~ليعاملهم، فلما قتل ضاع منهم مال كثير. # حكي أن بعض التجار باعه متاعا بألف دينار، فقال له: خذ بها حنطة من ~~الراذان خمسين كرا، كل كر بعشرين دينارا، فامتنع التاجر من أخذها، وقال: لا ~~أريد غير الدنانير. فلما كان من الغد دخل إليه التاجر، فقال له: يهنئك، يا ~~فلان فقال وما هو؟ ms3673 قال: خبر حنطتك، فقال: ما لي حنطة، ولا أريدها، قال: ~~بلى، وقد بيعت كل كر بخمسين دينارا، فقال: أنا لم أتقبل بها فقال الوزير: ~~ما كنت أفسخ عقدا عقدته. قال: فخرجت وأخذت ثمن الحنطة ألفين وخمسمائة ~~دينار، وأضفت إليها مثلها وعاملته، فقتل فضاع الجميع. # وكان قد نفق عليه عمل الكيمياء، واختص به إنسان كيميائي، فكان يعده الشهر ~~بعد الشهر، والحول بعد الحول، وقال له بعض أصحابه، وقد أحاله عليه بكر ~~حنطة، فاستزاده: لو كان صادقا في عمله، لما كان يستزيد من القدر القليل، ~~وقتل ولم يصح له منه شيء. # ولما قتل الأعز أبو المحاسن وزر بعده الوزير الخطير أبو منصور الميبذي ~~الذي كان وزير السلطان محمد. # PageV08P467 # وكان سبب فراقه لوزارة محمد أنه كان معه بأصبهان، وبركيارق يحاصره، وقد ~~سلم إليه محمد بابا من أبوابها ليحفظها، فقال له الأمير ينال بن أنوشتكين: ~~كنت قد كلفتنا، ونحن بالري، لنقصد همذان، وقلت: أنا أقيم بالعسكر من مالي، ~~وأحصل لهم ما يقوم بهم، ولا بد من ذلك. فقال له الخطير: أنا أفعل ذلك. فلما ~~كان الليل فارق البلد، وخرج من الباب الذي كان مسلما إليه وقصد بلده ميبذ، ~~وأقام بقلعتها متحصنا، فأرسل إليه السلطان بركيارق وحصره، فنزل منها ~~مستأمنا، فحمل على بغل بإكاف إلى العسكر، فوصله في طريقه قتل الوزير الأعز، ~~وكتاب السلطان له بالأمان، وطيب قلبه، فلما وصل إلى العسكر خلع عليه ~~واستوزره. # حادثة يعتبر بها # في سنة ثلاث وتسعين [وأربعمائة] بيع رحل بني جهير ودورهم بباب العامة، ~~ووصل ثمن ذلك إلى مؤيد الملك، ثم قتل في سنة أربع وتسعين مؤيد الملك وبيع ~~ماله وبركه، وأخذ الجميع وحمل إلى الوزير الأعز، وقتل الوزير الأعز، هذه ~~السنة، وبيع رحله، واقتسمت أمواله، وأخذ السلطان ومن ولي بعده أكثرها، ~~وتفرقت أيدي سبا، وهذا عاقبة خدمة الملوك. # ذكر الفتنة بين إيلغازي وعامة بغداذ # في هذه السنة، في رجب، كانت فتنة شديدة بين عسكر الأمير إيلغازي بن أرتق، ~~شحنة بغداذ، وبين عامتها. # وسببها أن إيلغازي كان بطريق خراسان، ms3674 فعاد إلى بغداذ، لما وصل أتى جماعة ~~من أصحابه إلى دجلة، فنادوا ملاحا ليعبر بهم، فتأخر، فرماه أحدهم بنشابة، ~~فوقعت في مشعره فمات، فأخذ العامة القاتل، وقصدوا باب النوبي، فلقيهم ولد ~~إيلغازي مع جماعة، فاستنقذوه، ورجمهم العامة بسوق الثلاثاء، فمضى إلى أبيه ~~مستغيثا، فأخذ حاجب الباب من له في هذه الحادثة عمل فلم يقنع إيلغازي ذلك، ~~فعبر بأصحابه إلى محلة الملاحين، المعروفة بمربعة القطانين، ويتبعهم خلق ~~كثير فنهبوا ما وجدوا وقدروا عليه، فعطف عليهم العيارون فقتلوا أكثرهم. # ونزل من سلم في السفن ليعبروا دجلة، فلما توسطوها ألقى الملاحون أنفسهم ~~في # PageV08P468 # الماء وتركوهم فغرقوا، فكان الغريق أكثر من القتيل، وجمع إيلغازي ~~التركمان، وأراد نهب الجانب الغربي، فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة، ~~وإلكيا الهراس، المدرس بالنظامية، فمنعاه من ذلك، فامتنع. # ذكر قصد صاحب البصرة مدينة واسط وعوده عنها # في هذه السنة، في العشرين من شوال، قصد الأمير إسماعيل، صاحب البصرة، ~~مدينة واسط للاستيلاء عليها. # ونحن نبتدئ بذكر إسماعيل، وتنقل الأحوال به إلى أن ملك البصرة، وهو ~~إسماعيل بن سلانجق، وكان إليه في أيام ملكشاه شحنكية الري، ولما وليها كان ~~أهل الري والرستاقية قد أعيوا من وليهم، وعجز الولاة عنهم، فسلك معهم طريقا ~~أصلحهم بها، وقتل منهم مقتلة عظيمة فتهذبوا بها، وأرسل من شعورهم إلى ~~السلطان ما عمل منه مقاود وشكلا للدواب، ثم عزل عنها. # ثم إن السلطان بركيارق أقطع البصرة للأمير قماج، فأرسل إليها هذا الأمير ~~إسماعيل نائبا عنه فلما فارق قماج بركيارق، وانتقل إلى خراسان، حدثته نفسه ~~بالتغلب على البصرة، والاستبداد، فانحدر مهذب الدولة بن أبي الجبر من ~~البطيحة إليه ليحاربه، ومعه معقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي، صاحب ~~الجزيرة الدبيسية، فأقبلا في جمع كثير من السفن والخيل، ووصلوا إلى مطارا. # فبينما معقل يقاتل قريبا من القلعة التي بناها ينال بمطارا، وجددها ~~إسماعيل وأحكمها، أتاه سهم غرب فقتله، فعاد ابن أبي الجبر إلى البطيحة، ~~وأخذ إسماعيل سفنه، وذلك سنة إحدى وتسعين [وأربعمائة] ، فاستمد ابن أبي ~~الجبر كوهرائين، فأمده بأبي ms3675 الحسن الهروي، وعباس بن أبي الجبر، فلقياه، ~~فكسرهما وأسرهما، وأطلق عباسا على مال أرسله أبوه، واصطلحا. # وأما الهروي فبقي في حبسه مدة، ثم أطلقه على خمسة آلاف دينار، فلم يصح له ~~منها شيء. # وقوي حال إسماعيل، فبنى قلعة بالأبلة، وقلعة بالشاطئ مقابل مطارا، وصار # PageV08P469 # مخوف الجانب وأمن البصريون به، وأسقط شيئا من المكوس، واتسعت إمارته ~~باشتغال السلاطين، وملك المشان، واستضافها إلى ما بيده. # فلما كان هذه السنة كاتبه بعض عسكر واسط بالتسليم إليه، فقوي طمعه في ~~واسط، فأصعد في السفن إلى نهرابان، وراسلهم في التسليم، فامتنعوا من ذلك، ~~وقالوا: راسلناك، وقد رأينا غير ذلك الرأي. فأصعد إلى الجانب الشرقي، فخيم ~~تحت النخيل، وسفنه بين يديه، وخيم جند واسط حذاءه، وراسلهم، ووعدهم، وهم لا ~~يجيبونه. # واتفقت العامة مع الجند، وشتموه أقبح شتم، فلما أيس منهم عاد إلى البصرة، ~~وساروا بإزائه من الجانب الآخر، فوصل إلى العمر، وعبر طائفة من أصحابه فوق ~~البلد، وهو يظن أن البلد خال، وأن الناس قد خرجوا منه لما رأى كثرة من ~~بإزائه، فيوقع الحريق في البلد، فإذا رجع الأتراك عاد هو من ورائهم، فكان ~~ظنه خائبا لأن العامة كانوا على دجلة، وأولهم في البلد، وآخرهم مع الأتراك ~~بإزائه. # فلما عبر أصحابه عاد الأتراك عليهم ومعهم العامة، فقتلوا منهم ثلاثين ~~رجلا، وأسروا خلقا كثيرا، وألقى الباقون أنفسهم في الماء، فأتاه من ذلك ~~مصيبة لم يظنها، وصار أعيان أصحابه مأسورين، وعاد إلى البصرة، وكان عوده من ~~سعادته، فإنه كان قد قصد الأمير أبو سعد محمد بن مضر بن محمود (البصرة ذلك ~~الوقت) ، وله أعمال واسعة، منها: نصف عمان، وجنابة، وسيراف، وجزيرة بني ~~نفيس. # وكان سبب قصده إياها أنه كان قد صار مع إسماعيل إنسان يعرف بجعفرك، وآخر ~~اسمه زنجويه، والثالث بأبي الفضل الأبلي، فأطمعوه في أن يعمل مراكب يرسل ~~فيها مقاتلة في البحر إلى أبي سعد هذا وغيره، فعمل نيفا وعشرين قطعة، فلما ~~علم أبو سعد الحال أرسل جماعة كثيرة من أصحابه في نحو خمسين قطعة، فأتوا ~~إلى ms3676 دجلة البصرة وذلك في السنة الخالية، فأقاموا بها محاربين، وظفروا ~~بطائفة من أصحاب إسماعيل، # PageV08P470 # وقتلوا صاحب قلعة الأبلة، وكاتبوا بني برسق بخوزستان يطلبون أن يرسلوا ~~عسكرا ليساعدوهم على أخذ البصرة، فتمادى الجواب، وركن الطائفتان إلى الصلح، ~~على أن يسلم إليهم إسماعيل جعفرك ورفيقه، ويقطعهم مواضع ذكروها من أعمال ~~البصرة. # فلما رجعوا لم يفعل شيئا من ذلك، وأخذ مركبين لقوم من أصحاب أبي سعد، ~~فحمله ذلك على أن سار بنفسه في قطع كثيرة تزيد على مائة قطعة بين كبيرة ~~وصغيرة، ووصل إلى فوهة نهر الأبلة. # وخرج عسكر إسماعيل في عدة مراكب، ووقع القتال بينهم، وكان البحريون في ~~نحو عشرة آلاف، وإسماعيل في سبعمائة، وأصعد البحريون في دجلة، فأحرقوا عدة ~~مواضع، وتفرق عسكر إسماعيل، فبعضه بالأبلة، وبعضه بنهر الدير، وبعضه في ~~مواضع أخر. # فلما ضعف إسماعيل عن مقاومة أبي سعد طلب من وكيل الخليفة، على ما يتعلق ~~بديوانه من البلاد، أن يسعى في الصلح، فأرسل إليه في ذلك، فأعاد الجواب ~~يذكر قبح ما عامله به إسماعيل مرة بعد أخرى، وتكررت الرسائل بينهم، فأجاب ~~إلى الصلح، فاصطلحا، واجتمعا، وعاد أبو سعد إلى بلاده، وحمل كل واحد منهما ~~لصاحبه هدية جميلة. # ذكر وفاة كربوقا وملك موسى التركماني الموصل وجكرمش بعده وملك سقمان ~~الحصن # في هذه السنة، في ذي القعدة، توفي قوام الدولة كربوقا، عند مدينة خوي، ~~وكان السلطان بركيارق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان، كما ذكرناه، ~~فاستولى على أكثرها وأتى إلى خوي، فمرض بها ثلاثة عشر يوما، وكان معه ~~أصبهبذ صباوة بن خمارتكين، وسنقرجه، فوصى إلى سنقرجه، وأمر الأتراك بطاعته، ~~وأخذ له على عسكره العهد، ومات على أربعة فراسخ من خوي، ولف في زلية لعدم ~~ما يكفن فيه ودفن بخوي. # وسار سنقرجه وأكثر العسكر إلى الموصل، فتسلمها، فأقام بها ثلاثة أيام، ~~وكان # PageV08P471 # أعيان الموصل قد كاتبوا موسى التركماني، وهو بحصن كيفا ينوب عن كربوقا ~~فيها، وسألوه أن يبادر إليهم ليسلموا إليه البلد، فسار مجدا، فسمع سنقرجه ~~بوصوله، فظن أنه جاء إليه خدمة ms3677 له، فخرج ليستقبله في أهل البلد، فلما ~~تقاربا نزل كل واحد منهما لصاحبه عن فرسه، واعتنقه، وبكيا على قوام الدولة، ~~فتسايرا. # فقال سنقرجه لموسى في جملة حديثه: أنا مقصودي من جميع ما كان لصاحبنا ~~المخدة، والمنصب، والأموال، والولايات لكم وبحكمكم. # فقال موسى: من نحن حتى يكون لنا مناصب ودسوت؟ الأمر في هذا إلى السلطان ~~يرتب فيه من يريد، ويولي من يختار. # وجرى بينهما محاورات، فجذب سنقرجه سيفه وضربه صفحا على رأسه فجرحه، فألقى ~~موسى نفسه إلى الأرض، وجذب سنقرجه فألقاه إلى الأرض، وكان مع موسى ولد ~~منصور بن مروان الذي كان أبوه صاحب ديار بكر، فجذب سكينا وضرب بها رأس ~~سنقرجه فأبانه، ودخل موسى البلد، وخلع على أصحاب سنقرجه، وطيب نفوسهم فصارت ~~الولاية له. # ولما سمع شمس الدولة جكرمش، صاحب جزيرة ابن عمر، الخبر قصد نصيبين ~~وتسلمها، وسار موسى قاصدا الجزيرة، فلما قارب جكرمش غدر بموسى عسكره، ~~وصاروا مع جكرمش، فعاد موسى إلى الموصل، وقصده جكرمش، وحصره مدة طويلة، ~~فاستعان موسى بالأمير سقمان بن أرتق وهو يومئذ بديار بكر، وأعطاه حصن كيفا ~~وعشرة آلاف دينار، فسار سقمان إليه، فرحل جكرمش عنه. # وخرج موسى لاستقبال سقمان، فلما كان موسى عند قرية تسمى كراثا، وثب عليه ~~عدة من الغلمان القوامية، فقتلوه: رماه أحدهم بنشابة فقتله، فعاد أصحابه ~~منهزمين، ودفن على تل هناك يعرف الآن بتل موسى، ورجع الأمير سقمان إلى ~~الحصن، فملكها وهي بيد أولاده إلى يومنا هذا، سنة عشرين وستمائة، وصاحبها ~~حينئذ غازي بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق. # PageV08P472 # وقصد جكرمش الموصل وحصرها أياما، ثم تسلمها صلحا، وأحسن السيرة فيها، ~~وأخذ القوامية الذين قتلوا موسى، فقتلهم واستولى بعد ذلك على الخابور، وملك ~~العرب والأكراد، فأطاعوه. # ذكر حال صنجيل الفرنجي وما كان منه في حصار طرابلس # كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، ~~صاحب قونية، وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل، وكان قلج أرسلان في عدد قليل، ~~فاقتتلوا، فانهزم الفرنج وقتل منهم كثير، ms3678 وأسر كثير وعاد قلج أرسلان ~~بالغنائم، والظفر الذي لم يحسبه. # ومضى صنجيل مهزوما في ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن ~~عمار، صاحب طرابلس، إلى الأمير ياخز، خليفة جناح الدولة على حمص، فإلى ~~الملك دقاق بن تتش، يقول: من الصواب أن يعاجل صنجيل إذ هو في هذه العدة ~~القريبة، فخرج الأمير ياخز بنفسه، وسير دقاق ألفي مقاتل، وأتتهم الأمداد من ~~طرابلس، فاجتمعوا على باب طرابلس، وصافوا صنجيل هناك، فأخرج مائة من عسكره ~~إلى أهل طرابلس، ومائة إلى عسكر دمشق، وخمسين إلى عسكر حمص، وبقي هو في ~~خمسين. # فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند المشاهدة، وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر ~~دمشق. # وأما أهل طرابلس فإنهم قاتلوا المائة الذين قاتلوهم فلما شاهد ذلك صنجيل ~~حمل في المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس، وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل، ~~ونازل صنجيل طرابلس وحصرها. # PageV08P473 # وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصارها، وكذلك أهل السواد، وأكثرهم نصارى، ~~فقاتل من بها أشد قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة، ثم إنه هادنهم على مال ~~وخيل، فرحل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، وهي من أعمال طرابلس، فحصرها، وفتحها، ~~وقتل من بها من المسلمين، ورحل إلى حصن الطوبان وهو يقارب رفنية، ومقدمه ~~يقال له ابن العريض، فقاتلهم، فنصر عليه أهل الحصن، وأسر ابن العريض منه ~~فارسا من أكابر فرسانه، فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير، ~~فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك. # PageV08P474 # ذكر ما فعله الفرنج # في هذه السنة أطلق الدانشمند بيمند الفرنجي، صاحب أنطاكية، وكان قد أسره، ~~وقد تقدم ذكر ذلك، وأخذ منه مائة ألف دينار، وشرط عليه إطلاق ابنة ياغي ~~سيان الذي كان صاحب أنطاكية، وكانت في أسره. # ولما خلص بيمند من أسره عاد إلى أنطاكية، فقويت نفوس أهلها به، ولم يستقر ~~حتى أرسل إلى أهل العواصم وقنسرين وما جاورها يطالبهم بالإتاوة، فورد على ~~المسلمين من ذلك ما طمس المعالم التي بناها الدانشمند. # وفيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره، فجمع جناح الدولة عسكره ليسير ~~إليه ويكبسه، فقتله باطني بالمسجد ms3679 الجامع، فقيل: إن الملك رضوان ربيبه وضع ~~عليه من قتله، فلما قتل صبح صنجيل حمص من الغد، ونازلها، وحصر أهلها، وملك ~~أعمالها. # ونزل القمص على عكة في جمادى الآخرة، وضيق عليها، وكاد يأخذها، ونصب ~~عليها المنجنيقات والأبراج، وكان له في البحر ست عشرة قطعة، فاجتمع ~~المسلمون من سائر السواحل، وأتوا إلى منجنيقاتهم، وأبراجهم، فأحرقوها، ~~وأحرقوا سفنهم أيضا، وكان ذلك نصرا عجيبا أذل الله به الكفار. # وفيها صار القمص الفرنجي، صاحب الرها إلى بيروت من ساحل الشام، وحصرها ~~وضايقها، وأطال المقام عليها، فلم ير فيها طمعا فرحل عنها. # وفيها، في رجب، خرجت عساكر مصر إلى عسقلان ليمنعوا الفرنج عما بقي في ~~أيديهم من البلاد الشامية، فسمع بهم بردويل، صاحب القدس، فسار إليهم في ~~سبعمائة فارس، وقاتلهم، فنصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج، وكثر القتل ~~فيهم، وانهزم بردويل، فاختفى في أجمة قصب، فأحرقت تلك الأجمة، ولحقت النار ~~بعض جسده، ونجا منها إلى الرملة، فتبعه المسلمون، وأحاطوا به فتنكر، وخرج ~~منها إلى يافا، وكثر القتل والأسر في أصحابه. # PageV08P475 # ذكر عود قلعة خفتيذكان إلى سرخاب بن بدر # في هذه السنة عادت قلعة خفتيذكان إلى الأمير سرخاب بن بدر بن مهلهل. # وكان سبب أخذها منه أن القرابلي، وهو من (قبيل من) التركمان يقال لهم ~~سلغر، وكان قد أتى إلى بلد سرخاب، فمنعه من المراعي، وقتل جماعة من أصحابه، ~~فمضى قرابلي إلى التركمان، واستجاش بهم، وجاء في عسكر كثير، فلقيه سرخاب ~~وقاتله، فقتل قرابلي من أصحابه الأكراد قريبا من ألفي رجل، وانهزم سرخاب ~~إلى بعض جباله في عشرين رجلا. # فلما سمع المستحفظان بقلعة خفتيذكان ذلك، وكانا رجلين حدثتهما أنفسهما ~~بالاستيلاء عليها، وكان بها ذخائره، وأمواله، وقدرها يزيد على ألفي ألف ~~دينار، فتملكاها، واجتاز بها السلطان بركيارق، فأنفذا إليه مائتي ألف ~~دينار، واستولى التركمان على جميع بلاد سرخاب بن بدر، سوى دقوقا وشهرزور، ~~فلما كان هذا الوقت قتل أحد المستحفظين الآخر، وأرسل إلى سرخاب يطلب منه ~~الأمان ليسلم إليه القلعة، فأمنه على نفسه، وعلى ما حصل بيده من ms3680 أموالها، ~~فسلمها إليه ووفى له. # ذكر قتل قدرخان صاحب سمرقند # قد ذكرنا قبل قدوم الملك سنجر مع أخيه السلطان محمد إلى بغداذ وعوده إلى ~~خراسان، فلما وصل إلى نيسابور خطب لأخيه محمد بخراسان جميعها، ولما كان ~~ببغداذ طمع قدرخان جبريل بن عمر، صاحب سمرقند، في خراسان لبعده عنها، وجمع ~~عساكر تملأ الأرض، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل فيهم مسلمون وكفار، وقصد بلاد ~~سنجر. # وكان أمير من أمراء سنجر، اسمه كندغدي، قد كاتب قدرخان بالأخبار، وأعلمه ~~مرض سنجر، بعد عوده إلى بلاده، وأنه قد أشفى على الهلاك، وقوى طمعه ~~بالاختلاف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد، وبشدة عداوة بركيارق لسنجر، ~~وأشار عليه # PageV08P476 # بالسرعة مهما الاختلاف واقع وأنه متى أسرع ملك خراسان والعراق. فبادر ~~قدرخان وأقدم، وقصد البلاد، فبلغ السلطان سنجر الخبر، وكان قد عوفي، فبادر ~~وسار نحوه قاصدا قتاله ومنعه عن البلاد، وكان من جملة من معه كندغدي ~~المذكور، وهو لا يتهمه بشيء مما فعل، فوصل إلى بلخ في ستة آلاف فارس، فبقي ~~بينه وبين قدرخان نحو خمسة أيام، فهرب كندغدي إلى قدرخان، وحلف كل واحد ~~منهما لصاحبه على الاتفاق والمناصحة، وسار من عنده إلى ترمذ، فملكها، وكان ~~الباعث للكندغدي على ما فعل (حسده للأمير) بزغش على منزلته. # ثم تقدم قدرخان، لما تدانى العسكران أرسل سنجر يذكر قدرخان العهود ~~والمواثيق القديمة، فلم يصغ إلى قوله، وأذكى سنجر العيون والجواسيس على ~~قدرخان، فكان لا يخفى عنه شيء من خبره، فأتاه من أخبره أنه نزل بالقرب من ~~بلخ، وأنه خرج متصيدا في ثلاثمائة فارس، فندب سنجر، عند ذلك، الأمير بزغش ~~لقصده، فسار إليه، فلحقه وهو على تلك الحال، فقاتله، فلم يصبر من مع ~~قدرخان، فانهزموا، وأسر كندغدي وقدرخان، وأحضرهما عند سنجر، فأما قدرخان ~~فإنه قبل الأرض واعتذر، فقال له سنجر: إن خدمتنا، أو لم تخدمنا، فما جزاؤك ~~إلا السيف، ثم أمر به فقتل. # فلما سمع كندغدي الخبر نجا بنفسه، ونزل في قناة، ومشى فيها فرسخين تحت ~~الأرض، على ما به من النقرس، وقتل فيها ms3681 حيتين عظيمتين، وسبق أصحابه إلى ~~مخرجها، وسار منها في ثلاثمائة فارس إلى غزنة. # وقيل: بل جمع سنجر عساكر كثيرة، والتقى هو وقدرخان، (وجرى بينهما مصاف، ~~وقتال عظيم، أكثر فيه القتل فيهم، فانهزم قدرخان) وعسكره، وحمل أسيرا إلى ~~سنجر، فقتله، وحصر ترمذ، وبها كندغدي، فطلب الأمان، فأمنه سنجر، ونزل إليه، ~~وسلم ترمذ، فأمره سنجر بمفارقة بلاده، فسار إلى غزنة، فلما وصل إليها أكرمه ~~صاحبها علاء الدولة، وحل عنده المحل الكبير. # PageV08P477 # واتفق أن صاحب غزنة عزم على قصد أوتان، وهي جبال منيعة، على أربعين فرسخا ~~من غزنة، وقد عصى عليه فيها قوم، وتحصنوا بمعاقلها، ووعور مسالكها، فقاتلهم ~~عسكر علاء الدولة، فلم يظفروا منهم بطائل، فتقدم كندغدي منفردا عنهم فأبلى ~~بلاء حسنا، ونصر عليهم، وأخذ غنائمهم، وحملها إلى علاء الدولة، فلم يقبل ~~منها شيئا، ووفرها عليه، فغضب العسكر، وحسدوه على ذلك، وعلى قربه من ~~صاحبهم، ونفاقه عليه، فأشاروا بقبضه، وقالوا: إنا لا نأمن أن يقصد بعض ~~الأماكن فيفعل في أمر الدولة ما لا يمكن تلافيه. فقال: قد تحققت قصدكم، ~~ولكن بمن أقبض عليه؟ فإني أخاف أن آمركم بالقبض عليه، فينالكم منه ما ~~تفتضحون به، فقالوا: الصواب أن توليه ولاية ويقبض عليه إذا سار إليها. ~~فولاه حصنين جرت عادته أن يسجن فيهما من يخاف جانبه، فسار إليهما. # فلما قاربهما عرف ما يراد منه، فأحرق جميع ماله، ونحو جماله، وسار جريدة، ~~وكان في مدة مقامه بغزنة يسأل عن الطرق وتشعبها، فإنه ندم على قصد تلك ~~الجهة، فلما سار سأل راعيا عن الطريق التي يريدها، فدله، فأخذه معه خوفا أن ~~يكون قد غره، ولم يزل سائرا إلى أن وصل إلى قريب هراة، فمات هناك، وهو من ~~مماليك تتش بن ألب أرسلان الذي كحله أخوه ملكشاه، وسجنه بتكريت، وقد تقدم ~~ذكر حادثته. # ذكر ملك محمد خان سمرقند # في هذه السنة أحضر السلطان سنجر محمدا أرسلان خان بن سليمان داود ~~بغراخان، من مرو، وملكه سمرقند، بعد قتل قدرخان، وكان محمد خان من أولاد ~~الخانية بما وراء النهر، وأمه ms3682 ابنة السلطان ملكشاه، فدفع عن ملك آبائه، ~~فقصد مرو، وأقام بها إلى الآن. # PageV08P478 # فلما قتل قدرخان ولاه سنجر أعماله، وسير معه العساكر الكثيرة، فعبروا ~~النهر، فأطاعه العساكر بتلك البلاد جميعها، وعظم شأنه، وكثرت جموعه، إلا ~~أنه انتصب له أمير اسمه هاغوبك، وزاحمه في الملك، فطمع فيه فجرى له معه ~~حروب احتاج في بعضها إلى الاستنجاد بعساكر سنجر، على ما نذكره بعد إن شاء ~~الله تعالى. # ولما ملك محمد خان البلاد أحسن إلى الرعايا بوصية من سنجر، وحقن الدماء، ~~وصار بابه مقصدا، وجنابه ملجأ. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، خرج تاج الرؤساء ابن أخت أمين الدولة أبي ~~سعد بن الموصلايا إلى الحلة السيفية، مستجيرا بسيف الدولة صدقة. # وسبب ذلك أن الوزير الأعز وزير السلطان بركيارق كان ينسب إليه أنه هو ~~الذي يميل جانب الخليفة إلى السلطان محمد، فسار خائفا، واعتزل خاله أمين ~~الدولة الديوان، وجلس في داره، فلما قتل الوزير الأعز، على ما ذكرنا، عاد ~~تاج الرؤساء من الحلة إلى بغداذ، وعاد خاله إلى منصبه. # وفي ربيع الأول أيضا ورد العميد المهذب أبو المجد، أخو الوزير الأعز، إلى ~~بغداذ، نائبا عن أخيه، ظنا منه أن إيلغازي لا يخالفهم، حيث كان بركيارق ~~ومحمد قد اتفقا، كما ذكرناه، فقبض عليه إيلغازي، ولم يتغير عن طاعة محمد. # وفيها في جمادى الأولى، ورد إلى بغداذ ابن تكش بن ألب أرسلان، وكان قد ~~استولى على الموصل، فخدعه من كان بها، حتى سار عنها إلى بغداذ، فلما وصل ~~إليها زوجه إيلغازي بن أرتق ابنته. # وفيها، في شهر رمضان، استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالي بن عبد ~~الرزاق، ولقب عضد الدين. # وفيها، في صفر، قتل الربعيون بهيت قاضي البلد أبا علي بن المثنى، وكان ~~ورعا، فقيها، حنفيا، من أصحاب القاضي أبي عبد الله الدامغاني، وكان هذا ~~القاضي # PageV08P479 # على ما جرت به عادة القضاة هناك من الدخول بين القبائل، فنسبوه في ذلك ~~إلى التحامل عليهم، فقتله أحدهم، فندم الباقون على قتله وقد فات الأمر. # وفيها ms3683 بنى سيف الدولة صدقة بن مزيد الحلة بالجامعين، وسكنها، وإنما كان ~~يسكن هو وآباؤه قبله في البيوت العربية. # وفي جمادى الأولى قتل المؤيد بن شرف الدولة مسلم بن قريش أمير بني عقيل، ~~قتله بنو نمير عند هيت قصاصا. # [الوفيات] وفيها توفي القاضي البندنيجي الضرير، الفقيه الشافعي، انتقل ~~إلى مكة، فجاور بها أربعين سنة يدرس الفقه، ويسمع الحديث، ويشتغل بالعبادة. # وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن محمد الطبري بأصبهان، وكان يدرس فقه ~~الشافعي بالمدرسة النظامية، وقد جاوز تسعين سنة، وهو من أصحاب أبي إسحاق. # وفيها توفي الأمير منظور بن عمارة الحسيني، أمير المدينة، على ساكنها ~~السلام، وقام ولده مقامه، وهو من ولد المهنا، وقد كان قتل المعمار الذي ~~أنفذه مجد الملك البلاساني لعمارة القبة التي على قبر الحسن بن علي ~~والعباس، رضي الله عنهما، وكان من أهل قم، فلما قتل البلاساني قتله منظور ~~بعد أن أمنه، وكان قد هرب منه إلى مكة، فأرسل إليه بأمانه. # PageV08P480 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمائة] ### | 496 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين وأربعمائة # ذكر استيلاء ينال على الري وأخذها منه ووصوله إلى بغداذ # كانت الخطبة بالري للسلطان بركيارق، فلما خرج السلطان محمد من أصبهان، ~~على ما ذكرناه، ومعه ينال بن أنوشتكين الحسامي، استأذنه في قصد الري وإقامة ~~الخطبة له بها، فأذن له، فسار هو وأخوه علي بن أنوشتكين، فوصلا إليها في ~~صفر، فأطاع من بها من نواب بركيارق، وخطب لمحمد بالري، واستولى ينال على ~~البلد، وعسف أهله، وصادرهم بمائتي ألف دينار، وأقام بها إلى النصف من ربيع ~~الأول، فورد إليه الأمير برسق من عند السلطان بركيارق، فوقع القتال بينهم ~~على باب الري، فانهزم ينال وأخوه علي. # فأما علي فعاد إلى ولايته قزوين، وسلك ينال الجبال، فقتل من أصحابه كثير، ~~وتشتتوا، فأتى إلى بغداذ في سبعمائة رجل، فأكرمه الخليفة، واجتمع هو ~~وإيلغازي وسقمان ابنا أرتق بمشهد أبي حنيفة وتحالفوا على مناصحة السلطان ~~محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة، فحلف لهم أيضا على ذلك، وعادوا. # ذكر ما ms3684 فعله ينال بالعراق # قد ذكرنا وصول ينال بن أنوشتكين إلى بغداذ قبل، فلما استقر ببغداذ ظلم ~~الناس # PageV08P481 # بالبلاد جميعا، وصادرهم، واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل ~~والتقسيط، وصادر العمال. # فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني ينهاه عن ذلك، ويقبح ~~عنده ما يرتكبه من الظلم والعدوان، وتردد أيضا إلى إيلغازي، وكان ينال قد ~~تزوج هذه الأيام بأخته، وهي التي كانت زوجة تاج الدولة تتش، حتى توسط الأمر ~~معه فمضوا إليه، وحلفوه على الطاعة، وترك ظلم الرعية، وكف أصحابه، ومنعهم، ~~فحلف، ولم يقف على اليمين، ونكث ودام على الظلم وسوء السيرة. # فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة، وعرفه ما يفعله ينال من نهب الأموال، ~~وسفك الدماء، وطلب منه أن يحضر بنفسه ليكف ينال، فسار من حلته في رمضان، ~~ووصل بغداذ رابع شوال، وضرب خيامه بالنجمي، واجتمع هو وينال، إيلغازي، ~~ونواب ديوان الخليفة، وتقررت القواعد على مال يأخذه ويرحل عن العراق، فطلب ~~ينال المهلة، فعاد صدقة عاشر شوال إلى حلته، وترك ولده دبيسا ببغداذ لمنعه ~~من الظلم والتعدي عما استقر الأمر عليه، فبقي ينال إلى مستهل ذي القعدة، ~~وسار إلى أوانا، فنهب، وقطع الطريق، وعسف الناس، وبالغ في الفعل القبيح، ~~وأقطع القرى لأصحابه، فأرسل الخليفة إلى صدقة في ذلك، فأرسل ألف فارس، ~~وساروا إليه ومعهم جماعة من أصحاب الخليفة، وإيلغازي، شحنة بغداذ، فلما سمع ~~ينال بقربهم منه عبر دجلة، وسار إلى باجسرى وشعثها وقصد شهرابان، فمنعه ~~أهلها، فقاتلهم، فقتل بينهم قتلى، ورحل عنهم، وسار إلى أذربيجان قاصدا إلى ~~السلطان محمد، وعاد دبيس بن صدقة، وإيلغازي، شحنة بغداذ، إلى مواضعهم. # ذكر وصول كمشتكين القيصري شحنة إلى بغداذ والفتنة بينه وبين إيلغازي ~~وسقمان وصدقة # في هذه السنة، منتصف ربيع الأول، ورد كمشتكين القيصري إلى بغداذ، شحنة، ~~أرسله إليها السلطان بركيارق، وقد ذكرنا في السنة المتقدمة رحيل بركيارق من # PageV08P482 # أصبهان إلى همذان، فلما وصلها أرسل إلى بغداذ كمشتكين شحنة فلما سمع ~~إيلغازي، وهو شحنة ببغداذ، للسلطان محمد، أرسل إلى أخيه سقمان بن أرتق، ~~صاحب ms3685 حصن كيفا، يستدعيه إليه ليعتضد به على منعه، وسار إلى سيف الدولة صدقة ~~بالحلة، واجتمع به، وسأله تجديد عهد في دفع من يقصده من جهة بركيارق، ~~فأجابه إلى ذلك وحلف له، فعاد إيلغازي. # وورد سقمان في عساكر، ونهب في طريقه تكريت، وسبب تمكنه منها أنه أرسل ~~جماعة من التركمان إلى تكريت، ومعهم أحمال جبن، وسمن وعسل، فباعوا ما معهم، ~~وأظهروا أن سقمان قد عاد عن الانحدار، فاطمأن أهل البلد، ووثب التركمان، ~~تلك الليلة، على الحراس فقتلوهم، وفتحوا الأبواب، وورد إليها سقمان، ودخلها ~~ونهبها، ولما وصل إلى بغداذ نزل بالرملة. # وأما كمشتكين فوصل، أول ربيع الأول، إلى قرميسين، وأرسل إلى من له هوى مع ~~بركيارق، وأعلمهم بقربه منهم، فخرج إليه جماعة منهم، فلقوه بالبندنيجين، ~~وأعلموه الأحوال، وشاروا عليه بالمعاجلة، فأسرع السير، فوصل إلى بغداذ ~~منتصف ربيع الأول، ففارق إيلغازي داره، واجتمع بأخيه سقمان، وأصعدا من ~~الرملة، ونهبا بعض قرى دجيل، فسار طائفة من عسكر كمشتكين وراءهما، ثم عادوا ~~عنهما، وخطب للسلطان بركيارق ببغداذ فأرسل كمشتكين القيصري إلى سيف الدولة ~~صدقة، ومعه حاجب من ديوان الخليفة، في طاعة بركيارق، فلم يجب إلى ذلك، وكشف ~~القناع ببغداذ في مخالفته، وسار من الحلة إلى جسر صرصر، فقطعت خطبة بركيارق ~~ببغداذ، ولم يذكر على منابرها أحد من السلاطين، واقتصر الخطباء على الدعاء ~~للخليفة لا غير. # ولما وصل سيف الدولة إلى صرصر أرسل إلى إيلغازي وسقمان، وكانا بحربى، ~~يعرفهما أنه قد أتى لنصرتهما، فعادا ونهبها دجيلا، ولم يبقيا على قرية ~~كبيرة ولا صغيرة، وأخذت الأموال، وافتضت الأبكار، ونهب العرب والأكراد ~~الذين مع سيف الدولة بنهر ملك، إلا أنهم لم ينقل عنهم مثل التركمان من أخذ ~~النساء والفساد معهن، ولكنهم استقصوا في أخذ الأموال بالضرب والإحراق، ~~وبطلت معايش الناس، وغلت الأسعار، فكان الخبز يساوي عشرة أرطال بقيراط، ~~فصار ثلاثة أرطال بقيراط، وجميع الأشياء كذلك. # PageV08P483 # فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة في الإصلاح، فلم تستقر قاعدة، وعاد إيلغازي ~~وسقمان ومعهما دبيس بن سيف الدولة صدقة من دجيل، فخيموا بالرملة، ms3686 فقصدهم ~~جماعة كثيرة من العامة، فقاتلوهم، فقتل من العامة أربعة نفر، وأخذ منهم ~~جماعة، فأطلقوا بعد أن أخذت أسلحتهم وازداد الأمر شدة على الناس، فأرسل ~~الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن بن الدامغاني، وتاج الرؤساء بن الموصلايا ~~إلى سيف الدولة يأمره بالكف عن الأمر الذي هو ملابسه، ويعرفه ما الناس فيه، ~~ويعظم الأمر عليه، فأظهر طاعة الخليفة إن أخرج القيصري من بغداذ، وإلا فليس ~~غير السيف، وأرعد وأبرق. # فلما عاد الرسول استقر الأمر على إخراج القيصري من بغداذ، ففارقها ثاني ~~عشر ربيع الآخر، وسار إلى النهروان، وعاد سيف الدولة إلى بلده، وأعيدت خطبة ~~السلطان محمد ببغداذ، وسار القيصري إلى واسط، فخاف الناس منه، وأرادوا ~~الانحدار منها ليأمنوا، فمنعهم القيصري، وخطب لبركيارق بواسط، ونهبوا كثيرا ~~من سوادها. # فلما سمع صدقة ذلك سار إلى واسط، فدخلها، وعدل في أهلها، وكف عسكره عن ~~أذاهم، ووصل إليه إيلغازي بواسط، وفارقها القيصري، ونزل متحصنا بدجلة، فقيل ~~لسيف الدولة: إن هناك مخاضة، فسار إليها بعسكره وقد لبسوا السلاح، فلما ~~رآهم عسكر القيصري تفرقوا عنه، وبقي في خواص أصحابه، فطلب الأمان من سيف ~~الدولة، فأمنه، فحضر عنده، فأكرمه، وقال له: قد سمنت، قال: وتركتنا نسمن؟ ~~أخرجتنا من بغداذ، ثم من واسط، ونحن لا نعقل. # ثم بذل صدقة الأمان لجميع عسكر واسط، ومن كان مع القيصري، سوى رجلين، ~~فعادا إليه فأمنهما، وعاد القيصري إلى بركيارق، وأعيدت خطبة السلطان محمد ~~بواسط، وخطب بعده لسيف الدولة وإيلغازي، واستناب كل واحد منهما فيها ولده، ~~وعادوا عنها في العشرين من جمادى الأولى، وأمن أهل واسط مما كانوا يخافونه. ~~فأما إيلغازي فإنه أصعد إلى بغداذ، وأما سيف الدولة صدقة فإنه عاد إلى ~~الحلة، وأرسل ولده الأصغر منصورا مع إيلغازي إلى المستظهر بالله يسأله ~~الرضا عنه، فإنه كان قد سخط بسبب هذه الحادثة، فوصل إلى بغداذ وخاطب في ~~ذلك، فأجيب إليه. # PageV08P484 # ذكر استيلاء صدقة على هيت # كانت مدينة هيت لشرف الدولة مسلم بن قريش، أقطعه إياها السلطان ألب ~~أرسلان، ولم تزل معه حتى قتل، فنظر ms3687 فيها عمداء بغداذ إلى أن مات السلطان ~~ملكشاه، ثم أخذها أخوه تتش بن ألب أرسلان. فلما استولى السلطان بركيارق ~~أقطعها لبهاء الدولة ثروان بن وهب بن وهيبة، وأقام هو وجماعة من بني عقيل ~~عند سيف الدولة صدقة، وكانا متصافيين، وكان صدقة يزوره كثيرا ثم تنافرا. # وكان سبب ذلك أن صدقة زوج بنتا له من ابن عمه، وكان ثروان قد خطبها، فلم ~~يجبه إلى ذلك، فتحالفت عقيل، وهم في حلة سيف الدولة، أن يكونوا يدا واحدة ~~عليه، فأنكر صدقة ذلك، وحج ثروان عقيب ذلك وعاد مريضا، فوكل به صدقة، وقال: ~~لا بد من هيت، فأرسل ثروان حاجبه، وكتب خطه بتسليم البلد إليه. # وكان بهيت حينئذ محمد بن رافع بن رفاع بن ضبيعة بن مالك بن مقلد بن جعفر، ~~وأرسل صدقة ابنه دبيسا مع الحاجب ليتسلمها فلم يسلم إليه محمد، فعاد دبيس ~~إلى أبيه، فلما أخذ صدقة واسطا، هذه النوبة، أصعد في عسكره إلى هيت، فخرج ~~إليه منصور بن كثير ابن أخي ثروان، ومعه جماعة من أصحابه، فلقوا سيف ~~الدولة، وحاربوه ساعة من النهار. # ثم إن جماعة من الربعيين فتحوا لسيف الدولة البلد، فدخله أصحابه، فلما ~~رأى ذلك منصور ومن معه سلموا البلد إليه، فملكه يوم نزوله، وخلع على منصور ~~وجماعة من وجوه أصحابه، وعاد إلى حلته، واستخلف عليه ابن عمه ثابت بن كامل. # ذكر الحرب بين بركيارق ومحمد # في هذه السنة، ثامن جمادى الآخرة، كان المصاف الخامس بين السلطان بركيارق ~~والسلطان محمد. # PageV08P485 # وكانت كنجة وبلاد أران جميعها للسلطان محمد، وبها عسكره، ومقدمهم الأمير ~~غزغلي، فلما طال مقام محمد بأصبهان محصورا توجه غزغلي والأمير منصور بن ~~نظام الملك وابن أخيه محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك قاصدين لنصرته، ~~ليراهم بعين الطاعة. # وكان آخر ما تقام فيه الخطبة لمحمد زنجان مما يلي أذربيجان، فوصلوا إلى ~~الري في العشرين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين وأربعمائة، ففارقه عسكر ~~بركيارق، ودخلوه وأقاموا به ثلاثة أيام. # ووصلهم الخبر بخروج السلطان محمد من أصبهان، وأنه وصل ms3688 إلى ساوة، فساروا ~~إليه، ولحقوه بهمذان ومعه ينال وعلي ابنا أنوشتكين الحسامي، فبلغ عددهم ستة ~~آلاف فارس، فأقاموا بها إلى أواخر المحرم، فأتاهم الخبر بأن السلطان ~~بركيارق قد أتاهم، فتلونوا في رأيهم، فسار ينال وعلي ابنا أنوشتكين إلى ~~الري، على ما ذكرناه، وعزم السلطان محمد على التوجه إلى شروان، فوصل إلى ~~أردبيل، فأرسل إليه الملك مودود بن إسماعيل بن ياقوتي، صاحب بعض أذربيجان، ~~وكانت قبله لأبيه إسماعيل بن ياقوتي، وهو خال السلطان بركيارق، وكانت أخته ~~زوجة السلطان محمد، وهو مطالب السلطان بركيارق بثأر أبيه، وقد تقدم مقتله ~~أول دولة بركيارق، وقال له: ينبغي أن تقدم إلينا لتجتمع كلمتنا على طاعتك، ~~وقتال خصمنا، فسار إليه مجدا، وتصيد في طريقه بين أردبيل وبيلقان، وانفرد ~~عن عسكره، فوثب عليه نمر، وهو غافل، فجرح السلطان محمدا في عضده، فأخذ ~~سكينا وشق بها جوف النمر فألقاه عن فرسه ونجا. # ثم إن مودود بن إسماعيل توفي في النصف من ربيع الأول، وعمره اثنتان ~~وعشرون سنة، ولما بلغ بركيارق اجتماع السلطان محمد والملك مودود سار غير ~~متوقف، فوصل بعد موت مودود، وكان عسكر مودود قد اجتمعوا على طاعة السلطان ~~محمد، وحلفوا له، وفيهم سكمان القبطي، ومحمد بن ياغي سيان، الذي كان # PageV08P486 # أبوه صاحب أنطاكية، وقزل أرسلان بن السبع الأحمر، فلما وصل بركيارق وقعت ~~الحرب بينهما على باب خوي من أذربيجان عند غروب الشمس، ودامت إلى العشاء ~~الآخرة. # فاتفق أن الأمير إياز أخذ معه خمسمائة فارس مستريحين، وحمل بهم، وقد أعيا ~~العسكر من الجهتين، على عسكر السلطان محمد، فكسرهم وولوا الأدبار لا يلوي ~~أحد على أحد. # فأما السلطان بركيارق فإنه قصد جبلا بين مراغة وتبريز، كثير العشب ~~والماء، فأقام به أياما، وسار إلى زنجان. # وأما السلطان محمد فإنه سار مع جماعة من أصحابه إلى أرجيش، من بلاد ~~أرمينية، على أربعين فرسخا من الوقعة، وهي من أعمال خلاط، من جملة أقطاع ~~الأمير سكمان القبطي، وسار منه إلى خلاط، واتصل به الأمير علي صاحب أرزن ~~الروم، وتوجه إلى آنى، وصاحبها ms3689 منوجهر أخو فضلون الروادي، ومنها سار إلى ~~تبريز من أذربيجان. وسنذكر باقي أخبارهم سنة سبع وتسعين وأربعمائة عند ~~صلحهم إن شاء الله. # وكان الأمير محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك مع السلطان محمد في هذه ~~الوقعة، فمر منهزما، ودخل ديار بكر، وانحدر منها إلى جزيرة ابن عمر، وسار ~~منها إلى بغداذ، وكان في حياة أبيه يقيم ببغداذ في سوق المدرسة، فاتصلت ~~الشكاوى منه إلى أبيه، فكتب إلى كوهرائين بالقبض عليه، فاستجار بدار ~~الخلافة، وتوجه سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة إلى مجد الملك البلاساني، ~~ووالده حينئذ بكنجة عند السلطان محمد، قبل أن يخطب لنفسه بالسلطنة، وتوجه ~~بعد قتل مجد الملك إلى والده، وقد صار وزير السلطان محمد، وخطب لمحمد ~~بالسلطنة، وبقي بعد قتل والده، واتصل بالسلطان محمد، وحضر معه هذه الحرب ~~فانهزم. # PageV08P487 # ذكر عزل سديد الملك وزير الخليفة ونظر أبي سعد بن الموصلايا في الوزارة # في هذه السنة، منتصف رجب، قبض على الوزير سديد الملك أبي المعالي، وزير ~~الخليفة، وحبس في دار بدار الخليفة، وكان أهله قد وردوا عليه من أصبهان، ~~فنقلوا إليه، وكان محبسه جميلا. # وسبب عزله جهله بقواعد ديوان الخلافة، فإنه قضى عمره في أعمال السلاطين، ~~وليس لهم هذه القواعد، ولما قبض عاد أمين الدولة بن الموصلايا إلى النظر في ~~الديوان. # ومن عجب ما جرى من الكلام الذي وقع بعد أيام أن سديد الملك كان يسكن في ~~دار عميد الدولة بن جهير، وجلس فيها مجلسا عاما يحضره الناس لوعظ المؤيد ~~عيسى الغزنوي، فأنشدوا أبياتا ارتجلها: # سديد الملك # سدت، وخضت بحرا ... عميق اللج، فاحفظ فيه روحك # وأحي معالم الخيرات، واجعل ... لسان الصدق في الدنيا فتوحك # وفي الماضين معتبر، فأسرج ... مروحك في السلامة، أو جموحك # ثم قال سديد الملك: من شرب من مرقة السلطان احترقت شفتاه، ولو بعد زمان، ~~ثم أشار إلى الدار وقرأ: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم} [إبراهيم: 45] ، فقبض على الوزير بعد أيام. # ذكر ملك الملك دقاق مدينة الرحبة # في هذه السنة، في ms3690 شعبان، ملك الملك دقاق بن تتش، صاحب دمشق، مدينة ~~الرحبة، وكانت بيد إنسان اسمه قايماز من مماليك السلطان ألب أرسلان، فلما ~~قتل كربوقا استولى عليها، فسار دقاق وطغتكين أتابكه إليه، وحصراه بها، ثم ~~رحل عنه. # PageV08P488 # وتوفي قايماز هذه السنة في صفر، وقام مقامه غلام تركي اسمه حسن، فأبعد ~~عنه كثيرا من جنده، وخطب لنفسه، وخاف من دقاق، فاستظهر، وأخذ جماعة من ~~السالارية الذين يخافهم، فقبض عليهم، وقتل جماعة من أعيان البلد، وحبس ~~آخرين وصادرهم. فتوجه دقاق إليه وحصره، فسلم العامة البلد إليه، واعتصم حسن ~~بالقلعة، فأمنه دقاق، فسلم القلعة إليه، فأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام، وقرر ~~أمر الرحبة، وأحسن إلى أهلها، وجعل فيها من يحفظها، ورحل عنها إلى دمشق. # ذكر أخبار الفرنج بالشام # كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكا لأبيه، لقبه سعد الدولة، ~~ويعرف بالطواشي، إلى الشام لحرب الفرنج، فلقيهم بين الرملة ويافا، ومقدم ~~الفرنج يعرف ببغدوين، لعنه الله تعالى، وتصافوا واقتتلوا، فحملت الفرنج ~~حملة صادقة، فانهزم المسلمون. # وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة: إنك تموت مترديا، فكان يحذر من ركوب ~~الخيل، حتى إنه ولي بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط، فقلعه خوفا أن يزلق به ~~فرسه، أو يعثر، فلم ينفعه الحذر عند نزول القدر، فلما كانت هذه الوقعة ~~انهزم، فتردى به فرسه، فسقط ميتا، وملك الفرنج خيمه وجميع ما للمسلمين. # فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير، فالتقوا هم والفرنج ~~بيازوز، بقرب الرملة، فانهزم الفرنج، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد من سلم ~~منهم مغلولين، فلما رأى بغدوين شدة الأمر، وخاف القتل والأسر، ألقى نفسه في ~~الحشيش واختفى فيه، فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة. وسار شرف ~~المعالي بن الأفضل من المعركة، ونزل على قصر بالرملة، وبه سبعمائة من أعيان ~~الفرنج، وفيهم بغدوين، فخرج متخفيا إلى يافا، وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة ~~عشر يوما، ثم أخذهم، فقتل منهم أربعمائة صبرا، وأسر ثلاثمائة إلى مصر. # ثم اختلف أصحابه في مقصدهم، فقال قوم: نقصد البيت المقدس ونتملكه، وقال ~~قوم: نقصد ms3691 يافا ونملكها. # PageV08P489 # فبينما هم في هذا الاختلاف، إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر، قاصدين ~~زيارة البيت المقدس، فندبهم بغدوين للغزو معه، فساروا إلى عسقلان، وبها شرف ~~المعالي، فلم يكن يقوى بحربهم، فلطف الله تعالى بالمسلمين، فرأى الفرنج ~~البحرية حصانة عسقلان، وخافوا البيات، فرحلوا إلى يافا، وعاد ولد الأفضل ~~إلى أبيه، فسير رجلا يقال له تاج العجم في البر، وهو من أكبر مماليك أبيه، ~~وجهز معه أربعة آلاف فارس، وسير في البحر رجلا يقال له القاضي ابن قادوس، ~~في الأسطول، فنزل الأسطول على يافا، ونزل تاج العجم على عسقلان، فاستدعاه ~~ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج، فقال تاج العجم: ما يمكنني أن أنزل ~~إليك إلا بأمر الأفضل، ولم يحضر عنده، ولا أعانه، فأرسل القادوسي إلى قاضي ~~عسقلان، وشهودها، وأعيانها، وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوما، ~~واستدعى تاج العجم، فلم يأته، ولا أرسل رجلا، فلما وقف الأفضل على الحال ~~أرسل من قبض على تاج العجم، وأرسل رجلا، لقبه جمال الملك، فأسكنه عسقلان، ~~وجعله متقدم العساكر الشامية. # وخرجت هذه السنة وبيد الفرنج، لعنهم الله، البيت المقدس، وفلسطين، ما عدا ~~عسقلان، ولهم أيضا يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبرية، واللاذقية، ~~وأنطاكية، ولهم بالجزيرة الرها، وسروج. # وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام، والمواد تأتيها، وبها فخر الملك بن ~~عمار، وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج، ~~ويقتلون من وجدوا، وقصد بذلك أن يخلو السواد ممن يزرع لتقل المواد من ~~الفرنج فيرحلوا عنه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، سادس المحرم، توفيت بنت أمير المؤمنين القائم بأمر الله، ~~التي كانت زوجة السلطان طغرلبك، وكانت موصوفة بالدين، وكثرة الصدقة، وكان ~~الخليفة المستظهر بالله قد ألزمها بيتها، لأنه أبلغ عنها أنها تسعى في ~~إزالة دولته. # PageV08P490 # وفيها، في شعبان أيضا، استوزر المستظهر بالله زعيم الرؤساء أبا القاسم بن ~~جهير، واستقدمه من الحلة من عند سيف الدولة صدقة،، وقد ذكرنا في السنة ~~المتقدمة سبب مسيره إليها، فلما قدم إلى بغداذ خرج كل ms3692 أرباب الدولة ~~فاستقبلوه، وخلع عليه الخلع التامة، وأجلس في الديوان ولقب قوام الدين. # وفيه أيضا قتل أبو المظفر بن الخجندي بالري، وكان يعظ الناس، فقتله رجل ~~علوي حين نزل من كرسيه، وقتل العلوي ودفن الخجندي بالجامع، وأصل بيت ~~الخجندي من مدينة خجندة، بما وراء النهر، وينسبون إلى المهلب بن أبي صفرة، ~~وكان نظام الملك قد سمع أبا بكر محمد بن ثابت الخجندي يعظ بمرو، فأعجبه ~~كلامه، وعرف محله من الفقه والعلم، فحمله إلى أصبهان، وصار مدرسا بمدرسته ~~بها، فنال جاها عريضا، ودنيا واسعة، وكان نظام الملك يتردد إليه ويزوره. # وفيها جمع ساغربك، بما وراء النهر، جموعا كثيرة، وهو من أولاد الخانية، ~~وقصد محمد خان الذي ملكه السلطان سنجر سمرقند، ونازعه في ملكها، فضعف، محمد ~~خان عنه، فأرسل إلى السلطان سنجر يستنجده، فسار إلى سمرقند، فأبعد عنه ~~ساغربك، وخافه، واحتمى منه، وأرسل يطلب الأمان من سنجر، والعفو، فأجابه إلى ~~ما طلب، وحضر ساغربك عنده، وقرر الصلح بينه وبين محمد خان، وحلف كل واحد ~~منهما لصاحبه، وعاد إلى خراسان، فوصل إلى مرو في ربيع الأول سنة سبع وتسعين ~~وأربعمائة. # [الوفيات] وفيها توفي أبو المعالي [الرجل] الصالح، ساكن باب الطاق، وكان ~~مقلا من الدنيا، له كرامات ظاهرة. # PageV08P491 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة] ### | 497 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة # ذكر ملك بلك بن بهرام بن أرتق مدينة عانة # في هذه السنة، في المحرم، استولى بلك بن بهرام بن أرتق، وهو ابن أخي ~~إيلغازي بن أرتق، على مدينة عانة، والحديثة، وكان له مدينة سروج، فأخذها ~~الفرنج منه، فسار عنها إلى عانة وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط، فقصد ~~بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومعهم مشايخهم، فسألوه الإصعاد إليها، ~~وأن يتسلمها منهم، ففعل وأصعد معهم. # فرحل التركمان وبهرام عنها، وأخذ صدقة رهائنهم، وعاد إلى حلته، فرجع بلك ~~إليها ومعه ألفا رجل من التركمان، فمانعه أصحابه قليلا، واستدل على المخاضة ~~إليها، فخاضها وعبر، وملكهم ونهبهم، وسبى جميع حرمهم وانحدر طالبا هيت ms3693 من ~~الجانب الشامي، فبلغ إلى قريب منها، ثم رجع من يومه، ولما سمع صدقة جهز ~~العساكر، ثم أعادهم عند عود بلك. # ذكر غارة الفرنج على الرقة وقلعة جعبر # في هذه السنة، في صفر، أغار الفرنج من الرها على مرج الرقة وقلعة جعبر، ~~وكانوا لما خرجوا من الرها افترقوا فرقتين، وأبعدوا يوما واحدا تكون الغارة ~~على البلدين فيه، ففعلوا ما استقر بينهم، وأغاروا، واستاقوا المواشي، ~~وأسروا من وقع بأيديهم من المسلمين، فكانت القلعة والرقة لسالم بن مالك بن ~~بدران بن المقلد بن المسيب سلمها إليه السلطان ملكشاه سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة، وقد ذكرناه فيها. # PageV08P492 # ذكر الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، وقع الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد ~~ابني ملكشاه. # وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد، فصارت الأموال منهوبة، ~~والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة مطموعا فيها، ~~محكوما عليها، وأصبح الملوك مقهورين، بعد أن كانوا قاهرين، وكان الأمراء ~~الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم، وانبساطهم، وإدلالهم. # وكان السلطان بركيارق حينئذ بالري والخطبة له بها، وبالجبل، وطبرستان، ~~وخوزستان، وفارس، وديار بكر، والجزيرة، وبالحرمين الشريفين. # وكان السلطان محمد بأذربيجان، والخطبة له فيها، وببلاد أرانية، وأرمينية، ~~وأصبهان، والعراق، كلها ما عدا تكريت. # وأما أعمال البطائح فيخطب ببعضها لبركيارق، وببعضها لمحمد. # وأما البصرة فكان يخطب فيها لهما جميعا. # وأما خراسان فإن السلطان سنجر كان يخطب له في جميعها، وهي من حدود جرجان ~~إلى ما وراء النهر، ولأخيه السلطان محمد. # فلما رأى السلطان بركيارق المال عنده معدوما، والطمع من العسكر زائدا، ~~أرسل القاضي أبا المظفر الجرجاني الحنفي، وأبا الفرج أحمد بن عبد الغفار ~~الهمذاني، المعروف بصاحب قراتكين، إلى أخيه محمد في تقرير قواعد الصلح، ~~فسار إليه، وهو بالقرب من مراغة، فذكرا له ما أرسلا فيه، ورغباه في الصلح ~~وفضيلته، وما شمل البلاد من الخراب، وطمع عدو الإسلام في أطراف الأرض، ~~فأجاب إلى ذلك، وأرسل فيه رسلا، واستقر الأمر، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، ~~وتقررت القاعدة: أن السلطان بركيارق لا ms3694 يعترض أخاه محمدا في الطبل، وأن لا ~~يذكر معه على سائر البلاد التي صارت له، وأن لا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون ~~المكاتبة من الوزيرين، ولا يعارض أحد من العسكر في قصد أيهما شاء، وأن يكون ~~للسلطان محمد من النهر المعروف # PageV08P493 # بإسبيذروذ، إلى باب الأبواب، وديار بكر، والجزيرة، والموصل، والشام، ~~ويكون له من بلاد العراق بلاد سيف الدولة صدقة. # فأجاب بركيارق إلى هذا، وزال الخلف، والشغب، وأرسل السلطان محمد إلى ~~أصحابه بأصبهان يأمرهم بالانصراف عن البلد، وتسليمه إلى أصحاب أخيه، وسار ~~السلطان بركيارق إلى أصبهان، فلما سلمها إليه أصحاب أخيه دعاهم إلى أن ~~يكونوا معه، وفي خدمته، فامتنعوا، ورأوا لزوم خدمة صاحبهم، فسماهم أهل ~~العسكرين جميعا: أهل الوفاء، وتوجهوا من أصبهان، ومعهم حريم السلطان محمد، ~~إليه، وأكرمهم بركيارق، وحمل لأهل أخيه المال الكثير، ومن الدواب ثلاثمائة ~~جمل، ومائة وعشرين بغلا، تحمل الثقل، وسير معهم العساكر يخدمونهم. # ولما وصلت رسل السلطان بركيارق إلى الخليفة المستظهر بالله بالصلح، وما ~~استقرت القواعد عليه، حضر إيلغازي بالديوان، وسأل في إقامة الخطبة ~~لبركيارق، فأجيب إلى ذلك، وخطب له بالديوان يوم الخميس تاسع عشر جمادى ~~الأولى، وخطب له، من الغد، بالجوامع، وخطب له أيضا بواسط. # ولما خطب إيلغازي ببغداذ لبركيارق، وصار في جملته، أرسل الأمير صدقة إلى ~~الخليفة يقول: كان أمير المؤمنين ينسب إلي كل ما يتجدد من إيلغازي من إخلال ~~بواجب الخدمة، وشرط الطاعة، ومن اطراح المراقبة، والآن، فقد أبدى صفحته ~~للسلطان الذي استنابه، وأنا غير صابر على ذلك، بل أسير لإخراجه عن بغداذ. # فلما سمع إيلغازي ذلك شرع في جمع التركمان، وورد صدقة بغداذ، فنزل مقابل ~~التاج، وقبل الأرض، ونزل في مخيمه بالجانب الغربي، ففارق إيلغازي بغداذ إلى ~~بعقوبا، وأرسل إلى صدقة يعتذر عن طاعته لبركيارق بالصلح الواقع، وأن إقطاعه ~~حلوان وغيرها في جملة بلاده، وأن بغداذ التي هو شحنة فيها قد صارت له، فذلك ~~الذي أدخله في طاعته. فرضي عنه صدقة، وعاد إلى الحلة. # PageV08P494 # وفي ذي القعدة سيرت الخلع من الخليفة للسلطان بركيارق، ms3695 وللأمير إياز، ~~ولوزير بركيارق، وهو الخطير، والعهد بالسلطنة، وحلفوا جميعهم للخليفة ~~وعادوا. # ذكر ملك الفرنج جبيلا وعكا من الشام # في هذه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة اللاذقية، وفيها ~~التجار، والأجناد، والحجاج، وغير ذلك، واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار ~~طرابلس، فحصروها معه برا وبحرا، وضايقوها، وقاتلوها أياما، فلم يروا فيها ~~مطمعا، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل، فحصروها، وقاتلوا عليها قتالا شديدا، ~~فلما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانا، وسلموا البلد إليهم، فلم تف ~~الفرنج لهم بالأمان، وأخذوا أموالهم، واستنقذوها بالعقوبات وأنواع العذاب. # فلما فرغوا من جبيل ساروا إلى مدينة عكا، استنجدهم الملك بغدوين، ملك ~~الفرنج، صاحب القدس على حصارها، فنازلوها، وحصروها في البر والبحر. # وكان الوالي بها اسمه بنا، ويعرف بزهر الدولة الجيوشي، نسبة إلى ملك ~~الجيوش الأفضل، فقاتلهم أشد قتال، فزحفوا إليه غير مرة، فعجز عن حفظ البلد، ~~فخرج منه، وملك الفرنج البلد بالسيف قهرا، وفعلوا بأهله الأفعال الشنيعة، ~~وسار الوالي به إلى دمشق، فأقام بها، ثم عاد إلى مصر، واعتذر إلى الأفضل ~~فقبل عذره. # PageV08P495 # ذكر غزو سقمان وجكرمش الفرنج # لما استطال الفرنج، خذلهم الله تعالى، بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق ~~لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه، بقتال بعضهم بعضا، تفرقت حينئذ بالمسلمين ~~الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال. # وكانت حران لمملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجه، فاستخلف عليها إنسانا ~~يقال له محمد الأصبهاني، وخرج في العام الماضي، فعصى الأصبهاني على قراجه، ~~وأعانه أهل البلد لظلم قراجه. # وكان الأصبهاني جلدا، شهما، فلم يترك بحران من أصحاب قراجه سوى غلام تركي ~~يعرف بجاولي، وجعله أصفهسلار العسكر، وأنس به، فجلس معه يوما للشرب، فاتفق ~~جاولي مع خادم له على قتله فقتلاه وهو سكران. # فعند ذلك سار الفرنج إلى حران وحصروها. # فلما سمع معين الدولة سقمان، وشمس الدولة جكرمش ذلك، وكان بينهما حرب، ~~وسقمان يطالب بقتل ابن أخيه، وكل منهما يستعد للقاء صاحبه، وأنا أذكر سبب ~~قتل جكرمش له، إن شاء الله تعالى، أرسل كل منهما إلى صاحبه يدعوه ms3696 إلى ~~الاجتماع معه لتلافي أمر حران، ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى، وثوابه، ~~فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه، وسارا فاجتمعا على الخابور، ~~وتحالفا، وسارا إلى لقاء الفرنج. # وكان مع سقمان سبعة آلاف فارس مع التركمان، ومع جكرمش ثلاثة آلاف فارس من ~~الترك، والعرب، والأكراد، فالتقوا على نهر البليخ، وكان المصاف بينهم هناك، ~~فاقتتلوا، فأظهر المسلمون الانهزام، فتبعهم الفرنج نحو فرسخين، فعاد عليهم ~~المسلمون فقتلوهم كيف شاءوا، وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم، ووصلوا إلى ~~الأموال # PageV08P496 # العظيمة، لأن سواد الفرنج كان قريبا، وكان بيمند، صاحب أنطاكية، وطنكري، ~~صاحب الساحل، قد انفردا وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم، إذا ~~اشتدت الحرب، فلما خرجا رأيا الفرنج منهزمين، وسوادهم منهوبا، فأقاما ~~بالليل، وهربا، فتبعهما المسلمون، وقتلوا من أصحابهما كثيرا، وأسروا كذلك، ~~وأفلتا في ستة فرسان. # وكان القمص بردويل، صاحب الرها، قد انهزم في جماعة من قمامصتهم، وخاضوا ~~نهر البليخ، فوحلت خيولهم، فجاء التركماني من أصحاب سقمان فأخذهم، وحمل ~~بردويل إلى خيم صاحبه، وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند، فرأى أصحاب جكرمش أن ~~أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج، ويرجعون هم من الغنيمة بغير طائل، ~~فقالوا لجكرمش: أي منزلة تكون لنا عند الناس، وعند التركمان إذا انصرفوا ~~بالغنائم دوننا؟ وحسنوا له أخذ القمص، فأنفذ فأخذ القمص من خيم سقمان، فلما ~~عاد سقمان شق عليه الأمر، وركب أصحابه للقتال، فردهم، وقال لهم: لا يقوم ~~فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمهم باختلافنا، ولا أؤثر شفاء غيظي بشماتة ~~الأعداء بالمسلمين. # ورحل لوقته، وأخذ سلاح الفرنج، وراياتهم، وألبس أصحابه لبسهم، وأركبهم ~~خيلهم، وجعل يأتي حصون شيحان، وبها الفرنج، فيخرجون ظنا منهم أن أصحابهم ~~نصروا، فيقتلهم ويأخذ الحصن منهم، فعل ذلك بعدة حصون. # وأما جكرمش فإنه سار إلى حران، فتسلمها، واستخلف بها صاحبه. # وسار إلى الرها، فحصرها خمسة عشر يوما، وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي ~~أخذه من خيام سقمان، ففاداه بخمسة وثلاثين دينارا، ومائة وستين أسيرا من ~~المسلمين، وكان عدة القتلى من الفرنج ms3697 يقارب اثني عشر ألف قتيل. # PageV08P497 # ذكر وفاة دقاق وملك ولده # في هذه السنة، في شهر رمضان، توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان، صاحب ~~دمشق، وخطب أتابكه طغتكين لولد له صغير، له سنة واحدة، وجعل اسم المملكة ~~فيه، ثم قطع خطبته وخطب لبكتاش بن تتش، عم هذا الطفل، في ذي الحجة، وله من ~~العمر اثنتا عشرة سنة. # ثم إن طغتكين أشار عليه بقصد الرحبة، فخرج إليها فملكها وعاد، فمنعه ~~طغتكين من دخول البلد، فمضى إلى حصون له، وأعاد طغتكين خطبة الطفل ولد ~~دقاق. # وقيل إن سبب استيحاش بكتاش من طغتكين أن والدته خوفته منه، وقالت: إنه ~~زوج والدة دقاق، وهي لا تتركه حتى تقتلك ويستقيم الملك لولدها، فخاف، ثم ~~إنه حسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة دمشق، وقصد بعلبك، وجمع الرجال، ~~والاستنجاد بالفرنج، والعود إلى دمشق، وأخذها من طغتكين، فخرج من دمشق سرا ~~في صفر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولحقه الأمير أيتكين الحلبي، وهو من ~~جملة من قرر مع بكتاش ذلك، وهو صاحب بصرى، فعاثا في نواحي حوران، ولحق بهما ~~من كان يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الفرنج يستنجدانه، فأجابهما إلى ~~ذلك، وسار إليهما فاجتمعا به، وقررا القواعد معه، وأقاما عنده مدة، فلم ~~يريا منه غير التحريض على الإفساد في أعمال دمشق، وتخريبها، فلما يئسا من ~~نصره عادا من عنده، وتوجها في البرية إلى الرحبة، فملكها بكتاش وعاد عنها. ~~واستقام أمر طغتكين بدمشق واستبد بالأمر، وأحسن إلى الناس، وبث فيهم العدل، ~~فسروا به سرورا كثيرا. # PageV08P498 # ذكر استيلاء صدقة على واسط # في هذه السنة، في شوال، انحدر سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلة إلى واسط ~~في عسكر كثير، وأمر فنودي بها في الأتراك: من أقام فقد برئت منه الذمة، ~~فسار جماعة منهم إلى بركيارق، وجماعة إلى بغداذ، وصار مع صدقة جماعة منهم، ~~ثم إنه أحضر مهذب الدولة بن أبي الجبر، صاحب البطيحة، فضمنه البلد لمدة، ~~آخرها آخر السنة، بخمسين ألف دينار، وعاد إلى الحلة، فأقام مهذب الدولة ~~بواسط ms3698 إلى سادس ذي القعدة، وانحدر إلى بلده. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، أطلق سديد الملك أبو المعالي من الاعتقال، ~~وهو الذي كان وزير الخليفة، ولما أطلق هرب إلى الحلة السيفية، ومنها إلى ~~السلطان بركيارق، فولاه الإشراف على ممالكه. # وفيها توفي أمين الدولة أبو سعد العلاء بن الحسن بن الموصلايا، فجأة، ~~وكان قد أضر، وكان بليغا فصيحا، وكان ابتداء خدمته للقائم بأمر الله سنة ~~اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خدم الخلفاء خمسا وستين سنة، كل يوم تزداد ~~منزلته، حتى تاب عن الوزارة، وكان نصرانيا، فأسلم سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة، وكان كثير الصدقة، جميل المحضر، صالح النية، ووقف أملاكه على ~~أبواب البر، ومكاتباته مشهورة حسنة، ولما مات خلع على ابن أخته أبي نصر، ~~ولقب " نظام الحضرتين "، وقلد ديوان الإنشاء. # وفيها كانت ببغداذ بين العامة فتن كثيرة، وانتشر العيارون. # وفيها قتل أبو نعيم بن ساوة الطبيب الواسطي، وكان من الحذاق في الطب، وله ~~فيها إصابات حسنة. # PageV08P499 # وفيها عزل السلطان سنجر وزيره المجير أبا الفتح الطغرائي، وسبب ذلك أن ~~الأمير بزغش، وهو أصفهسلار العسكر السنجري، ألقي إليه ملطف فيه: لا يتم لك ~~أمر مع هذا السلطان، ووقع إلى سنجر، لا يتم لك أمر مع الأمير بزغش، مع كثرة ~~جموعه، فجمع بزغش أصحاب العمائم، وعرض عليهم الملطفين، فاتفقوا على كاتب ~~الطغرائي، وظهرت عليه فقتل، وقبض سنجر على الطغرائي، وأراد قتله، فمنعه ~~بزغش، وقال له: حق خدمة، فأبعده إلى غزنة، وفيها جمع بزغش كثيرا من عساكر ~~خراسان، وأتاه كثير من المتطوعة، وسار إلى قتال الإسماعيلية، فقصد طبس، وهي ~~لهم، فخربها وما جاورها من القلاع والقرى، وأكثر فيهم القتل، والنهب، ~~والسبي، وفعل بهم الأفعال العظيمة، ثم إن أصحاب سنجر أشاروا بأن يؤمنوا، ~~ويشرط عليهم أنهم لا يبنون حصنا، ولا يشترون سلاحا، ولا يدعون أحدا إلى ~~عقائدهم، فسخط كثير من الناس هذا الأمان، وهذا الصلح، ونقموه على سنجر، ثم ~~إن بزغش، بعد عودته من هذه الغزاة، توفي، وكانت خاتمة أمره الجهاد، رحمه ~~الله. # [الوفيات] وفي هذه ms3699 السنة توفي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين بن زكرياء ~~الطريثيثي، وكان صوفيا محدثا مشهورا. # وفي رجب توفي القاضي أبو الحسين أحمد بن محمد الثقفي، قاضي الكوفة، ~~ومولده في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو من ولد عروة بن ~~مسعود، ومن تلاميذ القاضي الدامغاني، وولي القضاء بعده ابنه أبو البركات. # PageV08P500 # وفي ربيع الآخر توفي أبو عبد الله الحسين بن علي بن البسري البندار، ~~المحدث، ومولده سنة أربع وأربعمائة. # PageV08P501 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة] ### | 498 - # ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة # ذكر وفاة السلطان بركيارق # في هذه السنة، ثاني شهر ربيع الآخر، توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه، ~~وكان قد مرض بأصبهان بالسل، والبواسير، فسار منها في محفة طالبا بغداذ، ~~فلما وصل إلى بروجرد ضعف عن الحركة، فأقام بها أربعين يوما، فاشتد مرضه، ~~فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه، وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية ~~أشهر، وخلع على الأمير إياز، وأحضر جماعة من الأمراء، وأعلمهم أنه قد جعل ~~ابنه ولي عهده في السلطنة، وجعل الأمير إياز أتابكه، وأمرهم بالطاعة لهما، ~~ومساعدتهما على حفظ السلطنة لولده، والذب عنها، فأجابوا كلهم بالسمع ~~والطاعة لهما، وبذل النفوس والأموال في حفظ ولده وسلطنته عليه، واستحلفهم ~~على ذلك، فحلفوا، وأمرهم بالمسير إلى بغداذ، فساروا، فلما كانوا على اثني ~~عشر فرسخا من بروجرد وصلهم خبر وفاته، وكان بركيارق قد تخلف على عزم العود ~~إلى أصبهان فعاجلته منيته. # فلما سمع الأمير إياز بموته أمر وزيره الخطير المبيذي وغيره بأن يسيروا ~~مع تابوته إلى أصبهان، فحمل إليها، ودفن في تربة جددتها له سريته، ثم ماتت ~~بعد أيام، فدفنت بإزائه، وأحضر إياز السرادقات، والخيام، والجتر، والشمسة، ~~وجميع ما يحتاج إليه السلطان، فجعله برسم ولده ملكشاه. # ذكر عمره وشيء من سيرته # لما توفي بركيارق كان عمره خمسا وعشرين سنة، ومدة وقوع اسم السلطنة # PageV08P502 # عليه اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، وقاسى من الحروب واختلاف الأمور عليه ~~ما لم يقاسه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة، وملك وزواله، وأشرف ms3700 في ~~عدة نوب بعد إسلام النعمة على ذهاب المهجة. # ولما قوي أمره في هذا الوقت وأطاعه المخالفون، وانقادوا له، أدركته ~~منيته، ولم يهزم في حروبه غير مرة واحدة، وكان أمراؤه قد طمعوا فيه ~~للاختلاف الواقع، حتى إنهم كانوا يطلبون نوابه ليقتلوهم، فلا يمكنه الدفع ~~عنهم، وكان متى خطب له ببغداذ وقع الغلاء، ووقفت المعايش والمكاسب، وكان ~~أهلها مع ذلك يحبونه، ويختارون سلطانه. # وقد ذكرنا من تغلب الأحوال به ما وقفت عليه، ومن أعجبها دخوله أصبهان ~~هاربا من عمه تتش، فمكنه عسكر أخيه محمود صاحبها من دخولها ليقبضوا عليه، ~~فاتفق أن أخاه محمودا مات، فاضطروا إلى أن يملكوه، وهذا من أحسن الفرج بعد ~~الشدة. # وكان حليما، كريما، صبورا، عاقلا، كثير المداراة، حسن القدرة، لا يبالغ ~~في العقوبة، وكان عفوه أكثر من عقوبته. # ذكر الخطبة لملكشاه بن بركيارق # في هذه السنة خطب لملكشاه بن بركيارق بالديوان يوم الخميس سلخ ربيع ~~الآخر، وخطب له بجوامع بغداذ من الغد، يوم الجمعة. # وكان سبب ذلك أن إيلغازي، شحنة بغداذ، سار في المحرم إلى السلطان ~~بركيارق، وهو بأصبهان، يحثه على الوصول إلى بغداذ، ورحل مع بركيارق، فلما ~~مات بركيارق سار مع ولده ملكشاه والأمير إياز إلى بغداذ، فوصلوها سابع عشر ~~ربيع الآخر، ولقوا في طريقهم بردا شديدا لم يشاهدوا مثله، بحيث أنهم لم ~~يقدروا على الماء لجموده. # PageV08P503 # وخرج الوزير أبو القاسم علي بن جهير، فلقيهم من ديالى، وكانوا خمسة آلاف ~~فارس، وحضر إيلغازي، والأمير طغايرك، بالديوان، وخاطبوا في إقامة الخطبة ~~لملكشاه بن بركيارق، فأجيب إليها، وخطب له، ولقب بألقاب جده ملكشاه، وهي ~~جلال الدولة، وغيره من الألقاب، ونثرت الدنانير عند الخطبة له. # ذكر حصر السلطان محمد جكرمش بالموصل # لما اصطلح السلطان بركيارق والسلطان محمد، كما ذكرناه في السنة الخالية، ~~وسلم محمد مدينة أصبهان إلى بركيارق، وسار إليها، وأقام محمد بتبريز من ~~أذربيجان إلى أن وصل أصحابه الذين بأصبهان، فلما وصلوا استوزر سعد الملك ~~أبا المحاسن لحسن أثره الذي كان في حفظ أصبهان، وأقام إلى صفر من ms3701 هذه ~~السنة، وسار إلى مراغة، ثم إلى أربل يريد قصد جكرمش، صاحب الموصل، ليأخذ ~~بلاده. # فلما سمع جكرمش بمسيره إليه جدد سور الموصل، ورم ما احتاج إلى إصلاح، ~~وأمر أهل السواد بدخول البلد، وأذن لأصحابه في نهب من لم يدخل. # وحصر محمد المدينة، وأرسل إلى جكرمش يذكر له الصلح بينه وبين أخيه، وأن ~~في جملة ما استقر أن تكون الموصل وبلاد الجزيرة له، وعرض عليه الكتب من ~~بركيارق إليه بذلك، والأيمان على تسليمها إليه، وقال له: إن أطعت فأنا لا ~~آخذها منك بل أقرها بيدك، وتكون الخطبة لي بها، فقال جكرمش: إن كتب السلطان ~~وردت إلي، بعد الصلح، تأمرني أن لا أسلم البلد إلى غيره. # فلما رأى محمد امتناعه باكره القتال، وزحف إليه بالنقابين، والدبابات، ~~وقاتل أهل البلد أشد قتال، وقتلوا خلقا كثيرا لمحبتهم لجكرمش لحسن سيرته ~~فيهم، فأمر جكرمش ففتح في السور أبواب لطاف يخرج منها الرجالة يقاتلون، ~~فكانوا يكثرون القتل في العسكر، ثم زحف محمد مرة، فنقب في السور أصحابه، ~~وأدركهم الليل، فأصبحوا وقد عمره أهل البلد، وشحنوه بالمقاتلة، وكانت ~~الأسعار عندهم رخيصة في الحصار: كانت الحنطة تساوي كل ثلاثين مكوكا بدينار، ~~والشعير كل خمسين مكوكا بدينار. # وكان بعض عسكر جكرمش قد اجتمعوا بتل يعفر، فكانوا يغيرون على أطراف # PageV08P504 # العسكر، ويمنعون الميرة عنهم، فدام القتال عليهم إلى عاشر جمادى الأولى، ~~فوصل الخبر إلى جكرمش بوفاة السلطان بركيارق، فأحضر أهل البلد، واستشارهم ~~فيما يفعله بعد موت السلطان، فقالوا: أموالنا وأرواحنا بين يديك، وأنت أعرف ~~بشأنك، فاستشر الجند، فهم أعرف بذلك. # فاستشار أمراءه، فقالوا: لما كان السلطان حيا قد كنا على الامتناع، ولم ~~يتمكن أحد من طروق بلدنا، وحيث توفي فليس للناس اليوم سلطان غير هذا، ~~والدخول تحت طاعته أولى. # فأرسل إلى محمد يبذل الطاعة، ويطلب وزيره سعد الملك ليدخل إليه، فحضر ~~الوزير عنده، وأخذ بيده، وقال: المصلحة أن تحضر الساعة عند السلطان، فإنه ~~لا يخالفك في جميع ما تلتمسه، وأخذ بيده وقام، فسار معه جكرمش، فلما رآه ~~أهل الموصل ms3702 قد توجه إلى السلطان، جعلوا يبكون، ويضجون، ويحثون التراب على ~~رءوسهم، فلما دخل على السلطان محمد أقبل عليه، وأكرمه، وعانقه، ولم يمكنه ~~من الجلوس، وقال: ارجع إلى رعيتك، فإن قلوبهم إليك، وهم متطلعون إلى عودك، ~~فقبل الأرض وعاد ومعه جماعة من خواص السلطان، وسأل السلطان من الغد أن يدخل ~~البلد ليزين له، فامتنع من ذلك، فعمل سماطا، بظاهر الموصل، عظيما، وحمل إلى ~~السلطان من الهدايا والتحف ولوزيره أشياء جليلة المقدار. # ذكر وصول السلطان إلى بغداذ وصلحه مع ابن أخيه والأمير إياز # لما وصل خبر وفاة السلطان بركيارق إلى أخيه السلطان محمد، وهو يحاصر ~~الموصل، جلس للعزاء، وأصلح جكرمش، صاحب الموصل، كما ذكرناه، وسار إلى بغداذ ~~ومعه سكمان القطبي، وهو ينسب إلى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود، ~~وإسماعيل ابن عم ملكشاه، وسار معه جكرمش وغيرهما من الأمراء. # وكان سيف الدولة صدقة، صاحب الحلة، قد جمع خلقا كثيرا من العساكر، فبلغت ~~عدتهم خمسة عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وأرسل ولديه بدران ودبيسا إلى ~~السلطان محمد يستحثه على المجيء إلى بغداذ، فاستصحبهما معه إلى بغداذ. # PageV08P505 # فلما سمع الأمير إياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذي معه من الدور، ~~ونصبوا الخيام بالزاهر، خارج بغداذ، وجمع الأمراء، واستشارهم فيما يفعله، ~~فبذلوا له الطاعة واليمين على قتاله وحربه، ومنعه عن السلطنة، والاتفاق معه ~~على طاعة ملكشاه بن بركيارق. # وكان أشدهم في ذلك ينال وصباوة، فإنهما بالغا في الإطماع في السلطان ~~محمد، والمنع له عن السلطنة، فلما تفرقوا قال له وزيره الصفي أبو المحاسن: ~~يا مولانا إن حياتي مقرونة بثبات نعمتك ودولتك، وأنا أكثر التزاما بك من ~~هؤلاء، وليس الرأي ما أشاروا به، فإن كلامهم يقصد أن يسلك طريقا، وأن يقيم ~~سوقا لنفسه بك، وأكثرهم يناوئك في المنزلة، وإنما يقعد بهم عن منازعتك قلة ~~العدد والمال، والصواب مصالحة السلطان محمد وطاعته، وهو يقرك على إقطاعك، ~~ويزيدك عليه مهما أردت. # فتردد رأي الأمير إياز بين الصلح والمباينة، إلا أن حركته في المباينة ~~ظاهرة، وجمع السفن ms3703 التي ببغداذ عنده، وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره وإلى ~~البلد. # ووصل السلطان محمد إلى بغداذ يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى، ~~ونزل عند الجانب الغربي بأعلى بغداذ، وخطب له بالجانب الغربي، ولملكشاه بن ~~بركيارق بالجانب الشرقي، وأما جامع المنصور فإن الخطيب قال فيه: اللهم أصلح ~~سلطان العالم! وسكت. # وخاف الناس من امتداد الشر والنهب، فركب إياز في عسكره، وهم عازمون على ~~الحرب، وسار إلى أن أشرف على عسكر السلطان محمد، وعاد إلى مخيمه، فدعا ~~الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على المخالصة لملكشاه، فأجاب البعض، وتوقف ~~البعض، وقالوا: قد حلفنا مرة، ولا فائدة في إعادة اليمين، لأننا إن وفينا ~~بالأولى وفينا بالثانية، وإن لم نف بالأولى فلا نفي بالثانية. # فأمر إياز حينئذ وزيره الصفي أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد في ~~الصلح، # PageV08P506 # وتسليم السلطنة إليه، وترك منازعته فيها، فعبر يوم السبت لسبع بقين من ~~الشهر إلى عسكر محمد، واجتمع بوزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد، ~~فعرفه ما جاء فيه، فحضرا عند السلطان محمد، وأدى الصفي رسالة صاحبه إياز، ~~واعتذاره عما كان منه أيام بركيارق، فأجابه محمد جوابا لطيفا سكن به قلبه ~~وطيب نفسه، وأجاب إلى ما التمس منه من اليمين. # فلما كان الغد حضر قاضي القضاة، والنقيبان، والصفي وزير إياز، عند ~~السلطان محمد، فقال له وزيره سعد الملك: إن إياز يخاف لما تقدم منه، وهو ~~يطلب العهد لملكشاه ابن أخيك، ولنفسه، وللأمراء الذين معه. فقال السلطان: ~~أما ملكشاه فإنه ولدي، ولا فرق بيني وبين أخي، وأما إياز والأمراء فأحلف ~~لهم، إلا ينال الحسامي وصباوة، فاستحلفه إلكيا الهراس، مدرس النظامية، على ~~ذلك، وحضر الجماعة اليمين، فلما كان من الغد حضر الأمير إياز عند السلطان ~~محمد، فلقيه وزير السلطان، والناس كافة، ووصل سيف الدولة صدقة، ذلك الوقت، ~~ودخلا جميعا إلى السلطان، فأكرمهما، وأحسن إليهما، وقيل بل ركب السلطان ~~ولقيهما، ووقف أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وأقام السلطان ببغداذ إلى ~~شعبان، وسار إلى أصبهان، وفعل فيها ما سنذكره، إن ms3704 شاء الله تعالى. # ذكر قتل الأمير إياز # في هذه السنة، ثالث عشر جمادى الآخرة، قتل الأمير إياز، قتله السلطان ~~محمد. # وسبب ذلك أن إياز لما سلم السلطنة إلى السلطان محمد صار في جملته، ~~واستخلفه لنفسه، فلما كان ثامن جمادى الآخرة عمل دعوة عظيمة في داره، وهي ~~دار كراهرائين، ودعا السلطان إليها، وقدم له شيئا كثيرا من جملته الحبل ~~البلخش الذي أخذ من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك، وقد تقدم ذكر ذلك، وحضر ~~مع السلطان سيف الدولة صدقة بن مزيد. # PageV08P507 # وكان من الاتفاق الرديء أن إياز تقدم إلى غلمانه ليلبسوا السلاح من ~~خزانته، ليعرضهم على السلطان، فدخل عليهم رجل من أبهر يتطايب معهم، ويضحكون ~~منه، مع كونه يتصوف، فقالوا له: لا بد من أن نلبسك درعا ونعرضك، فألبسوه ~~الدرع تحت قميصه، وتناولوه بأيديهم، وهو يسألهم أن يكفوا عنه، فلم يفعلوا، ~~فلشدة ما فعلوا به هرب منهم، ودخل بين خواص السلطان معتصما بهم، فرآه ~~السلطان مذعورا، وعليه لباس عظيم، فاستراب به، فقال لغلام له بالتركية ~~ليلمسه من غير أن يعلم أحد، ففعل، فرأى الدرع تحت قميصه، فأعلم السلطان ~~بذلك، فاستشعر، وقال: إذا كان صاحب العمائم قد لبسوا السلاح، فكيف الأجناد! ~~وقوي استشعاره لكونه في داره، وفي قبضته، فنهض وفارق الدار وعاد إلى داره. # فلما كان ثالث عشر الشهر استدعى السلطان الأمير صدقة، وإياز، وجكرمش، ~~وغيرهم من الأمراء، فلما حضروا أرسل إليهم: إنه بلغنا أن قلج أرسلان بن ~~سليمان بن قتلمش قصد ديار بكر ليتملكها، وسير منها إلى الجزيرة، وينبغي أن ~~تجتمع آراؤهم على من يسير إليه ليمنعه ويقاتله، فقال: الجماعة: ليس لهذا ~~غير الأمير إياز، فقال إياز: ينبغي أن نجتمع أنا وسيف الدولة صدقة بن مزيد ~~على هذا الأمر، والدفع لهذا القاصد، فقيل ذلك للسلطان، فأعاد الجواب يستدعي ~~إياز، وصدقة، والوزير سعد الملك ليحرر الأمر في حضرته، فنهضوا ليدخلوا ~~إليه. # وكان قد أعد جماعة من خواصه ليقتلوا إياز إذا دخل إليه، فلما دخلوا ضرب ~~أحدهم رأسه فأبانه. فأما صدقة فغطى وجهه ms3705 بكمه، وأما الوزير فإنه غشي عليه، ~~ولف إياز في مسح وألقي على الطريق عند دار المملكة، وركب عسكر إياز، فنهبوا ~~ما قدروا عليه من داره، فأرسل السلطان من حماها من النهب، وتفرق أصحابه من ~~يومهم، وكان زوال تلك النعمة العظيمة، والدولة الكبيرة، في لحظة، بسبب هزل ~~ومزاح. فلما كان من الغد كفنه قوم من المتطوعة، ودفنوه في المقابر المجاورة ~~لقبر أبي حنيفة، رحمه الله. # وكان عمره قد جاوز أربعين سنة، وهو من جملة مماليك السلطان ملكشاه، ثم ~~صار بعد موته في جملة أمير آخر، فاتخذه ولدا، وكان غزير المروة، شجاعا، حسن ~~الرأي في الحرب. # PageV08P508 # وأما وزيره الصفي فإنه اختفى، ثم أخذ وحمل إلى دار الوزير سعد الملك، ثم ~~قتل في رمضان وعمره ست وثلاثون سنة، وكان من بيت رئاسة بهمذان. # ذكر وفاة سقمان بن أرتق # كان فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس، قد كاتب سقمان يستدعيه إلى نصرته ~~على الفرنج، وبذل له المعونة بالمال والرجال، فبينما هو يتجهز للمسير أتاه ~~كتاب طغتكين، صاحب دمشق، يخبره أنه مريض قد أشفى على الموت، وأنه يخاف إن ~~مات، وليس بدمشق من يحميها، أن يملكها الفرنج، ويستدعيه ليوصي إليه، وبما ~~يعتمده في حفظ البلد. فلما رأى ذلك أسرع في السير عازما على أخذ دمشق، وقصد ~~الفرنج في طرابلس، وإبعادهم عنها، فوصل إلى القريتين. # واتصل خبره بطغتكين، فخاف عاقبة ما صنع، ولقوة فكره زاد مرضه، ولامه ~~أصحابه على ما فرط في تدبيره، وخوفوه عاقبة ما فعل، وقالوا له: قد رأيت ~~سيدك تاج الدولة لما استدعاه إلى دمشق ليمنعه كيف قتله حين وقعت عينه عليه. # فبينما هم يديرون الرأي بأي حيلة يردونه أتاهم الخبر بأنه وصل القريتين، ~~ومات، وحمله أصحابه وعادوا به، فأتاهم فرج لم يحسبوه، وكان مرضه الذي مات ~~فيه الخوانيق، يعتريه دائما، فأشار عليه أصحابه بالعود إلى حصن كيفا، ~~فامتنع، وقال: بل أسير، فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه، ولا يراني الله ~~تثاقلت عن قتال الكفار خوفا من الموت، وإن أدركني أجلي كنت شهيدا ms3706 سائرا في ~~جهاد. فساروا، فاعتقل لسانه يومين، ومات في صفر، وبقي ابنه إبراهيم في ~~أصحابه، وجعل في تابوت وحمل إلى الحصن، وكان حازما داهيا، ذا رأي، كثير ~~الخبر، وقد ذكرنا سبب أخذه لحصن كيفا. # PageV08P509 # وأما ملكه ماردين، فإن كربوقا خرج من الموصل، فقصد آمد، وحارب صاحبها، ~~فاستنجد صاحبها وهو تركماني، بسقمان، فحضر عنده، وصاف كربوقا. # وكان عماد الدين زنكي بن آقسنقر، حينئذ، صبيا قد حضر مع كربوقا، ومعه ~~جماعة كثيرة من أصحاب أبيه، فلما اشتد القتال ظهر سقمان، فألقى أصحاب ~~آقسنقر زنكي ولد صاحبهم بين أرجل الخيل، وقالوا: قاتلوا عن ابن صاحبكم! ~~فقاتلوا حينئذ قتالا شديدا، فانهزم سقمان، وأسروا ابن أخيه ياقوتي بن أرتق، ~~فسجنه كربوقا بقلعة ماردين، وكان صاحبها إنسانا مغنيا للسلطان بركيارق، ~~فطلب منه ماردين وأعمالها، فأقطعه إياها، فبقي ياقوتي في حبسه مدة، فمضت ~~زوجة أرتق إلى كربوقا وسألته إطلاقه، فأطلقه، فنزل عند ماردين، وكانت قد ~~أعجبته، فأقام ليعمل في تملكها، والاستيلاء عليها. # وكان من عند ماردين من الأكراد قد طمعوا في صاحبها المغني، وأغاروا على ~~أعمال ماردين عدة دفعات، فراسله ياقوتي يقول: قد صار بيننا مودة وصداقة، ~~وأريد أن أعمر بلدك بأن أمنع عنه الأكراد، وأغير على الأماكن، وآخذ الأموال ~~أنفقها في بلدك وأقيم في الربض، فأذن له في ذلك، فجعل يغير من باب خلاط إلى ~~بغداذ، فصار ينزل معه بعض أجناد القلعة، طلبا للكسب. # وهو يكرمهم، ولا يعترضهم، فأمنوا إليه. # فاتفق أن في بعض الأوقات نزل معه أكثرهم، فلما عادوا من الغارة أمر ~~بقبضهم وتقييدهم، وسبقهم إلى القلعة، ونادى من بها من أهليهم: إن فتحتم ~~الباب، وإلا ضربت أعناقهم، فامتنعوا، فقتل إنسانا منهم، فسلم القلعة من بها ~~إليه وبقي بها. # ثم إنه جمع جمعا وسار إلى نصيبين، وأغار على بلد جزيرة ابن عمر، وهي ~~لجكرمش، فلما عاد أصحابه بالغنيمة أتاهم جكرمش، وكان ياقوتي قد أصابه مرض ~~عجز معه عن لبس السلاح، وركوب الخيل، فحمل إلى فرسه فركبه، وأصابه سهم فسقط ~~منه، فأتاه جكرمش، وهو يجود بنفسه، ms3707 فبكى عليه، وقال له: ما حملك على # PageV08P510 # ما صنعت يا ياقوتي؟ فلم يجبه، فمات، ومضت زوجة أرتق إلى ابنها سقمان، ~~وجمعت التركمان، وطلبت بثأر ابن ابنها، وحصر سقمان نصيبين، وهي لجكرمش، ~~فسير جكرمش إلى سقمان مالا كثيرا سرا، فأخذه ورضي، وقال: إنه قتل في الحرب، ~~ولا يعرف قاتله. # وملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي، وصار في طاعة جكرمش، واستخلف بها أميرا ~~اسمه علي أيضا، فأرسل علي الوالي بماردين إلى سقمان يقول له: ابن أخيك يريد ~~أن يسلم ماردين إلى جكرمش، فسار سقمان بنفسه وتسلمها، فجاء إليه علي ابن ~~أخيه وطلب إعادة القلعة إليه، فقال: إنما أخذتها لئلا يخرب البيت، فأقطعه ~~جبل جور، ونقله إليه. # وكان جكرمش يعطي عليا كل سنة عشرين ألف دينار، فلما أخذ عمه سقمان ماردين ~~منه، أرسل إلى جكرمش يطلب منه المال، فقال: إنما كنت أعطيتك احتراما ~~لماردين، وخوفا من مجاورتك، والآن فاصنع ما أنت صانع، فلا قدرة لك علي. # ذكر حال الباطنية هذه السنة بخراسان # في هذه السنة سار جمع كثير من الإسماعيلية من طريثيث، عن بعض أعمال بيهق، ~~وشاعت الغارة في تلك النواحي، وأكثروا القتل في أهلها، والنهب لأموالهم، ~~والسبي لنسائهم، ولم يقفوا على الهدنة المتقدمة. # وفي هذه السنة اشتد أمرهم، وقويت شوكتهم، ولم يكفوا أيديهم عمن يريدون ~~قتله، لاشتغال السلاطين عنهم، فمن جملة فعلهم: أن قفل الحاج تجمع، هذه ~~السنة، مما وراء النهر، وخراسان، والهند، وغيرها من البلاد، فوصلوا إلى ~~خوار الري، فأتاهم الباطنية وقت السحر، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوهم كيف ~~شاءوا، وغنموا أموالهم ودوابهم، ولم يتركوا شيئا. # وقتلوا هذه السنة أبا جعفر بن المشاط، وهو من شيوخ الشافعية، أخذ الفقه ~~عن الخجندي، وكان يدرس بالري، ويعظ الناس، فلما نزل من كرسيه أتاه باطني ~~فقتله. # PageV08P511 # ذكر حال الفرنج هذه السنة مع المسلمين بالشام # في هذه السنة، في شعبان، كانت وقعة بين طنكري الفرنجي، صاحب أنطاكية، ~~وبين الملك رضوان، صاحب حلب، انهزم فيها رضوان. # وسببها أن طنكري حصر حصن أرتاح، وبه نائب الملك رضوان، فضيق ms3708 الفرنج على ~~المسلمين، فأرسل النائب بالحصن إلى رضوان يعرفه ما هو فيه من الحصر الذي ~~أضعف نفسه ويطلب النجدة، فسار رضوان في عسكر كثير من الخيالة، وسبعة آلاف ~~من الرجالة، منهم ثلاثة آلاف من المتطوعة، فساروا حتى وصلوا إلى قنسرين، ~~وبينهم وبين الفرنج قليل، فلما رأى طنكري كثرة المسلمين أرسل إلى رضوان ~~يطلب الصلح، فأراد أن يجيب، فمنعه أصبهبذ صباوة، وكان قد قصده، وصار معه ~~بعد قتل إياز، فامتنع من الصلح، واصطفوا للحرب، فانهزمت الفرنج من غير ~~قتال، ثم قالوا: نعود ونحمل عليهم حملة واحدة، فإن كانت لنا، وإلا انهزمنا، ~~فحملوا على المسلمين فلم يثبتوا، وانهزموا، وقتل منهم وأسر كثير. # وأما الرجالة فإنهم كانوا قد دخلوا معسكر الفرنج لما انهزموا، فاشتغلوا ~~بالنهب، فقتلهم الفرنج، ولم ينج إلا الشريد فأخذ أسيرا، وهرب من في أرتاح ~~إلى حلب، وملكه الفرنج، لعنهم الله تعالى، وهرب أصبهبذ صباوة إلى طغتكين ~~أتابك بدمشق، فصار معه، ومن أصحابه. # ذكر حرب الفرنج والمصريين # في ذي الحجة من هذه السنة كانت وقعة بين الفرنج والمسلمين كانوا فيها على ~~السواء. # وسببها أن الأفضل، وزير صاحب مصر، كان قد سير ولده شرف المعالي في # PageV08P512 # السنة الخالية إلى الفرنج، فقهرهم، وأخذ الرملة منهم، ثم اختلف المصريون ~~والعرب، وادعى كل واحد منهم أن الفتح له، فأتاهم سرية الفرنج، فتقاعد كل ~~فريق منهم بالآخر، حتى كاد الفرنج يظهرون عليهم، فرحل عند ذلك شرف المعالي ~~إلى أبيه بمصر، فنفذ ولده الآخر، وهو سناء الملك حسين، في جماعة من الأمراء ~~منهم جمال الملك، النائب بعسقلان للمصريين، وأرسلوا إلى طغتكين أتابك بدمشق ~~يطلبون منه عسكرا، فأرسل إليهم أصبهبذ صباوة ومعه ألف وثلاثمائة فارس. # وكان المصريون في خمسة آلاف، وقصدهم بغدوين الفرنجي، صاحب القدس، وعكة، ~~ويافا، في ألف وثلاثمائة فارس، وثمانية آلاف راجل، فوقع المصاف بينهم بين ~~عسقلان ويافا، فلم تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، فقتل من المسلمين ألف ~~ومائتان، ومن الفرنج مثلهم، وقتل جمال الملك، أمير عسقلان. # فلما رأي المسلمون أنهم قد تكافأوا في النكاية قطعوا ms3709 الحرب وعادوا إلى ~~عسقلان، وعاد صباوة إلى دمشق، وكان مع الفرنج جماعة من المسلمين منهم بكتاش ~~بن تتش، وكان طغتكين قد عدل في الملك إلى ولد أخيه دقاق، وهو طفل، وقد ~~ذكرناه، فدعاه ذلك إلى قصد الفرنج، والكون معهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عظم فساد التركمان بطريق خراسان من أعمال العراق، وقد كانوا ~~قبل ذلك ينهبون الأموال، ويقطعون الطريق، إلا أنهم عندهم مراقبة. # فلما كانت هذه السنة اطرحوا المراقبة، وعملوا الأعمال الشنيعة، فاستعمل ~~إيلغازي بن أرتق، وهو شحنة العراق، على ذلك البلد ابن أخيه بلك بن بهرام بن ~~أرتق، وأمره بحفظه وحياطته، ومنع الفساد عنه، فقام في ذلك القيام المرضي، ~~وحمى البلاد، وكف الأيدي المتطاولة، وسار بلك إلى حصن خانيجار، وهو من ~~أعمال سرخاب بن بدر، فحصره وملكه. # وفيها، في شعبان، جعل السلطان محمد قسيم الدولة سنقر البرسقي شحنة # PageV08P513 # بالعراق، وكان موصوفا بالخير، والدين، وحسن العهد، لم يفارق محمدا في ~~حروبه كلها. # وفيها أقطع السلطان محمد الكوفة للأمير قايماز، وأوصى صدقة أن يحمي ~~أصحابه من خفاجة، فأجاب إلى ذلك. # وفيها، في شهر رمضان، وصل السلطان محمد إلى أصبهان، فأمن أهلها ووثقوا ~~بزوال ما كان يشملهم من الخبط، والعسف، والمصادرة، وشتان بين خروجه منها ~~هاربا متخفيا، وعوده إليها متمكنا، وعدل في أهلها، وأزال عنهم ما يكرهون، ~~وكف الأيدي المتطرقة إليهم من الجند وغيرهم، فصارت كلمة العامي أقوى من ~~كلمة الجندي، ويد الجندي قاصرة عن العامي من هيبة السلطان وعدله. # وفيها كثر الجدري في كثير من البلدان، ولا سيما العراق، فإنه كان به كله، ~~ومات به من الصبيان ما لا يحصى، وتبعه وباء كثير، وموت عظيم. # وتوفي في هذه السنة، في شوال، أحمد بن محمد بن أحمد أبو علي البرداني، ~~الحافظ، ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة، سمع ابن غيلان، والبرمكي، ~~والعشاري وغيرهم. # وتوفي أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، ومولده سنة ست عشرة ~~وأربعمائة، سمع أبا بكر البرقاني، وأبا علي بن شاذان، وكانت وفاته في جمادى ~~الآخرة من ms3710 هذه السنة. # PageV08P514 # وفي رابع جمادى الأولى توفي أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر، الفقيه ~~الشافعي، ومولده سنة تسع وأربعمائة، وكان أديبا، شاعرا، فمن قوله: # من قال لي جاه، ولي حشمة # ولي قبول عند مولانا ... ولم يعد ذاك بنفع على # صديقه، لا كان من كانا # وفيها أيضا توفي أبو نصر ابن أخت ابن الموصلايا، وكان كاتبا للخليفة جيد ~~الكتابة، وكان عمره سبعين سنة، ولم يخلف وارثا لأنه أسلم، وأهله نصارى، فلم ~~يرثوه، وكان يبخل، إلا أنه كان كثير الصدقة، وأبو المؤيد عيسى بن عبد الله ~~بن القاسم الغزنوي، كان واعظا، شاعرا، كاتبا، قدم بغداذ، ووعظ بها، ونصر ~~مذهب الأشعري، وكان له قبول عظيم، وخرج منها، فمات بإسفرايين. # PageV08P515 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة] ### | 499 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة # ذكر خروج منكبرس على السلطان محمد # في هذه السنة، في محرم، أظهر منكبرس ابن الملك بوربرس بن ألب أرسلان، وهو ~~عم السلطان محمد، العصيان للسلطان محمد والخلاف عليه. # وسبب ذلك: أنه كان مقيما بأصبهان، فلحقته ضائقة شديدة، وانقطعت المواد ~~عنه، فخرج منها وسار إلى نهاوند، فاجتمع عليه جماعة من العسكر، وظاهره على ~~أمره جماعة من الأمراء، وتغلب على نهاوند، وخطب لنفسه بها، وكاتب الأمراء ~~بني برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته. # وكان السلطان محمد قد قبض على زنكي بن برسق، فكاتب زنكي إخوته، وحذرهم من ~~طاعة منكبرس، وما فيها من الأذى والخطر، وأمرهم بتدبير الأمر في القبض ~~عليه. # فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى منكبرس يبذلون له الطاعة ~~والموافقة، فسار إليهم، وساروا إليه، فاجتمعوا به، وقبضوا عليه بالقرب من ~~أعمالهم، وهي بلد خوزستان، وتفرق أصحابه، أخذوا منكبرس إلى أصبهان، فاعتقله ~~السلطان مع بني عمه تكش، وأخرج زنكي بن برسق، وأعاده إلى مرتبته، واستنزله ~~وإخوته عن أقطاعهم، وهي ليشتر، وسابور خواست وغيرهما، ما بين الأهواز ~~وهمذان، وأقطعهم عوضها الدينور وغيرها. # PageV08P516 # واتفق أن ظهر بنهاوند أيضا في هذه السنة، رجل من السواد ادعى النبوة، ~~فأطاعه خلق كثير من السوادية، اتبعوه، وباعوا ms3711 أملاكهم ودفعوا إليه أثمانها، ~~فكان يخرج ذلك جميعه، وسمى أربعة من أصحابه: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، ~~وقتل بنهاوند، فكان أهلها يقولون: ظهر عندنا، في مدة شهرين، اثنان ادعى ~~أحدهما النبوة، والآخر المملكة، فلم يتم لواحد منهما أمره. # ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج # في هذه السنة، في صفر، كانت وقعة بين طغتكين أتابك، صاحب دمشق، وبين قمص ~~كبير من قمامصة الفرنج. # وسبب ذلك: أنه تكررت الحروب، والمغاورات، بين عسكر دمشق وبغدوين، فتارة ~~لهؤلاء وتارة له، ففي آخر الأمر بنى بغدوين حصنا بينه وبين دمشق نحو يومين، ~~فخاف طغتكين من عاقبة ذلك، وما يحدث به من الضرر فجمع عسكره وخرج إلى ~~مقاتلتهم، فسار بغدوين ملك القدس، وعكا، وغيرهما، إلى هذا القمص ليعاضده، ~~ويساعده على المسلمين، فعرفه القمص غناه عنه، وأنه قادر على مقارعة ~~المسلمين إن قاتلوه، فعاد بغدوين إلى عكا. # وتقدم طغتكين إلى الفرنج، واقتتلوا، واشتد القتال، فانهزم أميران من عسكر ~~دمشق، فتبعهما طغتكين وقتلهما، وانهزم الفرنج إلى حصنهم، فاحتموا به، فقال ~~طغتكين: من أحسن قتالهم وطلب مني أمرا فعلته معه، ومن أتاني بحجر من حجارة ~~الحصن أعطيته خمسة دنانير. فبذل الرجالة نفوسهم، وصعدوا إلى الحصن وخربوه، ~~وحملوا حجارته إلى طغتكين، فوفى لهم بما وعدهم، وأمر بإلقاء الحجارة # PageV08P517 # في الوادي، وأسروا من بالحصن، فأمر بهم فقتلوا كلهم، واستبقى الفرسان ~~أسراء، وكانوا مائتي فارس، ولم ينج ممن كان في الحصن إلا القليل. # وعاد طغتكين إلى دمشق منصورا، فزين البلد أربعة أيام. # وخرج منها إلى رفنية، وهو من حصون الشام، وقد تغلب عليه الفرنج، وصاحبه ~~ابن أخت صنجيل المقيم على حصار طرابلس، فحصره طغتكين، وملكه، وقتل به ~~خمسمائة رجل من الفرنج. # ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عبادة وخفاجة. # وسببها: أن رجلا من عبادة أخذ منه جماعة خفاجة جملين، فجاء إليهم وطالبهم ~~بهما، فلم يعطوه شيئا، فأخذ منهم غارة أحد عشر بعيرا، فلحقته خفاجة، وقتلوا ~~من أصحابه رجلا، وقطعوا يد آخر، وكان ذلك بالموقف من الحلة السيفية، ms3712 ففرق ~~بينهم أهلها. # فسمعت عبادة الخبر، فتواعدت، وانحدرت إلى العراق للأخذ بثأرها، وساروا مع ~~جماعة من أمرائهم، فبلغت عدتهم سبعمائة فارس، وكانت خفاجة دون هذه العدة، ~~فراسلتهم خفاجة يبذلون الدية ويصطلحون، فلم تجبهم إلى ذلك عبادة، وأشار به ~~سيف الدولة صدقة، فلم تقبل عبادة، فالتقوا واقتتلوا بالقرب من الكوفة، ومع ~~عبادة الإبل والغنم بين البيوت، فكمنت لهم خفاجة ثلاثمائة فارس، وقاتلوهم ~~مطاردة من غير جد في القتال، فداموا كذلك ثلاثة أيام، ثم إنهم اشتد بينهم ~~القتال، واختلطوا، حتى تركوا الرماح، وتضاربوا بالسيوف. # فبينما هم كذلك، وقد أعيا الفريقان، إذ طلع كمين خفاجة، وهم مستريحون، ~~فانهزمت عبادة، وانتصرت عليهم خفاجة، وقتل من وجوه عبادة # PageV08P518 # اثنا عشر رجلا، ومن خفاجة جماعة، وغنمت خفاجة الأموال من الخيل، والأبل، ~~والغنم، والعبيد، والإماء. # وكان الأمير صدقة بن مزيد قد أعان خفاجة سرا، فلما وصل المنهزمون إليه ~~هنأهم صدقة بالسلامة، فقال له بعضهم: مازلت أقاتل، وأضارب،، أنا طامع في ~~الظفر بهم، حتى رأيت فرسك الشقراء تحت أحدهم، فعلمت أنهم أجلبوا علينا ~~بخيلك ورجلك، وأننا لا طاقة لنا بهم، فنصروا علينا بمعونتك، وفلونا بحدك. ~~فلم يجبه صدقة. # ذكر ملك صدقة البصرة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، انحدر سيف الدولة من الحلة إلى البصرة ~~فملكها. # وقد ذكرنا فيما تقدم تمكن إسماعيل بن أرسلانجق من البصرة ونواحيها، وأقام ~~بها عشر سنين نافذ الأمر، وازداد قوة وتمكنا بالاختلاف الواقع بين ~~السلاطين، وأخذ الأموال السلطانية، وكان قد راسل صدقة، وأظهر له أنه في ~~طاعته وموافقته. فلما استقر الأمر للسلطان محمد أراد أن يرسل إلى البصرة ~~مقطعا يأخذها من إسماعيل، فخاطب صدقة في معناه، حتى أقرت البصرة عليه، ~~فأنفذ السلطان عميدا إليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك، فمنعه إسماعيل، ~~ولم يمكنه من عمله، وفعل ما خرج به عن حد المجاملة، فأمر السلطان صدقة ~~بقصده، وأخذ البصرة منه، فتحرك لذلك. # فاتفق ظهور منكبرس، وخلافه على السلطان، وأنه على قصد واسط، فسر إسماعيل ~~بذلك، وزاد انبساطه، وأرسل صدقة حاجبا له، وكان قبله قد ms3713 خدم أباه وجده، إلى ~~إسماعيل يأمره بتسليم الشرطة وأعمالها إلى مهذب الدولة بن أبي الجبر لأنها ~~كانت في ضمانه، فوصل إلى الشرطة، وأخذ منها أربعمائة دينار، فأحضره إسماعيل ~~وحبسه، وأخذ الدنانير منه، فلما رأى صدقة مكاشفته سار من حلته، وأظهر أنه ~~يريد قصد الرحبة، ثم جد السير إلى البصرة، فلم يشعر إسماعيل إلا بقربه منه، ~~ففرق # PageV08P519 # أصحابه في القلاع التي استجدها بمطارا ونهر معقل، وغيرهما، واعتقل وجوه ~~العباسيين، والعلويين، وقاضي البصرة، ومدرسها، وأعيان أهلها. # ونازلهم صدقة، فجرى قتال بين طائفة من عسكره، وطائفة من البصريين، قتل ~~فيه أبو النجم بن أبي القاسم الورامي، وهو ابن خال سيف الدولة صدقة، فمما ~~مدح به سيف الدولة، ورثي به أبو النجم بن أبي القاسم، قول بعضهم: # تهن، يا خير من يحمي حريم حمى # فتحا أغثت به الدنيا مع الدين ... ركبت للبصرة الغراء في نخب # غر، كجيش علي يوم صفين ... هوى أبو النجم كالنجم المنير بها # لكنه كان رجما للشياطين # وأقام صدقة محاصرا لإسماعيل بالبصرة، فأشار على سيف الدولة صدقة بعض ~~أصحابه بالعود عنها، وأعلموا أنهم لا يظفرون بطائل، فأشار عليهم بالمقام، ~~وقالوا: إن رحلنا كانت كسرة، وكان رأي سيف الدولة المقام، وقال: إن تعذر ~~علي فتح البصرة لم يطعني أحد، واستعجزني الناس. # ثم إن إسماعيل خرج من البلد، وقاتل صدقة، فسار بعض أصحاب صدقة إلى مكان ~~آخر من البلد، ودخلوه، وقتلوا من السوادية، الذين جمعهم إسماعيل، خلقا ~~كثيرا، وانهزم إسماعيل إلى قلعته بالجزيرة، فأدركه بعض أصحاب سيف الدولة ~~وأراد قتله، ففداه أحد غلمانه بنفسه، فوقعت الضربة فيه فأثخنته، فنهبت ~~البصرة، وغنم من معه من عرب البر، وغيرهم ما فيها، ولم يسلم منهم إلا ~~المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية ~~وامتنعوا بها، وحموا المربد، وعمت المصيبة لأهل البلد، سوى من ذكرنا، ~~وامتنع إسماعيل بقلعته. # فاتفق أن المهذب بن أبي الجبر انحدر في سفن كثيرة، وأخذ القلعة التي ~~لإسماعيل بمطارا، وقتل بها خلقا من أصحاب إسماعيل، وحمل إلى صدقة كثيرا ~~فأطلقهم. ms3714 # فلما علم إسماعيل بذلك أرسل إلى صدقة يطلب الأمان على نفسه، وأهله، ~~وأمواله، فأجابه إلى ذلك، وأجله سبعة أيام، فأخذ كل ما يمكنه حمله مما يعز ~~عليه، # PageV08P520 # وما لم يقدر على حمله أهلكه بالماء وغيره، ونزل إلى سيف الدولة وأمن سيف ~~الدولة أهل البصرة من كل أذى، ورتب عندهم شحنة، وعاد إلى الحلة ثالث جمادى ~~الآخرة، وكان مقامه بالبصرة ستة عشر يوما. # وأما إسماعيل فإنه لما سار صدقة إلى الحلة قصد هو الباسيان إلى أن وصله ~~ماله في المراكب، وسار نحو فارس، وصار يتعنت أصحابه، وزوجته، وقبض على ~~جماعة من خواصه وقال لهم: أنتم سقيتم ولدي أفراسياب السم حتى مات! وكان قد ~~مات في صفر من هذه السنة، ففارقه كثير منهم، حتى زوجته فارقته وسارت إلى ~~بغداذ. # وأخذته الحمى، وقويت عليه، فلما بلغ رامهرمز انفرد في خيمته، ولم يظهر ~~لأصحابه يوما وليلة، فظهر لهم موته، فنهبوا ماله وتفرقوا، فأرسل الأمير ~~برامهرمز فردهم وأخذ ما معهم من أمواله، ودفن بالقرب من إيذاج، وكان عمره ~~قد جاوز خمسين سنة، وكانت سيرته قد حسنت في أهل البصرة أخيرا. # ذكر حصر رضوان نصيبين وعوده عنها # في هذه السنة، في شهر رمضان، حصر الملك رضوان بن تتش نصيبين. # وسبب ذلك: أنه عزم على حرب الفرنج، واجتمع معه من الأمراء: # إيلغازي بن أرتق، الذي كان شحنة بغداذ، وأصبهبذ صباوة، وألبي بن أرسلان ~~تاش، صاحب سنجار، وهو صهر جكرمش، صاحب الموصل، فقال إيلغازي: الرأي أننا ~~نقصد بلاد جكرمش، وما والاها، فنملكها، ونتكثر بعسكرها والأموال. ووافقه ~~ألبي، فسار إلى نصيبين في عشرة آلاف فارس، مستهل رمضان، وكان قد جعل فيها ~~أميرين من أصحابه في عسكر، فتحصنوا بالبلد، وقاتلوا من وراء السور، فرمي ~~ألبي بن أرسلان تاش بنشابة، فجرح جرحا شديدا، فعاد إلى سنجار. # وأما جكرمش فإنه بلغه الخبر بنزولهم على نصيبين، وهو بالحامة، التي ~~بالقرب من طنزة، يتداوى بمائها من مرضه، فرحل إلى الموصل، وقد أجفل إليها ~~أهل السواد، فخيم على باب البلد، عازما على حرب رضوان، واستعمل ms3715 المخادعة، # PageV08P521 # فكاتب أعيان عسكر رضوان، ورغبهم، حتى أفسد نياتهم، وتقدم إلى أصحابه ~~بنصيبين بخدمة الملك رضوان، وبإخراج الإقامات إليه مع الاحتراز منه، وأرسل ~~إلى رضوان يبذل له خدمته، والدخول في طاعته، ويقول له: إن السلطان محمدا قد ~~حصرني، ولم يبلغ مني غرضا، فترحل عن صلح، وإن قبضت على إيلغازي الذي قد ~~عرفت أنت وغيرك فساده وشره فأنا معك، ومعينك بالرجال والأموال والسلاح. # فاتفق هذا، ورضوان قد تغيرت نيته مع إيلغازي، فازداد تغيرا، وعزم على ~~قبضه، فاستدعاه يوما، وقال له: هذه بلاد ممتنعة، وربما استولى الفرنج على ~~حلب، والمصلحة مصالحة جكرمش، واستصحابه معنا، فإنه يسير بعساكر كثيرة ظاهرة ~~التجمل، ونعود إلى قتال الفرنج، فإن ذلك مما يعود باجتماع شمل المسلمين. ~~فقال له إيلغازي: إنك جئت بحكمك، وأنت الآن بحكمي لا أمكنك من المسير بدون ~~أخذ هذه البلاد، فإن أقمت، وإلا بدأت بقتالك. # وكان إيلغازي قد قويت نفسه بكثرة من اجتمع عنده من التركمان، وكان الملك ~~رضوان قد واعد قوما من أصحابه ليقبضوا عليه، فلما جرى ما ذكرناه أمرهم ~~رضوان فقبضوا عليه وقيدوه، فلما سمع التركمان الحال أظهروا الخلاف ~~والامتعاض، ففارقوا رضوان والتجأوا إلى سور المدينة، وأصعد إيلغازي إلى ~~قلعتها، وخرج من بنصيبين من العسكر فأعانوه، فلما رأى التركمان ذلك تفرقوا، ~~ونهبوا ما قدروا من المواشي وغيرها، ورحل رضوان من وقته وسار إلى حلب. # وكان جكرمش قد رحل من الموصل قاصدا لحرب القوم، فلما بلغ تل يعفر أتاه ~~المبشرون بانصراف رضوان على اختلاف وافتراق، فرحل عند ذلك إلى سنجار، ووصلت ~~إليه رسل رضوان تستدعي منه النجدة، ويعتد عليه ما فعل بإيلغازي، فأجابه ~~مغالطة، ولم يف له بما وعده، ونازل سنجار ليشفي غيظه من صهره ألبي بن ~~أرسلان تاش بما اعتمده من معاداته، ومظاهرة أعدائه، وكان ألبي على شدة من ~~المرض بالسهم الذي أصابه على نصيبين، فلما نزل جكرمش عليها أمر ألبي أصحابه ~~أن يحملوه إليه، فحملوه في محفة، فحضر عنده، وأخذ يعتذر مما كان منه، قال: ~~جئت # PageV08P522 # مذنبا، فافعل بي ما تراه. ms3716 # فرق له وأعاده إلى بلده، فلما عاد قضى نحبه، فلما مات عصى على جكرمش من ~~كان بسنجار، وتمسكوا بالبلد، فقاتلهم بقية رمضان، وشوالا، ولم يظفر منهم ~~بشيء، فجاء تميرك أخو أرسلان تاش، عم ألبي، فأصلح حاله مع جكرمش، وبذل له ~~الخدمة، فعاد إلى الموصل. # ذكر ملك طغتكين بصرى # قد ذكرنا سنة سبع وتسعين وأربعمائة حال بكتاش بن تتش، وخروجه من دمشق، ~~واتصاله بالفرنج، ومعه أيتكين الحلبي، صاحب بصرى، وسيرهما إلى الرحبة، ~~وعودهما عنها، فلما ضعفت أحوالهم سار طغتكين إلى بصرى فحصرها، وبها أصحاب ~~أيتكين، فراسلوا طغتكين، وبذلوا له التسليم إليه، بعد أجل قرره بينهم، ~~فأجابهم إلى ذلك، فرحل عنهم إلى دمشق، فلما انقضى الأجل، هذه السنة، ~~تسلمها، وأحسن إلى من بها، ووفى لهم بما وعدهم، وبالغ في إكرامهم، وكثر ~~الثناء عليه، والدعاء له، ومالت النفوس إليه، وأحبوه. # ذكر ملك الفرنج حصن أفامية # في هذه السنة ملك الفرنج حصن أفامية من بلد الشام. # وسبب ذلك: أن خلف بن ملاعب الكلابي كان متغلبا على حمص، وكان الضرر به ~~عظيما، ورجاله يقطعون الطريق، فكثر الحرامية عنده، فأخذها منه تتش بن ألب ~~أرسلان وأبعده عنها، فتقلبت به الأحوال إلى أن دخل إلى مصر، فلم يلتفت إليه ~~من بها، فأقام بها. # واتفق أن المتولي لأفامية من جهة الملك رضوان أرسل إلى صاحب مصر، وكان ~~يميل إلى مذهبهم، يستدعي منهم من يسلم إليه الحصن، وهو من أمنع الحصون، ~~وطلب ابن ملاعب منهم أن يكون هو المقيم به، وقال: إنني أرغب في قتال ~~الفرنج، وأوثر الجهاد. # فسلموه إليه، وأخذوا رهائنه، فلما ملكه خلع طاعتهم ولم يرع حقهم # PageV08P523 # فأرسلوا إليه يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم. فأعاد الجواب: إنني ~~لا أنزل من مكاني، وابعثوا إلي ببعض أعضاء ولدي حتى آكله، فأيسوا من رجوعه ~~إلى الطاعة، وأقام بأفامية يخيف السبيل، ويقطع الطريق، واجتمع عنده كثير من ~~المفسدين، فكثرت أمواله. # ثم إن الفرنج ملكوا سرمين، وهي من أعمال حلب، وأهلها غلاة في التشيع، ~~فلما ملكها الفرنج تفرق أهلها، فتوجه القاضي ms3717 الذي بها إلى ابن ملاعب وأقام ~~عنده، فأكرمه، وأحبه، ووثق به، فأعمل القاضي الحيلة عليه، وكتب إلى أبي ~~طاهر، المعروف بالصائغ، وهو من أعيان أصحاب الملك رضوان ووجوه الباطنية ~~ودعاتهم، ووافقهم على الفتك بابن ملاعب، وأن يسلم أفامية إلى الملك رضوان، ~~فظهر شيء من هذا، فأتى ابن ملاعب أولاده، وكانوا قد تسللوا من مصر، وقالوا ~~له: قد بلغنا عن هذا القاضي كذا وكذا، والرأي أن تعاجله، وتحتاط لنفسك، فإن ~~الأمر قد اشتهر وظهر. # فأحضره ابن ملاعب، فأتاه في كمه مصحف، لأنه رأى أمارات الشر، فقال له ابن ~~ملاعب ما بلغه عنه، فقال له: أيها الأمير، قد علم كل أحد أني أتيتك خائفا ~~جائعا، فأمنتني، وأغنيتني، وعززتني، فصرت ذا مال وجاه، فإن كان بعض من ~~حسدني على منزلتي منك، وما غمرني من نعمتك سعى بي إليك، فأسألك أن تأخذ ~~جميع ما معي، وأخرج كما جئت. # وحلف له على الوفاء والنصح، فقبل عذره وأمنه. # وعاود القاضي مكاتبة أبي طاهر بن الصائغ، وأشار عليه أن يوافق رضوان على ~~إنفاذ ثلاثمائة من أهل سرمين، وينفذ معهم خيلا من خيول الفرنج، وسلاحا من ~~أسلحتهم، ورءوسا من رءوس الفرنج، يأتوا إلى ابن ملاعب ويظهروا أنهم غزاة ~~ويشكوا من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم، وأنهم فارقوه، فلقيهم طائفة # PageV08P524 # من الفرنج، فظفروا بهم، ويحملوا جميع ما معهم إليه، فإذا أذن لهم في ~~المقام اتفقت آراؤهم على إعمال الحيلة عليه، ففعل ابن الصائغ ذلك، ووصل ~~القوم إلى أفامية، وقدموا إلى ابن ملاعب بما معهم من الخيل وغيرها، فقبل ~~ذلك منهم، وأمرهم بالمقام عنده، وأنزلهم في ربض أفامية. # فلما كان في بعض الليالي نام الحراس بالقلعة، فقام القاضي ومن بالحصن من ~~أهل سرمين، ودلوا الحبال وأصعدوا أولئك القادمين جميعهم، وقصدوا أولاد ابن ~~ملاعب، وبني عمه، وأصحابه، فقتلوهم، وأتى القاضي وجماعة معه إلى ابن ملاعب، ~~وهو مع امرأته، فأحس بهم، فقال: من أنت؟ فقال: ملك الموت جئت لقبض روحك! ~~فناشده الله، فلم يرجع عنه، وجرحه، وقتله، وقتل أصحابه، وهرب ابناه، ms3718 فقتل ~~أحدهما، والتحق الآخر بأبي الحسن بن منقذ، صاحب شيزر، فحفظه لعهد كان ~~بينهما. # ولما سمع ابن الصائغ خبر أفامية سار إليها، وهو يشك أنها له، فقال له ~~القاضي: إن وافقتني، وأقمت معي، فبالرحب والسعة، ونحن بحكمك، وإلا فارجع من ~~حيث جئت. # فأيس ابن الصائغ منه، وكان أحد أولاد ابن ملاعب بدمشق عند طغتكين، غضبان ~~على أبيه، فولاه طغتكين حصنا، وضمن على نفسه حفظ الطريق، فلم يفعل، وقطع ~~الطريق، وأخذ القوافل، فاستغاثوا إلى طغتكين منه، فأرسل إليه من طلبه، فهرب ~~إلى الفرنج، واستدعاهم إلى حصن أفامية، وقال: ليس فيه غير قوت شهر، فأقاموا ~~عليه يحاصرونه، فجاع أهله، وملكه الفرنج، وقتلوا القاضي المتغلب عليه، ~~وأخذوا الصائغ فقتلوه، وكان هو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام. # هكذا ذكر بعضهم أن أبا طاهر الصائغ قتله الفرنج بأفامية، وقد قيل إن ابن ~~بديع، رئيس حلب، قتله سنة سبع وخمسمائة، بعد وفاة رضوان، وقد ذكرناه هناك، ~~والله أعلم. # PageV08P525 # ذكر نهب العرب البصرة # قد ذكرنا استلاء الأمير صدقة على البصرة، وأنه استناب بها مملوكا كان ~~لجده دبيس بن مزيد، اسمه ألتونتاش، وجعل معه مائة وعشرين فارسا. # فاجتمعت ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من العرب، وقصدوا البصرة في جمع ~~كثير، فقاتلهم ألتونتاش، فأسروه، وانهزم أصحابه، ولم يقدر من بها على ~~حفظها، فدخلوا بالسيف أواخر ذي القعدة، وأحرقوا الأسواق، والدور الحسان، ~~ونهبوا ما قدروا عليه، وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوما، وتشرد ~~أهلها في السواد، ونهبت خزانة كتب كانت موقوفة، وقفها القاضي أبو الفرج بن ~~أبي البقاء. # وبلغ الخبر صدقة، فأرسل عسكرا، فوصلوا وقد فارقها العرب. # ثم إن السلطان محمدا أرسل شحنة وعميدا إلى البصرة، وأخذها من صدقة، وعاد ~~أهلها إليها وشرعوا في عمارتها. # ذكر حال طرابلس الشام مع الفرنج # كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد ملك مدينة جبلة، وأقام على طرابلس ~~يحصرها، فحيث لم يقدر أن يملكها، بنى بالقرب منها حصنا، وبنى تحته ربضا، ~~وأقام مراصدا لها، ومنتظرا وجود فرصة فيها، فخرج فخر الملك أبو علي بن ~~عمار، ms3719 صاحب طرابلس، فأحرق ربضه، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرقة، ومعه ~~جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم، فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيام ~~ومات، وحمل إلى القدس فدفن فيه. # ثم إن ملك الروم أمر أصحابه باللاذقية ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج ~~الذين على طرابلس، فحملوها في البحر، فأخرج إليها فخر الملك بن عمار ~~أسطولا، فجرى # PageV08P526 # بينهم وبين الروم قتال شديد، فظهر المسلمون بقطعة من الروم، فأخذوها، ~~وأسروا من كان بها وعادوا. # ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدمت ~~الأقوات به، وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم، فجلا الفقراء، وافتقر ~~الأغنياء، وظهر من ابن عمار صبر عظيم، وشجاعة، ورأي سديد. # ومما أضر بالمسلمين فيها أن صاحبها استنجد سقمان بن أرتق فجمع العساكر ~~وسار إليه، فمات في الطريق، على ما ذكرناه، وإذا أراد الله أمرا هيأ ~~أسبابه. # وأجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفى، فلما قلت الأموال عنده شرع ~~يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع ~~غيرهما، فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا: إن صاحبنا صادرنا، فخرجنا إليكم ~~لنكون معكم، وذكرا لهم أنه تأتيه الميرة من عرقة والجبل، فجعل الفرنج جمعا ~~على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد، فأرسل ابن عمار وبذل للفرنج ~~مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه، فلم يفعلوا فوضع عليهما من قتلهما غيلة، ~~وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملا وثروة، فباع أهلها من ~~الحلى، والأواني الغربية، ما لا حد عليه، حتى بيع كل مائة درهم نقرة ~~بدينار. # وشتان بين هذه الحالة وبين حال الروم أيام السلطان ألب أرسلان، وقد ذكرت ~~ظفره بهم سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وقد كان بعض أصحابه، وهو كمشتكين دواتي ~~عميد الملك، هرب منه خوفا لما قبض على صاحبه عميد الملك، وسار إلى الرقة ~~فملكها، وصار معه كثير من التركمان، فيهم: الأفشين، وأحمد شاه، فقتلاه، ~~وأرسلا أمواله إلى ألب أرسلان، ودخل الأفشين بلاد الروم، وقاتل الفردوس، ~~صاحب أنطاكية، فهزمه، وقتل ms3720 من الروم خلقا كثيرا. # وسار ملك الروم من القسطنطية إلى ملطية، فدخل الأفشين بلاده ووصل إلى ~~عمورية، وقتل في غزاته مائة ألف آدمي، ولما عاد إلى بلاد الإسلام وتفرق من ~~معه عليه خرج عسكر الرها، وهي حينئذ للروم، ومعهم بنو نمير من العرب، ~~فقاتلهم، ومعه مائتا فارس، فهزمهم ونهبهم، ونهب بلاد الروم، فأرسل ملك ~~الروم رسولا إلى القائم # PageV08P527 # بأمر الله يسأله الصلح فأرسل إلى ألب أرسلان في ذلك، فصالح الروم على ~~مائة ألف دينار، وأربعة آلاف ثوب أصنافا، وثلاثمائة رأس بغالا. # فشتان بين الحالتين. # وأقول شتان بين حال أولئك المرذولين الذين استعجزهم، وبين حال الناس في ~~زماننا هذا، وهو سنة ست عشرة وستمائة مع الفرنج أيضا والتتر، وسترى ذلك ~~مشروحا، إن شاء الله تعالى، لتعلم الفرق، نسأل الله تعالى أن ييسر للإسلام ~~وأهله قائما يقوم بنصرهم، وأن يدفع عنهم بمن أحب من خلقه، وما ذلك على الله ~~بعزيز. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ورد إلى بغداذ إنسان من الملثمين، ملوك الغرب، قاصدا إلى ~~دار الخلافة، فأكرم، وكان معه إنسان يقال له الفقيه، من الملثمين أيضا، ~~فوعظه الفقيه في جامع القصر، واجتمع له العالم العظيم، وكان يعظ وهو متلثم ~~لا يظهر منه غير عينيه، وكان هذا الملثم قد حضر مع ابن الأفضل، أمير ~~الجيوش، وقعته مع الفرنج، وأبلى بلاء حسنا. # وكان سبب مجيئه إلى بغداذ: أن المغاربة يعتقدون في العلويين، أصحاب مصر، ~~الاعتقاد القبيح، فكانوا، إذا أرادوا الحج، يعدلون عن مصر وكان أمير الجيوش ~~بدر والد الأفضل أراد إصلاحهم، فلم يميلوا إليه، ولا قاربوه. فأمر بقتل من ~~ظفر به منهم، فلما وصل ابنه الأفضل أحسن إليهم، واستعان بمن قاربه منهم على ~~حرب الفرنج، وكان هذا من جملة من قاتل معه، فلما خالط المصريين خاف العود ~~إلى بلاده، فقدم بغداذ، ثم عاد إلى دمشق، ولم يكن للمصريين حرب مع الفرنج ~~إلا وشهدها، فقتل في بعضها شهيدا، وكان شجاعا فتاكا مقداما. # وفيها، في ربيع الآخر، ظهر كوكب في السماء له ذؤابة، كقوس ms3721 قزح، آخذة من ~~المغرب إلى وسط السماء، وكان يرى قريبا من الشمس قبل ظهوره ليلا، وبقي يظهر ~~عدة ليال، ثم غاب. # PageV08P528 # وفيها وصل الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب بلاد الروم، إلى ~~الرها ليحصرها، وبها الفرنج، فراسله أصحاب جكرمش المقيمون بحران ليسلموها ~~إليه، فسار إليهم وتسلم البلد، وفرح به الناس لأجل جهاد الفرنج، فأقام ~~بحران أياما، ومرض مرضا شديدا، أوجب عوده إلى ملطية، فعاد مريضا، وبقي ~~أصحابه بحران. # [الوفيات] وفي هذه السنة توفي أبو منصور الخياط المقري، إمام مسجد ابن ~~جردة، وكان خيرا صالحا. # وفيها قتل القاضي أبو العلاء صاعد بن أبي محمد النيسابوري الحنفي بجامع ~~أصبهان، قتله باطني. # وفيها توفي أبو الفوارس الحسين بن علي بن الحسين بن الخازن، صاحب الخط ~~الجيد، وعمره سبعون سنة، قيل إنه كتب خمسمائة ختمة. # وفيها، في المحرم، توفي القاضي أبو الفرج عبيد الله بن الحسن، قاضي ~~البصرة، وله ثلاث وثمانون سنة، وكان من الفقهاء الشافعية المشهورين، تفقه ~~على الماوردي، وأبي إسحاق، وأخذ النحو عن الرقي، والدهان، وابن برهان، وكان ~~عفيفا، مقدما عند الخلفاء والسلاطين. # وفيها، في المحرم، توفي سهل بن أحمد بن علي الأرغياني، أبو الفتح الحاكم، ~~تفقه على الجويني، وبرز، ثم ترك المناظرة، وبنى رباطا، واشتغل بالعبادة ~~وقراءة القرآن. # PageV08P529 # وفيها، في صفر، توفي الأمير مهارش بن مجلي، وله نحو ثمانين سنة، وهو الذي ~~كان الخليفة القائم عنده بالحديثة، وكان كثير الصلاة والصوم، يحب الخير ~~وأهله، ولما توفي ملك الحديثة بعده ابنه سليمان. # PageV08P530 ### | [ثم دخلت سنة خمسمائة] ### | 500 - # ثم دخلت سنة خمسمائة # ذكر وفاة يوسف بن تاشفين وملك ابنه علي # في هذه السنة توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ملك الغرب والأندلس، ~~وكان حسن السيرة، خيرا، عادلا، يميل إلى أهل الدين والعلم، ويكرمهم، ويصدر ~~عن رأيهم، ولما ملك الأندلس، على ما ذكرناه، جمع الفقهاء وأحسن إليهم، ~~فقالوا له: ينبغي أن تكون ولايتك من الخليفة لتجب طاعتك على الكوفة، فأرسل ~~إلى الخليفة المستظهر بالله، أمير المؤمنين، رسولا ومعه هدية كثيرة، وكتب ~~معه ms3722 كتابا يذكر ما فتح الله من بلاد الفرنج، وما اعتمده من نصرة الإسلام، ~~ويطلب تقليدا بولاية البلاد، فكتب له تقليد من ديوان الخليفة بما أراد، ~~ولقب أمير المسلمين، وسيرت إليه الخلع، فسر بذلك سرورا كثيرا، وهو الذي بنى ~~مدينة مراكش للمرابطين، وبقي على ملكه إلى سنة خمسمائة، فتوفي وملك بعده ~~البلاد ولده علي بن يوسف، وتلقب أيضا أمير المسلمين، فازداد في إكرام ~~العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة، ~~ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه. # وكان يوسف بن تاشفين حليما، كريما، دينا، خيرا، يحب أهل العلم والدين، ~~ويحكمهم في بلاده، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أن ~~ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر عملا يعمل ~~فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته النفزاوية، وكانت من أحسن النساء، ~~ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، فأحضرهم، وأعطى متمني المال ألف دينار، ~~واستعمل الآخر، # PageV08P531 # وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل! ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه؟ ثم ~~أرسله إليها، فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعاما واحدا، ~~ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت هذه الأيام؟ قال: طعاما واحدا، فقالت: كل ~~النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته. # ذكر قتل فخر الملك بن نظام الملك # في هذه السنة قتل فخر الملك أبو المظفر علي بن نظام الملك، يوم عاشوراء، ~~وكان أكبر أولاده، وقد ذكرنا سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وزارته للسلطان ~~بركيارق، فلما فارق وزارته قصد نيسابور، وأقام عند الملك سنجر بن ملكشاه، ~~ووزر له، وأصبح يوم عاشوراء صائما، وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام ~~الحسين بن علي، عليه السلام، وهو يقول: عجل إلينا، وليكن إفطارك عندنا، وقد ~~اشتغل فكري به، ولا محيد عن قضاء الله وقدره! وقالوا له: يحميك الله، ~~والصواب أن لا تخرج اليوم والليلة من دارك، فأقام يومه يصلي، ويقرأ القرآن، ~~وتصدق بشيء كثير. # فلما كان وقت العصر خرج من الدار التي كان ms3723 بها يريد دار النساء، فسمع ~~صياح متظلم، شديد الحرقة، وهو يقول: ذهب المسلمون، فلم يبق من يكشف مظلمة، ~~ولا يأخذ بيد ملهوف! فأحضره عنده، رحمة له، فحضر فقال: ما حالك؟ فدفع إليه ~~رقعة، فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين فقضى عليه، فمات، فحمل ~~الباطني إلى سنجر، فقرره، فأقر على جماعة من أصحاب السلطان كذبا، وقال: ~~إنهم وضعوني على قتله، وأراد أن يقتل بيده وسعايته، فقتل من ذكر، وكان ~~مكذوبا عليهم، ثم قتل الباطني بعدهم، وكان عمر فخر الملك ستا وستين سنة. # ذكر ملك صدقة بن مزيد تكريت # في هذه السنة، في صفر، تسلم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد ~~قلعة تكريت، وقد ذكرنا فيما تقدم أنها كانت لبني مقن العقيليين، وكانت إلى ~~آخر سنة # PageV08P532 # سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن مقن، فمات، ووليها ابن أخيه ~~أبو منعة خميس بن تغلب بن حماد، ووجد بها خمسمائة ألف دينار سوى المصاغ، ~~وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ووليها ولده أبو غشام. # فلما كان سنة أربع وأربعين وأربعمائة وثب عليه عيسى فحبسه، وملك القلعة ~~والأموال، فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين وأربعمائة صالحه على بعض ~~المال فرحل عنه. # وخافت زوجته أميرة، بعد موته أن يعود أبو غشام، فيملك القلعة، فقتلته، ~~وكان قد بقي في الحبس أربع سنين، واستنابت في القلعة أبا الغنائم بن ~~المحلبان، فسلمها إلى أصحاب السلطان طغرلبك، فسارت إلى الموصل، فقتلها ابن ~~أبي غشام بأبيه، وأخذ شرف الدولة مسلم بن قريش مالها، ورد طغرلبك أمر ~~القلعة إلى إنسان يعرف بأبي العباس الرازي، فمات بها بعد ستة أشهر، فملكها ~~المهرباط، وهو أبو جعفر محمد بن أحمد بن خشنام من بلد الثغر، فأقام بها ~~إحدى وعشرين سنة ومات، ووليها ابنه سنتين، وأخذتها منه تركان خاتون، ووليها ~~لها كوهرائين. # ثم ملكها بعد وفاة ملكشاه قسيم الدولة آقسنقر، صاحب حلب، فلما قتل صارت ~~للأمير كمشتكين الجاندار، فجعل فيها رجلا يعرف بأبي المصارع، ثم عادت إلى ~~كوهرائين إقطاعا، ثم أخذها منه ms3724 مجد الملك البلاساني، فولى فيها كيقباذ بن ~~هزارسب الديلمي، فأقام بها اثنتي عشرة سنة، فظلم أهلها، وأساء السيرة، فلما ~~اجتاز به سقمان بن أرتق سنة ست وتسعين وأربعمائة ونهبها، كان كيقباذ ينهبها ~~ليلا، وسقمان ينهبها نهارا. # فلما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر ~~البرسقي، شحنة بغداذ، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر، حتى ضاق ~~على كيقباذ الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه، فسار إليها في صفر هذه ~~السنة وتسلمها منه، وانحدر البرسقي ولم يملكها. # ومات كيقباذ بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام، وكان عمره ستين سنة، ~~واستناب صدقة بها ورام بن أبي فراس بن ورام، وكان كيقباذ ينسب إلى ~~الباطنية، وكان موته من سعادة صدقة، فإنه لو أقام عنده لعرض صدقة لظنون ~~الناس في اعتقاده ومذهبه. # PageV08P533 # ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة # في هذه السنة، في ربيع الأول، كانت حرب بين عبادة وخفاجة، فظفرت عبادة، ~~وأخذت بثأرها من خفاجة. # وكان سبب ذلك أن سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران في جيش إلى طرف بلاده ~~مما يلي البطيحة ليحميها من خفاجة لأنهم يؤذون أهل تلك النواحي، فقربوا ~~منه، وتهددوا أهل البلاد، فكتب إلى أبيه يشكو منهم، ويعرفه حالهم، فأحضر ~~عبادة، وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما ذكرناه، فلما حضروا عنده ~~قال لهم ليتجهزوا مع عسكره، ليأخذوا بثأرهم من خفاجة، فساروا في مقدم ~~عسكره، فأدركوا حلة من خفاجة من بني كليب ليلا، وهم غارون، لم يشعروا بهم، ~~فقالوا: من أنتم؟ فقالت عبادة: نحن أصحاب لديون، فعلموا أنهم عبادة، ~~فقاتلوهم، وصبرت خفاجة، فبينما هم في القتال إذ سمع طبل الجيش، فانهزموا، ~~وقتلت منهم عبادة جماعة، وكان فيهم عشرة من وجوههم، وتركوا حرمهم، فأمر ~~صدقة بحراستهن وحمايتهن، وأمر العسكر أن يؤثروا عبادة بما غنموه من أموال ~~خفاجة، خلفا لهم عما أخذ منهم في العام الماضي. # وأصاب خفاجة من مفارقة بلادها، ونهب أموالها، وقتل رجالها، أمر عظيم، ~~وانتزحت إلى نواحي البصرة، وأقامت عبادة في بلاد خفاجة. # ولما ms3725 انهزمت خفاجة وتفرقت ونهبت أموالها، جاءت امرأة منهم إلى الأمير ~~صدقة، فقالت له: إنك سبيتنا، وسلبتنا قوتنا، وغربتنا، وأضعت حرمتنا، قابلك ~~الله في نفسك، وجعل صورة أهلك كصورتنا، فكظم الغيظ واحتمل لها ذلك، وأعطاها ~~أربعين جملا، ولم يمض غير قليل حتى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده، فإن ~~دعاء الملهوف عند الله بمكان. # PageV08P534 # ذكر مسير جاولي سقاووا إلى الموصل وأسر صاحبها جكرمش # في هذه السنة، في المحرم، أقطع السلطان محمد جاولي سقاوو الموصل، ~~والأعمال التي بيد جكرمش، وكان جاولي قبل هذا قد استولى على البلاد التي ~~بين خوزستان وفارس، وأقام بها سنين، وعمر قلاعها وحصنها، وأساء السيرة في ~~أهلها، وقطع أيديهم وجدع أنوفهم وسمل أعينهم. # فلما تمكن السلطان محمد من السلطنة خافه جاولي، وأرسل السلطان إليه ~~الأمير مودود بن ألتونتكين، فتحصن منه جاولي، وحصره مودود ثمانية أشهر، ~~فأرسل جاولي إلى السلطان: إنني لا أنزل إلى مودود، فإن أرسلت غيره نزلت، ~~فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر، فنزل جاولي، وحضر الخدمة بأصبهان، فرأى من ~~السلطان ما يحب، وأمره السلطان بالمسير إلى الفرنج ليأخذ البلاد منهم، ~~وأقطعه الموصل وديار بكر والجزيرة كلها. # وكان جكرمش لما عاد من عند السلطان إلى بلاده، كما ذكرناه، وعد من نفسه ~~الخدمة، وحمل المال، فلما استقر ببلاده لم يف بما قال، وتثاقل في الخدمة ~~وحمل المال، فأقطع بلاده لجاولي، فجاء إلى بغداذ، وأقام بها إلى أول ربيع ~~الأول، وسار إلى الموصل، وجعل طريقه على البوازيج، فملكها ونهبها أربعة ~~أيام، بعد أن أمن أهلها، وحلف لهم أنه يحميهم، فلما ملكها سار إلى إربل. # وأما جكرمش فلما بلغه مسيره إلى بلاده كتب في جميع العساكر، فأتاه كتاب ~~أبي الهيجاء بن موسك الكردي الهذباني، صاحب إربل، يذكر استيلاء جاولي على ~~البوازيج، ويقول له: إن لم تعجل المجيء لنجتمع عليه ونمنعه، وإلا اضطررت ~~إلى موافقته والمصير معه، فبادر جكرمش وعبر إلى شرقي دجلة، وسار إلى عسكر ~~الموصل قبل اجتماع عساكره، وأرسل إليه أبو الهيجاء عسكره مع أولاده، ~~فاجتمعوا بقرية باكلبا من ms3726 أعمال إربل. # PageV08P535 # ووافاهم جاولي وهو في ألف فارس، وكان جكرمش في ألفي فارس، ولا يشك أنه ~~يأخذ جاولي باليد، فلما اصطفوا للحرب حمل جاولي من القلب على قلب جكرمش ~~فانهزم من فيه، وبقي جكرمش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به، فهو لا ~~يقدر أن يركب، وإنما يحمل في محفة، فلما انهزم أصحابه قاتل عنه ركابي أسود ~~قتالا عظيما، فقتل، وقاتل معه واحد من أولاد الملك قاروت بك بن داود، اسمه ~~أحمد، فقاتل بين يديه، فطعن فجرح وانهزم، فمات بالموصل، ولم يقدر أصحاب ~~جاولي على الوصول إلى جكرمش، حتى قتل الركابي الأسود فحينئذ أخذوه أسيرا ~~وأحضروه عند جاولي، فأمر بحفظه وحراسته. # وكانت عساكر جكرمش التي استدعاها، قد وصلت إلى الموصل بعد مسيره بيومين، ~~فساروا جرائد ليدركوا الحرب، فلقيهم المنهزمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # ذكر حصر جاولي سقاوو الموصل وموت جكرمش # لما انهزم العسكر، وأسر جكرمش، وصل الخبر إلى الموصل، فأقعدوا في الأمر ~~زنكي بن جكرمش، وهو صبي عمره إحدى عشرة سنة، وخطبوا له، وأحضروا أعيان ~~البلد، والتمسوا منهم المساعدة، فأجابوا إلى ذلك. # وكان مستحفظ القلعة مملوكا لجكرمش اسمه غزغلي، فقام في ذلك المقام ~~المرضي، وفرق الأموال التي جمعها جكرمش، والخيول، وغير ذلك على الجند، ~~وكاتب سيف الدولة صدقة، وقلج أرسلان، والبرسقي، شحنة بغداذ، بالمبادرة ~~إليهم، ومنع جاولي منهم، ووعدوا كلا منهم أن يسلموا البلد إليه. # فأما صدقة فلم يجبهم إلى ذلك، ورأى طاعة السلطان، وأما البرسقي وقلج ~~أرسلان فنذكر حالهما. # ثم إن جاولي حصر الموصل، ومعه كرماوي بن خراسان التركماني، وغيره من ~~الأمراء، وكثر جمعه، وأمر أن يحمل جكرمش كل يوم على بغل وينادي أصحابه ~~بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا صاحبهم مما هو فيه، ويأمرهم هو بذلك، فلا # PageV08P536 # يسمعون منه، وكان يسجنه في جب، ويوكل به من يحفظه لئلا يسرق، فأخرج في ~~بعض الأيام ميتا، وعمره نحو ستين سنة، وكان شأنه قد علا، ومنزلته قد عظمت، ~~وكان قد شيد سور الموصل وقواه، وبنى عليها فصيلا، وحفر خندقها، وحصنها غاية ms3727 ~~ما يقدر عليه. # وكان مع جكرمش رجل من أعيان الموصل يقال له أبو طالب بن كسيرات، وبنو ~~كسيرات إلى الآن بالموصل من أعيان أهلها، وكان أبو طالب قد تقدم عند جكرمش، ~~وارتفعت منزلته، واستولى على أموره، وحضر معه الحرب، فلما أسر جكرمش هرب ~~أبو طالب إلى إربل، وكان أولاد أبي الهيجاء، صاحب إربل، قد حضروا الحرب مع ~~جكرمش، وأسرهم جاولي، فأرسل إلى أبي الهيجاء يطلب ابن كسيرات، فأطلقه وسيره ~~إليه، فأطلق جاولي ابن أبي الهيجاء، فلما حضر ابن كسيرات عند جاولي ضمن له ~~فتح الموصل وبلاد جكرمش، وتحصيل الأموال، فاعتقله اعتقالا جميلا. # وكان قاضي الموصل أبو القاسم بن ودعان عدوا لأبي طالب، فأرسل إلى جاولي ~~يقول له: إن قتلت أبا طالب سلمت الموصل إليك، فقتله وأرسل رأسه إليه، فأظهر ~~الشماتة به، وأخذ كثيرا من أمواله وودائعه، فثار به الأتراك غضبا لأبي طالب ~~ولتفرده بما أخذ من أمواله، فقتلوه، وكان بينهما شهر واحد، وقد رأينا ~~كثيرا، وسمعنا ما لا نحصيه من قرب وفاة أحد المتعاديين بعد صاحبه. # ذكر الحرب بين ملك القسطنطينية والفرنج # في هذه السنة كانت وحشة مستحكمة بين ملك الروم، صاحب القسطنطينية، وبين ~~بيمند الفرنجي، فسار بيمند إلى بلد ملك الروم ونهبه، وعزم على قصده، فأرسل ~~ملك الروم إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان، صاحب قونية وأقصرا وغيرهما من ~~تلك البلاد، يستنجده، فأمده بجمع من عسكره، فقوي بهم، وتوجه إلى بيمند، ~~فالتقوا وتصافوا واقتتلوا، وصبر الفرنج بشجاعتهم، وصبر الروم ومن معهم ~~لكثرتهم، ودامت الحرب، ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأتى القتل على ~~أكثرهم، وأسر كثير منهم، والذين سلموا عادوا إلى بلادهم بالشام، وعاد عسكر ~~قلج أرسلان إلى بلادهم # PageV08P537 # عازمين على المسير إلى صاحبهم بديار الجزيرة، فأتاهم خبر قتله، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى، فتركوا الحركة وأقاموا. # ذكر ملك قلج أرسلان الموصل # قد ذكرنا أن أصحاب جكرمش كتبوا إلى الأمير صدقة، وقسيم الدولة البرسقي، ~~والملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي، صاحب بلاد الروم، يستدعون ~~كلا ms3728 منهم إليهم ليسلموا البلد إليه، فأما صدقة فامتنع، ورأى طاعة السلطان، ~~وأما قلج أرسلان فإنه سار في عساكره فلما سمع جاولي سقاوو بوصوله إلى ~~نصيبين رحل عن الموصل، وأما البرسقي فإنه كان شحنة بغداذ، فسار منها إلى ~~الموصل، فوصلها بعد رحيل جاولي عنها، فنزل بالجانب الشرقي، فلم يلتفت أحد ~~إليه، ولا أرسلوا إليه كلمة واحدة، فعاد في باقي يومه. # ثم إن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين أقام بها حتى كثر جمعه، فلما سمع ~~جاولي بقربه رحل من الموصل إلى سنجار، وأودع رحله بها، واتصل به الأمير ~~إيلغازي بن أرتق وجماعة من عسكر جكرمش، فصار معه أربعة آلاف فارس، فأتاه ~~كتاب الملك رضوان يستدعيه إلى الشام، ويقول له: إن الفرنج قد عجز من بالشام ~~عن منعهم، فسار إلى الرحبة. # وأرسل أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان، وهو بنصيبين، فاستحلفوه ~~لهم، فحلف، واستحلفهم على الطاعة له والمناصحة، وسار معهم إلى الموصل، ~~فملكها في الخامس والعشرين من رجب، ونزل بالمعرقة، وخرج إليه ولد جكرمش ~~وأصحابه، فخلع عليهم، وجلس على التخت، وأسقط السلطان محمدا، وخطب لنفسه بعد ~~الخليفة، وأحسن إلى العسكر، وأخذ القلعة من غزغلي، مملوك جكرمش، وجعل له ~~فيها دزدارا، ورفع الرسوم المحدثة في الظلم، وعدل في الناس وتألفهم، وقال: ~~من سعى إلي بأحد قتلته، فلم يسع أحد بأحد، وأقر القاضي # PageV08P538 # أبا محمد عبد الله بن القاسم بن الشهرزوري على القضاء بالموصل، وجعل ~~الرئاسة لأبي بركات محمد بن محمد بن خميس، وهو والد شيخنا أبي الربيع ~~سليمان. # وكان في جملة قلج أرسلان الأمير إبراهيم بن ينال التركماني، صاحب آمد، ~~ومحمد بن جبق التركماني، صاحب حصن زياد، وهو خرتبرت. # فأما إبراهيم بن ينال فكان سبب ملكه لمدينة آمد أن تاج الدولة تتش، حين ~~ملك ديار بكر، سلمها إليه، فبقيت بيده، وأما محمد بن جبق فكان سبب ملكه ~~لحصن زياد أن هذا الحصن كان بيد الفلادروس الرومي، ترجمان ملك الروم، وكانت ~~الرها وأنطاكية من أعماله، فلما ملك سليمان بن قتلمش، والد قلج أرسلان ms3729 هذا ~~أنطاكية، وملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر، ضعف الفلادروس عن إقامة ما ~~يحتاج إليه حصن زياد من الميرة والإقامة، فأخذه جبق، وأسلم الفلادروس على ~~يد السلطان ملكشاه، وأمره على الرها، فلم يزل عليها حتى مات وأخذها الأمير ~~بزان بعده. # وكان بالقرب من حصن زياد حصن آخر بيد إنسان من الروم اسمه إفرنجي، وكان ~~يقطع الطريق، ويكثر قتل المسلمين، فأرسل إليه جبق هدية، وخطب إليه مودته، ~~وأن يعين كل واحد منهما صاحبه، فأجابه إلى ذلك، فكان جبق يعين إفرنجي على ~~قطع الطريق وغيره، وكذلك إفرنجي يعين جبق، فلما وثق كل واحد بصاحبه أرسل ~~إليه جبق: إني أريد قصد بعض الأماكن، وطلب أن يرسل إليه أصحابه، فأرسلهم ~~إليه، فلما ساروا معه في الطريق تقدم بكتفهم، وحملهم إلى قلعة إفرنجي، وقال ~~لأهليهم: والله لئن لم تسلموا إلي إفرنجي لأضربن أعناقهم، ولآخذن الحصن ~~عنوة، ولأقتلنكم على دم واحد. ففتحوا له الحصن، وسلموا إليه إفرنجي، فسلخه ~~وأخذ أمواله وسلاحه، وكان عظيما، ومات جبق، فولي بعده ابنه محمد. # ذكر قتل قلج أرسلان وملك جاولي الموصل # قد ذكرنا أن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين سار جاولي عن الموصل إلى # PageV08P539 # سنجار، ثم إلى الرحبة، فوصلها في رجب، وحصرها إلى الرابع والعشرين من شهر ~~رمضان، وكان صاحبها يعرف بمحمد بن السباق، وهو من بني شيبان، رتبه بها ~~الملك دقاق لما فتحها، وأخذ ولده رهينة، وحمله معه إلى دمشق، فلما توفي ~~أرسل هذا الشيباني قوما سرقوا ولده وحملوه إليه، فلما وصل إليه خلع الطاعة ~~للدمشقيين، وخطب في بعض الأوقات لقلج أرسلان. فلما وصل إليها جاولي وحصرها، ~~أرسل إلى الملك رضوان يعرفه أنه على الاجتماع به ومساعدته على من يحاربه، ~~ويشرط عليه أنه إذا تسلم البلاد سار معه ليكشف الفرنج عن بلاده، فلما ~~استقرت القاعدة بينهما حضر عنده رضوان، فاشتد الحصار على أهل البلد، وضاقت ~~عليهم الأمور. # واتفق جماعة كانوا بأحد الأبراج، وأرسلوا إلى جاولي، واستحلفوه على حفظهم ~~وحراستهم، وأمروه أن يقصد البرج الذي هم فيه عند انتصاف ms3730 الليل، ففعل ذلك، ~~فرفع من في البرج أصحابه إليهم في الحبال، فضربوا بوقاتهم وطبولهم، فخذل من ~~في البلد، ودخل أصحاب جاولي في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان، ونهبوه ~~إلى الظهر، ثم أمر برفع النهب، ونزل إليه محمد الشيباني صاحب البلد، ~~وأطاعه، وصار معه. # ثم إن قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جاولي سقاوو ~~ليحاربه، وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة، وعمره إحدى عشرة سنة، ومعه أمير ~~يدبره، وجماعة من العسكر، وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدة الكاملة ~~والخيل الجيدة. # وسمع العسكر بقوة جاولي، فاختلفوا، وكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ~~ينال، صاحب آمد، فإنه فارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده، وكذلك ~~غيره، وعمل قلج أرسلان على المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثرة جموعه، ~~وأرسل إلى بلاده يطلب عسكره لأنها كانت عند ملك الروم نجدة له على قتال ~~الفرنج، كما ذكرناه، فلما وصل إلى الخابور بلغت عدته خمسة آلاف. وكان مع ~~جاولي أربعة آلاف، من جملتهم الملك رضوان، وجماعة من عسكره، إلا أن شجعانه ~~أكثر، واغتنم جاولي قلة عسكر قلج أرسلان، فقاتله قبل وصول عساكره إليه، ~~فالتقوا في العشرين من ذي القعدة، فحمل قلج أرسلان على القوم بنفسه، حتى ~~خالطهم، فضرب يد صاحب العلم فأبانها، ووصل إلى جاولي بنفسه، فضربه بالسيف، # PageV08P540 # فقطع الكزاغند ولم يصل إلى بدنه، وحمل أصحاب جاولي على أصحابه فهزموهم، ~~واستباحوا ثقلهم وسوادهم. فلما رأى قلج أرسلان انهزام عسكره علم أنه إن أسر ~~فعل به فعل من لم يترك للصلح موضعا، لا سيما وقد نازع السلطان في بلاده، ~~واسم السلطنة، فألقى نفسه في الخابور، وحمى نفسه، من أصحاب جاولي بالنشاب، ~~فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق، وظهر بعد عدة أيام فدفن بالشمسانية وهي ~~من قرى الخابور. # وسار جاولي إلى الموصل، فلما وصل إليها فتح أهلها له بابها، ولم يتمكن من ~~بها من أصحاب قلج أرسلان من منعهم، ونزل بظاهر البلد، وأخذ كل واحد من ~~أصحاب جكرمش الذين ms3731 حضروا الوقعة مع قلج أرسلان إلى جهة، فلما ملك جاولي ~~الموصل أعاد خطبة السلطان محمد، وصادر جماعة من بها من أصحاب جكرمش، وسار ~~إلى جزيرة ابن عمر، وبها حبشي بن جكرمش، ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه ~~غزغلي، فحصره مدة، ثم إنهم صالحوه، وحملوا إليه ستة آلاف دينار، وغيرها من ~~الدواب والثياب، ورحل عنهم إلى الموصل، وأرسل ملكشاه بن قلج أرسلان إلى ~~السلطان محمد. # ذكر أحوال الباطنية وقتل ابن عطاش # في هذه السنة ملك السلطان محمد القلعة التي كان الباطنية ملكوها بالقرب ~~من أصبهان، واسمها شاه دز، وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك بن عطاش، وولده، ~~وكانت هذه القلعة قد بناها ملكشاه، واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك ~~بن عطاش. # وسبب ذلك أنه اتصل بدزدار كان لها، فلما مات استولى أحمد عليها، وكان ~~الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجا، وجمعوا له أموالا، وإنما فعلوا ذلك به ~~لتقدم أبيه # PageV08P541 # عبد الملك في مذهبهم، فإنه كان أديبا بليغا، حسن الخط، سريع البديهة، ~~عفيفا، وابتلي بحب هذا المذهب، وكان ابنه أحمد هذا جاهلا لا يعرف شيئا، ~~وقيل لابن الصباح، صاحب قلعة ألموت: لماذا تعظم ابن عطاش مع جهله؟ قال: ~~لمكان أبيه، لأنه كان أستاذي. # وصار لابن عطاش عدد كثير، وبأس شديد، واستفحل أمره بالقلعة، فكان يرسل ~~أصحابه لقطع الطريق، وأخذ الأموال، وقتل من قدروا على قتله، فقتلوا خلقا ~~كثيرا لا يمكن إحصاؤهم، وجعلوا له على القرى السلطانية وأملاك الناس ضرائب ~~يأخذونها ليكفوا عنها الأذى، فتعذر بذلك انتفاع السلطان بقراه، والناس ~~بأملاكهم، وتمشى لهم الأمر بالخلف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد. # فلما صفت السلطنة لمحمد، ولم يبق له منازع، لم يكن عنده أمر أهم من قصد ~~الباطنية وحربهم، والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم، فرأى البداية بقلعة ~~أصبهان التي بأيديهم، لأن الأذى بها أكثر، وهي متسلطة على سرير ملكه، فخرج ~~بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان. # وكان قد عزم على الخروج أول رجب، فساء ذلك من يتعصب لهم من العسكر، ~~فأرجفوا أن قلج أرسلان بن سليمان ms3732 قد ورد بغداذ وملكها، وافتعلوا في ذلك ~~مكاتبات، ثم أظهروا أن خللا قد تجدد بخراسان، فتوقف السلطان لتحقيق الأمر، ~~فلما ظهر بطلانه عزم عزيمة مثله، وقصد حربهم، وصعد جبلا يقابل القلعة من ~~غربيها، ونصب له التخت في أعلاه، واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم ~~العظيمة للذحول التي يطالبونهم بها. # وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ، ورتب الأمراء لقتالهم، فكان ~~يقاتلهم كل يوم أمير، فضاق الأمر بهم، واشتد الحصار عليهم، وتعذرت عندهم ~~الأقوات. # فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فتوى فيها: ما يقول السادة الفقهاء أئمة ~~الدين في # PageV08P542 # قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإن ما جاء به محمد، صلى ~~الله عليه وسلم، حق وصدق، وإنما يخالفون في الإمام: هل يجوز للسلطان ~~مهادنتهم وموادعتهم، وأن يقبل طاعتهم، ويحرسهم من كل أذى؟ فأجاب أكثر ~~الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف بعضهم، فجمعوا للمناظرة، ومعهم أبو الحسن علي بن ~~عبد الرحمن السمنجاني، وهو من شيوخ الشافعية، فقال، بمحضر من الناس، يجب ~~قتالهم، ولا يجوز إقرارهم بمكانهم، ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم ~~يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم، إذا أباح لكم ما حظره الشرع، أو حظر عليكم ما ~~أباحه الشرع أتقبلون أمره؟ فإنهم يقولون نعم، وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع. ~~وطالت المناظرة في ذلك. # ثم إن الباطنية سألوا السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم، وعينوا على ~~أشخاص من العلماء منهم القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى، شيخ الحنفية ~~بأصبهان، وقاضيها، وغيره، فصعدوا إليهم وناظروهم، وعادوا كما صعدوا. وإنما ~~كان قصدهم التعلل والمطاولة، فلج حينئذ السلطان في حصرهم، فلما رأوا عين ~~المحاقة، أذعنوا إلى تسليم القلعة على أن يعطوا عوضا عنها قلعة خالنجان، ~~وهي على سبعة فراسخ من أصبهان، وقالوا: إنا نخاف على دمائنا وأموالنا من ~~العامة، فلا بد من مكان نحتمي به منهم، فأشير على السلطان بإجابتهم إلى ما ~~طلبوا، فسألوا أن يؤخرهم إلى النوروز ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا قلعتهم، ~~وشرطوا أن لا يسمع قول متنصح فيهم، وإن قال أحد عنهم شيئا سلمه إليهم، وأن ~~ما أتاه ms3733 منهم رده إليهم، فأجابهم إليه، وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما ~~يكفيهم يوما بيوم، فأجيبوا إليه في كل هذا، وقصدهم المطاولة انتظارا لفتق ~~أوحادث يتجدد. # ورتب لهم وزير السلطان سعد الملك ما يحمل إليهم كل يوم من الطعام ~~والفاكهة، وجميع ما يحتاجون إليه، فجعلوا هم يرسلون، ويبتاعون من الأطعمة ~~ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم، ثم إنهم وضعوا من أصحابهم من يقتل أميرا ~~كان يبالغ في قتالهم، فوثبوا عليه وجرحوه، وسلم منهم، فحينئذ أمر السلطان ~~بإخراب قلعة # PageV08P543 # خالنجان، وجدد الحصار عليهم، فطلبوا أن ينزل بعضهم، ويرسل السلطان معهم ~~من يحميهم إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان، وهي لهم، وينزل بعضهم، ~~ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس، وأن يقيم البقية منهم في ضرس من القلعة، إلى ~~أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، فينزلون حينئذ، ويرسل معهم من ~~يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة ألموت، فأجيبوا إلى ذلك، فنزل منهم إلى ~~الناظر، وإلى طبس، وساروا، وتسلم السلطان القلعة وخربها. # ثم إن الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس وصل منهم من أخبر ابن عطاش ~~بوصولهم، فلم يسلم السن الذي بقي بيده، ورأى السلطان منه الغدر، والعود عن ~~الذي قرره، فأمر بالزحف إليه، فزحف الناس عامة ثاني ذي القعدة، وكان قد قل ~~عنده من يمنع ويقاتل، فظهر منهم صبر عظيم، وشجاعة زائدة، وكان قد استأمن ~~إلى السلطان إنسان من أعيانهم، فقال لهم: إني أدلكم على عورة لهم، فأتى بهم ~~إلى جانب لذلك السن لهم لا يرام، فقال لهم: اصعدوا من هاهنا، فقيل إنهم قد ~~ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال، فقال: إن الذي ترون أسلحة وكزاغندات قد ~~جعلوها كهيئة الرجال لقلتهم عندهم. # وكان جميع من بقي ثمانين رجلا، فزحف الناس من هناك، فصعدوا منه وملكوا ~~الموضع، وقتل أكثر الباطنية، واختلط جماعة منهم مع من دخل، فخرجوا معهم، ~~وأما ابن عطاش فإنه أخذ أسيرا، فترك أسبوعا، ثم أمر به فشهر في جميع البلد، ~~وسلخ جلده، فتجلد حتى مات، وحشي جلده تبنا، وقتل ولده، وحمل رأساهما ms3734 إلى ~~بغداذ، وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت، وكان معها جواهر نفيسة لم ~~يوجد مثلها، فهلكت أيضا وضاعت، وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة. # ذكر الخلف بين سيف الدولة صدقة ومهذب الدولة صاحب البطيحة # في هذه السنة اختلف سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومهذب الدولة السعيد بن أبي # PageV08P544 # الجبر، صاحب البطيحة، وانضاف حماد بن أبي الجبر إلى صدقة، وأظهر معاداة ~~ابن عمه مهذب الدولة، ثم اتفقوا. # وكان سبب ذلك أن صدقة لما أقطعه السلطان محمد مدينة واسط ضمنها منه مهذب ~~الدولة، واستناب في الأعمال أولاده وأصحابه، فمدوا أيديهم في الأموال، ~~وفرطوا فيها، وفرقوها، فلما انقضت السنة طالبه صدقة بالمال، وحبسه، ثم سعى ~~في خلاصه بدران بن صدقة، وهو صهر مهذب الدولة، فأخرجه من الحبس وأعاده إلى ~~بلده البطيحة وضمن حماد بن أبي الجبر واسط، فانحل على مهذب الدولة كثير من ~~أمره، فآل الأمر إلى الاختلاف بعد الاتفاق، فإن المصطنع إسماعيل، جد حماد، ~~والمختص محمدا، والد مهذب الدولة، أخوان، وهما ابنا أبي الجبر، وكانت ~~إليهما رئاسة أهلهما وجماعتهما، فهلك المصطنع، وقام ابنه أبو السيد المظفر ~~والد حماد مقامه وهلك المختص محمد، وقام ابنه مهذب الدولة مقامه، وصارا ~~يتنازعان ابن الهيثم، صاحب البطيحة، ويقاتلانه إلى أن أخذه مهذب الدولة، ~~أيام كوهرائين، وسلمه إلى كوهرائين، فحمله إلى أصبهان، فهلك في طريقها. ~~فعظم أمر مهذب الدولة، وصيره كوهرائين أمير البطيحة، فصار ابن عمه وجماعة ~~تحت حكمه، وكان حماد شابا فأكرمه مهذب الدولة، وزوجه بنتا له، وزاد في ~~إقطاعه، فكثر ماله، فصار يحسد مهذب الدولة، ويضمر بغضه، وربما ظهر في بعض ~~الأوقات، وكان مهذب الدولة يداريه بجهده، فلما هلك كوهرائين انتقل حماد عن ~~مهذب الدولة، وأظهر ما في نفسه، فاجتهد مهذب الدولة في إعادته إلى ما كان، ~~فلم يفعل، فسكت عنه، فجمع النفيس بن مهذب الدولة جمعا وقصد حمادا، فهرب منه ~~إلى سيف الدولة بالحلة، فأعاده صدقة ومعه جماعة من الجند، فحشد مهذب ~~الدولة، فأرسل حماد إلى صدقة يعرفه ذلك، فأرسل إليه ms3735 كثيرا من الجند، فقوى ~~عزم مهذب الدولة على المحاربة لئلا يظن به العجز، فأشار عليه أهله بترك ~~الخروج من موضعه لحصانته، فلم يفعل، وسير سفنه وأصحابه في الأنهر، فجعل ~~حماد وأخوه له الكمناء، واندفعوا من بين أيديهم، فطمع أصحاب مهذب الدولة ~~وتبعوهم، فخرج عليهم الكمناء، فلم يسلم منهم # PageV08P545 # إلا من لم يحضر أجله، فقتل منهم وأسر خلقا كثيرا، فقوي طمع حماد، وأرسل ~~إلى صدقة يستنجده، فأرسل إليه مقدم جيشه سعيد بن حميد العمري، وغيره من ~~المقدمين، وجمعوا السفن ليقاتلوا مهذب الدولة، فرأوا أمرا محكما، فلم ~~يمكنهم الدخول إليه. # وكان حماد بخيلا، ومهذب الدولة جوادا، فأرسل إلى سعيد بن حميد الإقامات ~~الوافرة، والصلات الكثيرة، واستماله، فمال إليه، واجتمع به، وتقرر الأمر ~~على أن أرسل مهذب الدولة ابنه النفيس إلى صدقة، فرضي عنه، وأصلح بينهم وبين ~~حماد ابن عمهم، وعادوا إلى حال حسنة من الاتفاق، وكان صلحهم في ذي الحجة ~~سنة خمسمائة. # ذكر قتل وزير السلطان ووزارة أحمد بن نظام الملك # في شوال من هذه السنة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي المحاسن، ~~وأخذ ماله، وصلبه على باب أصبهان، وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه ~~والمنتمين إليه، أما الوزير فنسب إلى خيانة السلطان، وأما الأربعة فنسبوا ~~إلى اعتقاد الباطنية، وكانت مدة وزارته سنتين وتسعة أشهر، وكان في ابتداء ~~حاله يصحب تاج الملك أبا الغنائم، وتعطل بعده ثم استعمله مؤيد الملك بن ~~نظام الملك، فجعله على ديوان الاستيفاء، وخدم السلطان محمدا لما حصره أخوه ~~السلطان بركيارق بأصبهان خدمة حسنة، ولما فارقها محمد حفظها الحفظ التام، ~~وقام المقام العظيم، فاستوزره محمد، ووسع له في الإقطاع، وحكمه في دولته، ~~ثم نكبه، وهذا آخر خدمة الملوك. # وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان: أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه، ~~وزوجة ترضيه، ولا يعرف أبوابنا هذه الخبيثة فتؤذيه. # ولما قبض الوزير استشار السلطان في من يجعله وزيرا، فذكر له جماعة، فقال ~~السلطان: إن آبائي دروا على نظام الملك البركة، ولهم عليه الحق ms3736 الكثير، ~~وأولاده أغذياء نعمتنا، ولا معدل عنهم. فأمر لأبي نصر أحمد هذا بالوزارة، ~~ولقب ألقاب أبيه: قوام الدين، نظام الملك، صدر الإسلام. # وكان سبب قدومه إلى باب السلطان أنه لما رأى انقراض دولة أهل بيته لزم # PageV08P546 # داره بهمذان، فاتفق أن رئيس همذان، وهو الشريف أبو هاشم، آذاه، فسار إلى ~~السلطان شاكيا منه ومتظلما، فقبض السلطان على الوزير، وأحمد هذا في الطريق، ~~فلما وصل إليه ذكره، وخلع عليه خلع الوزارة، وحكمه ومكنه، وقوي أمره، وهذا ~~من الفرج بعد الشدة، فإنه حضر شاكيا، فصار حاكما. # ذكرعدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، عزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير، وزير الخليفة، ~~فقصد دار سيف الدولة (صدقة ببغداذ) (ملتجئا إليها، وكانت ملجأ لكل ملهوف) ، ~~فأرسل إليه صدقة من أخذه إليه إلى الحلة، وكانت وزارته ثلاث سنين وخمسة ~~أشهر وأياما، وأمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة، وفيها عبرة، فإن ~~أباه أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض أملاك الناس، وأخذ بسببها أكثر ما دخل ~~فيها، فخربت عن قريب. # ولما عزل استنيب قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني، ثم تقررت الوزارة ~~في المحرم من سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب، ~~وخلع عليه فيه. # [الوفيات] # وفيها في شوال، توفي الأمير أبو الفوارس سرخاب بن بدر بن مهلهل، المعروف ~~بابن أبي الشوك الكردي، وكانت له أموال كثيرة، وخيول لا تحصى، وولي الإمرة ~~بعده أبو منصور بن بدر، وقام مقامه، وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين ~~سنة، وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية. # PageV08P547 # وفي هذه السنة توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الحداد ~~الأصبهاني ابن أخت عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده، ومولده سنة ثمان ~~وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث، مشهورا بالرواية. # وفيها توفي أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج البغداذي في صفر، وهو ~~مكثر من الرواية، وله تصانيف حسنة، وأشعار لطيفة، وهو من أعيان الزمان، ~~وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب أبو ms3737 محمد الشيرازي، الفقيه، ولي التدريس ~~بالنظامية ببغداذ سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وكان يروي الحديث أيضا. # وأبو الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي المعروف بابن الطيوري ~~البغداذي، ومولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث ثقة صالحا ~~عابدا، وأبو الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب النحوي، وسمع الحديث ~~من أبي الطيب الطبري، والجوهري، وغيرهما، وكان إماما في النحو واللغة. # PageV08P548 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة] ### | 501 - # ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة # ذكر قتل صدقة بن مزيد # في هذه السنة، في رجب، قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن ~~مزيد الأسدي، أمير العرب، وهو الذي بنى الحلة السيفية بالعراق، وكان قد عظم ~~شأنه، وعلا قدره، واتسع جاهه، واستجار به صغار الناس وكبارهم، فأجارهم. # وكان كثير العناية بأمور السلطان محمد،، والتقوية ليده، والشد منه على ~~أخيه بركيارق، حتى إنه جاهر بركيارق بالعداوة، ولم يبرح على مصافاة السلطان ~~محمد، وزاده محمد إقطاعا من جملته مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة، ثم ~~أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي، وقال في جملة ما ~~قال عنه: إن صدقة قد عظم أمره، وزاد حاله، وكثر إدلاله، ويبسط في الدولة ~~حمايته على كل من يفر إليه من عند السلطان، وهذا لا تحتمله الملوك ~~لأولادهم، ولو أرسلت بعض أصحابك لملك بلاده وأمواله. # ثم إنه تعدى ذلك حتى طعن في اعتقاده، ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية، ~~وكذب، وإنما كان مذهبه التشيع لا غير، ووافق أرغون السعدي أبا جعفر العميد ~~وانتهى ذلك إلى صدقة، وكانت زوجة أرغون بالحلة وأهله، فلم يؤاخذهم بشيء مما ~~كان له أيضا هناك [من] بقايا خراج ببلده، فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه ~~بأجمعه ويسلم إلى زوجته. # PageV08P549 # وأما سبب قتله فإن صدقة كان، كما ذكرنا، يستجير به كل خائف من خليفة ~~وسلطان وغيرهما، وكان السلطان محمد قد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو، ~~صاحب ساوة وآبة، فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به، فأجاره، فأرسل ms3738 السلطان ~~يطلب من صدقة أن يسلمه إلى نوابه، فلم يفعل، وأجاب: إنني لا أمكن منه بل ~~أحامي عنه، وأقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا منه رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم: # ونسلمه، حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وظهر منه أمور أنكرها السلطان، فتوجه إلى العراق ليتلافى هذا الأمر، فلما ~~سمع صدقة استشار أصحابه في الذي يفعله، فأشار عليه ابنه دبيس بأن ينفذه إلى ~~السلطان ومعه الأموال، والخيل، والتحف، ليستعطف له السلطان، وأشار سعيد بن ~~حميد، صاحب جيش صدقة، بالمحاربة، وجمع الجند، وتفريق المال فيهم، واستطال ~~في القول، فمال صدقة إلى قوله، وجمع العساكر، واجتمع إليه عشرون ألف فارس، ~~وثلاثون ألف راجل، فأرسل إليه المستظهر بالله يحذره عاقبة أمره، وينهاه عن ~~الخروج عن طاعة السلطان، ويعرض له توسط الحال، فأجاب صدقة: إنني على طاعة ~~السلطان، لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به، وكان الرسول بذلك عن الخليفة ~~نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي. # ثم أرسل السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي إلى صدقة يطيب قلبه، ويزيل ~~خوفه، ويأمره بالانبساط على عادته، ويعرفه عزمه على قصد الفرنج، ويأمره ~~بالتجهز للغزاة معه، فأجاب: إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه علي، وغيروا ~~حالي معه، وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام، وذكر سالف خدمته ومناصحته، ~~وقال سعيد بن حميد، صاحب جيشه: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع، ولترون ~~خيولنا بحلوان، وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان. # ووصل السلطان إلى بغداذ في العشرين من ربيع الآخر، ومعه وزيره نظام الملك ~~أحمد بن نظام الملك، وسير البرسقي، شحنة بغداذ، في جماعة من الأمراء إلى ~~صرصر، فنزلوا عليها. # PageV08P550 # وكان وصول السلطان، جريدة، لا يبلغ عسكره ألفي فارس، فلما تيقن ببغداذ ~~مكاشفة صدقة، أرسل إلى الأمراء يأمرهم بالوصول إليه، والجد في السير، ~~وتعجيل ذلك، فوردوا إليه من كل جانب. # ثم وصل كتاب صدقة إلى الخليفة، في جمادى الأولى، يذكر أنه واقف عند ما ~~يرسم له ويقرر من حاله مع السلطان، ومهما أمرته ms3739 من ذلك امتثله، فأنفذ ~~الخليفة الكتاب إلى السلطان، فقال السلطان: أنا ممتثل ما يأمر به الخليفة، ~~ولا مخالفة عندي، فأرسل الخليفة إلى صدقة يعرفه إجابة السلطان إلى ما طلب ~~منه، ويأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له، ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق ~~عليه. فعاد (صدقة عن ذلك الرأي، وقال: إذا رحل السلطان عن بغداذ) أمددته ~~بالمال والرجال، وما يحتاج إليه في الجهاد، وأما الآن وهو ببغداذ، وعسكره ~~بنهر الملك، فما عندي مال ولا غيره، وإن جاولي سقاوو، وإيلغازي بن أرتق، قد ~~أرسلا إلي بالطاعة لي والموافقة معي على محاربة السلطان وغيره، ومتى ~~أردتهما وصلا إلي (في عساكرهما. # وورد إلى) السلطان قرواش بن شرف الدولة، وكرماوي بن خراسان التركماني، ~~وأبو عمران فضل بن ربيعة بن حازم بن الجراح الطائي، وآباؤه كانوا أصحاب ~~البلقاء والبيت المقدس منهم: حسان بن المفرج الذي مدحه التهامي، وكان فضل ~~تارة مع الفرنج، وتارة مع المصريين، فلما رآه طغتكين أتابك على هذه الحال ~~طرده من الشام، فلما طرده التجأ إلى صدقة وعاقده، فأكرمه صدقة، وأهدى له ~~هدايا كثيرة منها سبعة آلاف دينار عينا. # فلما كانت هذه الحادثة بين صدقة والسلطان سار في الطلائع، ثم هرب إلى ~~السلطان، فلما وصل خلع عليه وعلى أصحابه، وأنزله بدار صدقة ببغداذ، فلما ~~سار السلطان إلى قتال صدقة استأذنه فضل في إتيان البرية ليمنع صدقة من ~~الهرب إن أراد ذلك، فأذن له، فعبر بالأنبار وكان آخر العهد به. # وأنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا التركماني، ~~فأخرج عنها نائب صدقة، وأمن الناس كلهم، إلا أصحاب صدقة، فتفرقوا، ولم ينهب # PageV08P551 # أحد، وأنفذ خيله إلى بلد قوسان، وهو من أعمال صدقة، فنهبه أقبح نهب، ~~وأقام عدة أيام، فأرسل صدقة إليه ثابت بن سلطان، وهو ابن عم صدقة، ومعه ~~عسكر، فلما وصلوا إليها خرج منها الأتراك، وأقام ثابت بها، وبينه وبينهم ~~دجلة. # ثم إن ابن بوقا عبر جماعة من الجند ارتضاهم، وعرف شجاعتهم، فوقفوا على ~~موضع مرتفع على نهر سالم، يكون ارتفاعه ms3740 نحو خمسين ذراعا، فقصدهم ثابت ~~وعسكره فلم يقدروا أن يقربوا الترك من النشاب، والمدد يأتيهم من ابن بوقا، ~~وجرح ثابت في وجهه، وكثر الجراح في أصحابه، فانهزم هو ومن معه، وتبعهم ~~الأتراك، فقتلوا منهم، وأسروا، ونهب طائفة من الترك مدينة واسط، واختلط بهم ~~رجالة ثابت، فنهبت معهم، فسمع ابن بوقا الخبر، فركب إليهم ومنعهم، وقد ~~نهبوا بعض البلد، ونادى في الناس بالأمان، وأقطع السلطان، أواخر جمادى ~~الأولى، مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي وأمر ابن بوقا بقصد بلد صدقة ~~ونهبه، فنهبوا فيه ما لا يحد. # وأما السلطان محمد فإنه سار عن بغداذ إلى الزعفرانية، ثاني جمادى الآخرة، ~~فأرسل إليه الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب يأمره بالتوقف، وترك العجلة ~~خوفا على الرعية من القتل والنهب، وأشار قاضي أصبهان بذلك، واتباع أمر ~~الخليفة، فأجاب السلطان إلى ذلك، فأرسل الخليفة إلى صدقة نقيب النقباء علي ~~بن طراد، وجمال الدولة مختصا الخادم، فساروا إلى صدقة فأبلغاه رسالة ~~الخليفة يأمره بطاعة السلطان، وينهاه عن المخالفة، فاعتذر صدقة، وقال: ما ~~خالفت الطاعة، ولا قطعت الخطبة في بلدي. وجهز ابنه دبيسا ليسير معهما إلى ~~السلطان. # (فبينما الرسل) وصدقة في هذا الحديث، إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر ~~السلطان قد عبروا من مطيراباذ، وأن الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة قائمة على ~~ساق، فتجلد صدقة لأجل الرسل، وهو يشتكي الركوب إلى أصحابه خوفا عليهم، وكان ~~الرسل إذا سمعوا ذلك ينكرونه لأنهم قد تقدموا إلى العسكر، عند عبورهم ~~عليهم، أن لا يتعرض أحد منهم إلى حرب، حتى نعود، فإن الصلح قد قارب. فقال ~~صدقة للرسول: كيف أثق أرسل ولدي الآن وكيف آمن عليه، وقد جرى ما ترون؟ فإن # PageV08P552 # تكفلتم برده إلي أنفذته. فلم يتجاسروا على كفالته، فكتب إلى الخليفة ~~يعتذر عن إنفاذ ولده بما جرى. # وكان سبب هذه الوقعة أن عسكر السلطان لما رأوا الرسل اعتقدوا وقوع الصلح، ~~فقال بعضهم: الرأي أننا ننهب شيئا قبل الصلح، فأجاب البعض وامتنع البعض، ~~فعبر من أجاب النهر، ولم يتأخر من لم يجب ms3741 لئلا ينسب إلى خور وجبن، ولئلا ~~يتم على من عبر وهن، فيكون عاره وأذاه عليهم، فعبروا بعدهم أيضا، فأتاهم ~~أصحاب صدقة وقاتلوهم، فكانت الهزيمة على الأتراك، وقتل منهم جماعة كثيرة، ~~وأسر جماعة من أعيانهم، وكثير من غيرهم، وغرق جماعة منهم: الأمير محمد بن ~~ياغي سيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية، وكان عمره نيفا وعشرين سنة، وكان ~~محبا (للعلماء وأهل الدين) ، وبنى بإقطاعه من أذربيجان عدة مدارس. ولم يجسر ~~الأتراك على أن يعرفوا السلطان بما أخذ منهم من الأموال والدواب خوفا منه، ~~حيث فعلوا ذلك بغير أمره. # وطمع العرب بهذه الهزيمة، وظهر منهم الفخر والتيه والطمع، وأظهروا أنهم ~~باعوا كل أسير بدينار، وأن ثلاثة باعوا أسيرا بخمسة قراريط وأكلوا بها خبزا ~~وهريسة، وجعلوا ينادون: من يتغدى بأسير، ويتعشى بآخر؟ وظهر من الأتراك ~~اضطراب عظيم. # وأعاد الخليفة مكاتبة صدقة بتحرير أمر الصلح، فأجاب أنه لا يخالف ما يؤمر ~~به، وكتب صدقة أيضا إلى السلطان يعتذر مما نقل عنه، ومن الحرب التي كانت ~~بين أصحابه وبين الأتراك، وأن جند السلطان (عبرت إلى) أصحابه، فمنعوا عن ~~أنفسهم بغير علمه، وأنه لم يحضر الحرب، ولم ينزع يدا من طاعة، ولا قطع ~~خطبته من بلده. # ولم يكن صدقة كاتبه قبل هذا الكتاب، فأرسل الخليفة نقيب النقباء، وأبا ~~سعد الهروي إلى صدقة، (فقصد السلطان أولا، وأخذ يده بالأمان لمن يقصده من ~~أقارب صدقة، فلما وصلا إلى صدقة) وقالا له عن الخليفة: إن إصلاح قلب ~~السلطان # PageV08P553 # موقوف على إطلاق الأسرى، ورد جميع ما أخذ من العسكر المنهزم، فأجاب أولا ~~بالخضوع والطاعة، ثم قال: لو قدرت على الرحيل من بين يدي السلطان فعلت، لكن ~~ورائي من ظهري، وظهر أبي وجدي، ثلاثمائة امرأة، ولا يحملهن مكان، ولو علمت ~~أنني إذا جئت السلطان مستسلما قبلني واستخدمني لفعلت، لكنني أخاف أنه لا ~~يقيل عثرتي، ولا يعفو عن زلتي. # وأما ما نهب فإن الخلق كثير، وعندي من لا أعرفه، وقد نهبوا ودخلوا البر، ~~فلا طاقة لي عليهم، ولكن إن كان السلطان لا يعارضني ms3742 فيما في يدي، ولا فيمن ~~أجرته، وأن يقر سرخاب بن كيخسرو على إقطاعه بساوة، وأن يتقدم إلى ابن بوقا ~~بإعادة ما نهب من بلادي، وأن يخرج وزير الخليفة يحلفه بما أثق به من ~~الأيمان على المحافظة فيما بيني وبينه، فحينئذ أخدم بالمال، وأدوس بساطه ~~بعد ذلك. # فعادوا بهذا، ومعهم أبو منصور بن معروف، رسول صدقة، فردهم الخليفة، وأرسل ~~السلطان معهم قاضي أصبهان أبا إسماعيل، فأما أبو إسماعيل فلم يصل إليه، ~~وعاد من الطريق، وأصر صدقة على القول الأول. فحينئذ سار السلطان، ثامن رجب، ~~من الزعفرانية، وسار صدقة في عساكره إلى قرية مطر، وأمر جنده بلبس السلاح، ~~واستأمن ثابت بن السلطان بن دبيس بن علي بن مزيد، وهو ابن عم صدقة، إلى ~~السلطان محمد، وكان يحسد صدقة، وهو الذي تقدم ذكره أنه كان بواسط، فأكرمه ~~السلطان، وأحسن إليه، ووعده الإقطاع. # ووردت العساكر إلى السلطان منهم: بنو برسق، وعلاء الدولة أبو كاليجار ~~كرشاسب بن علي بن فرامرز (أبي جعفر بن كاكاويه وآباؤه كانوا أصحاب أصبهان، ~~وفرامرز) هو الذي سلمها إلى طغرلبك، وقتل أبوه مع تتش. # وعبر عسكر السلطان دجلة، ولم يعبر هو، فصاروا مع صدقة على أرض واحدة، ~~بينهما نهر، والتقوا تاسع عشر رجب، وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان، ~~فلما التقوا صارت في ظهورهم، وفي وجوه أصحاب صدقة، ثم إن الأتراك رموا ~~بالنشاب، فكان يخرج في كل رشقة عشرة آلاف نشابة، فلم يقع سهم إلا في فرس أو ~~فارس، وكان أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم النهر من الوصول إلى الأتراك ~~والنشاب، ومن عبر منهم لم يرجع، وتقاعدت عبادة وخفاجة، وجعل صدقة ينادي: يا ~~آل خزيمة، يا آل # PageV08P554 # ناشرة، يا آل عوف، ووعد الأكراد بكل جميل لما ظهر من شجاعتهم، وكان راكبا ~~على فرسه المهلوب، ولم يكن لأحد مثله، فجرح الفرس ثلاث جراحات وأخذه الأمير ~~أحمديل بعد قتل صدقة، فسيره إلى بغداذ في سفينة، فمات في الطريق. # وكان لصدقة فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة، فلما رأى الناس وقد ms3743 ~~غشوا صدقة هرب عليه، فناداه صدقة، فلم يجبه، وحمل صدقة على الأتراك، وضربه ~~غلام منهم على وجهه فشوهه، وجعل يقول: أنا ملك العرب، أنا صدقة! فأصابه سهم ~~في ظهره، وأدركه غلام اسمه بزغش، كان أشل، فتعلق به، وهو لا يعرفه، وجذبه ~~عن فرسه، فسقط إلى الأرض هو والغلام، فعرفه صدقة، فقال: يا بزغش ارفق، ~~فضربه بالسيف فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقي، فحمله إلى السلطان، فلما ~~رآه عانقه، وأمر لبزغش بصلة. # وبقي صدقة طريحا إلى أن سار السلطان، فدفنه إنسان من المدائن. وكان عمره ~~تسعا وخمسين سنة، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة، وحمل رأسه إلى بغداذ، وقتل ~~من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، فيهم جماعة من أهل بيته، وقتل من ~~بني شيبان خمسة وتسعون رجلا، وأسر ابنه دبيس بن صدقة، وسرخاب بن كيخسرو ~~الديلمي الذي كانت هذه الحرب بسببه، فأحضر بين يدي السلطان، فطلب الأمان، ~~فقال: قد عاهدت الله أنني لا أقتل أسيرا، فإن ثبت عليك أنك باطني قتلتك، ~~وأسر سعيد بن حميد العمري، صاحب جيش صدقة، وهرب بدران بن صدقة إلى الحلة، ~~فأخذ من المال وغيره ما أمكنه، وسير أمه ونساءه إلى البطيحة إلى مهذب ~~الدولة أبي العباس أحمد بن أبي الجبر، وكان بدران صهر مهذب الدولة على ~~ابنته، ونهب من الأموال ما لا حد عليه. # وكان له من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير، ألوف مجلدات، وكان يحسن يقرأ، ~~ولا يكتب، وكان جوادا، حليما، صدوقا، كثير البر والإحسان، ما برح ملجأ # PageV08P555 # لكل ملهوف، يلقى من يقصده بالبر والتفضل، ويبسط قاصديه، ويزورهم، وكان ~~عادلا، والرعايا معه في أمن ودعة، وكان عفيفا لم يتزوج على امرأته، ولا ~~تسرى عليها، فما ظنك بغير هذا؟ ولم يصادر أحدا من نوابه، ولا أخذهم بإساءة ~~قديمة، وكان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته، ويدلون عليه إدلال الولد على ~~الوالد، ولم يسمع برعية أحبت أميرها كحب رعيته له. # وكان متواضعا، محتملا، يحفظ الأشعار، ويبادر إلى النادرة، رحمه الله، لقد ~~كان من محاسن الدنيا. # وعاد السلطان ms3744 إلى بغداذ، ولم يصل إلى الحلة، وأرسل إلى البطيحة أمانا ~~لزوجة صدقة، وأمرها بالظهور فأصعدت إلى بغداذ، فأطلق السلطان ابنها دبيسا، ~~وأنفذ معه جماعة من الأمراء إلى لقائها، فلما لقيها ابنها بكيا بكاء شديدا، ~~ولما وصلت إلى بغداذ أحضرها السلطان، واعتذر من قتل زوجها، وقال: وددت أنه ~~حمل إلي حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس به من الجميل والإحسان، لكن ~~الأقدار غلبتني. واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد. # ذكر وفاة تميم بن المعز صاحب إفريقية وولاية ابنه يحيى # في هذه السنة، في رجب، توفي تميم بن المعز بن باديس، صاحب إفريقية، وكان ~~شهما، شجاعا، ذكيا، له معرفة حسنة، وكان حليما، كثير العفو عن الجرائم ~~العظيمة، وله شعر حسن، فمنه أنه وقعت حرب بين طائفتين من العرب، وهم عدي، ~~ورياح، فقتل رجل من رياح، ثم اصطلحوا، وأهدروا دمه، وكان صلحهم ما يضر به ~~وببلاده، فقال أبياتا يحرض على الطلب بدمه، وهي: # متى كانت دماؤكم تطل ... أما فيكم بثأر مستقل # أغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذل # PageV08P556 # ونمتم عن طلاب الثأر حتى # كأن العز فيكم مضمحل ... وما كسرتم فيه العوالي # ولا بيض تفل، ولا تسل # فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من عدي، واشتد بينهم القتال، وكثرت ~~القتلى، حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية. # قيل: إنه اشترى جارية بثمن كثير، فبلغه أن مولاها الذي باعها ذهب عقله ~~وأسف على فراقها، فأحضره تميم إلى بين يديه، وأرسل الجارية إلى داره، ومعها ~~الكسوات، والأواني الفضة، وغيرها، ومن الطيب، وغيره، شيء كثير، ثم أمر ~~مولاها بالانصراف، وهو لا يعلم بذلك، فلما وصل إلى داره ورآها على تلك ~~الحال وقع مغشيا عليه لكثرة سروره، ثم أفاق. فلما كان الغد أخذ الثمن، ~~وجميع ما كان معها، وحمله إلى دار تميم، فانتهره، وأمره بإعادة جميع ذلك ~~إلى داره. # وكان له في البلاد أصحاب أخبار يجري عليهم أرزاقا سنية ليطالعوه بأحوال ~~أصحابه لئلا يظلموا الناس، فكان بالقيروان تاجر له مال وثروة، فذكر في بعض ~~الأيام التجار ms3745 تميما، ودعوا له، وذلك التاجر حاضر، فترحم على أبيه المعز، ~~ولم يذكره، فرفع ذلك إلى تميم، فأحضره إلى قصره وسأله: هل ظلمتك؟ فقال: لا! ~~قال: فهل ظلمك بعض أصحابي؟ قال: لا! قال: فلم أطلقت لسانك أمس بذمي؟ فسكت، ~~فقال: لولا أن يقال شره في ماله لقتلتك، ثم أمر به فصفع في حضرته قليلا، ثم ~~أطلقه فخرج، وأصحابه ينتظرونه، فسألوه عن خبره، فقال: أسرار الملوك لا ~~تذاع، فصارت بإفريقية مثلا. # ولما توفي كان عمره تسعا وسبعين سنة، وكانت ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة ~~أشهر وعشرين يوما، وخلف من الذكور ما يزيد على مائة، ومن البنات ستين بنتا، ~~ولما توفي ملك بعده ابنه يحيى بن تميم، وكانت ولادته بالمهدية لأربع بقين ~~من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكان عمره حين ولي ثلاثا وأربعين ~~سنة وستة أشهر وعشرين يوما، ولما ولي فرق أموالا جزيلة، وأحسن السيرة في ~~الرعية. # PageV08P557 # ذكر ملك يحيى قلعة قليبية # لما ملك يحيى بن تميم بعد أبيه، جرد عسكرا كثيفا إلى قلعة قليبية، وهي من ~~أحسن قلاع إفريقية، فنزل عليها، وحصرها حصارا شديدا، ولم يبرح حتى فتحها ~~وحصنها، وكان أبوه تميم قد رام فتحها، فلم يقدر على ذلك، ولم يزل مظفرا، ~~منصورا، لم يهزم له جيش. # ذكر قدوم ابن عمار بغداذ مستنفرا # في هذه السنة، في شهر رمضان، ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار، صاحب ~~طرابلس الشام، إلى بغداذ، قاصدا باب السلطان محمد، مستنفرا على الفرنج، ~~طالبا تسيير العساكر لإزاحتهم، والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر الفرنج ~~لمدينة طرابلس، على ما ذكرناه، ضاقت عليه الأقوات وقلت، واشتد الأمر عليه، ~~وعلى أهل البلد، فمن الله عليهم، سنة خمسمائة، بميرة في البحر من جزيرة ~~قبرس، وأنطاكية، وجزائر البنادقة، فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد، بعد ~~أن كانوا استسلموا. # فلما بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان محمد وزوال كل مخالف رأى لنفسه ~~وللمسلمين قصده والانتصار به، فاستناب بطرابلس ابن عمه ذا المناقب، وأمر ~~بالمقام بها، ورتب معه الأجناد ms3746 برا وبحرا، وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفا، ~~وجعل كل موضع إلى من يقوم بحفظه، بحيث إن ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ~~ذلك، وسار إلى دمشق، فأظهر ابن عمه الخلاف له، والعصيان عليه، ونادى بشعار ~~المصريين، فلما عرف فخر الملك ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه، ~~وحمله إلى حصن الخوابي، ففعلوا ما أمرهم. # وكان ابن عمار قد استصحب معه الهدايا ما لم يوجد عند ملك مثله من الأعلاق ~~النفيسة، والأشياء الغريبة، والخيل الرائقة، فلما وصلها لقيه عسكرها، ~~وطغتكين أتابك، وخيم على ظاهر البلد، وسأله طغتكين الدخول إليه، فدخل يوما ~~واحدا إلى الطعام، وأدخله حمامه، وسار عنها ومعه ولد طغتكين يشيعه. # PageV08P558 # فلما وصل إلى بغداذ أمر السلطان الأمراء كافة بتلقيه وإكرامه، وأرسل إليه ~~شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها، فلما نزل إليها قعد بين يدي ~~موضع السلطان، فقال له من بها من خواص السلطان: قد أمرنا أن يكون جلوسك في ~~دست السلطان، فلما دخل على السلطان أجلسه، وأكرمه، وأقبل عليه بحديثه. # وسير الخليفة خواصه، وجماعة أرباب المناصب، فلقوه، وأنزله الخليفة وأجرى ~~عليه الجراية العظيمة، وكذلك أيضا فعل السلطان، وفعل معه ما لم يفعل مع ~~الملوك الذين معهم أمثاله، وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا، ولأجر الآخرة ~~أكبر. # ولما اجتمع بالسلطان قدم هديته، وسأل السلطان عن حاله، وما يعانيه في ~~مجاهدة الكفار، ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم، فذكر له حاله، وقوة ~~عدوه، وطول حصره، وطلب النجدة، وضمن أنه إذا سيرت العساكر معه أوصل إليهم ~~جميع ما يلتمسونه، فوعده السلطان بذلك، وحضر دار الخلافة، وذكر أيضا نحوا ~~مما ذكره عند السلطان، وحمل هدية جميلة نفيسة، وأقام إلى أن رحل السلطان عن ~~بغداذ في شوال، فأحضره عنده بالنهروان، وقد تقدم إلى الأمير حسين بن أتابك ~~قتلغ تكين ليسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال ~~جاولي سقاوو، ليمضوا معه إلى الشام، وخلع عليه السلطان خلعا نفيسة، وأعطاه ~~شيئا كثيرا، وودعه، وسار ومعه الأمير حسين فلم ms3747 يجد ذلك نفعا، وكان ما نذكره ~~بعد إن شاء الله تعالى. # ثم إن فخر الملك بن عمار عاد إلى دمشق منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة، ~~فأقام بها أياما، وتوجه منها مع عسكر من دمشق إلى جبلة، فدخلها وأطاعه ~~أهلها. # PageV08P559 # وأما أهل طرابلس، فإنهم راسلوا الأفضل أمير الجيوش بمصر يلتمسون منه ~~واليا يكون عندهم، ومعه الميرة في البحر، فسير إليهم شرف الدولة بن أبي ~~الطيب واليا، ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في الحصار، فلما صار ~~فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه، وأخذ ما وجده من ذخائره ~~وآلاته وغير ذلك، وحمل الجميع إلى مصر في البحر. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شعبان، أطلق السلطان محمد الضرائب والمكوس، ودار البيع، ~~والاجتيازات، وغير ذلك مما يناسبه بالعراق، وكتبت به الألواح، وجعلت في ~~الأسواق. # وفيها، في شهر رمضان، ولي القاضي أبو العباس بن الرطبي الحسبة ببغداذ. # وفيه أيضا عزل الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب برسالة من السلطان ~~بذلك، ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان، وشرطه عليه شروطا منها: العدل ~~وحسن السيرة، وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة. # وفيها عاد أصبهبذ صباوة من دمشق، وكان هرب عند قتل إياز، فلما قدم أكرمه ~~السلطان، وأقطعه رحبة مالك بن طوق. # وفيها، سابع شوال، خرج السلطان إلى ظاهر بغداذ، عازما على العود إلى ~~أصبهان، وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر وسبعة عشر يوما. # PageV08P560 # وفيها، في ذي الحجة، احترقت خرابة ابن جردة، فهلك فيها كثير من الناس، ~~وأما الأمتعة، والأموال، وأثاث البيوت، فهلك ما لا حد عليه، وخلص خلق بنقب ~~نقبوه في سور المحلة إلى مقبرة باب أبرز، وكان بها جماعة بها من اليهود، ~~فلم ينقلوا شيئا لتمسكهم بسبتهم، وكان بعض أهله قد عبروا إلى الجانب الغربي ~~للفرجة، على عادتهم في السبت الذي يلي العيد، فعادوا فوجدوا بيوتهم قد ~~خربت، وأهلها قد احترقوا، وأموالهم قد هلكت. # ثم تبع حريق في عدة أماكن منها: درب القيار، وقراح ابن رزين، فارتاع ~~الناس لذلك، ms3748 وبطلوا معايشهم، وأقاموا ليلا ونهارا يحرسون بيوتهم في الدروب، ~~وعلى السطوح، وجعلوا عندهم الماء المعد لإطفاء النار، فظهر أن سبب هذا ~~الحريق أن جارية أحبت رجلا، فوافقته على المبيت عندها في دار مولاها سرا، ~~وأعدت له ما يسرقه إذا خرج، ويأخذها هي أيضا معه، فلما أخذها طرحا النار في ~~الدار، فخرجا، فأظهر الله عليهما، وعجل الفضيحة لهما، فأخذا وحبسا. # وفيها جمع بغدوين ملك الفرنج عسكره وقصد مدينة صور وحصرها، وأمر ببناء ~~حصن عندها، على تل المعشوقة، وأقام شهرا محاصرا لها، فصانعه واليها على ~~سبعة آلاف دينار، فأخذها ورحل عن المدينة. # وقصد مدينة صيدا، فحصرها برا وبحرا ونصب عليها البرج الخشب، ووصل الأسطول ~~المصري في الدفع عنها، والحماية لمن فيها، فقاتلهم أسطول الفرنج، فظهر ~~المسلمون عليهم، فاتصل بالفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل صيدا، فرحلوا عنها ~~بغير فائدة. # PageV08P561 # وفيها ظهر كوكب عظيم له ذوائب، فبقي ليالي كثيرة ثم غاب. # الوفيات. # توفي في هذه السنة، في شعبان، إبراهيم بن مياس بن مهدي أبو إسحاق القشيري ~~الدمشقي، سمع الحديث الكثير من الخطيب البغدادي وغيره. # وتوفي في ذي القعدة أبو سعيد إسماعيل بن عمرو بن محمد النيسابوري المحدث، ~~كان يقرأ الحديث للغرباء، قرأ صحيح مسلم على عبد الغافر الفارسي عشرين مرة. # PageV08P562 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة] ### | 502 - # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة ذكر استيلاء مودود وعسكر السلطان على الموصل ~~وولاية مودود # في هذه السنة، في صفر، استولى مودود، والعسكر الذي أرسله السلطان معه، ~~على مدينة الموصل، وأخذوها من أصحاب جاولي سقاوو، وقد ذكرنا سنة خمسمائة ~~استيلاء جاولي عليها، وما جرى بينه وبين جكرمش والملك قلج أرسلان، وهلاكهما ~~على يده، وصار معه بعد ذلك العسكر الكثير، والعدة التامة، والأموال ~~الكثيرة، وكان السلطان محمد قد جعل إليه ولاية كل بلد يفتحه، فاستولى على ~~كثير من البلاد والأموال. # وكان سبب أخذ البلاد منه: أنه لما استولى عليها، وعلى الأموال الكثيرة ~~منها، لم يحمل إلى السلطان منها شيئا، فلما وصل السلطان إلى بغداذ، لقصد ~~بلاد سيف الدولة صدقة، ms3749 أرسل إلى جاولي يستدعيه إليه بالعساكر، وكرر الرسل ~~إليه، فلم يحضر، وغالط في الانحدار إليه، وأظهر أنه يخاف أن يجتمع به، ولم ~~يقنع بذلك، حتى كاتب صدقة، وأظهر له أنه معه، ومساعده على حرب السلطان، ~~وأطمعه في الخلاف والعصيان. # فلما فرغ السلطان من أمر صدقة، وقتله، كما ذكرناه، تقدم إلى الأمراء بني ~~برسق، وسكمان القطبي، ومودود بن ألتونتكين، وآقسنقر البرسقي، ونصر ابن ~~مهلهل بن # PageV08P563 # أبي الشوك الكردي، وأبي الهيجاء، صاحب إربل، بالمسير إلى الموصل، وبلاد ~~جاولي، وأخذها منه، فتوجهوا نحو الموصل، فوجدوا جاولي عاصيا قد شيد سور ~~الموصل، وأحكم ما بناه جكرمش، وأعد الميرة والأقوات والآلات، واستظهر على ~~الأعيان بالموصل، فحبسهم، وأخرج من أحداثها ما يزيد على عشرين ألفا، ونادى: ~~متى اجتمع عاميان على الحديث في هذا الأمر قتلهما، وخرج عن البلد، ونهب ~~السواد. # وترك بالبلد زوجته ابنة برسق، وأسكنها القلعة، ومعها ألف وخمسمائة فارس ~~من الأتراك، سوى غيرهم، وسوى الرجالة، ونزل العسكر عليها في شهر رمضان سنة ~~إحدى وخمسمائة، وصادرت زوجته من بقي بالبلد، وعسفت نساء الخارجين عنه، ~~وبالغت في الاحتراز عليهم، فأوحشهم ذلك، ودعاهم إلى الانحراف عنها، وقوتل ~~أهل البلد قتالا متتابعا، فتمادى الحصار بأهلها من خارج، والظلم من داخل ~~إلى آخر المحرم، والجند بها يمنعون عاميا من القرب من السور. # فلما طال الأمر على الناس، اتفق نفر من الجصاصين - ومقدمهم جصاص يعرف ~~بالسعدي - على تسليم البلد، وتحالفوا على التساعد، وأتوا وقت صلاة الجمعة، ~~والناس بالجامع، وصعدوا برجا، وأغلقوا أبوابه، وقتلوا من به من الجند، ~~وكانوا نياما، فلم يشعروا بشيء، حتى قتلوا، وأخذوا سلاحهم، وألقوهم إلى ~~الأرض، وملكوا برجا آخر. # ووقعت الصيحة، وقصدهم مائتا فارس من العسكر، ورموهم بالنشاب، وهم ~~يقاتلون، وينادون بشعار السلطان، فزحف عسكر السلطان إليهم، ودخلوا البلد من ~~ناحيتهم، وملكوه، ودخله الأمير مودود، ونودي بالسكون والأمن، وأن يعود ~~الناس إلى دورهم وأملاكهم، وأقامت زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام، وراسلت ~~الأمير مودودا في أن يفرج لها عن طريقها، وأن يحلف لها على الصيانة ~~والحراسة، فحلف، وخرجت ms3750 إلى أخيها برسق بن برسق، ومعها أموالها وما استولت ~~عليه وولي مودود الموصل وما ينضاف إليها. # PageV08P564 # ذكر حال جاولي مدة الحصار # وأما جاولي فإنه لما وصل عسكر السلطان، وحصرها، سار عنها، وأخذ معه ~~القمص، صاحب الرها، الذي كان قد أسره سقمان وأخذه منه جكرمش، وقد ذكرنا ~~ذلك، وسار إلى نصيبين، وهي حينئذ للأمير إيلغازي بن أرتق، وراسله وسأله ~~الاجتماع به، واستدعاه إلى معاضدته، وأن يكونا يدا واحدة، وأعلمه أن خوفهما ~~من السلطان ينبغي أن يجمعهما على الاحتماء منه. فلم يجبه إيلغازي إلى ذلك، ~~ورحل عن نصبين، ورتب بها ولده، وأمره بحفظها من جاولي، وأن يقاتله إن قصده، ~~وسار إلى ماردين. # فلما سمع جاولي ذلك عدل عن نصيبين، وقصد دارا وأرسل إلى إيلغازي ثانيا في ~~المعاني، وسار بعد الرسول، فبينما رسوله عند إيلغازي بماردين، لم يشعر إلا ~~وجاولي معه في القلعة وحده، وقصد أن يتألفه ويستميله، فلما رآه إيلغازي قام ~~إليه، وخدمه، ولما رأى جاولي محسنا للظن فيه، غير مستشعر منه، لم يجد إلى ~~دفعه سبيلا، فنزل معه، وعسكرا بظاهر نصبين، وسارا منها إلى سنجار، وحاصراها ~~مدة، فلم يجبهما صاحبها إلى صلح فتركاه وسارا نحو الرحبة، وإيلغازي يظهر ~~لجاولي المساعدة، ويبطن الخلاف، وينتظر فرصة لينصرف عنه، فلما وصلا إلى ~~عربان، من الخابور، هرب إيلغازي ليلا وقصد نصيبين. # ذكر إطلاق جاولي للقمص الفرنجي # لما هرب إيلغازي من جاولي سار جاولي إلى الرحبة، فلما وصل إلى ماكسين ~~أطلق القمص الفرنجي، الذي كان أسيرا بالموصل، وأخذه معه، واسمه بردويل، ~~وكان صاحب الرها وسروج وغيرهما، وبقي في الحبس إلى الآن، وبذل الأموال ~~الكثيرة، فلم يطلق، فلما كان الآن أطلقه جاولي، وخلع عليه، وكان مقامه في ~~السجن ما يقارب خمس سنين، وقرر عليه أن يفدي نفسه بمال، وأن يطلق أسرى ~~المسلمين الذين في سجنه، وأن ينصره متى أراد ذلك منه بنفسه وعسكره وماله. # فلما اتفقا على ذلك سير القمص إلى قلعة جعبر، وسلمه إلى صاحبهما سالم بن # PageV08P565 # مالك، حتى ورد عليه ابن خالته جوسلين، وهو من ms3751 فرسان الفرنج وشجعانها، وهو ~~صاحب تل باشر وغيره، وكان أسر مع القمص في تلك الوقعة، ففدى نفسه بعشرين ~~ألف دينار، فلما وصل جوسلين إلى قلعة جعبر أقام رهينة عوض القمص، وأطلق ~~القمص، وسار إلى أنطاكية، وأخذ جاولي جوسلين من قلعة جعبر فأطلقه، وأخذ ~~عوضه أخا زوجته، وأخا زوجة القمص، وسيره إلى القمص ليقوى به، وليحثه على ~~إطلاق الأسرى، وإنفاذ المال وما ضمنه، فلما وصل جوسلين إلى منبج أغار عليها ~~ونهبها، وكان معه جماعة من أصحاب جاولي، فأنكروا عليه ذلك، ونسبوه إلى ~~الغدر، فقال: إن هذه المدينة ليست لكم. # ذكر ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب أنطاكية # لما أطلق القمص وسار إلى أنطاكية أعطاه طنكري صاحبها ثلاثين ألف دينار، ~~وخيلا، وثيابا، وغير ذلك، وكان طنكري قد أخذ الرها من أصحاب القمص حين أسر، ~~فخاطبه الآن في ردها عليه، فلم يفعل، فخرج من عنده إلى تل باشر فلما قدم ~~عليه جوسلين، وقد أطلقه جاولي، سره ذلك، وفرح به. # وسار إليهما طنكري، صاحب أنطاكية، بعساكره ليحاربهما، قبل أن يقوى ~~أمرهما، ويجمعا عسكرا، ويلحق بهما جاولي وينجدهما، فكانوا يقتتلون، فإذا ~~فرغوا من القتال اجتمعوا وأكل بعضهم مع بعض وتحادثوا. # وأطلق القمص من الأسرى المسلمين مائة وستين أسيرا كلهم من سواد حلب، ~~وكساهم وسيرهم. # وعاد طنكري إلى أنطاكية من غير فصل حال في معنى الرها، فسار القمص ~~وجوسلين وأغارا على حصون طنكري صاحب أنطاكية، والتجآ إلى ولاية كواسيل، وهو ~~رجل أرمني ومعه خلق كثير من المرتدين وغيرهم، وهو صاحب رعبان، وكيسوم، ~~وغيرهما من القلاع، شمالي حلب، فأنجد القمص بألف فارس من المرتدين، وألفي ~~راجل، فقصدهم طنكري، فتنازعوا في أمر الرها، فتوسط بينهم # PageV08P566 # البطرك الذي لهم، وهو عندهم كالإمام الذي للمسلمين، لا يخالف أمره، وشهد ~~جماعة من المطارنة والقسيسين: # أن بيمند خال طنكري قال له، لما أراد ركوب البحر، والعود إلى بلاده، ~~ليعيد الرها إلى القمص، إذا خلص من الأسر، فأعادها عليه طنكري تاسع صفر، ~~وعبر القمص الفرات، ليسلم إلى أصحاب جاولي المال، والأسرى، فأطلق ms3752 في طريقه ~~خلقا كثيرا من الأسرى من حران وغيرها. # وكان بسروج ثلاثمائة مسلم ضعفى، فعمر أصحاب جاولي مساجدهم، وكان رئيس ~~سروج مسلما قد ارتد، فسمعه أصحاب جاولي يقول في الإسلام قولا شنيعا، ~~فضربوه، وجرى بينهم وبين الفرنج بسببه نزاع، فذكر ذلك للقمص، فقال: هذا لا ~~يصلح لنا ولا للمسلمين، فقتله. # ذكر حال جاولي بعد إطلاق القمص # لما أطلق جاولي القمص بماكسين سار إلى الرحبة، فأتاه أبو النجم بدران، ~~وأبو كامل منصور، ابنا سيف الدولة صدقة، وكانا، بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر، ~~عند سالم بن مالك، فتعاهدوا على المساعدة والمعاضدة، ووعدهما أنه يسير ~~معهما إلى الحلة، وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن تكش بن ألب أرسلان. # فوصل إليهم، وهم على هذا العزم، أصبهبذ صباوة، وكان قد قصد السلطان ~~فأقطعه الرحبة وقد ذكرناه، فاجتمع بجاولي، وأشار عليه أن يقصد الشام، فإن ~~بلاده خالية من الأجناد، والفرنج قد استولوا على كثير منها، وعرفه أنه متى ~~قصد العراق، والسلطان بها، أو قريبا منها، لم يأمن شرا يصل إليه. # فقبل قوله، وأصعد عن الرحبة، فوصل إليه رسل سالم بن مالك، صاحب قلعة ~~جعبر، يستغيث به من بني نمير، وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم، فوثب جوشن ~~النميري، ومعه جماعة من بني نمير، فقتل عليا وملك الرقة. # فبلغ ذلك الملك رضوان، فسار من حلب إلى صفين، فصادف تسعين رجلا من الفرنج ~~معهم مال من فدية القمص، صاحب الرها، قد سيره إلى جاولي، فأخذه، # PageV08P567 # وأسر عددا منهم، وأتى الرقة، فصالحه بنو نمير على مال، فرحل عنهم إلى حلب ~~فاستنجد سالم بن مالك جاولي، وسأله أن يرحل إلى الرقة ويأخذها، ووعده بما ~~يحتاج إليه. # فقصد الرقة، وحصرها سبعين يوما، فضمن له بنو نمير مالا وخيلا، فأرسل إلى ~~سالم: إنني في أمر أهم من هذا، وأنا بإزاء عدو، ويجب التشاغل به دون غيره، ~~وأنا عازم على الانحدار إلى العراق، فإن تم أمري فالرقة وغيرها لك، ولا ~~أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بني نمير. # ووصل إلى ms3753 جاولي الأمير حسين بن أتابك قتلغ تكين، وكان أبوه أتابك السلطان ~~محمد، فقتله، وتقدم ولده هذا عند السلطان، واختص به، فسيره السلطان مع فخر ~~الملك بن عمار ليصلح الحال مع جاولي، ويأمر العساكر بالمسير مع ابن عمار ~~إلى جهاد الكفار، فحضر عند جاولي، وأمر بتسليم البلاد وطيب قلبه عن ~~السلطان، وضمن الجميل، إذا سلم البلاد، وأظهر الطاعة والعبودية، فقال ~~جاولي: أنا مملوك السلطان، وفي طاعته، وحمل إليه مالا وثيابا لها مقدار ~~جليل، وقال له: سر إلى الموصل ورحل العسكر عنها، فإني أرسل معك من يسلم ~~ولدي إليك رهينة، وينفذ السلطان إليها من يتولى أمرها وجباية أموالها، ففعل ~~حسين ذلك، وسار ومعه صاحب جاولي، فلما وصلا إلى العسكر الذي على الموصل، ~~وكانوا لم يفتحوها بعد، أمرهم حسين بالرحيل، فكلهم أجاب، إلا الأمير مودود ~~فإنه قال: لا أرحل إلا بأمر السلطان، وقبض على صاحب جاولي، وأقام على ~~الموصل، حتى فتحها كما ذكرناه. # وعاد حسين بن قتلغ تكين إلى السلطان، فأحسن النيابة عن جاولي عنده، وسار ~~جاولي إلى مدينة بالس، فوصلها ثالث عشر صفر، فاحتمى أهلها منه، وهرب من بها ~~من أصحاب الملك رضوان وصاحب حلب، فحصرها خمسة أيام، وملكها بعد أن نقب برجا ~~من أبراجها، فوقع على النقابين، فقتل منهم جماعة وملك البلد، وصلب جماعة من ~~أعيانه عند النقب، وأحضر القاضي محمد بن عبد العزيز بن إلياس فقتله، وكان ~~صالحا، ونهب البلد وأخذ منه مالا كثيرا. # PageV08P568 # ذكر الحرب بين جاولي والفرنج # وفي هذه السنة، في صفر، كان المصاف بين جاولي سقاوو وبين طنكري الفرنجي، ~~صاحب أنطاكية. # وسبب ذلك أن الملك رضوان كتب إلى طنكري، صاحب أنطاكية، يعرفه ما هو جاولي ~~عليه من الغدر، والمكر، والخداع، ويحذره منه، ويعلمه أنه على قصد حلب، وأنه ~~إن ملكها لا يبقى للفرنج معه بالشام مقام، وطلب منه النصرة والاتفاق على ~~منعه. # فأجابه طنكري إلى منعه وبرز من أنطاكية، فأرسل إليه رضوان ستمائة فارس، ~~فلما سمع جاولي الخبر أرسل إلى القمص، صاحب الرها، يستدعيه إلى مساعدته، ~~وأطلق ms3754 له ما بقي عليه من مال المفاداة، فسار إلى جاولي فلحق به، وهو على ~~منبج، فوصل الخبر إليه، وهو على هذه الحال، بأن الموصل قد استولى عليها ~~السلطان، وملكوا خزائنه وأمواله، فاشتد ذلك عليه، وفارقه كثير من أصحابه ~~منهم أتابك زنكي بن آقسنقر، وبكتاش النهاوندي، وبقي جاولي في ألف فارس، ~~وانضم إليه خلق من المطوعة، فنزل بتل باشر. # وقاربهم طنكري، وهو في ألف وخمسمائة فارس من الفرنج، وستمائة من أصحاب ~~الملك رضوان، سوى الرجالة، فجعل جاولي في ميمنته الأمير أقسيان، والأمير ~~ألتونتاش الأبري، وغيرهما، وفي الميسرة الأمير بدران بن صدقة، وأصبهبذ ~~صباوة، وسنقر دراز، وفي القلب القمص بغدوين، وجوسلين الفرنجيين، ووقعت ~~الحرب، فحمل أصحاب أنطاكية على القمص، صاحب الرها، واشتد القتال، فأزاح ~~طنكري القلب عن موضعه، وحملت ميسرة جاولي على رجالة صاحب أنطاكية، فقتلت ~~منهم خلقا كثيرا، ولم يبق غير هزيمة صاحب أنطاكية، فحينئذ عمد أصحاب جاولي ~~إلى جنائب القمص، وجوسلين، وغيرهما من الفرنج، فركبوها وانهزموا، فمضى ~~جاولي وراءهم ليردهم، فلم يرجعوا، وكانت طاعته قد زالت عنهم حين أخذت ~~الموصل منه، فلما رأى أنهم لا يعودون معه أهمته نفسه، وخاف من المقام، ~~فانهزم، وانهزم باقي عسكره. # PageV08P569 # فأما أصبهبذ صباوة فسار نحو الشام، وأما بدران بن صدقة فسار إلى قلعة ~~جعبر، وأما ابن جكرمش فقصد جزيرة ابن عمر، وأما جاولي فقصد الرحبة، وقتل من ~~المسلمين خلق كثير، ونهب صاحب أنطاكية أموالهم وأثقالهم، وعظم البلاء عليهم ~~من الفرنج، وهرب القمص وجوسلين إلى تل باشر والتجأ خلق كثير من المسلمين، ~~ففعلا معهم الجميل، وداويا الجرحى وكسوا العراة، وسيراهم إلى بلادهم. # ذكر عود جاولي إلى السلطان # لما انهزم جاولي سقاوو قصد الرحبة، فلما قاربها بات دونها في عدة فوارس، ~~فاتفق أن طائفة من عسكر الأمير مودود، الذين أخذوا الموصل منه، أغاروا على ~~قوم من العرب يجاورون الرحبة فقاربوا جاولي ولا يشعرون به، ولو علموا ~~لأخذوه. # فلما رأى الحال كذلك، علم أنه لا يقدر أن يقيم بالجزيرة، ولا بالشام، ولا ~~يقدر على شيء يحفظ به ms3755 نفسه، ويرجع إليه، ويداوي به مرضه، غير قصد باب ~~السلطان محمد عن رغبة واختيار، وكان واثقا بالأمير حسين بن قتلغتكين، فرحل ~~من مكانه وهو خائف حذر، قد أخفى شخصه وكتم أمره، وسار إلى عسكر السلطان، ~~وكان بالقرب من أصبهان، فوصل إليه في سبعة عشر يوما من مكانه لجده في ~~السير، فلما وصل المعسكر قصد الأمير حسينا، فحمله إلى السلطان، فدخل إليه ~~وكفنه تحت يده، فأمنه، وأتاه الأمراء يهنونه بذلك، وطلب منه السلطان الملك ~~بكتاش بن تكش، فسلمه إليه، فاعتقله بأصبهان. # ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج والهدنة بعدها # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين طغتكين أتابك والفرنج وسببها أن طغتكين ~~سار إلى طبرية، وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي، ملك القدس، فتحاربا ~~واقتتلا، وكان طغتكين في ألفي فارس، وكثير من الرجالة وكان ابن أخت ملك ~~الفرنج في أربعمائة فارس، وألفي راجل. # PageV08P570 # فلما اشتد القتل انهزم المسلمون، فترجل طغتكين، ونادى بالمسلمين، وشجعهم ~~فعادوا الحرب، وكسروا الفرنج، وأسروا ابن أخت الملك، وحمل إلى طغتكين، فعرض ~~طغتكين عليه الإسلام، فامتنع منه، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار، ~~وإطلاق خمسمائة أسير، فلم يقنع طغتكين منه بغير الإسلام، فلما لم يجب قتله ~~بيده، وأرسل إلى الخليفة والسلطان الأسرى، ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك ~~الفرنج على وضع الحرب أربع سنين، وكان ذلك من لطف الله تعالى بالمسلمين، ~~ولولا هذه الهدنة لكان الفرنج بلغوا من المسلمين، بعد الهزيمة الآتي ذكرها، ~~أمرا عظيما. # ذكر انهزام طغتكين من الفرنج # في هذه السنة، في شعبان، انهزم أتابك طغتكين من الفرنج. # وسبب ذلك أن حصن عرقة، وهو من أعمال طرابلس، كان بيد غلام للقاضي فخر ~~الملك أبي علي بن عمار، صاحب طرابلس، وهو من الحصون المنيعة، فعصى على ~~مولاه، فضاق به القوت، وانقطعت عنه الميرة، لطول مكث الفرنج في نواحيه، ~~فأرسل إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وقال له: أرسل من يتسلم هذا الحصن مني، ~~قد عجزت عن حفظه، ولأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا وآخرة من أن يأخذه ~~الفرنج. ms3756 فبعث إليه طغتكين صاحبا له اسمه إسرائيل، في ثلاثمائة رجل، فتسلم ~~الحصن، فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه إسرائيل في الأخلاط، بسهم فقتله، ~~وكان قصده بذلك أن لا يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال. # وأراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه، وتقويته بالعساكر، والأقوات، وآلات ~~الحرب، فنزل الغيث والثلج مدة شهرين، ليلا ونهارا، فمنعه، فلما زال ذلك سار ~~في أربعة آلاف فارس، ففتح حصونا للفرنج منها حصن الأكمة. # فلما سمع السرداني الفرنجي بمجيء طغتكين، وهو على حصار طرابلس، توجه في ~~ثلاثمائة فارس، # PageV08P571 # فلما أشرف أوائل أصحابه على عسكر طغتكين انهزموا وخلوا ثقلهم ورحالهم ~~ودوابهم للفرنج، فغنموا، وقووا به، وزاد في تجملهم. # ووصل المسلمون إلى حمص، على أقبح حال من التقطع، ولم يقتل منهم أحد لأنه ~~لم تجر حرب، وقصد السرداني إلى عرقة، فلما نازلها طلب من كان بها الأمان، ~~فأمنهم على نفوسهم، وتسلم الحصن، فلما خرج من فيه قبض على إسرائيل، وقال: ~~لا أطلقه إلا بإطلاق فلان، وهو أسير كان بدمشق من الفرنج، منذ سبع سنين، ~~ففودي به وأطلقا معا. # ولما وصل طغتكين إلى دمشق، بعد الهزيمة، أرسل إليه ملك القدس يقول له: لا ~~تظن أنني أنقض الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة، فالملوك ينالهم أكثر مما ~~نالك، ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة، وكان طغتكين خائفا أن يقصده ~~بعد هذه الكسرة فينال من بلده كل ما أراد. # ذكر صلح السنة والشيعة ببغداذ # في هذه السنة في شعبان، اصطلح عامة بغداذ السنة والشيعة، وكان الشر منهم ~~على طول الزمان، وقد اجتهد الخلفاء، والسلاطين، والشحن في إصلاح الحال، ~~فتعذر عليهم ذلك، إلى أن أذن الله تعالى فيه، وكان بغير واسطة. # وكان السبب في ذلك أن السلطان محمدا لما قتل ملك العرب صدقة، كما ذكرناه، ~~خاف الشيعة ببغداذ - أهل الكرخ وغيرهم - لأن صدقة كان يتشيع هو وأهل بيته، ~~فشنع أهل السنة عليهم بأنهم نالهم غم وهم لقتله، فخاف الشيعة، وأغضوا على ~~سماع هذا، ولم يزالوا خائفين إلى شعبان، فلما ms3757 دخل شعبان تجهز السنة لزيارة ~~قبر مصعب بن الزبير، وكانوا قد تركوا ذلك سنين كثيرة ومنعوا منه لتنقطع ~~الفتن الحادثة بسببه. # فلما تجهزوا للمسير اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ، فأظهروا ذلك، # PageV08P572 # فاتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم، وأنهم لا يمنعونهم، فصارت السنة ~~تسير أهل كل محلة منفردين، ومعهم من الزينة والسلاح شيء كثير، وجاء أهل باب ~~المراتب، ومعهم فيل قد عمل من خشب، وعليه الرجال بالسلاح، وقصدوا جميعهم ~~الكرخ ليعبروا فيه، فاستقبلهم أهله بالبخور والطيب والماء المبرد، والسلاح ~~الكثير، وأظهروا بهم السرور وشيعوهم حتى خرجوا من المحلة. # وخرج الشيعة، ليلة النصف منه، إلى مشهد موسى بن جعفر وغيره، فلم يعترضهم ~~أحد من السنة، فعجب الناس لذلك، ولما عادوا من زيارة مصعب لقيهم أهل الكرخ ~~بالفرح والسرور، فاتفق أن أهل باب المراتب انكسر فيلهم عند قنطرة باب حرب، ~~فقرأ لهم قوم: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] إلى آخر ~~السورة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان، فتقبله وأكرمه، ~~وكان قد هرب، بعد قتل والده، إلى الآن، والتحق أخوه بدران بن صدقة بالأمير ~~مودود الذي أقطعه السلطان الموصل، فأكرمه، وأحسن صحبته. # وفيها، في نيسان، زادت دجلة زيادة عظيمة، وتقطعت الطرق، وغرقت الغلات ~~الشتوية والصيفية، وحدث غلاء عظيم بالعراق، بلغت كارة الدقيق الخشكار عشرة ~~دنانير إمامية، وعدم الخبز رأسا، وأكل الناس التمر والباقلاء الخضراء، وأما ~~أهل السواد فإنهم لم يأكلوا جميع شهر رمضان، ونصف شوال، سوى الحشيش والتوت. # وفيها، في رجب، عزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله بن المطلب، ووزر ~~له أبو القاسم علي بن أبي نصر بن جهير. # وفيها، في شعبان، تزوج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ملكشاه، وهي ~~أخت السلطان محمد، وكان الذي خطب النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد ~~النيسابوري، الحنفي، وكان المتولي لقبول العقد نظام الملك أحمد بن نظام ~~الملك، # PageV08P573 # وزير السلطان، بوكالة من الخليفة، وكان الصداق مائة ألف دينار، ونثرت ~~الجواهر والدنانير، ms3758 وكان العقد بأصبهان. # وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداذ، وكان سبب ذلك أن السلطان ~~محمدا كان قبض على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد، صاحب المخزن، وعلى أبي ~~الفرج بن رئيس الرؤساء، واعتقلهما عنده، ثم أطلقهما الآن، وقرر عليهما مالا ~~يحملانه إليه، فأرسل مجاهد الدين بهروز لقبض المال، وأمره السلطان بعمارة ~~دار المملكة، ففعل ذلك، وعمر الدار، وأحسن إلى الناس، فلما قدم السلطان إلى ~~بغداذ ولاه شحنكية العراق جميعه، وخلع على سعيد بن حميد العمري، صاحب جيش ~~صدقة، وولاه الحلة السيفية، وكان صارما، حازما، ذا رأي وجلد. # وفيها، في شوال، ملك الأمير سكمان القطبي، صاحب خلاط، مدينة ميافارقين ~~بالأمان، بعد أن حصرها وضيق على أهلها عدة شهور، فعدمت الأقوات بها، واشتد ~~الجوع بأهلها فسلموها. # وفي هذه السنة، في صفر، قتل قاضي أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي ~~بهمذان، وكان قد تجرد، في أمر الباطنية، تجردا عظيما، وصار يلبس درعا حذرا ~~منهم، ويحتاط، ويحترز، فقصده إنسان عجمي، يوم جمعة، ودخل بينه وبين أصحابه ~~فقتله. # وقتل صاعد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العلاء قاضي نيسابور، يوم عيد ~~الفطر، قتله باطني، وقتل الباطني، ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وسمع ~~الحديث، وكان حنفي المذهب. # وفي هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر، فأتى الخبر إلى ملك # PageV08P574 # الفرنج، فسار إليه وعارضه في البر، وأخذ كل من فيه، ولم يسلم منهم إلا ~~القليل، ومن سلم أخذه العرب. # وفيها، في فصح النصارى، ثار جماعة من الباطنية في حصن شيزر على حين غفلة ~~من أهله في مائة رجل، فملكوه، وأخرجوا من كان فيه، وأغلقوا بابه وصعدوا إلى ~~القلعة فملكوها، وكان أصحابها بنو منقذ قد نزلوا منها لمشاهدة عيد النصارى، ~~وكانوا قد أحسنوا، إلى هؤلاء الذين أفسدوا، كل الإحسان، فبادر أهل المدينة ~~الباشورة، فأصعدهم النساء في الحبال من الطاقات، وصاروا معهم، وأدركهم ~~الأمراء بنو منقذ، أصحاب الحصن، فصعدوا إليهم، فكبروا عليهم وقاتلوهم، ~~فانخذل الباطنية، وأخذهم السيف من كل جانب، فلم يفلت منهم أحد، وقتل من ms3759 كان ~~على رأيهم في البلد. # وفيها وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء، فكتبوا إلى أميرها يحيى بن تميم ~~يقولون: إنهم يعملون الكيمياء، فأحضرهم عنده، وأمرهم أن يعملوا شيئا يراه ~~من صناعتهم، فقالوا: نعمل النقرة، فأحضر لهم ما طلبوا من آلة وغيرها، وقعد ~~معهم هو والشريف أبو الحسن، وقائد جيشه واسمه إبراهيم، وكانا يختصان به، ~~فلما رأى الكيماوية المكان خاليا من جمع ثاروا بهم، فضرب أحدهم يحيى بن ~~تميم على رأسه، فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئا، ورفسه يحيى فألقاه ~~على ظهره، ودخل يحيى بابا وأغلقه على نفسه، فضرب الثاني الشريف فقتله، وأخذ ~~القائد إبراهيم السيف فقاتل الكيماوية، ووقع الصوت، فدخل أصحاب الأمير يحيى ~~فقتلوا # PageV08P575 # الكيماوية، وكان زيهم زي أهل الأندلس، فقتل جماعة من أهل البلد على مثل ~~زيهم، وقيل للأمير يحيى: إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن خليفة، ~~واتفق أن الأمير أبا الفتوح بن تميم، أخا يحيى، وصل تلك الساعة إلى القصر ~~في أصحابه وقد لبسوا السلاح، فمنع من الدخول، فثبت عند الأمير يحيى أن ذلك ~~بوضع منهما، فأحضر المقدم بن خليفة، وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا، لأنه ~~قتل أباهم، وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته بلارة بنت القاسم بن تميم، وهي ~~ابنة عمه، ووكل بهما في قصر زياد بين المهدية وسفاقس، فبقي هناك إلى أن مات ~~يحيى، وملك بعده ابنه علي سنة تسع وخمسمائة، فسير أبا الفتوح وزوجته بلارة ~~إلى ديار مصر في البحر، فوصلا إلى إسكندرية، على ما نذكره إن شاء الله. # وفيها، في المحرم، قتل عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو ~~المحاسن الروياني الطبري، الفقيه الشافعي، مولده سنة خمس عشرة وأربعمائة، ~~وكان حافظا للمذهب، ويقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من قلبي. # [الوفيات] # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي، ~~الشيباني، اللغوي، صاحب التصانيف المشهورة، وله شعر ليس بالجيد. # وفيها، في رجب، توفي السيد أبو هاشم زيد الحسيني، العلوي، رئيس همذان، ~~وكان نافذ الحكم، ماضي الأمر، وكانت ms3760 مدة رئاسته لها سبعا وأربعين سنة وجده ~~لأمه الصاحب أبو القاسم بن عباد، وكان عظيم المال جدا، فمن ذلك أنه أخذ منه ~~السلطان محمد في دفعة واحدة سبع مائة ألف دينار لم يبع لأجلها ملكا ولا # PageV08P576 # استدان دينارا، وأقام بعد ذلك بالسلطان محمد، عدة شهور، في جميع ما ~~يريده، وكان قليل المعروف. # وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن، الكاتب ~~المشهور بجودة الخط، وله شعر منه: # عنت الدنيا لطالبها ... واستراح الزاهد الفطن # عرف الدنيا، فلم يرها ... وسواه حظه الفتن # كل ملك نال زخرفها ... حظه مما حوى كفن # يقتني مالا، ويتركه ... في كلا الحالين مفتتن # أملي كوني على ثقة ... من لقاء الله مرتهن # أكره الدنيا، وكيف بها ... والذي تسخو به وسن # لم تدم قبلي على أحد ... فلماذا الهم والحزن؟ # وقيل توفي سنة تسع وأربعمائة، وقد ذكر هناك. # PageV08P577 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة] ### | 503 - # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت من الشام # في هذه السنة، حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج طرابلس. # وسبب ذلك: أن طرابلس كانت قد صارت في حكم صاحب مصر ونائبه فيها، والمدد ~~يأتي إليها منه، وقد ذكرنا ذلك سنة إحدى وخمسمائة. # فلما كانت هذه السنة، أول شعبان، وصل أسطول كبير من بلد الفرنج في البحر، ~~ومقدمهم قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ومراكبه مشحونة بالرجال، والسلاح، ~~والميرة، فنزل على طرابلس، وكان نازلا عليها قبله السرداني ابن أخت صنجيل، ~~وليس بابن أخت ريمند هذا، بل هو قمص آخر، فجرى بينهما فتنة أدت إلى الشر ~~والقتال، فوصل طنكري صاحب أنطاكية إليها، معونة للسرداني، ووصل الملك ~~بغدوين، صاحب القدس، في عسكره، فأصلح بينهم، ونزل الفرنج جميعهم على ~~طرابلس، وشرعوا في قتالها، ومضايقة أهلها، من أول شعبان، وألصقوا أبراجهم ~~بسورها، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم، وذلت نفوسهم، وزادهم ~~ضعفا تأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة. # وكان سبب تأخره: أنه فرغ منه، والحث عليه، واختلفوا فيه أكثر من سنة ~~وسار، فردته ms3761 الريح، فتعذر عليهم الوصول إلى طرابلس ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. # ومد الفرنج القتال عليها من الأبراج والزحف، فهجموا على البلد وملكوه ~~عنوة وقهرا يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة، ونهبوا ~~ما فيها، # PageV08P578 # وأسروا الرجال، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، وغنموا من أهلها ~~من الأموال، والأمتعة، وكتب دور العلم الموقوفة، ما لا يحد ولا يحصى، فإن ~~أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالا وتجارة، وسلم الوالي الذي كان بها ~~وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق، وعاقب ~~الفرنج بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم في مكامنهم. # ذكر ملك الفرنج جبلة وبانياس # لما فرغ الفرنج من طرابلس سار طنكري، صاحب أنطاكية، إلى بانياس، وحصرها، ~~وافتتحها، وأمن أهلها، ونزل مدينة جبلة، وفيها فخر الملك بن عمار، الذي كان ~~صاحب طرابلس، وكان القوت فيها قليلا، فقاتلها إلى أن ملكها في الثاني ~~والعشرين من ذي الحجة من السنة بالأمان، وخرج فخر الملك بن عمار سالما. # ووصل عقيب ملك طرابلس، الأسطول المصري بالرجال، والمال، والغلال، وغيرها، ~~ما يكفيهم سنة، فوصل إلى صور بعد أخذها بثمانية أيام للقضاء النازل بأهلها، ~~وفرقت الغلال التي فيه والذخائر في الجهات المنفذة إليها: صور، وصيدا، ~~وبيروت. # وأما فخر الملك بن عمار فإنه قصد شيزر، فأكرمه صاحبها الأمير سلطان بن ~~علي بن منقذ الكناني، واحترمه، وسأله أن يقيم عنده، فلم يفعل، وسار إلى ~~دمشق، فأنزله طغتكين صاحبها، وأجزل له في الحمل والعطية، وأقطعه أعمال ~~الزبداني، وهو # PageV08P579 # عمل كبير من أعمال دمشق، وكان ذلك في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة. # ذكر الحرب بين محمد خان وساغربك # في هذه السنة عاد ساغربك وجمع العساكر الكثيرة من الأتراك وغيرهم وقصد ~~أعمال محمد خان بسمرقند وغيرها، فأرسل محمد خان إلى سنجر يستنجده، فسير ~~إليه الجنود، واجتمع معه أيضا كثير من العساكر، وسار إلى ساغربك فالتقوا ~~بنواحي الخشب واقتتلوا فانهزم ساغربك وعساكره وأخذت السيوف منهم مأخذها ~~وكثر الأسر فيهم والنهب، فلما فرغوا من حربهم وأمن خان من شر ساغربك ms3762 عاد ~~العسكر السنجري إلى خراسان فعبروا النهر إلى بلخ. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، سير السلطان وزيره نظام الملك أحمد بن نظام ~~الملك إلى قلعة ألموت لقتال الحسن بن الصباح ومن معه من الإسماعيلية، ~~فحصروهم، وهجم الشتاء عليهم فعادوا ولم يبلغوا منه غرضا. # وفيها، في ربيع الآخر، قدم السلطان إلى بغداذ، عاد عنها في شوال من السنة ~~أيضا. # وفيها، في شعبان، توجه الوزير نظام الملك إلى الجامع، فوثب به الباطنية ~~فضربوه بالسكاكين، وجرح في رقبته، فبقي مريضا مدة، ثم برأ، وأخذ الباطني ~~الذي جرحه فسقي الخمر حتى سكر، ثم سئل عن أصحابه، فأقر على جماعة بمسجد ~~المأمونية، فأخذوا وقتلوا. # PageV08P580 # وفيها عزل وزير الخليفة، وهو أبو المعالي بن المطلب، ووزر بعده الزعيم ~~أبو القاسم بن جهير، فخرج ابن المطلب من دار الخليفة مستترا هو وأولاده ~~واستجار بدار السلطان. # وفيها جهز يحيى بن تميم، صاحب إفريقية، خمسة عشر شينيا وسيرها إلى بلاد ~~الروم، فلقيها أسطول الروم، وهو كبير، فقاتلوهم، وأخذوا ست قطع من شواني ~~المسلمين، ولم ينهزم بعد ذلك ليحيى جيش في البحر والبر. # وسير ابنه أبا الفتوح إلى مدينة سفاقس واليا عليها، فثار به أهلها، ~~فنهبوا قصره، وهموا بقتله، فلم يزل يحيى يعمل الحيلة عليهم، حتى فرق ~~كلمتهم، وبدد شملهم، وملك رقابهم فسجنهم، وعفا عن دمائهم وذنوبهم. # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير إبراهيم ينال، صاحب آمد، وكان قبيح السيرة، مشهورا ~~بالظلم، فجلا كثير من أهلها لجوره، وملك بعده ولده، وكان أصلح حالا منه. # وفيها، في ثامن ذي القعدة، ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة ~~إلى القبلة، وبقي يطلع إلى آخر ذي الحجة، ثم غاب. # PageV08P581 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسمائة] ### | 504 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسمائة ذكر ملك الفرنج مدينة صيدا # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك الفرنج مدينة صيدا، من ساحل الشام. # وسبب ذلك: أنه وصل في البحر إلى الشام ستون مركبا للفرنج مشحونة بالرجال ~~والذخائر مع بعض ملوكهم ليحج البيت المقدس، وليغزو بزعمه المسلمين، ms3763 فاجتمع ~~به بغدوين ملك القدس، وتقررت القاعدة بينهم أن يقصدوا بلاد الإسلام، فرحلوا ~~من القدس، ونزلوا مدينة صيدا ثالث ربيع الآخر من هذه السنة، وضايقوها برا ~~وبحرا. # وكان الأسطول المصري مقيما على صور، فلم يقدر على إنجاد صيدا، فعمل ~~الفرنج برجا من الخشب، وأحكموه، وجعلوا عليه ما يمنع النار عنه والحجارة، ~~وزحفوا به، فلما عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم، وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما ~~أصاب أهل بيروت، فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من شيوخها إلى الفرنج، وطلبوا ~~من ملكهم الأمان فأمنهم على أنفسهم، وأموالهم، والعسكر الذي عندهم، ومن ~~أراد المقام بها عندهم أمنوه، ومن أراد المسير عنهم لم يمنعوه، وحلف لهم ~~على ذلك، فخرج الموالي، وجماعة كثيرة من أعيان أهل البلد، في العشرين من ~~جمادى الأولى إلى دمشق، وأقام بالبلد خلق كثير تحت الأمان، وكانت مدة ~~الحصار سبعة وأربعين يوما. # ورحل بغدوين عنها إلى القدس، ثم عاد إلى صيدا، بعد مدة يسيرة، فقرر على # PageV08P582 # المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ألف دينار، فأفقرهم، واستغرق أموالهم. # ذكر استيلاء المصريين على عسقلان # كانت عسقلان للعلويين المصريين، ثم إن الخليفة الآمر بأحكام الله استعمل ~~عليها إنسانا يعرف بشمس الخلافة، فراسل بغدوين ملك الفرنج بالشام، وهادنه، ~~وأهدى إليه مالا وعروضا، فامتنع به من أحكام المصريين عليه. إلا فيما يريد ~~من غير مجاهرة بذلك. # فوصلت الأخبار بذلك إلى الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، وإلى وزيره الأفضل، ~~أمير الجيوش، فعظم الأمر عليهما، وجهزا عسكرا وسيراه إلى عسقلان مع قائد ~~كبير من قواده، وأظهرا أنه يريد الغزاة، ونفذا إلى القائد سرا أن يقبض على ~~شمس الخلافة إذا حضر عندهم، ويقيم هو عوضه بعسقلان أميرا. فسار العسكر، ~~فعرف شمس الخلافة الحال، فامتنع من الحضور عند العسكر المصري، وجاهر ~~بالعصيان، وأخرج من كان عنده من عسكر مصر خوفا منهم. # فلما عرف الأفضل ذلك خاف أن يسلم عسقلان إلى الفرنج، فأرسل إليه وطيب ~~قلبه، وسكنه. وأقره على عمله، وأعاد عليه إقطاعه بمصر. # ثم إن شمس الخلافة خاف أهل عسقلان، فأحضر جماعة ms3764 من الأرمن واتخذهم جندا، ~~ولم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة أربع وخمسمائة، فأنكر الأمر أهل البلد، ~~فوثب به قوم من أعيانه، وهو راكب، فجرحوه، فانهزم منهم إلى داره، فتبعوه ~~وقتلوه، ونهبوا داره وجميع ما فيها، ونهبوا بعض دور غيره من أرباب الأموال ~~بهذه الحجة، وأرسلوا إلى مصر بجلية الحال إلى الآمر والأفضل، فسرا بذلك، ~~وأحسنا إلى الواصلين بالبشارة، وأرسلا إليه واليا يقيم بها، ويستعمل مع أهل ~~البلد الإحسان وحسن السيرة، فتم ذلك، وزال ما كانوا يخافونه. # PageV08P583 # ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب وغيره # في هذه السنة جمع صاحب أنطاكية عساكره من الفرنج، وحشد الفارس والراجل، ~~وسار نحو حصن الأثارب، وهو بالقرب من مدينة حلب بينهما ثلاثة فراسخ، وحصره، ~~ومنع عنه الميرة، فضاق الأمر على من به من المسلمين، فنقبوا بالقلعة نقبا، ~~قصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكية فيقتلوه، فلما فعلوا ذلك وقربوا ~~من خيمته استأمن إليه صبي أرمني، فعرفه الحال، فاحتاط، واحترز منهم، وجد في ~~قتالهم، حتى ملك الحصن قهرا وعنوة، وقتل من أهله ألفي رجل، وسبى وأسر ~~الباقين. # ثم سار إلى حصن زردنا، فحصره، ففتحه، وفعل بأهله مثل الأثارب، فلما سمع ~~أهل منبج بذلك فارقوها خوفا من الفرنج، وكذلك أهل بالس، وقصد الفرنج ~~البلدين فرأوهما وليس بهما أنيس، فعادوا عنهما. # وسار عسكر من الفرنج إلى مدينة صيدا، فطلب أهلها منهم الأمان، فأمنوهم ~~وتسلموا البلد، فعظم خوف المسلمين منهم، وبلغت القلوب الحناجر، وأيقنوا ~~باستيلاء الفرنج على سائر الشام لعدم الحامي له والمانع عنه، فشرع أصحاب ~~البلاد الإسلامية بالشام في الهدنة معهم، فامتنع الفرنج من الإجابة إلا على ~~قطيعة يأخذونها إلى مدة يسيرة، فصالحهم الملك رضوان، صاحب حلب، على اثنين ~~وثلاثين ألف دينار، وغيرها من الخيول والثياب، وصالحهم صاحب صور على سبعة ~~آلاف دينار، وصالحهم ابن منقذ، صاحب شيزر، على أربعة آلاف دينار، وصالحهم ~~علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار، وكانت مدة الهدنة إلى وقت إدراك ~~الغلة وحصادها. # ثم إن مراكب أقلعت من ديار مصر، فيها التجار ms3765 ومعهم الأمتعة الكثيرة، فوقع ~~عليهم مراكب الفرنج، فأخذوها، وغنموا ما مع التجار، وأسروهم، فسار جماعة من ~~أهل حلب إلى بغداذ، مستنفرين على الفرنج، فلما وردوا بغداذ اجتمع معهم خلق ~~كثير # PageV08P584 # من الفقهاء وغيرهم فقصدوا جامع السلطان، واستغاثوا، ومنعوا من الصلاة، ~~وكسروا المنبر، فوعدهم السلطان بإنفاذ العساكر للجهاد، وسير من دار الخلافة ~~منبرا إلى جامع السلطان. فلما كان الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار ~~الخلافة، ومعهم أهل بغداذ، فمنعهم حاجب الباب من الدخول، فغلبوه على ذلك، ~~ودخلوا الجامع، وكسروا شباك المقصورة، وهجموا على المنبر فكسروه، وبطلت ~~الجمعة أيضا، فأرسل الخليفة إلى السلطان في المعنى يأمره بالاهتمام بهذا ~~الفتق ورتقه، فتقدم حينئذ إلى من معه من الأمراء بالمسير إلى بلادهم، ~~والتجهز للجهاد، وسير ولده الملك مسعودا مع الأمير مودود، صاحب الموصل، ~~وتقدموا إلى الموصل ليلحق بهم الأمراء ويسيروا إلى قتال الفرنج، وانقضت ~~السنة، وساروا في سنة خمس وخمسمائة، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل نظام الملك أحمد من وزارة السلطان، ووزر بعده الخطير ~~محمد بن الحسين الميبذي. # وفيها ورد رسول ملك الروم إلى السلطان يستنفره على الفرنج، ويحثه على ~~قتالهم ودفعهم عن البلاد، وكان وصوله قبل وصول أهل حلب، وكان أهل حلب ~~يقولون للسلطان: أما تتقي الله تعالى أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك ~~للإسلام، حتى قد أرسل إليك في جهادهم! # وفيها، في رمضان، زفت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة، وزينت بغداذ # PageV08P585 # وغلقت، وكان بها فرحة عظيمة لم يشاهد الناس مثلها. # وفيها هبت بمصر ريح سوداء أظلمت بها الدنيا، وأخذت بأنفاس الناس، ولم ~~يقدر أحد أن يفتح عينيه، ومن فتحهما لا يبصر يده، ونزل على الناس رمل، ويئس ~~الناس من الحياة، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلى قليلا، وعاد إلى الصفوة، وكان ~~ذلك أول وقت العصر إلى بعد المغرب. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي إلكيا الهراس الطبري واسمه أبو الحسن علي بن محمد ~~بن علي، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، أخذ الفقه عن إمام الحرمين ms3766 ~~الجويني، ودرس بعده في النظامية ببغداذ، وتوفي بها، ودفن عند تربة الشيخ ~~أبي إسحاق. ودرس بعده في النظامية الإمام أبو بكر الشاشي وفيها توفي أبو ~~الحسين إدريس بن حمزة بن علي الرملي الفقيه الشافعي من أهل الرملة بفلسطين، ~~تفقه على أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وعلى الشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي، ودخل خراسان، وولي التدريس بسمرقند، فتوفي بها. # PageV08P586 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة] ### | 505 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة # ذكر مسير العساكر إلى قتال الفرنج # في هذه السنة اجتمعت العساكر التي أمرها السلطان بالمسير إلى قتال ~~الفرنج، فكانوا: الأمير مودودا صاحب الموصل، والأمير سكمان القطبي، صاحب ~~تبريز وبعض ديار بكر، والأميرين إيلبكي وزنكي ابني برسق، ولهما همذان وما ~~جاورها، والأمير أحمديل، وله مراغة، وكوتب الأمير أبو الهيجاء، صاحب إربل، ~~والأمير إيلغازي، صاحب ماردين، والأمراء البكجية، باللحاق بالملك مسعود، ~~ومودود، فاجتمعوا، ما عدا الأمير إيلغازي فإنه سير ولده إياز وأقام هو، ~~فلما اجتمعوا ساروا إلى بلد سنجار، ففتحوا عدة حصون للفرنج، وقتل من بها ~~منهم، وحصروا مدينة الرها مدة، ثم رحلوا عنها من غير أن يملكوها. # وكان سبب رحيلهم عنها أن الفرنج اجتمعت جميعها، فارسها وراجلها، وساروا ~~إلى الفرات ليعبروه ليمنعوا الرها من المسلمين، فلما وصلوا إلى الفرات ~~بلغهم كثرة المسلمين، فلم يقدموا عليه، وأقاموا على الفرات، فلما رأى ~~المسلمون ذلك رحلوا عن الرها إلى حران ليطمع الفرنج ويعبروا الفرات إليهم ~~ويقاتلوهم، فلما رحلوا عنها جاء الفرنج، ومعهم الميرة والذخائر، إلى الرها، ~~فجعلوا فيها كل ما يحتاجون إليه، بعد أن كانت قليلة الميرة، وقد أشرفت على ~~أن تؤخذ، وأخذوا كل من فيه عجز وضعف # PageV08P587 # وفقر، وعادوا إلى الفرات فعبروه إلى الجانب الشامي، وطرقوا أعمال حلب، ~~فأفسدوا ما فيها، ونهبوها، وقتلوا فيها وأسروا، وسبوا خلقا كثيرا. # وكان سبب ذلك أن الفرنج لما عبروا إلى الجزيرة خرج الملك رضوان، صاحب ~~حلب، إلى ما أخذه الفرنج من أعمالها، فاستعاد بعضه، ونهب منهم وقتل، فلما ~~عادوا وعبروا الفرات فعلوا بأعماله ما فعلوا. # وأما العسكر السلطاني ms3767 فلما سمعوا بعود الفرنج وعبورهم الفرات، رحلوا إلى ~~الرها وحصروها، فرأوا أمرا محكما، قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت ~~عندهم، وبكثرة المقاتلين عنهم، ولم يجدوا فيها مطمعا، فرحلوا عنها، وعبروا ~~الفرات، فحصروا قلعة تل باشر خمسة وأربعين يوما، ورحلوا عنها ولم يبلغوا ~~غرضا. # ووصلوا إلى حلب، فأغلق الملك رضوان أبواب البلد، ولم يجتمع بهم، ثم مرض ~~هناك الأمير سكمان القطبي، فعاد مريضا، فتوفي في بالس، فجعله أصحابه في ~~تابوت، وحملوه عائدين إلى بلاده، فقصدهم إيلغازي ليأخذهم، ويغنم ما معهم، ~~فجعلوا تابوته في القلب، وقاتلوا بين يديه، فانهزم إيلغازي، وغنموا ما معه، ~~وساروا إلى بلادهم. # ولما أغلق الملك رضوان أبواب حلب، ولم يجتمع بالعساكر السلطانية، رحلوا ~~إلى معرة النعمان، واجتمع بهم طغتكين، صاحب دمشق، ونزل على الأمير مودود، ~~فاطلع من الأمراء على نيات فاسدة في حقه، فخاف أن تؤخذ منه دمشق، فشرع في ~~مهادنة الفرنج سرا وكانوا قد نكلوا عن قتال المسلمين، فلم يتم ذلك، وتفرقت ~~العساكر. # وكان سبب تفرقهم أن الأمير برسق بن برسق الذي هو أكبر الأمراء كان به ~~نقرس، فهو يحمل في محفة، ومات سكمان القطبي، كما ذكرنا، وأراد الأمير ~~أحمديل صاحب مراغة العود، ليطلب من السلطان أن يقطعه ما كان لسكمان من # PageV08P588 # البلاد، وأتابك طغتكين، صاحب دمشق، خاف الأمراء على نفسه، فلم ينصحهم، ~~إلا أنه حصل بينه وبين مودود، صاحب الموصل، مودة وصداقة، فتفرقوا لهذه ~~الأسباب، وبقي مودود وطغتكين بالمعرة، فساروا منها، ونزلوا على نهر العاصي. # ولما سمع الفرنج بتفرق عساكر الإسلام طمعوا، وكانوا قد اجتمعوا كلهم، بعد ~~الاختلاف والتباين، وساروا إلى أفامية، فسمع بهم السلطان بن منقذ، صاحب ~~شيزر، فسار إلى مودود وطغتكين، وهون عليهما أمر الفرنج، وحرضهما على ~~الجهاد، فرحلوا إلى شيزر، ونزلوا عليها، ونزل الفرنج بالقرب منهم، فضيق ~~عليهم عسكر المسلمين الميرة، ولزوهم بالقتال، والفرنج يحفظون نفوسهم، ولا ~~يعطون مصافا، فلما رأوا قوة المسلمين عادوا إلى أفامية وتبعهم المسلمون، ~~فتخطفوا من أدركوه في ساقتهم وعادوا إلى شيزر في ربيع الأول. # ذكر حصر الفرنج ms3768 مدينة صور # لما تفرقت العساكر اجتمعت الفرنج على قصد مدينة صور وحصرها، فساروا إلى ~~الملك بغدوين، صاحب القدس، وحشدوا، وجمعوا، ونازلوها وحاصروها في الخامس ~~والعشرين من جمادى الأولى، وعملوا عليها ثلاثة أبراج خشب، علو البرج سبعون ~~ذراعا، وفي كل برج ألف رجل، ونصبوا عليها المجانيق، وألصقوا أحدها إلى سور ~~البلد، وأخلوه من الرجال. # وكانت صور للآمر بأحكام الله العلوي ونائبه بها عز الملك الأعز، فأحضر ~~أهل البلد، واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج عنهم، فقام شيخ من أهل ~~طرابلس وضمن على نفسه إحراقها، وأخذ معه ألف رجل بالسلاح التام، ومع كل رجل ~~منهم حزمة حطب، فقاتلوا الفرنج إلى أن وصلوا إلى البرج الملتصق بالمدينة، ~~فألقى الحطب من جهاته، وألقى فيها النار، ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في ~~البرج بإطفاء # PageV08P589 # النار، ويتخلصوا، فرماهم بجرب كان قد أعدها، مملوءة من العذرة، فلما سقطت ~~عليهم اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحة والتلويث، فتمكنت النار منه، ~~فهلك كل من به، إلا القليل، وأخذ منه المسلمون ما قدروا عليه من الكلاليب، ~~ثم أخذ سلال العنب الكبار، وترك فيها الحطب الذي قد سقاه بالنفط والزفت، ~~والكتان، والكبريت، ورماهم بسبعين سلة، وأحرق البرجين الآخرين. # ثم إن أهل صور حفروا سراديب تحت الأرض ليسقط فيها الفرنج إذا زحفوا ~~إليهم، ولينخسف برج إن عملوه وسيروه إليهم، فاستأمن نفر من المسلمين إلى ~~الفرنج، وأعلموهم بما عملوه، فحذروا منها. # وأرسل أهل البلد إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، يستنجدونه، ويطلبونه ~~ليسلموا البلد إليه، فسار في عساكره إلى نواحي بانياس، وسير إليهم نجدة ~~مائتي فارس، فدخلوا البلد، فامتنع من فيه بهم، واشتد قتال الفرنج خوفا من ~~اتصال النجدات، ففني نشاب الأتراك، فقاتلوا بالخشب، وفني النفط، فظفروا ~~بسرب تحت الأرض فيه نفط لا يعلم من خزنه. # ثم إن عز الملك، صاحب صور، أرسل الأموال إلى طغتكين ليكثر من الرجال، ~~ويقصدهم ليملك البلد، فأرسل طغتكين طائرا فيه رقعة ليعلمه وصول المال، ~~ويأمره أن يقيم مركبا بمكان ذكره لتجيء الرجال إليه، فسقط الطائر ms3769 على مركب ~~الفرنج، فأخذه رجلان: مسلم وفرنجي، فقال الفرنجي: نطلقه لعل فيه فرجا لهم، ~~فلم يمكنه المسلم، وحمله إلى الملك بغدوين، فلما وقف عليه سير مركبا إلى ~~المكان الذي ذكره طغتكين، وفيه جماعة من المسلمين الذين استأمنوا إليه من ~~صور، فوصل إليهم العسكر، فكلموهم بالعربية، فلم ينكروهم، وركبوا معهم، ~~فأخذوهم أسرى، وحملوهم إلى الفرنج، فقتلوهم وطمعوا في أهل صور، فكان طغتكين ~~يغير على أعمال الفرنج من جميع جهاتها، وقصد حصن الحبيس في السواد، من ~~أعمال دمشق، وهو للفرنج، # PageV08P590 # فحصره، وملكه بالسيف، وقتل كل من فيه، وعاد إلى الفرنج الذين على صور. # وكان يقطع الميرة عنهم في البر، فأحضروها في البحر، وخندقوا عليهم، ولم ~~يخرجوا إليه، فسار إلى صيدا، وأغار على ظاهرها، فقتل جماعة من البحرية، ~~وأحرق نحو عشرين مركبا على الساحل، وهو مع ذلك يواصل أهل صور بالكتب يأمرهم ~~بالصبر والفرنج يلازمون قتالهم، وقاتل أهل صور قتال من أيس من الحياة، فدام ~~القتال إلى أوان إدراك الغلات، فخاف الفرنج أن طغتكين يستولي على غلات ~~بلادهم، فساروا عن البلد، عاشر شوال، إلى عكة، وعاد عسكر طغتكين إليه، ~~وأعطاهم أهل صور الأموال وغيرها، ثم أصلحوا ما تشعث من سورها وخندقها، وكان ~~الفرنج قد طموه. # ذكر انهزام الفرنج بالأندلس # في هذه السنة خرج أذفونش الفرنجي، صاحب طليطلة بالأندلس، إلى بلاد ~~الإسلام بها، يطلب ملكها، والاستيلاء عليها، وجمع وحشد فأكثر، وكان قد قوي ~~طمعه فيها بسبب موت أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فسمع أمير المسلمين علي ~~بن يوسف بن تاشفين الخبر، فسار إليه عساكره وجموعه، فلقيه، فاقتتلوا، واشتد ~~القتال، وكان الظفر للمسلمين، وانهزم الفرنج، وقتلوا قتلا ذريعا، وأسر منهم ~~بشر كثير، وسبي منهم، وغنم من أموالهم ما يخرج من الإحصاء، فخافه الفرنج، ~~بعد ذلك، وامتنعوا من قصد بلاده، وذل أذفونش حينئذ وعلم أن في البلاد حاميا ~~لها، وذابا عنها. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن ~~محمد الغزالي، الإمام المشهور # PageV08P591 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسمائة] ### | 506 ms3770 - # ثم دخلت سنة ست وخمسمائة # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، سار مودود، صاحب الموصل، إلى الرها، فنزل ~~عليها، ورعى عسكره زروعها، ورحل عنها إلى سروج، وفعل بها كذلك وأهمل ~~الفرنج، ولم يحترز منهم، فلم يشعر إلا وجوسلين، صاحب تل باشر، قد كبسهم، ~~وكانت دواب العسكر منتشرة في المرعى، فأخذ الفرنج كثيرا منها، وقتلوا كثيرا ~~من العسكر، فلما تأهب المسلمون للقائه، عاد عنهم إلى سروج. # وفيها رحل السلطان محمد من بغداذ، وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر، فلما ~~وصل إلى أصبهان قبض على زين الملك أبي سعد القمي، وسلمه إلى الأمير كاميار ~~لعداوة بينهما، فلما وصل إلى الري أركبه كاميار على دابة بمركب ذهب، وأظهر ~~أن السلطان خلع عليه على مال قرره عليه، فحصل بذلك مالا كثيرا من أهل ~~القمي، ثم صلبه، وكان سبب قبضه أنه كان يكثر الطعن على الخليفة والسلطان. # وفيها كان ببغداذ رجل مغربي يعمل الكيمياء، بزعمه، اسمه أبو علي، فحمل ~~إلى دار الخلافة، وكان آخر العهد به. # وفيها ورد إلى بغداذ يوسف بن أيوب الهمذاني، الواعظ، وكان من الزهاد ~~العابدين، فوعظ الناس بها، فقام إليه رجل متفقه، يقال له ابن السقاء، فآذاه ~~في مسألة، وعاوده، فقال له: اجلس، فإني أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك ~~تموت على غير دين الإسلام، فاتفق بعد مديدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد ~~الروم، وتنصر. # PageV08P592 # وفيها، في ذي القعدة، سمع ببغداذ صوت هدة عظيمة، ولم يكن بالسماء غيم حتى ~~يظن أنه صوت رعد، ولم يعلم أحد أي صوت كان. # وفيها توفي بسيل الأرمني، صاحب الدروب، ببلاد ابن لاون، فسار طنكري، صاحب ~~أنطاكية، أول جمادى الآخرة، إلى بلاده طمعا أن يملكها، فمرض في طريقه، فعاد ~~إلى أنطاكية، فمات ثامن جمادى الآخرة وملكها بعده ابن أخته سرخالة، واستقام ~~الأمر فيها، بعد أن جرى بين الفرنج خلف بسببه، فأصلح بينهم القسوس ~~والرهبان. # وفيها توفي قراجة، صاحب حمص، وكان ظالما، وقام ولده قرجان مكانه، وكان ~~مثله في قبح السيرة. # [الوفيات] # وفي هذه ms3771 السنة توفي المعمر بن علي أبو سعد بن أبي عمامة الواعظ البغداذي، ~~ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وكان له خاطر حاد، ومجون حسن، وكان ~~الغالب على وعظه أخبار الصالحين. # وتوفي أحمد بن الفرج بن عمر الدينوري، والد شهدة، وكان يروي عن أبي يعلى ~~بن الفراء، وابن المأمون، وابن المهتدي، وابن النقور، وغيرهم، وكان حسن ~~السيرة متزهدا. # PageV08P593 # وتوفي أبو العلاء صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد، الخطيب النيسابوري، ~~وكان من أعيان الفقهاء، وولي قضاء خوارزم، وكان يروي الحديث. # PageV08P594 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسمائة] ### | 507 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسمائة ذكر قتال الفرنج وانهزامهم وقتل مودود # في هذه السنة، في المحرم، اجتمع المسلمون، وفيهم الأمير مودود بن ~~ألتونتكين، صاحب الموصل، وتميرك، صاحب سنجار، والأمير إياز بن إيلغازي، ~~وطغتكين، صاحب دمشق. # وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بغدوين تابع الغارات على بلد ~~دمشق، ونهبه وخربه، أواخر سنة ست وخمسمائة، وانقطعت المواد عن دمشق، فغلت ~~الأسعار فيها، وقلت الأقوات، فأرسل طغتكين صاحبها إلى الأمير مودود يشرح له ~~الحال، ويستنجده، ويحثه على سرعة الوصول إليه، فجمع عسكرا، وسار فعبر ~~الفرات آخر ذي القعدة سنة ست وخمسمائة، فخافه الفرنج. # وسمع طغتكين خبره، فسار إليه، ولقيه بسلمية، واتفق رأيهم على قصد بغدوين، ~~ملك القدس، فساروا إلى الأردن، فنزل المسلمون عند الأقحوانة ونزل الفرنج مع # PageV08P595 # ملكهم بغدوين وجوسلين، صاحب جيشهم، وغيرهما من المقدمين، والفرسان ~~المشهورين، ودخلوا بلاد الفرنج مع مودود، وجمع الفرنج، فالتقوا عند طبرية ~~ثالث عشر من المحرم، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ثم إن الفرنج انهزموا، ~~وكثر القتل فيهم والأسر، وممن أسر ملكهم بغدوين، فلم يعرف، فأخذ سلاحه ~~وأطلق فنجا، وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير، وغنم المسلمون ~~أموالهم وسلاحهم، ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية، فلقيهم عسكر طرابلس ~~وأنطاكية، فقويت نفوسهم بهم، وعاودوا الحرب، فأحاط بهم المسلمون من كل ~~ناحية، وصعد الفرنج إلى جبل غرب طبرية، فأقاموا به ستة وعشرين يوما، ~~والمسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم، ومنعوا الميرة ~~عنهم ms3772 لعلهم يخرجون إلى قتالهم، فلم يخرج منهم أحد، فسار المسلمون إلى ~~بيسان، ونهبوا بلاد الفرنج بين عكا إلى القدس، وخربوها، وقتلوا من ظفروا به ~~من النصارى، وانقطعت المادة عنهم لبعدهم عن بلادهم، فعادوا ونزلوا بمرج ~~الصفر. # وأذن الأمير مودود للعساكر في العود والاستراحة، ثم الاجتماع في الربيع ~~لمعاودة الغزاة، وبقي في خواصه، ودخل دمشق في الحادي والعشرين من ربيع ~~الأول ليقيم عند طغتكين إلى الربيع، فدخل الجامع يوم الجمعة في ربيع الأول، ~~ليصلي فيه وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة، وخرج إلى صحن الجامع، ويده في يد ~~طغتكين، وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقتل الباطني، وأخذ رأسه، ~~فلم يعرفه أحد، فأحرق. # وكان صائما، فحمل إلى دار طغتكين، واجتهد به ليفطر، فلم يفعل، وقال: لا ~~لقيت الله إلا صائما، فمات من يومه، رحمه الله، فقيل إن الباطنية بالشام ~~خافوه وقتلوه، وقيل بل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله. # وكان خيرا، عادلا، كثير الخير. حدثني والدي قال: كتب ملك الفرنج إلى ~~طغتكين، بعد قتل مودود، كتابا من فصوله: أن أمة قتلت عميدها. يوم عيدها. في ~~بيت معبودها. لحقيق على الله أن يبيدها. # PageV08P596 # ولما قتل تسلم تميرك، صاحب سنجار، ما معه من الخزائن والسلاح وحملها إلى ~~السلطان، ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق صاحبها، وحمل بعد ذلك إلى بغداذ، ~~فدفن في جوار أبي حنيفة، ثم حمل إلى أصبهان. # ذكر الخلف بين السلطان سنجر ومحمد خان والصلح بينهما # في هذه السنة كثر الحديث عن سنجر: أن محمد خان بن سليمان بن داود قد مد ~~يده إلى أموال الرعايا، وظلمهم ظلما كثيرا، وأنه خرب البلاد بظلمه وشره، ~~وأنه قد صار يستخف بأوامر سنجر، ولا يلتفت إلى شيء منها، فتجهز سنجر وجمع ~~عساكره وسار يريد قصده بما وراء النهر، فخاف محمد خان، فأرسل إلى الأمير ~~قماج، وهو أكبر أمير مع سنجر، يسأله أن يصلح الحال بينه وبين سنجر، وأرسل ~~أيضا إلى خوارزمشاه بمثل ذلك، وسألهما في إرضاء السلطان عنه، واعترف بأنه ~~أخطأ، فأجاب سنجر إلى ms3773 صلحه على شرط أن يحضر عنده ويطأ بساطه، فأرسل محمد ~~خان يذكر خوفه لسوء صنيعه، ولكنه يحضر الخدمة، ويخدم السلطان، وبينهما نهر ~~جيحون، ثم يعاود بعد ذلك الحضور عنده، والدخول إليه، فحسنوا الإجابة إلى ~~ذلك، والاشتغال بغيره، فامتنع، ثم أجاب. # وكان سنجر على شاطئ جيحون من الجانب الغربي، وجاء محمد خان إلى الجانب ~~الشرقي، فترجل وقبل الأرض وسنجر راكب، وعاد كل واحد منهما إلى خيامه، ~~ورجعوا إلى بلادهم، وسكنت الفتنة بينهما. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر، فأتى الخبر إلى بغدوين ملك ~~الفرنج، فسار إليه، وعارضه في البر، فأخذهم أجمعين، ولم ينج منهم إلا ~~القليل، ومن سلم أخذه العرب. # PageV08P597 # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي الوزير أبو القاسم علي بن محمد بن جهير، وزير الخليفة ~~المستظهر بالله، ووزر بعده الربيب أبو منصور بن الوزير أبي شجاع محمد بن ~~الحسين وزير السلطان. # وفيها توفي الملك رضوان محمد تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، صاحب حلب، ~~وقام بعده بحلب ابنه ألب أرسلان الأخرس، وعمره ست عشرة سنة، وكانت أمور ~~رضوان غير محمودة: قتل أخويه أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في ~~كثير من أموره لقلة دينه، ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم، ~~ولم يكن للأخرس معه إلا اسم السلطنة، ومعناه للؤلؤ، ولم يكن ألب أرسلان ~~أخرس، وإنما في لسانه حبسة وتمتمة، وأمه بنت باغي سيان الذي كان صاحب ~~أنطاكية، وقتل الأخرس أخوين له أحدهما اسمه ملكشاه، وهو من أبيه وأمه، واسم ~~الآخر مباركشاه، وهو من أبيه، وكان أبوه فعل مثله، فلما توفي قتل ولداه، ~~مكافأة لما اعتمده مع أخويه. # وكان الباطنية قد كثروا بحلب في أيامه، حتى خافهم ابن بديع رئيسها، ~~وأعيان أهلها، فلما توفي قال ابن بديع لألب أرسلان في قتلهم والإيقاع بهم، ~~فأمره بذلك، فقبض على مقدمهم أبي طاهر الصائغ، وعلى جميع أصحابه، فقتل أبا ~~طاهر وجماعة من أعيانهم، وأخذ أموال الباقين وأطلقهم، فمنهم من قصد الفرنج، ~~وتفرقوا في البلاد. # وفي هذه ms3774 السنة توفي ببغداذ أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني ~~الزاهد، منتصف جمادى الأولى، روى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي ~~محمد الجوهري، وأبي طالب العشاري وغيرهم، وروى عنه خلق كثير، ومن آخرهم أبو ~~الفضل عبد الله بن الطوسي، خطيب الموصل. # وإسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي أبو علي بن أبي بكر البيهقي الإمام # PageV08P598 # ابن الإمام، ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي بمدينة بيهق، ~~ولوالده تصانيف كثيرة مشهورة. # وشجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس أبو غالب الذهلي الحافظ، ~~ومولده سنة ثلاثين وأربعمائة، وروى عن أبيه، وأبي القاسم، وابن المهتدي ~~والجوهري وغيرهم. # والأديب أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد الأبيوردي الشاعر المشهور، وله ~~ديوان حسن، ومن شعره: # تنكر لي دهري، ولم يدر أنني ... أعز، وأحداث الزمان تهون # وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون # وله أيضا: # ركبت طرفي، فأذرى دمعه أسفا ... عند انصرافي منهم، مضمر الياس # وقال: حتام تؤذيني، فإن سنحت ... حوائج لك، فاركبني إلى الناس # وكانت وفاته بأصبهان، وهو من ولد عنبسة بن أبي سفيان بن حرب الأموي وتوفي ~~أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، الإمام الفقيه الشافعي، في ~~شوال، مولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، سمع أبا بكر الخطيب، وأبا يعلى بن ~~الفراء، وغيرهما، وتفقه على أبي عبد الله محمد بن الكازروني بديار بكر، ~~وعلى أبي إسحاق الشيرازي ببغداذ، وعلى أبي نصر بن الصباغ # PageV08P599 # وفيها توفي أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن الحسن الساجي، الحافظ المقدسي، ~~ومولده سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وكان مكثرا من الحديث، وتفقه على أبي ~~إسحاق، وكان ثقة. # PageV08P600 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة] ### | 508 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة ذكر مسير آقسنقر البرسقي إلى الشام لحرب ~~الفرنج # في هذه السنة سير السلطان محمد الأمير آقسنقر البرسقي إلى الموصل ~~وأعمالها، واليا عليها، لما بلغه قتل مودود، وسير معه ولده الملك مسعودا في ~~جيش كثيف، وأمره بقتال الفرنج، وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته، فوصل إلى ms3775 ~~الموصل، واتصلت به عساكرها، وفيهم عماد الدين زنكي بن آقسنقر، الذي ملك هو ~~وأولاده الموصل بعد ذلك، وكان له شجاعة في الغاية. # واتصل به أيضا تميرك صاحب سنجار وغيرهما، فسار البرسقي إلى جزيرة ابن ~~عمر، فسلما إليه نائب مودود بها، وسار معه إلى ماردين، فنازلها البرسقي، ~~حتى أذعن له إيلغازي صاحبها، وسير معه عسكرا مع ولده إياز، فسار عنه ~~البرسقي إلى الرها في خمسة عشر ألف فارس، فنازلها في ذي الحجة، وقاتلها، ~~وصبر له الفرنج، وأصابوا من بعض المسلمين غرة، فأخذوا منهم تسعة رجال ~~وصلبوهم على سورها، فاشتد القتال حينئذ، وحمي المسلمون، وقاتلوا، فقتلوا من ~~الفرنج خمسين فارسا من أعيانهم، وأقام عليها شهرين وأياما. # وضاقت الميرة على المسلمين، فرحلوا من الرها إلى سميساط، بعد أن خربوا ~~بلد سروج وبلد سميساط وأطاعه صاحب مرعش على ما نذكره، ثم عاد إلى شحنان، ~~فقبض على إياز بن إيلغازي، حيث لم يحض أبوه، ونهب سواد ماردين. # PageV08P601 # ولما بلغ طغتكين الخبر عاد إلى حمص، وأرسل في إطلاقه، فامتنع قرجان، ~~وحلف: إن لم يعد طغتكين لنقتلن إيلغازي، فأرسل إلى طغتكين: إن الملاجة ~~تؤذيني، وتسفك دمي، والمصلحة عودك إلى دمشق، فعاد. # وانتظر قرجان وصول العساكر السلطانية، فتأخرت عنه، فخاف أن ينخدع أصحابه ~~لطغتكين، ويسلموا إليه حمص، فعدل إلى الصلح مع إيلغازي على أن يطلقه، ويأخذ ~~ابنه إياز رهينة، ويصاهره، ويمنعه من طغتكين وغيره، فأجابه إلى ذلك، ~~فأطلقه، وتحالفا، وسلم إليه ابنه إياز، وسار عن حمص إلى حلب، وجمع ~~التركمان، وعاد إلى حمص، وطالب بولده إياز، وحصر قرجان إلى أن وصلت العساكر ~~السلطانية، فعاد إيلغازي على ما نذكره. # ذكر وفاة علاء الدولة بن سبكتكين وملك ابنه وما كان منه مع السلطان سنجر # في هذه السنة، في شوال، توفي الملك علاء الدولة أبو سعد مسعود بن أبي ~~المظفر إبراهيم بن أبي سعد مسعود بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، بها، ~~وملك بعده ابنه أرسلانشاه، وأمه سلجوقية، وهي أخت السلطان ألب أرسلان بن ~~داود، فقبض على إخوانه وسجنهم، وهرب أخ ms3776 له اسمه بهرام إلى خراسان، فوصل إلى ~~السلطان سنجر بن ملكشاه، فأرسل إلى أرسلانشاه في معناه، فلم يسمع منه، ولا ~~أصغى إلى قوله، فتجهز سنجر للمسير إلى غزنة، وإقامة بهرامشاه في الملك. # فأرسل أرسلانشاه إلى السلطان محمد يشكو من أخيه سنجر، فأرسل السلطان إلى ~~أخيه سنجر يأمره بمصالحة أرسلانشاه، وترك التعرض له، وقال للرسول: # إن رأيت أخي وقد قصدهم، وسار نحوهم، أو قارب أن يسير، فلا تمنعه، ولا ~~تبلغه الرسالة، فإن ذلك يفت في عضده ويوهنه، ولا يعود، ولأن يملك أخي ~~الدنيا أحب إلي. فوصل الرسول إلى سنجر، وقد جهز العساكر إلى غزنة، وجعل على ~~مقدمته الأمير أنر، متقدم عسكره، ومعه الملك بهرامشاه، فساروا حتى بلغوا ~~بست، واتصل بهم فيها أبو الفضل نصر بن خلف، صاحب سجستان. # PageV08P602 # ذكر طاعة صاحب مرعش وغيرها البرسقي # في هذه السنة توفي بعض جنود الفرنج، ويعرف بكواسيل، وهو صاحب مرعش، ~~وكيسوم، ورعبان وغيرها، فاستولت زوجته على المملكة، وتحصنت من الفرنج، ~~وأحسنت إلى الأجناد، وراسلت آقسنقر البرسقي، وهو على الرها، واستدعت منه ~~بعض أصحابه لتطيعه، فسير إليها الأمير سنقر دزدار، صاحب الخابور، فلما وصل ~~إليها أكرمته، وحملت إليه مالا كثيرا. # وبينما هو عندها إذ جاء جمع من الفرنج، فواقعوا أصحابه، وهم نحو مائة ~~فارس، واقتتلوا قتالا شديدا ظفر فيه المسلمون بالفرنج، وقتلوا منهم أكثرهم ~~وعاد سنقر دزدار، وقد أصحبته الهدايا للملك مسعود والبرسقي، وأذعنت ~~بالطاعة، ولما عرف الفرنج ذلك عاد كثير ممن عندها إلى أنطاكية. # ذكر الحرب بين البرسقي، وإيلغازي وأسر إيلغازي # لما قبض البرسقي على إياز بن إيلغازي سار إلى حصن كيفا، وصاحبها الأمير ~~ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان، فاستنجده، فسار معه في عسكره وأحضر خلقا ~~كثيرا من التركمان، وسارا إلى البرسقي، فلقيه، أواخر السنة، واقتتلوا قتالا ~~شديدا صبروا فيه، فانهزم البرسقي وعسكره، وخلص إياز بن إيلغازي من الأسر، ~~فأرسل السلطان إليه يتهدده، فخافه، وسار إلى الشام إلى حميه طغتكين، صاحب ~~دمشق، فأقام عنده أياما. # وكان طغتكين أيضا قد استوحش من السلطان لأنه نسب ms3777 إليه قتل مودود، فاتفقا ~~على الامتناع، والالتجاء إلى الفرنج، والاحتماء بهم، فراسلا صاحب أنطاكية، ~~وحالفاه، فحضر عندهما على بحيرة قدس، عند حمص، وجددوا العهود، وعاد إلى ~~أنطاكية، وعاد طغتكين إلى دمشق وسار إيلغازي إلى الرستن على عزم قصد ديار ~~بكر، وجمع التركمان والعود، فنزل بالرستن ليستريح، فقصده الأمير قرجان بن ~~قراجة صاحب حمص، وقد تفرق عن إيلغازي أصحابه، فظفر به قرجان وأسره ومعه ~~جماعة من خواصه، وأرسل إلى السلطان يعرفه ذلك، ويسأله تعجيل إنفاذ العساكر ~~لئلا يغلبه طغتكين على إيلغازي. # PageV08P603 # وسمع أرسلانشاه الخبر، فسير جيشا كثيفا، فهزماه، ونهباه وعاد من سلم إلى ~~غزنة على أسوأ حال فخضع حينئذ أرسلانشاه، وأرسل إلى الأمير أنر يضمن له ~~الأموال الكثيرة ليعود عنه، ويحسن للملك سنجر العودة عنه، فلم يفعل. # وتجهز السلطان سنجر، بعد أنر، للمسير بنفسه، فأرسل إليه أرسلانشاه امرأة ~~عمه نصر تسأله الصفح والعود عن قصده، وهي أخت الملك سنجر من السلطان ~~بركيارق، وكان علاء الدولة أبو سعد قد قتل زوجها، ومنعها من الخروج عن غزنة ~~وتزوجها، فسيرها الآن أرسلانشاه، فلما وصلت إلى أخيه أوصلت ما معها من ~~الأموال والهدايا، وكان معها مائتا ألف دينار، وغير ذلك، وطلب من سنجر أن ~~يسلم أخاه بهرام إليه. # وكانت موغرة الصدر من أرسلانشاه، فهونت أمره على سنجر، وأطمعته في ~~البلاد، وسهلت الأمر عليه، وذكرت له ما فعل بإخوانه، وكان قتل بعضا وكحل ~~بعضا من غير خروج منهم عن الطاعة. فسار الملك سنجر، فلما وصل إلى بست أرسل ~~خادما من خواصه إلى أرسلانشاه في رسالة، فقبض عليه في بعض القلاع، فسار ~~حينئذ سنجر مجدا، فلما سمع منه أطلق الرسول، ووصل سنجر إلى غزنة، ووقع ~~بينهما المصاف على فرسخ من غزنة، بصحراء شهراباذ، وكان أرسلانشاه في ثلاثين ~~ألف فارس، وخلق كثير من الرجالة، ومعه مائة وعشرون فيلا، على كل فيل أربعة ~~نفر، فحملت الفيلة على القلب، وفيه سنجر، فكان من فيه ينهزمون، فقال سنجر ~~لغلمانه الأتراك ليرموها بالنشاب، فتقدم ثلاثة آلاف غلام، فرموا الفيلة ~~رشقا واحدا جميعا، ms3778 فقتلوا منها عدة، فعدلت الفيلة عن القلب إلى الميسرة، ~~وبها أبو الفضل صاحب سجستان، وجالت عليهم، فضعف من في الميسرة، فشجعهم أبو ~~الفضل، وخوفهم من الهزيمة مع ديارهم، وترجل عن فرسه بنفسه، وقصد كبير ~~الفيلة، ومتقدمها، ودخل تحتها فشق بطنها، وقتل فيلين آخرين. # ورأى الأمير أنر، وهو في الميمنة، ما في الميسرة من الحرب، فخاف عليها، ~~فحمل من وراء عسكر غزنة، وقصد الميسرة واختلط بهم، وأعانهم، فكانت الهزيمة ~~على الغزنوية، وكان ركاب الفيلة قد شدوا أنفسهم عليها بالسلاسل، فلما عضتهم ~~الحرب، وعمل فيهم السيف، ألقوا أنفسهم، فبقوا معلقين عليها. # PageV08P604 # ودخل السلطان سنجر غزنة في العشرين من شوال سنة عشر وخمسمائة ومعه ~~بهرامشاه. فأما القلعة الكبيرة المشتملة على الأموال، وبينها وبين البلد ~~تسعة فراسخ، وهي عظيمة، فلا مطمع فيها، ولا طريق عليها. # وكان أرسلانشاه قد سجن فيها أخاه طاهرا الخازن، وهو صاحب بهرامشاه، ~~واعتقل بها أيضا زوجة بهرامشاه، فلما انهزم أرسلانشاه استمال أخوه طاهر ~~المستحفظ بها، فبذل له وللأجناد الزيادات، فسلموا القلعة إلى الملك سنجر. # وأما قلعة البلد فإن أرسلانشاه كان اعتقل بها رسول سنجر، فلما أطلقه بقي ~~غلمانه بها، فسلموا القلعة أيضا بغير قتال. # وكان قد تقرر بين بهرامشاه وبين سنجر أن يجلس بهرام على سرير جده محمود ~~بن سبكتكين وحده، وأن تكون الخطبة بغزنة للخليفة، السلطان محمد، وللملك ~~سنجر، وبعدهم لبهرامشاه. فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا، وبهرامشاه بين ~~يديه راجلا، حتى جاء السرير، فصعد بهرامشاه فجلس عليه، ورجع سنجر، وكان ~~يخطب له بالملك، ولبهرامشاه بالسلطان على عادة آبائه، فكان من أعجب ما يسمع ~~به. # وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد ولا يحصى من السلطان والرعايا، ~~وكان في دور لملوكها عدة دور على حيطانها ألواح الفضة، وسواقي المياه إلى ~~البساتين من الفضة أيضا، فقلع من ذلك أكثره، ونهب، فلما سمع سنجر ما يفعل ~~منع عنه بجهده، وصلب جماعة حتى كف الناس. # وفي جملة ما حصل للملك سنجر خمسة تيجان قيمة أحدها تزيد على ألفي ألف ~~دينار، وألف ms3779 وثلاثمائة قطعة مصاغة مرصعة، وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة. # وأقام بغزنة أربعين يوما، حتى استقر بهرامشاه، وعاد نحو خراسان، لم يخطب ~~بغزنة لسلجوقي قبل هذا الوقت، حتى إن السلطان ملكشاه مع تمكنه وكثرة ملكه ~~لم يطمع فيه، وكان كلما رام ذلك منع منه نظام الملك. # وأما أرسلانشاه فإنه لما انهزم قصد هندوستان واجتمع عليه أصحابه، فقويت # PageV08P605 # شوكته، فلما عاد سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة، فلما عرف بهرامشاه قصده ~~إياه توجه إلى باميان، وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال، فأرسل إليه ~~عسكرا. وأقام أرسلانشاه بغزنة شهرا واحدا، وسار يطلب أخاه بهرامشاه، فبلغه ~~وصول عسكر سنجر، فانهزم بغير قتال للخوف الذي قد باشر قلوب أصحابه، ولحق ~~بجبال أوغنان، فسار أخوه بهرامشاه وعسكر سنجر في أثره، وخربوا البلاد التي ~~هو فيها، وأرسلوا إلى أهلها يتهددونهم، فسلموه بعد المضايقة، فأخذه متقدم ~~جيش الملك سنجر، وأراد حمله إلى صاحبه، فخاف بهرامشاه من ذلك، فبذل له ~~مالا، فسلمه إليه، فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة، وكان عمره سبعا وعشرين ~~سنة، وكان أحسن إخوانه صورة، وكان قتله في جمادى الآخرة سنة عشرة وخمسمائة، ~~وإنما ذكرناه هاهنا لتتصل الحادثة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة، والشام، ~~وغيرها، فخربت كثيرا من الرها، وحران، وسميساط، وبالس وغيرها، وهلك خلق ~~كثير تحت الهدم. # وفيها قتل تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان، صاحب حلب، قتله غلمان بقلعة ~~حلب، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، وكان المستولي عليه لؤلؤ ~~الخادم. # [الوفيات] # وفيها توفي الشريف النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسني، ~~في ربيع الآخر، بدمشق. # PageV08P606 ### | [ثم دخلت سنة تسع وخمسمائة] ### | 509 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسمائة ذكر انهزام عسكر السلطان من الفرنج # قد ذكرنا ما كان من عصيان إيلغازي وطغتكين على السلطان، وقوة الفرنج، ~~فلما اتصل ذلك بالسلطان محمد جهز عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم الأمير برسق بن ~~برسق، صاحب همذان، ومعه الأمير جيوش بك والأمير كيدغدي، وعساكر الموصل ~~والجزيرة، وأمرهم بالبداية ms3780 بقتال إيلغازي وطغتكين، فإذا فرغوا منها قصدوا ~~بلاد الفرنج، وقاتلوهم، وحصروا بلادهم. # فساروا في رمضان من سنة ثمان وخمسمائة، وكان عسكرا كثير العدة، وعبروا ~~الفرات، آخر السنة، عند الرقة، فلما قاربوا حلب راسلوا المتولي لأمرها ~~لؤلؤا الخادم، ومقدم عسكرها المعروف بشمس الخواص، يأمرونهما بتسليم حلب، ~~وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك، فغالطا في الجواب، وأرسلا إلى إيلغازي ~~وطغتكين يستنجدانهما، فسار إليهم في ألفي فارس، ودخلا حلب، فامتنع من بها ~~حينئذ عن عسكر السلطان، وأظهروا العصيان. # فسار الأمير برسق بن برسق إلى مدينة حماة، وهي في طاعة طغتكين، وبها ~~ثقله، فحصرها، وفتحها عنوة، ونهبها ثلاثة أيام، وسلمها إلى الأمير قرجان، ~~صاحب حمص. # وكان السلطان قد أمر أن يسلم إليه كل بلد يفتحونه، فلما رأى الأمراء ذلك ~~فشلوا وضعفت نياتهم في القتال، بحيث تؤخذ البلاد وتسلم إلى قرجان، فلما ~~سلموا # PageV08P607 # حماة إلى قرجان سلم إليهم إياز بن إيلغازي، وكان قد سار إيلغازي، ~~وطغتكين، وشمس الخواص، إلى أنطاكية واستجاروا بصاحبها روجيل، وسألوه أن ~~يساعدهم على حفظ مدينة حماة ولم يكن بلغهم فتحها. # ووصل إليهم بأنطاكية بغدوين، صاحب القدس، وصاحب طرابلس، وغيرهما من ~~شياطين الفرنج، واتفق رأيهم على ترك اللقاء لكثرة المسلمين، وقالوا إنهم ~~عند هجوم الشتاء يتفرقون، واجتمعوا بقلعة أفامية، وأقاموا نحو شهرين، فلما ~~انتصف أيلول، ورأوا عزم المسلمين على المقام، تفرقوا فعاد إيلغازي إلى ~~ماردين، وطغتكين إلى دمشق، والفرنج إلى بلادهم. # وكانت أفامية وكفرطاب للفرنج، فقصد المسلمون كفرطاب وحصروها، فلما اشتد ~~الحصر على الفرنج، ورأوا الهلاك، قتلوا أولادهم ونساءهم وأحرقوا أموالهم، ~~ودخل المسلمون البلد عنوة وقهرا، وأسروا صاحبه، وقتلوا من بقي فيه من ~~الفرنج، وساروا إلى قلعة أفامية، فرأوها حصينة، فعادوا عنها إلى المعرة، ~~وهي للفرنج أيضا، وفارقهم الأمير جيوش بك إلى وادي بزاعة فملكه. # وسارت العساكر عن المعرة إلى حلب، وتقدمهم ثقلهم، ودوابهم، على جاري ~~العادة، والعساكر في أثره متلاحقة، وهم آمنون لا يظنون أحدا يقدم على القرب ~~منهم. # وكان روجيل، صاحب أنطاكية، لما بلغه حصر كفرطاب، سار في خمسمائة فارس ~~وألفي ms3781 راجل للمنع، فوصل إلى المكان الذي ضربت فيه خيام المسلمين، على علم ~~بها، فرآها خالية من الرجال المقاتلة ; لأنهم لم يصلوا إليها، فنهب جميع ما ~~هناك، وقتل كثيرا من السوقية، وغلمان العسكر، ووصلت العساكر متفرقة، فكان ~~الفرنج يقتلون كل من وصل إليهم. # ووصل الأمير برسق في نحو مائة فارس، فرأى الحال وصعد تلا هناك، ومعه أخوه ~~زنكي، وأحاط بهم من السوقية والغلمان، واحتموا بهم، ومنعوا الأمير برسق من ~~النزول، فأشار عليه أخوه ومن معه بالنزول والنجاة بنفسه، فقال: لا أفعل، بل ~~أقتل في سبيل الله، وأكون فداء المسلمين، فغلبوه على رأيه، فنجا هو ومن ~~معه، فتبعهم الفرنج نحو فرسخ، ثم عادوا وتمموا الغنيمة والقتل، وأحرقوا ~~كثيرا من الناس. # وتفرق العسكر، وأخذ كل واحد جهة. # PageV08P608 # ولما سمع الموكلون بالأسرى المأخوذين من كفرطاب ذلك قتلوهم، وكذلك فعل ~~الموكل بإياز بن إيلغازي قتله أيضا، وخاف أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين ~~التي بالشام، فإنهم كانوا يرجون النصر من جهة هذا العسكر، فأتاهم ما لم يكن ~~في الحساب، وعادت العساكر عنهم إلى بلادها. # وأما برسق وأخوه زنكي فإنهما توفيا في سنة عشر وخمسمائة، وكان برسق خيرا، ~~دينا، وقد ندم على الهزيمة، وهو يتجهز للعود إلى الغزاة، فأتاه أجله. # ذكر ملك الفرنج رفنية وأخذها منهم # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، ملك الفرنج رفنية من أرض الشام وهي ~~لطغتكين، صاحب دمشق، وقووها بالرجال والذخائر، وبالغوا في تحصينها، فاهتم ~~طغتكين لذلك، وقوي عزمه على قصد بلاد الفرنج بالنهب لها والتخريب، فأتاه ~~الخبر عن رفنية بخلوها من عسكر يمنع عنها، وليس هناك إلا الفرنج الذين ~~رتبوا لحفظها، فسار إليها جريدة، فلم يشعر من بها إلا وقد هجم عليهم البلد ~~فدخله عنوة وقهرا، وأخذ كل من فيه من الفرنج أسيرا، فقتل البعض، وترك البعض ~~وغنم المسلمون من سوادهم، وكراعهم، وذخائرهم ما امتلأت منه أيديهم، وعادوا ~~إلى بلادهم سالمين. # ذكر وفاة يحيى بن تميم وولاية ابنه علي # في هذه السنة توفي يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، صاحب ms3782 إفريقية يوم عيد ~~الأضحى، فجأة، وكان منجم قد قال له في منستير مولده إن عليه قطعا في هذا ~~اليوم، فلا يركب، فلم يركب، وخرج أولاده، وأهل دولته إلى المصلى، فلما ~~انقضت الصلاة # PageV08P609 # حضروا عنده للسلام عليه وتهنئته، وقرأ القراء، وأنشد الشعراء، وانصرفوا ~~إلى الطعام، فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام، فلم يمش غير ثلاث ~~خطا حتى وقع ميتا، وكان ولده علي بمدينة سفاقس، فأحضر وعقدت له الولاية ~~ودفن يحيى بالقصر، ثم نقل إلى التربة بمنستير، وكان عمره اثنين وخمسين سنة ~~وخمسة عشر يوما وكانت ولايته ثماني سنين وخمسة وعشرين يوما، وخلف ثلاثين ~~ولدا، فقال عبد الجبار بن محمد بن حمديس الصقلي يرثيه ويهنئ ابنه عليا ~~بالملك: # ما أغمد العضب إلا جرد الذكر ... ولا اختفى قمر حتى بدا قمر # بموت يحيى أميت الناس كلهم ... حتى إذا ما علي جاءهم نشروا # إن يبعثوا بسرور من تملكه ... فمن منية يحيى بالأسى قبروا # أوفى علي، فسن الملك ضاحكة ... وعينها من أبيه دمعها همر # شقت جيوب المعالي بالأسى فبكت ... في كل أفق عليه الأنجم الزهر # وقل لابن تميم حزن ما دهما ... فكل حزن عظيم فيه محتقر # قام الدليل ويحيى لا حياة له ... إن المنية لا تبقي، ولا تذر # وكان يحيى عادلا في رعيته، ضابطا لأمور دولته، مدبرا لجميع أحواله، رحيما ~~بالضعفاء والفقراء، يكثر الصدقة عليهم، ويقرب أهل العلم والفضل، وكان عالما ~~بالأخبار، وأيام الناس، والطب، وكان حسن الوجه، أشهل العين، إلى الطول ما ~~هو. # ولما استقر علي في الملك جهز أسطولا إلى جزيرة جربة، وسببه أن أهلها ~~كانوا يقطعون الطريق، ويأخذون التجار، فحصرها، وضيق على من فيها فدخلوا تحت ~~طاعته، والتزموا ترك الفساد، وضمنوا إصلاح الطريق، وكف عنهم عند ذلك، وصلح ~~أمر البحر، وأمن المسافرون. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رجب، قدم السلطان محمد بغداذ، ووصل إليه أتابك # PageV08P610 # طغتكين، صاحب دمشق في ذي القعدة، وسأل الرضا عنه، فرضي عنه السلطان، وخلع ~~عليه، ورده إلى دمشق. # وفيها أمر الإمام المستظهر بالله ms3783 ببيع البدرية وهي منسوبة إلى بدر غلام ~~المعتضد بالله، وكانت من أحسن دور الخلفاء، وكان ينزلها الراضي بالله، ثم ~~تهدمت وصارت تلا، فأمر القادر بالله أن يسور عليها سور، لأنها مع الدار ~~الإمامية، ففعل ذلك، فلما كان الآن أمر ببيعها، فبيعت، وعمرها الناس. # وفيها، في شعبان، وقعت الفتنة بين العامة، وسببها أن الناس لما عادوا من ~~زيارة مصعب اختصموا على من يدخل أولا، فاقتتلوا، وقتل بينهم جماعة، وعادت ~~الفتن بين أهل المحال كما كانت، ثم سكنت. # وفيها أقطع السلطان محمد الموصل وما كان بيد آقسنقر البرسقي للأمير جيوش ~~بك، وسير ولده الملك مسعودا، وأقام البرسقي بالرحبة، وهي إقطاعه، إلى أن ~~توفي السلطان محمد، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # [الوفيات] # وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن ملة الأصبهاني، أبو عثمان بن أبي ~~سعيد الواعظ، سمع الكثير، وحث ببغداذ وغيرها. # وهبة الله بن المبارك بن موسى السقطي، أبو البركات، له رحلة، وله تصانيف، ~~وكان أديبا. # PageV08P611 ### | [ثم دخلت سنة عشر وخمسمائة] ### | 510 - # ثم دخلت سنة عشر وخمسمائة ذكر قتل أحمديل بن وهسوذان # في هذه السنة، أول المحرم، حضر أتابك طغتكين، صاحب دمشق، دار السلطان ~~محمد ببغداذ، وحضر جماعة الأمراء، ومعهم أحمديل بن إبراهيم بن وهسوذان ~~الروادي، الكردي، صاحب مراغة وغيرها من أذربيجان، وهو جالس إلى جانب ~~طغتكين، فأتاه رجل متظلم، وبيده رقعة، وهو يبكي، ويسأله أن يوصلها إلى ~~السلطان، فأخذها من يده، فضربه الرجل بسكين، فجذبه أحمديل وتركه تحته، فوثب ~~رفيق للباطني وضرب أحمديل سكينا أخرى، فأخذتهما السيوف، وأقبل رفيق لهما ~~وضرب أحمديل ضربة أخرى، فعجب الناس من إقدامه بعد قتل صاحبيه، وظن طغتكين ~~والحاضرون أن طغتكين كان المقصود بالقتل، وأنه بأمر السلطان، فلما علموا ~~أنهم باطنية زال هذا الوهم. # ذكر وفاة جاولي سقاوو وحال بلاد فارس معه # في هذه السنة توفي جاولي سقاوو، كان السلطان ببغداذ عازما على المقام ~~بها، فاضطر إلى المسير إلى أصبهان ليكون قريبا من فارس، لئلا تختلف عليه ~~وقد ذكرنا حال جاولي بالموصل إلى ms3784 أن ملكت منه وأخذها السلطان، فلما قصد ~~السلطان ورضي عنه أقطعه بلاد فارس، فسار جاولي إليها، ومعه ولد السلطان ~~جغري، وهو طفل له من العمر سنتان، وأمره بإصلاحها، وقمع المفسدين بها، فسار ~~إليها، فأول ما اعتمده فيها # PageV08P612 # أنه لم يتوسط بلاد الأمير بلدجي، وهو من كبار مماليك السلطان ملكشاه، ومن ~~جملة بلاده كليل وسرماه، وكان متمكنا بتلك البلاد. # وراسله جاولي ليحضر خدمة جغري، ولد السلطان، وعلم جغري أن يقول بالفارسية ~~خذوه، فلما دخل بلدجي قال جغري، على عادته: خذوه، فأخذه وقتل، ونهبت ~~أمواله. # وكان لبلدجي، من جملة حصونه، قلعة إصطخر، وهي من أمنع القلاع وأحصنها، ~~وكان بها أهله وذخائره، وقد استناب في حفظها وزيرا له يعرف بالجهرمي، فعصى ~~عليه، وأخرج إليه أهله وبعض المال، ولم تزل في يد الجهرمي حتى وصل جاولي ~~إلى فارس فأخذها منه، وجعل فيها أمواله. # وكان بفارس جماعة من أمراء الشوانكارة، وهم خلق كثير لا يحصون، ومقدمهم ~~الحسن بن المبارز، المعروف بخسرو، وله فسا وغيرها، فراسله جاولي ليحضر خدمة ~~جغري، فأجاب: إنني عبد السلطان، وفي طاعته فأما الحضور فلا سبيل إليه، ~~لأنني قد عرفت عادتك مع بلدجي وغيره، ولكنني أحمل إلى السلطان ما يؤثره. # فلما سمع جاولي جوابه علم أنه لا مقام له بفارس معه، فأظهر العود إلى ~~السلطان، وحمل أثقاله على الدواب، وسار كأنه يطلب السلطان، ورجع الرسول إلى ~~خسرو فأخبره، فاغتر وقعد للشراب، وأمن. # وأما جاولي فإنه عاد من الطريق إلى خسرو جريدة في نفر يسير، فوصل إليه ~~وهو مخمور نائم، فكبسه، فأنبهه أخوه فضلوه، فلم يستيقظ، فصب عليه الماء ~~البارد، فأفاق، وركب من وقته وانهزم، وتفرق أصحابه، ونهب جاولي ثقله ~~وأمواله، وأكثر القتل في أصحابه، ونجا خسرو إلى حصنه، وهو بين جبلين، يقال ~~لأحدهما أنج. # وسار جاولي إلى مدينة فسا فتسلمها، ونهب كثيرا من بلاد فارس منها جهرم، ~~وسار إلى خسرو وحصره مدة، وضيق عليه، فرأى من امتناع حصنه وقوته، وكثرة ~~ذخائره ما علم معه أن المدة تطول عليه، فصالحه ليشتغل بباقي بلاد ms3785 فارس، ~~ورحل # PageV08P613 # عنه إلى شيراز، فأقام بها، ثم توجه إلى كازرون فملكها، وحصر أبا سعد محمد ~~بن مما في قلعته، وأقام عليها سنتين صيفا وشتاء، فراسله جاولي في الصلح، ~~فقتل الرسول، فأرسل إليه قوما من الصوفية، فأطعمهم الهريسة والقطائف، ثم ~~أمر بهم فخيطت أدبارهم وألقوا في الشمس فهلكوا، ثم نفد ما عند أبي سعد، ~~فطلب الأمان فأمنه، وتسلم الحصن. # ثم إن جاولي أساء معاملته، فهرب، فقبض على أولاده، وبث الرجال في أثره، ~~فرأى بعضهم زنجيا يحمل شيئا، فقال: ما معك؟ فقال: زادي ففتشه، فرأى دجاجا، ~~وحلواء السكر، فقال: ما هذا من طعامك! فضربه، فأقر على أبي سعد، وأنه يحمل ~~ذلك إليه، فقصدوه، وهو في شعب جبل، فأخذه الجندي وحمله إلى جاولي فقتله. # وسار إلى دارابجرد، وصاحبها اسمه إبراهيم، فهرب صاحبها منه إلى كرمان ~~خوفا منه، وكان بينه وبين صاحب كرمان صهر، وهو أرسلانشاه بن كرمانشاه بن ~~أرسلان بك بن قاروت، فقال له: لو تعاضدنا لم يقدر علينا جاولي، وطلب منه ~~النجدة. # وسار جاولي بعد هربه منه إلى حصار رتيل رننه، يعني مضيق رننه، وهو موضع ~~لم يؤخذ قهرا قط، لأنه واد نحو فرسخين، وفي صدره قلعة منيعة على جبل عال، ~~وأهل دارابجرد يتحصنون به إذا خافوا، فأقاموا به، وحفظوا أعلاه. # فلما رأى جاولي حصانته سار يطلب البرية نحو كرمان، كاتما أمره، ثم رجع من ~~طريق كرمان إلى دارابجرد، مظهرا أنه من عسكر الملك أرسلانشاه، صاحب كرمان، ~~فلم يشك أهل الحصن أنهم مدد لهم مع صاحبهم، فأظهروا السرور، وأذنوا له دخول ~~المضيق، فلما دخله وضع السيف فيمن هناك، فلم ينج غير القليل، ونهب أموال ~~أهل دارابجرد وعاد إلى مكانه، وراسل خسرو يعلمه أنه عازم على التوجه إلى ~~كرمان، ويدعوه إليه فلم يجد بدا من موافقته، فنزل إليه طائعا، وسار معه إلى ~~كرمان، وأرسل إلى صاحبها القاضي أبا طاهر عبد الله بن طاهر قاضي شيراز، ~~يأمره بإعادة الشوانكارة لأنهم رعية السلطان، يقول: إنه متى أعادهم عاد عن ~~قصد بلاده، وإلا قصده، فأعاد ms3786 صاحب كرمان جواب الرسالة يتضمن الشفاعة فيهم، ~~حيث استجاروا به. # PageV08P614 # ولما وصل الرسول إلى جاولي أحسن إليه، وأجزل له العطاء، وأفسده على ~~صاحبه، وجعله عينا له عليه، وقرر معه إعادة عسكر كرمان ليدخل البلاد وهم ~~غارون، فلما عاد الرسول وبلغ السيرجان، وبها عساكر صاحب كرمان، ووزيره مقدم ~~الجيش، أعلم الوزير ما عليه جاولي من المقاربة، وأنه يفارق ما كرهوه، وأكثر ~~من هذا النوع، وقال: لكنه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان، وإن أعداء ~~جاولي طمعوا فيه بهذا العسكر، والرأي أن تعاد العساكر إلى بلادها. # فعاد الوزير والعساكر، وخلت السيرجان، سار جاولي في أثر الرسول فنزل ~~بفرج، وهي الحد بين فارس وكرمان، فحاصرها، فلما بلغ ذلك ملك كرمان أحضر ~~الرسول وأنكر عليه إعادة العسكر، فاعتذر إليه. # وكان مع الرسول فراش لجاولي ليعود إليه بالأخبار، فارتاب به الوزير ~~فعاقبه، فأقر على الرسول، فصلب، ونهبت أمواله، وصلب الفراش، وندب العساكر ~~إلى المسير إلى جاولي، فساروا في ستة آلاف فارس. # وكانت الولاية هي الحد بين فارس وكرمان بيد إنسان يسمى موسى، وكان ذا رأي ~~ومكر، فاجتمع بالعسكر، وأشار عليهم بترك الجادة المسلوكة، وقال: إن جاولي ~~محتاط منها، وسلك بهم طريقا غير مسلوكة، بين جبال ومضايق. # وكان جاولي يحاصر فرج، وقد ضيق على من بها، وهو يدمن الشرب، فسير أميرا ~~من عسكره ليلقى العسكر المنفذ من كرمان، فسار الأمير، فلم ير أحدا، فظن ~~أنهم قد عادوا، فرجع إلى جاولي وقال: إن العسكر كان قليلا، فعاد خوفا منا، ~~فاطمأن حينئذ جاولي، وأدمن شرب الخمر. # ووصل عسكر كرمان إليه ليلا، وهو سكران، نائم، فأيقظه بعض أصحابه وأخبره، ~~فقطع لسانه، فأتاه غيره وأيقظه وعرفه الحال، فاستيقظ وركب وانهزم، وقد تفرق ~~عسكره منهزمين، فقتل منهم وأسر كثيرا، وأدركه خسرو وابن أبي سعد الذي قتل ~~جاولي أباه، فسارا معه في أصحابهما، فالتفت، فلم ير معه أحدا من أصحابه ~~الأتراك، فخاف على نفسه منهم، فقالا له: إنا لا نغدر بك، ولن ترى منا إلا ~~الخير والسلامة، وسارا معه، حتى وصل إلى مدينة ms3787 فسا، واتصل به المنهزمون من ~~أصحابه، وأطلق صاحب كرمان الأسرى وجهزهم، وكانت هذه الوقعة في شوال سنة ~~ثمان وخمسمائة. # PageV08P615 # وبينما جاولي يدبر الأمر ليعاود كرمان، ويأخذ بثأره، توفي الملك جغري بن ~~السلطان محمد، وعمره خمس سنين، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة، ~~ففت ذلك في عضده، فأرسل ملك كرمان رسولا إلى السلطان، وهو ببغداذ، يطلب منه ~~منع جاولي عنه، فأجابه السلطان أنه لا بد من إرضاء جاولي وتسليم فرج إليه، ~~فعاد الرسول في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، فتوفي جاولي، فأمنوا ما كانوا ~~يخافونه، فلما سمع السلطان سار عن بغداذ إلى أصبهان، خوفا على فارس من صاحب ~~كرمان. # ذكر فتح جبل وسلات وتونس # في هذه السنة حصر عسكر علي بن يحيى، صاحب إفريقية مدينة تونس وبها أحمد ~~بن خراسان، وضيق على من بها، فصالحه على ما أراد. # وفيها فتح أيضا جبل وسلات بإفريقية، واستولى عليه، وهو جبل منيع، ولم يزل ~~أهله، طول الدهر يفتكون بالناس، ويقطعون الطريق، فلما استمر ذلك منهم سير ~~إليهم جيشا، فكان أهل الجبل ينزلون إلى الجيش، ويقاتلون أشد قتال، فعمل ~~قائد الجيش الحيلة في الصعود إلى الجبل من شعب لم يكن أحد يظن أنه يصعد ~~منه، فلما صار في أعلاه، في طائفة من أصحابه، ثار إليه أهل الجبل، فصبر ~~لهم، وقاتلهم فيمن معه أشد قتال، وتتابع الجيش في الصعود إليه، فانهزم أهل ~~الجبل، وكثر القتل فيهم، ومنهم من رمى نفسه فتكسر ومنهم من أفلت، واحتمى ~~جماعة كثيرة بقصر في الجبل، فلما أحاط بهم الجيش طلبوا أن يرسل إليهم من ~~يصلح حالهم، فأرسل إليهم جماعة من العرب والجند، فثار بهم أولئك بالسلاح، ~~فقتلوا بعضهم، وطلع الباقون إلى أعلى القصر، ونادوا أصحابهم من الجيش، ~~فأتوهم وقاتلوهم: بعضهم من أعلى القصر، وبعضهم من أسفله، فألقى من فيه من ~~أهل الجبل أيديهم، فقتلوا كلهم. # PageV08P616 # ذكر الفتنة بطوس # في هذه السنة، في عاشوراء، كانت فتنة عظيمة بطوس، في مشهد علي بن موسى ~~الرضا عليه السلام. # وسببها: أن علويا خاصم ms3788 في المشهد، يوم عاشوراء، بعض فقهاء طوس، فأدى ذلك ~~إلى مضاربة، وانقطعت الفتنة، ثم استعان كل منهما بحزبه، فثارت فتنة عظيمة ~~حضرها جميع أهل طوس، وأحاطوا بالمشهد وخربوه، وقتلوا من وجدوا، فقتل بينهم ~~جماعة ونهبت أموال جمة، وافترقوا. # وترك أهل المشهد الخطبة أيام الجمعات فيه، فبنى عليه عضد الدين فرامرز بن ~~علي سورا منيعا يحتمي به من بالمشهد على من يريده بسوء، وكان بناؤه سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقعت النار في الحظائر المجاورة للمدرسة النظامية ببغداذ، ~~فاحترقت الأخشاب التي بها، واتصل الحريق إلى درب السلسلة، وتطاير الشرر إلى ~~باب المراتب، فاحترقت منه عدة دور، واحترقت خزانة كتب النظامية، وسلمت ~~الكتب، لأن الفقهاء لما أحسوا بالنار نقلوها. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول أبو محمد الأندلسي، ~~السرقسطي، وكان فقيها، فاضلا، ورد العراق نحو سنة خمسمائة، سار إلى خراسان، ~~فسكن مرو الروذ، فمات بها، وله شعر حسن، فمنه: # ومهفهف يختال في أبراده ... مرح القضيب اللدن تحت البارح # أبصرت في مرآة فكري خده ... فحكيت فعل جفونه بجوارحي # PageV08P617 # ما كنت أحسب أن فعل توهمي # يقوى تعديه، فيجرح جارحي ... لا غرو إن جرح التوهم خده # فالسحر يعمل في البعيد النازح # وفيها، في شعبان، توفي أبو القاسم علي بن محمد بن أحمد بن بيان الرزاز، ~~ومولده في صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وهو آخر من حدث عن أبي الحسن بن ~~مخلد، وأبي القاسم بن بشران. # وفيها توفي أبو بكر محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، رئيس ~~الشافعية، بمرو، ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير وصنف ~~فيه، له فيه أمال حسنة، وتكلم على الحديث، فأحسن ما شاء. # وفيها توفي محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني أبو الخطاب الفقيه الحنبلي، ~~ومولده سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، وتفقه على أبي يعلى بن الفراء. # PageV08P618 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة] ### | 511 - # ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة # ذكر وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود # في ms3789 هذه السنة، في الرابع والعشرين من ذي الحجة، توفي السلطان محمد بن ~~ملكشاه بن ألب أرسلان، وكان ابتداء مرضه في شعبان، وانقطع عن الركوب، ~~وتزايد مرضه، ودام، وأرجف عليه بالموت، فلما كان يوم عيد النحر حضر ~~السلطان، وحضر ولده السلطان محمود على السماط، فنبهه الناس، ثم أذن لهم ~~فدخلوا إلى السلطان محمد، وقد تكلف القعود لهم، بين يديه سماط كبير فأكلوا ~~وخرجوا. # فلما انتصف ذو الحجة أيس من نفسه، فأحضر ولده محمودا، وقبله، وبكى كل ~~واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في أمور الناس، ~~وعمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، ~~يعني من طريق النجوم، فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك ~~بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين. # وفي يوم الخميس الرابع والعشرين أحضر الأمراء وأعلموا بوفاته، وقرئت ~~وصيته إلى ولده محمود يأمر بالعدل والإحسان، وفي الجمعة الخامس والعشرين ~~منه خطب لمحمود بالسلطنة. # وكان مولد السلطان محمد ثامن عشر شعبان من سنة أربع وسبعين وأربعمائة، ~~وكان عمره سبعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وأول ما دعي له ~~بالسلطنة ببغداذ، في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقطعت خطبته ~~عدة دفعات على ما ذكرناه، ولقي من المشاق والأخطار ما لا حد له، فلما توفي ~~أخوه بركيارق صفت # PageV08P619 # له السلطنة، وعظمت هيبته، وكثرت جيوشه وأمواله وكان اجتمع الناس عليه ~~اثنتي عشرة سنة وستة أشهر. # ذكر بعض سيرته # كان عادلا، حسن السيرة، شجاعا، فمن عدله أنه اشترى مماليك من بعض التجار، ~~وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان، فأعطاهم البعض، ومطل بالباقي، فحضروا ~~مجلس الحكم، وأخذوا معهم غلمان القاضي، فلما رآهم السلطان قال لحاجبه: انظر ~~ما حال هؤلاء، فسألهم عن حالهم، فقالوا: لنا خصم يحضر معنا مجلس الحكم، ~~فقال: من هو؟ قالوا: السلطان، وذكروا قصتهم، فأعلمه ذلك، فاشتد عليه وأكره، ~~وأمر بإحضار العامل، وأمره بإيصال أموالهم، والجعل الثقيل، ونكل به حتى ~~يمتنع غيره عن مثل فعله، ثم إنه كان يقول ms3790 بعد ذلك: لقد ندمت عظيما حيث لم ~~أحضر معهم مجلس الحكم، فيقتدي بي غيري، ولا يمتنع أحد عن الحضور فيه وأداء ~~الحق. # فمن عدله: أنه له خازن يعرف بأبي القزويني قتله الباطنية، فلما قتل أمر ~~بعرض الخزانة، فعرض عليه فيها درج فيه جوهر كثير نفيس، فقال: إن هذا الجوهر ~~عرضه علي، منذ أيام، وهو في ملك أصحابه، وسلمه إلى خادم ليحفظه وينظر من ~~أصحابه فيسلم إليهم، وكانوا تجارا غرباء، وقد تيقنوا ذهابه وأيسوا منه ~~فسكتوا فأحضرهم وسلمه إليهم. # ومن عدله: أنه أطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، ولم يعرف منه فعل ~~قبيح، وعلم الأمراء سيرته، فلم يقدم أحد منهم على الظلم، وكفوا عنه. # ومن محاسن أعماله ما فعله مع الباطنية على ما نذكره. # ذكر حال الباطنية أيام السلطان محمد # قد تقدم ذكر ما اعتمده من حصر قلاعهم، ونحن نذكر هاهنا زيادة اهتمامه ~~بأمرهم، فإنه، رحمه الله تعالى، لما علم أن مصالح البلاد والعباد منوطة ~~بمحو آثارهم، وإخراب ديارهم، وملك حصونهم وقلاعهم، جعل قصدهم دأبه. # PageV08P620 # وكان، في أيامه، المقدم عليهم، والقيم بأمرهم الحسن بن الصباح الرازي، ~~صاحب قلعة ألموت، وكانت أيامه قد طالت، وله منذ ملك قلعة ألموت ما يقارب ~~ستا وعشرين سنة، وكان المجاورون له في أقبح صورة من كثرة غزاته عليهم وقتله ~~وأسر رجالهم، وسبي نسائهم، فسير إليه السلطان العساكر، على ما ذكرناه، ~~فعادت من غير بلوغ غرض. فلما أعضل داؤه ندب لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير، ~~صاحب آبة، وساوة، وغيرهما، فملك منهم عدة قلاع منها قلعة كلام، ملكها في ~~جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة، وكان مقدمها يعرف بعلي بن موسى، فأمنه ومن ~~معه، وسيرهم إلى ألموت، وملك منهم أيضا قلعة بيرة، وهي على سبعة فراسخ من ~~قزوين، وأمنهم، وسيرهم إلى ألموت أيضا. # وسار إلى قلعة ألموت فيمن معه من العساكر، وأمده السلطان بعدة من ~~الأمراء، فحصرهم، وكان هو، من بينهم، صاحب القريحة والبصيرة في قتالهم، مع ~~جودة رأي وشجاعة، فبنى عليها مساكن يسكنها هو ومن معه، وعين لكل طائفة ms3791 من ~~الأمراء أشهرا يقيمونها، فكانوا ينيبون، ويحضرون، وهو ملازم الحصار، وكان ~~السلطان ينقل إليه الميرة، والذخائر، والرجال، فضاق الأمر على الباطنية، ~~وعدمت عندهم الأقوات وغيرها، فلما اشتد عليهم الأمر نزلوا نساءهم وأبناءهم ~~مستأمنين، وسألوا أن يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق، ويؤمنوا، فلم يجابوا إلى ~~ذلك، وأعادهم إلى القلعة، قصدا ليموت الجميع جوعا. # وكان ابن الصباح يجري لكل رجل منهم، في اليوم، رغيفا، وثلاث جوزات، فلما ~~بلغ بهم الأمر إلى الحد الذي لا مزيد عليه، بلغهم موت السلطان محمد، فقويت ~~نفوسهم، وطابت قلوبهم، ووصل الخبر إلى العسكر المحاصر لهم بعدهم بيوم، ~~وعزموا على الرحيل، فقال شيركير: إن رحلنا عنهم وشاع الأمر، نزلوا إلينا، ~~وأخذوا ما أعددنا من الأقوات والذخائر، والرأي أن نقيم على قلعتهم حتى ~~نفتحها، وإن لم يكن المقام، فلا بد من مقام ثلاثة أيام، ينفذ منا ثقلنا وما ~~أعددناه ونحرق ما نعجز عن حمله لئلا يأخذه العدو. # فلما سمعوا قوله علموا صدقه، فتعاهدوا على الاتفاق والاجتماع، فلما أمسوا # PageV08P621 # رحلوا من غير مشاورة، ولم يبق غير شيركير، ونزل إليه الباطنية من القلعة، ~~فدافعهم وقاتلهم وحمى من تخلف من سوقة العسكر وأتباعه، ولحق بالعسكر، فلما ~~فارق القلعة غنم الباطنية ما تخلف عندهم. # ذكر حصار قابس والمهدية # في هذه السنة جهز علي بن يحيى، صاحب إفريقية، أسطولا في البحر إلى مدينة ~~قابس، وحصرها. # وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبا بساحلها ليحمل ~~التجار في البحر، وكان ذلك آخر أيام الأمير يحيى، فلم ينكر يحيى ذلك جريا ~~على عادته في المداراة، فلما ولي علي الأمر، بعد أبيه، أنف من ذلك وقال: لا ~~يكون لأحد من أهل إفريقية أن يناوئني في إجراء المراكب في البحر بالتجار، ~~فلما خاف رافع أن يمنعه علي التجأ إلى اللعين رجار ملك الفرنج بصقلية، ~~واعتضد به، فوعده رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر، وأنفذ في ~~الحال أسطولا إلى قابس، فاجتازوا بالمهدية، فحينئذ تحقق علي اتفاقهما، وكان ~~يكذبه. # فلما جاز أسطول رجار بالمهدية أخرج ms3792 علي أسطوله في أثره، فتوافى الجميع ~~إلى قابس، فلما رأى صاحبها أسطول الفرنج والمسلمين لم يخرج مركبه، فعاد ~~أسطول الفرنج، وبقي أسطول علي يحصر رافعا بقابس مضيقا عليها. # ثم عادوا إلى المهدية، وتمادى رافع في المخالفة لعلي، وجمع قبائل العرب، ~~وسار بهم، حتى نزل على المهدية محاصرا لها وخادع عليا، وقال: إنني إنما جئت ~~للدخول في الطاعة، وطلب من يسعى في الصلح، وأفعاله تكذب أقواله، فلم يجبه ~~عن ذلك بحرف، وأخرج العساكر، وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة، فألحقوهم ~~بالبيوت، ووصل العسكر إلى البيوت، فلما رأى ذلك النساء صحن، وولولن، فغارت ~~العرب، وعاودت القتال واشتد حينئذ الأمر إلى المغرب، ثم افترقوا، وقد قتل ~~من عسكر رافع بشر كثير، ولم يقتل من جند علي غير رجل واحد من الرجالة. # ثم خرج عسكر علي مرة أخرى، فاقتتلوا أشد من القتال الأول، كان الظهور فيه # PageV08P622 # لعسكر علي، فلما رأى رافع أنه لا طاقة له بهم رحل عن المهدية ليلا إلى ~~القيروان، فمنعه أهلها من دخولها، فقاتلهم أياما قلائل، ثم دخلها، فأرسل ~~علي إليه عسكرا من المهدية، فحصروه فيها إلى أن خرج عنها، وعاد إلى قابس، ~~ثم إن جماعة من أعيان إفريقية، من العرب وغيرهم، سألوا عليا في الصلح، ~~فامتنع، ثم أجاب إلى ذلك، وتعاهد عليه. # ذكر الوحشة بين رجار والأمير علي # كان رجار، صاحب صقلية، بينه وبين الأمير علي، صاحب إفريقية، مودة وكيدة، ~~إلى أن أعان رافعا كما تقدم قبل، فاستوحش كل منهما من صاحبه، ثم بعد ذلك ~~خاطبه رجار بما لم تجر عادتهم به، فتأكدت الوحشة، فأرسل رجار رسالة فيها ~~خشونة، فاحترز علي منه، وأمر بتجديد الأسطول، وإعداد الأهبة للقاء العدو، ~~وكاتب المرابطين بمراكش في الاجتماع معه على الدخول إلى صقلية، فكف رجار ~~عما كان يعتمده. # ذكر قتل صاحب حلب واستيلاء إيلغازي عليها # في هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم، وكان قد استولى على قلعة حلب وأعمالها، ~~بعد وفاة الملك رضوان، وولي أتابكية ولده ألب أرسلان، فلما مات أقام بعده ~~في الملك ms3793 سلطانشاه بن رضوان، وحكم في دولته أكثر من حكمه في دولة أخيه، ~~فلما كانت هذه السنة سار منها إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك ~~صاحبها، فلما كان عند قلعة نادر نزل يريق الماء، فقصده جماعة من أصحابه ~~الأتراك، وصاحوا: أرنب، أرنب! وأوهموا أنهم يتصيدون، ورموه بالنشاب، فقتل، ~~فلما هلك نهبوا خزانته، فخرج إليهم أهل حلب، فاستعادوا ما أخذوه. # وولي أتابكية سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص يارو قتاش، فبقي شهرا، ~~وعزلوه، وولي بعده أبو المعالي بن الملحي الدمشقي، ثم عزلوه وصادروه. # وقيل: كان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه، كما قتل أخاه ألب أرسلان ~~قبله، ففطن به أصحاب سلطانشاه، فقتلوه، وقيل كان قتله سنة عشر وخمسمائة، ~~والله أعلم. # PageV08P623 # ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج، فسلموا البلد إلى نجم الدين إيلغازي، ~~فلما تسلمه لم يجد فيه مالا، ولا ذخيرة، لأن الخادم كان قد فرق الجميع، ~~وكان الملك رضوان قد جمع فأكثر، فرزقه الله غير أولاده، فلما رأى إيلغازي ~~خلو البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج، وهادنهم ~~مدة يسيرة تكون بمقدار مسيره إلى ماردين، وجمع العساكر والعود، فلما تمت ~~الهدنة سار إلى ماردين، على هذا العزم، واستخلف بحلب ابنه حسام الدين ~~تمرتاش. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في رابع عشر صفر، انخسف القمر انخسافا كليا. # وفي هذه الليلة هجم الفرنج على ربض حماة من الشام، وقتلوا من أهلها ما ~~يزيد على مائة رجل وعادوا. # وفيها، في يوم عرفة، كانت زلزلة بالعراق، والجزيرة، وكثير من البلاد ~~وخربت ببغداذ دور بالجانب الغربي. # [الوفيات] # وفيها مات أحمد العربي ببغداذ، وكان من عباد الله الصالحين، له كرامات ~~وقبره يزار بها. # وفي هذه السنة، في شوال، توفي أبو علي محمد بن سعد بن إبراهيم بن نبهان ~~الكاتب، وعمره مائة سنة، وكان عالي الإسناد، روى عن أبي علي بن شاذان ~~وغيره، والحسن بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله الشقاق الفرضي، الحاسب، وكان # PageV08P624 # واحد عصره في علم الفرائض والحساب، ms3794 وسمع الحديث من أبي الحسين بن المهتدي ~~وغيره. # وفيها مات الكزايكس ملك القسطنطينية، وملك بعده ابنه يوحنا وسلك سيرته. # وفيها مات دوقس أنطاكية، وكفى الله شره. # PageV08P625 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة] ### | 512 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة # ذكر ما فعله السلطان محمود بالعراق وولاية البرسقي شحنكية بغداذ # لما توفي السلطان محمد، وملك بعده ابنه محمود، ودبر دولته الوزير الربيب ~~أبو منصور، أرسل إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب أن يخطب له ببغداذ، فخطب ~~له في الجمعة ثالث عشر المحرم، وكان شحنة بغداذ بهروز. # ثم إن الأمير دبيس بن صدقة كان عند السلطان محمد، مذ قتل والده على ما ~~ذكرناه، فأحسن إليه، وأقطعه إقطاعا كثيرا، فلما توفي السلطان محمد خاطب ~~السلطان محمودا في العود إلى بلده الحلة، فأذن له في ذلك، فعاد إليها ~~فاجتمع عليه خلق كثير من العرب، والأكراد، وغيرهم، وكان آقسنقر البرسقي ~~مقيما بالرحبة، وهي إقطاعه، وليس بيده من الولايات شيء، فاستخلف عليها ابنه ~~عز الدين مسعودا، وسار إلى السلطان محمد، قبل موته، عازما على مخاطبته في ~~زيادة إقطاعه، فبلغه وفاة السلطان محمد قبل وصوله إلى بغداذ. # وسمع مجاهد الدين بهروز بقربه من بغداذ، فأرسل إليه يمنعه من دخولها، ~~فسار إلى السلطان محمود، فلقيه توقيع السلطان بولاية شحنكية بغداذ، وهو ~~بحلوان، وعزل بهروز. # وكان الأمراء عند السلطان يريدون البرسقي، ويتعصبون له، ويكرهون مجاهد ~~الدين بهروز، ويحسدونه للقرب الذي كان له عند السلطان محمد وخافوا أن يزداد ~~تقدما عند السلطان محمود وحكما. فلما ولي البرسقي شحنكية بغداذ هرب بهروز ~~إلى تكريت، وكانت له. # PageV08P626 # ثم إن السلطان ولى شحنكية بغداذ الأمير منكوبرس، وهو من أكابر الأمراء، ~~وقد حكم في دولة السلطان محمود، فلما أعطي الشحنكية سير إليها ربيبه الأمير ~~حسين بن أزبك، أحد الأمراء الأتراك، وهو صاحب أسداباذ، لينوب عنه ببغداذ ~~والعراق، وفارق السلطان من باب همذان، واتصل به جماعة الأمراء البكجية ~~وغيرهم. # فلما سمع البرسقي خاطب الخليفة المستظهر بالله ليأمره بالتوقف إلى أن ~~يكاتب السلطان، ويفعل ما يرد به ms3795 الأمر عليه فأرسل إليه الخليفة، فأجاب: إن ~~يرسم الخليفة بالعود عدت، وإلا فلا بد من دخول بغداذ. فجمع البرسقي أصحابه ~~وسار إليه، فالتقوا واقتتلوا، فقتل أخ لحسين، وانهزم هو ومن معه، وعادوا ~~إلى عسكر السلطان، فكان ذلك في شهر ربيع الأول، قبل وفاة المستظهر بالله ~~بأيام. # ذكر وفاة المستظهر بالله # في هذه السنة سادس عشر شهر ربيع الآخر، توفي المستظهر بالله أبو العباس ~~أحمد بن المقتدي بأمر الله، وكان مرضه التراقي، وكان عمره إحدى وأربعين سنة ~~وستة أشهر وستة أيام، وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، ~~ووزر له عميد الدولة أبو منصور بن جهير، وسديد الملك أبو المعالي المفضل بن ~~عبد الرزاق الأصبهاني، وزعيم الرؤساء أبو القاسم بن جهير، ومجد الدين أبو ~~المعالي هبة الله بن عبد المطلب، ونظام الدين أبو منصور الحسين بن محمد، ~~وناب عن الوزارة أمين الدولة أبو سعد بن الموصلايا، وقاضي القضاة أبو الحسن ~~علي بن الدامغاني، ومضى، في أيام، ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة، وهم: تاج ~~الدولة تتش بن ألب أرسلان، والسلطان بركيارق ومحمد ابنا ملكشاه. # ومن غريب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم بأمر ~~الله، ولما توفي السلطان ملكشاه توفي بعده المقتدي بأمر الله، ولما توفي ~~السلطان محمد توفي بعده المستظهر بالله. # PageV08P627 # ذكر بعض أخلاقه وسيرته # كان، رضي الله عنه، لين الجانب، كريم الأخلاق، يحب اصطناع الناس، ويفعل ~~الخير، ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات، مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب ~~منه. # وكان كثير الوثوق بمن يوليه، غير مصغ إلى ساع، ولا ملتفت إلى قوله، ولم ~~يعرف منه تلون، وانحلال عزم، بأقوال أصحاب الأغراض. # وكانت أيامه أيام سرور للرعية، فكأنها من حسنها أعياد، وكان إذا بلغه ذلك ~~فرح به وسره، وإذا تعرض سلطان أو نائب له لأذى أحد بالغ في إنكار ذلك ~~والزجر عنه. # وكان حسن الخط، جيد التوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير، ~~وعلم واسع، ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله، وكبر أربعا، ms3796 ودفن في ~~حجرة له كان يألفها. ومن شعره قوله: # أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... لما مددت إلى رسم الوداع يدا # وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد أرى ... طرائق في مهوى الهوى قددا # قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به من ... بعد ما قد وفى دهري بما وعدا # إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي ... من بعد هذا، فلا عاينته أبدا # ذكر خلافة الإمام المسترشد بالله # لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو المنصور الفضل بن ~~أبي العباس أحمد بن المستظهر بالله، وكان ولي عهد قد خطب له ثلاثا وعشرين ~~سنة، فبايعه أخواه ابنا المستظهر بالله، وهما أبو عبد الله محمد، وأبو طالب ~~العباس، # PageV08P628 # وعمومته بنو المقتدي بأمر الله، وغيرهم من الأمراء، والقضاة، والأئمة، ~~والأعيان. # وكان المتولي البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني، وكان نائبا عن الوزارة، ~~فأقره المسترشد بالله عليها، ولم يأخذ البيعة قاض غير هذا، وأحمد بن أبي ~~داود للواثق بالله، فإنه أخذها للواثق بالله والقاضي أبو علي إسماعيل بن ~~إسحاق أخذها للمعتضد بالله. # ثم إن المسترشد عزل قاضي القضاة عن نيابة الوزارة، واستوزر أبا شجاع محمد ~~بن الربيب أبي منصور، وزير السلطان محمود، وكان والده خطب في معنى ولده، ~~حتى استوزر، وقبض على صاحب المخزن أبي طاهر يوسف بن أحمد الحزي. # ذكر هرب الأمير أبي الحسن أخي المسترشد وعوده # لما اشتغل الناس ببيعة المسترشد بالله، ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن ~~المستظهر بالله سفينة، ومعه ثلاثة نفر، وانحدر إلى المدائن، وسار منها إلى ~~دبيس بن صدقة بالحلة، فكرمه دبيس، وعلم منه وفاة المستظهر بالله، وأقام له ~~الإقامات الكثيرة، فلما علم المسترشد بالله خبره أهمه ذلك وأقلقه، وأرسل ~~إلى دبيس يطلب منه إعادته، فأجاب بأنني عبد الخليفة، وواقف عند أمره، ومع ~~هذا فقد استذم بي، ودخل منزلي، فلا أكرهه على أمر أبدا. # وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي، فقصد الأمير ~~أبا الحسن، وتحدث معه في عوده، وضمن له عن الخليفة كل ما يريده ms3797 فأجاب إلى ~~العود، وقال: إنني لم أفارق أخي لشر أريده، وإنما الخوف حملني على مفارقته، ~~فإذا أمنني قصدته. وتكفل دبيس بإصلاح الحال بنفسه، والمسير معه إلى بغداذ، ~~فعاد النقيب وأعلم الخليفة الحال، فأجاب إلى ما طلبه منه. # ثم حدث من أمر البرسقي ودبيس ومنكوبرس ما ذكرناه، فتأخر الحال. # وأقام الأمير أبو الحسن عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة ~~وخمسمائة، ثم سار عن الحلة إلى واسط، وكثر جمعه وقوي الإرجاف بقوته، وملك ~~مدينة واسط، وخيف جانبه، فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولي عهده ~~ولده أبي # PageV08P629 # جعفر المنصور، وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة، فخطب له ثاني ربيع الآخر ~~ببغداذ، وكتب إلى البلاد بالخطبة له، وأرسل إلى دبيس في معنى الأمير أبي ~~الحسن، وأنه الآن قد فارق جواره، ومد يده إلى بلاد الخليفة وما يتعلق به، ~~وأمره بقصده ومعاجلته قبل قوته، فأرسل دبيس العساكر عليه، ففارق واسط، وقد ~~تحير هو وأصحابه، فضلوا الطريق، ووصلت عساكر دبيس، فصادفوهم عند الصلح، ~~فنهبوا أثقاله، وهرب الأكراد من أصحابه، والأتراك، وعاد الباقون إلى دبيس. # وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان، وبينه وبين الماء ~~خمسة فراسخ، وكان الزمان قيظا، فأيقن بالتلف، وتبعه بدويان، فأراد الهرب ~~منهما، فلم يقدر، فأخذاه، وقد اشتد به العطش، فسقياه، وحملاه إلى دبيس، ~~فسيره إلى بغداذ، وحمله إلى الخليفة، بعد أن بذل له عشرين ألف دينار، فحمل ~~إلى الدار العزيزة، وكان بين خروجه عنها وعوده إليها أحد عشر شهرا. # ولما دخل على المسترشد بالله قبل قدمه، وقبله المسترشد، وبكيا، وأنزله ~~دارا حسنة كان هو يسكنها قبل أن يلي الخلافة، وحمل إليه الخلع، والتحف ~~الكثيرة، وطيب نفسه وأمنه. # ذكر مسير الملك مسعود وجيوش بك إلى العراق وما كان بينهما وبين البرسقي ~~ودبيس # في هذه السنة، في جمادى الأولى، برز البرسقي، ونزل بأسفل الرقة في عسكره ~~ومن معه، وأظهر أنه على قصد الحلة وإجلاء دبيس بن صدقة عنها. # وجمع دبيس جموعا كثيرة من العرب والأكراد، وفرق الأموال الكثيرة والسلاح. ms3798 # وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل مع أتابكه أي أبه جيوش بك، ~~فأشار عليهما جماعة ممن عندهما بقصد العراق فإنه لا مانع دونه فسارا في ~~جيوش كثيرة، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار، صاحب ~~طرابلس، وقسيم الدولة زنكي بن آقسنقر جد ملوكنا الآن بالموصل، وكان من ~~الشجاعة في الغاية، ومعهم أيضا صاحب سنجار، وأبو الهيجاء، صاحب إربل، ~~وكرباوي بن خراسان التركماني، صاحب البوازيج. فلما علم البرسقي قربهم ~~خافهم. # PageV08P630 # وكان البرسقي قديما قد جعله السلطان محمد أتابك ولده مسعود، على ما ~~ذكرناه، وإنما كان خوفه من جيوش بك، فلما قاربوا بغداذ سار إليهم ليقاتلهم ~~ويصدهم، فلما علم مسعود وجيوش بك ذلك أرسلا إليه الأمير كرباوي في الصلح، ~~وأعلمه أنهم إنما جاءوا نجدة له على دبيس، واصطلحوا، وتعاهدوا، واجتمعوا. # ووصل مسعود إلى بغداذ، ونزل بدار المملكة، ووصلهم الخبر بوصول الأمير ~~عماد الدين منكبرس، المقدم ذكره، في جيش كثير فسار البرسقي عن بغداذ نحوه ~~ليحاربه ويمنعه عنها، فلما علم به منكبرس قصد النعمانية، وعبر دجلة هناك، ~~واجتمع هو ودبيس بن صدقة. # وكان دبيس قد خاف من الملك مسعود البرسقي، فبنى أمره على المحاجزة ~~والملاطفة، فأهدى لمسعود هدية حسنة، وللبرسقي، وجيوش بك، فلما وصله خبر ~~وصول منكبرس راسله، واستماله، واستحلفه، واتفقا على التعاضد والتناصر، ~~واجتمعا، وكل واحد منهما قوي بصاحبه، فلما اجتمعا سار الملك مسعود، ~~والبرسقي، وجيوش بك، ومن معهم، إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس، فلما وصلوا ~~المدائن أتتهم الأخبار بكثرة الجمع معهما، فعاد البرسقي، والملك مسعود، ~~وعبرا نهر صرصر، وحفظا المخاضات عليه، ونهبت الطائفتان السواد نهبا فاحشا: ~~نهر الملك، ونهر صرصر، ونهر عيسى، وبعض دجيل، واستباحوا النساء. # فأرسل المسترشد بالله إلى الملك مسعود والبرسقي ينكر هذه الحال، ويأمرهما ~~بحقن الدماء، وترك الفساد، ويأمر بالموادعة والمصالحة، وكان الرسل: سديد ~~الدولة بن الأنباري، والإمام الأسعد الميهني، مدرس النظامية، فأنكر البرسقي ~~أن يكون جرى منهما شيء من ذلك، وأجاب إلى العود إلى بغداذ، فوصل من أخبره ~~أن منكبرس ودبيسا قد جهزا ms3799 ثلاثة آلاف فارس مع منصور أخي دبيس، والأمير حسين ~~بن أزبك، ربيب منكبرس، وسيروهم، وعبروا عند درزيجان ليقطعوا مخاضة عند ~~ديالى إلى بغداذ، لخلوها من عسكر يحميها ويمنع عنها. # فعاد البرسقي إلى بغداذ، وعبر الجسر لئلا يخاف الناس، ولم يعلموا الخبر ~~وخلف ابنه عز الدين مسعودا على عسكره بصرصر، واستصحب معه عماد الدين زنكي ~~بن آقسنقر، فوصل إلى ديالى، ومنع عسكر منكبرس من العبور، فأقام يومين، # PageV08P631 # فأتاه كتاب ابنه عز الدين مسعود يخبره أن الصلح قد استقر بين الفريقين، ~~فانكسر نشاطه، حيث جرى هذا الأمر ولم يعلم به، وعاد نحو بغداذ، وعبر إلى ~~الجانب الغربي، وعبر منصور وحسين فسارا في عسكرهما خلفه، فوصلا بغداذ عند ~~نصف الليل، فنزلا عند جامع السلطان. # وسار البرسقي إلى الملك مسعود فأخذ بركه وماله وعاد إلى بغداذ فخيم عند ~~القنطرة العتيقة، وأصعد الملك مسعود، وجيوش بك، فنزلا عند البيمارستان، ~~وأصعد دبيس ومنكبرس فخيما تحت الرقة، وأقام عز الدين مسعود بن البرسقي عند ~~منكبرس منفردا عن أبيه. # وكان سبب هذا الصلح أن جيوش بك كان قد أرسل إلى السلطان محمود يطلب ~~الزيادة له وللملك مسعود، فوصل كتاب الرسول من العسكر يذكر أنه لقي من ~~السلطان إحسانا كثيرا، وأنه أقطعهما أذربيجان، فلما بلغه رحيلهما إلى بغداذ ~~اعتقد أنهما قد عصيا عليه، فعاد عما كان استقر، ويقول إن السلطان قد جهز ~~عسكرا إلى الموصل، فوقع الكتاب بيد منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له ~~إصلاح السلطان له وللملك مسعود، وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود، ~~واسمها سرجهان، وكان يؤثر مصلحته لذلك واستقر الصلح، وخافا من البرسقي أن ~~يمنع منه، فاتفقا على إرسال العسكر درزيجان لينفذ في مقابلته البرسقي ليخلو ~~العسكر منه، ويقع الاتفاق، فكان الأمر في مسيره على ما تقدم. # وكان البرسقي محبوبا لدى أهل بغداذ لحسن سيرته فيهم، فلما استقر الصلح ~~ووصلوا إلى بغداذ، تفرق عن البرسقي أصحابه وجموعه، وبطل ما كان يحدث به ~~نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان، وسار عن العراق إلى الملك ms3800 ~~مسعود، فأقام معه، واستقر منكبرس في شحنكية بغداذ، وودعه دبيس بن صدقة، ~~وعاد إلى الحلة، بعد أن طالب بدار أبيه بدرب فيروز وكانت قد دخلت في جامع ~~القصر ببغداذ، فصولح عنها بمال. # وأقام منكبرس ببغداذ يظلم، ويعسف الرعية، ويصادرهم، فاختفى أرباب # PageV08P632 # الأموال، وانتقل جماعة إلى حريم دار الخلافة خوفا منه، وبطلت معايش ~~الناس، وأكثر أصحابه الفساد، حتى إن بعض أهل بغداذ زفت إليه امرأة تزوجها، ~~فعلم بعض أصحاب منكبرس، فأتاه وكسر الباب وجرح الزوج عدة جراحات، وابتنى ~~بزوجته، فكثر الدعاء ليلا ونهارا، واستغاث الناس لهذه الحال، وأغلقوا ~~الأسواق، فأخذ الجندي إلى دار الخلافة فاعتقل أياما ثم أطلق. # وسمع السلطان بما يفعله منكبرس ببغداذ، فأرسل إليه يستدعيه، ويحثه على ~~اللحوق به، وهو يغالط ويدافع، وكلما طلبه السلطان لج في جمع الأموال ~~والمصادرات. فلما علم أهل بغداذ تغير السلطان عليه، واستدعاه إياه طمعوا ~~فيه، فسار حينئذ منكبرس عنهم خوفا أن يثوروا به، وكفى الناس شره وظهر من ~~كان مستترا. # ذكر وفاة ملك الفرنج وما كان بين الفرنج وبين المسلمين # في ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة توفي بغدوين ملك القدس وكان قد ~~سار إلى ديار مصر في جمع الفرنج، قاصدا ملكها والتغلب عليها وقوي طمعه في ~~الديار المصرية، وبلغ مقابل تنيس، وسبح في النيل، فانتقض جرح كان به، فلما ~~أحس بالموت عاد إلى القدس، فمات، ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها، وهو الذي ~~كان أسره جكرمش، وأطلقه جاولي سقاوو، واتفق أن هذا القمص كان قد سار إلى ~~القدس يزور بيعة قمامة، فلما وصى إليه بالملك قبله، واجتمع له القدس ~~والرها. # وكان أتابك طغتكين قد سار عن دمشق لقتال الفرنج، فنزل بين دير أيوب وكفر ~~بصل باليرموك، فخفيت عنه وفاة بغدوين، حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر يوما، ~~وبينهم نحو يومين، فأتته رسل ملك الفرنج يطلب المهادنة، فاقترح عليه طغتكين ~~ترك المناصفة التي بينهم من جبل عوف، والحنانة، والصلت، والغور، فلم يجب # PageV08P633 # إلى ذلك، وأظهر القوة، فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها، ms3801 وسار ~~منها نحو عسقلان. # وكانت للمصريين وبها عساكرهم، وكانوا قد سيروها لما عاد ملك القدس ~~المتوفى عن مصر، وكانوا سبعة آلاف فارس، فاجتمع بهم طغتكين، وأعلمه المقدم ~~عليهم أن صاحبهم تقدم إليه بالوقوف عند رأي طغتكين، والتصرف على ما يحكم ~~به، فأقاموا بعسقلان نحو شهرين، ولم يؤثروا في الفرنج أثرا، فعاد طغتكين ~~إلى دمشق، فأتاه الصريخ بأن مائة وثلاثين فارسا من الفرنج أخذوا حصنا من ~~أعماله يعرف بالحبس، يعرف بحصن جلدك، سلمه إليهم المستحفظ به وقصدوا أذرعات ~~فنهبوها، فأرسل إليهم تاج الملوك بوري بن طغتكين، فانحازوا عنه إلى جبل ~~هناك، فنازلهم، فأتاه أبوه ونهاه عنهم، فلم يفعل وطمع فيهم فلما أيس الفرنج ~~قاتلوا قتال مستقتل، فنزلوا من الجبل وحملوا على المسلمين حملة صادقة ~~هزموهم بها، وأسروا وقتلوا خلقا كثيرا، وعاد الفل إلى دمشق على أسوأ حال. # فسار طغتكين إلى حلب، وبها إيلغازي، فاستنجده، وطلب منه التعاضد على ~~الفرنج، فوعده بالمسير معه، فبينما هو بحلب أتاه الخبر بأن الفرنج قصدوا ~~حوران من أعمال دمشق، فنهبوا وقتلوا وسبوا وعادوا، فاتفق رأي طغتكين ~~وإيلغازي على عود طغتكين إلى دمشق، وحماية بلاده، وعود إيلغازي إلى ماردين، ~~وجمع العساكر، والاجتماع على حرب الفرنج فصالح إيلغازي من يليه من الفرنج ~~على ما تقدم ذكره، وعبر إلى ماردين لجمع العساكر، وكان ما نذكره سنة ثلاث ~~عشرة وخمسمائة، إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطع الغيث، وعدمت الغلات في كثير من البلاد، وكان أشده ~~بالعراق، فغلت الأسعار، وأجلى أهل السواد، وتقوت الناس بالنخالة، وعظم ~~الأمر على أهل بغداذ بما كان يفعله منكبرس بهم. # وفيها أسقط المسترشد بالله من الإقطاع المختص به كل جور، وأمر أن لا يؤخذ ~~إلا ما جرت به العادة القديمة، وأطلق ضمان غزل الذهب، وكان صناع السقلاطون، ~~والممزج، وغيرهم ممن يعمل منه، يلقون شدة من العمال عليها، وأذى عظيما. # PageV08P634 # وفيها تأخر مسير الحجاج تأخرا أرجف بسببه بانقطاع الحج من العراق فرتب ~~الخليفة الأمير نظر، خادم أمير الجيوش يمن، وولاه من أمر ms3802 الحج ما كان ~~يتولاه أمير الجيوش، وأعطاه من المال ما يحتاج إليه في طريقه، وسيره، ~~فأدركوا الحج وظهرت كفاية نظر. # وفيها وصل مركبان كبيران فيهما قوة ونجدة للفرنج بالشام، فغرقا، وكان ~~الناس قد خافوا ممن فيهما. # وفيها وصل رسول إيلغازي، صاحب حلب وماردين، إلى بغداذ يستنفر على الفرنج، ~~ويذكر ما فعلوا بالمسلمين في الديار الجزرية، وأنهم ملكوا قلعة عند الرها، ~~وقتلوا أميرها ابن عطير، فسيرت الكتب بذلك إلى السلطان محمود. # وفيها نقل المستظهر إلى الرصافة، وجميع من كان مدفونا بدار الخلافة، ~~وفيهم جدة المستظهر أم المقتدي، وكانت وفاتها بعد المستظهر، ورأت البطن ~~الرابع من أولادها. # وفيها كثر أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداذ، فعبر إليهم نائب الشحنة ~~في خمسين غلاما أتراكا، فقاتلهم، فانهزم منهم، ثم عبر إليهم من الغد في ~~مائتي غلام، فلم يظفر بهم، ونهب العيارون يومئذ قطفتا. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في شعبان، توفي أبو الفضل بكر بن محمد بن علي بن الفضل ~~الأنصاري من ولد جابر بن عبد الله، وهو من بلد بخارى، وكان من أعيان ~~الفقهاء الحنفية، حافظا للمذهب. # وتوفي أبو طالب الحسين بن محمد بن علي بن الحسن الزينبي، نقيب النقباء ~~ببغداذ، في صفر، واستقال من النقابة، فوليها أخوه طراد، وكان من أكابر ~~الحنفية، وروى الحديث الكثير. # PageV08P635 # وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو زكرياء يحيى بن عبد الوهاب بن منده ~~الأصبهاني، المحدث المشهور من بيت الحديث، وله فيه تصانيف حسنة. # وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الخازن، وكان أديبا، ظريفا، له شعر حسن، ~~فمنه قوله، وقد قصد زيارة صديق له، فلم يره، فأدخله غلمانه إلى بستان في ~~الدار، وحمام، فقال في ذلك: # وافيت منزله، فلم أر صاحبا ... إلا تلقاني بوجه ضاحك # والبشر في وجه الغلام نتيجة ... لمقدمات ضياء وجه المالك # ودخلت جنته، وزرت جحيمه ... فشكرت رضوانا ورأفة مالك # PageV08P636 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة] ### | 513 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان ~~محمود # كان الملك طغرل بن محمد لما ms3803 توفي والده بقلعة سرجهان، وكان مولده سنة ~~ثلاث وخمسمائة في المحرم، وأقطعه والده، سنة أربع، ساوة وآوة وزنجان، وجعل ~~أتابكه الأمير شيركير الذي تقدم ذكره في حصار قلاع الإسماعيلية، فازداد ملك ~~طغرل بما فتحه شيركير من قلاعهم، فأرسل إليه السلطان محمود الأمير كنتغدي ~~ليكون أتابكا له، ومدبرا لأمره، ويحمله إليه فلما وصل إليه حسن له مخالفة ~~أخيه، وترك المجيء إليه، واتفقا على ذلك. # وسمع السلطان محمود الخبر، فأرسل شرف الدين أنوشروان بن خالد، ومعه خلع، ~~وتحف وثلاثون ألف دينار، ووعده أخاه بإقطاع كثير، زيادة على ما له، إذا ~~قصده، واجتمع به، فلم تقع الإجابة إلى الاجتماع، وأجاب كنتغدي بأننا في ~~طاعة السلطان، وأي جهة أراد قصدناها، ومعنا من العساكر ما نقاوم بها من ~~يرسم بقصده. # فبينما الخوض معهم في ذلك ركب السلطان محمود من باب همذان في عشرة آلاف ~~فارس، جريدة في جمادى الأولى، وكتم مقصده، وعزم على أن يكبس أخاه، والأمير ~~كنتغدي، فرأى أحد خواصه تركيا من أصحاب الملك طغرل، فأعلم السلطان به، فقبض ~~عليه، فعلم رفيق كان معه الحال، فسار عشرين فرسخا في ليلة، ووصل إلى الأمير ~~كنتغدي، وهو سكران، فأيقظه بعد جهد، وأعلمه الحال، فقصد الملك طغرل، فعرفه ~~ذلك، وأخذ متخفيا، وقصد قلعة سميران فضلا عن الطريق إلى قلعة # PageV08P637 # سرجهان، وكانا قد فارقاها وجمعا العساكر، وكان ضلالهما هداية لهما إلى ~~السلامة، فإن السلطان محمودا جعل طريقه على سميران، وقال: إنها حصنهما الذي ~~فيه الذخائر والأموال،، وإذا علما بوصوله إليهما، فربما صادفهما في الطريق، ~~فسلما منه بما ظناه عطبا لهما. # ووصل السلطان إلى العسكر، فكبسه ونهبه، وأخذ من خزانة أخيه ثلاثمائة ألف ~~دينار، وذلك المال الذي أنفذه له، وأقام السلطان محمود بزنجان، وتوجه منها ~~إلى الري، ونزل طغرل من سرجهان، ولحق هو وكنتغدي بكنجة وقصده أصحابه، فقويت ~~شوكته، وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه محمود. # ذكر الحرب بين سنجر والسلطان محمود # في هذه السنة، في جمادى الأولى، كانت حرب شديدة بين سنجر وابن أخيه ~~السلطان محمود، ونحن نذكر سياقة ms3804 ذلك: # قد ذكرنا سنة ثمان وخمسمائة مسير السلطان سنجر إلى غزنة، وفتحها وما كان ~~منه فيها، ثم عاد إلى خراسان، فلما بلغه وفاة أخيه السلطان محمد، وجلوس ~~ولده السلطان محمود في السلطنة وهو زوج ابنة سنجر، لحقه حزن عظيم لموت ~~أخيه، وأظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله، وجلس للعزاء على الرماد، ~~وأغلق البلد سبعة أيام، وتقدم إلى الخطباء بذكر السلطان محمد بمحاسن أعماله ~~من قتال الباطنية، وإطلاق المكوس، وغير ذلك. # وكان سنجر يلقب بناصر الدين، فلما توفي أخوه محمد تلقب بمعز الدين، وهو ~~لقب أبيه ملكشاه، وعزم على قصد بلد الجبال والعراق وما بيد محمود ابن أخيه، ~~فندم على قتل وزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر بن نظام الملك. # وكان سبب قتله أنه وحش الأمراء، واستخف بهم، فأبغضوه وكرهوه، وشكوا منه ~~إلى السلطان، وهو بغزنة، فأعلمهم أنه يؤثر قتله، وليس يمكنه فعل ذلك بغزنة. # وكان سنجر قد تغير على وزيره لأسباب منها: أنه أشار عليه بقصد غزنة، فلما ~~وصل إلى بست أرسل أرسلانشاه صاحبها إلى الوزير، وضمن له خمسمائة ألف دينار ~~ليثني سنجر عن قصده، فأشار عليه بمصالحته، والعود عنه، وفعل مثل ذلك بما ~~وراء النهر. # PageV08P638 # ومنها: أنه نقل عنه أنه أخذ من غزنة أموالا جليلة عظيمة المقدار. # ومنها: ما ذكر من إيحاشه الأمراء وغير هذه الأسباب. # فلما عاد إلى بلخ قبض عليه، وقتله وأخذ ماله، وكان له من الجواهر ~~والأموال ما لا حد عليه، والذي وجد له من العين ألفا ألف دينار، فلما قتله ~~استوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق بن نظام الملك، ويعرف بابن الفقيه، ~~إلا أنه لم تكن له منزلة ابن فخر الملك عند الناس في علو المنزلة. # فلما اتصل به وفاة أخيه ندم على قتله لأنه كان يبلغ به من الأغراض والملك ~~ما لا يبلغه بكثرة العساكر لميل الناس إليه، ومحله عندهم. # ثم إن السلطان محمودا أرسل إلى عمه سنجر شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر ~~الدين طغايرك بن اليزن، ومعهما ms3805 الهدايا والتحف، وبذل له النزول عن ~~مازندران، وحمل مائتي ألف دينار كل سنة، فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة، فتجهز ~~ليسير إلى الري، فأشار عليه شرف الدين أنوشروان بترك القتال والحرب، فكان ~~جوابه في ذلك: أن ولد أخي صبي، وقد تحكم عليه وزيره والحاجب علي. # فلما سمع السلطان محمود بمسير عمه نحوه، ووصول الأمير أنر في مقدمته إلى ~~جرجان، تقدم إلى الأمير علي بن عمر، وهو أمير حاجب السلطان محمد، وبعده صار ~~أمير حاجب السلطان محمود، بالمسير، وضم إليه جمعا كثيرا من العساكر ~~والأمراء، فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس، فساروا إلى أن قاربوا مقدمة سنجر ~~التي عليها الأمير أنر، فراسله الأمير علي بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد ~~بتعظيم سنجر والرجوع إلى أمره ونهيه، والقبول منه، وأنه ظن أن سنجر يحفظ ~~السلطنة على ولده السلطان محمود، وأخذ علينا بذلك العهود، فليس لنا أن ~~نخالفه، وحيث جئتم إلى بلادنا لا نحتمل ذلك، ولا نغضي عليه، وقد علمت أن ~~معك خمسة آلاف فارس، فأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم أنكم لا تقاوموننا، ولا ~~تقوون بنا. # فلما سمع الأمير أنر ذلك عاد عن جرجان ولحقه بعض عسكر السلطان محمود، ~~فأخذوا قطعة من سواده، وأسروا عدة من أصحابه. # PageV08P639 # وكان السلطان محمود قد وصل إلى الري، وهو بها، وعاد الأمير علي بن عمر ~~إليه، فشكره على فعله، وأثنى عليه وعلى عسكره الذين معه. # وأشير على السلطان محمود بملازمة الري، والمقام بها، وقيل: إن عساكر ~~خراسان إذا علموا بمقامك فيها لا يفارقون حدودهم، ولا يتعدون ولايتهم. # فلم يقبل ذلك وضجر من المقام، وسار إلى جرجان. # ووصل السلطان محمود والأمير منكبرس من العراق في عشرة آلاف فارس، والأمير ~~منصور بن صدقة أخو دبيس، والأمراء البكجية، وغيرهم، وسار محمود إلى همذان، ~~وتوفي بها وزيره الربيب، واستوزر أبا طالب السميرمي، وبلغه وصول عمه سنجر ~~إلى الري، فسار نحوه قاصدا قتاله، فالتقيا بالقرب من ساوة ثاني جمادى ~~الأولى من السنة، وكان عسكر السلطان محمود قد عرفوا المفازة التي بين يدي ~~عسكر سنجر، ms3806 هي ثمانية أيام، فسبقوهم إلى الماء وملكوه عليهم. # وكان العسكر الخراساني في عشرين ألفا، ومعهم ثمانية عشر فيلا اسم كبيرها ~~باذهو، ومن الأمراء الكبار: ولد الأمير أبي الفضل، صاحب سجستان، وخوارزمشاه ~~محمد، والأمير أنر، والأمير قماج، واتصل به علاء الدولة كرشاسف بن فرامرز ~~بن كاكويه، صاحب يزد، وهو صهر السلطان محمد وسنجر على أختهما، وكان أخص ~~الناس بالسلطان محمد، فلما تولى السلطان محمود تأخر عنه، فأقطع بلده لقراجة ~~الساقي الذي صار صاحب بلاد فارس، فسار حينئذ علاء الدولة إلى سنجر، وهو من ~~ملوك الديلم، وعرف سنجر الأحوال، والطريق إلى قصد البلاد، وما فعله الأمراء ~~من أخذ الأموال، وما هم عليه من اختلاف الأهواء وحسن قصد البلاد. # وكان عسكر السلطان محمود ثلاثين ألفا، ومن الأمراء الكبار: الأمير علي بن ~~عمر، أمير حاجب، والأمير منكبرس، وأتابكه غزغلي، وبنو برسق، وسنقر البخاري، ~~وقراجة الساقي، ومعه تسعمائة حمل من السلاح. # واستهان عسكر محمود بعسكر عمه بكثرتهم وشجاعتهم، وكثرة خيلهم، فلما ~~التقوا ضعفت نفوس الخراسانية لما رأوا لهذا العسكر من القوة والكثرة ~~فانهزمت ميمنة سنجر وميسرته، واختلط أصحابه، واضطرب أمرهم، وساروا منهزمين ~~لا يلوون على شيء، ونهب من أثقالهم شيء كثير، وقتل أهل السواد كثيرا منهم. # PageV08P640 # ووقف سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه، وبإزائه السلطان محمود، ومعه ~~أتابكه غزغلي، فألجأت سنجر الضرورة، عند تعاظم الخطب عليه، أن يقدم الفيلة ~~للحرب، وكان من بقي معه قد أشاروا عليه بالهزيمة، فقال: إما النصر أو ~~القتل، وأما الهزيمة فلا. # فلما تقدمت الفيلة، ورآها خيل محمود، تراجعت بأصحابها على أعقابها، فأشفق ~~سنجر على السلطان محمود في تلك الحال، وقال لأصحابه: لا تفزعوا الصبي ~~بحملات الفيلة، فكفوها عنهم، وانهزم السلطان محمود ومن معه في القلب، وأسر ~~أتابكه غزغلي، فكان يكاتب السلطان، ويعده أنه يحمل إليه ابن أخيه، فعاتبه ~~على ذلك، فاعتذر بالعجز، فقتله، وكان ظالما قد بلغ في ظلم أهل همذان، فعجل ~~الله عقوبته. # ولما تم النصر والظفر للسلطان سنجر أرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه ~~إليه ووصل الخبر ms3807 إلى بغداذ في عشرة أيام، فأرسل الأمير دبيس بن صدقة إلى ~~المسترشد بالله في الخطبة للسلطان سنجر، فخطب له في السادس والعشرين من ~~جمادى الأولى، وقطعت خطبة السلطان محمود. # وأما السلطان محمود فإنه سار من الكسرة إلى أصبهان، ومعه وزيره أبو طالب ~~السميرمي، والأمير علي بن عمر، وقراجة. # وأما سنجر فإنه سار إلى همذان، فرأى قلة عسكره، واجتماع العساكر على ابن ~~أخيه، فراسله في الصلح، وكانت والدته تشير عليه بذلك، وتقول: قد استوليت ~~على غزنة وأعمالها، وما وراء النهر وملكت ما لا حد عليه، وقررت الجمع على ~~أصحابه، فاجعل ولد أخيك كأحدهم. # وكانت والدة سنجر هي جدة السلطان محمود، فأجاب إلى قولها، ثم كثرت ~~العساكر عند سنجر منهم البرسقي، وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من حين ~~خروجه عن بغداذ إلى هذه الغاية، فقوي بهم. # فعاد الرسول وأبلغه عن الأمراء الذين مع السلطان محمود أنهم لا يصالحونه ~~حتى يعود إلى خراسان، فلم يجب إلى ذلك، وسار من همذان إلى كرج، وأعاد ~~مراسلة السلطان محمود في الصلح، ووعده أن يجعله ولي عهده، فأجاب إلى ذلك، ~~واستقر الأمر بينهما، وتحالفا عليه. # وسار السلطان محمود إلى عمه سنجر في شعبان، فنزل على جدته والدة سنجر، ~~وأكرمه عمه، وبالغ في ذلك، وحمل له السلطان محمود هدية عظيمة، فقبلها ~~ظاهرا، وردها باطنا، ولم تقبل منه سوى خمسة أفراس عربية وكتب السلطان سنجر ~~إلى سائر # PageV08P641 # الأعمال التي بيده كخراسان وغزنة، وما وراء النهر وغيرها من الولايات، ~~بأن يخطب للسلطان محمود بعده، وكتب إلى بغداذ مثل ذلك وأعاد عليه جميع ما ~~أخذ من البلاد سوى الري، وقصد بأخذها أن تكون له في هذه الديار لئلا يحدث ~~السلطان محمود نفسه بالخروج. # ذكر غزاة إيلغازي بلاد الفرنج # في هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلى نواحي حلب، فملكوا بزاعة وغيرها، ~~وخربوا بلد حلب ونازلوها، ولم يكن بحلب من الذخائر ما يكفيها شهرا واحدا، ~~وخافهم أهلها خوفا شديدا، ولو مكنوا من القتال لم يبق بها أحد، لكنهم منعوا ~~من ذلك، وصانع ms3808 الفرنج أهل حلب على أن يقاسموهم على أملاكهم التي بباب حلب. ~~فأرسل أهل البلد إلى بغداذ يستغيثون، ويطلبون النجدة، فلم يغاثوا. # وكان الأمير إيلغازي، صاحب حلب، ببلد ماردين يجمع العساكر والمتطوعة ~~للغزاة، فاجتمع عليه نحو عشرين ألفا، وكان معه أسامة بن المبارك بن شبل ~~الكلابي، والأمير طغان أرسلان بن المكر، صاحب بدليس وأرزن، وسار بهم إلى ~~الشام، عازما على قتال الفرنج. # فلما علم الفرنج قوة عزمهم على لقائهم، وكانوا ثلاثة آلاف فارس وتسعة ~~آلاف راجل، ساروا فنزلوا قريبا من الأثارب، بموضع يقال له تل عفرين، بين ~~جبال ليس لها طريق إلا من ثلاث جهات، وفي هذا الموضع قتل شرف الدولة مسلم ~~بن قريش. # وظن الفرنج أن أحدا لا يسلك إليهم لضيق الطريق، فأخلدوا إلى المطاولة ~~وكانت عادة لهم، إذا رأوا قوة من المسلمين، وراسلوا إيلغازي يقولون له: لا ~~تتعب نفسك بالمسير إلينا، فنحن واصلون إليك، فأعلم أصحابه بما قالوه، ~~واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بالركوب من وقته، وقصدهم ففعل ذلك، وسار ~~إليهم، ودخل الناس من الطرق الثلاثة، ولم تعتقد الفرنج أن أحدا يقدم عليهم، ~~لصعوبة المسلك إليهم، فلم # PageV08P642 # يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيتهم، فحمل الفرنج حملة منكرة، فولوا ~~منهزمين، فلقوا باقي العسكر متتابعة، فعادوا معهم، وجرى بينهم حرب شديدة، ~~وأحاطوا بالفرنج من جميع جهاتهم، وأخذهم السيف من سائر نواحيهم، فلم يفلت ~~منهم غير نفر يسير، وقتل الجميع، وأسروا. # وكان في جملة الأسرى نيف وسبعون فارسا من مقدميهم، وحملوا إلى حلب، ~~فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار، فلم يقبل منهم، وغنم المسلمون منهم ~~الغنائم الكثيرة. # وأما سيرجال، صاحب أنطاكية، فإنه قتل وحمل رأسه، وكانت الوقعة منتصف شهر ~~ربيع الأول، فمما مدح به إيلغازي في هذه الوقعة قول العظيمي: # قل ما تشاء، فقولك المقبول ... وعليك بعد الخالق التعويل # واستبشر القرآن حين نصرته ... وبكى لفقد رجاله الإنجيل # ثم تجمع من سلم من المعركة مع غيرهم، فلقيهم إيلغازي أيضا، فهزمهم، وفتح ~~منهم حصن الأثارب، وزردنا، وعاد إلى حلب، وقرر أمرها، وأصلح حالها، ثم عبر ms3809 ~~الفرات إلى ماردين. # ذكر وقعة أخرى مع الفرنج # في هذه السنة سار جوسلين، صاحب تل باشر، في جمع من الفرنج نحو مائتي ~~فارس، من طبرية، فكبس طائفة من طي يعرفون ببني خالد، فأخذهم، وأخذ غنائمهم، ~~وسألهم عن بقية قومهم من بني ربيعة، فأخبروه أنهم من وراء الحزن، بوادي ~~السلالة، بين دمشق وطبرية، فقدم جوسلين مائة وخمسين فارسا من أصحابه، وسار ~~هو في # PageV08P643 # خمسين فارسا على طريق آخر وواعدهم الصبح ليكبسوا بني ربيعة، فوصلهم الخبر ~~بذلك، فأرادوا الرحيل، فمنعهم أمير من بني ربيعة، وكانوا في مائة وخمسين ~~فارسا، فوصلهم المائة وخمسون من الفرنج، معتقدين أن جوسلين قد سبقهم، أو ~~سيدركهم، فضل الطريق، وتساوت العدتان، فاقتتلوا، وطعنت العرب خيولهم، ~~فجعلوا أكثرهم رجالة، وظهر من أميرهم شجاعة، وحسن تدبير، وجودة رأي، فقتل ~~من الفرنج سبعون، وأسر اثنا عشر من مقدميهم، بذل كل واحد منهم في فداء نفسه ~~مالا جزيلا وعدة من الأسرى. # وأما جوسلين فإنه ضل في الطريق، وبلغه خبر الوقعة، فسار إلى طرابلس، فجمع ~~بها جمعا، وأسرى إلى عسقلان، فأغار على بلدها، فهزمه المسلمون هناك، فعاد ~~مفلولا. # ذكر قتل منكوبرس # في هذه السنة قتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداذ، وقد تقدم حاله. # وكان سبب قتله: أنه انهزم السلطان محمود وعاد إلى بغداذ، ونهب عدة مواضع ~~من طريق خراسان، وأراد دخول بغداذ، فسير إليه دبيس بن صدقة من منعه، فعاد ~~وقد استقر الصلح بين السلطانين سنجر ومحمود، فقصد السلطان سنجر، فدخل إليه ~~ومعه سيف وكفن، فقال له: أنا لا أؤاخذ أحدا، وسلمه إلى السلطان محمود، ~~وقال: هذا مملوكك، فاصنع به ما تريد! فأخذه. # وكان في نفسه منه غيظ شديد لأسباب منها: أنه لما توفي السلطان محمد أخذ ~~سريته، والدة الملك مسعود، قهرا، قبل انقضاء عدتها، ومنها: جرأته عليه، ~~واستبداده بالأمور دونه، ومسيره إلى شحنكية بغداذ، والسلطان كاره لذلك لكنه ~~لم يقدر على منعه، ومنها: ما فعله بالعراق من الظلم، إلى غير ذلك، فقتله ~~صبرا، وأراح العباد والبلاد من شره. # ذكر قتل الأمير ms3810 علي بن عمر # في هذه السنة أيضا قتل الأمير ابن عمر، حاجب السلطان محمد، وكان قد # PageV08P644 # صار أكبر أمير مع السلطان محمود، وانقادت العساكر له، فحسده الأمراء، ~~وأفسدوا حاله مع السلطان محمود، وحسنوا له قتله، فعلم، فهرب إلى قلعة ~~برجين، وهي بين بروجرد وكرج، وكان بها أهله وماله، وسار منها في مائتي فارس ~~إلى خوزستان، وكانت بيد أقبوري بن برسق، وابني أخويه: أرغلي بن يلبكي، ~~وهندو بن زنكي، فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانه وحمايته. # فلما سار إليهم أرسلوا عسكرا منعوه من قصدهم، فلقوه على ستة فراسخ من ~~تستر، فاقتتلوا، فانهزم هو وأصحابه، فوقف به فرسه، فانتقل إلى غيره، فتشبث ~~ذيله بسرجه الأول، فأزاله، فعاود التعلق، فأبطأ، فأدركوه وأسروه، وكاتبوا ~~السلطان محمودا في أمره فأمرهم بقتله، فقتل وحمل رأسه إليه. # ذكر الفتنة بين المرابطين وأهل قرطبة # في هذه السنة، وقيل سنة أربع عشرة وخمسمائة، كانت فتنة بين عسكر أمير ~~المسلمين علي بن يوسف وبين أهل قرطبة. # وسببها: أن أمير المسلمين استعمل عليها أبا بكر يحيى بن رواد، فلما كان ~~يوم الأضحى خرج الناس متفرجين، فمد عبد من عبيد أبي بكر يده إلى امرأة ~~فأمسكها، فاستغاثت بالمسلمين، فأغاثوها، فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة ~~عظيمة، ودامت جميع النهار، والحرب بينهم قائمة على ساق، فأدركهم الليل، ~~فتفرقوا، فوصل الخبر إلى الأمير أبي بكر، فاجتمع إليه الفقهاء والأعيان، ~~فقالوا: المصلحة أن تقتل واحدا من العبيد الذين أثاروا الفتنة، فأنكر ذلك ~~وغضب منه، وأصبح من الغد، وأظهر السلاح والعدد يريد قتال أهل البلد، فركب ~~الفقهاء والأعيان والشبان من أهل البلد، وقاتلوه فهزموه، وتحصن بالقصر، ~~فحصروه، وتسلقوا إليه، فهرب منهم بعد مشقة وتعب، فنهبوا القصر، وأحرقوا ~~جميع دور المرابطين، ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة. # واتصل الخبر بأمير المسلمين فكره ذلك واستعظمه، وجمع العساكر من صنهاجة، ~~وزناتة، والبربر، وغيرهم، فاجتمع له منهم جمع عظيم، فعبر إليهم سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة، وحصر مدينة قرطبة، فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه ~~وحريمه وماله، فلما ms3811 رأى أمير المسلمين شدة قتالهم دخل السفراء بينهم، وسعوا ~~في # PageV08P645 # الصلح فأجابهم إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة المرابطين ما نهبوه من ~~أموالهم، واستقرت القاعدة على ذلك، وعاد عن قتالهم. # ذكر ملك علي بن سكمان البصرة # في هذه السنة استولى علي بن سكمان على البصرة. # وسبب ذلك: أن السلطان محمدا كان قد أقطع البصرة الأمير آفسنقر البخاري، ~~فاستخلف بها نائبا يعرف بسنقر البياتي، فأحسن السيرة إلى حد أن الماء ~~بالبصرة ملح، فأقام سفنا وجرارا للضعفاء والسابلة، تحمل لهم الماء العذب. # فلما توفي السلطان محمد عزم هذا الأمير سنقر على القبض على أمير اسمه ~~غزغلي، مقدم الأتراك الإسماعيلية، وهو مذكور، وحج بالناس على البصرة عدة ~~سنين، على أمير آخر اسمه سنقر ألب، وهو مقدم الأتراك البلدقية، فاجتمعا ~~عليه، وقبضاه وقيداه، وأخذا القلعة وما وجداه له. # ثم إن سنقر ألب أراد قتله، فمنعه غزغلي، فلم يقبل منه، فلما قتله وثب ~~غزغلي على سنقر ألب فقتله، ونادى في الناس بالسكون، فاطمأنوا. # وكان أمير الحاج من البصرة هذه السنة، أمير اسمه علي بن سكمان أحد ~~الأمراء البلدقية، وكان في نفس غزغلي عليه حقد، حيث تم الحج على يده، ولأنه ~~خاف أن يأخذ بثأر سنقر ألب، إذ هو مقدم البلدقية، فأرسل غزغلي إلى عرب ~~البرية يأمرهم بقصد الحجاج ونهبهم، فطمعوا بذلك، وقصدوا الحجاج فقاتلوهم، ~~وحماهم ابن سكمان، وأبلى بلاء حسنا، وجعل يقاتلهم وهو سائر نحو البصرة إلى ~~أن بقي بينه وبين البصرة يومان، فأرسل إليه غزغلي يمنعه من قصد البصرة، ~~فقصد العوني، أسفل دجلة، هذا والعرب يقاتلونه، فلما وصل إلى العوني حمل على ~~العرب حملة صادقة، فهزمهم. # وسار غزغلي إلى علي بن سكمان في عدد كثير، وكان علي في قلة، فتحاربا، ~~واقتتلت الطائفتان، فأصابت فرس غزغلي نشابة فسقط وقتل، وسار علي إلى البصرة ~~فدخلها، وملك القلعة، وأقر عمال آفسنقر البخاري ونوابه، وكاتبه بالطاعة، ~~وكان عند السلطان، وسأله أن يكون نائبا عنه بالبصرة، فلم يجبه آقسنقر إلى ~~ذلك، فطرد حينئذ # PageV08P646 # نواب آقسنقر، واستولى على البلد، ms3812 وتصرف تصرف الأصحاب، مستبدا، واستقر ~~فيه، وأحسن السيرة إلى سنة أربع عشرة وخمسمائة، فسير السلطان محمود الأمير ~~آقسنقر البخاري في عسكر إلى البصرة، فأخذها من علي بن سكمان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر السلطان بإعادة مجاهد الدين بهروز شحنكية العراق، كان ~~نائب دبيس بن صدقة، فعزل عنها. # وفيها، في ربيع الأول، توفي الوزير ربيب الدولة، وزير السلطان محمود، ~~ووزر بعده الكمال السميرمي، وكان ولد ربيب الدولة، وزير المسترشد فعزل، ~~واستعمل بعده عميد الدوله أبو علي بن صدقة، ولقب جلال الدين، وهذا الوزير ~~هو عم الوزير جلال الدين أبي الرضا صدقة، الذي وزر للراشد، والأتابك زنكي ~~على ما نذكره. # وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبرا ولديه إسحاق ويعقوب، عليهم السلام، ~~بالقرب من البيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في ~~المغارة قناديل من ذهب وفضة، هكذا ذكره حمزة بن أسد التميمي في تاريخه، ~~والله أعلم. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني، ~~ومولده في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وولي القضاء بباب الطاق من بغداذ ~~إلى الموصل وله من العمر ست وعشرون سنة، وهذا شيء لم يكن لغيره ولما توفي ~~ولي قضاء القضاة الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد ~~الزينبي، وخلع عليه ثالث صفر. # PageV08P647 # ذكر عدة حوادث # وفيها هدم تاج الخليفة على دجلة للخوف من انهدامه، هذا التاج بناه أمير ~~المؤمنين المكتفي بعد سنة تسعين ومائتين. # وفيها تأخر الحج، فاستغاث الناس، وأرادوا كسر المنبر بجامع القصر فأرسل ~~الخليفة إلى دبيس بن صدقة ليساعد الأمير نظر على تسيير الحجاج، فأجاب إلى ~~ذلك، وكان خروجهم من بغداذ ثاني عشر ذي القعدة، وتوالت عليهم الأمطار إلى ~~الكوفة. # وفيها أرسل دبيس بن صدقة القاضي أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي، ~~قاضي الكوفة، إلى إيلغازي بن أرتق بماردين، يخطب ابنته، فزوجها منه ~~إيلغازي، وحملها الثقفي معه إلى الحلة، واجتاز بالموصل. # [الوفيات] # وفيها، في جمادى الأولى، توفي أبو الوفا علي بن ms3813 عقيل بن محمد بن عقيل، ~~شيخ الحنابلة، في وقته، ببغداذ، وكان حسن المناظرة، سريع الخاطر، وكان قد ~~اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد، فأراد الحنابلة قتله، ~~فاستجار بباب المراتب عدة سنين، ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور، وله ~~مصنفات من جملتها كتاب الفنون. # PageV08P648 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة] ### | 514 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان ~~محمود والحرب بينهما # في هذه السنة، في ربيع الأول، كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه الملك ~~مسعود، ومسعود حينئذ له الموصل وأذربيجان. # وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك مسعود، يحثه على ~~طلب السلطنة للملك مسعود، ويعده المساعدة، وكان غرضه أن يختلفوا فينال من ~~الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه باختلاف السلطانين بركيارق ومحمد ابني ~~ملكشاه على ما ذكرناه. # وكان قسيم الدولة البرسقي، أتابك الملك مسعود، قد فارق شحنكية بغداذ، وقد ~~أقطعه مسعود مراغة، مضافة إلى الرحبة، وبينه وبين دبيس عداوة محكمة، فكاتب ~~دبيس جيوش بك يشير عليه بقبض البرسقي، وينسبه إلى الميل إلى السلطان محمود، ~~وبذل له مالا كثيرا على قبضه، فعلم البرسقي ذلك، ففارقهم إلى السلطان ~~محمود، فأكرمه وأعلى محله وزاد في تقديمه. # واتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي بالملك ~~مسعود، فكان ولده أبو المؤيد، محمد بن أبي إسماعيل، يكتب الطغراء مع الملك، ~~فلما وصل والده استوزره مسعود، بعد أن عزل أبا علي بن عمار، صاحب طرابلس، ~~سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بباب خوي، فحسن ما كان دبيس يكاتب به من مخالفة ~~السلطان محمود والخروج عن طاعته. # PageV08P649 # وظهر ما هم عليه من ذلك، فبلغ السلطان محمودا الخبر، فكتب إليهم يخوفهم ~~إن خالفوه، ويعدهم الإحسان إن قاموا على طاعته وموافقته، فلم يصغوا إلى ~~قوله، وأظهروا ما كانوا عليه، وما يسرونه، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، ~~وضربوا له النوب الخمس، وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود، فقوي ~~طمعهم، وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مخفف من العساكر، ms3814 فاجتمع إليه خمسة ~~عشر ألفا، فسار أيضا إليهم، فالتقوا عند عقبة أسداباذ، منتصف ربيع الأول، ~~واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار. # وكان البرسقي في مقدمة السلطان محمود، وأبلى يومئذ بلاء حسنا، فانهزم ~~عسكر الملك مسعود، آخر النهار، وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم، ~~وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأمر السلطان بقتله، وقال: قد ثبت ~~عندي فساد دينه واعتقاده، فكانت وزارته سنة وشهرا، وقد جاوز ستين سنة، وكان ~~حسن الكتابة والشعر، يميل إلى صنعة الكيمياء، وله فيها تصانيف قد ضيعت من ~~الناس أموالا لا تحصى. # وأما الملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد جبلا بينه وبين ~~الوقعة اثنا عشر فرسخا، فاختفى فيه ومعه غلمان صغار، فأرسل ركابيه عثمان ~~إلى أخيه يطلب الأمان، فسار إلى السلطان محمود وأعلمه حال أخيه مسعود، فرق ~~له وبذل له الأمان، وأمر آقسنقر البرسقي بالمسير إليه، وتطبيب قلبه، ~~وإعلامه بعفوه عنه، وإحضاره، فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب الأمان قد وصل ~~بعض الأمراء إليه، وحسن له اللحاق بالموصل، وكانت له، ومعها أذربيجان، ~~وأشار عليه بمكاتبة دبيس بن صدقة ليجتمع به، ويكثر جمعه، ويعاود طلب ~~السلطنة، فسار معه من مكانه. # ووصل البرسقي فلم يره، فأخبره بمسيره، فسار في أثره، وعزم على طلبه ولو ~~إلى الموصل، وجد في السير، فأدركه على ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك، وعرفه ~~عفو أخيه عنه، وضمن له ما أراد، وأعاده إلى العسكر، فأمر السلطان محمود ~~العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك، وأمر السلطان أن ينزل عند والدته، ~~وجلس له، وأحضره، واعتنقا، وبكيا، وانعطف عليه محمود، ووفى له بما بذله، ~~وخلطه بنفسه في كل # PageV08P650 # أفعاله، فعد ذلك من مكارم محمود، وكانت الخطبة بالسلطنة لمسعود ~~بأذربيجان، وبلد الموصل، والجزيرة ثمانية وعشرين يوما. # وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة أساداباذ، وانتظر الملك مسعودا، ~~فلم يره، وانتظره بمكان آخر، فلم يصل إليه، فلما أيس منه سار إلى الموصل، ~~ونزل بظاهرها، وجمع الغلات من السواد إليها، واجتمع إليه عسكره، فلما سمع ~~بما فعله السلطان مع ms3815 أخيه، وأنه عنده، علم أنه لا مقام له على هذا الحال، ~~فسار كأنه يريد الصيد، فوصل إلى الزاب، وقال لمن معه: إنني قد عزمت على قصد ~~السلطان محمود، وأخاطر بنفسي، فسار إليه، فوصل وهو بهمذان، ودخل إليه، فطيب ~~قلبه وأمنه، وأحسن إليه. # وأما دبيس فإنه كان بالعراق، فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب ~~البلاد وخربها، وفعل فيها الأفاعيل القبيحة، إلى أن أتاه رسول السلطان ~~محمود، وطيب قلبه، فلم يلتفت. # ذكر حال دبيس وما كان منه # لما كان منه ببغداذ وسوادها من النهب والقتل والفساد ما لم يجر مثله أرسل ~~إليه الخليفة المسترشد بالله رسالة ينكر عليه، ويأمره بالكف، فلم يفعل، ~~فأرسل إليه السلطان وطيب قلبه، وأمره بمنع أصحابه عن الفساد، فلم يقبل، ~~وسار بنفسه إلى بغداذ، وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة، وأظهر الضغائن التي ~~في نفسه، وكيف طيف برأس أبيه، وتهدد الخليفة، وقال: إنك أرسلت تستدعي ~~السلطان، فإن أعدتموه، وإلا فعلت وصنعت. فأعيد جواب رسالته: أن عود ~~السلطان، وقد سار عن همذان، غير ممكن، ولكنا نصلح حالك معه. # وكان الرسول شيخ الشيوخ إسماعيل، فكف على أن تسير الرسل في الاتفاق بينه ~~وبين السلطان، وعاد عن بغداذ في رجب. # ووصل السلطان في رجب إلى بغداذ، فأرسل دبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن ~~جهير إليه، ومعها مال كثير، وهدية نفيسة، وسأل الصفح عنه فأجيب إلى ذلك على # PageV08P651 # قاعدة امتنع منها، ولزم لجاجه، ونهب جشيرا للسلطان. فسار السلطان عن ~~بغداذ، في شوال، إلى قصد دبيس بالحلة، واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها، فلما ~~علم دبيس مسير السلطان أرسل يطلب الأمان، فأمنه، وكان قصده أن يغالطه ~~ليتجهز، فأرسل نساءه إلى البطيحة، وأخذ أمواله وسار عن الحلة، بعد أن ~~نهبها، إلى إيلغازي ملتجئا إليه، ووصل السلطان إلى الحلة، فلم ير أحدا، ~~فبات بها ليلة واحدة وعاد. # وأقام دبيس عند إيلغازي، وتردد معه، ثم إنه أرسل أخاه منصورا في جيش من ~~قلعة جعبر إلى العراق، فنظر الحلة، والكوفة، وانحدر إلى البصرة، وأرسل إلى ~~يرنقش الزكوي يسأله ms3816 أن يصلح حاله مع السلطان، فلم يتم أمره، فأرسل إلى أخيه ~~دبيس يعرفه ذلك، ويدعوه إلى العراق، فسار من قلعة جعبر إلى الحلة سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة، فدخلها وملكها، وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر، ويعد من ~~نفسه الطاعة، فلم يجب إلى ذلك. # وسيرت إليه العساكر، فلما قاربوه فارق الحلة، ودخل إلى الأزبر، وهو نهر ~~سنداد، ووصل العسكر إليها وهي فارغة قد أجلي أهلها عنها وليس بها إقامة ~~فكانت الميرة تنقل من بغداذ، وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي، ~~فترك بالحلة خمسمائة فارس، وبالكوفة جماعة أخرى تحفظ الطريق على دبيس، ~~وأرسل إلى عسكر واسط يحفظ طريق البطيحة ففعلوا ذلك، وعبر عسكر السلطان إلى ~~دبيس، فبقي بين الطائفتين نهر يخاض فيه مواضع، فتراسل يرنقش ودبيس، واتفقا ~~على أن يرسل دبيس أخاه منصورا رهينة، ويلازم الطاعة، ففعل، وعاد العسكر إلى ~~بغداذ سنة ست عشرة وخمسمائة. # ذكر خروج الكرج إلى بلاد الإسلام وملك تفليس # في هذه السنة خرج الكرج، وهم الخزر، إلى بلاد الإسلام، وكانوا قديما ~~يغيرون، فامتنعوا أيام السلطان ملكشاه إلى آخر أيام السلطان محمد، فلما ~~كانت هذه # PageV08P652 # السنة خرجوا ومعهم قفجاق وغيرهم من الأمم المجاورة لهم فتكاتب الأمراء ~~المجاورون لبلادهم، واجتمعوا، منهم: الأمير إيلغازي ودبيس بن صدقة، وكان ~~عنده، والملك طغرل بن محمد، وأتابكه كنتغدي، وكان لطغرل بلد أران، ونقجوان ~~إلى أرس، فاجتمعوا وساروا إلى الكرج، فلما قاربوا تفليس، وكان المسلمون في ~~عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا التقوا واصطفت الطائفتان للقتال، فخرج من ~~القفجاق مائتا رجل، فظن المسلمون أنهم مستأمنون، فلم يحترزوا منهم، ودخلوا ~~بينهم، ورموا بالنشاب، فاضطرب صف المسلمين، فظن من بعد أنها هزيمة، ~~فانهزموا، وتبع الناس بعضهم بعضا منهزمين، ولشدة الزحام صدم بعضهم بعضا، ~~فقتل منهم عالم عظيم. # وتبعهم الكفار عشرة فراسخ يقتلون ويأسرون، فقتل أكثرهم، وأسروا أربعة ~~آلاف رجل، ونجا الملك طغرل، وإيلغازي، ودبيس، وعاد الكرج فنهبوا بلاد ~~الإسلام، وحصروا مدينة تفليس، واشتد قتالهم لمن بها، وعظم الأمر، وتفاقم ~~الخطب على أهلها، ودام الحصار إلى سنة خمس عشرة ms3817 وخمسمائة فملكوها عنوة. # وكان أهلها لما أشرفوا على الهلاك قد أرسلوا قاضيها وخطيبها إلى الكرج في ~~طلب الأمان، فلم تصغ الكرج إليهما فأخرقوا بهما، ودخلوا البلد قهرا وغلبة، ~~واستباحوه ونهبوه، ووصل المستنفرون منهم إلى بغداذ مستصرخين ومستنصرين سنة ~~ست عشرة وخمسمائة، فبلغهم أن السلطان محمودا بهمذان، فقصدوه واستغاثوا به، ~~فسار إلى أذربيجان، وأقام بمدينة تبريز شهر رمضان، وأنفذ عسكرا إلى الكرج، ~~وسيرد ذكر ما كان منهم، إن شاء الله تعالى. # ذكر غزوات إيلغازي هذه السنة # في هذه السنة أرسل المسترشد بالله خلعا مع سديد الدولة بن الأنباري لنجم ~~الدين إيلغازي، وشكره على ما يفعله من غزو الفرنج، ويأمره بإبعاد دبيس عنه، ~~وسار أبو علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس، مع ابن الأنباري إلى إيلغازي ~~ليقيم عنده، يعبر الأوقات بما ينعم به عليه، فاعتذر عن إبعاد دبيس، ووعد ~~به، ثم سار إلى # PageV08P653 # الفرنج، وكان قد جمع لهم جمعا، فالتقوا بموضع اسمه ذات البقل من أعمال ~~حلب، فاقتتلوا، واشتد القتال، وكان الظفر له. # ثم اجتمع إيلغازي وأتابك طغتكين، صاحب دمشق، وحصروا الفرنج في معرة ~~قنسرين يوما وليلة، ثم أشار أتابك طغتكين بالإفراج عنهم، كيلا يحملهم الخوف ~~على أن يستقتلوا ويخرجوا إلى المسلمين، فربما ظفروا، وكان أكثر خوفه من دبر ~~خيل التركمان، وجودة خيل الفرنج، فأفرج لهم إيلغازي، فساروا عن مكانهم ~~وتخلصوا، وكان إيلغازي لا يطيل المقام في بلد الفرنج ; لأنه كان يجمع ~~التركمان للطمع، فيحضر أحدهم ومعه جراب فيه دقيق، وشاة، ويعد الساعات ~~لغنيمة يتعجلها، ويعود، فإذا طال مقامهم تفرقوا، ولم يكن له من الأموال ما ~~يفرقها فيهم. # ذكر ابتداء أمر محمد بن تومرت وعبد المؤمن وملكهما # في هذه السنة كان ابتداء أمر المهدي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن ~~تومرت العلوي، الحسني، وقبيلته من المصامدة، تعرف بهرغة في جبل السوس، من ~~بلاد المغرب، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير، ونذكر أمره وأمر ~~عبد المؤمن هذه السنة إلى أن فرغ من ملك المغرب لنتبع بعض الحادثة ms3818 بعضا. # وكان ابن تومرت قد رحل في شبيبته إلى بلاد الشرق في طلب العلم، وكان ~~فقيها، فاضلا، عالما بالشريعة، حافظا للحديث، عارفا بأصولي الدين والفقه، ~~متحققا بعلم العربية، وكان ورعا، ناسكا، ووصل في سفره إلى العراق، واجتمع ~~بالغزالي، وإلكيا، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية، وقيل إنه جرى له ~~حديث مع الغزالي فيما فعله بالمغرب من التملك، فقال له الغزالي: إن هذا لا ~~يتمشى في هذه البلاد، ولا يمكن وقوعه لأمثالنا. # كذا قال بعض مؤرخي المغرب، والصحيح أنه لم يجتمع به، فحج من هناك وعاد ~~إلى المغرب، ولما ركب البحر من الإسكندرية، مغربا، غير المنكر في المركب، ~~وألزم من به بإقامة الصلاة، وقراءة القرآن، حتى انتهى إلى المهدية، ~~وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم، سنة خمس وخمسمائة، فنزل بمسجد قبلي مسجد ~~السبت، وليس له سوى # PageV08P654 # ركوة، وعصا، وتسامع به أهل البلد، فقصدوه يقرءون عليه أنواع العلوم، وكان ~~إذا مر به منكر غيره وأزاله، فلما كثر ذلك منه أحضره الأمير يحيى مع جماعة ~~من الفقهاء، فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه واحترمه، وسأله الدعاء. # ورحل عن المدينة وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين، مدة وسار إلى ~~بجاية ففعل فيها مثل ذلك، فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة، ~~فلقيه بها عبد المؤمن بن علي، فرأى فيه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه ~~التقدم، والقيام بالأمر، فسأله عن اسمه وقبيلته، فأخبره أنه من قيس عيلان، ~~ثم من بني سليم، فقال ابن تومرت: هذا الذي بشر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، حين قال: «إن الله ينصر هذا الدين، في آخر الزمان، برجل من قيس، ~~فقيل: من أي قيس؟ فقال: من بني سليم» . فاستبشر بعبد المؤمن وسر بلقائه، ~~وكان مولد عبد المؤمن في مدينة تاجرة، من أعمال تلمسان، وهو من عائذ، قبيل ~~من كومرة، نزلوا بذلك الإقليم سنة ثمانين ومائة. # ولم يزل المهدي ملازما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طريقه إلى أن ~~وصل إلى مراكش دار مملكة أمير المسلمين يوسف بن علي بن ms3819 تاشفين، فرأى فيها ~~من المنكرات أكثر مما عاينه في طريقه، فزاد في أمره بالمعروف ونهيه عن ~~المنكر، فكثر أتباعه، وحسنت ظنون الناس فيه، فبينما هو في بعض الأيام في ~~طريقه، إذ رأى أخت أمير المؤمنين في موكبها، ومعها من الجواري الحسان عدة ~~كثيرة، وهن مسفرات، وكانت هذه عادة الملثمين يسفر نساؤهم عن وجوههن، ويتلثم ~~الرجال، فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن، وأمرهن بستر وجوههن وضرب هو ~~وأصحابه دوابهن، فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها، فرفع أمره إلى أمير ~~المسلمين علي بن يوسف، فأحضره، وأحضر الفقهاء ليناظره، فأخذ يعظه ويخوفه، ~~فبكى أمير المسلمين، وأمر أن يناظره الفقهاء، فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة ~~أدلته في الذي فعله. # وكان عند أمير المسلمين بعض وزرائه يقال له مالك بن وهيب، فقال: يا أمير ~~المسلمين، إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما ~~يريد إثارة فتنة، والغلبة على بعض النواحي، فاقتله وقلدني دمه. فلم يفعل ~~ذلك، فقال: إن لم تقتله فاحبسه، وخلده في السجن، وإلا أثار شرا لا يمكن ~~تلافيه. فأراد حبسه، فمنعه رجل من أكابر الملثمين يسمى بيان بن عثمان فأمر ~~بإخراجه من مراكش، فسار إلى # PageV08P655 # أغمات، ولحق بالجبل، فسار فيه، حتى التحق بالسوس الذي فيه قبيلة هرغة ~~وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة وخمسمائة، فأتوه، واجتمعوا حوله. # وتسامع به أهل تلك النواحي، فوفدوا عليه، وحضر أعيانهم بين يديه وجعل ~~يعظهم، ويذكرهم بأيام الله، ويذكر لهم شرائع الإسلام، وما غير منها، وما ~~حدث من الظلم والفساد، وأنه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم ~~الباطل، بل الواجب قتالهم، ومنعهم عما هم فيه، فأقام على ذلك نحو سنة، ~~وتابعته هرغة قبيلته، وسمى أتباعه الموحدين وأعلمهم أن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم بشر بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلا، وأن مكانه الذي يخرج منه ~~المغرب الأقصى، فقام إليه عشرة رجال، أحدهم عبد المؤمن، فقالوا: لا يوجد ~~هذا إلا فيك فأنت المهدي، فبايعوه على ذلك. # فانتهى خبره إلى أمير المسلمين، فجهز جيشا ms3820 من أصحابه وسيرهم إليه، فلما ~~قربوا من الجبل الذي هو فيه قال لأصحابه: إن هؤلاء يريدونني، وأخاف عليكم ~~منهم، فالرأي أن أخرج بنفسي إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم، فقال له ابن ~~توفيان من مشايخ هرغة: هل تخاف شيئا من السماء؟ فقال: لا، بل من السماء ~~تنصرون، فقال ابن توفيان: فليأتنا كل من في الأرض. ووافقه جميع قبيلته، ~~فقال المهدي: أبشروا بالنصر والظفر بهذه الشرذمة، وبعد قليل تستأصلون ~~دولتهم، وترثون أرضهم، فنزلوا من الجبل، ولقوا جيش أمير المسلمين، فهزموهم، ~~وأخذوا أسلابهم، وقوي ظنهم في صدق المهدي، حيث ظفروا، كما ذكر لهم. # وأقبلت إليه أفواج القبائل، من الحلل التي حوله، شرقا وغربا، وبايعوه، ~~وأطاعته قبيلة هنتاتة، وهي من أقوى القبائل، فأقبل عليهم، واطمأن إليهم، ~~وأتاه رسل أهل تين ملل بطاعتهم، وطلبوه إليهم، فتوجه إلى جبل تين ملل ~~واستوطنه، وألف لهم كتابا في التوحيد، وكتابا في العقيدة، ونهج لهم طريق ~~الأدب بعضهم مع بعض، والاقتصار على القصير من الثياب، القليل الثمن، وهو ~~يحرضهم على قتال عدوهم، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم. # وأقام بتين ملل وبنى له مسجدا خارج المدينة، فكان يصلي فيه الصلوات هو # PageV08P656 # وجمع ممن معه عنده، ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة، فلما رأى كثرة أهل ~~الجبل، وحصانة المدينة، خاف أن يرجعوا عنه، فأمرهم أن يحضروا بغير سلاح، ~~ففعلوا ذلك عدة أيام، ثم إنه أمر أصحابه أن يقتلوهم، فخرجوا عليهم وهم ~~غارون فقتلوهم في ذلك المسجد، ثم دخل المدينة فقتل فيها وأكثر، وسبى ~~الحريم، ونهب الأموال، فكان عدة القتلى خمسة عشر ألفا، وقسم المساكن والأرض ~~بين أصحابه، وبنى على المدينة سورا، وقلعة على رأس جبل عال. # وفي جبل تين ملل أنهار جارية، وأشجار، وزروع، والطريق إليه صعب، فلا جبل ~~أحصن منه. # وقيل: إنه لما خاف أهل تين ملل نظر، فرأى كثيرا من أولادهم شقرا زرقا، ~~والذي يغلب على الآباء السمرة، وكان لأمير المسلمين عدة كثيرة من المماليك ~~الفرنج والروم، ويغلب على ألوانهم الشقرة، وكانوا يصعدون الجبل في كل عام ~~مرة، ويأخذون ms3821 ما لهم فيه من الأموال المقررة لهم من جهة السلطان، فكانوا ~~يسكنون بيوت أهله، ويخرجون أصحابها منها، فلما رأى المهدي أولادهم سألهم: ~~ما لي أراكم سمر الألوان، وأرى أولادكم شقرا، زرقا؟ فأخبروه خبرهم مع ~~مماليك أمير المسلمين، فقبح الصبر على هذا، وأزرى عليهم، وعظم الأمر عندهم، ~~فقالوا له: فكيف الحيلة في الخلاص منهم، وليس لنا بهم قوة؟ فقال: إذا حضروا ~~عندكم في الوقت المعتاد، وتفرقوا في مساكنهم، فليقم كل رجل منكم إلى نزيله ~~فيقتله، واحفظوا جبلكم، فإنه لا يرام ولا يقدر عليه. فصبروا حتى حضر أولئك ~~العبيد، فقتلوهم على ما قرر لهم المهدي، فلما فعلوا ذلك خافوا على نفوسهم ~~من أمير المسلمين، فامتنعوا في الجبل، وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم، ~~فقويت نفس المهدي بذلك. # ثم إن أمير المسلمين أرسل إليهم جيشا قويا، فحصروهم في الجبل، وضيقوا ~~عليهم، ومنعوا عنهم الميرة، فقلت عند أصحاب المهدي الأقوات، حتى صار الخبز ~~معدوما عندهم، وكان يطبخ لهم كل يوم من الحساء ما يكفيهم، فكان قوت كل واحد ~~منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها، فما علق عليها قنع ذلك اليوم، ~~فاجتمع أعيان أهل تين ملل، وأرادوا إصلاح الحال مع أمير المسلمين، فبلغ ~~الخبر بذلك المهدي بن تومرت، وكان معه إنسان يقال له أبو عبد الله ~~الونشريشي، يظهر البله، # PageV08P657 # وعدم المعرفة بشيء من القرآن والعلم، وبزاقه يجري على صدره، وهو كأنه ~~معتوه، ومع هذا فالمهدي يقربه، ويكرمه، ويقول: إن لله سرا في هذا الرجل سوف ~~يظهر. # وكان الونشريشي يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم في السر بحيث لا يعلم أحد ~~ذلك منه، فلما كانت سنة تسع عشرة وخمسمائة، وخاف المهدي من أهل الجبل، خرج ~~يوما لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنسانا حسن الثياب، طيب الريح، ~~فأظهر أنه لا يعرفه، وقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو عبد الله الونشريشي! فقال ~~له المهدي: إن أمرك لعجب! ثم صلى، فلما فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا، ~~فقال: إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريشي، فانظروه، وتحققوا ms3822 أمره، فلما أضاء ~~النهار عرفوه، فقال له المهدي: ما قصتك؟ قال: إنني أتاني الليلة ملك من ~~السماء، فغسل قلبي، وعلمني الله القرآن، والموطأ، وغيره من العلوم ~~والأحاديث. فبكى المهدي بحضرة الناس، ثم قال له: نحن نمتحنك، فقال: افعل. # وابتدأ يقرأ القرآن قراءة حسنة من أي موضع سئل، وكذلك الموطأ، وغيره من ~~كتب الفقه والأصول، فعجب الناس من ذلك، واستعظموه. # ثم قال لهم: إن الله تعالى قد أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل ~~النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار، وتتركوا أهل الجنة، وقد أنزل الله ~~تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان الفلاني يشهدون بصدقي. # فسار المهدي، والناس معه وهم يبكون، إلى تلك البئر، وصلى المهدي عند ~~رأسها، وقال: يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله الونشريشي قد زعم كيت وكيت، ~~فقال من بها: صدق! وكان قد وضع فيها رجالا يشهدون بذلك فلما قيل ذلك من ~~البئر، قال المهدي: إن هذه مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة، والمصلحة أن ~~تطم لئلا يقع فيها نجاسة، أو ما لا يجوز، فألقوا فيها من الحجارة والتراب ~~ما طمها، ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك المكان، فحضروا للتمييز، ~~فكان الونشريشي يعمد إلى الرجل الذي يخاف ناحيته، فيقول: هذا من أهل النار، ~~فيلقى من الجبل مقتولا، وإلى الشاب الغر، ومن لا يخشى، فيقول: هذا من أهل ~~الجنة، فيترك على يمينه، فكان عدة القتلى سبعين ألفا فلما فرغ من ذلك أمن ~~على نفسه وأصحابه واستقام أمره. # PageV08P658 # هكذا سمعت جماعة من فضلاء المغاربة يذكرون في التمييز، وسمعت منهم من ~~يقول: إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد في أهل الجبل، أحضر شيوخ ~~القبائل، وقال لهم: إنكم لا يصح لكم دين، ولا يقوى إلا بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وإخراج المفسد من بينكم، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل ~~الشر والفساد، فانهوهم عن ذلك، فإن انتهوا، وإلا فاكتبوا أسماءهم وارفعوها ~~إلي لأنظر في أمرهم. ففعلوا ذلك، وكتبوا له أسماءهم من كل قبيلة، ms3823 ثم أمرهم ~~بذلك مرة ثانية، وثالثة، ثم جمع المكتوبات فأخذ منها ما تكرر من الأسماء ~~فأثبتها عنده، ثم جمع الناس قاطبة، ورفع الأسماء التي كتبها، ودفعها إلى ~~الونشريشي المعروف بالبشير، وأمره أن يعرض القبائل، ويجعل أولئك المفسدين ~~في جهة الشمال، ومن عداهم في جهة اليمين ففعل ذلك، وأمر أن يكتف من على ~~شمال الونشريشي، فكتفوا، وقال: إن هؤلاء أشقياء قد وجب قتلهم، وأمر كل ~~قبيلة أن يقتلوا أشقياءهم، فقتلوا عن آخرهم فكان يوم التمييز. # ولما فرغ ابن تومرت من التمييز، رأى أصحابه الباقين على نيات صادقة، ~~وقلوب متفقة على طاعته، فجهز منهم جيشا وسيرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع من ~~المرابطين، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب ابن تومرت، وكان أميرهم أبو عبد الله ~~الونشريشي، وقتل منهم كثير، وجرح عمر الهنتاني، وهو من أكبر أصحابه، وسكن ~~حسه ونبضه، فقالوا: مات! فقال الونشريشي: أما إنه لم يمت، ولا يموت حتى ~~يملك البلاد. فبعد ساعة فتح عينيه، وعادت قوته إليه، فافتتنوا به، وعادوا ~~منهزمين إلى ابن تومرت، فوعظهم، وشكرهم على صبرهم. # ثم لم يزل بعدها يرسل السرايا في أطراف بلاد المسلمين، فإذا رأوا عسكرا ~~تعلقوا بالجبل فأمنوا. وكان المهدي قد رتب أصحابه مراتب، فالأولى يسمون أيت ~~عشرة يعني أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ثم أبو حفص الهنتاتي، وغيرهما، وهم ~~أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، السابقون إلى متابعته، والثانية: أيت خمسين، ~~يعني أهل خمسين، وهم دون تلك الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل، ~~والثالثة: أيت سبعين، يعني أهل سبعين، وهم دون التي قبلها، وسمي عامة ~~أصحابه والداخلين في طاعته موحدين، فإذا ذكر الموحدون في أخبارهم فإنما ~~يعنى أصحابه وأصحاب عبد المؤمن بعده. # PageV08P659 # ولم يزل أمر ابن تومرت يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فجهز المهدي ~~جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا، أكثرهم رجالة، وجعل عليهم الونشريشي، وسير ~~معهم عبد المؤمن، فنزلوا وساروا إلى مراكش فحصروها، وضيقوا عليها، وبها ~~أمير المسلمين علي بن يوسف، فبقي الحصار عليها عشرين يوما، فأرسل أمير ~~المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر ms3824 ومعه الجيوش، فجمع كثيرا، وسار، ~~فلما قارب عسكر المهدي خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها، ~~فاقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب المهدي، فقتل الونشريشي ~~أميرهم، فاجتمعوا إلى عبد المؤمن وجعلوه أميرا عليهم. # ولم يزل القتال بينهم عامة النهار، وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف، الظهر ~~والعصر، والحرب قائمة، ولم تصل بالمغرب قبل ذلك، فلما رأى المصامدة كثرة ~~المرابطين، وقوتهم، أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير هناك، والبستان يسمى ~~عندهم البحيرة، فلهذا قيل وقعة البحيرة، وعام البحيرة، وصاروا يقاتلون من ~~جهة واحدة إلى أن أدركهم الليل، وقد قتل من المصامدة أكثرهم، وحين قتل ~~الونشريشي دفنه عبد المؤمن فطلبه المصامدة، فلم يروه في القتلى فقالوا: ~~رفعته الملائكة، ولما جنهم الليل سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل إلى ~~الجبل. # ذكر وفاة المهدي وولاية عبد المؤمن # لما سير الجيش إلى حصار مراكش مرض مرضا شديدا، فلما بلغه خبر الهزيمة ~~اشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن، فقيل: هو سالم، فقال: ما مات أحد، الأمر ~~قائم، وهو الذي يفتح البلاد. # ووصى أصحابه باتباعه، وتقديمه، وتسليم الأمر إليه، والانقياد له، ولقبه ~~أمير المؤمنين. # ثم مات المهدي، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وقيل: خمسا وخمسين سنة، ومدة ~~ولايته عشرين سنة، وعاد عبد المؤمن إلى تين ملل، وأقام بها يتألف القلوب، ~~ويحسن إلى الناس، وكان جوادا مقداما في الحروب، ثابتا في الهزاهز، إلى أن ~~دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، فتجهز وسار في جيش كثير، وجعل يمشي مع ~~الجبل إلى أن وصل إلى تادلة، فمانعه أهلها، وقاتلوه، فقهرهم، وفتحها وسائر ~~البلاد # PageV08P660 # التي تليها ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه، وأطاعته صنهاجة الجبل. # وكان أمير المسلمين قد جعل ولي عهده ابنه سير، فمات، فأحضر أمير المسلمين ~~ابنه تاشفين من الأندلس، وكان أميرا عليها، فلما حضر عنده جعله ولي عهده ~~سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وجعل معه جيشا، وصار يمشي في الصحراء قبالة عبد ~~المؤمن في الجبال. # وفي سنة اثنتين وثلاثين كان عبد المؤمن في النواظر، وهو جبل عال ms3825 مشرف، ~~وتاشفين في الوطأة، وكان يخرج من الطائفتين قوم يترامون ويتطاردون، ولم يكن ~~بينهما لقاء، ويسمى عام النواظر. # وفي سنة ثلاث وثلاثين توجه عبد المؤمن، مع الجبل، في الشعراء، حتى انتهى ~~إلى جبل كرناطة، فنزل في أرض صلبة، بين شجر، ونزل تاشفين قبالته، في الوطأة ~~في أرض لا نبات فيها، وكان الفصل شاتيا، فتوالت الأمطار أياما كثيرة لا ~~تقلع، فصارت الأرض التي فيها تاشفين وأصحابه كثيرة الوحل، تسوخ فيها قوائم ~~الخيل إلى صدورها، ويعجز الرجل عن المشي فيها، وتقطعت الطرق عنهم، فأوقدوا ~~رماحهم، وقرابيس سروجهم، وهلكوا جوعا وبردا وسوء حال. # وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل، لا يبالون بشيء، ~~والميرة متصلة إليهم، وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجرة من أعمال ~~تلمسان، ومقدمهم أبو عبد الله محمد بن رقو، وهو من أيت خمسين، فبلغ خبرهم ~~إلى محمد بن يحيى بن فانوا، متولي تلمسان، فخرج في جيش من الملثمين، ~~فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر، فهزمهم جيش عبد المؤمن، وقتل محمد بن يحيى ~~وكثير من أصحابه، وغنموا ما معهم ورجعوا، فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى ~~غمارة، فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة، وأقام عندهم مدة. # وما برح يمشي في الجبال، وتاشفين يحاذيه في الصحاري، فلم يزل عبد المؤمن ~~كذلك إلى سنة خمس وثلاثين، فتوفي أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش وملك ~~بعده ابنه تاشفين، فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد، إلا أنه لم ينزل ~~الصحراء. # وفي سنة ثمان وثلاثين توجه عبد المؤمن إلى تلمسان، فنازلها، وضرب خيامه ~~في # PageV08P661 # جبل بأعلاها، ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد، وكان بينهم مناوشة، ~~فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين، فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل تاجرة، ووجه ~~جيشا مع عمر الهنتاتي إلى مدينة وهران، فهاجمها بغتة، وحصل هو وجيشه فيها، ~~فسمع بذلك عبد المؤمن فسار إليها، فخرج منها عمر، ونزل تاشفين بظاهر وهران، ~~على البحر، في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين، فجاءت ليلة سبع وعشرين منه، وهي ~~ليلة يعظمها أهل ms3826 المغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر، وبأعلاها ثنية ~~يجتمع فيها المتعبدون وهو موضع معظم عندهم، فسار إليه تاشفين في نفر يسير ~~من أصحابه متخفيا لم يعلم به إلا النفر الذين معه، وقصد التبرك بحضور ذلك ~~الموضع مع أولئك الجماعة الصالحين، فبلغ الخبر إلى عمر بن يحيى الهنتاتي، ~~فسار لوقته بجميع عسكره إلى ذلك المتعبد، وأحاطوا به، وملكوا الربوة، فلما ~~خاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ركب فرسه وحمل عليه إلى جهة البحر، فسقط من ~~جرف عال على الحجارة فهلك، ورفعت جثته على خشبة، وقتل كل من كان معه. # وقيل إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية، وله فيه بستان كبير فيه من كل ~~الثمار، فاتفق أن عمر الهنتاتي، مقدم عسكر عبد المؤمن، سير سرية إلى الحصن، ~~يعلمهم بضعف من فيه، ولم يعلموا أن تاشفين فيه، فألقوا النار في بابه ~~فاحترق، فأراد تاشفين الهرب، فركب فرسه، فوثب الفرس من داخل الحصن إلى خارج ~~السور، فسقط في النار، فأخذ تاشفين، فاعترف، فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن، ~~فمات في الحال لأن رقبته كانت قد اندقت، فصلب، وقتل كل من معه، وتفرق عسكره ~~ولم يعد لهم جماعة. وملك بعده أخوه إسحاق بن علي بن يوسف. # ولما قتل تاشفين أرسل عمر إلى عبد المؤمن بالخبر، فجاء من تاجرة في يومه ~~بجميع عسكره، وتفرق عسكر أمير المسلمين، واحتمى بعضهم بمدينة وهران، فلما ~~وصل عبد المؤمن دخلها بالسيف، وقتل فيها ما لا يحصى. # ثم سار إلى تلمسان، وهما مدينتان بينهما شوط فرس، إحداهما تاهرت، وبها ~~عسكر المسلمين، والأخرى أقادير، وهي بناء قديم، فامتنعت أقادير، وغلقت ~~أبوابها، وتأهب أهلها للقتال. # وأما تاهرت، فكان فيها يحيى بن الصحراوية، فهرب منها بعسكره إلى مدينة # PageV08P662 # فاس، وجاء عبد المؤمن إليها، فدخلها لما فر منها العسكر، ولقيه أهلها ~~بالخضوع والاستكانة، فلم يقبل منهم ذلك وقتل أكثرهم، ودخلها عسكره، ورتب ~~أمرها، ورحل عنها، وجعل على أقادير جيشا يحصرها، وسار إلى مدينة فاس سنة ~~أربعين وخمسمائة فنزل على جبل مطل عليها، وحصرها تسعة ms3827 أشهر، وفيها يحيى بن ~~الصحراوية، وعسكره الذين فروا من تلمسان، فلما طال مقام عبد المؤمن عمد إلى ~~نهر يدخل البلد فسكره بالأخشاب والتراب وغير ذلك، فمنعه من دخول البلد، ~~وصار بحيرة تسير فيها السفن، ثم هدم السكر، فجاء الماء دفعة واحدة فخرب سور ~~البلد، وكل ما يجاور النهر من البلد، وأراد عبد المؤمن أن يدخل البلد ~~فقاتله أهله خارج السور، فتعذر عليه ما قدره من دخوله. # وكان بفاس عبد الله بن خيار الجياني عاملا عليها، وعلى جميع أعمالها، ~~فاتفق هو وجماعة من أعيان البلد، وكاتبوا عبد المؤمن في طلب الأمان لأهل ~~فاس، فأجابهم إليه، ففتحوا له بابا من أبوابها، فدخلها عسكره، وهرب يحيى بن ~~الصحراوية، وكان فتحها آخر سنة أربعين وخمسمائة، وسار إلى طنجة ورتب عبد ~~المؤمن أمر مدينة فاس، وأمر فنودي في أهلها: من ترك عنده سلاحا وعدة قتال ~~حل دمه، فحمل كل من في البلد ما عندهم من السلاح إليه، فأخذه منهم. # ثم رجع إلى مكناسة، ففعل بأهلها مثل ذلك، وقتل من بها من الفرسان ~~والأجناد. # وأما العسكر الذي كان على تلمسان فإنهم قاتلوا أهلها، ونصبوا المجانيق، ~~وأبراج الخشب، وزحفوا بالدبابات، وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان، فدام ~~الحصار نحو سنة، فلما اشتد الأمر على أهل البلد اجتمع جماعة منهم وراسلوا ~~الموحدين أصحاب عبد المؤمن، بغير علم الفقيه عثمان، وأدخلوهم البلد، فلم ~~يشعر أهله إلا والسيف يأخذهم، فقتل أكثر أهله، وسبيت الذرية والحريم، ونهب ~~من الأموال ما لا يحصى، ومن الجواهر ما لا تحد قيمته، ومن لم يقتل بيع ~~بأوكس الأثمان، وكان عدة القتلى مائة ألف قتيل، وقيل: إن عبد المؤمن هو ~~الذي حصر تلمسان، وسار منها إلى فاس، والله أعلم. # PageV08P663 # وسير عبد المؤمن سرية إلى مكناسة، فحصروها مدة، ثم سلمها إليهم أهلها ~~بالأمان فوفوا لهم. # وسار عبد المؤمن من فاس إلى مدينة سلا ففتحها، وحضر عنده جماعة من أعيان ~~سبتة، فدخلوا في طاعته، فأجابهم إلى بذل الأمان، وكان ذلك سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة. # ذكر ملك عبد المؤمن ms3828 مدينة مراكش # لما فرغ عبد المؤمن من فاس، وتلك النواحي، سار إلى مراكش، وهي كرسي مملكة ~~الملثمين، وهي من أكبر المدن وأعظمها، وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن علي بن ~~يوسف بن تاشفين، وهو صبي، فنازلها، وكان نزوله عليها سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة، فضرب خيامه في غربيها على جبل صغير، وبنى عليه مدينة له ولعسكره، ~~وبنى بها جامعا وبنى له بناء عاليا يشرف منه على المدينة، ويرى أحوال ~~أهلها، وأحوال المقاتلين من أصحابه، وقاتلها قتالا كثيرا، وأقام عليها أحد ~~عشر شهرا، فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد، واشتد ~~الجوع على أهله، وتعذرت الأقوات عندهم. # ثم زحف إليهم يوما، وجعل لهم كمينا، وقال لهم: إذا سمعتم صوت الطبل ~~فاخرجوا، وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها يشاهد القتال، وتقدم عسكره، ~~وقاتلوا، وصبروا، ثم إنهم انهزموا لأهل مراكش ليتبعوهم إلى الكمين الذي ~~لهم، فتبعهم الملثمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد المؤمن، فهدموا أكثر ~~سورها، وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ليخرج الكمين، فقال ~~لهم: اصبروا حتى يخرج كل طامع في البلد، فلما خرج أكثر أهله أمر بالطبل ~~فضرب وخرج الكمين عليهم، ورجع المصامدة المنهزمين إلى الملثمين، فقتلوا كيف ~~شاءوا، وعادت الهزيمة على الملثمين، فمات في زحمة الأبواب ما لا يحصيه إلا ~~الله سبحانه. # وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة إسحاق بن علي بن يوسف لصغر سنه، فاتفق أن ~~إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمنا ~~وأطلعه # PageV08P664 # على عوراتهم وضعفهم، فقوي الطمع فيهم، واشتد عليهم البلاء، ونصب عليهم ~~المنجنيقات والأبراج، وفنيت أقواتهم، وأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ~~ما يزيد على مائة ألف إنسان، فأنتن البلد من ريح الموتى. # وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم، فجاءوا إليهم ~~نجدة، فلما طال عليهم الأمر راسلوا عبد المؤمن يسألون الأمان فأجابهم إليه، ~~ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له باب أغمات، فدخلت عساكره بالسيف، ~~وملكوا المدينة عنوة، وقتلوا من وجدوا، ووصلوا ms3829 إلى دار أمير المسلمين، ~~فأخرجوا الأمير إسحاق وجميع من معه من أمراء المرابطين فقتلوا، وجعل إسحاق ~~يرتعد رغبة في البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي فقام إليه سير بن الحاج، ~~وكان إلى جانبه مكتوفا فبزق في وجهه، وقال: تبكي على أبيك وأمك؟ اصبر صبر ~~الرجال، فهذا رجل لا يخاف الله ولا يدين بدين. # فقام الموحدون إليه بالخشب فضربوه حتى قتلوه، وكان من الشجعان المعروفين ~~بالشجاعة، وقدم إسحاق على صغر سنه، فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين ~~وخمسمائة، وهو آخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم، وكانت مدة ملكهم ~~سبعين سنة، وولي منهم أربعة: يوسف وعلي وتاشفين وإسحاق. # ولما فتح عبد المؤمن مراكش أقام بها، واستوطنها واستقر ملكه. ولما قتل ~~عبد المؤمن من أهل مراكش فأكثر فيهم القتل اختفى من أهلها، فلما كان بعد ~~سبعة أيام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها، فخرجوا، فأراد أصحابه المصامدة ~~قتلهم، فمنعهم، وقال: هؤلاء صناع، وأهل الأسواق من ننتفع به، فتركوا، وأمر ~~بإخراج القتلى من البلد، فأخرجوهم، وبنى بالقصر جامعا كبيرا، وزخرفه فأحسن ~~عمله، وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. # ولقد أساء يوسف بن تاشفين في فعله بالمعتمد بن عباد، وارتكب بسجنه على ~~الحالة المذكورة أقبح مركب، فلا جرم سلط الله [عليه في عقابه] من أربى في ~~الأخذ عليه وزاد، فتبارك الحي الدائم الملك، الذي لا يزول ملكه، وهذه سنة ~~الدنيا، فأف لها، ثم أف، نسأل الله أن يختم أعمالنا بالحسنى، ويجعل خير ~~أيامنا يوم نلقاه بمحمد وآله. # PageV08P665 # ذكر ظفر عبد المؤمن بدكالة # في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة، ~~فاجتمع إليه قبائلها، وصاروا يغيرون على أعمال مراكش، وعبد المؤمن لا يلتفت ~~إليهم، فلما كثر ذلك منهم سار إليهم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فلما سمعت ~~دكالة بذلك انحشروا كلهم إلى ساحل البحر في مائتي ألف راجل وعشرين ألف ~~فارس، وكانوا موصوفين بالشجاعة. # وكان مع عبد المؤمن من الجيوش ما يخرج عن الحصر، وكان الموضع الذي فيه ~~دكالة كثير ms3830 الحجر والحزونة، فكمنوا فيه كمناء ليخرجوا على عبد المؤمن إذا ~~سلكه، فمن الاتفاق الحسن له أنه قصدهم من غير الجهة التي فيها الكمناء، ~~فانحل عليهم ما قدروه، وفارقوا ذلك الموضع، فأخذهم السيف، فدخلوا البحر، ~~فقتل أكثرهم، وغنمت إبلهم وأغنامهم وأموالهم، وسبيت نساؤهم وذراريهم، فبيعت ~~الجارية الحسناء بدارهم يسيرة، وعاد عبد المؤمن إلى مراكش مظفرا منصورا، ~~وثبت ملكه، وخافه الناس في جميع المغرب، وأذعنوا له بالطاعة. # ذكر حصر مدينة كتندة # في هذه السنة، يعني سنة أربع عشرة وخمسمائة، خرج ملك من ملوك الفرنج ~~بالأندلس، يقال له ابن ردمير، فسار حتى انتهى كتندة، وهي بالقرب من مرسية، ~~في شرق الأندلس، فحصرها، وضيق على أهلها، وكان أمير المسلمين علي بن يوسف ~~حينئذ بقرطبة، ومعه جيش كثير من المسلمين والأجناد المتطوعة، فسيرهم إلى ~~ابن ردمير، فالتقوا واقتتلوا أشد القتال، وهزمهم ابن ردمير هزيمة منكرة، ~~وكثر القتل في المسلمين، وكان فيمن قتل أبو عبد الله بن الفراء، قاضي ~~المرية، وكان من العلماء العاملين، والزهاد في الدنيا العادلين في القضاء. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كسر بلك بن أرتق عفراس الرومي، وقتل من الروم خمسة آلاف رجل ~~على قلعة سرمان من بلد اندكان! وأسر عفراس وكثير من عسكره. # PageV08P666 # وفيها أغار جوسلين الفرنجي، صاحب الرها، على جيوش العرب والتركمان، ~~وكانوا نازلين بصفين، غربي الفرات، وغنم من أموالهم وخيلهم ومواشيهم شيئا ~~كثيرا، ولما عاد خرب بزاعة. # وفيها تسلم أتابك طغتكين، صاحب دمشق، مدينة تدمر والشقيف. # وفيها أمر السلطان محمود الأمير جيوش بك بالمسير إلى حرب أخيه طغرل، فسار ~~إليه، فسمع طغرل وأتابكه كنتغدي ذلك، فسار إلى كنجة من بين يدي العسكر، ولم ~~يجر قتال. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي خالصة الدولة أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب بن ~~السيبي، صاحب المخزن ببغداذ، وولي مكانه الكمال أبو الفتوح حمزة بن طلحة، ~~المعروف بابن البقشلام، والد علم الدين الكاتب المعروف. # وفي جمادى الأولى منها توفي أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن ~~القشيري، الإمام، وكان أخذ العلم ms3831 من قرابته، والطريقة أيضا ثم استفاد أيضا ~~من إمام الحرمين أبي المعالي الجويني. سمع الحديث من جماعة، ورواه، وكان ~~حسن الوعظ، وسريع الخاطر، ولما توفي جلس الناس في البلاد البعيدة للعزاء ~~به، حتى في بغداذ برباط شيخ الشيوخ. # PageV08P667 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة] ### | 515 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة # ذكر إقطاع البرسقي الموصل # في هذه السنة، في صفر أقطع السلطان محمود مدينة الموصل وأعمالها، وما ~~ينضاف إليها، كالجزيرة، وسنجار، وغيرهما، الأمير آقسنقر البرسقي. # وسبب ذلك: أنه كان في خدمة السلطان محمود، ناصحا له، ملازما له في حروبه ~~كلها، وكان له الأثر الحسن في الحرب المذكورة بين السلطان محمود وأخيه ~~الملك مسعود، وهو الذي أحضر الملك مسعودا عند أخيه السلطان محمود، فعظم ذلك ~~عند السلطان محمود، ولما حضر جيوش بك عند السلطان محمود وبقيت الموصل بغير ~~أمير ولى عليها البرسقي، وتقدم إلى سائر الأمراء بطاعته، وأمر بمجاهدة ~~الفرنج وأخذ البلاد منهم، فسار إليها في عسكر كثير وملكها، وأقام يدبر ~~أمورها، ويصلح أحوالها. # ذكر وفاة الأمير علي وولاية ابنه الحسن إفريقية في هذه السنة توفي الأمير ~~علي بن يحيى بن تميم، صاحب إفريقية في العشر الأخير من ربيع الآخر، وكان ~~مولده بالمهدية، وقد تقدم من حروبه وأعماله ما يستدل به على علو همته، ولما ~~توفي ولي الملك بعده ابنه الحسن، بعهد أبيه، وقام بأمر دولته # PageV08P668 # صندل الخصي، لأنه كان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة لا يستقل بتدبير الملك، ~~فقام صندل في الحفظ والاحتياط، فلم تطل أيامه حتى توفي، فوقع الاختلاف بين ~~أصحابه وقواده، كل منهم يقول: أنا المقدم على الجميع، وبيدي الحل والشد، ~~فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى قائد من أصحاب أبيه يقال له أبو ~~عزيز موفق، فصلحت الأمور. # ذكر قتل أمير الجيوش # في هذه السنة، في الثالث والعشرين من رمضان، قتل أمير الجيوش الأفضل بن ~~بدر الجمالي، وهو صاحب الأمر والحكم بمصر، وكان ركب إلى خزانة السلاح ~~ليفرقه على الأجناد، على جاري العادة في الأعياد، ms3832 فسار معه عالم كثير من ~~الرجالة والخيالة، فتأذى بالغبار، فأمر بالبعد عنه، وسار منفردا، معه ~~رجلان، فصادفه رجلان بسوق الصياقلة، فضرباه بالسكاكين فجرحاه، وجاء الثالث ~~من ورائه، فضربه بسكين في خاصرته، فسقط عن دابته، ورجع أصحابه فقتلوا ~~الثلاثة، وحملوه إلى دار الأفضل، فدخل عليه الخليفة، وتوجع له، وسأل عن ~~الأموال، فقال: أما الظاهر منها فأبو الحسن بن أسامة الكاتب يعرفه، وكان من ~~أهل حلب، وتولى أبوه قضاء القاهرة، وأما الباطن فابن البطائحي يعرفه، ~~فقالا: صدق. # فلما توفي الأفضل نقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وبقي ~~الخليفة في داره نحو أربعين يوما، والكاتب بين يديه، والدواب تحمل وتنقل ~~ليلا ونهارا، ووجد له من الأعلاق النفيسة، والأشياء الغريبة القليلة ~~الوجود، ما لا يوجد مثله لغيره، واعتقل أولاده، وكان عمره سبعا وخمسين سنة ~~وكانت ولايته بعد أبيه ثمانيا وعشرين سنة، ومنها: آخر أيام المستنصر، وجميع ~~أيام المستعلي، إلى هذه السنة من أيام الآمر. # وكان الإسماعيلية يكرهونه لأسباب منها: تضييقه على إمامهم، وتركه ما يجب ~~عندهم سلوكه معهم، ومنها: ترك معارضة أهل السنة في اعتقادهم، والنهي عن ~~معارضتهم، وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها، فكثر الغرباء ~~ببلاد مصر. # PageV08P669 # وكان حسن السيرة، عادلا، حكي أنه لما قتل، وظهر الظلم بعده، اجتمع جماعة ~~واستغاثوا بالخليفة، وكان من جملة قولهم: إنهم لعنوا الأفضل، فسألهم عن سبب ~~لعنهم إياه، فقالوا: إنه عدل، وأحسن السيرة، ففارقنا بلادنا وأوطاننا، ~~وقصدنا بلده لعدله، فقد أصابنا بعده هذا الظلم، فهو كان سبب ظلمنا. # فأحسن الخليفة إليهم، وأمر بالإحسان إلى الناس. # ومنها أن صاحبه الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، وضع منه، وسبب ذلك ما ~~ذكرناه قبل، ففسد الأمر بينهما، فأراد الآمر أن يضع عليه من يقتله إذا دخل ~~عليه قصره للسلام، أو في أيام الأعياد، فمنعه من ذلك ابن عمه أبو الميمون ~~عبد المجيد، وهو الذي ولي الأمر بعده بمصر، وقال له: في هذا الفعل شناعة ~~وسوء سمعة، لأنه قد خدم دولتنا هو وأبوه خمسين سنة، ولم يعلم الناس ms3833 منهما ~~إلا النصح لنا، والمحبة لدولتنا، وقد سار ذلك في أقطار البلاد فلا يجوز أن ~~يظهر منا هذه المكافأة الشنيعة، ومع هذا فلا بد وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد ~~عليه في منصبه، متمكن مثله، أو ما يقاربه، فيخاف أن نفعل به مثل فعلنا ~~بهذا، فيحذر من الدخول إلينا خوفا على نفسه، وإن دخل علينا كان خائفا ~~مستعدا للامتناع، وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة، والرأي أن تراسل أبا ~~عبد الله بن البطائحي، فإنه الغالب على أمر الأفضل، والمطلع على سره، وتعده ~~أن توليه منصبه، وتطلب منه أن يدبر الأمر في قتله لمن يقاتله، إذا ركب، ~~فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه، وأظهرنا الطلب بدمه، والحزن عليه، فنبلغ ~~غرضنا، ويزول عنا قبح الأحدوثة. ففعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه. # ولما قتل ولي بعده أبو عبد الله بن البطائحي الأمر، ولقب المأمون، وتحكم ~~في الدولة، فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة وخمسمائة، فصلب كما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عصيان سليمان بن إيلغازي على أبيه # في هذه السنة عصى سليمان بن إيلغازيبن أرتق على أبيه بحلب، وقد جاوز عمره ~~عشرين سنة، حمله على ذلك جماعة من عنده، فسمع والده الخبر، فسار مجدا # PageV08P670 # لوقته، فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه، فخرج إليه معتذرا، فأمسك عنه، ~~وقبض على من كان أشار عليه بذلك، منهم: أمير كان قد التقطه أرتق، والد ~~إيلغازي، ورباه، اسمه ناصر، فقلع عينيه، وقطع لسانه، ومنهم: إنسان من أهل ~~حماة من بيت قرناص، كان قد قدمه إيلغازي على أهل حلب، وجعل إليه الرئاسة، ~~فجازاه بذلك، وقطع يديه ورجليه، وسمل عينيه، فمات. # وأحضر ولده، وهو سكران، فأراد قتله، فمنعته رقة الوالد، فاستبقاه، فهرب ~~إلى دمشق، فأرسل طغتكين يشفع فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستناب بحلب سليمان ~~ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق، ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين. # ذكر إقطاع ميافارقين إيلغازي # في هذه السنة أقطع السلطان محمود مدينة ميافارقين للأمير إيلغازي وسبب ~~ذلك أنه أرسل ولده حسام ms3834 الدين تمرتاش، وعمره سبع عشرة سنة، إلى السلطان ~~ليشفع في دبيس بن صدقة، ويبذل عنه الطاعة، وحمل الأموال، والخيل، وغيرها، ~~وأن يضمن الحلة كل يوم بألف دينار وفرس، وكان المتحدث عنه القاضي بهاء ~~الدين أبو الحسن علي بن القاسم بن الشهرزوري، فتردد الخطاب في ذلك، ولم ~~ينفصل حال، فلما أراد العود أقطع السلطان أباه مدينة ميافارقين، وكانت مع ~~الأمير سكمان، صاحب خلاط، فتسلمها إيلغازي، وبقيت في يده، ويد أولاده، إلى ~~أن ملكها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة، وسنذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر حصر بلك بن بهرام الرها وأسر صاحبها # في هذه السنة سار بلك بن بهرام، ولد أخي إيلغازي، إلى مدينة الرها، ~~فحصرها وبها الفرنج، بقي على حصرها مدة فلم يظفر بها، فرحل عنها، فجاءه ~~إنسان تركماني وأعلمه أن جوسلين، صاحب الرها وسروج، قد جمع من عنده من ~~الفرنج، وهو عازم على كبسه، وكان قد تفرق عن بلك أصحابه، وبقي في أربعمائة ~~فارس، فوقف مستعدا لقتالهم. # PageV08P671 # وأقبل الفرنج، فمن لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج وصلوا إلى أرض قد ~~نضب عنها الماء، فصارت وحلا وغاصت خيولهم فيه فلم تتمكن، مع ثقل السلاح ~~والفرسان، من الإسراع والجري، فرماهم أصحاب بلك بالنشاب، فلم يفلت منهم ~~أحد، وأسر جوسلين، وجعل في جلد جمل، وخيط عليه، وطلب منه أن يسلم الرها، ~~فلم يفعل، وبذل في فداء نفسه أموالا جزيلة، وأسرى كثيرة، فلم يجبه إلى ذلك، ~~وحمله إلى قلعة خرتبرت فسجنه بها، وأسر ابن خالته، واسمه كليام، وكان من ~~شياطين الكفار، وأسر أيضا جماعة من فرسانه المشهورين، فسجنهم معه. # [الوفيات] # في هذه السنة توفيت جدة السلطان محمود لأبيه، وهي والدة السلطان سنجر، ~~وكانت تركية تعرف بخاتون السفرية، وكان موتها بمرو فجلس محمود ببغداذ ~~للعزاء بها، وكان عزاء لم يشاهد مثله الناس. # وفيها توفي الخطير محمد بن الحسين الميبذي ببلاد فارس، وهو في وزارة ~~الملك سلجوق ابن السلطان محمد، وكان قديما وزر للسلطانين بركيارق ومحمد، ~~وكان جوادا حليما، سمع أن الأبيوردي ms3835 هجاه، فلما سمع الهجو مضه، فعض على ~~إبهامه، وصفح عنه، وخلع عليه ووصله. # وفيها توفي الشهاب أبو المحاسن عبد الرزاق بن عبد الله وزير السلطان ~~سنجر، وهو ابن أخي نظام الملك، وكان يتفقه قديما على إمام الحرمين الجويني ~~فكان يفتي ويوقع، ووزر بعده أبو طاهر سعد بن علي بن عيسى القمي، وتوفي بعد ~~شهور، فوزر بعده عثمان القمي. # ذكر عدة حوادث. # وفيها، في جمادى الأولى، أوقع أتابك طغتكين بطائفة من الفرنج، فقتل منهم ~~وأسر وأرسل من الأسرى والغنيمة للسلطان وللخليفة. # وفيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام، زاده الله شرفا، من زلزلة، ~~وانهدم # PageV08P672 # بعضه، وتشعث بعض حرم النبي، صلى الله عليه وسلم، وتشعث غيرها من البلاد، ~~وكان بالموصل كثير منها. # وفيها احترقت دار السلطان، كان قد بناها مجاهد الدين بهروز للسلطان محمد، ~~ففرغت قبل وفاته بيسير، فلما كان الآن احترقت. # وسبب الحريق أن جارية كانت تخضبت ليلا، فأسندت شمعة إلى الخيش فاحترق، ~~وعلقت النار منه في الدار، واحترق فيها من زوجة السلطان محمود بنت السلطان ~~سنجر ما لا حد له من الجواهر، والحلى، والفرش، والثياب، وأقيم الغسالون ~~يخلصون الذهب، وما أمكن تخليصه، وكان الجوهر جميعه قد هلك إلا الياقوت ~~الأحمر. # وترك السلطان الدار لم تجدد عمارتها، وتطير منها، لأن أباه لم يتمتع بها، ~~ثم احترق فيها من أموالهم الشيء العظيم، واحترق قبلها بأسبوع جامع أصبهان، ~~وهو من أعظم الجوامع وأحسنها، أحرقه قوم من الباطنية ليلا وكان السلطان قد ~~عزم على أخذ حق البيع، وتجديد المكوس بالعراق، بإشارة الوزير السميرمي عليه ~~بذلك، فتجدد من هذين الحريقين ما هاله، واتعظ فأعرض عنه. # وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عشاء، وصار له نور عظيم، وتفرق منه ~~أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة. # وفيها ظهر بمكة إنسان علوي، وأمر بالمعروف، فكثر جمعه، ونازع أمير مكة ~~ابن أبي هاشم، وقوي أمره، وعزم على أن يخطف لنفسه، فعاد ابن أبي هاشم وظفر ~~به، ونفاه عن الحجاز إلى البحرين، وكان هذا العلوي من ms3836 فقهاء النظامية ~~ببغداذ. # وفيها ألزم السلطان أهل الذمة ببغداذ بالغيار، فجرى فيه مراجعات انتهت ~~إلى أن قرر عليهم للسلطان عشرون ألف دينار، وللخليفة أربعة آلاف دينار. # PageV08P673 # وفيها حضر السلطان محمود وأخوه الملك مسعود عند الخليفة، فخلع عليهما، ~~وعلى جماعة من أصحاب السلطان، منهم: وزيره أبو طالب السميرمي، وشمس الملك ~~عثمان بن نظام، والوزير أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد المستوفي، وعلى غيرهم ~~من الأمراء. # وفيها، في ذي القعدة، وهو الحادي والعشرون من كانون الثاني، سقط بالعراق ~~جميعه من البصرة إلى تكريت ثلج كثير، وبقي على الأرض خمسة عشر يوما، وسمكه ~~ذراع وهلكت أشجار النارنج، والأترج، والليمون، فقال فيه بعض الشعراء: # يا صدور الزمان ليس بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق # إنما عم ظلمكم سائر الخلق # فشابت ذوائب الآفاق # وفيها هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت كثيرا من الناس وغيرهم من ~~الحيوانات. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، صاحب ~~المقامات المشهورة، وهزارسب بن عوض الهروي، وكان قد سمع الحديث كثيرا. # PageV08P674 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة] ### | 516 - # ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود # وفي المحرم من هذه السنة أطاع الملك طغرل أخاه السلطان محمودا، وكان قد ~~خرج عن طاعته، كما ذكرناه، وقصد أذربيجان في السنة الخالية ليتغلب عليها، ~~وكان أتابكه كنتغدي يحسن له ذلك، ويقويه عليه، فاتفق أنه مرض، وتوفي في ~~شوال سنة خمس عشرة وخمسمائة. # وكان الأمير آقسنقر الأحمديلي، صاحب مراغة، عند السلطان محمود ببغداذ، ~~فاستأذنه في المضي إلى إقطاعه، فأذن له، فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم ~~مقام كنتغدي من الملك طغرل، فسار إليه، واجتمع به، وأشار عليه بالمكاشفة ~~لأخيه السلطان محمود، وقال له: إذا وصلت إلى مراغة اتصل بك عشرة آلاف فارس ~~وراجل. # فسار معه، فلما وصلوا إلى أردبيل أغلقت أبوابها دونهم، فساروا عنها إلى ~~قريب تبريز، فأتاهم الخبر أن السلطان محمودا سير الأمير جيوش بك إلى ~~أذربيجان، وأقطعه البلاد، وأنه ms3837 نزل مراغة في عسكر كثيف من عند السلطان. # فلما تيقنوا ذلك عدلوا ذلك إلى خونج، وانتقض عليهم ما كانوا فيه، وراسلوا ~~الأمير شيركير الذي كان أتابك طغرل، أيام أبيه، يدعونه إلى إنجادهم، وقد ~~كان كنتغدي قبض عليه بعد موت السلطان محمد على ما ذكرناه، ثم أطلقه السلطان ~~سنجر، فعاد إلى إقطاعه، أبهر، وزنجان، وكاتبوه فأجابهم، واتصل بهم، وسار ~~معهم إلى أبهر، فلم يتم لهم ما أرادوا، فراسلوا السلطان بالطاعة، فأجابهم ~~إلى ذلك، فاستقرت القاعدة أول هذه السنة، وتمت. # PageV08P675 # ذكر حال دبيس بن صدقة وما كان منه # قد ذكرنا سنة أربع عشرة وخمسمائة حال دبيس بن صدقة، وصلحه على يد يرنقش ~~الزكوي، ومقامه بالحلة، وعود يرنقش إلى السلطان ومعه منصور بن صدقة، أخو ~~دبيس، وولده، رهينة، فلما علم الخليفة بذلك لم يرض به، وراسل السلطان ~~محمودا في إبعاد دبيس عن العراق إلى بعض النواحي. # وتردد الخطاب في ذلك، وعزم السلطان على المسير إلى همذان، فأعاد الخليفة ~~الشكوى من دبيس، وذكر أنه يطالب الناس بحقوقه، منها قتل أبيه، وأشار أن ~~يحضر السلطان آقسنقر البرسقي من الموصل، ويوليه شحنكيةبغداذ والعراق، ~~ويجعله في وجه دبيس، ففعل السلطان ذلك، وأحضر البرسقي، فلما وصل إليه زوجه ~~والدة الملك مسعود، وجعله شحنة بغداذ وأمره بقتال دبيس إن تعرض البلاد. # وسار السلطان عن بغداذ في صفر من هذه السنة، وكان مقامه ببغداذ سنة وسبعة ~~أشهر وخمسة عشر يوما، فلما فارق بغداذ والعراق تظاهر دبيس بأمور تأثر بها ~~المسترشد بالله، وتقدم إلى البرسقي بالمسير إليه، وإزعاجه عن الحلة، فأرسل ~~البرسقي إلى الموصل، وأحضر عساكره، وسار إلى الحلة، وأقبل دبيس نحوه، ~~فالتقوا عند نهر بشير، شرقي الفرات، واقتتلوا، فانهزم عسكر البرسقي. # وكان سبب الهزيمة أنه رأى في ميسرته خللا، وبها الأمراء البكجية، فأمر ~~بإلقاء خيمته، وأن تنصب عند الميسرة، ليقوي قلوب من بها، فلما رأوا الخيمة ~~وقد سقطت ظنوها عن هزيمة، فانهزموا، وتبعهم الناس والبرسقي. # وقيل: بل أعطي رقعة فيها: إن جماعة من الأمراء، منهم إسماعيل البكجي، ~~يريدون الفتك به، ms3838 فانهزم، وتبعه العسكر، ودخل بغداذ ثاني ربيع الآخر وكان ~~في جملة العسكر نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن أبي الجبر، وكان ~~ناظرا بالبطيحة لريحان محكويه، خادم السلطان، لأنها كانت من جملة إقطاعه، ~~وحضر أيضا المظفر بن حماد بن أبي الجبر، وبينهما عداوة شديدة، فالتقيا عند ~~الانهزام بساباط نهر ملك، فقتله المظفر ومضى إلى واسط، وسار منها إلى ~~البطيحة، وتغلب عليها وكاتب دبيسا وأطاعه. # PageV08P676 # وأما دبيس فإنه لم يعرض لنهر ملك، ولا غيره، وأرسل إلى الخليفة أنه على ~~الطاعة، ولولا ذلك لأخذ البرسقي وجميع من معه، وسأل أن يخرج الناظر إلى ~~القرى التي لخاص الخليفة لقبض دخلها. # وكانت الوقعة في حزيران، وحمى البلد، فأحمد الخليفة فعله، وترددت الرسل ~~بينهما، فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد بالله على وزيره جلال الدين أبي ~~علي بن صدقة ليعود إلى الطاعة، فقبض على الوزير، ونهبت داره ودور أصحابه ~~والمنتمين إليه، وهرب ابن أخيه جلال الدين أبو الرضا إلى الموصل. # ولما سمع السلطان خبر الواقعة قبض على منصور بن صدقة، أخي دبيس، وولده، ~~ورفعهما إلى قلعة برحين وهي تجاور كرج. # ثم إن دبيسا أمر جماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط، فساروا ~~إليها، فمنعهم أتراك واسط، فجهز دبيس إليهم عسكرا مقدمهم مهلهل ابن أبي ~~العسكر، وأرسل إلى المظفر بن الجبر بالبطيحة ليتفق مع مهلهل ويساعده على ~~قتال الواسطيين، فاتفقا على أن تكون الواقعة تاسع رجب، وأرسل الواسطيون إلى ~~البرسقي يطلبون منه المدد، فأمدهم بجيش من عنده، وعجل مهلهل في عسكر دبيس، ~~ولم ينتظر المظفر ظنا منه أنه بمفرده ينال منهم ما أراد، وينفرد بالفتح، ~~فالتقى هو والواسطيون، ثامن رجب، فانهزم مهلهل وعسكره، وظفر الواسطيون، ~~وأخذ مهلهل أسيرا وجماعة من أعيان العسكر، وقتل ما يزيد على ألف قتيل، ولم ~~يقتل من الواسطيين غير رجل واحد. # وأما المظفر بن أبي الجبر فإنه أصعد من البطيحة ونهب وأفسد، وجرى من ~~أصحابه القبيح، فلما قارب واسطا سمع بالهزيمة، فعاد منحدرا. # وكان في جملة ما أخذ العسكر الواسطي من مهلهل ms3839 تذكرة بخط دبيس يأمره فيها ~~بقبض المظفر بن أبي الجبر ومطالبته بأموال كثيرة أخذها من البطيحة، فأرسلوا ~~الخط إلى المظفر، وقالوا: هذا خط الذي تختاره، فلما جرى على أصحاب دبيس من ~~الواسطيين ما ذكرناه شمر عن ساعده في الشر، وبلغه أن السلطان كحل أخاه، فجز ~~شعره، ولبس السواد، ونهب البلاد، وأخذ كل ما للخليفة بنهر الملك، فأجلى ~~الناس إلى بغداذ. # PageV08P677 # وسار عسكر واسط إلى النعمانية، فأجلوا عنها عسكر دبيس واستولوا عليها، ~~وجرى بينهم هناك وقعة كان الظفر فيها للواسطيين، وتقدم الخليفة إلى البرسقي ~~بالتبريز إلى حرب دبيس، فبرز في رمضان، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر قتل السميرمي # وفي هذه السنة قتل الوزير الكمال أبو طالب السميرمي، وزير السلطان محمود، ~~سلخ صفر، وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان، فدخل إلى الحمام، وخرج ~~بين يديه الرجالة والخيالة، وهو في موكب عظيم، فاجتاز بسوق المدرسة التي ~~بناها خمارتكين التتشي، واجتاز في منفذ ضيق فيه حظائر الشوك، فتقدم أصحابه ~~لضيق الموضع، فوثب عليه باطني وضربه بسكين، فوقعت في البغلة، وهرب إلى ~~دجلة، وتبعه الغلمان، فخلا الموضع، فظهر رجل آخر فضربه بسكين في خاصرته، ~~وجذبه عن البغلة إلى الأرض وضربه عدة ضربات. # وعاد أصحاب الوزير، فحمل عليهم رجلان باطنيان، فانهزم منهما، ثم عادوا ~~وقد ذبح الوزير مثل الشاة، فحمل قتيلا وبه نيف وثلاثون جراحة، وقتل قاتلوه. # ولما كان في الحمام كان المنجمون يأخذون له الطالع ليخرج فقالوا: هذا وقت ~~جيد، وإن تأخرت يفت طالع السعد، فأسرج وركب، وأراد أن يأكل طعاما، فمنعوه ~~لأجل الطالع، فقتل ولم ينفعه قولهم. # وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر، وانتهب ماله، وأخذ السلطان خزانته، ~~ووزر بعده شمس الملك، وكانت زوجة السميرمي قد خرجت هذا اليوم في موكب كبير، ~~معها نحو مائة جارية، وجمع من الخدم، والجميع بمراكب الذهب، فلما سمعن ~~بقتله عدن حافيات حاسرات، وقد تبدلن بالعز هوانا، وبالمسرة أحزانا. فسبحان ~~من لا يزول ملكه. # وكان السميرمي ظالما، كثير المصادرة للناس، سيء السيرة، فلما قتل ms3840 أطلق ~~السلطان ما كان جدده من المكوس، وما وضعه على التجار والباعة. # PageV08P678 # ذكر القبض على ابن صدقة وزير الخليفة ونيابة علي بن طراد # في جمادى الأولى قبض الخليفة على وزيره جلال الدين بن صدقة، وقد تقدم ~~ذكره قبل، وأقيم نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي في نيابة ~~الوزارة، فأرسل السلطان إلى المسترشد بالله في معنى الوزارة نظام الملك أبي ~~نصر أحمد بن نظام الملك، وكان أخو شمس الملك عثمان بن نظام الملك وزير ~~السلطان محمود، فأجيب إلى ذلك، واستوزر في شعبان. # وكان قد وزر للسلطان محمد سنة خمسمائة، ثم عزل، ولزم دارا استجدها ببغداذ ~~إلى الآن. فلما خلع على نظام الملك، وجلس في الديوان، طلب أن يخرج ابن صدقة ~~عن بغداذ، فلما علم ابن صدقة ذلك طلب من الخليفة أن يسير إلى حديثة عانة ~~ليكون عند الأمير سليمان بن مهارش، فأجيب إلى ما طلب. # وسار إلى الحديثة، فخرج عليه في الطريق إنسان من مفسدي التركمان يقال له ~~يونس الحرامي، فأسره ونهب أصحابه، فخاف الوزير أن يعلم دبيس فأرسل إلى يونس ~~وبذل له مالا يأخذه منه للعداوة التي بينهما، فقرر أمره مع يونس على ألف ~~دينار يعجل منها ثلاثمائة، ويؤخر الباقي إلى أن يرسله من الحديثة. # وراسل عامل بلد الفرات في تخليصه، وإنفاذ من يضمن الباقي عليه، فأعمل ~~العامل الحيلة في ذلك، فأحضر إنسانا فلاحا وألبسه ثيابا فاخرة وطيلسانا، ~~وأركبه وسير معه غلمانا، وأمره أن يمضي إلى يونس ويدعي أنه قاضي بلد ~~الفرات، ويضمن الوزير منه ما بقي من المال، فسار السوادي إلى يونس، فلما ~~حضر عند الوزير ويونس احترماه، وضمن السوادي الوزير منه، وقال له: أقيم ~~عندك إلى أن يصل المال مع صاحب لك تنفذه مع الوزير، فاعتقد يونس صدق ذلك ~~وأطلق الوزير ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل الحديثة قبض على من معه منهم، ~~فأطلق يونس ذلك السوادي، والمال الذي أخذه، حتى أطلق الوزير أصحابه، وعلم ~~الحيل التي تمت عليه. # ولما سار الوزير من عند يونس لقي ms3841 إنسانا أنكره، فأخذه، فرأى معه كتابا من # PageV08P679 # دبيس إلى يونس يبذل ستة آلاف دينار ليسلم الوزير إليه، وكان خلاصه من ~~أعجب الأشياء. # ذكر قتل جيوش بك # في هذه السنة قتل جيوش بك الذي كان صاحب الموصل، وقد ذكرنا خروجه على ~~السلطان محمود، وعوده إلى خدمته، فلما رضي عنه أقطعه أذربيجان وجهله مقدم ~~عسكره، فجرى بينه وبين جماعة من الأمراء منافرة ومنازعات، فأغروا به ~~السلطان، فقتله في رمضان على باب تبريز. # وكان تركيا من مماليك السلطان محمد، عادلا، حسن السيرة، ولما ولي الموصل ~~والجزيرة كان الأكراد بتلك الأعمال قد انتشروا، وكثر فسادهم، وكثرت قلاعهم، ~~والناس معهم في ضيق، والطريق خائفة، فقصدهم، وحصر قلاعهم، وفتح كثيرا منها ~~ببلد الهكارية، وبلد الزوزان، وبلد البشنوية وخافه الأكراد، وتولى قصدهم ~~بنفسه، فهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق، وأمنت الطرق، وانتشر الناس ~~واطمأنوا، وبقي الأكراد لا يجسرون أن يحملوا السلاح لهيبته. # ذكروفاة إيلغازي وأحوال حلب بعده # في هذه السنة في شهر رمضان، توفي إيلغازي بن أرتق بميافارقين، وملك ابنه ~~حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميافارقين، وكان بحلب ابن ~~أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، فبقي بها إلى أن أخذها ابن ~~عمه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أقطع السلطان محمود الأمير آقسنقر البرسقي مدينة واسط ~~وأعمالها، مضافا إلى ولاية الموصل وغيرها مما بيده، وشحنكية العراق، فلما ~~أقطعها البرسقي سير إليها # PageV08P680 # عماد الدين زنكي بن آقسنقر الذي كان والده صاحب حلب، وأمره بحمايتها، ~~فسار إليها في شعبان ووليها، وقد ذكرنا أخبار زنكي في كتاب الباهر في ذكر ~~ملكه وملك أولاده الذين هم ملوكنا الآن، فينظر منه. # وفيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين. # وفيها زاد الفرات زيادة عظيمة لم يعهد مثلها، فدخل الماء إلى ربض قلعة ~~جعبر، وكان الفرات، حينئذ، بالقرب منها، فغرق أكثر دوره ومساكنه، وحمل فرسا ~~من الربض وألقاه من فوق السور إلى الفرات. # وفيها بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي # وفيها توفيت ابنة السلطان سنجر ms3842 زوج السلطان محمود. # وفيها، في شعبان، قدم إلى بغداذ البرهان أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي ~~وعقد مجلس الوعظ في جميع المواضع، وورد بعده أبو القاسم علي بن يعلى ~~العلوي، ونزل رباط شيخ الشيوخ، فوعظ في جامع القصر، والتاجية، ورباط سعادة، ~~وصار له قبول عند الحنابلة، وحصل له مال كثير لأنه أظهر موافقتهم. # وورد بعده أبو الفتوح الإسفراييني، ونزل برباط شيخ الشيوخ أيضا، ووعظ في ~~هذه المواضع، وفي النظامية، وأظهر مذهب الأشعري، فصار له قبول كثير عند ~~الشافعية، وحضر مجلسه الخليفة المسترشد بالله، وسلم إليه رباط الأرجونية، ~~والدة المقتدي بالله، بدرب زاخي. # [الوفيات] # وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عمر أبو محمد السمرقندي، أخو أبي القاسم ~~بن السمرقندي، ومولده بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ونشأ ببغداذ، وسمع ~~الصريفيني وابن النقور وغيرهما، وسافر الكثير، وكان حافظا للحديث عالما به. # PageV08P681 # وفي ذي الحجة توفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو ~~طالب، ومولده سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وسمع البرمكي، والجوهري، والعشاري، ~~وكان ثقة، حافظا للحديث. # PageV08P682 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة] ### | 517 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة ذكر مسير المسترشد بالله لحرب دبيس # في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله، وبين دبيس بن صدقة. # وكان سبب ذلك: أن دبيسا أطلق عفيفا خادم الخليفة، وكان مأسورا عنده، ~~وحمله رسالة فيها تهديد للخليفة بإرسال البرسقي إلى قتاله، وتقويته بالمال، ~~وأن السلطان كحل أخاه، وبالغ في الوعيد، ولبس السواد، وجز شعره، وحلف ~~لينهبن بغداذ، ويخربها، فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة، وغضب، وتقدم إلى ~~البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس، فبرز في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة. # وتجهز الخليفة، وبرز من بغداذ، واستدعى العساكر، فأتاه سليمان بن مهارش، ~~صاحب الحديثة، في عقيل، وأتاه قرواش بن مسلم، وغيرهما، وأرسل دبيسا إلى نهر ~~ملك فنهب، وعمل أصحابه كل عظيم من الفساد فوصل أهله إلى بغداذ، فأمر ~~الخليفة فنودي ببغداذ: لا يتخلف من الأجناد أحد، ومن أحب الجندية من العامة ~~فليحضر، فجاء ms3843 خلق كثير، ففرق فيهم الأموال والسلاح. # فلما علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضا عنه، فلم يجب ~~إلى ذلك، وأخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجة من سنة ست عشرة ~~وخمسمائة، فنادى أهل بغداذ: النفير النفير، الغزاة الغزاة! وكثر الضجيج من ~~الناس، وخرج منهم عالم كثير لا يحصون كثرة، وبرز الخليفة رابع عشر ذي ~~الحجة، وعبر دجلة، وعليه قباء أسود، وعمامة سوداء وطرحة، وعلى كتفه البردة، ~~وفي يده القضيب، وفي وسطه منطقة حديد صيني، ونزل الخيام ومعه وزير نظام ~~الدين أحمد بن نظام # PageV08P683 # الملك، ونقيب الطالبيين، ونقيب النقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ صدر ~~الدين إسماعيل وغيرهم من الأعيان. # وكان البرسقي قد نزل بقرية جهار طاق، ومعه عسكره، فلما بلغهم خروج ~~الخليفة عن بغداذ عادوا إلى خدمته، فلما رأوا الشمسة ترجلوا بأجمعهم، ~~وقبلوا الأرض بالبعد منه. # ودخلت هذه السنة، فنزل الخليفة، مستهل المحرم، بالحديثة، بنهر الملك، ~~واستدعى البرسقي والأمراء، واستحلفهم على المناصحة في الحرب، ثم ساروا إلى ~~النيل، ونزلوا بالمباركة، وعبأ البرسقي أصحابه، ووقف الخليفة من وراء ~~الجميع في خاصته، وجعل دبيس أصحابه صفا واحدا، ميمنة، وميسرة، وقلبا، وجعل ~~الرجالة بين يدي الخيالة بالسلاح، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداذ، وسبي ~~النساء، فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس، وبين أيديهم الإماء يضربن ~~بالدفوف، والمخانيث بالملاهي، ولم ير في عسكر الخليفة غير قارئ، ومسبح، ~~وداع، فقامت الحرب على ساق. # وكان مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان، وفي الساقة سليمان بن ~~مهارش، وفي ميمنة عسكر البرسقي الأمير أبو بكر بن إلياس مع الأمراء ~~البكجية، فحمل عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دبيس على ميمنة ~~البرسقي، فتراجعت على أعقابها، وقتل ابن أخ للأمير أبي بكر البكجي، وعاد ~~عنتر وحمل حملة ثانية على هذه الميمنة، فكان حالها في الرجوع على أعقابها ~~كحالها الأول، فلما رأى عسكر واسط ذلك، ومقدمهم الشهيد عماد الدين زنكي بن ~~آقسنقر، حمل وهم معه على عنتر ومن معه، وأتوهم من ظهورهم فبقي عنتر في ms3844 ~~الوسط، وعماد الدين وعسكر واسط من ورائه، والأمراء البكجية بين يديه، فأسر ~~عنتر، وأسر معه بريك بن زائدة وجميع من معهما ولم يفلت أحد. # وكان البرسقي واقفا على نشز من الأرض، وكان الأمير آق بوري في الكمين في ~~خمسمائة فارس، فلما اختلط الناس خرج الكمين على عسكر دبيس، فانهزموا جميعهم ~~وألقوا نفوسهم في الماء، فغرق منهم، وقتل كثير. # ولما رأى الخليفة اشتداد الحرب جرد سيفه وكبر وتقدم إلى الحرب، فلما ~~انهزم عسكر دبيس وحملت الأسرى إلى بين يديه أمر الخليفة أن تضرب أعناقهم ~~صبرا. # وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارس، واثني عشر ألف راجل، وعسكر البرسقي ~~ثمانية آلاف فارس، وخمسة آلاف راجل، ولم يقتل من أصحاب الخليفة غير عشرين # PageV08P684 # فارسا، وحصل نساء دبيس وسراريه تحت الأسر سوى بنت إيلغازي،، وبنت عميد ~~الدولة بن جهير فإنه كان تركهما في المشهد. # وعاد الخليفة إلى بغداذ، فدخلها يوم عاشوراء من هذه السنة. # ولما عاد الخليفة إلى بغداذ ثار العامة بها، ونهبوا مشهد باب التبن، ~~وقلعوا أبوابه، فأنكر الخليفة ذلك، وأمر نظر أمير الحاج بالركوب إلى ~~المشهد، وتأديب من فعل ذلك، وأخذ ما نهب، ففعل وأعاد البعض وخفي الباقي ~~عليه. # وأما دبيس بن صدقة فإنه لما انهزم بفرسه وسلاحه، وأدركته الخيل ففاتها ~~وعبر الفرات، فرأته امرأة عجوز وقد عبر، فقالت له: دبير جئت؟ فقال: دبير من ~~لم يجئ. واختفى خبره بعد ذلك، وأرجف عليه بالقتل، ثم ظهر أمره أنه قصد غزية ~~من عرب نجد، فطلب منهم أن يحالفوه، فامتنعوا عليه وقالوا: إنا نسخط الخليفة ~~والسلطان، فرحل إلى المنتفق، واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها، فساروا ~~إليها ودخلوها، ونهبوا أهلها، وقتل الأمير سخت كمان مقدم عسكرها، وأجلي ~~أهلها. # فأرسل الخليفة إلى البرسقي يعاتبه على إهماله أمر دبيس، حتى تم له من أمر ~~البصرة ما أخربها، فتجهز البرسقي للانحدار إليه، فسمع دبيس ذلك، ففارق ~~البصرة، وسار على البر إلى قلعة جعبر، والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حلب، ~~وأطمعهم في أخذها، فلم يظفروا بها، فعادوا عنها، ثم ms3845 فارقهم والتحق بالملك ~~طغرل ابن السلطان محمد، فأقام معه، وحسن له قصد العراق، وسنذكره سنة تسع ~~وعشرين وخمسمائة، إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب # في هذه السنة، في صفر، ملك الفرنج حصن الأثارب، من أعمال حلب. # وسبب ذلك: أنهم كانوا قد أكثروا قصد حلب وأعمالها بالإغارة، والتخريب، ~~والتحريق، وكان بحلب حينئذ بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وهو ~~صاحبها، ولم يكن له بالفرنج قوة، وخافهم، فهادنهم على أن يسلم الأثارب ~~ويكفوا # PageV08P685 # عن بلاده، فأجابوه إلى ذلك، وتسلموا الحصن، وتمت الهدنة بينهم، واستقام ~~أمر الرعية بأعمال حلب، وجلبت إليهم الأقوات وغيرها، ولم تزل الأثارب بأيدي ~~الفرنج إلى أن ملكها أتابك زنكي بن آقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # ذكر ملك بلك حران وحلب # في هذه السنة، في ربيع الأول، ملك بلك بن بهرام مدينة حران، وكان قد ~~حصرها، فلما ملكها سار منها إلى مدينة حلب. # وسبب مسيره إليها: أنه بلغه أن صاحبها بدر الدولة قد سلم قلعة الأثارب ~~إلى الفرنج، فعظم ذلك عليه، وعلم عجزه عن حفظ بلاده، فقوي طمعه في ملكها، ~~فسار إليها، ونازلها في ربيع الأول، وضايقها، ومنع الميرة عنها، وأحرق ~~زروعها، فسلم إليه ابن عمه البلد والقلعة بالأمان، غرة جمادى الأولى من ~~السنة، وتزوج ابنة الملك رضوان، وبقي مالكا لها إلى أن قتل على ما نذكره. # ذكر الحرب بين الفرنج والمسلمين بإفريقية # قد ذكرنا أن الأمير علي بن يحيى، صاحب إفريقية، لما استوحش من رجار صاحب ~~صقلية، جدد الأسطول الذي له، وكثر عدده، وكاتب أمير المسلمين علي بن يوسف ~~بن تاشفين بمراكش بالاجتماع معه على قصد جزيرة صقلية، فلما علم رجار ذلك كف ~~عن بعض ما كان يفعله. # فاتفق أن عليا مات سنة خمس عشرة وخمسمائة، وولي ابنه الحسن، وقد ذكرناه. ~~فلما دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة سير أمير المسلمين أسطولا، ففتحوا نقوطرة ~~بساحل بلاد قلورية، فلم يشك رجار أن عليا كان سبب ذلك، فجد في تعمير ~~الشواني والمراكب، وحشد فأكثر، ms3846 ومنع من السفر إلى إفريقية وغيرها من بلاد ~~الغرب، فاجتمع له من ذلك ما لم يعهد مثله، قيل: كان ثلاثمائة قطعة، فلما ~~انقطعت الطريق عن إفريقية توقع الأمير الحسن بن علي خروج العدو إلى ~~المهدية، فأمر باتخاذ العدد،، وتجديد الأسوار، وجمع المقاتلة، فأتاه من أهل ~~البلاد ومن العرب جمع كثير. # PageV08P686 # فلما كان في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وخمسمائة سار الأسطول الفرنجي في ~~ثلاثمائة قطعة، فيها ألف فرس وفرس واحد، إلا أنهم لما ساروا من مرسى علي ~~فرقتهم الريح، وغرق منهم مراكب كثيرة، ونازل من سلم منهم جزيرة قوصرة ~~ففتحوها، وقتلوا من بها، وسبوا وغنموا، وساروا عنها، فوصلوا إلى إفريقية، ~~ونازلوا الحصن المعروف بالديماس أواخر جمادى الأولى، فقاتلهم طائفة من ~~العرب كانوا هناك والديماس حصن منيع، في وسطه حصن آخر، وهو مشرف على البحر. # وسير الحسن من عنده من الجموع إلى الفرنج، وأقام هو بالمهدية في جمع آخر ~~يحفظها، وأخذ الفرنج حصن الديماس، وجنود المسلمين محيطة بهم، فلما كان بعد ~~ليال اشتد القتال على الحصن الداخل، فلما كان الليل صاح المسلمون صيحة ~~عظيمة ارتجت لها الأرض، وكبروا، فوقع الرعب في قلوب الفرنج، فلم يشكوا أن ~~المسلمين يهجمون عليهم، فبادروا إلى شوانيهم، وقتلوا بأيديهم كثيرا من ~~خيولهم، وغنم المسلمون منها أربعمائة فرس، ولم يسلم معهم غير فرس واحد، ~~وغنم المسلمون جميع ما تخلف عن الفرنج، وقتلوا كل من عجز عن الطلوع إلى ~~المراكب. # فلما صعد الفرنج إلى مراكبهم أقاموا بها ثمانية أيام لا يقدرون على ~~النزول إلى الأرض، فلما أيسوا من خلاص أصحابهم الذين في الديماس ساروا ~~والمسلمون يكبرون عليهم ويصيحون بهم، وأقامت عساكر المسلمين على حصن ~~الديماس في أمم لا يحصون كثرة، فحصروه، فلم يمكنهم فتحه لحصانته وقوته، ~~فلما عدم الماء على من به من الفرنج، وضجروا من مواصلة القتال ليلا ونهارا، ~~فتحوا باب الحصن وخرجوا، فقتلوا عن آخرهم، وذلك يوم الأربعاء منتصف جمادى ~~الآخرة من السنة، وكانت مدة إقامتهم في الحصن ستة عشر يوما. # ولما رجع الفرنج مقهورين أرسل ms3847 الأمير الحسن البشرى إلى سائر البلاد، وقال ~~الشعراء في هذه الحادثة فأكثروا، تركنا ذلك خوف التطويل. # ذكر استيلاء الفرنج على خرتبرت وأخذها منهم # في هذه السنة، في ربيع الأول، استولى الفرنج على خرتبرت من بلاد ديار ~~بكر. # وسبب ذلك: أن بلك بن بهرام بن أرتق كان صاحب خرتبرت فحصر قلعة كركر، وهي ~~تقارب خرتبرت، فسمع الفرنج بالشام الخبر، فسار بغدوين ملك الفرنج في # PageV08P687 # جموعه إليه ليرحله عنها، خوفا أن يقوى بملكها، فلما سمع بلك بقربه منه ~~رحل إليه، والتقيا في صفر، واقتتلا، فانهزم الفرنج، وأسر ملكهم ومعه جماعة ~~من أعيان فرسانهم، وسجنهم بقلعة خرتبرت، وكان بالقلعة أيضا جوسلين، صاحب ~~الرها، وغيره من مقدمي الفرنج كان قد أسرهم سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسار ~~بلك عن خرتبرت إلى حران في ربيع الأول فملكها، فأعمل الفرنج الحيلة ~~باستمالة بعض الجند، فظهروا وملكوا القلعة. # فأما الملك بغدوين فإنه اتخذ الليل جملا ومضى إلى بلاده، واتصل الخبر ~~ببلك صاحبها، فعاد في عساكره إليها وحصرها، وضيق على من بالقلعة، واستعادها ~~من الفرنج، وجعل فيها من الجند من يحفظها، وعاد عنها. # ذكر قتل وزير السلطان وعود بن صدقة إلى وزارة الخليفة # في هذه السنة قبض السلطان محمود على وزيره شمس الملك عثمان بن نظام الملك ~~وقتله. # وسبب ذلك: أنه لما أشار على السلطان بالعود عن حرب الكرج، وخالفه، وكانت ~~الخيرة في مخالفته، تغير عليه، وذكره أعداؤه بالسوء، ونبهوا على تهوره، ~~وقلة تحصيله ومعرفته بمصالح الدولة، ففسد رأي السلطان فيه. # ثم إن الشهاب أبا المحاسن، وزير السلطان سنجر، كان قد توفي، وهو ابن أخي ~~نظام الملك، ووزر بعده أبو طاهر القمي، وهو عدو للبيت النظامي، فسعى مع ~~السلطان سنجر، حتى أرسل إلى السلطان محمود يأمره بالقبض على وزيره شمس ~~الملك، فصادف وصول الرسول وهو متغير عليه، فقبض عليه وسلمه إلى طغايرك، ~~فبعثه إلى خلخال، فحبسه فيها. # ثم إن أبا نصر المستوفي، الملقب بالعزيز، قال للسلطان محمود: لا نأمن أن ~~يرسل السلطان سنجر يطلب الوزير، ومتى اتصل به لا ms3848 نأمن شرا يحدث منه. # وكان بينهما عداوة، فأمر السلطان بقتله، فلما دخل عليه السياف ليقتله ~~قال: أمهلني حتى # PageV08P688 # أصلي ركعتين، ففعل، فلما صلى جعل يرتعد، وقال للسياف: سيفي أجود من سيفك، ~~فاقتلني به ولا تعذبني، فقتل ثاني جمادى الآخرة. # فلما سمع الخليفة المسترشد بالله ذلك عزل أخاه نظام الدين أحمد من ~~وزارته، وأعاد جلال الدين أبا علي بن صدقة إلى الوزارة، وأقام نظام الدين ~~بالمثمنة التي في المدرسة النظامية ببغداذ. # وأما العزيز المستوفي فإنه لم تطل أيامه حتى قتل، على ما نذكره، جزاء ~~لسعيه في قتل الوزير. # ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج # في هذه السنة اشتدت نكاية الكرج في بلد الإسلام، وعظم الأمر على الناس، ~~لا سيما أهل دربند شروان، فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان ~~وشكوا إليه ما يلقون منهم، وأعلموه بما هم عليه من الضعف والعجز عن حفظ ~~بلادهم، فسار إليهم والكرج قد وصلوا إلى شماخي، فنزل السلطان في بستان ~~هناك، وتقدم الكرج إليه، فخافهم العسكر خوفا شديدا. # وأشار الوزير شمس الملك عثمان بن نظام الملك على السلطان بالعود من هناك، ~~فلما سمع أهل شروان بذلك قصدوا السلطان وقالوا له: نحن نقاتل ما دمت عندنا، ~~وإن تأخرت عنا ضعفت نفوس المسلمين وهلكوا، فقبل قولهم، وأقام بمكانه. # وبات العسكر على وجل عظيم، وهم بنية المصاف، فأتاهم الله بفرج من عنده، ~~وألقى بين الكرج وقفجاق اختلافا وعداوة، فاقتتلوا تلك الليلة، ورحلوا شبه ~~المنهزمين، وكفى الله المؤمنين القتال، وأقام السلطان بشروان مدة، ثم عاد ~~إلى همذان فوصلها في جمادى الآخرة. # ذكر الحرب بين المغاربة وعسكر مصر # في هذه السنة وصل جمع كثير من لواتة من الغرب إلى ديار مصر، فأفسدوا فيها ~~ونهبوها، وعملوا أعمالا شنيعة، فجمع المأمون بن البطائحي، الذي وزر بمصر ~~بعد الأفضل، عسكر مصر، وسار إليهم فقاتلهم فهزمهم، وأسر منهم وقتل خلقا ~~كثيرا، وقرر # PageV08P689 # عليهم خرجا معلوما كل سنة يقومون به، وعادوا إلى بلادهم، وعاد المأمون ~~إلى مصر مظفرا منصورا. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة، في ms3849 صفر، أمر المسترشد بالله ببناء سور ~~بغداذ، وأن يجبى ما يخرج عليه من البلد، فشق ذلك على الناس، وجمع من ذلك ~~مال كثير، فلما علم الخليفة كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أخذ منهم، ~~فسروا بذلك، وكثر الدعاء له. # وقيل: إن الوزير أحمد بن نظام الملك بذل من ماله خمسة عشر ألف دينار، ~~وقال: نقسط الباقي على أرباب الدولة. # وكان أهل بغداذ يعملون بأنفسهم فيه، وكانوا يتناوبون العمل: يعمل أهل كل ~~محلة منفردين بالطبول والزمور، وزينوا البلد، وعملوا فيه القباب. # وفيها عزل نقيب العلويين، وهدمت دار علي بن أفلح، وكان الخليفة يكرمه، ~~فظهر أنهما عين لدبيس يطالعانه بالأخبار، وجعل الخليفة نقابة العلويين إلى ~~علي بن طراد، نقيب العباسيين. # وفيها جمع الأمير بلك عساكره وسار إلى غزاة بالشام، فلقيه الفرنج، ~~فاقتتلوا، فانهزم الفرنج وقتل منهم وأسر بشر كثير من مقدميهم ورجالتهم. # وفيها كان في أكثر البلاد غلاء شديد، وكان أكثره بالعراق، فبلغ ثمن كارة ~~الدقيق الخشكار ستة دنانير وعشرة قراريط، وتبع ذلك موت كثير، وأمراض زائدة ~~هلك فيها كثير من الناس. # [الوفيات] # وفيها، في صفر، توفي قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسني أمير مكة، وولي بعده ~~ابنه أبو فليتة، وكان أعدل منه، وأحسن السيرة، فأسقط المكوس، وأحسن إلى ~~الناس. # PageV08P690 # وفيها توفي عبد الله بن الحسن بن أحمد بن الحسن أبو نعيم بن أبي علي ~~الحداد الأصبهاني، ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وهو من أعيان ~~المحدثين، سافر الكثير في طلب الحديث. # ذكر عدة حوادث # وفيها سار طغتكين، صاحب دمشق، إلى حمص، فهجم على المدينة ونهبها وأحرق ~~كثيرا منها وحصرها، وصاحبها قرجان بالقلعة، فاستمد صاحبها طغان أرسلان، ~~فسار إليه في جمع كثير، فعاد طغتكين إلى دمشق. # وفيها لقي أسطول مصر أسطول البنادقة من الفرنج، فاقتتلوا، وكان الظفر ~~للبنادقة، وأخذ من أسطول مصر عدة قطع، وعاد الباقي سالما. # وفيها سار الأمير محمود بن قراجة، صاحب حماة، إلى حصن أفامية فهجم على ~~الربض بغتة، فأصابه سهم من القلعة في يده، فاشتد ألمه، فعاد إلى حماة، ms3850 وقلع ~~الزج من يده، ثم عملت عليه، فمات منه، واستراح أهل عمله من ظلمه وجوره، ~~فلما سمع طغتكين، صاحب دمشق، الخبر سير إلى حماة عسكرا، فملكها وصارت في ~~جملة بلاده، ورتب فيها واليا وعسكرا لحمايتها. # PageV08P691 ### | [ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمائة] ### | 518 - # ثم دخلت سنة ثماني عشرة وخمسمائة ذكر قتل بلك بن بهرام بن أرتق وملك ~~تمرتاش حلب # في هذه السنة، في صفر، قبض بلك بن بهرام بن أرتق، صاحب حلب، على الأمير ~~حسان البعلبكي، صاحب منبج، وسار إليها فحصرها، فملك المدينة، وحصر القلعة، ~~فامتنعت عليه، فسار الفرنج إليه ليرحلوه عنها لئلا يقوى بأخذها، فلما ~~قاربوه ترك على القلعة من يحصرها، وسار في باقي عسكره إلى الفرنج، فلقيهم ~~وقاتلهم، فكسرهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وعاد إلى منبج فحصرها، فبينما هو ~~يقاتل من بها أتاه سهم فقتله، لا يدرى من رماه، واضطرب عسكره وتفرقوا، وخلص ~~حسان من الحبس، فكان حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق مع ابن عمه بلك، ~~فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب، وتسلمها في العشرين من ربيع الأول من هذه ~~السنة، وزال الحصار عن قلعة منبج، وعاد إليها صاحبها حسان، واستقر تمرتاش ~~بحلب واستولى عليها. # ثم إنه جعل فيها نائبا له يثق به، ورتب عنده ما يحتاج إليه من جند وغيرهم ~~وعاد إلى ماردين، لأنه رأى الشام كثيرة الحرب مع الفرنج، وكان رجلا يحب ~~الدعة والرفاهة، فلما عاد إلى ماردين أخذت حلب منه، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # PageV08P692 # ذكر ملك الفرنج مدينة صور بالشام # كانت مدينة صور للخلفاء العلويين بمصر، ولم تزل كذلك إلى سنة ست ~~وخمسمائة، فكان بها وال من جهة الأفضل أمير الجيوش، وزير الآمر بأحكام الله ~~العلوي، يلقب عز الملك، وكان الفرنج قد حصروها، وضيقوا عليها، ونهبوا بلدها ~~غير مرة، فلما كانت سنة ست تجهز ملك الفرنج، وجمع عساكره ليسير إلى صور، ~~فخافهم أهل صور، فأرسلوا إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، يطلبون منه أن يرسل ~~إليهم أميرا من عنده يتولاهم ويحميهم، ويكون البلد ms3851 له، وقالوا له: إن أرسلت ~~إلينا واليا، وعسكرا، وإلا سلمنا البلد إلى الفرنج، فسير إليهم عسكرا، وجعل ~~عندهم واليا اسمه مسعود، وكان شهما، شجاعا، عارفا بالحرب ومكايدها، وأمده ~~بعسكر، وسير إليهم ميرة ومالا فرقه فيهم. # وطابت نفوس أهل البلد، ولم تغير الخطبة للآمر، صاحب مصر، ولا السكة، وكتب ~~إلى الأفضل بمصر يعرفه صورة الحال، ويقول: متى وصل إليها من مصر من ~~يتولاها، ويذب عنها، سلمتها إليه، ويطلب أن الأسطول لا ينقطع عنها بالرجال ~~والقوة. فشكره الأفضل على ذلك، وأثنى عليه، وصوب رأيه فيما فعله، وجهز ~~أسطولا، وسيره إلى صور، فاستقامت أحوال أهلها. # ولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة، بعد قتل الأفضل، فسير إليها أسطول، على ~~جاري العادة، وأمروا المقدم على الأسطول أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود ~~الوالي بصور من قبل طغتكين، ويقبض عليه، ويتسلم البلد منه. # وكان السبب في ذلك: أن أهل صور أكثروا الشكوى منه إلى الآمر بأحكام الله، ~~صاحب مصر، بما يعتمده من مخالفتهم، والإضرار بهم، ففعلوا ذلك، وسار الأسطول ~~فأرسى عند صور، فخرج مسعود إليه للسلام على المقدم عليه، فلما صعد إلى ~~المركب الذي فيه المقدم اعتقله، ونزل البلد، واستولى عليه وعاد الأسطول إلى ~~مصر، وفيه الأمير مسعود، فأكرم وأحسن إليه، وأعيد إلى دمشق. # وأما الوالي من قبل المصريين فإنه طيب قلوب الناس، وراسل طغتكين يخدمه ~~بالدعاء والاعتضاد، وأن سبب ما فعل هو شكوى أهل صور من مسعود، فأحسن طغتكين ~~الجواب، وبذل من نفسه المساعدة. # PageV08P693 # ولما سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوي طمعهم فيها، وحدثوا نفوسهم ~~بملكها، وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها وحصرها، فسمع الوالي بها ~~للمصريين الخبر، فعلم أنه لا قوة له، ولا طاقة على دفع الفرنج عنها، لقلة ~~من بها من الجند والميرة، فأرسل إلى الآمر بذلك، فرأى أن يرد ولاية صور إلى ~~طغتكين، صاحب دمشق، فأرسل إليه بذلك، فملك صور، ورتب بها من الجند وغيرهم ~~ما ظن فيه كفاية. # وسار الفرنج إليهم ونازلوهم في ربيع الأول من هذه السنة، وضيقوا ms3852 عليهم، ~~ولازموا القتال، فقلت الأقوات، وسئم من بها القتال، وضعفت نفوسهم، وسار ~~طغتكين إلى بانياس ليقرب منهم، ويذب عن البلد، ولعل الفرنج إذا رأوا قربه ~~منهم رحلوا، فلم يتحركوا، ولزموا الحصار، فأرسل طغتكين إلى مصر يستنجدهم، ~~فلم ينجدوه، وتمادت الأيام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل حينئذ طغتكين، ~~صاحب دمشق، وقرر الأمر على أن يسلم المدينة إليهم، ويمكنوا من بها من الجند ~~والرعية من الخروج منها بما يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم وغيرها، ~~فاستقرت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وملكه الفرنج، وفارقه أهله، ~~وتفرقوا في البلاد، وحملوا ما أطاقوا، وتركوا ما عجزوا عنه، ولم يعرض ~~الفرنج لأحد منهم، ولم يبق إلا الضعيف عجز عن الحركة. # وملك الفرنج البلد في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من السنة، وكان ~~فتحه وهنا عظيما على المسلمين، فإنه من أحصن البلاد وأمنعها، فالله يعيده ~~إلى الإسلام، ويقر أعين المسلمين بفتحه، بمحمد وآله. # ذكر عزل البرسقي عن شحنكية العراق وولاية يرنقش الزكوي # في هذه السنة عزل البرسقي عن شحنكية العراق، ووليها سعد الدولة يرنقش ~~الزكوي. # PageV08P694 # وسبب ذلك: أن البرسقي نفر عنه المسترشد بالله، فأرسل إلى السلطان محمود ~~يلتمس منه أن يعزل البرسقي عن العراق ويعيده إلى الموصل، فأجابه السلطان ~~إلى ذلك، وأرسل إلى البرسقي يأمره بالعود إلى الموصل، والاشتغال بجهاد ~~الفرنج، فلما علم البرسقي الخبر شرع في جباية الأموال، ووصل نائب يرنقش، ~~فسلم إليه البرسقي الأمر، وأرسل السلطان ولدا له صغيرا مع أمه إلى البرسقي ~~ليكون عنده، فلما وصل الصغير إلى العراق خرجت العساكر والمواكب إلى لقائه، ~~وحملت له الإقامات، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وتسلمه البرسقي وسار إلى ~~الموصل، وهو ووالدته معه. # ولما سار البرسقي إلى الموصل كان عماد الدين زنكي بن آقسنقر بالبصرة قد ~~سيره البرسقي إليها ليحميها، فظهر من حمايته لها ما عجب منه الناس، ولم يزل ~~يقصد العرب ويقاتلهم في حللهم، حتى أبعدوا إلى البر، فأرسل إليه البرسقي ~~يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: قد ضجرنا مما نحن فيه: كل يوم للموصل أمير ms3853 ~~جديد، ونريد نخدمه، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان فأكون معه، فأشاروا عليه ~~بذلك، فسار إليه، فقدم عليه بأصبهان فأكرمه، وأقطعه البصرة وأعاده إليها. # ذكر ملك البرسقي مدينة حلب في هذه السنة، في ذي الحجة، ملك آقسنقر مدينة ~~حلب وقلعتها. # وسبب ذلك: أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور، على ما ذكرناه، طمعوا، وقويت ~~نفوسهم، وتيقنوا الاستيلاء على بلاد الشام، واستكثروا من الجموع، ثم وصل ~~إليهم دبيس بن صدقة، صاحب الحلة، فأطمعهم طمعا ثانيا، لا سيما في حلب، وقال ~~لهم: إن أهلها شيعة، وهم يميلون إلي لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد ~~إلي. وبذل لهم على مساعدته بذولا كثيرة، وقال: إنني أكون هاهنا نائبا عنكم ~~ومطيعا لكم. فساروا معه إليها وحصروها، وقاتلوا قتالا شديدا، ووطنوا نفوسهم ~~على المقام الطويل وأنهم لا يفارقونها حتى يملكوها، وبنوا البيوت لأجل ~~البرد والحر. # فلما رأى أهلها ذلك ضعفت نفوسهم، وخافوا الهلاك، وظهر لهم من صاحبهم ~~تمرتاش الوهن والعجز، وقلت الأقوات عندهم، فلما رأوا ما دفعوا إليه من هذه ~~الأسباب، أعملوا الرأي في طريق يتخلصون به، فرأوا أنه ليس لهم غير البرسقي، # PageV08P695 # صاحب الموصل، فأرسلوا إليه يستنجدونه ويسألونه المجيء إليهم ليسلموا ~~البلد إليه. # فجمع عساكره وقصدهم، وأرسل إلى من بالبلد، وهو في الطريق، يقول: إنني لا ~~أقدر على الوصول إليكم، والفرنج يقاتلونكم، إلا إذا سلمتم القلعة إلى ~~نوابي، وصار أصحابي فيها، فإنني لا أدري ما يقدره الله تعالى إذا أنا لقيت ~~الفرنج، فإن انهزمنا منهم وليست حلب بيد أصحابي حتى أحتمي أنا وعسكري بها، ~~لم يبق منا أحد، وحينئذ تؤخذ حلب وغيرها. # فأجابوه إلى ذلك، وسلموا القلعة إلى نوابه، فلما استقروا فيها، واستولوا ~~عليها، سار في العساكر التي معه، فلما أشرف عليها رحل الفرنج عنها، وهو ~~يراهم، فأراد من في مقدمة عسكره أن يحمل عليهم، فمنعهم هو بنفسه، وقال: قد ~~كفينا شرهم، وحفظنا بلدنا منهم، والمصلحة تركهم حتى يتقرر أمر حلب ونصلح ~~حالها ونكثر ذخائرها، ثم حينئذ نقصدهم ونقاتلهم. # فلما رحل الفرنج خرج أهل حلب ولقوه، ms3854 وفرحوا به، وأقام عندهم حتى أصلح ~~الأمور وقررها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة انقطعت الأمطار في العراق، والموصل، وديار الجزيرة، والشام ~~وديار بكر، وكثير من البلاد، فقلت الأقوات، وغلت الأسعار في جميع البلاد، ~~ودام إلى سنة تسع عشرة وخمسمائة. # وفيها وصل منصور بن صدقة أخو دبيس إلى بغداذ تحت الاستظهار، فمرض بها، ~~فأحضر الخليفة الأطباء وأمرهم بمعالجته، وأحضره عنده، وجعل في حجرة، وأدخل ~~أصحابه إليه. # وفيها سار دبيس من الشام، بعد رحيله عن حلب، وقصد الملك طغرل، فأغراه ~~بالخليفة، وأطمعه في العراق، وكان ما نذكره سنة تسع عشرة إن شاء الله ~~تعالى. # وفيها مات الحسن بن الصباح، مقدم الإسماعيلية، صاحب ألموت، وقد تقدم من ~~أخباره ما يعلم به محله من الشجاعة والرأي والتجربة. # PageV08P696 # وفيها أيضا توفي داود ملك الأبخاز، وشمس الدولة بن نجم الدين إيلغازي. # وفيها ثار أهل آمد بمن فيها من الإسماعيلية، وكانوا قد كثروا، فقتلوا ~~منهم نحو سبعمائة رجل، فضعف أمرهم بها بعد هذه الوقعة. # [الوفيات] # وفيها، في صفر، توفي محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني، وهو من ~~أصحاب الخطيب البغداذي. # وفيها توفي أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح، الفقيه المعروف بابن الحمامي ~~لأن أباه كان حماميا، وكان حنبليا، تفقه على ابن عقيل، ثم صار شافعيا، ~~وتفقه على الغزالي والشاشي. # PageV08P697 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة] ### | 519 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة ذكر وصول الملك طغرل ودبيس بن صدقة إلى ~~العراق وعودهما عنه # قد ذكرنا مسير دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل من الشام، فلما وصل إليه ~~لقيه، وأكرمه، وأحسن إليه، وجعله من أعيان خواصه وأمرائه، فحسن له دبيس قصد ~~العراق، وهون أمره عليه، وضمن له أنه يملكه، فسار معه إلى العراق، فوصلوا ~~دقوقا في عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة ~~خبرهما، فتجهز للمسير ومنعهما، وأمر يرنقش الزكوي، شحنة العراق، أن يكون ~~مستعدا للحرب، وجمع العساكر، والأمراء البكجية، وغيرهم، فبلغت عدة العساكر ~~اثني عشر ألفا سوى الرجالة وأهل بغداذ، وفرق ms3855 السلاح. # وبرز خامس صفر وبين يديه أرباب الدولة رجالة، وخرج من باب النصر، وكان قد ~~أمر بفتحه تلك الأيام، وسماه باب النصر، ونزل صحراء الشماسية، ونزل يرنقش ~~عند السبي، ثم سار فنزل الخالص تاسع صفر. # فلما سمع طغرل بخروج الخليفة عدل إلى طريق خراسان، وتفرق أصحابه في النهب ~~والفساد، ونزل هو رباط جلولاء، فسار إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في ~~عسكر كثير، فنزل الدسكرة وتوجه طغرل ودبيس إلى الهارونية وسار الخليفة فنزل ~~بالدسكرة هو والوزير، واستقر الأمر بين دبيس وطغرل أن يسيرا حتى يعبرا ~~ديالى وتامرا، ويقطعا جسر النهروان، ويقيم دبيس ليحفظ المعابر، ويتقدم طغرل ~~إلى بغداذ فيملكها وينهبها، فسارا على هذه القاعدة، فعبرا تامرا، ونزل طغرل ~~بينه وبين ديالى. # وسار دبيس على أن يلحقه طغرل، فقدر الله تعالى أن الملك طغرل لحقه حمى ~~شديدة، ونزل عليهم من المطر ما لم يشاهدوا مثله، وزادت المياه وجاءت السيول # PageV08P698 # والخليفة بالدسكرة، وسار دبيس في مائتي فارس، وقصد معرة النهروان وهو ~~تعبان سهران، وقد لقي هو وأصحابه من المطر والبلل ما آذاهم، وليس معهم ما ~~يأكلون، ظنا منهم أن طغرل وأصحابه يلحقونهم، فتأخروا لما ذكرناه، فنزلوا ~~جياعا قد نالهم البرد، وإذا قد طلع عليهم ثلاثون جملا تحمل الثياب المخيطة، ~~والعمائم، والأقبية، والقلانس، وغيرها من الملبوس، وتحمل أيضا أنواع ~~الأطعمة المصنوعة، قد حملت من بغداذ إلى الخليفة، فأخذ دبيس الجميع، فلبسوا ~~الثياب الجدد، ونزعوا الثياب الندية، وأكلوا الطعام، وناموا في الشمس مما ~~نالهم تلك الليلة. # وبلغ الخبر أهل بغداذ، فلبسوا السلاح، وبقوا يحرسون الليل والنهار، ووصل ~~الخبر إلى الخليفة والعسكر الذين معه أن دبيسا قد ملك بغداذ، فرحل من ~~الدسكرة، ووقعت الهزيمة على العسكر إلى النهروان، وتركوا أثقالهم ملقاة ~~بالطريق لا يلتفت إليها أحد، ولولا أن الله تعالى لطف بهم بحمى الملك طغرل ~~وتأخره لكان قد هلك العسكر، والخليفة أيضا، وأخذوا، وكانت السواقي مملوءة ~~بالوحل والماء من السيل، فتمزقوا، ولو لحقهم مائة فارس لهلكوا. # ووصلت رايات الخليفة، ودبيس وأصحابه نيام، وتقدم الخليفة، وأشرف ms3856 على ~~ديالى، ودبيس نازل غرب النهروان والجسر ممدود شرق النهروان، فلما أبصر دبيس ~~شمسة الخليفة قبل الأرض بين يدي الخليفة وقال: أنا العبد المطرود، فليعف ~~أمير المؤمنين عن عبده. # فرق الخليفة له، وهم بصلحه، حتى وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه، وركب ~~دبيس، ووقف بإزاء عسكر يرنقش الزكوي يحادثهم ويتماجن معهم، ثم أمر الوزير ~~الرجالة فعبروا ليمدوا الجسر آخر النهار، فسار حينئذ دبيس عائدا إلى الملك ~~طغرل، وسير الخليفة عسكرا مع الوزير في أثره، عاد إلى بغداذ فدخلها، وكانت ~~غيبته خمسة وعشرين يوما. # ثم إن الملك طغرل ودبيسا عادا وسارا إلى السلطان سنجر، فاجتازا بهمذان، ~~فقسطا على أهلها مالا كثيرا، وأخذاه وغابا في تلك الأعمال، فبلغ خبرهم ~~السلطان محمودا، فجد السير إليهم، فانهزموا من بين يديه، وتبعتهم العساكر، ~~فدخلوا خراسان إلى السلطان سنجر، وشكوا إليه من الخليفة ويرنقش الزكوي. # PageV08P699 # ذكر فتح البرسقي كفرطاب من الفرنج # في هذه السنة جمع البرسقي عساكره وسار إلى الشام، وقصد كفرطاب وحصرها، ~~فملكها من الفرنج، وسار إلى قلعة عزاز، وهي من أعمال حلب من جهة الشمال، ~~وصاحبها جوسلين، فحصرها، فاجتمعت الفرنج، فارسها وراجلها، وقصدوه ليرحلوه ~~عنها، فلقيهم وضرب معهم مصافا، واقتتلوا قتالا شديدا صبروا كلهم فيه، ~~فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر كثير. # وكان عدد القتلى أكثر من ألف قتيل من المسلمين، وعاد منهزما إلى حلب، ~~فخلف بها ابنه مسعودا، وعبر الفرات إلى الموصل ليجمع العساكر ويعاود ~~القتال، وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر قتل المأمون بن البطائحي # في هذه السنة، في رمضان، قبض الآمر بأحكام الله العلوي، صاحب مصر، على ~~وزيره أبي عبد الله بن البطائحي، الملقب بالمأمون، وصلبه وإخوته. # وكان ابتداء أمره أن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، فمات ولم يخلف ~~شيئا، فتزوجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يتعلم البناء بمصر ثم صار ~~يحمل الأمتعة بالسوق الكبير، فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل أمير الجيوش، ~~مرة بعد أخرى، فرآه الأفضل خفيفا رشيقا، حسن الحركة، حلو الكلام، فأعجبه، ~~فسأل عنه، فقيل ms3857 هو ابن فلان، فاستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، وكبرت ~~منزلته، وعلت حالته، حتى صار وزيرا. # وكان كريما، واسع الصدر، قتالا، سفاكا للدماء، وكان شديد التحرز، كثير ~~التطلع إلى أحوال الناس من العامة والخاصة من سائر البلاد: مصر، والشام، ~~والعراق، وكثر الغمازون في أيامه. # وأما سبب قتله فإنه كان قد أرسل الأمير جعفرا أخا الآمر ليقتل الآمر ~~ويجعله # PageV08P700 # خليفة، وتقررت القاعدة بينهما على ذلك، فسمع بذلك أبو الحسن بن أبي ~~أسامة، وكان خصيصا بالآمر، قريبا منه، وقد ناله من الوزير أذى واطراح، فحضر ~~عند الآمر وأعلمه الحال، فقبض عليه وصلبه، وهذا جزاء من قابل الإحسان ~~بالإساءة. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي شمس الدولة سالم بن مالك، صاحب قلعة جعبر، وتعرف قديما ~~بقلعة دوسر. # وفيها قتل القاضي أبو سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي بهمذان، قتله ~~الباطنية، وكان قد مضى إلى خراسان في رسالة الخليفة إلى السلطان سنجر، فعاد ~~فقتل، وكان ذا مروءة غزيرة، وتقدم كثير في الدولة السلجوقية. # وفي هذه السنة توفي هلال بن عبد الرحمن بن شريح بن عمر بن أحمد، وهو من ~~ولد بلال بن رباح، مؤذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو سعد، ~~طاف البلاد، وسمع وقرأ القرآن، وكان موته بسمرقند. # PageV08P701 ### | [ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة] ### | 520 - # ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة ذكر حرب الفرنج والمسلمين بالأندلس # في هذه السنة عظم شأن ابن ردمير الفرنجي بالأندلس، واستطال على المسلمين، ~~فخرج في عساكر كثيرة من الفرنج، وجاس في بلاد الإسلام، وخاضها، حتى وصل إلى ~~قريب قرطبة، وأكثر النهب والسبي والقتل، فاجتمع المسلمون في جيش عظيم زائد ~~الحد في الكثرة، وقصدوه، فلم يكن له بهم طاقة، فتحصن منهم في حصن منيع له ~~اسمه أرنيسول، فحصروه، وكسبهم ليلا، فانهزم المسلمون، وكثر القتل فيهم، ~~وعاد إلى بلاده. # ذكر قصد بلاد الإسماعيلية بخراسان # في هذه السنة أمر الوزير المختص أبو نصر أحمد بن الفضل، وزير السلطان ~~سنجر، بغزو الباطنية، وقتلهم أين كانوا، وحيثما ظفر بهم، ونهب ms3858 أموالهم، ~~وسبي حريمهم، وجهز جيشا إلى طريثيث، وهي لهم، وجيشا إلى بيهق من أعمال ~~نيسابور، وكان في هذه الأعمال قرية مخصوصة بهم اسمها طرز، ومقدمهم بها ~~إنسان اسمه الحسن بن سمين. # وسير إلى كل طرف من أعمالهم جمعا من الجند، ووصاهم أن يقتلوا من لقوه ~~منهم، فقصد كل طائفة إلى الجهة التي سيرت إليها. فأما القرية التي بأعمال ~~بيهق # PageV08P702 # فقصدها العسكر، فقتلوا كل من بها، وهرب مقدمهم، وصعد منارة المسجد وألقى ~~نفسه منها فهلك، وكذلك العسكر المنفذ إلى طريثيث قتلوا من أهلها فأكثروا، ~~وغنموا من أموالهم وعادوا. # ذكر ملك الإسماعيلية قلعة بانياس # في هذه السنة عظم أمر الإسماعيلية بالشام، وقويت شوكتهم، وملكوا بانياس ~~في ذي القعدة منها. # وسبب ذلك أن بهرام ابن أخت الأسداباذي، لما قتل خاله ببغداذ، كما ذكرناه، ~~هرب إلى الشام، وصار داعي الإسماعيلية فيه، وكان يتردد في البلاد، ويدعو ~~أوباش الناس وطغامهم إلى مذهبه، فاستجاب له منهم من لا عقل له، فكثر جمعه، ~~إلا أنه يخفي شخصه فلا يعرف، وأقام بحلب مدة، ونفر إلى إيلغازي صاحبها. # وأراد إيلغازي أن يعتضد به لاتقاء الناس شره وشر أصحابه، لأنهم كانوا ~~يقتلون كل من خالفهم، وقصد من يتمسك بهم، وأشار إيلغازي على طغتكين، صاحب ~~دمشق، بأن يجعله عنده لهذا السبب، فقبل رأيه، وأخذه إليه، فأظهر حينئذ ~~شخصه، وأعلن دعوته، فكثر أتباعه من كل من يريد الشر والفساد، وأعانه الوزير ~~أبو طاهر بن سعد المرغيناني قصدا للاعتضاد به على ما يريد، فعظم شره ~~واستفحل أمره، وصار أتباعه أضعاف ما كانوا، فلولا أن عامة دمشق يغلب عليهم ~~مذاهب أهل السنة، وأنهم يشددون عليه فيما ذهب إليه لملك البلد. # ثم إن بهرام رأى من أهل دمشق فظاظة وغلظة عليه، فخاف عاديتهم، فطلب من ~~طغتكين حصنا يأوي إليه هو ومن اتبعه، فأشار الوزير بتسليم قلعة بانياس ~~إليه، فسلمت إليه، فلما سار إليها اجتمع إليه أصحابه من كل ناحية، فعظم ~~حينئذ خطبه، وجلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل ~~الدين، ولا سيما أهل ms3859 السنة والستر والسلامة، إلا أنهم لا يقدرون على أن ~~ينطقوا بحرف واحد، خوفا من سلطانهم أولا، ومن شر الإسماعيلية ثانيا، فلم ~~يقدم أحد على إنكار هذه الحال، فانتظروا بهم الدوائر. # PageV08P703 # ذكر قتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود # في هذه السنة، ثامن ذي القعدة، قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي، صاحب ~~الموصل، بمدينة الموصل، قتلته الباطنية يوم جمعة بالجامع، وكان يصلي الجمعة ~~مع العامة، وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثارت به، ~~فقتل بعضها، ونال منه الباقي ما آذاه، فقص رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه ~~بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبدا، فغلبوا على ~~رأيه، ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، فأخذ المصحف يقرأ فيه، فأول ما ~~رأى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] ، فركب إلى الجامع على ~~عادته، وكان يصلي في الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفسا عدة الكلاب التي ~~رآها، فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة، وقتل رحمه الله. # وكان مملوكا تركيا، خيرا، يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، ~~وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدا. # حكى لي والدي، رحمه الله، عن بعض من كان يخدمه قال: كنت فراشا معه، فكان ~~يصلي كل ليلة كثيرا، وكان يتوضأ هو بنفسه، ولا يستعين بأحد، ولقد رأيته في ~~بعض ليالي الشتاء بالموصل، وقد قام من فراشه، وعليه فرجية صغيرة وبر، وبيده ~~إبريق، فمشى نحو دجلة ليأخذ ماء، فمنعني البرد من القيام، ثم إنني خفته، ~~فقمت إلى بين يديه لآخذ الإبريق منه، فمنعني وقال: يا مسكين! ارجع إلى ~~مكانك، فإنه برد، فاجتهدت لآخذ الإبريق، فلم يعطني، وردني إلى مكاني ثم ~~توضأ وقام يصلي. # ولما قتل كان ابنه عز الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه ~~أصحاب أبيه بالخبر، فسار إلى الموصل ودخلها أول ذي الحجة، وأحسن إلى أصحاب ~~أبيه بها، وأقر وزيره المؤيد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزاق على ms3860 ~~وزارته، وأطاعه الأمراء والأجناد، وانحدر إلى خدمة السلطان محمود، فأحسن ~~إليه وأعاده، ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه. # PageV08P704 # ووقع البحث عن حال الباطنية، والاستقصاء عن أخبارهم، فقيل إنهم كانوا ~~يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا، فأحضر ووعد الإحسان إن أقر، فلم يقر، فهدد ~~بالقتل، فقال: إنهم وردوا من سنين لقتله، فلم يتمكنوا منه إلى الآن، فقطعت ~~يداه ورجلاه وذكره، ورجم بالحجارة فمات. # ومن العجب أن صاحب أنطاكية أرسل إلى عز الدين بن البرسقي يخبره بقتل ~~والده قبل أن يصل إليه الخبر، وكان قد سمعه الفرنج قبله لشدة عنايتهم ~~بمعرفة الأحوال الإسلامية. # ولما استقر عز الدين في الولاية قبض على الأمير بابكر بن ميكائيل، وهو من ~~أكابر الأمراء، وطلب منه أن يسلم ابن أخيه قلعة إربل إلى الأمير فضل وأبي ~~علي، ابني أبي الهيجاء، وكان ابن أخيه قد أخذها منه سنة سبع عشرة وخمسمائة، ~~فراسل ابن أخيه، فسلم إربل إلى المذكورين. # ذكر الاختلاف الواقع بين المسترشد بالله والسلطان محمود # كان قد جرى بين يرنقش الزكوي، شحنة بغداذ، وبين نواب الخليفة المسترشد ~~بالله نفرة تهدده الخليفة فيها، فخافه على نفسه، فسار عن بغداذ إلى السلطان ~~محمود في رجب من هذه السنة، وشكا إليه، وحذره جانب الخليفة، وأعلمه أنه قد ~~قاد العساكر، ولقي الحروب، وقويت نفسه، ومتى لم تعاجله بقصد العراق ودخول ~~بغداذ، ازداد قوة وجمعا، ومنعه عنه، وحينئذ يتعذر عليه ما هو الآن بيده. # فتوجه السلطان نحو العراق، فأرسل إليه الخليفة يعرفه ما هي البلاد وأهلها ~~عليه من الضعف والوهن، بسبب دبيس، وإفساد عسكره فيها، وأن الغلاء قد اشتد ~~بالناس لعدم الغلات والأقوات، لهرب الأكرة عن بلادهم، ويطلب منه أن يتأخر ~~هذه الدفعة إلى أن ينصلح حال البلاد ثم يعود إليها، فلا مانع له عنها، وبذل ~~له على ذلك مالا كثيرا. # فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما قرره الزكوي، وأبى أن يجيب إلى ~~التأخر، وصمم العزم وسار إليها مجدا. فلما بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله ~~وحرمه # PageV08P705 # ومن عنده ms3861 من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة، مظهرا للغضب ~~والانتزاح عن بغداذ إن قصدها السلطان، فلما خرج من داره بكى الناس جميعهم ~~بكاء عظيما لم يشاهد مثله. فلما علم السلطان ذلك اشتد عليه، وبلغ منه كل ~~مبلغ، فأرسل يستعطف الخليفة، ويسأله العود إلى داره، فأعاد الجواب أنه لا ~~بد من عودك هذه الدفعة، فإن الناس هلكى بشدة الغلاء، وخراب البلاد، وأنه لا ~~يرى في دينه أن يزداد ما بهم، وهو يشاهدهم، فإن عاد السلطان، وإلا رحل هو ~~عن العراق لئلا يشاهد ما يلقى الناس بمجيء العساكر. # فغضب السلطان لقوله، ورحل نحو بغداذ، وأقام الخليفة بالجانب الغربي، فلما ~~حضر عيد الأضحى خطب الناس، وصلى بهم، فبكى الناس لخطبته، وأرسل عفيفا ~~الخادم، وهو من خواصه، في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان، فأرسل ~~السلطان إليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر، وكان له حينئذ البصرة، وقد فارق ~~البرسقي، واتصل بالسلطان، فأقطعه البصرة. # فلما وصل عفيف إلى واسط سار إليه عماد الدين، فنزل بالجانب الشرقي، وكان ~~عفيف بالجانب الغربي، فأرسل إليه عماد الدين يحذره القتال، ويأمره ~~بالانتزاح عنهم، فأبى ولم يفعل، فعبر إليه عماد الدين، واقتتلوا، فانهزم ~~عسكر عفيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر مثلهم، وتغافل عن عفيف حتى نجا ~~لمودة كانت بينهما. # ثم إن الخليفة جمع السفن جميعها إليه، وسد أبواب دار الخلافة سوى باب ~~النوبي، وأمر حاجب الباب ابن الصاحب بالمقام فيه لحفظ الدار، ولم يبق من ~~حواشي الخليفة بالجانب الشرقي سواه. # ووصل السلطان إلى بغداذ في العشرين من ذي الحجة، ونزل بباب الشماسية، ~~ودخل بعض عسكره إلى بغداذ ونزلوا في دور الناس، فشكا الناس ذلك إلى ~~السلطان، فأمر بإخراجهم، وبقي فيها من له دار، وبقي السلطان يراسل الخليفة ~~بالعود، ويطلب الصلح، وهو يمتنع. # وكان يجري بين العسكرين مناوشة، والعامة من الجانب الغربي يسبون السلطان ~~أفحش سب. ثم إن جماعة من عسكر السلطان دخلوا دار الخلافة، ونهبوا التاج، # PageV08P706 # وحجر الخليفة، أول المحرم سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وضج أهل بغداذ ms3862 من ~~ذلك، فاجتمعوا ونادوا الغزاة، فأقبلوا من كل ناحية، ولما رآهم الخليفة خرج ~~من السرادق والشمسة على رأسه، والوزير بين يديه، وأمر بضرب الكوسات ~~والبوقات، ونادى بأعلى صوته: يا آل هاشم! وأمر بتقديم السفن، ونصب الجسر ~~وعبر الناس دفعة واحدة، وكان له في الدار ألف رجل مختفين في السراديب، ~~فظهروا، وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب، فأسر منهم جماعة من الأمراء، ونهب ~~العامة دار وزير السلطان، ودور جماعة من الأمراء، ودار عزيز الدين ~~المستوفي، ودار الحكيم أوحد الزمان الطبيب، وقتل منهم خلق كثير في الدروب. # ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي، ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداذ ~~والسواد، وأمر بحفر الخنادق، فحفرت بالليل، وحفظوا بغداذ من عسكر السلطان، ~~ووقع الغلاء عند العسكر، واشتد الأمر عليهم، وكان القتال كل يوم عليهم عند ~~أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة، وعزم عسكر الخليفة على أن يكبسوا عسكر ~~السلطان، فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي، صاحب إربل، وخرج كأنه يريد ~~القتال، فالتحق هو وعسكره بالسلطان. # وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه، ومعه ~~المقاتلة في السفن، وعلى الدواب في البر، فجمع كل سفينة في البصرة إلى ~~بغداذ، وشحنها بالرجال المقاتلة، وأكثر من السلاح، وأصعد، فلما قارب بغداذ ~~أمر كل من معه في السفن وفي البر بلبس السلاح، وإظهار ما عندهم من الجلد ~~والنهضة، فسارت السفن في الماء، والعسكر في البر على شاطئ دجلة قد انتشروا ~~وملأوا الأرض برا وبحرا، فرأى الناس منظرا عجيبا، كبر في أعينهم، وملأ ~~صدورهم، وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم، فنظروا إلى ما لم يروا مثله، ~~وعظم عماد الدين في أعينهم، وعزم السلطان على قتال بغداذ حينئذ، والجد في ~~ذلك في البر والماء. فلما رأى الإمام المسترشد بالله الأمر على هذه الصورة، ~~وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده، أجاب إلى الصلح، وترددت الرسل بينهما، ~~فاصطلحا، واعتذر السلطان مما جرى، وكان حليما يسمع سبه بأذنه فلا يعاقب ~~عليه، وعفا عن أهل بغداذ جميعهم. # وكان أعداء الخليفة يشيرون على ms3863 السلطان بإحراق بغداذ، فلم يفعل، وقال: لا ~~تساوي الدنيا فعل مثل هذا. وأقام ببغداذ إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى ~~وعشرين وخمسمائة، وحمل الخليفة من المال إليه كما استقرت القاعدة عليه، ~~وأهدى له # PageV08P707 # سلاحا وخيلا وغير ذلك، فمرض السلطان ببغداذ، فأشار عليه الأطباء ~~بمفارقتها، فرحل إلى همذان، فلما وصلها عوفي. # ذكر مصاف بين طغتكين أتابك والفرنج بالشام # في هذه السنة اجتمعت الفرنج وملوكها وقمامصتها وكنودها وساروا إلى نواحي ~~دمشق فنزلوا بمرج الصفر عند قرية يقال لها سقبا بالقرب من دمشق، فعظم الأمر ~~على المسلمين واشتد خوفهم، وكاتب طغتكين أتابك صاحبها أمراء التركمان من ~~ديار بكر وغيرها وجمعهم وكان قد سار عن دمشق إلى جهة الفرنج واستخلف بها ~~ابنه تاج الملوك بوري فكان بها، كلما جاءت طائفة أحسن ضيافتهم وسيرهم إلى ~~أبيه، فلما اجتمعوا سار بهم طغتكين إلى الفرنج فالتقوا أواخر ذي الحجة ~~واقتتلوا، واشتد القتال، فسقط طغتكين عن فرسه، فظن أصحابه أنه قتل، ~~فانهزموا وركب طغتكين فرسه ولحقهم وتبعهم الفرنج وبقي التركمان لم يقدروا ~~أن يلحقوا بالمسلمين في الهزيمة فتخلفوا، فلما رأوا فرسان الفرنج قد تبعوا ~~المنهزمين وأن معسكرهم وراجلهم ليس له مانع ولا حام حملوا على الرجالة ~~فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد، ونهبوا معسكر الفرنج وخيامهم وأموالهم ~~وجميع ما معهم وفي جملته كنيسة وفيها من الذهب والجواهر ما لا يقوم كثرة ~~فنهبوا ذلك جميعه وعادوا إلى دمشق سالمين لم يعدم منهم أحد، ولما رجع ~~الفرنج من أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة تموا منهزمين ~~لا يلوي الأخ على أخيه، وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة ~~منهما من صاحبتها! # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حصر الفرنج رفنية من أرض الشام، وهي بيد المسلمين، وضيقوا ~~عليها فملكوها. # وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي، الواعظ، وهو أخو # PageV08P708 # الإمام أبي حامد محمد، وقد ذمه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة منها: ~~روايته في وعظه الأحاديث التي ليست بصحيحة، والعجب أنه يقدح فيه ms3864 بهذا، ~~وتصانيفه هو ووعظه محشو به، مملوءة منه، نسأل الله أن يعيذنا من الوقيعة في ~~الناس، ثم يا ليت شعري أما كان للغزالي حسنة تذكر مع ما ذكر من المساوئ ~~التي نسبها إليه لئلا ينسب إلى الهوى والغرض؟ # PageV08P709 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة] ### | 521 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة # ذكر ولاية الشهيد أتابك زنكي شحنكية العراق # في هذه السنة في ربيع الآخر، أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى عماد ~~الدين زنكي بن آقسنقر. # وكان سبب ذلك: أن عماد الدين لما أصعد من واسط في التجمل والجمع الذي ~~ذكرناه، وقام في حفظ واسط والبصرة وتلك النواحي القيام الذي عجز غيره عنه، ~~عظم في صدر السلطان وصدور أمرائه، فلما عزم السلطان على المسير عن بغداذ ~~نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق ويأمن معه من الخليفة، فاعتبر أمراءه ~~وأعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم في هذا الأمر مقام عماد الدين، فاستشار ~~في ذلك فكل أشار به وقالوا: # لا نقدر على رقع هذا الخرق، وإعادة ناموس هذه الولاية، ولا تقوى نفس أحد ~~على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي. # فوافق ما عنده، فأسند إليه الولاية، وفوضها [إليه] مضافة إلى ما له من ~~الأقطاع، وسار عن بغداذ وقد اطمأن قلبه من جهة العراق، فكان الأمر كما ظن. # ذكر عود السلطان عن بغداذ، ووزارة أنوشروان بن خالد # في هذه السنة، في عاشر ربيع الآخر، سار السلطان محمود عن بغداذ، بعد # PageV09P005 # تقرير القواعد بها، ولما عزم على المسير حمل إليه الخليفة الخلع، والدواب ~~الكثيرة، فقبل ذلك جميعه وسار. # ولما أبعد عن بغداذ قبض على وزيره أبي القاسم علي بن القاسم الأنساباذي ~~في رجب ; لأنه اتهمه بممالأة المسترشد بالله لقيامه في أمره، وإتمام الصلح ~~مقاما ظهر أثره، فسعى به أعداؤه، فلما قبض عليه أرسل السلطان إلى بغداذ ~~فأحضر شرف الدين أنوشروان بن خالد، وكان مقيما بها، فلما علم بذلك جاءته ~~الهدايا من كل أحد حتى من الخليفة، وسار عن بغداذ خامس شعبان، فوصل ms3865 إلى ~~السلطان، وهو بأصبهان، فخلع عليه خلع الوزارة، وبقي فيها نحو عشرة أشهر، ثم ~~استعفى منها، وعزل نفسه، وعاد إلى بغداذ في شعبان سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسمائة. # وأما الوزير أبو القاسم فإنه بقي مقبوضا إلى أن خرج السلطان سنجر إلى ~~الري سنة اثنتين وعشرين، فأخرجه من الحبس في ذي الحجة، وأعاده إلى وزارة ~~السلطان محمود، وهي الوزارة الثانية. # ذكر وفاة عز الدين بن البرسقي، وولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها # في هذه السنة توفي عز الدين مسعود بن البرسقي، وهو صاحب الموصل، وكان ~~موته بمدينة الرحبة، وسبب مسيره إليها أنه لما استقامت أموره في ولايته، ~~وراسل السلطان محمودا، وخطب له ولاية ما كان أبوه يتولاه من الموصل وغيرها، ~~أجاب السلطان إلى ما طلب، فرتب الأمور وقررها، فكثر جنده، وكان شجاعا شهما، ~~فطمع في التغلب على بلاد الشام، فجمع عساكره، وسار إلى الشام يريد قصد ~~دمشق، فابتدأ بالرحبة، فوصل إليها ونازلها، وقام يحاصرها، فأخذه مرض حاد ~~وهو محاصر لها، فتسلم القلعة، ومات بعد ساعة، فندم من بها على تسليمها ~~إليه. # ولما مات بقي مطروحا على بساط لم يدفن، وتفرق عنه عساكره، ونهب بعضهم # PageV09P006 # بعضا، فشغلوا عنه، ثم دفن بعد ذلك، وقام بعده أخ له صغير، واستولى على ~~البلاد مملوك للبرسقي يعرف بالجاولي، ودبر أمر الصبي، وأرسل إلى السلطان ~~يطلب أن يقرر البلاد على ولد البرسقي، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك. # وكان الرسول في هذا الأمر القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم ~~الشهرزوري، وصلاح الدين محمد أمير حاجب البرسقي، فحضرا دركاه السلطان ~~ليخاطبا في ذلك، وكانا يخافان جاولي، ولا يرضيان بطاعته والتصرف بما يحكم ~~به، فاجتمع صلاح الدين، ونصير الدين جقر الذي صار نائبا عن أتابك عماد ~~الدين بالموصل، وكان بينهما مصاهرة، وذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وأفشى ~~إليه سره، فخوفه نصير الدين من جاولي، وقبح عنده طاعته، وقرر في نفسه أنه ~~إنما أبقاه وأمثاله لحاجته إليهم، ومتى أجيب إلى مطلوبه لا يبقي على أحد ~~منهم. # وتحدث معه ms3866 في المخاطبة في ولاية عماد الدين زنكي، وضمن له الولايات ~~والأقطاع الكثيرة، وكذلك للقاضي بهاء الدين الشهرزوري، فأجابه إلى ذلك، ~~وأحضره معه عند القاضي بهاء الدين، وخاطباه في هذا الأمر، وضمنا له كل ما ~~أراده، فوافقهما على ما طلبا، وركب هو وصلاح الدين إلى دار الوزير، وهو ~~حينئذ شرف الدين أنوشروان بن خالد، وقالا له: # قد علمت أنت والسلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها، وقويت ~~شوكتهم بها، فاستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى ~~عريش مصر، ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين، وقد كان البرسقي مع شجاعته ~~وتجريبه وانقياد العساكر إليه، يكف بعض عاديتهم وشرهم، فمذ قتل ازداد ~~طمعهم، وهذا ولده طفل صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع، ذي رأي وتجربة، ~~يذب عنها ويحفظها ويحمي حوزتها، وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على ~~الإسلام والمسلمين، فيختص اللوم بنا، ويقال: ألا أنهيتم إلينا جلية الحال؟ ~~. # فرفع الوزير قولهما إلى السلطان، فاستحسنه، وشكرهما عليه، وأحضرهما # PageV09P007 # واستشارهما فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة، منهم عماد الدين زنكي، وبذلا ~~عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا، فأجاب السلطان إلى توليته، لما ~~يعلمه من كفايته لما يليه، فأحضره وولاه البلاد كلها، وكتب منشوره بها. # وسار فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها، ويجعلها ظهره ; لأنه خاف من ~~جاولي أنه ربما صده عن البلاد، فلما دخل البوازيج سار عنها إلى الموصل. # فلما سمع جاولي بقربه من البلد خرج إلى تلقيه ومعه جميع العسكر، فلما رآه ~~جاولي نزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يديه، وعاد في خدمته إلى الموصل، فدخلها ~~في رمضان، وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها، وأقام بالموصل يصلح أمورها، ~~ويقرر قواعدها، فولى نصير الدين دزدارية القلعة بالموصل، وجعل إليه سائر ~~دزدارية القلاع، وجعل صلاح الدين محمدا أمير حاجب، وبهاء الدين قاضي قضاة ~~بلاده جميعها، وزاده أملاكا، وأقطاعا، واحتراما، وكان لا يصدر إلا عن رأيه. # فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمر، وبها مماليك ~~البرسقي، ms3867 فامتنعوا عنه، فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة إن سلموا، ~~فلم يجيبوه إلى ذلك، فجد في قتالهم، وبينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس، ~~فألقوا أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد، ففعلوا، وعبر بعضهم سباحة، ~~وبعضهم في السفن، وبعضهم في الأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة، وكانوا قد ~~خرجوا عن البلد إلى أرض بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة، ليمنعوا من يريد ~~عبور دجلة، فلما عبر العسكر إليهم قاتلوهم، ومانعوهم، فتكاثر عسكر عماد ~~الدين عليهم، فانهزم أهل البلد، ودخلوه، وتحصنوا بأسواره، واستولى عماد ~~الدين على الزلاقة، فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا، ووهنوا، وأيقنوا أن ~~البلد يملك سلما أو عنوة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وكان هو ~~أيضا مع عسكره بالزلاقة، فسلموا البلد إليه، فدخله هو وعسكره. # ثم إن دجلة زادت تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد، وصارت الزلاقة ~~ماء، فلو أقام ذلك اليوم لغرق هو وعسكره ولم ينج منهم أحد، فلما رأى الناس # PageV09P008 # ذلك أيقنوا بسعادته، وأيقنوا أن أمرا هذا بدايته لعظيم. # ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين، وكانت لحسام الدين تمرتاش صاحب ماردين، ~~فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق، ~~وهو صاحب حصن كيفا وغيرها، فاستنجده على أتابك زنكي، فوعد النجدة بنفسه، ~~وجمع عسكره، وعاد تمرتاش إلى ماردين، وأرسل رقاعا على أجنحة الطيور إلى ~~نصيبين يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه سائران في العسكر الكثير إليهم، ~~وإزاحة عماد الدين عنهم، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام. # فبينما أتالك في خيمته إذ سقط طائر على خيمة تقابله، فأمر به فصيد، فرأى ~~فيه رقعة، فقرأها، وعرف ما فيها، فأمر أن يكتب غيرها، يقول فيها: # إنني قصدت ابن عمي ركن الدولة، وقد وعدني النصرة وجمع العساكر، وما يتأخر ~~عن الوصول أكثر من عشرين يوما، ويأمرهم بحفظ البلد هذه المدة إلى أن يصلوا، ~~وجعلها في الطائر وأرسله، فدخل نصيبين، فلما وقف من بها على الرقعة سقط في ~~أيديهم، وعلموا أنهم لا يقدرون أن يحفظوا ms3868 البلد هذه المدة، فأرسلوا إلى ~~الشهيد وصالحوه، وسلموا البلد إليه، فبطل على تمرتاش وداود ما كانا عزما ~~عليه، وهذا من غريب ما يسمع. # فلما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار، فامتنع من بها عليه، ثم صالحوه، ~~وسلموا البلد إليه، وسير منها الشحن إلى الخابور، فملكه جميعه، ثم سار إلى ~~حران وهي للمسلمين، وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحي جميعها للفرنج، ~~وأهل حران معهم في ضر عظيم، وضيق شديد ; لخلو البلاد من حام يذب عنها، ~~وسلطان يمنعها، فلما قارب حران خرج أهل البلد وأطاعوه، وسلموا إليه، فلما ~~ملكها أرسل إلى جوسلين صاحب الرها وتلك البلاد، وراسله وهادنه مدة يسيرة، ~~وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلاد، وتجنيد الأجناد، وكان أهم الأمور إليه ~~أن يعبر الفرات إلى الشام، ويملك مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية، ~~فاستقر الصلح بينهم، وأمن الناس، ونحن نذكر ملك حلب، إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # PageV09P009 # في هذه السنة قتل معين الملك أبو نصر أحمد بن الفضل، وزير السلطان سنجر، ~~قتلته الباطنية، وكان له في قتالهم آثار حسنة، ونية صالحة، فرزقه الله ~~الشهادة. # وفيها ولى السلطان شحنكية بغداذ مجاهد الدين بهروز لما سار أتابك زنكي ~~إلى الموصل. # وفيها رتب الحسن بن سليمان في تدريس النظامية ببغداذ. # وفيها أوقع السلطان سنجر بالباطنية في ألموت، فقتل منهم خلقا كثيرا، قيل: ~~كانوا يزيدون على عشرة آلاف نفس. # [الوفيات] # وتوفي هذه السنة علي بن المبارك أبو الحسن المقرئ، المعروف بابن الفاعوس، ~~الحنبلي، ببغداذ، في شوال، وكان صالحا. # وفي شوال توفي محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد أبو الحسن بن أبي ~~الفضل الهمذاني الفرضي، صاحب " التاريخ ". # PageV09P010 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة] # (522) # ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة # ذكر ملك أتابك عماد الدين زنكي مدينة حلب # في هذه السنة، أول محرم، ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة حلب ~~وقلعتها، ونحن نذكر كيف كان سبب ملكها، فنقول: # قد ذكرنا ملك البرسقي لمدينة حلب، وقلعتها سنة ثماني عشرة [وخمسمائة] ~~واستخلافه بها ابنه ms3869 مسعودا، ولما قتل البرسقي سار مسعود عنها إلى الموصل ~~وملكها، واستناب بحلب أميرا اسمه قومان، ثم إنه ولى عليها أميرا اسمه قتلغ ~~أبه، وسيره بتوقيع إلى قومان لتسليمها، فقال: # بيني وبين عز الدين علامة لم أرها ولا أسلم إلا بها، وكانت العلامة ~~بينهما صورة غزال، وكان مسعود بن البرسقي حسن التصوير، فعاد قتلغ أبه إلى ~~مسعود وهو يحاصر الرحبة فوجده قد مات، فعاد إلى حلب مسرعا. # وعرف الناس موته، فسلم الرئيس فضائل بن بديع البلد، وأطاعه المقدمون به، ~~واستنزلوا قومان من القلعة بعد أن صح عنده وفاة صاحبه مسعود، وأعطوه ألف ~~دينار، فتسلم قتلغ القلعة في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وعشرين [وخمسمائة] ، فظهر منه بعد أيام جور شديد، وظلم عظيم، ومد يده إلى ~~أموال الناس لا سيما التركات فإنه أخذها، وتقرب إليه الأشرار، فنفرت قلوب ~~الناس منه. # وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان قديما ~~صاحبها، فأطاعه أهلها، وقاموا ليلة الثلاثاء ثاني شوال فقبضوا على كل من ~~كان بالبلد # PageV09P011 # من أصحاب قتلغ أبه، وكان أكثرهم يشربون في البلد صبحة العيد، وزحفوا إلى ~~القلعة، فتحصن قتلغ أبه فيها بمن معه، فحصروه، ووصل إلى حلب حسان صاحب منبج ~~وحسن صاحب بزاعة ; لإصلاح الأمر فلم ينصلح. # وسمع الفرنج بذلك، فتقدم جوسلين بعسكره إلى المدينة، فصونع بمال، فعاد ~~عنها، ثم وصل بعده صاحب أنطاكية في جمع من الفرنج، فخندق الحلبيون حول ~~القلعة، فمنع الداخل والخارج إليها من ظاهر البلد، وأشرف الناس على الخطر ~~العظيم إلى منتصف ذي الحجة من السنة. # وكان عماد الدولة قد ملك الموصل والجزيرة، فسير إلى حلب الأمير سنقر ~~دراز، والأمير حسن قراقوش، وهما من أكابر أمراء البرسقي، وقد صاروا معه في ~~عسكر قوي، ومعه التوقيع من السلطان بالموصل والجزيرة والشام، فاستقر الأمر ~~أن يسير بدر الدولة بن عبد الجبار وقتلغ أبه إلى الموصل إلى عماد الدين، ~~فساروا إليه، وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها ولاية مستعارة، فلما وصل ~~بدر الدولة وقتلغ أبه ms3870 إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يرد واحدا منهما إلى ~~حلب، وسير حاجبه صلاح الدين محمدا الياغسياني إليها في عسكر، فصعد إلى ~~القلعة، ورتب الأمور، وجعل فيها واليا. # وسار عماد الدين زنكي إلى الشام في جيوشه وعساكره، فملك في طريقه مدينة ~~منبج وبزاعة، وخرج أهل حلب إليه، فالتقوه، واستبشروا بقدومه، ودخل البلد ~~واستولى عليه، ورتب أموره، وأقطع أعماله الأجناد والأمراء، فلما فرغ من ~~الذي أراده قبض على قتلغ أبه، وسلمه إلى ابن بديع، فكحله بداره بحلب، فمات ~~قتلغ أبه، واستوحش ابن بديع، فهرب إلى قلعة جعبر، واستجار بصاحبها فأجاره. # وجعل عماد الدين في رئاسة حلب أبا الحسن علي بن عبد الرزاق، ولولا أن ~~الله تعالى من على المسلمين بملك أتابك ببلاد الشام، (لملكها الفرنج ; ~~لأنهم كانوا يحصرون بعض البلاد الشامية، وإذا) علم ظهير الدين طغتكين بذلك ~~جمع عساكره، وقصد بلادهم وحصرها، وأغار عليها، فيضطر الفرنج إلى الرحيل ~~لدفعه عن بلادهم، فقدر الله تعالى أنه توفي هذه السنة، فخلا لهم الشام من ~~جميع جهاته من رجل يقوم # PageV09P012 # بنصرة أهله، فلطف الله بالمسلمين بولاية عماد الدين، ففعل بالفرنج ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر قدوم السلطان سنجر إلى الري # في هذه السنة خرج السلطان سنجر من خراسان إلى الري في جيش كبير. # وكان سبب ذلك: أن دبيس بن صدقة لما وصل إليه هو والملك طغرل على ما ~~ذكرناه، لم يزل يطمعه في العراق، ويسهل عليه قصده، ويلقي في نفسه أن ~~المسترشد بالله والسلطان محمودا متفقان على الامتناع منه، ولم يزل به حتى ~~أجابه إلى المسير إلى العراق، فلما ساروا وصل إلى الري، وكان السلطان محمود ~~بهمذان، فأرسل إليه السلطان سنجر يستدعيه إليه لينظر هل هو على طاعته أم قد ~~تغير على ما زعم دبيس، فلما جاءه الرسول بادر إلى المسير إلى عمه، فلما وصل ~~إليه أمر العسكر جميعه بلقائه، وأجلسه معه على التخت، وبالغ في إكرامه، ~~وأقام عنده إلى منتصف ذي الحجة، ثم عاد السلطان سنجر إلى خراسان، وسلم ~~دبيسا إلى ms3871 السلطان محمود، ووصاه بإكرامه وإعادته إلى بلده، ورجع محمود إلى ~~همذان ودبيس معه، ثم سارا إلى العراق، فلما قاربا بغداذ خرج الوزير إلى ~~لقائه، وكان قدومه تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين [وخمسمائة] . # وكان الوزير أبو القاسم الأنساباذي قد قبض السلطان محمود عليه، فلما ~~اجتمع بالسلطان سنجر أمر بإطلاقه فأطلقه، وقرره سنجر في وزارة ابنته التي ~~زوجها بالسلطان محمود، فلما وصل معه إلى بغداذ أعاده محمود إلى وزارته في ~~الرابع والعشرين من المحرم، وهي وزارته الثانية. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثامن صفر توفي أتابك طغتكين صاحب دمشق، وهو مملوك # PageV09P013 # الملك تتش بن ألب أرسلان، وكان عاقلا خيرا، كثير الغزوات والجهاد للفرنج، ~~حسن السيرة في رعيته، مؤثرا للعدل فيهم، وكان لقبه ظهير الدين، ولما توفي ~~ملك بعده ابنه تاج الملوك بوري وهو أكبر أولاده، بوصية من والده له بالملك، ~~وأقر وزير أبيه أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته. # وفيها في مستهل رجب، توفي الوزير جلال الدين أبو علي بن صدقة وزير ~~الخليفة، وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، متواضعا، محبا لأهل العلم، مكرما ~~لهم، وله شعر حسن، فمنه في مدح المسترشد بالله: # وجدت الورى كالماء طعما ورقة ... وأن أمير المؤمنين زلاله # وصورت معنى العقل شخصا مصورا ... وأن أمير المؤمنين مثاله # ولولا طريق الدين والشرع والتقى ... لقلت من الإعظام جل جلاله # وأقيم في النيابة بعده شرف الدين علي بن طراد الزينبي، ثم جعل وزيرا، ~~وخلع عليه آخر شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وعشرين [وخمسمائة] ، ولم يزر ~~للخلفاء من بني العباس هاشمي غيره. # وفيها هبت ريح شديدة اسودت لها الآفاق، وجاءت بتراب أحمر يشبه الرمل، ~~وظهر في السماء أعمدة كأنها نار، فخاف الناس وعدلوا إلى الدعاء والاستغفار، ~~فانكشف عنهم ما يخافونه. # PageV09P014 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة] # (523) # ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة # ذكر قدوم السلطان محمود إلى بغداذ # في هذه السنة قدم السلطان محمود بغداذ بعد عوده من عند عمه السلطان سنجر، ~~ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد بالله، فتأخر ms3872 دبيس عن السلطان، ثم دخل ~~بغداذ، ونزل بدار السلطان، واسترضى عنه الخليفة، فامتنع الخليفة من الإجابة ~~إلى أن يولى دبيس شيئا من البلاد، وبذل له مائة ألف دينار لذلك. # وعلم أتابك زنكي أن السلطان يريد أن يولي دبيسا الموصل، فبذل مائة ألف ~~دينار، وحضر بنفسه إلى خدمة السلطان، فلم يشعر به إلا وهو عند الستر، وحمل ~~معه الهدايا الجليلة، فأقام عند السلطان ثلاثة أيام، وخلع عليه، وأعاده إلى ~~الموصل. # وخرج السلطان يتصيد، فعمل له شيخ المزرفة دعوة عظيمة امتار منها جميع ~~عسكر السلطان، وأدخله إلى حمام في داره، وجعل فيه عوض الماء ماء الورد، ~~فأقام السلطان إلى ربع جمادى الآخرة، وسار عنها إلى همذان، وجعل بهروز على ~~شحنكية بغداذ، وسلمت إليه الحلة أيضا. # PageV09P015 # ذكر ما فعله دبيس بالعراق وعود السلطان إلى بغداذ # لما رحل السلطان إلى همذان ماتت زوجته، وهي ابنة السلطان سنجر، وهي التي ~~كانت تعنى بأمر دبيس وتدافع عنه، فلما ماتت انحل أمر دبيس. # ثم إن السلطان مرض مرضا شديدا، فأخذ دبيس ابنا له صغيرا وقصد العراق، ~~فلما سمع المسترشد بالله بذلك جند الأجناد وحشد، وكان بهروز بالحلة، فهرب ~~منها، فدخلها دبيس في شهر رمضان، فلما سمع السلطان الخبر عن دبيس أحضر ~~الأميرين قزل والأحمديلي، وقال: أنتما ضمنتما دبيسا مني، وأريده منكما. ~~فسار الأحمديلي إلى العراق إلى دبيس، ليكف شره عن البلاد، ويحضره إلى ~~السلطان، فلما سمع دبيس الخبر أرسل إلى الخليفة يستعطفه، ويقول: إن رضيت ~~عني فأنا أرد أضعاف ما أخذت، وأكون العبد المملوك، فتردد الرسل ودبيس يجمع ~~الأموال والرجال، فاجتمع معه عشرة آلاف فارس، وكان قد وصل في ثلاثمائة ~~فارس، ووصل الأحمديلي بغداذ في شوال، وسار في أثر دبيس. # ثم إن السلطان سار إلى العراق، فلما سمع دبيس بذلك أرسل إليه هدايا جليلة ~~المقدار، وبذل ثلاثمائة حصان منعلة بالذهب، ومائتي ألف دينار ; ليرضى عنه ~~السلطان والخليفة، فلم يجبه إلى ذلك، ووصل السلطان إلى بغداذ في ذي القعدة، ~~فلقيه الوزير الزينبي وأرباب المناصب، فلما تيقن دبيس وصوله ms3873 رحل إلى ~~البرية، وقصد البصرة، وأخذ منها أموالا كثيرة، وما للخليفة والسلطان هناك ~~من الدخل، فسير السلطان إثره عشرة آلاف فارس، ففارق البصرة ودخل البرية. # ذكر قتل الإسماعيلية بدمشق # قد ذكرنا فيما تقدم قتل إبراهيم الأسداباذي ببغداذ، وهرب ابن أخته بهرام ~~إلى الشام، وملكه قلعة بانياس، ومسيره إليها، ولما فارق دمشق أقام له بها ~~خليفة يدعو الناس إلى مذهبه، فكثروا وانتشروا، وملك هو عدة حصون من الجبال ~~منها القدموس # PageV09P016 # وغيره، وكان بوادي التيم من أعمال بعلبك أصحاب مذاهب مختلفة من النصيرية، ~~والدرزية والمجوس وغيرهم، وأميرهم اسمه الضحاك، فسار إليهم بهرام سنة ~~اثنتين وعشرين [وخمسمائة] ، وحصرهم وقاتلهم، فخرج إليه الضحاك في ألف رجل، ~~وكبس عسكر بهرام فوضع السيف فيهم، وقتل منهم مقتلة كثيرة، وقتل بهرام، ~~وانهزم من سلم، وعادوا إلى بانياس على أقبح صورة. # وكان بهرام قد استخلف في بانياس رجلا من أعيان أصحابه اسمه إسماعيل، فقام ~~مقامه، وجمع شمل من عاد إليه منهم، وبث دعاته في البلاد، وعاضده المزدقاني ~~أيضا، وقوى نفسه على ما عنده من الامتعاض بهذه الحادثة والهم بسببها. # ثم إن المزدقاني أقام بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفاء، فقوي ~~أمره، وعلا شأنه، وكثر أتباعه، وقام بدمشق، فصار المستولي على من بها من ~~المسلمين، وحكمه أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدقاني راسل ~~الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق، ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر ~~بينهم على ذلك، وتقرر بينهم الميعاد يوم جمعة ذكروه، وقرر المزدقاني مع ~~الإسماعيلية أن يحتاطوا ذلك اليوم (بأبواب الجامع، فلا يمكنوا أحدا من ~~الخروج) منه ;ليجيء الفرنج ويملكوا البلاد، فبلغ الخبر تاج الملوك صاحب ~~دمشق، فاستدعى المزدقاني إليه فحضر وخلا معه، فقتله تاج الملوك، وعلق رأسه ~~على باب القلعة، ونادى في البلد بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف نفس، ~~وكان ذلك منتصف رمضان من السنة، وكفى الله المسلمين شرهم، ورد على الكافرين ~~كيدهم. # ولما تمت هذه الحادثة بدمشق على الإسماعيلية خاف إسماعيل والي بانياس أن ~~يثور به وبمن معه الناس فيهلكوا، ms3874 فراسل الفرنج، وبذل لهم تسليم بانياس ~~إليهم والانتقال إلى بلادهم، فأجابوه، فسلم القلعة إليهم، وانتقل هو ومن ~~معه من أصحابه إلى بلادهم، ولقوا شدة وذلة وهوانا، وتوفي إسماعيل أوائل سنة ~~أربع وعشرين [وخمسمائة] ، وكفى الله المؤمنين شرهم. # PageV09P017 # ذكر حصر الفرنج دمشق وانهزامهم # لما بلغ الفرنج قتل المزدقاني والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك، وتأسفوا ~~على دمشق حيث لم يتم لهم ملكها، وعمتهم المصيبة، فاجتمعوا كلهم: صاحب ~~القدس، وصاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم، ومن وصل ~~إليهم في البحر للتجارة والزيارة، فاجتمعوا في خلق عظيم نحو ألفي فارس، ~~وأما الراجل فلا يحصى، وساروا إلى دمشق ليحصروها. # ولما سمع تاج الملوك بذلك جمع العرب، والتركمان، فاجتمع معهم ثمانية آلاف ~~فارس، ووصل الفرنج في ذي الحجة، فنازلوا البلد، وأرسلوا إلى أعمال دمشق ~~لجمع الميرة والإغارة على البلاد، فلما سمع تاج الملوك أن جمعا كثيرا قد ~~ساروا إلى حوران لنهبه وإحضار الميرة، سير أميرا من أمرائه يعرف بشمس ~~الخواص في جمع من المسلمين إليهم، وكان خروجهم في ليلة شاتية كثيرة المطر، ~~ولقوا الفرنج من الغد، فواقعوهم واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، فظفر بهم ~~المسلمون وقتلوهم، فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلا، وأخذوا ما ~~معهم وهي عشرة آلاف دابة موقرة وثلاثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق لم يمسسهم ~~قرح. # فلما علم من عليها من الفرنج ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرحلوا عنها ~~شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وميرة وغير ذلك، وتبعهم ~~المسلمون، والمطر شديد والبرد عظيم، يقتلون كل من تخلف منهم، فكثر القتلى ~~منهم، وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة من هذه السنة. # ذكر ملك عماد الدين زنكي مدينة حماة # في هذه السنة ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل مدينة حماة. # PageV09P018 # وسبب ذلك أنه عبر الفرات إلى الشام، وأظهر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل ~~إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق يستنجده، ويطلب منه المعونة على ~~جهادهم، فأجاب إلى المراد، وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق، ms3875 فلما وصلت ~~التوثقة جرد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء، وأرسل إلى ابنه سونج وهو ~~بمدينة حماة، يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير معهم إلى زنكي، فساروا ~~جميعهم فوصلوا إليه، فأكرمهم، وأحسن لقاءهم، وتركهم أياما. # ثم إنه غدر بهم، فقبض على سونج ولد تاج الملوك وعلى جماعة الأمراء ~~المقدمين، ونهب خيامهم وما فيها من الكراع، واعتقلهم بحلب، وهرب من سواهم، ~~وسار من يومه إلى حماة، فوصل إليها وهي خالية من الجند الحماة الذابين، ~~فملكها واستولى عليها، ورحل عنها إلى حمص، وكان صاحبها قرجان بن قراجة معه ~~في عسكره، وهو الذي أشار عليه بالغدر بولد تاج الملوك، فقبض عليه، ونزل على ~~حمص وحصرها، وطلب من قرجان صاحبها أن يأمر نوابه وولده الذين فيها ~~بتسليمها، فأرسل إليهم بالتسليم، فلم يقبلوا منه ولا التفتوا إلى قوله، ~~فأقام عليها محاصرا لها، ومقاتلا لمن فيها مدة طويلة، فلم يقدر على ملكها، ~~فرحل عنها عائدا إلى الموصل، واستصحب معه سونج بن تاج الملوك ومن معه من ~~الأمراء الدمشقيين. # وترددت الرسل في إطلاقهم بينه وبين تاج الملوك، واستقر الأمر على خمسين ~~ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، ولم ينتظم بينهم أمر. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك بيمند صاحب أنطاكية حصن القدموس من المسلمين. # وفي هذه السنة أيضا وثب الإسماعيلية على عبد اللطيف بن الخجندي رئيس ~~الشافعية بأصبهان، فقتلوه، وكان ذا رئاسة عظيمة وتحكم كثير. # PageV09P019 # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي الإمام أبو الفتح أسعد بن أبي نصر الميهني، الفقيه ~~الشافعي، مدرس النظامية ببغداذ، وله طريقة مشهورة في الخلاف، وتفقه على أبي ~~المظفر السمعاني، وكان له قبول عظيم عند الخليفة والسلطان وسائر الناس. # وفيها توفي حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسن الشريف العلوي الحسني، ~~النيسابوري، سمع الحديث الكثير ورواه، ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ~~وجمع مع شرف النسب شرف النفس والتقوى، وكان زيدي المذهب. # PageV09P020 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة] ### | 524 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة # ذكر ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من ms3876 محمد خان، وملك محمود بن محمد خان ~~المذكور # في هذه السنة، في ربيع الأول، ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند. # وسبب ذلك أنه كان قد رتب فيها لما ملكها أولا أرسلان خان محمد بن سليمان ~~بن بغراخان داود، فأصابه فالج فاستناب ابنا له يعرف بنصرخان، وكان شهما ~~شجاعا، وكان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس، إليه الحل والعقد والحكم في ~~البلد، فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصرخان، فقتلاه ليلا، وكان أبوه محمد ~~خان غائبا، فعظم عليه واشتد، وكان له ابن آخر غائب في بلاد تركستان، فأرسل ~~إليه واستدعاه، فلما قارب سمرقند خرج العلوي ورئيس البلد إلى استقباله، ~~فقتل العلوي في الحال، وقبض على الرئيس. # وكان والده أرسلان خان قد أرسل إلى السلطان سنجر رسولا يستدعيه ; ظنا منه ~~أن ابنه لا يتم أمره مع العلوي والرئيس، فتجهز سنجر، وسار يريد سمرقند، ~~فلما ظفر ابن أرسلان خان بهما ندم على استدعائه السلطان سنجر، فأرسل إليه ~~يعرفه أنه قد ظفر بالعلوي والرئيس، وأنه وابنه على الطاعة، ويسأله العود ~~إلى خراسان، فغضب سنجر من ذلك وأقام أياما، فبينما هو في الصيد إذ رأى اثني ~~عشر رجلا في السلاح التام، فقبض عليهم وعاقبهم، فأقروا أن محمد خان أرسلهم ~~ليقتلوه، فقتلهم ثم سار إلى سمرقند فملكها عنوة، ونهب بعضها ومنع من ~~الباقي، وتحصن منه محمد خان ببعض تلك الحصون، فاستنزله السلطان سنجر بأمان ~~بعد مدة، فلما نزل إليه أكرمه وأرسله إلى ابنته زوجة السلطان سنجر، فبقي ~~عندها إلى أن توفي. # وأقام سنجر بسمرقند مدة حتى أخذ المال والسلاح والخزائن، وسلم البلد إلى # PageV09P021 # الأمير حسن تكين، وعاد إلى خراسان، فلم يلبث حسن تكين أن مات، فملك سنجر ~~بعده عليها محمود بن خان بن سليمان بن داود، المقدم ذكره، وقيل إن السبب ~~غير ما ذكرناه، وسيرد ذكره سنة ست وثلاثين للحاجة إلى ذكره هناك. # ذكر فتح عماد الدين زنكي حصن الأثارب وهزيمة الفرنج # لما فرغ عماد الدين زنكي من أمر البلاد الشامية - حلب وأعمالها - ولما ~~ملكه وقرر قواعده، عاد ms3877 إلى الموصل، وديار الجزيرة ليستريح عسكره، ثم أمرهم ~~بالتجهز للغزاة، فتجهزوا وأعدوا واستعدوا، وعاد إلى الشام وقصد حلب، فقوي ~~عزمه على قصد حصن الأثارب ومحاصرته ; لشدة ضرره على المسلمين. # وهذا الحصن بينه وبين حلب نحو ثلاثة فراسخ، بينها وبين أنطاكية، وكان من ~~به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها الغربية، حتى على رحى لأهل حلب ~~بظاهر باب الجنان، بينها وبين البلد عرض الطريق، وكان أهل البلد معهم في ضر ~~شديد وضيق، كل يوم قد أغاروا عليهم ونهبوا أموالهم. # فلما رأى الشهيد هذه الحال صمم العزم على حصر هذا الحصن، فسار إليه ~~ونازله. # فلما علم الفرنج بذلك جمعوا فارسهم وراجلهم، وعلموا أن هذه وقعة لها ما ~~بعدها، فحشدوا وجمعوا، ولم يتركوا من طاقتهم شيئا إلا استنفدوه، فلما فرغوا ~~من أمرهم ساروا نحوه، فاستشار أصحابه فيما يفعل، وكل أشار بالعود عن الحصن، ~~فإن لقاء الفرنج في بلادهم خطر لا يدرى على أي شيء تكون العاقبة، فقال لهم: ~~إن الفرنج متى رأونا قد عدنا من أيديهم طمعوا وساروا في أثرنا، وخربوا ~~بلادنا، ولا بد من لقائهم على كل حال. # ثم ترك الحصن وتقدم إليهم، فالتقوا واصطفوا للقتال، وصبر كل فريق لخصمه، ~~واشتد الأمر بينهم، ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المسلمين، فظفروا # PageV09P022 # وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، ووقع كثير من فرسانهم في الأسر، وقتل منهم خلق ~~كثير، وتقدم عماد الدين إلى عسكره بالإنجاز، وقال: هذا أول مصاف عملناه ~~معهم، فلنذقهم من بأسنا ما يبقى رعبه في قلوبهم، ففعلوا ما أمرهم، ولقد ~~اجتزت بتلك الأرض سنة أربع وثمانين وخمسمائة ليلا، فقيل لي: إن كثيرا من ~~العظام باق إلى ذلك الوقت. # فلما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا إلى الحصن فتسلموه عنوة، وقتلوا وأسروا ~~كل من فيه، وأخربه عماد الدين وجعله دكا، وبقي إلى الآن خرابا، ثم سار منه ~~إلى قلعة حارم، وهي بالقرب من أنطاكية، فحصرها وهي أيضا للفرنج، فبذل له ~~أهلها نصف دخل بلد حارم وهادنوه، فأجابهم إلى ذلك، وعاد عنهم وقد استدار ms3878 ~~المسلمون بتلك الأعمال، وضعفت قوى الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها ما ~~لم يكن في حساب، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك ~~الجميع. # ذكر ملك عماد الدين زنكي أيضا مدينة سرجي ودارا # لما فرغ من أمر الأثارب وتلك النواحي عاد إلى ديار الجزيرة، وكان قد بلغه ~~عن حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي صاحب ماردين، وابن عمه ركن الدولة داود بن ~~سقمان صاحب حصن كيفا، قوارص، فعاد إليهم وحصر مدينة سرجي، وهي بين ماردين ~~ونصيبين، فاجتمع حسام الدين وركن الدولة وصاحب آمد وغيرهم، وجمعوا خلقا ~~كثيرا من التركمان بلغت عدتهم عشرين ألفا، وساروا إليه، فتصافوا بتلك ~~النواحي، فهزمهم عماد الدين وملك سرجي. # فحكى لي والدي قال: # لما انهزم ركن الدولة داود قصد بلد جزيرة ابن عمر ونهبه، فبلغ الخبر إلى ~~عماد الدين، فسار نحو الجزيرة، وأراد دخول بلد داود، ثم عاد لضيق مسالكه ~~وخشونة الجبال التي في الطريق، وسار إلى # PageV09P023 # دارا فملكها، وهي من القلاع في تلك الأعمال. # ذكر وفاة الآمر، وخلافة الحافظ العلوي # في هذه السنة، ثاني ذي القعدة، قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن ~~المستعلي العلوي، صاحب مصر، خرج إلى منتزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية ~~فقتلوه ; لأنه كان سيئ السيرة في رعيته، وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة ~~وخمسة أشهر، وعمره أربعا وثلاثين سنة، وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله ~~الذي ظهر بسجلماسة وبنى المهدية بإفريقية، وهو أيضا العاشر من الخلفاء ~~العلويين من أولاد المهدي أيضا. # ولما قتل لم يكن له ولد بعده، فولي بعده ابن عمه الميمون عبد المجيد ابن ~~الأمير القاسم بن المستنصر بالله، ولم يبايع بالخلافة وإنما بويع له لينظر ~~في الأمر نيابة، حتى يكشف عن حمل إن كان للآمر فتكون الخلافة فيه، ويكون هو ~~نائبا عنه. # ومولد الحافظ بعسقلان، لأن أباه خرج من مصر إليها في الشدة فأقام بها، ~~فولد ابنه عبد المجيد هناك، ولما ولي استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر ~~الجمالي، واستبد ms3879 بالأمر، وتغلب على الحافظ وحجر عليه، وأودعه في خزانة، ولا ~~يدخل إليه إلا من يريده أبو علي، وبقي الحافظ له اسم لا معنى تحته، ونقل ~~أبو علي كل ما كان في القصر إلى داره من الأموال وغيرها، ولم يزل الأمر ~~كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست وعشرين [وخمسمائة] فاستقامت أمور الحافظ، ~~وحكم في دولته، وتمكن من ولايته وبلاده. # PageV09P024 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفيت الخاتون ابنة السلطان سنجر، وهي زوجة السلطان محمود. # وفيها قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية. # وفيها توفي نصير الدين محمود بن مؤيد الملك بن نظام الملك في شعبان ~~ببغداذ، ووقع الحريق في داره بعد وفاته وفي حظائر الحطب والسوق التتشي، ~~فذهب من الناس أموال كثيرة. # وفيها وزر الرئيس أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الصوفي لصاحب دمشق تاج ~~الملوك. # وفيها كان الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداذ، تولاه البديع الإصطرلابي، ~~ولم يتم. # وفيها ببغداذ عقارب طيارة ذوات شوكتين، فنال الناس منها خوف شديد وأذى ~~عظيم. # وفيها، في ذي الحجة، خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان، وكان عند عمه ~~السلطان سنجر، ووصل إلى ساوة، ووقع الإرجاف أن عزمه على مخالفة أخيه ~~السلطان محمود قوي، وأن عمه سنجر أمره بذلك، فاستشعر السلطان محمود، وسار # PageV09P025 # عن بغداذ إلى همذان، فلما وصل إلى كرمانشاهان وصل إليه أخوه الملك مسعود ~~وخدمه، ولم يظهر للإرجاف أثر، فأقطعه السلطان مدينة كنجة وأعمالها وسيره ~~إليها. # وفيها كانت زلزلة عظيمة في ربيع الأول، بالعراق، وبلد الجبل، والموصل، ~~والجزيرة، فخربت كثيرا. # وفيها ملك السلطان محمود قلعة ألموت. # [الوفيات] وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد أبو إسحاق الغزي من أهل ~~غزة، مدينة بفلسطين من الشام، ومولده سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وهو من ~~الشعراء المجيدين، فمن قوله من قصيدة يصف فيها الأتراك: # في فتية من جيوش الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا # قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا # وله في الزهد: # إنما هذه الحياة متاع ... والسفيه الغوي من يصطفيها ms3880 # ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها # PageV09P026 # وفيها توفي الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الدباس أبو عبد ~~الله النحوي الشاعر، المعروف بالبارع، أخو أبي الكرم بن فاخر النحوي لأمه، ~~ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وله شعر مليح، فمنه قوله: # ردي علي الكرى ثم اهجري سكني ... فقد قنعت بطيف منك في الوسن # لا تحسبي النوم قد أوشكت أطلبه ... إلا رجاء خيال منك يؤنسني # تركتني والهوى فردا أغالبه ... ونام ليلك عن هم يؤرقني # وهي طويلة. # وفيها توفي هبة الله بن القاسم بن محمد بن عطا بن محمد أبو سعد المهراني ~~النيسابوري، ومولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وكان محدثا حافظا صالحا. # PageV09P027 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة] # (525) # ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة # ذكر أسر دبيس بن صدقة وتسليمه إلى عماد الدين زنكي # في هذه السنة في شعبان، أسر تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق، الأمير ~~دبيس بن صدقة صاحب الحلة، وسلمه إلى أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر. # وسبب ذلك أنه لما فارق البصرة - على ما ذكرناه - جاءه قاصد من الشام من ~~صرخد يستدعيه إليها ; لأن صاحبها كان خصيا، فتوفي هذه السنة، وخلف جارية ~~سرية له، فاستولت على القلعة وما فيها، وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلا بأن ~~تتصل برجل له قوة ونجدة، فوصف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته، وذكر لها ~~حاله وما هو عليه بالعراق، فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به، وتسلم القلعة ~~وما فيها من مال وغيره إليه. # فأخذ الأدلاء معه، وسار من أرض العراق إلى الشام، فضل به الأدلاء بنواحي ~~دمشق، فنزل بناس من كلب شرقي الغوطة، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب ~~دمشق، فحبسه عنده. # وسمع أتابك عماد الدين زنكي الخبر، وكان دبيس يقع فيه وينال منه، فأرسل ~~إلى تاج الملوك يطلب منه دبيسا ليسلمه إليه ويطلق ولده، ومن معه من الأمراء ~~المأسورين، وإن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخربها، ونهب بلدها، ~~فأجاب تاج الملوك إلى ms3881 ذلك، وأرسل أتابك سونج بن تاج الملوك والأمراء الذين ~~معه، وأرسل تاج الملوك دبيسا، فأيقن دبيس بالهلاك، ففعل زنكي معه خلاف ما # PageV09P028 # ظن وأحسن إليه، وحمل له الأقوات والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن، ~~وقدمه حتى على نفسه، وفعل معه ما يفعل أكابر الملوك. # ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق أرسل سديد الدولة بن الأنباري وأبا ~~بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلم دبيسا ~~إليه لما كان متحققا به من عداوة الخليفة، فسمع سديد الدولة بن الأنباري ~~بتسلمه إلى عماد الدين وهو في الطريق، فسار إلى دمشق ولم يرجع، وذم أتابك ~~زنكي بدمشق واستخف به، وبلغ الخبر عماد الدين، فأرسل إلى طريقه من يأخذه ~~إذا عاد، فلما رجع من دمشق قبضوا عليه وعلى ابن بشر، وحملوهما إليه، فأما ~~ابن بشر فأهانه وجرى في حقه مكروه، وأما ابن الأنباري فسجنه. # ثم إن المسترشد بالله شفع فيه فأطلق، ولم يزل دبيس مع زنكي حتى انحدر معه ~~إلى العراق، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر وفاة السلطان محمود وملك ابنه دواد # في هذه السنة في شوال توفي السلطان محمود ابن السلطان محمود بهمذان، وكان ~~قبل مرضه قد خاف وزيره أبو القاسم الأنساباذي من جماعة من الأمراء وأعيان ~~الدولة، ومنهم: عزيز الدين أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي، والأمير ~~أنوشتكين المعروف بشيركير، وولده عمر، وهو أمير حاجب السلطان، وغيرهم، فأما ~~عزيز الدين فأرسله مقبوضا عليه إلى مجاهد الدين بهروز بتكريت، ثم قتل بها، ~~وأما شيركير وولده فقتلا في جمادى الآخرة. # ثم إن السلطان مرض وتوفي في شوال، وأقعد ولده دواد في السلطنة باتفاق من ~~الوزير أبي القاسم، وأتابكه آقسنقر الأحمديلي، وخطب له في جميع بلاد الجبل ~~وأذربيجان، ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل، ثم سكنت، فلما اطمأن ~~الناس وسكنوا سار الوزير بأمواله إلى الري، فأمن فيها حيث هي للسلطان سنجر. # وكان عمر السلطان محمود لما توفي نحو سبع وعشرين سنة، وكانت ولايته # PageV09P029 # للسلطنة اثنتي عشرة ms3882 سنة، وتسعة أشهر وعشرين يوما، وكان حليما كريما ~~عاقلا، يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة، قليل الطمع في أموال ~~الرعايا عفيفا عنها، كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ثار الباطنية بتاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق، فجرحوه ~~جرحين، فبرأ أحدهما، وتنسر الآخر، وبقي فيه ألمه، إلا أنه يجلس للناس ويركب ~~معهم على ضعف فيه. # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله أخو المسترشد بالله في ~~رجب. # وفيها في شوال توفي الحسن بن سلمان بن عبد الله أبو علي الفقيه الشافعي ~~الواعظ مدرس النظامية ببغداذ، وأصله من الزوزان. # والخطيب أبو نصر أحمد بن عبد القاهر المعروف بابن الطوسي، خطيب الموصل، ~~توفي في ربيع الأول. # وحماد بن مسلم الدباس الرحبي الزاهد المشهور، صاحب الكرمات، وسمع # PageV09P030 # الحديث، له أصحاب وتلامذة كثيرون ساروا، ورأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي ~~قد ذمه وثلبه، ولهذا الشيخ أسوة بغيره من الصالحين، فإن ابن الجوزي قد صنف ~~كتابا سماه تلبيس إبليس لم يبق فيه على أحد من سادة المسلمين وصالحيهم. # وهبة الله بن محمد عبد الواحد بن الحصين الشيباني الكاتب، ومولده سنة ~~اثنين وثلاثين وأربعمائة، سمع أبا علي بن المهذب، وأبا طالب بن غيلان، ~~وغيرهما، وهو راوي " مسند " أحمد بن حنبل والغيلانيات " وغيرهما. # ومحمد بن الحسن بن علي بن الحسن أبو غالب الماوردي، ولد سنة خمسين ~~وأربعمائة بالبصرة، وسمع الحديث الكثير، وروى سنن أبي دواد السجستاني، وكان ~~صالحا. # PageV09P031 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة] # (526) # ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة # ذكر قتل أبي علي وزير الحافظ، ووزارة يانس وموته # في هذه السنة في المحرم قتل الأفضل أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي ~~وزير الحافظ لدين الله العلوي صاحب مصر. # وسبب قتله أنه قد حجر على الحافظ، ومنعه أن يحكم في شيء من الأمور، قليل ~~أو جليل، وأخذ ما في قصر الخلافة إلى داره، وأسقط من الدعاء ذكر إسماعيل ~~الذي هو جدهم وإليه تنسب الإسماعيلية، وهو ms3883 ابن جعفر بن محمد الصادق، وأسقط ~~من الأذان حي على خير العمل، ولم يخطب للحافظ، وأمر الخطباء أن يخطبوا له ~~بألقاب كتبها لهم، وهي: السيد الأفضل الأجل، سيد مماليك أرباب الدول، ~~والمحامي عن حوزة الدين، وناشر جناح العدل على المسلمين الأقربين ~~والأبعدين، ناصر إمام الحق في حالتي غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضي ~~سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى اتباع شرع ~~الحق واعتماده، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ~~ورافع الجور عن الأمم، ومالك فضيلتي السيف والقلم، أبو علي أحمد السيد ~~الأجل الأفضل، شاهنشاه أمير الجيوش. # وكان إمامي المذهب، يكثر ذم الآمر، والتناقص به، فنفرت منه شيعة العلويين ~~ومماليكهم وكرهوه، وعزموا على قتله، فخرج في العشرين من المحرم من هذه ~~السنة إلى الميدان يلعب بالكرة مع أصحابه، فكمن له جماعة منهم مملوك فرنجي ~~كان للحافظ، فخرجوا عليه، فحمل الفرنجي عليه، فطعنه فقتله، وحزوا رأسه، ~~وخرج الحافظ من الخزانة التي كان فيها، ونهب الناس دار أبي علي، وأخذ منها ~~ما لا # PageV09P032 # يحصى، وركب الناس والحافظ إلى داره، فأخذ ما بقي فيها، وحمله إلى القصر. # وبويع يومئذ الحافظ بالخلافة، وكان قد بويع له بولاية العهد، وأن يكون ~~كافلا لحمل إن كان للآمر، فلما بويع بالخلافة استوزر أبا الفتح يانس ~~الحافظي في ذلك اليوم بعينه، ولقب أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة، بعيد ~~الغور، كثير الشر، فخافه الحافظ على نفسه، وتخيل منه يانس فاحتاط، ولم يأكل ~~عنده شيئا ولا شرب، فاحتال عليه الحافظ بأن وضع له فراشه في بيت الطهارة ~~ماء مسموما فاغتسل به، فوقع الدود في سفله، وقيل له: متى قمت من مكانك ~~هلكت، فكان يعالج بأن يجعل اللحم الطري في المحل، فيعلق به الدود فيخرج ~~ويجعل عوضه، فقارب الشفاء، فقيل للحافظ: إنه قد صلح، وإن تحرك هلك، فركب ~~إليه الحافظ كأنه يعوده، فقام له ومشى إلى بين يديه، وقعد الحافظ عنده، ثم ~~خرج من عنده، فتوفي من ليلته، وكان موته في السادس والعشرين من ذي الحجة ms3884 من ~~هذه السنة. # ولما مات يانس استوزر الحافظ ابنه حسنا، وخطب له بولاية العهد، وسيرد # ذكر قتله سنة تسع وعشرين [وخمسمائة] . # وإنما ذكرت ألقاب أبي علي تعجبا منها ومن حماقة ذلك الرجل، فإن وزير صاحب ~~مصر وحدها إذا كان هكذا فينبغي أن يكون وزير السلاطين السلجوقية كنظام ~~الملك وغيره، يدعون الربوبية، على أن تربة مصر هكذا تولد، ألا ترى إلى ~~فرعون يقول: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] وإلى أشياء أخر لا نطيل ~~ذكرها. # ذكر حال السلطان مسعود، والملكين سلجوقشاه وداود، واستقرار السلطنة ~~بالعراق لمسعود # لما توفي السلطان محمود ابن السلطان محمد، وخطب ببلاد الجبل وأذربيجان ~~لولده الملك داود - على ما ذكرناه - سار الملك داود من همذان في ذي # PageV09P033 # القعدة من سنة خمسين وعشرين [وخمسمائة] إلى زنجان، فأتاه الخبر أن عمه ~~السلطان مسعودا قد سار من جرجان، ووصل إلى تبريز واستولى عليها، فسار الملك ~~داود إليه وحصره بها، وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين ~~[وخمسمائة] ثم اصطلحا. # وتأخر الملك داود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبريز، واجتمعت عليه ~~العساكر، وسار إلى همذان، وأرسل يطلب الخطبة ببغداذ، وكانت رسل الملك داود ~~قد تقدمت في طلب الخطبة، فأجاب المسترشد بالله أن الحكم في الخطبة إلى ~~السلطان سنجر، من أراد خطب له، وأرسل إلى السلطان سنجر أن لا يأذن لأحد في ~~الخطبة ;فإن الخطبة ينبغي أن تكون له وحده، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. # ثم إن السلطان مسعودا كاتب عماد الدين زنكي صاحب الموصل وغيرها يستنجده، ~~ويطلب مساعدته، فوعده النصر، فقويت بذلك نفس مسعود على طلب السلطنة. # ثم إن الملك سلجوقشاه ابن السلطان محمد سار أتابكه قراجة الساقي صاحب ~~فارس وخوزستان، في عسكر كثير إلى بغداذ، فوصل إليها قبل وصول السلطان ~~مسعود، ونزل في دار السلطان، وأكرمه الخليفة واستحلفه لنفسه. # ثم وصل رسول السلطان مسعود يطلب الخطبة، ويتهدد إن منعها، فلم يجب إلى ما ~~طلبه، فسار حتى نزل عباسية الخالص، وبرز عسكر الخليفة وعسكر سلجوقشاه ~~وقراجة الساقي نحو مسعود إلى أن يفرغ ms3885 من حرب أتابك عماد الدين زنكي، وسار ~~يوما وليلة إلى المعشوق، وواقع عماد الدين زنكي فهزمه، وأسر كثيرا من ~~أصحابه، وسار زنكي منهزما إلى تكريت، فعبر فيها دجلة، وكان الدزدار بها ~~حينئذ نجم الدين أيوب، فأقام له المعابر، فلما عبر أمن الطلب، وسار إلى ~~بلاده لإصلاح حاله وحال رجاله، وهذا الفعل من نجم الدين أيوب كان سببا ~~لاتصاله به والمصير # PageV09P034 # في جملته، حتى آل بهم الأمر إلى ملك مصر والشام وغيرهما على ما نذكره. # وأما السلطان مسعود فإنه سار من العباسية إلى الملكية، ووقعت الطلائع ~~بعضها على بعض، ثم لم تزل المناوشة تجري بينه وبين أخيه سلجوقشاه يومين. # وأرسل سلجوقشاه إلى قراجة يستحثه على المبادرة، فعاد سريعا، وعبر دجلة ~~إلى الجانب الشرقي، فلما علم السلطان مسعود بانهزام عماد الدين زنكي رجع ~~إلى ورائه، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الري، وأنه عازم ~~على قصد الخليفة وغيره، وإن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن العراق، ~~ويكون العراق لوكيل الخليفة، فأنا موافق على ذلك. فأعاد الخليفة الجواب ~~يستوقفه. # وترددت الرسل في الصلح، فاصطلحوا على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، ~~وتكون السلطنة لمسعود، ويكون سلجوقشاه ولي عهده، وتحالفوا على ذلك، وعاد ~~السلطان مسعود إلى بغداذ، فنزل بدار السلطان، ونزل سلجوقشاه في دار ~~الشحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى. # ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر # لما توفي السلطان محمود سار سنجر إلى بلاد الجبال ومعه الملك طغرل ابن ~~السلطان محمد، وكان عنده قد لازمه، فوصل إلى الري، ثم سار منها إلى همذان، ~~فوصل الخبر إلى الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود بوصوله إلى همذان، ~~فاستقرت القاعدة بينهما على قتاله، وأن يكون الخليفة معهم، وتجهز الخليفة، ~~فتقدم قراجة الساقي والسلطان مسعود وسلجوقشاه نحو السلطان سنجر، وتأخر ~~المسترشد بالله عن المسير معهم، فأرسل إلى قراجة، وألزمه وقال: # إن الذي تخاف من سنجر آجلا أنا أفعله عاجلا. # فبرز حينئذ وسار على تريث وتوقف إلى أن بلغ إلى خانقين وأقام بها. # وقطعت خطبة سنجر ms3886 من العراق جميعه، ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين # PageV09P035 # زنكي، ودبيس بن صدقة إلى قريب بغداذ، فأما دبيس فإنه ذكر أن السلطان سنجر ~~أقطعه الحلة، وأرسل إلى المسترشد بالله يضرع، ويسأل الرضا عنه، فامتنع من ~~إجابته إلى ذلك. # وأما عماد الدين زنكي فإنه ذكر أن السلطان سنجر قد أعطاه شحنكية بغداذ، ~~فعاد المسترشد بالله إلى بغداذ، وأمر أهلها بالاستعداد للمدافعة عنها، وجند ~~أجنادا جعلهم معهم. # ثم إن السلطان مسعودا وصل إلى دادمرج، فلقيهم طلائع السلطان سنجر في خلق ~~كثير فتأخر السلطان مسعود إلى كرمانشاهان، ونزل السلطان سنجر في أسداباذ في ~~مائة ألف فارس، فسار مسعود وأخوه سلجوقشاه إلى جبلين يقال لهما: كاو، ~~وماهي، فنزلا بينهما، ونزل السلطان سنجر كنكور، فلما سمع بانحرافهم أسرع في ~~طلبهم، فرجعوا إلى ورائهم مسيرة أربعة أيام في يوم وليلة، فالتقى العسكران ~~بعولان، عند الدينور، وكان مسعود يدافع الحرب انتظارا لقدوم المسترشد، فلما ~~نازله السلطان سنجر لم يجد بدا من المصاف، وجعل سنجر على ميمنته طغرل ابن ~~أخيه محمد وقماج وأمير أميران، وعلى ميسرته خوارزم شاه أتسز بن محمد مع جمع ~~من الأمراء، وجعل مسعود على ميمنته قراجة الساقي والأمير قزل، وعلى ميسرته ~~يرنقش بازدار ويوسف جاووش، وغيرهما، وكان قزل قد واطأ سنجر على الانهزام. # ووقعت الحرب وقامت على ساق، وكان يوما مشهودا، فحمل قراجة الساقي على ~~القلب وفيه السلطان سنجر في عشرة آلاف فارس من شجعان العسكر، وبين يديه ~~الفيلة، فلما حمل قراجة على القلب رجع الملك طغرل وخوارزم شاه إلى وراء ~~ظهره، فصار قراجة في الوسط فقاتل إلى أن جرح عدة جراحات، وقتل كثير من ~~أصحابه، وأخذ هو أسيرا وبه جراحات كثيرة، فلما رأى السلطان مسعود ذلك انهزم ~~وسلم من المعركة، وقتل يوسف جاووش، وحسين أزبك، وهما من أكابر الأمراء، ~~وكانت الوقعة ثامن رجب من هذه السنة. # فلما تمت الهزيمة على مسعود نزل سنجر، وأحضر قراجة، فلما حضر قراجة سبه ~~وقال له: # يا مفسد أي شيء ترجو بقتالي؟ قال: # كنت أرجو أن أقتلك وأقيم # PageV09P036 # سلطانا ms3887 أحكم عليه. # فقتله صبرا، وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه فحضر عنده، وكان قد بلغ ~~خونج، فلما رآه قبله وأكرمه وعاتبه على العصيان عليه ومخالفته، وأعاده إلى ~~كنجة، وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد في السلطنة، وخطب له جميع البلاد، ~~وجعل في وزارته أبا القاسم الأنساباذي وزير السلطان محمود، وعاد إلى ~~خراسان، فوصل إلى نيسابور في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين [وخمسمائة] . # وأما المسترشد بالله فكان منه ما نذكره. # ذكر مسير عماد الدين زنكي إلى بغداذ وانهزامه # لما سار المسترشد بالله من بغداذ وبلغه انهزام السلطان مسعود، عزم على ~~العود إلى بغداذ، فأتاه الخبر بوصول عماد الدين زنكي إلى بغداذ، ومعه دبيس ~~بن صدقة، وكان السلطان سنجر قد كاتبهما وأمرهما بقصد العراق والاستيلاء ~~عليه، فلما علم الخليفة بذلك أسرع العود إليها، وعبر إلى الجانب الغربي، ~~وسار فنزل بالعباسية، ونزل عماد الدين بالمنارية من دجيل، والتقيا بحصن ~~البرامكة في السابع والعشرين من رجب، فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة، ~~وبها جمال الدولة إقبال، فانهزموا منه، وحمل نظر الخادم من ميسرة الخليفة ~~على ميمنة عماد الدين ودبيس، وحمل الخليفة بنفسه، واشتد القتال، فانهزم ~~دبيس، وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرقوا عنه فانهزم أيضا، وقتل ~~من العسكر جماعة وأسر جماعة، وبات الخليفة هناك ليلته، وعاد من الغد إلى ~~بغداذ. # PageV09P037 # ذكر حال دبيس بعد الهزيمة # وفيها عاد دبيس بعد انهزامه المذكور يلوذ ببلاد الحلة وتلك النواحي، وجمع ~~جمعا، وكانت تلك الولاية بيد إقبال المسترشدي، فأمد بعسكر من بغداذ، فالتقى ~~هو ودبيس فانهزم دبيس واختفى في أجمة هناك، وبقي ثلاثة لم يطعم شيئا، ولم ~~يقدر على التخلص منها، حتى أخرجه جماس على ظهره. # ثم جمع وقصد واسط، وانضم إليه عسكرها، وبختيار، وشاق، وابن أبي الجبر، لم ~~يزل فيها إلى أن دخلت سنة سبع وعشرين [وخمسمائة] ، فنفذ إليهم يرنقش بازدار ~~وإقبال الخادم المسترشدي في عسكر، فاقتتلوا في الماء والبر، فانهزم ~~الواسطيون ودبيس، وأسر بختيار، وشاق وغيره من الأمراء. # ذكر وفاة تاج الملوك صاحب دمشق ms3888 # في هذه السنة في رجب، توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين، صاحب دمشق، وسبب ~~موته أن الجرح الذي كان به من الباطنية - وقد ذكرناه - اشتد عليه الآن ~~وأضعفه، وأسقط قوته، فتوفي في الحادي والعشرين من رجب، ووصى بالملك بعده ~~لولده شمس الملوك إسماعيل، ووصى بمدينة بعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة ~~محمد. # وكان بوري كثير الجهاد، شجاعا مقداما، سد مسد أبيه وفاق عليه، وكان ~~ممدحا، أكثر الشعراء مدائحه لاسيما ابن الخياط، وملك بعده ابنه شمس الملوك، ~~وقام بتدبير الأمر بين يديه الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق، وهو حاجب ~~أبيه، اعتمد عليه وابتدأ أمره بالرفق بالرعية والإحسان إليهم، فكثر الدعاء ~~له والقصاد عليه. # PageV09P038 # ذكر ملك شمس الملوك حصن اللبوة وحصن راس وحصره بعلبك # في هذه السنة ملك شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق حصن اللبوة وحصن راس. # وسبب ذلك أنهما كانا لأبيه تاج الملوك، وفي كل واحد منهما مستحفظ يحفظه، ~~فلما ملك شمس الملوك بلغه أن أخاه شمس الدولة محمدا صاحب بعلبك قد راسلهما ~~واستمالهما إليه، فسلما الحصنين إليه، وجعل فيهما من الجند ما يكفيهما، فلم ~~يظهر بذلك أثرا بل راسل أخاه بلطف يقبح هذه الحال، ويطلب أن يعيدهما إليه ~~فلم يفعل، فأغضى على ذلك، وتجهز من غير أن يعلم أحدا. # وسار هو وعسكره آخر ذي القعدة، فطلب جهة الشمال، ثم عاد مغربا، فلم يشعر ~~من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم وزحف لوقته، فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ~~ولا غيره، فطلبوا الأمان فبذله لهم، وتسلم الحصن من يومه، وسار من آخر ~~النهار إلى حصن راس، فبغتهم، وجرى الأمر فيه على تلك القضية وتسلمه، وجعل ~~فيهما من يحفظهما. # ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وفيها أخوه شمس الدولة محمد، وقد استعد وجمع في ~~الحصن ما يحتاج إليه من رجال وذخائر، فحصرهم شمس الملوك، وزحف في الفارس ~~والراجل، وقاتله أهل البلد على السور، ثم زحف عدة مرات، فملك البلد بعد ~~قتال شديد وقتلى كثيرة، وبقي الحصن فقاتله وفيه أخوه، ونصب المجانيق، ولازم ~~القتال، فلما ms3889 رأى أخوه شمس الدولة شدة الأمر أرسل يبذل الطاعة، ويسأل أن ~~يقر على ما بيده، وجعله أبوه باسمه، فأجابه إلى مطلوبه، وأقر عليه بعلبك ~~وأعمالها، وتحالفوا، وعاد شمس الملوك إلى دمشق وقد استقامت له الأمور. # PageV09P039 # ذكر الحرب بين السلطان طغرل والملك داود # في هذه السنة في رمضان كانت الحرب بين الملك طغرل، وبين ابن أخيه الملك ~~داود بن محمود، وكان سببها أن السلطان سنجر أجلس الملك طغرل في السلطنة - ~~كما ذكرناه - وعاد إلى خراسان ; لأنه بلغه أن صاحب ما وراء النهر أحمد خان ~~قد عصى عليه، فبادر إلى العود لتلافي ذلك الخرق، فلما عاد إلى خراسان عصى ~~الملك داود على عمه طغرل وخالفه، وجمع العساكر بأذربيجان وبلاد كنجة، وسار ~~إلى همذان، فنزل مستهل رمضان عند قرية يقال لها: وهمان بقرب همذان. # وخرج إليه طغرل، وعبأ كل واحد منهما أصحابه ميمنة وميسرة، وكان على ميمنة ~~السلطان طغرل ابن برسق، وعلى ميسرته قزل، وعلى مقدمته قراسنقر، وكان على ~~ميمنة داود يرنقش الزكوي ولم يقاتل، فلما رأى التركمان ذلك نهبوا خيمه ~~وبركه جميعه، ووقع الخلف في عسكر داود، فلما رأى أتابكه آقسنقر الأحمديلي ~~ذلك ولى هربا، وتبعه الناس في الهزيمة، وقبض طغرل على يرنقش الزكوي وعلى ~~جماعة من الأمراء. # وأما الملك داود فإنه لما انهزم بقي متحيرا إلى أوائل ذي القعدة، فقدم ~~بغداذ ومعه أتابكه آقسنقر الأحمديلي، فأكرمه الخليفة، وأنزله بدار السلطان، ~~وكان الملك مسعود بكنجة، فلما سمع بانهزام الملك داود توجه نحو بغداذ على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض المسترشد بالله على وزيره شرف الدين علي بن طراد ~~الزينبي، واستوزر أنوشروان بن خالد بعد أن امتنع وسأل الإقالة. # PageV09P040 # وفي هذه السنة قتل أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر مستوفي السلطان محمود ~~الملقب بالعزيز بقلعة تكريت، وقد تقدم سبب ذلك سنة خمس وعشرين [وخمسمائة] . # وفي المحرم منها قتل محمد بن محمد بن الحسين أبو الحسين بن أبي يعلى بن ~~الفراء الحنبلي، مولده في شعبان ms3890 سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وسمع الحديث من ~~الخطيب أبي بكر، وابن الحسين بن المهتدي، وغيرهما، وتفقه، قتله أصحابه غيلة ~~وأخذوا ماله. # وفي جمادى الأولى توفي أحمد بن عبيد الله بن كادش أبو العز العكبري، وكان ~~محدثا مكثرا. # وتوفي فيها أبو الفضل عبد الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء، وكان أديبا ~~وله شعر حسن، فمنه ما كتبه إلى جلال الدين بن صدقة الوزير: # أمولانا جلال الدين يا من أذكره بخدمتي القديمه ألم تك قد عزمت على ~~اصطناعي فماذا صد عن تلك العزيمه # PageV09P041 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة] # (527) # ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة # ذكر ملك شمس الملوك بانياس # في هذه السنة، في صفر ملك شمس الملوك صاحب دمشق حصن بانياس من الفرنج. # وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه، وعزموا على نقض الهدنة التي ~~بينهم، فتعرضوا إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت وأخذوها، فشكا ~~التجار إلى شمس الملوك، فراسل في إعادة ما أخذوه، وكرر القول فيه، فلم ~~يردوا شيئا، فحملته الأنفة من هذه الحالة والغيظ على أن جمع عسكره وتأهب، ~~ولا يعلم أحد أين يريد. # ثم سار وسبق خبره أواخر المحرم من هذه السنة، ونزل على بانياس أول صفر، ~~وقاتلها لساعته، وزحف إليها زحفا متتابعا، وكانوا غير متأهبين، وليس فيها ~~من المقاتلة من يقوم بها وقرب من سور المدينة، وترجل بنفسه، وتبعه الناس من ~~الفارس والراجل، ووصلوا إلى السور، فنقبوه ودخلوا البلد عنوة، والتجأ من ~~كان من جند الفرنج إلى الحصن، وتحصنوا به، فقتل من البلد كثير من الفرنج، ~~وأسر كثير، ونهبت الأموال، وقاتل القلعة قتالا شديدا ليلا ونهارا، فملكها ~~رابع صفر # PageV09P042 # بالأمان، وعاد إلى دمشق فوصلها سادسه. # وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا نزوله على بانياس شرعوا يجمعون عسكرا يسيرون ~~به إليه، فأتاهم خبر فتحها، فبطل ما كانوا فيه. # ذكر حرب بين المسلمين والفرنج # في هذه السنة في صفر، سار ملك الفرنج صاحب البيت المقدس في خيالته إلى ~~أطراف أعمال حلب، فتوجه إليه الأمير أسوار النائب بحلب في ms3891 من عنده من ~~العسكر، وانضاف إليه كثير من التركمان، فاقتتلوا عند قنسرين، فقتل من ~~الطائفتين جماعة كثيرة، وانهزم المسلمون إلى حلب، وتردد ملك الفرنج في ~~أعمال حلب، فعاد أسوار، وخرج إليه فيمن معه من العسكر، فوقع على طائفة ~~منهم، فأوقع بهم، وأكثر القتل فيهم والأسر، فعاد من سلم منهزما إلى بلادهم، ~~وانجبر ذلك المصاب بهذا الظفر، ودخل أسوار حلب، ومعه الأسرى ورءوس القتلى، ~~وكان يوما مشهودا. # ثم إن طائفة من الفرنج من الرها قصدوا أعمال حلب للغارة عليها، فسمع بهم ~~أسوار، فخرج إليهم هو والأمير حسان البعلبكي، فأوقعوا بهم، وقتلوهم عن ~~آخرهم في بلد الشمال، وأسروا من لم يقتل، ورجعوا إلى حلب سالمين. # ذكر عود السلطان مسعود إلى السلطنة وانهزام الملك طغرل # قد تقدم ذكر انهزام السلطان مسعود من عمه السلطان سنجر وعوده إلى كنجة، # PageV09P043 # وولاية الملك طغرل السلطنة، وأنه تحارب هو والملك داود ابن أخيه محمود، ~~وانهزام داود ودخوله بغداذ، فلما بلغ السلطان مسعودا انهزام داود وقصده ~~بغداذ، سار هو إلى بغداذ أيضا، فلما قاربها لقيه داود وترجل له، وخدمه، ~~ودخلا بغداذ. # ونزل مسعود بدار السلطنة في صفر من هذه السنة، وخاطب في الخطبة له، فأجيب ~~إلى ذلك، وخطب له ولداود بعده، وخلع عليهما، ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما، ~~ورفع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان، وأن يرسل الخليفة معهما ~~عسكرا، فساروا فلما وصلوا إلى مراغة حمل آقسنقر الأحمديلي مالا كثيرا، ~~وإقامة عظيمة، وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، وانهزم من بها من الأمراء ~~مثل قراسنقر وغيره من بين يديه، وتحصن منه كثير منهم بمدينة أردبيل، فقصدهم ~~وحصرهم بها، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون. # ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل، فلما سمع طغرل بقربه ~~برز إلى لقائه، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم انهزم طغرل، وقصد الري، واستولى ~~السلطان مسعود على همذان في شعبان، ولما استقر مسعود بهمذان قتل آقسنقر ~~الأحمديلي، قتله الباطنية، فقيل إن السلطان مسعودا وضع عليه من قتله. # ثم إن طغرل لما بلغ قم ms3892 عاد إلى أصبهان ودخلها وأراد التحصن بها فسار إليه ~~أخوه مسعود ليحاصره بها، فرأى طغرل أن أهل أصبهان لا يطاوعونه على الحصار، ~~فرحل عنهم إلى بلاد فارس، واستولى مسعود على أصبهان، وفرح أهلها به، وسار ~~من أصبهان نحو فارس يقتص أثر أخيه طغرل، فوصل إلى موضع بقرب البيضاء، ~~فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه معه أربعمائة فارس فأمنه، فخاف طغرل من ~~عسكره أن ينحازوا إلى أخيه، فانهزم من بين يديه، وقصد الري في رمضان، وقتل ~~وزيره أبو القاسم الأنساباذي في الطريق في شوال، قتله غلمان الأمير شيركير ~~الذي سعى في قتله، كما تقدم ذكره. # وسار السلطان مسعود يتبعه، فلحقه بموضع يقال له: ذكراور، فوقع بينهما # PageV09P044 # المصاف هناك، فلما اشتبكت الحرب انهزم الملك طغرل، فوقع عسكره في أرض قد ~~نضب عنها الماء وهي وحل، فأسر منهم جماعة من الأمراء منهم الحاجب تنكر، ~~وابن بغرا، فأطلقهم السلطان مسعود، ولم يقتل في هذا المصاف إلا نفر يسير، ~~ورجع السلطان مسعود إلى همذان. # ذكر حصر المسترشد بالله الموصل # في هذه السنة (527) حصر المسترشد بالله مدينة الموصل في العشرين من شهر ~~رمضان، وسبب ذلك ما تقدم من قصد الشهيد زنكي بغداد على ما ذكرناه قبل، فلما ~~كان الآن قصد جماعة من الأمراء السلجوقية باب المسترشد بالله، وصاروا معه ~~فقوي بهم. # واشتغل السلاطين السلجوقية بالخلف الواقع بينهم، فأرسل الخليفة الشيخ ~~بهاء الدين أبا الفتوح الإسفراييني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها ~~خشونة، وزادها أبو الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض ~~عليه عماد الدين زنكي، وأهانه ولقيه بما يكره، فأرسل المسترشد بالله إلى ~~السلطان مسعود يعرفه الحال الذي جرى من زنكي، ويعلمه أنه على قصد الموصل ~~وحصرها، وتمادت الأيام إلى شعبان، فسار عن بغداد في النصف منه في ثلاثين ~~ألف مقاتل. # فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره، وترك الباقي بها مع ~~نائبه نصير الدين جقر دزدارها والحاكم في دولته وأمرهم بحفظها، ونازلها ~~الخليفة وقاتلها وضيق على من بها، وأما عماد الدين ms3893 فإنه سار إلى سنجار وكان ~~يركب كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر، ومتى ظفر بأحد من العسكر أخذه ونكل ~~به. # وضاقت الأمور بالعسكر أيضا، وتواطأ جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم ~~البلد، فسعي بهم فأخذوا وصلبوا. # PageV09P045 # وبقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر، ولم يظفر منها بشيء، ولا بلغه ~~عمن بها وهن ولا قلة ميرة وقوت، فرحل عنها عائدا إلى بغداد، فقيل: إن نظر ~~الخادم وصل إليه عسكر السلطان، وأبلغه عن السلطان مسعود ما أوجب مسيره، ~~وعوده إلى بغداد، وقيل: بل بلغه أن السلطان مسعودا عزم على قصد العراق فعاد ~~بالجملة، وأنه رحل عنها منحدرا في شبارة في دجلة فوصل إلى بغداد يوم عرفة. # ذكر ملك شمس الملوك مدينة حماة # وفي هذه السنة أيضا في شوال، ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب ~~دمشق مدينة حماة وقلعتها، وهي لأتابك زنكي بن آقسنقر أخذها من تاج الملوك ~~كما ذكرناه. ولما ملك شمس الملوك قلعة بانيس أقام بدمشق إلى شهر رمضان من ~~هذه السنة، وسار منها إلى حماة في العشر الأخير منه. # وسبب طمعه أنه بلغه أن المسترشد بالله يريد [أن] يحصر الموصل فطمع، وكان ~~الوالي بحماة قد سمع الخبر فتحصن واستكثر من الرجال والذخائر، ولم يبق أحد ~~من أصحاب شمس الملوك إلا وأشار عليه بترك قصدها; لقوة صاحبها، فلم يسمع ~~منهم، وسار إليها وحصر المدينة، وقاتل من بها يوم العيد، وزحف إليها من ~~وقته، فتحصنوا منه وقاتلوه، فعاد عنهم ذلك اليوم. # فلما كان الغد بكر إليهم وزحف إلى البلد من جوانبه، فملكه قهرا وعنوة، ~~وطلب من به الأمان فأمنهم وحصر القلعة، ولم تكن في الحصانة والعلو على ما ~~هي عليه اليوم، فإن تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قطع جبلها وعملها ~~هكذا في سنين كثيرة، فلما حصرها عجز الوالي بها عن حفظها فسلمها إليه، ~~فاستولى عليها وعلى ما بها من ذخائر وسلاح وغير ذلك، وسار منها إلى قلعة ~~شيزر وبها صاحبها من بني # PageV09P046 # منقذ، فحصرها ونهب بلدها، فراسله صاحبها، ms3894 وصانعه بمال حمله إليه، فعاد ~~عنه إلى دمشق، فوصل إليها في ذي القعدة من السنة المذكورة. # ذكر هزيمة صاحب طرابلس الفرنجي # وفي هذه السنة عبر إلى الشام جمع كثير من التركمان من بلاد الجزيرة، ~~وأغاروا على بلاد طرابلس، وغنموا وقتلوا كثيرا، فخرج القمص صاحب طرابلس في ~~جموعه، فانزاح التركمان من بين يديه، فتبعهم فعادوا إليه، وقاتلوه فهزموه، ~~وأكثروا القتل في عسكره، ومضى هو ومن سلم معه إلى قلعة بعرين، فتحصنوا ~~فيها، وامتنعوا على التركمان، فحصرهم التركمان فيها. # فلما طال الحصار عليهم نزل صاحب طرابلس، ومعه عشرون فارسا من أعيان ~~أصحابه سرا فنجوا وساروا إلى طرابلس، وترك الباقين في بعرين يحفظونها، فلما ~~وصل إلى طرابلس كاتب جميع الفرنج، فاجتمع عنده منهم خلق كثير، وتوجه بهم ~~نحو التركمان ليرحلهم عن بعرين، فلما سمع التركمان بذلك قصدوهم والتقوهم، ~~وقتل بينهم خلق كثير، وأشرف الفرنج على الهزيمة، فحملوا نفوسهم، ورجعوا على ~~حامية إلى رفنية فتعذر على التركمان اللحاق بهم إلى وسط بلادهم فعادوا ~~عنهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشترى الإسماعيلية بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، ~~وصعدوا إليه، وقاموا بحرب من يجاورهم من المسلمين والفرنج، وكانوا # PageV09P047 # كلهم يكرهون مجاورتهم. # وفيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام فقاتل بعضهم بعضا، ولم تجر لهم بذلك ~~عادة قبل هذه السنة وقتل بينهم جماعة. # وفيها في جمادى الآخرة أغار الأمير أسوار مقدم عسكر زنكي بحلب على ولاية ~~تل باشر فغنم الكثير، فخرج إليه الفرنج في جمع كثير فقاتلوه، فظفر بهم ~~وأكثر القتل فيهم، وكان عدة القتلى نحو ألف قتيل، وعاد سالما. # وفيها - تاسع ربيع الآخر - وثب على شمس الملوك صاحب دمشق بعض مماليك جده ~~طغدكين، فضربه بسيف فلم يعمل فيه شيئا، وتكاثر عليه مماليك شمس الملوك ~~فأخذوه، وقرر ما الذي حمله على ما فعل فقال: أردت إراحة المسلمين من شرك ~~وظلمك، ولم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك، فقتلهم شمس ~~الملوك من غير تحقيق، وقتل معهم أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس، ms3895 ونفروا ~~عنه. # [الوفيات] # وفيها توفي الشيخ أبو الوفاء الفارسي، وكان له جنازة مشهودة حضرها أعيان ~~بغداد. # وفيها - في رجب - توفي القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة بن عبد الله بن ~~مخلد المعروف بابن الرطبي الفقيه الشافعي قاضي الكرخ، وتفقه على أبي إسحاق ~~وأبي # PageV09P048 # نصر بن الصباغ، وسمع الحديث ورواه، وكان قريبا من الخليفة يؤدب أولاده. # وتوفي أبو الحسين بن علي بن عبد الله بن نصر المعروف بابن الزاغوني ~~الفقيه الحنبلي الواعظ، وكان ذا فنون، توفي في المحرم. # وتوفي علي بن يعلى بن عوض بن القاسم الهروي العلوي، كان واعظا، وله ~~بخراسان قبول كثير، وسمع الحديث الكثير، ومحمد بن أحمد بن علي أبو عبد الله ~~العثماني الديباجي، وهو من أولاد محمد بن عبد الله العثماني الديباجي، وهو ~~من أولاد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. # وكان محمد يلقب بالديباج لحسنه، وأصله من مكة، وهو من أهل نابلس، وكان ~~مغاليا في مذهب الأشعري، وكان يعظ. # توفي في صفر. # وفيها توفي أبو فليتة أمير مكة، وولي الإمارة بعده ابنه القاسم. # وفيها توفي العزيز بن هبة الله بن علي الشريف العلوي الحسيني فجأة ~~بنيسابور. # وكان جده نقيب النقباء بخراسان. # وعرض على العزيز هذا نقابة العلويين بنيسابور فامتنع، وعرض عليه وزارة ~~السلطان فامتنع، ولزم الانقطاع والاشتغال بأمر آخرته. # وفيها توفي قاضي قضاة خراسان أبو سعيد محمد بن أحمد بن صاعد، وكان خيرا ~~صالحا. # PageV09P049 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة] # (528) # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة # ذكر ملك شمس الملوك شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج # في هذه السنة في المحرم سار شمس الملوك إسماعيل من دمشق إلى شقيف تيرون ~~وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا، وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي ~~التيم، قد تغلب عليه وامتنع به، فتحاماه المسلمون والفرنج، يحتمي على كل ~~طائفة بالأخرى، فسار شمس الملوك إليه في هذه السنة، وأخذه منه في المحرم، ~~وعظم أخذه على الفرنج ; لأن الضحاك كان لا يتعرض لشيء من بلادهم المجاورة ~~له، ms3896 فخافوا شمس الملوك، فشرعوا في جمع عساكرهم، فلما اجتمعت ساروا إلى بلد ~~حوران، فخربوا أمهات البلد، ونهبوا ما أمكنهم نهبه نهبة عظيمة. # وكان شمس الملوك، لما رآهم يجتمعون جمع هو أيضا، وحشد، وحضر عنده جمع ~~كثير من التركمان وغيرهم، فنزل بإزاء الفرنج، وجرت بينهم مناوشة عدة أيام، ~~ثم إن شمس الملوك نهض ببعض عسكره، وجعل الباقي قبالة الفرنج وهم لا يشعرون، ~~وقصد بلادهم طبرية، والناصرة، وعكا وما يجاورها من البلاد، فنهب وخرب وأحرق ~~وأهلك أكثر البلاد وسبى النساء والذرية، وامتلأت أيدي من معه من الغنائم، ~~واتصل الخبر بالفرنج، فانزعجوا، ورحلوا في الحال لا يلوي أخ على أخيه، ~~وطلبوا بلادهم. # وأما شمس الملوك فإنه عاد إلى عسكره على غير الطريق الذي سلكه الفرنج، # PageV09P050 # فوصل سالما، ووصل الفرنج إلى بلادهم، ورأوها خرابا ففت في أعضادهم ~~وتفرقوا، وراسلوا في تجديد الهدنة فتم ذلك في ذي القعدة للسنة. # ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام الملك مسعود # في هذه السنة عاد الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه ملك بلاد الجبل جميعها، ~~وأجلى عنها أخاه السلطان مسعودا. # وسبب ذلك أن مسعودا لما عاد من حرب أخيه بلغه عصيان داود ابن أخيه ~~السلطان محمود بأذربيجان، فسار إليه، وحصره بقلعة روئين دز، وكان قد تحصن ~~بها، واشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر، ومال إليه بعض الأمراء الذين ~~مع السلطان مسعود، ولم يزل يفتح البلاد، فكثرت عساكره، وقصد مسعودا، فلما ~~قارب قزوين سار مسعود نحوه، فلما تراءى العسكران فارق مسعودا من أمرائه من ~~كان قد استماله طغرل فبقي في قلة من العسكر، فولى منهزما أواخر رمضان. # وأرسل إلى المسترشد بالله في القدوم [إلى] بغداد، فأذن له، وكان نائبه ~~بأصفهان ألبقش السلاحي، ومعه الملك سلجوقشاه، فلما سمع بانهزام مسعود قصد ~~بغداد أيضا، فنزل سلجوقشاه بدار السلطان، فأكرمه الخليفة، وأنفذ إليه عشرة ~~آلاف دينار، ثم قصد مسعود بغداد، وأكثر أصحابه ركاب جمال ;لعدم ما يركبونه، ~~ولقي في طريقه شدة، فأرسل إليه الخليفة الدواب، والخيام، والآلات، وغيرها ~~من الأموال والثياب، فدخل ms3897 الدار السلطانية ببغداد منتصف شوال، وأقام طغرل ~~بهمذان. # ذكر حصر أتابك زنكي آمد، والحرب بينه وبين # داود، وملك زنكي قلعة الصور # في هذه السنة اجتمع أتابك زنكي صاحب الموصل وتمرتاش صاحب ماردين، # PageV09P051 # وقصدا مدينة آمد فحصراها، فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان بن أرتق صاحب ~~حصن كيفا يستنجده، فجمع من أمكنه جمعه، وسار نحو آمد ليرحلهما عنها، ~~فالتقوا على باب آمد، وتصافوا في جمادى الآخرة فانهزم داود، وعاد مفلولا، ~~وقتل جماعة من عسكره. # وأقام زنكي وتمرتاش على آمد محاصرين لها، وقطعا الشجر، وشعثا البلد، ~~وعادا عنها من غير بلوغ غرض، فقصد زنكي قلعة الصور من ديار بكر، وحصرها ~~وضايقها، فملكها في رجب من هذه السنة، واتصل به ضياء الدين أبو سعيد بن ~~الكفرتوثي زنكي، وكان حسن الطريقة، عظيم الرئاسة والكفاية، محبا للخير ~~وأهله. # ذكر ملك زنكي قلاع الأكراد الحميدية # في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، ~~منها قلعة العقر وقلعة شوش، وغيرهما. # وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها ~~وأعمالها، ولم يعترضه على شيء مما هو بيده، فلما حصر المسترشد الموصل حضر ~~عيسى هذا عنده، وجمع الأكراد عنده فأكثر، فلما رحل المسترشد عن الموصل أمر ~~زنكي أن تحصر قلاعهم فحصرت مدة طويلة، وقوتلت قتالا شديدا إلى أن ملكت هذه ~~السنة، فاطمأن إذا أهل سواد الموصل المجاورون لهؤلاء القوم، فإنهم كانوا ~~معهم في ضائقة كبيرة من نهب أموالهم، وخراب البلاد. # ذكر ملك قلاع الهكارية وكواشى # وحكي عن بعض العلماء من الأكراد ممن له معرفة بأحوالهم أن أتابك زنكي لما # PageV09P052 # ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء بن عبد الله صاحب قلعة ~~آشب والجزيرة ونوشى، فأرسل إلى أتابك زنكي من استحلفه له، وحمل إليه مالا، ~~وحضر عند زنكي بالموصل فبقي مدة ثم مات، فدفن بتل توبة. # ولما سار عن آشب إلى الموصل أخرج ولده أحمد بن أبي الهيجاء منها ; خوفا ~~أن يتغلب عليها، وأعطاه قلعة نوشى، وأحمد هذا هو والد علي بن ms3898 أحمد المعروف ~~بالمشطوب، من أكابر أمراء صلاح الدين بن أيوب بالشام. # ولما أخرجه أبوه من آشب استناب بها كرديا يقال له: باو الأرجي، فلما مات ~~أبو الهيجاء سار ولده أحمد بن نوشى إلى آشب ليملكها، فمنعه باو وأراد حفظها ~~لولد صغير لأبي الهيجاء اسمه علي، فسار زنكي بعسكره فنزل على آشب وملكها. # وسبب ملكها أن أهلها نزلوا كلهم إلى القتال، فتركهم زنكي حتى قاربوه، ~~واستجرهم حتى أبعدوا عن القلعة، ثم عطف عليهم فانهزموا، فوضع السيف فيهم، ~~فأكثر القتل والأسر، وملك زنكي القلعة في الحال، وأحضر جماعة من مقدمي ~~الأكراد فيهم باو فقتلهم، وعاد عنها إلى الموصل، ثم سار عنها، ففي غيبته ~~أرسل نصير الدين جقر نائب زنكي، وخرب آشب وخلى كهيجة ونوشى وقلعة الجلاب ~~وهي قلعة العمادية، وأرسل إلى قلعة الشعباني، وفرح، وكوشر، والزعفران، ~~وألقى، ونيروة، وهي حصون المهرانية، فحصرها فملك الجميع، واستقام أمر الجبل ~~والزوزان، وأمنت الرعايا من الأكراد. # وأما باقي قلاع الهكارية جل صور، وهرور، والملاسي، ومابرما، ويابوخا، ~~وباكزا، ونسباس، فإن قراجة صاحب العمادية فتحها من مدة طويلة بعد قتل زنكي، ~~وقراجة هذا كان أميرا قد أقطعه زين الدين علي بلد الهكارية بعد قتل زنكي، ~~ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع ;فلهذا ذكرته هاهنا. # وحكى غير هذا بعض فضلاء الأكراد، وخالف فيه فقال: # إن زنكي لما فتح قلعة آشب وخربها، وبنى قلعة العمادية، ولم يبق في ~~الهكارية إلا صاحب جل صورا، وصاحب هرور، ولم يكن لهما شوكة يخاف منها، عاد ~~إلى الموصل فخافه أصحاب القلاع الجبلية، فاتفق أن عبد الله بن عيسى بن ~~إبراهيم صاحب الربية، وألقى، وفرح، # PageV09P053 # وغيرها توفي، وملكها بعده ولده علي، وكانت والدته خديجة بنت الحسن أخت ~~إبراهيم وعيسى - وهما من الأمراء - مع زنكي، وكانا بالموصل، فأرسلها ولدها ~~علي إلى أخويها، وطلبا له الأمان من زنكي، وحلفاه له ففعل، ونزل إلى خدمة ~~زنكي، وأقره على قلاعه، واشتغل زنكي بفتح قلاع الهكارية، وكان الشعباني بيد ~~أمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر، فأخذه منه، وقربه منه ms3899 لكبره وقلة ~~أعماله. # وكان نصير الدين جقر يكره عليا صاحب الربية، وغيرها، فحسن لزنكي القبض ~~عليه، فأذن له في ذلك، فقبض عليه، ثم ندم زنكي على قبضه فأرسل إلى نصير ~~الدين أن يطلقه فرآه قد مات، قيل إن نصير الدين قتله. # ثم أرسل العسكر إلى قلعة الربية فنازلوها بغتة، فملكوها في ساعة، وأسروا ~~كل من بها من ولد علي وأخواته، وكانت والدة علي خديجة غائبة فلم توجد، فلما ~~سمع زنكي الخبر بفتح الربية سره، وأمر أن تسير العساكر إلى باقي القلاع ~~التي لعلي، فسارت العساكر فحصروها، فرأوها منيعة، فراسلهم زنكي، ووعدهم ~~الإحسان، فأجابوه إلى التسليم على شرط أن يطلق كل من في السجن منهم، فلم ~~يجبهم إلى ذلك إلا أن يسلموا أيضا قلعة كواشى، فمضت خديجة والدة علي إلى ~~صاحب كواشى، واسمه خول وهرون، وهو من المهرانية، فسألته النزول عن كواشى، ~~فأجابها إلى ذلك، وتسلم زنكي القلاع، وأطلق الأسرى، فلم يسمع بمثل هذا، ~~فقال: ينزل من مثل كواشى لقول امرأة فإما أن يكون أعظم الناس مروءة لا يرد ~~من دخل بيته، وإما أن يكون أقل الناس عقلا، واستقامت ولاية الجبال. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أوقع الدانشمند صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام، فقتل ~~كثيرا منهم، وأسر كثيرا، وفيها اصطلح الخليفة وأتابك زنكي، وفيها في ربيع ~~الأول عزل شرف الدين أنوشروان بن خالد عن وزارة # PageV09P054 # الخليفة، وفيها توفيت أم المسترشد بالله، وفيها سير المسترشد عسكرا إلى ~~تكريت فحصروا مجاهد الدين بهروز فصانع عنها بمال فعادوا عنه. # وفيها اجتمع جمع من العساكر السنجرية مع الأمير أرغش، وحصروا قلعة كردكوه ~~بخراسان، وهي للإسماعيلية، وضيقوا على أهلها، وطال حصرها، وعدمت عندهم ~~الأقوات، فأصاب أهلها تشنج، وكزاز، وعجز كثير منهم عن القيام فضلا عن ~~القتال، فلما ظهرت أمارات الفتح رحل الأمير أرغش، فقيل: إنهم حملوا إليه ~~مالا كثيرا، وأعلاقا نفيسة، فرحل عنهم. # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير سليمان بن مهارش العقيلي أمير بني عقيل، وولي الإمارة ~~بعده أولاده مع صغر سنهم، وطيف بهم في بغداد ms3900 رعاية لحق جدهم مهارش، فإنه هو ~~الذي كان الخليفة القائم بأمر الله عنده في الحديثة لما فعل به البساسيري ~~ما ذكرنا. # وفيها في المحرم توفي الفقيه أبو علي الحسن بن إبراهيم بن فرهون الشافعي ~~الفارقي، ومولده بميافارقين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقه بها على أبي ~~عبد الله الكازروني، فلما توفي الكازروني انحدر إلى بغداد، وتفقه على أبي ~~إسحاق الشيرازي، وأبي نصر الصباغ، وولي القضاء بواسط، وكان خيرا فاضلا، لا ~~يواري ولا يحابي أحدا في الحكم. # وفيها توفي عبد [الله] بن محمد بن أحمد بن الحسن أبو محمد بن أبي بكر # PageV09P055 # الفقيه الشافعي، تفقه على أبيه وأفتى وناظر، وكان يعظ، ويكثر في كلامه من ~~التجانس، فمن ذلك قوله: # أين القدود العالية، والخدود الوردية، ملئت بها والله العالية والوردية، ~~وهما مقبرتان بنهر المعلى. # ومن شعره: # الدمع دما يسيل من أجفاني ... إن عشت مع البكا فما أجفاني # سجني شجني وهمني سماني ... العاذل بالملام قد سماني # والذكر لهم يزيد في أشجاني ... والنوح مع الحمام قد أشجاني # ضاقت ببعاد منيتي أعطاني ... والبين يد الهموم قد أعطاني # وفيها توفي ابن أبي الصلت الشاعر، ومن شعره يذم ثقيلا: # لي صديق عجبت كيف ... استطاعت هذه الأرض والجبال تقله # أنا أرعاه مكرما وبقلبي منه ... ما ينسف الجبال أقله # هو مثل المشيب أكره رؤيا ... ه ولكن أصونه وأجله # وله أيضا: # ساد صغار الناس في عصرنا ... لا دام من عصر ولا كانا # كالدست مهما هم أن ينقضي ... صار به البيذق فرزانا # وفيها توفي محمد بن علي بن عبد الوهاب أبو رشيد الفقيه الشافعي، من أهل ~~طبرستان، وسمع الحديث أيضا ورواه، وكان زاهدا عابدا، أقام بجزيرة في البحر ~~سنين منفردا يعبد الله سبحانه وتعالى، وعاد إلى آمل فتوفي فيها وقبره يزار. # PageV09P056 ### | [ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة] # (529) # ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة # ذكر وفاة الملك طغرل، وملك مسعود بلد الجبل # قد ذكرنا قدوم السلطان مسعود إلى بغداد منهزما من أخيه الملك طغرل بن ~~محمد، فلما وصل إلى بغداد أكرمه الخليفة، وحمل ms3901 إليه ما يحتاج إليه مثله، ~~وأمره بالمسير إلى همذان، وجمع العساكر، ومنازعة أخيه طغرل في السلطنة ~~والبلاد، ومسعود يعد ويدافع الأيام، والخليفة يحثه على ذلك، ووعده أن يسير ~~معه بنفسه، وأمر أن تبرز خيامه إلى باب الخليفة. # وكان قد اتصل الأمير البقش السلاحي وغيره من الأمراء بالخليفة، وطلبوا ~~خدمته فاستخدمهم، واتفق معهم. # واتفق أن إنسانا أخذ فوجد معه ملطفات من طغرل إلى هؤلاء الأمراء وخاتمه ~~بالإقطاع لهم، فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه أغلبك، ونهب ~~ماله، فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة فهربوا إلى عسكر السلطان ~~مسعود، فأرسل الخليفة إلى مسعود في إعادتهم إليه فلم يفعل واحتج بأشياء، ~~فعظم ذلك على الخليفة، وحدث بينهما وحشة أوجبت تأخره عن المسير معه، وأرسل ~~إليه يلزمه بالمسير معه أمرا جزما، فبينما الأمر على هذا إذ جاءه الخبر ~~بوفاة أخيه طغرل، وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة، وكان مولده سنة ثلاث ~~وخمسمائة في المحرم، وكان خيرا عاقلا عادلا قريبا إلى الرعية محسنا إليها، ~~وكان قبل موته قد خرج من داره يريد السفر إلى أخيه السلطان مسعود، فدعا له ~~الناس، فقال: # ادعوا بخيرنا للمسلمين. # ولما توفي ووصل الخبر إلى مسعود سار من ساعته نحو همذان، وأقبلت العساكر ~~جميعها إليه، واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، وكان قد خرج في # PageV09P057 # صحبته هو وأهله، ووصل مسعود إلى همذان واستولى عليها، وأطاعته البلاد ~~جميعها وأهلها. # ذكر قتل شمس الملوك، وملك أخيه # في هذه السنة رابع عشر ربيع الآخر، قتل شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك ~~بوري بن طغدكين صاحب دمشق، وسبب قتله أنه ركب طريقا شنيعا من الظلم ~~ومصادرات العمال وغيرهم من أعمال البلد، وبالغ في العقوبات لاستخراج ~~الأموال، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشيء ~~الحقير بالعدوان، إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة، وكرهه أهله وأصحابه ~~ورعيته. # ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي يسلم إليه دمشق، ويحثه على سرعة ~~الوصول، وأخلى المدينة من الذخائر، ms3902 ونقل الجميع إلى صرخد، وتابع الرسل إلى ~~زنكي يحثه على الوصول إليه ويقول له: # إن أهملت المجيء سلمتها إلى الفرنج، فسار زنكي، فظهر الخبر بذلك في دمشق، ~~فامتعض أصحاب أبيه وجده لذلك وأقلقهم، وأنهوا الحال لوالدته فساءها، وأشفقت ~~منه، ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر. # ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه، فلما رأته على ذلك أمرت ~~غلمانها بقتله فقتل، وأمرت بإلقائه في موضع من الدار ليشاهده غلمانه ~~وأصحابه، فلما رأوه قتيلا سروا لمصرعه وبالراحة من شره. # وكان مولده ليلة الخميس سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة، وقيل: كان ~~سبب قتله أن والده كان له حاجب اسمه يوسف بن فيروز، وكان متمكنا منه حاكما ~~في دولته ثم في دولة شمس الملوك بعده، فاتهم بأم شمس الملوك، ووصل الخبر ~~إليه بذلك، فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر وتحصن بها، وأظهر الطاعة لشمس ~~الملوك، فأراد قتل أمه، فبلغها الخبر فقتله خوفا منه، والله أعلم. # PageV09P058 # ولما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري، وجلس في ~~منصبه، وحلف له الناس كلهم، واستقر في الملك، والله أعلم. # ذكر حصر أتابك زنكي دمشق في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق، وكان نزوله ~~عليها أول جمادى الأولى، وسببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبه إليه، ~~واستدعائه ليسلمها إليه، فلما وصلت كتبه، ورسله بذلك سار إليها، فقتل شمس ~~الملوك قبل وصوله، ولما عبر الفرات أرسل رسلا في تقرير قواعد التسليم، ~~فرأوا الأمر قد فات إلا أنهم أكرموا وأحسن إليهم، وأعيدوا بأجمل جواب، وعرف ~~زنكي قتل شمس الملوك، وأن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين، والكلمة متفقة ~~على طاعته، فلم يحفل زنكي بهذا الجواب، وسار إلى دمشق فنازلها، وأجفل أهل ~~السواد إلى دمشق، واجتمعوا فيها على محاربته. # ونزل أولا شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصار، وزحف وقاتل، فرأى قوة ~~ظاهرة، وشجاعة عظيمة، واتفاقا تاما على محاربته، وقام معين الدين أنز مملوك ~~جده طغدكين في هذه الحادثة بدمشق قياما مشهودا، وظهر من معرفته بأمور ~~الحصار ms3903 والقتال وكفايته ما لم ير وما كان سبب تقدمه واستيلائه على الأمور ~~بأسرها، على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # فبينما هو يحاصرها، وصل رسول الخليفة المسترشد بالله، وهو أبو بكر بن بشر ~~الجزري من جزيرة ابن عمر يخلع لأتابك زنكي، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق # PageV09P059 # الملك ألب أرسلان محمود الذي مع أتابك زنكي، فرحل عنها لليلتين بقيتا من ~~جمادى الأولى من السنة المذكورة. # ذكر قتل حسن بن الحافظ # قد ذكرنا سنة ست وعشرين وخمسمائة أن الحافظ لدين الله صاحب مصر استوزر ~~ابنه حسنا، وخطب له بولاية العهد، فبقي إلى هذه السنة، ومات مسموما، وسبب ~~ذلك أن أباه الحافظ - وكان جريئا على سفك الدماء - وكان في نفس الحافظ على ~~الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل حقد، ويريد الانتقام منهم من غير ~~أن يباشر ذلك بنفسه، فأمر ابنه حسنا بذلك، فتغلب على الأمر جميعه واستبد ~~به، ولم يبق لأبيه معه حكم، وقتل من الأمراء المصريين ومن أعيان البلاد ~~أيضا، حتى إنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميرا. # فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادما من خدم القصر الأكابر، فجمع ~~الجموع، وحشد من الرجالة خلقا كثيرا، وتقدم إلى البلد، فأخرج إليهم حسن ~~جماعة من خواصه وأصحابه، فقاتلوهم فانهزم الخادم، وقتل من الرجالة الذين ~~معه خلق كثير. # وعبر الباقون إلى بر الجزيرة، فاستكان الحافظ، فصبر تحت الحجر. # ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا، واتفقوا على قتل حسن، ~~وأرسلوا إلى أبيه الحافظ، وقالوا له: # إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا، فاستدعى ولده إليه ~~واحتاط عليه، وأرسل إلى الأمراء بذلك، فقالوا: لا نرضى إلا بقتله. # فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه، وليس إلى إبقائه سبيل، فأحضر طبيبين ~~كانا له، أحدهما مسلم والآخر يهودي، فقال لليهودي: # نريد سما نسقيه لهذا الولد ليموت ونخلص من هذه الحادثة. فقال: # أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأودية. فقال: # أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة. فقال له: ms3904 # لا أعرف شيئا، فأحضر الطبيب المسلم وسأله عن ذلك، فصنع له شيئا، فسقاه ~~الولد فمات لوقته، فأرسل # PageV09P060 # الحافظ إلى الجند يقول لهم: # إنه قد مات. فقالوا: # نريد [أن] ننظر إليه، فأحضر بعضهم عنده فرأوه، وظنوه قد عمل حيلة، فجرحوا ~~أسافل رجليه فلم يجر منها دم، فعلموا موته، وخرجوا. # ودفن حسن، وأحضر الحافظ الطبيب المسلم، وقال له: # ينبغي أن تخرج من عندنا من القصر، وجميع ما لك من الإنعام والجامكية باق ~~عليك، وأحضر اليهودي وزاده وقال له: أعلم أنك تعرف ما طلبته منك، ولكنك ~~عاقل فتقيم في القصر عندنا. # وكان حسن سيئ السيرة ظالما، جريئا على سفك الدماء وأخذ الأموال، فهجاه ~~الشعراء، فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور: # لم تأت يا حسن بين الورى حسنا ... ولم تر الحق في دنيا ولا دين # قتل النفوس بلا جرم ولا سبب ... والجور في أخذ أموال المساكين # لقد جمعت بلا علم ولا أدب ... تيه الملوك وأخلاق المجانين # وقيل: إن الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم ~~فمات، والله أعلم. # ولما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام، وكان نصرانيا ~~فتحكم، واستعمل الأرمن على الناس، فاستذلوا المسلمين، وسيأتي ذكر ذلك سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة إن شاء الله تعالى. # ذكر مسير المسترشد إلى حرب السلطان مسعود وانهزامه # في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود ~~في شهر رمضان، وسبب ذلك أن السلطان مسعودا لما سافر من بغداد إلى همذان بعد ~~موت أخيه طغرل وملكها - فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم يرنقش بازدار، # PageV09P061 # وقزل آخر، وسنقر الخمارتكين والي همذان، وعبد الرحمن بن طغايرك، وغيرهم، ~~خائفين منه مستوحشين، ومعهم عدد كثير، وانضاف إليهم دبيس بن صدقة. # وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان ليحضروا خدمته، فقيل: إنها مكيدة ~~لأن دبيسا معهم، وساروا نحو خوزستان، واتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل ~~الخليفة إليهم سديد الدولة بن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين ~~بتطييب نفوسهم، والأمر بحضورهم. # وكان الأمراء ms3905 المذكورون قد عزموا على قبض دبيس، والتقرب إلى الخليفة ~~بحمله إليه، فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود. # وسار الأمراء إلى بغداد في رجب، فأكرمهم الخليفة، وحمل إليهم الإقامات ~~والخلع، وقطعت خطب السلطان مسعود من بغداد، وبرز الخليفة في العشرين من رجب ~~على عزم المسير إلى قتال مسعود، وأقام في الشفيعي، فعصى عليه بكبه صاحب ~~البصرة فهرب إليها، فراسله وبذل له الأمان فلم يعد إليه. # وتريث الخليفة عن المسير، وهؤلاء الأمراء يحسنون له الرحيل، ويسهلون عليه ~~الأمر، ويضعفون عنده أمر السلطان مسعود، فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا ~~البلاد وأفسدوا، ولم ينكر عليهم أحد شيئا، ثم سار الخليفة ثامن شعبان، ولحق ~~به في الطريق الأمير برسق بن برسق فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس، وتخلف ~~بالعراق مع إقبال خادم المسترشد بالله ثلاثة آلاف فارس. # وكان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس، وكان أكثر أصحاب ~~الأطراف يكاتبون الخليفة، ويبذلون له الطاعة، فتريث في طريقه، فاستصلح ~~السلطان مسعود أكثرهم حتى صاروا في نحو خمسة عشر ألف فارس، وتسلل جماعة ~~كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف، وأرسل أتابك زنكي نجدة فلم ~~تلحق. # PageV09P062 # وأرسل الملك داود ابن السلطان محمود وهو بأذربيجان إلى الخليفة يشير ~~بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه وعسكره، فلم يفعل المسترشد ذلك، وسار حتى ~~بلغ دايمرج، وعبأ أصحابه، فجعل في الميمنة يرنقش بازدار ونور الدولة سنقر، ~~وقزل آخر، وبرسق بن برسق، وجعل في المسيرة جاولي وبرسق شراب سلار، وأغلبك ~~الذي كان الخليفة قد قبض عليه وأخرجه من محبسه. # ولما بلغ السلطان مسعودا خبرهم سار إليهم مجدا، فواقعهم بدايمرج عاشر ~~رمضان، وانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان مسعود فصارت معه، ~~واقتتلت ميمنته وميسرة السلطان قتالا ضعيفا، ودار به عسكر السلطان وهو ثابت ~~لم يتحرك من مكانه، وانهزم عسكره، وأخذ هو أسيرا، ومعه جمع كثير من أصحابه، ~~منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، وقاضي القضاة، وصاحب المخزن ~~ابن طلحة، وابن الأنباري، والخطباء، والفقهاء، والشهود، وغيرهم، وأنزل ~~الخليفة في خيمة، ms3906 وغنموا ما في معسكره وكان كثيرا، فحمل الوزير، وقاضي ~~القضاة، وابن الأنباري، وصاحب المخزن، وغيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان، ~~وباعوا الباقين بالثمن الطفيف، ولم يقتل في هذه المعركة أحد، وهذا من أعجب ~~ما يحكى. # وعاد السلطان إلى همذان، وأمر فنودي: # من تبعنا إلى همذان من البغداديين قتلناه، فرجع الناس كلهم على أقبح حالة ~~لا يعرفون طريقا، وليس معهم ما يحملهم، وسير السلطان الأمير بك أبه ~~المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عبيد، فقبضوا جميع أملاك ~~الخليفة، وأخذوا غلاتها. # وثار جماعة من عامة بغداد، فكسروا المنبر والشباك، ومنعوا من الخطبة، ~~وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رءوسهم ويبكون ويصيحون، وخرجت النساء ~~حاسرات في الأسواق يلطمن، واقتتل أصحاب الشحنة، وعامة بغداد، فقتل من ~~العامة ما يزيد على مائة وخمسين قتيلا، وهرب الوالي وحاجب الباب. # وأما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن # PageV09P063 # أخيه محمود، وكان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين من مراغة والمسترشد معه، ~~فترددت الرسل بين الخليفة وبين السلطان في الصلح، فاستقرت القاعدة على ما ~~نذكره إن شاء الله، والله الموفق. # ذكر قتل المسترشد بالله وخلافة الراشد بالله # لما قبض المسترشد بالله أبو منصور بن الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس ~~أحمد - على ما ذكرناه - أنزله السلطان مسعود في خيمة، ووكل به من يحفظه، ~~وقام بما يجب من الخدمة، وترددت الرسل بينهما في الصلح وتقرير القواعد على ~~مال يؤديه الخليفة وأن لا يعود يجمع العساكر، وأن لا يخرج من داره، فأجاب ~~السلطان إلى ذلك، وأركب الخليفة، وحمل الغاشية بين يديه، ولم يبق إلا أن ~~يعود إلى بغداد. # فوصل الخبر أن الأمير قران خوان قد قدم رسولا من السلطان سنجر، فتأخر ~~مسير المسترشد لذلك، وخرج الناس والسلطان مسعود إلى لقائه، وفارق الخليفة ~~بعض من كان موكلا به، وكانت خيمته منفردة عن العسكر، فقصده أربعة وعشرون ~~رجلا من الباطنية، ودخلوا عليه فقتلوه، وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ~~ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه، ms3907 وتركوه عريانا، وقتل معه نفر من أصحابه، ~~منهم أبو عبد الله بن سكينة، وكان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على ~~باب مراغة، وبقي حتى دفنه أهل مراغة. # وأما الباطنية فقتل منهم عشرة، وقيل: # بل قتلوا جميعهم، والله أعلم. # وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته سبع عشرة ~~سنة وستة أشهر وعشرين يوما، وأمه أم ولد، وكان شهما شجاعا، كثير الإقدام، ~~بعيد الهمة، وأخباره المذكورة تدل على ما ذكرناه. # وكان فصيحا بليغا حسن الخط، ولقد رأيت خطه في غاية الجودة، ورأيت أجوبته ~~على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه. # PageV09P064 # ولما قتل المسترشد بالله بويع ولده أبو جعفر المنصور، ولقب الراشد بالله، ~~وكان المسترشد قد بايع له بولاية العهد في حياته، وجددت له البيعة بعد قتله ~~يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة، وكتب السلطان مسعود إلى بك أبه ~~الشحنة ببغداد فبايع له، وحضر الناس البيعة، وحضر بيعته أحد وعشرون رجلا من ~~أولاد الخلفاء، وبايع له الشيخ أبو النجيب، ووعظه، وبالغ في الموعظة. وأما ~~جمال الدولة إقبال فإنه كان ببغداد في طائفة من العسكر، فلما جرت هذه ~~الحادثة عبر إلى الجانب الغربي، وأصعد إلى تكريت، وراسل مجاهد الدين بهروز ~~وحلفه، وصعد إليه بالقلعة. # ذكر مسير السلطان سنجر إلى غزنة، وعوده عنها # في هذه السنة في ذي القعدة سار السلطان سنجر من خراسان إلى غزنة، وسبب ~~ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته، وأنه قد مد يده ~~إلى ظلم الرعايا واغتصاب أموالهم. # وكان السلطان سنجر هو الذي ملك غزنة، وقد ذكرناه سنة تسع وخمسمائة، فلما ~~سمع هذه الأخبار المزعجة سار إلى غزنة ليأخذها أو يصلحه، فلما سلك الطريق ~~وأبعد أدركهم شتاء شديد البرد، كثير الثلج، وتعذرت عليهم الأقوات ~~والعلوفات، فشكا العسكر إلى السلطان ذلك، وذكروا له ما هم فيه من الضيق، ~~وتعذر ما يحتاجون إليه، فلم يجدوا عنده غير التقدم أمامه، فلما قارب غزنة ~~أرسل بهرام شاه رسلا يضرع إلى سنجر، ويسأل ms3908 الصفح عن جرمه، والعفو عن ذنبه، ~~فأرسل إليه سنجر المقرب جوهرا الخادم - وهو أكبر أمير عنده، ومن جملة ~~أقطاعه مدينة الري - في جواب رسالته يجيبه عن العفو عنه إن حضر عنده، وعاد ~~إلى طاعته، فلما وصل إلى بهرام شاه أجابه إلى ما طلب منه من الطاعة، وحمل ~~المال والحضور بنفسه في خدمته، وأظهر من # PageV09P065 # الطاعة والانقياد لما يحكم به السلطان سنجر شيئا كثيرا. # وعاد المقرب جوهر ومعه بهرام شاه إلى سنجر، فسبقه المقرب إلى السلطان ~~سنجر، وأعلمه بوصول بهرام شاه، وأنه بكرة غد يكون عنده، وعاد المقرب إلى ~~بهرام شاه ليجيء بين يديه، وركب سنجر من الغد في موكبه لتلقيه، وتقدم بهرام ~~شاه ومعه المقرب إلى سنجر، فلما عاين موكب سنجر والجتر على رأسه نكص على ~~عقبيه عائدا، فأمسك المقرب عنانه، وقبح فعله، وخوفه عاقبة ذلك، فلم يرجع، ~~وولى هاربا، ولم يصدق بنجاته ظنا منه أن سنجر يأخذه، ويملك بلده، وتبعه ~~طائفة من أصحابه وخواصه، ولم يعرج على غزنة، وسار سنجر إلى غزنة فدخلها، ~~وملكها، واحتوى على ما فيها، وجبى أموالها، وكتب إلى بهرام شاه كتابا يلومه ~~على ما فعله، ويحلف له أنه ما أراد به سوءا، ولا له في بلده مطمع، ولا هو ~~ممن يكدر صنيعته، وتعقب حسنته معه بسيئة، وإنما قصده لإصلاحه، فأعاد بهرام ~~شاه الجواب يعتذر ويتنصل، ويقول: إن الخوف منعه من الحضور، ولا لوم على من ~~خاف مثل السلطان، ويضرع في عوده إلى الإحسان، فأجابه سنجر إلى إعادة بلده ~~إليه، وفارق غزنة عائدا إلى بلاده، فوصل إلى بلخ في شوال سنة ثلاثين ~~وخمسمائة، واستقر ملك غزنة لبهرام شاه، ورجع إليها مالكا لها ومستوليا ~~عليها. # ذكر قتل دبيس بن صدقة بالتاريخ # في هذه السنة قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقه بظاهر خونج، ~~أمر غلاما أرمينيا بقتله، فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه، فضرب رقبته ~~وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه، وكثر ~~جمعه، واستأمن إليه الأمير قتلغ تكين، ms3909 وأمر السلطان مسعود بك أبه أن يأخذ ~~الحلة، فسار بعض عسكره إلى المدائن، وأقاموا مدة ينتظرون لحاق بك أبه بهم ~~فلم يسر إليهم جبنا وعجزا عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع صدقة. # وبقي صدقة بالحلة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين ~~وخمسمائة فقصده # PageV09P066 # وأصلح حاله معه، ولزم خدمته. # ومثل هذه الحادثة تقع كثيرا، وهي قرب موت المتعاديين، فإن دبيسا كان ~~يعادي المسترشد بالله ويكره خلافته، ولم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا ~~يبقون عليه ليجعلوه عدة لمقاومة المسترشد، فلما زال السبب زال المسبب، ~~والله أعلم بذلك. # ذكر حصر عسكر يحيى المهدية # في هذه السنة سير يحيى بن العزيز بن حماد صاحب بجاية عسكرا ليحصروا ~~المهدية، وبها صاحبها الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس، وكان سبب ~~ذلك أن الحسن أحب ميمون بن زياد أمير طائفة كبيرة من العرب، وزاده على سائر ~~العرب، فحسده العرب، فسار أمراؤها إلى يحيى بن العزيز بأولادهم، وجعلوهم ~~رهائن عنده، وطلبوا منه أن يرسل معهم عسكرا ليملكوا له المهدية، فأجابهم ~~إلى ذلك وهو متباطئ. فاتفق أنه وصله كتب من بعض مشايخ المهدية بمثل ذلك، ~~فوثق بما أتاه، وسير عسكرا كثيفا عليهم، وقائدا كبيرا من فقهاء أصحابه يقال ~~له: مطرف بن حمدون. # وكان يحيى هذا هو وآباؤه يحسدون أولاد المنصور أبي الحسن هذا، فسارت ~~العساكر الفارس والراجل، ومعهم من العرب جمع كثير حتى نزلوا على المهدية ~~وحصروها برا وبحرا. # وكان مطرف يظهر التقشف والتورع عن الدماء، وقال: إنما أتيت الآن لأتسلم ~~البلد بغير قتال، فخاب ظنه، فبقي أياما لا يقاتل، ثم إنهم باشروا القتال ~~فظهر أهل المهدية عليهم وأثروا فيهم، وتوالى القتال، وفي كل ذلك الظفر لأهل ~~البلد، وقتل من الخارجين جم غفير. # وجمع مطرف عسكره وزحف برا وبحرا لما يئس من التسليم، وقاتل أشد قتال، ~~فملكت شوانيه شاطئ البحر، وقربوا من السور، فاشتد الأمر فأمر الحسن بفتح ~~الباب من الشاطئ، وخرج أول الناس، وحمل هو ومن معه عليهم وقال: ms3910 # أنا الحسن! فلما سمع من يقاتله دعواه سلموا عليه، وانهزموا عنه إجلالا ~~له، ثم أخرج الحسن # PageV09P067 # شوانيه تلك الساعة من الميناء، فأخذ من تلك الشواني أربع قطع، وهزم ~~الباقي. # ثم وصلته نجدة من رجار الفرنجي صاحب صقلية في البحر في عشرين قطعة، فحصرت ~~شواني صاحب بجاية، فأمرهم الحسن بإطلاقها فأطلقوها، ثم وصل ميمون بن زياد ~~في جمع كثير من العرب لنصرة الحسن، فلما رأى ذلك مطرف، وأن النجدات تأتي ~~الحسن في البر والبحر علم أنه لا طاقة له بهم، فرحل عن المهدية خائبا، ~~وأقام رجار الفرنجي مظهرا للحسن أنه مهادنه وموافقه، وهو مع ذلك يعمر ~~الشواني ويكثر عددها. # ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة # كانت جزيرة جربة من بلاد إفريقية قد استوت في كثرة عمارتها وخيراتها، غير ~~أن أهلها طغوا فلا يدخلون تحت طاعة سلطان، ويعرفون بالفساد وقطع الطريق، ~~فخرج إليها جمع من الفرنج أهل صقلية في أسطول كثير وجم غفير، فيه من مشهوري ~~فرسان الفرنج جماعة، فنزلوا بساحتها وأداروا المراكب بجهاتها. # واجتمع أهلها، وقاتلوا قتالا شديدا، فوقع بين الفريقين حرب شديدة، فثبت ~~أهل جربة، فقتل منهم بشر كثير، فانهزموا وملك الفرنج الجزيرة، وغنموا ~~أموالها وسبوا نساءها وأطفالها، وهلك أكثر رجالها، ومن بقي منهم أخذوا ~~لأنفسهم أمانا من رجار ملك صقلية، وافتكوا أسراهم وسبيهم وحريمهم، والله ~~أعلم بذلك. # ذكر ملك الفرنج حصن روطة من بلاد الأندلس # في هذه السنة اصطلح المستنصر بالله بن هود والسليطين الفرنجي صاحب طليطلة ~~من بلاد الأندلس مدة عشر سنين. # وكان السليطين قد أدمن غزو بلاد المستنصر وقتاله حتى ضعف المستنصر عن ~~مقاومته لقلة جنوده وكثرة الفرنج، فرأى أن يصالحه مدة يستريح فيها هو ~~وجنوده، ويعتدون للمعاودة، فترددت الرسل بينهم، فاستقر # PageV09P068 # الصلح على أن يسلم المستنصر إلى السليطين حصن روطة من الأندلس، وهو من ~~أمنع الحصون وأعظمها، فاستقرت القاعدة واصطلحوا، وتسلم منه الفرنج الحصن، ~~وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد. # ذكر حصر ابن ردمير مدينة أفراغة وهزيمته وموته # وفي هذه السنة حصر ابن ردمير الفرنجي ms3911 مدينة أفراغة من شرق الأندلس. # وكان الأمير يوسف بن تاشفين بن علي بن يوسف بمدينة قرطبة، فجهز الزبير بن ~~عمرو اللمتوني والي قرطبة ومعه ألفا فارس، وسير معه ميرة كثيرة إلى أفراغة. # وكان يحيى بن غانية الأمير المشهور أمير مرسية وبلنسية من شرق الأندلس، ~~ووالي أمرها لأمير المسلمين علي بن يوسف، فتجهز في خمسمائة فارس، وكان عبد ~~الله بن عياض صاحب مدينة لاردة، فتجهز في مائتي فارس، فاجتمعوا وحملوا ~~الميرة، وساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة، وجعل الزبير الميرة أمامه ~~وابن غانية أمام الميرة، وابن عياض أمام ابن غانية، وكان شجاعا بطلا، وكذلك ~~جميع من معه. # وكان ابن ردمير في اثني عشر ألف فارس، فاحتقر جميع الواصلين من المسلمين، ~~فقال لأصحابه: # اخرجوا وخذوا هذه الهدية التي أرسلها المسلمون إليكم، وأدركه العجب، ونفذ ~~قطعة كبيرة من جيشه. فلما قربوا من المسلمين حمل عليهم ابن عياض وكسرهم، ~~ورد بعضهم على بعض، وقتل فيهم، والتحم القتال، وجاء ابن ردمير بنفسه ~~وعساكره جميعها مدلين بكثرتهم وشجاعتهم، فحمل ابن غانية وابن عياض في ~~صدورهم، واستحر الأمر بينهم، وعظم القتال، فكثر القتل في الفرنج، وخرج في ~~الحال أهل أفراغة ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، إلى خيام الفرنج فاشتغل ~~الرجال بقتل من وجدوا في المخيم، واشتغل النساء بالنهب، فحمل جميع ما في ~~المخيم إلى المدينة من قوت، وعدد، وآلات، وسلاح، وغير ذلك. # وبينما المسلمون والفرنج في القتال إذ وصل إليهم الزبير في عسكره فانهزم ~~ابن ردمير وولى هاربا، واستولى القتل على جميع عسكره فلم يسلم منهم إلا ~~القليل، ولحق ابن ردمير بمدينة سرقسطة، فلما رأى ما قتل من أصحابه مات ~~مفجوعا بعد # PageV09P069 # عشرين يوما من الهزيمة، وكان أشد ملوك الفرنج بأسا، وأكثرهم تجردا لحرب ~~المسلمين، وأعظمهم صبرا، كان ينام على طارقته بغير وطاء، وقيل له: # هلا تسريت من بنات أكابر المسلمين اللاتي سبيت؟ فقال: # الرجل المحارب ينبغي أن يعاشر الرجال لا النساء، وأراح الله منه، وكفى ~~المسلمين شره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في شوال، زلزلت الأرض ms3912 بالعراق والموصل وبلاد الجبل وغيرها، ~~وكانت الزلزلة شديدة، وهلك فيها كثير من الناس، والله أعلم. # PageV09P070 ### | [ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة] ### | 530 - # ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة # ذكر الحرب بين عسكر الراشد وعسكر السلطان مسعود # في المحرم من هذه السنة وصل يرنقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب ~~الخليفة بما كان قد استقر على المسترشد من المال، وهو أربعمائة ألف دينار، ~~فذكر أنه لا شيء عنده، وأن المال جميعه كان مع المسترشد بالله، فنهب في ~~الهزيمة المذكورة. # ثم بلغ الراشد بالله أن يرنقش يريد الهجوم على دار الخلافة وتفتيشها لأخذ ~~المال، فجمع العساكر لمنع داره، وأمر عليهم كج أبه، وأعاد عمارة السور. # فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو وبك أبه شحنة بغداد، وهو من أمراء السلطان - ~~على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة، فبلغ ذلك الراشد بالله فاستعد ~~لمنعهم، وركب يرنقش ومعه العسكر السلطاني، والأمراء البكجية، ومحمد بن عكر ~~في نحو خمسة آلاف فارس، ولقيهم عسكر الخليفة ومتقدمهم كج أبه، واقتتلوا ~~قتالا شديدا، وساعد العامة عسكر الخليفة على قتال العسكر السلطاني حتى ~~أخرجهم إلى دار السلطان، فلما جنهم الليل ساروا إلى طريق خراسان، ثم انحدر ~~بك أبه إلى واسط، وسار يرنقش إلى البندنيجين، ونهب أهل بغداد دار السلطان. # ذكر اجتماع أصحاب الأطراف على حرب مسعود ببغداد وخروجهم عن طاعته # في هذه السنة اجتمع كثير من الأمراء وأصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة # PageV09P071 # السلطان مسعود، فسار الملك داود ابن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى ~~بغداد، فوصلها رابع صفر، ونزل بدار السلطان، ووصل أتابك عماد الدين زنكي ~~بعده من الموصل، ووصل يرنقش بازدار صاحب قزوين وغيرها، والبقش الكبير صاحب ~~أصفهان، وصدقة بن دبيس صاحب الحلة، ومعه عنتر بن أبي العسكر الجاواني ~~يدبره، ويتمم نقص صباه، وابن برسق، وابن الأحمديلي، وخرج إليهم من عسكر ~~بغداد كج أبه، والطرنطاي وغيرهما، وجعل الملك داود في شحنكية بغداد يرنقش ~~بازدار، وقبض الخليفة الراشد بالله على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن بن ~~جهير أستاذ الدار، ms3913 وهو كان السبب في ولايته، وعلى جمال الدولة إقبال ~~المسترشدي، وكان قد قدم إليه من تكريت، وعلى غيرهما من أعيان دولته، فتغيرت ~~نيات أصحابه عليه وخافوه. # فأما جمال الدولة فإن أتابك زنكي شفع فيه شفاعة تحتها إلزام، فأطلق وصار ~~إليه ونزل عنده. # وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضا بن صدقة إلى عماد الدين ~~لتهنئته بالقدوم، فأقام الوزير عنده، وسأله أن يمنعه من الخليفة فأجابه إلى ~~ذلك، وعاد الموكب بغير وزير، وأرسل زنكي من حرس دار الوزير من النهب، ثم ~~أصلح حاله مع الخليفة، وأعاده إلى وزارته. # وكذلك أيضا عبر عليه قاضي القضاة الزينبي، وسار معه إلى الموصل، ثم إن ~~الخليفة جد في عمارة السور، فأرسل الملك داود من قلع أبوابه، وأخرب قطعة ~~منه، فانزعج الناس ببغداد، ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، وقطعت خطبة ~~السلطان مسعود، وخطب للملك داود، وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود ~~وعماد الدين زنكي، وأرسل الخليفة إلى أتابك زنكي ثلاثين ألف دينار لينفقها. # ووصل الملك سلجوقشاه إلى واسط فدخلها، وقبض على الأمير بك أبه، ونهب # PageV09P072 # ماله، وانحدر أتابك زنكي إليه لدفعه عنها، واصطلحا، وعاد زنكي إلى بغداد، ~~وعبر إلى طريق خراسان، وحث على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود. # وسار الملك داود نحو طريق خراسان أيضا، فنهب العسكر البلاد وأفسدوا، ~~ووصلت الأخبار بمسير السلطان مسعود إلى بغداد لقتال الملك، وفارق الملك ~~داود وأتابك زنكي، فعاد أتابك زنكي إلى بغداد، وفارق الملك داود، وأظهر له ~~أن يمضي إلى مراغة إذا فارق السلطان مسعود همذان، فبرز الراشد بالله إلى ~~ظاهر بغداد أول رمضان، وسار إلى طريق خراسان، ثم عاد بعد ثلاثة أيام، ونزل ~~عند جامع السلطان، ثم دخل إلى بغداد خامس رمضان، وأرسل إلى داود وسائر ~~الأمراء يأمرهم بالعود إلى بغداد، فعادوا ونزلوا في الخيام، وعزموا على ~~قتال السلطان مسعود من داخل سور بغداد. # ووصلت رسل السلطان مسعود يبذل من نفسه الطاعة والموافقة للخليفة، ~~والتهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة عليهم فكلهم رأى قتاله، ~~فقال الخليفة: ms3914 # وأنا أيضا معكم (على ذلك) . # ذكر ملك شهاب الدين حمص # في هذه السنة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، تسلم شهاب الدين محمود ~~صاحب دمشق مدينة حمص وقلعتها. # وسبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير خيرخان بن قراجا، والوالي بها من ~~قبلهم، ضجروا من كثرة تعرض عسكر عماد الدين زنكي إليها وإلى أعمالها، ~~وتضييقهم على من بها من جندي وعامي، فراسلوا شهاب الدين في أن يسلموها إليه ~~ويعطيهم عوضا عنها تدمر، فأجابهم إلى ذلك وسار إليها، وتسلمها منهم في ~~التاريخ المذكور، وسلم إليها تدمر، وأقطع حمص مملوك جده معين الدين أنز، ~~وجعل فيها نائبا عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه وعاد منها إلى دمشق. # فلما رأى عسكر زنكي الذين بحلب وحماة خروج حمص عن أيديهم تابعوا # PageV09P073 # الغارات إلى بلدها، والنهب له، والاستيلاء على كثير منه، فجرى بينهم عدة ~~وقائع، وأرسل شهاب الدين إلى زنكي في المعنى، واستقر الصلح بينهم، وكف كل ~~منهم عن صاحبه. # ذكر الفتنة بدمشق # في هذه السنة وقعت الفتنة بدمشق بين صاحبها والجند. # وسبب ذلك أن الحاجب يوسف بن فيروز كان أكبر حاجب عند أبيه وجده، ثم إنه ~~خاف أخاه شمس الملوك وهرب منه إلى تدمر، فلما كانت هذه السنة سأل أن يحضر ~~إلى دمشق، وكان يخاف جماعة المماليك؛ لأنه كان أساء إليهم وعاملهم أقبح ~~معاملة، فكلهم عليه حنق، لا سيما في الحادثة التي خرج فيها شمس الملوك وقد ~~تقدمت، فإنه أشار بقتل جماعة أبرياء وبقتل سونج بن تاج الملوك، فصاروا كلهم ~~أعداء مبغضين. # فلما طلب الآن الحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك. # فأنكر جماعة الأمراء والمماليك قربه، وخافوه أن يفعل بهم مثل فعله الأول، ~~فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم واستحلفهم، وشرط على نفسه أنه لا يتولى من ~~الأمور شيئا. # ثم إنه جعل يدخل نفسه في كثير من الأمور، فاتفق أعداؤه على قتله، فبينما ~~هو يسير مع شمس الملوك في الميدان، وإلى جانبه أمير اسمه بزاوش يحادثه، إذ ~~ضربه بزاوش بالسيف فقتله، فحمل ودفن عند ms3915 تربة والده بالعقيبة. # ثم إن بزاوش والمماليك خافوا شمس الملوك، فلم يدخلوا البلد، ونزلوا ~~بظاهره، وأرسلوا يطلبون قواعد استطالوا فيها، فأجابهم إلى البعض، فلم ~~يقبلوا منه، ثم ساروا إلى بعلبك وبها شمس الدولة محمد بن تاج الملوك ~~صاحبها، فصاروا معه، فالتحق بهم كثير من التركمان وغيرهم، وشرعوا في العيث ~~والفساد، واقتضت الحال مراسلتهم وملاطفتهم وإجابتهم إلى ما طلبوا، واستقرت ~~الحال على ذلك، وحلف كل منهم لصاحبه، فعادوا إلى ظاهر دمشق ولم يدخلوا ~~البلد. # PageV09P074 # وخرج شهاب الدين صاحب دمشق إليهم، واجتمع بهم، وتجددت الأيمان، وصار ~~بزاوش مقدم العسكر، وإليه الحل والعقد، وذلك في شعبان، وزال الخلف ودخلوا ~~البلد، والله أعلم. # ذكر غزاة العسكر الأتابكي لبلاد الفرنج # في هذه السنة في شعبان، اجتمعت عساكر أتابك زنكي صاحب حلب وحماة مع ~~الأمير أسوار نائبه بحلب، وقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، وقصدوا ~~أعمال اللاذقية بغتة، ولم يتمكن أهلها من الانتقال عنها والاحتراز، فنهبوا ~~منها ما يزيد عن الوصف، وقتلوا وأسروا، وفعلوا في بلد الفرنج ما لم يفعله ~~بهم غيرهم. # وكان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، ومائة ألف رأس من ~~الدواب ما بين فرس وبغل وحمار وبقر وغنم، وأما ما سوى ذلك من الأقمشة ~~والعين، والحلي فيخرج عن الحد، وأخربوا بلد اللاذقية وما جاورها، ولم يسلم ~~منها إلا القليل، وخرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين منتصف رجب، ~~فامتلأ الشام من الأسارى والدواب (وفرح المسلمون بذلك فرحا عظيما) ولم يقدر ~~الفرنج على شيء يفعلونه مقابل هذه الحادثة عجزا ووهنا. # ذكر وصول السلطان مسعود إلى العراق، وتفرق أصحاب الأطراف، ومسير الراشد ~~بالله إلى الموصل، وخلعه # لما بلغ السلطان مسعودا اجتماع الملوك والأمراء ببغداد على خلافه # PageV09P075 # والخطبة للملك داود ابن أخيه السلطان محمود، جمع العساكر، وسار إلى ~~بغداد، فنزل بالمالكية، فسار بعض العسكر حتى شارفوا عسكره وطاردوهم، وكان ~~في الجماعة زين الدين علي أمير من أمراء الأتابك زنكي ثم عادوا، ووصل ~~السلطان فنزل على بغداد وحصرها وجميع العساكر فيها. # وثار ms3916 العيارون ببغداد وسائر محالها، وأفسدوا، ونهبوا، وقتلوا، حتى إنه ~~وصل صاحب لأتابك زنكي ومعه كتب، فخرجوا عليه، وأخذوها منه، وقتلوه، فحضر ~~جماعة من أهل المحال عند الأتابك زنكي، وأشاروا عليه بنهب المحال الغربية، ~~فليس فيها غير عيار ومفسد، فامتنع من ذلك، ثم أرسل بنهب الحريم الطاهري، ~~فأخذ منه من الأموال الشيء الكثير، وسبب ذلك أن العيارين [كثروا] فيه ~~وأخذوا أموال الناس. # ونهبت العساكر غير الحريم من المحال، وحصرهم السلطان نيفا وخمسين يوما ~~فلم يظفر بهم، فعاد إلى النهروان عازما على العود إلى همذان، فوصله طرنطاي ~~صاحب واسط ومعه سفن كثيرة، فعاد إليها، وعبر فيها إلى غربي دجلة، وأراد ~~العسكر البغدادي منعه، فسبقهم إلى العبور، واختلفت كلمتهم، فعاد الملك داود ~~إلى بلاده في ذي القعدة، وتفرق الأمراء. # وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد بالله، ~~وسار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه، فلما سمع السلطان مسعود ~~بمفارقة الخليفة وزنكي بغداد سار إليها واستقر بها، ومنع أصحابه من الأذى ~~والنهب. # وكان وصوله منتصف ذي القعدة، فسكن الناس واطمأنوا بعد الخوف الشديد، وأمر ~~فجمع القضاة والشهود والفقهاء، وعرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد ~~بالله لمسعود، وفيها بخط يده: # إني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف، فقد خلعت ~~نفسي من الأمر، فأفتوا بخروجه من الخلافة، وقيل غير ذلك، (وسنذكره في خلافة ~~المقتفي لأمر الله) . # وكان الوزير شرف الدين علي بن طراد، وصاحب المخزن كمال الدين # PageV09P076 # بن البقشلامي، وابن الأنباري قد حضروا مع السلطان لأنهم كانوا عنده مذ ~~أسرهم مع المسترشد بالله، فقدحوا في الراشد، ووافقهم على ذلك جميع أصحاب ~~المناصب ببغداد، واتفقوا على ذمه، فتقدم السلطان بخلعه وإقامة من يصلح ~~للخلافة، فخلع وقطعت خطبته في بغداد في ذي القعدة وسائر البلاد. # وكانت خلافته أحد عشر شهرا، وأحد عشر يوما، وقتله الباطنية على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. # ذكر خلافة المقتفي لأمر الله لما قطعت خطبة الراشد بالله استشار السلطان ~~جماعة من أعيان ms3917 بغداد منهم الوزير علي بن طراد، وصاحب المخزن، وغيرهما - ~~فيمن يصلح أن يلي الخلافة. فقال الوزير: # أحد عمومة الراشد، وهو رجل صالح. قال: # من هو، قال: # من لا أقدر أن أفصح باسمه؛ لئلا يقتل، فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع ~~الراشد، فعملوا محضرا ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال، وأشياء تقدح في ~~الإمامة، ثم كتبوا فتوى: # ما يقول العلماء فيمن هذه صفته، هل يصلح للإمامة أم لا؟ فأفتوا أن من هذه ~~صفته لا يصلح أن يكون إماما. # فلما فرغوا من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر بن الكرخي، فشهدوا عنده بذلك، ~~فحكم بفسقه وخلعه، وحكم بعده غيره، ولم يكن قاضي القضاة حاضرا ليحكم؛ فإنه ~~كان عند أتابك زنكي بالموصل. # ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله الحسين، وقيل: محمد بن ~~المستظهر بالله - ودينه، وعقله، وعفته، ولين جانبه، فحضر السلطان دار ~~الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي، وصاحب المخزن ابن البقشلامي، ~~وغيرهما، وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي يسكن ~~فيه، فأحضر، وأجلس في المثمنة، ودخل السلطان إليه والوزير شرف الدين، ~~وتحالفا، وقرر الوزير القواعد بينهما، وخرج السلطان من عنده، وحضر الأمراء ~~وأرباب المناصب، والقضاء، والفقهاء، وبايعوا ثامن عشر ذي الحجة، ولقب ~~المقتفي لأمر الله. # PageV09P077 # قيل: سبب اللقب أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يلي الخلافة ~~بستة أيام وهو يقول له: # إن هذا الأمر يصير إليك، فاقتف بي. فلقب بذلك. # ولما استخلف سيرت الكتب الحكمية بخلافته إلى سائر الأمصار، واستوزر شرف ~~الدين علي بن طراد الزينبي فأرسل إلى الموصل، وأحضر قاضي القضاة أبا القاسم ~~علي بن الحسين الزينبي عم الوزير، وأعاده إلى منصبه، وقرر كمال الدين حمزة ~~بن طلحة على منصبه صاحب المخزن، وجرت الأمور على أحسن نظام. # وبلغني أن السلطان مسعودا أرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله في تقرير ~~إقطاع يكون لخاصته، فكان جوابه: # إن في الدار ثمانين بغلا تنقل الماء من دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج ~~إليه من شرب ms3918 هذا الماء ويقوم به، فتقررت القاعدة على أن يجعل له ما كان ~~للمستظهر بالله، فأجاب إلى ذلك. # وقال السلطان لما بلغه قوله: # لقد جعلنا في الخلافة رجلا عظيما نسأل. # والمقتفي عم الراشد هو والمسترشد ابنا المستظهر، وليا الخلافة، وكذلك ~~السفاح والمنصور أخوان، وكذلك المهدي والرشيد أخوان، وكذلك الواثق والمتوكل ~~أخوان، وأما ثلاثة إخوة ولوا الخلافة فالأمين والمأمون والمعتصم أولاد ~~الرشيد، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع ~~بنو المقتدر، وأما أربعة إخوة ولوها فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد ~~الملك بن مروان لا يعرف غيرهم. # وحين استقرت الخلافة للمقتفي أرسل إليه الراشد بالله رسولا من الموصل مع ~~رسول أتابك زنكي، فأما رسول الراشد فلم تسمع رسالته، وأما رسول أتابك زنكي # PageV09P078 # فكان كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، فأحضر في الديوان، وسمعت ~~رسالته، وحكى لي والدي عنه قال: # لما حضرت الديوان قيل لي: # تبايع أمير المؤمنين؟ فقلت: # أمير المؤمنين عندنا في الموصل وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة. # وطال الكلام، وعدت إلى منزلي. # فلما كان الليل جاءتني امرأة عجوز سرا واجتمعت بي، وأبلغتني رسالة عن ~~المقتفي لأمر الله مضمونها عتابي على ما قلته واستنزالي عنه. فقلت: # غدا أخدم خدمة يظهر أثرها. # فلما كان الغد أحضرت الديوان، وقيل لي في معنى البيعة، فقلت: # أنا رجل فقيه قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع ~~المتقدم. # فأحضروا الشهود، وشهدوا عندي في الديوان بما أوجب خلعه، فقلت: # هذا ثابت لا كلام فيه، ولكن لا بد لنا في هذه الدعوة من نصيب؛ لأن أمير ~~المؤمنين قد حصل له خلافة الله في أرضه والسلطان، فقد استراح ممن كان ~~يقصده، ونحن بأي شيء نعود؟ فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر أن يعطى أتابك ~~زنكي صريفين، ودرب هرون، وحربى ملكا، وهي من خاص الخليفة، ويزاد في ألقابه، ~~وقال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب في ~~خاص الخليفة. # فبايعت وعدت مقضي الحوائج قد حصل لي جملة صالحة ms3919 من المال والتحف. # وكانت بيعة، وخطب للمقتفي في الموصل في رجب سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ~~ولما عاد كمال الدين بن الشهرزوري سير على يده المحضر الذي عمل بخلع ~~الراشد، فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل (وكان عند أتابك زنكي) . # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عزل السلطان مسعود وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد، وعاد ~~إلى بغداد، وأقام بداره معزولا، ووزر بعده كمال الدين أبو البركات بن سلمة ~~الدركزيني، وهو من خراسان. # PageV09P079 # وفيها ثار العيارون ببغداد عند اجتماع العساكر بها، وقتلوا في البلد، ~~ونهبوا الأموال ظاهرا، وكثر الشر، فقصد الشحنة شارع دار الرقيق، وطلب ~~العيارين، فثار عليه أهل المحال الغربية، فقاتلهم، وأحرق الشارع، فاحترق ~~فيه خلق كثير، ونقل الناس أموالهم إلى الحريم الطاهري، فدخله الشحنة، ونهب ~~منه مالا كثيرا. # ثم وقعت الفتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وبين أهل المأمونية، وقتل بينهم ~~جماعة ثم اصطلحوا. # وفيها سار قراسنقر في عساكر كثيرة في طلب الملك داود ابن السلطان محمود، ~~فأقام السلطان مسعود ببغداد، ولم يزل قراسنقر يطلب داود حتى أدركه عند ~~مراغة، فالتقيا وتصافا، واقتتل العسكران قتالا عظيما، فانهزم داود، وأقام ~~قراسنقر بأذربيجان، وأما داود فإنه قصد خوزستان فاجتمع عليه هناك عساكر ~~كثيرة من التركمان وغيرهم، بلغت عدتهم نحو عشرة آلاف فارس، فقصد تستر ~~وحاصرها، وكان عمه الملك سلجوقشاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه ~~السلطان مسعود يستنجده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، ~~فتصافا، فانهزم سلجوقشاه. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن حمويه أبو عبد الله الجويني، وهو من مشايخ الصوفية ~~المشهورين، وله كرامات كثيرة ورواية الحديث. # وتوفي أيضا محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري الصوفي مصنف شرح ~~الشهاب، وأنشد لما حضره الموت: # PageV09P080 # ها قد مددت يدي إليك فردها ... بالفضل لا بشماتة الأعداء # وتوفي أيضا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الصاعدي، راوي ~~صحيح مسلم بن عبد الغافر الفارسي، وطريقه اليوم أعلى الطرق، وإليه الرحلة ~~من الشرق والغرب، وكان فقيها مناظرا ظريفا، ms3920 يخدم الغرباء بنفسه، وكان يقال: # الفراوي ألف راو، رحمه الله ورضي عنه. # PageV09P081 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة] # (531) # ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة # ذكر تفرق العساكر عن السلطان مسعود # في هذه السنة في المحرم أذن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد ~~بالعود إلى بلادهم لما بلغه أن الراشد بالله قد فارق أتابك زنكي من الموصل، ~~فإنه يتمسك بالعساكر عنده خوفا أن ينحدر به إلى العراق فيملكه عليه، فلما ~~أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دبيس، صاحب الحلة، زوجه ابنته تمسكا به. # وقدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء الذين حاربوه مع الملك داود ~~منهم البقش السلاحي، وبرسق بن برسق صاحب تستر، وسنقر الخمارتكين شحنة ~~همذان، فرضي عنهم وأمنهم، وولى البقش شحنكية بغداد، فعسف الناس وظلمهم. # وكان السلطان مسعود بعد تفرق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس. # وتزوج الخليفة فاطمة خاتون أخت السلطان مسعود في رجب، والصداق مائة ألف ~~دينار، وكان الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد الزينبي، ~~والوكيل عن السلطان وزيره كمال الدركزيني، ووثق السلطان حيث صار الخليفة ~~وصدقة بن دبيس بن صدقة صهريه، وحيث سار الراشد بالله من عند زنكي الأتابك، ~~والله أعلم. # ذكر عزل بهرام عن وزارة الحافظ، ووزارة رضوان # في هذه السنة في جمادى الأولى، هرب تاج الدولة بهرام وزير الحافظ لدين # PageV09P082 # الله العلوي صاحب مصر، وكان قد استوزره بعد قتل ابنه حسن سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة، وكان نصرانيا أرمنيا، فتمكن في البلاد، واستعمل الأرمن، وعزل ~~المسلمين، وأساء السيرة فيهم، وأهانهم هو والأرمن الذين ولاهم، وطمعوا ~~فيهم، فلم يكن في أهل مصر من أنف من ذلك إلا رضوان بن الريحيني، فإنه لما ~~ساءه ذلك وأقلقه جمع جمعا كثيرا، وقصد القاهرة، فسمع به بهرام، فهرب إلى ~~الصعيد من غير حرب ولا قتال، وقصد مدينة أسوان، فمنعه واليها من الدخول ~~إليها وقاتله، فقتل السودان من الأرمن كثيرا، فلما لم يقدر على الدخول إلى ~~أسوان أرسل [إلى] الحافظ يطلب الأمان فأمنه، فعاد إلى القاهرة، فسجن ms3921 ~~بالقصر، فبقي مدة، ثم ترهب وخرج من الحبس. # وأما رضوان فإنه وزر للحافظ ولقب بالملك الأفضل، وهو أول وزير للمصريين ~~لقب بالملك، ثم فسد ما بينه وبين الحافظ، فعمل الحافظ في إخراجه، فثار ~~الناس عليه منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وهرب من داره وتركها بما ~~فيها، فنهب الناس (منها) ما لا يحد ولا يحصى، وركب الحافظ فسكن الناس، ونقل ~~ما بقي في دار رضوان إلى قصره. # وأما رضوان فإنه سار يريد الشام يستنجد الأتراك ويستنصرهم، فأرسل إليه ~~الحافظ الأمير ابن مصال ليرده بالأمان والعهد أنه لا يؤذيه، فرجع إلى ~~القاهرة، فحبسه الحافظ عنده في القصر، وقيل: إنه توجه إلى الشام وهو ~~الصحيح، وقصد صرخد فوصل إليها في ذي القعدة، ونزل على صاحبها أمين الدولة ~~كمشتكين فأكرمه وعظمه، وأقام عنده. # ثم عاد إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ومعه عسكر، فقاتل المصريين عند ~~باب النصر وهزمهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأقام ثلاثة أيام، فتفرق عنه ~~كثير # PageV09P083 # ممن معه، فعزم على العود إلى الشام، فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال ~~فرده، وحبسه عنده في القصر، وجمع بينه وبين عياله، فأقام في القصر إلى سنة ~~ثلاث وأربعين [وخمسمائة] ، فنقب الحبس وخرج منه، وقد أعدت له خيل، فهرب ~~عليها، وعبر النيل إلى الجيزة فحشد وجمع المغاربة وغيرهم، وعاد إلى ~~القاهرة، فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون وهزمهم، ودخل القاهرة فنزل عند ~~جامع الأقمر، فأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا ليفرقه على عادتهم، فإنهم ~~كانوا إذا وزروا وزيرا أرسلوا إليه عشرين ألف دينار ليفرقها، فأرسل إليه ~~الحافظ عشرين ألف دينار فقسمها، وكثر عليه الناس، وطلب زيادة، فأرسل إليه ~~عشرين ألف دينار أخرى ففرقها، فتفرق الناس عنه، وخفوا عنده، فإذا الصوت قد ~~وقع، وخرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ عليه، فحملوا على غلمانه ~~فقاتلوهم، فقام يركب، فقدم إليه بعض أصحابه فرسا ليركبه، فلما أراد ركوبه ~~ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله، وحمل رأسه إلى الحافظ، فأرسله إلى زوجته، ~~فوضع في حجرها، فألقته، وقالت: # هكذا ms3922 يكون الرجال، ولم يستوزر الحافظ بعده أحدا، وباشر الأمور بنفسه إلى ~~أن مات. # ذكر فتح المسلمين حصن وادي ابن الأحمر من الفرنج # وفي هذه السنة في رجب سار عسكر دمشق مع مقدمهم الأمير بزاوش إلى طرابلس ~~الشام فاجتمع معه من الغزاة المتطوعة والتركمان أيضا خلق كثير، فلما سمع ~~القمص صاحبها بقربهم من ولايته سار إليهم في جموعه وحشوده، فقاتلهم، وانهزم ~~الفرنج، وعادوا إلى طرابلس على صورة سيئة قد قتل كثير من فرسانهم وشجعانهم، ~~فنهب المسلمون من أعمالهم الكثير، وحصروا حصن وادي ابن الأحمر فملكوه # PageV09P084 # عنوة، ونهبوا ما فيه، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الحريم والذرية، وأسروا ~~الرجال فاشتروا أنفسهم بمال جليل، وعادوا إلى دمشق سالمين، والله أعلم. # ذكر حصار زنكي مدينة حمص # في هذه السنة في شعبان، سار أتابك زنكي إلى مدينة حمص، وقدم إليها صلاح ~~الدين محمد الياغيسايني، وهو أكبر أمير معه، وكان ذا مكر وحيل، أرسله ~~ليتوصل مع من فيها ليسلموها إليه، فوصل إليها وفيها معين الدين أنز وهو ~~الوالي عليها والحاكم فيها، وهو أيضا أكبر أمير بدمشق وحمص، أقطاعه كما سبق ~~ذكره، فلم ينفذ فيه مكره، فوصل حينئذ زنكي إليها، وحصرها، وعاود مراسلة أنز ~~في التسليم غير مرة، تارة بالوعد وتارة بالوعيد، واحتج بأنها ملك صاحبه ~~شهاب الدين، وأنها بيده أمانة، ولا يسلمها إلا عن غلبة، فأقام عليها إلى ~~العشرين من شوال ورحل عنها من غير بلوغ غرض إلى بعرين (فحصرها) وكان منه ~~ومن الفرنج ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج # وفي هذه السنة في شوال سار أتابك زنكي من الموصل إلى الشام، وحصر قلعة ~~بعرين، وهي تقارب مدينة حماة، وهي من أمنع معاقل الفرنج، وأحصنها، فلما نزل ~~عليها قاتلها وزحف إليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم، وساروا في قضهم ~~وقضيضهم وملوكهم وقمامصتهم وكنودهم إلى أتابك زنكي ليرحلوه عن بعرين، فلم ~~يرحل، وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه، فلقيهم وقاتلهم أشد قتال رآه الناس، ~~وصبر # PageV09P085 # الفريقان، ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم ms3923 سيوف المسلمين من كل ~~جانب، واحتمى ملوكهم، وفرسانهم بحصن بعرين لقربه منهم، فحصرهم زنكي فيه، ~~ومنع عنهم كل شيء حتى الأخبار، فكان من به منهم لا يعلم شيئا من أخبار ~~بلادهم لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنده. # ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم وبلاد الفرنج وما والاها ~~مستنفرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكي إن أخذ قلعة بعرين ومن فيها من ~~الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت، وأن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد ~~البيت المقدس، فحينئذ اجتمعت النصرانية، وساروا على الصعب والذلول، وقصدوا ~~الشام، وكان منهم ما نذكره. # وأما زنكي فإنه جد في قتال الفرنج فصبروا، وقلت عليهم الذخيرة، فإنهم ~~كانوا غير مستعدين، ولم يكونوا يعتقدون أن أحدا يقوم عليهم، بل كانوا ~~يتوقعون ملك باقي الشام، فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم، وأذعنوا بالتسليم ~~ليؤمنهم ويتركهم يعودون إلى بلادهم، فلم يجبهم إلى ذلك، فلما سمع باجتماع ~~من بقي الفرنج، ووصول من قرب إليهم، أعطى لمن في الحصن الأمان، وقرر عليهم ~~خمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوه إلى ذلك فأطلقهم، فخرجوا وسلموا ~~إليه، فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم، فندموا على التسليم حيث ~~لا ينفعهم الندم، وكان لا يصلهم شيء من الأخبار ألبتة؛ فلهذا سلموا. # وكان زنكي في مدة مقامه عليهم قد فتح المعرة وكفرطاب من الفرنج فكان ~~أهلهما وأهل سائر الولايات التي بين حلب وحماة مع أهل بعرين في الخزي؛ لأن ~~الحرب بينهم قائمة على ساق، والنهب والقتل لا يزال بينهم، فلما ملكها أمن ~~الناس، وعمرت البلاد، وعظم دخلها، وكان فتحا مبينا، ومن رآه علم صحة قولي. # ومن أحسن الأعمال وأعدلها ما عمله زنكي مع أهل المعرة، فإن الفرنج لما ~~ملكوا المعرة كانوا قد أخذوا أموالهم وأملاكهم، فلما فتحها زنكي الآن حضر ~~من بقي من أهلها ومعهم أعقاب من هلك، وطلبوا أملاكهم، فطلب منهم كتبها، ~~فقالوا: إن # PageV09P086 # الفرنج أخذوا كل ما لنا، والكتب التي للأملاك فيها. # فقال: اطلبوا دفاتر حلب، وكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه، ms3924 ففعلوا ~~ذاك، وأعاد على الناس أملاكهم، وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها. # ذكر خروج ملك الروم من بلاده إلى الشام # قد تقدم أن الفرنج أرسلوا إلى ملك القسطنطينية يستصرخون به، ويعرفونه ما ~~فعله زنكي فيهم، ويحثونه على لحاق البلاد قبل أن تملك ولا ينفعه حينئذ ~~المجيء، فتجهز وسار مجدا، فابتدأ وركب البحر وسار إلى مدينة أنطالية، وهي ~~له على ساحل البحر، فأرسى فيها، وأقام ينتظر وصول المراكب التي فيها أثقاله ~~وسلاحه، فلما وصلت سار عنها إلى مدينة نيقية وحصرها، فصالحه أهلها على مال ~~يؤدونه إليه. # وقيل: بل ملكها وسار عنها إلى مدينة أدنة ومدينة المصيصة، وهما بيد ابن ~~ليون الأرمني صاحب قلاع الدروب فحصرهما وملكهما. # ورحل إلى عين زربة فملكها عنوة، وملك تل حمدون، وحمل أهله إلى جزيرة ~~قبرس، وعبر ميناء الإسكندرية ثم خرج إلى الشام، فحصر مدينة أنطاكية في ذي ~~القعدة، وضيق على أهلها وبها صاحبها الفرنجي ريمند، فترددت الرسل بينهما، ~~فتصالحا ورحل عنها إلى بغراص، ودخل منها بلد ابن ليون الأرمني، فبذل له ابن ~~ليون أموالا كثيرة ودخل في طاعته، والله أعلم. # PageV09P087 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في الرابع والعشرين من أيار، ظهر بالشام سحاب أسود أظلمت له ~~الدنيا، وصار الجو كالليل المظلم، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه نار أضاءت ~~له الدنيا، وهبت ريح عاصف ألقت كثيرا من الشجر، وكان أشد ذلك بحوران ودمشق، ~~وجاء بعده مطر شديد وبرد كبار. # وفيها عاد مؤيد الدين أبو الفوارس المسيب بن علي بن الحسين المعروف بابن ~~الصوفي - من صرخد إلى دمشق. # وكان قد أخرج هو وأهله من دمشق إلى صرخد، فبقوا فيها إلى الآن وعادوا، ~~وولي أبو الفوارس الرئاسة بدمشق، وكان محبوبا عند أهلها، وتمكن تمكنا ~~عظيما، وكان ذا رئاسة عظيمة ومروءة ظاهرة. # وفيها كثرت الأمراض ببغداد، وكثر الموت فجأة بأصفهان وهمذان. # وفيها سار أتابك زنكي إلى دقوقا وملكها بعد أن قاتل على قلعتها قتالا ~~شديدا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية ms3925 ~~بأصفهان، وتفقه على والده بالنظامية بأصفهان. # وتوفي أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري، ومولده يوم عاشوراء ~~سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وهو آخر من روى عن أبي الحسن زوج الحرة. # وقد روى الخطيب أبو بكر بن ثابت عن زوج الحرة أيضا، وكانت وفاة الخطيب ~~سنة ثلاث وستين وأربعمائة. # PageV09P088 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة] # (532) # ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة # ذكر ملك أتابك زنكي حمص وغيرها من أعمال دمشق # وفي هذه السنة في المحرم وصل أتابك زنكي إلى حماة، وسار منها إلى بقاع ~~بعلبك، فملك حصن المجدل وكان لصاحب دمشق، وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وهو ~~أيضا لصاحب دمشق، وسار إلى حمص فحصرها وأدام قتالها، فلما نازل ملك الروم ~~حلب رحل عنها إلى سلمية، فلما انجلت حادثة الروم على ما ذكرناه عاود منازلة ~~حمص، وأرسل إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها، واسمها زمرد ~~خاتون ابنة جاولي، وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك، وهي التي بنت المدرسة ~~بظاهر دمشق المطلة على وادي شقرا ونهر بردى، فتزوجها وتسلم حمص مع قلعتها. # وحملت الخاتون إليه في رمضان، وإنما حمله على التزوج بها ما رأى من ~~تحكمها في دمشق، فظن أنه يملك البلد بالاتصال بها، فلما تزوجها خاب أمله، ~~ولم يحصل على شيء فأعرض عنها. # ذكر وصول ملك الروم إلى الشام # وملكه بزاعة، وما فعله بالمسلمين # قد ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده، واشتغاله # PageV09P089 # بالفرنج وابن ليون، فلما دخلت هذه السنة وصل إلى الشام، وخافه الناس خوفا ~~عظيما، وقصد بزاعة فحصرها، وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فمضى ~~جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي، وهو يحاصر حمص، فاستغاثوا به ~~واستنصروه، فسير معهم كثيرا من العساكر، فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم ~~إن حصروها. # ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة ونصب عليها منجنيقات، وضيق على من بها، ~~فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر ~~وسبى. # وكان عدة من ms3926 جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس، وتنصر قاضيها ~~وجماعة من أعيانها نحو أربعمائة نفس. # وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من اختفى، فقيل لهم: # إن جمعا كثيرا من أهل هذه الناحية قد نزلوا إلى المغارات، فدخنوا عليهم، ~~وهلكوا في المغاور. # ثم رحلوا إلى حلب فنزلوا على فريق، ومعهم الفرنج الذين بساحل الشام، ~~وزحفوا إلى حلب من الغد في خيلهم، ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم ~~قتالا شديدا، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق جليل القدر عندهم، ~~وعادوا خاسرين، وأقاموا ثلاثة أيام، فلم يروا فيها طمعا، فرحلوا إلى قلعة ~~الأثارب، فخاف من فيها من المسلمين، فهربوا عنها تاسع شعبان، فملكها الروم ~~وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى، ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون ~~القلعة، وساروا، فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر ~~إلى الأثارب، فأوقع بمن فيها من الروم فقتلهم، وخلص الأسرى والسبي وعاد إلى ~~حلب. # وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص، وسار إلى سلمية فنازلها، وعبر ثقله ~~الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة. # PageV09P090 # وأما الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر، فإنها من أمنع الحصون، وإنما قصدوها ~~لأنها لم تكن لزنكي، فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم، وإنما كانت ~~للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فنازلوها ~~وحصروها، ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقا، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده، ~~فسار إليه، فنزل على نهر العاصي بالقرب منها بينها وبين حماة، وكان يركب كل ~~يوم ويسير إلى شيزر هو وعساكره، ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا ~~فتأخذ من ظفرت به منهم. # ثم إنه أرسل ملك الروم يقول له: # إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي، ~~فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم، وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها. # ولم يكن له بهم قوة، وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج ~~الشام على ملك الروم بمصافته، وهونوا أمره عليه فلم ms3927 يفعل، وقال: # أتظنون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون؟ إنما هو يريد أن تلقوه فيجيئه ~~من نجدات المسلمين ما لا حد له. # وكان زنكي يرسل أيضا إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو ~~فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول ~~لهم: # إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا، فاستشعر كل من صاحبه، فرحل ~~ملك الروم عنها في رمضان، وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوما، وترك ~~المجانيق وآلات الحصار بحالها، فسار أتابك [زنكي] يتبع ساقه العسكر، فظفر ~~بكثير ممن تخلف منهم، وأخذ جميع ما تركوه. # ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد ~~بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده ويطلب العساكر، ~~فمضى إلى بغداد، وأنهى الحال إلى السلطان، وعرفه عاقبة الإهمال، وأنه ليس ~~بينه وبين الروم إلا أن يملكوا حلب وينحدروا مع الفرات إلى بغداد، فلم يجد ~~عنده حركة، فوضع إنسانا من أصحابه يوم جمعة، فمضى إلى جامع القصر ومعه ~~جماعة من رنود العجم، وأمر أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر ويصيح ~~ويصيحوا معه: # PageV09P091 # واإسلاماه، وادين محمداه، ويشق ثيابه، ويرمي عمامته من رأسه، ويخرج إلى ~~دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك، ووضع إنسانا آخر يفعل بجامع السلطان ~~مثله. # فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل، ولطم رأسه، وألقى عمامته، وشق ~~ثوبه وأولئك معه، وصاحوا، فبكى الناس، وتركوا الصلاة، ولعنوا السلطان، ~~وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان، فوجدوا الناس في جامع ~~السلطان كذلك، وأحاط الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون، فخاف السلطان ~~فقال: # أحضروا إلي ابن الشهرزوري فأحضر، فقال كمال الدين: لقد خفت منه مما رأيت، ~~فلما دخلت عليه قال لي: أي فتنة أثرت؟ فقلت: ما فعلت شيئا، أنا كنت في ~~بيتي، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام، ويخافون عاقبة هذا التواني، ~~فقال: اخرج إلى الناس ففرقهم عنا، واحضر غدا، واختر من العسكر من تريد، ~~ففرقت الناس، وعرفتهم ما أمر ms3928 به من تجهيز العساكر، وحضرت من الغد إلى ~~الديوان، فجهزوا لي طائفة عظيمة من الجيش، فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل ~~أعرفه ذلك، وأخوفه من العسكر إن طرقوا البلاد، فإنهم يملكونها، فأعاد ~~الجواب يقول: # البلاد لا شك مأخوذة، فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون. # فشرعنا في التحميل للرحيل، وإذ قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر ~~برحيل ملك الروم، ويأمرني بأن لا أستصحب من العسكر أحدا، فعرفت السلطان ذلك ~~فقال: # العسكر قد تجهز، ولا بد من الغزاة إلى الشام، فبعد الجهد وبذل الخدمة ~~العظيمة له ولأصحابه أعاد العسكر. # ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي وأكثروا، فمن ذلك ما ~~قاله المسلم بن خضر بن قسيم الحموي من قصيدة أولها: # بعزمك أيها الملك العظيم ... تذل لك الصعاب وتستقيم # ومنها: # ألم تر أن كلب الروم لما ... تبين أنه الملك الرحيم # فجاء يطبق الفلوات خيلا ... كأن الجحفل الليل البهيم # PageV09P092 # وقد نزل الزمان على رضاه # ودان لخطبه الخطب العظيم ... فحين رميته بك في خميس # تيقن أن ذلك لا يدوم ... وأبصر في المفاضة منك # جيشا فأحرب لا يسير ولا يقيم ... كأنك في العجاج شهاب # نور توقد وهو شيطان رجيم ... أراد بقاء مهجته فولى # وليس سوى الحمام له حميم # وهي قصيدة طويلة، ومن عجيب ما يحكى أن ملك الروم لما عزم على حصر شيزر ~~سمع من بها ذلك، فقال الأمير مرشد بن علي أخو صاحبها وهو يفتح مصحفا: # اللهم بحق من أنزلته عليه إن قضيت بمجيء ملك الروم فاقبضني إليك! فتوفي ~~بعد أيام. # ذكر حرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء # لما فارق الراشد بالله أتابك زنكي من الموصل سار نحو أذربيجان، فوصل ~~مراغة، وكان الأمير منكبرس صاحب فارس، ونائبه بخوزستان الأمير بوزابة، ~~والأمير عبد الرحمن طغايرك صاحب خلخال، والملك داود ابن السلطان محمود، ~~مستشعرين من السلطان مسعود، خائفين منه، فتجمعوا، ووافقوا الراشد على ~~الاجتماع معهم لتكون أيديهم واحدة، ويردوه إلى الخلافة، فأجابهم إلى ذلك، ~~إلا أنه لم ms3929 يجتمع معهم. # ووصل الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد باجتماعهم، فسار عنها في شعبان # PageV09P093 # نحوهم، فالتقوا ببنجن كشت، فاقتتلوا فهزمهم السلطان مسعود، وأخذ الأمير ~~منكبرس أسيرا، فقتل بين يديه صبرا، وتفرق عسكر مسعود في النهب واتباع ~~المنهزمين. # وكان بوزابة وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان مسعودا ~~وقد تفرق عسكره عنه، فحملا عليه وهو في قلة فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض ~~بوزابة على جماعة من الأمراء، منهم: صدقة بن دبيس صاحب الحلة، ومنهم ولد ~~أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان، وعنتر بن أبي العسكر، وغيرهم، وتركهم عنده. # فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم أجمعين، وصار العسكران مهزومين، وكان ~~هذا من أعجب الاتفاق. # وقصد السلطان مسعود أذربيجان، وقصد الملك داود همذان، ووصل إليها الراشد ~~بعد الوقعة فاختلفت آراء الجماعة، فبعضهم أشار بقصد العراق والتغلب عليه، ~~وبعضهم أشار باتباع السلطان مسعود للفراغ منه، فإن ما بعده يهون عليهم، ~~وكان بوازبة أكبر الجماعة، فلم ير ذلك، وكان غرضه إلى بلاد فارس وأخذها بعد ~~قتل صاحبها منكبرس قبل أن يمتنع من بها عليه، فبطل عليهم ما كانوا فيه، ~~وسار إليها ملكها، وصارت له مع خوزستان. # وسار سلجوقشاه ابن السلطان محمد إلى بغداد ليملكها، فخرج إليه البقش ~~الشحنة بها، ونظر الخادم أمير الحاج، وقاتلوه ومنعوه، وكان عاجزا مستضعفا، ~~ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود الحلة على أخيه محمد بن دبيس، ~~وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر المقتول يدبر أمره. # ولما كان البقش شحنة بغداد يقاتل سلجوقشاه ثار العيارون ببغداد ونهبوا ~~الأموال، وقتلوا الرجال، وزاد أمرهم حتى كانوا يقصدون أرباب الأموال ظاهرا، ~~ويأخذون منهم ما يريدون، ويحملون الأمتعة على رءوس الحمالين، فلما عاد ~~الشحنة قتل منهم وصلب، وغلت الأسعار، وكثر الظلم منه، وأخذ المستورين بحجة ~~العيارين، فجلا الناس عن بغداد إلى الموصل وغيرها من البلاد. # PageV09P094 # ذكر قتل الراشد بالله لما وصل الراشد بالله إلى همذان وبها الملك داود ~~وبوازبة، ومن معهما من الأمراء والعساكر بعد انهزام السلطان مسعود، وتفرق ~~العساكر، على ما ms3930 تقدم ذكره، سار الراشد بالله إلى خوزستان مع الملك داود، ~~ومعهما خوارزم شاه، فقاربا الحويزة، فسار مسعود إلى بغداد ليمنعهم عن ~~العراق، فعاد الملك داود إلى فارس، وعاد خوارزم شاه إلى بلاده، وبقي الراشد ~~وحده، فلما أيس من عساكر العجم سار إلى أصفهان. # فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين ~~كانوا في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان في أعقاب مرض وقد برئ منه، ~~ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان، فركب من معه فقتلوا الباطنية. # ولما وصل الخبر إلى بغداد جلسوا للعزاء به في بيت النوبة يوما واحدا، ~~وكان أبيض أشقر حسن اللون مليح الصورة، مهيبا شديد القوة والبطش. # قال أبو بكر الصولي: # الناس يقولون إن كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد من أن ~~يخلع، وربما قتل، قال: # فتأملت ذلك، فرأيته كما قيل، فإن أول من قام بأمر هذه الأمة محمد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن - رضي ~~الله عنهم - فخلع، ثم معاوية ويزيد ابنه، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد ~~الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير، فخلع وقتل، ثم الوليد بن عبد الملك ~~وأخوه سليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد وهشام ابنا عبد الملك، والوليد بن ~~يزيد بن عبد الملك، فخلع وقتل، ثم لم ينتظم أمر بني أمية، ثم ولي السفاح، ~~والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين فخلع وقتل، والمأمون ~~والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين فخلع وقتل، والمعتز، ~~والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي فخلع ثم رد، ثم قتل، ثم القاهر، ~~والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع فخلع، ثم القادر، والقائم، ~~والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد والراشد، فخلع وقتل. # PageV09P095 # قلت: وفي هذا نظر؛ لأن البيعة لابن الزبير كانت قبل البيعة لعبد الملك بن ~~مروان، وكونه جعله بعده لا وجه له، والصولي إنما ذكر إلى أيام المقتدر ~~بالله، ومن بعده ذكره غيره. # ذكر حال ابن بكران العيار # في هذه السنة في ذي الحجة عظم أمر ابن بكران العيار بالعراق، وكثر ~~أتباعه، وصار ms3931 يركب ظاهرا في جمع من المفسدين، وخافه الشريف أبو الكرم ~~الوالي ببغداد، فأمر أبا القاسم ابن أخيه حامي باب الأزج أن يشتد عليه ~~ليأمن شره. # وكان ابن بكران يكثر المقام بالسواد، ومعه رفيق له يعرف بابن البزاز، ~~فانتهى أمرهما إلى أنهما أرادا أن يضربا باسمهما سكة في الأنبار، فأرسل ~~الشحنة والوزير شرف الدين الزينبي إلى الوالي أبي الكرم، وقالا: # إما أن تقتل ابن بكران، وإما أن نقتلك، فأحضر ابن أخيه وعرفه ما جرى، ~~وقال له: # إما أن تختارني ونفسك، وإما أن تختار ابن بكران، فقال: # أنا أقتله، وكان لابن بكران عادة، يجيء في بعض الليالي إلى ابن أخي أبي ~~الكرم، فيقيم في داره، ويشرب عنده، فلما جاء على عادته وشرب، أخذ أبو ~~القاسم سلاحه ووثب به فقتله، وأراح الناس من شره، ثم أخذ بعده بيسير رفيقه ~~ابن البزاز، وصلب، وقتل معه جماعة من الحرامية، فسكن الناس واطمأنوا، وهدأت ~~الفتنة. # ذكر قتل الوزير الدركزيني، ووزارة الخازن # في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره العماد أبي البركات بن سلمة ~~الدركزيني، واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الحسين الخازن، وكان الكمال ~~شهما شجاعا، عادلا نافذ الحكم، حسن السيرة، أزال المكوس ورفع المظالم، # PageV09P096 # وكان يقيم مئونة السلطان ووظائفه، وجمع له خزائن كثيرة، وكشف أشياء كثيرة ~~كانت مستورة يخان فيها ويسرق، فثقل على المتصرفين وأرباب الأعمال، فأوقعوا ~~بينه وبين الأمراء، لا سيما قراسنقر صاحب أذربيجان، فإنه فارق السلطان، ~~وأرسل يقول: # إما أن تنقذ رأس الوزير وإلا خدمنا سلطانا آخر. فأشار من حضر من الأمراء ~~بقتله، وحذروه فتنة لا تتلافى، فقتله على كره منه، وأرسل رأسه إلى قراسنقر ~~فرضي. وكانت وزارته سبعة أشهر، وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. # ووزر بعده أبو العز طاهر بن محمد البروجردي وزير قراسنقر، ولقب عز الملك، ~~وضاقت الأمور على السلطان مسعود، واستقطع الأمراء البلاد بغير اختياره، ولم ~~يبق له شيء من البلاد ألبتة إلا اسم السلطنة لا غير. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك حسام الدين تمرتاش إيلغازي ms3932 صاحب ماردين قلعة الهتاخ من ~~بلاد ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها، ~~وهذا آخر من بقي منهم له ولاية، فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه، ولا ~~يتطرق إليه النقص ولا التغيير. # وفيها انقطعت كسوة الكعبة، لما ذكرناه من الاختلاف، فقام بكسوتها رامشت ~~التاجر الفارسي، كساها من الثياب الفاخرة بكل ما وجد إليه سبيل، فبلغ ثمن ~~الكسوة ثمانية عشر ألف دينار مصرية، وهو من التجار المسافرين إلى الهند ~~كثير المال. # وفيها توفيت زبيدة خاتون ابنة السلطان بركيارق زوج السلطان مسعود، وتزوج ~~بعدها سفرى ابنة دبيس بن صدقة في جمادى الأولى، وتزوج ابنة قاورت، وهو من # PageV09P097 # البيت السلجوقي، إلا أنه كان لا يزال يعاقر الخمر ليلا ونهارا، فلهذا سقط ~~اسمه، وذكره. # وفيها قتل السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد، وكان قد ظلم ~~الناس وعسفهم، وفعل ما لم يفعله غيره من الظلم، فقبض عليه وسيره إلى تكريت، ~~فسجنه بها عند مجاهد الدين بهروز، ثم أمر بقتله، فلما أرادوا قتله ألقى ~~بنفسه في دجلة فغرق، فأخذ رأسه، وحمل إلى السلطان، وجعل السلطان شحنة ~~العراق مجاهد الدين بهروز، فعمل أعمالا صالحة منها: # أنه عمل مسناة النهروان وأشباهها، وكان حسن السيرة كثير الإحسان. # وفيها درس الشيخ أبو منصور بن الرزاز بالنظامية ببغداد. # وأرسل إلى أتابك زنكي في إطلاق قاضي القضاة الزينبي فأطلق، وانحدر إلى ~~بغداد، فخلع عليه الخليفة، وأقره على منصبه. وفيها كان بخرسان غلاء شديد ~~طالت مدته وعظم أمره، حتى أكل الناس الكلاب والسنانير وغيرهما من الدواب، ~~وتفرق أكثر أهل البلاد من الجوع. # وفيها توفي طغان أرسلان صاحب بدليس وأرزن من ديار بكر، وولي بعده ابنه ~~فرني، واستقام له الأمر. # وفيها في شهر صفر، جاءت زلزلة عظيمة بالشام، والجزيرة، وديار بكر، ~~والموصل، والعراق، وغيرها من البلاد، فخربت كثيرا منها، وهلك تحت الهدم ~~عالم كثير. # PageV09P098 # [الوفيات] # وفيها توفي أحمد بن محمد بن (أحمد أبو بكر بن) أبي الفتح الدينوري الفقيه ~~الحنبلي ببغداد، وكان ينشد كثيرا هذه الأبيات: ms3933 # تمنيت أن تمسي فقيها مناظرا ... بغير عياء والجنون فنون # وليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها فالعلم كيف يكون # وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن عمر أبو الحسن الكرخي، ومولده سنة ثمان ~~وخمسين وأربعمائة، وكان فقيها محدثا، سمع الحديث بكرخ وأصفهان وهمذان ~~وغيرها. # وفي شعبان منها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن الحسين بن إسماعيل بن ~~صاعد، وهو ابن عم القاضي أبي سعيد، وولي القضاء بنيسابور بعد أبي سعيد. # PageV09P099 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة] # (533) # ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة # ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه # في هذه السنة في المحرم سار السلطان سنجر بن ملكشاه إلى خوارزم محاربا ~~لخوارزم شاه أتسز بن محمد. # وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن أتسز يحدث نفسه بالامتناع عليه وترك الخدمة له، ~~وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه وأمرائه، فأوجب ذلك قصده، وأخذ ~~خوارزم منه، فجمع عساكره، فلقيه مقابلا، وعبأ كل واحد منهما عساكره وأصحابه ~~فاقتتلوا، فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان، فلم يثبتوا وولوا منهزمين، ~~وقتل منهم خلق كثير، ومن جملة القتلى ولد لخوارزم شاه، فحزن عليه أبوه حزنا ~~عظيما، ووجد وجدا شديدا. # وملك سنجر خوارزم، وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد، ورتب له ~~وزيرا وأتابك وحاجبا، وقرر قواعده، وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه ~~السنة، فلما فارق خوارزم عائدا انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها، وكان ~~أهلها يكرهون العسكر السنجري، ويؤثرون عودة خوارزم شاه، فلما عاد أعانوه ~~على ملك البلد، ففارقهم سليمان شاه ومن معه، ورجع إلى عمه السلطان سنجر، ~~وفسد الحال بين سنجر وخوارزم شاه، واختلفا بعد الاتفاق، ففعل خوارزم شاه في ~~خراسان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ما نذكره إن شاء الله. # PageV09P100 # ذكر قتل محمود صاحب دمشق، وملك أخيه محمد # في هذه السنة في شوال قتل شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغدكين ~~صاحب دمشق على فراشه غيلة، قتله ثلاثة من غلمانه، هم خواصه وأقرب الناس منه ~~في خلوته وجلوته، وكانوا ms3934 ينامون عنده ليلا، فقتلوه، وخرجوا من القلعة ~~وهربوا، فنجا أحدهم وأخذ الآخران فصلبا. # وكتب من بدمشق إلى أخيه جمال الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك وهو بها ~~بصورة الحال، واستدعوه ليملك بعد أخيه، فحضر في أسرع وقت، فلما دخل البلد ~~جلس للعزاء بأخيه، وحلف له الجند وأعيان الرعية، وسكن الناس، وفوض أمر ~~دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده، وزاد في علو مرتبته، وصار هو الجملة ~~والتفصيل، وكان أنز خيرا عاقلا حسن السيرة، فجرت الأمور عنده على أحسن ~~نظام. # ذكر ملك زنكي بعلبك # في هذه السنة في ذي القعدة سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى ~~بعلبك، فحصرها ثم ملكها، وسبب ذلك أن محمودا صاحب دمشق لما قتل كانت والدته ~~زمرد خاتون عند أتابك زنكي بحلب قد تزوجها، فوجدت لقتل ولدها وجدا شديدا، ~~وحزنت عليه، وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة، وتطلب منه ~~أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها. # فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث، وسار مجدا ~~ليجعل ذلك طريقا إلى ملك البلد، وعبر الفرات عازما على قصد دمشق، فاحتاط من ~~بها واستعدوا، واستكثروا من الذخائر، ولم يتركوا شيئا مما يحتاجون إليه إلا ~~وبذلوا الجهد في تحصيله، وأقاموا # PageV09P101 # ينتظرون وصوله إليهم، فتركهم وسار إلى بعلبك. # وقيل: # كان السبب في ملكها أنها كانت لمعين الدين أنز كما ذكرناه، وكان له جارية ~~يهواها، فلما تزوج أم جمال الدين سيرها إلى بعلبك، فلما سار زنكي إلى الشام ~~عازما على قصد دمشق سير إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق ~~فلم يفعل. # وسار أتابك إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة من السنة ~~فنازلها في عساكره، وضيق عليها، وجد في محاربتها، ونصب عليها من المنجنيقات ~~أربعة عشرة عددا ترمي ليلا ونهارا، فأشرف من بها على الهلاك، وطلبوا ~~الأمان، وسلموا إليه المدينة، وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، ~~فقاتلهم، فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم، فسلموا إليه ~~القلعة، ms3935 فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا، ولم ينج منهم ~~إلا القليل، فاستقبح الناس ذلك من فعله، واستعظموه، وخافه غيرهم، وحذروه لا ~~سيما أهل دمشق فإنهم قالوا: # لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء، فازدادوا نفورا، وجدا في محاربته. # ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها، فتزوجها ~~بحلب، فلم تزل بها إلى أن قتل، فسيرها ابنه نور الدين محمود إلى معين الدين ~~أنز، وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وبين أنز، والله أعلم. # ذكر استيلاء قراسنقر على بلاد فارس وعوده عنها # وفي هذه السنة جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وحشد، وسار ~~طالبا بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في المصاف المقدم ذكره، فلما قارب ~~السلطان مسعودا أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال، فقتله كما ذكرناه، ~~فلما قتل سار قراسنقر إلى بلاد فارس، فلما قاربها تحصن بوزابة منه في ~~القلعة البيضاء، ووطئ # PageV09P102 # قراسنقر البلاد، وتصرف فيها وليس له فيها دافع ولا مانع، إلا أنه لم ~~يمكنه المقام، وملك [المدن] التي في فارس، فسلم البلاد إلى الملك سلجوقشاه ~~ابن السلطان محمود، وقال له: # هذه البلاد لك فاملك الباقي، وعاد إلى أذربيجان، فنزل حينئذ بوزابة من ~~القلعة سنة أربع وثلاثين [وخمسمائة] ، وهزم سلجوقشاه وملك البلاد، وأسر ~~سلجوقشاه وسجنه في قلعة بفارس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في صفر توفي الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد معزولا ~~ببغداد، وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه، ودفن في داره، ثم نقل إلى ~~الكوفة، فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام. # وكان فيه تشيع، وهو كان السبب في عمل " المقامات الحريرية "، وكان رجلا ~~عاقلا شهما، دينا خيرا، وزر للخليفة المسترشد، وللسلطان محمود، وللسلطان ~~مسعود، وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب إليها فيجيب كارها. # وفيها قدم السلطان مسعود بغداد في ربيع الأول، وكان الزمان شتاء، وصار ~~يشتي بالعراق، ويصيف بالجبال، ولما قدمها أزال المكوس، وكتب الألواح ~~بإزالتها، ووضعت ms3936 على أبواب الجوامع وفي الأسواق، وتقدم أن لا ينزل جندي في ~~دار عامي من أهل بغداد إلا بإذن، فكثر الدعاء له والثناء عليه، وكان السبب ~~في ذلك الكمال الخازن وزير السلطان. # وفيها في صفر، كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام، والجزيرة، وكثير من ~~البلاد، وكان أشدها بالشام، وكانت متوالية عدة ليال، كل ليلة عدة دفعات، ~~فخرب كثير من البلاد لا سيما حلب، فإن أهلها لما كثرت عليهم فارقوا بيوتهم، ~~وخرجوا [إلى] الصحراء، وعدوا ليلة واحدة جاءتهم ثمانين مرة، ولم تزل بالشام ~~تتعاهدهم من رابع # PageV09P103 # صفر إلى التاسع عشر منه، وكان معها صوت وهزة شديدة. # وفيها أغار الفرنج على أعمال بانياس، فسار عسكر دمشق في أثرهم، فلم ~~يدركوهم، فعادوا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي النيسابوري بها، ومولده سنة ~~ست وأربعين وأربعمائة، وكان إماما في الحديث، مكثرا عالي الإسناد. # وتوفي عبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو القاسم بن أبي ~~الحسين البغدادي بها، ومولده سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وعبد العزيز بن ~~عثمان بن إبراهيم أبو محمد الأسدي البخاري، كان قاضي بخارى، وكان من ~~الفقهاء أولاد الأئمة حسن السيرة. # وتوفي محمد بن شجاع بن أبي بكر بن علي بن إبراهيم اللفتواني الأصفهاني ~~بأصفهان في جمادى الآخرة، ومولده سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وسمع الحديث ~~الكثير بأصفهان، وبغداد، وغيرهما. # PageV09P104 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة] # (534) # ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة # ذكر حصار أتابك زنكي دمشق # في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق مرتين، فأما المرة الأولى فإنه سار ~~إليها في ربيع الأول من بعلبك بعد الفراغ من أمرها، وتقرير قواعدها، وإصلاح ~~ما تشعث منها، ليحصرها، فنزل بالبقاع، وأرسل إلى جمال الدين صاحبها يبذل له ~~بلدا يقترحه ليسلم إليه دمشق، فلم يجبه إلى ذلك فرحل، وقصد دمشق، فنزل على ~~داريا ثالث عشر ربيع الأول، فالتقت الطلائع، واقتتلوا، وكان الظفر لعسكر ~~زنكي، وعاد الدمشقيون منهزمين، فقتل كثير منهم. # ثم تقدم زنكي إلى دمشق، فنزل هناك، ولقيه جمع كثير ms3937 من جند دمشق وأحداثها، ~~ورجالة الغوطة، فقاتلوه، فانهزم الدمشقيون، وأخذهم السيف، فقتل فيهم وأكثر، ~~وأسر كذلك، ومن سلم عاد جريحا. # وأشرف البلد ذلك اليوم على أن يملك، لكن عاد زنكي عن القتال، وأمسك عنه ~~عدة أيام، وتابع الرسل إلى صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما ~~يختاره من البلاد، فمال إلى التسليم، وامتنع غيره من أصحابه من ذلك، وخوفوه ~~عاقبة فعله، وأن يغدر به كما غدر بأهل بعلبك، فلما لم يسلموا إليه عاود ~~القتال والزحف. # ثم إن جمال الدين صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان، وطمع زنكي حينئذ في ~~البلد، وزحف إليه زحفا شديدا ظنا منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء ~~خلاف فيبلغ غرضه، وكان ما أمله بعيدا، فلما مات جمال الدين ولي بعده مجير ~~الدين أبق ولده، وتولى تدبير دولته معين الدين أنز، فلم يظهر لموت أبيه أثر ~~مع أن عدوهم على باب المدينة، فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم ولا يزول عن ~~حصرهم، راسل الفرنج، واستدعاهم إلى نصرته، وأن يتفقوا على منع زنكي عن ~~دمشق، وبذل لهم # PageV09P105 # بذولا من جملتها أن يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها إليهم، وخوفهم من زنكي ~~إن ملك دمشق، فعلموا صحة قوله إنه إن ملكها لم يبق لهم معه بالشام مقام، ~~فاجتمعت الفرنج، وعزموا على المسير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها وعسكرها ~~على قتال زنكي، فحين علم زنكي بذلك سار إلى حوران خامس رمضان، عازما على ~~قتال الفرنج قبل أن يجتمعوا بالدمشقيين، فلما سمع الفرنج خبره لم يفارقوا ~~بلادهم، فلما رآهم كذلك عاد إلى حصر دمشق، [ونزل] بعذرا شماليها سادس شوال، ~~فأحرق عدة قرى من المرج، والغوطة، ورحل عائدا إلى بلاده. # ووصل الفرنج إلى دمشق، واجتمعوا بصاحبها، وقد رحل زنكي، فعادوا، فسار ~~معين الدين أنز إلى بانياس في عسكر دمشق وهي في طاعة زنكي، كما تقدم ذكرها، ~~ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج، وكان واليها قد سار قبل ذلك منها في جمع جمعه ~~إلى مدينة صور للإغارة على بلادها، فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد ms3938 إلى دمشق ~~نجدة لصاحبها على زنكي، فاقتتلا فانهزم المسلمون، وأخذوا والي بانياس فقتل، ~~ونجا من سلم منهم إلى بانياس، وجمعوا معهم كثيرا من البقاع وغيرها، وحفظوا ~~القلعة، فنازلها معين الدين فقاتلهم وضيق عليهم، ومعه طائفة من الفرنج، ~~فأخذها وسلمها إلى الفرنج. # وأما الحصر الثاني لدمشق، فإن أتابك لما سمع الخبر بحصر بانياس عاد إلى ~~بعلبك ليدفع عنها من يحصرها، فأقام هناك. # فلما عاد عسكر دمشق بعد أن ملكوها وسلموها إلى الفرنج، فرق أتابك زنكي ~~عسكره على الإغارة على حوران وأعمال دمشق، وسار هو جريدة مع خواصه، فنازل ~~دمشق سحرا، ولا يعلم به أحد من أهلها، فلما أصبح الناس ورأوا عسكره خافوا، ~~وارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وفتحت الأبواب، وخرج الجند ~~والرجالة فقاتلوه، فلم يمكن زنكي عسكره من الإقدام في القتال؛ لأن عامة ~~عسكره كانوا قد تفرقوا في البلاد للنهب والتخريب، وإنما قصد دمشق لئلا يخرج ~~منها عسكر إلى عسكره وهم متفرقون، فلما اقتتلوا ذلك اليوم قتل بينهم جماعة ~~ثم أحجم زنكي عنهم، وعاد إلى خيامه، ورحل إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عودة ~~عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم ; لأنهم طرقوا البلاد # PageV09P106 # وأهلها غافلون، فلما اجتمعوا عنده رحل بهم عائدا إلى بلادهم. # ذكر ملك زنكي شهرزور وأعمالها # في هذه السنة ملك أتابك زنكي شهرزور وأعمالها، وما يجاورها من الحصون، ~~وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني، وكان حكمه نافذا على قاصي ~~التركمان ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضا، فتحامى الملوك قصده، ~~ولم يتعرضوا لولايته لهذا؛ ولأنها منيعة كثيرة المضايق، فعظم شأنه وازداد ~~جمعه، وأتاه التركمان من كل فج عميق. # فلما كان هذه السنة سير إليه أتابك زنكي عسكرا، فجمع أصحابه ولقيهم، ~~فتصافوا واقتتلوا، فانهزم قفجاق، واستبيح عسكره، وسار الجيش الأتابكي [في ~~أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع فملكوها جميعها، وبذلوا الأمان لقفجاق، فصار ~~إليهم وانخرط في سلك العساكر] ولم يزل هو، وبنوه في خدمة البيت الأتابكي ~~على أحسن قضية إلى بعد سنة ستمائة بقليل، وفارقوها. # ذكر عدة حوادث ms3939 # في هذه السنة جرى بين أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله وبين الوزير شرف ~~الدين علي بن طراد الزينبي منافرة، وسببها أن الوزير كان يعترض الخليفة في ~~كل ما يأمر به، فنفر الخليفة من ذلك، فغضب الوزير، ثم خاف فقصد دار السلطان ~~في سميرية وقت الظهر، ودخل إليها واحتمى بها، فأرسل إليه الخليفة في العود ~~إلى منصبه فامتنع، وكانت الكتب تصدر باسمه، واستنيب قاضي القضاة الزينبي ~~وهو ابن # PageV09P107 # عم الوزير، وأرسل الخليفة إلى السلطان رسلا في معنى الوزير، فأرخص له ~~السلطان في عزله، فحينئذ أسقط اسمه من الكتب، وأقام بدار السلطان، ثم عزل ~~الزينبي من النيابة، وناب سديد الدولة بن الأنباري. # وفيها قتل المقرب جوهر، وهو من خدم السلطان سنجر، وكان قد حكم في دولته ~~جميعها، ومن جملة أقطاعه الري، ومن جملة مماليكه عباس صاحب الري، وكان سائر ~~عسكر السلطان سنجر يخدمونه ويقفون ببابه، وكان قتله بيد الباطنية، وقف له ~~جماعة منهم بزي النساء، واستغثن به، فوقف يسمع كلامهم فقتلوه، فلما قتل جمع ~~صاحبه عباس العساكر، وقصد الباطنية، فقتل منهم وأكثر، وفعل بهم ما لم يفعله ~~غيره، ولم يزل يغزوهم ويقتل فيهم ويخرب بلادهم إلى أن مات. # وفيها زلزلت كنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأران إلا أن أشدها كان ~~بكنجة، فخرب منها الكثير، وهلك عالم لا يحصون كثرة. # قيل: كان الهلكى مائتي ألف وثلاثين ألفا، وكان من جملة الهلكى ابنان ~~لقراسنقر صاحب البلاد، وتهدمت قلعة هناك لمجاهد الدين بهروز، وذهب له فيها ~~من الذخائر والأموال شيء عظيم. # PageV09P108 # وفيها شرع مجاهد الدين بهروز في عمل النهروانات: سكر سكرا عظيما يرد ~~الماء إلى مجراه الأول، وحفر مجرى الماء القديم، وخرق إليه مجراة تأخذ من ~~ديالى ثم استحال بعد ذلك، وجرى الماء ناحية من السكر، وبقي السكر في البئر ~~لا ينتفع به أحد، ولم يتعرض أحد لرده إلى مجراه عند السكر إلى وقتنا هذا. # وفيها انقطع الغيث ببغداد والعراق، ولم يجئ غير مرة واحدة في آذار، ثم ~~انقطع ووقع الغلاء، وعدمت الأقوات بالعراق. # وفيها ms3940 في جمادى الآخرة دخل الخليفة بفاطمة خاتون بنت السلطان مسعود، وكان ~~يوم حملها إلى دار الخليفة يوما مشهودا، أغلقت بغداد عدة أيام، وزينت وتزوج ~~السلطان مسعود بابنة الخليفة المقتفي لأمر الله وعقد عليها، واستقر أن # PageV09P109 # يتأخر زفافها خمس سنين لصغره. # [الوفيات] # وفيها في ربيع الأول، توفي القاضي أبو الفضل يحيى ابن قاضي دمشق المعروف ~~بالزكي. # PageV09P110 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة] # (535) # ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة # ذكر مسير جهاردانكي إلى العراق وما كان منه # في هذه السنة أمر السلطان مسعود الأمير إسماعيل المعروف بجهاردانكي، ~~والبقش كون خر، بالمسير إلى خوزستان وفارس وأخذهما من بوزابة، وأطلق لهما ~~نفقة على بغداد، فسارا فيمن معهما إلى بغداد، فمنعهم مجاهد الدين بهروز من ~~دخولها فلم يقبلوا منه، فأرسل إلى المعابر فخسفها وغرقها، وجد في عمارة ~~السور، وسد باب الظفرية وباب كلواذى، وأغلق باقي الأبواب، وعلق عليها ~~السلاح وضرب الخيام للمقاتلة. # فلما علما بذلك عبرا بصرصر، وقصدا الحلة، فمنعا منها، فقصدا واسط، فخرج ~~إليهما الأمير طرنطاي وتقاتلوا، فانهزم طرنطاي، ودخلوا واسط فنهبوها ونهبوا ~~بلد فرسان، والنعمانية، وانضم طرنطاي إلى حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة، ~~ووافقهم عسكر البصرة، وفارق إسماعيل والبقش بعض عسكرهما، وصاروا مع طرنطاي ~~فضعف أولئك، فسار إلى تستر، واستشفع إسماعيل إلى السلطان فعفا عنه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصل رسول من السلطان سنجر، ومعه بردة النبي - صلى الله عليه # PageV09P111 # وسلم - والقضيب، وكانا قد أخذا من المسترشد، فأعادهما الآن إلى المقتفي. # وفي هذه السنة توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل، ~~وكان مرضه السل وطال به، وكان من مماليك الملك طغرل، وسلمت أذربيجان ~~وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي. وكان قراسنقر علا شأنه على سلطانه، ~~وخافه السلطان. # وفيها كان بين أتابك زنكي وبين داود سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب ~~شديدة، وانهزم داود بن سقمان، وملك زنكي من بلاده قلعة بهمرد، وأدركه ~~الشتاء فعاد إلى الموصل. # وفيها ملك الإسماعيلية حصن مصيات بالشام، وكان واليه مملوكا لبني منقذ ~~أصحاب شيزر، ms3941 فاحتالوا عليه ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه، وملكوا الحصن ~~وهو بأيديهم إلى الآن. # [الوفيات] # وفيها توفي سديد الدولة بن الأنباري، واستوزر الخليفة بعده نظام الدين ~~أبا # PageV09P112 # نصر المظفر محمد بن محمد بن جهير، وكان قبل ذلك أستاذ الدار. # وفيها توفي يرنقش بازدار صاحب قزوين. # وفيها في رجب ظفر ابن الدانشمند صاحب ملطية وغيرها من تلك النواحي بجمع ~~من الروم فقتلهم، وغنم ما معهم. # وفيها في رمضان سارت طائفة من الفرنج بالشام إلى عسقلان ليغيروا على ~~أعمالها، وهي لصاحب مصر، فخرج إليهم العسكر الذي بعسقلان فقاتلهم، فظفر ~~المسلمون، وقتلوا من الفرنج كثيرا، فعادوا منهزمين. # وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد، بناها كمال الدين أبو الفتوح بن ~~طلحة صاحب المخزن، ولما فرغت درس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل، وحضره ~~أرباب المناصب وسائر الفقهاء. # [الوفيات] # وفيها في رجب مات القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري قاضي ~~المارستان عن نيف وتسعين سنة، وله الإسناد العالي في الحديث، وكان عالما ~~بالمنطق، والحساب، والهيئة، وغيرها من علوم الأوائل، وهو آخر من حدث في ~~الدنيا عن أبي إسحاق البرمكي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي طالب ~~العشاري، وأبي محمد الجوهري وغيرهم. # وتوفي الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفهاني # PageV09P113 # عاشر ذي الحجة، ومولده سنة تسع وخمسين [وأربعمائة] وله التصانيف ~~المشهورة. # وتوفي يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسن أبو يعقوب الهمذاني من أهل بروجرد، ~~وسكن مرو، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وروى الحديث، واشتغل بالرياضات، ~~والمجاهدات، ووعظ ببغداد، فقام إليه متفقه يقال له ابن السقاء وسأله، وآذاه ~~في السؤال، فقال: اسكت، إني أشم منك ريح الكفر! فسافر الرجل إلى بلد الروم ~~وتنصر. # وفيها مات أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المشهور. # PageV09P114 ### | [ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة] # (536) # ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة # ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا، وملكهم ما وراء النهر # قد ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن نذكرها جميعها للخروج ~~من عهدتها، فنقول: # في هذه السنة ms3942 في المحرم انهزم السلطان سنجر من الترك الكفار، وسبب ذلك أن ~~سنجر كان قتل ابنا لخوارزم شاه أتسز بن محمد - كما ذكرناه قبل - فبعث ~~خوارزم شاه إلى الخطا وهم بما وراء النهر، يطمعهم في البلاد، ويروج عليهم ~~أمرها وتزوج إليهم، وحثهم على قصد مملكة السلطان سنجر، فساروا في ثلاثمائة ~~ألف فارس، وسار إليهم سنجر في عساكره، فالتقوا بما وراء النهر، واقتتلوا ~~أشد قتال، وانهزم سنجر في جميع عساكره، وقتل منهم مائة ألف قتيل، منهم أحد ~~عشر ألفا كلهم صاحب عمامة، وأربعة آلاف امرأة، وأسرت زوجة السلطان سنجر، ~~وتم سنجر منهزما إلى ترمذ، وسار منها إلى بلخ. # ولما انهزم سنجر قصد خوارزم شاه مدينة مرو، فدخلها مراغمة للسلطان سنجر، ~~وقتل بها، وقبض على أبي الفضل الكرماني الفقيه الحنفي وعلى جماعة من ~~الفقهاء، وغيرهم من أعيان البلد. # ولم يزل السلطان سنجر مسعودا إلى وقتنا هذا، لم تنهزم له راية، ولما تمت ~~عليه هذه الهزيمة أرسل إلى السلطان مسعود، وأذن له في التصرف في الري وما ~~يجري معها على قاعدة أبيه السلطان محمد، وأمره أن يكون مقيما فيها بعساكره ~~بحيث إن دعت حاجة استدعاه لأجل هذه الهزيمة، فوصل عباس صاحب الري إلى بغداد # PageV09P115 # بعساكره، وخدم السلطان مسعودا خدمة عظيمة، وسار السلطان إلى الري امتثالا ~~لأمر عمه سنجر. # وقيل: إن بلاد تركستان، وهي كاشغر، وبلاساغون، وختن، وطراز، وغيرها مما ~~يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية الأتراك، وهم ~~مسلمون من نسل أفراسياب التركي، إلا أنهم مختلفون. # وكان سبب إسلام جدهم الأول واسمه سبق قراخاقان أنه رأى في منامه كأن رجلا ~~نزل من السماء فقال بالتركية ما معناه: أسلم تسلم في الدنيا والآخرة، فأسلم ~~في منامه، وأصبح فأظهر إسلامه، فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن سبق، ولم ~~يزل الملك بتلك الناحية في أولاده إلى أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود ~~بغراخان بن إبراهيم الملقب بطمغاج خان بن إيلك الملقب بنصر أرسلان بن علي ~~بن موسى بن سبق، فخرج على قدرخان ms3943 فانتزع الملك منه، فقتل سنجر قدرخان كما ~~ذكرناه سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وأعاد الملك إلى أرسلان خان، وثبت قدمه. ~~وخرج خوارج، فاستصرخ السلطان سنجر، فنصره وأعاده إلى ملكه أيضا. # وكان من جنده نوع من الأتراك يقال لهم القارغلية، والأتراك الغزية الذين ~~نهبوا خراسان على ما نذكره إن شاء الله، وهم نوعان: نوع يقال لهم أجق، ~~وأميرهم طوطى بن دادبك، ونوع يقال لهم برق، وأميرهم قرعوت بن عبد الحميد، ~~فحسن الشريف الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي السمرقندي لولد أرسلان خان ~~المعروف بنصر خان طلب الملك من أبيه وأطمعه، فسمع محمد خان الخبر، فقتل ~~الابن والشريف الأشرف. # وجرت بين أرسلان خان، وبين جنده القارغلية وحشة دعتهم إلى العصيان عليه ~~وانتزاع الملك منه، فعاود الاستغاثة بالسلطان سنجر، فعبر جيحون بعساكره سنة ~~أربع وعشرين وخمسمائة، وكان بينهما مصاهرة، فوصل إلى سمرقند، وهرب ~~القارغلية من بين يديه. # PageV09P116 # واتفق أن السلطان سنجر خرج إلى الصيد، فرأى خيالة، فقبض عليهم، فأقروا ~~بأن أرسلان خان وضعهم على قتله، فعاد إلى سمرقند، فحصر أرسلان خان بالقلعة ~~فملكها، وأخذه أسيرا، وسيره إلى بلخ فمات بها، وقيل بل غدر به سنجر، ~~واستضعفه، فملك البلد منه، فأشاع عنه ذلك. # فلما ملك سمرقند استعمل عليها بعده قلج طمغاج أبا المعالي الحسن بن علي ~~بن عبد المؤمن المعروف بحسن تكين، وكان من أعيان بيت الخانية، إلا أن ~~أرسلان خان اطرحه، فلما ولي سمرقند لم تطل أيامه، فمات عن قليل، فأقام سنجر ~~مقامه الملك محمود بن أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود بغراخان، وهو ابن ~~الذي أخذ منه سنجر سمرقند، وكان محمود هذا ابن أخت سنجر، وكان قبل ذلك سنة ~~اثنتين وعشرين وخمسمائة قد وصل الأعور الصيني إلى حدود كاشغر في عدد كثير ~~لا يعلمهم إلا الله، فاستعد له صاحب كاشغر وهو الخان أحمد بن الحسن، وجمع ~~جنوده فخرج إليه، والتقوا فاقتتلوا، وانهزم الأعور الصيني، وقتل كثير من ~~أصحابه، ثم إنه مات فقام مقامه كوخان الصيني. # وكوبلسان الصين لقب لأعظم ملوكهم، وخان ms3944 لقب الملوك الترك فمعناه أعظم ~~الملوك، وكان يلبس لبسة ملوكهم من المقنعة والخمار، وكان مانوي المذهب. # ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه الأتراك الخطا، وكانوا قد ~~خرجوا قبله من الصين، وهم في خدمة الخانية أصحاب تركستان. # وكان أرسلان خان محمد بن سليمان يسير كل سنة عشرة آلاف خركاة، وينزلهم ~~على الدروب التي بينه وبين الصين، يمنعون أحدا من الملوك أن يتطرق إلى ~~بلاده، وكان لهم على ذلك جرايات وإقطاعات، فاتفق أنه وجد عليهم في بعض ~~السنين، فمنعهم عن نسائهم لئلا يتوالدوا، فعظم عليهم، ولم يعرفوا وجها ~~يقصدونه، وتحيروا، فاتفق أنه اجتاز بهم قفل عظيم فيه الأموال الكثيرة ~~والأمتعة النفسية، فأخذوه وأحضروا التجار، وقالوا لهم: إن كنتم تريدون ~~أموالكم فتعرفونا بلدا كثير المرعى فسيحا، يسعنا ومعنا أموالنا، فاتفق رأي ~~التجار على بلد بلاساغون فوصفوه لهم، فأعادوا إليهم أموالهم، وأخذوا ~~الموكلين بهم لمنعهم عن نسائهم وكتفوهم، وأخذوا نساءهم، وساروا إلى ~~بلاساغون، وكان أرسلان خان يغزوهم، ويكثر جهادهم فخافوه خوفا عظيما. # PageV09P117 # فلما طال ذلك عليهم وخرج كوخان الصيني انضافوا إليه أيضا، فعظم شأنهم، ~~وتضاعف جمعهم، وملكوا بلاد تركستان، وكانوا إذا ملكوا المدينة لا يغيرون ~~على أهلها شيئا، بل يأخذون من كل بيت دينارا من أهل البلاد وغيرها من ~~القرى، وأما المزدرعات وغير ذلك فلأهله، وكل من أطاعهم من الملوك شد في ~~وسطه شبه لوح فضة، فتلك علامة من أطاعهم. # ثم ساروا إلى بلاد ما وراء النهر، فاستقبلهم الخاقان محمود بن محمد بن ~~حدود خجندة في رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، واقتتلوا، فانهزم الخاقان ~~محمود بن محمد وعاد إلى سمرقند، فعظم الخطب على أهلها، واشتد الخوف والحزن، ~~وانتظروا البلاء صباحا ومساء، وكذلك أهل بخارى وغيرها من بلاد ما وراء ~~النهر، وأرسل الخاقان محمود إلى السلطان سنجر يستمده وينهي إليه ما لقي ~~المسلمون، ويحثه على نصرتهم، فجمع العساكر، فاجتمع عنده ملوك خراسان: صاحب ~~سجستان، والغور، وملك غزنة، وملك مازندران، وغيرهم، فاجتمع له أكثر من مائة ~~ألف فارس، وبقي العرض ستة أشهر. # وسار سنجر ms3945 إلى لقاء الترك، فعبر إلى ما وراء النهر في ذي الحجة سنة خمس ~~وثلاثين وخمسمائة، فشكا إليه محمود بن محمد خان من الأتراك القارغلية، ~~فقصدهم سنجر، فالتجأوا إلى كوخان الصيني ومن معه من الكفار، وأقام سنجر ~~بسمرقند، فكتب إليه كوخان كتابا يتضمن الشفاعة في الأتراك القارغلية، ويطلب ~~منه أن يعفو عنهم فلم يشفعه فيهم، وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام، ويتهدده إن ~~لم يجب إليه، ويتوعده بكثرة عساكره، ووصفهم وبالغ في قتالهم بأنواع السلاح ~~حتى قال: وإنهم يشقون الشعر بسهامهم، فلم يرض هذا الكتاب وزيره طاهر بن فخر ~~الملك بن نظام الملك فلم يصغ إليه، وسير الكتاب، فلما قرئ الكتاب على كوخان ~~أمر بنتف لحية الرسول، وأعطاه إبرة، وكلفه شق شعرة من لحيته فلم يقدر أن ~~يفعل ذلك، فقال: كيف يشق غيرك شعرة بسهم وأنت عاجز عن شقها بإبرة؟ . # واستعد كوخان للحرب، وعنده جنود الترك والصين والخطا وغيرهم، # PageV09P118 # وقصد السلطان سنجر، فالتقى العسكران، وكانا كالبحرين العظيمين، بموضع ~~يقال له قطوان، وطاف بهم كوخان حتى ألجأهم إلى واد يقال له درغم، وكان على ~~ميمنة سنجر الأمير قماج، وعلى ميسرته ملك سجستان، والأثقال وراءهم، ~~فاقتتلوا خامس صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة. # وكانت الأتراك القارغلية الذين هربوا من سنجر من أشد الناس قتالا، ولم ~~يكن ذلك اليوم من عسكر السلطان سنجر أحسن قتالا من صاحب سجستان، فأجلت ~~الحرب عن هزيمة المسلمين، فقتل منهم ما لا يحصى من كثرتهم، واشتمل وادي ~~درغم على عشرة آلاف من القتلى والجرحى، ومضى السلطان سنجر منهزما، وأسر ~~صاحب سجستان، والأمير قماج، وزوجة السلطان سنجر وهي ابنة أرسلان خان، ~~فأطلقهم الكفار، وممن قتل الحسام عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الفقيه ~~الحنفي المشهور. # ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أكثر ممن قتل فيها بخراسان. # واستقرت دولة الخطا والترك والكفار بما وراء النهر، وبقي كوخان إلى رجب ~~من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فمات فيه، وكان جميلا، حسن الصورة، لا يلبس ~~إلا الحرير الصيني، له هيبة عظيمة على ms3946 أصحابه، ولم يسلط أميرا على أقطاع بل ~~كان يعطيهم من عنده ويقول: # متى أخذوا الأقطاع ظلموا، وكان لا يقدم أميرا على أكثر من مائة فارس حتى ~~لا يقدر على العصيان عليه، وكان ينهى أصحابه عن الظلم، وينهى عن السكر ~~ويعاقب عليه، ولا ينهى عن الزنا ولا يقبحه. # وملك بعده ابنة له فلم تطل مدتها حتى ماتت، فملك بعدها أمها زوجة كوخان ~~وابنة عمه، وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن أخذه منهم علاء الدين محمد ~~خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله. # PageV09P119 # ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان # قد ذكرنا قبل قصد السلطان سنجر خوارزم، وأخذها من خوارزم شاه أتسز وعوده ~~إليها، وقتل ولد خوارزم شاه، وأنه هو الذي راسل الخطا، وأطمعهم في بلاد ~~الإسلام، فلما لقيهم السلطان سنجر، وعاد منهزما سار خوارزم شاه إلى خراسان، ~~فقصد سرخس في ربيع الأول من السنة. # فلما وصل إليها لقيه الإمام أبو محمد الزيادي، وكان قد جمع بين الزهد ~~والعلم، فأكرمه خوارزم شاه إكراما عظيما، ورحل من هناك إلى مرو الشاهجان، ~~فقصده الإمام أحمد الباخرزي، وشفع في أهل مرو، وسأل ألا يتعرض لهم أحد من ~~العسكر، فأجابه إلى ذلك، ونزل بظاهر البلد، واستدعى أبا الفضل الكرماني ~~الفقيه وأعيان أهلها، فثار عامة مرو، وقتلوا بعض أهل خوارزم شاه، وأخرجوا ~~أصحابه من البلد، وأغلقوا أبوابه، واستعدوا للامتناع، فقاتلهم خوارزم شاه، ~~ودخل مدينة مرو سابع عشر ربيع الأول من السنة، وقتل كثيرا من أهلها. # وممن قتل: # إبراهيم المروزي الفقيه الشافعي، وعلي بن محمد بن أرسلان، وكان ذا فنون ~~كثيرة من العلم، وقتل الشريف علي بن إسحاق الموسوي، وكان رأس فتنة وملقح ~~شر، وقتل كثيرا من أعيان أهلها وعاد إلى خوارزم، واستصحب معه علماء كثيرين ~~من أهلها منهم: # أبو الفضل الكرماني، وأبو منصور العبادي، والقاضي الحسين بن محمد ~~الأرسابندي، وأبو محمد الخرقي الفيلسوف، وغيرهم. # ثم سار في شوال من السنة إلى نيسابور، فخرج إليه جماعة من فقهائها ~~وعلمائها # PageV09P120 # وزهادها، وسألوه أن ms3947 لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو، فأجابهم إلى ~~ذلك لكنه استقصى في البحث عن أموال أصحاب السلطان فأخذها، وقطع خطبة ~~السلطان سنجر أول ذي القعدة، وخطبوا له، فلما ترك الخطيب ذكر السلطان سنجر، ~~وذكر خوارزم شاه صاح الناس وثاروا، وكادت الفتنة تثور والشر يعود جديدا، ~~وإنما منع الناس من ذلك ذوو الرأي والعقل؛ نظرا في العاقبة، فقطعت إلى أول ~~المحرم سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، ثم أعيدت خطبة السلطان سنجر. # ثم سير خوارزم شاه جيشا إلى أعمال بيهق، فأقاموا بها يقاتلون أهلها خمسة ~~أيام، ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد، وعملوا بخراسان أعمالا عظيمة، ~~ومنع السلطان سنجر من مقاتلة أتسز خوارزم شاه خوفا من قوة الخطا بما وراء ~~النهر، ومجاورتهم خوارزم وغيرها من بلاد خراسان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة، ونقل من كان بها ~~من آل مهراش إلى الموصل، ورتب أصحابه فيها. # وفيها خطب لزنكي أيضا بمدينة آمد، وصار صاحبها في طاعته، وكان قبل ذلك ~~موافقا لداود على قتال زنكي، فلما رأى قوة زنكي صار معه. # وفيها عزل مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد، ووليها قزل أمير آخر، وهو ~~من مماليك السلطان محمود، وكان له بروجرد والبصرة، فأضيف إليه شحنكية ~~بغداد، ثم وصل السلطان مسعود إلى بغداد، فرأى من تبسط العيارين وفسادهم ما ~~ساءه، فأعاد بهروز إلى الشحنكية، فتاب كثير منهم، ولم ينتفع الناس بذلك؛ ~~لأن ولد الوزير وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين، فلم يقدر بهروز ~~على منعهم. # PageV09P121 # وفيها تولى عبد الرحمن طغايرك حجبة السلطان، واستولى على المملكة، وعزل ~~الأمير تتر الطغرلي عنها، وآل أمره إلى أن يمشي في ركاب عبد الرحمن. # وفيها توفي إبراهيم السهاوي مقدم الإسماعيلية، فأحرقه ولد عباس صاحب الري ~~في تابوته. # وفيها حج كمال الدين بن طلحة صاحب المخزن، وعاد وقد لبس ثياب الصوفية، ~~وتخلى عن جميع ما كان فيه، وأقام في داره مرعي الجانب محروس القاعدة. # وفيها وصل السلطان إلى بغداد وكان الوزير الزينبي ms3948 بدار السلطان، كما ~~ذكرناه، فسأل السلطان أن يشفع فيه ليرده الخليفة إلى داره، فأرسل السلطان ~~وزيره إلى دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي، وشفع في أن يعود إلى ~~داره، فأذن له في ذلك، وأعيد أخوه إلى نقابة النقباء، فلزم الوزير داره، ~~ولم يخرج منها إلا إلى الجامع. # وفيها أغار عسكر أتابك زنكي من حلب على بلاد الفرنج، فنهبوا وأحرقوا، ~~وظفروا بسرية الفرنج، فقتلوا فيهم وأكثروا، فكان عدة القتلى سبعمائة رجل. # وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق، فسير السلطان مسعود سرية إليهم من العسكر، ~~فنهبوا حلتهم، وقتلوا من ظفروا به منهم وعادوا سالمين. # وفيها سير رجار الفرنجي صاحب صقلية أسطولا إلى أطراف إفريقية، فأخذوا ~~مراكب سيرت من مصر إلى الحسن صاحب إفريقية، وغدر بالحسن، ثم راسله # PageV09P122 # الحسن وجدد الهدنة لأجل حمل الغلات من صقلية إلى إفريقية؛ لأن الغلاء كان ~~فيها شديدا، والموت كثيرا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي الدمشقي، وكان ~~عالما صالحا. # وفيها توفي ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي وزير أتابك زنكي، وكان حسن ~~السيرة في وزارته، كريما رئيسا. # وفيها توفي أبو محمد بن طاوس إمام الجامع بدمشق في الحرم، وكان رجلا ~~صالحا فاضلا. # وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث المعروف ~~بابن السمرقندي، ولد بدمشق سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان مكثرا من ~~الحديث. # PageV09P123 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة] # (537) # ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة # ذكر ملك أتابك زنكي قلعة آشب وغيرها من الهكارية # في هذه السنة أرسل أتابك زنكي جيشا إلى قلعة آشب، وكانت أعظم حصون ~~الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلهم، فحصروها وضيقوا على من بها ~~فملكوها، فأمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضا عنها، وكانت ~~هذه العمادية حصنا عظيما من حصونهم، فخربوه لكبره لأنه كبير جدا، وكانوا ~~يعجزون عن حفظه، فخربت الآن آشب، وعمرت العمادية، وإنما سميت العمادية نسبة ~~إلى لقبه، وكان نصير الدين جقر نائبه بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية. # ذكر حصر الفرنج ms3949 طرابلس الغرب # وفي هذه السنة سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها، ~~وسبب ذلك أن أهلها في أيام الأمير الحسن صاحب إفريقية، لم يدخلوا يدا في ~~طاعته، ولم يزالوا مخالفين مشاقين له، قد قدموا عليهم من بني مطروح مشايخ ~~يدبرون أمرهم، فلما رآهم ملك صقلية كذلك جهز إليهم في البحر، فوصلوا إليهم ~~تاسع ذي الحجة، فنازلوا البلد وقاتلوه، وعلقوا الكلاليب في سوره، ونقبوه. # فلما كان الغد وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد، فقوي أهل طرابلس # PageV09P124 # بهم، فخرجوا إلى الأسطولية، فحملوا عليهم حملة منكرة، فانهزموا هزيمة ~~فاحشة، وقتل منهم خلق كثير، ولحق الباقون بالأسطول وتركوا الأسلحة والأثقال ~~والدواب، فنهبها العرب وأهل البلد. # ورجع الفرنج إلى صقلية، فجددوا أسلحتهم، وعادوا إلى المغرب، فوصلوا إلى ~~جيجل، فلما رآهم أهل البلد هربوا منه إلى البراري والجبال، فدخلها الفرنج ~~وسبوا من أدركوا فيها، وهدموها وأحرقوا القصر الذي بناه يحيى بن العزيز بن ~~حماد للنزهة، ثم عادوا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج حسن أمير الأمراء على السلطان سنجر بخراسان. # وفيها توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده الملك ~~مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية، وهو من السلجوقية. # وفيها خرج من الروم عسكر كثير إلى الشام، فحصروا الفرنج بأنطاكية، فخرج ~~صاحبها واجتمع بملك الروم، وأصلح حاله معه، وعاد إلى مدينة أنطاكية، ومات ~~في رمضان من هذه السنة، ثم إن ملك الروم بعد أن صالح صاحب أنطاكية سار إلى ~~طرابلس، فحصرها ثم سار عنها. # وفيها قبض السلطان مسعود على الأمير ترشك وهو من خواص الخليفة، وممن ربي ~~عنده وفي داره، فساء ذلك الخليفة، ثم أطلقه السلطان حفظا لقلب الخليفة. # وفيها كان بمصر وباء عظيم، فهلك فيه أكثر أهل البلاد. # PageV09P125 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة] ### | 538 - # ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة # ذكر صلح الشهيد والسلطان مسعود # في هذه السنة وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته في كل سنة، وجمع ~~العساكر، وتجهز لقصد أتابك زنكي، وكان حقد عليه حقدا ms3950 شديدا. # وسبب ذلك أن أصحاب الأطراف الخارجين على السلطان مسعود كانوا يخرجون عليه ~~- على ما تقدم ذكره - فكان ينسب ذلك إلى أتابك زنكي، ويقول: إنه هو الذي ~~سعى فيه وأشار به لعلمه أنهم كلهم كانوا يصدرون عن رأيه، فكان أتابك زنكي ~~لا شك يفعل ذلك؛ لئلا يخلو السلطان فيتمكن منه ومن غيره، فلما تفرغ السلطان ~~هذه السنة جمع العساكر ليسير إلى بلاده، فسير أتابك يستعطفه ويستميله، ~~فأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد، فاستقرت ~~القاعدة على مائة ألف دينار يحملها إلى السلطان ليعود عنه، فحمل عشرين ألف ~~دينار أكثرها عروض، ثم تنقلت الأحوال بالسلطان إلى أن احتاج إلى مداراة ~~أتابك، وأطلق له الباقي استمالة له، وحفظا لقلبه، وكان أعظم الأسباب في ~~قعود السلطان عنه ما يعمله من حصانة بلاده وكثرة عساكره وأمواله. # ومن جيد الرأي ما فعله الشهيد في هذه الحادثة، فإنه كان ولده الأكبر سيف ~~الدين غازي لا يزال عند السلطان سفرا، وحضرا بأمر والده، فأرسل إليه الآن ~~يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل، فأرسل إلى نائبه بها نصير الدين ~~جقر يقول له # PageV09P126 # ليمنعه عن الدخول والوصول إليه، فهرب غازي. # وبلغ الخبر والده، فأرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، ~~وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول له: # إن ولدي هرب خوفا من السلطان لما رأى تغيره علي، وقد أعدته إلى الخدمة، ~~ولم أجتمع به، فإنه مملوكك، والبلاد لك، فحل ذلك من السلطان محلا عظيما. # ذكر ملك أتابك بعض ديار بكر # وفي هذه السنة سار أتابك زنكي إلى ديار بكر ففتح منها عدة بلاد وحصون، ~~فمن ذلك: # مدينة طنزة، ومدينة أسعرد، ومدينة حيزان، وحصن الروق، وحصن قطليس، وحصن ~~ناتاسا، وحصن ذي القرنين، وغير ذلك مما لم يبلغ شهرة هذه الأماكن، وأخذ ~~أيضا من بلد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين، والموزر، وتل موزن، وغيرها من ~~حصون جوسلين، ورتب أمور الجميع، وجعل فيها من الأجناد من يحفظها، وقصد ~~مدينة آمد، وحاني فحصرهما، وأقام بتلك ms3951 الناحية مصلحا لما فتحه، ومحاصرا لما ~~لم يفتحه. # ذكر أمر العيارين ببغداد # وفي هذه السنة زاد أمر العيارين وكثروا؛ لأمنهم من الطلب بسبب ابن الوزير # PageV09P127 # وابن قاروت أخي زوجة السلطان ; لأنهما كان لهما نصيب في الذي يأخذه ~~العيارون. # وكان النائب في شحنكية بغداد يومئذ مملوك اسمه إيلدكز، وكان صارما مقداما ~~ظالما، فحمله الإقدام إلى أن حضر عند السلطان، وقال له السلطان: # إن السياسة قاصرة، والناس قد هلكوا، فقال: # يا سلطان العالم، إذا كان عقيد العيارين ولد وزيرك وأخا امرأتك، فأي قدرة ~~لي على المفسدين؟ وشرح له الحال، فقال له: # الساعة تخرج وتكبس عليهما أين كانا وتصلبهما، فإن فعلت وإلا صلبتك، فأخذ ~~خاتمه، وخرج فكبس على ابن الوزير فلم يجده، فأخذ من كان عنده، وكبس على ابن ~~قاروت فأخذه وصلبه، فأصبح الناس وهرب ابن الوزير، وشاع في الناس الأمر، ~~ورثي ابن قاروت مصلوبا، فهرب أكثر العيارين، وقبض على من أقام، وكفى الناس ~~شرهم. # ذكر حصر سنجر خوارزم وصلحه مع خوارزم شاه # قد ذكرنا سنة اثنتين وثلاثين [وخمسمائة] مسير سنجر إلى خوارزم وملكه لها، ~~وعود أتسز خوارزم شاه إليها وأخذها، وما كان منه بخراسان بعد ذلك، فلما كان ~~في هذه السنة سار السلطان سنجر إلى خوارزم، فجمع خوارزم شاه عساكره، وتحصن ~~بالمدينة، ولم يخرج منها لقتال، لعلمه أنه لا يقوى لسنجر. # وكان القتال يجري بين الفريقين من وراء السور، فاتفق [في] يوم من بعض ~~الأيام أن هجم أمير من أمراء سنجر اسمه سنقر على البلد من الجانب الشرقي ~~ودخله، ودخل أمير آخر اسمه مثقال التاجي من الجانب الغربي، فلم يبق غير ~~ملكه قهرا وعنوة، وانصرف مثقال عن البلد حسدا لسنقر، فقوي عليه خوارزم شاه ~~أتسز، فأخرجه من البلد، وبقي سنقر وحده، واشتد في حفظه، فلما رأى السلطان ~~قوة البلد، وامتناعه عزم على العود إلى مرو، ولم يمكنه من غير قاعدة تستقر ~~بينهما، فاتفق أن # PageV09P128 # خوارزم شاه أرسل رسلا يبذل المال والطاعة والخدمة، ويعود إلى ما كان عليه ~~من الانقياد، فأجابه إلى ذلك ms3952 واصطلحا، وعاد سنجر إلى مرو، وأقام خوارزم شاه ~~بخوارزم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سير أتابك زنكي عسكرا إلى مدينة عانة من أعمال الفرات ~~فملكوها. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد ~~الأنماطي، الحافظ ببغداد، ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة. # وفيها توفي أبو الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الإسفراييني الواعظ، من أهل ~~إسفرايين من خراسان، وأقام مدة ببغداد يعظ، وسار إلى خراسان، فمات ببسطام، ~~وكان إماما فاضلا صالحا، وكان بينه وبين علي الغزنوي تحاسد، فلما مات حضر ~~الغزنوي عزاءه ببغداد، وبكى وأكثر، فقال بعض أصحاب أبي الفتوح الغزنوي ~~كلاما أغلظ له فيه، فلما قام الغزنوي لامه بعض تلامذته على حضور العزاء ~~وكثرة البكاء، وقال له: كنت مهاجرا لهذا الرجل، فلما مات حضرت عزاءه، ~~وأكثرت # PageV09P129 # البكاء وأظهرت الحزن؟ قال: كنت أبكي على نفسي، كان يقال فلان وفلان، فمن ~~يعدم النظير أيقن بالرحيل، وأنشد هذه الأبيات: # ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وسينقضي بعد المبرد ثعلب # بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباق نصفه فسيخرب # فتزودوا من ثعلب فبمثل ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب # أوصيكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب # وفيها توفي الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، في رمضان، معزولا، ~~ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل إلى الحربية. # وفيها توفي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري النحوي المفسر، وزمخشر: ~~إحدى قرى خوارزم. # PageV09P130 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة] # (539) # ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة # ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما كان بيد الفرنج # في هذه السنة سادس جمادى الآخرة، فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر ~~مدينة الرها من الفرنج، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضا، وكان ضررهم قد ~~عم بلاد الجزيرة، وشرهم قد استطار فيها، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها ~~وأقاصيها، وبلغت آمد، ونصيبين ورأس عين، والرقة. # وكانت مملكتهم بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها، وسروج، ~~والبيرة، وسن ابن عطير، وحملين، والموزر، والقرادي وغير ذلك. ms3953 # وكانت هذه الأعمال مع غيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين، وكان صاحب رأي ~~الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما هو عليه من الشجاعة والمكر. # وكان أتابك يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع فيها من الفرنج من يمنعها، ~~فيتعذر عليه ملكها لما هي عليه من الحصانة، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج ~~أنه غير متفرغ لقصد بلادهم. فلما رأوا أنه غير قادر على ترك الملوك ~~الأرتقية وغيرهم من ملوك ديار بكر، حيث إنه محارب لهم، اطمأنوا، وفارق ~~جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاد الغربية، فجاءت عيون أتابك إليه فأخبرته ~~فنادى في العسكر بالرحيل، وأن لا يتخلف عن الرها أحد من غد يومه، وجمع ~~الأمراء عنده، وقال: قدموا الطعام ; وقال: لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا ~~من يطعن غدا معي على باب # PageV09P131 # الرها، فلم يتقدم إليه غير (أمير) واحد وصبي لا يعرف، لما يعلمون من ~~إقدامه وشجاعته، وأن أحدا لا يقدر على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلك ~~الصبي: ما أنت في هذا المقام؟ فقال أتابك: دعه، فوالله إني أرى وجها لا ~~يتخلف عني. # وسار والعساكر معه، ووصل إلى الرها، وكان هو أول من حمل على الفرنج ومعه ~~ذلك الصبي، وحمل فارس من خيالة الفرنج على أتابك عرضا، فاعترضه ذلك الأمير ~~فطعنه فقتله، وسلم الشهيد، ونازل البلد، وقاتله ثمانية وعشرين يوما، فزحف ~~إليه عدة دفعات، وقدم النقابين فنقبوا سور البلد، ولج في قتاله خوفا من ~~اجتماع الفرنج والمسير إليه واستنقاذ البلد منه، فسقطت البدنة التي نقبها ~~النقابون، [وأخذ] البلد عنوة وقهرا، وحصر قلعته فملكها أيضا، ونهب الناس ~~الأموال وسبوا الذرية وقتلوا الرجال. # فلما رأى أتابك البلد أعجبه، ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة، ~~فأمر فنودي في العساكر برد من أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى ~~بيوتهم، وإعادة ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا الجميع عن آخره لم يفقد ~~منهم أحد، إلا الشاذ النادر الذي أخذ، وفارق (من أخذه) العسكر، فعاد البلد ~~إلى حاله الأول، وجعل فيه عسكرا يحفظه، وتسلم مدينة سروج ms3954 وسائر الأماكن ~~التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات، ما عدا البيرة، فإنها حصينة منيعة وعلى ~~شاطئ الفرات، فسار إليها وحصرها، وكانوا قد أكثروا ميرتها ورجالها، فبقي ~~على حصارها إلى أن رحل عنها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # حكي أن بعض العلماء بالأنساب والتواريخ قال: كان صاحب جزيرة صقلية قد # PageV09P132 # أرسل سرية في البحر إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال، فنهبوا وقتلوا ; وكان ~~بصقلية إنسان من العلماء المسلمين، وهو من أهل الصلاح، وكان صاحب صقلية ~~يكرمه ويحترمه، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان ; ~~وكان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب. # ففي بعض الأيام كان جالسا في منظرة له تشرف على البحر، وإذ قد أقبل مركب ~~لطيف، وأخبره من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام، وغنموا وقتلوا وظفروا ; ~~وكان المسلم إلى جانبه وقد أغفى، فقال له الملك: يا فلان! أما تسمع ما ~~يقولون؟ قال: لا! قال: إنهم يخبرون بكذا وكذا. أين كان محمد عن تلك البلاد ~~وأهلها؟ فقال له: كان قد غلب عنهم، وشهد فتح الرها، وقد فتحها المسلمون ~~الآن ; فضحك منه من هناك من الفرنج، فقال الملك: لا تضحكوا، فوالله ما يقول ~~إلا الحق ; فبعد أيام وصلت الأخبار من فرنج الشام بفتحها. # وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى الشهيد في ~~منامه، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بفتح الرها. # ذكر قتل نصير الدين جقر وولاية زين الدين علي كوجك قلعة الموصل # في هذه السنة، في ذي القعدة، قتل نصير الدين جقر نائب أتابك زنكي بالموصل ~~والأعمال جميعها التي شرق الفرات. # وسبب قتله أن الملك ألب أرسلان المعروف بالخفاجي، ولد السلطان محمود، كان ~~عند أتابك الشهيد، وكان يظهر للخلفاء والسلطان مسعود وأصحاب الأطراف أن هذه ~~البلاد لهذا الملك، وأنا نائبه فيها، وكان ينتظر وفاة السلطان مسعود ليخطب ~~له بالسلطنة، ويملك البلاد باسمه، وكان هذا الملك بالموصل، هذه السنة، ~~ونصير الدين يقصده كل يوم ليقوم بخدمة إن عرضت له، ms3955 فحسن له بعض المفسدين ~~طلب الملك، وقال له: إن قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها من البلاد، ولا ~~يبقى مع أتابك زنكي فارس واحد. فوقع هذا منه موقعا حسنا وظنه صدقا، فلما ~~دخل نصير الدين إليه وثب عليه من عنده من أجناد أتابك ومماليكه فقتلوه، ~~وألقوا برأسه إلى أصحابه # PageV09P133 # ظنا منهم أن أصحابه يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلد. # وكان الأمر خلاف ما ظنوه، فإن أصحابه وأصحاب أتابك الذين في خدمته لما ~~رأوا رأسه قاتلوا من بالدار مع الملك، واجتمع معهم الخلق الكثير، وكانت ~~دولة أتابك مملوءة بالرجال والأجلاد ذوي الرأي والتجربة، ثم دخل إليه ~~القاضي تاج الدين يحيى بن الشهرزوري ولم يزل به يخدعه، وكان فيما قال له ~~حين رآه منزعجا: يا مولانا، لم تحرد من هذا الكلب؟ هذا وأستاذه مماليكك، ~~والحمد لله الذي أراحنا منه ومن صاحبه على يدك، وما الذي يقعدك في هذه ~~الدار؟ قم لتصعد القلعة وتأخذ الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند، ~~وليس دون البلاد بعد الموصل مانع. # فقام معه وركب القلعة، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد ~~القتال، فتقدم إليهم تاج الدين وقال لهم: افتحوا الباب وتسلموه، وافعلوا به ~~ما أردتم. ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضي إليها ومعهما من أعان على قتل ~~نصير الدين، فسجنوا ونزل القاضي. # وبلغ الخبر أتابك زنكي وهو يحاصر قلعة البيرة، وقد أشرف على ملكها، فخاف ~~أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، ففارق البيرة وأرسل زين الدين ~~علي بن بكتكين إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره البروجردي، ووزر بعده المرزبان ~~بن عبيد الله بن نصر الأصفهاني، وسلم إليه البروجردي، فاستخرج أمواله، ومات ~~مقبوضا. # وفيها كان أتابك عماد الدين زنكي يحاصر البيرة، وهي للفرنج شرقي الفرات ~~بعد ملك الرها، وهي من أمنع الحصون، وضيق عليها وقارب أن يفتحها، فجاءه خبر ~~قتل نصير الدين نائبه بالموصل، فرحل عنها، وأرسل نائبا إلى الموصل، وأقام ~~ينتظر ms3956 # PageV09P134 # الخبر، فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود إليهم، وكانوا يخافونه خوفا ~~شديدا، فأرسلوا إلى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له، فملكها المسلمون. # وفيها خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل إفريقية والغرب، ففتحوا مدينة ~~برشك، وقتلوا أهلها، وسبوا حريمهم وباعوه بصقلية على المسلمين. # وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف صاحب الغرب، وكانت ولايته تزيد على ~~أربع سنين، وولي بعده أخوه، وضعف أمر الملثمين، وقوي عبد المؤمن، وقد ذكرنا ~~ذلك سنة أربع عشرة وخمسمائة. # وفيها في شوال ظهر كوكب عظيم له ذنب من جانب المشرق، وبقي إلى نصف ذي ~~القعدة، ثم غاب، ثم طلع من جانب الغرب، فقيل: هو هو، وقيل بل غيره. # وفيها كانت فتنة عظيمة بين الأمير هاشم بن فليتة بن القاسم العلوي ~~الحسيني، أمير مكة، والأمير نظر الخادم أمير الحاج، فنهب أصحاب هاشم الحجاج ~~وهم في المسجد يطوفون ويصلون، ولم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة. # [الوفيات] # وفيها، في ذي الحجة، توفي عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن # PageV09P135 # حمدويه أبو المعالي المروزي بمرو، وسافر الكثير، وسمع الحديث الكثير، ~~وبنى بمرو رباطا، ووقف فيه كتبا كثيرة، وكان كثير الصدقة والعبادة. # وتوفي محمد بن عبد الملك بن حسن بن إبراهيم بن خيرون أبو منصور المقري، ~~ومولده في رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وهو آخر من روى عن الجوهري ~~بالإجازة، وتوفي في رجب. # وفي ذي الحجة منها توفي أبو منصور سعيد بن محمد بن عمر المعروف بابن ~~الرزاز، مدرس النظامية ببغداد، ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتفقه ~~على الغزالي والشامي، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق. # PageV09P136 ### | [ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة] # (540) # ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة # ذكر اتفاق بوزابة وعباس على منازعة السلطان # في هذه السنة سار بوزابة صاحب فارس وخوزستان، وعساكره إلى قاشان، ومعه ~~الملك محمد [ابن السلطان محمود، واتصل بهم الملك سليمان شاه] ابن السلطان ~~محمد، واجتمع بوزابة والأمير عباس صاحب الري، واتفقا على الخروج عن طاعة ~~السلطان مسعود، وملكا كثيرا من بلاده. # ووصل الخبر ms3957 إليه وهو ببغداد ومعه الأمير عبد الرحمن طغايرك، وهو أمير ~~حاجب، حاكم في الدولة، وكان ميله إليهما، فسار السلطان في رمضان عن بغداد، ~~ونزل بها الأمير مهلهل، ونظر، وجماعة من غلمان بهروز ; وسار السلطان وعبد ~~الرحمن معه، فتقارب العسكران، ولم يبق إلا المصاف، فلحق سليمان شاه بأخيه ~~مسعود، وشرع عبد الرحمن في تقرير الصلح على القاعدة التي أرادوها، وأضيف ~~إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وأرانية إلى ما بيده، وصار أبو الفتح بن ~~دارست وزير السلطان مسعود، وهو وزير بوزابة، فصار السلطان معهم تحت الحجر، ~~وأبعدوا بك أرسلان بن بلنكري المعروف بخاص بك، وهو ملازم السلطان وتربيته، ~~وصار في خدمة عبد الرحمن ليحقن دمه، وصار الجماعة في خدمة السلطان صورة لا ~~معنى تحتها، والله أعلم. # ذكر استيلاء علي بن دبيس بن صدقة على الحلة # في هذه السنة سار علي بن دبيس إلى الحلة هاربا، فملكها ; وكان سبب ذلك أن ~~السلطان لما أراد الرحيل من بغداد أشار عليه مهلهل أن يحبس علي بن دبيس ~~بقلعة # PageV09P137 # تكريت، فعلم ذلك، فهرب في جماعة يسيرة نحو خمسة عشر، فمضى إلى الأزيز، ~~وجمع بني أسد وغيرهم، وسار إلى الحلة وبها أخوه محمد بن دبيس، فقاتله، ~~فانهزم محمد، وملك علي الحلة. # واستهان السلطان أمره أولا، فاستحفل وضم إليه جمعا من غلمانه وغلمان أبيه ~~وأهل بيته وعساكرهم، وكثر جمعهم، فسار إليه مهلهل فيمن معه في بغداد من ~~العسكر، وضربوا معه مصافا، فكسرهم وعادوا منهزمين إلى بغداد. # وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس، وكانوا يصيحون، إذا ركب مهلهل وبعض ~~أصحابه: يا علي! كله. وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب. # ومد علي يده في أقطاع الأمراء بالحلة، وتصرف فيها، وصار شحنة بغداد ومن ~~فيها على وجل منه، وجمع الخليفة جماعة، وجعلهم على السور لحفظه، وراسل ~~عليا، فأعاد الجواب بأنني العبد المطيع، مهما رسم لي فعلت ; فسكن الناس، ~~ووصلت الأخبار بعد ذلك أن السلطان مسعودا تفرق خصومه عنه، فازداد سكون ~~الناس. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حج بالناس ms3958 قايماز الأرجواني صاحب أمير الحاج نظر واحتج نظر ~~بأن بركه نهب في كسرة الحلة، وأن بينه وبين أمير مكة من الحروب ما لا يمكنه ~~معه الحج. # وفيها اتصل بالخليفة عن أخيه أبي طالب ما كرهه، فضيق عليه، واحتاط على ~~غيره من أقاربه. # وفيها ملك الفرنج لعنهم الله مدينة شنترين، وباجة، وماردة، وأشبونة، ~~وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس، وكانت للمسلمين فاختلفوا، ~~فطمع # PageV09P138 # العدو، وأخذ هذه المدن، وقوي بها قوة تمكن معها، وتيقن ملك سائر البلاد ~~الإسلامية بالأندلس، فخيب الله ظنه، وكان ما نذكره. # وفيها سار أسطول الفرنج من صقلية، ففتحوا جزيرة قرقنة من إفريقية، فقتلوا ~~رجالها، وسبوا حريمهم، فأرسل الحسن صاحب إفريقية إلى رجار ملك صقلية يذكره ~~العهود التي بينهم، فاعتذر بأنهم غير مطيعين له. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي مجاهد الدين بهروز الغياثي، وكان حاكما بالعراق نيفا ~~وثلاثين سنة. # ويرنقش الزكوي، صاحب أصفهان، وكان أيضا شحنة بالعراق، وهو خادم أرمني ~~لبعض التجار. # وتوفي الأمير إيلدكز شحنة بغداد. # والشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، ومولده في ذي ~~الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، وأخذ اللغة عن أبي زكرياء التبريزي، وكان ~~يؤم بالمقتفي أمير المؤمنين. # وتوفي أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان أبو سعد بن أبي ~~الفضل الأصفهاني، ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وروى الحديث الكثير، ~~وكان على سيرة السلف، كثير الاتباع للسنة، رحمة الله عليه. # PageV09P139 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة] # (541) # ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة # ذكر ملك الفرنج طرابلس الغرب # في هذه السنة ملك الفرنج، لعنهم الله، طرابلس الغرب ; وسبب ذلك أن رجار ~~ملك صقلية جهز أسطولا كثيرا وسيره إلى طرابلس، فأحاطوا بها برا وبحرا، ثالث ~~المحرم، فخرج إليهم أهلها وأنشبوا القتال، فدامت الحرب بينهم ثلاثة أيام. # فلما كان اليوم الثالث سمع الفرنج بالمدينة ضجة عظيمة، وخلت الأسوار من ~~المقاتلة، وسبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد ~~اختلفوا، فأخرج طائفة منهم بني مطروح، وقدموا ms3959 عليهم رجلا من الملثمين قدم ~~يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم، فلما نازلهم الفرنج أعادت الطائفة ~~الأخرى بني مطروح، فوقعت الحرب بين الطائفتين، وخلت الأسوار، فانتهز الفرنج ~~الفرصة ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، واشتد القتال فملكت الفرنج ~~المدينة عنوة بالسيف، فسفكوا دماء أهلها وسبوا نساءهم وأموالهم، وهرب من ~~قدر على الهرب، والتجأ إلى البربر والعرب، فنودي بالأمان في الناس كافة، ~~فرجع كل من فر منها. # وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها، ولما عادوا ~~أخذوا رهائن أهلها ومعهم بنو مطروح والملثم، ثم أعادوا رهائنهم، وولوا ~~عليها رجلا من بني مطروح، وتركوا رهائنه وحده، واستقامت أمور المدينة، ~~وألزم أهل صقلية والروم بالسفر إليها، فانعمرت سريعا وحسن حالها. # PageV09P140 # ذكر حصر زنكي حصني جعبر وفنك # وفي هذه السنة سار أتابك زنكي إلى حصن جعبر، وهو مطل على الفرات، وكان ~~بيد سالم بن مالك العقيلي سلمه السلطان ملكشاه إلى أبيه لما أخذ منه حلب، ~~وقد ذكرناه، فحصره وسير جيشا إلى قلعة فنك، وهي تجاور جزيرة ابن عمر، ~~بينهما فرسخان، فحصرهما أيضا، وصاحبها حينئذ الأمير حسام الدين الكردي ~~البشنوي. # وكان سبب ذلك أنه كان لا يريد أن يكون في وسط بلاده ما هو ملك غيره، حزما ~~واحتياطا، فنازل قلعة جعبر وحصرها، وقاتله من بها، فلما طال عليه ذلك أرسل ~~إلى صاحبها، مع الأمير حسان المنبجي لمودة كانت بينهما، في معنى تسليمهما، ~~وقال له: تضمن عني الإقطاع الكثير والمال الجزيل، فإن أجاب إلى التسليم، ~~وإلا فقل له: والله لأقيمن عليك إلى أن أملكها عنوة، ثم لا أبقي عليك، ومن ~~الذي يمنعك مني؟ # فصعد إليه حسان، وأدى إليه الرسالة، ووعده، وبذل له ما قيل له، فامتنع من ~~التسليم، فقال له حسان: فهو يقول لك: من يمنعك مني؟ فقال: يمنعني منه الذي ~~منعك من الأمير بلك. فعاد حسان وأخبر الشهيد بامتناعه، ولم يذكر له هذا، ~~فقتل أتابك بعد أيام. # وكانت قصة حسان مع بلك ابن (أخي) إيلغازي أن حسانا كان صاحب منبج، فحصره ~~بلك وضيق عليه، ms3960 فبينما هو في بعض الأيام (يقاتله، جاءه) سهم لا يعرف من ~~رماه فقتله، وخلص حسان من الحصر، وقد تقدم ذكره، وكان هذا القول من الاتفاق ~~الحسن. # ولما قتل أتابك زنكي حل العسكر الذين كانوا يحاصرون قلعة فنك عنها، وهي ~~بيد أعقاب صاحبها إلى الآن، وسمعتهم يذكرون أن لهم بها نحو ثلاثمائة سنة، ~~ولهم # PageV09P141 # مقصد، وفيهم وفاء وعصبية، يأخذون بيد كل من يلتجئ إليهم ويقصدهم، ولا ~~يسلمونه كائنا من كان. # ذكر قتل أتابك عماد الدين زنكي وشيء من سيرته # في هذه السنة، لخمس مضين من ربيع الآخر، قتل أتابك الشهيد عماد الدين ~~زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل والشام، وهو يحاصر قلعة جعبر، على ما ذكرناه، ~~قتله جماعة من مماليكه ليلا غيلة، وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها إلى ~~العسكر يعلمونهم بقتله، وأظهروا الفرح، فدخل أصحابه، فأدركوه وبه رمق. # حدثني والدي عن بعض خواصه، قال: دخلت إليه في الحال وهو حي، فحين رآني ظن ~~أني أريد قتله، فأشار إلي بإصبعه السبابة يستعطفني، فوقعت من هيبته، فقلت: ~~يا مولاي من فعل بك هذا؟ فلم يقدر على الكلام، وفاضت نفسه لوقته، رحمه ~~الله. # قال: وكان حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وخطه الشيب، وكان قد ~~زاد عمره على ستين سنة ; لأنه كان لما قتل والده صغيرا، كما ذكرناه قبل، ~~ولما قتل دفن بالرقة. # وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم ~~الضعيف، وكانت البلاد، قبل أن يملكها خرابا من الظلم، وتنقل الولاة، ~~ومجاورة الفرنج، فعمرها، وامتلأت أهلا وسكانا. # حكى لي والدي قال: رأيت الموصل وأكثرها خراب، بحيث يقف الإنسان قريب محلة ~~الطبالبين ويرى الجامع العتيق، والعرصة، ودار السلطان، ليس بين ذلك عمارة ; ~~وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه، ~~لبعده عن # PageV09P142 # العمارة، وهو الآن في وسط العمارة، وليس في هذه البقاع المذكورة كلها أرض ~~براح، وحدثني أيضا أنه وصل إلى الجزيرة في الشتاء، فدخل الأمير عز الدين ~~الدبيسي، وهو من أكابر ms3961 أمرائه، ومن جملة أقطاعه مدينة دقوقا، ونزل في دار ~~إنسان يهودي، فاستغاث اليهودي إلى أتابك، وأنهى حاله إليه، فنظر إلى ~~الدبيسي فتأخر، ودخل البلد وأخرج بركه وخيامه. قال: فلقد رأيت غلمانه ~~ينصبون خيامه في الوحل، وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين، وخرج ~~فنزلها، وكانت سياسته إلى هذا الحد. # وكانت الموصل من أقل بلاد الله فاكهة، فصارت في أيامه، وما بعدها، من ~~أكثر البلاد فواكه ورياحين وغير ذلك. # وكان أيضا شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد، وكان يقول: إن لم نحفظ ~~نساء الأجناد بالهيبة، وإلا فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. # وكان أشجع خلق الله، أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود ~~صاحب الموصل مدينة طبرية، وهي للفرنج، فوصلت طعنته باب البلد وأثر فيه، ~~وحمل أيضا على قلعة عقر الحميدية، وهي على جبل عال، فوصلت طعنته إلى سورها، ~~إلى أشياء أخر. # وأما بعد الملك فقد كان الأعداء محدقين ببلاده، وكلهم يقصدها، ويريد ~~أخذها، وهو لا يقنع بحفظها، حتى إنه لا ينقضي عليه عام إلا ويفتح من ~~بلادهم. فقد كان الخليفة المسترشد بالله مجاوره في ناحية تكريت، وقصد ~~الموصل وحصرها، ثم إلى جانبه، من ناحية شهرزور وتلك الناحية السلطان مسعود ~~; ثم ابن سقمان صاحب خلاط ; ثم داود بن سقمان صاحب حصن كيفا ; ثم صاحب آمد ~~وماردين ; ثم الفرنج من مجاورة ماردين إلى دمشق ; ثم أصحاب دمشق، فهذه ~~الولايات قد أحاطت بولايته من كل جهاتها، فهو يقصد هذا مرة وهذا مرة، ويأخذ ~~من هذا ويصانع هذا، إلى أن ملك من كل من يليه طرفا من بلاده، وقد أتينا على ~~أخباره في كتاب " الباهر " في # PageV09P143 # تاريخ دولته ودولة أولاده، فيطلب من هناك. # ذكر ملك ولديه سيف الدين غازي ونور الدين محمود # لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده، وكان حاضرا ~~معه وسار إلى حلب فملكها. # وكان حينئذ يتولى ديوان زنكي، ويحكم في دولته من أصحاب العمائم جمال ~~الدين محمد بن علي، وهو المنفرد بالحكم، ms3962 ومعه أمير حاجب صلاح الدين محمد ~~الياغيسياني، فاتفقا على حفظ الدولة، وكان مع الشهيد أتابك الملك ألب ~~أرسلان ابن السلطان محمود، فركب ذلك اليوم، وأجمعت العساكر عليه، وحضر عنده ~~جمال الدين، وصلاح الدين، وحسنا له الاشتغال بالشرب والمغنيات والجواري، ~~وأدخلاه الرقة، فبقي بها أياما لا يظهر، ثم سار إلى ماكسين، فدخلها، وأقام ~~بها أياما، وجمال الدين يحلف الأمراء لسيف الدين غازي بن أتابك زنكي، ~~ويسيرهم [إلى] الموصل. # ثم سار من ماكسين إلى سنجار، وكان سيف الدين قد وصل إلى الموصل، فلما ~~وصلوا إلى سنجار أرسل جمال الدين إلى الدزدار يقول له ليرسل إلى ولد ~~السلطان يقول له: إني مملوكك، ولكني تبع الموصل، فمتى ملكتها سلمت إليك ~~سنجار. فسار إلى الموصل، فأخذه جمال الدين وقصد به مدينة بلد، وقد بقي معه ~~من العسكر القليل، فأشار عليه بعبور دجلة فعبرها إلى الشرق في نفر يسير. # وكان سيف الدين غازي بمدينة شهرزور، وهي إقطاعه، فأرسل إليه زين الدين ~~علي كوجك نائب أبيه بالموصل يستدعيه إلى الموصل، فحضر قبل وصول الملك، فلما ~~علم جمال الدين بوصول سيف الدين إلى الموصل أرسل إليه يعرفه قلة من مع ~~الملك، فأرسل إليه بعض عسكره، فقبضوا عليه، وحبس في قلعة الموصل، واستقر ~~ملك سيف الدين [في] البلاد، وبقي أخوه نور الدين بحلب وهي له، وسار إليه ~~صلاح الدين # PageV09P144 # الياغيسياني يدبر أمره ويقوم بحفظ دولته، وقد استقصينا شرح هذه الحادثة ~~في " التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية ". # ذكر عصيان الرها لما قتل أتابك # كان جوسلين الفرنجي الذي كان صاحب الرها في ولايته، وهي تل باشر وما ~~يجاورها، فراسل أهل الرها، وعامتهم من الأرمن، وحملهم على العصيان، ~~والامتناع على المسلمين، وتسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، وواعدهم يوما يصل ~~إليهم فيه، وسار في عساكره إلى الرها، وملك البلد، وامتنعت القلعة عليه بمن ~~فيها من المسلمين، فقاتلهم، فبلغ الخبر إلى نور الدين محمود بن زنكي، وهو ~~بحلب، فسار مجدا إليها في عسكره، فلما قاربها خرج جوسلين هاربا عائدا إلى ~~بلده، ودخل نور الدين ms3963 المدينة، ونهبها حينئذ، وسبى أهلها. # وفي هذه الدفعة نهبت وخلت من أهلها، ولم يبق بها منهم إلا القليل، وكثير ~~من الناس يظن أنها نهبت لما فتحها الشهيد، وليس كذلك. # وبلغ الخبر إلى سيف الدين غازي بعصيان الرها، فسير العساكر إليها، فسمعوا ~~بملك نور الدين البلد واستباحته، وهم في الطريق، فعادوا. # ومن أعجب ما يحكى أن زين الدين عليا، الذي كان نائب الشهيد وأولاده بقلعة ~~الموصل، جاءه هدية أرسلها نور الدين من هذا الفتح، وفي الجملة جارية، فلما ~~دخل إليها، وخرج من عندها وقد اغتسل، قال لمن عنده: تعلمون ما جرى لي في ~~يومنا هذا؟ قالوا: لا! قال: لما فتحنا الرها مع الشهيد وقع في يدي من النهب ~~جارية رائقة أعجبني حسنها، ومال قلبي إليها، فلم يكن بأسرع من أن أمر ~~الشهيد فنودي برد السبي والمال المنهوب، وكان مهيبا مخوفا، فرددتها وقلبي ~~متعلق بها، فلما كان الآن جاءتني هدية نور الدين وفيها عدة جوار منهن تلك ~~الجارية، فوطئتها # PageV09P145 # خوفا أن يقع رد تلك الدفعة. # ذكر استيلاء عبد المؤمن على جزيرة الأندلس # في هذه السنة سير عبد المؤمن جيشا إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من ~~بلاد الإسلام. # وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما كان يحاصر مراكش جاء إليه جماعة من أعيان ~~الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين، ومعهم مكتوب يتضمن بيعة أهل ~~البلاد التي هم فيها لعبد المؤمن، ودخولهم في زمرة أصحابه الموحدين، ~~وإقامتهم لأمره، فقبل عبد المؤمن ذلك منهم، وشكرهم عليه، وطيب قلوبهم، ~~وطلبوا منه النصرة على الفرنج، فجهز جيشا كثيفا وسيره معهم، وعمر أسطولا ~~وسيره في البحر، فسار الأسطول إلى الأندلس، وقصدوا مدينة إشبيلية، وصعدوا ~~في نهرها، وبها جيش من الملثمين، فحصروها برا وبحرا وملكوها عنوة، وقتل ~~فيها جماعة وأمن الناس فسكنوا، واستولت العساكر على البلاد، وكان لعبد ~~المؤمن (من بها) . # ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك وعباس صاحب الري # في هذه السنة قتل السلطان مسعود أمير حاجب عبد الرحمن طغايرك، وهو صاحب ~~خلخال وبعض أذربيجان والحاكم ms3964 في دولة السلطان، وليس للسلطان معه حكم. # وكان سبب قتله أن السلطان لما ضيق عليه عبد الرحمن بقي معه شبه الأسير، ~~ليس له في البلاد حكم، حتى إن عبد الرحمن قصد غلاما كان للسلطان، وهو بك ~~أرسلان، المعروف بخاص بك بن بلنكري، وقد رباه السلطان وقربه فأبعده عنه، ~~وصار لا يراه، وكان في [خاص] بك عقل وتدبير وجودة قريحة، وتوصل لما يريد أن # PageV09P146 # يفعله، فجمع عبد الرحمن العساكر، وخاص بك فيهم، وقد استقر بينه وبين ~~السلطان مسعود أن يقتل عبد الرحمن، فاستدعى خاص بك جماعة من يثق بهم، وتحدث ~~معهم في ذلك، فكل منهم خاف الإقدام عليه، إلا رجلا اسمه زنكي، وكان ~~جاندارا، فإنه بذل من نفسه أن يبدأه بالقتل، ووافق خاص بك على القيام في ~~الأمر جماعة من الأمراء، فبينما عبد الرحمن في موكبه ضربه زنكي الجاندار ~~بمقرعة حديد كانت في يده على رأسه، فسقط إلى الأرض، فأجهز عليه خاص بك، ~~وأعانه على حماية زنكي والقائمين معه من كان واطأه على ذلك من الأمراء، ~~وكان قتله بظاهر جنزة. # وبلغ الخبر إلى السلطان مسعود، وهو ببغداد، ومعه الأمير عباس صاحب الري، ~~وعسكره أكثر من عسكر السلطان، فأنكر ذلك، وامتعض منه، فداراه السلطان ولطف ~~به، واستدعى الأمير البقش كون خر من اللحف وتتر الذي كان حاجبا، فلما قوي ~~بهما أحضر عباسا إليه في داره، فلما دخل إليه منع أصحابه من الدخول معه، ~~وعدلوا به إلى حجرة، وقالوا له: اخلع الزردية ; فقال: إن لي مع السلطان ~~أيمانا وعهودا ; فلكموه، وخرج له غلمان أعدوا لذلك، فحينئذ تشاهد وخلع ~~الزردية وألقاها، وضربوه بالسيوف، واحتزوا رأسه وألقوه إلى أصحابه، ثم ~~ألقوا جسده، ونهب رحله وخيمه وانزعج البلد لذلك. # وكان عباس من غلمان محمود حسن السيرة، عادلا في رعيته، كثير الجهاد ~~للباطنية، قتل منهم خلقا كثيرا، وبنى من رءوسهم منارة بالري، وحصر قلعة ~~ألموت، ودخل إلى قرية من قراهم فألقى فيها النار فأحرق كل من فيها من رجل ~~وامرأة وصبي وغير ذلك، فلما قتل [دفن] بالجانب ms3965 الغربي، ثم أرسلت ابنته ~~فحملته إلى الري فدفنته هناك، وكان مقتله في ذي القعدة. # ومن الاتفاق العجيب أن العبادي كان يعظ يوما، فحضره عباس، فأسمع بعض أهل ~~المجلس ورمى بنفسه نحو الأمير عباس، فضربه أصحابه ومنعوه خوفا عليه لأنه ~~كان شديد احتراس من الباطنية لا يزال لابسا الزردية لا تفارقه الغلمان ~~الأجلاد، فقال له العبادي: يا أمير، إلام هذا الاحتراز! والله لئن قضي عليك ~~بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية فينفذ القضاء فيك. # PageV09P147 # وكان كما قال، وقد كان السلطان استوزر ابن دارست وزير بوزابة، [كارها على ~~ما تقدم ذكره، فعزله الآن لأنه اختار العزل والعود إلى صاحبه بوزابة] فلما ~~عزله قرر معه أن يصلح له بوزابة، ويزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد ~~الرحمن وعباس، فسار الوزير وهو لا يعتقد النجاة، فوصل إلى بوزابة وكان ما ~~نذكره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت. # وفيها توفي الأمير جاولي الطغرلي صاحب أرانية وبعض أذربيجان، وكان قد ~~تحرك للعصيان، وكان موته فجأة مد قوسا فنزف دما فمات. # [الوفيات] # وتوفي شيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل بن أبي سعد الصوفي، مات ببغداد، ودفن ~~بظاهر رباط الزوزني بباب البصرة، ومولده سنة أربع وستين وأربعمائة، وقام في ~~منصبه ولده صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم. # وفيها توفي نقيب النقباء محمد بن طراد الزينبي أخو شرف الدين الوزير. # [ذكر عدة حوادث] وفيها ولي مسعود بن بلال شحنكية بغداد، وسار السلطان ~~عنها. # وفيها كان بالعراق جراد كثير أمحل أكثر البلاد. # وفيها ورد العبادي الواعظ رسولا من السلطان سنجر إلى الخليفة، ووعظ ~~ببغداد، وكان له قبول بها، وحضر مجلسه السلطان مسعود فمن دونه، وأما العامة # PageV09P148 # فإنهم كانوا يتركون أشغالهم لحضور مجلسه والمسابقة إليه. # وفيها بعد قتل الشهيد زنكي بن آقسنقر قصد صاحب دمشق حصن بعلبك وحصره، ~~وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي مستحفظا لها، فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم ~~إنجاده بالعاجل، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعا ومالا، ms3966 وملكه ~~عدة قرى من بلد دمشق، وانتقل أيوب إلى دمشق فسكنها وأقام بها. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي عبد الله بن علي بن أحمد أبو محمد ~~المقري ابن بنت الشيخ أبي منصور، ومولده في شعبان سنة أربع وستين ~~وأربعمائة، وكان مقرئا نحويا محدثا، وله تصانيف في القراءات. # PageV09P149 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة] # (542) # ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة # ذكر قتل بوزابة # لما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكره من فارس وخوزستان، وسار إلى ~~أصفهان فحصرها، وسير عسكرا آخر إلى همذان، وعسكرا ثالثا إلى قلعة الماهكي ~~من بلد اللحف، فأما عسكره الذي بالماهكي فإنه سار إليهم الأمير البقش كون ~~خر، فدفعهم من أعماله وكانت أقطاعه، ثم إن بوزابة سار عن أصفهان يطلب ~~السلطان مسعودا، فراسله السلطان في الصلح، فلم يجب إليه، وسار مجدا فالتقيا ~~بمرج قراتكين، وتصافا، فاقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان مسعود ~~وميسرته، واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه، صبر فيه الفريقان، ودامت الحرب ~~بينهما، فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه، وقيل بل عثر به الفرس فأخذ أسيرا ~~وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه، وانهزم أصحابه لما أخذ هو أسيرا. # وبلغت هزيمة العسكر السلطاني من الميمنة والميسرة إلى همذان، وقتل بين ~~الفريقين خلق كثير، وكانت هذه الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم. # ذكر طاعة أهل قابس للفرنج وغلبة المسلمين عليها # كان صاحب مدينة قابس، قبل هذه السنة، إنسانا اسمه رشيد، فتوفي وخلف # PageV09P150 # أولادا، فعمد مولى له اسمه يوسف إلى ولده الصغير، واسمه محمد، فولاه ~~الأمر، وأخرج ولده الكبير واسمه معمر، واستولى يوسف على البلد، وحكم على ~~محمد لصغر سنه. # وجرى منه أشياء من التعرض إلى حرم سيده، والعهدة على ناقله، وكان من ~~جملتهن امرأة من بني قرة، فأرسلت إلى إخوتها تشكو إليهم ما هي فيه، فجاء ~~إخوتها لأخذها فمنعهم، وقال: هذه حرمة مولاي ; ولم يسلمها، فسار بنو قرة ~~ومعمر بن رشيد إلى الحسن صاحب إفريقية، وشكوا إليه ما يفعل يوسف، فكاتبه ~~الحسن في ذلك، فلم ms3967 يجب إليه، وقال: لئن لم يكف الحسن عني وإلا سلمت قابس ~~إلى صاحب صقلية، فجهز الحسن العسكر إليه، فلما سمع يوسف بذلك أرسل إلى رجار ~~الفرنجي، صاحب صقلية، وبذل له الطاعة، وقال له: أريد منك خلعة وعهدا بولاية ~~قابس لأكون نائبا عنك كما فعلت مع بني مطروح في طرابلس، فسير إليه رجار ~~الخلعة والعهد، فلبسها، وقرئ العهد بمجمع من الناس. # فجد حينئذ الحسن في تجهيز العسكر إلى قابس، فساروا إليها ونازلوها ~~وحصروها، فثار أهل البلد بيوسف لما اعتمده من طاعة الفرنج، وسلموا البلد ~~إلى عسكر الحسن، وتحصن يوسف في القصر، فقاتلوه حتى فتحوه، وأخذ يوسف أسيرا، ~~فتولى عذابه معمر بن رشيد وبنو قرة، فقطعوا ذكره وجعلوه في فمه وعذب بأنواع ~~العذاب. # وولي معمر قابس مكان أخيه محمد، وأخذ بنو قرة أختهم، وهرب عيسى أخو يوسف ~~وولد يوسف وقصدوا رجار، صاحب صقلية، فاستجاروا به وشكوا إليه ما لقوا من ~~الحسن، فغضب لذلك، وكان ما نذكره سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من فتح ~~المهدية، إن شاء الله تعالى. # ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط العاقل من مثلها # كان يوسف هذا صاحب قابس قد أرسل رسولا إلى رجار بصقلية، فاجتمع هو ورسول ~~الحسن صاحب المهدية عنده، فجرى بين الرسولين مناظرة، فذكر رسول يوسف الحسن ~~وما نال منه، وذمه، ثم إنهما عادا في وقت واحد، وركبا البحر كل # PageV09P151 # واحد منهما في مركبه، فأرسل رسول الحسن رقعة إلى صاحبه على جناح طائر ~~يخبر بما كان من رسول يوسف، فسير الحسن جماعة من أصحابه في البحر، فأخذوا ~~رسول يوسف وأحضروه عند الحسن، فسبه وقال: ملكت الفرنج بلاد الإسلام وطولت ~~لسانك بذمي! ثم أركبه جملا وعلى رأسه طرطور بجلاجل وطيف به في البلد، ونودي ~~عليه: هذا جزاء من سعى أن يملك الفرنج بلاد المسلمين، فلما توسط المهدية ~~ثار به العامة فقتلوه بالحجارة. # ذكر ملك الفرنج المرية وغيرها من الأندلس # في هذه السنة في جمادى الأولى، حصر الفرنج مدينة المرية من الأندلس، ~~وضيقوا عليها برا وبحرا، فملكوها عنوة، وأكثروا القتل ms3968 بها والنهب، وملكوا ~~أيضا مدينة بياسة وولاية جيان، وكلها بالأندلس، ثم استعادها المسلمون بعد ~~ذلك منهم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك نور الدين محمود بن زنكي عدة مواضع من بلد الفرنج # في هذه السنة دخل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلد الفرنج، ففتح منه ~~مدينة أرتاح بالسيف ونهبها، وحصن مابولة، وبصرفون وكفرلاثا. وكان الفرنج ~~بعد قتل والده زنكي قد طمعوا، وظنوا أنهم بعده يستردون ما أخذه، فلما رأوا ~~من نور الدين هذا الجد في أول أمره علموا أن ما أملوه بعيد. # ذكر أخذ الحلة من علي بن دبيس وعوده إليها # في هذه السنة كثر فساد أصحاب علي بن دبيس بالحلة وما جاورها، وكثرت ~~الشكاوى منه، فأقطع السلطان مسعود الحلة للأمير سلاركرد، فسار إليها من ~~همذان ومعه عسكر، وانضاف إليه جماعة من عسكر بغداد، وقصدوا الحلة، فجمع علي ~~عسكره وحشد، والتقى العسكران بمطيراباذ، فانهزم علي، وملك سلاركرد الحلة، ~~واحتاط على أهل علي ورجعت العساكر، وأقام هو بالحلة في مماليكه وأصحابه، # PageV09P152 # وسار علي بن دبيس فلحق بالبقش كون خر، وكان بأقطاعه، في اللحف، متجنيا ~~على السلطان، فاستنجده، فسار معه إلى واسط، واتفق هو والطرنطاي، وقصدوا ~~الحلة فاستنفذوها من سلاركرد في ذي الحجة، وفارقها سلاركرد وعاد إلى بغداد. # ذكر عدة حوادث في هذه السنة، في جمادى الأولى، خطب للمستنجد بالله يوسف ~~بن المقتفي لأمر الله بولاية العهد. # وفيها ولي عون الدين يحيى بن هبيرة كتابة الزمام ببغداد، وولي زعيم الدين ~~يحيى بن جعفر المخزن. # [الوفيات] # وفيها، في ربيع الأول، مات أبو القاسم طاهر بن سعيد بن أبي سعيد بن أبي ~~الخير الميهني شيخ رباط البسطامي ببغداد. # وفي ربيع الآخر توفيت فاطمة خاتون بنت السلطان محمد زوجة المقتفي لأمر ~~الله. # وفي رجب منها مات أبو الحسن محمد بن المظفر بن علي بن المسلمة، ابن رئيس ~~الرؤساء، ومولده سنة أربع وثمانين [وأربعمائة] ، وكان قد تصوف، وجعل داره ~~التي في القصر رباطا للصوفية. # وفيها سار سيف الدين غازي بن زنكي ms3969 إلى قلعة دارا، فملكها وغيرها من بلد ~~ماردين، ثم سار إلى ماردين وحصرها وخرب بلدها ونهبه. # وكان سبب ذلك أن أتابك زنكي لما قتل تطاول صاحب ماردين وصاحب الحصن إلى ~~ما كان قد فتحه من بلادهما فأخذاه، فلما ملك سيف الدين وتمكن سار إلى ~~ماردين وحصرها، وفعل ببلدها الأفاعيل العظيمة، فلما رأى صاحبها، وهو حينئذ # PageV09P153 # حسام الدين تمرتاش، ما يفعل في بلده قال: كنا نشكو من أتابك الشهيد، وأين ~~أيامه؟ لقد كانت أعيادا. قد حصرنا غير مرة، فلم يأخذ هو ولا أحد من عسكره ~~مخلاة تبن بغير ثمن، ولا تعدى هو وعسكره حاصل السلطان، وأرى هذا ينهب ~~البلاد ويخربها. # ثم راسله وصالحه، وزوجه ابنته، ورحل سيف الدين عنه وعاد إلى الموصل، ~~وجهزت ابنة حسام الدين وسيرت إليه، فوصلت وهو مريض قد أشفى على الموت، فلم ~~يدخل بها وبقيت عنده إلى أن توفي، وملك قطب الدين مودود، فتزوجها، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. # وفيها اشتد الغلاء بإفريقية ودامت أيامه، فإن أوله كان سنة سبع وثلاثين ~~وخمسمائة، وعظم الأمر على أهل البلاد حتى أكل بعضهم بعضا، وقصد أهل البوادي ~~المدن من الجوع، فأغلقها أهلها دونهم، وتبعه وباء وموت كثير، حتى خلت ~~البلاد. وكان أهل البيت لا يبقى منهم أحد، وسار كثير منهم إلى صقلية في طلب ~~القوت، ولقوا أمرا عظيما. # PageV09P154 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة] # (543) # ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة # ذكر ملك الفرنج مدينة المهدية بإفريقية # قد ذكرنا سنة إحدى وأربعين وخمسمائة مسير أهل يوسف، وصاحب قابس، إلى ~~رجار، ملك صقلية، واستغاثتهم به، فغضب لذلك، وكان بينه وبين الحسن بن علي ~~بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، صاحب إفريقية، صلح وعهود إلى ~~مدة سنتين، وعلم أنه فاته فتح البلاد في هذه الشدة التي أصابتهم، وكانت ~~الشدة دوام الغلاء في جميع المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان ~~أشد ذلك سنة اثنتين وأربعين، فإن الناس فارقوا البلاد والقرى، ودخل أكثرهم ~~إلى مدينة صقلية، وأكل ms3970 الناس بعضهم بعضا، وكثر الموت في الناس، فاغتنم رجار ~~هذه الشدة، فعمر الأسطول، وأكثر منه، فبلغ نحو مائتين وخمسين شينيا مملوءة ~~رجالا وسلاحا وقوتا. # وسار الأسطول عن صقلية، ووصل إلى جزيرة قوصرة، وهي بين المهدية وصقلية، ~~فصادفوا بها مركبا وصل من المهدية، فأخذ أهله وأحضروا بين يدي جرجي مقدم ~~الأسطول، فسألهم عن حال إفريقية، ووجد في المركب قفص حمام، فسألهم هل ~~أرسلوا منها، فحلفوا أنهم لم يرسلوا منها شيئا، فأمر الرجل الذي كان الحمام ~~صحبته أن يكتب بخطه: إننا لما وصلنا جزيرة قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية، ~~فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى جزائر القسطنطينية. # PageV09P155 # وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية، فسر الأمير الحسن والناس ; وأراد جرجي ~~بذلك أن يصل بغتة، ثم سار، وقدر وصولهم إلى المهدية وقت السحر ليحيط بها ~~قبل أن يخرج أهلها، فلو تم له ذلك لم يسلم منهم أحد، فقدر الله تعالى أن ~~أرسل عليهم ريحا هائلة عكستهم، فلم يقدروا على المسير إلا بالمقاذيف، فطلع ~~النهار ثاني صفر في هذه السنة قبل وصولهم، فرآهم الناس، فلما رأى جرجي ذلك ~~وأن الخديعة فاتته، أرسل إلى الأمير الحسن يقول: إنما جئت بهذا الأسطول ~~طالبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها، وأما أنت فبيننا وبينك عهود ~~وميثاق إلى مدة، ونريد منك عسكرا يكون معنا. # فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم، فقالوا: نقاتل عدونا، فإن ~~بلدنا حصين. فقال: أخاف أن ينزل إلى البر ويحصرنا برا وبحرا، ويحول بيننا ~~وبين الميرة، وليس عندنا ما يقوتنا شهرا، فنؤخذ قهرا. وأنا أرى سلامة ~~المسلمين من الأسر والقتل خيرا من الملك، وقد طلب مني عسكرا إلى قابس، فإذا ~~فعلت فما يحل لي معونة الكفار على المسلمين، وإذا امتنعت يقول: انتقض ما ~~بيننا من الصلح، وليس يريد إلا أن يثبطنا حتى يحول بيننا وبين البر، وليس ~~لنا بقتاله طاقة، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ونترك البلد، فمن أراد أن ~~يفعل كفعلنا فليبادر معنا. # وأمر في الحال بالرحيل، وأخذ معه من ms3971 حضره وما خف حمله، وخرج الناس على ~~وجوههم بأهليهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم، ومن الناس من اختفى ~~عند النصارى وفي الكنائس، وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى ~~المهدية إلى ثلثي النهار، فلم يبق في البلد ممن عزم على الخروج أحد، فوصل ~~الفرنج ودخلوا البلد بغير مانع ولا دافع، ودخل جرجي القصر فوجده على حاله ~~لم يأخذ الحسن منه إلا ما خفت من ذخائر الملوك، وفيه جماعة من حظاياه، ورأى ~~الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة وكل شيء غريب يقل وجود مثله، فختم عليه، ~~وجمع سراري الحسن في قصره. # وكان عدة من ملك منهم من زيري بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك، ومدة # PageV09P156 # ولايتهم مائتا سنة وثماني سنوات، من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى سنة ~~ثلاث وأربعين وخمسمائة ; وكان بعض القواد قد أرسله الحسن إلى رجار برسالة، ~~فأخذ لنفسه وأهله منه أمانا، فلم يخرج معهم، ولما ملك المدينة نهبت مقدار ~~ساعتين، ونودي بالأمان، فخرج من كان مستخفيا، وأصبح جرجي من الغد، فأرسل ~~إلى من قرب من العرب، فدخلوا إليه، فأحسن إليهم، وأعطاهم أموالا جزيلة، ~~وأرسل من جند المهدية الذين تخلفوا بها جماعة، ومعهم أمان لأهل المهدية ~~الذين خرجوا منها، ودواب يحملون الأطفال والنساء، وكانوا قد أشرفوا على ~~الهلاك من الجوع، ولهم بالمهدية خبايا وودائع، فلما وصل إليهم الأمان ~~رجعوا، فلم تمض جمعة حتى رجع أكثر أهل البلد. # وأما الحسن فإنه سار بأهله وأولاده، وكانوا اثني عشر ولدا ذكرا غير ~~الإناث وخواص خدمه، قاصدا إلى محرز بن زياد، وهو بالمعلقة، فلقيه في طريقه ~~أمير من العرب يسمى حسن بن ثعلب، فطلب منه مالا انكسر له في ديوانه، فلم ~~يمكن الحسن إخراج مال لئلا يؤخذ، فسلم إليه ولده يحيى رهينة وسار، فوصل في ~~اليوم الثاني إلى محرز، وكان الحسن قد فضله على جميع العرب وأحسن إليه، ~~ووصله بكثير من المال، فلقيه محرز لقاء جميلا، وتوجع لما حل به، فأقام عنده ~~شهورا، والحسن كاره للإقامة، فأراد المسير إلى ديار مصر ms3972 إلى الخليفة الحافظ ~~العلوي، واشترى مركبا لسفره، فسمع جرجي الفرنجي، فجهز شواني ليأخذه، فعاد ~~الحسن عن ذلك، وعزم على المسير إلى عبد المؤمن بالمغرب، فأرسل كبار أولاده ~~يحيى وتميما وعليا إلى يحيى بن العزيز، وهو من بني حماد، وهما أولاد عم، ~~يستأذنه في الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده إلى عبد المؤمن، ~~فأذن له يحيى، فسار إليه، فلما وصل لم يجتمع به يحيى، وسيره إلى جزيرة بني ~~مزغناي هو وأولاده ووكل به من يمنعهم من التصرف، فبقوا كذلك إلى أن ملك عبد ~~المؤمن بجاية سنة سبع وأربعين [وخمسمائة] ، فحضر عنده وقد ذكرنا حاله هناك. # ولما استقر جرجي بالمهدية سير أسطولا، بعد أسبوع، إلى مدينة سفاقس، وسير ~~أسطولا آخر إلى مدينة سوسة، فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية، ~~وكان # PageV09P157 # واليها علي بن الحسن الأمير، فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه، فدخلها ~~الفرنج بلا قتال ثاني عشر صفر ; وأما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من العرب، ~~فامتنعوا بهم، فقاتلهم الفرنج، فخرج إليهم أهل البلد، فأظهر الفرنج ~~الهزيمة، وتبعهم الناس حتى أبعدوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فانهزم قوم ~~إلى البلد وقوم إلى البرية، وقتل منهم جماعة، ودخل الفرنج البلد فملكوه بعد ~~قتال شديد وقتلى كثيرة، وأسر من بقي من الرجال وسبي الحريم، وذلك في الثالث ~~والعشرين من صفر، ثم نودي بالأمان، فعاد أهلها إليها، وافتكوا حرمهم ~~وأولادهم، ورفق بهم وبأهل سوسة والمهدية، وبعد ذلك وصلت كتب من رجار لجميع ~~أهل إفريقية بالأمان والمواعيد الحسنة. # ولما استقرت أحوال البلاد سار جرجي في أسطول إلى قلعة إقليبية، وهي قلعة ~~حصينة، فلما وصل إليها سمعته العرب، فاجتمعوا إليها، ونزل إليهم الفرنج، ~~فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منهم خلق كثير، فرجعوا خاسرين إلى المهدية، ~~وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس، ومن المغرب إلى دون القيروان، ~~والله أعلم. # ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعل سيف الدين غازي بن زنكي # في هذه السنة سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع عظيم ms3973 من الفرنج ~~عازما على قصد بلاد الإسلام، وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه، ~~وتوفر أمواله وعدده، فلما وصل إلى الشام قصده من به من الفرنج وخدموه، ~~وامتثلوا أمره ونهيه، فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق ليحصرها ويملكها بزعمه، ~~فساروا معه ونازلوها وحصروها، وكان صاحبها مجير الدين أبق بن بوري بن ~~طغدكين، وليس له من الأمر شيء، وإنما الحكم في البلد لمعين الدين أنر مملوك ~~جده طغدكين، وهو الذي أقام مجير الدين ; وكان معين الدين عاقلا، وعادلا، ~~خيرا، حسن السيرة، فجمع العساكر وحفظ البلد. # وأقام الفرنج يحاصرونهم، ثم إنهم زحفوا سادس ربيع الأول بفارسهم وراجلهم، ~~فخرج إليهم أهل البلد والعسكر فقاتلوهم، وصبروا لهم، وفيمن خرج # PageV09P158 # للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن دي ناس الفندلاوي المغربي، وكان شيخا ~~كبيرا، فقيها عالما، فلما رآه معين الدين، وهو راجل، قصده وسلم عليه، وقال ~~له: يا شيخ، أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذب عن المسلمين، وسأله أن ~~يعود، فلم يفعل وقال له: قد بعت واشترى مني، فوالله لا أقلته ولا استقلته، ~~فعنى قول الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة} [التوبة: 111] . # وتقدم فقاتل حتى قتل عند النيرب نحو نصف فرسخ عن دمشق. # وقوي الفرنج وضعف المسلمون، فتقدم ملك الألمان حتى نزل بالميدان الأخضر، ~~فأيقن الناس بأنه يملك البلد. وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين غازي ~~بن أتابك زنكي يدعوه إلى نصرة المسلمين، وكف العدو عنهم، فجمع عساكره وسار ~~إلى الشام، واستصحب معه أخاه نور الدين محمودا من حلب، فنزلوا بمدينة حمص، ~~وأرسل إلى معين الدين يقول له: قد حضرت ومعي كل من يحمل السلاح في بلادي، ~~فأريد أن يكون نوابي بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا ~~وعسكري البلد واحتمينا به، وإن ظفرت فالبلد لكم لا أنازعكم فيه. # فأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد، فكف الفرنج عن القتال ~~خوفا من كثرة الجراح، وربما اضطروا إلى قتال سيف الدين، فأبقوا على ms3974 نفوسهم، ~~فقوي أهل البلد على حفظه، واستراحوا من لزوم الحرب، وأرسل معين الدين إلى ~~الفرنج الغرباء: إن ملك المشرق قد حضر، فإن رحلتم، وإلا سلمت البلد إليه، ~~وحينئذ تندمون ; وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم: بأي عقل تساعدون هؤلاء ~~علينا، وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد ~~الساحلية، وأما أنا فإن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين، ~~وأنتم تعلمون أنه ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام في الشام، فأجابوه إلى ~~التخلي عن ملك الألمان، وبذل لهم تسليم حصن بانياس إليهم. # واجتمع الساحلية بملك الألمان، وخوفوه من سيف الدين وكثرة عساكره وتتابع # PageV09P159 # الأمداد إليه، وأنه ربما أخذ دمشق وتضعف عن مقاومته، ولم يزالوا به حتى ~~رحل عن البلد، وتسلموا قلعة بانياس، وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم من ~~وراء القسطنطينية، وكفى الله المؤمنين شرهم. # وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق: أن بعض العلماء حكى ~~له أنه رأى الفندلاوي في المنام، فقال له: ما فعل الله بك: وأين أنت؟ فقال: ~~غفر لي، وأنا في جنات عدن على سرر متقابلين. # ذكر ملك نور الدين محمود بن زنكي حصن العريمة # لما سار الفرنج عن دمشق رحل نور الدين إلى حصن العريمة، وهو للفرنج، ~~فملكه. # وسبب ذلك أن ملك الألمان لما خرج إلى الشام كان معه ولد الفنش، وهو من ~~أولاد ملوك الفرنج، وكان جده هو الذي أخذ طرابلس الشام من المسلمين، فأخذ ~~حصن العريمة وتملكه، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى ~~نور الدين محمود، وقد اجتمع هو ومعين الدين أنر ببعلبك، يقول له ولمعين ~~الدين ليقصدا حصن العريمة ويملكاه من ولد الفنش، فسارا إليه مجدين في ~~عساكرهما، وأرسلا إلى سيف الدين وهو بحمص يستنجدانه، فأمدهما بعسكر كثير مع ~~الأمير عز الدين أبي بكر الدبيسي، صاحب جزيرة ابن عمر وغيرها، فنازلوا ~~الحصن وحصروه، وبه ابن الفنش، فحماه وامتنع به، فزحف المسلمون إليه غير ~~مرة، وتقدم # PageV09P160 # إليه النقابون فنقبوا السور، فاستسلم ms3975 حينئذ من به من الفرنج، فملكه ~~المسلمون وأخذوا كل من به من فارس وراجل وصبي وامرأة، وفيهم ابن الفنش، ~~وأخربوا الحصن وعادوا إلى سيف الدين. وكان مثل ابن الفنش كما قيل: خرجت ~~النعامة تطلب قرنين فعادت بغير أذنين. # ذكر الخلف بين السلطان مسعود وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد وما ~~كان منهم بالعراق # في هذه السنة فارق السلطان مسعودا جماعة من أكابر الأمراء، وهم من ~~أذربيجان: إيلدكز المسعودي، صاحب كنجة وأرانية، وقيصر، ومن الجبل: البقش ~~كون خر، وتتر الحاجب، وهو من مماليك مسعود أيضا، وطرنطاي المحمودي شحنة ~~واسط، والدكز، وقرقوب وابن طغايرك. # وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى خاص بك واطراحه لهم، فخافوا أن يفعل بهم ~~مثل فعله بعبد الرحمن، وعباس، وبوزابة، ففارقوه وساروا نحو العراق، فلما ~~بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال العراق، وغلت الأسعار، وتقدم الإمام ~~المقتفي لأمر الله بإصلاح السور وترميمه، وأرسل الخليفة إليهم بالعبادي ~~الواعظ، فلم يرجعوا إلى قوله، ووصلوا إلى بغداد في ربيع الآخر، والملك محمد ~~ابن السلطان محمود معهم، ونزلوا بالجانب الشرقي، وفارق مسعود بلال شحنة ~~بغداد البلد خوفا من الخليفة، وسار إلى تكريت وكانت له، فعظم الأمر على أهل ~~بغداد، ووصل إليهم علي بن دبيس صاحب الحلة، فنزل بالجانب الغربي، فجند ~~الخليفة أجنادا يحتمي بهم. # ووقع القتال بين الأمراء وبين عامة بغداد ومن بها من العسكر، واقتتلوا ~~عدة دفعات، ففي بعض الأيام انهزم الأمراء الأعاجم من عامة بغداد مكرا ~~وخديعة، وتبعهم العامة، فلما أبعدوا عادوا عليهم وصار بعض العسكر من ~~ورائهم، ووضعوا السيف # PageV09P161 # فقتل من العامة خلق كثير، ولم يبقوا على صغير ولا كبير، وفتكوا فيهم، ~~فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله، وكثر القتلى والجرحى وأسر منهم خلق ~~كثير، فقتل البعض وشهر البعض، ودفن الناس من عرفوا، ومن لم يعرف ترك طريحا ~~بالصحراء، وتفرق العسكر في المحال الغربية، فأخذوا من أهلها الأموال ~~الكثيرة، ونهبوا بلد دجيل وغيره، وأخذوا النساء والولدان. # ثم إن الأمراء اجتمعوا ونزلوا مقابل التاج، وقبلوا الأرض واعتذروا، ~~وترددت الرسل ms3976 بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار، وعادوا إلى خيامهم، ~~ورحلوا إلى النهروان، فنهبوا البلاد، وأفسدوا فيها، وعاد مسعود بلال شحنة ~~بغداد من تكريت إلى بغداد. # ثم إن هؤلاء الأمراء تفرقوا وفارقوا العراق، وتوفي الأمير قيصر ~~بأذربيجان، هذا كله والسلطان مسعود مقيم ببلد الجبل، والرسل بينه وبين عمه ~~السلطان سنجر متصلة ; وكان السلطان سنجر قد أرسل إليه يلومه على تقديم خاص ~~بك، ويأمره بإبعاده، ويتهدده بأنه إن لم يفعل فسيقصده ويزيله عن السلطنة ; ~~وهو يغالط ولا يفعل، فسار السلطان سنجر إلى الري، فلما علم السلطان مسعود ~~بوصوله سار إليه وترضاه، واستنزله عما في نفسه فسكن. وكان اجتماعهما سنة ~~أربع وأربعين [وخمسمائة] على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر انهزام الفرنج بيغرى # في هذه السنة هزم نور الدين محمود بن زنكي الفرنج بمكان اسمه يغرى من أرض ~~الشام، وكانوا قد تجمعوا ليقصدوا أعمال حلب ليغيروا عليها، فعلم بهم، فسار ~~إليهم في عسكره، فالتقوا بيغرى واقتتلوا قتالا شديدا، وأجلت المعركة عن ~~انهزام الفرنج، وقتل كثير منهم، وأسر جماعة من مقدميهم، ولم ينج من ذلك ~~الجمع إلا # PageV09P162 # القليل، وأرسل من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ~~ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم. # وفي هذه الوقعة يقول ابن القيسراني في قصيدته التي أولها: # يا ليت أن الصد مصدود ... أو لا، فليت النوم مردود # ومنها في ذكر نور الدين: # وكيف لا نثني على عيشنا ال ... محمود والسلطان محمود # وصارم الإسلام لا ينثني ... إلا وشلو الكفر مقدود # مكارم لم تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود # وكم له من وقعة يومها ... عند الملوك الكفر، مشهود # ذكر ملك الغورية غزنة وعودهم عنها # في هذه السنة قصد سوري بن الحسين ملك الغور مدينة غزنة فملكها. # وسبب ذلك أن أخاه ملك الغورية [قبله محمد بن الحسين كان قد صاهر بهرام ~~شاه مسعود بن] إبراهيم، صاحب غزنة، وهو من بيت سبكتكين، فعظم شأنه ~~بالمصاهرة، وعلت همته، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى غزنة ليملكها. وقيل: إنما ~~مظهرا الخدمة والزيارة، وهو يريد ms3977 المكر والغدر، فعلم به بهرام شاه، فأخذه ~~وسجنه، ثم قتله، فعظم قتله على الغورية، ولم يمكنهم الأخذ بثأره. # ولما قتل ملك بعده أخوه سام بن الحسين، فمات بالجدري ; وملك بعده أخوه ~~الملك سوري بن الحسين بلاد الغور، وقوي أمره، وتمكن في ملكه، فجمع عسكره من ~~الفارس والراجل وسار إلى غزنة طالبا بثأر أخيه المقتول، وقاصدا ملك غزنة، ~~فلما وصل إليها ملكها في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. # وفارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند، وجمع جموعا كثيرة، وعاد إلى غزنة وعلى # PageV09P163 # مقدمته السلار الحسن بن إبراهيم العلوي أمير هندوستان. وكان عسكر غزنة، ~~الذين أقاموا مع سوري الغوري وخدموه، قلوبهم مع بهرام شاه، وإنما هم ~~بظواهرهم مع سوري، فلما التقى سوري وبهرام شاه رجع عسكر غزنة إلى بهرام ~~شاه، وصاروا معه، وسلموا إليه سوري ملك الغورية. وملك بهرام شاه غزنة في ~~المحرم سنة أربع وأربعين [وخمسمائة] ، وصلب الملك سوري (مع) السيد ~~الماهياني في المحرم أيضا من السنة. # وكان سوري أحد الأجواد، له الكرم الغزير، والمروءة العظيمة، حتى إنه كان ~~يرمي الدراهم في المقاليع إلى الفقراء لتقع بيد من يتفق له. # ثم عاود الغورية وملكوها، وخربوها، وقد ذكرنا سنة سبع وأربعين [وخمسمائة] ~~وذكرنا هناك ابتداء دولة الغورية ; لأنهم في ذلك الوقت عظم محلهم، وفارقوا ~~الجبال، وقصدوا خراسان، وعلا شأنهم، وفي بعض الخلف كما ذكرناه، والله أعلم. # ذكر ملك الفرنج مدنا من الأندلس # في هذه السنة ملك الفرنج بالأندلس مدينة طرطوشة، وملكوا معها جميع ~~قلاعها، وحصون لاردة وأفراغة، ولم يبق للمسلمين في تلك الجهات شيء إلا ~~واستولى الفرنج على جميعه لاختلاف المسلمين بينهم، وبقي بأيديهم إلى الآن. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي أبو بكر المبارك بن الكامل بن أبي غالب البغدادي # PageV09P164 # المعروف أبوه بالخفاف، سمع الحديث الكثير، وكان مفيد بغداد. # [ذكر عدة حوادث] وفيها غلت الأسعار بالعراق وتعذرت الأقوات بسبب العسكر ~~الوارد، وقدم أهل السواد إلى بغداد منهزمين قد أخذت أموالهم، وهلكوا جوعا ~~وعريا ; وكذلك أيضا كان الغلاء في أكثر ms3978 البلاد: خراسان، وبلاد الجبل، ~~وأصفهان، وديار فارس، والجزيرة والشام، وأما المغرب فكان أشد غلاء بسبب ~~انقطاع الغيث، ودخول العدو إليها. # [الوفيات] # وفيها توفي إبراهيم بن نبهان الغنوي الرقي، ومولده سنة تسع وخمسين ~~وأربعمائة، وصحب الغزالي، والشاشي، وروى " الجمع بين الصحيحين " للحميدي عن ~~مصنفه. # وفيها، في ذي القعدة، توفي الإمام أبو الفضل الكرماني، الفقيه الحنفي ~~إمام خراسان. # PageV09P165 ### | [ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة] # (544) # ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة # ذكر وفاة سيف الدين غازي بن أتابك زنكي وبعض سيرته وملك أخيه قطب الدين # في هذه السنة توفي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها بمرض ~~حاد، ولما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد واستدعى أوحد الزمان، فحضر عنده، فرأى ~~شدة مرضه، فعالجه، فلم ينجع فيه الدواء، وتوفي أواخر جمادى الآخرة، وكانت ~~ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما ; وكان حسن الصورة والشباب، وكانت ~~ولادته سنة خمسمائة، ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل، وخلف ولدا ذكرا، ~~فرباه عمه نور الدين محمود، وأحسن تربيته، وزوجه ابنة أخيه قطب الدين ~~مودود، فلم تطل أيامه وتوفي في عنفوان شبابه، فانقرض عقبه. # وكان كريما شجاعا عاقلا، وكان يصنع كل يوم لعسكره طعاما كثيرا مرتين بكرة ~~وعشية، فأما الذي بكرة فيكون مائة رأس غنم جيدة، وهو أول من حمل على رأسه ~~السنجق، وأمر الأجناد ألا يركبوا إلا بالسيف في أوساطهم والدبوس تحت ركبهم، ~~فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف. بنى المدرسة الأتابكية العتيقة ~~بالموصل، وهي من أحسن المدارس، ووقفها على الفقهاء الحنفية والشافعية، وبنى ~~رباطا # PageV09P166 # للصوفية بالموصل أيضا على باب المشرعة، ولم تطل أيامه ليفعل ما في نفسه ~~من الخير، وكان عظيم الهمة، ومن جملة كرمه أنه قصده شهاب الدين الحيص بيص ~~وامتدحه بقصيدته التي أولها: # إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر # فوصله بألف دينار عينا سوى الخلع وغيرها. # ولما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مقيما بالموصل، فاتفق جمال ~~الدين الوزير وزين الدين علي أمير الجيش على تمليكه، فأحضروه، ms3979 واستحلفوه، ~~وحلفوا له، وأركبوه إلى دار السلطنة، وزين الدين في ركابه، وأطاعه جميع ~~بلاد سيف الدين كالموصل، والجزيرة، والشام. # ولما ملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش التي كان قد تزوجها أخوه ~~سيف الدين وتوفي قبل الدخول بها، وهي أم أولاد قطب الدين: سيف الدين، وعز ~~الدين وغيرهما من أولاده. # ذكر استيلاء نور الدين على سنجار لما ملك قطب الدين مودود الموصل بعد ~~أخيه سيف الدين غازي كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام، وله حلب ~~وحماة، فكاتبه جماعة من الأمراء وطلبوه، وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد ~~شمس الدين محمد، وكان حينئذ مستحفظا بسنجار، فأرسل إليه يستدعيه ليتسلم ~~سنجار، فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء دولته، فوصل إلى ماكسين في نفر ~~يسير قد سبق أصحابه. # وكان يوما شديد المطر، فلم يعرفهم الذي يحفظ الباب، فأخبر الشحنة أن نفرا ~~من التركمان المتجندين قد دخلوا البلد، فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين ~~الدار على الشحنة، فقام إليه وقبل يده، ولحق به باقي أصحابه، ثم سار إلى ~~سنجار، # PageV09P167 # فوصلها وليس معه غير ركابي وسلاح دار، ونزل بظاهر البلد. # وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله، فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل، وترك ~~ولده شمس الدين محمدا بالقلعة، فأعلمه بمسير والده إلى الموصل، وأقام من ~~لحق أباه بالطريق، فأعلمه بوصول نور الدين، فعاد إلى سنجار فسلمها إليه، ~~فدخلها نور الدين، وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب الحصن، يستدعيه ~~إليه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه في عسكره ; فلما سمع أتابك قطب الدين، ~~وجمال الدين، وزين الدين بالموصل بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نحو سنجار، ~~فوصلوا إلى تل يعفر، وترددت الرسل بينهم بعد أن كانوا عازمين على قصده ~~بسنجار، فقال لهم جمال الدين: ليس من الرأي محاقته وقتاله، فإننا نحن قد ~~عظمنا محله عند السلطان وما هو بصدده من الغزاة، وجعلنا أنفسنا دونه، وهو ~~يظهر للفرنج تعظيما وأنه تبعنا ; ولا يزال يقول لهم: إن كنتم كما يجب، وإلا ~~سلمت البلاد إلى صاحب الموصل، وحينئذ يفعل ms3980 بكم ويصنع، فإذا لقيناه، فإن ~~هزمناه طمع السلطان فينا، ويقول: هذا الذي كانوا يعظمونه ويحتمون به أضعف ~~منهم، وقد هزموه ; وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج، ويقولون إن الذين كان ~~يحتمي بهم أضعف منه، وقد هزمهم، وبالجملة فهو ابن أتابك الكبير. # وأشار بالصلح، وسار هو إليه فاصطلح، وسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين، وسلم ~~مدينة حمص والرحبة بأرض الشام وبقي الشام له، وديار الجزيرة لأخيه، واتفقا، ~~وعاد نور الدين إلى الشام، وأخذ معه ما كان قد ادخره أبوه أتابك الشهيد ~~فيها من الخزائن، وكانت كثيرة جدا. # ذكر وفاة الحافظ وولاية الظافر [ووزارة] ابن السلار # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد ابن # PageV09P168 # الأمير أبي القاسم ابن المستنصر بالله العلوي، صاحب مصر. وكانت خلافته ~~عشرين سنة إلا خمسة أشهر، وعمره نحو من سبع وسبعين سنة، ولم يزل في جميعها ~~محكوما عليه، يحكم عليه وزراؤه، حتى إنه جعل ابنه حسنا وزيرا وولي عهده، ~~فحكم عليه واستبد الأمر دونه، وقتل كثيرا من أمراء دولته وصادر كثيرا، فلما ~~رأى الحافظ ذلك سقاه فمات، وقد ذكرناه. # ولم يل الأمر من العلويين المصريين من أبوه غير خليفة غير الحافظ العاضد، ~~وسيرد # ذكر نسب العاضد، وولي الخلافة بعده بمصر ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور ~~إسماعيل بن عبد المجيد الحافظ، واستوزر ابن مصال، فبقي أربعين يوما يدبر ~~الأمور، فقصده العادل بن السلار من ثغر الإسكندرية، ونازعه في الوزارة، ~~وكان ابن مصال قد خرج من القاهرة في طلب بعض المفسدين من السودان، فخلفه ~~العادل بالقاهرة وصار وزيرا. # وسير عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي في ~~عسكر وهو ربيب العادل، إلى ابن مصال، فظفر به وقتله، وعاد إلى القاهرة، ~~واستقر العادل وتمكن، ولم يكن للخليفة معه حكم. # وأما سبب وصول العباس إلى مصر، فإن جده يحيى أخرج أباه أبا الفتوح من ~~المهدية، فلما توفي يحيى، وولي بعده بلاد إفريقية ابنه علي بن يحيى بن تميم ~~[بن يحيى ms3981 صاحب] إفريقية، أخرج أخاه أبا الفتوح بن يحيى والد عباس من ~~إفريقية سنة تسع وخمسمائة، فسار إلى الديار المصرية ومعه زوجته بلارة ابنة ~~القاسم بن تميم بن المعز بن باديس، وولده عباس هذا وهو صغير يرضع ; ونزل ~~أبو الفتوح بالإسكندرية فأكرم، وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي وتزوجت بعده ~~امرأته بلارة بالعادل بن السلار. # وشب العباس، وتقدم عند الحافظ، حتى ولي الوزارة بعد العادل ; فإن العادل ~~قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين [وخمسمائة] . قيل: وضع عليه عباس من قتله، # PageV09P169 # فلما قتل ولي الوزارة بعده، وتمكن فيها، وكان جلدا حازما، ومع هذا ففي ~~أيامه أخذ الفرنج عسقلان، واشتد وهن الدولة بذلك ; وفي أيامه أخذ نور الدين ~~محمود دمشق من مجير الدين أبق، وصار الأمر بعد هذا إلى أن أخذت مصر منهم، ~~على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. # ذكر عودة جماعة من الأمراء إلى العراق # في هذه السنة، في رجب، عاد البقش كون خر، والطرنطاي، وابن دبيس، ومعهم ~~ملكشاه ابن السلطان محمود إلى العراق، وراسلوا الخليفة في الخطبة لملكشاه، ~~فلم يلتفت إليهم، وجمع العساكر، وحصن بغداد، وأرسل إلى السلطان مسعود يعرفه ~~الحال، فوعده بالوصول إلى بغداد، فلم يحضر. # وكان سبب ذلك ما ذكرناه من وصول عمه السلطان سنجر إلى الري في معنى خاص ~~بك، فلما وصل إلى الري سار إليه السلطان مسعود، ولقيه واسترضاه، فرضي عنه ; ~~فلما علم البقش بمراسلة الخليفة إلى مسعود نهب النهروان، وقبض على الأمير ~~علي بن دبيس في رمضان، فلما علم الطرنطاي بذلك هرب إلى النعمانية. # ووصل السلطان مسعود إلى بغداد منتصف شوال، ورحل البقش كون خر من ~~النهروان، وأطلق علي بن دبيس، فلما وصل السلطان إلى بغداد قصده علي، وألقى ~~بنفسه بين يديه واعتذر، فرضي عنه. # وذكر بعض المؤرخين هذه الحادثة سنة أربع وأربعين، وذكر أيضا مثلها سنة ~~ثلاث وأربعين [وخمسمائة] ، فظنها حادثتين، وأنا أظنها واحدة ولكنا تبعناه ~~في ذلك ونبهنا عليه. # ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية وهزيمة الفرنج # في هذه السنة غزا نور الدين محمود ms3982 بن زنكي بلاد الفرنج من ناحية أنطاكية، # PageV09P170 # وقصد حصن حارم، وهو للفرنج، فحصره وخرب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل إلى حصن ~~إنب فحصره أيضا، فاجتمعت الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم وتلك ~~الأعمال، وساروا إلى نور الدين ليرحلوه عن إنب، فلقيهم واقتتلوا قتالا ~~عظيما. # وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم ~~جمع كثير، وأسر مثلهم. # وكان ممن قتل البرنس صاحب أنطاكية، وكان عاتيا من عتاة الفرنج، وعظيما من ~~عظمائهم، ولما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند، وهو طفل، فتزوجت أمه ببرنس ~~آخر ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها، وأقام معها بأنطاكية. # ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى، فاجتمعوا ولقوه، فهزمهم وقتل فيهم ~~وأسر، وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، فتمكن حينئذ بيمند ~~بأنطاكية ; وأكثر الشعراء مديح نور الدين وتهنئته بهذا الظفر، فإن قتل ~~البرنس كان عظيما عند الطائفتين، وممن قال فيه القيسراني في قصيدته ~~المشهورة التي أولها: # هذي العزائم لا ما تدعي القضب ... وذي المكارم لا ما قالت الكتب # وهذه الهمم اللاتي متى خطبت ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب # صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعي دونها تعب # ما زال جدك يبني كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب # PageV09P171 # أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة ... فؤاد رومية الكبرى لها يجب # ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب # طهرت أرض الأعادي من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب # ذكر الخلف بين صاحب صقلية وملك الروم # في هذه السنة اختلف رجار الفرنجي صاحب صقلية وملك القسطنطينية، وجرى ~~بينهما حروب كثيرة دامت عدة سنين، فاشتغل بعضهم ببعض عن المسلمين، ولولا ~~ذلك لملك رجار جميع بلاد إفريقية. # وكان القتال بينهم برا وبحرا، والظفر في جميع ذلك لصاحب صقلية، حتى إن ~~أسطوله، في بعض السنين وصل إلى مدينة القسطنطينية، ودخل فم الميناء، وأخذوا ~~عدة شوان من الروم، وأسروا جمعا منهم ; ورمى الفرنج طاقات قصر الملك ~~بالنشاب، وكان الذي يفعل هذا بالروم والمسلمين جرجي وزير صاحب صقلية، ms3983 فمرض ~~عدة أمراض منها البواسير والحصا، ومات سنة ست وأربعين وخمسمائة، فسكنت ~~الفتنة، واستراح الناس من شره وفساده، ولم يكن عند صاحب صقلية من يقوم ~~مقامه بعده. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زلزلت الأرض زلزلة عظيمة، فقيل إن جبلا مقابل حلوان ساخ في ~~الأرض. # وفيها ولي أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي لأمر الله، ~~وكان قبل # PageV09P172 # ذلك صاحب ديوان الزمام، وظهر له كفاية عظيمة عند نزول العساكر بظاهر ~~بغداد، وحسن قيام في ردهم، فرغب الخليفة فيه، فاستوزره يوم الأربعاء رابع ~~ربيع الآخر سنة أربع وأربعين [وخمسمائة] ، وكان القمر على تربيع زحل، فقيل ~~له: لو أخرت لبس الخلعة لهذه التربيعات؟ فقال: وأي سعادة أكبر من وزارة ~~الخليفة؟ ولبسها ذلك اليوم. # [الوفيات] # وفيها في المحرم توفي قاضي القضاة علي بن الحسن الزينبي، وولي القضاء ~~عماد الدين أبو الحسن علي بن أحمد الدامغاني. # وفيها في المحرم رخصت الأسعار بالعراق، وكثرت الخيرات، وخرج أهل السواد ~~إلى قراهم. # وفيها توفي الأمير نظر أمير الحاج، وكان قد سار بالحاج إلى الحلة، فمرض ~~واشتد مرضه، واستخلف على الحاج قايماز الأرجواني، وعاد إلى بغداد مريضا، ~~فتوفي في ذي القعدة، وكان خصيا عاقلا خيرا، له معروف كثير، وصدقات وافرة. # وفيها توفي أحمد بن نظام الملك الذي كان وزير السلطان محمد والمسترشد ~~بالله. # وفيها توفي علي بن رافع بن خليفة الشيباني، وهو من أعيان خراسان، وله ~~مائة وسبع سنين شمسية. # PageV09P173 # وفيها توفي معين الدين أنر نائب أبق صاحب دمشق، وهو كان الحاكم والأمر ~~إليه، وكان أبق صورة أمير لا معنى تحتها. # وفيها توفي القاضي أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني أبو بكر قاضي تستر، ~~وله شعر حسن، فمنه قوله: # ولما بلوت الناس أطلب عندهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد # تطلعت في حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد؟ # فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد # تمتعتما يا ناظري بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد # أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي ms3984 سعي اثنين في قتل واحد # وفيها توفي أبو عبد الله عيسى بن هبة الله بن عيسى البزاز وكان ظريفا، ~~وله شعر حسن، كتب إليه صديق له رقعة وزاد في خطابه فأجابه: # قد زدتني في الخطاب حتى ... خشيت نقصا من الزياده # فاجعل خطابي خطاب ... مثلي ولا تغير علي عاده # PageV09P174 ### | [ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة] # (545) # ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة # ذكر أخذ العرب الحجاج # في هذه السنة، رابع عشر المحرم خرج العرب، زعب ومن انضم إليها، على ~~الحجاج بالغرابي، بين مكة والمدينة فأخذوهم ولم يسلم منهم إلا القليل. # وكان سبب ذلك أن نظرا أمير الحاج [لما عاد من الحلة على ما ذكرناه وسار ~~على الحاج] قايماز الأرجواني، وكان حدثا غرا، سار بهم إلى مكة، فلما رأى ~~أمير مكة قايماز استصغره، وطمع في الحاج، وتلطف قايماز الحال معه إلى أن ~~عادوا. # فلما سار عن مكة سمع باجتماع العرب، فقال للحاج: المصلحة أن لا نمضي إلى ~~المدينة، وضج العجم وتهددوه بالشكوى منه إلى السلطان سنجر، فقال لهم: ~~فأعطوا العرب مالا نستكف به شرهم! فامتنعوا من ذلك، فسار بهم إلى الغرابي، ~~وهو منزل يخرج إليه من مضيق بين جبلين، فوقفوا على فم مضيق، وقاتلهم قايماز ~~ومن معه، فلما رأى عجزه أخذ لنفسه أمانا، وظفروا بالحجاج، وغنموا أموالهم ~~وجميع ما معهم، وتفرق الناس في البر، وهلك منهم خلق كثير لا يحصون كثرة، ~~ولم يسلم إلا القليل، فوصل بعضهم إلى المدينة، وتحملوا منها إلى البلاد، ~~وأقام بعضهم مع العرب حتى توصل إلى البلاد. # ثم إن الله تعالى انتصر للحاج من زعب، فلم يزالوا في نقص وذلة، ولقد رأيت ~~شابا منهم بالمدينة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وجرى بيني وبينه مفاوضة قلت له ~~فيها: إنني والله كنت أميل إليك حتى سمعت أنك من زعب، فنفرت وخفت شرك. # PageV09P175 # فقال: ولم؟ فقلت: بسبب أخذكم الحاج. فقال لي: أنا لم أدرك ذلك الوقت، ~~وكيف رأيت الله صنع بنا؟ والله ما أفلحنا، ولا نجحنا، قل العدد وطمع العدو ~~فينا. # ذكر فتح ms3985 حصن فاميا في هذه السنة فتح نور الدين محمود ابن الشهيد زنكي حصن ~~فاميا من الفرنج، وهو مجاور شيزر وحماة، على تل عال من أحصن القلاع ~~وأمنعها، فسار نور الدين إليه وحصره وبه الفرنج، وقاتلهم وضيق على من به ~~منهم، فاجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحوه ليرحلوه عنهم، فلم يصلوا إلا ~~وقد ملكه، وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه، فلما بلغه مسير ~~الفرنج إليه رحل عنه وقد فرغ من أمر الحصن وسار إليهم يطلبهم، فحين رأوا أن ~~الحصن قد ملك وقوة عزم نور الدين على لقائهم عدلوا عن طريقه، ودخلوا بلادهم ~~وراسلوه في المهادنة، وعاد سالما مظفرا. # ومدحه الشعراء وذكروا هذا الفتح، فمن ذلك قول ابن منير من قصيدة أولها: # أسنى الممالك ما أطلت منارها ... وجعلت مرهفة الدسار دسارها # وأحق من ملك البلاد وأهلها ... رؤف تكنف عدله أقطارها # ومنها في وصف الحصن: # أدركت ثأرك في البغاة وكنت يا ... مختار أمة أحمد مختارها # طابت نجومك فوقها، ولربما ... باتت تنافثها النجوم سرارها # عارية الزمن المعير شمالها ... منك المعيرة واسترد معارها # PageV09P176 # أمست مع الشعرى العبور وأصبحت ... شعراء تستغلي الفحول شوارها # وهي طويلة. # ذكر حصر الفرنج قرطبة ورحيلهم عنها # في هذه السنة سار السليطين، وهو الأذفونش، وهو ملك طليطلة وأعمالها، وهو ~~من ملوك الجلالقة نوع من الفرنج، في أربعين ألف فارس إلى مدينة قرطبة، ~~فحصرها، وهي في ضعف وغلاء، فبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو بمراكش، فجهز ~~عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم أبا زكرياء يحيى بن يرموز ونفذهم إلى قرطبة، فلما ~~قربوا منها لم يقدروا أن يلقوا عسكر السليطين في الوطاء، وأرادوا الاجتماع ~~بأهل قرطبة ليمنعوها لخطر العاقبة بعد القتال، فسلكوا الجبال الوعرة، ~~والمضايق المتشعبة، فساروا نحو خمسة وعشرين يوما في الوعر في مسافة أربعة ~~أيام في السهل، فوصلوا إلى جبل مطل على قرطبة، فلما رآهم السليطين وتحقق ~~أمرهم رحل عن قرطبة. # وكان [فيها] القائد أبو الغمر السائب من ولد القائد ابن غلبون، وهو من ~~أبطال أهل الأندلس وأمرائها، فلما رحل الفرنج ms3986 خرج منها لوقته وصعد إلى ابن ~~يرموز، وقال له: انزلوا عاجلا وادخلوا البلد ; ففعلوا، وباتوا فيها، فلما ~~أصبحوا من الغد رأوا عسكر السليطين على رأس الجبل الذي كان فيه عسكر عبد ~~المؤمن، فقال لهم أبو الغمر: هذا الذي خفته عليكم لأني علمت أن السليطين ما ~~أقلع إلا طالبا لكم، فإن من الموضع الذي كان فيه إلى الجبل طريقا سهلة، ولو ~~لحقكم هناك لنال مراده منكم ومن قرطبة ; فلما رأى السليطين أنهم قد فاتوه ~~علم أنه لم يبق له طمع في قرطبة ; فرحل عائدا إلى بلاده، وكان حصره لقرطبة ~~ثلاثة أشهر، والله أعلم. # PageV09P177 # ذكر ملك الغورية هراة # في هذه السنة سار ملك الغور الحسن بن الحسين من بلاد الغور إلى هراة ~~فحصرها، وكان أهلها قد كاتبوه، وطلبوا أن يسلموا البلد إليه هربا من ظلم ~~الأتراك لهم، وزال هيبة السلطنة عنهم، فامتنع أهل هراة عليه ثلاثة أيام، ثم ~~خرجوا إليه وسلموا البلد وأطاعوه، فأحسن إليهم، وأفاض عليهم النعم، وغمرهم ~~بالعدل، وأظهر طاعة السلطان سنجر، والقيام على الوفاء له، والانقياد إليه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أمر علاء الدين محمود بن مسعود الغالب على أمر طريثيث التي ~~بيد الإسماعيلية، بإقامة الخطبة للخليفة، ولبس السواد، ففعل الخطيب ذلك، ~~فثار به عمه وأقاربه ومن وافقهم، وقاتلوه، وكسروا المنبر وقتلوا الخطيب. # وكان فعل علاء الدين هذا لأن أباه كان مسلما، فلما تغلب الإسماعيلية على ~~طريثيث أظهر موافقتهم، وأبطن اعتقاد الشريعة، وكان يناظر على مذهب الشافعي، ~~وازداد تقدما بطريثيث، وجرت أمورها بإرادته ; فلما حضره الموت أوصى أن ~~يغسله فقيه شافعي، وأوصى إلى ابنه علاء الدين إن أمكنه أن يعيد فيها إظهار ~~شريعة الإسلام فعل. فلما رأى من نفسه قوة فعله، فلم يتم له. # وفيها كثر المرض بالعراق لا سيما ببغداد، وكثر الموت أيضا فيها، ففارقها ~~السلطان مسعود. # وفيها توفي الأمير علي بن دبيس بن صدقة صاحب الحلة بأسداباد، واتهم طبيبه ~~محمد بن صالح المواطأة عليه، فمات الطبيب بعده بقريب. # وفيها استوزر عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب ms3987 أبا جعفر بن أبي أحمد ~~الأندلسي، وكان مأسورا عنده، فوصف له بالعقل وجودة الكتابة، فأخرجه من ~~الحبس واستوزره، وهو أول وزير كان للموحدين. # PageV09P178 # وفي هذه السنة، في المحرم، جلس يوسف الدمشقي مدرسا في النظامية ببغداد، ~~وكان جلوسه بغير أمر الخليفة، فمنع، يوم الجمعة، من دخول الجامع، فصلى في ~~جامع السلطان، ومنع من التدريس، فتقدم السلطان مسعود إلى الشيخ أبي النجيب ~~بأن يدرس فيها، فامتنع بغير أمر الخليفة فاستخرج السلطان إذن الخليفة في ~~ذلك، فدرس منتصف المحرم من السنة. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن مهران الفقيه الشافعي، تفقه على ~~الهراسي، وولي قضاء نصيبين، ثم ترك القضاء وتزهد، فأقام بجزيرة ابن عمر، ثم ~~انتقل إلى جبل ببلد الحصن، في زاوية، وكان له كرامات ظاهرة. # وفيها مات الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن الشغري أبو ~~المفاخر النيسابوري، سمع الحديث الكثير، وكان فقيها أديبا دائم الأشغال، ~~يعظ الناس، وكان مما ينشد: # مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا ... ومات من بعدهم تلك الكرامات # وخلفوني في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا # PageV09P179 ### | [ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة] # (546) # ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة # ذكر انهزام نور الدين من جوسلين وأسر جوسلين بعد ذلك # في هذه السنة جمع نور الدين محمود عسكره وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي، ~~وهي شمالي حلب، منها تل باشر، وعين تاب، وإعزاز، وغيرها، وعزم على محاصرتها ~~وأخذها، وكان جوسلين، لعنه الله، فارس الفرنج غير مدافع، قد جمع الشجاعة ~~والرأي، فلما علم بذلك جمع الفرنج فأكثر، وسار نحو نور الدين فالتقوا ~~واقتتلوا، فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير، وكان في جملة من أسر ~~سلاح دار نور الدين، فأخذه جوسلين، ومعه سلاح نور الدين، فسيره إلى الملك ~~مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية، وأقصرا، وقال له: هذا سلاح زوج ابنتك، ~~وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه. # فلما علم نور الدين الحال عظم عليه ذلك، وأعمل الحيلة [على] جوسلين، وهجر ~~الراحة ليأخذ ms3988 بثأره، وأحضر جماعة من أمراء التركمان، وبذل لهم الرغائب إن ~~هم ظفروا بجوسلين وسلموه إليه إما قتيلا أو أسيرا ; لأنه علم أنه متى قصده ~~بنفسه احتمى بمجموعه وحصونه، فجعل التركمان عليه العيون، فخرج متصيدا، ~~فلحقت به طائفة منهم وظفروا به، فصانعهم على مال يؤديه إليهم، فأجابوه إلى ~~إطلاقه إذا حضر المال، فأرسل في إحضاره، فمضى بعضهم إلى أبي بكر بن الداية، ~~نائب نور # PageV09P180 # الدين بحلب، فأعلمه الحال، فسير عسكرا معه، فكبسوا أولئك التركمان ~~وجوسلين معهم، فأخذوه أسيرا وأحضروه عنده، وكان أسره من أعظم الفتوح ; لأنه ~~كان شيطانا عاتيا، شديدا على المسلمين، قاسي القلب، وأصيبت النصرانية كافة ~~بأسره. # ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها، وهي تل باشر، وعين تاب، ~~وإعزاز، وتل خالد، وقورس، والراوندان، وبرج الرصاص، وحصن البارة، وكفرسود، ~~وكفرلاثا، ودلوك، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك من أعماله، (في مدة يسيرة ~~يرد تفصيلها) . # وكان نور الدين كلما فتح منها حصنا نقل إليه من كل ما تحتاج إليه الحصون، ~~خوفا من نكسة تلحق المسلمين من الفرنج، فتكون بلادهم غير محتاجة إلى ما ~~يمنعها من العدو، ومدحه الشعراء، فممن قال فيه القيسراني من قصيدة في ذكر ~~جوسلين: # كما أهدت الأقدار للقمص أسره ... وأسعد قرن من حواه لك الأسر # طغى وبغى عدوا على غلوائه ... فأوبقه الكفران عدواه والكفر # وأمست عزاز كاسمها بك عزة ... تشق على النسرين لو أنها وكر # فسر واملإ الدنيا ضياء وبهجة ... فبالأفق الداجي إلى ذا السنا فقر # كأني بهذا العزم لا فل حده ... وأقصاه بالأقصى وقد قضي الأمر # وقد أصبح البيت المقدس طاهرا ... وليس سوى جاري الدماء له طهر # PageV09P181 # ذكر حصر غرناطة والمرية من بلاد الأندلس # في هذه السنة سير عبد المؤمن جيشا كثيفا، نحو عشرين ألف فارس، إلى ~~الأندلس مع أبي حفص عمر بن أبي يحيى الهنتاتي، وسير معهم نساءهم، (فكن يسرن ~~مفردات) عليهن البرانس السود، ليس معهن غير الخدم، (ومتى قرب منهن رجل ضرب ~~بالسياط) . # فلما قطعوا الخليج ساروا إلى غرناطة وبها جمع من المرابطين، فحصرها عمر ms3989 ~~وعسكره، وضيقوا عليها، فجاء إليه أحمد بن ملحان، صاحب مدينة وادي آش ~~وأعمالها، بجماعته، ووحدوا، وصاروا معه، وأتاهم إبراهيم بن همشك صهر ابن ~~مردنيش، صاحب جيان، وأصحابه، ووحدوا، وصاروا أيضا معه، فكثر جيشه، وحرضوه ~~على المسارعة إلى ابن مردنيش، ملك بلاد شرق بلاد الأندلس، ليبغته بالحصار ~~قبل أن يتجهز. # فلما سمع ابن مردنيش ذلك خاف على نفسه، فأرسل إلى ملك برشلونة، من بلاد ~~الفرنج، يخبره، ويستنجده، ويستحثه، على الوصول إليه، فسار إليه الفرنجي في ~~عشرة آلاف فارس، وسار عسكر عبد المؤمن، فوصلوا إلى حمة بلقوارة، وبينها ~~وبين مرسية، التي هي مقر ابن مردنيش مرحلة، فسمعوا بوصول الفرنج، فرجع وحصر ~~مدينة المرية، وهي للفرنج، عدة شهور، فاشتد الغلاء في العسكر، وعدمت ~~الأقوات، فرحلوا عنها وعادوا إلى إشبيلية فأقاموا بها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي العبادي الواعظ، واسمه المظفر ابن ~~أردشير، بخوزستان، وكان الخليفة المقتفي لأمر الله قد سيره في رسالة إلى ~~الملك # PageV09P182 # محمد ابن السلطان محمود ليصلح بينه وبين بدر الحويزي، فتوفي هناك وجلس ~~ولده ببغداد للعزاء، وأقيم بحاجب من الديوان العزيز. # وكان يجلس ويعظ ويذكر والده ويبكي هو والناس كافة، ونقل العبادي إلى ~~بغداد ودفن بالشونيزى، ومولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وسمع الحديث من ~~أبي بكر الشيروي، وزاهر الشحامي وغيرهما، ورواه. # وفيها انفجر بثق النهروان الذي أتمه بهروز بكثرة الزيادة في تامرا وإهمال ~~أمرها، حتى عظم ذلك وتضرر به الناس. # وفيها سار الأمير قجق في طائفة من عسكر السلطان سنجر إلى طريثيث بخراسان، ~~وأغار على بلاد الإسماعيلية فنهب، وسبى، وخرب، وأحرق المساكن، وفعل بهم ~~أفاعيل عظيمة وعاد سالما. # PageV09P183 ### | [ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة] # (547) # ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة # ذكر ملك عبد المؤمن بجاية وملك بني حماد # في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها، وملك جميع ممالك ~~بني حماد. وكان لما أراد قصدها سار من مراكش إلى سبتة سنة ست وأربعين ~~[وخمسمائة] ، فأقام بها مدة يعمر الأسطول، ويجمع العساكر القريبة ms3990 منه. # وأما ما هو على طريقه (إلى بجاية من البلاد) ، فكتب إليهم ليتجهزوا ~~ويكونوا على الحركة أي وقت طلبهم، والناس يظنون أنه يريد العبور إلى ~~الأندلس، فأرسل في قطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا. # وسار من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين [وخمسمائة] ، فأسرع السير وطوى ~~المراحل، والعساكر تلقاه في طريقه، فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو في أعمالها، ~~وكان ملكها يحيى بن العزيز بن حماد آخر ملوك بني حماد، وكان مولعا بالصيد ~~واللهو لا ينظر في شيء من أمور مملكته، قد حكم فيها بنو حمدون، فلما اتصل ~~الخبر بميمون بن حمدون جمع العسكر وسار عن بجاية نحو عبد المؤمن، فلقيهم ~~مقدمته، وهو يزيد على عشرين ألف فارس، فانهزم أهل بجاية من غير قتال، ودخلت ~~مقدمة عبد المؤمن بجاية قبل وصول عبد المؤمن بيومين، وتفرق جميع عسكر يحيى ~~بن العزيز، وهربوا برا وبحرا، وتحصن يحيى بقلعة قسنطينة الهواء، وهرب أخواه ~~الحارث، وعبد الله إلى صقلية، ودخل عبد المؤمن بجاية، وملك جميع بلاد ابن ~~العزيز بغير قتال. # PageV09P184 # ثم إن يحيى نزل إلى عبد المؤمن بالأمان فأمنه، وكان يحيى قد فرح لما أخذت ~~بلاد إفريقية من الحسن بن علي فرحا ظهر عليه، فكان يذمه، ويذكر معايبه، فلم ~~تطل المدة حتى أخذت بلاده، ووصل الحسن بن علي إلى عبد المؤمن في جزائر بني ~~مزغنان، وقد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين [وخمسمائة] سبب مصيره إليها، واجتمعا ~~عنده، فأرسل عبد المؤمن يحيى بن العزيز إلى بلاد المغرب، وأقام بها، وأجرى ~~عليه شيئا كثيرا. # وأما الحسن بن علي فإنه أحسن إليه، وألزمه صحبته، وأعلى مرتبته، فلزمه ~~إلى أن فتح عبد المؤمن المهدية فجعله فيها، وأمر واليها أن يقتدي برأيه ~~ويرجع إلى قوله. # ولما فتح عبد المؤمن بجاية لم يتعرض إلى مال أهلها ولا غيره، وسبب ذلك أن ~~بني حمدون استأمنوا فوفى بأمانه. # ذكر ظفر عبد المؤمن بصنهاجة # لما ملك عبد المؤمن بجاية تجمعت صنهاجة في أمم لا يحصيها إلا الله تعالى، ~~وتقدم عليهم رجل اسمه ms3991 أبو قصبة، واجتمع معهم من كتامة ولواتة وغيرهما خلق ~~كثير، وقصدوا حرب عبد المؤمن، فأرسل إليهم جيشا كثيرا، ومقدمهم أبو سعيد ~~يخلف، وهو من الخمسين، فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية، فانهزم أبو قصبة ~~وقتل أكثر من معه، ونهبت أموالهم، وسبيت نساؤهم وذراريهم. # ولما فرغوا من صنهاجة ساروا إلى قلعة بني حماد، وهي من أحصن القلاع ~~وأعلاها لا ترام، على رأس جبل شاهق يكاد الطرف لا يحققها لعلوها، ولكن ~~القدر إذا جاء لا يمنع منه معقل ولا جيوش، فلما رأى أهلها عساكر الموحدين ~~هربوا منها في رءوس الجبال، وملكت القلعة، وأخذ جميع ما فيها من مال وغيره ~~وحمل إلى عبد المؤمن فقسمه. # PageV09P185 # ذكر وفاة السلطان مسعود وملك ملكشاه محمد بن محمود # في هذه السنة أول رجب توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان، وكان ~~مرضه حمى حادة نحو أسبوع، وكان مولده سنة اثنتين وخمسمائة في ذي القعدة، ~~ومات معه سعادة البيت السلجوقي، فلم يقم له بعده راية ولا يعتد بها ولا ~~يلتفت إليها: # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # وكان رحمه الله حسن الأخلاق، كثير المزاح والانبساط مع الناس، فمن ذلك أن ~~أتابك زنكي، صاحب الموصل، أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن ~~القاسم الشهرزوري في رسالة، فوصل إليه وأقام معه في العسكر، فوقف يوما على ~~خيمة الوزير، حتى قارب أذان المغرب، فعاد إلى خيمته، فأذن المغرب وهو في ~~الطريق، فرأى إنسانا فقيها في خيمة، فنزل إليه، فصلى معه المغرب، ثم سأله ~~كمال الدين من أين هو؟ فقال: أنا قاضي مدينة كذا. فقال له كمال الدين: ~~القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وهو أنا وأنت، وقاض في الجنة وهو من لم ~~يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم، فلما كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال ~~الدين إليه، فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة. فقال كمال الدين: ~~نعم يا مولانا. فقال: والله صدقت، ما أسعد من لا يرانا ولا نراه! ثم أمر أن ms3992 ~~تقضى حاجته وأعاده من يومه. # وكان كريما عفيفا عن الأموال التي للرعايا، حسن السيرة فيهم، من أصلح ~~السلاطين سيرة وألينهم عريكة، سهل الأخلاق لطيفا، فمن ذلك أنه اجتاز يوما ~~في بعض أطراف بغداد، فسمع امرأة تقول لأخرى: تعالي انظري إلى السلطان، فوقف ~~وقال: حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا. # وله فضائل كثيرة ومناقب جمة، وكان عهد إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان ~~محمود، فلما توفي خطب له الأمير خاص بك بن بلنكري بالسلطنة، ورتب الأمور، ~~وقررها بين يديه، وأذعن له جميع العسكر بالطاعة. # PageV09P186 # ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان مسعود هرب الشحنة بها، وهو مسعود ~~بلال إلى تكريت، واستظهر الخليفة المقتفي لأمر الله على داره، ودور أصحاب ~~السلطان ببغداد، وأخذ كل ما لهم فيها، وكل من كان عنده وديعة لأحد منهم ~~أحضرها بالديوان، وجمع الخليفة الرجال والعساكر وأكثر التجنيد، وتقدم ~~بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان، ووجد في دار مسعود بلال شحنة بغداد ~~كثير من الخمر، فأريق، ولم يكن الناس يظنون أنه شرب الخمر بعد الحج، وقبض ~~على المؤيد الألوسي الشاعر، وعلى الحيص بيص الشاعر، ثم أطلق الحيص بيص، ~~وأعيد عليه ما أخذ منه. # ثم إن السلطان ملكشاه سير سلاركرد في عسكر إلى الحلة، فدخلها، فسار إليه ~~مسعود بلال، شحنة بغداد، وأظهر له الاتفاق معه، فلما اجتمعا قبض عليه مسعود ~~بلال وغرقه، واستبد بالحلة، فلما علم الخليفة ذلك جهز العساكر إليه مع ~~الوزير عون الدين بن هبيرة، فسار إليه، فلما قاربوا الحلة عبر مسعود بلال ~~الفرات إليهم وقاتلهم، فانهزم من عسكر الخليفة، ونادى أهل الحلة بشعار ~~الخليفة، فلم يدخلها، وتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، فعاد [إلى] تكريت، ~~وملك عسكر الخليفة الحلة، وسير الوزير عسكرا إلى واسط، فملكوهما. # ثم إن عساكر السلطان وصلت إلى واسط، ففارقها عسكر الخليفة، فلما سمع ~~الخليفة ذلك تجهز بنفسه، وسار عن بغداد إلى واسط، ففارقها العسكر السلطاني، ~~وملكها الخليفة، وسار منها إلى الحلة، ثم عاد إلى بغداد، فوصلها تاسع عشر ~~ذي القعدة، وكانت غيبته خمسة وعشرين ms3993 يوما # ثم إن خاص بك بن بلنكري قبض على الملك ملكشاه الذي خطب له بالسلطنة بعد ~~مسعود، وأرسل إلى أخيه الملك محمد سنة ثمان وأربعين [وخمسمائة] وهو ~~بخوزستان يستدعيه، وكان قصده أن يحضر عنده فيقبضه ويخطب لنفسه بالسلطنة، ~~فسار الملك محمد إليه، فلما وصل أجلسه على تخت السلطنة أوائل صفر، وخطب له ~~بالسلطنة، وخدمه، وبالغ في خدمته، وحمل له هدايا عظيمة جليلة المقدار. # ثم إنه دخل إلى الملك محمد ثاني يوم وصوله، فقتله محمد، وقتل معه زنكي # PageV09P187 # الجاندار، وألقى برأسيهما، فتفرق أصحابهما، ولم ينتطح فيها عنزان. وكان ~~أيدغدي التركماني المعروف بشملة مع خاص بك، فنهاه عن الدخول إلى الملك ~~محمد، فلم ينته، فقتل، ونجا شملة، فنهب جشير الملك محمد، ومضى طالبا ~~خوزستان، وأخذ محمد من أموال خاص بك كثيرا، واستقر محمد في السلطنة وتمكن، ~~وبقي خاص بك ملقى حتى أكلته الكلاب، وكان صبيا تركمانيا اتصل بالسلطان ~~مسعود، فتقدم على سائر الأمراء وكان هذا خاتمة أمره. # ذكر الحرب بين نور الدين محمود وبين الفرنج # في هذه السنة تجمعت الفرنج، وحشدت الفارس والراجل، وساروا نحو نور الدين، ~~وهو ببلاد جوسلين، ليمنعوه عن ملكها، فوصلوا إليه وهو بدلوك، فلما قربوا ~~منه رجع إليهم ولقيهم، وجرى المصاف بينهم عند دلوك، واقتتلوا أشد قتال رآه ~~الناس، وصبر الفريقان، ثم انهزم الفرنج، وقتل منهم وأسر كثير، وعاد نور ~~الدين إلى دلوك، فملكها واستولى عليها، ومما قيل في ذلك: # أعدت بعصرك هذا الأني ... ق فتوح النبي وأعصارها # فواطأت يا حبذا " أحديها " ... وأسررت من " بدر " أبدارها # وكان مهاجرها تابعي ... ك وأنصار رأيك أنصارها # فجددت إسلام " سلمانها " ... وعمر جدك عمارها # وما يوم " إنب " إلا كذا ... ك بل طال بالبوع أشبارها # صدمت " عريمتها " صدمة ... أذابت مع الماء أحجارها # وفي " تل باشر " باشرتهم ... بزحف تسور أسوارها # وإن دالكتهم " دلوك " فقد ... شددت فصدقت أخبارها # PageV09P188 # ذكر الحرب بين سنجر والغورية # في هذه السنة كان بين السلطان [سنجر] وبين الغورية حرب، وكانت دولتهم أول ~~ما قد ظهرت، وأول من ملك منهم رجل اسمه الحسين ms3994 بن الحسين ملك جبال الغور ~~ومدينة فيروزكوه، وهي تقارب أعمال غزنة، وقوي أمره، وتلقب بعلاء الدين، ~~وتعرض إلى أعمال ; ثم جمع جيشا عظيما، وقصد هراة محاصرا لها، فنهب عسكره ~~ناب، وأوبة، ومارباد من هراة والروذ، وسار إلى بلخ وحصرها، فقاتله الأمير ~~قماج، ومعه جمع من الغز، فغدروا به، وصاروا مع الغوري فملك بلخ، فلما سمع ~~السلطان سنجر بذلك سار إليه ليمنعه، فثبت له علاء الدين، واقتتلوا، فانهزم ~~الغورية، وأسر علاء الدين، وقتل من الغورية خلق كثير، لا سيما الرجالة، ~~وأحضر السلطان سنجر علاء الدين بين يديه، وقال له: يا حسين لو ظفرت بي ما ~~كنت تفعل بي؟ فأخرج له قيد فضة وقال: كنت أقيدك بهذا وأحملك إلى فيروزكوه ; ~~فخلع عليه سنجر ورده إلى فيروزكوه فبقي بها مدة. # ثم إنه قصد غزنة وملكها حينئذ بهرام شاه بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين، فلم يثبت بها بين يدي علاء الدين، بل فارقها إلى مدينة كرمان، وهي ~~مدينة بين غزنة والهند، وسكانها قوم يقال لهم أبغان، وليست هذه بالولاية ~~المعروفة بكرمان. فلما فارق بهرام شاه غزنة ملكها علاء الدين الغوري، وأحسن ~~السيرة [في أهلها] واستعمل عليهم أخاه سيف الدين سوري، وأجلسه على تخت ~~المملكة، وخطب لنفسه ولأخيه سيف الدين بعده. # ثم عاد علاء الدين إلى بلد الغور، وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد ~~خلعا نفيسة، ويصلهم بصلات سنية، ففعل ذلك وأحسن [إليهم، فلما] جاء الشتاء، ~~ووقع الثلج، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع إليهم [كاتبوا بهرام شاه ~~الذي كان # PageV09P189 # صاحبها، واستدعوه إليهم] ، فسار نحوهم في عسكره، فلما قارب البلد ثار ~~أهله على سيف الدين فأخذوه بغير قتال، وكان العلويون هم الذين تولوا أسره، ~~وانهزم الذين كانوا معه، فمنهم من نجا، ومنهم من أخذ، ثم إنهم سودوا وجه ~~سيف الدين، وأركبوه بقرة، وطافوا به البلد، ثم صلبوه، وقالوا فيه أشعارا ~~يهجونه بها وغنى بها حتى النساء. # فلما بلغ الخبر إلى أخيه علاء الدين الحسين قال شعرا معناه: إن لم أقلع ms3995 ~~غزنة في مرة واحدة، فلست الحسين بن الحسين. # ثم توفي بهرام شاه، وملك بعده ابنه خسروشاه، وتجهز علاء الدين الحسين ~~وسار إلى غزنة سنة خمسين وخمسمائة، فلما بلغ الخبر إلى خسروشاه سار عنها ~~إلى لهاوور، وملكها علاء الدين، ونهبها ثلاثة أيام، وأخذ العلويين الذين ~~أسروا أخاه فألقاهم من رءوس الجبال، وخرب المحلة التي صلب فيها أخوه، وأخذ ~~النساء اللواتي قيل عنهن إنهن كن يغنين بهجاء أخيه والغورية، فأدخلهن حماما ~~ومنعهن من الخروج حتى متن فيه. # وأقام بغزنة حتى أصلحها، ثم عاد إلى فيروزكوه، ونقل معه من أهل غزنة خلقا ~~كثيرا، وحملهم المخالي مملوءة ترابا، فبنى به قلعة في فيروزكوه، وهي موجودة ~~إلى الآن، وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الجتر على عادة السلاطين السلجوقية. # وقد تقدم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من أخبارهم، وفيه مخالفة لهذا في بعض ~~الأمر، وكلا سمعناه ورأيناه في مصنفاتهم، فلهذا ذكرنا الأمرين، وأقام ~~الحسين على ذلك مدة، واستعمل ابني أخيه، وهما غياث الدين، وشهاب الدين. # ذكر ملك غياث الدين وشهاب الدين الغوريين # لما قوي أمر عمهما علاء الدين الحسين بن الحسين استعمل العمال والأمراء # PageV09P190 # على البلاد، وكان ابنا أخيه، وهما غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام، ~~وشهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام، فيمن استعمل على بلد من بلاد الغور ~~اسمه سنجة، وكان غياث الدين يلقب حينئذ شمس الدين، ويلقب الآخر شهاب الدين، ~~فلما استعملها أحسنا السيرة في عملهما وعدلا، وبذلا الأموال فمال الناس ~~إليهما، وانتشر ذكرهما، فسعى بهما من يحسدهما إلى عمهما علاء الدين، وقال: ~~إنهما يريدان الوثوب بك، وقتلك، والاستيلاء على الملك ; فأرسل عمهما ~~يستدعيهما إليه، فامتنعا وكانا قد بلغهما الخبر، فلما امتنعا عليه جهز ~~إليهما عسكرا مع قائد يسمى خروش الغوري، فلما التقوا انهزم خروش ومن معه، ~~وأسر هو وأبقيا عليه، وأحسنا إليه، وخلعا عليه، وأظهرا عصيان عمهما وقطعا ~~خطبته ; فتوجه إليهما علاء الدين، وساروا هما أيضا إليه، فالتقوا واقتتلوا ~~قتالا شديدا، فانهزم علاء الدين وأخذ أسيرا وانهزم عسكره، فنادى فيهم ابنا ~~أخيه بالأمان ms3996 فأحضر عمهما وأجلساه على التخت، ووقفا في خدمته، فبكى علاء ~~الدين وقال: هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله، ثم أحضر ~~عمهما القاضي في الحال، وزوج غياث الدين بنتا له، وجعله ولي عهده، وبقي ~~كذلك إلى أن مات. # فلما توفي ملك غياث الدين بعده وخطب لنفسه في الغور وغزنة بالملك، وبقي ~~كذلك إلى أن ملك الغز غزنة بعد موت علاء الدين، طمعوا فيها بموته، وبقيت ~~بأيديهم خمس عشرة سنة يصبون على أهلها العذاب، ويتابعون الظلم كعادتهم [في] ~~كل بلدة ملكوها، ولو أنهم لما ملكوا أحسنوا السيرة في الرعايا لدام ملكهم ; ~~فلم يزل الغز بغزنة هذه المدة، وغياث الدين يقوي أمره، ويحسن السيرة، ~~والناس يميلون إليه ويقصدونه. # ذكر ملك غياث الدين غزنة وما جاورها من البلاد # لما قوي أمر غياث الدين جهز جيشا كثيفا مع أخيه شهاب الدين إلى غزنة، فيه ~~أصناف الغورية، والخلج، والخراسانية، فساروا إليها، فلقيهم الغز # PageV09P191 # وقاتلوهم، فانهزم الغورية، وثبت شهاب الدين وسار الغز خلف المنهزمين فعطف ~~شهاب الدين فيمن ثبت معه على صاحب علمهم فقتله وأخذ العلم، وتركه على حاله، ~~فتراجع الغز، ولم يكونوا علموا بما كان من شهاب الدين، فجاءوا يطلبون ~~علمهم، فكلما جاء إليه طائفة قتلهم، فأتى على أكثرهم، ودخل غزنة وتسلمها ~~وأحسن السيرة في أهلها وأفاض العدل. # وسار من غزنة إلى كرمان وشنوران فملكهما، ثم تعدى إلى ماء السند، وعمل ~~على العبور إلى بلد الهند، وقصد لهاوور، وبها يومئذ خسروشاه ابن بهرام شاه ~~المقدم ذكر والده، فلما سمع خسروشاه بذلك سار فيمن معه إلى ماء السند، ~~فمنعه من العبور، فرجع عنه وقصد خرشابور فملكها وما يليها من جبال الهند، ~~وأعمال الأبغان، والله أعلم. # ذكر ملك شهاب الدين لهاوور # لما ملك شهاب الدين جبال الهند قوي أمره وجنانه، وعظمت هيبته في قلوب ~~الناس، وأحبوه لحسن سيرته، فلما خرج الشتاء، وأقبل الربيع من سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة، سار نحو لهاوور في جمع عظيم، وحشد كثير من خراسان والغور ~~وغيرهما، فعبر إلى لهاوور ms3997 وحصرها، وأرسل إلى صاحبها خسروشاه وإلى أهلها ~~يتهددهم إن منعوه، وأعلمهم أنه لا يزول حتى يملك البلد، وبذل لخسروشاه ~~الأمان على نفسه وأهله وماله، ومن الإقطاع ما أراد، وأن يزوج ابنته بابن ~~خسروشاه على أن يطأ بساطه ويخطب لأخيه، فامتنع عليه، وأقام شهاب الدين ~~محاصرا له، مضيقا عليه، فلما رأى أهل البلد والعسكر ذلك ضعفت نياتهم في ~~نصرة صاحبهم، فخذلوه، فأرسل لما رأى ذلك قاضي البلد والخطيب يطلبان له ~~الأمان، فأجابه شهاب الدين إلى ذلك وحلف له، وخرج إليه، ودخل الغورية إلى ~~المدينة، وبقي كذلك شهرين مكرما عند شهاب الدين، فورد رسول من غياث الدين ~~إلى شهاب الدين يأمره بإنفاذ خسروشاه إليه. # PageV09P192 # ذكر انقراض دولة سبكتكين # لما أنفذ غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين يطلب إنفاذ خسروشاه إليه أمره ~~شهاب الدين بالتجهز والمسير، فقال: أنا لا أعرف أخاك، ولا لي حديث إلا معك، ~~ولا يمين إلا في عنقك، فمناه وطيب قلبه، وجهزه وسيره وسير معه ولده، ~~وأصحبهما جيشا يحفظونهما، فسارا كارهين ; فلما بلغا فرشابور خرج أهلها ~~إليهما يبكون ويدعون لهما، فزجرهم الموكلون بهما، وقالوا: سلطان يزور ~~سلطانا آخر، لأي شيء تبكون؟ وضربوهم فعادوا، وخرج ولد خطيبها إلى خسروشاه ~~عن أبيه متوجعا له، قال: فلما دخلت عليه أعلمته رسالة أبي، وقلت: إنه قد ~~اعتزل الخطابة، ولا حاجة به إلى خدمة غيركم. فقال لي: سلم عليه. وأعطاني ~~فرجية فوطا ومصلى من عمل الصوفية، وقال: هذه تذكرة أبيه عند أبي، فسلمها ~~إليه وقل له: در مع الدهر كيفما دار ; وأنشد بلسان فصيح: # وليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # قال: فانصرفت إلى أبي وعرفته الحال، فبكى، وقال: قد أيقن الرجل بالهلاك ; ~~ثم رحلوا. فلما بلغوا بلد الغور لم يجتمع بهما غياث الدين بل أمر بهما ~~فرفعا إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. # وهو آخر ملوك آل سبكتكين، وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة، ~~فتكون مدة ولايتهم مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا. وكان ملوكهم من أحسن ~~الملوك سيرة، ms3998 ولاسيما جده محمود، فإن آثاره في الجهاد معروفة، وأعماله ~~للآخرة مشهورة: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # فتبارك الذي لا يزول ملكه، ولا تغيره الدهور، فأف لهذه الدنيا الدنية، ~~كيف تفعل هذا بأبنائها، نسأل الله تعالى أن يكشف عن قلوبنا حتى نراها بعين ~~الحقيقة، وأن يقبل بنا إليه، وأن يشغلنا به عما سواه، إنه على كل شيء قدير. # هكذا ذكر بعض فضلاء خراسان أن خسروشاه آخر ملوك آل سبكتكين، وقد ذكر غيره ~~أنه توفي في الملك، وملك بعده ابنه ملكشاه، وسنذكره في سنة # PageV09P193 # تسع وخمسين وخمسمائة، وبالجملة فابتداء دولة الغورية عندي فيه خلف لو ~~ينكشف الحق فأصلحه إن شاء الله تعالى. # ذكر الخطبة لغياث الدين بالسلطنة # لما استقر ملكهم بلهاوور واتسعت مملكتهم وكثرت عساكرهم وأموالهم كتب غياث ~~الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامة الخطبة له بالسلطنة، وتلقب بألقاب ~~السلاطين، كان لقبه شمس الدين، فتلقب غياث الدين والدنيا معين الإسلام، ~~قسيم أمير المؤمنين ; ولقب أخاه معز الدين، ففعل شهاب الدين ذلك وخطب له ~~بالسلطنة. # ذكر ملك غياث الدين هراة وغيرها من خراسان # لما فرغ شهاب الدين من إصلاح أمر لهاوور وتقرير قواعدها، سار إلى أخيه ~~غياث الدين، فلما اجتمعت به استقر رأيهما على المسير إلى خراسان وقصد مدينة ~~هراة ومحاصرتها، فسارا في العساكر الكثيرة إليها، وكان بها جماعة من ~~الأتراك السنجرية، فنازلا البلد وحصراه، وضيقا على من به، فاستسلموا ~~إليهما، وأرسلوا يطلبون الأمان منهما، فأجاباهم إلى ذلك وأمناهم، فتسلما ~~البلد، وأخرجا من فيه من الأمراء السنجرية، واستناب فيه غياث الدين خزنك ~~الغوري، وسار غياث الدين وأخوه إلى فوشنج فملكاها، ثم إلى باذغيس وكالين ~~وبيوار فملكاها أيضا، وتسلم ذلك جميعه غياث الدين، وأحسن السيرة في البلاد، ~~ورجع إلى فيروزكوه، ورجع شهاب الدين إلى غزنة. # (وكان) ينبغي أن حوادث الغورية تذكر في السنين، وإنما جمعناها ليتلو # PageV09P194 # بعضها بعضا ; ولأن فيه ما لم يعرف تاريخه فتركناه بحاله. # ذكر ملك شهاب الدين مدينة آجرة من بلد الهند # لما رجع ms3999 شهاب الدين من خراسان إلى غزنة أقام بها حتى أراح واستراح هو ~~وعساكره، ثم سار إلى بلد الهند، فحاصر مدينة آجرة، وبها ملك من ملوك الهند، ~~فلم يظفر منه بطائل، وكان للهندي زوجة غالبة على أمره، فراسلها شهاب الدين ~~أنه يتزوجها، فأعادت الجواب أنها لا تصلح له، وأن لها ابنة جميلة تزوجه ~~إياها، فأرسل إليها يجيبها إلى التزوج بابنتها، فسقت زوجها سما فمات وسلمت ~~البلد إليه. # فلما تسلمه أخذ الصبية فأسلمت، وتزوجها، وحملها إلى غزنة وأجرى عليها ~~الجرايات الوافرة، ووكل بها من علمها القرآن، وتشاغل عنها، فتوفيت والدتها، ~~ثم توفيت هي بعد عشر سنين، ولم يرها ولم يقربها، فبنى لها مشهدا ودفنها ~~فيه، وأهل غزنة يزورون قبرها. # ثم عاد إلى بلد الهند، فذل له صعابها، وتيسر له فتح الكثير من بلادهم، ~~ودوخ ملوكهم، وبلغ منهم ما لم يبلغه أحد قبله من ملوك المسلمين. # ذكر ظفر الهند على المسلمين # لما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند وإثخانه في أهلها واستيلاؤه ~~عليها، اجتمع ملوكهم وتآمروا بينهم، ووبخ بعضهم بعضا، فاتفق رأيهم على ~~الاجتماع والتعاضد على حربه، فجمعوا عساكرهم وحشدوا، وأقبل إليهم الهنود من ~~كل فج عميق على الصعب والذلول، وجاءوا بحدهم وحديدهم، وكان الحاكم على جميع ~~الملوك المجتمعين امرأة هي من أكبر ملوكهم. # فلما سمع باجتماعهم ومسيرهم إليه تقدم هو أيضا إليهم في عسكر عظيم من ~~الغورية والخلج والخراسانية وغيرهم، فالتقوا واقتتلوا، فلم يكن بينهم كثير ~~قتال حتى انهزم المسلمون وركبهم الهنود يقتلون ويأسرون، وأثخنوا فيهم، ~~وأصاب شهاب # PageV09P195 # الدين ضربة بطلت منها يده اليسرى، وضربة أخرى على رأسه سقط منها إلى ~~الأرض، وحجز الليل بين الفريقين، فأحس شهاب الدين بجماعة من غلمانه الأتراك ~~في ظلمة الليل وهم يطلبونه في القتلى ويبكون، وقد رجع الهنود إلى ورائهم، ~~وكلمهم وهو على ما به من الجهد، فجاءوا إليه مسرعين، وحملوه على رءوسهم ~~رجالة يتناوبون حمله، حتى بلغوا مدينة آجرة مع الصباح. # وشاع خبر سلامته في الناس، فجاءوا إليه يهنئونه من أقطار البلاد، فأول ما ms4000 ~~عمل أنه أخذ أمراء الغورية الذين انهزموا عنه وأسلموه، فملأ مخالي خيلهم ~~شعيرا، وحلف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم، فأكلوه ضرورة. # وبلغ الخبر إلى أخيه غياث الدين فكتب إليه يلومه على عجلته وإقدامه وأنفذ ~~إليه جيشا عظيما. # ذكر ظفر المسلمين بالهند # لما سلم شهاب الدين وعاد إلى آجرة، وأتاه المدد من أخيه غياث الدين، عاد ~~الهنود فجددوا سلاحهم، ووفروا جمعهم، وأقاموا عوض من قتل منهم، وسارت ~~ملكتهم وهم معها في عدد يضيق عنه الفضاء، فراسلها شهاب الدين يخدعها بأنه ~~يتزوجها، فلم تجبه إلى ذلك، وقالت: إما الحرب، وإما أن تسلم بلاد الهند ~~وتعود إلى غزنة، فأجابها إلى العود إلى غزنة، وأنه يستأذن أخاه غياث الدين؛ ~~فعل ذلك مكرا وخديعة. # وكان بين العسكرين نهر، وقد حفظ الهنود المخاضات، فلا يقدر أحد من ~~المسلمين [أن] يجوزه، وأقاموا ينتظرون ما يكون من جواب غياث الدين بزعمهم، ~~فبينما هم كذلك إذ وصل إنسان هندي إلى شهاب الدين، وأعلمه أنه يعرف مخاضا ~~قريبا من عسكر الهنود، وطلب أن يرسل معه جيشا يعبرهم المخاض، ويكبسون ~~الهنود وهم غارون غافلون، فخاف شهاب الدين أن تكون خديعة ومكرا، فأقام له ~~ضمناء من أهل آجرة والمولتان، فأرسل معه جيشا كثيفا، وجعل عليهم الأمير ~~الحسين بن خرميل الغوري، وهو الذي صار بعد صاحب هراة، وكان من الشجاعة ~~والرأي بالمنزلة المشهورة. # PageV09P196 # فسار الجيش مع الهندي، فعبروا النهر، فلم يشعر الهنود إلا وقد خالطهم ~~المسلمون، ووضعوا السيف فيهم، فاشتغل الموكلون بحفظ المخاضات، فعبر شهاب ~~الدين وباقي العساكر، وأحاطوا بالهنود، وأكثروا القتل فيهم، ونادوا بشعار ~~الإسلام، فلم ينج من الهنود إلا من عجز المسلمون عن قتله وأسره، وقتلت ~~ملكتهم، وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند، وأمن معرة فسادهم، ~~والتزموا له بالأموال وسلموا إليه الرهائن وصالحوه وأقطع مملوكه قطب الدين ~~أيبك مدينة دهلي، وهي كرسي الممالك التي فتحها من الهند، فأرسل عسكرا من ~~الخليج مع محمد بن بختيار، فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل إليها مسلم ~~قبله، حتى قاربوا حدود ms4001 الصين من جهة المشرق. # وقد حدثني صديق لي من التجار بوقعتين تشبهان هاتين الوقعتين المذكورتين ~~وبينهما بعض الخلاف، وقد ذكرناهما سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي يعقوب الكاتب ببغداد، وكان يسكن بالمدرسة النظامية، ~~وحضر متولي المتروكات وختم على الغرفة التي كان يسكنها بالمدرسة، فثار ~~الفقهاء وضربوا المتولي وأخذوا التركة، وهذه عادتهم فيمن يموت بها وليس له ~~وارث، فقبض حاجب الباب على رجلين من الفقهاء وعاقبهما، وحبسهما، فأغلق ~~الفقهاء المدرسة، وألقوا كرسي الوعاظ في الطريق، وصعدوا سطح المدرسة ليلا، ~~واستغاثوا، وتركوا الأدب. # وكان حينئذ مدرسهم الشيخ أبا النجيب، فجاء وألقى نفسه تحت التاج يعتذر، ~~فعفي عنه. # PageV09P197 # [الوفيات] # وفيها توفي حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين وميافارقين، وكانت ولايته نيفا ~~وثلاثين سنة، وتولى بعده ابنه نجم الدين ألبي. # وفيها مات أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي الشافعي المحدث، ومولده ~~سنة تسع وخمسين وأربعمائة. # وفيها توفي أبو الأسعد عبد الرحمن القشيري في شوال، وهو شيخ شيوخ خراسان. # وفيها، في المحرم، باض ديك ببغداد بيضة، وباض بازي بيضتين، وباضت نعامة ~~لا ذكر معها بيضة. # PageV09P198 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة] # (548) # ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة # ذكر انهزام سنجر من الغز ونهبهم خراسان وما كان منهم # في هذه السنة، في المحرم، انهزم السلطان سنجر من الأتراك الغز، وهم طائفة ~~من الترك مسلمون، كانوا بما وراء النهر، فلما ملك الخطا أخرجوهم منه، كما ~~ذكرنا، فقصدوا خراسان، وكانوا خلقا كثيرا فأقاموا بنواحي بلخ يرعون في ~~مراعيها، وكان لهم أمراء اسم أحدهم دينار، والآخر بختيار، والآخر طوطى، ~~والآخر أرسلان، والآخر جغر، والآخر محمود، فأراد الأمير قماج، وهو مقطع ~~بلخ، إبعادهم، فصانعوه بشيء بذلوه له، فعاد عنهم، فأقاموا على حالة حسنة لا ~~يؤذون أحدا، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة. # ثم إن قماج عاودهم وأمرهم بالانتقال عن بلده، فامتنعوا، وانضم بعضهم إلى ~~بعض، واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك، فسار قماج إليهم في عشرة آلاف ~~فارس، فجاء إليه أمراؤهم وسألوه أن يكف عنهم، ويتركهم ms4002 في مراعيهم، ويعطونه ~~من كل بيت مائتي درهم فضة، فلم يجبهم إلى ذلك، وشدد عليهم في الانتزاح عن ~~بلده، فعادوا عنه، واجتمعوا وقاتلوه، فانهزم قماج ونهبوا ماله ومال عسكره، ~~وأكثروا القتل في العسكر والرعايا، واسترقوا النساء والأطفال، وعملوا كل ~~عظيمة، وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس. # وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو، وبها السلطان سنجر، فأعلمه الحال، فراسلهم ~~سنجر يتهددهم، فأمرهم بمفارقة بلاده، فاعتذروا، وبذلوا بذلا كثيرا ليكف ~~عنهم # PageV09P199 # ويتركهم في مراعيهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وجمع عساكره من أطراف البلاد، ~~واجتمع معه ما يزيد على مائة ألف فارس، وقصدهم ووقع بينهم حرب شديدة، ~~فانهزمت عساكر سنجر، وانهزم هو أيضا، وتبعهم الغز قتلا وأسرا، فصار قتلى ~~العسكر كالتلال، وقتل علاء الدين قماج، وأسر [السلطان سنجر وأسر] معه جماعة ~~من الأمراء، [فأما الأمراء] فضربوا أعناقهم، وأما السلطان سنجر، فإن أمراء ~~الغز اجتمعوا، وقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا: نحن عبيدك لا نخرج عن طاعتك، ~~فقد علمنا أنك لم ترد قتالنا وإنما حملت عليه، فأنت السلطان ونحن العبيد ; ~~فمضى على ذلك شهران أو ثلاثة، ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسي ملك خراسان، ~~وطلبها منه بختيار إقطاعا، فقال السلطان: هذه دار الملك ولا يجوز أن تكون ~~إقطاعا لأحد. فضحكوا منه وحبق له بختيار بفمه، فلما رأى ذلك نزل عن سرير ~~الملك ودخل خانكان مرو وتاب عن الملك. # واستولى الغز على البلاد، وظهر منهم من الجور ما لم يسمع بمثله، وولوا ~~على نيسابور واليا، فسقط على الناس كثيرا وعسفهم وضربهم، وعلق في الأسواق ~~ثلاث غرائر، وقال: أريد ملء هذه ذهبا ; فثار عليه العامة فقتلوه ومن معه، ~~فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها مجحفا، وجعلوها قاعا صفصفا، وقتلوا ~~الكبار والصغار وأحرقوها، وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها، فممن ~~[قتل] الحسين بن محمد الأرسابندي، والقاضي علي بن مسعود، والشيخ محمد بن ~~يحيى. # وأكثر الشعراء في مراثي محمد بن يحيى، فممن قال فيه علي بن إبراهيم ~~الكاتب: # مضى الذي كان يجنى الدر من فيه ... يسيل بالفضل والإفضال واديه # مضى ابن يحيى الذي ms4003 قد كان صوب ... حيا لأبر شهر ومصباحا لداجيه # خلا خراسان من علم ومن ورع ... لما نعاه إلى الآفاق ناعيه # لما أماتوه مات الدين وا أسفا ... من ذا الذي بعد محيي الدين يحييه # PageV09P200 # ويتعذر وصف ما جرى منهم على تلك البلاد جميعها، ولم يسلم من خراسان شيء ~~لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان ; لأنها كانت حصينة فامتنعت. # وقد ذكر بعض مؤرخي خراسان من أخبارهم ما فيه زيادة وضوح، وقال: إن هؤلاء ~~الغز قوم انتقلوا من نواحي الثغر من أقاصي الترك إلى ما وراء النهر في أيام ~~المهدي، وأسلموا، واستنصر بهم المقنع صاحب المخاريق والشعبذة، حتى تم أمره، ~~فلما سارت العساكر إليه خذله هؤلاء الغز وأسلموه، وهذه عادتهم في كل دولة ~~كانوا فيها ; وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخاقانية، إلا أن الأتراك ~~القارغلية قمعوهم، وطردوهم عن أوطانهم، فدعاهم الأمير زنكي بن خليفة ~~الشيباني المستولي على حدود طخارستان إليه، وأنزلهم بلاده، وكانت بينه وبين ~~الأمير قماج عداوة أحكمتها الأيام للمجاورة التي بينهما، وكل منهما يريد أن ~~يعلو على الآخر ويحكم عليه، فتقوى بهم زنكي، وساروا معه إلى بلخ لمحاربة ~~قماج، فكاتبهم قماج، فمالوا إليه، وخذلوا زنكي عند الحرب، فأخذ زنكي وابنه ~~أسيرين، فقتل قماج ابن زنكي، وجعل يطعم أباه لحمه، ثم قتل الأب أيضا، وأقطع ~~قماج الغز مواضع، وأباحهم مراعي بلاده. # فلما قام الحسين بن الحسين الغوري بغزنة وقصد بلخ خرج إليه قماج وعساكره ~~ومعه الغز، ففارقه الغز وانضموا إلى الغوري حتى ملك مدينة بلخ، فسار ~~السلطان سنجر إلى بلخ، ففارقها الغوري بعد قتال انهزم منه، ثم دخل على ~~السلطان سنجر لعجزه عن مقاومته، فرده إلى غزنة. # وبقي الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج منهم الغيظ العظيم لما فعلوه ~~معه، فأراد صرفهم عن بلاده، فتجمعوا، وانضم إليهم طوائف من الترك، وقدموا ~~عليهم أرسلان بوقا التركي، فجمع قماج عسكره ولقيهم فاقتتلوا يوما كاملا إلى ~~الليل، فانهزم قماج وعسكره، وأسر هو وابنه أبو بكر فقتلوهما، واستولوا على ~~نواحي بلخ، وعاثوا فيها وأفسدوا بالنهب والقتل والسلب. ms4004 # PageV09P201 # وبلغ السلطان سنجر الخبر، فجمع عساكره وسار إليهم، فراسلوه يعتذرون ~~ويتنصلون، فلم يقبل عذرهم، ووصل إليهم مقدمة السلطان، وفيها محمد بن أبي ~~بكر بن قماج المقتول، والمؤيد أي أبه في المحرم من سنة ثمان وأربعين ~~وخمسمائة، ووصل بعدهم السلطان سنجر، فالتقاه الغز بعد أن أرسلوا يعتذرون ~~ويبذلون الأموال والطاعة والانقياد إلى كل ما يؤمرون به، فلم يقبل سنجر ذلك ~~منهم، وسار إليهم، فلقوه وقاتلوه وصبروا له، ودام قتالهم، فانهزم عسكر ~~سنجر، وهو معهم، فتوجهوا إلى بلخ على أقبح صورة، وتبعهم الغز، واقتتلوا مرة ~~ثانية، فانهزم السلطان سنجر أيضا، ومضى منهزما إلى مرو في صفر من السنة، ~~فقصد الغز إليها، فلما سمع العسكر الخراساني بقربهم منهم أجفلوا من بين ~~أيديهم هاربين لما دخل قلوبهم من خوفهم والرعب منهم، فلما فارقها السلطان ~~والعسكر دخلها الغز ونهبوها أفحش نهب وأقبحه، وذلك في جمادى الأولى من ~~السنة، وقتل بها كثير من أهلها وأعيانها، منهم قاضي القضاة الحسن بن محمد ~~الأرسابندي، والقاضي علي بن مسعود من الأئمة العلماء. # ولما خرج سنجر من مرو قصد إندرابة وأخذه الغز أسيرا، وأجلسوه على تخت ~~السلطنة على عادته، وقاموا بين يديه، وبذلوا له طاعة، ثم عاودوا الغارة على ~~مرو في رجب من السنة، فمنعهم أهلها، وقاتلوهم قتالا بذلوا فيه جهدهم ~~وطاقتهم، ثم إنهم عجزوا، فاستسلموا إليهم، فنهبوها أقبح من النهب الأول ولم ~~يتركوا بها شيئا. # وكان قد فارق سنجر جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك ابن نظام ~~الملك، ولم يبق عنده غير نفر يسير من خواصه وخدمه ; فلما وصلوا إلى نيسابور ~~أحضروا الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، فوصل إلى نيسابور تاسع عشر ~~جمادى الآخرة من السنة، فاجتمعوا عليه، وخطبوا له بالسلطنة، وسار في هذا ~~الشهر جماعة من العسكر السلطاني إلى طائفة كثيرة من الغز، فأوقعوا بهم، ~~وقتلوا منهم كثيرا، وانهزم الباقون إلى أمرائهم الغزية فاجتمعوا معهم. # ولما اجتمعت العساكر على الملك سليمان شاه ساروا إلى مرو يطلبون الغز، ~~فبرز الغز إليهم، فساعة رآهم العسكر الخراساني انهزموا ms4005 وولوا على أدبارهم، # PageV09P202 # وقصدوا نيسابور، وتبعهم الغز، فمروا بطوس، وهي معدن العلماء والزهاد، ~~فنهبوها، وسبوا نساءها، وقتلوا رجالها، وخربوا مساجدها ومساكن أهلها، ولم ~~يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضى، ومواضع ~~أخر يسيرة لها أسوار. # وممن قتل من أعيان أهلها إمامها محمد المارشكي، ونقيب العلويين بها علي ~~الموسوي، وخطيبها إسماعيل بن المحسن، وشيخ شيوخها محمد بن محمد، وأفنوا من ~~بها من الشيوخ الصالحين. # وساروا منها إلى نيسابور، فوصلوا إليها في شوال سنة تسع وأربعين ~~[وخمسمائة] ، ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا، فنهبوها نهبا ذريعا، ~~وقتلوا أهلها، فأكثروا حتى ظنوا أنهم لم يبقوا بها أحدا، حتى إنه أحصي في ~~محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان، وسبوا نساءها ~~وأطفالها، وأخذوا أموالهم، وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض، ~~واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنيعي وتحصنوا به، فحصرهم الغز فعجز أهل ~~نيسابور عن منعهم، فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم، وكانوا يطلبون من ~~الرجل المال، فإذا أعطاهم الرجل ماله قتلوه، وقتلوا كثيرا من أئمة العلماء ~~والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي الذي لم يكن في زمانه مثله، ~~كان رحلة الناس من أقصى الغرب والشرق إليه، ورثاه جماعة من العلماء، منهم ~~أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي فقال: # يا سافكا دم عالم متبحر قد ... طار في أقصى الممالك صيته # بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان يحيي الدين كيف تميته # ومنهم الزاهد عبد الرحمن بن عبد الصمد الأكاف، وأحمد بن الحسين الكاتب ~~سبط القشيري، وأبو البركات الفراوي، والإمام علي الصباغ المتكلم، وأحمد بن ~~محمد بن حامد وعبد الوهاب الملقاباذي والقاضي صاعد بن عبد الملك بن صاعد، ~~والحسن بن عبد الحميد الرازي، وخلق كثير من الأئمة والزهاد والصالحين، ~~وأحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها. # PageV09P203 # وحصروا شارستان، وهي منيعة، فأحاطوا بها، وقاتلهم من فوق سورها، وقصدوا ~~جوين فنهبوها، وقاتلهم أهل بحراباذ من أعمال جوين، وبذلوا نفوسهم لله ms4006 ~~تعالى، وحموا بيضتهم والباقي أتى النهب والقتل عليه ; ثم قصدوا أسفرايين ~~فنهبوها وخربوها، وقتلوا في أهلها فأكثروا. # وممن قتل عبد الرشيد الأشعثي، وكان من أعيان دولة السلطان، فتركها وأقبل ~~على الاشتغال بالعلم وطلب الآخرة، وأبو الحسن الفندروجي، وكان من ذوي ~~الفضائل لا سيما في علم الأدب. # ولما فرغ الغز من جوين وأسفرايين عاودوا نيسابور، فنهبوا ما بقي فيها بعد ~~النهب الأول، وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها، فحصرهم الغز واستولوا ~~عليها، ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور، ونهبوا الحرم والأطفال، ~~وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين، وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور ~~أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم. # ثم إن أمر الملك سليمان شاه ضعف، وكان قبيح السيرة سيئ التدبير، وإن ~~وزيره طاهر بن فخر الملك ابن نظام الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين ~~[وخمسمائة] فضعف أمره، واستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظام الملك أبا علي ~~الحسن بن طاهر، وانحل أمر دولته بالكلية، ففارق خراسان في صفر سنة تسع ~~وأربعين [وخمسمائة] وعاد إلى جرجان، فاجتمع الأمراء وراسلوا الخان محمود بن ~~محمد بن بغراخان، وهو ابن أخت السلطان سنجر، وخطبوا له على منابر خراسان ~~واستدعوه إليهم، فملكوه أمورهم، وانقادوا له في شوال سنة تسع وأربعين ~~وخمسمائة، وساروا معه إلى الغز وهم يحاصرون هراة، وجرت بينهم حروب كان ~~الظفر في أكثرها للغز، ورحلوا في جمادى الأولى من سنة خمسين وخمسمائة من ~~على هراة إلى مرو وعاودوا المصادرة لأهلها. # وسار خاقان محمود بن محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد، على ما ~~نذكره، وراسل الغز في الصلح، فاصطلحوا في رجب من سنة خمسين وخمسمائة، # PageV09P204 # هدنة على دخن، وسيرد باقي أخبارهم سنة اثنتين وخمسين. # ذكر ملك المؤيد نيسابور وغيرها # كان للسلطان سنجر مملوك اسمه أي أبه، ولقبه المؤيد، فلما كانت هذه الفتنة ~~تقدم، وعلا شأنه، وأطاعه كثير من الأمراء، واستولى على نيسابور، وطوس، ~~ونسا، وأبيورد، وشهرستان والدامغان، وأزاح الغز عن الجميع، وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وأحسن السيرة، وعدل في ms4007 الرعية، واستمال الناس، ووفر الخراج على ~~أهله، وبالغ في مراعاة أرباب البيوت، فاستقرت البلاد له، ودانت له الرعية ~~لحسن سيرته، وعظم شأنه، وكثرت جموعه، فراسله خاقان بن محمد في تسليم البلاد ~~والحضور عنده، فامتنع، وترددت الرسل بينهم، حتى استقر على المؤيد مال يحمله ~~إلى الملك محمود، فكف عنه محمود، وأقام المؤيد بالبلاد هو والملك محمود. # ذكر ملك إينانج الري # كان إينانج أحد مماليك سنجر، فلما كان من فتنة الغز ما ذكرناه هرب من ~~خراسان، ووصل إلى الري، فاستولى عليها وأقام بها، فأرسل إلى السلطان محمد ~~شاه بن محمود شاه بن محمود صاحب همذان، وأصفهان، وغيرهما، خدمه وهدايا ~~فأرضاه بها، وأظهر له الطاعة، وبقي بها إلى أن مات الملك محمود، فاستولى ~~عليها وعلى عدة بلاد تجاور الري، فملكها، فعظم أمره، وعلا شأنه، وصارت ~~عساكره عشرة آلاف فارس. # فلما ملك سليمان شاه همذان، (على ما نذكره) ، حضر عنده، وأطاعه لأنسه به. ~~كان أيام مقام سليمان شاه بخراسان، فتقوى أمره بذلك. # PageV09P205 # ذكر قتل ابن السلار وزير الظافر، ووزارة عباس # في هذه السنة في المحرم، قتل العادل بن السلار وزير الظافر بالله ; قتله ~~ربيبه عباس بن أبي الفتوح بن يحيى الصنهاجي، وأشار عليه بذلك الأمير أسامة ~~بن منقذ، ووافق عليه الخليفة الظافر بالله، فأمر ولده نصرا، فدخل على ~~العادل وهو عند جدته أم عباس، فقتله وولي الوزارة (بعده ربيبه) عباس. # وكان عباس قد قدم من المغرب، كما ذكرناه إلى مصر، وتعلم الخياطة، وكان ~~خياطا حسنا، فلما تزوج ابن السلار بأمه أحبه، وأحسن تربيته، فجازاه بأن ~~قتله وولي بعده. # وكانت الوزارة في مصر لمن غلب، والخلفاء من وراء الحجاب، والوزراء ~~كالمتملكين، وقل أن وليها أحد بعد الأفضل إلا بحرب وقتل وما شاكل ذلك، ~~فلذلك ذكرناهم في تراجم مفردة، والله أعلم. # ذكر الحرب بين العرب وعساكر عبد المؤمن # في هذه السنة في صفر، كانت الحرب بين عسكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة ~~سطيف. # وسبب ذلك أن العرب، وهم بنو هلال والأبتح وعدي ورياح وزعب، وغيرهم من ms4008 ~~العرب، لما ملك عبد المؤمن بلاد بني حماد اجتمعوا من أرض طرابلس إلى أقصى ~~المغرب، وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من المغرب، وليس الرأي إلا ~~إلقاء الجد معه، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن. # PageV09P206 # وتحالفوا على التعاون والتضافر، وأن لا يخون بعضهم بعضا، وعزموا على ~~لقائه بالرجال والأهل والمال ليقاتلوا قتال الحريم. # واتصل الخبر بالملك رجار الفرنجي، صاحب صقلية، فأرسل إلى أمراء العرب، ~~وهم محرز بن زياد، وجبارة بن كامل، وحسن بن ثعلب، وعيسى بن حسن وغيرهم، ~~يحثهم على لقاء عبد المؤمن، ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من ~~الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن ; فشكروه وقالوا: ما ~~بنا حاجة إلى نجدته، ولا نستعين بغير المسلمين. # وساروا في عدد لا يحصى، وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد ~~المغرب، فلما بلغه خبرهم جهز جيشا من الموحدين يزيد على ثلاثين ألف فارس، ~~واستعمل عليهم عبد الله بن عمر الهنتاني، وسعد الله بن يحيى، وكان العرب ~~أضعافهم، فاستجرهم الموحدون، وتبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض سطيف، بين ~~جبال، فحمل عليهم عسكر عبد المؤمن، فجاءه والعرب على غير أهبة، والتقى ~~الجمعان، واقتتلوا أشد قتال وأعظمه، فانجلت المعركة عن انهزام العرب ونصرة ~~الموحدين. # وترك العرب جميع ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم، فأخذ الموحدون جميع ذلك، ~~وعاد الجيش إلى عبد المؤمن بجميعه، فقسم جميع الأموال على عسكره، وترك ~~النساء والأولاد تحت الاحتياط، ووكل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم ويقوم ~~بحوائجهم، وأمر بصيانتهم، فلما وصلوا معه إلى مراكش أنزلهم في المساكن ~~الفسيحة، وأجرى لهم النفقات الواسعة، وأمر عبد المؤمن ابنه محمدا أن يكاتب ~~أمراء العرب، ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الحفظ والصيانة، وأمرهم أن ~~يحضروا ليسلم إليهم أبوه ذلك جميعه، وأنه قد بذل لهم الأمان والكرامة. # فلما وصل كتاب محمد إلى العرب سارعوا إلى المسير إلى مراكش، فلما وصلوا ~~إليها أعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم وأحسن إليهم وأعطاهم أموالا ~~جزيلة، فاسترق قلوبهم بذلك، وأقاموا ms4009 عنده، وكان بهم حفيا، واستعان بهم على # PageV09P207 # ولاية ابنه محمد للعهد، على ما نذكره سنة إحدى وخمسين [وخمسمائة] . # ذكر ملك الفرنج مدينة بونة وموت رجار وملك ابنه غليالم # في هذه السنة سار أسطول رجار ملك الفرنج بصقلية إلى مدينة بونة، وكان ~~المقدم عليهم فتاه فيلب المهدوي فحصرها واستعان بالعرب عليها، فأخذوها في ~~رجب، وسبى أهلها، وملك ما فيها، غير أنه أغضى عن جماعة من العلماء ~~والصالحين، حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى، فأقام بها عشرة أيام، ~~وعاد إلى المهدية وبعض الأسرى معه، وعاد إلى صقلية فقبض رجار عليه لما ~~اعتمده من الرفق بالمسلمين في بونة. # وكان فيلب، يقال إنه وجميع فتيانه مسلمون، يكتمونه ذلك، وشهدوا عليه أنه ~~لا يصوم مع الملك، وأنه مسلم، فجمع رجار الأساقفة والقسوس والفرسان، فحكموا ~~بأن يحرق، فأحرق في رمضان، وهذا أول وهن دخل على المسلمين بصقلية. ولم يمهل ~~الله رجار بعده إلا يسيرا حتى [مات] في العشر الأول من ذي الحجة من السنة، ~~وكان مرضه الخوانيق، وكان عمره قريب ثمانين سنة، وكان ملكه نحو ستين سنة ; ~~ولما مات ملك بعده ابنه غليالم، وكان فاسد التدبير سيئ التصوير، فاستوزر ~~مايو البرصاني، فأساء التدبير، فاختلف عليه حصون من جزيرة صقلية، وبلاد ~~قلورية، وتعدى الأمر إلى إفريقية على ما نذكره. # ذكر وفاة بهرام شاه صاحب غزنة # في هذه السنة في رجب توفي السلطان بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن ~~مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بها، وقام بالملك بعده ولده نظام ~~الدين خسروشاه، وكانت ولاية بهرام شاه ستا وثلاثين سنة، وكان عادلا، حسن ~~السيرة، جميل الطريقة، محبا للعلماء، مكرما لهم، باذلا لهم الأموال ~~الكثيرة، جامعا للكتب تقرأ بين يديه، ويفهم مضمونها ; ولما مات ملك ولده ~~خسروشاه. # PageV09P208 # ذكر ملك الفرنج مدينة عسقلان # في هذه السنة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان، وكانت من جملة مملكة ~~الظافر بالله العلوي المصري، وكان الفرنج كل سنة يقصدونها ويحصرونها، فلا ~~يجدون إلى ملكها سبيلا، وكان الوزراء بمصر لهم الحكم في البلاد، والخلفاء ms4010 ~~معهم اسم لا معنى تحته، وكان الوزراء كل سنة يرسلون إليها من الذخائر ~~والأسلحة والأموال والرجال من يقوم بحفظها. فلما كان في هذه السنة قتل ابن ~~السلار الوزير، على ما ذكرناه، واختلفت الأهواء في مصر، وولي عباس الوزارة، ~~وإلى أن استقرت قاعدة، اغتنم الفرنج اشتغالهم عن عسقلان، فاجتمعوا وحصروها، ~~فصبر أهلها، وقاتلوهم قتالا شديدا، حتى إنهم بعض الأيام قاتلوا خارج السور، ~~وردوا الفرنج إلى خيامهم مقهورين، وتبعهم أهل البلد إليها فأيس حينئذ ~~الفرنج من ملكه. # فبينما هم على عزم الرحيل إذ قد أتاهم الخبر أن الخلف قد وقع بين أهله، ~~وقتل بينهم قتلى، فصبروا، وكان سبب هذا الاختلاف أنهم لما عادوا عن قتال ~~الفرنج قاهرين منصورين، ادعى كل طائفة منهم أن النصرة من جهتهم كانت، وأنهم ~~هم الذين ردوا الفرنج خاسرين، فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى ~~الطائفتين قتيل، واشتد الخطب حينئذ، وتفاقم الشر، ووقعت الحرب بينهم، فقتل ~~بينهم قتلى، فطمع الفرنج، وزحفوا إليه وقاتلوا عليه، فلم يجدوا من يمنعهم ~~فملكوه. # ذكر حصر عسكر الخليفة تكريت وعودهم عنها # في هذه السنة سير الخليفة المقتفي لأمر الله عسكرا إلى تكريت ليحصروها، # PageV09P209 # وأرسل معهم مقدما عليهم أبا البدر ابن الوزير عون الدين بن هبيرة، وترشك، ~~وهو من خواص الخليفة، وغيرهما، فجرى بين أبي البدر وترشك منافرة أوجبت أن ~~كتب ابن الوزير يشكو من ترشك، فأمر الخليفة بالقبض على ترشك، فعرف ذلك، ~~فأرسل إلى مسعود بلال، صاحب تكريت، وصالحه وقبض على ابن الوزير ومن معه من ~~المتقدمين، وسلمهم إلى مسعود بلال، [فانهزم العسكر وغرق منه كثير، وسار ~~مسعود بلال] وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فنهبا وأفسدا، فسار المقتفي عن ~~بغداد لدفعهما، فهربا من بين يديه، فقصد تكريت، فحصرها أياما وجرى له مع ~~أهلها حروب من وراء السور، فقتل من العسكر جماعة بالنشاب، فعاد الخليفة ~~عنها، ولم يملكها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصلت مراكب من صقلية، فيها جمع من الفرنج، فنهبوا مدينة ~~تنيس بالديار المصرية. # وفيها كان بين الكرج ms4011 بأرمينية وبين صليق، صاحب أرزن الروم، مصاف وحرب ~~شديدة، وانهزم صليق وأسره الكرج ثم أطلقوه. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو العباس أحمد بن أبي غالب الوراق - المعروف بابن الطلاية - ~~الزاهد البغدادي بها، وكان من الصالحين، وله حديث ورواية. # PageV09P210 # وتوفي عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل أبو الفتح بن أبي القاسم الكروخي ~~الهروي، راوي " جامع الترمذي "، ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي ~~ببغداد في ذي الحجة. # PageV09P211 ### | [ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة] # (549) # ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة # ذكر قتل الظافر وخلافة ابنه الفائز # في هذه السنة في المحرم، قتل الظافر بالله أبو المنصور إسماعيل ابن ~~الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوي صاحب مصر. # وكان سبب قتله أن وزيره عباسا كان له ولد اسمه نصر، فأحبه الظافر، وجعله ~~من ندمائه وأحبابه الذين لا يقدر على فراقهم ساعة واحدة، فاتفق أن قدم من ~~الشام مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ الكناني في وزارة ابن السلار، ~~واتصل بعباس، فحسن له قتل العادل بن السلار زوج أمه، فقتله، وولاه الظافر ~~الوزارة، فاستبد بالأمر، وتم له ذلك. # وعلم الأمراء والأجناد أن ذلك من فعل ابن منقذ، فعزموا على قتله، فخلا ~~بعباس وقال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول؟ قال: وما ذلك؟ قال: ~~الناس يزعمون أن الظافر يفعل بابنك نصر ; و (كان) نصر خصيصا بالظافر، وكان ~~ملازما له ليله ونهاره، وكان من أجمل الناس صورة، وكان الظافر يتهم به، ~~فانزعج لذلك وعظم عليه، وقال: كيف الحيلة؟ قال: تقتله فيذهب عنك العار، ~~فذكر الحال لولده نصر، فاتفقا على قتله. # وقيل: إن الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب، وهي من أعظم قرى مصر، ~~فيدخل إليه مؤيد الدولة بن منقذ، وهو عند أبيه عباس. قال له نصر: قد أقطعني ~~مولانا قرية قليوب. فقال له مؤيد الدولة: ما هي في مهرك بكثير ; فعظم عليه ~~وعلى أبيه، وأنف من هذه الحال، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه، فحضر نصر عند ~~الظافر وقال # PageV09P212 # له: أشتهي أن تجيء ms4012 إلى داري لدعوة صنعتها، ولا تكثر من الجمع، فمشى معه ~~في نفر يسير من الخدم ليلا، فلما دخل الدار قتله وقتل من معه، وأفلت خادم ~~صغير اختبأ فلم يروه، ودفن القتلى في داره. # وأخبر أباه عباسا الخبر، فبكر إلى القصر، وطلب من الخدم الخصيصين بخدمة ~~الظافر أن يطلبوا له إذنا في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه. # فقالوا: إنه ليس في القصر. فقال: لا بد منه. وكان غرضه أن ينفي التهمة ~~عنه بقتله، وأن يقتل من بالقصر ممن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة ; ~~فلما ألح عليهم عجزوا عن إحضاره. # فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم الخادم ~~الصغير الذي شاهد قتله، وقد هرب من دار عباس عند غفلتهم عنه، وأخبرهم بقتل ~~الظافر، فخرجوا إلى عباس، وقالوا له: سل ولدك عنه فإنه يعرف أين هو ; ~~لأنهما خرجا جميعا. فلما سمع ذلك منهم قال: أريد أن أعتبر القصر لئلا يكون ~~قد اغتاله أحد من أهله ; فاستعرض القصر، فقتل أخوين للظافر، وهما يوسف ~~وجبريل، وأجلس الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى ابن الظافر بأمر الله ~~إسماعيل ثاني يوم قتل أبوه، وله من العمر خمس سنين، فحمله عباس على كتفه، ~~وأجلسه على سرير الملك، وبايع له الناس، وأخذ عباس من القصر من الأموال ~~والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد، ولم يترك فيه إلا ما لا خير فيه. # ذكر وزارة الصالح طلائع بن رزيك # كان السبب في وزارة الصالح طلائع بن رزيك أن عباسا، لما قتل الظافر وأقام ~~الفائز، ظن أن الأمر يتم له على ما يريده، فكان الحال خلاف ما اعتقده، فإن ~~الكلمة اختلفت عليه، وثار به الجند والسودان، وصار إذا أمر بالأمر لا يلتفت ~~إليه ولا يسمع قوله، فأرسل من بالقصر من النساء والخدم إلى الصالح طلائع بن ~~زريك يستغيثون به، وأرسلوا شعورهم طي الكتب ; وكان في منية بني حصيب واليا ~~عليها وعلى أعمالها، # PageV09P213 # وليست من الأعمال الجليلة، وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم، وكان فيه ms4013 ~~شهامة، فجمع ليقصد عباسا، وسار إليه، فلما سمع عباس ذلك خرج من مصر نحو ~~الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة، والتحف والأشياء التي لا توجد ~~إلا هناك مما كان أخذه من القصر. فلما سار وقع به الفرنج فقتلوه وأخذوا ~~جميع ما معه فتقووا به. # وسار الصالح فدخل القاهرة بأعلام سود وثياب سود حزنا على الظافر، والشعور ~~التي أرسلت إليه من القصر على رءوس رماح، وكان هذا من الفأل العجيب، فإن ~~الأعلام السود العباسية دخلتها وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشرة سنة. # ولما دخل الصالح القاهرة خلع عليه خلع الوزارة، واستقر في الأمر، وأحضر ~~الخادم الذي شاهد قتل الظافر، فأراه موضع دفنه، فأخرجه ونقله إلى مقابرهم ~~بالقصر. # ولما قتل الفرنج عباسا أسروا ابنه، فأرسل الصالح إلى الفرنج وبذل لهم ~~مالا وأخذه منهم، فسار من الشام مع أصحاب الصالح، فلم يكلم أحدا منهم كلمة ~~إلى أن رأى القاهرة فأنشد: # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # وأدخل القصر، فكان آخر العهد به، فإنه قتل، وصلب على باب زويلة، واستقصى ~~الصالح بيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية فأهلك أهلها وأبعدهم عن ~~ديارهم، وأخذ أموالهم، فمنهم من هلك، ومنهم من تفرق في بلاد الحجاز واليمن ~~وغيرهما ; فعل ذلك خوفا منهم أن يثوروا عليه وينازعوه في الوزارة ; وكان ~~ابن منقذ قد هرب مع عباس، فلما قتل هرب إلى الشام. # PageV09P214 # ذكر حصر تكريت ووقعة بكمزا # في هذه السنة أرسل الخليفة المقتفي لأمر الله رسولا إلى والي تكريت، بسبب ~~من عندهم من المأسورين، وهم ابن الوزير وغيره، فقبضوا على الرسول، فسير ~~الخليفة عسكرا إليهم، فخرج أهل تكريت، فقاتلوا العسكر ومنعوه من الدخول إلى ~~البلد، فسار الخليفة بنفسه مستهل صفر فنزل على البلد، فهرب أهله، فدخل ~~العسكر فشعثوا ونهبوا بعضه، ونصب على القلعة ثلاثة عشر منجنيقا، فسقط من ~~أسوارها برج وبقي الحصر كذلك إلى الخامس والعشرين من ربيع الأول. # وأمر الخليفة بالقتال والزحف، فاشتد القتال، وكثر القتلى، ولم يبلغ منها ~~غرضا، فرحل عائدا إلى ms4014 بغداد، فدخلها آخر الشهر، ثم أمر الوزير عون الدين بن ~~هبيرة بالعود إلى محاصرتها، والاستعداد، والاستكثار من الآلات للحصار، فسار ~~إليها سابع ربيع الآخر، ونازلها وضيق عليها، فوصل الخبر بأن مسعود بلال وصل ~~إلى شهرابان ومعه البقش كون خر وترشك في عسكر كثير ونهبوا البلاد، فعاد ~~الوزير إلى بغداد. # وكان سبب وصول هذا العسكر أنهم حثوا الملك محمدا ابن السلطان محمود على ~~قصد العراق، فلم يتهيأ له ذلك، فسير هذا العسكر، وانضاف إليهم خلق كثير من ~~التركمان، فخرج الخليفة إليهم، فأرسل مسعود بلال إلى تكريت، وأخرج منها ~~الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد، وكان محبوسا بتكريت، وقال: هذا ~~السلطان نقاتل بين يديه بإزاء الخليفة. # والتقى العسكران عند بكمزا بالقرب من بعقوبا، ودام بينهم المناوشة ~~والمحاربة ثمانية عشر يوما، ثم إنهم التقوا آخر رجب فاقتتلوا، فانهزمت ~~ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب، حتى بلغت الهزيمة بغداد، ونهبت خزائنه، ~~وقتل خازنه، فحمل الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح: يا آل هاشم! كذب ~~الشيطان ; وقرأ: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا} [الأحزاب: ~~25] ، # PageV09P215 # وحمل باقي العسكر معه فانهزم مسعود والبقش وجميع من معهم، وتمت الهزيمة، ~~وظفر الخليفة بهم، وغنم عسكره جميع مال التركمان من دواب وغنم وغير ذلك، ~~فبيع كل كبش بدانق ; وكانوا قد حضروا بنسائهم وأولادهم وخركاهاتهم وجميع ~~مالهم، فأخذ جميعه، ونودي: من أخذ من أولاد التركمان ونسائهم شيئا فليرده ; ~~فردوه، فأخذ البقش كون خر الملك أرسلان، وانهزم إلى بلد اللحف وقلعة ~~الماهكي. # وفي هذه الحرب غدر بنو عوف من عسكر الخليفة، ولحقوا بالعجم، ومضى هندي ~~الكردي أيضا معهم. وكان الملك محمد قد أرسل عسكرا مع خاص بك بن آقسنقر نجدة ~~لكون خر، فلما وصلوا إلى الراذان بلغهم خبر الهزيمة فعادوا، ورجع الخليفة ~~إلى بغداد فدخلها أوائل شعبان، فوصله الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة ~~واسط فنهبا وخربا، فسير الخليفة الوزير ابن هبيرة في عسكر خامس عشر شعبان، ~~فانهزم العجم فلقيهم عسكر الخليفة، ونهب منهم شيئا كثيرا، وعادوا إلى ~~بغداد، ms4015 فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش. # وسير الخليفة عسكرا إلى بلد اللحف فأخذه وصار في جملته، وأما الملك ألب ~~أرسلان بن طغرل فإن البقش أخذه معه إلى بلده، فأرسل إليه الملك محمد يقول ~~له ليحضر عنده وأرسلان معه، فمات البقش كون خر في رمضان في هذه السنة، وبقي ~~أرسلان مع ابن البقش، وحسن الجاندار، فحملاه [إلى] الجبل، فخاف الملك محمد ~~أن يصل أرسلان إلى زوج أمه إيلدكز فيجعله ذريعة إلى قصد البلاد، فلم ينفعه ~~حذره، واتصل أرسلان بإيلدكز زوج أمه فصار معه، وهو أخو البهلوان بن إيلدكز ~~لأمه، وطغرل الذي قتله خوارزم شاه ولد أرسلان هذا، وكان طغرل آخر ~~السلجوقية. # PageV09P216 # ذكر ملك نور الدين محمود مدينة دمشق # في هذه السنة في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق، ~~وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين أتابك. # وكان سبب جده في ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان ~~لم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان، ~~فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق، حتى إنهم استعرضوا كل من بها من ~~مملوك وجارية من النصارى، فمن أراد المقام بها تركوه، ومن أراد العود إلى ~~وطنه أخذوه قهرا شاء صاحبه أم أبى. # وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها منهم، فكان رسلهم يدخلون البلد ~~ويأخذونها منهم، فلما رأى نور الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى ~~حينئذ للمسلمين بالشام مقام، فأعمل الحيلة في أخذها حيث علم أنها لا تملك ~~قوة ; لأن صاحبها متى رأى غلبه راسل الفرنج واستعان بهم، فأعانوه لئلا ~~يملكها من يقوى بها على قتالهم، فراسل مجير الدين صاحبها واستماله، وواصله ~~بالهدايا، وأظهر له المودة حتى وثق به فكان نور الدين يقول له في بعض ~~الأوقات: إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق، يعني بعض أمراء مجير الدين، ~~فكان يبعد الذي قيل عنه، ويأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده من الأمراء أحد ms4016 ~~قدم أميرا يقال له عطا بن حفاظ السلمي الخادم، وكان شهما شجاعا، وفوض إليه ~~أمر دولته، فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق، فقبض عليه مجير الدين ~~وقتله، فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب من بها من الأحداث ~~واستمالهم، فوعده بالتسليم إليه، فلما حصر نور الدين البلد أرسل مجير الدين ~~إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه ويرحلوا نور ~~الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد، فإلى ~~أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين البلد، فعادوا بخفي حنين. # PageV09P217 # وأما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار الأحداث الذين راسلهم، فسلموا ~~إليه البلد من الباب الشرقي وملكه، وحصر مجير الدين في القلعة، وراسله في ~~تسليمها وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم ~~إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه، فعلم نور الدين ذلك فخافه، فأخذ منه حمص ; ~~وأعطاه عوضا عنها بالس، فلم يرضها، وسار منها إلى العراق، وأقام ببغداد ~~وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية، وتوفي بها. # ذكر قصد الإسماعيلية خراسان والظفر بهم # في هذه السنة في ربيع الآخر، اجتمع كثير من الإسماعيلية من قهستان، بلغت ~~عدتهم سبعة آلاف رجل ما بين فارس وراجل، وساروا يريدون خراسان لاشتغال ~~عساكرها بالغز، وقصدوا أعمال خواف وما يجاورها، فلقيهم الأمير فرخشاه بن ~~محمود الكاساني في جماعة من حشمه وأصحابه، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فتركهم ~~وسار عنهم، وأرسل إلى الأمير محمد بن أنر، وهو من أكابر أمراء خراسان ~~وأشجعهم، يعرفه الحال، وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليهم من ~~الأمراء ليجتمعوا عليهم ويقاتلوهم. # فسار محمد بن أنر في جماعة من الأمراء وكثير من العسكر، واجتمعوا هم ~~وفرخشاه، وواقعوا الإسماعيلية وقاتلوهم، وطالت الحرب بينهم، ثم نصر الله ~~المسلمين وانهزم الإسماعيلية، وكثر القتل فيهم، وأخذهم السيف من كل مكان، ~~وهلك أعيانهم وساداتهم: بعضهم قتل، وبعضهم أسر، ولم يسلم منهم إلا القليل ~~الشريد، وخلت قلاعهم وحصونهم ms4017 من حام ومانع، فلولا اشتغال العساكر بالغز ~~لكانوا # PageV09P218 # ملكوها بغير تعب ولا مشقة، وأراحوا المسلمين منهم، ولكن لله أمر هو ~~بالغه. # ذكر ملك نور الدين تل باشر # في هذه السنة، أو التي بعدها، ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل باشر، ~~وهي شمالي حلب من أمنع القلاع. # وسبب ملكها أن الفرنج لما رأوا ملك نور الدين دمشق خافوه، وعلموا أنه ~~يقوى عليهم، ولا يقدرون على الانتصاف منه، لما كانوا يرون منه قبل ملكها، ~~فراسله من بهذه القلعة من الفرنج، وبذلوا له تسليمها، فسير إليهم الأمير ~~حسانا المنبجي، وهو من أكابر أمرائه، وكان إقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج، ~~وهي تقارب تل باشر، وأمره أن يسير إليها ويتسلمها، فسار إليها وتسلمها ~~منهم، وحصنها ورفع إليها من الذخائر ما يكفيها سنين كثيرة. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة مات أستاذ الدار أبو الفتوح عبد الله بن هبة الله ابن ~~المظفر ابن رئيس الرؤساء، وكان له صدقات، ومعروف كثير، ومجالسة للفقراء. # ولما مات ولى الخليفة ابنه الأكبر عضد الدين أبا الفرج محمد بن عبد الله ~~ما كان إلى أبيه. # وتوفي عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي أبو القاسم الأكاف ~~النيسابوري. كان زاهدا، عابدا، فقيها، مناظرا، وكان السلطان سنجر يزوره ~~ويتبرك بدعائه، وكان ربما حجبه فلا يمكنه من الدخول إليه. # PageV09P219 # وفيها توفي ثقة الدولة أبو الحسن علي بن محمد الدريني، وكان يخدم أبا نصر ~~أحمد بن الفرج الأبري، فرباه حتى قيل: " ابن الأبري "، وزوجه ابنته شهدة ~~الكاتبة، فقربه المقتفي لأمر الله، ووكله فبنى مدرسة بباب الأزج. # PageV09P220 ### | [ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة] # (550) # ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة # [ذكر عدة حوادث] في هذه السنة سار الخليفة المقتفي لأمر الله إلى دقوقا ~~فحصرها، وقاتل من بها، ثم رحل عنها لأنه بلغه أن عسكر الموصل قد تجهزوا ~~للمسير لمنعه عنها، فرحل ولم يبلغ غرضا. # وفيها استولى شملة التركماني على خوزستان، وكان قد جمع جمعا كثيرا من ~~التركمان، وسار يريد خوزستان، وصاحبه حينئذ ملكشاه بن ms4018 محمد، فسير الخليفة ~~إليه عسكرا، فلقيهم شملة في رجب، وقاتلهم، فانهزم عسكر الخليفة، وأسر ~~وجوههم، ثم أحسن إليهم وأطلقهم، وأرسل يعتذر، فقبل عذره، وسار إلى خوزستان ~~فملكها وأزاح عنها ملكشاه ابن السلطان محمود. # وفيها سار الغز إلى نيسابور، فملكوها بالسيف، فدخلوها وقتلوا (محمد بن ~~يحيى الفقيه الشافعي و) نحوا من ثلاثين ألفا، وكان السلطان سنجر له اسم ~~السلطنة، وهو معتقل لا يلتفت إليه، حتى إنه أراد كثيرا من الأيام أن يركب، ~~فلم يكن له من يحمل سلاحه، فشده على وسطه وركب. # وكان إذا قدم إليه طعام يدخر منه ما يأكله وقتا آخر، خوفا من انقطاعه ~~عنه، لتقصيرهم في واجبه، ولأنهم ليس هذا مما يعرفونه. # PageV09P221 # وفيها وثب قسوس الأرمن بمدينة آني فأخذوها من الأمير شداد، وسلموها إلى ~~أخيه فضلون. # وفيها في ذي الحجة، قتل الأتراك القارغلية طمغاج خان بن محمد بما وراء ~~النهر، وألقوه في الصحراء، ونسبوه إلى أشياء قبيحة ; وكان مدة ملكه مستضعفا ~~غير مهيب. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي البغدادي الحافظ الأديب وكان ~~مشهورا بالفضل، وكان شافعيا، وصار حنبليا مغاليا، ومولده سنة سبع وستين ~~وأربعمائة في شعبان، وكان موته أيضا في شعبان. # وفيها كان بالعراق وما جاوره من البلاد زلزلة كبيرة في ذي الحجة. # وفيها توفي يحيى الغساني النحوي الموصلي، وكان فاضلا خيرا. # وتاج الدين أبو طاهر يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، قاضي جزيرة ~~ابن عمر. # PageV09P222 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة] # (551) # ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة # ذكر عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج بصقلية وما كان منهم # قد ذكرنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة موت رجار ملك صقلية وملك ولده ~~غليالم، وأنه كان فاسد التدبير، فخرج من حكمه عدة من حصون صقلية. # فلما كان هذه السنة قوي طمع الناس فيه، فخرج عن طاعته جزيرة جربة وجزيرة ~~قرقنة، وأظهروا الخلاف عليه، وخالف عليه أهل إفريقية، فأول من أظهر الخلاف ~~عليه عمر بن أبي الحسين الفرياني بمدينة سفاقس، وكان رجار قد استعمل عليها، ms4019 ~~لما فتحها أباه أبا الحسن، وكان من العلماء الصالحين، فأظهر العجز والضعف ~~وقال: استعمل ولدي ; فاستعمله، وأخذ أباه رهينة إلى صقلية. # فلما أراد المسير إليها قال لولده عمر: إنني كبير السن، وقد قارب أجلي، ~~فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف على العدو فافعل، ولا تراقبهم، ولا تنظر في ~~أنني أقتل واحسب أني قد مت ; فلما وجد هذه الفرصة دعا أهل المدينة إلى ~~الخلاف وقال: يطلع جماعة منكم إلى السور، وجماعة يقصدون مساكن الفرنج ~~والنصارى جميعهم، ويقتلونهم كلهم. فقالوا له: إن سيدنا الشيخ والدك نخاف ~~عليه. قال: هو أمرني بهذا، وإذا قتل بالشيخ ألوف من الأعداء فما مات ; فلم ~~تطلع الشمس حتى قتلوا # PageV09P223 # الفرنج عن آخرهم، وكان ذلك أول سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. # ثم اتبعه أبو محمد بن مطروح بطرابلس وبعدهما محمد بن رشيد بقابس، وسار ~~عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وخرج جميع إفريقية عن حكم الفرنج ما عدا ~~المهدية وسوسة. # وأرسل عمر بن [أبي] الحسين إلى زويلة، وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ~~ميدان، يحرضهم على الوثوب على من معهم فيها من النصارى، ففعلوا ذلك، وقدم ~~عرب البلاد إلى زويلة، فأعانوا أهلها على من بالمهدية من الفرنج، وقطعوا ~~الميرة عن المهدية. # فلما اتصل الخبر بغليالم ملك صقلية أحضر أبا الحسين وعرفه ما عمل ابنه، ~~فأمره أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك، ويأمره بالعود إلى طاعته، ويخوفه عاقبة ~~فعله، فقال: من قدم على هذا لا يرجع بكتاب، فأرسل ملك صقلية إليه رسولا ~~يتهدده، ويأمره بترك ما ارتكبه، فلم يمكنه عمر من دخول البلد يومه ذلك، ~~فلما كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة، والرسول يشاهدهم، فدفنوها ~~وعادوا، وأرسل عمر إلى الرسول يقول له: هذا أبي قد دفنته، وقد جلست للعزاء ~~به، فاصنعوا به ما أردتم. # فعاد الرسول إلى غليالم فأخبره بما صنع عمر بن أبي الحسين، فأخذ أباه ~~وصلبه، فلم يزل يذكر الله تعالى حتى مات. # وأما أهل زويلة فإنهم كثر جمعهم بالعرب وأهل سفاقس وغيرهم، فحصروا ~~المهدية وضيقوا عليها، ms4020 وكانت الأقوات بالمهدية قليلة، فسير إليهم صاحب ~~صقلية عشرين شينيا فيها الرجال والسلاح، فدخلوا البلد، وأرسلوا إلى العرب ~~وبذلوا # PageV09P224 # لهم مالا لينهزموا، وخرجوا من الغد، فاقتتلوا هم وأهل زويلة، فانهزمت ~~العرب، وبقي أهل زويلة وأهل سفاقس يقاتلون الفرنج بظاهر البلد، وأحاط بهم ~~الفرنج، فانهزم أهل سفاقس وركبوا في البحر فنجوا، وبقي أهل زويلة، فحمل ~~عليهم الفرنج فانهزموا إلى زويلة، فوجدوا أبوابها مغلقة، فقاتلوا تحت ~~السور، وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج إلا القليل فتفرقوا، ومضى بعضهم إلى ~~عبد المؤمن. # فلما قتلوا هرب من بها من الحرم والصبيان والشيوخ في البر، ولم يعرجوا ~~على شيء من أموالهم، ودخل الفرنج زويلة فقتلوا من وجدوا فيها من النساء ~~والأطفال، ونهبوا الأموال، واستقر الفرنج بالمهدية إلى أن أخذها منهم عبد ~~المؤمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر القبض على سليمان شاه وحبسه بالموصل # في هذه السنة قبض زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي بن ~~آقسنقر صاحب الموصل، على الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه، ~~وكان سليمان شاه عند عمه السلطان سنجر قديما، وقد جعله ولي عهده، وخطب له ~~في منابر خراسان، فلما جرى لسنجر مع الغز ما ذكرناه، وتقدم على عسكر ~~خراسان، وضعفوا عن الغز، مضى إلى خوارزم شاه فزوجه ابنة أخيه أقسيس، ثم ~~بلغه عنه ما كرهه فأبعده، فجاء إلى أصفهان فمنعه شحنتها من الدخول، فمضى ~~إلى قاشان، فسير إليه محمد شاه ابن أخيه محمود بن محمد عسكرا أبعدوه عنها، ~~فسار إلى خوزستان، فمنعه ملكشاه عنها، فقصد اللحف ونزل البنديجين، وأرسل ~~رسولا إلى الخليفة المقتفي يعلمه بوصوله، وترددت الرسل بينهما، إلى أن ~~استقر الأمر على أن يرسل زوجته تكون رهينة، فأرسلها إلى بغداد ومعها كثير ~~من الجواري والأتباع، وقال: قد أرسلت هؤلاء رهائن، فإن أذن أمير المؤمنين ~~في دخول بغداد فعلت وإلا رجعت. # PageV09P225 # فأكرم الخليفة زوجته ومن معها، وأذن في القدوم ومعه عسكر خفيف يبلغون ~~ثلاثمائة رجل، فخرج ولد الوزير ابن هبيرة يلتقيه، ومعه قاضي ms4021 القضاة ~~والنقيبان، ولم يترجل له ابن الوزير، ودخل بغداد وعلى رأسه الشمسة، وخلع ~~عليه الخليفة، وأقام ببغداد إلى أن دخل المحرم من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ~~فأحضر فيه سليمان شاه إلى دار الخليفة، وأحضر قاضي القضاة والشهود وأعيان ~~العباسيين، وحلف للخليفة على النصح والموافقة ولزوم الطاعة، وأنه لا يتعرض ~~إلى العراق بحال. # فلما حلف خطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه غياث الدنيا والدين، وباقي ~~ألقابه، وخلع عليه خلع السلطنة، وسير معه من عسكر بغداد ثلاثة آلاف فارس، ~~وجعل الأمير قويدان صاحب الحلة أمير حاجب معه، وسار نحو بلاد الجبل في ربيع ~~الأول. # وسار الخليفة إلى حلوان، وأرسل إلى ملكشاه ابن السلطان محمود أخي السلطان ~~محمد صاحب همذان وغيرها يدعوه إلى موافقته، فقدم في ألفي فارس، فحلف كل ~~منهما لصاحبه وجعل ملكشاه ولي عهد سليمان شاه، وقواهما الخليفة بالمال ~~والأسلحة وغيرها، فساروا واجتمعوا هم وإيلدكز، فصاروا في جمع كبير. # فلما سمع السلطان محمد خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل، ~~ونائبه زين الدين يطلب منهما المساعدة والمعاضدة، ويبذل لهما البذول ~~الكثيرة إن ظفر، فأجاباه إلى ذلك ووافقا، فقويت نفسه وسار إلى لقاء سليمان ~~شاه ومن اجتمع معه من عساكره، ووقعت الحرب بينهم في جمادى الأولى، واشتد ~~القتال بين الفريقين، فانهزم سليمان شاه ومن معه، وتشتت العسكر ووصل من ~~عسكر الخليفة - وكانوا ثلاثة آلاف رجل - نحو من خمسين رجلا، ولم يقتل منهم ~~أحد، وإنما # PageV09P226 # أخذت خيولهم وأموالهم، وتشتتوا، وجاءوا متفرقين. # وفارق سليمان شاه إيلدكز وسار نحو بغداد على شهرزور، فخرج إليه زين الدين ~~علي في جماعة من عسكر الموصل، وكان بشهرزور الأمير بزان مقطعا لها من جهة ~~زين الدين، فخرج زين الدين وسار، فوقفا على طريق سليمان شاه، فأخذاه أسيرا، ~~وحمله زين الدين إلى قلعة الموصل وحبسه بها مكرما محترما، إلى أن كان من ~~أمره ما نذكره سنة خمس وخمسين [وخمسمائة] إن شاء الله، فلما قبض سليمان شاه ~~أرسل زين الدين إلى السلطان محمود يعرفه ذلك، ووعده المعاضدة على كل ما ms4022 ~~يريده منه. # ذكر حصر نور الدين قلعة حارم # في هذه السنة سار نور الدين محمود الزنكي إلى قلعة حارم، وهي للفرنج، ثم ~~لبيمند، صاحب أنطاكية، وهي تقارب أنطاكية من شرقيها، وحصرها وضيق على ~~أهلها، وهي قلعة منيعة في نحور المسلمين، فاجتمعت الفرنج من قرب منها ومن ~~بعد، وساروا نحوه ليرحلوه عنها. # وكان بالحصن شيطان من شياطينهم يعرفون عقله ويرجعون إلى رأيه، فأرسل ~~إليهم يقول: إننا نقدر على حفظ القلعة، وليس بنا ضعف، فلا تخاطروا أنتم ~~باللقاء، فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها، والرأي مطاولته ; فأرسلوا إليه ~~وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، فاصطلحوا على ذلك، ورحل عنهم، فقال ~~بعض الشعراء: # PageV09P227 # ألبست دين محمد يا نوره ... عزا له فوق السها أساد # ما زلت تشمله بمياد القنا ... حتى تثقف عوده المياد # لم # يبق مذ أرهفت عزمك دونه # عدد يراع به، ولا استعداد ... إن المنابر لو تطيق تكلما # حمدتك عن خطبائها الأعواد ... ملق بأطراف القريحة كلكلا # طرفاه ضرب صادق وجلاد ... حاموا فلما عاينوا خوض الردى # حاموا فرائس كيدهم أو كادوا ... ورأى " البرنس " وقد تبرنس ذلة # حزما لحارم والمصاد مصاد ... من منكر أن ينسف السيل الربى # وأبوه ذاك العارض المداد ... أو أن يعيد الشمس كاسفة السنا # نار لها ذاك الشهاب زناد ... لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال # علياء حتى يرفع الأولاد # وهي طويلة. # PageV09P228 # ذكر وفاة خوارزم شاه أتسز وغيره من الملوك # في هذه السنة تاسع جمادى الآخرة توفي خوارزم شاه أتسز بن محمد بن ~~أنوشتكين، وكان قد أصابه فالج، فتعالج منه فلم يبرأ، فاستعمل أدوية شديدة ~~الحرارة بغير أمر الأطباء، فاشتد مرضه، وضعفت قوته، فتوفي. وكان يقول عند ~~الموت: {ما أغنى عني ماليه - هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 28 - 29] ، وكانت ~~ولادته في رجب سنة تسعين وأربعمائة. # ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان، فقتل نفرا من أعمامه، وسمل أخا له فمات ~~بعد ثلاثة أيام، وقيل بل قتل نفسه. # وأرسل إلى السلطان سنجر، وكان قد هرب من أسر الغز، على ما نذكره ببذل ~~الطاعة والانقياد، فكتب ms4023 له منشورا بولاية خوارزم، وسير الخلع له في رمضان، ~~فبقي في ولايته ساكنا آمنا. # وكان أتسز حسن السيرة، كافا عن أموال رعيته، منصفا لهم محبوبا إليهم ; ~~مؤثرا للإحسان والخير إليهم ; وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل. # وفي سابع عشر الشهر المذكور توفي أبو الفوارس بن محمد بن أرسلان شاه ملك ~~كرمان، وملك بعده ابنه سلجوقشاه. # وفيها توفي الملك مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية وما ~~يجاورها من بلاد الروم، وملك بعده ابنه قلج أرسلان. # ذكر هرب السلطان سنجر من الغز # في هذه السنة في رمضان هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز هو # PageV09P229 # وجماعة من الأمراء الذين معه، وسار إلى قلعة ترمذ، واستظهر بها على الغز، ~~وكان خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، والخاقان محمود بن محمد، يقصدان ~~الغز فيقاتلانهم فيمن معهما، فكانت الحرب بينهم سجالا، وغلب كل واحد من ~~الغز والخراسانيين على ناحية من خراسان، فهو يأكل دخلها، لا رأس لهم ~~يجمعهم. # وسار السلطان سنجر من ترمذ إلى جيحون يريد العبور إلى خراسان، فاتفق أن ~~مقدم الأتراك القارغلية، اسمه علي بك توفي، وكان أشد شيء [على] السلطان ~~سنجر وعلى غيره، كثير الشر والفساد وإثارة الفتن، فلما توفي أقبلت ~~القارغلية إلى السلطان سنجر، وكذلك غيرهم من سائر الأمم من أقاصي البلاد ~~وأدانيها، وعاد إلى دار ملكه بمرو في رمضان ; فكانت مدة أسره مع الغز من ~~سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. # ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية عهد أبيه # في هذه السنة أمر عبد المؤمن بالبيعة لولده محمد بولاية عهده، وكان الشرط ~~والقاعدة بين عبد المؤمن وبين عمر هنتاتي أن يلي عمر الأمر بعد عبد المؤمن ~~; فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثر أولاده أحب أن ينقل الملك إليهم، ~~فأحضر أمراء العرب من هلال ورعبة وعبدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم، ~~ووضع عليهم من يقول لهم ليطلبوا من عبد المؤمن، ويقولوا له: نريد أن تجعل ms4024 ~~لنا ولي عهد من ولدك يرجع الناس إليه بعدك ; ففعلوا ذلك، فلم يجبهم إكراما ~~لعمر هنتاتي لعلو منزلته في الموحدين، وقال لهم: إن الأمر لأبي حفص عمر ; ~~فلما علم عمر ذلك خاف على نفسه، فحضر عند عبد المؤمن وأجاب إلى خلع نفسه، ~~فحينئذ بويع لمحمد بولاية العهد، وكتب إلى جميع بلاده بذلك، وخطب له فيها ~~جميعها، فأخرج عبد المؤمن في # PageV09P230 # ذلك اليوم من الأموال شيئا كثيرا. # ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد # في هذه السنة استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ولده أبا ~~محمد عبد الله على بجاية وأعمالها ; واستعمل ابنه أبا الحسن عليا على فاس ~~وأعمالها ; واستعمل ابنه أبا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وولى ابنه ~~أبا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة ; وكذلك غيرهم. # ولقد سلك في استعمالهم طريقا عجيبا، وذلك أنه كان قد استعمل على البلاد ~~شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدي محمد بن تومرت، وكان يتعذر عليه ~~أن يعزلهم، فأخذ أولادهم، وتركهم عنده يشتغلون في العلوم، فلما مهروا فيها ~~وصاروا يقتدى بهم قال لآبائهم: إني أريد أن تكونوا عندي أستعين بكم على ما ~~أنا بصدده، ويكون أولادكم في الأعمال (لأنهم علماء فقهاء) ; فأجابوا إلى ~~ذلك وهم فرحون مسرورون، (فولى أولادهم) ثم وضع عليهم بعضهم ممن يعتمد عليه، ~~فقال لهم: إني أرى أمرا عظيما قد فعلتموه ; فارقتم فيه الحزم والأدب. ~~فقالوا: وما هو؟ فقال: أولادكم في الأعمال، وأولاد أمير المؤمنين ليس لهم ~~منها شيء مع ما فيها من العلم وحسن السياسة، وإني أخاف أن ينظر في هذا ~~فتسقط منزلتكم عنده، فعلموا صدق القائل، فحضروا عند عبد المؤمن وقالوا: نحب ~~أن تستعمل على البلاد السادة أولادك. فقال: لا أفعل، فلم يزالوا به حتى فعل ~~ذلك بسؤالهم. # ذكر حصر السلطان محمد بغداد # في هذه السنة في ذي الحجة، حصر السلطان محمد بغداد، وسبب ذلك أن السلطان ~~محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد والعراق، ~~فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك، فسار ms4025 من همذان في عساكر كثيرة نحو ~~العراق، ووعده أتابك قطب الدين، صاحب الموصل، ونائبه زين الدين علي بإرسال # PageV09P231 # العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد، فقدم العراق في ذي الحجة سنة إحدى ~~وخمسين [وخمسمائة] ، واضطرب الناس ببغداد، وأرسل الخليفة يجمع العساكر ~~فأقبل خطلبرس من واسط وعصى أرغش، صاحب البصرة، وأخذ واسط، ورحل مهلهل إلى ~~الحلة فأخذها، واهتم الخليفة وعون الدين بن هبيرة بأمر الحصار، وجمع جميع ~~السفن وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج، ونودي منتصف المحرم سنة اثنتين ~~وخمسين [وخمسمائة] ، أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي، فأجفل الناس وأهل ~~السواد، ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة، وخرب الخليفة قصر عيسى ~~والمربعة والقرية والمستجدة والنجمي، ونهب أصحابه ما وجدوا، وخرب أصحاب ~~محمد شاه نهر القلابين، والتوثة، وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا. # وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد، وكسبوا معهم ~~أموالا كثيرة. # وعبر السلطان محمد فوق حربى إلى الجانب الغربي، ونهبت أوانا، واتصل به ~~زين الدين هناك، وساروا، فنزل محمد شاه عند الرملة، وفرق الخليفة السلاح ~~على الجند والعامة، ونصب المجانيق والعرادات. # فلما كان في العشرين من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي، ووقفوا ~~عند الرقة، ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج، فعبر إليهم عامة بغداد ~~فقاتلوهم، ورموهم بالنفط وغيره، ثم جرى بينهم عدة حروب. # وفي ثالث صفر عاودوا القتال، واشتدت الحرب، وعبر كثير من أهل بغداد سباحة ~~وفي السفن، فقتلوا ; وكان يوما مشهودا. # ولم تزل الحرب بينهم كل وقت، وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر ~~إلى الجانب الشرقي، وصار القتال في الجانبين، وبقي زين الدين في الجانب ~~الغربي، وأمر الخليفة فنودي: كل من جرح فله خمسة دنانير، فكان كلما جرح ~~إنسان يحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير، فاتفق أن بعض العامة جرح جرحا ~~ليس بكبير، # PageV09P232 # فحضر يطلب الدنانير، فقال له الوزير: ليس هذا الجرح بشيء، فعاود القتال، ~~فضرب، فانشق جوفه وخرج شيء من شحمه، فحمل إلى الوزير فقال: يا مولانا ~~الوزير ms4026 أيرضيك هذا؟ فضحك منه، وأضعف له، ورتب له من يعالج جراحته إلى أن ~~برئ. # وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة، وكانت ~~الغلات ببغداد كثيرة ; لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير ~~فيبيعونها، فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة، إلا أن اللحم والفاكهة والخضر ~~قليلة عندهم. # واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة لأهلها ; ~~وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة والمسلمين ; ~~وقيل لأن نور الدين محمود بن زنكي، وهو أخو قطب الدين صاحب الموصل الأكبر، ~~أرسل إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة، ففتر وأقصر. # (ولم تزل الحرب في أكثر الأيام) ، وعمل السلطان محمد أربعمائة سلم ليصعد ~~الرجال فيها إلى السور. وزحفوا، وقاتلوا، ففتح أهل بغداد أبواب البلد ~~وقالوا: أي حاجة بكم إلى السلاليم؟ هذه الأبواب مفتحة فادخلوا منها ; فلم ~~يقدروا على أن يقربوها. فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان ~~محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكز صاحب بلاد أران، ومعه الملك أرسلان ابن الملك ~~طغرل بن محمد، وهو ابن امرأة إيلدكز، قد دخلوا همذان واستولوا عليها، ~~وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم، فلما سمع محمد شاه ذلك جد ~~في القتال لعله يبلغ غرضا، فلم يقدر على شيء ورحل عنها نحو همذان في الرابع ~~والعشرين من ربيع الأول سنة اثنين وخمسين وخمسمائة. # وعاد زين الدين إلى الموصل، وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذا فرغ محمد ~~شاه من إصلاح بلاده، فلم يعودوا يجتمعون ; وفي كثرة حروبهم لم يقتل بينهم ~~إلا نفر يسير، وإنما الجراح كانت كثيرة، ولما ساروا نهبوا بعقوبا وغيرها من ~~طريق خراسان. # PageV09P233 # ولما رحل العسكر من بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة، وموت كثير للشدة ~~التي مرت بهم ; وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى ~~الري، فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه، فأنفذ السلطان محمد الأمير ~~سقمس بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج، فسار سقمس، وكان إيلدكز ~~وملكشاه ومن معهما ms4027 قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة، فلقيهم سقمس ~~وقاتلهم، فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم، فاحتاج السلطان محمد إلى الإسراع، ~~فسار، فلما بلغ حلوان بلغه أن إيلدكز بالدينور، وأتاه رسول من نائبه إينانج ~~أنه دخل همذان، وأعاد الخطبة له فيها، فقويت نفسه وهرب شملة، صاحب خوزستان ~~إلى بلاده، وتفرق أكثر جمع إيلدكز وملكشاه، وبقيا في خمسة آلاف فارس، فعادا ~~إلى بلادهما شبه الهارب. # ولما رحل محمد شاه إلى همذان أراد التجهز لقصد بلاد إيلدكز، فابتدأ به ~~مرض السل، وبقي به إلى أن مات. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول، أطلق أبو البدر ابن الوزير ابن هبيرة من حبس ~~تكريت ; ولما قدم بغداد خرج أخوه والموكب يتلقونه، وكان يوما مشهودا، وكان ~~مقامه في الحبس يزيد على ثلاث سنين. # وفيها احترقت بغداد في ربيع الآخر، وكثر الحريق بها، واحترق درب فراشا، ~~ودرب الدواب، ودرب اللبان، وخرابة ابن جردة، والظفرية، والخاتونية، ودار # PageV09P234 # الخلافة، وباب الأزج، وسوق السلطان وغير ذلك. # وفيها في شوال قصد الإسماعيلية طبس بخراسان، فأوقعوا بها وقعة عظيمة، ~~وأسروا جماعة من أعيان دولة السلطان، ونهبوا أموالهم ودوابهم وقتلوا فيهم. # [الوفيات] # وفيها في ذي القعدة توفي شيخ الإسلام أبو المعالي الحسن بن عبيد الله بن ~~أحمد بن محمد المعروف بابن الرزاز بنيسابور، وهو من أعيان الأفاضل. # وفي هذه السنة توفي مريد الدين بن نيسان رئيس آمد والحاكم فيها على ~~صاحبها، وولي ما كان إليه بعده ابنه كمال الدين أبو القاسم. # وتوفي أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي، الواعظ المشهور ببغداد، وكان قدم ~~إليها سنة ست عشرة وخمسمائة، وكان له قبول عظيم عند السلاطين والعامة ~~والخلفاء إلا أن المقتفي أعرض عنه بعد موت السلطان مسعود لإقبال السلطان ~~عليه، وكان موته في المحرم. # وتوفي أبو الحسن بن الخل الفقيه الشافعي، شيخ الشافعية ببغداد، وهو من ~~أصحاب أبي بكر الشاشي، وجمع بين العلم والعمل، وكان يؤم بالخليفة في ~~الصلاة. # وتوفي ابن الآمدي الشاعر، وهو من أهل النيل من أعيان الشعراء في طبقة ~~الغزي ms4028 والأرجاني، وكان عمره قد زاد على تسعين سنة. # وفيها قتل مظفر بن حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة، قتله نفيس بن فضل # PageV09P235 # بن أبي الخير في الحمام، وولي ابنه بعده. # وفيها توفي الوأواء الحلبي الشاعر المشهور. # وفيها في رمضان توفي الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري بأسفرايين، وكان ~~صاحب معرفة بعلوم الحكماء الأوائل. # PageV09P236 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة] # (552) # ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة # ذكر الزلازل بالشام # في هذه السنة في رجب، كان بالشام زلازل كثيرة قوية خربت كثيرا من البلاد، ~~وهلك فيها ما لا يحصى كثرة، فخرب منها بالمرة حماة، وشيزر، وكفرطاب، ~~والمعرة، وأفامية، وحصن الأكراد، وعرقة، واللاذقية، وطرابلس، وأنطاكية. # وأما ما لم يكثر فيه الخراب ولكن خرب أكثره فجميع الشام،، وتهدمت أسوار ~~البلاد والقلاع، فقام نور الدين محمود في ذلك المقام المرضي، وخاف على بلاد ~~الإسلام من الفرنج حيث خربت الأسوار، فجمع عساكره وأقام بأطراف بلاده يغير ~~على بلاد الفرنج ويعمل الأسوار في سائر البلاد، فلم يزل كذلك حتى فرغ من ~~جميع أسوار البلاد. # وأما كثرة القتلى، فيكفي فيه أن معلما كان بالمدينة، وهي مدينة حماة، ذكر ~~أنه فارق المكتب لمهم عرض له فجاءت الزلزلة فخربت البلد، وسقط المكتب على ~~الصبيان جميعهم. قال المعلم: فلم يأت أحد يسأل عن صبي كان له. # PageV09P237 # ذكر ملك نور الدين حصن شيزر # نبتدئ بذكر هذا الحصن، ولمن كان قبل أن يملكه نور الدين محمود بن زنكي، ~~فنقول: هذا الحصن قريب من حماة، بينهما نصف نهار، وهو على جبل عال منيع لا ~~يسلك إليه إلا من طريق واحدة. وكان لآل منقذ الكنانيين يتوارثونه من أيام ~~صالح بن مرداس إلى أن انتهى الأمر إلى أبي المرهف نصر بن علي بن المقلد بعد ~~أبيه أبي الحسن علي، فبقي (بيده إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ~~وكان شجاعا كريما ; فلما حضره الموت استخلف أخاه أبا سلامة مرشد بن علي، ~~فقال: والله لا وليته ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها. # وكان عالما بالقرآن والأدب، وهو والد ms4029 مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فولاها ~~أخاه الأصغر سلطان بن علي، واصطحبا أجمل صحبة مدة من الزمان، فأولد مرشد ~~عدة أولاد ذكور، وكبروا وسادوا، منهم: عز الدولة أبو الحسن علي، ومؤيد ~~الدولة أسامة وغيرهما، ولم يولد لأخيه سلطان ولد ذكر إلى أن كبر فجاءه ~~أولاد ذكور، فحسد أخاه على ذلك، وخاف أولاد أخيه على أولاده، وسعى بينهم ~~المفسدون فغيروا كلا منهما على أخيه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبيات شعر ~~يعاتبه على أشياء بلغته عنه، فأجابه بشعر في معناه رأيت إثبات ما تمس ~~الحاجة إليه منه، وهي هذه الأبيات: # ظلوم أبت في الظلم إلا تماديا ... وفي الصد والهجران إلا تناهيا # شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا # وطاوعت الواشين في وطالما ... عصيت عذولا في هواها وواشيا # ومال بها تيه الجمال إلى القلى ... وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا # ولا ناسيا ما أودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا # ولما أتاني من قريضك جوهر ... جمعت المعالي فيه لي والمعانيا # وكنت هجرت الشعر حينا لأنه ... تولى برغمي حين ولى شبابيا # PageV09P238 # وأين من الستين لفظ مفوق إذا # رمت أدنى القول منه عصانيا ... وقلت أخي يرعى بني وأسرتي # ويحفظ عهدي فيهم وذماميا ... ويجزيهم ما لم أكلفه فعله # لنفسي فقد أعددته من تراثيا ... فما لك لما أن حنى الدهر صعدتي # وثلم مني صارما كان ماضيا ... تنكرت حتى صار برك قسوة # وقربك منهم جفوة وتنابيا ... وأصبحت صفر الكف مما رجوته # أرى اليأس قد عفى سبيل رجائيا ... على أنني ما حلت عما عهدته # ولا غيرت هذي السنون وداديا ... فلا غرو عند الحادثات فإنني # أراك يميني والأنام شماليا ... تحل بها عذراء لو قرنت بها # نجوم السماء لم تعد دراريا ... تحلت بدر من صفاتك زانها كما # زان منظوم اللآلي الغوانيا ... وعش بانيا للمجد ما كان واهيا # مشيدا من الإحسان ما كان هاويا # وكان الأمر بينهما فيه تماسك، فلما توفي مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ~~قلب أخوه لأولاده ظهر المجن، وبادأهم بما يسوؤهم، وأخرجهم ms4030 من شيزر، فتفرقوا ~~وقصد أكثرهم نور الدين، وشكوا إليه ما لقوا من عمهم، فغاظه ذلك، ولم يمكنه ~~قصده والأخذ بثأرهم وإعادتهم إلى وطنهم لاشتغاله بجهاد الفرنج، ولخوفه أن ~~يسلم شيزر إلى الفرنج. # ثم توفي سلطان وبقي بعده أولاده، فبلغ نور الدين عنهم مراسلة الفرنج ~~فاشتد حنقه عليهم، وانتظر فرصة تمكنه، فلما خربت القلعة هذه السنة بما ~~ذكرناه من الزلزلة لم ينج من بني منقذ الذين بها أحد. # وسبب هلاكهم أجمعين أن صاحبها منهم كان قد ختن ولدا له، وعمل دعوة للناس، ~~وأحضر جميع بني منقذ عنده في داره، وكان له فرس يحبه، ويكاد لا يفارقه، ~~وإذا كان في مجلس أقيم الفرس على بابه. وكان المهر في ذلك اليوم على باب ~~الدار فجاءت الزلزلة، فقام الناس ليخرجوا من الدار، فلما وصلوا مجفلين إلى ~~الباب # PageV09P239 # ليخرجوا من الدار رمح الفرس رجلا كان أولهم فقتله، وامتنع الناس من ~~الخروج، فسقطت الدار عليهم كلهم، وخربت القلعة وسقط سورها وكل بناء فيها، ~~ولم ينج منها إلا الشريد، فبادر إليها بعض أمرائه، وكان بالقرب منها، ~~فملكها وتسلمها نور الدين منه، فملكها وعمر أسوارها ودورها، وأعادها جديدة. # ذكر وفاة الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر واستيلاء قطب الدين مودود على ~~الجزيرة # كانت الجزيرة لأتابك زنكي، فلما قتل سنة إحدى وأربعين [وخمسمائة] أقطعها ~~ابنه سيف الدين غازي للأمير أبي بكر الدبيسي، وكان من أكابر أمراء والده، ~~فبقيت بيده إلى الآن، وتمكن منها وصار بحيث يتعذر على قطب الدين أخذها منه، ~~فمات في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، ولم يخلف ولدا، فاستولى عليها مملوك له ~~اسمه غلبك، وأطاعه جندها، فحصرهم مودود ثلاثة أشهر، ثم تسلمها من غلبك في ~~صفر من سنة ثلاث وخمسين، وأعطاه عوضها إقطاعا كثيرا. # ذكر وفاة السلطان سنجر # في هذه السنة، في ربيع الأول توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان، ~~أبو الحرث، أصابه قولنج، ثم بعده إسهال، فمات منه ومولده سنجار، من ديار ~~الجزيرة، في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وسكن خراسان، واستوطن مدينة ~~مرو، ms4031 ودخل بغداد مع أخيه السلطان محمد، واجتمع معه بالخليفة المستظهر ~~بالله، فعهد إلى محمد بالسلطنة وجعل سنجر ولي عهد. # فلما مات محمد، خوطب سنجر بالسلطان، واستقام أمره، وأطاعه السلاطين وخطب ~~له على أكثر منابر الإسلام بالسلطنة نحو أربعين سنة، وكان قبلها يخاطب ~~بالملك عشرين سنة، ولم يزل أمره عاليا وجده متراقيا إلى أن أسره الغز على ~~ما # PageV09P240 # ذكرناه، ثم إنه خلص بعد مدة وجمع إليه أطرافه بمرو، وكاد يعود إليه ملكه، ~~فأدركه أجله. وكان مهيبا كريما رفيقا بالرعية، وكانت البلاد في زمانه آمنة. # ولما مات دفن في قبة بناها لنفسه سماها دار الآخرة ; ولما وصل خبر موته ~~إلى بغداد قطعت خطبته، ولم يجلس له في الديوان للعزاء. # ولما حضر السلطان سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن ~~بغراخان، وهو ابن أخت السلطان سنجر، فأقام بها خائفا من الغز، فقصد جرجان ~~يستظهر بها، وعاد الغز إلى مرو وخراسان، واجتمع طائفة من عساكر خراسان على ~~أي أبه المؤيد، فاستولى على طرف من خراسان، وبقيت خراسان على هذا الاختلال ~~إلى سنة أربع وخمسين [وخمسمائة] . # وأرسل الغز إلى الملك محمود بن محمد وسألوه أن يحضر عندهم ليملكوه عليهم، ~~فلم يثق بهم، وخافهم على نفسه، فأرسل ابنه إليهم فأطاعوه مديدة ثم لحق بهم ~~الملك محمود على ما نذكره سنة ثلاث وخمسين [وخمسمائة] . # ذكر ملك المسلمين مدينة المرية وانقراض دولة الملثمين بالأندلس # في هذه السنة انقرضت دولة الملثمين بالأندلس، وملك أصحاب عبد المؤمن ~~المرية من الفرنج. # وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما استعمل ابنه أبا سعيد على الجزيرة الخضراء ~~ومالقة عبر أبو سعيد البحر إلى مالقة، واتخذها دارا، وكاتبه ميمون بن بدر ~~اللمتوني صاحب غرناطة، أن يوحد ويسلم إليه غرناطة، فقبل أبو سعيد ذلك منه ~~وتسلم غرناطة، فسار ميمون إلى مالقة بأهله وولده، فتلقاه أبو سعيد، وأكرمه، ~~ووجهه إلى مراكش، فأقبل عليه عبد المؤمن وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم ~~إلا جزيرة ميورقة (مع حمو بن غانية) . # PageV09P241 # فلما ملك أبو سعيد غرناطة جمع ms4032 الجيوش وسار إلى مدينة المرية، وهي بأيدي ~~الفرنج، أخذوها من المسلمين سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، فلما نازلها ~~وافاه الأسطول من سبتة وفيه خلق كثير من المسلمين، فحصروا المرية برا ~~وبحرا، وجاء الفرنج إلى حصنها، فحصرهم فيها ونزل عسكره على الجبل المشرف ~~عليها، وبنى أبو سعيد سورا على الجبل المذكور إلى البحر، وعمل عليه خندقا، ~~فصارت المدينة والحصن الذي فيه الفرنج محصورين بهذا السور والخندق، ولا ~~يمكن من ينجدهما أن يصل إليهما، فجمع الأذفونش ملك الفرنج بالأندلس، ~~المعروف بالسليطين، في اثني عشر ألف فارس من الفرنج، ومعه محمد بن سعد بن ~~مردنيش في ستة آلاف فارس من المسلمين، وراموا الوصول إلى مدينة المرية ودفع ~~المسلمين عنها، فلم يطيقوا ذلك، فرجع السليطين وابن مردنيش خائبين، فمات ~~السليطين في عوده قبل أن يصل إلى طليطلة. # وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر، فضاقت الميرة، وقلت الأقوات على ~~الفرنج، فطلبوا الأمان ليسلموا الحصن، فأجابهم أبو سعيد إليه وأمنهم، وتسلم ~~الحصن، ورحل الفرنج في البحر عائدين إلى بلادهم فكان ملكهم المرية مدة عشر ~~سنين. # ذكر غزو صاحب طبرستان الإسماعيلية # في هذه السنة جمع شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار عسكره، وسار ولم ~~يعلم أحدا جهة مقصده سلك المضايق، وجد السير إلى بلد ألموت، وهي ~~للإسماعيلية، فأغار عليها وأحرق القرى والسواد، وقتل فأكثر، وغنم أموالهم، ~~وسبى نساءهم، واسترق أبناءهم فباعهم في السوق وعاد سالما غانما، وانخذل ~~الإسماعيلية، ودخل عليهم من الوهن ما لم يصابوا بمثله، وخرب من بلادهم ما ~~لا يعمر في السنين الكثيرة. # PageV09P242 # ذكر أخذ حجاج خراسان # في هذه السنة في ربيع الأول سار حجاج خراسان، فلما رحلوا عن بسطام أغار ~~عليهم جمع من الجند الخراسانية قد قصدوا طبرستان، فأخذوا من أمتعتهم، ~~وقتلوا نفرا منهم، وسلم الباقون وساروا من موضعهم. # فبينما هم سائرون إذ طلع عليهم الإسماعيلية، فقاتلهم الحجاج قتالا عظيما، ~~وصبروا صبرا عظيما، فقتل أميرهم، فانخذلوا، وألقوا بأيديهم، واستسلموا ~~وطلبوا الأمان، وألقوا أسلحتهم مستأمنين، فأخذهم الإسماعيلية وقتلوهم، ولم ~~يبقوا منهم إلا شرذمة يسيرة ; وقتل ms4033 فيهم من الأئمة العلماء والزهاد ~~والصلحاء جمع كثير، وكانت مصيبة عظيمة عمت بلاد الإسلام، وخصت خراسان، ولم ~~يبق بلد إلا وفيه المأتم. # فلما كان الغد طاف شيخ في القتلى والجرحى ينادي: يا مسلمون، يا حجاج، ذهب ~~الملاحدة، وأنا رجل مسلم، فمن أراد الماء سقيته ; فمن كلمه قتله وأجهز ~~عليه، فهلكوا جميعهم إلا من سلم وولى هاربا ; وقليل ما هم. # ذكر الحرب بين المؤيد والأمير إيثاق # قد ذكرنا تقدم الأمير المؤيد أي أبه مملوك السلطان سنجر، وتقدمه على ~~عساكر خراسان، فحسده جماعة من الأمراء منهم الأمير إيثاق، وهو من الأمراء ~~السنجرية، وانحرف عنه، وكان تارة يقصد خوارزم شاه، وتارة شاه مازندران، ~~وتارة يظهر الموافقة للمؤيد، ويبطن المخالفة. # فلما كان الآن فارق مازندران ومعه عشرة آلاف فارس، قد اجتمع معه كل من ~~يريد الغارة على البلاد، وكل منحرف عن المؤيد، وقصد خراسان وأقام بنواحي ~~نسا وأبيورد، لا يظهر المخالفة للمؤيد بل يراسله بالموافقة والمعاضدة له، ~~ويبطن ضدها. # وانتقل المؤيد من المكاتبة إلى المكافحة، وسار إليه جريدة، فأغار عليه ~~وأوقع # PageV09P243 # به، فتفرق عنه جموعه ونجا بحشاشة نفسه، وغنم المؤيد وعسكره كل ما لإيثاق، ~~ومضى منهزما إلى مازندران ; وكان ملكها رستم بينه وبين أخ له اسمه علي ~~تنازع على الملك، وقد قوي رستم، فلما وصل إيثاق إلى مازندران قتل عليا وحمل ~~رأسه إلى أخيه رستم، فعظم ذلك على رستم، واشتد واستشاط غضبا، وقال: آكل ~~لحمي ولا أطعمه غيري. # ولم يزل إيثاق يتردد في خراسان بالنهب والغارة، لا سيما مدينة أسفرايين ~~فإنه أكثر من قصدها حتى خربت، فراسله السلطان محمود بن محمد والمؤيد ~~يدعوانه إلى الموافقة، فامتنع، فسارا إليه في العساكر، فلما قارباه أتاهما ~~كثير من عسكره، فمضى من بين أيديهما إلى طبرستان في صفر سنة ثلاث وخمسين ~~[وخمسمائة] فتبعاه في عساكرهما، فأرسل شاه مازندران يطلب الصلح، فأجاباه ~~واصطلحوا، وحمل شاه مازندران أموالا جليلة وهدايا نفيسة، وسير إيثاق ابنه ~~رهينة فعادا عنه. # ذكر الحرب بين المؤيد وسنقر العزيزي # كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر، ms4034 وممن يناوئ أيضا المؤيد أي أبه، ~~فلما اشتغل المؤيد بحرب إيثاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد إلى ~~هراة ودخلها وبها جماعة من الأتراك وتحصن بها، فأشير عليه بأن يعتضد بالملك ~~الحسين ملك الغورية، فلم يفعل، واستبد بنفسه منفردا لأنه رأى اختلاف ~~الأمراء على السلطان محمود بن محمد، فطمع وحدث نفسه بالقوة، فقصده المؤيد ~~إلى هراة، فلما وصل إليها قاتل من بها شيئا من قتال، ثم إن الأتراك مالوا ~~إلى المؤيد وأطاعوه، وانقطع خبر سنقر العزيزي من ذلك الوقت، ولم يعلم ما ~~كان منه، فقيل: إنه سقط من فرسه فمات، وقيل: بل اغتاله الأتراك فقتلوه. # وتقدم السلطان محمود إلى ولاية هراة في عساكره وجنوده، والتحق جماعة من ~~عسكر سنقر بالأمير إيثاق، وأغاروا على طوس وقراها، فبطلت الزروع والحرث، ~~واستولى الخراب على البلاد، وعمت الفتن أطراف خراسان، وأصابتهم العين، ~~فإنهم كانوا أيام السلطان سنجر في أرغد عيش وآمنه، وهذا دأب الدنيا لا يصفو ~~نعيمها # PageV09P244 # وخيرها من كدر وشوائب وآفات، وقلما يخلص شرها من خير، نسأل الله أن يحسن ~~لنا العقبى بمحمد وآله. # ذكر ملك نور الدين بعلبك # في هذه السنة ملك نور الدين محمود بعلبك وقلعتها، وكانت بيد إنسان يقال ~~له ضحاك البقاعي ; منسوب إلى بقاع بعلبك، وكان قد ولاه إياها صاحب دمشق ; ~~فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك بها، فلم يمكن نور الدين محاصرته لقربه ~~من الفرنج، فتلطف الحال معه إلى الآن، فملكها واستولى عليها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة، وعمل عوضه بابا ~~مصفحا بالنقرة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا ~~مات. # [الوفيات] # وفيها توفي محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت أبو بكر الخجندي رئيس ~~أصحاب الشافعي بأصفهان، وسمع الحديث بها من أبي علي الحداد، وكان صدرا ~~مقدما عند السلاطين، وكان ذا حشمة عظيمة وجاه عريض. # ووقعت لموته فتنة عظيمة بأصفهان وقتل فيها خلق كثير. # [الغلاء بخراسان] وفيها كان بخراسان غلاء شديد أكلت ms4035 فيه سائر الدواب، حتى ~~الناس، وكان بنيسابور طباخ، فذبح إنسانا علويا وطبخه، وباعه في الطبيخ، ثم ~~ظهر عليه أنه فعل # PageV09P245 # ذلك، فقتل، وأسفر الغلاء، وصلحت أحوال الناس. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي الماندائي الواسطي ~~قاضيها، وكان فقيها عالما. # وفيها في ربيع الآخر توفي القاضي برهان الدين أبو القاسم منصور بن أبي ~~سعد محمد بن أبي نصر أحمد الصاعدي قاضي نيسابور، وكان من أئمة الفقهاء ~~الحنفية. # PageV09P246 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة] # (553) # ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة # ذكر الحرب بين سنقر وأرغش # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين سنقر الهمذاني وأرغش المسترشدي، وسببها ~~أن سنقر الهمذاني كان قد نهب سواد بغداد بطريق خراسان، وكثر جمعه، فخرج ~~الخليفة المقتفي لأمر الله جمادى الأولى، بنفسه يطلبه، فلما وصل إلى بلد ~~اللحف قال له الأمير خطلبرس: أنا أكفيك هذا المهم ; وكان بينه وبين سنقر ~~مودة، فركب إليه وتلاقيا وجرى بينهما عتاب طويل لأجل خروجه عن طاعة ~~الخليفة، فأجاب سنقر إلى الطاعة، وعاد خطلبرس وأصلح حاله مع الخليفة وأقطعه ~~بلد اللحف له وللأمير أرغش المسترشدي. # فلما توجها إلى اللحف جرى بينهما منازعة، فأراد سنقر قبض أرغش، فرآه ~~محترزا، فتحاربا، واقتتلا قتالا شديدا، وغدر بأرغش أصحابه، فعاد منهزما إلى ~~بغداد، وانفرد سنقر ببلد اللحف وخطب فيه للملك محمد، فسير من بغداد عسكرا ~~لقتاله مقدمهم خطلبرس، فجرت بينهما حرب شديدة انهزم في آخرها سنقر، وقتلت ~~رجاله، ونهبت أمواله التي [في] العسكر، وسار هو إلى قلعة الماهكي وأخذ ما ~~كان فيها، واستخلف فيها بعض غلمانه، وسار هو إلى همذان، فلم يلتفت إليه ~~الملك محمد شاه، فعاد إلى قلعة الماهكي وأقام بها. # ذكر الحرب بين شملة وقايماز السلطاني # في هذه السنة أيضا كان قتال بين شملة صاحب خوزستان، ومعه ابن (مكلية وبين ~~قايماز السلطاني) في ناحية بادرايا، فجمعا عسكرهما وسارا إليه، فأتاه الخبر # PageV09P247 # بذلك وهو يشرب، فلم يحفل بذلك، وركب إليهم في نحو ثلاثمائة فارس، وكان ~~معجبا بنفسه، فحمل عليهم واختلط ms4036 بهم، فأحدقوا به، وقاتل أشد قتال، فانهزم ~~أصحابه، وأخذ هو أسيرا، فتسلمه إنسان تركماني كان له عليه دم ; لأنه قتل ~~ابنا للتركماني، فقتله بابنه وأرسل برأسه إلى محمد شاه. # وأرسل الخليفة عسكرا ليقاتل شملة ومن معه، فانزاحوا من بين أيديهم، ~~ولحقوا بالملك ملكشاه بخوزستان فهلك كثير منهم بالبرد. # ذكر معاودة الغز الفتنة بخراسان # كان الأتراك الغزية قد أقاموا ببلخ واستوطنوها، وتركوا النهب والقتل ~~ببلاد خراسان، واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان خاقان محمود بن أرسلان، ~~وكان المتولي لأمور دولته المؤيد أي أبه، وعن رأيه يصدر محمود. # فلما كان هذه السنة في شعبان سار الغز من بلخ إلى مرو، وكان السلطان ~~محمود بسرخس في العساكر، فسار المؤيد في طائفة من العسكر إليهم، فأوقع ~~بطائفة منهم، وظفر بهم، ولم يزل يتبعهم إلى أن دخلوا إلى مرو أوائل رمضان، ~~وغنم من أموالهم، وقتل كثيرا وعاد إلى سرخس، فاتفق هو والسلطان محمود على ~~قصد الغز وقتالهم، فجمعا العساكر وحشدا، وسارا إلى الغز، فالتقوا سادس شوال ~~من هذه السنة، وجرت بينهم حرب طال مداها، فبقوا يقتتلون [من] يوم الإثنين ~~تاسع شوال إلى نصف الليل من ليلة الأربعاء الحادي عشر من الشهر، تواقعوا ~~عدة وقعات متتابعة، ولم يكن بينهم راحة، ولا نزول، إلا لما لا بد منه ; ~~انهزم الغز فيها ثلاث دفعات، وعادوا إلى الحرب. # فلما أسفر الصبح يوم الأربعاء انكشفت الحرب عن هزيمة عساكر خراسان ~~وتفرقهم في البلاد، وظفر الغز بهم، وقتلوا فأكثروا فيهم، وأما الجرحى ~~والأسرى فأكثر من ذلك. # PageV09P248 # وعاد المؤيد ومن سلم معه إلى طوس، فاستولى الغز على مرو، وأحسنوا السيرة، ~~وأكرموا العلماء والأئمة مثل تاج الدين أبي سعيد السمعاني، وشيخ الإسلام ~~علي البلخي وغيرهما ; وأغاروا على سرخس، وخربت القرى، وجلا أهلها، وقتل من ~~أهل سرخس نحو عشرة آلاف قتيل، ونهبوا طوس أيضا وقتلوا أهلها إلا القليل ~~وعادوا إلى مرو. # وأما السلطان محمود بن محمد الخان والعساكر التي معه فلم يقدروا على ~~المقام بخراسان من الغز، فساروا إلى جرجان ينتظرون ما يكون من ms4037 الغز ; فلما ~~دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة أرسل الغز إلى السلطان محمود يسألونه أن ~~يحضر عندهم ليملكوه أمرهم، فلم يثق بهم وخافهم على نفسه، فأرسلوا يطلبون ~~منه أن يرسل ابنه جلال الدين محمدا إليهم ليملكوه أمرهم، ويصدروا عن أمره ~~ونهيه في قليل الأمور وكثيرها، وترددت الرسل واحتاط السلطان محمود لولده ~~بالعهد والمواثيق، وتقرير القواعد، ثم سيره من جرجان إلى خراسان، فلما سمع ~~الأمراء الغزية بقدومه ساروا من مرو إلى طريقه، فالتقوه بنيسابور، وأكرموه ~~وعظموه، ودخل نيسابور، واتصلت به العساكر الغزية، واجتمعوا عنده في الثالث ~~والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وخمسمائة. # ثم إن السلطان محمودا سار من جرجان إلى خراسان في الجيوش التي معه من ~~الأمراء السنجرية، وتخلف عنه المؤيد أي أبه، فوصل إلى حدود نسا وأبيورد، ~~وأقطع نسا لأمير اسمه عمر بن حمزة النسوي، فقام في حفظها المقام المرضي، ~~ومنع عنها أيدي المفسدين، وأقام السلطان محمود بظاهر نسا حتى جمادى الآخرة ~~من السنة. # ولما كان الغز بنيسابور هذه السنة أرسلوا إلى أهل طوس يدعونهم إلى الطاعة ~~والموافقة، فامتنع أهل رايكان من إجابتهم إلى ذلك، واغتروا بسور بلدهم وبما ~~عندهم من الشجاعة والقوة والعدة الوافرة والذخائر الكثيرة، فقصدها طائفة من ~~الغز # PageV09P249 # وحصروهم، وملكوا البلد، وقتلوا فيهم ونهبوا وأكثروا، ثم عادوا إلى ~~نيسابور، وساروا مع جلال الدين محمد ابن السلطان محمود الخان إلى بيهق، ~~وحصروا سابزوار سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة، فامتنع ~~أهلها عليهم وقام بأمرهم النقيب عماد الدين علي بن محمد بن يحيى العلوي ~~الحسيني، نقيب العلويين، واجتمعوا معه، ورجعوا إلى أمره ونهيه، ووقفوا عند ~~إشارته، فامتنعوا على الغز، وحفظوا البلد منهم، وصبروا على القتال. # فلما رأى الغز امتناعهم عليهم وقوتهم أرسلوا إليهم يطلبون الصلح، ~~فاصطلحوا، ولم يقتل من أهل سابزوار في تلك الحروب غير رجل واحد، ورحل الملك ~~جلال الدين والغز عن سابزوار في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع ~~وخمسين وخمسمائة، وساروا إلى نسا وأبيورد. # ذكر أسر المؤيد وخلاصه # قد ذكرنا أن المؤيد ms4038 أي أبه تخلف عن السلطان ركن [الدين] محمود بن محمد ~~بجرجان، فلما كان الآن سار من جرجان إلى خراسان، فنزل بقرية من قرى خبوشان، ~~اسمها زانك، وبها حصن، فسمع الغز بوصوله إلى زانك، فساروا إليه وحصروه فيه، ~~فخرج منه هاربا، فرآه واحد من الغز، فأخذه، فوعده بمال جزيل إن أطلقه، فقال ~~الغزي: وأين المال؟ فقال: هو مودع في بعض هذه الجبال. # فسار هو والغزي، فوصلا إلى جدار قرية فيها بساتين وعيون، فقال للفارس: ~~المال ها هنا ; وصعد الجدار ونزل من ظهره ومضى هاربا، فرأى الغز قد ملئوا ~~الأرض، فدخل قرية، فعرفه طحان فيها، فأعلم زعيم القرية به، وطلب منه مركبا، ~~فأتاه بما أراد، وأعانه على الوصول إلى نيسابور، فوصل إليها، واجتمعت عليه ~~العساكر وقوي أمره وعاد إلى حاله، وأحسن إلى الطحان، وبالغ في الإحسان ~~إليه. # PageV09P250 # ذكر اجتماع السلطان محمود مع الغز وعودهم إلى نيسابور # لما عاد الغز ومعهم الملك محمد بن محمود الخان إلى نسا وأبيورد، كما ~~ذكرناه، خرج والده السلطان محمود الخان، وكان هناك فيمن معه من العساكر ~~الخراسانية، فاجتمع بهم واتفقت الكلمة على طاعته، وأراد عمارة البلاد ~~وحفظها، فلم يقدر على ذلك، فلما اجتمعوا ساروا إلى نيسابور، وبها المؤيد أي ~~أبه، في شعبان، فلما سمع بقربهم منه رحل عنها إلى خواف في السادس عشر منه، ~~ووصلوا إليها في الحادي والعشرين منه ونزلوا فيه، وخافهم الناس خوفا عظيما، ~~فلم يفعلوا بهم شيئا، وساروا عنها في السادس والعشرين منه إلى سرخس ومرو، ~~وكان بها الفقيه المؤيد بن الحسين الموفقي، رئيس الشافعية، وله بيت قديم، ~~وهو من أحفاد الإمام أبي سهل الصعلوكي، وله مصاهرة إلى بيت أبي المعالي ~~الجويني، وهو المقدم في البلد والمشار إليه، وله من الأتباع ما لا يحصى. # فاتفق أن بعض أصحابه قتل إنسانا من الشافعية، اسمه أبو الفتوح الفستقاني، ~~خطأ، وأبو الفتوح هذا له تعلق بنقيب العلويين بنيسابور، وهو ذخر الدين أبو ~~القاسم زيد بن الحسن الحسيني، وكان هذا النقيب هو الحاكم هذه المدة ~~بنيسابور، فغضب من ms4039 ذلك وأرسل إلى الفقيه المؤيد يطلب منه القاتل ليقتص منه، ~~ويتهدده إن لم يفعل، فامتنع المؤيد من تسليمه، وقال: لا مدخل لك مع ~~أصحابنا، إنما حكمك على الطائفة العلويين، فجمع النقيب أصحابه ومن يتبعه ~~وقصد الشافعية، فاجتمعوا له وقاتلوه، فقتل منهم جماعة ثم إن النقيب أحرق ~~سوق العطارين، وأحرقوا سكة معاذ، وسكة باغ ظاهر، ودار إمام الحرمين أبي ~~المعالي الجويني، وكان الفقيه المؤيد الشافعي بها للصهر الذي بينهم. # وعظمت المصيبة على الناس كافة، وجمع بعد ذلك المؤيد الفقيه جموعا من طوس، ~~وأسفرايين وجوين وغيرهم، وقتلوا واحدا من أتباع النقيب زيد يعرف بابن ~~الحاجي الأشناني، فأهم العلوية ومن معهم، فاقتتلوا ثامن عشر شوال من سنة ~~أربع وخمسين [وخمسمائة] ، وقامت الحرب على ساق، وأحرقت المدارس والأسواق # PageV09P251 # والمساجد وكثر القتل في الشافعية، فالتجأ المؤيد إلى قلعة فرخك، وقصر باع ~~الشافعية عن القتال، ثم انتقل المؤيد إلى قرية من قرى طوس، وبطلت دروس ~~الشافعية بنيسابور، وخرب البلد وكثر القتل فيه. # ذكر حصر صاحب ختلان ترمذ وعوده وموته # في هذه السنة في رجب سار الملك أبو شجاع فرخشاه وهو يزعم أنه من أولاد ~~بهرام جور، وقد تقدم ذكره أيام كسرى أبرويز، إلى ترمذ وحصرها. # وكان سبب ذلك أنه كان في طاعة السلطان سنجر. فلما خرج عليه الغز طلبه ~~ليحضر معه حربه لهم، فجمع عسكره، وأظهر أنه واصل (فيمن عنده من العساكر ~~إليه) ، وأقام ينتظر ما يكون منه، فإن ظفر حضر، وقال له: سبقتني بالحرب ; ~~وإن كان الظفر للغز قال: إنما تأخرت محبة وإرادة أن تملكوا ; فلما انهزم ~~سنجر، وكان ما ذكرناه، بقي إلى الآن، فسار إلى ترمذ ليحصرها، فجمع صاحبها ~~فيروزشاه أحمد بن أبي بكر بن قماج عسكره، ولقيه ليمنعه، فاقتتلوا، فانهزم ~~فيروزشاه، ومضى منهزما لا يلوي على شيء، فأصابه في الطريق قولنج فمات منه. # ذكر عود المؤيد إلى نيسابور وتخريب ما بقي منها # في هذه السنة عاد المؤيد أي أبه إلى نيسابور في عساكره ومعه الإمام ~~المؤيد الموفقي الشافعي الذي تقدم ذكر الفتنة بينه ms4040 وبين ذخر الدين نقيب ~~العلويين وخروجه من نيسابور، فلما خرج منها صار مع المؤيد وحضر معه حصار ~~نيسابور، وتحصن النقيب العلوي بشارستان واشتد الخطب، وطالت الحرب، وسفكت ~~الدماء وهتكت الأستار وخربوا ما بقي من نيسابور من الدور وغيرها، وبالغ ~~الشافعية ومن معهم في الانتقام فخربوا المدرسة الصندلية لأصحاب أبي حنيفة ~~وخربوا غيرها وحصروا # PageV09P252 # قهندز، وهذه الفتنة استأصلت نيسابور، ثم رحل المؤيد أي أبه عنها إلى بيهق ~~في شوال من سنة أربع وخمسين وخمسمائة ; كان ينبغي أن تكون هذه الحوادث ~~الغزية الواقعة في سنة أربع وخمسين مذكورة في سنتها، وإنما قدمناها هاهنا ~~وذكرناها هاهنا ليتلو بعضها بعضا فيكون أحسن لسياقتها. # ذكر ملك ملكشاه خوزستان # في هذه السنة ملك ملكشاه ابن السلطان محمود بلد خوزستان وأخذه من شملة ~~التركماني، وسبب ذلك أن الملك محمدا ابن السلطان محمود لما عاد من حصار ~~بغداد، كما ذكرناه، مرض وبقي مريضا بهمذان، ومضى أخوه ملكشاه إلى قم وقاشان ~~وما والاها، فنهبها جميعها، وصادر أهلها وجمع أموالا كثيرة ; فراسله أخوه ~~محمد شاه يأمره بالكف عن ذلك ليجعله ولي عهده في الملك، فلم يفعل، ومضى إلى ~~أصفهان، فلما قاربها أرسل رسولا إلى ابن الخجندي وأعيان البلد في تسليم ~~البلد إليه، فامتنعوا من ذلك، وقالوا: لأخيك في رقابنا يمين، ولا نغدر به، ~~فحينئذ شرع ملكشاه في الفساد والمصادرة لأهل القرى. # فلما سمع محمد شاه الخبر سار عن همذان، وعلى مقدمته كرد بازوه الخادم، ~~فتفرقت جموع ملكشاه فانهزم إلى بغداد، فلم يتبعه محمد شاه لمرضه، فنزل ~~ملكشاه عند قرمسين، فلحق به قويدان، وكان قد فارق المقتفي لأمر الله، واتفق ~~مع سنقر الهمذاني، فلحق كلاهما به، وحسنا له قصد بغداد، فسار عن بلد ~~خوزستان إلى واسط، ونزل بالجانب الشرقي، وهم على غاية الضر من الجوع ~~والبرد، فنهبوا القرى نهبا فاحشا، ففتح بثق بتلك الناحية فغرق منهم كثير، ~~ونجا ملكشاه ومن سلم معه، وساروا إلى خوزستان، فمنعه شملة من العبور، ~~فراسله ليمكنه من العبور إلى أخيه # PageV09P253 # الملك محمد شاه، فلم يجبه إلى ms4041 ذلك، وكاتب حينئذ الأكراد الكر الذين هناك، ~~واستدعاهم إليه، ففرحوا به، ونزل إليه من تلك الجبال خلق كثير، فأطاعوه، ~~فرحل ونزل على كرخايا، وطلب من شملة الحرب، فألان له شملة القول، وقال: أنا ~~أخطب لك وأكون معك، فلم يقبل منه، فاضطر شملة إلى الحرب، فجمع عسكره وقصده، ~~فلقيه ملكشاه ومعه سنقر الهمذاني وقويدان، وغيرهما من الأمراء، فاقتتلوا، ~~فانهزم شملة، وقتل كثير من أصحابه، وصعد إلى قلعته دندرزين وملك ملكشاه ~~البلاد، وجبى الأموال الكثيرة وأظهر العدل، وتوجه إلى أرض فارس. # ذكر الحرب بين التركمان والإسماعيلية بخراسان # كان بنواحي قهستان طائفة من التركمان، فنزل إليهم جمع من الإسماعيلية من ~~قلاعهم، وهم ألف وسبعمائة، فأوقعوا بالتركمان، فلم يجدوا الرجال، وكانوا قد ~~فارقوا بيوتهم، فنهبوا الأموال، وأخذوا النساء والأطفال، وأحرقوا ما لم ~~يقدروا على حمله. # وعاد التركمان فرأوا ما فعل بهم، فتبعوا أثر الإسماعيلية، فأدركوهم وهم ~~يقتسمون الغنيمة، فكبروا وحملوا عليهم، ووضعوا فيهم السيف، فقتلوهم كيف ~~شاءوا، فانهزم الإسماعيلية وتبعهم التركمان حتى أفنوهم قتلا وأسرا، ولم ينج ~~إلا تسعة رجال. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثر فساد التركمان أصحاب برجم الإيوائي بالجبل، فسير إليهم ~~من بغداد عسكر مقدمهم منكبرس المسترشدي، فلما قاربهم اجتمع التركمان، ~~فالتقوا واقتتلوا هم ومنكبرس، فانهزم التركمان أقبح هزيمة، وقتل بعضهم، ~~وأسر بعض، وحملت الرءوس والأسارى إلى بغداد. # PageV09P254 # وفيها حج الناس، فلما وصلوا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، أتاهم ~~الخبر أن العرب قد اجتمعت لتأخذهم، فتركوا الطريق وسلكوا طريق خيبر، فوجدوا ~~مشقة شديدة، ونجوا من العرب. # [الوفيات] # وفيها توفي الشيخ نصر بن منصور بن الحسين العطار أبو القاسم الحراني، ~~ومولده بحران سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأقام ببغداد وكثر ماله وصدقاته ~~أيضا، كان يقرأ القرآن ; وهو والد ظهير الدين الذي حكم في دولة المستضيء ~~بأمر الله على ما نذكره إن شاء الله. # وفيها توفي أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي ببغداد، وهو سجزي ~~الأصل، هروي المنشأ، وكان قدم إلى بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة يريد ~~الحج، ms4042 فسمع الناس بها عليه صحيح البخاري ; وكان عالي الإسناد، فتأخر لذلك ~~من الحج، فلما كان هذه السنة عزم على الحج فمات. # وفيها توفي يحيى بن سلامة بن الحسن بن محمد أبو الفضل الحصكفي الأديب ~~بميافارقين، وله شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة، وكان يتشيع ; ومولده بطنزة، ~~فمن شعره: # وخليع بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث # قلت إن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث # قلت فالأرفاث تتبعها ... قال طيب العيش في الرفث # PageV09P255 # قلت منها القيء قال أجل # شرفت عن مخرج الحدث ... وسأسلوها، فقلت متى؟ # قال: عند الكون في الجدث # PageV09P256 ### | [ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة] ### | 554 - # ثم دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة. # ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع إفريقية # قد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة المهدية من صاحبها ~~الحسن بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وذكرنا أيضا سنة إحدى وخمسين ما ~~فعله الفرنج بالمسلمين في زويلة المدينة المجاورة للمهدية من القتل والنهب، ~~فلما قتلهم الفرنج، ونهبوا أموالهم، هرب منهم جماعة وقصدوا عبد المؤمن صاحب ~~المغرب، وهو بمراكش، يستجيرونه، فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه أكرمهم، ~~وأخبروه بما جرى على المسلمين، وأنه ليس في ملوك الإسلام من يقصد سواه، ولا ~~يكشف هذا الكرب غيره، فدمعت عيناه، وأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: أبشروا، ~~لأنصرنكم ولو بعد حين. # وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار، ثم أمر بعمل الروايا والقرب والحياض ~~وما يحتاج إليه العساكر في السفر، وكتب إلى جميع نوابه في الغرب، وكان قد ~~ملك إلى قريب تونس، يأمرهم بحفظ جميع ما يتحصل من الغلات، وأن يترك في ~~سنبله، ويخزن في مواضعه، وأن يحفروا الآبار في الطرق، ففعلوا جميع ما أمرهم ~~به، وجمعوا الغلات ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل، وطينوا عليها، فصارت ~~كأنها تلال. # فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن مراكش، وكان أكثر أسفاره في صفر، ~~فسار يطلب إفريقية، واجتمع من العساكر مائة ألف مقاتل، ومن الأتباع والسوقة # PageV09P257 # أمثالهم، وبلغ من حفظه لعساكره أنهم كانوا ms4043 يمشون بين الزروع فلا تتأذى ~~بهم سنبلة، وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة، لا يتخلف ~~منهم أحد كائنا من كان. # وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، ~~الذي كان صاحب المهدية وإفريقية، وقد ذكرنا سبب مصيره عند عبد المؤمن، فلم ~~يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من ~~السنة، (وبها صاحبها أحمد بن خراسان) ، وأقبل أسطوله في البحر في سبعين ~~شينيا وطريدة وشلندى، فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، ~~فامتنعوا، فقاتلهم من الغد أشد قتال، فلم يبق إلا أخذها، ودخول الأسطول ~~إليها، فجاءت ريح عاصف، منعت الموحدين من دخول البلد، فرجعوا ليباكروا ~~القتال ويملكوه. # فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلا من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه ~~الأمان لأهل بلدهم، فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ~~لمبادرتهم إلى الطاعة، وأما ما عداهم من أهل البلد، فيؤمنهم في أنفسهم ~~وأهاليهم، ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو ~~وأهله، فاستقر ذلك، وتسلم البلد، وأرسل إليه من يمنع العسكر من الدخول، ~~وأرسل أمناءه ليقاسموا الناس على أموالهم، وأقام عليها ثلاثة أيام، وعرض ~~الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن امتنع قتل، ~~وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم. # PageV09P258 # وسار عبد المؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر، فوصل إليها ~~ثامن عشر رجب، وكان حينئذ بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد ~~أخلوا زويلة، وبينها وبين المهدية غلوة سهم، فدخل عبد المؤمن زويلة، ~~وامتلأت بالعساكر والسوقة، فصارت مدينة معمورة في ساعة، ومن لم يكن له موضع ~~من العسكر نزل بظاهرها، وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج ~~عن الإحصاء، وأقبلوا يقاتلون المهدية مع الأيام، فلا يؤثر فيها ; لحصانتها، ~~وقوة سورها، وضيق موضع القتال عليها، لأن البحر دائر بأكثرها، فكأنها كف في ~~البحر، وزندها متصل بالبر. # وكانت الفرنج تخرج شجعانهم ms4044 إلى أطراف العسكر، فتنال منه وتعود سريعا، ~~فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج، وأحاط ~~الأسطول بها في البحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن بن علي الذي ~~كان صاحبها، وطاف بها في البحر، فهاله ما رأى من حصانتها، وعلم أنها لا ~~تفتح برا ولا بحرا، وليس لها إلا المطاولة، وقال للحسن: كيف نزلت عن مثل ~~هذا الحصن؟ فقال: لقلة من يوثق به. وعدم القوت، وحكم القدر. فقال: صدقت! ~~وعاد من البحر، وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال، فلم يمض غير قليل ~~حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير، فكان من يصل إلى العسكر من ~~بعيد يقولون: متى حدثت هذه الجبال ها هنا؟ فيقال لهم: هي حنطة وشعير، ~~فيعجبون من ذلك. # وتمادى الحصار، وفي مدته أطاع سفاقس عبد المؤمن، وكذلك مدينة طرابلس، ~~وجبال نفوسة، وقصور إفريقية وما والاها، وفتح مدينة قابس بالسيف، وسير ابنه ~~أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلادا، ثم إن أهل مدينة قفصة لما رأوا # PageV09P259 # تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته، وتسليم المدينة إليه، ~~فتوجه صاحبها يحيى بن تميم بن المعز، ومعه جماعة من أعيانها، وقصدوا عبد ~~المؤمن، فلما أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن: قد اشتبه عليك، ليس هؤلاء ~~أهل قفصة، فقال له: لم يشتبه علي، قال له عبد المؤمن: كيف يكون ذلك والمهدي ~~يقول: إن أصحابنا يقطعون أشجارها، ويهدمون أسوارها، ومع هذا فنقبل منهم ~~ونكف عنهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فأرسل إليهم طائفة من أصحابه، ومدحه ~~شاعر منهم بقصيدة أولها: # ما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي # فوصله بألف دينار. # ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة جاء أسطول صاحب صقلية في ~~مائة وخمسين شينيا غير الطرائد، وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس ~~وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء ~~إلى المهدية، فقدموا في التاريخ، فلما قاربوا المهدية حطوا ms4045 شرعهم ليدخلوا ~~الميناء، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن، وركب العسكر جميعه، ووقفوا على جانب ~~البحر، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، وبقي ~~عبد المؤمن يمرغ وجهه على الأرض، ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر، واقتتلوا في ~~البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا ~~منهم سبع شوان، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها، وكان أمرا عجيبا، وفتحا ~~قريبا. # PageV09P260 # وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا، وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال، ويئس ~~أهل المهدية حينئذ من النجدة، وصبروا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي ~~الحجة من السنة، فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة، وسألوا ~~الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى ~~بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم ~~إليه، فلم يجيبوا، ولم يزالوا يترددون إليه أياما واستعطفوه بالكلام اللين، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفنا، فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان ~~شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير. # وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا ~~المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية، وأخذنا حرمهم وأموالهم، فأهلك الله الفرنج ~~غرقا، وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة. # ودخل عبد المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة، وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس، وأقام بالمهدية عشرين يوما، فرتب ~~أحوالها، وأصلح ما انثلم من سورها، ونقل إليها الذخائر من الأقوات والرجال ~~والعدد، واستعمل عليها بعض أصحابه، وجعل معه الحسن بن علي الذي كان صاحبها، ~~وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله، وأقطع الحسن بها أقطاعا، وأعطاه دورا ~~نفيسة يسكنها، وكذلك فعل بأولاده، ورحل من المهدية أول صفر من السنة إلى ~~بلاد الغرب. # PageV09P261 # ذكر إيقاع عبد المؤمن بالعرب # لما فرغ عبد المؤمن من أمر المهدية وأراد العود إلى الغرب جمع أمراء ~~العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقية، وقال لهم: قد وجبت علينا نصرة ~~الإسلام، فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس، واستولوا ms4046 على كثير من ~~البلاد التي كانت بأيدي المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم، فبكم فتحت البلاد ~~أول الإسلام، وبكم يدفع عنها العدو الآن، ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل ~~النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله، فأجابوا بالسمع والطاعة، فحلفهم على ~~ذلك بالله تعالى، وبالمصحف، فحلفوا، ومشوا معه إلى مضيق جبل زغوان. # وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك، وهو من أمرائهم ورءوس القبائل ~~فيها، فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا: إن العرب قد كرهت المسير ~~إلى الأندلس، وقالوا: ما غرضه إلا إخراجنا من بلادنا، وإنهم لا يفون بما ~~حلفوا عليه، فقال: يأخذ الله، عز وجل، الغادر. فلما كانت الليلة الثانية ~~هربوا إلى عشائرهم، ودخلوا البر، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك، فسماه عبد ~~المؤمن يوسف الصادق. # ولم يحدث عبد المؤمن في أمرهم شيئا، وسار مغربا يحث السير حتى قرب من ~~القسنطينة، فنزل في موضع مخصب يقال له: وادي النساء، والفصل ربيع، والكلأ ~~مستحسن، فأقام به، وضبط الطرق، فلا يسير من العسكر أحد ألبتة، ودام ذلك ~~عشرين يوما، فبقي الناس في جميع البلاد لا يعرفون لهذا العسكر خبرا مع ~~كثرته وعظمه، ويقولون: ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس، فحث لأجله السير، ~~فعادت العرب الذين جفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه، وسكنوا ~~البلاد التي ألفوها، واستقروا في البلاد. # PageV09P262 # فلما علم عبد المؤمن برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله في ~~ثلاثين ألف مقاتل من أعيان الموحدين وشجعانهم، فجدوا السير، وقطعوا ~~المفاوز، فما شعر العرب إلا والجيش قد أقبل بغتة من ورائهم، من جهة ~~الصحراء، ليمنعهم الدخول إن راموا ذلك. # وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل يقال له جبل القرن، وهم زهاء ~~ثمانين ألف بيت، والمشاهير من مقدميهم: أبو محفوظ محرز بن زياد، ومسعود بن ~~زمام، وجبارة بن كامل وغيرهم، فلما أطلت عساكر عبد المؤمن عليهم اضطربوا، ~~واختلفت كلمتهم، ففر مسعود وجبارة بن كامل ومن معهما من عشائرهما، وثبت ~~محرز بن ms4047 زياد، وأمرهم بالثبات والقتال، فلم يلتفتوا إليه، فثبت هو ومن معه ~~من جمهور العرب، فناجزهم الموحدون القتال في العشر الأوسط من ربيع الآخر من ~~السنة، وثبت الجمعان، واشتد العراك بينهم وكثر القتل، فاتفق أن محرز بن ~~زياد قتل، ورفع رأسه على رمح، فانهزمت جموع العرب عند ذلك، وأسلموا البيوت ~~والحريم والأولاد والأموال، وحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بذلك المنزل، ~~فأمر بحفظ النساء العربيات الصرائح، وحملهن معه تحت الحفظ والبر والصيانة ~~إلى بلاد الغرب، وفعل معهن مثل ما فعل في حريم الأبثج. # ثم أقبلت إليه وفود رياح مهاجرين في طلب حريمهم كما فعل الأبثج، فأجمل ~~الصنيع لهم، ورد الحريم إليهم، فلم يبق منهم أحد إلا صار عنده، وتحت حكمه، ~~وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان، ثم إنه جهزهم إلى ثغور الأندلس ~~على الشرط الأول، وجمعت عظام العرب المقتولين في هذه المعركة عند جبل ~~القرن، فبقيت دهرا طويلا كالتل العظيم يلوح للناظرين من مكان بعيد، وبقيت ~~إفريقية مع نواب عبد المؤمن آمنة ساكنة لم يبق فيها من أمراء العرب خارجا ~~عن طاعته إلا مسعود بن زمام، وطائفته في أطراف البلاد. # ذكر غرق بغداد # في هذه السنة، ثامن ربيع الآخر، كثرت الزيادة في دجلة، وخرق القورج فوق # PageV09P263 # بغداد، وأقبل المد إلى البلد، فامتلأت الصحاري وخندق البلد، وأفسد الماء ~~السور، ففتح فيه فتحة يوم السبت تاسع عشر الشهر، فوقع بعض السور عليها، ~~فسدها، ثم فتح الماء فتحة أخرى، وأهملوها ظنا أنها تنفس عن السور لئلا يقع، ~~فغلب الماء، وتعذر سده، فغرق قراح ظفر، والأجمة، والمختارة، والمقتدية، ~~ودرب القبار، وخرابة ابن جردة، والريان، وقراح القاضي، وبعض القطيعة، وبعض ~~باب الأزج، وبعض المأمونية، وقراح أبي الشحم، وبعض قراح ابن رزين، وبعض ~~الظفرية. # ودب الماء تحت الأرض إلى أماكن، فوقعت، وأخذ الناس يعبرون إلى الجانب ~~الغربي، فبلغت المعبرة عدة دنانير، ولم يكن يقدر عليها، ثم نقص الماء وتهدم ~~السور، وبقي الماء الذي داخل السور يدب في المحال التي لم يركبها الماء، ~~فكثر الخراب، وبقيت ms4048 المحال لا تعرف إنما هي تلول، فأخذ الناس حدود دورهم ~~بالتخمين. # وأما الجانب الغربي فغرقت فيه مقبرة أحمد بن حنبل وغيرها من المقابر، ~~وانخسفت القبور، وخرج الموتى على رأس الماء، وكذلك المشهد والحربية، وكان ~~أمرا عظيما. # ذكر عود سنقر الهمذاني إلى اللحف وانهزامه # في هذه السنة عاد سنقر الهمذاني إلى إقطاعه، وهو قلعة الماهكي وبلد ~~اللحف، وكان الخليفة قد أقطعه للأمير قايماز العميدي، ومعه أربعمائة فارس، ~~فأرسل إليه سنقر يقول له: ارحل عن بلدي، فامتنع، فسار إليه، وجرى بينهما ~~قتال شديد انهزم فيه العميدي، ورجع إلى بغداد بأسوأ حال. # فبرز الخليفة، وسار في عساكره إلى سنقر، فوصل إلى النعمانية وسير العساكر ~~مع ترشك ورجع إلى بغداد، ومضى ترشك نحو سنقر الهمذاني، فتوغل سنقر في ~~الجبال هاربا، ونهب ترشك ما وجد له ولعسكره من مال وسلاح وغير ذلك، وأسر # PageV09P264 # وزيره، وقتل من رأى من أصحابه، ونزل على الماهكي وحصرها أياما، ثم عاد ~~إلى البندنيجين، وأرسل إلى بغداد بالبشارة. # وأما سنقر فإنه لحق بملكشاه فاستنجده، فسير معه خمس مائة فارس، فعاد، ~~ونزل على قلعة هناك، وأفسد أصحابه في البلاد، وأرسل ترشك [إلى] بغداد يطلب ~~نجدة، فجاءته، فأراد سنقر أن يكبس ترشك، فعرف ذلك، فاحترز، فعدل سنقر إلى ~~المخادعة، فأرسل رسولا إلى ترشك يطلب منه أن يصلح حاله مع الخليفة، فاحتبس ~~ترشك الرسول عنده وركب فيمن خف من أصحابه، فكبس سنقر ليلا، فانهزم هو ~~وأصحابه، وكثر القتل فيهم، وغنم ترشك أموالهم ودوابهم وكل ما لهم ونجا سنقر ~~جريحا. # ذكر الفتنة بين عامة إستراباذ # في هذه السنة وقع في إستراباذ فتنة عظيمة بين العلويين ومن يتبعهم من ~~الشيعة وبين الشافعية ومن معهم، وكان سببها أن الإمام محمدا الهروي وصل إلى ~~إستراباذ، فعقد مجلس الوعظ، وكان قاضيها أبو نصر سعد بن محمد بن إسماعيل ~~النعيمي شافعي المذهب أيضا، فثار العلويون ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ~~ومن يتبعهم بإستراباذ، ووقعت بين الطائفتين فتنة عظيمة انتصر فيها ~~العلويون، فقتل من الشافعية جماعة، وضرب القاضي، ونهبت داره ودور ms4049 من معه، ~~وجرى عليهم من الأمور الشنيعة ما لا حد عليه. # فسمع شاه مازندران الخبر فاستعظمه، وأنكر على العلويين فعلهم، وبالغ في ~~الإنكار مع أنه شديد التشيع، وقطع عنهم جرايات كانت لهم، ووضع الجبايات ~~والمصادرات على العامة، فتفرق كثير منهم وعاد القاضي إلى منصبه وسكنت ~~الفتنة. # ذكر وفاة الملك محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه # في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد، # PageV09P265 # وهو الذي حاصر بغداد طالبا السلطنة وعاد عنها، فأصابه سل، وطال به، فمات ~~بباب همذان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. # فلما حضره الموت أمر العساكر فركبت، وأحضر أمواله وجواهره وحظاياه ~~ومماليكه، فنظر إلى الجميع من طيارة تشرف على ما تحتها، فلما رآه بكى وقال: ~~هذه العساكر والأموال والمماليك والسراري ما أرى يدفعون عني مقدار ذرة، ولا ~~يزيدون في أجلي لحظة، وأمر بالجميع فرفع بعد أن فرق منه شيئا كثيرا. # وكان حليما كريما عاقلا كثير التأني في أموره، وكان له ولد صغير، فسلمه ~~إلى آقنسقر الأحمديلي، وقال له: أنا أعلم أن العساكر لا تطيع مثل هذا ~~الطفل، وهو وديعة عندك، فارحل به إلى بلادك. فرحل إلى مراغة، فلما مات ~~اختلفت الأمراء، فطائفة طلبوا ملكشاه أخاه، وطائفة طلبوا سليمان شاه، وهم ~~الأكثر، وطائفة طلبوا أرسلان الذي مع إيلدكز، فأما ملكشاه فإنه سار من ~~خوزستان، ومعه دكلا صاحب فارس، وشملة التركماني وغيرهما، فوصل إلى أصفهان، ~~فسلمها إليه ابن الخجندي، وجمع له مالا أنفقه عليه، وأرسل إلى العساكر ~~بهمذان يدعوهم إلى طاعته، فلم يجيبوه لعدم الاتفاق بينهم، ولأن أكثرهم كان ~~يريد سليمان شاه. # ذكر أخذ حران من نور الدين وعودها إليه # في هذه السنة مرض نور الدين محمود بن زنكي، صاحب حلب، مرضا شديدا وأرجف ~~بموته، وكان بقلعة حلب، ومعه أخوه الأصغر أمير أميران، فجمع الناس، وحصر ~~القلعة. وكان شيركوه، وهو أكبر أمرائه، بحمص، فبلغه خبر موته، فسار إلى ~~دمشق ليتغلب عليها وبها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر عليه أيوب ذلك، ms4050 وقال: ~~أهلكتنا! والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حيا خدمته في (هذا) ~~الوقت، وإن كان قد مات، فإنا في دمشق نفعل ما نريد من ملكها، فعاد إلى حلب # PageV09P266 # مجدا، وصعد القلعة، وأجلس نور الدين في شباك يراه الناس، وكلمهم، فلما ~~رأوه حيا تفرقوا عن أخيه أمير أميران، فسار إلى حران فملكها. # فلما عوفي نور الدين قصد حران ليخلصها، فهرب أخوه منه، وترك أولاده بحران ~~في القلعة، فملكها نور الدين، وسلمها إلى زين الدين علي نائب أخيه قطب ~~[الدين] ، صاحب الموصل، ثم سار نور الدين بعد أخذ حران إلى الرقة، وبها ~~أولاد أميرك الجاندار، وهو من أعيان الأمراء، وقد توفي وبقي أولاده، ~~فنازلها، فشفع جماعة من الأمراء فيهم، فغضب من ذلك، وقال: هلا شفعتم في ~~أولاد أخي لما أخذت منهم حران، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلي! فلم ~~يشفعهم وأخذها منهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مرض الخليفة المقتفي لأمر الله، واشتد مرضه، وعوفي، فضربت ~~البشائر ببغداد، وفرقت الصدقات من الخليفة ومن أرباب الدولة، وغلق البلد ~~أسبوعا. # وفيها عاد ترشك إلى بغداد، ولم يشعر به أحد إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ~~ومعه سيف وكفن، وكان قد عصى على الخليفة والتحق بالعجم، فعاد الآن فرضي ~~عنه، وأذن له في دخول دار الخلافة وأعطي مالا. # وفيها، في جمادى الأولى، أرسل محمد (بن أنز) صاحب قهستان عسكرا إلى بلد ~~الإسماعيلية ليأخذ منهم الخراج الذي عليهم، فنزل عليهم الإسماعيلية من ~~الجبال، فقتلوا كثيرا من العسكر، وأسروا الأمير الذي كان مقدما عليهم اسمه ~~قيبة، وهو صهر # PageV09P267 # ابن أنز، فبقي عندهم أسيرا عدة شهور، حتى زوج ابنته من رئيس الإسماعيلية ~~علي بن الحسن، وخلص من الأسر. # [الوفيات] # وفيها توفي شرف الدين علي بن أبي القاسم منصور بن أبي سعد الصاعدي قاضي ~~نيسابور في شهر رمضان، وكان موته بالري، ودفن في مقبرة محمد بن الحسن ~~الشيباني، صاحب أبي حنيفة، رضي الله عنهما، وكان القاضي حنفيا أيضا. # PageV09P268 ### | [ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة] ms4051 ### | 555 - # ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة # ذكر مسير سليمان شاه إلى همذان # في أوائل هذه السنة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان ليتولى السلطنة، ~~وقد تقدم سبب قبضه وأخذه إلى الموصل. # وسبب مسيره إليها أن الملك محمد بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه لما ~~مات أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب ~~الموصل، يطلبون منه إرسال الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه ~~إليهم ; ليولوه السلطنة، فاستقرت القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه سلطانا ~~وقطب الدين أتابكه، وجمال الدين وزير قطب الدين وزيرا للملك سليمان شاه، ~~وزين الدين علي أمير العساكر الموصلية مقدم جيش سليمان شاه، وتحالفوا على ~~هذا، وجهز سليمان شاه بالأموال الكثيرة والبرك والدواب والآلات وغير ذلك ~~مما يصلح للسلاطين، وسار ومعه زين الدين علي في عسكر الموصل إلى همذان. # فلما قاربوا بلاد الجبل أقبلت العساكر إليهم أرسالا، كل يوم يلقاه طائفة ~~وأمير، فاجتمع مع سليمان شاه عسكر عظيم، فخافهم زين الدين على نفسه ; لأنه ~~رأى من تسلطهم على السلطان واطراحهم للأدب معه ما أوجب الخوف منه، فعاد إلى ~~الموصل، فحين عاد عنه لم ينتظم أمره، ولم يتم له ما أراده، وقبض العسكر ~~عليه بباب همذان في شوال سنة ست وخمسين [وخمسمائة] ، وخطبوا لأرسلان شاه ~~ابن الملك طغرل، وهو الذي تزوج إيلدكز بأمه، وسيذكر مشروحا إن شاء الله ~~تعالى. # PageV09P269 # ذكر وفاة الفائز وولاية العاضد العلويين # في هذه السنة، في صفر، توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن إسماعيل ~~الظافر، صاحب مصر، وكانت خلافته ست سنين ونحو شهرين، وكان له لما ولي خمس ~~سنين، كما ذكرناه. ولما مات دخل الصالح بن رزيك القصر، واستدعى خادما ~~كبيرا، وقال له: من ها هنا يصلح للخلافة؟ فقال: ها هنا جماعة، وذكر ~~أسماءهم، وذكر له منهم إنسانا كبير السن، فأمر بإحضاره، فقال له بعض أصحابه ~~سرا: لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير وترك الكبار واستبد بالأمر، ~~فأعاد الصالح الرجل إلى ms4052 موضعه، وأمر حينئذ بإحضار العاضد لدين الله أبي ~~محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان العاضد ذلك ~~الوقت مراهقا قارب البلوغ، فبايع له بالخلافة، وزوجه الصالح ابنته، ونقل ~~معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله، وعاشت بعد موت العاضد وخروج الأمر من ~~العلويين إلى الأتراك وتزوجت. # ذكر وفاة الخليفة المقتفي لأمر الله وشيء من سيرته # في هذه السنة، ثاني ربيع الأول، توفي أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله ~~أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر ~~الله، رضي الله عنه، بعلة التراقي، وكان مولده ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع ~~وثمانين وأربعمائة، وأمه أم ولد تدعى ياعي، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة ~~وثلاثة أشهر وستة عشر يوما، ووافق أباه المستظهر بالله في علة التراقي ~~وماتا جميعا في ربيع الأول. # وكان حليما كريما عادلا حسن السيرة من الرجال ذوي الرأي والعقل الكثير، ~~وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم إلى ~~الآن، # PageV09P270 # وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك ~~على الخلفاء من عهد المستنصر إلى الآن، إلا أن يكون المعتضد، وكان شجاعا ~~مقداما مباشرا للحروب بنفسه، وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في ~~جميع البلاد حتى كان لا يفوته منها شيء. # ذكر خلافة المستنجد بالله # وفي هذه السنة بويع المستنجد بالله أمير المؤمنين، واسمه يوسف، وأمه أم ~~ولد تدعى طاوس، بعد موت والده، وكان للمقتفي حظية، وهي أم ولده أبي علي، ~~فلما اشتد مرض المقتفي وأيست منه أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم ~~الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير ~~أبو علي خليفة، قالوا: كيف الحيلة مع ولي العهد؟ فقالت: إذا دخل على والده ~~قبضت عليه، وكان يدخل على أبيه كل يوم، فقالوا: لا بد لنا من أحد من أرباب ~~الدولة، فوقع اختيارهم على أبي المعالي ابن إلكيا الهراسي، فدعوه إلى ذلك، ~~فأجابهم على أن يكون ms4053 وزيرا، فبذلوا له ما طلب. # فلما استقرت القاعدة بينهم وعلمت أم أبي علي أحضرت عدة من الجواري ~~وأعطتهن السكاكين، وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله. وكان له خصي ~~صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده، فرأى الجواري بأيديهن السكاكين، ورأى ~~بيد أبي علي وأمه سيفين، فعاد إلى المستنجد فأخبره، وأرسلت هي إلى المستنجد ~~تقول له إن والده قد حضره الموت ليحضر ويشاهده، فاستدعى أستاذ الدار عضد ~~الدين وأخذه معه وجماعة من الفراشين، ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده ~~السيف، فلما دخل ثار به الجواري، فضرب واحدة منهن فجرحها، وكذلك أخرى، ~~فصاح، ودخل أستاذ الدار ومعه الفراشون، فهرب الجواري، وأخذ أخاه أبا علي ~~وأمه فسجنهما، وأخذ الجواري فقتل منهن، وغرق منهن، ودفع الله عنه. # فلما توفي المقتفي لأمر الله جلس للبيعة، فبايعه أهله وأقاربه، وأولهم ~~عمه أبو # PageV09P271 # طالب، ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي، وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه ~~الوزير ابن هبيرة، وقاضي القضاة، وأرباب الدولة والعلماء، وخطب له يوم ~~الجمعة، ونثرت الدنانير والدراهم. # حكى عنه الوزير عون الدين بن هبيرة أنه قال: رأيت رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، في المنام منذ خمس عشرة سنة، وقال لي: يبقى أبوك في الخلافة خمس ~~عشرة سنة، فكان كما قال، صلى الله عليه وسلم. قال: ثم رأيته قبل موت أبي ~~المقتفي بأربعة أشهر، فدخل بي في باب كبير، ثم ارتقى إلى رأس جبل، وصلى بي ~~ركعتين، ثم ألبسني قميصا، ثم قال لي: قل " «اللهم اهدني فيمن هديت» "، وذكر ~~دعاء القنوت. # ولما ولي الخلافة أقر ابن هبيرة على وزراته وأصحاب الولايات على ~~ولاياتهم، وأزال المكوس والضرائب، وقبض على القاضي ابن المرخم وقال: وكان ~~بئس الحاكم، وأخذ منه مالا كثيرا، وأخذت كتبه فأحرق منها في الرحبة ما كان ~~من علوم الفلاسفة، فكان منها: كتاب " الشفاء " لابن سينا، وكتاب " إخوان ~~الصفا "، وما شاكلهما، وقدم عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان أستاذ الدار ~~يمكنه، وتقدم إلى الوزير أن يقوم له، وعزل قاضي القضاة أبا الحسن ms4054 علي بن ~~أحمد الدامغاني، ورتب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي، وخلع عليه. # ذكر الحرب بين عسكر خوارزم والأتراك البرزية # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار طائفة من عسكر خوارزم إلى أجحه، وهجموا ~~على يغمرخان بن أودك ومن معه من الأتراك البرزية، فأوقعوا بهم، وأكثروا ~~القتل، فانهزم يغمرخان، وقصد السلطان محمود بن محمد الخان [والأتراك الغزية ~~الذين معه وتوسل إليهم بالقرابة، وظن يغمرخان] أن اختيار الدين إيثاق هو ~~الذي هيج الخوارزمية عليه، فطلب من الغز إنجاده. # PageV09P272 # ذكر أحوال المؤيد بخراسان هذه السنة # قد ذكرنا ثلاث وخمسين [وخمسمائة] عود المؤيد " أي أبه " إلى نيسابور، ~~وتمكنه منها، وأن ذلك كان سنة أربع وخمسين، فلما دخلت سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة، ورأى المؤيد تحكمه في نيسابور وتمكنه في دولته، وكثرة جنده ~~وعسكره، أحسن السيرة في الرعية، لا سيما أهل نيسابور، فإنه جبرهم وبالغ في ~~الإحسان إليهم، وشرع في إصلاح أعمالها وولاياتها، فسير طائفة من عسكره إلى ~~ناحية أسقيل، وكان بها جمع قد تمردوا وأكثروا العيث والفساد في البلاد، ~~وطال تماديهم في طغيانهم، فأرسل إليهم المؤيد يدعوهم إلى ترك الشر والفساد ~~ومعاودة الطاعة والصلاح، فلم يقبلوا، ولم يرجعوا عما هم عليه، فسير إليهم ~~سرية كثيرة، فقاتلوهم، وأذاقوهم عاقبة ما صنعوا، فأكثروا القتل فيهم، ~~وخربوا حصنهم. # وسار المؤيد من نيسابور إلى بيهق، فوصلها رابع عشر ربيع الآخر من السنة، ~~وقصد منها حصن خسروجرد، وهو حصن منيع بناه كيخسرو الملك قبل فراغه من قتل ~~أفراسياب، وفيه رجال شجعان، فامتنعوا على المؤيد، فحصرهم ونصب عليهم ~~المجانيق، وجد في القتال، فصبر أهل الحصن حتى نفذ صبرهم، ثم ملك المؤيد ~~القلعة وأخرج كل من فيها [ورتب فيها] من يحفظها، وعاد منها إلى نيسابور في ~~الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة. # ثم سار إلى هراة، فلم يبلغ منها غرضا، فعاد إلى نيسابور، وقصد مدينة ~~كندر، وهي من أعمال طريثيث، وقد تغلب عليها رجل اسمه أحمد كان خربندة، ~~واجتمع معه جماعة من الرنود وقطاع الطريق والمفسدين، فخربوا كثيرا من ~~البلاد، ms4055 وقتلوا كثيرا من الخلق، وغنموا من الأموال ما لا يحصى. # وعظمت المصيبة بهم على خراسان، وزاد البلاء، فقصدهم المؤيد، فتحصنوا ~~بالحصن الذي لهم، فقوتلوا أشد قتال، ونصب عليهم العرادات والمنجنيقات، ~~فأذعن هذا الخربندة أحمد إلى طاعة المؤيد والانخراط في سلك أصحابه وأشياعه، ~~فقبله أحسن قبول، وأحسن إليه وأنعم عليه. # PageV09P273 # ثم إنه عصى على المؤيد، وتحصن بحصنه، فأخذه المؤيد منه قهرا وعنوة، ~~وقيده، واحتاط عليه، ثم قتله وأراح المسلمين منه ومن شره وفساده. # وقصد المؤيد في شهر رمضان ناحية بيهق عازما على قتالهم لخروجهم عن طاعته، ~~فلما قاربها أتاه زاهد من أهلها ودعاه إلى العفو عنهم، والحلم عن ذنوبهم، ~~ووعظه وذكره، فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم، فأرسل السلطان ركن الدين محمود بن ~~محمد الخان إلى المؤيد بتقرير نيسابور وطوس وأعمالها عليه، ورد الحكم فيها ~~إليه، فعاد إلى نيسابور رابع ذي القعدة من السنة، ففرح الناس بما تقرر بينه ~~وبين الملك محمود وبين الغز من إبقاء نيسابور عليه ليزول الخلف والفتن عن ~~الناس. # ذكر الحرب بين شاه مازندران ويغمرخان # لما قصد يغمرخان الغز وتوسل إليهم لينصروه على إيثاق لظنه أنه هو الذي ~~حسن للخوارزمية قصده، أجابوه إلى ذلك، وساروا معه على طريق نسا وأبيورد، ~~ووصلوا إلى الأمير إيثاق فلم يجد لنفسه بهم قوة، فاستنجد شاه مازندران، ~~فجاءه ومعه من الأكراد والديلم والأتراك والتركمان الذين يسكنون نواحي ~~أبسكون جمع كثير، فاقتتلوا ودامت الحرب بينهم، وانهزم الأتراك الغزية ~~والبرزية من شاه مازندران خمس مرات ويعودون. # وكان على ميمنة شاه مازندران الأمير إيثاق، فحملت الأتراك الغزية عليه ~~لما أيسوا من الظفر بقلب شاه مازندران، فانهزم إيثاق وتبعه باقي العسكر، ~~ووصل شاه مازندران إلى سارية، وقتل من عسكره أكثرهم. # وحكي أن بعض التجار كفن ودفن من هؤلاء القتلى سبعة آلاف رجل. # وأما إيثاق فإنه قصد في هربه خوارزم وأقام بها، وسار الغز من المعركة إلى ~~دهستان، وكان الحرب قريبا منها، فنقبوا سورها، وأوقعوا بأهلها ونهبوهم ~~أوائل سنة ست وخمسين وخمسمائة، وبعد أن خربوا جرجان وفرقوا أهلها ms4056 في البلاد ~~وعادوا إلى خراسان. # PageV09P274 # ذكر وفاة خسروشاه صاحب غزنة وملك ابنه بعده # في هذه السنة، في رجب، توفي السلطان خسروشاه بن بهرام شاه بن مسعود بن ~~إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة، وكان عادلا، حسن السيرة ~~في رعيته، محبا للخير وأهله، مقربا للعلماء محسنا إليهم راجعا إلى قولهم، ~~وكان ملكه تسع سنين. # [وملك بعده ابنه ملكشاه] فلما ملك نزل علاء الدين الحسين، ملك الغور، إلى ~~غزنة فحصرها، وكان الشتاء شديدا والثلج كثيرا، فلم يمكنه المقام عليها، ~~فعاد إلى بلاده في صفر سنة ست وخمسين [وخمسمائة] . # ذكر الحرب بين إيثاق وبغراتكين # في هذه السنة، منتصف شعبان، كان بين الأمير إيثاق والأمير بغراتكين برغش ~~الجركاني حرب، وكان إيثاق قد سار بغراتكين في آخر أعمال جوين، فنهبه، وأخذ ~~أمواله وكل ما له، وكان ذا نعمة عظيمة وأموال جسيمة، فانهزم بغراتكين عنها ~~وخلاها، فافتتحها إيثاق واستغنى بها، وقويت نفسه بسببها، وكثرت جموعه، ~~وقصده الناس، وأما بغراتكين فإنه راسل المؤيد صاحب نيسابور، وصار في جملته ~~ومعدودا من أصحابه، فتلقاه المؤيد بالقبول. # ذكر وفاة ملكشاه بن محمود # في هذه السنة توفي ملكشاه ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب # PageV09P275 # أرسلان بأصفهان مسموما، وكان سبب ذلك أنه لما كثر جمعه بأصفهان أرسل إلى ~~بغداد، وطلب أن يقطعوا خطبة عمه سليمان شاه، ويخطبوا له، ويعيدوا القواعد ~~بالعراق إلى ما كانت أولا، وإلا قصدهم، فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة ~~خصيا كان خصيصا به، يقال له: أغلبك الكوهراييني. # فمضى إلى بلاد العجم، واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار، وباعها من ~~ملكشاه، وكان قد وضعها على سمه ووعدها أمورا عظيمة، ففعلت ذلك، وسمته في ~~لحم مشوي، فأصبح ميتا، وجاء الطبيب إلى دكلا وشملة، فعرفهما أنه مسموم، ~~فعرفوا أن ذلك من فعل الجارية، فأخذت، وضربت، وأقرت. وهرب أغلبك، ووصل إلى ~~بغداد، ووفى له الوزير بجميع ما استقر الحال عليه. # ولما مات أخرج أهل أصفهان أصحابه من عندهم، وخطبوا لسليمان شاه واستقر ~~ملكه بتلك البلاد، ms4057 وعاد شملة إلى خوزستان، فأخذ ما كان ملكشاه تغلب عليه ~~منها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة حج أسد الدين شيركوه بن شاذي مقدم جيوش نور الدين محمود بن ~~زنكي صاحب الشام، وشيركوه هذا هو الذي ملك الديار المصرية. وسيرد ذكره إن ~~شاء الله تعالى. # وفيها أرسل زين الدين علي نائب قطب الدين، صاحب الموصل، رسولا إلى ~~المستنجد يعتذر مما جناه من مساعدة محمد شاه في حصار بغداد، ويطلب أن يؤذن ~~له في الحج، فأرسل إليه يوسف الدمشقي، مدرس النظامية، وسليمان بن قتلمش ~~يطيبان قلبه عن الخليفة ويعرفانه الإذن في الحج، فحج ودخل إلى الخليفة، ~~فأكرمه وخلع عليه. # [الوفيات] # وفيها توفي قايماز الأرجواني أمير الحاج، سقط عن الفرس وهو يلعب بالأكرة، # PageV09P276 # فسال مخه من منخريه وأذنيه فمات. # وفيها، في ربيع الأول، توفي محمد بن يحيى بن علي بن مسلم أبو عبد الله ~~الزبيدي، من أهل زبيد مدينة باليمن مشهورة، وقدم بغداد سنة تسع وخمسمائة، ~~وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان نحويا واعظا، وصحبه الوزير ابن ~~هبيرة مدة، وكان موته ببغداد. # PageV09P277 ### | [ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة] ### | 556 - # ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة # ذكر الفتنة ببغداد # في هذه السنة، في ربيع الأول، خرج الوزير ابن هبيرة من داره إلى الديوان، ~~والغلمان يطرقون له، وأرادوا أن يردوا باب المدرسة الكمالية بدار الخليفة، ~~فمنعهم الفقهاء وضربوهم بالآجر، فشهر أصحاب الوزير السيوف وأرادوا ضربهم، ~~فمنعهم الوزير، ومضى إلى الديوان، فكتب الفقهاء مطالعة يشكون أصحاب الوزير، ~~فأمر الخليفة بضرب الفقهاء وتأديبهم ونفيهم من الدار، فمضى أستاذ الدار ~~وعاقبهم هناك، واختفى مدرسهم الشيخ أبو طالب، ثم إن الوزير أعطى كل فقير ~~دينارا، واستحل منهم، وأعادهم إلى المدرسة وظهر مدرسهم. # ذكر قتل ترشك # في هذه الأيام قصد جمع من التركمان إلى البندنيجين، فأمر الخليفة بتجهيز ~~عسكر إليهم، وأن يكون مقدمهم الأمير ترشك، وكان في أقطاعه بلد اللحف، فأرسل ~~إليه الخليفة يستدعيه، فامتنع من المجيء إلى بغداد، وقال: يحضر العسكر، ~~فأنا أقاتل بهم، وكان عازما على ms4058 الغدر، فجهز العسكر وساروا إليه، وفيهم ~~جماعة من الأمراء، فلما اجتمعوا بترشك قتلوه، وأرسلوا رأسه إلى بغداد، وكان ~~قتل مملوكا للخليفة، فدعا أولياء المقتول، وقيل لهم إن أمير المؤمنين قد ~~اقتص لأبيكم ممن قتله. # ذكر قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان # في هذه السنة، في ربيع الآخر، قتل السلطان سليمان شاه ابن السلطان محمد ~~بن # PageV09P278 # ملكشاه، وسبب ذلك أنه كان فيه تهور وخرق، وبلغ به شرب الخمر حتى إنه ~~شربها في رمضان نهارا، وكان يجمع المساخر ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل ~~العسكر أمره، وصاروا لا يحضرون بابه، وكان قد رد جميع الأمور إلى شرف الدين ~~كردبازو الخادم، وهو من مشايخ الخدم السلجوقية يرجع إلى دين وعقل وحسن ~~تدبير، فكان الأمراء يشكون إليه وهو يسكنهم. # فاتفق أنه شرب يوما بظاهر همذان في الكشك فحضر عنده كردبازو، فلامه على ~~فعله، فأمر سليمان شاه من عنده من المساخرة فعبثوا بكردبازو، حتى إن بعضهم ~~كشف له سوءته، فخرج مغضبا، فلما صحا سليمان أرسل إليه يعتذر، فقبل عذره، ~~إلا أنه تجنب الحضور عنده، فكتب سليمان إلى إينانج صاحب الري يطلب منه أن ~~ينجده على كردبازو، فوصل الرسول وإينانج مريض، فأعاد الجواب يقول: إذا أفقت ~~من مرضي حضرت عندك بعسكري، فبلغ كردبازو، فازداد استيحاشا، فأرسل إليه ~~سليمان يوما يطلبه، فقال: إذا جاء إينانج حضرت، وأحضر الأمراء واستحلفهم ~~على طاعته، وكانوا كارهين لسليمان، فحلفوا له، فأول ما عمل أن قتل المساخرة ~~الذين لسليمان، وقال: إنما أفعل ذلك صيانة لملكك، ثم اصطلحا، وعمل كردبازو ~~دعوة عظيمة حضرها السلطان والأمراء، فلما صار السلطان سليمان شاه في داره ~~قبض عليه كردبازو وعلى وزيره ابن القاسم محمود بن عبد العزيز الحامدي، وعلى ~~أصحابه، في شوال سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فقتل وزيره وخواصه، وحبس سليمان ~~شاه في قلعة، ثم أرسل إليه من خنقه، وقيل بل حبسه في دار مجد الدين العلوي ~~رئيس همذان، وفيها قتل، وقيل بل سقي سما فمات، والله أعلم. # وأرسل إلى إيلدكز، صاحب أران وأكثر بلاد أذربيجان، يستدعيه إليه ليخطب ms4059 ~~للملك أرسلان شاه الذي معه، وبلغ الخبر إلى إينانج صاحب الري، فسار ينهب ~~البلاد إلى أن وصل إلى همذان، فتحصن كردبازو، فطلب منه إينانج أن يعطيه ~~مصافا، فقال: # PageV09P279 # أنا لا أحاربك حتى يصل الأتابك الأعظم إيلدكز. # [وسار إيلدكز] في عساكره جميعها يزيد على عشرين ألف فارس، ومعه أرسلان ~~شاه بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، فوصل إلى همذان، فلقيهم كردبازو، وأنزله ~~دار المملكة، وخطب لأرسلان شاه بالسلطنة بتلك البلاد، وكان إيلدكز قد تزوج ~~بأم أرسلان شاه، وهي أم البهلوان بن إيلدكز، وكان إيلدكز أتابكه، والبهلوان ~~حاجبه، وهو أخوه لأمه، وكان إيلدكز هذا أحد مماليك السلطان مسعود واشتراه ~~في أول أمره، فلما ملك أقطعه أران وبعض أذربيجان، واتفق الحروب والاختلاف، ~~فلم يحضر عنده أحد من السلاطين السلجوقية، وعظم شأنه وقوي أمره، وتزوج بأم ~~الملك أرسلان شاه، فولدت له أولادا منهم البهلوان محمد، وقزل أرسلان عثمان. # وقد ذكرنا سبب انتقال أرسلان شاه إليه، وبقي عنده إلى الآن، فلما خطب له ~~بهمذان أرسل إيلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه أيضا، وأن تعاد ~~القواعد إلى ما كانت عليه أيام السلطان مسعود، فأهين رسوله وأعيد إليه على ~~أقبح حالة، وأما إينانج صاحب الري فإن إيلدكز راسله ولاطفه فاصطلحا وتحالفا ~~على الاتفاق، وتزوج البهلوان بن إيلدكز بابنة إينانج ونقلت إليه بهمذان. # ذكر الحرب بين ابن آقنسقر وعسكر إيلدكز # لما استقر الصلح بين إيلدكز وإينانج أرسل إلى ابن آقنسقر الأحمديلي، صاحب ~~مراغة، يدعوه إلى الحضور في خدمة السلطان أرسلان شاه، فامتنع من ذلك وقال: ~~إن كففتم عني، وإلا فعندي سلطان، وكان عنده ولد محمد شاه بن محمود، كما ~~ذكرناه، وكان الوزير ابن هبيرة قد كاتبه يطمعه في الخطبة لولد محمود شاه، ~~فجهز إيلدكز عسكرا مع ولده البهلول، فبلغ الخبر (إلى ابن) آقنسقر، فأرسل ~~إلى شاه أرمن، صاحب خلاط، وحالفه، وصارا يدا واحدة، فسير إليه شاه أرمن ~~عسكرا كثيرا، واعتذر عن تأخره بنفسه ; لأنه في ثغر لا يمكنه مفارقته، فقوي ~~بهم ابن آقنسقر، وكثر # PageV09P280 # جمعه، وسار نحو ms4060 البهلوان، فالتقيا على نهر أسبيرود، فاشتد القتال بينهم، ~~فانهزم البهلوان أقبح هزيمة، ووصل هو وعسكره إلى همذان على أقبح صورة، ~~واستأمن أكثر أصحابه إلى (ابن) آقنسقر، وعاد إلى بلده منصورا. # ذكر الحرب بين إيلدكز وإينانج # لما مات ملكشاه ابن السلطان محمود، كما ذكرناه، أخذ طائفة من أصحابه ابنه ~~محمودا وانصرفوا به نحو بلاد فارس، فخرج عليهم صاحبها زنكي بن دكلا ~~السلغري، فأخذه منهم وتركه في قلعة إصطخر، فلما ملك إيلدكز والسلطان أرسلان ~~شاه الذي معه البلاد، وأرسل إيلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة للسلطان، كما ~~ذكرناه، شرع الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة، وزير الخليفة، في ~~إثارة أصحاب الأطراف عليه، وراسل الأحمديلي، وكان ما ذكرناه، وكاتب زنكي بن ~~دكلا صاحب بلاد فارس يبذل له أن يخطب للملك الذي عنده، وهو ابن ملكشاه، ~~وعلق الخطبة له بظفره بإيلدكز، فخطب ابن دكلا للملك الذي عنده وأنزله من ~~القلعة، وضرب الطبل على بابه خمس نوب، وجمع عساكره وكاتب إينانج صاحب الري ~~يطلب منه الموافقة. # وسمع إيلدكز الخبر، فحشد وجمع، وكثر عسكره وجموعه فكانت أربعين ألفا، ~~وسار إلى أصفهان يريد بلاد فارس، وأرسل إلى زنكي بن دكلا يطلب منه الموافقة ~~[على] أن يعود يخطب لأرسلان شاه، فلم يفعل، وقال: إن الخليفة قد أقطعني ~~بلاده وأنا سائر إليه، فرحل إيلدكز، وبلغه أن جشيرا لأرسلان بوقا، وهو أمير ~~من أمراء زنكي، وفي أقطاعه أرجان، بالقرب منه، فأنفذ سرية للغارة عليه، ~~فاتفق أن أرسلان بوقا عزم على تغيير الخيل التي معه لضعفها، وأخذ عوضها من ~~ذلك الجشير، فسار في عسكره إلى الجشير، فصادف العسكر الذي سيره إيلدكز لأخذ ~~دوابه، فقاتلهم وأخذهم وقتلهم، وأرسل الرءوس إلى صاحبه، فكتب بذلك إلى ~~بغداد، وطلب المدد، فوعد بذلك. # PageV09P281 # وكان الوزير عون الدين أيضا قد كاتب الأمراء الذين مع إيلدكز يوبخهم على ~~طاعته، ويضعف رأيهم، ويحرضهم على مساعده زنكي ابن دكلا وإينانج، وكان ~~إينانج قد برز من الري في عشرة آلاف فارس، فأرسل إليه ابن آقنسقر الأحمديلي ~~خمسة آلاف فارس، وهرب ms4061 ابن البازدار، صاحب قزوين، وابن طغيرك وغيرهما، ~~فلحقوا بإينانج وهو في صحراء ساوة. # وأما إيلدكز فإنه استشار نصحاءه، فأشاروا بقصد إينانج لأنه أهم، فرحل ~~إليه، ونهب زنكي بن دكلا سهيرم وغيرها، فرد إيلدكز إليه أميرا في عشرة آلاف ~~فارس لحفظ البلاد. فسار زنكي إليهم، فلقيهم وقاتلهم، فانهزم عسكر إيلدكز ~~إليه، فتجلد لذلك وأرسل يطلب عساكر أذربيجان، فجاءته مع ولده قزل أرسلان. # وسير زنكي بن دكلا عسكرا كثيرا إلى إينانج، واعتذر عن الحضور بنفسه عنده ~~لخوفه على بلاده من شملة، صاحب خوزستان، فسار إيلدكز إلى إينانج وتدانى ~~العسكران، فالتقوا تاسع شعبان وجرى بينهم حرب عظيمة أجلت عن هزيمة إينانج، ~~فانهزم أقبح هزيمة وقتلت رجاله ونهبت أمواله، ودخل الري، وتحصن في قلعة ~~طبرك، وحصر إيلدكز الري، ثم شرع في الصلح، واقترح إينانج اقتراحات، فأجابه ~~إيلدكز إليها، وأعطاه جرباذقان وغيرها، وعاد إيلدكز إلى همذان، كان ينبغي ~~أن تتأخر هذه الحادثة والتي قبلها، وإنما قدمت لتتبع أخواتها. # ذكر وفاة ملك الغور وملك ابنه محمد # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي الملك علاء الدين الحسين بن الحسين ~~الغوري ملك الغور بعد انصرافه عن غزنة، وكان عادلا من أحسن الملوك سيرة في ~~رعيته، ولما مات ملك بعده ابنه سيف الدين محمد، وأطاعه الناس، وأحبوه، وكان ~~قد صار في بلادهم جماعة من دعاة الإسماعيلية، وكثر أتباعهم، فأخرجوا من تلك ~~الديار # PageV09P282 # جميعها، ولم يبق فيها منهم أحد، وراسل الملوك وهاداهم، واستمال المؤيد أي ~~أبه، صاحب نيسابور، وطلب موافقته. # ذكر الفتنة بنيسابور وتخريبها # كان أهل العيث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت، ~~وفعل ما أرادوا، فإذا نهبوا لم ينتهوا، فلما كان الآن تقدم المؤيد أي أبه ~~بقبض أعيان نيسابور، منهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني ~~وغيره، وحبسهم في ربيع الآخر سنة ست وخمسين [وخمسمائة] ، وقال: أنتم الذين ~~أطعمتم الرنود والمفسدين حتى فعلوا هذه الفعال، ولو أردتم منعهم لامتنعوا. # وقتل من أهل الفساد جماعة، فخربت نيسابور بالكلية، ومن جملة ما خرب مسجد ~~عقيل، ms4062 كان مجمعا لأهل العلم، وفيه خزائن الكتب الموقوفة، وكان من أعظم ~~منافع نيسابور، وخرب أيضا من مدارس الحنفية ثماني مدارس، ومن مدارس ~~الشافعية سبع عشرة مدرسة، وأحرق خمس خزائن للكتب، ونهب سبع خزائن كتب وبيعت ~~بأبخس الأثمان، هذا ما أمكن إحصاؤه سوى ما لم يذكر. # ذكر خلع السلطان محمود ونهب طوس وغيرها من خراسان # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، قصد السلطان محمود بن محمد الخان، وهو ~~ابن أخت السلطان سنجر، وقد ذكرنا أنه ملك خراسان بعده، ففي هذه السنة حصر ~~المؤيد صاحب نيسابور بشاذياخ، وكان الغز مع السلطان محمود، فدامت الحرب إلى ~~آخر شعبان سنة ست وخمسين وخمسمائة. # ثم إن محمودا أظهر أنه يريد دخول الحمام، فدخل إلى شهرستان، آخر شعبان، ~~كالهارب من الغز، وأقاموا على نيسابور إلى آخر شوال، ثم عادوا راجعين، ~~فعاثوا في القرى ونهبوها، ونهبوا طوس نهبا فاحشا، وحضروا المشهد الذي لعلي ~~بن # PageV09P283 # موسى، وقتلوا كثيرا ممن فيه ونهبوهم، ولم يعرضوا للقبة التي فيها القبر. # فلما دخل السلطان محمود إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى أن دخل رمضان من ~~سنة سبع وخمسين وخمسمائة وأخذه وكحله وأعماه، وأخذ ما كان معه من الأموال ~~والجواهر والأعلاق النفيسة، وكان يخفيها خوفا عليها من الغز، لما كان معهم، ~~وقطع المؤيد خطبته من نيسابور وغيرها مما هو في تصرفه، وخطب لنفسه، بعد ~~الخليفة المستنجد بالله، وأخذ ابنه جلال الدين محمدا الذي كان ملكه الغز ~~أمرهم قبل أبيه، وقد ذكرنا ذلك، وسمله أيضا، وسجنهما، ومعهما جواريهما ~~وحشمهما، وبقيا فيها فلم تطل أيامهما، ومات السلطان محمود، ثم مات ابنه ~~بعده من شدة وجده لموت أبيه، والله أعلم. # ذكر عمارة شاذياخ نيسابور # كانت شاذياخ قد بناها عبد الله بن طاهر بن الحسين، لما كان أميرا على ~~خراسان للمأمون، وسبب عمارتها أنه رأى امرأة جميلة تقود فرسا تريد سقيه، ~~فسألها عن زوجها، فأخبرته به، فأحضره، وقال له: خدمة الخيول بالرجال أشبه، ~~فلم تقعد أنت في دارك وترسل امرأتك مع فرسك؟ فبكى الرجل، وقال له: ظلمك ~~يحملنا ms4063 على ذلك، فقال: وكيف؟ قال: لأنك تنزل الجند معنا في دورنا، فإن خرجت ~~أنا وزوجتي بقي البيت فارغا، فيأخذ الجندي ما لنا فيه، وإن سقيت أنا الفرس ~~فلا آمن على زوجتي من الجندي، فرأيت أن أقيم في البيت وتخدم زوجتي الفرس. # فعظم الأمر عليه وخرج من البلد لوقته، ونزل في الخيام، وأمر الجند، ~~فخرجوا من دور الناس، وبنى شاذياخ دارا له ولجنده وسكنها وهم معه، ثم إنها ~~دثرت بعد ذلك. # فلما كان أيام السلطان ألب أرسلان، ذكرت له هذه القصة فأمر بتجديدها، ثم ~~إنها تشعثت بعد ذلك، فلما كان الآن وخربت نيسابور، ولم يمكن حفظها، والغز ~~تطرق البلاد وتنهبها، أمر المؤيد حينئذ بعمل سورها، وسد ثلمه وسكناه، ففعل ~~ذلك وسكنها هو والناس وخربت حينئذ نيسابور كل خراب، ولم يبق بها أنيس. # ذكر قتل الصالح بن رزيك ووزارة ابنه رزيك # في هذه السنة، في شهر رمضان، قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن # PageV09P284 # رزيك الأرمني، وزير العاضد العلوي، صاحب مصر، وكان سبب قتله أنه تحكم في ~~الدولة التحكم العظيم، واستبد بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه، لصغر ~~العاضد، ولأنه هو الذي ولاه، ووتر الناس، فإنه أخرج كثيرا من أعيانهم ~~وفرقهم في البلاد ليأمن وثوبهم عليه، ثم إنه زوج ابنته من العاضد فعاداه ~~أيضا الحرم من القصر، فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى أمراء المصريين، ~~ودعتهم إلى قتله. # وكان أشدهم في ذلك إنسان يقال له: ابن الراعي، فوقفوا له في دهليز القصر، ~~فلما دخل ضربوه بالسكاكين على دهش [منه] ، فجرحوه جراحات مهلكة، إلا أنه ~~حمل إلى داره وفيه حياة، فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضى بقتله مع أثره ~~في خلافته، فأقسم العاضد أنه لا يعلم بذلك، ولم يرض به، فقال: إن كنت ~~بريئا، فسلم عمتك إلي حتى أنتقم منها، فأمر بأخذها، فأرسل إليها، فأخذها ~~قهرا، وأحضرت عنده، فقتلها، ووصى بالوزارة لابنه رزيك، ولقب العادل، فانتقل ~~الأمر إليه بعد وفاة أبيه. # وللصالح أشعار حسنة بليغة تدل على فضل غزير، فمنها في الافتخار: # أبى الله إلا ms4064 أن يدوم لنا الدهر ... ويخدمنا في ملكنا العز والنصر # علمنا بأن المال تفنى ألوفه ... ويبقى لنا من بعده الأجر # والذكر خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا ... سحاب لديه البرق والرعد # والقطر قرانا إذا رحنا إلى الحرب مرة ... يرانا ومن أضيافنا الذئب والنسر # كما أننا في السلم نبذل جودنا ... ويرتع في إنعامنا العبد والحر # وهي طويلة. # وكان الصالح كريما فيه أدب، وله شعر جيد، وكان لأهل العلم عنده إنفاق، # PageV09P285 # ويرسل إليهم العطاء الكثير، بلغه أن الشيخ أبا محمد بن الدهان النحوي ~~البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو هذا: # تجنب سمعي ما يقول العواذل ... وأصبح لي شغل من الغزو شاغل # فجهز إليه هدية سنية ليرسلها إليه، فقتل قبل إرسالها. # وبلغه أيضا أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بمكة، فأرسل إليه ~~كتابا يشكره ومعه هدية. # وكان الصالح إماميا لم يكن على مذهب العلويين المصريين، ولما ولي العاضد ~~الخلافة، سمع الصالح ضجة عظيمة، فقال: ما الخبر؟ فقيل: إنهم يفرحون ~~بالخليفة، فقال: كأني بهؤلاء الجهلة وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف ~~هذا، وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم. # قال عمارة: دخلت إلى الصالح قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني قرطاسا فيه ~~بيتان من شعره وهما: # نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام # قد رحلنا إلى الحمام سنينا ... ليت شعري متى يكون الحمام # فكان آخر عهدي به. # وقال عمارة أيضا: ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه قصيدة أقول فيها: # أبوك الذي تسطو الليالي بحده ... وأنت يمين إن سطا وشمال # لرتبته العظمى وإن طال عمره ... إليك مصير واجب ومنال # تخالسك اللحظ المصون ودونها ... حجاب شريف لا انقضا وحجال # PageV09P286 # فانتقل الأمر إليه بعد ثلاثة أيام. # ذكر الحرب بين العرب وعسكر بغداد # في هذه السنة، في شهر رمضان، اجتمعت خفاجة إلى الحلة والكوفة، وطالبوا ~~برسومهم من الطعام والتمر وغير ذلك، فمنعهم أمير الحاج أرغش، وهو مقطع ~~الكوفة، ووافقه على منعه الأمير قيصر شحنة الحلة، وهما من مماليك الخليفة، ~~فأفسدت ms4065 خفاجة، ونهبوا سواد الكوفة والحلة، فأسرى إليهم الأمير قيصر، شحنة ~~الحلة، في مائتين وخمسين فارسا، وخرج إليه أرغش في عسكر وسلاح، فانتزحت ~~خفاجة من بين أيديهم، وتبعهم العسكر إلى رحبة الشام، فأرسل خفاجة يعتذرون ~~ويقولون: قد قنعنا بلبن الإبل وخبز الشعير، وأنتم تمنعوننا رسومنا، وطلبوا ~~الصلح فلم يجبهم أرغش وقيصر. # وكان قد اجتمع مع خفاجة كثير من العرب، فتصافوا واقتتلوا، وأرسلت العرب ~~طائفة إلى خيام العسكر ورحالهم فحالوا بينهم وبينها، وحمل العرب حملة ~~منكرة، فانهزم العسكر، وقتل كثير منهم، وقتل الأمير قيصر، وأسرت جماعة ~~أخرى، وجرح أمير الحاج جراحة شديدة، ودخل الرحبة، فحماه شيخها وأخذ له ~~الأمان وسيره إلى بغداد، ومن نجا مات عطشا في البرية. # وكان إماء العرب يخرجن بالماء يسقين الجرحى، فإذا طلبه منهن أحد من ~~العسكر أجهزن عليه، وكثر النوح والبكاء ببغداد على القتلى، وتجهز الوزير ~~عون الدين بن هبيرة والعساكر معه، فخرج في طلب خفاجة، فدخلوا البر وخرجوا ~~إلى البصرة، ولما دخلوا البر عاد الوزير إلى بغداد، وأرسل بنو خفاجة ~~يعتذرون، ويقولون: بغي علينا، وفارقنا البلاد، فتبعونا واضطررنا إلى ~~القتال، وسألوا العفو عنهم، فأجيبوا إلى ذلك. # ذكر حصر المؤيد شارستان # في هذه السنة حصر المؤيد أي أبه مدينة شارستان قرب نيسابور، وقاتله # PageV09P287 # أهلها، ونصب المجانيق والعرادات، فصبر أهلها خوفا على أنفسهم من المؤيد، ~~وكان معه جلال الدين المؤيد الموفقي الفقيه الشافعي، فبينما هو راكب إذ وصل ~~إليه حجر منجنيق فقتله خامس جمادى الآخرة من السنة، وتعدى الحجر منه إلى ~~شيخ من شيوخ بيهق، فقتله، فعظمت المصيبة بقتل جلال الدين على أهل العلم، ~~خصوصا أهل السنة والجماعة، وكان في عنفوان شبابه رحمه الله لما قتل. # ودام الحصار إلى شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة، فنزل خواجكي صاحبها ~~بعدما كثر القتل، ودام الحصر، وكان لهذه القلعة ثلاثة رؤساء هم أرباب النهي ~~والأمر، وهم الذين حفظوها وقاتلوا عنها، أحدهم خواجكي هذا، والثاني داعي بن ~~محمد ابن أخي حرب العلوي، والثالث الحسين بن أبي طالب العلوي الفارسي، ~~فنزلوا كلهم أيضا إلى ms4066 المؤيد أي أبه، فيمن معهم من أشياعهم وأتباعهم. فأما ~~خواجكي فإنه أثبت عليه أنه قتل زوجته ظلما وعدوانا وأخذ مالها، فقتل بها ~~وملك المؤيد شارستان، وصفت له، فنهبها عسكره إلا أنهم لم يقتلوا امرأة ولا ~~سبوها. # ذكر ملك الكرج مدينة آني # في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت الكرج مع ملكهم، وساروا إلى مدينة آني من ~~بلاد أران، وملكوها، وقتلوا فيها خلقا كثيرا، فانتدب لهم شاه أرمن بن ~~إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، وجمع العساكر، واجتمع معه من المتطوعة خلق ~~كثير، وسار إليهم، فلقوه، وقاتلوه، فانهزم المسلمون، وقتل أكثرهم، وأسر ~~كثير منهم، وعاد شاه أرمن مهزوما لم يرجع معه غير أربع مائة فارس من عسكره. # ذكر ولاية عيسى مكة حرسها الله تعالى # كان أمير مكة، هذه السنة، قاسم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي ~~الحسني، فلما سمع بقرب الحجاج من مكة صادر المجاورين وأعيان أهل مكة، وأخذ ~~كثيرا من أموالهم، وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج أرغش. # وكان قد حج هذه السنة زين الدين علي بن بكتكين، صاحب جيش الموصل، # PageV09P288 # ومعه طائفة صالحة من العسكر، فلما وصل أمير الحاج إلى مكة رتب مكان قاسم ~~بن فليتة عمه عيسى بن قاسم بن أبي هاشم، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن ~~قاسم بن فليتة جمع جمعا كثيرا من العرب أطمعهم في مال له بمكة، فاتبعوه، ~~فسار بهم إليها، فلما سمع عمه عيسى فارقها، ودخلها قاسم فأقام بها أميرا ~~أياما، ولم يكن له مال يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائدا كان معه أحسن ~~سيرة، فتغيرت نيات أصحابه عليه، وكاتبوا عمه عيسى، فقدم عليهم، فهرب وصعد ~~جبل أبي قبيس، فسقط عن فرسه، فأخذه أصحاب عيسى، وقتلوه، فعظم عليه قتله، ~~فأخذه وغسله ودفنه بالمعلى عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى، والله ~~أعلم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة سار عبد المؤمن، صاحب المغرب، إلى جبل طارق، وهو على ساحل ~~الخليج مما يلي الأندلس، فعبر المجاز إليه، وبنى عليه مدينة حصينة، وأقام ms4067 ~~بها عدة شهور، وعاد إلى مراكش. # وفيها في المحرم، ورد نيسابور جمع كثير من تركمان بلاد فارس ومعهم أغنام ~~كثيرة للتجارة، فباعوها، وأخذوا الثمن، وساروا ونزلوا على مرحلتين من طابس ~~كنكلي، وناموا هناك، فنزل إليهم الإسماعيلية، وكبسوهم ليلا، ووضعوا السيف ~~فيهم، فقتلوا وأكثروا، ولم ينج منهم إلا الشريد، وغنم الإسماعيلية جميع ما ~~معهم من مال وعروض، وعادوا إلى قلاعهم. # وفيها كثرت الأمطار في أكثر البلاد، ولا سيما خراسان، فإن الأمطار توالت ~~فيها من العشرين من المحرم إلى منتصف صفر لم تنقطع، ولا رأى الناس فيها ~~شمسا. # وفيها كان بين الكرج وبين الملك صلتق بن علي، صاحب أرزن الروم، قتال وحرب ~~انهزم فيه صلتق وعسكره، وأسر هو، وكانت أخته شاه بانوار قد تزوجها شاه أرمن ~~سكمان بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، فأرسلت إلى ملك الكرج هدية # PageV09P289 # جليلة المقدار، وطلبت منه أن يفاديها بأخيها، فأطلقه، فعاد إلى ملكه. # وفيها قصد صاحب صيدا من الفرنج نور الدين محمود، صاحب الشام، ملتجئا ~~إليه، فأمنه وسير معه عسكرا يمنعه من الفرنج أيضا، فظهر عليهم في الطريق ~~كمين للفرنج، فقتلوا من المسلمين جماعة وانهزم الباقون. # فيها ملك قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا، قلعة شاتان، وكانت لطائفة من ~~الأكراد يقال لهم الجونية، فلما ملكها خربها وأضاف ولايتها إلى حصن طالب. # [الوفيات] # وفيها توفي الكمال حمزة بن علي بن طلحة صاحب المخزن، كان جليل القدر أيام ~~المسترشد بالله، وولي المقتفي، وبنى مدرسة لأصحاب الشافعي بالقرب من داره، ~~ثم حج وعاد وقد لبس الفوط وزي الصوفية وترك الأعمال، فقال بعض الشعراء فيه: # يا عضد الإسلام يا من سمت ... إلى العلا همته الفاخره # كانت لك الدنيا، فلم ترضها ... ملكا فأخلدت إلى الآخره # وبقي منقطعا في بيته عشرين سنة، ولم يزل محترما يغشاه الناس كافة. # PageV09P290 ### | [ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة] ### | 557 - # ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة # ذكر فتح المؤيد طوس وغيرها # في هذه السنة، في السابع والعشرين من صفر، نازل المؤيد أي أبه أبا بكر ~~جاندار بقلعة وسكره ms4068 خوي من طوس وكان قد تحصن بها، وهي حصينة منيعة لا ترام، ~~فقاتله وأعانه أهل طوس على أبي بكر لسوء سيرته فيهم وظلمه، فلما رأى أبو ~~بكر ملازمة المؤيد ومواصلة القتال عليه خضع وذل واستكان، ونزل من القلعة ~~بالأمان في العشرين من ربيع الأول من السنة، فلما نزل منها حبسه المؤيد ~~وأمر بتقييده. # ثم سار منها إلى كرستان، وصاحبها أبو بكر فاخر، فنزل من قلعته، وهي من ~~أمنع الحصون على رأس جبل عال، وصار في طاعة المؤيد، ودان له ووافقه، وسير ~~جيشا في جمادى الآخرة منها إلى أسفرايين، فتحصن رئيسها عبد الرحمن بن محمد ~~بن علي الحاج بالقلعة، وكان أبوه كريم خراسان على الإطلاق، ولكن كان عبد ~~الرحمن هذا بئس الخلف، فلما تحصن أحاط به العسكر المؤيدي، واستنزلوه من ~~الحصن، وحملوه مقيدا إلى شاذياخ وحبس بها، وقيل في ربيع الآخر سنة ثمان ~~وخمسين وخمسمائة. # وملك المؤيد أيضا قهندز نيسابور، واستدارت مملكة المؤيد حول نيسابور ~~وعادت إلى ما كانت عليه قبل، إلا أن أهلها انتقلوا إلى شاذياخ، وخربت ~~المدينة العتيقة. # وسير المؤيد جيشا إلى خواف، وبها عسكر مع بعض الأمراء اسمه أرغش، فكمن ~~أرغش جمعا في تلك المضايق والجبال، وتقدم إلى عسكر المؤيد، فقاتلهم وطلع # PageV09P291 # الكمين، فانهزم عسكر المؤيد وقتل منهم جمع، وعاد الباقون إلى المؤيد ~~بنيسابور. # وسير جيشا إلى بوشنج هراة، وهي في طاعة الملك محمد بن الحسين الغوري، ~~فحصروها، واشتد الحصار عليها، ودام القتال والزحف، فسير الملك محمد الغوري ~~جيشا إليها ; ليمنع عنها، فلما قاربوا هراة فارقها العسكر الذين يحصرها، ~~وعادوا عنها وصفت تلك الولاية للغوري. # ذكر أخذ ابن مردنيش غرناطة من عبد المؤمن وعودها إليه # في هذه السنة أرسل أهل غرناطة من بلاد الأندلس، وهي لعبد المؤمن، إلى ~~الأمير إبراهيم بن همشك صهر ابن مردنيش. فاستدعوه إليهم ; ليسلموا إليه ~~البلد، وكان قد وحد، وصار من أصحاب عبد المؤمن، وفي طاعته، وممن يحرضه على ~~قصد ابن مردنيش. ففارق طاعة عبد المؤمن، وعاد إلى موافقة ابن مردنيش، فلما ~~وصل إليه ms4069 رسل أهل غرناطة سار معهم إليها، فدخلها وبها جمع من أصحاب عبد ~~المؤمن، فامتنعوا بحصنها، فبلغ الخبر أبا سعيد عثمان بن عبد المؤمن وهو ~~بمدينة مالقة، فجمع الجيش الذي كان عنده وتوجه إلى غرناطة لنصرة من فيها من ~~أصحابهم، فعلم بذلك إبراهيم بن همشك، فاستنجد ابن مردنيش، ملك البلاد بشرق ~~الأندلس، فأرسل إليه ألفي فارس من أنجاد أصحابه ومن الفرنج الذين جندهم ~~معه، فاجتمعوا بضواحي غرناطة، فالتقوا هم ومن بغرناطة من عسكر عبد المؤمن ~~قبل وصول أبي سعيد إليهم، فاشتد القتال بينهم، فانهزم عسكر عبد المؤمن، ~~وقدم أبو سعيد، واقتتلوا أيضا، فانهزم كثير من أصحابه، وثبت معه طائفة من ~~الأعيان والفرسان المشهورين، والرجالة الأجلاد، حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم ~~حينئذ أبو سعيد ولحق بمالقة. # وسمع عبد المؤمن الخبر، وكان قد سار إلى مدينة سلا، فسير إليهم في الحال ~~ابنه أبا يعقوب يوسف في عشرين ألف مقاتل، فيهم جماعة من شيوخ الموحدين، ~~فجدوا المسير، فبلغ ذلك ابن مردنيش، فسار بنفسه وجيشه إلى غرناطة ليعين ابن ~~همشك، فاجتمع منهم بغرناطة جمع كثير، فنزل ابن مردنيش في الشريعة بظاهرها، ~~ونزل العسكر الذي كان أمد به ابن همشك أولا، وهم ألفا فارس، بظاهر القلعة # PageV09P292 # الحمراء، ونزل ابن همشك بباطن القلعة الحمراء فيمن معه، ووصل عسكر عبد ~~المؤمن إلى جبل قريب من غرناطة، فأقاموا في سفحه أياما ثم سيروا أربعة آلاف ~~فارس، فبيتوا العسكر الذي بظاهر القلعة الحمراء، وقاتلوهم من جهاتهم، فما ~~لحقوا يركبون، فقتلوهم عن آخرهم. # وأقبل عسكر عبد المؤمن بجملته، فنزلوا بضواحي غرناطة، فعلم ابن مردنيش ~~وابن همشك أنهم لا طاقة لهم بهم، ففروا في الليلة الثانية، ولحقوا ببلادهم، ~~واستولى الموحدون على غرناطة في باقي السنة المذكورة، وعاد عبد المؤمن من ~~مدينة سلا إلى مراكش. # ذكر حصر نور الدين حارم # في هذه السنة جمع نور الدين محمود بن زنكي بن آقنسقر، صاحب الشام، ~~العساكر بحلب، وسار إلى قلعة حارم، وهي للفرنج غربي حلب، فحصرها وجد في ~~قتالها، فامتنعت عليه بحصانتها، وكثرة من بها ms4070 من فرسان الفرنج ورجالتهم ~~وشجعانهم، فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد، ~~وحشدوا، واستعدوا، وساروا نحوه ; ليرحلوه عنها، فلما قاربوه طلب منهم ~~المصاف، فلم يجيبوه إليه، وراسلوه، وتلطفوا الحال معه، فلما رأى أنه لا ~~يمكنه أخذ الحصن، ولا يجيبونه إلى المصاف، عاد إلى بلاده. # وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقد الكناني، ~~وكان من الشجاعة في الغاية، فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد شيزر، وكان قد ~~دخله في العام الماضي سائرا إلى الحج، فلما دخله الآن كتب على حائطه: # لك الحمد يا مولاي كم لك منة # علي وفضلا لا يحيط به شكري # PageV09P293 # نزلت بهذا المسجد العام قافلا ... من الغزو موفور النصيب من الأجر # ومنه رحلت العيس في عامي الذي ... مضى نحو بيت الله والركن والحجر # فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما ... تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري # ذكر ملك الخليفة قلعة الماهكي # في هذه السنة، في رجب، ملك الخليفة المستنجد بالله قلعة الماهكي، وسبب ~~ذلك أن سنقر الهمذاني، صاحبها، سلمها إلى أحد مماليكه ومضى إلى همذان، فضعف ~~هذا المملوك عن مقاومة من حولها من التركمان والأكراد، فأشير عليه ببيعها ~~من الخليفة، فراسل في ذلك، فاستقرت [على] خمسة عشر ألف دينار وسلاح وغير ~~ذلك من الأمتعة، وعدة من القرى، فسلمها وتسلم ما استقر له، وأقام ببغداد. ~~وهذه القلعة لم تزل من أيام المقتدر بالله بأيدي التركمان والأكراد وإلى ~~الآن. # ذكر الحرب بين المسلمين والكرج # في هذه السنة، في شعبان، اجتمعت الكرج في خلق كثير يبلغون ثلاثين ألف ~~مقاتل، ودخلوا بلاد الإسلام، وقصدوا مدينة دوين من أذربيجان، فملكوها ~~ونهبوها، وقتلوا من أهلها وسوادها نحو عشرة آلاف قتيل، وأخذوا النساء ~~سبايا، وأسروا كثيرا، وأعروا النساء وقادوهن حفاة عراة، وأحرقوا الجوامع ~~والمساجد، فلما وصلوا إلى بلادهم أنكر نساء الكرج ما فعلوا بنساء المسلمين، ~~وقلن لهم: قد أحوجتم المسلمين إلى أن يفعلوا بنا مثل ما فعلتم بنسائهم، ~~وكسونهن. # ولما بلغ الخبر إلى شمس الدين إيلدكز، صاحب ms4071 أذربيجان والجبل وأصفهان، جمع ~~عساكره وحشدها، وانضاف إليه شاه أرمن بن سكمان القطبي، صاحب خلاط، وابن ~~آقنسقر، صاحب مراغة وغيرها، فاجتمعوا في عسكر كثير يزيدون على خمسين ألف ~~مقاتل، وساروا إلى بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين [وخمسمائة] ونهبوها، # PageV09P294 # وسبوا النساء والصبيان، وأسروا الرجال، ولقيهم الكرج، واقتتلوا أشد قتال ~~صبر فيه الفريقان، ودامت الحرب بينهم أكثر من شهر، وكان الظفر للمسلمين، ~~فانهزم الكرج وقتل منهم كثير وأسر كذلك. # وكان سبب الهزيمة أن بعض الكرج حضر عند إيلدكز، فأسلم على يديه، وقال له: ~~تعطيني عسكرا حتى أسير بهم في طريق أعرفها، وأجيء إلى الكرج من ورائهم وهم ~~لا يشعرون! فاستوثق منه، وسير معه عسكرا، وواعده يوما يصل فيه إلى الكرج، ~~فلما كان ذلك اليوم قاتل المسلمون الكرج، فبينما هم في القتال وصل ذلك ~~الكرجي، الذي أسلم ومعه العسكر، وكبروا وحملوا على الكرج من ورائهم، ~~فانهزموا، وكثر القتل فيهم والأسر، وغنم المسلمون من أموالهم ما لا يدخل ~~تحت الإحصاء لكثرته، فإنهم كانوا متيقنين الظفر لكثرتهم، فخيب الله ظنهم، ~~وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام بلياليها، وعاد المسلمون ~~منصورين قاهرين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وصل الحجاج إلى منى، ولم يتم الحج لأكثر الناس لصدهم عن ~~دخول مكة والطواف والسعي، فمن دخل يوم النحر مكة وطاف وسعى كمل حجه، ومن ~~تأخر عن ذلك منع دخول مكة لفتنة جرت بين أمير الحاج وأمير مكة. كان سببها ~~أن جماعة من عبيد مكة أفسدوا في الحاج بمنى، فنفر عليهم بعض أصحاب أمير ~~الحاج، فقتلوا منهم جماعة، ورجع من سلم إلى مكة، وجمعوا جمعا وأغاروا على ~~جمال الحاج، وأخذوا منها قريبا من ألف جمل، فنادى أمير الحاج في جنده، ~~فركبوا بسلاحهم، ووقع القتال بينهم، فقتل جماعة،، ونهب جماعة من الحاج وأهل ~~مكة، فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة، ولم يقم بالزاهر غير يوم واحد، وعاد ~~كثير من الناس رجالة لقلة الجمال، ولقوا شدة. # PageV09P295 # وممن حج هذه السنة جدتنا أم أبينا، ففاتها الطواف والسعي، فاستفتي لها ms4072 ~~الشيخ الإمام أبو القاسم بن البرري، فقال: تدوم على ما بقي عليها من ~~إحرامها، وإن أحبت تفدي وتحل من إحرامها إلى قابل، وتعود إلى مكة، فتطوف ~~وتسعى، فتكمل الحجة الأولى، ثم تحرم إحراما ثانيا، وتعود إلى عرفات، فتقف ~~وترمي الجمار، وتطوف وتسعى، فتصير لها حجة ثانية، فبقيت على إحرامها إلى ~~قابل، وحجت وفعلت كما قال، فتم حجها الأول والثاني. # وفيها نزل بخراسان برد كثير عظيم المقدار، أواخر نيسان، وكان أكثره بجوين ~~ونيسابور وما والاهما، فأهلك الغلات، ثم جاء بعده مطر كثير دام عشرة أيام. # وفيها، في جمادى الآخرة، وقع الحريق ببغداد، احترق سوق الطيوريين والدور ~~التي تليه مقابله إلى سوق الصفر الجديد، والخان الذي في الرحبة، ودكاكين ~~البزوريين وغيرها. # وفيها توفي الكيا الصباحي، صاحب ألموت، مقدم الإسماعيلية، وقام ابنه ~~مقامه، فأظهر التوبة، وأعاد هو ومن معه الصلوات وصيام شهر رمضان، وأرسلوا ~~إلى (قزوين يطلبون من يصلي) بهم، ويعلمهم حدود الإسلام، فأرسلوا إليهم. # وفيها، في رجب، درس شرف الدين يوسف الدمشقي في المدرسة النظامية ببغداد. # [الوفيات] # وفيها توفي شجاع الفقيه الحنفي ببغداد، وكان مدرسا بمدرسة أبي حنيفة، # PageV09P296 # وكان موته في ذي القعدة. # وفيها، توفي صدقة بن وزير الواعظ. # وفيها، في المحرم، توفي الشيخ عدي بن مسافر الزاهد المقيم ببلد الهكارية ~~من أعمال الموصل، وهو من الشام، من بلد بعلبك، فانتقل إلى الموصل، وتبعه ~~أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه، وحسنوا الظن فيه، وهو مشهور جدا. # PageV09P297 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة] ### | 558 - # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة # ذكر وزارة شاور للعاضد بمصر ثم وزارة الضرغام بعده # في هذه السنة، في صفر، وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي [صاحب مصر، وكان ~~ابتداء أمره ووزارته أنه كان يخدم الصالح] بن رزيك ولزمه، فأقبل عليه ~~الصالح وولاه الصعيد، وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة، فلما ولي الصعيد ظهرت ~~منه كفاية عظيمة وتقدم زائد، واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم، ~~فعسر أمره على الصالح، ولم يمكنه عزله، فاستدام استعماله ; لئلا يخرج عن ~~طاعته، فلما جرح ms4073 الصالح كان من جملة وصيته لولده العادل: إنك لا تغير على ~~شاور، فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله، ولم يمكني عزله، فلا ~~تغيروا ما به فيكون لكم منه ما تكرهون. # فلما توفي الصالح من جراحته وولي ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل ~~شاور واستعمال بعضهم مكانه، وخوفوه منه إن أقره على عمله، فأرسل إليه ~~بالعزل، فجمع جموعا كثيرة وسار إلى القاهرة بهم، فهرب منه العادل ابن ~~الصالح بن رزيك، فأخذ وقتل، فكانت مدة وزارته ووزارة أبيه قبله تسع سنين ~~وشهرا وأياما، وصار شاور وزيرا، وتلقب بأمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزيك ~~وودائعهم وذخائرهم، وأخذ منه (أيضا طي والكامل ابنا شاور) شيئا كثيرا، ~~وتفرق كثير منها، وجحد كثير، وظهرت عليهم عند انتقال الدولة عن شاور ~~والمصريين إلى الأتراك. # ثم إن الضرغام جمع جموعا كثيرة، ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان، # PageV09P298 # وظهر أمره، وانهزم شاور منه إلى الشام، على ما نذكره سنة تسع وخمسين ~~وخمسمائة، وصار ضرغام وزيرا. # وكان هذه السنة ثلاثة وزراء: العادل بن رزيك، وشاور، وضرغام، فلما تمكن ~~ضرغام من الوزارة قتل كثيرا من الأمراء المصريين لتخلوا له البلاد من ~~منازع، فضعفت الدولة بهذا حتى خرجت البلاد عن أيديهم. # ذكر وفاة عبد المؤمن وولاية ابنه يوسف # في هذه السنة، في العشرين من جمادى الآخرة، توفي عبد المؤمن بن علي، صاحب ~~بلاد المغرب، وإفريقية، والأندلس، وكان قد سار من مراكش إلى سلا، فمرض بها ~~ومات. # ولما حضره الموت جمع شيوخ الموحدين من أصحابه، وقال لهم: قد جربت ابني ~~محمدا. فلم أره يصلح لهذا الأمر، وإنما يصلح له ابني يوسف، وهو أولى بها، ~~فقدموه لها، ووصاهم به، وبايعوه ودعي بأمير المؤمنين، وكتموا موت عبد ~~المؤمن، وحمل من سلا في محفة بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. # وكان ابنه أبو حفص في تلك المدة حاجبا لأبيه، فبقي مع أخيه على مثل حاله ~~مع أبيه يخرج فيقول للناس: أمير المؤمنين أمر بكذا، ويوسف [لم] يقعد مقعد ~~أبيه إلى ms4074 أن كملت المبايعة له في جميع البلاد، واستقرت قواعد الأمور له، ثم ~~أظهر موت أبيه عبد المؤمن، فكانت ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وشهورا، وكان ~~عاقلا، حازما، سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا ~~أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير. # PageV09P299 # وكان يعظم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة، ومن رئي ~~وقت الصلاة غير مصل قتل، وجمع الناس بالغرب على مذهب مالك في الفروع، وعلى ~~مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول، وكان الغالب على مجلسه أهل العلم ~~والدين، المرجع إليهم، والكلام معهم ولهم. # ذكر ملك المؤيد أعمال قومس والخطبة للسلطان أرسلان بخراسان # في هذه السنة سار المؤيد أي أبه، صاحب نيسابور، إلى بلاد قومس، فملك ~~بسطام ودامغان، واستناب بقومس مملوكه تنكز، فأقام تنكز بمدينة بسطام، فجرى ~~بين تنكز وبين شاه مازندران اختلاف أدى إلى الحرب، فجمع كل منهما عسكره، ~~والتقوا أوائل ذي الحجة في هذه السنة، واقتتلوا، فانهزم عسكر مازندران، ~~وأخذت أسلابهم، وقتل منهم طائفة كبيرة. # ولما ملك المؤيد بلاد قومس أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغرل بن محمد بن ~~ملكشاه خلعا نفيسة، وألوية معقودة، وهدية جليلة، وأمره أن يهتم باستيعاب ~~بلاد خراسان ويتولى ذلك أجمع، وأن يخطب له، فلبس المؤيد الخلع، فخطب له في ~~البلاد التي هي بيده. # وكان السبب في هذا أتابك شمس الدين إيلدكز، فإنه كان هو الذي يحكم في ~~مملكة أرسلان، وليس لأرسلان غير الاسم، وكان بين إيلدكز وبين المؤيد مودة ~~ذكرناه عند قتل المؤيد، فلما أطاع المؤيد السلطان أرسلان خطب له ببلاده، ~~وهي بلاد قومس، ونيسابور، وطوس، وأعمال نيسابور جميعها، ومن نسا إلى طبس ~~كنكلي، وكان يخطب لنفسه بعد أرسلان، وكانت الخطبة في جرجان ودهستان لخوارزم ~~شاه أيل أرسلان بن أتسز، وبعده للأمير إيثاق، وكانت الخطبة في مرو وبلخ ~~وهراة وسرخس، وهذه البلاد بيد الغز، إلا هراة فإنها كانت بيد الأمير # PageV09P300 # إيتكين، وهو مسالم للغز، فكانوا يخطبون للسلطان سنجر، فيقولون: اللهم ~~اغفر للسلطان السعيد المبارك سنجر، وبعده للأمير الذي ms4075 هو الحاكم في تلك ~~البلاد. # ذكر قتل الغز ملك الغور # في هذه السنة، في رجب، قتل سيف الدين محمد بن الحسين الغوري، ملك الغور، ~~قتله الغز. # وسبب ذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر، وسار من جبال الغور يريد الغز وهم ~~ببلخ، واجتمعوا، وتقدموا إليه، فاتفق أن ملك الغور خرج من معسكره في جماعة ~~من خاصته، جريدة، فسمع به أمراء الغز، فساروا يطلبونه مجدين قبل أن يعود ~~إلى معسكره، فأوقعوا به، فقاتلهم أشد قتال رآه الناس. فقتل ومعه نفر ممن ~~كان معه، وأسر طائفة، وهربت طائفة، فلحقوا بمعسكرهم وعادوا إلى بلادهم ~~منهزمين لا يقف الأب على ابنه ولا الأخ على أخيه، وتركوا كل ما معهم بحاله ~~ونجوا بنفوسهم. # فكان عمر ملك الغور لما قتل نحو عشرين سنة، وكان عادلا حسن السيرة، فمن ~~عدله وخوفه عاقبة الظلم أنه حاصر أهل هراة، فلما ملكها أراد عسكره أن ~~ينهبوها، فنزل على درب المدينة، وأحضر الأموال والثياب، فأعطى جميع عسكره ~~منها، وقال: هذا خير لكم من أن تنهبوا أموال المسلمين وتسخطوا الله تعالى، ~~فإن الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم، ولما قتل عاد الغز إلى بلخ ~~ومرو وقد غنموا شيئا كثيرا من العسكر الغوري لأن أهله تركوه ونجوا. # ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج # في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج، تحت حصن الأكراد، ~~وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة، وسببها أن نور الدين جمع عساكره ودخل بلاد ~~الفرنج ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد، محاصرا له وعازما على قصد طرابلس # PageV09P301 # ومحاصرتها، فبينما الناس يوما في خيامهم، وسط النهار، لم يرعهم إلا ظهور ~~صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك أن الفرنج اجتمعوا ~~واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا، فإنهم يكونون آمنين، فركبوا من ~~وقتهم، ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم، وساروا مجدين، فلم يشعر بذلك ~~المسلمون إلا وقد قربوا منهم، فأرادوا منعهم، فلم يطيقوا ذلك، فأرسلوا إلى ~~نور الدين يعرفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة، فلم يثبت المسلمون، ms4076 ~~وعادوا يطلبون معسكر المسلمين، والفرنج في ظهورهم، فوصلوا معا إلى العسكر ~~النوري، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل، وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم، ~~فأكثروا القتل والأسر. # وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي، فإنه كان قد خرج من بلاده إلى ~~الساحل في جمع كثير من الروم، فقاتلوا محتسبين في زعمهم، فلم يبقوا على ~~أحد، وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه، ولسرعته ركب ~~الفرس والشبحة في رجله، فنزل إنسان كردي قطعها، فنجا نور الدين، وقتل ~~الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف. # ونزل نور الدين على بحيرة قدس بالقرب من حمص، وبينه وبين المعركة أربعة ~~فراسخ، وتلاحق به من سلم من العسكر، وقال له بعضهم: ليس من الرأي أن تقيم ~~ها هنا، فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا، فنؤخذ ونحن على هذا ~~الحال، فوبخه وأسكته، وقال: إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم، ~~ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام، ثم أرسل إلى حلب ودمشق، ~~وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل، فأعطى اللباس عوض ما أخذ ~~منهم جميعه بقولهم، فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة، وكل من قتل أعطى أقطاعه ~~لأولاده. # وأما الفرنج فإنهم كانوا عازمين على قصد حمص بعد الهزيمة لأنها أقرب ~~البلاد إليهم، فلما بلغهم نزول نور الدين بينها وبينهم قالوا: لم يفعل هذا ~~إلا وعنده قوة يمنعنا بها. # ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له بعضهم: إن لك في بلادك # PageV09P302 # إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء، وغيرهم، ~~فلو استعنت [بها] في هذا الوقت لكان أصلح، فغضب من ذلك، وقال: والله إني لا ~~أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم ~~يقاتلون عني، وأنا نائم على فراشي، بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى من لا يقاتل ~~عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت ~~المال كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟ # ثم إن الفرنج ms4077 راسلوا نور الدين يطلبون منه الصلح، فلم يجبهم، وتركوا عند ~~حصن الأكراد من يحميه وعادوا إلى بلادهم. # ذكر إجلاء بني أسد من العراق # في هذه السنة أمر الخليفة المستنجد بالله بإهلاك بني أسد الحلة المزيدية، ~~لما ظهر من فسادهم، ولما كان في نفس الخليفة منهم من مساعدتهم السلطان ~~محمدا لما حصر بغداد، فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإجلائهم من البلاد، ~~وكانوا منبسطين في البطائح، فلا يقدر عليهم، فتوجه يزدن إليهم، وجمع عساكر ~~كثيرة من فارس وراجل، وأرسل إلى ابن معروف مقدم المنتفق، وهو بأرض البصرة، ~~فجاء في خلق كثير، وحصرهم، وسكر عنهم الماء، وصابرهم مدة، فأرسل الخليفة ~~يعتب على يزدن ويعجزه وينسبه إلى موافقتهم في التشيع، وكان يزدن يتشيع، فجد ~~هو وابن معروف في قتالهم والتضييق عليهم، وسد مسالكهم في الماء، فاستسلموا ~~حينئذ، فقتل منهم أربعة آلاف قتيل، ونادى فيمن بقي: من وجد بعد هذا في ~~الحلة المزيدية فقد حل دمه، فتفرقوا في البلاد، ولم يبق منهم بالعراق من ~~يعرف، وسلمت بطائحهم إلى ابن معروف وبلادهم. # PageV09P303 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة وقع في بغداد حريق في باب درب فراشا إلى مشرعة الصباغين من ~~الجانبين. # [الوفيات] # وفيها، في رجب، توفي سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بن ~~إبراهيم بن عبد الكريم المعروف بابن الأنباري، كاتب الإنشاء بديوان ~~الخلافة، وكان فاضلا أديبا ذا تقدم كثير عند الخلفاء والسلاطين، وخدم من ~~سنة ثلاثين وخمسمائة إلى الآن في ديوان الخلافة، وعاش حتى قارب تسعين سنة. # وتوفي في رمضان هبة الله بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد أبو القاسم ~~المتوثي، سمع الحديث، وهو من الشعراء المشهورين، إلا أنه كثير الهجو، ومن ~~شعره: # يا من هجرت ولا تبالي ... هل ترجع دولة الوصال # هل أطمع يا عذاب قلبي ... أن ينعم في هواك بالي # الطرف كما عهدت باك ... والجسم كما ترين بالي # ما ضرك أن تعلليني ... في الوصل بموعد المحال # أهواك وأنت حظ غيري ... يا قاتلتي فما احتيالي # وهي أكثر من هذا. # PageV09P304 ### | [ثم ms4078 دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة] ### | 559 - # ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة # ذكر مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى ديار مصر وعودهم عنها # في هذه السنة في جمادى الأولى، سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا كثيرا ~~إلى مصر، وجعل عليهم الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي، وهو مقدم عسكره، ~~وأكبر أمراء دولته، وأشجعهم، وسنذكر سنة أربع وستين [وخمسمائة] سبب اتصاله ~~بنور الدين وعلو شأنه عنده إن شاء الله تعالى. # وكان سبب إرسال هذا الجيش أن شاور وزير العاضد لدين الله العلوي، صاحب ~~مصر، نازعه في الوزارة ضرغام، وغلب عليها، فهرب شاور منه إلى الشام، ملتجئا ~~إلى نور الدين، ومستجيرا به، فأكرم مثواه، وأحسن إليه، وأنعم عليه، وكان ~~وصوله في ربيع الأول من السنة، وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود ~~إلى منصبه، ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون ~~شيركوه مقيما بعساكره في مصر، ويتصرف هو بأمر نور الدين واختياره، فبقي نور ~~الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى، فتارة يحمله رعاية لقصد شاور ~~بابه، وطلب الزيادة في الملك والتقوي على الفرنج، وتارة يمنعه خطر الطريق، ~~وأن الفرنج فيه، وتخوف أن شاور إن استقرت قاعدته ربما لا يفي. # ثم قوى عزمه على إرسال الجيوش، فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها، وكان هوى ~~أسد الدين في ذلك، وعنده من الشجاعة وقوة النفس ما لا يبالي بمخافة، فتجهز، ~~وساروا جميعا وشاور في صحبتهم، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين ~~[وخمسمائة] ، وتقدم نور الدين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه، وينتقم ~~له ممن نازعه فيه. # PageV09P305 # وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكره ليمنع الفرنج ~~من التعرض لأسد الدين ومن معه، فكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين، ~~ووصل أسد الدين والعساكر معه إلى مدينة بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدين أخو ~~ضرغام بعسكر المصريين ولقيهم، فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوما. # ووصل أسد الدين فنزل على القاهرة أواخر جمادى الآخرة، فخرج ضرغام من ~~القاهرة ms4079 سلخ الشهر، فقتل عند مشهد السيدة نفيسة، وبقي يومين، ثم حمل ودفن ~~في القرافة، وقتل أخوه فارس المسلمين، وخلع على شاور مستهل رجب، وأعيد إلى ~~الوزارة، وتمكن منها، وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة، فغدر به شاور، وعاد ~~عما كان قرره لنور الدين من البلاد المصرية، ولأسد الدين أيضا، وأرسل إليه ~~يأمره بالعود إلى الشام، فأعاد الجواب بالامتناع، وطلب ما كان قد استقر ~~بينهم، فلم يجبه شاور إليه، فلما رأى ذلك أرسل نوابه، فتسلموا مدينة بلبيس، ~~وحكم على البلاد الشرقية، فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور ~~الدين إن ملك مصر. # وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تم ملكه لها، فلما أرسل شاور يطلب منهم ~~أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه، وسارعوا ~~إلى تلبية دعوته ونصرته، وطمعوا في ملك الديار المصرية، وكان قد بذل لهم ~~مالا على المسير إليه، وتجهزوا وساروا، فلما بلغ نور الدين ذلك سار بعساكره ~~إلى أطراف بلادهم ; ليمتنعوا عن المسير، فلم يمنعهم ; لعلمهم أن الخطر في ~~مقامهم، إذا ملك أسد الدين مصر، أشد، فتركوا في بلادهم من يحفظها، وسار ملك ~~القدس في الباقين إلى مصر. # وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الفرنج في البحر ; لزيارة البيت ~~المقدس، فاستعان بهم الفرنج الساحلية، فأعانوهم، فسار بعضهم معهم، وأقام ~~بعضهم في البلاد لحفظها، فلما قارب الفرنج مصر فارقها أسد الدين، وقصد ~~مدينة بلبيس، فأقام بها هو وعسكره، وجعلها له ظهرا يتحصن به، فاجتمعت ~~العساكر المصرية والفرنج، ونازلوا أسد الدين شيركوه بمدينة بلبيس، وحصروه ~~بها ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها مع أن سورها قصير جدا، وليس لها خندق، ولا ~~فصيل يحميها، وهو يغاديهم القتال ويرواحهم، فلم يبلغوا منه غرضا، ولا نالوا ~~منه شيئا. # PageV09P306 # فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الفرنج على حارم وملك نور الدين ~~حارم، ومسيره إلى بانياس، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فحينئذ سقط في ~~أيديهم، وأرادوا العودة إلى بلادهم ; ليحفظوها، فراسلوا أسد الدين في الصلح ~~والعود ms4080 إلى الشام، ومفارقة مصر، وتسليم ما بيده منها إلى المصريين، فأجابهم ~~إلى ذلك ; لأنه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام بالفرنج، ولأن الأقوات ~~والذخائر قلت عليه، وخرج من بلبيس في ذي الحجة. # فحدثني من رأى أسد الدين حين خرج من بلبيس، قال: أخرج أصحابه بين يديه، ~~وبقي في آخرهم وبيده لت من حديد يحمي ساقتهم، والمسلمون والفرنج ينظرون ~~إليه، قال: فأتاه فرنجي من الغرباء الذين خرجوا من البحر، فقال له: أما ~~تخاف أن يغدر بك هؤلاء المصريون والفرنج، وقد أحاطوا بك وبأصحابك، ولا يبقى ~~لكم بقية؟ فقال شيركوه: يا ليتهم فعلوه حتى كنت ترى ما أفعله، كنت والله ~~أضع السيف، فلا يقتل منا رجل حتى يقتل منهم رجالا، وحينئذ يقصدهم الملك ~~العادل نور الدين، وقد ضعفوا، وفني شجعانهم، فنملك بلادهم، ويهلك من بقي ~~منهم، والله لو أطاعني هؤلاء لخرجت إليكم من أول يوم، ولكنهم امتنعوا. # فصلب على وجهه، وقال: كنا نعجب من فرنج هذه البلاد ومبالغتهم في صفتك ~~وخوفهم منك، والآن فقد عذرناهم، ثم رجع عنه. # وسار شيركوه إلى الشام، فوصل سالما، وكان الفرنج قد وضعوا له على مضيق في ~~الطريق رصدا ليأخذوه أو ينالوا منه ظفرا، فعلم بهم فعاد عن ذلك الطريق، ~~ففيه يقول عمارة [اليمني] : # أخذتم على الإفرنج كل ثنية ... وقلتم لأيدي الخيل مري على مري # لئن نصبوا في البر جسرا فإنكم ... عبرتم ببحر من حديد على الجسر # ولفظة مري في آخر البيت الأول اسم ملك الفرنج. # PageV09P307 # ذكر هزيمة الفرنج وفتح حارم # في هذه السنة، في شهر رمضان، فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة حارم من ~~الفرنج ; وسبب ذلك أن نور الدين لما عاد منهزما من البقيعة، تحت حصن ~~الأكراد، كما ذكرناه قبل، فرق الأموال والسلاح، وغير ذلك من الآلات على ما ~~تقدم، فعاد العسكر كأنهم لم يصابوا وأخذوا في الاستعداد للجهاد والأخذ ~~بثأره. # واتفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم إلى مصر، كما ذكرناه، فأراد أن يقصد ~~بلادهم ليعودوا عن مصر، فأرسل إلى أخيه قطب الدين ms4081 مودود، صاحب الموصل وديار ~~الجزيرة، وإلى فخر الدين قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا، وإلى نجم الدين ألبي، ~~صاحب ماردين، وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم، فأما قطب الدين فإنه جمع ~~عسكره وسار مجدا، وفي مقدمته زين الدين علي أمير جيشه، وأما فخر الدين، ~~صاحب الحصن، فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه: على أي شيء عزمت؟ فقال: ~~على القعود، فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة، وهو يلقي نفسه ~~والناس معه في المهالك، فكلهم وافقه على هذا الرأي، فلما كان الغد أمر ~~بالتجهز للغزاة، فقال له أولئك: ما عدا مما بدا؟ فارقناك أمس على حالة، ~~فنرى اليوم ضدها؟ فقال: إن نور الدين قد سلك معي طريقا إن لم أنجده خرج أهل ~~بلادي عن طاعتي، وأخرجوا البلاد عن يدي، فإنه قد كاتب زهادها وعبادها ~~والمنقطعين عن الدنيا، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج، وما نالهم من ~~القتل والأسر، ويستمد منهم الدعاء، ويطلب أن يحثوا المسلمين على الغزاة، ~~فقد قعد كل واحد من أولئك، ومعه أصحابه وأتباعه، وهم يقرؤون كتب نور الدين، ~~ويبكون ويلعنونني، ويدعون علي، فلا بد من المسير إليه، ثم تجهز وسار بنفسه. # وأما نجم الدين فإنه سير عسكرا، فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم، # PageV09P308 # فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وتابع الزحف إليها، فاجتمع من بقي بالساحل ~~من الفرنج، فجاءوا في حدهم وحديدهم، وملوكهم وفرسانهم، وقسيسيهم، ورهبانهم، ~~وأقبلوا إليه من كل حدب ينسلون، وكان المقدم عليهم البرنس بيمند، صاحب ~~أنطاكية، وقمص، صاحب طرابلس وأعمالها، وابن جوسلين، وهو من مشاهير الفرنج، ~~والدوك، وهو مقدم كبير من الروم، وجمعوا الفارس والراجل، فلما قاربوه رحل ~~عن حارم إلى أرتاح طمعا أن يتبعوه، فيتمكن منهم ; لبعدهم عن بلادهم إذا ~~لقوه، فساروا، فنزلوا على غمر، ثم علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، ~~فلما عادوا تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب. # فلما تقاربوا اصطفوا للقتال، فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين، ~~وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون فيها، وتبعهم الفرنج، ms4082 فقيل ~~كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأي دبروه، وهو أن يتبعهم الفرنج ~~فيبعدوا عن راجلهم، فيميل عليهم من بقي من المسلمين بالسيوف، فيقتلوهم، ~~فإذا عاد فرسانهم لم يلقوا راجلا يلجأون إليه، ولا وزرا يعتمدون عليه، ~~ويعود المنهزمون في آثارهم، فيأخذهم المسلمون من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم، فكان الأمر على ما دبروه: فإن الفرنج لما تبعوا ~~المنهزمين عطف زين الدين علي في عسكر الموصل على راجل الفرنج، فأفناهم قتلا ~~وأسرا، وعاد خيالتهم، ولم يمعنوا في الطلب خوفا على راجلهم، فعاد المنهزمون ~~في آثارهم، فلما وصل الفرنج رأوا رجالهم قتلى وأسرى، فسقط في أيديهم، ورأوا ~~أنهم قد هلكوا وبقوا في الوسط قد أحدق بهم المسلمون من كل جانب، فاشتدت ~~الحرب، وقامت على ساق، وكثر القتلى في الفرنج، وتمت عليهم الهزيمة، فعدل ~~حينئذ المسلمون عن القتل إلى الأسر، فأسروا ما لا يحد، وفي جملة الأسرى ~~صاحب أنطاكية والقمص، صاحب طرابلس، وكان شيطان الفرنج، وأشدهم شكيمة على ~~المسلمين، والدوك مقدم الروم، وابن جوسلين، وكانت عدة القتلى تزيد على عشرة ~~آلاف قتيل. # وأشار المسلمون على نور الدين بالمسير إلى أنطاكية وتملكها لخلوها من حام # PageV09P309 # يحميها ومقاتل يذب عنها، فلم يفعل، وقال: أما المدينة فأمرها سهل، وأما ~~القلعة فمنيعة، وربما سلموها إلى ملك الروم ; لأن صاحبها ابن أخيه ومجاورة ~~بيمند أحب إلي من مجاورة صاحب قسطنطينية، وبث السرايا في تلك الأعمال، ~~فنهبوها، وأسروا أهلها وقتلوهم، ثم إنه فادى بيمند البرنس، صاحب أنطاكية، ~~بمال جزيل وأسرى من المسلمين كثيرة أطلقهم. # ذكر ملك نور الدين قلعة بانياس من الفرنج أيضا # في ذي الحجة من هذه السنة فتح نور الدين محمود قلعة بانياس، وهي بالقرب ~~من دمشق، وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ولما فتح حارم ~~أذن لعسكر الموصل وديار بكر بالعود إلى بلادهم، وأظهر أنه يريد طبرية، فجعل ~~من بقي من الفرنج همتهم حفظها وتقويتها، فسار محمود إلى بانياس لعلمه بقلة ~~من فيها من الحماة المانعين عنها، ونازلها، وضيق عليها ms4083 وقاتلها، وكان في ~~جملة عسكره أخوه نصرة الدين أمير أميران، فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه، ~~فلما رآه نور الدين قال له: لو كشف لك عن الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب ~~الأخرى. وجد في حصارها، فسمع الفرنج، فجمعوا، فلم تتكامل عدتهم، حتى فتحها، ~~على أن الفرنج كانوا قد ضعفوا بقتل رجالهم بحارم وأسرهم، فملك القلعة، ~~وملأها ذخائر، وعدة، ورجالا، وشاطر الفرنج في أعمال طبرية، وقرروا له على ~~الأعمال التي لم يشاطرهم عليها مالا في كل سنة. # ووصل خبر ملك حارم وحصر بانياس إلى الفرنج بمصر، فصالحوا شيركوه، وعادوا ~~ليدركوا بانياس، فلم يصلوا إلا وقد ملكها، ولما عاد منها إلى دمشق كان بيده # PageV09P310 # خاتم بفص ياقوت من أحسن الجوهر، وكان يسمى الجبل لكبره وحسنه، فسقط من ~~يده في شعاري بانياس، وهي كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان، فلما أبعد عن ~~المكان الذي ضاع فيه علم به، فأعاد بعض أصحابه في طلبه، ودلهم على المكان ~~الذي كان آخر عهده به فيه، وقال: أظن هناك سقط، فعادوا إليه، فوجدوه، فقال ~~بعض الشعراء الشاميين أظنه ابن منير يمدحه، ويهنئه بهذه الغزاة، ويذكر ~~الجبل الياقوت: # إن يمتر الشكاك فيك فإنك ... ال مهدي مطفي جمرة الدجال # فلعودة الجبل الذي أظللته ... بالأمس بين غياطل وجبال # لم يعطها إلا سليمان وقد ... نبت الربا بموشك الإعجال # رحرحرى لسرير ملكك إنه ... كسريره عن كل حد عال # فلو البحار السبعة استهوينه ... وأمرتهن قذفنه في الحال # ولما فتح الحصن كان معه ولد معين الدين أنز الذي سلم بانياس إلى الفرنج، ~~فقال له: للمسلمين بهذا الفتح فرحة واحدة، ولك فرحتان، فقال: كيف ذاك؟ قال: # PageV09P311 # لأن اليوم برد الله جلد والدك من نار جهنم. # ذكر أخذ الأتراك غزنة من ملكشاه وعوده إليها # في هذه السنة قصد بلاد غزنة الأتراك المعروفون بغز، ونهبوها، وخربوها، ~~وقصدوا غزنة وبها صاحبها ملكشاه بن خسروشاه المحمودي، فعلم أنه لا طاقة له ~~بهم، ففارقها وسار إلى مدينة لهاوور، وملك الغز مدينة غزنة، وكان القيم ~~بأمرهم أمير اسمه زنكي بن علي بن خليفة ms4084 الشيباني، ثم إن صاحبها ملكشاه جمع ~~وعاد إلى غزنة، ففارقها زنكي وعاد ملكها ملكشاه ودخلها في جمادى الآخرة سنة ~~تسع وخمسين وخمسمائة وتمكن في دار ملكه. # ذكر وفاة جمال الدين الوزير وشيء من سيرته # في هذه السنة توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور ~~الأصفهاني، وزير قطب الدين، صاحب الموصل، في شعبان مقبوضا، وكان قد قبض ~~عليه سنة ثمان وخمسين، فبقي في الحبس نحو سنة. # حكى لي إنسان صوفي يقال له أبو القاسم كان مختصا بخدمته في الحبس، قال: ~~لم يزل مشغولا في محبسه بأمر آخرته، وكان يقول: كنت أخشى أن أنقل من الدست ~~إلى القبر، فلما مرض قال لي في بعض الأيام: يا أبا القاسم! إذا جاء طائر ~~أبيض إلى الدار، فعرفني. قال: فقلت في نفسي قد اختلط عقله، فلما كان الغد ~~أكثر السؤال عنه، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط، فقلت: جاء الطائر، ~~فاستبشر، ثم قال: جاء الحق، وأقبل على الشهادة وذكر الله تعالى، إلى أن ~~توفي، فلما توفي طار ذلك الطائر، فعلمت أنه رأى شيئا في معناه. # PageV09P312 # ودفن بالموصل عند فتح الكرامي، رحمة الله عليهما، نحو سنة، ثم نقل إلى ~~المدينة، فدفن بالقرب من حرم النبي، صلى الله عليه وسلم، في رباط بناه ~~لنفسه هناك، وقال لأبي القاسم: بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد، من مات منا ~~قبل صاحبه حمله إلى المدينة، فدفنه بها في التربة التي عملها، فإذا أنا مت ~~فامض إليه وذكره، فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى، فقال له ~~شيركوه: كم تريد؟ فقال: أريد أجرة جمل يحمله وجمل يحملني وزادي، فانتهره، ~~وقال: مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة، وأعطاه مالا صالحا ; ليحمل معه ~~جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة يقرءون عليه بين يدي تابوته إذا حمل، ~~وإذا نزل عن الجمل، وإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراء ينادون للصلاة ~~عليه، فيصلى عليه في كل بلدة يجتاز بها، وأعطاه أيضا مالا للصدقة عنه، فصلي ~~عليه ms4085 في تكريت، وبغداد، والحلة، وفيد، ومكة، والمدينة، وكان يجتمع له في كل ~~بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أرادوا الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع ~~مرتفع، وأنشد بأعلى صوته: # سرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله # يمر على الوادي فتثني رماله ... عليه وبالنادي فتثني أرامله # فلم نر باكيا أكثر من ذلك اليوم، فطافوا به حول الكعبة، وصلوا عليه ~~بالحرم الشريف، وبين قبره وقبر النبي، صلى الله عليه وسلم، نحو خمسة عشر ~~ذراعا. # وأما سيرته فكان، رحمه الله، أسخى الناس، وأكثرهم بذلا للمال، رحيما ~~بالخلق، متعطفا عليهم، عادلا فيهم، فمن أعماله الحسنة: أنه جدد بناء مسجد ~~الخيف # PageV09P313 # بمنى، وغرم عليه أموالا جسيمة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة ~~وذهبها، وعملها بالرخام، ولما أراد ذلك أرسل إلى المقتفي لأمر الله هدية ~~جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كثيرة، وخلعا ~~سنية، منها عمامة مشتراها ثلاثمائة دينار، حتى مكنه من ذلك. # وعمر أيضا المسجد الذي على جبل عرفات والدرج التي يصعد فيها إليه، وكان ~~الناس يلقون شدة في صعودهم، وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء، وأجرى الماء ~~إليها من نعمان في طرق معمولة تحت الأرض، فخرج عليها مال كثير. وكان يجري ~~الماء في المصانع كل سنة أيام عرفات، وبنى سورا على مدينة النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى فيد، وبنى لها أيضا فصيلا. # وكان يخرج على باب داره، كل يوم، للصعاليك والفقراء مائة دينار أميري، ~~هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوتات. # ومن أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة عند ~~جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلس، فقبض قبل أن يفرغ، ~~وبنى عندها أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالإرباد، وبنى الربط، وقصده ~~الناس من أقطار الأرض، ويكفيه أن ابن الخجندي، رئيس أصحاب الشافعي بأصفهان، ~~قصده وابن الكافي قاضي همذان، فأخرج عليهما مالا عظيما، وكانت صدقاته ~~وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن. # وكان يشتري الأسرى كل ms4086 سنة بعشرة آلاف دينار، هذا من الشام حسب، سوى ما ~~يشتري من الكرج. # حكى لي والدي عنه قال: كثيرا ما كنت أرى جمال الدين، إذا قدم إليه ~~الطعام، يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه، فكنت أنا ومن يراه ~~نظن أنه يحمله إلى أم ولده علي، فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة ~~مع قطب الدين، وكنت # PageV09P314 # أتولى ديوانها، وحمل جاريته أم ولده إلى داري ; لتدخل الحمام، فبقيت في ~~الدار أياما، فبينما أنا عنده في الخيام وقد أكل الطعام، فعل كما كان يفعل، ~~ثم تفرق الناس، فقمت، فقال: اقعد، فقعدت، فلما خلا المكان قال لي: قد آثرتك ~~اليوم على نفسي، فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله، خذ هذا ~~الخبز، واحمله أنت في كمك في هذا المنديل، واترك الحماقة من رأسك، وعد إلى ~~بيتك، فإذا رأيت في طريقك فقيرا يقع في نفسك أنه مستحق، فاقعد أنت بنفسك، ~~وأطعمه هذا الطعام، قال: ففعلت ذلك، وكان معي جمع كثير، ففرقتهم في الطريق ~~; لئلا يروني أفعل ذلك، وبقيت في غلماني، فرأيت في موضع إنسانا أعمى، وعنده ~~أولاده وزوجته، وهم من الفقر في حال شديد، فنزلت عن دابتي إليهم، وأخرجت ~~الطعام وأطعمتهم إياه، وقلت للرجل: تجيء غدا بكرة إلى دار فلان، أعني داري، ~~ولم أعرفه نفسي، فإنني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئا، ثم ركبت إليه ~~العصر، فلما رآني قال: ما الذي فعلت في الذي قلت لك؟ فأخذت أذكر له شيئا ~~يتعلق بدولتهم، فقال: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته ~~إليك، فذكرت له الحال، ففرح ثم قال: بقي أنك لو قلت للرجل يجيء إليك هو ~~وأهله، فتكسوهم وتعطيهم دنانير، وتجري لهم كل شهر دينارا. قال: فقلت له: قد ~~قلت للرجل حتى يجيء إلي، فازداد فرحا، وفعلت بالرجل ما قال: ولم يزل يصل ~~إليه رسمه حتى قبض. وله من هذا كثير، فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه ~~في بعض السنين التي تعذرت ms4087 الأقوات فيها. # ذكر إجلاء القارغلية من وراء النهر # كان خان خانان الصيني ملك الخطا قد فوض ولاية سمرقند وبخارى إلى الخان ~~جغري خان بن حسن تكين، واستعمله عليهما، وهو من بيت الملك، قديم الأبوة، ~~فبقي فيها مدبرا لأمورها، فلما كان الآن أرسل إليه ملك الخطا بإجلاء ~~الأتراك القارغلية من أعمال بخارى وسمرقند إلى كاشغر، وأن يتركوا حمل ~~السلاح، ويشتغلوا بالزراعة وغيرها من الأعمال، فتقدم جغري خان إليهم بذلك، ~~فامتنعوا، فألزمهم وألح # PageV09P315 # عليهم بالانتقال، فاجتمعوا وصارت كلمتهم واحدة، فكثروا، وساروا إلى ~~بخارى، فأرسل الفقيه محمد بن عمر بن برهان الدين عبد العزيز بن مازة، رئيس ~~بخارى، إلى جغري خان يعلمه ذلك ويحثه على الوصول إليهم بعساكره قبل أن يعظم ~~شرهم، وينهبوا البلاد. # وأرسل إليهم ابن مازة يقول لهم: إن الكفار بالأمس لما طرقوا هذه البلاد ~~امتنعوا عن النهب والقتل، وأنتم مسلمون، غزاة، يقبح منكم مد الأيدي إلى ~~الأموال والدماء، وأنا أبذل لكم من الأموال ما ترضون به لتكفوا عن النهب ~~والغارة، فترددت الرسل بينهم في تقرير القاعدة، وابن مازة يطاول بهم ويمادي ~~الأيام إلى أن وصل جغري خان، فلم يشعر الأتراك القارغلية إلا وقد دهمهم ~~جغري خان في جيوشه بغتة ووضع السيف فيهم. فانهزموا، وتفرقوا، وكثر القتل ~~فيهم والنهب. واختفى طائفة في الغياض والآجام، ثم ظفر بهم أصحاب جغري خان ~~فقطعوا دابرهم، ودفعوا عن بخارى ونواحيها ضررهم، وخلت تلك الأرض منهم. # ذكر استيلاء سنقر على الطالقان وغرشستان # في هذه السنة استولى الأمير صلاح الدين سنقر، وهو من مماليك السنجرية، ~~على بلاد الطالقان، وأغار على حدود غرشستان، وتابع الغارات عليها حتى ~~ملكها، فصارت الولايتان له وبحكمه، وله فيهما حصون منيعة، وقلاع حصينة، ~~وصالح الأمراء الغزية، وحمل لهم الإتاوة كل سنة. # ذكر قتل صاحب هراة # كان صاحب هراة الأمير إيتكين بينه وبين الغز مهادنة، فلما توفي ملك الغور ~~محمد طمع في بلادهم، فغزاهم غير مرة، ونهب وأغار، فلما كان في شهر رمضان من ~~هذه السنة جمع إيتكين جموعه وسار إلى بلاد الغور، وساروا ms4088 إلى باميان وإلى ~~ولاية بست والرخج، فقاتله صاحبها طغرل تكين يرنقش الفلكي من قبل الغورية، ~~فظهروا إلى باميان، واستولى [على] بست والرخج فسلمها إلى بعض أولاد ملوك # PageV09P316 # الغور، وأما إيتكين فإنه توغل في بلاد الغور، فأتاه أهلها، وقاتلوه، ~~وصدوه، وصدقوه القتال، فانهزم عسكره، وقتل هو في المعركة. # ذكر ملك شاه مازندران قومس وبسطاما # قد ذكرنا استيلاء المؤيد صاحب نيسابور على قومس وبسطام وتلك البلاد، وأنه ~~استناب بها مملوكه تنكز، فلما كان هذه السنة جهز شاه مازندران جيشا، ~~واستعمل عليهم أميرا له يعرف بسابق الدين القزويني، فسار إلى دامغان، ~~فملكها، فجمع تنكز من عنده من العساكر وسار إليه إلى دامغان، فخرج إليه ~~القزويني، فوصل إلى تنكز على غرة منه، فلم يشعر هو وعسكره إلا وقد كبسهم ~~القزويني ووضع السيف فيهم، فتفرقوا وولوا منهزمين، واستولى عسكر شاه ~~مازندران على تلك البلاد، وعاد تنكز إلى المؤيد صاحب نيسابور. واشتغل ~~بالغارة على بسطام وبلاد قومس. # ذكر عصيان غمارة بالمغرب # لما تحقق الناس موت عبد المؤمن سنة تسع وخمسين [وخمسمائة] ، ثارت قبائل ~~غمارة مع مفتاح بن عمرو، وكان مقدما كبيرا فيهم، وتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا ~~في جبالهم، وهي معاقل مانعة، وهم أمم جمة، فتجهز إليهم أبو يعقوب يوسف بن ~~عبد المؤمن، ومعه أخواه عمرو وعثمان، في جيش كبير من الموحدين والعرب، ~~وتقدموا إليهم، فاقتتلوا سنة إحدى وستين وخمسمائة، فانهزمت غمارة، وقتل ~~منهم كثير، وفيمن قتل مفتاح بن عمرو مقدمهم، وجماعة من أعيانهم ومقدميهم، ~~وملكوا بلادهم عنوة. # وكان هناك قبائل كثيرة يريدون الفتنة، فانتظروا ما يكون من غمارة، فلما ~~قتلوا ذلت تلك القبائل وانقادوا للطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة ومعصية، فسكنت ~~الدهماء في جميع المغرب. # PageV09P317 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أغار الأمير محمد بن أنز على بلد الإسماعيلية بخراسان ~~وأهلها غافلون، فقتل منهم، وأسر وسبى وأكثر، وملأ أصحابه أيديهم من ذلك. # وفيها توفي أبو الفضل نصر بن خلف ملك سجستان، وعمره أكثر من مائة سنة، ~~ومدة ملكه ثمانون سنة، وملك بعده ابنه شمس الدين أبو الفتح ms4089 أحمد بن نصر، ~~وكان أبو الفضل ملكا عادلا عفيفا عن رعيته، وله آثار حسنة في نصرة السلطان ~~سنجر في غير موقف. # وفيها خرج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر لا تحصى وقصد بلاد الإسلام ~~التي بيد قلج أرسلان وابن دانشمند، فاجتمع التركمان في تلك البلاد في جمع ~~كبير، فكانوا يغيرون على أطراف عسكره ليلا، فإذا أصبح لا يرى أحدا. # وكثر القتل في الروم حتى بلغت عدة القتلى عشرات ألوف، فعاد إلى ~~القسطنطينية، ولما عاد ملك المسلمون منه عدة حصون. # [الوفيات] # وفيها توفي الإمام عمر الخوارزمي خطيب بلخ ومفتيها بها. # والقاضي أبو بكر المحمودي، صاحب التصانيف والأشعار، وله مقامات بالفارسية ~~على نمط مقامات الحريري بالعربية. # PageV09P318 ### | [ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة] ### | 560 - # ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة # ذكر وفاة شاه مازندران وملك ابنه بعده # في هذه السنة، ثامن ربيع الأول، توفي شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار ~~بن قارن، ولما توفي كتم ابنه علاء الدين الحسن موته أياما، حتى استولى على ~~سائر الحصون والبلاد، ثم أظهره، فلما ظهر خبر وفاته أظهر إيثاق صاحب جرجان ~~ودهستان المنازعة لولده في الملك، ولم يرع حق أبيه، فإنه لم يزل يذب عنه ~~ويحميه إذا التجأ إليه، ولكن الملك عقيم، ولم يحصل من منازعته على شيء غير ~~سوء السمعة وقبح الأحدوثة. # ذكر حصر عسكر المؤيد نسا ورحيلهم عنها # كان المؤيد قد سير جيشا إلى مدينة نسا، فحصروها إلى جمادى الأولى في هذه ~~السنة، فسير خوارزم شاه أيل أرسلان بن أتسز جيشا إلى نسا، فلما قاربوها رحل ~~عنها عسكر المؤيد، وعادوا إلى نيسابور أواخر جمادى الأولى. # وسار عسكر المؤيد إلى عسكر خوارزم، لأنهم توجهوا إلى نيسابور، فتقدم ~~العسكر المؤيدي ليردهم عنها، فلما سمع العسكر الخوارزمي بهم عاد عنهم، وصار ~~صاحب نسا في طاعة خوارزم شاه والخطبة له فيها. # وسار عسكر خوارزم إلى دهستان، فالتجأ صاحبها الأمير إيثاق إلى المؤيد، # PageV09P319 # صاحب نيسابور، بعد تمكن الوحشة بينهما، فقبله المؤيد وسير إليه جيشا ~~كثيفا، فأقاموا عنده حتى دفع الضرر عن ms4090 نفسه وبلده من جهة طبرستان. # وأما دهستان فإن عسكر خوارزم غلبوا عليها وصار لهم فيها شحنة. # ذكر استيلاء المؤيد على هراة # قد ذكرنا قتل صاحب هراة سنة تسع وخمسين [وخمسمائة] ، فلما قتل تجهز ~~الأمراء الغزية وساروا إلى هراة وحصروها، وقد تولى أمرها إنسان يلقب أثير ~~الدين، وكان له ميل إلى الغز، وهو يحاربهم ظاهرا، ويراسلهم باطنا، فهلك ~~لهذا السبب خلق كثير من أهل هراة، فاجتمع أهلها فقتلوه، وقام مقامه أبو ~~الفتوح علي بن فضل الله الطغرائي، فأرسل أهلها إلى المؤيد أي أبه، صاحب ~~نيسابور، بالطاعة والانقياد إليه، فسير إليهم مملوكه سيف الدين تنكز في ~~جيش، وسير جيشا آخر أغاروا على سرخس، ومرو، فأخذوا دواب الغز وعادوا ~~سالمين، فلما سمع الغز بذلك رحلوا عن هراة إلى مرو. # ذكر الحرب بين قلج أرسلان وبين ابن دانشمند # في هذه السنة كانت الفتنة بين الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان، ~~صاحب قونية وما يجاورها من بلد الروم، وبين ياغي أرسلان بن دانشمند، صاحب ~~ملطية وما يجاورها من بلد الروم، وجرى بينهما حرب شديدة. # وسببها أن قلج أرسلان تزوج ابنة الملك صليق بن علي بن أبي القاسم، فسيرت ~~الزوجة إلى قلج أرسلان مع جهاز كثير لا يعلم قدره، وأغار ياغي أرسلان صاحب ~~ملطية عليه، وأخذ العروس وما معها وأراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون بن ~~محمد بن دانشمند، فأمرها بالردة عن الإسلام، ففعلت ; لينفسخ النكاح من قلج ~~أرسلان، ثم عادت إلى الإسلام، فزوجها من ابن أخيه، فجمع قلج أرسلان عسكره ~~وسار إلى ابن دانشمند، فالتقيا واقتتلا، فانهزم قلج أرسلان، والتجأ إلى ملك ~~الروم، واستنصره، فأرسل إليه جيشا كثيرا، فمات ياغي أرسلان بن دانشمند في ~~تلك الأيام، وملك قلج # PageV09P320 # أرسلان بعض بلاده، واصطلح هو والملك إبراهيم بن محمد بن دانشمند، لأنه ~~ملك البلاد بعد عمه ياغي أرسلان، واستولى ذو النون بن محمد بن دانشمند على ~~مدينة قيسارية، وملك شاهان شاه بن مسعود أخو قلج أرسلان على مدينة أنكورية ~~واستقرت القواعد بينهم واتفقوا. # ذكر ms4091 الفتنة بين نور الدين وقلج أرسلان # في هذه السنة كانت وحشة متأكدة بين نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام، ~~وبين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان، صاحب الروم، أدت إلى الحرب ~~والتضاغن، فلما بلغ خبرها إلى مصر كتب الصالح بن رزيك، وزير صاحب مصر، إلى ~~قلج أرسلان ينهاه عن ذلك، ويأمره بموافقته، وكتب فيه شعرا: # نقول ولكن أين من يتفهم ... ويعلم وجه الرأي والرأي مبهم # وما كل من قاس الأمور وساسها ... يوفق للأمر الذي هو أحزم # وما أحد في الملك يبقى مخلدا ... وما أحد مما قضى الله يسلم # أمن بعد ما ذاق العدى طعم حربكم # [بفيهم وكانت] وهي صاب وعلقم ... رجعتم إلى حكم التنافس بينكم # وفيكم من الشحناء نار تضرم ... أما عندكم من يتقي الله وحده # أما في رعاياكم من الناس مسلم ... تعالوا لعل الله ينصر دينه # إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتم ... وننهض نحو الكافرين بعزمة # بأمثالها تحوى البلاد وتقسم # وهي أطول من هذه، هكذا ذكر بعض العلماء هذه الحادثة وأن الصالح أرسل بهذا ~~الشعر، فإن كان الشعر للصالح فينبغي أن تكون الحادثة قبل هذا التاريخ، لأن ~~الصالح قتل سنة ست وخمسين [وخمسمائة] في رمضان، وإن لم يكن الشعر له ~~فالحادثة في هذا التاريخ، (ويحتمل) أن يكون هذا التنافس كان أيام الصالح ~~(فكتب الأبيات ثم) امتد إلى الآن. # PageV09P321 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف ~~بن الخجندي وبين القاضي وغيره من أصحاب المذاهب، بسبب التعصب للمذاهب، فدام ~~القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قتل فيها خلق كثير، واحترق وهدم ~~كثير من الدور والأسواق، ثم افترقوا على أقبح صورة. # وفيها بنى الإسماعيلية قلعة بالقرب من قزوين، فقيل لشمس الدين إيلدكز ~~عنها، فلم يكن له إنكار لهذه الحال خوفا من شرهم وغائلتهم، فتقدموا بعد ذلك ~~إلى قزوين، فحصروها، وقاتلهم أهلها أشد قتال رآه الناس. # وحكى لي بعض أصدقائنا بل مشايخنا من الأئمة الفضلاء، قال: كنت بقزوين ~~أشتغل بالعلم، وكان ms4092 بها إنسان يقود جمعا كبيرا، وكان موصوفا بالشجاعة، وله ~~عصابة حمراء، إذا قاتل عصب بها رأسه، قال: فكنت أحبه وأشتهي الجلوس معه، ~~قال: فبينما أنا عنده يوما إذا هو يقول: كأني بالملاحدة وقد قصدوا البلد ~~غدا، فخرجنا إليهم وقاتلناهم، فكنت أول الناس وأنا متعصب بهذه العصابة، ~~فقتلناهم، فلم يقتل غيري، ثم ترجع الملاحدة، ويرجع أهل البلد. # قال: فو الله لما كان الغد إذ قد وقع الصوت بوصول الملاحدة، فخرج الناس، ~~قال: فذكرت قول الرجل، فخرجت والله وليس لي همة إلا [أن] أنظر هل يصح ما ~~قال أم لا؟ قال: فلم يكن إلا قليل حتى عاد الناس وهو محمول على أيديهم ~~قتيلا بعصابته الحمراء، وذكروا أنه لم يقتل بينهم غيره، فبقيت متعجبا من ~~قوله كيف صح، ولم يتغير منه شيء، ومن أين له هذا اليقين؟ # ولما حكى لي هذه الحكاية لم أسأله عن تاريخها، وإنما كان في هذه المدة في ~~تلك البلاد، فلهذا أثبتها هذه السنة على الظن والتخمين. # وفيها قبض المؤيد أي أبه، صاحب نيسابور، على وزيره ضياء الملك محمد بن # PageV09P322 # أبي طالب سعد بن أبي القاسم محمود الرازي وحبسه، واستوزر بعده نصير الدين ~~أبا بكر محمد بن أبي نصر محمد المستوفي، وكان أيام السلطان سنجر يتولى ~~إشراف ديوانه، وهو من أعيان الدولة السنجرية. # وفي هذه السنة وردت الأخبار أن الناس حجوا سنة تسع وخمسين، ولقوا شدة، ~~وانقطع منهم خلق كثير في فيد، والثعلبية، وواقصة، وغيرها، وهلك كثير، ولم ~~يمض الحاج إلى مدينة النبي، صلى الله عليه وسلم، لهذه الأسباب، ولشدة ~~الغلاء فيها، وعدم ما يقتات، ووقع الوباء في البادية وهلك منهم عالم لا ~~يحصون، وهلكت مواشيهم، وكانت الأسعار بمكة غالية. # وفيها، في صفر، قبض المستنجد بالله على الأمير توبة بن العقيلي، وكان قد ~~قرب منه قربا عظيما بحيث يخلو معه، وأحبه المستنجد محبة كثيرة، فحسده ~~الوزير ابن هبيرة، فوضع كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعرضوا ليؤخذوا، ~~ففعلوا ذلك وأخذوا وأحضروا عند الخليفة، فأظهروا الكتب بعد الامتناع ~~الشديد، ms4093 فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيد، وكانت حلل توبة ~~على الفرات، فحضر عنده، فأمر بالقبض عليه، فقبض وأدخل بغداد ليلا وحبس، ~~فكان آخر العهد به، فلم يمتع الوزير بعده بالحياة بل مات بعد ثلاثة أشهر، ~~وكان توبة من أكمل العرب مروءة وعقلا وسخاء وإجازة، واجتمع فيه من خلال ~~الكمال ما تفرق في الناس. # [الوفيات] # وفيها، في ربيع الأول، توفي الشهاب محمود بن عبد العزيز الحامدي الهروي ~~وزير السلطان أرسلان، ووزير أتابكه شمس الدين إيلدكز. # وفيها توفي عون الدين الوزير ابن هبيرة، واسمه يحيى بن محمد أبو المظفر، ~~وزير الخليفة، وكان موته في جمادى الأولى ومولده سنة تسعين وأربعمائة، ودفن # PageV09P323 # بالمدرسة التي بناها للحنابلة بباب البصرة، وكان حنبلي المذهب، دينا، ~~خيرا، عالما يسمع حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، وله فيه التصانيف ~~الحسنة، وكان ذا رأي سديد، ونافق على المقتفي نفاقا عظيما، حتى إن المقتفي ~~كان يقول: لم يزر لبني العباس مثله، ولما مات قبض على أولاده وأهله. # وتوفي بهذه السنة محمد بن سعد البغدادي بالموصل، وله شعر حسن، فمن قوله: # أفدي الذي وكلني حبه ... بطول إعلال وإمراض # ولست أدري بعد ذا كله ... أساخط مولاي أم راض # وفيها توفي الشيخ الإمام أبو القاسم عمر بن عكرمة بن البرزي الشافعي، ~~(تفقه على الفقيه) إلكيا الهراسي، وكان واحد عصره في الفقه، تأتيه الفتاوى ~~من العراق وخراسان وسائر البلاد، وهو من جزيرة ابن عمر. # PageV09P324 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة] ### | 561 - # ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة # ذكر فتح المنيطرة من بلد الفرنج # في هذه السنة فتح نور الدين محمود بن زنكي حصن المنيطرة من الشام، وكان ~~بيد الفرنج، ولم يحشد له، ولا جمع عساكره، وإنما سار إليه جريدة على غرة ~~منهم، وعلم أنه إن جمع العساكر حذروا وجمعوا، وانتهز الفرصة وسار إلى ~~المنيطرة وحصره، وجد في قتاله، فأخذه عنوة وقهرا، وقتل من بها وسبى، وغنم ~~غنيمة كثيرة، فإن الذين به كانوا آمنين، فأخذتهم خيل الله بغتة وهم لا ~~يشعرون، ولم ms4094 يجتمع الفرنج لدفعه إلا وقد ملكه، ولو علموا أنه جريدة في قلة ~~من العساكر لأسرعوا إليه، إنما ظنوه أنه في جمع كثير. فلما ملكه تفرقوا ~~وأيسوا من رده. # ذكر قتل خطلبرس مقطع واسط # في هذه السنة قتل خطلبرس مقطع واسط، قتله ابن أخي شملة صاحب خوزستان. # وسبب ذلك أن ابن سنكا، وهو ابن أخي شملة، كان قد صاهر منكوبرس مقطع # PageV09P325 # البصرة، فاتفق أن المستنجد بالله قتل منكوبرس سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ~~فلما قتل قصد ابن سنكا البصرة ونهب قراها، فأرسل من بغداد إلى كمشتكين، ~~صاحب البصرة، بمحاربة ابن سنكا، فقال: أنا عامل لست بصاحب جيش، يعني أنه ~~ضامن لا يقدر على إقامة عسكر، فطمع ابن سنكا، وأصعد إلى واسط، ونهب سوادها، ~~فجمع خطلبرس مقطعها جمعا وخرج إلى قتاله. # وكاتب ابن سنكا الأمراء الذين مع خطلبرس، فاستمالهم، ثم قاتلهم، فانهزم ~~عسكره، فقتله، وأخذ ابن سنكا علم خطلبرس، فنصبه، فلما رآه أصحابه ظنوه ~~باقيا، فجعلوا يعودون إليه، وكل من رجع أخذه ابن سنكا، فقتله أو أسره. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج الكرج في جمع كثير وأغاروا على بلدان، حتى بلغوا كنجة، ~~فقتلوا وأسروا كثيرا ونهبوا ما لا يحصى. # [الوفيات] # وفيها توفي الحسن بن العباس بن رستم أبو عبد الله الأصفهاني الرستمي، ~~الشيخ الصالح، وهو مشهور يروي عن أحمد بن خلف، وغيره. # وفيها، في ربيع الآخر، توفي الشيخ عبد القادر بن أبي صالح أبو محمد ~~الجيلي المقيم ببغداد، ومولده سنة سبعين وأربعمائة، وكان من الصلاح على ~~حالة كبيرة، وهو حنبلي المذهب، ومدرسته ورباطه مشهوران ببغداد. # PageV09P326 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة] ### | 562 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة # ذكر عود أسد الدين شيركوه إلى مصر # قد ذكرنا سنة تسع وخمسين وخمسمائة مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر، وما ~~كان منه، وقفوله إلى الشام، فلما وصل إلى الشام أقام على حاله في خدمة نور ~~الدين إلى الآن. # وكان بعد عوده منها لا يزال يتحدث بها وبقصدها، وكان عنده من الحرص على ~~ذلك ms4095 كثير، فلما كان هذه السنة تجهز وسار في ربيع الآخر في جيش قوي، وسير ~~معه نور الدين جماعة من الأمراء، فبلغت عدتهم ألفي فارس، وكان كارها لذلك، ~~ولكن لما رأى جد أسد الدين في المسير لم يمكنه إلا أن يسير معه جمعا خوفا ~~من حادث يتجدد عليهم، فيضعف الإسلام، فلما اجتمع معه عسكره سار إلى مصر على ~~البر، وترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصرية، فقصد إطفيح، وعبر ~~النيل عندها إلى الجانب الغربي، ونزل بالجيزة مقابل مصر، وتصرف في البلاد ~~الغربية، وحكم عليها، وأقام نيفا وخمسين يوما. # وكان شاور لما بلغه مجيء أسد الدين إليهم قد أرسل إلى الفرنج يستنجدهم، ~~فأتوه على الصعب والذلول، طمعا في ملكها، وخوفا أن يملكها أسد الدين فلا ~~يبقى لهم في بلادهم مقام معه ومع نور الدين، فالرجاء يقودهم، والخوف ~~يسوقهم، فلما وصلوا إلى مصر عبروا إلى الجانب الغربي، وكان أسد الدين ~~وعساكره قد ساروا إلى الصعيد، فبلغ مكانا يعرف بالبابين، وسارت العساكر ~~المصرية والفرنج وراءه، فأدركوه بها الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، وكان ~~أرسل إلى المصريين والفرنج جواسين، فعادوا إليه، وأخبروه بكثرة عددهم ~~وعددهم، وجدهم في طلبه، فعزم على قتالهم، إلا أنه خاف من أصحابه أن تضعف ~~نفوسهم عن الثبات في هذا المقام الخطر الذي عطبهم فيه أقرب من سلامتهم، ~~لقلة عددهم وبعدهم عن أوطانهم وبلادهم، # PageV09P327 # وخطر الطريق، فاستشارهم، فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب ~~الشرقي والعود إلى الشام، وقالوا له: إن نحن انهزمنا، وهو الذي يغلب على ~~الظن، فإلى أين نلتجئ، وبمن نحتمي، وكل من في هذه الديار من جندي وعامي ~~وفلاح عدو لنا؟ # فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين بزغش، صاحب شقيف، وكان ~~شجاعا، وقال: من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك بل يكون في بيته مع ~~امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه ~~ليأخذن ما لنا من أقطاع وجامكية، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه ~~إلى يومنا ms4096 هذا، ويقول: تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم، وتسلمون مثل ~~مصر إلى الكفار! والحق بيده. # فقال أسد الدين: هذا الرأي، وبه أعمل، وقال ابن أخيه صلاح الدين مثله، ~~وكثر الموافقون لهم، واجتمعت الكلمة على القتال، فأقام بمكانه حتى أدركه ~~المصريون والفرنج وهو على تعبئة، وجعل الأثقال في القلب يتكثر بها، ولأنه ~~لم يمكنه أن يتركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد، وجعل صلاح الدين في ~~القلب، وقال ولمن معه: إن المصريين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب ظنا ~~منهم أني فيه، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال، ولا تهلكوا نفوسكم، ~~واندفعوا بين أيديهم فإذا عادوا عنكم، فارجعوا في أعقابهم. # واختار هو من شجعان عسكره جمعا يثق بهم ويعرف صبرهم في الحرب، ووقف بهم ~~في الميمنة، فلما تقاتل الطائفتان فعل الفرنج ما ذكره، وحملوا على القلب، ~~فقاتلهم من به قتالا يسيرا، وانهزموا بين أيديهم غير متفرقين وتبعهم ~~الفرنج، فحمل حينئذ أسد الدين فيمن معه على من تخلف عن الذين حملوا من ~~المسلمين والفرنج الفارس والراجل، فهزمهم، ووضع السيف فيهم، فأثخن وأكثر ~~القتل والأسر، فلما عاد الفرنج من المنهزمين رأوا عسكرهم مهزوما، والأرض ~~قفرا، فانهزموا أيضا، وكان هذا من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر ~~مصر وفرنج الساحل. # PageV09P328 # ذكر ملك أسد الدين الإسكندرية وعوده إلى الشام # لما انهزم المصريون والفرنج من أسد الدين بالبابين سار إلى ثغر ~~الإسكندرية، وجبى ما في القرى على طريقه من الأموال، ووصل إلى الإسكندرية، ~~فتسلمها بمساعدة من أهلها سلموها إليه، فاستناب بها صلاح الدين ابن أخيه ~~وعاد إلى الصعيد، فملكه، وجبى أمواله، وأقام به حتى صام رمضان. # وأما المصريون والفرنج فإنهم عادوا واجتمعوا على القاهرة، وأصلحوا حال ~~عساكرهم، وجمعوا وساروا إلى الإسكندرية، فحصروا صلاح الدين بها، واشتد ~~الحصار، وقل الطعام على من بها، فصبر أهلها على ذلك، وسار أسد الدين من ~~الصعيد إليهم، وكان شاور قد أفسد بعض من معه من التركمان، فوصل رسل الفرنج ~~والمصريين يطلبون الصلح، وبذلوا له خمسين ألف دينار سوى ما أخذه من ms4097 البلاد، ~~فأجابهم إلى ذلك، وشرط [على] الفرنج أن لا يقيموا بالبلاد، ولا يتملكوا ~~منها قرية واحدة، فأجابوا إلى ذلك، واصطلحوا وعاد إلى الشام، وتسلم ~~المصريون الإسكندرية في نصف شوال، ووصل شيركوه إلى دمشق ثامن عشر ذي ~~القعدة. # وأما الفرنج فإنهم استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة، ~~وتكون أبوابها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إنفاذ عسكر إليهم، ويكون ~~لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. هذا كله استقر مع شاور، فإن العاضد ~~لم يكن معه حكم ; لأنه قد حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها، وعاد الفرنج إلى ~~بلادهم بالساحل الشامي، وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم. # وكان الكامل شجاع بن شاور قد أرسل إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهي # PageV09P329 # محبته وولاءه، ويسأله الدخول في طاعته، وضمن على نفسه أن يفعل هذا ويجمع ~~الكلمة بمصر على طاعته، وبذل مالا يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وحمل إليه ~~مالا جزيلا، فبقي الأمر على ذلك إلى أن قصد الفرنج مصر سنة أربع وستين ~~وخمسمائة، فكان ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك نور الدين صافيثا وعريمة # في هذه السنة جمع نور الدين العساكر، فسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل ~~وغيره، فاجتمعوا على حمص، فدخل نور الدين بالعساكر بلاد الفرنج، فاجتازوا ~~على حصن الأكراد، فأغاروا ونهبوا، وقصدوا عرقة، فنازلوها، وحصروها، وحصروا ~~حلبة وأخذوها وخربوها، وسارت عساكر المسلمين في بلادهم يمينا وشمالا تغير ~~وتخرب البلاد، وفتحوا العريمة وصافيثا، وعادوا إلى حمص فصاموا بها رمضان. # ثم ساروا إلى بانياس، وقصدوا حصن هونين، وهو للفرنج أيضا، من أمنع حصونهم ~~ومعاقلهم، فانهزم الفرنج عنه وأحرقوه، فوصل نور الدين من الغد فهدم سوره ~~جميعه، وأراد الدخول إلى بيروت، فتجدد في العسكر خلف أوجب التفرق، فعاد قطب ~~الدين إلى الموصل، وأعطاه نور الدين مدينة الرقة على الفرات، وكانت له، ~~فأخذها في طريقه وعاد إلى الموصل. # ذكر قصد ابن سنكا البصرة # في هذه السنة عاد ابن سنكا فقصد البصرة، ونهب بلدها وخربه ms4098 من الجهة ~~الشرقية، وسار إلى مطارا، فخرج إليه كمشتكين، صاحب البصرة، وواقعه واقتتلوا ~~قتالا صبر فيه الفريقان، ثم انهزم كمشتكين إلى واسط، فاجتمع بشرف الدين أبي ~~جعفر بن البلدي الناظر فيها، ومعهما مقطعهما أرغش، واتصلت الأخبار بأن ابن ~~سنكا واصل إلى واسط، فخاف الناس منه خوفا شديدا، فلم يصل إليها. # PageV09P330 # ذكر قصد شملة العراق # في هذه السنة وصل شملة صاحب خوزستان إلى قلعة الماهكي، من أعمال بغداد، ~~وأرسل إلى الخليفة المستنجد بالله يطلب شيئا من البلاد، ويشتط في الطلب، ~~فسير الخليفة أكثر عساكره إليه ; ليمنعوه، وأرسل إليه يوسف الدمشقي يلومه، ~~ويحذره عاقبة فعله، فاعتذر بأن إيلدكز والسلطان أرسلان شاه أقطعا الملك ~~الذي عنده، وهو ولد ملكشاه، البصرة وواسطا والحلة، وعرض التوقيع بذلك، ~~وقال: أنا أقنع بثلث ذلك، فعاد الدمشقي بذلك، فأمر الخليفة بلعنه، وأنه من ~~الخوارج، وجمعت العساكر وسيرت إلى أرغش المسترشدي، وكان بالنعمانية هو وشرف ~~الدين أبو جعفر بن البلدي، ناظر واسط، مقابل شملة. # ثم إن شملة أرسل قلج ابن أخيه في طائفة من العسكر ; لقتال طائفة من ~~الأكراد، فركب أرغش في بعض العسكر الذي عنده، وسار إلى قلج، فحاربه، فأسر ~~قلج وبعض أصحابه وسيرهم إلى بغداد، وبلغ شملة، وطلب الصلح، فلم تقع الإجابة ~~إليه، ثم إن أرغش سقط عن فرسه بعد الوقعة، فمات وبقي شملة مقيما مقابل عسكر ~~الخليفة، فلما علم أنه لا قدرة له عليهم رحل وعاد إلى بلاده، وكانت مدة ~~سفره أربعة أشهر. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة عصى غازي بن حسان المنبجي على نور الدين محمود بن زنكي صاحب ~~الشام، وكان نور الدين قد أقطعه مدينة منبج، فامتنع عليه فيها، فسير إليهم ~~عسكرا، فحصروه، وأخذوها منه، وأقطعها نور الدين أخاه قطب الدين ينال بن ~~حسان، وكان عادلا، خيرا، محسنا إلى الرعية، جميل السيرة، فبقي فيها إلى أن ~~أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. # [الوفيات] # وفيها توفي فخر الدين قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن # PageV09P331 # كيفا ms4099 وأكثر ديار بكر، ولما اشتد مرضه أرسل إلى نور الدين محمود، صاحب ~~الشام، يقول له: بيننا صحبة في جهاد الكفار أريد أن ترعى بها ولدي، ثم ~~توفي، وملك بعده ولده نور الدين محمد، فقام نور الدين الشامي بنصرته والذب ~~عنه، بحيث أن أخاه قطب الدين مودودا، صاحب الموصل، أراد قصد بلاده، فأرسل ~~إليه أخوه نور الدين يمنعه، ويقول له: إن قصدته أو تعرضت إلى بلاده منعتك ~~قهرا، فامتنع من قصده. # وفيها توفي أبو المعالي محمد بن الحسين بن حمدون الكاتب ببغداد، وكان على ~~ديوان الزمام، فقبض عليه فمات محبوسا. # وفيها توفي قماج المسترشدي ولد الأمير، يزدن وهو من أكابر الأمراء ~~ببغداد. # PageV09P332 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة] ### | 563 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستين وخمسمائة # ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين في البلاد # في هذه السنة فارق زين الدين علي بن بكتكين، والنائب عن قطب الدين مودود ~~بن زنكي، صاحب الموصل، خدمة صاحبه بالموصل، وسار إلى إربل، وكان هو الحاكم ~~في الدولة، وأكثر البلاد بيده، منها إربل، وفيها بيته وأولاده وخزانته، ~~ومنها شهرزور وجميع القلاع التي معها، وجميع بلد الهكارية وقلاعه، منها ~~العمادية وغيرها، وبلد الحميدية، وتكريت وسنجار وحران، وقلعة الموصل هو ~~بها، وكان قد أصابه طرش وعمى أيضا، فلما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته ~~بإربل سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود، وبقي معه إربل ~~حسب. # وكان شجاعا، عاقلا، عادلا، حسن السيرة، سليم القلب، ميمون النقيبة، لم ~~ينهزم من حرب قط، وكان كريما كثير العطاء للجند وغيرهم، مدحه الحيص بيص ~~بقصيدة، فلما أراد أن ينشده قال: أنا لا أعرف ما يقول، ولكني أعلم أنه يريد ~~شيئا، فأمر له بخمسمائة دينار وفرس وخلعة وثياب مجموع ذلك ألف دينار، ولم ~~يزل بإربل إلى أن مات بها بهذه السنة. # ولما فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد ~~المسيح وحكمه في البلاد، فعمر القلعة، وكانت خرابا لأن زين الدين كان قليل ~~الالتفات ms4100 إلى العمارة، وسار عبد المسيح سيرة سديدة وسياسة عظيمة، وهو خصي ~~أبيض من مماليك زنكي أتابك عماد الدين. # PageV09P333 # ذكر الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة # في هذه السنة أرسل آقنسقر الأحمديلي، صاحب مراغة، إلى بغداد يسأل أن يخطب ~~للملك الذي هو عنده، وهو ولد السلطان محمد شاه، ويبذل أنه لا يطأ أرض ~~العراق، ولا يطلب شيئا غير ذلك، وبذل مالا يحمله إذا أجيب إلى ما التمسه، ~~فأجيب بتطييب قلبه. # وبلغ الخبر إيلدكز صاحب البلاد، فساءه ذلك، وجهز عسكرا كثيفا، وجعل ~~المقدم عليهم ابنه البهلوان، وسيرهم إلى آقنسقر، فوقعت بينهم حرب أجلت عن ~~هزيمة آقنسقر وتحصنه بمراغة. ونازله البهلوان بها وحصره وضيق عليه. ثم ~~ترددت الرسل بينهم، فاصطلحوا، وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر أحمد بن ~~محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي، وكان ناظرا بواسط أبان في ولايتها عن ~~كفاية عظيمة، فأحضره الخليفة واستوزره، وكان عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس ~~الرؤساء قد تحكم تحكما عظيما، فتقدم الخليفة إلى ابن البلدي بكف يده وأيدي ~~أهله وأصحابه، ففعل ذلك، ووكل بتاج الدين أخي أستاذ الدار، وطالبه بحساب ~~نهر الملك، لأنه كان يتولاه من أيام المقتفي، وكذلك فعل بغيره، فحصل بذلك ~~أموالا جمة، وخافه أستاذ الدار على نفسه، فحمل مالا كثيرا. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد بن أبي بكر بن ~~أبي المظفر السمعاني المروزي، الفقيه الشافعي، وكان مكثرا من سماع الحديث، ~~سافر في طلبه، وسمع ما لم يسمعه غيره، ورحل إلى ما وراء النهر وخراسان ~~دفعات، ودخل إلى بلد الجبل، وأصفهان، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ~~وغير # PageV09P334 # ذلك من البلاد، وله التصانيف المشهورة منها: " ذيل تاريخ بغداد " و " ~~تاريخ مدينة مرو "، وكتاب " النسب "، وغير ذلك، أحسن فيها ما شاء، وقد جمع ~~مشيخته فزادت عدتهم على أربعة آلاف شيخ، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي ~~فقطعه. # فمن جملة قوله فيه أنه كان يأخذ الشيخ ببغداد ms4101 ويعبر به إلى فوق نهر عيسى، ~~فيقول: حدثني فلان بما وراء النهر، وهذا بارد جدا، فإن الرجل سافر إلى ما ~~وراء النهر حقا، وسمع في عامة بلاده من عامة شيوخه، فأي حاجة به إلى هذا ~~التلبيس البارد؟ وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ~~ابن الجوزي لم يبق على أحد إلا مكسري الحنابلة. # وفيها توفي قاضي القضاة أبو البركات جعفر بن عبد الواحد الثقفي في جمادى ~~الآخرة. # وفيها توفي يوسف الدمشقي مدرس النظامية بخوزستان، وكان قد سار رسولا إلى ~~شملة. # وفيها توفي الشيخ أبو النجيب الشهرزوري الصوفي الفقيه، وكان من الصالحين ~~المشهورين، ودفن ببغداد. # PageV09P335 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة] ### | 564 - # ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة # ذكر ملك نور الدين قلعة جعبر # في هذه السنة ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة جعبر، أخذها من صاحبها ~~شهاب الدين مالك بن علي بن مالك العقيلي، وكانت بيده ويد آبائه من قبله من ~~أيام السلطان ملكشاه، وقد تقدم ذكر ذلك، وهي من أمنع القلاع وأحصنها مطلة ~~على الفرات من الجانب الشرقي. # وأما سبب ملكها، فإن صاحبها نزل منها يتصيد، فأخذه بنو كلاب، وحملوه إلى ~~نور الدين في رجب سنة ثلاث وستين، فاعتقله وأحسن إليه، ورغبه في الإقطاع ~~والمال ليسلم إليه القلعة، فلم يفعل، فعدل إلى الشدة والعنف، وتهدده، فلم ~~يفعل، فسير إليها نور الدين عسكرا مقدمه الأمير فخر الدين مسعود بن أبي علي ~~الزعفراني، فحصرها مدة، فلم يظفر منها بشيء، فأمدهم بعسكر آخر، وجعل على ~~الجميع الأمير مجد الدين أبا بكر المعروف بابن الداية، وهو رضيع نور الدين، ~~وأكبر أمرائه، فحصرها أيضا فلم ير له فيها مطمعا، فسلك مع صاحبها طريق ~~اللين، وأشار عليه أن يأخذ من نور الدين العوض ولا يخاطر في حفظها بنفسه، ~~فقبل قوله وسلمها، فأخذ عوضا عنها سروج وأعمالها والملاحة التي بين بلد حلب ~~وباب بزاعة، وعشرين ألف دينار معجلة، وهذا إقطاع عظيم جدا، إلا أنه لا حصن ~~فيه. # وهذا آخر أمر بني ms4102 مالك بالقلعة ولكل أمر أمد ولكل ولاية نهاية، بلغني أنه ~~قيل # PageV09P336 # لصاحبها: أيما أحب إليك وأحسن مقاما، سروج والشام أم القلعة؟ فقال: هذه ~~أكثر مالا، وأما العز ففارقناه بالقلعة. # ذكر ملك أسد الدين مصر وقتل شاور # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار ~~مصر، فملكها، ومعه العساكر النورية. # وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج من البلاد المصرية، وأنهم جعلوا لهم ~~في القاهرة شحنة، وتسلموا أبوابها، وجعلوا لهم فيها جماعة من شجعانهم ~~وأعيان فرسانهم، وحكموا على المسلمين حكما جائرا، وركبوهم بالأذى العظيم، ~~فلما رأوا ذلك، وأن البلاد ليس فيها من يردهم، وأرسلوا إلى ملك الفرنج ~~بالشام، وهو مري ولم يكن للفرنج مذ ظهر بالشام مثله شجاعة ومكرا ودهاء، ~~يستدعونه ليملكها، وأعلموه خلوها من ممانع، وهونوا أمرها عليه، فلم يجبهم ~~إلى ذلك، فاجتمع إليه فرسان الفرنج وذوو الرأي منهم، وأشاروا عليه بقصدها ~~وتملكها، فقال لهم: الرأي عندي أننا لا نقصدها، فإنها طعمة لنا وأموالها ~~تساق إلينا، نتقوى بها على نور الدين، وإن نحن قصدناها ; لنملكها فإن ~~صاحبها وعساكره، وعامة بلاده وفلاحيها، لا يسلمونها إلينا، ويقاتلوننا ~~دونها، ويحملهم الخوف منا على تسليمها إلى نور الدين، ولئن أخذها نور الدين ~~وصار له فيها مثل أسد الدين، فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام، فلم ~~يقبلوا قوله، وقالوا له: إنها لا مانع فيها ولا حامي، وإلى أن يتجهز عسكر ~~نور الدين ويسير إليها، نكون نحن قد ملكناها، وفرغنا من أمرها، وحينئذ ~~يتمنى نور الدين منا السلامة. # فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم يريدون قصد مدينة حمص، ~~فلما سمع نور الدين شرع أيضا بجمع عساكره، وأمرهم بالقدوم عليه، وجد # PageV09P337 # الفرنج في السير إلى مصر، فقدموها، ونازلوا مدينة بلبيس، وملكوها قهرا ~~مستهل صفر، ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا. # وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج، ووعدوهم النصرة عداوة ~~منهم لشاور، منهم ابن الخياط، وابن فرجلة، فقوي جنان الفرنج، وساروا من ~~بلبيس إلى مصر، فنزلوا إلى القاهرة ms4103 عاشر صفر، وحصروها، فخاف الناس منهم أن ~~يفعلوا بهم كما فعلوا بأهل بلبيس، فحملهم الخوف منهم على الامتناع، فحفظوا ~~البلد، وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفظه، فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في ~~بلبيس ; لملكوا مصر والقاهرة، ولكن الله تعالى حسن لهم ما فعلوا ; ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا. # وأمر شاور بإحراق مدينة مصر تاسع صفر، وأمر أهلها بالانتقال منها إلى ~~القاهرة، وأن ينهب البلد، فانتقلوا، وبقوا على الطرق، ونهبت المدينة، ~~وافتقر أهلها، وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم، خوفا أن ~~يملكها الفرنج، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما. # وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به، ويعرفه ضعف المسلمين عن ~~دفع الفرنج، وأرسل في الكتب شعور النساء وقال: هذه شعور نسائي من قصري ~~يستغثن بك ; لتنقذهن من الفرنج، فشرع في تسيير الجيوش. # وأما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها، وشاور هو ~~المتولي للأمر والعساكر والقتال، فضاق به الأمر، وضعف عن ردهم، فأخذ إلى ~~إعمال الحيلة، فأرسل إلى ملك الفرنج يذكر له مودته ومحبته القديمة له، وأن ~~هواه معه ; لخوفه من نور الدين والعاضد، وإنما المسلمون لا يوافقونه على ~~التسليم إليه، ويشير بالصلح، وأخذ مال لئلا يتسلم البلاد نور الدين، فأجابه ~~إلى ذلك على أن يعطوه ألف ألف دينار مصرية، يعجل البعض، ويمهل بالبعض، ~~فاستقرت القاعدة على ذلك. # PageV09P338 # ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليهم، وربما سلمت إلى نور الدين، ~~فأجابوا كارهين، وقالوا: نأخذ المال، فنتقوى به، ونعاود البلاد بقوة لا ~~نبالي معها بنور الدين {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: ~~54] فعجل لهم شاور مائة ألف دينار، وسألهم الرحيل عنه ليجمع لهم المال، ~~فرحلوا قريبا، وجعل شاور يجمع لهم المال من أهل القاهرة ومصر، فلم يتحصل له ~~إلا قدر لا يبلغ خمسة آلاف دينار، وسببه أن أهل مصر كانوا قد احترقت دورهم ~~وما فيها، وما سلم نهب، وهم لا يقدرون على الأقوات فضلا عن الأقساط. # وأما القاهرة فالأغلب على أهلها الجند وغلمانهم، فلهذا تعذرت ms4104 عليهم ~~الأموال، وهم خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه، وبذلوا له ثلث ~~بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكر، وأقطاعهم من البلاد ~~المصرية أيضا خارجا عن الثلث الذي لهم. # وكان نور الدين لما وصله كتب العاضد بحلب أرسل إلى أسد الدين يستدعيه ~~إليه، فخرج القاصد في طلبه، فلقيه على باب حلب، وقد قدمها من حمص وكانت ~~إقطاعه، وكان سبب وصوله أن كتب المصريين وصلته أيضا في المعنى، فسار أيضا ~~إلى نور الدين، واجتمع به، وعجب نور الدين من حضوره في الحال، وسره ذلك، ~~وتفاءل به، وأمر بالتجهيز إلى مصر، وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب ~~والدواب والأسلحة وغير ذلك، وحكمه في العسكر والخزائن، واختار من العسكر ~~ألفي فارس، وأخذ المال، وجمع ستة آلاف فارس، وسار هو ونور الدين إلى دمشق ~~فوصلها سلخ صفر، ورحل إلى رأس الماء، وأعطى نور الدين كل فارس ممن مع أسد ~~الدين عشرين دينارا معونة غير محسوبة من جامكيته، وأضاف إلى أسد الدين ~~جماعة أخرى من الأمراء منهم: مملوكه عز الدين جورديك، وعز الدين قلج، وشرف ~~الدين بزغش، # PageV09P339 # وعين الدولة الياروقي، وقطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وصلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، أخي شيركوه، على كره منه، {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: 216] أحب نور الدين مسير صلاح ~~الدين، وفيه ذهاب بيته، وكره صلاح الدين المسير، وفيه سعادته وملكه، وسيرد ~~ذلك عند موت شيركوه، إن شاء الله تعالى. # وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدا منتصف ربيع الأول، فلما قارب ~~مصر رحل الفرنج عنها عائدين إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا، وسمع ~~نور الدين بعودهم، فسره ذلك، وأمر بضرب البشائر في البلاد، وبث رسله في ~~الأفاق مبشرين بذلك، فإنه كان فتحا جديدا لمصر وحفظا لسائر بلاد الشام ~~وغيرها. # فأما أسد الدين فإنه وصل إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة، ودخل إليها، ~~واجتمع بالعاضد لدين الله، وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة ms4105 العاضدية، ~~وفرح به أهل مصر، وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة، والإقامات ~~الوافرة، ولم يمكن شاور المنع عن ذلك ; لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه ~~وهوى العاضد معهم، فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه، وشرع يماطل أسد الدين ~~في تقرير ما كان بذل لنور الدين من المال، وإقطاع الجند، وإفراد ثلث البلاد ~~لنور الدين، وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين، ويسير معه، ويعده ويمنيه {وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 120] . # ثم إنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو إليها أسد الدين والأمراء الذين معه، ~~ويقبض عليهم، ويستخدم من معهم من الجند، فيمنع بهم البلاد من الفرنج، فنهاه ~~ابنه الكامل، وقال له: والله لئن عزمت على هذا ; لأعرفن شيركوه. فقال له ~~أبوه: والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعا، فقال: صدقت، ولأن نقتل ونحن ~~مسلمون والبلاد إسلامية، خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فإنه ليس بينك ~~وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد ~~إلى نور الدين لم يرسل معه # PageV09P340 # فارسا واحدا، ويملكون البلاد، فترك ما كان عزم عليه. # ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره، فاتفق صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب وعز الدين جورديك وغيرهما على قتل شاور، فأعلموا أسد الدين، فنهاهم ~~عنه، فسكتوا وهم على ذلك العزم من قتله، فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين ~~على عادته، فلم يجده في الخيام، كان قد مضى يزور قبر الشافعي، رضي الله ~~عنه، فلقيه صلاح الدين يوسف وجورديك في جمع من العسكر، وخدموه، وأعلموه بأن ~~شيركوه في زيارة قبر الإمام الشافعي، فقال: نمضي إليه، فساروا جميعا، ~~فسايره صلاح الدين وجورديك وألقياه إلى الأرض عن فرسه، فهرب أصحابه عنه، ~~فأخذ أسيرا، فلم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين، فتوكلوا بحفظه، وسيروا ~~فأعلموا أسد الدين الحال، فحضر، ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه، وسمع ~~الخليفة العاضد صاحب مصر الخبر، فأرسل إلى أسد الدين يطلب منه إنفاذ رأس ~~شاور، وتابع الرسل بذلك، فقتل، وأرسل رأسه ms4106 إلى العاضد في السابع عشر من ~~ربيع الآخر. # ودخل أسد الدين القاهرة، فرأى من اجتماع الخلق ما خافهم على نفسه، فقال ~~لهم: أمير المؤمنين، يعني العاضد، يأمركم بنهب دار شاور، فتفرق الناس عنه ~~إليها، فنهبوها، وقصد هو قصر العاضد، فخلع عليه خلعة الوازرة، ولقب الملك ~~المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة، وهي التي كان فيها ~~شاور، فلم ير فيها ما يقعد عليه، واستقر في الأمر، وغلب عليه، ولم يبق له ~~مانع ولا منازع، واستعمل على الأعمال من يثق به من أصحابه وأقطع البلاد ~~لعساكره. # وأما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل القصر هو وإخوته معتصمين به، ~~فكان آخر العهد بهم، فكان شيركوه يتأسف عليه كيف عدم لأنه بلغه ما كان منه ~~مع أبيه في منعه من قتل شيركوه، وكان يقول: وددت أنه بقي ; لأحسن إليه جزاء ~~الصنيعة. # PageV09P341 # ذكر وفاة أسد الدين شيركوه # لما ثبت قدم أسد الدين، وظن أنه لم يبق له منازع، أتاه أجله {حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44] فتوفي يوم السبت الثاني ~~والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، وكانت ولايته شهرين ~~وخمسة أيام. # وأما ابتداء أمره وسبب اتصاله بنور الدين، فإنه كان هو وأخوه نجم الدين ~~أيوب ابنا شاذي من بلد دوين، وأصلهما من الأكراد الروادية، وهذا النسل هم ~~أشراف الأكراد، فقدما العراق، وخدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد، فرأى من ~~نجم الدين عقلا ورأيا وافرا وحسن سيرة، وكان أكبر من شيركوه، فجعله مستحفظا ~~لقلعة تكريت، وهي له، فسار إليها ومعه أخوه شيركوه فلما انهزم أتابك الشهيد ~~زنكي بن آقسنقر بالعراق من قراجة الساقي على ما ذكرناه سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة، وصل منهزما إلى تكريت، فخدمه نجم الدين، وأقام له السفن فعبر ~~دجلة هناك، وتبعه أصحابه، فأحسن أيوب صحبتهم وسيرهم. # ثم إن شيركوه قتل إنسانا بتكريت لملاحاة جرت بينهما، فأخرجهما بهروز من ~~القلعة، فسارا إلى الشهيد زنكي، فأحسن إليهما، وعرف لهما خدمتهما، وأقطعهما ~~إقطاعا حسنا، فلما ملك قلعة بعلبك ms4107 جعل أيوب مستحفظا بها، فلما قتل الشهيد ~~حصر عسكر دمشق بعلبك وهو بها، فضاق عليه الأمر، وكان سيف الدين غازي بن ~~زنكي مشغولا عنه بإصلاح البلاد، فاضطر إلى تسليمها إليهم، فسلمها على إقطاع ~~ذكره، فأجيب إلى ذلك، وصار من أكبر الأمراء بدمشق. # واتصل أخوه أسد الدين شيركوه بنور الدين محمود بعد قتل زنكي، وكان يخدمه ~~في أيام والده، فقربه وقدمه، ورأى منه شجاعة يعجز غيره عنها، فزاده حتى صار ~~له # PageV09P342 # حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق ~~أمره فراسل أخاه أيوب وهو بها، وطلب منه المساعدة على فتحها، فأجاب إلى ما ~~يريد منه على إقطاع ذكره له ولأخيه، وقرى يتملكانها، فأعطاهما ما طلبا، ~~وفتح دمشق على ما ذكرناه، ووفى لهما، وصارا أعظم أمراء دولته. فلما أراد أن ~~يرسل العساكر إلى مصر، لم يرد لهذا الأمر العظيم والمقام الخطير غيره، ~~فأرسله، ففعل ما ذكرناه. # ذكر ملك صلاح الدين مصر # لما توفي أسد الدين شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب بن ~~شاذي قد سار معه على كره منه للمسير. # حكى لي عنه بعض أصدقائنا ممن كان قريبا إليه خصيصا به، قال: لما وردت كتب ~~العاضد على نور الدين يستغيث به من الفرنج، ويطلب إرسال العساكر، أحضرني ~~وأعلمني الحال، وقال: تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي إليه ليحضر، ~~وتحثه أنت على الإسراع، فما يحتمل الأمر التأخير، ففعلت، وخرجنا من حلب، ~~فما كنا على ميل من حلب حتى لقيناه قادما في هذا المعنى، فأمره نور الدين ~~بالمسير، فلما قال له نور الدين ذلك التفت عمي إلي فقال لي: تجهز يا يوسف! ~~فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها: فلقد قاسيت بالإسكندرية وغيرها ~~ما لا أنساه أبدا، فقال لنور الدين: لا بد من مسيره معي فتأمر به، فأمرني ~~نور الدين، وأنا أستقيل، وانقضى المجلس. # وتجهز أسد الدين، ولم يبق غير المسير، قال لي نور الدين: لا بد من مسيرك ~~مع عمك، فشكوت إليه ms4108 الضائقة وعدم البرك، فأعطاني ما تجهزت به، فكأنما أساق ~~إلى الموت، فسرت معه وملكها، ثم توفي فملكني الله تعالى ما لم أكن أطمع في ~~بعضه. # وأما كيفية ولايته، فإن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا ~~التقدم على العساكر، وولاية الوزارة العاضدية بعده، منهم: عين الدولة ~~الياروقي، وقطب الدين، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود ~~الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وكل واحد من هؤلاء يخطبها، وقد جمع أصحابه ~~ليغالب عليها، # PageV09P343 # فأرسل العاضد إلى صلاح الدين، فأحضره عنده، وخلع عليه، وولاه الوزارة بعد ~~عمه. # وكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا له: ليس في الجماعة أضعف ولا ~~أصغر سنا من يوسف، والرأي أن يولى؛ فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على ~~العساكر من يستميلهم إلينا، فيصير عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد، ثم ~~نأخذ يوسف أو نخرجه. # فلما خلع عليه لقب الملك الناصر لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين ~~يريدون الأمر لأنفسهم، ولا خدموه، وكان الفقيه عيسى الهكاري معه، فسعى مع ~~المشطوب حتى أماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا يصل إليك مع عين الدولة ~~والحارمي وغيرهما، ثم قصد الحارمي، وقال: هذا صلاح الدين هو ابن أختك وعزه ~~وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أول من يسعى في إخرجه عنه، ولا يصل ~~إليك، فمال إليه أيضا، ثم فعل مثل هذا بالباقين، وكلهم أطاع غير عين الدولة ~~الياروقي، فإنه قال: أنا لا أخدم يوسف، وعاد إلى نور الدين بالشام ومعه ~~غيره من الأمراء، وثبت قدم صلاح الدين، ومع هذا فهو نائب عن نور الدين. # وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الأسفهسلار، ويكتب علامته على رأس الكتاب ~~تعظيما عن أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب بل يكتب الأمير الأسفهسلار ~~صلاح [الدين] وجميع الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا. # واستمال صلاح الدين قلوب الناس، وبذل الأموال، فمالوا إليه، وأحبوه، وضعف ~~أمر العاضد، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته ~~وأهله، ms4109 فأرسلهم إليه، وشرط عليهم طاعته والقيام بأمره، ومساعدته، وكلهم فعل ~~ذلك، وأخذ إقطاعات الأمراء المصريين، فأعطاها أهله والأمراء الذين معه، ~~وزادهم، فازدادوا له حبا وطاعة. # قد اعتبرت التواريخ، فرأيت كثيرا من التواريخ الإسلامية التي يمكن ضبطها، ~~ورأيت كثيرا ممن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه، ~~منهم أول الإسلام: معاوية بن أبي سفيان، أول من ملك من أهل بيته، فنقل ~~الملك عن # PageV09P344 # أعقابه إلى بني مروان من بني عمه، ثم من بعده السفاح أول من ملك من بني ~~العباس، انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه المنصور، ثم السامانية أول من ~~استبد منهم نصر بن أحمد، فانتقل الملك عنه إلى أخيه إسماعيل بن أحمد ~~وأعقابه، ثم يعقوب الصفار، وهو أول من ملك من أهل بيته، فانتقل الملك إلى ~~أخيه عمرو وأعقابه، ثم عماد الدولة بن بويه أول من ملك من أهله انتقل الملك ~~عنه إلى أخويه ركن الدولة وعز الدولة، ثم خلص في أعقاب ركن الدولة، (ومعز ~~الدولة) ، ثم خلص في أعقاب ركن الدولة، ثم الدولة السلجوقية أول من ملك ~~منهم طغرلبك انتقل الملك إلى أولاد أخيه داود، ثم شيركوه هذا كما ذكرناه ~~(انتقل الملك إلى أعقاب أخيه أيوب، ثم إن صلاح الدين لما أنشأ الدولة ~~وعظمها، وصار كأنه أول لها، نقل الملك إلى أعقاب أخيه العادل، ولم يبق بيد ~~أعقابه غير حلب) . # وهذه أعظم الدول الإسلامية، ولولا خوف التطويل لذكرنا أكثر من هذا، والذي ~~أظنه السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولة يكثر، ويأخذ الملك وقلوب من كان ~~فيه متعلقة به فلهذا يحرمه الله أعقابه ومن يفعل ذلك من أجلهم عقوبة له. # ذكر وقعة السودان بمصر # في هذه السنة في أوائل ذي القعدة قتل مؤتمن الخلافة، وهو خصي كان بقصر ~~العاضد، إليه الحكم فيه، والتقدم على جميع من يحويه، فاتفق هو وجماعة من ~~المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى البلاد، والتقوي بهم على صلاح ~~الدين ومن معه، وسيروا الكتب مع إنسان يثقون به، وأقاموا ينتظرون جوابه، ms4110 ~~وسار ذلك القاصد إلى البئر البيضاء، فلقيه إنسان تركماني، فرأى (معه) نعلين ~~جديدين، فأخذهما منه، وقال في نفسه: لو كانا مما يلبسه هذا الرجل (لكانا ~~خلقين، # PageV09P345 # فإنه) رث الهيئة، وارتاب به وبهما، فأتى بهما صلاح الدين ففتقهما، فرأى ~~الكتاب فيهما، فقرأه وسكت عليه. # وكان مقصود مؤتمن الخلافة أن يتحرك الفرنج إلى الديار المصرية، فإذا ~~وصلوا إليها خرج صلاح الدين في العساكر إلى قتالهم، فيثور مؤتمن الخلافة ~~بمن معه من المصريين على مخلفيهم فيقتلونهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح ~~الدين، فيأتونه من وراء ظهره، والفرنج من بين يديه، فلا يبقى لهم باقية، ~~فلما قرأ الكتاب سأل عن كاتبه، فقيل: رجل يهودي، فأحضر، فأمر بضربه ~~وتقريره، فابتدأ وأسلم، وأخبره الخبر، وأخفى صلاح الدين الحال. # واستشعر مؤتمن الخلافة فلازم القصر ولم يخرج منه خوفا، وإذا خرج لم يبعد ~~[وصلاح الدين] لا يظهر له شيئا من الطلب ; لئلا ينكر ذلك، فلما طال الأمر ~~خرج من القصر إلى قرية له تعرف بالحرقانية للتنزه، فلما علم به صلاح الدين ~~أرسل إليه جماعة، فأخذوه، وقتلوه، وأتوه برأسه، وعزل جميع الخدم الذين ~~يتولون أمر قصر الخلافة، واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش، وهو خصي ~~أبيض، وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره وحكمه، فغضب السودان ~~الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة حمية، ولأنه كان يتعصب لهم، فحشدوا وجمعوا، ~~فزادت عدتهم على خمسين ألفا، وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية، فاجتمع العسكر ~~أيضا، وقاتلوهم بين القصرين. # وكثر القتل في الفريقين، فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة ~~بالمنصورة، فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ~~ولوا منهزمين، فركبهم السيف، وأخذت عليهم أفواه السكك، فطلبوا الأمان بعد ~~أن كثر فيهم القتل، فأجيبوا إلى ذلك، فأخرجوا من مصر إلى الجيزة، فعبر ~~إليهم شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين الأكبر في طائفة من العسكر، ~~فأبادهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا القليل الشريد، وكفى الله تعالى شرهم، ~~والله أعلم. # PageV09P346 # ذكر ملك شملة فارس وإخراجه عنها # في هذه السنة ملك شملة صاحب خوزستان ms4111 بلاد فارس، وأخرج عنها، وسبب ذلك أن ~~زنكي بن دكلا صاحبها أساء السيرة مع عسكره، فأرسلوا إلى شملة بخوزستان ~~وحسنوا له قصد فارس، فجمع عساكره وتجهز، وسار إليها، فخرج إليه زنكي بن ~~دكلا، ووقعت بينهم حرب خامر فيها أصحاب زنكي عليه، فانهزم في شرذمة من ~~عسكره، ونجا بنفسه، وقصد الأكراد الشوانكار والتجأ إليهم، فأجاره صاحبها، ~~وأحسن ضيافته. # ونزل شملة ببلاد فارس فملكها، فأساء السيرة إلى أهلها، ونهب ابن أخيه ابن ~~سنكا البلاد فتغيرت بواطن أهلها عليه، واجتمع إلى زنكي بعض العسكر الذين ~~خامروا عليه، لما رأوا من سوء سيرة شملة فيهم، فكثر جمعه مع الأكراد ~~الشوانكار، ونزل بهم إلى البلاد، وكاتب عسكره، ووعدهم الإحسان، فأقبلوا ~~إليه، فقصد شملة، وواقعه، فانهزم شملة، واستعاد زنكي بلاده، ورجع إلى ملكه، ~~وعاد شملة إلى بلاده خوزستان. # ذكر ملك إيلدكز الري # في هذه السنة ملك إيلدكز مدينة الري والبلاد التي كانت بيد إينانج. # وسبب ذلك أن إيلدكز كان قد استقر الأمر بينه وبين إينانج على مال يؤديه ~~إلى إيلدكز، فمنعه سنتين، فأرسل إيلدكز يطلب المال، فاعتذر بكثرة غلمانه ~~وحاشيته، فتجهز إيلدكز وقصد الري، فالتقاه إينانج، وحاربه حربا عظيمة، ~~فانهزم إينانج، ومضى منهزما، فتحصن بقلعة طبرك، فحصره إيلدكز فيها وراسل ~~سرا جماعة من مماليكه، فأطمعهم في الإقطاعات والأموال والإحسان العظيم ~~ليقتلوا إينانج، فقتلوه، وكانوا جماعة كثيرة، وسلموا البلد إلى إيلدكز، ~~فرتب فيه عمر بن علي ياغ، وعاد إلى همذان، ولم يف للغلمان الذين قتلوا ~~إينانج وسلموا البلد إليه بما وعدهم، وقال: مثل هؤلاء ينبغي أن لا يستخدم، ~~وأبعدهم عنه، فتفرقوا في البلاد، فسار بعضهم، وهو الذي # PageV09P347 # تولى قتله، إلى خوارزم شاه، فصلبه خوارزم شاه ; نكالا بما فعل بصاحبه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة رئي في دار الخليفة المستنجد بالله رجل غريب في الطريق الذي ~~يركب فيه، وفي زنده سكين صغيرة، وفي يده سكين أخرى كبيرة، فأخذوه وقرروه، ~~فقال: أنا من حلب، فحبس وعوقب البواب، ولم يعلم من أين دخل. # وفيها قبض ابن البلدي وزير الخليفة ms4112 على الحسين بن محمد المعروف بابن ~~السيبي، وعلى أخيه الأصغر، وكانا ابني عمة عضد الدين أستاذ الدار، وكان ~~الأصغر عامل البيمارستان، فقطعت يده ورجله، قيل كان عنده صنج زائدة يقبض ~~بها وتحمل إلى الديوان بالصنج الصحيحة، وقيل غير ذلك، وحمل إلى ~~البيمارستان، فمات به، وكان شاعرا، فمن شعره وهو محبوس هذه الأبيات: # سلام على أهلي وصحبي وجلاسي ... ومن في فؤادي ذكرهم راسب راسي # أعالج فيكم كل هم ولا أرى ... لداء همومي غير رؤيتكم آسي # لقد أبدت الأيام لي كل شدة ... تشيب لها الأكباد فضلا عن الراس # فيا ابنة عبد الله صبرا على الذي ... لقيت فهذا الحكم من مالك الناس # فلو أبصرت عيناك ذلي بكيت لي ... بدمع سوي بالمدامع رجاس # أقول لقلبي والهموم تنوشه ... وقد حدثته النفس بالضر والياس # فلو هم طيف من خيالي يزوركم ... لمانعه دون المغالق حراسي # وما حذري إلا على النفس لا على سواها ... لأني حلف فقر وإفلاس # [الوفيات] # وفيها توفي المعمر بن عبد الواحد بن رجاء أبو أحمد الأصفهاني الحافظ، ~~يروي عن أصحاب أبي نعيم، وكان موته بالبادية ذاهبا إلى الحج في ذي القعدة. # وفي رجب منها توفي الشيخ أبو محمد الفارقي المتكلم على الناس، وكان أحد # PageV09P348 # الزهاد، له كرامات كثيرة، وكان يتكلم على الخاطر، وكلامه مجموع مشهور. # وفيها مات جعيفر الرقاص من ندماء دار الخلافة. # وفي شوال منها توفي القاضي أبو الحسن علي بن يحيى القرشي الدمشقي. # وفي ذي الحجة توفي نجم الدين بن محمد بن علي بن القاسم الشهرزوري قاضي ~~الموصل، وولى ابنه حجة الدين عبد القاهر القضاء. # PageV09P349 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة] ### | 565 - # ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة # ذكر حصر الفرنج دمياط # في هذه السنة، في صفر، نزل الفرنج على مدينة دمياط من الديار المصرية، ~~وحصروها، وكان الفرنج بالشام، لما ملك أسد الدين شيركوه مصر، قد خافوه، ~~وأيقنوا بالهلاك، وكاتبوا الفرنج الذين بصقلية والأندلس وغيرهما يستمدونهم ~~ويعرفونهم ما تجدد من ملك الأتراك مصر، وأنهم خائفون على البيت المقدس ~~منهم، فأرسلوا جماعة من ms4113 القسوس والرهبان يحرضونهم على الحركة، فأمدوهم ~~بالأموال والرجال والسلاح، واتعدوا للنزول على دمياط ظنا منهم أنهم ~~يملكونها، ويتخذونها ظهرا يملكون به الديار المصرية {ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا} [الأحزاب: 25] فإلى أن دخلوا كان أسد الدين قد مات ~~وملك صلاح الدين، فاجتمعوا عليها، وحصروها، وضيقوا على من بها. # فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل وحشر فيها كل من عنده، وأمدهم ~~بالأموال والسلاح والذخائر، وأرسل إلى نور الدين يشكو ما هم فيه من ~~المخافة، ويقول: إني إن تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سرت إليها خلفني ~~المصريون في أهلها وأموالها بالشر، وخرجوا عن طاعتي، وساروا في أثري، ~~والفرنج من أمامي، فلا يبقى لنا باقية. # فسير نور الدين العساكر إليه أرسالا يتلو بعضها بعضا، ثم سار هو بنفسه ~~إلى بلاد الفرنج الشامية، فنهبها، وأغار عليها واستباحها، فوصلت الغارات ~~إلى ما لم تكن تبلغه قبل لخلو البلاد من مانع. # PageV09P350 # فلما رأى الفرنج تتابع العساكر إلى مصر، ودخول نور الدين إلى بلادهم ~~ونهبها وتخريبها، رجعوا خائبين لم يظفروا بشيء، ووجدوا بلادهم خرابا، ~~وأهلها بين قتيل وأسير، فكانوا موضع المثل: خرجت النعامة تطلب قرنين رجعت ~~بلا أذنين. # وكانت مدة مقامهم على دمياط خمسين يوما أخرج فيها صلاح الدين أموالا لا ~~تحصى، حكي لي أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة لمقام الفرنج ~~على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها. # ذكر حصر نور الدين الكرك # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، سار نور الدين إلى بلد الفرنج، فحصر ~~الكرك، وهو من أمنع المعاقل على طرف البر. # وكان سبب ذلك أن صلاح الدين أرسل إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده ~~نجم الدين أيوب، فجهزه نور الدين، وسيره، وسير معه عسكرا، واجتمع معه من ~~التجار خلق كثير، وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة، فخاف ~~نور الدين عليهم من الفرنج، فسار في عساكره إلى الكرك، فحصره، وضيق عليه، ~~ونصب عليه المجانيق، فأتاه الخبر أن الفرنج ms4114 قد جمعوا له، وساروا إليه، وقد ~~جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري وقريب بن الرقيق، وهما فارسا الفرنج في ~~وقتهما، فرحل نور الدين نحو هذين المقدمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتحق ~~بها باقي الفرنج، فلما قاربهما رجعا القهقرى، واجتمعا بباقي الفرنج. # وسلك نور الدين وسط بلادهم ينهب ويحرق ما على طريقه من القرى إلى أن وصل ~~إلى بلاد الإسلام، فنزل على عشترا، وأقام ينتظر حركة الفرنج ليلقاهم، فلم # PageV09P351 # يبرحوا من مكانهم، فأقام هو حتى أتاه خبر الزلزلة الحادثة فرحل. # وأما نجم الدين أيوب فإنه وصل إلى مصر سالما هو ومن معه، وخرج العاضد ~~الخليفة فالتقاه إكراما له. # ذكر غزوة لسرية نورية # كان شهاب الدين إلياس بن إيلغازي بن أرتق، صاحب قلعة البيرة، قد سار في ~~عسكره، وهو في مائتي فارس، إلى نور الدين وهو بعشترا، فلما وصل إلى قرية ~~اللبوة، وهي من عمل بعلبك، ركب متصيدا، فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ~~ساروا للإغارة على بلاد الإسلام سابع عشر شوالا، فوقع بعضهم على بعض، ~~واقتتلوا، واشتد القتال، وصبر الفريقان لا سيما المسلمون، فإن ألف فارس لا ~~يصبرون لحملة ثلاثمائة فارس إفرنجية، وكثر القتلى بين الطائفين، فانهزم ~~الفرنج، وعمهم القتل والأسر، فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به. # وسار شهاب الدين برءوس القتلى وبالأسرى إلى نور الدين، فركب نور الدين ~~والعسكر، فلقوهم، فرأى نور الدين في الرءوس رأس مقدم الإسبتار، صاحب حصن ~~الأكراد، وكان من الشجاعة بمحل كبير، وكان شجا في حلوق المسلمين. # ذكر الزلزلة وما فعلته بالشام # في هذه السنة أيضا، ثاني عشر شوالا، كانت زلازل عظيمة متتابعة هائلة لم ~~ير الناس مثلها، وعمت أكثر البلاد من الشام، والجزيرة، والموصل، والعراق، ~~وغيرها # PageV09P352 # من البلاد، وأشدها كان بالشام، فخربت كثيرا من دمشق، وبعلبك، وحمص، ~~وحماة، وشيزر، وبعرين، وحلب، وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور ~~على أهلها، وهلك منهم ما يخرج عن الحد. # فلما أتاه الخبر سار إلى بعلبك ليعمر ما انهدم من سورها وقلعتها، فلما ~~وصلها أتاه خبر باقي ms4115 البلاد، وخراب أسوارها وقلاعها، وخلوها من أهلها، فجعل ~~ببعلبك من يعمرها ويحميها ويحفظها، وسار إلى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم إلى ~~حماة، (ثم إلى بعرين) ، وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج، ثم أتى ~~مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد، فإنها كانت ~~قد أتت عليها، وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ، وكانوا لا يقدرون [أن] يأووا ~~[إلى] مساكنهم خوفا من الزلزلة، فأقام بظاهرها، وباشر عمارتها بنفسه، فلم ~~يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها. # وأما بلاد الفرنج فإن الزلازل أيضا عملت بها كذلك، فاشتغلوا بعمارة ~~بلادهم خوفا من نور الدين عليها، فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده خوفا من ~~الآخر. # ذكر وفاة قطب الدين مودود بن زنكي وملك ابنه سيف الدين غازي # في هذه السنة، في ذي الحجة، مات قطب الدين مودود بن زنكي، ابن آقنسقر، ~~صاحب الموصل، بالموصل، وكان مرضه حمى حادة، ولما اشتد مرضه # PageV09P353 # أوصى بالملك بعده لابنه الأكبر عماد الدين زنكي، ثم عدل عنه إلى ابنه ~~الآخر سيف الدين غازي، وإنما صرف الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن ~~مودود ; لأن القيم بأمور دولته، والمقدم فيها، كان خادما له يقال له فخر ~~الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدين ; لأنه كان طوع عمه نور الدين، ~~لكثرة مقامه عنده، ولأنه زوج ابنته، وكان نور الدين يبغض عبد المسيح، فاتفق ~~فخر الدين وخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي، وهي والدة سيف الدين، ~~على صرف الملك عن عماد الدين إلى سيف الدين، فرحل عماد الدين إلى عمه نور ~~الدين مستنصرا به ; ليعينه على أخذ الملك لنفسه. # وتوفي قطب الدين وعمره نحو أربعين سنة، وكان ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة ~~أشهر ونصفا، وكان فخر الدين هو المدبر للأمور والحاكم في الدولة، وكان قطب ~~الدين من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال رعيته، محسنا إليهم، كثير ~~الإنعام عليهم، محبوبا إلى كبيرهم وصغيرهم، عطوفا على شريفهم ووضيعهم، كريم ~~الأخلاق، حسن الصحبة لهم، فكأن القائل أراده ms4116 بقوله: # خلق كماء المزن طيب مذاقة ... والروضة الغناء طيب نسيم # كالسيف لكن فيه حلم واسع ... عمن جنى والسيف غير حليم # كالغيث إلا أن وابل جوده ... أبدا وجود الغيث غير مقيم # كالدهر إلا أنه ذو رحمة ... والدهر قاسي القلب غير رحيم # وكان سريع الانفعال للخير، بطيئا عن الشر، جم المناقب، قليل المعايب، ~~رحمه الله ورضي عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه، إنه جواد كريم. # ذكر حالة ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها # حدثني والدي، رحمه الله، قال: كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين، كما ~~علمتم، فلما كان قبل موته بيسير أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمرون ~~بمساحة جميع بساتين العقيمة، وهذه العقيمة هي قرية تحاذي الجزيرة بينهما ~~دجلة، ولها # PageV09P354 # بساتين كثيرة بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء معلوم، وبعضها عليه ~~خراج، وبعضها مطلق من الجميع. # قال: وكان لي فيها ملك كثير، فكنت أقول: إن المصلحة أن لا يغير على الناس ~~شيء، وما أقول هذا لأجل ملكي، فإنني أنا أمسح ملكي، وإنما أريد أن يدوم ~~الدعاء من الناس للدولة، فجاءني كتاب النائب يقول: لا بد من المساحة، قال: ~~فأظهرت الأمر، وكان بها قوم صالحون، لي بهم أنس، وبيننا مودة، فجاءني الناس ~~كلهم، وأولئك معهم، يطلبون المراجعة، فأعلمتهم أنني رجعت وما أجبت إلى ذلك، ~~فجاءني منهم رجلان أعرف صلاحهما، وطلبا مني المعاودة ومخاطبة ثانية، ففعلت، ~~فأصروا على المسح، فعرفتهما الحال. # قال: فما مضى إلا عدة أيام، وإذ قد جاءني الرجلان، فلما رأيتهما ظننت ~~أنهما جاءا يطلبان المعاودة، فعجبت منهما، وأخذت أعتذر إليهما، فقالا: ما ~~جئنا إليك في هذا، وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قضيت، قال: فظننت أنهما قد ~~أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما، فقلت: من الذي خاطب في هذا بالموصل؟ ~~فقالا: إن حاجتنا قد قضيت من السماء، ولكافة أهل العقيمة. # قال: فظننت أن هذا مما قد حدثا به نفوسهما، ثم قاما عني، لم يمض غير عشرة ~~أيام وإذ قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون بإطلاق المساحة والمحبسين ~~والمكوس، ms4117 ويأمرون بالصدقة، ويقال: إن السلطان، يعني قطب الدين، مريض، يعني ~~على حالة شديدة، ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته، فعجبت من ~~قولهما، واعتقدته كرامة لهما، فصار والدي بعد ذلك يكثر إكرامهما واحترامهما ~~ويزورهما. # ذكر الحرب بين عساكر ابن عبد المؤمن وابن مردنيش # كان محمد بن سعد بن مردنيش، ملك شرق الأندلس، قد اتفق هو والفرنج، وامتنع ~~على عبد المؤمن وابنه بعده، فاستفحل أمره، لا سيما بعد وفاة عبد المؤمن، # PageV09P355 # فلما كان هذه السنة جهز إليه يوسف بن عبد المؤمن العساكر الكثيرة مع أخيه ~~عمر بن عبد المؤمن، فجاسوا بلاده وخربوها، وأخذوا مدينتين من بلاده، ~~وأخافوا عساكره وجنوده، وأقاموا ببلاده مدة ينتقلون فيها ويجبون أموالها. # ذكر وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده # في هذه السنة توفي الملك طغرل بن قاورت صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام ~~شاه وأرسلان شاه، وهو الأكبر، وجرى بينهما قتال انهزم فيه بهرام شاه ومعه ~~أخ له اسمه تركان شاه، فملك البلاد أرسلان شاه، ومضى بهرام شاه إلى خراسان، ~~فدخل على المؤيد صاحب نيسابور واستنجده، فأنجده بعساكر سار بها إلى كرمان، ~~فجرى بين الأخوين حرب ظفر فيها بهرام شاه، [وهرب أرسلان شاه، فقصد أصفهان ~~مستجيرا بإيلدكز، فأنفذ معه عسكرا، واستنقذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها ~~إلى أخيه أرسلان شاه فعاد] بهرام شاه إلى نيسابور مستجيرا بالمؤيد صاحبها، ~~فأقام عنده، فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات، فسار إلى كرمان، فملكها، وأقام ~~بها بغير منازع. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثرت الأذية من عبد الملك بن محمد بن عطاء، وتطرق بلاد ~~حلوان، ونهب وأفسد، وتطرق الحجاج، فأنفذ إليه من بغداد عسكر، فنازلوه في ~~قلاعه، وضايقوه، ونهبوا أمواله وأموال أهله، حتى أذعن بالطاعة، ولا يعاود ~~أذى الحجاج ولا غيرهم، فعاد العسكر عنه. # [الوفيات] # وفيها توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية، وهو رضيع نور الدين، وكان أعظم ~~الأمراء منزلة عنده، وله في أقطاعه حلب وحارم وقلعة جعبر، فلما توفي رد نور ~~الدين ما كان له إلى أخيه شمس ms4118 الدين علي بن الداية. # وفيها، في شعبان، توفي أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي ببغداد، ~~وهو من مشهوري المحدثين. الجيلي: بالجيم والياء تحتها نقطتان. # PageV09P356 ### | [ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة] ### | 566 - # ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة # ذكر وفاة المستنجد بالله # في هذه السنة، تاسع ربيع الآخر، توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن ~~المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وقد تقدم باقي ~~النسب في غير موضع، وأمه أم ولد، اسمها طاوس، وقيل نرجس، رومية، ومولده ~~مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا وستة ~~أيام، وكان أسمر، تام القامة، طويل اللحية. # وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين ~~أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر ~~أمير ببغداد، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا، ووضعا الطبيب على أن يصف له ما ~~يؤذيه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع لضعفه، ثم إنه دخل وأغلق عليه بابه ~~فمات. # وهكذا سمعته من غير واحد ممن يعلم الحال، وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره ~~مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما، ~~فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار، وأعطاه خط الخليفة، فقال له: تعود وتقول ~~إنني أوصلت الخط إلى الوزير، ففعل ذلك، وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن ~~وأخاه تنامش، وعرض الخط عليهم، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن ~~وقايماز الحميدي، فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه، وأغلقا الباب عليه ~~وهو يصيح إلى أن مات، رحمه الله. # وكان وزيره حينئذ أبا جعفر بن البلدي، وبينه وبين أستاذ الدار عضد الدين # PageV09P357 # عداوة مستحكمة، لأن المستنجد بالله كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها، ~~فكانا يظنان أنه هو الذي يسعى بهما، فلما مرض المستنجد وأرجف بموته، ركب ~~الوزير ومعه الأمراء والأجناد وغيرهم بالعدة، فلم يتحقق عنده خبر موته، ~~فأرسل إليه عضد الدين يقول: إن أمير المؤمنين قد خف ما به من المرض، وأقبلت ms4119 ~~العافية، فخاف الوزير أن يدخل دار الخلافة بالجند، فربما أنكر عليه ذلك، ~~فعاد إلى داره، وتفرق الناس عنه، وكان عضد الدين وقطب الدين قد استعدا ~~للهرب لما ركب الوزير خوفا منه إن دخل الدار أن يأخذهما، فلما عاد أغلق ~~أستاذ الدار أبواب الدار، وأظهروا وفاة المستنجد، وأحضر هو وقطب الدين ابنه ~~أبا محمد الحسن، وبايعاه بالخلافة، ولقباه المستضيء بأمر الله، وشرط عليه ~~شروطا أن يكون عضد الدين وزيرا، وابنه كمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين ~~أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك. # ولم يتول الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن بن علي بن أبي طالب، والمستضيء ~~بأمر الله، واتفقا في الكنية والكرم، فبايعه أهل بيته الخاصة يوم توفي ~~أبوه، وبايعه الناس من الغد في التاج بيعة عامة، وأظهر من العدل أضعاف ما ~~عمل أبوه، وفرق أموالا جليلة المقدار. # وعلم الوزير ابن البلدي، فسقط في يده وقرع سنه ; ندما على ما فرط في عوده ~~حيث لا ينفعه، وأتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة للمستضيء، فمضى إلى ~~دار الخلافة، فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطع قطعا، وألقي في دجلة، رحمه ~~الله، وأخذ جميع ما في داره، فرأيا فيها خطوط المستنجد بالله يأمره فيها ~~بالقبض عليهما، وخط الوزير قد راجعه في ذلك، وصرفه عنه، فلما وقفا عليهما ~~عرفا براءته مما كانا يظنان فيه، فندما حيث فرطا في قتله. # وكان المستنجد بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، عادلا فيهم، كثير ~~الرفق بهم، وأطلق كثيرا من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئا، وكان شديدا ~~على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس. # بلغني أنه قبض على إنسان كان يسعى بالناس، فأطال حبسه، فشفع فيه بعض # PageV09P358 # أصحابه المختصين بخدمته، وبذل عنه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة ~~آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله لأكف شره عن الناس، ولم يطلقه، ورد ~~كثيرا من الأموال على أصحابها، وقبض على القاضي ابن المرخم، وأخذ منه مالا ~~كثيرا، فأعاده على أصحابه أيضا، وكان ابن المرخم ظالما جائرا في أحكامه. # ذكر ms4120 ملك نور الدين الموصل وإقرار سيف الدين عليها # لما بلغ نور الدين محمودا وفاة أخيه قطب الدين مودود، صاحب الموصل، وملك ~~ولده سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه، بعد وفاته، وقيام فخر ~~الدين عبد المسيح بالأمر معه، وتحكمه عليه، أنف لذلك، وكبر لديه، وعظم ~~عليه، وكان يبغض فخر الدين لما يبلغه عنه من خشونة سياسته، فقال: أنا أولى ~~بتدبير أولاد أخي وملكهم، وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر، ~~وعبر الفرات، عند قلعة جعبر، مستهل المحرم من هذه السنة، وقصد الرقة فحصرها ~~وأخذها. # ثم سار إلى الخابور فملكه جميعه، وملك نصيبين، وأقام بها يجمع العساكر، ~~فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا، وكثر ~~جمعه، وكان قد ترك أكثر عساكره بالشام ; لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر ~~سار إلى سنجار، فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وملكها، وسلمها إلى عماد ~~الدين ابن أخيه قطب الدين. # وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه ~~على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل فأتى مدينة بلد، وعبر دجلة عندها مخاضة ~~إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرق الموصل على حصن نينوى، ودجلة بينه وبين ~~الموصل، ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة. # وكان سيف الدين غازي وفخر الدين قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى ~~أتابك شمس الدين إيلدكز، صاحب همذان وبلد الجبل، وأذربيجان، وأصفهان، والري ~~وتلك الأعمال يستنجده على عمه نور الدين، فأرسل إيلدكز رسولا إلى نور # PageV09P359 # الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، فلا ~~تقصدها، فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، ~~فلم تدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب ~~همذان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكرج ~~عليها، وقد بليت أنا، ولي مثل ربع بلادك، بالفرنج، وهم أشجع العالم، فأخذت ~~معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل ms4121 لي السكوت عنك، فإنه يجب علينا القيام ~~بحفظ ما أهملت وإزالة الظلم عن المسلمين. # فأقام نور الدين على الموصل، فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر ~~الدين عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين، فعلم ذلك، فأرسل ~~إلى نور الدين في تسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف الدين، ويطلب لنفسه ~~الأمان ولماله، فأجابه إلى ذلك، وشرط أن فخر الدين يأخذه معه إلى الشام، ~~ويعطيه عنده إقطاعا يرضيه، فتسلم البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة ~~ودخل القلعة من باب السر ; لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه حلف أن لا ~~يدخلها إلا من أحصن موضع فيها، ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من ~~أبواب المظالم، وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا كان جميع بلاده ~~من الشام ومصر. # ووصله، وهو على الموصل يحاصرها، خلعة من الخليفة المستضيء بأمر الله، ~~فلبسها، ولما ملك الموصل خلعها على سيف الدين ابن أخيه، وأمره وهو بالموصل ~~بعمارة الجامع النوري، وركب هو بنفسه إلى موضعه، فرآه، وصعد منارة مسجد أبي ~~حاضر فأشرف منها على موضع الجامع، فأمر أن يضاف إلى الأرض التي شاهدها ما ~~يجاورها من الدور والحوانيت، وأن لا يؤخذ منها شيء بغير اختيار أصحابه. ~~وولى الشيخ عمر الملا عمارته، وكان من الصالحين الأخيار، فاشترى الأملاك من ~~أصحابها بأوفر الأثمان، وعمره، فخرج عليه أموال كثيرة، وفرغ من عمارته سنة ~~ثمان وستين وخمسمائة. # وعاد إلى الشام، واستناب في قلعة الموصل خصيا كان له اسمه كمشتكين، ولقبه ~~سعد الدين، وأمر سيف الدين أن لا ينفرد عنه بقليل من الأمور ولا بكثير، # PageV09P360 # وحكمه [في البلاد] وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين، ~~فلما فعل ذلك قال كمال الدين بن الشهرزوري: هذا طريق إلى أذى يحصل لبيت ~~أتابك ; لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة سيف الدين، [وسيف الدين] هو الملك ~~لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف، ويطمع الأعداء، فكان كذلك على ما ~~نذكره سنة سبعين وخمسمائة، وكان مقام ms4122 نور الدين بالموصل أربعة وعشرين يوما، ~~واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح، وغير اسمه فسماه عبد الله، وأقطعه ~~إقطاعا كبيرا. # ذكر غزوة صلاح الدين بلاد الفرنج وفتح أيلة # وفي هذه السنة سار صلاح الدين أيضا عن مصر إلى بلاد الفرنج، فأغار على ~~أعمال عسقلان والرملة، وهجم على ربض غزة فنهبه، وأتاه ملك الفرنج في قلة من ~~العسكر مسرعين لرده عن البلاد، فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملك الفرنج بعد أن ~~أشرف أن يؤخذ أسيرا، وعاد إلى مصر، وعمل مراكب مفصلة، وحملها قطعا على ~~الجمال في البر، وقصد أيلة، فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحصر أيلة ~~برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها ~~وعاد إلى مصر. # ذكر ما اعتمده صلاح الدين بمصر هذه السنة # كان بمصر دار للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد حبسه، فهدمها ~~صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان فيها من الظلم، وبنى دار # PageV09P361 # العدل مدرسة للشافعية أيضا، وعزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام ~~قاضيا شافعيا في مصر، فاستناب القضاة الشافعية في جميع البلاد في العشرين ~~من جمادى الآخرة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر، ~~وبناها مدرسة للشافعية. # وفيها أغار شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين أيضا على الأعراب الذين ~~بالصعيد، وكانوا قد أفسدوا في البلاد، ومدوا أيديهم، فكفوا عما كانوا ~~يفعلونه. # وفيها مات القاضي ابن الخلال من أعيان الكتاب المصريين وفضلائهم، وكان ~~صاحب ديوان الإنشاء بها. # وفيها وقع حريق ببغداد في درب المطبخ، وفي خرابة ابن جردة. # PageV09P362 # [الوفيات] # وفيها توفي الأمير نصر بن المستظهر بالله، عم المستنجد بالله وحموه، وهو ~~آخر من مات من أولاد المستظهر بالله، وكان موته في ذي القعدة، ودفن في ~~الترب بالرصافة. # وفيها جعل ظهير الدين أبو بكر نصر بن العطار صاحب المخزن ببغداد، ولقب ~~ظهير الدين. # وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين المستنجدي، وكان نعم الأمير، رحمه الله. # PageV09P363 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة] ms4123 ### | 567 - # ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة # ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر وانقراض الدولة العلوية # في هذه السنة، في ثاني جمعة من المحرم، قطعت خطبة العاضد لدين الله أبي ~~محمد الإمام عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد ~~بن أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين ~~الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور بن العزيز بالله ~~أبي منصور بن نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي ~~الظاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي بالله أبي ~~محمد عبيد الله، وهو أول العلويين من هذا البيت الذين خطب لهم بالخلافة، ~~وخوطبوا بإمرة المؤمنين. # وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه ~~بمصر وزال المخالفون له، وضعف أمر الخليفة بها العاضد، وصار قصره يحكم فيه ~~صلاح الدين ونائبه قراقوش، وهو خصي، كان من أعيان الأمراء الأسدية، كلهم ~~يرجعون إليه، فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة ~~العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، فامتنع صلاح الدين، واعتذر بالخوف من ~~قيام أهل الديار المصرية عليه لميلهم إلى العلويين. # PageV09P364 # وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم، ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين، ~~فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية يأخذها منه، فكان يريد [أن] ~~يكون العاضد معه، حتى إذا قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه، فلما ~~اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره، وألح عليه بقطع خطبته، وألزمه ~~إلزاما لا فسحة له في مخالفته، وكان على الحقيقة نائب نور الدين، واتفق أن ~~العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا، فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته ~~استشار أمراءه، فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين، ومنهم من خافهم إلا ~~أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين. # وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، رأيته أنا ~~بالموصل، فلما ms4124 رأى ما هم فيه من الإحجام، وأن أحدا لا يتجاسر [أن] يخطب ~~للعباسيين قال: أنا أبتدئ بالخطبة لهم، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد ~~المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد ذلك، فلما كان ~~الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة ~~العاضد ويخطبوا للمستضيء، ففعلوا ذلك فلم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى ~~سائر بلاد مصر، ففعل، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله ~~وأصحابه بقطع الخطبة، وقالوا: إن عوفي فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن ~~نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته، فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة. # ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصر الخلافة، وعلى جميع ما ~~فيه، فحفظه بهاء الدين قراقوش الذي كان قد رتبه قبل موت العاضد، فحمل ~~الجميع إلى صلاح الدين، وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء، وفيه من الأعلاق ~~النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا عن مثله، ومن الجواهر التي لم ~~توجد عند أحد غيرهم، فمنه الجبل الياقوت، وزنه سبعة عشر درهما، أو سبعة عشر ~~مثقالا، أنا لا أشك، لأنني رأيته ووزنته، واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله، ومنه ~~النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير، ووجد فيه طبل كان ~~بالقرب من موضع العاضد، وقد احتاطوا عليه بالحفظ، فلما رأوه ظنوه عمل لأجل ~~اللعب به، فسخروا # PageV09P365 # من العاضد، فأخذه إنسان، فضرب به، فضرط، فتضاحكوا منه، ثم آخر كذلك، وكان ~~كل من ضرب به ضرط، فألقاه أحدهم، فكسره، فإذا الطبل لأجل قولنج، فندموا على ~~كسره لما قيل لهم ذلك. # وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يعد، فباع جميع ما فيه، ~~ونقل أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه ~~من أمة وعبد، فباع البعض، وأعتق البعض، ووهب البعض، وخلى القصر من سكانه ~~كأن لم يغن بالأمس، فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه، ولا تغيره ~~الدهور ولا يقرب النقص ms4125 حماه. # ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه، فظن ذلك خديعة، فلم ~~يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه، وكان يصفه كثيرا ~~بالكرم، ولين الجانب، وغلبة الخير على طبعه، وانقياده، وكان في نسبه تسعة ~~خطب لهم بالخلافة وهم: الحافظ، والمستنصر، والظاهر، والحاكم، والعزيز، ~~والمعز، والمنصور، والقائم، والمهدي، ومنهم من لم يخطب له بالخلافة: أبوه ~~يوسف بن الحافظ، وجد أبيه، وهو الأمير أبو القاسم محمد بن المستنصر. # وبقي من خطب له بالخلافة وليس من آبائه: المستعلي، والآمر، والظافر، ~~والفائز. # وجميع من خطب له منهم بالخلافة أربعة عشر خليفة منهم بإفريقية: المهدي، ~~والقائم، والمنصور، والمعز، إلى أن سار إلى مصر، ومنهم بمصر: المعز ~~المذكور، وهو أول من خرج إليها من إفريقية، والعزيز، والحاكم، والظاهر، ~~والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد، وجميع ~~مدة ملكهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ~~ومائتين إلى أن توفي العاضد مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهرا تقريبا. # وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت، ولم تصف إلا ~~وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر، وكدرها قد يخلو من الصفو، نسأل الله ~~تعالى # PageV09P366 # أن يقبل بقلوبنا إليه، ويرينا الدنيا حقيقة، ويزهدنا فيها، ويرغبنا في ~~الآخرة، إنه سميع الدعاء قريب من الإجابة. # ولما وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام، وزينت ~~بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد عليه، وسيرت الخلع مع عماد الدين ~~صندل، وهو من خواص الخدم المقتفوية والمقدمين في الدولة لنور الدين وصلاح ~~الدين، فسار صندل إلى نور الدين وألبسه الخلعة، وسير الخلعة التي لصلاح ~~الدين وللخطباء بالديار المصرية، والأعلام السود، ثم إن صندلا هذا صار ~~أستاذ دار الخليفة المستضيء بأمر الله ببغداد، وكان يدري الفقه على مذهب ~~الشافعي، وسمع الحديث ورواه، ويعرف أشياء حسنة، وفيه دين، وله معروف كثير، ~~وهو من محاسن بغداد. # ذكر الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا # في هذه السنة جرت أمور أوجبت ms4126 أن تأثر نور الدين من صلاح الدين، ولم يظهر ~~ذلك، وكان سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة ~~إلى بلاد الفرنج غازيا، ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، ~~وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة ~~أيام، فأجابهم إلى ذلك. # فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدا بلاد الفرنج ~~أيضا ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين بلاد ~~الفرنج، وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من جانب، ملكها، ومتى ~~زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين، وإن ~~جاء نور الدين إليك وأنت ها هنا، فلا بد لك من الاجتماع به، وحينئذ يكون هو ~~المتحكم فيك بما شاء، إن شاء تركك، وإن شاء عزلك، فقد لا تقدر على الامتناع ~~عليه، والمصلحة الرجوع إلى مصر. # فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر، ولم يأخذه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين ~~يعتذر باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين، وأنهم # PageV09P367 # عازمون على الوثوب بها، فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على ~~من تخلف بها، فيخرجوهم وتعود ممتنعة، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين ~~منه، وتغير عليه وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها. # وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر، فجمع أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، ~~وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور ~~الدين وحركته إليه، واستشارهم، فلم يجبه أحد بكلمة واحدة، فقام تقي الدين ~~عمر ابن أخي صلاح الدين، فقال: إذا جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد، ~~ووافقه غيره من أهلهم، فشتمهم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتم ~~تقي الدين، وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين، ونحن ~~أكثر محبة لك من جميع من ترى، ووالله لو رأيت أنا وخالك هذا نور الدين، لم ~~يمكنا ms4127 إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا، ~~فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا؟ وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأوا ~~نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن ~~مماليكه ونوابه فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب كتابا مع ~~نجاب تقول فيه: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ يرسل ~~المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك، وما ها هنا من يمتنع عليك. # وأقام الأمراء وغيرهم، وتفرقوا على هذا، فلما خلا به أيوب قال له: بأي ~~عقل فعلت هذا؟ أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته ~~جعلنا أهم الوجوه إليه، وحينئذ لا تقوى به، وأما الآن، إذا بلغه ما جرى ~~وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا، والأقدار تعمل عملها، ووالله لو أراد نور ~~الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل. # ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره، فكان ~~الأمر كما ظنه أيوب، فتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، ~~وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها. # PageV09P368 # ذكر غزوة إلى الفرنج بالشام # وفي هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرسيا بمدينة لاذقية، ~~فأخذهما الفرنج، وهما مملوءان من الأمتعة والتجار، وكان بينهم وبين نور ~~الدين هدنة، فنكثوا وغدروا، فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما ~~أخذوه من أموال التجار، فغالطوه، واحتجوا بأمور منها أن المركبين كانا قد ~~انكسرا ودخلهما الماء. # وكان الشرط أن كل مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه، فلم يقبل مغالطتهم، ~~وجمع العساكر، وبث السرايا في بلادهم بعضها نحو أنطاكية، وبعضها نحو ~~طرابلس، وحصر هو حصن عرقة، وخرب ربضه، وأرسل طائفة من العسكر إلى حصن ~~صافيثا وعريمة، فأخذهما عنوة، ونهب وخرب، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ~~وعادوا إليه وهو بعرقة، فسار في العساكر جميعها إلى أن قارب طرابلس ينهب ~~ويخرب ويحرق ويقتل. # وأما الذين ساروا إلى ms4128 أنطاكية، ففعلوا في ولايتها مثل ما فعل في ولاية ~~طرابلس، فراسله الفرنج، وبذلوا إعادة ما أخذوه من المركبين، وتجديد الهدنة ~~معهم، فأجابهم إلى ذلك، وأعادوا ما أخذوا وهم صاغرون، وقد خربت بلادهم ~~وغنمت أموالهم. # ذكر وفاة ابن مردنيش وملك يعقوب بن عبد المؤمن بلاده # في هذه السنة توفي الأمير محمد بن سعد بن مردنيش، صاحب البلاد بشرق ~~الأندلس، وهي: مرسية وبلنسية وغيرهما، ووصى أولاده أن يقصدوا بعد موته ~~الأمير أبا يوسف يعقوب بن عبد المؤمن، صاحب الغرب والأندلس، وتسلموا البلاد ~~وتدخلوا في طاعته، فلما مات قصدوا يعقوب، وكان قد اجتاز إلى الأندلس في ~~مائة ألف مقاتل قبل موت ابن مردنيش، فحين رآهم يوسف فرح بهم، وسره قدومهم ~~عليه، وتسلم بلادهم، وتزوج أختهم، وأكرمهم، وعظم أمرهم، ووصلهم بالأموال ~~الجزيلة، وأقاموا معه. # PageV09P369 # ذكر عبور الخطا جيحون والحرب بينهم وبين خوارزم شاه # في هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم، فسمع صاحبها خوارزم شاه ~~أرسلان بن أتسز، فجمع عساكره وسار إلى آموية ; ليقاتلهم ويصدهم، فمرض، ~~وأقام بها، وسير بعض جيشه مع أمير كبير إليهم، فلقيهم، فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، فانهزم الخوارزميون، وأسر مقدمهم، ورجع به الخطا إلى ما وراء النهر، ~~وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم مريضا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اتخذ نور الدين بالشام الحمام الهوادي، وهي التي يقال لها ~~المناسيب، وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها، وجعلها في جميع بلاده. # وسبب ذلك أنه لما اتسعت بلاده، وطالت مملكته، وعرضت أكنافها، وتباعدت ~~أوائلها عن أواخرها، ثم إنها جاورت بلاد الفرنج، وكانوا ربما نازلوا حصنا ~~من ثغوره، فإلى أن يصل الخبر، ويسير إليهم [يكونون] قد بلغوا غرضهم منه، ~~فأمر بالحمام ; ليصل الخبر إليه في يومه، وأجرى الجرايات على المرتبين ~~لحفظها وإقامتها، فحصل منها الراحة العظيمة، والنفع الكبير للمسلمين. # وفيها عزل الخليفة المستضيء بأمر الله وزيره عضد الدين أبا الفرج بن رئيس ~~الرؤساء مكرها لأن قطب الدين قايماز ألزمه بعزله، فلم يمكنه مخالفته. # [الوفيات] # وفيها مات أبو محمد عبد الله بن أحمد ms4129 الخشاب اللغوي، وكان قيما بالعربية، ~~وسمع الحديث الكثير إلى أن مات. # وفيها مات البوري الفقيه الشافعي، تفقه على محمد بن يحيى، وقدم بغداد ~~ووعظ، وكان يذم الحنابلة، وكثرت أتباعه، فأصابه إسهال، فمات هو وجماعة من # PageV09P370 # أصحابه، فقيل: إن الحنابلة أهدوا له حلواء فمات هو وكل من أكل منها. # وفيها مات القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي، وكان إماما في ~~القراءة والنحو وغيره من العلوم، زاهدا عابدا، انتفع به الناس في الموصل، ~~وفيها كانت وفاته. # PageV09P371 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة] ### | 568 - # ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة # ذكر وفاة خوارزم شاه أرسلان وملك ولده سلطان شاه وبعده ولده الآخر تكش ~~وقتل المؤيد وملك ابنه # في هذه السنة توفي خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن محمد بن أنوشتكين، قد ~~عاد من قتال الخطا مريضا، فتوفي، وملك بعده سلطان شاه محمود، ودبرت والدته ~~المملكة والعساكر. # وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما في الجند قد أقطعه أبوه إياها، ~~فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير أنف من ذلك، وقصد ملك الخطا، ~~واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر خوارزم، فسير معه جيشا كثيفا ~~مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فخرج سلطان شاه وأمه إلى المؤيد، ~~فأهدى له هدية جليلة المقدار، ووعده أموال خوارزم وذخائرها، فاغتر بقوله، ~~وجمع جيوشه وسار معه حتى بلغ سوبرنى، بليدة على عشرين فرسخا من خوارزم، ~~وكان تكش قد عسكر بالقرب منها، فتقدم إليهم، فلما تراءى الجمعان انهزم عسكر ~~المؤيد، وكسر المؤيد وأخذ أسيرا، وجيء به إلى خوارزم شاه تكش، فأمر بقتله، ~~فقتل بين يديه صبرا. # وهرب سلطان شاه، وأخذ إلى دهستان، فقصده خوارزم شاه تكش، فافتتح المدينة ~~عنوة، فهرب سلطان شاه وأخذت أمه فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم. # PageV09P372 # ولما عاد المنهزمون من عسكر المؤيد إلى نيسابور ملكوا ابنه طغان شاه أبا ~~بكر بن المؤيد، واتصل به سلطان شاه، ثم سار من هناك إلى غياث الدين ملك ~~الغورية، فأكرمه وعظمه وأحسن ضيافته. # وأما علاء الدين تكش، ms4130 فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم اتصلت به رسل الخطا ~~بالاقتراحات والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب ~~الملك، وكان قد ورد إليه ومعه جماعة أرسلهم ملكهم في مطالبة خوارزم شاه ~~بالمال، فأمر خوارزم شاه أعيان خوارزم، فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا، ~~فلم يسلم منهم أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. # وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا واغتنم الفرصة بهذه الحال ~~واستنجده على أخيه علاء الدين تكش، وزعم له أن أهل خوارزم معه يريدونه، ~~ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموا البلد إليه، فسير معه جيشا كثيرا من ~~الخطا مع قوما أيضا، فوصلوا إلى خوارزم، فحصروها، فأمر خوارزم شاه علاء ~~الدين بإجراء ماء جيحون عليهم فكادوا يغرقون، فرحلوا ولم يبلغوا منها غرضا، ~~ولحقهم الندم حيث لم ينفعهم، ولاموا سلطان شاه وعنفوه، فقال لقوما: لو ~~أرسلت معي جيشا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار الغزي، وكان قد استولى ~~عليها من حين كانت فتنة الغز إلى الآن، فسير معه جيشا، فنزل على سرخس على ~~غرة من أهلها، وهجموا على الغز، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فلم يتركوا بها ~~أحدا منهم، وألقى دينار ملكهم نفسه في خندق القلعة، فأخرج منه، ودخل القلعة ~~وتحصن بها. # وسار سلطان شاه إلى مرو، فملكها، وعاد الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل ~~سلطان شاه دأبه قتال الغز وقصدهم، والقتل فيهم، والنهب منهم، فلما عجز ~~دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد يقول له ليرسل ~~إليه من يسلم إليه قلعة سرخس، فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم ~~إليه دينار القلعة ولحق بطغان شاه، فقصد سلطان شاه سرخس، وحصر قلعتها، وبلغ ~~ذلك طغان شاه، فجمع جيوشه وقصد سرخس، فلما التقى هو وسلطان شاه فر طغان شاه ~~إلى نيسابور، وذلك سنة ست وسبعين وخمسمائة، فأخلى قراقوش قلعة سرخس ولحق ~~بصاحبه، وملكها # PageV09P373 # سلطان شاه، ثم أخذ طوس، والزام، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته، وقلة ~~قراره، وحرصه على طلب الملك. # وكان طغان ms4131 شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم يزل الحال كذلك إلى أن مات ~~طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة في المحرم، وملك ابنه سنجر شاه، فغلب ~~عليه مملوك جده المؤيد، اسمه منكلي تكين، فتفرق الأمراء أنفة من تحكمه، ~~واتصل أكثرهم بسلطان شاه، وسار الملك دينار إلى كرمان، ومعه الغز، فملكها. # وأما منكلي تكين فإنه أساء السيرة في الرعية، وأخذ أموالهم، وقتل بعض ~~الأمراء، فسمع خوارزم شاه بذلك، فسار إليه، فحصره بنيسابور في ربيع الأول ~~سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، فحصرها شهرين، فلم يظفر بها وعاد إلى خوارزم، ~~ثم رجع سنة ثلاث وثمانين إلى نيسابور، فحصرها، وطلبوا منه الأمان، فأمنهم، ~~فسلموا البلد إليه، فقتل منكلي تكين وأخذ سنجر شاه وأكرمه، وأنزله بخوارزم، ~~وأحسن إليه، فأرسل إلى نيسابور يستميل أهلها ليعود إليهم، فسمع به خوارزم ~~شاه، فأخذ سنجر شاه فسمله، وكان قد تزوج بأمه وزوجه بابنته، فماتت، فزوجه ~~بأخته، وبقي عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين وخمسمائة. # ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي في كتاب " مشارب التجارب "، وقد ~~ذكر غيره من العلماء بالتواريخ هذه الحوادث مخالفة لهذا في بعض الأمور مع ~~تقديم وتأخير، ونحن نوردها، فقال إن تكش خوارزم شاه إيل أرسلان أخرج أخاه ~~سلطان شاه من خوارزم، وكان قد ملكها بعد موت أبيه، فجاء إلى مرو، فملكها ~~وأزاح الغز عنها، فخرجوا أياما، ثم عادوا عليه، فأخرجوه منها، وانتهبوا ~~خزانته، وقتلوا أكثر رجاله، فعبر إلى الخطا، فاستنجدهم، وضمن لهم مالا، ~~وجاء بجيش عظيم، فأخرج الغز عن مرو، وسرخس، ونسا، وأبيورد، وملكها ورد ~~الخطا. # فلما أبعدوا كاتب غياث الدين الغوري يطلب منه أن ينزل عن هراة وبوشنج ~~وباذغيس وما والاها، ويتوعده إن هو لم ينزل عن ذلك، فأجابه غياث الدين يطلب ~~منه إقامة الخطبة له بمرو وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان، فلما سمع الرسالة ~~سار عن مرو وشن الغارات على باذغيس وبيوار وما والاها، وحصر بوشنج ونهب # PageV09P374 # الرساتيق، وصادر الرعايا، فلما سمع غياث الدين ذلك لم يرض لنفسه أن يسير ~~هو ms4132 بل سير ملك سجستان، وكاتب ابن أخته بهاء الدين سام، صاحب باميان، ~~باللحاق به، لأن أخاه شهاب الدين كان بالهند، والزمان شتاء، فجاء بهاء ~~الدين ابن أخت غياث الدين وملك سجستان ومن معهما من العساكر، ووافق ذلك ~~وصول سلطان شاه إلى هراة، فلما علم بوصولهم عاد إلى مرو من غير أن يقاتلهم، ~~وأحرق كل ما مر به من البلاد ونهبه، وأقام بمرو إلى الربيع، وأعاد مراسلة ~~غياث الدين في المعنى، فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يعرفه الحال، فنادى في ~~عساكره الرحيل لساعته، وعاد إلى خراسان، واجتمع هو وأخوه غياث الدين وملك ~~سجستان وغيرهم من العساكر، وقصدوا سلطان شاه، فلما علم ذلك جمع عساكره ~~واجتمع عليه، من الغز والمفسدين، وقطاع الطريق، ومن عنده طمع، خلق كثير، ~~فنزل غياث الدين ومن معه في الطالقان، ونزل سلطان شاه بمرو الروذ، وتقدم ~~عسكر الغورية إليه، وتواعدوا للمصاف. # وبقوا كذلك شهرين والرسل تتردد بين غياث الدين وبين سلطان شاه، وشهاب ~~الدين يطلب من أخيه غياث الدين الإذن في الحرب، فلا يتركه، وتقرر الأمر على ~~أن يسلم غياث الدين إلى سلطان شاه بوشنج وباذغيس وقلاع بيوار، وكره ذلك ~~شهاب الدين وبهاء الدين سام، صاحب باميان، إلا أنهما لم يخالفا غياث الدين، ~~وفي آخر الأمر حضر رسول سلطان شاه عند غياث الدين، وحضر الأمراء ; ليكتب ~~العهد، فقال الرسول: إن سلطان شاه يطلب أن يحضر شهاب الدين وبهاء الدين هذا ~~الأمر، فأرسل غياث الدين إليهما، فأعادا الجواب: إننا مماليكك، ومهما تفعل ~~لا يمكننا مخالفتك. # فبينما الناس مجتمعون في تحرير الأمر وإذ قد أقبل مجد الدين العلوي ~~الهروي، وكان خصيصا بغياث الدين بحيث يفعل في ملكه ما يختار فلا يخالف، ~~فجاء العلوي ويده في يد ألب غازي ابن أخت غياث الدين، وقد كتبوا الكتاب، ~~وقد أحضر غياث الدين أخاه شهاب الدين وبهاء الدين سام ملك الباميان، فجاء ~~العلوي كأنه يسار غياث الدين، ووقف في وسط الحلقة، وقال للرسول: يا فلان! ~~تقول لسلطان شاه: قد تم لك الصلح من جانب ms4133 السلطان الأعظم، ومن شهاب الدين، ~~وبهاء الدين، ويقول لك العلوي خصمك: أنا ومولانا ألب غازي بيننا وبينك ~~السيف، ثم صرخ صرخة ومزق ثيابه، وحثا التراب على رأسه وأقبل على غياث ~~الدين، وقال له: هذا واحد طرده # PageV09P375 # أخوه، وأخرجه فريدا وحيدا، لم تترك له ما ملكناه بأسيافنا من الغز ~~والأتراك السنجرية؟ فإذا سمع هذا عنا يجيء أخوه يطلب منازعته الهند وجميع ~~ما بيدك، فحرك غياث الدين رأسه ولم يتفوه بكلمة، فقال ملك سجستان للعلوي: ~~اترك الأمر ينصلح. # فلما لم يتكلم غياث الدين مع العلوي قال شهاب الدين لجاووشيته: نادوا في ~~العسكر بالتجهز للحرب، والتقدم إلى مرو الروذ، وقام، وأنشد العلوي بيتا من ~~الشعر عجميا معناه: إن الموت تحت السيوف أسهل من الرضى بالدنية، فرجع ~~الرسول إلى سلطان شاه، وأعلمه الحال، فرتب عساكره للمصاف، والتقى الفريقان ~~واقتتلوا، فصبروا للحرب، فانهزم سلطان شاه وعسكره، وأخذ أكثر أصحابه أسرى، ~~فأطلقهم غياث الدين، ودخل سلطان شاه مرو في عشرين فارسا، ولحق به من أصحابه ~~نحو ألف وخمسمائة فارس. # ولما سمع خوارزم شاه تكش بما جرى لأخيه سار من خوارزم في ألفي فارس وأرسل ~~إلى جيحون ثلاثة آلاف فارس يقطعون الطريق على أخيه إن أراد الخطا، وجد في ~~السير ليقبض على أخيه قبل أن يقوى، فأتت الأخبار سلطان شاه بذلك، فلم يقدر ~~على عبور جيحون إلى الخطا، فسار إلى غياث الدين وكتب إليه يعلمه قصده إليه، ~~فكتب إلى هراة وغيرها من بلاده بإكرامه واحترامه وحمل الإقامات إليه، ففعل ~~به ذلك، وقدم على غياث الدين، والتقاه، وأكرمه وأنزله معه في داره، وأنزل ~~أصحاب سلطان شاه كل إنسان منهم عند من هو في طبقته، فأنزل الوزير عند وزيره ~~والعارض عند عارضه، وكذلك غيرهم، وأقام عنده حتى انسلخ الشتاء، فأرسل علاء ~~الدين بن خوارزم شاه إلى غياث الدين يذكره ما صنعه أخوه سلطان شاه معه من ~~تخريب بلاده، وجمع العساكر عليه، ويشير بالقبض عليه ورده إليه، فأنزل ~~الرسول، وإذ قد أتاه كتاب نائبه بهراة يخبره أن كتاب خوارزم شاه ms4134 جاءه ~~يتهدده، فأجابه أنه لا يظهر لخوارزم شاه أنه أعلمه بالحال، وأحضر الرسول، ~~وقال له: تقول لعلاء الدين: أما قولك إن سلطان شاه أخرب البلاد وأراد ~~ملكها، فلعمري إنه ملك وابن ملك، وله همة عالية، وإذا أراد الملك، فمثله ~~أراده، وللأمور مدبر يوصلها إلى مستحقها، وقد التجأ إلي، وينبغي أن تنزاح ~~عن بلاده، وتعطيه نصيبه مما خلف أبوه، ومن الأملاك التي خلف، والأموال، # PageV09P376 # وأحلف لكما يمينا على المودة والمصافاة، وتخطب لي بخوارزم، وتزوج أخي ~~شهاب الدين بأختك. # فلما سمع خوارزم شاه الرسالة امتعض لذلك، وكتب إلى غياث الدين كتابا ~~يتهدده بقصد بلاده، فجهز غياث الدين العساكر مع ابن أخت ألب غازي وصاحب ~~سجستان، وسيرهما مع سلطان شاه إلى خوارزم، وكتب إلى المؤيد صاحب نيسابور ~~يستنجده، وكان قد صار بينهما مصاهرة: زوج المؤيد ابنه طغان بابنة غياث ~~الدين، فجمع المؤيد عساكره، وأقام بظاهر نيسابور على طريق خوارزم. # وكان خوارزم شاه قد سار عن خوارزم إلى لقاء عسكر الغورية الذين مع أخيه ~~سلطان شاه، وقد نزلوا بطرف الرمل، فبينما هو في مسيره أتاه خبر المؤيد أنه ~~قد جمع عساكره، وأنه على قصد خوارزم إذا فارقها، فسقط في يديه وعاد فوقع في ~~قلبه، وعاد إلى خوارزم، فأخذ أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا، وأخلى ~~خوارزم فوقع بها خبط عظيم، فحضر جماعة من أعيانها عند ألب غازي وسألوه ~~إرسال أمير معهم يضبط البلد، فخاف أن تكون مكيدة، فلم يفعل. # فبينما هم في ذلك توفي سلطان شاه، سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ~~فكتب ألب غازي إلى غياث الدين يعلمه الخبر، فكتب إليه يأمره بالعود إليه، ~~فرجع ومعه أصحاب سلطان شاه، فأمر غياث الدين بأن يستخدموا، وأقطع الأجناد ~~الإقطاعات الجيدة، وكلهم قابل إحسانه بكفران، وسنذكره باقي أخبارهم. # ولما سمع خوارزم شاه تكش بوفاة أخيه عاد إلى خوارزم، وأرسل إلى سرخس ومرو ~~شحناء، فجهز إليهم أمير هراة عمر المرغني جيشا، فأخرجوهم، وقال: حتى نستأذن ~~السلطان غياث الدين، وأرسل خوارزم شاه رسولا إلى غياث الدين يطلب الصلح ms4135 ~~والمصاهرة، وسير مع رسوله جماعة من فقهاء خراسان والعلويين، ومعهم وجيه ~~الدين محمد بن محمود، وهو الذي جعل غياث الدين شافعيا، وكان له عنده # PageV09P377 # منزلة كبيرة، فوعظوه، وخوفوه الله تعالى، وأعلموه أن خوارزم شاه يراسلهم ~~ويتهددهم بأنه يجيء بالأتراك والخطا ويستبيح حريمهم وأموالهم، وقالوا له: ~~إما أن تحضر أنت بنفسك، وتجعل مرو دار ملكك، حتى ينقطع طمع الكافرين عن ~~البلاد ويأمن أهلها، وإما أن تصالح خوارزم شاه، فأجاب إلى الصلح وترك ~~معارضة البلاد. # فلما سمع من بخراسان من الغز بذلك طمعوا في البلاد، فعاودوا النهب ~~والإحراق والتخريب، فسمع خوارزم شاه فجمع عساكره وحضر بخراسان، ودخل مرو ~~وسرخس ونسا وأبيورد وغيرها، وأصلح البلاد، وتطرق إلى طوس وهي للمؤيد صاحب ~~نيسابور، فجمع المؤيد جيوشه وسار إليه، فلما سمع المؤيد بعود خوارزم شاه ~~طمع فيه وتبعه، فلما سمع خوارزم شاه بذلك أرسل إلى المناهل التي في البرية ~~فألقى فيها الجيف والتراب بحيث لم يمكن الانتفاع بها. # فلما توسط المؤيد البرية طلب الماء فلم يجده، فجاء خوارزم شاه إليه وهو ~~على تلك الحال، ومعه الماء على الجمال، فأحاط به، فأما عسكره فاستسلموا ~~بأسرهم، وجيء بالمؤيد أسيرا إلى خوارزم شاه، فأمر بضرب عنقه، فقال له: يا ~~مخنث هذا فعال الناس؟ فلم يلتفت إليه، وقتله وحمل رأسه إلى خوارزم. # فلما قتل ملك نيسابور ملك ما كان له ابنه طغان شاه. فلما كان من قابل جمع ~~خوارزم شاه عساكره وسار إلى نيسابور، فحاصرها وقاتلها، فمنعه طغان شاه، ~~فعاد عنه ثم رجع إليه، فخرج إليه طغان شاه، فقاتله، فأسر طغان شاه، وأخذه، ~~وزوجه أخته، وحمله معه إلى خوارزم، وملك نيسابور وجميع ما كان لطغان شاه من ~~الملك وعظم شأنه وقوي أمره. # هذا الذي ذكره في هذه الرواية مخالف لما تقدم، ولو أمكن الجمع بين ~~الروايتين لفعلت، فإن أحدهما قد قدم ما أخره الآخر، فلهذا أوردنا جميع ما ~~قالاه، ولبعد البلاد عنا لم نعلم أي القولين أصح لنذكره ونترك الآخر، وإنما ~~أوردتها في موضع واحد لأن أيام سلطان شاه ms4136 لم تطل له ولأعقابه حتى تتفرق على ~~السنين، فلهذا أوردتها متتابعة. # PageV09P378 # ذكر غارة الفرنج على بلد حوران وغارة المسلمين على بلد الفرنج # في هذه السنة، في ربيع الأول، اجتمعت الفرنج وساروا إلى بلد حوران من ~~أعمال دمشق للغارة عليه، وبلغ الخبر إلى نور الدين وكان قد برز ونزل هو ~~وعسكره بالكسوة، فسار إليهم مجدا، وقدم بجموعه عليهم، فلما علموا بقربه ~~منهم دخلوا إلى السواد، وهو من أعمال دمشق أيضا، ولحقهم المسلمون، فتخطفوا ~~من في ساقتهم ونالوا منهم، وسار نور الدين فنزل في عشترا، وسير منها سرية ~~إلى أعمال طبرية، فشنوا الغارات عليها، فنهبوا وسبوا، وأحرقوا وخربوا، فسمع ~~الفرنج ذلك، فرحلوا إليهم ; ليمنعوا عن بلدهم، فلما وصلوا كان المسلمون قد ~~فرغوا من نهبهم وغنيمتهم، وعادوا، وعبروا النهر. # وأدركهم الفرنج، فوقف مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم يقاتلونهم، فاشتد ~~القتال وصبر الفريقان، الفرنج يرومون أن يلحقوا الغنيمة فيردوها، والمسلمون ~~يريدون أن يمنعوهم عنها لينجو بها من قد سار معها، فلما طال القتال بينهم، ~~وأبعدت الغنيمة وسلمت مع المسلمين عاد الفرنج ولم يقدروا [أن] يستردوا منها ~~شيئا. # ذكر مسير شمس الدولة إلى بلد النوبة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو ~~صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة، فوصل إلى أول بلادهم ; ليتغلب ~~عليه ويتملكه. # وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم ~~الدخول إلى مصر وأخذها منهم، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد ~~النوبة أو بلاد اليمن، حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد، ~~فإن قووا على منعه أقاموا بمصر، وإن عجزوا عن منعه ركبوا البحر ولحقوا ~~بالبلاد التي قد افتتحوها، فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان، ومنها إلى بلد ~~النوبة، فنازل قلعة اسمها # PageV09P379 # أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة ; ~~لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب، فسلموها، فملكها، ~~وأقام بها، ولم ير للبلاد دخلا يرغب فيه ms4137 وتحتمل المشقة لأجله، وقوتهم ~~الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب ~~والمشقة، تركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري. # ذكر ظفر لمليح بن ليون بالروم # في هذه السنة، في جمادى الأولى، هزم مليح بن ليون الأرمني، صاحب بلاد ~~الدروب المجاورة لحلب، عسكر الروم من القسطنطينية. # وسبب ذلك أن نور الدين كان قد استخدم مليحا المذكور، وأقطعه إقطاعا سنيا، ~~وكان ملازم الخدمة لنور الدين، ومشاهدا لحروبه مع الفرنج، ومباشرا لها، ~~وكان هذا من جيد الرأي وصائبه، فإن نور الدين لما قيل له في معنى استخدامه ~~وإعطائه الأقطاع من بلاد الإسلام قال: أستعين به على قتال أهل ملته، وأريح ~~طائفة من عسكري تكون بإزائه لتمنعه من الغارة على البلاد المجاورة له. # وكان مليح أيضا يتقوى بنور الدين على من يجاوره من الأرمن والروم، وكانت ~~مدينة أدنة والمصيصة وطرسوس بيد ملك الروم، صاحب القسطنطينية، فأخذها مليح ~~منهم لأنها تجاور بلاده، فسير إليه ملك الروم جيشا كثيفا، وجعل عليهم بعض ~~أعيان البطارقة من أقاربه، فلقيهم مليح ومعه طائفة من عسكر نور الدين، ~~فقاتلهم، وصدقهم القتال، وصابرهم، فانهزمت الروم، وكثر فيهم القتل والأسر، ~~وقويت شوكة مليح، وانقطع أمل الروم من تلك البلاد. # PageV09P380 # وأرسل مليح إلى نور الدين كثيرا من غنائمهم ومن الأسرى ثلاثين رجلا من ~~مشهوريهم وأعيانهم، فسير نور الدين بعض ذلك إلى الخليفة المستضيء بأمر ~~الله، وكتب يعتد بهذا لأن بعض جنده فعلوه. # ذكر وفاة إيلدكز # في هذه السنة توفي أتابك إيلدكز بهمذان، وملك بعده ابنه محمد البهلوان، ~~ولم يختلف عليه أحد، وكان إيلدكز هذا مملوكا للكمال السميرمي، وزير السلطان ~~محمود، فلما قتل الكمال، كما ذكرناه، صار إيلدكز إلى السلطان محمود، فلما ~~ولي السلطان مسعود السلطنة ولاه أرانية، فمضى إليها، ولم يعد يحضر عند ~~السلطان مسعود ولا غيره، ثم ملك أكثر أذربيجان وبلاد الجبل وهمذان وغيرها، ~~وأصفهان والري وما والاهما من البلاد، وخطب بالسلطنة لابن امرأته أرسلان ~~شاه بن طغرل، وكان عسكره خمسين ألف فارس ms4138 سوى الأتباع، واتسع ملكه من باب ~~تفليس إلى كرمان، ولم يكن للسلطان أرسلان شاه معه حكم إنما كان له جراية ~~تصل إليه. # وبلغ من تحكمه عليه أنه شرب ليلة، فوهب ما في خزانته، وكان كثيرا، فلما ~~سمع إيلدكز بذلك استعاده جميعيه، وقال له: متى أخرجت المال في غير وجهه، ~~أخذته أيضا من غير وجهه، وظلمت الرعية. # وكان إيلدكز عاقلا، حسن السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف ~~بعضهم من بعض. # PageV09P381 # ذكر وصول الترك إلى إفريقية وملكهم طرابلس وغيرها # في هذه السنة سار طائفة من الترك من ديار مصر مع قراقوش مملوك تقي الدين ~~عمر ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى جبال نفوسة، واجتمع به مسعود بن ~~زمام المعروف بمسعود البلاط، وهو من أعيان أمراء العرب هناك، وكان خارجا عن ~~طاعة عبد المؤمن وأولاده، فاتفقا، وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب، ~~فحاصراها، وضيقا على أهلها، ثم فتحت، فاستولى عليها قراقوش، وأسكن أهله ~~قصرها، وملك كثيرا من بلاد إفريقية ما خلا المهدية، وسفاقس، وقفصة، وتونس ~~وما والاها من القرى والمواضع. # وصار مع قراقوش عسكر كثير، فحكم على تلك البلاد بمساعدة العرب بما جبلت ~~عليه من التخريب والنهب، والإفساد بقطع الأشجار والثمار، وغير ذلك، فجمع ~~بها أموالا عظيمة، وجعلها بمدينة قابس، وقويت نفسه، وحدثته بالاستيلاء على ~~جميع إفريقية ; لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحبها عنها، وكان ما سنذكره ~~إن شاء الله. # ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالأندلس # في هذه السنة جمع أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عساكره، وسار من إشبيلية ~~إلى الغزو، فقصد بلاد الفرنج، ونزل على مدينة وبذة، وهي بالقرب من طليطلة ~~شرقا منها، وحصرها، واجتمعت الفرنج على ابن الأذفونش ملك طليطلة في جمع ~~كثير، فلم يقدموا على لقاء المسلمين. # فاتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع ~~كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الفرنج، فعادوا إلى إشبيلية. # PageV09P382 # وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ذلك يجهز ~~العساكر ويسيرها إلى ms4139 غزو بلاد الفرنج في كل وقت، فكان فيها عدة وقائع ~~وغزوات ظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، وصار الفارس من العرب ~~يبرز بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه ~~أحد، ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش. # ذكر نهب نهاوند # في هذه السنة نهب عسكر شملة نهاوند، وسبب ذلك أن شملة كان أيام إيلدكز لا ~~يزال يطلب منه نهاوند ; لكونها مجاورة بلاده، ويبذل فيها الأموال، فلا ~~يجيبه إلى ذلك، فلما مات إيلدكز، وملك بعده ولده محمد البهلوان، وسار إلى ~~أذربيجان لإصلاحها، أنفذ شملة ابن أخيه ابن سنكا لأخذ نهاوند، وبلغ أهل ~~البلد الخبر، فتحصنوا، وحصرهم، وقاتلهم وقاتلوه، وأفحشوا في سبه، فلما علم ~~أنه لا طاقة له بهم رجع إلى تستر، وهي قريبة منها، وأرسل أهل نهاوند إلى ~~البهلوان يطلبون منه نجدة، فتأخرت عنهم، فلما اطمأنوا خرج ابن سنكا من تستر ~~في خمسمائة فارس جريدة، وسار يوما وليلة فقطع أربعين فرسخا حتى وصل إلى ~~نهاوند، وضرب البوق وأظهر أنه من أصحاب البهلوان، لأنه جاءهم من ناحيته، ~~ففتح أهل البلد له الأبواب، فدخله، فلما توسط قبض على القاضي والرؤساء ~~وصلبهم، ونهب البلد وأحرقه، وقطع أنف الوالي وأطلقه، وتوجه نحو ماسبذان ~~قاصدا للعراق. # ذكر قصد نور الدين بلاد قلج أرسلان # في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى مملكة عز الدين قلج أرسلان ~~بن مسعود بن قلج أرسلان، وهي ملطية، وسيواس، وأقصرا وغيرها، عازما على حربه ~~وأخذ بلاده منه. # وكان سبب ذلك أن ذا النون بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس قصده قلج # PageV09P383 # أرسلان، وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور الدين ~~مستجيرا به، وملتجئا إليه، فأكرم نزله، وأحسن إليه، وحمل له ما يليق أن ~~يحمل إلى الملوك، ووعده النصرة والسعي في رد ملكه إليه. # ثم إنه أرسل إلى قلج أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاد ذي النون إليه، فلم ~~يجبه إلى ذلك، فسار نور الدين إليه، فابتدأ بكيسون، وبهسنا، ومرعش، ~~ومرزبان، فملكها وما ms4140 بينها، وكان ملكه لمرعش أوائل ذي القعدة، والباقي ~~بعدها، فلما ملكها سير طائفة من عسكره إلى سيواس، فملكوها. # وكان قلج أرسلان لما سار نور الدين إلى بلاده قد سار من طرفها الذي يلي ~~الشام إلى وسطها، وراسل نور الدين يستعطفه، ويسأله الصلح، فتوقف نور الدين ~~عن قصده رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب، فأتاه عن الفرنج ما أزعجه، فأجابه ~~إلى الصلح، وشرط عليه أن ينجده بعساكر إلى الغزاة، وقال له: أنت مجاور ~~الروم ولا تغزوهم، وبلادك قطعة كبيرة من بلاد الإسلام، ولا بد من الغزاة ~~معي، فأجابه إلى ذلك، وتبقى سيواس على حالها بيد نواب نور الدين وهي لذي ~~النون، فبقي العسكر بها في خدمة ذي النون إلى أن مات نور الدين، فلما مات ~~رحل عسكره عنها، وعاد قلج أرسلان وملكها، وهي بيد أولاده إلى الآن سنة ~~عشرين وستمائة. # ولما كان نور الدين في هذه السفرة جاءه رسول كمال الدين أبي الفضل محمد ~~بن عبد الله بن الشهرزوري من بغداد ومعه منشور من الخليفة بالموصل والجزيرة ~~وبإربل وخلاط الشام وبلاد قلج أرسلان وديار مصر. # PageV09P384 # ذكر رحيل صلاح الدين من مصر إلى الكرك وعوده عنها # في هذه السنة، في شوال، رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكرها ~~جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك، والاجتماع مع نور الدين عليه، ~~والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره. # وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في ~~العام الماضي، وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه، أرسل يعتذر، ويعد من ~~نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين، فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح ~~الدين يخرج من مصر ويسير نور الدين من دمشق، فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن ~~يصل الآخر إليه، وتواعدا على يوم معلوم يكون وصولهما فيه، فسار صلاح الدين ~~عن مصر لأن طريقه أصعب وأبعد وأشق، ووصل إلى الكرك وحصره. # وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب ms4141 صلاح الدين برحيله من مصر فرق ~~الأموال، وحصل الأزواد وما يحتاج إليه، وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم، ~~وبينه وبين الكرك مرحلتان. فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله، ~~واتفق رأيهم على العود إلى مصر، وترك الاجتماع بنور الدين، لأنهم علموا أنه ~~إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلا. # فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان قد ~~استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر، وأنه مريض شديد المرض، ويخاف أن ~~يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، وأرسل معه [من] التحف ~~والهدايا ما يجل عن الوصف، فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه ~~وعلم المراد من العود، إلا أنه لم يظهر للرسول تأثرا بل قال له: حفظ مصر ~~أهم عندنا من غيرها. # وسار صلاح الدين إلى مصر فوجد أباه قد قضى نحبه ولحق بربه، ورب كلمة تقول ~~لقائلها دعني. وكان سبب موت نجم الدين أنه ركب يوما فرسا بمصر، فنفر به # PageV09P385 # الفرس نفرة شديدة، فسقط عنه فحمل إلى قصره وقيذا، وبقي أياما، ومات في ~~السابع والعشرين من ذي الحجة، وكان خيرا، عاقلا، حسن السيرة كريما جوادا، ~~كثير الإحسان إلى الفقراء والصوفية، والمجالسة لهم. وقد تقدم من ذكره ~~وابتداء أمره وأمر أخيه شيركوه ما لا حاجة إلى إعادته. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة زادت دجلة زيادة كثيرة أشرفت [بها] بغداد على الغرق في ~~شعبان، وسدوا أبواب الدروب، ووصل الماء إلى قبة أحمد بن حنبل ووصل إلى ~~النظامية ورباط شيخ الشيوخ، واشتغل الناس بالعمل في القورج، ثم نقص وكفى ~~الناس شره. # وفيها وقعت النار ببغداد من درب بهروز إلى باب جامع القصر، ومن الجانب ~~الآخر من حجر النحاس إلى دار أم الخليفة. # وفيها أغار بنو حزن من خفاجة على سواد العراق، وسبب ذلك أن الحماية كانت ~~لهم لسواد العراق، فلما تمكن يزدن من البلاد وتسلم الحلة أخذها منهم، ~~وجعلها لبني كعب من خفاجة، وأغار بنو حزن على السواد، ms4142 فسار يزدن في عسكر ~~ومعه الغضبان الخفاجي، وهو من بني كعب، لقتال بني حزن، فبينما هم سائرون ~~ليلا رمى بعض الجند الغضبان بسهم فقتله لفساده، وكان في السواد، فلما قتل ~~عاد العسكر إلى بغداد وأعيدت خفارة السواد إلى بني حزن. # وفيها خرج برجم الإيوائي في جمع من التركمان، [في حياة إيلدكز] ، وتطرق ~~أعمال همذان، ونهب الدينور، واستباح الحريم. # PageV09P386 # وسمع إيلدكز الخبر وهو بنقجوان، فسار مجدا فيمن خف معه من عسكره، فقصده، ~~فهرب برجم إلى أن قارب بغداد، وتبعه إيلدكز فظن الخليفة أنها حيلة ليصل إلى ~~بغداد فجأة، فشرع في جمع العساكر وعمل السور، فأرسل إلى إيلدكز الخلع ~~والألقاب الكبيرة، فاعتذر أنه لم يقصد إلا كف فساد هؤلاء، ولم يتعد قنطرة ~~خانقين وعاد. # [الوفيات] وفيها توفي الأمير يزدن، وهو من أكابر أمراء بغداد، وكان ~~يتشيع، فوقع بسببه فتنة بين السنة والشيعة بواسط لأن الشيعة جلسوا له ~~للعزاء وأظهر السنة الشماتة به فآل الأمر إلى القتال فقتل بينهم جماعة. # ولما مات أقطع أخوه تنامش ما كان لأخيه وهو مدينة واسط، ولقب علاء الدين. # وفيها أرسل نور الدين محمود بن زنكي رسولا إلى الخليفة، وكان الرسول ~~القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري، قاضي بلاده ~~جميعها مع الوقوف والديوان، وحمله رسالة مضمونها الخدمة للديوان، وما هو ~~عليه من جهاد الكفار، وفتح بلادهم، ويطلب تقليدا بما بيده من البلاد، مصر ~~والشام والجزيرة والموصل، وبما في طاعته كديار بكر وما يجاور ذلك كخلاط ~~وبلاد قلج أرسلان، وأن يعطى من الإقطاع بسواد العراق ما كان لأبيه زنكي ~~وهو: صريفين ودرب هارون، والتمس أرضا على شاطئ دجلة يبنيها مدرسة للشافعية، ~~ويوقف عليها صريفين ودرب هارون، فأكرم كمال الدين إكراما لم يكرم به رسول ~~قبله، وأجيب إلى ما التمسه، فمات نور الدين قبل الشروع في بناء المدرسة - ~~رحمه الله -. # PageV09P387 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة] ### | 569 - # ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة # ذكر ملك شمس الدولة زبيد وعدن وغيرهما من بلاد اليمن # قد ذكرنا قبل ms4143 أن صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر، وأهله كانوا يخافون ~~من نور الدين محمود أن يدخل إلى مصر فيأخذها منهم، فشرعوا في تحصيل مملكة ~~يقصدونها ويتملكونها تكون عدة لهم إن أخرجهم نور الدين من مصر ساروا إليها ~~وأقاموا بها، فسيروا شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، وهو أخو صلاح الدين ~~الأكبر، إلى بلد النوبة، فكان ما ذكرناه. # فلما عاد إلى مصر استأذنوا نور الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد ~~النبي، صاحب زبيد [وأخذ بلده] لأجل قطع الخطبة العباسية، فأذن في ذلك. # وكان بمصر شاعر اسمه عمارة من أهل اليمن، فكان يحسن لشمس الدولة قصد ~~اليمن، ويصف البلاد له، ويعظم ذلك في عينه، فزاده قوله رغبة فيها، فشرع ~~يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات، وجند الأجناد، فجمع ~~وحشد، وسار عن مصر مستهل رجب، فوصل إلى مكة، أعزها الله تعالى، ومنها إلى ~~زبيد، وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي، فلما قرب منها رآه ~~أهلها، فاستقلوا من معه، فقال لهم عبد النبي: كأنكم بهؤلاء وقد حمي عليهم ~~الحر فهلكوا وما هم إلا أكلة رأس، فخرج إليهم بعسكره، فقاتلهم شمس الدولة ~~ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا، ووصل المصريون إلى سور زبيد، فلم ~~يجدوا عليه من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة ~~ونهبوه وأكثروا النهب، # PageV09P388 # وأخذوا عبد النبي أسيرا وزوجته المدعوة بالحرة، وكانت امرأة صالحة كثيرة ~~الصدقة لا سيما إذا حجت، فإن فقراء الحاج كانوا يجدون عندها صدقة دارة، ~~وخيرا كثيرا، ومعروفا عظيما، [وسلم شمس الدولة عبد النبي] إلى بعض أمرائه، ~~يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ، أصحاب شيزر، وأمره أن ~~يستخرج منه الأموال، فأعطاه منها شيئا كثيرا، ثم إنه دلهم على قبر كان قد ~~صنعه لوالده، وبنى عليه بنية عظيمة، وله هناك دفائن كثيرة، فأعلمهم بها، ~~فاستخرجت الأموال من هناك وكانت جليلة المقدار، وأما الحرة فإنها أيضا كانت ~~تدلهم على ودائع لها، فأخذ منها مالا كثيرا. # ولما ملكوا زبيد واستقر الأمر ms4144 لهم بها، ودان أهلها، وأقيمت فيها الخطبة ~~العباسية، أصلحوا حالها، وساروا إلى عدن، وهي على البحر، ولها مرسى عظيم، ~~وهي فرضة الهند والزنج والحبشة، وعمان وكرمان، وكيش، وفارس، وغير ذلك، وهي ~~من جهة البر من أمنع البلاد وأحصنها، وصاحبها إنسان اسمه ياسر، فلو أقام ~~بها ولم يخرج عنها لعادوا خائبين، وإنما حمله جهله وانقضاء مدته على الخروج ~~إليهم ومباشرة قتالهم، فسار إليهم وقاتلهم فانهزم ياسر ومن معه، وسبقهم بعض ~~عسكر شمس الدولة، فدخلوا البلد قبل أهله، فملكوه، وأخذوا صاحبه ياسرا ~~أسيرا، وأرادوا نهب البلد، فمنعهم شمس الدولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، ~~وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها، فلم ينهب أحد منها شيئا، فبقيت ~~على حالها وثبت ملكه واستقر أمره. # ولما مضى إلى عدن كان معه عبد النبي صاحب زبيد مأسورا، فلما دخل إلى عدن ~~قال: سبحان الله! كنت قد علمت أنني أدخل إلى (عدن في موكب كبير) فأنا أنتظر ~~ذلك وأسر به، ولم أكن أعلم أنني أدخلها على هذه الحال. # ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد، وحصر ما في الجبل من ~~الحصون، فملك قلعة تعز، وهي من أحصن القلاع، وبها تكون خزائن صاحب زبيد، ~~وملك أيضا قلعة التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون، واستناب بعدن عز # PageV09P389 # الدين عثمان بن الزنجيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ، وجعل في كل ~~قلعة نائبا من أصحابه، وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام، وأحسن شمس الدولة ~~إلى أهل البلاد، واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان، وعادت زبيد إلى أحسن ~~أحوالها من العمارة والأمن. # ذكر قتل جماعة من المصريين أرادوا الوثوب بصلاح الدين # في هذه السنة، ثاني رمضان، صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن أرادوا ~~الوثوب به بمصر من أصحاب الخلفاء العلويين. # وسبب ذلك أن جماعة من شيعة العلويين منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني ~~الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة وغيرهم من جند ~~المصريين ورجالتهم السودان، وحاشية القصر، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح ~~الدين وجنده، واتفق رأيهم على ms4145 استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ~~ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد، فإن خرج ~~صلاح الدين بنفسه إليهم ثاروا هم في القاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية، ~~وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه، فلا يبقى له مقام مقابل الفرنج، ~~وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به، وأخذوه أخذا باليد ~~لعدم الناصر له والمساعد، وقال لهم عمارة: وأنا قد أبعدت أخاه إلى اليمن ~~خوفا أن يسد مسده وتجتمع الكلمة عليه بعده. # وأرسلوا إلى الفرنج بصقلية والساحل في ذلك، وتقررت القاعدة بينهم، ولم ~~يبق # PageV09P390 # إلا رحيل الفرنج، وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا ~~معهم في هذا الأمير زين الدين علي بن نجا الواعظ، المعروف بابن نجية، ~~ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقاضي، إلا أن بني رزيك قالوا: ~~يكون الوزير منا، وبني شاور قالوا: يكون الوزير منا، فلما علم ابن نجا ~~الحال حضر عند صلاح الدين، وأعلمه حقيقة الأمر، فأمر بملازمتهم، ومخالطتهم، ~~ومواطأتهم على ما يريدون أن يفعلوه، وتعريفه ما يتجدد أولا بأول، ففعل ذلك ~~وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه. # ثم وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل الشامي إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، ~~وهو في الظاهر إليه، والباطن إلى أولئك الجماعة، وكان يرسل إليهم بعض ~~النصارى وتأتيه رسلهم، فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية ~~الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق به من النصارى، وداخله، ~~فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته، فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة ~~منهم: عمارة وعبد الصمد والعويرس وغيرهم وصلبهم. # وقيل في كشف أمرهم إن عبد الصمد المذكور كان إذا لقي القاضي الفاضل ~~الكاتب الصلاحي يخدمه ويتقرب إليه بجهده وطاقته، فلقيه يوما، فلم يلتفت ~~إليه، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلا لسبب. وخاف أن يكون قد صار له باطن ~~من صلاح الدين، فأحضر علي بن نجا الواعظ وأخبره الحال، وقال: أريد أن تكشف ~~لي الأمر، فسعى في كشفه ms4146 فلم ير له من جانب صلاح الدين شيئا، فعدل إلى ~~الجانب الآخر، فكشف الحال، وحضر عند القاضي الفاضل وأعلمه، فقال: تحضر ~~الساعة عند صلاح الدين وتنهي الحال إليه، فحضر عند صلاح الدين وهو في ~~الجامع، فذكر له الحال، فقام وأخذ الجماعة وقررهم، فأقروا، فأمر بصلبهم. # وكان عمارة بينه وبين الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها، فلما أراد ~~صلبه قام القاضي الفاضل وخاطب صلاح الدين في إطلاقه، وظن عمارة أنه يحرض ~~على هلاكه، فقال لصلاح الدين: يا مولانا لا تسمع منه في حقي، فغضب الفاضل ~~وخرج، وقال صلاح الدين لعمارة: إنه كان يشفع فيك، فندم، ثم أخرج عمارة ~~ليصلب، فطلب أن # PageV09P391 # يمر به على مجلس الفاضل، فاجتازوا به عليه، فأغلق بابه ولم يجتمع به، ~~فقال عمارة: # عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص هو العجب # ثم صلب هو والجماعة، ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ~~ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد، واحتيط على من بالقصر من سلالة العاضد وغيره ~~من أهله. # وأما الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم، ولا أعلمهم أنه ~~علم بحالهم. # وأما الفرنج، فإن فرنج صقلية قصدوا الإسكندرية على ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى، لأنهم لم يتصل بهم ظهور الخبر عند صلاح الدين. # وأما فرنج الساحل الشامي فإنهم لم يتحركوا لعلمهم بحقيقة الحال. # وكان عمارة شاعرا مفلقا، فمن شعره: # لو أن قلبي يوم كاظمة معي ... لملكته وكظمت فيض الأدمع # قلب كفاك من الصبابة أنه ... لبى نداء الظاعنين وما دعي # ما القلب أول غادر فألومه ... هي شيمة الأيام مذ خلقت معي # ومن الظنون الفاسدات توهمي ... بعد اليقين بقاءه في أضلعي # وله أيضا: # لي في هوى الرشإ العذري إعذار ... لم يبق لي مذ أقر الدمع إنكار # PageV09P391 # لي في القدود وفي لثم الخدود ... وفي ضم النهود لبانات وأوطار # هذا اختياري فوافق إن رضيت به ... أو لا فدعني وما أهوى وأختار # وله ديوان شعر مشهور في غاية الحسن والرقة والملاحة. # ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي - رحمه الله ms4147 - # في هذه السنة توفي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الشام وديار ~~الجزيرة ومصر، يوم الأربعاء حادي عشر شوال، بعلة الخوانيق، ودفن بقلعة ~~دمشق، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق، عند سوق الخواصين. # ومن عجيب الاتفاق أنه ركب ثاني شوال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار، ~~فقال له الأمير: سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا؟ فقال ~~نور الدين: لا تقل هكذا، بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا؟ فمات ~~نور الدين - رحمه الله - بعد أحد عشر يوما، ومات الأمير قبل الحول، فأخذ كل ~~منهما بما قاله. # وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف بن أيوب، ~~فإنه رأى فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، وكان يعلم أنه إنما يمنع صلاح ~~الدين من الغزو الخوف منه ومن الاجتماع به، فإنه يؤثر كون الفرنج في الطريق ~~ليمتنع بهم على نور الدين، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب ~~العساكر للغزاة، وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي، صاحب ~~الموصل بالشام، ويسير هو بعساكره إلى مصر، فبينما هو يتجهز لذلك أتاه أمر ~~الله الذي لا مرد له. # حكى لي طبيب يعرف بالطبيب الرحبي وهو كان يخدم نور الدين، وهو من حذاق ~~الأطباء، قال: استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من # PageV09P393 # الأطباء، فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق ~~منه، وقارب الهلاك، فلا يكاد يسمع صوته، وكان يخلو فيه للتعبد، فابتدأ به ~~المرض، فلم ينتقل عنه، فلما دخلنا ورأينا ما به قلت له: # كان ينبغي أن لا تؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض الآن، وينبغي أن تعجل ~~الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء، فله أثر في هذا المرض. وشرعنا ~~في علاجه، وأشرنا بالفصد، فقال ابن ستين: لا يفتصد، وامتنع منه، فعالجناه ~~بغيره، فلم ينجع فيه الدواء، وعظم الداء، ومات - رحمه الله ورضي عنه -. # وكان أسمر، ms4148 طويل القامة، وليس له لحية إلا في حنكه، وكان واسع الجبهة، ~~حسن الصورة، حلو العينين، وكان قد اتسع ملكه جدا، وخطب له بالحرمين ~~الشريفين وباليمن لما دخلها شمس الدولة بن أيوب وملكها، وكان مولده سنة ~~إحدى عشرة وخمسمائة، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله. وقد طالعت سير ~~الملوك المتقدمين، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ~~أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريا منه للعدل. # وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب " الباهر " من أخبار دولتهم، ولنذكر ~~ههنا نبذة مختصرة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدي به، فمن ذلك زهده وعبادته ~~وعلمه، فإنه كان لا يأكل ولا يلبس [ولا يتصرف] في الذي يخصه [إلا] من ملك ~~كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، ~~ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة، فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له، منها ~~يحصل له في السنة نحو عشرين دينارا، فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا، ~~وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم ~~لأجلك. # وكان يصلي كثيرا بالليل، وله فيه أوراد حسنة، وكان كما قيل: # جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب # وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصب، وسمع الحديث، ~~وأسمعه طلبا للأجر. # وأما عدله، فإنه لم يترك في بلاده، على سعتها، مكسا ولا عشرا بل أطلقها # PageV09P394 # جميعها في مصر والشام والجزيرة والموصل، وكان يعظم الشريعة، ويقف عند ~~أحكامها، وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم، فمضى معه إليه، وأرسل إلى القاضي ~~كمال الدين بن الشهرزوري يقول: قد جئت محاكما، فاسلك معي ما تسلك مع ~~الخصوم، وظهر الحق له، فوهبه الخصم الذي أحضره، وقال: أردت أن أترك له ما ~~يدعيه، إنما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور إلى ~~مجلس الشريعة، فحضرت، ثم وهبته ما يدعيه. # وبنى دار العدل في بلاده، وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم، ولو ms4149 ~~أنه يهودي، من الظالم ولو أنه ولده أو أكبر أمير عنده. # وأما شجاعته، فإليها النهاية، وكان في الحرب يأخذ قوسين وتركشين ليقاتل ~~بها، فقال له القطب النشاوي الفقيه: بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام ~~والمسلمين، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف. ~~فقال له نور الدين: ومن محمود حتى يقال له هذا؟ من قبلي من حفظ البلاد ~~والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو. # وأما ما فعله من المصالح، فإنه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها، ~~فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها، وبنى المدارس الكثيرة ~~للحنفية والشافعية، وبنى الجامع النوري بالموصل، وبنى البيمارستانات ~~والخانات في الطرق، وبنى الخانكاهات للصوفية في جميع البلاد، ووقف على ~~الجميع الوقوف الكثيرة. سمعت أن حاصل وقفه كل شهر تسعة آلاف دينار صوري. # وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويعطيهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه، ~~وينبسط معهم، ولا يرد لهم قولا، ويكاتبهم بخط يده، وكان وقورا مهيبا مع ~~تواضعه، وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة لا يحتملها هذا الكتاب. # ذكر ملك ولده الملك الصالح # لما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده. وكان ~~عمره إحدى عشرة سنة، وحلف له الأمراء والمقدمون بدمشق، وأقام بها، وأطاعه ~~الناس # PageV09P395 # بالشام وصلاح الدين بمصر، وخطب له بها، وضرب السكة باسمه، وتولى تربيته ~~الأمير شمس [الدين] محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، وصار مدبر ~~دولته. فقال له كمال الدين بن الشهرزوري ولمن معه من الأمراء: قد علمتم أن ~~صلاح الدين صاحب مصر هو من مماليك نور الدين ونوابه أصحاب نور الدين، ~~والمصلحة أن نشاوره في الذي نفعله، ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا، ~~ويجعل ذلك حجة علينا، وهو أقوى منا، لأنه قد انفرد اليوم بملك مصر، فلم ~~يوافق هذا القول أغراضهم، وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم، فلم يمض غير ~~قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يعزيه ويهنئه بالملك، وأرسل ~~دنانير مصرية عليها اسمه ويعرفه أن الخطبة ms4150 والطاعة له كما كانت لأبيه. # فلما سار سيف الدين غازي، صاحب الموصل، وملك البلاد الجزرية، على ما ~~نذكره، أرسل صلاح الدين أيضا إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف ~~الدين بلاده وأخذها، ليحضر في خدمته ويكف سيف الدين، وكتب إلى كمال الدين ~~والأمراء يقول: لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي، أو يثق به مثل ~~ثقته بي لسلم إليه مصر التي هي أعظم ممالكه وولاياته، ولو لم يعجل عليه ~~الموت لم يعهد إلى أحد بتربية ولده والقيام بخدمته غيري، وأراكم قد تفردتم ~~بمولاي وابن مولاي دوني، وسوف أصل إلى خدمته، وأجازي إنعام والده بخدمة ~~يظهر أثرها، وأجازي كلا منكم على سوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده. # وتمسك ابن المقدم وجماعة الأمراء بالملك الصالح، ولم يرسلوه إلى حلب، ~~خوفا أن يغلبهم عليه شمس الدين علي بن الداية، فإنه أكبر الأمراء النورية، ~~وإنما منعه من الاتصال به والقيام بخدمته مرض لحقه، وكان هو وإخوته بحلب، ~~وأمرها إليهم، وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده، ولما عجز عن الحركة ~~أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب ليمنع به البلاد الجزرية من سيف الدين ~~ابن عمه قطب الدين، فلم يمكنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى حلب لما ~~ذكرناه. # ذكر ملك سيف الدين البلاد الجزرية # كان نور الدين قبل أن يمرض قد أرسل إلى البلاد الشرقية، الموصل وديار # PageV09P396 # الجزيرة وغيرها، يستدعي العساكر منها للغزاة، والمراد غيرها، وقد تقدم ~~ذكره، فسار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي، صاحب الموصل، في ~~عساكره، وعلى مقدمته الخادم سعد الدين كمشتكين الذي كان قد جعله نور الدين ~~بقلعة الموصل مع سيف الدين، فلما كانوا ببعض الطريق وصلت الأخبار بوفاة نور ~~الدين، فأما سعد الدين فإنه كان في المقدمة، فهرب جريدة. # وأما سيف الدين فأخذ كل ما كان له من برك وغيره، وعاد إلى نصيبين فملكها، ~~وأرسل الشحن إلى الخابور فاستولوا عليه، وأقطعه، وسار هو إلى حران فحصرها ~~عدة أيام، وبها ms4151 مملوك لنور الدين يقال له قايماز الحراني، فامتنع بها، ~~وأطاع بعد ذلك على أن تكون حران له، ونزل إلى خدمة سيف الدين، فقبض عليه ~~وأخذ حران منه، وسار إلى الرها فحصرها وملكها، وكان بها خادم خصي أسود لنور ~~الدين فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر، فأعطيها، ~~ثم أخذت منه، ثم صار إلى أن يستعطي ما يقوته. # وسير سيف الدين إلى الرقة فملكها، وكذلك سروج، واستكمل ملك جميع بلاد ~~الجزيرة سوى قلعة جعبر، فإنها كانت منيعة، وسوى رأس عين، فإنها كانت لقطب ~~الدين، صاحب ماردين، وهو ابن خال سيف الدين، فلم يتعرض إليها. # وكان شمس الدين علي ابن الداية، وهو أكبر الأمراء النورية، بحلب مع ~~عساكرها، فلم يقدر على العبور إلى سيف الدين ليمنعه من أخذ البلاد، لفالج ~~كان به، فأرسل إلى دمشق يطلب الملك الصالح، فلم يرسل إليه، لما ذكرناه، ~~ولما ملك سيف الدين الديار الجزرية قال له فخر الدين عبد المسيح، وكان قد ~~وصل إليه من سيواس بعد موت نور الدين، وهو الذي أقر له الملك بعد أبيه قطب ~~الدين، فظن أن سيف الدين يرعى له ذلك، فلم يجن ثمرة ما غرس، وكان عنده كبعض ~~الأمراء، قال له: الرأي أن تعبر إلى الشام فليس به مانع، فقال له أكبر ~~أمرائه، وهو أمير يقال له عز الدين محمود المعروف بزلفندار: قد ملكت أكثر ~~ما كان لأبيك، والمصلحة أن تعود، فرجع إلى قوله، وعاد إلى الموصل ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا. # PageV09P397 # ذكر حصر الفرنج بانياس وعودهم عنها # لما مات نور الدين محمود، صاحب الشام، اجتمعت الفرنج وساروا إلى قلعة ~~بانياس من أعمال دمشق فحصروها، فجمع شمس الدين محمد بن المقدم العسكر عنده ~~بدمشق، فخرج عنها، فراسلهم، ولاطفهم، ثم أغلظ لهم في القول، وقال لهم: إن ~~أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس، فنحن على ما كنا عليه، وإلا فنرسل إلى سيف ~~الدين، صاحب الموصل، ونصالحه، ونستنجده، ونرسل إلى صلاح الدين بمصر ~~فنستنجده، ونقصد بلادكم من جهاتها كلها، ولا تقومون ms4152 لنا. وأنتم تعلمون أن ~~صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين، والآن فقد زال ذلك الخوف، وإذا ~~طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع. فعلموا صدقه، فصالحوه على شيء من المال أخذوه ~~وأسرى أطلقوا لهم كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة. # فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه، وكتب إلى الملك الصالح ~~والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ~~ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح، وكان قصده أن يصير له ~~طريق إلى بلاد الشام ليتملك البلاد، والأمراء الشاميون إنما صالحوا الفرنج ~~خوفا منه ومن سيف الدين غازي، صاحب الموصل، فإنه كان قد أخذ البلاد ~~الجزرية، وخافوا منه أن يعبر إلى الشام، فرأوا صلح الفرنج أصلح من أن يجيء ~~هذا من الغرب، وهذا من الشرق، وهم مشغولون عن ردهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، وقع الحريق ببغداد فاحترق أكثر الظفرية ومواضع ~~غيرها، ودام الحريق إلى بكرة وطفئت النار. # وفيها في شعبان، بنى ابن سنكا، وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان، قلعة # PageV09P398 # بالقرب من الماهكي ليتقوى بها على الاستيلاء على تلك الأعمال، فسير إليه ~~الخليفة العساكر من بغداد لمنعه، فالتقوا وحمل بنفسه على الميمنة فهزمها، ~~واقتتل الناس قتالا عظيما، وأسر ابن أخي شملة، وحمل رأسه إلى بغداد، فعلق ~~بباب النوبي، وهدمت القلعة. # وفيها، في رمضان، توالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل، فدامت ~~أربعين يوما ما رأينا الشمس فيها غير مرتين، كل مرة مقدار لحظة، وخربت ~~المساكن وغيرها، وكثر الهدم، ومات تحته كثير من الناس، وزادت دجلة زيادة ~~عظيمة، وكان أكثرها ببغداد، فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد ~~بذراع وكسر، وخاف الناس الغرق، وفارقوا البلد، وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا ~~من انفتاح القورج وغيره، وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده، ونبع الماء ~~في البلاليع، وخرب كثيرا من الدور، ودخل الماء إلى البيمارستان العضدي، ~~ودخلت السفن من الشبابيك التي له، فإنها كانت قد تعلقت، فمن الله تعالى على ~~الناس بنقص ms4153 الماء بعد أن أشرفوا على الغرق. # وفيها، في جمادى الأولى، كانت الفتنة ببغداد بين قطب الدين قايماز ~~والخليفة، وسببها أن الخليفة أمر بإعادة عضد الدين ابن رئيس الرؤساء إلى ~~الوزارة، فمنع منه قطب الدين، وأغلق باب النوبي وباب العامة، وبقيت دار ~~الخليفة كالمحاصرة، فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته، فقال قطب الدين: لا أقنع ~~إلا بإخراج عضد الدين من بغداد، فأمر بالخروج منها، فالتجأ إلى صدر الدين ~~شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل، فأخذه إلى رباطه وأجاره، ونقله إلى دار ~~الوزير بقطفتا، فأقام بها، ثم عاد إلى بيته في جمادى الآخرة. # وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد ابن الخليفة - وهو الذي صار خليفة - من ~~قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح، فألقى نفسه بعده، وسلم ~~ابن الخليفة # PageV09P399 # ونجاح، فقيل لنجاح: لم ألقيت نفسك؟ فقال: ما كنت أريد البقاء بعد مولاي، ~~فرعى له الأمير أبو العباس ذلك، فلما صار خليفة جعله شرابيا، وصارت الدولة ~~جميعها بحكمه، ولقيه الملك الرحيم عز الدين، وبالغ في الإحسان إليه ~~والتقديم له، وخدمه جميع الأمراء بالعراق والوزراء وغيرهم. # وفيها، في رمضان، وقع ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله، فهدم الدور، ~~وقتل جماعة من الناس وكثيرا من المواشي، فوزنت بردة منها فكانت سبعة أرطال، ~~وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان. هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في " ~~تاريخه "، والعهدة عليه. # وفيها كانت وقعة عظيمة بين المؤيد، صاحب نيسابور، وبين شاه مازندران، قتل ~~فيها كثير من الطائفتين، فانهزم شاه مازندران، ودخل المؤيد بلد الديلم ~~وخربه وفتك بأهله وعاد عنه. # وفيها وقعت وقعة كبيرة بين أهل باب البصرة وأهل باب الكرخ، وسببها أن ~~الماء لما زاد سكر أهل الكرخ سكرا رد الماء عنهم، فغرق مسجد فيه شجرة، ~~فانقلعت، فصاح أهل الكرخ: انقلعت الشجرة، لعن الله العشرة! فقامت الفتنة، ~~فتقدم الخليفة إلى علاء الدين تنامش بكفهم، فمال على أهل باب البصرة لأنه ~~كان شيعيا، وأراد دخول المحلة، فمنعه أهلها، وأغلقوا الأبواب ووقفوا على ~~السور، وأراد إحراق الأبواب، فبلغ ms4154 ذلك الخليفة فأنكره أشد إنكار وأمر ~~بإعادة تنامش، فعاد، ودامت الفتنة أسبوعا، ثم انفصل الحال من غير توسط ~~سلطان. # وفيها عبر ملك الروم خليج القسطنطينية وقصد بلاد قلج أرسلان، فجرى بينهما ~~حرب استظهر فيها المسلمون، فلما رأى ملك الروم عجزه عاد إلى بلده، وقد قتل ~~من عسكره وأسر جماعة كثيرة. # PageV09P400 # [الوفيات] وفيها، في جمادى الأولى، مات أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن ~~عبد الله أبو عبد الله العلوي الحسيني نقيب العلويين ببغداد، وكان يلقب ~~الظاهر، وسمع الحديث الكثير ورواه، وكان حسنة أهل بغداد. # وفيها توفي الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد ~~العطار الهمذاني، سافر الكثير في طلب الحديث وقراءة القرآن واللغة، وكان من ~~أعيان المحدثين في زمانه، وكان له قبول عظيم ببلده عند العامة والخاصة. # وفيها توفي أبو محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي ~~البغدادي بالموصل، وكان إماما في النحو، له التصانيف المشهورة منها " الغرة ~~" وغيرها. # PageV09P401 ### | [ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة] ### | 570 - # ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة ذكر وصول أسطول صقلية إلى مدينة الإسكندرية ~~وانهزامه عنها # في هذه السنة، في المحرم ظفر أهل الإسكندرية وعسكر مصر بأسطول الفرنج من ~~صقلية، وكان سبب ذلك ما ذكرناه من [إرسال] أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل ~~الشام، وإلى صاحب صقلية، ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من ~~مصر، فجهز صاحب صقلية أسطولا كثيرا عدته مائتا شيني تحمل الرجالة، وست ~~وثلاثون طريدة تحمل الخيل، وستة مراكب كبار تحمل آلة الحرب، وأربعون مركبا ~~تحمل الأزواد، وفيها من الراجل خمسون ألفا، ومن الفرسان ألف وخمسمائة، منها ~~خمسمائة تركبلي. # وكان المقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية، وسيره إلى الإسكندرية من ديار مصر، ~~فوصلوا إليها في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، على حين غفلة ~~من أهلها وطمأنينة، فخرج أهل الإسكندرية بسلاحهم وعدتهم ليمنعوهم من ~~النزول، وأبعدوا عن البلد، فمنعهم الوالي عليهم من ذلك، وأمرهم بملازمة ~~السور، ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة ms4155 وتقدموا إلى المدينة ~~ونصبوا عليها الدبابات والمجانيق وقاتلوا أشد قتال، وصبر لهم أهل البلد، ~~ولم يكن عندهم من العسكر إلا القليل، ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية ~~وحسن سلاحهم ما راعهم. # وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو عنهم، ودام ~~القتال أول يوم إلى آخر النهار، ثم عاود الفرنج القتال اليوم الثاني، ~~وجدوا، ولازموا الزحف، حتى وصلت الدبابات إلى قرب السور، ووصل ذلك اليوم من ~~العساكر # PageV09P402 # الإسلامية كل من كان في أقطاعه، وهو قريب من الإسكندرية، فقويت بهم نفوس ~~أهلها، وأحسنوا القتال والصبر، فلما كان اليوم الثالث فتح المسلمون باب ~~البلد وخرجوا منه على الفرنج من كل جانب، وهم غارون، وكثر الصياح من كل ~~الجهات، فارتاع الفرنج واشتد القتال، فوصل المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها، ~~وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم، وظهرت أماراته، ولم يزالوا مباشرين ~~القتال إلى آخر النهار، ودخل أهل البلد إليه وهم فرحون مستبشرون بما رأوا ~~من تباشير الظفر وقوتهم، وفشل الفرنج وفتور حربهم، وكثرة القتل والجراح في ~~رجالتهم. # وأما صلاح الدين فإنه لما وصله الخبر سار بعساكره، وسير مملوكا له ومعه ~~ثلاث جنائب ليجد السير عليها إلى الإسكندرية يبشر بوصوله، وسير طائفة من ~~العسكر إلى دمياط خوفا عليها، واحتياطا لها، فسار ذلك المملوك، فوصل ~~الإسكندرية من يومه وقت العصر، والناس قد رجعوا من القتال، فنادى في البلد ~~بمجيء صلاح الدين والعساكر مسرعين، فلما سمع الناس ذلك عادوا إلى [القتال، ~~وقد] زال ما بهم من تعب وألم الجراح، وكل منهم يظن أن صلاح الدين معه، فهو ~~يقاتل قتال من يريد أن يشاهد قتاله. # وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره، فسقط في أيديهم، وازدادوا تعبا ~~وفتورا، فهاجمهم المسلمون عند اختلاط الظلام، ووصلوا إلى خيامهم فغنموها ~~بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة، وكثر القتل في رجالة ~~الفرنج، فهرب كثير منهم إلى البحر، وقربوا شوانيهم إلى الساحل ليركبوا ~~فيها، فسلم بعضهم وركب، وغرق بعضهم، وغاص بعض المسلمين في الماء وخرق بعض ~~شواني الفرنج فغرقت، فخاف الباقون من ms4156 ذلك، فولوا هاربين، واحتمى ثلاثمائة ~~من فرسان الفرنج على رأس تل، فقاتلهم المسلمون إلى بكرة، ودام القتال إلى ~~أن أضحى النهار، فغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير، وكفى ~~الله المسلمين شرهم وحاق بالكافرين مكرهم. # PageV09P403 # ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر # وفي أول هذه السنة خالف الكنز بصعيد مصر، واجتمع إليه من رعية البلاد ~~والسودان والعرب وغيرهم خلق كثير، وكان هناك أمير من الصلاحية في أقطاعه، ~~وهو أخو الأمير أبي الهيجاء السمين، فقتله الكنز، فعظم قتله على أخيه، وهو ~~من أكبر الأمراء وأشجعهم، فسار إلى قتال الكنز، وسير معه صلاح الدين جماعة ~~من الأمراء، وكثيرا من العسكر، ووصلوا إلى مدينة طود، فاحتمت عليهم، ~~فقاتلوا من بها، وظفروا بهم، وقتلوا منهم كثيرا، وذلوا بعد العز وقهروا ~~واستكانوا. # ثم سار العسكر بعد فراغهم من طود إلى الكنز، وهو في طغيانه يعمه، ~~فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب وغيرهم، وأمنت بعده البلاد واطمأن ~~أهلها. # ذكر ملك صلاح الدين دمشق # في هذه السنة، سلخ ربيع الأول، ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق، ~~وسبب ذلك أن نور الدين لما مات وملك ابنه الملك الصالح بعده كان بدمشق، ~~وكان سعد الدين كمشتكين قد هرب من سيف الدين غازي إلى حلب، كما ذكرناه، ~~فأقام بها عند شمس الدين ابن الداية، فلما استولى سيف الدين على البلاد ~~الجزرية خاف ابن الداية أن يغير إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين إلى دمشق ~~ليحضر الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب، فلما قارب دمشق سير إليه شمس ~~الدين محمد بن المقدم عسكرا فنهبوه، وعاد منهزما إلى حلب، فأخلف عليه ابن ~~الداية عوض ما أخذ منه، ثم إن الأمراء الذين بدمشق نظروا في المصلحة، ~~فعلموا أن مسيره إلى حلب أصلح للدولة من مقامه بدمشق، فأرسلوا إلى ابن ~~الداية يطلبون إرسال سعد الدين ليأخذ الملك الصالح، فجهزه وسيره وعلى نفسها ~~براقش تجني، فسار إلى # PageV09P404 # دمشق في المحرم من هذه السنة، وأخذ الملك الصالح وعاد إلى حلب، فلما ~~وصلوا إليها قبض ms4157 سعد الدين على شمس الدين ابن الداية وإخوته، وعلى رئيس بن ~~الخشاب رئيس حلب ومقدم الأحداث بها، ولولا مرض شمس الدين ابن الداية لم ~~يتمكن من ذلك. # واستبد سعد الدين بتدبير الملك الصالح، فخافه ابن المقدم وغيره من ~~الأمراء الذين بدمشق وقالوا: إذا استقر أمر حلب أخذ الملك الصالح وسار به ~~إلينا، وفعل مثل ما فعل بحلب، وكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ليعبر ~~الفرات إليهم ليسلموا إليه دمشق، فلم يفعل وخاف أن تكون مكيدة عليه ليعبر ~~الفرات ويسير إلى دمشق فيمنع عنها ويقصده ابن عمه وعسكر حلب من وراء ظهره ~~فيهلك. أشار عليه بهذا زلفندار عز الدين، والجبان يقدر البعيد من الشر ~~قريبا، ويرى الجبن حزما، كما قال: # يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك طبيعة الرجل الجبان # فلما أشار عليه بهذا الرأي زلفندار قبله وامتنع من قصد دمشق، وراسل سعد ~~الدين والملك الصالح وصالحهما على ما أخذه من البلاد، فلما امتنع عن العبور ~~إلى دمشق عظم خوفهم، وقالوا: حيث صالحهم سيف الدين لم يبق لهم مانع عن ~~المسير إلينا، فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر، واستدعوه ~~ليملكوه عليهم، وكان كبيرهم في ذلك شمس الدين بن المقدم، ومن أشبه أباه فما ~~ظلم، وقد ذكرنا مخامرة أبيه في تسليم سنجار سنة أربع وأربعين وخمسمائة. # فلما وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث، وسار جريدة في سبعمائة ~~فارس والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم، فلما وطئ أرض الشام قصد بصرى، وكان ~~[بها] حينئذ صاحبها وهو من جملة من كاتبه، فخرج ولقيه، فلما رأى قلة من معه ~~خاف على نفسه، واجتمع بالقاضي الفاضل وقال: ما أرى معكم عسكرا، وهذا بلد ~~عظيم لا يقصد بمثل هذا العسكر، ولو منعكم من به ساعة من النهار أخذكم أهل ~~السواد، فإن كان معكم مال سهل الأمر. فقال: معنا: مال كثير يكون خمسين ألف ~~دينار، فضرب صاحب بصرى على رأسه وقال: هلكتم وأهلكتمونا، وجميع ما كان معهم ~~عشرة آلاف دينار. # ثم سار صلاح الدين ms4158 إلى دمشق فخرج كل من بها من العسكر إليه، فلقوه # PageV09P405 # وخدموه، ودخل البلد، ونزل في دار والده المعروفة بدار العقيقي، وكانت ~~القلعة بيد خادم اسمه ريحان، فأحضر صلاح الدين كمال الدين بن الشهرزوري وهو ~~قاضي البلد والحاكم في جميع أموره من الديوان والوقف وغير ذلك، وأرسله إلى ~~ريحان ليسلم القلعة إليه، وقال: أنا مملوك الملك الصالح، وما جئت إلا ~~لأنصره وأخدمه، وأعيد البلاد التي أخذت منه إليه، وكان يخطب له في بلاده ~~كلها، فصعد كمال الدين إلى ريحان، ولم يزل معه حتى سلم القلعة، فصعد صلاح ~~الدين إليها، وأخذ ما فيها من الأموال، وأخرجها واتسع بها وثبت قدمه، وقويت ~~نفسه، وهو مع هذا يظهر طاعة الملك الصالح، ويخاطبه بالمملوك، والخطبة ~~والسكة باسمه. # ذكر ملك صلاح الدين مدينتي حمص وحماة # لما استقر ملك صلاح الدين لدمشق، وقرر أمرها، استخلف بها أخاه سيف ~~الإسلام طغدكين بن أيوب، وسار إلى مدينة حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص ~~وحماة وقلعة بعرين وسلمية وتل خالد والرها من بلد الجزيرة في أقطاع الأمير ~~فخر الدين مسعود الزعفراني، فلما مات نور الدين لم يمكنه المقام بها لسوء ~~سيرته في أهلها، ولم يكن له في قلاع هذه البلاد حكم إنما فيها ولاة لنور ~~الدين. وكان بقلعة حمص وال يحفظها، فلما نزل صلاح الدين على حمص، حادي عشر ~~الشهر المذكور، راسل من فيها بالتسليم، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد، فملك ~~البلد وأمن أهله، وامتنعت عليه القلعة وبقيت ممتنعة إلى أن عاد من حلب، على ~~ما نذكره إن شاء الله، وترك بمدينة حمص من يحفظها، ويمنع من بالقلعة من ~~التصرف، وأن تصعد إليهم ميرة. # وسار إلى مدينة حماة، وهو في جميع أحواله لا يظهر إلا طاعة الملك الصالح ~~بن نور الدين، وأنه إنما خرج لحفظ بلاده عليه من الفرنج، واستعادة ما # PageV09P406 # أخذه سيف الدين صاحب الموصل من البلاد الجزرية، فلما وصل إلى حماة ملك ~~المدينة مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جورديك، وهو من ~~المماليك النورية، فامتنع من التسليم ms4159 إلى صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح ~~الدين يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح، وإنما يريد حفظ بلاده عليه، ~~فاستحلفه جورديك على ذلك فحلف وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة على طاعة ~~الملك الصالح، وفي إطلاق شمس الدين علي وحسن وعثمان أولاد الداية من السجن، ~~فسار جورديك إلى حلب، واستخلف بقلعة حماة أخاه ليحفظها، فلما وصل جورديك ~~إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح ~~الدين فملكها. # ذكر حصر صلاح الدين حلب وعوده عنها وملكه قلعة حمص وبعلبك # لما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله ~~أهلها، وركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشرة سنة، وجمع أهل حلب وقال ~~لهم: قد عرفتم إحسان أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم، وقد ~~جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى، ~~ولا الخلق، وقال من هذا كثيرا وبكى فأبكى الناس، فبذلوا له الأموال ~~والأنفس، واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلده، وجدوا في القتال، وفيهم ~~شجاعة، قد ألفوا الحرب واعتادوها، حيث كان الفرنج بالقرب منهم، فكانوا ~~يخرجون ويقاتلون صلاح الدين عند جبل جوشن، فلا يقدر على القرب من البلد. # وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، وبذل له أموالا ~~كثيرة ليقتلوا صلاح الدين، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فلما وصلوا رآهم ~~أمير اسمه # PageV09P407 # خمارتكين، صاحب قلعة أبي قبيس، فعرفهم لأنه جارهم في البلاد، كثير ~~الاجتماع بهم والقتال لهم، فلما رآهم قال لهم: ما الذي أقدمكم وفي أي شيء ~~جئتم؟ فجرحوه جراحات مثخنة، وحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله، فقتل دونه، ~~وقاتل الباقون من الإسماعيلية، فقتلوا جماعة ثم قتلوا. # وبقي صلاح الدين محاصرا لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة، ورحل عنها مستهل رجب، ~~وسبب رحيله أن القمص ريمند الصنجيلي، صاحب طرابلس، كان قد أسره نور الدين ~~على حارم سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبقي في الحبس إلى هذه السنة، فأطلقه ~~سعد الدين بمائة ألف وخمسين ms4160 ألف دينار صورية وألف أسير، فلما وصل إلى بلده ~~اجتمع الفرنج عليه يهنئونه بالسلامة، وكان عظيما فيهم من أعيان شياطينهم، ~~فاتفق أن مري ملك الفرنج، لعنه الله، مات أول هذه السنة، وكان أعظم ملوكهم ~~شجاعة وأجودهم رأيا ومكرا ومكيدة، فلما توفي خلف ابنا مجذوما عاجزا عن ~~تدبير الملك، فملكه الفرنج صورة لا معنى تحتها، وتولى القمص ريمند تدبير ~~الملك، وإليه الحل والعقد، عن أمره يصدرون، فأرسل إليه من بحلب يطلبون منه ~~أن يقصد بعض البلاد التي بيد صلاح الدين ليرحل عنهم، فسار إلى حمص ونازلها ~~سابع رجب، فلما تجهز لقصدها سمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب، فوصل إلى ~~حماة ثامن رجب، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم، ثم رحل إلى الرستن، فلما سمع ~~الفرنج بقربه رحلوا عن حمص، ووصل صلاح الدين إليها، فحصر القلعة إلى أن ~~ملكها في الحادي والعشرين من شعبان من السنة، فصار أكثر الشام بيده. # ولما ملك حمص سار منها إلى بعلبك، وبها خادم اسمه يمن، وهو وال عليها من ~~أيام نور الدين، فحصرها صلاح الدين، فأرسل يمن يطلب الأمان له ولمن عنده، # PageV09P408 # فأمنهم صلاح الدين، وسلم القلعة رابع شهر رمضان من السنة المذكورة. # ذكر حصر سيف الدين أخاه عماد الدين بسنجار # لما ملك صلاح الدين دمشق وحمص وحماة كتب الملك الصالح إسماعيل بن نور ~~الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود، يستنجده على صلاح ~~الدين، ويطلب أن يعبر إليه ليقصدوا صلاح الدين ويأخذوا البلاد منه، فجمع ~~سيف الدين عساكره، وكاتب أخاه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، يأمره أن ينزل ~~إليه بعساكره ليجتمعا على المسير إلى الشام، فامتنع من ذلك. # وكان صلاح الدين قد كاتب عماد الدين وأطمعه في الملك لأنه هو الكبير، ~~فحمله الطمع على الامتناع على أخيه، فلما رأى سيف الدين امتناعه جهز أخاه ~~عز الدين مسعودا في عسكر كثير، هو معظم عسكره، وسيره إلى الشام، وجعل ~~المقدم على العسكر مع أخيه عز الدين محمود، ويلقب أيضا زلفندار، وجعله ~~المدبر ms4161 للأمر، وسار سيف الدين إلى سنجار فحصرها في شهر رمضان وقاتلها، وجد ~~في القتال، وامتنع عماد الدين بها، وأحسن حفظها والذب عنها، فدام الحصار ~~عليها، فبينما هو يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين ~~مسعود من صلاح الدين، فراسل حينئذ أخاه عماد الدين، وصالحه على ما بيده، ~~ورحل إلى الموصل، وثبت قدم صلاح الدين بعد هذه الهزيمة، وخافه الناس، ~~وترددت الرسل بينه وبين سيف الدين (غازي في الصلح) ، فلم يستقر حال. # ذكر انهزام عسكر سيف الدين من صلاح الدين وحصره مدينة حلب # في هذه السنة سار عسكر سيف الدين مع أخيه عز الدين وعز الدين زلفندار إلى ~~حلب، واجتمع معهما عساكر حلب، وساروا كلهم إلى صلاح الدين ليحاربوه، فأرسل # PageV09P409 # صلاح الدين إلى سيف الدين يبذل تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة ~~دمشق، وهو فيها نائب الملك الصالح، فلم يجب إلى ذلك، وقال: لا بد من تسليم ~~جميع ما أخذ من بلاد الشام والعود إلى مصر. # وكان صلاح الدين يجمع عساكره ويتجهز للحرب، فلما امتنع سيف الدين من ~~إجابته إلى ما بذل سار في عساكره إلى عز الدين مسعود وزلفندار، فالتقوا ~~تاسع عشر رمضان، بالقرب من مدينة حماة، بموضع يقال له قرون حماة، وكان ~~زلفندار جاهلا بالحروب والقتال، غير عالم بتدبيرها، مع جبن فيه، إلا أنه قد ~~رزق سعادة وقبولا من سيف الدين، فلما التقى الجمعان لم يثبت العسكر السيفي، ~~وانهزموا لا يلوي أخ على أخيه، وثبت عز الدين أخو سيف الدين بعد انهزام ~~أصحابه، فلما رأى صلاح الدين ثباته قال: إما أن هذا أشجع الناس، أو أنه لا ~~يعرف الحرب، وأمر أصحابه بالحملة عليه، فحملوا فأزالوه عن موقفه، وتمت ~~الهزيمة عليهم. # وتبعهم صلاح الدين وعسكره حتى جاوزوا معسكرهم، وغنموا منهم غنائم كثيرة، ~~وآلة، وسلاحا عظيما، ودواب فارهة، وعادوا بعد طول البيكار مستريحين، وعاد ~~المنهزمون إلى حلب، وتبعهم صلاح الدين، فنازلهم بها محاصرا لها ومقاتلا، ~~وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح بن نور الدين، وأزال اسمه عن السكة ms4162 في بلاده، ~~ودام محاصرا لهم، فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح على أن يكون له ما ~~بيده من بلاد الشام ولهم ما بأيديهم منها، فأجابهم إلى ذلك، وانتظم الصلح ~~ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال ووصل إلى حماة، ووصلت إليه بها خلع ~~الخليفة مع رسوله. # PageV09P410 # ذكر ملك صلاح الدين قلعة بعرين # في هذه السنة، في العشر الأول من شوال، ملك صلاح الدين قلعة بعرين من ~~الشام، وكان [صاحبها] فخر الدين مسعود بن الزعفراني، وهو من أكابر الأمراء ~~النورية، فلما رأى قوة صلاح الدين نزل منها، واتصل بصلاح الدين، وظن أنه ~~يكرمه ويشاركه في ملكه، ولا ينفرد عنه بأمر مثل ما كان مع نور الدين، فلم ~~ير من ذلك شيئا، ففارقه، ولم يكن بقي له من إقطاعه الذي كان له في الأيام ~~النورية غير بعرين ونائبه بها، فلما صالح صلاح الدين الملك الصالح بحلب، ~~عاد إلى حماة وسار منها إلى بعرين، وهي قريبة منها، فحصرها ونصب عليها ~~المجانيق، وأدام قتالها، فسلمها واليها بالأمان، فلما ملكها عاد إلى حماة، ~~فأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ~~ابن عمه شيركوه، وسار منها إلى دمشق فدخلها أواخر شوال من السنة. # ذكر ملك البهلوان مدينة تبريز # في هذه السنة ملك البهلوان بن إيلدكز مدينة تبريز، وهي من جملة بلاد ~~آقسنقر الأحمديلي، وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة وحصرها، وكان ابن ~~آقسنقر الأحمديلي صاحبها قد مات، ووصى بالملك لابنه فلك الدين، فقصده ~~البهلوان، ونزل على قلعة رويين دز وحصرها فامتنعت عليه، فتركها، وحصر ~~مراغة، وسير أخاه قزل أرسلان في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضا. # وكان البهلوان يقاتل أهل مراغة، فظفروا بطائفة من عسكره، فخلع عليهم صدر ~~الدين قاضي مراغة، وأطلقهم، فحسن ذلك عند البهلوان، وشرع القاضي في الصلح ~~على أن يسلموا تبريز إلى البهلوان، فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة عليه، ~~وحلف # PageV09P411 # كل واحد منهما لصاحبه، وتسلم البهلوان تبريز وأعطاها أخاه قزل أرسلان، ~~ورحل عن مراغة. ms4163 # ذكر وفاة شملة # في هذه السنة مات شملة التركماني، صاحب خوزستان، وكان قد كثرت ولايته، ~~وعظم شأنه، وبنى عدة حصون، وبقي كذلك زيادة على عشرين سنة. # وكان سبب موته أنه قصد بعض التركمان، فعلموا بذلك، فاستعانوا بشمس الدين ~~البهلوان بن إيلدكز، صاحب عراق العجم، فسير إليهم جيشا، فاقتتلوا فأصاب ~~شملة سهم، ثم أخذ أسيرا وولده وابن أخيه، وتوفي بعد يومين، وهو من التركمان ~~الأقشرية، ولما مات ملك ابنه بعده. # ذكر هرب قطب الدين قايماز من بغداد # في هذه السنة، في شوال، سير علاء الدين تنامش، وهو من أكابر الأمراء ~~ببغداد، وهو ابن أحمد قطب الدين قايماز زوج أخته، عسكرا إلى الغراف، فنهبوا ~~أهله، وبالغوا في أذاهم، فجاء منهم جماعة إلى بغداد واستغاثوا، فلم يغاثوا ~~لضعف الخليفة مع قايماز وتنامش، وتحكمهما عليه، فقصدوا جامع القصر ~~واستغاثوا فيه، ومنعوا الخطيب، وفاتت الصلاة أكثر الناس، فأنكر الخليفة ما ~~جرى، فلم يلتفت قطب الدين وتنامش إلى ما فعل، واحتقروه، فلا جرم لم يمهلهم ~~الله تعالى لاحتقارهم وازدرائهم أهله. # فلما كان خامس ذي القعدة قصد قطب الدين قايماز أذى ظهير الدين بن العطار، ~~وكان صاحب المخزن، وهو خاص الخليفة، وله به عناية تامة، فلم يراع الخليفة ~~في صاحبه، فأرسل إليه يستدعيه ليحضر عنده، فهرب، فأحرق قطب الدين داره، # PageV09P412 # وحالف الأمراء على المساعدة والمظاهرة له، وجمعهم، وقصد دار الخليفة ~~لعلمه أن ابن العطار فيها، فلما علم الخليفة ذلك ورأى الغلبة صعد إلى سطح ~~داره وظهر للعامة وأمر خادما فصاح واستغاث، وقال للعامة: مال قطب الدين لكم ~~ودمه لي، فقصد الخلق كلهم دار قطب الدين للنهب، فلم يمكنه المقام لضيق ~~الشوارع وغلبة العامة، فهرب من داره من باب فتحة في ظهرها لكثرة الخلق على ~~بابها، وخرج من بغداد ونهبت داره، وأخذ منها من الأموال ما لا يحد ولا ~~يحصى، فرئي فيها من التنعم ما ليس لأحد مثله، فمن جملة ذلك أن بيت الطهارة ~~الذي كان له فيه سلسلة ذهب من السقف إلى محاذي وجه القاعد على الخلا، ms4164 وفي ~~أسفلها كرة كبيرة ذهب، مخرمة، محشوة بالمسك والعنبر ليشمها إذا قعد، فتشبث ~~بها إنسان وقطعها وأخذها، ودخل بعض الصعاليك فأخذ عدة أكياس مملوءة دنانير. # وكان الأقوياء قد وقفوا على الباب يأخذون ما يخرج به الناس، فلما أخذ ذلك ~~الصعلوك الأكياس قصد المطبخ فأخذ منه قدرا مملوءة طبيخا، وألقى الأكياس ~~فيها وحملها على رأسه وخرج بها، والناس يضحكون منه، فيقول: أنا أريد شيئا ~~أطعمه عيالي اليوم، فنجا بما معه، فاستغنى بعد ذلك، فظهر المال، ولم يبق من ~~نعمة قطب الدين في ساعة واحدة قليل ولا كثير. # ولما خرج من البلد تبعه تنامش وجماعة من الأمراء، فنهبت دورهم أيضا، ~~وأخذت أموالهم وأحرق أكثرها، وسار قطب الدين إلى الحلة ومعه الأمراء، فسير ~~الخليفة إليه صدر الدين شيخ الشيوخ، فلم يزل به يخدعه حتى سار عن الحلة إلى ~~الموصل على البر، فلحقه ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم من شدة الحر والعطش. ~~ومات قطب الدين قبل وصوله إلى الموصل فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره ~~مشهور هناك. # وهذا عاقبة عصيان الخليفة، وكفران الإحسان، والظلم، وسوء التدبير، فإنه ~~ظلم أهل العراق، وكفر إحسان الخليفة الذي كان قد غمره، ولو أقام بالحلة ~~وجمع العساكر وعاود بغداد لاستولى على الأمور كلها كما كان، فإن عامة بغداد ~~كانوا يريدونه، وكان قوي بالاستيلاء على البلاد فأطاعوه. # ولما مات في ذي الحجة وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل، فأقام مديدة، ثم ~~أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد، فعاد إليها وبقي بها إلى أن مات بغير ~~إقطاع، # PageV09P413 # وكان هذا آخر أمرهم. # ولما أقام قطب الدين بالحلة امتنع الحاج من السفر، فتأخروا إلى أن رحل ~~عنها، فدخلوا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية عشر يوما، وهذا ما لم يسمع ~~بمثله، وفات كثيرا منهم الحج. # ولما هرب قطب الدين خلع الخليفة على عضد الدين الوزير وأعيد [إلى] ~~الوزارة. # قال بعض الشعراء في قطب الدين وتنامش هذه الأبيات: # إن كنت معتبرا بملك زائل ... وحوادث عنقية الإدلاج # فدع العجائب والتواريخ الأولى ... وانظر إلى قايماز وابن ms4165 قماج # عطف الزمان عليهما فسقاهما ... من كأسه صرفا بغير مزاج # فتبدلوا بعد القصور وظلها ... ونعيمها بمهامه وفجاج # فليحذر الباقون من أمثالها ... نكبات دهر خائن مزعاج # وكان قطب الدين كريما، طلق الوجه، محبا للعدل والإحسان، كثير البذل ~~للمال. والذي كان جرى منه إنما كان يحمله عليه تنامش ولم يكن بإرادته. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة مات زعيم الدين صاحب المخزن، واسمه يحيى بن عبد الله بن ~~محمد بن المعمر بن جعفر أبو الفضل، وحج بالناس عدة سنين، وإليه الحكم في ~~الطريق، وناب عن الوزارة، وتنقل في هذه الأعمال أكثر من عشرين سنة، وكان ~~يحفظ القرآن. # PageV09P414 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة] ### | 571 - # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة # ذكر انهزام سيف الدين من صلاح الدين # في هذه السنة، عاشر شوال، كان المصاف بين سيف الدين غازي بن مودود وبين ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب بتل السلطان، على مرحلة من حلب، وعلى طريق حماة، ~~وانهزم سيف الدين. # وسبب ذلك أنه لما انهزم أخوه عز الدين مسعود من صلاح الدين في العام ~~الماضي وصالح سيف الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار، عاد [إلى] الموصل، ~~وجمع عساكره، وفرق فيهم الأموال، واستنجد صاحب حصن كيفا، وصاحب ماردين ~~وغيرهما، فاجتمعت معه عساكر كثيرة بلغت عدتهم ستة آلاف فارس، فسار إلى ~~نصيبين في ربيع الأول من هذه السنة، وأقام بها فأطال المقام حتى انقضى ~~الشتاء وهو مقيم، فضجر العسكر ونفذت نفقاتهم، وصار العود إلى بيوتهم مع ~~الهزيمة أحب إليهم من الظفر لما يتوقعونه، إن ظفروا، من طول المقام بالشام ~~بعد هذه المدة. # ثم سار إلى حلب، فنزل إليه سعد الدين كمشتكين الخادم، مدبر دولة الملك ~~الصالح، ومعه عساكر حلب، وكان صلاح الدين في قلة من العساكر لأنه كان صالح ~~الفرنج في المحرم من هذه السنة، على ما نذكره إن شاء الله، وقد سير عساكره ~~إلى مصر، فأرسل يستدعيها فلو عاجلوه لبلغوا غرضهم منه، لكنهم تريثوا ~~وتأخروا عنه، فجاءته عساكره، فسار من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى ms4166 سيف الدين، ~~فالتقى العسكران بتل السلطان، وكان سيف الدين قد سبقه، فلما وصل صلاح ~~[الدين] كان # PageV09P415 # وصوله العصر، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس ~~فيهم حركة، فأشار على سيف الدين جماعة بقتالهم وهم على هذا الحال، فقال ~~زلفندار: ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة، غدا بكرة ~~نأخذهم كلهم، فترك القتال إلى الغد. # فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فجعل زلفندار، وهو المدبر للعسكر السيفي، ~~أعلاهم في وهدة من الأرض، لا يراها إلا من هو بالقرب منها، فلما لم يرها ~~الناس ظنوا أن السلطان قد انهزم، فلم يثبتوا وانهزموا، ولم يلو أخ على ~~أخيه، ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد، ووصل سيف الدين إلى ~~حلب، وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في جمع من العسكر، ولم يقم هو، وعبر ~~الفرات، وسار إلى الموصل، وهو لا يصدق أنه ينجو. # وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل، فاستشار وزيره جلال الدين ~~ومجاهد الدين قايماز، في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة عقر الحميدية، فقال ~~له مجاهد الدين: أرأيت إن ملكت الموصل عليك، أتقدر أن تمتنع ببعض أبراج ~~الفصيل؟ فقال: لا. فقال: برج في الفصيل خير من العقر، وما زال الملوك ~~ينهزمون ويعاودون الحرب، واتفق هو والوزير على شد أزره، وتقوية قلبه، فثبت ~~ثم أعرض عن زلفندار وعزله واستعمل مكانه على إمارة الجيوش مجاهد الدين ~~قايماز، على ما نذكره إن شاء الله. # وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب " البرق الشامي " في تاريخ الدولة ~~الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه الوقعة عشرين ألف فارس، ولم يكن ~~كذلك، إنما كان على التحقيق يزيد على ستة آلاف فارس أقل من خمسمائة، فإنني ~~وقفت على # PageV09P416 # جريدة العرض، وترتيب العسكر للمصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية، وغير ~~ذلك، وكان المتولي لذلك والكاتب له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن ~~محمد بن عبد الكريم - رحمه الله - وإنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه ~~هزم بستة آلاف عشرين ألفا، ms4167 والحق أحق أن يتبع، ثم يا ليت شعري كم هي الموصل ~~وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها وفيها عشرون ألف فارس؟ # ذكر ما ملكه صلاح الدين بعد الكسرة من بلاد الصالح بن نور الدين # لما انهزم سيف الدين وعسكره ووصلوا إلى حلب عاد سيف الدين إلى الموصل كما ~~ذكرناه، وترك بحلب أخاه عز الدين مسعودا في طائفة من العسكر نجدة للملك ~~الصالح، وأما صلاح الدين فإنه لما استولى على أثقال العسكر الموصلي هو ~~وعسكره، وغنموها واتسعوا بها وقووا، سار إلى بزاعة فحصرها، وقاتله من ~~بالقلعة، ثم تسلمها وجعل فيها من يحفظها، وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر ~~شوال، وبها صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي وكان شديد العداوة لصلاح ~~الدين والتحريض عليه، والإطماع فيه، والطعن فيه، فصلاح الدين حنق عليه ~~متهدد له، فأما المدينة فملكها، ولم تمتنع عليه، وبقي القلعة وبها صاحبها ~~قد جمع إليها الرجال والسلاح والذخائر، فحصره صلاح الدين وضيق عليه وزحف ~~إلى القلعة فوصل النقابون إلى السور فنقبوها وملكوها عنوة، وغنم العسكر ~~الصلاحي كل ما فيها، وأخذ صاحبها ينال أسيرا، فأخذ صلاح الدين كل ماله ~~وأصبح فقيرا لا يملك نقيرا، ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل، فأقطعه ~~سيف الدين غازي مدينة الرقة. # ولما فرغ صلاح [الدين] من منبج سار إلى قلعة إعزاز فنازلها ثالث ذي ~~القعدة من السنة، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، فنازلها وحصرها، وأحاط بها ~~وضيق على من فيها ونصب عليها المجانيق، وقتل عليها كثير من العسكر، فبينما ~~صلاح الدين يوما في خيمة لبعض أمرائه يقال له جاولي، وهو مقدم الطائفة ~~الأسدية، إذ وثب عليه باطني فضربه بسكين في رأسه فجرحه، فلولا أن المغفر ~~الزرد كان تحت القلنسوة لقتله، فأمسك صلاح الدين يد الباطني بيده، إلا أنه ~~لا يقدر على منعه من الضرب # PageV09P417 # بالكلية، إنما يضرب ضربا ضعيفا، فبقي الباطني يضربه في رقبته بالسكين، ~~وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند فتقطعه، والزرد يمنعها ~~من الوصول إلى رقبته لبعد أجله، فجاء ms4168 أمير من أمرائه اسمه يازكش، فأمسك ~~السكين بكفه، فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطني، وجاء ~~آخر من الإسماعيلية فقتل أيضا، وثالث فقتل، وركب صلاح الدين إلى خيمته ~~كالمذعور لا يصدق بنجاته، ثم اعتبر جنده، فمن أنكره أبعده، ومن عرفه أقره ~~على خدمته، ولازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوما، كل يوم أشد قتالا مما ~~قبله، وكثرت النقوب فيها، فأذعن من بها، وسلموا القلعة إليه فتسلمها حادي ~~عشر ذي الحجة. # ذكر حصر صلاح الدين مدينة حلب والصلح عليها # لما ملك صلاح الدين قلعة إعزاز رحل إلى حلب فنازلها منتصف ذي الحجة ~~وحصرها، وبها الملك الصالح ومن معه من العساكر، وقد قام العامة في حفظ ~~البلد القيام المرضي، بحيث إنهم منعوا صلاح الدين من القرب من البلد، لأنه ~~كان إذا تقدم للقتال خسر هو وأصحابه، وكثر الجراح فيهم والقتل، وكانوا ~~يخرجون ويقاتلونه ظاهر البلد، فترك القتال وأخلد للمطاولة. # وانقضت سنة إحدى وسبعين ودخلت سنة اثنتين وسبعين، وهو محاصر لها، ثم ~~ترددت الرسل بينهم في الصلح في العشرين من المحرم، فوقعت الإجابة إليه من ~~الجانبين، لأن أهل حلب خافوا من طول الحصار، فإنهم ربما ضعفوا، وصلاح # PageV09P418 # الدين رأى أنه لا يقدر على الدنو من البلد، ولا على قتال من به، فأجاب ~~أيضا، وتقررت القاعدة في الصلح للجميع، للملك الصالح، ولسيف الدين صاحب ~~الموصل، ولصاحب الحصن، ولصاحب ماردين، وتحالفوا واستقرت القاعدة أن يكونوا ~~كلهم عونا على الناكث الغادر. # فلما انفصل الأمر وتم الصلح رحل صلاح الدين عن حلب بعد أن أعاد قلعة ~~إعزاز إلى الملك الصالح، فإنه أخرج [إلى] صلاح الدين أختا له صغيرة طفلة، ~~فأكرمها صلاح الدين وحمل لها شيئا كثيرا، وقال لها: ما تريدين؟ قالت: أريد ~~قلعة إعزاز، وكانوا قد علموها ذلك، فسلمها إليهم، ورحل إلى بلد ~~الإسماعيلية. # ذكر الفتنة بمكة وعزل أميرها وإقامة غيرها # في هذه السنة، في ذي الحجة، كان بمكة حرب شديدة بين أمير الحاج طاشتكين ~~وبين الأمير مكثر أمير مكة، وكان الخليفة قد أمر أمير ms4169 الحاج بعزل مكثر ~~وإقامة أخيه داود مقامه. # وسبب ذلك أنه كان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، فلما سار الحاج عن عرفات ~~لم يبيتوا بالمزدلفة، وإنما اجتازوا بها، فلم يرموا الجمار، إنما بعضهم رمى ~~بعضها وهو سائر، ونزلوا الأبطح فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوها، وقتل ~~من الفريقين جماعة، وصاح الناس: الغزاة إلى مكة، فهجموا عليها، فهرب أمير ~~مكة مكثر، فصعد إلى القلعة التي بناها على جبل أبي قبيس فحصروه بها، ~~ففارقها وسار عن مكة، وولي أخوه داود الإمارة، ونهب كثير من الحاج مكة ~~وأخذوا من أموال # PageV09P419 # التجار المقيمين بها شيئا كثيرا، وأحرقوا دورا كثيرة. # ومن أعجب ما جرى فيها أن إنسانا زراقا ضرب دارا بقارورة نفط فأحرقها، ~~وكانت لأيتام، فأحرقت ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب بها مكانا آخر، ~~فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، فبقي ثلاثة أيام يعذب ~~بالحريق ثم مات. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر رمضان، انكسفت الشمس جميعها، وأظلمت الأرض حتى بقي ~~الوقت كأنه ليل مظلم، وظهرت الكواكب، وكان ذلك ضحوة النهار يوم الجمعة ~~التاسع والعشرين منه، وكنت حينئذ صبيا بظاهر جزيرة ابن عمر مع شيخ لنا من ~~العلماء أقرأ عليه الحساب، فلما رأيت ذلك خفت خوفا شديدا، وتمسكت به، فقوى ~~قلبي، وكان عالما بالنجوم أيضا، وقال لي: الآن ترى هذا جميعه، فانصرف ~~سريعا. # وفيها ولى الخليفة المستضيء بأمر الله حجابة الباب أبا طالب نصر بن علي ~~الناقد، وكان يلقب في صغره قنبرا، فصاروا يصيحون به ذلك إذا خرج، فأمر ~~الخليفة أن يركب معه جماعة من الأتراك ويمنعوا الناس، من ذلك، فامتنعوا، ~~فلما كان قبل العيد خلع عليه ليركب في الموكب، فاشترى جماعة من أهل بغداد ~~من القنابر شيئا كثيرا، وعزموا على إرسالها في الموكب إذا رأوا ابن الناقد، ~~فأنهي ذلك إلى الخليفة، وقيل له يصير الموكب ضحكة، فعزله وولى ابن المعوج. # وفيها، في ذي الحجة، يوم العيد، وقعت فتنة ببغداد بين العامة وبعض ~~الأتراك # PageV09P420 # بسبب أخذ جمال ms4170 النحر، فقتل بينهم جماعة ونهب شيء كثير من الأموال، ففرق ~~الخليفة أموالا جليلة فيمن نهب ماله. # وفيها زلزلت بلاد العجم من حد العراق إلى ما وراء الري، وهلك فيها خلق ~~كثير، وتهدمت دور كثيرة، وأكثر ذلك كان بالري وقزوين. # وفيها، في ربيع الآخر، استوزر سيف الدين غازي، صاحب الموصل، جلال الدين ~~أبا الحسن علي بن جمال الدين محمد بن علي، وكان أبوه جمال الدين وزير البيت ~~الأتابكي، وقد تقدمت أخباره، وهو المشهور بالجود والإفضال، ولما ولي جلال ~~الدين الوزارة ظهرت منه كفاية عظيمة، ومعرفة تامة بقوانين الوزارة، وله ~~مكاتبات وعهود حسنة مدونة مشهورة، وكان جوادا فاضلا خيرا، عمره، لما ولي ~~الوزارة، خمس وعشرون سنة. # وفيها، في ذي الحجة، استناب سيف الدين أيضا عنه بقلعة الموصل مجاهد الدين ~~قايماز، وفوض إليه الأمور، وكان قبل ذلك [فوض] إليه الأمر بمدينة إربل ~~وأعمالها، وكان - رحمه الله - من صالحي الأمراء وأرباب المعروف، بنى كثيرا ~~من الجوامع والخانات في الطرق، والقناطر على الأنهار والربط وغير ذلك من ~~أبواب البر، وكان دائم الصدقة، كثير الإحسان، عادل السيرة - رحمه الله -. # وفيها قبض الخليفة على عماد الدين صندل المقتفوي، أستاذ الدار، ورتب ~~مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن الصاحب. # وفيها، في رمضان، قدم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب الذي ملك اليمن إلى ~~دمشق لما سمع أن أخاه صلاح الدين ملكها، حن إلى الوطن والأتراب ففارق اليمن ~~وسار إلى الشام، وأرسل من الطريق إلى أخيه يعلمه بوصوله، وكتب في الكتاب ~~شعرا من قول ابن المنجم المصري: # PageV09P421 # وإلى صلاح الدين أشكو أنني ... من بعده مضنى الجوانح مولع # جزعا لبعد الدار منه ولم أكن ... لولا هواه لبعد دار أجزع # فلأركبن إليه متن عزائمي ... ويخب بي ركب الغرام ويوسع # ولأقطعن من النهار هواجرا ... قلب النهار بحرها يتقطع # ولأسرين الليل لا يسري به ... طيف الخيال ولا البروق اللمع # وأقدمن إليه قلبي مخبرا ... أني بجسمي من قريب أتبع # حتى أشاهد منه أسعد طلعة ... من أفقها صبح السعادة يطلع # وفي هذه السنة، في ms4171 المحرم، برز صلاح الدين من دمشق، وقد عظم شأنه بما ~~ملكه من بلاد الشام، وبكسره عسكر الموصل، فخافه الفرنج وغيرهم، وعزم على ~~دخول بلدهم ونهبه والإغارة عليه، فأرسلوا إليه يطلبون الهدنة معه، فأجابهم ~~إليها وصالحهم، فأمر العساكر المصرية بالعود إلى مصر والاستراحة إلى أن ~~يعاود طلبهم، وشرط عليهم أنه متى أرسل يستدعيهم لا يتأخرون، فساروا إليها ~~وأقاموا بها إلى أن استدعاهم للحرب مع سيف الدين على ما نذكره. # [الوفيات] وفيها مات أبو الحسن علي بن عساكر البطائحي المقرئ، وكان قد ~~سمع الحديث الكثير ورواه، وكان نحويا جيدا. # وفي ذي الحجة منها توفي أبو سعد محمد بن سعيد بن محمد بن الرزاز، سمع ~~الحديث ورواه، وله شعر جيد، فمن ذلك أنه كتب إليه بعض أصدقائه مكاتبة ~~وضمنها شعرا، فأجابه: # يا من أياديه تغني من يعددها ... وليس يحصي مداها من لها يصف # عجزت عن شكر ما أوليت من كرم ... وصرت عبدا ولي في ذلك الشرف # أهديت منظوم شعر كله درر ... فكل ناظم عقد دونه يقف # إذا أتيت ببيت منه كان لنا ... قصرا ودر المعاني فوقه شرف # وإن أتيت أنا بيتا يناقضه ... أتيت لكن ببيت سقفه يكف # ما كنت منه ولا من أهله أبدا ... وإنما حين أدنو منه أقتطف # وقيل كانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وهو الصحيح. # PageV09P422 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة] ### | 572 - # ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة # ذكر نهب صلاح الدين بلد الإسماعيلية # لما رحل صلاح الدين من حلب، على ما ذكرناه قبل، قصد بلاد الإسماعيلية في ~~المحرم ليقاتلهم بما فعلوه به من الوثوب عليه وإرادة قتله، فنهب بلدهم ~~وخربه وأحرقه، وحصر قلعة مصياف، وهي أعظم حصونهم، وأحصن قلاعهم، فنصب عليها ~~المجانيق، وضيق على من بها، ولم يزل كذلك، فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى ~~شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة وهو خال صلاح الدين، يسأله أن يدخل بينهم ~~ويصلح الحال ويشفع فيهم، ويقول له: إن لم تفعل قتلناك وجميع أهل صلاح الدين ~~وأمرائه، فحضر شهاب عند صلاح الدين وشفع فيهم ms4172 وسأل الصفح عنهم، فأجابه إلى ~~ذلك، وصالحهم، ورحل عنهم. # وكان عسكره قد ملوا من طول البيكار، وقد امتلات أيديهم من غنائم عسكر ~~الموصل، ونهب بلد الإسماعيلية، فطلبوا العود إلى بلادهم للاستراحة، فأذن ~~لهم، وسار هو إلى مصر مع عسكرها، لأنه كان قد طال عهده عنها، ولم يمكنه ~~المضي إليها فيما تقدم خوفا على بلاد الشام، فلما انهزم سيف الدين، وحصر هو ~~حلب، وملك بلادها، واصطلحوا، أمن على البلاد، فسار إلى مصر، فلما وصل إليها ~~أمر # PageV09P423 # ببناء سور على مصر في الشعاري والغياض والقاهرة والقلعة التي على جبل ~~المقطم، دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالذراع الهاشمي، ولم ~~يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. # ذكر ظفر للمسلمين بالفرنج وللفرنج بالمسلمين # كان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم صاحب بعلبك، فأتاه خبر أن ~~جمعا من الفرنج قد قصدوا البقاع من أعمال بعلبك، وأغاروا عليها، فسار ~~إليهم، وكمن لهم في الشعاري والغياض، وأوقع بهم، وقتل فيهم وأكثر، وأسر نحو ~~مائتي رجل منهم وسيرهم إلى صلاح الدين. # وكان شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين، وهو الذي ملك اليمن، قد وصل ~~إلى دمشق، كما ذكرناه، وهو فيها، فسمع أن طائفة من الفرنج قد خرجوا من ~~بلادهم إلى أعمال دمشق، فسار إليهم ولقيهم [عند عين الجر في تلك المروج، ~~فلم يثبت لهم، وانهزم عنهم فظفروا] بجمع من أصحابه، فأسروهم، منهم سيف ~~الدين أبو بكر بن السلار، وهو من أعيان الجند الدمشقيين، واجترأ الفرنج ~~بعدها، وانبسطوا في تلك الولاية، وجبروا الكسر الذي ناله منهم ابن المقدم. # ذكر عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين وعوده إلى طاعته # في هذه السنة عصى شهاب الدين محمد بن بزان، صاحب شهرزور، على سيف الدين ~~غازي وكان في طاعته وتحت حكمه. # وكان سبب ذلك أن مجاهد الدين قايماز كان متوليا مدينة إربل، وكان بينه ~~وبين # PageV09P424 # ابن بزان عداوة محكمة، فلما استناب سيف الدين مجاهد الدين بالموصل خاف ~~ابن بزان أن يناله منه أذى، فأظهر الامتناع من النزول ms4173 إلى الخدمة فأرسل ~~إليه جلال الدين وزير سيف الدين كتابا يأمره بمعاودة الطاعة، ويحذره عاقبة ~~المخالفة، وهو من أحسن الكتب وأبلغها في هذا المعنى، ولولا خوف التطويل ~~لذكرته، فليطلب من مكاتباته، فلما وصل إليه الكتاب والرسول بادر إلى حضور ~~الخدمة بالموصل وزال الخلف. # ذكر فرج بعد شدة يتعلق بالتاريخ # بالقرب من جزيرة ابن عمر حصن منيع من أمنع المعاقل اسمه فنك، وهو على رأس ~~جبل عال، وهو للأكراد البشنوية، له بأيديهم نحو ثلاثمائة سنة، وكان صاحبه ~~هذه السنة أمير منهم اسمه إبراهيم، وله أخ اسمه عيسى، قد خرج منه، وهو لا ~~يزال يسعى في أخذه من أخيه إبراهيم، فأطاعه بعض بطانة إبراهيم، وفتح باب ~~السر ليلا، وأصعد منه إلى رأس القلعة نيفا وعشرين رجلا من أصحاب عيسى، ~~فقبضوا على إبراهيم ومن عنده، ولم يكن عنده إلا نفر من خواصه، وهذه قلة على ~~صخرة كبيرة مرتفعة عن سائر القلعة ارتفاعا كثيرا، وبها يسكن الأمير وأهله ~~وخواصه، وباقي الجند في القلعة تحت القلة، فلما قبضوا على إبراهيم جعلوه في ~~خزانة، وضربه بعضهم بسيف في يده على عاتقه، فلم يصنع شيئا، فلما جعل في ~~الخزانة وكل به رجلان، وصعد الباقون إلى سطح القلة، ولا يشكون أن القلعة ~~لهم لا مانع عنها. # ووصل من الغد بكرة الأمير عيسى ليتسلم القلعة، وبينهما دجلة وكانت امرأة ~~الأمير إبراهيم في خزانة أخرى، وفيها شباك حديد ثقيل يشرف على القلعة، ~~فجذبته بيدها فانقلع، وجند زوجها في القلعة لا يقدرون على شيء، فلما قلعت ~~الشباك أرادت أن تدلي حبلا ترفع به الرجال إليها، فلم يكن عندها غير ثياب ~~خام، فوصلت بعضها ببعض ودلتها إلى القلعة، وشدت طرفيها عندها في عود فأصعدت ~~إليها عشرة رجال، ولم يكن يراهم الذين على السطح. # ورأى الأمير عيسى، وهو على جانب دجلة، الرجال يصعدون، فصاح هو ومن # PageV09P425 # معه إلى أولئك الذين على السطح ليحذروا، وكانوا كلما صاحوا صاح أهل ~~القلعة لتختلف الأصوات فلا يفهم الذين على السطح، فينزلون ويمنعون من ذلك، ~~فلما اجتمع عندها ms4174 عشرة رجال أرسلت مع خادم عندها إلى زوجها قدح شراب وأمرته ~~أن يقرب منه كأنه يسقيه الشراب ويعرفه الحال، ففعل ذلك، وجلس بين يديه ~~ليسقيه، وعرفه الحال، فقال: ازدادوا من الرجال، فأصعدت عشرين رجلا وخرجوا ~~من عندها، فمد إبراهيم يده إلى الرجلين الموكلين به، فأخذ شعورهما، وأمر ~~الخادم بقتلهما، وكان إبراهيم عنده، فقتلهما بسلاحهما، فخرج واجتمع بأصحابه ~~وأرادوا فتح القلعة ليصعد إليه أصحابه من القلعة، فلم يجد المفاتيح، وكانت ~~مع أولئك الرجال الذين على السطح، فاضطروا إلى الصعود إلى سطح القلة ~~ليأخذوا أصحاب عيسى، فعلموا الحال، فجاءوا ووقفوا على رأس الممرق فلم يقدر ~~أحد [أن] يصعد، فأخذ بعض أصحاب إبراهيم ترسا وجعله على رأسه، وحصل في ~~الدرجة، وصعد وقاتل القوم على رأس الممرق، حتى صعد أصحابه فقتلوا الجماعة ~~وبقي منهم رجل ألقى نفسه من السطح، فنزل إلى أسفل الجبل فتقطع. فلما رأى ~~عيسى ما حل بأصحابه عاد خائبا مما أمله، واستقر الأمير إبراهيم في قلعته ~~على حاله. # ذكر نهب البندنيجين # في هذه السنة وصل الملك الذي بخوزستان عند شملة، وهو ابن ملكشاه بن ~~محمود، إلى البندنيجين، فخربها ونهبها وفتك في الناس، وسبى حريمهم، وفعل كل ~~قبيح. # ووصل الخبر إلى بغداد فخرج الوزير عضد الدين وعرض العسكر، ووصل عسكر ~~الحلة وواسط مع طاشتكين أمير الحاج وغرغلي، وساروا نحو العدو، فلما سمع ~~بوصولهم فارق مكانه وعاد، وكان معه من التركمان جمع كثير، فنهبهم عسكر ~~بغداد، ورجعوا من غير أمر بالعود، فأنكر عليهم ذلك، وأمروا بالعود إلى ~~مواقفهم، فعادوا لأوائل شهر رمضان، وقد رجع الملك فنهب من البندنيجين ما ~~كان سلم من النهب الأول، ووقعت بينهم وبين الملك وقعة. ثم افترقوا، فمضى ~~الملك وفارق ولاية العراق وعاد عسكر بغداد. # PageV09P426 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في جمادى الأولى، أقيمت الجمعة في الجامع الذي بناه فخر ~~الدولة بن المطلب بقصر المأمون غربي بغداد. # وفيها أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الشافعي - رضي الله عنه ~~- بمصر، وعمل بالقاهرة بيمارستان، ووقف عليهما الوقوف العظيمة ms4175 الكبيرة. # وفيها رأيت بالموصل خروفين ببطن واحد ورأسين ورقبتين وظهرين وثماني قوائم ~~كأنهما خروفان ببطن واحد، وجه أحدهما إلى وجه الآخر، وهذا من العجائب. # وفيها انقض كوكب أضاءت له الأرض إضاءة كثيرة، وسمع له صوت عظيم وبقي أثره ~~في السماء مقدار ساعة وذهب. # [الوفيات] وفيها توفي تاج الدين أبو علي الحسن بن عبد الله بن المظفر بن ~~رئيس الرؤساء أخو الوزير عضد الدين وزير الخليفة. # وفيها، في المحرم، توفي القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن ~~القاسم الشهرزوري، قاضي دمشق وجميع الشام، وإليه الوقوف بها والديوان، وكان ~~جوادا فاضلا رئيسا ذا عقل ومعرفة في تدبير الدول - رحمه الله ورضي عنه -. # PageV09P427 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة] ### | 573 - # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة # ذكر انهزام صلاح الدين بالرملة # في هذه السنة، أواخر جمادى الأولى، سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر ~~إلى الشام لقصد غزاة بلاد الفرنج، وجمع معه عساكر كثيرة وجنودا غزيرة، فلم ~~يزالوا يجدون السير حتى وصلوا إلى عسقلان في الرابع والعشرين منه، فنهبوا ~~وأسروا وقتلوا وأحرقوا وتفرقوا في تلك الأعمال مغيرين. فلما رأوا أن الفرنج ~~لم يظهر لهم عسكر ولا اجتمع لهم من يحمي البلاد من المسلمين، طمعوا، ~~وانبسطوا، وساروا في الأرض آمنين مطمئنين، ووصل صلاح الدين إلى الرملة، ~~عازما على أن يقصد بعض حصونهم ليحصره، فوصل إلى نهر، فازدحم الناس للعبور، ~~فلم يرعهم إلا والفرنج قد أشرفت عليهم بأطلابها وأبطالها، وكان مع صلاح ~~الدين بعض العسكر، لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة، فلما رآهم وقف لهم ~~فيمن معه، وتقدم بين يديه تقي الدين عمر بن محمد ابن أخي صلاح الدين، فباشر ~~القتال بنفسه بين يدي عمه، فقتل من أصحابه جماعة، وكذلك من الفرنج، وكان ~~لتقي الدين ولد اسمه أحمد، وهو من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته فأمره ~~أبوه بالحملة عليهم، فحمل عليهم وقاتلهم وعاد سالما قد أثر فيهم أثرا ~~كثيرا، فأمره بالعودة إليهم ثانية، فحمل عليهم فقتل شهيدا، ومضى حميدا - ~~رحمه ms4176 الله ورضي عنه -. # وكان أشد الناس قتالا ذلك اليوم الفقيه عيسى - رحمه الله - وتمت الهزيمة ~~على المسلمين، وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد يصل إليه، ~~فقتل الفرنجي بين يديه، وتكاثر الفرنج عليه، فمضى منهزما، يسير قليلا ويقف ~~ليلحقه العسكر إلى أن دخل الليل، فسلك البرية إلى أن مضى في نفر يسير إلى ~~مصر، ولقوا # PageV09P428 # في طريقهم مشقة شديدة وقل عليهم القوت والماء، وهلك كثير من دواب العسكر ~~جوعا وعطشا وسرعة سير. # وأما العسكر الذي كانوا دخلوا بلاد الفرنج في الغارة، فإن أكثرهم ذهب ما ~~بين قتيل وأسير. وكان من جملة من أسر الفقيه عيسى الهكاري، وهو من أعيان ~~الأسدية، وكان جمع العلم والدين والشجاعة، وأسر أيضا أخوه الظهير، وكانا قد ~~سارا منهزمين فضلا الطريق، فأخذا ومعهما جماعة من أصحابهما، وبقوا سنين في ~~الأسر، فافتدى صلاح الدين الفقيه عيسى بستين ألف دينار وجماعة كثيرة من ~~الأسرى. # ووصل صلاح الدين إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة، ورأيت كتابا كتبه صلاح ~~الدين بخط يده إلى أخيه شمس الدولة تورانشاه وهو بدمشق، يذكر الوقعة وفي ~~أوله: # ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر # ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما أنجانا الله سبحانه منه ~~إلا لأمر يريده سبحانه: # وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر. # ذكر حصر الفرنج مدينة حماة # في هذه السنة، في جمادى الأولى، حصر الفرنج أيضا مدينة حماة. وسبب # PageV09P429 # ذلك أنه وصل من البحر إلى الساحل الشامي كند كبير من الفرنج من أكبر ~~طواغيتهم، فرأى صلاح الدين بمصر قد عاد منهزما، فاغتنم خلو البلاد، لأن شمس ~~الدولة بن أيوب كان بدمشق ينوب عن صلاح الدين، وليس عنده كثير من العسكر، ~~وكان أيضا كثير الانهماك في اللذات مائلا إلى الراحات، فجمع ذلك الكند ~~الفرنجي من بالشام من الفرنج، وفرق فيهم الأموال، وسار إلى مدينة حماة ~~فحصرها وبها صاحبها شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين، وهو مريض ~~شديد المرض، وكان طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها، فدخلوا ms4177 إليها ~~وأعانوا من بها. # وقاتل الفرنج على البلد قتالا شديدا وهجموا بعض الأيام على طرف منه، ~~وكادوا يملكون البلد قهرا وقسرا، فاجتمع أهل البلد مع العسكر إلى تلك ~~الناحية واشتد القتال، وعظم الخطب على الفريقين، واستقل المسلمون وحاموا عن ~~الأنفس والأهل والمال، فأخرجوا الفرنج من البلد إلى ظاهره، ودام القتال ~~ظاهر البلد ليلا ونهارا، وقويت نفوس المسلمين حين أخرجوهم من البلد، وطمعوا ~~فيهم، وأكثروا فيهم القتل، فرحل الفرنج حينئذ خائبين، وكفى الله المسلمين ~~شرهم، فساروا إلى حارم فحصروها، وكان مقامهم على حماة أربعة أيام. # ولما رحل الفرنج عن حماة مات صاحبها شهاب الدين الحارمي، وكان له ابن من ~~أحسن الشباب مات قبله بثلاثة أيام. # ذكر قتل كمشتكين وحصر الفرنج حارم # في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين، وكان ~~المتولي لأمر دولته والحاكم فيها، وسبب قبضه أنه كان بحلب إنسان من أعيان ~~أهلها يقال له أبو صالح بن العجمي، وكان مقدما عند نور الدين محمود، فلما ~~مات نور الدين تقدم أيضا في دولة ولده الملك الصالح، وصار بمنزلة الوزير ~~الكبير المتمكن لكثرة أتباعه بحلب ولأن كل من كان يحسد كمشتكين انضم إلى ~~صالح، # PageV09P430 # وقووا جنانه، وكثروا سواده، وكان عنده إقدام وجرأة فصار واحد الدولة ~~بحلب، ومن يصدر الجماعة عن رأيه وأمره. # فبينما هو في بعض الأيام في الجامع وثب به الباطنية فقتلوه ومضى شهيدا، ~~وتمكن بعده سعد الدين وقوي حاله، فلما قتل أحال الجماعة قتله على سعد ~~الدين، وقالوا: هو وضع الباطنية عليه حتى قتلوه، وذكروا ذلك للملك الصالح، ~~ونسبوه إلى العجز، وأنه ليس له حكم، وأن سعد الدين قد تحكم عليه واحتقره ~~واستصغره، وقتل وزيره، ولم يزالوا به حتى قبض عليه. # وكانت قلعة حارم لسعد الدين قد أقطعه إياها الملك الصالح، فامتنع من بها ~~بعد قبضه، وتحصنوا فيها، فسير سعد الدين إليها تحت الاستظهار ليأمر أصحابه ~~بتسليمها إلى الملك الصالح، فأمرهم بذلك، فامتنعوا، فعذب كمشتكين وأصحابه ~~يرونه ولا يرحمونه، فمات في العذاب، وأصر أصحابه ms4178 على الامتناع والعصيان. # فلما رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى، على ما ~~نذكره، ظنا منهم أنهم لا ناصر لهم، وأن الملك الصالح صبي قليل العسكر، ~~وصلاح الدين بمصر، فاغتنموا هذه الفرصة ونازلوها وأطالوا المقام عليها مدة ~~أربعة أشهر، ونصبوا عليها المجانيق والسلالم، فلم يزالوا كذلك إلى أن بذل ~~لهم الملك الصالح مالا، وقال لهم: إن صلاح الدين واصل إلى الشام، وربما سلم ~~القلعة من بها إليه، فأجابوه حينئذ إلى الرحيل عنها، فلما رحلوا عنها سير ~~إليها الملك الصالح جيشا فحصروها، وقد بلغ الجهد منهم بحصار الفرنج، وصاروا ~~كأنهم طلائع، وكان قد قتل من أهلها وجرح كثير، فسلموا القلعة إلى الملك ~~الصالح، فاستناب بها مملوكا كان لأبيه اسمه سرخك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، خطب للسلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن # PageV09P431 # محمد بن ملكشاه المقيم عند إيلدكز بهمذان، وكان أبوه أرسلان قد توفي. # وفيها، سابع شوال، هبت ببغداد ريح عظيمة، فزلزلت الأرض، واشتد الأمر على ~~الناس حتى ظنوا أن القيامة قد قامت، فبقي ذلك ساعة ثم انجلت، وقد وقع كثير ~~من الدور، ومات فيها جماعة كثيرة. # وفيها، رابع ذي القعدة، قتل عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة ~~الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وزير الخليفة، وكان ~~قد عزم على الحج فعبر دجلة ليسير، وعبر معه أرباب مناصب، وهو في موكب عظيم، ~~وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا، فلما وصل إلى باب قطفتا لقيه كهل ~~فقال: أنا مظلوم، وتقدم ليسمع الوزير كلامه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح ~~الوزير: قتلتني! ووقع من الدابة، وسقطت عمامته، فغطى رأسه بكمه، وضرب ~~الباطني بسيف، وعاد إلى الوزير فضربه، وأقبل حاجب الباب ابن المعوج لينصر ~~الوزير، فضربه الباطني بسكين وقيل بل ضربه رفيق كان للباطني، ثم قتل ~~الباطني ورفيقه، وكان لهما رفيق ثالث، فصاح وبيده سكين فقتل ولم يعمل شيئا. ~~وأحرقوا ثلاثتهم وحمل الوزير إلى دار له هناك، ms4179 وحمل حاجب الباب مجروحا إلى ~~بيته، فمات هو والوزير، وحمل الوزير فدفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند جامع ~~المنصور. # وكان الوزير قد رأى في المنام أنه معانق عثمان بن [عفان] ، وحكى عنه ولده ~~أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام، وأنا مقتول بلا شك، وكان ~~مولده في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار ~~المقتفي لأمر الله، فلما مات ولي هو مكانه، فبقي كذلك إلى أن مات المقتفي، ~~فأقره المستنجد على ذلك ورفع قدره، فلما ولي المستضيء استوزره، وكان حافظا ~~للقرآن، سمع الحديث، وله معروف كثير، وكانت داره مجمعا للعلماء، وختمت ~~أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج. # PageV09P432 # وفيها كانت فتنة ببغداد، وسببها أنه حضر قوم من مسلمي المدائن إلى بغداد، ~~فشكوا من يهودها، وقالوا: لنا مسجد نؤذن فيه ونصلي، وهو مجاور الكنيسة، ~~فقال لنا اليهود: قد آذيتمونا بكثرة الأذان، فقال المؤذن: ما نبالي بذلك، ~~فاختصموا، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون يشكون منهم، فأمر ~~ابن العطار، وهو صاحب المخزن، بحبسهم، ثم أخرجوا، فقصدوا جامع القصر، ~~واستغاثوا قبل صلاة الجمعة، فخفف الخطيب الخطبة والصلاة، فعادوا يستغيثون، ~~فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم، فلما رأى العامة ما فعل بهم غضبوا نصرة ~~للإسلام، فاستغاثوا، وقالوا أشياء قبيحة، وقلعوا طوابيق الجامع، ورجموا ~~الجند فهربوا، ثم قصد العامة دكاكين المخلطين، لأن أكثرهم يهود، فنهبوها، ~~وأراد حاجب الباب منعهم، فرجموه فهرب منهم، وانقلب البلد، وخربوا الكنيسة ~~التي عند دار البساسيري، وأحرقوا التوراة فاختفى اليهود، وأمر الخليفة أن ~~تنقض الكنيسة التي بالمدائن وتجعل مسجدا، ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها ~~قوم من المفسدين، فظنها العامة نصبت تخويفا لهم لأجل ما فعلوا، فعلقوا ~~عليها في الليل جرذانا ميتة، وأخرج جماعة من الحبس لصوص فصلبوا عليها. # وفيها، في شعبان، قبض سيف الدين غازي، صاحب الموصل، على وزيره جلال الدين ~~علي بن جمال الدين بغير جرم ولا عجز، ولا لتقصير، بل لعجز سيف الدين، فإن ~~جلال الدين كان بينه وبين مجاهد الدين قايماز مشاحنة، فقال مجاهد الدين ms4180 ~~لسيف الدين: لابد من قبض الوزير، فقبض عليه كارها لذلك، ثم شفع ابن نيسان ~~رئيس آمد لصهر بينهما، فأخرج، وسار إلى آمد فمرض بها، وعاد إلى دنيسر، فمات ~~سنة أربع وسبعين [وخمسمائة] وعمره سبع وعشرون سنة، وحمل إلى مدينة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فدفن عند والده في الرباط الذي بناه بها. # PageV09P433 # وكان - رحمه الله - من محاسن الدنيا، جمع كرما، وعلما، ودينا، وعفة، وحسن ~~سيرة، واستحلفه سيف الدين أنه لا يمضي إلى صلاح الدين لأنه خاف أن يمضي ~~إليه للمودة التي كانت بين جمال الدين وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين ~~شيركوه، فبلغني أن صلاح الدين طلبه فلم يقصده لليمين. # وفيها اجتمع طائفة من الفرنج وقصدوا أعمال حمص فنهبوها وغنموا، وأسروا ~~وسبوا، فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه، صاحب حمص، وسبقهم ووقف على طريقهم. ~~وكمن لهم، فلما وصلوا إليه خرج إليهم هو والكمين، ووضعوا السيف فيهم، فقتل ~~أكثرهم وأسر جماعة من مقدمتهم، ومن سلم منهم لم يفلت إلا وهو مثخن بالجراح، ~~واسترد منهم جميع ما غنموا فرده على أصحابه. # [الوفيات] وفيها في ربيع الآخر، توفي صدقة بن الحسين الحداد، الذي ذيل " ~~تاريخ ابن الزاغوني " ببغداد. # وفيها في جمادى الأولى، توفي محمد بن أحمد بن عبد الجبار الفقيه الحنفي ~~المعروف بالمشطب ببغداد. # PageV09P434 ### | [ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة] ### | 574 - # ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة # ذكر قصد الفرنج مدينة حماة أيضا # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار جمع كثير من الفرنج بالشام إلى مدينة ~~حماة، وكثر جمعهم من الفرسان والرجالة طمعا في النهب والغارة، فشنوا ~~الغارة، ونهبوا، وخربوا القرى، وأحرقوا، وأسروا، وقتلوا، فلما سمع العسكر ~~المقيم بحماة ساروا إليهم، وهم قليل، متوكلين على الله تعالى، فالتقوا ~~واقتتلوا، وصدق المسلمون القتال، فنصرهم الله تعالى، وانهزم الفرنج، وكثر ~~القتل والأسر فيهم واستردوا منهم ما غنموه من السواد. # وكان صلاح الدين قد عاد من مصر إلى الشام في شوال من السنة المتقدمة، وهو ~~نازل بظاهر حمص. فحملت الرءوس والأسرى والأسلاب إليه، فأمر بقتل ms4181 الأسرى ~~فقتلوا. # ذكر عصيان ابن المقدم على صلاح الدين وحصر بعلبك وأخذ البلد منه # في هذه السنة عصى شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم على صلاح الدين ~~ببعلبك، وكانت له قد سلمها إليه صلاح الدين لما فتحها جزاء له حيث سلم إليه ~~ابن المقدم دمشق، على ما سبق ذكره، فلم تزل بيده إلى الآن، فطلب شمس الدولة ~~بن أيوب أخو صلاح الدين منه بعلبك، وألح عليه في طلبها لأن تربيته ومنشأه ~~كان بها، وكان يحبها، ويختارها على غيرها من البلاد، وكان الأكبر، فلم يمكن ~~صلاح الدين مخالفته، فأمر شمس الدين بتسليمها إلى أخيه ليعوضه عنها، فلم ~~يجب إلى ذلك، # PageV09P435 # وذكره العهود التي له، وما اعتمده معه من تسليم البلاد إليه، فلم يصغ ~~إليه ولج عليه في أخذها، وسار ابن المقدم إليها، واعتصم بها فتوجه إليه ~~صلاح الدين، وحصره بها مدة، ثم رحل عنها من غير أن يأخذها، وترك عليه عسكرا ~~يحصره، فلما طال عليه الحصار أرسل إلى صلاح الدين يطلب العوض عنها ليسلمها ~~إليه فعوضه عنها وسلمها، فأقطعها صلاح الدين أخاه شمس الدولة. # ذكر الغلاء والوباء العام # في هذه السنة انقطعت الأمطار بالكلية في سائر البلاد الشامية والجزيرة ~~والبلاد العراقية، والديار بكرية، والموصل وبلاد الجبل، وخلاط، وغير ذلك، ~~واشتد الغلاء، وكان عاما في سائر البلاد، فبيعت غرارة الحنطة بدمشق وهي ~~اثنا عشر مكوكا بالموصلي، بعشرين دينارا صورية عتقا، وكان الشعير بالموصل ~~كل ثلاثة مكاكي بدينار أميري، وفي سائر البلاد ما يناسب ذلك. # واستسقى الناس في أقطار الأرض، فلم يسقوا، وتعذرت الأقوات وأكلت الناس ~~الميتة وما ناسبها، ودام كذلك إلى آخر سنة خمس وسبعين [وخمسمائة] ، ثم تبعه ~~بعد ذلك وباء شديد عام أيضا، كثر فيه الموت، وكان مرض الناس شيئا واحدا، ~~وهو السرسام، وكان الناس لا يلحقون يدفنون الموتى، إلا أن بعض البلاد كان ~~أشد من البعض. # ثم إن الله تعالى رحم العباد والبلاد والدواب وأرسل الأمطار، وأرخص ~~الأسعار. # ومن عجيب ما رأيت أنني قصدت رجلا من العلماء الصالحين بالجزيرة ms4182 لأسمع ~~عليه شيئا من حديث النبي - عليه السلام - في شهر رمضان سنة خمس وسبعين # PageV09P436 # [وخمسمائة] ، والناس في أشد ما كانوا غلاء وقنوطا من الأمطار، وقد توسط ~~الربيع ولم تجئ قطرة واحدة من المطر، فبينا أنا جالس ومعي جماعة ننتظر ~~الشيخ، إذ أقبل إنسان تركماني قد أثر عليه الجوع، وكأنه قد أخرج من قبر، ~~فبكى وشكا الجوع، فأرسلت من يشتري له خبزا، فتأخر إحضاره لعدمه، وهو يبكي ~~ويتمرغ على الأرض ويشكو الجوع، فلم يبق فينا إلا من بكى رحمة له وللناس، ~~ففي الحال تغيمت السماء وجاءت نقط من المطر متفرقة، فضج الناس واستغاثوا، ~~ثم جاء الخبز، فأكل التركماني بعضه، وأخذ الباقي ومشى واشتد المطر ودام ~~المطر من تلك الساعة. # ذكر غارات الفرنج على بلاد المسلمين # في هذه السنة، في ذي القعدة، اجتمع الفرنج وساروا إلى بلد دمشق مع ملكهم، ~~فأغاروا على أعمالها فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا، فأرسل صلاح الدين ~~فرخشاه، ولد أخيه، في جمع من العسكر إليهم، وأمره أنه إذا قاربهم يرسل إليه ~~يخبره على جناح طائر ليسير إليه، وتقدم إليه أن يأمر أهل البلد بالانتزاح ~~من بين يدي الفرنج، فسار فرخشاه في عسكره يطلبهم، فلم يشعر إلا والفرنج قد ~~خالطوه، فاضطر إلى القتال، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، وألقى فرخشاه نفسه ~~عليهم، وغشي الحرب ولم يكلها إلى سواه، فانهزم الفرنج ونصر المسلمون عليهم، ~~وقتل من مقدميهم جماعة ومنهم هنفري، وما أدراك ما هنفري؟ به كان يضرب المثل ~~في الشجاعة والرأي في الحرب، وكان بلاءا صبه الله على المسلمين، فأراح الله ~~من شره. وقتل غيره من أضرابه، ولم يبلغ عسكر فرخشاه ألف فارس. # وفيها أيضا أغار البرنس صاحب أنطاكية ولاذقية على جشير المسلمين بشيزر ~~وأخذه. # PageV09P437 # وأغار صاحب طرابلس على جمع كثير من التركمان، فاحتجف أموالهم. # وكان صلاح الدين على بانياس، على ما نذكره إن شاء الله، فسير ولد أخيه ~~تقي الدين عمر إلى حماة وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه إلى مصر، ~~وأمرهما بحفظ البلاد، وحياطة أطرافها من العدو - دمرهم ms4183 الله تعالى -. # ذكر عدة حوادث # ليلة النصف من ربيع الآخر انكسف القمر نحو ثلث الليل الأخير وغاب منكسفا. # وفيها أيضا، في التاسع والعشرين، انكسفت الشمس وقت العصر، فغربت منكسفة. # [الوفيات] وفي هذه السنة، في شعبان، توفي الحيص بيص الشاعر، واسمه سعد بن ~~محمد بن سعد أبو الفوارس، وكان قد سمع الحديث، ومدح الخلفاء والسلاطين ~~والأكابر. وشعره مشهور، فمنه قوله: # كلما أوسعت حلمي جاهلا ... أوسع الفحش له فحش المقال # وإذا شاردة فهت بها ... سبقت مر النعامى والشمال # لا تلمني في شقائي بالعلى ... رغد العيش لربات الحجال # سيف عز زانه رونقه ... فهو بالطبع غني عن صقال # وفي المحرم ماتت شهدة بنت أحمد بن عمر بن الإبري الكاتبة، وسمعت الحديث ~~من السراج وطراد وغيرهما، وعمرت حتى قاربت مائة سنة، وسمع عليها خلق كثير ~~لعلو إسنادها. # PageV09P438 ### | [ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة] ### | 575 - # ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة # ذكر تخريب الحصن الذي بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان # كان الفرنج قد بنوا حصنا منيعا يقارب بانياس، عند بيت يعقوب - عليه ~~السلام - بمكان يعرف بمخاضة الأحزان، فلما سمع صلاح الدين بذلك سار من دمشق ~~إلى بانياس، وأقام بها، وبث الغارات على بلاد الفرنج، ثم سار إلى الحصن ~~وحصره ليخربه ثم يعود إليه عند اجتماع العساكر، فلما نازل الحصن قاتل من به ~~من الفرنج، ثم عاد عنه، فلما دخلت سنة خمس وسبعين لم يفارق بانياس بل أقام ~~بها وخيله تغير على بلاد العدو. # وأرسل جماعة من عسكره مع جالبي الميرة، فلم تشعر إلا والفرنج مع ملكهم قد ~~خرجوا عليهم، فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه الخبر [فسار] في العساكر مجدا ~~[حتى] وافاهم وهم في القتال، فقاتل الفرنج قتالا شديدا، وحملوا على ~~المسلمين عدة حملات كادوا يزيلونهم عن مواقفهم، ثم أنزل الله نصره على ~~المسلمين، وهزم المشركين، وقتلت منهم مقتلة كثيرة، ونجا ملكهم فريدا، وأسر ~~منهم كثير منهم ابن بيرزان صاحب الرملة ونابلس، وهو أعظم الفرنج محلا بعد ~~الملك، وأسروا أيضا أخا صاحب جبيل، وصاحب طبرية، ومقدم الداوية، ms4184 ومقدم ~~الإسباتارية، وصاحب جينين وغيرهم من مشاهير فرسانهم وطواغيتهم، فأما ابن ~~بيرزان فإنه فدى # PageV09P439 # نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية، وإطلاق ألف أسير من المسلمين، ~~وكان أكثر العمل في هذا اليوم لعز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين، وحكي ~~عنه أنه قال: ذكرت في تلك الحال بيتي المتنبي وهما: # فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن يرد الموت الزؤام تؤول # ومن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل # فهان الموت في عيني، فألقيت نفسي إليه، وكان ذلك سبب الظفر، ثم عاد صلاح ~~الدين إلى بانياس من موضع المعركة، وتجهز للدخول إلى ذلك الحصن ومحاصرته، ~~فسار إليه في ربيع الأول، وأحاط به، وقوى طمعه بالهزيمة المذكورة في فتحه، ~~وبث العساكر في بلد الفرنج للإغارة، ففعلوا ذلك، وجمعوا من الأخشاب ~~والزرجون شيئا كثيرا ليجعله متارس للمجانيق، فقال له جاولي الأسدي، وهو ~~مقدم الأسدية وأكابر الأمراء: الرأي أننا نجربهم بالزحف أول مرة، ونذوق ~~قتال من به، وننظر الحال معهم، فإن استضعفناهم، وإلا فنصب المجانيق ما ~~يفوت. # فقبل رأيه، وأمر فنودي بالزحف إليه، والجد في قتاله، فزحفوا واشتد القتال ~~وعظم الأمر، فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة الحصن وقاتل على ~~السور لما علاه وتبعه غيره من أضرابه، ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة، ~~فصعد الفرنج حينئذ منها إلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن ~~يأتيهم المدد. # وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية، فألح المسلمون في قتال الحصن، خوفا من وصول ~~الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه، وأدركهم الليل، فأمر صلاح الدين بالمبيت ~~بالباشورة إلى الغد، ففعلوا، فلما كان الغد أصبحوا وقد نقبوا الحصن، وعمقوا ~~النقب، وأشعلوا النيران فيه، وانتظروا سقوط السور، فلم يسقط لعرضه، فإنه ~~كان تسعة أذرع بالنجاري، يكون الذراع ذراعا ونصفا، فانتظروه يومين فلم ~~يسقط، فأمر صلاح الدين بإطفاء النار التي في النقب، فحمل الماء وألقي عليها ~~فطفئت، وعاد # PageV09P440 # النقابون فنقبوا، وخرقوا السور، وألقوا فيه النار، فسقط يوم الخميس لست ~~بقين من ربيع الأول، ودخل المسلمون الحصن عنوة وأسروا كل ms4185 من فيه، وأطلقوا ~~من كان به من أسارى المسلمين، وقتل صلاح الدين كثيرا من أسرى الفرنج، وأدخل ~~الباقين إلى دمشق، وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم الحصن، وعفى أثره، ~~وألحقه بالأرض، وكان قد بذل الفرنج ستين ألف دينار مصرية ليهدموه بغير ~~قتال، فلم يفعلوا ظنا منهم أنه إذا بقي بناؤه تمكنوا به من كثير من بلاد ~~الإسلام، وأما الفرنج فاجتمعوا بطبرية ليحموا الحصن، فلما أتاهم الخبر ~~بأخذه فت في أعضادهم، فتفرقوا إلى بلادهم. # وأكثر الشعراء فيه، فمن ذلك قول صديقنا النشو بن نفاذة - رحمه الله -: # هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها # ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها # وقول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي: # أتسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف # نصحتكم والنصح للدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف # ذكر الحرب بين عسكر صلاح الدين وعسكر قلج أرسلان # في هذه السنة كانت الحرب بين عسكر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومقدمهم # PageV09P441 # ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وبين عسكر الملك قلج أرسلان ~~بن مسعود بن قلج أرسلان، صاحب بلاد قونية، وأقصرا. # وسببها أن نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر - رحمه الله - كان قد أخذ ~~قديما من قلج أرسلان حصن رعبان، وكان بيد شمس الدين بن المقدم إلى الآن، ~~فطمع فيه قلج أرسلان بسبب أن الملك الصالح بحلب بينه وبين صلاح الدين، ~~فأرسل إليه من يحصره، فاجتمع عليه جمع كثير، يقال: كانوا عشرين ألفا، فأرسل ~~إليهم صلاح الدين تقي الدين في ألف فارس، فواقعهم وقاتلهم وهزمهم، وأصلح ~~حال تلك الولاية، وعاد إلى صلاح الدين، ولم يحضر معه تخريب حصن الأحزان، ~~فكان يفتخر ويقول: هزمت بألف مقاتل عشرين ألفا. # ذكر وفاة المستضيء بأمر الله وخلافة الناصر لدين الله # في هذه السنة، في ثاني ذي القعدة، توفي الإمام المستضيء بأمر الله أمير ~~المؤمنين أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد - رضي الله عنه - وأمه أم ولد ~~أرمنية تدعى غضة، وكانت خلافته ms4186 نحو تسع سنين وسبعة أشهر، وكان مولده سنة ست ~~وثلاثين وخمسمائة، وكان عادلا حسن السيرة في الرعية، كثير البذل للأموال، ~~غير مبالغ في أخذ ما جرت العادة بأخذه، وكان الناس معه في أمن عام وإحسان ~~شامل، وطمأنينة وسكون، لم يروا مثله، وكان حليما، قليل المعاقبة على ~~الذنوب، محبا للعفو والصفح عن المذنبين، فعاش حميدا ومات سعيدا - رضي الله ~~عنه - فلقد كانت أيامه كما قيل: # كأن أيامه من حسن سيرته ... مواسم الحج والأعياد والجمع # ووزر له عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء إلى أن قتل في ذي القعدة # PageV09P442 # سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ولما قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو بكر ~~منصور بن نصر المعروف بابن العطار، وكان خيرا، حسن السيرة، كثير العطاء، ~~وتمكن تمكنا كثيرا، فلما مات المستضيء شرع ظهير الدين ابن العطار في أخذ ~~البيعة لولده الناصر لدين الله، أمير المؤمنين، فلما تمت البيعة صار الحاكم ~~في الدولة أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب. # وفي سابع ذي القعدة قبض على ابن العطار ظهير الدين، ووكل عليه في داره، ~~ثم نقل إلى التاج، وقيد ووكل به، وطلبت ودائعه وأمواله، وفي ليلة الأربعاء ~~ثامن عشر ذي القعدة أخرج ميتا على رأس حمال سرا، فغمز به بعض الناس، فثار ~~به العامة، فألقوه عن رأس الحمال، وكشفوا سوءته وشدوا في ذكره حبلا وسحبوه ~~في البلد، وكانوا يضعون بيده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمسوها في العذرة ~~ويقولون: وقع لنا يا مولانا، إلى غير هذا من الأفعال الشنيعة، ثم خلص من ~~أيديهم ودفن. # هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن أموالهم وأعراضهم. # وسيرت الرسل إلى الآفاق لأخذ البيعة، فسير صدر الدين شيخ الشيوخ إلى ~~البهلوان، صاحب همذان وأصفهان والري وغيرها، فامتنع من البيعة، فراجعه صدر ~~الدين، وأغلظ له في القول، حتى أنه قال لعسكره في حضرته: [ليس] لهذا عليكم ~~طاعة ما لم يبايع أمير المؤمنين، بل يجب عليكم أن تخلعوه من الإمارة، ~~وتقاتلوه، فاضطر إلى البيعة والخطبة، وأرسل إلى ms4187 رضي الدين القزويني مدرس ~~النظامية إلى الموصل لأخذ البيعة، فبايع صاحبها، وخطب للخليفة الناصر لدين ~~الله أمير المؤمنين. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة هبت ريح سوداء مظلمة بالديار الجزرية والعراق وغيرها، وعمت # PageV09P443 # أكثر البلاد من الظهر إلى أن مضى من الليل ربعه، وبقيت الدنيا مظلمة يكاد ~~الإنسان لا يبصر صاحبه، وكنت حينئذ بالموصل، فصلينا العصر والمغرب والعشاء ~~الآخرة على الظن والتخمين، وأقبل الناس على التضرع والتوبة والاستغفار، ~~وظنوا أن القيامة قد قامت، فلما مضى مقدار ربع الليل زال ذلك الظلام ~~والعتمة التي غطت السماء، فنظرنا فرأينا النجوم، فعلمنا مقدار ما مضى من ~~الليل، لأن الظلام لم يزدد بدخول الليل، وكان كل من يصل من جهة من الجهات ~~يخبر بمثل ذلك. # وفيها، في ذي القعدة، نزل شمس الدولة أخو صلاح الدين عن بعلبك، وطلب عوضا ~~عنها الإسكندرية، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وأقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه ~~ابن أخيه، فسار إليها، وجمع أصحابه، وأغار على بلاد الفرنج، حتى وصل إلى ~~قلعة صفد، وهي مطلة على طبرية، فسبى وأسر وغنم وخرب وفعل في الفرنج أفاعيل ~~عظيمة. # وأما شمس الدولة فإنه سار إلى مصر وأقام بالإسكندرية، وإذا أراد الله أن ~~يقبض رجلا بأرض جعل له إليها حاجة، فإنه أقام بها إلى أن مات بها. # وفيها قارب الجامع الذي بناه مجاهد الدين قايماز بظاهر الموصل من جهة باب ~~الجسر الفراغ، وأقيمت فيه الصلوات الخمس والجمعة، وهو من أحسن الجوامع. # [الوفيات] وفيها توفي أحمد بن عبد الرحمن الصوفي شيخ رباط الزوزني، وسمع ~~الحديث وكان يصوم الدهر. # وعبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، سمع الحديث ورواه، وهو من بيت الحديث. # والقاضي عمر بن علي بن الخضر أبو الحسن الدمشقي، سمع الحديث ورواه، وولي ~~قضاء الحريم. # وعلي بن أحمد الزيدي، سمع الحديث الكثير، وله وقف كتب كثيرة ببغداد، # PageV09P444 # وكان زاهدا، خيرا، صالحا. # ومحمد بن علي بن حمزة أبو علي الأقاسي نقيب العلويين بالكوفة، وكان ينشد ~~كثيرا: # رب قوم في خلائقهم ... عرر قد صيروا غررا # ستر ms4188 المال القبيح لهم ... سترى إن زال ما سترا # ومحمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن سديد الدولة الأنباري، كاتب ~~الإنشاء بعد أبيه. # وأبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الدامغاني الفقيه، كان مناظرا أحسن ~~المناظرة، كثير العبادة، ودفن عند قبر أبي حنيفة. # PageV09P445 ### | [ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة] ### | 576 - # ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة # ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل وولاية أخيه عز الدين بعده # في هذه السنة، ثالث صفر، توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، صاحب ~~الموصل وديار الجزيرة، وكان مرضه السل، وطال به ثم أدركه في آخره سرسام، ~~ومات. # ومن عجيب ما يحكى أن الناس خرجوا سنة خمس وسبعين يستسقون لانقطاع الغيث ~~وشدة الغلاء، وخرج سيف الدين في موكبه، فثار به الناس وقصدوه بالاستغاثة، ~~وطلبوا منه أن يأمر بالمنع من بيع الخمر، فأجابهم إلى ذلك، فدخلوا البلد ~~وقصدوا مساكن الخمارين، وخربوا أبوابهم، ودخلوها، ونهبوها، وأراقوا ما بها ~~من خمور، وكسروا الظروف، وعملوا ما لا يحل، فاستغاث أصحاب الدور إلى نواب ~~السلطان، وخصوا بالشكوى رجلا من الصالحين يقال له أبو الفرج الدقاق، ولم ~~يكن له يد في الذي فعله العامة من النهب، وما لا يجوز فعله، إنما هو أراق ~~الخمور، ونهى العامة عن الذي يفعلونه، فلم يسمعوا منه، فلما شكا الخمارون ~~منه أحضر بالقلعة، وضرب على رأسه، فسقطت عمامته، فلما أطلق لينزل من القلعة ~~نزل مكشوف الرأس، فأرادوا تغطيته بعمامته، فلم يفعل، وقال: والله لا غطيت ~~رأسي حتى ينتقم الله لي ممن ظلمني! فلم يمض غير أيام حتى توفي الدزدار الذي ~~تولى أذاه، ثم بعقبه مرض سيف الدين، واستمر إلى أن مات، وعمره حينئذ نحو ~~ثلاثين سنة. وكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر، وكان حسن الصورة، مليح ~~الشباب، تام القامة، أبيض اللون وكان عاقلا وقورا، قليل الالتفات إذا ركب ~~وإذا جلس، عفيفا لم يذكر عنه ما ينافي العفة. # PageV09P446 # وكان غيورا شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدم الصغار، فإذا كبر أحدهم ~~منعه، وكان لا يحب سفك ms4189 الدماء، ولا أخذ الأموال على شح فيه وجبن. # ولما اشتد مرضه أراد أن يعهد بالملك لابنه معز الدين سنجرشاه، وكان عمره ~~حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف على الدولة من ذلك لأن صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~كان قد تمكن بالشام، وقوي أمره، وامتنع أخوه عز الدين مسعود بن مودود من ~~الإذعان لذلك والإجابة إليه، فأشار الأمراء الأكابر ومجاهد الدين قايماز ~~بأن يجعل الملك بعده في عز الدين أخيه، لما هو عليه من كبر السن والشجاعة ~~والعقل وقوة النفس، وأن يعطي ابنيه بعض البلاد، ويكون مرجعهما إلى عز الدين ~~عمهما والمتولي لأمرهما مجاهد الدين قايماز، ففعل ذلك، وجعل الملك في أخيه، ~~وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجرشاه وقلعة عقر الحميدية لولده ~~الصغير ناصر الدين كسك. # فلما توفي سيف الدين ملك بعده الموصل والبلاد أخوه عز الدين، وكان المدبر ~~للدولة مجاهد الدين، وهو الحاكم في الجميع، واستقرت الأمور ولم يختلف ~~اثنان. # ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان # في هذه السنة سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من الشام إلى بلاد قلج أرسلان ~~بن مسعود بن قلج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وما بينهما، وقونية ليحاربه. # وسبب ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا وغيره ~~من ديار بكر، كان قد تزوج ابنة قلج أرسلان المذكور، وبقيت عنده مدة، ثم إنه ~~أحب مغنية، فتزوجها، ومال إليها، وحكمت في بلاده وخزائنه، وأعرض عن ابنة ~~قلج أرسلان، وتركها نسيا منسيا، فبلغ أباها الخبر، فعزم على قصد نور الدين ~~وأخذ بلاده، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يستجير به ويسأله كف يد قلج ~~أرسلان عنه، فأرسل صلاح الدين إلى قلج أرسلان في المعنى، فأعاد الجواب: ~~إنني كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون مجاورة بلاده لما تزوج ابنتي، ~~فحيث آل الأمر إلى ما # PageV09P447 # تعلمه، فأنا أريد أن يعيد إلي ما أخذه مني. # وترددت الرسل بينهما، فلم يستقر حال فيها، فهادن صلاح الدين الفرنج، وسار ~~في عساكره، وكان الملك الصالح ms4190 إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها، ~~فتركها ذات اليسار، وسار على تل باشر إلى رعبان، فأتاه بها نور الدين محمد ~~وأقام عنده، فلما سمع قلج أرسلان بقربه منه أرسل إليه أكبر أمير عنده، ~~ويقول له: إن هذا الرجل فعل مع ابنتي كذا، ولا بد من قصد بلاده، وتعريفه ~~محل نفسه، فلما وصل الرسول، واجتمع بصلاح الدين وأدى الرسالة، امتعض صلاح ~~الدين لذلك واغتاظ، وقال للرسول: قل لصاحبك والله الذي لا إله إلا هو لئن ~~لم يرجع لأسيرن إلى ملطية وبيني وبينها يومان، ولا أنزل عن فرسي إلا في ~~البلد، ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه. # فرأى الرسول أمرا شديدا، فقام من عنده، وكان قد رأى العسكر وما هو عليه ~~من القوة والتجمل، وكثرة السلاح والدواب، وغير ذلك، وليس عنده ما يقاربه، ~~فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم، فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به، ~~فأحضره فقال له: أريد أن أقول شيئا من عندي ليس رسالة عن صاحبي، وأحب أن ~~تنصفني، فقال له: قل! فقال: يا مولانا ما هو قبيح بمثلك، وأنت من أعظم ~~السلاطين وأكبرهم شأنا، أن تسمع الناس عنك أنك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ~~ومصالح المملكة، وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، ~~وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة، وخسرت أنت وعساكرك ~~الأموال العظيمة لأجل قحبة مغنية؟ وما يكون عذرك عند الله تعالى، ثم عند ~~الخليفة وملوك الإسلام والعالم كافة؟ واحسب أن أحدا ما يواجهك بهذا، أما ~~يعلمون أن الأمر هكذا؟ ثم احسب أن قلج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتني ~~إليك تستجير بك، وتسألك أن تنصفها من زوجها، فإن فعلت، فهو الظن بك أن لا ~~تردها. # فقال: والله الحق بيدك، وإن الأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل علي ~~وتمسك بي ويقبح بي تركه، لكنك أنت اجتمع به، وأصلح الحال بينكم على ما # PageV09P448 # تحبونه، وأنا أعينكم عليه، وأقبح فعله عنده، ووعد من نفسه بكل جميل، ~~فاجتمع الرسول بصاحب الحصن، وتردد القول ms4191 بينهم، فاستقر أن صاحب الحصن يخرج ~~المغنية عنه بعد سنة، وإن كان لا يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته، ويكون هو ~~وقلج أرسلان عليه، واصطلحوا على ذلك وعاد صلاح الدين عنه إلى الشام، وعاد ~~نور الدين إلى بلاده، فلما انقضت المدة أخرج نور الدين المغنية عنه، فتوجهت ~~إلى بغداد، وأقامت بها إلى أن ماتت. # ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني # وفيها قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني بعد فراغه من أمر قلج أرسلان، ~~وسبب ذلك أن ابن ليون الأرمني كان قد استمال قوما من التركمان وبذل لهم ~~الأمان، فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده. وهي بلاد حصينة كلها حصون ~~منيعة، والدخول إليها صعب، لأنها مضايق وجبال وعرة، ثم غدر بهم وسبى ~~حريمهم، وأخذ أموالهم، وأسر رجالهم بعد أن قتل منهم من حان أجله. # ونزل صلاح الدين على النهر الأسود، وبث الغارات على بلاده، فخاف ابن ليون ~~على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ فخربه وأحرقه، فسمع صلاح الدين بذلك، فأسرع ~~السير إليه، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات، فغنمها، وانتفع ~~المسلمون بما غنموه، فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق من عنده من الأسرى والسبي ~~وإعادة أموالهم على أن يعودوا عن بلاده، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، واستقر ~~الحال، وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم، وعاد صلاح الدين عنه في جمادى الآخرة. # PageV09P449 # ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه # في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى إفريقية، وملك قفصة. # وكان سبب ذلك أن صاحبها علي بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى ~~إفريقية واستيلاءهم على بعضها، وانقياد العرب إليهم، طمع أيضا في الاستبداد ~~والانفراد عن يوسف وكان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العصيان، ~~ووافقه أهل قفصة، فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب، ~~وكان ذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، فأرسل والي بجاية إلى يوسف ~~بن عبد المؤمن يخبره ms4192 باضطراب أمور البلاد، واجتماع كثير من العرب إلى ~~قراقوش التركي الذي دخل إلى إفريقية وقد تقدم ذكر ذلك وما جرى في قفصة من ~~قتل الموحدين ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك، فشرع في سد الثغور التي ~~يخافها بعد مسيره، فلما فرغ من جميع ذلك تجهز العسكر وسار إلى إفريقية سنة ~~خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر، وهي بلدة حصينة، ~~وأهلها أنجاد، وقطع شجرها. # فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلها، خرج منها مستخفيا لم يعرف به أحد من ~~أهل قفصة ولا من عسكره، وسار إلى خيمة يوسف، وعرف حاجبه أنه قد حضر إلى ~~أمير المؤمنين يوسف، فدخل الحاجب وأعلم يوسف بوصول صاحب قفصة إلى باب ~~خيمته، فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد، وأمر بإدخاله عليه، ~~فدخل وقبل يده، وقال: قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي، ~~وأن يفعل ما هو أهله، واعتذر، فرق له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد وتسلم ~~المدينة أول سنة ست وسبعين وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب، فكان ~~فيها مكرما عزيزا، وأقطعه ولاية كبيرة، ورتب يوسف لقفصة طائفة من أصحابه ~~الموحدين، وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند يوسف أيضا، فعفا عنه وسيره ~~إلى مراكش، وسار يوسف إلى المهدية، فأتاه بها رسول ملك الفرنج، صاحب صقلية، # PageV09P450 # يلتمس منه الصلح، فهادنه عشر سنين، وكانت بلاد إفريقية مجدبة فتعذر على ~~العسكر القوت وعلف الدواب، فسار إلى المغرب مسرعا، والله أعلم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة توفي شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، أخو صلاح الدين الأكبر، ~~بالإسكندرية، وكان قد أخذها من أخيه إقطاعا، فأقام بها فتوفي، وكان له أكثر ~~بلاد اليمن، ونوابه هنالك يحملون إليه الأموال من زبيد، وعدن، وما بينهما ~~من البلاد والمعاقل، وكان أجود الناس وأسخاهم كفا يخرج كل ما يحمل إليه من ~~أموال اليمن، ودخل الإسكندرية، وحكمه في بلاد أخيه صلاح الدين وأمواله ~~نافذ، ومع هذا، فلما مات كان عليه نحو مائتي ألف دينار ms4193 مصرية دينا، فوفاها ~~أخوه صلاح الدين عنه لما دخل إلى مصر، فإنه لما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر ~~في شعبان من السنة، واستخلف بالشام عز الدين فرخشاه ابن أخيه شاهنشاه، وكان ~~عاقلا حازما شجاعا. # [الوفيات] وفيها توفي الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصفهاني ~~بالإسكندرية، وكان حافظ الحديث وعالما به سافر في طلب الكثير. # وتوفي أيضا في المحرم علي بن عبد الرحيم المعروف بابن العصار اللغوي ~~ببغداد، وسمع الحديث وكان من أصحاب ابن الجواليقي. # PageV09P451 ### | [ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة] ### | 577 - # ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة # ذكر غزاة إلى بلد الكرك من الشام # في هذه السنة سار فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق إلى أعمال كرك ونهبها. # وسبب ذلك أن البرنس أرناط، صاحب الكرك، كان من شياطين الفرنج ومردتهم، ~~وأشدهم عداوة للمسلمين، فتجهز، وجمع عسكره ومن أمكنه الجمع، وعزم على ~~المسير في البر إلى تيماء، ومنها إلى مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للاستيلاء على تلك النواحي الشريفة فسمع عز الدين فرخشاه ذلك، فجمع العساكر ~~الدمشقية وسار إلى بلده ونهبه وخربه، وعاد إلى طرف بلادهم، وأقام بها ليمنع ~~البرنس من بلاد الإسلام، فامتنع بسببه من مقصده، فلما طال مقام كل واحد ~~منهما في مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى يفرق جمعه، ~~ففرقهم وانقطع طمعه من الحركة، فعاد فرخشاه إلى دمشق، وكفى الله المؤمنين ~~شر الكفار. # ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله # كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ الكناني ينوب عن شمس الدولة أخي ~~صلاح الدين باليمن وتحكم في الأموال والبلاد بعد أن فارقها شمس الدولة، كما ~~ذكرنا، وكان هواه بالشام لأنه وطنه، فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن له في ~~المجيء إليه، فأذن له في المجيء، فاستناب بزبيد أخاه حطان بن كامل بن منقذ ~~الكناني، وعاد إلى شمس الدولة، وكان معه بمصر، فمات شمس الدولة، وبقي مع # PageV09P452 # صلاح الدين فقيل عنه: إنه أخذ أموال اليمن وادخرها، وسعى به أعداؤه، فلم ~~يعارضه ms4194 صلاح الدين. # فلما كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة طعاما وعمل دعوة ~~كبيرة. ودعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية تسمى العدوية، وأرسل أصحابه ~~يتجهزون من البلد، ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها، فقيل لصلاح ~~الدين إن ابن منقذ يريد الهرب، وأصحابه يتزودون له، ومتى دخل اليمن أخرجه ~~عن طاعتك، فأرسل صلاح الدين فأخذه والناس عنده وحبسه، فلما سمع صلاح الدين ~~جلية الحال علم أن الحيلة تمت لأعدائه في قبضه، فخفف ما كان عنده عليه، ~~وسهل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصرية، سوى ما لحقها من الحمل لإخوة ~~صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته، وكان أديبا شاعرا. # ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن # في هذه السنة سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه، ~~والي مصر، إلى اليمن للاختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة، وهم عز ~~الدين عثمان بن الزنجيلي، والي عدن، وحطان بن منقذ [والي] زبيد وغيرهما، ~~فإنهم لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان ~~حرب، وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده، واشتد الأمر، فخاف ~~صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فيها بسبب الاختلاف بين أصحابه وأن يخرجوهم ~~من البلاد، فأرسل هؤلاء إليها، واستولى قتلغ أبه على زبيد وأزال حطان عنها. # ثم مات قتلغ أبه، فعاد حطان إلى إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته. # PageV09P453 # ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب # في هذه السنة، في رجب، توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود ~~صاحب حلب بها، وعمره نحو تسع عشرة سنة، ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب ~~الخمر للتداوي، فقال: لا أفعل حتى أستفتي الفقهاء، فاستفتى، فأفتاه فقيه من ~~مدرسي الحنفية بجواز ذلك، فقال له: أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل ~~أيؤخره شرب الخمر؟ فقال [له] الفقيه: لا! فقال: والله لا لقيت الله سبحانه ~~وقد استعملت ما حرمه علي، ولم يشربها. ms4195 # فلما أيس من نفسه، أحضر الأمراء، وسائر الأجناد، ووصاهم بتسليم البلد إلى ~~ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال له ~~بعضهم: إن عماد [الدين] ابن عمك أيضا، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ~~ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح، ~~وعز الدين له [من البلاد] من الفرات إلى همذان، ولا حاجة به إلى بلدك، فقال ~~له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد ~~الشام سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها ~~صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها ~~بكثرة عساكره وبلاده. # فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه. # ثم مات، وكان حليما كريما، عفيف اليد والفرج واللسان، ملازما للدين، لا # PageV09P454 # يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب خمر أو غيره، حسن السيرة ~~في رعيته عادلا فيهم. # ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب، فسار ~~هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات، وأرسل فأحضر الأمراء عنده من حلب، ~~فحضروا، وساروا جميعا إلى حلب، ودخلها في العشرين من شعبان، وكان صلاح ~~الدين حينئذ بمصر، ولولا ذلك لزاحمهم عليها وقاتلهم، فلما اجتاز في طريقه ~~إليها من الفرات كان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين بمدينة منبج، فسار ~~عنها هاربا إلى حماة، وثار أهل حماة، ونادوا بشعار عز الدين، فأشار عسكر ~~حلب على عز الدين بقصد دمشق، وأطمعوه فيها وفي غيرها من بلاد الشام، ~~وأعلموه محبة أهلها له ولأهل بيته، فلم يفعل، وقال: بيننا يمين فلا نغدر ~~به، وأقام بحلب عدة شهور، ثم سار عنها إلى الرقة.] # ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين وأخذ سنجار عوضا عنها # لما وصل عز الدين إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين، صاحب سنجار، يطلب ~~أن يسلم إليه حلب ويأخذ عوضا عنها ms4196 مدينة سنجار. فلم يجبه إلى ذلك، ولج عماد ~~الدين، وقال: إن سلمتم إلي حلب. وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين، فأشار ~~حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه، وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين ~~قايماز، فلم يمكن عز الدين مخالفته لتمكنه في الدولة، وكثرة عساكره وبلاده، ~~وإنما حمل مجاهد الدين على ذلك خوفه من عز الدين، لأنه عظم في نفسه، وكثر ~~معه العسكر. # وكان الأمراء الحلبيون لا يلتفون إلى مجاهد الدين، ولا يسلكون معه من ~~الأدب ما يفعله عسكر الموصل، فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين ~~وأخذ سنجار عوضا # PageV09P455 # عنها، فسار عماد الدين فتسلمها، وسلم سنجار إلى أخيه، وعاد إلى الموصل. # وكان صلاح الدين بمصر قد بلغه خبر ملك عز الدين حلب، فعظم الأمر عليه، ~~وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها، ويملك الجميع، وأيس من حلب، فلما بلغه ~~خبر ملك عماد الدين لها برز من يومه وسار إلى الشام، وكان من الوهن على ~~دولة عز الدين ما نذكره إن شاء الله. # ذكر حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومصير صاحبها مع صلاح الدين # كانت قلعة البيرة، وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة، لشهاب الدين ~~الأرتقي، وهو ابن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن ~~أرتق صاحب ماردين، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام، فمات ~~شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب ~~الموصل. # فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن يأذن له ~~في حصر البيرة وأخذها، فأذن له في ذلك، فسار في عسكره إلى قلعة سميساط، وهي ~~له، ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، إلا ~~أنهم لازموا الحصار، فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ديار مصر، على ~~ما نذكره، يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارديني عنه، ويكون هو في ~~خدمته، كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، ms4197 وأرسل رسولا إلى ~~صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته. # واشتغل صلاح الدين بما نذكره من الفرنج، فلما رأى صاحب ماردين طول مقام # PageV09P456 # عسكره على البيرة، ولم يبلغوا منها غرضا، أمرهم بالرحيل عنها، وعاد إلى ~~ماردين، فسار صاحبها إلى صلاح الدين، وكان معه حتى عبر معه الفرات، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة ~~الخمور، وأخذ المفسدات، فبينما امرأة منهن في موضع، علمت بمجيء أصحاب حاجب ~~الباب. فاضطجعت، وأظهرت أنها مريضة، وارتفع أنينها، فرأوها على تلك الحال، ~~فتركوها وانصرفوا، فاجتهدت بعدهم أن تقوم. فلم تقدر، وجعلت تصيح: الكرب ~~الكرب، إلى أن ماتت. وهذا من أعجب ما يحكى. # [الوفيات] وفيها، عاشر ذي الحجة، توفي الأمير همام الدين تتر، صاحب قلعة ~~تكريت بالمزدلفة، كان قد استخلف الأمير عيسى ابن أخي مودود وحج، فتوفي، ~~ودفن بالمعلى مقبرة مكة. # وفيها، في شعبان، توفي عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد أبو البركات ~~النحوي المعروف بابن الأنباري ببغداد، وله تصانيف حسنة في النحو، وكان ~~فقيها صالحا. # وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن مهران الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر، ~~وكان فاضلا كثير الورع. # PageV09P457 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة] ### | 578 - # ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة # ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج # في هذه السنة، خامس المحرم، سار صلاح الدين عن مصر إلى الشام، ومن عجيب ~~ما يحكى من التطير أنه لما برز من القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر ~~والناس عنده، وأعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب، فمن بين مودع له وسائر ~~معه، وكل منهم يقول شيئا في الوداع والفراق، وما هم بصدده من السفر، وفي ~~الحاضرين معلم لبعض أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد: # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # فانقبض صلاح الدين بعد انبساطه وتطير، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم ~~يعد إليها إلى أن مات مع طول ms4198 المدة. # ثم سار عن مصر وتبعه من التجار وأهل البلاد، ومن كان قصد مصر من الشام ~~بسبب الغلاء بالشام وغيره، عالم كثير، فلما سار جعل طريقه على أيلة فسمع أن ~~الفرنج قد جمعوا له ليحاربوه ويصدوه عن المسير، فلما قارب بلادهم في ~~العساكر المقاتلة لا غير، فشن الغارات بأطراف بلادهم، وأكثر ذلك ببلد الكرك ~~والشوبك، فلم يخرج إليه منهم أحد، ولا أقدم على الدنو منه، ثم سار فأتى ~~دمشق، فوصلها حادي عشر صفر من السنة. # PageV09P458 # ذكر ملك المسلمين شقيفا من الفرنج # في هذه السنة أيضا، في صفر، فتح المسلمون بالشام شقيفا من الفرنج، يعرف ~~بحبس جلدك، وهو من أعمال طبرية، مطل على السواد. # وسبب فتحه أن الفرنج لما بلغهم مسير صلاح الدين من مصر إلى الشام جمعوا ~~له، وحشدوا الفارس والراجل، واجتمعوا بالكرك، بالقرب من الطريق، لعلهم ~~ينتهزون فرصة، أو يظفرون بنصرة، وربما عاقوا المسلمين عن المسير بأن يقفوا ~~على بعض المضايق، فلما فعلوا ذلك خلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه ~~الخبر، فجمع من عنده من عساكر الشام، ثم قصد بلاد الفرنج وأغار عليها، ونهب ~~دبورية وما يجاورها من القرى، وأسر الرجال وقتل فيهم وأكثر وسبى النساء، ~~وغنم الأموال، وفتح منهم الشقيف، وكان على المسلمين منه أذى شديد، ففرح ~~المسلمون بفتحه فرحا عظيما، وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة، فلقيه في ~~الطريق، ففت ذلك في عضد الفرنج، وانكسرت شوكتهم. # ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه # في هذه السنة سير صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغدكين إلى بلاد اليمن، ~~وأمره بتملكها وقطع الفتن بها، وفوض إليه أمرها، وكان بها حطان بن منقذ، ~~كما ذكرناه قبل. وكتب عز الدين عثمان الزنجيلي متولي عدن إلى صلاح الدين ~~يعرفه باختلال البلاد، ويشير بإرسال بعض أهله إليها،، لأن حطان كان قوي ~~عليه، فخافه عثمان، فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام وسيره إلى بلاد ~~اليمن، فوصل إلى # PageV09P459 # زبيد، فخافه حطان بن منقذ واستشعر منه، وتحصن في بعض القلاع، فلم يزل به ~~سيف الإسلام يؤمنه ms4199 ويهدي إليه ويتلطفه حتى نزل إليه، فأحسن صحبته، واعتمد ~~معه ما لم يكن يتوقعه من الإحسان، فلم يثق حطان به، وطلب منه دستورا ليقصد ~~الشام، فامتنع من إجابته إظهارا للرغبة في كونه عنده، فلم يزل حطان يراجعه ~~حتى أذن له، فأخرج أثقاله، وأمواله، ودوابه، وأهله، وأصحابه، وكل ما له، ~~وسير الجميع بين يديه. # فلما كان الغد دخل على سيف الإسلام ليودعه، فقبض عليه واسترجع جميع ماله ~~فأخذه عن آخره لم يسلم منه قليل ولا كثير، ثم سجنه في بعض القلاع، وكان آخر ~~العهد به، فقيل إنه قتله، وكان في جملة ما أخذ منه من الأموال الذهب العين ~~في سبعين غلافا زردية مملوءة عينا. # وأما عز الدين عثمان الزنجيلي فإنه لما سمع ما جرى على حطان خاف فسار نحو ~~الشام خائفا يترقب، وسير معظم أمواله في البحر، فصادفهم مراكب فيها أصحاب ~~سيف الإسلام، فأخذوا كل ما لعز الدين، ولم يبق له إلا ما صحبه في الطريق، ~~وصفت زبيد وعدن وما معهما من البلاد لسيف الإسلام. # ذكر إغارة صلاح الدين على الغور وغيره من بلاد الفرنج # لما وصل صلاح الدين إلى دمشق، كما ذكرناه، أقام أياما يريح ويستريح هو ~~وجنده، ثم سار إلى بلاد الفرنج في ربيع الأول، فقصد طبرية، فنزل بالقرب ~~منها، وخيم في الأقحوانة من الأردن، وجاءت الفرنج بجموعها فنزلت بطبرية، ~~فسير صلاح الدين فرخشاه ابن أخيه إلى بيسان، فدخلها قهرا، وغنم ما فيها، ~~وقتل وسبى، وجحف الغور غارة شعواء، فعم أهله قتلا وأسرا. وجاءت العرب ~~فأغارت على جينين واللجون وتلك الولاية، حتى قاربوا مرج عكا. # وسار الفرنج من طبرية، فنزلوا تحت جبل كوكب، فتقدم صلاح الدين إليهم، # PageV09P460 # وأرسل العساكر عليهم يرمونهم بالنشاب، فلم يبرحوا، ولم يتحركوا لقتال، ~~فأمر ابني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه، فحملا على الفرنج فيمن ~~معهما، فقاتلوا قتالا شديدا، ثم إن الفرنج انحازوا على حاميتهم فنزلوا ~~غفربلا، فلما رأى صلاح الدين ما قد أثخن فيهم وفي بلادهم عاد عنهم إلى ~~دمشق. # ذكر حصر بيروت ms4200 # ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت، فنهب بلدها، وكان قد أمر الأسطول المصري ~~بالمجيء في البحر إليها، فساروا ونازلوها، وأغاروا عليها وعلى بلدها، وسار ~~صلاح الدين فوافاهم ونهب ما لم يصل الأسطول إليه، وحصرها عدة أيام. وكان ~~عازما على ملازمتها إلى أن يفتحها، فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى ~~بطسة للفرنج فيها جمع عظيم منهم إلى دمياط، وكانوا قد خرجوا لزيارة البيت ~~المقدس، فأسروا من بها إلى أن غرق منهم كثير فكان عدة الأسرى ألفا وستمائة ~~وستة وسبعين أسيرا، فضربت بذلك البشائر. # ذكر عبور صلاح الدين الفرات وملكه ديار الجزيرة # في هذه السنة عبر صلاح الدين الفرات إلى الديار الجزرية وملكها. # PageV09P461 # وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وهو مقطع حران ~~كان قد أقطعه إياها عز الدين أتابك، المدينة والقلعة، ثقة به واعتمادا ~~عليه، أرسل إلى صلاح الدين وهو يحاصر بيروت يعلمه أنه معه محب لدولته، ~~ووعده النصرة له إذا عبر الفرات، ويطمعه في البلاد ويحثه على الوصول إليها، ~~فسار صلاح الدين عن بيروت، ورسل مظفر الدين تترى إليه يحثه على المجيء، فجد ~~صلاح الدين السير مظهرا أنه يريد حصر حلب سترا للحال. # فلما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين فعبر الفرات واجتمع به وعاد معه ~~فقصد البيرة، وهي قلعة منيعة على الفرات من الجانب الجزري، وكان صاحبها قد ~~سار مع صلاح الدين، وفي طاعته، وقد ذكرنا سبب ذلك قبل، فعبر هو وعسكره ~~الفرات على الجسر الذي عند البيرة. # وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى ~~الشام قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين ليكونا على أهبة واجتماع لئلا يتعرض ~~صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا، فنزلا عندها، فجاءهما أمر لم يكن ~~في الحساب، فلما بلغهما عبور صلاح الدين الفرات عادا إلى الموصل وأرسلا إلى ~~الرها عسكرا يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوي طمعه في البلاد، ~~ولما عبر صلاح الدين الفرات كاتب الملوك ms4201 أصحاب الأطراف ووعدهم، وبذل لهم ~~البذول على نصرته، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن، إلى ~~ما طلب منه، لقاعدة كانت استقرت بينهما لما كان نور الدين عنده بالشام، ~~فإنه استقر الحال أن صلاح الدين يحصر آمد ويملكها، ويسلمها إليه. # وسار صلاح الدين إلى مدينة الرها، فحصرها في جمادى الأولى، وقاتلها أشد ~~قتال. فحدثني بعض من كان بها من الجند أنه عد في غلاف رمح أربعة عشر خرقا ~~وقد خرقته السهام. # ووالى الزحف عليها، وكان حينئذ مقطعها، وهو الأمير فخر الدين مسعود # PageV09P462 # ابن الزعفراني، فحيث رأى شدة القتال أذعن إلىالتسليم، وطلب الأمان وسلم ~~البلد، وصار في خدمة صلاح الدين، فلما ملك المدينة زحف إلى القلعة، فسلمها ~~إليه الدزدار الذي بها على مال أخذه، فلما ملكها سلمها إلى مظفر الدين مع ~~حران، ثم سار عنها، على حران، إلى الرقة، فلما وصل إليها كان بها مقطعها ~~قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، فسار عنها إلى عز الدين أتابك، وملكها ~~صلاح الدين وسار إلى الخابور، قرقيسيا، وماكسين وعرايان، فملك جميع ذلك. # فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين، فملك المدينة لوقتها، ~~وبقيت القلعة، فحصرها عدة أيام، فملكها أيضا، وأقام بها ليصلح شأنها، ثم ~~أقطعها أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين، وسار عنها ومعه نور ~~الدين صاحب الحصن. # وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق، ونهبوا القرى، ووصلوا إلى داريا، ~~وأرادوا تخريب جامعها، فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى يقول ~~لهم: إذا خربتم الجامع جددنا عمارته، وخربنا كل بيعة لكم في بلادنا، ولا ~~نمكن أحدا من عمارتها، فتركوه، ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين بذلك أشار ~~عليه من يتعصب لعز الدين بالعود، فقال: يخربون قرى ونملك عوضها بلادا، ~~ونعود نعمرها، ونقوى على قصد بلادهم، ولم يرجع فكان كما قال. # ذكر حصر صلاح الدين الموصل # لما ملك صلاح الدين نصيبين، جمع أمراءه وأرباب المشورة عنده واستشارهم ~~بأي البلاد يبدأ، وأيها يقصد، بالموصل أم بسنجار أم بجزيرة ابن عمر، ~~فاختلفت آراؤهم، ms4202 فقال له مظفر الدين كوكبري بن زين الدين: لا ينبغي أن يبدأ ~~بغير الموصل، فإنها في أيدينا لا مانع لها، فإن عز الدين ومجاهد الدين متى ~~سمعا بمسيرنا إليها # PageV09P463 # تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبلية. # ووافقه ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه، وكان قد بذل لصلاح الدين مالا ~~كثيرا ليقطعه الموصل إذا ملكها. وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك، فأشار بهذا ~~الرأي لهواه، فسار صلاح الدين إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد ~~الدين قد جمعا بالموصل العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل، وأظهرا من ~~السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار، وبذلا الأموال الكثيرة، وأخرج ~~مجاهد الدين من ماله كثيرا، واصطلى الأمور بنفسه، فأحسن تدبيرها، وشحنوا ما ~~بقي بأيديهم من البلاد، كالجزيرة وسنجار وإربل وغيرها من البلاد، بالرجال ~~والسلاح والأموال. # وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره، وانفرد هو ومظفر الدين وابن ~~عمه ناصر الدين شيركوه، ومعهما نفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فلما ~~قربوا رآه وحققه، فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه، فإنه رأى بلدا ~~عظيما كبيرا، ورأى السور والفصيل قد ملئا من الرجال، وليس فيه شرافة إلا ~~وعليها رجل يقاتل سوى من عليه من عامة البلد المتفرجين، فلما رأى ذلك علم ~~أنه لا يقدر على أخذه، وأنه يعود خائبا، فقال لناصر الدين ابن عمه: إذا ~~رجعنا إلى المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول. فقال ناصر ~~الدين: قد رجعت عما بذلت من المال، فإن هذا البلد لا يرام. فقال له ولمظفر ~~الدين: غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع، ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل ~~أخذا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا ومتى نازلناه، وعدنا منه، ينكسر ناموسنا ~~ويفل حدنا وشوكتنا. # ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، وكان نزوله عليه في رجب، فنازله وضايقه، ~~ونزل محاذي باب كندة، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر، وأنزل أخاه تاج الملوك ~~عند الباب العمادي، وأنشب القتال، فلم يظفر، وخرج إليه يوما بعض العامة ~~فنالوا منه، ولم يمكن ms4203 عز الدين ومجاهد الدين أحدا من العسكر [أن] يخرجوا ~~لقتال بل ألزموا الأسوار، ثم إن تقي الدين أشار على عمه صلاح الدين بنصب ~~منجنيق، فقال: مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق، ومتى نصبناه أخذوه، ولو ~~خربنا برجا وبدنة من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير؟ فألح ~~تقي الدين وقال: نجربهم به، فنصب منجنيقا، فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق، ~~وخرج جماعة من العامة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير، فأخذ بعض العامة لالكة ~~من رجليه، فيها المسامير الكثيرة، ورمى بها # PageV09P464 # أميرا يقال له جاولي الأسدي، مقدم الأسدية وكبيرهم، فأصاب صدره، فوجد ~~لذلك ألما شديدا، وأخذ اللالكة وعاد عن القتال إلى صلاح الدين وقال: قد ~~قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها، وألقى اللالكة، وحلف أنه لا ~~يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه. # ثم إن صلاح الدين رحل من قرب البلد، ونزل متأخرا، خوفا من البيات، فإنه ~~لقربه كان لا يأمن ذلك، وكان سببه أيضا أن مجاهد الدين أخرج في بعض الليالي ~~جماعة من باب السر الذي للقلعة، ومعهم المشاعل، فكان أحدهم يخرج من الباب ~~وينزل إلى دجلة، مما يلي عين الكبريت، ويطفئ المشعل، فرأى العسكر الناس ~~يخرجون، فلم يشكوا في الكبسة، فحملهم ذلك على الرحيل والتأخر ليتعذر البيات ~~على أهل الموصل. # وكان صدر الدين شيخ الشيوخ - رحمه الله - قد وصل إليه، قبل نزوله على ~~الموصل، ومعه بشير الخادم، وهو من خواص الخليفة الناصر لدين الله، في ~~الصلح، فأقاما معه على الموصل، وترددت الرسل إلى عز الدين ومجاهد الدين في ~~الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم، فأجاب صلاح الدين إلى ~~ذلك بشرط أن تسلم إليه حلب، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين، ثم نزل عن ذلك، ~~وأجاب إلى تسليم البلاد بشرط أن يتركوا إنجاد صاحب حلب عليه، فلم يجيبوه ~~إلى ذلك أيضا، وقال عز الدين: هو أخي وله العهود والمواثيق ولا يسعني ~~نكثها. # ووصلت أيضا رسل قزل أرسلان صاحب أذربيجان، ورسل شاه أرمن صاحب خلاط، ms4204 في ~~المعنى، فلم ينتظم أمر ولا تم صلح، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من ~~الموصل غرضا، ولا يحصل على غير العناء والتعب، وأن من بسنجار من العساكر ~~الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره وأصحابه، سار من الموصل إليها. # PageV09P465 # ذكر ملكه مدينة سنجار # لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار، سير مجاهد الدين إليها عسكرا ~~قوة لها ونجدة، فسمع بهم صلاح الدين، فمنعهم من الوصول إليها، وأوقع بهم، ~~وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها، وكان بها شرف الدين أمير أميران ~~هندوا أخو عز الدين، صاحب الموصل، في عسكر معه، فحصر البلد وضايقه، وألح في ~~قتاله، فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية، وخامر معه، وأشار ~~بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد، فطرقه صلاح الدين ليلا ~~فسلم إليه ناحيته، فملك الباشورة لا غير. فلما سمع شرف الدين الخبر استكان ~~وخضع، وطلب الأمان، فأمن، ولو قاتل على تلك الناحية لأخرج العسكر الصلاحي ~~عنها، ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها، ولكنه عجز، فلما طلب الأمان أجابه ~~صلاح الدين إليه، فأمنه وملك البلد. # وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل، واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك ~~سنجار، فإنه كان قصد أن يسترده المواصلة إذا فارقه، لأنه لم يكن فيه حصن ~~غير الرها، فلما ملك سنجار صارت على الجميع كالسور، واستناب بها سعد الدين ~~بن معين الدين أنز، وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى. # ذكر عود صلاح الدين إلى حران # لما ملك صلاح الدين سنجار وقرر قواعدها سار إلى نصيبين، فلقيه أهلها ~~شاكين من أبي الهيجاء السمين، باكين من ظلمه، متأسفين على دولة عز الدين ~~وعدله فيهم، فلما سمع ذلك أنكر على أبي الهيجاء ظلمه، وعزله عنهم، وأخذه ~~معه، وسار إلى حران، وفرق عساكره ليستريحوا، وبقي جريدة في خواصه وثقات ~~أصحابه، وكان وصوله إليها أوائل ذي القعدة من السنة. # PageV09P466 # ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن # في هذه السنة، في ذي الحجة، اجتمع أتابك عز الدين، صاحب الموصل، ms4205 وشاه ~~أرمن صاحب خلاط، على قتال صلاح الدين. # وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه أرمن يستنجده ويستنصره على صلاح ~~الدين، فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة إليه بالكف عن ~~الموصل وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه إلى ذلك، وغالطه، فأرسل إليه أخيرا ~~مملوكه سيف الدين بكتمر الذي ملك خلاط بعد شاه أرمن، فأتاه وهو يحاصر سنجار ~~يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها، وقال له: إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ~~ومحاربته، فأبلغه بكتمر الشفاعة، فسوفه في الجواب رجاء أن يفتحها، فلما رأى ~~بكتمر ذلك أبلغه الرسالة الثانية بالتهديد، وفارقه غضبان، ولم يقبل منه ~~خلعة ولا صلة، وأخبر صاحبه الخبر، وخوفه عاقبة الإهمال والتواني عن صلاح ~~الدين، فسار شاه أرمن من خلاط، وكان مخيما بظاهرها، وسار إلى ماردين، ~~وصاحبها حينئذ قطب الدين بن نجم الدين ألبي، وهو ابن أخت شاه أرمن، وابن ~~خال عز الدين وحموه، لأن عز الدين كان قد زوج ابنته قطب الدين، وحضر مع شاه ~~أرمن دولة شاه صاحب بدليس وأرزن، وسار أتابك عز الدين من الموصل في عسكره ~~جريدة من الأثقال. # وكان صلاح الدين قد ملك سنجار، وسار عنها إلى حران، وفرق عساكره، فلما ~~سمع باجتماعهم سير إلى تقي الدين ابن أخيه، وهو بحماة، يستدعيه، فوصل إليه ~~مسرعا، وأشار عليه بالرحيل وحذره منه آخرون، وكان هوى صلاح الدين في ~~الرحيل، فرحل إلى رأس عين، فلما سمعوا برحيله تفرقوا، فعاد شاه أرمن إلى ~~خلاط، واعتذر بأنني أجمع العساكر وأعود، ورجع عز الدين إلى الموصل، وأقام ~~قطب الدين بماردين، وسار صلاح الدين فنزل بحرزم تحت ماردين عدة أيام. # PageV09P467 # ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب # في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولا، وفرغ منه بالكرك، ولم يبق ~~إلا جمع قطعه بعضها إلى بعض، وحملها إلى بحر أيلة، وجمعها في أسرع وقت. # وفرغ منها وشحنها بالمقاتلة وسيرها، فساروا في البحر، وافترقوا فرقتين: ~~فرقة أقامت على حصن أيلة وهو للمسلمين يحصرونه، ويمنع أهله من ms4206 ورود الماء، ~~فنال أهله شدة شديدة وضيق عظيم، أما الفرقة الثانية فإنهم ساروا نحو عيذاب، ~~وأفسدوا في السواحل، ونهبوا وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ومن فيها ~~من التجار، وبغتوا الناس في بلادهم على حين غفلة منهم، فإنهم لم يعهدوا ~~بهذا البحر فرنجيا قط لا تاجرا ولا محاربا. # وكان بمصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب ينوب عن أخيه صلاح الدين، فعمر ~~أسطولا وسيره، وفيه جمع كثير من المسلمين، ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ، وهو ~~متولي الأسطول بديار مصر، وكان مظفرا فيه، شجاعا، كريما، فسار لؤلؤ مجدا في ~~طلبهم، فابتدأ بالذين على أيلة فانقض عليهم انقضاض العقاب على صيدها، ~~فقاتلهم، فقتل بعضهم، وأسر الباقي، وسار من وقته بعد الظفر يقص أثر الذين ~~قصدوا عيذاب، فلم يرهم، وكانوا قد أغاروا على ما وجدوه بها، وقتلوا من لقوه ~~عندها، وساروا إلى غير ذلك المرسى ليفعلوا كما فعلوا فيه، وكانوا عازمين ~~على الدخول إلى الحجاز مكة والمدينة - حرسهما الله تعالى - وأخذ الحاج ~~ومنعهم عن البيت الحرام، والدخول بعد ذلك إلى اليمن. # فلما وصل لؤلؤ إلى عيذاب ولم يرهم سار يقفو أثرهم، فبلغ رابغ وساحل ~~الجوزاء وغيرهما، فأدركهم بساحل الجوزاء، فأوقع بهم هناك، فلما رأوا العطب ~~وشاهدوا الهلاك خرجوا إلى البر، واعتصموا ببعض تلك الشعاب، فنزل لؤلؤ من ~~مراكبه إليهم، وقاتلهم أشد قتال، وأخذ خيلا من الأعراب الذين هناك، فركبها، ~~وقاتلهم فرسانا ورجالة، فظفر بهم وقتل أكثرهم، وأخذ الباقين أسرى، وأرسل ~~بعضهم # PageV09P468 # إلى منى لينحروا بها عقوبة لمن رام إخافة حرم الله تعالى وحرم رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعاد بالباقين إلى مصر، فقتلوا جميعهم. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] في هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي عز الدين فرخشاه ابن أخي ~~صلاح الدين، وكان ينوب عنه بدمشق، وهو ثقته من أهله، وكان اعتماده عليه ~~أكثر من جميع أهله وأمرائه، وكان شجاعا، كريما، فاضلا، عالما بالأدب وغيره، ~~وله شعر جيد من بين أشعار الملوك. # وكان ابتداء مرضه أنه خرج من دمشق إلى غزو الفرنج، فمرض، وعاد ms4207 مريضا ~~فمات، ووصل خبر موته إلى صلاح الدين، وقد عبر الفرات إلى الديار الجزرية، ~~فأعاد شمس الدين محمد بن المقدم إلى دمشق ليكون مقدما على عسكرها. # وفيها مات فخر الدولة أبو المظفر الحسن بن هبة الله بن المطلب. كان أبوه ~~وزير الخليفة وأخوه أستاذ الدار، فتصوف هو من زمن الصبا، وبنى مدرسة ورباطا ~~ببغداد عند عقد المصطنع، وبنى جامعا بالجانب الغربي منها. # وفيها توفي الأمير أبو منصور هاشم ولد المستضيء بأمر الله ودفن عند أبيه. # وفيها توفي أبو العباس أحمد بن علي بن الرفيعي من سواد واسط، وكان صالحا ~~ذا قبول عظيم عند الناس وله من التلامذة ما لا يحصى. # PageV09P469 ### | [ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة] ### | 579 - # ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة # ذكر ملك صلاح الدين آمد وتسليمها إلى صاحب الحصن # قد ذكرنا نزول صلاح الدين بحرزم، تحت ماردين، فلم ير لطمعه وجها، وسار ~~عنها إلى آمد، على طريق البارعية، وكان نور الدين محمد بن قرا أرسلان ~~يطالبه في كل وقت بقصدها وأخذها وتسليمها إليه، على ما استقرت القاعدة ~~بينهما، فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ونازلها، وأقام ~~يحاصرها. # وكان المتولي لأمرها والحاكم فيها بهاء الدين بن نيسان، وكان صاحبها ليس ~~له من الأمر شيء مع ابن نيسان، فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان ~~التدبير، ولم يعط الناس من الذخائر شيئا، ولا فرق فيهم دينارا ولا قوتا، ~~وقال لأهل البلد: قاتلوا عن نفوسكم. فقال له بعض أصحابه: ليس العدو بكافر ~~حتى يقاتلوا عن نفوسهم. فلم يفعل شيئا. وقاتلهم صلاح الدين، ونصب المجانيق، ~~وزحف إليها، وهي الغاية في الحصانة والمنعة، بها وبسورها يضرب المثل، وابن ~~نيسان على حاله من الشح بالمال، وتصرفه تصرف من ولت سعادته وأدبرت دولته، ~~فلما رأى الناس ذلك منه تهاونوا بالقتال، وجنحوا إلى السلامة. # وكانت أيام ابن نيسان قد طالت، وثقلت على أهل البلد لسوء صنيعهم وملكتهم ~~وتضييقهم عليهم في مكاسبهم، فالناس كارهون لها، محبون لانقراضها. وأمر صلاح ~~الدين أن ms4208 يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه، ~~ويتهددهم إن قاتلوه، فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا، وأحبوا ملكه وتركوا ~~القتال، فوصل النقابون إلى السور، فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند وأهل ~~البلد ذلك طمعوا # PageV09P470 # في ابن نيسان واشتطوا في المطالب. # فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل، وزير صلاح ~~الدين، يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله، وأن يؤخره ثلاثة أيام حتى ~~ينقل ما له بالبلد من الأموال والذخائر، فسعى له الفاضل في ذلك، فأجابه ~~صلاح الدين إليه، فسلم البلد في العشر الأول من المحرم هذه السنة، وأخرج ~~خيمه إلى ظاهر البلد، ورام نقل ماله، فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه عن أصحابه، ~~واطراحهم أمره ونهيه، فأرسل إلى صلاح الدين يعرفه الحال، ويسأله مساعدته ~~على ذلك، فأمده بالدواب والرجال، فنقل البعض وسرق البعض وانقضت الأيام ~~الثلاثة قبل الفراغ فمنع من الباقي. # وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر، فتركها بحالها، ولو أخرج ~~البعض منها لحفظ البلد وسائر نعمه وأمواله، ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ ~~أسبابه، فلما تسلمها صلاح الدين سلمها نور الدين إلى صاحب الحصن، فقيل له ~~قبل تسليمها: إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار، ~~فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك، وسلمت البلد إليه فارغا، لكان راضيا، ~~فإنه لا يطمع في غيره. فامتنع من ذلك، وقال: ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل ~~بالفرع، فلما تسلم نور الدين البلد اصطنع دعوة عظيمة، ودعا إليها صلاح ~~الدين وأمراءه، ولم يكن يدخل البلد، وقدم له ولأصحابه من التحف والهدايا ~~أشياء كثيرة. # ذكر ملك صلاح الدين تل خالد وعين تاب من أعمال الشام # لما فرغ صلاح الدين من أمر آمد سار إلى الشام، وقصد تل خالد، وهي من ~~أعمال حلب، فحصرها ورماها بالمنجنيق، فنزل أهلها وطلبوا الأمان فأمنهم، ~~وتسلمها في المحرم أيضا. # ثم سار منها إلى عين تاب فحصرها وبها ناصر الدين محمد، وهو أخو الشيخ # PageV09P471 # إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن ms4209 زنكي وصاحبه، وكان قد سلمها ~~إليه نور الدين، فبقيت معه إلى الآن. فلما نازله صلاح الدين أرسل إليه يطلب ~~أن يقر الحصن بيده وينزل إلى خدمته ويكون تحت حكمه وطاعته، فأجابه صلاح ~~الدين إلى ذلك، وحلف له عليه، فنزل إليه، وصار في خدمته، وكان أيضا في ~~المحرم من هذه السنة. # ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام # في هذه السنة، في العاشر من المحرم، سار أسطول المسلمين من مصر في البحر، ~~فلقوا بطسة فيها نحو ثلاثمائة من الفرنج بالسلاح التام، ومعهم الأموال ~~والسلاح إلى فرنج الساحل، فقاتلوهم، وصبر الفريقان، وكان الظفر للمسلمين، ~~وأخذوا الفرنج أسرى، فقتلوا بعضهم وأبقوا بعضهم أسرى، وغنموا ما معهم ~~وعادوا إلى مصر سالمين. # وفيها أيضا سارت عصابة كبيرة من الفرنج من نواحي الداروم إلى نواحي مصر ~~ليغيروا وينهبوا، فسمع بهم المسلمون، فخرجوا إليهم على طريق (صدر) وأيلة، ~~فانتزح الفرنج من بين أيديهم فنزلوا بماء يقال له العسيلة، وسبقوا المسلمين ~~إليه، فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على الهلاك، فرأوا الفرنج قد ~~ملكوا الماء، فأنشأ الله - سبحانه وتعالى - بلطفه سحابة عظيمة، فمطروا منها ~~حتى رووا، وكان الزمان قيظا، والحر شديدا في بر مهلك، فلما رأوا ذلك قويت ~~نفوسهم، ووثقوا بنصر الله لهم، وقاتلوا الفرنج فنصرهم الله عليهم فقتلوهم، ~~ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب، ~~وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله. # ذكر ملك صلاح الدين حلب # وفي هذه السنة سار صلاح الدين من عين تاب إلى حلب، فنزل عليها في المحرم ~~أيضا، في الميدان الأخضر، وأقام به عدة أيام، ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل # PageV09P472 # بأعلاه، وأظهر أنه يريد [أن] يبني مساكن له ولأصحابه وعساكره، وأقام ~~عليها أياما والقتال بين العسكرين كل يوم. # وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، ومعه العسكر النوري، ~~وهم مجدون في القتال، فلما رأى كثرة الخرج، كأنه شح بالمال، فحضر يوما عنده ~~بعض أجناده، وطلبوا منه شيئا، فاعتذر بقلة المال عنده، فقال له بعضهم: ms4210 من ~~يريد [أن] يحفظ مثل حلب يخرج الأموال، ولو باع حلي نسائه، فمال حينئذ إلى ~~تسليم حلب وأخذ العوض منها، وأرسل مع الأمير طمان الياروقي، وكان يميل إلى ~~صلاح الدين وهواه معه، فلهذا أرسله فقرر قاعدة الصلح على أن يسلم عماد ~~الدين حلب إلى صلاح الدين ويأخذ عوضها سنجار، ونصيبين، والخابور، والرقة، ~~وسروج، وجرت اليمين على ذلك وباعها بأوكس الأثمان، أعطى حصنا مثل حلب، وأخذ ~~عوضها قرى ومزارع، فنزل عنها ثامن عشر صفر، تسلمها صلاح الدين فعجب الناس ~~كلهم من ذلك، وقبحوا ما أتى، حتى إن بعض عامة حلب أحضر أجانة وماء وناداه: ~~أنت لا يصلح لك الملك، وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب، وأسمعوه المكروه. # واستقر ملك صلاح الدين بملكها، وكان مزلزلا، فثبت قدمه بتسليمها وكان على ~~شفا جرف هار، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له. # وسار عماد الدين إلى البلاد التي أعطيها عوضا عن حلب فتسلمها، وأخذ صلاح ~~الدين حلب، واستقر الحال بينهما: أن عماد الدين يحضر في خدمة صلاح الدين ~~بنفسه وعسكره، إذا استدعاه لا يحتج بحجة. # ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن الزنكي، قاضي دمشق، مدح صلاح ~~الدين بقصيدة منها: # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب # فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # PageV09P473 # ومما كتبه القاضي في المعنى عن صلاح الدين: " فأعطيناه عن حلب كذا وكذا، ~~وهو صرف على الحقيقة أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم، ونزلنا عن ~~القرى، وأحرزنا العواصم ". # وكتب أيضا: " أعطيناه ما لم يخرج عن اليد، يعني أنه متى شاء أخذه لعدم ~~حصانته ". # وكان في جملة من قتل على حلب تاج الملوك بوري، أخو صلاح الدين الأصغر، ~~وكان فارسا شجاعا، كريما حليما، جامعا لخصال الخير، ومحاسن الأخلاق، طعن في ~~ركبته فانفكت، فمات منها بعد أن استقر الصلح بين عماد الدين وصلاح الدين ~~على تسليم حلب قبل أن يدخلها صلاح الدين، فلما استقر أمر الصلح حضر صلاح ~~الدين عند أخيه ms4211 يعوده، وقال له: هذه حلب قد أخذناها، وهي لك، فقال: ذلك لو ~~كان وأنا حي. ووالله لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي. فبكى صلاح الدين ~~وأبكى. # ولما خرج عماد الدين إلى صلاح الدين، وقد عمل له دعوة احتفل فيها، فبينما ~~هم في سرور إذ جاء إنسان فأسر إلى صلاح الدين بموت أخيه، فلم يظهر هلعا، ~~ولا جزعا، وأمر بتجهيزه سرا، ولم يعلم عماد الدين ومن معه في الدعوة، ~~واحتمل الحزن وحده لئلا يتنكر ما هم فيه، وكان هذا من الصبر الجميل. # ذكر فتح صلاح الدين حارم # لما ملك صلاح الدين حلب كان بقلعة حارم وهي من أعمال حلب، بعض المماليك ~~النورية، اسمه سرخك، وولاه عليها الملك الصالح (عماد الدين) ، # PageV09P474 # فامتنع من تسليمها إلى صلاح الدين، فراسله صلاح الدين في التسليم، وقال ~~له: اطلب من الإقطاع ما أردت، ووعده الإحسان، فاشتط في الطلب، وترددت الرسل ~~بينهما، فراسل الفرنج ليحتمي بهم، فسمع من معه من الأجناد أنه يراسل ~~الفرنج، فخافوا أن يسلمها إليهم، فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه، وراسلوا صلاح ~~الدين يطلبون منه الأمان والإنعام، فأجابهم إلى ما طلبوا، وسلموا إليه ~~الحصن فرتب به دزدارا بعض خواصه. # وأما باقي قلاع حلب، فإن صلاح الدين أقر عين تاب بيد صاحبها كما تقدم، ~~وأقطع تل خالد لأمير يقال له داروم الياروقي، وهو صاحب تل باشر. # وأما قلعة إعزاز، فإن عماد الدين إسماعيل كان قد خربها، فأقطعها صلاح ~~الدين لأمير يقال له دلدرم سليمان بن جندر، فعمرها. وأقام صلاح الدين بحلب ~~إلى أن فرغ من تقرير قواعدها وأحوالها وديوانها، وأقطع أعمالها، وأرسل منها ~~فجمع العساكر من جميع بلاده. # ذكر القبض على مجاهد الدين وما حصل من الضرر بذلك # في هذه السنة، في جمادى الأولى، قبض عز الدين مسعود، صاحب الموصل، على ~~نائبه مجاهد الدين قايماز، وكان إليه الحكم في جميع البلاد واتبع في ذلك ~~هوى من أراد المصلحة لنفسه، ولم ينظر في مضرة صاحبه. # وكان الذي أشار بذلك عز الدين محمود زلفندار، وشرف الدين أحمد بن ms4212 أبي # PageV09P475 # الخير الذي كان أبوه صاحب الغراف، وهما من أكابر الأمراء، فلما أراد ~~القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين، فأظهر أنه مريض، وانقطع عن ~~الركوب عدة أيام، فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان خصيا لا يمتنع من ~~الدخول على النساء، فلما دخل عليه قبض عليه، وركب لوقته إلى القلعة، فاحتوى ~~على الأموال التي لمجاهد الدين وخزائنه، وولى زلفندار قلعة الموصل بعد ~~مجاهد الدين، وجعل ابن صاحب الغراف أمير حاجب وحكمهما في دولته. # وكان تحت حكم مجاهد الدين حينئذ إربل وأعمالها، ومعه فيها زين الدين يوسف ~~بن زين الدين علي، وهو صبي صغير ليس له من الحكم شيء والحكم والعسكر إلى ~~مجاهد الدين، وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن عمر، وهي لمعز الدين سنجر شاه بن ~~سيف الدين غازي بن مودود وهو أيضا صبي، والحكم والنواب والعسكر لمجاهد ~~الدين، وبيده أيضا شهرزور وأعمالها، ونوابه فيها، ودقوها، ونائبه فيها، ~~وقلعة عقر الحميدية، ونائبه فيها، ولم يبق لعز الدين مسعود بعد أن أخذ صلاح ~~الدين [البلاد] الجزرية سوى الموصل وقلعتها بيد مجاهد الدين، وهو على ~~الحقيقة الملك واسمه لعز الدين، فلما قبض عليه امتنع صاحب إربل من طاعة عز ~~الدين، واستبد، وكذلك أيضا صاحب جزيرة ابن عمر، وأرسل الخليفة إلى دقوقا ~~فحصرها وأخذها، ولم يحصل لعز الدين مسعود غير شهرزور والعقر، وصارت إربل ~~والجزيرة أضر شيء على صاحب الموصل، وأرسل صاحبها إلى صلاح الدين بالطاعة ~~له، والكون في خدمته. # وكان الخليفة الناصر لدين الله قد أرسل صدر الدين شيخ الشيوخ، ومعه بشير ~~الخادم الخاص، إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين، صاحب الموصل، وسير عز ~~الدين معه القاضي محيي الدين أبا حامد بن الشهرزوري في المعنى، فأجاب صلاح ~~الدين إلى ذلك وقال: ليس لكم مع الجزيرة وإربل حديث، فامتنع محيي الدين عن ~~ذلك وقال: هما لنا، فلم يجب صلاح الدين إلى الصلح إلا بأن تكون إربل ~~والجزيرة معه، فلم يتم أمره، وقوي طمع صلاح الدين في الموصل بقبض مجاهد ~~الدين، ms4213 فلما رأى صاحب الموصل الضرر بقبض مجاهد الدين قبض على شرف الدين # PageV09P476 # أحمد بن صاحب الغراف وزلفندار، عقوبة لهما، ثم أخرج مجاهد الدين، على ما ~~نذكره إن شاء الله. # ذكر غزو بيسان # لما فرغ صلاح الدين من أمر حلب جعل فيها ولده الملك الظاهر غازي، وهو ~~صبي، وجعل معه الأمير سيف الدين يازكج، وكان أكبر الأمراء الأسدية، وسار ~~إلى دمشق، وتجهز للغزو، ومعه عساكر الشام والجزيرة، وديار بكر، وسار إلى ~~بلد الفرنج، فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من السنة، فرأى أهل تلك ~~النواحي قد فارقوها خوفا، فقصد بيسان فأحرقها وخربها، وأغار على ما هناك، ~~فاجتمع الفرنج، وجاءوا إلى قبالته، فحين رأوا كثرة عساكره لم يقدموا عليه، ~~فأقام عليهم، وقد استندوا إلى جبل هناك، وخندقوا عليهم، فأحاط بهم، وعساكر ~~الإسلام ترميهم بالسهام، وتناوشهم القتال، فلم يخرجوا وأقاموا كذلك خمسة ~~أيام، وعاد المسلمون عنهم سابع عشر الشهر، لعل الفرنج يطمعون ويخرجون، ~~فيستدرجونهم ليبلغوا منهم غرضا، فلما رأى الفرنج ذلك لم يطمعوا أنفسهم في ~~غير السلامة. # وأغار المسلمون على تلك الأعمال يمينا وشمالا، ووصلوا فيها إلى ما لم ~~يكونوا يطمعون في الوصول إليه والإقدام عليه، فلما كثرت الغنائم معهم رأوا ~~العود إلى بلادهم بما غنموا مع الظفر أولى، فعادوا إلى بلادهم على عزم ~~الغزو. # ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب # لما عاد صلاح الدين والمسلمون من غزوة بيسان تجهزوا لغزو الكرك، فسار ~~إليه # PageV09P477 # في العساكر، وكتب إلى أخيه العادلأبي بكر بن أيوب، وهو نائبه بمصر، يأمره ~~بالخروج بجميع العساكر إلى الكرك. وكان العادل قد أرسل إلى صلاح الدين يطلب ~~منه مدينة حلب وقلعتها، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يخرج معه بأهله وماله، ~~فوصل صلاح الدين إلى الكرك في رجب، ووافاه أخوه العادل في العسكر المصري، ~~وكثر جمعه، وتمكن من حصره، و [صعد] المسلمون إلى ربضه وملكه، وحصر الحصن من ~~الربض، وتحكم عليه في القتال، ونصب عليه سبعة مجانيق لا تزال ترمي بالحجارة ~~ليلا ونهارا. # وكان صلاح الدين يظن أن الفرنج لا يمكنونه ms4214 من حصر الكرك، وأنهم يبذلون ~~جهدهم في رده عنهم، فلم يستصحب معه من آلات الحصار ما يكفي لمثل ذلك الحصن ~~العظيم والمعقل المنيع، فرحل عنه منتصف شعبان، وسير تقي الدين ابن أخيه إلى ~~مصر نائبا عنه ليتولى ما كان أخوه العادل يتولاه، واستصحب أخاه العادل معه ~~إلى دمشق، وأعطاه مدينة حلب وقلعتها وأعمالها، ومدينة منبج وما يتعلق بها، ~~وسيره إليها في شهر رمضان من السنة، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فتح الرباط الذي بنته أم الخليفة بالمأمونية. # [الوفيات] وفيها، في ذي الحجة، توفي مكرم بن بختيار أبو الخير الزاهد ~~ببغداد. روى الحديث، وكان كثير البكاء. # وفي جمادى الآخرة توفي محمد بن بختيار بن عبد الله أبو عبد المولد الشاعر ~~ويعرف بالأبله، فمن جملة شعره: # PageV09P478 # أراق دمعي لا بل أراق دمي ... ظلما بظلم من ريقه الشبم # ذو قامة كالقضيب ناضرة ... وناظر من سقامه سقمي # حصلت من وعده على أصدق ... ال وعد ومن وصله على التهم # PageV09P479 ### | [ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة] ### | 580 - # ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة # ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس وانهزام العجم # في هذه السنة، في محرم، أطلق أتابك عز الدين، صاحب الموصل، مجاهد الدين ~~قايماز من الحبس بشفاعة شمس الدين البهلوان، صاحب همذان وبلاد الجبل، وسيره ~~إلى البهلوان وأخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين، فسار إلى قزل أولا، وهو ~~صاحب أذربيجان، فلم يمكنه من المضي إلى البهلوان، وقال: ما تختاره أنا ~~أفعله، وجهز معه عسكرا كثيرا نحو ثلاثة آلاف فارس، وساروا نحو إربل ~~ليحصروها، فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها، ونهبوا وسبوا، وأخذوا ~~النساء قهرا، ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم، فسار إليهم زين الدين يوسف، ~~صاحب إربل، في عسكره، فلقيهم وهم متفرقون في القرى ينهبون ويحرقون، فانتهز ~~الفرصة فيهم بتفرقهم، وألقى بنفسه وعسكره على أول من لقيه منهم، فهزمهم، ~~وتمت الهزيمة على الجميع، وغنم الإربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وعاد ~~العجم إلى بلادهم منهزمين، وعاد صاحب إربل إلى بلده مظفرا غانما، ms4215 وعاد ~~مجاهد الدين إلى الموصل، فكان يحكي: إنني ما زلت أنتظر العقوبة من الله ~~تعالى على سوء أفعال العجم، فإنني رأيت منهم ما لم أكن أظنه يفعله مسلم ~~بمسلم، وكنت أنهاهم فلا يسمعون، حتى كان من الهزيمة ما كان. # ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب # في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى بلاد الأندلس، وجاز ~~البحر إليها في جمع عظيم من عساكر المغرب، فإنه جمع وحشد الفارس والراجل، ~~فلما عبر الخليج قصد غربي البلاد، فحصر مدينة شنترين، وهي للفرنج، شهرا، # PageV09P480 # فأصابه بها مرض فمات منه في ربيع الأول، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية ~~من الأندلس. # وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة وشهرا، ومات عن غير وصية بالملك لأحد ~~من أولاده، فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن [على تمليك ولده أبي ~~يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن] فملكوه من الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا ~~يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو، فقام في ذلك أحسن قيام، ~~وأقام راية الجهاد، وأحسن السيرة في الناس. وكان دينا مقيما للحدود في ~~الخاص والعام، فاستقامت له الدولة وانقادت إليه بأسرها مع سعة أقطارها، ~~ورتب ثغور الأندلس وشحنها بالرجال، ورتب المقاتلة في سائر بلادها، وأصلح ~~أحوالها وعاد إلى مراكش. # وكان أبوه يوسف حسن السيرة، وكان طريقه ألين من طريق أبيه مع الناس، يحب ~~العلماء ويقربهم ويشاورهم، وهم أهل خدمته وخاصته. وأحبه الناس ومالوا إليه، ~~وأطاعه من البلاد ما امتنع على أبيه، وسلك في جباية الأموال ما كان أبوه ~~يأخذه، ولم يتعده إلى غيره، واستقامت له البلاد بحسن فعله مع أهلها، ولم ~~يزل كذلك إلى أن توفي - رحمه الله تعالى -. # ذكر غزو صلاح الدين الكرك # في هذه السنة، في ربيع الآخر، سار صلاح الدين من دمشق يريد الغزو، وجمع ~~عساكره، فأتته من كل ناحية، وممن أتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان، صاحب ~~الحصن. وكتب إلى مصر ليحضر عسكرها عنده على الكرك، فنازل الكرك وحصره، ms4216 وضيق ~~على من به، وأمر بنصب المجانيق على ربضه، واشتد القتال، فملك المسلمون ~~الربض، وبقي الحصن، وهو والربض على سطح جبل واحد، إلا أن بينهما خندقا # PageV09P481 # عظيما عمقه نحو ستين ذراعا، فأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار والتراب فيه ~~ليطمه، فلم يقدر أحد على الدنو منه لكثرة الرمي عليهم بالسهام من الجرخ ~~والقوس والأحجار من المجانيق، فأمر أن يبنى بالأخشاب واللبن ما يمكن الرجال ~~يمشون تحته إلى الخندق ولا يصل إليهم شيء من السهام والأحجار، ففعل ذلك، ~~فصاروا يمشون تحت السقائف ويلقون في الخندق ما يطمه، ومجانيق المسلمين مع ~~ذلك ترمي الحصن ليلا ونهارا. # وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم وفرسانهم يستمدونهم ويعرفونهم عجزهم ~~وضعفهم عن حفظ الحصن، فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا إلى نجدتهم عجلين، ~~فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين رحل عن الكرك إلى طريقهم ليلقاهم ~~ويصاففهم، ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك، فقرب منهم وخيم ونزل، ولم يمكنه ~~الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك إليهم وضيقه، فأقام أياما ينتظر ~~خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم، فلم يبرحوا منه خوفا على نفوسهم، فلما ~~رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ، وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم، فساروا ليلا ~~إلى الكرك، فلما علم صلاح الدين ذلك علم أنه لا يتمكن حينئذ ولا يبلغ غرضه، ~~فسار إلى مدينة نابلس، ونهب كل ما على طريقه من البلاد، فلما وصل إلى نابلس ~~أحرقها وخربها ونهبها، وقتل فيها وأسر وسبى فأكثر، وسار عنها إلى سبسطية، ~~وبها مشهد زكرياء - عليه السلام - وبها كنيسة، وبها جماعة أسرى من ~~المسلمين، فاستنقذهم، ورحل إلى جينين فنهبها وخربها، وعاد إلى دمشق ونهب ما ~~على طريقه وخربه، وبث السرايا في طريقه يمينا وشمالا يغنمون ويخربون، ووصل ~~إلى دمشق. # ذكر ملك الملثمين بجابة وعودها إلى أولاد عبد المؤمن # في هذه السنة، في شعبان، خرج علي بن إسحاق المعروف بابن غانية وهو من ~~أعيان الملثمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذ صاحب جزيرة ميورقة، إلى # PageV09P482 # بجاية فملكها، وسبب ذلك أنه لما سمع ms4217 بوفاة يوسف بن عبد المؤمن عمر أسطوله ~~فكان عشرين قطعة وسار في جموعه فأرسى في ساحل بجاية، وخرجت خيله ورجاله من ~~الشواني فكانوا نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل، فدخل مدينة ~~بجاية بغير قتال لأنه اتفق أن واليها سار عنها قبل ذلك بأيام إلى مراكش ولم ~~يترك فيها جيشا ولا ممانعا لعدم عدو يحفظها منه، فجاء الملثم ولم يكن في ~~حسابهم أنه يحدث نفسه بذلك، فأرسى بها ووافقه جماعة من بقايا دولة بني حماد ~~وصاروا معه فكثر جمعه بهم وقويت نفسه، فسمع خبره والي بجاية فعاد من طريقه ~~ومعه من الموحدين ثلاثمائة فارس، فجمع من العرب والقبائل الذين في تلك ~~الجهات نحو ألف فارس، فسمع بهم الملثم وبقربهم منه، فخرج إليهم وقد صار معه ~~قدر ألف فارس، وتواقفوا ساعة فانضاف جميع الجموع التي كانت مع والي بجاية ~~إلى الملثم، فانهزم حينئذ والي بجاية ومن معه من الموحدين وساروا إلى ~~مراكش، وعاد الملثم إلى بجاية فجمع جيشه وخرج إلى أعمال بجاية فأطاعه ~~جميعها إلا قسنطينة الهوى فحصرها إلى أن جاء جيش من الموحدين من مراكش في ~~صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة إلى بجاية في البر والبحر وكان بها يحيى ~~وعبد الله أخوا علي بن إسحاق الملثم، فخرجا منها هاربين ولحقا بأخيهما فرحل ~~عن قسنطينة وسار إلى إفريقية. # وكان سبب إرسال الجيش من مراكش أن والي بجاية وصل إلى يعقوب بن يوسف صاحب ~~المغرب وعرفه ما جرى ببجاية واستيلاء الملثمين عليها، وخوفه عاقبة التواني، ~~فجهز العساكر في البر عشرين ألف فارس وجهز الأسطول في البحر في خلق كثير ~~واستعادوها. # ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده # في هذه السنة مات قطب الدين إيلغازي بن نجم الدين بن ألبي بن تمرتاش بن ~~إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، وملك بعده ابنه حسام الدين بولق أرسلان، وهو ~~طفل وقام بتربيته وتدبير مملكته نظام الدين البقش مملوك أبيه، وكان شاه ~~أرمن صاحب خلاط خال قطب الدين فحكم في دولته، وهو رتب البقش مع ولده، وكان ms4218 # PageV09P483 # البقش دينا خيرا عادلا حسن السيرة حليما، فأحسن تربيته وتزوج أمه، فلما ~~كبر الولد لم يمكنه النظام من مملكته لخبط وهوج فيه، وكان لنظام الدين هذا ~~مملوك اسمه لؤلؤ قد تحكم في دولته وحكم فيها، فكان يحمل النظام على ما ~~يفعله مع الولد، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن مات الولد وله أخ أصغر منه لقبه ~~قطب الدين، فرتبه النظام في الملك وليس له منه إلا الاسم، والحكم إلى ~~النظام ولؤلؤ، فبقي كذلك إلى سنة إحدى وستمائة، فمرض النظام البقش فأتاه ~~قطب الدين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ وضربه قطب الدين بسكين معه ~~فقتله، ثم دخل إلى النظام وبيده السكين فقتله أيضا، وخرج وحده ومعه غلام له ~~وألقى الرأسين إلى الأجناد، وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا له ~~بالطاعة، فلما تمكن أخرج من أراد وترك من أراد، واستولى على قلعة ماردين ~~وأعمالها وقلعة البارعية وصور، وهو إلى الآن حاكم فيها حازم في أفعاله. # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] في هذه السنة توفي صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن شيخ ~~الشيوخ إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعيد أحمد في شعبان، وكان قد سار في ~~ديوان الخلافة رسولا إلى صلاح الدين ومعه شهاب الدين بشير الخادم في معنى ~~الصلح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل، فوصلا إلى دمشق وصلاح الدين يحصر ~~الكرك، فأقاما إلى أن عاد فلم يستقر في الصلح أمر، ومرضا وطلبا العودة إلى ~~العراق، فأشار عليهما صلاح الدين بالمقام إلى أن يصطلحا، فلم يفعلا وسارا ~~في الحر فمات بشير بالسخنة. # ومات صدر الدين بالرحبة، ودفن بمشهد البوق، وكان واحد زمانه، قد جمع # PageV09P484 # بين رياسة الدين والدنيا، وكان ملجأ لكل خائف، صالحا، كريما، حليما، وله ~~مناقب كثيرة، ولم يستعمل في مرضه هذا دواء توكلا على الله تعالى. # وفيها توفي عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي الفقيه الشافعي، ~~رئيس أصفهان، وكان موته بباب همذان وقد عاد من الحج، وله شعر فمنه: # بالحمى دار سقاها مدمعي ... يا ms4219 سقى الله الحمى من مربع # ليت شعري والأماني ضلة ... هل إلى وادي الغضى من مرجع؟ # أذنت علوة للواشي بنا ... ما على علوة لو لم تسمع # أو تحرت رشدا فيما وشى ... أو عفت عني فما قلبي معي # رحمه الله ورضي عنه وأرضاه. # PageV09P485 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة] ### | 581 - # ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة # ذكر حصر صلاح الدين الموصل، ورحيله عنها لوفاة شاه أرمن # في هذه السنة حصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الموصل مرة ثانية، وكان مسيره ~~من دمشق في ذي القعدة من السنة الماضية، فوصل إلى حلب، وأقام بها إلى أن ~~خرجت السنة، وسار منها فعبر إلى أرض الجزيرة، فلما وصل حران قبض على مظفر ~~الدين كوكبري بن زين الدين الذي كان سبب ملكه الديار الجزرية. # وسبب قبضه عليه أن مظفر الدين كان يراسل صلاح الدين كل وقت، ويشير عليه ~~بقصد الموصل، ويحسن له ذلك ويقوي طمعه، حتى إنه بذل له، إذا سار إليها، ~~خمسين ألف دينار، فلما وصل صلاح الدين إلى حران، لم يف له بما بذل من ~~المال، وأنكر ذلك، فقبض عليه، ووكل به، ثم أطلقه. # وأعاد إليه مدينتي حران والرها، وكان قد أخذهما منه وإنما أطلقه لأنه خاف ~~انحراف الناس عنه بالبلاد الجزرية، لأنهم كلهم علموا بما اعتمده مظفر الدين ~~معه من تمليكه البلاد فأطلقه. # وسار صلاح الدين عن حران في ربيع الأول، فحضر عنده عساكر الحصن، ودارا، ~~ومعز الدين سنجر شاه، صاحب الجزيرة، وهو ابن أخي عز الدين صاحب الموصل، ~~وكان قد فارق طاعة عمه بعد قبض مجاهد الدين، وسار مع صلاح الدين إلى ~~الموصل. # فلما وصلوا إلى مدينة بلد سير أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين ~~ومعها ابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي وغيرهما من النساء، وجماعة من ~~أعيان الدولة، يطلبون منه المصالحة، وبذلوا له الموافقة، والإنجاد بالعساكر ~~ليعود عنهم. # وإنما أرسلهن لأنه وكل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن الشام أجابهن إلى ذلك، ~~لا سيما ومعهن ابنة مخدومه وولي نعمته ms4220 نور الدين. # فلما وصلن إليه أنزلهن، وأحضر أصحابه واستشارهم فيما يفعله ويقوله، فأشار ~~أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن منه، وقال له الفقيه عيسى وعلي بن أحمد ~~المشطوب، وهما من بلد الهكارية من أعمال # PageV10P005 # الموصل: مثل الموصل لا يترك لامرأة، فإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز ~~عن حفظ البلد. # ووافق ذلك هواه، فأعادهن خائبات، واعتذر بأعذار غير مقبولة، ولم يكن ~~إرسالهن عن ضعف ووهن، إنما أرسلهن طلبا لدفع الشر بالتي هي أحسن. فلما عدن ~~رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقن أنه يملك البلد، وكان الأمر بخلاف ~~ذلك، فلما قارب البلد نزل على فرسخ منه، وامتد عسكره في تلك الصحراء بنواحي ~~الحلة المراقية، وكان يجري بين العسكرين مناوشات بظاهر الباب العمادي. # وكنت إذ ذاك بالموصل، وبذل العامة نفوسهم غيظا وحنقا لرده النساء، فرأى ~~صلاح الدين ما لم يكن يحسبه، فندم على رده النساء ندامة الكسعي، حيث فاته ~~حسن الذكر وملك البلد، وعاد على الذين أشاروا بردهن باللوم والتوبيخ. # وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممن ليس له هوى في الموصل يقبحون فعله ~~وينكرونه، وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل، ~~فأنزله ومعه أخوه مظفر الدين كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من ~~الموصل. # وسير من المنزلة علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجديدة من بلد ~~الهكارية، فحصرها واجتمع عليه من الأكراد والهكارية كثير، وبقي هناك إلى أن ~~رحل صلاح الدين عن الموصل. # وكان عامة الموصل يعبرون دجلة فيقاتلون من الجانب الشرقي من العسكر ~~ويعودون، ولما كان صلاح الدين يحاصر الموصل بلغ أتابك عز الدين صاحبها أن ~~نائبه بالقلعة زلفندار يكاتبه، فمنعه من الصعود إلى القلعة وعاد يقتدي برأي ~~مجاهد الدين، وكان قد أخرجه، كما ذكرناه، ويصدر عن رأيه، وضبط الأمور، ~~وأصلح ما كان فسد من الأحوال، حتى آل الأمر إلى الصلح، على ما نذكره إن شاء ~~الله. # وحضر عند صلاح الدين إنسان بغدادي أقام بالموصل، ثم خرج إلى صلاح # PageV10P006 # الدين فأشار عليه بقطع دجلة ms4221 عن الموصل إلى ناحية نينوى، وقال: إن دجلة ~~إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال فظن صلاح الدين أن قوله ~~صدق، فعزم على ذلك، حتى علم أنه لا يمكن قطعه بالكلية، فإن المدة تطول، ~~والتعب يكثر، ولا فائدة وراءه، وقبحه عنده أصحابه، فأعرض عنه. # وأقام بمكانه من أول ربيع الآخر إلى أن قارب آخره، ثم رحل عنها إلى ~~ميافارقين. وكان سبب ذلك أن شاه أرمن، صاحب خلاط، توفي بها تاسع ربيع ~~الآخر، فوصل الخبر بوفاته في العشرين منه فعزم على الرحيل إليها وتملكها، ~~حيث إن شاه أرمن لم يخلف ولدا ولا أحدا من أهل بيته يملك بلاده بعده، وإنما ~~قد استولى عليها مملوك له اسمه بكتمر ولقبه سيف الدين. # فاستشار صلاح الدين أمراءه ووزراءه، فاختلفوا، فأما من هواه بالموصل ~~فيشير بالمقام وملازمة الحصار لها، وأما من يكره أذى البيت الأتابكي فإنه ~~أشار بالرحيل، وقال: إن ولاية خلاط أكبر وأعظم، وهي سائبة لا حافظ لها، ~~وهذه لها سلطان يحفظها ويذب عنها، وإذا ملكنا تلك سهل أمر هذه وغيرها، ~~فتتردد في أمره. # فاتفق أنه جاءه كتب جماعة من أعيان خلاط، من أهلها وأمرائها، يستدعونه ~~ليسلموا إليه البلد، فسار عن الموصل، وكانت مكاتبة من كاتبه خديعة ومكرا، ~~فإن شمس الدين البهلوان بن إيلدكز، صاحب أذربيجان وهمذان وتلك المملكة، قد ~~قصدهم ليأخذ البلاد منهم، وكان قبل ذلك قد زوج شاه أرمن، على كبر سنه، بنتا ~~له ليجعل ذلك طريقا إلى ملك خلاط وأعمالها. # فلما بلغهم مسيره إليهم كاتبوا صلاح الدين يستدعونه إليهم ليسلموا البلد ~~إليه ليدفعوا به البهلوان ويدفعوه بالبهلوان، ويبقى البلد بأيديهم، فسار ~~صلاح الدين وسير في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، ومظفر الدين ~~بن زين الدين وغيرهما. # فساروا إلى خلاط، ونزلوا بطوانة بالقرب من خلاط، وسار صلاح الدين إلى ~~ميافارقين، وأما البهلوان فإنه سار إلى خلاط، ونزل قريبا منها، وترددت رسل ~~أهل خلاط بينهم وبينه وبين صلاح الدين، ثم إنهم أصلحوا أمرهم مع البهلوان، ~~وصاروا من حزبه ms4222 وخطبوا له. # PageV10P007 # ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن # في هذه السنة توفي نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب الحصن ~~وآمد، لما كان صلاح الدين على الموصل، وخلف ابنين، فملك الأكبر منهما واسمه ~~سقمان، ولقبه قطب الدين، وتولى تدبير الأمور وزيره القوام بن سماقا ~~الأسعردي. # وكان عماد الدين بن قرا أرسلان قد سيره أخوه نور الدين في عساكره إلى ~~صلاح الدين، وهو يحاصر الموصل، وهو معه، فلما بلغه خبر وفاة أخيه سار ليملك ~~البلاد بعده لصغر أولاده، فتعذر عليه ذلك، فسار إلى خرت برت فملكها، وهي ~~بيد أولاده إلى سنة عشرين وستمائة. # ولما حصر صلاح الدين ميافارقين حضر عنده ولد نور الدين فأقره على ملك ~~أبيه، ومن جملته آمد، وكانوا خافوا أن يأخذها منهم، فلم يفعل، وردهم إلى ~~بلادهم، وشرط عليهم أن يراجعوه فيما يفعلونه، ويصدروا عن أمره ونهيه، ورتب ~~معه أميرا لقبه صلاح الدين من أصحاب أبيه. # ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين # لما سار صلاح الدين إلى خلاط جعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها، حيث ~~كان صاحبه قطب الدين، صاحب ماردين، قد توفي كما ذكرنا، وملك بعده ابنه، وهو ~~طفل، وكان حكمها إلى شاه أرمن، وعسكره فيها. # فلما توفي طمع في أخذها، فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال، وبها زوجة قطب ~~الدين المتوفى، ومعها بنات لها منه، وهي أخت نور الدين محمد، صاحب الحصن، ~~فأقام صلاح الدين عليها يحصرها من أول جمادى الأولى. # وكان المقدم على أجنادها أميرا اسمه يرنقش، ولقبه أسد الدين، وكان شجاعا ~~شهما، يحفظ البلد، فأحسن إليه، واشتد القتال عليه ونصبت المجانيق # PageV10P008 # والعرادات، فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها. # فلما رأى ذلك عدل عن القوة والحرب إلى إعمال الحيلة، فراسل امرأة قطب ~~الدين المقيمة بالبلد يقول لها: إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم ~~البلد ونحن نرعى حق أخيه نور الدين فيك بعد وفاته، ونريد أن يكون لك في هذا ~~الأمر نصيب، وأنا أزوج بناتك بأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك. ms4223 # ووضع من أرسل إلى أسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى ~~السلطان، وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه، فخذ لنفسك. # واتفق أن رسولا وصله من خلاط، يبذلون له الطاعة، وقالوا له من الاستدعاء ~~إليهم ما كانوا يقولونه، فأمر صلاح الدين الرسول، فدخل إلى ميافارقين، وقال ~~لأسد: أنت عمن تقاتل، وأنا قد جئت في تسليم خلاط إلى صلاح الدين! فسقط في ~~يده، وضعفت نفسه. # وأرسل يقترح أقطاعا ومالا، فأجيب إلى ذلك، وسلم البلد سلخ جمادى الأولى، ~~وعقد النكاح لبعض أولاده على بعض بنات الخاتون، وأقر بيدها قلعة الهتاخ ~~لتكون فيها هي وبناتها. # ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين أتابك عز الدين # لما فرغ صلاح الدين من أمر ميافارقين، وأحكم قواعدها، وقرر إقطاعاتها ~~وولاياتها فوصل إلى كفر زمار، أجمع على العود إلى الموصل، فسار نحوها، وجعل ~~طريقه على نصيبين، فوصل إلى كفر زمار، والزمان شتاء. # فنزلها في عساكره، وعزم على المقام بها وإقطاع جميع بلاد الموصل، وأخذ ~~غلالها ودخلها، وإضعاف الموصل بذلك، إذ علم أنه لا يمكنه التغلب عليها، ~~وكان نزوله في شعبان، وأقام بها شعبان ورمضان، وترددت الرسل بينه وبين عز ~~الدين، صاحب الموصل، وصار مجاهد الدين يراسل ويتقرب، # PageV10P009 # وكان قوله مقبولا عند سائر الملوك لما علموا من صحته. # فبينما الرسل تتردد في الصلح، إذ مرض صلاح الدين، وسار من كفر زمار عائدا ~~إلى حران، فلحقه الرسل بالإجابة إلى ما طلب، فتقرر الصلح، وحلف على ذلك، ~~وكانت القاعدة أن يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي، ~~وجميع ما وراء الزاب من الأعمال. # وأن يخطب له على منابر بلاده، ويضرب اسمه على السكة، فلما حلف أرسل رسله ~~فحلف عز الدين له، وتسلموا البلاد التي استقرت القاعدة على تسميتها. # ووصل صلاح الدين إلى حران، فأقام بها مريضا، وأمنت الدنيا، وسكنت ~~الدهماء، وانحسمت مادة الفتن، وكان ذلك بتوصل مجاهد الدين قايماز، رحمه ~~الله. # وأما صلاح الدين فإنه طال مرضه بحران، وكان عنده من أهله أخوه الملك ms4224 ~~العادل، وله حينئذ حلب، وولده الملك العزيز عثمان، واشتد مرضه حتى أيسوا من ~~عافيته، فحلف الناس لأولاده، وجعل لكل منهم شيئا من البلاد معلوما، وجعل ~~أخاه العادل وصيا على الجميع، ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم سنة ~~اثنتين وثمانين وخمسمائة. # ولما كان مريضا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وله ~~من الأقطاع حمص والرحبة، فسار من عنده إلى حمص، فاجتاز بحلب وأحضر جماعة من ~~أحداثها وأعطاهم مالا، ولما وصل إلى حمص راسل جماعة من الدمشقيين وواعدهم ~~على تسليم البلد إليه إذا مات صلاح الدين، وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى ~~دمشق فيملكها، فعوفي وبلغه الخبر على جهته. # فلم يمض غير قليل حتى مات ابن شيركوه ليلة عيد الأضحى فإنه شرب الخمر ~~وأكثر منها، فأصبح ميتا، فذكروا، والعهدة عليهم، أن صلاح الدين وضع عليه ~~إنسانا يقال له الناصح بن العميد، وهو من دمشق، فحضر عنده، ونادمه وسقاه ~~سما. # فلما أصبحوا من الغد لم يروا الناصح، فسألوا عنه، فقيل: إنه سار من ليلته ~~إلى صلاح الدين، فكان هذا مما قوى الظن، فلما توفي أعطى أقطاعه لولده ~~شيركوه، وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف ناصر الدين من الأموال والخيل والآلات ~~شيئا كثيرا، فحضر صلاح الدين في حمص واستعرض تركته، وأخذ أكثرها ولم يترك ~~إلا ما لا خير فيه. # PageV10P010 # وبلغني أن شيركوه بن ناصر الدين حضر عند صلاح الدين، بعد موت أبيه بسنة، ~~فقال له: إلى أين بلغت من القرآن؟ فقال: إلى قوله تعالى: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: ~~10] فعجب صلاح الدين والحاضرون من ذكائه. # ذكر الفتنة بين التركمان، والأكراد بديار الجزيرة والموصل # في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة، ~~والموصل، وديار بكر، وخلاط، والشام، وشهرزور، وأذربيجان،، وقتل فيها من ~~الخلق ما لا يحصى، ودامت عدة سنين، وتقطعت الطرق، ونهبت الأموال، وأريقت ~~الدماء. # وكان سببها أن امرأة من التركمان تزوجت بإنسان تركماني، واجتازوا في ~~طريقهم بقلعة من ms4225 الزوزان للأكراد، فجاء أهلها وطلبوا من التركمان وليمة ~~العرس، فامتنعوا من ذلك، وجرى بينهم كلام صاروا منه إلى القتال، فنزل صاحب ~~تلك القلعة فأخذ الزوج فقتله، فهاجت الفتنة، وقام التركمان على ساق، وقتلوا ~~جمعا كثيرا من الأكراد، وثار الأكراد فقتلوا من التركمان أيضا كذلك، وتفاقم ~~الشر ودام. # ثم إن مجاهد الدين قايماز، رحمه الله، جمع عنده جمعا من رؤساء الأكراد ~~والتركمان، وأصلح بينهم، وأعطاهم الخلع والثياب وغيرها، وأخرج عليهم مالا ~~جما، فانقطعت الفتنة وكفى الله شرها، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من ~~الطمأنينة والأمان. # ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين # قد ذكرنا سنة ثمانين ملك علي بن إسحاق الملثم بجاية، وإرسال يعقوب بن # PageV10P011 # يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، العساكر واستعادتها، فسار علي إلى ~~إفريقية، فلما وصل إليها اجتمع سليم ورياح ومن هناك من العرب، وانضاف إليهم ~~الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش، وقد تقدم ذكر وصوله إليها. # ودخل أيضا من أتراك مصر مملوك لتقي الدين ابن أخي صلاح الدين، اسمه ~~بوزابة، فكثر جمعهم، وقويت شوكتهم، فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغا كثيرا ~~وكلهم كاره لدولة الموحدين. # واتبعوا جميعهم علي بن إسحاق الملثم، لأنه من بيت المملكة والرياسة ~~القديمة، وانقادوا إليه، ولقبوه بأمير المسلمين، وقصدوا بلاد إفريقية ~~فملكوها جميعها شرقا وغربا إلا مدينتي تونس والمهدية، فإن الموحدين أقاموا ~~بهما، وحفظوهما على خوف وضيق وشدة. # وانضاف إلى المفسد الملثم كل مفسد في تلك الأرض، ومن يريد الفتنة والنهب ~~والفساد والشر، فخربوا البلاد والحصون والقرى، وهتكوا الحرم، وقطعوا ~~الأشجار. # وكان الوالي على إفريقية حينئذ عبد الواحد بن عبد الله الهنتاني وهو ~~بمدينة تونس، فأرسل إلى ملك المغرب يعقوب وهو بمراكش يعلمه الحال، وقصد ~~الملثم جزيرة باشرا، وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة، فنازلها وأحاط ~~بها، فطلب أهلها منه الأمان، فأمنهم. # فلما دخلها العسكر نهبوا جميع ما فيها من الأموال والدواب والغلات، ~~وسلبوا الناس حتى أخذوا ثيابهم، وامتدت الأيدي إلى النساء والصبيان، ~~وتركوهم هلكى، فقصدوا مدينة تونس، ms4226 فأما الأقوياء فكانوا يخدمون ويعملون ما ~~يقوم بقوتهم، وأما الضعفاء فكانوا يستعطون ويسألون الناس، ودخل عليهم فصل ~~الشتاء، فأهلكهم البرد، ووقع فيهم الوباء # فأحصي الموتى منهم فكانوا اثني عشر ألفا، هذا من موضع واحد، فما الظن ~~بالباقي؟ # ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للإمام ~~الناصر لدين الله الخليفة العباسي، وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود. # وقصد # PageV10P012 # في سنة اثنتين وثمانين [وخمسمائة] مدينة قفصة فحصرها، فأخرج أهلها ~~الموحدين من عساكر ولد عبد المؤمن وسلموها إلى الملثم، فرتب فيها جندا من ~~الملثمين والأتراك، وحصنها بالرجال مع حصانتها في البناء. # وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عساكره ~~عشرين ألف فارس من الموحدين، وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد، ولما ~~جرى فيها من التخريب والأذى، وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فوصل ~~إلى مدينة تونس، وأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه، فساروا إلى علي بن إسحاق ~~الملثم ليقاتلوه، وكان بقفصة، فوافوه، وكان مع الموحدين جماعة من الترك، ~~فخامروا عليهم، فانهزم الموحدون، وقتل جماعة من مقدميهم، وكان ذلك في ربيع ~~الأول سنة ثلاث وثمانين. # فلما بلغ يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب من السنة، ثم خرج ~~فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك، فوصل إليهم، فالتقوا بالقرب من ~~مدينة قابس، واقتتلوا، فانهزم الملثم ومن معه، فأكثر الموحدون القتل حتى ~~كادوا يفنونهم، فلم ينج منهم إلا القليل، فقصدوا البر. # ورجع يعقوب من يومه إلى قابس ففتحها، وأخذ منها قراقوش وأولاده وحملهم ~~إلى مراكش، وتوجه إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها، وخرب ما ~~حولها، فأرسل إليه الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد، ~~فأجابهم إلى ذلك. # وخرج الأتراك منها سالمين، وسير الأتراك إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم ~~ونكايتهم في العدو، وتسلم يعقوب البلد، وقتل من فيه من الملثمين، وهدم ~~أسواره، وترك المدينة مثل قرية، وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت، فإنه قال ~~إنها تخرب أسوارها ms4227 وتقطع أشجارها، وقد تقدم ذكر ذلك. # فلما فرغ يعقوب من أمر قفصة، واستقامت إفريقية عاد إلى مراكش، وكان وصوله ~~إليها سنة أربع وثمانين وخمسمائة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة فارق الرضي أبو الخير إسماعيل القزويني الفقيه الشافعي ~~بغداد، # PageV10P013 # وكان مدرس النظامية بها، وعاد إلى قزوين، ودرس فيها بعده الشيخ أبو طالب ~~المبارك صاحب ابن الخل، وكان من العلماء الصالحين. # وفيها كان بين أهل الكرخ ببغداد وبين أهل باب البصرة فتنة عظيمة جرح فيها ~~كثير منهم وقتل، ثم أصلح النقيب الظاهر بينهم. # [الوفيات] وفيها توفي الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي، وكان ~~عالما بمذهب الشافعي، وله نظم حسن ونثر أجاد فيه، وكان من محاسن الدنيا، ~~وكانت وفاته بحمص. # PageV10P014 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة] ### | 582 - # ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة # ذكر نقل العادل من حلب، والملك العزيز إلى مصر، وإخراج الأفضل من مصر إلى ~~دمشق وإقطاعه إياها # في هذه السنة أخرج صلاح الدين ولده الأفضل عليا من مصر إلى دمشق، وأقطعها ~~له، وأخذ حلب من أخيه العادل، وسيره مع ولده العزيز عثمان إلى مصر، وجعله ~~نائبا عنه، واستدعى تقي الدين منها. # وسبب ذلك أنه كان قد استناب تقي الدين بمصر، كما ذكرناه، وجعل معه ولده ~~الأكبر الأفضل عليا، فأرسل تقي الدين يشكو من الأفضل، ويذكر أنه قد عجز عن ~~جباية الخراج معه لأنه كان حليما كريما إذا أراد تقي الدين معاقبة أحد ~~منعه. # فأحضر ولده الأفضل، وقال لتقي الدين: لا تحتج في الخراج وغيره بحجة، ~~وتغير عليه بذلك، وظن أنه يريد إخراج ولده الأفضل لينفرد بمصر حتى يملكها ~~إذا مات صلاح الدين. # فلما قوي هذا الخاطر عنده أحضر أخاه العادل من حلب وسيره إلى مصر ومعه ~~ولده العزيز عثمان، واستدعى تقي الدين إلى الشام، فامتنع من الحضور، وجمع ~~الأجناد والعساكر ليسير إلى المغرب، إلى مملوكه قراقوش، وكان قد استولى على ~~جبال نفوسة وبرقة وغيرها، وقد كتب إليه يرغبه في تلك [البلاد] ، فتجهز ~~للمسير إليه واستصحب معه أجناد ms4228 العسكر وأكثر منهم. # فلما سمع ذلك صلاح الدين ساءه، وعلم أنه إن أرسل إليه يمنعه لم يجبه، ~~فأرسل إليه يقول له: أريد أن تحضر عندي لأودعك، وأوصيك بما تفعله، فلما حضر # PageV10P015 # عنده منعه، وزاد في إقطاعه، فصار إقطاعه حماة، ومنبج، والمعرة، وكفر طاب، ~~وميافارقين، وجبل جور، بجميع أعمالها. # وكان تقي الدين قد سير في مقدمته مملوكه بوزابة، فاتصل بقراقوش، وكان ~~منهم ما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. # وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنه إنما حمله على أخذ حلب من ~~العادل، وإعادة تقي الدين إلى الشام، أن صلاح الدين لما مرض بحران، على ما ~~ذكرناه، أرجف بمصر أنه قد مات. # فجرى من تقي الدين حركات من يريد [أن] يستبد بالملك، فلما عوفي صلاح ~~الدين بلغه ذلك، فأرسل الفقيه عيسى الهكاري، وكان كبير القدر عنده، مطاعا ~~في الجند، إلى مصر، وأمره بإخراج تقي الدين والمقام بمصر. # فسار مجدا، فلم يشعر تقي الدين إلا وقد دخل الفقيه عيسى إلى داره ~~بالقاهرة، وأرسل إليه يأمره بالخروج منها، فطلب أن يمهل إلى أن يتجهز، فلم ~~يفعل، وقال: تقيم خارج [المدينة] وتتجهز. # فخرج وأظهر أنه يريد الدخول إلى الغرب، فقال له: اذهب حيث شئت، فلما سمع ~~صلاح الدين الخبر أرسل إليه يطلبه، فسار إلى الشام، فأحسن إليه، ولم يظهر ~~له شيئا مما كان لأنه كان حليما، كريما صبورا، رحمه الله. # وأما أخذ حلب من العادل، فإن السبب فيه أنه كان من جملة جندها أمير كبير ~~اسمه سليمان بن جندر، بينه وبين صلاح الدين صحبة قديمة، قبل الملك. # وكان صلاح الدين يعتمد عليه، وكان عاقلا ذا مكر ودهاء، فاتفق أن الملك ~~العادل لما كان بحلب لم يفعل معه ما كان يظنه، وقدم غيره عليه، فتأثر بذلك. # فلما مرض صلاح الدين، وعوفي، سار إلى الشام، فسايره يوما سليمان بن جندر، ~~فجرى حديث مرضه، فقال له سليمان: بأي رأي كنت تظن أنك تمضي إلى الصيد فلا ~~يخالفونك؟ بالله ما تستحي يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة؟ ! قال: ms4229 وكيف ~~ذلك؟ وهو يضحك. # قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه، ~~وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض. هذه حلب بيد أخيك ~~وحماة بيد تقي الدين، وحمص بيد ابن شيركوه، وابنك العزيز مع تقي الدين بمصر ~~يخرجه أي وقت أراد، وهذا ابنك الآخر مع أخيك في خيمة يفعل به ما أراد. # فقال له صدقت، واكتم هذا الأمر، ثم أخذ حلب من أخيه، وأخرج تقي الدين من ~~مصر، ثم أعطى أخاه العادل حران والرها وميافارقين ليخرجه من الشام ومصر، ~~لتبقى لأولاده، فلم ينفعه ما فعل لما أراد الله تعالى نقل # PageV10P016 # الملك عن أولاده على ما نذكره. # ذكر وفاة البهلوان وملك أخيه قزل # في هذه السنة، في أولها، توفي البهلوان محمد بن إيلدكز، صاحب بلد الجبل ~~والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلا، حسن ~~السيرة، عاقلا، حليما، ذا سياسة حسنة للملك، وكانت تلك البلاد في أيامه ~~آمنة والرعايا مطمئنة. # فلما مات جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من الحروب والقتل والإحراق ~~والنهب ما يجل عن الوصف، وكان قاضي البلد رأس الحنفية، وابن الخجندي رأس ~~الشافعية، وكان بمدينة الري أيضا فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، وتفرق ~~أهلها، وقتل منهم، وخربت المدينة وغيرها من البلاد. # ولما مات البهلوان ملك أخوه قزل أرسلان واسمه عثمان، وكان السلطان طغرل ~~بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مع البهلوان، والخطبة له في البلاد ~~بالسلطنة، وليس له من الأمر شيء، وإنما البلاد والأمراء والأموال بحكم ~~البهلوان. # فلما مات البهلوان خرج طغرل عن حكم قزل، ولحق به جماعة من الأمراء ~~والجند، فاستولى على بعض البلاد، وجرت بينه وبين قزل حروب نذكرها إن شاء ~~الله تعالى. # [ذكر اختلاف الفرنج بالشام، وانحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح الدين] # كان القمص، صاحب طرابلس، واسمه ريمند بن ريمند الصنجيلي، قد تزوج ~~بالقومصة، صاحبة طبرية، وانتقل إليها، وأقام عندها بطبرية. # ومات ملك الفرنج بالشام، وكان مجذوما، وأوصى بالملك إلى ابن أخت له، وكان ~~صغيرا، ms4230 فكفله القمص، وقام بسياسة الملك وتدبيره لأنه لم يكن للفرنج ذلك ~~الوقت أكبر منه شأنا، ولا أشجع رأيا منه، فطمع في الملك بسبب هذا الصغير، ~~فاتفق أن الصغير توفي، فانتقل الملك إلى أمه، فبطل ما كان القمص يحدث نفسه ~~[به] . # PageV10P017 # ثم إن هذه الملكة هويت رجلا من الفرنج الذين قدموا الشام من الغرب اسمه ~~كي، فتزوجته، ونقلت الملك إليه، وجعلت التاج على رأسه، وأحضرت البطرك، ~~والقسوس، والرهبان، والاسبتارية، والداوية، والبارونية، وأعلمتهم أنها قد ~~ردت الملك إليه، وأشهدتهم عليها بذلك، فأطاعوه، ودانوا له. # فعظم ذلك على القمص، وسقط في يديه، وطولب بحساب ما جبى من الأموال مدة ~~ولاية ذلك الصبي، فادعى أنه أنفقه عليه، وزاده ذلك نفورا، وجاهر بالمشاقة ~~والمباينة، وراسل صلاح الدين، وانتمى إليه، واعتضد به، وطلب منه المساعدة ~~على بلوغ غرضه من الفرنج. # ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك، ووعده النصرة، والسعي له في كل ما يريد، ~~وضمن له أنه يجعله ملكا مستقلا للفرنج قاطبة، وكان عنده جماعة من فرسان ~~القمص أسرى فأطلقهم. # فحل ذلك عنده أعظم محل، وأظهر طاعة صلاح الدين، ووافقه على ما فعل جماعة ~~من الفرنج، فاختلفت كلمتهم وتفرق شملهم، وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة ~~لفتح بلادهم، واستنقاذ البيت المقدس منهم، على ما نذكره إن شاء الله. # وسير صلاح الدين السرايا ناحية طبرية، فشنت الغارات على بلاد الفرنج، ~~وخرجت سالمة غانمة، فوهن الفرنج بذلك، وضعفوا وتجرأ المسلمون عليهم، وطمعوا ~~فيهم. # ذكر غدر البرنس أرناط # كان البرنس أرناط، صاحب الكرك، من أعظم الفرنج وأخبثهم، وأشدهم عداوة ~~للمسلمين، وأعظمهم ضررا عليهم، فلما رأى صلاح الدين ذلك منه قصده بالحصر ~~مرة بعد مرة، وبالغارة على بلاده كرة بعد أخرى، فذل، وخضع، وطلب الصلح من ~~صلاح الدين، فأجابه إلى ذلك، وهادنه وتحالفا، وترددت القوافل من الشام إلى ~~مصر، ومن مصر إلى الشام. # فلما كان هذه السنة اجتاز به قافلة عظيمة غزيرة الأموال، كثيرة الرجال، ~~ومعها جماعة صالحة من الأجناد، فغدر اللعين بهم، وأخذهم عن آخرهم، وغنم ~~أموالهم # PageV10P018 # ودوابهم وسلاحهم، وأودع ms4231 السجون من أسره منهم. # فأرسل إليه صلاح الدين يلومه، ويقبح فعله وغدره، ويتهدده إن لم يطلق ~~الأسرى والأموال، فلم يجب إلى ذلك، وأصر على الامتناع، فنذر صلاح الدين ~~نذرا أن يقتله إن ظفر [به] ، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # كان المنجمون قديما وحديثا قد حكموا أن هذه السنة التاسع والعشرين من ~~جمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان، ويحدث باقترانها رياح ~~شديدة، وتراب يهلك العباد ويخرب البلاد، فلما دخلت هذه السنة لم يكن لذلك ~~صحة، ولم يهب من الرياح شيء البتة، حتى إن غلال الحنطة والشعير تأخر نجازها ~~لعدم الهواء الذي يذري به الفلاحون، فأكذب الله أحدوثة المنجمين وأخزاهم. # [الوفيات] وفيها توفي عبد الله بن بري بن عبد الجبار بن بري النحوي ~~المصري، وكان إماما في النحو، رحمه الله تعالى. # PageV10P019 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة] ### | 583 - # ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة # اتفق أول هذه السنة يوم السبت، وهو يوم النوروز السلطاني، ورابع عشر آذار ~~سنة ألف وأربعمائة وثمان وتسعين إسكندرية، وكان القمر والشمس في الحمل، ~~واتفق أول سنة العرب، وأول سنة الفرس التي جددوها أخيرا، وأول سنة الروم، ~~والشمس والقمر في أول البروج، وهذا يبعد وقوع مثله. # ذكر حصر صلاح الدين الكرك # في هذه السنة كتب صلاح الدين إلى جميع البلاد يستنفر الناس للجهاد، وكتب ~~إلى الموصل وديار الجزيرة وإربل وغيرها من بلاد الشرق، وإلى مصر وسائر بلاد ~~الشام، يدعوهم إلى الجهاد، ويحثهم عليه، ويأمرهم بالتجهز له بغاية الإمكان، ~~ثم خرج من دمشق، أواخر المحرم، في عسكرها الخاص، فسار إلى رأس الماء، ~~وتلاحقت به العساكر الشامية، فلما اجتمعوا جعل عليهم ولده الملك الأفضل ~~عليا ليجتمع إليه من يرد إليه منها، وسار هو إلى بصرى، جريدة. # وكان سبب مسيره وقصده إليها أنه أتته الأخبار أن البرنس أرناط، صاحب ~~الكرك، يريد أن يقصد الحجاج ليأخذهم من طريقهم، وأظهر أنه إذا فرغ من أخذ ~~الحجاج يرجع إلى طريق العسكر المصري يصدهم عن الوصول إلى صلاح ms4232 الدين، فسار ~~إلى بصرى ليمنع البرنس أرناط من طلب الحجاج، ويلزم بلده خوفا عليه. # وكان من الحجاج جماعة من أقاربه منهم محمد بن لاجين، وهو ابن أخت صلاح ~~الدين، وغيره، فلما سمع أرناط بقرب صلاح الدين من بلده لم يفارقه، وانقطع # PageV10P020 # عما طمع فيه، فوصل الحجاج سالمين. # فلما وصلوا وفرغ سره من جهتهم سار إلى الكرك فحصره وضيق عليه وانتظر وصول ~~العسكر المصري، فوصلوا إليه على الكرك، وبث سراياه من هناك على ولاية الكرك ~~والشوبك وغيرهما، فنهبوا وخربوا وأحرقوا، والبرنس محصور لا يقدر على المنع ~~عن بلده. # وسائر الفرنج قد لزموا طرف بلادهم، خوفا من العسكر الذي مع ولده الأفضل، ~~فتمكن من الحصر والنهب والتحريق والتخريب، هذا فعل صلاح الدين. # ذكر الغارة على بلد عكا # أرسل صلاح الدين إلى ولده الأفضل يأمره أن يرسل قطعة صالحة من الجيش إلى ~~بلد عكا ينهبونه ويخربونه، فسير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين، وهو صاحب ~~حران والرها، وأضاف إليه قايماز النجمي ودلدرم الياروقي - وهما من أكابر ~~الأمراء - وغيرهما فساروا ليلا، وصبحوا صفورية أواخر صفر. # فخرج إليهم الفرنج في جمع من الداوية والاسبتارية وغيرهما، فالتقوا هناك، ~~وجرت بينهم حرب تشيب لها المفارق السود. # ثم أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فانهزم الفرنج، وقتل منهم جماعة، ~~وأسر الباقون، وفيمن قتل مقدم الاسبتارية، وكان من فرسان الفرنج المشهورين، ~~وله الكنايات العظيمة في المسلمين، ونهب المسلمون ما جاورهم من البلاد، ~~وغنموا وسبوا، وعادوا سالمين، وكان عودهم على طبرية، وبها القمص، فلم ينكر ~~ذلك، فكان فتحا كثيرا، فإن الداوية والاسبتارية هم جمرة الفرنج، وسيرت ~~البشائر إلى البلاد بذلك. # PageV10P021 # ذكر عود صلاح الدين إلى عسكره ودخوله إلى الفرنج # لما أتت صلاح الدين البشارة بهزيمة الاسبتارية والداوية، وقتل من قتل ~~منهم، وأسر من أسر، عاد عن الكرك إلى العسكر الذي مع ولده الملك الأفضل، ~~وقد تلاحقت سائر الأمداد والعساكر، واجتمع بهم، وساروا جميعا. # وعرض العسكر، فبلغت عدتهم اثني عشر ألف فارس ممن له الأقطاع والجامكية، ~~سوى المتطوعة، فعبأ عسكره قلبا ms4233 وجناحين، وميمنة وميسرة وجالسية وساقة، وعرف ~~كل منهم موضعه وموقفه، وأمره بملازمته. وسار على تعبئة، فنزل بالأقحوانة ~~بقرب طبرية، وكان القمص قد انتمى إلى صلاح الدين، كما ذكرنا، وكتبه متصلة ~~إليه يعده النصرة، ويمنيه المعاضدة، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. # فلما رأى الفرنج اجتماع العساكر الإسلامية، وتصميم العزم على قصد بلادهم، ~~أرسلوا إلى القمص البطرك والقسوس والرهبان، وكثيرا من الفرسان، فأنكروا ~~عليه انتماءه إلى صلاح الدين، وقالوا له: لا شك أنك أسلمت، وإلا لم تصبر ~~على ما فعل المسلمون أمس بالفرنج، يقتلون الداوية والاسبتارية، ويأسرونهم، ~~ويجتازون بهم عليك، وأنت لا تنكر ذلك ولا تمنع عنه. # ووافقهم على ذلك من عنده من عسكر طبرية وطرابلس، وتهدده البطرك أنه ~~يحرمه، ويفسخ نكاح زوجته، إلى غير ذلك من التهديد. # فلما رأى القمص شدة الأمر عليه خاف، فاعتذر وتنصل وتاب، فقبلوا عذره، ~~وغفروا زلته، وطلبوا منه الموافقة على المسلمين، والمؤازرة على حفظ بلادهم، ~~فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم، والاجتماع معهم. # وسار معهم إلى ملك الفرنج، واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم، ولم تغن عنهم من ~~الله شيئا، وجمعوا فارسهم وراجلهم، ثم ساروا من عكا إلى صفورية، وهم يقدمون ~~رجلا ويؤخرون أخرى، قد ملئت قلوبهم رعبا. # ذكر فتح صلاح الدين طبرية # لما اجتمع الفرنج وساروا إلى صفورية، جمع صلاح الدين أمراءه ووزراءه # PageV10P022 # واستشارهم، فأشار أكثرهم عليه بترك اللقاء وأن يضعف الفرنج بشن الغارات، ~~وإخراب الولايات مرة بعد مرة. # فقال له بعض أمرائه: الرأي عندي أننا نجوس بلادهم، وننهب، ونخرب، ونحرق، ~~ونسبي، فإن وقف أحد من العسكر الفرنج بين أيدينا لقيناه، فإن الناس بالمشرق ~~يلعنوننا ويقولون ترك قتال الكفار، وأقبل يريد قتال المسلمين، الرأي أن ~~نفعل فعلا نعذر فيه ونكف الألسنة عنا. # فقال صلاح الدين: الرأي عندي أن نلقى بجمع المسلمين جمع الكفار، فإن ~~الأمور لا تجري بحكم الإنسان، ولا نعلم قدر الباقي من أعمارنا، ولا ينبغي ~~أن نفرق هذا الجمع إلا بعد الجد بالجهاد. # ثم رحل من الأقحوانة اليوم الخامس من نزوله بها، وهو يوم الخميس لسبع ms4234 ~~بقين من ربيع الآخر، فسار حتى خلف طبرية وراء ظهره، وصعد جبلها، وتقدم حتى ~~قارب الفرنج، فلم ير منهم أحدا، ولا فارقوا خيامهم، فنزل وأمر العسكر ~~بالنزول. # فلما جنه الليل جعل في مقابل الفرنج من يمنعهم من القتال، ونزل جريدة إلى ~~طبرية وقاتلها، ونقب بعض أبراجها، وأخذ المدينة عنوة في ليلة، ولجأ من بها ~~إلى القلعة التي لها، فامتنعوا بها، وفيها صاحبتها، ومعها أولادها، فنهب ~~المدينة وأحرقها. # فلما سمع الفرنج نزول صلاح الدين إلى طبرية وملكه المدينة، وأخذ ما فيها، ~~وإحراقها، وإحراق ما تخلف مما لا يحمل، اجتمعوا للمشورة، فأشار بعضهم ~~بالتقدم إلى المسلمين وقتالهم، ومنعهم عن طبرية. # فقال القمص: إن طبرية لي ولزوجتي، وقد فعل صلاح الدين بالمدينة ما فعل، ~~وبقي القلعة، وفيها زوجتي، وقد رضيت أن يأخذ القلعة وزوجتي وما لنا بها ~~ويعود، فوالله لقد رأيت عساكر الإسلام قديما وحديثا ما رأيت مثل هذا العسكر ~~الذي مع صلاح الدين كثرة وقوة، وإذا أخذ طبرية لا يمكنه المقام بها، فمتى ~~فارقها وعاد عنها أخذناها، وإن أقام بها لا يقدر على المقام بها إلا بجميع ~~عساكره، ولا يقدرون على الصبر طول الزمان عن أوطانهم وأهليهم فيضطر إلى ~~تركها، ونفتك من أسر منا. # فقال له برنس أرناط، صاحب الكرك: قد أطلت في التخويف من المسلمين، ولا شك ~~أنك تريدهم، وتميل إليهم، وإلا ما كنت تقول هذا، وأما قولك: إنهم كثيرون، ~~فإن النار لا يضرها كثرة الحطب. # فقال: أنا واحد منكم إن تقدمتم تقدمت، وإن تأخرتم تأخرت، وسترون ما يكون. # PageV10P023 # فقوي عزمهم على التقدم إلى المسلمين وقتالهم، فرحلوا من معسكرهم الذي ~~لزموه، وقربوا من عساكر الإسلام، فلما سمع صلاح الدين بذلك عاد عن طبرية ~~إلى عسكره، وكان قريبا منه، وإنما كان قصده بمحاصرة طبرية أن يفارق الفرنج ~~مكانهم ليتمكن من قتالهم. # وكان المسلمون قد نزلوا على الماء، والزمان قيظ شديد الحر، فوجد الفرنج ~~العطش، ولم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك الماء من المسلمين، وكانوا قد أفنوا ~~ما هناك من ماء الصهاريج ولم ms4235 يتمكنوا من الرجوع خوفا من المسلمين، فبقوا ~~على حالهم إلى الغد، وهو يوم السبت، وقد أخذ العطش منهم. # وأما المسلمون فإنهم فيهم، وكانوا من قبل يخافونهم، فباتوا يحرض بعضهم ~~بعضا، وقد وجدوا ريح النصر والظفر، وكلما رأوا حال الفرنج خلاف عادتهم مما ~~ركبهم من الخذلان، زاد طمعهم وجرأتهم، فأكثروا التكبير والتهليل طول ~~ليلتهم، ورتب السلطان تلك الليلة الجاليشية، وفرق فيهم النشاب. # ذكر انهزام الفرنج بحطين # أصبح صلاح الدين والمسلمون يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، فركبوا ~~وتقدموا إلى الفرنج، ودنا بعضهم من بعض، إلا أن الفرنج قد اشتد بهم العطش ~~وانخذلوا، فاقتتلوا، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ورمى جاليشية المسلمين ~~من النشاب ما كان كالجراد المنتشر، فقتلوا من خيول الفرنج كثيرا. # هذا القتال بينهم، والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهم يقاتلون سائرين، ~~نحو طبرية، لعلهم يردون الماء. # فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عن مرادهم، ووقف بالعسكر في وجوههم، ~~وطاف بنفسه على المسلمين يحرضهم، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عما يضرهم، ~~والناس يأتمرون لقوله، ويقفون عند نهيه. # فحمل مملوك من مماليكه الصبيان حملة منكرة على صف الفرنج، فقاتل قتالا ~~عجب منه الناس. ثم تكاثر الفرنج عليه فقتلوه، فحين قتل حمل المسلمون حملة ~~منكرة فضعضعوا الكفار وقتلوا منهم كثيرا. # فلما رأى القمص شدة الأمر علم أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين، فاتفق هو # PageV10P024 # وجماعته وحملوا على من يليهم، وكان المقدم من المسلمين، في تلك الناحية، ~~تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلما رأى حملة الفرنج حملة مكروب، علم ~~أنه لا سبيل إلى الوقوف في وجوههم. فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقا يخرجون ~~منه، ففعلوا فخرج القمص وأصحابه ثم التأم الصف. # وكان بعض المتطوعة من المسلمين قد ألقى في تلك الأرض نارا، وكان الحشيش ~~كثيرا فاحترق، وكانت الريح على الفرنج فحملت حر النار والدخان إليهم، ~~فاجتمع عليهم العطش، وحر الزمان، وحر النار، والدخان، وحر القتال. # فلما انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون، ثم علموا أنهم لا ~~ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه، ms4236 فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون ~~[بها] المسلمين، على كثرتهم، عن مواقفهم لولا لطف الله بهم. # إلا أن الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلا وقد قتل منهم، فوهنوا لذلك ~~وهنا عظيما، فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها، فارتفع من بقي من ~~الفرنج إلى تل بناحية حطين، وأرادوا أن ينصبوا خيامهم، ويحموا نفوسهم به، ~~فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات، ومنعوهم عما أرادوا، ولم يتمكنوا من ~~نصب خيمة غير خيمة ملكهم. # وأخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت، ويذكرون أن فيه ~~قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح - عليه السلام - بزعمهم، فكان أخذه ~~عندهم من أعظم المصائب عليهم، وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك. # هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ورجالتهم، فبقي الملك على التل في ~~مقدار مائة وخمسين فارسا من الفرسان المشهورين والشجعان المذكورين. # فحكي لي عن الملك الأفضل - ولد صلاح الدين - قال: كنت إلى جانب أبي في ~~ذلك المصاف، وهو أول مصاف شاهدته، فلما صار ملك الفرنج على التل في تلك ~~الجماعة حملوا حملة منكرة على من بإزائهم من المسلمين حتى ألحقوهم بوالدي. # قال: فنظرت إليه، وقد علته كآبة، واربد لونه، وأمسك بلحيته، وتقدم، وهو ~~يصيح: كذب الشيطان، قال: فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا إلى التل، فلما ~~رأيت الفرنج قد عادوا، والمسلمون يتبعونهم، صحت من فرحي: هزمناهم! فعاد ~~الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، وفعل مثل ~~ما فعل أولا. # وعطف المسلمون عليهم فألحقوهم بالتل، فصحت أنا أيضا: هزمناهم! فالتفت ~~والدي إلي وقال: اسكت! ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة، قال: فهو يقول # PageV10P025 # لي، وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل السلطان وسجد شكرا لله تعالى، وبكى من ~~فرحه. # وكان سبب سقوطها أن الفرنج لما حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشا، وقد ~~كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات مما هم فيه، فلما لم يجدوا إلى ~~الخلاص طريقا، نزلوا عن دوابهم وجلسوا على الأرض، فصعد المسلمون إليهم، ~~فألقوا خيمة الملك، وأسروهم على بكرة أبيهم، وفيهم الملك وأخوه، والبرنس ~~أرناط، صاحب الكرك، ms4237 ولم يكن للفرنج أشد منه عداوة للمسلمين. # وأسروا أيضا صاحب جبيل، وابن هنفري، ومقدم الداوية، وكان من أعظم الفرنج ~~شأنا، وأسروا أيضا جماعة من الداوية، وجماعة من الاسبتارية، وكثر القتل ~~والأسر فيهم، فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحدا، ومن يرى الأسرى ~~لا يظن أنهم قتلوا أحدا، وما أصيب الفرنج، منذ خرجوا إلى الساحل، وهو سنة ~~إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن، بمثل هذه الوقعة. # فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته، وأحضر ملك الفرنج عنده، ~~وبرنس صاحب الكرك، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش، فسقاه ماء ~~مثلوجا، فشرب، وأعطى فضله برنس صاحب الكرك، فشرب. # فقال صلاح الدين: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني، ثم ~~كلم البرنس، وقرعه بذنوبه، وعدد عليه غدراته، وقام إليه بنفسه فضرب رقبته، ~~وقال: كنت نذرت دفعتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى ~~مكة والمدينة، والثانية لما أخذ القفل غدرا، فلما قتله وسحب وأخرج ارتعدت ~~فرائص الملك، فسكن جأشه وأمنه. # وأما القمص، صاحب طرابلس، فإنه لما نجا من المعركة، كما ذكرناه، وصل إلى ~~صور، ثم قصد طرابلس، ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى مات غيظا وحنقا مما # PageV10P026 # جرى على الفرنج خاصة، وعلى دين النصرانية عامة. # ذكر عود صلاح الدين إلى طبرية، وملك قلعتها مع المدينة # لما فرغ صلاح الدين من هزيمة الفرنج أقام بموضعه باقي يومه، وأصبح يوم ~~الأحد، فعاد إلى طبرية ونازلها، فأرسلت صاحبتها تطلب الأمان لها ولأولادها ~~وأصحابها ومالها، فأجابها إلى ذلك، فخرجت بالجميع، فوفى لها، فسارت آمنة، ~~ثم أمر بالملك وجماعة من أعيان الأسرى فأرسلوا إلى دمشق، وأمر بمن أسر من ~~الداوية والاسبتارية أن يجمعوا ليقتلهم. # ثم علم أن من عنده أسير لا يسمح به لما يرجو من فدائه، فبذل في كل أسير ~~من هذين الصنفين خمسين دينارا مصرية، فأحضر عنده في الحال مائتا أسير منهم، ~~فأمر بهم فضربت أعناقهم. # وإنما خص هؤلاء بالقتل لأنهم أشد شوكة من جميع الفرنج، فأراح الناس ms4238 من ~~شرهم، وكتب إلى نائبه بدمشق ليقتل من دخل البلد منهم سواء كان له أو لغيره، ~~ففعل ذلك، ولقد اجتزت بموضع الوقعة بعدها بنحو سنة، فرأيت الأرض ملأى من ~~عظامهم تبين على البعد، منها المجتمع بعضه على بعض، ومنها المفترق، هذا سوى ~~ما جحفته السيول، وأخذته السباع في تلك الآكام والوهاد. # ذكر فتح مدينة عكا # لما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها يوم الثلاثاء ووصل إلى عكا يوم # PageV10P027 # الأربعاء، وقد صعد أهلها على سورها يظهرون الامتناع والحفظ، فعجب هو ~~والناس من ذلك لأنهم علموا أن عساكرهم من فارس وراجل بين قتيل وأسير. # وأنهم لم يسلم منهم إلا القليل، إلا أنه نزل يومه، وركب يوم الخميس، وقد ~~صمم على الزحف إلى البلد وقتاله، فبينما هو ينظر من أين يزحف ويقاتل إذ خرج ~~كثير من أهلها يضرعون، ويطلبون الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم على أنفسهم ~~وأموالهم، وخيرهم بين الإقامة والظعن، فاختاروا الرحيل خوفا من المسلمين، ~~وساروا عنها متفرقين، وحملوا ما أمكنهم حمله من أموالهم، وتركوا الباقي على ~~حاله. # ودخل المسلمون إليها يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى، صلوا بها الجمعة في ~~جامع كان للمسلمين قديما، ثم جعله الفرنج بيعة، ثم جعله صلاح جامعا، وهذه ~~الجمعة أول جمعة أقيمت بالساحل الشامي بعد أن ملكه الفرنج. وسلم البلد إلى ~~ولده الأفضل، وأعطى جميع ما كان فيه للداوية من أقطاع وضياع وغير ذلك ~~للفقيه عيسى. # وغنم المسلمون ما بقي مما لم يطق الفرنج حمله، وكان من كثرته يعجز ~~الإحصاء عنه، فرأوا فيها من الذهب والجوهر والسقلاط، والبندقي، والشكر، ~~والسلاح، وغير ذلك من أنواع الأمتعة كثيرا، فإنها كانت مقصدا للتجار الفرنج ~~والروم وغيرهم، من أقصى البلاد وأدناها. # وكان كثير منها قد خزنه التجار، وسافروا عنه لكساده، فلم يكن له من ~~ينقله، ففرق صلاح الدين وابنه الأفضل ذلك جميعه على أصحابهما، وأكثر ذلك ~~فعله الأفضل لأنه كان مقيما بالبلد، وكانت شيمته في الكرم معروفة. وأقام ~~صلاح الدين بعكا عدة أيام لإصلاح حالها، وتقرير قواعدها. # ذكر فتح مجد ms4239 ليابة # لما هزم صلاح الدين الفرنج أرسل إلى أخيه العادل بمصر يبشره بذلك، ويأمره ~~بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقي عنده من العسكر، ومحاصرة ما ~~يليه منها، فسارع إلى ذلك، وسار عن مصر فنازل حصن مجد ليابة وحصره وغنم ما ~~فيه. وورد كتابه بذلك إلى صلاح الدين، وكانت بشارة كبيرة. # ذكر فتح عدة حصون # في مدة مقام صلاح الدين بعكا تفرق عسكره إلى الناصرة، وقيسارية، وحيفا، # PageV10P028 # وصفورية، ومعليا، والشقيف، والفولة، وغيرها من البلاد المجاورة لعكا، ~~فملكوها ونهبوها وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وقدموا من ذلك بما ~~سد الفضاء. # وسير تقي الدين فنزل على تبنين ليقطع الميرة عنها وعن صور، وسير حسام ~~الدين عمر بن لاجين في عسكر إلى نابلس فأتى سبسطية وبها قبر زكرياء، فأخذه ~~من أيدي النصارى وسلمه إلى المسلمين، ووصل إلى نابلس فدخلها وحصر قلعتها ~~واستنزل من فيها بالأمان، وتسلم القلعة، وأقام أهل البلد به، وأقرهم على ~~أملاكهم وأموالهم. # ذكر فتح يافا # لما خرج العادل من مصر، وفتح مجد ليابة، كما ذكرنا، سار إلى مدينة يافا، ~~وهي على الساحل، فحصرها وملكها عنوة، ونهبها، وأسر الرجال، وسبى الحريم، ~~وجرى على أهلها ما لم يجر على أحد من أهل تلك البلاد. # وكان عندي جارية من أهلها، وأنا بحلب، ومعها طفل عمره نحو سنة، فسقط من ~~يدها فانسلخ وجهه، فكبت عليه كثيرا، فسكنتها وأعلمتها أنه ليس بولدها ما ~~يوجب البكاء، فقالت: ما له أبكي، إنما أبكي لما جرى علينا. كان لي ستة إخوة ~~هلكوا جميعهم، وزوج وأختان لا أعلم ما كان منهم. هذا من امرأة واحدة ~~والباقي بالنسبة. # ورأيت بحلب امرأة فرنجية قد جاءت مع سيدها إلى باب، فطرقه سيدها، فخرج ~~صاحب البيت فكلمهما، ثم أخرج امرأة فرنجية، فحين رأتها الأخرى صاحتا ~~واعتنقتا، وهما تصرخان وتبكيان، وسقطتا إلى الأرض، ثم قعدتا تتحدثان، وإذا ~~هما أختان، وكان لهما عدة من الأهل ليس لهما علم بأحد منهم. # ذكر فتح تبنين وصيدا وجبيل وبيروت # فأما تبنين، فقد ذكرنا إنفاذ صلاح الدين ms4240 تقي الدين ابن أخيه إلى تبنين، ~~فلما وصلها نازلها، وأقام عليها، فرأى حصرها لا يتم إلا بوصول عمه صلاح ~~الدين إليه، # PageV10P029 # فأرسل إليه يعلمه الحال، ويحثه على الوصول إليه، فرحل ثامن جمادى الأولى، ~~ونزل عليه في الحادي عشر منه، فحصرها، وضايقها، وقاتلها بالزحف، وهي من ~~القلاع المنيعة على جبل. # فلما ضاق عليهم الأمر واشتد الحصر أطلقوا من عندهم من أسرى المسلمين وهم ~~يزيدون على مائة رجل، فلما دخلوا العسكر أحضرهم صلاح الدين وكساهم، وأعطاهم ~~نفقة، وسيرهم إلى أهليهم. # وبقي الفرنج كذلك خمسة أيام ثم أرسلوا يطلبون الأمان، فأمنهم على أنفسهم ~~فسلموها إليه، ووفى لهم وسيرهم إلى مأمنهم. # وأما صيدا فإن صلاح الدين لما فرغ من تبنين رحل عنها إلى صيدا، فاجتاز في ~~طريقه بصرفند فأخذها عفوا بغير قتال، وسار عنها إلى صيدا، وهي من مدن ~~الساحل المعروفة، فلما سمع صاحبها بمسيره نحوه سار عنها وتركها فارغة من ~~مانع ومدافع، فلما وصلها صلاح الدين تسلمها ساعة وصوله، وكان ملكها حادي ~~عشر جمادى الأولى. # وأما بيروت فهي من أحصن مدن الساحل وأنزهها وأطيبها. فلما فتح صلاح الدين ~~صيدا سار عنها من يومه نحو بيروت ووصل إليها من الغد فرأى أهلها قد صعدوا ~~على سورها وأظهروا القوة والجلد والعدة وقاتلوا على سورها عدة أيام قتالا ~~شديدا واغتروا بحصانة البلد، وظنوا أنهم قادرون على حفظه. # وزحف المسلمون إليهم مرة بعد مرة، فبينما الفرنج على السور يقاتلون إذ ~~سمعوا من البلد جلبة عظيمة وغلبة زائدة، فأتاهم من أخبرهم أن البلد قد دخله ~~المسلمون من الناحية الأخرى قهرا وغلبة، فأرسلوا ينظرون ما الخبر وإذا ليس ~~له صحة، فأرادوا تسكين من به فلم يمكنهم ذلك لكثرة ما اجتمع فيه من السواد. # فلما خافوا على أنفسهم من الاختلاف الواقع أرسلوا يطلبون الأمان، فأمنهم ~~على أنفسهم وأموالهم وتسلمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى من السنة، ~~فكان مدة حصرها ثمانية أيام. # وأما جبيل فإن صاحبها كان من جملة الأسرى الذين سيروا إلى دمشق مع ملكهم ~~فتحدث مع نائب صلاح ms4241 الدين بدمشق في تسليم جبيل على شرط إطلاقه، فعرف صلاح ~~الدين بذلك، فأحضره مقيدا عنده تحت الاستظهار والاحتياط، وكان العسكر حينئذ ~~على بيروت، فسلم حصنه وأطلق أسرى المسلمين الذين به. # وأطلقه صلاح # PageV10P030 # الدين كما شرط له، وكان صاحب جبيل هذا من أعيان الفرنج وأصحاب الرأي ~~والمكر والشر، به يضرب المثل بينهم، وكان للمسلمين منه عدو أزرق، وكان ~~إطلاقه من الأسباب الموهنة للمسلمين على ما يأتي بيانه. # ذكر خروج المركيس إلى صور # لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين إلى مدينة صور أقام بها وهي أعظم ~~بلاد الساحل حصانة، وأشدها امتناعا على من رامها، فلما رأى السلطان قد ملك ~~تبنين وصيدا وبيروت، خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ~~ويحميها ويمنعها فلا يقوى على حفظها، وتركها وسار إلى مدينة طرابلس. # فبقيت صور شاغرة لا مانع لها ولا عاصم من المسلمين، فلو بدأ بها صلاح ~~الدين قبل تبنين وغيرها لأخذها بغير مشقة، لكنه استعظمها لحصانتها فأراد أن ~~يفرغ باله مما يجاورها من نواحيها ليسهل أخذها، فكان ذلك سبب حفظها وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا. # واتفق أن إنسانا من الفرنج الذين داخل البحر يقال له المركيس، لعنه الله، ~~خرج في البحر بمال كثير للزيادة والتجارة، ولم يشعر بما كان من الفرنج ~~فأرسى بعكا، وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب من ~~الفرنج، وضرب الأجراس وغير ذلك، وما رأى أيضا من زي أهل البلد، فوقف ولم ~~يدر ما الخبر، وكانت الريح قد ركدت. # فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في سفينة يبصر من هو وما يريد، فأتاه ~~القاصد فسأله المركيس عن الأخبار لما أنكره، فأخبره بكسرة # PageV10P031 # الفرنج وأخذ عكا وغيرها، وأعلمه أن صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها، وحكى ~~الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح، فرد الرسول يطلب الأمان ~~ليدخل البلد بما معه من متاع ومال، فأجيب إلى ذلك. # فردده مرارا كل مرة يطلب شيئا لم يطلبه في المرة الأولى، وهو يفعل ذلك ~~انتظارا ms4242 لهبوب الهواء ليسير به، فبينما هو في مراجعاته إذ هبت الريح فسار ~~نحو صور، وسير الملك الأفضل الشواني في طلبه فلم يدركوه. # فأتى صور وقد اجتمع بها من الفرنج خلق كثير لأن صلاح الدين كان كلما فتح ~~مدينة عكا وبيروت وغيرهما مما ذكرنا أعطى أهلها الأمان، فساروا كلهم إلى ~~صور، وكثر الجمع بها إلا أنهم ليس لهم رأس يجمعهم، ولا مقدم يقاتل بهم، ~~وليسوا أهل الحرب، وهم عازمون على مراسلة صلاح الدين، وطلب الأمان وتسليم ~~البلد إليه. # فأتاهم المركيس وهم على ذلك العزم، فردهم عنه وقوى نفوسهم وضمن لهم حفظ ~~المدينة وبذل ما معه من الأموال وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له ~~دون غيره، فأجابوه إلى ذلك فأخذ أيمانهم عليه عندهم ودبر أحوالهم، وكان من ~~شياطين الإنس حسن التدبير والحفظ، وله شجاعة عظيمة، وشرع في تحصينها فجدد ~~حفر خنادقها وعمل أسوارها، وزاد في حصانتها واتفق من بها على الحفظ والقتال ~~دونها. # ذكر فتح عسقلان وما يجاورها # لما ملك صلاح الدين بيروت وجبيل وغيرهما، كان أمر عسقلان والقدس أهم عنده ~~من غيرهما لأسباب منها أنهما على طريق مصر، يقطع بينهما وبين الشام. # وكان يختار أن تتصل الولايات له ليسهل خروج العسكر منها ودخولهم إليها، ~~ولما في فتح القدس من الذكر الجميل والصيت العظيم، إلى غير ذلك من الأعراض. # فسار عن بيروت نحو عسقلان، واجتمع بأخيه العادل ومن معه من عساكر مصر، ~~ونازلوها يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، وكان صلاح الدين قد أحضر ملك ~~الفرنج ومقدم الداوية إليه من دمشق، وقال لهما: إن سلمتما البلاد إلي فلكما ~~الأمان، فأرسلا إلى من بعسقلان من الفرنج يأمرانهم بتسليم البلد، فلم ~~يسمعوا أمرهما وردوا عليهما أقبح رد، وجبهوهما بما يسوءهما. # فلما رأى السلطان ذلك جد في قتال المدينة ونصب المجانيق عليها، وزحف # PageV10P032 # مرة بعد أخرى، وتقدم النقابون إلى السور، فنالوا من باشورته شيئا. هذا ~~وملكهم يكرر المراسلات إليهم بالتسليم، ويشير عليهم، ويعدهم أنه إذا أطلق ~~من الأسر أضرم البلاد على المسلمين نارا، واستنجد ms4243 بالفرنج من البحر، وأجلب ~~الخيل والرجل إليهم من أقاصي بلاد الفرنج وأدانيها، وهم لا يجيبون إلى ما ~~يقول ولا يسمعون ما يشير به. # ولما رأوا أنهم كل يوم يزدادون ضعفا ووهنا، وإذا قتل منهم الرجل لا يجدون ~~له عوضا، ولا لهم نجدة ينتظرونها، راسلوا ملكهم المأسور في تسليم البلد على ~~شروط اقترحوها، فأجابهم صلاح الدين إليها. # وكانوا قتلوا في الحصار أميرا كبيرا من المهرانية، فخافوا عند مفارقة ~~البلد أن عشيرته يقتلون منهم بثأره، فاحتاطوا فيما اشترطوا لأنفسهم، ~~فأجيبوا إلى ذلك جميعه، وسلموا المدينة سلخ جمادى الآخرة من السنة، وكانت ~~مدة الحصار أربعة عشر يوما، وسيرهم صلاح الدين ونساءهم وأموالهم وأولادهم ~~إلى بيت المقدس، ووفى لهم بالأمان. # ذكر فتح البلاد والحصون المجاورة لعسقلان # لما فتح صلاح الدين عسقلان أقام بظاهرها، وبث السرايا في أطراف البلاد ~~المجاورة لها، ففتحوا الرملة، والداروم، وغزة، ومشهد إبراهيم الخليل، عليه ~~السلام، ويبنى، وبيت لحم وبيت جبريل، والنطرون، وكل ما كان للداوية. # ذكر فتح البيت المقدس # لما فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها من البلاد، على ما تقدم، ~~وكان قد أرسل إلى مصر أخرج الأسطول الذي بها في جمع من المقاتلة، ومقدمهم ~~حسام الدين لؤلؤ الحاجب، وهو معروف بالشجاعة، والشهامة، ويمن النقيبة. # فأقاموا في البحر يقطعون الطريق على الفرنج، كلما رأوا لهم مركبا غنموه، ~~وشانيا أخذوه، فحين وصل الأسطول وخلا سره من تلك الناحية سار عن عسقلان إلى ~~البيت المقدس. # وكان به البطرك المعظم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضا باليان ~~بن بيرزان، صاحب الرملة، وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك. # وبه أيضا من خلص من فرسانهم من حطين، وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل تلك ~~النواحي، # PageV10P033 # عسقلان وغيرها. # فاجتمع به كثير من الخلق، كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون ~~البيت المقدس ويأخذوه منهم، ويرى أن بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب ~~عليه من حفظه، وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلا، وصعدوا على سوره ~~بحدهم وحديدهم، مجمعين على حفظه ms4244 والذب عنه بجهدهم وطاقتهم، مظهرين العزم ~~على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم، ونصبوا المجانيق على أسواره ليمنعوا من ~~يريد الدنو منه والنزول عليه. # ولما قرب صلاح الدين منه تقدم أمير في جماعة من أصحابه، غير محتاط ولا ~~حذر، فلقيه جمع من الفرنج قد خرجوا من القدس ليكونوا يزكا، فقاتلوه ~~وقاتلهم، فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه، فأهم المسلمين قتله، وفجعوا بفقده، ~~وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب. # فلما نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم، وسمعوا لأهله ~~من الجلبة، والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع، وبقي ~~صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله، لأنه في غاية ~~الحصانة والامتناع، فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة الشمال، نحو باب ~~عمودا، وكنيسة صهيون. # فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها، ونصب تلك الليلة ~~المجانيق، فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها، ورمى بها. # ونصب الفرنج على سور البلد مجانيق ورموا بها، وقوتلوا أشد قتال رآه أحد ~~من الناس، كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينا، وحتما واجبا، فلا يحتاج فيه ~~إلى باعث سلطاني بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا ينزجرون. # وكان خيالة الفرنج كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون، فيقتل ~~من الفريقين، وممن استشهد من المسلمين الأمير عز الدين عيسى بن مالك، وهو ~~من أكابر الأمراء وكان أبوه صاحب قلعة جعبر، وكان يصطلي القتال بنفسه كل ~~يوم، فقتل إلى رحمة الله تعالى. # وكان محبوبا إلى الخاص والعام، فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك، ~~وأخذ من قلوبهم، فحملوا حملة رجل واحد، فأزالوا الفرنج عن مواقفهم فأدخلوهم ~~بلدهم، ووصل المسلمون إلى الخندق، فجازوه # PageV10P034 # والتصقوا إلى السور فنقبوه، وزحف الرماة يحمونهم، والمجانيق توالي الرمي ~~لتكشف الفرنج عن الأسوار ليتمكن المسلمون من النقب، فلما نقبوه حشوه بما ~~جرت به العادة. # فلما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين، وتحكم المجانيق بالرمي المتدارك، ~~وتمكن النقابين من النقب، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك، ms4245 اجتمع مقدموهم ~~يتشاورون فيما يأتون ويذرون، فاتفق رأيهم على طلب الأمان، وتسليم البيت ~~المقدس إلى صلاح الدين. # فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان، فلما ذكروا ذلك ~~للسلطان امتنع من إجابتهم، وقال: لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ~~ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، من القتل والسبي وجزاء السيئة بمثلها. # فلما رجع الرسل خائبين محرومين، أرسل باليان بن بيرزان وطلب لنفسه ليحضر ~~عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره، فأجيب إلى ذلك، وحضر عنده، ورغب في ~~الأمان، وسأل فيه، فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم ~~يرحمه. # فلما أيس من ذلك قال له: أيها السلطان اعلم أننا في هذه المدينة في خلق ~~كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان، ظنا ~~منهم أنك تجيبهم إليه كما أجبت غيرهم، وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة. # فإذا رأينا أن الموت لا بد منه، فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا ونحرق ~~أموالنا وأمتعتنا، ولا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما، ولا ~~تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة. # وإذا فرغنا من ذلك أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من المواضع، ثم ~~نقتل من عندنا من أسارى المسلمين، وهم خمسة آلاف أسير، ولا نترك لنا دابة ~~ولا حيوانا إلا قتلناه، ثم خرجنا إليكم كلنا فقاتلناكم قتال من يريد [أن] ~~يحمي دمه ونفسه، وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله، ونموت أعزاء أو ~~نظفر كراما. # فاستشار صلاح الدين أصحابه. فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان، وأن لا ~~يخرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدرى عاقبة الأمر فيه عن أي شيء تنجلي، ~~ونحسب أنهم أسارى بأيدينا، فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم، فأجاب ~~صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج. # فاستقر أن يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير، ويزن الطفل من ~~الذكور والبنات دينارين، وتزن المرأة خمسة دنانير، فمن أدى ذلك إلى أربعين ~~يوما فقد نجا، ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤد ما # PageV10P035 # عليه فقد صار مملوكا، فبذل باليان ms4246 بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف ~~دينار، فأجيب إلى ذلك. # وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وكان يوما مشهودا، ~~ورفعت الأعلام الإسلامية على أسوارها. # ورتب صلاح الدين على أبواب البلد، في كل باب، أمينا من الأمراء ليأخذوا ~~من أهله ما استقر عليهم، فاستعملوا الخيانة، ولم يؤدوا فيه أمانة، واقتسم ~~الأمناء الأموال، وتفرقت أيدي سبا، ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن، وعم ~~الناس. # فإنه كان فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من ~~النساء والولدان، ولا يعجب السامع من ذلك، فإن البلد كبير، واجتمع إليه من ~~تلك النواحي من عسقلان وغيرها، والداروم، والرملة، وغزة وغيرها من القرى، ~~بحيث امتلأت الطرق والكنائس، وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي. # ومن الدليل على كثرة الخلق أن أكثرهم وزن ما استقر من القطيعة، وأطلق ~~باليان بن بيرزان ثمانية عشر ألف رجل وزن عنهم ثلاثين ألف دينار، وبقي بعد ~~هذا جميعه من لم يكن معه ما يعطي، وأخذ أسيرا ستة عشر ألف آدمي ما بين رجل ~~وامرأة وصبي، هذا بالضبط واليقين. # ثم إن جماعة من الأمراء ادعى كل واحد منهم أن جماعة من رعية إقطاعه ~~مقيمون بالبيت المقدس، فيطلقهم ويأخذ هو قطيعتهم، وكان جماعة من الأمراء ~~يلبسون الفرنج زي الجند المسلمين، ويخرجونهم، ويأخذون منهم قطيعة قرروها، ~~واستوهب جماعة من صلاح الدين عددا من الفرنج، فوهبهم لهم، فأخذوا قطيعتهم، ~~وبالجملة فلم يصل إلى خزائنه إلا القليل. # وكان بالقدس بعض نساء الملوك من الروم قد ترهبت وأقامت به، ومعها من ~~الحشم والعبيد والجواري خلق كثير، ولها من الأموال والجواهر النفيسة شيء ~~عظيم، فطلبت الأمان لنفسها ومن معها، فأمنها وسيرها. # وكذلك أيضا أطلق ملكة القدس التي كان زوجها الذي أسره صلاح الدين قد ملك ~~الفرنج بسببها، ونيابة عنها كان يقوم بالملك، وأطلق مالها وحشمها، ~~واستأذنته في المصير إلى زوجها، وكان حينئذ محبوسا بقلعة نابلس، فأذن لها، ~~فأتته وأقامت عنده. # PageV10P036 # وأتته أيضا امرأة للبرنس أرناط صاحب الكرك، وهو الذي قتله صلاح الدين ms4247 ~~بيده يوم المصاف بحطين، فشفعت في ولد لها مأسور، فقال لها صلاح الدين: إن ~~سلمت الكرك أطلقته، فسارت إلى الكرك، فلم يسمع منها الفرنج الذي فيه، ولم ~~يسلموه فلم يطلق ولدها، ولكنه أطلق ما لها ومن تبعها. # وخرج البطرك الكبير الذي للفرنج، ومعه من أموال البيع منها: الصخرة ~~والأقصى، وقمامة وغيرها، ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان له من المال مثل ~~ذلك، فلم يعرض له صلاح الدين، فقيل له ليأخذ ما معه يقوي به المسلمين، ~~فقال: لا أغدر به، ولم يأخذ منه غير عشرة دنانير، وسير الجميع ومعهم من ~~يحميهم إلى مدينة صور. # وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب، فلما دخل المسلمون البلد يوم ~~الجمعة تسلق جماعة منهم إلى أعلى القبة ليقلعوا الصليب، فلما فعلوا وسقط ~~صاح الناس كلهم صوتا واحدا من البلد ومن ظاهره المسلمون والفرنج: أما ~~المسلمون فكبروا فرحا، وأما الفرنج فصاحوا تفجعا وتوجعا، فسمع الناس ضجة ~~كادت الأرض أن تميد بهم لعظمها وشدتها. # فلما ملك البلد وفارقه الكفار أمر صلاح الدين بإعادة الأبنية إلى حالها ~~القديم، فإن الداوية بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكنوها، وعملوا فيها ما ~~يحتاجون إليه من هري ومستراح وغير ذلك، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم ~~فأعيد إلى الأول، وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس، ففعل ~~ذلك أجمع. # ولما كان الجمعة الأخرى، رابع شعبان، صلى المسلمون فيه الجمعة، ومعهم ~~صلاح الدين، وصلى في قبة الصخرة، وكان الخطيب والإمام محيي الدين بن الزكي، ~~قاضي دمشق، ثم رتب فيه صلاح الدين خطيبا وإماما برسم الصلوات الخمس. # وأمر أن يعمل له منبر، فقيل له: إن نور الدين محمودا كان قد عمل بحلب ~~منبرا أمر الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه، وقال: هذا قد عملناه لينصب ~~بالبيت المقدس، فعمله النجارون في عدة سنين لم يعمل في الإسلام مثله، فأمر ~~بإحضاره، فحمل من حلب ونصب بالقدس، وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على ~~عشرين سنة، وكان هذا من كرامات نور الدين، وحسن مقاصده، رحمه الله. # PageV10P037 # ولما ms4248 فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة المسجد الأقصى واستنفاد ~~الوسع في تحسينه وترصيفه، وتدقيق نقوشه، فأحضروا من الرخام الذي لا يوجد ~~مثله، ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاجون إليه، قد ادخر على ~~طول السنين. # فشرعوا في عمارته، ومحوا ما كان في تلك الأبنية من الصور، وكان الفرنج ~~فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها، فأمر بكشفها. # وكان سبب تغطيتها بالفرش أن القسيسين باعوا كثيرا منها للفرنج الواردين ~~إليهم من داخل البحر للزيارة، فكانوا يشترونه بوزنه ذهبا رجاء بركتها، وكان ~~أحدهم إذا دخل بلاده باليسير منها بنى له الكنيسة، ويجعل في مذبحها، فخاف ~~بعض ملوكهم أن تفنى، فأمر بها ففرش فوقها حفظا لها. # فلما كشفت نقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة، والربعات الجيدة، ورتب ~~القراء، وأدر عليهم الوظائف الكثيرة، فعاد الإسلام هناك غضا طريا، وهذه ~~المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ~~غير صلاح الدين، رحمه الله، وكفاه ذلك فخرا وشرفا. # وأما الفرنج من أهله فإنهم أقاموا، وشرعوا في بيع ما لا يمكنهم حمله من ~~أمتعتهم وذخائرهم وأموالهم، وما لا يطيقون حمله، وباعوا ذلك بأرخص الثمن، ~~فاشتراه التجار من أهل العسكر، واشتراه النصارى من أهل القدس الذين ليسوا ~~من الفرنج، فإنهم طلبوا من صلاح الدين أن يمكنهم من المقام في مساكنهم، ~~ويأخذ منهم الجزية، فأجابهم إلى ذلك، فاشتروا حينئذ من أموال الفرنج. # وترك الفرنج أيضا أشياء كثيرة لم يمكنهم بيعها من الأسرة والصناديق ~~والبتيات، وغير ذلك، وتركوا أيضا من الرخام الذي لا يوجد مثله، من الأساطين ~~والألواح والفص وغيره، شيئا كثيرا ثم ساروا. # PageV10P038 # ذكر رحيل صلاح الدين إلى صور ومحاصرتها. # لما فتح صلاح الدين البيت المقدس أقام بظاهره إلى الخامس والعشرين من ~~شعبان يرتب أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس، فجعل دار ~~الاسبتار مدرسة للشافعية، وهي في غاية ما يكون من الحسن. # فلما فرغ من أمر البلد سار إلى مدينة صور، وكانت قد اجتمع فيها من الفرنج ~~عالم كثير، وقد صار ms4249 المركيس صاحبها والحاكم فيها، وقد ساسهم أحسن سياسة، ~~وبالغ في تحصين البلد. # ووصل صلاح الدين إلى عكا، وأقام بها أياما، فلما سمع المركيس بوصوله ~~إليها جد في عمل سور صور وخنادقها وتعميقها، ووصلها من البحر إلى البحر من ~~الجانب الآخر، فصارت المدينة كالجزيرة في وسط الماء لا يمكن الوصول إليها ~~ولا الدنو منها. # ثم رحل صلاح الدين من عكا، فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان، فنزل على نهر ~~قريب [من] البلد بحيث يراه، حتى اجتمع الناس وتلاحقوا، وسار في الثاني ~~والعشرين من رمضان. # فنزل على تل يقارب سور البلد، بحيث يرى القتال، وقسم القتال على العسكر ~~كل جمع منهم له وقت معلوم يقاتلون فيه، بحيث يتصل القتال على أهل البلد، ~~على أن الموضع الذي يقاتلون فيه قريب المسافة، يكفيه الجماعة اليسيرة من ~~أهل البلد لحفظه، وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر إلى البحر، فلا يكاد ~~الطير يطير عليها، فإن المدينة كالكف في البحر، والساعد متصل بالبر والبحر ~~من جانبي الساعد، والقتال إنما هو في الساعد، فزحف المسلمون مرة بالمجانيق، ~~والعرادات، والجروخ، والدبابات. # وكان أهل صلاح الدين يتناوبون القتال مثل: ولده الأفضل، وولده الظاهر ~~غازي، وأخيه العادل بن أيوب، وابن أخيه تقي الدين، وكذلك سائر الأمراء. # وكان للفرنج شوان وحراقات يركبون فيها في البحر، ويقفون من جانبي الموضع ~~الذي يقاتل المسلمون منه أهل البلد، فيرمون المسلمين من جانبهم بالجروخ، ~~ويقاتلونهم. وكان ذلك يعظم عليهم، لأن أهل البلد يقاتلونهم من بين أيديهم، ~~وأصحاب الشواني يقاتلونهم من جانبيهم، فكانت سهامهم تنفذ من أحد الجانبين ~~إلى الجانب الآخر لضيق الموضع، فكثرت الجراحات في المسلمين والقتل. # ولم يتمكنوا # PageV10P039 # من الدنو إلى البلد، فأرسل صلاح الدين إلى الشواني التي جاءته من مصر، ~~وهي عشر قطع، وكانت بعكا، فأحضرها برجالها ومقاتلتها وعدتها، وكانت في ~~البحر تمنع شواني أهل صور من الخروج إلى قتال المسلمين، فتمكن المسلمون ~~حينئذ من القرب من البلد، ومن قتاله، فقاتلوه برا وبحرا وضايقوه حتى كادوا ~~يظفرون. # فجاءت الأقدار بما لم يكن في ms4250 الحساب، وذلك أن خمس قطع من شواني المسلمين ~~باتت، في بعض تلك الليالي، مقابل ميناء صور ليمنعوا من الخروج منه والدخول ~~إليه، فباتوا ليلتهم يحرسون، وكان مقدمهم عبد السلام المغربي الموصوف ~~بالحذق في صناعته. # فلما كان وقت السحر أمنوا فناموا، فما شعروا إلا بشواني الفرنج قد ~~نازلتهم وضايقتهم، فأوقعت بهم، فقتلوا من أرادوا قتله، وأخذوا الباقين ~~بمراكبهم، وأدخلوا ميناء صور، والمسلمون في البر ينظرون إليهم، ورمى جماعة ~~من المسلمين أنفسهم من الشواني في البحر، فمنهم من سبح فنجا، ومنهم من غرق. # وتقدم السلطان إلى الشواني الباقية بالمسير إلى بيروت لعدم انتفاعه بها ~~لقلتها، فسارت، فتبعها شواني الفرنج، فحين رأى من في شواني المسلمين الفرنج ~~مجدين في طلبهم ألقوا نفوسهم في شوانيهم إلى البر فنجوا وتركوها، فأخذها ~~صلاح الدين، ونقضها وعاد إلى مقاتلة صور في البر، وكان ذلك قليل الجدوى ~~لضيق المجال. # وفي بعض الأيام خرج الفرنج فقاتلوا المسلمين من وراء خنادقهم، فاشتد ~~القتال بين الفريقين، ودام إلى آخر النهار، كان خروجهم قبل العصر، وأسر ~~منهم فارس كبير مشهور، بعد أن كثر القتال والقتل عليه من الفريقين، لما ~~سقط، فلما أسر قتل، وبقوا كذلك عدة أيام. # ذكر الرحيل عن صور إلى عكا وتفريق العساكر # لما رأى صلاح الدين أن أمر صور يطول رحل عنها، وهذه كانت عادته، متى # PageV10P040 # ثبت البلد بين يديه ضجر منه ومن حصاره فرحل عنه، وكان هذه السنة لم يطل ~~مقامه على مدينة بل فتح الجميع في الأيام القريبة، كما ذكرناه، بغير تعب ~~ولا مشقة. # فلما رأى هو وأصحابه شدة أمر صور ملوها، وطلبوا الانتقال عنها، ولم يكن ~~لأحد ذنب في أمرها غير صلاح الدين، فإنه هو جهز إليها جنود الفرنج، وأمدها ~~بالرجال والأموال من أهل عكا وعسقلان والقدس وغير ذلك، كما سبق ذكره. # كان يعطيهم الأمان ويرسلهم إلى صور، فصار فيها من سلم من فرسان الفرنج ~~بالساحل، بأموالهم وأموال التجار وغيرهم، فحفظوا المدينة وراسلوا الفرنج ~~داخل البحر يستمدونهم، فأجابوهم بالتلبية لدعوتهم، ووعدهم بالنصرة، وأمروهم ~~بحفظ صور لتكون ms4251 دار هجرتهم يحتمون بها ويلجأون إليها، فزادهم ذلك حرصا على ~~حفظها والذب عنها. # وسنذكر إن شاء الله ما صار إليه الأمر بعد ذلك ليعلم أن الملك لا ينبغي ~~أن يترك الحزم، وإن ساعدته الأقدار، فلأن يعجز حازما خير له من أن يظفر ~~مفرطا مضيعا للحزم، وأعذر له عند الناس. # ولما أراد الرحيل استشار أمراءه، فاختلفوا، فجماعة يقولون: الرأي أن ~~نرحل، فقد جرح الرجال، وقتلوا، وملوا، وفنيت النفقات، وهذا الشتاء قد حضر، ~~والشوط بطين، فنريح ونستريح في هذا البرد، فإذا جاء الربيع اجتمعنا ~~وعاودناها وغيرها. # وكان هذا قول الأغنياء منهم، وكأنهم خافوا أن السلطان يقترض منهم ما ~~ينفقه في العسكر إذا أقام لخلو الخزائن وبيوت الأموال من الدرهم والدينار، ~~فإنه كان يخرج كل ما حمل إليه منها. # وقالت الطائفة الأخرى: الرأي أن نصابر البلد ونضايقه، فهو الذي يعتمدون ~~عليه من حصونهم، ومتى أخذناه منهم انقطع طمع من داخل البحر من هذا الجانب ~~وأخذنا باقي البلاد صفوا عفوا. # فبقي صلاح الدين مترددا بين الرحيل والإقامة، فلما رأى من يرى الرحيل ~~إقامته أخل بما رد إليه من المحاربة والرمي بالمنجنيق، واعتذروا بجراح ~~رجالهم، وأنهم قد أرسلوا بعضهم ليحضروا نفقاتهم والعلوفات لدوابهم والأقوات ~~لهم، إلى غير ذلك من الأعذار، فصاروا مقيمين بغير قتال، فاضطر إلى الرحيل، ~~فرحل عنها آخر شوال. # وكان أول كانون الأول، إلى عكا، فأذن للعساكر جميعها بالعود إلى أوطانهم # PageV10P041 # والاستراحة في الشتاء، والعود في الربيع، فعادت عساكر الشرق والموصل ~~وغيرها، وعساكر الشام، وعساكر مصر، وبقي حلقته الخاص مقيما بعكا، فنزل ~~بقلعتها، ورد أمر البلد إلى عز الدين جورديك، وهو من أكابر المماليك ~~النورية، جمع الديانة، والشجاعة، وحسن السيرة. # ذكر فتح هونين # لما فتح السلطان صلاح الدين تبنين امتنع من بهونين من تسليمها، وهي من ~~أحصن القلاع وأمنعها، فلم ير التعريج عليها ولا الاشتغال بمحاصرتها، بل سير ~~إليها جماعة من العسكر والأمراء فحصروها، ومنعوا من حمل الميرة إليها، ~~واشتغل بما تقدم ذكره من فتح عسقلان والبيت المقدس وغير ذلك، فلما كان ~~يحاصر ms4252 مدينة صور أرسل من فيها يطلبون الأمان، فأمنهم، فسلموا، ونزلوا منها ~~فوفى لهم بأمانهم. # ذكر حصر صفد وكوكب والكرك # لما سار صلاح الدين إلى عسقلان جعل على قلعة كوكب، وهي مطلة على الأردن ~~من يحصرها، ويحفظ الطريق للمجتازين لئلا ينزل من به من الفرنج يقطعونه، ~~وسير طائفة أخرى من العسكر أيضا إلى قلعة صفد فحصروها، وهي مطلة على مدينة ~~طبرية. # وكان حصن كوكب للإسبتار، وحصن صفد للداوية، وهما قريبان من حطين، موضع ~~المصاف، فلجأ إليها جمع ممن سلم من الداوية والاسبتار فحموهما، فلما حصرهما ~~المسلمون استراح الناس من شر من فيهما، واتصلت الطرق حتى كان يسير فيها ~~المنفرد فلا يخاف. # وكان مقدم الجماعة الذين يحصرون قلعة كوكب أميرا يقال له سيف الدين، وهو ~~أخو جاولي الأسدي، وكان شهما شجاعا، يرجع إلى دين وعبادة، فأقام عليه إلى ~~آخر شوال، وكان أصحابه يحرسون نوبا مرتبة. # فلما كان آخر ليلة من شوال غفل الذي # PageV10P042 # كانت نوبته في الحراسة، وكان قد صلى ورده من الليل إلى السحر، وكانت ليلة ~~كثيرة الرعد والبرق، والريح والمطر، فلم يشعر المسلمون وهم نازلون إلا ~~والفرنج قد خالطوهم بالسيوف، ووضعوا السلاح فيهم، فقتلوهم أجمعين، وأخذوا ~~ما كان عندهم من طعام وسلاح وغيره وعادوا إلى قلعتهم، فقووا بذلك قوة عظيمة ~~أمكنتهم أن يحفظوا قلعتهم إلى أن أخذت أواخر سنة أربع وثمانين [وخمسمائة] ، ~~على ما سنذكره إن شاء الله. # وأتى الخبر إلى صلاح الدين بذلك، عند رحيله عن (صور، فعظم) ذلك عليه، ~~مضافا إلى ما ناله من أخذ شوانيه ومن فيها، ورحيله عن صور، ثم رتب على حصن ~~كوكب الأمير قايماز النجمي في جماعة أخرى من الأجناد، فحصروها. # ذكر الفتنة بعرفات وقتل ابن المقدم # في هذه السنة، يوم عرفة، قتل شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن ~~المقدم بعرفات، وهو أكبر الأمراء الصلاحية، وقد تقدم من ذكره ما فيه كفاية. # وسبب قتله أنه لما فتح المسلمون البيت المقدس طلب إذنا من صلاح الدين ~~ليحج ويحرم من القدس، ويجمع في سنة ms4253 بين الجهاد والحج وزيارة الخليل، عليه ~~السلام، وما بالشام من مشاهد الأنبياء، وبين زيارة رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، أجمعين، فأذن له. # وكان قد اجتمع تلك السنة من الحجاج بالشام الخلق العظيم من البلاد: ~~العراق، والموصل، وديار بكر، والجزيرة، وخلاط، وبلاد الروم ومصر وغيرها، ~~ليجمعوا بين زيارة البيت المقدس ومكة، فجعل ابن المقدم أميرا عليهم فساروا ~~حتى وصلوا إلى عرفات سالمين، ووقفوا في تلك المشاعر، وأدوا الواجب والسنة. # فلما كان عشية عرفة تجهز هو وأصحابه ليسيروا من عرفات، فأمر بضرب كوساته ~~التي هي أمارة الرحيل، فضربها أصحابه، فأرسل إليه أمير الحاج العراقي، # PageV10P043 # وهو مجير الدين طاش تكين، ينهاه عن الإفاضة من عرفات قبله، ويأمره بكف ~~أصحابه عن ضرب كوساته. # فأرسل إليه: إني ليس لي معك تعلق، أنت أمير الحاج العراقي، وأنا أمير ~~الحاج الشامي، وكل منا يفعل ما يراه ويختاره، وسار ولم يقف، ولم يسمع قوله. # فلما رأى طاش تكين إصراره على مخالفته ركب في أصحابه وأجناده، وتبعه من ~~غوغاء الحاج العراقي وبطاطيهم، وطماعتهم، العالم الكثير، والجم الغفير، ~~وقصدوا حاج الشام مهولين عليهم. # فلما قربوا منهم خرج الأمر من الضبط، وعجزوا عن تلافيه، فهجم طماعة ~~العراق على حاج الشام وفتكوا فيهم، وقتلوا جماعة ونهبت أموالهم وسبيت جماعة ~~من نسائهم، إلا أنهن رددن عليهم. # وجرح ابن المقدم عدة جراحات، وكان يكف أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم ~~لانتصف منهم وزاد، لكنه أخذه طاش تكين إلى خيمته، وأنزله عنده ليمرضه ~~ويستدرك الفارط في حقه، وساروا تلك الليلة من عرفات، فلما كان الغد مات ~~بمنى، ودفن بمقبرة المعلى، ورزق الشهادة بعد الجهاد، وشهود فتح البيت ~~المقدس، رحمه الله تعالى. # ذكر قوة السلطان طغرل على قزل # في هذه السنة قوي أمر السلطان طغرل، وكثر جمعه، وملك كثيرا من البلاد، ~~فأرسل قزل إلى الخليفة يستنجده، ويخوفه من طغرل، ويبذل من نفسه الطاعة ~~والتصرف على ما يختارونه. # وأرسل طغرل رسولا إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم الديوان بعمارة [دار] ~~السلطنة لأسكنها إذا وصلت، فأكرم رسول ms4254 قزل ووعده بالنجدة، ورد رسول السلطان ~~طغرل بغير جواب، وأمر الخليفة بنقض دار السلطنة، فهدمت إلى الأرض، وعفي ~~أثرها. # ذكر ملك شرستي من الهند وغيرها وانهزام المسلمين بعدها # في آخر هذه السنة سار شهاب الدين الغوري، ملك غزنة، إلى بلاد الهند، وقصد ~~بلاد أجمير، وتعرف بولاية السوالك، واسم ملكهم كولة، وكان شجاعا # PageV10P044 # شهما، فلما دخل المسلمون بلاده ملكوا مدينة تبرندة، وهي حصن منيع عامر، ~~وملكوا شرستي، وملكوا كوة رام. # فلما سمع ملكهم جمع العساكر فأكثر، وسار إلى المسلمين، فالتقوا، وقامت ~~الحرب على ساق، وكان مع الهند أربعة عشر فيلا، فلما اشتدت الحرب انهزمت ~~ميمنة المسلمين وميسرتهم، فقال لشهاب الدين بعض خواصه: قد انكسرت الميمنة ~~والميسرة، فانج بنفسك لا يهلك المسلمون. # فأخذ شهاب الدين الرمح وحمل على الهنود، فوصل إلى الفيلة، فطعن فيلا منها ~~في كتفه، وجرح الفيل لا يندمل، فلما وصل شهاب الدين إلى الفيلة زرقه بعض ~~الهنود بحربة، فوقعت الحربة في ساعده، فنفذت الحربة من الجانب الآخر، فوقع ~~حينئذ إلى الأرض، فقاتل عليه أصحابه ليخلصوه، وحرصت الهنود على أخذه، وكان ~~عنده حرب لم يسمع بمثلها، وأخذه أصحابه فركبوه فرسه وعادوا به منهزمين. # فلم يتبعهم الهنود، فلما أبعدوا عن موضع الوقعة بمقدار فرسخ أغمي على ~~شهاب الدين من كثرة خروج الدم، فحمله الرجال على أكتافهم في محفة اليد ~~أربعة وعشرين فرسخا. # فلما وصل إلى لهاوور أخذ الأمراء الغورية، وهم الذين انهزموا ولم يثبتوا، ~~وعلق على كل واحد منهم عليق شعير، وقال: أنتم دواب ما أنتم أمراء! وسار إلى ~~غزنة، وأمر بعضهم فمشى إليها ماشيا، فلما وصل إلى غزنة أقام بها ليستريح ~~الناس، ونذكر ما فعله بملك الهند الذي هزمه سنة ثمان وثمانين [وخمسمائة] إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة في ربيع الأول، قتل مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب، وهو ~~أستاذ دار الخليفة، أمر الخليفة بقتله، وكان متحكما في الدولة، ليس للخليفة ~~معه حكم، وكان هو القيم بالبيعة له، وظهر له أموال عظيمة، أخذ جميعها، وكان ms4255 ~~حسن السيرة عفيفا عن الأموال، وكان الذي سعى به إنسان من أصحابه وصنائعه، ~~يقال له عبيد الله بن يونس، فسعى به إلى الخليفة، وقبح آثاره، فقبض عليه ~~وقتله # PageV10P045 # وفيها، في ربيع الآخر، وقع حريق في الحظائر ببغداد، واحترقت أحطاب كثيرة، ~~وسببه أن فقيها بالمدرسة النظامية كان يطبخ طعاما يأكله، فغفل عن النار ~~والطبيخ، فعلقت النار واتصلت إلى الحظائر، فاحترقت جميعها، واحترق درب ~~السلسلة وغيره مما يجاوره. # وفيها، في شوال، استوزر الخليفة الناصر لدين الله أبا المظفر عبيد الله ~~بن يونس، ولقبه جلال الدين، ومشى أرباب الدولة في ركابه، حتى قاضي القضاة، ~~وكان ابن يونس من شهوده، وكان يمشي ويقول: لعن الله طول العمر. # [الوفيات] وفيها، في المحرم، توفي عبد المغيث بن زهير الحربي ببغداد وكان ~~من أعيان الحنابلة، قد سمع الحديث الكثير، وصنف كتابا في فضائل يزيد بن ~~معاوية أتى فيه بالعجائب، وقد رد عليه أبو الفرج بن الجوزي، وكان بينهما ~~عداوة. # وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني، وولي قضاء القضاة ~~للمقتفي بعد موت الزينبي، ثم للمستنجد بالله، ثم عزل، ثم أعيد إلى المستضيء ~~بأمر الله. # وفيها توفي الوزير جلال الدين أبو الحسن علي بن جمال الدين أبي جعفر محمد ~~بن أبي منصور وزير صاحب الموصل، وهو الجواد ابن الجواد، وقد ذكرنا من ~~أخباره وأخبار أبيه ما يعلم به محلهما، وحمل إلى مدينة النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فدفن بها عند أبيه علي بن خطاب بن ظفر الشيخ الصالح من جزيرة ~~ابن عمر، وكان من الأولياء أرباب الكرامات، وصحبته أنا مدة، فلم أر مثله ~~حسن خلق وسمت وكرم وعبادة، رحمه الله. # وفيها ولدت امرأة من سواد بغداد بنتا لها أسنان. # وفيها توفي نصر بن فتيان بن مطر أبو الفتح بن المني الفقيه الحنبلي، لم ~~يكن لهم مثله، رحمه الله. # PageV10P046 ### | [ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة] ### | 584 - # ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة # ذكر حصر صلاح الدين كوكب # في هذه السنة، وفي المحرم، انحسر الشتاء، فسار صلاح الدين من ms4256 عكا فيمن ~~تخلف عنده من العسكر إلى قلعة كوكب، فحصرها، ونازلها، ظنا منه أن ملكها ~~سهل، وأن أخذها، وهو في قلة من العسكر، متيسر، فلما رآها عالية منيعة [أدرك ~~أن] الوصول إليها متعذر. # وكان عنده منها ومن صفد والكرك المقيم المقعد، لأن البلاد الساحلية، من ~~عكا إلى جهة الجنوب، كانت قد ملك جميعها ما عدا هذه الحصون، وكان يختار أن ~~لا يبقى في وسطها ما يشغل قلبه، ويقسم همه، ويحتاج إلى حفظه، ولئلا ينال ~~الرعايا والمجتازين منهم الضرر العظيم. # فلما حصر كوكب، ورآها منيعة، يبطئ ملكها وأخذها، رحل عنها، وجعل عليها ~~قايماز النجمي مستديما لحصاره. وكان رحيله عنها في ربيع الأول. # وأتاه رسل الملك قلج أرسلان. وقزل أرسلان وغيرهما. يهنئونه بالفتح ~~والظفر، وسار من كوكب إلى دمشق، ففرح الناس بقدومه. وكتب إلى البلاد جميعها ~~باجتماع العساكر، وأقام بها إلى أن سار إلى الساحل. # ذكر رحيل صلاح الدين إلى بلد الفرنج # لما أراد صلاح الدين المسير عن دمشق حضر عند القاضي الفاضل مودعا له # PageV10P047 # ومستشيرا. # وكان مريضا، وودعه وسار عن دمشق منتصف ربيع الأول إلى حمص، فنزل على ~~بحيرة قدس غربي حمص، وجاءته العساكر: فأول من أتاه من أصحاب الأطراف عماد ~~الدين: زنكي بن مودود بن آقسنقر، صاحب سينجار، ونصيبين، والخابور، وتلاحقت ~~العساكر من الموصل وديار الجزيرة وغيرها، فاجتمعت عليه وكثرت عنده. # فسار حتى نزل تحت حصن الأكراد من الجانب الشرقي، وكنت معه حينئذ، فأقام ~~يومين، وسار جريدة وترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن، ودخل إلى بلد ~~الفرنج فأغار على صافيثا والعريمة ويحمور. # وغيرها من البلاد والولايات، ووصل إلى قرب طرابلس، وأبصر البلاد، وعرف من ~~يأتيها، وأين يسلك منها، ثم عاد إلى معسكره سالما. # وقد غنم العسكر من الدواب على اختلاف أنواعها ما لا حد له. وأقام تحت حصن ~~الأكراد إلى آخر ربيع الآخر. # ذكر فتح جبلة # لما أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد، أتاه قاضي جبلة، وهو منصور بن ~~نبيل، يستدعيه إليها ليسلمها إليه، وكان هذا القاضي عند بيمند، صاحب ms4257 ~~أنطاكية وجبلة، مسموع القول مقبول الكلمة، له الحرمة الوافرة، والمنزلة ~~العالية، وهو يحكم على جميع المسلمين بجبلة ونواحيها، وعلى ما يتعلق ~~بالبيمند. # فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان، وتكفل له بفتح جبلة ولاذقية ~~والبلاد الشمالية، فسار صلاح الدين معه رابع جمادى الأولى، فنزل بأنطرطوس ~~سادسه، فرأى الفرنج قد أخلوا المدينة، واحتموا في برجين حصينين، واحد منهما ~~قلعة حصينة ومعقل منيع، فخرب المسلمون دورهم ومساكنهم وسور البلد، ونهبوا ~~ما وجدوه من ذخائرهم. # وكان الداوية بأحد البرجين. فحصرهما صلاح الدين فنزل إليه من في أحد ~~البرجين بأمان وسلموه. فأمنهم، وخرب البرج: وألقى حجارته في البحر، وبقي ~~الذي فيه الداوية لم يسلموه. # وكان معهم مقدمهم الذي أسره صلاح الدين يوم المصاف، وكان قد أطلقه لما ~~ملك البيت المقدس فهو الذي حفظ هذا الحصن فخرب صلاح الدين ولاية أنطرطوس، ~~ورحل عنها وأتى مرقية، وقد أخلاها أهلها، ورحلوا عنها. # PageV10P048 # وساروا إلى المرقب، وهو من حصونهم التي لا ترام، ولا يحدث أحد نفسه بملكه ~~لعلوه وامتناعه، وهو للإسبتار، والطريق تحته فيكون الحصن على يمين المجتاز ~~إلى جبلة، والبحر عن يساره، والطريق مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد. # فاتفق أن صاحب صقلية من الفرنج قد سير نجدة إلى فرنج الساحل في ستين قطعة ~~من الشواني، وكانوا بطرابلس، فلما سمعوا بمسير صلاح الدين جاءوا ووقفوا في ~~البحر، تحت المرقب، في شوانيهم، ليمنعوا من يجتاز بالسهام. # فلما رأى صلاح الدين ذلك أمر بالطارقيات والجفتيات، فصفت على الطريق مما ~~يلي البحر من أول المضيق إلى آخره وجعل وراءها الرماة فمنعوا الفرنج من ~~الدنو إليهم فاجتاز المسلمون عن آخرهم حتى عبروا المضيق ووصلوا إلى جبلة ~~ثامن عشر جمادى الأولى، وتسلمها وقت وصوله. # وكان قاضيها قد سبق إليها ودخل، فلما وصل صلاح الدين رفع أعلامه على ~~سورها وسلمها إليه، وتحصن الفرنج الذين كانوا بها بحصنها، واحتموا بقلعتها، ~~فما زال قاضي جبلة يخوفهم ويرغبهم. حتى استنزلهم بشرط الأمان، وأن يأخذ ~~رهائنهم يكونون عنده إلى أن يطلق الفرنج رهائن المسلمين من أهل جبلة. ms4258 # وكان بيمند، صاحبها، قد أخذ رهائن القاضي ومسلمي جبلة وتركهم عنده ~~بأنطاكية، فأخذ القاضي رهائن الفرنج فأنزلهم عنده حتى أطلق بيمند رهائن ~~المسلمين فأطلق المسلمون رهائن الفرنج، وجاء رؤساء أهل الجبل إلى صلاح ~~الدين بطاعة أهله وهو من أمنع الجبال وأشقها مسلكا، وفيه حصن يعرف ~~ببكسرائيل، بين جبلة ومدينة حماة، فملكه المسلمون، وصار الطريق في هذا ~~الوقت عليه من بلاد الإسلام إلى العسكر. # وكان الناس يلقون شدة في سلوكه، وقرر صلاح الدين أحوال جبلة. وجعل فيها ~~لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية. صاحب شيزر. وسار عنها. # PageV10P049 # ذكر فتح لاذقية # لما فرغ السلطان من أمر جبلة، سار عنها إلى لاذقية، فوصل إليها في الرابع ~~والعشرين من جمادى الأولى، فترك الفرنج المدينة لعجزهم عن حفظها، وصعدوا ~~إلى حصنين لها على الجبل فامتنعوا بهما. # فدخل المسلمون المدينة وحصروا القلعتين اللتين فيهما الفرنج، وزحفوا ~~إليهما، ونقبوا السور ستين ذراعا، وعلقوه وعظم القتال واشتد الأمر عند ~~الوصول إلى السور، فلما أيقن الفرنج بالعطب، ودخل عليهم قاضي جبلة فخوفهم ~~من المسلمين، وطلبوا الأمان، فأمنهم صلاح الدين، ورفعوا الأعلام الإسلامية ~~إلى الحصنين وكان ذلك في اليوم الثالث من النزول عليها. # وكانت عمارة اللاذقية من أحسن الأبنية وأكثرها زخرفة مملوءة بالرخام على ~~اختلاف أنواعه، فخرب المسلمون منها، ونقلوا رخامها، وشعثوا كثيرا من بيعها ~~التي قد غرم على كل واحد منها الأموال الجليلة المقدار وسلمها إلى ابن أخيه ~~تقي الدين عمر، فعمرها، وحصن قلعتها حتى إذا رآها اليوم من رآها قبل أن ~~ينكرها فلا يظن أن هذه تلك ; وكان عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة ~~الوافرة عليها، كما فعل بقلعة حماة. # ذكر حال أسطول صقلية # لما نازل صلاح الدين لاذقية [جاء أسطول صقلية] الذي تقدم ذكره، فوقف ~~بإزاء ميناء لاذقية، فلما سلمها الفرنج الذين بها إلى صلاح الدين، عزم أهل ~~هذا الأسطول على أخذ من يخرج منها من أهلها غيظا وحنقا. حيث سلموها سريعا، ~~فسمع بذلك أهل لاذقية فأقاموا: وبذلوا الجزية. وكان سبب مقامهم. # ثم إن مقدم هذا ms4259 الأسطول طلب من السلطان الأمان، ليحضر عنده، فأمنه، وحضر ~~[وقبل] الأرض بين يديه، وقال ما معناه: إنك سلطان رحيم وكريم، وقد فعلت ~~بالفرنج ما فعلت فذلوا فاتركهم يكونون مماليكك وجندك تفتح بهم البلاد ~~والممالك. وترد عليهم بلادهم. وإلا جاءك من البحر ما لا طاقة لك به، فيعظم # PageV10P050 # عليك الأمر ويشتد الحال. # فأجابه صلاح الدين بنحو من كلامه من إظهار القوة والاستهانة بكل من يجيء ~~من البحر، وأنهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل والأسر، فصلب ~~على وجهه، ورجع إلى أصحابه. # ذكر فتح صهيون وعدة من الحصون # ثم رحل صلاح الدين عن لاذقية في السابع والعشرين من جمادى الأولى، وقصد ~~قلعة صهيون، وهي قلعة، منيعة شاهقة في الهواء، صعبة المرتقى، على قرنة جبل ~~يطيف بها واد عميق، فيه ضيق في بعض المواضع، بحيث إن حجر المنجنيق يصل منه ~~إلى الحصن، إلا أن الجبل متصل بها من جهة الشمال. # وقد عملوا لها خندقا عميقا لا يرى قعره، وخمسة أسوار منيعة فنزل صلاح ~~الدين على هذا الجبل الملتصق بها ونصب عليه المجانيق ورماها وتقدم إلى ولده ~~الظاهر، صاحب حلب، فنزل على المكان الضيق من الوادي، ونصب عليه المجانيق ~~أيضا، فرمى الحصن منه. # وكان معه من الرجالة الحلبيين كثير، وهم في الشجاعة بالمنزلة المشهورة، ~~ودام رشق السهام من قسي اليد والجرخ، والزنبورك، والزيار، فجرح أكثر من ~~بالحصن، وهم يظهرون التجلد والامتناع. # وزحف المسلمون إليهم ثاني جمادى الآخرة، فتعلقوا بقرنة من ذلك الجبل قد ~~أغفل الفرنج إحكامها، فتسلقوا منها بين الصخور، حتى التحقوا بالسور الأول ~~فقاتلوهم عليه حتى ملكوه، ثم إنهم قاتلوهم على باقي الأسوار فملكوا منها ~~ثلاثة وغنموا ما فيها من أبقار ودواب وذخائر وغير ذلك. # واحتمى الفرنج بالقلة التي للقلعة، فقاتلهم المسلمون عليها، فنادوا ~~وطلبوا الأمان فلم يجبهم صلاح الدين إليه، فقرروا على أنفسهم مثل قطيعة ~~البيت المقدس، وتسلم الحصن وسلمه إلى أمير يقال له ناصر الدين منكوبرس، ~~صاحب قلعة أبي قبيس، فحصنه وجعله من أحصن الحصون. # ولما ملك المسلمون صهيون ms4260 تفرقوا في تلك النواحي، فملكوا حصن بلاطنوس، ~~وكان من به من الفرنج قد هربوا منه وتركوه خوفا ورعبا، وملك أيضا # PageV10P051 # حصن العيذو، وحصن الجماهرتين، فاتسعت المملكة الإسلامية بتلك الناحية، ~~إلا أن الطريق إليها من البلاد الإسلامية على عقبة بكسرائيل شاق شديد، لأن ~~الطريق السهلة كانت غير مسلوكة، لأن بعضها بيد الإسماعيلية، وبعضها بيد ~~الفرنج. # ذكر فتح حصن بكاس والشغر # ثم سار صلاح الدين عن صهيون ثالث جمادى الآخرة، فوصل إلى قلعة بكاس [فرأى ~~الفرنج قد أخلوها، وتحصنوا بقلعة الشغر، فملك قلعة بكاس] بغير قتال وتقدم ~~إلى قلعة الشغر وحصرها، وهي وبكاس على الطريق السهل المسلوك إلى لاذقية ~~وجبلة والبلاد التي افتتحها صلاح الدين من بلاد الشام الإسلامية. # فلما نازلها رآها منيعة حصينة لا ترام، ولا يوصل إليها بطريق من الطرق، ~~إلا أنه أمر بمزاحفتهم ونصب منجنيق عليهم، ففعلوا ذلك ورمي بالمنجنيق فلم ~~يصل من أحجاره إلى القلعة شيء إلا القليل الذي لا يؤذي. فبقي المسلمون عليه ~~أياما لا يرون فيه طمعا وأهله غير مهتمين بالقتال لامتناعهم عن ضرر يتطرق ~~إليهم وبلاء ينزل عليهم. # فبينما صلاح الدين جالس، وعنده أصحابه، وهم في ذكر القلعة وإعمال الحيلة ~~في الوصول إليها، قال بعضهم: هذا الحصن كما قال الله تعالى: {فما اسطاعوا ~~أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا} [الكهف: 97] فقال صلاح الدين: أو يأتي ~~إليه بنصر من عنده وفتح. # فبينما هم في هذا الحديث إذ قد أشرف عليهم فرنجي ونادى بطلب الأمان لرسول ~~يحضر عند صلاح الدين، فأجيب إلى ذلك، ونزل رسول وسأل إنظارهم ثلاثة أيام # PageV10P052 # فإن جاءهم من يمنعهم. وإلا سلموا القلعة بما فيها من ذخائر ودواب وغير ~~ذلك، فأجابهم إليه وأخذ رهائنهم على الوفاء به. # فلما كان اليوم الثالث سلموها إليه، واتفق يوم الجمعة سادس عشر جمادى ~~الآخرة، وكان سبب استمهالهم أنهم أرسلوا إلى البيمند، صاحب أنطاكية، وكان ~~هذا الحصن له، يعرفونه أنهم محصورون، ويطلبون منه أن يرحل عنهم المسلمين، ~~فإن فعل، وإلا سلموها. # وإنما فعلوا ذلك لرعب قذفه الله تعالى في ms4261 قلوبهم، وإلا فلو أقاموا الدهر ~~الطويل لم يصل إليهم أحد، ولا بلغ المسلمون منهم غرضا فلما تسلم صلاح الدين ~~الحصن سلمه إلى أمير يقال له قلج، وأمره بعمارته. ورحل عنه. # ذكر فتح سرمينية # لما كان صلاح الدين مشغولا بهذه القلاع والحصون، سير ولده الظاهر غازي ~~صاحب حلب، فحصر سرمينية، وضيق على أهلها، واستنزلهم على قطيعة قررها عليهم، ~~فلما أنزلهم، وأخذ منهم المقاطعة، هدم الحصن وعفى أثره وعالي بنيانه. # وكان فيه وفي هذه الحصون من أسارى المسلمين الجم الغفير فأطلقوا، وأعطوا ~~كسوة ونفقة، وكان فتحه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. # واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمينية، مع كثرتها، ~~كان في ست جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس وأشدهم عداوة للمسلمين، فسبحان ~~من إذا أراد أن يسهل الصعب فعل وهي جميعها من أعمال أنطاكية ولم يبق لها ~~سوى القصير، وبغراس، ودرب ساك، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه. # ذكر فتح برزية # لما دخل صلاح الدين من قلعة الشغر سار إلى قلعة برزية، وكانت قد وصفت # PageV10P053 # له، وهي تقابل حصن أفامية، وتناصفها في أعمالها وبينهما بحيرة تجتمع من ~~ماء العاصي، وعيون تتفجر من جبل برزية وغيره، وكان أهلها أضر شيء على ~~المسلمين، يقطعون الطريق، ويبالغون في الأذى. # فلما وصل إليها نزل شرقيها في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ثم ركب ~~من الغد وطاف عليها لينظر موضعا يقاتلها منه. فلم يجده إلا من جهة الغرب ~~فنصب له هناك [خيمة] صغيرة ونزل فيها ومعه بعض العسكر جريدة لضيق المواضع. # وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهة الشمال والجنوب البتة، فإنها لا ~~يقدر أحد أن يصعد جبلها من هاتين الجهتين، وأما الجانب الشرقي فيمكن الصعود ~~منه لكن لغير مقاتل، لعلوه وصعوبته، وأما جهة الغرب فإن الوادي المطيف ~~بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا كثيرا، حتى قارب القلعة، بحيث يصل منه حجر ~~المنجنيق والسهام فنزله المسلمون ونصبوا عليه المجانيق، ونصب أهل القلعة ~~عليها منجنيقا بطلها. # ورأيت ms4262 أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة، لكنه لا يصل منه شيء إليها، ~~امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق، وهي التي بطلت منجنيق المسلمين، فلما ~~رأى صلاح الدين أن المنجنيق لا ينتفعون به، عزم على الزحف، ومكاثرة أهلها ~~بجموعه. # فقسم عسكره ثلاثة أقسام: يزحف قسم، فإذا تعبوا وكلوا عادوا وزحف القسم ~~الثاني، فإذا تعبوا وضجروا عادوا وزحف القسم الثالث، ثم يدور الدور مرة بعد ~~أخرى حتى يتعب الفرنج وينصبوا، فإنهم لم يكن عندهم من الكثرة ما يتقسمون ~~كذلك، فإذا تعبوا وأعيوا سلموا القلعة. # فلما كان الغد، وهو السابع والعشرون من جمادى الآخرة، تقدم أحد الأقسام، ~~وكان المقدم عليهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار، وزحفوا، ~~وخرج الفرنج من حصنهم، فقاتلهم على فصيلهم، ورماهم المسلمون بالسهام من ~~وراء الجفتيات والجنويات والطارقيات، ومشوا إليهم حتى قربوا إلى الجبل. # فلما قاربوا الفرنج عجزوا عن الدنو منهم لخشونة المرتقى وتسلط الفرنج ~~عليهم، لعلو مكانهم، بالنشاب والحجارة، فإنهم كانوا يلقون الحجارة الكبار ~~فتتدحرج إلى أسفل الجبل، فلا يقوم لها شيء. # PageV10P054 # فلما تعب هذا القسم انحدروا، وصعد القسم الثاني، وكانوا جلوسا ينتظرونهم، ~~وهم حلقة صلاح الدين الخاص، فقاتلوا قتالا شديدا، وكان الزمان حرا شديدا، ~~فاشتد الكرب على الناس، وصلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم ويحرضهم وكان تقي ~~الدين ابن أخيه كذلك، فقاتلوهم إلى قريب الظهر ثم تعبوا، ورجعوا. # فلما رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدم إليهم وبيده جماق يردهم، وصاح في ~~القسم الثالث، وهم جلوس ينتظرون نوبتهم، فوثبوا ملبين، وساعدوا إخوانهم ~~وزحفوا معهم، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به. # وكان أصحاب عماد الدين قد استراحوا فقاموا أيضا معهم، فحينئذ اشتد الأمر ~~على الفرنج وبلغت القلوب الحناجر، وكانوا قد اشتد تعبهم ونصبهم، فظهر عجزهم ~~عن القتال وضعفهم عن حمل السلاح لشدة الحر والقتال، فخالطهم المسلمون فعاد ~~الفرنج يدخلون الحصن، فدخل المسلمون معهم. # وكان طائفة قليلة في الخيام شرقي الحصن فرأوا الفرنج قد أهملوا ذلك ~~الجانب، لأنهم لا يرون فيه مقاتلا، وليكثروا في ms4263 الجهة التي فيها صلاح الدين ~~فصعدت تلك الطائفة من العسكر فلم يمنعهم مانع. # فصعدوا أيضا الحصن من الجهة الأخرى فالتقوا مع المسلمين الداخلين مع ~~الفرنج فملكوا الحصن عنوة وقهرا ودخل الفرنج القلة التي للحصن، وأحاط بها ~~المسلمون وأرادوا نقبها. # وكان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين إلى سطح القلة، وأرجلهم ~~في القيود والخشب المنقوب، فلما سمعوا تكبير المسلمين في نواحي القلعة ~~كبروا في سطح القلة، وظن الفرنج أن المسلمين قد صعدوا على السطح فاستسلموا، ~~وألقوا بأيديهم إلى الأسر، فملكها المسلمون عنوة، ونهبوا ما فيها، وأسروا ~~وسبوا من فيها، وأخذوا صاحبها وأهله، وأمست خالية لا ديار بها، وألقى ~~المسلمون النار في بعض بيوتهم فاحترقت. # ومن أعجب ما يحكى من السلامة أنني رأيت رجلا من المسلمين على هذا الحصن ~~قد جاء من طائفة من المؤمنين شمالي القلعة إلى طائفة أخرى من المسلمين ~~جنوبي القلعة. وهو يعدو في الجبل عرضا، فألقيت عليه الحجارة، وجاء حجر كبير ~~لو ناله لبعجه. # فنزل عليه، فناداه الناس يحذرونه، فالتفت ينظر ما الخبر. فسقط على وجهه ~~من عثرة، فاسترجع الناس، وجاء الحجر إليه، فلما قاربه وهو منبطح # PageV10P055 # على وجهه لقيه حجر آخر ثابت في الأرض فوق الرجل، فضربه المنحدر فارتفع عن ~~الأرض، وجاز الرجل ثم عاد إلى الأرض من جانبه الآخر لم ينله منه أذى ولا ~~ضرر، وقام يعدو حتى لحق بأصحابه فكان سقوطه سبب نجاته فتعست أم الجبان. # وأما صاحب برزية، فإنه أسر هو وامرأته وأولاده، ومنهم بنت له معها زوجها، ~~فتفرقهم العسكر، فأرسل صلاح الدين في الوقت وبحث عنهم واشتراهم، وجمع شمل ~~بعضهم ببعض، فلما قارب أنطاكية أطلقهم وسيرهم إليها. # وكانت امرأة صاحب برزية أخت امرأة بيمند صاحب أنطاكية، وكانت تراسل صلاح ~~الدين وتهاديه، وتعلمه كثيرا عن الأحوال التي تؤثر، فأطلق هؤلاء لأجلها. # ذكر فتح درب ساك # لما فتح صلاح الدين حصن برزية رحل عنه من الغد، فأتى جسر الحديد، وهو على ~~العاصي، بالقرب من أنطاكية، فأقام عليه حتى وافاه من تخلف عنه من ms4264 عسكره ثم ~~سار عنه إلى قلعة درب ساك. فنزل عليها ثامن رجب، وهي من معاقل الداوية ~~الحصينة وقلاعهم التي يدخرونها لحماياتهم عند نزول الشدائد. # فلما نزل عليها نصب المجانيق، وتابع الرمي بالحجارة، فهدمت من سورها شيئا ~~يسيرا، فلم يبال من فيه بذلك، فأمر بالزحف عليها ومهاجمتها، فبادرها العسكر ~~بالزحف وقاتلوها، وكشفوا الرجال عن سورها، وتقدم النقابون فنقبوا منها برجا ~~وعلقوه، فسقط واتسع المكان الذي يريد المقاتلة [أن] يدخلوا منه، وعادوا ~~يومهم ذلك، ثم باكروا الزحف من الغد. # وكان من فيه قد أرسلوا إلى صاحب أنطاكية يستنجدونه، فصبروا، وأظهروا ~~الجلد، وهم ينتظرون وصول جوابه إما بإنجادهم وإزاحة المسلمين عنهم، وإما ~~بالتخلي عنهم ليقوم عذرهم في التسليم، فلما علموا عجزه عن نصرتهم، وخافوا # PageV10P056 # هجوم المسلمين عليها، وأخذهم بالسيف، وقتلهم وأسرهم ونهب أموالهم، طلبوا ~~الأمان، فأمنهم على شرط [أن] لا يخرج أحد إلا بثيابه التي عليه بغير مال، ~~ولا سلاح، ولا أثاث بيت، ولا دابة، ولا شيء مما بها، ثم أخرجهم منه وسيرهم ~~إلى أنطاكية، وكان فتحه تاسع عشر. # ذكر فتح بغراس # ثم سار عن درب ساك إلى قلعة بغراس، فحصرها، بعد أن اختلف أصحابه في ~~حصرها، فمنهم من أشار به، ومنهم من نهى عنه وقال: هو حصن حصين، وقلعة ~~منيعة، وهو بالقرب من أنطاكية، ولا فرق بين حصره وحصرها، ويحتاج أن يكون ~~أكثر العسكر في اليزك مقابل أنطاكية فإذا كان الأمر كذلك قل المقاتلون ~~عليها، ويتعذر حينئذ الوصول إليها. # فاستخار الله تعالى وسار إليها، وجعل أكثر عسكره يزكا مقابل أنطاكية، ~~يغيرون على أعمالها، وكانوا حذرين من الخوف من أهلها، إن غفلوا، لقربهم ~~منها، وصلاح الدين في بعض أصحابه على القلعة يقاتلها، ونصب المجانيق، فلم ~~يؤثر فيها شيئا لعلوها وارتفاعها. # فغلب على الظنون تعذر فتحها وتأخر ملكها، وشق على المسلمين قلة الماء ~~عندهم، إلا أن صلاح الدين نصب الحياض، وأمر بحمل الماء إليها. فخفف الأمر ~~عليهم. # فبينما هو على هذه الحال إذ قد فتح باب القلعة، وخرج منه إنسان يطلب ~~الأمان ليحضر، فأجيب ms4265 إلى ذلك، فأذن له في الحضور، فحضر، وطلب الأمان لمن في ~~الحصن حتى يسلموه إليه بما فيه على قاعدة درب ساك، فأجابهم إلى ما طلبوا ~~فعاد الرسول ومعه الأعلام الإسلامية، فرفعت على رأس القلعة، ونزل من فيها، ~~وتسلم المسلمون القلعة بما فيها من ذخائر وأموال وسلاح. # وأمر صلاح الدين بتخريبه، # PageV10P057 # فخرب، وكان ذلك مضرة عظيمة على المسلمين، فإن ابن ليون صاحب الأرمن خرج ~~إليه من ولايته وهو مجاوره، فجدد عمارته وأتقنه، وجعل فيه جماعة من عسكره ~~يغيرون منه على البلاد، فتأذى بهم السواد الذي بحلب، وهو إلى الآن بأيديهم. # ذكر الهدنة بين المسلمين وصاحب أنطاكية # لما فتح صلاح الدين بغراس عزم على التوجه إلى أنطاكية وحصرها، فخاف ~~البيمند صاحبها من ذلك، وأشفق منه، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة، وبذل ~~إطلاق كل أسير عنده من المسلمين، فاستشار من عنده من أصحاب الأطراف وغيرهم، ~~فأشار أكثرهم بإجابته إلى ذلك ليعود الناس ويستريحوا ويجددوا ما يحتاجون ~~إليه، فأجاب إلى ذلك. # واصطلحا ثمانية أشهر، أولها: أول تشرين الأول، وآخرها: آخر أيار، وسير ~~رسوله إلى صاحب أنطاكية يستحلفه، ويطلق من عنده من الأسرى. # وكان صاحب أنطاكية، في هذا الوقت أعظم الفرنج شأنا، وأكثرهم ملكا، فإن ~~الفرنج كانوا قد سلموا إليه طرابلس، بعد موت القمص، وجميع أعمالها، مضافا ~~إلى ما كان له، لأن القمص لم يخلف ولدا، فلما سلمت إليه طرابلس جعل ولده ~~الأكبر فيها نائبا عنه. # وأما صلاح الدين فإنه عاد إلى حلب ثالث شعبان، فدخلها وسار منها إلى ~~دمشق، وفرق العساكر الشرقية، كعماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ~~والخابور، وعسكر الموصل، وغيرها، ثم رحل من حلب إلى دمشق، وجعل طريقه على ~~قبر عمر بن عبد العزيز فزاره، وزار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربي وكان ~~مقيما هناك، وكان من عباد الله الصالحين، وله كرامات ظاهرة. # وكان مع صلاح الدين الأمير عز الدين أبو الفليتة قاسم بن المهنا العلوي ~~الحسيني وهو أمير مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد حضر عنده وشهد # PageV10P058 # معه ms4266 مشاهده وفتوحه، وكان صلاح الدين قد تبارك برؤيته، وتيمن بصحبته، وكان ~~يكرمه كثيرا وينبسط معه، ويرجع إلى قوله في أعماله كلها. # ودخل دمشق أول شهر رمضان، فأشير عليه بتفريق العساكر، فقال: إن العمر ~~قصير والأجل غير مأمون وقد بقي بيد الفرنج هذه الحصون: كوكب، وصفد، والكرك، ~~وغيرها ولا بد من الفراغ منها، فإنها في وسط بلاد الإسلام ولا يؤمن شر ~~أهلها، وإن أغفلناهم ندمنا فيما بعد والله أعلم. # ذكر فتح الكرك وما يجاوره # كان صلاح الدين قد جعل على الكرك عسكرا يحصره، فلازموا الحصار هذه المدة ~~الطويلة، حتى فنيت أزواد الفرنج وذخائرهم، وأكلوا دوابهم، وصبروا حتى لم ~~يبق للصبر مجال، فراسلوا الملك العادل، أخا صلاح الدين، وكان جعله صلاح ~~الدين على قلعة الكرك، في جمع من العسكر يحصرها، ويكون مطلعا على هذه ~~الناحية من البلاد لما أبعد هو إلى درب ساك، وبغراس. # فوصلته رسل الفرنج، من الكرك يبذلون تسليم القلعة إليه، ويطلبون الأمان، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إلى مقدم العسكر الذي يحصرها في المعنى، فتسلم ~~القلعة منها وأمنهم. # وتسلم أيضا ما يقاربه من الحصون كالشوبك، وهرمز، والوعيرة، والسلع، وفرغ ~~القلب من تلك الناحية، وألقى الإسلام هناك جرانه، وأمنت قلوب من في ذلك ~~السقع من البلاد، كالقدس وغيره، فإنهم كانوا ممن بتلك الحصون وجلين، ومن ~~شرهم مشفقين. # ذكر فتح قلعة صفد # لما وصل صلاح الدين إلى دمشق، وأشير عليه بتفريق العساكر، وقال: لا بد # PageV10P059 # من الفراغ من صفد وكوكب وغيرهما، أقام بدمشق إلى منتصف رمضان، وسار عن ~~دمشق إلى قلعة صفد فحصرها وقاتلها، ونصب عليها المجانيق، وأدام الرمي إليها ~~ليلا ونهارا بالحجارة والسهام. # وكان أهلها قد قاربت ذخائرهم وأزوادهم أن تفنى في المدة التي كانوا فيها ~~محاصرين، فإن عسكر صلاح الدين كان يحاصرهم، كما ذكرناه فلما رأى أهله جد ~~صلاح الدين في قتالهم، خافوا أن يقيم إلى أن يفنى ما بقي معهم من أقواتهم، ~~وكانت قليلة، ويأخذهم عنوة ويهلكهم، أو أنهم يضعفون عن مقاومته قبل فناء ما ~~عندهم من القوت فيأخذهم. ms4267 # فأرسلوا يطلبون الأمان، فأمنهم وتسلمها منهم، فخرجوا عنها وساروا إلى ~~مدينة صور، وكفى الله المؤمنين شرهم، فإنهم كانوا وسط البلاد الإسلامية. # ذكر فتح كوكب # لما كان صلاح الدين يحاصر صفد، اجتمع من بصور من الفرنج، وقالوا: إن فتح ~~المسلمون قلعة صفد لم تبق كوكب، ولو أنها معلقة بالكوكب، وحينئذ ينقطع ~~طمعنا من هذا الطرف من البلاد، فاتفق رأيهم على إنفاذ نجدة لها سرا من رجال ~~وسلاح وغير ذلك، فأخرجوا مائتي رجل من شجعان الفرنج وأجلادهم، فساروا الليل ~~مستخفين، وأقاموا النهار مكمنين. # فاتفق من قدر الله تعالى أن رجلا من المسلمين الذين يحاصرون كوكب خرج ~~متصيدا، فلقي رجلا من تلك النجدة، فاستغربه بتلك الأرض، فضربه ليعلمه ~~بحاله، وما الذي أقدمه إلى هناك، فأقر بالحال، ودله على أصحابه. # فعاد الجندي المسلم إلى قايماز النجمي، وهو مقدم ذلك العسكر، فأعلمه ~~الخبر، والفرنجي معه، فركب في طائفة من العسكر إلى الموضع الذي قد اختفى ~~فيه الفرنج، فكبسهم، فأخذهم، # PageV10P060 # وتتبعهم في الشعاب والكهوف، فلم يفلت منهم أحد. # فكان معهم مقدمان من فرسان الاسبتار، فحملا إلى صلاح الدين وهو على صفد، ~~فأحضرهما ليقتلهما، وكانت عادته قتل الداوية والاسبتارية لشدة عداوتهم ~~للمسلمين وشجاعتهم، فلما أمر بقتلهما قال له أحدهما: ما أظن ينالنا سوء وقد ~~نظرنا إلى طلعتك المباركة ووجهك الصبيح. وكان - رحمه الله - كثير العفو، ~~يفعل الاعتذار والاستعطاف فيه، فيعفو ويصفح، فلما سمع كلامهما لم يقتلهما، ~~وأمر بهما فسجنا. # ولما فتح صفد سار عنها إلى كوكب ونازلها وحصرها، وأرسل إلى من بها من ~~الفرنج يبذل لهم الأمان إن سلموا، ويتهددهم بالقتل والسبي والنهب إن ~~امتنعوا، فلم يسمعوا قوله، وأصروا على الامتناع، فجد في قتالهم، ونصب عليهم ~~المجانيق، وتابع رمي الأحجار إليهم، وزحف مرة بعد مرة. # وكانت الأمطار كثيرة، لا تنقطع ليلا ولا نهارا، فلم يتمكن المسلمون من ~~القتال على الوجه الذي يريدونه، وطال مقامهم عليها. # وفي آخر الأمر زحفوا إليها دفعات متناوبة في يوم واحد، ووصلوا إلى باشورة ~~القلعة، ومعهم النقابون والرماة يحمونهم بالنشاب عن قوس اليد ms4268 والجروخ، فلم ~~يقدر أحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور، فنقبوا الباشورة فسقطت، وتقدموا ~~إلى السور الأعلى، فلما رأى الفرنج ذلك أذعنوا بالتسليم، وطلبوا الأمان ~~فأمنهم، وتسلم الحصن منهم منتصف ذي القعدة، وسيرهم إلى صور، فوصلوا إليها. # واجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كل صنديد، فاشتدت شوكتهم، وحميت ~~جمرتهم، وتابعوا الرسل إلى من بالأندلس وصقلية وغيرهما من جزائر البحر ~~يستغيثون ويستنجدون، والأمداد كل قليل تأتيهم، وكان ذلك كله بتفريط صلاح ~~الدين في إطلاق كل من حصره، حتى عض بنانه ندما وأسفا حيث لم ينفعه ذلك. # واجتمع للمسلمين بفتح كوكب وصفد من حد أيلة إلى أقصى أعمال بيروت، لا ~~يفصل بينه غير مدينة صور، وجميع أعمال أنطاكية سوى القصير، ولما ملك صلاح ~~الدين صفد سار إلى البيت المقدس، فعيد فيه عيد الأضحى، ثم سار منه إلى عكا، ~~فأقام بها حتى انسلخت السنة. # PageV10P061 # ذكر ظهور طائفة من الشيعة بمصر # في هذه السنة ثار بالقاهرة جماعة من الشيعة، عدتهم اثنا عشر رجلا، ليلا ~~ونادوا بشعار العلويين: يالعلي، يالعلي، وسلكوا الدروب ينادون، ظنا منهم أن ~~رعية البلد يلبون دعوتهم. ويخرجون معهم، فيعيدون الدولة العلوية، ويخرجون ~~بعض من بالقصر محبوسا منهم، ويملكون البلد فلم يلتفت أحد منهم إليهم، ولا ~~أعارهم سمعه. # فلما رأوا ذلك تفرقوا خائفين، فأخذوا، وكتب بذلك إلى صلاح الدين، فأهمه ~~أمرهم وأزعجه. فدخل عليه القاضي الفاضل، فأخبره الخبر فقال القاضي الفاضل: ~~ينبغي أن تفرح بذلك ولا تحزن ولا تهتم، حيث علمت من بواطن رعيتك المحبة لك ~~والنصح، وترك الميل إلى عدوك ولو وضعت جماعة يفعلون مثل هذه الحالة لنعلم ~~بواطن أصحابك ورعيتك، وخسرت الأموال الجليلة عليهم. لكان قليلا فسري عنه. # وكان هذا القاضي الفاضل صاحب دولة صلاح الدين، وأكبر من بها، وستأتي ~~مناقبه عند وفاته، ما تراه. # ذكر انهزام عسكر الخليفة من السلطان طغرل # في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيرا، وجعل المقدم ~~عليهم وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس، وسيرهم إلى مساعدة قزل، ليكف ~~السلطان طغرل ms4269 عن البلاد. # فسار العسكر ثالث صفر إلى أن قارب همذان، فلم يصل قزل إليهم، وأقبل طغرل ~~إليهم في عساكره، فالتقوا ثامن ربيع الأول بداي مرج عند همذان، واقتتلوا، ~~فلم يثبت عسكر بغداد، بل انهزموا وتفرقوا، وثبت الوزير قائما، ومعه مصحف ~~وسيف، فأتاه من عسكر طغرل من أسره، وأخذ ما معه من خزانة وسلاح ودواب وغير ~~ذلك، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين. # PageV10P062 # وكنت حينئذ بالشام في عسكر صلاح الدين يريد الغزاة، فأتاه الخبر مع ~~النجابين بمسير العسكر البغدادي، فقال: كأنكم وقد وصل الخبر بانهزامهم. # فقال له بعض الحاضرين: وكيف ذلك؟ فقال: لا شك أن أصحابي وأهلي أعرف ~~بالحرب من الوزير. وأطوع في العسكر منه ومع هذا، فما أرسل أحدا منهم في ~~سرية للحرب إلا وأخاف عليه وهذا الوزير غير عارف بالحرب، وقريب العهد ~~بالولاية ولا يراه الأمراء أهلا أن يطاع، وفي مقابلة سلطان شجاع قد باشر ~~الحرب بنفسه، ومن معه يطيعه. # وكان الأمر كذلك، ووصل الخبر إليه بانهزامهم فقال لأصحابه: كنت أخبرتكم ~~بكذا وكذا، وقد وصل الخبر بذلك. # ولما عادت عساكر بغداد منهزمة قال بعض الشعراء وهو أحمد بن الواثق بالله: # اتركونا من جائحات الجريمه ... طلعة طلعة تكون وخيمه # بركات الوزير قد شملتنا ... فلهذا أمورنا مستقيمه # خرجت جندنا تريد خراسا ... ن جميعا بأبهات عظيمه # بخيول وعدة وعديد ... وسيوف مجربات قديمه # ووزير وطاق طنب ونقش ... وخيول معدة للهزيمه # هم رأوا غرة العدو وقد أق - ... بل ولوا وانحل عقد العزيمه # وأتونا ولا بخفي حنين ... بوجوه سود قباح دميمه # لو رأى صاحب الزمان ولو عا ... ين أفعالهم وقبح الجريمه # قابل الكل بالنكال وناهي ... ك بها سبة عليهم مقيمه. # كان ينبغي أن تتقدم هذه الحادثة، وإنما أخرتها لتتبع الحوادث المتقدمة ~~بعضها بعضا، لتعلق كل واحدة منها بالأخرى. # PageV10P063 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] في هذه السنة توفي شيخنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله ~~بن سويدة التكريتي، كان عالما بالحديث، وله تصانيف حسنة. # وفيها توفيت سلجوقة خاتون بنت قلج أرسلان بن مسعود بن قلج ms4270 أرسلان زوجة ~~الخليفة، وكانت قبله زوجة نور الدين، محمد بن قرا أرسلان، صاحب الحصن، فلما ~~توفي عنها تزوجها الخليفة. ووجد الخليفة عليها وجدا عظيما ظهر للناس كلهم، ~~وبنى على قبرها تربة بالجانب الغربي، وإلى جانب التربة رباطه المشهور ~~بالرملة. # وفيها توفي علاء الدين تنامش وحمل تابوته إلى مشهد الحسين - عليه السلام ~~-. # وفيها توفي خالص خادم الخليفة، وكان أكبر أمير ببغداد، ومات أبو الفرج بن ~~النقور العدل ببغداد، وسمع الحديث الكثير، وهو من بيت الحديث - رحمه الله. # PageV10P064 ### | [ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة] ### | 585 - # ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة # ذكر فتح شقيف أرنون # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار صلاح الدين إلى شقيف أرنون، وهو من ~~أمنع الحصون، ليحصره، فنزل صاحب الشقيف، وهو أرناط صاحب صيدا، وكان أرناط ~~هذا لمن أعظم الناس دهاء ومكرا، فدخل إليه واجتمع به، وأظهر له الطاعة ~~والمودة. # وقال له: أنا محب لك، ومعترف بإحسانك، وأخاف أن يعرف المركيس ما بيني ~~وبينك، فينال أولادي وأهلي منه أذى، فإنهم عنده، فأشتهي أن تمهلني حتى ~~أتوصل في تخليصهم من عنده، وحينئذ أحضر أنا وهم عندك، ونسلم الحصن إليك، ~~ونكون في خدمتك، نقنع بما تعطينا من إقطاع فظن صلاح الدين صدقه، فأجابه إلى ~~ما سأل، فاستقر الأمر بينهما أن يسلم الشقيف في جمادى الآخرة. # وأقام صلاح الدين بمرج عيون ينتظر الميعاد، وهو قلق مفكر، لقرب انقضاء ~~مدة الهدنة بينه وبين البيمند، صاحب أنطاكية، فأمر تقي الدين ابن أخيه أن ~~يسير في من معه من عساكره، ومن يأتي من بلاد المشرق، ويكون مقابل أنطاكية ~~لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة. # وكان أيضا منزعج الخاطر، كثير الهم، لما بلغه من اجتماع الفرنج بمدينة ~~صور، # PageV10P065 # وما يتصل بهم من الأمداد في البحر، وأن ملك الفرنج الذي كان قد أسره صلاح ~~الدين وأطلقه، بعد فتح القدس، قد اصطلح هو والمركيس، بعد اختلاف كان ~~بينهما، وأنهم قد اجتمعوا في خلق، لا يحصون، فإنهم قد خرجوا من مدينة صور ~~إلى ظاهرها. ms4271 # فكان هذا وأشباهه مما يزعجه، ويخاف من ترك الشقيف وراء ظهره والتقدم إلى ~~صور‍ وفيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه، إلا أنه مع هذه الأشياء ~~مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف. # وكان أرناط، في مدة الهدنة، يشتري الأقوات من سوق العسكر والسلاح وغير ~~ذلك مما يحصن به شقيفه، وكان صلاح الدين يحسن الظن، وإذا قيل له عنه مما هو ~~فيه من المكر، وإن قصده المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور، وحينئذ يبدي ~~فضيحته، ويظهر مخالفته لا يقبل فيه. # فلما قارب انقضاء الهدنة تقدم صلاح الدين من معسكره إلى القرب من شقيف ~~أرنون وأحضر عنده أرناط، وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام. فقال له في معنى ~~تسليم الشقيف، فاعتذر بأولاده وأهله، وأن المركيس يمكنهم من المجيء إليه ~~وطلب التأخير مدة أخرى. # فحينئذ علم السلطان مكره وخداعه، فأخذه وحبسه، وأمره بتسليم الشقيف، فطلب ~~قسيسا، ذكره، ليحمله رسالة إلى من بالشقيف ليسلموه، فأحضروه عنده، فساره ~~بما لم يعلموا، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف، فأظهر أهله العصيان، فسير صلاح ~~الدين أرناط إلى دمشق وسجنه، وتقدم إلى الشقيف فحصره وضيق عليه، وجعل، عليه ~~من يحفظه، ويمنع عنه الذخيرة والرجال. # ذكر وقعة اليزك مع الفرنج # لما كان صلاح الدين بمرج عيون، وعلى الشقيف، جاءته كتب من أصحابه الذين ~~جعلهم يزكا في مقابل الفرنج على صور، يخبرونه فيها أن الفرنج قد أجمعوا على ~~عبور الجسر الذي لصور، وعزموا على حصار صيدا، فسار صلاح الدين جريدة # PageV10P066 # في شجعان أصحابه، سوى من جعله على الشقيف، فوصل إليهم وقد فات الأمر. # وذلك أن الفرنج قد فارقوا صور وساروا عنها لمقصدهم، فلقيهم اليزك على ~~مضيق هناك، وقاتلوهم ومنعوهم، وجرى لهم معهم حرب شديدة يشيب لها الوليد، ~~وأسروا من الفرنج جماعة، وقتلوا جماعة منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين ~~وجرحوا جماعة. # وقتل من المسلمين أيضا جماعة منهم مملوك لصلاح الدين كان من أشجع الناس، ~~فحمل وحده على صف الفرنج، فاختلط بهم، وضربهم بسيفه يمينا وشمالا، فتكاثروا ~~عليه فقتلوه، رحمه الله، ms4272 ثم إن الفرنج عجزوا عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى ~~مكانهم. # ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوعة # لما وصل صلاح الدين إلى اليزك وقد فاتته تلك الوقعة أقام عندهم في خيمة ~~صغيرة، ينتظر عودة الفرنج لينتقم منهم، ويأخذ بثأر من قتلوه من المسلمين. # فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة على أن ينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ~~ليعمل بمقتضى ما يشاهده، وظن من هناك من غزاة العجم والعرب المتطوعة أنه ~~على قصد المصاف والحرب، فساروا مجدين وأوغلوا في أرض العدو مبعدين، وفارقوا ~~الحزم، وخلفوا السلطان وراء ظهورهم، وقاربوا الفرنج. # فأرسل صلاح الدين عدة من الأمراء يردونهم ويحمونهم إلى أن يخرجوا، فلم ~~يسمعوا ولم يقبلوا. # وكان الفرنج قد اعتقدوا أن وراءهم كمينا، فلم يقدموا عليهم، فأرسلوا من ~~ينظر في حقيقة الأمر، فأتاهم الخبر أنهم منقطعون عن المسلمين، وليس وراءهم ~~من يخاف، فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد فقاتلوهم فلم يلبثوا أن ~~أناموهم، وقتل معهم جماعة من المعروفين وشق على صلاح الدين والمسلمين ما ~~جرى عليهم وكان ذلك بتفريطهم في حق أنفسهم، رحمهم الله ورضي عنهم. # وكانت هذه الوقعة تاسع جمادى الأولى فلما رأى صلاح الدين ذلك انحدر من ~~الجبل إليهم في عسكره، فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر وقد أخذوا ~~طريقهم، فألقوا أنفسهم في الماء، فغرق منهم نحو مائة دارع سوى من قتل. # وعزم السلطان على مصابرتهم ومحاصرتهم، فتسامع الناس فقصدوه من كل ناحية ~~واجتمع معه خلق # PageV10P067 # كثير، فلما رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور، فلما عادوا إليها سار ~~صلاح الدين إلى تبنين، ثم إلى عكا ينظر حالها ثم عاد إلى العسكر والمخيم. # ذكر وقعة ثالثة # لما عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أن الفرنج يخرجون من صور ~~للاحتطاب والاحتشاش، متبددين، فكتب إلى من بعكا من العسكر وواعدهم يوم ~~الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين، ورتب كمناء في موضع من ~~تلك الأودية والشعاب واختار جماعة من شجعان عسكره، وأمرهم بالتعرض للفرنج ~~وأمرهم أنهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم ms4273 شيئا من قتال ثم تطاردوا لهم ~~وأروهم العجز عن مقاتلتهم فإذا تبعهم الفرنج استجروهم إلى أن يجوزوا موضع ~~الكمين ثم يعطفوا عليهم ويخرج الكمين من خلفهم، فخرجوا على هذه العزيمة. ~~فلما تراءى الجمعان والتقت الفئتان واقتتلوا أنف فرسان المسلمين أن يظهر ~~عنهم اسم الهزيمة فثبتوا فقاتلوهم وصبر بعضهم لبعض واشتد القتال وعظم الأمر ~~ودامت الحرب وطال على الكمناء الانتظار فخافوا على أصحابهم فخرجوا من ~~مكامنهم نحوهم مسرعين وإليهم قاصدين فأتوهم وهم في شدة الحرب فازداد الأمر ~~شدة على شدة وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة وطيء وكانوا يجهلون تلك الأرض ~~فلم يسلكوا مسلك أصحابهم فسلكوا الوادي ظنا منهم أنه يخرج بهم إلى أصحابهم ~~وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين فلما رأوهم الفرنج بالوادي علموا أنهم جاهلون ~~فأتوهم وقاتلوهم. وأما المملوك فإنه نزل عن فرسه وجلس على صخرة وأخذ قوسه ~~بيده وحمى نفسه وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم فجرح منهم جماعة ~~وجرحوه جراحات كثيرة فسقط فأتوه وهو بآخر رمق فتركوه وانصرفوا وهم يحسبونه ~~ميتا ثم إن المسلمين جاءوا من الغد على موضعهم فرأوا القتلى ورأوا المملوك ~~حيا فحملوه في كساء وهو يكاد لا يعرف من كثرة الجراحات فأيسوا من حياته ~~فأعرضوا عنه وعرضوا عليه الشهادة وبشروه بالشهادة فتركوه ثم عادوا إليه ~~فرأوه وقد قويت نفسه فأقبلوا عليه بمشروب فعوفي ثم كان بعد ذلك لا يحضر # PageV10P068 # مشهدا إلا كان له فيه الأثر العظيم. # ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتها # لما كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من أن صلاح الدين كان كلما فتح ~~مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان، وسيرهم إليها بأموالهم ونسائهم وأولادهم، ~~اجتمع بها منهم عالم كثير لا يعد ولا يحصى، ومن الأموال ما لا يفنى على ~~كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة. # ثم إن الرهبان والقسوس وخلقا كثيرا من مشهوريهم، وفرسانهم لبسوا السواد، ~~وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من أيديهم، وأخذهم البطرك الذي كان ~~بالقدس، ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعا، ويستنجدون أهلها، ~~ويستجيرون بهم، ويحثونهم على ms4274 الأخذ بثأر البيت المقدس. # وصوروا المسيح - عليه السلام - وجعلوه مع صورة عربي يضربه، وقد جعلوا ~~الدماء على صورة المسيح - عليه السلام - وقالوا لهم: هذا المسيح يضربه محمد ~~نبي المسلمين وقد جرحه وقتله. # فعظم ذلك على الفرنج فحشروا وحشدوا حتى النساء، فإنهم كان معهم على عكا ~~عدة من النساء يبارزن الأقران على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ومن لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه أو يعطيهم مالا على قدر حالهم. ~~فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء. # ولقد حدثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد، وهو من أجناد أصحابه ~~الذين سلموه إلى الفرنج قديما، وكان هذا الرجل قد ندم على ما كان منه [من] ~~موافقة الفرنج في الغارة على بلاد الإسلام، والقتال معهم، والسعي معهم، ~~وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة، إن شاء الله تعالى. # قال لي هذا الرجل إنه دخل مع جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى البلاد ~~البحرية التي للفرنج والروم في أربع شوان، يستنجدون قال: فانتهى بنا ~~التطواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نقرة. # وحدثني بعض الأسرى منهم أنه له والدة ليس لها ولد سواه، ولا يملكون من # PageV10P069 # الدنيا غير بيت باعته وجهزته بثمنه، وسيرته لاستنقاذ بيت واحد فأخذ ~~أسيرا. # وكان عند الفرنج من الباعث الديني والنفساني ما هذا حده، فخرجوا على ~~الصعب والذلول، برا وبحرا، من كل فج عميق، ولولا [أن] الله تعالى لطف ~~بالمسلمين، وأهلك ملك الألمان لما خرج على ما نذكره عند خروجه إلى الشام، ~~وإلا كان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. # فهذا كان سبب خروجهم فلما اجتمعوا بصور تموج بعضهم في بعض، ومعهم الأموال ~~العظيمة، والبحر يمدهم بالأقوات والذخائر، والعدد والرجال من بلادهم. فضاقت ~~عليهم صور باطنها وظاهرها فأرادوا قصد صيدا وكان ما ذكرناه. # فعادوا واتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها ومصابرتها، فساروا إليها بفارسهم ~~وراجلهم، وقضهم وقضيضهم، ولزموا البحر في مسيرهم لا يفارقونه في السهل ~~والوعر، والضيق والسعة، ومراكبهم تسير مقابلهم في ms4275 البحر فيها سلاحهم ~~وذخائرهم، ولتكون عدة لهم، إن جاءهم ما لا قبل لهم به ركبوا فيها وعادوا. # وكان رحيلهم ثامن رجب، ونزولهم على عكا في منتصفه، ولما كانوا سائرين كان ~~يزك المسلمين يتخطفونهم، ويأخذون المنفرد منهم. # ولما رحلوا جاء الخبر إلى صلاح الدين برحيلهم، فسار حتى قاربهم، ثم جمع ~~أمراءه واستشارهم: هل يكون المسير محاذاة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون أو ~~يكون في غير الطريق التي سلكوها؟ فقالوا: لا حاجة بنا إلى احتمال المشقة في ~~مسايرتهم، فإن الطريق وعر وضيق ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم، والرأي أننا ~~نسير في الطريق المهيع، ونجتمع عليهم عند عكا، فنفرقهم ونمزقهم. # فعلم ميلهم إلى الراحة المعجلة، فوافقهم، وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم ~~وهم سائرون، وقال: إن الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض، فلا يتهيأ لنا ~~إزعاجهم، ولا نيل الغرض منهم، والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكا، فخالفوه ~~فتبعهم، وساروا على طريق كفر كنا فسبقهم الفرنج. # وكان صلاح الدين قد جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم، ~~ويناوشونهم القتال، ويتخطفونهم، ولم يقدم الفرنج عليهم مع قلتهم، فلو أن ~~العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكا ~~لكان بلغ غرضه وصدهم عنها، ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. # ولما وصل صلاح الدين إلى عكا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى # PageV10P070 # البحر، من الجانب الآخر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدين ~~عليهم وضرب خيمته على تل كيسان، وامتدت ميمنته إلى تل العياضية وميسرته إلى ~~النهر الجاري، ونزلت الأثقال بصفورية. # وسير الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر، فأتاه عسكر الموصل، وديار بكر ~~وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة، وأتاه تقي الدين ابن أخيه، وأتاه مظفر ~~الدين بن زين الدين، وهو صاحب حران والرها. # وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البر وتأتي الفرنج في البحر، وكان بين ~~الفريقين مدة مقامهم على عكا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة، منها اليوم ~~المشهور، ومنها ما هو دون ذلك، وأنا أذكر الأيام الكبار لئلا يطول ذلك، ~~ولأن ms4276 ما عداها كان قتالا يسيرا من بعضهم مع بعض، فلا حاجة إلى ذكره. # ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول إليهم، ولا إلى عكا حتى انسلخ ~~رجب ثم قاتلهم مستهل شعبان فلم ينل منهم ما يريد وبات الناس على تعبئة. ~~فلما كان الغد باكرهم القتال بحده وحديده، واستدار عليهم من سائر جهاتهم من ~~بكرة إلى الظهر، وصبر الفريقان صبرا حار له من رآه. # فلما كان وقت الظهر حمل عليهم تقي الدين حملة منكرة من الميمنة على من ~~يليه منهم، فأزاحهم عن مواقفهم يركب بعضهم بعضا لا يلوي أخ على أخ، ~~والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم، واجتمعوا بهم، واحتموا بهم، وأخلوا نصف ~~البلد، وملك تقي الدين مكانهم، والتصق بالبلد، وصار ما أخلوه بيده # ودخل المسلمون البلد وخرجوا منه واتصلت الطرق وزال الحصر عمن فيه، وأدخل ~~صلاح الدين إليه من أراد من الرجال، وما أراد من الذخائر والأموال والسلاح ~~وغير ذلك ولو أن المسلمين لزموا قتالهم إلى الليل لبلغوا ما أرادوه، فإن ~~للصدمة الأولى روعة، لكنهم لما نالوا منهم هذا القدر أخلدوا إلى الراحة، ~~وتركوا القتال وقالوا: نباكرهم غدا، ونقطع دابرهم. # وكان في جملة من أدخله صلاح الدين إلى عكا من جملة الأمراء حسام الدين ~~أبو الهيجاء السمين، وهو من أكابر أمراء عسكره، وهو من الأكراد الحكمية من ~~بلد إربل، وقتل من الفرنج هذا اليوم جماعة كبيرة. # PageV10P071 # ذكر وقعة أخرى ووقعة العرب # ثم إن المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد وهو سادس، شعبان عازمين، على ~~بذل جهدهم واستنفاذ وسعهم في استئصالهم. فتقدموا على تعبئتهم، فرأوا الفرنج ~~حذرين محتاطين، قد ندموا على ما فرطوا فيه بالأمس، وهم قد حفظوا أطرافهم ~~ونواحيهم، وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصول إليهم فألح المسلمون عليهم في ~~القتال فلم يتقدم الفرنج إليهم، ولا فارقوا مرابضهم، فلما رأى المسلمون ذلك ~~عادوا عنهم. # ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى ~~الاحتطاب وغيره من أشغالهم. فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه سادس ms4277 عشر ~~شعبان فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب، فقتلوهم عن ~~آخرهم وغنموا ما كان معهم. وحملوا الرؤس إلى صلاح الدين، فأحسن إليهم ~~وأعطاهم الخلع. # ذكر الوقعة الكبرى على عكا # لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كل ~~يوم يغادون القتال مع الفرنج ويراوحونه والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا ~~يفارقونه، ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة، فقالوا: إن عسكر مصر لم يحضر ~~والحال مع صلاح الدين هكذا، فكيف يكون إذا حضر؟ والرأي أننا نلقى المسلمين ~~غدا لعلنا نظفر بهم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم. # وكان كثير من عسكر صلاح الدين غائبا عنه، بعضها مقابل أنطاكية ليردوا ~~عادية بيمند صاحبها عن أعمال حلب، وبعضها في حمص مقابل طرابلس لتحفظ ذلك ~~الثغر أيضا، وعسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد. # وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والإسكندرية وغيرهما، والذي بقي من عسكر مصر ~~كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم، كما ذكرناه قبل، وكان هذا مما أطمع الفرنج في ~~الظهور إلى قتال المسلمين. # وأصبح المسلمون على عادتهم منهم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في ~~خيمته، ومنهم من قد توجه في حاجته من زيارة صديق، وتحصيل ما يحتاج إليه هو # PageV10P072 # وأصحابه ودوابه، إلى غير ذلك، فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد ~~المنتشر، يدبون على وجه الأرض قد ملأوها طولا وعرضا، وطلبوا ميمنة المسلمين ~~وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فلما رأى الفرنج نحوه قاصدين حذر ~~هو وأصحابه، فتقدموا إليه، فلما قربوا منه تأخر عنهم. # فلما رأى صلاح الدين الحال وهو في القلب، أمد تقي الدين برجال من عنده ~~ليتقوى بهم، وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب، فلما رأى ~~الفرنج قلة الرجال في القلب، وأن كثيرا منهم قد سار نحو الميمنة مددا لهم ~~عطفوا على القلب، فحملوا حملة رجل واحد. # فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين، وثبت بعضهم، فاستشهد جماعة منهم ~~كالأمير مجلي بن مروان، والظهير أخي الفقيه عيسى، وكان والي البيت المقدس ms4278 ~~قد جمع بين الشجاعة والعلم والدين، وكالحاجب خليل الهكاري، وغيرهم من ~~الشجعان الصابرين في مواطن الحرب. # ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردهم، فقصدوا التل الذي عليه خيمة صلاح ~~الدين، فقتلوا من مروا به، ونهبوا، وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة، منهم ~~شيخنا جمال الدين أبو علي بن رواحة الحموي، وهو من أهل العلم، وله شعر حسن، ~~وما ورث الشهادة من بعيد، فإن جده عبد الله بن رواحة، صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قتله الروم يوم مؤتة، وهذا قتله الفرنج يوم عكا، وقتلوا ~~غيره. # وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل، فوضعوا السيف فيمن لقوه، وكان من لطف ~~الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين، ولو لقوها لعلم ~~الناس وصولهم إليها، وانهزام العساكر بين أيديهم، فكانوا انهزموا أجمعون. # ثم إن الفرنج نظروا وراءهم، فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم، فرجعوا خوفا ~~أن ينقطعوا عن أصحابهم، وكان سبب انقطاعهم أن الميمنة وقفت مقابلتهم، ~~فاحتاج بعضهم [أن] يقف مقابلها، وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج، فاشتغل ~~المدد بقتال من بها عن الاتصال بأصحابهم، وعادوا إلى طرف خنادقهم، فحملت ~~الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين، فصادفوهم وهم راجعون، ~~فقاتلوهم، وثار بهم غلمان العسكر. # PageV10P073 # وكان صلاح الدين لما انهزم القلب قد تبعهم يناديهم، ويأمرهم بالكرة، ~~ومعاودة القتال، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة، فحمل بهم على الفرنج من وراء ~~ظهورهم وهم مشغولون بقتال الميسرة، فأخذتهم سيوف الله من كل جانب، فلم يفلت ~~منهم أحد، بل قتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى، وفي جملة من أسر مقدم الداوية ~~الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه، فلما ظفر به الآن قتله. # وكانت عدة القتلى، سوى من كان إلى جانب البحر، في عشرة آلاف قتيل، فأمر ~~بهم، فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه وكان عامة القتلى من فرسان ~~الفرنج، فإن الرجالة لم يلحقوهم، وكان في جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن ~~يقاتلن على الخيل، فلما أسرن، وألقي عنهن السلاح عرفن أنهن نساء. # وأما ms4279 المنهزمون من المسلمين، فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاز الأردن ~~وعاد، ومنهم من بلغ دمشق، ولولا أن العساكر تفرقت في الهزيمة لكانوا بلغوا ~~من الفرنج [من] الاستئصال والإهلاك مرادهم، على أن الباقين بذلوا جهدهم ~~وجدوا في القتال، وصمموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلهم يفزعون ~~منهم، فجاءهم الصريخ بأن رحالهم وأموالهم قد نهبت. # وكان سبب هذا النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب، ~~فثار بهم أوباش العسكر وغلمانه فنهبوه وأتوا عليه، وكان في عزم صلاح الدين ~~أن يباكرهم القتال والزحف، فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم، وهم ~~يسعون في جمعها وتحصيلها. # فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ، فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش والعيب ~~المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك فرد الجميع على أصحابه، ففاته ذلك اليوم ~~ما أراد، فسكن روع الفرنج، وأصلحوا شأن الباقين منهم. # ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج وتمكنهم من حصر عكا # لما قتل من الفرنج ذلك العدد الكثير، جافت الأرض من نتن ريحهم، وفسد ~~الهواء والجو، وحدث للأمزجة فساد، وانحرف مزاج صلاح الدين، وحدث له قولنج ~~مبرح كان يعتاده، فحضر عنده الأمراء وأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الموضع ~~وترك مضايقة الفرنج، وحسنوه له. # وقالوا: قد ضيقنا على الفرنج، ولو أرادوا # PageV10P074 # الانفصال عن مكانهم لم يقدروا، والرأي أننا نبعد عنهم بحيث يتمكنون من ~~الرحيل والعود فإن رحلوا، وهو ظاهر الأمر، فقد كفينا شرهم وكفوا شرنا، وإن ~~أقاموا عاودنا القتال ورجعنا معهم إلى ما نحن فيه، ثم إن مزاجك منحرف ~~والألم شديد، ولو وقع إرجاف لهلك الناس، والرأي على كل تقدير البعد عنهم. # ووافقهم الأطباء على ذلك، فأجابهم إليه إلى ما يريد الله يفعله {وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} [الرعد: 11] ، ~~فرحلوا إلى الخروبة رابع شهر رمضان وأمر من بعكا من المسلمين بحفظها، ~~وإغلاق أبوابها، والاحتياط، وأعلمهم بسبب رحيله. # فلما رحل هو وعساكره أمن الفرنج وانبسطوا في تلك الأرض، وعادوا فحصروا ~~عكا، وأحاطوا ms4280 بها من البحر إلى البحر ومراكبهم أيضا في البحر تحصرها، ~~وشرعوا في حفر الخندق، وعمل السور من التراب الذي يخرجونه من الخندق، ~~وجاءوا بما لم يكن في الحساب. # وكان اليزك كل يوم يوافقهم، وهم لا يقاتلون، ولا يتحركون، إنما هم مهتمون ~~بعمل الخندق والسور عليهم ليتحصنوا به من صلاح الدين، إن عاد إلى قتالهم، ~~فحينئذ ظهر رأي المشيرين بالرحيل. # وكان اليزك كل يوم يخبرون صلاح الدين بما يصنع الفرنج، ويعظمون الأمر ~~عليه وهو مشغول بالمرض، لا يقدر على النهوض للحرب، وأشار عليه بعضهم بأن ~~يرسل العساكر جميعها إليهم ليمنعهم من الخندق والسور، ويقاتلوهم، ويتخلف هو ~~عنهم، فقال: إذا لم أحضر معهم لا يفعلون شيئا، وربما كان من الشر أضعاف ما ~~نرجوه من الخير، فتأخر الأمر إلى أن عوفي، فتمكن الفرنج وعملوا ما أرادوا، ~~وأحكموا أمورهم، وحصنوا نفوسهم بما وجدوا إليه السبيل، وكان من بعكا يخرجون ~~إليهم كل يوم، ويقاتلونهم، وينالون منهم بظاهر البلد. # PageV10P075 # ذكر وصول عسكر مصر والأسطول المصري في البحر # في منتصف شوال وصلت العساكر المصرية، ومقدمها الملك العادل سيف الدين أبو ~~بكر بن أيوب، فلما وصل قويت نفوس الناس به وبمن معه، واشتدت ظهورهم، وأحضر ~~معه من آلات الحصار من الدرق والطارقيات والنشاب والأقواس، شيئا كثيرا. ~~ومعهم من الرجالة الجم الغفير، وجمع صلاح الدين من البلاد الشامية راجلا ~~كثيرا، وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل. # ووصل بعده الأسطول المصري، ومقدمه الأمير لؤلؤ، وكان شهما، شجاعا، ~~مقداما، خبيرا بالبحر والقتال فيه، ميمون النقيبة، فوصل بغتة فوقع على بسطة ~~كبيرة للفرنج فغنمها، وأخذ منها أموالا كثيرة، وميرة عظيمة، فأدخلها إلى ~~عكا، فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول وقوي جنانهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في صفر، خطب لولي العهد (أبي نصر) محمد بن الخليفة الناصر ~~لدين الله ببغداد، ونثرت الدنانير والدراهم، وأرسل إلى البلاد في إقامة ~~الخطبة، ففعل ذلك. # وفيها، في شوال، ملك الخليفة تكريت، وسبب ذلك أن صاحبها، وهو الأمير ~~عيسى، قتله إخوته، وملكوا القلعة بعده، فسير ms4281 الخليفة إليهم عسكرا فحصروها ~~وتسلموها، ودخل أصحابه إلى بغداد فأعطوا أقطاعا. # وفيها، في صفر، فتح الرباط الذي بناه الخليفة بالجانب الغربي من بغداد، ~~وحضر الخلق العظيم، فكان يوما مشهودا. # [الوفيات] وفي هذه السنة، في رمضان، مات شرف الدين أبو سعد عبد الله بن ~~محمد بن هبة الله بن أبي عصرون، الفقيه الشافعي بدمشق، وكان قاضيها، وأضر ~~وولي القضاء بعده ابنه، وكان الشيخ من أعيان الفقهاء الشافعية. # PageV10P076 # وفيها، في ذي القعدة، توفي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري بالخروبة مع ~~صلاح الدين، وهو من أعيان أمراء عسكره، ومن قدماء الأسدية، وكان فقيها، ~~جنديا، شجاعا، كريما، ذا عصبية ومروءة، وهو من أصحاب الشيخ الإمام أبي ~~القاسم بن البرزي، تفقه عليه بجزيرة ابن عمر، ثم اتصل بأسد الدين شيركوه ~~فصار إماما له، فرأى من شجاعته ما جعل له أقطاعا، وتقدم عند صلاح الدين ~~تقدما عظيما. # وفيها، في صفر، توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، ~~المعروف بابن أفضل الزمان، بمكة، وكان رحمه الله عالما متبحرا في علوم ~~كثيرة، خلاف فقه مذهبه والأصوليين، والحساب والفرائض، والنجوم، والهيئة، ~~والمنطق، وغير ذلك، وختم أعماله بالزهد، ولبس الخشن وأقام بمكة - حرسها ~~الله تعالى - مجاورا، فتوفي بها، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا. # وفيها، في ذي القعدة، مات أبو طالب المبارك بن المبارك الكرخي مدرس ~~النظامية، وكان من أصحاب أبي الحسن بن الخل، وكان صالحا خيرا له عند ~~الخليفة والعامة حرمة عظيمة، وجاه عريض، وكان حسن الخط يضرب به المثل. # PageV10P077 ### | [ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة] ### | 586 - # ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة # ذكر وقعة الفرنج واليزك وعود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج # قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكا إلى الخروبة لمرضه، فلما برأ أقام ~~بمكانه إلى أن ذهب الشتاء، وفي مدة مقامه بالخروبة كان يزكه وطلائعه لا ~~تنقطع عن الفرنج. # فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة سمع الفرنج أن صلاح الدين قد ~~سار للصيد، ورأى العسكر الذي في اليزك عندهم قليلا، وأن ms4282 الوحل الذي في مرج ~~عكا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك. # فاغتنموا ذلك، وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر، فقاتلهم المسلمون، ~~وحموا أنفسهم بالنشاب، وأحجم الفرنج عنهم، حتى فني نشابهم، فحملوا عليهم ~~حينئذ حملة رجل واحد، فاشتد القتال، وعظم الأمر، وعلم المسلمون أنه لا ~~ينجيهم إلا الصبر وصدق القتال، فقاتلوا قتال مستقتل إلى أن جاء الليل، وقتل ~~من الفريقين جماعة كثيرة، وعاد الفرنج إلى خندقهم. # ولما عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة، فندب الناس إلى نصر ~~إخوانهم، فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى خندقهم، فأقام، ثم إنه رأى ~~الشتاء قد ذهب، وجاءته العساكر من البلاد القريبة منه، دمشق وحمص وحماة ~~وغيرها. # فتقدم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل كيسان، وقاتل الفرنج كل يوم ليشغلهم ~~عن قتال من بعكا من المسلمين، فكانوا يقاتلون الطائفتين ولا يسأمون. # ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول # كان الفرنج، في مدة مقامهم على عكا، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية ~~جدا، طول كل برج منها في السماء ستون ذراعا، وعملوا كل برج منها خمس طبقات، # PageV10P078 # كل طبقة مملوءة من المقاتلة، وقد جمعوا أخشابها من الجزائر فإن مثل هذه ~~الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب إلا القليل النادر، وغشوها بالجلود ~~والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق لها، ~~وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات، وزحفوا بها في العشرين من ربيع الأول، ~~فأشرفت على السور، وقاتل من بها من عليه فانكشفوا، وشرعوا في طم خندقها، ~~فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا. # فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر، فأعلمه ما هم فيه من ~~الضيق، وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم، فركب هو وعساكره وتقدموا إلى ~~الفرنج وقاتلوهم من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد. # فافترق الفرنج فرقتين: فرقة تقاتل صلاح الدين وفرقة تقاتل أهل عكا، إلا ~~أن الأمر قد خف عمن بالبلد، ودام القتال ثمانية أيام متتابعة، آخرها الثامن ~~والعشرون ms4283 من الشهر، وسئم الفريقان القتال، وملوا منه لملازمته ليلا ونهارا، ~~والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد، لما رأوا من عجز من فيه عن ~~دفع الأبراج، فإنهم لم يتركوا حيلة إلا وعملوها، فلم يفد ذلك، ولم يغن عنهم ~~شيئا، وتابعوا رمي النفط الطيار عليها، فلم يؤثر فيها، فأيقنوا بالبوار ~~والهلاك، فأتاهم الله بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج. # وكان سبب ذلك، أن إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفاطين، ~~وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه وهو ~~يقول: هذه حالة لا أباشرها بنفسي إنما أشتهي معرفتها، وكان بعكا لأمر يريده ~~الله. # فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية ~~المقوية للنار، بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما، فلما فرغ منها ~~حضر عند الأمير قراقوش، وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها، وقال له: تأمر ~~المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى ~~أحرقه. # وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد وما فيه ما يكاد يقتله، ~~فازداد # PageV10P079 # غيظا بقوله وحرد عليه، فقال له: قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي بالنفط ~~وغيره فلم يفلحوا فقال له من حضر: لعل الله تعالى قد جعل الفرج على يد هذا، ~~ولا يضرنا أن نوافقه على قوله فأجابه إلى ذلك، وأمر المنجنيقي بامتثال ~~أمره. # فرمى عدة قدور نفطا وأدوية ليس فيها نار، فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا ~~يحرق شيئا يصيحون، ويرقصون، ويلعبون على سطح البرج حتى إذا علم أن الذي ~~ألقاه قد تمكن من البرج، ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج، ~~وألقى قدرا ثانية وثالثة، فاضطرمت النار في نواحي البرج، وأعجلت من في ~~طبقاته الخمس عن المهرب والخلاص، فاحترق هو ومن فيه، وكان فيه من الزرديات ~~والسلاح شيء كثير. # وكان طمع الفرنج بما رأوا أن القدور الأولى لا تعمل شيئا يحملهم على ~~الطمأنينة وترك السعي في الخلاص حتى عجل الله ms4284 لهم النار في الدنيا قبل ~~الآخرة، فلما أحرق البرج الأول انتقل إلى الثاني، وقد هرب من فيه لخوفهم، ~~فأحرقه، وكذلك الثالث. # وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله، والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت ~~وجوههم بعد الكآبة فرحة بالنصر وخلاص المسلمين من القتل لأنهم ليس فيهم أحد ~~إلا وله في البلد إما نسيب وإما صديق. # وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة والإقطاع الكثير ~~فلم يقبل منه الحبة الفرد، وقال: إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا ~~منه. # وسيرت الكتب إلى البلاد بالبشائر. وأرسل يطلب العساكر الشرقية. # فأول من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، وهو صاحب سنجار وديار ~~الجزيرة، ثم أتاه علاء الدين ولد عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، سيره ~~أبوه مقدما على عسكره وهو صاحب الموصل. # ثم وصل زين الدين يوسف صاحب إربل وكان كل منهم إذا وصل يتقدم إلى الفرنج ~~بعسكره وينضم إليه غيرهم، ويقاتلونهم، ثم ينزلون. # ووصل الأسطول من مصر فلما سمع الفرنج بقربه منهم جهزوا إلى طريقه أسطولا ~~ليلقاه ويقاتله، فركب صلاح الدين في العساكر جميعها، وقاتلهم من جهاتهم ~~ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ; ليتمكن من دخول عكا، فلم يشتغلوا عن ~~قصده بشيء، فكان القتال بين الفريقين برا وبحرا، وكان يوما مشهودا لم يؤرخ ~~مثله. # وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا بما فيه من الرجال والسلاح، وأخذ الفرنج ~~من المسلمين مثل ذلك إلا أن القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين، ~~ووصل الأسطول الإسلامي سالما. # PageV10P080 # ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام وموته # في هذه السنة خرج ملك الألمان من بلاده، وهم نوع من الفرنج، من أكثرهم ~~عددا، وأشدهم بأسا، وكان قد أزعجه ملك الإسلام البيت المقدس فجمع عساكره، ~~وأزاح علتهم، وسار عن بلاده وطريقه على القسطنطينية، فأرسل ملك الروم بها ~~إلى صلاح الدين يعرفه الخبر، ويعد أنه لا يمكنه من العبور في بلاده. # فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينية عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة ~~جموعه، لكنه ms4285 منع عنهم الميرة، ولم يمكن أحدا من رعيته من حمل ما يريدونه ~~إليهم، فضاقت بهم الأزواد والأقوات، وساروا حتى عبروا خليج القسطنطينيه، ~~وصاروا على أرض بلاد الإسلام، وهي مملكة الملك قلج أرسلان بن مسعود بن ~~سليمان بن قتلمش بن سلجق. # فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأوج، فما زالوا يسايرونهم ~~ويقتلون من انفرد ويسرقون ما قدروا عليه، وكان الزمان شتاء والبرد يكون في ~~تلك البلاد شديدا والثلج متراكما، فأهلكهم البرد والجوع والتركمان فقل ~~عددهم. # فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ~~ليمنعهم، فلم يكن له بهم قوة، فعاد إلى قونية وبها أبوه قد حجر ولده ~~المذكور عليه، وتفرق أولاده في بلاده، وتغلب كل واحد منهم على ناحية منها. # فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره فنازلوا قونية، وأرسلوا ~~إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له: ما قصدنا بلادك ولا أردناها، وإنما قصدنا ~~البيت المقدس، وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت ~~وغيره، فأذن في ذلك، فأتاهم ما يريدون، فشبعوا، وتزودوا، وساروا. # ثم طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم، وأن يسلم إليهم جماعة ~~من أمرائه رهائن، وكان يخافهم، فسلم إليهم نيفا وعشرين أميرا كان يكرههم، ~~فساروا بهم معهم ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم # PageV10P081 # والتعرض إليهم فقبض ملك الألمان على من معه من الأمراء وقيدهم، فمنهم من ~~هلك في أسره، ومنهم من فدى نفسه. # وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن، وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ~~ليون، فأمدهم بالأقوات والعلوفات، وحكمهم في بلاده، وأظهر الطاعة لهم، ثم ~~ساروا نحو أنطاكية، وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده، ودخل ملكهم إليه ~~ليغتسل فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره. # وكان معه ولد له، فصار ملكا بعده، وسار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابه عليه، ~~فأحب بعضهم العود إلى بلاده، فتخلف عنه، وبعضهم مال إلى تمليك أخ له، فعاد ~~أيضا، وسار فيمن صحت نيته له، ms4286 فعرضهم وكانوا نيفا وأربعين ألفا، ووقع فيهم ~~الوباء والموت، فوصلوا إلى أنطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور. # فتبرم بهم صاحبها، وحسن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكا، فساروا على ~~جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون، وخرج أهل حلب وغيرها ~~إليهم، وأخذوا منهم خلقا كثيرا، ومات أكثر ممن أخذ، فبلغوا طرابلس، وأقاموا ~~بها أياما فكثر فيهم الموت، فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل، فركبوا في البحر ~~إلى الفرنج الذين على عكا، ولما وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه ~~من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد. # وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم، ويعده أنه يمنعهم من ~~العبور في بلاده فلما عبروها وخلفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم، لأن أولاده ~~حكموا عليه، وحجروا عليه وتفرقوا عنه، وخرجوا عن طاعته. # وأما صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان، فإنه استشار أصحابه، # PageV10P082 # فأشار كثير منهم عليه بالمسير إلى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتصلوا بمن ~~على عكا. # فقال: بل نقيم إلى أن يقربوا منا، وحينئذ نفعل ذلك لئلا يستسلم من بعكا ~~من عساكرنا لكنه سير بعض من عنده من العساكر منها عسكر حلب وجبلة ولاذقية ~~وشيزر وغير ذلك، إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من ~~عاديتهم. # وكان حال المسلمين. كما قال الله عز وجل: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هنالك ~~ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 10] فكفى الله شرهم ورد ~~كيدهم في نحرهم. # ومن شدة خوفهم أن بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية وكان ~~أخي، رحمه الله يتولاها، فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن، فأرسل إليه في بيع ~~الغلة، فوصل كتابه يقول: " لا تبع الحبة الفرد، واستكثر لنا من التبن ". # ثم بعد ذلك وصل كتابه يقول: تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه، ثم: إن ذلك ~~الأمير قدم الموصل، فسألناه عن المنع من بيع الغلة، ثم الإذن ms4287 فيها بعد مدة ~~يسيرة، فقال: لما وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنا أننا ليس لنا ~~بالشام مقام. # فكتبت بالمنع من بيع الغلة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم، ولما أهلكهم ~~الله تعالى، وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها. # ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا # وفي هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة خرجت الفرنج فارسها وراجلها من ~~وراء خنادقهم، وتقدموا إلى المسلمين، وهم كثير لا يحصى عددهم، وقصدوا نحو ~~عسكر مصر، ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وكان المصريون قد ركبوا ~~واصطفوا للقاء الفرنج، فالتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا. # فانحاز المصريون عنهم، ودخل الفرنج خيامهم، ونهبوا أموالهم فعطف المصريون ~~عليهم، فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها. # وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج، فقطعوا المدد عن أصحابهم ~~الذين خرجوا، وكانوا متصلين، كالنمل، فلما انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم، ~~وأخذتهم السيوف من كل ناحية فلم ينج منهم إلا الشريد، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل. # PageV10P083 # وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر، وكان مقدمهم علاء الدين خرمشاه بن ~~عز الدين مسعود صاحب الموصل، فحملوا أيضا على الفرنج، وبالغوا في قتالهم، ~~ونالوا منهم نيلا كثيرا، هذا جميعه، ولم يباشر القتال أحد من الحلقة الخاص ~~التي مع صلاح الدين، ولا أحد من الميسرة، وكان بها عماد الدين زنكي، صاحب ~~سنجار وعسكر إربل وغيرهم. # ولما جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم، ولانت عريكتهم، وأشار ~~المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال، ومناجزتهم وهم على هذه الحال من ~~الهلع والجزع، فاتفق أنه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر فيه بموت ملك ~~الألمان، وما أصاب أصحابه من الموت والقتل والأسر، وما صار أمرهم إليه من ~~القلة والذلة. # واشتغل المسلمون بهذه البشرى والفرح بها عن قتال من بإزائهم، وظنوا أن ~~الفرنج إذا بلغهم هذا الخبر ازدادوا وهنا على وهنهم، وخوفا على خوفهم، فلما ~~كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر مع كند كبير من الكنود البحرية ~~يقال له الكند هري ابن ms4288 أخي ملك إفرنسيس لأبيه، وابن أخي ملك إنكلتار لأمه. # ووصل معه من الأموال شيء كثير يفوق الإحصاء، فوصل إلى الفرنج، فجند ~~الأجناد، وبذل الأموال فعادت نفوسهم فقويت واطمأنت، وأخبرهم أن الأمداد ~~واصلة إليهم يتلو بعضها بعضا، فتماسكوا وحفظوا مكانهم. # ثم أظهروا أنهم يريدون الخروج إلى لقاء المسلمين وقتالهم، فانتقل صلاح ~~الدين من مكانه إلى الخروبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، ليسع ~~المجال، وكانت المنزلة قد أنتنت بريح القتلى. # ثم إن الكند هري نصب منجنيقا ودبابات وعرادات، فخرج من بعكا من المسلمين ~~فأخذوها، وقتلوا عندها كثيرا من الفرنج، ثم إن الكند هري بعد أخذ مجانيقه ~~أراد أن ينصب منجنيقا، فلم يتمكن من ذلك لأن المسلمين بعكا كانوا يمنعون من ~~عمل ستائر يستتر بها من يرمي من المنجنيق، فعمل تلا من تراب بالبعد من ~~البلد. # ثم إن الفرنج كانوا ينقلون التل إلى البلد بالتدريج، ويستترون به، ~~ويقربونه إلى البلد، فلما صار من البلد بحيث يصل من عنده حجر منجنيق، نصبوا ~~وراءه منجنيقين، # PageV10P084 # وصار التل سترة لهما. # وكانت الميرة قد قلت بعكا، فأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية يأمرهم ~~بإنفاذ الأقوات واللحوم وغير ذلك في المراكب إلى عكا، فتأخر إنفاذها، فسير ~~إلى نائبه بمدينة بيروت في ذلك، فسير بطسة عظيمة مملوءة من كل ما يريدونه، ~~وأمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج وتشبهوا بهم ورفعوا عليها الصلبان. # فلما وصلوا إلى عكا لم يشك الفرنج أنها لهم فلم يتعرضوا لها فلما حاذت ~~ميناء عكا أدخلها من بها، ففرح بها المسلمون، وانتعشوا وقويت نفوسهم، ~~وتبلغوا بما فيها إلى أن أتتهم الميرة من الإسكندرية. # وخرجت ملكة من الفرنج من داخل البحر في نحو ألف مقاتل فأخذت بنواحي ~~الإسكندرية، وأخذ من معها ثم إن الفرنج وصلهم كتاب من بابا، وهو كبيرهم ~~الذي يصدرون عن أمره، وقوله عندهم كقول النبيين لا يخالف، والمحروم عندهم ~~من حرمه، والمقرب من قربه، وهو صاحب رومية الكبرى، يأمرهم بملازمة ما هم ~~بصدده، ويعلمهم أنه قد أرسل إلى جميع الفرنج يأمرهم بالمسير إلى نجدتهم ms4289 برا ~~وبحرا، ويعلمهم بوصول الأمداد إليهم، فازدادوا قوة وطمعا. # ذكر خروج الفرنج من خنادقهم # لما تتابعت الأمداد إلى الفرنج، وجند لهم الكند هري جمعا كثيرا بالأموال ~~التي وصلت معه عزموا على الخروج من خنادقهم ومناجزة المسلمين، فتركوا على ~~عكا من يحصرها ويقاتل أهلها، وخرجوا حادي عشر شوال في عدد كالرمل كثرة، ~~وكالنار جمرة. # فلما رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى قيمون، وهو على ثلاثة ~~فراسخ عن عكا، وكان قد عاد إليه من فرق من عساكره لما هلك ملك الألمان، ~~ولقي الفرنج على تعبئة حسنة. # وكان أولاده الأفضل علي، والظاهر غازي، والظافر [خضر] مما يلي القلب، ~~وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة، ومعه عساكر مصر ومن انضم إليهم، وكان في ~~الميسرة عماد الدين، صاحب سنجار، وتقي الدين، صاحب حماة، ومعز الدين سنجر ~~شاه صاحب جزيرة ابن عمر، مع جماعة من أمرائه. # واتفق أن صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده، فنصب له خيمة صغيرة على تل ~~مشرف على العسكر، ونزل # PageV10P085 # فيها ينظر إليهم، فسار الفرنج، شرقي نهر هناك، حتى وصلوا إلى رأس النهر، ~~فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها، فارتاعوا لذلك، ولقيهم الجالشية، وأمطروا ~~عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس. # فلما رأوا ذلك تحولوا إلى غربي النهر، ولزمهم الجالشية يقاتلونهم، ~~والفرنج قد تجمعوا، ولزم بعضهم بعضا، وكان غرض الجالشية أن تحمل الفرنج ~~عليهم، فيلقاهم المسلمون ويلتحم القتال، فيكون الفصل، ويستريح الناس، وكان ~~الفرنج قد ندموا على مفارقة خنادقهم، فلزموا مكانهم، وباتوا ليلتهم تلك. # فلما كان الغد عادوا نحو عكا ليعتصموا بخندقهم، والجالشية في أكتافهم ~~يقاتلونهم تارة بالسيوف، وتارة بالرماح، وتارة بالسهام، وكلما قتل من ~~الفرنج قتيل أخذوه معهم لئلا يعلم المسلمون ما أصابهم، فلولا ذلك الألم ~~الذي حدث بصلاح الدين لكانت هي الفيصل، وإنما لله أمر هو بالغه، فلما بلغ ~~الفرنج خندقهم، ولم يكن لهم بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم، وقد ~~قتلوا من الفرنج خلقا كثيرا. # وفي الثالث والعشرين من شوال أيضا كمن جماعة من المسلمين، وتعرض للفرنج ~~جماعة ms4290 أخرى، فخرج إليهم أربعمائة فارس، فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال، ~~وتطاولوا لهم، وتبعهم الفرنج حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم ~~أحد. # واشتد الغلاء على الفرنج حتى بلغت غرارة الحنطة أكثر من مائة دينار صوري، ~~فصبروا على هذا، وكان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم الأمير ~~أسامة، مستحفظ بيروت، كان يحمل الطعام وغيره، ومنهم سيف الدين علي بن أحمد ~~المعروف بالمشطوب، كان يحمل من صيدا أيضا إليهم، وكذلك من عسقلان وغيرها، ~~ولولا ذلك لهلكوا جوعا خصوصا في الشتاء عند انقطاع مراكبهم عنهم لهياج ~~البحر. # ذكر تسيير البدل إلى عكا والتفريط فيه حتى أخذت # لما هجم الشتاء، وعصفت الرياح، خاف الفرنج على مراكبهم التي عندهم لأنها ~~لم تكن في الميناء، فسيروها إلى بلادهم صور والجزائر، فانفتح الطريق إلى ~~عكا في # PageV10P086 # البحر، فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون الضجر والملل والسآمة. # وكان بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين مقدما على جندها، فأمر ~~صلاح الدين بإقامة البدل وإنفاذه إليها، وإخراج من فيها، وأمر أخاه الملك ~~العادل بمباشرة ذلك، فانتقل إلى جانب البحر، ونزل تحت جبل حيفا، وجمع ~~المراكب والشواني، وكلما جاءه جماعة من العسكر سيرهم إليها. # وأخرج عوضهم، فدخل إليها عشرون أميرا، وكان بها ستون أميرا فكان الذين ~~دخلوا قليلا بالنسبة إلى الذين خرجوا، وأهمل نواب صلاح الدين تجنيد الرجال ~~وإنفاذهم. # وكان على خزانة ماله قوم من النصارى، وكانوا إذا جاءهم جماعة قد جندوا ~~تعنتوهم بأنواع شتى، تارة بإقامة معرفة، وتارة بغير ذلك. فتفرق بهذا السبب ~~خلق كثير، وانضاف إلى ذلك تواني صلاح الدين ووثوقه بنوابه، وإهمال النواب، ~~فانحسر الشتاء والأمر كذلك، وعادت مراكب الفرنج إلى عكا وانقطع الطريق إلا ~~من سابح يأتي بكتاب. # وكان من جملة الأمراء الذين دخلوا إلى عكا سيف الدين علي بن أحمد ~~المشطوب، وعز الدين أرسل مقدم الأسدية بعد جاولي وابن جاولي، وغيرهم، وكان ~~دخولهم عكا أول سنة سبع وثمانين [وخمسمائة] . # وكان قد أشار جماعة على صلاح الدين بأن يرسل إلى من بعكا النفقات ~~الواسعة، ms4291 والذخائر، والأقوات الكثيرة، ويأمرهم بالمقام، فإنهم قد جربوا ~~وتدربوا، واطمأنت نفوسهم على ما هم فيه، فلم يفعل وظن فيهم الضجر والملل، ~~وأن ذلك يحملهم على العجز والفشل، فكان الأمر بالضد. # ذكر وفاة زين الدين يوسف صاحب إربل، ومسير أخيه مظفر الدين إليها # كان زين الدين يوسف بن زين الدين علي، صاحب إربل، قد حضر عند صلاح الدين ~~بعساكره. فمرض ومات ثامن عشر شهر رمضان. # وذكر العماد الكاتب في كتابه " البرق الشامي " كما قال: " جئنا إلى مظفر ~~الدين # PageV10P087 # نعزيه بأخيه، وظننا به الحزن، وليس له أخ غيره، ولا ولد يشغله عنه، فإذا ~~هو في شغل شاغل عن العزاء، مهتم بالاحتياط على ما خلفه. # وهو جالس في خيام أخيه المتوفى، وقد قبض على جماعة من أمرائه واعتقلهم، ~~[وعجل عليهم] ، وما أغفلهم، منهم بلداجي، صاحب قلعة خفتيذكان، وأرسل إلى ~~صلاح الدين يطلب منه إربل لينزل عن حران والرها، فأقطعه إياها، وأضاف إليها ~~شهرزور وأعمالها، ودربند قرابلي، وبني قفجاق. # ولما مات زين الدين كاتب من كان بإربل مجاهد الدين قايماز لهواهم فيه، ~~وحسن سيرته فيهم، وطلبوه إليهم ليملكوه، فلم يجسر هو ولا صاحبه عز الدين ~~أتابك مسعود بن مودود على ذلك، خوفا من صلاح الدين. # وكان أعظم الأسباب في تركها أن عز الدين كان قد قبض على مجاهد الدين، ~~فتمكن زين الدين من إربل، ثم إن عز الدين أخرج مجاهد الدين من القبض، وولاه ~~نيابته، وقد ذكرنا ذلك أجمع. # فلما ولاه النيابة عنه لم يمكنه، وجعل معه إنسانا كان من بعض غلمان مجاهد ~~الدين، فكان يشاركه في الحكم ويحل عليه ما يعقده، فلحق في مجاهد الدين من ~~ذلك غيظ شديد، فلما طلب إلى إربل قال لمن يثق به: لا أفعل لئلا يحكم فيها ~~فلان، ويكف يدي عنها، فجاء مظفر الدين إليها وملكها، وبقي غصة في حلق البيت ~~الأتابكي لا يقدرون على إساغتها. وسنذكر ما اعتمده معهم مرة بعد أخرى، إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين # في هذه السنة ms4292 ملك ابن الرنك - وهو من ملوك الفرنج - غرب بلاد الأندلس، ~~مدينة شلب وهي من كبار مدن المسلمين بالأندلس، واستولى عليها، فوصل الخبر ~~إلى الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب الغرب # PageV10P088 # والأندلس فتجهز في العساكر الكثيرة وسار إلى الأندلس، وعبر المجاز، وسير ~~طائفة كثيرة من عسكره في البحر، ونازلها وحصرها، وقاتل من بها قتالا شديدا، ~~حتى ذلوا وسألوا الأمان فأمنهم، وسلموا البلد وعادوا إلى بلادهم. # وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج، ففتحوا أربع ~~مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة، وفتكوا في الفرنج، فخافهم ~~ملك طليطلة من الفرنج، وأرسل يطلب الصلح فصالحه خمس سنين. # وعاد أبو يوسف إلى مراكش، وامتنع من هذه الهدنة طائفة من الفرنج لم ~~يرضوها، ولا أمكنهم إظهار الخلاف، فبقوا متوقفين حتى دخلت سنة تسعين ~~وخمسمائة، فتحركوا. وسنذكر خبرهم هناك، إن شاء الله تعالى. # ذكر الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان # كان سلطان شاه أخو خوارزم شاه قد تعرض إلى بلاد غياث الدين ومعز الدين ~~ملكي الغورية من خراسان، فتجهز غياث الدين وخرج من فيروزكوه إلى خراسان سنة ~~خمس وثمانين وخمسمائة، فبقي يتردد بين بلاد الطالقان، وبنجده، ومرو، وغيرها ~~يريد حرب سلطان شاه. # فلم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست وثمانين، فجمع سلطان شاه عساكره، وقصد ~~غياث الدين، فتصافا واقتتلا فانهزم سلطان شاه، وأخذ غياث الدين بعض بلاده ~~وعاد إلى غزنة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، تسلم الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة، ~~وكان سير إليها جيشا حصروها سنة خمس وثمانين [وخمسمائة] فقاتلوا عليها ~~قتالا شديدا، ودام الحصار، وقتل من الفريقين خلق كثير، فلما ضاقت عليهم ~~الأقوات # PageV10P089 # سلموها على أقطاع عينوها، ووصل صاحبها وأهلها إلى بغداد وأعطوا أقطاعا، ~~ثم تفرقوا في البلاد واشتدت الحاجة بهم، حتى رأيت بعضهم وإنه ليتعرض ~~بالسؤال، وبعض خدم الناس، نعوذ بالله من زوال نعمته وتحول عافيته. # [الوفيات] وفى هذه السنة توفي مسعود بن النادر الصفار ببغداد، ms4293 وكان مكثرا ~~من الحديث، حسن الخط، خيرا ثقة. # ومنها توفي أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري ~~بالموصل، وكان قاضيها، وقبلها ولي قضاء حلب وجميع الأعمال بها، وكان رئيسا ~~جوادا، ذا مروءة عظيمة، يرجع إلى دين وأخلاق جميلة. # PageV10P090 ### | [ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة] ### | 587 - # ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة # ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي ~~صاحب الموصل إلى جزيرة ابن عمر، فحصرها، وكان بها صاحبها سنجر شاه بن سيف ~~الدين غازي بن مودود، وهو ابن أخي عز الدين. # وكان سبب حصره أن سنجر شاه كان كثير الأذى لعمه عز الدين، والشناعة عليه ~~والمراسلة إلى صلاح الدين في حقه، تارة يقول إنه يريد قصد بلادك، وتارة ~~يقول إنه يكاتب أعداءك ويحثهم على قصدك إلى غير ذلك من الأمور المؤذية. # وعز الدين يصبر منه على ما يكره لأمور: تارة للرحم، وتارة خوفا من ~~تسليمها إلى صلاح الدين، فلما كان في السنة الماضية سار صاحبها إلى صلاح ~~الدين، وهو على عكا، في جملة من سار من أصحاب الأطراف، وأقام عنده قليلا، ~~وطلب دستورا للعود إلى بلده. # فقال له صلاح الدين: عندنا من أصحاب الأطراف جماعة منهم عماد الدين، صاحب ~~سنجار وغيرها، وهو أكبر منك، ومنهم ابن عمك عز الدين، وهو أصغر منك، ~~وغيرهم، ومتى فتحت هذا الباب اقتدى بك غيرك، فلم يلتفت إلى قوله، وأصر على ~~ذلك. # وكان عند صلاح الدين جماعة من أهل الجزيرة يستغيثون على سنجر شاه لأنه ~~ظلمهم، وأخذ أموالهم وأملاكهم، فكان يخافه لهذا. # ولم يزل في طلب الإذن في العود إلى ليلة الفطر من سنة ست وثمانين ~~[وخمسمائة] ، فركب تلك الليلة في السحر وجاء إلى خيمة صلاح الدين وأذن ~~لأصحابه في المسير، فساروا بالأثقال، وبقي جريدة، فلما وصل إلى خيمة صلاح # PageV10P091 # الدين أرسل يطلب الإذن عليه، وكان صلاح الدين قد بات محموما، وقد عرق، ~~فلم يمكن أن ms4294 يأذن له، فبقي كذلك مترددا على باب خيمته إلى أن أذن له، فلما ~~دخل عليه هنأه بالعيد، وأكب عليه يودعه، فقال له: ما علمنا بصحة عزمك على ~~الحركة، فتصبر علينا حتى نرسل ما جرت به العادة، فما يجوز أن تنصرف عنا، ~~بعد مقامك عندنا، على هذا الوجه. فلم يرجع وودعه وانصرف. # وكان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قد أقبل من بلده حماة في عسكره، ~~فكتب إليه صلاح الدين يأمره بإعادة سنجر شاه طوعا أو كرها، فحكى له عن تقي ~~الدين أنه قال: ما رأيت مثل سنجر شاه، لقيته بعقبة فيق، فسألته عن سبب ~~انصرافه، فغالطني. # فقلت له: سمعت بالحال، ولا يليق أن تنصرف بغير تشريف السلطان وهديته، ~~فيضيع تعبك، وسألته العود فلم يصغ إلي قولي، فكلمني كأنني بعض [مماليكه] ، ~~فلما رأيت ذلك منه قلت له: إن رجعت بالتي هي أحسن، وإلا أعدتك كارها، فنزل ~~عن دابته وأخذ ذيلي وقال: قد استجرت بك، وجعل يبكي، فعجبت من حماقته أولا، ~~وذلته ثانيا، فعاد معي. # فلما عاد بقي عند صلاح الدين عدة أيام، وكتب صلاح الدين إلى عز الدين ~~أتابك يأمره بقصد الجزيرة، ومحاصرتها، وأخذها، وأنه يرسل إلى طريق سنجر شاه ~~ليقبض عليه إذا عاد. # فخاف عز الدين أن صلاح الدين قد فعل ذلك مكيدة ليشنع عليه بنكث العهد، ~~فلم يفعل شيئا من ذلك بل أرسل إليه يقول: أريد خطك بذلك ومنشورا منك ~~بالجزيرة، فترددت الرسل في ذلك إلى أن انقضت سنة ست وثمانين [وخمسمائة] . # ودخلت هذه السنة فاستقرت القاعدة بينهما، فسار عز الدين إلى الجزيرة، ~~فحصرها أربعة أشهر وأياما آخرها شعبان، ولم يملكها بل استقرت القاعدة بينه ~~وبين سنجر شاه على يد رسول صلاح الدين، فإنه كان قد أرسله بعد قصدها يقول: ~~إن صاحب سنجار، وصاحب إربل وغيرهما قد شفعا في سنجر شاه، فاستقر الصلح على ~~أن لعز الدين نصف أعمال الجزيرة، ولسنجر [شاه] نصفها، وتكون الجزيرة بيد ~~سنجر شاه من جملة النصف. # وعاد عز الدين في شعبان إلى الموصل، ms4295 وكان صلاح الدين بعد ذلك يقول: ما # PageV10P092 # قيل لي عن أحد شيء من الشر فرأيته إلا كان دون ما يقال فيه، إلا سنجر ~~شاه، فإنه كان يقال لي عنه أشياء استعظمتها، فلما رأيته صغر في عيني ما قيل ~~فيه. # ذكر عبور تقي الدين الفرات وملكه حران وغيرها من البلاد الجزرية، ومسيره ~~إلى خلاط ومؤتة # في هذه السنة، في صفر، سار تقي الدين من الشام إلى البلاد الجزرية: حران ~~والرها، كان قد أقطعه إياها عمه صلاح الدين، بعد أخذها من مظفر الدين، ~~مضافا إلى ما كان له بالشام، وقرر معه أنه يقطع البلاد للجند، ويعود وهم ~~معه إليه ليتقوى بهم على الفرنج. # فلما عبر الفرات، وأصلح حال البلاد، سار إلى ميافارقين، وكانت له، فلما ~~بلغها تجدد له طمع في غيرها من البلاد المجاورة لها، فقصد مدينة حاني من ~~ديار بكر، فحصرها وملكها، وكان في سبعمائة فرس. # فلما سمع سيف الدين بكتمر - صاحب خلاط - بملكه حاني جمع عساكره وسار ~~إليه، فاجتمعت عساكره أربعة آلاف فارس، فلما التقوا اقتتلوا فلم يثبت عسكر ~~خلاط لتقي الدين، بل انهزموا وتبعهم تقي الدين، ودخل بلادهم. # وكان بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رشيق، وزير صاحبه شاه أرمن، وسجنه في ~~قلعة هناك، فلما انهزم كتب إلى مستحفظ القلعة يأمره بقتل ابن رشيق، فوصل ~~القاصد وتقي الدين قد نازل القلعة، فأخذ الكتاب، وملك القلعة، وأطلق ابن ~~رشيق، وسار إلى خلاط فحصرها، ولم يكن في كثرة من العسكر فلم يبلغ منها ~~غرضا، فعاد عنها، وقصد ملازكرد، وحصرها وضيق على من بها، وطال مقامه عليها، ~~[فلما ضاق عليهم الأمر طلبوا منه المهلة أياما ذكروها، فأجابهم إليها] . # ومرض تقي الدين، فمات قبل انقضاء الأجل بيومين، وتفرقت العساكر عنها، ~~وحمله ابنه وأصحابه ميتا إلى ميافارقين، وعاد بكتمر فقوي أمره وثبت ملكه ~~بعد أن أشرف على الزوال، وهذه الحادثة من الفرج بعد الشدة، فإن ابن رشيق ~~نجا من القتل، وبكتمر نجا من أن يؤخذ. # PageV10P093 # ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى ms4296 عكا # وفي هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر إلى الفرنج الذين على عكا، ~~وكان أول من وصل منهم الملك فليب، ملك إفرنسيس، وهو من أشرف ملوكهم نسبا، ~~وإن كان ملكه ليس بالكثير وكان وصوله إليها ثاني عشر ربيع الأول، ولم يكن ~~في الكثرة التي ظنوها، وإنما كان معه ست بطس كبار عظام، فقويت به نفوس من ~~كان على عكا منهم ولجوا في قتال المسلمين الذين فيها. # وكان صلاح الدين على شفرعم، فكان يركب كل يوم ويقصد الفرنج ليشغلهم ~~بالقتال عن مزاحفة البلد وأرسل إلى الأمير أسامة، مستحفظ بيروت، يأمره ~~بتجهيز ما عنده من الشواني والمراكب وتشحينها بالمقاتلة، وتسييرها في البحر ~~ليمنع الفرنج من الخروج إلى عكا، ففعل ذلك. # وسير الشواني في البحر، فصادفت خمسة مراكب مملوءة رجالا من أصحاب ملك ~~إنكلتار الفرنج، كان قد سيرهم بين يديه، وتأخر هو بجزيرة قبرس، ليملكها، ~~فأقبلت شواني المسلمين مع مراكب الفرنج، فاستظهر المسلمون عليهم، وأخذوهم، ~~وغنموا ما معهم من قوت ومتاع ومال وأسروا الرجال. # وكتب أيضا صلاح الدين إلى من بالقرب من النواب له يأمرهم بمثل ذلك ~~ففعلوا. # وأما الفرنج الذين على عكا، فإنهم لازموا قتال من بها ونصبوا عليها سبعة ~~مجانيق رابع جمادى الأولى، [فلما رأى صلاح الدين ذلك تحول من شفرعم، ونزل ~~عليهم لئلا يتعب كل العسكر كل يوم في المجيء إليهم والعود عنهم، فقرب منهم. ~~وكانوا كلما تحركوا للقتال ركب وقاتلهم من وراء خندقهم، فكانوا يشتغلون ~~بقتالهم، فيخف القتال عمن بالبلد. # ثم وصل ملك إنكلتار ثالث عشر جمادى الأولى] . وكان قد استولى في طريقه ~~على جزيرة قبرس، وأخذها من الروم، فإنه لما وصل إليها غدر بصاحبها # PageV10P094 # وملكها جميعا: فكان ذلك زيادة في ملكه وقوة للفرنج، فلما فرغ منها سار ~~عنها إلى من على عكا من الفرنج فوصل إليهم في خمس وعشرين قطعة كبارا مملوءة ~~رجالا وأموالا فعظم به شر الفرنج، واشتدت نكايتهم في المسلمين. # وكان رجل زمانه شجاعة ومكرا وجلدا وصبرا وبلي المسلمون منه بالداهية التي ~~لا مثل لها. ms4297 # ولما وردت الأخبار بوصوله أمر صلاح الدين بتجهيز بطسة كبيرة مملوءة من ~~الرجال والعدة والقوت، فجهزت وسيرت من بيروت، وفيها سبعمائة مقاتل، فلقيها ~~ملك إنكلتار مصادفة، فقاتلها، وصبر من فيها على قتالها فلما أيسوا من ~~الخلاص نزل مقدم من بها إلى أسفلها، وهو يعقوب الحلبي مقدم الجندارية، يعرف ~~بغلام ابن شقتين، فخرقها خرقا واسعا لئلا يظفر الفرنج بمن فيها وما معهم من ~~الذخائر، فغرق جميع ما فيها. # وكانت عكا محتاجة إلى رجال لما ذكرناه من سبب نقصهم، ثم إن الفرنج عملوا ~~دبابات وزحفوا بها [فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا بعضها، ثم عملوا كباشا ~~وزحفوا بها] فخرج المسلمون وقاتلوهم بظاهر البلد وأخذوا تلك الكباش. # فلما رأى الفرنج أن ذلك جميعه لا ينفعهم عملوا تلا كبيرا من التراب ~~مستطيلا. وما زالوا يقربونه إلى البلد ويقاتلون من ورائه لا ينالهم من ~~البلد أذى. حتى صار على نصف علوه، فكانوا يستظلون به، ويقاتلون من خلفه فلم ~~يكن للمسلمين فيه حيلة لا بالنار ولا بغيرها # فحينئذ عظمت المصيبة على من بعكا من المسلمين، فأرسلوا إلى صلاح الدين ~~يعرفونه حالهم، فلم يقدر لهم على نفع. # ذكر ملك الفرنج عكا # في يوم الجمعة، سابع عشر جمادى الآخرة، استولى الفرنج - لعنهم الله - على ~~مدينة عكا، وكان أول وهن دخل على من بالبلد أن الأمير سيف الدين علي بن ~~أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب، كان فيها، ومعه عدة من الأمراء كان هو ~~أمثلهم وأكبرهم، خرج إلى ملك إفرنسيس وبذل له تسليم البلد بما فيه على أن ~~يطلق المسلمين الذين فيه، ويمكنهم من اللحاق بسلطانهم، فلم يجبه إلى ذلك، ~~فعاد علي بن أحمد إلى البلد، فوهن من فيه، وضعفت نفوسهم، وتخاذلوا، وأهمتهم ~~أنفسهم. # ثم إن أميرين ممن كان بعكا، لما رأوا ما فعلوا بالمشطوب، وأن الفرنج لم # PageV10P095 # يجيبوا إلى الأمان، اتخذوا الليل جملا. وركبوا في شيني صغير، وخرجوا سرا ~~من أصحابهم. ولحقوا بعسكر المسلمين، وهم عز الدين أرسل الأسدي، وابن عز ~~الدين جاولي، ومعهم غيرهم، فلما أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنا ms4298 إلى ~~وهنهم. وضعفا إلى ضعفهم، وأيقنوا بالعطب. # ثم إن الفرنج أرسلوا إلى صلاح الدين في معنى تسليم البلد فأجابهم إلى ~~ذلك، والشرط بينهم أن يطلق من أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكا، ~~وأن يسلم إليهم صليب الصلبوت. # فلم يقنعوا بما بذل، فأرسل إلى من بعكا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من ~~عكا يدا واحدة، ويسيروا مع البحر، ويحملوا على العدو حملة واحدة، ويتركوا ~~البلد بما فيه، ووعدهم أنه يتقدم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره، ~~يقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به، فشرعوا في ذلك، واشتغل كل منهم باستصحاب ما ~~يملكه، فما فرغوا من أشغالهم حتى أسفر الصبح، فبطل ما عزموا عليه لظهوره. # فلما أصبحوا عجز الناس، عن حفظ البلد، وزحف إليهم الفرنج بحدهم وحديدهم، ~~فظهر من بالبلد على سوره يحركون أعلامهم ليراها المسلمون. # وكانت هي العلامة إذا حزبهم أمر، فلما رأى المسلمون ذلك ضجوا بالبكاء ~~والعويل، وحملوا على الفرنج من جميع جهاتهم ظنا منهم أن الفرنج يشتغلون عن ~~الذين بعكا، وصلاح الدين يحضهم وهو في أولهم. # وكان الفرنج قد زحفوا من خنادقهم ومالوا إلى جهة البلد، فقرب المسلمون من ~~خنادقهم، حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون السيف فيهم، فوقع الصوت فعاد ~~الفرنج ومنعوا المسلمين، وتركوا في مقابلة من بالبلد من يقاتلهم. # فلما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع، ولا يدفع عنهم ضرا خرج ~~إلى الفرنج، وقرر معهم تسليم البلد وخروج من فيه بأموالهم وأنفسهم، وبذل # PageV10P096 # لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين، وإعادة صليب ~~الصلبوت وأربعة عشر ألف دينار للمركيس صاحب صور، فأجابوه إلى ذلك، وحلفوا ~~له عليه، وأن تكون مدة تحصيل المال والأسرى إلى شهرين. # فلما حلفوا له سلم البلد إليهم ودخلوه، سلما فلما ملكوه غدروا واحتاطوا ~~على من فيه من المسلمين وعلى أموالهم، وحبسوهم، وأظهروا أنهم يفعلون ذلك ~~ليصل إليهم ما بذل لهم، وراسلوا صلاح الدين في إرسال المال والأسرى ~~والصليب، حتى يطلقوا من عندهم، فشرع في جمع المال، وكان ms4299 هو لا مال له، إنما ~~يخرج ما يصل إليه من دخل البلاد أولا بأول. # فلما اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار جمع الأمراء واستشارهم، فأشاروا ~~بأن لا يرسل شيئا حتى يعود فيستحلفهم على إطلاق أصحابه، وأن يضمن الداوية ~~ذلك، لأنهم أهل تدين يرون الوفاء، فراسلهم صلاح الدين في ذلك، فقال ~~الداوية: لا نحلف ولا نضمن لأننا نخاف غدر من عندنا. # وقال ملوكهم: إذا سلمتم إلينا المال والأسرى والصليب فلنا الخيار فيمن ~~عندنا فحينئذ علم صلاح الدين عزمهم على الغدر، فلم يرسل إليهم شيئا، وأعاد ~~الرسالة إليهم، وقال: نحن نسلم إليكم هذا المال والأسرى والصليب، ونعطيكم ~~رهنا على الباقي وتطلقون أصحابنا، وتضمن الداوية الرهن، ويحلفون على الوفاء ~~لهم. # فقالوا: لا نحلف، إنما ترسل إلينا المائة ألف دينار التي حصلت، والأسرى، ~~والصليب، ونحن نطلق من أصحابكم من نريد ونترك من نريد حتى يجيء باقي المال، ~~فعلم الناس حينئذ غدرهم، وإنما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن ~~لا يؤبه له، ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال، ويطلبون منهم الفداء ~~فلم يجبهم السلطان إلى ذلك. # فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب، ركب الفرنج، وخرجوا إلى ~~ظاهر البلد بالفارس والراجل، وركب المسلمون إليهم وقصدوهم، وحملوا عليهم، ~~فانكشفوا عن موقفهم، وإذا أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى قد وضعوا ~~فيهم السيف وقتلوهم، واستبقوا الأمراء والمقدمين ومن كان له مال، وقتلوا من ~~سواهم من # PageV10P097 # سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له، فلما رأى صلاح الدين ذلك تصرف في المال ~~الذي كان جمعه، ورد الأسرى والصليب إلى دمشق. # ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان وتخريبها # لما فرغ الفرنج - لعنهم الله - من إصلاح أمر عكا، برزوا منها في الثامن ~~والعشرين من رجب، وساروا مستهل شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارقونه، ~~فلما سمع صلاح الدين برحيلهم نادى في عسكره بالرحيل فساروا. # وكان على اليزك ذلك اليوم الملك الأفضل ولد صلاح الدين، ومعه سيف الدين ~~إيازكوش وعز الدين جورديك، وعدة من شجعان الأمراء، فضايقوا الفرنج في ~~مسيرهم، ms4300 وأرسلوا عليهم من السهام ما كاد يحجب الشمس، ووقعوا على ساقة ~~الفرنج، فقتلوا منها جماعة، وأسروا جماعة. # وأرسل الأفضل إلى والده يستمده ويعرفه الحال، فأمر العساكر بالمسير إليه، ~~فاعتذروا بأنهم ما ركبوا بأهبة الحرب، وإنما كانوا على عزم المسير لا غير، ~~فبطل المدد وعاد ملك الإنكلتار إلى ساقة الفرنج، فحماها، وجمعهم، وساروا ~~حتى أتوا حيفا. فنزلوا بها. # ونزل المسلمون بقيمون - قرية بالقرب منهم - وأحضر الفرنج من عكا عوض من ~~قتل منهم، وأسر ذلك اليوم، وعوض ما هلك من الخيل، ثم ساروا إلى قيسارية، ~~والمسلمون يسايرونهم ويتخطفون منهم من قدروا عليه فيقتلونه، لأن صلاح الدين ~~كان قد أقسم أنه لا يظفر بأحد منهم إلا قتله بمن قتلوا ممن كان بعكا. # فلما قاربوا قيسارية لاصقهم المسلمون، وقاتلوهم أشد قتال، فنالوا منهم ~~نيلا # PageV10P098 # كثيرا، ونزل الفرنج بها، وبات المسلمون قريبا منهم، فلما نزلوا خرج من ~~الفرنج جماعة فأبعدوا عن جماعتهم، فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في ~~اليزك، فقتلوا منهم وأسروا، ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف. # وكان المسلمون قد سبقوهم إليها، ولم يمكنهم مسايرتهم لضيق الطريق، فلما ~~وصل الفرنج إليهم حمل المسلمون عليهم حملة منكرة وألحقوهم بالبحر، ودخله ~~بعضهم فقتل منهم كثير. # فلما رأى الفرنج ذلك اجتمعوا، وحملت الخيالة على المسلمين حملة رجل واحد، ~~فولوا منهزمين لا يلوي أحد على أحد. # وكان كثير من الخيالة والسوقة قد ألفوا القيام وقت الحرب قريبا من ~~المعركة، فلما كان ذلك اليوم كانوا على حالهم، فلما انهزم المسلمون عنهم ~~قتل خلق كثير، والتجأ المنهزمون إلى القلب، وفيه صلاح الدين. # فلو علم الفرنج أنها هزيمة لتبعوهم واستمرت الهزيمة وهلك المسلمون، لكن ~~كان بالقرب من المسلمين شعرة كثيرة الشجر فدخلوها، وظنها الفرنج مكيدة، ~~فعادوا، وزال عنهم ما كانوا فيه من ضيق، وقتل من الفرنج كند كبير من ~~طواغيتهم، وقتل من المسلمين مملوك لصلاح الدين اسمه أياز الطويل، وهو من ~~الموصوفين بالشجاعة والشهامة لم يكن في زمانه مثله. # فلما نزل الفرنج نزل المسلمون وأعنة خيلهم بأيديهم، ثم سار الفرنج إلى ms4301 ~~يافا فنزلوها، ولم يكن بها أحد من المسلمين، فملكوها. # ولما كان من المسلمين بأرسوف من الهزيمة ما ذكرناه، سار صلاح الدين عنهم ~~إلى الرملة، واجتمع بأثقاله بها، وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا ~~عليه بتخريب عسقلان. # وقالوا له: قد رأيت ما كان منا بالأمس، وإذا جاء الفرنج إلى عسقلان ~~ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها، فهم لا شك يقاتلوننا لننزاح عنها فينزلوا ~~عليها، فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا ويعظم الأمر علينا، ~~لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة وغيرها، وضعفنا نحن بما # PageV10P099 # خرج عن أيدينا، ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها. # فلم تسمح نفسه بتخريبها، وندب الناس إلى دخولها وحفظها فلم يجبه أحد إلى ~~ذلك وقالوا: إن أردت حفظها فادخل أنت معنا أو بعض أولادك الكبار، وإلا فما ~~يدخلها منا أحد لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا، فلما رأى الأمر كذلك سار إلى ~~عسقلان، وأمر بتخريبها، فخربت تاسع عشر شعبان، وألقيت حجارتها في البحر، ~~وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية ما لا يمكن حصره، وعفي ~~أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع. # ولما سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها، وكان المركيس، ~~لعنه الله لما أخذ الفرنج عكا قد أحس من ملك إنكلتار الغدر به، فهرب من ~~عنده إلى مدينة صور، وهي له وبيده، وكان رجل الفرنج رأيا وشجاعة، وكل هذه ~~الحروب هو أثارها. # فلما خربت عسقلان أرسل إلى ملك إنكلتار يقول له: مثلك لا ينبغي أن يكون ~~ملكا ويتقدم على الجيوش، تسمع أن صلاح الدين قد خرب عسقلان، وتقيم مكانك يا ~~جاهل؟ لما بلغك أنه قد شرع في تخريبها كنت سرت إليه مجدا فرحلته وملكتها ~~صفوا بغير قتال ولا حصار، فإنه ما خربها إلا وهو عاجز عن حفظها، وحق المسيح ~~لو أنني معك كانت عسقلان اليوم بأيدينا لم يخرب منها غير برج واحد. # فلما خربت عسقلان رحل صلاح الدين عنها ثاني شهر رمضان، ومضى إلى الرملة ~~فخرب ms4302 حصنها وخرب كنيسة لد، وفي مدة مقامه لتخريب عسقلان كانت العساكر مع ~~الملك العادل أبي بكر بن أيوب تجاه الفرنج، ثم سار صلاح الدين إلى القدس ~~بعد تخريب الرملة، فاعتبره وما فيه من سلاح وذخائر، وقرر قواعده وأسبابه، ~~وما يحتاج إليه، وعاد إلى المخيم ثامن رمضان. # وفي هذه الأيام خرج ملك إنكلتار من يافا. ومعه نفر من الفرنج من معسكرهم، ~~فوقع به نفر من المسلمين فقاتلوهم قتالا شديدا، وكاد ملك إنكلتار يؤسر، ~~ففداه بعض أصحابه بنفسه، فتخلص الملك وأسر ذلك الرجل. # وفيها أيضا كانت وقعة بين طائفة من المسلمين وطائفة من الفرنج انتصر ~~[فيها] المسلمون. # PageV10P100 # ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون # لما رأى صلاح الدين أن الفرنج قد لزموا يافا ولم يفارقوها، وشرعوا في ~~عمارتها، رحل من منزلته إلى النطرون ثالث عشر رمضان، وخيم به، فراسله ملك ~~إنكلتار يطلب المهادنة، فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل أبي بكر بن ~~أيوب أخي صلاح الدين. # فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج أخته من العادل، ويكون القدس وما ~~بأيدي المسلمين، من بلاد الساحل للعادل، وتكون عكا وما بيد الفرنج من ~~البلاد لأخت ملك إنكلتار، مضافا إلى مملكة كانت لها داخل البحر قد ورثتها ~~من زوجها. # وأن يرضى الداوية بما يقع الاتفاق عليه، فعرض العادل ذلك على صلاح الدين، ~~فأجاب إليه، فلما ظهر الخبر اجتمع القسيسون، والأساقفة، والرهبان إلى أخت ~~ملك إنكلتار وأنكروا عليها فامتنعت من الإجابة، وقيل كان المانع منه غير ~~ذلك، والله أعلم. # وكان العادل وملك إنكلتار يجتمعان بعد ذلك ويتجاريان حديث الصلح، وطلب من ~~العادل أن يسمعه غناء المسلمين، فأحضر له مغنية تضرب بالجنك، فغنت له، ~~فاستحسن ذلك، ولم يتم بينهما صلح، وكان ملك إنكلتار يفعل ذلك خديعة ومكرا. # ثم إن الفرنج أظهروا العزم على قصد البيت المقدس، فسار صلاح الدين إلى ~~الرملة، جريدة، وترك الأثقال بالنطرون، وقرب من الفرنج، وبقي عشرين يوما ~~ينتظرهم، فلم يبرحوا، فكان بين الطائفتين، مدة المقام، عدة وقعات في كلها ~~ينتصر المسلمون على الفرنج. # وعاد صلاح الدين ms4303 إلى النطرون، ورحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثالث ذي ~~القعدة، على عزم قصد البيت المقدس، فقرب بعضهم من بعض فعظم الخطب واشتد ~~الحذر، فكان كل ساعة يقع الصوت في العسكرين بالنفير فلقوا من ذلك شدة ~~شديدة، وأقبل الشتاء، وحالت الأوحال والأمطار بينهما. # ذكر مسير صلاح الدين إلى القدس # لما رأى صلاح الدين أن الشتاء قد هجم، والأمطار متوالية متتابعة، والناس ~~منها في ضنك وحرج، ومن شدة البرد ولبس السلاح والسهر في تعب دائم، وكان ~~كثير من # PageV10P101 # العساكر قد طال بيكارها، فأذن لهم في العود إلى بلادهم للاستراحة ~~والإراحة. # وسار هو إلى البيت المقدس فيمن بقي معه، فنزلوا جميعا داخل البلد ~~فاستراحوا مما كانوا فيه، ونزل هو بدار الأقسا مجاور بيعة قمامة، وقدم إليه ~~عسكر من مصر مقدمهم الأمير أبو الهيجاء السمين، فقويت نفوس المسلمين ~~بالقدس. # وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة، على عزم قصد القدس، ~~فكانت بينهم وبين يزك المسلمين وقعات، أسر المسلمون في وقعة منها نيفا ~~وخمسين فارسا من مشهوري الفرنج وشجعانهم، وكان صلاح الدين لما دخل القدس ~~أمر بعمارة سوره، وتجديد ما رث منه، فأحكم الموضع الذي ملك البلد منه، ~~وأتقنه، وأمر بحفر خندق خارج الفصيل، وسلم كل برج إلى أمير يتولى عمله، ~~فعمل ولده الأفضل من ناحية باب عمود إلى باب الرحمة، وأرسل أتابك عز الدين ~~مسعود، صاحب الموصل، جماعة من الحصاصين، ممن له في قطع الصخر اليد الطولى، ~~فعملوا له هناك برجا وبدنة، وكذلك جميع الأمراء. # ثم إن الحجارة قلت عند العتالين، فكان صلاح الدين رحمه الله، يركب وينقل ~~الحجارة بنفسه على دابته من الأمكنة البعيدة، فيقتدي به العسكر فكان يجمع ~~عنده من العمالين في اليوم الواحد ما يعملونه في عدة أيام. # ذكر عود الفرنج إلى الرملة # في العشرين من ذي الحجة عاد الفرنج إلى الرملة، وكان سبب عودهم أنهم ~~كانوا ينقلون ما يريدونه من الساحل، فلما أبعدوا عنه كان المسلمون يخرجون ~~على من يجلب لهم الميرة فيقطعون الطريق ويغنمون ما معهم. ms4304 # ثم إن ملك إنكلتار قال لمن معه من الفرنج الشاميين: صوروا لي مدينة ~~القدس، فإني ما رأيتها، فصوروها له، فرأى الوادي يحيط بها عدا موضع يسير من ~~جهة الشمال فسأل عن الوادي وعن عمقه، فأخبر أنه عميق. وعر المسلك. # فقال: هذه مدينة لا يمكن حصرها ما دام صلاح الدين حيا وكلمة المسلمين # PageV10P102 # مجتمعة، لأننا إن نزلنا في الجانب الذي يلي المدينة بقيت سائر الجوانب ~~غير محصورة، فيدخل إليهم منها الرجال والذخائر وما يحتاجون إليه. وإن نحن ~~افترقنا فنزل بعضنا من جانب الوادي وبعضنا من الجانب الآخر. # جمع صلاح الدين عسكره وواقع إحدى الطائفتين، ولم يمكن الطائفة الأخرى ~~إنجاد أصحابهم، لأنهم إن فارقوا مكانهم خرج من بالبلد من المسلمين فغنموا ~~ما فيه، وإن تركوا فيه من يحفظه وساروا نحو أصحابهم، فإلى أن يتخلصوا من ~~الوادي ويلحقوا بهم يكون صلاح الدين قد فرغ منهم هذا سوى ما يتعذر علينا من ~~إيصال ما يحتاج إليه من العلوفات والأقوات. # فلما قال لهم ذلك علموا صدقه، ورأوا قلة الميرة عندهم، وما يجري للجالبين ~~لها من المسلمين، فأشاروا عليه بالعود إلى الرملة، فعادوا خائبين خاسرين. # ذكر قتل قزل أرسلان # في شعبان من هذه السنة قتل قزل أرسلان، واسمه عثمان بن إيلدكز، وقد ذكرنا ~~أنه ملك البلاد، بعد وفاة أخيه البهلوان، ملك أران، وأذربيجان، وهمذان، ~~وأصفهان، والري، وما بينها، وأطاعه صاحب فارس وخوزستان، واستولى على ~~السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل، فاعتقله في بعض القلاع، ودانت له البلاد. # وفي آخر أمره سار إلى أصفهان، والفتن بها متصلة من لدن توفي البهلوان إلى ~~ذلك الوقت، فتعصب على الشافعية، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم، وعاد إلى ~~همذان، وخطب لنفسه بالسلطنة، وضرب النوب الخمس، # ثم إنه دخل ليلة قتل إلى منزله لينام، وتفرق أصحابه، فدخل إليه من قتله ~~على فراشه، ولم يعرف قاتله، فأخذ أصحابه صاحب بابه ظنا وتخمينا، وكان كريما ~~حسن الأخلاق، يحب العدل ويؤثره، ويرجع إلى حلم وقلة عقوبة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قدم معز الدين ms4305 قيصر شاه بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، ~~على صلاح الدين في رمضان، وكان سبب قدومه أن والده عز الدين قلج أرسلان فرق ~~مملكته على أولاده، وأعطى ولده هذا ملطية، وأعطى ولده قطب الدين ملك شاه # PageV10P103 # سيواس. # فاستولى قطب الدين على أبيه، وحجر عليه، وأزال حكمه، وألزمه أن يأخذ ~~ملطية من أخيه هذا ويسلمها إليه، فخاف معز الدين، فسار إلى صلاح الدين ~~ملتجئا إليه، معتضدا به، فأكرمه صلاح الدين، وزوجه بابنة أخيه الملك ~~العادل، فامتنع قطب الدين من قصده، وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة. # وحدثني من أثق به قال: رأيت صلاح الدين وقد ركب ليودع معز الدين هذا، ~~فترجل له معز الدين، وترجل صلاح الدين، وودعه راجلا، فلما أراد الركوب عضده ~~معز الدين هذا، وأركبه، وسوى ثيابه علاء الدين خرمشاه بن عز الدين، صاحب ~~الموصل، قال: فعجبت من ذلك، وقلت ما تبالي يا ابن أيوب أي موتة تموت؟ يركبك ~~ملك سلجوقي، وابن أتابك زنكي. # [الوفيات] وفيها توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، وهو ابن أخت صلاح ~~الدين، وعلم الدين سليمان بن جندر، وهو من أكابر أمراء صلاح الدين أيضا. # وفي رجب توفي الصفي بن القابض، وكان متولي دمشق لصلاح الدين، يحكم في ~~جميع بلاده. # PageV10P104 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة] ### | 588 - # ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة # ذكر عمارة الفرنج عسقلان # في هذه السنة في المحرم رحل الفرنج نحو عسقلان وشرعوا في عمارتها. # وكان صلاح الدين بالقدس، فسار ملك إنكلتار، جريدة، من عسقلان إلى يزك ~~المسلمين، فواقعهم، وجرى بين الطائفتين قتال شديد انتصف [فيه] بعضهم من ~~بعض. # وفي مدة مقام صلاح الدين بالقدس ما برحت سراياه تقصد الفرنج، فتارة تواقع ~~طائفة منهم، وتارة تقطع الميرة عنهم، ومن جملتها سرية كان مقدمها فارس ~~الدين ميمون القصري، وهو من مقدمي المماليك الصلاحية، خرج على قافلة كبيرة ~~للفرنج فأخذها وغنم ما فيها. # ذكر قتل المركيس وملك الكند هري # في هذه السنة، في ثالث عشر ربيع الآخر، قتل المركيس ms4306 الفرنجي - لعنه الله ~~- صاحب صور، وهو أكبر شياطين الفرنج. # وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم الإسماعيلية [بالشام] وهو سنان، ~~وبذل له أن يرسل من يقتل ملك إنكلتار، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف ~~دينار، فلم يمكنهم قتل ملك إنكلتار. # ولم يره سنان مصلحا لهم، لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم، ~~وشره في أخذ المال فعدل إلى قتل المركيس، فأرسل، رجلين في زي الرهبان: ~~واتصلا بصاحب صيدا، وابن بارزان، صاحب الرملة، وكانا مع # PageV10P105 # المركيس بصور. # فأقاما معهما ستة أشهر يظهران العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق بهما، ~~فلما كان بعد التاريخ عمل الأسقف بصور دعوة للمركيس فحضرها، وأكل طعامه ~~وشرب مدامه، وخرج من عنده، فوثب عليه الباطنيان المذكوران، فجرحاه جراحا ~~وثيقة، وهرب أحدهما ودخل كنيسة يختفي فيها، فاتفق أن المركيس حمل إليها ~~ليشد جراحه، فوثب عليه ذلك الباطني فقتله، وقتل الباطنيان بعده. # ونسب الفرنج قتله إلى وضع من ملك إنكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي، ~~فلما قتل ولي بعده مدينة صور كند من الفرنج، من داخل البحر يقال له الكند ~~هري، وتزوج بالملكة في ليلته، ودخل بها وهي حامل، وليس الحمل عندهم مما ~~يمنع النكاح. # وهذا الكند هري هو ابن أخت ملك إفرنسيس من أبيه، وابن أخت ملك إنكلتار من ~~أمه، وملك كند هري هذا بلاد الفرنج بالساحل بعد عود ملك إنكلتار، وعاش إلى ~~سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فسقط من سطح فمات، وكان عاقلا، كثير المداراة ~~والاحتمال. # ولما رحل ملك إنكلتار إلى بلاده أرسل كند هري هذا إلى صلاح الدين ~~يستعطفه، ويستميله، ويطلب منه خلعة، وقال: أنت تعلم أن لبس القباء والشربوش ~~عندنا عيب، وأنا ألبسهما منك محبة لك، فأنفذ إليه خلعة سنية منها القباء ~~والشربوش، فلبسهما بعكا. # PageV10P106 # ذكر نهب بني عامر البصرة # في هذه السنة، في صفر، اجتمع بنو عامر في خلق كثير وأميرهم اسمه عميرة، ~~وقصدوا البصرة، وكان الأمير بها اسمه محمد بن إسماعيل، ينوب عن مقطعها ~~الأمير طغرل، مملوك الخليفة الناصر لدين الله، فوصلوا إليها ms4307 يوم السبت سادس ~~صفر فخرج، إليهم الأمير محمد فيمن معه من الجند، فوقعت الحرب بينهم بدرب ~~الميدان، بجانب الخريبة، ودام القتال إلى آخر النهار. # فلما جاء الليل ثلم العرب في السور عدة ثلم، ودخلوا البلد من الغد، ~~فقاتلهم أهل البلد فقتل بينهم قتلى كثيرة من الفريقين، ونهبت العرب الخانات ~~بالشاطئ، وبعض محال البصرة، وعبر أهلها إلى شاطئ الملاحين، وفارق العرب ~~البلد في يومهم وعاد أهله إليه. # وكان سبب سرعة العرب في مفارقة البلد أنهم بلغهم أن خفاجة والمنتفق قد ~~قاربوهم، فساروا إليهم وقاتلوهم أشد قتال، فظفرت عامر وغنمت أموال خفاجة ~~والمنتفق، وعادوا إلى البصرة بكرة الاثنين. # وكان الأمير قد جمع من أهل البصرة والسواد جمعا كثيرا فلما عادت عامر ~~قاتلهم أهل البصرة ومن اجتمع معهم، فلم يقوموا للعرب وانهزموا، ودخل العرب ~~البصرة ونهبوها، وفارق البصرة أهلها، ونهبت أموالهم وجرت أمور عظيمة، ونهبت ~~القسامل وغيرها يومين. # وفارقها العرب وعاد أهلها إليها، وقد رأيت هذه القصة بعينها في سنة ثلاث ~~وتسعين وخمسمائة. والله أعلم. # ذكر ما كان من ملك إنكلتار # قي تاسع جمادى الأولى من هذه السنة استولى الفرنج على حصن الداروم، ~~فخربوه، ثم ساروا إلى البيت المقدس وصلاح الدين فيه، فبلغوا بيت نوبة. # وكان سبب طمعهم أن صلاح الدين فرق عساكره الشرقية وغيرها لأجل الشتاء، # PageV10P107 # وليستريحوا، وليحضر البدل عوضهم - وسار بعضهم مع ولده الأفضل، وأخيه ~~العادل إلى البلاد الجزرية لما نذكره إن شاء الله تعالى، وبقي من حلقته ~~الخاص بعض العساكر المصرية، فظنوا أنهم ينالون غرضا، فلما سمع صلاح الدين ~~بقربهم منه فرق أبراج البلد على الأمراء، وسار الفرنج من بيت نوبة إلى ~~قلونية، سلخ الشهر، وهي [على] فرسخين من القدس، فصب المسلمون عليهم البلاء، ~~وتابعوا إرسال السرايا فبلي الفرنج منهم بما لا قبل لهم به، وعلموا أنهم ~~إذا نازلوا القدس كان الشر إليهم أسرع، والتسلط عليهم أمكن، فرجعوا القهقرى ~~وركب المسلمون أكتافهم بالرماح والسهام. # ولما أبعد الفرنج عن يافا سير صلاح الدين سرية من عسكره إليها، فقاربوها، ~~وكمنوا عندها، فاجتاز ms4308 بهم جماعة من فرسان الفرنج مع قافلة، فخرجوا عليهم، ~~فقتلوا منهم، وأسروا وغنموا، وكان ذلك آخر جمادى الأولى. # ذكر استيلاء الفرنج على عسكر المسلمين وقفل # في تاسع جمادى الآخرة بلغ الفرنج الخبر بوصول عسكر من مصر، ومعهم قفل ~~كبير، ومقدم العسكر فلك الدين سليمان، أخو العادل لأمه، ومعه عدة من ~~الأمراء، فأسرى الفرنج إليهم فواقعهم بنواحي الخليل، فانهزم الجند، ولم ~~يقتل منهم رجل من المشهورين، إنما قتل من الغلمان والأصحاب. # وغنم الفرنج خيامهم وآلاتهم، وأما القفل فإنه أخذ بعضه، وصعد من نجا جبل ~~الخليل، فلم يقدم الفرنج على اتباعهم، ولو اتبعوهم نصف فرسخ لأتوا عليهم، ~~وتمزق من نجا من القفل، وتقطعوا، ولقوا شدة إلى أن اجتمعوا. # حكى لي بعض أصحابنا، وكنا قد سيرنا معه شيئا للتجارة إلى مصر، وكان قد ~~خرج في هذا القفل، قال: لما وقع الفرنج علينا كنا قد رفعنا أحمالنا للسير، ~~فحملوا علينا وأوقعوا بنا، فضربت أحمالي وصعدت الجبل ومعي عدة أحمال لغيري. # فلحقنا قوم من الفرنج، فأخذوا الأحمال التي في صحبتي، وكنت بين أيديهم ~~بمقدار رمية سهم، فلم يصلوا إلي، فنجوت بما معي، وسرت لا أدري أين أقصد، ~~وإذ قد لاح لي # PageV10P108 # بناء كبير على جبل، فسألت عنه، فقيل لي: هذا الكرك فوصلت إليه ثم عدت منه ~~إلى القدس سالما. # وسار هذا الرجل من القدس سالما، فلما بلغ بزاعة، عند حلب، أخذه الحرامية ~~فنجا من العطب، وهلك عند ظنه السلامة. # ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة # قد تقدم ذكر موت تقي الدين عمر ابن [أخي] صلاح الدين، واستيلاء ولده ناصر ~~الدين محمد على بلاد الجزيرة، فلما استولى عليها أرسل إلى صلاح الدين يطلب ~~تقريرها عليه، مضافا إلى ما كان لأبيه بالشام، فلم ير صلاح الدين أن مثل ~~تلك البلاد تسلم إلى صبي، فما أجابه إلى ذلك، فحدث نفسه بالامتناع على صلاح ~~الدين لاشتغاله بالفرنج. # فطلب الأفضل علي بن صلاح الدين من أبيه أن يقطعه ما كان لتقي الدين، ~~وينزل عن دمشق، فأجابه إلى ذلك، وأمره ms4309 بالمسير إليها، فسار إلى حلب في ~~جماعة من العسكر، وكتب صلاح الدين إلى أصحاب البلاد الشرقية، مثل صاحب ~~الموصل، وصاحب سنجار، وصاحب الجزية، وصاحب ديار بكر، وغيرها، يأمرهم بإنفاذ ~~العساكر إلى ولده الأفضل. # فلما رأى ولد تقي الدين ذلك علم أنه لا قوة له بهم، فراسل الملك العادل ~~[أبا بكر بن أيوب] عم أبيه، يسأله إصلاح حاله مع صلاح الدين، فأنهى ذلك إلى ~~صلاح الدين، وأصلح حاله، وقرر قاعدته بأن يقرر له ما كان لأبيه بالشام، ~~وتؤخذ منه البلاد الجزرية، واستقرت القاعدة على ذلك. # وأقطع صلاح الدين البلاد الجزرية، وهي حران، والرها وسميساط، وميافارقين، ~~وحاني العادل، وسيره إلى ابن تقي الدين ليتسلم منه البلاد، ويسيره إلى صلاح ~~الدين، ويعيد الملك الأفضل أين أدركه، فسار العادل فلحق الأفضل بحلب، ~~فأعاده إلى أبيه، وعبر العادل الفرات، وتسلم البلاد من ابن تقي الدين، وجعل ~~نوابه فيها، واستصحب ابن تقي الدين معه، وعاد إلى صلاح الدين بالعساكر، ~~وكان عوده في جمادى الآخرة من هذه السنة. # ذكر عود الفرنج إلى عكا # لما عاد الملك الأفضل فيمن معه، وعاد الملك العادل، وابن تقي الدين فيمن # PageV10P109 # معهما من عساكرهما، ولحقتهم العساكر الشرقية، عسكر الموصل وعسكر ديار ~~بكر، وعسكر سنجار، وغير ذلك من البلاد، واجتمعت العساكر بدمشق أيقن الفرنج ~~أنهم لا طاقة لهم بها، إذا فارقوا البحر، فعادوا نحو عكا يظهرون العزم على ~~قصد بيروت ومحاصرتها. # فأمر صلاح الدين ولده الأفضل أن يسير إليها في عسكره، والعساكر الشرقية ~~جميعها، معارضا للفرنج في مسيرهم نحوها فسار إلى مرج العيون، واجتمعت ~~العساكر معه فأقام هنالك ينتظر مسير الفرنج، فلما بلغهم ذلك أقاموا بعكا ~~ولم يفارقوها. # ذكر ملك صلاح الدين يافا # لما رحل الفرنج نحو عكا كان قد اجتمع عند صلاح الدين عسكر حلب وغيره، ~~فسار إلى مدينة يافا، وكانت بيد الفرنج، فنازلها وقاتل من بها منهم، وملكها ~~في العشرين من رجب بالسيف عنوة، ونهبها المسلمون، وغنموا ما فيها، وقتلوا ~~الفرنج وأسروا كثيرا، وكان بها أكثر ما أخذوه من عسكر مصر ms4310 والقفل الذي كان ~~معهم، وقد ذكر ذلك. # وكان جماعة من المماليك الصلاحية قد وقفوا على أبواب المدينة، وكل من خرج ~~من الجند ومعه شيء من الغنيمة أخذوه منه، فإن امتنع ضربوه وأخذوا ما معه ~~قهرا، ثم زحفت العساكر إلى القلعة، فقاتلوا عليها آخر النهار، وكادوا ~~يأخذونها، فطلب من بالقلعة الأمان على أنفسهم. # وخرج البطرك الكبير الذي لهم، ومعه عدة من أكابر الفرنج، في ذلك وترددوا، ~~وكان قصدهم منع المسلمين عن القتال، فأدركهم الليل، وواعدوا المسلمين أن ~~ينزلوا بكرة غد ويسلموا القلعة. # فلما أصبح الناس طالبهم صلاح الدين بالنزول عن الحصن، فامتنعوا، وإذا قد ~~وصلهم نجدة من عكا، وأدركهم ملك إنكلتار، فأخرج من بيافا من المسلمين، ~~وأتاه المدد من عكا وبرز إلى ظاهر المدينة، واعترض المسلمين وحده، وحمل ~~عليهم، فلم يتقدم إليه أحد، فوقف بين الصفين واستدعى طعاما من المسلمين، ~~ونزل فأكل. # فأمر صلاح الدين عسكره بالحملة عليهم، وبالجد في قتالهم، فتقدم إليه بعض ~~أمرائه يعرف بالجناح، وهو أخو المشطوب بن علي بن أحمد الهكاري، فقال له: يا ~~صلاح # PageV10P110 # الدين، قل لمماليكك الذين أخذوا أمس الغنيمة، وضربوا الناس بالحماقات ~~[أن] يتقدموا فيقاتلوا، إذا كان القتال فنحن، وإذا كانت الغنيمة فلهم! فغضب ~~صلاح الدين من كلامه وعاد عن الفرنج. # وكان، رحمه الله، حليما كريما [كثير العفو عند] المقدرة ونزل في خيامه، ~~وأقام حتى اجتمعت العساكر، وجاء إليه ابنه الأفضل، وأخوه العادل، وعساكر ~~الشرق، فرحل بهم إلى الرملة لينظر ما يكون منه، ومن الفرنج، فلزم الفرنج ~~يافا ولم يبرحوا منها. # ذكر الهدنة مع الفرنج وعود صلاح الدين إلى دمشق # في العشرين من شعبان من هذه السنة عقدت [الهدنة] بين المسلمين والفرنج ~~لمدة ثلاث سنين وثمانية أشهر، أولها هذا التاريخ، وافق أول أيلول؟ وكان سبب ~~الصلح أن ملك إنكلتار لما رأى اجتماع العساكر، وأنه لا يمكنه مفارقة ساحل ~~البحر، وليس بالساحل للمسلمين بلد يطمع فيه، وقد طالت غيبته عن بلاده. # راسل صلاح الدين في الصلح، وأظهر من ذلك ضد ما كان يظهره أولا، فلم ms4311 يجبه ~~صلاح الدين إلى ما طلب ظنا منه أنه يفعل ذلك خديعة ومكرا، وأرسل يطلب منه ~~المصاف والحرب، فأعاد الفرنجي رسله مرة بعد مرة، ونزل عن تتمة عمارة ~~عسقلان، و [تخلى] عن غزة والداروم والرملة. # وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة فأشار هو وجماعة الأمراء ~~بالإجابة إلى الصلح، وعرفوه ما عند العسكر من الضجر والملل، وما قد هلك من ~~أسلحتهم ودوابهم، ونفد من نفقاتهم. # وقالوا. إن هذا الفرنجي إنما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده. فإن ~~تأخرت إجابته إلى أن يجيء الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج للبقاء ها ~~هنا سنة أخرى، وحينئذ يعظم الضرر على المسلمين. # وأكثروا القول له في هذا المعنى، فأجاب حينئذ إلى الصلح، فحضر رسل الفرنج ~~وعقدوا الهدنة، وتحالفوا على هذه القاعدة. # وكان في جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان الذي كان صاحب ~~الرملة ونابلس. فلما حلف صلاح الدين قال له: اعلم أنه ما عمل أحد في ~~الإسلام [مثل] ما عملت، ولا هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدة، ~~فإننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من # PageV10P111 # المقاتلة. فكانوا ستمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة ~~واحد، بعضهم قتلته أنت، وبعضهم مات، وبعضهم غرق. # ولما انفصل أمر الهدنة أذن صلاح الدين للفرنج في زيارة البيت المقدس ~~فزاروه، وتفرقوا وعادت كل طائفة إلى بلادها، وأقام بالساحل الشامي ملكا على ~~الفرنج والبلاد التي بأيديهم. الكند هري، وكان خير الطبع، قليل الشر، رفيقا ~~بالمسلمين، محبا لهم تزوج بالملكة التي كانت تملك بلاد الفرنج، قبل أن ~~يملكها صلاح الدين، كما ذكرناه. # وأما صلاح الدين فإنه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدس، وأمر بإحكام ~~سوره [وأدخل في السور كنيسة صهيون، وكانت خارجة عنه بمقدار رميتي سهم] ، ~~وعمل المدرسة والرباط والبيمارستان، وغير ذلك من مصالح المسلمين، ووقف ~~عليها الوقوف، وصام رمضان بالقدس، وعزم على الحج والإحرام منه، فلم يمكنه ~~ذلك، فسار عنه خامس شوال نحو دمشق، واستناب بالقدس أميرا ms4312 اسمه جورديك، وهو ~~من المماليك النورية. # ولما سار عنه جعل طريقه على الثغور الإسلامية كنابلس، وطبرية، وصفد، ~~وتبنين، وقصد بيروت، وتعهد هذه البلاد، وأمر بإحكامها. # فلما كان في بيروت أتاه بيمند صاحب أنطاكية وأعمالها، واجتمع به وخدمه، ~~فخلع عليه صلاح الدين وعاد إلى بلده، فلما عاد رحل صلاح الدين إلى دمشق، ~~فدخلها في الخامس والعشرين من شوال، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا، ~~وفرح الناس به فرحا عظيما لطول غيبته، وذهاب العدو عن بلاد الإسلام. # ذكر وفاة قلج أرسلان # في هذه السنة، منتصف شعبان، توفي الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج ~~أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق السلجوقي بمدينة قونية، وكان له من ~~البلاد قونية وأعمالها، وأقصرا، وسيواس، وملطية، وغير ذلك من البلاد. # وكانت مدة ملكه نحو تسع وعشرين سنة، وكان ذا سياسة حسنة، وهيبة عظيمة، ~~وعدل وافر، وغزوات # PageV10P112 # كثيرة إلى بلاد الروم، فلما كبر فرق بلاده على أولاده، فاستضعفوه، ولم ~~يلتفتوا إليه، وحجر عليه ولده قطب الدين. # وكان قلج أرسلان قد استناب في تدبير ملكه رجلا يعرف باختيار الدين حسن، ~~فلما غلب قطب الدين على الأمر قتل حسنا، ثم أخذ والده وسار به إلى قيسارية ~~ليأخذها من أخيه الذي سلمها إليه أبوه فحصرها مدة، فوجد والده قلج أرسلان ~~فرصة فهرب ودخل، قيسارية وحده. # فلما علم قطب الدين ذلك عاد إلى قونية وأقصرا فملكهما، ولم يزل قلج ~~أرسلان يتحول من ولد إلى ولد، وكل منهم يتبرم به، حتى مضى إلى ولده غياث ~~الدين كيخسرو صاحب مدينة برغلوا، فلما رآه فرح به وخدمه، وجمع العساكر. # وسار هو معه إلى قونية فملكها، وسار إلى أقصرا ومعه والده قلج أرسلان، ~~فحصرها، فمرض أبوه، فعاد به إلى قونية فتوفي فيها، ودفن هناك، وبقي ولده ~~غياث الدين في قونية مالكا لها حتى أخذها منه أخوه ركن الدين سليمان، على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وقد حدثني بعض من أثق به من أهل العلم بما يحكيه، وكان قد وصل تلك البلاد ~~بغير هذا، ms4313 ونحن نذكره، قال: إن قلج أرسلان قسم بلاده بين أولاده في حياته. # فسلم دوقاط إلى ركن الدين سليمان، وسلم قونية إلى ولده كيخسرو غياث ~~الدين، وسلم أنقرة وهي التي تسمى أنكشورية إلى ولده محيي الدين، وسلم ملطية ~~إلى ولده معز الدين قيصر شاه وسلم أبلستين إلى ولده مغيث الدين، وسلم ~~قيسارية إلى ولده نور الدين محمود، وسلم سيواس وأقصرا إلى ولده قطب الدين، ~~وسلم نكسار إلى ولد آخر، وسلم أماسيا إلى ولد أخيه. # هذه أمهات البلاد، وينضاف إلى كل بلد من هذه ما يجاورها من البلاد الصغار ~~التي ليست مثل هذه ثم إنه ندم على ذلك وأراد أن يجمع الجميع # لولده الأكبر قطب الدين، وخطب له ابنة صلاح الدين يوسف، صاحب مصر والشام، ~~ليقوى به، فلما # PageV10P113 # سمع باقي أولاده بذلك امتنعوا عليه، وخرجوا عن طاعته، وزال حكمه عنهم، ~~فسار يتردد بينهم على سبيل الزيارة، فيقيم عند كل واحد منهم مدة، وينتقل ~~إلى الآخر، ثم إنه مضى إلى ولده كيخسرو، صاحب قونية، على عادته، فخرج إليه، ~~ولقيه، وقبل الأرض بين يديه، وسلم قونية إليه، وتصرف عن أمره. # فقال لكيخسرو: أريد [أن] أسير إلى ولدي الملعون محمود، وهو صاحب قيسارية، ~~وتجيء أنت معي لآخذها منه، فتجهز وسار معه، وحصر محمودا بقيسارية فمرض قلج ~~أرسلان، وتوفي عليها، فعاد كيخسرو، وبقي كل واحد من الأولاد على البلد الذي ~~بيده. # وكان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس، إذا أراد أن يسير من إحدى المدينتين ~~إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية، وبها أخوه نور الدين محمود، وليست على ~~طريقه إنما كان يقصدها ليظهر المودة لأخيه والمحبة له، وفى نفسه الغدر، ~~فكان أخوه محمود يقصده ويجتمع به. # ففي بعض المرات نزل بظاهر البلد على عادته، وحضر أخوه محمود عنده غير ~~محتاط، فقتله قطب الدين، وألقى رأسه إلى أصحابه، وأراد أخذ البلد فامتنع من ~~به من أصحاب أخيه عليه، ثم إنهم سلموه إليه على قاعدة استمرت بينهم. # وكان عند محمود أمير كبير، وكان يحذره من أخيه قطب الدين (ويخوفه، ms4314 فلم ~~يصغ إليه وكان جوادا) ، كثير الخير والتقدم في الدولة عند نور الدين. فلما ~~قتل قطب الدين أخاه قتل حسنا معه، وألقاه على الطريق، فجاء كلب يأكل من ~~لحمه. # فثار الناس وقالوا: لا سمعا ولا طاعة، هذا رجل مسلم، وله ها هنا مدرسة، ~~وتربة، وصدقات دارة، وأفعال حسنة، لا نتركه تأكله الكلاب، فأمر به فدفن في ~~مدرسته. وبقي أولاد قلج أرسلان على حالهم. # ثم إن قطب [الدين] مرض ومات، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى ~~سيواس، وهي تجاوره، فملكها، ثم سار منها إلى قيسارية وأقصرا، ثم # PageV10P114 # بقي مديدة. # وسار إلى قونية وبها أخوه غياث الدين، فحصره بها وملكها، ففارقها غياث ~~الدين إلى الشام، ثم إلى بلد الروم، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # ثم سار بعد ذلك إلى ركن الدين إلى نكسار وأماسيا فملكها، وسار إلى ملطية ~~سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فملكها، وفارقها أخوه معز الدين إلى الملك العادل ~~أبي بكر بن أيوب، وكان معز الدين هذا تزوج ابنة للعادل، فأقام عنده. # واجتمع لركن الدين، ملك جميع الإخوة ما عدا أنقرة فإنها منيعة لا يوصل ~~إليها فجعل عليها عسكرا يحصرها صيفا وشتاء ثلاث سنين، فتسلمها سنة إحدى ~~وستمائة، ووضع على أخيه الذي كان بها من يقتله إذا فارقها، فلما سار عنها ~~قتل. # وتوفي ركن الدين في تلك الأيام، ولم يسمع خبر قتل أخيه بل عاجله الله ~~تعالى لقطع رحمه. # وإنما أوردنا هذه الحادثة ها هنا لنتبع بعضها بعضا ولأني لم أعلم تاريخ ~~كل حادثة منها لأثبتها فيه. # ذكر ملك شهاب الدين أجمير وغيرها من الهند # قد ذكرنا سنة ثلاث وثمانين [وخمسمائة] غزوة شهاب الدين الغوري إلى بلد ~~الهند، وانهزامه وبقي إلى الآن وفي نفسه الحقد العظيم على الجند الغورية ~~الذين انهزموا، وما ألزمهم من الهوان. # فلما كان هذه السنة خرج من غزنة وقد جمع عساكره، وسار منها يطلب عدوه ~~الهندي الذي هزمه تلك النوبة، فلما وصل إلى برشاوور تقدم إليه شيخ من ~~الغورية كان يدل ms4315 عليه، فقال له: قد قربنا من العدو، وما يعلم أحد أين نمضي، ~~ولا من نقصد، ولا نرد على الأمراء سلاما، وهذا لا يجوز فعله. # فقال له السلطان: اعلم أنني منذ هزمني هذا الكافر ما نمت مع زوجتي، ولا ~~غيرت ثياب البياض عني، وأنا سائر إلى عدوي، ومعتمد على الله تعالى لا على ~~الغورية، ولا على غيرهم، فإن نصرني الله سبحانه ونصر دينه فمن فضله وكرمه، ~~وإن انهزمنا فلا تطلبوني فيمن انهزم، ولو # PageV10P115 # هلكت تحت حوافر الخيل. # فقال له الشيخ: سوف ترى بني عمك من الغورية ما يفعلون، فينبغي أن تكلمهم ~~وترد سلامهم. ففعل ذلك وبقي أمراء الغورية يتضرعون بين يديه، ويقولون سوف ~~ترى ما نفعل. # وسار إلى أن وصل إلى موضع المصاف الأول، وجازه مسيرة أربعة أيام، وأخذ ~~عدة مواضع من بلاد العدو فلما سمع الهندي تجهز، وجمع عساكره، وسار يطلب ~~المسلمين، فلما بقي بين الطائفتين مرحلة عاد شهاب الدين وراءه والكافر في ~~أعقابه أربع منازل. # فأرسل الكافر إليه يقول له: أعطني يدك، إنك تصاففني في باب غزنة حتى أجيء ~~وراءك وإلا فنحن مثقلون، ومثلك لا يدخل البلاد شبه اللصوص، ثم يخرج هاربا، ~~ما هذا فعل السلاطين، فأعاد الجواب: إنني لا أقدر على حربك. # وتم على حاله عائدا إلى أن بقي بينه وبين بلاد الإسلام ثلاثة أيام، ~~والكافر في أثره يتبعه، حتى لحقه قريبا من مرندة، فجهز [حينئذ] شهاب الدين ~~من عسكره سبعين ألفا، وقال: أريد هذه الليلة تدورون حتى تكونوا وراء عسكر ~~العدو، وعند صلاة الصبح تأتون أنتم من تلك الناحية وأنا من هذه الناحية ~~ففعلوا ذلك، وطلع الفجر. # ومن عادة الهنود أنهم لا يبرحون من مضاجعهم إلى أن تطلع الشمس، فلما ~~أصبحوا حمل عليهم عسكر المسلمين من كل جانب، وضربت الكوسات، فلم يلتفت ملك ~~الهند إلى ذلك، وقال: من يقدم علي، أنا هذا؟ والقتل قد كثر في الهنود، ~~والنصر قد ظهر للمسلمين. # فلما رأى ملك الهند ذلك أحضر فرسا له سابقا، وركب ليهرب، فقال له أعيان ~~أصحابه: إنك ms4316 حلفت لنا أنك لا تخلينا وتهرب، فنزل عن الفرس وركب الفيل ووقف ~~موضعه، والقتال شديد والقتل قد كثر في أصحابه، فانتهى المسلمون إليه وأخذوه ~~أسيرا، وحينئذ عظم القتل والأسر في الهنود، ولم ينج منهم إلا القليل. # وأحضر الهندي بين يدي شهاب الدين، فلم يخدمه، فأخذ بعض الحجاب بلحيته، ~~وجذبه إلى الأرض، حتى أصابها جبينه، وأقعده بين يدي شهاب الدين، فقال # PageV10P116 # له شهاب الدين: لو استأسرتني ما كنت تفعل بي؟ فقال الكافر: كنت استعملت ~~لك قيدا من ذهب أقيدك به. فقال شهاب الدين: بل نحن ما نجعل لك من القدر ما ~~نقيدك. # وغنم المسلمون من الهنود أموالا كثيرة وأمتعة عظيمة، وفي جملة ذلك أربعة ~~عشر فيلا، من جملتها الفيل الذي جرح شهاب الدين في تلك الوقعة. # وقال ملك الهند لشهاب الدين: إن كنت طالب بلاد، فما بقي فيها من يحفظها، ~~وإن كنت طالب مال، فعندي أموال تحمل أجمالك كلها. # فسار شهاب الدين وهو معه إلى الحصن الذي له يعول عليه، وهو أجمير، فأخذه، ~~وأخذ جميع البلاد التي تقاربه، وأقطع جميع البلاد لمملوكه قطب الدين أيبك، ~~وعاد إلى غزنة، وقتل ملك الهند. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض على أمير الحاج طاشتكين ببغداد، وكان نعم الأمير، عادلا ~~في الحاج، رفيقا بهم، محبا لهم، له أوراد كثيرة من صلوات وصيام، وكان كثير ~~الصدقة، لا جرم: وقفت أعماله، بين يديه فخلص من السجن، على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # وفيها خرج السلطان طغرل بك أرسلان بن طغرل من الحبس بعد موت قزل أرسلان ~~بن إيلدكز والتقى هو وقتلغ إينانج بن البهلوان بن إيلدكز فانهزم إينانج إلى ~~الري، وكان ما نذكره، إن شاء الله تعالى، سنة تسعين وخمسمائة. # [الوفيات] وفيها في رجب توفي الأمير السيد علي بن المرتضى العلوي الحنفي ~~مدرس جامع السلطان ببغداد. # وفي شعبان منها توفي أبو علي الحسن بن هبة الله بن البوقي، الفقيه ~~الشافعي الواسطي، وكان عالما بالمذهب انتفع به الناس. # PageV10P117 ### | [ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة] ### | 589 - # ثم ms4317 دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة # ذكر وفاة صلاح الدين وبعض سيرته # في هذه السنة، في صفر، توفي صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي، صاحب مصر ~~والشام والجزيرة وغيرها من البلاد، بدمشق، ومولده بتكريت، وقد ذكرنا سبب ~~انتقالهم منها، وملكهم مصر سنة أربع وستين وخمسمائة. # وكان سبب مرضه أن خرج يتلقى الحاج، فعاد، ومرض من يومه مرضا حادا، بقي به ~~ثمانية أيام وتوفي، رحمه الله. # وكان قبل مرضه قد أحضر ولده الأفضل عليا وأخاه الملك العادل أبا بكر، ~~واستشارهما فيما يفعل، وقال: قد تفرغنا من الفرنج، وليس لنا في هذه البلاد ~~شاغل فأي جهة نقصد؟ فأشار عليه أخوه العادل بقصد خلاط، لأنه كان قد وعده، ~~إذا أخذها، أن يسلمها إليه. # وأشار [عليه] ولده الأفضل بقصد بلد الروم التي بيد أولاد قلج أرسلان، ~~وقال: هي أكثر بلادا وعسكرا ومالا، وأسرع مأخذا، وهي أيضا طريق الفرنج إذا ~~خرجوا على البر، فإذا ملكناها منعناهم من العبور فيها. # فقال: كلاكما مقصر ناقص الهمة، بل أقصد أنا بلد الروم، وقال لأخيه: تأخذ ~~أنت بعض أولادي وبعض العسكر وتقصد خلاط، فإذا فرغت أنا من بلد الروم جئت ~~إليكم، وندخل منها أذربيجان، ونتصل ببلاد العجم، فما فيها من يمنع عنها. # ثم أذن لأخيه العادل في المضي إلى الكرك، وكان له، وقال له: تجهز واحضر ~~لتسير، فلما سار إلى الكرك مرض صلاح الدين، وتوفي قبل عوده. # PageV10P118 # وكان، رحمه الله كريما، حليما، حسن الأخلاق، متواضعا، صبورا على ما يكره، ~~كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا ~~يتغير عليه. # وبلغني أنه كان يوما جالسا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضا بسرموز ~~فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى ~~الجهة الأخرى يكلم جليسه ليتغافل عنها. # وطلب مرة الماء فلم يحضر، وعاود الطلب في مجلس واحد خمس مرات فلم يحضر، ~~فقال: يا أصحابنا، والله قد قتلني العطش! فأحضر الماء فشربه ولم ينكر ~~التواني في إحضاره. # وكان مرة قد مرض مرضا شديدا ms4318 أرجف عليه بالموت، فلما برئ منه، وأدخل ~~الحمام كان الماء حارا، فطلب ماء باردا، فأحضره الذي يخدمه، فسقط من الماء ~~شيء على الأرض، فناله منه شيء، فتألم له لضعفه. # ثم طلب البارد أيضا فأحضر، فلما قاربه سقطت الطاسة على الأرض، فوقع الماء ~~جميعه عليه، فكاد يهلك، فلم يزد على أن قال للغلام: إن كنت تريد قتلي، ~~فعرفني! فاعتذر إليه، فسكت عنه. # وأما كرمه، فإنه كان كثير البذل لا يقف في شيء يخرجه، ويكفي دليلا على ~~كرمه أنه لما مات لم يخلف في خزائنه غير دينار واحد صوري، وأربعين درهما ~~ناصرية. # وبلغني أنه أخرج في مدة مقامه كل عكا قبالة الفرنج ثمانية عشر ألف دابة ~~من فرس وبغل سوى الجمال، وأما العين والثياب والسلاح فإنه لا يدخل تحت ~~الحصر، ولما انقرضت الدولة العلوية بمصر أخذ من ذخائرهم من سائر الأنواع ما ~~يفوت الإحصاء، ففرقه جميعه. # وأما تواضعه، فإنه كان ظاهرا لم يتكبر على أحد من أصحابه، وكان يعيب ~~الملوك المتكبرين بذلك، وكان يحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماع، ~~فإذا قام أحدهم لرقص أو سماع يقوم له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير. # ولم يلبس شيئا مما ينكره الشرع، وكان عنده علم ومعرفة، وسمع الحديث ~~وأسمعه، وبالجملة كان نادرا في عصره، كثير المحاسن والأفعال الجميلة، عظيم # PageV10P119 # الجهاد في الكفار، وفتوحه تدل على ذلك، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا. # ذكر حال أهله وأولاده بعده # لما مات صلاح الدين بدمشق كان معه بها ولده الأكبر الأفضل نور الدين علي، ~~وكان قد حلف له العساكر جميعها، غير مرة في حياته، فلما مات ملك دمشق، ~~والساحل، والبيت المقدس وبعلبك، وصرخد، وبصرى وبانياس. وهونين وتبنين. ~~وجميع الأعمال إلى الداروم. # وكان ولده الملك العزيز عثمان بمصر، فاستولى عليها واستقر ملكه بها. # وكان ولده الظاهر غازي بحلب فاستولى عليها، وعلى جميع أعمالها مثل: حارم، ~~وتل باشر، وإعزاز وبرزية، ودرب ساك، ومنبج وغير ذلك. # وكان بحماة محمود بن تقي الدين عمر فأطاعه وصار معه. # وكان بحمص شيركوه بن محمد بن ms4319 شيركوه، فأطاع الملك الأفضل. # وكان الملك العادل بالكرك قد سار إليه، كما ذكرنا، فامتنع فيه ولم يحضر ~~عند أحد من أولاد أخيه، فأرسل إليه الملك الأفضل يستدعيه ليحضر عنده فوعده ~~ولم يفعل، فأعاد مراسلته وخوفه من الملك العزيز صاحب مصر، ومن أتابك عز ~~الدين. صاحب الموصل، فإنه كان قد سار عنها إلى بلاد العادل الجزرية على ما ~~نذكره. # ويقول له: إن حضرت جهزت العساكر وسرت إلى بلادك فحفظتها، وإن أقمت قصدك ~~أخي الملك العزيز لما بينكما من العداوة، وإذا ملك عز الدين بلادك فليس له ~~دون الشام مانع. # وقال لرسوله: إن حضر معك وإلا فقل له قد أمرني: إن سرت إليه بدمشق عدت ~~معك، وإن لم تفعل أسير إلى الملك العزيز أحالفه على ما يختار. # فلما حضر الرسول عنده وعده بالمجيء، فلما رأى أن ليس معه منه غير الوعد ~~أبلغه ما قيل له في معنى موافقة العزيز، فحينئذ سار إلى دمشق، وجهز الأفضل ~~معه عسكرا من عنده، وأرسل إلى صاحب حمص، وصاحب حماة، وإلى أخيه الملك ~~الظاهر بحلب، يحثهم على إنفاذ العساكر مع العادل إلى البلاد الجزرية ~~ليمنعها من صاحب الموصل، ويخوفهم إن هم لم يفعلوا. # ومما قال لأخيه الظاهر: قد عرفت صحبة أهل الشام لبيت أتابك، فوالله لئن # PageV10P120 # ملك عز الدين حران ليقومن أهل حلب عليك ولتخرجن منها وأنت لا تعقل، وكذلك ~~يفعل بي أهل دمشق. # فاتفقت كلمتهم على تسيير العساكر معه، فجهزوا عساكرهم وسيروها إلى العادل ~~وقد عبر الفرات، فعسكرت عساكرهم بنواحي الرها بمرج الريحان، وسنذكر ما كان ~~منه إن شاء الله تعالى. # ذكر مسير أتابك عز الدين إلى بلاد العادل، وعوده بسبب مرضه # لما بلغ أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي - صاحب الموصل - وفاة ~~صلاح الدين جمع أهل الرأي من أصحابه وفيهم مجاهد الدين قايماز، كبير دولته، ~~والمقدم على كل من فيها، وهو نائبه فيهم، واستشارهم فيما يفعل: فسكتوا. # فقال له بعضهم - وهو أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك -: أنا أرى أنك ~~تخرج مسرعا جريدة ms4320 فيمن خف من أصحابك وحلقتك الخاص، وتتقدم إلى الباقين ~~باللحاق بك، وتعطي من هو محتاج إلى شيء ما يتجهز به ما يخرجه، ويلحق بك إلى ~~نصيبين. # وتكاتب أصحاب الأطراف مثل مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، وسنجر شاه ~~ابن أخيك صاحب جزيرة ابن عمر، وأخيك عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين، تعرفهم ~~أنك قد سرت، وتطلب منهم المساعدة، وتبذل لهم اليمين على ما يلتمسونه، فمتى ~~رأوك قد سرت خافوك، وإن أجابك أخوك صاحب سنجار ونصيبين إلى الموافقة، وإلا ~~بدأت بنصيبين فأخذتها، وتركت فيها من يحفظها، ثم سرت نحو الخابور، وهو له ~~أيضا فأقطعه، وتركت عسكره مقابل أخيك يمنعه من الحركة إن أرادها، أو قصدت ~~الرقة فلا تمنع نفسها. # وتأتي حران الرها، فليس فيها من يحفظها لا صاحب ولا عسكر - ولا ذخيرة، ~~فإن العادل أخذهما من ابن تقي الدين ولم يقم فيهما ليصلح حالهما. # وكان القوم يتكلون على قوتهم، فلم يظنوا هذا الحادث، فإذا فرغت من ذلك ~~الطرف عدت إلى من امتنع من طاعتك فقاتلته ليس وراءك ما تخاف عليه فإن بلدك ~~عظيم لا يبالي بكل من وراءك. # فقال مجاهد الدين: المصلحة أننا نكاتب أصحاب الأطراف نأخذ رأيهم في # PageV10P121 # الحركة نستميلهم، فقال له أخي: إن أشاروا بترك الحركة تقبلون منهم؟ قال: ~~لا! قال: إنهم لا يشيرون إلا بتركها، لأنهم لا يريدون أن يقوى هذا السلطان ~~خوفا منه، وكأني بهم يغالطونكم ما دامت البلاد الجزرية فارغة من صاحب عسكر، ~~فإذا جاء إليها من يحفظها جاهروكم بالعداوة. # ولم يمكنه أكثر من هذا القول خوفا من مجاهد الدين، حيث رأى ميله إلى ما ~~تكلم به، فانفصلوا على أن يكاتبوا أصحاب الأطراف، فكاتبوهم فكل أشار بترك ~~الحركة إلى أن ينظر ما يكون من أولاد صلاح الدين وعمهم فتثبطوا. # ثم إن مجاهد الدين كرر المراسلات إلى عماد الدين، صاحب سنجار، يعده ~~ويستميله، فبينما هم على ذلك إذ جاءهم كتاب الملك العادل من المناخ بالقرب ~~من دمشق، قد سار عن دمشق إلى بلاده، يذكر فيه موت أخيه، ms4321 وأن البلاد قد ~~استقرت لولده الملك الأفضل، والناس متفقون على طاعته، وأنه هو المدبر لدولة ~~الأفضل، وقد سيره في عسكر جم، كثير العدد، لقصد ماردين لما بلغه أن صاحبها ~~تعرض إلى بعض القرى التي له، وذكر من هذا النحو شيئا كثيرا، فظنوه حقا وأن ~~قوله لا ريب فيه، ففتروا عن الحركة، وذلك الرأي. # فسيروا الجواسيس، فأتتهم الأخبار بأنه في ظاهر حران نحو من مائتي خيمة لا ~~غير، فعادوا فتحركوا، فإلى أن تقررت القواعد بينهم وبين صاحب سنجار، وصلته ~~العساكر الشامية التي سيرها الأفضل وغيره إلى العادل، فامتنع بها وسار ~~أتابك عز الدين عن الموصل إلى نصيبين، واجتمع هو وأخوه عماد الدين بها، ~~وساروا على سنجار نحو الرها، وكان العادل قد عسكر قريبا منها بمرج الريحان، ~~فخافهم خوفا عظيما. # فلما وصل أتابك عز الدين إلى تل موزن مرض بالإسهال، فأقام عدة أيام فضعف ~~عن الحركة، وكثر مجيء الدم منه فخاف الهلاك، فترك العساكر مع أخيه عماد ~~الدين، وعاد جريدة في مائتي فارس، ومعه مجاهد الدين، وأخي - مجد الدين -، ~~فلما وصل إلى دنيسر استولى عليه الضعف، فأحضر أخي وكتب وصية، ثم سار فدخل ~~الموصل، وهو مريض أول رجب. # PageV10P122 # ذكر وفاة أتابك عز الدين وشيء من سيرته # في هذه السنة توفي أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب ~~الموصل، بالموصل، وقد ذكرنا عوده إليها مريضا، فبقي في مرضه إلى التاسع ~~والعشرين من شعبان، فتوفي، رحمه الله، ودفن بالمدرسة التي أنشأها مقابل دار ~~المملكة، وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين، ~~وتلاوة القرآن، وإذا تكلم بغيرها استغفر الله، ثم عاد إلى ما كان عليه، ~~فرزق خاتمة خير، رضي الله عنه. # وكان، رحمه الله، خير الطبع، كثير الخير والإحسان، لا سيما إلى شيوخ قد ~~خدموا أباه، فإنه كان يتعهدهم بالبر والإحسان، والصلة والإكرام، ويرجع إلى ~~قولهم، ويزور الصالحين، ويقربهم ويشفعهم. # وكان حليما، قليل المعاقبة، كثير الحياء، لم يكلم جليسا له إلا وهو مطرق، ~~وما قال في ms4322 شيء يسأله: لا، حياء وكرم طبع. # وكان قد حج، ولبس بمكة، حرسها الله، خرقة التصوف: وكان يلبس تلك الخرقة ~~كل ليلة، ويخرج إلى مسجد قد بناه في داره، ويصلي فيه نحو ثلث الليل، وكان ~~رقيق القلب، شفيقا على الرعية. # بلغني عنه أنه قال بعض الأيام: إنني سهرت الليلة كثيرا، وسبب ذلك أني ~~سمعت صوت نائحة، فظننت أن ولد فلان قد مات، وكان قد سمع أنه مريض: قال: ~~فضاق صدري، وقمت من فراشي أدور في السطح، فلما طال علي الأمر أرسلت خادما ~~إلى الجاندارية، فأرسل منهم واحدا يستعلم الخبر، فعاد وذكر إنسانا لا ~~أعرفه، فسكن بعض ما عندي فنمت، ولم يكن الرجل الذي ظن أن ابنه مات من ~~أصحابه، إنما كان من رعيته. # كان ينبغي أن تتأخر وفاته، وإنما قدمناها لتتبع أخباره بعضها بعضا. # ذكر قتل بكتمر صاحب خلاط # في هذه السنة، أول جمادى الأولى قتل سيف الدين بكتمر، صاحب خلاط، # PageV10P123 # وكان بين قتله وموت صلاح الدين شهران، فإنه أسرف في إظهار الشماتة بموت ~~صلاح الدين، فلم يمهله الله تعالى، ولما بلغه موت صلاح الدين فرح فرحا ~~كثيرا، وعمل تختا جلس عليه، ولقب نفسه بالسلطان المعظم صلاح الدين، وكان ~~لقبه سيف الدين، فغيره، وسمى نفسه عبد العزيز، وظهر منه اختلال وتخليط، ~~وتجهز ليقصد ميافارقين يحصرها، فأدركته منيته. # وكان سبب قتله أن هزار ديناري، وهو أيضا من مماليك شاه أرمن ظهير الدين، ~~كان قد قوي وكثر جمعه، وتزوج ابنة بكتمر، فطمع في الملك، فوضع عليه من ~~قتله، فلما قتل ملك بعده هزار ديناري بلاد خلاط وأعمالها. # وكان بكتمر دينا، خيرا، صالحا، كثير الخير، والصلاح، والصدقة، محبا لأهل ~~الدين، والصوفية، كثير الإحسان إليهم، قريبا منهم، ومن سائر رعيته، محبوبا ~~إليهم، عادلا فيهم، وكان جوادا شجاعا عادلا في رعيته، حسن السيرة فيهم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة شتى شهاب الدين ملك غزنة في برشاوور، وجهز مملوكه أيبك في ~~عساكر كثيرة، فأدخله بلاد الهند يغنم ويسبي، ويفتح من البلاد ما يمكنه، ~~فدخلها وعاد فخرج ms4323 هو وعساكره سالما، وقد ملأوا أيديهم من الغنائم. # وفيها، في رمضان، توفي سلطان شاه صاحب مرو وغيرها من خراسان، وملك أخوه ~~علاء الدين تكش بلاده، وسنذكره سنة تسعين [وخمسمائة] إن شاء الله. # وفيها أمر الخليفة الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة ~~النظامية # PageV10P124 # ببغداد، ونقل إليها من الكتب النفيسة ألوفا لا يوجد مثلها. # وفيها، في ربيع الأول، فرغ من عمارة الرباط الذي أمر بإنشائه الخليفة ~~أيضا بالحريم الطاهري، غربي بغداد على دجلة، وهو من أحسن الربط، ونقل إليه ~~كتبا كثيرة من أحسن الكتب. # وفيها ملك الخليفة قلعة من بلاد خوزستان، وسبب ذلك أن صاحبها سوسيان بن ~~شملة جعل فيها دزدارا، فأساء السيرة مع جندها، فغدر به بعضهم فقتله، ونادوا ~~بشعار الخليفة، فأرسل إليها وملكها. # وفيها انقض كوكبان عظيمان، وسمع صوت هدة عظيمة، وذلك بعد طلوع الفجر، ~~وغلب ضوءهما القمر وضوء النهار. # [الوفيات] وفيها مات الأمير داود بن عيسى بن محمد بن أبي هاشم، أمير مكة، ~~وما زالت إمارة مكة تكون له تارة، ولأخيه مكثر تارة، إلى أن مات. # وفي هذه السنة توفي أبو الرشيد الحاسب البغدادي، وكان قد أرسله الخليفة ~~الناصر لدين الله في رسالة إلى الموصل فمات هناك. # PageV10P125 ### | [ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة] ### | 590 - # ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة # ذكر الحرب بين شهاب الدين وملك بنارس الهندي # كان شهاب الدين الغوري، ملك غزنة، قد جهز مملوكه قطب الدين أيبك، وسيره ~~إلى بلد الهند للغزاة، فدخلها فقتل فيها وسبى ونهب وعاد. # فلما سمع به ملك بنارس، وهو أكبر ملك في الهند، وولايته من حد الصين إلى ~~بلاد ملاوا طولا، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا، وهو ملك ~~عظيم فعندها جمع جيوشه، وحشرها، وسار يطلب بلاد الإسلام. # ودخلت سنة تسعين [وخمسمائة] ، فسار شهاب الدين الغوري، من غزنة بعساكره ~~نحوه، فالتقى العسكران على ماجون، وهو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل، وكان ~~مع الهندي سبعمائة فيل، ومن العسكر على ما قيل ألف ألف رجل، ومن جملة عسكره ~~عدة أمراء مسلمين، ms4324 وكانوا في تلك البلاد أبا عن جد، من أيام السلطان محمود ~~بن سبكتكين، يلازمون شريعة الإسلام، ويواظبون على الصلوات، وأفعال الخير. ~~فلما التقى المسلمون والهنود اقتتلوا، فصبر الكفار لكثرتهم، وصبر المسلمون ~~لشجاعتهم، فانهزم الكفار، ونصر المسلمون، وكثر القتل في الهنود، حتى امتلأت ~~الأرض وجافت. # وكانوا لا يأخذون إلا الصبيان والجواري وأما الرجال فيقتلون، وأخذ منهم ~~تسعون فيلا، وباقي الفيلة قتل بعضها، وانهزم بعضها، وقتل ملك الهند، ولم ~~يعرفه أحد إلا أنه كانت أسنانه قد ضعفت أصولها، فأمسكوها بشريط الذهب فبذلك ~~عرفوه. # PageV10P126 # فلما انهزم الهنود دخل شهاب الدين بلاد بنارس، وحمل من خزائنها على ألف ~~وأربعمائة جمل، وعاد إلى غزنة، ومعه الفيلة التي أخذها ومن جملتها فيل ~~أبيض. # حدثني من رآه: لما أخذت الفيلة، وقدمت إلى شهاب الدين، وأمرت بالخدمة، ~~فخدمت جميعها إلا الأبيض فإنه لم يخدم، ولا يعجب أحد من قولنا الفيلة تخدم ~~فإنها تفهم ما يقال لها، ولقد شاهدت فيلا بالموصل وفياله يحدثه، فيفعل ما ~~يقول له. # ذكر قتل السلطان طغرل، وملك خوارزم شاه الري، ووفاة أخيه سلطان شاه # لقد ذكرنا سنة ثمان وثمانين [وخمسمائة] خروج السلطان طغرل بن ألب أرسلان ~~بن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي من الحبس، وملكه همذان ~~وغيرها، وكان قد جرى بينه وبين قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد حرب، ~~انهزم فيها قتلغ إينانج، وتحصن بالري. # وسار طغرل إلى همذان، وأرسل قتلغ إينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش ~~يستنجده، فسار إليه في سنة ثمان وثمانين [وخمسمائة] ، فلما تقاربا ندم قتلغ ~~إينانج على استدعاء خوارزم شاه، وخاف على نفسه فمضى من بين يديه، وتحصن ~~قلعة له، فسار خوارزم شاه إلى الري وملكها. # وحصر قلعة طبرك ففتحها في يومين، وراسله طغرل، واصطلحا، وبقيت الري في يد ~~خوارزم شاه فرتب فيها عسكرا يحفظها، وعاد إلى خوارزم لأنه بلغه أن أخاه ~~سلطان [شاه] قد قصد خوارزم، فجد في السير خوفا عليها، فأتاه الخبر، وهو في ~~الطريق أن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها، ولم ms4325 يقدر على القرب منها، وعاد ~~عنها خائبا. # فشتى خوارزم شاه بخوارزم، فلما انقضى الشتاء سار إلى مرو لقصد أخيه سنة ~~تسع وثمانين [وخمسمائة] ، فترددت الرسل بينهما في الصلح. # فبينما هم في تقرير الصلح ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس ~~لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلم القلعة ; لأنه قد استوحش من صاحبه سلطان شاه، ~~فسار خوارزم شاه إليه مجدا، فتسلم القلعة وصار معه. # وبلغ ذلك سلطان شاه ففت في عضده، وتزايد كمده، فمات سلخ رمضان سنة # PageV10P127 # تسع وثمانين وخمسمائة، فلما سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو ~~فتسلمها، وتسلم مملكة أخيه سلطان شاه جميعها وخزائنه. # وأرسل إلى ابنه علاء الدين محمد، وكان يلقب حينئذ قطب الدين، وهو ~~بخوارزم، فأحضره فولاه نيسابور، وولى ابنه الأكبر ملكشاه مرو، وذلك في ذي ~~الحجة سنة تسع وثمانين. # فلما دخلت سنة تسعين وخمسمائة، قصد السلطان طغرل بلد الري فأغار على من ~~به من أصحاب خوارزم شاه، [ففر منه قتلغ إينانج بن البهلوان، وأرسل إلى ~~خوارزم شاه] يعتذر ويسأل إنجاده مرة ثانية. # ووافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل، ويطلب منه قصد ~~بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد، فسار من نيسابور إلى الري، فتلقاه قتلغ ~~إينانج ومن معه بالطاعة، وساروا معه. # فلما سمع السلطان طغرل بوصوله كانت عساكره متفرقة، فلم يقف ليجمعها بل ~~سار إليه فيمن معه، فقيل له: إن الذي تفعله ليس برأي، والمصلحة أن تجمع ~~العساكر فلم يقبل، وكان فيه شجاعة، بل تمم مسيره. # فالتقى العسكران بالقرب من الري، فحمل طغرل بنفسه وسط عسكر خوارزم شاه، ~~فأحاطوا به وألقوه عن فرسه، وقتلوه في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، ~~وحمل رأسه إلى خوارزم شاه، فسيره من يومه إلى بغداد، فنصب بها بباب النوبي ~~عدة أيام. # وسار خوارزم شاه إلى همذان، وملك تلك البلاد جميعها، وكان الخليفة الناصر ~~لدين الله قد جهز عسكر إلى نجدة خوارزم شاه، وسير له الخلع السلطانية مع ~~وزيره مؤيد الدين بن القصاب، فنزل على ms4326 فرسخ من همذان، فأرسل إليه خوارزم ~~شاه يطلبه إليه. # فقال مؤيد الدين: ينبغي أن تحضر أنت وتلبس الخلعة من خيمتي وترددت الرسل ~~بينهما في ذلك، فقيل لخوارزم شاه: إنها حيلة عليك حتى تحضر عنده، ويقبض ~~عليك. # فرحل خوارزم شاه إليه قصدا لأخذه فاندفع من بين يديه والتجأ إلى بعض ~~الجبال، فامتنع به، فرجع خوارزم شاه إلى همذان، ولما ملك همذان وتلك البلاد ~~سلمها إلى قتلغ إينانج، وأقطع كثيرا منها لمماليكه، وجعل المقدم عليهم ~~مياجق، وعاد إلى خوارزم. # PageV10P128 # ذكر مسير وزير الخليفة إلى خوزستان وملكها في هذه السنة، في شعبان، خلع ~~الخليفة الناصر لدين الله على النائب في الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله ~~محمد بن علي المعروف بابن القصاب، خلع الوزارة، وحكم في الولاية وبرز في ~~رمضان، وسار إلى بلاد خوزستان ; [وسبب ذلك أنه كان أولا قد خدم في خوزستان] ~~، وولي الأعمال بها، وصار له فيها أصحاب وأصدقاء ومعارف، وعرف البلاد ومن ~~أي وجه يمكن الدخول إليها والاستيلاء عليها، فلما ولي ببغداد نيابة الوزارة ~~أشار على الخليفة بأن يرسله في عسكر إليها ليملكها له، وكان عزمه أنه إذا ~~ملك البلاد واستقر فيها أقام مظهرا للطاعة، مستقلا بالحكم فيها; ليأمن على ~~نفسه. # فاتفق أن صاحبها ابن شملة توفي، واختلف أولاده بعده، فراسل بعضهم مؤيد ~~الدين يستنجده لما بينهم من الصحبة القديمة، فقوي الطمع في البلاد، فجهزت ~~العساكر وسيرت معه إلى خوزستان، فوصلها سنة إحدى وتسعين [وخمسمائة] وجرى ~~بينه وبين أصحاب البلاد مراسلات ومحاربة عجزوا عنها، وملك مدينة تستر في ~~المحرم، وملك غيرها من البلاد، وملك القلاع منها: قلعة الناظر، وقلعة ~~كاكرد، وقلعة لاموج، وغيرها من الحصون والقلاع، وأنفذ بني شملة أصحاب بلاد ~~خوزستان إلى بغداد، فوصلوا في ربيع الأول. # ذكر حصر العزيز مدينة دمشق في هذه السنة وصل الملك العزيز عثمان بن صلاح ~~الدين، وهو صاحب مصر، إلى مدينة دمشق، فحصرها وبها أخوه الأكبر الملك ~~الأفضل علي بن صلاح الدين. وكنت حينئذ بدمشق، فنزل بنواحي ميدان الحصى، ~~فأرسل الأفضل إلى عمه ms4327 الملك العادل. أبي بكر بن أيوب، وهو صاحب الديار ~~الجزرية، يستنجده، وكان الأفضل غاية الواثق به والمعتمد عليه، وقد سبق ما ~~يدل على ذلك، فسار الملك العادل إلى دمشق # PageV10P129 # هو والملك الظاهر غازي بن صلاح الدين - صاحب حلب -، وناصر الدين محمد بن ~~تقي الدين - صاحب حماة -، وأسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه - صاحب حمص ~~-، وعسكر الموصل وغيرها، كل هؤلاء اجتمعوا بدمشق، واتفقوا على حفظها. علما ~~منهم أن العزيز إن ملكها أخذ بلادهم. # فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أنه لا قدرة له على البلد، فترددت الرسل ~~حينئذ في الصلح، فاستقرت القاعدة على أن يكون البيت المقدس وما جاوره من ~~أعمال فلسطين للعزيز، وتبقى دمشق وطبرية وأعمالها والغور للأفضل، على ما ~~كانت عليه، وأن يعطي الأفضل أخاه الملك الظاهر جبلة ولاذقية بالساحل ~~الشامي، وأن يكون للعادل بمصر إقطاعه الأول، واتفقوا على ذلك، وعاد العزيز ~~إلى مصر، ورجع كل واحد من الملوك إلى بلده. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كانت زلزلة في ربيع الأول بالجزيرة والعراق وكثير من ~~البلاد، وسقطت منها الجبانة التي عند مشهد أمير المؤمنين علي - عليه ~~السلام. # وفيها - في جمادى الآخرة - اجتمعت زعب وغيرها من العرب، وقصدوا مدينة ~~النبي - صلى إليه عليه وسلم - فخرج إليهم هاشم بن قاسم - أخو أمير المدينة ~~- فقاتلهم، فقتل هاشم، وكان أمير المدينة قد توجه إلى الشام ; فلهذا طمعت ~~العرب فيه. # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي الحلبي ~~بها، في شعبان، وكان من عباد الله الصالحين - رحمه الله تعالى -. # PageV10P130 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة] ### | 591 - # ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة # ذكر ملك وزير الخليفة همذان وغيرها من بلاد العجم قد ذكرنا ملك مؤيد ~~الدين بن القصاب بلاد خوزستان، فلما ملكها سار منها إلى ميسان من أعمال ~~خوزستان، فوصل إليه قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد، وقد تقدم ذكر ~~تغلب خوارزم شاه عليها، ومعه جماعة من الأمراء، فأكرمه وزير الخليفة وأحسن ~~إليه. # وكان سبب مجيئه أنه ms4328 جرى بينه وبين عسكر خوارزم شاه ومقدمهم مياجق مصاف ~~عند زنجان، واقتتلوا، فانهزم قتلغ إينانج وعسكره، وقصد عسكر الخليفة ملتجئا ~~إلى مؤيد الدين الوزير، فأعطاه الوزير الخيل والخيام وغير ذلك مما يحتاج ~~إليه، وخلع عليه وعلى من معه من الأمراء، ورحلوا إلى كرماشاهان. # ورحل منها إلى همذان، وكان بها ولد خوارزم شاه ومياجق والعسكر الذي ~~معهما، فلما قاربهم عسكر الخليفة فارقها الخوارزميون وتوجهوا إلى الري، ~~واستولى الوزير على همذان في شوال من هذه السنة، ثم رحل هو وقتلغ إينانج ~~خلفهم، فاستولوا على كل بلد جازوا به منها: خرقان، ومزدغان، وساوة، وآوة، ~~وساروا إلى الري، ففارقها الخوارزميون إلى خوار الري، فسير الوزير خلفهم ~~عسكرا، ففارقها الخوارزميون إلى دامغان، وبسطام، وجرجان، فعاد عسكر الخليفة ~~إلى الري فأقاموا بها، فاتفق قتلغ إينانج ومن معه من الأمراء على الخلاف ~~على الوزير وعسكر الخليفة، # PageV10P131 # لأنهم رأوا البلاد قد خلت من عسكر خوارزم شاه، فطمعوا فيها، فدخلوا الري، ~~فحصرها وزير الخليفة، ففارقها قتلغ إينانج، وملكها الوزير، ونهبها العسكر، ~~فأمر الوزير بالنداء بالكف عن النهب. # وسار قتلغ إينانج ومن معه من الأمراء إلى مدينة آوة، وبها شحنة الوزير، ~~فمنعهم من دخولها، فساروا عنها، ورحل الوزير في أثرهم نحو همذان، فبلغه وهو ~~في الطريق أن قتلغ إينانج قد اجتمع معه عسكر، وقصد مدينة كرج، وقد نزل على ~~دربند هناك، فطلبهم الوزير، فلما قاربهم التقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم قتلغ إينانج ونجا بنفسه، ورحل الوزير من موضع المصاف إلى همذان، ~~فنزل بظاهرها، فأقام نحو ثلاثة أشهر، فوصله رسول خوارزم شاه تكش، وكان قد ~~قصدهم منكرا أخذه البلاد من عسكره،، ويطلب إعادتها وتقرير قواعد الصلح، فلم ~~يجب الوزير إلى ذلك، فسار خوارزم شاه مجدا إلى همذان. # وكان الوزير مؤيد الدين [بن] القصاب قد توفي في أوائل شعبان، فوقع بينه ~~وبين عسكر الخليفة مصاف، نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، فقتل بينهم ~~كثير من العسكرين، وانهزم عسكر الخليفة، وغنم الخوارزميون منهم شيئا كثيرا، ~~وملك خوارزم شاه همذان، ونبش الوزير من قبره ms4329 وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم، ~~وأظهر أنه قتله في المعركة، ثم إن خوارزم شاه أتاه من خراسان ما أوجب أن ~~يعود إليها، فترك البلاد وعاد إلى خراسان. # ذكر غزو [ابن] عبد المؤمن الفرنج بالأندلس # في هذه السنة - في شعبان - غزا أبو يوسف يعقوب بن عبد المؤمن صاحب بلاد ~~المغرب والأندلس، بلاد الفرنج بالأندلس، وسبب ذلك أن ألفنش ملك الفرنج بها، ~~ومقر ملكه مدينة طليطلة، كتب إلى يعقوب كتابا نسخته: " باسمك اللهم فاطر ~~السماوات والأرض، أما بعد أيها الأمير، فإنه لا يخفى على كل ذي عقل لازب، ~~ولا ذي ذكاء ثاقب، أنت أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة النصرانية، ~~وأنك # PageV10P132 # من لا يخفى عليه ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل، وإهمال ~~الرعية، واشتمالهم على الراحات، وأنا أسومهم الخسف وأخلي الديار، وأسبي ~~الذراري، وأمثل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، ~~وقد أمكنتك يد القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا ~~بواحد منكم. والآن خفف الله عنكم. وعلم أن فيكم ضعفا، فقد فرض عليكم قتال ~~اثنين منا بواحد منكم، ونحن الآن نقاتل عددا منكم بواحد منا. ولا تقدرون ~~دفاعا، ولا تستطيعون امتناعا. # ثم حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك ~~عاما بعد عام، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، ولا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب ~~بما أنزل عليك؟ . # ثم حكي لي عنك أنك لا تجد سبيلا للحرب لعلك ما يسوغ لك التقحم فيها، فها ~~أنا أقول لك، ما فيه الراحة، وأعتذر عنك، ولك أن توافيني بالعهود والمواثيق ~~والأيمان، وأن تتوجه بجملة من عندك في المراكب والشواني، وأجوز إليك ~~بجملتي، وأبارزك في أعز الأماكن عندك، فإن كانت لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك، ~~وهدية مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك. واستحققت إمارة ~~الملتين، والتقدم على الفئتين، والله يسهل الإرادة، ويوفق السعادة بمنه لا ~~رب غيره، ولا خير إلا خيره ". # PageV10P133 # فلما وصل كتابه وقرأه يعقوب كتب في ms4330 أعلاه هذه الآية {ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: ~~37] وأعاده إليه. وجمع العساكر العظيمة من المسلمين وعبر المجاز إلى ~~الأندلس. # وقيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أن يعقوب لما قاتل الفرنج سنة ست ~~وثمانين [وخمسمائة] وصالحهم، بقي طائفة من الفرنج لم ترض الصلح، كما ~~ذكرناه، فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج، وخرجوا إلى بلاد ~~الإسلام، فقتلوا وسبوا وغنموا وأسروا، وعاثوا فيها عيثا شديدا، فانتهى ذلك ~~إلى يعقوب، فجمع العساكر، وعبر المجاز إلى الأندلس في جيش يضيق عنه الفضاء، ~~فسمعت الفرنج بذلك، فجمعت قاصيهم ودانيهم، وأقبلوا إليه مجدين على قتاله ~~وواثقين بالظفر لكثرتهم، فالتقوا تاسع شعبان، شمالي قرطبة عند قلعة رياح، ~~بمكان يعرف بمرج الحديد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة أولا على ~~المسلمين. ثم عادت على الفرنج، فانهزموا أقبح هزيمة، وانتصر المسلمون عليهم ~~{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} ~~[التوبة: 40] # وكان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفا، وأسر ثلاثة عشر ~~ألفا، وغنم المسلمون منهم شيئا عظيما، فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ~~ألفا، ومن الخيل ستة وأربعون ألفا، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ~~ألف. وكان يعقوب قد نادى في عسكره: من غنم شيئا فهو له سوى السلاح، وأحصى ~~ما حمل إليه منه، فكان زيادة على سبعين ألف لبس، وقتل من المسلمين نحو ~~عشرين ألفا. # ولما انهزم الفرنج اتبعهم أبو يوسف فرآهم قد أخذوا قلعة رباح، وساروا # PageV10P134 # عنها من الرعب والخوف، فملكها وجعل فيها واليا وجندا يحفظونها وعاد إلى ~~مدينة إشبيلية. # وأما ألفنش فإنه لما انهزم حلق رأسه، ونكس صليبه، وركب حمارا، وأقسم أن ~~لا يركب فرسا ولا بغلا حتى تنصر النصرانية، فجمع جموعا عظيمة، وبلغ الخبر ~~بذلك إلى يعقوب، فأرسل إلى بلاد المغرب مراكش وغيرها يستنفر الناس من غير ~~إكراه، فأتاه من المتطوعة والمرتزقين جمع عظيم، فالتقوا في ربيع الأول سنة ~~اثنتين وتسعين وخمسمائة، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، ms4331 وغنم المسلمون ما معهم ~~من الأموال والسلاح والدواب وغيرها، وتوجه إلى مدينة طليطلة فحصرها، ~~وقاتلها قتالا شديدا، وقطع أشجارها، وشن الغارة على ما حولها من البلاد، ~~وفتح فيها عدة حصون، فقتل رجالها، وسبى حريمها، وخرب دورها، وهدم أسوارها، ~~فضعفت النصرانية حينئذ، وعظم أمر الإسلام بالأندلس، وعاد يعقوب إلى إشبيلية ~~فأقام بها. # فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين [وخمسمائة] ، سار عنها إلى بلاد الفرنج [وفعل ~~فيها مثل فعله الأول والثاني، فضاقت الأرض على الفرنج] ، وذلوا واجتمع ~~ملوكهم، وأرسلوا يطلبون الصلح، فأجابهم إليه بعد أن كان عازما على ~~الامتناع، مريدا لملازمة الجهاد إلى أن يفرغ منهم، فأتاه خبر علي بن إسحاق ~~الملثم الميورقي أنه فعل بإفريقية ما نذكره من الأفاعيل الشنيعة، فترك ~~عزمه، وصالحهم مدة خمس سنين، وعاد إلى مراكش آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. # PageV10P135 # ذكر فعلة الملثم بإفريقية # لما عبر أبو يوسف يعقوب صاحب المغرب إلى الأندلس - كما ذكرنا - وأقام ~~مجاهدا ثلاث سنين. انقطعت أخباره عن إفريقية، فقوي طمع علي بن إسحاق الملثم ~~الميورقي، وكان بالبرية مع العرب، فعاود قصد إفريقية، فانبث جنوده في ~~البلاد فخربوها، وأكثروا الفساد فيها، فمحيت آثار تلك البلاد وتغيرت، وصارت ~~خالية من الأنيس خاوية على عروشها. # وأراد المسير إلى بجاية ومحاصرتها لاشتغال يعقوب بالجهاد، وأظهر أنه إذا ~~استولى على بجاية سار إلى المغرب، فوصل الخبر إلى يعقوب بذلك، فصالح الفرنج ~~على ما ذكرناه، وعاد إلى مراكش عازما على قصده، وإخراجه من البلاد، كما فعل ~~سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وقد ذكرناه. # ذكر ملك عسكر الخليفة أصفهان # في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله جيشا وسيره إلى أصفهان، ~~ومقدمهم سيف الدين طغرل، مقطع بلد اللحف من العراق، وكان بأصفهان عسكر ~~لخوارزم شاه مع ولده. # وكان أهل أصفهان يكرهونهم، فكاتب صدر الدين الخجندي رئيس الشافعية ~~بأصفهان الديوان ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل الديوان من ~~العساكر، وكان هو الحاكم بأصفهان على جميع أهلها، فسيرت العساكر، فوصلوا ~~إلى أصفهان، ونزلوا بظاهر البلد، وفارقه عسكر خوارزم شاه، وعادوا ms4332 إلى ~~خراسان، وتبعهم بعض عسكر الخليفة، فتخطفوا منهم، وأخذوا من ساقة العسكر من ~~قدروا عليه، ودخل عسكر الخليفة إلى أصفهان وملكوها. # ذكر ابتداء حال كوكجه وملكه بلد الري وهمذان وغيرهما لما عاد خوارزم شاه ~~إلى خراسان، كما ذكرنا واتفق المماليك الذين للبهلوان والأمراء، وقدموا على ~~أنفسهم كوكجه، وهو من أعيان المماليك البهلوانية، # PageV10P136 # واستولى على الري وما جاورها من البلاد، وساروا إلى أصفهان لإخراج ~~الخوارزمية منها، فلما قاربوها سمعوا بعسكر الخليفة عندها، فأرسل إلى مملوك ~~الخليفة سيف الدين طغرل، يعرض نفسه على خدمة الديوان، ويظهر العبودية، وإنه ~~لما قصد أصفهان في طلب العساكر الخوارزمية، وحيث رآهم فارقوا أصفهان سار في ~~طلبهم، فلم يدركهم، وسار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان. # وأما كوكجه فإنه تبع الخوارزمية إلى طبس - وهي من بلاد الإسماعيلية - ~~وعاد فقصد أصفهان وملكها، وأرسل إلى بغداد يطلب أن يكون له الري وخوار ~~الري، وساوة، وقم، وقاجان، وما ينضم إليها إلى حد مزدغان، وتكون أصفهان، ~~وهمذان، وزنجان، وقزوين، لديوان الخليفة. فأجيب إلى ذلك، وكتب له منشور بما ~~طلب، وأرسلت له الخلع، فعظم شأنه، وقوي أمره، وكثرت عساكره، وتعظم على ~~أصحابه. # ذكر حصر العزيز دمشق ثانية وانهزامه عنها # وفي هذه السنة أيضا رجع الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين من مصر في ~~عساكره إلى دمشق يريد حصرها، فعاد عنها منهزما. # وسبب ذلك أن من عنده من مماليك أبيه - وهم المعروفون بالصلاحية -: فخر ~~الدين جركس، وسرا سنقر، وقراجا، وغيرهم، كانوا منحرفين عن الأفضل علي بن ~~صلاح الدين لأنه كان قد أخرج من عنده منهم مثل: ميمون القصري، وسنقر ~~الكبير، وأيبك، وغيرهم، فكانوا لا يزالون يخوفون العزيز من أخيه، ويقولون: ~~إن الأكراد والمماليك الأسدية من عسكر مصر يريدون أخاك، ونخاف أن يميلوا ~~إليه ويخرجوك من البلاد، والمصلحة أن نأخذ دمشق، فخرج في العام الماضي وعاد ~~- كما ذكرناه - فتجهز هذه السنة ليخرج، فبلغ الخبر إلى الأفضل، فسار من ~~دمشق إلى عمه الملك العادل، فاجتمع به بقلعة جعبر ودعاه إلى نصرته، وسار من ~~عنده إلى ms4333 حلب، إلى أخيه الملك الظاهر غازي، فاستنجد به، وسار الملك العادل ~~من قلعة جعبر إلى دمشق، فسبق الأفضل إليها، ودخلها، وكان الأفضل لثقته به ~~قد أمر نوابه بإدخاله إلى القلعة، ثم عاد الأفضل من حلب إلى دمشق ووصل ~~الملك العزيز إلى قرب دمشق، # PageV10P137 # فأرسل مقدم الأسدية وهو سيف الدين أيازكوش وغيره منهم، ومن الأكراد أبو ~~الهيجاء السمين وغيره، إلى الأفضل والعادل، بالانحياز إليهما والكون معهما ~~ويأمرهما بالاتفاق على العزيز والخروج من دمشق ليسلموه إليهما. # وكان سبب الانحراف عن العزيز وميلهم إلى الأفضل أن العزيز لما ملك مصر ~~مال إلى المماليك الناصرية وقدمهم، ووثق بهم، ولم يلتفت إلى هؤلاء الأمراء، ~~فامتعضوا من ذلك، ومالوا إلى أخيه وأرسلوا إلى الأفضل والعادل فاتفقا على ~~ذلك، واستقرت القاعدة بحضور رسل الأمراء أن الأفضل يملك الديار المصرية، ~~ويسلم دمشق إلى عمه الملك العادل، وخرجا من دمشق فانحاز إليهما من ذكرنا، ~~فلم يمكن العزيز المقام، بل عاد منهزما يطوي المراحل خوف الطلب ولا يصدق ~~بالنجاة، وتساقط أصحابه عنه إلى أن وصل إلى مصر. # وأما العادل والأفضل، فإنهما أرسلا إلى القدس، وفيه نائب العزيز، فسلمه ~~إليهما، وسارا فيمن معهما من الأسدية والأكراد إلى مصر، فرأى العادل انضمام ~~العساكر إلى الأفضل، واجتماعهم عليه، فخاف أنه يأخذ مصر، ولا يسلم إليه ~~دمشق، فأرسل حينئذ سرا إلى العزيز يأمره بالثبات وأن يجعل بمدينة بلبيس من ~~يحفظها، وتكفل بأنه يمنع الأفضل وغيره من مقاتلة من بها، فجعل العزيز ~~الناصرية ومقدمهم فخر الدين جركس بها ومعهم غيرهم، ووصل العادل والأفضل إلى ~~بلبيس، فنازلوا من بها من الناصرية، وأراد الأفضل مناجزتهم، أو تركهم بها ~~والرحيل إلى مصر، فمنعه العادل من الأمرين، وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا ~~اقتتلوا في الحرب فمن يرد العدو الكافر، وما بها حاجة إلى هذا، فإن البلاد ~~لك وبحكمك ومتى قصدت مصر والقاهرة وأخذتهما قهرا زالت هيبة البلاد، وطمع ~~فيها الأعداء، وليس فيها من يمنعك عنها. # وسلك معه أمثال هذا، فطالت الأيام، وأرسل إلى العزيز سرا يأمره بإرسال ~~القاضي الفاضل، ms4334 وكان مطاعا عند البيت الصلاحي لعلو منزلته وكانت عند صلاح ~~الدين، فحضر عندهما، وأجرى ذكر الصلح، وزاد القول ونقص، وانفسخت العزائم، ~~واستقر الأمر على أن يكون للأفضل القدس وجميع البلاد بفلسطين وطبرية ~~والأردن # PageV10P138 # وجميع ما بيده، ويكون للعادل إقطاعه الذي كان قديما، ويكون مقيما بمصر ~~عند العزيز، وإنما اختار ذلك لأن الأسدية والأكراد لا يريدون العزيز، فهم ~~يجتمعون معه، فلا يقدر العزيز منعه عما يريد، فلما استقر الأمر على ذلك، ~~وتعاهدوا عاد الأفضل إلى دمشق وبقي العادل بمصر عند العزيز. # ذكر عدة حوادث # في ذي القعدة، التاسع عشر منه، وقع حريق عظيم ببغداد بعقد المصطنع، ~~فاحترقت المربعة التي بين يديه، ودكان ابن البخيل الهراس، وقيل كان ابتداؤه ~~من دار ابن البخيل. # PageV10P139 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة] ### | 592 - # ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة # ذكر ملك شهاب الدين بهنكر وغيرها من بلد الهند في هذه السنة سار شهاب ~~الدين الغوري - صاحب غزنة - إلى بلد الهند، وحصر قلعة بهنكر، وهي قلعة ~~عظيمة منيعة، فحصرها، فطلب أهلها منه الأمان على أن يسلموا إليه، فأمنهم ~~وتسلمها، وأقام عندها عشرة أيام ورتب جندها وأحوالها وسار عنها إلى قلعة ~~كوالير، وبينهما مسيرة خمسة أيام، وفي الطريق نهر كبير فجازه ووصل إلى ~~كوالير، وهي قلعة منيعة حصينة على جبل عال لا يصل إليها حجر منجنيق، ولا ~~نشاب، وهي كبيرة، فأقام عليها صفرا جميعه يحاصرها، فلم يبلغ منها غرضا، ~~فراسله من بها في الصلح فأجابهم إليه على أن يقر القلعة بأيديهم على مال ~~يحملونه إليه، فحملوا إليه فيلا حمله ذهب، فرحل عنها إلى بلاد آي وسور، ~~فأغار عليها ونهبها، وسبى وأسر ما يعجز العاد عن حصره، ثم عاد إلى غزنة ~~سالما. # ذكر ملك العادل مدينة دمشق من الأفضل # في هذه السنة، في السابع والعشرين من رجب، ملك الملك العادل أبو بكر بن ~~أيوب مدينة دمشق من ابن أخيه الأفضل علي بن صلاح الدين. # وكان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بالعادل، وأنه بلغ من وثوقه به أنه ms4335 ~~أدخله بلده وهو غائب عنه، ولقد أرسل إليه أخوه الظاهر غازي - صاحب حلب - ~~يقول له: أخرج عمنا من بيننا فإنه لا يجيء علينا منه خير، ونحن ندخل لك تحت ~~كل ما تريد، وأنا أعرف به منك، وأقرب إليه، فإنه عمي مثل ما هو عمك، وأنا ~~زوج ابنته، # PageV10P140 # ولو علمت أنه يريد لنا خيرا لكنت أولى به منك. فقال له الأفضل: أنت سييء ~~الظن في كل أحد، أي مصلحة لعمنا في أن يؤذينا؟ ونحن إذا اجتمعت كلمتنا، ~~وسيرنا معه العساكر من عندنا كلنا، ملك من البلاد أكثر من بلادنا، ونربح ~~سوء الذكر. # وهذا كان أبلغ الأسباب، ولا يعلمها كل واحد، وأما غير هذا فقد ذكرنا مسير ~~العادل والأفضل إلى مصر وحصارهم بلبيس، وصلحهم مع الملك العزيز بن صلاح ~~الدين، ومقام العادل معه بمصر، فلما أقام عنده استماله، وقرر معه أنه يخرج ~~معه إلى دمشق ويأخذها من أخيه ويسلمها إليه، فسار معه من مصر إلى دمشق، ~~وحصروها، واستمالوا أميرا من أمراء الأفضل يقال له العز [بن] أبي غالب ~~الحمصي، وكان الأفضل كثير الإحسان إليه، والاعتماد عليه، والوثوق به، فسلم ~~إليه بابا من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقي ليحفظه، فمال إلى العزيز ~~والعادل، ووعدهما أنه يفتح لهما الباب، ويدخل العسكر منه البلد غيلة، ففتحه ~~اليوم السابع والعشرين من رجب، وقت العصر، وأدخل الملك العادل منه ومعه ~~جماعة من أصحابه، فلم يشعر الأفضل إلا وعمه معه في دمشق، وركب الملك ~~العزيز، ووقف بالميدان الأخضر غربي دمشق. # فلما رأى الأفضل أن البلد قد ملك، خرج إلى أخيه، وقت المغرب، واجتمع به، ~~ودخلا كلاهما البلد، واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدين شيركوه، ~~وتحادثوا، فاتفق العادل والعزيز على أن أوهما الأفضل أنهما يبقيان عليه ~~البلد خوفا أنه ربما جمع من عنده من العسكر وسار بهما، ومعه العامة، ~~فأخرجهم من البلد، لأن العادل لم يكن في كثرة، وعاد الأفضل إلى القلعة وبات ~~العادل في دار شيركوه، وخرج العزيز إلى الخيم فبات فيها، وخرج العادل من ~~الغد ms4336 إلى جوسقه فأقام به، وعساكره في البلد في كل يوم يخرج الأفضل إليهما، ~~ويجتمع بهما، فبقوا كذلك أياما، ثم أرسلا إليه وأمراه بمفارقة القلعة ~~وتسليم البلد على قاعدة، أن تعطى قلعة صرخد له، ويسلم جميع أعمال دمشق، ~~فخرج الأفضل، ونزل في جوسق بظاهر البلد، غربي دمشق، وتسلم العزيز القلعة، ~~ودخلها، وأقام بها أياما، فجلس يوما في مجلس شرابه، فلما أخذت منه الخمر ~~وجرى على لسانه أنه يعيد البلد إلى الأفضل، فنقل ذلك إلى العادل في وقته، ~~فحضر المجلس في ساعته، والعزيز سكران، فلم يزل به حتى سلم البلد إليه، وخرج # PageV10P141 # منه، وعاد إلى مصر، وسار الأفضل إلى صرخد. # وكان العادل يذكر أن الأفضل سعى في قتله ; فلهذا أخذ البلد منه، وكان ~~الأفضل ينكر ذلك ويتبرأ منه {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون} [البقرة: 113] # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، هبت ريح شديدة بالعراق، واسودت لها الدنيا، ~~ووقع رمل أحمر، واستعظم الناس ذلك وكبروا، واشتعلت الأضواء بالنهار. # وفيها قتل صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، رئيس ~~الشافعية بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل، شحنة أصفهان بها، وكان قدم ~~بغداد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة واستوطنها، وولي النظر في المدرسة ~~النظامية ببغداد، ولما سار مؤيد الدين بن القصاب إلى خوزستان سار في صحبته، ~~فلما ملك الوزير أصفهان أقام ابن الخجندي بها في بيته وملكه ومنصبه، فجرى ~~بينه وبين سنقر الطويل شحنة أصفهان للخليفة منافرة فقتله سنقر. # وفي رمضان درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك البغدادي الفقيه ~~الشافعي، بالمدرسة النظامية ببغداد. # وفي شوال منها استنيب نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الرازي في الوزارة ~~ببغداد، وكان قد توجه إلى بغداد لما ملك ابن القصاب الري. # وفيها ولي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة ديوان الإنشاء ببغداد، وكان ~~كاتبا # PageV10P142 # مفلقا وله شعر جيد. # [الوفيات] # وفي صفر منها توفي الفخر محمود بن علي القوفاني الفقيه الشافعي بالكوفة ~~عائدا من الحج وكان من أعيان ms4337 أصحابه محمد بن يحيى. # وفي رجب منها توفي أبو الغنائم محمد بن علي بن المعلم الشاعر الهرثي، ~~والهرث: بضم الهاء والثاء المثلثة ; قرية من أعمال واسط، عن إحدى وتسعين ~~سنة. # وفي رابع شعبان منها توفي الوزير مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي ~~القصاب بهمذان، وقد ذكرنا من كفايته ونهضته ما فيه كفاية. # PageV10P143 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة] ### | 593 - # ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة # ذكر إرسال الأمير أبي الهيجاء إلى همذان وما فعله # في هذه السنة، في صفر، وصل إلى بغداد أمير كبير من أمراء مصر واسمه أبو ~~الهيجاء - ويعرف بالسمين - لأنه كان كثير السمن، وكان من أكابر أمراء مصر، ~~وكان في إقطاعه أخيرا البيت المقدس وغيره مما يجاوره، فلما ملك العزيز ~~والعادل مدينة دمشق من الأفضل أخذ القدس منه، ففارق الشام، وعبر الفرات إلى ~~الموصل، ثم انحدر إلى بغداد، لأنه طلب من ديوان الخلافة، فلما وصل إليها ~~أكرم إكراما كثيرا، ثم أمر بالتجهيز والمسير إلى همذان مقدما على العساكر ~~البغدادية، فسار إليها والتقى عندها بالملك أوزبك بن البهلوان وأمير علم ~~وابنه، وابن سطمس، وغيرهم، وهم قد كاتبوا الخليفة بالطاعة، فلما اجتمع بهم ~~وثقوا به ولم يحذروه، فقبض على أوزبك وابن سطمس وابن قرا بموافقة من أمير ~~علم، فلما وصل الخبر بذلك إلى بغداد، أنكرت هذه الحال على أبي الهيجاء، ~~وأمر بالإفراج عن الجماعة وسيرت لهم الخلع من بغداد تطييبا لقلوبهم، فلم ~~يسكنوا بعد هذه الحادثة ولا أمنوا، ففارقوا أبا الهيجاء السمين، فخاف ~~الديوان، فلم يرجع إليه، ولم يمكنه أيضا المقام، فعاد يريد إربل لأنه من ~~بلدها هو، فتوفي قبل وصوله إليها وهو من الأكراد الحكمية من بلد إربل. # ذكر ملك العادل يافا من الفرنج # وملك الفرنج بيروت من المسلمين وحصر الفرنج تبنين ورحيلهم عنها # في هذه السنة، في شوال، ملك العادل أبو بكر بن أيوب مدينة يافا من الساحل # PageV10P144 # الشامي، وهي بيد الفرنج - لعنهم الله -. # وسبب ذلك أن الفرنج كان قد ملكهم الكند هري، على ما ذكرناه ms4338 قبل، وكان ~~الصلح قد استقر بين المسلمين والفرنج أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه ~~الله تعالى -، فلما توفي وملك أولاده بعده - كما ذكرناه - جدد الملك العزيز ~~الهدنة مع الكند هري [ملك الفرنج] وزاد في مدة الهدنة، وبقي ذلك إلى الآن. # وكان بمدينة بيروت أمير يعرف بأسامة، وهو مقطعها، فكان يرسل الشواني تقطع ~~الطريق على الفرنج، فاشتكى الفرنج من ذلك غير مرة إلى الملك العادل بدمشق، ~~وإلى الملك العزيز بمصر، فلم يمنعا أسامة من ذلك، فأرسلوا إلى ملوكهم الذين ~~داخل البحر يشتكون إليهم ما يفعل بهم المسلمون، ويقولون: إن لم تنجدونا، ~~وإلا أخذ المسلمون البلاد، فأمدهم الفرنج بالعساكر الكثيرة، وكان أكثرهم من ~~ملك الألمان، وكان المقدم عليهم قسيس يعرف بالخنصلير، فلما سمع العادل ~~بذلك، أرسل إلى العزيز بمصر يطلب العساكر، وأرسل إلى ديار الجزيرة والموصل ~~يطلب العساكر، فجاءته الأمداد، واجتمعوا على عين الجالوت، فأقاموا شهر ~~رمضان وبعض شوال، ورحلوا إلى يافا، وملكوا المدينة، وامتنع من بها بالقلعة ~~التي لها، فخرب المسلمون المدينة، وحصروا القلعة، فملكوها عنوة وقهرا ~~بالسيف في يومها، وهو يوم الجمعة، وأخذ كل ما بها غنيمة وأسرا وسبيا، ووصل ~~الفرنج من عكا إلى قيسارية، ليمنعوا المسلمين عن يافا، فوصلهم الخبر بها ~~بملكها فعادوا. # وكان سبب تأخرهم أن ملكهم الكند هري سقط من موضع عال بعكا فمات، فاختلت ~~أحوالهم فتأخروا لذلك. # PageV10P145 # وعاد المسلمون إلى عين الجالوت، فوصلهم الخبر بأن الفرنج على عزم قصد ~~بيروت، فرحل العادل والعسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون، وعزم على تخريب ~~بيروت، فسار إليها جمع من العسكر، وهدموا سور المدينة سابع ذي الحجة، ~~وشرعوا تخريب دورها وتخريب القلعة، فمنعهم أسامة من ذلك، وتكفل بحفظها # ورحل الفرنج من عكا إلى صيدا، وعاد عسكر المسلمين من بيروت، فالتقوا ~~الفرنج بنواحي صيدا، وجرى بينهم مناوشة، فقتل بين الفريقين جماعة، وحجز ~~بينهم الليل، وسار الفرنج تاسع ذي الحجة، فوصلوا إلى بيروت، فلما قاربوها، ~~وهرب منها أسامة وجميع من معه من المسلمين، فملكوها صفوا عفوا بغير حرب ولا ~~قتال، ms4339 فكانت غنيمة باردة، فأرسل العادل إلى صيدا من خرب ما كان بقي منها، ~~فإن صلاح الدين كان قد خرب أكثرها، وسارت العساكر الإسلامية إلى صور، ~~فقطعوا أشجارها، وخربوا ما لها من قرى وأبراج، فلقد سمع الفرنج بذلك رحلوا ~~من بيروت إلى صور، وأقاموا عليها. # ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذن للعساكر الشرقية بالعود ظنا منه أن # PageV10P146 # الفرنج يقيمون ببلادهم، وأراد أن يعطي العساكر المصرية دستورا بالعود، ~~فأتاه الخبر منتصف المحرم، أن الفرنج قد نازلوا حصن تبنين، فسير العادل ~~إليه عسكرا يحمونه ويمنعون عنه، ورحل الفرنج من صور، ونازلوا تبنين أول صفر ~~سنة أربع وتسعين [وخمسمائة] ، وقاتلوا من به، وجدوا في القتال، ونقبوه من ~~جهاتهم، فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو ~~بنفسه، ويقول له: إن حضرت، وإلا فلا يمكن حفظ هذا الثغر، فسار العزيز مجدا ~~فيمن بقي معه من العساكر. # وأقام من بحصن تبنين فإنهم لما رأوا النقوب قد خربت تل القلعة، ولم يبق ~~إلا أن يملكوها بالسيف، ونزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على ~~أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة، وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ~~ملك الألمان، فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام: إن ~~سلمتم الحصن أستأسركم هذا وقتلكم، فاحفظوا نفوسكم، فعادوا كأنهم يراجعون من ~~في القلعة ليسلموا، فلما صعدوا إليها أصروا على الامتناع، وقاتلوا قتال من ~~يحمي نفسه، فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول، فلما ~~سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين، وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم، وأن ~~أمرهم إلى امرأة - وهي الملكة - اتفقوا وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري، ~~فأحضروه، وهو أخو الملك الذي أسر بحطين، كما ذكرناه، فزوجوه بالملكة زوجة ~~الكند هري، وكان رجلا عاقلا يحب السلامة والعافية، فلما ملكهم، لم يعد إلى ~~الزحف على الحصن، ولا قاتله. # واتفق وصول العزيز أول شهر ربيع الآخر، ورحل هو والعساكر إلى جبل الخليل ~~الذي يعرف بجبل عاملة، فأقاموا أياما، والأمطار متداركة، فبقي إلى ms4340 ثالث عشر ~~الشهر، ثم سار وقارب الفرنج، وأرسل رماة النشاب، فرموهم ساعة وعادوا، ورتب ~~العساكر ليزحف إلى الفرنج ويجد في قتالهم، فرحلوا إلى صور خامس عشر الشهر ~~المذكور ليلا، ثم رحلوا إلى عكا، فسار المسلمون فنزلوا اللجون، وتراسلوا في ~~الصلح، وتطاول الأمر، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال. # PageV10P147 # وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء، وهم ميمون القصري، وأسامة، وسرا سنقر، ~~والحجاف، وابن المشطوب، وغيرهم، قد عزموا على الفتك به وبفخر الدين جركس ~~مدبر دولته، وضعهم العادل على ذلك، فلما سمع بذلك سار إلى مصر وبقي العادل، ~~وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح، فاصطلحوا على أن تبقى بيروت بيد ~~الفرنج، وكان الصلح في شعبان سنة أربع وتسعين [وخمسمائة] فلما انتظم الصلح ~~وعاد العادل إلى دمشق، وسار منها إلى ماردين من أرض الجزيرة، فكان ما نذكره ~~- إن شاء الله تعالى -. # ذكر وفاة سيف الإسلام وملك ولده # في شوال من هذه السنة توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، أخو صلاح الدين ~~وهو صاحب اليمن، بزبيد، وقد ذكرنا كيف ملك. وكان شديد السيرة، مضيقا على ~~رعيته، يشتري أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء. # وأراد ملك مكة - حرسها الله تعالى - فأرسل الخليفة الناصر لدين الله إلى ~~أخيه صلاح الدين في المعنى، فمنعه من ذلك، وجمع من الأموال ما لا يحصى، حتى ~~أنه من كثرته كان يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره. # ولما توفي ملك بعده ابنه إسماعيل، وكان أهوج، كثير التخليط بحيث إنه ادعى ~~أنه قرشي من بني أمية، وخطب لنفسه بالخلافة، وتلقب بالهادي، فلما سمع عمه ~~الملك العادل ذلك، ساءه وأهمه، وكتب إليه يلومه ويوبخه، ويأمره بالعود إلى ~~نسبه الصحيح، وبترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه، فلم يلتفت إليه ولم يرجع ~~وبقي كذلك، وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع أجناده وأمرائه، فوثبوا عليه ~~فقتلوه، وملكوا عليهم بعده أميرا من مماليك أبيه. # PageV10P148 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي أبو بكر عبد الله بن منصور بن عمران ~~الباقلاني ms4341 المقري الواسطي بها عن ثلاث وتسعين سنة وثلاثة أشهر وأيام، وهو ~~آخر من بقي من أصحاب القلانسي. # وفي جمادى الآخرة توفي قاضي القضاة أبو طالب علي بن علي بن البخاري ~~ببغداد ودفن بتربته في مشهد باب التين. # وفيها، في ربيع الآخر، توفي ملكشاه بن خوارزم شاه تكش بنيسابور، وكان ~~أبوه قد جعله فيها، وأضاف إليه عساكر جميع بلاده التي بخراسان وجعله ولي ~~عهده في الملك، وخلف ولدا اسمه هندوخان، فلما مات، جعل فيها (أبوه خوارزم ~~شاه) بعده ولده الآخر قطب الدين محمدا، وهو الذي ملك بعد أبيه، وكان بين ~~الأخوين عداوة مستحكمة أفضت إلى أن محمدا لما ملك بعد أبيه هرب هندوخان بن ~~ملكشاه منه على ما نذكره. # [وفيها توفي شيخنا أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفراتي الضرير الفقيه ~~الشافعي وكان إماما في الفقه، مدرسا صالحا كثير الصلاح، سمعت عليه كثيرا ~~ولم أر مثله - رحمه الله تعالى. # ولقد شاهدت منه عجبا يدل على دينه وإرادته بعمله وجه الله تعالى، وذلك ~~أني كنت أسمع عليه ببغداد " سنن " عبد الرحمن النسائي، وهو كتاب كبير، ~~والوقت ضيق لأني كنت مع الحجاج قد عدنا من مكة، حرسها الله، فبينما نحن ~~نسمع عليه من أخي الأكبر مجد الدين أبي السعادات، إذ قد أتاه إنسان من ~~أعيان بغداد، وقال له: قد برز الأمر لتحضر لأمر كذا فقال: أنا مشغول بسماع ~~هؤلاء السادة، ووقتهم يفوت، والذي يراد مني لا يفوت، فقال: أنا لا أحسن ~~أذكر هذا في مقابل أمر الخليفة. فقال: لا عليك! قل: قال: أبو القاسم لا ~~أحضر حتى يفرغ السماع، فسألناه ليمشي معه، فلم يفعل ذلك، وقال: اقرأوا، ~~فقرأنا، فلما كان الغد حضر غلام لنا، وذكر أن أمير الحاج الموصلي قد رحل، ~~فعظم الأمر علينا فقال: ولم يعظم عليكم العود إلى # PageV10P149 # أهلكم وبلدكم؟ فقلنا: لأجل فراغ هذا الكتاب. فقال: إذا رحلتم أستعير دابة ~~وأركبها، فأسير معكم وأنتم تقرأون، فإذا فرغتم عدت. فمضى الغلام ليتزود، ~~ونحن نقرأ، فعاد وذكر أن الحجاج لم يرحلوا، ففرغنا ms4342 من الكتاب، فانظر إلى ~~هذا الدين المتين يرد أمر الخليفة وهو يخافه ويرجوه، ويريد [أن] يسير معنا ~~ونحن غرباء لا يخافنا ولا يرجونا. # PageV10P150 ### | [ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة] ### | 594 - # ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة # ذكر وفاة عماد الدين وملك ولده قطب الدين محمد في هذه السنة، في المحرم، ~~توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر - صاحب سنجار ونصيبين ~~والخابور والرقة - وتقدم ذكره كيف ملكها سنة تسع وسبعين [وخمسمائة] ، وملك ~~بعده ابنه قطب الدين محمد، وتولى تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش مملوك ~~أبيه، وكان دينا خيرا عادلا، حسن السيرة في رعيته، عفيفا عن أموالهم ~~وأملاكهم، متواضعا يحب أهل العلم والدين ويحترمهم ويجلس معهم ويرجع إلى ~~أقوالهم، وكان رحمه الله شديد التعصب على مذهب الحنفية، كثير الذم ~~للشافعية، فمن تعصبه أنه بنى مدرسة للحنفية بسنجار، وشرط أن يكون النظر ~~للحنفية من أولاده دون الشافعية، وشرط أن يكون البواب والفراش على مذهب أبي ~~حنيفة، وشرط للفقهاء طبيخا طبخ لهم كل يوم، وهذا نظر حسن - رحمه الله. # ذكر ملك نور الدين نصيبين # في هذه السنة، في جمادى الأولى، سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن ~~مودود صاحب الموصل إلى مدينة نصيبين، فملكها وأخذها من ابن عمه قطب الدين ~~محمد. # وسبب ذلك أن عمه عماد الدين كان له نصيبين، فتطاول نوابه بها، واستولوا ~~على عدة قرى من أعمال بين النهرين من ولاية الموصل، وهي تجاور نصيبين، فبلغ ~~الخبر مجاهد الدين قايماز القائم بتدبير مملكة نور الدين بالموصل وأعمالها ~~والمرجوع إليه فيها، فلم يعلم مخدومه نور الدين بذلك، لما علم من قلة صبره ~~على احتمال مثل # PageV10P151 # هذا، وخاف أن يجري خلف بينهم، فأرسل من عنده رسولا إلى عماد الدين في ~~المعنى، وقبح هذا الفعل الذي فعله النواب بغير أمره، وقال: إنني ما أعلمت ~~نور الدين بالحال لئلا يخرج عن يدك، فإنه ليس كوالده، وأخاف [أن] يبدو منه ~~ما يخرج الأمر فيه عن يدي، فأعاد الجواب: إنهم لم يفعلوا إلا ما ms4343 أمرتهم به، ~~وهذه القرى من أعمال نصيبين. # فترددت الرسل بينهما، فلم يرجع عماد الدين عن أخذها، فحينئذ أعلم مجاهد ~~الدين نور الدين بالحال، فأرسل نور الدين رسولا من مشايخ دولته ممن خدم ~~جدهم الشهيد زنكي ومن بعده، وحمله رسالة فيها بعض الخشونة، فمضى الرسول ~~فلحق عماد الدين وقد مرض، فلما سمع الرسالة لم يلتفت، وقال: لا أعيد ملكي، ~~فأشار الرسول من عنده، حيث هو من مشايخ دولتهم، بترك اللجاج، وتسليم ما ~~أخذه، وحذره عاقبة ذلك، فأغلظ عليه عماد الدين القول، وعرض بذم نور الدين ~~واحتقاره، فعاد الرسول وحكى لنور الدين جلية الحال، فغضب لذلك، وعزم على ~~المسير إلى نصيبين وأخذها من عمه. # فاتفق أن عمه مات، وملك بعده ابنه، فقوي طمعه، فمنعه مجاهد الدين، فلم ~~يمتنع، وتجهز وسار إليها، فلما سمع قطب الدين صاحبها سار إليها من سنجار في ~~عسكره، ونزل عليها ليمنع نور الدين عنها، فوصل نور الدين، وتقدم إلى البلد ~~وكان بينهما نهر، فجازه بعض أمرائه، وقاتل من بإزائه، فلم يثبتوا له، فعبر ~~جميع العسكر النوري، وتمت الهزيمة على قطب الدين، فصعد هو ونائبه مجاهد ~~الدين يرنقش إلى قلعة نصيبين. وأدركهم الليل، فخرجوا منها هاربين إلى حران، ~~وراسلوا الملك العادل أبا بكر بن أيوب صاحب حران وغيرها وهو بدمشق، وبذلوا ~~له الأموال الكثيرة لينجدهم ويعيد نصيبين إليهم. # وأقام نور الدين بنصيبين مالكا لها، فتضعضع عسكره بكثرة الأمراض، وعودهم ~~إلى الموصل، ومات كثير منهم، ووصل العادل إلى الديار الجزرية، فحينئذ فارق ~~نور الدين نصيبين وعاد إلى الموصل في شهر رمضان، فلما فارقها تسلمها قطب ~~الدين. # وممن توفي من أمراء الموصل: عز الدين جورديك، وشمس الدين عبد الله بن ~~إبراهيم، وفخر الدين عبد الله بن عيسى المهرانيان، ومجاهد الدين قايماز، ~~وظهير الدين يولق ابن بلنكري، وجمال الدين محاسن، وغيرهم. ولما عاد نور ~~الدين إلى # PageV10P152 # الموصل قصد العادل قلعة ماردين فحصرها، وضيق على أهلها - على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى. # ذكر ملك الغورية مدينة بلخ من الخطا الكفرة # في هذه ms4344 السنة ملك بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود، وهو ابن أخت غياث ~~الدين [وشهاب الدين] صاحبي غزنة وغيرها وله باميان، مدينة بلخ، وكان صاحبها ~~تركيا اسمه أزيه، وكان يحمل الخراج كل سنة إلى الخطا، بما وراء النهر، ~~فتوفي هذه السنة، فسار بهاء الدين سام إلى المدينة، فملكها، وتمكن فيها، ~~وقطع الحمل إلى الخطا، وخطب لغياث الدين، وصارت من جملة بلاد الإسلام بعد ~~أن كانت في طاعة الكافر. # ذكر انهزام الخطا من الغورية # وفي هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون إلى ناحية خراسان، فعاثوا في البلاد ~~وأفسدوا، فلقيهم عسكر غياث الدين الغوري وقاتلهم فانهزم الخطا. # وكان سبب ذلك أن خوارزم شاه تكش كان قد سار إلى بلد الري وهمذان وأصفهان ~~وما بينهما من البلاد وملكها، وتعرض إلى عساكر الخليفة، وأظهر طلب السلطنة ~~والخطبة ببغداد، فأرسل الخليفة إلى غياث الدين ملك الغور وغزنة [يأمره] ~~بقصد بلاد خوارزم شاه [ليعود عن قصد العراق، وكان خوارزم شاه] قد عاد إلى ~~خوارزم، فراسله غياث الدين يقبح له فعله، ويتهدده بقصد بلاده وأخذها، فأرسل ~~خوارزم شاه إلى الخطا يشكو إليهم من غياث الدين، ويقول: إن لم تدركوه ~~بإنفاذ العساكر، وإلا أخذ غياث الدين بلاده. كما أخذ مدينة بلخ، وقصد بعد ~~ذلك بلادهم، ويتعذر عليهم منعه، ويعجزون عنه، ويضعفون عن رده عما وراء ~~النهر، فجهز ملك الخطا جيشا كثيفا، وجعل مقدمهم المعروف بطاينكوا، وهو ~~كالوزير له، فساروا وعبروا جيحون في جمادى الآخرة، وكان الزمان شتاء، وكان ~~شهاب الدين الغوري أخو غياث الدين ببلاد الهند، والعساكر معه، وغياث الدين ~~به من النقرس ما يمنعه من الحركة، إنما يحمل في محفة، والذي يقود الجيش ~~ويباشر الحروب أخوه شهاب # PageV10P153 # الدين، فلما وصل الخطا إلى جيحون، وسار خوارزم شاه إلى طوس، عازما على ~~قصد هراة ومحاصرتها، وعبر الخطا النهر، ووصلوا إلى بلاد الغور مثل: كرزبان ~~وسرقان وغيرهما، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا كثيرا لا يحصى، فاستغاث الناس ~~بغياث الدين، فلم يكن عنده من العساكر ما يلقاهم بها، فراسل الخطا بهاء ~~الدين ms4345 سام ملك باميان يأمرونه بالإفراج عن بلخ، أو أنه يحمل ما كان من قبله ~~يحمله من المال، فلم يجبهم إلى ذلك. # وعظمت المصيبة على المسلمين بما فعله الخطا، فانتدب الأمير محمد بن جربك ~~الغوري، وهو مقطع الطالقان من قبل غياث الدين، وكان شجاعا، وكاتب الحسين بن ~~خرميل، وكان بقلعة كرزبان. واجتمع معهما الأمير حروش الغوري، وساروا ~~بعساكرهم إلى الخطا، فبيتوهم، وكبسوهم ليلا، ومن عادة الخطا أنهم لا يخرجون ~~من خيامهم ليلا، ولا يفارقونها، فأتاهم هؤلاء الغورية وقاتلوهم، وأكثروا ~~القتل في الخطا، وانهزم من سلم منهم من القتل، وأين ينهزمون والعسكر الغوري ~~خلفهم، وجيحون بين أيديهم! وظن الخطا أن غياث الدين قد قصدهم في عساكره، ~~فلما أصبحوا وعرفوا من قاتلهم وعلموا أن غياث الدين بمكانه، قويت قلوبهم، ~~وثبتوا [واقتتلوا] عامة نهارهم، فقتل من الفريقين خلق عظيم، ولحقت المتطوعة ~~بالغوريين، وأتاهم مدد من غياث الدين وهم في الحرب، فثبت المسلمون، وعظمت ~~نكايتهم في الكفار. # وحمل الأمير حروش على قلب الخطا، وكان شيخا كبيرا، فأصابه جراحة توفي ~~منها، ثم إن محمود بن جربك وابن خرميل حملا في أصحابهما، وتنادوا: لا يرم ~~أحد بقوس، ولا يطعن برمح، وأخذوا اللتوت، وحملوا على الخطا فهزموهم ~~وألحقوهم بجيحون، فمن صبر قتل، ومن ألقى نفسه في الماء غرق. # ووصل الخبر إلى ملك الخطا، فعظم عليه، وأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أنت ~~قتلت رجالي، وأريد عن كل قتيل عشرة آلاف دينار، وكان القتلى اثني عشر ألفا، # PageV10P154 # وأنفذ إليه من رده إلى خوارزم، وألزموه بالحضور عنده، فأرسل حينئذ خوارزم ~~شاه إلى غياث الدين يعرفه حاله مع الخطا، ويشكو إليه ويستعطفه غير مرة، ~~فأعاد الجواب يأمره بطاعة الخليفة، وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام، ~~فلم ينفصل بينهما حال. # ذكر ملك خوارزم شاه مدينة بخارى # لما ورد رسول ملك الخطا على خوارزم شاه بما ذكرناه، أعاد الجواب: إن ~~عسكرك إنما قصد انتزاع بلخ، ولم يأتوا إلى نصرتي، ولا اجتمعت بهم، ولا ~~أمرتهم بالعبور، وإن كنت فعلت ذلك، فأنا مقيم بالمال ms4346 المطلوب مني، ولكن حيث ~~عجزتم أنتم عن الغورية عدتم علي بهذا القول وهذا المطلب، وأما أنا فقد ~~أصلحت الغورية، ودخلت في طاعتهم، ولا طاعة لكم عندي. # فعاد الرسول بالجواب، فجهز ملك الخطا جيشا عظيما وسيره إلى خوارزم ~~فحصروها، فكان خوارزم شاه يخرج إليهم كل ليلة، ويقتل منهم خلقا، وأتاه من ~~المتطوعة خلق كثير، فلم يزل هذا فعله بهم حتى أتى على أكثرهم، فدخل الباقون ~~إلى بلادهم، ورحل خوارزم شاه في آثارهم، وقصد بخارى فنازلها وحصرها، وامتنع ~~أهلها منه، وقاتلوه مع الخطا، حتى أنهم أخذوا كلبا أعورا وألبسوه قباء ~~وقلنسوة، وقالوا: هذا خوارزم شاه، لأنه كان أعور، وطافوا به على السور، ثم ~~ألقوه في منجنيق [إلى] العسكر، وقالوا: هذا سلطانكم. وكان الخوارزميون ~~يسبونهم ويقولون: يا أجناد الكفار، أنتم قد ارتددتم عن الإسلام، فلم يزل ~~هذا دأبهم حتى ملك خوارزم شاه البلد، بعد أيام يسيرة، عنوة وعفا عن أهله، ~~وأحسن إليهم، وفرق فيهم مالا كثيرا، وأقام به مدة وعاد إلى خوارزم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة، كاتب # PageV10P155 # الإنشاء بديوان الخليفة، وكان عالما فاضلا، له كتابة حسنة، وكان رجلا ~~عاقلا خيرا، كثير النفع للناس، وله شعر جيد. # وفيها حصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب قلعة ماردين في شهر رمضان، وقاتل ~~من بها، وكان صاحبها حسام الدين (يولق) أرسلان بن إيلغازي بن ألبي بن ~~تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، كل هؤلاء ملوك ماردين، وقد تقدم من أخبارهم ما ~~يعلم به محلهم، وكان صبيا، والحاكم في بلده ودولته مملوك أبيه العادل ~~النظام يرنقش، وليس لصاحبه معه حكم البتة في شيء من الأمور، ولما حصر ~~العادل ماردين ودام عليها سلم إليه بعض أهلها الربض بمخامرة بينهم، فنهب ~~العسكر أهله نهبا قبيحا، وفعلوا بهم أفعالا عظيمة لم يسمع بمثلها، فلما ~~تسلم الربض تمكن من حصر القلعة، وقطع الميرة عنها، وبقي عليها إلى أن رحل ~~عنها سنة خمس وتسعين [وخمسمائة] على ما نذكره - إن شاء ms4347 الله -. # [الوفيات] # وفيها توفي الشيخ أبو علي الحسن بن مسلم بن أبي الحسن القادسي الزاهد، ~~المقيم ببغداد، والقادسية التي ينسب إليها قرية بنهر عيسى من أعمال بغداد، ~~وكان من عباد الله الصالحين العاملين، ودفن بقريته. # وأبو المجد علي بن أبي الحسن علي بن الناصر بن محمد الفقيه الحنفي مدرس ~~أصحاب أبي حنيفة ببغداد، وكان من أولاد محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # PageV10P156 ### | [ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة] ### | 595 - # ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة # ذكر وفاة الملك العزيز وملك أخيه الأفضل ديار مصر # في هذه السنة، في العشرين من المحرم، توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب، صاحب ديار مصر، وكان سبب موته أنه خرج إلى الصيد، فوصل ~~إلى الفيوم متصيدا. فرأى ذئبا، فركض فرسه في طلبه، فعثر الفرس فسقط عنه في ~~الأرض ولحقته حمى، فعاد إلى القاهرة مريضا، فبقي كذلك إلى أن توفي، فلما ~~مات كان الغالب على أمره مملوك والده فخر الدين جهاركس، وهو الحاكم في ~~بلده، فأحضر إنسانا كان عندهم من أصحاب الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ~~وأراه العزيز ميتا. وسيره إلى العادل وهو يحاصر ماردين - كما ذكرناه - ~~ويستدعيه ليملكه البلاد، فسار القاصد مجدا، فلما كان بالشام رأى بعض أصحاب ~~الأفضل علي بن صلاح الدين، فقال له: قل لصاحبك إن أخاه العزيز توفي، وليس ~~في البلاد من يمنعها، فليسر إليها فليس دونها مانع. # وكان الأفضل محبوبا إلى الناس يريدونه، فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول، ~~وإذا قد وصله رسل الأمراء من مصر يدعونه إليهم ليملكوه، وكان السبب في ذلك ~~أن الأمير سيف الدين يازكج - مقدم الأسدية، والفرقة الأسدية والأمراء ~~الأكراد يريدونه ويميلون إليه، وكان المماليك الناصرية الذين هم ملك أبيه ~~يكرهونه، فاجتمع # PageV10P157 # سيف الدين، - مقدم الأسدية -، وفخر الدين جهاركس - مقدم الناصرية - ~~ليتفقوا على من يولونه الملك، فقال فخر الدين: نولي ابن الملك العزيز، فقال ~~سيف الدين: إنه طفل، وهذه البلاد ثغر الإسلام، ولا بد من ms4348 قيم بالملك يجمع ~~العساكر، ويقاتل بها، والرأي أننا نجعل الملك في هذا الطفل الصغير، ونجعل ~~معه بعض أولاد صلاح الدين يدبره إلى أن يكبر، فإن العساكر لا تطيع غيرهم، ~~ولا تنقاد لأمير، فاتفقا على هذا، فقال جهاركس: فمن يتولى هذا؟ فأشار يازكج ~~بغير الأفضل ممن بينه وبين جهاركس منازعة لئلا يتهم وينفر جهاركس عنه، ~~فامتنع من ولايته، فلم يزل يذكر من أولاد صلاح الدين واحدا بعد آخر إلى أن ~~ذكر آخرهم الأفضل، فقال جهاركس: هو بعيد عنا، وكان بصرخد مقيما فيها من حين ~~أخذت منه دمشق، فقال يازكج: نرسل إليه من يطلبه مجدا، فأخذ جهاركس يغالطه، ~~فقال يازكج: نمضي إلى القاضي الفاضل ونأخذ رأيه، فاتفقا على ذلك، (وأرسل ~~يازكج يعرفه ذلك، ويشير بتمليك الأفضل) ، فلما اجتمعا عنده، وعرفاه صورة ~~الحال، أشار بالأفضل، فأرسل يازكج في الحال القصاد وراءه، فسار عن صرخد ~~لليلتين بقيتا من صفر، متنكرا في تسعة عشر نفسا، لأن البلاد كانت للعادل، ~~ويضبط نوابه الطرق، لئلا يجوز إلى مصر ليجيء العادل ويملكها. # فلما قارب الأفضل القدس، وقد عدل عن الطريق المؤدي إليه، لقيه فارسان قد ~~أرسلا إليه من القدس، فأخبراه أن من بالقدس قد صار في طاعته، وجد في السير، ~~فوصل إلى بلبيس خامس ربيع الأول، ولقيه إخوته، وجماعة الأمراء المصرية، ~~وجميع الأعيان، فاتفق أن أخاه الملك المؤيد مسعودا صنع له طعاما، وصنع له ~~فخر الدين مملوك أبيه طعاما، فابتدأ بطعام أخيه ليمين حلفها أخوه أنه يبدأ ~~به، فظن جهاركس أنه فعل هذا انحرافا عنه وسوء اعتقاد فيه، فتغيرت نيته، ~~وعزم على الهرب، فحضر عند الأفضل وقال: إن طائفة من العرب قد اقتتلوا، ولئن ~~لم تمض إليهم تصلح بينهم يؤد ذلك إلى فساد، فأذن له الأفضل في المضي إليهم، ~~ففارقه، وسار مجدا حتى وصل # PageV10P158 # إلى البيت المقدس، ودخله، وتغلب عليه، ولحقه جماعة من الناصرية منهم ~~قراجة الزره كش، وسرا سنقر، وأحضروا عندهم ميمونا القصري صاحب نابلس، وهو ~~أيضا من المماليك الناصرية، فقويت شوكتهم به، واجتمعت كلمتهم على خلاف ms4349 ~~الأفضل، وأرسلوا إلى الملك العادل وهو على ماردين يطلبونه إليهم ليدخلوا ~~معه إلى مصر ليملكوها، فلم يسر إليهم لأنه كانت أطماعه قد قويت في أخذ ~~ماردين، وقد عجز من بها عن حفظها،، فظن أنه يأخذها، والذي يريدونه منه لا ~~يفوته. # وأما الأفضل فإنه دخل إلى القاهرة سابع ربيع الأول، وسمع بهرب جهاركس، ~~فأهمه ذلك، وترددت الرسل بينه وبينهم ليعودوا إليه، فلم يزدادوا إلا بعدا، ~~ولحق بهم جماعة من الناصرية أيضا، فاستوحش الأفضل من الباقين، فقبض عليهم، ~~وهم شقيرة وأيبك فطيس، وألبكي الفارس، وكل هؤلاء بطل مشهور ومقدم مذكور، ~~سوى من ليس مثلهم في التقدم وعلو القدر، وأقام الأفضل بالقاهرة وأصلح ~~الأمور، وقرر القواعد، والمرجع في جميع الأمور إلى سيف الدين يازكج. # ذكر حصر الأفضل لمدينة دمشق وعوده عنها # لما ملك الأفضل مصر، واستقر بها، ومعه ابن أخيه الملك العزيز، استعظم اسم ~~الملك له لصغره، واجتمعت الكلمة على استحقاق الأفضل بها، وصل إليه رسول ~~أخيه الملك الظاهر غازي، صاحب حلب، ورسل ابن عمه أسد الدين شيركوه بن محمد ~~بن شيركوه، صاحب حمص، يحثانه على الخروج إلى دمشق، واغتنام الفرصة بغيبة ~~العادل عنها، وبذلا له المساعدة بالمال والنفس والرجال، فبرز من مصر، منتصف ~~جمادى الأولى من السنة، على عزم المسير إلى دمشق، وأقام بظاهر القاهرة إلى ~~ثالث رجب، ورحل فيه وتعوق في مسيره، ولو بادر وعجل المسير لملك دمشق، لكنه ~~تأخر، فوصل إلى دمشق ثالث عشر شعبان، فنزل عند جسر الخشب على فرسخ ونصف من ~~دمشق، وكان العادل قد أرسل إليه نوابه بدمشق يعرفونه قصد الأفضل لهم، ففارق ~~ماردين وخلف ولده الملك الكامل محمدا في جميع العساكر على حصارها، وسار ~~جريدة فجد في السير، فسبق الأفضل، فدخل دمشق قبل الأفضل بيومين. # PageV10P159 # وأما الأفضل فإنه تقدم إلى دمشق من الغد، وهو رابع عشر شعبان، ودخل ذلك ~~اليوم بعينه طائفة يسيرة من عسكره إلى عسقلان إلى دمشق من باب السلامة، ~~وسبب دخولهم أن قوما من أجناده ممن بيوتهم مجاورة للباب، اجتمعوا بالأمير ~~مجد الدين ms4350 أخي الفقيه عيسى الهكاري، وتحدثوا معه في أن يقصد هو والعسكر باب ~~السلامة ليفتحوه لهم، فأراد مجد الدين أن يختص، بفتح الباب وحده، فلم يعلم ~~الأفضل، ولا أخذ معه أحدا من الأمراء، بل سار وحده بمفرده، ومعه نحو خمسين ~~فارسا من أصحابه، ففتح له الباب، فدخله هو ومن معه، فلما رآهم عامة البلد، ~~ونادوا بشعار الأفضل، واستسلم من به من الجند، ونزلوا عن الأسوار، وبلغ ~~الخبر إلى الملك العادل، فكاد يستسلم، وتماسك. # وأما الذين دخلوا البلد فإنهم وصلوا إلى باب البريد، فلقد رأى عسكر ~~العادل بدمشق قلة عددهم، وانقطاع مددهم، وثبوا بهم وأخرجوهم منه، وكان ~~الأفضل قد نصب خيمه بالميدان الأخضر، وقارب عسكره الباب الحديد - وهو من ~~أبواب القلعة - فقدر الله - تعالى - أن أشير على الأفضل بالانتقال إلى ~~ميدان الحصى، ففعل ذلك، فقويت نفوس من فيه، وضعفت نفوس العسكر المصري، ثم ~~إن الأمراء الأكراد منهم تحالفوا، فصاروا يدا واحدة يغضبون لغضب أحدهم، ~~ويرضون لرضى أحدهم، فظن الأفضل وباقي الأسدية أنهم فعلوا بقاعدة بينهم وبين ~~الدمشقيين، فرحلوا من موضعهم، وتأخروا في العشرين من شعبان، ووصل أسد الدين ~~شيركوه صاحب حمص إلى الأفضل في الخامس والعشرين من شعبان ووصل بعده الملك ~~الظاهر صاحب حلب، ثاني عشر شهر رمضان، وأرادوا الزحف إلى دمشق، فمنعهم ~~الملك الظاهر مكرا بأخيه وحسدا له، ولم يشعر أخوه الأفضل بذلك. # وأما الملك العادل فإنه لما رأى كثرة العساكر وتتابع الأمداد إلى الأفضل ~~عظم عليه، فأرسل إلى المماليك الناصرية بالبيت المقدس يستدعيهم إليه، ~~فساروا سلخ شعبان، فوصل خبرهم إلى الأفضل، فسير أسد الدين - صاحب حمص - ~~ومعه جماعة من الأمراء إلى طريقهم ليمنعوهم، فسلكوا غير طريقهم، فجاء أولئك ~~ودخلوا دمشق خامس رمضان، فقوي العادل بهم قوة عظيمة، وأيس الأفضل ومن معه ~~من دمشق، # PageV10P160 # وخرج عسكر دمشق في شوال، فكبسوا العسكر المصري، فوجدوهم قد حذروهم، ~~فعادوا عنهم خاسرين. # وأقام العسكر على دمشق ما بين قوة وضعف، وانتصار وتخاذل، حتى أرسل الملك ~~العادل خلف ولده الملك الكامل محمد، وكان قد رحل عن ms4351 ماردين - على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى - وهو بحران، فاستدعاه إليه بعسكره، فسار على طريق البر، ~~فدخل إلى دمشق ثاني عشر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة، فعند ذلك رحل العسكر ~~عن دمشق إلى ذيل جبل الكسوة سابع عشر صفر، واستقر أن يقيموا بحوران حتى ~~يخرج الشتاء، فرحلوا إلى رأس الماء، وهو موضع شديد البرد، فتغير العزم عن ~~المقام، واتفقوا على أن يعود كل منهم إلى بلده، فعاد الظاهر صاحب حلب، وأسد ~~الدين صاحب حمص، إلى بلادهما، وعاد الأفضل إلى مصر، فكان ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر وفاة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه محمد # في هذه [السنة] ، ثامن عشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الأولى توفي أبو يوسف ~~يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينة سلا، ~~وكان قد سار إليها من مراكش، وكان قد بنى مدينة محاذية لسلا وسماها ~~المهدية، من أحسن البلاد وأنزهها، فسار إليها يشاهدها، فتوفي بها، وكانت ~~ولايته خمس عشرة سنة، وكان ذا جهاد للعدو، ودين، وحسن سيرة، وكان يتظاهر ~~بمذهب الظاهرية، وأعرض عن مذهب مالك، فعظم أمر الظاهرية في أيامه، وكان # PageV10P161 # بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الجرمية، ومنسوبون إلى محمد بن جرم، رئيس ~~الظاهرية، إلا أنهم مغمورون بالمالكية. ففي أيامه ظهروا وانتشروا، ثم في ~~آخر أيامه استقضى الشافعية على بعض البلاد ومال إليهم. # ولما مات قام ابنه أبو عبد الله محمد بالملك بعده، وكان أبوه قد ولاه ~~عهده في حياته، فاستقام الملك وأطاعه الناس، وجهز جمعا من العرب وسيرهم إلى ~~الأندلس احتياطا من الفرنج. # ذكر عصيان أهل المهدية على يعقوب وطاعتها لولده محمد # كان أبو يوسف يعقوب، صاحب المغرب، لما عاد من إفريقية، كما ذكرناه سنة ~~إحدى وثمانين وخمسمائة، واستعمل أبا سعيد عثمان، وأبا علي يونس بن عمر ~~اينتي، وهما وأبوهما من أعيان الدولة، فولى عثمان مدينة تونس، وولى أخاه ~~المهدية، وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو شجاع مشهور، ~~فعظمت نكايته في العرب، ms4352 فلم يبق منهم إلا من يخافه. # فاتفق أنه أتاه الخبر بأن طائفة من عوف نازلون بمكان، فخرج إليهم، وعدل ~~عنهم حتى جازهم، ثم أقبل عائدا يطلبهم، وأتاهم الخبر بخروجه إليهم، فهربوا ~~من بين يديه، فلقوه أمامهم، فهربوا وتركوا المال والعيال من غير قتال، فأخذ ~~الجميع ورجع إلى المهدية وسلم العيال إلى الوالي، وأخذ من الأسلاب والغنيمة ~~ما شاء، وسلم الباقي إلى الوالي وإلى الجند. # ثم إن العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن عمر اينتي، فوحدوا، وصاروا من ~~حزب الموحدين، واستجاروا به في رد عيالهم وأموالهم، فأحضر محمد بن عبد ~~الكريم، وأمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم، فقال: أخذه الجند ولا أقدر على ~~رده، فأغلظ له في القول، وأراد أن يبطش به، فاستمهله إلى أن يرجع إلى ~~المهدية ويسترد من الجند ما يجده عندهم، وما عدم منه غرم العوض عنه من ~~ماله، فأمهله، فعاد إلى # PageV10P162 # المهدية وهو خائف، فلما وصلها جمع أصحابه وأعلمهم ما كان من أبي سعيد، ~~وحالفهم على موافقته، فحلفوا له، فقبض على أبي علي يونس، وتغلب على المهدية ~~وملكها، فأرسل إليه أبو سعيد في معنى إطلاق أخيه يونس، فأطلقه على اثني عشر ~~ألف دينار، فلما أرسلها إليه أبو سعيد فرقها في الجند وأطلق يونس. وجمع أبو ~~سعيد العساكر، وأراد قصده ومحاصرته، فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن ~~إسحاق الملثم، فحالفه واعتضد به، فامتنع أبو سعيد من قصده. # ومات يعقوب، وولي ابنه محمد، فسير عسكرا مع عمه في البحر، وعسكرا آخر في ~~البر مع ابن عمه الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن، فلما وصل عسكر البحر إلى ~~بجاية، وعسكر البر إلى قسنطينة الهوى، وهرب الملثم ومن معه من العرب من ~~بلاد إفريقية إلى الصحراء، ووصل الأسطول إلى المهدية، فشكا محمد بن عبد ~~الكريم ما لقي من أبي سعيد، وقال: أنا على طاعة أمير المؤمنين محمد، ولا ~~أسلمها إلى أبي سعيد، وإنما أسلمها إلى من يصل من أمير المؤمنين، فأرسل ~~محمد من يتسلمها منه ms4353 وعاد إلى الطاعة. # ذكر رحيل عسكر الملك العادل عن ماردين # في هذه السنة زال الحصار عن ماردين، ورحل عسكر الملك العادل عنها مع ولده ~~الملك الكامل، وسبب ذلك أن الملك العادل لما حصر ماردين عظم ذلك على نور ~~الدين صاحب الموصل، وغيره من ملوك ديار بكر والجزيرة، وخافوا إن ملكها أن ~~لا يبقي عليهم، إلا أن العجز عن منعه [حملهم] على طاعته، فلما توفي العزيز، ~~صاحب مصر، وملك الأفضل مصر - كما ذكرناه - وبينه وبين العادل اختلاف، وأرسل ~~أحد عسكر مصر من عنده، وأرسل إلى نور الدين، صاحب الموصل وغيره من الملوك ~~يدعوهم إلى موافقته، فأجابوه إلى ذلك، فلما رحل الملك العادل عن ماردين إلى ~~دمشق - كما ذكرناه - برز نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب ~~الموصل، عنها ثاني شعبان، وسار إلى دنيسر فنزل عليها، ووافقه ابن عمه قطب ~~الدين محمد بن زنكي بن مودود صاحب سنجار، وابن عمه الآخر معز الدين سنجر ~~شاه بن # PageV10P163 # غازي بن مودود صاحب جزيرة ابن عمر، فاجتمعوا كلهم بدنيسر إلى أن عيدوا ~~عيد الفطر، ثم ساروا عنها سادس شوال ونزلوا بحرزم، وتقدم العسكر إلى تحت ~~الجبل ليرتادوا موضعا للنزول. # وكان أهل ماردين قد عدمت الأقوات عندهم، وكثرت الأمراض فيهم، حتى إن ~~كثيرا منهم كان لا يطيق القيام، فلما رأى النظام، وهو الحاكم في دولة ~~صاحبها، ذلك أرسل إلى ابن العادل في تسليم القلعة إليه إلى أجل معلوم ذكره ~~على شرط أن يتركهم يدخل إليهم من الميرة ما يقوتهم، حسب، فأجابهم إلى ذلك، ~~وتحالفوا عليه ورفعوا أعلامهم إلى رأس القلعة، وجعل ولد العادل بباب القلعة ~~أميرا لا يترك شيئا يدخلها من الأطعمة إلا ما يكفيهم يوما بيوم، فأعطى من ~~بالقلعة ذلك الأمير شيئا، فمكنهم من إدخال الذخائر الكثيرة. # فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين صاحب الموصل، فقويت نفوسهم، ~~وعزموا على الامتناع، فلما تقدم عسكره إلى ذيل جبل ماردين، قدر الله - ~~تعالى - أن الملك الكامل بن العادل نزل بعسكر من ربض ماردين ms4354 إلى لقاء نور ~~الدين وقتاله، ولو أقاموا بالربض لم يمكن نور الدين ولا غيره الصعود إليهم، ~~ولا إزالتهم، لكن نزلوا ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فلما أصحروا من الجبل ~~اقتتلوا، وكان من عجيب الاتفاق أن قطب الدين - صاحب سنجار - قد واعد العسكر ~~العادلي أن ينهزم إذا التقوا، ولم يعلم بذلك أحدا من العسكر، فقدر الله - ~~تعالى - أنه لما نزل العسكر العادلي واصطفت العساكر للقتال ألجأت قطب الدين ~~الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح شعب جبل ماردين ليس إليه طريق للعسكر ~~العادلي، ولا يرى الحرب الواقعة بينهم وبين نور الدين، ففاته ما أراده من ~~الانهزام، فلما التقى العسكران واقتتلوا، وحمل ذلك اليوم نور الدين بنفسه، ~~واصطلى الحرب، [فألقى] الناس أنفسهم بين يديه، فانهزم العسكر العادلي ~~وصعدوا في الجبل إلى الربض، وأسر منهم كثير، فحملوا إلى بين يدي نور الدين، ~~فأحسن إليهم، ووعدهم الإطلاق إذا انفصلوا، ولم يظن أن الملك الكامل ومن معه ~~يرحلون عن ماردين سريعا، فجاءهم أمر لم يكن في الحساب، فإن الملك الكامل ~~لما صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلهم بالربض من ~~العسكر، فقاتلوهم ونالوا منهم ونهبوهم، فألقى الله الرعب في قلوب # PageV10P164 # الجميع، فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا، فرحلوا ليلة الاثنين سابع ~~شوال، وتركوا كثيرا من أثقالهم ورحالهم وما أعدوه، فأخذه أهل القلعة، ولو ~~ثبت العسكر العادلي بمكانه لم يمكن أحدا أن يقرب منهم. # ولما رحلوا نزل صاحب ماردين حسام الدين يولق بن إيلغازي إلى نور الدين، ~~ثم عاد إلى حصنه، وعاد أتابك إلى دنيسر، ورحل عنها إلى رأس عين على عزم قصد ~~حران وحصرها. فأتاه الرسول من الملك الظاهر يطلب الخطبة والسكة وغير ذلك، ~~فتغيرت نية نور الدين، وفتر عزمه عن نصرتهم، فعزم على العود إلى الموصل، ~~فهو يقدم إلى العرض رجلا ويؤخر أخرى إذ أصابه مرض، فتحقق عزم العود إلى ~~الموصل، فعاد إليها، وأرسل رسولا إلى الملك الأفضل والملك الظاهر يعتذر عن ~~عوده بمرضه، فوصل الرسول ثاني ذي الحجة إليهم ms4355 وهم على دمشق. # وكان عود نور الدين من سعادة الملك العادل، فإنه كان هو وكل من عنده ~~ينتظرون ما يجيء من أخباره. فإن من بحران استسلموا فقدر الله - تعالى - أنه ~~عاد، فلما عاد جاء الملك الكامل إلى حران، وكان قد سار عن ماردين إلى ~~ميافارقين، فلما رجع نور الدين سار الكامل إلى حران، وسار إلى أبيه بدمشق - ~~على ما ذكرناه -، فازداد به قوة، والأفضل ومن معه ضعفا. # ذكر الفتنة بفيروزكوه من خراسان # في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين - ملك الغور وغزنة - وهو ~~بفيروزكوه، عمت الرعية والملوك والأمراء، وسببها أن الفخر محمد بن عمر بن ~~الحسين الرازي، الإمام المشهور، الفقيه الشافعي، كان قدم إلى غياث الدين ~~مفارقا لبهاء الدين سام، صاحب باميان، وهو ابن أخت غياث الدين، فأكرمه غياث ~~الدين، واحترمه، وبالغ في إكرامه، وبنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع، ~~فقصده الفقهاء من البلاد، فعظم ذلك على الكرامية، وهم كثيرون بهراة، وأما ~~الغورية فكلهم # PageV10P165 # كرامية، وكرهوه، وكان أشد الناس عليه الملك ضياء الدين، وهو عم غياث ~~الدين، وزوج ابنته، فاتفق أن حضر الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية ~~عند غياث الدين بفيروزكوه للمناظرة، وحضر فخر الدين الرازي والقاضي مجد ~~الدين عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة، وهو من الكرامية الهيصمية، ~~وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته، فتكلم الرازي. فاعترض عليه ابن ~~القدوة، وطال الكلام، فقام غياث الدين، فاستطال عليه الفخر وسبه وشتمه ~~وبالغ في أذاه، وابن القدوة لا يزيد على أن يقول لا يفعل مولانا إلا وأخذك ~~الله، أستغفر الله، فانفصلوا على هذا. # وقام ضياء الدين في هذه الحادثة وشكا إلى غياث الدين، وذم الفخر، ونسبه ~~إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة، فلم يصغ غياث إليه، فلما كان الغد وعظ ابن عم ~~المجد بن القدوة بالجامع، فلقد صعد المنبر قال: بعد أن حمد الله وصلى على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا إله إلا الله، {ربنا آمنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] ، أيها الناس، ms4356 إنا لا ~~نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما علم ~~أرسطاطاليس وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي، فلا نعلمها، فلأي حال يشتم ~~بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله، وعن سنة نبيه! وبكى وضج ~~الناس، وبكى الكرامية واستغاثوا، وأعانهم من يؤثر بعد الفخر الرازي عن ~~السلطان وثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة، وكادوا يقتتلون، ويجري ~~ما يهلك فيه خلق كثير، فبلغ ذلك السلطان، فأرسل جماعة من عنده إلى الناس ~~وسكنهم، ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعود إلى هراة، فعاد ~~إليها. # ذكر مسير خوارزم شاه إلى الري # في هذه السنة، في ربيع الأول، سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الري ~~وغيرها من بلاد الجبل، لأنه بلغه أن نائبه بها مياجق قد تغير عن طاعته، ~~فسار إليه، # PageV10P166 # فخافه مياجق، فجعل يفر من بين يديه، وخوارزم شاه في طلبه يدعوه إلى ~~الحضور عنده، وهو يمتنع، فاستأمن أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه، وهرب هو، ~~فحصل بقلعة من أعمال مازندران فامتنع بها، فسارت العساكر في طلبه، فأخذ ~~منها وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة. # (وسيرت الخلع من الخليفة لخوارزم شاه ولولده قطب الدين محمد) ، وتقليد ~~بما بيده من البلاد، فلبس الخلعة، واشتغل بقتال الملاحدة، فافتتح قلعة على ~~باب قزوين تسمى أرسلان كشاه، وانتقل إلى حصار ألموت، فقتل عليها صدر الدين ~~محمد بن الوزان رئيس الشافعية بالري، وكان قد تقدم عنده تقدما عظيما، قتله ~~الملاحدة، وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم، فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك ~~مسعود بن علي فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين [وخمسمائة] ، فأمر تكش ~~ولده قطب الدين بقصد الملاحدة، فقصد قلعة ترشيش وهي من قلاعهم، فحصرها ~~فأذعنوا له بالطاعة، وصالحوه على مائة ألف دينار، ففارقها، وإنما صالحهم ~~لأنه بلغه خبر مرض أبيه، وكانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل، فلما سمع بمرض ~~أبيه لم يرحل حتى صالحهم على المال المذكور والطاعة ورحل. # ذكر عدة حوادث # في هذه ms4357 السنة، في ربيع الأول، توفي مجاهد الدين قايماز - رحمه الله - ~~بقلعة الموصل، وهو الحاكم في دولة نور الدين، والمرجوع إليه فيها، وكان ~~ابتداء ولايته قلعة الموصل في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وولي ~~إربل سنة تسع [وخمسين] وخمسمائة، فلما مات زين الدين علاء كوجك سنة ثلاث ~~وستين [وخمسمائة] بقي هو الحاكم فيها، ومعه من يختاره من أولاد زين الدين ~~ليس لواحد منهم معه حكم. # PageV10P167 # وكان عاقلا، دينا، خيرا، فاضلا، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويحفظ من ~~التاريخ والأشعار والحكايات شيئا كثيرا. وكان كثير الصوم، يصوم من كل سنة ~~نحو سبعة أشهر، وله أوراد كثيرة حسنة كل ليلة، ويكثر الصدقة، وكان له فراسة ~~حسنة فيمن يستحق الصدقة، ويعرف الفقراء المستحقين ويبرهم، وبنى عدة جوامع ~~منها الجامع الذي بظاهر الموصل بباب الجسر، وبنى الربط والمدارس والخانات ~~في الطرق، وله من المعروف شيء كثير - رحمه الله - فلقد كان من محاسن ~~الدنيا. # وفيها فارق غياث الدين - صاحب غزنة وبعض خراسان - مذهب الكرامية، وصار ~~شافعي المذهب، وكان سبب ذلك أنه كان عنده إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول ~~الشعر بالفارسية، متفننا في كثير من العلوم، فأوصل إلى غياث الدين الشيخ ~~وحيد الدين أبا الفتح محمد بن محمود المروروذي الفقيه الشافعي، فأوضح له ~~مذهب الشافعي، وبين له فساد مذهب الكرامية، فصار شافعيا، وبنى المدارس ~~للشافعية، وبنى بغزنة مسجدا لهم أيضا، وأكثر مراعاتهم، فسعى الكرامية في ~~أذى وحيد الدين، فلم يقدرهم الله - تعالى - على ذلك. # وقيل إن غياث الدين وأخاه شهاب الدين لما ملكا في خراسان قيل لهما: إن ~~الناس في جميع البلاد يزرون على الكرامية ويحتقرونهم، والرأي أن تفارقوا ~~مذاهبهم فصارا شافعيين # وقيل: إن شهاب الدين كان حنفيا - والله أعلم. # [الوفيات] # وفي هذه السنة توفي أبو القاسم يحيى بن علي بن فضلان الفقيه الشافعي، ~~وكان إماما فاضلا، ودرس ببغداد، وكان من أعيان أصحاب [محمد بن يحيى] نجى ~~النيسابوري. # PageV10P168 ### | [ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة] ### | 596 - # ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة # ذكر ملك العادل ms4358 الديار المصرية # قد ذكرنا سنة خمس وتسعين [وخمسمائة] ، حصر الأفضل والظاهر ولدي صلاح ~~الدين دمشق، ورحيلهما إلى رأس الماء، على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج ~~الشتاء، فلما أقاموا برأس الماء وجد العسكر بردا شديدا، لأن البرد في ذلك ~~المكان في الصيف موجود، فكيف في الشتاء، فتغير العزم عن المقام، واتفقوا ~~على أن يعود كل إنسان منهم إلى بلده، ويعودوا إلى الاجتماع، فتفرقوا تاسع ~~ربيع الأول، فعاد الظاهر وصاحب حمص إلى بلادهما، وسار الأفضل إلى مصر فوصل ~~بلبيس، فأقام بها، ووصلته الأخبار بأن عمه الملك العادل قد سار من دمشق ~~قاصدا مصر ومعه المماليك الناصرية، وقد حلفوه على أن يكون ولد الملك العزيز ~~هو صاحب البلاد، وهو المدبر للملك، إلى أن يكبر، فساروا على هذا. # وكان عسكره بمصر قد تفرق عن الأفضل من الخشبي، فسار كل منهم إلى إقطاعه ~~ليربعوا دوابهم، فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد، فأعجله الأمر عن ذلك، ~~ولم يجتمع منهم إلا طائفة يسيرة ممن قرب إقطاعه، ووصل العادل، فأشار بعض ~~الناس على الأفضل أن يخرب سور بلبيس ويقيم بالقاهرة، وأشار غيرهم بالتقدم ~~إلى أطراف البلاد، ففعل ذلك، فسار عن بلبيس، ونزل موضعا يقال له السائح إلى ~~طرف البلاد، وكان لقاء العادل قبل دخول البلاد سابع ربيع الآخر، فانهزم ~~الأفضل، ودخل القاهرة ليلا. # وفي تلك الليلة توفي القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني كاتب ~~الإنشاء لصلاح الدين ووزيره، فحضر الأفضل الصلاة عليه، وسار العادل فنزل ~~على القاهرة وحصرها، فجمع الأفضل من عنده من الأمراء واستشارهم، فرأى منهم ~~تخاذلا، # PageV10P169 # فأرسل رسولا إلى عمه في الصلح وتسليم البلاد إليه، وأخذ العوض عنها، وطلب ~~دمشق، فلم يجبه العادل، فنزل عنها [إلى] حران والرها فلم يجبه، فنزل إلى ~~ميافارقين وحاني وجبل جور، فأجابه إلى ذلك، وتحالفوا عليه، وخرج الأفضل من ~~مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر، واجتمع بالعادل، وسار إلى صرخد، ودخل ~~العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر. # ولما وصل الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلم ms4359 ميافارقين وحاني وجبل جور، فامتنع ~~نجم الدين أيوب ابن الملك العادل من تسليم ميافارقين وسلم ما عداها، فترددت ~~الرسل بين الأفضل والعادل في ذلك، والعادل يزعم أن ابنه عصاه، فأمسك عن ~~المراسلة في ذلك لعلمه أن هذا فعل بأمر العادل. # ولما ثبتت قدم العادل بمصر قطع خطبة الملك المنصور ابن الملك العزيز في ~~شوال من السنة، وخطب لنفسه، وحاقق الجند في إقطاعاتهم، واعترضهم في أصحابهم ~~ومن عليهم من العسكر المقرر، فتغيرت لذلك نياتهم، فكان ما نذكره سنة سبع ~~وتسعين [وخمسمائة]- إن شاء الله -. # ذكر وفاة خوارزم شاه # في هذه السنة، في العشرين من رمضان، توفي خوارزم شاه تكش بن ألب أرسلان، ~~صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها من البلاد الجبالية، بشهرستانة بين ~~نيسابور وخوارزم. وكان قد سار من خوارزم إلى خراسان، وكان به خوانيق، فأشار ~~عليه الأطباء بترك الحركة، فامتنع، وسار، فلما قارب شهرستانة اشتد مرضه ~~ومات، ولما اشتد مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمد يستدعونه، ويعرفونه ~~شدة مرض أبيه، فسار إليهم وقد مات أبوه، فولي الملك بعده، ولقب علاء # PageV10P170 # الدين، لقب أبيه، وكان لقبه قطب الدين، وأمر فحمل أبوه ودفن بخوارزم (في ~~تربة عملها في مدرسة بناها كبيرة عظيمة) ، وكان عادلا حسن السيرة، له معرفة ~~حسنة وعلم، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويعرف الأصول. # وكان ولده علي شاه بأصفهان، فأرسل إليه أخوه خوارزم شاه محمد يستدعيه، ~~فسار إليه، فنهب أهل أصفهان خزانته ورحله، فلما وصل إلى أخيه وولاه حرب أهل ~~خراسان، والتقدم على جندها، وسلم إليه نيسابور وكان هندوخان [بن] ملكشاه بن ~~خوارزم شاه تكش يخاف عمه محمدا، فهرب منه، ونهب كثيرا من خزائن جده تكش لما ~~مات، وكان معه، وسار إلى مرو. # ولما سمع غياث الدين ملك غزنة بوفاة خوارزم شاه أمر أن لا تضرب نوبته ~~ثلاثة أيام، وجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة والمحاربة، فعل ذلك عقلا ~~منه ومروءة، ثم إن هندوخان جمع جمعا كثيرا بخراسان، فسير إليه عمه خوارزم ~~شاه محمد جيشا مقدمهم جقر ms4360 التركي، فلما سمع هندوخان بمسيره هرب عن خراسان ~~وسار إلى غياث الدين يستنجده على عمه، فأكرم لقاءه وإنزاله، وأقطعه، ووعده ~~النصرة، فأقام عنده، ودخل جقر مدينة مرو، وبها والدة هندوخان وأولاده، ~~فاستظهر عليهم، وأعلم صاحبه، فأمره بإرسالهم إلى خوارزم مكرمين، فلما سمع ~~غياث الدين ذلك أرسل إلى محمد بن جربك، صاحب الطالقان، يأمره أن يرسل [إلى] ~~جقر يتهدده، ففعل [ذلك] وسار من الطالقان، فأخذ مرو الروذ، والخمس قرى ~~وتسمى بالفارسية بنج ده، وأرسل إلى جقر يأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث ~~الدين، أو يفارق البلد، فأعاد الجواب يتهدد ابن جربك ويتوعده، وكتب إليه ~~يسأله أن يأخذ له أمانا من غياث الدين ليحضر خدمته، فكتب إلى غياث الدين ~~بذلك، فلما قرأ كتابه، وعلم أن خوارزم شاه ليس له قوة، فلهذا طلب جقر ~~الانحياز إليه، فقوي طمعه في البلاد، وكتب إلى أخيه شهاب الدين يأمره ~~بالخروج إلى خراسان ليتفقا على أخذ بلاد خوارزم شاه محمد. # PageV10P171 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، وثب الملاحدة الإسماعيلية على نظام الملك ~~مسعود بن علي، وزير خوارزم شاه تكش، فقتلوه، وكان صالحا كثير الخير، حسن ~~السيرة، شافعي المذهب، بنى للشافعية بمرو جامعا مشرفا على جامع الحنفية، ~~فتعصب شيخ الإسلام [بمرو] وهو مقدم الحنابلة بها، قديم الرياسة، وجمع ~~الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممن سعى في ~~ذلك، فأغرمهم مالا كثيرا. # وبنى الوزير أيضا مدرسة عظيمة بخوارزم وجامعا وجعل فيها خزانة كتب، وله ~~آثار حسنة بخراسان باقية، ولما مات خلف ولدا صغيرا، فاستوزره خوارزم شاه ~~رعاية لحق أبيه، فأشير عليه أن يستعفي، فأرسل يقول: إنني صبي لا أصلح لهذا ~~المنصب الجليل، فيولي السلطان فيه من يصلح له إلى أن أكبر، فإن كنت أصلح ~~فأنا المملوك، فقال خوارزم شاه: لست أعفيك، وأنا وزيرك، فكن مراجعي في ~~الأمور، فإنه لا يقف منها شيء. فاستحسن الناس هذا، ثم إن الصبي لم تطل ~~أيامه، فتوفي قبل خوارزم شاه بيسير. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في ربيع الأول، توفي ms4361 شيخنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد ~~الوهاب بن كليب الحراني المقيم ببغداد وله ست وتسعون سنة وشهران، وكان عالي ~~الإسناد في الحديث، وكان ثقة صحيح السماع. # وفي ربيع الآخر منها توفي القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الكاتب ~~المشهور، ولم يكن في زمانه أحد أحسن كتابة منه، ودفن بظاهر مصر بالقرافة، ~~وكان دينا كثير الصدقة والعبادة، وله وقوف كثيرة على الصدقة وفك الأسارى، ~~وكان يكثر الحج والمجاورة مع اشتغاله بخدمة السلطان، وكان السلطان صلاح ~~الدين يعظمه ويحترمه ويكرمه، ويرجع إلى قوله، - رحمهما الله. # PageV10P172 ### | [ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة] ### | 597 - # ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة # ذكر ملك الملك الظاهر صاحب حلب منبج وغيرها من الشام # وحصره هو وأخوه الأفضل مدينة دمشق وعودهما عنها # قد ذكرنا قبل ملك العادل ديار مصر، وقطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك ~~العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأنه لما فعل ذلك لم يرضه ~~الأمراء المصريون، وخبثت نياتهم في طاعته، فراسلوا أخويه: الظاهر بحلب، ~~والأفضل بصرخد، وتكررت المكاتبات والمراسلات بينهم، يدعونهما إلى قصد دمشق ~~وحصرها ليخرج الملك العادل إليهم، فإذا خرج إليهم [من] مصر أسلموه، وصاروا ~~معهما، فيملكان البلاد. # وكثر ذلك، حتى فشا الخبر واتصل بالملك العادل، وانضاف إلى ذلك أن النيل ~~لم يزد بمصر الزيادة التي تركب الأرض ليزرع الناس، فكثر الغلاء فضعفت قوة ~~الجند، وكان فخر الدين جركس قد فارق مصر إلى الشام هو وجماعة من المماليك ~~الناصرية لحصار بانياس ليأخذها لنفسه بأمر العادل، وكانت لأمير كبير تركي ~~اسمه بشارة، قد اتهمه العادل، فأمر جركس بذلك. # وكان أمير من أمراء العادل يعرف بأسامة قد حج هذه السنة، فلما عاد من ~~الحج، وقارب صرخد، نزل الملك الأفضل، فلقيه وأكرمه، ودعاه إلى نفسه. فأجابه ~~وحلف له، وعرفه الأفضل جلية الحال، وكان أسامة من بطانة العادل، وإنما حلف ~~لينكشف له الأمر، فلما فارق الأفضل أرسل إلى العادل وهو بمصر، يعرفه الخبر # PageV10P173 # جميعه، فأرسل إلى ولده الذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد، وكتب إلى ~~إياس ms4362 جركس وميمون القصري، صاحب بلبيس، وغيرهما من الناصرية يأمرهم ~~بالاجتماع مع ولده على حصر الأفضل. # وسمع الأفضل الخبر، فسار إلى أخيه الظاهر بحلب في مستهل جمادى الأولى من ~~السنة، ووصل إلى حلب عاشر الشهر، وكان الظاهر قد أرسل أميرا كبيرا من ~~أمرائه إلى عمه العادل، فمنعه العادل من الوصول إليه، وأمره بأن يكتب ~~رسالته، فلم يفعل وعاد لوقته، فتحرك الظاهر لذلك وجمع عسكره وقصد منبج ~~فملكها للسادس والعشرين من رجب، وسار إلى قلعة نجم وحصرها، فتسلمها سلخ ~~رجب. # وأما ابن العادل المقيم بدمشق فإنه سار إلى بصرى، وأرسل إلى جركس ومن معه ~~- وهم على بانياس يحصرونها - يدعوهم إليه، فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطوه، ~~فلما طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق، وأرسل الأمير أسامة إليهم يدعوهم ~~إلى مساعدته، فاتفق أنه جرى بينه وبين ألبكي الفارس، وبعض المماليك الكبار ~~الناصرية منافرة فأغلظ له ألبكي القول، وتعدى إلى الفعل باليد وثار العسكر ~~جميعه إلى أسامة، فاستذم بميمون، فأمنه وأعاده إلى دمشق، واجتمعوا كلهم عند ~~الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وأنزلوه من صرخد، وأرسلوا إلى الملك ~~الظاهر والأفضل يحثونهما على الوصول إليهم، والملك الظاهر يتربص ويتعوق، ~~فوصل من منبج إلى حماة في عشرين يوما، وأقام على حماة يحصرها وبها صاحبها ~~ناصر الدين محمد بن تقي الدين إلى تاسع عشر شهر رمضان، فاصطلحا وحمل له ابن ~~تقي الدين ثلاثين ألف دينار صورية، وساروا منها إلى حمص، ثم ساروا منها إلى ~~دمشق على طريق بعلبك، فنزلوا عليها عند مسجد القدم، فلما نزلوا على دمشق ~~أتاهم المماليك الناصرية مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين، وكانت القاعدة ~~استقرت بين الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ملكوا دمشق تكون بيد الأفضل، ~~ويسيرون إلى مصر، فإذا ملكوها تسلم الظاهر دمشق، فيبقى الشام جميعه له، ~~وتبقى مصر للأفضل، وسلم الأفضل صرخد إلى زين الدين قراجة مملوك والده ليحضر ~~في خدمته، وأنزل والدته وأهله # PageV10P174 # منها وسيرهم إلى حمص، فأقاموا عند أسد الدين شيركوه صاحبها. # وكان الملك العادل قد سار ms4363 من مصر إلى الشام، فنزل [على] مدينة نابلس وسير ~~جمعا من العسكر إلى دمشق ليحفظها، فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل، وحضر ~~فخر الدين جركس وغيره من الناصرية عند الظاهر، وزحفوا إلى دمشق وقاتلوها ~~رابع عشر ذي القعدة، واشتد القتال عليها، فالتصق الرجال بالسور، فأدركهم ~~الليل، فعادوا وقد قوي الطمع في أخذها، ثم زحفوا إليها مرة ثانية وثالثة، ~~فلم يبق إلا ملكها، لأن العسكر صعد إلى سطح خان ابن المقدم، وهو ملاصق ~~للسور، فلو لم يدركهم الليل لملكوا البلد، فلما أدركهم الليل، وهم عازمون ~~على الزحف بكرة، وليس لهم عن البلد مانع، حسد الظاهر أخاه الأفضل، فأرسل ~~إليه يقول له تكون دمشق له وبيده ويسير العساكر معه إلى مصر. فقال له ~~الأفضل: قد علمت أن والدتي وأهلي - وهم أهلك أيضا - على الأرض، ليس لهم ~~موضع يأوون إليه، فاحسب أن هذا البلد لك تعيرناه ليسكنه أهلي هذه المدة إلى ~~أن يملك مصر. # فلم يجبه الظاهر إلى ذلك، ولج، فلما رأى الأفضل ذلك الحال قال للناصرية ~~وكل من جاء إليهم من الجند: إن كنتم جئتم إلي فقد أذنت لكم في العود إلى ~~العادل، وإن كنتم جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم وهو أخبر، وكان الناس كلهم ~~يريدون الأفضل، فقالوا: ما نريد سواك، والعادل أحب إلينا من أخيك، فأذن لهم ~~في العود، فهرب فخر الدين جركس وزين الدين قراجة الذي أعطاه الأفضل صرخد، ~~فمنهم من دخل دمشق، ومنهم من عاد إلى إقطاعه، فلما انفسخ الأمر عليهم عادوا ~~إلى تجديد الصلح مع العادل، فترددت الرسل بينهم، واستقر الصلح على أن يكون ~~للظاهر منبج، وأفامية وكفرطاب، وقرى معينة من المعرة، ويكون للأفضل سميساط، ~~وسروج، ورأس عين، وحملين، ورحلوا عن دمشق أول المحرم سنة ثمان وتسعين ~~[وخمسمائة] ، فقصد الأفضل حمص فأقام بها وسار الظاهر إلى حلب، ووصل العادل ~~إلى دمشق تاسع المحرم، وسار الأفضل إليه من حمص، فاجتمع به بظاهر دمشق، ~~وعاد من عنده # PageV10P175 # إلى حمص، وسار منها ليتسلم سميساط، فتسلمها، وتسلم باقي ما استقر له: رأس ~~عين ms4364 وسروج وغيرهما. # ذكر ملك غياث الدين وأخيه ما كان لخوارزم شاه بخراسان # قد ذكرنا مسير محمد بن خرميل من الطالقان. واستيلاءه على مرو الروذ وسؤال ~~جقر التركي نائب علاء الدين محمد خوارزم شاه بمرو أن يكون في جملة عسكر ~~غياث الدين، ولما وصل كتاب ابن خرميل إلى غياث الدين في معنى جقر، علم أن ~~هذا إنما دعاه إلى الانتماء إليهم ضعف صاحبه، فأرسل إلى أخيه شهاب الدين ~~يستدعيه إلى خراسان، فسار من غزنة في عساكره وجنوده وعدته وما يحتاج إليه. # وكان بهراة الأمير عمر بن محمد المرغني نائبا عن غياث الدين، وكان يكره ~~خروج غياث الدين إلى خراسان، فأحضره غياث الدين واستشاره، فأشار بالكف عن ~~قصدها، وترك المسير إليها، فأنكر عليه ذلك، وأراد إبعاده عنه، ثم تركه، ~~ووصل شهاب الدين في عساكره وعساكر سجستان وغيرها في جمادى الأولى من هذه ~~السنة، فلما وصلوا إلى ميمنة، وهي قرية بين الطالقان وكرزبان، وصل إلى شهاب ~~الدين كتاب جقر مستحفظ مرو، يطلبه ليسلمها إليه، فاستأذن أخاه غياث الدين ~~فأذن له، فسار إليها، فخرج أهلها مع العسكر الخوارزمي وقاتلوه، فأمر أصحابه ~~بالحملة عليهم والجد في قتالهم، فحملوا عليهم، فأدخلوهم البلد، وزحفوا ~~بالفيلة إلى أن قاربوا السور، فطلب أهل البلد الأمان، فأمنهم وكف الناس عن ~~التعرض إليهم، وخرج # PageV10P176 # جقر إلى شهاب الدين فوعده الجميل. # ثم حضر غياث الدين إلى مرو بعد فتحها، فأخذ جقر وسيره إلى هراة مكرما، ~~وسلم مرو إلى هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش، وقد ذكرنا هربه من عمه ~~خوارزم شاه محمد بن تكش إلى غياث الدين، ووصاه بالإحسان إلى أهلها. # ثم سار غياث الدين إلى مدينة سرخس، فأخذها صلحا، وسلمها إلى الأمير زنكي ~~بن مسعود، وهو من أولاد عمه وأقطعه معها نسا وأبيورد، ثم سار بالعساكر إلى ~~طوس، فأراد الأمير الذي بها أن يمتنع فيها ولا يسلمها، فأغلق باب البلاد ~~ثلاثة أيام، فبلغ الخبز ثلاثة أمناء بدينار ركني، فضج أهل البلد عليه، ~~فأرسل إلى غياث الدين يطلب الأمان، فأمنه، فخرج ms4365 إليه، فخلع عليه وسيره إلى ~~هراة، ولما ملكها أرسل إلى علي شاه بن خوارزم شاه تكش، وهو نائب أخيه علاء ~~الدين محمد بنيسابور، يأمره بمفارقة البلد، ويحذره إن أقام سطوة أخيه شهاب ~~الدين. وكان مع علي شاه عسكر من خوارزم شاه، فاتفقوا على الامتناع من تسليم ~~البلد، وحصنوه، وخربوا ما بظاهره من العمارة، وقطعوا الأشجار. وسار غياث ~~الدين إلى نيسابور، فوصل إليها أوائل رجب، وتقدم عسكر أخيه شهاب الدين إلى ~~القتال، فلما رأى غياث الدين ذلك قال لولده محمود: قد سبقنا عسكر غزنة بفتح ~~مرو، وهم يريدون أن يفتحوا نيسابور، فيحصلون بالاسم، فاحمل إلى البلد. ولا ~~ترجع حتى تصل إلى السور. فحمل، وحمل معه وجوه الغورية، فلم يردهم أحد من ~~السور، حتى أصعدوا علم غياث الدين إليه، فلما رأى شهاب الدين علم أخيه على ~~السور قال لأصحابه: اقصدوا بنا هذه الناحية واصعدوا السور من هاهنا، وأشار ~~إلى مكان فيه، فسقط السور منهدما، فضج الناس بالتكبير وذهل الخوارزميون ~~وأهل البلد، ودخل الغورية البلد، وملكوه عنوة ونهبوه ساعة من نهار، فبلغ ~~الخبر إلى غياث الدين فأمر بالنداء: من نهب مالا أو آذى أحدا فدمه حلال، ~~فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره. # ولقد حدثني بعض أصدقائنا من التجار - وكان بنيسابور في هذه الحادثة -: ~~نهب من متاعي شيء من جملته سكر، فلما سمع العسكر النداء ردوا جميع ما أخذوا ~~مني، وبقي لي بساط وشيء من السكر، فرأيت السكر مع جماعة، فطلبته منهم، ~~فقالوا: أما # PageV10P177 # السكر فأكلناه فنسألك ألا يسمع أحد، وإن أردت ثمنه أعطيناك، فقلت: أنتم ~~في حل منه، ولم يكن البساط مع أولئك، (قال: فمشيت إلى باب البلد مع ~~النظارة، فرأيت البساط) الذي لي قد ألقي عند باب البلد لم يجسر أحد على أن ~~يأخذه، فأخذته وقلت: هذا لي فطلبوا مني من يشهد به، فأحضرت من شهد لي ~~وأخذته. # ثم إن الخوارزميين تحصنوا بالجامع، فأخرجهم أهل البلد، فأخذهم الغورية ~~ونهبوا مالهم، وأخذ علي شاه بن خوارزم شاه، وأحضر عند غياث الدين راجلا، ~~فأنكر ms4366 ذلك على من أحضره، وعظم الأمر فيه، وحضرت داية كانت لعلي شاه، وقالت ~~لغياث الدين: أهكذا يفعل بأولاد الملوك؟ فقال: لا! بل هكذا، وأخذ بيده، ~~وأقعده معه على السرير، وطيب نفسه، وسير جماعة الأمراء الخوارزمية إلى هراة ~~تحت الاستظهار، وأحضر غياث الدين ابن عمه، وصهره على ابنته، ضياء الدين ~~محمد بن أبي علي الغوري، وولاه حرب خراسان وخراجها، ولقبه علاء الدين، وجعل ~~معه وجوه الغورية، ورحل إلى هراة، وسلم عليا شاه إلى أخيه شهاب الدين، ~~وأحسن إلى أهل نيسابور، وفرق فيهم مالا كثيرا. # ثم رحل بعده شهاب الدين إلى ناحية قهستان، فوصل إلى قرية، فذكر له أن ~~أهلها إسماعيلية، فأمر بقتل المقاتلة، ونهب الأموال، وسبي الذراري، وخرب ~~القرية فجعلها خاوية على عروشها، ثم سار إلى كناباد وهي من المدن التي جميع ~~أهلها إسماعيلية، فنزل عليها وحصرها، فأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين ~~يشكو أخاه شهاب الدين، ويقول: بيننا عهد، فما الذي بدا منا حتى تحاصر بلدي؟ # واشتد خوف الإسماعيلية الذين بالمدينة من شهاب الدين، فطلبوا الأمان ~~ليخرجوا منها، فأمنهم، وأخرجهم وملك المدينة وسلمها إلى بعض الغورية، فأقام ~~بها الصلاة، وشعار الإسلام، ورحل شهاب الدين فنزل على حصن آخر للإسماعيلية، ~~فوصل إليه رسول أخيه غياث الدين، فقال الرسول: معي تقدم من السلطان، فلا ~~يجري حرد إن فعلته؟ فقال: لا. فقال: إنه يقول لك ما لك ولرعيتي، ارحل، قال: ~~لا أرحل، قال: إذن أفعل ما أمرني قال: افعل، فسل سيفه وقطع أطناب سرادق # PageV10P178 # شهاب الدين، وقال: ارحل بتقدم السلطان، فرحل شهاب الدين والعسكر وهو ~~كاره، وسار إلى بلد الهند، ولم يقم بغزنة غضبا لما فعله أخوه معه # ذكر قصد نور الدين بلاد العادل والصلح بينهما # في هذه السنة أيضا تجهز نور الدين أرسلان شاه، صاحب الموصل، وجمع عساكره ~~وسار إلى بلاد الملك العادل بالجزيرة: حران والرها ; وكان سبب حركته أن ~~الملك العادل لما ملك مصر - على ما ذكرناه قبل -، اتفق نور الدين والملك ~~الظاهر، صاحب حلب وصاحب ماردين وغيرهما، على أن يكونوا ms4367 يدا واحدة، متفقين ~~على منع العادل عن قصد أحدهم، فلما تجددت حركة الأفضل والظاهر، أرسلا إلى ~~نور الدين ليقصد البلاد الجزرية، فسار عن الموصل في شعبان من هذه السنة، ~~وسار معه ابن عمه قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، صاحب سنجار ونصيبين، ~~وصاحب ماردين، ووصل إلى رأس عين، وكان الزمان قيظا، فكثرث الأمراض في ~~عسكره. # وكان بحران ولد العادل يلقب بالملك الفائز ومعه عسكر يحفظ البلاد، فلما ~~وصل نور الدين إلى رأس عين جاءته رسل الفائز ومن معه من أكابر الأمراء ~~يطلبون الصلح ويرغبون فيه، وكان نور الدين قد سمع بأن الصلح بدأ يتم بين ~~الملك العادل والملك الظاهر والأفضل، وانضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في ~~عسكره، فأجاب إليه، وحلف الملك الفائز ومن عنده من أكابر الأمراء على ~~القاعدة التي استقرت، وحلفوا له أنهم يحلفون الملك العادل له، فإن امتنع ~~كانوا معه عليه، وحلف هو للملك العادل. # وسارت الرسل من عنده ومن عند ولده في طلب اليمين من العادل، فأجاب إلى ~~ذلك، وحلف له، واستقرت القاعدة، وأمنت البلاد، وعاد نور الدين إلى الموصل ~~في # PageV10P179 # ذي القعدة من السنة. # ذكر ملك شهاب الدين نهرواله # لما سار شهاب الدين من خراسان على ما ذكرناه، لم يقم بغزنة، وقصد بلاد ~~الهند، وأرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى نهرواله، فوصلها سنة ثمان وتسعين ~~[وخمسمائة] ، فلقيه عسكر الهنود، فقاتلوه قتالا شديدا، فهزمهم أيبك، ~~واستباح معسكرهم، وما لهم فيه من الدواب وغيرها، وتقدم إلى نهرواله فملكها ~~عنوة، وهرب ملكها، فجمع وحشد، فكثر جمعه. # وعلم شهاب الدين أنه لا يقدر على حفظها إلا بأن يقيم هو فيها ويخليها من ~~أهلها، وتعذر عليه ذلك، فإن البلد عظيم، هو أعظم بلاد الهند، وأكثرهم أهلا، ~~فصالح صاحبها على مال يؤديه له عاجلا وآجلا، وأعاد عساكره عنها وسلمها إلى ~~صاحبها. # ذكر ملك ركن الدين ملطية من أخيه وأرزن الروم # في هذه السنة، في شهر رمضان، ملك ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان مدينة ~~ملطية، وكانت لأخيه معز الدين قيصر شاه، ms4368 فسار إليه وحصره أياما وملكها، ~~وسار منها إلى أرزن الروم، وكانت لولد الملك ابن محمد بن صلتق، وهم بيت ~~قديم قد ملكوا أرزن الروم هذه مدة طويلة، فلما سار إليها وقاربها خرج ~~صاحبها إليه ثقة به ليقرر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين، فقبض عليه ~~واعتقله عنده وأخذ البلد، وكان هذا آخر أهل بيته الذين [ملكوا] ، فتبارك ~~الله الحي القيوم الذي لا يزول ملكه أبدا سرمدا. # ذكر وفاة سقمان صاحب آمد وملك أخيه محمود # في هذه السنة توفي قطب الدين سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن ~~سقمان، صاحب آمد وحصن كيفا، سقط من سطح جوسق كان له بظاهر حصن كيفا فمات، ~~وكان شديد الكراهة لأخيه هذا، والنفور عنه، قد أبعده وأنزله حصن منصور في ~~آخر بلادهم، واتخذ مملوكا اسمه إياس، فزوجه أخته، وأحبه حبا شديدا، وجعله ~~ولي عهده، فلما توفي تملك بعده عدة أيام، وتهدد وزيرا كان لقطب الدين، ~~وغيره من أمراء الدولة، فأرسلوا إلى أخيه محمود يستدعونه، فسار مجدا، فوصل ~~إلى آمد # PageV10P180 # وقد سبقه إليها إياس مملوك أخيه، فلم يقدم على الامتناع، فتسلم محمود ~~البلاد جميعها وملكها، وحبس المملوك فبقي مدة محبوسا، ثم شفع له صاحب بلاد ~~الروم، فأطلق من الحبس، وسار إلى الروم، فصار أميرا من أمراء الدولة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة اشتد الغلاء بالبلاد المصرية لعدم زيادة النيل، وتعذرت ~~الأقوات حتى أكل الناس الميتة، وأكل بعضهم بعضا، ثم لحقهم عليه وباء وموت ~~كثير أفنى الناس. # وفي شعبان منها تزلزلت الأرض بالموصل، وديار الجزيرة كلها، والشام، ومصر ~~وغيرها، فأثرت في الشام أثارا قبيحة، وخربت كثيرا من الدور بدمشق، وحمص، ~~وحماة، وانخسفت قرية من قرى بصرى، وأثرت في الساحل الشامي أثرا كثيرا، ~~فاستولى الخراب على طرابلس، وصور، وعكا، ونابلس، وغيرها من القلاع، ووصلت ~~الزلزلة إلى بلد الروم، وكانت بالعراق يسيرة لم تهدم دورا. # وفيها ولد ببغداد طفل له رأسان، وذلك أن جبهته مفروقة بمقدار ما يدخل ~~فيها ميل. # [الوفيات] # وفي هذه السنة، في ms4369 شهر رمضان، توفي أبو الفرج عبد الرحمن علي بن # PageV10P181 # الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان كثير الوقيعة في ~~الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له، وكان مولده سنة ~~عشر وخمسمائة. # وفيها أيضا توفي عيسى بن نصير النميري الشاعر، وكان حسن الشعر، وله أدب ~~وفضل، وكان موته ببغداد. # وفيها توفي العماد أبو عبد الله محمد بن حامد بن محمد بن ألة، أوله ~~باللام المشددة، وهو العماد الكاتب الأصفهاني، كتب لنور الدين محمود بن ~~زنكي ولصلاح الدين يوسف بن أيوب، - رضي الله عنهما - وكان كاتبا مفلقا، ~~قادرا على القول. # وفيها جمع عبد الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن جموعا كثيرة ~~فيها اثنا عشر ألف فارس، ومن الرجالة ما لا يحصى كثرة، وكان قد انضاف إليه ~~من جند المعز بن إسماعيل بن سيف الإسلام طغدكين بن أيوب، صاحب اليمن، خوفا ~~منه، وأيقنوا بملك البلاد، واقتسموها، وخافهم ابن سيف الإسلام خوفا عظيما، ~~فاجتمع قواد عسكر ابن حمزة ليلا ليتفقوا على رأي يكون العمل بمقتضاه، ~~وكانوا اثني عشر قائدا فنزلت عليهم صاعقة أهلكتهم جميعهم، فأتى الخبر ابن ~~سيف الإسلام في باقي الليلة بذلك، فصار إليهم مجدا فأوقع بالعسكر المجتمع، ~~فلم يثبتوا له، وانهزموا بين يديه، ووضع السيف فيهم، فقتل منهم ستة آلاف ~~قتيل أو أكثر من ذلك، وثبت ملكه واستقر بتلك الأرض. # وفيها وقع في بني عنزة بأرض الشراة بين الحجاز واليمن، وباء عظيم، وكانوا ~~يسكنون في عشرين قرية، فوقع الوباء في ثماني عشرة قرية، فلم يبق منهم أحد. ~~وكان الإنسان إذا قرب من تلك القرى يموت ساعة ما يقاربها، فتحاماها الناس، ~~وبقيت إبلهم وأغنامهم لا مانع لها، وأما القريتان الأخريان فلم يمت فيهما ~~أحد، ولا أحسوا بشيء مما كان فيه أولئك. # PageV10P182 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة] ### | 598 - # ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة # ذكر ملك خوارزم شاه ما كان أخذه الغورية من بلاده # قد ذكرنا في سنة سبع وتسعين [وخمسمائة] ملك غياث الدين وأخيه شهاب الدين ~~ما كان ms4370 لخوارزم شاه محمد بن تكش بخراسان، ومرو، ونيسابور، وغيرها، وعودهما ~~عنها بعد أن أقطعا البلاد، ومسير شهاب الدين إلى الهند، فلما اتصل بخوارزم ~~شاه علاء الدين محمد بن تكش عود العساكر الغورية عن خراسان، ودخول شهاب ~~الدين الهند، أرسل إلى غياث الدين يعاتبه، ويقول: كنت أعتقد أن تخلف علي ~~بعد أبي، وأن تنصرني على الخطا، وتردهم عن بلادي، فحيث لم تفعل فلا أقل من ~~أن لا تؤذيني وتأخذ بلادي، والذي أريده أن تعيد ما أخذته مني إلي، وإلا ~~استنصرت عليك بالخطا وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن أخذ بلادي، فإنني إنما ~~شغلني عن منعكم عنها الاشتغال بعزاء والدي وتقرير أمر بلادي، وإلا فما أنا ~~عاجز عنكم وعن أخذ بلادكم بخراسان وغيرها، فغالطه غياث الدين في الجواب ~~لتمتد الأيام بالمراسلات، ويخرج أخوه شهاب الدين من الهند بالعساكر، فإن ~~غياث الدين كان عاجزا باستيلاء النقرس عليه. # فلما وقف خوارزم شاه على رسالة غياث الدين أرسل إلى علاء الدين الغوري ~~نائب غياث الدين بخراسان، يأمره بالرحيل عن نيسابور، ويتهدده إن لم يفعل، ~~فكتب علاء الدين إلى غياث الدين بذلك، ويعرفه ميل أهل البلد إلى ~~الخوارزميين فأعاد غياث الدين جوابه يقوي قلبه، ويعده النصرة والمنع عنه. # PageV10P183 # وجمع خوارزم شاه عساكره وسار عن خوارزم نصف ذي الحجه سنة سبع وتسعين ~~وخمسمائة، فلما قارب نسا وأبيورد هرب هندوخان ابن أخي ملكشاه من مرو إلى ~~غياث الدين بفيروزكوه، وملك خوارزم شاه مدينة مرو، وسار إلى نيسابور وبها ~~علاء الدين، فحصره، وقاتله قتالا شديدا، وطال مقامه عليها، وراسله غير مرة ~~في تسليم البلد إليه، وهو لا يجيب إلى ذلك انتظارا للمدد من غياث الدين، ~~فبقي نحو شهرين، فلما أبطأ عنه النجدة أرسل إلى خوارزم شاه يطلب الأمان ~~لنفسه ولمن معه من الغورية، وأنه لا يتعرض إليهم بحبس ولا غيره من الأذى، ~~فأجابه إلى ذلك، وحلف لهم، وخرجوا من البلد وأحسن خوارزم شاه إليهم، ووصلهم ~~بمال جليل وهدايا كثيرة، وطلب من علاء الدين أن يسعى في الصلح بينه وبين ms4371 ~~غياث الدين وأخيه، فأجابه إلى ذلك. # وسار إلى هراة، ومنها إلى إقطاعه، ولم يمض إلى غياث الدين تجنيا عليه ~~لتأخر أمداده، ولما خرج الغورية من نيسابور أحسن خوارزم شاه إلى الحسين بن ~~خرميل، وهو من أعيان أمرائهم، زيادة على غيره، وبالغ في إكرامه، فقيل إنه ~~من ذلك اليوم استحلفه لنفسه، وأن يكون معه بعد غياث الدين وأخيه شهاب ~~الدين. # ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس، وبها الأمير زنكي، فحصره أربعين يوما، وجرى ~~بين الفريقين حروب كثيرة، فضاقت الميرة على أهل البلد، لا سيما الحطب، ~~فأرسل زنكي إلى خوارزم شاه يطلب منه أن يتأخر عن باب البلد حتى يخرج هو ~~وأصحابه ويترك البلد له، فراسله خوارزم شاه في الاجتماع به ليحسن إليه وإلى ~~من معه، فلم يجبه إلى ذلك واحتج بقرب نسبه من غياث الدين، فأبعد خوارزم شاه ~~عن باب البلد بعساكره، فخرج زنكي فأخذ من الغلات وغيرها التي في المعسكر ما ~~أراد لا سيما من الحطب، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان قد ضاق به الأمر، ~~وكتب إلى خوارزم شاه: العود أحمد، فندم حيث لم ينفعه الندم، ورحل عن البلد، ~~وترك عليه جماعة من الأمراء يحصرونه. # فلما أبعد خوارزم شاه سار محمد بن جربك من الطالقان، وهو من أمراء ~~الغورية، وأرسل إلى زنكي أمير سرخس يعرفه أنه يريد أن يكبس الخوارزميين ~~لئلا ينزعج إذا سمع الغلبة، وسمع الخوارزميون الخبر، ففارقوا سرخس، وخرج ~~زنكي ولقي محمد بن جربك وعسكرا في مرو الروذ، وأخذ خراجها وما يجاورها، ~~فسير # PageV10P184 # إليهم خوارزم شاه عسكرا مع خاله، فلقيهم محمد بن جربك وقاتلهم، وحمل بلت ~~في يده على صاحب علم الخوارزمية فضربه فقتله، وألقى علمهم، وكسر كوساتهم، ~~فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا أعلامهم، فانهزموا، وركبهم الغورية قتلا ~~وأسرا نحو فرسخين، فكانوا ثلاثة آلاف فارس وابن جربك في تسع مائة فارس، ~~وغنم جميع معسكرهم، فلما سمع خوارزم شاه ذلك عاد إلى خوارزم، وأرسل إلى ~~غياث الدين في الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من ms4372 الغورية يقال له ~~الحسين بن محمد المرغني، ومرغن من قرى الغور، فقبض عليه خوارزم شاه. # ذكر حصر خوارزم شاه هراة وعوده عنها # لما أرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح، وأجابه عن رسالته مع ~~الحسين المرغني مغالطا، قبض خوارزم شاه على الحسين، وسار إلى هراة ~~ليحاصرها، فكتب الحسين إلى أخيه عمر بن محمد المرغني أمير هراة، يخبره بذلك ~~فاستعد للحصار. # وكان سبب قصد خوارزم شاه حصار هراة أن رجلين أخوين، ممن كان يخدم محمدا ~~سلطان شاه، اتصلا بغياث الدين، بعد وفاة سلطان شاه، فأكرمهما غياث الدين، ~~وأحسن إليهما، يقال لأحدهما الأمير الحاجي، فكاتبا خوارزم شاه، وأطمعاه في ~~البلد، وضمنا له تسليمه إليه فسار لذلك، ونازل المدينة وحصرها، فسلم الأمير ~~عمر المرغني أمير البلد، مفاتيح الأبواب إليهما، وجعلهما على القتال ثقة ~~منه بهما، وظنا منه أنهما عدوا خوارزم شاه تكش وابنه محمد بعده، فاتفق أن ~~بعض الخوارزمية أخبر الحسين المرغني المأسور عند خوارزم شاه بحال الرجلين، ~~وأنهما هما اللذان يدبران خوارزم شاه ويأمرانه بما يفعل، فلم يصدقه، وأتاه ~~بخط الأمير الحاجي، فأخذه وأرسله إلى أخيه عمر أمير هراة، فأخذهما ~~واعتقلهما وأخذ أصحابهما. # PageV10P185 # ثم إن ألب غازي - وهو ابن أخت غياث الدين - جاء في عسكر من الغورية، فنزل ~~على خمسة فراسخ من هراة فكان يمنع الميرة عن عسكر خوارزم شاه، ثم إن خوارزم ~~شاه سير عسكرا إلى أعمال الطالقان للغارة عليها، فلقيهم الحسين بن خرميل ~~فقاتلهم، فظفر بهم فلم يفلت منهم أحد. # وسار غياث الدين عن فيروزكوه إلى هراة في عسكره، فنزل برباط رزين وبالقرب ~~من هراة، ولم يقدم على خوارزم شاه لقلة عسكره لأن أكثر عساكره كانت مع أخيه ~~بالهند وغزنة، فأقام خوارزم شاه على هراة أربعين يوما، وعزم على الرحيل ~~لأنه بلغه انهزام أصحابه بالطالقان وقرب غياث الدين، وكذلك أيضا قرب ألب ~~غازي، وسمع أيضا أن شهاب الدين قد خرج من الهند إلى غزنة، وكان وصوله إليها ~~في رجب من هذه السنة، فخاف أن يصل بعساكره فلا يمكنه المقام ms4373 على البلد، ~~فأرسل إلى أمير هراة عمر المرغني في الصلح فصالحه على مال حمله إليه وارتحل ~~عن البلد. # وأما شهاب الدين، فإنه لما وصل إلى غزنة بلغه الخبر بما فعله خوارزم شاه ~~بخراسان، وملكه لها، فسار إلى خراسان، فوصل إلى بلخ ومنها إلى باميان ثم ~~إلى مرو، عازما على حرب خوارزم شاه، وكان نازلا هناك، فالتقت أوائل ~~عسكريهما، واقتتلوا، فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم إن خوارزم شاه ارتحل عن ~~مكانه شبه المنهزم، وقطع القناطر، وقتل الأمير سنجر صاحب نيسابور ; لأنه ~~اتهمه بالمخامرة عليه، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فأقام بها تلك الشتوة على ~~عزم المسير إلى خوارزم ليحصرها، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فقصد ~~هراة وترك ذلك العزم. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة درس مجد الدين أبو علي يحيى بن الربيع الفقيه الشافعي، ~~بالنظامية ببغداد في ربيع الأول. # PageV10P186 # [الوفيات] # وفيها توفيت بنفشة جارية الخليفة المستضيء بأمر الله، وكان كثير الميل ~~إليها، والمحبة لها، وكانت كثيرة المعروف والإحسان والصدقة. # وفيها أيضا توفي الخطيب عبد الملك بن زيد الدولعي خطيب دمشق، وكان فقيها ~~شافعيا، هو من الدولعية قرية من أعمال الموصل. # PageV10P187 ### | [ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة] ### | 599 - # ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة # ذكر حصر عسكر العادل ماردين وصلحه مع صاحبها # في هذه السنة، في المحرم، سير الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب دمشق ~~ومصر، عسكرا مع ولده الملك الأشرف موسى إلى ماردين، فحصروها، وشحنوا على ~~أعمالها، وانضاف إليه عسكر الموصل وسنجار وغيرهما، ونزلوا بخرزم تحت ~~ماردين، ونزل عسكر من قلعة البارعية - وهي لصاحب ماردين - يقطعون الميرة عن ~~العسكر العادلي، فسار إليهم طائفة من العسكر العادلي، فاقتتلوا، فانهزم ~~عسكر البارعية. # وثار التركمان وقطعوا الطريق في تلك الناحية، وأكثروا الفساد، فتعذر سلوك ~~الطريق إلا لجماعة من أرباب السلاح، فسار طائفة من العسكر العادلي إلى رأس ~~عين لإصلاح الطرق، وكف عادية الفساد، وأقام ولد العادل، ولم يحصل له غرض، ~~فدخل الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف - صاحب حلب ms4374 - في الصلح بينهم، ~~وأرسل إلى عمه العادل في ذلك، فأجاب إليه على قاعدة أن يحمل له صاحب ماردين ~~مائة وخمسين ألف دينار، فجاء صرف الدينار أحد عشر قيراطا من أميري، ويخطب ~~له ببلاده، ويضرب اسمه على السكة، ويكون عسكره في خدمته أي وقت طلبه، وأخذ ~~الظاهر عشرين ألف دينار من النقد المذكور، وقرية القرادي من أعمال شبختان # PageV10P188 # فرحل ولد العادل عن ماردين. # ذكر وفاة غياث الدين ملك الغور وشيء من سيرته # في هذه السنة في جمادى الأولى، توفي غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام ~~الغوري، صاحب غزنة وبعض خراسان وغيرها، وأخفيت وفاته، وكان أخوه شهاب الدين ~~بطوس، عازما على قصد خوارزم شاه، فأتاه الخبر بوفاة أخيه، فسار إلى هراة، ~~فلما وصل إليها جلس للعزاء بأخيه في رجب، وأظهرت وفاته حينئذ. # وخلف غياث الدين من الولد ابنا اسمه محمود، لقب بعد موت أبيه غياث الدين. ~~وسنورد من أخباره كثيرا. # ولما سار شهاب الدين من طوس استخلف بمرو الأمير محمد بن جربك، فسار إليه ~~جماعة من الأمراء الخوارزمية، فخرج إليهم محمد ليلا، وبيتهم، فلم ينج منهم ~~إلا القليل، وأنفذ الأسرى والرءوس إلى هراة، فأمر شهاب الدين بالاستعداد ~~لقصد خوارزم على طريق الرمل، وجهز خوارزم شاه جيشا وسيرهم مع برفور التركي ~~إلى قتال محمد بن جربك، فسمع بهم، فخرج إليهم، ولقيهم على عشرة فراسخ من ~~مرو، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل بين الفريقين خلق كثير، وانهزم الغورية، ~~ودخل محمد بن جربك مرو في عشرة فرسان، وجاء الخوارزميون فحصروه خمسة عشر ~~يوما، فضعف عن الحفظ، فأرسل في طلب الأمان، فحلفوا له إن خرج إليهم على ~~حكمهم أنهم لا يقتلونه، فخرج إليهم، فقتلوه، وأخذوا كل ما معه. # وسمع شهاب الدين الخبر فعظم عليه، وترددت الرسل بينه وبين خوارزم شاه، ~~فلم يستقر الصلح، وأراد العود إلى غزنة فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب ~~غازي، وفلك الملك علاء الدين محمد بن أبي علي الغوري (على مدينة فيروزكوه) ~~، وجعل إليه حرب خراسان وأمر كل ما يتعلق بالمملكة، وأتاه ms4375 محمود ابن أخيه ~~غياث # PageV10P189 # الدين، فولاه مدينة بست، وأسفزار، وتلك الناحية، وجعله بمعزل من الملك ~~جميعه، ولم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه، ولا على غيره من أهله، فمن جملة ~~فعله أن غياث الدين كانت له زوجة كانت مغنية، فهويها وتزوجها، فلما مات ~~غياث الدين قبض عليها وضربها ضربا مبرحا، وضرب ولدها غياث الدين، وزوج ~~أختها، وأخذ أموالهم وأملاكهم وسيرهم إلى بلد الهند، فكانوا في أقبح صورة، ~~وكانت قد بنت مدرسة، ودفنت فيها أباها وأمها وأخاها، فهدمها ونبش قبور ~~الموتى، ورمى بعظامهم منها. # وأما سيرة غياث الدين وأخلاقه ; فإنه كان مظفرا منصورا في حروبه، لم ~~تنهزم له راية قط، وكان قليل المباشرة للحروب. وإنما كان له دهاء ومكر، ~~وكان جوادا، حسن الاعتقاد، كثير الصدقات والوقوف بخراسان. بنى المساجد ~~والمدارس بخراسان لأصحاب الشافعي، وبنى الخانكاهات في الطرق. وأسقط المكوس، ~~ولم يتعرض إلى مال أحد من الناس، ومن مات [ولا وارث له تصدق بما يخلفه، ومن ~~كان من بلد معروف ومات] ببلده يسلم ماله إلى أهل بلده من التجار، فإن لم ~~يجد أحدا يسلمه إلى القاضي، ويختم عليه إلى أن يصل من يأخذه بمقتضى الشرع. # وكان إذا وصل إلى بلد عم إحسانه أهله والفقهاء وأهل الفضل، يخلع عليهم، ~~ويفرض لهم الأعطيات كل سنة من خزانته، ويفرق الأموال في الفقراء، وكان ~~يراعي كل من وصل إلى حضرته من العلويين والشعراء وغيرهم، وكان فيه فضل ~~غزير، وأدب مع حسن خط وبلاغة، وكان - رحمه الله - ينسخ المصاحف بخطه ويقفها ~~في المدارس التي بناها، ولم يظهر منه تعصب على مذهب، ويقول: التعصب في ~~المذاهب من الملك قبيح، إلا أنه كان شافعي المذهب، فهو يميل إلى الشافعية ~~من غير أن يطمعهم في غيرهم، ولا أعطاهم ما ليس لهم. # PageV10P190 # ذكر أخذ الظاهر قلعة نجم من أخيه الأفضل # في هذه السنة أخذ الظاهر غازي قلعة نجم من أخيه الأفضل، وكانت في جملة ما ~~أخذ من العادل لما صالحه سنة سبع وتسعين [وخمسمائة] ، فلما كان هذه السنة ~~أخذ العادل من الأفضل ms4376 سروج وحملين ورأس عين، وبقي بيده سميساط وقلعة نجم، ~~فأرسل الظاهر إليه يطلب منه قلعة نجم، وضمن له أن يشفع إلى عمه العادل في ~~إعادة ما أخذ منه، فلم يعطه، فتهدده بأن يكون إلبا عليه، ولم تزل الرسل ~~تتردد حتى سلمها إليه في شعبان، وطلب منه أن يعوضه قرى أو مالا، فلم يفعل، ~~وكان هذا من أقبح ما سمع عن ملك يزاحم أخاه في مثل قلعة نجم مع خستها ~~وحقارتها، وكثرة بلاده وعدمها لأخيه. # وأما العادل، فإنه لما أخذ سروج ورأس عين من الأفضل أرسل والدته إليه ~~لتسأل في ردهما، فلم يشفعها وردها خائبة، ولقد عوقب البيت الصلاحي بما فعله ~~أبوهم مع البيت الأتابكي، فإنه لما قصد حصار الموصل سنة ثمانين وخمسمائة ~~أرسل صاحب الموصل والدته وابنة عمه نور الدين إليه يسألانه أن يعود، فلم ~~يشفعهما، فجرى لأولاده هذا، وردت زوجته خائبة، كما فعل. # ولما رأى الأفضل عمه وأخاه قد أخذا ما كان بيده أرسل إلى ركن الدين ~~سليمان بن قلج أرسلان - صاحب ملطية وقونية، وما بينهما من البلاد - يبذل له ~~الطاعة، وأن يكون في خدمته، ويخطب له ببلده، ويضرب السكة باسمه، فأجابه ركن ~~الدين إلى ذلك، وأرسل له خلعة فلبسها الأفضل، وخطب له بسميساط في سنة ~~ستمائة وصار في جملته. # ذكر ملك الكرج مدينة دوين # في هذه السنة استولى الكرج على مدينة دوين، من أذربيجان، ونهبوها، ~~واستباحوها، وأكثروا القتل في أهلها، وكانت هي وجميع بلاد أذربيجان للأمير ~~أبي # PageV10P191 # بكر بن البهلوان، وكان على عادته مشغولا بالشرب ليلا ونهارا، لا يفيق، ~~ولا يصحو ولا ينظر في أمر مملكته ورعيته وجنده، قد ألقى الجميع عن قلبه، ~~وسلك طريق من ليس له علاقة، وكان أهل تلك البلاد قد أكثرت الاستغاثة به، ~~وإعلامه بقصد الكرج بلادهم بالغارة مرة بعد أخرى، فكأنهم ينادون صخرة صماء، ~~فلما حصر الكرج هذه السنة مدينة دوين، سار منهم جماعة يستغيثون، فلم يغثهم ~~وخوفه جماعة من أمرائه عاقبة إهماله وتوانيه وإصراره على ما هو فيه فلم يصغ ~~إليهم، فلما ms4377 طال الأمر على أهلها ضعفوا، وعجزوا، وأخذهم الكرج عنوة بالسيف ~~وفعلوا ما ذكرنا. # ثم إن الكرج بعد أن استقر أمرهم بها أحسنوا إلى من بقي من أهلها، فالله - ~~تعالى - ينظر إلى المسلمين، ويسهل لثغورهم من يحفظها ويحميها، فإنها ~~مستباحة، لا سيما هذه الناحية - فإنا لله وإنا إليه راجعون - فلقد بلغنا من ~~فعل الكرج بأهل دوين من القتل والسبي والأمر مما تقشعر منه الجلود. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أحضر الملك العادل محمدا ولد العزيز صاحب مصر إلى الرها، ~~وسبب ذلك أنه لما قطع خطبته من مصر سنة ست وتسعين [وخمسمائة]- كما ذكرناه - ~~خاف شيعة أبيه أن يجتمعوا عليه، ويصير له معهم فتنة، فأخرجه سنة ثمان ~~وتسعين إلى دمشق، ثم نقله هذه السنة إلى الرها، فأقام بها ومعه جميع إخوته ~~وأخواته ووالدته ومن يخصه. # [الوفيات] # وفيها، في رجب، توفي الشيخ وجيه الدين محمد بن محمود المروروذي، الفقيه ~~الشافعي. وهذا الذي كان السبب في أن صار وحيد الدين شافعيا. # وفي ربيع الأول منها توفي أبو الفتوح عبيد الله بن أبي المعمر الفقيه ~~الشافعي المعروف بالمستملي ببغداد. وله خط حسن. # وفي ربيع الآخر توفيت زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله، وأخرجت ~~جنازتها ظاهرة، وصلى الخلق الكثير عليها، ودفنت في التربة التي بنتها ~~لنفسها، وكانت كثيرة المعروف. # PageV10P192 ### | [ثم دخلت سنة ستمائة] ### | 600 - # ثم دخلت سنة ستمائة # ذكر حصار خوارزم شاه هراة ثانية # في هذه السنة، أول رجب، وصل خوارزم شاه محمد إلى مدينة هراة، فحصرها، ~~وبها ألب غازي ابن أخت شهاب الدين الغوري ملك غزنة، بعد مراسلات جرت بينه ~~وبين شهاب الدين في الصلح، فلم يتم. وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى ~~لهاوور عازما على غزو الهند، فأقام خوارزم شاه على حصار هراة إلى سلخ ~~شعبان. # وكان القتال دائما، والقتل بين الفريقين كثيرا، وممن قتل رئيس خراسان، ~~وكان كبير القدر يقيم بمشهد طوس، وكان الحسين بن خرميل بكرزبان - وهي ~~إقطاعه -، فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أرسل إلي عسكرا لنسلم إليهم ms4378 ~~الفيلة وخزانة شهاب الدين، فأرسل إليهم ألف فارس من أعيان عسكره إلى ~~كرزبان، فخرج عليه هو والحسين بن محمد المرغني، فقتلوهم إلا القليل، فبلغ ~~الخبر إلى خوارزم شاه، فسقط في يده وندم على إنفاذ العسكر. وأرسل إلى ألب ~~غازي يطلب منه أن يخرج إليه من البلد ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم ~~يجبه إلى ذلك، فاتفق أن ألب غازي مرض واشتد مرضه، فخاف أن يشتغل بمرضه ~~فيملك خوارزم شاه البلد، فأجاب إلى ما طلب منه، واستحلفه على الصلح، وأهدى ~~له هدية جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض ميتا، ولم يشعر أحد ~~بذلك، وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار إلى سرخس فأقام بها. # PageV10P193 # ذكر عود شهاب الدين من الهند وحصره خوارزم وانهزامه من الخطا # في هذه السنة، في رمضان، عاد شهاب الدين الغوري إلى خراسان من قصد الهند، ~~وسبب ذلك أنه بلغه حصر خوارزم شاه هراة، وموت ألب غازي نائبه بها، فعاد ~~حنقا على خوارزم شاه، فلما بلغ ميمند عدل على طريق أخرى قاصدا إلى خوارزم، ~~فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: ارجع إلي لأحاربك، وإلا سرت إلى هراة، ~~ومنها إلى غزنة. # وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، فأقام بظاهرها، فأعاد إليه شهاب ~~الدين جوابه: لعلك تنهزم كما فعلت تلك الدفعة، لكن خوارزم تجمعنا، ففرق ~~خوارزم شاه عساكره، وأحرق ما جمعه من العلف، ورحل يسابق شهاب الدين إلى ~~خوارزم، فسبقه إليها، فقطع الطريق وأجرى المياه فيها، فتعذر على شهاب الدين ~~سلوكها، وأقام أربعين يوما يصلحها حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم، والتقى ~~العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، فجرى بينهم قتال شديد كثر القتلى ~~فيه بين الفريقين، وممن قتل من الغورية الحسين المرغني وغيره، وأسر جماعة ~~من الخوارزمية. فأمر شهاب الدين بقتلهم فقتلوا. # وأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم، وهم حينئذ أصحاب ما وراء ~~النهر، فاستعدوا، وساروا إلى بلاد الغورية، فلما بلغ شهاب الدين ذلك عاد عن ~~خوارزم، فلقي أوائلهم في صحراء أندخوي أول صفر ms4379 سنة إحدى وستمائة، فقتل فيهم ~~وأسر كثيرا، فلما كان اليوم الثاني دهمه من الخطا ما لا طاقة له بهم، ~~فانهزم المسلمون هزيمة قبيحة، وكان أول من انهزم الحسين بن خرميل صاحب ~~طالقان، وتبعه الناس، وبقي شهاب الدين في نفر يسير، وقتل بيده أربعة أفيال ~~لأنها أعيت، وأخذ الكفار فيلين، ودخل شهاب الدين أندخوي فيمن معه، وحصره ~~الكفار، ثم صالحوه على أن يعطيهم فيلا آخر، ففعل وخلص. # ووقع الخبر في جميع بلاده بأنه قد عدم، وكثرت الأراجيف بذلك، ثم وصل إلى ~~الطالقان في سبعة نفر، وقد قتل أكثر عسكره، ونهبت خزائنه جميعها، فلم يبق ~~منها شيء، فأخرج له الحسين بن خرميل صاحب الطالقان خياما وجميع ما يحتاج # PageV10P194 # إليه، وسار إلى غزنة، وأخذ معه الحسين بن خرميل ; لأنه قيل له عنه إنه ~~شديد الخوف لانهزامه، وإنه قال: إذا سار السلطان هربت إلى خوارزم شاه، ~~فأخذه معه، وجعله أمير حاجب. # ولما وقع الخبر بقتله جمع تاج الدين ألدز، وهو مملوك اشتراه شهاب الدين، ~~أصحابه وقصد قلعة غزنة ليصعد إليها، فمنعه مستحفظها، فعاد إلى داره، فأقام ~~بها، وأفسد الخلج وسائر المفسدين في البلاد، وقطعوا الطرق، وقتلوا كثيرا، ~~فلما عاد شهاب الدين إلى غزنة بلغه ما فعله ألدز، فأراد قتله، فشفع فيه ~~سائر المماليك، فأطلقه، ثم اعتذر، وسار شهاب الدين في البلاد، فقتل من ~~المفسدين من تلك الأمم نفرا كثيرا. # وكان له أيضا مملوك آخر اسمه أيبك بال تر، فسلم من المعركة ولحق بالهند، ~~ودخل المولتان، وقتل نائب السلطان بها وملك البلد، وأخذ الأموال السلطانية، ~~وأساء السيرة في الرعية، وأخذ أموالهم، وقال: قتل السلطان، وأنا السلطان، ~~وكان يحمله على ذلك ويحسنه له إنسان اسمه عمر بن يزان، وكان زنديقا، ففعل ~~ما أمره، وجمع المفسدين، وأخذ الأموال، فأخاف الطريق، فبلغ خبره إلى شهاب ~~الدين فسار إلى الهند، وأرسل إليه عسكرا، فأخذوه ومعه عمر بن [يزان] ~~فقتلهما أقبح قتلة، وقتل من وافقهما، في جمادى الآخرة من سنة إحدى وستمائة، ~~ولما رآهم قتلى قرأ {إنما جزاء الذين يحاربون ms4380 الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: 33] الآية، وأمر شهاب الدين فنودي في ~~جميع بلاده بالتجهز لقتال الخطا وغزوهم والأخذ بثأرهم. # وقيل: كان سبب انهزامه أنه لما عاد إلى الخطا من خوارزم فرق عسكره في ~~المفازة التي في طريقه لقلة الماء، وكان الخطا قد نزلوا على طريق المفازة، ~~فكلما خرج من أصحابه طائفة فتكوا فيهم بالقتل والأسر، ومن سلم من عسكره ~~انهزم نحو البلاد، ولم يرجع إليه أحد يعلم الحال، وجاء شهاب الدين في ساقة ~~العسكر في عشرين ألف فارس ولم يعلم الحال، فلما خرج من البرية لقيه الخطا ~~مستريحين، وهو # PageV10P195 # ومن معه قد تعبوا وأعيوا، وكان الخطا أضعاف أصحابه، فقاتلهم عامة نهاره، ~~وحمى نفسه منهم، وحصروه في أندخوي، فجرى بينهم في عدة أيام أربعة عشر مصافا ~~منها مصاف واحد كان من العصر إلى الغد بكرة، ثم إنه بعد ذلك سير طائفة من ~~عسكره ليلا سرا، وأمرهم أن يرجعوا إليه بكرة كأنهم قد أتوه مددا من بلاده، ~~فلما فعل ذلك خافه الخطا، وقال لهم صاحب سمرقند وكان مسلما، وهو في طاعة ~~الخطا، وقد خاف على الإسلام والمسلمين إن هم ظفروا بشهاب الدين، فقال لهم: ~~إن هذا الرجل لا تجدونه قط أضعف منه لما خرج من المفازة، ومع ضعفه وتعبه ~~وقلة من معه لم نظفر به، والأمداد أتته وكأنكم بعساكره، وقد أقبلت من كل ~~طريق، وحينئذ نطلب الخلاص منه فلا نقدر عليه، والرأي لنا الصلح معه، ~~فأجابوا إلى ذلك، فأرسلوا إليه في الصلح. # وكان صاحب سمرقند قد أرسل إليه وعرفه الحال سرا، وأمره بإظهار الامتناع ~~من الصلح أولا والإجابة إليه أخيرا، فلما أتته الرسل امتنع، وأظهر القوة ~~بانتظار الأمداد، وطال الكلام، فاصطلحوا على أن الخطا لا يعبرون النهر إلى ~~بلاده، ولا هو يعبره إلى بلادهم، ورجعوا عنه وخلص هو وعاد إلى بلاده، ~~والباقي نحو ما تقدم. # ذكر قتل طائفة من الإسماعيلية بخراسان # في هذه السنة وصل رسول إلى شهاب الدين الغوري من عند مقدم الإسماعيلية ~~بخراسان برسالة ms4381 أنكرها، فأمر علاء الدين محمد بن أبي علي متولي بلاد الغور ~~بالمسير في عساكر إليهم ومحاصرة بلادهم، فسار في عساكر كثيرة إلى قهستان، ~~وسمع به صاحب زوزن، فقصده وصار معه وفارق خدمة خوارزم شاه، ونزل علاء الدين ~~على مدينة قاين، وهي للإسماعيلية، وحصرها وضيق على أهلها، ووصل خبر قتل ~~شهاب الدين - على ما نذكره - فصالح أهلها على ستين ألف دينار ركنية، ورحل ~~عنهم، وقصد حصن كاخك فأخذه وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، ورحل إلى هراة ~~ومنها [إلى] فيروزكوه. # PageV10P196 # ذكر ملك القسطنطينية من الروم # في هذه السنة، في شعبان، ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم وأزالوا ~~ملك الروم عنها، وكان سبب ذلك أن ملك الروم بها تزوج أخت ملك إفرنسيس، وهو ~~من أكبر ملوك الفرنج فرزق منها ولدا ذكرا، ثم وثب على الملك أخ له، فقبض ~~عليه. وملك البلد منه، وسمل عينيه وسجنه، فهرب ولده ومضى إلى خاله مستنصرا ~~به على عمه. فاتفق ذلك وقد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام ~~لاستنقاذ البيت المقدس من المسلمين، فأخذوا ولد الملك معهم، وجعلوا طريقهم ~~على القسطنطينية قصدا لإصلاح الحال بينه وبين عمه، ولم يكن له طمع في سوى ~~ذلك، فلما وصلوا خرج عمه في عساكر الروم محاربا لهم، فوقع القتال بينهم في ~~رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فانهزمت الروم، ودخلوا البلد فدخله الفرنج ~~معهم، فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد، وقيل إن ملك الروم لم يقاتل الفرنج ~~بظاهر البلد وإنما حصروه فيها. # وكان بالقسطنطينية من الروم من يريد الصبي، فألقوا النار في البلد، ~~فاشتغل الناس بذلك، ففتحوا بابا من أبواب المدينة فدخلها الفرنج، وخرج ~~ملكها هاربا، وجعل الفرنج الملك في ذلك الصبي، وليس له من الحكم شيء - ~~وأخرجوا أباه من السجن - إنما الفرنج هم الحكام في البلد، فثقلوا الوطأة ~~على أهله، وطلبوا منهم أموالا عجزوا عنها، وأخذوا أموال البيع وما فيها من ~~ذهب ونقرة وغير ذلك حتى ما على الصلبان وما هو على صورة المسيح - عليه ~~السلام - والحواريين، وما على الأناجيل من ms4382 ذلك أيضا، فعظم ذلك على الروم ~~وحملوا منه خطبا عظيما، فعمدوا إلى ذلك الصبي الملك فقتلوه، وأخرجوا الفرنج ~~من البلد، وأغلقوا الأبواب، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ستمائة، فأقام ~~الفرنج بظاهره محاصرين للروم، وقاتلوهم ولازموا قتالهم ليلا ونهارا، وكان ~~الروم قد ضعفوا ضعفا كثيرا، فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج ~~أرسلان، صاحب قونية وغيرها من البلاد، يستنجدونه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا. # وكان بالمدينة كثير من الفرنج، مقيمين، يقاربون ثلاثين ألفا. ولعظم البلد ~~لا يظهر أمرهم، فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد، ووثبوا فيه وألقوا ~~النار مرة ثانية، فاحترق نحو ربع البلد، وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا ~~السيف ثلاثة أيام، # PageV10P197 # وفتكوا بالروم قتلا ونهبا، فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك ~~شيئا، ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى صوفيا، فجاء ~~الفرنج إليها، فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان، بأيديهم ~~الإنجيل والصليب يتوسلون بهما إلى الفرنج ليبقوا عليهم، فلم يلتفتوا إليهم، ~~وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة. # وكانوا ثلاثة ملوك: دوقس البنادقة، وهو صاحب المراكب البحرية، وفي مراكبه ~~ركبوا إلى القسطنطينية، وهو شيخ أعمى، إذا ركب تقاد فرسه، والآخر يقال له ~~المركيس، وهو مقدم الإفرنسيس، والآخر يقال له كند أفلند، وهو أكثرهم عددا، ~~فلما استولوا على القسطنطينية اقترعوا على الملك، فخرجت القرعة على كند ~~أفلند، فأعادوا القرعة ثانية وثالثة فخرجت عليه، فملكوه - والله يؤتي ملكه ~~من يشاء، وينزعه ممن يشاء -، فلما خرجت القرعة عليه ملكوه عليها وعلى ما ~~يجاورها، وتكون لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل جزيرة أقريطش وجزيرة ~~رودس وغيرهما، ويكون لمركيس الإفرنسيس البلاد التي هي شرقي الخليج مثل ~~أزنيق ولاذيق، فلم يحصل لأحد منهم شيء غير الذي أخذ القسطنطينية، وأما ~~الباقي فلم يسلم من به من الروم. وأما البلاد التي كانت لملك القسطنطينية ~~شرقي الخليج المجاورة لبلاد ركن الدين سليمان قلج أرسلان ومن جملتها أزنيق ~~ولاذيق، فإنها تغلب عليها بطريق كبير من بطارقة الروم اسمه لشكري، وهي بيده ~~إلى الآن. # ذكر انهزام نور ms4383 الدين صاحب الموصل من العساكر العادلية # في هذه السنة، في العشرين من شوال، انهزم نور الدين أرسلان شاه صاحب ~~الموصل من العساكر العادلية ; وسبب ذلك أن نور الدين كان بينه وبين عمه قطب ~~الدين محمد بن زنكي صاحب سنجار وحشة مستحكمة أولا ثم اتفقا، وسار معه # PageV10P198 # إلى ميافارقين سنة خمس وتسعين [وخمسمائة]- وقد ذكرناه - فلما كان الآن ~~أرسل الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب مصر ودمشق وبلاد الجزيرة إلى قطب ~~الدين واستماله، فمال إليه وخطب له، فلما سمع نور الدين ذلك سار إلى مدينة ~~نصيبين سلخ شعبان - وهي لقطب الدين - فحصرها وملك المدينة، وبقيت القلعة ~~فحصرها عدة أيام، فبينما هو يحاصرها وقد أشرف على أن يتسلمها أتاه الخبر أن ~~مظفر الدين دوكبري بن زين الدين علي صاحب إربل قد قصد أعمال الموصل فنهب ~~نينوى، وأحرق غلاتها، فلما بلغه ذلك من نائبه المرتب بالموصل يحفظها، وسار ~~عن نصيبين إلى الموصل على عزم العبور إلى بلد إربل ونهبه جزاء بما فعل ~~صاحبها ببلده، فوصل إلى مدينة بلد، وعاد مظفر الدين إلى بلده، وتحقق نور ~~الدين أن الذي قيل له وقع فيه زيادة، فسار إلى تل أعفر من بلد وحصرها، ~~وأخذها ورتب أمورها وأقام عليها سبعة عشر يوما. # وكان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب قد سار من مدينة حران ~~إلى رأس عين نجدة لقطب الدين، صاحب سنجار ونصيبين، وقد اتفق هو ومظفر ~~الدين، صاحب إربل، وصاحب الحصن وآمد، وصاحب جزيرة ابن عمر، وغيرهم، على ~~ذلك، وعلى منع نور الدين من أخذ شيء من بلاده، وكلهم خائفون منه، ولم ~~يمكنهم الاجتماع وهو على نصيبين، فلما فارقها نور الدين سار الأشرف إليها، ~~وأتاه صاحب الحصن، وصاحب الجزيرة وصاحب دارا، وساروا عن نصيبين نحو بلد ~~البقعا قريبا من بوشرى، وسار نور الدين من تل أعفر إلى كفر زمار، وعزم على ~~المطاولة ليتفرقوا، فأتاه كتاب من بعض مماليكه، يسمى جرديك، وقد أرسله ~~يتجسس أخبارهم، فيقللهم في عينه، ويطمعه فيهم، ويقول: إن أذنت لي لقيتهم ms4384 ~~بمفردي، فسار حينئذ نور الدين إلى بوشرى فوصل إليها من الغد الظهر وقد تعبت ~~دوابه وأصحابه، ولقوا شدة من الحر، فنزل بالقرب منهم أقل من ساعة. # وأتاه الخبر أن عساكر الخصم قد ركبوا، فركب هو وأصحابه، وساروا نحوهم فلم ~~يروا لهم أثرا، فعاد إلى خيامه، ونزل هو وعساكره، وتفرق كثير منهم في القرى # PageV10P199 # لتحصيل العلوفات وما يحتاجون إليه، فجاءه من أخبره بحركة الخصم وقصده، ~~فركب نور الدين وعسكره، وتقدموا إليهم، وبينهم نحو فرسخين، فنزلوا وقد ~~ازداد تعبهم، والخصم مستريح، فالتقوا، واقتتلوا فلم تطل الحرب بينهم حتى ~~انهزم عسكر نور الدين، وانهزم هو أيضا، وطلب الموصل، فوصل إليها في أربعة ~~أنفس، وتلاحق الناس، وأتى الأشرف ومن معه، فنزلوا في كفر زمار، ونهبوا ~~البلاد نهبا عظيما، وأهلكوا ما لم يصلح لهم ولا سيما مدينة بلد فإنهم ~~أفحشوا في نهبها. # ومن أعجب ما سمعنا أن امرأة كانت تطبخ، فرأت [النهب] ، فألقت سوارين كانا ~~في يديها في النار وهربت، فجاء بعض الجند ونهب ما في البيت، فرأى فيه بيضا، ~~فأخذه وجعله في النار ليأكله، فحكها، فرأى السوارين فيها فأخذهما. # وطال مقامهم والرسل تتردد في الصلح، فوقف الأمر على إعادة تل أعفر، ويكون ~~الصلح على القاعدة الأولى، وتوقف نور الدين في إعادة تل أعفر، فلما طال ~~الأمر سلمها إليهم، واصطلحوا أوائل سنة إحدى وستمائة، وتفرقت العساكر من ~~البلاد. # ذكر خروج الفرنج بالشام إلى بلد الإسلام والصلح معهم # في هذه السنة خرج كثير من الفرنج في البحر إلى الشام، وسهل الأمر عليهم ~~بذلك لملكهم قسطنطينية، وأرسوا بعكا، وعزموا على قصد البيت المقدس - حرسه ~~الله - واستنقاذه من المسلمين، فلما استراحوا بعكا ساروا فنهبوا كثيرا من ~~بلاد الإسلام بنواحي الأردن، وسبوا، وفتكوا في المسلمين. # وكان الملك العادل بدمشق، فأرسل في جمع العساكر من بلاد الشام ومصر، وسار ~~ونزل عند الطور بالقرب من عكا ; لمنع الفرنج من قصد بلاد الإسلام، ونزل ~~الفرنج بمرج عكا، وأغاروا على كفر كنا، فأخذوا كل من بها وأموالهم، ~~والأمراء يحثون العادل على قصد بلادهم ms4385 ونهبها، فلم يفعل، فبقوا كذلك إلى أن ~~انقضت # PageV10P200 # السنة، وذلك سنة إحدى وستمائة، فاصطلح هو والفرنج على دمشق وأعمالها، وما ~~بيد العادل من الشام، ونزل لهم عن جميع المناصفات في الصيدا والرملة ~~وغيرهما، وأعطاهم ناصرة وغيرها، وسار نحو الديار المصرية. فقصد الفرنج ~~مدينة حماة، فلقيهم صاحبها ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن ~~أيوب، فقاتلهم، وكان في قلة، فهزموه وتبعوه إلى البلد، فخرج العامة إلى ~~قتالهم، فقتل الفرنجة منهم جماعة وعاد الفرنج. # ذكر قتل كوكجة ببلاد الجبل # قد ذكرنا قبل تغلب كوكجة مملوك البهلوان على الري وهمذان، وبلد الجبل، ~~وبقي إلى الآن، وكان قد اصطنع مملوكا آخر كان للبهلوان، اسمه إيدغمش، ~~وقدمه، وأحسن إليه، ووثق به، فجمع إيدغمش الجموع من المماليك وغيرهم، ثم ~~قصد كوكجة، فتصافا، واقتتل الفريقان، فقتل كوكجة في الحرب، واستولى إيدغمش ~~على البلاد، وأخذ معه أوزبك بن البهلوان، اسم الملك، وإيدغمش هو المدبر له ~~والقيم بأمر المملكة، وكان شهما، شجاعا، ظالما، وكان كوكجة عادلا حسن ~~السيرة - رحمه الله. # ذكر وفاة ركن الدين بن قلج أرسلان وملك ابنه بعده # وفي هذه السنة، سادس ذي القعدة، توفي ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن ~~مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق، صاحب ديار الروم ما بين ~~ملطية وقونية، وكان موته بمرض القولنج في سبعة أيام، وكان قبل مرضه بخمسة ~~أيام قد غدر بأخيه صاحب أنكورية، وتسمى أيضا أنقرة - وهي مدينة منيعة -، ~~وكان مشاقا لركن الدين، فحصره عدة سنين حتى ضعف وقلت الأقوات عنده، فأذعن ~~بالتسليم على عوض يأخذه، فعوضه قلعة في أطراف بلده وحلف له عليها، فنزل ~~أخوه عن مدينة أنقرة. وسلمها ومعه ولدان له. فوضع ركن الدين عليه # PageV10P201 # من أخذه، وأخذ أولاده معه، فقتله فلم يمض غير خمسة أيام حتى أصابه ~~القولنج فمات. # واجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان وكان صغيرا، فبقي في الملك إلى ~~بعض سنة إحدى وستمائة، وأخذ منه، على ما نذكره هناك. # وكان ركن الدين شديدا على الأعداء، ms4386 قيما بأمر الملك، إلا أن الناس كانوا ~~ينسبونه إلى فساد الاعتقاد، كان يقال إنه يعتقد أن مذهبه مذهب الفلاسفة، ~~وكان كل من يرمى بهذا المذهب يأوي إليه، ولهذه الطائفة منه إحسان كثير، إلا ~~أنه كان عاقلا يحب ستر هذا المذهب لئلا ينفر الناس عنه. # حكي لي عنه أنه كان عنده إنسان، وكان يرمى بالزندقة ومذهب الفلاسفة، وهو ~~قريب منه، فحضر يوما عنده فقيه، فتناظرا، فأظهر شيئا من اعتقاد الفلاسفة، ~~فقام الفقيه إليه ولطمه وشتمه بحضرة ركن الدين، وركن الدين ساكت، وخرج ~~الفقيه فقال لركن الدين: يجري علي مثل هذا في حضرتك ولا تنكره؟ فقال: لو ~~تكلمت لقتلنا جميعا، ولا يمكن إظهار ما تريده أنت ففارقه. # ذكر قتل الباطنية بواسط # في هذه السنة قتل الباطنية بواسط ; وسبب كونهم بها [وقتلهم] أنه ورد ~~إليها رجل يعرف بالزكم محمد بن طالب بن عصية، وأصله من القاروب من قرى ~~واسط، وكان باطنيا ملحدا ونزل مجاورا لدور بني الهروي، وغشيه الناس، وكثر ~~أتباعه. # وكان ممن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابوني، فاتفق أنه اجتاز بالسويقة، فكلمه ~~رجل نجار في مذهبهم، فرد عليه الصابوني ردا غليظا، فقام إليه النجار وقتله، ~~وتسامع الناس بذلك، فوثبوا وقتلوا من وجدوا ممن ينتسب إلى هذا المذهب. ~~وقصدوا دار ابن عصية وقد اجتمع إليه خلق من أصحابه، وأغلقوا الباب وصعدوا ~~إلى سطحها ومنعوا الناس عنهم، فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح، ~~وتحصن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب والممارق فكسروها، ونزلوا فقتلوا من ~~وجدوا في الدار وأحرقوا، وقتل ابن عصية، وفتح الباب وهرب منهم جماعة ~~فقتلوا، # PageV10P202 # وبلغ الخبر إلى بغداد، وانحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا الواسطي ~~لإصلاح الحال وتسكين الفتنة. # ذكر استيلاء محمود على مرباط وغيرها من حضرموت # في هذه السنة استولى إنسان اسمه محمود بن محمد الحميري على مدينة مرباط ~~وظفار وغيرهما من حضرموت، وإن ابتداء أمره أنه له مركب يكريه في البحر ~~للتجار، ثم وزر لصاحب مرباط، وفيه كرم وشجاعة وحسن سيرة، فلما توفي صاحب ~~مرباط ms4387 ملك المدينة بعده، وأطاعه الناس محبة له لكرمه وسيرته، ودامت أيامه ~~بها، فلما كان سنة تسع عشرة وستمائة خرب مرباط وظفار، وبنى مدينة جديدة على ~~ساحل البحر بالقرب من مرباط، وعندها عين عذبة كبيرة أجراها إلى المدينة، ~~وعمل عليها سورا وخندقا، وحصنها وسماها الأحمدية، وكان يحب الشعر، ويكثر ~~الجائزة عليه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصرية، فنهبوا مدينة فوة، ~~وأقاموا خمسة أيام يسبون وينهبون، وعساكر مصر مقابلهم، بينهم النيل، ليس ~~لهم وصول إليهم لأنهم لم تكن لهم سفن. # وفيها كانت زلزلة عظيمة عمت أكثر البلاد مصر، والشام، والجزيرة، وبلاد ~~الروم، وصقلية، وقبرس، ووصلت إلى الموصل والعراق وغيرهما، وخرب من مدينة ~~صور سورها وأثرت في كثير من الشام. # وفيها، في رجب، اجتمع جماعة من الصوفية برباط شيخ الشيوخ ببغداد وفيهم ~~صوفي اسمه أحمد بن إبراهيم الداري من أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن ~~إسماعيل - رحمهم الله - ومعهم مغن يغني ويقول الشعر: # عويذلتي أقصري ... كفى بمشيبي عذل # شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل # PageV10P203 # وحق ليالي الوصال # أواخرها والأول ... وصفرة لون المحب # عند استماع العذل ... لئن عاد عيشي بكم # حلا العيش لي واتصل # فتحرك الجماعة، كعادة الصوفية في السماع، وطرب الشيخ المذكور، وتواجد، ثم ~~سقط مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فصلي عليه ودفن، وكان رجلا صالحا. # [الوفيات] # وفيها توفي أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي، الفقيه الشافعي، بأصفهان في ~~صفر، وكان إماما فاضلا. # وفي رمضان منها توفي قاضي هراة عمدة الدين الفضل بن محمود بن صاعد ~~الساوي، وولي بعده ابنه صاعد. # PageV10P204 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وستمائة] ### | 601 - # ثم دخلت سنة إحدى وستمائة # ذكر ملك كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم من ابن أخيه # في هذه السنة، في رجب، ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم ~~التي كانت بيد أخيه ركن الدين سليمان وانتقلت بعد موته إلى ابنه قلج أرسلان ~~بن ركن الدين. # وكان سبب ملك غياث الدين لها أن ركن الدين ms4388 كان قد أخذ ما كان لأخيه غياث ~~الدين وهو مدينة قونية، فهرب غياث الدين منه وقصد الشام إلى الملك الظاهر ~~غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولا، وقصر به، فسار من عنده، ~~وتقلب في البلاد إلى أن وصل إلى القسطنطينية، فأحسن إليه ملك الروم وأقطعه ~~وأكرمه، فأقام عنده، وتزوج بابنة بعض البطارقة الكبار. # وكان لهذا البطريق قلعة من عمل القسطنطينية، فلما ملك الفرنج ~~القسطنطينية، هرب غياث الدين إلى حميه، وهو بقلعته، فأنزله عنده وقال له: ~~نشترك في هذه القلعة، ونقنع بدخلها. فأقام عنده، فلما مات أخوه سنة ستمائة ~~- كما ذكرناه - اجتمع الأمراء على ولده، وخالفهم الأتراك الأوج، وهم كثير ~~بتلك البلاد، وأنف من اتباعهم، وأرسل إلى غياث الدين يستدعيه إليه ليملكه ~~البلاد، فسار إليه، فوصل في جمادى الأولى، واجتمع به وكثر جمعه، وقصد مدينة ~~قونية ليحصرها، وكان ولد ركن الدين والعساكر بها، فأخرجوا إليه طائفة من ~~العسكر، فلقوه فهزموه، فبقي حيران لا يدري أين يتوجه، فقصد بلدة صغيرة يقال ~~لها أوكرم بالقرب من قونية. # PageV10P205 # فقدر الله - تعالى - أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على الوالي فأخرجوه منها ~~ونادوا بشعار غياث الدين، فلما سمع أهل قونية بما فعله أهل أقصرا قالوا: ~~نحن أولى من فعل هذا، لأنه كان حسن السيرة فيهم لما كان مالكهم، فنادوا ~~باسمه أيضا، وأخرجوا من عندهم، واستدعوه فحضر عندهم، وملك المدينة وقبض على ~~ابن أخيه ومن معه، وآتاه الله الملك، وجمع له البلاد جميعها في ساعة واحدة، ~~فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه! . # وكان أخوه قيصر شاه الذي كان صاحب ملطية، لما أخذها ركن الدين منه سنة ~~سبع وتسعين [وخمسمائة] ، خرج منها، وقصد الملك العادل أبا بكر بن أيوب ; ~~لأنه كان تزوج ابنته مستنصرا به، فأمره بالمقام بمدينة الرها، فأقام بها ~~فلما سمع بملك أخيه غياث الدين سار إليه، فلم يجد عنده قبولا، إنما أعطاه ~~شيئا وأمره بمفارقة البلاد، فعاد إلى الرها وأقام بها، فلما استقر ملك ~~[غياث الدين سار إليه الأفضل صاحب] سميساط، ms4389 (فلقيه بمدينة قيسارية) وقصده ~~أيضا نظام الدين صاحب خرت برت، وصار معه، فعظم شأنه وقوي أمره. # ذكر حصر صاحب آمد خرت برت ورجوعه عنها # كانت خرت برت لعماد الدين بن قرا أرسلان، فمات، وملكها بعده ابنه نظام ~~الدين أبو بكر، والتجأ إلى ركن الدين بن قلج أرسلان، وبعده إلى أخيه غياث ~~الدين ليمتنع به من ابن عمه ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان، ~~فامتنع به. # وكان صاحب آمد ملتجئا إلى الملك العادل، وفي طاعته، وحضر مع ابنه الملك ~~الأشرف قتال صاحب الموصل على شرط أنه يسير معه في عساكره، ويأخذ له خرت ~~برت، وإنما طمع فيها بموت ركن الدين، فلما دخلت هذه السنة طلب ما كان استقر ~~الأمر عليه، فسار معه الملك الأشرف وعساكر ديار الجزيرة من سنجار، وجزيرة ~~ابن عمر، والموصل، وغيرها، وكان نزولهم عليها في شعبان، وفي رمضان تسلموا # PageV10P206 # ربضها، وكان صاحبها قد اجتمع بغياث الدين، بعد أن ملك البلاد الرومية، ~~وصار معه في طاعته، فلما نزل صاحب آمد على خرت برت خاطب صاحبها غياث الدين ~~ينجده بعسكر يرحلهم عنه، فجهز عسكرا كثيرا عدتهم ستة آلاف فارس، وسيرهم ~~[مع] الملك الأفضل علي بن صلاح الدين وهو صاحب سميساط، فلما وصل العسكر إلى ~~ملطية فارق صاحب آمد ومن معه من خرت برت، ونزلوا إلى الصحراء، وحصروا ~~البحيرة المعروفة ببحيرة سمنين وبها حصنان أحدهما لصاحب خرت برت، فحصره ~~وزاحفه، ففتحه ثاني ذي الحجة. # ووصل صاحب خرت برت مع العسكر الرومي إلى خرت برت، فرحل صاحب آمد عن ~~البحيرة وقوى الحصن الذي فتحه فيها، فأزاح علته، ورحل إلى خلف مرحلة ونزل، ~~وترددت الرسل، والعسكر الرومي يطلب البحيرة، وصاحب آمد يمتنع من ذلك، فلما ~~طال الأمر بقي الحصن بيد صاحب آمد، وانفصل العسكران، وعاد كل فريق إلى ~~بلاده. # ذكر الفتن ببغداد # في سابع عشر رمضان جرت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وأهل المأمونية، ~~وسببها أن أهل باب الأزج قتلوا سبعا وأرادوا أن يطوفوا به، فمنعهم أهل ~~المأمونية، فوقعت الفتنة ms4390 بينهما عند البستان الكبير، فجرح منهم خلق كثير، ~~وقتل جماعة، وركب صاحب الباب لتسكين الفتنة، فجرح فرسه فعاد. # فلما كان الغد سار أهل المأمونية إلى أهل باب الأزج، فوقعت بينهم فتنة ~~شديدة وقتال بالسيوف والنشاب، واشتد الأمر، فنهبت الدور القريبة منهم، وسعى ~~الركن بن عبد القادر ويوسف العقاب في تسكين الناس، وركب الأتراك، فصاروا ~~يبيتون تحت المنظرة، فامتنع أهل الفتنة من الاجتماع، فسكنوا. # وفي العشرين منه جرت فتنة بين أهل قطفتا والقرية، من محال الجانب الغربي، ~~بسبب قتل سبع أيضا، أراد أهل قطفتا أن يجتمعوا ويطوفوا به، فمنعهم أهل ~~القرية أن يجوزوا به عندهم، فاقتتلوا، وقتل بينهم عدة قتلى، فأرسل إليهم ~~عسكر من الديوان لتلافي الأمر ومنع الناس عن الفتنة، فامتنعوا. # PageV10P207 # وفي تاسع رمضان كانت فتنة بين أهل سوق السلطان والجعفرية، منشأها أن ~~رجلين من المحلتين اختصما وتوعد كل واحد منهما صاحبه، فاجتمع أهل المحلتين ~~واقتتلوا في مقبرة الجعفرية، فسير إليهم من الديوان من تلافى الأمر وسكنه، ~~فلما كثرت الفتن رتب أمير كبير من مماليك الخليفة، ومعه جماعة كثيرة، فطاف ~~في البلد، وقتل جماعة ممن فيه شبهة، فسكن الناس. # ذكر غارة الكرج على بلاد الإسلام # في هذه السنة أغارت الكرج على بلاد الإسلام من ناحية أذربيجان، فأكثروا ~~العيث والفساد والنهب والسبي، ثم أغاروا على ناحية خلاط من أرمينية، ~~فأوغلوا في البلاد حتى بلغوا ملازكرد، ولم يخرج إليهم أحد من المسلمين ~~يمنعهم، فجاسوا خلال البلاد ينهبون ويأسرون ويسبون، وكلما [تقدموا] تأخرت ~~عساكر المسلمين عنهم. ثم إنهم رجعوا، فالله - تعالى - ينظر إلى الإسلام ~~وأهله، وييسر لهم من يحمي بلادهم، ويحفظ ثغورهم، ويغزو أعداءهم. # وفيها أغارت الكرج [على] بلاد خلاط، فأتوا إلى أرجيش ونواحيها، فنهبوا، ~~وسبوا، وخربوا البلاد، وساروا إلى حصن التين، من أعمال خلاط، وهو مجاور ~~أرزن الروم، فجمع صاحب خلاط عسكره وسار إلى ولد قلج أرسلان، صاحب أرزن ~~الروم، فاستنجده على الكرج، فسير عسكره جميعه معه، فتوجهوا نحو الكرج، ~~فلقوهم، وتصافوا، واقتتلوا، فانهزمت الكرج، وقتل زكري الصغير، وهو من أكابر ~~مقدميهم، ms4391 وهو الذي كان مقدم هذا العسكر من الكرج والمقاتل بهم، وغنم ~~المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والكراع وغير ذلك، وقتلوا منهم خلقا ~~كثيرا، وأسروا كذلك، وعاد إلى بلاده. # ذكر الحرب بين أمير مكة وأمير المدينة # وفي هذه السنة أيضا كانت الحرب بين الأمير قتادة الحسني، أمير مكة، وبين # PageV10P208 # الأمير سالم بن قاسم الحسيني، أمير المدينة، ومع كل واحد منهما جمع كثير، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت الحرب بذي الحليفة، بالقرب من المدينة، وكان ~~قتادة قد قصد المدينة ليحصرها ويأخذها، فلقيه سالم بعد أن قصد الحجرة - على ~~ساكنها الصلاة والسلام - فصلى عندها ودعا وسار فلقيه، فانهزم قتادة، وتبعه ~~سالم إلى مكة فحصره بها، فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء، فأفسدهم ~~عليه، فمالوا إليه وحالفوه، فلما رأى سالم ذلك رحل عنه عائدا إلى المدينة ~~وعاد أمر قتادة قويا. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة، قطعت خطبة ولي ~~العهد، وأظهر خط قرئ بدار الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي الرازي وإذا هو ~~خط ولي العهد الأمير أبي نصر ابن الخليفة إلى أبيه الناصر لدين الله أمير ~~المؤمنين، يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة، وشهد عدلان ~~أنه خطه، وأن الخليفة أقاله، وعمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعدول ~~والفقهاء. # وفي هذه السنة ولدت امرأة ببغداد ولدا له رأسان وأربع أرجل ويدان، ومات ~~في يومه. # وفيها أيضا وقع الحريق في خزانة السلاح التي للخليفة، فاحترق فيها منه ~~شيء كثير، وبقيت النار يومين، وسار ذكر هذا الحريق في البلدان، فحمل الملوك ~~من السلاح إلى بغداد شيئا كثيرا. # وفي هذه السنة وقع الثلج بمدينة هراة أسبوعا كاملا، فلما سكن جاء بعده ~~سيل من الجبل من باب سرا، خرب كثيرا من البلد، ورمى من حصنه قطعة عظيمة، ~~وجاء بعده برد شديد أهلك الثمار، فلم يكن بها تلك السنة شيء إلا اليسير. # PageV10P209 # وفيها، في شعبان، خرج عسكر من الغورية مقدمهم الأمير زنكي بن مسعود إلى ~~مدينة مرو، فلقيهم ms4392 نائب خوارزم شاه بمدينة سرخس، وهو الأمير جقر، وكمن لهم ~~كمينا، فلما وصلوا إليه هزمهم، وأخذ وجوه الغورية أسرى، فلم يفلت منهم إلا ~~القليل، وأخذ أميرهم زنكي أسيرا، فقتل صبرا، وعلقت رءسهم بمرو أياما. # وفيها، في ذي القعدة، سار الأمير عماد الدين عمر بن الحسين الغوري، صاحب ~~بلخ، إلى مدينة ترمذ، وهي للأتراك الخطا، فافتتحها عنوة، وجعل بها ولده ~~الأكبر، وقتل من بها من الخطا، ونقل العلويين منها إلى [بلخ] ، وصارت ترمذ ~~دار إسلام، وهي من أمنع الحصون وأقواها. # [الوفيات] # وفيها توفي صدر الدين السجزي شيخ خانكاه السلطان بهراة. # وفيها، في صفر، توفي أبو علي الحسن بن محمد بن عبدوس الشاعر الواسطي، وهو ~~من الشعراء المجيدين، واجتمعت به بالموصل، وردها مادحا لصاحبها نور الدين ~~أرسلان شاه وغيره من المقدمين، وكان نعم الرجل، حسن الصحبة والعشرة. # وفيها اجتمع ببغداد رجلان أعميان على رجل أعمى أيضا، وقتلاه بمسجد طمعا ~~في أن يأخذا منه شيئا، فلم يجدا معه ما يأخذانه، وأدركهما الصباح، فهربا من ~~الخوف يريدان الموصل، ورؤي الرجل مقتولا، ولم يعلم قاتله، فاتفق أن بعض ~~أصحاب الشحنة اجتاز من الحريم في خصومة جرت، فرأى الرجلين الضريرين، فقال ~~لمن معه: هؤلاء الذين قتلوا الأعمى يقوله مزحا، فقال أحدهما: هذا والله ~~قتله، فقال الآخر: بل أنت قتلته، فأخذا إلى صاحب الباب، فأقرا فقتل أحدهما، ~~وصلب الآخر على باب المسجد الذي قتلا فيه الرجل. # PageV10P210 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وستمائة] ### | 602 - # ثم دخلت سنة اثنتين وستمائة # ذكر الفتنة بهراة # في هذه السنة، في المحرم، ثار العامة بهراة، وجرت فيه فتنة عظيمة بين أهل ~~السوقين: الحدادين والصفارين، قتل فيها جماعة، ونهبت الأموال وخربت الديار، ~~فخرج أمير البلد ليكفهم، فضربه بعض العامة بحجر ناله منه ألم شديد، واجتمع ~~الغوغاء عليه، فرفع إلى القصر الفيروزي، واختفى أياما إلى أن سكنت الفتنة ~~ثم ظهر. # ذكر قتال شهاب الدين الغوري بني كوكر # قد ذكرنا انهزام شهاب الدين محمد بن سام الغوري صاحب غزنة من الخطا ~~الكفار، وأن الخبر ظهر ببلاده وأنه ms4393 عدم من المعركة ولم يقف أصحابه له على ~~خبر، فلما اشتهر هذا الخبر ثار المفسدون في أطراف البلاد، وكان ممن أفسد ~~دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنه كان قد أسلم، فلما بلغه الخبر ارتد عن ~~الإسلام، وتابع بني كوكر، وكان في جملة الخارجين عليه بنو كوكر، ومساكنهم ~~في جبال بين لهاوور والمولتان حصينة منيعة، وكانوا قد أطاعوا شهاب الدين، ~~وحملوا له الخراج، فلما بلغهم خبر عدمه ثاروا فيمن معهم من قبائلهم ~~وعشائرهم، وأطاعهم صاحب جبل الجودي وغيره من القاطنين بتلك الجبال، ومنعوا ~~الطريق من لهاوور وغيرها إلى غزنة. # فلما فرغ شهاب الدين من قتل مملوكه أيبك باك - وقد ذكرناه - أرسل إلى ~~نائبه بلهاوور والمولتان، وهو محمد بن أبي علي يأمره بحمل المال لسنة ~~ستمائة، وسنة # PageV10P211 # إحدى وستمائة، ليتجهز به لحرب الخطا، فأجاب أن أولاد كوكر قد قطعوا ~~الطريق، ولا يمكنه إرسال المال، وحضر جماعة من التجار، وذكروا أن قفلا ~~كبيرا أخذه أولاد كوكر، ولم ينج منه إلا القليل، فأمر شهاب الدين مملوكه ~~أيبك - مقدم عساكر الهند - أن يراسل بني كوكر يدعوهم إلى الطاعة ويتهددهم ~~إن لم يجيبوا إلى ذلك، ففعل ذلك، فقال ابن كوكر: لأي معنى لم يرسل السلطان ~~إلينا رسولا؟ فقال له الرسول: وما قدركم أنتم حتى يرسل إليكم، وإنما مملوكه ~~يبصركم رشدكم، ويهددكم. فقال ابن كوكر: لو كان شهاب الدين حيا لراسلنا، وقد ~~كنا ندفع الأموال إليه، فحيث عدم فقل لأيبك يترك لنا لهاوور وما والاها، ~~وفرشابور، ونحن نصالحه. فقال الرسول: أنفذ أنت جاسوسا تثق به فيأتيك بخبر ~~شهاب الدين من فرشابور، فلم يصغ إلى قوله، فرده، فعاد وأخبر بما سمع ورأى، ~~فأمر شهاب الدين مملوكه قطب الدين أيبك بالعود إلى بلاده، وجمع العساكر، ~~وقتال بني كوكر، فعاد إلى دهلي، وأمر عساكره بالاستعداد، فأقام شهاب الدين ~~في فرشابور إلى نصف شعبان من سنة إحدى وستمائة، ثم عاد إلى غزنة فوصلها أول ~~رمضان، وأمر بالنداء في العساكر بالتجهز لقتال الخطا، وأن المسير يكون أول ~~شوال، فتجهزوا لذلك. # فاتفق أن الشكايات ms4394 كثرت من بني كوكر وما يتعهدونه من إخافة السبل وأنهم ~~قد أنفذوا شحنة إلى البلاد، ووافقهم أكثر الهنود، وخرجوا من طاعة أمير ~~لهاوور والمولتان وغيرهما. # ووصل كتاب الوالي يذكر ما قد دهمه منهم، وأن عماله قد أخرجهم بنو كوكر، ~~وجبوا الخراج، وأن ابن كوكر مقدمهم أرسل إليه ليترك له لهاوور والبلاد ~~والفيلة ويقول أن يحضر شهاب وإلا قتله، ويقول: إن لم يحضر السلطان شهاب ~~الدين بنفسه ومعه العساكر وإلا خرجت البلاد من يده. # وتحدث الناس بكثرة من معهم من الجموع، وما لهم من القوة، فتغير عزم شهاب ~~الدين حينئذ عن غزو الخطا، وأخرج خيامه وسار عن غزنة خامس ربيع الأول سنة ~~اثنتين وستمائة، فلما سار وأبعد انقطعت أخباره عن الناس بغزنة وفرشابور، ~~حتى أرجف الناس بانهزامه. # PageV10P212 # وكان شهاب الدين لما سار عن فرشابور أتاه خبر ابن كوكر أنه نازل في ~~عساكره ما بين جيلم وسودرة، فجد السير إليه، فدهمه قبل الوقت الذي كان يقدر ~~وصوله فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الآخر، من ~~بكرة إلى العصر، واشتد القتال، فبينما هم في القتال أقبل قطب الدين أيبك في ~~عساكره، فنادوا بشعار الإسلام، وحملوا حملة صادقة، فانهزم الكوكرية ومن ~~انضم إليهم وقتلوا بكل مكان، وقصدوا أجمة هناك، فاجتمعوا بها، وأضرموا ~~نارا، فكان أحدهم يقول لصاحبه: لا تترك المسلمين يقتلونك، ثم يلقي نفسه في ~~النار فيلقي صاحبه نفسه بعده فيها، فعمهم الفناء قتلا وحرقا، {فبعدا للقوم ~~الظالمين} [المؤمنون: 41] . # وكان أهلهم وأموالهم معهم لم يفارقوها، فغنم المسلمون منهم ما لم يسمع ~~بمثله، حتى إن المماليك كانوا يباعون كل خمسة بدينار ركني ونحوه، وهرب ابن ~~كوكر بعد أن قتل إخوته وأهله. # وأما ابن دانيال، صاحب جبل الجودي، فإنه جاء ليلا إلى قطب الدين أيبك، ~~فاستجار به، فأجاره، وشفع فيه إلى شهاب الدين، فشفعه فيه، وأخذ منه قلعة ~~الجودي، فلما فرغ منهم سار نحو لهاوور ليأمن أهلها ويسكن روعهم، وأمر الناس ~~بالرجوع إلى بلادهم والتجهز لحرب بلاد الخطا، وأقام شهاب الدين بلهاوور ms4395 إلى ~~سادس عشر رجب، وعاد نحو غزنة، وأرسل إلى بهاء الدين سام، صاحب باميان، ~~ليتجهز للمسير إلى سمرقند، ويعمل جسرا ليعبر هو وعساكره عليه. # ذكر الظفر بالتيراهية # كان من جملة الخارجين المفسدين أيضا على شهاب الدين التيراهية، فإنهم ~~خرجوا إلى حدود سوران ومكرهان للغارة على المسلمين، فأوقع بهم نائب تاج ~~الدين ألدز، مملوك شهاب الدين بتلك الناحية، ويعرف بالحلحي، وقتل منهم خلقا ~~كثيرا، وحمل رءوس المعروفين فعلقت ببلاد الإسلام. # وكانت فتنة هؤلاء التيراهية على بلاد الإسلام عظيمة قديما وحديثا، وكانوا ~~إذا # PageV10P213 # وقع بأيديهم أسير من المسلمين عذبوه بأنواع العذاب. # وكان أهل فرشابور معهم في ضر شديد لأنهم يحيطون بتلك الولاية من جوانبها، ~~لا سيما آخر أيام بيت سبكتكين، فإن الملوك ضعفوا وقوي هؤلاء عليهم، وكانوا ~~يغيرون على أطراف البلاد، وكانوا كفارا لا دين لهم يرجعون إليه، ولا مذهب ~~يعتمدون عليه، إلا أنهم كانوا إذا ولد لأحدهم بنت وقف على باب داره ونادى: ~~من يتزوج هذه؟ من يقبلها؟ فإن أجابه أحد تركها وإلا قتلها، ويكون للمرأة ~~عدة أزواج، فإذا كان أحدهم عندها جعل مداسه على الباب، فإذا جاء غيره من ~~أزواجها ورأى مداسه عاد. # ولم يزالوا كذلك حتى أسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري، فكفوا ~~عن البلاد. # وسبب إسلامهم أنهم أسروا إنسانا من فرشابور، فعذبوه فلم يمت، ودامت أيامه ~~عندهم، فأحضره يوما مقدمهم وسأله عن بلاد الإسلام، وقال: لو حضرت أنا عند ~~شهاب الدين ماذا كان يعطيني، فقال له المعلم: كان يعطيك الأموال والأقطاع ~~ويرد إليك حكم جميع البلاد التي لكم، فأرسله إلى شهاب الدين في الدخول في ~~الإسلام، فأعاده ومعه رسول بالخلع والمنشور بالأقطاع، فلما وصل إليه الرسول ~~سار هو وجماعة من أهله إلى شهاب الدين، فأسلموا وعادوا، وكان للناس بهم ~~راحة، فلما كانت هذه الفتنة واختلفت البلاد نزل أكثرهم من الجبال، فلم يكن ~~لهذه الطائفة بهم قدرة ليمنعوهم، فأفسدوا وعملوا ما ذكرناه. # ذكر قتل شهاب الدين الغوري # في هذه السنة، أول ليلة من شعبان قتل شهاب الدين ms4396 أبو المظفر محمد بن سام ~~الغوري ملك غزنة وبعض خراسان بعد عوده من لهاوور، بمنزل يقال له دميل، وقت ~~صلاة العشاء. # وكان سبب قتله أن نفرا من الكفار الكوكرية لزموا عسكره عازمين على قتله، ~~لما فعل بهم من القتل والأسر والسبي، فلما كان هذه الليلة تفرق عنه أصحابه، ~~وكان قد # PageV10P214 # عاد ومعه من الأموال ما لا يحد، فإنه كان عازما على قصد الخطا، ~~والاستكثار من العساكر، وتفريق المال فيهم، وقد أمر عساكره بالهند باللحاق ~~به، وأمر عساكره الخراسانية بالتجهز إلى أن يصل إليهم، فأتاه الله من حيث ~~لم يحتسب، ولم يغن عنه ما جمع من مال وسلاح ورجال، لكن كان على نية صالحة ~~من قتال الكفار. # فلما تفرق عنه أصحابه، وبقي وحده في خركاه، ثار أولئك النفر، فقتل أحدهم ~~بعض الحراس بباب سرادق شهاب الدين، فلما قتلوه صاح، فثار أصحابه من حول ~~السرادق لينظروا ما بصاحبهم، فأخلوا مواقفهم، وكثر الزحام، فاغتنم الكوكرية ~~غفلتهم عن الحفظ، فدخلوا على شهاب الدين وهو في الخركاه، فضربوه بالسكاكين ~~اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه، فدخل عليه أصحابه، فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ~~ساجد، فأخذوا أولئك الكفار فقتلوهم، وكان فيهم اثنان مختونان. # وقيل إنما قتله الإسماعيلية لأنهم خافوا خروجه إلى خراسان، وكان له عسكر ~~يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه. # فلما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك بن خوجا سجستان، فتحالفوا ~~على حفظ الخزانة والملك، ولزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاه، وأجلسوا ~~شهاب الدين وخيطوا جراحه وجعلوه في المحفة وساروا به، ورتب الوزير الأمور، ~~وسكن الناس بحيث لم ترق محجمة دم، ولم يوجد في أحد شيء. # وكانت المحفة محفوفة بالحشم، والوزير، والعسكر، والشمسة، على حاله في ~~حياته، وتقدم الوزير إلى أمير داذ العسكر بإقامة السياسة، وضبط العسكر، ~~وكانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل ومائتي حمل، وشغب الغلمان الأتراك ~~الصغار لينهبوا المال، فمنعهم الوزير والأمراء الكبار من المماليك، وهو ~~صونج صهر ألدز وغيره، وأمروا كل من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب ~~الدين ms4397 ببلاد الهند بالعود إليه، وفرقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا. # PageV10P215 # وسار الوزير ومعه من له إقطاع وأهل بغزنة، وعلموا أنه يكون بين غياث ~~الدين محمود بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر، وبين بهاء الدين صاحب ~~باميان، وهو ابن أخت شهاب الدين، حروب شديدة، وكان ميل الوزير والأتراك ~~وغيرهم إلى غياث الدين محمود، وكان الأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين ~~سام، صاحب باميان، فأرسل كل طائفة إلى من يميلون إليه يعرفونه قتل شهاب ~~الدين وجلية الأمور. # وجاء بعض المفسدين من أهل غزنة، فقال للمماليك: إن فخر الدين الرازي قتل ~~مولاكم لأنه هو أوصل من قتله، بوضع من خوارزم شاه، فثاروا به ليقتلوه، ~~فهرب، وقصد مؤيد الملك الوزير، فأعلمه الحال فسيره سرا إلى مأمنه. # ولما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور اختلفوا، فالغورية يقولون نسير إلى ~~غزنة على طريق مكرهان، وكان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء ~~الدين سام فيملك الخزانة، وقال الأتراك بل نسير على طريق سوران، وكان ~~مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين ألدز مملوك شهاب الدين، وهو صاحب ~~كرمان - مدينة بين غزنة ولهاوور، وليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس - ~~ليحفظ ألدز الخزانة، ويرسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة ~~ويملكونه. # وكثر بينهم الاختلاف، حتى كادوا يقتتلون، فتوصل مؤيد الملك مع الغورية ~~حتى أذنوا له وللأتراك بأخذ الخزانة والمحفة التي فيها شهاب الدين والمسير ~~على كرمان، وساروا هم على طريق مكرهان، ولقي الوزير ومن معه مشقة عظيمة، ~~وخرج عليهم الأمم الذين في تلك الجبال التيراهية وأوغان وغيرهم، فنالوا من ~~أطراف العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان، فخرج إليهم تاج الدين ألدز يستقبلهم، ~~فلما عاين المحفة، وفيها شهاب الدين ميتا، نزل وقبل الأرض على عادته في ~~حياة شهاب الدين، وكشف عنه، فلما رآه ميتا مزق ثيابه وصاح وبكى فأبكى ~~الناس، وكان يوما مشهودا. # ذكر ما فعله ألدز # كان ألدز من أول مماليك شهاب الدين وأكبرهم وأقدمهم، وأكبرهم محلا # PageV10P216 # عنده، بحيث إن أهل شهاب الدين كانوا يخدمونه ويقصدونه ms4398 في أشغالهم، فلما ~~قتل صاحبه طمع أن يملك غزنة، فأول ما عمل أنه سأل الوزير مؤيد الملك عن ~~الأموال والسلاح والدواب، فأخبره بما خرج من ذلك وبالباقي معه، فأنكر ~~الحال، وأساء أدبه في الجواب، وقال: إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام ~~صاحب باميان ليملكوه غزنة، وقد كتب إلي غياث الدين محمود، وهو مولاي، ~~يأمرني أنني لا أترك أحدا يقرب من غزنة، وقد جعلني نائبه فيها وفي سائر ~~الولاية المجاورة لها لأنه مشتغل بأمر خراسان. # وقال للوزير: إنه قد أمرني أيضا أن أتسلم الخزانة منك، فلم يقدر على ~~الامتناع لميل الأتراك إليه، فسلمها إليه، وسار بالمحفة والمماليك والوزير ~~إلى غزنة، فدفن شهاب الدين في التربة بالمدرسة التي أنشأها ودفن ابنته ~~فيها، وكان وصوله إليها في الثاني والعشرين من شعبان من السنة. # ذكر بعض سيرة شهاب الدين # كان - رحمه الله - شجاعا مقداما كثير الغزو إلى بلاد الهند، عادلا في ~~رعيته، حسن السيرة فيهم، حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهر، وكان القاضي ~~بغزنة يحضر داره كل أسبوع السبت والأحد والاثنين والثلاثاء، ويحضر معه أمير ~~حاجب، وأمير داذ، وصاحب البريد. فيحكم القاضي، وأصحاب السلطان ينفذون ~~أحكامه على الصغير والكبير، والشريف والوضيع، وإن طلب أحد الخصوم الحضور ~~عنده أحضره وسمع كلامه، وأمضى عليه أو له، حكم الشرع، فكانت الأمور جارية ~~على أحسن نظام. # حكي لي عنه أنه لقيه صبي علوي عمره نحو خمس سنين فدعا له، وقال: لي خمسة ~~أيام ما أكلت شيئا، فعاد من الركوب لوقته، ومعه الصبي، فنزل في داره وأطعم ~~العلوي أطيب الطعام بحضرته، ثم أعطاه مالا بعد أن أحضر أباه وسلمه إليه، ~~وفرق في سائر العلويين مالا عظيما. # وحكي عنه أن تاجرا من مراغة كان بغزنة، وله على بعض مماليك شهاب الدين ~~دين مبلغه عشرة آلاف دينار، فقتل المملوك في حرب كانت له، فرفع التاجر ~~حاله، # PageV10P217 # فأمر بأن يقر إقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه ففعل ذلك. # وحكي عنه أنه كان يحضر العلماء بحضرته، فيتكلمون في المسائل الفقهية ms4399 ~~وغيرها، وكان فخر الدين الرازي يعظ في داره، فحضر يوما فوعظ، وقال في آخر ~~كلامه: يا سلطان، لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي، وإن مردنا إلى الله! ~~فبكى شهاب الدين حتى رحمه الناس لكثرة بكائه. # وكان رقيق القلب، وكان شافعي المذهب مثل أخيه. # قيل: وكان حنفيا - والله أعلم. # ذكر مسير بهاء الدين سام إلى غزنة وموته # فلما ملك غياث الدين باميان أقطعها ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود، ~~وزوجه أخته، فأتاه منها ولد اسمه سام، فبقي فيها إلى أن توفي، وملك بعده ~~ابنه الأكبر، واسمه عباس، وأمه تركية، فغضب غياث الدين وأخوه شهاب الدين من ~~ذلك، وأرسلا من أحضر عباسا عندهما، فأخذا الملك منه، وجعلا ابن أختهما سام ~~ملكا على باميان، وتلقب بهاء الدين، وعظم شأنه ومحله، وجمع الأموال ليملك ~~البلاد بعد خاليه، وأحبه الغورية حبا شديدا وعظموه. # فلما قتل خاله شهاب الدين سار بعض الأمراء الغورية إلى بهاء الدين سام ~~فأخبره بذلك، فلما بلغه قتله كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم ~~بحفظ البلد، ويعرفهم أنه على الطريق سائر إليهم. # وكان والي قلعة غزنة، ويعرف بأمير داذ، قد أرسل ولده إلى بهاء الدين سام ~~يستدعيه إلى غزنة، فأعاد جوابه أنه تجهز، ويصل إليه، ويعده الجميل ~~والإحسان. # وكتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن علي ملك الغور يستدعيه إليه، ~~وإلى غياث الدين محمود بن غياث الدين، وإلى ابن خرميل والي هراة، يأمرهما ~~بإقامة الخطبة له، وحفظ ما بأيديهما من الأعمال، ولم يظن أن أحدا يخالفه، ~~فأقام أهل غزنة ينتظرون وصوله، أو وصول غياث الدين محمود، والأتراك ~~ويقولون: لا نترك غير ابن سيدنا - يعنون غياث الدين - يدخل غزنة. # والغورية يتظاهرون بالميل إلى بهاء الدين ومنع غيره، فسار من باميان إلى ~~غزنة # PageV10P218 # في عساكره، ومعه ولداه علاء الدين محمد وجلال الدين، فلما سار عن باميان ~~مرحلتين وجد صداعا، فنزل يستريح، ينتظر خفته عنه، فازداد الصداع، وعظم ~~الأمر عليه، فأيقن بالموت، فأحضر ولديه، وعهد إلى علاء الدين، وأمرهما بقصد ~~غزنة، ms4400 وحفظ مشايخ الغورية، وضبط الملك، وبالرفق بالرعايا، وبذل الأموال، ~~وأمرهما أن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان وبلاد الغور، ويكون ~~لهما غزنة وبلاد الهند. # ذكر ملك علاء الدين غزنة وأخذها منه # لما فرغ بهاء الدين من وصيته توفي، فسار ولداه إلى غزنة، فخرج أمراء ~~الغورية وأهل البلد فلقوهما، وخرج الأتراك معهم على كره منهم، ودخلوا البلد ~~وملكوه، ونزل علاء الدين وجلال الدين دار السلطنة مستهل رمضان، وكانوا قد ~~وصلوا في ضر وقلة من العسكر، وأراد الأتراك منعهم، فنهاهم مؤيد الملك وزير ~~شهاب الدين لقلتهم، ولاشتغال غياث الدين بابن خرميل - والي هراة على ما ~~نذكره - فلم يرجعوا عن ذلك. # ولما استقرا بالقلعة، ونزلا بدار السلطانية، راسلهما الأتراك بأن يخرجا ~~من الدار وإلا قاتلوهما، ففرقا فيهم أموالا كثيرة، واستحلفاهم فحلفوا، ~~واستثنوا غياث الدين محمودا، وأنفذا خلعا إلى تاج الدين ألدز - وهو بإقطاعه ~~- مع رسول، وطلباه إلى طاعتهما، ووعداه بالأموال والزيادة في الإقطاع، ~~وإمارة الجيش، والحكم في جميع الممالك، فأتاه الرسول فلقيه وقد سار عن ~~كرمان في جيش كثير من الترك والخلج والغز وغيرهم يريد غزنة، فأبلغه ~~الرسالة، فلم يلتفت إليه، وقال له: قل لهما أن يعودا إلى باميان، وفيها ~~كفاية، فإني قد أمرني مولاي غياث الدين أن أسير إلى غزنة وأمنعهما عنها، ~~فإن عادا إلى بلدهما، وإلا فعلت بهما وبمن معهما ما يكرهون. # ورد ما معهما من الهدايا والخلع، ولم يكن قصد ألدز بهذا حفظ بيت صاحبه، ~~وإنما أراد أن يجعل هذا طريقا إلى ملك غزنة لنفسه. # PageV10P219 # فعاد الرسول وأبلغ علاء الدين رسالة ألدز، فأرسل وزيره، وكان قبله وزير ~~أبيه، إلى باميان وبلخ وترمذ وغيرها من بلادهم، ليجمع العساكر ويعود إليه، ~~فأرسل ألدز إلى الأتراك الذين بغزنة يعرفهم أن غياث الدين أمره أن يقصد ~~غزنة ويخرج علاء الدين وأخاه منها، فحضروا عند ابن وزير علاء الدين، وطلبوا ~~منه سلاحا، ففتح خزانة السلاح، وهرب ابن الوزير إلى علاء الدين وقال له: قد ~~كان كذا وكذا، فلم يقدر [أن] يفعل شيئا. # وسمع ms4401 مؤيد الملك - وزير شهاب الدين - فركب وأنكر على الخازن تسليم ~~المفاتيح، وأمره فاسترد ما نهبه الترك جميعه، لأنه كان مطاعا فيهم. # ووصل ألدز إلى غزنة، فأخرج إليه علاء الدين جماعة من الغورية ومن ~~الأتراك، وفيهم صونج صهر ألدز، فأشار عليه أصحابه أن لا يفعل، وينتظر ~~العسكر مع وزيره، فلم يقبل منهم، وسير العساكر، فالتقوا خامس رمضان، فلما ~~لقوه خدمه الأتراك وعادوا معه على عسكر علاء الدين فقاتلوهم فهزموهم وأسروا ~~مقدمهم، وهو محمد بن علي بن حردون، ودخل عسكر ألدز المدينة فنهبوا بيوت ~~الغورية والبامانية، وحصر ألدز القلعة، فخرج جلال الدين منها في عشرين ~~فارسا، وسار عن غزنة، فقالت له امرأة تستهزئ به: إلى أين تمضي؟ خذ الجتر ~~والشمسة معك! ما أقبح خروج السلاطين هكذا! فقال لها: إنك سترين ذلك اليوم، ~~وأفعل بكم مما تقرون به بالسلطنة لي. # وكان قد قال لأخيه: احفظ القلعة إلى أن آتيك بالعساكر، فبقي ألدز يحاصرها ~~وأراد من مع ألدز نهب البلد، فنهاهم عن ذلك وأرسل إلى علاء الدين يأمره ~~بالخروج من القلعة، ويتهدده إن لم يخرج منها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ~~فأجاب إلى مفارقتها والعود إلى بلده، وأرسل من حلف له ألدز أن لا يؤذيه، ~~ولا يتعرض له، ولا لأحد ممن يحلف له. # وسار عن غزنة، فلما رآه ألدز وقد نزل من القلعة عدل إلى تربة شهاب الدين ~~مولاه، ونزل إليها، ونهب الأتراك ما كان مع علاء الدين، وألقوه عن فرسه، ~~وأخذوا ثيابه، وتركوه عريانا بسراويله. # PageV10P220 # فلما سمع ألدز ذلك أرسل إليه بدواب وثياب ومال، واعتذر إليه فأخذ ما لبسه ~~ورد الباقي، فلما وصل إلى باميان لبس ثياب سوادي، وركب حمارا، فأخرجوا له ~~مراكب ملوكية، وملابس جميلة، فلم يركب ولم يلبس، وقال: أريد [أن] يراني ~~الناس وما صنع بي أهل غزنة، حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبتها لا يلومني ~~أحد. ودخل دار الإمارة وشرع في جمع العساكر. # ذكر ملك ألدز غزنة # قد ذكرنا استيلاء ألدز على الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك مما كان ~~صحبة ms4402 شهاب الدين وأخذه من الوزير مؤيد الملك، فجمع به العساكر من أنواع ~~الناس: الأتراك والخلج والغز وغيرهم، وسار إلى غزنة وجرى له مع علاء الدين ~~ما ذكرنا. # فلما خرج علاء الدين من غزنة أقام ألدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة غياث ~~الدين. إلا أنه لم يأمر الخطيب بالخطبة له ولا لغيره، وإنما يخطب للخليفة، ~~ويترحم على شهاب الدين الشهيد حسب. # فلما كان في اليوم الرابع أحضر مقدمي الغورية والأتراك، وذم من كاتب علاء ~~الدين وأخاه، وقبض على أمير داذ والي غزنة. # فلما كان الغد، وهو سادس عشر رمضان، أحضر القضاة والفقهاء والمقدمين، ~~وأحضر أيضا رسول الخليفة، وهو الشيخ مجد الدين أبو علي بن الربيع الفقيه ~~الشافعي مدرس النظامية ببغداد، وكان قد ورد إلى غزنة رسولا إلى شهاب الدين، ~~فقتل شهاب الدين وهو بغزنة، فأرسل إليه وإلى قاضي غزنة يقول له: إنني أريد ~~[أن] أنتقل إلى دار السلطانية، وأن أخاطب بالملك، ولا بد من حضورك. ~~والمقصود من هذا أن تستقر أمور الناس. فحضر عنده فركب ألدز والناس في ~~خدمته، وعليه ثياب الحزن، وجلس في الدار في غير المجلس الذي كان يجلس فيه ~~شهاب الدين، فتغيرت لذلك نيات كثير من الأتراك، لأنهم كانوا يطيعونه ظنا ~~منهم أنه يريد الملك لغياث الدين، فحيث رأوه يريد الانفراد تغيروا عن ~~طاعته، حتى إن بعضهم بكى غيظا # PageV10P221 # من فعله، وأقطع الإقطاعات الكثيرة، وفرق الأموال الجليلة. # وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد ملوك الغور وسمرقند وغيرهم، فأنفوا ~~من خدمة ألدز، وطلبوا منه أن يقصد خدمة غياث الدين، فأذن لهم وفارقه كثير ~~من أصحابه إلى غياث الدين وإلى علاء الدين وأخيه صاحبي باميان، وأرسل غياث ~~الدين إلى ألدز يشكره، ويثني عليه لإخراج أولاد بهاء الدين من غزنة، وسير ~~له الخلع، وطلب منه الخطبة والسكة، فلم يفعل، وأعاد الجواب فغالطه، وطلب ~~منه أن يخاطبه بالملك وأن يعتقه من الرق لأن غياث الدين ابن أخي سيده لا ~~وارث له سواه، وأن يزوج ابنه بابنة ألدز، فلم يجبه إلى ذلك. ms4403 # واتفق أن جماعة من الغوريين، من عسكر صاحب باميان، أغاروا على أعمال ~~كرمان وسوران، وهي أقطاع ألدز القديمة، فغنموا، وقتلوا، فأرسل صهره صونج في ~~عسكر، فلقوا عسكر الباميان فظفر بهم، وقتل منهم كثيرا، وأنفذ رءوسهم إلى ~~غزنة فنصبت بها. # وأجرى ألدز في غزنة رسوم شهاب الدين، وفرق في أهلها أموالا جليلة ~~المقدار، وألزم مؤيد الملك أن يكون وزيرا له، فامتنع من ذلك، فألح عليه، ~~فأجابه على كره منه، فدخل على مؤيد الملك صديق له يهنئه، فقال: بماذا ~~تهنئني؟ من بعد ركوب الجواد بالحمار! وأنشد: # ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر إطلاقه والغبب # بينا ألدز يأتي إلى بابي ألف مرة حتى آذن له في الدخول أصبح على بابه! ~~ولولا حفظ النفس مع هؤلاء الأتراك لكان لي حكم آخر. # ذكر حال غياث الدين بعد قتل عمه # وأما غياث الدين محمود بن غياث الدين فإنه كان في إقطاعه، وهو بست ~~وأسفزار، لما قتل عمه شهاب الدين، وكان الملك علاء الدين بن محمد بن أبي ~~علي قد ولاه شهاب الدين بلاد الغور وغيرها من أرض الراون، فلما بلغه قتله ~~سار إلى # PageV10P222 # فيروزكوه خوفا أن يسبقه إليها غياث الدين فيملك البلد ويأخذ الخزائن التي ~~بها. # وكان علاء الدين حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية، إلا أن الناس كرهوه ~~لميلهم إلى غياث الدين، وأنف الأمراء من خدمته مع وجود ولد غياث الدين ~~سلطانهم، ولأنه كان كراميا مغاليا في مذهبه، وأهل فيروزكوه شافعية، وألزمهم ~~أن يجعلوا الإقامة مثنى، فلما وصل إلى فيروزكوه أحضر جماعة من الأمراء ~~منهم: محمد المرغني وأخوه، ومحمد بن عثمان - وهم من أكابر الأمراء -، ~~وحلفهم على مساعدته على قتال خوارزم شاه وبهاء الدين، صاحب باميان، ولم ~~يذكر غياث الدين احتقارا له فحلفوا له ولولده من بعده. # وكان غياث الدين بمدينة بست لم يتحرك في شيء انتظارا لما يكون من صاحب ~~باميان، لأنهما كانا قد تعاهدا أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين ~~وغزنة والهند لبهاء الدين، وكان بهاء الدين صاحب باميان بعد موت ms4404 شهاب الدين ~~أقوى منه، فلهذا لم يفعل شيئا، فلما بلغه خبر موت بهاء الدين جلس على ~~التخت، وخطب لنفسه بالسلطنة عاشر رمضان، وحلف الأمراء الذين قصدوه، وهم ~~إسماعيل الخلجي، وسونج أمير أشكار، وزنكي بن خرجوم، وحسين الغوري صاحب ~~تكياباذ وغيرهم، وتلقب بألقاب أبيه " غياث الدنيا والدين "، وكتب إلى علاء ~~الدين محمد بن أبي علي وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه، ويستعطفه ليصدر عن ~~رأيه، ويسلم مملكته إليه، وكتب إلى الحسين بن خرميل، والي هراة، مثل ذلك ~~أيضا، ووعده الزيادة في الإقطاع. # فأما علاء الدين فأغلظ له في الجواب، وكتب إلى الأمراء الذين معه ~~يتهددهم، فرحل غياث الدين إلى فيروزكوه، فأرسل علاء الدين عسكرا مع ولده، ~~وفرق فيهم مالا كثيرا، وخلع عليهم ليمنعوا غياث الدين، فلقوه قريبا من ~~فيروزكوه، فلما تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجي المغفر عن وجهه وقال: ~~الحمد لله إذ الأتراك الذين لا يعرفون آباءهم لم يضيعوا حق التربية، وردوا ~~ابن ملك باميان، وأنتم مشايخ # PageV10P223 # الغورية الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان ورباكم وأحسن إليكم كفرتم ~~الإحسان، وجئتم تقاتلون ولده، أهذا فعل الأحرار؟ فقال محمد المرغني - وهو ~~مقدم العسكر الذين يصدرون عن رأيه -: لا والله! ثم ترجل عن فرسه، وألقى ~~سلاحه، وقصد غياث الدين، وقبل الأرض بين يديه، وبكى بصوت عال، وفعل سائر ~~الأمراء كذلك، فانهزم أصحاب علاء الدين مع ولده. # فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور، وهو يقول: أنا أمشي ~~أجاور بمكة فأنفذ غياث الدين خلفه من رده إليه، فأخذه وحبسه، وملك ~~فيروزكوه، وفرح به أهل البلد، وقبض غياث الدين على جماعة من أصحاب علاء ~~الدين الكرامية، وقتل بعضهم. # ولما دخل غياث الدين فيروزكوه ابتدأ بالجامع فصلى فيه، ثم ركب إلى دار ~~أبيه فسكنها، وأعاد رسوم أبيه، واستخدم حاشيته، وقدم عليه عبد الجبار بن ~~محمد الكيراني وزير أبيه، واستوزره، وسلك طريق أبيه في الإحسان والعدل. # ولما فرغ غياث الدين من علاء الدين لم يكن له همة إلا ابن خرميل بهراة ~~واجتذابه إلى طاعته، فكاتبه وراسله واتخذه أبا، ms4405 واستدعاه إليه. # وكان ابن خرميل قد بلغه موت شهاب الدين ثامن رمضان، فجمع أعيان الناس ~~منهم: قاضي هراة صاعد بن الفضل السياري، وعلي بن عبد الخلاق بن زياد مدرس ~~النظامية بهراة، وشيخ الإسلام رئيس هراة، ونقيب العلويين ومقدمي المحال، ~~وقال لهم: قد بلغني وفاة السلطان شهاب الدين وأنا في نحر خوارزم شاه، وأخاف ~~الحصار، وأريد أن تحلفوا لي على المساعدة على كل من نازعني. فأجابه القاضي ~~وابن زياد: إننا نحلف على كل الناس إلا ولد غياث الدين، فلما وصل كتاب غياث ~~الدين خاف ميل الناس إليه، فغالطه في الجواب. # وكان ابن خرميل قد كاتب خوارزم شاه يطلب منه أن يرسل إليه عسكرا ليصير في ~~طاعته ويمتنع به على الغورية، فطلب منه خوارزم شاه إنفاذ ولده رهينة، ويرسل ~~إليه عسكرا، فسير ولده إلى خوارزم شاه، فكتب خوارزم شاه إلى عسكره الذين # PageV10P224 # بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان يأمرهم بالتوجه إلى هراة، وأن يكونوا ~~يتصرفون بأمر ابن خرميل ويمتثلون أمره. # هذا وغياث الدين يتابع الرسل إلى ابن خرميل، وهو يحتج بشيء بعد شيء ~~انتظارا لعسكر خوارزم شاه، ولا يؤيسه من طاعته، ولا يخطب له، ويطيعه طاعة ~~غير مستوية. # ثم إن الأمير علي بن أبي علي - صاحب كالوين - أطلع غياث الدين على حال ~~ابن خرميل، فعزم غياث الدين على التوجه إلى هراة، فثبطه بعض الأمراء الذين ~~معه، وأشاروا عليه بانتظار آخر أمره وترك محاقته. # واستشار ابن خرميل الناس في أمر غياث الدين، فقال له علي بن عبد الخلاق ~~بن زياد مدرس النظامية بهراة، وهو متولي وقوف خراسان التي بيد الغورية ~~جميعها: ينبغي أن تخطب للسلطان غياث الدين، وتترك المغالطة، [فأجابه] : ~~إنني أخافه على نفسي فامض أنت وتوثق لي منه. # وكان قصده أن يبعده عن نفسه، فمضى برسالته إلى غياث الدين، وأطلعه على ما ~~يريد ابن خرميل بفعله من الغدر به والميل إلى خوارزم شاه، وحثه على قصد ~~هراة، وقال له: أنا أسلمها إليك ساعة تصل إليها، ووافقه بعض الأمراء وخالفه ~~غيرهم، وقال: ينبغي أن ms4406 لا تترك له حجة، فترسل إليه تقليدا بولاية هراة ففعل ~~ذلك، وسيره مع ابن زياد وبعض أصحابه. # ثم إن غياث الدين كاتب أميران بن قيصر - صاحب الطالقان - يستدعيه إليه، ~~فتوقف وأرسل إلى صاحب مرو ليسير إليه، فتوقف أيضا، فقال له أهل البلد: إن ~~لم تسلم البلد إلى غياث الدين وتتوجه إليه، وإلا سلمناك وقيدناك وأرسلناك ~~إليه، فاضطر إلى المجيء إلى فيروزكوه. فخلع عليه غياث الدين، وأقطعه ~~إقطاعا، وأقطع الطالقان سونج مملوك أبيه المعروف بأمير أشكار. # ذكر استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان # قد ذكرنا مكاتبة الحسين بن خرميل - والي هراة - خوارزم شاه، ومراسلته في ~~الانتماء إليه والطاعة له، وترك طاعة الغورية، وخداعه لغياث الدين، ~~ومغالطته له بالخطبة له والطاعة، انتظارا لوصول عسكر خوارزم شاه، ووصول ~~رسول غياث الدين وابن زياد بالخلع إلى ابن خرميل، فلما وصلت الخلع إليه ~~لبسها هو وأصحابه، وطالبه # PageV10P225 # رسول غياث الدين بالخطبة، فقال: يوم الجمعة نخطب له. # فاتفق وقرب عسكر خوارزم شاه منهم، فلما كان يوم الجمعة قيل له في معنى ~~الخطبة، فقال: نحن في شغل أهم منها بوصول هذا العدو، فطالت المجادلات بينهم ~~في ذلك، وهو مصر على الامتناع منها، ووصل عسكر خوارزم شاه، فلقيهم ابن ~~خرميل، وأنزلهم على باب البلد، فقالوا له: قد أمرنا خوارزم شاه أن لا نخالف ~~لك أمرا، فشكرهم على ذلك، وكان يخرج إليهم كل يوم، وأقام لهم الوظائف ~~الكثيرة. # وأتاه الخبر أن خوارزم شاه نزل على بلخ فحاصرها، فلقيه صاحبها، وقاتله ~~بظاهر البلد، فلم ينزل بالقرب منها، فنزل على أربعة فراسخ، فندم ابن خرميل ~~على طاعة خوارزم شاه، وقال لخواصه: لقد أخطأنا حيث صرنا مع هذا الرجل، ~~فإنني أراه عاجزا. # وشرع في إعادة العسكر، فقال للأمراء: إن خوارزم شاه قد أرسل إلى غياث ~~الدين يقول له: إنني على العهد الذي بيننا، وأنا أترك ما كان لأبيك ~~بخراسان، والمصلحة أن ترجعوا حتى ننظر ما يكون، فعادوا، وأرسل إليهم ~~الهدايا الكثيرة. # وكان غياث الدين حيث اتصل به وصول عسكر خوارزم شاه ms4407 إلى هراة، فأخذ إقطاع ~~ابن خرميل، وأرسل إلى كرزبان، وأخذ كل ما له بها من مال، وأولاد، ودواب، ~~وغير ذلك، وأخذ أصحابه في القيود، وأتاه كتب من يميل إليه من الغورية ~~يقولون له: إن رآك غياث الدين قتلك. # ولما سمع أهل هراة بما فعل غياث الدين بأهل ابن خرميل وماله عزموا على ~~قبضه والمكاتبة إلى غياث الدين بإنقاذ من يتسلم البلد، وكتب القاضي صاعد، ~~قاضي هراة، وابن زياد إلى غياث الدين بذلك، فلما سمع ابن خرميل بما فعله ~~غياث الدين بأهله، وبما عزم عليه أهل هراة، خاف أن يعاجلوه بالقبض، فحضر ~~عند القاضي، وأحضر أعيان البلد، وألان لهم القول، وتقرب إليهم، وأظهر طاعة ~~غياث الدين، وقال: قد رددت عسكر خوارزم شاه، وأريد [أن] أرسل رسولا إلى ~~غياث (الدين بطاعتي) ، والذي أوثره منكم أن تكتبوا معه كتابا بطاعتي. ~~فاستحسنوا قوله وكتبوا # PageV10P226 # له بما طلب، وسير رسوله إلى فيروزكوه، وأمره، إذا جنه الليل، أن يرجع على ~~طريق نيسابور ويلحق عسكر خوارزم شاه ويجد السير، فإذا لحقهم ردهم إليه. # ففعل الرسول ما أمره، ولحق العسكر على يومين من هراة، فأمرهم بالعود، ~~فعادوا، فلما كان اليوم الرابع من سير الرسول وصلوا إلى هراة والرسول بين ~~أيديهم، فلقيهم ابن خرميل، وأدخلهم البلد والطبول تضرب بين أيديهم، فلما ~~دخلوا أخذ ابن زياد الفقيه فسمله، وأخرج القاضي صاعدا من البلد، فسار إلى ~~غياث الدين بفيروزكوه، وأخرج من عنده من الغورية، وكل من يعلم أنه يريدهم، ~~وسلم أبواب البلد إلى الخوارزمية. # وأما غياث الدين فإنه برز عن فيروزكوه نحو هراة، وأرسل عسكرا، فأخذوا ~~جشيرا كان لأهل هراة، فخرج الخوارزمية، فشنوا الغارة على هراة الروذ ~~وغيرها، فأمر غياث الدين عسكره بالتقدم إلى هراة، وجعل المقدم عليهم علي بن ~~أبي علي، وأقام هو بفيروزكوه لما بلغه أن خوارزم شاه على بلخ، فسار العسكر ~~وعلى يزكه الأمير أميران بن قيصر الذي كان صاحب الطالقان، وكان منحرفا عن ~~غياث الدين حيث أخذ منه الطالقان، فأرسل إلى ابن خرميل يعرفه أنه على ~~اليزك، ms4408 ويأمره بالمجيء إليه، فإنه لا يمنعه، وحلف له على ذلك. # فسار ابن خرميل في عسكره، فكبس عسكر غياث الدين، فلم يلحقوا يركبون ~~خيولهم حتى خالطوهم، فقتلوا فيهم، فكف ابن خرميل أصحابه عن الغورية خوفا أن ~~يهلكوا، وغنم أموالهم وأسر إسماعيل الخلجي، وأقام بمكانه، وأرسل عسكره ~~فشنوا الغارة على البلاد باذغيس وغيرها. # وعظم الأمر على غياث الدين، فعزم على المسير إلى هراة بنفسه، فأتاه الخبر ~~أن علاء الدين، صاحب باميان، قد عاد إلى غزنة - على ما نذكره -، فأقام ~~ينتظر ما يكون منهم ومن ألدز. # وأما بلخ فإن خوارزم شاه لما بلغه قتل شهاب الدين أخرج من كان عنده من ~~الغوريين الذين كان أسرهم في المصاف على باب خوارزم، فخلع عليهم، وأحسن # PageV10P227 # إليهم، وأعطاهم الأموال، وقال: إن غياث الدين أخي، ولا فرق بيني وبينه، ~~فمن أحب منكم المقام عندي فليقم، ومن أحب أن يسير إليه فإنني أسيره، ولو ~~أراد مني مهما أراد نزلت له عنه. # وعهد إلى محمد بن علي بن بشير، وهو من أكابر الأمراء الغورية، فأحسن ~~إليه، وأقطعه استمالة للغورية، وجعله سفيرا بينه وبين صاحب بلخ، فسير أخاه ~~عليا شاه بين يديه في عسكره إلى بلخ، فلما قاربها خرج إليه عماد الدين عمر ~~بن الحسن الغوري أميرها، فدفعه عن النزول عليها، فنزل على أربعة فراسخ ~~عنها، فأرسل إلى أخيه خوارزم شاه يعلمه قوتهم، فسار إليها في ذي القعدة من ~~السنة، فلما وصل إلى بلخ خرج صاحبها فقاتلهم، فلم يقو بهم لكثرتهم، فنزلوا ~~فصار يوقع بهم ليلا، فكانوا معه على أقبح صورة، فأقام صاحب بلخ محاصرا، وهو ~~ينتظر المدد من أصحابه أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، وكانوا قد اشتغلوا ~~عنه بغزنة على ما نذكره. # فأقام خوارزم شاه على بلخ أربعين يوما، كل يوم يركب إلى الحرب، فيقتل من ~~أصحابه كثير، ولا يظفر بشيء فراسل صاحبها عماد الدين مع محمد بن علي بن ~~بشير الغوري في بذل بذله له ليسلم إليه البلد، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: لا ~~أسلم البلد إلا إلى ms4409 أصحابه، فعزم على المسير إلى هراة، فلما سار أصحابه ~~أولاد بهاء الدين، صاحب باميان، إلى غزنة، المرة الثانية - على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى - وأسرهم تاج الدين ألدز، عاد عن ذلك العزم، وأرسل محمد بن ~~علي بن بشير إلى عماد الدين نائبه يعرفه حال أصحابه وأسرهم، وأنه لم يبق ~~عليه حجة، ولا له في التأخر عنه عذر، فدخل إليه، ولم يزل يخدعه، تارة يرغبه ~~وتارة يرهبه حتى أجاب إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له، وذكر اسمه على ~~السكة، وقال: أنا أعلم أنه لا يفي لي، فأرسل من يستحلفه على ما أراد، فتم ~~الصلح، وخرج إلى خوارزم شاه، فخلع عليه، وأعاده إلى بلده، وكان سلخ ربيع ~~الأول سنة ثلاث وستمائة. # ثم سار خوارزم شاه إلى كرزبان ليحاصرها، وبها علي بن أبي علي، وأرسل إلى ~~غياث الدين يقول: إن هذه كان قد أقطعها عمك لابن خرميل، فتنزل عنها، ~~فامتنع، وقال: بيني وبينكم السيف، فأرسل إليه خوارزم شاه مع محمد بن علي بن ~~بشير # PageV10P228 # فرغبه، وآيسه من نجدة غياث الدين، ولم يزل به حتى نزل عنها وسلمها، وعاد ~~إلى فيروزكوه، فأمر غياث الدين بقتله، فشفع فيه الأمراء، فتركه. وسلم ~~خوارزم شاه كرزبان إلى ابن خرميل، ثم أرسل إلى عماد الدين، صاحب بلخ يطلبه ~~إليه، ويقول: قد حضر مهم ولا غنى عن حضورك، فأنت اليوم من أخص أوليائنا. ~~فحضر عنده، فقبض عليه وسيره إلى خوارزم، ومضى هو إلى بلخ، فأخذها واستناب ~~بها جعفرا التركي. # ذكر ملك خوارزم شاه ترمذ وتسليمها إلى الخطا # لما أخذ خوارزم شاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجدا - وبها ولد ~~عماد الدين كان صاحب بلخ - فأرسل إليه محمد بن علي بن بشير يقول له: إن ~~أباك قد صار من أخص أصحابي وأكابر أمراء دولتي، وقد سلم إلي بلخ، وإنما ظهر ~~لي منه ما أنكرته. فسيرته إلى خوارزم مكرما محترما، وأما أنت فتكون عندي ~~أخا. # ووعده، وأقطعه الكثير، فخدعه محمد بن علي، فرأى صاحبها أن خوارزم شاه قد ms4410 ~~حصره من جانب والخطا قد حصروه من جانب آخر، وأصحابه قد أسرهم ألدز بغزنة، ~~فضعفت نفسه وأرسل من يستحلف له خوارزم شاه، فحلف له، وتسلم منه ترمذ وسلمها ~~إلى الخطا. فلقد اكتسب بها خوارزم شاه سبة عظيمة، وذكرا قبيحا في عاجل ~~الأمر، ثم ظهر للناس من بعد ذلك، أنه إنما سلمها إليهم ليتمكن بذلك من ملك ~~خراسان، ثم يعود إليهم فيأخذها وغيرها منهم، لأنه لما ملك خراسان وقصد بلاد ~~الخطا وأخذها وأفناهم علم الناس أنه فعل ذلك خديعة ومكرا - غفر الله له. # ذكر عود أولاد صاحب باميان إلى غزنة # قد ذكرنا قبل وصول ألدز التركي إلى غزنة، وإخراجه علاء الدين وجلال الدين ~~ولدي بهاء الدين سام - صاحب باميان - منها، بعد أن ملكها، وأقام هو في غزنة ~~من عاشر رمضان سنة اثنتين وستمائة إلى خامس ذي القعدة من السنة. يحسن ~~السيرة، ويعدل في الرعية، وأقطع البلاد للأجناد، فبعضهم أقام، وبعضهم سار ~~إلى غياث الدين # PageV10P229 # بفيروزكوه، وبعضهم سار إلى علاء الدين - صاحب باميان - ولم يخطب لأحد، ~~ولا لنفسه، وكان يعد الناس بأن رسولي عند مولاي غياث الدين، فإذا عاد خطبت ~~له، ففرح الناس بقوله. # وكان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم وبغياث الدين، لأنه لو لم يظهر ذلك لفارقه ~~أكثر الأتراك وسائر الرعايا، وكان حينئذ يضعف عن مقاومة صاحب باميان، فكان ~~يستخدم الأتراك وغيرهم بهذا القول وأشباهه. # فلما ظفر بصاحب باميان - على ما نذكره - أظهر ما كان يضمره، فبينما هو في ~~هذا أتاه الخبر بقرب علاء الدين وجلال الدين ولدي بهاء الدين - صاحب باميان ~~- في العساكر الكثيرة، وأنهم قد عزموا على نهب غزنة، واستباحة الأموال ~~والأنفس، فخاف الناس خوفا شديدا، وجهز ألدز كثيرا من عسكره وسيرهم إلى ~~طريقهم، فلقوا أوائل العسكر، فقتل من الأتراك [جماعة] ، وأدركهم العسكر، ~~فلم يكن لهم قوة بهم، فانهزموا وتبعهم عسكر علاء الدين يقتلون ويأسرون، ~~فوصل المنهزمون إلى غزنة فخرج عنها ألدز منهزما يطلب بلده كرمان، فأدركه ~~بعض عسكر باميان، نحو ثلاثة آلاف فارس، فقاتلهم قتالا شديدا فردهم عنه، ms4411 ~~وأحضر من كرمان مالا كثيرا وسلاحا، ففرقه في العسكر. # وأما علاء الدين وأخوه فإنهما تركا غزنة لم يدخلاها، وسارا في أثر ألدز، ~~فسمع بهم، فسار عن كرمان، فنهب الناس بعضهم بعضا، وملك علاء الدين كرمان. ~~وأمنوا أهلها، وعزموا على العود إلى غزنة ونهبها، فسمع أهلها بذلك، فقصدوا ~~القاضي سعيد بن مسعود وشكوا إليه حالهم، فمشى إلى وزير علاء الدين المعروف ~~بالصاحب، وأخبره بحال الناس فطيب قلوبهم، وأخبرهم غيره ممن يثقون به أنهم ~~مجمعون على النهب، فاستعدوا، وضيقوا أبواب الدروب والشوارع، وأعدوا ~~العرادات والأحجار، وجاءت التجار من العراق، والموصل، والشام، وغيرها، ~~وشكوا إلى أصحاب السلطان، فلم يشكهم أحد، فقصدوا دار مجد الدين بن الربيع، ~~رسول الخليفة، واستغاثوا به، فسكنهم، ووعدهم الشفاعة فيهم وفي أهل البلد، ~~فأرسل إلى أمير كبير من الغورية يقال له سليمان بن سيس، وكان شيخا كبيرا ~~يرجعون # PageV10P230 # إلى قوله، يعرفه الحال، ويقول له ليكتب إلى علاء الدين وأخيه يتشفع في ~~الناس. ففعل، وبالغ في الشفاعة، وخوفهم من أهل البلد إن أصروا على النهب، ~~فأجابوه إلى العفو عن الناس بعد مراجعات كثيرة. # وكانوا قد وعدوا من معهم من العساكر بنهب غزنة، فعوضوهم من الخزانة، فسكن ~~الناس، وعاد العسكر إلى غزنة أواخر ذي القعدة ومعهم الخزانة التي أخذها ~~ألدز من مؤيد الملك لما عاد ومعه شهاب الدين قتيلا، فكانت مع ما أضيف إليها ~~من الثياب والعين تسعمائة حمل، ومن جملة ما كان فيها من الثياب الممزج ~~المنسوج بالذهب، اثنا عشر ألف ثوب. # وعزم علاء الدين [أن] يستوزر مؤيد الملك، فسمع أخوه جلال الدين، فأحضره ~~وخلع عليه، على كراهة منه للخلعة، واستوزره، فلما سمع علاء الدين بذلك قبض ~~على مؤيد الملك، وقيده، وحبسه، فتغيرت نيات الناس، واختلفوا، ثم إن علاء ~~الدين وجلال الدين اقتسما الخزانة، وجرى بينهما من المشاحنة في القسمة ما ~~لا يجري بين التجار، فاستدل بذلك الناس على أنهما لا يستقيم لهما حال ~~لبخلهما، واختلافهما، وندم الأمراء على ميلهم إليهما وتركهم غياث الدين مع ~~ما ظهر من كرمه وإحسانه. ms4412 # ثم إن جلال الدين، وعمه عباسا سارا في بعض العسكر إلى باميان، وبقي علاء ~~الدين بغزنة، فأساء وزيره عماد الملك السيرة مع الأجناد والرعية، ونهبت ~~أموال الأتراك، حتى أنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين ويصرخن ولا يلتفت ~~إليهن. # ذكر عود ألدز إلى غزنة # لما سار جلال الدين عن غزنة، وأقام بها أخوه علاء الدين، جمع ألدز ومن ~~معه من الأتراك عسكرا كثيرا وعادوا إلى غزنة، فوصلوا إلى كلواذا فملكوها ~~وقتلوا جماعة من الغورية، ووصل المنهزمون منها إلى كرمان، فسار ألدز إليهم، ~~وجعل على مقدمه مملوكا كبيرا من مماليك شهاب الدين، اسمه أي دكز التتر، في ~~ألفي فارس من الخلج والأتراك والغز والغورية وغيرهم. # PageV10P231 # وكان بكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد، ومعه جماعة من ~~الأمراء منهم أبو علي بن سليمان بن سيس وهو وأبوه من أعيان الغورية، وكانا ~~مشتغلين باللعب واللهو والشرب، لا يفتران عن ذلك فقيل لهما: إن عسكر ~~الأتراك قد قربوا منكم فلم يلتفتا إلى ذلك، ولا تركا ما كانا عليه، فهجم ~~عليهم أي دكز التتر ومن معه من الأتراك فلم يمهلهم يركبون خيولهم، فقتلوا ~~عن آخرهم، منهم من قتل في المعركة، ومنهم من قتل صبرا، ولم ينج إلا من تركه ~~الأتراك عمدا. # ولما وصل ألدز فرأى أمراء الغورية كلهم قتلى قال: كل هؤلاء قاتلونا؟ فقال ~~أي دكز التتر: لا بل قتلناهم صبرا فلامه على ذلك، ووبخه، وأحضر رأس ابن ~~المؤيد بين يديه، فسجد شكرا لله - تعالى -، وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا، ~~وكان في جملة القتلى أبو علي بن سليمان بن سيس. # ووصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فصلب علاء ~~الدين الذي جاء بالخبر، فتغيمت السماء، وجاء مطر شديد خرب بعض غزنة، وجاء ~~بعده برد كبار مثل بيض الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب، ~~فأنزله آخر النهار فانكشفت الظلمة، وسكن ما كانوا فيه. # وملك ألدز كرمان، وأحسن إلى أهلها، وكانوا في ضر شديد مع أولئك. # ولما صح الخبر ms4413 عند علاء الدين أرسل وزيره الصاحب إلى أخيه جلال الدين في ~~باميان يخبره بحال ألدز، ويستنجده، وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ يرحل ~~عنها خوارزم شاه، فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسار إلى غزنة، وكان أكثر ~~عسكره من الغورية قد فارقوه، وفارقوا أخاه، وقصدوا غياث الدين، فلما كان ~~أواخر ذي الحجة وصل ألدز إلى غزنة، ونزل هو وعسكره بإزاء قلعة غزنة، وحصر ~~علاء الدين، وجرى بينهم قتال شديد، وأمر ألدز فنودي في البلد بالأمان، ~~وتسكين الناس من أهل البلد والغورية وعسكر باميان، وأقام ألدز محاصرا ~~للقلعة، فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم، فرحل ألدز ~~إلى طريقهم، وكان مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يوما، فلما سار ألدز سير ~~علاء الدين من كان عنده من العسكر، وأمرهم أن يأتوا ألدز من خلفه، ويكون ~~أخوه من بين يديه، فلا يسلم من عسكره أحد. فلما # PageV10P232 # خرجوا من القلعة سار سليمان بن سيس الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه، ~~فلما وصل إليه أكرمه وعظمه، وجعله أمير داذ فيروزكوه، وكان ذلك في صفر سنة ~~ثلاث وستمائة. # وأما ألدز فإنه سار إلى طريق جلال الدين، فالتقوا بقرية بلق، فاقتتلوا ~~قتالا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين وعسكره، وأخذ جلال الدين أسيرا، وأتي ~~به إلى ألدز، فلما رآه ترجل وقبل يده، وأمر بالاحتياط عليه، وعاد إلى غزنة ~~وجلال الدين معه وألف أسير من الباميانية، وغنم أصحابه أموالهم. # ولما عاد إلى غزنة أرسل إلى علاء الدين يقول له ليسلم القلعة إليه. وإلا ~~قتل من عنده من الأسرى، فلم يسلمها، فقتل منهم أربعمائة أسير بإزاء القلعة، ~~فلما رأى علاء الدين ذلك أرسل مؤيد الملك يطلب الأمان، فأمنه ألدز، فلما ~~خرج قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما، وقبض على وزيره عماد الملك لسوء ~~سيرته، وكان هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش مع علاء الدين بقلعة ~~غزنة، فلما خرج منها قبض عليه أيضا، وكتب إلى غياث الدين بالفتح، وأرسل ~~إليه الأعلام وبعض الأسرى. # ذكر قصد ms4414 صاحب مراغة وصاحب إربل أذربيجان # في هذه السنة اتفق صاحب مراغة - وهو علاء الدين - هو ومظفر الدين كوكبري ~~- صاحب إربل - على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البهلوان، ~~لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا، وتركه النظر في أحوال المملكة، وحفظ العساكر ~~والرعايا، فسار صاحب إربل إلى مراغة، واجتمع هو وصاحبها علاء الدين، وتقدما ~~نحو تبريز، فلما علم صاحبها أبو بكر الدين، أرسل إلى إيدغمش - صاحب بلاد ~~الجبل، همذان وأصفهان والري وما بينها من البلاد - وهو مملوك أبيه ~~البهلوان، وهو في طاعة أبي بكر، إلا أنه قد غلب على البلاد، فلا يلتفت إلى ~~أبي بكر، فأرسل إليه أبو بكر يستنجده، ويعرفه الحال، وكان حينئذ ببلد ~~الإسماعيلية، فلما # PageV10P233 # أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة. # فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له: إننا كنا نسمع عنك أنك تحب ~~أهل العلم والخير وتحسن إليهم، فكنا نعتقد فيك الخير والدين، فلما كان الآن ~~ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد الإسلام، وقتال المسلمين، ونهب أموالهم، ~~وإثارة الفتنة، فإذا كنت كذلك فما لك عقل؛ تجيء إلينا، وأنت صاحب قرية، ~~ونحن لنا من باب خراسان إلى خلاط وإلى إربل، واحسب أنك هزمت هذا، أما تعلم ~~أن له مماليك، أنا أحدهم؟ ! ولو أخذ من كل قرية شحنة، أو من كل مدينة عشرة ~~رجال، لاجتمع له أضعاف عسكرك، فالمصلحة أنك ترجع إلى بلدك، وإنما أقول لك ~~هذا إبقاء عليك. # ثم سار نحوه عقيب هذه الرسالة، فلما سمعها مظفر الدين وبلغه مسير إيدغمش ~~عزم على العود، فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم بمكانه، ويسلم عسكره إليه، وقال ~~له: إنني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا معي إذا قصدتهم، فلم يقبل مظفر ~~الدين من قوله، وعاد إلى بلده، وسلك الطريق الشاقة، والمضايق الصعبة. ~~والعقاب الشاهقة، خوفا من الطلب. # ثم إن أبا بكر وإيدغمش قصدا مراغة وحصراها، فصالحهما صاحبها على تسليم ~~قلعة من حصونه إلى أبي بكر، هي كانت سبب الاختلاف، وأقطعه أبو بكر مدينتي ~~أستوا وأرمية وعاد عنه. # ذكر إيقاع ms4415 إيدغمش بالإسماعيلية # وفي هذه السنة سار إيدغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين، فقتل ~~منهم مقتلة كبيرة، ونهب وسبى وحصر قلاعهم، ففتح منها خمس قلاع، وصمم العزم ~~على حصر ألموت واستئصال أهلها، فاتفق ما ذكرنا من حركة صاحب مراغة # PageV10P234 # وصاحب إربل، واستدعاه الأمير أبو بكر، ففارق بلادهم وسار إلى أبي بكر كما ~~ذكرناه. # ذكر وصول عسكر من خوارزم إلى بلد الجبل وما كان منهم # وفي هذه السنة سار من عسكر خوارزم طائفة كبيرة نحو عشرة آلاف فارس ~~بأهليهم وأولادهم إلى بلد الجبل، فوصلوا إلى زنكان وكان إيدغمش صاحبها ~~مشغولا مع صاحب إربل وصاحب مراغة، واغتنموا خلو البلاد، فلما عاد مظفر ~~الدين إلى بلده وانفصل الحال بين إيدغمش وصاحب مراغة سار إيدغمش، نحو ~~الخوارزمية فلقيهم وقاتلهم، فاشتد القتال بين الطائفتين ثم انهزم ~~الخوارزميون وأخذهم السيف، فقتل منهم وأسر خلق كثير ولم ينج منهم إلا ~~الشريد، وسبي سباؤهم وغنمت أموالهم، وكانوا قد أفسدوا في البلاد بالنهب ~~والقتل فلقوا عاقبة فعلهم. # ذكر الغارة من ابن ليون على أعمال حلب # وفي هذه السنة توالت الغارة من ابن ليون الأرمني، صاحب الدروب، على ولاية ~~حلب، فنهب وحرق، وأسر، وسبى ; فجمع الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف - ~~صاحب حلب - عساكره، واستنجد غيره من الملوك، فجمع كثيرا من الفارس والراجل، ~~وسار عن حلب نحو ابن ليون. # وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده مما يلي بلد حلب، فليس إليه طريق، لأن ~~جميع بلاده لا طريق إليها إلا من جبال وعرة، ومضايق صعبة، فلا يقدر غيره ~~على الدخول إليها، لا سيما من ناحية حلب، فإن الطريق منها متعذر جدا، فنزل ~~الظاهر على خمسة فراسخ من حلب، وجعل على مقدمته جماعة من عسكره مع أمير ~~كبير من مماليك أبيه، يعرف بميمون القصري، ينسب إلى قصر الخلفاء العلويين ~~بمصر، لأن أباه منهم أخذه، فأنفذ الظاهر ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور ~~لبلاد ابن ليون اسمه دربساك، وأنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذين ~~عنده إلى طريق هذه الذخيرة ms4416 ليسيروا معها إلى دربساك، ففعل ذلك، وسير جماعة ~~كثيرة من عسكره، وبقي في قلة، # PageV10P235 # فبلغ الخبر إلى ابن ليون، فجد، فوافاه وهو مخف من العسكر فقاتله، واشتد ~~القتال بينهم. فأرسل ميمون إلى الظاهر يعلمه، وكان بعيدا عنه، فطالت الحرب ~~بينهم، وحمى ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن، ~~فانهزم المسلمون، ونال العدو منهم، فقتل وأسر، وكذلك أيضا فعل المسلمون ~~بالأرمن من كثرة القتل. # وظفر الأرمن بأثقال المسلمين فغنموها وساروا بها، فصادفهم المسلمون الذين ~~كانوا قد ساروا مع الذخائر (إلى دربساك) ، فلم يشعروا بالحال، فلم يرعهم ~~إلا العدو قد خالطهم ووضع السيف فيهم، فاقتتلوا أشد قتال، ثم انهزم ~~المسلمون أيضا، وعاد الأرمن إلى بلادهم بما غنموا واعتصموا بجبالهم ~~وحصونهم. # ذكر نهب الكرج أرمينية # في هذه السنة قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرمينية، ونهبوا ~~وقتلوا، وأسروا وسبوا أهلها كثيرا وجاسوا خلال الديار آمنين، ولم يخرج ~~إليهم من خلاط من يمنعهم، فبقوا متصرفين في النهب والسبي، والبلاد شاغرة لا ~~مانع لها، لأن صاحبها صبي، والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة على الجند. # فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا، وحرض بعضهم بعضا، واجتمعت العساكر ~~الإسلامية التي بتلك الولاية جميعها، وانضاف إليهم من المتطوعة كثير، ~~فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون، فرأى بعض الصوفية الأخيار الشيخ محمدا ~~البستي، وهو من الصالحين، وكان قد مات، فقال له الصوفي: أراك هاهنا؟ فقال: ~~جئت لمساعدة المسلمين على عدوهم. فاستيقظ فرحا بمحل البستي من الإسلام، # PageV10P236 # وأتى إلى مدبر العسكر والقيم بأمره، وقص عليه رؤياه، ففرح بذلك، وقوي ~~عزمه على قصد الكرج، وسار بالعساكر إليهم فنزل منزلا. # فوصلت الأخبار إلى الكرج، فعزموا على كبس المسلمين، فانتقلوا من موضعهم ~~بالوادي إلى أعلاه، فنزلوا فيه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل، فأتى ~~المسلمين الخبر، فقصدوا الكرج وأمسكوا عليهم رأس الوادي وأسفله، وهو واد ~~ليس إليه غير هذين الطريقين، فلما رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك، وسقط في ~~أيديهم، وطمع المسلمون فيهم، وضايقوهم، وقاتلوهم. فقتلوا منهم كثيرا، ~~وأسروا مثلهم، ولم ms4417 يفلت من الكرج إلا القليل، وكفى الله المسلمين شرهم بعد ~~أن كانوا أشرفوا على الهلاك. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الأمير طاشتكين مجير الدين، أمير ~~الحاج. بتستر وكان قد ولاه الخليفة على جميع خوزستان، وكان أمير الحاج سنين ~~كثيرة، وكان خيرا صالحا، حسن السيرة، كثير العبادة، يتشيع. # ولما مات ولى الخليفة على خوزستان مملوكه سنجر، وهو صهر طاشتكين زوج ~~ابنته. # [وفيها قتل سنجر بن مقلد بن سليمان بن مهارش، أمير عبادة، بالعراق. وكان ~~سبب قتله أنه سعى بأبيه مقلد إلى الخليفة الناصر لدين الله، فأمر بالتوكيل ~~على أبيه، (فبقي مدة) ، ثم أطلقه الخليفة، ثم إن سنجر قتل أخا له اسمه. . . # PageV10P237 # فأوغر بهذه الأسباب صدور أهله وإخوته، فلما كان هذه السنة في شعبان نزل ~~بأرض المعشوق، وركب في بعض الأيام ومعه إخوته وغيرهم من أصحابه، فلما انفرد ~~عن أصحابه ضربه أخوه علي بن مقلد بالسيف فسقط إلى الأرض، فنزل إخوته إليه ~~فقتلوه. # وفيها تجهز غياث الدين خسرو شاه صاحب مدينة الروم، إلى مدينة طرابزون، ~~وحصر صاحبها لأنه كان قد خرج عن طاعته، فضيق عليه، فانقطعت لذلك الطرق من ~~بلاد الروم، والروس، وقفجاق وغيرها، برا وبحرا، ولم يخرج منهم أحد إلى بلاد ~~غياث الدين، فدخل بذلك ضرر عظيم على الناس، لأنهم كانوا يتجرون معهم، ~~ويدخلون بلادهم. ويقصدهم التجار من الشام، والعراق، والموصل، والجزيرة ~~وغيرها، فاجتمع منهم بمدينة سيواس خلق كثير، فحيث لم ينفتح الطريق تأذوا ~~أذى كثيرا، فكان السعيد منهم من عاد إلى رأس ماله. # وفيها تزوج أبو بكر بن البهلوان، صاحب أذربيجان وأران بابنة ملك الكرج، ~~وسبب ذلك أن الكرج تابعت الغارات منهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهماكه ~~في الشرب واللعب وما جانسهما، وإعراضه عن تدبير الملك وحفظ البلاد، فلما ~~رأى هو أيضا ذلك، ولم يكن عنده من الحمية والأنفة من هذه المناحس، ما يترك ~~ما هو مصر عليه، وأنه لا يقدر على الذب عن البلاد [بالسيف] ، عدل إلى الذب ~~عنها بأيره، فخطب ابنة ms4418 ملكهم، فتزوجها، فكف الكرج عن النهب والإغارة ~~والقتل، فكان كما قيل: أغمد سيفه، وسل أيره. # وفيها حمل إلى إربل خروف وجهه صورة آدمي وبدنه بدن خروف، وكان هذا من ~~العجائب] . # [الوفيات] # وفيها توفي القاضي أبو حامد محمد بن محمد المانداي الواسطي بها. # وفيها، في شوال، توفي فخر الدين مبارك شاه بن الحسن المروروذي، وكان حسن ~~الشعر بالفارسية والعربية، وله منزلة عظيمة عند غياث الدين الكبير صاحب # PageV10P238 # غزنة وهراة وغيرهما، وكان له دار ضيافة، فيها كتب وشطرنج، فالعلماء ~~يطالعون الكتب، والجهال يلعبون بالشطرنج. # وفيها، في ذي الحجة، توفي أبو الحسن علي بن علي بن سعادة الفارقي الفقيه ~~الشافعي، ببغداد، وبقي مدة طويلة معيدا بالنظامية، وصار مدرسا بالمدرسة ~~التي أحدثتها أم الخليفة الناصر لدين الله، وكان مع علمه صالحا، طلب ~~للنيابة في القضاء ببغداد، فامتنع، فألزم بذلك، فوليه يسيرا، ثم في بعض ~~الأيام مشى إلى جامع ابن المطلب، فنزل، ولبس مئزر صوف غليظ، وغير ثيابه، ~~وأمر الوكلاء وغيرهم بالانصراف عنه، وأقام به حتى سكن الطلب عنه، وعاد إلى ~~منزله بغير ولاية. # وفيها وقع الشيخ أبو موسى المكي، المقيم بمقصورة جامع السلطان ببغداد، من ~~سطح الجامع، فمات، وكان رجلا صالحا كثير العبادة. # وفيها أيضا توفي العفيف أبو المكارم عرفة بن علي بن بصلا البندنيجي ~~ببغداد، وكان رجلا صالحا، منقطعا إلى العبادة - رحمه الله -. # PageV10P239 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة] ### | 603 - # ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة # ذكر ملك عباس باميان وعودها إلى ابن أخيه # في هذه السنة ملك عباس باميان من علاء الدين وجلال الدين ولدي أخيه بهاء ~~الدين. # وسبب ذلك أن عسكر باميان لما انهزموا من ألدز، وعادوا إليها، أخبروا أن ~~علاء الدين وجلال الدين أسرا، وأن ألدز ومن معه غنموا ما في العسكر فأخذ ~~وزير أبيهما المعروف بالصاحب، من الأموال كثيرا، ومن الجواهر وغيرها من ~~التحف، وأخذ فيلا وسار إلى خوارزم شاه يستنجده على ألدز ليسير معه عسكرا ~~يستخلص به صاحبيه. # فلما فارق باميان، ورأى عمهما عباس خلو البلد منه ومن ابن أخيه، ms4419 جمع ~~أصحابه وقام في البلد فملكه، وصعد إلى القلعة فملكها، وأخرج أصحاب ابني ~~أخيه علاء الدين وجلال الدين منها، فبلغ الخبر إلى الوزير السائر إلى ~~خوارزم شاه، فعاد إلى باميان، وجمع الجموع الكثيرة، وحصر عباسا في القلعة، ~~وكان مطاعا في جميع ممالك بهاء الدين وولديه من بعده، وأقام عليه محاصرا، ~~إلا أنه لم يكن معه من المال ما يقوم بما يحتاج إليه، إنما كان معه ما أخذه ~~ليحمله إلى خوارزم شاه. # فلما خلص جلال الدين من أسر ألدز - على ما نذكره - سار إلى باميان، فوصل ~~إلى أرصف، وهي مدينة باميان، وجاء إليه وزير أبيه الصاحب، واجتمع به، ~~وساروا إلى القلاع، وراسلوا عباسا المتغلب عليها، ولاطفوه، فسلم الجميع إلى ~~جلال الدين وقال: إنما حفظتها خوفا أن يأخذها خوارزم شاه، فاستحسن فعله، ~~وعاد إلى ملكه. # PageV10P240 # ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان # لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة وأندخوي [وكتب] ~~إلى سونج أمير أشكار، نائب غياث الدين محمود بالطالقان، يستميله، فعاد ~~الرسول خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه، وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم ~~شاه، فالتقوا بالقرب من الطالقان. # فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدا حتى قارب عسكر خوارزم شاه، فألقى ~~نفسه إلى الأرض، ورمى سلاحه عنه، وقبل الأرض، وسأل العفو، فظن خوارزم شاه ~~أنه سكران، فلما علم أنه صاح ذمه وسبه، وقال: من يثق بهذا وأشباهه! ولم ~~يلتفت إليه، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب وأنفذه إلى غياث الدين ~~مع رسول، وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له، واستناب بالطالقان ~~بعض أصحابه، وسار إلى قلاع كالورين وبيوار، فخرج إليه حسام الدين علي بن ~~أبي علي، صاحب كالورين، وقاتله على رءوس الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه ~~يتهدده إن لم يسلم إليه، فقال: أما أنا فمملوك، وأما هذه الحصون فهي أمانة ~~بيدي، ولا أسلمها إلا إلى صاحبها، فاستحسن خوارزم شاه منه هذا، وأثنى عليه، ~~وذم سونج. # ولما بلغ غياث الدين خبر سونج، وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه، ms4420 عظم ~~عنده وشق عليه، فسلاه أصحابه، وهونوا الأمر. # ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة، فنزل بظاهرها، ولم يمكن ~~ابن خرميل أحدا من الخوارزميين أن يتطرق بالأذى إلى أهلها، وإنما كانوا ~~يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة، فيقطعون الطريق، وهذه عادة الخوارزميين. # ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا، ورأى الناس عجبا، وذلك أن ~~الخوارزميين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد غياث الدين هذا، ولا يذكرون ~~أيضا شهاب الدين أخاه، وهما حيان، إلا بالغوري، وصاحب غزنة، وكان وزير # PageV10P241 # خوارزم شاه الآن، مع عظم شأنه وقلة شأن غياث الدين هذا، لا يذكره إلا ~~بمولانا السلطان مع ضعفه وعجزه وقلة بلاده. # وأما ابن خرميل فإنه سار من هراة في جمع من عسكر خوارزم شاه، فنزل على ~~أسفزار في صفر، وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وأرسل إلى من ~~بها يقسم بالله لئن سلموها أن يؤمنهم، وإن امتنعوا أقام عليهم إلى أن ~~يأخذهم، فإذا أخذهم قهرا لا يبقي على كبير ولا صغير، فخافوا، فسلموها في ~~ربيع الأول، فأمنهم ولم يتعرض إلى أهلها بسوء، فلما أخذها أرسل إلى حرب بن ~~محمد - صاحب سجستان - يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له ببلاده، فأجابه ~~إلى ذلك، وكان غياث الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة والدخول في طاعته، ~~فغالطه ولم يجبه إلى ما طلب. # ولما كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ~~ابن خرميل قد أخرجه من هراة في العام الماضي، وسار إلى غياث الدين، فعاد ~~الآن من عنده، فلما وصل قال ابن خرميل لخوارزم شاه: إن هذا يميل إلى ~~الغورية، ويريد دولتهم، ووقع فيه، فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن، وولى ~~القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي، وكان ينوب عن صاعد وابنه في ~~القضاء بهراة. # ذكر حال غياث الدين مع ألدز وأيبك # لما عاد ألدز إلى غزنة، وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين - كما ذكرناه - ~~كتب إليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له، فأجابه جواب ms4421 مدافع، وكان جوابه في ~~هذه المرة أشد منه فيما تقدم، فأعاد غياث الدين إليه يقول: إما أن تخطب ~~لنا، وإما أن تعرفنا ما في نفسك، فلما وصل الرسول بهذا أحضر خطيب غزنة ~~وأمره [أن] يخطب لنفسه بعد الترحم على شهاب الدين، فخطب لتاج الدين ألدز ~~بغزنة. # فلما سمع الناس ذلك ساءهم، وتغيرت نياتهم، ونيات الأتراك الذين معه، ولم ~~يروه أهلا أن يخدموه، وإنما كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه ينصر دولة غياث ~~الدين، فلما خطب له أرسل إلى غياث الدين يقول له: بماذا تشتط علي، وتتحكم ~~في هذه الخزانة؟ نحن جمعناها بأسيافنا، وهذا الملك قد أخذته، وأنت قد اجتمع ~~عندك الذين هم # PageV10P242 # أساس الفتنة، وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتني بأمور لم تقف عليها، فإن أنت ~~أعتقتني خطبت لك وحضرت خدمتك. # فلما وصل الرسول أجابه غياث الدين إلى عتق ألدز، بعد الامتناع الشديد، ~~والعزم على مصالحة خوارزم شاه على ما يريد، وقصد غزنة ومحاربته بها، فلما ~~أجابه إلى العتق أشهد عليه به، وأشهد عليه أيضا بعتق قطب الدين أيبك، مملوك ~~شهاب الدين ونائبه ببلاد الهند، وأرسل إلى كل واحد منهما ألف قباء، وألف ~~قلنسوة، ومناطق الذهب، وسيوفا كثيرة وجترين، ومائة رأس من الخيل، وأرسل إلى ~~كل واحد منهما رسولا، فقبل ألدز الخلع، ورد الجتر، وقال: نحن عبيد ومماليك، ~~والجتر له أصحاب. # وسار رسول أيبك إليه، وكان بفرشابور قد ضبط المملكة وحفظ البلاد، ومنع ~~المفسدين من الفساد والأذى، والناس معه في أمن، فلما قرب الرسول منه لقيه ~~على بعد، وترجل وقبل حافر الفرس، ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح ~~للمماليك، وأما العتق فمقبول، وسوف أجازيه بعبودية الأبد. # وأما خوارزم شاه فإنه أرسل إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا، ويطلب ~~منه ابن خرميل صاحب هراة إلى طاعته، ويسير معه في العساكر إلى غزنة. فإذا ~~ملكها من ألدز اقتسموا المال أثلاثا: ثلث لخوارزم شاه، وثلث لغياث الدين، ~~وثلث للعسكر فأجابه إلى ذلك، ولم يبق إلا الصلح، فوصل الخبر إلى خوارزم شاه ~~بموت صاحب مازندران، فسار ms4422 عن هراة إلى مرو، وسمع ألدز بالصلح، فجزع لذلك ~~جزعا عظيما ظهر أثره عليه، وأرسل إلى غياث الدين: ما حملك على هذا؟ فقال: ~~حملني عليه عصيانك وخلافك علي. فسار ألدز إلى تكياباذ فأخذها، وإلى بست، ~~وتلك الأعمال فملكها، وقطع خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان ~~يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين، وقطع خطبة خوارزم شاه، وأرسل إلى ابن ~~خرميل، صاحب هراة، بمثل ذلك، وتهددهما بقصد بلادهما، فخافهما الناس. # PageV10P243 # ثم إن ألدز أخرج جلال الدين، صاحب باميان، من أسره، وسير معه خمسة آلاف ~~فارس مع أي دكز التتر، مملوك شهاب الدين، إلى باميان ليعيدوه إلى ملكه ~~ويزيلوا ابن عمه عنه، وزوجه ابنته، وسار ومعه أي دكز، فلما خلا به وبخه على ~~لبسه خلعة ألدز وقال له: أنتم ما رضيتم [أن] تلبسوا خلعة غياث الدين، وهو ~~أكبر سنا منكم، وأشرف بيتا، تلبس خلعة هذا المأبون! - يعني ألدز -، ودعاه ~~إلى العود معه إلى غزنة، وأعلمه أن الأتراك كلهم مجمعون على خلاف ألدز. # فلم يجبه إلى ذلك، فقال أي دكز: فإنني لا أسير معك، وعاد إلى كابل، وهي ~~إقطاعه، فلما وصل أي دكز إلى كابل لقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى ألدز ~~يقبح له فعله، ويأمره بإقامة خطبة غياث الدين، ويخبره أنه قد خطب له في ~~بلاده، ويقول له إن لم يخطب له هو أيضا بغزنة ويعود إلى طاعته، وإلا قصده ~~وحاربه. # فلما علم أي دكز ذلك قويت نفسه على مخالفة ألدز، وصمم العزم على قصد ~~غزنة. ووصل أيضا رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف، ويشير عليه ~~بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب الآن، وعند الفراغ من أمر غزنة تسهل أمور ~~خوارزم شاه وغيره، وأنفذ له ذهبا عليه اسمه، فكتب أي دكز إلى أيبك يعرفه ~~عصيان ألدز على غياث الدين وما فعله في البلاد، وأنه على عزم مشاقة ألدز، ~~وهو ينتظر أمره، فأعاد أيبك جوابه يأمره بقصد غزنة، فإن حصلت له القلعة ~~أقام بها إلى أن يأتيه، وإن لم تحصل ms4423 له القلعة وقصده ألدز انحاز إليه، أو ~~إلى غياث الدين، أو يعود إلى كابل. # فسار إلى غزنة، وكان جلال الدين قد كتب إلى ألدز يخبره خبر أي دكز وما ~~عزم عليه، فكتب ألدز إلى نوابه بقلعة غزنة يأمرهم بالاحتياط منه، فوصلها أي ~~دكز أول رجب من السنة، وقد حذروه فلم يسلموا إليه القلعة، ومنعوه عنها، ~~فأمر أصحابه بنهب البلد، فنهبوا عدة مواضع منه، فتوسط القاضي الحال بأن سلم ~~إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية، وأخذ له من التجار شيئا آخر، وخطب ~~أي دكز بغزنة لغياث الدين، وقطع خطبة ألدز، ففرح الناس بذلك. # وكان مؤيد الملك ينوب عن ألدز بالقلعة، ووصل الخبر إلى ألدز بوصول أي # PageV10P244 # دكز إلى غزنة، ووصول رسول أيبك إليه، ففت في عضده، وخطب لغياث الدين في ~~تكياباذ، وأسقط اسمه من الخطبة، فخطب له، ورحل إلى غزنة، فلما قاربها رحل ~~أي دكز عنها إلى بلد الغور، فأقام في تمران، وكتب إلى غياث الدين يخبره ~~بحاله، وأنفذ إليه المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس، فأرسل إليه ~~خلعا وأعتقه، وخاطبه بملك الأمراء، ورد عليه المال الذي كان أخذه من ~~الخزانة، وقال له: أما مال الخزانة فقد أعدناه إليك لتخرجه، وأما أموال ~~التجار وأهل البلد فقد أرسلته (مع رسولي ليعاد) إلى أربابه لئلا نفتتح ~~دولتنا بالظلم، وقد عوضتك عنه ضعفه. # وأرسل أموال الناس إلى غزنة، إلى قاضي غزنة، وأمره أن يرد المال (المنفذ) ~~على أربابه، فأنهى القاضي الحال إلى ألدز، وأشار عليه بالخطبة لغياث الدين، ~~وقال: أنا أسعى في الوصلة بينكما والصهر والصلح، فأمره بذلك، فبلغ الخبر ~~إلى غياث الدين، فأرسل إلى القاضي ينهاه عن المجيء إليه، وقال: لا تسأل في ~~عبد أبق قد بان فساده واتضح عناده، فأقام بغزنة هو وألدز، وسير غياث الدين ~~عسكرا إلى أي دكز التتر، فأقاموا معه، وسير ألدز عسكرا إلى روين كان، وهي ~~لغياث الدين، وقد أقطعها لبعض الأمراء، فهجموا على صاحبها، فنهبوا ماله، ~~وأخذوا أولاده، فنجا وحده إلى غياث الدين، فاقتضى ms4424 الحال أن سار غياث الدين ~~إلى بست وتلك الولاية، فاستردها وأحسن إلى أهلها، وأطلق لهم خراج سنة لما ~~نالهم من ألدز من الأذى. # ذكر وفاة صاحب مازندران والخلف بين أولاده # في هذه السنة توفي حسام الدين (أردشير) ، صاحب مازندران وخلف ثلاثة ~~أولاد، فملك بعده ابنه الأكبر، وأخرج أخاه الأوسط من البلاد، فقصد جرجان، ~~وبها الملك علي شاه بن خوارزم شاه تكش، أخو خوارزم شاه محمد، وهو ينوب عن ~~أخيه فيها، فشكا إليه مما صنع به أخوه، من إخراجه من البلاد، (وطلب منه أن ~~ينجده عليه، # PageV10P245 # ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته) ، فكتب علي شاه إلى أخيه خوارزم شاه في ~~ذلك، فأمره بالمسير معه إلى مازندران، وأخذ البلاد له، وإقامة الخطبة ~~لخوارزم شاه فيها. # فساروا عن جرجان، فاتفق أن حسام الدين، صاحب مازندران، مات في ذلك الوقت، ~~وملك البلاد بعده أخوه الأصغر، واستولى على القلاع والأموال، فدخل علي شاه ~~البلاد، ومعه صاحب، مازندران، فنهبوها وخربوها، وامتنع منهم الأخ الصغير ~~بالقلاع، وأقام بقلعة كورا، وهي التي فيها الأموال والذخائر، وحصروه فيها ~~بعد أن ملكوا أسامة البلاد مثل: سارية وآمل وغيرهما من البلاد والحصون، ~~وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها، فصارت في طاعته، وعاد علي شاه إلى جرجان، ~~وأقام ابن ملك مازندران في البلاد مالكا لها جميعها، سوى القلعة التي فيها ~~أخوه الأصغر، وهو يراسله، ويستميله، ويستعطفه، وأخوه لا يرد جوابا، ولا ~~ينزل عن حصنه. # ذكر ملك غياث الدين كيخسرو مدينة أنطاكية # في هذه السنة، ثالث شعبان، ملك غياث الدين كيخسرو، صاحب قونية وبلد ~~الروم، مدينة أنطاكية بالأمان، وهي للروم على ساحل البحر. # وسبب ذلك أنه كان حصرها قبل هذا التاريخ، وأطال المقام عليها، وهدم عدة ~~أبراج من سورها، ولم يبق إلا فتحها عنوة، فأرسل من [بها من] الروم إلى ~~الفرنج الذين بجزيرة قبرس، وهي قريبة منها، فاستنجدوهم، فوصل إليها جماعة ~~منهم، فعند ذلك يئس غياث الدين منها، ورحل عنها، وترك طائفة من عسكره ~~بالقرب منها، بالجبال التي بينها وبين بلاده، وأمرهم بقطع الميرة ms4425 منها. # فاستمر الحال على ذلك مدة حتى ضاق بأهل البلد، واشتد الأمر عليهم، فطلبوا ~~من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظن الفرنج أن الروم يريدون ~~إخراجهم من المدينة بهذا السبب، فوقع الخلف بينهم، فاقتتلوا، فأرسل الروم ~~إلى المسلمين، وطلبوهم ليسلموا إليهم البلد، فوصلوا إليهم، واجتمعوا على ~~قتال الفرنج، فانهزم الفرنج ودخلوا الحصن فاعتصموا به، فأرسل المسلمون ~~يطلبون غياث الدين، وهو بمدينة قونية، فسار إليهم مجدا في طائفة من عسكره، ~~فوصلها ثاني شعبان، # PageV10P246 # وتقرر الحال بينه وبين الروم، وتسلم المدينة (ثالثة) ، وحصر الحصن الذي ~~فيه الفرنج، وتسلمه، وقتل كل من كان به من الفرنج. # ذكر عزل ولد بكتمر صاحب خلاط وملك بلبان ومسير صاحب ماردين إلى خلاط ~~وعوده # وفي هذه السنة قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر، وملكها بلبان مملوك ~~شاه أرمن بن سكمان، وكتب أهل خلاط إلى ناصر الدين أرتق بن إيلغازي بن البي ~~بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق يستدعونه إليها. # وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان صبيا جاهلا، فقبض على الأمير (شجاع الدين ~~قتلغ، مملوك من مماليك شاه أرمن) ، وهو كان أتابكه، ومدبر بلاده، وكان حسن ~~السيرة مع الجند والرعية، فلما قتله اختلفت الكلمة عليه من الجند والعامة، ~~واشتغل هو باللهو واللعب وإدمان الشرب، فكاتب جماعة من عامة خلاط، وجماعة ~~من جند ناصر الدين، صاحب ماردين، يستدعونه إليهم، وإنما كاتبوه دون غيره من ~~الملوك لأن أباه قطب الدين إيلغازي كان ابن أخت شاه أرمن بن سكمان، وكان ~~شاه أرمن قد حلف له الناس في حياته لأنه لم يكن له ولد، فلما تجددت بعده ~~هذه الحادثة تذاكروا تلك الأيمان، وقالوا: نستدعيه ونملكه، فإنه من أهل بيت ~~شاه أرمن، فكاتبوه وطلبوه إليهم. # ثم إن بعض مماليك شاه أرمن، اسمه بلبان، وكان قد جاهر ولد بكتمر بالعداوة ~~والعصيان، سار من خلاط إلى ملازكرد وملكها، واجتمع الأجناد عليه، وكثر ~~جمعه، وسار إلى خلاط فحصرها، واتفق وصول صاحب ماردين إليها، وهو يظن أن ~~أحدا لا يمتنع عليه، ويسلمون إليه المدينة، فنزل ms4426 قريبا من خلاط عدة أيام، ~~فأرسل إليه بلبان يقول له: إن أهل خلاط قد اتهموني بالميل إليك، وهم ينفرون ~~من العرب، والرأي أنك ترحل عائدا مرحلة واحدة وتقيم، فإذا تسلمت البلد ~~سلمته إليك، لأنني لا يمكنني أن أملكه أنا. # PageV10P247 # ففعل صاحب ماردين ذلك، فلما أبعد عن خلاط أرسل إليه يقول له: تعود إلى ~~بلدك، وإلا جئت إليك وأوقعت بك وبمن معك. وكان في قلة من الجيش، فعاد إلى ~~ماردين. # وكان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب حران وديار ~~الجزيرة، قد أرسل إلى صاحب ماردين، لما سمع أنه يريد قصد خلاط، يقول له: إن ~~سرت إلى خلاط قصدت بلدك، وإنما خاف أن يملك خلاط فيقوى عليهم، فلما سار إلى ~~خلاط جمع الأشرف العساكر وسار إلى ولاية ماردين، فأخذ دخلها، وأقام بدنيسر ~~يجبي الأموال إليه، فلما فرغ منه عاد إلى حران، فكان مثل صاحب ماردين كما ~~قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين. # وأما بلبان فإنه جمع العسكر وحشد، وحصر خلاط وضيق على أهلها، وبها ولد ~~بكتمر، فجمع من عنده بالبلد من الأجناد والعامة، وخرج إليه، فالتقوا، ~~فانهزم بلبان ومن معه من بين يديه، وعاد إلى الذي بيده من البلاد، وهو: ~~ملازكرد وأرجيش وغيرهما من الحصون، وجمع العساكر، واستكثر منها، وعاود حصار ~~خلاط وضيق على أهلها، فاضطرهم إلى خذلان ولد بكتمر لصغره، وجهله بالملك، ~~واشتغاله بلهوه ولعبه، ثم قبضوا عليه في القلعة، وأرسلوا إلى بلبان وحلفوه ~~على ما أرادوا، وسلموا إليه البلد وابن بكتمر، واستولى على جميع أعمال ~~خلاط، وسجن ابن بكتمر في قلعة هناك، واستقر ملكه، فسبحان من إذا أراد أمرا ~~هيأ أسبابه ; بالأمس يقصدها شمس الدين محمد البهلوان وصلاح الدين يوسف بن ~~أيوب فلم يقدر أحدهما عليها، والآن يظهر هذا المملوك العاجز، القاصر عن ~~الرجال والبلاد والأموال، فيملكها صفوا عفوا. # ثم إن نجم الدين أيوب بن العادل، صاحب ميافارقين، سار نحو ولاية خلاط ~~وكان قد استولى [على] عدة حصون من أعمالها منها: حصن موسى ومدينته، ms4427 فلما ~~قارب خلاط أظهر له بلبان العجز عن مقابلته، فطمع، وأوغل في القرب، فأخذ ~~عليه بلبان الطريق وقاتله فهزمه، ولم يفلت من أصحابه إلا القليل وهم جرحى، ~~وعاد إلى ميافارقين. # PageV10P248 # ذكر ملك الكرج مدينة قرس وموت ملك الكرج # في هذه السنة ملك الكرج حصن قرس، من أعمال خلاط، وكانوا قد حصروه مدة ~~طويلة، وضيقوا على من فيه، وأخذوا دخل الولاية عدة سنين، وكل من يتولى خلاط ~~لا ينجدهم، ولا يسعى في راحة تصل إليهم. # وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة، وإزاحة من عليه من الكرج، فلا ~~يجاب له دعاء، فلما طال الأمر عليه، ورأى أن لا ناصر له، صالح الكرج على ~~تسليم القلعة على مال كثير وإقطاع يأخذه منهم. وصارت دار شرك بعد أن كانت ~~دار توحيد - فإنا لله وإنا إليه راجعون -، ونسأل الله أن يسهل للإسلام ~~وأهله نصرا من عنده، فإن ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن ~~سد الثغور وحفظ البلاد. # ثم إن الله - تعالى - نظر إلى قلة ناصر الإسلام، فتولاه هو، فأمات ملكة ~~الكرج. واختلفوا فيما بينهم وكفى الله شرهم إلى آخر السنة. # ذكر الحرب بين عسكر الخليفة وصاحب لرستان # في هذه السنة، في رمضان، سار عسكر الخليفة من خوزستان مع مملوكه سنجر - ~~وهو كان المتولي لتلك الأعمال، وليها بعد موت طاشتكين أمير الحاج، لأنه زوج ~~ابنة طاشتكين - إلى جبال لرستان، وصاحبها يعرف بأبي طاهر - وهي جبال منيعة ~~بين فارس وأصبهان وخوزستان - فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين. # وسبب ذلك أن مملوكا للخليفة الناصر لدين الله اسمه قشتمر من أكابر ~~مماليكه كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه من الوزير نصير الدين (العلوي ~~الرازي، واجتاز بخوزستان، وأخذ منها ما أمكنه) ولحق بأبي طاهر صاحب لرستان، ~~فأكرمه وعظمه وزوجه ابنته، ثم توفي أبو طاهر فقوي أمر قشتمر، وأطاعه أهل ~~تلك الولاية. # فأمر سنجر بجمع العساكر وقصده وقتاله، ففعل سنجر ما أمر به، وجمع العساكر ~~وسار إليه، فأرسل قشتمر يعتذر، ويسأل أنه لا يقصد ولا يخرج عن العبودية، # PageV10P249 # فلم ms4428 يقبل عذره، فجمع أهل تلك الأعمال، ونزل إلى العسكر، فلقيهم، فهزمهم، ~~وأرسل إلى صاحب فارس ابن دكلا وشمس الدين إيدغمش، صاحب أصبهان وهمذان ~~والري، يعرفهما الحال، ويقول: إنني لا قوة لي بعسكر الخليفة، وربما أضيف ~~إليهم عساكر أخرى من بغداد وعادوا إلى حربي، وحينئذ لا أقدر بهم، وطلب ~~منهما النجدة، وخوفهما من عسكر الخليفة إن ملك تلك الجبال، فأجاباه إلى ما ~~طلب، فقوي جنانه، واستمر على حاله. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل صبي صبيا آخر ببغداد، وكانا يتعاشران، وعمر كل واحد ~~منهما يقارب عشرين سنة، فقال أحدهما للآخر: الساعة أضربك بهذه السكين، ~~يمازحه بذلك، وأهوى نحوه بها، فدخلت في جوفه فمات، فهرب القاتل ثم أخذ وأمر ~~به ليقتل، فلما أرادوا قتله طلب دواة [وورقة] بيضاء، وكتب فيها من قوله: # قدمت على الكريم بغير زاد ... من الأعمال بالقلب السليم # وسوء الظن أن تعتد زادا ... إذا كان القدوم على كريم # وفيها حج برهان الدين صدر جهان محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مازة ~~البخاري رأس الحنفية ببخارى، وهو كان صاحبها على الحقيقة، يؤدي الخراج إلى ~~الخطا، وينوب عنهم في البلد، فلما حج لم تحمد سيرته في الطريق، ولم يصنع ~~معروفا، وكان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارى، فلما عاد لم يلتفت إليه ~~لسوء سيرته مع الحجاج، وسماه الحجاج صدر جهنم. # [الوفيات] # وفيها، في شوال، مات شيخنا أبو الحرم مكي بن ريان بن شبة النحوي # PageV10P250 # المقرئ بالموصل، وكان عارفا بالنحو واللغة والقراءات، لم يكن في زمانه ~~مثله، وكان ضريرا، وكان يعرف سوى هذه العلوم من الفقه والحساب وغير ذلك ~~معرفة حسنة، وكان من خيار عباد الله وصالحيهم، كثير التواضع، لا يزال الناس ~~يشتغلون عليه من بكرة إلى الليل. # [ذكر عدة حوادث] # وفيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر مملوك الخليفة المعروف بوجه السبع ~~الحاج بموضع يقال له المرجوم، ومضى في طائفة من أصحابه إلى الشام، وسار ~~الحاج ومعهم الجند، فوصلوا سالمين، ووصل هو إلى الملك العادل أبي بكر بن ms4429 ~~أيوب، فأقطعه إقطاعا كثيرا بمصر، وأقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد سنة ثمان ~~وستمائة في جمادى الأولى، فإنه لما قبض الوزير أمن على نفسه، وأرسل يطلب ~~العود، فأجيب إليه، فلما وصل أكرمه الخليفة وأقطعه الكوفة. # [الوفيات] # وفيها، في جمادى الآخرة، توفي أبو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز ~~الإسكندراني، المعروف بابن النطروني، في مارستان بغداد، وكان قد مضى إلى ~~المايورقي في رسالة بإفريقية، فحصل له منه عشرة آلاف دينار مغربية، فرقها ~~جميعها في بلده على معارفه وأصدقائه، وكان فاضلا خيرا - نعم الرجل، رحمه ~~الله -، وله شعر حسن، وكان قيما بعلم الأدب، وأقام بالموصل مدة، واشتغل على ~~الشيخ أبي الحرم واجتمعت به كثيرا عنده. # PageV10P251 ### | [ثم دخلت سنة أربع وستمائة] ### | 604 - # ثم دخلت سنة أربع وستمائة # ذكر ملك خوارزم شاه ما وراء النهر # وما كان بخراسان من الفتن وإصلاحها # في هذه السنة عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا. # وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان، وما وراء النهر، ~~وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال، وهم ~~يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل أن يملكوا، وكان مقامهم بنواحي أوزكند، ~~وبلاساغون، وكاشغر، وتلك النواحي، فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى، ويلقب خان ~~خانان - يعني سلطان السلاطين -. وهو من أولاد الخانية، عريق النسب في ~~الإسلام والملك، أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم ~~شاه يقول له: إن الله - عز وجل - قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك ~~وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار، وتخلصهم مما يجري ~~عليهم من التحكم في الأموال والأبشار، ونحن نتفق معك على محاربة الخطا، ~~ونحمل إليك ما نحمله إليهم، ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة، فأجابه إلى ~~ذلك، وقال: أخاف أنكم لا تفون لي. # فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخارى وسمرقند، بعد أن حلفوا صاحبهم على ~~الوفاء بما تضمنه، وضمنوا عنه الصدق والثبات على ما بذل، وجعلوا عنده ~~رهائن، فشرع في ms4430 إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، فولى أخاه عليا شاه في ~~طبرستان مضافة إلى جرجان، وأمره بالحفظ والاحتياط، وولى الأمير كزلك خان، ~~وهو من أقارب أمه وأعيان دولته، بنيسابور، وجعل معه عسكرا، وولى الأمير ~~جلدك مدينة الخام، وولى الأمير أمين الدين أبا بكر مدينة زوزن. # وكان أمين الدين هذا حمالا، ثم صار أكبر الأمراء، وهو الذي ملك كرمان - # PageV10P252 # على ما نذكره إن شاء الله تعالى - وأقر الأمير الحسين على هراة، وجعل معه ~~فيها ألف فارس من الخوارزمية، وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد ~~الغور، وكرمسير واستناب في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان نوابا، وأمرهم بحسن ~~السياسة، والحفظ، والاحتياط، وجمع عساكره جميعها، وسار إلى خوارزم، وتجهز ~~منها، وعبر جيحون، واجتمع بسلطان سمرقند، وسمع الخطا، فحشدوا، وجمعوا، ~~وجاءوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات، فتارة له وتارة عليه. # ذكر قتل ابن خرميل وحصر هراة # ثم إن ابن خرميل - صاحب هراة - رأى سوء معاملة عسكر خوارزم شاه للرعية، ~~وتعديهم إلى الأموال، فقبض عليهم وحبسهم، وبعث رسولا إلى خوارزم شاه يعتذر، ~~ويعرفه ما صنعوا، فعظم عليه، ولم يمكنه محاقته لاشتغاله بقتال الخطا فكتب ~~إليه يستحسن فعله، ويأمره بإنفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم، وقال ~~له: إنني قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل - صاحب الخام - أن يكون عندك لما ~~أعلمه من عقله وحسن سيرته، وأرسل إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة، وأسر ~~إليه أن يحتال في القبض على حسين بن خرميل ولو أول ساعة يلقاه. # فسار جلدك في ألفي فارس - وكان أبوه طغرل أيام السلطان سنجر، واليا ~~بهراة، فهوى إليها بالأشواق يختارها على جميع خراسان -، فلما قارب هراة أمر ~~ابن خرميل الناس بالخروج لتلقيه، وكان للحسين وزير يعرف بخواجه الصاحب، ~~وكان كبيرا قد حنكته التجارب، فقال لابن خرميل: لا تخرج إلى لقائه ودعه ~~يدخل إليك منفردا، فإنني أخاف أن يغدر بك، وأن يكون خوارزم شاه أمر بذلك. ~~فقال: لا يجوز أن يقدم مثل هذا الأمير ولا ألتقيه، وأخاف أن يضطغن ذلك ms4431 علي ~~خوارزم شاه، وما أظنه يتجاسر علي. # PageV10P253 # فخرج إليه الحسين بن خرميل، فلما بصر كل واحد منهما بصاحبه ترجل للالتقاء ~~وكان جلدك قد أمر أصحابه بالقبض عليه، فاختلطوا بهما، وحالوا بين ابن خرميل ~~وأصحابه، وقبضوا عليه. فانهزم أصحابه ودخلوا المدينة وأخبروا الوزير ~~بالحال، فأمر بإغلاق الباب والطلوع إلى الأسوار، واستعد للحصار، ونزل جلدك ~~على البلد، وأرسل إلى الوزير يتهدده، إن لم يسلم البلد، بقتل ابن خرميل، ~~فنادى الوزير بشعار غياث الدين محمود الغوري، وقال لجلدك: لا أسلم البلد ~~إليك، ولا إلى الغادر ابن خرميل، وإنما هو لغياث الدين، ولأبيه قبله. # فقدموا ابن خرميل إلى السور، فخاطب الوزير، وأمره بالتسليم، فلم يفعل، ~~فقتل ابن خرميل، وهذه عاقبة الغدر، فقد تقدم من أخباره عند شهاب الدين ~~الغوري ما يدل على غدره، وكفرانه الإحسان ممن أحسن إليه. # فلما قتل ابن خرميل كتب جلدك إلى خوارزم شاه بجلية الحال، فأنفذ خوارزم ~~شاه إلى كزلك خان - والي نيسابور - وإلى أمين الدين أبي بكر - صاحب زوزن - ~~يأمرهما بالمسير إلى هراة وحصارها وأخذها، فسارا في عشرة آلاف فارس، فنزلوا ~~على هراة، وراسلوا الوزير بالتسليم، فلم يلتفت إليهم، وقال: ليس لكم من ~~المحل ما يسلم إليكم مثل هراة، لكن إذا وصل السلطان خوارزم شاه سلمتها ~~إليه. فقاتلوه، وجدوا في قتاله، فلم يقدروا عليه. # وكان ابن خرميل قد حصن هراة، وعمل لها أربعة أسوار محكمة، وحفر خندقها، ~~وشحنها بالميرة، فلما فرغ من كل ما أراد قال: بقيت أخاف على هذه المدينة ~~شيئا واحدا، وهو أن تسكر المياه التي لها أياما كثيرة، ثم ترسل دفعة واحدة ~~فتخرق أسوارها. فلما حصرها هؤلاء سمعوا قول ابن خرميل، فسكروا المياه حتى ~~اجتمعت كثيرا، ثم أطلقوها على هراة فأحاطت بها ولم تصل إلى السور لأن أرض ~~المدينة مرتفعة، فامتلأ الخندق ماء، وصار حولها وحلا، فانتقل العسكر عنهم، ~~ولم يمكنهم القتال لبعدهم عن المدينة. وهذا كان قصد ابن خرميل: أن يمتلئ ~~الخندق ماء، # PageV10P254 # ويمنع الوحل من القرب من المدينة، فأقاموا مدة حتى نشف الماء، فكان ms4432 قول ~~ابن خرميل من أحسن الحيل. # ونعود إلى قتال خوارزم شاه الخطا وأسره، وأما خوارزم شاه فإنه دام القتال ~~بينه وبين الخطا، ففي بعض الأيام اقتتلوا، واشتد القتال، ودام بينهم، ثم ~~انهزم المسلمون هزيمة قبيحة، وأسر كثير منهم، وقتل كثير. وكان من جملة ~~الأسرى خوارزم شاه، وأسر معه أمير كبير يقال له فلان بن شهاب الدين [مسعود] ~~أسرهما رجل واحد. # ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم، ولم يروا السلطان معهم، فأرسلت أخت ~~كزلك خان - صاحب نيسابور - وهو يحاصر هراة، وأعلمته الحال، فلما أتاه الخبر ~~سار عن هراة ليلا إلى نيسابور، وأحس به الأمير أمين الدين أبو بكر - صاحب ~~زوزن - فأراد هو ومن عنده من الأمراء منعه، مخافة أن يجري بينهم حرب يطمع ~~بسببها أهل هراة فيهم، فيخرجون إليهم فيبلغون منهم ما يريدونه، فأمسكوا عن ~~معارضته. # وكان خوارزم شاه قد خرب سور نيسابور لما ملكها من الغورية، فشرع كزلك خان ~~يعمره، وأدخل إليها الميرة، واستكثر من الجند، وعزم على الاستيلاء على ~~خراسان إن صح فقد السلطان. # وبلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه علي شاه وهو بطبرستان، فدعا إلى نفسه، ~~وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة، واختلطت خراسان اختلاطا عظيما. # وأما السلطان خوارزم شاه فإنه لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود: يجب ~~أن تدع السلطنة في هذه الأيام، وتصير خادما لعلي أحتال في خلاصك، فشرع يخدم ~~ابن مسعود، ويقدم له الطعام، ويخلعه ثيابه وخفه، ويعظمه، فقال الرجل الذي ~~أسرهما لابن مسعود: أرى هذا الرجل يعظمك، فمن أنت؟ فقال: أنا فلان، وهذا ~~غلامي. فقام إليه وأكرمه، وقال: لولا أن القوم عرفوا بمكانك عندي لأطلقتك، ~~ثم تركه أياما، فقال له ابن مسعود: إني أخاف أن يرجع المنهزمون، فلا يراني ~~أهلي معهم فيظنون أني قتلت، فيعملون العزاء والمأتم، وتضيق صدورهم لذلك ثم # PageV10P255 # يقتسمون مالي فأهلك، وأحب أن تقرر علي شيئا من المال حتى أحمله إليك، ~~فقرر عليه مالا، وقال له: أريد أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابي إلى أهلي ~~ويخبرهم بعافيتي، ويحضر معه من ms4433 يحمل المال. # ثم قال: إن أصحابكم لا يعرفون أهلنا، ولكن هذا غلامي أثق به، ويصدقه أهلي ~~فأذن له الخطائي بإنفاذه، فسيره وأرسل معه الخطائي فرسا، وعدة من الفرسان ~~يحمونه، فساروا حتى قاربوا خوارزم، وعاد الفرسان عن خوارزم شاه، ووصل ~~خوارزم شاه إلى خوارزم، فاستبشر به الناس وضربت البشائر وزينوا البلد، ~~وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور، وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان. # ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان # لما وصل خوارزم شاه إلى خوارزم أتته الأخبار بما فعله كزلك خان وأخوه علي ~~شاه وغيرهما، فسار إلى خراسان وتبعته العساكر، فتقطعت، ووصل هو إليها في ~~اليوم السادس ومعه ستة فرسان، وبلغ كزلك خان وصوله، فأخذ أمواله وعساكره ~~وهرب نحو العراق، وبلغ أخاه عليا شاه، فخافه، وسار على طريق قهستان ملتجئا ~~إلى غياث الدين محمود الغوري، صاحب فيروزكوه فتلقاه، وأكرمه، وأنزله عنده. # وأما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائبا، وسار ~~إلى هراة، فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه، وأحسن إلى أولئك الأمراء، ~~ووثق بهم لأنهم صبروا على امتثال أمره في تلك الحال ولم يتغيروا، ولم ~~يبلغوا من هراة غرضا بحسن تدبير ذلك الوزير، فأرسل خوارزم شاه إلى الوزير ~~يقول له: إنك وعدت عسكري أنك تسلم المدينة إذا حضرت، وقد حضرت فسلم. فقال: ~~لا أفعل، لأني أعرف أنكم غدارون، لا تبقون على أحد، ولا أسلم البلد إلا إلى ~~غياث الدين محمود. # فغضب خوارزم شاه من ذلك، وزحف إليه بعساكره، فلم يكن فيه حيلة، فاتفق ~~جماعة من أهل هراة وقالوا: هلك الناس من الجوع والقلة، وقد تعطلت علينا ~~معايشنا، وقد مضى سنة وشهر، وكان الوزير يعد بتسليم البلد إلى خوارزم شاه ~~إذا # PageV10P256 # وصل إليه، وقد حضر خوارزم شاه ولم يسلم، ويجب أن نحتال في تسليم البلد، ~~والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها. # فانتهى ذلك إلى الوزير، فبعث إليهم جماعة من عسكره، وأمرهم بالقبض عليهم، ~~فمضى الجند إليهم، فثارت فتنة في البلد عظم خطبها، فاحتاج الوزير إلى ~~تداركها بنفسه، فمضى ms4434 لذلك، فكتب من البلد إلى خوارزم شاه بالخبر، وزحف إلى ~~البلد وأهله مختلطون فخربوا برجين من السور، ودخلوا البلد فملكوه، وقبضوا ~~على الوزير فقتله خوارزم شاه، وملك البلد، وذلك سنة خمس وستمائة، وأصلح ~~حاله، وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، فلم يزل بيده حتى هلك ~~خوارزم شاه. # وأما ابن شهاب الدين مسعود فإنه أقام عند الخطا مديدة، فقال له الذي ~~استأسره يوما: إن خوارزم شاه قد عدم فإيش عندك من خبره؟ فقال له: أما ~~تعرفه؟ ! قال: لا. قال: هو أسيرك الذي كان عندك. فقال: لم لم تعرفني حتى ~~كنت أخدمه، وأسير بين يديه إلى مملكته؟ قال: خفتكم عليه. فقال الخطائي: سر ~~بنا إليه فسارا إليه، فأكرمهما، وأحسن إليهما، وبالغ في ذلك. # ذكر قتل غياث الدين محمود # لما سلم خوارزم شاه هراة إلى خاله أمير ملك وسار إلى خوارزم، أمره أن ~~يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام الغوري، صاحب الغور ~~وفيروزكوه، وأن يقبض عليه وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه ~~من غياث الدين. # فسار أمير ملك إلى فيروزكوه ; وبلغ ذلك إلى محمود، فأرسل يبذل الطاعة ~~ويطلب الأمان، فأعطاه ذلك، فنزل إليه محمود، فقبض عليه أمير ملك، وعلى علي ~~شاه أخو خوارزم شاه، فسألاه أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه، ~~فأرسل إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في يوم واحد، ~~واستقامت # PageV10P257 # خراسان كلها لخوارزم شاه، وذلك سنة خمس وستمائة أيضا. # وغياث الدين هذا هو آخر ملوك الغورية، ولقد كانت دولتهم من أحسن الدول ~~سيرة، وأعدلها وأكثرها جهادا، وكان محمود هذا عادلا، حليما، كريما، من أحسن ~~الملوك سيرة وأكرمهم أخلاقا، رحمه الله تعالى. # ذكر عود خوارزم شاه إلى الخطا لما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه وعبر نهر ~~جيحون، جمع له الخطا جمعا عظيما وساروا إليه، والمقدم عليهم شيخ دولتهم، ~~القائم مقام الملك فيهم، المعروف بطاينكوه، وكان عمره قد جاوز مائة سنة، ~~ولقي حروبا كثيرة، وكان مظفرا، حسن التدبير والعقل، ms4435 واجتمع خوارزم شاه ~~وصاحب سمرقند، وتصافوا هم والخطا سنة ست وستمائة، فجرت حروب لم يكن مثلها ~~شدة وصبرا، فانهزم الخطا هزيمة منكرة، وقتل منهم وأسر خلق لا يحصى. # وكان فيمن أسر طاينكوه مقدمهم، وجيء به إلى خوارزم شاه، فأكرمه، وأجلسه ~~على سريره، وسيره إلى خوارزم، ثم قصد خوارزم شاه إلى بلاد ما وراء النهر، ~~فملكها مدينة مدينة، وناحية ناحية، حتى بلغ إلى مدينة أوزكند، وجعل نوابه ~~فيها. # وعاد إلى خوارزم ومعه سلطان سمرقند، وكان من أحسن الناس صورة، فكان أهل ~~خوارزم يجتمعون حتى ينظروا إليه، فزوجه خوارزم شاه بابنته، ورده إلى ~~سمرقند، وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان رسم الخطا. # ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين # لما عاد صاحب سمرقند إليها، ومعه شحنة لخوارزم شاه، أقام معه نحو سنة ~~فرأى من سوء سيرة الخوارزميين وقبح معاملتهم، ما ندم معه على مفارقة الخطا، ~~فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته، وأمر ~~بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديما وحديثا، وأخذ أصحاب ~~خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق كما يعلق ~~القصاب اللحم وأساء غاية الإساءة، ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزم # PageV10P258 # شاه، فأغلقت الأبواب ووقفت بجواريها تمنعه، وأرسلت إليه تقول: أنا امرأة ~~وقتل مثلي قبيح، ولم يكن مني إليك ما أستوجب به هذا منك، ولعل تركي أحمد ~~عاقبة، فاتق الله في. فتركها ووكل بها من يمنعها التصرف في نفسها. # ووصل الخبر إلى خوارزم شاه فقامت قيامته، وغضب غضبا شديدا، وأمر بقتل كل ~~من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه عن ذلك، وقالت: إن هذا البلد قد أتاه ~~الناس من أقطار الأرض، ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل، فأمر بقتل أهل ~~سمرقند، فنهته أمه، فانتهى. # وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر، وسيرهم أرسالا، كلما تجهز جماعة ~~عبروا جيحون، فعبر منهم خلق كثير لا يحصى ثم عبر هو بنفسه في آخرهم، ونزل ~~على سمرقند، وأنفذ إلى صاحبها يقول ms4436 له: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت ~~من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا كافر وقد عفا الله عما سلف، ~~فاخرج من البلاد، وامض حيث شئت. فقال: لا أخرج، وافعل ما بدا لك. # فأمر عساكره بالزحف، فأشار عليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء، إذا ~~فتحوا البلد، أن يقصدوا السرب الذي يسكنه التجار فيمنع من نهبه والتطرق ~~إليهم بسوء، فإنهم غرباء، وكلهم كارهون لهذا الفعل. فأمر بعض الأمراء بذلك ~~وزحف، ونصب السلاليم على السور، فلم يكن بأسرع من أن أخذوا البلد، وأذن ~~لعسكره بالنهب: وقتل من يجدونه من أهل سمرقند، فنهب البلد، وقتل أهله، ~~ثلاثة أيام، فيقال إنهم قتلوا منهم مائتي ألف إنسان، وسلم ذلك الدرب الذي ~~فيه الغرباء، فلم يعدم منهم الفرد ولا الآدمي الواحد. # ثم أمر بالكف عن النهب والقتل، ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ ~~قلبه هيبة وخوفا، فأرسل يطلب الأمان، فقال: لا أمان لك عندي فزحفوا عليها. ~~فمسكوها، وأسروا صاحبها، وأحضروه عند خوارزم شاه، فقبل الأرض وطلب العفو، ~~فلم يعف عنه، وأمر بقتله. فقتل صبرا، وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك ~~أحدا ممن نسب إلى الخانية، ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه، ولم يبق لأحد ~~معه في البلاد حكم. # PageV10P259 # ذكر الوقعة التي أفنت الخطا # لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم إلى ملكهم، فإنه لم ~~يحضر الحرب فاجتمعوا عنده وكان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من بلادهم، ~~حدود الصين قديما، ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا عداوة ~~وحروب، فلما سمعوا بما فعله خوارزم شاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشلي خان. # فلما رأى ملك الخطا ذلك أرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أما ما كان منك من ~~أخذ بلادنا وقتل رجالنا فعفو عنه، وقد أتى من هذا العدو من لا قبل لنا به، ~~وإنهم إن انتصروا علينا، وملكونا فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا ~~بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف ms4437 لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض إلى ~~ما أخذت من البلاد ونقنع بما في أيدينا. # وأرسل إليه كشلي خان ملك التتر يقول: إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداء آبائك ~~وأعداؤنا، فساعدنا عليهم، ونحلف أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقرب بلادك، ~~ونقنع بالمواضع التي ينزلونها فأجاب كلا منهما: إنني معك، ومعاضدك على ~~خصمك. # وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذي تصافوا فيه، فلم يخالطهم ~~مخالطة يعلم بها أنه من أحدهما، فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها. # وتواقع الخطا والتتر، فانهزم الخطا هزيمة عظيمة، فمال حينئذ خوارزم شاه، ~~وجعل يقتل، ويأسر، وينهب، ولم يترك أحدا ينجو منهم، فلم يسلم منهم إلا ~~طائفة يسيرة مع ملكهم في موضع من نواحي الترك يحيط به جبل ليس إليه طريق ~~إلا من جهة واحدة، تحصنوا فيه وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة، وساروا في ~~عسكره. # وأنفذ خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتر يمن عليه بأنه حضر لمساعدته، ~~ولولاه لما # PageV10P260 # تمكن من الخطا، فاعترف له كشلي خان بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب منه ~~المقاسمة على بلاد الخطا، وقال: كما أننا اتفقنا على إبادتهم ينبغي أن ~~نقتسم بلادهم. فقال: ليس لك عندي غير السيف، ولستم بأقوى من الخطا شوكة، ~~ولا أعز ملكا، فإن قنعت بالمساكتة، وإلا سرت إليك، وفعلت بك شرا مما فعلت ~~بهم. # وتجهز وسار حتى نزل قريبا منهم، وعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به، فكان ~~يراوغه، فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم فينهبها، وإذا سمع ~~أن طائفة سارت عن موطنهم سار إليها فأوقع بها، فأرسل إليه كشلي خان يقول ~~له: ليس هذا فعل الملوك هذا فعل اللصوص، وإلا إن كنت سلطانا، كما تقول، ~~فيجب أن نلتقي، فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي، وإما أن أفعل أنا ~~بك ذلك. # فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب، لكنه أمر أهل الشاش، وفرغانة، ~~وأسفيجاب، وكاسان، وما حولها من المدن - التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ~~ولا أحسن ms4438 عمارة - بالجلاء منها، واللحاق ببلاد الإسلام، ثم خربها جميعها ~~خوفا من التتر أن يملكوها. # ثم اتفق خروج هؤلاء التتر الآخر الذين خربوا الدنيا وملكهم جنكزخان ~~النهرجي على كشلي خان ملك التتر الأول، فاشتغل بهم كشلي خان عن خوارزم شاه، ~~فخلا وجهه، فعبر النهر إلى خراسان. # ذكر ملك نجم الدين ابن الملك العادل خلاط # في هذه السنة ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل أبي بكر ~~بن أيوب مدينة خلاط. # وسبب ذلك أنه كان بمدينة ميافارقين مع أبيه، فلما كان من ملك بلبان خلاط ~~ما ذكرناه، قصد هو مدينة موش، وحصرها وأخذها وأخذ معها ما يجاورها. وكان ~~بلبان لم تثبت قدمه حتى يمنعه، فلما ملكها طمع في خلاط فسار إليها فهزمه ~~بلبان كما ذكرناه أيضا. # فعاد إلى بلده، وجمع وحشد، وسير إليه أبوه جيشا، فقصد # PageV10P261 # خلاط فسار إليه بلبان فتصافا واقتتلا، فانهزم بلبان وتمكن نجم الدين من ~~البلد وازداد منها. # ودخل بلبان خلاط واعتصم بها، وأرسل رسولا إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قلج ~~أرسلان، وهو صاحب أرزن الروم، يستنجده على نجم الدين، فحضر بنفسه ومعه ~~عسكره فاجتمعا، وهزما نجم الدين، وحصرا موش، فأشرف الحصن على أن يملك، فغدر ~~ابن قلج أرسلان بصاحب خلاط وقتله ; طمعا في البلاد فلما قتله سار إلى خلاط. ~~فمنعه أهلها عنها، فسار إلى ملازكرد، فرده أهلها أيضا وامتنعوا عليه. فلما ~~لم يجد في شيء من البلاد مطمعا عاد إلى بلده. # فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ليملكوه، فحضر عندهم وملك ~~خلاط وأعمالها سوى اليسير منها، وكره الملوك المجاورون له ملكه لها ; خوفا ~~من أبيه، وكذلك أيضا خافه الكرج وكرهوه، فتابعوا الغارات على أعمال خلاط ~~وبلادها، ونجم الدين مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها، فلقي المسلمون من ~~ذلك أذى شديدا. # واعتزل جماعة من عسكر خلاط، واستولوا على حصن وان، وهو من أعظم الحصون ~~وأمنعها، وعصوا على نجم الدين، واجتمع إليهم جمع كثير، وملكوا مدينة أرجيش، ~~فأرسل نجم الدين إلى أبيه الملك العادل يعرفه ms4439 الحال، ويطلب منه أن يمده ~~بعسكر، فسير إليه أخاه الملك الأشرف موسى بن العادل في عسكر، فاجتمعا في ~~عسكر كثير وحصرا قلعة وان وبها الخلاطية، وجدوا في قتالهم فضعف أولئك عن ~~مقاومتهم فسلموها صلحا وخرجوا منها، وتسلمها نجم الدين، واستقر ملكه بخلاط ~~وأعمالها، وعاد أخوه الأشرف إلى بلده حران والرها. # ذكر غارات الفرنج بالشام # وفي هذه السنة كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد، وأكثروا الإغارة ~~على # PageV10P262 # بلد حمص وولاياتها، ونازلوا مدينة حمص، وكان جمعهم كثيرا، فلم يكن ~~لصاحبها أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوة ولا يقدر على دفعهم ~~ومنعهم، فاستنجد الظاهر غازي، صاحب حلب، وغيره من ملوك الشام، فلم ينجده ~~إلا الظاهر، فإنه سير له عسكرا أقاموا عنده، ومنعوا الفرنج عن ولايته. # ثم إن الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة، وقصد مدينة عكا، فصالحه ~~صاحبها الفرنجي على قاعدة استقرت من إطلاق أسرى من المسلمين وغير ذلك ثم ~~سار إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة، ودخل ~~إلى بلاد طرابلس، وحاصر موضعا يسمى القليعات، أخذه صلحا وأطلق صاحبه، وغنم ~~ما فيه من دواب وسلاح، وخربه، وتقدم إلى طرابلس فنهب، وأحرق وسبى وغنم، ~~وعاد، وكانت مدة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يوما، وعاد إلى بحيرة قدس. # وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح، فلم تستقر قاعدة ودخل الشتاء، ~~وطلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادهم قبل البرد الشديد، فنزل طائفة من ~~العسكر بحمص عند صاحبها، وعاد إلى دمشق فشتى بها، وعادت عساكر ديار الجزيرة ~~إلى أماكنها. # وكان سبب خروجه من مصر بالعساكر أن أهل قبرس من الفرنج أخذوا عدة قطع من ~~أسطول مصر، وأسروا من فيها. # فأرسل العادل إلى صاحب عكا في رد ما أخذ، ويقول: نحن صلح فلم غدرتم ~~بأصحابنا. فاعتذر بأن أهل قبرس ليس لي عليهم حكم وأن مرجعهم إلى الفرنج ~~الذين بالقسطنطينية، ثم إن أهل قبرس ساروا إلى القسطنطينية بسبب غلاء كان ~~عندهم وتعذرت عليهم الأقوات، وعاد حكم قبرس إلى صاحب ms4440 عكا، وأعاد العادل ~~مراسلته فلم ينفصل حال، فخرج بالعساكر، وفعل بعكا ما ذكرنا، فأجابه حينئذ ~~صاحبها إلى ما طلب وأطلق الأسرى. # ذكر الفتنة بخلاط وقتل كثير من أهلها # لما تم ملك خلاط وأعمالها للملك الأوحد بن العادل سار عنها إلى ملازكرد # PageV10P263 # ليقرر قواعدها أيضا، ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها، فلما فارق خلاط وثب ~~أهلها على من بها من العسكر فأخرجوه من عندهم، وعصوا، وحصروا القلعة وبها ~~أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاه أرمن، وإن كان ميتا، يعنون بذلك رد الملك ~~إلى أصحابه ومماليكه. # فبلغ الخبر إلى الملك الأوحد، فعاد إليهم، وقد وافاه عسكر من الجزيرة ~~فقوي بهم، وحصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدا للآخرين، فملكها، ~~وقتل بها خلقا كثيرا من أهلها، وأسر جماعة من الأعيان، فسيرهم إلى ~~ميافارقين، وكان كل يوم يرسل إليهم يقتل منهم جماعة، فلم يسلم إلا القليل، ~~وذل أهل خلاط بعد هذه الواقعة، وتفرقت كلمة الفتيان، وكان الحكم إليهم، ~~وكفي الناس شرهم، فإنهم كانوا قد صاروا يقيمون ملكا ويقتلون آخر، والسلطنة ~~عندهم لا حكم لها وإنما الحكم لهم وإليهم. # ذكر ملك أبي بكر بن البهلوان مراغة # في هذه السنة ملك الأمير نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان، صاحب أذربيجان، ~~مدينة مراغة. # وسبب ذلك أن صاحبها علاء الدين قراسنقر مات هذه السنة، وولي بعده ابن له ~~طفل، وقام بتدبير دولته وتربيته خادم كان لأبيه، فعصى عليه أمير كان مع ~~أبيه وجمع جمعا كثيرا، فأرسل إليه الخادم من عنده من العسكر، فقاتلهم ذلك ~~الأمير، فانهزموا، واستقر ملك ولد علاء الدين، إلا أنه لم تطل أيامه حتى ~~توفي في أول سنة خمس وستمائة، وانقرض أهل بيته، ولم يبق منهم أحد. # فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر من تبريز إلى مراغة فملكها واستولى على ~~جميع مملكة آل قراسنقر ما عدا قلعة روين دز فإنها اعتصم بها الخادم، وعنده ~~الخزائن والذخائر، فامتنع بها على الأمير أبي بكر. # PageV10P264 # ذكر عزل نصير الدين وزير الخليفة # كان نصير الدين ناصر بن مهدي ms4441 العلوي هذا من أهل الري من بيت كبير. فقدم ~~بغداد لما ملك مؤيد الدين بن القصاب وزير الخليفة الري، ولقي من الخليفة ~~قبولا، فجعله نائب الوزارة، ثم جعله وزيرا وحكمه وجعل ابنه صاحب المخزن. # فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، عزل وأغلق ~~بابه وكان سبب عزله أنه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة، فمنهم أمير ~~الحاج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع، فإنه هرب من يده إلى الشام سنة ~~ثلاث وستمائة، فارق الحاج بالمرخوم، وأرسل يعتذر من هربه ويقول: إنني هربت ~~من يد الوزير ; ثم أتبعه الأمير جمال الدين قشتمر وهو أخص المماليك وآثرهم ~~عنده، ومضى إلى لرستان وأرسل يعتذر ويقول: إن الوزير يريد أن لا يبقي في ~~خدمة الخليفة أحدا من مماليكه. ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة، وقال ~~الناس في ذلك فأكثروا وقالوا الشعر فمن ذلك قول بعضهم: # ألا مبلغ عني الخليفة أحمدا ... توق وقيت السوء ما أنت صانع # وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... فعالك يا خير البرية، ضائع # فإن كان حقا من سلالة أحمد ... فهذا وزير في الخلافة طامع # وإن كان فيما يدعي غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصنائع # فعزله، وقيل في سبب ذلك غيره، ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول: إنني قدمت ~~إلى هاهنا وليس لي دينار ولا درهم، وقد حصل لي من الأموال والأعلاق ~~النفيسة، وغير ذلك ما يزيد على خمسة آلاف دينار ; ويسأل أن يؤخذ منه الجميع ~~ويفرج عنه ويمكن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويين. # PageV10P265 # فأجابه: إننا ما أنعمنا عليك بشيء فنوينا استعادته منك، ولو كان ملء ~~الأرض ذهبا، ونفسك في أمان الله وأماننا، ولم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك، ~~غير أن الأعداء قد أكثروا فيك، فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موفورا ~~محترما. # فاختار أن يكون تحت الاستظهار من جانب الخليفة لئلا يتمكن منه العدو ~~فتذهب نفسه، ففعل به ذلك. # وكان حسن السيرة قريبا إلى الناس، حسن اللقاء لهم والانبساط معهم، عفيفا ~~عن أموالهم، غير ms4442 ظالم لهم، فلما قبض عاد أمير الحاج من مصر وكان في الخدمة ~~العادلية، وعاد أيضا قشتمر، وأقيم في النيابة في الوزارة فخر الدين أبو ~~البدر محمد بن أحمد بن أمسينا الواسطي إلا أنه لم يكن متحكما. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب زلزلت الأرض وقت السحر، ~~وكنت حينئذ بالموصل، ولم تكن بها شديدة، وجاءت الأخبار من كثير من البلاد ~~بأنها زلزلت ولم تكن بالقوية. # وفيها أطلق الخليفة الناصر لدين الله جميع حق البيع وما يؤخذ من أرباب ~~الأمتعة من المكوس من سائر المبيعات، وكان مبلغا كثيرا. وكان سبب ذلك أن ~~بنتا لعز الدين نجاح شرابي الخليفة توفيت، فاشتري لها بقر لتذبح ويتصدق ~~بلحمها عنها، فرفعوا في حساب ثمنها مئونة البقر، فكانت كثيرة، فوقف الخليفة ~~على ذلك، وأمر بإطلاق المئونة جميعها. # وفيها، في شهر رمضان، أمر الخليفة ببناء دور في المحال ببغداد ليفطر فيها ~~الفقراء، وسميت دور الضيافة، يطبخ فيها اللحم الضأن، والخبز الجيد، عمل ذلك ~~في جانبي بغداد، وجعل في كل دار من يوثق بأمانته، وكان يعطي كل إنسان قدحا ~~مملوءا من الطبيخ واللحم، ومنا من الخبز، فكان يفطر كل ليلة على طعامه خلق ~~لا يحصون كثرة. # PageV10P266 # وفيها زادت دجلة زيادة كثيرة، ودخل الماء في خندق بغداد من ناحية باب ~~كلواذى، فخيف على البلد من الغرق، فاهتم الخليفة بسد الخندق، وركب فخر ~~الدين نائب الوزارة وعز الدين الشرابي ووقفا ظاهر البلد، فلم يبرحا حتى سد ~~الخندق. # [الوفيات] # وفيها توفي الشيخ حنبل بن عبد الله بن الفرج المكبر بجامع الرصافة، وكان ~~عالي الإسناد، روى عن ابن الحصين مسند أحمد بن حنبل، وله إسناد حسن، وقدم ~~الموصل، وحدث بها وبغيرها. # PageV10P267 ### | [ثم دخلت سنة خمس وستمائة] ### | 605 - # ثم دخلت سنة خمس وستمائة # ذكر ملك الكرج أرجيش وعودهم عنها # في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى ولاية خلاط، وقصدوا مدينة أرجيش، ~~فحصروها وملكوها عنوة، ونهبوا جميع ما بها من الأموال والأمتعة وغيرها، ~~وأسروا وسبوا أهلها، وأحرقوها، وخربوها ms4443 بالكلية، ولم يبق بها من أهلها أحد ~~; فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس. # وكان نجم الدين أيوب، صاحب أرمينية، بمدينة خلاط، وعنده كثير من العساكر، ~~فلم يقدم على الكرج لأسباب: منها كثرتهم، وخوفه من أهل خلاط ; لما كان أسلف ~~إليهم من القتل والأذى خاف أن يخرج منها فلا يمكن من العود إليها، فلما لم ~~يخرج إلى قتال الكرج، عادوا إلى بلادهم سالمين لم يذعرهم ذاعر، وهذا جميعه، ~~وإن كان عظيما شديدا على الإسلام وأهله، فإنه يسير بالنسبة إلى ما كان مما ~~نذكره سنة أربع عشرة إلى سنة سبع عشرة وستمائة. # ذكر قتل سنجر شاه وملك ابنه محمود # في هذه السنة قتل سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب ~~جزيرة ابن عمر، وهو ابن عم نور الدين، صاحب الموصل، قتله ابنه غازي ; ولقد ~~سلك ابنه في قتله طريقا عجيبا يدل على مكر ودهاء. # وسبب ذلك أن سنجر كان سيئ السيرة مع الناس كلهم من الرعية والجند # PageV10P268 # والحريم والأولاد، وبلغ من قبح فعله مع أولاده أنه سير ابنيه محمودا ~~ومودودا إلى قلعة فرح من بلد الزوزان، وأخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة ~~أسكنه فيها، ووكل به من يمنعه الخروج. # وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية، فكان يدخل إليه منها الحيات، ~~والعقارب، وغيرهما من الحيوان المؤذي، ففي بعض الأيام اصطاد حية وسيرها في ~~منديل إلى أبيه لعله يرق له، فلم يعطف عليه، فأعمل الحيلة حتى نزل من الدار ~~التي كان بها واختفى، ووضع إنسانا كان يخدمه، فخرج من الجزيرة، وقصد ~~الموصل، وأظهر أنه غازي بن سنجر، فلما سمع نور الدين بقربه منها أرسل نفقة، ~~وثيابا، وخيلا، وأمره بالعود، وقال: إن أباك يتجنى لنا الذنوب التي لم ~~نعملها، ويقبح ذكرنا، فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة للشناعات والبشاعات، ~~ونقع معه في صراع لا ينادى وليده ; فسار إلى الشام. # وأما غازي بن سنجر فإنه تسلق إلى دار أبيه، واختفى عند بعض سراريه، وعلم ~~به أكثر من بالدار، فسترت ms4444 عليه بغضا لأبيه، وتوقعا للخلاص منه لشدته عليهن، ~~فبقي كذلك، وترك أبوه الطلب له ظنا منه أنه بالشام فاتفق أن أباه، في بعض ~~الأيام، شرب الخمر بظاهر البلد مع ندمائه، فكان يقترح على المغنين أن يغنوا ~~في الفراق وما شاكل ذلك، ويبكي، ويظهر في قوله قرب الأجل، ودنو الموت، ~~وزوال ما هو فيه، فلم يزل كذلك إلى آخر النهار، وعاد إلى داره، وسكر عند ~~بعض حظاياه، ففي الليل دخل الخلاء ; وكان ابنه عند تلك الحظية، فدخل إليه ~~داره فضربه بالسكين أربع عشرة ضربة، ثم ذبحه، وتركه ملقى، ودخل الحمام، ~~وقعد يلعب مع الجواري، فلو فتح باب الدار وأحضر الجند واستحلفهم لملك ~~البلد، لكنه أمن واطمأن، ولم يشك في الملك. # فاتفق أن بعض الخدم الصغار خرج إلى الباب وأعلم أستاذ دار سنجر الخبر، # PageV10P269 # فأحضر أعيان الدولة وعرفهم ذلك، وأغلق الأبواب على غازي، واستحلف الناس ~~لمحمود بن سنجر شاه، وأرسل إليه فأحضره من فرح ومعه أخوه مودود، فلما حلف ~~الناس وسكنوا فتحوا باب الدار على غازي، ودخلوا عليه ليأخذوه، فمانعهم عن ~~نفسه، فقتلوه وألقوه على باب الدار، فأكلت الكلاب بعض لحمه، ثم دفن باقيه. # ووصل محمود إلى البلد وملكه، ولقب بمعز الدين، لقب أبيه، فلما استقر أخذ ~~كثيرا من الجواري اللواتي لأبيه فغرقهن في دجلة. # ولقد حدثني صديق لنا أنه رأى بدجلة في مقدار غلوة سهم سبع جوار مغرقات، ~~منهن ثلاث قد أحرقت وجوههن بالنار، فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتى حدثتني ~~جارية اشتريتها بالموصل من جواريه، أن محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها ~~في النار، فإذا أحترقت ألقاها في دجلة، وباع من لم يغرقه منهن، فتفرق أهل ~~تلك الدار أيدي سبا. # وكان سنجر شاه قبيح السيرة، ظالما، غاشما، كثير المخاتلة والمواربة، ~~والنظر في دقيق الأمور وجليلها، لا يمتنع من قبيح يفعله مع رعيته وغيرهم، ~~من أخذ الأموال والأملاك، والقتل، والإهانة، وسلك معهم طريقا وعرا من قطع ~~الألسنة والأنوف والآذان، وأما اللحى فإنه حلق منها ما لا يحصى، وكان جل ~~فكره في ms4445 ظلم يفعله. # وبلغ من شدة ظلمه أنه كان إذا استدعى إنسانا ليحسن إليه لا يصل إلا وقد ~~قارب الموت من شدة الخوف ; واستعلى في أيامه السفهاء، ونفقت سوق الأشرار ~~والساعين بالناس، فخرب البلد، وتفرق أهله، لا جرم سلط الله عليه أقرب الخلق ~~إليه فقتله، ثم قتل ولده غازي، وبعد قليل قتل ولده محمود أخاه مودودا، وجرى ~~في داره من التحريق والتغريق والتفريق ما ذكرنا بعضه، ولو رمنا شرح قبح ~~سيرته لطال، والله تعالى بالمرصاد لكل ظالم. # PageV10P270 # [الوفيات] # في هذه السنة، ثاني المحرم، توفي أبو الحسن ورام بن أبي فراس الزاهد ~~بالحلة السيفية، وهو منها، وكان صالحا. # وفي صفر توفي الشيخ مصدق بن شبيب النحوي، وهو من أهل واسط. # وفي شعبان توفي القاضي محمد بن أحمد بن المنداي الواسطي، بها، وكان كثير ~~الرواية للحديث، وله إسناد عال، وهو آخر من حدث بمسند أحمد بن حنبل عن ابن ~~الحصين. # وفيها توفي القوام أبو الفوارس نصر بن ناصر بن مكي المدائني، صاحب المخزن ~~ببغداد، وكان أديبا، فاضلا، كامل المروءة، يحب الأدب وأهله، ويحب الشعر، ~~ويحسن الجوائز عليه، ولما توفي ولي بعده أبو الفتوح المبارك ابن الوزير عضد ~~الدين أبي الفرج بن رئيس الرؤساء، وأكرم، وأعلي محله، فبقي متوليا إلى سابع ~~ذي القعدة وعزل لعجزه. # [ذكر عدة حوادث] # وفيها كانت زلزلة عظيمة بنيسابور وخراسان، وكان أشدها بنيسابور وخرج ~~أهلها إلى الصحراء أياما حتى سكنت وعادوا إلى مساكنهم. # PageV10P271 ### | [ثم دخلت سنة ست وستمائة] ### | 606 - # ثم دخلت سنة ست وستمائة # ذكر ملك العادل الخابور ونصيبين وحصره سنجار وعوده عنها واتفاق نور الدين ~~أرسلان شاه ومظفر الدين # في هذه السنة ملك العادل أبو بكر بن أيوب بلد الخابور ونصيبين، وحصر ~~مدينة سنجار، والجميع من أعمال الجزيرة، وهو بيد قطب الدين محمد بن زنكي ~~مودود. # وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان ~~شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، عداوة مستحكمة، وقد تقدم ذكر ذلك، ~~فلما كان سنة خمس وستمائة حصلت ms4446 مصاهرة بين نور الدين والعادل، فإن ولدا ~~للعادل تزوج بابنة لنور الدين، وكان لنور الدين وزراء يحبون أن يشتغل عنهم، ~~فحسنوا له مراسلة العادل والاتفاق معه على أن يقتسما بالبلاد التي لقطب ~~الدين، وبالولاية التي لولد سنجر شاه بن غازي بن مودود، وهي جزيرة ابن عمر ~~وأعمالها، فيكون ملك قطب الدين للعادل، وتكون الجزيرة لنور الدين. # فوافق هذا القول هوى نور الدين، فأرسل إلى العادل في المعنى، فأجابه إلى ~~ذلك مستبشرا وجاءه ما لم يكن يرجوه ; لأنه علم أنه متى ملك هذه البلاد أخذ ~~الموصل وغيرها، وأطمع نور الدين أيضا في أن يعطي هذه البلاد، إذا ملكها، ~~لولده الذي هو زوج ابنة نور الدين، ويكون مقامه في خدمته بالموصل، واستقرت ~~القاعدة على ذلك، وتحالفا عليها فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى ~~الفرات في عساكره، وقصد الخابور فأخذه. # فلما سمع نور الدين بوصوله كأنه خاف واستشعر، فأحضر من يرجع إلى رأيهم # PageV10P272 # وقولهم، وعرفهم وصول العادل، واستشارهم فيما يفعله، فأما من أشاروا عليه ~~بذلك فسكتوا، وكان فيهم من لم يعلم هذه الحال، فعظم الأمر، وأشار ~~بالاستعداد للحصار، وجمع الرجال، وتحصيل الذخائر وما يحتاج إليه. # فقال نور الدين: نحن فعلنا ذلك وخبره الخبر. فقال: بأي رأي تجيء إلى عدو ~~لك هو أقوى منك، وأكثر جمعا، وهو بعيد منك متى تحرك لقصدك تعلم به، فلا يصل ~~إلا وقد فرغت من جميع ما تريده، تسعى حتى يصير قريبا منك، ويزداد قوة إلى ~~قوته. # ثم إن الذي استقر بينكما أنه له يملكه أولا بغير تعب ولا مشقة، وتبقى أنت ~~لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة وتحصرها والعادل هاهنا، هذا إن وفى ~~لك بما استقرت القاعدة عليه لا يجوز أن تفارق الموصل، وإن عاد إلى الشام، ~~لأنه قد صار له ملك خلاط، وبعض ديار بكر، وديار الجزيرة جميعها، والجميع ~~بيد أولاده متى سرت عن الموصل أمكنهم أن يحولوا بينك وبينها، فما زدت على ~~أن آذيت نفسك وابن عمك، وقويت عدوك، وجعلته شعارك، وقد فات الأمر، ms4447 وليس ~~يجوز إلا أن تقف معه على ما استقر بينكما لئلا يجعل لك حجة ويبتدئ بك. # هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين، وسار إلى سنجار فحصرها، وكان في عزم ~~صاحبها قطب الدين أن يسلمها إلى العادل بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير ~~كان معه، اسمه أحمد بن يرنقش، مملوك أبيه زنكي، وقام بحفظ المدينة والذب ~~عنها، وجهز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر ليسيروا إلى الملك ~~العادل. # فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن لهم في حساب، وهو أن مظفر ~~الدين كوكبري، صاحب إربل، أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل من نفسه المساعدة ~~على منع العادل عن سنجار، وأن الاتفاق معه على ما يريده، فوصل الرسول ليلا، ~~فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، واجتمع بنور ~~الدين ليلا وأبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، وحلف ~~له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته، فسار مظفر الدين، واجتمع هو ونور الدين، ~~ونزلا بعساكرهما بظاهر الموصل. # وكان سبب ما فعله مظفر الدين أن صاحب سنجار أرسل ولده إلى مظفر الدين # PageV10P273 # يستشفع به إلى العادل ليبقي عليه سنجار، وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع ~~في نصف ملك العادل لشفعه، لأثره الجميل في خدمته، وقيامه في الذب عن ملكه ~~غير مرة كما تقدم ; فشفع إليه فلم يشفعه العادل، ظنا منه أنه بعد اتفاقه مع ~~نور الدين لا يبالي بمظفر الدين، فلما رد العادل شفاعته راسل نور الدين في ~~الموافقة عليه. # ولما وصل إلى الموصل، واجتمع بنور الدين، أرسلا إلى الملك الظاهر غازي بن ~~صلاح الدين، وهو صاحب حلب، وإلى كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، ~~بالاتفاق معهما، فكلاهما أجاب إلى ذلك، فتواعدوا على الحركة وقصد بلاد ~~العادل إن امتنع من الصلح والإبقاء على صاحب سنجار، وأرسلا أيضا إلى ~~الخليفة الناصر لدين الله ليرسل رسولا إلى العادل في الصلح أيضا فقويت ~~حينئذ نفس صاحب سنجار على الامتناع ووصلت رسل الخليفة، وهو هبة ms4448 الله بن ~~المبارك بن الضحاك، أستاذ الدار، والأمير آق باش، وهو من خواص مماليك ~~الخليفة وكبارهم، فوصلا إلى الموصل، وسارا منها إلى العادل وهو يحاصر ~~سنجار، وكان من معه لا يناصحونه في القتال لا سيما أسد الدين شيركوه، صاحب ~~حمص والرحبة، فإنه كان يدخل إليها الأغنام وغيرها من الأقوات ظاهرا، ولا ~~يقاتل عليها، وكذلك غيره. # فلما وصلت رسل الخليفة إلى العادل أجاب أولا إلى الرحيل، ثم امتنع عن ~~ذلك، وغالط، وأطال الأمر لعله يبلغ منها غرضا، فلم ينل منها ما أمله، وأجاب ~~إلى الصلح على أن يكون له ما أخذ وتبقى سنجار لصاحبها. # واستقرت القاعدة على ذلك، وتحالفوا على هذا كلهم، وعلى أن يكونوا يدا ~~واحدة على الناكث منهم، ورحل العادل عن سنجار إلى حران، وعاد مظفر الدين ~~إلى إربل، وبقي كل واحد من الملوك، وكان مظفر الدين عند مقامه بالموصل قد ~~زوج ابنتين له بولدين لنور الدين ; وهما عز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي. # PageV10P274 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الأول، عزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة ~~للخليفة، وألزم بيته، ثم نقل إلى المخزن على سبيل الاستظهار عليه، وولي ~~بعده نيابة الوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن برز القمي، كاتب الإنشاء، ~~ولقب مؤيد الدين، ونقل إلى دار الوزارة مقابل باب النوبي. # [الوفيات] # وفيها، في شوال، توفي مجد الدين يحيى بن الربيع، الفقيه الشافعي، مدرس ~~النظامية ببغداد. # وفيها توفي فخر الدين أبو الفضل محمد بن عمر بن خطيب الري، الفقيه ~~الشافعي صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصول وغيرهما، وكان إمام ~~الدنيا في عصره، وبلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. # وفيها، سلخ ذي الحجة، توفي أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد ~~بن عبد الكريم الكاتب، مولده في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ~~وكان عالما في عدة علوم مبرزا فيها، منها: الفقه، والأصولان، والنحو، ~~والحديث، واللغة، وله تصانيف مشهورة في التفسير والحديث، والنحو، والحساب، ~~وغريب الحديث، وله رسائل مدونة، وكان كاتبا مفلقا يضرب ms4449 به المثل، ذا دين ~~متين، ولزوم طريق مستقيم، رحمه الله ورضي عنه، فلقد كان من محاسن الزمان، ~~ولعل من يقف على ما ذكرته يتهمني في قولي، ومن عرفه من أهل عصرنا يعلم أني ~~مقصر. # وفيها توفي المجد المطرزي، النحوي الخوارزمي، وكان إماما في النحو، له ~~فيه تصانيف حسنة. # وفيها توفي المؤيد بن عبد الرحيم بن الإخوة بأصفهان، وهو من أهل الحديث، ~~رحمه الله. # PageV10P275 ### | [ثم دخلت سنة سبع وستمائة] ### | 607 - # ثم دخلت سنة سبع وستمائة # ذكر عصيان سنجر مملوك الخليفة بخوزستان ومسير العساكر إليه # كان قطب الدين سنجر، مملوك الخليفة الناصر لدين الله، قد ولاه الخليفة ~~خوزستان بعد طاشتكين أمير الحاج كما ذكرناه، فلما كان سنة ست وستمائة بدا ~~منه تغير عن الطاعة فروسل في القدوم إلى بغداد، فغالط ولم يحضر، وكان يظهر ~~الطاعة ويبطن التغلب على البلاد، فبقي الأمر كذلك إلى ربيع الأول من هذه ~~السنة، فتقدم الخليفة إلى مؤيد الدين، نائب الوزارة، وإلى عز الدين بن نجاح ~~الشرابي، خاص الخليفة، بالمسير بالعساكر إليه بخوزستان وإخراجه عنها، فسارا ~~في عساكر كثيرة إلى خوزستان، فلما تحقق سنجر قصدهم إليه، فارق البلاد، ولحق ~~بصاحب شيراز، وهو أتابك عز الدين سعد بن دكلا ملتجئا إليه، فأكرمه وقام ~~دونه. # ووصل عسكر الخليفة إلى خوزستان في ربيع الآخر بغير ممانعة، فلما استقروا ~~في البلاد راسلوا سنجر يدعونه إلى الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فساروا إلى ~~أرجان عازمين على قصد صاحب شيراز، فأدركهم الشتاء، فأقاموا شهورا والرسل ~~مترددة بينهم وبين صاحب شيراز، فلم يجبهم إلى تسليمه، فلما دخل شوال رحلوا ~~يريدون شيراز، فحينئذ أرسل صاحبها إلى الوزير والشرابي يشفع فيه، ويطلب ~~العهد له على أن لا يؤذى، فأجيب إلى ذلك، وسلمه إليهم هو وماله وأهله، ~~فعادوا إلى بغداد وسنجر معهم تحت الاستظهار، وولى الخليفة بلاد خوزستان ~~مملوكه ياقوتا أمير الحاج. # PageV10P276 # ووصل الوزير إلى بغداد في المحرم سنة ثمان وستمائة هو والشرابي والعساكر، ~~وخرج أهل بغداد إلى تلقيهم، فدخلوها وسنجر معهم راكبا على بغل بإكاف، وفي ~~رجله ms4450 سلسلتان، في يد كل جندي سلسلة، وبقي محبوسا إلى أن دخل صفر، فجمع ~~الخلق الكثير من الأمراء والأعيان إلى دار مؤيد الدين نائب الوزارة، فأحضر ~~سنجر وقرر بأمور نسبت إليه منكرة، فأقر بها، فقال مؤيد الدين للناس: قد ~~عرفتم ما تقتضيه السياسة من عقوبة هذا الرجل، وقد عفا أمير المؤمنين عنه، ~~وأمر بالخلع عليه، فلبسها وعاد إلى داره، فعجب الناس من ذلك. # وقيل إن أتابك سعدا نهب مال سنجر وخزانته ودوابه، وكل ما له ولأصحابه، ~~وسيرهم، فلما وصل سنجر إلى الوزير الشرابي طلبوا المال، فأرسل شيئا يسيرا، ~~والله أعلم. # ذكر وفاة نور الدين أرسلان شاه وشيء من سيرته # في هذه السنة، أواخر رجب، توفي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود ~~بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، وكان مرضه قد طال، ومزاجه قد فسد، وكانت ~~مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا، وكان شهما شجاعا، ذا سياسة للرعايا، ~~شديدا على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفا شديدا، وكان ذلك مانعا من تعدي ~~بعضهم على بعض وكان له همة عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكي وجاهه، ~~وحرمته، بعد أن كانت قد ذهبت وخافه الملوك ; وكان سريع الحركة في طلب الملك ~~إلا أنه لم يكن له صبر فلهذا لم يتسع ملكه، ولو لم يكن له من الفضيلة إلا ~~أنه لما رحل الكامل بن العادل عن ماردين، كما ذكرناه سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة، عف عنها، وأبقاها على صاحبها، ولو قصدها وحصرها لم يكن فيها قوة ~~الامتناع، لأن من كانوا بها كانوا قد هلكوا وضجروا، ولم يبق لهم رمق، ~~فأبقاها على صاحبها. # PageV10P277 # ولما ملك استغاث به إنسان من التجار، فسأل عن حاله، فقيل إنه قد أدخل ~~قماشه إلى البلد ليبيعه، فلم يتم له البيع، ويريد إخراجه، وقد منع من ذلك، ~~فقال: من منعه فقيل: ضامن البز يريد منه ما جرت به العادة من المكس، وكان ~~القيم بتدبير مملكته مجاهد الدين قايماز، وهو إلى جانبه، فسأله عن العادة ~~كيف هي فقال: إن اشترط صاحبه إخراج متاعه ms4451 مكن من إخراجه، وإن لم يشترط ذلك ~~لم يخرج حتى يؤخذ ما جرت العادة بأخذه. فقال: والله إن هذه العادة مدبرة، ~~إنسان لا يبيع متاعه لأي شيء يؤخذ منه ماله؟ فقال مجاهد الدين: لا شك في ~~فساد هذه العادة. فقال: إذا قلنا أنا وأنت إنها عادة فاسدة، فما المانع من ~~تركها. وتقدم بإخراج مال الرجل، وأن لا يؤخذ إلا ممن باع. # وسمعت أخي مجد الدين أبا السعادات - رحمه الله - وكان من أكثر الناس ~~اختصاصا به يقول: ما قلت له يوما في فعل خير فامتنع منه بل بادر إليه بفرح ~~واستبشار، واستدعى في بعض الأيام أخي المذكور، فركب إلى داره، فلما كان ~~بباب الدار لقيته امرأة وبيدها رقعة، وهي تشكو، وتطلب عرضها على نور الدين، ~~فأخذها، فلما دخل إليه جاراه في مهم له، فقال: قبل كل شيء تقف على هذه ~~الرقعة، وتقضي شغل صاحبتها. فقال: لا حاجة إلى الوقوف عليها، عرفنا إيش ~~فيها. فقال: والله لا أعلم إلا أنني رأيت امرأة بباب الدار وهي متظلمة، ~~شاكية. # فقال: نعم عرفت حالها ثم انزعج فظهر منه الغيظ والغضب، وعنده رجلان هما ~~القيمان بأمور دولته، فقال لأخيه: أبصر إلى أي شيء قد دفعت مع هذين. هذه ~~المرأة كان لها ابن، وقد مات من مدة في الموصل، وهو غريب، وخلف قماشا ~~ومملوكين، فاحتاط نواب بيت المال على القماش، وأحضروا المملوكين إلينا، ~~فبقيا عندنا ننتظر حضور من يستحق التركة ليأخذها، فحضرت هذه المرأة ومعها ~~كتاب، حكمي بأن المال الذي مع ولدها لها، فتقدمنا بتسليم مالها إليها، وقلت ~~لهذين: # PageV10P278 # اشتريا المملوكين منها، وأنصفاها في الثمن، فعادا وقالا: لم يتم بيننا ~~بيع، لأنها طلبت ثمنا كثيرا، فأمرتهما بإعادة المملوكين إليها من مدة شهرين ~~وأكثر، وإلى الآن ما عدت سمعت لها حديثا، وظننت أنها أخذت مالها، ولا شك ~~أنهما لم يسلما المملوكين إليها، وقد استغاثت بهما فلم ينصفاها، فجاءت ~~إليك، وكل من رأى هذه المرأة تشكو وتستغيث يظن أني أنا منعتها عن مالها، ~~فيذمني، وينسبني إلى الظلم، وليس لي ms4452 علم، وكل هذا فعل هذين، أشتهي أن تتسلم ~~أنت المملوكين، وتسلمهما إليها فأخذت المرأة مالها وعادت شاكرة داعية، وله ~~من هذا الجنس كثير لا نطول بذكره. # ذكر ولاية ابنه الملك القاهر # لما حضر نور الدين الموت أمر أن يرتب في الملك بعده ولده الملك القاهر عز ~~الدين مسعود، وحلف له الجند وأعيان الناس، وكان قد عهد إليه قبل موته بمدة، ~~فجدد العهد له عند وفاته، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة عقر ~~الحميدية، وقلعة شوش، وولايتهما، وسيره إلى العقر. وأمر أن يتولى تدبير ~~مملكتهما ويقوم بحفظهما، والنظر في مصالحهما، فأتاه الأمير بدر الدين لؤلؤ ~~لما رأى من عقله وسداده، وحسن سياسته وتدبيره، وكمال خلال السيادة فيه، ~~وكان عمر القاهر حينئذ عشر سنين. # ولما اشتد مرضه وأيس من نفسه أمره الأطباء بالانحدار إلى الحامة المعروفة ~~بعين القيارة، وهي بالقرب من الموصل، فانحدر إليها فلم يجد بها راحة، ~~وازداد ضعفا، فأخذه بدر الدين وأصعده في الشبارة إلى الموصل فتوفي في ~~الطريق ليلا ومعه الملاحون والأطباء، بينه وبينهم ستر. # وكان مع بدر الدين، عند نور الدين، مملوكان، فلما توفي نور الدين قال ~~لهما: لا يسمع أحد بموته، وقال للأطباء والملاحين: لا يتكلم أحد، فقد نام ~~السلطان. فسكتوا، ووصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطباء والملاحين ~~بمفارقة الشبارة ; لئلا يروه ميتا، وأبعدوا، فحمله هو والمملوكان، وأدخله ~~الدار، وتركه في الموضع الذي # PageV10P279 # كان فيه ومعه المملوكان، ونزل على بابه من يثق به لا يمكن أحدا من الدخول ~~والخروج، وقعد مع الناس يمضي أمورا كان يحتاج إلى إتمامها. # فلما فرغ من جميع ما يريده أظهر موته وقت العصر، ودفن ليلا بالمدرسة التي ~~أنشأها مقابل داره، وضبط البلد تلك الليلة ضبطا جيدا بحيث إن الناس في ~~الليل لم يزالوا مترددين لم يعدم من أحد ما مقداره الحبة الفرد، واستقر ~~الملك لولده، وقام بدر الدين بتدبير الدولة والنظر في مصالحها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في شهر ربيع الآخر، درس القاضي أبو زكريا يحيى بن القاسم ms4453 ~~بن المفرج، قاضي تكريت، بالمدرسة النظامية ببغداد استدعي من تكريت إليها. # وفيها نقصت دجلة بالعراق نقصا كثيرا، حتى كان الماء يجري ببغداد في نحو ~~خمسة أذرع، وأمر الخليفة أن يكرى دجلة، فجمع الخلق الكثير، وكانوا كلما ~~حفروا شيئا عاد الرمل فغطاه، وكان الناس يخوضون دجلة فوق بغداد، وهذا لم ~~يعهد مثله. # وحج بالناس هذه السنة علاء الدين محمد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت أمير ~~الحاج، وكان أبوه قد ولاه الخليفة خوزستان، وجعله هو أمير الحاج، وجعل معه ~~من يدبر الحاج، لأنه كان صبيا. # [الوفيات] # وفيها، في العشرين من ربيع الآخر، توفي ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب ~~بن علي بن عبد الله الأمير البغدادي ببغداد، وهو سبط صدر الدين إسماعيل شيخ ~~الشيوخ، وعمره سبع وثمانون سنة وشهور، وكان صوفيا، فقيها، محدثا، سمعنا منه ~~الكثير - رحمه الله - وكان من عباد الله الصالحين كثير العبادة والصلاح. # وفيها توفي شيخنا أبو حفص عمر بن محمد بن المعمر بن طبرزد البغدادي، وكان ~~عالي الإسناد. # PageV10P280 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وستمائة] ### | 608 - # ثم دخلت سنة ثمان وستمائة # ذكر استيلاء منكلي على بلاد الجبل وأصفهان وغيرها وهرب إيدغمش # في هذه السنة، في شعبان، قدم إيدغمش، صاحب همذان وأصفهان والري وما بينها ~~من البلاد، إلى بغداد، هاربا من منكلي. # وسبب ذلك أن إيدغمش كان قد تمكن في البلاد، وعظم شأنه، وانتشر صيته. وكثر ~~عسكره، حتى أنه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان، صاحب هذه البلاد: أذربيجان ~~وأران، كما ذكرناه. # فلما كان الآن خرج عليه مملوك اسمه منكلي، ونازعه في البلاد، وكثر ~~أتباعه. وأطاعه المماليك البهلوانية، فاستولى عليها وهرب منه شمس الدين ~~إيدغمش إلى بغداد، فلما وصل إليها أمر الخليفة بالاحتفال له في اللقاء فخرج ~~الناس كافة، وكان يوم وصوله مشهودا، ثم قدمت زوجته في رمضان في محمل، ~~فأكرمت وأنزلت عند زوجها، وأقام ببغداذ إلى سنة عشر وستمائة، فسار عنها ~~فكان من أمره ما نذكره. # ذكر نهب الحاج بمنى # وفي هذه السنة نهب الحاج بمنى، وسبب ذلك أن باطنيا ms4454 وثب على بعض أهل ~~الأمير قتادة، صاحب مكة، فقتله بمنى ظنا منه أنه قتادة، فلما سمع قتادة ذلك ~~جمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة، وقصدوا الحاج، ونزلوا عليهم من ~~الجبل، # PageV10P281 # ورموهم بالحجارة والنبل وغير ذلك، وكان أمير الحاج ولد الأمير ياقوت ~~المقدم ذكره، وهو صبي لا يعرف كيف يفعل، فخاف وتحير وتمكن أمير مكة من نهب ~~الحاج، فنهبوا منهم من كان في الأطراف، وأقاموا على حالهم إلى الليل. # فاضطرب الحاج، وباتوا بأسوأ حال من شدة الخوف من القتل والنهب. # فقال بعض الناس لأمير الحاج لينتقل بالحجاج إلى منزلة حجاج الشام، فأمر ~~بالرحيل، فرفعوا أثقالهم على الجمال واشتغل الناس بذلك، فطمع العدو فيهم. ~~وتمكن من النهب كيف أراد، فكانت الجمال تؤخذ بأحمالها، والتحق من سلم بحجاج ~~الشام فاجتمعوا بهم، ثم رحلوا إلى الزاهر، ومنعوا من دخول مكة، ثم أذن لهم ~~في ذلك فدخلوها وتمموا حجهم وعادوا. # ثم أرسل قتادة ولده وجماعة من أصحابه إلى بغداد، فدخلوها ومعهم السيوف ~~مسلولة والأكفان، فقبلوا العتبة، واعتذروا مما جرى على الحجاج. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة أظهر الإسماعيلية، ومقدمهم الجلال بن الصباح، الانتقال عن ~~فعل المحرمات واستحلالها، وأمر بإقامة الصلوات وشرائع الإسلام ببلادهم من ~~خراسان والشام، وأرسل مقدمهم رسلا إلى الخليفة، وغيره من ملوك الإسلام، ~~يخبرهم بذلك، وأرسل والدته إلى الحج، فأكرمت ببغداد إكراما عظيما، وكذلك ~~بطريق مكة. # [الوفيات] # وفيها، سلخ جمادى الآخرة، توفي أبو حامد محمد بن يونس بن منعة، # PageV10P282 # الفقيه الشافعي، بمدينة الموصل، وكان إماما فاضلا، إليه انتهت رياسة ~~الشافعية، لم يكن في زمانه مثله، وكان حسن الأخلاق، كثير التجاوز عن ~~الفقهاء والإحسان إليهم، رحمه الله. # وفى شهر ربيع الأول توفي القاضي أبو الفضائل علي بن يوسف بن أحمد بن ~~الآمدي الواسطي، قاضيها، وكان نعم الرجل. # وفي شعبان توفي المعين أبو الفتوح عبد الواحد بن أبي أحمد بن علي الأمين، ~~شيخ الشيوخ ببغداد، وكان موته بجزيرة كاس، مضى إليها رسولا من الخليفة، ~~وكان من أصدقائنا، وبيننا وبينه مودة متأكدة، وصحبة كثيرة، وكان ms4455 من عباد ~~الله الصالحين - رحمه الله ورضي عنه - وله كتابة حسنة، وشعر جيد وكان عالما ~~بالفقه وغيره، ولما توفي رتب أخوه زين الدين عبد الرزاق بن أبي أحمد، وكان ~~ناظرا على المارستان العضدي، فتركه واقتصر على الرباط. # وفي ذي الحجة توفي محمد بن يوسف بن محمد بن عبيد الله النيسابوري الكاتب ~~الحسن الخط، وكان يؤدي طريقة ابن البواب وكان فقيها، حاسبا، متكلما. # وتوفي عمر بن مسعود أبي العز أبو القاسم البزاز البغدادي بها، وكان من ~~الصالحين، يجتمع إليه الفقراء كثيرا، ويحسن إليهم. # وتوفي أيضا أبو سعيد الحسن بن محمد بن الحسن بن حمدون الثعلبي العدوي، ~~وهو ولد مصنف التذكرة، وكان عالما. # PageV10P283 ### | [ثم دخلت سنة تسع وستمائة] ### | 609 - # ثم دخلت سنة تسع وستمائة # ذكر قدوم ابن منكلي بغداد # في هذه السنة في المحرم قدم محمد بن منكلي، المستولي على بلاد الجبل إلى ~~بغداد. وسبب ذلك أن أباه منكلي لما استولى على بلاد الجبل، وهرب إيدغمش ~~صاحبها منها إلى بغداد خاف أن يساعده الخليفة، ويرسل معه العساكر فيعظم ~~الأمر عليه لأنه لم يكن قد تمكن في البلاد، فأرسل ولده محمدا ومعه جماعة من ~~العسكر فخرج الناس ببغداد على طبقاتهم يلتقونه، وأنزل وأكرم، وبقي ببغداد ~~إلى أن قتل إيدغمش، فخلع عليه وعلى من معه، وأكرموا، وسيرهم إلى أبيه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قبض الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب مصر والشام، على ~~أمير اسمه أسامة، كان له إقطاع كثير من جملته حصن كوكب من أعمال الأردن ~~بالشام، وأخذ منه حصن كوكب وخربه، وعفى أثره، ومن بعده بنى حصنا بالقرب من ~~عكا على جبل يسمى الطور، وهو معروف هناك، وشحنه بالرجال والذخائر والسلاح. # [الوفيات] # وفيها توفي الفقيه محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني، فقيه الحرم ~~الشريف بمكة. # PageV10P284 ### | [ثم دخلت سنة عشر وستمائة] ### | 610 - # ثم دخلت سنة عشر وستمائة # ذكر قتل إيدغمش # في هذه السنة، في المحرم، قتل إيدغمش الذي كان صاحب همذان، وقد ذكرنا سنة ~~ثمان أنه قدم إلى بغداد ms4456 وأقام بها، فأنعم عليه الخليفة، وشرفه بالخلع، ~~وأعطاه الكوسات وما يحتاج إليه وسيره إلى همذان، فسار في جمادى الآخرة عن ~~بغداد قاصدا إلى همذان، فوصل إلى بلاد ابن ترجم واجتمعا، وأقام ينتظر وصول ~~عساكر بغداد إليه ليسير معه على قاعدة استقرت بينهما. # وكان الخليفة قد عزل سليمان بن ترجم عن الإمارة على عشيرته من التركمان ~~الإيوانية، وولى أخاه الأصغر، فأرسل سليمان إلى منكلي يعرفه بحال إيدغمش، ~~ومضى هو على وجهه، فأخذوه فقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، وتفرق من معه من ~~أصحابه في البلاد لا يلوي أخ على أخيه. # ووصل الخبر بقتله إلى بغداد، فعظم على الخليفة ذلك، وأرسل إلى منكلي ينكر ~~عليه ما فعل فأجاب جوابا شديدا، وتمكن من البلاد، وقوي أمره وكثرت جموع ~~عساكره، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله. # ذكر عدة حوادث # حج بالناس في هذه السنة أبو فراس بن جعفر بن فراس الحلي، نيابة # PageV10P285 # عن أمير الحاج ياقوت، ومنع ابن ياقوت عن الحج ; لما جرى للحاج في ولايته. # [الوفيات] # وفيها، في المحرم، توفي الحكيم المهذب علي بن أحمد بن هبل، الطبيب ~~المشهور، كان أعلم أهل زمانه بالطب، روى الحديث، وكان مقيما بالموصل، وبها ~~مات، وكان كثير الصدقة، حسن الأخلاق، وله تصنيف حسن في الطب. # وفيها توفي الضيا أحمد بن علي البغدادي، الفقيه الحنبلي، صاحب ابن المني. # وفيها توفي أيضا أحمد بن مسعود التركستاني، الفقيه الحنفي ببغداد، وهو ~~مدرس مشهد أبي حنيفة. # وفيها، في جمادى الأولى، توفي معز الدين أبو المعالي سعد بن علي المعروف ~~بابن حديد، الذي كان وزير الخليفة الناصر لدين الله، وكان قد ألزم بيته، ~~ولما توفي حمل تابوته إلى مشهد أمير المؤمنين علي، عليه السلام، بالكوفة، ~~وكان حسن السيرة في وزارته، كثير الخير والنفع للناس. # PageV10P286 ### | [ثم دخلت سنة إحدى عشرة وستمائة] # ذكر ملك خوارزم شاه علاء الدين كرمان ومكران والسند # هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي سنة كانت، إنما هي إما هذه السنة، أو ~~قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، لأن الذي أخبر ms4457 بها كان من أجناد الموصل، ~~وسافر إلى تلك البلاد وأقام بها عدة سنين، وسار مع الأمير أبي بكر، الذي ~~فتح كرمان، ثم عاد فأخبرني بها على شك من وقتها، وقد حضرها فقال: خوارزم ~~شاه محمد بن تكش كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه أبو بكر، ولقبه تاج ~~الدين. # وكان في ابتداء أمره جمالا يكري الجمال في الأسفار، ثم جاءته السعادة، ~~فاتصل بخوارزم شاه، وصار سيروان جماله، فرأى منه جلدا وأمانة، فقدمه إلى أن ~~صار من أعيان أمراء عسكره، فولاه مدينة زوزن، وكان عاقلا ذا رأي، وحزم، ~~وشجاعة، فتقدم عند خوارزم شاه تقدما كثيرا، فوثق به أكثر من جميع أمراء ~~دولته. # فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف السلطان ~~إلي عسكرا لملكتها في أسرع وقت. فسير معه عسكرا كثيرا فمضى إلى كرمان، ~~وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان ~~سنجر، فقاتله، فلم يكن له به قوة، وضعف، فملك أبو بكر بلاده في أسرع وقت، ~~وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند، من حدود كابل، وسار إلى ~~هرمز، مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها، واسمه ملنك، وخطب بها ~~لخوارزم شاه، وحمل عنها مالا، وخطب له بقلهات، وبعض عمان، لأن أصحابها ~~كانوا يطيعون صاحب هرمز. # PageV10P287 # وسبب طاعتهم له، مع بعد الشقة، والبحر يقطع بينهم، أنهم يتقربون إليه ~~بالطاعة ليأمن أصحاب المراكب التي تسير إليهم عنده، فإن هرمز مرسى عظيم، ~~ومجمع للتجار من أقاصي الهند والصين واليمن، وغيرها من البلاد، وكان بين ~~صاحب هرمز وبين صاحب كيش حروب ومغاورات، وكل منهما ينهى أصحاب المراكب أن ~~ترسي ببلد خصمه، وهم كذلك إلى الآن. # وكان خوارزم شاه يصيف بنواحي سمرقند ; لأجل التتر أصحاب كشلي خان، لئلا ~~يقصد بلاده، وكان سريع السير، إذا قصد جهة سبق خبره إليها. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة قتل مؤيد الملك الشحري، وكان قد وزر لشهاب الدين الغوري، ~~ولتاج الدين ألدز بعده وكان حسن السيرة، ms4458 جميل الاعتقاد، محسنا إلى العلماء، ~~وأهل الخير وغيرهم، يزورهم ويبرهم، ويحضر الجمعة ماشيا وحده. # وكان سبب قتله أن بعض عسكر ألدز كرهوه، وكان كل سنة يتقدم إلى البلاد ~~الحارة بين يدي ألدز. أول الشتاء، فسار هذه السنة كعادته، فجاء أربعون نفرا ~~أتراكا وقالوا له: السلطان يقول لك تحضر جريدة في عشرة نفر لمهم تجدد ; ~~فسار معهم جريدة في عشرة مماليك، فلما وصلوا إلى نهوند بالقرب من ماء السند ~~قتلوه وهربوا، ثم إنهم ظفر بهم خوارزم شاه محمد فقتلهم. # [الوفيات] # وفيها في رجب توفي الركن أبو منصور عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد ~~القادر الجيلي البغدادي ببغداد، وكان قد ولي عدة ولايات، وكان يتهم بمذهب # PageV10P288 # الفلاسفة حتى إنه رأى أبوه يوما عليه قميصا بخاريا، فقال: ما هذا القميص؟ ~~فقال: بخاري. فقال أبوه: هذا عجب! ما زلنا نسمع: مسلم والبخاري، وأما كافر ~~والبخاري فما سمعنا. # وأخذت كتبه قبل موته بعدة سنين وأظهرت في ملإ من الناس، ورئي فيها من ~~تبخير النجوم ومخاطبة زحل بالآلهية، وغير ذلك من الكفريات، ثم أحرقت بباب ~~العامة وحبس، ثم أفرج عنه بشفاعة أبيه واستعمل بعد ذلك. # وفيها أيضا توفي أبو العباس أحمد بن هبة الله بن العلاء المعروف بابن ~~الزاهد ببغداد، وكان عالما بالنجوم واللغة. # وفي شعبان منها توفي أبو المظفر محمد بن علي بن البل الدوري الواعظ، ودفن ~~برباط على نهر عيسى، ومولده سنة عشر وخمسمائة. # وفي شوال منها توفي عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، وكان من فضلاء ~~المحدثين، وله سبع وثمانون سنة. # PageV10P289 ### | [ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وستمائة] ### | 612 - # ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وستمائة # ذكر قتل منكلي وولاية إيدغمش ما كان بيده من الممالك # في هذه السنة، في جمادى الأولى، انهزم منكلي، صاحب همذان وأصفهان والري ~~وما بينها من البلاد، ومضى هاربا، فقتل. # وسبب ذلك أنه كان قد ملك البلاد، كما ذكرناه، وقتل إيدغمش، فأرسل إليه من ~~الديوان الخليفي رسول ينكر ذلك عليه، وكان قد أوحش الأمير أوزبك بن ~~البهلوان، صاحب أذربيجان، ms4459 وهو صاحبه ومخدومه، فأرسل الخليفة إليه يحرضه على ~~منكلي ويعده النصرة، وأرسل أيضا إلى جلال الدين الإسماعيلي، صاحب قلاع ~~الإسماعيلية ببلاد العجم، ألموت وغيرها، يأمره بمساعدة أوزبك على قتال ~~منكلي، واستقرت القواعد بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد، ولأوزبك ~~بعضها، ويعطى جلال الدين بعضها، فلما استقرت القواعد على ذلك جهز الخليفة ~~عسكرا كثيرا، وجعل مقدمهم مملوكه مظفر الدين سنقر، الملقب بوجه السبع، ~~وأرسل إلى مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك، وهو إذ ذاك صاحب إربل ~~وشهرزور وأعمالها، يأمره أن يحضر بعساكره، ويكون مقدم العساكر جميعها، ~~وإليه المرجع في الحرب. # فحضر، وحضر معه عسكر الموصل وديار الجزيرة، وعسكر حلب، فاجتمعت عساكر ~~كثيرة، وساروا إلى همذان، فاجتمعت العساكر كلها فانزاح منكلي من بين أيديهم ~~وتعلق بالجبال، وتبعوه، فنزلوا بسفح جبل هو في أعلاه بالقرب من مدينة كرج، ~~وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفي جميعه ومن معهم، فلو أقام منكلي ~~بموضعه لم يمكنهم المقام عليه أكثر من عشرة أيام، لكنه طمع فنزل ببعض # PageV10P290 # عسكره من الجبل مقابل الأمير أوزبك، فحملوا عليه، فلم يثبت أوزبك، ومضى ~~منهزما، فعاد أصحاب منكلي وصعدوا الجبل، وعاد أوزبك إلى خيامه، فطمع منكلي ~~حينئذ، ونزل من الغد في جميع عسكره، واصطفت العساكر للحرب واقتتلوا أشد ~~قتال يكون فانهزم منكلي وصعد الجبل، فلو أقام بمكانه لم يشر أحد على الصعود ~~إليه وكان قصارهم العود عنه، لكنه اتخذ الليل جملا، وفارق موضعه ومضى ~~منهزما، فتبعه نفر يسير من عسكره، وفارقه الباقون وتفرقوا أيدي سبا. # واستولى عسكر الخليفة وأوزبك على البلاد، فأعطى جلال الدين، ملك ~~الإسماعيلية، من البلاد ما كان استقر له، وأخذ الباقي أوزبك فسلمه إلى ~~أغلمش مملوك أخيه، وكان قد توجه إلى خوارزم شاه علاء الدين محمد وبقي عنده، ~~ثم عاد عنه، وشهد الحرب وأبلى فيها، فولاه أوزبك البلاد، وعاد كل طائفة من ~~العسكر إلى بلادهم. # وأما منكلي فإنه مضى منهزما إلى مدينة ساوة، وبها شحنة هو صديق له، فأرسل ~~إليه يستأذنه في الدخول إلى البلد، فأذن ms4460 له، وخرج إليه فلقيه وقبل الأرض ~~بين يديه، وأدخله البلد، وأنزله في داره، ثم أخذ سلاحه، وأراد أن يقيده ~~ويرسله إلى أغلمش، فسأله أن يقتله هو ولا يرسله، فقتله، وأرسل رأسه إلى ~~أوزبك، وأرسله أوزبك إلى بغداد، وكان يوم دخولها يوما مشهودا إلا أنه لم ~~تتم المسرة للخليفة بذلك، فإنه وصل ومات ولده في تلك الحال، فأعيد ودفن. # ذكر وفاة ابن الخليفة # قي هذه السنة في العشرين من ذي القعدة، توفي ولد الخليفة وهو الأصغر، ~~وكان يلقب الملك المعظم واسمه أبو الحسن علي، وكان أحب ولدي الخليفة إليه، ~~وقد رشحه لولاية العهد بعده، وعزل ولده الأكبر عن ولاية العهد واطرحه لأجل ~~هذا الولد. # PageV10P291 # وكان رحمه الله، كريما، كثير الصدقة والمعروف حسن السيرة، محبوبا إلى ~~الخاص والعام، وكان سبب موته ; أنه أصابه إسهال فتوفي، وحزن عليه الخليفة ~~حزنا لم يسمع بمثله حتى إنه أرسل إلى أصحاب الأطراف ينهاهم عن إنفاذ رسول ~~إليه يعزيه بولده، ولم يقرأ كتابا، ولا سمع رسالة، وانقطع، وخلا بهمومه ~~وأحزانه، ورؤي عليه من الحزن والجزع ما لم يسمع بمثله. # ولما توفي أخرج نهارا، ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته عند ~~قبر معروف الكرخي، فدفن عندها، ولما أدخل التابوت أغلقت الأبواب، وسمع ~~الصراخ العظيم من داخل التربة فقيل إن ذلك صوت الخليفة. # وأما العامة ببغداد فإنهم وجدوا عليه وجدا شديدا، ودامت المناحات عليه في ~~أقطار بغداد ليلا ونهارا، ولم يبق ببغداد محلة إلا وفيها النوح، ولم تبق ~~امرأة إلا وأظهرت الحزن، وما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان وحديثه. # وكان موته وقت وصول رأس منكلي إلى بغداد، فإن الموكب أمر بالخروج إلى ~~لقاء الرأس، فخرج الناس كافة، فلما دخلوا بالرأس إلى رأس درب حبيب وقع ~~الصوت بموت ابن الخليفة، فأعيد الرأس وهذا دأب الدنيا، لا يصفو أبدا فرحها ~~من ترح، وقد تخلص مصائبها من شائبة الفرح. # ذكر ملك خوارزم شاه غزنة وأعمالها # في هذه السنة في شعبان، ملك خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة ms4461 غزنة وأعمالها. # وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما استولى على عامة خراسان، وملك باميان وغيرها، ~~أرسل إلى تاج الدين، صاحب غزنة، وقد تقدمت أخباره حتى ملكها، يطلب منه أن ~~يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويرسل إليه فيلا واحدا ليصالحه، ويقر بيده ~~غزنة، ولا يعارضه فيها، فأحضر الأمراء وأعيان دولته واستشارهم. # وكان فيهم أكبر أمير اسمه قتلغ تكين، وهو من مماليك شهاب الدين الغوري # PageV10P292 # أيضا، وإليه الحكم في دولة ألدز، وهو النائب عنه بغزنة، فقال: أرى أن ~~تخطب له، وتعطيه ما طلب، وتستريح من الحرب والقتال، وليس لنا بهذا السلطان ~~قوة. # فقال الجماعة مثل قوله، فأجاب إلى ما طلب منه وخطب لخوارزم شاه، وضرب ~~السكة باسمه، وأرسل إليه فيلا، وأعاد رسوله إليه، ومضى إلى الصيد. # فأرسل قتلغ تكين والي غزنة، إلى خوارزم شاه يطلبه ليسلم إليه غزنة، فسار ~~مجدا، وسبق خبره، فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها، فلما دخل إليها قتل من ~~بها من عسكر الغورية لا سيما الأتراك، فوصل الخبر إلى ألدز بذلك، فقال: ما ~~فعل قتلغ تكين، وكيف ملك القلعة مع وجوده فيها؟ فقيل: هو الذي أحضره وسلم ~~إليه، فمضى هاربا هو ومن معه إلى لهاوور، وأقام خوارزم شاه بغزنة، فلما ~~تمكن منها أحضر قتلغ تكين فقال له: كيف حالك مع ألدز؟ وكان عالما به، وإنما ~~أراد أن تكون له الحجة عليه. فقال: كلانا مماليك شهاب الدين، ولم يكن ألدز ~~يقيم بغزنة إلا أربعة أشهر الصيف، وأنا الحاكم فيها، والمرجع إلي في كل ~~الأمور. # فقال له خوارزم شاه: إذا كنت لا ترعى لرفيقك ومن أحسن إليك صحبته ~~وإحسانه، فكيف يكون حالي أنا معك، وما الذي تصنع مع ولدي إذا تركته عندك؟ ~~فقبض عليه، وأخذ منه أموالا جمة ; حملها ثلاثون دابة من أصناف الأموال ~~والأمتعة، وأحضر أربعمائة مملوك، فلما أخذ ماله قتله وترك ولده جلال الدين ~~بغزنة مع جماعة من عسكره وأمرائه. # وقيل إن ملك خوارزم شاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة. # ذكر استيلاء ألدز على لهاوور وقتله # لما ms4462 هرب ألدز من غزنة إلى لهاوور لقيه صاحبها ناصر الدين قباجة، وهو من ~~مماليك شهاب الدين الغوري أيضا، وله من البلاد لهاوور، وملتان وأوجة، # PageV10P293 # وديبل، وغير ذلك، إلى ساحل البحر، ومعه نحو خمسة عشر ألف فارس، وكان قد ~~بقي مع ألدز نحو ألف وخمسمائة فارس، فوقع بينهما مصاف، واقتتلوا، فانهزمت ~~ميمنة ألدز وميسرته، وأخذت الفيلة التي معه، ولم يبق له غير فيلين معه في ~~القلب. # فقال الفيال: إذا أخاطر بسعادتك، وأمر أحد الفيلين أن يحمل على العلم ~~الذي لقباجة يأخذه، وأمر الفيل الآخر، الذي له أيضا أن يأخذ الجتر الذي له، ~~فأخذه أيضا، والفيلة المعلمة تفهم ما يقال لها، هذا رأيناه، فحمل الفيلان، ~~وحمل معهما ألدز فيمن بقي عنده من العسكر، وكشف رأسه، وقال بالعجمية ما ~~معناه: إما ملك، وإما هلك! واختلط الناس بعضهم ببعض، وفعل الفيلان ما ~~أمرهما الفيال من أخذ العلم والجتر، فانهزم قباجة وعسكره، وملك ألدز مدينة ~~لهاوور. # ثم سار إلى بلاد الهند ليملك مدينة دهلة وغيرها مما بيد المسلمين، وكان ~~صاحب دهلة أميرا اسمه الترمش، ولقبه شمس الدين، وهو من مماليك قطب الدين ~~أيبك، مملوك شهاب الدين أيضا، كان قد ملك الهند بعد سيده، فلما سمع به ~~الترمش سار إليه في عساكره كلها، فلقيه عند مدينة سماتا فاقتتلوا، فانهزم ~~ألدز وعسكره، وأخذ وقتل. # وكان ألدز محمود السيرة في ولايته، كثير العدل والإحسان إلى الرعية ~~لاسيما التجار والغرباء، ومن محاسن أعماله أنه كان له أولاد، ولهم معلم ~~يعلمهم، فضرب المعلم أحدهم فمات، فأحضره ألدز وقال له: يا مسكين! ما حملك ~~على هذا؟ فقال: والله ما أردت إلا تأديبه، فاتفق أن مات. فقال: صدقت. ~~وأعطاه نفقة، وقال له: تغيب فإن أمه لا تقدر على الصبر فربما أهلكتك ولا ~~أقدر أمنع عنك. فلما سمعت أم الصبي بموته طلبت الأستاذ لتقتله فلم تجده، ~~فسلم وكان هذا من أحسن ما يحكى عن أحد من الناس. # PageV10P294 # ذكر عدة حوادث # [الوفيات] # في هذه السنة توفي الوجيه المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان ms4463 الواسطي ~~النحوي الضرير، كان نحريرا فاضلا، قرأ على الكمال بن الأنباري وعلى غيره، ~~وكان حنبليا فصار حنفيا ثم صار شافعيا، فقال فيه أبو البركات بن زيد ~~التكريتي: # ألا مبلغا عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل # تمذهبت للنعمان من بعد حنبل ... وفارقته إذ غورتك المآكل # وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل # وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك، فافطن لما أنا قائل # PageV10P295 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمائة] ### | 613 - # ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وستمائة # ذكر وفاة الملك الظاهر صاحب حلب # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، وهو صاحب مدينة حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام، وكان مرضه ~~إسهالا، وكان شديد السيرة، ضابطا لأموره كلها، كثير الجمع للأموال من غير ~~جهاتها المعتادة، عظيم العقوبة على الذنب لا يرى الصفح، وله مقصد يقصده ~~كثير من أهل البيوتات من أطراف البلاد، والشعراء وأهل الدين وغيرهم، ~~فيكرمهم، ويجري عليهم الجاري الحسن. # ولما اشتدت علته عهد بالملك بعده لولد له صغير اسمه محمد، ولقبه الملك ~~العزيز غياث الدين، عمره ثلاث سنين، وعدل عن ولد كبير ; لأن الصغير كانت ~~أمه ابنة عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب مصر ودمشق وغيرهما من ~~البلاد، فعهد بالملك له ليبقي عمه البلاد عليه، ولا ينازعه فيها. # ومن أعجب ما يحكى أن الملك الظاهر، قبل مرضه، أرسل رسولا إلى عمه العادل ~~بمصر، يطلب منه أن يحلف لولده الصغير، فقال العادل: سبحان الله! أي حاجة ~~إلى هذه اليمين؟ الملك الظاهر مثل بعض أولادي. فقال الرسول: قد طلب هذا ~~واختاره، ولا بد من إجابته إليه. فقال العادل: كم من كبش في المرعى وخروف ~~عند القصاب، وحلف. # PageV10P296 # فاتفق في تلك الأيام أن توفي الملك الظاهر والرسول في الطريق، ولما عهد ~~الظاهر إلى ولده بالملك جعل أتابكه ومربيه خادما روميا، اسمه طغرل، ولقبه ~~شهاب الدين، وهو من خيار عباد الله، كثير الصدقة والمعروف. # ولما توفي ms4464 الظاهر، أحسن شهاب الدين هذا السيرة في الناس، وعدل فيهم، ~~وأزال كثيرا من السنن الجارية، وأعاد أملاكا كانت قد أخذت من أربابها، وقام ~~بتربية الطفل أحسن قيام، وحفظ بلاده، واستقامت الأمور بحسن سيرته وعدله، ~~وملك ما كان يتعذر على الظاهر ملكه، فمن ذلك تل باشر، كان الملك الظاهر لا ~~يقدر أن يتعرض إليه، فلما توفي ملكها كيكاوش، ملك الروم - كما نذكره إن شاء ~~الله تعالى - انتقلت إلى شهاب الدين، وما أقبح بالملوك وأبناء الملوك أن ~~يكون هذا الرجل الغريب المنفرد أحسن سيرة، وأعف عن أموال الرعية، وأقرب إلى ~~الخير منهم، ولا أعلم اليوم في ولاة أمور المسلمين أحسن سيرة منه، فالله ~~يبقيه، ويدفع عنه، فلقد بلغني عنه كل حسن وجميل. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، وقع بالبصرة برد كثير، وهو مع كثرته عظيم القدر ~~قيل: كان أصغره مثل النارنجة الكبيرة، وقيل في أكبره ما يستحي الإنسان أن ~~يذكره، فكسر كثيرا من رءوس النخيل. # وفي المحرم أيضا سير الخليفة الناصر لدين الله ولدي ابنه المعظم علي إلى ~~تستر، وهما المؤيد والموفق، وسار معهما مؤيد الدين النائب عن الوزارة، وعز ~~الدين الشرابي، فأقاما بها يسيرا، ثم عاد الموفق مع الوزير والشرابي إلى ~~بغداد أواخر ربيع الآخر. # وفيها، في صفر، هبت ببغداد ريح سوداء شديدة، كثيرة الغبار والقتام، وألقت # PageV10P297 # رملا كثيرا، وقلعت كثيرا من الشجر، فخاف الناس وتضرعوا، ودامت من العشاء ~~الآخرة إلى ثلث الليل وانكشفت. # [الوفيات] # وفيها توفي التاج زيد بن الحسن بن زيد الكندي أبو اليمن، البغدادي المولد ~~والمنشأ، انتقل إلى الشام، فأقام بدمشق، وكان إماما في النحو واللغة، وله ~~الإسناد العالي في الحديث، وكان ذا فنون كثيرة من أنواع العلوم، رحمه الله. # PageV10P298 ### | [ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة] ### | 614 - # ثم دخلت سنة أربع عشرة وستمائة # ذكر ملك خوارزم شاه بلد الجبل # في هذه السنة سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل ~~فملكها. # وكان سبب حركته في هذا الوقت، أشياء ; أحدها: أنه كان قد ms4465 استولى على ما ~~وراء النهر وظفر بالخطا، وعظم أمره، وعلا شأنه، وأطاعه القريب والبعيد ~~ومنها: أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد، ويلقب بالسلطان، وكان الأمر بالضد ~~لأنه كان لا يجد من ديوان الخلافة قبولا ; وكان سبيله إذا ورد إلى بغداد أن ~~يقدم غيره عليه، ولعل في عسكره مائة مثل الذي يقدم سبيله عليه، فكان إذا ~~سمع ذلك يغضبه، ومنها: أن أغلمش لما ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها، ~~كما ذكرناه، فلما قتله الباطنية غضب له وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته، ~~فسار مجدا في عساكر تطبق الأرض، فوصل إلى الري فملكها. # وكان أتابك سعد بن دكلا، صاحب بلاد فارس، لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره ~~وسار نحو بلاد الجبل طمعا في تملكها لخلوها عن حام وممانع، فوصل إلى أصفهان ~~فأطاعه أهلها، وسار منها يريد الري، ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه، فلقيه ~~مقدمة خوارزم شاه، فظنها عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله، ومنعه عن ~~البلاد، فقاتلهم، وجد في محاربتهم حتى كاد يهزمهم. # فبينما هو كذلك إذ هو قد ظهر له جتر خوارزم شاه، فسأل عنه، فأخبر به # PageV10P299 # فاستسلم، وانهزمت عساكره، وأخذ أسيرا، وحمل إلى بين يدي خوارزم شاه، ~~فأكرمه ووعده الإحسان والجميل، وأمنه على نفسه واستحلفه على طاعته، واستقرت ~~القاعدة بينهما على أن يسلم بعض البلاد إليه، ويبقي بعضها، وأطلقه وسير معه ~~جيشا إلى بلاد فارس ; ليسلم إليهم ما استقرت القاعدة عليه ; فلما قدم على ~~ولده الأكبر رآه قد تغلب على بلاد فارس، فامتنع من التسليم إلى أبيه. # ثم إنه ملك البلاد، كما نذكره، وخطب فيها لخوارزم شاه، وسار خوارزم شاه ~~إلى ساوة فملكها، وأقطعها لعماد الملك عارض جيشه، وهو من أهلها ثم سار إلى ~~قزوين وزنجان وأبهر، فملكها كلها بغير ممانع ولا مدافع ثم سار إلى همذان ~~فملكها، وأقطع البلاد لأصحابه، وملك أصفهان، وكذلك قم وقاشان، واستوعب ملك ~~جميع البلاد، واستقرت القاعدة بينه وبين أوزبك بن البهلوان، صاحب أذربيجان ~~وأران، بأن يخطب له أوزبك في بلاده ويدخل في ms4466 طاعته. # ثم إنه عزم على المسير إلى بغداد، فقدم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة عشر ~~ألف فارس، وأقطعه حلوان، فسار حتى وصل إليها، ثم أتبعه بأمير آخر، فلما سار ~~عن همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله، فهلكت ~~دوابهم، ومات كثير منهم، وطمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك، وبنو هكار ~~الأكراد، فتخطفوهم، فلم يرجع منهم إلى خوارزم شاه إلا اليسير، فتطير خوارزم ~~شاه من ذلك الطريق، وعزم على العود إلى خراسان خوفا من التتر، لأنه ظن أنه ~~يقضي حاجته، ويفرغ من إرادته في المدة اليسيرة، فخاب ظنه، ورأى البيكار بين ~~يديه طويلا، فعزم على العود، فولى همذان أميرا من أقاربه من جهة والدته، ~~يقال له طائيسي، وجعل في البلاد جميعها ابنه ركن الدين، وجعل معه متوليا ~~لأمر دولته عماد الملك الساوي، وكان عظيم القدر عنده، وكان يحرص على قصد ~~العراق. # وعاد خوارزم شاه إلى خراسان، فوصل إلى مرو في المحرم سنة خمس عشرة ~~وستمائة، وسار من وجهه إلى ما وراء النهر ; ولما قدم إلى نيسابور جلس يوم ~~الجمعة عند المنبر، وأمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر لدين الله، ~~وقال: إنه قد مات؛ # PageV10P300 # وكان ذلك في ذي القعدة سنة أربع عشرة وستمائة، ولما قدم مرو قطع الخطبة ~~بها، وكذلك ببلخ وبخارى وسرخس، وبقي خوارزم وسمرقند وهراة لم تقطع الخطبة ~~فيها إلا عن قصد لتركها، لأن البلاد كانت لا تعارض من أشباه هذا، إن أحبوا ~~خطبوا، وإن أرادوا قطعوا، فبقيت كذلك إلى أن كان منه ما كان. # وهذه من جملة سعادات هذا البيت الشريف العباسي لم يقصده أحد بأذى إلا ~~لقيه فعله، وخبث نيته، لا جرم لم يمهل خوارزم شاه هذا حتى جرى له ما نذكره ~~مما لم يسمع، بمثله في الدنيا قديما ولا حديثا. # ذكر ما جرى لأتابك سعد مع أولاده # لما قتل أغلمش، صاحب بلاد الجبل ; همذان وأصفهان وما بينهما من البلاد، ~~جمع أتابك سعد بن دكلا، صاحب فارس، عساكره وسار عن بلاده إلى ms4467 أصفهان، ~~فملكها وأطاعه أهلها، فطمع في تلك البلاد جميعها، فسار عن أصفهان إلى الري، ~~فلما وصل إليها لقي عساكر خوارزم شاه قد وصلت، كما ذكرناه، فعزم على محاربة ~~مقدمة العسكر، فقاتلها حتى كاد يهزمها، فظهرت عساكر خوارزم شاه، ورأى ~~الجتر، فسقط في يده، وألقى نفسه، وضعفت قوته وقوة عسكره، فولوا الأدبار، ~~وأخذ أتابك سعد أسيرا، وأحضر بين يدي خوارزم شاه، فأكرمه، وطيب نفسه، ووعده ~~الإحسان، واستصحبه معه، إلى أن وصل إلى أصفهان، فسيره منها إلى بلاده، وهي ~~تجاورها، وسير معه عسكرا مع أمير كبير ليتسلم منه ما كان استقر بينهما، ~~فإنهما اتفقا على أن يكون لخوارزم شاه بعض البلاد، ولأتابك سعد بعضها، ~~وتكون الخطبة لخوارزم شاه في البلاد جميعها. # وكان أتابك سعد قد استخلف ابنا له على البلاد، فلما سمع الابن بأسر أبيه ~~خطب لنفسه بالمملكة، وقطع خطبة أبيه، فلما وصل أبوه ومعه عسكر خوارزم # PageV10P301 # شاه امتنع الابن من تسليم البلاد إلى أبيه، وجمع العساكر، وخرج يقاتله، ~~فلما تراءى الجمعان انحازت عساكر فارس إلى صاحبهم أتابك سعد، وتركوا ابنه ~~في خاصته، فحمل على أبيه، فلما رآه أبوه ظن أنه لم يعرفه، فقال له: أنا ~~فلان! فقال: إياك أردت، فحينئذ امتنع منه وولى الابن منهزما. # ووصل أتابك سعد إلى البلاد فدخلها مالكا لها وأخذ ابنه أسيرا، فسجنه إلى ~~الآن، إلا أنني سمعت الآن، وهو سنة عشرين وستمائة، أنه قد خفف حبسه، ووسع ~~عليه. # ولما عاد خوارزم شاه إلى خراسان غدر سعد بالأمير الذي عنده فقتله، ورجع ~~عن طاعة خوارزم شاه، واشتغل خوارزم شاه بالحادثة العظمى التي شغلته عن هذا ~~وغيره، ولكن الله انتقم له بابنه غياث الدين، كما ذكرناه سنة عشرين ~~وستمائة، لأن سعدا كفر إحسان خوارزم شاه، وكفر الإحسان عظيم العقوبة. # ذكر مدينة دمياط وعودها إلى المسلمين # كان من أول هذه الحادثة إلى آخرها أربع سنين غير شهر، وإنما ذكرناها ~~هاهنا؛ لأن ظهورهم كان فيها وسقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا، ~~فنقول: في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر ms4468 من رومية الكبرى وغيرها من ~~بلاد الفرنج في الغرب والشمال، إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية، لأنه ~~يتنزل عند الفرنج بمنزلة عظيمة، لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه ~~فيما سرهم وساءهم، فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج، وأمر ~~غيره من ملوك الفرنج إما أن يسير بنفسه، أو يرسل جيشا، ففعلوا ما أمرهم ~~فاجتمعوا بعكا من ساحل الشام. # وكان الملك العادل أبو بكر بن أيوب بمصر، فسار منها إلى الشام، فوصل إلى ~~الرملة، ومنها إلى لد، وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه، فسار العادل نحوهم، ~~فوصل إلى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد مما يلي عكا ليحميها ~~منهم، # PageV10P302 # فساروا هم فسبقوه، فنزل على بيسان من الأردن، فتقدم الفرنج إليه في شعبان ~~عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من العسكر، لأن العساكر كانت متفرقة ~~في البلاد. # فلما رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه، خوفا من ~~هزيمة تكون عليه، وكان حازما، كثير الحذر، ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم ~~بالقرب منها، ويرسل إلى البلاد ويجمع العساكر، فوصل إلى مرج الصفر فنزل ~~فيه. # وكان أهل بيسان، وتلك الأعمال، لما رأوا الملك العادل عندهم اطمأنوا، فلم ~~يفارقوا بلادهم ظنا منهم أن الفرنج لا يقدمون عليه، فلما أقدموا سار على ~~غفلة من الناس، فلم يقدر على النجاة إلا القليل، فأخذ الفرنج كل ما في ~~بيسان من ذخائر قد جمعت، وكانت كثيرة، وغنموا شيئا كثيرا، ونهبوا البلاد من ~~بيسان إلى بانياس، وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين ونوى وأطراف ~~البلاد، ونازلوا بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا عنها إلى مرج ~~عكا ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة، سوى ما قتلوا، ~~وأحرقوا، وأهلكوا، فأقاموا أياما استراحوا خلالها. # ثم جاءوا إلى صور، وقصدوا بلد الشقيف، ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار ~~فرسخين، فنهبوا البلاد: صيدا والشقيف، وعادوا إلى عكا، وكان هذا من نصف ~~رمضان إلى العيد، والذي سلم من تلك البلاد كان ms4469 مخفا حتى قدر على النجاة. # ولقد بلغني أن العادل لما سار إلى مرج الصفر رأى في طريقه رجلا يحمل ~~شيئا، وهو يمشي تارة، وتارة يقعد ليستريح، فعدل العادل إليه وحده، فقال له: ~~يا شيخ لا تعجل، وارفق بنفسك فعرفه الرجل، فقال: يا سلطان المسلمين! أنت لا ~~تعجل، فإنا إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الأعداء كيف لا نعجل! # وبالجملة الذي فعله العادل هو الحزم والمصلحة لئلا يخاطر باللقاء على حال ~~تفرق من العساكر. # PageV10P303 # ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم عيسى، وهو صاحب ~~دمشق، في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدس. # ذكر حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها # لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا، وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق ~~وغيرها، وقصدوا قلعة الطور، وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا كان ~~العادل قد بناها عن قريب، فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا إليها، وصعدوا في ~~جبلها حتى وصلوا إلى سورها وكادوا يملكونه. # فاتفق أن بعض المسلمين ممن فيها قتل بعض ملوكهم، فعادوا عن القلعة ~~فتركوها، وقصدوا عكا، وكانت مدة مقامهم على الطور سبعة عشر يوما. # ولما فارقوا الطور أقاموا قريبا، ثم ساروا في البحر إلى ديار مصر، على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى، فتوجه الملك المعظم إلى قلعة الطور، فخربها إلى ~~أن ألحقها بالأرض ; لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها. # ذكر حصر الفرنج دمياط إلى أن ملكوها # لما عاد الفرنج من حصار الطور أقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة خمس عشرة ~~وستمائة، فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسوا على بر الجيزة، ~~بينهم وبين دمياط النيل، فإن بعض النيل يصب في البحر المالح عند دمياط، وقد ~~بني في النيل برج كبير منيع، وجعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ، ومدوها في ~~النيل إلى سور دمياط لتمنع المراكب الواصلة في البحر المالح أن تصعد في ~~النيل إلى ديار مصر، ولولا هذا البرج وهذه السلاسل لكانت مراكب العدو لا ~~يقدر ms4470 أحد على # PageV10P304 # منعها عن أقاصي ديار مصر وأدانيها. # فلما نزل الفرنج على بر الجيزة، وبينهم وبين دمياط النيل، بنوا عليه ~~سورا، وجعلوا خندقا يمنعهم ممن يريدهم، وشرعوا في قتال من بدمياط، وعملوا ~~آلات، ومرمات، وأبراجا يزحفون بها في المراكب إلى هذا البرج ليقاتلوه ~~ويملكوه. # وكان البرج مشحونا بالرجال، وقد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل، وهو ~~صاحب ديار مصر، بمنزلة تعرف بالعادلية، بالقرب من دمياط، والعساكر متصلة من ~~عنده إلى دمياط، ليمنع العدو من العبور إلى أرضها. # وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه، فلم يظفروا منه بشيء، وكسرت مرماتهم ~~وآلاتهم، ومع هذا فهم ملازمون لقتاله، فبقوا كذلك أربعة أشهر ولم يقدروا ~~على أخذه ; فلما ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في ~~النيل ويتحكموا في البر، فنصب الملك الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا ~~به من سلوك النيل، ثم إنهم قاتلوا عليه أيضا قتالا شديدا، كثيرا متتابعا ~~حتى قطعوه، فلما قطع أخذ الملك الكامل عدة مراكب كبار وملأها وخرقها وغرقها ~~في النيل، فمنعت المراكب من سلوكه. # فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأرزق، كان النيل يجري فيه ~~قديما، فحفروا ذلك الخليج وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل، وأجروا ~~الماء فيه إلى البحر المالح، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له بورة، ~~على أرض الجيزة أيضا، مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من ~~هناك، فإنهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلونه فيها، كانت دمياط تحجز بينهم ~~وبينه، فلما صاروا في بورة حاذوه فقاتلوه في الماء، وزحفوا غير مرة، فلم ~~يظفروا بطائل. # ولم يتغير على أهل دمياط شيء ; لأن الميرة والأمداد متصلة بهم، والنيل ~~يحجز بينهم وبين الفرنج، فهم ممتنعون لا يصل إليهم أذى، وأبوابها مفتحة، ~~وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر. # فاتفق، كما يريد الله - عز وجل - أن الملك العادل توفي في جمادى الآخرة ~~من سنة خمس عشرة وستمائة - على ما نذكره إن شاء الله - فضعفت نفوس الناس ~~لأنه # PageV10P305 # السلطان حقيقة، وأولاده، وإن كانوا ملوكا إلا ms4471 أنهم بحكمه، والأمر إليه، ~~وهو ملكهم البلاد، فاتفق موته والحال هكذا من مقاتلة العدو. # وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن علي، ويعرف ~~بابن المشطوب، وهو من الأكراد الهكارية، وهو أكبر أمير بمصر، وله لفيف ~~كثير، وجميع الأمراء ينقادون إليه ويطيعونه لا سيما الأكراد، فاتفق هذا ~~الأمر مع غيره من الأمراء، وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل من الملك، ~~ويملكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، ~~فبلغ الخبر إلى الكامل، ففارق المنزلة ليلا جريدة، وسار إلى قرية يقال لها ~~أشموم طناح، فنزل عندها، وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل إنسان ~~منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم ~~وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلا اليسير الذي يخف حمله، وتركوا الباقي بحاله ~~من ميرة، وسلاح، ودواب، وخيام وغير ذلك، ولحقوا بالكامل. # وأما الفرنج فإنهم أصبحوا من الغد، فلم يروا من المسلمين أحدا على شاطئ ~~النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، وإذ قد أتاهم من أخبرهم ~~الخبر على حقيقته، فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ولا ~~ممانع، وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة، فغنموا ~~ما في معسكر المسلمين، فكان عظيما يعجز العادين. # وكان الملك الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره، وكان ~~الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة، فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين ~~أن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة ~~بيومين، والناس في أمر مريج، فقوي به قلبه واشتد ظهره، وثبت جنانه، وأقام ~~بمنزلته، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام، فاتصل بالملك الأشرف وصار من ~~جنده. # فلما عبر الفرنج إلى أرض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها، ونهبوا ~~البلاد المجاورة لدمياط، وقطعوا الطريق، وأفسدوا، وبالغوا في الإفساد، ~~فكانوا أشد # PageV10P306 # على المسلمين من الفرنج، وكان أضر شيء على أهل دمياط أنها لم يكن بها من ~~العسكر أحد ; لأن ms4472 السلطان ومن معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدو ~~عنها، فأتتهم هذه الحركة بغتة، فلم يدخلها أحد من العسكر، وكان ذلك من فعل ~~ابن المشطوب، لا جرم لم يمهله الله، وأخذه أخذة رابية، على ما نذكره إن شاء ~~الله. # وأحاط الفرنج بدمياط، وقاتلوها برا وبحرا، وعملوا عليهم خندقا يمنعهم ممن ~~يريدهم من المسلمين، وهذه كانت عادتهم، وأداموا القتال، واشتد الأمر على ~~أهلها، وتعذرت عليهم الأقوات وغيرها، وسئموا القتال وملازمته، لأن الفرنج ~~كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون ~~القتال بينهم مناوبة، ومع هذا فقد صبروا صبرا لم يسمع بمثله، وكثر القتل ~~فيهم والجراح والموت والأمراض، ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من ~~شعبان سنة ست عشرة وستمائة، فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلتهم، وتعذر ~~القوت عندهم، فسلموا البلد إلى الفرنج، في هذا التاريخ، بالأمان، فخرج منهم ~~قوم وأقام آخرون لعجزهم عن الحركة، فتفرقوا أيدي سبا. # ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج # لما ملك الفرنج دمياط أقاموا بها، وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من ~~البلاد، ينهبون ويقتلون، فجلا أهلها عنها، وشرعوا في عمارتها وتحصينها، ~~وبالغوا في ذلك حتى إنها بقيت لا ترام. # وأما الملك الكامل فإنه أقام بالقرب منهم في أطراف بلاده يحميها منهم. # ولما سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط على أصحابهم أقبلوا إليهم يهرعون ~~من كل فج عميق، وأصبحت دار هجرتهم، وعاد الملك المعظم صاحب دمشق إلى الشام ~~فخرب البيت المقدس، وإنما فعل ذلك لأن الناس كافة خافوا الفرنج، وأشرف ~~الإسلام وجميع أهله وبلاده على خطة خسف في شرق الأرض وغربها: أقبل التتر من # PageV10P307 # المشرق حتى وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان وأران وغيرها، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى ; وأقبل الفرنج من المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار ~~المصرية، مع عدم الحصون المانعة بها من الأعداء، وأشرف سائر البلاد بمصر ~~والشام على أن تملك، وخافهم الناس كافة، وصاروا يتوقعون البلاء صباحا ~~ومساء. # وأراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدو، ms4473 {ولات حين مناص} [ص: 3] ، ~~والعدو قد أحاط بهم من كل جانب، ولو مكنهم الكامل من ذلك لتركوا البلاد ~~خاوية على عروشها، وإنما منعوا منه فثبتوا. # وتابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظم صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى ~~بن العادل، صاحب ديار الجزيرة وأرمينية وغيرهما، يستنجدهما، ويحثهما على ~~الحضور بأنفسهما، فإن لم يكن فيرسلان العساكر إليه، فسار صاحب دمشق إلى ~~الأشرف بنفسه بحران، فرآه مشغولا عن إنجادهم بما دهمه من اختلاف الكلمة ~~عليه، وزوال الطاعة عن كثير ممن كان يطيعه، ونحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة ~~وستمائة - إن شاء الله - عند وفاة الملك القاهر، صاحب الموصل، فليطلب من ~~هناك ; فعذره، وعاد عنه، وبقي الأمر كذلك مع الفرنج. # فأما الملك الأشرف فزال الخلف من بلاده، ورجع الملوك الخارجون عن طاعته ~~إليه، واستقامت له الأمور إلى سنة ثماني عشرة وستمائة، والملك الكامل مقابل ~~الفرنج. # فلما دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة علم بزوال مانع الملك الأشرف عن ~~إنجاده، فأرسل يستنجده وأخاه، صاحب دمشق، فسار صاحب دمشق المعظم إلى الأشرف ~~يحثه على المسير، ففعل، وسار إلى دمشق فيمن معه من العساكر، وأمر الباقين ~~باللحاق به إلى دمشق، وأقام بها ينتظرهم، فأشار عليه بعض أمرائه وخواصه ~~بإنفاذ العساكر والعود إلى بلاده خوفا من اختلاف يحدث بعده، فلم يقبل ~~قولهم، وقال قد خرجت للجهاد، ولا بد من إتمام ذلك العزم، فسار إلى مصر. # وكان الفرنج قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل، وقصدوا الملك الكامل، # PageV10P308 # ونزلوا مقابله، بينهما خليج من النيل يسمى بحر أشموم، وهم يرمون ~~بالمنجنيق والجرخ إلى عسكر المسلمين، وقد تيقنوا هم وكل الناس أنهم يملكون ~~الديار المصرية # وأما الأشرف فإنه سار حتى وصل مصر، فلما سمع أخوه الكامل بقربه منهم توجه ~~إليه، فلقيه، واستبشر هو وسائر المسلمين باجتماعهما، لعل الله يحدث بذلك ~~نصرا وظفرا. # وأما الملك المعظم، صاحب دمشق، فإنه سار أيضا إلى ديار مصر، وقصد دمياط ~~ظنا منه أن أخويه وعسكريهما قد نازلوها، وقيل بل أخبر في الطريق أن الفرنج ~~قد توجهوا إلى ms4474 دمياط، فسابقهم إليها ليلقاهم من بين أيديهم، وأخواه من ~~خلفهم، والله أعلم. # ولما اجتمع الأشرف بالكامل استقر الأمر بينهما على التقدم إلى خليج من ~~النيل يعرف ببحر المحلة، فتقدموا إليه، فقاتلوا الفرنج، وازدادوا قربا، ~~وتقدمت شواني المسلمين من النيل، وقاتلوا شواني الفرنج، فأخذوا منها ثلاث ~~قطع بمن فيها من الرجال، وما فيها من الأموال والسلاح، ففرح المسلمون بذلك، ~~واستبشروا، وتفاءلوا، وقويت نفوسهم، واستطالوا على عدوهم. # هذا يجري والرسل مترددة بينهم قي تقرير قاعدة الصلح، وبذل المسلمون لهم ~~تسليم البيت المقدس، وعسقلان، وطبرية، وصيدا، وجبلة، واللاذقية، وجميع ما ~~فتحه صلاح الدين من الفرنج بالساحل، وقد تقدم ذكره ما عدا الكرك، ليسلموا ~~دمياط، فلم يرضوا وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه ~~بها، فلم يتم بينهم أمر وقالوا: لا بد من الكرك. # فبينما الأمر في هذا، وهم يمتنعون، اضطر المسلمون إلى قتالهم، وكان ~~الفرنج لاعتدادهم بنفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدة أيام، ظنا منهم ~~أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم، وأن القرى والسواد جميعه يبقى بأيديهم، ~~يأخذون منه ما أرادوا من الميرة، لأمر يريده الله تعالى بهم، فعبر طائفة من ~~المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج، ففجروا النيل، فركب الماء أكثر تلك ~~الأرض، ولم يبق للفرنج جهة # PageV10P309 # يسلكون منها غير جهة واحدة فيها ضيق، فنصب الكامل حينئذ الجسور على ~~النيل، عند أشموم، وعبرت العساكر عليها، فملك الطريق الذي يسلكه الفرنج إن ~~أرادوا العود إلى دمياط، فلم يبق لهم خلاص. # واتفق في تلك الحال أنه وصل إليهم مركب كبير للفرنج من أعظم المراكب يسمى ~~مرمة، وحوله عدة حراقات تحميه، والجميع مملوء من الميرة والسلاح، وما ~~يحتاجون إليه، فوقع عليها شواني المسلمين، وقاتلوهم، فظفروا بالمرمة وبما ~~معها من الحراقات، أخذوها، فلما رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم، ورأوا أنهم ~~قد ضلوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها. # هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب، ويحملون على أطرافهم، ~~فلما اشتد الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم، ومجانيقهم، وأثقالهم، وأرادوا ~~الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم، ms4475 لعلهم يقدرون على العود إلى دمياط، فرأوا ما ~~أملوه بعيدا، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، لكثرة الوحل والمياه حولهم، ~~والوجه الذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون. # فلما تيقنوا أنهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم، وأن ميرتهم قد تعذر عليهم ~~وصولها، وأن المنايا قد كشرت لهم عن أنيابها، ذلت نفوسهم، وتكسرت صلبانهم، ~~وضل عنهم شيطانهم، فراسلوا الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلموا ~~دمياط بغير عوض، فبينما المراسلات مترددة إذ أقبل جمع كبير، لهم رهج شديد، ~~وجلبة عظيمة، من جهة دمياط، فظنه المسلمون نجدة أتت للفرنج، فاستشعروا، ~~وإذا هو الملك المعظم، صاحب دمشق، قد وصل إليهم، وكان قد جعل طريقه على ~~دمياط، لما ذكرناه، فاشتدت ظهور المسلمين، وازداد الفرنج خذلانا ووهنا، ~~وتمموا الصلح على تسليم دمياط، واستقرت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ~~ثماني عشرة وستمائة، وانتقل ملوك الفرنج، وكنودهم، وقمامصتهم إلى الملك ~~الكامل والأشرف رهائن على تسليم دمياط: ملك عكا، ونائب بابا صاحب رومية، ~~وكند ريش، وغيرهم، وعدتهم عشرون ملكا، وراسلوا قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط ~~في التسليم، فلم يمتنع من # PageV10P310 # بها، وسلموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور، وكان يوما مشهودا. # ومن العجب أن المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر، فلو سبقوا ~~المسلمين إليها لامتنعوا من تسليمها، ولكن سبقهم المسلمون ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا، ولم يبق بها من أهلها إلا آحاد، وتفرقوا أيدي سبا، بعضهم سار ~~عنها باختياره، وبعضهم مات، وبعضهم أخذه الفرنج. # ولما دخلها المسلمون رأوها وقد حصنها الفرنج تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ~~ترام، ولا يوصل إليها، وأعاد الله، سبحانه وتعالى، الحق إلى نصابه، ورده ~~إلى أربابه، وأعطى المسلمين ظفرا لم يكن في حسابهم، فإنهم كانت غاية ~~أمانيهم أن يسلموا البلاد التي أخذت منهم بالشام ليعيدوا دمياط، فرزقهم ~~الله إعادة دمياط، وبقيت البلاد بأيديهم على حالها، فالله المحمود المشكور ~~على ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو، وكفاهم شر ~~التتر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ذكر عدة حوادث # في ms4476 هذه السنة، في المحرم، كانت ببغداد فتنة بين أهل المأمونية وبين أهل ~~باب الأزج بسبب قتل سبع، وزاد الشر بينهم، واقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر ~~نائب الباب وكفهم عن ذلك، فلم يقبلوا ذلك، وأسمعوه ما يكره، فأرسل من ~~الديوان أمير من مماليك الخليفة، فرد أهل كل محلة إلى محلتهم، وسكنت ~~الفتنة. # وفيها كثر الفأر ببلدة دجيل من أعمال بغداد، فكان الإنسان لا يقدر أن ~~يجلس # PageV10P311 # إلا ومعه عصا يرد الفأر عنه، وكان يرى الكثير منه ظاهرا يتبع بعضه بعضا. # وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها، وأشرفت ~~بغداد على الغرق، فركب الوزير والأمراء والأعيان كافة، وجمعوا الخلق العظيم ~~من العامة وغيرهم لعمل القورج حول البلد، وقلق الناس لذلك، وانزعجوا، ~~وعاينوا الهلاك، وأعدوا السفن لينجوا فيها، وظهر الخليفة للناس وحثهم على ~~العمل، وكان مما قال لهم: لو كان يفدى ما أرى بمال أو غيره لفعلت، ولو دفع ~~بحرب لفعلت، ولكن أمر الله لا يرد. # ونبع الماء من البلاليع والآبار من الجانب الشرقي، وغرق كثير منه، وغرق ~~مشهد أبي حنيفة، وبعض الرصافة، وجامع المهدي، وقرية الملكية، والكشك، ~~وانقطعت الصلاة بجامع السلطان. وأما الجانب الغربي، فتهدم أكثر القرية، ~~ونهر عيسى، والشطيات، وخربت البساتين، ومشهد باب التين، ومقبرة أحمد بن ~~حنبل والحريم الطاهري، وبعض باب البصرة والدور التي على نهر عيسى وأكثر ~~محلة قطفتا. # [الوفيات] # وفيها توفي أحمد بن أبي الفضائل عبد المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر ~~بن سعيد بن فضل الله بن سعيد بن أبي الخير الميهني، الصوفي، أبو الفضل شيخ ~~رباط الخليفة ببغداد، وكان صالحا من بيت التصوف والصلاح. # PageV10P312 ### | [ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة] ### | 615 - # ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة # ذكر وفاة الملك القاهر وولاية ابنه نور الدين وما كان من الفتن بسبب موته ~~إلى أن استقرت الأمور # في هذه السنة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود ~~بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، ليلة الاثنين لثلاث بقين ms4477 من شهر ~~ربيع الأول، وكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر. # وكان سبب موته أنه أخذته حمى، ثم فارقته الغد، وبقي يومين موعوكا، ثم ~~عاودته الحمى مع قيء كثير، وكرب شديد، وقلق متتابع ثم برد بدنه، وعرق، وبقي ~~كذلك إلى وسط الليل، ثم توفي. # وكان كريما، حليما، قليل الطمع في أموال الرعية، كافا عن أذى يوصله ~~إليهم، مقبلا على لذاته كأنما ينهبها ويبادر بها الموت ; وكان عنده رقة ~~شديدة، ويكثر ذكر الموت. # حكى لي بعض من كان يلازمه قال: كنا ليلة، قبل وفاته بنصف شهر، عنده، فقال ~~لي: قد وجدت ضجرا من القعود، فقم بنا نتمشى إلى الباب العمادي ; قال: ~~فقمنا، فخرج من داره نحو الباب العمادي، فوصل التربة التي عملها لنفسه عند ~~داره، فوقف عندها مفكرا لا يتكلم، ثم قال لي: والله ما نحن في شيء! أليس # PageV10P313 # مصيرنا إلى هاهنا، وندفن تحت الأرض، وأطال الحديث في هذا ونحوه، ثم عاد ~~إلى الدار، فقلت له: ألا نمشي إلى الباب العمادي؟ فقال: ما بقي عندي نشاط ~~إلى هذا ولا إلى غيره، ودخل داره وتوفي بعد أيام. # وأصيب أهل بلاده بموته، وعظم عليهم فقده، وكان محبوبا إليهم، قريبا من ~~قلوبهم، ففي كل دار لأجله رنة وعويل، ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده ~~الأكبر نور الدين أرسلان شاه، وعمره حينئذ نحو عشر سنين، وجعل الوصي عليه ~~والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤا، وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة ~~أبيه نور الدين قبله، وقد تقدم من أخباره ما يعرف به محله، وسيرد منها أيضا ~~ما يزيد الناظر بصيرة فيه. # فلما قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين، وأجلسه في مملكة أبيه، ~~وأرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد والتشريف، وأرسل إلى الملوك، وأصحاب ~~الأطراف المجاورين لهم، يطلب منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي ~~كانت بينهم وبين أبيه، فلم يصبح إلا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه، وجلس ~~للعزاء، وحلف الجند والرعايا، وضبط المملكة من التزلزل والتغير مع صغر ~~السلطان وكثرة الطامعين في ms4478 الملك، فإنه كان معه في البلد أعمام أبيه، وكان ~~عمه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته، وهي قلعة عقر الحميدية، يحدث ~~نفسه بالملك، لا يشك في أن الملك يصير إليه بعد أخيه، فرقع بدر الدين ذلك ~~الخرق، ورتق ذلك الفتق، وتابع الإحسان والخلع على الناس كافة، وغير ثياب ~~الحداد عنهم، فلم يخص بذلك شريفا دون مشروف، ولا كبيرا دون صغير، وأحسن ~~السيرة، وجلس لكشف ظلامات الناس، وإنصاف بعضهم من بعض. # وبعد أيام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية، ولبدر الدين ~~بالنظر في أمر دولته، والتشريفات لهما أيضا، وأتتهما رسل الملوك بالتعزية، ~~وبذل ما طلب منهم من العهود، واستقرت القواعد لهما. # ذكر ملك عماد الدين زنكي قلاع الهكارية والزوزان # قد ذكرنا عند وفاة نور الدين سنة سبع وستمائة أنه أعطى ولده الأصغر زنكي # PageV10P314 # قلعتي العقر وشوش، وهما بالقرب من الموصل فكان تارة يكون بالموصل، وتارة ~~بولايته، متجنيا لكثرة تلونه، وكان بقلعة العمادية مستحفظ من مماليك جده عز ~~الدين مسعود بن مودود، قيل إنه جرى له مع زنكي مراسلات في معنى تسليم ~~العمادية إليه، فنمى الخبر بذلك إلى بدر الدين، فبادره بالعزل مع أمير كبير ~~وجماعة من الجند لم يمكنه الامتناع، وسلم القلعة إلى نائب بدر الدين كذلك، ~~وجعل بدر الدين في غير العمادية من القلاع نوابا له. # وكان نور الدين بن القاهر لا يزال مريضا من جروح كانت به، وغيرها من ~~الأمراض، وكان يبقى المدة الطويلة لا يركب، ولا يظهر للناس فأرسل زنكي إلى ~~من بالعمادية من الجند يقول: إن ابن أخي توفي، ويريد بدر الدين أن يملك ~~البلاد، وأنا أحق بملك آبائي وأجدادي، فلم يزل حتى استدعاه الجند منها، ~~وسلموا إليه، ثامن عشر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، وقبضوا على النائب ~~البدري وعلى من معه. # فوصل الخبر إلى بدر الدين ليلا فجد في الأمر، ونادى في العسكر لوقته ~~بالرحيل، فساروا مجدين إلى العمادية وبها زنكي ليحصروه فيها، فلم يطلع ~~الصبح إلا وقد فرغ من تسيير العساكر، فساروا إلى ms4479 العمادية وحصروها، وكان ~~الزمان شتاء، والبرد شديد، والثلج هناك كثير، فلم يتمكنوا من قتال من بها، ~~لكنهم أقاموا يحصرونها، وقام مظفر الدين كوكبري بن زين الدين، صاحب إربل، ~~في نصر عماد الدين، وتجرد لمساعدته، فراسله بدر الدين يذكره الأيمان ~~والعهود التي من جملتها أنه لا يتعرض إلى شيء من أعمال الموصل، ومنها قلاع ~~الهكارية والزوزان بأسمائها، ومتى تعرض إليها أحد من الناس، من كان، منعه ~~بنفسه وعساكره، وأعان نور الدين وبدر الدين على منعه، ويطالبه بالوفاء بها. # ثم نزل عن هذا، ورضي منه بالسكوت لا لهم ولا عليهم، فلم يفعل، وأظهر ~~معاضدة عماد الدين زنكي، فحينئذ لم يمكن مكاثرة زنكي بالرجال والعساكر لقرب # PageV10P315 # هذا الخصم من الموصل وأعمالها، إلا أن العسكر البدري محاصر للعمادية وبها ~~زنكي. # ثم إن بعض الأمراء من عسكر الموصل، ممن لا علم له بالحرب، وكان شجاعا وهو ~~جديد الإمارة أراد أن يظهر شجاعته ليزداد بها تقدما، أشار على من هناك من ~~العسكر بالتقدم إليها، ومباشرتها بالقتال، وكانوا قد تأخروا عنها شيئا ~~يسيرا لشدة البرد والثلج، فلم يوافقوه، وقبحوا رأيه، فتركهم ورحل متقدما ~~إليهم ليلا، فاضطروا إلى اتباعه خوفا عليه من أذى يصيبه ومن معه، فساروا ~~إليه على غير تعبئة لضيق المسلك، ولأنه أعجلهم عن ذلك، وحكم الثلج عليهم ~~أيضا. # فسمع زنكي ومن معه، فنزلوا، ولقوا أوائل الناس، وأهل مكة أخبر بشعابها، ~~فلم يثبتوا لهم، وانهزموا وعادوا إلى منزلتهم، ولم يقف العسكر عليهم، ~~فاضطروا إلى العود فلما عادوا راسل زنكي باقي قلاع الهكارية والزوزان، ~~واستدعاهم إلى طاعته، فأجابوه، وسلموا إليه، فجعل فيها الولاة، وتسلمها ~~وحكم فيها. # ذكر اتفاق بدر الدين مع الملك الأشرف # لما رأى بدر الدين خروج القلاع عن يده، واتفاق مظفر الدين وعماد الدين ~~عليه، ولم ينفع معهما اللين ولا الشدة، وأنهما لا يزالان يسعيان في أخذ ~~بلاده، ويتعرضان إلى أطرافها بالنهب والأذى، أرسل إلى الملك الأشرف موسى ~~ابن الملك العادل، وهو صاحب ديار الجزيرة كلها، إلا القليل، وصاحب خلاط ~~وبلادها، يطلب منه الموافقة والمعاضدة، ms4480 وانتمى إليه، وصار في طاعته منخرطا ~~في سلك موافقته، فأجابه الأشرف بالقبول لذلك، والفرح به والاستبشار، وبذل ~~له المساعدة والمعاضدة، والمحاربة دونه، واستعادة ما أخذ من القلاع التي ~~كانت له. # وكان الملك الأشرف حينئذ بحلب، نازلا بظاهرها، لما ذكرناه من تعرض ~~كيكاوس، ملك بلاد الروم التي بيد المسلمين، قونية وغيرها، إلى أعمالها، ~~وملكه بعض قلاعها، فأرسل إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة، ويقول له: إن هذه ~~القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رسلك، وإننا نكون على الناكث إلى أن يرجع ~~الحق، ولا بد من إعادة ما أخذ من بلد الموصل لندوم على اليمين التي استقرت ~~بيننا، فإن # PageV10P316 # امتنعت، وأصررت على معاضدة زنكي ونصرته، فأنا أجيء بنفسي وعساكري، وأقصد ~~بلادك وغيرها، وأسترد ما أخذتموه، وأعيده إلى أصحابه، والمصلحة أنك توافق، ~~وتعود إلى الحق ; لنجعل شغلنا جمع العساكر، وقصد الديار المصرية، وإجلاء ~~الفرنج عنها قبل أن يعظم خطبهم ويستطير شرهم. # فلم تحصل الإجابة منه إلى شيء من ذلك، وكان ناصر الدين محمود، صاحب الحصن ~~وآمد، قد امتنع عن موافقة الأشرف، وقصد بعض بلاده ونهبها، وكذلك صاحب ~~ماردين، واتفقا مع مظفر الدين، فلما رأى الأشرف ذلك جهز عسكرا وسيره إلى ~~نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم. # ذكر انهزام عماد الدين زنكي من العسكر البدري # لما عاد العسكر البدري من حصار العمادية وبها زنكي، كما ذكرناه، قويت ~~نفسه، وفارقها، وعاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلط على أعمال الموصل ~~بالصحراء، فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه، وأمده مظفر الدين بطائفة كثيرة من ~~العسكر. # فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى أطراف بلد الموصل ~~يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم إنهم اتفقوا بينهم على ~~المسير إلى زنكي، وهو عند العقر في عسكره، ومحاربته، ففعلوا ذلك، ولم ~~يأخذوا أمر بدر الدين بل أعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلا سلاحهم، ودواب ~~يقاتلون عليها، فساروا ليلتهم، وصبحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من ~~المحرم من سنة ست عشرة وستمائة، فالتقوا واقتتلوا تحت ms4481 العقر، وعظم الخطب ~~بينهم، فأنزل الله نصره على العسكر البدري، فانهزم عماد الدين وعسكره، وسار ~~إلى إربل منهزما، وعاد العسكر البدري إلى منزلته التي كان بها، وحضرت الرسل ~~من الخليفة الناصر لدين الله ومن الملك الأشرف في تجديد الصلح، فاصطلحوا، ~~وتحالفوا بحضور الرسل. # ذكر وفاة نور الدين صاحب الموصل وملك أخيه # ولما تقرر الصلح توفي نور الدين أرسلان شاه ابن الملك القاهر صاحب # PageV10P317 # الموصل، وكان لا يزال مريضا بعدة أمراض، فرتب بدر الدين في الملك بعده ~~أخاه ناصر الدين محمودا، وله من العمر نحو ثلاث سنين، ولم يكن للقاهر ولد ~~غيره، وحلف له الجند وركبه، فطابت نفوس الناس ; لأن نور الدين كان لا يقدر ~~على الركوب لمرضه، فلما ركبوا هذا علموا أن لهم سلطانا من البيت الأتابكي، ~~فاستقروا واطمأنوا، وسكن كثير من الشغب بسببه. # ذكر انهزام بدر الدين من مظفر الدين # لما توفي نور الدين، وملك أخوه ناصر الدين، تجدد لمظفر الدين ولعماد ~~الدين طمع لصغر سن ناصر الدين، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة، فظهر ذلك، وقصد ~~بعض أصحابهم طرف ولاية الموصل بالنهب والفساد. # وكان بدر الدين قد سير ولده الأكبر في جمع صالح من العسكر إلى الملك ~~الأشرف بحلب، نجدة له بسبب اجتماع الفرنج بمصر، وهو يريد أن يدخل بلاد ~~الفرنج التي بساحل الشام ينهبها، ويخربها، ليعود بعض من بدمياط إلى بلادهم، ~~فيخف الأمر على الملك الكامل، صاحب مصر، فلما رأى بدر الدين تحرك مظفر ~~الدين وعماد الدين، وأن بعض عسكره بالشام، أرسل إلى عسكر الملك الأشرف الذي ~~بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم، وكان المقدم عليهم مملوك الأشرف، اسمه أيبك، ~~فساروا إلى الموصل رابع رجب سنة ست عشرة. # فلما رآهم بدر الدين استقلهم لأنهم كانوا أقل من العسكر الذي له بالشام، ~~أو مثلهم فألح أيبك على عبور دجلة وقصد بلاد إربل، فمنعه بدر الدين من مثل ~~ذلك وأمره بالاستراحة، فنزل بظاهر الموصل أياما، وأصر على عبور دجلة، ~~فعبرها بدر الدين موافقة له، ونزلوا على فرسخ من الموصل شرقي دجلة، فلما ~~سمع ms4482 مظفر الدين ذلك جمع عسكره، وسار إليهم ومعه زنكي، فعبر الزاب وسبق ~~خبره، فسمع به بدر الدين فعبأ أصحابه، وجعل أيبك في الجالشية ومعه شجعان ~~أصحابه، وأكثر معه منهم، بحيث أنه لم يبق معه إلا اليسير، وجعل في ميسرته ~~أميرا كبيرا وطلب الانتقال عنها إلى الميمنة فنقله. # فلما كان وقت العشاء الآخرة أعاد ذلك الأمير الطلب بالانتقال من الميمنة # PageV10P318 # إلى الميسرة، والخصم بالقرب منهم، فمنعه بدر الدين، وقال متى انتقلت أنت ~~ومن معك في هذا الليل، ربما ظنه الناس هزيمة فلا يقف أحد، فأقام بمكانه، ~~وهو بجمع كبير من العسكر، فلما انتصف الليل سار أيبك، فأمره بدر الدين ~~بالمقام إلى الصبح لقرب العدو منهم، فلم يقبل لجهله بالحرب، فاضطر الناس ~~لاتباعه، فتقطعوا في الليل والظلمة والتقوا هم والخصم في العشرين من رجب ~~على ثلاثة فراسخ من الموصل، فأما عز الدين فإنه تيامن والتحق بالميمنة وحمل ~~في اطلابه هو والميمنة على ميسرة مظفر الدين فهزمها وبها زنكي. # وكان الأمير الذي انتقل إلى الميمنة قد أبعد عنها، فلم يقاتل، فلما رأى ~~أيبك قد هزم الميسرة تبعه والتحق به، وانهزمت ميسرة بدر الدين، فبقي هو في ~~النفر الذين معه، فتقدم إليه مظفر الدين فيمن معه في القلب لم يتفرقوا فلم ~~يمكنه الوقوف فعاد إلى الموصل، وعبر دجلة إلى القلعة، ونزل منها إلى البلد، ~~فلما رآه الناس فرحوا به، وساروا معه، وقصد باب الجسر، والعدو بإزائه، ~~بينهما دجلة، فنزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وراء تل حصن نينوى، ~~فأقام ثلاثة أيام. # فلما رأى اجتماع العسكر البدري بالموصل، وأنهم لم يفقد منهم إلا اليسير، ~~وبلغه الخبر أن بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل، على ~~الجسور وفي السفن، ويكبسه، رحل ليلا من غير أن يضرب كوسا أو بوقا، وعادوا ~~نحو إربل، فلما عبروا الزاب نزلوا، ثم جاءت الرسل وسعوا في الصلح، فاصطلحوا ~~على أن كل من بيده شيء هو له وتقررت العهود والأيمان على ذلك. # ذكر ملك عماد الدين قلعة كواشى وملك ms4483 بدر الدين تل يعفر وملك الملك الأشرف ~~سنجار # كواشى هذه من أحصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها، وكان الجند الذين بها، ~~لما رأوا ما فعل أهل العمادية وغيرها من التسليم إلى زنكي وأنهم قد تحكموا ~~في القلاع، لا يقدر أحد على الحكم عليهم، أحبوا أن يكونوا كذلك، فأخرجوا ~~نواب بدر الدين عنهم، وامتنعوا بها، وكانت رهائنهم بالموصل، وهم يظهرون ~~طاعة بدر الدين، ويبطنون المخالفة، فترددت الرسل في عودهم إلى الطاعة، فلم ~~يفعلوا، وراسلوا زنكي # PageV10P319 # في المجيء إليهم، فسار إليهم وتسلم القلعة، وأقام عندهم، فروسل مظفر ~~الدين يذكر بالأيمان القريبة العهد ويطلب منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة ~~إلى ذلك، فأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف، وهو بحلب، يستنجده، فسار ~~وعبر الفرات إلى حران، واختلفت عليه الأمور من عدة جهات منعته من سرعة ~~السير. # وسبب هذا الاختلاف أن مظفر الدين كان يراسل الملوك أصحاب الأطراف ~~ليستميلهم، ويحسن لهم الخروج على الأشرف، ويخوفهم منه، إن خلا وجهه، فأجابه ~~إلى ذلك عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان، صاحب بلاد الروم، وصاحب ~~آمد، وحصن كيفا، وصاحب ماردين، واتفقوا كلهم على طاعة كيكاوس، وخطبوا له في ~~بلادهم، ونحن نذكر ما كان بينه وبين الأشرف عند منبج لما قصد بلاد حلب، فهو ~~موغر الصدر عليه. # فاتفق أن كيكاوس مات في ذلك الوقت وكفي الأشرف وبدر الدين شره، ولا جد ~~إلا ما أقعص عنك الرجال، وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين ~~مع الأشرف، واستمالهم، فأجابوه، منهم: أحمد بن علي بن المشطوب، الذي ذكرنا ~~أنه فعل على دمياط ما فعل، وهو أكبر أمير معه، ووافقه غيره، منهم: عز الدين ~~محمد بن بدر الحميدي وغيرهما، وفارقوا الأشرف، ونزلوا بدنيسر، تحت ماردين، ~~ليجتمعوا مع صاحب آمد، ويمنعوا الأشرف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر ~~الدين. # فلما اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف، وفارقهم، واستقر ~~الصلح بينهما، وسلم إليه الأشرف مدينة حاني، وجبل جور، وضمن له أخذ دارا ~~وتسليمها إليه، فلما فارقهم صاحب آمد ms4484 انحل أمرهم، فاضطر بعض أولئك الأمراء ~~إلى العود إلى طاعة الأشرف، وبقي ابن المشطوب وحده، فسار إلى نصيبين ليسير ~~إلى إربل، فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند، فاقتتلوا، فانهزم ابن ~~المشطوب، وتفرق من معه من الجمع، ومضى منهزما، فاجتاز بطرف بلد سنجار، فسير ~~إليه صاحبها فروخ شاه بن زنكي بن مودود بن زنكي عسكرا، فهزموه وأخذوه ~~أسيرا، وحملوه إلى سنجار، وكان صاحبها موافقا للأشرف وبدر الدين. # PageV10P320 # فلما صار عنده ابن المشطوب حسن عنده مخالفة الأشرف، فأجابه إلى ذلك ~~وأطلقه، فاجتمع معه من يريد الفساد، فقصدوا البقعا من أعمال الموصل، ونهبوا ~~فيها عدة قرى، وعادوا إلى سنجار، ثم ساروا وهو معهم إلى تل يعفر، وهي لصاحب ~~سنجار ; ليقصدوا بلد الموصل وينهبوا في تلك الناحية، فلما سمع بدر الدين ~~بذلك سير إليه عسكرا، فقاتلوهم، فمضى منهزما وصعد إلى تل يعفر. واحتمى بها ~~منهم، ونازلوه وحصروه فيها، فسار بدر الدين من الموصل إليه يوم الثلاثاء ~~لتسع بقين من ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة، وجد في حصره، وزحف إليها ~~مرة بعد أخرى فملكها سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، وأخذ ابن المشطوب ~~معه إلى الموصل فسجنه بها، ثم أخذه منه الأشرف فسجنه بحران إلى أن توفي في ~~ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، ولقاه الله عقوبة ما صنع بالمسلمين ~~بدمياط. # وأما الملك الأشرف فإنه لما أطاعه صاحب الحصن وآمد. وتفرق الأمراء عنه ~~كما ذكرناه، رحل من حران إلى دنيسر، فنزل عليها واستولى على بلد ماردين، ~~وشحن عليه، وأقطعه. ومنع الميرة عن ماردين، وحضر معه صاحب آمد، وترددت ~~الرسل بينه وبين صاحب ماردين في الصلح، فاصطلحوا على أن يأخذ الأشرف رأس ~~عين، وكان هو قد أقطعها لصاحب ماردين، ويأخذ منه أيضا ألف دينار، ويأخذ منه ~~صاحب آمد الموزر، من بلد شبختان. # فلما تم الصلح سار الأشرف من دنيسر إلى نصيبين يريد الموصل، فبينما هو في ~~الطريق لقيه رسل صاحب سنجار يبذل تسليمها إليه، ويطلب العوض عنها مدينة ~~الرقة. # وكان السبب في ms4485 ذلك أخذ تل يعفر منه، فانخلع قلبه، وانضاف إلى ذلك أن ~~ثقاته ونصحاءه خانوه وزادوه رعبا وخوفا، لأنه تهددهم، فتغدوا به قبل أن ~~يتعشى بهم، ولأنه قطع رحمه، وقتل أخاه الذي ملك سنجار بعد أبيه ; قتله كما ~~نذكره إن # PageV10P321 # شاء الله، وملكها، فلقاه الله سوء فعله، ولم يمتعه بها، فلما تيقن رحيل ~~الأشرف تحير في أمره، فأرسل في التسليم إليه، فأجابه الأشرف إلى العوض، ~~وسلم إليه الرقة وتسلم سنجار مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، ~~وفارقها صاحبها وإخوته بأهليهم وأموالهم، وكان هذا آخر ملوك البيت الأتابكي ~~بسنجار، فسبحان الحي الدائم الذي ليس لملكه آخر. وكان مدة ملكهم لها أربعا ~~وتسعين سنة، وهذا دأب الدنيا بأبنائها، فتعسا لها من دار ما أغدرها بأهلها! # ذكر وصول الأشرف إلى الموصل والصلح مع مظفر الدين # لما ملك الملك الأشرف سنجار سار يريد الموصل ليجتاز منها، فقدم بين يديه ~~عساكره، فكان يصل كل يوم منهم جمع كثير، ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء ~~تاسع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان يوم وصوله مشهودا، وأتاه ~~رسل الخليفة ومظفر الدين في الصلح، وبذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها إلى ~~بدر الدين، ما عدا قلعة العمادية فإنها تبقى بيد زنكي، وإن المصلحة قبول ~~هذا لتزول الفتن، ويقع الاشتغال بجهاد الفرنج. # وطال الحديث في ذلك نحو شهرين، ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين صاحب إربل، ~~فوصل إلى قرية السلامية، بالقرب من نهر الزاب، وكان مظفر الدين نازلا عليه ~~من جانب إربل، فأعاد الرسل، وكان العسكر قد طال بيكاره، والناس قد ضجروا، ~~وناصر الدين صاحب آمد يميل إلى مظفر الدين، فأشار بالإجابة إلى ما بذل، ~~وأعانه عليه غيره، فوقعت الإجابة إليه، واصطلحوا على ذلك، وجعل لتسليمها ~~أجل، وحمل زنكي إلى الملك الأشرف يكون عنده رهينة إلى حين تسليم القلاع. # وسلمت قلعة العقر، وقلعة شوش أيضا، وهما لزنكي، إلى نواب الأشرف رهنا على ~~تسليم ما استقر من القلاع، فإذا سلمت أطلق زنكي، وأعيد عليه قلعة العقر، ~~وقلعة شوش، وحلفوا ms4486 على هذا، وسلم الأشرف زنكي القلعتين وعاد إلى سنجار، ~~وكان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من سنة سبع عشرة وستمائة، فأرسلوا إلى ~~القلاع لتسلم إلى نواب بدر الدين، فلم يسلم إليه غير قلعة جل صورا، # PageV10P322 # من أعمال الهكارية، وأما باقي القلاع فإن جندها أظهروا الامتناع من ذلك، ~~ومضى الأجل ولم يسلم غير جل صورا. # ولزم عماد الدين زنكي لشهاب الدين غازي ابن الملك العادل، وخدمه، وتقرب ~~إليه، فاستعطف له أخاه الملك الأشرف، فمال إليه وأطلقه، وأزال نوابه من ~~قلعة العقر وقلعة شوش، وسلمهما إليه. # وبلغ بدر الدين عن الملك الأشرف ميل إلى قلعة تل يعفر، وإنها كانت لسنجار ~~من قديم الزمان وحديثه، وطال الحديث في ذلك، فسلمها إليه بدر الدين. # ذكر عود قلاع الهكارية والزوزان إلى بدر الدين # لما ملك زنكي قلاع الهكارية والزوزان لم يفعل مع أهلها ما ظنوه من ~~الإحسان والإنعام، بل فعل ضده، وضيق عليهم، وكان يبلغهم أفعال بدر الدين مع ~~جنده ورعاياه وإحسانه إليهم، وبذله الأموال لهم، وكانوا يريدون العود إليه، ~~ويمنعهم الخوف منه لما أسلفوه من ذلك، فلما كان الآن أعلنوا بما فعل معهم ~~فأرسلوا إلى بدر الدين في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة في التسليم إليه، ~~وطلبوا منه اليمن، والعفو عنهم، وذكروا شيئا من إقطاع يكون لهم، فأجابهم ~~إلى ذلك، وأرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك، فلم يأذن له. # وعاد زنكي من عند الأشرف، فجمع جموعا، وحصر قلعة العمادية، فلم يبلغ منهم ~~غرضا، وأعادوا مراسلة بدر الدين في التسليم إليه، فكتب إلى الملك الأشرف في ~~المعنى، وبذل له قلعة جديدة نصيبين، وولاية بين النهرين ليأذن له في أخذها، ~~فأذن له، فأرسل إليها كلها النواب وتسلموها وأحسن إلى أهلها، ورحل زنكي ~~عنها، ووفى له بدر الدين بما بذله لهم. # فلما سمع جند باقي القلاع بما فعلوا وما وصلهم من الإحسان والزيادة، ~~رغبوا كلهم في التسليم إليه، فسير إليهم النواب، واتفقت كلمة أهلها على ~~طاعته والانقياد إليه، والعجب أن العساكر اجتمعت من الشام، والجزيرة، ms4487 وديار ~~بكر، وخلاط، # PageV10P323 # وغيرها، في استعادة هذه القلاع، فلم يقدروا على ذلك، فلما تفرقوا حضر ~~أهلها وسألوا أن تؤخذ منهم، فعادت صفوا عفوا بغير منة، ولقد أحسن من قال: # لا سهل إلا ما جعلت سهلا ... وإن تشأ تجعل بحزن وحلا # فتبارك الله الفعال لما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهو ~~على كل شيء قدير. # ذكر قصد كيكاوس ولاية حلب، وطاعة صاحبها للأشرف، وانهزام كيكاوس # في هذه السنة سار عز الدين كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم إلى ولاية حلب، ~~قصدا للتغلب عليها، ومعه الأفضل بن صلاح الدين يوسف. # وسبب ذلك أنه كان بحلب رجلان فيهما شر كثير وسعاية بالناس، فكانا ينقلان ~~إلى صاحبها الملك الظاهر بن صلاح الدين عن رعيته، فأوغرا صدره، فلقي الناس ~~منهما شدة، فلما توفي الظاهر وولي الأمر شهاب الدين طغرل أبعدهما وغيرهما ~~ممن يفعل مثل فعلهما، وسد هذا الباب على فاعله، ولم يطرق إليه أحدا من ~~أهله، فلما رأى الرجلان كساد سوقهما لزما بيوتهما، وثار بهما الناس، ~~وآذوهما، وتهددوهما لما كانا أسلفاه من الشر فخافا، ففارقا حلب، وقصدا ~~كيكاوس فأطمعاه فيها، وقررا في نفسه أنه متى قصدها لا تثبت بين يديه، وأنه ~~يملكها، ويهون عليه ملك ما بعدها. # فلما عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من أصحابه، وقالوا له: لا يتم لك ~~هذا إلا بأن يكون معك أحد من بيت أيوب ليسهل على أهل البلاد وجندها ~~الانقياد إليه ; وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك، والمصلحة أنك ~~تستصحبه معك، وتقرر بينكما قاعدة فيما تفتحانه من البلاد، فمتى كان معك ~~أطاعك الناس وسهل عليك ما تريد. # فأحضر الأفضل من سميساط إليه، وأكرمه، وحمل إليه شيئا كثيرا من الخيل ~~والخيام والسلاح وغير ذلك، واستترت القواعد بينهما أن يكون ما يفتحه من حلب # PageV10P324 # وأعمالها للأفضل، وهو في طاعة كيكاوس، والخطبة له في ذلك أجمع، ثم يقصدون ~~ديار الجزيرة، فما يفتحونه مما بيد الملك الأشرف مثل: حران والرها من ~~البلاد الجزرية، تكون لكيكاوس. وجرت الأيمان ms4488 على ذلك، وجمعوا العساكر ~~وساروا، فملكوا قلعة رعبان، فتسلمها الأفضل، فمال الناس حينئذ إليهما. # ثم سارا إلى قلعة تل باشر، وفيها صاحبها ولد بدر الدين دلدرم الياروقي. ~~فحصروه وضيقوا عليه وملكوه منه، فأخذها كيكاوس لنفسه، ولم يسلمها إلى ~~الأفضل، فاستشعر الأفضل من ذلك، وقال: هذا أول الغدر، وخاف أنه إن ملك حلب ~~يفعل به هكذا، فلا يحصل إلا أن يكون قد قلع بيته لغيره ففترت نيته، وأعرض ~~عما كان يفعله، وكذلك أيضا أهل البلاد، فكانوا يظنون أن الأفضل يملكها ~~فيسهل عليهم الأمر، فلما رأوا ضد ذلك وقفوا. # وأما شهاب الدين أتابك ولد الظاهر صاحب حلب، فإنه ملازم قلعة حلب لا ينزل ~~منها، ولا يفارقها البتة، وهذه كانت عادته مذ مات الظاهر، خوفا من ثائر ~~يثور به، فلما حدث هذا الأمر خاف أن يحصروه، وربما سلم أهل البلد والجند ~~المدينة إلى الأفضل لميلهم إليه، فأرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل، ~~صاحب الديار الجزرية وخلاط وغيرها، يستدعيه إليه لتكون طاعتهم له، ويخطبون ~~له، ويجعل السكة باسمه، ويأخذ من أعمال حلب ما اختار، ولأن ولد الظاهر هو ~~ابن أخته، فأجاب إلى ذلك، وسار إليهم في عساكره التي عنده. وأرسل إلى ~~الباقين يطلبهم إليه، وسره ذلك للمصلحة العامة لجميعهم، وأحضر إليه العرب ~~من طيء وغيرهم، ونزل بظاهر حلب. # ولما أخذ كيكاوس تل باشر كان الأفضل يشير بمعاجلة حلب قبل اجتماع العساكر ~~بها، وقبل أن يحتاطوا ويتجهزوا، فعاد عن ذلك، وصار يقول: الرأي أننا نقصد ~~منبج وغيرها لئلا يبقى لهم وراء ظهورنا شيء، قصدا للتمادي ومرور الزمان في ~~لا شيء ; فتوجهوا من تل باشر إلى جهة منبج، وتقدم الأشرف نحوهم، وسارت ~~العرب في مقدمته ; وكان طائفة من عسكر كيكاوس، نحو ألف فارس، قد سبقت ~~مقدمته له فالتقوا هم والعرب ومن معهم من العسكر الأشرفي، فاقتتلوا، فانهزم ~~عسكر كيكاوس، وعادوا إليه منهزمين، وأكثر العرب الأسر منهم والنهب لجودة ~~خيلهم ودبر خيل الروم. # PageV10P325 # فلما وصل إليه أصحابه منهزمين لم يثبت، بل ولى على أعقابه يطوي المراحل ms4489 ~~إلى بلاده خائفا يترقب، فلما وصل إلى أطرافها أقام. # وإنما فعل هذا لأنه صبي غر لا معرفة له بالحرب، وإلا فالعساكر ما برحت ~~تقع مقدماتها بعضها على بعض، فسار حينئذ الأشرف، فملك رعبان، وحصر تل باشر، ~~وبها جمع من عسكر كيكاوس، فقاتلوه حتى غلبوا، فأخذت القلعة منهم، وأطلقهم ~~الأشرف، فلما وصلوا إلى كيكاوس جعلهم في دار وأحرقها عليهم، فهلكوا فعظم ~~ذلك على الناس كافة، واستقبحوه، واستضعفوه، لا جرم لم يمهله الله تعالى ~~لعدم الرحمة في قلبه، ومات عقيب هذه الحادثة. # وسلم الأشرف تل باشر وغيرها من بلد حلب إلى شهاب الدين أتابك، صاحب حلب، ~~وكان عازما على اتباع كيكاوس، ودخول بلاده، فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك ~~العادل، فاقتضت المصلحة العود إلى حلب، لأن الفرنج بديار مصر، ومثل ذلك ~~السلطان العظيم إذا توفي ربما جرى خلل في البلاد لا تعرف العاقبة فيه، فعاد ~~إليها، وكفي كل منهما أذى صاحبه. # ذكر وفاة الملك العادل وملك أولاده بعده # توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة ~~وستمائة، وقد ذكرنا ابتداء دولتهم عند ملك عمه أسد الدين شيركوه ديار مصر ~~سنة أربع وستين وخمسمائة، ولما ملك أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، ~~بعد عمه، وسار إلى الشام استخلفه بمصر ثقة به، واعتمادا عليه، وعلما بما هو ~~عليه من توفر العقل وحسن السيرة. # فلما توفي أخوه صلاح الدين ملك دمشق وديار مصر، كما ذكرناه، وبقي مالكا ~~للبلاد إلى الآن، فلما ظهر الفرنج، كما ذكرناه سنة أربع عشرة وستمائة، قصد ~~هو مرج # PageV10P326 # الصفر، فلما سار الفرنج إلى ديار مصر انتقل هو إلى عالقين، فأقام به ~~ومرض، وتوفي وحمل إلى دمشق. فدفن بالتربة التي له بها. # وكان عاقلا، ذا رأي سديد، ومكر شديد، وخديعة، صبورا حليما، ذا أناة، يسمع ~~ما يكره ويغضي عليه حتى كأنه لم يسمعه، كثير الحرج وقت الحاجة لا يقف في ~~شيء وإذا لم تكن حاجة فلا. # وكان عمره خمسا وسبعين سنة وشهورا لأن مولده كان ms4490 في المحرم من سنة أربعين ~~وخمسمائة، وملك دمشق في شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة من الأفضل ابن ~~أخيه، وملك مصر في ربيع الآخر من سنة ست وتسعين أو منه أيضا. # ومن أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع أنه لم يملك الأفضل مملكة قط إلا ~~وأخذها منه عمه العادل، فأول ذلك أن صلاح الدين أقطع ابنه الأفضل حران، ~~والرها، وميافارقين سنة ست وثمانين، بعد وفاة تقي الدين، فسار إليها، فلما ~~وصل إلى حلب أرسل أبوه الملك العادل بعده، فرده من حلب، وأخذ هذه البلاد ~~منه. # ثم ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق، فأخذها منه، ثم ملك مصر بعد ~~وفاة أخيه الملك العزيز، فأخذها أيضا منه، ثم ملك صرخد فأخذها منه. # وأعجب من هذا أنني رأيت بالبيت المقدس سارية من الرخام ملقاة في بيعة ~~صهيون، ليس مثلها، فقال القس الذي بالبيعة: هذه كان قد أخذها الملك الأفضل ~~لينقلها إلى دمشق، ثم إن العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل، طلبها منه ~~فأخذها. وهذا غاية، وهو من أعجب ما يحكى. # وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده. فجعل بمصر الملك الكامل ~~محمدا، وبدمشق، والقدس، وطبرية، والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة ~~لها، ابنه المعظم عيسى، وجعل بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط وأعمالها ~~لابنه الملك الأشرف موسى، وأعطى الرها لولده شهاب الدين غازي، وأعطى قلعة ~~جعبر لولده الحافظ أرسلان شاه ; فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي ~~أعطاه أبوه، # PageV10P327 # واتفقوا اتفاقا حسنا لم يجر بينهم من الاختلاف ما جرت العادة أن يجري بين ~~أولاد الملوك بعد آباءهم، بل كانوا كالنفس الواحدة، كل منهم يثق بالآخر ~~بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره ولا يخافه، فلا جرم زاد ملكهم، ورأوا من ~~نفاذ الأمر والحكم ما لم يره أبوهم. # ولعمري إنهم نعم الملوك، فيهم الحلم، والجهاد، والذب عن الإسلام، وفي ~~نوبة دمياط كفاية، وأما الملك الأشرف فليس للمال عنده محل، بل يمطره مطرا ~~كثيرا لعفته عن أموال الرعية، دائم الإحسان، لا يسمع سعاية ساع. ms4491 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ذي القعدة، رحل الملك الكامل بن العادل عن أرض دمياط، ~~لأنه بلغه أن جماعة من الأمراء قد اجتمعوا على تمليك أخيه الفائز عوضه، ~~فخافهم، ففارق منزلته، فانتقل الفرنج إليها، وحصروا حينئذ دمياط برا وبحرا، ~~وتمكنوا من ذلك، وقد تقدم مستقصى سنة أربع عشرة وستمائة. # [الوفيات] # وفيها في المحرم، توفي شرف الدين محمد بن علوان بن مهاجر، الفقيه ~~الشافعي، وكان مدرسا في عدة مدارس بالموصل، وكان صالحا كثير الخير والدين ~~سليم القلب، رحمه الله. # وفيها توفي عز الدين نجاح الشرابي خاص الخليفة، وأقرب الناس إليه، وكان ~~الحاكم في دولته، كثير العدل والإحسان والمعروف والعصبية للناس، وأما عقله ~~وتدبيره فإليه كانت النهاية وبه يضرب المثل. # وفيها توفي علي بن نصر بن هارون أبو الحسن الحلي، النحوي، الملقب بالحجة، ~~قرأ على ابن الخشاب وغيره. # PageV10P328 ### | [ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة] ### | 616 - # ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة # ذكر وفاة كيكاوس وملك كيقباذ أخيه # في هذه السنة توفي الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج ~~أرسلان، صاحب قونية، وأقصرا وملطية وما بينهما من بلد الروم، وكان قد جمع ~~عساكره، وحشد، وسار إلى ملطية على قصد بلاد الملك الأشرف لقاعدة استقرت ~~بينه وبين ناصر الدين، صاحب آمد، ومظفر الدين، صاحب إربل، وكانوا قد خطبوا ~~له، وضربوا اسمه على السكة في بلادهم، واتفقوا على الملك الأشرف وبدر الدين ~~بالموصل. # فسار كيكاوس إلى ملطية ليمنع الملك الأشرف بها عن المسير إلى الموصل نجدة ~~لصاحبها بدر الدين، لعل مظفر الدين يبلغ من الموصل غرضا، وكان قد علق به ~~السل، فلما اشتد مرضه عاد عنها، فتوفي وملك بعده أخوه كيقباذ، وكان محبوسا، ~~قد حبسه أخوه كيكاوس لما أخذ البلاد منه، وأشار عليه بعض أصحابه بقتله، فلم ~~يفعل، فلما توفي لم يخلف ولدا يصلح للملك لصغرهم، فأخرج الجند كيقباذ ~~وملكوه. ومن (بغي عليه لينصرنه الله) . # وقيل بل أرسل كيكاوس لما اشتد مرضه، فأحضره عنده من السجن، ووصى له ~~بالملك، وحلف الناس ms4492 له، فلما ملك خالفه عمه صاحب أرزن الروم، وخاف أيضا من ~~الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف وصالحه، وتعاهدا على ~~المصافاة والتعاضد، وتصاهرا، وكفي الأشرف شر تلك الجهة، وتفرغ باله لإصلاح ~~ما بين # PageV10P329 # يديه، ولقد صدق القائل: لا جد إلا ما أقعص عنك الرجال، وكأنه بقوله أراد: ~~وجدك طعان بغير سنان. # وهذا ثمرة حسن النية، فإنه حسن النية لرعيته وأصحابه، كاف عن أذى يتطرق ~~إليهم منه، غير قاصد إلى البلاد المجاورة لبلاده بأذى وملك مع ضعف أصحابها ~~وقوته، لا جرم تأتيه البلاد صفوا عفوا. # ذكر موت صاحب سنجار وملك ابنه ثم قتل ابنه وملك أخيه # وفي هذه السنة، ثامن صفر، توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن زنكي، ~~صاحب سنجار، وكان كريما، حسن السيرة في رعيته، حسن المعاملة مع التجار، ~~كثير الإحسان إليهم، وأما أصحابه فكانوا معه في أرغد عيش يعمهم بإحسانه، ~~ولا يخافون أذاه، وكان عاجزا عن حفظ بلده، مسلما الأمور إلى نوابه. # ولما توفي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهنشاه، وركب الناس معه، وبقي مالكا ~~لسنجار عدة شهور، وسار إلى تل أعفر وهي له، فدخل عليه أخوه عمر بن محمد بن ~~زنكي، ومعه جماعة، فقتلوه، وملك أخوه عمر بعده فبقي كذلك إلى أن سلم سنجار ~~إلى الملك الأشرف، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ولم يمتع بملكه الذي ~~قطع رحمه، وأراق الدم الحرام لأجله. # ولما سلم سنجار أخذ عوضها الرقة، ثم أخذت منه عن قريب، وتوفي بعد أخذها ~~منه بقليل. وعدم روحه وشبابه. وهذه عاقبة قطيعة الرحم. فإن صلتها تزيد في ~~العمر وقطيعتها تهدم العمر. # ذكر إجلاء بني معروف عن البطائح وقتلهم # في هذه السنة، في ذي القعدة، أمر الخليفة الناصر لدين الله الشريف معدا ~~متولي بلاد واسط، أن يسير إلى قتال بني معروف، فتجهز، وجمع معه من الرجالة ~~من تكريت، وهيت، والحديثة، والأنبار، والحلة، والكوفة، وواسط: والبصرة، ~~وغيرها، # PageV10P330 # خلقا كثيرا، وسار إليهم، ومقدمهم حينئذ معلى بن معروف، وهم قوم من ربيعة. # وكانت بيوتهم ms4493 غربي الفرات تحت سوراء، وما يتصل بذلك من البطائح، وكثر ~~فسادهم وأذاهم لما يقاربهم من القرى، وقطعوا الطريق، وأفسدوا في النواحي ~~المقاربة لبطيحة العراق، فشكا أهل تلك البلاد إلى الديوان منهم، فأمر معدا ~~أن يسير إليهم في الجموع، فسار إليهم، فاستعد بنو معروف لقتاله، فاقتتلوا ~~بموضع يعرف بالمقبر، وهو تل كبير بالبطيحة بقرب العراق، وكثر القتل بينهم، ~~ثم انهزم بنو معروف، وكثر القتل فيهم والأسر والغرق وأخذت أموالهم، وحملت ~~رءوس كثيرة من القتلى إلى بغداد في ذي الحجة من السنة. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في المحرم، انهزم عماد الدين زنكي من عسكر بدر الدين. # وفيها، في العشرين من رجب، انهزم بدر الدين من مظفر الدين، صاحب إربل، ~~وعاد مظفر الدين إلى بلده، وقد تقدم ذلك مستوفى في سنة خمس عشرة وستمائة. # وفيها، ثامن صفر، توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب ~~سنجار، وملك بعده ابنه شاهنشاه. # وفيها، في التاسع والعشرين من شعبان، ملك الفرنج مدينة دمياط، وقد ذكر ~~سنة أربع عشرة وستمائة مشروحا. # [الوفيات] # وفيها توفي افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل الهاشمي العباسي، الفقيه ~~الحنفي، رئيس الحنفية بحلب، روى الحديث عن عمر البسطامي نزيل بلخ، وعن أبي # PageV10P331 # سعد السمعاني وغيرهما. # وفيها توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري، الضرير، ~~النحوي وغيره. # وفيها توفي أبو الحسن علي بن أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن عبد ~~الله الدمشقي، الحافظ ابن الحافظ، المعروف بابن عساكر، وكان قد قصد خراسان ~~وسمع بها الحديث فأكثر، وعاد إلى بغداد، فوقع على القفل حرامية، فجرح، وبقي ~~ببغداد، وتوفي في جمادى الأولى، رحمه الله. # PageV10P332 ### | [ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة] ### | 617 - # ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة # ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام # لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها، ~~فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام ~~والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ms4494 # ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا ~~منسيا، إلا أنني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت ~~أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، ~~والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت ~~المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، إلى ~~الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ~~ما يدانيها. # ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل، ~~وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعن ~~من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، وما بنو إسرائيل ~~بالنسبة إلى من قتلوا، فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ~~ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، ~~إلا يأجوج ومأجوج. # وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا ~~على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا ~~الأجنة، فإنا # PageV10P333 # لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب ~~استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل ~~كاشغر وبلاساغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند وبخارى ~~وغيرهما، فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى ~~خراسان، فيفرغون منها ملكا، وتخريبا، وقتلا ونهبا، ثم يتجاوزونها إلى الري، ~~وهمذان، وبلد الجبل، وما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد ~~أذربيجان وأرانية، ويخربونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلا الشريد ~~النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله. # ثم لما فرغوا من أذربيجان وأرانية ساروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه، ~~ولم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم، وعبروا عندها إلى بلد اللان، واللكز، ms4495 ~~ومن في ذلك الصقع من الأمم المختلفة، فأوسعوهم قتلا، ونهبا، وتخريبا، ثم ~~قصدوا بلاد قفجاق، وهم من أكثر الترك عددا، فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب ~~الباقون إلى الغياض ورءوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى هؤلاء التتر ~~عليها، فعلوا هذا في أسرع زمان، لم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير. # ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها، وما يجاورها من بلاد ~~الهند وسجستان وكرمان، ففعلوا فيه مثل فعل هؤلاء وأشد. # هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ~~ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل ~~أحدا، إنما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض ~~وأحسنه، وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ~~ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم، ويترقب ~~وصولهم إليه. # ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام، والبقر، ~~والخيل، وغير ذلك من الدواب، يأكلون لحومها لا غير، وأما دوابهم التي ~~يركبونها # PageV10P334 # فإنها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير، فهم إذا ~~نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج. # وأما ديانتهم، فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا، فإنهم ~~يأكلون جميع الدواب، حتى الكلاب، والخنازير، وغيرها، ولا يعرفون نكاحا بل ~~المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه. # ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من ~~الأمم، منها هؤلاء التتر، قبحهم الله، أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال ~~التي يستعظمها كل من سمع بها، وستراها مشروحة متصلة، إن شاء الله تعالى. # ومنها خروج الفرنج، لعنهم الله، من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، ~~وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا ~~لطف الله تعالى ونصره عليهم، وقد ذكرناه سنة أربع عشرة وستمائة. # ومنها أن الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم ms4496 مسلول، والفتنة قائمة ~~على ساق: وقد ذكرناه أيضا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله أن ييسر ~~للإسلام والمسلمين نصرا من عنده، فإن الناصر، والمعين، والذاب، عن الإسلام ~~معدوم، {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} ~~[الرعد: 11] ، فإن هؤلاء التتر إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع. # وسبب عدمه أن خوارزم شاه محمدا كان قد استولى على البلاد، وقتل ملوكها، ~~وأفناهم، وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم منهم لم يبق في ~~البلاد من يمنعهم، ولا من يحميها {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال: ~~42] ، وهذا حين نذكر ابتداء خروجهم إلى البلاد. # ذكر خروج التتر إلى تركستان وما وراء النهر وما فعلوه # في هذه السنة ظهر التتر إلى بلاد الإسلام، وهم نوع كثير من الترك، ~~ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين، وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ~~ستة أشهر. # وكان السبب في ظهورهم أن ملكهم، ويسمى بجنكزخان، المعروف # PageV10P335 # بتمرجين، كان قد فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان، وسير جماعة من ~~التجار والأتراك، ومعهم كثير من النقرة والقندز وغيرهما، إلى بلاد ما وراء ~~النهر سمرقند وبخارى ليشتروا له ثيابا للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد ~~الترك تسمى أوترار، وهي آخر ولاية خوارزم شاه، وكان له نائب هناك، فلما ورد ~~عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما ~~معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من ~~الأموال وإنفاذه إليه، فقتلهم، وسير ما معهم، وكان شيئا كثيرا، فلما وصل ~~إلى خوارزم شاه فرقه على تجار بخارى، وسمرقند، وأخذ ثمنه منهم. # وكان بعد أن ملك ما وراء النهر من الخطا قد سد الطرق عن بلاد تركستان وما ~~بعدها من البلاد، وإن طائفة من التتر أيضا كانوا قد خرجوا قديما والبلاد ~~للخطا، فلما ملك خوارزم شاه البلاد بما وراء النهر من الخطا، وقتلهم، ~~واستولى هؤلاء التتر على تركستان: كاشغار، وبلاساغون وغيرهما، وصاروا ~~يحاربون عساكر خوارزم شاه، ms4497 فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات وغيرها. # وقيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون ~~الدفاتر: # فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # فلما قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكزخان أرسل جواسيس إلى جنكزخان لينظر ~~ما هو، وكم مقدار ما معه من الترك، وما يريد أن يعمل، فمضى الجواسيس، ~~وسلكوا المفازة والجبال التي على طريقهم، حتى وصلوا إليه، فعادوا بعد مدة ~~طويلة، وأخبروه بكثرة عددهم، وأنهم يخرجون عن الإحصاء، وأنهم من أصبر خلق ~~الله على القتال لا يعرفون هزيمة، وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح ~~بأيديهم، فندم خوارزم شاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم، وحصل عنده فكر ~~زائد، فأحضر الشهاب الخيوفي، وهو فقيه فاضل، كبير المحل عنده، لا يخالف ما ~~يشير به، فحضر # PageV10P336 # عنده، فقال له: قد حدث أمر عظيم لا بد من الفكر فيه وأخذ رأيك في الذي ~~نفعله، وذاك أنه قد تحرك إلينا خصم من ناحية الترك في كثرة لا تحصى. # فقال له: في عساكرك كثرة ونكاتب الأطراف، ونجمع العساكر، ويكون النفير ~~عاما، فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتك بالمال والنفس، ثم نذهب بجميع ~~العساكر إلى جانب سيحون، وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبلاد الإسلام، ~~فنكون هناك، فإذا جاء العدو، وقد سار مسافة بعيدة، لقيناه ونحن مستريحون، ~~وهو وعساكره قد مسهم النصب والتعب. # فجمع خوارزم شاه أمراءه ومن عنده من أرباب المشورة، فاستشارهم، فلم ~~يوافقوه على رأيه، بل قالوا: الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا، ويسلكون ~~هذه الجبال والمضايق، فإنهم جاهلون بطرقهم، ونحن عارفون بها، فنقوى حينئذ ~~عليهم، ونهلكهم فلا ينجو منهم أحد. # فبينما هم كذلك إذ ورد رسول من هذا اللعين جنكزخان معه جماعة يتهدد ~~خوارزم شاه، ويقول: تقتلون أصحابي وتجاري وتأخذون مالي منهم! استعدوا للحرب ~~فإني واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به. # وكان جنكزخان قد سار إلى تركستان، فملك كاشغار، وبلاساغون، وجميع تلك ~~البلاد، وأزال عنها التتر الأولى، فلم يظهر لهم ms4498 خبر، ولا بقي لهم، بل بادوا ~~كما أصاب الخطا، وأرسل الرسالة المذكورة إلى خوارزم شاه، فلما سمعها خوارزم ~~شاه أمر بقتل رسوله، فقتل، وأمر بحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه، وأعادهم ~~إلى صاحبهم جنكزخان يخبرونه بما فعل بالرسول. ويقولون له: إن خوارزم شاه ~~يقول لك: أنا سائر إليك ولو أنك في آخر الدنيا، حتى أنتقم، وأفعل بك كما ~~فعلت بأصحابك. # وتجهز خوارزم شاه، وسار بعد الرسول مبادرا ليسبق خبره ويكبسهم، فأدمن ~~السير، فمضى، وقطع مسيرة أربعة أشهر، فوصل إلى بيوتهم، فلم ير فيها إلا ~~النساء # PageV10P337 # والصبيان والأثقال، فأوقع بهم وغنم الجميع، وسبى النساء والذرية. # وكان سبب غيبة الكفار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك ~~يقال له كشلوخان، فقاتلوه، وهزموه وغنموا أمواله وعادوا، فلقيهم في الطريق ~~الخبر بما فعل خوارزم شاه بمخلفيهم، فجدوا السير، فأدركوه قبل أن يخرج عن ~~بيوتهم، وتصافوا للحرب، واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله، فبقوا في الحرب ~~ثلاثة أيام بلياليها، فقتل من الطائفتين ما لا يعد، ولم ينهزم أحد منهم. # أما المسلمون فإنهم صبروا حمية للدين وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبق ~~للمسلمين باقية، وأنهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم. # وأما الكفار فصبروا لاستنقاذ أهليهم وأموالهم، واشتد بهم الأمر، حتى إن ~~أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه راجلا، ويتضاربون بالسكاكين، وجرى الدم ~~على الأرض، حتى صارت الخيل تزلق من كثرته، واستنفد الطائفتان وسعهم في ~~الصبر والقتال. هذا القتال جميعه مع ابن جنكزخان ولم يحضر أبوه الوقعة، ولم ~~يشعر بها، فأحصي من قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفا، وأما ~~من الكفار فلا يحصى من قتل منهم. # فلما كان الليلة الرابعة افترقوا فنزل بعضهم مقابل بعض، فلما أظلم الليل ~~أوقد الكفار نيرانهم وتركوها بحالها وساروا وكذلك فعل المسلمون أيضا، كل ~~منهم سئم القتال ; فأما الكفار فعادوا إلى ملكهم جنكزخان، وأما المسلمون ~~فرجعوا إلى بخارى فاستعد للحصار لعلمه بعجزه. لأن طائفة عسكره لم يقدر ~~خوارزم شاه على أن يظفر بهم، فكيف إذا جاءوا جميعهم ms4499 مع ملكهم؟ فأمر أهل ~~بخارى وسمرقند بالاستعداد للحصار، وجمع الذخائر للامتناع، وجعل في بخارى ~~عشرين ألف فارس من العسكر يحمونها، وفي سمرقند خمسين ألفا، وقال لهم: ~~احفظوا البلد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان وأجمع العساكر وأستنجد بالمسلمين ~~وأعود إليكم. # فلما فرغ من ذلك رحل عائدا إلى خراسان فعبر جيحون، ونزل بالقرب من بلخ ~~فعسكر هناك. # PageV10P338 # وأما الكفار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ما وراء النهر، فوصلوا ~~إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه، وحصروها، وقاتلوها ثلاثة أيام ~~قتالا شديدا متتابعا فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة ففارقوا البلد ~~عائدين إلى خراسان، فلما أصبح أهل البلد وليس عندهم من العسكر أحد ضعفت ~~نفوسهم، فأرسلوا القاضي، وهو بدر الدين قاضي خان ليطلب الأمان للناس، ~~فأعطوهم الأمان. # وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم. فاعتصموا ~~بالقلعة، فلما أجابهم جنكزخان إلى الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء ~~رابع ذي الحجة من سنة ست عشرة وستمائة، فدخل الكفار بخارى ولم يتعرضوا ~~لأحد، بل قالوا لهم: كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا، ~~وساعدونا على قتال من بالقلعة، وأظهروا عندهم العدل وحسن السيرة، ودخل ~~جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة، ونادى في البلد بأن لا يتخلف أحد ومن تخلف ~~قتل، فحضروا جميعهم، فأمرهم بطم الخندق، فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، ~~حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها في الخندق، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحق سمى الله نفسه صبورا حليما، وإلا كان خسف ~~بهم الأرض عند فعل مثل هذا. # ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا ~~جهدهم، ومنعوا القلعة اثني عشر يوما يقاتلون جمع الكفار وأهل البلد، فقتل ~~بعضهم، ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم، ووصل النقابون إلى سور القلعة ~~فنقبوه، واشتد حينئذ القتال، ومن بها من المسلمين يرمون ما يجدون من حجارة ~~ونار وسهام، فغضب اللعين، ورد أصحابه ذلك اليوم، وباكرهم من الغد، فجدوا في ~~القتال، وقد تعب من ms4500 بالقلعة ونصبوا، وجاءهم ما لا قبل لهم به، فقهرهم ~~الكفار ودخلوا القلعة، وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قتلوا عن آخرهم، ~~فلما فرغ من القلعة نادى أن يكتب له وجوه الناس ورؤساؤهم، ففعلوا ذلك، فلما ~~عرضوا عليه أمر بإحضارهم # PageV10P339 # فحضروا، فقال: أريد منكم النقرة التي باعكم خوارزم شاه، فإنها لي، ومن ~~أصحابي أخذت، وهي عندكم. # فأحضر كل من كان عنده شيء منها بين يديه، ثم أمرهم بالخروج من البلد، ~~فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم، ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه، ~~ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه، وأحاط بالمسلمين، فأمر ~~أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم. # وكان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان، وتفرقوا ~~أيدي سبا، وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضا، وأصبحت بخارى خاوية على ~~عروشها كأن لم تغن بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم، والناس ينظرون ~~ويبكون، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا مما نزل بهم، فمنهم من لم ~~يرض بذلك، واختار الموت على ذلك، فقاتل حتى قتل، وممن فعل ذلك واختار أن ~~يقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين، الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده، ~~فإنهما لما رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتى قتلا. # وكذلك فعل القاضي صدر الدين خان، ومن استسلم أخذ أسيرا، وألقوا النار في ~~البلد، والمدارس، والمساجد، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال، ثم ~~رحلوا نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خوارزم شاه عنهم، وهم بمكانه بين ترمذ ~~وبلخ، واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى، فساروا بهم مشاة على أقبح ~~صورة، فكل من أعيا وعجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة، ~~وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم، حتى تقدموا شيئا فشيئا ليكون ~~أرعب لقلوب المسلمين، فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه. # فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرجالة والأثقال، ومع كل عشرة من ~~الأسارى علم، فظن أهل البلد أن الجميع عساكر مقاتلة، وأحاطوا بالبلد وفيه ~~خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة، فخرج ms4501 ~~إليهم شجعان أهله، وأهل الجلد والقوة رجالة، ولم يخرج معهم من العسكر ~~الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين، فقاتلهم الرجالة بظاهر ~~البلد فلم يزل التتر # PageV10P340 # يتأخرون، وأهل البلد يتبعونهم، ويطمعون فيهم، وكان الكفار قد كمنوا لهم ~~كمينا، فلما جاوزوا الكمين خرج عليهم وحال بينهم وبين البلد، ورجع الباقون ~~الذين أنشبوا القتال أولا، فبقوا في الوسط، وأخذهم السيف من كل جانب، فلم ~~يسلم منهم أحد، قتلوا عن آخرهم شهداء، رضي الله عنهم، وكانوا سبعين ألفا ~~على ما قيل. # فلما رأى الباقون من الجند والعامة ذلك ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك، ~~فقال الجند، وكانوا أتراكا: نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا، فطلبوا الأمان، ~~فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، ولم يقدر العامة على منعهم، وخرجوا ~~إلى الكفار بأهلهم وأموالهم، فقال لهم الكفار: ادفعوا إلينا سلاحكم ~~وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم، ففعلوا ذلك، فلما أخذوا أسلحتهم ~~ودوابهم وضعوا السيف فيهم وقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ~~ونساءهم. # فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم، ومن تأخر ~~قتلوه، فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند مثل فعلهم ~~مع أهل بخارى من النهب، والقتل، والسبي، والفساد، ودخلوا البلد فنهبوا ما ~~فيه، وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله، وافتضوا الأبكار، وعذبوا ~~الناس بأنواع العذاب في طلب المال، وقتلوا من لم يصلح للسبي، وكان ذلك في ~~المحرم سنة سبع عشرة وستمائة. # وكان خوارزم شاه بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند، فيرجعون ~~ولا يقدرون على الوصول إليها، نعوذ بالله من الخذلان ; سير عشرة آلاف فارس ~~فعادوا كالمنهزمين من غير قتال، وسير عشرين ألفا فعادوا أيضا. # ذكر مسير التتر الكفار إلى خوارزم شاه وانهزامه وموته # لما ملك الكفار سمرقند عمد جنكزخان، لعنه الله، وسير عشرين ألف فارس. ~~وقال لهم: اطلبوا خوارزم شاه أين كان، ولو تعلق بالسماء، حتى تدركوه ~~وتأخذوه. # وهذه الطائفة تسميها التتر المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق # PageV10P341 # بينهم وبين غيرهم منهم. لأنهم ms4502 هم الذين أوغلوا في البلاد، فلما أمرهم ~~جنكزخان بالمسير ساروا وقصدوا موضعا يسمى بنج آب، ومعناه خمسة مياه، فوصلوا ~~إليه، فلم يجدوا هناك سفينة، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها ~~جلود البقر لئلا يدخلها الماء ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم وألقوا الخيل في ~~الماء. وأمسكوا أذنابها، وتلك الحياض التي من الخشب مشدودة إليهم. فكان ~~الفرس يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض المملوء من السلاح وغيره. فعبروا كلهم ~~دفعة واحدة، فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه على أرض واحدة. # وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا، وقد اختلفوا فيما بينهم، إلا ~~أنهم كانوا يتماسكون بسبب أن نهر جيحون بينهم، فلما عبروه إليهم لم يقدروا ~~على الثبات، ولا على المسير مجتمعين، بل تفرقوا أيدي سبا، وطلب كل طائفة ~~منهم جهة، ورحل خوارزم شاه لا يلوي على شيء في نفر من خاصته، وقصدوا ~~نيسابور، فلما دخلها اجتمع عليه بعض العسكر، فلم يستقر حتى وصل أولئك التتر ~~إليها. # وكانوا لا يتعرضون في مسيرهم لشيء لا بنهب ولا قتل بل يجدون السير في ~~طلبه لا يمهلونه حتى يجمع لهم، فلما سمع بقربهم منه رحل إلى مازندران، وهي ~~له أيضا، فرحل التتر المغربون في أثره، ولم يعرجوا على نيسابور بل تبعوه، ~~فكان كلما رحل عن منزلة نزلوها، فوصل إلى مرسى من بحر طبرستان يعرف بباب ~~سكون، وله هناك قلعة في البحر، فلما نزل هو وأصحابه في السفن وصلت التتر، ~~فلما رأوا خوارزم شاه وقد دخل البحر وقفوا على ساحل البحر، فلما أيسو من ~~لحاق خوارزم شاه رجعوا فهم الذين قصدوا الري وما بعدها على ما نذكره إن شاء ~~الله. # هكذا ذكر لي بعض الفقهاء ممن كان ببخارى وأسروه معهم إلى سمرقند، ثم نجا ~~منهم ووصل إلينا. وذكر غيره من التجار أن خوارزم شاه سار من مازندران حتى ~~وصل إلى الري ثم منها إلى همذان، والتتر في أثره ففارق همذان في نفر يسير، # PageV10P342 # جريدة، ليستر نفسه ويكتم خبره، وعاد إلى مازندران وركب في البحر إلى هذه ms4503 ~~القلعة. # وكان هذا هو الصحيح فإن الفقيه كان حينئذ مأسورا، وهؤلاء التجار أخبروا ~~أنهم كانوا بهمذان، ووصل خوارزم شاه، ثم وصل بعده. من أخبره بوصول التتر، ~~ففارق همذان، وكذلك أيضا هؤلاء التجار فارقوها، ووصل التتر إليها بعدهم ~~ببعض نهار، فهم يخبرون عن مشاهدة ; ولما وصل خوارزم شاه إلى هذه القلعة ~~المذكورة توفي فيها. # ذكر صفة خوارزم شاه وشيء من سيرته # هو علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش، وكان مدة ملكه إحدى وعشرين سنة ~~وشهورا تقريبا، واتسع ملكه، وعظم محله، وأطاعه العالم بأسره، ولم يملك بعد ~~السلجوقية أحد مثل ملكه، فإنه ملك من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد ~~غزنة، وبعض الهند، وملك سجستان، وكرمان، وطبرستان، وجرجان، وبلاد الجبال، ~~وخراسان، وبعض فارس، وفعل بالخطا الأفاعيل العظيمة، وملك بلادهم. # وكان فاضلا، عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان مكرما للعلماء محبا لهم ~~محسنا إليهم، يكثر مجالستهم ومناظراتهم بين يديه، وكان صبورا على التعب ~~وإدمان السير، غير متنعم، ولا مقبل على اللذات، إنما همه في الملك وتدبيره، ~~وحفظه وحفظ رعاياه، وكان معظما لأهل الدين، مقبلا عليهم، متبركا بهم. # حكى لي بعض خدم حجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد عاد من خراسان، قال: ~~وصلت إلى خوارزم، فنزلت ودخلت الحمام، ثم قصدت باب السلطان علاء الدين، ~~فحين حضرت لقيني إنسان، فقال: ما حاجتك؟ فقلت له: أنا من خدم حجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأمرني بالجلوس، وانصرف عني قليلا، ثم عاد إلي وأخذني ~~وأدخلني إلى دار السلطان، فتسلمني منه حاجب من حجاب السلطان، # PageV10P343 # وقال لي: قد أعلمت السلطان خبرك فأمر بإحضارك عنده، فدخلت إليه وهو جالس ~~في صدر إيوان كبير، فحين توسطت صحن الدار قام قائما، ومشى إلى بين يدي، ~~فأسرعت السير فلقيته في وسط الإيوان، فأردت أن أقبل يده، فمنعني، واعتنقني، ~~وجلس وأجلسني إلى جانبه، وقال لي: أنت تخدم حجرة النبي، صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقلت: نعم. فأخذ يدي، وأمرها على وجهه، وسألني عن حالنا وعيشنا، وصفة ~~المدينة، ومقدارها، وأطال الحديث معي، فلما خرجت ms4504 من عنده قال: لولا أننا ~~على عزم السفر هذه الساعة لما ودعتك، إنما نريد أن نعبر جيحون إلى الخطا، ~~وهذا طريق مبارك حيث رأينا من يخدم حجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم ~~ودعني وأرسل إلي جملة كثيرة من النفقة، ومضى، وكان منه ومن الخطا ما ~~ذكرناه، وبالجملة فاجتمع فيه ما تفرق في غيره من ملوك العالم، رحمه الله، ~~ولو أردنا ذكر مناقبه لطال ذلك. # ذكر استيلاء التتر المغربة على مازندران # لما أيس التتر المغربة من إدراك خوارزم شاه، عادوا فقصدوا بلاد مازندران ~~فملكوها في أسرع وقت، مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها، وامتناع قلاعها، ~~فإنها لم تزل ممتنعة قديم الزمان وحديثه، حتى إن المسلمين لما ملكوا بلاد ~~الأكاسرة جميعها، من العراق إلى أقاصي خراسان، بقيت أعمال مازندران يؤخذ ~~منهم الخراج، ولا يقدرون على دخول البلاد، إلى أن ملكت أيام سليمان بن عبد ~~الملك سنة تسعين، وهؤلاء الملاعين ملكوها صفوا عفوا لأمر يريده الله تعالى. # ولما ملكوا بلد مازندران قتلوا، وسبوا، ونهبوا، وأحرقوا البلاد، ولما ~~فرغوا من مازندران سلكوا نحو الري، فرأوا قي الطريق والدة خوارزم شاه ~~ونساءه، وأموالهم، وذخائرهم التي لم يسمع بمثلها من الأعلاق النفيسة، وكان ~~سبب ذلك أن والدة خوارزم شاه لما سمعت بما جرى على ولدها خافت، ففارقت ~~خوارزم وقصدت نحو الري لتصل إلى أصفهان وهمذان وبلد الجبل تمتنع فيها، ~~فصادفوها في الطريق، # PageV10P344 # فأخذوها وما معها قبل وصولهم إلى الري، فكان فيه ما ملأ عيونهم وقلوبهم، ~~وما لم يشاهد الناس مثله من كل غريب من المتاع ونفيس من الجواهر، وغير ذلك، ~~وسيروا الجميع إلى جنكزخان بسمرقند. # ذكر وصول التتر إلى الري وهمذان # سنة سبع عشرة وستمائة وصل التتر، لعنهم الله، إلى الري في طلب خوارزم شاه ~~محمد، لأنهم بلغهم أنه مضى منهزما منهم نحو الري، فجدوا السير في أثره، وقد ~~انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار، وكذلك أيضا من المفسدين من ~~يريد النهب والشر، فوصلوا إلى الري على حين غفلة من أهلها، فلم يشعروا بهم ~~إلا ms4505 وقد وصلوا إليها، وملكوها، ونهبوها، وسبوا الحريم، واسترقوا الأطفال، ~~وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها، ولم يقيموا، ومضوا مسرعين في طلب ~~خوارزم شاه، فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها، وفعلوا في الجميع ~~أضعاف ما فعلوا في الري، وأحرقوا، وخربوا ووضعوا السيف في الرجال والنساء ~~والأطفال، فلم يبقوا على شيء. # وتموا على حالهم إلى همذان، وكان خوارزم شاه قد وصل إليها في نفر من ~~أصحابه، ففارقها وكان آخر العهد به، فلا يدرى ما كان منه فيما حكاه بعضهم ~~عنه، وقيل غير ذلك، وقد ذكرناه. # فلما قاربوا همذان خرج رئيسها ومعه الحمل من الأموال والثياب والدواب ~~وغير ذلك، يطلب الأمان لأهل البلد، فأمنوهم، ثم فارقوها وساروا إلى زنجان ~~ففعلوا أضعاف ذلك، وساروا ووصلوا إلى قزوين، فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم، ~~فقاتلوه، وجدوا في قتالهم، ودخلوها عنوة بالسيف، فاقتتلوا هم وأهل البلد في ~~باطنه، حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم ~~فارقوا قزوين، فعد القتلى من أهل قزوين، فزادوا على أربعين ألف قتيل. # ذكر وصول التتر إلى أذربيجان # لما هجم الشتاء على التتر في همذان، وبلد الجبل، رأوا بردا شديدا، وثلجا # PageV10P345 # متراكما، فساروا إلى أذربيجان، ففعلوا في طريقهم بالقرى والمدن الصغار من ~~القتل والنهب مثل ما تقدم منهم، وخربوا وأحرقوا، ووصلوا إلى تبريز وبها ~~صاحب أذربيجان أوزبك بن البهلوان، فلم يخرج إليهم، ولا حدث نفسه بقتالهم ~~لاشتغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلا ونهارا لا يفيق، وإنما أرسل ~~إليهم وصالحهم على مال، وثياب، ودواب، وحمل الجميع إليهم، فساروا من عنده ~~يريدون ساحل البحر، لأنه يكون قليل البرد، ليشتوا عليه والمراعي به كثيرة ~~لأجل دوابهم، فوصلوا إلى موقان، وتطرقوا في طريقهم إلى بلاد الكرج، فجاء ~~إليهم من الكرج جمع كثير من العسكر، نحو عشرة آلاف مقاتل، فقاتلوهم، ~~فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم. # وأرسل الكرج إلى أوزبك، صاحب أذربيجان، يطلبون منه الصلح والاتفاق معهم ~~على دفع التتر، فاصطلحوا ليجتمعوا إذا انحسر الشتاء، وكذلك أرسلوا إلى ~~الملك الأشرف ابن الملك العادل، ms4506 صاحب خلاط وديار الجزيرة، يطلبون منه ~~الموافقة عليهم، وظنوا جميعهم أن التتر يصبرون في الشتاء إلى الربيع، فلم ~~يفعلوا كذلك، بل تحركوا وساروا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم مملوك تركي من ~~مماليك أوزبك، اسمه أقوش، وجمع أهل تلك الجبال والصحراء من التركمان ~~والأكراد وغيرهم، فاجتمع، معه خلق كثير، وراسل التتر في الانضمام إليهم، ~~فأجابوه إلى ذلك، ومالوا إليه للجنسية، فاجتمعوا وساروا في مقدمة التتر إلى ~~الكرج، فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وخربوها، وقتلوا أهلها، ~~ونهبوا أموالهم، حتى وصلوا إلى قرب تفليس. # فاجتمعت الكرج وخرجت بحدها وحديدها إليهم، فلقيهم أقوش أولا فيمن اجتمع ~~إليه، فاقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه كلهم، فقتل من أصحاب أقوش خلق كثير، ~~وأدركهم التتر وقد تعب الكرج من القتال، وقتل منهم أيضا كثير، فلم يثبتوا ~~للتتر، وانهزموا أقبح هزيمة، وركبهم السيف من كل جانب، فقتل منهم ما لا ~~يحصى كثرة، وكانت الوقعة في ذي القعدة من هذه السنة، ونهبوا من البلاد ما ~~كان سلم منهم. # ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه: طائفة ~~تخرج # PageV10P346 # من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى بلاد أرمينية من هذه ~~الناحية، ويجاوزوا العراق من ناحية همذان، وتالله لا شك أن من يجيء بعدنا، ~~إذا بعد العهد، ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها، ويستبعدها، والحق بيده، ~~فمتى استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا نحن، وكل من جمع التاريخ في أزماننا هذه ~~في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى في معرفتها العالم والجاهل ~~لشهرتها، يسر الله للمسلمين والإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا من ~~العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه، ولم ~~ينل المسلمين أذى وشدة مذ جاء النبي صلى الله عليه وسلم، إلى هذا الوقت مثل ~~ما دفعوا إليه الآن. # هذا العدو الكافر التتر قد وطئوا بلاد ما وراء النهر وملكوها وخربوها، ~~وناهيك به سعة بلاد، وتعدت هذه الطائفة منهم النهر إلى خراسان، فملكوها ~~وفعلوا مثل ms4507 ذلك، ثم إلى الري وبلد الجبل وأذربيجان، وقد اتصلوا بالكرج ~~فغلبوهم على بلادهم. # والعدو الآخر الفرنج قد ظهروا من بلادهم في أقصى بلاد الروم، بين الغرب ~~والشمال، ووصلوا إلى مصر، فملكوا مثل دمياط، وأقاموا فيها، ولم يقدر ~~المسلمين على إزعاجهم عنها، ولا إخراجهم منها، وباقي ديار مصر على خطر، ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ومن أعظم الأمور على المسلمين أن سلطانهم خوارزم شاه محمدا قد عدم لا ~~يعرف حقيقة خبره، فتارة يقال مات عند همذان وأخفي موته، وتارة دخل أطراف ~~بلاد فارس ومات هناك وأخفي موته لئلا يقصدها التتر في أثره، وتارة يقال عاد ~~إلى طبرستان وركب البحر، فتوفي في جزيرة هناك، وبالجملة فقد عدم، ثم صح ~~موته ببحر طبرستان، وهذا عظيم، إن مثل خراسان وعراق العجم أصبح سائبا لا ~~مانع له، ولا سلطان يدفع عنه، والعدو يجوس البلاد، يأخذ ما أراد ويترك ما ~~أراد، على أنهم لم يبقوا على مدينة إلا خربوا كل ما مروا عليه، وأحرقوه، ~~ونهبوه، وما لا يصلح لهم أحرقوه، فكانوا يجمعون الإبريسم تلالا ويلقون فيه ~~النار. وكذلك غيره من الأمتعة. # ذكر ملك التتر مراغة # في صفر سنة ثماني عشرة وستمائة ملك التتر مدينة مراغة من أذربيجان. # PageV10P347 # وسبب ذلك أننا ذكرنا سنة سبع عشرة وستمائة ما فعله التتر بالكرج، وانقضت ~~تلك السنة وهم في بلاد الكرج، فلما دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة ساروا من ~~ناحية الكرج، لأنهم رأوا أن بين أيديهم شوكة قوية، ومضايق تحتاج إلى قتال ~~وصراع، فعدلوا عنهم، وهذه كانت عادتهم، إذا قصدوا مدينة ورأوا عندها ~~امتناعا عدلوا عنها، فوصلوا إلى تبريز، وصانعهم صاحبها بمال وثياب ودواب، ~~فساروا عنه إلى مدينة مراغة، فحصروها وليس بها صاحب يمنعها، لأن صاحبها ~~كانت امرأة، وهي مقيمة بقلعة رويندز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» ". # فلما حصروها قاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق، وزحفوا إليها، وكانت ~~عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من ms4508 أسارى المسلمين بين أيديهم ~~يزحفون ويقاتلون، فإن عادوا قتلوهم، فكانوا يقاتلون كرها، وهم المساكين، ~~كما قيل: كالأشقر إن تقدم ينحر وإن تأخر يعقر، وكانوا هم يقاتلون وراء ~~المسلمين، فيكون القتل في المسلمين الأسارى، وهم بنجوة منه. # فأقاموا عليها عدة أيام، ثم ملكوا المدينة عنوة وقهرا رابع صفر، ووضعوا ~~السيف في أهلها، فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء، ونهبوا كل ما يصلح ~~لهم، وما لا يصلح لهم أحرقوه، واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون ~~الأسارى ويقولون لهم: نادوا في الدروب أن التتر قد رحلوا، فإذا نادى أولئك ~~خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل. # وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها ~~رجلا، فوضعت السلاح وإذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته أسيرا، وسمعت من بعض ~~أهلها أن رجلا من التتر دخل دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا ~~حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده إليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون ~~عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من الخذلان. # ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل، ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل، فخفنا، ~~حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفا من السيف، وجاءت كتب مظفر الدين، صاحب # PageV10P348 # إربل، إلى بدر الدين، صاحب الموصل، يطلب منه نجدة من العساكر، فسير إليه ~~جمعا صالحا من عسكره، وأراد أن يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر، ويحفظ ~~المضايق لئلا يجوزها أحد، فإنها جميعها جبال وعرة ومضايق لا يقدر أن يجوزها ~~إلا الفارس بعد الفارس، ويمنعهم من الجواز إليه. # ووصلت كتب الخليفة ورسله إلى الموصل وإلى مظفر الدين يأمر الجميع ~~بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا ليمنعوا التتر، فإنهم ربما عدلوا عن جبال ~~إربل، لصعوبتها، إلى هذه الناحية، ويطرقون العراق، فسار مظفر الدين من إربل ~~في صفر، وسار إليهم جمع من عسكر الموصل، وتبعهم من المتطوعة كثير. # وأرسل الخليفة أيضا إلى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عساكره ~~ليجتمع الجميع على قصد التتر وقتالهم، فاتفق أن الملك المعظم ابن الملك ms4509 ~~العادل وصل من دمشق إلى أخيه الأشرف وهو بحران يستنجده على الفرنج الذين ~~بمصر، وطلب منه أن يحضر بنفسه ليسيروا كلهم إلى مصر ليستنقذوا دمياط من ~~الفرنج، فاعتذر إلى الخليفة بأخيه، وقوة الفرنج، وإن لم يتداركها، وإلا ~~خرجت هي وغيرها، وشرع يتجهز للمسير إلى الشام ليدخل مصر. وكان ما ذكرناه من ~~استنقاذ دمياط. # فلما اجتمع مظفر الدين والعساكر بدقوقا سير الخليفة إليهم مملوكه قشتمر، ~~وهو أكبر أمير بالعراق، ومعه غيره من الأمراء، في نحو ثماني مائة فارس، ~~فاجتمعوا هناك ليتصل بهم باقي عسكر الخليفة، وكان المقدم على الجميع مظفر ~~الدين، فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على قصد التتر. # وحكى مظفر الدين قال: لما أرسل إلي الخليفة في معنى قصد التتر قلت له: إن ~~العدو قوي، وليس لي من العسكر ما ألقاه به، فإن اجتمع معي عشرة آلاف فارس ~~استنقذت ما أخذ من البلاد فأمرني بالمسير، ووعدني بوصول العسكر، فلما سرت ~~لم يحضر عندي غير عدد لم يبلغوا ثماني مائة طواشي، فأقمت، وما رأيت ~~المخاطرة بنفسي وبالمسلمين. # ولما سمع التتر باجتماع العساكر لهم رجعوا القهقرى ظنا منهم أن العسكر # PageV10P349 # يتبعهم، فلما لم يروا أحدا يطلبهم أقاموا، وأقام العسكر الإسلامي عند ~~دقوقا، فلما لم يروا العدو يقصدهم، ولا المدد يأتيهم، تفرقوا، وعادوا إلى ~~بلادهم. # ذكر ملك التتر همذان وقتل أهلها # لما تفرق العسكر الإسلامي عاد التتر إلى همذان فنزلوا بالقرب منها، وكان ~~لهم بها شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه ليطلب من أهلها مالا وثيابا، وكانوا ~~قد استنفذوا أموالهم في طول المدة، وكان رئيس همذان شريفا علويا، وهو من ~~بيت رئاسة قديمة لهذه المدينة، هو الذي يسعى في أمور أهل البلد مع التتر، ~~ويوصل إليهم ما يجمعه من الأموال، فلما طلبوا الآن منهم المال لم يجد أهل ~~همذان ما يحملونه إليهم، فحضروا عند الرئيس ومعه إنسان فقيه قد قام في ~~اجتماع الكلمة على الكفار قياما مرضيا، فقالوا لهما: هؤلاء الكفار قد أفنوا ~~أموالنا، ولم يبق لنا ما نعطيهم، وقد هلكنا من أخذهم ms4510 أموالنا، وما يفعله ~~النائب عنهم بنا من الهوان. # وكانوا قد جعلوا بهمذان شحنة لهم يحكم في أهلها بما يختاره، فقال الشريف: ~~إذا كنا نعجز عنهم فكيف الحيلة؟ فليس لنا إلا مصانعتهم بالأموال، فقالوا ~~له: أنت أشد علينا من الكفار وأغلظوا له في القول، فقال: أنا واحد منكم، ~~فاصنعوا ما شئتم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتر من البلد والامتناع فيه، ~~ومقاتلة التتر ; فوثب العامة على الشحنة فقتلوه وامتنعوا في البلد، فتقدم ~~التتر إليهم وحصروهم، وكانت الأقوات متعذرة في تلك البلاد جميعها، لخرابها، ~~وقتل أهلها، وجلاء من سلم منهم، فلا يقدر أحد على الطعام إلا قليلا، وأما ~~التتر فلا يبالون بعدم الأقوات لأنهم لا يأكلون إلا اللحم، ولا تأكل دوابهم ~~إلا نبات الأرض، حتى إنها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها. # فلما حصروا همذان قاتلهم أهلها والرئيس والفقيه في أوائلهم، فقتل من ~~التتر خلق كثير، وجرح الفقيه عدة جراحات، وافترقوا، ثم خرجوا من الغد ~~فاقتتلوا أشد من القتال الأول، وقتل أيضا من التتر أكثر من اليوم الأول، ~~وجرح الفقيه أيضا عدة جراحات وهو صابر، وأرادوا أيضا الخروج، اليوم الثالث، ~~فلم يطق الفقيه الركوب، وطلب الناس الرئيس العلوي فلم يجدوه، كان قد هرب في ~~سرب صنعه إلى # PageV10P350 # ظاهر البلد هو وأهله إلى قلعة هناك على جبل عال فامتنع فيها. # فلما فقده الناس بقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، إلا أنهم اجتمعت كلمتهم ~~على القتال إلى أن يموتوا، فأقاموا في البلد ولم يخرجوا منه. # وكان التتر قد عزموا على الرحيل عنهم لكثرة من قتل منهم، فلما لم يروا ~~أحدا خرج إليهم من البلد طمعوا واستدلوا على ضعف أهله، فقصدوهم وقاتلوهم في ~~رجب من سنة ثماني عشرة وستمائة، ودخلوا المدينة بالسيف، وقاتلهم الناس في ~~الدروب، فبطل السلاح للزحمة، واقتتلوا بالسكاكين، فقتل من الفريقين ما لا ~~يحصيه إلا الله تعالى، وقوي التتر على المسلمين فأفنوهم قتلا، ولم يسلم إلا ~~من كان عمل له نفقا يختفي فيه، وبقي القتل في المسلمين عدة أيام، ثم ألقوا ~~النار ms4511 في البلد فأحرقوه ورحلوا عنه إلى مدينة أردويل. # وقيل كان السبب في ملكها أن أهل البلد لما شكوا إلى الرئيس الشريف ما ~~يفعل بهم الكفار، أشار عليهم بمكاتبة الخليفة لينفذ إليهم عسكرا مع أمير ~~يجمع كلمتهم، فاتفقوا على ذلك، فكتب إلى الخليفة ينهي إليه ما هم عليه من ~~الخوف والذل، وما يركبهم به العدو من الصغار والخزي، ويطلب نجدة ولو ألف ~~فارس مع أمير يقاتلون معه ويجتمعون عليه، فلما سار القصاد بالكتب أرسل بعض ~~من علم بالحال إلى التتر يعلمهم ذلك، فأرسلوا إلى الطريق، فأخذوهم وأخذوا ~~الكتب منهم، وأرسلوا إلى الرئيس ينكرون عليه الحال، فجحد، فأرسلوا إليه ~~كتبه وكتب الجماعة، فسقط في أيديهم، وتقدم إليهم التتر حينئذ وقاتلوهم، ~~وجرى في القتال كما ذكرنا. # ذكر مسير التتر إلى أذربيجان وملكهم أردويل وغيرها # لما فرغ التتر من همذان ساروا إلى أذربيجان، فوصلوا إلى أردويل فملكوها، ~~وقتلوا فيها وأكثروا، وخربوا أكثرها، وساروا منها إلى تبريز، وكان قد قام ~~بأمرها شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها، وقد فارقها صاحبها أوزبك بن ~~البهلوان، وكان أميرا متخلفا، لا يزال منهمكا في الخمر ليلا ونهارا، يبقى ~~الشهر والشهرين لا يظهر، وإذا سمع هيعة طار مجفلا لها، وله جميع أذربيجان ~~وأران، وهو # PageV10P351 # أعجز خلق الله عن حفظ البلاد من عدو يريدها ويقصدها. # فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق هو تبريز وقصد نقجوان، وسير أهله ~~ونساءه إلى خوي ليبعد عنهم، فقام هذا الطغرائي بأمر البلد، وجمع الكلمة، ~~وقوى نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل والتواني، وحصن البلد ~~بجهده وطاقته، فلما قاربه التتر، وسمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع ~~الكلمة على قتالهم، وأنهم قد حصنوا المدينة، وأصلحوا أسوارها وخندقها، ~~أرسلوا يطلبون منهم مالا وثيابا، فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم من ذلك، ~~فسيروه إليهم، فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو فنهبوها، وقتلوا كل من فيها. # ورحلوا منها إلى بيلقان، من بلاد أران، فنهبوا كل ما مروا به من البلاد ~~والقرى، وخربوا، وقتلوا من ظفروا به من أهلها، فلما ms4512 وصلوا إلى بيلقان ~~حصروها، فاستدعى أهلها منهم رسولا يقرون معه الصلح، فأرسلوا إليهم رسولا من ~~أكابرهم ومقدميهم، فقتله أهل البلد، فزحف التتر إليهم وقاتلوهم، ثم إنهم ~~ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثماني عشرة وستمائة ووضعوا فيهم السيف، ~~فلم يبقوا على صغير ولا كبير، ولا امرأة، حتى إنهم كانوا يشقون بطون ~~الحبالى، ويقتلون الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها، وكان الإنسان ~~منهم يدخل الدرب فيه الجماعة، فيقتلهم واحدا بعد واحد حتى يفرغ من الجميع ~~لا يمد أحد منهم إليه يدا. # فلما فرغوا منها استقصوا ما حولها بالنهب والتخريب، وساروا إلى مدينة ~~كنجة، وهي أم بلاد أران، فعلموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لكثرة ذريتهم بقتال ~~الكرج، وحصانتها، فلم يقدموا عليها، فأرسلوا إلى أهلها يطلبون منهم المال ~~والثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا، فساروا عنهم. # ذكر قصد التتر بلاد الكرج # لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران، بعضه بالملك، وبعضه ~~بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا، وكان الكرج قد أعدوا ~~لهم، واستعدوا، وسيروا جيشا كثيرا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها، فوصل ~~إليهم # PageV10P352 # التتر، فالتقوا، فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين، فأخذهم السيف، فلم يسلم ~~منهم إلا الشريد. # ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفا، ونهبوا ما وصلوا إليه من ~~بلادهم، وخربوها، وفعلوا بها ما هو عادتهم، فلما وصل المنهزمون إلى تفليس، ~~وبها ملكهم جمعوا جموعا أخرى وسيرهم إلى التتر أيضا ليمنعوهم من توسط ~~بلادهم، فرأوا التتر وقد دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا مضيق ولا غير ذلك، ~~فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس، فأخلوا البلاد، ففعل التتر فيها ما ~~أرادوا من النهب، والقتل، والتخريب، ورأوا بلادا كثيرة المضايق والدربندات، ~~فلم يتجاسروا على الوغول فيها، فعادوا عنها. # وداخل الكرج منهم خوف عظيم، حتى سمعت عن بعض أكابر الكرج، قدم رسولا، أنه ~~قال: من حدثكم أن التتر انهزموا وأسروا فلا تصدقوه، وإذا حدثتم أنهم قتلوا ~~فصدقوه، فإن القوم لا يفرون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم، فألقى نفسه من ~~الدابة ms4513 وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات، ولم يسلم نفسه للأسر. # ذكر وصولهم إلى دربند شروان وما فعلوه فيه # لما عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربند شروان، فحصروا مدينة شماخي، ~~وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصر، ثم إن التتر صعدوا سورها بالسلاليم، وقيل ~~بل جمعوا كثيرا من الجمال والبقر والغنم وغير ذلك، ومن قتلى الناس منهم ومن ~~غيرهم، وألقوا بعضه فوق بعض، فصار مثل التل، وصعدوا عليه فأشرفوا على ~~المدينة وقاتلوا أهلها، فصبروا، واشتد القتال ثلاثة أيام، فأشرفوا على أن ~~يؤخذوا، فقالوا: السيف لا بد منه، فالصبر أولى بنا نموت كراما. # فصبروا تلك الليلة، فأنتنت تلك الجيف وانهضمت، فلم يبق للتتر على السور ~~استعلاء، ولا تسلط على الحرب، فعاودوا الزحف وملازمة القتال، فضجر أهلها، ~~ومسهم التعب والكلال والإعياء، فضعفوا، فملك التتر البلد، وقتلوا فيه ~~فأكثروا، ونهبوا الأموال فاحتازوها. # PageV10P353 # فلما فرغوا منه أرادوا عبور الدربند، فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا ~~إلى شروان شاه ملك دربند شروان يقولون له: ليرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في ~~الصلح. فأرسل عشرة رجال من أعيان أصحابه، فأخذوا أحدهم فقتلوه، ثم قالوا ~~للباقين: إن أنتم عرفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان، وإن لم تفعلوا ~~قتلناكم كما قتلنا هذا فقالوا لهم: إن هذا الدربند ليس فيه طريق ألبتة، ~~ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق، فساروا معهم إلى ذلك الطريق، ~~فعبروا فيه، وخلفوه وراء ظهورهم. # ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق # لما عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال، وفيها أمم كثيرة منهم: ~~اللان واللكز، وطوائف من الترك، فنهبوا، وقتلوا من اللكز كثيرا، وهم مسلمون ~~وكفار، وأوقعوا بمن عداهم، ومن أهل تلك البلاد، ووصلوا إلى اللان، وهم أمم ~~كثيرة، وقد بلغهم خبرهم، فحذروا، وجمعوا عندهم جمعا من قفجاق، فقاتلوهم، ~~فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى، فأرسل التتر إلى قفجاق يقولون: نحن وأنتم ~~جنس واحد، وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم، ولا دينكم مثل دينهم، ونحن ~~نعاهدكم أننا لا نتعرض لكم، ونحمل إليكم من الأموال والثياب ما شئتم، ms4514 ~~وتتركون بيننا وبينهم. # فاستقر الأمر بينهم على مال حملوه، وثياب، وغير ذلك، فحملوا إليهم ما ~~استقر وفارقهم قفجاق، فأوقع التتر باللان، فقتلوا منهم وأكثروا ونهبوا، ~~وسبوا، وساروا إلى قفجاق، وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح، فلم ~~يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم، ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول، ~~وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم. # وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر، ففروا من غير قتال، وأبعدوا، ~~فبعضهم اعتصم بالغياض، وبعضهم بالجبال، وبعضهم لحق ببلاد الروس. # وأقام التتر في بلاد قفجاق، وهي أرض كثيرة المراعي في الشتاء والصيف، ~~وفيها أماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى، وأماكن حارة في الشتاء كثيرة ~~المرعى، # PageV10P354 # وهي غياض على ساحل البحر، ووصلوا إلى مدينة سوداق، وهي مدينة قفجاق التي ~~منها مادتهم، فإنها على بحر الخزر، والمراكب تصل إليها وفيها الثياب، ~~فيشتري قفجاق منهم ويبيعون عليهم الجواري، والمماليك، والبرطاسي، والقندز، ~~والسنجاب، وغير ذلك مما هو في بلادهم، وبحر الخزر هذا هو بحر متصل بخليج ~~القسطنطينية. # ولما وصل التتر إلى سوداق ملكوها، وتفرق أهلها منها، فبعضهم صعد الجبال ~~بأهله وماله، وبعضهم ركب البحر وسار إلى بلاد الروم التي بيد المسلمين من ~~أولاد قلج أرسلان. # ذكر ما فعله التتر بقفجاق والروس # لما استولى التتر على أرض قفجاق، وتفرق قفجاق، كما ذكرنا، سار طائفة ~~كثيرة منهم إلى بلاد الروس، وهي بلاد كثيرة، طويلة عريضة، تجاورهم، وأهلها ~~يدينون بالنصرانية، فلما وصلوا إليهم اجتمعوا، كلهم واتفقت كلمتهم على قتال ~~التتر إن قصدوهم، وأقام التتر بأرض قفجاق مدة، ثم إنهم ساروا سنة عشرين ~~وستمائة إلى بلاد الروس، فسمع الروس وقفجاق خبرهم، وكانوا مستعدين لقتالهم، ~~فساروا إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها، ~~فبلغ مسيرهم إلى التتر، فعادوا على أعقابهم راجعين، فطمع الروس وقفجاق ~~فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم، فجدوا في اتباعهم، ولم ~~يزل التتر راجعين، وأولئك يقفون أثرهم، اثني عشر يوما. # ثم إن التتر عطفوا على الروس وقفجاق، فلم يشعروا بهم إلا وقد ms4515 لقوهم على ~~غرة منهم، لأنهم كانوا قد أمنوا التتر، واستشعروا القدرة عليهم، فلم تتكامل ~~عدتهم للقتال إلا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما، فصبر الطائفتان صبرا لم ~~يسمع بمثله. # ودام القتال بينهم عدة أيام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا، فانهزم قفجاق ~~والروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر، وكثر القتل في المنهزمين فلم ~~يسلم # PageV10P355 # منهم إلا القليل، ونهب جميع ما معهم، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح ~~صورة لبعد الطريق والهزيمة، وتبعهم التتر يقتلون وينهبون ويخربون البلاد ~~حتى خلا أكثرها، فاجتمع كثير من أعيان تجار الروس وأغنيائهم، وحملوا ما يعز ~~عليهم وساروا يقطعون البحر إلى بلاد الإسلام في عدة مراكب، فلما قاربوا ~~المرسى الذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم فغرق إلا أن الناس نجوا وكانت ~~العادة جارية أن السلطان له كل مركب ينكسر، فأخذ من ذلك شيئا كثيرا وسلم ~~باقي المراكب وأخبر من بها بهذه الحال # ذكر عود التتر من بلاد الروس وقفجاق إلى ملكهم # لما فعل التتر بالروس ما ذكرناه ونهبوا بلادهم عادوا عنها وقصدوا بلغار ~~أواخر سنة عشرين وستمائة، فلما سمع أهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة ~~مواضع، وخرجوا إليهم، فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء، فخرجوا ~~عليهم من وراء ظهورهم فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من ناحية فقتل أكثرهم ~~ولم ينج منهم إلا القليل قيل: كانوا نحو أربعة آلاف رجل فساروا إلى سقسين ~~عائدين إلى ملكهم جنكزخان، وخلت أرض قفجاق منهم فعاد من سلم منهم إلى ~~بلادهم، وكان الطريق منقطعا مذ دخلها التتر، فلم يصل منهم شيء من البرطاسي ~~والسنجاب والقندز وغيرها مما يحمل من تلك البلاد، فلما فارقوها عادوا إلى ~~بلادهم، واتصلت الطريق وحملت الأمتعة كما كانت. # PageV10P356 # هذه أخبار التتر المغربة قد ذكرناها سياقة واحدة لئلا تنقطع. # ذكر ما فعله التتر بما وراء النهر بعد بخارى وسمرقند # قد ذكرنا ما فعله التتر المغربة التي سيرها ملكهم جنكزخان، لعنه الله، ~~إلى خوارزم شاه أما جنكزخان فإنه بعد أن سير هذه الطائفة إلى ms4516 خوارزم شاه ~~وبلغه انهزام خوارزم شاه من خراسان، قسم أصحابه عدة أقسام، فسير قسما منها ~~إلى بلاد فرغانة ليملكوها، وسير قسما آخر منها إلى ترمذ ; وسير قسما منها ~~إلى كلانة، وهي قلعة حصينة على جانب جيحون، من أحصن القلاع، وأمنع الحصون، ~~فسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها، ونازلتها، واستولت عليها، ~~وفعلت من القتل، والأسر، والسبي، والنهب، والتخريب، وأنواع الفساد، مثل ما ~~فعل أصحابهم. # فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بسمرقند، فجهز جيشا عظيما ~~مع أحد أولاده وسيرهم إلى خوارزم، وسير جيشا آخر فعبروا جيحون إلى خراسان. # ذكر ملك التتر خراسان # لما سار الجيش المنفذ إلى خراسان عبروا جيحون، وقصدوا مدينة بلخ، فطلب ~~أهلها الأمان، فأمنوهم، فسلم البلد سنة سبع عشرة وستمائة، ولم يتعرضوا له ~~بنهب ولا قتل، بل جعلوا فيه شحنة، وساروا وقصدوا الزوزان، وميمند، وأندخوي، ~~وقاريات، فملكوا الجميع وجعلوا فيه ولاة، ولم يتعرضوا لأهلها بسوء ولا أذى، ~~سوى أنهم كانوا يأخذوا الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، حتى وصلوا إلى ~~الطالقان، وهي ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها ~~منصوركوه، لا ترام علوا وارتفاعا، وبها رجال يقاتلون، شجعان، فحصروها مدة ~~ستة أشهر يقاتلون أهلها ليلا ونهارا ولا يظفرون منها بشيء # PageV10P357 # فأرسلوا إلى جنكزخان يعرفونه عجزهم عن ملك هذه القلعة، لكثرة من فيها من ~~المقاتلة، ولامتناعها بحصانتها، فسار بنفسه وبمن عنده من جموعه إليهم، ~~وحصرها، ومعه خلق كثير من المسلمين أسرى، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا ~~قتلهم، فقاتلوا معه، وأقام عليها أربعة أشهر أخرى، فقتل من التتر عليها خلق ~~كثير، فلما رأى ملكهم ذلك أمر أن يجمع له من الحطب والأخشاب ما أمكن جمعه، ~~ففعلوا ذلك، وصاروا يعملون صفا من خشب وفوقه صفا من تراب، فلم يزالوا كذلك ~~حتى صار تلا عاليا يوازي القلعة، وصعد الرجالة فوقه ونصبوا عليه منجنيقا ~~فصار يرمي إلى وسط القلعة وحملوا على التتر حملة واحدة فسلم الخيالة منهم ~~ونجوا، وسلكوا تلك الجبال والشعاب. # وأما الرجالة فقتلوا، ودخل التتر ms4517 القلعة، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا ~~الأموال والأمتعة. # ثم إن جنكزخان جمع أهل البلاد الذين أعطاهم الأمان ببلخ وغيرها، وسيرهم ~~مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها وقد اجتمع بها مع الأعراب ~~والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما يزيد على مائتي ألف رجل، وهم ~~معسكرون بظاهر مرو، وهم عازمون على لقاء التتر، ويحدثون نفوسهم بالغلبة ~~لهم، والاستيلاء عليهم، فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا، فصبر ~~المسلمون وأما التتر فلا يعرفون الهزيمة، حتى إن بعضهم أسر، فقال وهو عند ~~المسلمين: إن قيل إن التتر يقتلون فصدقوا، وإن قيل إنهم انهزموا فلا ~~تصدقوا. # فلما رأى المسلمون صبر التتر وإقدامهم، ولوا منهزمين، فقتل التتر منهم ~~وأسروا # PageV10P358 # الكثير، ولم يسلم إلا القليل، ونهبت أموالهم، وسلاحهم، ودوابهم، وأرسل ~~التتر إلى ما حولهم من البلاد يجمعون الرجال لحصار مرو، فلما اجتمع لهم ما ~~أرادوا تقدموا إلى مرو وحصروها، وجدوا في حصرها، ولازموا القتال # وكان أهل البلد قد ضعفوا بانهزام ذلك العسكر، وكثرة القتل والأسر فيهم، ~~فلما كان اليوم الخامس من نزولهم أرسل التتر إلى الأمير الذي بها متقدما ~~على من فيها يقولون له: لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا فنحن نجعلك ~~أمير هذه البلدة ونرحل عنك. فأرسل يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد، فأمنهم، ~~فخرج إليهم، فخلع عليه ابن جنكزخان، واحترمه، وقال له: أريد أن تعرض علي ~~أصحابك حتى ننظر من يصلح لخدمتنا استخدمناه، وأعطيناه إقطاعا، ويكون معنا. # فلما حضروا عنده، وتمكن منهم، قبض عليهم وعلى أميرهم، وكتفوهم، فلما فرغ ~~منهم قال لهم: اكتبوا إلى تجار البلد ورؤسائه، وأرباب الأموال في جريدة، ~~واكتبوا إلى أرباب الصناعات والحرف في نسخة أخرى، واعرضوا ذلك علينا ففعلوا ~~ما أمرهم، فلما وقف على النسخ أمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم، فخرجوا ~~كلهم، ولم يبق فيه أحد، فجلس على كرسي من ذهب وأمر أن يحضر أولئك الأجناد ~~الذين قبض عليهم، فأحضروا، وضربت رقابهم صبرا والناس ينظرون إليهم ويبكون. # وأما العامة فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال والأموال، فكان يوما ~~مشهودا ms4518 من كثرة الصراخ والبكاء والعويل، أخذوا أرباب الأموال فضربوهم، ~~وعذبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال، فربما مات أحدهم من شدة الضرب، ~~ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه، ثم إنهم أحرقوا البلد، وأحرقوا تربة ~~السلطان سنجر، ونبشوا القبر طلبا للمال، فبقوا كذلك ثلاثة أيام، فلما كان ~~اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة، وقال: هؤلاء عصوا علينا، فقتلوهم ~~أجمعين ; وأمر بإحصاء القتلى، فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون مما جرى على المسلمين ذلك اليوم. # PageV10P359 # ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام، وبها جمع صالح من العسكر ~~الإسلامي، فلم يكن لهم بالتتر قوة، فملكوا المدينة، وأخرجوا أهلها إلى ~~الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم، وعاقبوا من اتهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، ~~وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون، ويفتشون المنازل عن الأموال. # وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم إن قتلاهم سلم منهم كثير، ونجوا إلى ~~بلاد الإسلام، فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رءوسهم لئلا يسلم من القتل أحد، ~~فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس، ففعلوا بها كذلك أيضا، ~~وخربوها، وخربوا المشهد الذي فيه علي بن موسى الرضى، والرشيد، حتى جعلوا ~~الجميع خرابا. # ثم ساروا إلى هراة، وهي من أحصن البلاد، فحصروها عشرة أيام فملكوها ~~وأمنوا أهلها، وقتلوا منهم البعض، وجعلوا عند من سلم منهم شحنة، وساروا إلى ~~غزنة، فلقيهم جلال الدين بن خوارزم شاه، فقاتلهم وهزمهم على ما نذكره إن ~~شاء الله، فوثب أهل هراة على الشحنة فقتلوه، فلما عاد المنهزمون إليهم ~~دخلوا البلد قهرا وعنوة، وقتلوا كل من فيه، ونهبوا الأموال وسبوا الحريم، ~~ونهبوا السواد خربوا المدينة جميعها وأحرقوها، وعادوا إلى ملكهم جنكزخان، ~~وهو بالطالقان يرسل السرايا إلى جميع بلاد خراسان ففعلوا بها كذلك، ولم ~~يسلم من شرهم وفسادهم شيء من البلاد، وكان جميع ما فعلوه بخراسان سنة سبع ~~عشرة وستمائة. # ذكر ملكهم خوارزم وتخريبها # أما الطائفة من الجيش التي سيرها جنكزخان إلى خوارزم، فإنها كانت أكثر # PageV10P360 # السرايا جميعها لعظم البلد، فساروا حتى وصلوا إلى ms4519 خوارزم وفيها عسكر ~~كبير، وأهل البلد معروفون بالشجاعة والكثرة، فقاتلوهم أشد قتال سمع به ~~الناس، ودام الحصر لهم خمسة أشهر، فقتل من الفريقين خلق كثير، إلا أن ~~القتلى من التتر كانوا أكثر لأن المسلمين كان يحميهم السور. # فأرسل التتر إلى ملكهم جنكزخان يطلبون المدد، فأمدهم بخلق كثير، فلما ~~وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا، فملكوا طرفا منه، فاجتمع أهل البلد ~~وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا، فلم يقدروا على إخراجهم، ولم يزالوا ~~يقاتلونهم، والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة، وكلما ملكوا محلة قاتلهم ~~المسلمون في المحلة التي تليهم، فكان الرجال والنساء والصبيان يقاتلون، فلم ~~يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه، وقتلوا كل من فيه، ونهبوا كل ما فيه ثم ~~إنهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد، فدخله الماء، فغرق البلد، ~~جميعه وتهدمت الأبنية وبقي موضعه ماء، ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن ~~غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله، منهم من يختفي، ومنهم من يهرب، ومنهم ~~من يخرج ثم يسلم، ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو. # وأما أهل خوارزم فمن اختفى من التتر غرقه الماء أو قتله الهدم، فأصبحت ~~خرابا يبابا # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وهذا لم يسمع بمثله في قديم الزمان وحديثه، نعوذ بالله من الحور بعد ~~الكور، ومن الخذلان بعد النصر، فلقد عمت هذه المصيبة الإسلام وأهله، فكم من ~~قتيل من أهل خراسان وغيرها، لأن القاصدين من التجار وغيرهم كانوا كثيرا، ~~مضى الجميع تحت السيف. # PageV10P361 # ولما فرغوا من خراسان وخوارزم عادوا إلى ملكهم بالطالقان. # ذكر ملك التتر غزنة وبلاد الغور # لما فرغ التتر من خراسان وعادوا إلى ملكهم جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة ~~وبها جلال الدين بن خوارزم شاه مالكا لها، وقد اجتمع إليه من سلم من عسكر ~~أبيه، قيل: كانوا ستين ألفا، فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون ~~مع ابن خوارزم شاه إلى موضع يقال له بلق، فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا ms4520 ~~شديدا، وبقوا كذلك ثلاثة أيام ثم أنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم ~~التتر وقتلهم المسلمون كيف شاءوا، ومن سلم منهم عاد إلى ملكهم بالطالقان، ~~فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي الذي عندهم للتتر فقتلوه، فسير إليهم ~~جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه كما ذكرناه. # فلما انهزم التتر أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له: في أي موضع ~~تريد أن يكون الحرب حتى نأتي إليه؟ فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا، أكثر من ~~الأول مع بعض أولاده، وسيره إليه، فوصل إلى كابل، فتوجه العسكر الإسلامي ~~إليهم، وتصافوا هناك، وجرى بينهم قتال عظيم، فانهزم الكفار ثانيا، فقتل ~~كثير منهم، وغنم المسلمون ما معهم، وكان عظيما، وكان معهم من أسارى ~~المسلمين خلق كثير، فاستنقذوهم وخلصوهم. ثم إن المسلمين جرى بينهم فتنة ~~لأجل الغنيمة، وسبب ذلك أن أميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق، أصله من ~~الأتراك الخلج، كان شجاعا مقداما، ذا رأي في الحرب ومكيدة، واصطلى الحرب مع ~~التتر بنفسه، وقال لعسكر جلال الدين: تأخروا أنتم فقد ملئتم منهم رعبا وهو ~~الذي كسر التتر على الحقيقة. # وكان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك خان، بينه وبين خوارزم شاه ~~نسب، وهو صاحب هراة، فاختلف هذان الأميران في الغنيمة، فاقتتلوا، فقتل ~~بينهم أخ لبغراق. فقال بغراق: أنا أهزم الكفار ويقتل أخي لأجل هذا السحت، ~~فغضب وفارق العسكر وسار إلى الهند، فتبعه من العسكر ثلاثون ألفا كلهم ~~يريدونه، فاستعطفه جلال الدين بكل طريق، وسار بنفسه إليه، وذكره الجهاد، ~~وخوفه من الله تعالى، وبكى # PageV10P362 # بين يديه، فلم يرجع، وسار مفارقا، فانكسر لذلك المسلمون وضعفوا. # فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر أن جنكزخان قد وصل في جموعه وجيوشه، فلما ~~رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر، ولم يقدر على ~~المقام، سار نحو بلاد الهند، فوصل إلى ماء السند، وهو نهر كبير، فلم يجد من ~~السفن ما يعبر فيه. # وكان جنكزخان يقص أثره مسرعا، فلم يتمكن جلال الدين من العبور، حتى أدركه ~~جنكزخان في التتر، ms4521 فاضطر المسلمون حينئذ إلى القتال والصبر لتعذر العبور ~~عليهم، وكانوا في ذلك كالأشقر إن تأخر يقتل وإن تقدم يعقر، فتصافوا ~~واقتتلوا أشد قتال، اعترفوا كلهم أن كل ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة ~~إلى هذا القتال، فبقوا كذلك ثلاثة أيام، فقتل الأمير ملك خان المقدم ذكره ~~وخلق كثير، وكان القتل في الكفار أكثر، والجراح أعظم، فرجع الكفار عنهم، ~~فأبعدوا، ونزلوا على بعد، فلما رأى المسلمون أنهم لا مدد لهم، وقد ازدادوا ~~ضعفا بمن قتل منهم وجرح، ولم يعلموا بما أصاب الكفار من ذلك، أرسلوا يطلبون ~~السفن، فوصلت، وعبر المسلمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # فلما كان الغد عاد الكفار إلى غزنة، وقد قويت نفوسهم بعبور المسلمين ~~الماء إلى جهة الهند وبعدهم، فلما وصلوا إليها ملكوها لوقتها لخلوها من ~~العساكر والمحامي، فقتلوا أهلها، ونهبوا الأموال، وسبوا الحريم، ولم يبق ~~أحد، وخربوها وأحرقوها، وفعلوا بسوادها كذلك، ونهبوا وقتلوا وأحرقوا، ~~فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس، خاوية على عروشها كأن لم تغن ~~بالأمس # PageV10P363 # ذكر تسليم الأشرف خلاط إلى أخيه شهاب الدين غازي # أواخر هذه السنة أقطع الملك الأشرف موسى بن العادل مدينة خلاط وجميع ~~الأعمال: أرمينية، ومدينة ميافارقين من ديار بكر، ومدينة حاني، أخاه، شهاب ~~الدين غازي بن العادل، وأخذ منه، مدينة الرها، ومدينة سروج من بلاد ~~الجزيرة، وسيره إلى خلاط أول سنة ثماني عشرة وستمائة. # وسبب ذلك أن الكرج لما قصد التتر بلادهم وهزموهم، ونهبوها، وقتلوا كثيرا ~~من أهلها، أرسلوا إلى أوزبك، صاحب أذربيجان وأران، يطلبون منه المهادنة ~~والموافقة على دفع التتر، وأرسلوا إلى الملك الأشرف في هذا المعنى، وقالوا ~~للجميع: إن لم توافقونا على قتال هؤلاء القوم ودفعهم عن بلادنا، وتحضروا ~~بنفوسكم وعساكركم لهذا المهم، وإلا صالحناهم عليكم # فوصلت رسلهم إلى الأشرف، وهو يتجهز إلى الديار المصرية: لأجل الفرنج، ~~وكانوا عنده أهم الوجوه، لأسباب: أولها أن الفرنج كانوا قد ملكوا دمياط، ~~وقد أشرفت الديار المصرية على أن تملك، فلو ملكوها لم يبق بالشام ولا غيره ~~معهم ملك لأحد. # وثانيها ms4522 أن الفرنج أشد شكيمة، وطالبوا ملك، فإذا ملكوا قرية لا يفارقونها ~~إلا بعد أن يعجزوا عن حفظها يوما واحدا. # PageV10P364 # وثالثها أن الفرنج قد طمعوا في كرسي مملكة البيت العادلي، وهي مصر، ~~والتتر لم يصلوا إليها، ولم يجاوزوا شيئا من بلادهم، وليسوا أيضا ممن يريد ~~المنازعة في الملك، وما غرضهم إلا النهب، والقتل، وتخريب البلاد، والانتقال ~~من بلد إلى آخر. # فلما أتاه رسل الكرج بما ذكرناه، أجابهم، يعتذر بالمسير إلى مصر لدفع ~~الفرنج، ويقول لهم: إنني قد أقطعت ولاية خلاط لأخي، وسيرته إليها ليكون ~~بالقرب منكم، وتركت عنده العساكر، فمتى احتجتم إلى نصرته حضر لدفع التتر ; ~~وسار هو إلى مصر كما ذكرناه. # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في ربيع الآخر، ملك بدر الدين قلعة تل أعفر. # وفيها، في جمادى الأولى، ملك الأشرف مدينة سنجار. # وفيها أيضا وصل الموصل، وأقام بظاهرها،. ثم سار يريد إربل لقصد صاحبها، ~~فترددت الرسل بينهم في الصلح، فاصطلحوا في شعبان، وقد تقدم هذا جميعه مفصلا ~~سنة خمس عشرة وستمائة. # وفيها وصل التتر الري فملكوها وقتلوا كل من فيها ونهبوا وساروا عنها، ~~فوصلوا إلى همذان، فلقيهم رئيسها بالطاعة والحمل، فأبقوا على أهلها وساروا ~~إلى أذربيجان، فخربوا، وحرقوا البلاد، وقتلوا، وسبوا، وعملوا ما لم يسمع ~~بمثله، وقد تقدم أيضا مفصلا. # [الوفيات] وفيها توفي نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الذي كان وزير ~~الخليفة، وصلي # PageV10P365 # عليه بجامع القصر، وحضره أرباب الدولة ودفن بالمشهد. # وفيها توفي صدر الدين أبو الحسن محمد بن حمويه الجويني، شيخ الشيوخ بمصر ~~والشام، وكان موته بالموصل وردها رسولا، وكان فقيها فاضلا، وصوفيا صالحا، ~~من بيت كبير من خراسان، رحمه الله، كان نعم الرجل. # وفيها عاد جمع بني معروف إلى مواضعهم من البطيحة، وكانوا قد ساروا إلى ~~الأجنا والقطيف، فلم يمكنهم المقام لكثرة أعدائهم، فقصدوا شحنة البصرة، ~~وطلبوا منه أن يكاتب الديوان ببغداد بالرضى عنهم، فكتب معهم بذلك وسيرهم مع ~~أصحابه إلى بغداد، فلما قاربوا واسط لقيهم قاصد من الديوان بقتلهم، فقتلوا. # PageV10P366 ### | [ثم دخلت سنة ثماني ms4523 عشرة وستمائة] ### | 618 - # ثم دخلت سنة ثماني عشرة وستمائة # ذكر وفاة قتادة أمير مكة وملك ابنه الحسن وقتل أمير الحاج # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، توفي قتادة بن إدريس العلوي، ثم الحسني، ~~أمير مكة، حرسها الله، بها، وكان عمره نحو تسعين سنة، وكانت ولايته قد ~~اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبي، صلى الله عليه وسلم، وله قلعة ينبع ~~بنواحي المدينة، وكثر عسكره، واستكثر من المماليك، وخافه العرب في تلك ~~البلاد خوفا عظيما. # وكان، في أول ملكه، لما ملك مكة، حرسها الله، حسن السيرة أزال عنها ~~العبيد المفسدين، وحمى البلاد، وأحسن إلى الحجاج، وأكرمهم، وبقي كذلك مدة، ~~ثم إنه بعد ذلك أساء السيرة، وجدد المكوس بمكة، وفعل أفعالا شنيعة، ونهب ~~الحاج في بعض السنين كما ذكرناه. # ولما مات ملك بعده ابنه الحسن، وكان له ابن آخر اسمه راجح، مقيم في العرب ~~بظاهر مكة، يفسد، وينازع أخاه في ملك مكة، فلما سار حاج العراق كان الأمير ~~عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه أقباش، وكان حسن ~~السيرة مع الحاج في الطريق، كثير الحماية، فقصده راجح بن قتادة، وبذل له ~~وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة، فأجابه إلى ذلك ووصلوا إلى مكة، ونزلوا # PageV10P367 # بالزاهر، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن. # وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها، فخرج إليه من مكة وقاتله، ~~وتقدم أمير الحاج من بين يدي عسكره منفردا، وصعد الجبل إدلالا بنفسه، وأنه ~~لا يقدم أحد عليه، فأحاط به أصحاب حسن، وقتلوه، وعلقوا رأسه، فانهزم عسكر ~~أمير المؤمنين، وأحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل إليهم حسن عمامته ~~أمانا للحجاج، فعاد أصحابه ولم ينهبوا منهم شيئا، وسكن الناس، وأذن لهم حسن ~~في دخول مكة وفعل ما يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك، وأقاموا بمكة عشرة ~~أيام، وعادوا، فوصلوا إلى العراق سالمين، وعظم الأمر على الخليفة، فوصلت ~~رسل حسن يعتذرون، ويطلبون العفو عنه، فأجيب إلى ذلك. # وقيل في موت قتادة: إن ابنه حسنا خنقه فمات، وسبب ذلك ms4524 أن قتادة جمع جموعا ~~كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة، فنزل بوادي الفرع وهو مريض، وسير أخاه على ~~الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة، فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض ~~الجند: إن أخي مريض، وهو ميت لا محالة وطلب منهم أن يحلفوا له ليكون هو ~~الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند عمه، واجتمع إليه كثير من الأجناد ~~والمماليك الذين لأبيه، فقال الحسن لعمه: قد فعلت كذا وكذا فقال: لم أفعل ~~فأمر حسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا، وقالوا: أنت أمير وهذا أمير، ولا نمد ~~أيدينا إلى أحدكما. فقال له غلامان لقتادة: نحن عبيدك، فمرنا بما شئت ~~فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه في عنقه، ففعلا، ثم قتله. # فسمع قتادة الخبر، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ابنه، وكان على ~~ما ذكرناه من المرض، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرفه الحال، ويقول له: ~~ابدأ به قبل أن يقتلك فعاد الحسن إلى مكة، فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر ~~يسير، فوجد على باب الدار جمعا كثيرا، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، ~~ففارقوا الدار، # PageV10P368 # وعادوا إلى مساكنهم، ودخل الحسن إلى أبيه، فلما رآه أبوه شتمه، وبالغ في ~~ذمه وتهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته، وخرج إلى الحرم الشريف، وأحضر ~~الأشراف، وقال: إن أبي قد اشتد مرضه، وقد أمركم أن تحلفوا لي أن أكون أنا ~~أميركم. فحلفوا له ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس أنه مات، وكان قد ~~دفنه سرا. # فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى أخيه الذي بقلعة الينبع على لسان ~~أبيه يستدعيه، وكتم موت أبيه عنه، فلما حضر أخوه قتله أيضا، واستقر أمره، ~~وثبت قدمه، وفعل بأمير الحاج ما تقدم ذكره، فارتكب عظيما: قتل أباه وعمه ~~وأخاه في أيام يسيرة، لا جرم لم يمهله الله، سبحانه وتعالى، نزع ملكه، ~~وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب. # وقيل إن قتادة كان يقول شعرا، فمن ذلك أنه طلب ليحضر عند أمير الحاج، كما ~~جرت عادة أمراء مكة، فامتنع، فعوتب من بغداد، فأجاب ms4525 بأبيات شعر منها: # ولي كف ضرغام أدل ببطشها ... وأشري بها بين الورى وأبيع # تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفي وسطها للمجدين ربيع # أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي ... خلاصا لها؟ إني إذا لرقيع # وما أنا إلا المسك في كل بلدة # يضوع، وأما عندكم فيضيع # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصرية من الفرنج، ~~وقد تقدم ذكرها مشروحا مفصلا. # PageV10P369 # وفيها، في صفر، ملك التتر مراغة وخربوها وأحرقوها وقتلوا أكثر أهلها، ~~ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم. # وسار التتر منها إلى همذان، وحاصروه، فقاتلهم أهلها وظفر بها التتر، ~~وقتلوا منهم ما لا يحصى، ونهبوا البلد. # وساروا إلى أذربيجان، فأعادوا النهب، ونهبوا ما بقي من البلاد، ولم ~~ينهبوه أولا. # ووصلوا إلى بيلقان، من بلاد أران، فحصروها وملكوها وقتلوا أهلها حتى ~~كادوا يفنونهم، ونهبوا أموالهم، وساروا إلى بلاد الكرج من أذربيجان وأران، ~~ولقيهم خلق كثير من الكرج، فقاتلوهم فانهزم الكرج، وكثر القتل فيهم، ونهب ~~أكثر بلادهم وقتل أهلها، وساروا من هناك إلى دربند شروان، وحصروا مدينة ~~شماخي، وملوكها، وقتلوا كثيرا من أهلها. # وساروا إلى بلد اللان واللكز ومن عندهم من الأمم، فأوقعوا، ورحلوا عن ~~قفجاق، وأجلوهم عنها، واستولوا عليها، وساحوا في تلك الأرض حتى وصلوا إلى ~~بلاد الروس، وقد تقدم ذكر جميعه مستقصى، وإنما أوردناه هاهنا جملة ليعلم ~~الذي كان في هذه السنة من حوادثهم. # [الوفيات] # وفيها توفي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصلي، ولم يكن في زمانه من ~~يكتب ما يقاربه، ولا من يؤدي طريقة ابن البواب مثله ; وكان ذا فضائل جمة من ~~علم الأدب وغيره، وكان كثير الخير، نعم الرجل، مشهورا في الدنيا، والناس ~~متفقون على الثناء الجميل عليه والمدح له، ولهم فيه أقوال كثيرة نظما ~~ونثرا، فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي من قصيدة يمدحه ~~بها: # جامع شارد العلوم ولولا ... ه لكانت أم الفضائل ثكلى # ذو يراع تخاف سطوته الأس ... د وتعنو له الكتائب ذلا # PageV10P370 # وإذا افتر ثغره عن سواد # في بياض فالبيض والسمر خجلى ms4526 ... أنت بدر والكاتب ابن هلال # كأبيه لا فخر فيمن تولى # ومنها: # إن يكن أولا، فإنك بالتف ... ضيل أولى، لقد سبقت وصلى # وهي طويلة، والكاتب ابن هلال هو ابن البواب الذي هو أشهر من أن يعرف. # وفيها توفي جلال الدين الحسن، وهو من أولاد الحسن بن الصباح، الذي تقدم ~~ذكره، صاحب ألموت وكردكوه، وهو مقدم الإسماعيلية، وقد ذكرنا أنه كان قد ~~أظهر شريعة الإسلام من الأذان والصلاة، وولي بعد ابنه علاء الدين محمد. # PageV10P371 ### | [ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة] ### | 619 - # ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة # ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيجان وما فعلوه بالكرج وما كان منهم # في هذه السنة اجتمع طائفة كثيرة من القفجاق وفارقوا بلادهم لما استولى ~~عليها التتر، وساروا إلى دربند شروان، وأرسلوا إلى صاحبه واسمه رشيد، ~~وقالوا له: إن التتر قد ملكوا بلادنا، ونهبوا أموالنا، وقد قصدناك لنقيم في ~~بلادك، ونحن مماليك لك، ونفتح البلاد لك، وتكون أنت سلطاننا فمنعهم من ذلك ~~وخافهم، فأعادوا الرسالة إليه: إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على ~~الطاعة والخدمة لك، والانقياد لحكمك ; فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فسألوه أن ~~يمكنهم ليتزودوا من بلده، تدخل عشرة عشرة، فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه ~~فارقوا بلاده، فأجابهم إلى ذلك، فصاروا يدخلون متفرقين، ويشترون ما يريدون، ~~ويخرجون. # ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء إلى رشيد وقال: إنني كنت في خدمة ~~السلطان خوارزم شاه، وأنا مسلم، والدين يحملني على نصحك، اعلم أن قفجاق ~~أعداؤك، ويريدون الغدر بك، فلا تمكنهم من المقام ببلادك، فأعطني عسكرا حتى ~~أقاتلهم وأخرجهم من البلاد. ففعل ذلك، وسلم إليه طائفة من عسكره، وأعطاهم ~~ما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، فساروا معه، فأوقعوا بطائفة من قفجاق، فقتل ~~منهم جماعة ونهب منهم، فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا: نحن مماليك الملك ~~شروان # PageV10P372 # شاه رشيد، ولولا ذلك لقاتلنا عسكره، فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ومعه ~~عسكر رشيد سالمين، فرح بهم # ثم إن قفجاق فارقوا موضعهم، فساروا ثلاثة أيام، فقال ذلك القفجاقي لرشيد: ms4527 ~~أريد عسكرا أتبعهم به وأغنم ما معهم فأمر له من العسكر بما أراد، فسار يقفو ~~أثر القفجاق، فأوقع بأواخرهم، وغنم منهم. # وقصده جمع كثير من قفجاق من الرجال والنساء يبكون، وقد جزوا شعورهم، ~~ومعهم تابوت، وهم محيطون به يبكون حوله، وقالوا له: إن صديقك فلانا قد مات، ~~وقد أوصى أن نحمله إليك فتدفنه في أي موضع شئت، ونكون نحن عندك، فحمله معه ~~والذين يبكون عليه أيضا، وعاد إلى شروان شاه رشيد، وأعلمه أن الميت صديق له ~~وقد حمله معه، وقد طلب أهله أن يكونوا عنده في خدمته، فأمر أن يدخلوا ~~البلد، وأنزلهم فيه. # فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم، ويركبون بركوبه، ويصعدون معه ~~إلى القلعة التي لرشيد، ويقعدون عنده، ويشربون معه هم ونساؤهم، فأحب رشيد ~~امرأة ذلك الرجل الذي قيل له: إنه ميت، ولم يكن مات، وإنما فعلوا هكذا ~~مكيدة حتى دخلوا البلد، والذي أظهروا موته معهم في المجلس، ولا يعرفه رشيد، ~~وهو من أكبر مقدمي قفجاق، فبقوا كذلك عدة أيام، فكل يوم يجيء جماعة من ~~قفجاق متفرقين، فاجتمع بالقلعة منهم جماعة، وأردوا قبض رشيد وملك بلاده، ~~ففطن لذلك، فخرج عن القلعة من باب السر، وهرب ومضى إلى شروان. وملك قفجاق ~~وقالوا لأهل البلد وأعادوا باقي أصحابهم إليهم وأخذوا السلاح الذي في البلد ~~جميعه واستولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة، ورحلوا عن القلعة، ~~وقصدوا قبلة، وهي للكرج، فنزلوا عليها وحصروها. # فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع إليها وملكها، وقتل من بها من قفجاق، ~~ولم يشعر القفجاق الذين عند قبلة بذلك، فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة، ~~فقتلهم رشيد أيضا، فبلغ الخبر إلى القفجاق، فعادوا إلى دربند، فلم يكن لهم ~~في القلعة طمع. # PageV10P373 # وكان صاحب قبلة، لما كانوا يحصرونه، قد أرسل إليهم، وقال لهم: أنا أرسل ~~إلى ملك الكرج حتى يرسل إليكم الخلع والأموال، ونجتمع نحن وأنتم ونملك ~~البلاد، فكفوا عن نهب ولايته أياما، ثم إنهم مدوا أيديهم بالنهب والفساد، ~~ونهبوا بلاد قبلة جميعها، وساروا إلى قرب كنجة من ms4528 بلاد أران، وهي للمسلمين، ~~فنزلوا هناك، فأرسل إليهم الأمير بكنجة، وهو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان، ~~اسمه كوشخرة، عسكرا فمنعهم من الوصول إلى بلاده، وسير رسولا إليهم يقول ~~لهم: غدرتم بصاحب شروان وأخذتم قلعته، وغدرتم بصاحب قبلة ونهبتم بلاده، فما ~~يثق بكم أحد، فأجابوا: إننا ما جئنا إلا قصدا لخدمة سلطانكم، فمنعنا شروان ~~شاه عنكم، فلهذا قصدنا بلاده، وأخذنا قلعته، ثم تركناها من غير خوف، وأما ~~صاحب قبلة فهو عدوكم وعدونا، ولو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنا جعلنا ~~طريقنا على دربند شروان، فإنه أصعب وأشق وأبعد، وكنا جئنا إلى بلادهم على ~~عادتنا، ونحن نوجه الرهائن إليكم. # فلما سمع كوشخرة هذا سار إليهم، فسمع به قفجاق فركب أميران منهم، هما ~~مقدماهم، في نفر يسير وجاءوا إليه ولقوه وخدموه، وقالوا له: قد أتيناك ~~جريدة في قلة من العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم، ~~فأمرهم كوشخرة بالرحيل والنزول عند كنجة، وتزوج ابنة أحدهم وأرسل إلى صاحبه ~~أوزبك يعرفه حالهم، فأمر لهم بالخلع والنزول بجبل كيلكون، ففعلوا ذلك. # وخافهم الكرج، فجمعوا لهم ليكبسوهم، فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير ~~كنجة، فأخبر قفجاق، وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة، فعادوا ونزلوا عندها، ~~وسار أمير من أمراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج، فكبسهم، وقتل كثيرا منهم، ~~وهزمهم، وغنم ما معهم، وأكثر القتل فيهم والأسر منهم، وتمت الهزيمة عليهم، # PageV10P374 # ورجع قفجاق إلى جبل كيلكون، فنزلوا فيه كما كانوا. # فلما نزلوا أراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما ~~فعل صاحبه، فسمع كوشخرة، فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر ~~الكرج، فلم يقف، فسار إلى بلادهم في طائفته، ونهب وخرب وأخذ الغنائم، فسار ~~الكرج في طريق يعرفونها وسبقوه، فلما وصل إليهم قاتلوه، وحملوا عليه وعلى ~~من معه على غرة وغفلة، فوضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل فيهم، واستنقذوا ~~الغنائم منه، فعاد هو ومن معه على أقبح حالة، وقصدوا برذعة. # وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون أن يحضر عندهم هو بنفسه، ms4529 وعسكره ليقصدوا الكرج ~~فيأخذوا بثأرهم منهم، فلم يفعل، وأخافهم، وقال: أنتم خالفتموني، وعملتم ~~برأيكم، فلا أنجدكم بفارس واحد ; فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم، فلم ~~يعطهم، فاجتمعوا وأخذوا كثيرا من المسلمين عوضا من الرهائن، فثار بهم ~~المسلمون من أهل البلاد، وقاتلوهم، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، فخافوا، ~~وساروا نحو شروان، وجازوا إلى بلد اللكز، فطمع الناس فيهم ; المسلمون ~~والكرج واللكز وغيرهم، فأفنوهم قتلا ونهبا وأسرا وسبيا، بحيث إن المملوك ~~منهم كان يباع في دربند شروان بالثمن البخس. # ذكر نهب الكرج بيلقان # في هذه السنة، في شهر رمضان، سار الكرج من بلادهم إلى بلاد أران وقصدوا ~~مدينة بيلقان، وكان التتر قد خربوها، ونهبوها كما ذكرناه قبل، فلما سار ~~التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من أهلها إليها، وعمروا ما أمكنهم عمارته ~~من سورها. # فبينما هم كذلك إذ أتاهم الكرج ودخلوا البلد وملكوه. وكان المسلمون في ~~تلك البلاد ألفوا من الكرج، أنهم إذا ظفروا ببلد صانعوه بشيء من المال ~~فيعودون عنهم، فكانوا أحسن الأعداء مقدرة، فلما كانت هذه الدفعة ظن ~~المسلمون أنهم # PageV10P375 # يفعلون مثل ما تقدم، فلم يبالغوا في الامتناع منهم، ولا هربوا من بين ~~أيدهم، فلما ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها، وفعلوا من القتل ~~والنهب أكثر مما فعل بهم التتر. # هذا جميعه يجري، وصاحب بلاد أذربيجان أوزبك ابن البهلوان بمدينة تبريز، ~~ولا يتحرك في صلاح، ولا يتجه لخير بل قد قنع بالأكل وإدمان الشرب والفساد، ~~فقبحه الله، ويسر للمسلمين من يقوم بنصرهم وحفظ بلادهم بمحمد وآله. # ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش # في هذه السنة ملك بدر الدين، صاحب الموصل، قلعة شوش من أعمال الحميدية، ~~وبينها وبين الموصل اثنا عشر فرسخا. # وسبب ذلك أنها كانت هي وقلعة العقر متجاورتين لعماد الدين زنكي بن أرسلان ~~شاه، وكان بينهما من الخلف ما تقدم ذكره. # فلما كان هذه السنة سار زنكي إلى أذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك بن ~~البهلوان، فاتصل به، وصار معه، وأقطعه إقطاعات، وأقام عنده، فسار بدر الدين ~~إلى قلعة شوش فحاصرها، ms4530 وضيق عليها، وهي على رأس جبل عال، فطال مقامه عليها ~~لحصانتها، فعاد إلى الموصل، وترك عسكره محاصرا لها، فلما طال الأمر على من ~~بها لم يروا من يرحله عنهم، ولا من ينجدهم، سلموها على قاعدة استقرت بينهم ~~من أقطاع وخلع وغير ذلك، فتسلمها نوابه في التاريخ، ورتبوا أمورها وعادوا ~~إلى الموصل. # PageV10P376 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة، في العشرين من شعبان، ظهر كوكب في السماء في الشرق، كبير ~~له ذؤابة طويلة غليظة، وكان طلوعه وقت السحر، فبقي كذلك عشرة أيام ثم إنه ~~ظهر أول الليل في الغرب مما يلي الشمال، فكان كل ليلة يتقدم إلى جهة الجنوب ~~نحو عشرة أذرع في رأي العين، فلم يزل يقرب من الجنوب حتى صار غربا محضا ثم ~~صار غربا مائلا إلى الجنوب، بعد أن كان غربا مما يلي الشمال، فبقي كذلك إلى ~~آخر شهر رمضان من السنة ثم غاب. # [الوفيات] وفيها توفي ناصر الدين محمود بن محمد قرا أرسلان، صاحب حصن ~~كيفا وآمد، وكان ظالما قبيح السيرة في رعيته. قيل: إنه كان يتظاهر بمذهب ~~الفلاسفة في أن الأجساد لا تحشر ; كذبوا لعنهم الله. ولما مات ملك ابنه ~~الملك المسعود. # PageV10P377 ### | [ثم دخلت سنة عشرين وستمائة] ### | 620 - # ثم دخلت سنة عشرين وستمائة # ذكر ملك صاحب اليمن مكة، حرسها الله تعالى # في هذه السنة سار الملك المسعود أتسز ابن الملك الكامل محمد، صاحب مصر، ~~إلى مكة، وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن إدريس، العلوي الحسني، قد ملكها ~~بعد أبيه، كما ذكرناه. # وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه وقد تفرقوا ~~عنه، ولم يبق عنده غير أخواله من غيره، فوصل صاحب اليمن إلى مكة، ونهبها ~~عسكره إلى العصر. # فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم نهبوها حتى أخذوا الثياب عن الناس، ~~وأفقروهم، وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة ويحرق، فنبشوه، فظهر التابوت ~~الذي دفنه ابنه الحسن والناس ينظرون إليه، فلم يروا فيه شيئا، فعلموا حينئذ ~~أن الحسن دفن أباه سرا، وأنه لم يجعل في التابوت شيئا. ms4531 # وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم، وعجل الله مقابلته، وأزال عنه ما قتل أباه ~~وأخاه وعمه لأجله ; خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين # ذكر حرب بين المسلمين والكرج بأرمينية # في هذه السنة، في شعبان، سار صاحب قلعة سرماري، وهي من أعمال # PageV10P378 # أرمينية إلى خلاط، لأنه كان في طاعة صاحب خلاط، وهو حينئذ شهاب الدين ~~غازي بن العادل أبي بكر بن أيوب، فحضر عنده، واستخلف ببلده أميرا من ~~أمرائه، فجمع هذا الأمير جمعا، وسار إلى بلاد الكرج، فنهب منها عدة قرى ~~وعاد. # فسمعت الكرج بذلك، فجمع صاحب دوين، واسمه شلوة، وهو من أكابر أمراء ~~الكرج، عسكره وسار إلى سرماري فحصرها أياما، ونهب بلدها وسوادها ورجع. # فسمع صاحب سرماري الخبر، فعاد إلى سرماري، فوصل إليها في اليوم الذي رحل ~~الكرج عنها، فأخذ عسكره وتبعهم، فأوقع بساقتهم، فقتل منهم وغنم، واستنقذ ~~بعض ما أخذوا من غنائم بلاده. # ثم إن صاحب دوين جمع عسكره وسار إلى سرماري ليحصرها، فوصل الخبر إلى ~~صاحبها بذلك، فحصنها وجمع الذخائر وما يحتاج إليه، فأتاه من أخبره أن الكرج ~~نزلوا بواد بين دوين وسرماري، وهو واد ضيق، فسار بجميع عسكره جريدة، وجد ~~السير ليكبس الكرج. فوصل إلى الوادي الذي هم فيه وقت السحر، ففرق عسكره ~~فرقتين: فرقة من أعلى الوادي، وفرقة من أسفله، وحملوا عليهم وهم غافلون، ~~ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأسروا، فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين، في ~~جماعة كثيرة من مقدميهم، ومن سلم من الكرج عاد إلى بلدهم على حال سيئة. # ثم إن ملك الكرج أرسل إلى الملك الأشرف موسى بن العادل، صاحب ديار ~~الجزيرة، وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين، يقول له: كنا نظن ~~أننا صلح، والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل، فإن كنا على الصلح فنريد ~~إطلاق أصحابنا من الأسر، وإن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرفنا حتى ندبر ~~أمرنا. # فأرسل الأشرف إلى صاحب سرماري يأمره بإطلاق الأسرى وتجديد # PageV10P379 # الصلح مع الكرج، ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلح وأطلق الأسرى # ذكر الحرب ms4532 بين غياث الدين وبين خاله # في هذه السنة، في جمادى الآخرة، انهزم إيغان طائيسي، وهو خال غياث الدين ~~بن خوارزم شاه محمد بن تكش، وغياث الدين هذا هو صاحب بلاد الجبل والري ~~وأصبهان وغير ذلك، وله أيضا بلاد كرمان. # وكان سبب ذلك أن خاله إيغان طائيسي كان معه، وفي خدمته، وهو أكبر أمير ~~معه لا يصدر غياث الدين إلا عن رأيه، والحكم إليه في جميع المملكة، فلما ~~عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على الملك، وحسن له ذلك غيره وأطمعه فيه، ~~قيل: إن الخليفة الناصر لدين الله أقطعه البلاد سرا، وأمره بذلك، فقويت ~~نفسه على الخلاف، فاستفسد جماعة من العسكر واستمالهم. # فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين، وخرج عن طاعة أوزبك، وصار ~~في البلاد يفسد، ويقطع الطريق، وينهب ما أمكنه من القرى وغيرها، وانضاف ~~إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد، ومعه مملوك آخر اسمه أيبك الشامي، ~~وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه منها، فجمع ~~غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي. . . . . . . . . واقتتلوا، فانهزم خال ~~غياث الدين ومن معه، وقتل من عسكره وأسر كثير، وعاد المنهزمون إلى أذربيجان ~~على أقبح حال، وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه. # PageV10P380 # حادثة غريبة لم يوجد مثلها # كان أهل المملكة في الكرج لم يبق منهم غير امرأة، وقد انتهى الملك إليها ~~فوليته، وقامت بالأمر فيهم، وحكمت، فطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك ~~نيابة عنها، ويكون من أهل بيت مملكة، فلم يكن فيهم من يصلح لهذا الأمر. # وكان صاحب أرزن الروم، هذا الوقت، هو مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان ~~بن مسعود قلج أرسلان، وبيته مشهور من أكابر ملوك الإسلام، وهم من الملوك ~~السلجوقية، وله ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها، ~~فامتنعوا من إجابته وقالوا: لا نفعل هذا، لأننا لا يمكننا أن يملك أمرنا ~~مسلم، فقال لهم: إن ابني يتنصر ويتزوجها فأجابوه إلى ذلك، فأمر ابنه فتنصر ~~ودان بالنصرانية، وتزوج الملكة، وانتقل إليها، وأقام عند الكرج حاكما في ms4533 ~~بلادهم، واستمر على النصرانية، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله أن يجعل خير ~~أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه. # ثم كانت هذه الملكة الكرجية تهوى مملوكا لها، فكان زوجها يسمع عنها ~~القبائح، ولا يمكنه الكلام لعجزه، ثم إنه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع ~~مملوكها في فراش، فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه، فقالت: إن رضيت بهذا، وإلا ~~أنت أخبر. فقال: إنني لا أرضى بهذا فنقلته إلى بلد آخر، ووكلت به من يمنعه ~~من الحركة، وحجرت عليه، وأرسلت إلى بلد اللان، وأحضرت رجلين كانا قد وصفا ~~بحسن الصورة، فتزوجت أحدهما، فبقي معها يسيرا، ثم إنها فارقته، وأحضرت ~~إنسانا آخر من كنجة، وهو مسلم، فطلبت منه أن يتنصر ليتزوجها، فلم يفعل، ~~فأرادت أن تتزوجه وهو مسلم، فقام عليها جماعة الأمراء، ومعهم إيواني، وهو ~~مقدم العساكر الكرجية، فقالوا لها قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين، ثم ~~تريدين أن يتزوجك مسلم، وهذا لا نمكن منه أبدا ; والأمر بينهم متردد والرجل ~~الكنجي عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية، وهي تهواه. # PageV10P381 # ذكر عدة حوادث # في هذه السنة كان الجراد في أكثر البلاد، وأهلك كثيرا من الغلات والخضر ~~بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها. # [الوفيات] وفيها في رمضان توفي عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر، الفقيه ~~الشافعي الدمشقي، بها، وكان غزير العلم، عالما بالمذهب، كثير الصلاح والزهد ~~والخير، رحمه الله. # وفيها خرج العرب في خلق كثير على حجاج الشام، وأرادوا قطع الطريق عليهم ~~وأخذهم، وكان الأمير على الحجاج شرف الدين يعقوب بن محمد، وهو من أهل ~~الموصل، أقام بالشام وتقدم فيه، فمنعهم بالرغبة والرهبة، ثم صانعهم بمال ~~وثياب وغير ذلك، فأعطى الجميع من ماله، ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد، ~~وفعل فعلا جميلا. وكان عنده كثير من العلوم، ويرجع إلى دين متين. # PageV10P382 ### | [ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة] ### | 621 - # ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة # ذكر عود طائفة من التتر إلى الري وهمذان وغيرهما # أول هذه السنة وصل طائفة من التتر ms4534 من عند ملكهم جنكزخان، وهؤلاء غير ~~الطائفة الغربية التي ذكرنا أخبارها قبل وصول هؤلاء الري ; وكان من سلم من ~~أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فلم يشعروا بالتتر إلا وقد وصلوا إليهم، فلم ~~يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهلها السيف وقتلوهم كيف شاءوا، ونهبوا البلد ~~وخربوه، وساروا إلى ساوة، ففعلوا بها كذلك ثم إلى قم وقاشان، وكانتا قد ~~سلمتا من التتر أولا، فإنهم لم يقربوهما، ولا أصاب أهلهما أذى، فأتاهما ~~هؤلاء وملكوهما، وقتلوا أهلهما، وخربوهما، وألحقوهما بغيرهما من البلاد ~~الخراب. # ثم ساروا في البلاد يخربون ويقتلون وينهبون، ثم قصدوا همذان، وكان قد ~~اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا، وخربوا ~~البلد. # وكانوا لما وصلوا إلى الري رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية، فكبسوهم ~~وقتلوا منهم، وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا ~~إلا والتتر أيضا قد كبسوهم ووضعوا السيف فيهم، فولوا منهزمين، فوصل طائفة ~~منهم إلى تبريز وأرسلوا إلى صاحبها أوزبك بن البهلوان يقولون: إن كنت ~~موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية، وإلا فعرفنا أنك غير موافق لنا، ~~ولا في طاعتنا فعمد إلى من عنده من الخوارزمية، فقتل بعضهم وأسر بعضهم، ~~وحمل الأسرى والرءوس إلى التتر، وأنفذ معها من الأموال والثياب والدواب ~~شيئا كثيرا، فعادوا عن بلاده نحو # PageV10P383 # خراسان، فعلوا هذا وليسوا في كثرة، كانوا نحو ستة آلاف فارس، وكان ~~الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف راجل، وعسكر أوزبك أكثر من ~~الجميع، ومع هذا فلم يحدث نفسه ولا الخوارزمية بالامتناع منهم. # نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين من يقوم بنصرتهم، فقد دفعوا إلى أمر ~~عظيم من قتل النفوس، ونهب الأموال، واسترقاق الأولاد، وسبي الحريم وقتلهن، ~~وتخريب البلاد. # ذكر ملك غياث الدين بلاد فارس # قد ذكرنا أن غياث الدين بن خوارزم شاه محمد كان بالري، وله معها أصفهان ~~وهمذان وما بينهما من البلاد، وله أيضا بلاد كرمان، فلما هلك أبوه، كما ~~ذكرناه، وصل التتر إلى بلاده، وامتنع بأصفهان، وحصره التتر فيها، فلم ~~يقدروا عليها، فلما فارق ms4535 التتر بلاده، وساروا إلى بلاد قفجاق، عاد ملك ~~البلاد وعمر ما أمكنه منها، وأقام بها إلى أواخر سنة عشرين وستمائة، وجرى ~~له ما ذكرناه. # ففي آخر سنة عشرين وستمائة سار إلى بلاد فارس فلم يشعر صاحبها، وهو أتابك ~~سعد بن دكلا، إلا وقد وصل غياث الدين إلى أطراف بلاده، فلم يتمكن من ~~الامتناع، فقصد قلعة إصطخر فاحتمى بها، وسار غياث الدين إلى مدينة شيراز، ~~وهي كرسي مملكة فارس وأكبرها وأعظمها، فملكها بغير تعب أول سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة، وبقي غياث الدين بها، واستولى على أكثر البلاد، ولم يبق بيد سعد ~~إلا الحصون المنيعة. # فلما طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون لسعد من البلاد قسم ~~اتفقوا عليه، ولغياث الباقي، وأقام غياث الدين بشيراز، وازداد إقامة وعزما ~~على ذلك لما سمع أن التتر قد عادوا إلى الري والبلاد التي له وخربوها. # PageV10P384 # ذكر عصيان شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف، وأخذ خلاط منه. # كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب قد أقطع أخاه شهاب ~~الدين غازي مدينة خلاط وجميع أعمال أرمينية، وأضاف إليها ميافارقين وحاني ~~وجبل جور، ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في البلاد التي له جميعها، وحلف ~~له جميع النواب والعساكر في البلاد. # فلما سلم إليه أرمينية، سار إليها كما ذكرناه، وأقام بها إلى آخر سنة ~~عشرين وستمائة، فأظهر مغاضبة أخيه الملك الأشرف، والتجني عليه والعصيان، ~~والخروج عن طاعته، فراسله الأشرف يستميله ويعاتبه على ما فعل، فلم يرعو، ~~ولا ترك ما هو عليه، بل أصر على ذلك، واتفق هو وأخوه المعظم عيسى صاحب ~~دمشق، ومظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، على الخلاف للأشرف، والاجتماع ~~على محاربته، وأظهروا ذلك. # وعلم الأشرف فأرسل إلى أخيه الكامل بمصر يعرفه ذلك، وكانا متفقين، وطلب ~~منه نجدة، فجهز العساكر وأرسل إلى أخيه صاحب دمشق، يقول له: إن تحركت من ~~بلدك، سرت إليه وأخذته، وكان قد سار نحو ديار الجزيرة للميعاد الذي بينهم، ~~فلما وصلت إليه رسالة ms4536 أخيه، وسمع بتجهيز العساكر، عاد إلى دمشق. # وأما صاحب إربل فإنه جمع العساكر وسار إلى الموصل، فكان منه ما نذكره، إن ~~شاء الله. # وأما الأشرف فإنه لما تيقن عصيان أخيه، جمع العساكر من الشام، والجزيرة، ~~والموصل، وسار إلى خلاط، فلما قرب منها، خافه أخوه غازي، ولم يكن له قوة ~~على أن يلقاه محاربا، ففرق عسكره في البلاد ليحصنها، وانتظر أخوه صاحب دمشق ~~أن يسير صاحب إربل إلى ما يجاوره من الموصل وسنجار، وأن يسير أخوه إلى بلاد ~~الأشرف عند الفرات: الرقة، وحران، وغيرهما، فيضطر الأشرف حينئذ إلى العود ~~عن خلاط. # فسار الأشرف إليه، وقصد خلاط، وكان أهلها يريدونه، ويختارون دولته لحسن # PageV10P385 # سيرته، كانت فيهم، وسوء سيرة غازي، فلما حصرها، سلمها أهلها إليه يوم ~~الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، وبقي غازي في القلعة ممتنعا، فلما جنه ~~الليل، نزل إلى أخيه معتذرا ومتنصلا، فعاتبه الأشرف وأبقى عليه ولم يعاقبه ~~على فعله، لكن أخذ البلاد منه وأبقى عليه ميافارقين. # ذكر حصار صاحب إربل الموصل. # قد ذكرنا اتفاق مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على صاحب إربل، وشهاب ~~الدين غازي صاحب خلاط، والمعظم عيسى صاحب دمشق، على قصد بلاد الملك الأشرف، ~~فأما صاحب دمشق فإنه سار عنها مراحل يسيرة وعاد إليها ; لأن أخاه صاحب مصر ~~أرسل إليه يتهدده إن سار عن دمشق أنه يقصدها ويحصرها، فعاد. # وأما غازي فإنه استحصر في خلاط، وأخذت منه كما ذكرناه. # وأما صاحب إربل فإنه جمع عسكره، وسار إلى بلد الموصل وحصرها، ونازلها يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ظنا منه أن الملك الأشرف إذا سمع بنزوله ~~عليها، رحل عن خلاط، ويخرج غازي في طلبه، فتتخبط أحواله، وتقوى نفس صاحب ~~دمشق على المجيء إليهم، فلما نازل الموصل، كان صاحبها بدر الدين لؤلؤ قد ~~أحكم أمورها من استخدام الجند على الأسوار، وإظهار آلة الحصار، وإخراج ~~الذخائر. # وإنما قوي طمع صاحب إربل على حصر الموصل ; لأن أكثر عسكرها كان قد سار ~~إلى الملك الأشرف إلى خلاط، وقد قل العسكر فيها، وكان ms4537 الغلاء شديدا في ~~البلاد جميعها، والسعر في الموصل كل ثلاثة مكاكيك بدينار، فلهذا السبب أقدم ~~على حصرها، فلما نزل عليها أقام عشرة أيام ثم رحل عنها يوم الجمعة لتسع ~~بقين من جمادى الآخرة. # وكان سبب رحيله أنه رأى امتناع البلد عليه، وكثرة من فيه، وعندهم من ~~الذخائر ما يكفيهم الزمان الكثير، ووصل إليه خبر الملك الأشرف أنه ملك ~~خلاط، فانفسخ عليه كل ما كان يؤمله من صاحبها ومن دمشق، وبقي وحده متلبسا ~~بالأمر، فلما وصلت الأخبار إليه بذلك، سقط في يده، ورأى أنه قد أخطأ ~~الصواب، فرحل # PageV10P386 # عائدا إلى بلده، وأقام على [الزاب] ، ومدة مقامه على الموصل لم يقاتلها، ~~إنما كان في بعض الأوقات يجيء بعض اليزك الذين له يقاتلون البلد، فيخرج ~~إليهم بعض الفرسان، وبعض الرجالة، فيجري بينهم قتال ليس بالكثير ثم ~~يتفرقون، وترجع كل طائفة إلى صاحبها. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة أول آب، جاء ببغداد مطر برعد وبرق، وجرت المياه بباب البصرة ~~والحربية، وكذلك بالمحول، بحيث إن الناس كانوا يخوضون في الماء والوحل ~~بالمحول. # وفيها سار صاحب المخزن إلى بعقوبا في ذي القعدة، فعسف أهلها، فنقل إليه ~~عن إنسان منها أنه يسبه، فأحضره وأمر بمعاقبته، وقال له: لم تسبني؟ فقال ~~له: أنتم تسبون أبا بكر وعمر لأجل أخذهما فدك، وهي عشر نخلات لفاطمة - ~~عليها السلام - وأنتم تأخذون مني ألف نخلة ولا أتكلم؟ فعفا عنه. # وفيها وقعت فتنة بواسط بين السنة والشيعة على جاري عادتهم. # وفيها قلت الأمطار في البلاد، فلم يجئ منها شيء إلى شباط، ثم إنها كانت ~~تجيء في الأوقات المتفرقة مجيئا قريبا لا يحصل منه الري للزرع، فجاءت ~~الغلات قليلة، ثم خرج عليها الجراد، ولم يكن في الأرض من النبات ما يشتغل ~~به عنها، فأكلها إلا القليل، وكان كثيرا خارجا عن الحد، فغلت الأسعار في ~~العراق والموصل، وسائر ديار الجزيرة، وديار بكر وغيرها، وقلت الأقوات، إلا ~~أن أكثر الغلاء كان بالموصل وديار الجزيرة. # PageV10P387 ### | [ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة] ### | 622 - # ثم دخلت سنة اثنتين ms4538 وعشرين وستمائة # ذكر حصر الكرج مدينة كنجة. # في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى مدينة كنجة من بلاد أران قصدا ~~لحصرها، واعتدوا لها بما أمكنهم من القوة ; لأن أهل كنجة كثير عددهم، قوية ~~شوكتهم، وعندهم شجاعة كثيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج، فلما وصلوا ~~إليها ونازلوها، قاتلوا أهلها عدة أيام من وراء السور، لم يظهر من أهلها ~~أحد، ثم في بعض الأيام خرج أهل كنجة ومن عندهم من العسكر من البلد، وقاتلوا ~~الكرج بظاهر البلد أشد قتال وأعظمه، فلما رأى الكرج ذلك، علموا أنهم لا ~~طاقة لهم بالبلد، فرحلوا بعد أن أثخن أهل كنجة فيهم {ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا} [الأحزاب: 25] . # ذكر وصول جلال الدين بن خوارزم شاه إلى خوزستان والعراق. # في أول هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزم شاه محمد بن تكش إلى بلاد ~~خوزستان والعراق، وكان مجيئه من بلاد الهند ; لأنه كان وصل إليها لما قصد ~~التتر غزنة، وقد ذكرنا ذلك جميعه، فلما تعذر عليه المقام ببلاد الهند، سار ~~عنها على كرمان، ووصل إلى أصفهان وهي بيد أخيه غياث الدين، وقد تقدمت ~~أخباره، فملكها وسار عنها إلى بلاد فارس، وكان أخوه قد استولى على بعضها، ~~كما ذكرناه، فأعاد ما كان أخوه أخذه منها إلى أتابك سعد صاحبها، وصالحه ~~وسار من عنده إلى خوزستان، فحصر مدينة تستر في المحرم، وبها الأمير مظفر ~~الدين المعروف بوجه # PageV10P388 # السبع، مملوك الخليفة الناصر لدين الله، حافظا لها، وأميرا عليها، فحصره ~~جلال الدين، وضيق عليه، فحفظها وجه السبع، وبالغ في الحفظ والاحتياط، وتفرق ~~الخوارزمية ينهبون، حتى وصلوا إلى بادرايا وباكسايا وغيرهما، وانحدر بعضهم ~~إلى ناحية البصرة، فنهبوا هنالك، فسار إليهم شحنة البصرة، وهو الأمير ~~ملتكين، فسار إليهم فأوقع بهم، وقتل منهم جماعة، فدام الحصار نحو شهرين، ثم ~~رحل عنها بغتة. # وكانت عساكر الخليفة، مع مملوكه جمال الدين قشتمر، بالقرب منه، فلما رحل ~~جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه، فسار إلى أن وصل إلى بعقوبا، وهي قرية ~~مشهورة ms4539 بطريق خراسان، بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ، فلما وصل الخبر إلى ~~بغداد تجهزوا للحصار، وأصلحوا السلاح من الجروخ، والقسي والنشاب، والنفط، ~~وغير ذلك، وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد. # وأما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلكها، وكان قد وصل هو وعسكره إلى ~~خوزستان في ضر شديد وجهد جهيد، وقلة من الدواب، والذي معهم فهو من الضعف ~~إلى حد لا ينتفع به، فغنموا من البلاد جميعها واستغنوا، وأكثروا من أخذ ~~الخيل والبغال، فإنهم كانوا في غاية الحاجة إليها. # وسار من بعقوبا إلى دقوقا فحصرها، فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه، وسبوه، ~~وأكثروا من التكبير، فعظم ذلك عنده وشق عليه، وجد في قتالهم، ففتحها عنوة ~~وقهرا، ونهبتها عساكره، وقتلوا كثيرا من أهلها، فهرب من سلم منهم من القتل ~~وتفرقوا في البلاد. # ولما كان الخوارزميون على دقوقا، سارت سرية منهم إلى البت والراذان، فهرب ~~أهلها إلى تكريت، فتبعهم الخوارزمية، فجرى بينهم وبين عسكر تكريت وقعة ~~شديدة، فعادوا إلى العسكر. # ولقد رأيت بعض أعيان أهل دقوقا وهم بنو يعلى، وهم أغنياء، فنهبوا، وسلم # PageV10P389 # أحدهم، ومعه ولدان له، وشيء يسير من المال، فسير ما سلم معه إلى الشام مع ~~الولدين ليتجر بما ينتفعون به وينفقونه على نفوسهم، فمات أحد الولدين ~~بدمشق، واحتاط الحاكم على ما معهم، فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا ~~يعلمها إلا الله، يقول: أخذت الأموال والأملاك، وقتل بعض الأهل، وفارق من ~~سلم منهم الوطن بهذا القدر الحقير، أردنا [أن] نكف به وجوهنا من السؤال، ~~ونصون أنفسنا، فقد ذهب الولد والمال. # ثم سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر، فأخذه وعاد إلى الموصل، فلم ~~يبق غير شهر حتى توفي، إن الشقي بكل حبل يخنق. # وأما جلال الدين فإنه لما فعل بأهل دقوقا ما فعل، خافه أهل البوازيج، وهي ~~لصاحب الموصل، فأرسلوا إليه يطلبون منه إرسال شحنة إليهم يحميهم، وبذلوا له ~~شيئا من المال، فأجابهم إلى ذلك، وسير إليهم من يحميهم، قيل: كان بعض أولاد ~~جنكزخان ملك التتر، أسره جلال الدين في ms4540 بعض حروبه مع التتر، فأكرمه، ~~فحماهم، وأقام بمكانه إلى أواخر ربيع الآخر، والرسل مترددة بينه وبين مظفر ~~الدين صاحب إربل، فاصطلحوا، فسار جلال الدين إلى أذربيجان، وفي مدة مقام ~~جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب بالبلاد يقطعون الطريق، وينهبون ~~القرى، ويخيفون السبيل، فنال الخلق منهم أذى شديد، وأخذوا في طريق العراق ~~قفلين عظيمين كانا سائرين إلى الموصل، فلم يسلم منهما شيء ألبتة. # ذكر وفاة الملك الأفضل وغيره من الملوك. # في هذه السنة في صفر، توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~فجأة بقلعة سميساط، وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة، وقد ذكرنا سنة تسع ~~وثمانين وخمسمائة عند وفاة والده - رحمه الله - ملكه مدينة دمشق والبيت ~~المقدس، وغيرهما من الشام، وذكرنا سنة اثنتين وتسعين أخذ الجميع منه، ثم ~~ذكرنا سنة خمس وتسعين ملكه ديار مصر، وذكرنا سنة ست وتسعين أخذها منه، ~~وانتقل إلى سميساط وأقام بها، ولم يزل بها إلى الآن، فتوفي بها. # وكان - رحمه الله - من محاسن الزمان، لم يكن في الملوك مثله، كان خيرا # PageV10P390 # عادلا، فاضلا، حليما، كريما، قل أن عاقب على ذنب، ولم يمنع طالبا، كان ~~يكتب خطا حسنا، وكتابة جيدة، وبالجملة، فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما ~~تفرق في كثير من الملوك، لا جرم حرم الملك والدنيا، وعاداه الدهر، ومات ~~بموته كل فعل جليل، فرحمه الله ورضي عنه. # ورأيت من كتابته أشياء حسنة، فمما بقي على خاطري منها أنه كتب إلى بعض ~~أصحابه لما أخذت دمشق منه كتابا، من فصوله: وأما أصحابنا بدمشق فلا علم لي ~~بأحد منهم، وسبب ذلك أني: # أي # صديق سألت عنه ... ففي الذل وتحت الخمول في الوطن # وأي ضد سألت حالته ... سمعت ما لا تحبه أذني. # فتركت السؤال عنهم، وهذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال والصاحب. # ولما ملك، اختلف أولاده، وعمهم قطب الدين موسى، ولم يقو أحد منهم على ~~الباقين ليستبد بالأمر. # [الوفيات] . # ومات في هذه السنة صاحب أرزن الروم، وهو مغيث الدين طغرل بن قلج أرسلان، ~~وهو ms4541 الذي سير ولده إلى الكرج، وتنصر وتزوج ملكة الكرج، ولما مات ملك بعده ~~ابنه. # ومات فيها ملك أرزنكان. # وتوفي فيها عز الدين الخضر بن إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود ~~بن سقمان صاحب خرت برت، وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه، وكان # PageV10P391 # المدبر لدولته ودولة والده معين الدين بدر بن عبد الرحمن البغدادي الأصل، ~~الموصلي المنشأ. # ذكر خلع شروان شاه، وظفر المسلمين بالكرج. # في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده، فنزعه من الملك، وأخرجه من البلاد، ~~وملك بعده. # وسبب ذلك أن شروان شاه كان سيئ السيرة، كثير الفساد والظلم، يتعرض لأموال ~~الرعايا وأملاكهم، وقيل أيضا: إنه كان يتعرض للنساء والولدان، فاشتدت وطأته ~~على الناس، فاتفق بعض العسكر مع ولده، وأخرجوا أباه من البلاد، وملك الابن، ~~وأحسن السيرة، فأحبه العساكر والرعية، وأرسل الولد إلى أبيه يقول له: إني ~~أردت أن أتركك في بعض القلاع وأجري لك الجرايات الكثيرة، ولكل من تحب أن ~~يكون عندك، والذي حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك لأهل البلاد، ~~وكراهيتهم لك ولدولتك. # فلما رأى الأب ذلك، سار إلى الكرج واستنصر بهم، وقرر معهم أن يرسلوا معه ~~عسكرا يعيدونه إلى ملكه، ويعطيهم نصف البلاد، فسيروا معه عسكرا كثيرا، فسار ~~حتى قارب مدينة شروان، فجمع ولده العسكر، وأعلمهم الحال، وقال: إن الكرج ~~متى حصرونا، ربما ظفروا بنا، وحينئذ لا يبقي أبي على أحد منا، ويأخذ الكرج ~~نصف البلاد، وربما أخذوا الجميع، وهذا أمر عظيم، والرأي أننا نسير إليهم ~~جريدة ونلقاهم، فإن ظفرنا بهم فالحمد لله، وإن ظفروا بنا فالحصر بين ~~أيدينا، فأجابوه إلى ذلك. # فخرج في عسكره، وهم قليل نحو ألف فارس، ولقوا الكرج وهم في ثلاثة آلاف ~~مقاتل، فالتقوا واقتتلوا، وصبر أهل شروان، فانهزم الكرج، فقتل كثير منهم، ~~وأسر كثير، ومن سلم عاد بأسوأ حال، وشروان شاه المخلوع معهم، فقال له مقدمو ~~الكرج: إننا لم نلق بسببك خيرا، ولا نؤاخذك بما كان منك، فلا تقم ببلادنا، ~~ففارقهم وبقي مترددا لا يأوي ms4542 إلى أحد، واستقر ولده في الملك، وأحسن إلى ~~الجند والرعية # PageV10P392 # وأعاد إلى الناس أملاكهم ومصادراتهم، فاغتبطوا بولايته. # ذكر ظفر المسلمين بالكرج أيضا. # وفي هذه السنة أيضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان والبلاد ~~التي بيد أوزبك، فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلا للفارس بعد ~~الفارس، فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم واغترارا بحصانة موضعهم، ~~وأنه لا طريق إليهم. # وركب طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوا الكرج، فوصلوا إلى ذلك المضيق، ~~فجازوه مخاطرين، فلم يشعر الكرج إلا وقد غشيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف، ~~فقتلوهم كيف شاءوا، وولى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده، ولا أخ ~~على أخيه، وأسر منهم جمع كثير صالح، فعظم الأمر عليهم، وعزموا على الأخذ ~~بثأرهم، والجد في قصد أذربيجان واستئصال المسلمين منه، وأخذوا يتجهزون على ~~قدر عزمهم. # فبينما هم في ذلك إذ وصل إليهم الخبر بوصول جلال الدين بن خوارزم شاه إلى ~~مراغة، على ما نذكره إن شاء الله، فتركوا ذلك وأرسلوا إلى أوزبك صاحب ~~أذربيجان، يدعونه إلى الموافقة على رد جلال الدين، وقالوا: إن لم نتفق نحن ~~وأنت، وإلا أخذك ثم أخذنا، فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم واجتماعهم، فكان ~~ما نذكره إن شاء الله، تعالى. # ذكر ملك جلال الدين أذربيجان. # في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان، وسبب ذلك أنه لما سار من ~~دقوقا كما ذكرناه، قصد كل مراغة فملكها وأقام بها، وشرع في عمارة البلد، ~~فاستحسنه، فلما وصل إليها، أتاه الخبر أن الأمير إيغان طائيسي، وهو خال ~~أخيه غياث الدين، قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين. # وكان إيغان طائيسي هذا قد جمع عسكرا كثيرا يبلغون خمسة آلاف فارس. ونهب ~~كثيرا من أذربيجان، وسار إلى البحر من بلد أران، فشتى هنالك لقلة البرد، # PageV10P393 # ولما عاد إلى همذان، نهب أذربيجان أيضا مرة ثانية. # وكان سبب مسيره إلى همذان أن الخليفة الناصر لدين الله راسله وأمره بقصد ~~همذان، وأقطعه إياها وغيرها، فسار ليستولي عليها كما أمر، فلما سمع جلال ~~الدين بذلك، ms4543 سار جريدة إليه، فوصل إلى إيغان طائيسي ليلا، وكان إذا نزل جعل ~~حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان وأران من خيل وبغال، وحمير وبقر، ~~وغنم. فلما وصل جلال الدين، أحاط بالجميع، فلما أصبح عسكر إيغان طائيسي ~~ورأى العسكر والجتر الذي يكون على رأس السلطان، علموا أنه جلال الدين، فسقط ~~في أيديهم ; لأنهم كانوا يظنونه عند دقوقا، فأرسل إيغان طائيسي زوجته، وهي ~~أخت جلال الدين، تطلب له الأمان، فأمنه وأحضره عنده، وانضاف عسكره إلى عسكر ~~جلال الدين، وبقي إيغان طائيسي وحده إلى أن أضاف إليه جلال الدين عسكرا غير ~~عسكره، وعاد إلى مراغة، وأعجبه المقام بها. # وكان أوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران، قد سار من تبريز إلى كنجة ~~خوفا من جلال الدين، وأرسل جلال الدين إلى من في تبريز من وال وأمير ورئيس ~~يطلب منهم أن يتردد عسكره إليهم يمتارون، فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه، فتردد ~~العسكر إليها، وباعوا واشتروا الأقوات والكسوات وغيرها، ومدوا أيديهم إلى ~~أموال الناس، فكان أحدهم يأخذ الشيء ويعطي الثمن ما يريد، فشكا بعض أهل ~~تبريز إلى جلال الدين منهم، فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم، وأمره أن يقيم ~~بتبريز، ويكف أيدي الجند عن أهلها، ومن تعدى على أحد منهم صلبه. # فأقام الشحنة، ومنع الجند من التعدي على أحد من الناس، وكانت زوجة أوزبك، ~~وهي ابنة السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، مقيمة بتبريز، ~~وهي كانت الحاكمة في بلاد زوجها، وهو مشغول بلذاته من أكل وشرب ولعب. # ثم إن أهل تبريز شكوا من الشحنة، وقالوا: إنه يكلفنا أكثر من طاقتنا، ~~فأمر جلال الدين أنه لا يعطى إلا ما يقيم به لا غير، ففعلوا ذلك، وسار جلال ~~الدين إلى تبريز وحصرها خمسة أيام، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وزحف إليها ~~فوصل العسكر إلى # PageV10P394 # السور، فأذعن أهلها بالطاعة، وأرسلوا يطلبون الأمان منه ; لأنه كان ~~يذمهم، ويقول: قتلوا أصحابنا المسلمين، وأرسلوا رؤوسهم إلى التتر الكفار، ~~وقد تقدمت الحادثة سنة إحدى وعشرين وستمائة، فخافوا منه لذلك، فلما طلبوا ms4544 ~~الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب أبيه وقتلهم، فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا ~~من ذلك، وإنما فعله صاحبهم، ولم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه، فعذرهم، ~~وأمنهم، وطلبوا منه أن يؤمن زوجة أوزبك، ولا يعارضها في الذي لها ~~بأذربيجان، وهو مدينة خوي وغيرها من ملك ومال وغيره، فأجابهم إلى ذلك. # وملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة، وسير زوجة أوزبك إلى خوي، ومعها ~~طائفة من العسكر، مع رجل كبير القدر، عظيم المنزلة، وأمرهم بخدمتها، فإذا ~~وصلت إلى خوي عادوا عنها. # ولما رحل جلال الدين إلى تبريز، أمر أن لا يمنعوا عنه أحدا من أهلها، ~~فأتاه الناس مسلمين عليه، فلم يحجبوا عنه، وأحسن إليهم، وبث فيهم العدل، ~~ووعدهم الإحسان والزيادة منه، وقال لهم: قد رأيتم ما فعلت بمراغة من ~~الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا، وسترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم، ~~وعمارة بلادكم. # وأقام إلى يوم الجمعة، فحضر الجامع، فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة، قام ~~قائما، ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس. # ودخل إلى كشك كان أوزبك قد عمره، وأخرج عليه من الأموال كثيرا، فهو في ~~غاية الحسن، مشرف على البساتين، فلما طاف فيه، خرج منه وقال: هذا مسكن ~~الكسالى لا يصلح لنا. وأقام أياما استولى فيها على غيرها من البلاد، وسير ~~الجيوش إلى بلاد الكرج. # ذكر انهزام الكرج من جلال الدين. # قد ذكرنا فيما تقدم من السنين ما كان الكرج يفعلونه في بلاد الإسلام: ~~خلاط، وأذربيجان، وأران، وأرزن الروم، ودربند شروان، وهذه ولايات تجاور ~~بلادهم، وما كانوا يسفكون من دماء المسلمين، وينهبون من أموالهم، ويملكون ~~من بلادهم، والمسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذل والخزي، كل يوم قد ~~أغاروا عليهم وقتلوا # PageV10P395 # فيهم، وقاطعوهم على ما شاءوا من الأموال، فكنا كلما سمعنا بشيء من ذلك، ~~سألنا الله - تعالى - نحن والمسلمون، في أن ييسر للإسلام والمسلمين من ~~يحميهم وينصرهم، ويأخذ بثأرهم، فإن أوزبك صاحب أذربيجان منعكف على شهوة ~~بطنه وفرجه، لا يفيق من سكره، وإن أفاق، فهو مشغول بالقمار ms4545 بالبيض. # وهذا ما لم يسمع بمثله أن أحدا من الملوك فعله، لا يهتدي لمصلحة، ولا ~~يغضب لنفسه بحيث إن بلاده مأخوذة، وعساكره طماعة، ورعيته قد قهرها، وقد كان ~~كل من أراد أن يجمع جمعا ويتغلب على بعض البلاد فعل، كما ذكرناه من حال ~~بغدي، وأيبك الشامي، وإيغان طائيسي، فنظر الله - تعالى - إلى أهل هذه ~~البلاد المساكين بعين الرحمة، فرحمهم ويسر لهم جلال الدين هذا، ففعل بالكرج ~~ما تراه، وانتقم للإسلام والمسلمين منهم، فنقول: # في هذه السنة كان المصاف بين جلال الدين بن خوارزم شاه [وبين الكرج، في ~~شهر شعبان، فإن جلال الدين] من حين وصل إلى هذه النواحي لا يزال يقول: إنني ~~أريد [أن] أقصد بلاد الكرج وأقاتلهم وأملك بلادهم، فلما ملك أذربيجان، أرسل ~~إليهم يؤذنهم بالحرب، فأجابوه بأننا قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأبيك، وهو ~~أعظم منك ملكا، وأكثر عسكرا، وأقوى نفسا، ما تعلمه، وأخذوا بلادكم، فلم ~~نبال بهم، وكان قصاراهم السلامة منا. # وشرعوا يجمعون العساكر، فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل، فسار إليهم، ~~فملك مدينة دوين، وهي للكرج، كانوا قد أخذوها من المسلمين، كما ذكرناه، ~~وسار منها إليهم، فلقوه وقاتلوه أشد قتال وأعظمه، وصبر كل منهم لصاحبه، ~~فانهزم الكرج، وأمر أن يقتلوا بكل طريق، ولا يبقوا على أحد منهم، فالذي ~~تحققناه أنه قتل منهم عشرون ألفا، وقيل: أكثر من ذلك، فقيل: الكرج جميعهم ~~قتلوا، وافترقوا، وأسر كثير من أعيانهم، من جملتهم شلوة، فتمت الهزيمة ~~عليهم، ومضى إيواني منهزما، وهو المقدم على الكرج جميعهم، ومرجعهم إليه، ~~ومعولهم عليه، وليس لهم ملك، إنما الملك امرأة، ولقد صدق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . # PageV10P396 # فلما انهزم إيواني، أدركه الطلب، فصعد قلعة لهم على طريقهم، فاحتمى فيها، ~~وجعل جلال الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول، وفرق عساكره في بلاد ~~الكرج، ينهبون ويقتلون، ويسبون ويخربون البلاد، فلولا ما أتاه من تبريز ما ~~أوجب عوده، لملك البلاد بغير تعب ولا مشقة ; لأن أهلها كانوا ms4546 قد هلكوا، فهم ~~بين قتيل وأسير وطريد. # ذكر عود جلال الدين إلى تبريز، وملكه مدينة كنجة، ونكاحه زوجة أوزبك. # لما فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج، ودخل البلاد وبث العساكر فيها، أمرهم ~~بالمقام بها مع أخيه غياث الدين، وعاد إلى تبريز. # وسبب عوده أنه كان قد خلف وزيره شرف الملك في تبريز ليحفظ البلد، وينظر ~~في مصالح الرعية، فبلغه عن رئيس تبريز وشمس الدين الطغرائي، وهو المقدم على ~~كل من في البلد، وعن غيرهما من المقدمين، أنهم قد اجتمعوا، وتحالفوا على ~~الامتناع على جلال الدين، وإعادة البلد إلى أوزبك، وقالوا: إن جلال الدين ~~قد قصد بلاد الكرج، فإذا عصينا عليه وأحضرنا أوزبك ومن معه من العساكر، ~~يضطر جلال الدين إلى العود، فإذا عاد تبعه الكرج، فلا يقدر على المقام، ~~ويجتمع أوزبك والكرج ويقصدونه، فينحل نظام أمره، وتتم عليه الهزيمة. # فبنوا أمرهم على أن جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج، ويتريث في ~~الطريق احتياطا منهم، فلما اتفقوا على ذلك، أتى الخبر إلى الوزير، فأرسل ~~إلى جلال الدين يعرفه الحال، فأتاه الخبر وقد قارب بلاد الكرج، فلم يظهر من ~~ذلك شيئا، وسار نحو الكرج مجدا، فلقيهم وهزمهم، فلما فرغ منهم، قال لأمراء ~~عسكره: إنني قد بلغني من الخبر كذا وكذا، فتقيمون أنتم في البلاد على ما ~~أنتم عليه من قتل من ظفرتم به، وتخريب ما أمكنكم من بلادهم، فإنني خفت أن ~~أعرفكم قبل هزيمة الكرج ; لئلا يلحقكم وهن وخوف. # PageV10P397 # فأقاموا على حالهم، وعاد هو إلى تبريز، وقبض على الرئيس والطغرائي ~~وغيرهما، فأما الرئيس فأمر أن يطاف به على أهل البلد، وكل من له عليه مظلمة ~~فليأخذها منه، وكان ظالما، ففرح الناس بذلك، ثم قتله، وأما الباقون فحبسوا، ~~فلما فرغ منهم واستقام له أمر البلد، تزوج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل، ~~وإنما صح له نكاحها ; لأنه ثبت عن أوزبك أنه حلف بطلاقها أنه لا يقتل ~~مملوكا له اسمه (. . . . .) ثم قتله، فلما وقع الطلاق بهذه اليمين، نكحها ~~جلال الدين، وأقام بتبريز مدة، وسير ms4547 منها جيشا إلى مدينة كنجة فملكوها، ~~وفارقها أوزبك إلى قلعة كنجة فتحصن فيها. # فبلغني أن عساكر جلال الدين تعرضوا لأعمال هذه القلعة بالنهب والأخذ، ~~فأرسل أوزبك إلى جلال الدين يشكو، ويقول: كنت لا أرضى بهذه الحال لبعض ~~أصحابي، فأنا أسأل أن تكف الأيدي المتطرقة إلى هذه الأعمال عنها. فأرسل ~~جلال الدين إليها من يحميها من التعرض لها من أصحابه وغيرهم. # ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله. # في هذه السنة آخر ليلة من شهر رمضان، توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو ~~العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي ~~عبد الله بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المظفر يوسف بن المقتفي ~~لأمر الله أبي العباس محمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن ~~الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي ~~العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله ~~أبي العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد محمد بن جعفر المتوكل على الله، ولم ~~يكن الموفق خليفة، وإنما كان ولي عهد أخيه المعتمد على الله، فمات قبل ~~المعتمد، فصار ولده المعتضد بالله ولي عهد المعتمد على الله. # PageV10P398 # وكان المتوكل على الله بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد ~~بن محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنهم. # نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا. # فكان في آبائه أربعة عشر خليفة، وهم كل من له لقب، والباقون غير خلفاء، ~~وكان فيهم من ولي العهد محمد بن القائم، والموفق بن المتوكل، وأما باقي ~~الخلفاء من بني العباس فلم يكونوا من آبائه، فكان السفاح أبو العباس عبد ~~الله أخا المنصور ولي قبله، وكان موسى الهادي أخا الرشيد ولي قبله، وكان ~~محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا قبله، وكان ~~محمد المنتصر بن ms4548 المتوكل ولي بعده. # ثم ولي بعد المنتصر بالله المستعين بالله أبو العباس أحمد بن محمد بن ~~المعتصم، وولي بعد المستعين المعتز بالله محمد، وقيل طلحة، وهو ابن ~~المتوكل، وولي بعد المعتز المهتدي بالله محمد بن الواثق، ثم ولي بعده ~~المعتمد على الله أحمد بن المتوكل، فالمنتصر والمعتز والمعتمد إخوة الموفق، ~~والمهتدي ابن عمه، والموفق من أجداد الناصر لدين الله. # ثم ولي المعتضد بعد المعتمد، وولي بعد المعتضد ابنه أبو محمد علي المكتفي ~~بالله، وهو أخو المقتدر بالله، وولي بعد المقتدر بالله أخوه القاهر بالله ~~أبو منصور محمد بن المعتضد، وولي بعد القاهر الراضي بالله أبو العباس محمد ~~بن المقتدر. # ثم ولي بعده المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر، ثم ولي بعده ~~المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله [بن] المكتفي بالله علي بن المعتضد، ثم ~~ولي بعده المطيع لله أبو بكر عبد الكريم، فالقاهر والراضي والمتقي والمطيع ~~بنوه، والمستكفي ابن أخيه المكتفي. # [ثم ولي] الطائع لله بن المقتدر، ثم ولي بعد الطائع القادر بالله، [وهو] ~~من أجداد الناصر لدين الله، ثم ولي بعده المستظهر بالله، [ثم ولي بعده ابنه ~~المسترشد بالله أبو منصور، وولي بعد المسترشد بالله] ابنه الراشد أبو جعفر، ~~فالمسترشد أخو # PageV10P399 # المتقي، والراشد بالله ابن أخيه، فجمع من ولي الخلافة ممن ليس في سياق ~~نسب الناصر تسعة عشر خليفة. # وكانت أم الناصر أم ولد، تركية، اسمها زمرد، وكانت خلافته ستا وأربعين ~~سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وكان عمره نحو سبعين سنة تقريبا، فلم ~~يل الخلافة أطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر، ~~فإنه ولي ستين سنة، ولا اعتبار به، فإنه ولي وله سبع سنين، فلا تصح ولايته. # وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى ~~عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، وفي آخر الأمر أصابه دوسنطاريا عشرين ~~يوما ومات. # ووزر له عدة وزراء، وقد تقدم ذكرهم، ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان أحدثه ~~من الرسوم الجائرة، ms4549 وكان قبيح السيرة، في رعيته ظالما، فخرب في أيامه ~~العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أملاكهم وأموالهم، وكان يفعل الشيء ~~وضده، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ; ليفطر الناس عليها في رمضان، ~~فبقيت مدة، ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج، فبقيت مدة، ثم بطلها، ~~وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة، ثم أعادها. وجعل جل همه في رمي ~~البندق، والطيور المناسيب، وسراويلات الفتوة، فبطل الفتوة في البلاد ~~جميعها، إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه ~~سراويلات الفتوة. # وكذلك أيضا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره، ومنع الرمي ~~بالبندق إلا من ينتمي إليه، فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك إلا إنسانا ~~واحدا يقال له ابن السفت من بغداد، فإنه هرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل ~~إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه، وينسب في الرمي إليه، فلم يفعل، ~~فبلغني أن بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال، فقال: يكفيني فخرا ~~أنه ليس في الدنيا أحد إلا يرمي للخليفة، إلا أنا. # فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعظم الأمور، وكان سبب ما ينسبه العجم ~~إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد، وراسلهم في ذلك، فهو ~~الطامة # PageV10P400 # الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. # ذكر خلافة الظاهر بأمر الله. # قد ذكرنا سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير أبي نصر محمد ابن ~~الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد، ثم بعد ~~ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد، وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له، ~~وإنما فعل ذلك ; لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي، فاتفق أن الولد الصغير ~~توفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد، فاضطر ~~إلى إعادته، إلا أنه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء. # فلما توفي أبوه، ولي الخلافة وأحضر الناس لأخذ البيعة، وتلقب بالظاهر ~~بأمر الله، وعنى أن أباه وجميع أصحابه أرادوا صرف الأمر عنه، فظهر ms4550 وولي ~~الخلافة بأمر الله لا بسعي من أحد. # ولما ولي الخلافة، أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو ~~قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا، فإنه ~~أعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله شيئا كثيرا، وأطلق المكوس في ~~البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وأن يسقط جميع ~~ما جدده أبوه، وكان كثيرا لا يحصى، فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها ~~قديما نحو عشرة آلاف دينار، فلما تولى الناصر لدين الله، كان يؤخذ منها كل ~~سنة ثمانون ألف دينار، فحضر أهلها واستغاثوا، وذكروا أن أملاكهم أخذت حتى ~~صار يحصل منها هذا المبلغ، فأمر أن يؤخذ الخراج القديم وهو عشرة آلاف ~~دينار، فقيل له: إن هذا المبلغ يصل إلى المخزن، فمن أين يكون العوض؟ فأقام ~~لهم العوض من جهات أخرى، فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار، ~~فما الظن بباقي البلاد؟ ومن أفعاله الجميلة أنه أمر بأخذ الخراج الأول من ~~باقي البلاد جميعها، فحضر كثير من أهل العراق، وذكروا أن الأملاك التي كان ~~يؤخذ منها الخراج قديما قد يبس أكثر أشجارها وخربت، ومتى طولبوا بالخراج ~~الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج، فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلا من كل شجرة ~~سليمة، وأما الذاهب فلا يؤخذ منه شيء، وهذا عظيم جدا. # PageV10P401 # ومن ذلك أيضا أن المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف ~~قيراط، يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي للبلد يتعامل بها الناس، ~~فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير، وأوله {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على ~~الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ~~ليوم عظيم} [المطففين: 1] . قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا، فتعاد صنجة المخزن ~~إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون، واليهود والنصارى. # فكتب بعض النواب إليه يقول: إن هذا مبلغ كثير، وقد حسبناه فكان في السنة ~~الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار، فأعاد الجواب ينكر على القائل، ms4551 ويقول: لو ~~أنه ثلاث مائة ألف وخمسون ألف دينار يطلق. # وكذلك أيضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان، وهي في كل دينار ~~حبة، وتقدم إلى القاضي أن كل من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من ~~غير إذن، وأقام رجلا صالحا في ولاية الحشري وبيت المال، وكان الرجل حنبليا، ~~فقال: إنني من مذهبي أن أورث ذوي الأرحام، فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ~~ذلك، وليت وإلا فلا. فقال له: أعط كل ذي حق حقه، واتق الله ولا تتق سواه. # ومنها أن العادة كانت ببغداد أن الحارس بكل درب يبكر، ويكتب مطالعة إلى ~~الخليفة بما تجدد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة، أو سماع، ~~أو غير ذلك، ويكتب ما سوى ذلك من صغير وكبير، فكان الناس من هذا في حجر ~~عظيم، فلما ولي هذا الخليفة - جزاه الله خيرا - أتته المطالعات على العادة، ~~فأمر بقطعها، وقال: أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم؟ فلا يكتب ~~أحد إلينا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا، فقيل له: إن العامة تفسد بذلك، ~~ويعظم شرها، فقال: نحن ندعو الله أن يصلحهم. # ومنها أنه لما ولي الخلافة، وصل صاحب الديوان من واسط، وكان قد سار إليها ~~أيام الناصر لتحصيل الأموال، فأصعد، ومعه من المال ما يزيد على مائة ألف ~~دينار، وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه، ويستخرج الأمر في حمله، فأعاد الجواب ~~بأن يعاد إلى أربابه، فلا حاجة لنا إليه، فأعيد عليهم. # PageV10P402 # ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون، وأمر بإعادة ما أخذ منهم، وأرسل إلى ~~القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له ~~مال. # ومن حسن نيته للناس أن الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت غالية، ~~فرخصت الأسعار، وأطلق حمل الأطعمة إليها، وأن يبيع كل من أراد البيع للغلة، ~~فحمل منها الكثير الذي لا يحصى، فقيل له: إن السعر قد غلا شيئا، والمصلحة ~~المنع منه، فقال: أولئك مسلمون، وهؤلاء مسلمون، وكما يجب ms4552 علينا النظر في ~~أمر هؤلاء، كذلك يجب علينا النظر لأولئك. # وأمر أن يباع من الأهراء التي له طعام أرخص مما يبيع غيره، ففعلوا ذلك، ~~فرخصت الأسعار عندهم أيضا أكثر مما كانت أولا، وكان السعر في الموصل لما ~~ولي، كل مكوك بدينار وثلاثة قراريط، فصار كل أربعة مكاكيك بدينار في أيام ~~قليلة، وكذلك باقي الأشياء من التمر والدبس، والأرز والسمسم وغيرها، فالله ~~- تعالى - يؤيده وينصره ويبقيه، فإنه غريب في هذا الزمان الفاسد. # ولقد سمعت عنه كلمة أعجبتني جدا، وهي أنه قيل له في الذي يخرجه ويطلقه من ~~الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها، فقال لهم: أنا فتحت الدكان بعد العصر، ~~فاتركوني أفعل الخير، فكم أعيش؟ وتصدق ليلة عيد الفطر من هذه السنة، وفرق ~~في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار. # ذكر ملك بدر الدين قلعتي العمادية وهروز. # في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العمادية من أعمال الموصل، وقد تقدم ذكر ~~عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة وستمائة، وتسليمها إلى عماد الدين زنكي، ثم ~~عودهم إلى طاعة بدر الدين، وخلافهم على عماد الدين، فلما عادوا إلى بدر ~~الدين أحسن إليهم، وأعطاهم الإقطاع الكثير، وملكهم القرى، ووصلهم بالأموال ~~الجزيلة والخلع السنية، فبقوا كذلك مدة يسيرة. # ثم شرعوا يراسلون عماد الدين زنكي، ومظفر الدين صاحب إربل، وشهاب الدين ~~غازي بن العادل لما كان بخلاط، ويعدون كلا منهم بالانحياز إليه والطاعة له، ~~وأظهروا من المخالفة لبدر الدين ما كانوا يبطنونه، فكانوا لا يمكنون أن ~~يقيم عندهم من أصحاب بدر الدين إلا من يريدونه، ويمنعون من كرهوه، فطال ~~الأمر، وهو # PageV10P403 # يحتمل فعلهم ويداريهم، وهم لا يزدادون إلا طمعا وخروجا عن الطاعة. # وكانوا جماعة فاختلفوا، فقوي بعضهم، وهم أولاد خواجه إبراهيم وأخوه ومن ~~معهم على الباقين، فأخرجوهم عن القلعة، وغلبوا عليها، وأصروا على ما كانوا ~~عليه من النفاق. # فلما كان هذه السنة، سار بدر الدين إليهم في عساكره، فأتاهم بغتة، فحصرهم ~~وضيق عليهم، وقطع الميرة عنهم، وأقام بنفسه عليهم، وجعل قطعة من الجيش على ~~قلعة هروز ms4553 يحصرونها، وهي من أمنع الحصون وأحصنها، لا يوجد مثلها. وكان ~~أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العمادية من عصيان، وطاعة ومخادعة، فأتاهم ~~العسكر وحصروهم وهم في قلة من الذخيرة، فحصروها أياما، ففني ما في القلعة، ~~فاضطر أهلها إلى التسليم، فسلموها ونزلوا منها. # وعاد العسكر إلى العمادية، فأقاموا عليها مع بدر الدين، فبقي بدر الدين ~~بعد أخذ هروز يسيرا، وعاد إلى الموصل، وترك العسكر بحاله مع ابنه أمين ~~الدين لؤلؤ، فبقي الحصار إلى أول ذي القعدة، فأرسلوا يذعنون بالطاعة، ~~ويطلبون العوض عنها ليسلموها، فاستقرت القواعد على العوض من قلعة يحتمون ~~فيها، وأقطاع ومال وغير ذلك، فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا، وحضر نوابهم ~~ليحلفوا بدر الدين. # فبينما هو يريد أن يحلف لهم وقد أحضر من يشهد اليمين، إذ قد وصل طائر من ~~العمادية وعلى جناحه رقعة من أمين الدين لؤلؤ، يخبر أنه قد ملك العمادية ~~قهرا وعنوة، وأسر بني خواجه الذين كانوا تغلبوا عليه، فامتنع بدر الدين من ~~اليمين. # وأما سبب غلبة أمين الدين عليها، فإنه كان قد ولاه بدر الدين عليها لما ~~عاد أهلها إلى طاعته، فبقي فيها مدة، وأحسن فيهم، واستمال جماعة منهم ~~ليتقوى بهم على الحرب للذين عصوا أولا، فنمى الخبر إليهم، فأساءوا مجاورته، ~~واستقالوا من ولايته عليهم، ففارقهم إلى الموصل. # وكان أولئك الذين استمالهم يكاتبونه ويراسلونه، فلما حصرهم كانوا أيضا ~~يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكل ما يفعله أولاد خواجه من إنفاذ رسول وغير ~~ذلك، وبما عندهم من الذخائر وغيرها، إلا أنهم لم يكونوا من الكثرة إلى حد ~~أنهم يقهرون أولئك. # فلما كان الآن واستقرت القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجه أحدا من ~~جند # PageV10P404 # القلعة في نسخة اليمين بمال، ولا غيره من أمان وإقطاع، فسخطوا هذه الحال، ~~وقالوا لهم: قد حلفتم لأنفسكم بالحصون والقرى والمال، ونحن قد خربت بيوتنا ~~لأجلكم، فلم تذكرونا، فأهانوهم ولم يلتفتوا إليهم، فحضر عند أمين الدين ~~رجلان منهم ليلا، وطلبوا منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم إلى القلعة، ~~ويثبون بأولئك ويأخذونهم، فامتنع وقال: ms4554 أخاف أن لا يتم هذا الأمر، ويفسد ~~علينا كل ما فعلناه. فقالوا: نحن نقبض عليهم غدا بكرة، وتكون أنت والعسكر ~~على ظهر، فإذا سمعتم النداء باسم بدر الدين وشعاره، تصعدون إلينا، فأجابهم ~~إلى ذلك. # وركب بنفسه بكرة هو والعسكر على العادة، وأما أولئك فإنهم اجتمعوا، ~~وقبضوا على أولاد خواجه ومن معهم، ونادوا بشعار بدر الدين، فبينما العسكر ~~قيام إذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين، فصعدوا إليها وملكوها، وتسلم ~~أمين الدين أولاد خواجه فحبسهم، وكتب الرقعة على جناح الطائر بالحال، ~~وملكوا القلعة صفوا عفوا بغير عوض، وكان يريد [أن] يغرم مالا جليلا، ~~وأقطاعا كثيرة، وحصنا منيعا، فتوفر الجميع عليه، وأخذ منهم كل ما احتقبوه ~~وادخروه، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة ليلة الأحد العشرين من صفر، زلزلت الأرض بالموصل، وديار ~~الجزيرة والعراق، وغيرها زلزلة متوسطة. # وفيها اشتد الغلاء بالموصل، وديار الجزيرة جميعها، فأكل الناس الميتة، ~~والكلاب والسنانير بعد أن كانت كثيرة. ولقد دخلت يوما إلى داري، فرأيت ~~الجواري يقطعن اللحم ليطبخنه، فرأيت سنانير استكثرتها فعددتها، فكانت اثني ~~عشر سنورا، ورأيت اللحم في هذا الغلاء في الدار وليس عنده من يحفظه من ~~السنانير لعدمها، وليس بين المرتين كثير. وغلا مع الطعام كل شيء فبيع رطل ~~الشيرج بقيراطين بعد أن كان بنصف قيراط قبل الغلاء، وأما قبل ذلك فكان كل ~~ستين رطلا بدينار. # PageV10P405 # ومن العجب أن السلق والجزر والشلجم بيع كل خمس أرطال بدرهم، وبيع البنفسج ~~كل ستة أرطال بدرهم، وبيع في بعض الأوقات كل سبعة أرطال بدرهم، وهذا ما لم ~~يسمع بمثله. فإن الدنيا ما زالت قديما وحديثا، إذا غلت الأسعار، متى جاء ~~المطر رخصت، إلا هذه السنة، فإن الأمطار ما زالت متتابعة من أول الشتاء إلى ~~آخر الربيع، وكلما جاء المطر غلت الأسعار، وهذا ما لم يسمع بمثله، فبلغت ~~الحنطة مكوكا وثلثا بدينار وقيراط، يكون وزنه خمسة وأربعين رطلا دقيقا ~~بالبغدادي، وكان الملح مكوك بدرهم، فصار المكوك بعشرة دراهم، وكان الأرز ~~مكوك باثني ms4555 عشر درهما، فصار المكوك بخمسين درهما، وكان التمر كل أربعة ~~أرطال وخمسة أرطال بقيراط، فصار كل رطلين بقيراط. # ومن عجيب ما يحكى أن السكر النادر الأسمر كان كل رطل بدرهم وربع، وكان ~~السكر الأبلوج المصري النقي كل رطل بدرهمين، فصار السكر الأسمر كل رطل ~~بثلاثة دراهم ونصف، والسكر الأبلوج كل رطل بثلاثة دراهم وربع، وسببه أن ~~الأمراض لما كثرت واشتد الوباء، قالت النساء: هذه الأمراض باردة، والسكر ~~الأسمر حار فينفع منها، والأبلوج بارد يقويها، وتبعهن الأطباء استمالة ~~لقلوبهن ولجهلهم، فغلا الأسمر بهذا السبب، وهذا من الجهل المفرط. # وما زالت الأشياء هكذا إلى أول الصيف، واشتد الوباء، وكثر الموت والمرض ~~في الناس، فكان يحمل على النعش الواحد عدة من الموتى، فممن مات فيه شيخنا ~~عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي، خطيب الموصل، وكان من صالحي ~~المسلمين، وعمره ثلاث وثمانون سنة وشهورا. # وفيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر. # وفيها هرب أمير حاج العراق، وهو حسام الدين أبو فراس الحلي الكردي ~~الورامي، وهو ابن أخي الشيخ ورام، كان عمه من صالحي المسلمين وخيارهم من # PageV10P406 # أهل الحلة السيفية، فارق الحاج بين مكة والمدينة وسار إلى مصر. # حكى لي بعض أصدقائه أنه إنما حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق، وقلة ~~المعونة من الخليفة، ولما فارق الحاج، خافوا خوفا شديدا من العرب، فأمن ~~الله خوفهم، ولم يذعرهم ذاعر في جميع الطريق، ووصلوا آمنين، إلا أن كثيرا ~~من الجمال هلك، أصابها غدة عظيمة فلم يسلم إلا القليل. # وفيها في آب، جاء مطر شديد ورعد وبرق، ودام حتى جرت الأودية، وامتلأت ~~الطرق بالوحل، ثم جاء الخبر من العراق والشام، والجزيرة وديار بكر، أنه كان ~~عندهم مثله، ولم يصل إلينا بالموصل أحد إلا وأخبر أن المطر كان عندهم مثله ~~في ذلك التاريخ. # وفيها كان في الشتاء ثلج كثير، ونزلت بالعراق، فسمعت أنه نزل في جميع ~~العراق حتى في البصرة، أما إلى واسط فلا شك فيه، وأما البصرة فإن الخبر لم ~~يكثر عندنا بنزوله فيها. # وفيها ms4556 خربت قلعة الزعفران من أعمال الموصل، وهي حصن مشهور يعرف قديما ~~بدير الزعفران، وهو على جبل عال قريب من فرشابور. # وفيها أيضا خربت قلعة الجديدة من بلد الهكارية من أعمال الموصل أيضا، ~~وأضيف عملها وقراها إلى العمادية. # وفيها في ذي الحجة، سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز إلى بلد الكرج ~~قاصدا لأخذ بلادهم واستئصالهم، وخرجت السنة ولم يبلغنا أنه فعل بهم شيئا، ~~ونحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث وعشرين وستمائة إن شاء الله. # وفيها ثالث شباط، سقط ببغداد ثلج، وبرد الماء بردا شديدا، وقوي البرد حتى ~~مات به جماعة من الفقراء. # وفيها في ربيع الأول، زادت دجلة زيادة عظيمة، واشتغل الناس بإصلاح سكر ~~القورج، وخافوا، فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى، ثم نقص الماء ~~واستبشر الناس. # PageV10P407 ### | [ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة] ### | 623 - # ذكر ملك جلال الدين تفليس. # في هذه السنة ثامن ربيع الأول، فتح جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة تفليس ~~من الكرج، وسبب ذلك أنا قد ذكرنا سنة اثنتين وعشرين وستمائة الحرب بينه ~~وبينهم، وانهزامهم منه، وعوده إلى تبريز بسبب الخلف الواقع فيها، فلما ~~استقر الأمر في أذربيجان، عاد إلى بلد الكرج في ذي الحجة من السنة، وخرجت ~~سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودخلت هذه السنة، فقصد بلادهم، وقد عادوا ~~فحشدوا وجمعوا من الأمم المجاورة لهم اللان واللكز وقفجاق وغيرهم، فاجتمعوا ~~في جمع كثير لا يحصى، فطمعوا بذلك، ومنتهم أنفسهم الأباطيل، ووعدهم الشيطان ~~الظفر، {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [النساء: 120] ، فلقيهم وجعل لهم ~~الكمين في عدة مواضع، والتقوا واقتتلوا، فولى الكرج منهزمين لا يلوي الأخ ~~على أخيه، ولا الوالد على ولده، وكل منهم قد أهمته نفسه، وأخذتهم سيوف ~~المسلمين من كل جانب، فلم ينج منهم إلا اليسير الشاذ الذي لا يعبأ به، وأمر ~~جلال الدين عسكره أن لا يبقوا على أحد، وأن يقتلوا من وجدوا، فتبعوا ~~المنهزمين يقتلونهم، وأشار عليه أصحابه بقصد تفليس دار ملكهم، فقال: لا ~~حاجة لنا إلى أن نقتل رجالنا تحت الأسوار، إنما ms4557 إذا أفنيت الكرج، أخذت ~~البلاد صفوا عفوا. # ولم تزل العساكر تتبعهم وتستقصي في طلبهم إلى أن كادوا يفنونهم، فحينئذ ~~قصد تفليس ونزل بالقرب منها، وسار في بعض الأيام في طائفة من العسكر، ~~وقصدها لينظر إليها، ويبصر مواضع النزول عليها، وكيف يقاتلها، فلما قاربها، ~~كمن أكثر العسكر الذي معه في عدة مواضع، ثم تقدم إليها في نحو ثلاثة آلاف ~~فارس، فلما رآه # PageV10P408 # من بها من الكرج، طمعوا فيه لقلة من معه، ولم يعلموا أنه معهم، فظهروا ~~إليه فقاتلوه، فتأخر عنهم، فقوي طمعهم فيه لقلة من معه، فظنوه منهزما ~~فتبعوه، فلما توسطوا العساكر، خرجوا عليهم ووضعوا السيف فيهم، فقتل أكثرهم، ~~وانهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها، وتبعهم المسلمون، فلما وصلوا إليها ~~نادى المسلمون من أهلها بشعار الإسلام، وباسم جلال الدين، فألقى الكرج ~~بأيديهم واستسلموا ; لأنهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة، فقل ~~عددهم، وملئت قلوبهم خوفا ورعبا، فملك المسلمون البلد عنوة وقهرا بغير ~~أمان، وقتل كل من فيه من الكرج، ولم يبق على كبير ولا صغير إلا من أذعن ~~بالإسلام، وأقر بكلمتي الشهادة، فإنه أبقى عليه، وأمرهم فتختنوا وتركهم. # ونهب المسلمون الأموال، وسبوا النساء واسترقوا الأولاد، ووصل إلى ~~المسلمين الذين بها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره. # وتفليس هذه من أحصن البلاد وأمنعها، وهي على جانبي نهر الكر، وهو نهر ~~كبير، ولقد جل هذا الفتح وعظم موقعه في بلاد الإسلام وعند المسلمين، فإن ~~الكرج كانوا قد استطالوا عليهم، وفعلوا بهم ما أرادوا، فكانوا يقصدون أي ~~بلاد أذربيجان أرادوا، فلا يمنعهم عنها مانع، ولا يدفعهم عنها دافع، وهكذا ~~أرزن الروم، حتى إن صاحبها لبس خلعة ملك الكرج، ورفع على رأسه علما في ~~أعلاه صليب، وتنصر ولده رغبة في نكاح ملكة الكرج، وخوفا منهم ليدفع الشر ~~عنه، وقد تقدمت القصة، وهكذا دربند شروان. # وعظم أمرهم إلى حد أن ركن الدين بن قلج أرسلان، صاحب قونية وأقصرا وملطية ~~وسائر بلاد الروم التي للمسلمين، جمع عساكره، وحشد معها غيرها فاستكثر، ~~وقصد أرزن الروم، وهي لأخيه طغرل ms4558 شاه بن قلج أرسلان، فأتاه الكرج وهزموه، ~~وفعلوا به وبعسكره كل عظيم، وكان أهل دربند شروان معهم في الضنك والضيقة. # وأما أرمينية، فإن الكرج دخلوا مدينة أرجيش، وملكوا قرس وغيرها، وحصروا ~~خلاط، فلولا أن الله - سبحانه - من على المسلمين بأسر إيواني مقدم عساكر ~~الكرج # PageV10P409 # لملكوها، فاضطر أهلها إلى أن بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها الناقوس، ~~فرحلوا عنهم، وقد تقدم تفصيل هذه الحملة. # ولم يزل هذا الثغر من أعظم الثغور ضررا على المجاورين له من الفرس، قبل ~~الإسلام، وعلى المسلمين بعدهم، من أول الإسلام إلى الآن، ولم يقدم أحد ~~عليهم هذا الإقدام، ولا فعل بهم هذه الأفاعيل، فإن الكرج ملكوا تفليس سنة ~~خمس عشرة وخمسمائة، والسلطان حينئذ محمود بن محمود بن ملكشاه السلجوقي، وهو ~~من أعظم السلاطين منزلة، وأوسعهم مملكة، وأكثرهم عساكر، فلم يقدر على منعهم ~~عنها، هذا مع سعة بلاده، فإنه كان له الري وأعمالها، وبلد الجبل وأصفهان، ~~وفارس وخوزستان، والعراق وأذربيجان، وأران وأرمينية، وديار بكر والجزيرة، ~~والموصل والشام وغير ذلك، وعمه السلطان سنجر له خراسان وما وراء النهر، ~~فكان أكثر بلاد الإسلام بأيديهم، ومع هذا فإنه جمع عساكره سنة تسع عشرة ~~وخمسمائة، وسار إليهم بعد أن ملكوها، فلم يقدر عليهم. # ثم ملك بعده أخوه السلطان مسعود، وملك إلدكز بلد الجبل والري، وأصفهان ~~وأذربيجان وأران، وأطاعه صاحب خلاط، وصاحب فارس، وصاحب خوزستان، وجمع وحشد ~~لهم، وكان قصاراه أن يتخلص منهم، ثم ابنه البهلوان بعده، وكانت البلاد في ~~أيام أولئك عامرة كثيرة الأموال والرجال، فلم يحدثوا أنفسهم بالظفر بهؤلاء، ~~حتى جاء هذا السلطان والبلاد خراب قد أضعفها الكرج أولا، ثم استأصلها التتر ~~- لعنهم الله - على ما ذكرنا، ففعل بهم هذه الأفاعيل، فسبحان من إذا أراد ~~أمرا، قال له كن فيكون. # ذكر مسير مظفر الدين صاحب إربل إلى الموصل وعوده عنها. # في هذه السنة في جمادى الآخرة، سار مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، ~~إلى أعمال الموصل قاصدا إليها. وكان السبب في ذلك أنه استقرت القاعدة بينه ~~وبين جلال ms4559 الدين بن خوارزم شاه، وبين الملك المعظم صاحب دمشق، وبين صاحب ~~آمد، وبين ناصر الدين صاحب ماردين، ليقصدوا البلاد التي بيد الأشرف، # PageV10P410 # ويتغلبوا عليها، ويكون لكل منهم نصيب ذكره، واستقرت القواعد بينهم على ~~ذلك، فبادر مظفر الدين إلى الموصل. # وأما جلال الدين فإنه سار من تفليس يريد خلاط، فأتاه الخبر أن نائبه ~~ببلاد كرمان، واسمه " بلاق حاجب "، قد عصى عليه، على ما نذكره، فلما أتاه ~~الخبر بذلك، ترك خلاط ولم يقصدها، إلا أن عسكره نهب بعض بلدها وخرب كثيرا ~~منه، وسار مجدا إلى كرمان، فانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه، إلا أن مظفر ~~الدين سار من إربل ونزل على جانب الزاب، ولم يمكنه العبور إلى بلد الموصل. # وكان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى الأشرف وهو بالرقة يستنجده، ويطلب ~~منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفع مظفر الدين، فسار منها إلى حران، ومن حران ~~إلى دنيسر، فخرب بلد ماردين وأهله تخريبا ونهبا. # وأما المعظم صاحب دمشق، فإنه قصد بلد حمص وحماة، وأرسل إلى أخيه الأشرف ~~يقول: إن رحلت عن ماردين وحلب، وأنا عن حمص وحماة، وأرسلت إلى مظفر الدين ~~ليرجع عن بلد الموصل، فرحل الأشرف عن ماردين، وعاد كل منهم إلى بلده، وخربت ~~أعمال الموصل، وأعمال ماردين بهذه الحركة، فإنها كانت قد أجحف بها تتابع ~~الغلاء وطول مدته، وجلاء أكثر أهلها، فأتتها هذه الحادثة فازدادت خرابا على ~~خراب. # ذكر عصيان كرمان على جلال الدين ومسيره إليها. # في هذه السنة في جمادى الآخرة، وصل الخبر إلى جلال الدين أن نائبه ~~بكرمان، وهو أمير كبير اسمه بلاق حاجب، قد عصى عليه، وطمع في البلاد أن ~~يتملكها ويستبد بها لبعد جلال الدين عنها، واشتغاله بما ذكرناه من الكرج ~~وغيرهم، وأنه أرسل إلى التتر يعرفهم قوة جلال الدين وملكه كثيرا من البلاد، ~~وإن أخذ الباقي عظمت مملكته، وكثرت عساكره، وأخذ ما بأيديكم من البلاد. # فلما سمع جلال الدين ذلك كان قد سار يريد خلاط، فتركها وسار إلى كرمان ~~[يطوي المراحل، وأرسل بين يديه رسولا ms4560 إلى صاحب كرمان] ، ومعه الخلع ليطمئن # PageV10P411 # ويأتيه وهو غير محتاط ولا مستعد للامتناع منه، فلما وصل الرسول علم أن ~~ذلك مكيدة عليه لما يعرفه من عادته، فأخذ ما يعز عليه وصعد إلى قلعة منيعة ~~فتحصن بها، وجعل من يثق به من أصحابه في الحصون يمتنعون بها، وأرسل إلى ~~جلال الدين يقول: إنني أنا العبد والمملوك، ولما سمعت بمسيرك إلى هذه ~~البلاد، أخليتها لك لأنها بلادك، ولو علمت أنك تبقي علي، لحضرت بابك، ولكني ~~أخاف هذا جميعه، والرسول يحلف (له) أن جلال الدين بتفليس، وهو لا يلتفت إلى ~~قوله، فعاد الرسول، فعلم جلال الدين أنه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون ; ~~لأنه يحتاج [أن] يحصرها مدة طويلة، فوقف بالقرب من أصفهان، وأرسل إليه ~~الخلع، وأقره على ولايته. # فبينما الرسل تتردد إذ وصل رسول من وزير جلال الدين إليه من تفليس، يعرفه ~~أن عسكر الملك الأشرف الذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره وأوقعوا بهم، ويحثه ~~على العود إلى تفليس، فعاد إليها مسرعا. # ذكر الحرب بين عسكر الأشرف وعسكر جلال الدين. # لما سار جلال الدين إلى كرمان، ترك بمدينة تفليس عسكرا مع وزيره شرف ~~الملك، فقلت عليهم الميرة، فساروا إلى أعمال أرزن الروم، فوصلوا إليها ~~ونهبوها، وسبوا النساء، وأخذوا من الغنائم شيئا كثيرا لا يحصى، وعادوا فكان ~~طريقهم على أطراف ولاية خلاط، فسمع النائب عن الأشرف في خلاط. وهو الحاجب ~~حسام الدين على الموصل، فجمع العسكر وسار إليهم، فأوقع بهم واستنقذ ما معهم ~~من الغنائم، وغنم كثيرا مما معهم، وعاد هو وعساكره سالمين. # فلما فعل ذلك، خاف وزير جلال الدين منهم، فأرسل إلى صاحبه بكرمان يعرفه ~~الحال، ويحثه على العود إليه، ويخوفه عاقبة التواني والإهمال، فرجع فكان ما ~~نذكره إن شاء الله، تعالى. # PageV10P412 # ذكر وفاة الخليفة الظاهر بأمر الله. # في هذه السنة في الرابع عشر من رجب، توفي الإمام الظاهر بأمر الله أمير ~~المؤمنين أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء ~~بأمر الله، وقد تقدم نسبه عند ms4561 وفاة أبيه - رضي الله عنهما، فكانت خلافته ~~تسعة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وكان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخضوع ~~لربه، والعدل والإحسان إلى رعيته، وقد تقدم عند ذكر ولايته الخلافة من ~~أفعاله ما فيه كفاية، ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية، ~~فرضي الله عنه وأرضاه، وأحسن منقلبه ومثواه، فلقد جدد من العدل ما كان ~~دارسا، وأذكر من الإحسان ما كان منسيا. # وكان قبل وفاته أخرج توقيعا إلى الوزير بخطه ليقرأه على أرباب الدولة، ~~وقال الرسول: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم، أو نفذ ~~مناك، ثم لا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، ~~فقرءوه، فإذا في أوله بعد البسملة: # " اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغضاؤنا إغفالا، ولكن لنبلوكم أيكم ~~أحسن عملا، وقد عفونا لكم ما سلف من إخراب البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح ~~السمعة، وإظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة، وتسمية ~~الاستئصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من ~~براثن ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، ~~وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم، وتمرجون باطلكم بحقه، ~~فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بدل الله - ~~سبحانه - بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يقيل ~~العثرة ويقبل المعذرة، ولا يؤاخذ إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر، ~~يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله ~~- تعالى، فيخوفكم مكره، ويرجو الله # PageV10P413 # تعالى، ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه وأمنائه ~~على خلقه وإلا هلكتم، والسلام ". # ولما توفي وجدوا في بيت، في داره ألوف رقاع كلها مختومة لم يفتحها، فقيل ~~له ليفتحها، فقال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات. # ولم أزل - علم الله سبحانه - مذ ولي الخلافة، أخاف عليه قصر المدة لخبث ~~الزمان وفساد أهله، وأقول لكثير من أصدقائنا: وما أخوفني أن تقصر مدة ~~خلافته ; لأن زماننا وأهله ms4562 لا يستحقون خلافته، فكان كذلك. # ذكر خلافة ابنه المستنصر بالله. # لما توفي الظاهر بأمر الله، بويع بالخلافة ابنه الأكبر أبو جعفر المنصور، ~~ولقب المستنصر بالله، وسلك في الخير والإحسان إلى الناس سيرة أبيه، رضي ~~الله عنه. وأمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل، وإن من كان له حاجة، أو مظلمة ~~يطالع بها، تقضى حاجته، وتكشف مظلمته. # فلما كان أول جمعة أتت على خلافته، أراد أن يصلي الجمعة في المقصورة التي ~~كان يصلي فيها الخلفاء، فقيل له إن المطبق الذي يسلك فيه إليها خراب لا ~~يمكن سلوكه، فركب فرسا وسار إلى الجامع جامع القصر، ظاهرا يراه الناس بقميص ~~أبيض وعمامة بيضاء، بسكاكين حرير، ولم يترك أحدا يمشي معه بل أمر كل من ~~أراد أن يمشي معه من أصحابه بالصلاة في الموضع الذي كان يصلي فيه، وسار هو ~~ومعه خادمان وركابدار لا غير، وكذلك الجمعة الثانية حتى أصلح له المطبق. # وكان السعر قد تحرك بعد وفاة الظاهر بأمر الله - رضي الله عنه - فبلغت ~~الكارة ثمانية عشر قيراطا، فأمر أن تباع الغلات التي له كل كارة بثلاث عشر ~~قيراطا، فرخصت الأسعار واستقامت الأمور. # ذكر الحرب بين كيقباذ وصاحب آمد. # في هذه السنة في شعبان، سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو [بن] قلج # PageV10P414 # أرسلان، ملك بلاد الروم، إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد، وملك عدة من ~~حصونه. # وسبب ذلك ما ذكرناه من اتفاق صاحب آمد مع جلال الدين بن خوارزم شاه، ~~والملك المعظم صاحب دمشق، وغيرهما على خلاف الأشرف، فلما رأى الأشرف ذلك، ~~أرسل إلى كيقباذ ملك الروم، وكانا متفقين، يطلب منه أن يقصد بلد صاحب آمد ~~ويحاربه، وكان الأشرف حينئذ على ماردين، فسار ملك الروم إلى ملطية، وهي له، ~~فنزل عندها، وسير العساكر إلى ولاية صاحب آمد، [ففتحوا حصن منصور وحصن ~~سمكاراد وغيرهما، فلما رأى صاحب آمد] ذلك، راسل الأشرف، وعاد إلى موافقته، ~~فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه ذلك، ويقول له ليعيد إلى صاحب آمد ما أخذ ~~منه، فلم يفعل، وقال: لم أكن نائبا للأشرف ms4563 يأمرني وينهاني. # فاتفق أن الأشرف سار إلى دمشق ليصلح أخاه الملك المعظم، وأمر العساكر ~~التي له بديار الجزيرة بمساعدة صاحب آمد، إن أصر ملك الروم على قصده، فسارت ~~عساكر الأشرف إلى صاحب آمد وقد جمع عسكره ومن ببلاده ممن يصلح للحرب، وسار ~~إلى عسكر ملك الروم وهم يحاصرون قلعة الكختا بعد الهزيمة، وهي من أمنع ~~الحصون والمعاقل، فلما ملكوها عادوا إلى صاحبهم. # ذكر حصر جلال الدين مدينتي آني وقرس. # في هذه السنة في رمضان، عاد جلال الدين من كرمان كما ذكرناه إلى تفليس، ~~وسار منها إلى مدينة آني، وهي للكرج، وبها إيواني مقدم عساكر الكرج فيمن ~~بقي معه من أعيان الكرج، [فحصره وسير طائفة من العسكر إلى مدينة قرس، وهي ~~للكرج] أيضا، وكلاهما من أحصن البلاد وأمنعها، فنازلهما وحصرهما، وقاتل من ~~بهما، ونصب عليهما المجانيق، وجد في القتال عليهما، وحفظهما الكرج، وبالغوا ~~في الحفظ والاحتياط لخوفهم منه أن يفعل بهم ما فعل بأشياعهم من قبل بمدينة ~~تفليس، وأقام عليهما إلى أن مضى بعض شوال، ثم ترك العسكر عليهما يحصرونهما ~~وعاد إلى تفليس. # وسار من تفليس مجدا إلى بلاد أبخاز وبقايا الكرج، فأوقع بمن فيها، فنهب # PageV10P415 # وقتل وسبى، وخرب البلاد وأحرقها، وغنم عساكره ما فيها، وعاد منها إلى ~~تفليس. # ذكر حصر جلال الدين خلاط. # قد ذكرنا أن جلال الدين عاد من مدينة آني إلى تفليس ودخل بلاد أبخاز، ~~وكان رحيله مكيدة ; لأنه بلغه أن النائب عن الملك الأشرف، وهو الحاجب حسام ~~الدين علي بمدينة خلاط قد احتاط، واهتم بالأمر وحفظ البلد لقربه منه، فعاد ~~إلى تفليس ليطمئن أهل خلاط ويتركوا الاحتياط والاستظهار ثم يقصدهم بغتة، ~~فكانت غيبته ببلاد أبخاز عشرة أيام، وعاد وسار مجدا يطوي المراحل على ~~عادته، فلو لم يكن عنده من يراسل نواب الأشرف بالأخبار لفجأهم على حين غفلة ~~منهم، وإنما كان عنده بعض ثقاته يعرفهم أخباره، وكتب إليهم فوصل الخبر ~~إليهم قبل وصوله بيومين. # ووصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، ثم ~~رحل ms4564 عنها، فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة، فلم ينزل حتى ~~زحف إليها، وقاتل أهلها قتالا شديدا، فوصل عسكره سور البلد، وقتل بينهم ~~قتلى كثيرة، ثم زحف إليها مرة ثانية، وقاتل أهل البلد قتالا عظيما، فعظمت ~~نكاية العسكر في أهل خلاط، ووصلوا إلى سور البلد، ودخلوا الربض الذي له، ~~ومدوا أيديهم في النهب وسبي الحريم. # فلما رأى أهل خلاط ذلك تذامروا، وحرض بعضهم بعضا، فعادوا إلى العسكر ~~فقاتلوهم فأخرجوهم من البلد، وقتل بينهم خلق كثير، وأسر العسكر الخوارزمي ~~من أمراء خلاط جماعة، وقتل منهم كثير، وترجل الحاجب علي، ووقف في نحر ~~العدو، وأبلى بلاء عظيما. # ثم إن جلال الدين استراح عدة أيام، وعاود الزحف مثل أول يوم، فقاتلوه حتى ~~أبعدوا عسكره عن البلد. وكان أهل خلاط مجدين في القتال، حريصين على المنع ~~عن أنفسهم لما رأوا من سوء سيرة الخوارزميين ونهبهم البلاد، وما فيهم من ~~الفساد، فهم يقاتلون قتال من يمنع عن نفسه وحريمه وماله، ثم أقام عليها إلى ~~أن اشتد البرد # PageV10P416 # ونزل شيء من الثلج، فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من ~~السنة، وكان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوانية من ~~الفساد ببلاده. # ذكر إيقاع جلال الدين بالتركمان الإيوانية. # كان التركمان الإيوانية قد تغلبوا على مدينة أسنة وأرمية، من نواحي ~~أذربيجان، وأخذوا الخراج من أهل خوي ليكفوا عنهم، واغتروا باشتغال جلال ~~الدين بالكرج، وبعدهم بخلاط، وازداد طمعهم، وانبسطوا بأذربيجان ينهبون ~~ويقطعون الطريق، والأخبار تأتي إلى خوارزم شاه جلال الدين بن خوارزم شاه، ~~وهو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو المهم ضده، وبلغ من طمعهم أنهم قطعوا ~~الطريق بالقرب من تبريز، وأخذوا من تجار أهلها شيئا كثيرا، ومن جملة ذلك ~~أنهم اشتروا غنما من أرزن الروم وقصدوا بها تبريز، فلقيهم الإيوانية قبل ~~وصولهم إلى تبريز، فأخذوا جميع ما معهم، ومن جملته عشرون ألف رأس غنم. # فلما اشتد ذلك على الناس وعظم الشر، أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان ~~طغرل ونوابه في البلاد ms4565 إليه يستغيثون، ويعرفونه أن البلاد قد خربها ~~الإيوانية، ولئن لم يلحقها، وإلا هلكت بالمرة. # فاتفق هذا إلى خوف الثلج، فرحل عن خلاط، وجد السير إلى الإيوانية، وهم ~~آمنون مطمئنون، لعلمهم أن خوارزم شاه على خلاط، وظنوا أنه لا يفارقها، ~~فلولا هذا الاعتقاد لصعدوا إلى جبال لهم منيعة شاهقة لا يرتقى إليها إلا ~~بمشقة وعناء، فإنهم كانوا إذا خافوا، صعدوا إليها وامتنعوا بها، فلم يرعهم ~~إلا والعساكر الجلالية قد أحاطت بهم، وأخذهم السيف من كل جانب، فأكثروا ~~القتل فيهم، والنهب والسبي، واسترقوا الحريم والأولاد، وأخذوا من عندهم ما ~~لا يدخل تحت الحصر، فرأوا كثيرا من الأمتعة التي أخذوها من التجار بحالها ~~في الشذوات، هذا سوى ما كانوا قد حلوه وفصلوه، فلما فرغ عاد إلى تبريز. # ذكر الصلح بين المعظم والأشرف. # نبتدئ بذكر سبب الاختلاف، فنقول: لما توفي الملك العادل أبو بكر بن # PageV10P417 # أيوب، اتفق أولاده الملوك بعده اتفاقا حسنا، وهم: الملك الكامل محمد صاحب ~~مصر، والملك المعظم عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى وهو صاحب ديار ~~الجزيرة وخلاط، واجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصرية. # ولما رحل الكامل عن دمياط لما كان الفرنج يحصرونها، صادفه أخوه المعظم من ~~الغد، وقويت نفسه، وثبت قدمه، ولولا ذلك لكان الأمر عظيما، وقد ذكرنا ذلك ~~مفصلا، ثم إنه عاد من مصر وسار إلى أخيه الأشرف ببلاد الجزيرة مرتين ~~يستنجده على الفرنج، ويحثه على مساعدة أخيهما الكامل، ولم يزل به حتى أخذه ~~وسار إلى مصر، وأزالوا الفرنج عن الديار المصرية كما ذكرناه قبل، فكان ~~اتفاقهم على الفرنج سببا لحفظ بلاد الإسلام، وسر الناس أجمعون بذلك. # فلما فارق الفرنج مصر وعاد كل من الملوك أولاد العادل إلى بلده، بقوا ~~كذلك يسيرا، ثم سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر، فاجتاز بأخيه المعظم ~~بدمشق، فلم يستصحبه معه، وأطال المقام بمصر، فلا شك أن المعظم ساءه ذلك. # ثم إن المعظم سار إلى مدينة حماة وحصرها، فأرسل إليه أخواه من مصر ورحلاه ~~عنها كارها، فازداد نفورا، وقيل: إنه نقل إليه ms4566 عنهما أنهما اتفقا عليه، ~~والله أعلم بذلك. # ثم انضاف إلى ذلك أن الخليفة الناصر لدين الله - رضي الله عنه - كان قد ~~استوحش من الكامل لما فعله ولده صاحب اليمن من الاستهانة بأمير الحاج ~~العراقي، فأعرض عنه وعن أخيه الأشرف لاتفاقهما، وقاطعهما وراسل مظفر الدين ~~كوكبري بن زين الدين علي صاحب إربل، يعلمه بانحرافه عن الأشرف، واستماله ~~واتفقا على مراسلة المعظم، وتعظيم الأمر عليه، فمال إليهما، وانحرف عن ~~إخوته. # ثم اتفق ظهور جلال الدين وكثرة ملكه، فاشتد الأمر على الأشرف بمجاورة ~~جلال الدين خوارزم شاه ولاية خلاط، ولأن المعظم بدمشق يمنع عنه عساكر مصر ~~أن تصل إليه، وكذلك عساكر حلب وغيرها من الشام، فرأى الأشرف أن يسير إلى ~~أخيه المعظم بدمشق، فسار إليه في شوال واستماله وأصلحه، فلما سمع الكامل ~~بذلك، عظم عليه، ثم إنهما راسلاه، وأعلماه بنزول جلال الدين على خلاط، ~~وعظما الأمر عليه، وأعلماه أن هذه الحال تقضي الاتفاق لعمارة البيت ~~العادلي، وانقضت السنة والأشرف بدمشق، والناس على مواضعهم ينتظرون خروج ~~الشتاء ما يكون من الخوارزميين # PageV10P418 # وسنذكر ما يكون سنة أربع وعشرين وستمائة إن شاء الله تعالى. # ذكر الفتنة بين الفرنج والأرمن. # في هذه السنة جمع البرنس الفرنجي صاحب أنطاكية جموعا كثيرة، وقصد الأرمن ~~الذين في الدروب بلاد ابن ليون، فكان بينهم حرب شديدة. # وسبب ذلك أن ابن ليون الأرمني صاحب الدروب، توفي قبل، ولم يخلف ولدا ~~ذكرا، إنما خلف بنتا، فملكها الأرمن عليهم، ثم علموا أن الملك لا يقوم ~~بامرأة، فزوجوها من ولد البرنس، فتزوجها وانتقل إلى بلدهم، واستقر في الملك ~~نحو سنة، ثم ندموا على ذلك، وخافوا أن يستولي الفرنج على بلادهم، فثاروا ~~بابن البرنس، فقبضوا عليه وسجنوه، فأرسل أبوه يطلب أن يطلق ويعاد في الملك، ~~فلم يفعلوا، فأرسل إلى بابا ملك الفرنج برومية الكبرى يستأذنه في قصد ~~بلادهم، وملك رومية هذا أمره عند الفرنج لا يخالف، فمنعه عنهم، وقال: إنهم ~~أهل ملتنا، ولا يجوز قصد بلادهم، فخالفه وأرسل [إلى] علاء الدين كيقباذ ملك ~~قونية وملطية وما ms4567 بينهما من بلاد المسلمين وصالحه، ووافقه على قصد بلاد ابن ~~ليون، والاتفاق على قصدها، فاتفقا على ذلك، وجمع البرنس عساكره ليسير إلى ~~بلاد الأرمن، فخالف عليه الداوية والاسبتارية، وهما جمرة الفرنج، فقالوا: ~~إن ملك رومية نهانا عن ذلك، إلا أنه أطاعه غيرهم، فدخل أطراف بلاد الأرمن، ~~وهي مضايق وجبال وعرة، فلم يتمكن من فعل ما يريد. # وأما كيكاوس، فإنه قصد بلاد الأرمن من جهته، وهي أسهل من جهة الشام، ~~فدخلها سنة اثنتين وعشرين وستمائة، فنهبها وأحرقها، وحصر عدة حصون، ففتح ~~أربعة حصون، وأدركه الشتاء فعاد عنها. # فلما سمع بابا ملك الفرنج برومية، أرسل إلى الفرنج بالشام يعلمهم أنه قد ~~حرم البرنس، فكان الداوية والاسبتارية وكثير من الفرسان لا يحضرون معه، ولا ~~يسمعون قوله، وكان أهل بلاده وهي إنطاكية وطرابلس، إذا جاءهم عيد يخرج من ~~عندهم، فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد. # ثم إنه أرسل إلى ملك رومية يشكو من الأرمن، وأنهم لم يطلقوا ولده، # PageV10P419 # ويستأذنه في أن يدخل بلادهم ويحاربهم إن لم يطلقوا ابنه، فأرسل إلى ~~الأرمن يأمرهم بإطلاق ابنه وإعادته إلى الملك، فإن فعلوا، وإلا فقد أذن له ~~في قصد بلادهم، فلما بلغتهم الرسالة لم يطلقوا ولده، فجمع البرنس وقصد بلاد ~~الأرمن، فأرسل الأرمن إلى الأتابك شهاب الدين بحلب يستنجدونه، ويخوفونه من ~~البرنس إن استولى على بلادهم ; لأنها تجاور أعمال حلب، فأمدهم بجند وسلاح. # فلما سمع البرنس ذلك صمم العزم على قصد بلادهم، فسار إليهم وحاربهم، فلم ~~يحصل على غرض، فعاد عنهم. # حدثني بهذا رجل من عقلاء النصارى ممن دخل تلك البلاد وعرف حالها، وسألت ~~غيره، فعرف البعض وأنكر البعض. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة انخسف القمر مرتين: أولاهما ليلة رابع عشر صفر، وفيها كانت ~~أعجوبة بالقرب من الموصل حامة تعرف بعين القيارة، شديدة الحرارة، تسميها ~~الناس عين ميمون، ويخرج مع الماء قليل من القار. فكان الناس يسبحون فيها ~~دائما في الربيع والخريف; لأنها تنفع من الأمراض الباردة كالفالج وغيره ~~نفعا عظيما، فكان من يسبح فيها يجد الكرب ms4568 الشديد من حرارة الماء، ففي هذه ~~السنة برد الماء فيها، حتى كان السابح فيها يجد البرد، فتركوها وانتقلوا ~~إلى غيرها. # وفيها كثرت الذئاب والخنازير والحيات، فقتل كثير، فلقد بلغني أن ذئبا دخل ~~الموصل فقتل فيها، وحدثني صديق لنا، له بستان بظاهر الموصل، أنه قتل فيه في ~~سنة اثنتين وعشرين وستمائة، جميع الصيف حيتين، وقتل هذه السنة إلى أول ~~حزيران سبع حيات لكثرتها. # PageV10P420 # وفيها انقطع المطر بالموصل وأكثر البلاد الجزرية من خامس شباط إلى ثاني ~~عشر نيسان، ولم يجر شيء يعتد به، لكنه سقط اليسير منه في بعض القرى، فجاءت ~~الغلات قليلة، ثم خرج الجراد الكثير، فازداد الناس أذى، وكانت الأسعار قد ~~صلحت شيئا، فعادت لكثرة الجراد فغلت، ونزل أيضا في أكثر القرى برد كبير، ~~أهلك زروع أهلها وأفسدها، واختلفت أقاويل الناس في أكبره، كان وزن بردة ~~مائتي درهم، وقيل رطل، وقيل غير ذلك، إلا أنه أهلك كثيرا من الحيوان، ~~وانقضت هذه السنة والغلاء باق وأشده بالموصل. # وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا، فرآه وله أنثيان وذكر وفرج أنثى، فلما شقوا ~~بطنها رأوا فيها حريفين، سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه، وقالوا: ما ~~زلنا نسمع أن الأرنب يكون سنة ذكرا وسنة أنثى، ولا نصدق ذلك، فلما رأينا ~~هذا، علمنا أنه قد حمل وهو أنثى، وانقضت السنة فصار ذكرا، فإن كان كذلك، ~~وإلا فيكون في الأرانب كالخنثى في بني آدم، يكون لأحدهم فرج الرجل وفرج ~~الأنثى، كما أن الأرنب تحيض كما تحيض النساء، فإني كنت بالجزيرة، ولنا جار ~~له بنت اسمها صفية، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، وإذا قد طلع لها ذكر رجل، ~~ونبتت لحيته، فكان له فرج امرأة وذكر رجل. # وفيها ذبح إنسان عندنا رأس غنم، فوجد لحمه مرا شديد المرارة، حتى رأسه ~~وأكارعه ومعلاقه وجميع أجزائه، وهذا ما لم يسمع بمثله. # PageV10P421 # وفيها يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة ضحوة النهار، زلزلت ~~الأرض بالموصل وكثير من البلاد العربية والعجمية، وكان أكثرها بشهرزور، ~~فإنها خرب أكثرها، ولا سيما القلعة، فإنها ms4569 أجحفت بها، وخرب من تلك الناحية ~~ست قلاع، وبقيت الزلزلة تتردد فيها نيفا وثلاثين يوما، ثم كشفها الله عنهم، ~~وأما القرى بتلك الناحية فخرب أكثرها. # [الوفيات] . # وفيها في رجب، توفي القاضي حجة الدين أبو منصور المظفر بن عبد القاهر بن ~~الحسن بن علي بن القاسم الشهرزوري، قاضي الموصل بها، وكان قد أضر قبل وفاته ~~بنحو سنتين، وكان عالما بالقضاء، عفيفا، نزها، ذا رئاسة كبيرة، وله صلات ~~دارة للمقيم والوارد - رحمه الله، فلقد كان من محاسن الدنيا، ولم يخلف غير ~~بنت توفيت بعده بثلاثة أشهر. # PageV10P422 ### | [ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة] ### | 624 - # ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة # ذكر دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها. # في هذه السنة في ربيع الأول، وصل الكرج مدينة تفليس، ولم يكن بها من ~~العسكر الإسلامي من يقوم بحمايتها، وسبب ذلك أن جلال الدين لما عاد من ~~خلاط، كما ذكرنا قبل، وأوقع بالإيوانية، فرق عساكره إلى المواضع الحارة ~~الكثيرة المرعى، ليشتوا بها، وكان عسكره قد أساءوا السيرة في رعية تفليس، ~~وهم مسلمون، وعسفوهم، فكاتبوا الكرج يستدعونهم إليهم ليملكوهم البلد، ~~فاغتنم الكرج ذلك لميل أهل البلد إليهم، وخلوه من العسكر، فاجتمعوا، وكانوا ~~بمدينتي قرس وآني وغيرهما من الحصون، وساروا إلى تفليس، وكانت خالية كما ~~ذكرناه، ولأن جلال الدين استضعف الكرج لكثرة من قتل منهم، ولم يظن فيهم ~~حركة، فملكوا البلد، ووضعوا السيف فيمن بقي من أهله، وعلموا أنهم لا يقدرون ~~على حفظ البلد من جلال الدين، فأحرقوه جميعه. # وأما جلال الدين فإنه لما بلغه الخبر، سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم، ~~فلم ير منهم أحدا، كانوا قد فارقوا تفليس لما أحرقوها. # ذكر نهب جلال الدين بلد الإسماعيلية. # في هذه السنة قتل الإسماعيلية أميرا كبيرا من أمراء جلال الدين، وكان قد ~~أقطعه جلال الدين مدينة كنجة وأعمالها، وكان نعم الأمير، كثير الخير، حسن ~~السيرة، # PageV10P423 # ينكر على جلال الدين ما يفعله عسكره من النهب وغيره من الشر. # فلما قتل ذلك الأمير، عظم قتله على جلال الدين، واشتد عليه، فسار في ms4570 ~~عساكره إلى بلاد الإسماعيلية، من حدود ألموت إلى كردكوه بخراسان، فخرب ~~الجميع، وقتل أهلها، ونهب الأموال، وسبى الحريم، واسترق الأولاد، وقتل ~~الرجال، وعمل بهم الأعمال العظيمة، وانتقم منهم، وكانوا قد عظم شرهم وازداد ~~ضرهم، وطمعوا مذ خرج التتر إلى بلاد الإسلام إلى الآن، فكف عاديتهم وقمعهم، ~~ولقاهم الله ما عملوا بالمسلمين. # ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر. # لما فرغ جلال الدين من الإسماعيلية، بلغه الخبر أن طائفة من التتر عظيمة ~~قد بلغوا إلى دامغان بالقرب من الري، عازمين على قصد بلاد الإسلام، فسار ~~إليهم وحاربهم، واشتد القتال بينهم، فانهزموا منه، فأوسعهم قتلا، وتبع ~~المنهزمين عدة أيام يقتل ويأسر، فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الري خوفا ~~من جمع آخر للتتر، إذ أتاه الخبر بأن كثيرا منهم واصلون إليه، فأقام ~~ينتظرهم، وسنذكر خبرهم سنة خمس وعشرين وستمائة. # ذكر دخول العساكر الأشرفية إلى أذرييجان وملك بعضها. # في هذه السنة في شعبان، سار الحاجب علي حسام الدين، وهو النائب عن الملك ~~الأشرف بخلاط، والمقدم على عساكرها، إلى بلاد أذربيجان فيمن عنده من ~~العساكر. # وسبب ذلك أن سيرة جلال الدين كانت جائرة، وعساكره طامعة في الرعايا، ~~وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي، وهي التي كانت زوجة أوزبك بن ~~البهلوان صاحب أذربيجان، فتزوجها جلال الدين كما ذكرناه قبل، وكانت مع ~~أوزبك تحكم في البلاد جميعها، ليس له ولا لغيره معها حكم. # فلما تزوجها جلال الدين، أهملها ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من ~~الحكم والأمر والنهي، فأرسلت هي وأهل خوي إلى حسام الدين الحاجب يستدعونه # PageV10P424 # ليسلموا البلاد، فسار ودخل البلاد بلاد أذربيجان، فملك مدينة خوي وما ~~يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين، وملك مرند، وكاتبه أهل مدينة ~~نقجوان، فمضى إليهم، فسلموها إليه، وقويت شوكتهم بتلك البلاد، ولو داموا ~~لملكوها جميعها، وإنما عادوا إلى خلاط، واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين ~~ابنة السلطان طغرل إلى خلاط، وسنذكر باقي خبرهم سنة خمس وعشرين [وستمائة] ~~إن شاء الله تعالى. # ذكر وفاة المعظم صاحب دمشق وملك ولده. ms4571 # في هذه السنة توفي الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل يوم الجمعة سلخ ذي ~~القعدة، وكان مرضه دوسنطاريا، وكان ملكه لمدينة دمشق، من حين وفاة والده ~~الملك العادل، عشر سنين وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكان عالما بعدة ~~علوم، فاضلا فيها، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة، فإنه كان قد اشتغل به ~~كثيرا، وصار من المتميزين فيه، ومنها علم النحو، فإنه اشتغل به أيضا ~~اشتغالا زائدا، وصار فيه فاضلا، وكذلك اللغة وغيرها، وكان قد أمر أن يجمع ~~له كتاب في اللغة جامع كبير، فيه كتاب " الصحاح " للجوهري، ويضاف إليه ما ~~فات " الصحاح " من " التهذيب " للأرموي، و " الجمهرة " لابن دريد وغيرهما، ~~وكذلك أيضا أمر بأن يرتب " مسند " أحمد بن حنبل على الأبواب، ويرد كل حديث ~~إلى الباب الذي يقتضيه معناه، مثاله: أن يجمع أحاديث الطهارة، وكذلك يفعل ~~في الصلاة وغيرها من الرقائق، والتفسير، والغزوات، فيكون كتابا جامعا. # وكان قد سمع " المسند " من بعض أصحاب ابن الحصين، ونفق العلم في سوقه، ~~وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى عليهم الجرايات الوافرة، وقربهم، ~~[وكان] يجالسهم، ويستفيد منهم ويفيدهم، وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما ~~يكره، لم يسمع أحد ممن يصحبه منه كلمة تسوءه. # وكان حسن الاعتقاد يقول كثيرا: إن اعتقادي في الأصول ما سطره أبو جعفر # PageV10P425 # الطحاوي، ووصى عند موته بأن يكفن في البياض، ولا يجعل في أكفانه ثوب فيه ~~ذهب، وأن يدفن في لحد، ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت ~~السماء، ويقول في مرضه: لي عند الله - تعالى - في أمر دمياط ما أرجو أن ~~يرحمني به. # ولما توفي، ولي بعده ابنه داود ويلقب الملك الناصر، وكان عمره قد قارب ~~عشرين سنة. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة، ودامت الأسعار تزيد قليلا ~~وتنقص قليلا، وانقطع المطر جميع شباط وعشرة أيام من آذار، فازداد الغلاء، ~~فبلغت الحنطة كل مكوكين بدينار وقيراطين بالموصل، والشعير كل ثلاثة مكاكيك ~~بالموصلي بدينار وقراطين أيضا، وكل شيء بهذه السنة ms4572 في الغلاء. وفيها في ~~الربيع، قل لحم الغنم بالموصل، وغلا سعره، حتى بيع كل رطل لحم بالبغدادي ~~بحبتين بالصنجة، وربما زاد في بعض الأيام على هذا الثمن. # وحكى لي من يتولى بيع الغنم بالموصل أنهم باعوا يوما خروفا واحدا لا غير، ~~وفي بعضها خمسة أرؤس، وفي بعضها ستة، وأقل وأكثر، وهذا ما لم يسمع بمثله، ~~ولا رأيناه في جميع أعمارنا، ولا حكي لنا مثله ; لأن الربيع مظنة رخص اللحم ~~بها ; لأن التركمان والأكراد والكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتوا بها ~~إلى الزوزان فيبيعون الغنم رخيصا. # وكان اللحم كل سنة في هذا الفصل كل ستة أرطال وسبعة بقيراط، صار هذه ~~السنة الرطل بحبتين. # وفيها عاشر آذار، وهو العشرون من ربيع الأول، سقط الثلج بالموصل مرتين، ~~وهذا غريب جدا لم يسمع بمثله، فأهلك الأزهار التي خرجت كزهر اللوز، ~~والمشمش، والإجاص، والسفرجل وغيرها، ووصلت الأخبار من العراق جميعه مثل ~~ذلك، فهلكت به أزهارها والثمار، وهذا أعجب من حال ديار الجزيرة والشام، ~~فإنه أشد حرا من جميعها. # PageV10P426 # وفيها ظفر جمع من التركمان، كانوا بأطراف أعمال حلب، بفارس مشهور من ~~الفرنج الداوية بأنطاكية فقتلوه، فعلم الداوية بذلك فساروا وكبسوا ~~التركمان، فقتلوا منهم وأسروا، وغنموا من أموالهم، فبلغ إلى أتابك شهاب ~~الدين المتولي لأمور حلب، فراسل الفرنج، وتهددهم بقصد بلادهم، واتفق أن ~~عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية أيضا، فأذعنوا بالصلح، وردوا إلى ~~التركمان كثيرا من أموالهم وحريمهم وأسراهم. # وفيها في رجب، اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر، وأرادوا الإغارة على جزيرة ~~ابن عمر، وكان صاحب الجزيرة قد قتل، فلما قصدوا بلد الجزيرة، اجتمع أهل ~~قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون، ولقوهم من ضحوة النهار إلى العصر، ~~وطال القتال بينهم، ثم حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم وقتلوا فيهم، ~~وخرجوا ونهبوا ما معهم وعادوا سالمين. # PageV10P427 ### | [ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمائة] # ذكر الخلف بين جلال الدين وأخيه. # في هذه السنة خاف غياث الدين بن خوارزم شاه، وهو أخو جلال الدين (من ~~أبيه) [أخاه] ، وخافه ms4573 معه جماعة من الأمراء، واستشعروا منه، وأرادوا الخلاص ~~منه، فلم يتمكنوا من ذلك إلى أن خرجت التتر، واشتغل بهم جلال الدين، فهرب ~~غياث الدين ومن معه، وقصدوا خوزستان، وهي من بلاد الخليفة، وأرادوا الدخول ~~في طاعة الخليفة، فلم يمكنهم النائب بها من الدخول إلى البلد، مخافة أن ~~تكون هذه مكيدة، فبقي هناك، فلما طال عليه الأمر، فارق خوزستان وقصد بلاد ~~الإسماعيلية، فوصل إليهم، واحتمى بهم واستجار بهم. # وكان جلال الدين قد فرغ من أمر التتر وعاد إلى تبريز، فأتاه الخبر وهو ~~بالميدان يلعب بالكرة أن أخاه قد قصد أصفهان، فألقى الجوكان من يده، وسار ~~مجدا، فسمع أن أخاه قد قصد الإسماعيلية ملتجئا إليهم، ولم يقصد أصفهان، ~~فعاد إلى بلاد الإسماعيلية لينهب بلادهم إن لم يسلموا إليه أخاه، وأرسل ~~يطلبه من مقدم الإسماعيلية، فأعاد الجواب يقول: إن أخاك قد قصدنا، وهو ~~سلطان ابن سلطان، ولا يجوز لنا أن نسلمه، لكن نحن نتركه عندنا، ولا نمكنه ~~أن يأخذ شيئا من بلادك، ونسألك أن تشفعني فيه، والضمان علينا بما قلنا، ~~ومتى كان منه ما تكره في بلادك، فبلادنا حينئذ بين يديك تفعل فيها ما ~~تختار. فأجابهم إلى ذلك، واستحلفهم على الوفاء بذلك، وعاد عنهم وقصد خلاط، ~~على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # PageV10P428 # ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر. # في هذه السنة عاود التتر الخروج إلى الري، وجرى بينهم وبين جلال الدين ~~حروب كثيرة، اختلف الناس علينا في عددها، كان أكثرها عليه، وفي الأخير كان ~~الظفر له. # وكانت أول حرب بينهم عجائب غريبة، وكان هؤلاء التتر قد سخط ملكهم جنكزخان ~~على مقدمهم، وأبعده عنه، وأخرجه من بلاده، فقصد خراسان، فرآها خرابا، فقصد ~~الري ليتغلب على تلك النواحي والبلاد، فلقيه بها جلال الدين، فاقتتلوا أشد ~~قتال، ثم انهزم جلال الدين وعاد ثم انهزم، وقصد أصفهان، وأقام بينها وبين ~~الري، وجمع عساكره ومن في طاعته، فكان فيمن أتاه صاحب بلاد فارس، وهو ابن ~~أتابك سعد ملك بعد وفاة أبيه، كما ذكرناه، وعاد جلال الدين إلى ms4574 التتر ~~فلقيهم. # فبينما هم مصطفون كل طائفة مقابل الأخرى، انعزل غياث الدين أخو جلال ~~الدين فيمن وافقه من الأمراء على مفارقة جلال الدين، واعتزلوا وقصدوا جهة ~~ساروا إليها، فلما رآهم التتر قد فارقوا العسكر، ظنوهم يريدون أن يأتوهم من ~~وراء ظهورهم ويقاتلوهم من جهتين، فانهزم التتر لهذا الظن، وتبعهم صاحب بلاد ~~فارس. وأما جلال الدين فإنه لما رأى مفارقة أخيه إياه ومن معه من الأمراء، ~~ظن أن التتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه، فعاد منهزما، ولم يجسر [أن] يدخل ~~أصفهان لئلا يحصره التتر، فمضى إلى سميرم. # وأما صاحب فارس فلما أبعد في أثر التتر، ولم ير جلال الدين ولا عسكره ~~معه، خاف التتر فعاد عنهم. # وأما التتر فلما لم يروا في آثارهم أحدا يطلبهم، وقفوا، ثم عادوا إلى ~~أصفهان، فلم يجدوا في طريقهم من يمنعهم، فوصلوا إلى أصفهان فحصروها، وأهلها ~~يظنون أن جلال الدين قد عدم، فبينما هم كذلك والتتر يحصرونهم إذ وصل قاصد ~~من جلال الدين إليهم يعرفهم سلامته، ويقول: إني أدور حتى يجتمع إلي من سلم ~~من العسكر وأقصدكم، ونتفق أنا وأنتم على إزعاج التتر وترحيلهم عنكم. ~~فأرسلوا إليه يستدعونه إليهم، ويعدونه النصرة والخروج معه إلى عدوه، وفيهم ~~شجاعة عظيمة، فسار إليهم، واجتمع بهم، وخرج أهل أصفهان معه، فقاتلوا التتر، ~~فانهزم التتر أقبح هزيمة، وتبعهم جلال الدين إلى الري يقتل ويأسر، فلما ~~أبعدوا عن # PageV10P429 # الري أقام بها، وأرسل إليه ابن جنكزخان يقول: إن هؤلاء ليسوا من أصحابنا، ~~إنما نحن أبعدناهم عنا، فلما أمن جانب جنكزخان، أمن وعاد إلى أذربيجان. # ذكر خروج الفرنج إلى الشام وعمارة صيدا. # وفي هذه السنة خرج كثير من الفرنج من بلادهم، التي هي في الغرب من صقلية ~~وما وراءها من البلاد، إلى بلادهم التي بالشام: عكا، وصور، وغيرهما من ساحل ~~الشام، فكثر جمعهم، وكان قد خرج قبل هؤلاء جمع آخر أيضا إلا أنهم لم تمكنهم ~~الحركة والشروع في أمر الحرب لأجل أن ملكهم الذي هو المقدم عليهم هو ملك ~~الألمان، ولقبه أنبرور، قيل: معناه ملك ms4575 الأمراء، ولأن المعظم كان حيا، وكان ~~شهما شجاعا مقداما، فلما توفي المعظم، كما ذكرناه، وولي بعده ابنه وملك ~~دمشق، طمع الفرنج، وظهروا من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا، وكانت مناصفة ~~بينهم وبين المسلمين، وسورها خراب، فعمروها، واستولوا عليها. # وإنما تم لهم ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها، تبنين، وهونين، ~~وغيرهما. وقد تقدم ذكر ذلك قبل مستقصى، فعظمت شوكة الفرنج، وقوي طمعهم، ~~واستولى في طريقه على جزيرة قبرس، وملكها، وسار منها إلى عكا، فارتاع ~~المسلمون لذلك، والله تعالى يخذله وينصر المسلمين بمحمد وآله، ثم إن ملكهم ~~أنبرور وصل إلى الشام. # ذكر ملك كيقباذ أرزنكان. # وفي هذه السنة ملك علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، وهو صاحب ~~قونية، وأقصرا، وملطية، وغيرها من بلاد الروم، أرزنكان. وسبب ملكه إياها أن ~~صاحبها بهرام شاه كان قد طال ملكه لها، وجاوز ستين سنة، توفي ولم يزل في ~~طاعة قلج أرسلان وأولاده بعده، فلما توفي ملك بعده ولده # PageV10P430 # علاء الدين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه إلى ~~مدينة أرزن الروم ليحصرها، ويكون هو مع العسكر، ففعل ذلك، وسار في عسكره ~~إليه، فلما وصل قبض عليه، وأخذ مدينة أرزنكان منه، وله حصن من أمنع الحصون ~~اسمه كماخ، وفيه مستحفظ لداود شاه، فأرسل إليه ملك الروم يحصره، فلم يقدر ~~العسكر على القرب منه لعلوه وارتفاعه وامتناعه، فتهدد داود شاه إن لم يسلم ~~كماخ، فأرسل إلى نائبه في التسليم، فسلم القلعة إلى كيقباذ. # وأراد كيقباذ المسير إلى أرزن الروم ليأخذها وبها صاحبها ابن عمه طغرل ~~شاه بن قلج أرسلان، فلما سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام الدين علي، ~~النائب عن الملك الأشرف بخلاط يستنجده، وأظهر طاعة الأشرف، فسار حسام الدين ~~فيمن عنده من العساكر، وكان قد جمعها من الشام وديار الجزيرة خوفا من ملك ~~الروم، خافوا أنه إذا ملك أرزن الروم يتعدى ويقصد خلاط، فسار الحاجب حسام ~~الدين إلى الروم ومنع عنها. ولما سمع كيقباذ بوصول العساكر إليها لم يقدم ~~على ms4576 قصدها، فسار من أرزنكان إلى بلاده، وكان قد أتاه الخبر أن الروم الكفار ~~المجاورين لبلاده قد ملكوا منه حصنا يسمى صنوب، وهو من أحصن القلاع، مطل ~~على البحر السياه بحر الخزر، فلما وصل إلى بلاده، سير العسكر إليه وحصره ~~برا وبحرا، فاستعاده من الروم، وسار إلى أنطاكية ليشتي بها على عادته. # ذكر خروج الملك الكامل. # في هذه السنة في شوال، سار الملك الكامل محمد ابن الملك العادل صاحب مصر ~~إلى الشام، فوصل إلى البيت المقدس، حرسه الله تعالى، وجعله دار الإسلام ~~أبدا، ثم سار عنه، وتولى بمدينة نابلس، وشحن على تلك البلاد جميعها، وكانت ~~من أعمال دمشق، فلما سمع صاحبها، وهو ابن الملك المعظم، خاف أن يقصده ويأخذ ~~دمشق منه، فأرسل إلى عمه الملك الأشرف يستنجده، ويطلبه ليحضر عنده بدمشق، ~~فسار إليه جريدة، فدخل دمشق. # فلما سمع الكامل بذلك لم يتقدم لعلمه أن البلد منيع، وقد صار به من يمنعه # PageV10P431 # ويحميه، وأرسل إليه الملك الأشرف يستعطفه، ويعرفه أنه ما جاء إلى دمشق ~~إلا طاعة له، وموافقة لأغراضه، والاتفاق معه على منع الفرنج عن البلاد، ~~فأعاد الكامل الجواب يقول: إنني ما جئت إلى هذه البلاد إلا بسبب الفرنج، ~~فإنهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه، وقد عمروا صيدا، وبعض ~~قيسارية، ولم يمنعوا، وأنت تعلم أن عمنا السلطان صلاح الدين فتح البيت ~~المقدس، فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضي الأعصار وممر الأيام، فإن ~~أخذه الفرنج، حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر ~~الجميل الذي ادخره عمنا، وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله تعالى؟ . # ثم إنهم ما يقنعون حينئذ بما أخذوه، ويتعدون إلى غيره، وحيث قد حضرت أنت ~~فأنا أعود إلى مصر، واحفظ أنت البلاد، ولست بالذي يقال عني إني قاتلت أخي، ~~وحصرته، حاشا لله تعالى. # وتأخر عن نابلس نحو الديار المصرية، ونزل تل العجول، فخاف الأشرف والناس ~~قاطبة بالشام، وعلموا أنه إن عاد، استولى الفرنج على البيت المقدس وغيره ~~مما يجاوره، لا مانع ms4577 دونه، فترددت الرسل، وسار الأشرف بنفسه إلى الكامل ~~أخيه، فحضر عنده، وكان وصوله ليلة عيد الأضحى، ومنعه من العود إلى مصر، ~~فأقاما بمكانهما. # ذكر نهب جلال الدين بلاد أرمينية. # في هذه السنة وصل جلال الدين خوارزم شاه إلى بلاد خلاط، وتعدى خلاط إلى ~~صحراء موش وجبل جور، ونهب الجميع، وسبى الحريم، واسترق الأولاد، وقتل ~~الرجال، وخرب القرى، وعاد إلى بلاده. # ولما وصل الخبر إلى البلاد الجزرية: حران، وسروج، وغيرهما، أنه قد جاز ~~خلاط إلى جور، وأنه قد قرب منهم، خاف أهل البلاد أن يجيء إليهم ; لأن ~~الزمان كان شتاء، وظنوا أنه يقصد الجزيرة ليشتي بها، لأن البرد بها ليس ~~بالشديد، وعزموا على الانتقال من بلادهم إلى الشام، ووصل بعض أهل سروج إلى ~~منبج من أرض الشام، فأتاهم الخبر أنه قد نهب البلاد وعاد، فأقاموا، وكان ~~سبب عوده أن الثلج سقط # PageV10P432 # ببلاد خلاط كثيرا، لم يعهد مثله، فأسرع العود. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة رخصت الأسعار بديار الجزيرة جميعها، وجاءت الغلات التي لهم ~~من الحنطة والشعير جيدا، إلا أن الرخص لم يبلغ الأول الذي كان قبل الغلاء، ~~إنما صارت الحنطة كل خمسة مكاكيك بدينار، والشعير كل سبعة عشر مكوكا ~~بالموصلي بدينار. # PageV10P433 ### | [ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة] ### | 626 - # ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة # ذكر تسليم البيت المقدس إلى الفرنج. # في هذه السنة أول ربيع الآخر، تسلم الفرنج - لعنهم الله - البيت المقدس ~~صلحا، أعاده الله إلى الإسلام سريعا. # وسبب ذلك ما ذكرناه سنة خمس وعشرين وستمائة من خروج الأنبرور، ملك الفرنج ~~في البحر من داخل بلاد الفرنج إلى ساحل الشام، وكانت عساكره قد سبقته، ~~ونزلوا بالساحل، وأفسدوا فيما يجاورهم من بلاد المسلمين، ومضى إليهم، وهم ~~بمدينة صور، طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة صور ~~وأطاعوهم، وصاروا معهم، وقوي طمع الفرنج بموت الملك المعظم عيسى ابن الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب دمشق. # ولما وصل الأنبرور إلى الساحل، نزل بمدينة عكا، وكان الملك الكامل - رحمه ~~الله تعالى - ابن الملك ms4578 العادل صاحب مصر، قد خرج من الديار المصرية يريد ~~الشام بعد وفاة أخيه المعظم، وهو نازل بتل العجول، يريد أن يملك دمشق من ~~الناصر داود ابن أخيه المعظم، وهو صاحبها يومئذ، وكان داود لما سمع بقصد ~~عمه الملك الكامل له، قد أرسل إلى عمه الملك الأشرف صاحب البلاد الجزرية، ~~يستنجده، ويطلب منه المساعدة على دفع عمه عنه، فسار إلى دمشق، وترددت الرسل ~~بينه وبين أخيه الملك الكامل في الصلح، فاصطلحا واتفقا، وسار الملك الأشرف ~~إلى الملك الكامل واجتمع به. # فلما اجتمعا، ترددت الرسل بينهما وبين الأنبرور ملك الفرنج دفعات كثيرة، ~~فاستقرت القاعدة على أن يسلموا إليه البيت المقدس ومعه مواضع يسيرة من ~~بلاده، ويكون باقي البلاد مثل الخليل، ونابلس، والغور، وملطية، وغير ذلك ~~بيد المسلمين # PageV10P434 # ولا يسلم إلى الفرنج إلا البيت المقدس والمواضع التي استقرت معه. # وكان سور البيت المقدس خرابا [قد] خربه الملك المعظم، وقد [ذكرنا] ذلك، ~~وتسلم الفرنج البيت المقدس، واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من ~~الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه، يسر الله فتحه وعوده إلى المسلمين بمنه ~~وكرمه، آمين. # ذكر ملك الملك الأشرف مدينة دمشق. # وفي هذه السنة يوم الاثنين ثاني شعبان، ملك الملك الأشرف ابن الملك ~~العادل مدينة دمشق من ابن أخيه صلاح الدين داود بن المعظم. # وسبب ذلك ما ذكرناه أن صاحب دمشق لما خاف من عمه الملك الكامل، أرسل إلى ~~عمه الأشرف يستنجده، ويستعين به على دفع الكامل عنه، فسار إليه من البلاد ~~الجزرية، ودخل دمشق، وفرح به صاحبها وأهل البلد. وكانوا قد احتاطوا، وهم ~~يتجهزون للحصار، فأمر بإزالة ذلك، وترك ما عزموا عليه من الاحتياط، وحلف ~~لصاحبها على المساعدة والحفظ له ولبلاده عليه، وراسل الملك الكامل واصطلحا، ~~وظن صاحب دمشق أنه معهما في الصلح. # وسار الأشرف إلى أخيه الكامل، واجتمعا في ذي الحجة من سنة خمس وعشرين، ~~يوم العيد، وسار صاحب دمشق إلى بيسان وأقام بها، وعاد الملك الأشرف من عند ~~أخيه، واجتمع هو وصاحب دمشق، ولم يكن الأشرف في كثرة ms4579 من العسكر، فبينما هما ~~جالسان في خيمة لهما، إذ قد دخل عز الدين أيبك، مملوك المعظم الذي كان صاحب ~~دمشق، وهو أكبر أمير مع ولده، فقال لصاحبه داود: قم اخرج وإلا # PageV10P435 # قبضت الساعة، فأخرجه، ولم يمكن الأشرف منعه ; لأن أيبك كان قد أركب ~~العسكر الذي لهم جميعه، وكانوا أكثر من الذين مع الأشرف، فخرج داود وسار هو ~~وعسكره إلى دمشق. # وكان سبب ذلك أن أيبك قيل له: إن الأشرف يريد القبض على صاحبه وأخذ دمشق ~~منه، ففعل ذلك، فلما عادوا، وصلت العساكر من الكامل إلى الأشرف، وسار فنازل ~~دمشق وحصرها، وأقام محاصرا لها إلى أن وصل إليه الملك الكامل، فحينئذ اشتد ~~الحصار، وعظم الخطب على أهل البلد، وبلغت القلوب الحناجر. # وكان من أشد الأمور على صاحبها أن المال عنده قليل ; لأن أمواله بالكرك، ~~ولوثوقه بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا، فاحتاج إلى أن باع حلي نسائه ~~وملبوسهن، وضاقت الأمور عليه، فخرج إلى عمه الكامل وبذل له تسليم دمشق ~~وقلعة الشوبك على أن يكون له الكرك، والغور، وبيسان، ونابلس، وأن يبقي على ~~أيبك قلعة صرخد وأعمالها. # وتسلم الكامل دمشق، وجعل نائبه بالقلعة إلى أن سلم إليه أخوه الأشرف حران ~~والرها، والرقة وسروج، ورأس عين من الجزيرة، فلما تسلم ذلك، سلم قلعة دمشق ~~إلى أخيه الأشرف، فدخلها وأقام بها، وسار الكامل إلى الديار الجزرية، فأقام ~~بها إلى أن استدعى أخاه الأشرف بسبب حصر جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة ~~خلاط، فلما حضر عنده بالرقة، عاد الكامل إلى ديار مصر، وأما الأشرف فكان ~~منه ما نذكره، إن شاء الله تعالى. # ذكر القبض على الحاجب علي وقتله. # وفي هذه السنة أرسل الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك، وهو أمير كبير في ~~دولته إلى مدينة خلاط، وأمره بالقبض على الحاجب حسام الدين علي بن حماد، # PageV10P436 # وهو المتولي لبلاد خلاط والحاكم فيها من قبل الأشرف. # ولم نعلم شيئا يوجب القبض عليه ; لأنه كان مشفقا عليه، ناصحا له، حافظا ~~لبلاده، وحسن السيرة مع الرعية، ولقد وقف هذه ms4580 المدة الطويلة في وجه خوارزم ~~شاه جلال الدين، وحفظ خلاط حفظا يعجز غيره عنه، وكان مهتما بحفظ بلاده، ~~وذابا عنها، وقد تقدم من ذكر قصده بلاد جلال الدين والاستيلاء على بعضها ما ~~يدل على همة عالية، وشجاعة تامة، وصار لصاحبه به منزلة عظيمة، فإن الناس ~~يقولون: بعض غلمان الملك الأشرف يقاوم خوارزم شاه. # وكان - رحمه الله - كثير الخير والإحسان، لا يمكن أحدا من ظلم، وعمل ~~كثيرا من أعمال البر، من الخانات في الطرق، والمساجد في البلاد، وبنى بخلاط ~~بيمارستانا وجامعا، وعمل كثيرا من الطرق، وأصلحها كان يشق سلوكها. # فلما وصل أيبك إلى خلاط، قبض عليه، ثم قتله غيلة ; لأنه كان عدوه، ولما ~~قتل ظهر أثر كفايته، فإن جلال الدين حصر خلاط بعد قبضه وملكها، على ما ~~نذكره إن شاء الله، ولم يمهل الله أيبك، بل انتقم منه سريعا، فإن جلال ~~الدين أخذ أيبك أسيرا لما ملك خلاط مع غيره من الأمراء، فلما اصطلح الأشرف ~~وجلال الدين أطلق الجميع، وذكر أن أيبك قتل. # وكان سبب قتله أن مملوكا للحاجب علي كان قد هرب إلى جلال الدين، فلما أسر ~~أيبك، طلبه ذلك المملوك من جلال الدين ليقتله بصاحبه الحاجب علي، فسلمه ~~إليه فقتله، وبلغني أن الملك الأشرف رأى في المنام كأن الحاجب عليا قد دخل ~~إلى مجلس فيه أيبك، فأخذ منديلا وجعله في رقبة أيبك وأخذه وخرج، فأصبح ~~الملك الأشرف وقال: قد مات أيبك، فإني رأيت في المنام كذا وكذا. # ذكر ملك الكامل مدينة حماة. # وفي هذه السنة أواخر شهر رمضان، ملك الملك الكامل مدينة حماة. وسبب ذلك ~~أن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر، وهو صاحب حماة، توفي على ما ~~نذكره، ولما حضرته الوفاة، حلف الجند وأكابر البلد لولده الأكبر، ويلقب ~~بالملك المظفر، وكان قد سيره أبوه إلى الملك الكامل صاحب مصر ; لأنه كان قد ~~تزوج # PageV10P437 # بابنته، وكان لمحمد ولد آخر اسمه قلج أرسلان، ولقبه صلاح الدين، وهو ~~بدمشق، فحضر إلى مدينة حماة فسلمت إليه، واستولى على المدينة وعلى قلعتها، ms4581 ~~فأرسل الملك [الكامل] يأمره أن يسلم البلد إلى أخيه الأكبر، فإن أباه أوصى ~~له به، فلم يفعل، وترددت الرسل في ذلك إلى الملك المعظم صاحب دمشق، فلم تقع ~~الإجابة. # فلما توفي المعظم، وخرج الكامل إلى الشام وملك دمشق، سير جيشا إلى حماة ~~فحصرها ثالث شهر رمضان، وكان المقدم على هذا الجيش أسد الدين شيركوه صاحب ~~حمص، وأمير كبير من عسكره يقال له فخر الدين عثمان، ومعهما ولد محمد بن تقي ~~الدين محمد الذي كان عند الكامل، فبقي الحصار على البلد عدة أيام. # وكان الملك الكامل قد سار عن دمشق ونزل على سلمية يريد العبور إلى البلاد ~~الجزرية، حران وغيرها، فلما نازلها قصده صاحب حماة صلاح الدين، ونزل إليه ~~من قلعته، ولم يكن لذلك سبب إلا أمر الله تعالى، فإن صلاح الدين قال ~~لأصحابه: أريد النزول إلى الملك الكامل، فقالوا له: ليس بالشام أحصن من ~~قلعتك، وقد جمعت من الذخائر ما لا حد له، فلأي شيء تنزل إليه؟ ليس هذا ~~برأي، فأصر على النزول، وأصروا على منعه، فقال في آخر الأمر: # اتركوني أنزل، وإلا ألقيت نفسي من القلعة، فحينئذ سكتوا عنه، فنزل في نفر ~~يسير، ووصل إلى الكامل، فاعتقله إلى أن سلم مدينة حماة وقلعتها إلى أخيه ~~الأكبر الملك المظفر، وبقي بيده قلعة بارين، فإنها كانت له، وكان هو ~~كالباحث عن حتفه بظلفه. # ذكر حصر جلال الدين خلاط وملكها. # وفي هذه السنة أوائل شوال، حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينة خلاط، وهي ~~للملك الأشرف، وبها عسكره، فامتنعوا بها، وأعانهم أهل البلد خوفا من جلال ~~الدين لسوء سيرته، وأسرفوا في الشتم والسفه، فأخذه اللجاج معهم، وأقام ~~عليهم جميع الشتاء محاصرا، وفرق كثيرا من عساكره في القرى والبلاد القريبة ~~من شدة البرد وكثرة الثلج، فإن خلاط من أشد البلاد بردا وأكثرها ثلجا. # وأبان جلال الدين عن عزم قوي، وصبر تحار العقول منه، ونصب عليها عدة ~~مجانيق، ولم يزل يرميها بالحجارة حتى خربت بعض سورها، فأعاد أهل البلد # PageV10P438 # عمارته، ولم يزل مصابرهم وملازمهم إلى ms4582 أواخر جمادى الأولى من سنة سبع ~~وعشرين [وستمائة] ، فزحف إليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد ~~الثامن والعشرين من جمادى الأولى، سلمها إليه بعض الأمراء غدرا. # فلما ملك البلد، صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها وامتنعوا ~~بها، وهو منازلهم، ووضع السيف في أهل [البلد] ، وقتل من وجد به منهم، ~~وكانوا قد قلوا، فإن بعضهم فارقوه خوفا، وبعضهم خرج منه من شدة الجوع، ~~وبعضهم مات من القلة وعدم القوت، فإن الناس في خلاط أكلوا الغنم، ثم البقر، ~~ثم الجواميس، ثم الخيل، ثم الحمر، ثم البغال والكلاب والسنانير، وسمعنا ~~أنهم كانوا يصطادون الفأر ويأكلونه، وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد. # ولم يملك من بلاد خلاط غيرها، وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه، ~~وخربوا خلاط، وأكثروا القتل فيها، ومن سلم هرب في البلاد، وسبوا الحريم، ~~واسترقوا الأولاد، وباعوا الجميع، فتمزقوا كل ممزق، وتفرقوا في البلاد، ~~ونهبوا الأموال، وجرى على أهلها ما لم يسمع بمثله أحد، لا جرم لم يمهله ~~الله - تعالى، وجرى عليه من الهزيمة بين المسلمين والتتر ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى. # ذكر عدة حوادث. # في أواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام، ونهبوا بلاده وأعماله، ~~وأسروا وسبوا، ومن جملة من ظفروا به طائفة كثيرة من التركمان، فأخذوا ~~الجميع، ولم يسلم منهم إلا النادر الشاذ، والله أعلم. # PageV10P439 ### | [ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة] ### | 627 - # ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة # ذكر انهزام جلال الدين من كيقباذ والأشرف. # في هذه السنة يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان، انهزم جلال الدين بن ~~خوارزم شاه من عبد الله بن كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب بلاد ~~الروم، قونية، وأقصرا، وسيواس، وملطية، وغيرها، ومن الملك الأشرف، صاحب ~~دمشق وديار الجزيرة وخلاط. # وسبب ذلك أن جلال الدين كان قد أطاعه صاحب أرزن الروم، وهو ابن عم علاء ~~الدين، ملك الروم، وبينه وبين ملك الروم عداوة مستحكمة، وحضر صاحب أرزن ~~الروم عند جلال الدين على خلاط، وأعانه على حصرها، فخافهما ms4583 علاء الدين، ~~فأرسل إلى الملك الكامل، وهو حينئذ بحران، يطلب منه أن يحضر أخاه الأشرف من ~~دمشق، فإنه كان مقيما بها بعد أن ملكها، وتابع علاء الدين الرسل بذلك خوفا ~~من جلال الدين، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف من دمشق، فحضر عنده، ورسل ~~علاء الدين إليهما متتابعة، يحث الأشرف على المجيء إليه والاجتماع به، حتى ~~قيل إنه في يوم واحد وصل إلى الكامل والأشرف من علاء الدين خمسة رسل، ويطلب ~~مع الجميع وصول الأشرف إليه ولو وحده، فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى ~~علاء الدين، فاجتمعا بسيواس، وسارا نحو خلاط، فسمع جلال الدين بهما، فسار ~~إليهما مجدا في السير، فوصل إليهما بمكان يعرف بباسي حمار، وهو من أعمال ~~أرزنجان، فالتقوا هناك. # PageV10P440 # وكان مع علاء الدين خلق كثير، قيل: كانوا عشرين ألف فارس، وكان مع الأشرف ~~نحو خمسة آلاف فارس، إلا أنهم من العساكر الجيدة الشجعان، لهم السلاح ~~الكثير، والدواب الفارهة من العربيات، وكل منهم قد جرب الحرب. وكان المقدم ~~عليهم أمير من أمراء عساكر حلب يقال له عز الدين عمر بن علي، وهو من ~~الأكراد الهكارية، ومن الشجاعة في الدرجة العليا، وله الأوصاف الجميلة ~~والأخلاق الكريمة. # فلما التقوا، بهت جلال الدين لما رأى من كثرة العساكر، ولا سيما لما رأى ~~عسكر الشام، فإنه شاهد من تجملهم، وسلاحهم، ودوابهم ما ملأ صدره رعبا، ~~فأنشب عز الدين بن علي القتال، ومعه عسكر حلب، فلم يقم لهم جلال الدين ولا ~~صبر، ومضى منهزما هو وعسكره، وتمزقوا لا يلوي الأخ على أخيه، وعادوا إلى ~~خلاط فاستصحبوا معهم من فيها من أصحابهم، وعادوا إلى أذربيجان فنزلوا عند ~~مدينة خوي، ولم يكونوا قد استولوا على شيء من أعمال خلاط سوى خلاط، ووصل ~~الملك الأشرف إلى خلاط وقد استصحبوا معهم من فيها فبقيت خاوية على عروشها، ~~خالية من الأهل والسكان، قد جرى عليهم ما ذكرناه قبل. # ذكر ملك علاء الدين أرزن الروم. # قد ذكرنا أن صاحب أرزن الروم كان مع جلال الدين على خلاط، ولم يزل معه، ms4584 ~~وشهد معه المصاف المذكور، فلما انهزم جلال الدين، أخذ صاحب أرزن الروم ~~أسيرا، فأحضر عند علاء الدين كيقباذ ابن عمه، فأخذه وقصد أرزن الروم، ~~فسلمها صاحبها إليه هي وما يتبعها من القلاع والخزائن وغيرها، فكان كما ~~قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين. # وهكذا هذا المسكين جاء إلى جلال الدين يطلب الزيادة، فوعده بشيء من بلاد ~~علاء الدين، فأخذ من ماله وما بيديه من البلاد وبقي أسيرا، فسبحان من لا ~~يزول ملكه. # PageV10P441 # ذكر الصلح بين الأشرف وعلاء الدين وبين جلال الدين. # لما عاد الأشرف إلى خلاط، ومضى جلال الدين منهزما إلى خوي، ترددت الرسل ~~بينهما، فاصطلحوا كل منهم على ما بيده، واستقرت القواعد على ذلك، وتحالفوا، ~~فلما استقر الصلح وجرت الأيمان، عاد الأشرف إلى سنجار، وسار منها إلى دمشق، ~~فأقام جلال الدين ببلاده من أذربيجان إلى أن خرج عليها التتر، على ما نذكره ~~إن شاء الله تعالى. # ذكر ملك شهاب الدين غازي مدينة أرزن. # كان حسام الدين صاحب مدينة أرزن من ديار بكر لم يزل مصاحبا للملك الأشرف، ~~مشاهدا جميع حروبه وحوادثه، وينفق أمواله من طاعته، ويبذل نفسه وعساكره في ~~مساعدته، فهو يعادي أعداءه، ويوالي أولياءه. # ومن جملة موافقته أنه كان في خلاط لما حصرها جلال الدين، فأسره جلال ~~الدين، وأراد أن يأخذ منه مدينة أرزن، فقيل له: إن هذا من بيت قديم عريق في ~~الملك، وإنه ورث أرزن هذه من أسلافه، وكان لهم سواها من البلاد، فخرج ~~الجميع من أيديهم، فعطف عليه ورق له، وأبقى عليه مدينته، وأخذ عليه العهود ~~والمواثيق أنه لا يقاتله. # فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين محاربين لجلال الدين، لم يحضر معهم في ~~الحرب، فلما انهزم جلال الدين، سار شهاب الدين غازي ابن الملك العادل، وهو ~~أخو الأشرف، وله مدينة ميافارقين، ومدينة حاني، وهو بمدينة أرزن، فحصره ~~بها، ثم ملكها صلحا، وعوضه عنها بمدينة حاني من ديار بكر. # وحسام الدين هذا نعم الرجل، حسن السيرة، كريم، جواد، لا يخلو بابه من ~~جماعة يردون إليه ms4585 يستمنحونه، وسيرته جميلة في ولايته ورعيته، وهو من بيت ~~قديم يقال له بيت طغان أرسلان، كان له مع أرزن بدليس ووسطان وغيرهما، ويقال ~~لهم بيت الأحدب، وهذه البلاد معهم من أيام ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، ~~فأخذ # PageV10P442 # بكتمر صاحب خلاط منهم بدليس، أخذها من عم حسام الدين هذا ; لأنه كان ~~موافقا لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فقصده بكتمر لذلك، وبقيت أرزن بيد هذا ~~إلى الآن، فأخذت منه، ولكل أول آخر، فسبحان من لا أول له ولا آخر لبقائه. # ذكر ملك سونج قشيالوا قلعة رويندز. # وفي هذه السنة ظهر أمير من أمراء التركمان اسمه سونج، ولقبه شمس الدين، ~~واسم قبيلته قشيالوا، وقوي أمره، وقطع الطريق، وكثر جمعه، وكان بين إربل ~~وهمذان، وهو ومن معه يقطعون الطريق، ويفسدون في الأرض، ثم إنه تعدى إلى ~~قلعة منيعة اسمها سارو، وهي لمظفر الدين، من أعمال إربل، فأخذها وقتل عندها ~~أميرا كبيرا من أمراء مظفر الدين، فجمع مظفر الدين، وأراد استعادتها منه، ~~فلم يمكنه لحصانتها، ولكثرة الجموع مع هذا الرجل، فاصطلحا على ترك القلعة ~~بيده. # وكان عسكر لجلال الدين بن خوارزم شاه يحصرون قلعة رويندز، وهي من قلاع ~~أذربيجان، من أحصن القلاع وأمنعها، لا يوجد مثلها، وقد طال الحصار على من ~~بها فأذعنوا بالتسليم، فأرسل جلال الدين بعض خواص أصحابه وثقاته ليتسلمها، ~~وأرسل معه الخلع والمال لمن بها، فلما صعد ذلك القاصد إلى القلعة وتسلمها، ~~أعطى بعض من بالقلعة، ولم يعط البعض، واستذلهم وطمع فيهم حيث استولى على ~~الحصن، فلما رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع والمال ما فعل بهم، أرسلوا إلى ~~سونج يطلبونه ليسلموا إليه القلعة، فسار إليهم في أصحابه فسلموها إليه، ~~فسبحان من إذا أراد أمرا سهله. # قلعة رويندز هذه لم تزل تتقاصر عنها قدرة أكابر الملوك وعظمائهم من قديم ~~الزمان وحديثه، وتضرب الأمثال بحصانتها، لما أراد الله - سبحانه وتعالى - ~~أن يملكها هذا الرجل الضعيف، سهل له الأمور، فملكها بغير قتال ولا تعب، ~~وأزال عنها أصحاب مثل جلال الدين الذي كل ملوك ms4586 الأرض تهابه وتخافه، وكان ~~أصحاب جلال الدين، كما قيل: رب ساع لقاعد. # فلما ملكها سونج، طمع في غيرها، ولا سيما مع اشتغال جلال الدين بما أصابه # PageV10P443 # من الهزيمة ومجيء التتر، فنزل من القلعة إلى مراغة، وهي قريب منها، ~~فحصرها، فأتاه سهم غرب فقتله، فلما قتل ملك [قلعة] رويندز أخوه، ثم إن هذا ~~الأخ الثاني نزل من القلعة، وقصد أعمال تبريز ونهبها، وعاد إلى القلعة ~~ليجعل فيها من ذلك النهب والغنيمة ذخيرة خوفا من التتر، وكانوا قد خرجوا، ~~فصادفه طائفة من التتر، فقتلوه وأخذوا ما معه من النهب، ولما قتل ملك ~~القلعة ابن أخت له، وكان هذا جميعه في مدة سنتين، فأف لدنيا لا تزال تتبع ~~فرحة بترحة، وكل حسنة بسيئة. # PageV10P444 ### | [ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة] ### | 628 - # ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة # ذكر خروج التتر إلى أذربيجان وما كان منهم. # في هذه السنة وصل التتر من بلاد ما وراء النهر إلى أذربيجان، وقد ذكرنا ~~قبل كيف ملكوا ما وراء النهر، وما صنعوه بخراسان وغيرها من البلاد من ~~النهب، والتخريب، والقتل، واستقر ملكهم بما وراء النهر، وعادت بلاد ما وراء ~~النهر فانعمرت، وعمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم عظيمة، وبقيت مدن خراسان ~~خرابا لا يجسر أحد من المسلمين [أن] يسكنها. # وأما التتر فكانوا تغير كل قليل طائفة منهم ينهبون ما يرونه بها، فالبلاد ~~خاوية على عروشها، فلم يزالوا كذلك إلى أن ظهر منهم طائفة سنة خمس وعشرين ~~[وستمائة] ، فكان بينهم وبين جلال الدين ما ذكرناه، وبقوا كذلك، فلما كان ~~الآن، وانهزم جلال الدين من علاء الدين كيقباذ ومن الأشرف، كما ذكرناه سنة ~~سبع وعشرين [وستمائة] ، أرسل مقدم الإسماعيلية الملاحدة إلى التتر يعرفهم ~~ضعف جلال الدين بالهزيمة الكائنة عليه، ويحثهم على قصده عقيب الضعف، ويضمن ~~لهم الظفر به للوهن الذي صار إليه. # وكان جلال الدين سيئ السيرة، قبيح التدبر لملكه، لم يترك أحدا من الملوك ~~المجاورين له إلا عاداه، ونازعه الملك، وأساء مجاورته، فمن ذلك أنه أول ما ~~ظهر في أصفهان وجمع ms4587 العساكر قصد خوزستان، فحصر مدينة ششتر، وهي للخليفة، ~~وسار إلى دقوقا فنهبها، وقتل فيها فأكثر، وهي للخليفة أيضا. # ثم ملك أذربيجان، وهي لأوزبك، وقصد الكرج وهزمهم وعاداهم، ثم عادى الملك ~~الأشرف صاحب خلاط، ثم عادى علاء الدين صاحب بلاد الروم، وعادى الإسماعيلية، ~~ونهب بلادهم، وقتل فيهم فأكثر، وقرر عليهم وظيفة من المال كل سنة، وكذلك ~~غيرهم، فكل من الملوك تخلى عنه، ولم يأخذ بيده. # PageV10P445 # فلما وصلت كتب مقدم الإسماعيلية إلى التتر يستدعيهم إلى قصد جلال الدين، ~~بادر طائفة منهم فدخلوا بلادهم، واستولوا على الري وهمذان ومما بينهما من ~~البلاد، ثم قصدوا أذربيجان فخربوا ونهبوا وقتلوا من ظفروا به من أهلها، ~~وجلال الدين لا يقدم على أن يلقاهم، ولا يقدر أن يمنعهم عن البلاد، قد ملئ ~~رعبا وخوفا، وانضاف إلى ذلك أن عسكره اختلفوا عليه، وخرج وزيره عن طاعته في ~~طائفة كثيرة من العسكر. # وكان السبب غريبا أظهر من قلة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله، وذلك أنه ~~كان له خادم خصي، وكان جلال الدين يهواه، واسمه قلج، فاتفق أن الخادم مات، ~~فأظهر من الهلع والجزع عليه ما لم يسمع بمثله، ولا لمجنون ليلى، وأمر الجند ~~والأمراء أن يمشوا في جنازته رجالة، وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة ~~فراسخ، فمشى الناس رجالة، ومشى بعض الطريق راجلا، فألزمه أمراؤه ووزيره ~~بالركوب، فلما وصل إلى تبريز أرسل إلى أهل البلد، فأمرهم بالخروج عن البلد ~~لتلقي تابوت الخادم، ففعلوا، فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا، ولم يظهروا من ~~الحزن والبكاء أكثر مما فعلوا، وأراد معاقبتهم على ذلك، فشفع فيهم أمراؤه ~~فتركهم. # ثم لم يدفن ذلك الخصي، وإنما يستصحبه معه حيث سار، وهو يلطم ويبكي، ~~فامتنع من الأكل والشرب، وكان إذا قدم له طعام، يقول: احملوا من هذا إلى ~~فلان، يعني الخادم، ولا يتجاسر أحد [أن] يقول إنه مات، فإنه قيل له مرة إنه ~~مات، فقتل القائل له ذلك، إنما كانوا يحملون إليه الطعام، ويعودون فيقولون: ~~إنه يقبل الأرض ويقول: إنني الآن أصلح مما ms4588 كنت، فلحق أمراءه من الغيظ ~~والأنفة من هذه الحالة ما حملهم على مفارقة طاعته والانحياز عنه مع وزيره، ~~فبقي حيران لا يدري ما يصنع، ولا سيما لما خرج التتر، فحينئذ دفن الغلام ~~الخصي، وراسل الوزير واستماله وخدعه إلى أن حضر عنده، فلما وصل إليه، بقي ~~أياما وقتله جلال الدين، وهذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها. # ذكر ملك التتر مراغة. # وفي هذه السنة حصر التتر مراغة من أذربيجان، فامتنع أهلها، ثم أذعن أهلها ~~بالتسليم على أمان طلبوه، فبذلوا لهم الأمان، وتسلموا البلد وقتلوا فيه إلا ~~أنهم لم # PageV10P446 # يكثروا القتل وجعلوا في البلد شحنة، وعظم حينئذ شأن التتر، واشتد خوف ~~الناس منهم بأذربيجان، فالله - تعالى - ينصر الإسلام والمسلمين نصرا من ~~عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، ولا في نصرة الدين، ~~بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال ~~الله - تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] ~~. # ذكر وصول جلال الدين إلى آمد، وانهزامه عندها، وما كان منه. # لما رأى جلال الدين ما يفعله التتر في بلاد أذربيجان، وأنهم مقيمون بها ~~يقتلون وينهبون، ويأسرون ويخربون البلاد، ويجبون الأموال، وهم عازمون على ~~قصده، ورأى ما هو عليه من الوهن والضعف، فارق أذربيجان إلى بلاد خلاط، ~~وأرسل إلى النائب بها عن الملك الأشرف يقول له: ما جئنا للحرب ولا للأذى، ~~إنما خوف هذا العدو حملنا على قصد بلادكم. # وكان عازما على أن يقصد ديار بكر والجزيرة، ويقصد باب الخليفة يستنجده ~~وجميع الملوك على التتر، ويطلب منهم المساعدة على دفعهم، ويحذرهم عاقبة ~~إهمالهم، فوصل إلى خلاط، فبلغه أن التتر يطلبونه، وهم مجدون في أثره، فسار ~~إلى آمد، وجعل له اليزك في عدة مواضع خوفا من البيات، فجاءت طائفة من التتر ~~يقصون أثره، فوصلوا إليه وهم على غير الطريق الذي فيه اليزك، فأوقعوا به ~~ليلا وهو بظاهر مدينة آمد، فمضى منهزما على وجهه، وتفرق من معه من العسكر ~~وتمزقوا في كل وجه، ms4589 فقصد طائفة من عسكره حران، فأوقع بهم الأمير صواب ومن ~~معه من عسكر الكامل بحران، فأخذوا ما معهم من مال، وسلاح ودواب، وقصد طائفة ~~منهم نصيبين والموصل، وسنجار وإربل وغير ذلك من البلاد، فتخطفهم الملوك ~~والرعايا، وطمع فيهم كل أحد، حتى الفلاح والكردي، والبدوي وغيرهم، وانتقم ~~منهم وجازاهم على سوء صنيعهم، وقبيح فعلهم في خلاط وغيرها، وبما سعوا في ~~الأرض من الفساد، والله لا يحب المفسدين، فازداد جلال الدين ضعفا إلى ضعفه، ~~ووهنا إلى وهنه بمن تفرق من عسكره، وبما جرى عليهم. # فلما فعل التتر بهم ذلك، ومضى منهزما منهم، دخلوا ديار بكر في طلبه ; ~~لأنهم # PageV10P447 # لم يعلموا أين قصد، ولا أي طريق سلك، فسبحان من بدل أمنهم خوفا، وعزهم ~~ذلا، وكثرتهم قلة، فتبارك الله رب العالمين، الفعال لما يشاء. # ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة، وما فعلوه في البلاد من الفساد. # لما انهزم جلال الدين من التتر على آمد، نهب التتر سواد آمد وأرزن ~~وميافارقين، وقصدوا مدينة أسعرد، فقاتلهم أهلها، فبذل لهم التتر الأمان، ~~فوثقوا منهم واستسلموا، فلما تمكن التتر منهم، وضعوا فيهم السيف وقتلوهم ~~حتى كادوا يأتون عليهم، فلم يسلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. # حكى لي بعض التجار، وكان قد وصل آمد، أنهم حزروا القتلى ما يزيد على خمسة ~~عشر ألف قتيل، وكان مع هذا التاجر جارية من أسعرد، فذكرت أن سيدها خرج ~~ليقاتل، وكان له أم، فمنعته، ولم يكن لها ولد سواه، فلم يصغ إلى قولها، ~~فمشت معه، فقتلا جميعا، وورثها ابن أخ للأم، فباعها من هذا التاجر، وذكرت ~~من كثرة القتلى أمرا عظيما، وأن مدة الحصار كانت خمسة أيام. # ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك، وساروا من طنزة إلى واد ~~بالقرب من طنزة يقال له وادي القريشية، فيه مياه جارية، وبساتين كثيرة، ~~والطريق إليه ضيق، فقاتلهم أهل القريشية فمنعوهم عنه، وامتنعوا عليهم، وقتل ~~بينهم كثير، فعاد التتر ولم يبلغوا منهم غرضا، وساروا في البلاد لا مانع ~~يمنعهم، ولا أحد يقف ms4590 بين أيديهم، فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا من ~~بلدها، واحتمى صاحب ماردين وأهل دنيسر بقلعة ماردين، وغيرهم ممن جاور ~~القلعة احتمى بها أيضا. # ثم وصلوا إلى نصيبين الجزيرة، فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها ~~وقتلوا # PageV10P448 # من ظفروا به، وغلقت أبوابها، فعادوا عنها، ومضوا إلى بلد سنجار، ووصلوا ~~إلى الجبال من أعمال سنجار، فنهبوها ودخلوا إلى الخابور، فوصلوا إلى ~~عرابان، فنهبوا، وقتلوا، وعادوا. # ومضى طائفة منهم على طريق الموصل، فوصل القوم إلى قرية تسمى المؤنسة، وهي ~~على مرحلة من نصيبين، بينها وبين الموصل، فنهبوها واحتمى أهلها وغيرهم بخان ~~فيها، فقتلوا كل من فيه. # وحكي لي عن رجل منهم أنه قال: اختفيت منهم ببيت فيه تبن، فلم يظفروا بي، ~~وكنت أراهم من نافذة في البيت، فكانوا إذا أرادوا قتل إنسان، فيقول: لا ~~بالله، فيقتلونه، فلما فرغوا من القرية، ونهبوا ما فيها، وسبوا الحريم، ~~رأيتهم وهم يلعبون على الخيل، ويضحكون، ويغنون بلغتهم بقول: لا بالله. # ومضى طائفة منهم إلى نصيبين الروم، وهي على الفرات، وهما من أعمال آمد، ~~فنهبوها، وقتلوا فيها، ثم عادوا إلى آمد، ثم إلى بلد بدليس، فتحصن أهلها ~~بالقلعة وبالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، وأحرقوا المدينة. # وحكى إنسان من أهلها، قال: لو كان عندنا خمس مائة فارس، لم يسلم من التتر ~~أحد ; لأن الطريق ضيق بين الجبال، والقليل يقدر على منع الكثير. # ثم ساروا من بدليس إلى خلاط، فحصروا مدينة من أعمال خلاط يقال لها: ~~باكرى، وهي من أحصن البلاد، فملكوها عنوة، وقتلوا كل من بها، وقصدوا مدينة ~~أرجيش من أعمال خلاط، وهي مدينة كبيرة عظيمة، ففعلوا كذلك، وكان هذا في ذي ~~الحجة. # ولقد حكي لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقى الله - ~~سبحانه وتعالى - في قلوب الناس منهم، حتى قيل: إن الرجل الواحد منهم كان ~~يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحدا بعد ~~واحد، لا يتجاسر أحد [أن] يمد يده إلى ذلك الفارس. # ولقد بلغني أن إنسانا منهم أخذ ms4591 رجلا، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، ~~فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري ~~فأحضر سيفا وقتله به. # وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق، فجاءنا فارس # PageV10P449 # من التتر، وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، ~~فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف. فقلت: هذا يريد ~~قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد [أن] يفعل، ~~فأخذت سكينا وقتلته وهربنا فنجونا، وأمثال هذا كثير. # ذكر وصول طائفة من التتر إلى إربل ودقوقا. # في هذه السنة في ذي الحجة، وصل طائفة من التتر من أذربيجان إلى أعمال ~~إربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوانية والأكراد الجوزقان ~~وغيرهم إلى أن دخلوا بلد إربل، فنهبوا القرى، وقتلوا من ظفروا به من أهل ~~تلك الأعمال، وعملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع بمثلها من غيرهم. # وبرز مظفر الدين صاحب إربل في عساكره، واستمد عساكر الموصل فساروا إليه، ~~فلما بلغه عود التتر إلى أذربيجان، أقام في بلاده [ولم يتبعهم] ، فوصلوا ~~إلى بلد الكرخيني، وبلد دقوقا، وغير ذلك، وعادوا سالمين لم يذعرهم أحد، ولا ~~وقف في وجوههم فارس. # وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها، فالله ~~- سبحانه وتعالى - يلطف بالمسلمين ويرحمهم، ويرد هذا العدو عنهم، وخرجت هذه ~~السنة ولم نتحقق لجلال الدين خبرا، ولا نعلم هل قتل أو اختفى، لم يظهر نفسه ~~خوفا من التتر، أو فارق البلاد إلى غيرها، والله أعلم. # ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتر. # في أواخر هذه السنة أطاع أهل بلاد أذربيجان جميعها للتتر، وحملوا إليهم ~~الأموال والثياب الخطائي، والخويي، والعتابي، وغير ذلك، وسبب طاعتهم أن ~~جلال الدين لما انهزم على آمد من التتر، وتفرقت عساكره، وتمزقوا كل ممزق، ~~وتخطفهم الناس، وفعل التتر بديار بكر والجزيرة، وإربل وخلاط ما فعلوا، ولم ~~يمنعهم # PageV10P450 # أحد، ولا وقف في وجوههم واقف، وملوك الإسلام منجحرون في الأثقاب، وانضاف ~~إلى ms4592 هذا انقطاع أخبار جلال الدين، فإنه لم يظهر له خبر، ولا علموا له حالة، ~~سقط في أيديهم، وأذعنوا للتتر بالطاعة، وحملوا إليهم ما طلبوا منهم من ~~الأموال والثياب. # من ذلك مدينة تبريز التي هي أصل بلاد أذربيجان، ومرجع الجميع إليها وإلى ~~من بها، فإن ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها، وأرسل إلى أهلها يدعوهم ~~إلى طاعته، ويتهددهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه المال الكثير، والتحف ~~من أنواع الثياب الإبريسم وغيرها، وكل شيء حتى الخمر، وبذلوا له الطاعة، ~~فأعاد الجواب يشكرهم، ويطلب منهم أن يحضر مقدموهم عنده، فقصده قاضي البلد ~~ورئيسه، وجماعة من أعيان أهله، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائي، وهو الذي ~~يرجع الجميع إليه، إلا أنه لا يظهر شيئا من ذلك. # فلما حضروا عنده، سألهم عن امتناع الطغرائي من الحضور، فقالوا: إنه رجل ~~منقطع، ما له بالملوك تعلق، ونحن الأصل، فسكت ثم طلب أن يحضروا عنده من ~~صناع الثياب الخطائي وغيرها، ليستعمل لملكهم الأعظم، فإن هذا هو من أتباع ~~ذلك الملك، فأحضروا الصناع، فاستعملهم في الذي أرادوا، ووزن أهل تبريز ~~الثمن، وطلب منهم خركاة لملكه أيضا، فعملوا له خركاة لم يعمل مثلها، وعملوا ~~غشاءها من الأطلس الجيد المزركش، وعملوا من داخلها السمور والقندز، فجاءت ~~عليهم بجملة كثيرة، وقرر عليهم شيئا من المال كل سنة، وترددت رسلهم إلى ~~ديوان الخلافة وإلى جماعة من الملوك يطلبون منهم أنهم لا ينصرون خوارزم ~~شاه. # ولقد وقفت على كتاب وصل من تاجر من أهل الري في العام الماضي، قبل خروج ~~التتر، فلما وصل التتر إلى الري وأطاعهم أهلها، وساروا إلى أذربيجان، سار ~~هو معهم إلى تبريز، فكتب إلى أصحابه بالموصل يقول: إن الكافر - لعنه الله - ~~ما نقدر [أن] نصفه، ولا نذكر جموعه حتى لا تنقطع قلوب المسلمين، فإن الأمر ~~عظيم، ولا تظنوا أن هذه الطائفة التي وصلت إلى نصيبين والخابور، والطائفة ~~الأخرى التي وصلت إلى إربل ودقوقا، كان قصدهم النهب، إنما أرادوا أن يعلموا ~~هل في البلاد من # PageV10P451 # يردهم أم لا، فلما عادوا، أخبروا ms4593 ملكهم بخلو البلاد من مانع ومدافع، وأن ~~البلاد خالية من ملك وعساكر، فقوي طمعهم، وهم في الربيع يقصدونكم، وما يبقى ~~عندكم مقام، إلا إن كان في بلد الغرب، فإن عزمهم على قصد البلاد جميعها، ~~فانظروا لأنفسكم. هذا مضمون الكتاب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأما جلال الدين فإلى آخر سنة ثمان وعشرين ~~[وستمائة] لم يظهر له خبر، وكذلك إلى سلخ صفر سنة تسع لم نقف له على حال، ~~والله المستعان. # ذكر عدة حوادث. # في هذه السنة قلت الأمطار بديار الجزيرة والشام، ولا سيما حلب وأعمالها ~~فإنها كانت قليلة بالمرة، وغلت الأسعار بالبلاد، وكان أشدها غلاء حلب، إلا ~~أنه لم يكن بالشديد مثل ما تقدم في السنين الماضية، فأخرج أتابك شهاب ~~الدين، وهو والي الأمر بحلب، والمرجع إلى أمره ونهيه، وهو المدبر لدولة ~~سلطانها الملك العزيز ابن الملك الظاهر، والمربي له، من المال والغلات ~~كثيرا، وتصدق صدقات دارة، وساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء أثر، ~~فجزاه الله خيرا. # وفيها بنى أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، قلعة عند سلمية، وسماها ~~سميمس، وكان الملك الكامل لما خرج من مصر إلى الشام، قد خدمه أسد الدين، ~~ونصح له، وله أثر عظيم في طاعته والمقاتلة بين يديه، فأقطعه مدينة سلمية، ~~فبنى هذه القلعة بالقرب من سلمية، وهي على تل عال. # وفيها قصد الفرنج الذين بالشام مدينة جبلة، وهي بين جملة المدن المضافة ~~إلى حلب، ودخلوا إليها، وأخذوا منها غنيمة وأسرى، فسير أتابك شهاب الدين ~~إليهم العساكر مع أمير كان أقطعها، فقاتل الفرنج، وقتل منهم كثيرا، واسترد ~~الأسرى والغنيمة. # [الوفيات] . # وفيها توفي القاضي ابن غنائم بن العديم الحلبي، الشيخ الصالح، وكان من ~~المجتهدين في العبادة والرياضة والعاملين بعلمه، فلو قال قائل: إنه لم يكن ~~في زمانه # PageV10P452 # أعبد منه، لكان صادقا، فرضي الله عنه وأرضاه، فإنه من جملة شيوخنا، سمعنا ~~عليه الحديث، وانتفعنا برؤيته وكلامه. # وفيها أيضا في الثاني عشر من ربيع الأول توفي صديقنا أبو ms4594 القاسم عبد ~~المجيد بن العجمي الحلبي، وهو وأهل بيته مقدمو السنة بحلب، وكان رجلا ذا ~~مروءة غزيرة، وخلق حسن، وحلم وافر، ورئاسة كثيرة، يحب إطعام الطعام، وأحب ~~الناس إليه من يأكل طعامه، ويقبل بره، وكان يلقى أضيافه بوجه منبسط ولا ~~يقعد عن إيصال راحة، وقضاء حاجة، فرحمه الله رحمة واسعة. PageV10P453 ms4595