######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007240 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن القلعي الشافعي (المتوفى: 630هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 630 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تهذيب الرياسة وترتيب السياسة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007240 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7240 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7240 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إبراهيم يوسف مصطفى عجو #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المنار - الأردن الزرقاء #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم وبالله أثق وعليه أتوكل # والحمد لله حمدا كثيرا دائما متواترا متواصلا مترادفا متكاثفا متظاهرا ~~متظافرا حمد من اعترف ببره وآلائه شاكرا وسلم لقدره وقضائه صابرا وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أولا آخرا صمدا قيوما باطنا ~~ظاهرا حيا مريدا عالما قادرا سميعا بصيرا ناهيا وآمرا # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ابتعثه ليعمر من الدين دائرا وينعش من الحق ~~عابرا ويقطع من الكفر دابرا ويغيض من الضلالة بحرا زاخرا فلم يزل صلى الله ~~عليه وسلم لحسام الإسلام شاهرا وبإعلان الحق مجاهرا ولجهاد أهل العناد ~~مصابرا وعن عبادة الأصنام والأوثان زاجرا حتى عاد ربع الدين عامرا # PageV01P071 # وأضاء فلك اليقين دائرا ورجع الكفر والضلال إلى الثبات والحسار داحرا صلى ~~الله عليه وآله ما انهل النوء السماكي ماطرا وحدى العيس حاديها واردا ~~وصادرا وبعد # فهذا الكتاب جمعته في تهذيب الرياسة وترتيب السياسة وجعلته قسمين القسم ~~الأول منه يشتمل على أنواع أبواب يحتوي على غرر من كلام الحكماء ودرر ~~الفصحاء ما ينسبك في قالب الأمثال الشاردة وينتظم في سلك الحكم الواردة ~~يتضمن محاسن الأوصاف المحمودة من ذوي الأمر وذم أضدادها وما يجب استعماله ~~أو تركه من الأمور التي يحمد متبعها عاقبة إصدارها وإيرادها # والقسم الثاني بحكايات من الخلفاء ووزرائهم وعمالهم وأمرائهم مما يدل على ~~نبلهم وغزارة فضلهم وحسن سيرتهم وكمال مروءتهم وما اشتملت عليه طرائقهم ~~وحوتة خلائفهم من العدل والإنصاف والبذل والإسعاف والعفو عند الاقتدار ~~ومعرفة حقوق ذوي الأقدار وقبول النصح # PageV01P072 # من الناصحين وسماع الموعظة من الصالحين مع ما اتصفوا به من علم وأدب ~~ووقار وحلم وفصاحة وبراعة وسماحة وشجاعة فمن اتخذ ذلك إماما ارتفع وانتفع ~~ومن عمل بما شاكله رشد وحمد # وقد ابتدأت ذلك بذكر وجوب الإمامة وعدم الاستغناء عن الولاة وما يجب لهم ~~على الكافة من الطاعة والموالاة والله تعالى الموفق لانتظامه والتيامه ~~والمعين على إتمامه واختتامه # PageV01P073 # باب في ذكر وجوب الإمامة والاحتياج إلى السلطان وعدم الاستغناء عنه في ~~جميع الأزمان # أجمعت الأمة ms001 قاطبة إلا من لا يعتد بخلافه على وجوب نصب الإمام على ~~الإطلاق وإن اختلفوا في أوصافه وشرائطه # PageV01P074 # فأقول نظام أمر الدين والدنيا مقصود ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود لو نقل ~~بوجوب الإمامة لأدى ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة لو لم ~~يكن للناس ق 2 إمام مطاع لانثلم شرف الإسلام وضاع لو لم يكن للأمة إمام ~~قاهر لتعطلت المحاريب والمناظر وانقطعت السبل للوارد والصادر لو خلا عصر من ~~إمام لتعطلت فيه # PageV01P094 # الأحكام وضاعت الأيتام ولم يحج البيت الحرام لولا الأئمة والقضاة ~~والسلاطين والولاة لما نكحت الأيامى ولا كفلت اليتامى لولا السلطان لكانت ~~الناس فوضى ولأكل بعضهم بعضا وفي الحديث السلطان ظل الله في الأرض يأوي ~~إليه كل مظلوم # وقال عثمان رضي الله عنه ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ~~ومعنى يزع أي يمنع ويكف ويردع وقال بعض القدماء الدين والسلطان توأمان وقيل ~~الدين أس والسلطان حارس فما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع # PageV01P095 # وقال عمرو بن العاص إمام عادل خير من مطر وابل وأسد حطوم خير من سلطان ~~غشوم وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم # وقال كعب الأحبار مثل الإسلام والسلطان مثل عمود وفسطاط فالفسطاط الإسلام ~~والعمود السلطان والأوتاد الناس ولا يصلح بعضهم إلا ببعض # وقال الأفوه الأودي # PageV01P096 # (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا) # (كالبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عمود إذا لم ترسى أوتاد) # (فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا) # وقال ابن المعتز فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح وقال بعض ~~البلغاء السلطان زمام الملة ونظام الجملة وجلاء الغمة ورباط البيضة وعماد ~~الحوزة وقال آخر السلطان يدافع عن سواد الأمة ببياض الدعوة # PageV01P097 # باب في ذكر الوالي العادل وماله من الأجر والوالي الجائر وما عليه من ~~الوزر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله عز وجل تحت ظل عرشه ~~يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب ms002 نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق في ~~المساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجلان ~~تحابا في الله عز وجل اجتمعا على ذلك ثم تفرقا ورجل دعته امرأة ذات حسن ~~وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله عز وجل ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمام ~~العادل وحقيق أن يبدأ به لأنه من العالم بمنزلة السواد من العين بل بمنزلة ~~السويداء من القلب بل هو بمنزلة القلب من الجسد فبصلاحه يصلح الجسد وبفساده ~~يفسد # PageV01P098 # كما قال صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله وهي القلب # وقد تقدم قول ابن المعتز فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسد بلا روح وإنما ~~كان السلطان بهذه المثابة لأنه في نفسه إمام متبوع وفي سيرته دين مشروع فإن ~~ظلم لم يعدل ق 3 أحد في حكم وإن عدل لم يستجري أحد على ظلم # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حمل إليه مغانم العراق عند ~~افتتاحها وما أصاب من كنوز كسرى ورأى ما فيها من الجواهر النفيسة جعل يتعجب ~~منها ويقول إن الذي أدى هذا لأمين فقال له # PageV01P099 # عبد الرحمن بن عوف أنا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين أنت أمين الله وهم ~~أمناؤك فما دمت مؤديا للأمانة أدوها ومتى رتعت رتعوا # وفي بعض الآثار الناس على دين الملك وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ~~في كتابه إلى هرقل عظيم الروم أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن أبيت فإن عليك ~~إثم الأريسيين والأريسيون الأكاريون قيل معناه أن الرعية أتباع للملوك في ~~الخير والشر والإسلام والكفر فمتى أبيت قبول الإسلام وتخلفت عنه وأقمت على ~~الكفر كان ذلك سبب تخلف رعيتك عن الإسلام وتركهم الدخول فيه فيكون عليك مثل ~~إثمهم # وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر ms003 من ~~عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P100 # من دعا إلى هدى كان له من مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم ومن دعا ~~إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيء # وقال صلى الله عليه وسلم إن أحب الناس إلى الله تعالى وأقربهم منه إمام ~~عادل وإن أبغض الناس إلى اله تعالى وأبعدهم منه وأشدهم عذابا إمام جائر # وفي حديث آخر إن أفضل عباد الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق وإن ~~أشر عباد الله منزلة يوم القيامة إمام جائر # وقال صلى الله عليه وسلم الإمام جنة يقاتل من وراءه ويتقى به فإن أمر ~~بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر وإن أمر بغيره كان عليه وزر # PageV01P101 # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة يبغضهم الله الإمام الجائر والشيخ الزاني ~~والفقير المختال وروت عائشة رضي الله عنها قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول في بيتي هذا اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فأشقق ~~عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به وهذا عام في كل وال ~~ولايته عمت أو خصت قلت أو كثرت عظمت أو صغرت # وقال صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين ~~العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا # PageV01P102 # وقال صلى الله عليه وسلم ما من أمير عشره إلا جيء به يوم القيامة مغلولة ~~يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه أي يهلكه وقال عليه ~~السلام عدل ساعة في حكومة خير من عبادة سنة وقال صلى الله عليه وسلم العامل ~~على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته وعن أبي ذر رحمه ~~الله تعالى يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب يده على منكبي ثم ms004 قال يا ~~أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة وندامة إلا من ~~أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV01P103 # قال له يا أبا ذر إني أراك ق 4 ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن ~~على اثنين ولا تولين على مال يتيم # وعن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب على منكبه ~~ثم قال أفلحت يا مقدام إن لم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا # وروي أن رجلا قال لسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبي شيخ كبير وهو عريف ~~الماء وهو يسألك أن تجعل العرافة لي بعده قال صلى الله عليه وسلم إن ~~العرافة حق ولا بد للناس من العرفاء ولكن العرفاء في النار # PageV01P104 # وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة صاحب مكس # وسنذكر إن شاء الله فيما بعد ما ورد من ألفاظ الحكماء والبلغاء في مدح ~~العدل وذم الجور في باب مفرد إن شاء الله تعالى # PageV01P105 # باب في ذكر ما يجب على الرعية للولاة من الطاعة وما يكره لهم من المعصية ~~والخروج عليهم ومفارقة الجماعة # قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} # PageV01P106 # وقرنها بطاعته وطاعة رسوله وقد فسر ذلك أكثر أهل العلم بأن # PageV01P107 # المراد بأولي الأمر أمراء المسلمين وروى ذلك عن أبي هريرة وابن عباس رضي ~~الله عنهما وزيد بن أسلم رضي الله عنه وهو اختيار أكثر العلماء # وقال صلى الله عليه وسلم ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى ~~الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني # PageV01P108 # وقال صلى الله عليه وسلم لو استعمل عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف ويقودكم ~~بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا # وعن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة # PageV01P109 # علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن ms005 تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه ~~برهان # وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون بعدي ~~أثرة وأمور تنكرونها قال يا رسول الله فما تأمر من أدرك ذلك قال تؤدون الحق ~~الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم # وقال صلى الله عليه وسلم للأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى ~~تلقوني على الحوض # PageV01P110 # وعن حذيفة بن اليماني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تكون بعدي ~~أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب ~~الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت قال تسمع ~~وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع # وقال صلى الله عليه وسلم من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات ميتة ~~جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب للعصبية ويقاتل للعصبية فلبس مني ومن ~~خرج من أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى لمؤنها ولا يفي لذي عهدها فليس ~~مني وقال صلى الله عليه وسلم # PageV01P111 # من رأى من أميره ما يكره فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة ~~جاهلية # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال إذا كان الإمام عادلا فله الأجر ~~وعليكم الشكر وإن كان جائرا فعليكم الصبر وعليه الوزر ق 5 # وفي الحديث من نزع يده من الطاعة لم يكن له حجة يوم القيامة # PageV01P112 # وفي آخر من رافق الجماعة واستذل الأمارة لقي الله عز وجل ولا وجه له عنده # وفي حديث آخر من أهان سلطان الله أهانه الله ومن أكرم سلطان الله أكرمه ~~الله # قلت ليس المراد بما ورد في هذه الأخبار أن نطيعه في المعصية إذا أمر بها ~~ونقتدي فيه بها بل المراد به أن السلطان إذا فسق وجار لم يخرج بذلك عن أن ~~تكون طاعته واجبة في سائر الأحكام التي لا معصية فيها # PageV01P113 # بل تجب مخالفته في المعصية وطاعته في الأمور اللازمة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرء المسلم السمع والطاعة فيما ms006 ~~أحب وكره إلا أن يمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة # PageV01P114 # وقال صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # وفي حديث آخر من أمركم من الولاة بغير طاعة الله فلا تطيعوه # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر عليه رجلا وأمرهم أن ~~يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال اجمعوا حطبا فجمعوا ثم قال أوقدوا ~~نارا فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي ~~وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار وكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطئت ~~النار فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال لو ~~دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف # عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P115 # قال وتستعمل عليكم أمراء فتعرقون وتنكرون فمن كره فقد برىء ومن أنكر فقد ~~سلم لكن من رضي وتابع قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا وقال ~~عليه الصلاة السلام خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ~~ويصلون عليكم وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلكعنونكم ~~قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة فإذا ~~رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من الطاعة # PageV01P116 # وقال عليه الصلاة السلام سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم في كذبهم ~~وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض ومن لم يدخل ~~عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم على كذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد ~~على الحوض # فهذه الأحاديث تدلك على أنه يجب على المرء كراهة ما أحدثوا من بدعة وترك ~~موافقهم على مخالفة السنة والإمتناع عن طاعتهم في المعصية مع الإنكفاء عن ~~الخروج عليهم وملازمة جماعتهم في الطاعة وامتثال أوامرهم في المباح ~~والإنقياد لأحكامهم في المعروف فيستديم بذلك سلامة دينه ms007 وصلاح دنياه وحقن ~~دمه وحفظ ماله وحياته وعرضه # وقال بعض الحكماء من عصى السلطان فقد أطاع الشيطان وقال بعض الكتاب من ~~نابذ السلطان كان في الأشقين مكتوبا والندم # PageV01P117 # والغم مكتوبا وقال آخر من فارق الإعتصام بحبله حالفه الخسران وعانقه ~~الخذلان وترصدت له المنون ق 6 وطحنته الحرب الزبون # ومن كتاب المبهج أخلق بدم المستخف بالجبابرة أن يكون دمه جهارا وقال ~~بعضهم من تعرض لمساوىء سلطانه تعرض لقطع لسانه # PageV01P118 # باب في ذكر مجامع يجب أن يتصف به الملك من الطرائق الجميلة والمذاهب ~~النبيلة والشيم الزكية والسير المرضية # قال بعض الحكماء السلطان ظل الله في أرضه والحاكم في دينه وفرضه قد حصنه ~~الله بإحسانه وأشركه في سلطانه وندبه لرعاية خلقه ونصبه لنصرة حقه إن أطاعه ~~في أوامره ونواهيه تكفل بنصرته وحراسته وإن عصاه فيهما وكله إلى نفسه # ومن مكنه الله في أرضه وبلاده وأتمنه في خلقه وعباده وبسط يده وسلطانه ~~ورفع محله ومكانه فحقيق عليه أن يؤدي الأمانة ويخلص الديانة ويجمل السيرة ~~ويحسن السريرة ويجعل العدل دأبه المعهود والأجر غرضه المقصود # PageV01P119 # وقال بعض الحكماء إذا بنى الملك على قواعد العدل ودعم بدعائم الفضل وحصن ~~بدوام الشكر وحرس بأعمال البر نصر الله مواليه وخذل معاديه وعضده وسلمه من ~~الغير # وقال اعدل فيما وليت واشكر على ما أوتيت يمدك الخلائق وتؤديك الخلائق ليس ~~من قوتك وإن تمت فضل على قضاء حق الله عليك ولا لقدرتك وإن دامت فضل على ~~القيام بشكر ما أسداه إليك ولا لعمرك وإن طال وإن طال فضل عن النظر فيما ~~يصلح جندك ورعيتك ولا لمالك وإن كثر قدر عما يصون عرضك ومروءتك فاجعل أيامك ~~أربعة يوما تجعله لحسن العبادة ويوم تستقبله بشكر النعمة منه ويوما تقصره ~~على # PageV01P120 # النظر في القصص والمظالم ويما تمضيه في ابتناء المعالي والمكارم # وقال بعض الحكماء من جعل ملكه خادما لدينه انقاد له كل سلطان ومن جعل ~~دينه خادما لملكه طمع فيه كل إنسان # وقال أردشير أسعد الملوك من سعدت رعيته بعدله ونالها الرفاهية في أيامه ms008 ~~وجرت له صوالح السنين في دهره وأشقاهم من كان بخلاف ذلك وقال الناس ثلاث ~~طبقات تجب سياستهم في ثلاث سياسات منهم طبقة من الخواص والأعيان تسوسهم ~~بمحض اللطف والإحسان وطبقة من العوام الأوساط تسوسهم من العنف واللطف ما ~~بين الاقتصاد والإفراط وطبقة من العوام والأطراف تسوسهم بمحض الغلظة ~~والإعتساف # PageV01P121 # وقال أيضا على الملك أن يأخذ نفسه بثلاث تعجيل مكافأة المحسن على إحسانه ~~وتأجيل عقوبة العاص على عصيانه والأناة عند طوارق الدهر وحدثانه فإن في ~~تعجيل مكافأة المحسن شحذ الضمائر على الطاعة وفي تأجيل عقوبة العاصي إمكان ~~العفو الإقالة ومراجعة التوبة والندامة وفي الأناة عند الطوارق انفساح ~~مذاهب الرأي والسياسة وإيضاح غوامض السداد والإصابة وقال أيضا لا يصلح لسد ~~الثغور ق 7 وقود الجيوش وتدبير الخيول وحراسة الأرضين والأقاليم إلا من ~~تكاملت فيه خمس خصال حزم يتيقن به عند موارد الأمور حقائق مصادرها وعلم ~~يحجزه عن التهور في المشكلات إلى عند تجلي فرصها وشجاعة لا تنقصها الملمات ~~بتواتر حوائجها وعظم هولها وصدق في الوعيد والوعد يوثق منه بالوفاء عليها ~~وجود يهون عنده تدبير الأموال عند ازدحام السؤال عليه # PageV01P122 # وقال أيضا لا ينبغي للملك أن يكون فيه خمس خصال لا يكون كذابا لأنه إن ~~وعد أو أوعد لم يرج ولم يخف ولا ينبغي أن يكون بخيلا فإنه إن كان كذلك لم ~~يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون جبانا فإنه ~~إن كن جبانا اجترأ عليه عدوه وضاعت الأمور ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إن ~~كان كذلك مع القدرة هلك الناس معه ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه إن كان ~~كذلك لم يشرف أحدا ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم # وقال أيضا خير الملوك من أشبه النسر حوله الجيف وشرهم من أشبه الجيف ~~حولها النسور # وقال بعض البلغاء أربعة لا يزول معها ملك حسن الدين واستكفاء الأمين ~~وتقديم الحزم وإمضاء العزم وأربعة لا يثبت معها ملك غش الوزير وسوء التدبير ~~وخبث النية وظلم الرعية وأربعة لا بقاء لها مال ms009 يجمع من الحرام وحال تعقد ~~من الآثام ورأي يغوى من العقل وملك يخلو من العدل # PageV01P123 # وقال الحريري أسعد الناس من سعدت به رعيته وأشاقهم ف الدارين من ساءت ~~سريرته # ومن كلام الثعالبي في المبهج الملك من يوالي لأوليائه صلاته وتباري هبوب ~~الريح هباته وتفرس الفوارس لحظاته وتضغم الضراغم سطواته الملك من جمع سداد ~~الأمور إلى سداد الثغور وكان أيده متينا وكيده مبينا الملك من رجع إلى رأي ~~سديد من كماله وركن شديد من أمواله ورجاله الملك من سيفه يفنى وسيبه يغني ~~الملك من جوده مطير وبأسه مستيطر الملك من عدله كاف كافل وفضله هام هاطل ~~الملك من تثنى عليه الخناصر وتثنى عليه السبابات وتعض عليه من الغيض ~~الأباهيم الملك من لا يسلم الإسلام ولا يفارق الفرقان ولا يهمل الملة ويعدل ~~عن العدل إذا جمع الملك بين شرف الإنتساب والإكتساب # PageV01P124 # ونظم حاشيتي الفضل والعدل فتقريضه وإن أفرط فيه تفريط ومدحه وإن نبل ~~قصاراه تقصير إذا عني الملك بتسكين الدهماء وحقن الدماء تعد قرع باب السماء ~~في استحفاظ باب النعماء # إذا كانت يد الملك مفتاح الأرزاق وسفه حتف أهل الشقاق فقد فاق ملوك ~~الآفاق الملك من كان كالغيث يحيي إذا همى والسيل أردى إذا أطمى والبدر يهدي ~~إذا سما والدهر يصمى إذا رمى # الملك من تبيض أياديه وتسود أيام معاوية وتخضر مواقع سيبه وتحمر مواقع ~~سيفه الملك من تشهد بفضله مشاهده ويعمر وفده فوائده كف الملك سماء صوبها ~~أموال ودماء ق 8 أدب الملك الريب # PageV01P125 # في مكارم يبتنيها ومآثرها يقتنيها وعلم يحصله وكرم يوصله ورعية يرعاها ~~ويحمي حماها همة الملك الهمام في أرباب السيوف لا في ربات السقوف وفي البيض ~~القواضب لا البيض الكواعب وفي سمر الرماح لا في السمر الملاح وفي إيجاد ~~الصنايع لا في ابتناء المصانع # وقال بعض الكتاب في مدح أمير هو مستقر في ذروة عزه مستقل بأعباء ملكه ~~يتصرف بالرئاسة بين رفق من غير ضعف وخشونة من غير عنف وقال آخر قد عود ~~ممالكه الحياطة حتى يحل حرامها ms010 # PageV01P126 # ولا يذعر سوامها ولا تراع جوانبها ولا تذب عقاربها وقال آخر قد صرفهم بين ~~خشونة أبعاده ولين معتاده وأراهم بريق حسامه مشفوعا بترويق أنعامه وقال آخر ~~في وصف ملك قد أحيا سنن العدل وأمات سنن الجور فتحمى الدين منيع وجناب ~~الملك وسيع وقال آخر قد وجدت بصنع العدل فثبت أصله وسما فرعه وفتت في عضد ~~الظلم فاجتث قراره وحصد زرعه # PageV01P127 # باب فيما يجب على السلطان من حسن السياسة وما يلزمه من الصيانة للرعية ~~والحراسة # قال صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على ~~الناس راع مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عنهم والمرأة ~~راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو ~~مسؤول عنه فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته # وقال بعض الشعراء في ذلك # PageV01P128 # (وكلكم راع ونحن رعية ... وكل سيلقى ربه فيحاسبه) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم ~~القيامة يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة # ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية فقال السلام عليكم أيها الأجير فقيل ~~له قل أيها الأمير فقال معاوية دعوا أبا مسلم فإني أعلم بما يريد وعليك ~~السلام يا أبا مسلم فقال أبو مسلم إعلم أنه ليس راع استرعى رعية إلا ورب ~~أجره سائلة عن رعيته فإن كان داوي مرضاها وهنأ جربانها وجبر كسرانها ورد ~~أولها على آخرها ووضعها في أنف من الكلاء وصفو من الماء وفاه أجره وإلا لم ~~يوفه فانظر من أنت من ذلك فقال معاوية يرحمك الله يا أبا مسلم الأمر على ~~ذلك # PageV01P129 # ومعنى هنأ جربانها طلاها بالهناء وهو القطران ويقال روضة أنف إذا لم ترع ~~قبل ذلك # وقال بعض البلغاء من آثر اللهو ضاعت رعيته ومن دوام السكر فسدت رويته ومن ~~قصر عن سياسة نفسه كان عن سياسة غيره أقصر # وقال إن من حسن الإختيار وحسن الإستظهار أن تعدل في القضاء وتجري الحكم ~~على الخاص والعام ms011 بالسوى فمن جارت قضيته ضاعت رعيته ومن ضعفت سياسته بطلت ~~رياسته # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشقى الولاة من شقيت به رعيته # وقال بعض الحكماء أحسن عقد نيتك وأعدل في جندك ورعيتك تخلص الطاعة لك ~~وتحسن الأحدوثة عنك # PageV01P130 # وقال الزم الورع ق 9 فإنه يؤيد الملك واحذر الطمع فإنه يدني الهلك # وقال أردشير إنما أملك الأجساد لا النيات وأحكم بالعدل لا بالرضى وأعاقب ~~على الذنب لا على الهوى وافحص عن الإعمال لا عن السرائر وقال معاوية بن أبي ~~سفيان لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا سوطي حيث يكفيني لساني ولو أن بيني ~~وبين الناس شعرة ما انفطعت قالوا وكيف ذلك يا أمير المؤمنين قال كنت إذا ~~أرخوها مددتها وإذا مدوها جررتها # وقال عتبة بن أبي سفيان في خطبة له بمصر وقد أرجف بموت معاوية يا أهل مصر ~~قد طالت معاتبتنا إياكم بظبات السيوف وأطراف # PageV01P131 # السنة حتى صرنا شجى في حلوقكم وقذى في عيونكم فحين اشتدت عرى الحق عليكم ~~عقدا واسترخت عقد الباطل سحلا أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين الخلافة وخضتم ~~الحق إلى الباطل فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم وضنوا بدنياكم إذا سمحتم ~~بآخرتكم واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم فأصلحوا لنا ما ظهر ~~نكلكم إلى الله فيما بطن فاظهروا خيرا وإن أسررتم شرا فإنكم حاصدون ما أنتم ~~زارعون # ومثل ذلك ما قال زياد في خطبة له وقد كانت بيني وبين قوم أشياء قد جعلتها ~~دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد ومن # PageV01P132 # كان منكم مسيئا فلينزع فإني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم ~~أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل ذلك لم أناظره ~~فأعينوني على أنفسكم واستأنفوا أمركم وهذا كله من قوله عليه الصلاة والسلام ~~أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر # ومن حسن السياسة وتمام السيادة والرياسة اختيار الخاصة والوزراء وانتخاب ~~الكتاب والجلساء واستشارة ذي الرأي من الفضلاء ونحن نفرد لكل من ذلك بابا ~~نبين فيه ms012 صفاتهم وأحوالهم إن شاء الله تعالى # PageV01P133 # باب في إختيار الوزراء والعمال وذكر ما يجب أن يتصفوا به من الخصال # قال بعض الحكماء أعلم أن الملوك تحتاج إلى وزير وأشجع الناس # PageV01P134 # يحتاج إلى سلاح وأجود الخيل يحتاج إلى سوط وأجود الشفار يحتاج إلى مسن # وقال ابن المعتمد # (هيهات لم تصدقك فكرتك التي ... قد أوهمتك غنى عن الوزراء) # (لم تغن عن أحد سماء لم تجد ... أرضا ولا أرض بغير سماء) # وقال الثعالبي لا بد لكل فاضل من صاقل وقال صلى الله عليه سلم وزرائي في ~~الأرض أبو بكر وعمر # PageV01P137 # وقال صلى الله عليه وسلم من ولي شيئا من أمور الناس فأراد الله به خيرا ~~جعل معه وزيرا صالحا إن نسي ذكره أعانه وقيل إذا أردت نايل الأمير فالطف به ~~من جهة الوزير # وقيل مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء الصافي العذب المير ~~الذي فيه التماسيح فلا يستطيع الإنسان وروده وإن كان سباحا وإلى الماء ~~ضامئا وقال بعض الحكماء لا يغرك كبر الجسم ممن صغر في المعرفة والعلم ولا ~~طول القامة ممن قصر الكفاية والإستقامة فإن الدرة على صغرها أعود من الصخرة ~~على كبرها ق 10 وأعلم أن الأيدي بأصابعها والملوك بصنائعها وأن وزير الملك ~~عينه وأمينه أذنه وكاتبه نطقه وحاجبه خلقه ورسول عقله ونديمه مثله بهم ~~تستقيم الأعمال وتجتمع العمال ويقوى السلطان وتعمر البلدان فإن استقاموا ~~استقامت الأمور وإن اضطربوا اضطرب الجمهور # PageV01P138 # وقال أعلم أن معايب عمالك والمنصرفين في أعمالك من أقبح معايبك ومآثرهم ~~ومناقبهم من أحسن مآثرك ومناقبك لأن بهم يستدل على مقدار معرفتك بمقادير ~~الرجال ويوقف على كتفيه تصرفك بتصاريف الأحوال فأحسن الإختيار وأكثر ~~الإستظهار عليهم وأعلم أنهم أنفاس الملوك وحرابه فدم على مراعاة أحوالهم ~~ولا تمهل مكافآة أفعالهم فأول المحسن ما يستحقه من حسن الولاء والمسيء ما ~~يستوجبه من سوء الجزاء ليتصرفوا لك في الأمانة ويتعففوا عن الخيانة # PageV01P139 # وقال يحيى بن خالد لبنيه إنكم لا بد لكم من عمال وكتاب فاستعينوا بأشراف ~~الناس وإياكم والسفلة فإن ms013 النعمة على الأشراف أزين والمعروف عندهم أثمن ~~والشكر منهم أحسن # وهذا المعنى يلاحظ قول أرسطا طاليس لما كتب إليه الإسكندر يستشيره في قتل ~~ملوك فارس أو استبقائهم فكان في جملة ما رد من الجواب أن قال لست أرى قتلهم ~~صوابا لأنه متى قتل الملك ملوكهم وسراتهم لم يكن بد من أن يستعمل عليهم ~~بعضهم فتدعو الضرورة إلى رفع السفلة وسياسة # PageV01P140 # الملوك أسهل من سياسة السفهاء لأن الملوك أحسن طاعة وأسلس انقيادا وأعرف ~~بالصنيع وأرجى للمكافآة وسياسة السفلة صعبة واستياقهم إلى الإرادة متعبة ~~وقد رأيت رأيا يكفي به الملك مؤنة قتلهم إن استصوبه وتجمع له به طاعتهم ~~ويتعبدهم ويتخلص به نياتهم ويخلص من الإثم بسببهم وهو أن يعمد الملك إلى ~~أولاد الملوك والرؤساء كلهم فيقسم المملكة بينهم ويفرد كل واحد منهم ببلده ~~ويأمره أن يؤدي الأتاوة عنها ويجعلها وظائف في أيديهم فإنه إذا رأى المالك ~~منهم أنه قد ساوى نظيره في التملك لم تطعه نفسه الإنقياد إلى من هو مثله ~~وإذا تبين أحدهم مقدار الطائفة التي في يده نقصت همته عن معصية الملك ~~والخلاف لأمره فتجتمع للملك طاعتهم ويكفي ما يخوفه منهم ورأى الملك العالي ~~الموفق ففعل الإسكندر ذلك بما أشار به أرسطا طاليس فلم تزل الملوك تؤدي ~~الأتاوة إلى ملوك الروم خمسمائة سنة ونيفا إلى أن ملك أردشير بن بابك فكان ~~يقول إن ملوك الأرض ضربوا بسيف أرسطا طاليس خمسمائة سنة يعني تدبيره وتفريق ~~كلمتهم # وقال بعض الحكماء لا تستكف إلا الكفاة النصحاء ولا تستبطن إلا الثقات ~~الأمناء وإذا استكفيتهم شغلا أو وليتهم أمرا فأحسن الثقة بهم وأكد الحجة ~~عليهم فإذا رأيت منهم غدرا وتبينت منهم عجزا فاستبدل بهم واستوف مالك عليهم ~~ولا تقلد منهم أحدا ولا تعتمد عليهم أبدا فمن عارض مع الإستقلال والأمانة ~~قمع كفاته وعماله ومن قلد مع العجز والخيانة ضيع أعماله وماله # PageV01P141 # ومن كتاب المبهج إذا تصفح الملك وجوه عماله وفحص عن الأصلح لأعماله فلا ~~يقعن ق 11 اختياره إلا على من سبق له اختياره ولا ms014 يتوجهن اعتماده إلا إلى ~~من تقدم اجتهاده ولا يكونن من ثقاته إلا من يتقي الله حق تقاته # وقال أيضا خير العمال من كفى وكف وعفى وعف وشرهم من حذق وسرق وقال شر ~~العمال من تعد السعاية من مساعيه وقال شر العمال من إذا ولى أثار وجار وإذا ~~عزل حار وخار # ووقع جعفر بن يحي بن خالد إلى بعض عماله قد كثر شاكوك وقل # PageV01P142 # شاكروك فإما اعتدلت وإلا أنزلت وقال يحي بن خالد ثلاثة تدل على عقول ~~أصحابها الرسول والكتاب والهدية # وقال الشاعر # (تخير إذا ما كنت مرسلا ... فمبلغ آراء الرجال رسولها # (ورجع وفكر في الكتاب فإنما ... بأطراف أقلام الرجال عقولها # وقال صالح بن عبد القدوس # (إذا كنت في حاجة مرسلا ... فارسل حكيما ولا توصه) # (وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور حليما ولا تعصه) # PageV01P143 # باب في ذكر الولاية والعمل وما يتصل بهما من المدح والذم وذكر ما يتعلق ~~بهما من العز والذل في حالتي الولاية والعزل # من فصل الخوارزمي لا صغير مع الولاية والعمالة كما لا كبير مع العطلة ~~والبطالة وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها ومطية تحسن وتقبح بممتطيها ~~والصدر لمن يليه والدست لمن يجلس فيه وله أيضا ولاية المرء ثوبه فإن قصر ~~عنه عرى عنه وإن طال عليه عثر فيه وقال الفضل بن مروان مثل الكاتب # PageV01P144 # كالدولاب إذا تعطل تكسر وقال غيره غبار العمل خير من زعفران العطل # وقال المهلبي التصرف أسنى وأعلى والبطالة أعفى وأصفى # وقال الشاعر # (ما أطيب الأمر ولو أنه ... على رذايا نعم في مراح) # وقيل من عمل عملا فتاه فيه أخبر أن قدره دونه ومن تواضع فيه ذل على أن ~~قدره فوقه # وقال سكر السلطان أشد من سكر الشراب # وقال بعضهم من ولاه السلطان صبعه الشيطان وهذا المعنى أراد بعضهم # PageV01P145 # (قد كنت أكرم صاحب وأبره ... حتى دهتك أصابع الشيطان) # (جذ الإله بنانها وأبانها ... كم غيرت خلقا من الإنسان) # وقال بعضهم أرض من أخيك إذا ولي ولاية بعشر وده قبلها # وقال الشاعر # (وكل ولاية لا بد ms015 يوما ... مغيرة الصديق على الصديق) # وقال زياد بن الأعجم # (فتى زاده السلطان في الحمد رغبة ... إذا غير السلطان كل خليل) # وللفرزدق يمدح واليا # PageV01P146 # (قل لنصر والناس في زمن السلطا ... ن أعمى ما دام يدعو أميرا) # (فإن زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال عاد بصيرا) # وقال آخر # (إذا عزل المرء واصلته ... وعند الولاية استكبر) # (لأن المولى له نخوة ... ونفسي على الذل لا تصبر) # وقال آخر # (يا من تولى فأبدى ... لنا الجفا وتبدل) # (أليس منك سمعنا ... من لم يمت فسيعزل) # وقيل الولاية حلوة الرضاع مرة الفطام وقال آخر ذل العزل # PageV01P147 # يضحك من تيه الولاية قال # (قال سكر الولاية طيب ... وخمارها صفع شديد) # (كم تائه بولاية ويعزله ركض البريد) # وقال # (العزل للكتاب حيض ... لحاه الله من حيض بغيض) # (فإن يك هكذا فأبو علي ... من اللائي يئسن من المحيض) # ولابن بسام في بعض الولاة # (سنصير إن تجلت ق 12 كما صبرنا ... لغيرك من أمير أو وزير) # (رجوناهم فلما أخلفونا ... وفتنا فيهم نوب الدهور) # (فبتنا بالسلامة وهي حظ ... وباتوا في القيود أو القبور) # (فلما لم نرى منهم سرورا ... رأينا فيهم كل السرور) # PageV01P148 # وللبستني # (عذلوني عن وزارة بست ... رأوها من أرفع الدرجات) # (قلت لا أشتهي وزارة بست ... إنني لم أمل بعد حياتي) # وله أيضا # (وزارة الحضرة الكبيره ... خطيئة لا بل هي الكبيرة) # (فلا تردها ولا تردها ... فإنها مهنة مبيرة) # ولسليمان بن مهاجر # (إن الوزير وزير آل محمد ... أودى بمن يشناك كان وزيرا # وللحريري # (لجوب البلاد مع المتربة ... أحب إلي من المرتبة) # (لأن الولاة لهم نبوة ... ومعتبة يا لها معتبه) # PageV01P149 # (فما فيهم من يرب الصنيع ... ولا من يشيد ما رتبه) # (فلا يخدعنك لموع السراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه) # (فكم حالم سره حلمه ... وأدركه الروع لما انتبه) # وقال أردشير إذا ساوى الوزير الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس ~~فليصرعه وإلا فليعلم أنه المصروع وقيل لم يزل الرشيد مرويا في أمور ~~البرامكة حتى وقف عليه فصمم # PageV01P150 # باب قس مصاحبة الملوك ومخاطبتهم وكيفية التحرز منهم في حال مجالستهم ms016 لهم ~~ومباسطتهم # يجب أولا على الملوك أن يختاروا لمجالستهم من جمع الرأي والعقل وجودة ~~الأدب والفضل واتصف بمكارم الأخلاق وطيب الأعراق # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح كالداري إن لم يحذيك ~~من عطره علقك من ريحه ومثل جليس السوء ككير الحداد إن لم يحرقك بناره علقك ~~من دخانه قلت الداري العطار ويحذيك أي يعطيك ويهب لك # وقال بعض الحكماء مجالسة أهل الديانة تجلي القلوب وتصدي الذنوب ومجالسة ~~ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاقي # PageV01P151 # وقيل من ضيع عاقلا دل على ضعف ومن اصطنع جاهلا أعرب عن فرط جهله # قال الشاعر # (عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي) # وقال آخر # (قارن إذا ما قارنت حرا فإنما ... يزين ويزرى بالفتى قرناؤه) # وقال عليه الصلاة السلام المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل # ومن كتاب المبهج لا يتخذ الملك الأعوان إلا أعيان والخلاء إلا أجلاء ~~والندماء إلا كرماء ويجب على من يجالس ملكا ملازمة الأدب في جميع أحواله ~~وأن لا يغتر بإدناء الملك له وإقباله وقال بزرجمهر من # PageV01P152 # جالس الملوك يغير أدب فقد خاطر بنفسه وقال الفضل بن الربيع مساءلة الملوك ~~عن أحوالهم تحية النوكى أو الحمقاء وقال غيره المراء لا ينصتون وقال آخر ~~لاتسلم على الملك فإنه إن أجابك شق عليه وإن لم يجبك شق عليك # وقال بعض الحكماء البلغاء إذا جلست على موائد الملوك فصم عن الكلام ولا ~~تشره إلى الطعام وإذا حدثك الملك فاستمع إليه وأقبل بوجهك عليه ولا تعرض عن ~~قوله ولا تعارضه بمثله وقال ق 13 إذا جعلك الملك من خاصته وأهلك لمعاشرته ~~فلا تؤمن على دعوته ولا تشمته على عطسته ولا تسأله عن حاله ولا تعزه على ~~ميته ولا تلقه بالسلام # PageV01P153 # ولا تعالجه بالكلام ولا تزاحمه بالتدبير ولا تعاتبه في التقصير ولا تعرض ~~عنه إذا أخبر ولا تكثر عليه إذا استخبر ولا تصل حديثا بحديث ولا تعارض أحدا ~~في الحديث ولتكن ألفاظك شهية لا تمل ومعانيك صحيحة لا تختل ms017 # وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح إياك والدالة فإنها تفسد الحرمة ومنها أتى ~~البرامكة قال المتنبي # PageV01P154 # (وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب) # وقال أبو الفتح البستي أجهل الناس من كان على السلطان مدلا وللإخوان مذلا ~~ومن كتاب كليلة ودمنة موصل الدالة على السلطان كالعابث بالسد والمستأنس ~~بالنمر وقال ابن المقفع من خدم الملوك فعليه بالملازمة من غير المعاتبة # ومن كتاب المبهج لا تستقبل سخط الملك عليك بمعارضته ومناقضته # PageV01P155 # ولا تستجلب رضاه بمحاجبته وملاحاته لكن بالتزام الجناح وركوب الصعب ~~والذلول في التماس عفوه وتجشم الحرون والسهول بالإستعاذة من سطوته ثم إياك ~~والتهكم في التحكم على الملوك وقيل اعتذر رجل إلى عبيد الله وزير المهدي ~~بعذر غير سديد فقال ما رأيتك عذرا أشتبه باستئناف ذنب من هذا # وقال آخر في مثله عذرك هذا يحتاج إلى معذرة وقال أبو بكر الطبري لتلميذ ~~له اعتذر إليه بعذر فاسد عذرك هذا عذرة لا معذورة وقال الصاحب بن عباد رضى ~~السلطان لا يغلو بشيء من الأثمان ولو يبذل الروح والجنان # PageV01P156 # وقال المأمون الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثا الطعن في الملك وإفشاء السر ~~والتعرض للحرم وقال العباس لأبنه عبد الله رضي الله عنهما وقد كان يختص ~~بعمر يا بني إني أرى هذا الرجل يدنيك وإني موصيك بخلال لا تفشين له سرا ~~وتخونن له عهدا ولا تغتابن عنده أحدا ولا تطوي عنه نصيحة # وقال ابن المعتز إذا زادك الملك تأنيسا فزده إجلالا # وقال الشاعر # PageV01P157 # (ذا أدناك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقب) # (فمما السلطان إلا البحر عظما ... وقرب البحر محذور العواقب) # وقال ابن عباد # (إذا أصبحت الملوك فالبس ... من التحلي أجل ملبس) # (وادخل إذا ما دخلت أعمى ... وأخرج إذا ما خرجت أخرس) # وقيل السلطان كالنار إن باعدتها بطل نفعها وإن قاربتها عظم ضررها وقال ~~آخر ليكن السلطان عندك كالنار لا تدنو منها إلا عند الحاجة فإن ابتليت فعلى ~~حذر # وقال ابن المعتز أشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أن أقرب الأشياء إلى ~~النار أسرعها احتراقا وقيل صاحب ms018 السلطان كراكب السد يهابه الناس وهو ~~لمركوبه أهيب # PageV01P158 # وقيل مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه فكان أبعدهم في ~~المرقى أقربهم إلى التلف # وقيل مثل السلطان مثل الحبل الصعب الذي فيه كل ثمرة طيبة وكل سبع حطوم ~~فالإرتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد وقال ابن المعتز من صحب السلطان فيصبر ~~على قسوته كما يصبر الغواص على ملوحة بحره وقال أيضا لا تلتبس بالسلطان في ~~حال اضطراب الأمور عليه فإن البحر لا يكاد يسلم راكبه في حال سكونه فكيف ~~عند اختلاف رياحه واضطراب أمواجه ق 14 وقال أيضا إن كان البحر كثير الماء ~~فإنه بعيد المهوى وقال أبو الفتح البستي شعرا # (صاحب السلطان لا بد له ... من هموم تعتريه وغمم) # (كالذي يركب بحرا سيرى ... قحم الأهوال من غير قحم) # PageV01P159 # وقال ابن المعتز من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخره وقال ~~أيضا لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خائفة ودين منثلم # وفي بعض الأخبار من أقترب من أبواب السلطان افتتن # ويجب على من صحب الملوك وجالسهم وصار من أهل المباسطة لهم والموانسة أن ~~لا يطوي عنهم نصيحة تعود عليهم في صلاح الدين ودوام المملكة وحسن الأحدوثة ~~عنهم قال صلى الله عليه وسلم رأس الدين النصيحة ولا يحمله ما يراه من محبة ~~الملك لما يرتكبه من # PageV01P160 # لذيذ شهواته وسروره بما يتأتى له من درك إرادته وارتياحه إلى تنفيذ ~~أوامره ونواهيه واغتباطه من السياسة بما يذره ويأتيه مما يكسبه إثما أو ~~يلحقه وصما أو تعود عاقبته إلى فساد في مملكته أو اختلال في دولته على ~~موافقته في استحسان ما استحسنه ومتابعته على استصواب ما خيل إليه رأيه من ~~ذلك وزينه فإن ذلك من أعظم دلائل الخاينة وهو مباين لسبيل النصح والأمانة ~~بل ينبغي أن يتلطف له في حال استئناسه به وميله إليه وإدنائه منه وإقباله ~~عليه بإرشاده إلى أوضح الطرق وأنهج السبل ويبين له ما ينتجه فعله من الفساد ~~والخلل فإنه متى قصد بذلك من إخلاص قلبه ونيته وصدق ms019 ضميره ورغبته إظهار ~~النصح الواجب عليه لأميره وسلطانه ومن أنعم عليه بعوائده وإحسانه وتأدية ~~النصح والأمانة والتنكب عن مناهج الغش والخاينة أوقع الله تعالى في قلب ~~سلطانه قبول نصيحته والإصغاء إلى مشورته ولو اتفق لسلطانه مثلا كراهية ~~لقوله واتهاما في نصحه وغضب من موعظته له واستعظام للإنكار عليه في الحال ~~فيوشك عن قرب أن ينصح له عند اختلال تدبيره وفساد أموره استصوابا لما سبق ~~من رأيه ونصيحته ويندم على ما فرط من إنكاره عليه ومخالفته فيكسبه ذلك عنده ~~منزلة لا يساميه فيها سواه ولا يساويه أحد من قصر عن وصول مداه ومتى تابعه ~~على # PageV01P161 # رأيه المعتل ونظره المختل مع علمه بفساده خوفا من سخطه وإبعاده فيوشك أن ~~يسخطه الله عليه وترجع عاقبة مكره إليه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله ~~عنه وأرضى الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس # ودخل الفضل بن سهل على المأمون وبين يديه الشطرنج يلعب بها فرمى بها وقال ~~أنا أحدث الناس أن أمير المؤمنين منفرد بالصلاة والعلم والنظر في أمور ~~المسلمين وهو على هذه الحال فشكر له على ذلك # ومن النصح أن ينبه دائما على طرق المكارم والمفاخر والمساعي # PageV01P162 # الحميدة والمآثر ليسلكها ويهجن عنده المساوىء والقبائح ويبالغ في ذمها ~~ليتجنبها ويذكر عنده طرق الخيار ومحاسن السير والآثار وما جرى للملوك من ~~قبله من المساعي الشريفة والآثار الحميدة وحسن السيرة ليقتدي بهم في ~~المناقب والفضائل ويتنكب عن سبل المثالب والرذائل ليستعمل ما يورده من ~~أمثال الحكماء وأقوال البلغاء وليكن على الجملة كما سبق في وصية العباس رضى ~~الله عنه ق 15 لإبنه # وكما قال عمر بن عبد العزيز من صحبنا فليصحبنا بأربع خصال يدلنا على ~~عيوبنا ويرفع إلينا حاجة من لا يصل إلينا ولا يفش لنا سرا ولا يغتابن عندنا ~~أحد وينبغي له أن يكون حسن المحضر في حق الغائب مجتهدا في بذل الشفاعة ~~للمذنب والمطالب قال الله تعالى {من يشفع شفاعة ms020 حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} # PageV01P163 # وقال صلى الله عليه وسلم اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ~~وقال صلى الله عليه وسلم من كان وصلة لأخيه إلى ذي سلطان في منهج بر أو ~~تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصراط يوم تدحض فيه الأقدام وقال زياد ~~اشفعوا لمن وراءكم فليس كل أحد يصل إلى السلطان ولا كل من يصل إليه يقدر ~~على كلامه وقال بعض الكتاب بقدح # PageV01P164 # الشفيع تورى نار النجاح ومن كف المغيض ينتظر فوز القداح # وقال البحتري # (وعطاء غيرك أن بذلت ... عناية فيه عطاؤك) # وقال آخر # (خليلي ماذا ارتجى من غد أمرىء ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين) # (وإن أمرا قد ضن يوما بمنطق ... يسد به فقر امرء لضنين) # وقال آخر # (وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما) وليتجنب ~~السعاية بكل حال فإنها دناءه وسخف # قال صلى الله عليه وسلم لا يدخلن الجنة قتات قلت القتات # PageV01P165 # النمام قال الأحنف بن قيس في ذكر السعاة ما ظنك بقوم الصدق محمود إلا ~~منهم وقال رجل أخبرني ثقة عنك بسوء فقال الثقة لا ينم وقال بعضهم # PageV01P166 # الساعي كاذب لمن يسعى له أو خائن لمن يسعى عليه وقيل الساعي يقتل ثلاثة ~~نفسه وسلطانه والمسعي به وكتب سوار بن عبد الله القاضي إلى المنصور أن رجلا ~~من حمير يشتم السلف فكتب إليه المنصور إنا بعثناك قاضيا ولم نبعثك ساعيا ~~ورفع إلى بعض الخلفاء أن رجلا مات وترك مالا كثيرا ولا وارث له إلا ولد ~~صغير فوقع على ظهر الرقع المرفوع إليه الميت رحمة الله واليتيم جبره الله ~~والمال أنماه الله والساعي لعنه الله # وقال الحريري زين الرعاة مقت السعاة وقال آخر جزاء السعاة مقت الرعاة # PageV01P167 # باب في اختيار الأجناد والحماة ووصف الأبطال منهم والكماة # وقال الصابي الملك أحق باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله لأنه مع اتساع ~~المر وجلالة القدر لا يكتفي بالوحدة ولا يستغني عن الكثرة ومثله في ذلك مثل ms021 ~~المسافر في الطريق البعيدة الذي يجب عليه أن تكون عنايته بفرسه المجنوب مثل ~~عنايته بفرسه المركوب # وقال الشاعر # (وشرطه الفلاحة غرس الثمار ... وشرط الرياسة عرس الرجال) # PageV01P168 # ومن كتاب المبهج أمور الملك بأصحاب الذرائع والأقلام وأرباب الدروع ~~والأعلام فأولئك للكتب والآراء وهؤلاء للكتائب والرايات للأعداء وقال إذا ~~شحن الملك قلوب جنده بالشحناء فلا ينتظرن منهم حسن البلاء وقال خادم الملك ~~لا يتقدم في رضاه خطوة إلا استفاد بها حظوة # وقال إذا اصطنع الملك أمرا فليثبت قدمه وليبث قوادمه # وقال غيره أفض على جندك ق 17 واصرف إليهم حسن غناك فإنهم أهل الأنفة ~~والحمية وحفظة السادة والرعية وسيوف الملك والسلطان وحصون الممالك والبلدان ~~بهم تدفع العوادي وتقهر المعادي ويزول الخلل ويضبط العمل فقو ضعيفهم يقو ~~أمرك وأغن فقيرهم يشتد أزرك وامنحهم قبل العرض واحترمهم قبل الفرض ولا تثبت ~~منهم إلا على الوفي الكمي الذي لا يعدل عن الوفاء ولا يجبن عند الهيجاء فإن ~~المراد بهم قوة العدة لا كثرة العدة ومن قتل منهم في طاعتك واستشهد تحت ~~رايتك فاكفل بنيه وذب عن أهليه فإن ذلك مما يزيدهم رغبة في خدمتك ويسهل ~~عليهم بذل المهج والرواح في نصرة دولتك # PageV01P169 # وقال من أبلى بدمه في خدمتك وأوفى في طاعتك فارع ذمامه في حياته واكفل ~~أيتامه بعد وفاته فإن الوفاء لك بقدر الجزاء منك # وقال لا تغفل مكافأة من يعتقد لك الوفاء ويناضل عنك العداء فمن حرمته ~~مكافأة مثله زهد في معودة فعله # وقيل من حفظ ماله ضيع رجاله أي ملك أحسن إلى كفاته وأوعوانه واستظهر ملكه ~~وسلطانه وأي ملك أساء إلى جيشه وجنده أحسن إلى عدوه وضده # قال الصابي الملك بمن غلط من أتباعه واتعظ أشد انتفاعا منه بمن لم يغلط ~~فلم يتعظ لأن الأول كالقارح الذي أدبته الغرة وأصلحته الندامة # PageV01P172 # والثاني كالجذع المنهوك الذي هو راكب للغرة وراكن إلى السلامة والعرب ~~تزعم أن العظم إذا جبر بعد كسر عاد صاحبه أشد بطشا وأقوى أيدا وقالت العجم ~~ينبغي أن يكون في قائد الجيش وثبة ms022 السد وأسلاب الحداة وختل الذئب وروغان ~~الثعلب وصبر الحمار وحملة الخنزير وبكور الغراب وحراسة الكركي ومن كتاب ~~المبهج أحسن الجيوش ما كان ذا أفواج كالأمواج وخيول كالسيول ومراكب ~~كالكواكب الفارس من يسبق فرسه الريح ورمحه الروح الفارس من يكمن كمون السد ~~ثم يبرز بروز الأسد # البطل من يؤثر مقارعة القنا القواني على منادمة القينات والقيناني البطل ~~من ينظم جسوم الأعداء برماحه وينثرها بصفاحه البطل من إذا ضرب صم وإذا رمي ~~أصمى وإذا قصد أقصد # PageV01P173 # السلاح جنة الأبدان ووقاية النفس قد يجبن الشجاع بلا سلاح ويشجع الجبان ~~بالسلاح ووقاية الأنفس قد يجبن الشجاع بلا سلاح ويشجع الجبان بالسلاح ~~استعصام الفارس بالدرع السابل والرمح الذابل وقال غيره السلاح ثم الكفاح ~~وقال قبل نزول الحرب تملأ الكناين # وقال الأمير شمس المعالي قوة الجناح بالقوادم والخوافي وعمل الرماح ~~بالأسنة والعوالي # PageV01P174 # باب في مدح الاستشارة وذم الاستبداد بالرأي # قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} # PageV01P175 # قال الحسن كان النبي صلى الله عليه وسلم غنيا عن مشاورتهم ولكن أراد أن ~~يستن بذلك الحكام وقال غيره بل أراد بذلك لما فيه من الفضل ولتأسي أمته ~~بذلك بعده وقيل إنما أمره بذلك تطييبا # PageV01P176 # لقلوبهم وقيل إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده وحي لأنه قد يكون عند ~~بعضهم فيه علم والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لم تعرف الأنبياء عليهم ~~السلام # قال الله في مدح المؤمنين {وأمرهم شورى بينهم} # وقال صلى الله عليه وسلم ما خاب من استخار ولا ندم من استشار وقال عليه ~~السلام ما شقي عبد بمشورة ولا سعد من استغنى برأي # PageV01P177 # وقال الشعبي مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم # قال أبو هريرة ما رأيت من الناس أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة لأصحابه ~~في قصص كثيرة منها أنه لما أراد مصالحة عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن ~~عوف المري حين حصره الأحزاب في ms023 الخندق على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ~~ويرجعا بمن معهما من غطفان عنه قال صلى الله عليه وسلم حتى أشاور السعود ~~يعني سعد # PageV01P178 # ق 18 بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن زرارة فاستشارهم فأشاروا عليه أن لا ~~يعطيهما فلم يعطيهما شيئا # ومنه أنه استشار في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر بالقتل ~~فعمل صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر رضي الله عنه # ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر نزل بأدنا ماء فقال الحباب ~~بن منذر يا رسول الله ارأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله # PageV01P179 # ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال بل هو ~~الرأي والحرب والمكيدة قال إن هذا ليس لنا بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي ~~أدنى منزل من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ونبني لك حوضا فنملأه ~~ماء ثم نقاتل الناس فنشرب ولا يشربون فقال صلى الله عليه وسلم لقد أشرت ~~بالرأي فنهض صلى الله عليه وسلم بمن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل ~~عليه وفعل ما أشار به الحباب بن المنذر وشاور عليه أفضل الصلاة والسلام ~~عليا بن أبي طالب عليه إسلام وأسامة بن زيد # PageV01P180 # في قصة الإفك وفي أمر عائشة فقال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا ~~خيرا # وروي أيضا في حديث الإفك أنه قال صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ما ~~تشيرون علي فيقوم يسبون أهلي ما علمت عليهم إلا خيرا وكان أبو بكر رضي الله ~~عنه إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة ذوي الرأي والفقه دعا رجالا من ~~المهاجرين والأنصار دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل ~~وأبي بن كعب وزيد بن ثابت فمضى أبو بكر رضي الله عنه على ذلك ثم ولي عمر ~~رضي الله عنه # PageV01P181 # وكان يدعو هؤلاء النفر وروى أن القراء كانوا أصحاب مشورة عمر رضي الله ~~عنه كهولا كانوا وشبانا # وروي أنه استشار في حد ms024 الخمر فقال عليه الصلاة والسلام تراه إذا سكر هذى ~~وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فعمل برأيه واستشار في قصة المرأة ~~التي بعث إليها فألقت جنينا ميتا من الفزع فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف ~~إنما أنت وال مؤدب وقال علي عليه السلام أرى عليك ديته لأنك أفزعتها وأخذ ~~برأيه # والأخبار في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء ~~الراشدين تكثر جدا وتخرج بنا عن حد الاختصار فلنقصر منها على هذا المقدار ~~ولنذكر شيئا من كلام الحكماء والبلغاء # فمن كتاب المبهج ينبغي للملك إذا كان ذي رأي أصيل أن يستشير فيستنير ~~ويستمد ولا يستبد فإن ثمرة المشورة أحلى من العسل المشور # قال بعض البلغاء من استشار استبصر ومن استخار استظهر وقيل من استبد برأيه ~~خفت وطأته على أعدائه وقال بعضهم لا يستغني حليم # PageV01P182 # عن مشورة ولا ذو تجربة عن تبصر وقال بعض العرب العاقل من الرجال لا ~~يستغني عن مشورة ذوي الألباب ولا يستفزه الغضب عند الأصحاب وقال آخر إذا ~~أنكرت عقلك فامزجه بآخر لعاقل وربما احتاج السيف الصقيل إلى مسن الصاقل # وقال الحسن والله ما تشاور قوم قط إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم # وقال مالك بن أنس رحمه الله ما تشاور قوم إلا هداهم الله # PageV01P183 # إلى رشدهم # قال بعض البلغاء من جهل المرء وسفه رأيه أن يتصور في نفسه ويتقرر في حسه ~~أن استمداد الآراء واستشارة النصحاء مما يزري به ويضع من قدره فيستبد ~~بالتدبير ويعرض عن المشير فيبقى في ظلمة الحيرة ويحصل على الهم والحسرة # قال من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العلماء وإلى عقله عقول الحكماء ~~ويديم الإسترشاد ويترك الإستبداد فمن استشاد ق 19 العالم فيما ينويه ~~واسترشد العاقل فيما يأتيه وضحت له الأمور وصلح له الجمهور واستنار فيه ~~القلب وسهل عليه الصعب وقال لا تأنف من الإسترشاد ولا تستنكف من الإستمداد ~~فلأن تستشير وتندم خير من أن تستبد وتسلم # وقال آخر المشاور بين إحدى الحسنيين صواب يفوز به أو ms025 خطأ يشارك في مكروهه # PageV01P184 # وقال ابن المعتز من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ ~~عاذرا # وقال المشورة راحة لك وعون على الخطب وقال المشورة راحة لك وتعب على غيرك ~~وقال المستشير على طرف النجاح وقال غيره المشورة عين الهداية وقال خاطر من ~~استغنى برأيه # وقال نصف عقلك مع أخيك فشاوره وقال آخر إذا شاورت العاقل كان لك نصف عقله # قال الشاعر # (الرأي كالليل مسود جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصابع) # (فاضمم مصابيح آراء الرجال ... إلى مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح) # PageV01P185 # ومما قيل في ذلك قول بشار # (إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... تعزم نصيح أو نصيحة حازم) # (ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي نافع للقوادم) # وقال رجل من عبس وقد سئل ما أكثر صوابكم فقال نحن ألف رجل فينا رجل واحد ~~حازم فنحن نشاوره فكأنا ألف حازم # وقيل استشار قوم من العرب شيخا لهم قد قارب التسعين فيما يدرك به الثأر ~~وينفى به العار فقال إن وهن قواي قد فسخ همتي ونكث عزيمتي ولكن شاوروا ~~الشجعان من أولي العزم والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألوا برأيه ~~ما يقي مهجكم والشجاع لن تعدموا بمشورته ما يشيد ذكركم ثم خلصوا بين ~~الرأيين بنتيجة تنأى بكم عن معرة تقصير الجبان وتهور الشجاع فإذا نجم الرأي ~~بهذا العلم كان أنفذ على عدوكم من السهم الزالج # PageV01P186 # قال شاور في أمرك من تثق منه بعقل صحيح وود صريح فالعاقل ما ينصح ما لم ~~يصف وده والودود لا يصف ما لم يصح عقله # قال بعض الشعراء # (خصائص من تشاوره ثلاث ... فخذ منها لنفسك بالوثيقة) # (وداد خالص ووفور عقل ... ومعرفة بحالك في الحقيقة) # (فمن تخلص له هذه المعاني ... فتابع رأيه والزم طريقه) # وقال بعض البلغاء المرء إذا استشار الرشيد وعمل بمشورته واستنصح الرشيد ~~وبنى على نصيحته لم يفته حزم ولم يغلبه عزم # وقال من استوزر غير كاف خاطر بملكه ومن استشار غير أمين أعان على هلكه # وقال عبد الله بن الحسن احذر مشورة ms026 الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر غيلة ~~العاقل إذا كان عدوا فيوشك أن تورطك مشورة الجاهل ويسبق إليك مكر العاقل ~~وقيل صواب الجاهل كزلة اللبيب # PageV01P187 # وعن ابن شهاب قال بلغني أن عمر رضي الله عنه قال استشر في أرم الذين ~~يخشون الله # وقال علي عليه السلام رأي الشيخ خير من مشهد الغلام # وقال لقمان الحكيم شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما كان عليه ~~بالغلاء وأنت تأخذه بالمجان # وقيل لتكن مشورتك بالليل فإنه أجمع للرأي والفكر وأعون على الذكر # PageV01P188 # باب في مدح العدل وإيثاره وذم الجور وآثاره # العدل ميزان الله في أرضه وضعه للخلق ونصبه للحق فمن ق 20 خالفه في ~~ميزانه وعارضه في سلطانه فقد عرض دينه للخبال ودولته للزوال وعزه للذل ~~وكثرته للقل # وقيل كل دولة بني أساسها على العدل أمنت الإنعدام وسلمت الإنهدام # وفي الزبور العدل ميزان الباري فلذلك هو مبرأ من كل زلل وميل # وقال صلى الله عليه وسلم عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة # PageV01P189 # وقال بعض الحكماء عدل السلطان خير من خصب الزمان أردشير المملكة لا تصلح ~~إلا بأعداد الأجناد ولا تعد الأجناد إلا بإدرار الرزاق ولا تدر الأرزاق ~~بكثرة الأموال إلا بعمارة البلاد ولا تعمر البلاد إلا بالأمن والعدل في ~~العباد # PageV01P190 # وقال جعفر بن يحي بن خالد الخراج عماد الملك فما استغفر بمثل العدل وما ~~استزر بمثل الجور # ومما يدل على صحة هذا الكلام ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ~~جنى سواد العراق مئة ألف ألف وتسعة وثلاثين ألف ألف ثم جناه الحجاج في ~~زمانه ثمانية عشر ألف ألف وقال إن عشت إلى قابل جنيتها كما جناها عمر ~~الخطاب رضي الله عنه # فانظر إلى هذا التفاوت العظيم بين جني العمرين وجني الحجاج وليس لزيادته ~~سبب ولا لنقصانه سوى العدل والجور # وقال أنو شروان إن الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيته كان # PageV01P191 # كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنيانه # وكتب عبد الملك ms027 بن مروان إلى الحجاج في أمر أهل السواد ابق لهم لحوما ~~يعقدوا بها شحوما # وقال بعض الحكماء لا يكون العمران حيث يجور السلطان # وقيل العدل أقوى جيش والأمن أهنىء عيش وقال بعضهم الدول إذا افتتحت ~~بالعدل امتدت آمادها وثبت أعمادها # ومن كتاب المبهج إذا ملك العادل زال الروع وأفرخ وإذا ملك الظالم عشش ~~الشر وفرخ وقال إذا نطق العدل في دار الإمارة فلها البشرى بالعز والعمارة ~~وقال عدل السلطان لدينه أحوط ولدنياه أضبط ولأوليائه أثبت ولأعدائه أكبت ~~وقيل إذا عقد السلطان بالعدل عقيدته # PageV01P192 # وطوى على الإحسان طويته فليبشر بالنجم الأسعد والجد الأصعد # وقال ما أحرى الملك العادل بالإرتفاع إلى نفاع الملك والصعود إلى سعود ~~الفلك # قال من عدل نفذ حكمه وقرطس في المطالب سهمه ومن ظلم تعجل زوال النعم ~~وحلول النقم وقيل من عدل حصن ملكه ومن ظلم فقد استعجل هلكه وقيل من عدل زاد ~~قدره ومن ظلم نقص عمره وقيل من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه وقيل أفضل ~~الملوك من أحسن في فعله ونيته وعدل في جنده ورعيته وقيل من ساءت سيرته لم ~~يأمن أبدا ومن حسنت سيرته لم يخف أحدا # PageV01P193 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شر الرعاة الحطمة قلت الحطمة من الرعاة ~~هو العنيف برغبة المال فكأنه ق 21 يحطمها أي يكسرها ويأتي عليها وقال عليه ~~الصلاة والسلام الظلم ظلمات يوم القيامة # وفي التوراة من يظلم يخرب بيته وفي الزبور إذا ظلمت من دونك فلا تأمن من ~~فوقك # وفي الحديث دار الظالم خراب ولو ببعد حين # وقال معاوية أنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه # وفي بعض الأحاديث اتقوا ظلم من لا ناصر له إلا الله # PageV01P194 # وقيل الهأم الظلم ظلم الضعيف وقيل الظلم مسلبة للنعم مجلبة للنقم # وقيل أقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم # قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها ترفع على الغمام # ويقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين # وقال عليه الصلاة والسلام ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن ms028 دعوة المظلوم ~~ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده وقال عمر رضي الله عنه لمولى له وقد ~~استعمله على الحمى اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة # وقال بعض الحكماء من ساءت سيرته سرت منيته ومن قبح ملكه # PageV01P195 # حسن هلكه ومن كال تعديه كثر أعاديه ومن طالت عداوته زال سلطانه من طال ~~اعتداؤه قرب فناؤه من تغذى بسوء السيرة تعشى بزوال القدرة # وفي بعض الآثار الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم وقال بعض ~~البلغاء من ظلم أولاده ومن أفسد أمره أفسد معاده # ومن كتاب المبهج أخلق بالملك الظلوم أن يصير عظة للرائين وعبرة للراوين ~~بشر الملك الغشوم بالمجن من وجوه المنح والنوائب من مواضع المواهب والفتوق ~~من جهة الفتوح # إذا كان الملك جائرا فسلام على سلامة الرعية # أخلق بالظالم أن ينهار في جرف هار # ومن نتائج الظلم قصر المدة وانقطاع المدد وانفصال العدد ظل المال ~~المستثمر من ظلم الرجال كسحاب تمزقه أيدي الجنوب والشمال وتفرقه ذات اليمين ~~وذات الشمال # PageV01P196 # قيل الظالم قليل المعونة قبيح الذكر والأحدوثة الظلم لا يقال صريعه ولا ~~يساغ ضريعه ما أبين سوء الشؤم في وجه الغشوم # قال ابن المعتز الظالم يعيد الوثبة قريب الصرعة قيل من لم يعدل عدل الله ~~فيه ومن حكم لنفسه حكم الله عليه وقال اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند ~~القدرة قدرة الله عليك # وقال الظلم من اللؤم والإنصاف من السخاء وقال آخر الظلم أسرع إلى تبديل ~~نعمة وتعجيل نقمة وقيل الظلم طريق إلى سخط الله تعالى ووقع يحي بن خالد ~~البرمكي بئس الزاد إلى المعاد ظلم # PageV01P197 # (أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم) # (إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم) # وقال آخر # (وما من يد إلا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بظالم) # وقال آخر # (إذا جاز الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض أسرف في القضاء) # (فويل للأمير وكاتبيه ... وقاضي الأرض من قاضي السماء) # PageV01P198 ### | فصل في ذكر البغي # قال الله تعالى {ثم بغي عليه لينصرنه الله} # وقال ms029 صلى الله عليه وسلم ليس شيء أسرع عقوبة من بغي # وفي بعض الآثار لو بغى جبل على جبل لجعله الله دكا # قال أبو بكر الصديق الله عنه ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر # PageV01P199 # وقيل من سل سيف البغي قتل به وقيل البغي مرتعه وخيم # وقيل احذر مصارع البغي قال بعضهم من ق 22 سل سيف البغي أغمد في رأسه ومن ~~أسس أساس السوء أسسه على نفسه # PageV01P200 # باب في ذكر العفو ومدح مستعمله في أكثر أحواله والانتقام ومحل استعماله # اعلم أن الحلم محمود في محله والعفو مستحسن إذا استعمل مع أهله # قال الله تعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى} # وقال جل وعلا {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} # PageV01P201 # وقال تعالى {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} # وكان معاوية يقول أنى لأنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي وذنب لا ~~يسعه عفوي وحاجة لا يسعها جودي وأغلظ له رجل أسمه ما يكره في وجهه فقال ~~لولا أني لم أتجرع جرعة قط هي ألذ عندي من جرعة غيظ وحنق رددتها بعفو لسقيت ~~الأرض من دمك ارجع إلى أهلك سالما وقال اردشير من عاقب على الذنب فقد عدل ~~ومن صفح عنه # PageV01P202 # فقد تفضل فاجعل لك من العفو ما تستدعي به من الله النصر وتستنزل به جميل ~~الصنع # وهذا نظير قول عبد الحميد الكاتب الانتقام عدل والتجاوز فضل وأنا أعيذك ~~بالله أن ترضى لنفسك بأبخس الحظين واوكس النصيبين دون أن تبلغ أعلى ~~الدرجتين واستشار المأمون الحسن بن سهل في قتل إبراهيم بن المهدي فقال يا ~~أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظير في قتله # PageV01P203 # وإن عفوت عنه فلا نظير لك فعفى عنه ومما استحسن من اعتذار إبراهيم بن ~~المهدي قوله إن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغاني ~~عفوه لي بعد ذلك شفعة الإقرار بالذنب بعد الأب # وقوله شعرا # (أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت أعظم منه) # (فخذ بحقك أولا ... فاصفح بحلمك عنه) # (إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه) ms030 # وقوله # (أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت للعفو أهل) # (فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل) # فقال المأمون لو لم يكن في حق نسبك ما يقوم بالصفح عنك لبلغك ما أملت حسن ~~تنصلك ولطف توصلك وأن ذنبا أوله هفوة وآخره توبة لحقيق أن لا يكون على مثله ~~عقوبة وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي لقد أشار علي كل أحد بقتلك حتى أخي ~~أبي إسحاق وابني العباس فقال يا أمير المؤمنين إنهم نصحوا لك بذلك في لوازم ~~الخلافة وما جرت به أحكام السياسة ولكن يأبى أمير المؤمنين أن يستجلب النصر ~~إلا كما عوده الله # PageV01P204 # فقال المأمون قد مات حقدي لحياة عذرك وعفوت عنك وأعظم من عفوي عنك أني لم ~~أجرعك امتنان الشافعين ثم سجد المأمون طويلا ثم رفع رأسه فقال يا إبراهيم ~~أتدري لم سجدت فقلت شكرا لله ظفرك بعدو دولتك فقال ما أردت هذا ولكن شكرا ~~لله على ما ألهمنيه من العفو عنك فقال إبراهيم # (إن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع) # (ملئت قلوب الناس منه مهابة ... ويضل يكلؤهم بقلب خاشع) # (فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع) # (ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والده بقلب جازع) # (رد الحياة علي بعد ذهابها ... كرم المليك القادر المتواضع) # فقال المأمون لا تثريب عليك قد عفوت عنك ورددت مالك وضياعك فقال في ذلك # (رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي) # (فأبت عنك وقد خولتني نعما ... هما الحيتان من موت ومن عدم) # (فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي) # PageV01P205 # (ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم) # (فإن جحدتك ما أويت من نعم ... إني لفي اللوم أحظى منك في الكرم ق 23) # وكان إبراهيم بن المهدي قد أدعى الإمامة لنفسه في زمن المأمون وبويع له ~~ببغداد ومكث على ذلك مدة وأصحاب المأمون يحاربونه إلى أن ظفروا به فعفى عنه ~~كما تقدم وكان إبراهيم يقول والله ما صفح المأمون ms031 عني صلة لرحمي ولكن طار ~~اسم في العفو حتى أن يسديه إلي # وكان المأمون يقول لقد لذ لي العفو حتى حسبتني لا أثاب عليه # وكتب معمر مولى سليمان من الحبس إلى الرشيد لست في عقابي إذا كنت سقيما ~~بأعظم ثوابا منك في تخيلتي إن كنت بريئا # وقال اردشير وجدنا للذة العفو ما لم نجد للذة العقوبة وأمر الحجاج بقتل ~~أقوام فلما قدم أحدهم للقتل بعد جماعة منهم قال # PageV01P206 # والله لأن أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو فقال الحجاج أما كان في ~~هؤلاء الجيف من يحسن مثل هذا وعفى عنه وعمن بقي منهم وقال عبد الصمد للسفاح ~~إذا قتلت أكفاءك فبمن تباهي بملكك وقال معاوية أولى الناس بالعفو أقدرهم ~~على العقوبة # وقال عبد الملك بن مروان أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وأولاهم ~~بالعفو من بسط الله بالقدرة يديه # وقال ابن المعتز كفى بالظفر شفيعا للمذنب إلى الحليم وقال حسبك من عدوك ~~ذله في قدرتك وقال أيضا ما عفى الذنب من # PageV01P207 # قرع به وقال لا تشن وجه العفو بالتأنيب وقال آخر أولى السائلين بالإسعاف ~~من طلب العفو وقال اعف عمن أبطأ بالذنب وأسرع بالندم وقال الأمير شمس ~~المعالي العفو عن المجرم من واجب الكرم وقبول المعذرة من محاسن الشيم قيل ~~اعتذر أحمد بن هشام الكاتب إلى أحمد بن أبي خالد بعذر فقال له أحمد بن خالد ~~والله لا قبلت عذرك حتى أسيء إليك قال ابن هشام والله لأن فعلت لاستعديت ~~عليك إلا نفسك ولا أطعمني فيك إلا ظلمك فاستحيا منه وقبل عذره وقال بعض ~~البلغاء ليس من عادة الكرام إسراع الانتقام ولا من شرط الكرام إزالة النعم ~~ولا تأخذ بالسهو ولا تزهد في العفو وارحم من دونك يرحمك من فوقك # وهذا المعنى قريب من قول النبي صلى الله عليه وسلم الراحمون # PageV01P208 # يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وقال بعض الحكماء ~~عفو الملوك أبقى للملك # PageV01P209 ### | فصل واعلم أنه ليس لسرعة الانتقام وتعجيل العقوبة والإعراض عن الصفح ms032 وقلة الرغبة في العفو سبب سوى قوة الغضب فلنذكر منه جملا موجزة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من ~~يمسك نفسه عند الغضب # وقال عليه الصلاة والسلام من كظم غيظا وهو يقدر أن يمضيه ملأ الله قلبا ~~أمنا وإيمانا وقال صلى الله عليه وسلم إذا غضب أحدكم وكان قائما فليقعد أو ~~قاعدا فليضطجع وقال عليه السلام # PageV01P210 # وإذا غضبت فاسكت وقال له رجل أوصني قال لا تغضب # وقيل الغضب غول العقل وقيل الغضب مفتاح الشر وقال بعض الحكماء الغضب يفسد ~~الإيمان كما يفسد الصبر العسل وقيل إذا دخل الغضب على الرجل العاقل الورع ~~اذهب منه العقل والورع فكيف بمن لا عقل ولا ورع # وقال سهل بن هارون ثلاثة من المجانين وإن كانوا من العقلاء الغيران ~~والغضبان والسكران وقال ابن المعتز الغضب يصدي العقل حتى لا يرى صاحبه صورة ~~حسن فيفعله ولا صورة قبح # PageV01P211 # فيجتنبه وقال أول الغضب جنون وآخره ندم وقال لا يحملنك على اقتراف إثم ~~فتشفى غيضك وتسقم دينك وقال قوة الحلم على الغضب أفضل من قوة الانتقام وقال ~~ابق لرضاك من غضبك وقال بعض الحكماء رأس الأدب قطع الغضب وقال أسرع الناس ~~جوابا من لم يغضب وقال آخر من يملك غضبه ويكظم غيظه فقد كمل عقله # وقال بعضهم التباعد من غضب الله أن لا يغضب العبد فإن ق 24 بدء الغضب من ~~الكبر والحمية والأنفة قال أبو الدرداء أقرب من العبد غضب الله تعالى إذا ~~غضب ونظر عبد الرحمن بن محمد إلى الرشيد وقد اشتد غضبه على رجل فخاف أن ~~يستفزه الغضب فقال يا أمير # PageV01P212 # المؤمنين إنما تغضب لله فلا تغضب بما لا تغضب به لنفسك فيغضب عليك # وفي بعض كتب الله المنزلة يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب # وقال بعض الحكماء احتمال الصبر عند الغضب اسلم من إطفائه بإظهار السفه ~~وقيل ينبغي للسلطان العجول أن يحذر الطيش والغضب والحد فإن السلطان الغضوب ~~المفرط في العقوبة يهلك نفسه وسلطانه ورعيته ms033 # ودفع أردشير إلى رجل كان يقوم على رأسه ثلاثة كتب وقال إذا رأيتني وقد ~~اشتد غضبي على أحد فادفع إلي الكتاب الأول ثم الثاني ثم الثالث فاشتد يوما ~~غضبه على رجل فدفع إليه الأول فإذا فيه أمسك فإنك لست بإله وإنما أنت جسد ~~يوشك أن يفنى ويأكل بعضك بعضا ودفع إليه الثاني فإذا فيه أرحم العباد ترحم ~~في المعاد ودفع إليه الثالث فإذا فيه أحمل اخلق على الحق فلا يسعك إلا ذلك ~~قال معاوية ما غضبي على من لا أملك وما غضبي على من أملك # PageV01P213 ### | فصل في الانتقام ممن يجريه العفو على الاقتحام الجرائم والآثام # قال بعض البلغاء لا يكن عفوك وإغضاؤك سببا للجراءة عليك وعلة الإساءة ~~إليك فإن الناس رجلان عاقل يكتفي بالعذل والتأنيب وجاهل يحوج إلى الضرب ~~والتأديب وقال العفو احتمال الذنب الذي لا يكون عن عمد ولا يقضي بوجوب حد ~~فأما الذنب الذي يركب عمدا ويوجب حدا فلذلك ما لا تحمله السياسة ولا تطابقه ~~الشريعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا ~~في الحدود قال # PageV01P214 # المنصور إذا كان الحلم مفسدة كان الحكم معجزة وقيل من عفا عمن يستوجب ~~العقوبة كان كمن عاقب من يستوجب المثوبة وقيل العفو يفسد من اللئيم بقدر ما ~~يصلح من الكريم # قال أبو الطيب المتنبي # (إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا) # (ووضع الندى موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندا) # وقال أيضا # (إذا قيل رفقا قيل للحلم موضع ... وعلم الفتى في غير موضعه جهل) # PageV01P215 # وهذا من قول للأحنف بن قيس قيل له أين الحلم فقال عند الحيي وقال أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام السيف أنمى عددا وأكثر ولدا # وقوله القتل أنفى للقتل وهو معنى قوله تعالى {ولكم في القصاص حياة يا ~~أولي الألباب} # PageV01P216 # ولما أنشد النابغة الجعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله # PageV01P217 # (ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا) # (ولا خير ms034 في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا) # وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفض فاك # وللنعمان بن المنذر # (تعفو الملوك عن الكبير ... من الذنوب لفضلها) # (ولقد تعاقب في القليل ... وليس ذلك لجهلها) # (إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدة نكلها) # وقال آخر # (فلا يغرنك طول الحلم مني ... فما أبدأ تصادقني حليما) # PageV01P218 # وقال آخر # (بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصا ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع) # وقال بشار # (والحر يلحى والعصا للعبد ... ) # وقال ابن دريد # (واللوم للحر مقيم رادع ... والعبد لا يردعه إلا العصا) # PageV01P219 # في ذكر الأناة وذم العجلة في الأمور التي لا يستعقب ق 25 فتها ضرر ولا ~~يخشى من تأخيرها غرر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك خصلتين يحبهما ~~الله الحلم والأناة وقال عليه الصلاة والسلام التؤدة والاقتصاد والتثبت جزء ~~من ستة وعشرين جزءا من النبوة # وقال عليه الصلاة والسلام من تأتى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ # PageV01P220 # أو كاد وقال الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة وقال من ركب العجل ~~أدرك الزلل # قال القطامي # (قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل) # وقيل التأني في الأمور أول الحزم والتسرع في الأمور عين الجهل # وقيل إذا لم تدرك الحاجة بالرفق والدوام فبأي شيء تدرك # وقيل من استعمل الرفق غنم ومن استعمل الخرق ندم ومن اقتحم الأمور لقي ~~المحذور العجول مخطئ وإن ملك والمتأني مصيب وأن هلك # PageV01P221 # وقال ابن المعتز العجلة تضمن العثرة بكل مكل مكروه وقال الخرق بالرفق ~~يلحم وقال غيره بالتأني تدرك الغرض # PageV01P222 ### | فصل اعلم أن الأناة إنما قصدت للاستظهار والاستبصار # والنظر في العواقب وانفساح مذاهب الرأي في المطالب وبصر أحسن الأمرين ~~وأنهج المسلكين وعند العجلة والمغافصة يفوت ذلك فالخواطر كالبروق الخواطف ~~ليس لها ثبات فربما لاح له رأي وخطر له فكر فعمل به قبل التثبت والتأمل ثم ~~يتبين له بعد ذلك أن الصواب كان في غيره فيندم حين لا يغني الندم ولا ينفع ~~السدم ms035 فأما ما وضح فيه وجه الصواب السداد وأمن في عواقبه دواعي الفساد ~~فينبغي أن ينتهز فيه الفرصة عند إمكانها ويبادرها قبل تعذرها وفواتها # قال السفاح الأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة وقال غيره الفرص تمر مرور ~~السحاب وقال آخر تجرع من عدوك الغصة إلى أن تجد الفرصة فإذا وجدتها ~~فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك أو يعينه الفلك # قال الشاعر # PageV01P223 # (وإن فرصة أمكنت مرة ... فلا تبد فعلك إلا بها) # (فإن لم تلج بابها مسرعا ... أتاك عدوك من بابها) # وللآخر # (إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل عاصفة سكون) # (ولا تغفل تداركها سريعا ... فما تدري السكون متى يكون) # ولابن الرومي # (عيب الأناة وإن كانت مباركة ... أن لا خلود وأن ليس الفتى حجرا) # قيل من غافص الفرص أمن الغصص وقيل إذا كان الموت غير مأمون طرفة عين فمن ~~الخرق تأخير ما أمكن وقال بعض الحكماء من انتظر الفرصة مؤاجلة الاستقصاء ~~سلبته الأيام فرصته لأن صناعة الأيام السلب وشرط الزمان الإفاتة # PageV01P224 # باب في إيثار السلم والموادعة على الحرب والمنازعة وكيفية الدخول على ~~الحرب عند الحمل عليها والاضطرار إليها # اعلم أن السلم باب السلامة وسبب الاستقامة # قال الثعالبي السلم سلم السلامة قال غيره أغمد سيفك ما ناب عنه لسانك ~~واستمل عدوك ما مال به إحسانك وقيل من أتم النصح الإشارة بالصلح وقال بعضهم ~~من استصلح عدوه زاد في عدده ومن استفسد صديقه نقص من عدده وفي الزبور من ~~كثر عدوه فليتوقع الصرعة وقال داود عليه السلام # PageV01P225 # لا تشتر عداوة واحد بصداقة ألف # قال الشاعر # (وليس كثير ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير) # وقال بعضهم لا تفتح بابا يعييك سده ولا ترسل سهما يعجزك رده ولا تفسد ~~أمرا يعييك إصلاحه ولا تغلق بابا يعجزك افتتاحه # وقيل لا لا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا وقيل توق كل التوقي ~~ولا حارس من الأجل وتوكل ق 26 كل التوكل ولا عذر في التغرير ومن كتاب كليلة ~~ودمنة أربعة لا يركبها إلا أعوج ولا يسلم منها إلا القليل ms036 مناجزة العدو ~~وركوب البحر وشرب السم للتجربة وائتمان النساء على الأسرار وفيه أيضا ~~القليل منها كبير النار والعداوة # PageV01P226 # والمرض وقيل كل شيء ينفق عليه من المال إلا الحرب فإن النفقة عليها من ~~النفوس # قال الشاعر # (كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا) # وكان السلف رضي الله عنهم يستحسنون قول عمرو بن معدي # (الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى لزينتها بكل جهول) # (حتى إذا اشتدت وشب ضرامها ... ولت عجوزا غير ذات جليل) # (شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل) # PageV01P227 # وقال زهير # (ومن يعص أطراف الرماح فإنه ... يطيع العوالي ركبت لكل لهذم) # يقول من عصا الصلح والموادعة قبل القتال طلب ذلك ورضي به وأطاعه بعد أن ~~ضرسته الحرب ونالت منه الفتنة # قال الشاعر # وسالمت لما طالت الحرب بيننا ... إذا لم تظفرك الحروب فسالم) # قال زهير يصف الحرب # (وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم) # (متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضرى إذا ضريتموها فتضرم) # (فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم) # (وتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم) # (فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم) # PageV01P228 ### | فصل وينبغي لمن ابتلي بعدو أن يكون معه كما قال بعض وزراء العجم # قال ينبغي للملك أن يبني أمره مع عدوه على أربعة أوجه على اللين والبذل ~~والكيد والمكاشفة ومثل ذلك مثل الخراج أول علاجه التمكين فإن لم ينفع ~~فالإنضاج والتحليل وإن لم ينفع فالضماد فإن لم ينفع فالكي وهو آخر العلاج ~~ومن الدليل على التدابير في أمر العدو باللين حيث يتوقع نجعه ويرتجى نفعه ~~أصوب وإلى استبدال المودة عن العداوة أقرب قال الله جل ذكره {ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} # PageV01P229 # وقال محمد بن يندار إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوك فقبلها ومما يدل على أن ~~البذل يكسب المحبة وينفي العداوة ما روي عن صفوان بن أمية أنه قال ما كان ~~أحد أكره إلي من رسول ms037 الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P230 # فما زال عليه السلام يعطيني حتى لأنه أحب الناس إلي # وروي أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض متاخمة لأرض معاوية قد جعل فيها ~~عبيدا من الزنوج يعمرونها فدخلوا في أرض ابن الزبير فكتب إلى معاوية أما ~~بعد يا معاوية فإنه عبدانك عن الدخول في أرضي وإلا كان لي ولك شأن فلما وقف ~~معاوية على الكتاب دفعه على ابنه يزيد فلما قرأه قال له يا بني ما ترى قال ~~أرى أن تنفذ إليه جيشا أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه قال أو خير من ذلك ~~يا بني علي بداوة وقرطاس فكتب إليه وقفت على كتاب ابن حواري رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وساءني # PageV01P231 # ما ساءه والدنيا عندي بأسرها هينة في جنب رضاه وقد كتبت على نفسي صكا ~~بالأرض والعبدان له وأشهدت عليا فيه فليستضيفها مع عبدانها إلى أرضه ~~وعبدانه والسلام فلما وقف عبد الله بن الزبير على كتاب معاوية كتب إليه ~~وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ولا عدمه الرأي الذي أحله من ~~ق 27 قريش هذا المحل والسلام فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن الزبير ~~رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أسفر وجهه وقال يا بني إذا بليت بمثل هذا ~~الداء فداوه بمثل هذا الدواء # PageV01P232 ### | فصل ف أما كان العدو مما لا يرجى انصلاحه بالبذل واللين فيجب أن يسارع بالكيد المبين إلى جسم مادته واستئصال شأفته # فقد قيل إن الكيد أبلغ من الأيد وقال المكيدة أبلغ من النجدة وقال ابن ~~المعتز أوهن الأعداء كيدا أظهرهم لعداوته # وقال الشاعر # (إذا كنت لا أرمي الضباء ... فإنني أدس لها تحت التراب دسايسا) # وبالجملة فينبغي أن لا يدخل في الحرب ويكاشف بها ما دام يطمع في # PageV01P233 # بلوغ مآربه ونجاح مطالبه أن لا يدخل في الحرب ويكاشف بها ما دام يطمع في ~~بلوغ مآربه ونجاح مطالبه بما هو دونها # قال أبو الطيب وإنما الحرب غاية المكايد # فحينئذ ينبغي أن يعالجه قبل أن تتمكن بوائقه ms038 وتتسع طرائقه فكل أمر لا ~~يداوى من قبل أن يعضل ولا يدبر قبل أن يستفحل عيي به مداويه وصعب تداركه ~~وتلافيه # قال بعضهم تفقد عدوك قبل أن يمتد باعه ويطول ذراعه وتكبر شكيمته ويعضل ~~دواؤه ومن أمثال العرب دواء للشق أن يحاص فيه فيستعين عليه حينئذ بالدخول ~~في الهيجاء ومكاشفة الأعداء # قال الشاعر # (إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فلا رأي للمضطر إلا ركوبها) # PageV01P234 # وللآخر # (ولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب) # وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموه ~~فاصبروا # قال الشاعر # لم أكن في جنباتها يعلم الله ... وأني بحرها صالي) # وقال آخر # (الحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصحاح من الجربى فتعديها) # وقال أبو الطيب # (لا تلق أشجع منك تعرفه ... إلا إذا ما ضاقت الحيل) # PageV01P235 ### | ### | فصل # ويجب أن يستعمل الحزم في تدبيره ويلاحظ العواقب في جميع أموره فمن نظر في ~~العواقب سلم من المعاطب ومن أخر تدبيره تقدم تدميره # وقيل من نظر بالرأي غنم ومن نظر في العواقب سلم ومن أخلد إلى التواني حصل ~~على الأماني ومن ترك حزمه أعان خصمه # قال ابن دريد # (من ضيع الحزم جنى لنفسه ... ندامة ألذع من سفع الذكي) # وقال آخر الحزم إن ضيعته أبشر بقرب التلف # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزم سوء الظن # PageV01P236 # وقيل لمعاوية ما بلغ من حزمك قال لم أثق بأحد # قال بعض الحكماء الاحتراس من كل أحد حزم وقلة الاسترسال إلى الناس أسلم ~~وكتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهدي هذه الأبيات # (ركوبك الهول ما لم تلق فرصة جهل ... ورأيك في الإقحام تغرير) # (أهون بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور) # (فإن ظفرت بعجز أو نجوت به ... قالوا جهول أعانته المقادير) # (وإن حرمت بحزم أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور) # ولآخر في المعنى # (على كل حال فاجعل الحزم عدة ... لما أنت باغيه وعونا على الدهر) # PageV01P237 # (فإن نلت أمرا نلته بعزيمة ... وإن قصرت عنك ms039 الحظوظ فعن عذر) # وهذا المعنى مأخوذ من قول بعض الحكماء استعمل الحزم في الأمور وليس عليك ~~ما قضى الله منها فإن فزت بحظ أحرزت إليه حمدا وإن غرمته عوضت عليه عذرا # وقال بعضهم أذكر حسرات التفريط يلذ لك الحزم ومن الحزم ألا يحتقر عدوه ~~وإن كان حقيرا ولا يستصغره وإن كان صغيرا فإن ذلك عنوان الخذلان وفيه ترك ~~للحزم وتوهين للعزم # قال ابن نباتة # (فلا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر) # (فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عن ما تنال الأبر) # قيل ق 28 للمهلب من أحزم الناس قال من يوهم عليه الجبن من # PageV01P238 # شدة احتياطه وكان في قتال الأزارقة يبث الأحراس في الأمن كان يبثهم في ~~الأمن ويذكي العيون في الأمصار كما يذكيها في الصحاري ويأمر أصحابه بالتحرز ~~ويخوفهم البيات وإن بعد عنهم العدو ويقول انظروا أن تكادوا كما تكيدون ولا ~~تقولوا هذا منا ولا علينا فإن القوم خائفون وجلون وإن الضرورة تفتح باب ~~الحيلة # PageV01P239 ### | فصل # وينبغي له أن يكون في حال محاربته وقتاله كما قال عبد الله بن صالح في ~~وصية له لقائد في مقدم جيش مضى إلى بلاد الروم فقال إنك تاجر الله لعباده ~~فكن كالمضارب الكيس إن رأيت ربحا لا يشك فيه اتجرت وإلا احتفظت برأس المال ~~لا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة وكن في احتيالك على عدوك أخوف من احتيال ~~عدوك عليك # وكانت الفرس إذا بعثت أميرا على جيش قالت احفظ ما يلقى إليك وانتهز ~~الفرصة فإنها خلسة وأثبت عند رأس الأمر لا عند ذنبه وإياك وشفيعا مهيبا ~~وإياك والعجز فإنه أوطأ مركب وعليك بالصبر فإنه سبب الظفر ولا تحض الغمر ~~حتى تعرف القدر # وقال قطري بن الفجاءة وقد ذكر المهلب بن أبي صفرة لأصحابه هو # PageV01P240 # من قد عرفتموه إن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر يمده إذا أرسلتموه ~~ويرسله إذا مددتموه ولا يبدؤكم حتى تبدؤوه إلا أن يجد فرصة فينتهزها فهو ~~الليث المبرز والثعلب الرواغ # وقال مرة إن جاءكم المهلب لا يناجزكم حتى ms040 تناجزوه ويأخذ منكم ولا يعطيكم ~~فهو البلاء اللازم والمكروه الدائم # وكانت الخوارج تسميه الساحر لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجدونه قد احترس ~~منهم ويدبرون التدبير لأنفسهم فيجدونه قد سبق إلى بعض تدبيرهم وسأل الحجاج ~~بريدا ورد عليه من قبل المهلب أيام حربه للأزارقة عن المهلب والجند اللذين ~~معه فقال يسوسهم سياسة الملوك ويقاتل بهم قتال الصعلوك # PageV01P241 # وقال عبد الله خالد بن الوليد لمعاوية إنك لتقدم إقداما أراك تتعرض للقتل ~~وتتأخر تأخرا أراك تهم بالهرب فقال والله ما أتقدم لأقتل ولا أتأخر لأخرب ~~ولكنني أتقدم إذا كان التقدم غنما وأتأخر إذا كان التأخر حزما كما قال ~~الشاعر # (شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم تكن لي فرصة فجبان) # وقال بعضهم احتل للشمس والقمر والريح أن يكونا معك لا عليك وقيل الإقدام ~~أنفى للعار وأدرك للثأر والشجاع موقى والجبان ملقى # وقال المتنبي # (يقتل العاجز الجبان وقد يعجز ... عن قطع بخنق المولود) # PageV01P242 # (ويوقى الفتى المخش ويد خوض ... في ماء لبة الصنديد) # ومن أمثال العرب إن الجبان حتفه من فوقه عصى الجبان أطول محرض خير من ألف ~~مقاتل إذكاء العيون أنفى للظنون لا تغفل الحسك إن كنت نازلا والخندق إن كنت ~~مقيما إذا ابتليت بالبينات فعليك بالثبات الانصراف قبل الهزيمة هزيمة الحرب ~~سجال وعثراتها لا تقال # PageV01P243 # وقال عليه الصلاة السلام الحرب خدعة # ومن أمثال العرب إذا تغلب فاخلب المحاجزة قبل المناجزة # التغرير مفتاح البؤس لا تمنع عدوك السبيل في هزيمته # الهارب لا يعرج على صاحب الليل جنة الهارب # الفرار في وقته ظفر وقال تعضهم الفرار عند الخوف من سنن # PageV01P244 # المرسلين قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام ق 29 ففرت منكم لما ~~خفتكم # ومن أمثال العرب الفرار بقراب أكيس # ومن أمثال العامة فر أخزاه الله خير من قتل رحمه الله # ومن أبلغ ما قيل في الاعتذار من الفرار قول الحارث بن هشام حيث يقول # (الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزيد) # PageV01P245 # (وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يبكي عدوي بمشهدي) ms041 # (فصدرت عنهم والحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد) # وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي # (لعمرك ما وليت ظهري محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل) # (ولكني قلبت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي) # (وقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت بعود كالهزبر إلى القتل) # PageV01P246 # باب في ذم الحجاب # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولي من أمور الناس شيئا فاحتجبت ~~عنهم احتجب الله عنه دون حاجته وفاقته وفقره ولما أخبر معاوية بهذا الحديث ~~جعل على حوائج الناس رجلا وقال الفضل بن سهل لثمامة بن الأشرس ما أدري ما ~~اصنع في كثرة طلاب الحوائج وغاشية الباب فقال زل عن موضعك وعلي أن لا يلقاك ~~أحد قال صدقت وقعد لهم # وفي معنى قول ثمامة قول الشاعر # PageV01P247 # (فلا تعتذر بالشغل عني فإنما تناط ... بك الحاجات ما اتصل الشغل) # وقول الآخر # (افرغ لحاجاتنا ما دمت مشغولا ... فلو فرغت لقد أصبحت مملولا # قلنا وليس المراد بترك الحجاب أن يبرز السلطان إلى العوام على الدوام في ~~الطرقات ويباشر بنفسه أحوال الرعية في جميع الأوقات إنما بذلك ألا يحجب عن ~~مجلسه خواص الناس وذوي المروءات وأرباب الشرف والبيوتات وأن يأذن للعلماء ~~وأهل الدين إذا استأذنوا عليه لإبلاغ نصح يرجع صلاحه إليه وإلى كافة ~~المسلمين وأن يصغي بنفسه إلى مخاطبتهم ويأذن لكلامهم ومحاوراتهم ولا يكل ~~ذلك إلى وزرائه وحجابه وسائر من يعتمد عليه من نوابة فإن أهل العلم والفضل ~~وذوي الرياسة والنبل قد يأنفون من رفع حاجتهم إلى من لعلة دونهم على ~~الحقيقة في القدر والمنزلة وإن كان الملك قد أهله من الرياسة لما هو أهله ~~وربما استشعر بذلك عليهم شرفا وفخرا وشمخ بأنفه عليهم صلفا وكبرا وذوي ~~المناصب العلية قد لا تسمح أنفسهم الأبية بقبول ذلك وإن عمتهم البلية # PageV01P248 # ودهمتهم الرزية وربما قلدهم بما يرفع من مأربهم وينجح على يديه من ~~مطالبهم منه يصعب على مثلهم من مثله تحملها ويعسر عليهم تقلدها وأيضا فقد ~~لا ينقلون لفظهم على صيغته ولا يصيبون المعنى المراد ms042 على حقيقته فيصيرون ~~لسوء نقلهم ونقصان عقلهم المدح قدحا والتلطف تعسفا التودد تهددا والإبانة ~~نيابة والأمانة خيانة ثم ينبغي الملك إذا اتخذ حاجبا أن يكون أمينا عاقلا ~~أديبا عارفا بمقادير الناس ومنازلهم وعالما بحقهم وحرمتهم ليأذن لهم على ~~قدر أحوالهم ويقدمهم في الدخول على حسب درجاتهم # قال عبد الملك بن مروان لأخيه عبد العزيز بن مروان حين وجهه إلى مصر اعرف ~~حاجبك وكاتبك وجليسك فإن الغائب عنك يخبره عنك كاتبك والمتوسم لك يعرفك ~~بحاجبك والخارج يعرفك بجليسك قال رجل # PageV01P249 # لزياد أن حاجبك يبدأ بالإذن لمعارفه قال قد أحسن فالمعرفة تنفع عند الكلب ~~العقور والجمل الغصوص كن من معارفه أنت أيضا ثم يقيم لحوائج الناس وتعريفها ~~إليه من خواصه أروعهم وآدبهم وأحرصهم على طلب الخير وطلب الأجر وتجنب العار ~~والوزر واكتساب الثناء والشكر ثم يجعل لعوام الناس وكافة ذوي الحوائج ~~والمتظلمين يوما في الأسبوع أو في الشهر على قدر الحاجة إليها يأذن لهم في ~~الدخول عليه ليستدرك كل منهم ما عجز عن تداركه بالوسائط والذرائع ويصل من ~~حقه إلى ق 30 ما لم يوصله إليه القضاة وأرباب الصنائع وعجز عن إنصافه ولاة ~~المظالم وكاد يخرج عما هو فيه عن معلوم العالم فهذه أحمد # PageV01P250 # السير وأرضاها عند ذوي الرأي والنظرة ومما قيل في ذم الحجاب قول أبي ~~العتاهية في أحمد بن يوسف وقد حجب عنه # (لأن عدت بعد اليوم أني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم) # (متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم) # وقال أيضا في عمرو بن العلاء # (أتيتك يا هذا فأغلقت بابك ... أكنت تراني حيث أبغي بابكا) # (وليس لشيء غير تسليم مرة ... أتيتك فاشدد ما بقيت حجابكا) # (لك الله ألا جئت بابك غير ما ... فعلت ولا كلفت نفسي طلابكما) # ولأحمد بن عبد الله مؤلف كتاب العقد في آخره # (ما بال بابك محجوب بنواب ... تحميه من طارق يأتي ومنتاب) # PageV01P251 # (لا تحجب وجهك الممقوت من أحد ... فالمقت يحجبه من غير حجاب) # (واعزل عن الباب من قد ظل يحرسه ... فإن وجهك ms043 طلسم عن الباب) # وقال آخر # (حجابك من مهابته عسير ... وخيرك من بر يده يسير) # (خرجت كما دخلت إليك إلا ... ترابك طار في جفني كثير) # PageV01P252 # القسم الثاني من الكتاب في الحكايات عن الخلفاء والوزراء والعمال ~~والأمراء الدالة على مناقبهم وارتفاع مراتبهم ولنبدأ بذكر معاوية بن أبي ~~سفيان رضي الله عنه لقرب عهده ثم من بعده على ترتيب وجودهم وتعاقب أزمنتهم ~~إلى حيث ينتهي بنا الكلام وبالله التوفيق # روي أن معاوية كان يجلس ويأذن كل يوم خمس مرات كان إذا صلى الفجر جلس ~~فيقرأ القصص ويقضي حاجة من حضر ثم يأخذ # PageV01P253 # المصحف فيقرأ أجزاء من القرآن الكريم ثم يدخل بيته فيأمر وينهى ويصلي ~~أربع ركعات ثم يقعد في مجلسه ويدخل إليه خاصة الخاصة ويدعو بالغداء الأصغر ~~من فضلات العشاء ثم يأمر بكرسيه حيث المقصورة من المسجد فيأتيه ابن السبيل ~~والأعرابي ومن تستدعى من الإماء والعجائز والصبيان فيقضي حوائجهم ولا يضجر ~~ثم يدخل منزله فيأتيه أشراف الناس والعلماء فيقضي لهم الحوائج ثم يدعو ~~بغدائه الأكبر فيطيل الأكل ويصغي لكل أصحاب الحوائج ثم يدخل منزله إلى ~~الظهر فلا يراه أحد ثم يخرج يصلي الظهر ويدخل إليه الخواص فإن كان أيام ~~الشتاء دعا بالحلوات اليابسة وإن كان صيفا دعا بالفواكه فيأخذ من الأكل إلى ~~العصر ثم يجلس على سريره ويأذن للناس إلى الغروب ثم يأذن لخاصته إلى ثلث ~~الليل يسامرونه وينام الثلث الأوسط ويصلي الثلث الأخير فلم يزل على ذلك حتى ~~قبضه الله تعالى قيل سمر معاوية ذات ليلة فذكر كلام الزرقاء بنت عدي امرأة ~~من أهل الكوفة ممن نصر عليا عليه # PageV01P255 # السلام يوم صفين فقال لأصحابه أيكم يحفظ كلام الزرقاء فقالوا كلنا يا ~~أمير المؤمنين نحفظه فقال فما تشيرون علي فيها فقالوا نشير بقتلها فقال بئس ~~الرأي رأيتم أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس علي أني قتلت امرأة بعدما ملكت ~~فظفرت ثم دعا بكاتبه فكتب إلى واليه بالكوفة أن أوفد إلى الزرقاء بنت عدي ~~مع نفر من عشيرتها وعدة من فرسان قومها ومهد لها وطاء ms044 لينا فلما ورد عليه ~~الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب فقالت أما أنا فغير زائغة عن الطاعة فإن ~~كان أمير المؤمنين جعل الاختيار إلي لم أرم من بلدي وإن كان حتم الأمر ~~فالسمع والطاعة له فحملها على أحسن مطية في هودج وجعل غشاءه خزا مبطنا ~~وأحسن صحبتها فلما قدمت على معاوية قال لها مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد ~~كيف حالك يا خالة وكيف رأيت ق 31 مسيرك فقالت خير مسير كأني ربيبة بيت أو ~~طفل في مهد فهل تعلمين لما بعثت إليك فقالت لا يعلم الغيب إلا الله فقال ~~ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين وأنت بين الصفين توقدين نار الحرب وتحضين ~~على القتال قالت بلى قال فما حملك على ذلك فقالت # PageV01P256 # يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب والده ذو غير ومن تفكر ~~أبصر والأمر يحدث بعده الأمر قال صدقت فهل تحفظين كلامك قالت لا والله قال ~~لله أبوك لقد سمعتك تقولين أيها الناس إنكم في فتنة عمياء صماء غشيتكم ~~جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها من فتنة لا يسمع لقائلها ولا ~~تنقاد لسائقها أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكواكب لا تنير ~~مع القمر وإن البغل لا يسبق الفرس ولا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من ~~استرشد أرشدناه ومن سألنا أخبرناه أن الحق كان يطلب ضالته فوجدها فصبرا يا ~~معاشر المسلمين من المهاجرين والأنصار على الغصص فكأنه قد التأم شعب الشتات ~~وظهرت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحدكم يقول كيف ذلك ليقضي أمرا ~~كان مفعولا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير في ~~الأمور عواقب أيها إلى الحرب قدما غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده قال يا ~~زرقاء لقد شاركت عليا عليه السلام # PageV01P257 # في كل دم سفكه قالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامك مثلك ~~بشر بخير وسر جليسه قال لها وقد سرك ذلك قالت نعم والله سرني قولك وأنى لي ~~بتصديقه قال ms045 والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبكم له في حياته اذكري ~~حاجتك فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت على نفسي أن لا أسأل أحدا أعنت عليه ~~شيئا أبدا ومثلك من أعطى بغير مسألة وجاد من غير طلبة قال صدقت ثم أقطعها ~~ضيعة استغلت منها أول سنة عشرة آلاف درهم # وذكر أن سودة بنت عمارة بن أسد استأذنت عليه فلما أذن لها قال هيه يا بنت ~~أسد ألست القائلة يوم صفين # (شمر كفعل أبيك يا بن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران) # (وانصر عليا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وأبنها بهوان) # (إن الإمام أهو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان) # (فقد الجيوش وسر أمام لوائه ... قدما بأبيض صارم وسنان) # فقالت بلى يا أمير المؤمنين فما مثلي من رغب عن الحق ولا اعتذر بالكذب ~~قال فما حملك على ذلك قالت حب علي واتباع الحق فقال والله ما أرى عليكم من ~~أثر علي شيئا فقالت نشدتك الله يا أمير المؤمنين من إعادة ما مضى وتذكار ما ~~خلا فقال هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى # PageV01P258 # وما لقيت من أحد ما لقيت من أخيك وقومك قالت صدقت يا أمير المؤمنين لم ~~يكن أخي والله دهش المقال ولا خفي المكان وكان والله كما قالت الخنساء # (وإن صخرا لتأتم الهداة به كأن ... ه علم في رأسه نار) # وأنا أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيته منه فقال قد فعلت فما حاجتك ~~فقالت يا أمير المؤمنين إنك أصبحت للناس سيدا ولأمرهم واليا والله سائلك عن ~~أمورنا وما افترض الله عليك من حقنا وما يزال بقدم علينا من يهجم بعزك ~~ويبطش بسلطانك فيحصدها حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسف هذا ابن ~~أراطة قدم علينا فقتل # PageV01P259 # رجالا وأخذ أموالا ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته فشكرناك ~~وإلا عرفناك فقال معاوية أبقومك تهدديني لقد هممت أحملك على قتب أشرس فاردك ~~إليه فينفذ فيك حكمه فاطرقت وبكت وأنشأت تقول # (صلى الإله على قبر تظمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا) # (قد ms046 حالف الحق لا ينبغي به بدلا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا) # قال ومن ق 23 ذلك قالت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال ~~وما علمك بذلك فقالت أتيته في رجل ولاه علينا لم يكن بيننا وبينه إلا ما ~~بين الغث والسين فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انفتل من صلاته فقال برأفة ~~ورحمة ألك حاجة فأخبرته فبكى وقال اللهم أشهد علي وعليهم إني لم أمرهم بظلم ~~أحد من خلقك ولا بترك شيء من حقك ثم أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها بسم ~~الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا ~~تخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ # إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك حتى يقدم عليك من # PageV01P260 # يقبضه منك والسلام فأخذته منه والله ما حزمه بحزامه ولا ختمه بطين فعزله ~~به فقال معاوية اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها فقالت إلي خاصة أم لقومي ~~عامة فقال ما أنت وقومك فقالت هي والله الفحشاء إذن اللؤم إن كان عدلا ~~شاملا وإلا فأنا كسائر قومي قال هيهات يا أهل العراق لمظكم علي بن أبي طالب ~~الجرأة على السلطان اكتبوا لها بحاجتها ولسائر قومها وروي أنه أتي معاوية ~~برجل من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان قد أبلى معه ~~بلاء حسنا فقال معاوية الحمد لله الذي أمكن منك فقال لا تقل ذلك ولكن قل ~~إنا لله وإنا إليه راجعون فإنها مصيبة قال وأي نعمة هي أكبر من أن الله قد ~~أظفرني برجل قتل بساعة واحدة جماعة من أصحابي اضربا عنقه فقال اللهم اشهد ~~أن معاوية لم يقتلني فيك ولا أنك رضيت قتلي ولكن يقتلني على سبيل الغلبة ~~على حطام هذه الدنيا فإن فعل فافعل به ما هو أهله وإن لم يفعل فافعل به ما ~~أنت أهله قال معاوية قاتلك الله لقد سببت فأبلغت بالسب ودعوت فأبلغت في ~~الدعاء ms047 خليا عنه # PageV01P261 # وروي عن معاوية أنه قال اجعلوا للشعر أكثر همكم وأحد دأبكم فإن مآثر ~~أسلافكم ومواضع إرشادكم فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الهرب فما ~~يردني إلا قول عمرو بن الأطنابة حيث يقول # (أبت همتي وأبى حيائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح) # (وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي) # (وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح) # (لأني عالم أن سوف تنئا ... مسافة بين جثماني وروحي) # وقال معاوية # (كأن الجبان يرى أنه ... يدافع عنه الفرار الأجل) # (فقد تدرك الحادثان الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل) # PageV01P262 # وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم يا ابن أخي إنك لقد لهجت تقول الشعر ~~فإياك والتشبيب فتعر شريفا وإياك والهجاء فتهجي كريما أو تثربه لئيما وإياك ~~والمدح فإنه كسب الخسيس ولكن أفخر بمآثر قومك وقل في الأمثال ما تزين نفسك ~~وتؤدب به غيرك فإن لم تجد بدأ من المديح فكن كالمبرار حين مدح فإنه شفع ~~بنفسه حين بدأ بغيره فقال # (أنزلت نفسي في بني ثغل ... إن الكريم للكريم مجل) # وقيل حج معاوية فلما دخل المدينة قال الحسين بن علي لأخيه الحسن بن علي ~~صلوات الله عليهم أجمعين لا تلقه ولا تسلم عليه فلما خرج قال # PageV01P263 # الحسن إن علينا دينا ولا بد من إتيانه فركب في أثره فلحقه فسلم عليه ~~وأخبره بدينه فمروا غلبه ببختي عليه ثلاثون ألف دينار قد أعيى وتخلف عن ~~الإبل وقوم سيوقونه فقال معاوية ما هذا فذكر له فقال اصرفوا ما عليه لأبي ~~محمد # قال زياد ما غلبني معاوية في شيء من أمور السياسة قط إلا في شيء واحد ~~وذلك أني استعملت رجلا على دست ميسان فكسر عليه الخراج فلحق بمعاوية فكتبت ~~إليه أسأله تسليمه إلي فكتب في جوابه أما بعد فليس ينبغي لمثلي ومثلك أن ~~نسوس الناس جميعا بسياسة واحدة لكن ق 33 تكون أنت للغلطة والفظاظة وأكون ~~أنا للرأفة والرحمة فإذا هرب هارب وجد له بابا يلج فيه والسلام # وقيل لمعاوية أنت أدهى أم زياد فقال إن زيادا ليس ms048 يدع الأمور # PageV01P264 # تتفرق عليه بل يجمعها قبل ذلك وإنها لتتفرق علي ثم أجمعها # قال قوم لزياد بم ضبط العراق قال بالسيف قال أنا ضبط العراق والشام ~~والحجاز بالحلم # ولما هم معاوية بالبيعة لابنه يزيد كتب إلى زياد يستشيره فيه فدعا زياد ~~عبد بن كعب النميري فأوفده على معاوية فقال إن لك مستشير ثقة ولك سر ~~مستودعا وإن الناس قد ابتدعت علم خصلتان إضاعة السر وإفساد النصيحة وليس ~~يستودع إلا عند رجلين رجل يرجو ثواب الآخرة ورجل له حسب وعقل يصون حسبه ~~وعقله وإن أمير المؤمنين يستشيرني وعلاقة الإسلام وضمانه شديد لأن يزيد ~~صاحب لعب وتهاون مع ما أولع فيه من الصيد فألق أمير المؤمنين مؤديا عني ~~فأخبره وقل له رويدك في الأمر يستقيم فإن دركا في تأجير خير من تعجيل أخاف ~~عاقبته ولا تدري إلى ما يصير الأمر فلما بلغه الرسالة أخذ معاوية برأي زياد ~~وأخر بيعته وكتب إلى سعيد بن العاص يستشيره فرجع جوابه إليه أنه # PageV01P265 # قد بقيت مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم ~~فرويدا بهذا الأمر لعلهم ينقرضون فقال معاوية صدق سعيد فأخر البيعة ولم يزل ~~يداري الناس بعد ذلك سبع سنين إلى أن تم له الأمر # وقيل إنه استشار الأحنف بن قيس فقال أدخل على يزيد فأدخله عليه فلما خرج ~~قال له معاوية كيف رأيت يزيد فقال رأيت شبابا وجلدا ونشاطا ثم قال نخافكم ~~إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا وأنت أعلم يا أمير المؤمنين بليله ونهاره ~~ومدخله ومخرجه وسره وجهاره وإيراده وإصداره فإن كنت تعلم أن فيه لله رضى ~~ولهذه الأمة صلاحا فلا تشاور الناس وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوده ~~الدنيا وأنت عائد إلى الآخرة وإنما علينا السمع والطاعة فقال معاوية جزاك ~~الله عن الطاعة خيرا # ولما أخذ معاوية في البيعة ليزيد قال له يا بني لقد ذللت لك الشدة ومنحتك ~~اللين وتحملت دونك الغلظة وقد وليتك أمرا عظيما من # PageV01P266 # أمر هذه الأمة وليس حي من ms049 أحياء العرب إلا وله عندي تره قد كنت أشغله ~~عنها بحسن الوفادة وجزيل الرفد حتى تركت قلوبهم كالطينة المؤتثة فلا تخالفن ~~فعلي فيهم فعليك بإدرار عطيتك ومباشرة أمورك ولا تشغل نفسك بمفاكهة الإماء ~~ومداعبتهن فإن ذلك من فعل ضعفة الرجال وانظر هؤلاء الأربعة من قريش أما ~~الحسين بن علي فإني قد أوصيك فيه بحفظ قرابته ورعاية حق رحمه فإن القلوب ~~إليه جانحة فاجعل له عند ظفرك نصيبا من رحمك واطوي كشحا عن ابن عمر وابن ~~أبي بكر فإنهما كمثل الهقل لا يحمل ثقلا ولا يجمع نهوضا وأما ابن الزبير ~~فكالثعلب رواغ بالحيلة وكالليث صال بالجراءة # وفي رواية أخرى أنه قال أما عبد الله بن عمر فقد شغلته العبادة # PageV01P267 # وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فليس له همة إلا في النساء واللهو # فلما بويع يزيد حج بالناس وقسم بمكة والمدينة أموالا كثيرة وقال له # PageV01P268 # عبد الله بن الزبير إذا خرجت فاخرج معك الحسين بن علي واطلب من مروان ~~داره فإنك لا تأتي بفائدة مثلها فقال ما اتهم رأيك أما الحسين فإني أوفد ~~إليه فإن خرج معهم وأقام بالشام عرفنا حقه ورعينا قرابته وإن رجع إلى أهله ~~لم ندع صلته فقد أقام دهره بالمدينة لم يأتنا نته ما نكره # وكتب معاوية إلى سعيد بن العاص وهو أمير بالمدينة بالقبض على مال مروان ~~بن الحكم فلم يفعل فراجعه فيه ثم كتب كتابا ثانيا فدافعه واحتفظ ق 34 ~~بالكتابين فلما عزل سعيد وولي مروان بن الحكم المدينة وكتب له بالقبض على ~~أموال سعيد فأرسل مروان # PageV01P269 # بالكتاب مع ابنه عبد الملك إلى سعيد وقال له لو لم يكن الكتاب لتجافيت عن ~~ذلك فدعا سعيد بالكتابين فأعطاهما عبد الملك فجاء بهما إلى مروان فلما ~~قرأهما قال هو أفضل منا فكف عن قبض أموال سعيد # وقال سعيد لولده من أتاكم في مجالسكم فقد وجب حقه عليكم ومن أتاكم في ~~منازلكم فقد وجبت حرمته عليكم ومن أتاكم في حاجة فلا تدخروه شيئا فمنته ~~عليكم أعظم إذ رآكم موضعا ms050 لحاجته # ولما حضرت سعيد بن العاص الوفاة قال لبنيه أيكم يكفل بديني فقال ابنه ~~عمرو الأشدق وكم دينك قال ثمانون ألفا قال وفيم استدنتها قال سددت بها خلة ~~من كريم واشتريت بها عرضي من لئيم فإذن أنا بها زعيم قال هذه خصلة واحدة يا ~~بني وخصلتان قال ما هما قال بناتي لا تزوجوهن إلا من الأكفاء ولو تعلق حبل ~~من الشعر قال علي يا أبتي قال وإخواني إن فقدوا وجهي لم يفقدوا معروفي قال ~~علي يا أبتي قال والله يا بني ما زلت أعرف الكرم في وجهك وحماليق عينيك ~~وأنت في المهد والله يا بني ما شتمت أحدا منذ كنت رجلا ولا زاحمت بركبتي ~~رجلا ولا كلفت من # PageV01P270 # يرتجيني أن يسألني وقال زياد استوصوا بثلاثة منكم خيرا الشريف والعالم ~~والشيخ والله لا يأتيني شريف بوضيع أستخف به إلا ضربته ولا يأتيني شيخ بشاب ~~استخف به إلا أوجعته ولا يأتيني عالم بجاهل استخف به إلا نكلت به ولهذا قال ~~ارحموا ثلاثة غني قوم افتقر وعزيز قوم ذل وعالما بين جهال # واختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما أصلح الله الأمير إن هذا يدل بخاصته ~~يزعم أنها له منك قال صدق وسأخبرك بما ينفعه عندي من مودته إن كان الحق له ~~عليك أخذتك به أخذا عنيفا وإن كان الحق لك عليه أقضي عليه ثم أقضي عنه # وكان زياد إذا ولى رجلا قال له خذ عهدك وسر إلى عملك واعلم أنك مصروف راس ~~سنتك وأنت تصير إلى إحدى ثلاث خصال # PageV01P271 # فاختر لنفسك إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا ~~أمانتك إن وجدناك خائنا قويا استهنا بقوتك وأحسنا على خيانتك أدبك وأوجعنا ~~ظهرك وإن وجدناك قويا أمينا زدنا في عملك رفعنا لك ذكرك وأوطئنا كعبك ~~وكثرنا مالك # وكان لزياد سياسة عظيمة حتى إنه كان لا يغلق أبواب الحوانيت في الليل وما ~~ذكر من حسن تدبيره أنه أتي بامرأة كانت قد خرجت مع الخوارج في الحرب فقتلها ~~ثم عراها فلم يخرج النساء عليه ms051 بعد ذلك وكن إذا دعين إلى الخروج قلن لولا ~~التعرية لسارعنا إلى الخروج وكان يقتل المظاهر بالخروج ويستصلح المسر منهم ~~حتى يستكفي شرهم وخروجهم عليه وكان يبعث إلى الجماعة منهم فيقول ما أحسب ~~الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة فيقولون أجل فيحملهم فيقول أغشوني الآن ~~واسمروا عندي # وكان عمر بن عبد الرحمن رحمه الله يقول قاتل الله زيادا جمع # PageV01P272 # لهم كما تجمع الذرة وحاطهم كما تحوط الأم البرة وأصلح العراق بأهل العراق ~~وترك أهل الشام في شامهم # ولما ولي يزيد بن معاوية سلم بن زياد قال إن أبي استكفى أباك كبيرا وقد ~~استكفيتك صغيرا فلا تتكلن علي عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك وإياك مني ~~قبل أن أقول إياي منك فإن الظن إذا أخلف منك أخلف لك وأنت في أدنى حظك ~~فاطلب أقصاه وقد أتعبك أبوك فلا تريحن نفسك واطلب في يومك أحاديث غدك وكن ~~لنفسك تكن لك # ودخل عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية فأكرمه وقال بكم كان يصلك ~~معاوية فقال كان يصلني بألف ألف درهم وترحم عليه قال # PageV01P273 # يزيد وقد زدناك ألف ألف أخرى لترحمك عليه # أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال أصلح الله ~~الأمير ما أقبح من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا ~~الحسن الذي يستضاء به فأتعلق ق 35 بأطرافك فأقول أي رب سل مصعبا فيم قتلني ~~فقال أطلقوه قال أيها الأمير أجعل ما وهبت لي من عمري في خفض قال قد أمرت ~~لك بمائة ألف درهم فإني أشهد الله تعالى وأشهد الأمير أن لابن قيس الرقيات ~~نصفها قال ولما قال لقوله # PageV01P274 # (إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء) # (ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء) # (يتقي الله في الأمور وقد ... أفلح من كان همه الاتقاء) # فضحك مصعب وقال أرى فيك موضعا للصنيعة فأحسن جائزته # ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أخيه مصعب خطب الناس فقال الحمد لله ms052 ~~الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء إنه لم يذل من كان الحق معه وإن كان فردا ~~ولم يعز من كان من أولياء الله الشيطان وإن كان معه الثقلان أتانا خبر من ~~العراق أحزننا وأفرحنا قتل مصعب يرحمه الله فأما الذي أحزننا فإن لفراق ~~الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي ذوي الرأي إلى جميل الصبر ~~وكريم العزاء وأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله شهادة وأن ذلك لنا وله فيه ~~الخيرة ألا وإن أهل العراق أهل الشقاق والنفاق باعوه بأقل ثمن كانوا ~~يأخذونه منه إنا والله ما نموت إلا قصعا بالرماح وتحت ظلال السيوف وليس كما ~~يموت بنو مروان حبجا والله إن قتل منهم رجلا في جاهلية ولا إسلام ألا وإن ~~الدنيا عارية من الملك الأعلى فإن تقبل علي لا آخذها أخذ البطر الأشر وإن ~~تدبر عني لا أبكي عليها بكاء الحزن المهتر # PageV01P275 # قلت الحبج إن ينتفخ بطن الدابة من كثرة الأكل فتموت والقصع أن يطعن ويضرب ~~فيموت مكانه في الحال والمهتر الذي يسقط في كلامه من الكبر وقال المهلب بن ~~أبي صفرة لبنيه يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم وإن دوابكم تحت ~~غيركم أحسن منها تحتكم # وقال أيضا لبنيه لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إليكم ~~وأنشد # (إنما المجد ما بنا والد الصدق ... وأحيا فعاله المولود) # وقال لابنه يزيد أخفض جناحك واشتد في سلطانك فإني رأيت الناس للسلطان ~~أهيب منهم للقرآن # PageV01P276 # ومر في الكوفة بحي من همدان في ناد لهم فقال رجل منهم والله ما يساوي إلا ~~خمسمائة درهم وكان المهلب أعورا فنظر إلى الرجل حتى أثبته فلما خرج بالعشى ~~حمل في كفه خمسمائة درهم ثم ضرب دابته حتى وقف في نادي همدان فيصر بالشاب ~~فقال افتح حجرك وقال دونك يا بن أخي قيمة عمك فو الله لو قومته بأكثر من ~~هذا لجاءتك فقال الفتى واسوأتاه قال المهلب لا ضير فقال شيخ من همدان ما ~~أخطأ سودك # وقدم زياد بن العجم ms053 على المهلب بن أبي صفرة الأزدي بخرسان فنزل على ابنه ~~حبيب فجلسا على شراب وفي الدار شجرة عليها حمامة فجعلت تغرد فقال زياد # (تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي أن لا تضاري) # (إذا غنيت أو طربت يوما ... ذكرت أحبتي وذكرت داري) # (فإما يقتلوك طلبت ثأري ... بقتلهم لأنك في جواري) # فأخذ حبيب سهما فرماها فأثبتها به فماتت فقال زياد قتلت جاري بيني وبينك ~~المهلب فأخبره فقال يا حبيب ادفع إلى أبي أمامة ألف دينار فقال حبيب أعز ~~الله الأمير إنما كنت ألعب # PageV01P277 # فقال مع هذا اللعب جار أبي أمامة جاري فدفع حبيب إليه ألف دينار فأنشأ ~~زياد يقول # (فلله عينا من رأى من قضية ... قضاها فأمضاها الأمير المهلب) # (قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير حضان على البيض ينعب) # (رماه حبيب بن المهلب رمية ... فأنفذه بالسهم والشمس تغرب) # (فألزمه عقل القتيل بأسره ... فقال حبيب إنما كنت ألعب) # (فقال زياد لا يروع جاره ... وجاره جاري بل من الجار اقرب) # فلما سمعها المهلب أجازه بجائزة حسنة وصرفه مكرما فبلغ ذلك الحجاج فقال ~~ما أخطأت العرب إذ جعلت المهلب شيخا # وقف أعرابي على عبد الملك بن مروان فسلم ثم قال يرحمك الله أنه مرت بنا ~~سنون ثلاث أما إحداها فأخذت المواشي وأما الثانية فنفضت اللحم وأما الثالثة ~~فخلصت إلى العظم وعندك مال فإن يكن لله فأعطه عباد الله وأن يكن لك فتصدق ~~علينا إن الله يجزي المتصدقين فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال لو كان الناس ~~يحسنون يسألون ما حرمنا أحدا ذكرت نسخة ب ج د قصة إبراهيم بن محمد بن طلحة ~~مع الحجاج الواردة في صفحة 144 146 في هذا الموضع ولما كنت أحقق # PageV01P278 # الأصل فقد اكتفيت بذكرها هناك وكما وردت في الأصل مراعاة لحرمة الأصل # ولما ولى عبد الملك الحجاج كتب إليه إني قد استعملتك على # PageV01P279 # العراقين صدمة فأخرج إليها كميش الأزار شديد العذار منطوي الخصيلة قليل ~~الثميلة غرار النوم طويل اليوم # فلما دخل الحجاج الكوفة أتاهم آت فقال إن الحجاج قد ms054 قدم أميرا على العراق ~~فاشرأب الناس نحوه وتطاولوا ثم افرجوا له فرجة عن صحن المسجد فإذا هو ~~يتبهنس في مشيته متلثما بعباءة خز حمراء منتكبا قوسا عربية يؤم المنبر ~~فرقاه وجلس وأهل الكوفة إذ ذاك لهم منعة وفي المسجد عمير بن ضابي فقال ~~لمحمد بن عطاء هل لك أن أحصبه فقال لا حتى نسمع كلامه فقال لعن الله بني ~~أمية حيث يستعملون علينا هذا لو كان هذا كله كلاما لم يكن شيئا # فقال الحجاج يا أهل العراق أنا لا أعرف قدر اجتماعكم أفقد اجتمعتم فقال ~~رجل قد اجتمعنا أعز الله الأمير فسكت هنيهة لا يتكلم فقالوا يمنعه العي ~~والحصر ثم قام فحدر اللثام وقال # (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني) # (صليب العود من سلفي نزار ... كنصل السيف وضاح الجبين) # PageV01P280 # (أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون) # يا أهل العراق إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني ~~أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى # (ليس أوان عشك فادرجي ... ليس أوان يكثر الخلاط) # (قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي) # (مهاجر ليس بأعرابي ... ) # ... ... ... ... ... ... # (قد لفها الليل بسواق حطم) # (ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم) # إني والله يا أهل العراق ما يغمز جانبي من اللين ولا يقعقع لي بالشنان ~~ولقد فررت عن تجربة وأجريت مع الغاية وأن أمير المؤمنين نكث كنانته بين ~~يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فوجهني إليكم # فوالله لأعصبنكم عصب السلمة ولألحونكم لحو العود وأضربنكم ضرب غرائب ~~الإبل ولآخذن الولي بالولي حتى تستقيم لي قناتكم حتى يلقى أحدكم أخاه فيقول ~~انج سعد فقد قتل سعيد ألا وإياي وهذه السقفاء # PageV01P281 # والزرافات فإني لا أجد أحدا من الجالسين في زرافة إلا ضربت عنقه ~~فاستوسقوا واعتدلوا ولا تميلوا وأطيعوا واعلموا أنه ليس مني الإكثار ~~والإهذار ولا معي ذلك الفرار والتعرار وإنما هو انتضائي هذا السيف ثم لا ~~أغمده الشتاء ولا الصيف حتى يظهر أمر الله ويذل لأمير المؤمنين صعبكم ~~ويستقيم له ms055 أودكم وصعركم وإن أمير المؤمنين أمرني بأعطياتكم وأشخاصكم إلى ~~مجاهدة عدوكم وقد أمرتكم بذلك وأجلتكم ثلاثا وأعطيت الله عهدا لأن تخلف أحد ~~منكم بعد قبضه عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه ولأنهبن ماله يا غلام إقرأ ~~كتاب أمير المؤمنين فقرأه ثم دخل دار الإمارة # وهذه الحكاية قد اشتملت على ألفاظ كثيرة من الغريب وأنا أشير إلى بيانها ~~على سبيل الاختصار قوله صدمة أي ضربة واحدة ودفعة واحدة وكميش الإزار مشمر ~~الإزار ويقال في المثل لمن جد في الشيء وشمر فيه هو كميش الإزار شديد ~~العذار والخصيلة لحم الفخدين ولحم الساقين وأراد بذلك الإسراع والجد في ~~الأمر والثميلة البقية من الطعام والشراب في بطن الإنسان أراد أن لا يستكثر ~~من الطعام ويشتغل بصنوفه ولكن اقتصر على ما لا بد منه فعل الجاد المشمر ~~وغرار النوم قليله ويقال لمن عمل في يومه ق 37 وجد فيه ولم يشتغل بلهو ولا ~~لعب هو طويل اليوم فإن اشتغل بالشراب واللهو قيل هو قصير اليوم واشرأب ~~الناس تطاولوا وأشرفوا # تبهنس تمايل في مشيته وتخايل ويقال لمن كان ظاهرا مشهورا غير # PageV01P282 # خاف ولا خامل هو ابن جلا والثنايا ما ارتفع من الأرض وغلظ ويقال لمن لم ~~يزل يفعل أفعالا شريفة هو طلاع الثنيا ويقال للقوي في أمره هو صليب العود ~~والأشد جمع شدة وهو القوة يقال لمن جرب الأمور وأحكمها هو منجد والناجذ ~~أقصى الأضراس والشؤون جمع شأن يقال أينعت الثمرة إذا أدركت وبلغت وقطف ~~الثمرة أخذها فشبه الرؤوس بذلك ليس أوان عشك فادرجي يضرب مثلا للمطمئن وقد ~~أظله أمر عظيم يحتاج إلى مباشرته والقيام بأمره والخلاط الفساد وهو شبيه ~~بالمثل الأول ويقال العصلبي الشديد من الرجال فجعلهم بمنزلة ناقة أو إبل ~~لرجل قوي شديد يسري عليها ويتبعها ولا يركن إلى دعة ولا سكون فجعل ذلك كذلك ~~ولف جمع وأروع جميل والداوي جمع داوية وهي الفلاة يريد أنه صاحب أسفار ورحل ~~والحطم العنيف من السوق وهو شبيه بالمثل الأول والوضم كل ما وقيت به اللحم ~~من خوان ms056 أوحصير أو غيره يقال يقعقع بالشنان أي يحرك الشنان وهو ما خلق من ~~الأسقية وأصله أن يحرك الشن حتى يسمع له صوت ليفر به الوحوش ويجلب به على ~~الطير وشبهها يقول لست ممن يروع بالأباطيل ويقرع بالتخيلات وقوله فررت عن ~~تجربة أصله أن يفر الدابة أي يكشف جحفلتها لينظر إلى أسنانها فيعرف بها ~~سنها والكنانة التي يكون فيها السهام ونكثها أي كبها وصب ما فيها والعجم ~~الاختيار يريد أنه اختبرها ليعلم صلابتها من خورها وقويها من ضعيفها وعصب ~~السلمة يقال إن الرجل إذا حطبها شدها بنسعة لئلا يصيبه شوكها يضرب مثلا لمن ~~عصبته بشر وأمر شديد يقال لحوت العود ولحيته إذا قشرته يقال في المثل ضربه ~~ضرب غرائب الإبل والأصل فيه أن الإبل إذا وردت فدخل فيها غريبة ليست من ~~الإبل عن الماء وضربت حتى تخرج عنها ويقال في المثل لمن يعنى # PageV01P283 # برحمه أو حميمة أنج سعد فقد قتل سعيد وأصله أن سعدا وسعيدا ابني ضبه خرجا ~~يطلبان أباهما فرجع سعد ولم يرجع سعيد والزرافات الجماعات وأما السقفاء فلم ~~يذكر أحد لها تفسيرا وقال تعضهم إنها تصحيف وإنما هو الشعفاء وهو اللذين ~~يشفعون عند السلطان في المذنب فنهاهم عن ذلك # وقال عبد الملك بن مروان لكثير بن هراثة الكلابي هذا الحجاج قادما من ~~العراق وقد شمخ بأنفه ونفخ الشيطان في منخره فإذا دخل علي فتعرض له بما ~~يكره قال أفعل يا أمير المؤمنين فلما دخل الحجاج وأخذ مجلسه وأفاضوا في ~~الحديث قال له عبد الملك ما تقول في ثقيف يا حجاج فقد زعم أناس أنهم من ~~إياد وقال آخرون من قيس وأنت أعرف بقومك فقال أصلح الله أمير المؤمنين الحق ~~أبلج وطريق الرشد أبهج ولن يجد من ركب الحق وقصد الصدق نحن من قيس ثبته ~~أصولنا نابتة أصولنا نابتة غصوننا باسقة فروعنا فعلى ذلك قومنا فقال كثير ~~لقد كان لك منذ دهر طويل وهو على أهله عار وبيل وخطب جليل ودخول رجل في قوم ~~ليس منهم وتركه قومه رغبة عنهم ms057 قال الحجاج أما والله لولا مكان أمير ~~المؤمنين # PageV01P284 # لاستوعرت موطنك ولاستعظمت مركبك ولأوردتك موردا يعبأ بالإصدار عنه ذوو ~~القوة فقال كثير أنت أضعف كوعا وأملى روعا ولن تنال بذلك شيئا يا حجاج على ~~ما ضيعت من الأمانة وأظهرت من الخيانة مع سوء سيرة وقبح سياسة فإنك خربت ~~وما عمرت وأفسدت وما أصلحت وجرت وما عدلت وتركت الحق إذ حكمت ق 38 فقال ~~الحجاج أما أنك يا كثير لتمد يدا قصيرة وأنامل حقيرة لا يستعاذ بك في ~~المظالم ولا يستعان بك في المغارم ولا تؤهل لدفع المظالم فلما خشي عبد ~~الملك أن يعظم بينهما الخطب عزم عليهما أن يسكتا فخرج كل واحد منهما ممليا ~~غيظا وحقدا ولم يلبث الحجاج أن خرج إلى العراق وقدم وفد من العراق على عبد ~~الملك فلما أرادوا الانصراف قال لكثير بن هراثة انطلق مع هؤلاء القوم إلى ~~الحجاج حتى تقوم خطيبا وتذكر السمع والطاعة لولاة الأمر وكيف ينزل بأهل ~~الخلاف والشقاق من النقمة في العاجل ولآجل فقال له كثير إنك قد علمت يا ~~أمير المؤمنين ما بيني وبينه وأنت لي ملجأ إن قهرت وعزا إن أذللت فإن ~~أصابتني جائحة أو حلت بي مصيبة من الحجاج فأنت المطالب بثأري وأنت بعد الله ~~ثقتي وقد بعث أمير المؤمنين إلى بلد أتخوف أهله وأميرا أحذر فعله وقد شمخ ~~بأنفه نحو السماء واجترأ على سفك الدماء وليس بحضرتي حفدة يعينوني عليه ولا ~~أنصار # PageV01P285 # ينصرونني فقال له عبد الملك أنفذ لأمري فلعمري الحجاج أحكم رأيا أن يأخذك ~~بأحنة ويعفك بسيئة ولعمري لأن فعل لأحولن زعامته زعامته ولأنبذن منزلته ~~وليفارقن كرامته وبالحرى أن يكون قد أحكمته تجاربه وقصدت به مذاهبه وعزب ~~عنه جهله وثاب إليه حلمه فخرج إليه كثير في أصحابه حتى قدم عليه فلما دخل ~~إليه قال له مرحبا بكثير بن هراثة من قوم سادة كرام قادة بها ليل زاده قال ~~له هراثة قد كانت بيني وبين الأمير أشياء امتلأت منها رعبا وضقت بها ذرعا ~~والأمير صحيح الأديم في الحسب الصميم ms058 والشرف القديم لا يشتكي منه الضعف ولا ~~يخاف منه العنف فقال الحجاج ما احتجنا إلى ثنائك ولا رغبنا في دعائك ولا ~~تلام على فعلك ولا يعاقب مثلك وأجازه وفضله على أصحابه فلما قدم على عبد ~~الملك قال كيف رأيت رأيي في الحجاج يا كثير ألم تجده مصيبا لا يأخذ في أمره ~~بالعجلة حتى يرى من عدوه الغرة قال بلى يا أمير المؤمنين ما أحسن لفظه ~~وأدوم لحظه وأسكن فوره وأبعد غوره والله لو لم يسهل من أمره ما توعر لطحنني ~~طحن المروة الململمة متساقط حب الجمجم # PageV01P286 # وكان الشعبي ممن خرج مع ابن الأشعث فلما قدم على الحجاج بعد قتل ابن ~~الأشعث قال وأنت أيضا ممن خرج علينا يا شعبي قال أحزن المنزل وأجدب الجناب ~~واكتحلنا السهر واستحلسنا الخوف ووقعنا في حربه لم نكن فيها بررة أتقياء ~~ولا فجرة أقوياء قال صدق والله ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا إذ برزوا ~~إلينا أطلقا عنه # ودخل عليه ابن أبي ليلى وقال أصلح الله الأمير مشهور النصيحة صحيح الأديم ~~شاكر السان خرج أبي مع ابن أبي الأشعث فهدم منزلي وحلق على اسمي وحرمت ~~عطائي فقال أو ما سمعت الشاعر حيث يقول # (جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصحاح مبارك الجرب) # (ولرب مأخوذ بذنب قريبه ... ونجا المقارف صاحب الذنب) # قال لا ولكني سمعت الله يقول غير هذا في أخوة يوسف {قالوا يا أيها العزيز ~~إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله ~~أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} # PageV01P287 # فقال يا غلام علي بيزيد بن أبي مسلم فأتاه فقال ابن له داره واردد اسمه ~~وأعطه عطائه # وقال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فخدثني بها قال ~~هي من غيري أحسن منها مني فقال عزمت عليك ألا حدثتني فقال يا أمير المؤمنين ~~ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ولا صنعت طعاما فدعوت عليه قوما إلا كانوا ~~أمن علي منهم ms059 ولا نصب لي رجل وجهه يسألني حاجة فاستكثرت شيئا أعطيته إياه # ولما ولي الوليد بن عبد الملك بن مروان الخلافة ق 39 عدل في # PageV01P288 # الرعية وأحسن السيرة وأعطى المحرومين وقال لا تسألوا الناس شيئا وأعطى كل ~~مقعد خادما وكل ضرير قائدا وكان يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل ~~فيقول بكم هذه فيقول بفلس فيقول زد عليها # وروي عن الزهري أنه قال دخلت على عبد الملك مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم بالمدينة عام حج فتفرق الناس من المسجد وبقي سعيد بن المسيب ~~قاعدا في مجلسه فلم يتحرك عنه فجعلت أطوف بالوليد في نواحي بعيدا عن مجلس ~~سعيد واشغله بالحديث مخافة أن يرى مكانه فحانت منه التفاته فرآه فقال لي # PageV01P289 # يا محمد من هذا الشيخ قلت سعيد بن المسيب وقد كف بصره ولا علم له بمكان ~~أمير المؤمنين ولو علم لكان قد أدى الواجب عليه من الحق فقال بل نحن أحق ~~بالمصير إليه والزيارة له فجاءه الوليد فسلم عليه وجلس عنده وسأله عن حاله ~~فو الله ما قام له سعيد ولا تزحزح عن مكانه فلما انصرف الوليد قال لي يا ~~محمد هذا من بقية الناس # وروى الشافعي رحمه الله عن عمه محمد بن علي بن # PageV01P290 # شافع قال دخل سليمان بن يسار على الوليد بن عبد الملك فقال له يا سليمان ~~من الذي تولى كبره فقال عبد الله بن أبي بن سلول فقال كذبت لا أم لك هو علي ~~بن أبي طالب قال أبت أعلم وما تقول قال فما حديث حدثنا به أهل الشام أين ~~الله عز وجل إذا أسترعى عبدا رعيه كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات ~~قال لا أدري ثم دخل محمد بن شهاب الزهري قال له الوليد يا محمد من الذي ~~تولى كبره فقال عبد الله بن أبي بن سلول فقال كذبت لا أم لك هو علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه فقال والله لو كان الكذب مكتوبا بين الدفتين بأن الله ~~تعالى ms060 أباحه لي أو ناد مناد من السماء أن الله قد أباح الكذب ما رآني اتحلى ~~به # حدثني عدد من الرجال منهم سعيد بن المسيب وعلقمة بن # PageV01P291 # وقاص وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ~~سلول قال صدقت إنما أردت أن أعلم هل أحد ينكر باطلا ثم قال يا محمد ما حديث ~~حدثنا به أهل الشام قال وما الحديث قال حدثونا أن الله إذا استرعى عبدا ~~رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات قال كذبت والله يا أمير ~~المؤمنين قال وكيف ذلك قال آتيتك بحديث من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين # PageV01P292 # ولا من خلفه قال الله عز وجل يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسو يوم الحساب # فهذا وعيد الله لنبي وهو خليفة فكيف وعيده لخليفة غير نبي قال صدقت ثم ~~نزل عن سريره ووضع خده في التراب وقال يغروننا عن ديننا ثم أغرى جلساءه ~~بابن شهاب فقال عن مثل هذا يؤخذ الدين # ولما ولي سليمان بن عبد الملك أطلق المحبسين وأحسن إلى # PageV01P293 # الناس وسموه مفتاح الخير وفي أيامه فتحت القسطنطينية ولو لم يكن له حسنة ~~إلا استخلاف عمر بن عبد العزيز بعده لكان كافيا # وروي أن أعرابيا وقف بين يدي سليمان فقال إني مكلمك يا أمير المؤمنين ~~بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته قال هات قال إني سأطلق ~~لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك تأدية بحق الله تعالى وحق إمامتك إنه قد ~~اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ~~الله خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فهم حرب للآخرة سلم للدنيا فلا ~~تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة ms061 تضييعا والأمة خسفا ~~وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد ~~آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره فقال أما أنت يا أعرابي ~~فقد سلك لسانك وهو أقطع من سيفك قال أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك # PageV01P294 # وروي أن سعيدا بن خالد دخل على سليمان بن عبد الملك وكان سعيد جوادا فإذا ~~لم يجد شيئا كتب لمن يسأله الصكاك على نفسه حتى يخرج عطاؤه فلما نظر إليه ~~سليمان تمثل بهذا البيت ق 40 # (إني سمعت مع الصباح مناديا ... يا من يعين على الفتى المعوان) ثم قال ~~حاجتك قال ديني قال فكم هو قال فكم هو قال ثلاثون ألف دينار قال دينك ومثله # وروى رجاء بن حيوة أن سليمان بن عبد الملك لما كتب العهد لمر بن بد ~~العزيز ومن بعده يزيد بن # PageV01P295 # عبد الملك وختمه ودفعه إليه اخرج إلى الناس فمرهم بالمبايعة على ما فيه ~~مختوما فلما دعاهم رجاء إلى ذلك وأخبرهم بقول سليمان امتنعوا وقالوا لا ~~نبايع حتى نعلم من فرجع إلى سليمان فأخبره فقال سليمان انطلق بأصحاب الحرس ~~ونادي الصلاة جامعة فإذا اجتمع الناس فمرهم بالبيعة على ما في الكتاب فمن ~~أبى فاضرب عنقه ففعلت ذلك فبايعوا على ما فيه قال رجاء فلما خرجوا خرجت إلى ~~منزلي فبينما أنا في الطريق إذ سمعت جلبة موكب فالتفتي فإذا هشام بن عبد ~~الملك فقال يا رجاء قد علمت موقعك وأرى أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدري ~~ما هو وأنا أتخوف أن يكون قد أزالها عني فإن يكن أزالها فأخبرني ما دام في ~~الأمر نفس # PageV01P296 # حتى أنظر في هذا الأمر قبل أن يموت سليمان فقلت سبحان الله يستكتمني أمير ~~المؤمنين أمرا أطلعك عليه لا يكون ذلك أبدا فداراني فأبيت فانصرفت فبينما ~~أنا أسير سمعت جلبة خلفي فالتفت فإذا عمر بن عبد العزيز فقال يا رجاء إنه ~~قد وقع في نفسي أمر كبير في هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست ms062 ~~أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص ما دام حيا فقلت ~~سبحان الله العظيم يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه فداراني فأبيت ~~قال رجاء فلما مات سليمان أجلسته وهيأته وخرجت إلى الناس فقالوا كيف أمير ~~المؤمنين فقلت قد أصبح ساكتا وقد أحب أن تسلموا عليه وتبايعوا على ما في ~~الكتاب بين يديه فدخلوا عليه وأنا قائم عنده فلما دنو قلت أمير المؤمنين ~~يأمركم بالوقوف ثم تقدمت إليهم بالكتاب فقلت أمير المؤمنين يأمركم أن ~~تبايعوا على ما في هذا الكتاب بمرأى منه ومسمع فبايعوا أجمعين # فلما فرغوا من مبايعتهم قال لهم أجركم الله يا أمير المؤمنين قالوا فمن ~~ففتحوا الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فلما قرأوا عمر بن عبد ~~العزيز تغيرت وجوههم فلما قرأوا من بعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فقالوا ~~أين عمر بن عبد العزيز فطلبوه فلم يجدوه في القوم فنظروا فإذا هو في مؤخر ~~المسجد فأتوه فسلموا عليه بالخلافة # PageV01P297 # فعقر فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فساروا إلى المنبر فلم يقدر أن ~~يرقى حتى أصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فلما رآهم رجاء جلوسا قال ألا تقومون ~~فتبايعون لأمير المؤمنين فنهض القوم إليه فبايعوه رجلا رجلا قال فما مد يده ~~إليهم فلما صعد هشام مد يده إليه وقال هشام إنا لله وإنا إليه راجعون فقال ~~عمر نعم إنا لله وإنا إليه راجعون حين صار يلي هذا الأمر أنا وأنت ثم قام ~~فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس إني لست بقاض ولكني منفذ ولست ~~بمبتدع ولكني متبع وإن حولكم كثيرا من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما ~~أطعتم فأنا وليكم وإن هم امتنعوا فلست عليكم بوالي ثم نزل يمشي فأتاه صاحب ~~المراكب قال ما هذا قال مراكب الخليفة قال لا حاجة لي بهذا فأتوني بدابتي ~~فأتوا بدابته فركبها ثم خرج وخرجوا معه فقالوا نسيرها هنا قال غلى أين ~~فقالوا إلى البيت الذي يهيأ للخليفة فقال لا حاجة لي فيه انطلقوا بي ms063 إلى ~~منزلي فأتى منزله فنزل عن دابته ثم دعا بدواة وقرطاس وجعل يكتب بيده إلى ~~العمال والأمصار ويملي على نفسه وقيل أنه كان ربما اشتريت له الحلة بألفي ~~درهم قبل # PageV01P298 # الخلافة فيقول أما وجدتم ألين من هذا فلما ولي الخلافة كان يشتري له ~~الحلة بأربعة دراهم فيقول أما وجدتم أغلظ منها فقيل له في ذلك فقال أن لي ~~نفسا تواقة لا تصل إلى منزلة إلا تاقت إلى ما هو أعلى منها فلما نالت ~~الخلافة تاقت إلى ما هو أعلى منها فلما نالت الخلافة تاقت إلى ما هو أعلى ~~منها فلم تجد في الدنيا ما هو أرفع من الخلافة فتاقت إلى الآخرة وإلى ما ~~أعد الله فيها # وقيل ق 41 أن ثيابه قومت عليه يوم الجمعة وهو يخطب باثني عشر درهم وكانت ~~قميصا وسراويل وعمامة ورداء ملأ الأرض عدلا ورفع السب عن أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنابر وأمر الخطباء أن يقولوا في آخر ~~الخطبة في الموضع الذي كانوا يذكرون اللعن فيه {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون} ولما حضرته الوفاة دعا بنيه وكانوا أحد عشر رجلا ولم يخلف غير بضع ~~عشر دينارا فأمر أن يكفن ويشترى له موضع يدفن فيه بخمسة دنانير ويقصد المال ~~على وارثيه فأصاب كل ابن منهم نصف دينار وربع دينار وقال يا بني ليس لي مال ~~فأوصي فيه ولكني قد تركتكم وما لأحد عندكم تبعة ولا يقع على أحد منكم # PageV01P299 # عين أحد إلا ويرى لكم عليه حقا فقال له مسلمة بن عبد الملك أو خير من ذلك ~~يا أمير المؤمنين قال وما هو قال هذه ثلاث مائة دينار فرقها فيهم وإن شئت ~~فتصدق بها وأوص فيها بما شئت قال أو خير من ذلك يا مسلمة تردها إلى من ~~أخذتها منه فإنها ليست لك بحق ثم قال إن ولدي أحد رجلين فإما صالح فالله ~~يتولى الصالحين وإما فاسق فلا أحب أن أترك ms064 له ما يستعين به على معصية الله ~~فقال مسلمة يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا فقد ألنت لنا قلوبا ~~قاسية وذكرتها وكانت ناسية وأبقيت لنا في الصالحات ذكرا فيقال أنه ما رؤي ~~أحد من أولاد عمر بن عبد العزيز إلا وهو غني ولقد شوهد أحدهم وقد جهز من ~~خالص ماله مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله تعالى ولما حضرت هشام بن ~~عبد الملك الوفاة # PageV01P300 # خلف أحد عشر ابنا كما خلف عمر بن عبد العزيز وأوصى فأصاب كل ابن ألف ألف ~~دينار فقال أنه ما رؤي أحد منهم إلا وهو فقير ولقد شوهد أحدهم وهو يوقد في ~~الأتون ووجدت في كتاب تفاوت التواريخ أن هشام بن عبد الملك كان يأكل من بيت ~~المال كل سنة مائتي درهم وأنه كان ديوانه من بيت المال كديوان بعض الجند ~~وحكي عن بعضهم أنه قال أرسلني هشام إلى خرسان وكان عليه إذ ذاك قباء أخضر ~~فلما رجعت من خراسان رأيته عليه قال تنظر إلى هذا القباء والله كان علي قبل ~~الخلافة ومالي غيره وفقد بعض أولاده في الجمعة فسأله عن تأخره فقال نفقت ~~دابتي يعني ماتت فقال أعجزت عن المشي ثم تسقط عنك # PageV01P301 # الجمعة فمنعه الركوب سنة وروي أن عروة بن أذينة أتى مع جماعة من الشعراء ~~إلى هشام بن عبد الملك فانتسبهم فانتسبوا فلما انتسب له عروة قال ألست ~~القائل # (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني) # (أسعى إليه فيعينني تطلبه ... ولو أقمت أتاني لا يعيني) # فقال نعم أنا قائلها قال أفلا قعدت حتى يأتيك رزقك وغفل عنه هشام فخرج من ~~وقته وركب راحلته ومضى منصرفا فتفقده هشام فعرف خبره فاتبعه بجائزته وقال ~~للرسول قل له أردت أن تكذبنا وصدقت نفسك فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء ~~يتغذى عليه فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال قل له قد صدقني ربي وكذبك # ووفد على هشام وفد أهل الحجاز فتكلموا رجلا رجلا حتى قام محمد بن أبي ms065 ~~الجهم بن حذيفة العدوي وكان أعظم القوم قدرا وأكبرهم سنا # PageV01P302 # فقال أصلح الله الأمير إن خطباء قريش قد قالت فيك فأقلت وأكثرت وأطنبت ~~ووالله ما بلغ قائلهم قدرك ولا أحصى مطنبهم فضلك فإن أذنت في القول قلت قال ~~قل وأوجز قال تولاك الله بالحسنى وزينك بالتقوى وجمع لك خير الآخرة والأولى ~~إن لي حوائج فأذكرها قال هاتها قال كبر سني ودق عظمي ومال الدهر مني فإن ~~رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري وينفى فقري فعل قال وما الذي ينفي ق 42 ~~فقرك ويجبر كسرك قال ألف دينار وألف دينار وألف دينار فأطرق هشام قليلا ثم ~~قال هيهات هيهات يا ابن أبي الجهم بيت المال لا يحتمل ما سألت ثم قال هيه ~~وما هيه أما والله إن أمير المؤمنين لواجد ولكن الله آثرك لمجلسك فإن ~~تعطينا فحقنا أديت وإن تمنعنا فنسأل الذي بيده ما حويت يا أمير المؤمنين إن ~~الله جعل العطاء محبة والمنع مبغضة والله لئن تعطيني فأحبك أحب إلي من أن ~~تحرمني فأبغضك قال فألف دينار لماذا قال أقضي بها دينا علي حم قضاؤه وآذاني ~~حمله وأضر بي أهله قال فلا بأس بتنفيس كربة وتأيدة أمانة وألف دينار لماذا ~~قال أزوج بها من بلغ من أولادي قال نعم المسلك سلكت غضضت بصرا وأعففت فرجا ~~ورجوت نسلا قال فألف دينار لماذا قال أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي وأستعين ~~بفضلها على # PageV01P303 # نوائب دهري وتكون ذخرا لمن بعدي قال فإنا قد أمرنا لك بما سألت فقال ~~الحمد لله على ذل فأتبعه هشام بصره وقال إذا كان القرشي فليكن مثل هذا ما ~~رأيت رجلا أوجز في مقال منه ثم قال أما والله إنا لنعرف الحق إذا نزل ونكره ~~الإسراف والبخل فلا نعطي تبذيرا ولا نمنع تقتيرا وما نحن إلا خزان الله في ~~بلاده وأمناؤه على عباده فإن أذن أعطينا وإن منع أبينا فلو كان كل قائل ~~يصدق وكل سائل يستحق ما حرمنا سائلا ولا جبهنا قائلا فنسأل من بيده ما ~~استحفضناه أن ms066 يجريه على أيدينا فإنه يفتح الرزق لمن يشاء ويقدر وإنه بعباده ~~خبيرا بصيرا فقالوا يا أمير المؤمنين لقد تكلمت فأبلغت وما بلغ في كلامه ما ~~قصصت فقال إنه مبتدئ وليس المقتدي كالمبتدي وخطب خالد بن عبد الله القسري ~~وقد ارجف بموت هشام بن عبد الملك فقال ما هذه الجماعة التي قد ألفها الطيش ~~واستخفها الجهل وأقبلت دبر الوجوه قد أشخص لهم الرجيم نصبا فأوقصت إليه ~~وأناخ قعود الضلالة فاحتملت عليه أو كلما خطرت للشياطين بين أظهركم خطوة # PageV01P304 # أو كاد كم ينكر أو بعث فيكم منكرا أقبلتم قمصا وسعيتم حرصا فتعسا ونكسا ~~قلتم مات هشام أفبدع الموت أو مستنكر أو مبرأ منه أحد قد مات الذي خلقه ~~الله ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته أخرجوا يا فراش النار وبقية ~~الأشرار # وخطب مرة فارتج عليه فقال أيها الناس إن القول أحيانا ويغرب أحيانا ~~فيتيسر عند مجيئه سببه ويعز عند ذهابه طلبه وربما طلب فأبى وكوبر فعصى ~~فالتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيه وقد يختلج من الجريء جنانه ويرتج على ~~البليغ لسانه فلا يغيره المنطق إذا امتنع كما لا يبطره القول إذا اتسع # ودخلت امرأة من بني كلاب على خالد القسري وهو في مجلسه فسلمت عليه ~~وأنشدته شعرا فقال لها خالد ما حاجتك قالت عندي للأمير نصيحة قال وما هي ~~قالت أكب على دهر بجرانه وعضنا بنابه فما ترك لنا سيدا ولا لبدا ولا ماهيا ~~ولا صافيا فما بنا خفض ولا نبض # PageV01P305 # فكنت أنت المنتجع وإليك المفزع فنصيحتي أصلح الله الأمير أن تأمر لي ~~بخادم وما يصلحني وإياه فوالله لقد عودت الرخاء وما قاسيت الشقاء قال خالد ~~هذه نصيحة لك دوننا قالت أيها الأمير ليست لي دونك لك أجرها وذخرها وحمدها ~~وشكرها ولي منفعتها مع أن الأجواد لو لم يجدوا من يقبل العطاء ما ذكروا ~~بالسخاء قال صدقت فهل لك من زوج قالت والله مالي زوج ولا وجدت كفؤا ولا ~~أتزوج دنيا وإن كان مترفا غنيا ولئن كنت فقدت نسبا ما فقدت ms067 حسبا وما كنت ~~أشتري عارا يبقى بمال يفنى أعوذ بجلال الله من ذلك ومالي أبقى الله الأمير ~~بزوج من أرب فأمر لها بخادم وما يصلحها وأمر صاحب نفقاته أن يجري لهما ما ~~وسعهما # وروي ق 43 عن الوليد بن يزيد مع ما كان فيه من الخلاعة واللعب والتهاون ~~بالدين أنه لما ولي أجرى على الزمنى والعميان وكساهم وأعطى كل منهم خادما ~~وزاد الناس على ما كان يعطيهم هشام ولم يسأل سائلا قط إلا قال نعم وأعطاه ~~وكان أديبا شاعرا فمن أحسن قوله # PageV01P306 # ما حدثني إسحاق الموصلي قال دخلت يوما على الرشيد وهو مستلق وهو يقول ~~أحسن والله أظرف قريش وأفتاها وأسخاها وأشعرها وأغزلها فقلت من هو يا أمير ~~المؤمنين وفي أي شيء فقال أما بعد ما سمعت مني في وصفه فلا أسميه ولكن أذكر ~~الشعر فإن كنت تعرفه فاكتم عني ما سمعت مني وهو الذي يقول # (لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... نامت وإن أسهرت عيني عيناها) # (فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها) # أتعرفه قلت لا بصوت ضعيف قال بحياتي فقلت بلا وحياتك هو الوليد بن يزيد ~~فضحك وقال ما قلت في وصفه إلا دون ما يستحق ولكن الملك عقيم # وكتب إلى هشام بن عبد الملك برسالة وفي آخرها شعر # (رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني) # (تثير علي الباقين مني ضغينة ... فويل لهم إن مت من شر ما تجني) # (كأني بهم والليت أكثر قولهم ... ألا ليتنا كنا إذا ليت لا تعني) # PageV01P307 # وقال أيضا وقد رجع إليه جواب هشام بما يكرهه # (أليس عجيبا أن أرى كل وارد ... حياضك يوما صادرا بالنوافل) # (وأرجع مجذوذ الرجاء مصردا ... بتحليه عن ورد تلك المناهل) # وقال أيضا فيه # (أنا النذير لمسدي نعمة أبدا ... إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا) # (إن أنت أكرمتهم ألقيتهم بطرا ... وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا) # (أتشمخون ومنا رأس نعمتكم ... ستعلمون إذا كانت لنا دولا) # (انظر فإن أنت لم تقدر على مثل لهم ... سوى ms068 الكلب فاضربه لهم مثلا) # (بينما يسمنه للصيد صاحبه ... حتى إذا ما قوي من بعدما هزلا) # (عدا عليه فلم تضرره عدوته ... ولو يطيق له أكلا لقد أكلا) # وذلك أن يزيد بن عبد الملك كان قد أخذ البيعة لأخيه هشام ثم من بعده ~~لابنه الوليد ولما قتل يزيد بن الوليد بن عبد الملك الوليد بن يزيد وولي ~~الخلافة خطب فحمد الله وأثنى عليه أيها الناس والله ما # PageV01P308 # خرجت بطرا ولا أشرا ولا ريائا ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وما ~~بي إطراء لنفسي إني لظلوم لها إلا ما يرحمني الله عز وجل ولكني خرجت غضبا ~~لله عز وجل ولدينه داعيا إلى الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لما ~~هدمت معالم الدين وأطفئ نور التقوى وظهر الجبار العنيد مستخف بكل حرمة ~~وراكبا لكل بدعة الكافر بيوم الحساب وإنه لابن عمي في النسب وكفئي في الحسب ~~فلما رأيت ذلك استخرت الله تعالى في أمره وسألته أن لا يكلني على نفسي ~~ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي حتى أراح الله منه العباد وطهر منه ~~البلاد بحوله وقوته لا بحولي وقوتي أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع لبنة ~~على لبنة ولا حجرا على حجر ولا أكنز مالا ولا أعطيه زوجا ولا ولدا ولا ~~أنقله من بلد إلى بلد أخرى حتى أسد فقر تلك البلد ولا أجبركم في ثغوركم حتى ~~أفتتن أهليكم ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم ولا أحمل على أهل ~~جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم وأقطع به نسلهم ولكن أدر ق 44 العطاء في كل ~~سنة والرزق في كل شهر حتى تستوي بكم الحال فيكون أفضلكم كأدناكم فإن أنا ~~وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة وإن لم أوف لكم ~~فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن تبت قبلتم توبتي وإن عرفتم أحدا ~~بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أو لمن ~~يبايعه ويدخل في طاعته أيها الناس إنه لا ms069 طاعة لمخلوق في معصية # PageV01P309 # الخالق أقول هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين أنه غفور رحيم # وكتب إلى مروان بن محمد وقد بلغه تلكؤه في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم ~~رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيهما شئت والسلام # ولما تفرق الأمر على مروان بن محمد وأيقن بزوال ملكه وغلبة بني هاشم عليه ~~قال لعبد الحميد بن يحي كاتبه إني قد احتجت أن تكون مع عدوي علي وتظهر لهم ~~الغدر بي فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك تدعوهم إلى حسن الظن بك فإن ~~استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا # PageV01P310 # لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أمرتني به أنفع ~~الأمرين لك وأقبحهما بي وما عندي إلا الوفاء حتى يفتح الله لك أو أقتل معك ~~ثم قال # (أسر وفاء ثم أظهر غدره ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره) # وقال مروان إذا انقضت المدة لم تنفع العدة # وكتب إلى عبد الله بن علي يوصيه في حرمه فكتب إليه عبد الله يا مابق الحق ~~لنا في دمك وعلينا في حرمك # ولما استخلف أبو العباس السفاح وهو أول ملوك بني العباس # PageV01P311 # روي أن أول خطبة خطبها السفاح في بلدة تسمى العباسية فلما صار إلى موضع ~~الشهادة قام رجل من الطالبيين في عنقه مصحف فقال أذكرك الذي ذكرته إلا ~~أنصفتني من خصمي وحكمت بيني وبينه بما في هذا المصحف فقال ومن خصمك قال أبو ~~بكر الذي منع فاطمة فدكا قال وأقام على ظلمكم قال نعم قال وهل كان بعده أحد ~~قال نعم قال من قال عمر قال وأقام على ظلمكم قال نعم قال وهل كان بعده أحد ~~قال من قال عثمان قال وأقام على ظلمكم قال نعم قال وهل كان بعده أحد قال ~~نعم قال من قال عثمان قال وأقام على ظلمكم قال نعم قال وهل كان بعده أحد ~~قال نعم قال من قال علي قال وأقام على ظلمكم فأسكت الرجل وجعل يتلفت إلى ~~وراءه يطلب تخلصا وأقبل السفاح على خطبته ms070 وصعد المنبر بوجه كأنه مصحف فلم ~~يستطع الكلام من الحياء فنهض عمه داود بن علي حتى صعد المنبر فقال المنصور ~~فقلت في نفسي هذا شيخنا وكبيرنا يدعو إلى نفسه فلا يختلف عليه اثنان ~~فانتضبت سيفي وغطيته بثوبي وقلت إن فعل ناجزته فلما رقي استقبل الناس بوجهه ~~أبي العباس # PageV01P312 # فقال أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله وأثر الفعال ~~عليكم أجدى من تشقيق الكلام وحسبكم بكتاب الله عز وجل متلو فيكم وابن عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة عليكم فوالله قسما بارا لا أريد به إلا ~~الله ما قام هذا المقام أحد بعد علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام عليه ~~وعلى آله أحق من أمير المؤمنين هذا فليطمأن ظانكم وليهمس هامسكم قال ~~المنصور فشممت سيفي # وخطب داود بن علي فقال # (شنشنة أعرفها من أخزم ... من يليق آساد الرجال يكلم) # مهلا مهلا يا روايا الأرجاف وبقايا النفاق وأنسال الأحزاب عن الخوض فيما ~~كفيتم والتخطي إلى ما حذرتم قبل أن تتلف نفوس وتحز رؤوس ألم تجدوا ما وعدكم ~~ربكم حقا من إيراث المستضعفين مشارق # PageV01P313 # الأرض ومغاربها لا والله بل ضب مضمر وحسك وكمد رغما للمعاطس وبعدا للقوم ~~الظالمين ق 45 # وصعد المنبر مرة فارتج عليه الكلام فقال أما بعد فقد يجد المعسر ويعسر ~~الموسر ويثقل الحديد ويقطع الكليل وأن الكلام بعد الأفحام كالإشراق بعد ~~الإظلام وقد يعزب البيان ويعقم الصواب وإنما اللسان بضعة من الإنسان يفتر ~~بفتوره إذا أكتل وينبسط بانبساط إذا ارتجل وإنا لا ننطق أشرا ولا نسكت حصرا ~~بل ننطق مرشدين ونسكت معتبرين فإنا أمراء القول فمنا وشجت أعراقه وإلينا ~~تعطفت أغصانه وعلينا تهدلت ثمرته فنجنى منه ما احلو لي وعذب ونترك منه ما ~~املولح وخبث ومن بعد مقامنا مقام ومن بعد أيامنا أيام يعرف فيها فضل الكلام ~~إنشاء الله وهو امد مستعان # PageV01P314 # وخطب سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس فقال إياكم أن يتكلم الرجل ~~فيما لا يعنيه ويرعى ما لا يسترعيه فينزل ms071 به منا فاقره ليست له باقية ~~وإياكم إياكم واروا مصارع الحائنين فإني وإياكم كما قال الأول # (بدأتكم بالخير حتى بطرتم ... فلما كفرتم شكر ما كنت أصنع) # (سنعطيكم صابا ومرا علقما ... فإن عدتم فالسيف عندي مقنع) # وما بعد إلا السيف فأبقوا على أنفسكم أو ذروا # وخطب المنصور فحمد الله وأثنى عليه فلما انتهى إلى قول أشهد # PageV01P315 # أن لا إله إلا الله وثب رجل من أقصى المسجد فقال أذكرك الله ما تذكر فقال ~~سمعا لمن فهم عن الله عز وجل وذكر به وأعوذ بالله أن أكون جبارا عصيا وأن ~~تأخذني العزة بالإثم لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين وأنت والله أيها ~~القائل ما أردت بها الله ولكنك حاولت أن يقال قام فقال عوقب فصبر واهو ~~بقائلها لقد هممت فاهتبلتها ويلك إذ عفوت وإياكم معاشر الناس وأختها فإن ~~الموعظة علينا نزلت ومن عندنا أنبئت فردوا الأمر إلى أهله يصدروه كما ~~أوردوه ثم رجع إلى خطبته فأتمها # وصعد المنبر مرة فحمد الله وأثنى عليه ثم سكت طويلا فقال رجل ما لأمير ~~المؤمنين لا يتكلم فإنه والله ممن يهون عليه صعب الكلام فأكمل خطبته ثم قال # (مالي أكفكف عن سعد ويشتمني ... ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا) # (جهلا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن) # ثم حسر رأسه وقال # (وألقيت عن رأسي القناع ولم أكن ... لأكتشفه إلا لأحدى العظائم) # ثم قال والله لقد عجزوا عن أمر قمنا به فما شكروا ولقد مهدنا # PageV01P316 # ما استوعروا وأعطينا الحق وغمطوا والله لا أكرم أحدا بمهانة نفسي والسعيد ~~من وعظ بغيره لأن سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء # وقام عمرو بن عبيد بين يدي المنصور فقال إن الله عز وجل أعطاك الدنيا ~~بأسرها فاشتري نفسك ببعضها واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة فيه فوجم أبو ~~جعفر في قوله فقال الربيع له يا عمرو غممت أمير المؤمنين فقال عمرو أن هذا ~~قد صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك يوما وحدا وما عمل وراء ms072 بابك بشيء ~~من كتاب الله عز وجل ولا سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله قال أبو ~~جعفر فما أصنع قد قلت لك خاتمي بيدك فتعال أنت وأصحابك فاكفوني هذا الأمر ~~فقال عمرو أدعنا بعد ذلك تسمح نفوسنا بعونك ببابك ألف مظلمة أردد منها شيئا ~~نعلم أنك صادق # PageV01P317 # وقيل بينما المنصور يطوف بالبيت ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إني أشكو ~~إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع فخرج ~~المنصور فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى ركعتين واستلم ~~الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال له المنصور ما الذي سمعتك ~~تذكر من ظهور البغي والفساد ق 46 في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من ~~الطمع فوالله لقد حشوت مسامعي بما أرمضني فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتني ~~أنبأتك بالأمور على جليتها ومن أصولها وإلا احتجزت على نفسي فقال أنت آمن ~~على نفسك فقال إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغي ~~والفساد أنت فقال ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ~~والحلو والحامض عندي قال وهل دخل أحد من الطمع مثل ما دخلك إن الله تعالى ~~استرعاك المسلمين وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والأجر وأبوابا ~~من الحديد وحجبة معهم السلاح والكراع وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان ~~نفر سميتهم ولم تأمرهم بإيصال الملهوف والمظلوم ولا الجائع ولا العاري ولا ~~الضعيف ولا الفقير وما أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر ~~الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمر أن لا يحجبوا عنك جباء ~~الأموال وأمرتهم بجمعها ولا يقسموها قال هذا قد خان الله عز وجل فمالنا لا ~~تخونه وقد سجن لنا نفسه فأتمروا بينهم أن لا يصل # PageV01P318 # إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا ~~أقصوه ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر عندك قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ~~أعظمهم ms073 الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا ~~به على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم ~~من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاءك في ~~سلطانك وأنت غافل وإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول عليك فإذا رفع قصته ~~إليك عند ظهورك وجدك وقد نهيت عن ذلك وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ~~فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك ~~فإن للمتظلم منه حرمة عندهم فأجابهم خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ~~ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدافعه ويماطله ولا يقبل عليه فإذا أجهد وأحوج ~~وظهرت صرخ بين يديك ضربا عنيفا شديدا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ~~فلا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى ~~الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه فبكى يوما بكاء شديدا فحثه جلساؤه ~~على الصبر فقال أما أني لست أبكي للبلية النازلة ولكني أبكي للمظلوم بالباب ~~يصرخ فلا أسمع صوته ثم قال أما إذا ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب فأذنوا في ~~الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم ثم كان يركب الفيل طرفي النهار ينظر ~~هل يرى مظلوما فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله عز وجل غلبت رأفته على ~~المشركين وأنت تؤمن بالله واليوم الآخر ثم من أهل بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غلب شح نفسك عليك فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد # PageV01P319 # أراك الله عز وجل الطفل يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال ~~إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله عز وجل ثناؤه يلطف بذلك الطفل حتى ~~تعظم رغبة الناس إليه ولست بالذي يعطي بل الله يعطي من يشاء بغير حساب وإن ~~قلت أنا أجمع المال لتشديد السلطان فقد أراك الله عز وجل عبرا في بني أمية ~~ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة ms074 وأعدوا من الرجال والسلاح الكراع ~~حين أراد الله بهم ما أراد وإن قلت أنا أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من ~~الغاية التي أنا فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تنال إلا ~~بالطاعة يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بغير بأكثر من القتل والصلب قال ~~المنصور لا قال فكيف يصنع أمير المؤمنين يوم القيامة عند لقاء الملك الذي ~~خولك ملك الدنيا ولا يعاقب من عصاه من عبيده وعمل بخلاف ما أمر به في كتابه ~~بالقتل ولكن يعاقبه في الخلود ق 47 في العذاب الأليم وقد رأى ما عقد عليه ~~قلبك وتحملته جوارحك ونظر إليه بصرك واجترحته يداك ومشت إليه قدماك عمل ~~يغني ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يديك ودعاك إلى الحساب على ~~ما خولك فبكى المنصور وقال يا ليتني لم أخلق ويحك فكيف أحتال لنفسي فقال يا ~~أمير المؤمنين إن للناس أعلام يفزعون إليهم في دينهم ويرضون نفوسهم فاجعلهم ~~بطانتك يرشدوك وشاورهم في أمرك يسددوك قال قد بعثت إليهم فهربوا مني قال ~~خافوا أن تحملهم على طريقتك ولكن افتح بابك وسهل حجابك وانصر المظلوم واقمع ~~الظالم وخذ الفيء والصدقات مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل على أهله وأنا ~~الضامن عليهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة وجاء المؤذنون فسلموا عليه ~~فصلى وعاد إلى مجلسه فطلب الرجل فلم يوجد وقال المنصور لبعض عماله وقد بلغه ~~أنه خانه # PageV01P320 # يا عدو الله وعدو أمير المؤمنين أكلت مال الله فقال نحن عباد الله وأنت ~~خليفة الله والمال مال الله فمال من تأكل إذا فأعجبه جوابه فقال خلوا عنه ~~ولا تولوه شيئا # ووجد على بعض الكتاب فأمر بتجريده وضربه فقال # (ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبين) # وروى أن بعض أهل العبث كان قد خرج بفلسطين فكتب إلى العامل بها دمه بدمك ~~مرتهن إن لم توجه به إلي فظفر به فأشخصه إليه فأدخله الربيع عليه فقال أنت ~~المتوثب علينا عمال أمير المؤمنين لا يوزن من لحمك ms075 أكثر مما يبقى على عظمك ~~فقال بصوت ضعيف # (أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضه الهرم # فلم يتبين المنصور ما قال لضعف صوته فقال يا ربيع ما يقول قال يقول # (العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف) # PageV01P321 # فعفى عنه وخلى سبيله # وكان يقول عقوبة الحليم التعريض وعقوبة السفيه التصريح # وروي عن الربيع أنه قال جمع المنصور مالكا وأبا حنيفة وابن أبي ذؤيب رضي ~~الله عنهم فقال كيف ترون في هذا الأمر الذي أعطاني الله تعالى فقال ابن أبي ~~ذؤيب ملك الدنيا يؤتيه الله من يشاء # PageV01P322 # وملك الآخرة يؤتيه من وفقه له وإن الخلافة تكون بإجماع أهل التقوى عليها ~~وأنت وأعوانك خارجون من التقوى عالين على الخلق فإن سألت الله السلامة كان ~~في ذلك نجاتك وإلا أنت المطلوب فقال لأبي حنيفة ما تقول قال المسترشد لدينه ~~يكون بعيد الغضب وأنت إذا نصحت نفسك علمت أنك لم ترد الله باجتماعنا فنقول ~~بما تهواه خوفا من سيفك وحبسك وقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك نفسان من ~~أهل التقوى فقال لمالك ما تقول فقال لو لم يرك الله أهلا لذلك ما قدر لك ~~أمر الأمة أعانك الله على ما ولاك ثم أمر بانصرافهم قال الربيع ثم أعطاني ~~ثلاث بدر وقال اتبع القوم فإن أخذ ابن أبي ذؤيب وأبو حنيفة منها شيئا فأتني ~~برؤوسهما وإن أخذها مالك كلها فادفعها إليه فأتيت ابن أبي ذؤيب وعرضت عليه ~~فقال ما أرضى له هذا المال فكيف أرضاه لنفسي وقال أبو حنيفة لو ضربت رقبتي ~~ما مسست منها درهما واحدا فأتيت بها مالكا فأخذها كلها قال الربيع فأعلمته ~~ما جرى فقال بهذه الصيانة حقنوا دماءهم # وروي عن الربيع قال ما رأيت رجلا أربط جأشا من رجل رفع عليه إلى المنصور ~~أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية فأمرني بإحضاره فأحضرته فدخلت به عليه ~~فقال له المنصور قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال التي # PageV01P323 # لبني ق 48 أمية عندك فأخرج إلينا منها فقال يا أمير المؤمنين أوارث أنت ~~لبني ms076 أمية فقال لا فقال فوصي لهم في أموالهم وربايحهم قال لا قال فما ~~مسألتك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه فقال إن بني ~~أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل للمسلمين في حقهم وأريد أن آخذ ما ~~ظلموا المسلمين فأجعله في بيت مالهم فقال يا أمير المؤمنين تحتاج إلى إقامة ~~البينة العادلة على أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموا دون غيره فقد ~~كان لبني أمية أموال غير أموال المسلمين قال فاطرق المنصور ساعة ثم رفع ~~رأسه وقال صدق يا ربيع ما يجب على الشيخ شيء ثم قال هل لك من حاجة فقال نعم ~~حاجتي يا أمير المؤمنين أن تنفذ كتابي على البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى ~~سلامتي فإنهم قد راعهم أشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين قال ~~قل قال تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فوالله ما لبني أمية في يدي مال ولا ~~وديعة ولكني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول ~~وما قبله فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين ~~من سعى به فجمعت بينهما فقال هذا غلام لي سرق علي ثلاثة آلاف دينار من مالي ~~وأبق فشد المنصور على الغلام فأقر بأنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره ~~وأبق منه وسعى به خوفا وكذبا حتى لا يقع في يده فقال المنصور للشيخ نسألك ~~أن تصفح عنه فقال قد صفحت عنه وأعتقته ووهبت الثلاثة آلاف دينار التي ~~يأخذها وثلاثة آلاف دينار فقال المنصور ما على ما فعله الشيخ من مزيد فقال ~~يكون هذا بحق # PageV01P224 # شفاعتك يا أمير المؤمنين وانصرف فكان المنصور يتعجب منه كل ما ذكره ويقول ~~ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع # وقيل كان المنصور في صدر نهاره يأمر وينهى ويدبر الملك والنظر في النفقات ~~ومعاش الرعية فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته فإذا صلى العشاء نظر فيما ورد ~~عليه من كتب الثغور والآفاق فإذا ms077 أمضى ثلث الليل قام إلى فراشه فنام فإذا ~~بقي الثلث الأخير من الليل قام فأسبغ وضوءه وصف قدميه في محرابه حتى يطلع ~~الفجر ثم يخرج فيصلي # حديث زينب ابنة سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس قالت كنت عند الخيزران ~~وعادتها إذا كانت عندها أن تقعد في عتبة الرواق المقابل للإيوان وأجلس ~~بإزائها وفي الصدر مجلس المهدي يقعد فيه # PageV01P325 # وهو يقصدنا في كل يوم يجلس ساعة ثم ينهض فبينما نحن كذلك إذ دخلت جارية ~~من جواريها اللواتي يحجبنها فقالت أعز الله السيدة امرأة لها جمال وخلقة ~~حسنة وليس من وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية تستأذن عليك وقد سألتها عن ~~اسمها فامتنعت أن تخبرني فالتفتت إلى فقالت ما ترين فقلت أدخليها فإنه لا ~~بد من فائدة أو ثواب فدخلت امرأة كأجمل النساء وأكملهن لا تتوارى فوقفت إلى ~~جانب عضادتي الباب ثم سلمت متضائلة ثم قالت أنا مزنة بنت مروان بن عبد ~~الملك فقالت زينب وكنت متكئة فاستويت جالسة فقلت مزنة فلا حياك الله ولا ~~قربك والحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك أتذكرين يا عدوة الله حين ~~أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الإذن في دفن إبراهيم بن ~~محمد فوثبت عليهن # PageV01P326 # وأستمعتهن وأمرت بإخراجهن على الحالة التي أخرجن عليها فلا أنسى حسن ~~ثغرها وعلو صوتها بالقهقة وقالت أي بنت عم أي شيء أعجبك من حسن صنع الله في ~~العقوق حتى أردت ق 49 أن تنافسيني فيه والله إني فعلت بنسائك الذي فعلت ~~فأسلمني الله عز وجل إليك ذليلة جائعة عريانة فكان هذا مقدار شكرك لله على ~~ما أولاك في ثم قالت السلام عليكم وولت فصاحت بها الخيزران ليس هذا لك علي ~~استأذن وإلي قصدت فما ذنبي فرجعت وقالت لعمري فقد صدقتي يا أخية # وكان مما ردني إليك ما أنا عليه من الضرر والجهد قالت زينب فنهضت إليها ~~الخيزران لتعانقها فقالت ليسي لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها فقالت ~~الخزيران لها فالحمام إذا ms078 وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام ~~فدخلت وطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر فلم تزل حتى خرجت من الحمام ~~فوافتها الخلع والطيب فأخذت من الثياب ما أرادت ثم تطيب وخرجت إلينا ~~فعانقها الخيزران وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ~~إذا دخل فقالت لها الخيزران هل لك في الطعام فإنا لم نطعم بعد فقالت والله ~~ما فيكن أحد أحوج إليه مني فجعلوه فأتي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة ~~وتلقمنا وتضع بين أيدينا إلى أن اكتفت ثم غسلنا أيدينا فقالت لها الخيزران ~~من وراءك ممن تعنين به فقالت ما خارج الدار أحد من خلق الله بين وبينه سبب ~~فقالت الخيزران إن كان هذا هكذا فقومي # PageV01P327 # حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا ونحول إليه جميع ما تحتاجين إليه ثم ~~لا نفترق حتى الموت بيننا فقالت فطفنا بها في المقاصير فاختارت وأوسعها ~~وأنزهها ولم نبرح حتى حول إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكساء ~~والجواري والرقيق ثم تركناها وخرجنا عنها فقالت الخيزران إن هذه المرأة ~~كانت فيما قد كانت فيه وقد مسها ضر وليس يغسل ما في قلبها إلا المال ~~فاحملوا إليها خمس مائة ألف درهم فحملت إليها ووافانا المهدي فسألنا عن ~~الخبر فحدثته حديثها وما لقيته به فو الله ما انتظر أن أعرفه جوابها حتى ~~وثب مغضبا في وجهي وقال يا زينب هل هذا مقدار شكر الله على نعمه وقد مكنك ~~من مثل هذه المرأة على هذه الحال التي هي عليها فو الله لولا محلك من قلبي ~~لحلفت أن لا أكلمك أبدا قالت فقلت قد اعتذرت إليها ورضيت ثم قصصنا عليه ~~قصتها كلها وما فعلت الخيزران لها فقال لخادم معه احمل إليها مئة بدرة ~~وادخل إليها وأبلغها السلام عني وقل لها والله إني ما سررت منذ دهري سروري ~~بمكانك وأنا أخوك وممن يوجب حقك لا تدعي حاجة إلا سألتيها ولولا أني أكره ~~أن أحشمك لصرت إليك مسلما عليك وقاضيا حقك فمضى الخادم إليها بالمال ~~والرسالة ms079 فأقبلت إلينا معه فسلمت إلى المهدي وشكرت له فعله وأثنيت على ~~الخيزران عنده وقالت ما على أمير المؤمنين حشمة أنا في عداد حرمه وقعدت ~~ساعة ثم قامت إلى منزلها فخلفتها عند الخيزران كأنها لم تزل في ذلك القصر # PageV01P328 # وقيل إن المهدي لما حج أنفق في حجه ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمائة ألف ~~دينار وفرق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب وهو الذي وسع المسجد الحرام ~~وبناه على ما هو عليه اليوم # وقيل نذر المهدي دم رجل من أهل الكوفة كان يسعى في فساد دولته فجعل لمن ~~دل عليه أو جابه مئة ألف درهم فأقام الرجل مواريا ثم إنه ظهر يوما ببغداد ~~فبينما هو يمشي في بعض نواحيها بصر به رجل من أهل الكوفة فرفعه فأخذ ~~بمجاميع ثيابه وقال هذا بغية أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحال إذ ~~سمع وقع الحوافر من ورائه فالتفت فإذا معن بن زائدة فقال يا أبا الوليد ~~أجرني أجارك الله فوقف فقال # PageV01P329 # للرجل الذي هو متعلق به ما شأنك قال بغية أمير المؤمنين نذر دمه وبذل لمن ~~ق 50 دل عليه مئة ألف درهم فقال يا غلام انزل عن دابتك واحمل الرجل عليها ~~فصاح المتعلق بالرجل يا للناس أيحال بيني وبين طلبة أمير المؤمنين فقال له ~~معن اذهب فاخبره أنه عندي فانطلق الرجل إلى باب المهدي فأخبر الحاجب فدخل ~~إلى المهدي فأخبره فأمر بإحضار معن فأتته الرسل فدعا أهل بيته ومواليه وقال ~~لا يخلصن إلى هذا الرجل وفيكم عين تطرف ثم سار إلى المهدي فدخل فسلم عليه ~~فرد عليه السلام وقال يا معن أتجير علينا قال نعم يا أمير المؤمنين قال ~~ونعم أيضا فاشتد غضبه فقال يا أمير المؤمنين قتلت في طاعتكم في اليمن في ~~يوم واحد خمسة عشر ألفا إلى أيام كثيرة قد تقدم بلائي وحسن غنائي فما ~~رأيتموني أهلا إن يوهب لي رجل واحد فأطرق المهدي طويلا ثم رفع رأسه وقد سرى ~~عنه وقال قد أجرنا جارك فقال معن إن رأى أمير ms080 المؤمنين أن يصله فيكون قد ~~أحياه وأغناه قال قد أمرنا له بخمسين ألف درهم قال معن إن صلات الخلفاء لا ~~تكون إلا على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فأجزل له العطية فقال ~~قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال تعجلها يا أمير المؤمنين فإن خير البر ~~عاجله فأمر بتعجيلها له وانصرف معن بالمال إلى الرجل وقال له خذ صلتك والحق ~~بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله تعالى # PageV01P330 # ذكر المنصور لمعن بن زائدة بعد كلام له قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيء ~~لولا مكانك عنده ورأيه فيك لصعب عليك الأمر قال وما ذاك يا أمير المؤمنين ~~فو الله ما تعرضت به منك قال إعطاؤك مروان بن أبي حفص ألف دينار في قوله ~~فيك # (معن بن زائدة التي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان) # (إن عد أيام الرجال فإنها ... يوماه يوم ندا ويوم طعان) # فقال ما أعطيته لهذا ولكن لقوله # (ما زلت يوم الهاشمية معلما ... بالسيف دون خليفة الرحمان) # (فحميت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل من مهند وسنان) # فاستحيا المنصور فقال ما أعطيته إلا لهذا قال نعم يا أمير المؤمنين فو ~~الله لولا مخافة الشنعة عندك لمكنته من مفاتيح بيوت أموالي وأنحلته إياها ~~قال المنصور لله درك من أعرابي ما أهون عليك ما يعز على الرجال وأهل الحزم ~~قيل أقام أعرابي على باب معن بن زائدة فلما طال مقامه كتب إليه رقعة فيها # PageV01P231 # (فما في يدك الخير يا معن كله ... وفي الأرض أسباب وفيها مذاهب) # (سيأتي بنات العم ما أنت صانع ... إذا افتتحت عند الأرباب الحقائب) # ووكل من يوصلها إليه وسار فلما وصلت الرقعة إليه وقراها أمر برده وقال ~~والله لتفتيش عن خير كثير وأمر فملئت حقيبته دراهم # وحضر ببابه شاعر فأقام مدة لا يتهيأ له الدخول عليه فقال يوما لبعض خدمة ~~إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخله أعلمه فكتب بيتا على خشبة وألقاها ~~في الماء الذي يدخل البستان فلما نظر معن في الخشبة أخذها فقرأ فإذا فيها ms081 ~~مكتوب # (أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فمالي إلى معن سواك رسول) # فقال من صاحب هذه فدعا بالرجل فقال له كيف قلت أنشد البيت فأمر له بمائة ~~ألف درهم فأخذها ووضع الخشبة تحت بساطه فما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت ~~بساطه وقرأها فدعا بالرجل فأمر له بمائة ألف أخرى وكذلك في اليوم الثالث ~~فلما أخذها الرجل تفكر في عظم ما أخذ وخاف أن يسترجعها منه فخرج فما كان في ~~اليوم الرابع قرأ ما فيها ودعا بالرجل ق 51 فلم يوجد قال معن حق على أن ~~أعطيته حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار # PageV01P232 # وقيل خرج على هارون الرشيد بعض الخوارج فأنهض إليه جيشا فظفر به فلما دخل ~~عليه قال ما تريد أن أصنع بك قال الذي تريد أن يصنع الله بك إذا وقفت بين ~~يديه فأطرق مليا ثم رفع رأسه وأمر بإطلاقه فلما خرج قال بعض من حضر يا أمير ~~المؤمنين يقتل أهلك ويفني أموالك وتطلقه لكلمة واحدة بأمل هذا فإنه يجرىء ~~عليك أهل الشر فأمر برده فلما مثل بين يديه علم أنه قد سعى به عنده فقال يا ~~أمير المؤمنين لا تطعه فلو أطاع الله فيك ما استخلفك لحظة واحدة فأمر ~~بإطلاقه وقال لا تعاودوني في بابه # وعن جريم بن أبي يحيى المزني قال دعاني يوما للأكل معه فلما توسط الأكل ~~رفع رأسه إلى رجل يكلمه بالفارسية قلت يا أمير المؤمنين أن كنت تريد أن تسر ~~إليه فإني أفهم الفارسية فأمرني أتنحى إلى أن تقدم إليه بما تريد فاعجب ~~الرشيد كرم أخلاقه وصدقه وخاطب الرجل سرا بما أراد وأمر لجريم بصلة سنية # PageV01P333 # وقيل استزار إبراهيم بن المهدي أخاه هارون الرشيد بالرقة ولما حضر الطعام ~~وكان الرشيد لا يأكل حارا قبل بارد فوضعت البوارد بين يديه على المائدة ~~فرأى فيما قرب منه جاما في قريش السمك فاستصغر القطع فقال لإبراهيم لم يصغر ~~طباخك السمك فقال إنه لم يصغر القطع وإنما هذه ألسنة السمك فقال شبيه أن ~~يكون ms082 في هذا الجام مائة لسان فقال له مراقب خادم إبراهيم يتولى قهرمته فيه ~~يا أمير المؤمنين أكثر من مائة لسان فاستحلفه على مبلغ ثمن السمك الذي منها ~~هذه الألسنة فأخبر أنه ألف درهم فرفع هارون يده عن الطعام وحلف أن لا يطعم ~~دون أن يحضر مراقب ألف دينار فأحضرها فأمره أن يتصدق بها وقال أرجو أن يكون ~~هذا كفارة لسرفك في إنفاقك على جام سمك ألف درهم ثم أخذ الجام بيده ودفعه ~~إلى بعض خدمه وقال أخرج من دار أخي ثم أنظر أول سائل تراه فادفعه إليه قال ~~إبراهيم وكان شراء الجام على مئتين وسبعين دينارا فغمزت بعض خدمي أن مع ~~الجام فيبتاعه ممن يدفع إليه وكأن الرشيد فهم ذلك مني فهتف بالخادم وقال ~~إذا دفعت اللجام إلى السائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين أحذر أن تبيع ~~الجام بأقل من مئتي دينار فإنه يساوي أكثر منها ففعل الخادم ما أمره قال ~~فوالله ما أمكن خادم إبراهيم أن يشتريه ويرده إلى الدار إلا بمائتي دينار ~~كما أوصى أمير المؤمنين # ولما حمل الشافعي رحمه الله من اليمن إلى الرشيد حين وشي به # PageV01P334 # إليه فجرى له معه كلام كثير إلى أن قال الرشيد هل من موعظة تعظ بها أمير ~~المؤمنين قال نعم على ترك الحشمة ورفع الهيبة وقبول النصح وإلقاء رداء ~~الكبر عن منكبك قال الرشيد لك ذلك فجثى الشافعي على ركبتيه وقال يا ذا ~~الرجل إنه من أطال عنان الأمر في العز طوى عدار الحذر بالمهلة ومن لم يعول ~~على طريق النجاة كان بجانب قلة الاكتراث بالمرجعة إلى الله مقيما ومن أحسن ~~الظن كان من أمنه المحذور في مثل نسج العنكبوت لا تأمن على نفسها وتحجزها ~~عن سعيها فلو جرعها مخالفتها وبادر خوف المراجعة بالتزود إلى دار المقامة ~~إن لو فعلت ذلك يا رجل ما اهتدت إليك يد الندامة ولأبدرتك غدا ق 52 في ~~القيامة لكنك أتيت من حيث لا يؤدي إلى فهمك من أذن لمج الكلام بسمعك فمن ثم ~~أعقبك ms083 التواني والاغترار بنفسك ولو كان لك أمير من عقلك ينقد لك ما سقط من ~~عيونك لشغلك ذلك عن النظر في عيوب غيرك ولكن ضرب الهوى عليك رواق الحيرة ~~فتركك إذا خرجت يد موعظتك لم تكد تراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور فبكى الرشيد حتى بل منديلا كان في يده ثم قال له خاصة من يقوم على رأسه ~~اسكت فقد أبكيت أمير المؤمنين فالتفت إليه الشافعي رحمه الله وقال يا عبيد ~~الدنيا الذين باعوا أنفسهم لمحبوب الدنيا أما رأيتم ما استدرج به من كان ~~قبلكم من الأمم بالأماني ألم تروا كيف فضح الله مستورهم وأمطرت بواكير ~~الهموم عليهم بعد سرورهم فأصبحوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهيتهم في نسيم روضة ~~البطالين حصائد النقم ومدارج المثولات فقال له الرشيد لقد سللت علينا # PageV01P335 # لسانك وهو أمضى من سيفك فقال له الشافعي إن قبلته فهو لك وإلا عليك قال ~~فهل من حاجة خاصة بعد العامة قال بعد مكنون النصيحة وتجريد الموعظة تأمرني ~~أن أسود وجه موعظتي بالمسألة قال ثم ماذا قال النظر في أمور الرعية والقسمة ~~بينهم بالسوية قال ومن يطبق ذلك قال من تسمى باسمك ونسب إلى موضعك قال ثم ~~ماذا قال الحب أحبب الله وجيران قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ~~أما والله لو أردت عمارة قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للزمك ~~في ذلك مؤنة قال فأمر الرشيد بمال للمهاجرين والأنصار والعلوية وأمر ~~الشافعي رحمه الله بخمسين ألف دينار وحمله على فرس # وكان الرشيد يصلي في كل يوم مئة ركعة إلى أن توفي ويتصدق في كل يوم بمائة ~~ألف درهم فإذا حج حج معه مائة من الفقهاء كل فقيه منهم بزاده وراحلته وجد ~~ذلك في كتاب تفاوت التواريخ والله أعلم # قال الأصمعي قصدت في بعض الأيام رجلا كنت أغشاه # PageV01P336 # لكرمه فوجدت على بابه بوابا فمنعني من الدخول عليه فقال البواب ما أوقفني ~~على بابه لأمنع مثلك الدخول عليه لرقة حاله وقصور ms084 يده فكتبت رقعة أقول فيها # (إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم) # ثم قلت أوصل رقعتي هذه إليه فعادت الرقعة وقد كتب على ظهرها # (إذا كان الكريم قليل مال ... تستر بالحجاب عن الغريم) # ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار وعذر فقلت والله لا تحفن أمير ~~المؤمنين بهذا الحديث فجئت إلى الرشيد فلما رآني قال من أين يا عبد الملك ~~قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشا أمير المؤمنين قال ومن هو قلت رجل قراني ~~علمه ماله ثم دفعت إليه الرقعة والصرة قال هذا ختم بيت مالي فلا بد لي من ~~الرجل الذي دفعها إليك قلت يا أمير المؤمنين والله إني لأستحي أن أروعه ~~برسلك فقال لبعض خاصته امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل فقل له أجب أمير ~~المؤمنين من غير إزعاج قال فلما حضر الرجل بين يدي الرشيد قال له أما أنت ~~بالأمس وقفت بموكبنا وشكوت رقة حالك وأن الزمان أناخ عليك بكلله فدفعنا ~~إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه قال ~~والله ما كذبت فيما شكوت يا أمير المؤمنين من رقة الحال وصعوبة الزمان ~~ولكني استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلا كما أعادني أمير المؤمنين ~~فقال لله درك فما ولدت العرب أكرم منك ثم أمر له بألف دينار # PageV01P337 # فقلت ألحقني به يا أمير المؤمنين فتبسم وأمر أن تكمل لي ألف دينار وعاد ~~الرجل من جملة ندمائه ق 53 # وقيل لما حج الرشيد ورجع قافلا دعا صالحا حين تنكر للبرامكة فقال اخرج ~~إلى منصور بن زياد فقل له قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم فاحملها إلي من ~~يومك فإن هو دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس إلى يومك هذا وإلا فاحمل إلي ~~رأسه وإياك ومراجعتي في شيء من أمره قال صالح فخرجت إلى منصور فعرفته الخبر ~~فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسي ثم حلف أنه لا يعرف موضع ~~ثلاثمائة ألف درهم فكيف عشرة آلاف ألف درهم ms085 فقال له صالح خذ في عملك قلت له ~~امض إلى منزلي حتى أوصي وأتقدم في أمري فما هو إلا أن # PageV01P338 # دخل حتى ارتفع الصراخ من منازله وحجر نسائه فأوصى وخرج وما فيه لحم ولا ~~دم فقال امض بنا إلى أبي علي يعني يحي بن خالد فلعل الله أن يأتينا بفرج من ~~جهته فمضيت معه فدخل على يحي بن خالد فقال له يحي ما وراءك فقص عليه القصة ~~فقلق يحي لأمره وأطرق مفكرا ودعا جارية وقال لها كم عندك من المال قالت ~~خمسة آلاف درهم قال هاتيها فأحضرتها ثم وجه إلى ولدها الفضل أنك كنت ~~أعلمتني فداك أبوك أن عندك ألفي ألف درهم وودت أنك تشتري بها ضيعة يبقى ~~ذكرها وشكرها وتحمد ثمرتها فوجه إليها بالمال وقال للرسول امض بها إلى جعفر ~~فقل له ابعث لي فداك أبوك بألف ألف درهم لحق لزمني فوجهها إليه فقال هذه ~~ثمانية آلاف ألف درهم ثم أطرق طويلا لأنه لم يكن بقي معه من المال شيء ثم ~~رفع رأسه إلى خادم له فقال امض إلى دنانير فقل لها وجهي إلي بالعقد الذي ~~كان أمير المؤمنين وهبه لك فإذا هو عقد كعظم الذراع فقال لصالح اشتريت هذا ~~بمائة ألف # PageV01P339 # وعشرين ألف دينار فوهبه أمير المؤمنين لدنانير وقد حسبناه بألفي ألف درهم ~~وهذا تمام المال فانصرف وخل صاحبنا لا سبيل لك عليه قال صالح فأخذت ذلك ~~ورددت منصور معي فلما صرنا بالباب أنشد متمثلا # (فما بقي علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال) # قال صالح فقلت ما على وجه الأرض رجل أنبل من رجل خرجنا من عنده ولا سمعت ~~بمثله فيما مضى ولا فيمن بقي ولا على وجه الأرض رجل أخبث سريرة ولا أرد ~~طبعا من هذا النبطي إذا لم يشكر من أحياه قال ثم صرت إلى الرشيد فقصصت عليه ~~قصة المال وطويت عنه ما قال منصور لأني خفت أن سمعه أمر بضرب عنقه قال ~~الرشيد أما إني قد علمت من نجا لم ينجو إلا بأهل هذا البيت ms086 وقال اقبض المال ~~واردد العقد على دنانير لأني لم أكن لأهب هبة فترجع إلي قال صالح فلم أطب ~~نفسا بترك تعريف يحي ما قاله منصور فقلت له بعد أن أطنب في شكره ووصف ما ~~كان منه لقد أنعمت على غير شاكر قابل أكرم فعل بالأم قول وكيف ذلك فأخبرته ~~بما قال فجعل والله يطلب له المعاذير وقال يا أبا علي إن المخوف القلب ربما ~~سبق إلى لسانه ما ليس في ضميره وقد كان الرجل في حال عظيمة فقلت والله ما ~~أدري أي أمريك أعجب أمن أوله أم من آخره لكني أعلم أن الدهر لا يخلف مثلك ~~أبدا # قال يحي بن خالد من أحسنت إليه فأنا مرتهن به ومن لم أحسن # PageV01P340 # إليه فأنا مخير فيه وقال ذكر النعمة من المنعم تكدير ونسيان المنعم تكدير ~~ونسيان المنعم عليه كفر وقال يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه وقيل له لم ~~لا تقول الشعر فقال شيطانه أخبث من أن أسلطه على عقلي وقال إذا أدبر الأمر ~~كان العطب في الحيلة # وقيل ركب محمد بن إبراهيم دين ق 54 فركب إلى الفضل بن يحي ومعه حق فيه ~~جواهر فقال له قصرت بنا غلاتنا وأغفل أمرنا خليفتنا وتزايدت مؤنتنا فلزمنا ~~دين احتجنا إلى أدائه وهو ألف ألف درهم وكرهت بذل وجهي للتجار وأذلة عرضي ~~منهم ومعي رهن وثيق بذلك فإن رأيت أن تأمر بعض غلمانك بقبضه وحمل المال ~~إلينا فعلت فدعا الفضل بالحق فرأى ما فيه وختمه بختم محمد بن إبراهيم ثم ~~قال له نجح الحاجة أن # PageV01P341 # تقيم اليوم عندي في منزلي فقال له إن المقام على مشقة فقال له ما يشق ~~عليك من ذلك إن رأيت أن تلبس بعض ثيابا دعوت به وإلا أمرت بإحضار ثياب من ~~دارك فأقام ونهض الفضل فدعا بوكيله وأمره بحمل المال وتسليم الحق الذي فيه ~~الجوهر إلى وكيل محمد بن إبراهيم وأخذ خطه بذلك ففعل الوكيل ذلك وأقام محمد ~~عنده إلى الليل وليس عنده خبر بشيء من الأمر ثم ms087 انصرف إلى منزله فأحضر ~~الوكيل المال والحق فغدا على الفضل ليشكر له فوجده قد سبقه بالركوب إلى دار ~~الرشيد فوقف منظرا له فقبل له قد خرج من الباب الآخر فأتبعه فوجده سبقه إلى ~~دار ابنه فوقف ينتظره فقيل له قد خرج من الباب الآخر قاصدا إلى منزله ~~فانصرف عنه فلما عدا إلى منزله وجه الفضل إليه بألف ألف أخرى فغدا عليه ~~فشكره وأطال فأعلمه الفضل أنه بات بليلة طالت غما بما شكاه إلى أن لقي ~~الرشيد فأعلمه بحاله وأمره بالتقدير له فلم يزل يماكسه إلى أن تقرر الأمر ~~معه على ألف ألف درهم فقال إنه لم يصلك بمثلها قط ولا زادك على عشرين ألف ~~دينار فشكرته وسألته أن يصك بها صكا بخطة ويجعلني الرسول ففعل فشكره محمد ~~وقال صدق أمير المؤمنين أنه لم يصلني بأكثر من عشرين ألف دينار وهذا إنما ~~تهيأ بك وعلى يديك وما أقدر على القيام بحقك ولا على شكر أجازي به معروفك ~~غير أن علي وعلي أيمانا مؤكدة إن وقف بباب أحد سواك ولا سألت غيرك حاجة أبا ~~ولو سففت التراب فكان لا يركب إلى غير الفضل إلى أن كان من أمرهم ما حدث ~~فكان لا يركب إلى غير دار الرشيد ويعود إلى منزله فعوتب بعد تقضي أمرهم في ~~ترك الركوب إلى الفضل بن الربيع فقال والله لو عمرت ألف عام ومصصت # PageV01P342 # الثماد ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحي ولا سألته حاجة أبدا حتى ألقى ~~الله تعالى فلم يزل ذلك حاله حتى مات # وقيل دخل مسلم بن الوليد على الفضل بن يحيى وقد كان ورد عليه خبر سره ~~فجلس للشعراء فمدحوه وأثابهم ونظر في حوائج الناس فقضاها وتفرق الناس عنه ~~وخلا في منزله ولم يحضر مسلم ذلك وإنما بلغه حين انقضى المجلس فدخل عليه ~~فاستأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده قوله # (أتتك المطايا تهتدي بمطية ... عليها فتى كالنصل يؤنسه النصل) # (وردت رواق الفضل آمل فضله ... فحظ الثناء الجزل نائله الجزل) # (فتى ترتعي الآمال مزنة ms088 جوده ... إذا كان مرعاها الأماني والمطل) # (تساقط يمناه الندى وشماله ... الردى وعيون القول منطقه الفصل) # (ألح على الأيام يفري خطوبها ... على منهج ألفى أباه به قبل) # (أناف على العلياء يحيى وخالد ... فليس له مثل ولا لهما مثل) # (فروع أصابت مغرسا متمكنا وأصلا فطابت حيث وجهها الأصل) # (بكف أبي العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل) # PageV01P343 # فطرب الفضل طربا شديدا وأمر بأن البيات فعدت فكان مبلغها ثمانين بيتا ~~فأمر له بثمانين ألف درهم وقال لولا أنه أكثر ما وصل به شاعر لزدتك ولكنه ~~شيء لا يمكن تجاوزه يعني أن الرشيد رسمه لمروان بن أبي حفصة # وروى أن مروان بن أبي حفصة ق 55 دخل على الرشيد فأنشده مدحا فيه فقال من ~~أنت قال شاعرك مروان بن أبي حفصة فقال ألست القائل # (أقمنا بالمدينة بعد معن ... مقامها لا نريد به زولا) # (وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا) # (وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار تربته عيالا) # فقد ذهب النوال كما زعمتم فلم جئت تطلب نوالنا لا شيء لك عندنا جروا ~~برجله فجروا برجله حتى أخرج فمكث سنة ثم دخل عليه في جملة من الشعراء ~~فأنشده قوله # (طرقتك زائرة فحيي خليها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها) # (هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها) # PageV01P344 # (أو تجحدون مقالة من ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها) # (شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأرادتهم إبطالها) # فزحف الرشيد حتى صار على البساط وقال كم هي قالوا هي مائة بيت فأمر بمائة ~~ألف درهم # وقيل دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له من الذي يقول فيك # (لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل) # (قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مر تحل) # فقلت له لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين فقال له أيقال فيك # PageV01P345 # مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله فخرج من عنده خجلا فلما صار إلى منزله دعا ~~حاجبه وقال من بالباب من الشعراء قال مسلم بن ms089 الوليد قال فكيف حجبته عني ~~فلم تعلمني به قال أخبرته أنك مضيق وأنه ليس في يدك ما ل تعطيه وسألته ~~الإمساك والمقام أياما إلى أن يتسع عليك الحال فقال أدخله إلي فأنشده ~~قصيدته التي تقول # (موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل) # (تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل) # (لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل) # (قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه وابنك في كل مرتحل) # (لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل) # فقال له قد أمرت لك بخمسين ألف درهم فاقبضها وأعذر فخرج الحاجب فقال قد ~~أمرني أن أراهن ضيعة من ضياعه بمائة ألف درهم خمسون ألفا منها لك وخمسون ~~ألفا لنفقته فأعطاه إياها فكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد فأمر له بمائتي ~~ألف درهم وقال اقبض الخمسين ألف درهم التي أخذها الشاعر وزده مثلها وخذ ~~مائة ألف لنفقتك فافتك ضيعه وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى # PageV01P246 # وروى عن مسلم بن الوليد أنه قال جاءني رسول يزيد بن مزيد فجئته فوجدته ~~خارجا من الحمام وهو على كرسي وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة والمرآة ~~بيده وهو يسرح لحيته فقال لي أنشدني فأنشدته حتى بلغت قولي # (لا يعيق الطيب خدية ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل) # فوضع المرآة من يده وقال للجارية انصرفي فقد حرم علينا مسلم الطيب والكحل ~~فلما فرغت من القصيدة قال لي يا مسلم أتدري ما الذي حداني على أني وجهت ~~إليك قلت لا والله ما أدري فقال كنت عند أمير المؤمنين فقال لي يا يزيد من ~~الذي يقول فيك # (سل الخليفة سيفا من بنى مطر ... يمضي فيقطع الأجساد والهاما) # (كالدهر لا ينثني عما يهم به ... قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما) # فقلت والله ما أدري فقال الرشيد يا سبحان الله إنك مقيم على أعرابيتك ~~أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تدري من قائله فسألت ق 56 عن قائله ms090 فأخبرت أنك ~~هو فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين ثم قام فدخل على الرشيد فما علمت حتى ~~خرج الآذن علي فدخلت على الرشيد فأنشدته ما لي فيه من الشعر فأمر لي بمائتي ~~ألف درهم فلما انصرفت أمر لي يزيد بمائة ألف وتسعين ألف درهم أخرى وقال لا ~~يجوز أن أعطيك # PageV01P347 # مثل ما أعطاك أمير المؤمنين وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم # وروي عن إسحاق بن إبراهيم قال كنت عند المأمون بدمشق وقد كان المال عنده ~~قليلا حتى ضاق وشكا ذلك إلى أخيه أبي إسحاق فقال أمير المؤمنين قد أمرت ~~بمال يحمل إليك وهو موافيك بعد جمعة فلما ورد المال من النواحي التي كان ~~يتولاها وكان ثلاثون ألف ألف قال المأمون ليحيى بن أكثم اخرج بنا ننظر إلى ~~هذا المال قال يحيى # PageV01P348 # فخرجنا حتى أصحرنا ووقفنا ننتظره وقد هيء بأحسن هيئة وحليت أبا عره ~~وألبست الأحلاس المواشاة والجلال المصبوغة وقلدت العهن فنظر المأمون إلى ~~شيء استحسنه وعظم ليحيى فيعينه واستشرف الناس ينظرون إليه ويتعجبون منه ~~ويستظرفونه فقال المأمون ليحي يا أبا محمد ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين نراهم ~~إلى منازلهم خائبين وننصرف نحن بهذا المال دونهم إنا إذا للئام ثم دعا إلى ~~محمد بن يزداد وقال وقع لفلان بكذا ولفلان بكذا فو الله ما زال كذلك حتى ~~فرق أربعة وعشرين ألف ألف ثم أمر أن يصرف الباقي في عطاء الجند # وقيل كان بالبصرة شاعر من بني تميم فأراد جعفر بن سليمان أن يتقدم إلى ~~المأمون مادحا له ومعرضا بشر الوالي فأعطاه بختيا ونفقة قال فركبت بختي ~~ومضيت أورم العسكر قاصدا إليه فإذا بكهل على بغل هملاج قد تلقاني مواجهة ~~وأنا أردد نشيد أرجوزتي فقال السلام عليك يا هذا بصوت جمهوري ولسان فصبح ~~فرددت السلام فقال لي قف إن شئت فوقفت فتضوعت منه رائحة المسك والعنبر فقال ~~لي ممن أنت فقلت رجل من مضر قال ثم من قلت من بني تميم ثم من بني سعد ثم ~~قال فما أقدمك هذه البلد قلت ms091 قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله قبله # PageV01P349 # أطول باعا ولا أندى راحة منه قال فما الذي قصدته به قلت شعر طيب يلذ على ~~الأفواة وتقتفيه الرواة ويحلو في آذان السامعين قال فأنشدنيه قال فغضبت ~~وقلت له يا ركيك العقل أخبرك أني قصدت الخليفة بمدح حبرته فيه تقول أنشدنيه ~~قال وما الذي تأمل منه قلت ألف دينار إن كان على ما ذكر عنه قال لي فأنا ~~أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام غضا وأضع عنك العناء والترداد ~~ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامح وسيف فقلت له بالله عليك ~~أنت تفعل قال نعم قلت ومعك الساعة ما تعطيني قال لك الله على أن أعطيك ~~الساعة ألف دينار فأنشدته أرجوزة فيها # (مأمون يا ذا المنن الشريفة ... وصاحب المرتبة المنيفة) # (وقائد الكتيبة الكثيفة ... هل لك في أرجوزة ظريفة) # (أطرف من فقه أبي حنيفة ... لا والذي أنت له خليفة) # (ما ظلمت في أرضنا ضعيفة ... أميرنا مؤنته خفيفة) # (والذئب والنعجة في سقفه ... واللص والتاجر في قطيفه) # قال فو الله ما أتممت إنشادها حتى أقبل عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق وهم ~~يقولون السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال فأخذني والله ~~الأفكل يعني الرعدة ونطر إلي بتلك الحال فقال لا بأس عليك ثم التفت إلى ~~خادم نظيف الوجه والملبس كان قريبا منه فقال أعطه ما معك فأخرج الخادم كيسا ~~وجدت فيه ثلاثة آلاف دينار فقال لي هاك أيها الرجل ثم قال سلام عليك ومضى ~~فكان آخر العهد به فسألت عنه بعد ذلك فقيل لي المأمون أمير المؤمنين لم يرد ~~أن يعرفك بنفسه لكرم طباعه # PageV01P350 # وخلائقه وقيل أن المأمون كان في مجلس ق 57 له بدمشق فغناه علوية # (برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون حقا كما قالوا) # (ولكنهم لما رأوك سريعة لهجري ... تواصوا بالنميمة واحتالوا) # فقال يا علوية لمن هذا الشعر قال لقاضي دمشق فقال لأخيه يا أبا إسحاق ~~أحضره فلم يكن بأسرع من أن ms092 حضر شيخ قصير مخضوب فقال له المأمون من تكون قال ~~أنا فلان بن فلان قال أنت الذي تقول الشعر قال نعم يا أمير المؤمنين ونساؤه ~~طوالق وكل شيء يملك في سبيل الله إن كان قال شعرا منذ ثلاثين سنة إلا في ~~زهد ومعاتبة صديق فقال لأخيه أعزله ما كنت لأولي رقاب المسلمين من يبدأ في ~~هزله من الإسلام ثم قال لعلوية لا تقل برئت من الإسلام ولكن قل حرمت مناي ~~منك وقال عمارة بن عقيل أنشدت المأمون قصيدة فكنت أبتدئ بصدر البيت وهو # PageV01P351 # يبادرني إلى عجزه فقلت والله يا أمير المؤمنين ما سمعها مني أحد قبلك ~~فقال هكذا ينبغي أن يكون ثم أقبل علي وقال أما بلغك أن عمر بن أبي ربيعة ~~أنشد عبد الله بن عباس قصيدته التي يقول فيها # (نشط غدا دار جيراننا ... ... ... ... ... ... ... ...) # فقال ابن عباس # ( ... ... ... ... ... ... ... . . ... وللدار بعد غد أبعد) # حتى أكمل القصيد كلما أنشد صدر البيت أكمله ابن عباس ثم قال أنا ابن ذلك ~~وقال ابن المبرد قال لي عمارة قال عبد الله بن أبي السمط يا عمارة ما علمت ~~أن المأمون لا يبصر الشعر قلت له ومن أفرس منه فيه أنا أنشدته البيت ~~فيسبقنا إلى عجزه من أن يكون سمعه قال إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم يحركه ~~قلت وما هو قال # PageV01P352 # (أضحى إمام الهوى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا قد اشتغلوا) # فقلت ما صنعت شيئا ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها مسبحتها في يدها ~~فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها هلا هلا قلت كما قال جرير في عمر ~~بن العزيز # (فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله) # وجاءت امرأة إلى المأمون فقالت # (يا خير منتصف يهدي به الرشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد) # (تشكو إليك عميد الخلق أرملة ... غدا عليها فلم يترك لها لبد) # (وابتز منها ضياعا منعتها ... ظلما وفرق منها الأهل والبلد) # فأجابها وقال # (في دون ما قلت زال الصبر والجلد ... عني وأقرح مني ms093 القلب والكبد) # (هذا أوان صلاة العصر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد) # (والمجلس السبت أن يقضى الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلا المجلس الأحد) # فلما كان يوم الأحد جلس فجاءته فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فرد ~~وقال أين خصمك قالت واقف على رأسك وأومأت إلى # PageV01P353 # العباس ابنه فقال لأحمد بن أبي خالد خذ بيده وأجلسه معها ففعل فجعل ~~كلامها يعلو كلامه فقال لها أحمد بن خالد يا أمة الله إنك بين يدي أمير ~~المؤمنين وتكلمين الأمير فاخفضي من صوتك فقال المأمون دعها يا أحمد فإن ~~الحق أنطقها والباطل أخرسه ثم قضى على ابنه # ومن شعر المأمون # (بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا) # (فناجيت من أهوى وكنت مباعدا فيل ليت شعري عن دنوك ما أغنا) # (أرى أثرا منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من عينيها حسنا) # وله أيضا # (أن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين رسولي وفزت بالخبر) # PageV01P354 # (وكلما جاءني الرسول بها ... رددت عمدا في طرفه نظري) # (يظهر في وجهه محاسنها ... قد أثرت فيه أحسن الأثر) # (خذ مقلتي يا غلام عارية ... فانظر بها واحتفظ على بصري) ق 58 # واعتل الفضل بن سهل فتأخر في بيته فوردت عليه رقعة من المأمون بخطه يسأله ~~عن حاله وفي آخرها # (كيف أصبحت بالسلامة يا فضل وبالخير ربنا مساكا) # (لا أراني الإله فقدك يا فضل ... وعافاك عاجلا وشفاكا) # (فقد أردت المجيء إذ غلب الشوق ... وقلبي لو يستطيع أتاكا) # (فتذكرت عند ذاك بأني ... لست أستطيع أن أراك كذاكا) # (فأين يا وقت فيك حذاري ... كيف أنت الغداة من شكواكا) # باب في خطيه ومناقبه # قيل خطب يوم جمعة فقال الحمد لله الذي استخلص الحمد لنفسه واستوجبه على ~~خلقه أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه # PageV01P355 # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أوصيكم عباد ~~الله بتقوى الله والعمل لما عنده والإنجاز لوعده والخوف من وعيده فإنه ms094 لم ~~يسلم إلا من اتقاه وخافه ورجاه وعمل له وأرضاه فاتقوا الله عباد الله ~~وبادروا آجالكم بأعمالكم وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم وترحلوا سراعا ~~فقد جد بكم الرحيل واستعدوا للموت فقد أضلكم ما تحذرون وكونوا قوما صيح بهم ~~فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإن الله عز وجل لم ~~يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى وما بين أحدكم والجنة أو النار إلا الموت أن ~~ينزل به وأن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة وان ~~غائبا يحدوه الجديدان لحري بسرعة الأوبة وإن قادما يحل بالفوز أو الشقوة ~~لمستحق لأفضل العدة فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدم توبته وغلب شهوته فإن ~~أجله مستور عنه وأمله خاذله والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها ~~ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها فيالها حسرة ~~على ذي غفلة أو يكون عمره عليه حجة أتؤديه أيامه إلى شقوة نسأل الله أن ~~يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ولا تقصر به عن طاعته غفلة ولا تحل به بعد ~~الموت حسرة إنه سميع الدعاء وبيده الخير وهو فعال لما يريد # وخطب يوم الأضحى فقال بعد التكبيرات الأول والتحميد والصلاة # PageV01P356 # على النبي صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله عز وجل # إن يومكم هذا يوم أبان الله عز وجل فضله وأوجب تشريفه وعظم حرمته ووفق له ~~من خلقه صفوته وابتلى فيه خليله وفدى فيه من الذبح نبيه وجعله خاتم الأيام ~~المعلومات من العشر ومقدم الأيام المعدودات من النفر يوم حرام من أيام عظام ~~في شهر حرام يوم الحج الأكبر ويوم دعا الله عز وجل إلى مشهده ونزل القرآن ~~بتعظيمه قال عز وجل {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين ~~من كل فج عميق} فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم وعظموا شعائر الله ~~واجعلوها من أطيب أموالكم وبصحة التقوى من قلوبكم فإنه يقول عز وجل {لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} الآية ثم ms095 قال بعد ~~التحميد والتكبير وذكر الجنة والنار الله الله فوالله إنه الجد لا اللعب ~~وإنه الحق لا الكذب وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص ~~والصراط ثم الثواب والعقاب من نجا يومئذ فقد فاز ومن هوى يومئذ فقد خاب ~~الخير كله في الجنة والشر كله في النار # وخطب يوم الفطر فقال بعد التكبير ألا وأن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ~~ورغبة يوم ختم الله فيه صيام شهر رمضان وافتتح به حج بيته الحرام فجعله ~~خاتما للشهر وأول شهور الحج وجعله معقب # PageV01P357 # المفروض من صيامكم ومتنفل ق 59 قيامكم أحل فيه الطعام لكم وحرم فيه ~~الصيام عليكم فاطلبوا إلى الله عز وجل حوائجكم واستغفروه لتفريطكم فإنه ~~يقال لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار فاتقوا الله عباد الله ~~وبادروا الأمر الذي فيه عدل بينكم ولم يحتضر الشك فيه أحد منكم وهو الموت ~~المكتوب عليكم وإنه لا يقال بعده عثرة ولا تقبل عنده توبة واعلموا أنه لا ~~شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه على غصصه وعلزه وكربه ولا يعين ~~على القبر وظلمته ووحشته وضيقه وهول مطلعه ومساءلة ملائكته إلا العمل ~~الصالح الذي أمر الله عز وجل به فمن زلت عند الموت قدمه فقد ظهرت ندامته ~~وفاتت استقالته ودعا من الرجعة بما لا يجاب إليه وبذل من الفدية ما لا يقبل ~~منه فالله الله عباد الله وكونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين ~~طلبوها فإنه ليس يتمنى المتمنون قبلكم إلا هذا المهل المبسوط لكم واحذروا ~~ما حذركم الله عز وجل واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم ~~ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما ~~يمل في صحيفته الحافظة له وعليه فقد حكى الله عز وجل لكم ما قال المفرطون ~~عندها إذ طال إعراضكم عنها وهو قوله عز وعلا {ووضع الكتاب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه} الآية وقال تعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا} الآية ms096 # PageV01P358 # ولست أنهاكم من الدنيا بأعظم مما نهتكم به الدنيا عن نفسها فإنه كل مالها ~~ينهى عنها وكل ما فيها يدعو إلى غيرها وأعظم مما رأته عيونكم من عجائبها ذم ~~كتاب الله عز وجل لها ونهي الله جل ثناؤه عنها فإنه يقول تبارك وتعالى {فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} وقال {إنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو} الآية فانتفعوا بمعرفتكم وبإخبار الله عز وجل عنها واعلموا أن ~~قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصرعها وجانبوا خدائعها وآثروا ~~طاعة الله تبارك وتعالى فيها فأدركوا الجنة بما تركوا منها # وروي عن واقد بن جمد الواقدي عن أبيه أنه رفع إلى المأمون يذكر فيه دينه ~~وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر الرقعة إنك رجل اجتمع فيك خصلتان سخاء ~~وحياء أما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك وأما الحياء فهو الذي يمنعك ~~تبليغنا ما أنت فيه وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فإن كنت قد أصبت فازدد في ~~بسط يدك وإن لم تصب فجنايتك على نفسك وأنت حدثني وكنت على قضاء الرشيد # PageV01P359 # عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للزبير بن العوام يا زبير اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث ~~الله إلى كل عبد بقدر نفقته فمن كثر كثر الله عليه ومن قلل قلل الله عليه ~~وأنت أعلم قال الواقدي فوالله لمذاكرة المأمون إياي الحديث أحب إلي من ~~الجائزة # PageV01P360 # قال يحي بن أكثم القاضي تغدينا في يوم عيد عن المأمون فظننته أنه وضع على ~~المائدة أكثر من ثلاثمائة لون فكلما وضع لون نظر إليه فيقول هذا نافع لكذا ~~وضار من كذا فمن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن غلب عليه السوداء فلا ~~يأكل من هذا ومن أحب الزيادة في لحمه فليأكل من هذا فوالله مازال يقول كذا ~~في كل لون حتى رفعت المائدة فقلت يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب كنت ~~جالينوس في معرفته وإن تكلمنا في النجوم ms097 كنت هرمسا في حسابه أو في الفقه ~~كنت عليا بن أبي طالب صلوات الله عليه في علمه فقال يا أبا محمد أين فضل ~~الإنسان على غيره من الحيوان إنما هو بعقله ولولا تفاضل العقول لتساوى ~~الناس # قال يحي بن أكثم كان المأمون يجلس للناس في يوم الثلاثاء ق 60 للمناظرة ~~فإذا حضر الفقهاء ومن يناظر من أهل المقالات ادخلوا حجرة مفروشة وقيل ~~انزعوا أخفافكم وأحضرت الموائد وقيل أصيبوا من الطعام وجددوا الوضوء ومن ~~ثقلت عليه قلنسوته فليضعها فإذا فرغوا أتوا # PageV01P361 # بالمجامر وتطيبوا ثم خرجوا إليه فاستدناهم حتى يقربوا منه فيناظرهم أحسن ~~مناظرة وأنصفها وأبعدها عن مناظرة المتجبرين فلا يزال كذلك إلى أن تزول ~~الشمس ثم يقوم إلى الصلاة فبينما هو يوم جالس إذ دخل عليه علي بن صالح ~~حاجبه فقال إن في الباب رجلا عليه ثياب غلاظ مشمرة يطلب الدخول للمناظرة ~~قال ائذن له فدخل ونعله في يده فوقف على طرف البساط وقال السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته فقال المأمون وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته قال ~~أتأذن في الدنو منك قال نعم فدنا منه فقال له اجلس فجلس فقال أتأذن في ~~كلامك قال تكلم قال أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جالس أجلسته بإجماع ~~المسلمين واختيار لك ورضى بك أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك قال ~~المأمون لم أجلسه بواحد منهما ولكن كان يتولى عليهم سلطان قبلي احتمله إما ~~على رضى منهم وإما على كره فعقد لي ولاية الأمر بعده باتفاق من حضر من ~~المسلمين فأعطوا ذلك إما طائعين وإما كارهين فلما صار الأمر إلي علمت أني ~~محتاج إلى إجماع كافة # PageV01P362 # المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضى بي ثم نظرت فرأيت أني متى ~~تخليت عن هذا الأمر اضطرب المسلمون وغلب على الناس الهرج والفتنة ووقع ~~التنازع فتعطلت أحكام الله ولم يخذ لمظلوم من ظالم وانقطعت السبل ولم يحج ~~ببيت الله ولم يجاهد في سبيله إذ لم يكن سلطانا يجمعهم ويسوسهم فقمت بهذا ~~الأمر حياطة للمسلمين إلى أن يجتمع ms098 المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضى ~~به وأسلم الأمر إليه وأكون أنا كرجل من المسلمين # وأنت أيها الرجل رسولي إلى جميع المسلمين بهذا فقام وقال السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته قال فأمر المأمون علي بن صالح أن يوجه من يتبعه حتى ~~يعلم أين يقصد ففعل ثم رجع فقال مضى إلى مسجد فيه جماعة على هيئته وزيه ~~فقالوا لقيت الرجل قال نعم وقص عليهم القصة فقالوا ما نرى في هذا بأسا ~~وافترقوا فأقبل المأمون على يحي بن أكثم وقال يا أبا محمد قد كفينا مؤنة ~~هؤلاء بأيسر خطب قال ابن أكثم ما رأيت ولا سمعت بأكرم من المأمون وأخذ في ~~الحديث عنه قال بت عنده ليلة فانتبه في الليل فظنني نائما فجعلت أراعيه وقد ~~عطش فلم يدع بالغلام لئلا ينبهني فقام متسللا حافيا يقارب الخطو حتى أتى ~~البرادة فتناول كوزا منها فشرب ثم رجع يخفي وطئه كأنه لص حتى اضطجع في ~~مضجعه وأخذه سعال فرأيته يجعل كمه في فيه لئلا أسمع سعاله فانتبه وطلع ~~الفجر وأراد القيام وقد تناومت غلى أن كادت الصلاة تفوت فتحركت فقال الله ~~أكبر يا غلام هات نعل أبي محمد فقلت # PageV01P363 # يا أمير المؤمنين إن بعيني جميع ما كان الليلة من صنعك ولذلك جعلكم الله ~~لنا موال وجعلنا لكم عبيدا قال ولقد سايرته يوما إلى البستان فحاذيته من ~~جهة الشمس لأستره منها فلما عاد في طريقه دار في الموضع الذي كنت فيه وقال ~~من حق المسايرة أن آخذ بنصيب الشمس كما أخذت أنت منها فقلت يا أمير ~~المؤمنين لو قدرت أن أقيك هول المطلع لفعلت فقال لا بد فسترني من الشمس حتى ~~عدنا # قال وكان ابن أبي خالد يعرض الكتب بين يديه فجاءته عطسة شديدة ق 61 فأدخل ~~وجهه في كمه وكتمها فكادت تأتي على نفسه وفطن المأمون له فقال يا أحمد بئس ~~ما صنعت بنفسك إنا لا نحمد أحدا على هذه الخطة فقال يا أمير المؤمنين ما ~~سمعت لأحد من الملوك بمثلها فقال المأمون بلى ms099 أراد الأبرش أن يعمم سليمان ~~بن عبد الملك فقال إنا لا نتخذ الإخوان خولا قال يحي بن أكثم وتوضأت يوما ~~عنده فلما # PageV01P364 # أتيت بالوضوء إذا بالإبريق له أنبوب طويل نحو أربع أذرع فجعلت أتعجب منه ~~وأدير فيه الفكر وأحد النظر فقال لي المأمون عند ذلك يا أبا محمد كأنك تعجب ~~من طوله قلت نعم يا أمير المؤمنين فقال إن هذا الغلام قد اعتاد أن يوضئني ~~وله صحبة قديمة وهو يأكل البصل كثيرا فنهيته عنه غير مرة فلم ينته فأمرت ~~بعمل هذا لئلا أقطعه من شهوته وأتباعد عن رائحته وروي أن دعبلا هجاه فقال # (ويسومني المأمون خطة عارف ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد) # (يوفى على رؤوس الخلائق مثلما ... يوفى الجبال على رؤوس القردد) # (إني من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد) # (شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد) # فبلغه ذلك فقال قبحه الله ما أبهته متى كنت خاملا ومن حجر بالخلافة درجت ~~وبدرها غذيت وظفر به بعد ذلك فعفا عنه # PageV01P365 # ولما حبس يحي بن أبي خالد كتبت إليه أم ولد له أن جميع أمهات أولادك قد ~~نالوا فضل أيامك سواي فوقع لها قد أعددت لك الفضل بن سهل فلما ورد الفضل بن ~~سهل فلما ورد الفضل بن سهل وبلغ ما بلغ دفعت الجارية توقيع يحي بن خالد ~~إليه فلما رآه بكى وأمر لها بعشرة آلاف دينار وقال إذا فني منك فطالعينا ~~قال أحمد بن أبي خالد ما رأيت مثل الفضل بن سهل أصبر على الجلوس ولا أقوى ~~على كتاب ولا أنزه نفسا ولا أشد ارتفاعا عن الدنيا ولا أطلب لجميل الذكر ~~وحسن الأحدوثة منه ما جمع مالا قط ولا ادخره وكان يلبس من ثياب المأمون ~~ويركب من دوابه وما وجد له يوم قتل شيء # وكان الفضل بن سهل في الحمام وهجم عليه جماعة من غلمان المأمون فقتلوه ~~فيه فارتفعت الضجة وركب المأمون إلى الحمام حتى وقف على باب الحمام فأخرج ~~الفضل فنزل المأمون فوقع عليه وقبل ms100 وجهه وهو يبكي ومشى المأمون من الحمام ~~إلى الدار ثم وقف عليه حتى غسل وكفنه بيده وحنطه وركب حتى صلى عليه وغلبته ~~العبرة حتى ارتفع صوته فلما انصرف طلب قاتليه فقتلهم ثم التفت إلى علي بن ~~موسى الرضى عليه السلام فقال لقد أصبحت والله بعد فقد ذي الرياستين # PageV01P366 # بمنزلة رجل في فلاة إن دهمه الليل خاف من السباع وإن وافاه نهار خاف ~~العدو وهو ما بين معدم من الزاد وجعل يبكي وأخذ بيد علي بن موسى الرضى ودخل ~~على أم الفضل يعزيها فقال أتجزعين يا أمة وقد خلف لك ذو الرياستين ابنا ~~فقالت كيف لا أجزع على من جعلك ابني # PageV01P367 # رجعنا إلى الكتاب قال دخل أبو إسحاق المعتصم على المأمون فقال له إن عبد ~~الله بن طاهر يميل إلى ولد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فدفع المأمون ذلك ~~وأنكره ثم عاد إليه يمثل ذلك فدس المأمون إليه رجلا وقال له امض إلى عماله ~~عبد الله بن طاهر إلى مصر على هيئة # PageV01P368 # الناسك فادع أهلها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا العلوي واذكر مناقبه ~~وعلمه ثم إئت عبد الله بن طاهر فادعه ورغبه وابحث لي عن دفين نيته بحثا ~~شافيا وجئني بما تسمع منه فأتى الرجل مصر فدعا جماعة من الرؤساء وقعد لعبد ~~الله بن طاهر فلما انصرف من مركبه قام إليه فأخرج رقعة من كمه فدفعها إليه ~~وأدخله عليه فقال هات ما عندك قال بأمان منك قال نعم فأظهر له ما أراد ~~ودعاه إلى القاسم بن إبراهيم عليه السلام واخبره بفضائله وعلمه وزهادته ~~فقال عبد اله بن طاهر أتنصفني قال نعم قال هل يجب شكر الله على العباد قال ~~نعم قال فهل يجب شكر بعضهم لبعض على الإحسان قال نعم قال فتجيء إلي وأنا في ~~هذه الحال التي تراها ينفذ خاتمي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ما ألتفت ~~يميني ولا شمالي ولا قدامي ولا خلفي إلا رأيت منة منه ونعمة علي ختم بها ~~رقبتي فتدعوني إلى الكفر ms101 بهذه النعمة وتقول لي اغدر بمن ولاك هذا كله وأسعى ~~في إزالة ملكه فسكت الرجل فقال له عبد الله بن طاهر قد بلغني خبرك وبالله ~~ما أخاف عليك إلا نفسك فارحل عن هذا البلد فإن الخليفة إن بلغه أمرك كنت ~~الجاني على نفسك فرحل من وقته حتى وافى المأمون فأخبره بما سمع من عبد الله ~~بن طاهر فاستبشر به وقال ذلك غرس يدي ونشو أدبي فلم يظهر لأحد من ذلك شيء ~~إلا بعد موت المأمون # PageV01P369 # وقيل اجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتابي فقال أليس هذا بمنزل ~~كلثوم قيل بلى فثنى رجله ودخل عليه فألفاه جالسا في بيت كتبه فحادثه وذاكره ~~وانصرف وتحدث الناس في ذلك فقالوا إن الأمير لم يقصده وإنما اجتاز به فأخطر ~~بتلك الزيارة فكتب إليه # (يا من أفادتني زيارته ... بعد الخمول نباهة الذكر) # (قالوا الزيارة خطرة عرضت ... وبحار برك ليس بالخطر) # (فادفع مقالتهم بثانية ... تستنفذ المجهود من شكري) # (لا تجعلن الوتر واحدة ... إن الثلاث تتمة الوتر) # فبعثه الأبيات إلى أن زار ثلاثا # وحدث صالح بن علي وكان من وجوه الكتاب قال طالت بي العطلة وبلغ بي ذلك ~~أعظم الحاجة فبكرت ق 63 يوما إلى أحمد بن أبي خالد الوزير لأعلمه بجليل ~~أحوالي وأسأله لم شعثي فخرج من بابه وبين يديه قاصدا باب المأمون فلما نظر ~~إلي أنكر بكوري وعبس في وجهي وقال في الدنيا أحد بكر هذا البكور ليشغلنا ~~قال فقلت ليس العجب منك أصلحك الله فيما لقيتني به إنما العجب مني إذا سهرت ~~ليلتي وأسهرت جميع أهلي يرقبون الصبح حتى أصير إليك في صلاح أحوالي بعد ~~وقوع # PageV01P370 # الاختيار عليك فيما آمله عندك ولكن علي وعلي أن وقفت لك بباب أو سألتك ~~حاجة إلى أن تصير إلي معتذرا مما لقيتني به وانصرفت مغموما مفكرا فيه نادما ~~على ما فرط مني من اليمين آيسا من الفرج لاستبعاد مجيء الوزير إلي واعتذاره ~~مني راجعا على نفسي باللوم فإني لكذلك إذ دخل علي بعض الغلمان فقال إن ~~الوزير ms102 أحمد بن أبي خالد آخذا في شارعنا ودخل آخر فقال إنه دخل دربنا ودخل ~~ثالث فقال إنه أقرب من دارنا ثم دخل رابع فقال إنه دخل دارنا فخرجت مستقبلا ~~له فلما استقر به المجلس قال لي كان أمير المؤمنين قد أمرني بالبكور إليه ~~في بعض مهماته فدخلت إليه وقد غلبني الهم والغم بما فرط مني إليك حتى أنكر ~~حالي فقصصت عليه القصة فقال قد أسأت إلى الرجل ولا عليك أن تعتذر إليه فامض ~~إليه فارغ اليد قال فتريد ماذا قلت تقضي دينه قال وكم ذلك قلت مائة ألف ~~درهم فأمرني بالتوقيع لك بها قلت فإذا قضى دينه فيرجع إلي ماذا قال فوقع له ~~بمائة ألف درهم أخرى يصلح بها حاله قلت فولاية يشرف بها قال له مصر أو ~~غيرها أو ما يشبهها قلت فمعونة يستعين بها على سفره فأمر بأن يوقع لك بمائة ~~ألف درهم وهذه التوقيعات لك بكل ذلك فنثرها وانصرف # وقال محمد بن عباد المهلبي دخل أبي على المأمون فوصله بمائة # PageV01P371 # ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأخبر المأمون بذلك فلما عاد إليه ~~عاتبه في ذلك فقال يا أمير المؤمنين منع الجود سوء ظن بالمعبود فوصله ~~بمائتي ألف درهم # وأنهى إلى المعتصم أن الحسن بن سهل قد أضاف إلى ضياعه التي أقطعها ضياعا ~~كثيرا خراجية فتكرم المعتصم أن يأمر بمناظرته دون سائر أصحاب الإقطاعات ~~فأمر بكشف الإقطاعات كلها فدخل الحسن بن سهل لما بلغ إليه ذلك عن المعتصم ~~فقال أمير المؤمنين ما كانت لي ضياع ولا لأبي من قبلي ولكن هي نعمتكم التي ~~أنعمتم بها علي وقد رددت جميعها إلى أيدي عمال أمير المؤمنين وما كان لي ~~فيها ملكا فأمير المؤمنين منه في حل ولا أكون سببا لهلاك الناس وضررهم ~~فاستحيا المعتصم وغض طرفه وقال لا أكشف إقطاعاتك ولا إقطاعات غيرك ولم يزل ~~على بر وإكرام وقال أحمد بن أبي داوود القاضي ما رأيت أجمع لفضيلة ولا أوصل ~~لرحم ولا أرق قلبا على ذي حاجة وأصدق ms103 وأوفى بقول واكظم لغيظ وأعفى عن مسيء ~~وأشد تفقدا للصاحب والخادم # PageV01P372 # وأشجع قلبا وأحسن سياسة من المعتصم فأما صلته للرحم فكان إبراهيم ابن ~~المهدي أعدى خلق الله له وأشدهم استخفافا في أيام المأمون وكان المأمون زوج ~~المعتصم لبابه بنت إبراهيم فمنحه وقال لا أرضاه لها فلما صارت إليه الخلافة ~~بره وآثره وكان أحضى الناس عنده # وقال المعتصم يا أبا عبد الله لقد كنت ألقى من جماعة في أيام المأمون كل ~~ما أكره ويذكرونني له بأسوأ الذكر ويقولون في أقبح القول فظننت أني متى ~~قدرت عليهم لم أبق على أحد منهم وكان أشدهم قصدا ق 64 لمكروهي وعيي إبراهيم ~~بن المهدي وكان يذكرني بالقبح إذا غبت وينتقصني إذا حضرت ويحكي كلامي في ~~مجلس المأمون ويهجوني بأقبح الهجاء حتى هممت مرة بعد أخرى أن أفتك به في ~~مجلس المأمون فأقطعه إربا إربا فلما قدرت وصار إلى السلطان ذهبت الحفيظة من ~~قلبي عليه وعلى أمثاله ممن تقدمت إساءته فرأيت العفو عنهم أحسن من المكافأة ~~وأنفع في الآخرة # وقال إبراهيم بن المهدي لما ولي المعتصم والله لقد ظننت أنه يأمر بضرب ~~عنقي إذا وقعت عينه علي ولو أمكنني الهرب منه لهربت فما دخلت عليه يوما إلا ~~جدد بشرا وإكراما ولا خرجت إلا بصلة وخلع وحملان # وقال ابن أبي داوود وكان محمد بن قاسم العلوي خرج عليه # PageV01P373 # بخراسان فحمله عبد الله بن طاهر في الحديد إلى حضرة المعتصم فاطلع عليه ~~يوما من مشرفه فرآه وعليه جبنة صوف وفي رجليه الحديد وقد تغير لونه فرق له ~~ودمعت عيناه ثم قال لي أبا عبد الله هذا ابن عمي وأدنى الناس رحما وما ~~يحتمل قلبي أن أرآه على هذه الحال ثم دعا بعض الذي كان قائما على رأسه فقال ~~اذهب فقل له ما الذي دعاك إلى الخروج علي ولم ينلك مني سوء قط فمضى الرسول ~~فأبلغه فقال رأيت جورا شديدا لم يسعني فيما بيني وبين الله إلا إنكاره فقال ~~المعتصم ارجع إليه فقل له هل هذا جور أحدثته ms104 أنا أم كان شيئا فعله سلفي ~~قبلي قال بل كان فعله سلفك قبلك وسلكت سبيلهم فقال ارجع وقل له أيما أفضل ~~أنت أم من تقدم من سلفك فقال محمد بل من تقدم من سلفي فقال له يا هذا كيف ~~وسع سلفك مع فضلهم وسابقتهم أن لا يخرجوا على سلفي ولم يسعك أنت إلا الخروج ~~علي فأبلغه ذلك فسكت ولم يجبه فرجع الرسول فعرفه ذلك قال لي يا أبا عبد ~~الله ما أصنع بهذا أخاف والله إن أطلقته معاودة مثل الذي كان منه فيسفك ~~دماء المسلمين بيننا وبينه قال قلت الحبس الذي يؤمن مكروهه قال فأمر بفك ~~قيوده # PageV01P374 # في الوقت وأنزل عنه ثقل الحديد ونقله إلى دار ووسع عليه في مطمعه ومشربه ~~وملبسه # قال وكنت يوما عنده وقد امتلاء غيظا فدعى بعمر بن فرج وهو يتناوله بالشتم ~~فلما جاءه قال يا ابن اللخناء متى أمرتك بجعل أصحاب أخبار علي الطالبيين ~~وتتبع أمرهم قال أمير المؤمنين بلغني أن رجلا منهم كاتبه أهل خراسان ~~وأرمينيا فأردت أن أعرف وأتيقن حقيقة ذلك وأنهيه إلى أمير المؤمنين فقال ~~وما الذي عليك منهم فو الله لأغفرن ذنوبهم ولأصلن أرحامهم ولأعفون عن ~~مسيئتهم ولأعطفن على كبيرهم وصغيرهم فإن أرادوني بسوء فالله بيني وبينهم # قال ودخلت إليه فقلت إن أهلك وذوي رحمك من آل أبي طالب في ضر شديد ~~بالمدينة وقد نالتهم مجاعة شديدة وسنة مجدبة وتأخرت أرزاقهم فدعا ابن ~~الزيات وقال يا محمد احمل إليهم الساعة ولا تتوقف # PageV01P375 # مائتي ألف درهم ووالله لإن أخرت إلى غد لأنهكتك عقوبة فحمل إليهم ذلك من ~~وقته # قال وكنت عنده يوما فدخل عليه بعض من يحضر مجلسه فقال إني كنت بالأمس عند ~~عبد الله بن أيوب قال فما كانت حالتكم فقال أطعمنا ثلاثة ألوان ليس فيها ~~لحم فقال ويلك ذلك حسن المروءة وكثير الطعام قال أنفذ إلى القصاب رقعة يعطه ~~وظيفته من اللحم والألم يأكل هو ولا أولاده لحما فأطرق مفكرا وقال بلغت به ~~الحال إلى هذا قلت نعم فدعا بإيتاخ ms105 فقال احمل إلى عبد الله بن أيوب مائتي ~~ألف درهم وقل للرسول لا يأخذ منه شيئا فإذا رجع من عنده فأعط رسولك ألفي ~~درهم # قال ورأيته وقد حاصر عمورية وأنه لواقف والحجارة تأتي من كل موضع حتى ~~يناله بعضها وهو لا يزول فقلت الله الله يا أمير المؤمنين نشدتك الله لما ~~تنحيت فقال والله ما من موضع يأتيني فيه الموت أحب إلي من هذا الموضع ق 65 ~~فقلت إن أرواح المسلمين بروحك معلقة فإن حدث حادث فإنهم مضيعة جازر فما ~~التفت إلى قولي وثبت مكانه # PageV01P376 # وقال وخرجنا في تلك الغزاة فكنت على جمل في محمل وكان يجيء على فرسه حتى ~~يصير تحت محملي ويحدثني فأقول أنزل واركب دابة وأكون بين يديك يا أمير ~~المؤمنين فيقول لا والله لا فعلت المحمل أبر بك وأرفق # وصرنا إلى مخاضة فقال للجمال قف ثم أنه تقدم حتى عرف مقدار الماء وجعل ~~يقول للجمال خذ كذا خذ كذا بلطف ورفق حتى عبرت # وقال يوما ونحن بعمورية ما تقول في البسر يا أبا عبد الله فقلت نحن ببلاد ~~الروم والبسر بالعراق فقال قد جاءنا عذقان فقال يا أيتاخ هات أحد العذقين ~~فجابه فمد المعتصم يده وحسر عن ذراعه وقال بحياتي عليك كل من يدي فقلت ~~جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين بل تضعه فآكل منه كما أريد قال لا والله ~~إلا من يدي قال أحمد فو الله إن زال حاسرا مادا يده وأنا أجتني حتى رمى به ~~وما به بسرة واحدة # قال ووقف يوناص على السور بعمورية رجل فصيح بالعربية فجعل يشتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاشتد ذلك على المعتصم وعلى المسلمين وحاولوا قتله وراموه ~~بكل مرام من النشاب والعرادات وغيرها # PageV01P377 # ولم يلحقه شيء حتى رمى رجل من الناشبة فأصاب نحوه فوقع اللعين من السور ~~إلى خارج وكبر المسلمون وسر المعتصم بذلك سرورا عظيما وقال اخبروني عمن رمى ~~هذا السهم المبارك فأوتى بالرجل فأدخل عليه فقال له سألتك بالله لتبعني ~~ثواب هذا السهم بمائة ألف ms106 درهم فقال الرجل يا أمير المؤمنين ليس الثواب مما ~~يباع قال فما زال يرغبه حتى بلغ معه خمسمائة ألف درهم فقال ما أبيعه ~~بالدنيا بأسرها وما فيها ولكني أشهد الله أني قد جعلت نصف ثوابه لك يا أمير ~~المؤمنين فقال قد رضيت بهذا أحسن الله جزائك وأمر للرجل بمائة ألف درهم ~~فقبضها من ساعته وقيل لما وقع الحريق في الجانب الغربي ببغداد وجه المعتصم ~~ابنه هارون فقام بأمرها حتى أطفيت وأمر بكتب أسماء من احترق له شيئا ومبلغ ~~ما ذهب لهم ثم أعطى كلا منهم على قدر حالة فبلغ إعطاؤهم عشرين ألف دينار ~~وخمسمائة ألف ألف درهم # وقال ابن أبي داوود القاضي ما رأيت رجلا عرض على الموت فلم يكترث به ولا ~~عدل به عما أراد إلا تميم بن جميل الخارجي وكان قد خرج على المعتصم فرأيته ~~وقد جيء به أسيرا فأدخل عليه في يوم مركب وقد جلس المعتصم للناس مجلسا عاما ~~بالسيف والنطع فلما مثل بين يديه نظر إليه المعتصم فأعجبه حسنه وقده ومشيته ~~إلى الموت غير مكترث به فأطال الفكر فيه ثم استنطقه لينظر أين عقله ولسانه ~~من # PageV01P378 # جماله فقال يا تميم إن كان عذر فأت به فقال أما إذا أذن أمير المؤمنين في ~~الكلام فأني أقول الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ~~يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الإسلام ولم بك شعث الأمة وأخمد بك شهاب ~~الباطل وأنار بك سبيل الحق إن الذنوب تحرس الألسنة وتصدع الأفئدة وأيم الله ~~لقد الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك وأنت إلى ~~العفو أقرب وهو بك أشبه وأليق ثم أنشد # (أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت) # (وأكثر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ عما قضى الله يفلت) # (فمن ذا الذي يأتي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت ق 66) # (يعز على الأوس بن ثعلبة موقفي ... يسل علي السيف فيه وأسكت) # (وما حزني من أموت ms107 وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت) # (ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت) # (كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد لطموا تلك الخدود وصوتوا) # (فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا) # (وكم قاتل لا يبعد الله داره ... وآخر فرحان يسر ويشمت) # قال فبكى المعتصم ثم قال إن من البيان لسحرا كما قال رسول # PageV01P379 # الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا تميم كاد والله يسبق السيف العذل وقد ~~وهبتك لله تعالى وللصبية وعفوت عن زلتك وعقد له ولاية على عمله وخلع عليه ~~وأعطاه خمسين ألف دينار # قيل وكان الأفشين مغضبا على أبي دلف العجلي وحاسدا له على فضله فحمل نفسه ~~يوما على قتله وكان صديقا للقاضي أحمد بن أبي داوود فبعث إليه أن أدركني ~~فمن أمري كيت وكيت فركب مسرعا واستحضر من حضره من الشهود فلما ورد باب ~~الأفشين قال له الغلمان نستأذن لك فقال الأمر أعجل من ذلك ونزل ودخل على ~~الأفشين وهو جالس في مجلسه وقد أقيم أبو دلف بين يديه في الصحن فلما رأى ~~الأفشين القاضي قد دخل بلا إذن بهت فقال إن أمير المؤمنين أمرني إليك أيها ~~الأمير أن لا تتحدث في أمر القاسم حدثا إلا # PageV01P380 # بإذنه ثم التفت إلى الشهود فقال اشهدوا أني قد بلغت رسالة أمير المؤمنين ~~ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعا فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل عليه قال يا ~~أمير المؤمنين قد كذبت عليك واحدة ثم أرجو بها الجنة ولك الفخر قال وما هي ~~قال كان من الأمر كيت وكيت فضحك المعتصم وقال أحسنت أحسن الله إليك ثم لم ~~يلبث أن جاء الأفشين مستأذنا فأذن له فلما استقر مجلسه قال يا أمير ~~المؤمنين جاءني رسالة منك مع قاضي القضاة في معنى أبي دلف فما تأمرني في ~~شأنه قال نعم أنا أرسلت إليك فيه فاحذر أن تتعرض له إلا بالخير فأفلت من ~~يده بذلك # وروي أن بعض العمال رفع على خالد بن يزيد بن مزيد أنه اقتطع ms108 أموالا ~~واحتجز بعضها فغضب المعتصم وحلف ليأخذن أموال خالد وليعاقبنه فلجأ خالد إلى ~~القاضي أحمد بن أبي داوود فاحتال أحمد حتى جمع بينه وبين خصمه الذي رفع ~~عليه فلم تقم على خالد حجة فعرف ابن أبي داوود المعتصم بذلك وشفع إليه في ~~خالد فلم يشفع فأحضر خالد وأحضرت آلات العقوبة وقد كان قبل ذلك قبض على ~~أمواله وضياعه وصرفه عن العمل فحضر ابن أبي داوود المجلس فجلس دون مجلسه # PageV01P381 # الذي كان يجلس فيه فقال له المعتصم ارتفع إلى مكانك فقال يا أمير ~~المؤمنين ما استحق إلا دون هذا المجلس قال وكيف قال الناس يزعمون أنه ليس ~~محلي محل من يشفع في رجل قذف ليس بما ليس فيه ولم يصح عليه فلم يشفع قال ~~فارتفع إلى موضعك قال مشفعا أو غير مشفع قال بل مشفعا قد وهبت لك خالدا ~~ورضيت عنه فقال إن الناس لا يعلمون بهذا قال قد وهبت عليه جميع ما قبض عليه ~~من ضياعه وأمواله قال فمن له بفك قيوده والخلع عليه ففعل ذلك قال قد استحق ~~هو وأصحابه رزق سنة فإن رأى أمير المؤمنين أن يجعلها صلة له لتحمل معه ففعل ~~ذلك ثم خرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه والناس ينتظرون الإيقاع به ~~فما رأوه على تلك الحال سروا بذلك وصاح به رجل نحمد الله على خلاصك يا سيد ~~العرب فقال مه سيد العرب والله بعد أمير المؤمنين أحمد بن أبي داوود الذي ~~طوقني ق 67 هذه المكرمة # قال أبو عبد الله النديم لقد رأيت الملوك في مقاصيرها ومجامعها وما رأيت ~~أغزر أدبا من الواثق خرج إلينا ذات يوم وهو يقول # PageV01P382 # لعمري لقد عرض عرضه من عرضه لقول الخزاعي # (خليلي ماذا أرتجى من غد امرىء ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين) # (وإن امرءا قد ضمن يوما بمنطق ... يسد به فقر امرىء للضنين) # فانبرى أحمد بن أبي داوود كأنما أنشط من عقال يسأله في رجل من أهل ~~اليمامة فأسهب في الشفاعة وأطنب وذهب في القول كل مذهب ms109 # فقال له الواثق يا أبا عبد الله لقد اكثرت في غير كثير وأطنب فقال يا ~~أمير المؤمنين إنه صديقي وأنشد # (وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما) # قال الواثق ما قدر هذا اليمامي أن يكون صديقك وإنما أحسبه أن يكون من بعض ~~خولك فقال يا أمير المؤمنين إنه قد اشتهر بالاستشفاع بي عندك وجعلني بمرأى ~~ومسمع من الرد والإسعاف فإن لم أقم له هذا المقام كنت كما قال أمير ~~المؤمنين # (وإن امرىء قد ضن يوما بمنطق ... يسد به فقر امرىء لضنين) # فقال الواثق لمحمد بن عبد الملك الزيات بالله يا محمد ألا عجلت لأبي عبد ~~الله حاجته ليسلم من هجنة المطل كما سلم من هجنة الرد # PageV01P383 # وقال أحمد بن إسرائيل فرق الواثق في الصدقة ووجوه البر على المساكين ~~والفقراء واليتامى الذين أقيمت لهم الكفايات للتعليم خمسة ألف ألف دينار ~~وفرق على التجار الذين ذهبت أموالهم في الحريق في زمانه سنة إحدى وثلاثين ~~ومائتين خمسمائة ألف ألف دينار وكان عمر بن فرج يقول أمر الواثق بحمل ~~الأرزاق لآل أبي طالب إلى المدينة وكان يصل إليهم في سنة مائتا ألف دينار ~~فكان مبلغ ما حمل إليهم ألف ألف دينار ونظر عمر بن فرج فيما تصدق به الواثق ~~في علته التي توفي فيها فكان ثلاثة ألف ألف دينار فأنهى ذلك إليه فاستقله ~~وكان الواثق قد أمر أن تبنى حضائر فيها بيوت يجمع فيها المساكين فيجري لهم ~~الطعام والكسوة ويمنعوا من السؤال في الطرق والسواق والأبواب ببغداد وبسر ~~من رأى وأمر بكتاتيب للصبيان الأيتام والمساكين فيتعلمون القرآن وقال ابن ~~أبي داوود لقد فرق الواثق من الأموال ما خفت أن يخلي بيوت الأموال # PageV01P384 # فلا يوجد فيها شيء إن جرى أمر أو حدث حادث ولقد كنت أعجب من تفرقة ~~المعتصم الأموال فما رأيت الواثق وما فعل أنساني فعل المعتصم قال وكنت لا ~~أذكره بشيء من الخير وأبواب البر وما فيه ثواب وقربه إلى الله تعالى إلا ~~سره ذلك وشكرني عليه وجزاني خيرا وحضني ms110 على أن أذكره به # وكان يجلس للمظالم فيكون غايته إنصاف الناس والإحسان إليهم ودفع الظلم ~~عنهم ورد حقوقهم إليهم فإذا فعل من ذلك شيئا حمد الله على ما وفقه وأجرى ~~على يديه من الإنصاف وكان ابن الزيات ربما تكلم عند تظلم المتظلمين بما ~~يريد أن يدافعهم به الواثق النصيحة الإشفاق فينتهزه ويؤنبه ويحذره الظلم # ونال الناس بالعراق غلاء شديد سنة إحدى وثلاثين ومائتين حتى بلغ الكر ~~الدقيق مائة دينار فجهد الناس فأمر الواثق بتفرقة الأموال ببغداد والكوفة ~~والبصرة ومكة والمدينة فكان ذلك ستمائة ألف دينار وبلغ إليه أن العمال ~~يأخذون من السفن التي ترد من الهند والصين العشر فقال هؤلاء تجار مسلمون ~~يغدون بأموالهم وأنفسهم ويركبون البحر فيطول مكثهم فيه فأمر بإسقاط العشر ~~عنهم قيل وكان يصلي في داره الصلوات كلها # PageV01P385 # جماعة يوؤذن المؤذن فيقوم فيركع ثم يتقدم فيصلي ويصلي خلفه من حضر من ~~أصحابه وقواده وغلمانه ق 68 وكان يركب إلى الجامع فيخطب ويصلي وكان كثيرا ~~ما يخطب بخطبة المأمون المشهورة التي تقدم ذكرها في هذا الكتاب ولما اعتل ~~علته التي مات بها اجتمع القواد إلى ابن أبي داوود فقالوا كلمه يعقد العقد ~~لابن محمد فذكر له ذلك فأعرض عنه بوجهه فكلمه ثانية فقال يا أبا عبد الله ~~أما كفاني أني تقلدت الأمر في حياتي حتى أتقلد تبعته بعد وفاتي إن عمل من ~~أعهد إليه صالحا كان له ثوابه وإن عمل سيئا كان علي وزره إذ صيرت أمور ~~المسلمين إليه ومن أين أجد رجلا أرضى دينه وأمانته وفضله وجمع القواد فقال ~~لهم عليكم بتقوى الله وأحسنوا الاختيار لأنفسكم بعدي والله خليفتي عليكم ~~وعلى جميع المسلمين # ولما أزمع المتوكل على الرحيل إلى دمشق أمر ابنه # PageV01P386 # محمد المنتصر المهلبي يزيد فقال بيتين على لسانه ودفعهما إلى من يحسنهما ~~وغنى بهما المتوكل وهما # (إلى الله أشكو عبرة نتخير ... ولو قد حدى الحادي بطلب يحذر) # (فوا حسرتنا إن كنت في سر من رأى ... مقيما وفي الشام الخليفة جعفر) # فأعجب بهما المتوكل وارتاح وبكى ms111 ثم قال من يقول هذا فقيل قاله محمد ~~المنتصر فقال هو على لسانه لكن من قائله قالوا يزيد المهلبي فقال ادعوه ~~فوالله لأضحكنه كما أبكاني فلما دخل عليه أمر له بخمسين ألف # PageV01P387 # وروي أن محمد بن عبد الله بن طاهر كان مولودا بحد السرطان فلما كان ذات ~~ليلة جمع أهل بيته فقال لهم إني مولود بحد السرطان وإن طالع السنة السرطان ~~وإن القمر ينكسف الليلة بالسرطان وهي ليلة الأحد فإن نجوت في هذه الليلة ~~فسأبقى سنتين وإن كانت الأخرى فإني ميت لا محالة قالوا بل يطيل الله عمرك ~~قال فلما كان الليل دعا غلاما له قد علمه النجوم فأصعده # PageV01P388 # إلى قبة له فأعطاه بنادق وأسطرلابا وقال له خذ الطالع فكلما مضى من ~~انكساف القمر دقيقة فاقذف إلي ببندقة حتى أعلم بذلك وجلس محمد مع أصحابه ~~وجعل الغلام كل ما مضى من انكساف القمر دقيقة قذف إليه ببندقة فلما انكشف ~~من القمر ثلثه قال لأصحابه ما تقولون في رجل معكم قاعد يقضي ويمضي وقد ذهب ~~منذ جالسكم ثلث عمره قالوا بل يطيل الله عمرك فلما مضى من الليل ثلثاه عمد ~~إلى جواريه فأعتق منهن من أراد عتقها ووقف من ضياعه ما أوقف وقال لهم ما ~~تقولون في رجل معكم يقضي ويمضي وقد ذهب جل عمره فقال القوم بل يطيل الله ~~عمرك ويقال أيها الأمير فلما مضى من الثلث الثالث دقيقتان قال لهم # PageV01P389 # إذا استغرق القمر فامضوا إلى أخي عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ثم قام ~~فاغتسل وليس أكفانه وتحنط ودخل إلى بيت له ورد عليه الأبواب واضطجع فلما ~~استغرق القمر في الكسوف فاضت نفسه فدخلوا عليه فإذا هو ميت فانطلقوا إلى ~~عبيد الله أخيه ليعلموه فإذا عبيد الله على طيار له على باب القصر قد سبقهم ~~فقال لهم مات أخي قالوا نعم قال ما زلت آخذ الطالع حتى استغرق القمر في ~~الكسوف فعلمت أنه قد قبض ثم دخل فأكب عليه طويلا # ثم خرج وهو يقول # (هد ركن الحلافة الموطود ms112 ... زال عتها السرادق الممدود) # (حط فسطاطها المحيط عليها ... جذ أطنابها فمال العمود) # (أحد كان خده مثل حد السيف ... والناد شب منها الوقود) # (أحد كان خده من نحوس جمعت ... حدها إليه الأجود) # (كسف البدر والأمير جميعا ... فانجلى البدر والأمير عميد) # (عاود البدر نوره لتجليه ... ونور الأمير مالا يعود) # (أظلمت بعده الخلافة ... فالدنيا عليها كآبة وجمود) # (الأمور قد كان دبر منها مبرم ... قد قضى منها عتيد) # (قد بكاه العراق والشرق ... والغرب فمنها تهائم ونجود) # فلما حمل على سريره أنشأ يقول # (تداوله الكف على سرير ... ألا لله ما حمل السرير) # PageV01P390 # (أكف لو مد إليه حيا ... إذا رجعت وأطولها قصير) # (تباشرت القبور به وأضحى ... تبكيه الأرامل والفقير) # حكي أن محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان كان إذا افتتح الخراج نظر في ~~بيت المال من خراج السنة التي قبلها وفرقه في قبائل قريش على دعوتهم وفي ~~الأنصار وفي الفقهاء وأهل القرآن وسائر طبقات الناس إلى أن يفرق جميع ما ~~بقي فجلس في سنة من السنين ففرق مثل ذلك على عادته فلما بدأ ببني عبد مناف ~~وقد فرغ من بني هاشم دعا بسائر بني عبد مناف فقام إليه رجل فقال له من أي ~~بني عبد مناف أنت فقال من بني أمية قال من أيهم فسكت فقال لعلك من ولد ~~معاوية قال نعم فقال من أيهم فسكت فقال لعلك من ولد يزيد قال نعم قال بئس ~~الاختيار اخترت لنفسك من قصدك بلدا ولا يته إلى آل أبي طالب وعندك ثأرهم في ~~سيدهم وقد كانت لك مندوحة عنهم بالشام والعراق عند من يتولى جدك ويحب برك ~~فإن كنت جئت عن جهل منك بهذا فما يكون بعد جهلك شيء مستهزئا بهم فقد خاطرت ~~فنظر إليه العلويون نظرا شديدا وهموا به فصاح بهم محمد فقال كفوا عافاكم ~~الله كأنكم تظنون في قتل هذا دركا وثأرا بالحسين بن علي # PageV01P391 # عليهما السلام وأي جرم لهذا إن الله تعالى حرم أن تطالب نفس بغير ما ~~اكتسبت والله لا يعرض له أحد إلا أقدته ms113 به واسمعوا حديثا أحد ثكموه به يكون ~~لكم قدوة فيما تستأنفون حدثني أبي عن أبيه قال عرض علي المنصور سنة حج ~~جوهرا فاخرا فعرفه وقال كان هذا لهشام بن عبد الملك وهذا بعينه قد بلغني ~~خبره عند ابنه محمد وما بقي منهم أحد غيره ثم قال للربيع إذا كان غدا وصليت ~~بالناس في المسجد الحرام وحصل الناس فيه فأغلق الأبواب كلها ووكل بها ثقاتك ~~من الشيعة وأقفلها وافتتح للناس بابا واحدا وقف عليه ولا يخرج أحد إلا من ~~قد عرفته فلما كان من الغد فعل الربيع ذلك وتبين محمد بن هشام القصة فعلم ~~أنه المطلوب وأنه مأخوذ فتحير وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب عليهم السلام على أثر ذلك فرآه متحيرا وهو لا يعرفه فأنكر أمره ~~فقال له يا هذا أراك متحيرا متلددا فمن أنت ولك أمان الله تعالى العام ~~التام وأنت في ذمتي حتى أخلصك بعون الله عز وجل قال أنا محمد بن هشام بن ~~عبد الملك فمن أنت قال أنا محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي قال فعند ~~الله احتسبت نفسي قال لا بأس عليك يا ابن عم فانك لست قاتل زيد ولا في قتلك ~~إدراك ثأره وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك ولكن تعذرني فيما أتناولك به ~~من مكروه وقبح مخاطبة يكون فيه خلاصك بمشيئة الله وعونه فقال يا سيدي أنت ~~وذاك فطرح رداءه على # PageV01P392 # رأسه ووجهه ولببه به وأقبل يسحبه فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات ~~وجاء به إلى ق 70 الربيع وقال يا أبا الفضل أن هذا الخبيث جمال من أهل ~~الكوفة أكراني جماله ذاهبا وعائدا وقد هرب مني في هذا الوقت وأكرى ببعض ~~القواد الخرسانية ولي عليه بذلك شهود فضم إلي حرسيين يصيران به معي إلى ~~القاضي وينعمان الخرساني من اعتراضه إن اعترضنا فضم إليه حرسيين وقال امضيا ~~به معه فلما بعد عن المسجد قال له يا خبيث تؤدي إلى حقي قال نعم ms114 يا ابن بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال للحرسيين انصرفا في حفظ الله ~~فلما بعدا أطلقه فقبل محمد بن هشام يده ورأسه وقال بأبي أنت وأمي الله أعلم ~~حيث يجعل رسالاته ثم أخرج جوهرا له قيمة وقدر عظيم ودفعه إليه وقال شرفني ~~يا سيدي بقبوله مني فقال اذهب بمتاعك يا ابن عم فإنا أهل بيت لا نقبل على ~~المعروف مكافأة وقد تركت لك دم زيد وهو أعظم قدرا من ذلك فانصرف راشدا ووار ~~نفسك عن هذا الرجل إلى أن يخرج فإنه مجد في طلبك فمضى وتوارى ثم أن محمد ~~الداعي أمر للأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف وضم إليه جماعة من ~~مواليه وأمرهم أن يخرجوه إلى الري ويأتوه بكتابه بسلامته فقام الأموي وقبل ~~رأسه ومضى ومعه القوم حتى وصل مأمنه وجاؤه بكتابه بسلامته ق 71 تقطيع ~~بالأصل وصلاته على سيدنا محمد وعلى آله ورضي الله عن أصحابه PageV01P393 ms115