######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 239 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : النور لعثمان الأصم ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: بسم اللهE4E8264Eري بيده. #META# bk: النور لعثمان الأصم #META# bkord: 213 #META# archive: 1 #META# الكتاب: النور لعثمان الأصم #META# cat: جوامع العقيدة والفقه #META# iso: النور لعثمان الاصم #META# bkid: 197 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK النور لعثمان الأصم # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # هذا # كتاب النور # الشيخ العالم الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم # الحمد لله الأول الذي لم يزل قبل كل شئ, والآخر الذي لا يزال بعد كل شئء, ~~والعالم بكل شئ, والخالق لكل شئ, والقادر على كل شئ, والمالك لكل شئء, ~~والمحصي لعدد كل شئء, لا محدود كالمحدوادت, ولا كيفية له كالمكيفيات, فنفسه ~~ذاته, وذاته إثباته, لا أداة كالأدوات, ولا نفس كأنفس المنفوسات, ليس كمثله ~~شئء في الأرض ولا في السماوات. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بالحق بشئرا ونذيرا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا, صلى الله ~~عليه وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليما كثيرا. # الباب الأول # في التوحيد # واختلاف الناس في البارئ عز وجل # اختلاف الناس في البارئ عز وجل. # فقال الموحدون: أهل العدل: إنه تعالى واحد ليس كمثله شئء. # وقالت الدهرية بالنفي المحض ليس بشئء, وإنما الدنيا لم تزل كما ترى (نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). # وقالت الثنوية: اثنين. # وقالت النصارى: ثلاثة. # ثم اختلف الذين قالوا بوحدانية الله - عز وجل - على وجهين: وجه أثبتوا ~~معبودهم واحدا (ليس كمثله شئء) وهم أهل العدل, والباقون مشبهة, وإن اختلفوا ~~في كيفية البارئ, وما هو من شئ. # وقال بعض من قال: إن البارئ هو هذا الهواء المحيط بالأشئاء, ونفى ذلك ~~آخرون وقالوا: هو هذه الرياح العاصفة, وكيف يكون الهواء, والهواء له بعض, ~~وما كان له بعض فله كل, وكله مجتمع في الحرارة, والحرارة محيطة به, وكل ذلك ~~في العقل, والعقل محيط بالهواء, والهواء وما في الهواء من السماوات والأرض ~~وما فيهما في العقل كحلقة في أرض فلاة, وهذا العقل خلفه. # وعبره بعض بالعقل الفعال, وبعض عبره بالعقل الكلي. PageV01P001 # وقولنا وقول أهل العدل أجمع: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شئ, والتوحيد ~~هو الإقرار بالله والوصف له, والتسمية بأنه تبارك وتعالى واحد, لا خلاف ms001 بين ~~أحد من أهل اللغة أن من وصف شيئا واحدا, وأفرده بالتسمية له فقد وحده, ~~ومعنى التسمية الموحدين بأنهم موحدون: أنهم يثبتون معبودهم أنه واحد. وإذا ~~قال واعتقد أنه واحد, ولم يقل ويعتقد أنه ليس كمثله شئ, فهو كان ولم يوحده ~~بعد حتى يعتقد أنه واحد ليس كمثله شئ, قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو ~~السميع البصير } . # الباب الثاني # في جملة التوحيد # قال المؤلف:وأما جملة التوحيد فهي ما ذكر الله تعالى من صفته, في هذه ~~الآية وهي: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } . # قال أبو المؤثر: من عرف الله عز وجل, أنه واحد ليس كمثله شئ فقد عرفه, ~~وهذا أقل ما يكون به الإنسان موحدا. # قال المؤلف: فكل من ألحد في - الله عز وجل - ومال به الهوى عن التوحيد, ~~فعليه التوبه والإستغفار, وعليه أن يرجع يتمسك بهذه الجملة التي أبطلها بما ~~ارتكبه من الكفر والإلحاد في الله - عز وجل - وليرجع إلى التمسك بهذه ~~الجملة, # ويعتقد أنه تعالى عز وجل واحد, ليس كمثله شئ وهو السميع البصير وعليه أن ~~ينفي عن الله عز وجل ما خالف جملة التوحيد التي بها يسلم من الهلاك, وعليه ~~السؤال عن بليقه تلك التي وقع فيها, حتى يرجع إلى الحق والعدل من أمر ~~التوحيد. # وبالله التوفيق. # الباب الثالث # في الإلحاد # والإلحاد: هو الإنحراف والميل عن التوحيد لله عز وجل, بأنه واحد ليس ~~كمثله شئ. # فإذا مال وعدل عن هذا التوحيد الذي هو اعتقاد أهل العدل, من أهل التوحيد ~~ومال عن ذلك الحد, سمي ملحدا، لأن الإلحاد في اللغة هو الإنحراف عن الشئ, ~~والعدول عنه إلى ناحية. ومنه سمي لحد القبر, لأنه عذل به إلى ناحية القبر. ~~فكأن الملحد عدل عن التوحيد إلى الشرك, وعن الإثبات إلى التعطيل، ومال عن ~~الحق إلى الباطل. # الباب الرابع PageV01P002 في لزوم النظر والإستدلال على الله عز وجل # فلزوم النظر، وكيفية الإستدلال على الله بارئ الصور، من طريقين: من كتاب ~~الله عز وجل، ومن حجة العقل. # أما من كتاب الله فكثير، ms002 يلوح ذلك عند تلاوة القرآن، منت ذلك قوله عز ~~وجل: (قل أنظروا ماذا في السماوات والأرض) فلم يأمرهم - عز وجل - نظر ~~العين، دون التفكير والإعتبار في المنظور إليه, أن له خالقا خلقه، وبارئا ~~برأه، وأخرجه من العدم إلى الوجود. # فإذا علم ذلك علم أن جميع الأشئاء كلها أجمع محدثة, أحدثها الله الذي ليس ~~كمثله شئ، واخترعها من العدم إلى الوجود, وقد قال الله تعالى: { سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فلم يرد البارئ عز ~~وجل أن يريهم بالعين خاصة، دون الفكرة بالعقل، لأنه تعالى يقول: ( إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل، لأن القلب بضعة لحم لا تغنى شيئا، دون ~~نور العقل الذي يحل في القلب. # والقعل في القلب أصله، وفرعه في الرأس، كالشجرة أصلها في الأرض، وفرعها ~~في السماء. # وأما دليل وجوب الإستدلال على الله عز وجل, من جهة القعل, وما أمر به, من ~~الأستدلال والتفكير، من العصل: لو أن رجلا لما يشاهد كتاب الله, # ولا أحدا من عباده، لما كان له عذر من معرفة الله؛ إذ لم يشاهد الكتاب ~~بأمر الله تعالى فيه بمعرفته، ولا شاهد أحدا من المخلوقين، يأمرونه بذلك، ~~فعليه من حجة العقل أن يعلم بحجة عقله، أن يأتي إلى دار مفروغة البناء فيكم ~~عليها أن لا باني لها, أو يأته إلى كتابة قد كتبت، وأحكمت نظما فيكم عليها ~~أن لا كاتب لها. فلما أن كان ذلك فاسدا في العقل، وجب في العقل ولزم لوزم ~~النظر الدال على بارئ الصور. فهذا دليل وجوب النظر، من الكتاب وحجة العقل. # وبالله التوفيق # الباب الخامس # في معرفة الله PageV01P003 قال المؤلف: أول ما افترض الله على عباده ~~المكلفين العقلاء البالغين الحلم: معرفته عز وجل أنه الله الذي لا إله إلا ~~هو واحد، فرد صمد أحد، ليس كمثله شئ، وأنه تعالى لهم خالق ورازق. # وإنما صارت معرفته الله أول المفترضات، لأنه لا تصح عبادة الله إلا حتى ~~يعرف الله؛ إذ كان من يعرف ms003 الله، فهو يعبد غير الله. ومن عبد غير الله، فقد ~~أشرك بالله { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق } . # فمعرفته الله تعالى أول المفترضات، وأول العبادات وأفضلها. فقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أفضلكم إيمانا أفضلكم معرفة. # فمن لم يكن بالله عارفا كان به جاهلا ومن كان به جاهلا، لم يكن موحدا ومن ~~لم يكن موحدا، كان ملحدا. # فعلى كل بالغ عاقل: أن يوحد الله، ولا يوحده إلا من عرفه ومن لا يعرفه ~~فلا يوحده بل يجحده. وإذا عرف الله: أنه واحد ليس كمثل شئ، فقد عرفه. # الباب السادس # في كيفية استدلال المنقطع عن الناس # أو في أرض الكفرة # قال المؤلف: ومن كان منقطعا عن الناس، في بعض الجزائر أو غيرها، لا يرى ~~الناس، أو في أرض أهل الكفر فعلى كل هؤلاء - إذا بلغ وصح عقله، وزالت عنه ~~الآهات، ونظر إلى السماء سقفا مرفوعا، إلى الأرض مهادا موضوعا، كالبيت ~~المصنوع - أن يعلموا بغرائز عقولهم، أن هذا البناء لا بد له من بان، ~~كالكتاب لا بد له من كاتب، والمصور لا بد له من مصور. وكل صنعة لا بد لها ~~من صانع، كما يشاهدون ذلك في دار الدنيا. # فعلى كل بالغ عاقل - في خاصة نفسه - أن يعلم أن له خالقا خلقه، كما يعلم ~~يقينا بقلبه: أن جوارحه التي به مخلوقه، خلقها خالق، إذ لا قدره له على خلق ~~شئ منها، ولا على تقويم ما أعوج منها، ولا تطويل ما قصر، وتقصير ما طال. ~~ولا تغيير ما هو عليه ولا قبحها. # ولو كان المرء البالغ، الصحيح العقل، أعمى البصر، أصم الأذنين. فواجب ~~عليه ولازم له ما وصفنا، في متقدم الكتاب. # الباب السابع PageV01P004 في بيان معرفة الله تعالى تقع أضرارا أو كسبا # أختلف الناس في معرفة الله تعالى، تقع أضرارا أو كسبا. # نذهب ذاهبون: إلى أن معرفة الله تعالى أضطرارية، جبلت في قلب الإنسان، ~~معلقه بالعقل، ولا تنفصل لإستحالة انفصالها عن العقل، وأنه ms004 يستحيل أنفصالها ~~عن عقله، كإستحالة زوال بعض أعضائه. # وذهب ذاهبون إلى أن معرفة الله تعالى معرفتان: أولاهما: اضطرارية وهي ~~غريزة. والثانية اكتسابية. # ومن قال: إن معرفة الله تعالى اكتسابية: منهم الشئخ أبو الحسين البسياني. ~~ودليل من قال: إن معرفة الله تعالى اكتسابية: أن الله تعالى لما نصب عليها ~~الدلائل، وأمرنا بالنظر العلمي والذكرى, في تلك الدلائل المنصوبة، وأعد ~~الثواب لمن أمتثل ذلك، والعقاب على المفرط الراد التارك لما أمر به من ذلك، ~~دل أنها اكتسابيات؛ لأن الاضطراريات لا يعد الله تعالى عليها ثوابا، ولا ~~يتوعد عليها عقابا. كما لا يعد على ما خلق فينا من الجوارح، بالثواب، ~~ويتوعدنا عليها بالعقاب فدل عند هؤلاء أن معرفة الله تعالى اكتسابية لا ~~اضطرارية. ومن قال: أولاها: اضظرار خلق من الله. والثانية: اكتساب - من ~~أصحابنا بشير. # الباب الثامن # كيف يستدل بالشاهد على الغائب # قال المؤلف: وذلك أن العاقل إذا رأى نارا، علم أن كل نار كذلك حكمها، كما ~~رأى تلك النار في الشاهد. # وكذلك إذا رأى الحيوان، لا يقع إلا على التناسل، حكم بذلك على على ما غاب ~~عنه من جنس الحيوان، أنه واقع على التناسل. ويستدل بالبناء على الباني، ~~والكتاب على الكاتب، والأثر على المؤثر، وأمثال هذا، مما يستدل بالشاهد على ~~الغائب. # وبالله التوفيق # الباب التاسع # في البارئ عز وجل # هل عرف برسله؟ أم رسله عرفوا به؟ # من جامع الشئخ أبي الحسن البسياني: # وسأل فقال: أخبروني عن الله - عز وجل - أعرف برسله؟ أم رسله به عرفوا؟ ~~فقال: بل رسله عرفوا به، وأنه حكيم لا يبعث بكتب الحق كاذبا - تعالى الله. PageV01P005 # وإنما دعت الرسل إلى الله، من قد عرفه، ثم جحد، وقد يكون بعض يعرفه، وبعض ~~لا يعرفه، فبينت الرسل ذلك، ودعت إلى الله، بالدلائل والعلامات التي نصبها ~~الله تعالى، من ملكوت السموات والأرض، ومما في السموات والأرض، وفي خلق ~~الإنسان، كما قال الله تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } . # قال: وقد كانت العرب يحجون البيت ويعظمونه. وإنما يعبدون الأصنام، ~~لتقربهم إلى الله زلفى. # وإنما ms005 دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ترك الأصنام وعبادة ~~الرحمن، فلم يصدقوه وقد قال الله تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله } . # قال: ألا ترى أن الإنسان إنما يرسل الرسل فيما يريد إلى غيره، إذا كان ~~المرسل إليه، يعرف المرسل. وإن أنكر الرسول أتاه بالعلامة والدلالة، حتى ~~تقع له الصحة. ولو كان لا يعرف الرسول ولا المرسل، لم يلتفت إلى ما أرسل ~~إليه، وأنكره قلبه. فهذا قول المسلمينالذين قالوا: إن رسل الله عرفوا بالله. # وقد قال آخرون: إنه بهم عرف, وبه عرفوا وبهذا يوجب أنهم دعوا إلى الله من ~~عرفه ومن لم يعرفه، فعرفوا بالله عند من عرف الله، وعرف الله بهم من لم يكن ~~به عارفا. والله أعلم. # الباب العاشر # في الدليل على أن الله تعالى شئ موجود # الدليل على أن الله تعالى شئ موجود: إطباق عقلاء الأمة بأسرها، من موحدها ~~وملحدها: أن المعدوم لا يتأتي منه الفعل، ولا يفعل شيئا. فلما فسد هذا ثبت ~~وصح أنه لا يفعل الأفعال إلا الموجود؛ إذ لا فعل المعدوم في العقل، عند ~~كافة العقلاء، من الإنس والجن أجمعين. # الباب الحادي عشر # في الدليل على أن الله شئ لا كالأشئاء # الدليل على أن الله تعالى شئ: أنه قد دلت الدلالة أنه تعالى موجود. ولا ~~يوجد إلا شئ. والدليل على أنه شئ لا كالأشئاء: أن الأشئاء لا تخلوا من أن ~~يكون ترى بعين، أو تحس كالريح العاصف . وما كان يرى، أو يحس من الأجسام، ~~فيحتاج إلى مكان والبارئ تعالى لا يرى ولا يحس. PageV01P006 # وإنما قلنا: إنه شئ لا كالأشئاء، نخبر عن كونه معلوما موجودا، يمكن ~~الإخبار عنه، إذ لا فاعل للأشئاء إلا شئ. ولا خالقها إلا شئ، موجود غير ~~معدوم؛ لأن المعدوم لا يفعل شيئا. # فإن قيل: إذا قلتم: إنه تعالى شئ لا كالأشئاء. فلم لم تقولوا أنه جسم لا ~~كالأجسام؟ # قيل له: لأنه قد يقال: جسم أجسم من جسم ولا يقال: شئ أشئاء من شئ. # فلا يجوز هذا, مع أن الجسم ms006 هو الطويل العريض العميق لا غير ذلك فقط. ~~فلذلك لم نقل: جسم لا كالأجسام، إذا كانت الأجسام إنما هي ما كان طويلا ~~عريضا عميقا. # والدليل من الكتبا على أن الله تعالى شئ: قوله تعالى: { أي شئ أكبر شهادة ~~قل الله } فهو كذلك. # فمن سمى الله تعالى شيئا، فقد أثبته شيئا؛ إذ لا موجود إلا شئ. فلما كان ~~الله تعالى كذلك، كان شيئا لا كالأشئاء. # والدليل من الكتاب، أنه تعالىشئ لا كالأشئاء: قوله تعالى: { ليس كمثله شئ ~~وهو السميع البصير } . # المعنى: ليس كهو شئ، وليس مثله شئ من أشايء. تعالى الله عز وجل. # الباب الثاني عشر # في الدليل على حدث العالم # الدليل على حدث العالم: أنها لا تخلوا من أن تكون أحدثت أنفسها، أو ~~أحدثها محدث، فإن كانت أحدثت أنفسها وهي عدم، ليست بشئ، أو أحدثت أنفسها، ~~وهي موجودة. # فإن كانت أحدثت أنفسها، وهي عدم، غير موجودة فمحال أن يفعل ما لا شئ ~~موجود، شيئا موجودا، لأن المعدوم لا يفعل شيئا. # وإن كانت أحدثت أنفسها، وهي موجودة. فمحال أيجاد الموجود؛ لأن الموجود ~~إذا وجد، فقد كفى عن إيجاده ثانية، فلم يبق إلا أنها محدثة، أحدثها محدث، ~~وأخرجها من العدم إلى الوجود. وهو الله - عز وجل. # ومما يدل على أن الأشئاء لم تحدث أنفسها: أنا قد نراها في حال وجودها ~~وكمالها وقوتها، لا تقدر أن تخلق من النطفة جسما. PageV01P007 # فإذا كانت في حال وفورها، وصحتها وقوتها وكمال خلقها، لم تقدر على خلق ~~جسم، وإن صغر ذلك الجسم ولو ذرة، فكيف تحدث أنفسها، وهي عدم! وقد قال الله ~~تعالى: { ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم شيئا لا يستنقذوه منه } . # فمن أضعف ممن إذا سلبته الذبابة شيئا، لا يقدر أن ينتزعه منها. فكيف يقدر ~~أن يخلق خلقا؟! وبالله التوفيق. # الباب الثالث عشر # في الدليل على أنه لا بد للعالم من محدث أحدثه # الدليل على ذلك أنا وجدنا المحدث في الشاهد، لا يكون إلا من محدث، ~~كالبناء ms007 لا يكون إلا من بناء بناه، والصورة لا تكون إلا من مصور صورها. ~~والكتابة لا تكون إلا من كاتب كتبها. فعلمنا أن لها العالم محدث أحدثه، وهو ~~الله الذي ليس كمثله شئ. وهو السميع البصير. # فإن قال: فما أنكرت أن يكون كل ما وصفت، لا فاعل له. # قلنا: لو جاز ذلك، لجاز أن يكون دارا مفروغة البناء محكمة، في حال ~~كمالها، أن يحكم عليها أنها أحكمت نفسها، وأخرجت نفسها، من العدم إلى ~~الوجود فلما فسد في العقل هذا، دل أنا لا بد للبناء من بان بناه، ولو جاز ~~ما قلت، لجاز أن يكون مضروب ولا ضارب له، ومكتوب ولا كاتب له، ومقتول ولا ~~قاتل له. فلما فسد في العقل هذا، فسد ما قلت. وبالله التوفيق # الباب الرابع عشر # في الدليل على أن خالق الأشئاء واحد PageV01P008 الدليل على أن خالق ~~الأشئاء واحد: أنه لو كان اثنين لكان لا يخلو أحدهما من أن يكون قادرا، على ~~منع الآخر، مما يريد أن يعمله، أو غير قادر على منعه، فإن كان قادرا على ~~منع الآخر، فالآخر المقدور عليه عاجز. والعاجز ليس بإله قدير؛ لأن القدير ~~الذي لا يعجزه شئ، إن أراد فعله، وإن يكن هذا لا يقدر على منع اآخر عن شئ، ~~أراد أن يعمله، فهو عاجز. والعاجز ليس بأله قدير، له الربوبية والمقدم ~~والألوهية والديم. فلما فسد هذا، دل أن محدث الأشئاء واحد، ليس كمثله شئ، ~~وهو الله الواحد القهار. ليس كمثله شئ من مخلوقاته. وهو السميع البصير. # وفي كتاب الله تعالى: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } . # وبالله التوفيق # الباب الخامس عشر # في الدليل على أن الخالق لا يشبه المخلوق # قال المؤلف: الدليل على أن الخالق لا يشبه المخلوق: أن البارئ عز وجل لو ~~أشبه الأشئاء التي خلقها، وأخرجها من العدم إلى الوجود، لكان حكمه حكما في ~~الحدث. فلا يخلو من أن يكون يشبه الأشئاء، من كل الجهات، أو من بعض الجهات، ~~فلو أشبه من كل الجهات، لكان محدثا ms008 مثلها، ولو أشبهها من بعض الجهات، لكان ~~محدثا من حيث أشبهها. فلما أستحال أن يكون المحدث قديما، دل على أن الخالق ~~لا يشبه المخلوق، وقد قال الله تعالى: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير). ~~وقال عز وجل: { فلا تضربوا لله الأمثال } تعالى الله عز وجل، الذي لا شبه ~~له، ولا مثل له، ولا ند له، ولا كفو له. تعالى الله علوا كبيرا. # الباب السادس عشر # في الموات التي ذكرتها الديصانية أنها عند الله # إن قالت الديصانية: ما أنكرتم أن يكون الإله سبحانه هو الواحد الأزلي ~~القديم، ولكن كان معه موات قديم، فمن ذلك الموات: أبدى الأشئاء على ما هي ~~عليه، وأظهرها من العدم إلى الوجود. PageV01P009 # قيل لهم: هذا باطل، من قبل أن الإله إنما وجب أن يكون إلها، إذ لا مماثل ~~له في الأزاية والقدم والربوبيه، فلو كان مع الله غيره. قديم أزلي فيما لم ~~يزل، لوجب أن يكون ذلك القديم الذي معه مماثلا له، في أخص الأوصاف ~~الألوهية. فيبطل أن يكون الله عز وجل إلها، إذ كان معه غيره في الأزل ~~قديما، كقدمه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # الباب السابع عشر # في الرد على من قال: إن هذه الأجسام يحدثها محدث # أحدثه الله عز وجل # من بعض الكتب: إن قال قائلون: ما تفكرون أن هذه الأجسام يحدثها محدث، ~~أحدثه الله عز وجل وذلك المحدث جسم. # قيل: الدليل على ابطال ذلك: أن الجسم لا يكون قادرا إلا بقدرة هي غيره، ~~فلو جاز أن يفعل قادر بقدرة شيئا من الأجسام، لكنا نقدر أن نفعل بقدرتنا، ~~بعضا من ذلك لعلمنا أن من كان قادرا بقدرة، فلا يقدر أن يفعل الأجسام. # فإن قال: لم قلتم: إن الجسم لا يكون قادرا إلا بقدرة، هي غيره؟ # قيل له الدليل على ذلك: أنه ليس فيما بيننا جسم قادر إلا بقدرة، هي غيره، ~~ولو كان الجسم قادرا بلا قدرة، لكان الجماد وهذه الأجسام بالموات قادرين. ~~وفي استحالة ذلك دليل على أنه لا جسم يقدر إلا بقدرة ms009 هي غيره. # الباب الثامن عشر # في الرد على من قال: إن الله خلق خلقه لعلة # الدليل على بطلان ذلك: أن العلة أنما تتصور فيمن يروم دفع مضرة أو ~~استجلاب منفعة. والله عز وجل منزه عن ذلك فلا ضرر يلحقه، ولا نفع يجلبه فلا ~~تتصور في أفعاله علل. والواحد منا يفعل كل ما يفعله، إما يستجلب به منفعة ~~إلى نفسه، أو يروم به دفع مضرة، بخلاف أوصاف البارئ عز وجل. # والدليل على أن العالم المصنوع ليس بمعمول، إنما المصنوع لو كان معلولا ~~لعلة، لولاها لم يكن مصنوعا، لجاز أن تعدم العلة، فيكون مع عدم العلة غير ~~مصنوع، كما أن المتحرك، إذا كان متحركا لعلة، لولاها لم يكن متحركا فهو مع ~~عدم العلة غير متحرك، لكن البارئ عز وجل خلق خلقه على ما يشاء. ولا علة لفعله. PageV01P010 # وسأل أهل الدهر. فقالوا: حدثونا عن محدث الأشئاء، أحدثها لعينه، أم لعلة؟ # قيل لهم: بل أحدثها لعينه. ولا لعله هي غير الفعل، بل الفعل هو العلة ~~التي كان لها فاعلا. # الباب التاسع عشر # في حدث الجواهر التي هي أصول الأجسام المركبة # وعرض وحدث الأعراض الفانية بالجوهر # الدليل على حدوث الجواهر: أنها لا تنفك من الحوادث ولا يصح أن تخلق من ~~أعراض حادثة. وما لا ينفك من حادث فحادث. وأيضا فأنها متحركة دار حرارة ~~حالة فيها. # والدليل على حدوث الأعراض أنه قد صح وجود الجسم في حال. ومحال أن يوجد ~~ساكنا متحركا في حال من الأحوال. فالذي صح وجوده وهو الجسم، غير الجسم الذي ~~يستحيل وجوده. وهو الحركة والسكون. # الباب العشرون # في الدليل على المجتمع أنه مجتمع باجتماع هو غيره # والمتفرق متفرق بافتراق هو غيره # مما يدل على أن اجتماع كل مجتمع محدث: أنا نتوهم بطلانه، فيصح ذلك في ~~الوهم، ولو كان قديما لما صح أن يبطل غير محدث، جاز أن يكون محدثا يستحيل ~~بطلانه فدل أن كل ما يصح بطلانه فنحدث. # الباب الواحد والعشرون # في الدليل على حدث الاجتماع والافتراق # من الدليل على حدث الاجتماع ms010 والافتراق: أنا تقصد إلى الجسم المجتمع ~~فنفرقه، فيوجد فيه افتراق. فلا يخلو ذلك الإفتراق من أن يكون كان موجودا ~~فيه، قبل الحال التي فرقناه فيها، أو يكون حدث في هذا الوقت. فإن يكن كان ~~موجودا فيه قبل تفريفنا إياه، فقد كان مجتمعا متفرقا في حال. # فإذا بطل أن يكون الافتراق، فقد كان موجودا فيه في حال اجتماعه، فقد صح ~~أنه محدث عند ما فرقناه. # وكذلك القول في الجسم المفترق، إذا قصدنا إليه فجمعناه، فقد صح أن ~~الاجتماع والافتراق محدثان. # الباب الثاني والعشرون # في المكان والدليل على حدوثه PageV01P011 قيل: ان المكان والزمان ليس هما ~~من العالم، وهما من غير العالم. والمكان هو سطح مستو من لطائف الأجزاء ~~المستفردة، فانعقد والتأم، فصار للأشئاء حاويا. وحده أن يكون حاويا من سائر ~~الجهات وهي البسائط الست التي هي يمين وشمال وخلف وقدام وفوق وتحت. # والدليل على حدث المكان من أوجه: أحدها أن كل بيسط وان اتصل، فلا يخلو من ~~أن يكون عاليا إلى نهاية توقعه، فيكون له مستقرا ولو جاز أن يكون عاليا إلى ~~غير نهاية، لجاز أن يكون كل كثيف راسيا إلى غير نهاية. فدلت تلك النهاية ~~على الإستقرار. # وإنما وجب أن يكون القديم قديما، إذ لا نهاية له. وأيضا فإن البسائط وإن ~~لطفت فلا تخلو من طبائع مقرونه بها، كما أن الكثائف لا تخلو من طبائع تكون ~~مقرونه بها، وأيضا ان الحرارة التي هي طبائع المكان، لا بد لها من زيادة ~~ونقصان والزيادة والنقصان ضدان متعاقبان. ومن تعاقب عليه العرضان وتراكم ~~عليه الضدان كان محدثا. # الباب الثالث والعشرون # في الزمان والدليل على حدثه # اختلف الناس في الزمان، فقيل: هو الحركة نفسها. # وقيل: هو اعداد الحركة. # وقيل: هو القدر الذي يكون بين الحركات، فلما أن تبين فساد الأقاويل، صح ~~وثبت ما قلنا: إن الزمان هو القدر الذي تكون به الحركة، يريد أن الزمان ~~يكون فيه إعداد الحركة والفرق بين الاعداد. # والدليل على حدث الزمان: أن له بعضا. وما كان له بعض كان له ms011 كل. # مسألة: والزمان من غير العالم وهو المشتمل يعني على المكان، حد الزمان أن ~~يكون مشتنلا على المزمن من سائر الجهات. # الباب الرابع والعشرون # في الوقت والدليل على حدثه من كتاب الأكلة # اختلف في الوقت، فقال بعض: الوقت مدى ما بين الأفعال، وإن معناه: أن ~~الليل والنهار هما الأوقات. # وقال بعض: هو حركات الفلك. # وقال بعض هو شئ غير حركات الفلك، وغير الليل والنهار، وليس بجسم ولا عرض. PageV01P012 # اعلم أنه قد قالت العلماء: إن الوقت هو كل حدث كان معلوما حال حدوثه، ~~فمتى علق به ما يجهل حال حدوثه، قيل: إنه وقت له. # وكذلك كان الوقت والمؤقت جميعا حادثين. ولذلك لا يصح التوقيت بالقديم ~~تعالى الله عز وجل، وإنما يصح بالحادث، أو ما يجري مجراه من حكم متحدد، من ~~عدم، أو وجود. # وكذلك يصح أن تقول: إن زبدا يقدم، إذا طلعت الشمس، ويقول الآخر: إن الشمس ~~تطلع إذا قدم زبد فيصح أن يجعل كل واحد منهما وقتا للآخر، بحسب حال المخاطب ~~ومعرفته بأحدهما دون الآخر فلا يعتبر في كون الشئ وقتا، إلا بأن يكون حادثا ~~فقط، ويعتبر في حسن جعلك له بالمخاطبة، بأن يكون عالما. وأن يكون جالهلا ~~بالوقت، وكيفية حدوثه، فلا يجوز أن يختص بذلك الليل والنهار، وحركات الفلك. ~~بل يجب في كل ذلك وسائر الحوادث: أن يكون وقتا. لكن حركات الفلك لما كانت ~~أظهر، والعلم بها أشهر، غلب على الناس التوقيت بها. وإلا فحال غيرها ~~كحالها، على ما قدمنا. # الباب االخامس والعشرون # في الهواء والاختلاف فيه # والدليل على حدثه # والرد على الهوائية # اختلف الناس في الهواء. # فقيل: هو جسم لطيف دقيق، قال أبو الهذيل: هو شئ ليس بجسم، بل هو مكان ~~للأجسام. ولو كان جسما لاحتاج إلى مكان وكان ذلك لا يتناهى. # وقيل: إن الهواء ليس بشئ، والصحيح ما قيل: إنه جسم دقيق وهو يبين ~~بالتحريك ومتى حصلت فيه الحركة شائعة، وصف بأنه ريح. # وإذا حصل في محاريق الإنسان، وصف بأنه روح، وهو يمتلئ من الزق عند النفخ، ms012 ~~ولو كان غير جسم، لاستحال جميع ما ذكرناه فيه، لأن العرض لا يملأ الظروف، ~~ولو لم يكن الهواء جسما، لوجب على الملائكة والجن أن لا يكونوا أجساما. وقد ~~علمنا أستحالة ما ليس بجسم حيا قادرا بحياة وقدرة. # مسألة: في الدليل على حدثه، والرد على من قال بقدمه من الهوائية، يقال ~~لمن قال بقدمه: أن الهواء كل؟ # فإن قال: لا، كذبه كل ذي عقل لما يشاهدون، ويرون بعضه دون بعض. PageV01P013 # فقد أطبقت الأمة بأسرها أن له بعضا، وكل من كان له بعض، فله كل، وكل من ~~كان له كل، فله حد ونهاية، وله قاهر قهره،، وقاسر قسره، على ما هو به من ~~حدثه وكليته، لا يستطيع خلاف ذلك، فدل أنه مخلوق وله خالق خلقه، وليس هو ~~بإله قديم. # وإن قال: نعم له كل، قيل له: فما كان له كل، وحد ونهايه وبداية، ولم يوصف ~~بالأزل والقديم، لأن ما كان هذا سبيله كان محدثا؛ لأن الهواء متحرك، ~~والحركة عرض وما حله العرض كان محدثا. # والدليل على حركته: أن ينظر إلى الشمس التي في قوة كوة البيت، أو كوة في ~~أوسط الغما، فتراه يتحرك. وترى الهبو يطلع من حركة الهواء الفوقانية، وفي ~~الهواء الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكل ما تغاير فيه المتغايرات، ~~بعضها عن بعض وحله المرض محدث. # الباب السادس والعشرون # في الفلك والرد على الفلكية # اعلم أن الفلك الدائر لا بد له من قطب على أنه حال دار، فلا خفا أن حركة ~~قطبه وما بلى قطبه، أقل من حركة ما بعد عن قطبه من حرمه؛ لأنه كلما أتسع ~~الحرم عن نقطة مركز، كان أوسع لدوره، كدوام الذي دوران متسعه أكثر من دوران ~~مركزه، فلا خفا أن لو توهمنا حركات القطبية، فما خلا من الزمان، لوجدناها ~~لا تعادل إلا حركة أقل أجزاء الحرم، فقد صح أن حركات سعة الحرم، أكثر من ~~حركات قطبه فصارت حركات القطب من الفلك متناهية، فإذا وضعت حركات القطب من ~~الحرم، صار ما بقى من الحركات، أقل منه قبل ms013 أن يوضع ذلك فهذا هو التناهي ~~على أنه لو لم يكن في الفلك قطب، لعلمنا أن حركة بعض أجزائه جزء من حركة كل ~~أجزائه، وأنها متناهية، فيما خلا من الزمان، إذا كانت جزاء مما خلا من سائر ~~حركاته. # قال المؤلف: ولعله يعني إذا كان له جزء، فله كل، وبداية يدور منها، إلى ~~أن ينتهي إليها في دورانه دورا دورا. والله أعلم. # الباب السابع والعشرون # في الدليل على حدث النجوم # والرد على أصحاب النجوم PageV01P014 نقول: ان النجوم أجسام، وصور مركبات، ~~تحركها القدرة وما كان هذا سبيله كان محدثا. والمحدث لا يجوز أن يكون محدثا ~~للحوادث. # والدليل على حدث النجوم: انتقالها من برج إلى برج، فلا تخلو من أن تكون ~~كونها في ذلك البرج لعينها، أو لمعنى، فإن كان كونها في ذلك البرج لعينها، ~~وجب أن لا تزول منه فقط؛ لأن الحكم العيني لا يزول إلا بزوال العين. وليس ~~الأمر على ذلك؛ لأنا نعلم إنتقالها من برج إلى برج، فلا يجوز أن يكون كونها ~~في البرج لعينها. ولا يجوز أن يكون بمعنى قديم؛ لأنه لو كان ذلك قديما لوجب ~~أن لا يزول إلا بزوال ذلك المعنى، والمعنى القديم لا يعدم، فوجب أن لا يزول ~~عن ذلك البرج أبدا، فإذا بطل أن يكون كونها في ذلك البرج لعينها، أو بمعنى ~~قديم، لم يبق إلا أنها كانت فيها، بمعنى حدوث وانتقلت بمعنى حادث، فهي لا ~~تخلو من أن تحلها الحوادث، وما حلتها الحوادث لم تخل منها، وان لم تخل منها ~~لم تسبقها، وكانت حادثة مثلها. # فإذا صح أن النجوم محدثات، لم يجز أن يكون لها أفعال؛ لأن المحدث لا يفعل ~~في غيره سيئا ولا يوجد عدما، ولا يعدم وجودا، فبطل أن يكون للنجوم تأثير في ~~ايجاد ما يوجد وإعدام ما يعدم. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والعشرون # في الرد على من أحتج بقدم العالم # بأن لا نطفة إلا من انسان ولا انسان إلا من نطفة # ولا بيضة إلا من طير ولا طير إلا من بيضة ms014 # فإن قال قائل: أخبرونا أليس لم تشاهدوا إنسانا إلا من نطفة، ولا نطفة إلا ~~من إنسان، ولا طيرة إلا من بيضة ولا بيضة إلا من طيرة؟ # قلنا: نعم. # فإن قال: فهلا قضيتم بذلك على الغائب؟ # قلنا له: إن الطيرة لم تكن موجودة لوجود الطيرة قبلها. # وذلك أن الدلالة قد دلت على حدث الأجسام، وعلى قدرة محدثها فإذا كان ذلك ~~كذلك، فالذي خلق نطفة فجعلها مضغة وعظاما وكسا العظام لحما، قادر على أن ~~يخلق إنسانا كاملا، وإن لم يخلق قبل ذلك نطفة، ينقلها من حال إلى حال، ~~وكذلك القول في الطيرة والبيضة. PageV01P015 # وإذا كانت دلالات العقول قائمة على ما قلناه وشرحناه، فقد بطل أن يكون ~~الإنسان إنما وجد بوجود نطفة قبله، ولا أن الطيرة إنما كانت موجودة لوجود ~~البيضة قبلها، لأن الدلالة قد دلت على حدث العالم، وأن لوجوده أولا، فبطل ~~أن يكون الإنسان إنما وجد لوجود نطفة قبله، وأن النطفة إنما وجدت لوجود ~~إنسان قبلها. # وكذلك القول في الطيرة والبيضة. # فإذا بطل ذلك لم يلزم القضاء، على أنه لا إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة ~~إلا من إنسان، ولا طيرة إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من طيرة، ولا حادث إلا ~~وقبله حادث، وبالله التوفيق. # وأيضا فقد شاهدنا إنسانا، لم يكن مته نطفة، ونشاهد نطفة لم يخلق منها ~~إنسان، فلم يجب أن يقضى على الإنسان، بأنه إنما وجب وجوده لوجود نطفة قبله، ~~أو لوجود انسان بعده، أو لوجود انسان قبله، فلم يجب أن يحكم على البيضة، ~~إنما يجب وجودها لوجود طيرة قبلها. # فإذا لم يجب ذلك في المستقبل، وكان هذا شاهدا على ترتيب ما قلناه، لم يجب ~~أيضا أن نقضى على الإنسان، إنما كان إنسانا لوجود نطفة قبله، وكذلك الطيرة، ~~إنما كانت طيرة لوجود بيضة قبلها. وبالله التوفيق. # ولو كان الإنسان لا يوجد إلا من بعد تقدم النطفة، والنطفة لا توجد إلا من ~~بعد تقدم الإنسان، لم يصح وجود الإنسان، ولا النطفة. # وكذلك القول في البيضة والطيرة. وبالله نستعين. # وكذلك ms015 الليالي والأيام، أو كان لا يوم أو قبله يوم، ولا ليلة إلا وقبلها ~~يوم، استحال وجود الليالي والأيام. # فإن قالوا: لو جاز أن يحدث إنسان لا من إنسان، لجاز أن يحدث فعل لا من فاعل. # قلنا: ليس كذلك، لأنا قد علمنا في أفعالنا، أنها تحتاج إلينا في حدوثها، # فقسناها على كل حادث، وليس يمكن مثل ذلك في الإنسان والنطفة؛ لأن النطفة ~~هي الجوهر، وإنما صارت إنسانا بما يوجد فيها من الإستحالة. وهي حدوث أعراض ~~وبطلان أعراض، والجسم واحد، ليس ذلك بمشبه بحدوث الفعل، من جهة الفاعل، ~~فافترقا. وبالله التوفيق. PageV01P016 # الباب التاسع والعشرون # في الرد على الدهرية الذين ذكرهم الله في القرآن # الدهرية وجماعة الهند وأصناف اليونانية، والمتانية والديصانية والمفرونية ~~والمجوس وعبدة الصور والحريانية والصابئون والمدركية، وغيرهم من الملحدة، ~~كلهم أنكروا حدوث العالم، وقالوا بقدمه. # فقالت الدهرية: ان الدنيا لم تزل كما ترى، من مرور الليالي والأيام ~~والشهور والأعوام، ونموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، يعنون مرور الليالي ~~والأيام. # فقال الله تعالى تكذيبا لهم: { وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } ~~حيث أنكروا الخالق، وحدوث العالم، وأن له محدثا أحدثه، وإنما هذه الأجسام ~~أحدثت أنفسها، وقد مر الرد عليهم - فيما تقدم - في باب حدوث العالم. # فإن قال قائل إذا قلتم: إن البارئ - عز وجل - غني لا مغني له، عزيز لا ~~معز له، سميع لا مسمع له، بصير لا مبصر له، عليم لا معلم له، قادر لا مقدر ~~له. فلم لا أثبتم مفعولا لا فاعل له؟ # قيل له: لا يجب ما قلت، وذلك أن الغنى الذي قلنا: لا مغني له، والعزيز ~~الذي قلنا: لا معز له، والعليم الذي قلنا: لا معلم له قلنا: ليس معزوز ~~فيقتضي ذلك معزا وليس بمعلم فيقضي ذلك معلما. # وكذلك ما سألتمونا عنه، فليس يجب أنه إذا قلنا: حيا ليس بمعز ولا معلم، ~~لا يقتضي معزا، ولا معلما، أن يزعم المعز لا يقتضي معزا، والمعلم لا يقتضي ~~معلما، أن المفعول لا يقتضي مفعولا، وعليم وعزيز وزنه ms016 فعيل، وفعيل لا يقتضي ~~مفعولا. # ومفعول يقتضي فاعلا، فالعالم العزيز الذي بيناه، لا معلم له، ولا مقدر ~~له، لم يزل قديما؛ لأن معنى المفعول: أنه لم يكن ثم كان، ومعنى القديم: أنه ~~لم يزل موجودا، فإذا لم يجز أن يثبت المفعول قديما، فقد وجب أن المفعول ~~يقتضي فاعلا فعله، بعد أن لم يكن فكان. # فصل # إن قالت الدهرية: ما تنكرون أن تكون الأجسام التي دللتم أنها محدثه، ~~أحدثت بعضها بعضا. PageV01P017 # قيل له هذا فاسد، من قبل أن كل متماثلين، لا يكون أحدهما موصوفا بالقدرة ~~على صاحبه، أولى من أن يكون الآخر موصوفا بالقدرة عليه، إذ المثلية بينهما ~~حاصلة. والمكافأة بينهما واقعة، ألا ترون أنهما إذا تكامآ في الحدث، بأن ~~يكون كل واحد منهما هو الراهب في الجهات الست، لا يمكن أحدهما أن تكون ~~جهاتهسبعا ولا خمسا، فلا يجوز أن يكون موصوفا بالقدرة على الآخر؛ إذ العلة ~~مشتملة عليها. # دليله: أنه لو جاز أن يكون بعض المحدثات أحدث بعضها بعضا، لجاز أن تكون ~~الكتابة أحدثت كاتبا، والصناعة أحدثت صانعا مثلها، وهذا فاسد في العقول جدا. # دليل آخر: وهو لو جاز أن يحدث بعضها بعضا، لتم مراد أحد المحدثين في ~~الآخر، ولا ينبغي أن يتعذر عليه، ووجدنا الأجسام فيما نشاهده، يتعذر منها ~~وقوع الأجسام، فدل ذلك على أنها لم يحدث بعضها بعضا. وبالله نستعين. # الباب الثلاثون # في الرد على أهل الطبائع # الطبائع: هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فقالوا: باجتماعها صح ~~تركيب العالم. وهذا لا يصح، لأن الحرارة ضد البرودة، والرطوبة ضد اليبوسة، ~~ولا يجوز إجتماع الضدين، في ذات واحدة. كما أن الحركة ضد الكون، والسواد ضد ~~البياض، فلا يجوز إجتماع هذه المتضادات، فبطل ما قالوه: إن باجتماعها تركيب ~~العالم؛ لأن الطبائع محتاجة إلى المكان، وليست بقائمة بأنفسها، وفي وجودنا ~~لها محتاجة إلى المكان، غير مستطيعة على القيام بنفسها على حدثها، إذ حقيقة ~~القديم: استغناؤه عن المكان والزمان. والله تعالى أعلم. وبه التوفيق. # الباب الحادي والثلاثون # في الرد على من قال بالظلمات والنور ms017 # من المجوس وهم الماتوتية PageV01P018 زعمت الماتوتية أن الأشئاء من أصلين ~~قديمين: أحدهما: نور، والآخر ظلمة، وأن النور خير يفعل الخير، والظلمة شر ~~يفعل الشر، فما كما من الخير فهو من النور، وما كان من الشر فهو من الظلمة، ~~وأنهما لا يزالا حيين حساسين دراكين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك مختلفان، ~~في النفس والصور، متضادان في الفعل والتدبير، ولم يزالا متباينين متحادين، ~~يحادان الشمس والظل، ثم امتزجا بعد ذلك، فقال بعضهم لأبي الهذيل: أخبرنا عن ~~النور، أليس قد كان مباينا للظلمة؟ # قال: نعم. # قال: فما مجيئه إليها بعد المباينة، أداء إلى أنسه زمستراحه؟ أم إلى ضده وعدوه؟ # قال: إلى ضده وعدوه. # قال: فإن كان جاء إلى عدوه طوعا، فهو شرير أحمق، وإن كان جاء إليه قسرا ~~فهو ضعيف عاجز، فرجع الماتي عند ذلك وأسلم. # قال الشئخ أبو الحسن البسياني - في الرد عليهم - : إنه لا يخلو أن يكونا ~~متباينين؛ أو متمازجين، وأيهما كان، فقد صح، وثبت لهما الحدث والحد ~~والنهاية. # وقد دللنا أن الأجسام محدثة، وقد صح أنهما جسمان. وقد ثبت أنهما محدثان، ~~والمحدث مصنوع، وله صانع ووجه آخر؛ أم لا يخلو من أن يكونا متباينين، لم ~~يصح امتزاجهما أبدا، لأن أحدهما نور، والآخر ظلمة، فهما ضدان لا يزدادان ~~إلا تباعدا. # وإن كانا متباينين، على ما قالوا، ثم امتزجا، لم يخل أن يكون التباين هو ~~هما، أو غيرهما، وكذلك الامتزاج فقد ثبت أصل ثالث، وفسد قولهم. # وإن قالوا: التباين والإمتزاج غيرهما، وقد ثبت أصل ثالث. # قيل لهم: فقد تغير التباين والامتزاج، واذا تغير فهو محدث فهما محدثان، ~~والقديم لا يتغير كالمحدث، وقد أكذبهم الله بقوله: { الحمد لله الذي خلق ~~السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } نقض ~~لقولهم: إن النور يفعل الخير، والظلمة تفعل الشر. # يقال لهم: فما قولكم فيمن يقول: أنا طلام من القائل: أنا ظلام الظلام ~~القائل: أنا ظلام أم المور؟ PageV01P019 # فإن قالوا: النور هو القائل أنا ظلام، فقد كذب النور في قوله، والكذب شر عندكم. # وإن ms018 قالوا: الظلام هو القائل: أنا ظلام، والصدق خير فقد فعل الظلام ~~الخير، وعندكم أن الظلام لا يفعل الخير، فلا يجدون سبيلا. # من هذه المسألة مقالة الديصانية: زعمت الديصانية: أن الأشئاء من أصلين - ~~على ما زعمت الماتو تية - نور وظلمة، وأن الخير من النور والشر من الظلمة. # وأن النور حي عالم قادر حساس دراك منه يكون الفعل والحركة؟ والظلمة: موات ~~عاجزة جاهلة راكدة لا فعل لها ولا تمييز معها، وإن الشر يقع منها طباعا، ~~وإن النور جنس واحد، والظلمة جنس واحد،والنور: بياض كله، والظلمة سواد ~~كلها، وإن الظلمة ضد النور، وأشئاء كثيرة تركتها. # يقال لهم: إذا كانت الظلمة غير فاعلة، والأفعال كلها للنور، فكل ما في ~~العالم من سفك الدماء وإيلام الحيوان، ةسائر الضرر والفساد، وكل كذب وفجور ~~وشتم وجور، فمن النور الذي زعمتم أنه لا يفعل إلا الخير. # ويقال لهم: إذا كان لون النور هو البياض، ولون الظلمة هو السواد، فأخبونا ~~عن البرص أخير هو؟ أم شر محبوب هو؟ أم مكروه؟ # فإن قالوا: محبوب وخير، كابروا وإن قالوا: مكروه وشر، فقد وجب أن يكون ~~لون النور شرا، # ويسألون عن سواد العيون، وسواد الشعر: حسنان هما أم قبيحان؟ فهذا مالا ~~محيض لهم منه. # ويقال لهم: إذا كان لا شئ إلا نور وظلمة، فمن أين جاءت الحمرة والصفرة؟ ~~فإن قالوا: لاختلاف الأخلاط من القلة والكثرة. # قيل لهم: إن السواد والبياض قد عرف اختلاطهما، ولو خلطا بكل نوع، ما جاءت ~~منهما حمرة وإنما يأتي منهما ألوان بين السواد والبياض، في الكثرة والقلة، ~~فمتى أردتم أن تتأملوا ذلك، فتأملوا. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والثلاثون # في الرد على من قال من النصارى: إن الله جوهر - تعالى الله عن ذلك ~~PageV01P020 أجمعت النصارى، على القول: بأن الله تبارك وتعالى جوهر، وأنه ~~تعالى له ثلاثة أقانيم: الأب وهو العالم، والابن وهو العلم، والروح، وهو ~~بين الحياة والقدرة. وهي الحياة أيضا، وهذه أقانيم هي خواص الجوهر. كما ~~تقول: شمس. ثم تقول: قرص وضوء وشعاع. # ويقال للنصارى في قولهم: إن ms019 البارئ جوهر، لم قلتم ذلك؟ # فإن قالوا:من قبل أن الأشئاء لا تخلو فيما بيننا: أن تكون عرضا أو جوهرا ~~فلما فسد أن يكون البارئ عرضا، إذ العرض لا يتأتى منه الفعل، ولا يصح منه ~~تدبير. إنه جوهر، غير قابل للأعراض. # فإن قالوا: الدليل على أن الله جوهر: أن الأشئاء على ضربين. فمنها شئ ~~قائم بنفسه، ومنها قائم بغيره، وهي الأعراض، صح أنه تعالى جوهر. # الجواب - يقال لهم: ما الفضل بينكم وبين من عارضكم، فقال: وجدت الأشئاء ~~ضربين: فمنها شئ يحتمل الأعراض، ومنها ما هو قائم بغيره، والقائم بغيره ~~عرض، والعرض لا يفعل شيئا، فلما أن كان الفعل ظاهرا، صح أن البارئ قائم ~~بنفسه، محتمل للأعراض، بمثل ما أوجبتم أنه جوهر، وهذا مالا فضل فيه، حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط. # وأما قول من قال منهم: إن الجوهر على ضربين: خسيس وشريف، فالخسيس: هو ~~القابل للأعراض. والشريف لا يقبل الأعراض، وهو البارئ. # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: الأجسام على ضربين: خسيس وشريف. ~~فالخسيس: هو الطويل العريض العميق، القابل للطول والعرض والعمق، وهو الذي ~~نشاهده والشريف: هو الذي لا يقبل الطول والعرض والعمق. وهو البارئ - تعالى ~~الله عن ذلك. # فإن قالوا: قد شاهدنا الجوهر، لا يقبل الأعراض، وهو السماء. # قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: قد شاهدت جسما لا يقبل الطول ~~والعرض والعمق. وهو السماء. # ومن أعقل منهم أن الملائكة جواهر، فهم لا يقبلون الأعراض. # قيل لهم: والملائكة أجسام لا يقبلون الطول والعرض والعمق. فقل: إن البارئ ~~جسم، وهو لا يقبل الأعراض. PageV01P021 # ويقال لهم: إذا أثبتم جوهرا غير قابل ما تفعله الجواهر، وأخرجتموه من أن ~~تكون أحكامه أحكامها، فما الفضل بينكم وبين من أثبت في الغائب شيئا، ليس ~~بجوهر ولا عرض، على خلاف الشاهد؟ # فإن استحال ذلك، لأن الشئ في الشاهد، لا يخلو من أن يكون جوهرا أو عرضا. ~~فلذلك اختلف قولكم: إن الجوهر في الشاهد لا يكون إلا قابلا للأعراض. # فإن قالوا فهل شاهدتم شيئا يخلو ms020 من أن يكون جوهرا، أو عرضا أو موجودا، من ~~كونه جسما أو عرضا؟ # قيل له لا. # فإن قال: فهلا قضيتم بذلك على الغائب؟ # قيل له: إن الشئ لم يكن شيئا فيما بيننا؛ لآنه جوهر، ولا أنه عرض؛ لأنه ~~لو كان شيئا لأنه جوهر، كان لا شئ إلا جوهر ، ولا شئ إلا وهو عرض وكذلك لم ~~يكن الموجود موجودا لأنه جوهر، ولا لأنه عرض ولا لأنه جسم. فلما لم يكن ~~كذلك، لم يجب القضاء بذلك، على الغائب. # فإن قالوا:لما استحالت الأفعال، ممن هو قائم بغيره، وكانت للبارئ أفعال، ~~وجب أن يكون قائما بنفسه، وجب أن يكون جوهرا. # قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: لما كانت للبارئ أفعال، وجب أن ~~يكون قائما بنفسه، فإن وجب ذلك، وجب أن يكون حاملا للأعراض. # يقال لهم: إذا دل الفعل على أنه جوهر، لأنه لا يفعل فاعل فيما بيننا إلا ~~قائما بنفسه، فلم لا دل على أنه جسم، إذ لا يفعل فاعل فيما بيننا إلا هو ~~جسم. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثلاثون # في الرد على من يقول من اتخاذ الكلمة بجسد المسيح # اختلف النصارى في تفسير اتخاذ الكلمة. # فقال بعضهم: معنى اتخاذ الكلمة بجسد المسيح: أن الكلمة حلت جسده. # ومنهم من قال: معناه أن القديم والجديد صار شيئا واحدا. # ومنهم من قال: معناه أن مشئئتها صارت واحدة، ومرادها واحد. # ومنهم من قال: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما يحل الماء في ~~اللبن حلول الممازجة، والمخلطة. PageV01P022 # ومنهم من قال: إنه حل فيه من غير ممازجة، كما أن شخص الإنسان يتبين في ~~المرأة، وفي الأجسام الصقيلة من غير ممازجة بينهما. # ومنهم من قال: إن مثل اللاهوت في الناسوت، مثل الخاتم من الشمع، لأنه ~~يؤثر فيه، حتى يتبين فيه النقش، ثم لا يبقى فيه منه شئ سوى الأثر. # ومنهم من قال: إن الإيجاد هو الادراع، وهو أنه اتخذ الجسد هيكلا ومحلا. # الرد عليهم: يقال لمن قال منهم: إنه حل فيه من غير ممازجة، كما أن ms021 شخص ~~الإنسان يتبين في المرآة، وفي الأجسام الصقيلة، من غير ممازجة: إن ظهور ~~الصورة في المرآه والشئ الصقيل، ليس اختلاط شئ، ولا انتقال شئ، إلى شئ، بل ~~أجرى الله العادة، كأن الواحد منا إذا قابل الشئ الصقيل، خلق الله تعالى له # أرئية يرى بها نفسه. فأما إن كان يكون قد حصل في الصقيل شئ، فلا ~~استأثر،وأنه من مس وجهه فوجه نفسه لمس، لا وجها ظر فيه، فعلمت أن ليس في ~~المرآة شئ، وهذه القول يوجب عليهم الإقرار به؛ لأنه شئ من الله القديم في ~~مريم، ولا عيسى شئ يبطل عليهم القول: إنه لا هوتى ناسوتى وعلى ما قالوه ~~باللاهوتى. # وكذلك القول في الخاتم، ونقشه في الشمع، فليس شئ يحصل من الفص في الشمع، ~~وإنما يتركب الشمع تركيبا بعضه في بعض، فإذا كان الأمر على ذلك، فقد يبنوا ~~الأمر به، فيما ذكروه، ووجب أن يكون التأثير والناسوت لغير تركيبه ووصفه. ~~فإما أن يكون في غيره حلول فيه لعلة فلا. قال: فما حل في الشمع شئ من الفص، ~~وهذا يوضح بطلان قولهم، وفساد ما راموه، ثم ان هذا الذي ذكروه كله، إنما ~~يجوز بين المتماسين المتجاورين, المتلامسين الجسمين المحدودين الذين يجوز ~~فيهما الحوادث، وتغير الأوصاف، والله تعالى يجل عن ذلك كله. وبالله ~~التوفيق. # الباب الرابع والثلاثون # في الرد على من قال: إن الإيجاد هو الادراع # وهو أنه يجد الجسد هيكلا ومحلا # يقال لهم: إذا جاز ذلك على الكلمة، فلم لم يجز ذلك على جوهر الإله؟ # ولم لا جاز على الأب أن يحل الأجساد ويدرعها؟ PageV01P023 # وإذا جاز أن تحل الكلمة في جسم محدود ، فقد حوى المحدود القديم، وماسه ~~وخالطه. # وإن جاز على الكلمة الامتزاج والاجتماع، فلم لا جاز عليها المفارقة ~~والحركة والسكون والألوان والطعوم والأرانيج؟ولم لا جاز ذلك على جواهر ~~الإله وكرامته؟ # فإن أجازا ذلك. # قيل لهم: فما جعله بالقدم أولى من الأجساد وما جعلها بالحدث أولى منه، ~~وقد جاز عليه ما يجوز عليها، من صفات الحدث ودلالته. # ويقال لهم: دلونا على أن ms022 القديم ايجد بالجسد المحدث، فلا يأتون دليلا إلا ~~قيل لهم: قولوا لهم بهذه الدلالة: إنه ممتزج له، مخالط له، مماس له. # وإذا قلتم: ايجد به ولم يحاسه. فما الفرق بينكم وبين من قال: مازجه ولم ~~يماسه وكذلك خالطه ولم يمتزج به؟ # ويقال لهم: لم زعمتم أن الكلمة هي التي اتجدت بجسد المسيح، دون أن # تزعموا أن الإيجاد كان من الروح؟ هم مطلقون الإيجاد بلفظ الكلمة، ولا ~~يطلقونه بلفظ الروح، وإن كان عندهم شيئا واحدا فافهم ذلك. # ويقال لهم: لم زعمتم أن الكلمة اتجدت بجسد المسيح، ولم تزعموا أنها اتجدت ~~بجسد موسى، أو غيره من النبيين - عليهم السلام. # وإن رجعوا إلى اختراع المعجزات والبراهين، التي ظهرت على عيسى، كنحو ~~احياء الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص. # قيل لهم: فلم قلتم: المسيح ابن الله وقلتم: الكلمة مؤكدة له، لظهور ~~البراهين والمعجزات عليه، دون أن تثبتوا موسى ابنا له، وتثبتوا الكلمة ~~متجدة به، لظهور البراهين الباهرات عليه، كنحو فلقه البحر، ورميه العصى من ~~يده فتكون حية تسعى، وإخراجه يده بيضا، من غير سوء، وكنحو الجراد والقتل ~~والضفادع والدم وغير ذلك من الآيات؟ # فإن قالوا: كان موسى يدعوا الله، فيفعل ذلك على يديه، والمسيح كان يخترع ~~ذلك اختراعا. PageV01P024 # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين قلب عليكم، فقال: موسى أولى بالنبوة ~~وباتخاذ الكلمة به، من عيسى، لأن موسى كان يخترع ذلك اختراعا، وعيسى كان ~~يدعوا الله فيفعل ذلك على يديه، من أن في كتابكم: أن عيسى كان يدعو الله ~~ويتضرع إليه؟ # فإن قالوا: لم يكن دعاؤه إلا على معنى: أن يعلم الناس كيف يدعون. # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من ادعى ذلك في موسى عليهما السلام؟ # وسئل بعض النصارى فقيل له: حدثني ما معنى قولك: إن كلمة البارئ اتجدت ~~بجسد المسيح؟ # فقال معنى ذلك: أنها حلت فيه. # قيل له: فإذا جاز أن تحل الكلمة القديمة جسد المسيح، فلم يجوز أن تماس ~~الكلمة القديمة جسد المسيح؟ وما الذي يمنع من جواز مماسة الكلمة جسد ~~المسيح؟ # قال: لأن ms023 المماسة لا تكون إلا على ما يعقل من التقاء طرفين، وذلك منفي عن الإله. # قيل له: ما الفضل بينك وبين من قال: والحلول لا يكون إلا على ما يعقل، من ~~حلول الشئ في الشئ، وحاجته القيام به؟ فإن جاز عندك أن تحل الكلمة جسد ~~المسيح، على خلاف الحلول الذي نعقله من حلول الشئ، بمعنى الحاجة إليه، ~~والمماسة له، وهي معنى أنه لا قوام له إلا به، فما أنكرت أن تماس الكلمة ~~جسد المسيح، على خلاف المماسة المعقولة، من مماسة الشئ للشئ. # فقال: لا يجب أنه إذا حلت الكلمة جسد المسيح، أن أقول: ماست جسد المسيح، ~~كما لا يجب أن البارئ حال في السماء، أن يكون مماسا لها. # قيل له: ومن سلم لك أنا البارئ في السماء، أن يكون مماسا لها وما أنكرت ~~أنه إذا جاز أن يحل البارئ في السماء، وهو قائم بنفسه، أن يكون جائزا أن ~~يماس السماء وإذا حلت الكلمة جسد المسيح وهو جوهر خاص، أن يكون جائزا أن يمسه. # فقال: جوهر. وهو حال في النفس وليس مماسا لها. # فقلت: وما تنكر أن جوهر العقل جوهر، وهو حال في النفس، وليس بمماس لها. PageV01P025 # فقلت: وما تنكر أن العقل جوهر، وكان حالا في النفس، أن يكون مماسا لها ~~وترك هذا، ثم سئل، فقيل له: ما الذي أنكرت أن تمازج الكلمة جسد المسيح مع ~~إجازتك حلولها فيه؟ # فقال: لأن الممازجة تخرج الشيئين الممتزجين، عما كانا عليه وذلك أن الماء ~~إذا مازج اللبن خرجا بالامتزاج عما كانا عليه. # قيل له: فما الفضل بينك وبين من قال: والماء إذا حل في اللبن، خرج أحدهما ~~في صاحبه عما كانا عليه، فلا يجب من ذلك أن يزعم أن الكلمة حلت جسد المسيح. # قيل له: ما أنكرت أن يكون الامتزاج لا يخرج الكلمة والجسد عما كانا ~~عليه،وأن يكون على خلاف الامتزاج المعقول، كما ثبت حلول على خلاف الحلول ~~المعقول، فزعم أن الماء يحل الجرة وليس بممازج الجرة. # قيل له: إن وجب أن تحل الكلمة جسد ms024 المسيح من غير ممازجة، فما أنكرت أن ~~الكلمة تماس جسد المسيح، من غير ممازجة. # ويقال لهم: إذا جاز أن يكون المحدث محلا للقديم فما أنكرتم أن يكون حاويا له. # وإذا جاز أن تحل الكلمة في جوهر خاص، في جسد محدود, فما أنكرتم أن تكون ~~محدودة، وإن جاز أن يحل ما ليس بمحدود فيما ليس بمحدود، وإذا جاز أن يحل ~~القديم في المحدث فما أنكرتم، من جواز حلول المحدث في القديم. # فإن قالوا: لو حل المحدث في القديم، لم يسبقه القديم. # قيل لهم: ولو حل القديم في المحدث، لم يسبقه المحدث. # ويقال لهم: إذا جاز حلول القديم في المحدث، فما أنكرتم من جواز حلول ~~القديم في القديم، وكل علة يمنعون بها حلول القديم في القديم، والمحدث في ~~القديم منعنا بها حلول القديم في المحدث، وبالله نستعين. # الباب الخامس والثلاثون # في الرد على من قال من النصارى باللاهوت والناسوت # معنى قولهم: عيسى عليه السلام لاهوتي ناسوتي. لاهوتي الأب وهو الإله، ~~وناسوتي الأم وهي من الناس. # ويقال لهم: أي شئ دعاكم إلى القول: بأن عيسى لاهوتي ناسوتي؟ # فإن قالوا: لأنه أبرأ الأكمه والأبرص، وأحيى الموتى؟ PageV01P026 # قيل لهم: فما أنكرتم أيضا أن موسى لاهوتي وناسوتي؛ لأنه قلب العصا حية ~~واليد بيضاء من غير سوء. # فإن قالوا: إنه دعاء ربه، فقلب له العصا، وما هو منه. # قلنا لهم: وكذلك نقول إن عيسى دعاء ربه فأحيى له الموتى إظهارا لمعجزته. # ثم يقال لهم: ما قولكم فيه، حيث قتل وصلب - على ما ذكرتموه - أقتل ~~لاهوتي؟ # فإن قالوا: نعم، فقد صرحوا بأن ما قالوه لا أصل له؛ لأن القديم لا يقتل. # ولو كان قديما لما قتل. # وإن قالوا: إن القديم يموت ويقتل، فقد صرحوا بأنه محدث؛ لأن كل زائل عن ~~صفته طارئ عليه ضده ألا يكون محدثا؟ فلا يجدون في ذلك فضلا، ولا عنه مخرجا. # ثم يقال لهم: فما الذي دعاكم إلى قولكم:بأن عيسى لاهوتي؟ # فإن قالوا: لأنه وجد من غير ذكر. # قلنا لهم: فقولوا: إن حواء - عليها ms025 السلام - لاهوتية، لأنها وجدت من غير ~~أنثى. بل قولوا: آدم لاهوتي، لأنه وجد من غير ذكر، ولا أنثى. وبالله ~~التوفيق. # الباب السادس والثلاثون # في الدر على اليعقوبية من النصارى # يقال لمن قال من اليعقوبية: إن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالإيجاد. إذا ~~جاز عندكم ذلك، فلم لا جاز أن ينقلب القديم حديثا، والحديث قديما بالإيجاد، ~~كما جاز أن تنقلب الكلمة لحما ودما، وهي ليست بلحم ولا دم لعينها؟ # ويقال لهم: إذا زعمتم أن البارئ والد لكلمته، وأنه ابن كلامه، أتزعمون أن ~~الإنسان ولد كلامه ووالده؟ # فإن قالوا: لا. # قيل لهم: ولم منعتم ذلك، وما الفضل بينكم وبين من عكس عليكم، فزعم أن ~~الإنسان ليس والدا لكلامه، وأنه أبوه، والقديم ليس كذلك، على قلب ما قلتم؟ # فإن قالوا: إن الإنسان ليس بوالد لكلامه؛ لأن ذاته قبله، والقديم والد ~~لكلامه، لأن ذاته لم تسبقه. وهذا قلب العقول. وإما أن يعكس هذا عليكم فيقال ~~لكم: ما أنكرتم بأن يكون القديم ليس باي لكلامه، وأن يكون الإنسان أبا ~~لكلامه؛ لأن ذات الإنسان سابقة لكلامه. وذات القديم ليست كذلك. PageV01P027 # ويقال لهم: ما قولكم: إن الإنسان ليس بأب لكلامه، لأن ذاته قد سبقت ~~كلامه. فما أنكرتم أن يكون الإنسان أبا أبيه، لأن ذاته قد سبقته. وإلا كنتم ~~مناقضين لاعتلالكم. # ويقال لهم: إذا كان القديم أبا لكلمته، إذ كان لم يسبقها فما أنكرتم أن ~~تكون كلمته أبا له؛ لأنها لم تسبقه، وأن يكون أبا لحياته وروحه؛ لأنهما لم ~~يسبقاه وغلا كان اعتلا لكم منتقضا. # فإن قالوا: إن الإنسان أبو كلامه، ووالد له. # قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون الإنسان أبا لفعله ووالدا له، وما الفرق ~~بينكم وبين من قال: إن الإنسان أبو فعله، وليس بأبي كلامه، على قلب ما قلتم وعكسه؟ # فإن قالوا: فعل الإنسان ليس بخارج عن ذاته. فلذلك لم يكن أبا له. # قلنا لهم: وكذلك كلام الإنسان ليس بخارج عن ذاته، فلذلك لا يكون أبا له، ~~وما الفرق بين خروج الإنسان عن ذاته، وخروج كلامه ms026 عن ذاته؟! # فإن زعموا أن الإنسان أبو فعله ووالده. # قيل لهم: فإذا كان الإنسان أبا كلامه، وإن كان سابقا لكلامه، كما قلتم في ~~الإنسان وفعله. # فإن قالوا: إن البارئ سابق لفعله، فلذلك لا يكون والدا له. # قيل لهم: ذلك في الإنسان، وفي كلامه. # وقيل لهم: إن كان البارئ أبا لكلامه، إذ لم يسبقه فواجب أن يكون أبا ~~لحياته؛ لأنه لم يسبقها، وأن يكون كلامه أبا له؛ لأنه لم يسبقه. # فإن قالوا: إن فعل البارئ خارج عن ذاته، فلذلك لا يكون البارئ أبا له، ~~وكلام البارئ ليس بخارج عن ذاته، فلذلك كان أبا له. # قيل لهم: إن كانت العلة في كون البارئ أبا لكلامه، هو أن كلامه ليس بخارج ~~عن ذاته. فلم لا يكون أبا لوحه؛ لأن روحه ليست بخارجة عن ذاته. # ويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال عكسا عليكم، في قلب المسألة: إن ~~البارئ أبو فعله، لأنه خارج عن ذاته وليس بأبي كلامه؛ لأنه ليس بخارج عن ذاته. PageV01P028 # وقد فرق مفرق منهم، بين أن يكون البارئ أبا لكلامه، وبين أن يكون أبا ~~لحياته: بأن كلامه يبدو ويظهر، وليس بأبي حياته؛ لأنها لا تبدو ولا تظهر . # إن كانت العلة، في أنه أبو كلامه: يبدو ويظهر. # يقال له: ما معنى قولك: إن كلام البارئ يبدو ويظهر؟ فتعني أنا ندركه حسا. # فإن قال: نعم، عورض بذلك في حياته. # وإن قال: أعني أنه يظهر لنا بالاستدلال، ويبدو لنا بالحجة. # قيل له: فقل: إن حياته تبدو وتظهر، على هذا المعنى. # وليس للنصارى عن إلزامنا لهذا، من محيص ولا ملجأ. وبالله التوفيق. # الباب السابع والثلاثون # في الدر عليهم لقلبهم اسم المسيح عن معاني الحق والعدل # يقال لهم: أخبرونا عن قولكم: مسيح يقع على الكلمة دون الجسد المولود من ~~مريم؟ أم يقع الجسد المولود من مريم دون الكلمة؟ أم يقع عليهما جميعا؟ # فإن قالوا: يقع على الكلمة دون الجسد. # قيل لهم: فما معنى قولكم: مسيح؟ أليس مأخوذا من المسح؟ # فإن قالوا: لا. # قيل لهم: فما ms027 أنكرتم أن يكون مأخوذا من المسح؛ لأنه يقال: مسح فهو مسيح، ~~كما يقال: قتل فهو قتيل. فإن جاز أن يقال في اللغة: مسيح لا من المسح، جاز ~~أن يقال: قتيل لا من القتل، وطريد لا من الطرد. # ويقال لهم: إذا كانت الكلمة هي المسيح، فلا تقولوا: المسيح عيسى بن مريم. # فإن قالوا: قولنا: مسيح مأخوذ من المسح. # قيل لهم: إذا جاز المسح على الكلمة القديمة، فلم لا جازت عليها المماسة ~~والمفارقة وسائر الوصاف التي يستدل بها على حدث الأجسام؟ # وإن هم قالوا: قولنا: مسيح واقع على الجسد دون الكلمة. # قيل لهم: فقولوا: إن المسيح مخلوق من كل وجه، وليس بابن لله، من كل وجه. # إذا كان قولكم: مسيح واقعا على الجسد دون الكلمة، وقولوا: إن المسيح لم ~~يولد من مريم، ولا كان يأكل الطعام ولا يشرب الشراب. ولا تقولوا: إن المسيح # ابن الله، إذا كان من قولكم: مسيحا، ليس واقعا على اللاهوت، ولا على كلمة الإله. PageV01P029 # وإن هم أبوا أن يكون المسيح ابنا لله، وأبوا أن يكون مولودا من مريم. # قيل لهم: فالمولود إذا من مريم غير المسيح، وهو الذي ألزمناهم إياه، متى ~~صاروا إليه، تركوا النصرانية وأبطلوها. # وقيل لهم: لا تقولوا: إن المسيح قتل، إذا كان ليس بإله، ولا إنسان، ولا ~~بجسد، ولا بعرض. # وقيل لهم: إذا لم يكن جسدا ولا عرضا ولا إلها ولا إنسانا. فما أنكرتم أن ~~لا يكون خالقا ولا مخلوقا ولا قديما ولا محدثا ولا حيا ولا ميتا ولا موجودا ~~ولا معدوما. # وإن قالوا: قولنا مسيح واقع على الجسد والكلمة. # قيل لهم: فإذا قلتم: أكل المسيح وشرب؛ وقتل وصلب، كان الأكل والشرب ~~والقتل والصلب، واقعا على شيئين: أحدهما جسد، والآخر اللاهوت والناسوت. # وإذا جاز على اللاهوت والناسوت، الأكل والشرب، والقتل والصلب. # فما أنكرتم من أن يجوز عليهما الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون، ~~والظهور والسكون، وسائر ما يستدل به على حدث الأجسام، وإذا جاز ذلك عليهما. ~~فما جعل الناسوت بالحدث والخلق، أولى من اللاهوت؟ وما جعل اللاهوت ms028 بالقدم ~~والإلهية، أولى من الناسوت، وقد اشتركا فيما يستدل به على حدث الأجسام؟ # وإن قالوا: وقع القتل والصلب، والأكل والشرب، على الناسوت واللاهوت. # قيل لهم: أرأيتم من زعمتم أن اللاهوت والناسوت هما المسيح، وأن القتل ~~والصلب وقع على اللاهوت والناسوت، ولم يقع على المسيح، أليس يكون مناقضا؟! # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون من زعم أن المسيح لاهوت وناسوت، والقتل ~~والصلب واقع على اللاهوت والناسوت، مناقض، إذا كان المسيح لاهوتا وناسوتا. # الباب الثامن والثلاثون # في الرد على أهل التثليث من النصارى وهم النسطورية # قالت النصارى: إن الله واحد ثلاثة، فواحد بالجوهر، ثلاثة بالأقنومية(1). PageV01P030 # فقالوا: ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، من جوهر واحد، فجعلوا ثلاثة ~~واحدا، وواحدا ثلاثة، فرد الله عز وجل عليهم ذلك، فقال: { ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد } . # فأما التثليث، فإن الوجه فيه أن تؤخذ علتهم التي منها اعتلوا وذهبوا إلى ~~ذلك، فيعارضوا بما نحن واصفون. # يقال لهم: إذا أثبتم البارئ ثلاثة أقانيم أبا، وهو العالم، وابنا وهو ~~علمه، وروحا وهي حياته، فما الفضل بينكم وبين من أثبته أربعة أقانيم: أبا ~~وابنا وحياة وقدرة؟ # فإن قالوا: إن الحياة هي القدرة، فلذلك وجب أنه ثلاثة أقانيم. # قيل لهم: فما الفضل بينكم وبين من قال: إن البارئ تعالى أقنومان، وأن ~~العلم هي الحياة، كما قلتم: إن الحياة هي القدرة. # فإن قالوا: قد يكون الإنسان حيا، وينقص علمه، والحياة بحالها، فبطل أن ~~تكون الحياة علما. # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من زعم أن الإنسان قد يكون حيا، # وتنقصه قدرته، حتى لا يقدر أن يحمل عشرة أرطال، وتزيد قوته، حتى يقدر أن ~~يحمل مائة رطل، والحياة بحالها، فبطل أن تكون الحياة قدرة. # فإن قالوا: قد يقال: عالم واعلم منه، ولا يقال حي وأحي منه، فبطل أن تكون ~~الحياة علما. # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: قوي وأقوى منه، وقادر وأقدر منه، ~~ولا يقال: حي وأحي منه، فبطل أن تكون الحياة ms029 قدرة. # فإن قالوا: قد يكون الإنسان حيا، ويبطل علمه أجمع، فيحال ما يغمى عليه ~~فبطل أن تكون حياته علما. # قيل لهم: وقد يجوز أن يغمى على الإنسان، فيئول الغمى إلى أن يعديه من ~~جميع القدرة، أو أكثرها، وهو في تلك الحالة حي، فبطل أن تكون الحياة قدرة. # فإن قالوا: لم تذهب القدرة بذهاب العلة، إلا بذهاب بعض الحياة. # قيل لهم: ما الفضل بينكم وبين من قال: لم يذهب العلم إلا بذهاب بعض ~~الحياة، وهذا مالا فضل فيه. PageV01P031 # وكذلك يطالبون بأن يثبتوا أقنوما خامسا، وهو سمع للبارئ، وأقنوما سادسا، ~~وهو بصر له، وسابعا، وهو عزة له، وثامنا، وهو عظمة. # وفي صفات الذات، يطالبون بأن يجعلوها أقانيم، فإن أثبتوا السمع والبصر ~~علما، عورضوا بمثل ما عارضناهم آنفا، من أن يجعلوا الحياة علما، ويقال لهم: ~~إذا كانت الأقانيم جوهرا واحدا، وكان الأب جوهرة جوهر الابن، فلم كان أحد ~~الجوهرين الخاصين، بأن يكون أبا أولى منه، من أن يكون أبنا، إذا كان # جوهرا لنفسه، وكان جوهره جوهر صاحبه، ولم يكن أحدهما سابقا للآخر، ولا ~~أقدم ذاتا منه. # وإذا كان العلم من جوهر الحياة، فما جعله بأن يكون ابنا للبارئ، أولى من ~~الحياة، وإذا كان كل واحد من الجواهر من جوهر صاحبه، فما أنكرتم من أن يكون ~~موافقا له، وأن يكون أحدهما علما والآخر كذلك. # وإذا كان أحدهما قدرة، والآخر قدرة، إذا كان جوهرهما واحدا، وكان أحدهما ~~علما لنفسه، والآخر قدرة لنفسها، ويقال لهم: لم قلتم القديم قادر وعالم. # فإن قالوا: لأن من لم يكن عالما قادرا، كان منقوصا جاهلا. # قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون الابن عالما قادرا، وكذلك الحياة مثل ~~اعتلالكم، والأوجب للابن والحياة الجهل والنقص. # فإن أثبتوا الابن عالما قادرا، وكذلك الحياة. # قيل لهم: لم قلتم الأب فاعل، دون أن تثبتوا الابن فاعلة، فلا يجدون بدا ~~مما طالبناهم به. # ويقال لهم: إذا قلتم: إن الأب والابن فاعل والقدرة فاعلة، فهم على وصفكم ~~ثلاثة فاعلين، وهل يخلو فعل كل واحد منهم، أن ms030 يكون هو فعل صاحبه وغير فعله. # فإن أثبتوا فعل كل واحد منهما، غير فعل صاحبه. # قيل لهم: فما يؤمنكم أن تكون الجسام كلها من فعل الابن، دون الأب أو من ~~فعل القدرة، دون الأقنومين الآخرين. # ويقال لهم: هل يقدر الابن، إذا فعل الأب شيئا يمنعه، حتى لا يقع؟ # وإذا أراد ابن مرادا أن يفعل الأب خلافه، حتى لا يتم مراد الابن أم لا؟ # فإن قالوا: لا أثبتوا ضعفه. PageV01P032 # يقال لهم:ما أنكرتم إذا أثبتم الضعف لهما، أو لأحدهما، أن يثبت العجز ~~لهما، أو لأحدهما، ولا بد من الإجابة إلى ذلك وإلا طلبوا بالفصل. # وإن أجابوا إلى ذلك قيل لهم: وإذا قلتم: عاجز قديم: فهل يخلو أن يكون ~~عاجزا لعينه، أو لعجز قديم. # فإن أثبتوا عجزا قديما، نقضوا التثليث، وأثبتوا أقنوما رابعا، وهو العجز. # وقيل لهم: ما أنكرتم من أن يكون القديم جاهلا، بجهل قديم، كما أثبتموه ~~عاجزا يعجز قديم، فلا بد من الإجابة إلى ذلك أو يأتوا بين ذلك بفرقان. # فإن أجابوا إلى ذلك، أثبتوا أقنوما خامسا، وهو الجهل. # وإن زعموا أن القديم عاجز كما يعجز عنه لعينه. # قيل لهم: فما أنكرتم، من أن يكون قادرا على ما يقدر عليه لغيره، لا يقدرة ~~وهذا هدم للقول بالأقانيم، وإبطال التثليث. # ويقال لهم: إذا قلتم: ثلاثة أقانيم، جوهر واحد فقولوا: كل أقنوم منه إله. # فإن قالوا لا. # قيل لهم: ولم منعتم من ذلك، وجوهرهما واحد؟ # ولم زعمتم أن الجوهر إله دون أن تقولوا: إن الجواهر الثلاثة، هي ثلاثة ~~آلهة، إذا كان جوهرهما واحدا. # وإن قالوا نعم. # قيل لهم: فثلاثة آلهة إله واحد. # فإن قالوا نعم. # قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون ثلاثة أشياء شيئا واحدا، وأن يكون ثلاثة ~~قادرين قادرا واحدا، وثلاثة فاعلين فاعلا واحد، فما الفرق بين ثلاثة ~~أقانيم، وثلاثة جواهر، خواص جوهرها واحد، وبين ثلاثة فاعلين فاعل واحد، فلا ~~فرق في ذلك - تعالى الله - عن جميع ما قالوا علوا كبيرا. # الباب التاسع والثلاثون # في الرد على من زعم من النصارى أن ms031 المسيح ابن الله # عز وجل وتعالى عن ذلك # زعمت فرقة من النصارى أن المسيح عيسى بن مريم ابن الله، واعتلوا فقالوا: ~~وجدنا من لا ابن له ناقصا، والذي له ابن أكمل، فوجب أن نصفه بالصفة التي ~~توجب الكمال والتفضيل. # يقال لهم: فقولوا: إن عينين ويدين، كمثل علتكم هذه. # ومن ذلك قالوا: إن الابن نطق، والروح حياة، ومن ليس بناطق فهو أخرس، ومن ~~لا روح له فهو ميت. PageV01P033 # قيل لهم: فإن من ليس بفاعل فهو عاز وتارك ومحال منه الفعل في ذلك فقولوا: ~~إنه لم يزل فاعلا أو تاركا، لتنفو عنه العجز، واستحالة وقوع الفعل، ومن لا ~~يد له هي بعضه، فهو أشل ومن لا عين له، فهو أعمى، ومن لا ذكر له، فهو أنثى ~~وإن اعتلوا، وادعوا أن الله تعالى سمى المسيح ابنا، وسمى نفسه له أبا، ~~ووجدوا فيه أن المسيح قال: أذهب إلى أبي وأبيكم. # قيل لهم: فقال المسيح في إنجيله:أذهب إلى أبي وأبيكم، فإن وجب بهذا القول ~~أن يكون الله تعالى أبا له، وأن يكون هو ابنا لله، فما أنكرتم أن يكون أبا ~~لجميع من خاطبه، وتكونوا أبناءه أيضا، فيجب على قولكم هذا أن يكون الله ~~تعالى أبا للحواريين، من أجل أن عيسى قال: أذهب إلى أبي وأبيكم. ولم لا # وجب أن يكون الله تعالى أبا لموسى -عليه السلام - ولبني إسرائيل ويكون ~~إسرائيل ابنا لله تعالى؛ لأنه تعالى قال: إسرائيل بكرى، وقد قيل لهم: أليس ~~الأب له ابن؟ # فقالوا: نعم. # فقال: والابن لا ابن له. # فقالوا: كذلك هو. # قيل لهم: فكيف يكون له ابن، هو الذي لا ابن له؟ فكيف يجوز أن يكون الابن ~~بغير إله. # ويقال لهم: إذا كنتم تعبدون المسيح، والمسيح إله إنسان فقد عبدتم إنسانا، ~~ومن عبد إنسانا، فقد كفر عندنا وعندكم. # ويقال لهم: هل يخلو المسيح - عليه السلام - من أن يكون إنسانا بكليته ~~وكماله، ومن جميع جهاته، غير إنسان أو يكون إلها من جهة، إنسانا من جميع ~~جهاته، فإن أثبتوه إنسانا من جميع جهاته، ms032 وأثبتوه محدثا مخلوقا، وعبدا ~~مربوبا، من جميع جهاته، بطل أن يكون فيه شئ من الألوهية. # قيل لهم: إذا أثبتموه مخلوقا من جميع الجهات، فهلا أثبتموه ابنا، على وجه ~~من الوجوه. # فإن قالوا: إلا برضى النصرانية فقد قالوا بالحق. # وإن قالوا: نثبته ابنا على وجه ما قيل. # قيل لهم: على أي وجه تثبتونه ابنا؟ PageV01P034 # فإن قالوا: على طريق المناسلة والموالدة، فقل لهم: إذا جاز على الإله ما ~~ذكرتموه، لم لا جاز عليه الأكل والشرب، والحركة والسكون، وسائر ما يجوز على ~~الأجسام؟ # وإن قالوا: نثبته ابنا على أنه فضل من الله. # قيل لهم: فإذا أثبتموه مخلوقا من جميع الوجوه فما معنى قولكم فيه: إنه ~~فضل من الله؟ # فإن رجعوا إلى حدوث معنى؛ فينبغي لهم أن يثبتوا لسائر الأشياء المحدثات ~~من البنوة والفضول، ما للبارئ ما يثبتونه للمسيح. # وإن أثبتوا ابنا، على أنه بعض للبارئ، ويكون المحدث بعضا للقديم. # وإن كان بعض القديم محدثا، فلم لا كان جميعه كذلك. # وإن أثبتوا المسيح بعضا للبارئ، دون غيره من الأجسام. # قيل لهم: فإذا كان المسيح إنسانا محدودا طويلا عريضا مجتمعا، يجوز عليه ~~ما يجوز على البشر، من أحوال البشرية، يجري عليه من طبائعهم الجسمية فما ~~جعله بالآلهة، أولى من غير سائر الرسل؟! # قيل لهم: ولم قلتم ذلك في المسيح دون غيره، وما أنكرتم من أن يكون موسى - ~~عليه السلام - كان إنسانا إلها، وإذا جاز أن يكون المسيح إلها من وجه، # إنسانا من وجه، فما أنكرتم من أن يكون قديما، لم يزل كائنا من وجه محدثا، ~~لم يكن ثم كان، من وجه آخر. # فإن أجابوا إلى ذلك تناقض قولهم: إن مالم يكن ثم كان لم يزل كائنا ~~موجودا، من وجه وما لم يزل كائنا، ثم كان من وجه آخر. # ويقال لهم: إذا جاز أن يكون الشئ إنسانا من وجه، إلها من وجه، محدثا من ~~وجه، قديما من وجه، فما أنكرتم أن يكون الإله الذي دبر العالم إنسانا من ~~وجه لم يكن، ثم كان من وجه، خالقا ms033 من وجه، مخلوقا، ربا من وجه، مربوبا من ~~وجه فهذا عين التناقض. وبالله التوفيق. # الباب الأربعون # في الرد على النصارى # قولهم: إذا جاز أن يكون إبراهيم خليلا لله # فكذلك يجوز أن يكون عيسى ابن الله # إن سأل سائل فقال: أليس قد أتخذ الله ابراهيم خليلا؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: فلم لا يجوز أن يتخذ عيسى ابنا؟ PageV01P035 # قيل له: إنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لله، كما أن الله خليل له، فلو كان ~~قياس اتخاذ ابن قياس أتخاذ خليل، لكان الله تعالى ابنا لعيسى، كما أن عيسى ~~ابن له، فلما بطل ذلك في القبنى، بطل أن يكون قياسهما واحدا؛ لأن الرجل قد ~~يخال أباه، فيكون خليلا لأبيه، ولا يجوز أن يتبنى أباه، فيكون الابن أبا لأبيه. # وأيضا فإنا قد أطلقنا الخلة لإبراهيم والنبوة فأطلقوا البنوة لعيسى صلى ~~الله عليهم أجمعين. # الباب الحادي والأربعون # في معنى ما قال الله تعالى في عيسى بن من مريم صلى الله عليه وسلم إنه ~~روحه وكلمته ألقاها إلى مريم # فإن قيل: ما معنى تسمية الله لعيسى عليه السلام - روحا وكلمة؟ # قيل له: لما كانت الأرواح تحيا بها الأجساد، وكان كتاب الله عز وجل ~~بيانا، يبين به للناس، ما يأتون وما يتركون، فإذا تبينوا بكلام الله ما ~~يبين لهم، حيوا بذلك في دينهم، كما قال الله تعالى: { أومن كان ميتا ~~فأحييناه } وكان المسيح يبين للناس عن ربهم، ما يأتون وما يتقون، فإذا ~~قبلوا ما يأتيهم، حيوا في دينهم، وانتفعوا في آخرتهم، وصاروا إلى الحياة ~~الدائمة - سماه الله تعالى روحا، إذ كان يحي به العباد في دينهم، إذا قبلوا ~~منه، وانتفعوا به كما ينتفعون بأرواحهم. # وعلى هذا المعنى، سمى الله جبريل - عليه السلام - روحا. وسمى القرآن روحا. # وكذلك سماه كلمة، إذ كان ينتفع به، كما ينتفع بكلام الله عز وجل، فهذا ~~معنى تسمية الله تعالى المسيح روحا وكلمة، وبالله التوفيق. # الباب الثاني والأربعون # في التشبيه ومعانيه وبيان ذلك # قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } . # قال الشيخ أبو ms034 الحسن البسياني: التشبيه أن يشبه الله تعالى ببعض خلقه، ~~فيما يصفه به، أنه تعالى يبصر ببصر، أو يسمع بسمع، أو يعلم بعلم، كالخلق ~~فذلك هو التشبيه. # قال المؤلف: وقد قالت المشبهة: إن الله تعالى خلق آدم على صورته، وكذبوا ~~على الله رب العالمين. # الباب الثالث والأربعون PageV01P036 في نفي التشبيه عن الله عز وجل # قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } # إن قال قائل: لم قلتم: إن الله تعالى لا يشبه الأشياء، ولا تشبهه؟ # قيل له: لأنه لا يخلو من أن يشبهها من جميع الجهات أو بعضها. # فإن أشبهها من كل الجهات، لكان مشبها لها، من حيث أشبهها، تعالى الله عن ذلك. # فإن قال قائل: فإذا علم العبد محدث، فكيف يعلم أنه لا يشبه شئ منها، ولا تشبهه؟ # قيل له: يعلم بما نشاهد من المحدثات فيما بيننا: أن كل صنعة لا تشبه ~~صانعها، كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فإن علم ذلك ~~استدل بما ظهر له من ذلك، على ما غاب عنه، فعلم أن البارئ عز وجل لا تشبهه ~~الأشياء ولا تشاكله، وقد قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ } أي ليس هو ~~كالأشياء تعالى الله عن ذلك. # الباب الرابع والأربعون # في القول في ذات البارئ # أشخص هو أم لا؟ # والرد على المشبهة # المراد بذات الله إثباته والإخبار عنه، بأنه ليس كمثله شئ فنفسه ذاته، ~~وذاته إثباته لا غير ذلك؛ لأنه تعالى ليس بذي جسم، لأنه تعالى لو كان جسما ~~من الأجسام، لكان طويلا عريضا عميقا، لا يخلو من الحدود والنهاية والأعراض، ~~فهذه صفة الجسم، ولولا ذلك لم يكن جسما وكانت جواهر. # ومن كان لا يخلو من الحركة والسكون، والنهاية والحركة والمكان، كان محدثا ~~مخلوقا، إذ لم يقدر على أن لا يكون محدودا ذا نهاية وأقطار ومن الحركة ~~والسكون والتأليف والأبعاض، جل الله عن ذلك، وليس عز وجل بعرض، إذ العرض لا ~~يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وهي الجواهر والأجسام فليس خالق الأجسام ~~بجسم؛ لأن خالق الأجسام لو كان جسما ms035 لكنا نخلق من الأجسام تقديرا قويا، ~~فلما استحال ذلك، علمنا أن خالق الأجسام ليس بجسم، ولو كان خالق الأشياء ~~جسما أو جثة، لكان لا يخلو من أن يكون يقدر أن يزيد في جسمه أو جثته، أو لا يقدر. PageV01P037 # فإن كان يقدر على ذلك, فقد تغير عما هو عليه، ومن جعله التغيير والزوال ~~والزيادة والنقصان، فهو محدث مع أن زيادة الجسم في العظم، لابد لها من ~~نهاية، ومن كان ذا نهاية وبداية، فهو مخلوق مقسور على تلك النهاية والحدود. # وإن كان لا يقدر أن يزيد في جسمه، أو جثته، فهو عاجز، والعاجز ليس بإله ~~قدير، مع أن الهواء الذي تزيد فيه جثته، لا يخلو من أن يكون هو أو غيره، ~~فإن كان غيره، فقد صح أن معه غيره، وبطل التوحيد، وإن كان هو فهذا هو ~~المحال؛ إذ أحدث لله صفة ولا تعرف؛ لأن زيادة الجسم لا يكون ذلك إلا بقصى ~~وهوى، ليزداد فيه الجسم. # قيل له: لا كيفية لله؛ قولك: كيف إشارة منك إلى كأي شئ هو. # والله تعالى ليس كمثله شئ، وكذلك أين هو سؤال عن المكان ولم يزل الله ولا ~~مكان له، ثم خلق المكان فكان المكان بعد أن لم يكن مكانا لهذه الأجسام. # فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون البارئ جسما لا كالأجسام. # قيل له: إن الأجسام المعقولة المسماة، مع أهل اللغة، أنه ما كان على هذه ~~الصفة المعقولة معهم، في الطول والعرض والعمق، وقولك: جسم لا كالأجسام، فقد ~~نفيت عنه معنى الجسمية، وذكرت ما لا يعقل في الشاهد، فيما بيننا، وما يعرف ~~في اللغة كأنك قلت جسم، وليس بجسم، فهذا محال ونقص ولو جاز أن يكون جسما لا ~~كالأجسام، لجاز أن يكون إنسانا لا كالناس في الجسمية، من الطول والعرض ~~والعمق والتأليف والحركة والسكون، فلما فسد ذلك فسد قولك: جسم لا كالأجسام. # وإن قلت فهو جوهر. # قلنا: إن الجوهر متغير، محيط به الهواء، محتاج إلى القرار والمكان، متحرك ~~أبدا، ومن كان بهذه الصفة فليس بإله عظيم، ms036 على كل شئ قدير؛ لأن الجوهر لم ~~يخل من المكان والحدود، وقبول الأعراض. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والأربعون # في نفي جوارح الصورة عن الله تعالى # إن قال قائل: # لم نفيتم عن الله صفة الجوارح، وقد قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه ~~- ويبقى وجه ربك } ؟ PageV01P038 # وقال: لما خلقت بيدي، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات ~~بيمينه وعلى ما فرطت في جنب الله، ويم يكشف عن ساق، ونفخت فيه من روحي، هو ~~قائم على كل نفس. # وقال: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يوم القيامة، ~~وغير ذلك من الآي. # الجواب: أن للقرآن تأويلا وتفسيرا، فمن تأوله على خطئه وهواه ضل، وذلك ~~أنه إذا مرت بنا آية من هذه الآي. فأخبر تعالى بما يوجب شيئا من ذلك، يؤمن ~~به وينزه الله أن تكون له جارحة، أو جزء، أو بعض، أو شبه، أو مثل، ويكل ~~تأويل ذلك إلى الله، ويؤمن به، ويقول: لا يعلم تأويل ذلك إلا الله. # وقال بعض: إنا نعلم أن الله أنزل كتابا بلغة العرب، كما ورد من الآي ~~والأخبار، ليس فيها ما يخرج من لغة العرب، فلا بد مما يطلب معناها، عما ~~تقتضيه اللغة، فإن وجدنا لذلك اللفظ في اللغة معاني، تجوز جميعها على الله ~~تعالى، وإثباته في وصفه، ثم إنا نقطع بنفي أحد ما يجوز في وصفه، فيحمله على ~~ذلك على سبيل التجويز والاحتمال، لا على سبيل القطع واليقين، بل نقول: ~~يحتمل أن يكون كذا وكذا، مما هكذا. # وكذلك ما يجوز إثباته، ويقطع بأنه لا يكون معناه ما يوجب تشبها بخلقه، أو ~~إثبات عضو وبعض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقيل: كل ما وصف الله تعالى به نفسه، مما له المعاني الكثيرة، فأحقها به ~~عز وجل، ما وافق صفاته الذاتية. وبالله التوفيق. # الباب السادس والأربعون # في النفس وتفسيرها # والرد على من قال: إن الله تعالى نفسا منفوسة. # النفس في لغة العرب: على معان مختلفة. # فمنها: ما يراد به النفس المنفوسة، وهو كقوله تعالى: ms037 { كل نفس ذائقة ~~الموت } . # ومنها: ما يراد به التوكيد، كقولهم: هذا الحق نفسه، ومنه قول موسى - عليه ~~السلام - إني ظلمت نفسي، أي إني ظلمت لا غير ذلك. # والنفس: الرأي والإدارة، كقولهم: نفس فلان في كذا وكذا، أي إرادته فيه، ~~وهو بين نفسين وإرادتين. # ومنه قول الكميت يذكر حمارا: PageV01P039 # يذكر من أنى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذا الهجمة الإبل # والنفس: الضمير وما في قلب الإنسان. # والنفس: العين التي تصيب الإنسان. # والنفس: الدم، ومنه قولهم: نفست المرأه، وامرأة نفساء. # وأما النفس المنفوسة عن الله فمنفية؛ لأنها لا تكون إلا للمخلوقين؛ لأنهم ~~بها يحيون، وبما يموتون، والله تعالى لا يشبه شئ من خلقه. تعالى الله عن ذلك. # وأما قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } يريد عقوبته وقوله: { تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك } يقول: تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، ويجوز تعلم ما ~~عندي، ولا أعلم ما عندك، إلا ما علمتني من أمرك وحكمك، والعند هاهنا الحكم، ~~يقول القائل: هذا ما عندي، يريد هذا في حكمي، ويجوز أن يقول: هكذا في علمي. # وقيل في قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } ، أي يحذركم إياه أن يعاقبكم ~~إن عصيتموه. وقوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي على ذاته لا على ~~شئ سواه، ومنه قوله تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أي لذاتكم، ولكم ~~لا لغيركم. # والنفس: القوة، تقول العرب، ما له نفس، أي قوة. وبالله التوفيق. # الباب السابع والأربعون # في الروح وتفسيرها # ونفي الروح المعقولة عن الله تعالى # والرد على من يثبت لله تعالى روحا # والروح: جبريل - عليه السلام - قال الله تعالى: { نزل به الروح الأمين } ~~يعني جبريل. # والروح: ملك عظيم يقوم يوم القيامة وحده صفا، قال الله تعالى: { يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا } وقال تعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي } والروح: النفخ، سمى روحا، لأنه يخرج من الروح، وقال ذو الرمة، يذكر ~~نارا اقتدحها: # فقلت له: ارفعها إليك وأحيها بروحك واقنيه لها قنية قدرا، أي أحيها بنفخك. # وسمى المسيح روح ms038 الله، لأنه نفخة جبريل - عليه السلام - في ذرع مريم - ~~عليهما السلام. # ونسب الروح إلى الله؛ لأنه كان بأمره، ويجوز أن يكون سمى روح الله؛ لأن ~~بكلمته كان، قال الله تعالى له: { كن فكان } . PageV01P040 # وكلام الله: روح؛ لأنه حياة الجاهل، وموت الكافر. # ورحمة الله روح، قال الله تعالى: { وأبده بروح منه } أي رحمة، ومن قرأ ~~بروح وريحان، بضم الراء، فقال: رحمة، ورزقا. قال أبو عبيدة: فروح وريحان، ~~أي حياة وبقاء لا موت فيه. # ومن قرأ روح بفتح الراء، أراد الرحمة وطيب النسيم. # وقد تكون الروح: الرحمة، قال الله تعالى: { ولا تيأسوا من روح الله } أي ~~من رحمة الله، سماه روحا؛ لأن الروح والراحة يكونان بها. # قال المؤلف: وسمى الله تعالى عيسى روحا، أي كأنه حياة من الله لقومه من ~~الهلاك، وهذا مجاز بأن الله تعالى جعل للنجاة من النار حياة والهلاك فيها ~~موتا، فكان إرسال الله تعالى عيسى - عليه السلام - إلى قومه حياة لهم، ~~وإنما هذا اختصاص من الله، اختصه به، وكلمته ألقاها إلى مريم، والكلمة من ~~الله بأن قال له: كن فكان فعيسى خلق من خلق الله، قال له: كن فكان، وروح ~~منه أي حياة لقومه من الهلاك. والله أعلم وبه التوفيق. # الباب الثامن والأربعون # في العين وتفسيرها # والرد على من زعم أن الله عينا كالأعين المعقولة تعالى الله عن ذلك # العين في كلام العرب: على معان مختلفة، كتبت شيئا للحاجة إليه. # فمنها: ما يراد به الجارحة التي في الرأس. # ومنها: ما يراد به الحفظ والمشاهدة. # ومنها: ما يراد به الدلالة. # ومنها: ما يراد به العقوبة. # ومنها: ما يراد به الجودة. # ومنها: ما يراد به الجاسوس. # فأما العين التي يراد بها الجارحة، المركبة في الرأس المصورة، فهي عن ~~الله منفية، من قبل أن كل جارحة محدودة، والله تعالى ليس بمحدود، ولا مختلف ~~بعضه عن بعض؛ إذ لا أبعاض له فيختلف ولا متغاير؛ إذ لا جسم له، ولا مؤتلف؛ ~~إذ لا أبعاض له فيأتلف. # وإنما البارئ إله، لا إله سواه، قدير ms039 لا بقدرة هي غيره، عالم لا بعلم هو ~~غيره، سميع لا بسمع هو غيره، بصير لا ببصر هو غيره، وكل ذلك ليس قديرا ~~بقدرة ولا عليما بعلم، ولا سميعا بسمع. # وإنما البارئ قدير بنفسه، PageV01P041 عالم بنفسه، لا بشئ سواه فنفسه ~~ذاته وذاته إثباته، فهذه صفه من ليس كمثله شئ. # وأما العين التي يراد بها الحفظ، كقولهم: أنت بعين الله، أي أنت في حفظ ~~الله أي ليس تخفى على الله. # وأما ما يراد به العقوبة، فقولهم: أصابتك عين من عيون الله، أي عقوبة، ~~ونقمه من نقماته. # وأما ما يراد به الدلالة، فقولهم: هذا عين العدو، وعين الخليفة، يريدون ~~بالعين هاهنا الإنسان نفسه. # وأما ما يراد به الجودة. فقولهم: هذا عين مالنا وغنمنا، وعين السوق، أي ~~خير شئ في سوقنا، وخير مالنا وغنمنا. # وأما قول الله تعالى: { ولتصنع على عيني } أي بعلمي وحفظي، وقوله: { تجري ~~بأعيننا } أي بحفظنا وعلمنا، حيث لا يخفى علينا. وفي العين أكثر من هذا، ~~ولكننا اختصرنا هذا. # القول التاسع والأربعون # في الوجه وتفسيره # والرد على من قال: إن لله وجها حقيقيا - تعالى الله عن ذلك # الوجه - في لغة العرب - على معان كثيرة: أحدها أن يراد به الشئ نفسه، ~~كقولك: هذا وجه المر، ووجه الرأي، ووجه القوم والمتاع، إذا أخبرت عن الشئ ~~بعينه، وإني لأكره أن أرد وجهك، أي أردك، لا أنه عني بوجهه، دون جسده. # وتقول: كيف وجه العمل في هذا الأمر؟ أي كيف السبيل على التوصيل إليه، ~~ويقال: ما أعرض وجه فلان ولفلان وجه في شرفه، يراد به الانبساط في تجارته، ~~والقدر عند قومه. # ويقال: فلان من وجوه قومه، أي من عظمائهم. # والوجه: هو الوجه الذي في الرأس، وكل هذه المعاني عن الله منفية، إلا ~~الذي يقال: إن وجه الشئ هو الشئ. # وأما البارئ - عز وجل - ، عز أن يكون ذا وجه، كالوجوه التي في الرأس؛ لأن ~~ذلك لا يكون إلا في الأجسام والصور. والله تعالى ليس بجسم ولا صورة، لأنه ~~يقول: { هو الله الخالق البارئ المصور } والحكيم ms040 لا يحتج على خلقه بالمعنى ~~الذي هم عليه به، فيكون مثلهم - تعالى الله عن ذلك. # وقوله تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله } أي لطلب ثواب الله. PageV01P042 # وقيل: لطلب رضى الله، وقوله: { فثم وجه الله } أي فثم الله { ويبقى وجه ~~ربك } أي ويبقى ربك، لأنه تعالى يفني سائره إلا وجهه - تعالى الله عن ذلك. # وقوله: { كل شئ هالك إلا وجهه } أي إلا هو، وبالله التوفيق. # الباب الخمسون # في نفي السمع المعقول عن الله - عز وجل - # السمع: العلم، كقولك للرجل الذي قد سمع كلام زيد، تقول له: اسمع ما يقول، ~~بمعنى اعلم ما يقول زيد، وتيقنه وتثبت ذلك، والسمع الذي من الآدميين: صوت ~~يطرق عصبتي الأذن فيتأدى ذلك الصوت إلى القلب، فذلك عن الله منفي؛ إذ ~~البارئ - - عز وجل - - ليس بصورة، يحتاج إلى ما وصفناه، لضعف جسمه وامتهانة ~~نفسه، إذ لا يقدر على شئ إلا ما دبره مدبر، فهو على ما يدبره به، من تدبير ~~مدبره، الذي هو غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وإنما قال الله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } يعني العليم، ~~والسمع والبصر، من البارئ هاهنا من العلم والسمع، والبصر من البارئ، يوصف ~~بذلك من صفات ذاته - عز وجل - ، لم يزل سميعا بذاته، ولم يزل بصيرا بذاته، ~~لا بشئ سواه، والله تعالى يجل عن ذلك. وبه التوفيق. # الباب الحادي والخمسون # في البصر وتفسيره # والرد على من قال: إن الله بصرا كالخلوقين - تعالى الله عن ذلك # البصر على معان: منه العلم، كقولك للرجل الذي قد سمعت أنت وهو، من زيد ~~كلاما، فقلت لصاحبك: أبصر وانظر ما يقول زيد. # المعنى: إنك اعلم، وليس هنالك شئ يبصر بعين؛ لأنه كلام عرض قد نطق به ~~فخرج وذهب، وإنما يعني اعلم وتبين ما يقول زيد في كلامه. # والبصر: هو النظر بعينه، وذلك عن الله منفي؛ لأن ذلك لا يكون إلا ~~للمخلوقين، لأن الذي يسمع بسمع، ويبصر ببصر محتاج، والمحتاج فقير، والفقير ~~ليس بإله قدير - تعالى الله وجل عن ذلك، وبالله التوفيق. # الباب ms041 الثاني والخمسون # في النظر إلى البارئ وتفسيره # والرد على من أضافه إلى الله تعالى وحققه عليه PageV01P043 النظر في كلام ~~العرب على معان كثيرة، منها: نظر على وجه الانتظار. # ومنها على وجه الاتكال. # ومنها على وجه الاختيار. # ومنها على وجه الحكم. # ومنها على وجه التثبيت. # ومنها على وجه الصلة والعائدة والرحمة. # ومنها على وجه ما هو علم، ونظر جهرة. # فمما هو على وجه الانتظار، كقولك: ما أنظر إلا إلى فلان، ولعل فلانا عنه ~~غائب، وإنما يعني ما يكون من الآية، والنظر على وجه التوكل، كقولك: إنما ~~أنظر إلى ما يرزقني الله من فضله، وكذلك على ما يجري من ذلك، على يديك لي. # ونظر الاختيار، كقولك: اللهم انظر لي، أي اختر لي. # والذي على وجه الحكم، كقولك: انظر بيننا، أي احكم بيننا. # والذي على وجه التثبيت، كقولك: لآخر: انظر ما يقول فلان، أي تثبت. # ونظر العلم، كقولك: انظر إلى قول زيد، أي اعلم ذلك. # وكذلك قول الله تعالى: { انظر كيف فصلنا بعضهم على بعض } { وانظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال } ونحو ذلك، معناه: اعلم ذلك. # وأما نظر الجهرة، فهو معاينة الشئ ورؤيته، والإدراك له، والإحاطة به، ~~وذلك عن الله منفي - تعالى الله عن ذلك، إذ البارئ ليس بجسم محدود، ولا ~~جوهر محدود، ولا ذي شخص محدود، ليقع عليه النظر، ولا له تعالى كيفية، ليقع ~~النظر على تلك الكيفية؛ لأن الأبصار لا تدرك إلا ما يشبهها في الكيفية ~~والحدود، والبارئ ليس كمثله شئ، وأبصار المخلوقين لا تقع إلا على محدود، ~~تحيط به أبصارهم وتدركه، والبارئ جل وعلا يقول: { لا تدركه الأبصار وهر ~~يدرك الأبصار } كما قال الله تعالى، بأنه يطعم ولا يطعم. PageV01P044 # فإن كانت الأبصار تدركه في الآخرة، فهو أيضا يطعم في الآخرة؛ لأن مدائح ~~الله لا تزول في الدنيا ولا في الآخرة، ومن قال: إنه في الآخرة يكون مثله ~~شئ، وإنما قوله: ليس كمثله شئ في الدنيا خاصة، فهذا منكر من القول وزور، ~~تعالى الله عنه علوا كبيرا، فقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة ms042 } وهو ~~بالظماء، أي منتظرة إلى ثواب ربها، كما تقول: إني لأنظر إلى ما يأتيني من ~~فلان، وليس ثم نظر بعين، إنما يعني: إني لمنتظر لما يأتيني من فلان. # وقول الله تعالى: { وجوه } يعني أنفس وأجسام، لا يعني بالوجه الذي في ~~الرأس، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وجوه يومئذ باسرة } يعني بالكفرة الفجرة. # فنظر أهل الجنة إلى ربهم، إنما هو انتظارهم إلى رزقه، وإكرامه وخيره، ~~وقولهم: إنهم ينظرون البارئ يوم القيامة، أو في الجنة فكذب، تعالى الله عن # قولهم؛ لأنه لا يخلو من أن يكون ينظرونه بكليته، لا يخفى عليهم منه شئ ~~فقط، أو يكونوا ينظرون بعضه دون بعض. # فإن كانوا ينظرونه كله، لا يخفى عليهم منه شئ، فقد أحاطوا به والمحاط به ~~صغير، والمحيط به أكبر منه، والمحيط به أكبر منه، تعالى الله عن ذلك، وأن ~~يكون يخفى عليهم منه شئ، فالذي خفى غير الذي لم يخف، وهذه صفة المتغاير ~~المختلف المتبعص، تعالى الله عن ذلك. # الباب الثالث والخمسون # في اليد وتفسيرها # والرد على من زعم من المشبهة أن الله يدا معقولة، تعالى الله عن ذلك # اليد في لغة العرب:على معان كثيرة، ومنها: ما يراد به الشئ نفسه. # ومنها الملك والقدرة. # ومنها: العطية والمنة. # فالذي يراد به نفسه، كقول الله تعالى: { لما خلقت بيدي } ، أي لما خلقت ~~أنا دون غيري واليد - هاهنا -: صلة، كقوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك } أي ~~قدمت أنت أيها العبد. واليد صلة. # وكذلك قوله تعالى: { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ~~أي ما خلقنا نحن. PageV01P045 # وأما اليد التي يراد بها الملك، فكقولك: الملك في يد فلان، يريد أن فلانا ~~لذلك مالك، وله قاهر، وعليه قادر. # واليد التي يراد بها العطية والمنة، كقولك: إن لي عندك يدا. يعني العطية ~~والمنة. وتصديق ذلك قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم } يعني منة الله فوق منهم. # واليد أيضا: النعمة السابغة. وهي الأيادي. وقوله تعالى: { بل يداه ~~مبسوطتان } أي نعمتاه: نعمة ms043 الدنيا، ونعمة الدين. # وقيل: نعمته وقدرته دائمتان، لا يقبضهما شي. وقوله تعالى لداود: { ذو ~~الأيدي } أي ذو القوة. # وأما اليد المركبة في الجسد، فهي عن الله منفية، لأنها جارحة من جوارح ~~الجسد، المتبعض بعاضا متألفة إلى بعضها البعض -تعالى الله عن هذه الصفة، ~~وجل وعلا علوا كبيرا. # الباب الرابع والخمسون # في اليمين وتفسيرها # والرد على من أثبت لله تعالى يمينا معقولة # اليمين في لغة العرب، على معان: # فمنها: ما يراد به الشيء نفسه. ومنها: القدرة: ومنها الرفعة. ومنها: ~~الحلف. ومنها: القوة. # فأما ما يراد به الشيء نفسه، فكقولك: هذا ملك يميني، يعني هذا ملكي. # وأما ما يراد به القدرة، فقوله تعالى: { والسموات مطويات بيمينه } . # وأما ما يراد بها القوة، فقوله تعالى: { لأخذ منه باليمين } أي بقوة منا عليه. # وأما ما يراد به الرفعة، فقولهم: فلان عندنا باليمين، يعنون بالمنزلة ~~الرفيعة. # وأما ما يراد به الحلف، فقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم } . # وأما ما يراد بها الجارحة، فهي عن الله منفية، إنما تكون الجارحة للأجساد ~~المتبعضة، المتألف أبعاضها، بعضا إلى بعض - تعالى الله عن ذلك. # الباب الخامس والخمسون # في القبضة وتفسيرها # والرد على من أضافها إلى الله عز وجل # القبضة في كلام العرب، على معان: PageV01P046 # منها: م يراد به لتلك والقدرة. تقول: ما فلان إلا في قبضتي، أي في ملكي ~~وقدرتي وتقول: فلان قبض الدار، يعني ملكها، وصارت له. وقبض الدار، وقبض ~~اليد، يعني ملكها، لا أنه قبض على البلد ذات الفرسخ الواسعة بيده. # ومنها: ما يراد به إفناء الشيء، كقولك: قد قبضه الله إليه، يعني أفناه ~~الله. فقوله عز وجل: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } يعني في قدرته. # والقبضة: ملك وقدرته: قال الشيخ أبو الحسن البسياني، في قوله تعالى: { ~~والسموات مطويات بيمينه } أي ذاهبات فانيات بقدرته { والأرض جيمعا قبضته } ~~يعني في قدرته. # قال: واليمين: ملكه. # واليمين: قدرته. # واليمين: منته. # والقبضة: ملكه أيضا وقدرته. # قال: لا نصفه كالخلق؛ لأنه قد نفى عن نفسه شبه المخلوقين. وقد قال الله ~~تعالى: ms044 { فلا تضربوا لله الأمثال } . # قال: هو لا تضربوا لله الأشباه. # وقوله تعالى: { يقبض ويبسط } أي يقتر ويوسع. وبالله التوفيق. # الباب السادس والخمسون # في الأصابع وتفسيرها # ونفيها عن الله عز وجل # الأصابع في لغة العرب: على معان: # منها: القدرة، كقولك: ما فلان إلا في خنصري وبين أصابعي، يعني به تثبيت ~~القدرة على فلان، أي أنه عليه قادر، وأنا له قاهر. وليس يريد أن الخنصر قد ~~حوته، وقبضت عليه. ولعل فلانا يكون أعزم منه جسما، وأشد بطشا. ولكن المراد ~~بذلك، تثبيت القدرة عليه. # ومنها: القبضة بالأصابع: فتلك عن الله منفية. وقد قدمنا ذلك. # ... وأما ما رووا في آثار قومنا: أن قلب ابن آدم بين إصبعي الله، يميله ~~كيف شاء وفي نسخة: يقلبه كيف شاء. فإن كان الحديث حقا، فمعناه عندنا: أنه ~~مثل لهم قدرته، بأوضح ما يعرفون من أنفسهم؛ لأن الرجل منهم لا يكون على شيء ~~أقدر منه، إذا كان بين أصبعيه. ألا ترى إلى قولهم: ما فلان إلا في يدي، أو ~~في خنصري. يريدون تثبيت القدرة عليه، كما قدمنا الكلام في ذلك. وبالله ~~التوفيق. # الباب السابع والخمسون # في الجنب وتفسيره # ونفي الجنب المعقول عن الله عز وجل PageV01P047 الجنب على معان. تقول ~~العرب: إنما احتمل الأذى في جنب فلان، أي في رضاه ومحبته. # ويقال: ما صنعت في جنب هذه القصة شيئا، يريدون أنك لم تصنع شيئا. والقصة ~~لا جنب لها؛ إذ ليست بجسد. # وقوله تعالى: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي في أمره وطاعته. ~~وعن مجاهد قال: "في جنب الله" أي في أمر الله. # وأما الجنب الذي هو الجسد، فمنفي عن الله تعالى، إذ ليس البارئ جسما. وقد ~~بينا فساد ذلك. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والخمسون # في الساق وتفسيرها # ونفي الساق المعقولة عن الله عز وجل # الساق في لغة العرب، لها معان. قال الله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } ~~والمعنى: عن شدة يوم القيامة. # ... وقال ابن عباس: عن الأمر الشديد. وأنشد: # قد قامت الحرب على ساق # وقال الحسن: عن ms045 ساق الآخرة: وهو الستر بين الدنيا والآخرة. # ويقال: كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتد أمرها. قال قيس بن زهير: # إذا شمرت لك عن ساقها نوبها ربيع ولا تسأم # وتقول العرب للرجل، إذا وقع في أمر عظيم، يحتاج فيه إلى جد وجهد، ومقاساة ~~الشدة: شمر عن ساقه. فاستعير كشف الساق، عن موضع الشدة، لا أنه يرفع ثوبه، ~~ويكشف عن ساقه فلو كان الكشف إلا لمعنى واحد، ما ذكرت هذه الأقاويل. ولكن ~~البارئ أنزل كتابه بلغة العرب، وخاطبهم بما يتعارفونه في لغتهم،من الكشف عن ~~الشدة. فقال لهم الله تعالى: { يوم يكشف عن ساق } يعني الشدة يوم القيامة ~~وأهوالها، كما أخبر عنها -عز وجل- فقال: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد } نخوف الله عباده. PageV01P048 # فقال: { يوم يكشف عن ساق } عن شدة أهوال يوم القيامة. وعظم أمرها، لا أنه ~~تعالى قاعد لهم على كرسي القضاء كما زعموا، فينكروه، ويكادوا يباطشونه، ~~فيكشف لهم عن ساقه، فيعرفونه عند ذلك. فهذه خرافات، لا يتحققها ذو عقل ~~ويصدقها. نعوذ بالله من الضلال؛ لأنه إذا جلس على الكرسي فقد صار الكرسي ~~أقوى منه؛ لأنه له حامل. وقد صار الهواء أكبر منه؛ لأنه له حاو. نعوذ بالله ~~من الحيرة. وتعالى ربنا وجل عن ذلك. # الباب التاسع والخمسون # في القدم وتفسيرها # ونفى القدم المعقولة عن الله عز وجل # زعم أهل الجهل أن البارئ تعالى له قدم، وأن جنهم لا تمتلئ من سكانها حتى ~~يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فتمتلئ حينئذ وتنزوي. وهذا كلام لا يلتفت ~~إليه أحد لاستحسانه؛ لأن القدم متناهية، لها حدود ونهاية. وقد أحاطت جهنم ~~بزعمهم، فقد صار معبودهم متناهيا، محيطا به الهواء، إذا كان قدمه، قد أحاطت ~~به جهنم. فكليته قد أحاط به الهواء إذا. # فهل يستطيع أن يزيد في خلقه أم لا؟ # فإن قالوا: نعم، فقد حلته الحوادث في الزيادة والنقصان. ومن حلته الحوادث فمحدث. # وإن قالوا: لا يستطيع، فقد لحقته ms046 العجز. والعاجز ليس بإله قدير. نعوذ ~~بالله من الحية والخذلان. # الباب الستون # في ذكر القيام ونفي الانتصاب على الأقدام عن الله عز وجل # زعم أهل الجهل أن الله تعالى يقوم على أرجل له وأقدام؛ لقوله تعالى: { ~~أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } وقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } أفليس يعلم أهل اللب والعقل، أن القائم للقيام المعقول، الذي ~~هو الانتصاب على القدم، قد احتاج إلى ما يقوم به. وعليه فلا يخلو من ذلك. ~~والمحتاج فقير. والفقير ليس بإله غني عن العالمين؟ # ... وإنما معنى قول الله عز وجل: { الحي القيوم } الحي الدائم البقاء لا ~~تغيره الأحوال. ولا يجري عليه الزمان. PageV01P049 # ... والقيوم: هو القائم بتدبير الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم وأمورهم. يعز ~~من يشاء، ويذل من يشاء. ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء؛ ويعافي من يشاء، ~~ويمرض من يشاء ويحي من يشاء، ويميت من يشاء، ويوجد من يشاء من العدم. ويعدم ~~من يشاء من الوجود؛ إذ كل يوم هو في شأن -كما قال-: { كل يوم هو في شأن } . ~~وقوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } يعني بالمقام الذي، أضافه إلى ~~نفسه، من جهة الملك؛ فإنه لا مالك لذلك المقام غيره؛ لقوله تعالى: { ملك ~~يوم الدين } . وقوله: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } . # ... ويقال: معنى القيام: أن من خاف ذلك المقام، الذي يقوم فيه بين يدي ~~الله يوم القيامة. # ... وقيل بالمقام: عظمة الله. إن لمن خاف عظمة به جنتان لا أنه مقام، ~~وانتصاب على أقدام. تعالى الله عن ذلك. # الباب الحادي والستون # في نفي الكلام المعقول عن الله تعالى # زعم أهل الخلاف للمسلمين أن الله تعالى متكلم، وأن كلامه فعله، وخلق من ~~خلقه، وأنه كلاما، به تكلم بالكلام المعقول. # وحجتهم: قول الله تعالى: { إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } فقالوا: إنه يقول للأشياء: كوني بالكلام المعقول تعالى الله عن ~~ذلك. إنما يلفظ بالكلام المعقول، من كان ذا لسان وشفتين، وقلب وجوف والبارئ ~~"عز وجل" غني ms047 عن ذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى لسان وشفتين، وقلب وجوف؛ لأن ~~المحتاج ليس بإله عظيم، على كل شيء قدير. ولو خلق كلاما، به تكلم، وأنه ~~يكون الأشياء بقوله: كوني. وكان قوله: لكان يحتاج إلى قول آخر. وكل قول ~~يحتاج إلى قول آخر؛ لأن كل قول بقول، وقول بقول فاسد؛ إذ لا يتناهى، ولا ~~يتوقف عنده. # وإنما البارئ "عز وجل" إذا أراد شيئا كان، لا غير ذلك. ولا يقول له: كن ~~فيكون بقول؛ إذ ليس هنالك كلام من البارئ. وإنما أخبر الله تعالى، عن سرعة ~~كون المراد، إذا شاء كونه، لا أنه يقول له، بقول: كن فيكون بقول - تعالى ~~الله عن ذلك. PageV01P050 # وقولهم: إنه خلق كن فكون بها الأشياء فباطل؛ لأنه تعالى، لو خلق كن، ~~لخلقها بكن. وكن بكن لا يتناهى. فلما فسد ذلك، دل أن الله تعالى. لم يخلق ~~كن، بها كون الأشياء - تعالى عن ذلك. # الباب الثاني والستون # في الضحك وتفسيره # ونفي الضحك المعقول عن الله عز وجل وعلا # قال المؤلف: زعم أهل الجهل: أن الله تعالى يضحك لهم يوم القيامة حتى تبدو ~~نواجذه. فوصفوا الله تعالى بأقبح الصفات، بالجسم والجوارح والآلات؛ لأن ~~الذي يضحك الضحك المعقول، الذي نعرفه من العباد. الإيضاح والإشراق ~~والانفتاح للفم، وظهور الأضراس من بين الشفتين. وذلك عن الله منفي، لأن ~~إشراق الوجه واللون وإيضاحه، وانفتاح الفم، وظهور الأضراس من بين الشفتين، ~~لا يكون ذلك إلا للأجسام المحدودة. وقد بينا فساد ذلك، في متقدم الكتاب، من ~~أن الله تعالى، ليس بجسم. بل الضحك من الله للعباد يوم القيامة: أن يلقى ~~المؤمنين بارئهم "عز وجل" بالبشرى والسرور فإذا لقاهم الله تعالى نضرة ~~وسرورا، كما قال الله تعالى وإذا لقوا الله تعالى بنائل منه وبشرى، ضحكوا ~~واستبشروا لذلك؛ كما قال الشيخ أحمد بن النضر العماني- رحمه الله. # وقولهم لله: يضحك للذي أطاع له، يوم الحساب من الأمم. وذلك أن يلقها منه ~~بنائل، وبسطة جود، ليس من بعدها عدم. # الباب الثالث والستون # في القوة وتفسيرها # ونفي القوة المعقولة العرضية ms048 عن الله رب العالمين PageV01P051 زعم أهل ~~الجهل والضلال: أن الله تعالى قوي، وأن قوته كالقوى المعقولة فيما بيننا ~~المرضية، إلا أنه شديد القوة. وكذبوا على الله تعالى؛ لأن القوى العرضية، ~~إنما تحل الأجسام. وأما البارئ عز وجل، فيوصف بأنه قوي على الحقيقة، يريدون ~~بذلك، أنه قادر؛ لأن القوة تنصرف على وجوه: القوة: القدرة. والقوة: الملكة. ~~والقوة: العدد. والقوة: السلاح؛ لأن القوة لا تحتمل إلا القوة العرضية التي ~~تحمل الأجسام. فتلك عن الله منفية؛ لأنه عز وجل ليس بجسم، فتحل فيه ~~الحوادث، وتطرأ عليه الأعراض الطارئة تعالى الله عز وجل عن ذلك. # الباب الرابع والستون # في النور وتفسيره # ونفي النور المعقول عن الله تعالى # زعم المفترون على الله: أن الله تعالى نور من الأنوار، وجسم من الأجسام ~~النورانية. وذلك لا يكون إلا للأجسام المحدودة، القابلة للأعراض الطارئة ~~تعالى الله عن ذلك. ولكن البارئ قال: { الله نور السموات والأرض } إنه ~~الهادي يهدي من في السموات والأرض؛ لأن الهدى والحق نور. والضلال والباطل ~~والظلم: ظلمات؛ لأن النور ما كان إلا ضوءا مستنيرا والله تعالى سمى القرآن ~~نورا، والحق نورا، والإيمان نورا، والتوراة نورا # وإنما سمى الله تعالى نفسه نورا، على المجاز دون الحقيقة، بل توسعا ~~ومجازا، إذ كان النور محدثا وعرضا. والله تعالى لا يشبه المحدثات والأعراض، ~~بل ليس كمثله شيء. وهو السميع البصير. # الباب الخامس والستون # في الأمكنة والنواحي والأقطار # ونفيها عن الله عز وجل # قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله تعالى فوق العرش على سبيل الاستقرار ~~والجلوس، وأنه ينزل ليلة النصف من شعبان، إلى سماءي الدنيا، كذبا على ~~البارئ العلا - تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن الذي يكون فوق العرش، العرش ~~أقوى منه وأقدر، لأنه له حامل. والحامل أقوى من المحمول. # وكذلك الذي يكون في السماء، فالسماء أقوى منه؛ لأنها حاملة له وحاوية له، ~~لأقطاره وتناهى أشخاصه. PageV01P052 # وإنما قال البارئ: { أأمنتم من في السماء } إنه تعالى فيها ليس بشخص. ~~وإنما هو ومدبرها وحافظها؛ إذ هو خالقها. # وقيل في تفسير هذه الآية: ms049 أأمنتم عقوبة من في السماء حافظ مدبر رازق ~~خالق، عالم سركم وجهركم. ولو كان في السماء حالا، على الحقيقة، أو قاعدا ~~على العرش، على الحقيقة، ما قال تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما ~~كانوا } وإنما معهم، على العلم بهم والقدرة عليهم والإحاطة بهم، والتولي ~~لتدبيرهم وحفظهم. لا يغيبون عنه، لا أنه معهم جثة وشخص - تعالى الله عن ذلك. # الباب السادس والستون # في الزوال والمجيء المعقولين ونفيهما عن الله عز وجل # قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله تعالى ذو زوال وانتقال، من مكان إلى ~~مكان. فوصفوا الله تعالى بأقبح الصفات؛ لأنه تعلى إذا زال من مكان إلى ~~مكان، فقد خلا منه ذلك المكان، الذي زال منه، وانتقل إلى غيره. ومن خلا من ~~مكان، وشغل بآخر، فهو محدود، له نهاية وحدود، وانقطاع شخص، لتناهيه ومن كان ~~كذلك، كان الهواء أكبر منه؛ لإحاطته وتناهيه، وحدوده وصغره، في جنب كبر ~~الهواء وسعته - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وإنما معنى قول الله تعالى: { وجاء ربك والملك صفا صفا } أي جاء أمر ربك. # وقوله تعالى: { هل ينتظرون إى أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يعني هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله أمر الله، في ظلل من الغمام؛ لأن أمر الله إنما ~~تنزل به الملائكة، كما قال الله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ~~} ليس أنه تعالى جاء به بذاته، فوضعه بين أيديهم. ولكنه تعالى أرسل الكتاب ~~إليهم، على يدي رسل من الملائكة والأنبياء عليهم السلام. # الباب السابع والستون # في الحجاب وتفسير ذلك # ونفيه عن الله عز وجل PageV01P053 قال المؤلف: زعمت المشبهة أن الله ~~تعالى يتجلى لهم يوم القيامة، فيرونه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن ~~التجلي على وجهين فمنه: ظهور الشيء. والشيء قد يظهر بوجهين، فيظهر جهرة، ~~ويظهر بدلالة. ألا ترى إلى قول القائل: قد تجلى لي هذا الشيء. وقد يكون ذلك ~~الشيء ليس ms050 بشخص. # والذي يتجلى جهرة، لا يكون إلا جسما أو شخصا من الأشخاص، إذ الأبصار لا ~~تدرك إلا ذلك. # والتجلي من الخالق لا يكون إلا بالدلالات والبينات؛ إذ ليس بجسم ولا عرض. # ومعنى قول الله تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } أي تجلى للجبل، ~~آية من آيات الله. وقيل: علامة من علامات يوم القيامة، فلم يطق الجبل حمل ~~تلك الآية، فصار دكا. # وقيل: إن الجبل ساخ في الأرض. # وقيل: تجلى للجبل جبريل عليه السلام فظن الجبل أن القيامة قد قامت، فصار ~~دكا والبارئ عز وجل ليس بشخص محتجب بحجب ساترة، فيتجلى منها، ويظهر بعد ~~ستره. وإنما حجب البارئ العباد عن رؤيته هو، لا أنه تعالى # محتجب عنهم. ولو كان عز وجل محتجبا مستترا، لكانت الحجب أكبر منه، إذ قد ~~سترته. ولكان محتاجا إلى الحجب. والمحتاج فقير، ليس بغني عن العالمين، لأن ~~الإله هو الغني عن كل شيء، ليس كمثله شيء. # وقول الله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~} المعنى: أن الرسول محجوب عن الله، إذ كان البارئ عز وجل لا تجوز عليه ~~الرؤية؛ لأنه تعالى لا يرى لذاته. وهو يرى ولا يرى وبالله التوفيق. # الباب الثامن والستون # في نفي الارتفاع والعلو المعقول بالمسافة عن الله عز وجل PageV01P054 قال ~~المؤلف: زعم أهل الجهل أن الله رفيع رفع المسافة. وتأولوا قوله تعالى: { ~~رفيع الدرجات } أي ذاته مرتفعة رفع المسافة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~ولو ارتفع البارئ عز وجل رفع المسافة كما زعموا لانقطعت حدوده وأقطاره، ~~وتناهيه بالمسافة، ولكان الهواء أكبر منه. وإن قالوا: إنما هو أكبر جثة ~~لانقطاع حدوده الأقطار، كما زعم من زعم أنه جثة. وزعم: أنه جوهرة واحدة ~~سبيكة، افتراء على الله. فكل جثة أو شخصن وإن كبر، فله الحد والنهاية ~~والهواء محيط بكليته، من خلف حدوده ونواحيه تعالى الله عن ذلك. # وإنما قال الله تعالى: { رفيع الدرجات } يعني يرفع درجات من يشاء من ~~عباده المؤمنين، في الجنة، لا رفيع هو، ms051 لأن العرش العالي المسافة الذي ~~تحمله الملائكة، ليسه أقرب إلى الله تعالى من تخوم الأرضين، وما تحت الثرى. ~~بل البارئ محيط بخلقه. إحاطة علم، بالعلم والتدبير، لا إحاطة جثة تعالى ~~الله عن ذلك. # وقوله: { تعرج الملائكة والروح إليه } إنما تعرج إلى المكان الذي لا ~~يتولى الحكم وإنفاذ الأمر فيه إلا هو عز وجل. # وقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } إلى المكان أيضا الذي لا يتولى ~~الحكم، وإنفاذ الأمور فيه إلا هو عز وجل وهذا المكان يقال له: عليون. ~~وبالله التوفيق. # الباب التاسع والستون # في عند ومع وإلى والدنو والتقرب # والرد على المشبهة فيما احتجت به من جواز # المكان على الله تبارك وتعالى # قال المؤلف: قد قلنا آنفا فيما تقدم: إن المسافة لا يجوز، وبينا فساد ذلك. # وكذلك تقول في قرب المسافة: لا يجوز على الله تعالى؛ لأن قرب المسافة بين ~~الجسمين، إنما دنو حدود المجسمين والشخصين، من بعضهما إلى بعض، وبقرب حد ~~الجسمين. وإنما يجوز ذلك على الأجسام التي قسرت وجبرت على الحدود والنهاية. ~~فلذلك جاز عليها بعد المسافة، وقرب المسافة. PageV01P055 # وأما البارئ تعالى: فليس بجسم ولا شخص، ليكون له نهاية وحدود. ولو كان ~~كذلك، لكان لا فرق بينه وبين غيره، من الأجسام والأشخاص. # وإن اختلف الجسمان والشخصان، في السكينونة والكيفية، فهما متفقان في ~~التحديد والنهاية والأقطار، وبطلت الألوهية، لأن من حق الإله أن يكون ليس ~~كمثله شيء. # وإذا كان كمثل غيره، فما الفضل له على غيره؟ وبم يستحق الألوهية؟ وقد قال ~~الله تعالى: { ليس كمثله شيء } فجميع ما ذكروه، من عند، ومع، والدنو، ~~والتقرب إلى الله المعقول فجميع هذه الأوصاف، عن الله منفية تعالى الله عن ذلك. # وإنما معنى قول الله تعالى: { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } فعنده قي ~~الكرامة والفضيلة، والمنزلة السنية، وعزم المقدار، لا منزلة مسافة، قربت ~~المسافة أو بعدت. وقوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن } ~~في الفضيلة والكرامة، لا أنهم أقرب إليه قرب مسافة، لأنه تعالى ليس ببائن ~~متقص في مكان، فيكون معه. ms052 وإنما هم في القلوب من الله، قرب المنزلة ~~والكرامة ألا ترى إلى قول القائل: فلان أقرب الناس إلى الأمير. فلو أراد به ~~المسافة، ما كان مدحا. # وقوله: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } فرفعه: قبوله من ~~المتعبد. # وقيل: رفعه إلى مكان يقال له: عليون. # وقيل: إذا زكا العمل ورضيه، أنما وشرفه. والشريف: الرفيع. # وأما اللقاء، فعلى وجهين: لقاء رؤية، ولقاء على غير رؤية. يقال للميت: قد ~~لقي ربه. فلا يراد به الرؤية. وإنما يراد أنه صار على ما أعد الله له. # ويقال: صار إلى الله، وذهب إلى الله. فأجابه. قال نبي لله إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم: "إني ذاهب إلى ربي" أي ذاهب إلى الله، بتوجيه العمل إليه. ~~ولقاء الرؤية منفي عن الله تعالى. وقد بينا ذلك فيما تقدم وبالله التوفيق. # الباب السبعون # في الاستواء على العرش # ونفي القعود المعقول على العرش عن الله عز وجل PageV01P056 زعم أهل ~~الضلال والجهل: أن الله عز وجل، على العرش، على سبيل القعود والاستقرار. ~~وأن العرش ما فاضل عن مقاعد البارئ، إلا بقدر عرض أصبعين، وأنه يجالسهم يوم ~~القيامة، على كرسي القضاء، إذا أراد أن يحاسب خلقه، جلس على الكرسي. وكذبوا ~~على الله عز وجل حيث وصفوا الله تعالى بالحدود والنهاية، والأقطار، بعد ~~المسافة وقربها. وقد بينا فساد ذلك فيما تقدم فالاستواء على معان: # فمنها: استوى على العرش، على ما هو عليه. # ومنها: استواء للتدبير. # ومنها: استواء الملك. فلما كان من صفة الله: أنه غير محدود ولا يشبه ~~بخلقه، كاستواء الشيء على الشيء، مثل استواء الملك على السرير، دل ذلك أن ~~استواء البارئ تعالى على العرش، بالملك والتدبير والقدرة، ذل له العرش، ~~واستوى له عز وجل كل شي، وذل وأذعن. فليس شيء ممتنعا منه عز وجل وقوله ~~تعالى: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } فاستواؤه إلى السماء بالملك ~~والتدبير، لا أنه تحول من مكان إلى مكان. # وقيل: { استوى على العرش } أي استولى على العرش، بالملك والتدبير والقهر. ~~وقد استولى على جميع العالم، لهذا ms053 المعنى. # وخص العرش بذلك، تشريفا لذكره، كما قالوا في النعمان بن المنذر: ملك ~~الخورنق والسدير. وقد ملك العراقيين جميعا. # وقالوا: إن الخليفة ملك العرب.وقد ملك العجم أيضا قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # ... ... ... فالحمد للمهيمن الخلاق # يعني أنه استولى على العراق، وقهر أهلها؛ لأن بشرا لم يقعد على العراق ~~كلها. وإنما قعد في منزله. فأراد الله تعالى بالاستواء: الإخبار عن عظمته ~~وقدرته: أنه فوق الأشياء، بالقهر والسلطان، والقدرة والملك. PageV01P057 # وقال بعض: { استوى على العرش } : أي علا على العرش.وإنما خلق الله العرش، ~~وهو الغني عن القرار والمكان، تعبد به بعض الملائكة بحمله. وتعبد بعضهم ~~بالطواف حوله،كما تعبد بالطواف حول الكعبة. فالكعبة: بيته. وهو الغني عن ~~السكون في البيوت، والعرش عرشه. وهو الغني عن القعود على العرش. # وقيل: إن العرش هو العلم والكرسي هو العلم. وقوله: { وسع كرسيه السموات ~~والأرض } أي وسع علمه. # وقيل: إن الكرسي هو العرش. # ويقال: الكرسي خلق من خلق الله، أعظم من السموات والأرض والله غني عن ~~العرش والكرسي. وقد بينا فساد القعود على العرش. والكرسي مثله. وبالله ~~التوفيق. # الباب الحادي والسبعون # في معاني استحياء الله عز وجل # وإحصائه للخلق وحسابه لهم # الحساب والإحصاء في الكتاب: فعل والإحصاء في غير الكتاب: العلم. قال الله ~~تعالى: { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } ولم يزل محصيا للأشياء، أي لم يزل ~~عالما بها. وليس الحساب في هذا الموضع عددا؛ لأنه تعالى، لم يزل عالما بما يكون. # وكذلك عد الأشياء عدا، أي أحصاها، وعلمها علما. # وقوله تعالى: { يرزقون فيها بغير حساب } فالقول في هذا على جهات: إحداها: ~~فيوفون أجورهم، على غير مقادير الأعمال، أي ليس يحاسبون هذه المحاسبة. ~~ولكنه ضاعف لهم. وقد نظر ذلك إلى الحساب، من جهة أن الله تعلمه، ويعلم عدده ~~ويحصيه. # ومعنى قوله تعالى: الحسيب الكافي. يقال في اللغة: أعطاني فأحسبني أي ~~كفاني. ويكون ذلك راجعا إلى نوع الفعل؛ لأن كفايته لخلقه فعل. # وقد قيل: العالم. # وقيل: إنه لا تشغله محاسبة عن محاسبة. ms054 # وقيل: إن حساب الله لخلقه يوم القيامة: أن تطاير الكتب إلى أصحابها. كل ~~كتاب إلى صحابه، فيغرف صاحب الكتاب عدل الله عليه، فلا يشك في عدل الله ~~عليه. ويتحقق معه الحق والعدل من الله عز وجل. # وأما استحياء الله في قوله تعالى: { والله لا يستحي من الحق } فالاستحياء ~~على وجهين: على الغيبة والحضور. والحضور منفي عن الله عز وجل. PageV01P058 # وقولهم: إن الله يستحي من كذا، بمعنى يتعالى. # وقيل: يجل. والله يستحي أن يعذب من أطاعه. فقيل: يتعالى. # وقيل: يجل. وبالله التوفيق. # الباب الثاني السبعون # في الرد على من زعم أن الله تعالى خلق لنفسه الجوارح # قال المؤلف: قالت الجهمية: إن الله تعالى كان، ولا علم له، ولا سمع، ولا ~~بصر، ولا قوة، حتى خلق ذلك لنفسه فما أعظم هذا القول على الله. # يقال لهم: أفقبل خلق الله تعالى لنفسه العلم، ففي الأزل ما صفته؟ أجاهل ~~إذا؟ أو قبل خلقه السمع، أصم إذا؟ وقبل خلقه لنفسه البصر، أعمى إذا؟ وقبل ~~خلقه لنفسه البصر، أعمى إذا؟ وقبل خلقه القوة، غير قادر، بل عاجز إذا؟ # فإن قالوا: نعم. قيل لهم: إن هذه الصفة ليست بصفة إله معبود، ليس كمثله ~~شيء تعالى الله عن ذلك. # ومن الحجة عليهم: أن الذي يخلق الأعضاء والجوارح لنفسه، والعلم والقدرة، ~~احتاج إلى الذي خلقه لنفسه، لينتفع به. والمحتاج فقير لا شك، في فقر ~~بارئهم، إذ ألجأته الحاجة إلى ما ذكر، ولأنه خلقه لنفسه. والفقير المحتاج، ~~ليس بإله عليم، سميع بصير، على كل شيء قدير. وقبل خلقه لما وصفوه به، يجب ~~أن يكون جاهلا، أعمى أصم عاجزا. فليست هذه الصفة صفة إله عليم بنفسه، سميع ~~بنفسه، بصير بنفسه، قدير بنفسه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # وكيف يخلق القوة لنفسه، وهو ليس به قوة، يخلق بها القوة والقدرة؟ # وإذا لم يكن له علم، فكيف علم أنه يخلق علما لنفسه. وكذلك السمع والبصر ~~تعالى الله عما قالوا علوا كبيرا. # الباب الثالث والسبعون # في كلام الله تعالى # قال المؤلف: اختلف الناس ms055 في كلام الله عز وجل فقال من قال: مخلوق وقال ~~بعضهم: غير مخلوق. # وأجمعوا على أن كلام الله من صفاته. # وإنما اختلفوا في هذه الصفة: هي من صفات الذات؟ أم هي من صفات الفعل؟ ~~فالذين يقولون: إن كلام الله قديم غير مخلوق، يقولون: إنه من صفات ذاته. ~~والذين يقولون: إن كلام الله مخلوق. يقولون: إنه من صفات فعله. PageV01P059 # واختلف أصحابنا في القرآن. فقال بعضهم: غير مخلوق. # وقال بعضهم: لا تقول: مخلوق ولا غير مخلوق. ونقول: هو كلام الله. ولا ~~نقول: هو صفة ذات، ولا صفة فعل. وهذا يوجد من قول أبي علي وغيره. # فالذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، احتجوا بأن كل ما سوى الله مخلوق. ~~والقرآن لا يخلو من أن يكون هو الله. أو غيره. وقد قال الله تعالى: { إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر } وقال: { والله خالق كل شيء } والقرآن شيء. فدل أنه مخلوق. # وقال بعض يقدم كلام الله، وأن القرآن غير مخلوق، رد عليهم: أن كل شيء ~~مخلوق، المعنى بالأشياء المخلوقة، لا أن كل شيء وقع عليه شيء مخلوق؛ لأن ~~البارئ عز وجل شيء، لقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد } ~~والبارئ غير مخلوق. وصفات الله الذاتية، وأسماؤه الذاتية، غير مخلوقة. # وإنما قول الله: { والله خالق كل شيء } يعني بالأشياء: المخلوقة، لأنه ~~سبحانه قال: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . فلو كان ~~قوله مقولا له، لتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له: أن يقول بقول، وقول بقول. ~~فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له. وهذا فاسد. وأيضا فإنه لو كان مخلوقا ~~محدثا، لكان لا يخلو، من أن يحدثه في نفسه، أو يحدثه في غيره، أو يحدثه ~~قائما بنفسه. # فإن يكن أحدثه الله في نفسه. فالبارئ تعالى ليس بمحل للحوادث. # وإن يكن أحدثه في غيره، كان ذلك الغير، متكلما بكلام الله. والكفار ~~متكلمون بكلام الله. # وإن يكن أحدثه قائما بنفسه، فالقرآن صفة. والصفة لا تقوم بنفسها. فصح أن ~~كلام الله عز وجل ms056 غير مخلوق، وأن البارئ تعالى هو المتكلم، كما أنه هو ~~العالم. # فإذا وجب أن البارئ هو العالم لذاته، وجب أن يكون المتكلم لذاته. PageV01P060 # وقال الآخرون: قد قال الله تعالى: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } وجعل الله ~~خلق كله فقال هؤلاء: لو كان كذلك، لكان قول الله، في قصة نبيه إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم: "رب اجعل هذا البلد آمنا" أي خلق هذا البلد آمنا. فكيف ~~يسأله أن يخلقه، وهو فيه مخلوق. ولكن معناه: جعلناه قرآنا عربيا: أي صيرناه ~~يقرأ بالعربية، كما أن التوراة والإنجيل والزبور كلامه. صير ذلك يقرأ ~~بالعجمية. # وقال الآخرون: قد قال الله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ~~والمحدث مخلوق. فقال هؤلاء: محدث، يعني محدثة تلاوته، منقول من اللوح ~~المحفوظ، نزل به جبريل إلى النبي صلى الله وسلم عليهما، شيئا بعد شيء ~~نجوما. وإنما أحدث من اللوح المحفوظ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأشياء ~~لا يحتملها هذا المختصر تركناها. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والسبعون # في كلام الله عز وجل لنبيه موسى بن عمران - صلى الله عليه وسلم - # قال المؤلف: اختلف الناس في كلام الله عز وجل لموسى بن عمران. # فقال بعضهم: إنه تعالى كلمه تكليما. كما قال عز وجل. وذلك حق من الله. ~~وقد كلمه كما قال، كما شاء، على ما شاء من ذلك. # وقال بعضهم: إن الكلام من الله لموسى عليه السلام إلهام، أسمعه صوتا، ~~أفهمه به الكلام. ولم يسمعه نفسه متكلما. # وفي آثار قومنا: أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بغير صوت، ولا ~~حرف، كما يرى الأبرار ذات الله، بالعلم واليقين، بأعين قلوبهم، لا بأعين ~~رؤوسهم كما قال الشيخ محمد بن روح في شعر: # ... أنا أرى الله بالعلم ... ... علم مكنون صدري # ... ولا أراه بوهم ... ولا بلحظة نظري # والبارئ يرى بعلم اليقين لا شخص. # وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ # فقال: لن تراه العيون. ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان. # وأما رؤية العين التي في الرأس، فذلك لا يجوز. ms057 وقد قدمنا ذلك. PageV01P061 # وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } وهذا خبر. والأخبار ~~لا يجوز عليها النسخ. فيجوز أن يكون كلمه بالوحي منه. # ... وبالجملة: إن كلام الله تعالى، ليس بحروف، ولا صوت؛ لأن الكلام لا ~~يكون إلا باصطكاك حرفين. والبارئ عز وجل ليس بجسم؛ ليصطك حرفان، في فيه ~~للكلام. # ... وإنما جعل الله الكلام والحروف لنا نحن، لحاجتنا إلى الصوت والحروف. ~~فليس كلام الله بحروف، ولا صوت، إذ لا يحتاج إليها تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والسبعون # في ذكر شيء من الفروق # الأول: الفرق بين الخالق والمخلوق # الفرق بين ذلك: أن الخالق قديم، والمخلوق محدث. والقديم لا يشبه المحدث ~~إذ المحدث من فعل القديم. والفعل لا يشبه فاعله؛ لأن المخلوق لا يخلو من أن ~~يكون جسما، أو عرضا أو جوهرا. وكل ذلك محدود منتاه.والبارئ يتعالى عن الحد ~~والنهاية. # الفرق الثاني: بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق. # فصفات البارئ تعالى قديمة. # وصفات المخلوق محدثة. والمحدث لا يشبه القديم. # الفرق الثالث: بين قدم البارئ وقدم خلقه. # والقديم على الحقيقة: هو الله الذي لا شيء قبله، ولا شيء بعده. ولا لقدمه ~~أول، ولا له آخر ونهاية. # وقدم خلقه مجاز؛ لأن قدمهم إلى نهاية وبداية. # الفرق الرابع: بين علم البارئ وعلم خلقه. # فعلم البارئ تعالى، علم إحاطة، بالأشياء العالم بالعالم بها، قبل كونها، ~~وبعد كونها. وليس عالما بعلم، بل عالم بذاته، لا بعلم هو غيره. # والمخلوق عالم بعلم، هو غيره. وقد يعلم بالأشياء، فيكون خلاف ما علم ~~لليقين والاعتقاد. وعلمه بعلم بعد جهل، وبجهل بعد علم. # الفرق الخامس: بين قدرة الخالق وقدرة خلقه. # فالخالق قادر بنفسه، لا بشيء غيره. # والمخلوق قادر بقدرة، هي غيره. وهي عرض. # الفرق السادس: بين حياة البارئ وحياة خلقه. PageV01P062 # فالله تعالى حي بذاته لا بحياة، هي غيره. ولم يزل حيا ولا يزال حيا. # والعبد حياته بحياة هي غيره، ms058 بل من فعل الله، يحييه ويميته. # الفرق السابع: بين وجود البارئ وبين وجود خلقه. # فوجود البارئ أنه الموجود بذاته، لم يزل موجودا. ولا يزال موجودا كذلك. # والعبد إنما وجوده: مشاهدته وتحديده. وكذلك وجد بعد عدم، وعدم بعد وجود. # الفرق الثامن بين عدل الله وعدل خلقه. # يقال: إن الله عدل. ومن خلقه أيضا، من هو عدل. # والفرق بين ذلك: أن الله عز وجل عدل بذاته. وهي صفات ذات عائدة إلى العلم ~~وإذ لا يفعل القبيح والظلم والجور إلا جاهل بقبحه، أو محتاج إليه. والله ~~غني عن ذلك. # ويوصف أيضا: أنه عدل في فعله. ويرجع إلى أحكام الفعل، وصفات الأفعال. ~~فيكون ذلك صفة فعل، لا صفة ذات. # والعبد فإنما يقال: هو عدل، بتزكية الله لفعله، تجوز عليه الحاجة والجهل. # الفرق التاسع: بين أفعال البارئ وأفعال خلقه. # أفعال البارئ: أن يقول لما يشاء: كن فيكون، بلا عقد وضمير، وقوة عرض. # وأفعال العباد: نيات وحركات، وضمائر وخطرات، وأعراض طارئات. # الفرق العاشر: بين الواحدين البارئ عز وجل واحد في المعنى والاسم؛ من غير ~~أبعاض متآلفة وأشخاص مرئية. # وأما خلقه فواحد شخص، إما جوهر، أو جسم متآلف، إذا رفع تأليفه، صار شيئا أبعاض. # الفرق الحادي عشر: بين الأسماء القديمة والمحدثة. # فأسماء الله القديمة: صفاته وهي موجب وصف الواصفين، إذ لو لم يكن ما وصف ~~نفسه ولا سمى، ولا وصفه أحد من خلقه. وصفاته الذاتية لا يدخلها التضاد، ~~لأنها إذا دخلها التضاد كان قبل العلم جاهلا، وقبل القدرة عاجزا، وقبل ~~الغنى محتاجا. والمحدثة: خلق ورزق وأحيا وأمات، وشبه ذلك. # الفرق الثاني عشر: بين خلود البارئ وخلود خلقه. # خلود البارئ وبقاؤه: أنه تعالى خالد باق بذاته، لا ببقاء مبق أبقاه، فبقى ~~ببقائه باقيا. # وخلود خلقه: أنهم خلدوا وقوا، ببقاء مبق أبقاهم وخلدهم، فبقوا ببقائه. ~~ولم يبقوا بذاتهم. PageV01P063 # الباب السادس والسبعون # في علم البارئ أزلي هو أم محدث؟ # الدليل على أن علم البارئ قديم غير محدث: أنه تعالى لو خلق علمه، لآل إلى ~~أنه قبل خلق علمه كان جاهلا. ms059 والجاهل ليس بإله إنما الإله: هو العالم ~~القادر، ليس كمثله شيء. والفعل إنما هو معلوم بالعلم. ففسد أن يخلق علمه، ~~إذ كان الفعل إنما هو معلوم بالعلم. # وقول الله تعالى: { لننظر كيف تعملون وحتى نعلم المجاهدين ونعلم من يتبع ~~الرسول } ليس أنه تعالى جاهل بذلك. وإنما مراده أن يفعلوا لكي يعلم ما يكون ~~من فعلهم ظاهرا، كما علمهن قبل كونه. # فإرادة البارئ أن يفعلوا، ليظهر الله عالى ما علمه منهم، قبل أن يعلموا، ~~فيظهر ما عملوه من العدم، الذي علمه، في سابق علمه منهم إلى الوجود { ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } بإظهار وجود عملهم، ~~إذ كان البارئ لا يجازي العباد، بما علم منهم، في سابق علمه. وإنما يجزيهم ~~فيما بين لهم، ويعقبهم على الأمر والنهي؛ لا على العلم عاملهم، بل على ~~الأمر والنهي. وبالله التوفيق. # الباب السابع والسبعون # في البارئ تعالى أنه عالم بعلم أو عالم بنفسه؟ # قال المؤلف: الدليل على أنه عالم بنفسه لا بعلم، هو غيره به علم: أنه لا ~~يخلو، من أن يكون ذلك العلم قديما أو محدثا. # فأن يكن العلم الذي علم به قديما معه، وجب أم يكون معه شئ غيره، قديمين ~~وفسد التوحيد. # وأن يكون محدثا، وجب أن يكون البارئ قبل حدوث علمه غير عالم، وكيف يحدث ~~العلم لنفسه بلا علم، والفعل إنما يكون بالعلم والعلم قبل الفعل؟ وقول الله ~~تعالى: { أنزله بعلمه } المعنى أنه أنزله وهو العالم به، ولو كان عالما ~~بعلم، لكان حيا بحياة، وقادرا بقدرة، ومريدا بإرادة، وفاعلا بقوة عرضية هي ~~غيره، وبالله التوفيق. # الباب الثامن والسبعون # في علم الله هو الله أم غير الله؟ # فإن قال: أفتقولون: إن لله علما؟ # قيل له: نعم. PageV01P064 # نقول: إن لله علما نعني أنه العالم بالأشياء، ولا نقول: إن له علما هو ~~غيره به علم، وإنما نقول: إن لله علما، كما قال في كتابه: { أنزله بعلمه } ~~أي أنزله وهو العالم به. # فإن قال: أفتقولون: إن له علما وقدرة؟ # قيل له: إنا نقول: ms060 إن الله هو العالم، وهو القادر، ولا نقول: إن لله علما ~~وقردة هما غيره، ولو كان علمه هو لحسن أن يقال: يا علم أغفر لي. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والسبعون # في الرد على الجهمية قولهم: إن الله لا يعلم ما يكون قبل أن يكون # قال المؤلف: نقول: إن الله تعالى قد علم بما يكون، قبل أن يكون وبما لا ~~يكون، أن لو كان كيف كان يكون، أو لا يكون. # الدليل على من خالفنا، ممن يقول من جهمية، أو غيرها: قول الله تعالى: { ~~ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } ~~فقال الله تعالى - تكذيبا لهم -: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون } فهذا لا يكون أن لو كان، كيف كان يكون. # وأما ما علم الله بما يكون، قبل كونه: فقوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم ~~إذا انقلبتم إليهم } فأخر الله نبيه - - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحلفون، ~~قبل أن يحلفوا، فحلفوا - كما أخبر الله عنهم ولو لم يكن البارئ عالما بما ~~يكون، قبل أن يكون، وبما لا يكون أن لو كان، كيف كان يكون لحقه الجهل، ~~والجاهل ليس بإله، وإنما الإله: هو الحكيم العليم، الذي لا يخفى عليه شئ. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثمانون # في علم الله السابق في عباده من خير وشر ونفع وضر # هل ساق العباد إلى ما عملوا أم لا؟ # قال المؤلف: فنقول: إن علم الله تعالى، لم يسق العباد، إلى ما عملوا من ~~المعاصي. وإنما سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، حتى كان منهم، ~~ما علم الله. PageV01P065 # الدليل على ذلك: أن علمه أو ساق العباد إلى ما عملوا، ما استحق المطيع ~~ثوابا، إذ هو مجبور، ولا العاصي عقابا، إذ هو مجبور، إذ المجبور لا يستحق ~~على ما جبر شيئا. ولم يكلف الله العباد، ويعاقبهم ويثيبهم، أنه عاملهم ~~بذلك، على ما علم إنما عاملهم بذلك، على الأمر والنهي. وأثابهم وعاقبهم، ~~على الأمر والنهي الاختياري، لم يعاملهم، على العلم. ولو عاملهم على ms061 العلم، ~~لعذبهم، قبل أن يعملوا، لعلمه أنه لو بسط الرزق عليهم، لبقوا في الأرض كما ~~قال في سورة حمعسق. وتسمى سورة الشورى. ولعذبهم على هذا البغي، الذي علمه ~~منهم، قبل أن يعملوا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والثمانون # في التوفيق والخذلان # قيل: إن التوفيق هو القدرة على الطاعة. # قال المؤلف: إن الخذلان: هو القدرة على المعصية، في آثار قومنا. # وقيل: إن التوفيق والخذلان، يكون عند اختيار المكلف. فإن اختار الإيمان، ~~فيحسن اختياره آمن. ففي الحال عند حسن اختياره، يوفق، لا قبل ذلك، ولا بعد ~~وبسوء اختيار العبد للكفر، ففي الحال يخذل عند كفره بسوء اختياره، لا قبل ~~ذلك، ولا بعد. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والثمانون # في العلم والقدرة والإيرادة والمشيئة أزلي ذلك؟ أم محدث؟ # قال المؤلف: العلم والقدرة والإرادة والمشيئة كل ذلك ليس شيء منه بمخلوق ~~بل ذاتي قديم، لم يزل الله بجميع صفاته الذاتية، وأسمائه الذاتية، من غير ~~أن يقال: إن عنده شيئا خالدا كخلوده، باق عنده كبقائه، أوليا كأوليته. ~~وإنما البارئ لم يزل، بجميع صفاته الذاتية، وأسمائه الذاتية. PageV01P066 # ... وقد قلنا: في متقدم الكتاب: إن العلم لو كان مخلوقا، لكان البارئ ~~تعالى، لم يزل فيما لم يزل، قبل خلقه لعلم نفسه جاهلا. ألا ترى أنه يقول ~~القائل: لم يزل الله تعالى عالما بنفسه، أنه واحد ليس كمثله شيء. فكيف يكون ~~علمه مخلوقا، مع أنه تعالى، كيف يخلق العلم لنفسه، ولا يعلم ما يخلق لنفسه؛ ~~لأنه تعالى، أن لو أنه إذا أراد أن يخلق العلم. أليس يخلقه، وهو عالم بما ~~يريد أن يخلق. # ... فإذا كان كذلك عالما بما يريد أن يخلق، فقد سبق العلم، قبل خلق ~~العالم وكفى ذلك. فكيف وأنه غير مخلوق، فالعلم غير مخلوق. # ... وكذلك القول في المشيئة. فلو أنه تعالى أراد أن يخلق المشيئة. فلا بد ~~أن تتقدم قبل خلقها، مشيئة خلق المشيئة، لأنه تعالى لا يخلق المشيئة، من ~~غير أن يشاء أن يخلقها. ومشيئة بمشيئة، ومشيئة بمشيئة. يتسلسل ذلك إلى غير ms062 ~~نهاية. فذلك فاسد. # كما أنه أراد أن يخلق علما، فلا يخلقه، حتى يعلم أنه قد شاء أن يخلق ~~علما. فعلم بعلم، وعلم بعلم فاسد. # ... وكذلك القول في الإرادة، إذا إراد أن يخلقها فلا بد أن يريد أن ~~يخلقها. # ... فإذا كانت إرادة متقدمة. لخلق هذه الإرادة. تفاسد أن يكون خلق إرادة ~~بإرادة، وإرادة بإرادة. يتسلسل ذلك إلى غير نهاية. فذلك فاسد. # ... وكذلك القول في القدرة، إذا أراد أن يخلق القدرة، فلا يخلق القدرة ~~إلا بقدرة قبلها. فقدرة بقدرة، وقدرة بقدرة، إلى غير نهاية، إنه فاسد، مع ~~أنه إذا خلق القدرة، وكانت محدثة. أليس يكون قبل خلقها عاجزا، والعاجز ليس ~~بإله قدير عليم بصير خيبر. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثمانون # في بيان أقسام مشيئة الله تعالى وإرادته في جميع مخلوقاته # من كتاب الضياء: # قال المؤلف: إن لله تعالى في خلقه إرادتين ومشيئتين. # ومعنى الإرادة والمشيئة واحد، غير أنهما اسمان، يتضمنهما معنى واحد. # إحداهما: مشيئة الأمور، التي أرسل الله تعالى بها الرسل، وهدى بها السبل. PageV01P067 # والمشيئة الأخرى: مشيئة في خلق الخلق، وقسم الأرزاق، وما أراد في إنفاذ ~~ما قد سبق عنده، في علمه من الأمور. وما به الخلق عاملون، وإليه صائرون. # ولو كانت المشيئة من الله تعالى واحدة كما قالت القدرية لم يختلف على ~~الله تعالى، فيما أراده من الخلق، كما لم تختلف إرادته، في خلق السموات ~~والأرض، وغير ذلك ولكان العباد فيما أمرهم به مطيعين كما أطاعته السموات ~~والأرض. # وذلك أنه لو كانت إرادته فيما أمر به من الطاعة مثل إرادته فيما أراد من ~~خلق الخلق، لكان الذين قال لهم: { كونوا قوامين بالقسط } لا يكونون إلا ~~كذلك كما أراد منهم كما زعموا يعني القدرية: أنه تعالى، لم يرد منهم غير ~~الطاعة. ولكان الذين قال لهم: { كونوا مع الصادقين } لا يكونون أبدا إلا مع ~~الصادقين؛ لأن أهل القدر، زعموا أن الله لم يرد في العباد، ولا للعباد، إلا ~~إرادة واحدة. وهي إرادة الإيمان. # ... ولو كان ذلك كذلك، لكان كل من قال لهم: "كونوا ms063 كذا وكذا يكونون كما ~~قال لهم". فكما قال لليهود: { كونوا قردة خاسئين } كان كما أراد منهم. فلم ~~تمت إرادته في بعض، وفي بعض لا؟ # ... وهم يزعمون أن الله أراد من العباد الإيمان، ولم يرد فيهم ولا منهم ~~غيره. ولكن لعلم أهل اللب أن الله تعالى، لم يعص بقسر، ولا استكراه، ولا ~~بغلبة. ولكن إرادته تعالى، نفذت في كل ما أراد. # ... وكذلك وصف نفسه فقال: { والله على كل شيء قدير } فمن ذا الذي يضاده ~~في مشيئته، وهو على كل شيء قدير. # ... ويقال للقدرية: هل علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم إليه ~~صائرون؟ فإن قالوا: لا كفروا. # ... وإن قالوا: نعم. # ... قيل لهم: فأراد إنفاذ ما علم؟ أم إبطاله؟ # ... فإن قالوا: لم يرد أن يكون ما علم، كما علم، كفروا. # ... وإن قالوا: أراد أن يكون ما علم، كما علم، انقطعت حجتهم، التي يحتجون ~~بها، في الإرادة. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والثمانون # في الاستطاعة والدليل أنها مع الفعل # والرد على من قال: إنها قبل الفعل PageV01P068 ... قال المؤلف: الاستطاعة ~~في اللغة: هي القدرة على الشيء. وقد تسمى بها أشياء، تئول إلى القدرة. قال ~~الله تعالى: { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } يعني الصوم. من لم يقدر ~~عليه أطعم وزال عنه فرض الصوم لزوال اسم الاستطاعة عنه. وهي الصحة. ووجود ~~المال، يوجب الإطعام. وقال عز وجل: { ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا } . # ... فالاستطاعة: اسم لمعان. والأصل فيها القدرة. والقدرة في الإنسان: هي ~~عرض في الجسم. وليست القدرة جسما في الجسم. والعرض لا يقوم بنفسه، ولا يثبت ~~وقتين. والقدرة: لا خلاف أنها صفة وعرض، لا تقوم بنفسها. ولا تثبت وقتين. # ... وحقيقة الكسب: كل فعل باستطاعة، محدثة مع الفعل للفعل، بتوفيق الله. # ... وأما من فعل بقدرة قديمة، فهو غير مكتسب. فالاستطاعة من العبد للفعل، ~~مع الفعل، لا قبل ذلك، ولا بعد، كما أن العل في حال الفعل، لا قبل ذلك ولا ~~بعد. واستطاعة العبد للمعصية، هي من الله: خلق، ومن الشيطان -لعنه الله-: ms064 ~~أمر ومن العبد: عمل. فالشيطان يزين المعصية، والعبد عامل بالمعصية. والرب ~~تعالى خالق لجميع أعمال الجن والإنس. # ... والدليل على أن الاستطاعة مع الفعل: أنا قد نرى الجارحة التي احتجت بها # المعتزلة: أن الاستطاعة قبل الفعل. ولا نرى الفعل عجزا من الجارحة، ~~والجارحة بحالها. فدل أن من لم يخلق الله له استطاعة، لم يقدر أن يكتسب شيئا. PageV01P069 # ... فلما استحال الفعل مع وجود الجارحة، صح أن الكسب إنما يوجد بوجود ~~الاستطاعة، لا بوجود الجارحة. ثبت أن وجود الاستطاعة، مع الفعل، وليس في ~~عدم الجارحة، عدم الفعل. بل يمنع عدم الجارحة، عدم الاكتساب؛ لأنها إذا ~~عدمت القدرة. فبعدم القدرة استحال الكسب، لا لعدم الجارحة. ولو كان إنما ~~استحال الاكتساب، لعدم الجارحة، لكان إذا وجدت الجارحة، وجد الاكتساب. فلما ~~أن كانت توجد الجارحة، ويقارنها العجز. وتعدم القدرة، فلا يكون كسبا، علم ~~أن الاكتساب إنما يعدم لعدم الجارحة. وقد قال الله عز وجل: { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } قد أمروا أن يسمعوا الحق، وكلفوه. فدل ذلك على لزوم ~~التكليف. وإن من لم يفعل الحق، ولم يسمعه، لم يكن مستطيعا على طريق القول، ~~لم يكن له متسطيعا. وقد قال الله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما الصلاة ~~السلام: { إنك لن تستطيع معي صبرا } وقد كان موسى به الجوارح، فلم يغن عنه ~~كون الجوارح وصحتها، لعدم القدرة التي يكون بها الكسب، والاستطاعة على الشي. # ... فمن قال: إن موسى كان مستطيعا، فقد كذب الخضر عليهما السلام في ~~مقاله. والجارحة قد يرفع بها الإنسان اللقمة ليأكلها. فتذهب الاستطاعة، فلا ~~يقدر على أكلها. فهلا نفعت الجارحة، إن كانت الاستطاعة قبل الفعل كما ~~يقولون. # فالاستطاعة، مع الفعل للفعل، لا قبله ولا بعده، إنما هي محدثة مع الفعل، ~~ولا هي استطاعة واحدة. ولكن استطاعات كثيرة. لكل فعل استطاعة. واستطاعة ~~الطاعة، غير استطاعة المعصية. # ... قال المؤلف: وقيل: هي واحد. في كلا القولين: إن الاستطاعة مع الفعل ~~للفعل. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والثمانون # في أن العبد مستطيع باستطاعة هي غيره # إن قيل: لم قلتم: إن ms065 الإنسان يستطيع باستطاعة، هي غيره؟ PageV01P070 # قيل له: لأنه قد يكون ساعة مستطيعا، وساعة عاجزا. والجوارح بحالها. كما ~~يكون ساعة عالما، وساعة جاهلا، وساعة ساكنا. فوجب كونه مستطيعا بمعنى هو ~~غيره، كما وجب أن يكون متحركا، بمعنى هو غيره. ولو كان متحركا لنفسه، لوجب ~~أن لا يوجد إلا متحركا. فلما فسد ذلك، صح أن الاستطاعة هي غيره. وبالله ~~التوفيق. # الباب السادس والثمانون # في الكفار هل يستطيعون الإيمان أم؟ # ... فالذي نقول: إن الكفار لا يستطيعون الإيمان لاشتغالهم بضده، إذ ~~المؤمن لا يقدر أن يفعل الشيء وضده، في حال، كما لا يقدر أن يكون متحركا ~~ساكنا في حال، ومؤمنا كافرا في حال. والكافر لا يطيق الإيمان، حتى يدع ما ~~هو فيه من الكفر؛ لأنا نقول: إنه لا يستطيع الإيمان، لزمانة مانعة، وعلة ~~حائلة، من قبل الله. فيكون معذورا عن العمل بالإيمان. # وإنما أوتي الكافر، من قبل نفسه فلذلك لم يكن معذورا لسوء الاختيار، الذي ~~اختاره، من الكفر على الإيمان. # فالبارئ عز وجل أعطى الكفار القدرة، ومكنهم، وبين لهم الهدى إلى الإيمان، ~~هدى البيان؛ لقوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ~~فلم يقبل الكفار البيان، ويستعملوا الإيمان. فاستحبوا الكفر على الإيمان. ~~فعملوا بالكفر: ففي حال عملهم بالكفر، لا يقدرون على عمل الإيمان، كما أن ~~في حال عمل المؤمنين بالإيمان، لا يقدرون على الكفر وليس أحد الفريقين، لا ~~يقدرون؛ لعلة من قبل الله تعالى، حائلة بينهم وبين ما يريدون عمله. فيكون ~~الله قد أجبرهم على ذلك تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبالله التوفيق. # الباب السابع والثمانون # في الجبر على الطاعة والمعصية # والرد على المجبرة # قال المؤلف: اعلم أن أهل الجبر، زعموا أن الله تعالى، جبر خلقه، تعالى عن ~~ذلك. وأنه تعالى إنما يعذب العباد على فعله، لا على أفعالهم. PageV01P071 # والحجة عليهم في ذلك: أنه لو كان يعذبهم على فعله، أنه أجبرهم، فيعذبهم ~~على ما فعل هو فيهم، ما قال تعالى: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } ولا قال ~~تعالى: { ذلك بما قدمت يداك - وبما ms066 قدمت أيديكم } . وقال: { من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها } والمجبور لا يستحق ثوابا على عمل؛ ولا يستحق ~~عقابا، على عمل عمله. فالبارئ عز وجل لم يجبر أحدا على طاعة، ولا معصية. ~~ولكنه قد علم، من يعمل منهم بطاعته، ومن يعمل منهم بمعصيته، من قبل أن ~~يخلقهم. فأراد إنفاذ ما علم، كما علم، من غير أن يكون العلم ساق العباد، ~~إلى ما عملوا من المعاصي. ولكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، ~~حتى كان منهم ما علم الله. # مسألة: # عن أبي محمد قلت: أيقدر من علم الله منه المعصية، وأراد خلقها منه أن ~~يفعل خلاف ما علم الله؟ # قال: لا. # قلت: إذا هو مجبور. # فقال: ليس هو بمجبور. وإنما قلنا: إنه لا يقدر على فعل ما علم الله: أنه ~~لا يفعله، المشاغلة بما فعل ما أمر به، أو نهى عنه. # فأما إن ترك ما اختار، فهو قادر، على ما اختار، في الحال التي يختار فيها ~~الفعل الثاني. وهو لشغله بفعل، لا يقدر على فعل آخر. ولكنه قادر، على ترك ~~ذلك في حال تركه، من غير مانع له، من تركه، ولا جابر بجبره، ولا حائل بينه ~~وبينه من قبل الله. وإنما أوتي من قبل نفسه. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والثمانون # في التفويض # قال المؤلف: ضلت المعتزلة والقدرية، بقولهم: إن المشيئة مفوضة إلى ~~العباد. # وقالت القدرية: لا قدرة. PageV01P072 # وقال المسلمون: إن الله تعالى لم يجبر أحدا من خلقه، من المكلفين، ولا ~~فوض إليهم الأمور. ويهملهم كل منهم يعمل ما يشاء. كيف يفوض إليهم الأمور، ~~ويجعل لهم السبيل إلى ما يعملون هملا، وتركهم كذلك سدى. وهو يقول: { ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } لأن العابث ليس بإله حكيم، أن يخلق خلقه عبثا ~~أو يتركهم سدى هملا، يضر بعضهم بعضا. ويقتل بعضهم بعضا. ويأكل بعضهم بعضا. ~~فهذا ليس من الحكمة. والله حكيم عليم، لا يفعل إلا الحكمة. فلوا فوض إليهم ~~الأمور، لم يعذب منهم أحدا، لأنه تعالى كيف يعذب أحدا على فعل، قد فوض إليه ms067 ~~فعل ذلك الفعل، وأذن له به تعالى الله عن ذلك. # وأما قول الله تعالى: { فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر } فليس في هذا ~~تفويض الأمور إلى العباد. ولكنه تهديد من الله تعالى. ألا تراه يقول عقب ~~ذلك: { إنا أعتدنا للظالمين نارا } . # يقول الله للعبا: قد بينت لكم سبيل ذلك، أي سبيل الهلاك. ووعدت وتوعدت. ~~فمن شاء فليؤمن، عند ذلك، ومن شاء فليكفر. فلا حجة لكم بعد ذلك. وهذه ~~الآية، وما كان مثلها، مثل قوله تعالى: { من شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } ~~. نسختهن الآية التي يقول فيها: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } . # الباب التاسع والثمانون # في القضاء والقدر # والرد على القدرية # القضاء: على وجوه. قضى: خلق. وقضى: حكم. وقضى: أمر. وقضى: إخبار وإعلام. ~~وقضى: علم. فقضاء الخلق: قوله تعالى: { فقضاهن سبع سموات في يومين } أي ~~خلقهن تقول: قضيت الأمر: إذا فرغت منه. وقضاء الحكم: مثل قوله تعالى: { إن ~~ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . # وقضاء الأمر: مثل قوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } أي أمر بك. # وقضاء الخبر: مثل قوله تعالى: { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي ~~أخبرناهم وأعلمناهم. # وقضاء العلم: بأن علم أن فعل المعاصي قبيح، والطاعة حسن. وقضاء الكتاب: ~~كتب أن أهل المعاصي سيعصون. PageV01P073 # والقدر: هو الخلق قال الله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } فالقدر: ~~هو الخلق. تقول: قدر الله، وخلق الله. # والمقدور: هو فعل الإنسان. # والمقادير: هي من الله. # والتقدير:هو تقدير الشيء. ويجب الإيمان بالقدر: خيره وشره. والله تعالى، ~~لا يعذب على القدر وإنما يعذب على المقدور، الذي هو أفعال العباد، الذي إن ~~فعلوا خيرا، حمدوا عليه. وإن فعلوا شرا عوقبوا عليه. فالمقدور: أفعالهم. ~~وبالله التوفيق. # الباب التسعون # في الرد على القدرية # القدرية: الذين يكذبون بالقدر. ويقولون: لا قدر. # زعمت المعتزلة والقدرية: أن المشيئة مفوضة إليهم. فهم إن شاءوا تحركوا. ~~وإن شاءوا سكنوا. وإن شاءوا فعلوا. وإن شاءوا، لم يفعلوا، وأن فعلهم: هو ~~خلقهم. وأن الله لم ms068 يخلق أفعالهم. فهذا رد لكتاب الله، وتكذيب لقوله عز ~~وجل؛ لأن الله تعالى يقول: { والله خالق كل شيء } وأعمالهم شيء؛ لقوله ~~تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } . فالبارئ تعالى، لا يعذب إلا على شيء فعلوه. ~~ولا يثيب إلا على شيء قد فعل، فيقال لهم: أخبرونا عن أفعالكم التي زعمتم: ~~أنها من خلقكم، لا خالق لها غيركم. أهي شيء؟ أم غير شيء؟ # فإن قالوا: ليست بشيء. # قيل لهم: فيثيبكم الله على لا شيء، ويعذبكم على لا شيء. # فإن قالوا: نعم. كفروا، إذا زعموا أن الله يعذب العباد، على غير شيء. # وقيل: وكيف قال الله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا } أمل يسم أعمالكم شيئا ~~وأقوالكم شيئا؛ لأن الله تعالى يقول: { وكل شيء فعلوه في الزبر } فقد سمى ~~أعمالهم شيئا وأقوالهم شيئا؛ لقوله: { لقد جئتم شيئا إدا } وذلك شيء قالوه. # وإن هم قالوا: أعمالنا شيء، وأقوالنا شيء. # قيل لهم: فقد قال الله تعالى: { والله خالق كل شيء } قال المؤلف: ويقال ~~لهم: أخبرونا عن الله عز وجل، هو إله أفعالكم وأقوالكم، وربها ومالكها، ~~والقادر عليها أم لا؟ # فإن قالوا: لا، كفروا. # وإن قالوا: نعم. إن الله إله أفعالنا وأقوالنا، وربها ومالكها، والقادر عليها. PageV01P074 # قيل لهم: أفيكون الله إله أفعالكم، وربها ومالكها، والقادر عليها، ولا ~~يكون خالقا لها. وإنما خلقتموها أنتم واخترعتموها. وأنتم لا تقدرون، أن ~~تخلقوا ذبابا. وإن يسلبكم الذباب شيئا، لا تستنقذوه منه. فكيف تخلقون ~~أفعالكم؟ فلو خلقتم أفعالكم ما فعلتم شيئا قط، تندمون عليه، ولا فعلتم ~~فعلا، على أنه حسن صالح، فيأتي قبيحا طالحا. فهذا فعل عليم حكيم، مع أن ~~قولكم: تخلقون أفعالكم، فقد شاركتم الله تعالى، في الخلق والاختراع. فكيف ~~يعبر الله الخلق أجمعين، بالعجز، بقوله تعالى: { خلقوا كخلقه } وأنتم إذا ~~قد خلقتم كخلقه، فجعلتم أنفسكم شركاء لله، في الخلق. فيكف أخبر الله تعالى، ~~في كتابه: { هل من خالق غير الله } وقد خلقتم أنتم مع الله وقولكم: لو كانت ~~أفعالنا من خلق الله، لما عذبنا الله عليها. فقولوا: إن الإيمان والطاعة، ~~من ms069 خلق الله؛ لأنه لا يعذب عليها. وكلا الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، ~~من أفعالكم، التي تدعون أنكم تخلقونها، دون أن يكون الله خالق جميع ذلك. # فإن قلتم: فإذا خلق الله أفعالنا، فكيف بعذابنا على شيء، قد شاركنا في فعله؟ # قلنا لهم: إن الله تعالى، لم يشارككم في أفعالكم. وإنما البارئ: الخالق ~~لأعمالكم، وأنتم المكتسبون لها. والله خالق كسبكم وحركاتكم،فيحال ما ~~تتحركون. وإنما تكون للشركة: أن لو خلقتم أنتم، والبارئ أفعالكم، وكسبتم ~~أنتم والبارئ أفعالكم. فهذه هي الشركة # وأما أعمال بني آدم آجمع؛ فمن الله خلق، ومن العباد عمل، كما قال ~~المسلمون. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والتسعون # في أعمال بني آدم وأقوالهم من خير وشر ونفع وضر وطاعة ومعصية # والدليل على أن الله تعالى قضى ذلك وقدره # وتصرف القضاء والقدر ووجوهه وأقسامه في جميع ذلك # فإن سأل سائل وقال: هل قضى الله بالباطل؟ PageV01P075 # قيل له: لا، إن الله تعالى يقضي بالحق، ولا يقضي بالباطل؛ لأن هذا يتوهم، ~~إن قضى الله تعالى بالباطل، فهذا ما لا يجوز؛ لأن قضاء الله الذي هو حكم: ~~أن الباطل باطل، ممن فعله. # وكذلك قضى: حكم أن المعصية من المأمور، إذا لم يفعل ما أمر به، وعصى ~~الأمر له. وذلك من الله قضاء الحق، لا الباطل. # وقضاء الخلق: أن خلق الله الباطل غير الحق، وجعل الباطل، خلاف الحق. وجعل ~~الباطل قبيحا، أي خلق ذلك قبيحا. # وقضاء العلم: بأن علم أن فعل المعاصي قبيح، والطاعة حسن. # وقضاء الكتاب: بأن كتب أن أهل المعاصي سيعصون ويفسدون. ولم يقض الله ~~بذلك، آمرا به، بل قضاه ناهيا عن فعل القبائح والمعاصي، لا يخرج العباد من ~~قضاء الله وقدره. وعلمه بهم محيط، وهم صائرون إلى مشيئته كما شاء وعلم. # فإن قيل: أفأحب الفساد والفحشاء والمنكر؟ # قيل له: بل سخطه وقبحه، ونهى عنه وذم فاعله. # فإن قال: وكيف تقول: قضاه؟ # قيل له: قضاه معصية قضى الكتاب، وقضاه معصية، ومنكرا وقبيحا قضى حكم. حكم ~~أنه كذلك. وقضى علم بأن علم: أنه سيكون ممن كسبه. # فإن ms070 قال: فأراده؟ # قيل له: أراده مسخوطا منهيا عنه، ولم يرده طاعة ولا حسنا. # فإن قال: فقدر ذلك؟ # قيل له: قدر ذلك: بأن جعل المعصية معصية منهيا عنها، والطاعة طاعة مأمورا بها. # فإن قال: فهل قضى الله المعاصي؟ # قيل له: نعم قضاها، بأن قدرها وخلقها وكتبها، كما قال تعالى: { وقضينا ~~إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين } قضى كتاب وخلق وعلم، ~~كقوله تعالى: { إلا امرأته قدرناها من الغابرين } ولا نقول: قضاها: أمر بها. # فإن قال: قضاء الله حق؟ # قيل له: نعم قضاء الله حق، قضاء حكم، والله يقضي بالحق. وقضى حق: قضى ~~الخلق. وقضى حق: قضى علم. وقضى حق، قضى الكتاب. وقضى حق، مما أمر به، من ~~الطاعة. وقضى حق: قضى خير. # فإن قال: قضى المعصية حق؟ PageV01P076 # قيل له: إن أردت قضاه: بأن خلق المعصية خلافا للطاعة، كما خلق الأشياء ~~وأضدادها، فهو حق، إذ خلق المعصية خلافا للطاعة. # وإن أردت -عز وجل- كتب أنها تكون من العاصي منهيا عنها، فحق كما كتب. فنعم. # وإن أردت أنه علم أن المعصية، خلاف الطاعة، فنعم ذلك حق. # وإن أردت قضى المعصية أمر بها، فالله لا يأمر بالفحشاء والمنكر. بل أمر ~~بالقسط، فلم يقض المعصية آمرا بها. ولكن قضاها معصية منهيا عنها قبيحة، ~~معاقبا عليها فاعلها. # فإن قال: أفترضى بقضاء الله الكفر؟ # قيل له: أرضى بقضاء الله للكفر، بأن جعل الكفر قبيحا، خلافا للإيمان ~~الحسن. وأرضى بقضاء الله الذي هو حكم،على أن حكم بأن فعل من فعل كذا وكذا ~~كفر، ولا أرضى بفعل الكافر وعمله بالكفر، الذي ذمه الله وقبحه وسخطه. فقد ~~رضيت بقضاء الله، فيما حكم به على أهله، وكلفهم إياه، خلافا للطاعة. ~~فأخبرنا أنت: هل علم الله من يدخل الجنة، ومن يدخل النار؟ # فإن قلت: لا، كفرت. # وإن قلت: نعم. # قلنا: فأراد إنفاذ ما علم أم إبطاله؟ # فإن قلت: بل أراد إنفاذ ما علم، خصمت نفسك. # وإن قلت إبطاله، خالفت الحق. # والدليل على أن البارئ تعالى، قضى بالكفر والمعاصي وجميع الفحشاء ~~والمنكر، ms071 وأراد ذلك على الوجه الذي قدمنا، لأنه تعالى، لو لم يقض به، ولا ~~أراده، ولا شاءه، لكان يكون في ملكه وسلطانه: ما لم يشأ كونه، ولم يرد ~~كونه، في ملكه وسلطانه، حتى كونه المكونون، في ملك الله -عز وجل- وسلطانه، ~~وملكوه. وبارئهم لم يرد ذلك، ولا شاءه،ولا أراد كونه في ملكه وسلطانه،ولا ~~شاء كونه في ملكه وسلطانه، حتى كان هكذا. فهذا كالمغلوب، على أن ملكوه ما ~~لا يشأ ملكه. وكالعاجز الذي كونوا في ملكه ما لم يشأ كونه، ولم يرد كونه - ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # فدل ذلك: أن لا يكون شيء في ملك الله وسلطانه، إلا وقد علم ذلك، وشاء ~~كونه في ملكه وسلطانه. وأراد كونه في ملكه وسلطانه. PageV01P077 # وإنما أراد الله الكفر والمعاصي والقبائح والفساد. كل ذلك أراده، بمعنى ~~أنه لم يغلب، على كون جميع ذلك، في ملكه وسلطانه. ولم يرد ذلك إرادة الأمر: ~~أنه تعالى أمر عباده بذلك، راضيا به، بل أراده أن يكون مسخوطا فاسدا قبيحا، ~~معصية ممن فعله، معاقبا عليه صاحبه. أراد كون ذلك خلافا، لكون ما أمر به ~~تعالى، من الطاعات. # فكل شيء نهى عنه فهو ضد، لما أمر به. # فالكفر المنهي عنه، أراده أن يكون ضد الإيمان المأمور به، والمعصية ~~المنهي عنها، أرادها أن تكون ضد الطاعة المأمور بها. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والتسعون # في من قال: إن الله أمر بالإيمان ولم يرده # ونهى عن الكفر وأراده # يقال: لمن قال: أن أمر بالإيمان ولم يرده، ونهى عن الكفر وأراده: إن الله ~~تعالى يجل أن يوصف بما وصفته به، لأن هذا قول فحش قبيح. والله تعالى يجل عن ~~ذلك، لأن هذه الصفة، ليست بصفة إله حكيم عليم. ولا يصف الله تعالى، بهذه ~~الصفة، إلا جاهل ولكن البارئ تعالى، أمر بطاعته، ونهى عن معصيته.وأراد ~~الطاعة ممن أتى بها طائعا، لا مكرها ولم يردها، ممن لم يأت بها ونهى عن ~~المعصية وقبحها. # فمن عمل بالمعصية، فقد عمل بما نهاه الله عنه، وقبحه، وأراده أن يكون ~~فعلا ms072 قبيحا، لا طاعة، ممن أتى به وأراد الطاعة حسنة، إرادة أمر، أمر بها. ~~وأراد المعصية قبيحة، منهيا عنها. ولا مخرج للعباد، مما علم الله، وإرادته ~~ومشيئته. فلا يكون إلا ما شاء الله، وأراد ربنا وعلم -تعالى وجل- له الملك ~~والخلق، يفعل ما يشاء. وقد قال تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين } . # فكل مشيئة، خالفت مشيئة الله، فهي ضائعة. # فدل أنه لا يكون في ملكه وسلطانه، إلا ما شاء وعلم، وأراد كونه، على ~~الوجوه التي بيناها، والتفاسير التي أوردناها. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والتسعون # في الرد على من قال: إن الله أراد الإيمان ولم يرد الكفر # يقال لهم: أتقولون: إن الله أراد الإيمان، ولم يرد الكفر؟ PageV01P078 # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فأراد أن يكون الإيمان خلاف الكفر؟ # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فأراد أن يكون الكفر خلاف الإيمان؟ # فإن قالوا: لا. # قيل لهم: فأراد الإيمان خلاف الكفر، ولم يرد أن يكون الكفر خلاف الإيمان، ~~فأراد أن يخالف شيئا، لا يريد أن يخالفه ذلك الشيء؟ # فإن قالوا: نعم. كابروا. # ويقال لهم: هل علم الله بمن يؤمن ومن يكفر؟ # فإن قالوا: لا. كفروا. # وإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فأراد إنفاذ ما علم أم إبطاله؟ # فإن قالوا: إنفاذه، خصموا أنفسهم. # وإن قالوا: إبطاله، كابروا. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والتسعون # في مقالة المعتزلة في إرادة الله # المعتزلة رجلان: أحدهما يقول: إنما أراد الله من أفعال عباده غير الأمور ~~بها. والآخر: يقول: لم يرد الله من أفعال عباده، الأمر بها. # فمن ذهب إلى الأمر، لزمه إذا لم يكن البارئ أمر بأفعال الأطفال والمجانين ~~أن يكون كارها لها، إن كان يحب أن تبقى أفعال العباد، لإكراهه. والله تعالى ~~لا يكره إلا معصية، كما لا ينهى إلا عن معصية. # وإن لم يكن هذا هكذا عندهم، بطل ما قالوه. وهذا يوجب: أن كل مباح معصية. # ومن ذهب إلى إرادة الله عز وجل لأفعال عباده، غير الأمر بها. قيل له: إذ ~~كان يحب أن تبقى الإرادة لأفعال عباده ms073 الكراهية. فهل أراد الله تعالى: كون ~~الأفعال التي ليست بمعاصي ولا طاعات؟ # فإن قال: نعم. # قيل له: فيلزمك أن تكون طاعة؛ لأن الطاعة عندك إنما كانت طاعة للمطاع؛ ~~لأنه أرادها. # فأن قال: لم يردها. # قيل له: فيلزمك أن تقول: إنه كاره لكونها تكريها. وهذا يوجب أن تكون ~~معصية، لأن ما كره الله تعالى، فهو معصية عندك. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والتسعون # في بيان النهي عن المعصية # مع إرادة الله لها وعلمه بها # إن قيل:ما معنى النهي عن المعصية، وقد أرادها الله وعلمها؟ PageV01P079 # قيل له: لو لم يكن نهيا ولا أمرا، لم تكن معصية، ولا طاعة. وإنما نهى عن ~~المعصية، وقد أرادها وعلمها أنها تكون إذ نهى عنها؛ لأن النهي لو لم تكن ~~معصية، لكان لا فائدة فيه. وكذلك أراد أن تكون معصية أرادها، وعلم أنها ~~ستكون إذ نهي عنها. # وكذلك إن سألوا ما وجه إرسال الرسل، وقد علم أنهم لا يؤمنون، وإراد أن لا ~~يؤمنوا، إذ أرسل إليهم الرسل؟ # وإنما أرسل الرسل، ليكونوا حجة على من لم يؤمن. وليس للناس علىالله حجة. ~~وإنما هذا عدل من الله، وحكمة بالغة، لأنه تعالى يقول: { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا } ولله الفضل والمنة. وبالله التوفيق. # الباب السادس والتسعون # في قضاء الكفر ثم يعذب عليه # قال المؤلف: فإن قيل: هل رضي الله المعاصي؟ # قيل: لا. قال الله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } . # فإن قال: كيف قلتم: أرادها، ولم تقولوا: رضيها وأحبها؟ # قيل له: إن الرضى بالفعل والمحبة ثواب من الله، ومدح له. والله تعالى لا ~~يمدح المعاصي، ولا يثيب عليها. والإرادة صفة الله في ذاته. # ومعنى قولنا أرادها أنه لم يغلب عليها، ولم يكره على كونها. فلذلك قلنا: ~~أرادها، ولم نقل رضيها، ولا أحبها. وبالله التوفيق. # الباب السابع والتسعون # في قضاء الله للكفر ثم يعذب عليه # إن قالت القدرية: أيقضي الله بالكفر، ثم يعذب عليه؟ فهذا توهم أن الله ~~تعالى، قضى بالكفر على الكافر: أنه أجبره عليه. وليس ذلك كذلك. ولكن معنى ~~قولنا: ms074 قضى على الكافر بالكفر: أي خلقه الله على يديه. فقضى الله بالكفر، ~~أي خلق الله الكفر. وكذلك قدر الله عليه الكفر. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والتسعون # في خلق الله أفاعيل العباد # والرد على القدرية في إنكار ذلك # اختلف الناس في أفعال العباد على ثلاث فرق. # فرقة قالت: العبد مكتسب، وكسبه خلقه لأفعاله. ولا تعلق بقدرة القديم، ~~بأفعال العباد. وهي المعتزلة. فجعلوا العبد خالقا، مخترعا لأفعاله. PageV01P080 # وفرقة قالوا: ليس بمكتسب لشيء، ولا قدرة له، فهو كالباب، إذا حرك تحرك. # وفرقة قالت: إن الله تعالى خلق أفعال العباد، مخترعا لها. والعباد ~~مكتسبون لها. فعلى هذا الأصل، يكون الفعل الواحد مخلوقا مكتسبا، في زمن واحد. # فمن قال: إن الفعل خلق العباد، جعل الله خالقا غيره. والله تعالى يقول: { ~~هل من خالق غير الله - الله خالق كل شيء } . # ومن نفى القدرة عن العباد بالكلية، أسقط تكليف الشرع؛ لأن الشرع راع ~~للقدرة في التكليف وقال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } . # ومساق مذهب هؤلاء: أنه لا فرق بين تكليف الصلاة، وتكليف الطيران في ~~الهواء. # وأما القائلون: إن العبد مخترع لأفعاله. فقولهم باطل؛ لأنهم جعلوا أنفسهم ~~شركاء لله في الخلق. والله تعالى يقول: { هل من خالق غير الله } وقال: { خلقوا # كخلقه } يسيرهم بذلك. فكيف يكون أحد من خلقه، خالقا كخلقه -تعالى الله- ~~أن يشبهه أحد من الخلق والاختراع، مع أن الخالق من شرطه أن يكون عالما ~~بتفاصيل ما خلق وقد قال الله تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } . # والعبد لو سئل عن إعداد حركاته، في ليله أو نهاره، ما علم ذلك وقد يتحرك ~~مع شهوة للحركة. فكيف يكون خالقا لها، وهو لها شاه مشقة؟. فكيف يكون خالقا، ~~من كان ساهيا عن مخلوقاته؟ وقد يفعل الأشياء وهو، فيحال فعلها، ناسيا للقصد ~~الذي يريده، ولا يقدر يذكر، ليرجع إلى سبيل القصد الذي أراد العمل له؟ فكيف ~~يكون خالقا لأفعاله، ويفعل الأشياء على أنها صواب، فيأتي بالخطأ، فكيف يكون ~~خالقا لأفعاله، ولكن أفعال العباد من الله: ms075 خلق، ومن العباد: اكتساب: عمل ~~وكسب والله خالق كسبهم، في حال ما يكسبون لا قبل ذلك، ولا بعد، فهذا ول ~~المسلمين. # فإن قال: أليس تقولون: إن ما خلق الله فقد فعله وصنعه؟ # قيل له: نعم. نقول ذلك في جملة الأشياء، ولا نقول ذلك مطلقا وفي بعض ~~الأشياء مطلقا في ذلك. # فإن قال: أليس تقولون: إن الله خالق الكفر؟ # قيل له: نعم. PageV01P081 # فإن قال: أفتقولون: إن الله فعله وصنعه؟ # قيل له: لا نطلق بذلك ألا ترى أنا نقول: إن جهنم قذرة. ولا نقول: إن الله ~~صنع الأقذار. ويقال: خلقها؛ لأن خلقها اسم تعظيم، في كل شيء. وصنع ودبر ~~الأقذار والقبائح تهجين. فنفينا عن الله تعالى كل إضافة تهجين. ألا ترى أنا ~~نقول: إن الله يوجد كل شيء ولا نقول: إن الله يوجد الحر والبرد، والأذى ~~والمكره لأن جملة القول: إن الله يوجد الإشياء، يوجد العلم بالأشياء ~~والإحاطة بها. # وإن قال: أتقولون: إن العبد فعل الكفر؟ # قلنا له: نعم. على معنى أنه كفر. # فإن قال: أفتقولون: إن العبد فعل خلق الله؟ # قيل له: لا؛ لأن ذلك يوهم أنه خلقه. # فإن قال: متى خلق الله تعالى الفعل؟ # قيل له: في حال ما يكسبه، لا قبل ذلك، ولا بعد. # فإن قال: أفيجوز أن يخلقه الله، ولا يكسبه العبد، أو يكسبه العبد، ولا ~~يخلقه الله؟ # قيل له: لا يجوز أن يكسبه العبد، ولم يخلقه الله؛ لأن في ذلك إيجاد الفعل ~~كان، بعد أن لم يكن، ولم يخلقه الله؛ لأن ذلك محال أن يكون محدثا وقع وليس ~~الله هو المحدث له، كما يستحيل أن يكون مملوكا ومربوبا في العالم، لم يملكه ~~الله. ولا يكون ربه. # قال المسلمون: إن الله تعالى خلق الطاعة والمعصية وقدرهما، وقضاهما مع ~~الفعل، لا من قبل، ولا من بعد. فليس لله شريك، فيما قضى وقدر. ولم يؤت ~~العبد، من قبل خلق الله وقدره وقضائه. ولكن أوتي من قبل اكتسابه للمعصية، ~~ومخالفته الأمر، وإيجاد الحجة عليه. ولم يزل الله تعالى مريدا لذلك. ~~فالطاعة: ms076 إرادة رضى ومحبة وعلم ومشيئة. والمعصية: إرادة علم ومشيئة، لا ~~إرادة أمر، ولا رضى، ولا محبة. # والدليل على خلق الأقوال، من كتاب الله -عز وجل-: قوله تعالى: { وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به إنه عليهم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير } . # يقول: كيف لا أعلم القول الذي يخفون، وأنا خلقته؟! PageV01P082 # وقال تعالى: { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ~~فأوجب اختلاف الألسنة وهي اللغات. واختلاف لونها خلق من خلقه. وكل ذلك ~~كلام. والخلق يحمدون على الصواب منه؟ ويذمون على الخطأ. فجعل اختلاف ~~الألسنة آية من آياته، كخلق السموات والأرض. # والدليل على خلق الأعمال، من كتاب الله: قوله تعالى: { قدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما } فأضاف إلينا فعلا. وقال: أنا خلقته وقدرته. # وقال تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } فجعل ~~ابتغاءنا الذي أمرنا به، من آياته. فهو من فعلنا. # والدليل على خلق الأعمال، من كتاب الله: قوله تعالى: { لقد جئتم شيئا إدا ~~} وأعمال العباد شيء. # وقال: { كل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر } . # وقال: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } . # وفي قوله لنا: بأن جعل لنا سرابيل تقينا الحر، وتقينا بأسنا، وهي عمل ~~يعملها بنو آدم وقال تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } . # فإن قالوا: إنما قال: { وما تعملون } من الخشب التي تخذونها أصناما من الخشب. # قيل لهم: لو جاز لكم أن تقولوا: إنه خاص للأصنام والخشب، دون ما كانوا ~~يعملون من السيئات، جاز لغيركم أن يزعم، أنه خاص لتلك الأصنام. # فإن قال قائل: كل خشب وصنم، فهو مخلوق. # قيل له: وكذلك كل ما تعملون من الأصنام والأفعال، من الطاعة والمعصية. ~~فكل ذلك مخلوق. # والدلالة من كتاب الله -عز وجل- على أن العمل مخلوق، والأفعال التي ~~يفعلها العبد كلها مخلوقة خلقها الله تعالى، فيه من الله: خلق، ومن العباد: عمل. PageV01P083 # والدليل على خلق الأفعال، من كتاب الله: قوله تعالى: { ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } فثبت أن الله يصيب الكافرين ms077 بأيدي ~~المؤمنين، فيكون فعل المؤمنين بالكفار، من القتل والجراحة، مصيبة أصابهم ~~الله بها. فأضاف ذلك إلى الله أنه أصابهم بها، على أيدي المؤمنين. فذلك فعل ~~الله: إصابته إياهم بتلك المصيبة. وهو فعل للمؤمنين. فدل أن الأفعال من ~~الله خلق، ومن العباد عمل. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والتسعون # في الدليل على خلق الفعل من السنة # الدليل من السنة، على أن الأفعال مخلوقة: قوله صلى الله عليه وسلم: ما ~~خلق الله خلقا أحب إليه من العتاق، ولا أبغض إليه من الطلاق. # وقال صلى الله عليه: لو أن الناس نظروا إلى الرفق،لرأوا خلقا حسنا، لم ~~يروا خلق شيء أحسن منه.ولو نظروا إلى الخرق، لم يروا خلق شيء أقبح منه. # والرفق: فعل الرفيق. والخرق: فعل الأخرق. فقالوا: إن الله تعالى خلق فعل ~~الرفيق وفعل الأخرق. # وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته. # فإن قالوا: إذا زعمتم أم كسبكم خلق الله، أفتزعمون أنكم اكتسبتم ما خلق الله؟ # قيل له: إنا اكتسبنا ما خلق الله كسبا لنا، ولم نكن مكتسبين للأجسام، ولا ~~لسائر ما خلق الله، لأنها ليست بكسب لنا. ولكنا مكتسبون للشيء الذي خلقه ~~الله كسبا لنا، ولم نكتسبه خلقا الله -عز وجل-. وذلك أنا لم نكسبه خلقا لنا ~~خلقناه، فنكون خالقين له. وإنما اكتسبنا شيئا، خلقه الله. # فإن قالوا: وقد قال الله: { وتخلقون إفكا } . # قيل له: ذلك: الإفك: الكذب. يقول: تدعون باطلا إفكا. والباطل: الكذب. ~~وقوله تعالى: { إن الذين جاءوا بالإفك } فهو الكذب، في قذف عائشة رضي الله ~~عنها إنما باطلا إفكا. # فإن قالوا: أفيعذب الله العباد، على الكفر الذي خلقه كفرا منهم؟ PageV01P084 # قيل له: إن الله يعذبهم على الكفر، الذي هو خلق منه لهم، وكسب منهم ~~للكفر، كما أنه تعالى يعذبهم، على الكفر الذي هو معلوم لله، لا أنه علمه. ~~ولم يعذب الله العباد، لأنه خلق الكفر منهم كسبا لهم. وإنما عذبهم على ~~كسبهم للكفر؛ لا لأن الله خلقه، بل لأنهم عملوه وكسبوه. وبالله التوفيق. # الباب المائة # في ms078 تفسير قولهم: يجب الإيمان بالقضاء # وخيره وشره # وسألت عن القدر، خيره وشره. فما خير القدر؟ وما شره، الذي يلزم العباد أن ~~يؤمنوا به؟ # فاعلم أن القدر: هو الخلق. تقول: قدر الله وخلق الله. فهذا هو القدر. ~~وخيره وشره: كل خير وكل شر، يلزم العباد أن يعملوا، ويصدقوا ويؤمنوا أن ~~الله خالق كل خير وكل شر. والكفر من الشر. والإيمان من الخير. # الباب الحادي والمائة # بيان من استحق أن يلقب بالقدر # ومن أولى بذلك # اعلم أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كلهم، على ملة ~~واحدة، ومذهب واحد، في قولهم بالقدر، وإقراهم بالقضاء القدر، خيره وشره كله ~~من الله، حتى ادعت القدرية لأنفسها، أن المشيئة والقدرة إليهم، وأنهم في ~~اكتسابهم ذلك، وأعمالهم، أنهم يقدرونها ويفعلونها ويخلقونها، مقدروة لهم، ~~دون خالقهم تعالى. وأن الله لم يخلق إيمان المؤمنين، ولا أفعالهم، ولا ~~حركات أهل الجنة وتلذهم، ولا حركات أهل النار، ولا طيران طير في طيرانه، ~~ولا دبيب ذر النمل، في حركاته، ولا حركة بهيمة، ولا حركات كل متحرك، ولا ~~الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية. وأن الأمور مفوضة إليهم، يخلقون ~~أفعالهم. فصار القدري هو الذي يدعى ذلك لنفسه، كما أن الصائغ هو من يعرف ~~أنه يصوغ دون من يزعم أنه يصاغ له. نعوذ من الضلال، وكل ما تحبط به ~~الأعمال. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والمائة # في الامتحان وجمعه والحكمة منه # والرد على من أبى حكمه PageV01P085 الامتحان على وجهين: فوجه أن يمتحن، ~~ليعلم بامتحانه، ما خفي عليه. ووجه لإيجاب الحجة، وقطع العذر. والبارئ ~~تعالى، عالم بالخلق وما تئول إليه عواقبهم، فلا يمتحنهم بشيء خفي عليه من ~~أمرهم، ولكن مبتليا لهم بالفرض، ليثيب بالطاعة من أطاعه، ويعذب بالمعصية من عصاه. # والحكمة من هذا الاختبار والامتحان: أن في الشاهد لا ينبغي للحاكم أنيحكم ~~بعلمه، من غير إقامة المدعي البينة أو يمين المنكر؛ لأنه إذا حكم بعلمه، ~~دون ظهور وجه الأمر فيه لغيره، اتهم بالميل إلى الجور. فبمثل هذا عامل الله ~~عباده فأراد البارئ تعالى ms079 أن يظهر فيهم معلومه، لا ليتهم بالميل، وينسب إلى ~~الجور، كما قال تعالى: { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ~~معناه: فليظهرن الله معلومه في الذين صدقوا، وليظهرن معلومه في الذين ~~كذبوا. فهذا الامتحان والاختبار. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والمائة # في التكليف ووجهة # والحكمة في ذلك التكليف على معنيين: معنى تجوز إضافته إلى الله والآخر لا تجوز. # فالذي تجوز: هو الذي كلفهم، حسب طاقتهم، ليبلغوا منافع لهم، دون بارئهم. # والذي لا تجوز: هو أن يكلفهم، لحاجته إلى ما يكلفهم. تعالى الله عن ذلك؛ ~~إذ لم يزل البارئ غنيا عن جميع العالمين. # مسألة في الحكمة من التكليف: # قال بشير بن محبوب رحمه الله في بيان حكمة التكليف إنا وجدنا العقول، بها ~~زمام الطباع، وآله البيان، وعنان العرفان. PageV01P086 # وعلة العرفان بها: تبين حسان الأمور وقبيحها، وفاسدها وصحيحها، والتمييز ~~بها والحكمة ما شرف فيها. والخواطر في تبيينها لها، والفكر شعارها. ذلك ~~تقدير العزيز العليم. خص به الإنسانية من خلقه، وفضل به المكلفين من خلقه؛ ~~ليبلغوا منافع لهم، وأعدمهم العجز، كما كلفهم، حجة عليهم، وحمة بالغة فيهم، ~~وفضل عظيم لهم، مع قدرته على اتصال ما عرضهم لعباده، وغناه عنهم وعنها منهم ~~فحسن مع ذلك تكليفهم؛ لأنه لا يجوز في الحكمة، شكر من لا يستحق الشاكر، ~~بإحسان كان منه، مع لذته لذلك، وقدرة الشاكر على شكره. ولذلك لم يجز أن ~~يبتدئ عباده بالشكر لهم، واتصال اللذة بهم إليهم، من غير أن يكون منهم # فعل يستحقون به شكره إياهم، وإن كان قادرا على فعل ذلك بهم. # وكذلك ما أدخله من المكاره على أطفالهم، لا يجوز في الحكمة ابتداؤهم بما ~~يعوضونه به منه؛ لأن العوض استحقاق بما نالهم بما يستحقون، لا يجوز كونها ~~بغير ما يستحقون. # ولما كان خلقه إياهم لينتفعوا حكمة، كان الإحسان إليهم كذلك. وكان الكفر ~~منهم كذلك، في عقولهم. وكان الشكر به حسنا منهم، ترك هذا الشكر. # ولما كان ذلك كذلك، كان الأمر بهذا الشكر، والترغيب فيه حسنا. # ولما كان ذلك كذلك، كان تركه قبيحا. ms080 ولما كان تركه قبيحا، كان النهي عن ~~تركه حكمة، لأن ما كان حسنا، فحسن الأمر به.وما كان قبيحا، فحسن التزهيد ~~فيه منهم، والنهي عنه. ولئن يكون الترغيب إلا بعدمهم، المرغب لهم فيه ~~بعدهم: أنه يحرم ذلك من كفره، ولم يرغب. # وإذا كان كذلك، لم يجز في الحكمة أن يساوي بين الشاكر والكفر، ولا يعطي ~~أحدهما ما يعطيه الآخر منهما. # ولو كان ذلك كذلك، ما رغب الراغب في الشكر، ولا زهد الزاهد في الكفر، إذا ~~كان ينال أحدهما من اللذة، ما ينال الآخر منهما. # ولو كان ذلك، لكان لا معنى للترغيب في الشكر، والتزهيد في الكفر، دون ~~الترغيب في الكفر، والتزهيد في الشكر. PageV01P087 # ولو كان ذلك كذلك، لكان لا فرق في العقل بين الحسن والقبيح ، والفاسد ~~والصحيح. # ولما لم يكن ذلك كذلك، صح أن الذي يستحق بالشكر من الثواب، لا يجوز أن ~~يعطى من لا يستحق ذلك بشكره وطاعته. # وكذلك حسن التكليف، وإن كان ذلك متعينا للمكلفين، إذا كانوا ينالون منه ~~نفعا ونعما، لا يجوز في الحكمة أن ينالوه من غير أن يستحقوه، لفعل ما ~~كلفوه، وإن كان الله تعالى قادرا، على أن يفعل ذلك بهم،ويوصله إليهم. # والتكليف على معنيين. فمعنى تجوز إضافته إلى الله تعالى. ومعنى لا تجوز. ~~فالذي تجوز: هو الأمر هو تكليفه عز وجل عباده أوامره ونواهيه، وطاعته ~~وفرائضه، حسب طاقتهم. # والمعنى الذي لا يجوز: هو إنزال المكلف حاجته بالمكلف وهذا غير جائز على ~~الله، أن يكون تكليفه العباد، لحاجة به إلى ما كلفهم، إذ كان الله تعالى ~~غنيا عن جميع خلقه. وكل إليه محتاج مفتقر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # الباب الرابع والمائة # في لزوم التكليف # وأقسام اللازمات فيه # لزوم التكليف من كتاب الله وقوله تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم } . # ووجوب التكليف على المكلف، على طريقين:طريق عقل، وطريق نقل. # فطريق العقل، ينقسم قسمين:أحدهما معرفة الله تعالى أنه واحد، وعالم ~~وقادر، ونحو ذلك فعلى المكلف عند ذكر ذلك وسمعه، اعتقاده وعلمه، غير معذور ~~بجهله، ms081 بجملة، ولا الشك فيه. # والقسم الثاني: ما فيه خلاف بين الناس، مثل عالم بعلم، وقادر بقدرة، ~~وعالم بنفسه، وقدر بنفسه. فحجة هذا تلزم بالسؤال، وبعد الاستدلال. وعلى ~~الشاك فيه، لا يعتقد تحولا من قول المختلفين، بغي دليل. وأن يكون متمسكا ~~بالجملة. وهي أن الله تعالى واحد، ليس كمثله شيء. # وأما ما كان طريقه طريق النقل، وهو السمعي، فغير لازم فرضه، ولا هالك من ~~جهله، إلا بعد قيام الحجة عليه، بالخبر المنقول إليه. PageV01P088 # فأما ما طريق سمعه من ذلك، لزمه فرضه، إن كان مفسرا في نفس اللفظ ~~المنقول. وإن كان مجملا، فإلى أن يسأل العلماء عن تفسيره بخطئه. وما لم تقم ~~على المكلف حجة، ولم تبلغه دعوة، فهو سالم بجهله، فيما كان طريقه طريق ~~السمع، من رسالة الرسول، وعلم الفرائض، ومشاهدة الرسول ليست بحجة حتى يظهر ~~له معجزة على دعوى النبوة، ويدعوه إليه من الإيمان به. فلا تلزم حجة الرسول ~~من غير إظهار معجزة. # والتكليف ثلاثة أقسام: فقسم أمر المكلفون باعتقاده. وقسم أمروا بفعله. ~~وقسم أمروا بالكف عنه. # وما أمروا باعتقاده، فقسمان: قسم إثبات، وقسم نفى. # فأما الإثبات فإثبات توحيد الله وصفاته، وتصديق رسوله صلى الله عليه فيما ~~جاء به. # وأما النفي، فنفى الصاحبة، والولد والأشباه والحاجة والقبائح أجمع، عن ~~الله عز وجل وهذان القسمان، هما أول ما كلفه العقل. # وأما ما أمرهم الله بفعله، فثلاثة أقسام: فقسم على أبدانهم، كالصلاة ~~والصيام وقسم في أموالهم، كالزكاة والكفارات. وقسم على أبدانهم، وأموالهم ~~جميعا، كالحج والجهاد. # وأما ما أمرهم بالكف عنه، فثلاثة أقسام: فقسم لإحياء أنفسهم، كنهيه عن ~~القتل، وأكل الحيات والسموم، وما يؤدي إلى فساد أبدانهم وأديانهم. # وقسم لأنفالهم، وصلاح ذات بينهم، كنهيه عز وجل عن الغضب والظلم والبغض، ~~وما أشبهه. # وقسم لحفظ أنسابهم، وتعظيم محارمهم، كنهيه تعالى عن الزنا وتحريم ذوات ~~المحارم. # والتعبد مأخوذ من عمل متبوع، وشرع مسموع. # فالعقل متبوع، فيما لا يمنع منه الشرع. # والشرع مسموع، فيما لم يمنع منه العقل، لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه ~~العقل ms082 والعقل يتبع، فيما لم يمنع منه الشرع. # وكذلك توجه التكليف إلى من كمل عقله. والأحكام العقلية، لا تكون أصولا ~~للأحكام الشرعية. ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام العقلية. وبالله ~~التوفيق. # الباب الخامس والمائة # في تكليف المنفرد عن الناس، وشبه ذلك # وما يجب عليه من ذلك PageV01P089 من كان في جزيرة لا علم له بالناس، ولا ~~الشرائع فعليه في حال التكليف: أن يعلم أن له خالقا خلقه، وصانعا صنعه ~~ودبره. يقع له دليل ذلك، من طريق العقل، على ما يراه من خلق نفسه، ويعلمه ~~من خلق السموات والأرض، والليل والنهار، واختلاف الأحوال. # ويجب عليه الكف، عما قبح في عقله، من مثل قتل الحيوان، وأكل لحومها، لأن ~~إيلام الحيوان، وقتل ذوات الأرواح، أن ينكر عليه؛ لأن ذلك الفعل في العقل ~~جور؛ لأنه لو أتاه آت، يريد ألمه، لكان يرى ذلك جورا في العقل. # والزنج الذين هم بسفالة وغيرهم من أطراف الأرض الذين لم يبلغوا، ما بلغ ~~غيرهم من أهل الإسلام، عليهم أن يعرفوا بعقولهم أن الأشياء التي يرونها، ~~لها خالق ومدبر، وليس كمثله شيء، لا عذر لهم من ذلك. # وإن كان جائزا في عقولهم، وحسنا ليس بقبيح، أن يكون لهذا الرب رسولا ~~معبر. فعليهم أن يسألوا عن ذلك. وبالله التوفيق. # الباب السادس والمائة # في تكليف الكفار # إن الله تعالى كلف عباده، العقلاء البالغين، من الجن والإنس أجمعين، هذا ~~التكليف الاختياري، المتقدم ذكره. وإنما كفر من كفر، من الجن والإنس؛ لسوء ~~اختيارهم لأنفسهم للكفر، واستحبابهم له، على الإيمان والعمى على الهدى. # فأولهم إبليس أبو الجن، وأولهم آدم أبو البشر وحواء. لولا أن تداركهما ~~الله برحمة منه، حتى تابا لله، لكانا من الهالكين. وأولهم: قابيل قاتل ~~هابيل فالكفار أجمع مكلفون. # وقيل لأبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة: تكليف من علم الله أنه يؤمن أو ~~يكفر حسن؟ # فقال: نعم. # وإنما تكون الطاعة طاعة، والمعصية معصية، من قبل الأمر والنهي. فأما ~~بمواقعة الإرادة والمراد، فلا تكون طاعة لموافقة العلم. PageV01P090 # وذلك لأن الله مكننا وكلفنا الطاعة لحسنها. ونهانا ms083 عن المعصية لقبحها. ~~فصرف العبد منا تلك الطاعة، وتلك الاستطاعة، إلى ما أحب واختار؛ لأنه ~~مختار. لذلك لق من غير إجبار، أجبره الله، على فعل من الأفعال. فهو محمود ~~مذموم. فإنما فعل ما أمر، أو نهي، باختياره. والله الخالق لجميع ما يحدث من ~~فعله، في حال فعله. # قيل له: فيقدر من علم الله منه المعصية، وأراد خلقها منه، أن يفعل خلاف ~~ما علم الله؟ # قال: لا. # قيل له: فإذا هو مجبور. # فقال: ليس بمجبور. وإنما قلنا: لا يقدر على فعل ما علم الله، أن لا ~~يفعله؛ لتشاغله بما فعل، مما أمر به، أو نهى عنه. # فأما إن ترك ما اختار، فهو قادر على فعل ما اختار، في الحال التي هو ~~مختار فيها الثاني. فهو لشغله بفعل، لا يقدر على فعل آخر. ولكنه قادر على ~~ترك ذلك، في حال تركه، من غير مانع له، من تركه، ولا جابر يجبره. ولا حائل ~~بينه وبينه، من قبل الله. وإنما أوتي من قبل نفسه. وبالله التوفيق. # الباب السابع والمائة # في بيان ما كلفه الله الكفار # اختلف أصحابنا في الكفار: هل مخاطبون بالعبادات والأحكام، مثل المسلمين؟ ~~أم مخاطبون بأصل الإيمان أولا، لا غير ذلك؟ على وجهين: # أحدهما: غير مخاطبين إلا بأصل الإيمان، لا بصلاة، ولا بصوم، ولا زكاة، ~~ولا حج. فإذا دخلوا في ذلك، خوطبوا حينئذ بذلك. # وقال آخرون من أصحابنا: بل كلهم مخاطبون بذلك، إذا كانوا كلهم معاقبين، ~~على ترك جميعه. ولكن فعلهم ذلك، على ترتيب وتنزيل انظر إلى قوله تعالى: { ~~فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } . # وأما المرتد فلم يختلف أصحابنا، في أن حكم الخطاب، في جميع ذلك كله، يجري ~~عليه، وإن كان مرتدا. ولهذا لزمه ما تركه، من ذلك، في حال ردته. وبالله ~~التوفيق. # الباب الثامن والمائة # في الحكمة في تكليف من علم الله أنه لا يؤمن من خلقه # وهو يعلم أنه لا يؤمن # وبيان ذلك PageV01P091 قال الملحدون: وكيف يجوز أن يكون البارئ الذي ~~تسمونه حكميا، وقد خلق خلقا، ثم كلفهم، مع ms084 معلمه أنهم يعصون، فيصيرون إلى ~~النار، فلو لم يخلقهم ما كفروا، واستحقوا النار؟ # قال الموحجون: إن وجب أن يكون الخلق والتبليغ بالتكليف قبيحا، ولا يكون ~~حكمة، لكان لا شيء أوضع ولا أحسن من العقل، ولا أضر منه؛ لأن الإنسان متى ~~لم يكن عاقلا، لم يلحقه لوم في شيء، مما يكون منه. ولم يلزمه عذاب. ومتى ~~كان عاقلا، لحقه ذلك. والأمة الموحدة والملحدة، مجمعون على شرف العقل ~~وفضله. وإنما كفر من كفر بسوء اختياره، لا أن التبليغ والتكليف، حملهم على ذلك. # الباب التاسع والمائة # في الرد على من قال: إن أهل الجنة مكلفون في الجنة أم لا؟ # قال المؤلف: لو كلف الله أهل الجنة في الجنة، كما كلفوا في الدنيا، كان ~~الأمر من الوعد والوعيد، كما كانوا في الدنيا. # فإن قيل: إن فرض معرفة الله، والشكر له، لا بد لأهل الجنة من ذلك. # قيل له: إن أهل الجنة، لم يدخلوا الجنة، إلا وهم عارفون بجميع ذلك. فبعد ~~استقرار ذلك في قلوبهم، لا ينسون ذلك، ليعاد عليهم التكليف مرة أخرى. ~~وبالله التوفيق. # الباب العاشر والمائة # في الرد على من قال: هل ابتدأ الله الخلق # في الجنة وأرواحهم من التكليف # قال المؤلف: لو ابتدأ الله الخلق في الجنة، لوجب في الحكمة: أن يدعوهم ~~إلى معرفته وشكره، وأن لا يبيح لهم جهل معرفته، وكفر نعمته؛ لأن فاعل ذلك ~~غير حكيم. # ولو دعاهم إلى معرفته، وشكر نعمته، لم يكن بد من أن يتوعدهم على ترك ذلك، ~~وأن يقبحه عندهم بالزجر، وأن يفعل لهم من الترغيب فيه، والترهيب من تركه، ~~ما يقوم مقام الوعد والوعيد. # ولو أمرهم بمعرفته، وشكر نعمته، ووعدهم وتوعدهم، فقد كلفهم وامتحنهم. ~~فكان الأمر يعود إلى ما هم عليه، في دار الدنيا، من الامتحان والتكليف. # الباب الحادي عشر والمائة # في القول في ترك الله منع المعاصي مع القدرة على ذلك PageV01P092 فإن قال ~~قائل: أفيكون حكيما، من ترك عبده يعصيه، ويعمل عملا، يستحق به الخلود في ~~النار، ولا يمنعه، وخلصه منه؟ # قلنا له: قد ms085 منعهم من ذلك أشد المنع، وخلصهم منه، بأفضل الخلاص: بأن ~~زجرهم، ونهاهم وتوعدهم بالنار، وأراهم العبر والآيات والمثلات. # وأما الخلاص، فقد أقدرهم على ترك المعاصي، وجعل لهم السبيل إلى الطاعة، ~~وأعطاهم كل ما ينجون به من المعصية. وحذرهم، ووعدهم وتوعدهم. # فإن قال: فهلا منعهم بالجبر والقهر، وخلصهم بمثل ذلك؟ # قلنا: لو فعل ذلك بهم، لم يستحق محسن ثوابا، ولا مسيء عقابا. وكان لا ~~معنى لخلقهم؛ إذ لم يخلقهم لينفعهم. ولكان قد خلقهم عبثا، وتركهم سدى - ~~تعالى الله عن ذلك. # الباب الثاني عشر والمائة # في العبادة واختلاف الناس في كيفية خلق الله تعالى الخلق لعبادته # قال الله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الآية. # قال بعض المسلمين: المعنى في ذلك: إلا لآمرهم بعبادتي. # وقال بعض قومنا: المعنى في ذلك: أي وما خلقت صالحي الجن والإنس إلا ~~ليعبدون. # وقال ابن عباس في قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أي ~~ليعرفوني. # قال بعض أهل الخلاف لدين المسلمين: ما خلقهم إلا لعبادته. # فمن زعم أن الله تعالى، أراد العبادة، من جميع خلقه، وأراد الطاعة من ~~الجميع؛ لأنه خلقهم لذلك، ولم يفعلوا، كان في قياد قول هذا القائل: إن الجن ~~والإنس، فعلوا خلاف ما أراد الله منهم وكانت إرادتهم غالبة لإرادته فيهم، ~~خلاف لما خلقهم له. وكانوا قد أكرهوا وغلبوه. وكان قوله تعالى ذلك، غير صدق. # فلما فسد هذا بطل ما قالوه. ولو أراد الإيمان من العاصين، ممن خلق، من ~~الجن والإنس جميعا، لآمنوا كلهم جميعا. ولكن لم يرد ذلك؛ لأنه تعالى قد ~~قال: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } يدل أنه لم يشأ الإيمان ~~من الجميع. PageV01P093 # فدل ذلك، أنه لم يرد الإيمان إلا ممن آمن طائعا، ولم يرد المعصية طاعة. ~~وقد أراد المعصية، أن تكون ممن عصاه، قبيحة مسخوطة، وأراد الطاعة، حسنة ~~مقبولة، وبالله التوفيق. # الباب الثالث عشر والمائة # في كيفية اعتقاد تأدية العبادة لله عز وجل # قيل: من عبد الله بالرجاء، فهو مرجي. ومن عبده بالحرف، فهو ms086 حروري. ومن ~~عبده بالحب، فهو زنديق. ومن عبد الله بالثلاثة، فهو مستقيم. # وقيل: لا ينوي أنه يعبد الله، رغبة في الثواب، ولا خيفة من العقاب. وتكون ~~نيته: أن الله مستحق أن يخضع له؛ لأن من شأن العبد أن يخضع لمالكه وسيده. ~~وعليه أن يعلم أن العبادة التي يعبدها الله، غير زائدة في ملكه. وأن الله ~~غني عن عبادة الخلق. وعليه أن يعلم أن عبادته لله تنفعه؛ لأنه متى قام ~~بتأدية ما عليه، استحق الثواب. وعليه أن يخاف الله، في التقصير والتضييع؛ ~~لأنه متى لم يقم بتأدية ما عليه وضيع، استحق العقاب فنفسه بدا، وعن حظه عرا. # وقيل: من عبد الله بتوهم القلب، فهو مشرك. ومن عبد الاسم، دون الصفة، لا ~~بالإدراك. فقد أحال على غائب. ومن عبد المعنى، بحقيقة المعرفة، فقد أصاب. # قال المؤلف: إن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، من صفات المخلوقين. وأنه ~~لم يزل قبل كل شي. وما سواه مخلوق محدث، كان بعد أن لم يكن؛ لأن على العبد ~~أولا معرفة من افترض عليه المفترض؛ لأنه لا يؤدي المفترض، حتى يعرف من ~~افترض عليه الفريضة، حتى معرفته؛ إذ لا يجوز أن يتقرب إلى من لا يعرفه. ولا ~~يخضع ويعبد ويعمل، لمن لا يعرفه. وبالله التوفيق. # الباب الرابع عشر والمائة # في حق الله على عباده المكلفين # حق الله على عباده المكلفين: أن يعرفوه، ويوحدوه ويعبدوه، ويشكروه، ولا ~~يكفروه. # فإن قيل: أراد الله هذا الحق منهم؟ # قيل له: أراده، ممن يأتي به مطيعا. ولم يرده، ممن لم يأت به مطيعا. # وقيل: والذي يريده الله من العباد: أن يعرفوه حق معرفته. وبالله التوفيق. # الباب الخامس عشر والمائة PageV01P094 في أن الله تعالى كلف العباد ~~استطاعتهم وطاقتهم # وذكر تكليف ما لا يطاق # ونفي ذلك عن الله عز وجل # قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال: { فاتقوا لله ما ~~استطعتم } فيوجد في قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي لا ~~يؤاخذها ويطالبها. # قال المؤلف: الدليل على أن الله ms087 تعالى لم يكلف العباد فوق طاقتهم: قوله ~~تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~} يعني من ضيق. ولو كان قد كلفهم ما لا يطيقون، كان قد جعل عليهم أكبر ~~الضيق؛ لأنه لا ضيق أكبر، من تكليف ما لا يطاق. # وأما ما سألت عنه، من هل يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يستطيعون؟ فذلك ~~على معنيين عندنا: أحدهما لا يجوز لقائل أن يقوله. والآخر جائز عدل. وهو ~~قول المسلمين. # فأما الوجه الذي لا يجوز، فإن الناس قد يكون لا يستطيعون، للزمانة ~~والأمراض، بمنزلة المقعد، لا يستطيع القيام، لذهاب رجليه. والأعمى لا ~~يستطيع البصر، لذهاب بصره، وما أشبه ذلك، فلا يكون مستطيعا، ولا مأمورا. ~~ومن كان لا يستطيع، لأنه آثر المعصية، وشغل قلبه بها، فلم يستطع ما سواه؛ ~~لأنه بغل نفسه بها، فهو مكلف وإن لم يستطع ذلك جاء من قبله. فهذا دفع، لما ~~سأل عنه القدرية. PageV01P095 # والدليل من العقل: أن الله لا يكلف العباد ما لا يطيقونه: أنا وجنا الله ~~تعالى قد قبح ذلك في عقولنا، لا لعلة، من نهي أو غيره، بل لنفسه. وما كان ~~قبيحا بعينه للأمر والنهي، فلن يفعله فاعل، كائنا من كان، إلا كان غير ~~موصوف بالحكمة، إذا كان ذلك قبيحا في العقل. يعينه، لا لأمر ولا للنهي. وما ~~كان قبيحا بعينه، قبيحا في العقل، فلا يفعله حكيم، لا خالق ولا مخلوق. ولو ~~جاز أن يكون ذلك قبيحا منا حسنا من الله، إذ الخلق خلقه، لجاز أن يكلف ~~الزمن العدو، ويكلف الأعمى النظر. وأن يقول لما لم يكن: إنه كان. ولما كان: ~~إنه لم يكن. ويكون ذلك حسنا منه؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # الباب السادس عشر والمائة # في التخفيف بعد التثقيل # والتثقيل بعد التخفيف # يقال لمن قال: إن الله لا ينقل العباد، من تخفيف إلى تثقيل: إن الله ~~تعالى قد أمر المؤمنين بقتال المشركين، بعد أن كانوا غير متعبدين. فقال ~~تعالى: { إلا تنفروا ms088 يعذبكم عذابا أليما } فقد صاروا بالتخلف عن القتال ~~متوعدين، بعد أن كانوا غير مأمورين وقد خفف عن عباده أشياء، بعد التثقيل ~~عليهم، كقوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } . # فإن قال قائل: ألم يكن الله علم قبل ذلك، عند ألزمهم الفرض الأول؟ # قيل له: هو عالم بما كان، وبما يكون، قبل أن يكون. ولكن خفف عليهم ~~وألزمهم الفرض الثاني، لما كان المسلمون أقلاء، في صدر الإسلام. وكانت ~~نياتهم أقوى، فرض عليهم الفرض الأول؛ لقوة نياتهم. # ولما كثر المسلمون، وكان الحرص منهم، على قتال العدو ضعيفا، خفف المحنة ~~عنهم، وألزمهم هذا الفرض الثاني. والله أعلم. وبه التوفيق. # الباب السابع عشر والمائة # في حجج الله تعالى على عباده المكلفين # فأول حجة الله على العباد: العقل. فحجة الله في الأرض: العقل، ~~والاستطاعة، والكتاب، والسنة، والرسل. # والدليل على الحق: الهدى والرسل والميثاق والإجماع. PageV01P096 # الدليل على أن القرآن حجة: قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم } . وقال تعالى: { آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . # والدليل على أن السنة حجة: قوله تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } . # والدليل على أن الإجماع حجة: قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس } الآية. والشهد لا يكون إلا مرضيا. # وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أمتي لا تجتمع على خطأ. # والدليل على أن العقل حجة: قوله تعالى: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ~~فهذا يدل على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق. وقال تعالى: { أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت } الآية. # والدليل على أن تواتر الأخبار حجة: ما نعلمه من البلدان التي لم نشاهدها، # والأشياء التي لم نعلمها، إلا بنقل المخبرين بها، وإن لم نعاينها، من ~~البلدان القاصية؛ لأني أعلم أن الله تعالى بيتا في الأرض. وهو الكعبة. ولم ~~أعانيها قط. # والدليل على أن الرأي حجة: قوله تعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث } الآية. والله أعلم. # الباب الثامن عشر والمائة # في القول في الرسل # واستحسان إرسالهم إلى عباده ms089 المكلفين # الفائدة للخلق، في بعث الرسل إليهم، واستحسان بعثهم من الله عز وجل أن ~~الله لما خلق خلقه المكلفين، أحياء عقلاء قادرين، لا لحاجة منه عز وجل إلى ~~خلقه، ولا استحقاق منهم عليه، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، وجب، بذلك ~~عليهم لله عز وجل الشكر. ولا بد لهذا الشكر من كيفية، يعرفها العباد فحسن ~~من الله، بعث الرسل إليهم، تعلهم بكيفية هذا الشكر، على ما أولاهم به. PageV01P097 # وأيضا إنا لما بينا استحسان التكليف من الله لعباده، والتوصل به إلى ~~منفعة لهم، ومصلحة لهم في ذلك.وكان في التكليف أوامر ونواه وفعل أشياء. ~~واجتناب أشياء، فلا يدرون كيف امتثال ما كلفوا به، والتوصل إليه، ليستط ~~عنهم امتثال التكليف، وفرضه من البارئ تعالى، في أوامره ونواهيه. ولم يكن ~~البارئ عز وجل بمشاهد، ولا تراه العيون. وليس كمثله شيء لكي يبلغهم علم ذلك ~~حسن من الله تعالى، إرسال الرسل إلى عباده المكلفين، يبينون للناس ما يأتون ~~وما يذرون، من أمر الله ونهيه. وإن كان جائزا أن يتعبد الله الخلق بعقولهم. ~~ولكن لما بعث الله الرسل، علمنا أن إرسال الرسل أفضل. وقد قلنا: إن الله ~~تعالى لا يفعل إلا الأفضل، والأصلح والأحسن. فلله الحمد والشكر، على ذلك ~~كثيرا. وبالله التوفيق. # الباب التاسع عشر والمائة # في بيان ثبوت حجة الرسل # وبما يلزم تصديقهم # وتكون حجة الله عز وجل عند ذلك # وذلك أن نظر الرسول المرسل، ومشاهدته، ورؤيته، لا يكون ذلك حجة، من الله ~~عز وجل، دون إظهار معجزاته الباهرة، التي لم تجر بها عادة من الخلق، ولا أن ~~يقدر أن يأتي بمثلها أحد من العالمين. وقد كان في زمن الفصحاء والخطباء ~~والشعراء، فما قدر أحد منهم أن يعارض القرآن. قريش هم أفصح العرب، وأقدرها ~~على أوزان الكلام، فدهشت وطاشت عقولها. فقالت مرة: إنه سحر. وتارة تقول: ~~إنه مجنون. وتارة تقول: أساطير الأولين. وتارة تقول: شعر. فلما يقدر أحد ~~منهم أن يأتي بمثله. وبالله التوفيق. # الباب العشرون والمائة # في تثبيت نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه ms090 وسلم - # والرد على من أنكر نبوته والحجة في ذلك PageV01P098 الدليل على أن محمدا ~~رسول الله، وأنه صادق، من وجهين: القرآن والمعجزات التي لا يقدر عليها أحد ~~إلا الله عز وجل والقرآن الذي أتى به، لم يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله، ~~لقول الله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } وغير ذلك في القرآن ~~موجود. فعلمنا أن هذا القرآن من عند الله، جعله الله علما وحكمة وحجة للنبي ~~محمد صلى الله عليه وسلم، إذ عجز الخلق، أن يأتوا بمثله. # وأما غير القرآن، فالمعجزات الباهرات، وهي كثير. # منها: أن اليهود جعلوا له سما في شاة. فمن أكل من ذلك السم لم يعش. فلما ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم الأكل منها، نطقت الشاة. فكلمته. فقالت: يا ~~رسول الله لا تأكلني؛ فإني مسمومة. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~أكلها، حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال له: يا محمد قل: باسم الله إله ~~الأرض وإله السماء الذي لا يضر مع اسمه داء. فقالها صلى الله عليه وسلم ~~وأكل، فلم يضره شيء. # وأنه صلى عليه وسلم دعا بشجرة فأجابته، من غير جاذب يجذبها، ولا دافع ~~يدفعها، أكثر من قوله لها: تعال فجاءت. وقوله لها: اذهبي فذهبت. # وأنه يسبح الحصى في كفه. # ووضع يدهفي منضاة فيها ماء قليل ففاض الماء من بين أصابعه، كمثل العيون ~~فشرب منه بشر كثير. # وأنه أطعم، من الطعام اليسير، الجماعات الكثيرة حتى شبعوا، وأشياء عدة ~~يقصر عن ذكرها هذا المختصر، من الدلائل والأعلام التي لا يقدر عليها إلا ~~الله. فمن كان معه الدلائل والأعلام، التي لا يقدر عليها أحد من الخلق، فهو ~~رسول الله. # الدليل على ذلك: أنه لو كانت أعلام الصادق مع الكاذب، لم يكن الصادق. ~~يبين من الكاذب بشيء، ولا كان سبيل للخلق، إلى معرفة الصادق من الكاذب فدل ~~ذلك على أن النبي محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. ms091 # الباب الحادي والعشرون والمائة # في الرد على اليهود في إنكارهم PageV01P099 لنبوة نبينا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - # إن قالت اليهود: ما الدليل على نبوة نبيكم دلونا على ما تدعون؟ # قيل لهم: الدليل لكم: أن النبي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام في ~~التوراة والإنجيل. # فإن قالوا: إنا لا نعرف ذلك. # قيل لهم: فأنتم أيضا على غير الهدى. فما دليلكم على ما في أيديكم؟ # فإن قالوا: لأنا على دين موسى وعيسى، اللذين نقربهما. # قيل لهم: فإنا لا نعرف موسى وعيسى اللذين تقولون إلا من الذي أخبرنا بهما ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن يكن صدقا عندكم، فعليكم اتباعه، وإن ~~يكن كاذبا عندكم فيما قال فأنتم على الضلال عندنا؟ لأنا لا نعرفهما إلا بما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس لكم حجة عليه، في أن تصح لكم نبوته ~~وعليكم الدليل: أن موسى وعيسى نبيان كما تزعمون. # فإن قالوا: أتيانا بالتوراة والإنجيل. # قيل لهم: ومحمد أتانا بالقرآن المفرق بين الحلال والحرام. # فإن قالوا: لا نعرف ذلك. # قيل لهم: ولا نعرف نحن أيضا. ما تقولون مما في أيديكم: إنه عن الله. ولا # أن موسى أتى بشيء مما في أيديكم. وإنما عرفنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~خبر موسى وعيسى والتوراة والإنجيل. فإن صدقتموه فاتبعوه. وإن أنكرتم ما في ~~كتابكم، فنحن لا نعرف ذلك إلا عن محمد نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن كان ~~صادقا عندكم، فعليكم تصديق ذلك. وإن كان كاذبا، ولم يصدق في موسى وعيسى ~~عندكم، فليس موسى وعيسى اللذان تدعونهما عندنا بشي. وإنما النبيان عندنا ~~اللذان أخبرنا بهما محمد الصادق صلى الله عليه وعليهم أجمعين، فهو حق ~~وقولهم حق. آمنا بجميعهم، وصدقنا بما جاءوا به عن ربهم. # ويقال لهم: عرفونا بما أثبتم به رسالة موسى صلى الله عليه وسلم بما هو. # فإن قالوا بالأخبار المتواترة التي لا يكذب مثلها، كالتي جاءتنا في فلق ~~البحر والعجيبة من أمر العصا، وأخراجه يده من جيبه بيضاء، وأشباه ذلك، من ~~أعلامه. PageV01P100 # قيل ms092 لهم: فقد جاءت الأخبار عن عيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص، والكلام في المهد وأشباه ذلك. وجاء عن محمد صلى الله عليه وسلم ما ~~جاء به من المنضاة، وما حدث منالماء الذي توضأ منه عالم كثير من الناس. ~~وشربوا منه ودعاؤه للشجرة، فشققت الأرض، حتى قامت بين يديه وكلام الذئب ~~الذي يخبر بنبوته، وانقضاض النجوم، في أوان رسالته، وإخباره بالغيوب التي ~~توجد موافقة لخبره، والقرآن الذي لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، ما جعل مما ~~ادعيتم، من تواتر أخباركم، في ثبوت أعلامكم، من موسى عليه السلام أولى بأن ~~يكون حقا، مما جاءت به أخبارنا، عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وبه ~~التوفيق. # الباب الثاني والعشرون والمائة # في الرد على من قال: كيف لزمت حجة القرآن # الهند والترك والعجم؟ # إن قال قائل: كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك والعجم. فهمما يعرفون أن ~~ما أتى به معجز؟ # قيل له: من حيث إذا فتشوا، علموا أن العرب الذين بعث إليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانوا أفصح في الكلام العربي، وأنهم النهاية في هذا الباب ~~وأنه نشأ عندهم. وأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، وأنه ~~مع ذلك أجمع، تحداهم بمثله، أو مثل سورة، مجتمعين ومتفرقين، فعجزوا عن ذلك، ~~كما أن حجة موسى وعيسى قائمة، على من ليس بساحر، ولا طبيب؛ لعلمه أنهما ~~تحديا أطب الناس، وأعلمهم سحرا، بمثل ما أتيا به. فعجزوا عن ذلك، مع الحرص ~~عليه، والإيثار له. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والعشرون والمائة # في الرد على من قال من اليهود: # إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث بعد وأنه سيبعث # يقال لهم: كيف يكون لم يبعث في قولكم. وأنتم تعلمون أيان بعثه، وأبان ~~موته. وكل ذلك عندكم، في كتابكم، قد انقضى وقته، في مولده وبعثه وموته، ~~شاهرا ذلك عندهم، لا ينكره إلا مكابر، ممن يشتري بآيات الله وأيمانه ثمنا ~~قليلا كما وصفهم الله في كتابه. PageV01P101 # ومن الدليل على تكذيب اليهود: خبر الحبر اليهودي، ms093 حين أتى عمرو ابن العاص ~~فأخبره بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ذلك أنه يروى أن عمرو بن العاص قال: بعثتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنا وعاشر عشرة إلى عمان. وكان أهلها أسلموا طوعا فلما أتيتهم، أتاني حبر ~~من اليهود. فقال: من أرسلك إلينا؟ # فقلت: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال: نبي مرسل نبي مرسل ثلاث مرات؟ # فقلت: نعم. # فقال: والذي أنزل التوراة على موسى، لئن كنت صدقت، ليقبضن في هذا اليوم. # قال: فهالني ما أتاني به، وجعلت أنظر إليه. # فقال: إني أرى ما وقر في نفسك. فأحسن في حبسي، حتى ترى ما قلت لك. فأمرت ~~به فحبس. فوالله ما لبثت إلا يسيرا، حتى أتاني راكب، معه صحيفة مختومة. ~~ففضعت ختمها ونظرت فإذا فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن العاص. # سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلا هو. # أما بعد فلا تحلن عقالا، عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تعقدن ~~عقالا، حله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قبلك. والسلام. # قال: فنظرت في تاريخ الكتاب، فوجدته قد توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في اليوم الذي قال فيه اليهودي ما قال. # قال: فأرسلت إليه. فقلت: ما تقول يا يهودي؟ # فقال: إن كنت صدقتني فقد صدقتك. # فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبض في ذلك اليوم. فأسلم ~~اليهودي. # اختصرت الخبر. وقد كتبته بكليته، في كتاب التاج. والله أعلم. # الباب الربع والعشرون والمائة # في شرائع الدين وأحكامه وتناسخ الشرائع # وماذا على من أدرك النبي الثاني # وهو على ملة النبي الأول؟ # والخلاف على اليهود في إنكارهم النسخ PageV01P102 عن أبي سعيد االكدمي. ~~قال أبو سعيد: كل دين الأنبياء والمرسلين واحد، ودعوتهم واحدة، وحجتهم ~~واحدة، ودينهم واحد، لا يختلف الدين الذي جاءوا به من رب العالمين. وكلهم ~~كانت شهادتهم واحدة. كل من أرسل منهم، كانت دعوته إلى ms094 شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وحده لا شريك له، وأنه رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، وأن جميع ~~ما جاء به عن الله، فهو الحق. وكان هذا الدين، هو الدين والإيمان في الأمم ~~كلها، لا تخلتف أصول الدين. ولا يخرج فيه الاختلاف. # وذلك قول الله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~كبر على المشركين } . # وقال تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين } . # وقال: { إن الدين عند الله الإسلام } . # وقال: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } . # وإنما تختلف من أمور النبيين والمرسلين الشرائع، إذا اختلفت؛ لقول الله ~~تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } . # والشرعة في أحكام دينه: الذي يأمر به وينهى عنه، ويحله ويحرمه. فإذا جاء ~~رسول الله بشيء، من نسخ ما جاء به رسول قبله، من الأمر والنهي، كان ذلك ~~منسوخا في دين الله وكان الأخذ به باطلا. وكل رسول جاء، فهو يدعو إلى ~~الإيمان بالرسل من قبله، وبالكتب التي من قبله، من رسل الله وكتبه. وذلك هو ~~الذي لا يختلف ولا ينسخ وإنما نسخ الأمر والنهي، مما شاء الله أن ينسخ. # قال: وإنما ينسخ كل رسول، وكل نبي جاء من بعد رسول الله ونبي، إذا جاء ~~النسخ على لسانه، وفي شريعته النهي والأمر، من أحكام شريعة النبي الأول، لا ~~لشيء من ذلك، من كتب الله، ولا دينه، ولا من أمثاله، ولا من وعده ووعيده، ~~ولا من أخباره. وكل ذلك ثابت محكم، لا يجوز عليه النسخ، من قبل الله تبارك ~~وتعالى، في شريعته نبي ولا رسول، لشيء جاء به رسول غيره، ولا لشيء جاء به هو. PageV01P103 # ولا يجوز النسخ فيما قيل وهو كذلك عندنا إلا فيما جاء عن الله، من الأمر ~~والنهي، لا غير ذلك، مما جاء عن الله، ولا فيما جاء عن أحد من رسله، صلوات ~~الله عليهم أجميعن. # وشريعة نبينا ms095 محمد صلى الله عليه وسلم، ناسخة لجميع شرائع النبيين ~~والمرسلين. ولا ناسخ لها، ولا شيء من أحكامها إلا ما صح، من نسخ ذلك، في ~~شريعة دينه، لأنه لا نبي بعده، ولا رسول بعده، فينسخ ما جاء به عنه. # فأحكام شريعته صلى الله عليه وسلم المحكمة، محكمة أبدا إلى يوم القيامة ~~وما مات عليه، من منسوخ شريعته، فهو منسوخ إلى يوم القيامة، لا يجوز أن ~~يأتي غير ذلك أبدا. وكل ما جاء معنى، في شريعة نبي من الأنبياء، صلوات الله ~~عليهم أجمعين، كان التمسك به هدى، وعدلا وصوابا، ما لم ينسخه غيره، من ~~النبيين والمرسلين. # ولو بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وصح بعثه، لم يكن ناقضا لما في أيدي ~~المسلمين، لما قبلوه، وبلغت حجته إليهم. PageV01P104 # فمن كان مستمسكا بشريعة دين عيسى صلى الله عليه وسلم، ولو بلغته رسالة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما نسخ ما في أيديهم، على لسانه، ~~عدلا وصوابا وهدى، حتى يبين لهم ما يتقون، على لسان نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، مما أحدثه إليهم، ويأتيهم خبر ذلك بعينه. ولا يضرهم نسخ ذلك في ~~الشريعة معنا، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو بلغتهم حجته ~~ودعوته بالجملة. وقد نسخ في شريعته، ما كان حلالا، في أيديهم. وما كان ~~حراما في أيديهم لم يضرهم ذلك، ولم ينفعهم معنا. وحلال الله وحرامه الذي ~~قبلوه، هدى وصواب، هو على حاله على الأبد، حتى تأتيهم الحجة بغيره، إلا أن ~~عليهم الاعتقاد للسؤال، عما يلزمهم في شريعة النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، في الاعتقاد للسؤال، عما يلزمهم في شريعة النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، في الاعتقاد لجملة ذلك، والدينونة لجميع دينه، وجميع شريعته دينه، ~~وطلب شريعة دينه. وحلال لهم ما كان في أيديهم، من دين الله، الذي لم يصح ~~معهم، ولم يأتهم خبر نسخه، ولو كان منسوخا، ولو استجاب أحد إلى الإسلام عن ~~الشرك، وقبل دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه ذلك، ms096 إلا أنه قد بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم، بنسخ شيء من أحكام شرائع دين عيسى صلى الله عليه ~~وسلم فاستجاب، وقبل من المسلمين الذين يتمسكون بدين شرائع عيسى صلى الله ~~عليه وسلم، إذ قبلوه. وهو هدي وعدل وصواب قبلوه. PageV01P105 # وإنما نسخ من قبل أن يستجيب بساعة، على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في المدينة، أو في مكة. وهم بين السدين،أو في أبعد الأمصار، وأقصى ~~الأقطار،لما جاز عندنا، لهذا المستجيب إلى الإسلام، قبول أحكام شريعة عيسى؛ ~~إذ كان في الحكم من دين قد نسخ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ولكن له معنى، وعليه الإيمان بالله تبارك وتعالى ربا، وبعيسى نبيا صلى الله ~~عليه وسلم. وأن ما جاء به عن الله، فهو الحق، إن كان قد بلغته دعوته صلى ~~الله عليه وسلم، لأن هذا واجب في كل نبي ورسول، إلى أهل زمانه، على جميع من ~~بلغته دعوته، وعرف رسالته، أو نبوته، وقامت عليه بذلك الحجة فعليه أن يؤمن ~~به، ويدق به، ويؤمن بما جاء به، أنه الحق من الله وهذه كانت دعوة النبيين ~~والمرسلين. # قال: فعلى الذين استجابوا للدين، على دين عيسى صلى الله عليه وسلم ~~مسلمين، قبلوا حلال ما كان على دين عيسى وحرامه، مما هو منسوخ، على لسان ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إن كان منسوخا منه شيء. # والذين قبلوا ذلك، وهو هدى وعدل، قبل أن ينسخ على لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ولو لم تكن بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ~~كان قد بعث، ونسخ من دينه ما نسخ، من دين عيسى. # والذين قبلوه، وهو هدى وعدل وصواب، وجائز قبوله، والتمسك به، والعمل به ~~معنى، حتى يأتيهم خبر نسخه نصا، كما أخذوه نصا، من هداية الله، ودينه وعدله ~~وليس على هذا الناشيء ولا المستجيب، ولو كان بالغا مشركا، في أيام ما كان ~~الأخذ به هدى، إلا أنه لم يكن آمن به، ولا قبله. ولا بلغ هذا الناشيء، ms097 ~~PageV01P106 حتى نسخ ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فليس ~~للناشئ، إذا لم يكن وجبت عليه أحكام الإسلام، والتعبد بأحكام نفسه من ~~الإسلام أي المولودين كان. وللمستجيب على الشرك، في هذا المنسوخ، ما للذين ~~قبلوه، وهو عدل وهدى. وعلى هذين الإيمان بالله، وبعيسى، وبما جاء به عن ~~الله مجملا، أنه الحق المبين. وعليهما معنى، في المنسوخ من دينه، على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم، حكم شريعة نبينا، من حلاله وحرامه، لأنهما لم ~~يلزمهما حكم دينه. إلا ذلك الشيء الذي كان حراما قد حل. والذي كان حلالا، ~~قد حرم. وهو نبيهما صلى الله عليه وسلم، في أحكام الشريعة، ونبي من كان على ~~الأرض من الثقلين، من مؤمن متقدم الإيمان، أو مستجيب، أو ناشئ من بعد بعثه، ~~في أصل دين، ما تعبدهم الله به، ولو لم يبلغهم خبره، ولا ذكر شأنه. PageV01P107 # فمن حين ما بعث الله الرسول. وكذلك كل رسول، قد ثبت نبوته ورسالته، على ~~جميع أهل الأرض، ممن أرسل إليه، وثبتت عليهم أحكام شريعته، في دين الله ~~بلغتهم دعوته، أو لم تبلغهم ومن كان منهم على هدى من دين نبي قبله، وشريعة ~~رسول قبله، وشيء من الهدى قبله، فهم على هداهم. ولهم التمسك به، ولم تقم ~~عليهم حجة، ولا حجة شيء، مما ينسخ على لسانه، مما قبلوه وهو هدى في دين ~~الله، حتى يأتيهم خبره. فإذا جاءهم خبره برسالة، ثبت عليهم الإيمان به، ~~وبجميع ما جاء به عن الله، ولو لم يدع إلى ذلك، والدينونة بدينه، والانتحال ~~بحكم شريعته وهم على هداهم، الذي قبلوه عن الله نصا، حتى يأتيهم خير نسخه ~~نصا. ولو كان قد نسخ ولو لم يكونوا قبلوه نصا، وهو هدى، إلا أنهم قبلوا دين ~~النبي وآمنوا به، وقبلوا شيئا من شرائعه نصا. ولم يبلغهم شيء من أحكام ~~شريعته، حتى نسخ ما يبلغهم شيء من أحكام شريعته، حتى نسخ ما يبلغهم على ~~لسان الرسول المرسل، ما كان قبولهم معنا للمنسوخ، من أحكام شريعة النبي ~~قبله عدلا ms098 ولا صوابا. وكانوا في هذا معنا كالبالغ الناشئ، من بعد رسالة ~~الرسول وبعثه، والمستجيب عن الشرك، ولو كان في أيام الرسول الأول، أو في ~~أحكام شريعته والمستجيبون للنبي الأول، أو لمن دعا إلى دينه، أو دخلوا في ~~دينه، واستجابوا إلى الذين آمنوا به، وبما جاء مجملا، ولو لم يكونوا قبلوا ~~منه شيئا من الدين نصا، حتى نسخ على لسان النبي المبعوث، كانوا في ذلك ~~معنا، مثل المستجيب والناشئ، من بعد نسخ ذلك، وبعث الرسول الآخر فافهم ~~معاني شرائع الدين، وأحكام جملة الدين، في كل وقت وزمان. PageV01P108 # ومعنا أنه لو كان أهل مصر متمسكين بدين عيسى، لم يخالفوه في شيء من ~~الدين. وكانوا على جملة شريعته، من الأمر والنهي، والحلال والحرام، وجميع ~~شرائع الإسلام. وكانوا على ذلك إلى أن بلغهم خبر بعث النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ودعوته إلى الجملة، وبلغتهم دعوته في الجملة، لكان عليهم ~~الإيمان به صلى الله عليه وسلم، والتصديق بجملته، واعتقاد الطلب، لعلم ما ~~يلزمهم في شريعته، من الأمر والنهي، والحلال والحرام واللوازم، ليؤدوه على ~~وجهه، ويعملوا به بحقيقته. وليس عليهم معنا أن يتركوا ما هداهم الله له، من ~~حلاله وحرامه، في شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم، إذ بلغتهم الدعوة ~~بالجملة، التي قد نسخ فيها، ما كان معهم حلالا بالتحريم، وما كان معهم ~~حراما بالتحليل. وما كان معهم أمرا بالنهي، وما كان معهم نهيا # بالأمر ما كان عليهم ذلك حجة. وكان عليهم التمسك بحلال الله وحرامه، ~~الذين هداهم له. ولا يضرهم بلوغ الدعوة بالجملة، إذا لم تبلغهم الحجة، ~~بأحكام الجملة الداخلة فيها، حتى يأتيهم شيء من ذلك بعينه، إذا كان قبول ~~ذلك لهم في دين الله بعينه عدلا وصوابا، قبل أن يأتي نسخه في دين الله ~~بعينه. ولو كان قد نسخ. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والعشرون والمائة # في تناسخ الشرائع # والرد على اليهود في إنكارهم النسخ إذ هو عندهم بدو # إن من كتب أهل الخلاف مكتوبا عليه موافق قال في اليهود: # وأما نسخ الشرائع، فإنهم ms099 إنما أنكروه، لأنهم زعموا أنه يوجب القول ~~بالبدا، بأن الله يبدو له. # وجملة ما ننقض به عليهم، إقرارهم بأن الله تعالى يحيي عبدا، ثم يميته، ~~ويصحه ثم يمرضه. فكل ما أجابوا به ذلك، وأبطلوا به، أن يكون موجبا للبدا. ~~فعليهم مثله. وهو أن يقال لهم: أخبرونا عن إحياء الله الإنسان، ثم إماتته ~~ويصحه ثم يمرضه. أتقولون: إنه حكمة وصلاح، وغير موجب للبدا؟ # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فما أنكرتم من أن يكون حكم الشرائع هذا الحكم. PageV01P109 # وجواب آخر. يقال لهم: ما تنكرون، من أن يأمر الله تعالى بشيء، ويكون حكمة ~~وصلاحا وطاعة، إلى وقت من الأوقات. ثم يكون النهي عنه، في وقت آخر حكمة ~~وصلاحا، لمن هو أعلم به، إذا كان الله تعالى مطلعا على العواقب، علما ~~بالمصالح في أوقاتها. وهذا ما لا يمكنهم دفعه؛ لأنا نرى الحكم في الأفعال ~~والمصالح، يختلف على حسب الأزمان. وهم يعلمون أن الله تعالى أمر إبراهيم ~~الخليل صلى الله عليه وسلم، يذبح ابنه، ثم نهاه عن ذلك. وبالله التوفيق. # الباب السادس والعشرون والمائة # في الفرق بين البدو والنسخ من الكتاب # مكتوب عليه موافق # الفرق بين البدا والنسخ: أن البدا: هو أن يظهر للآمر باب من المصلحة، أو ~~صواب الرأي في التدبير، لم يكن ظهر له قبل ذلك. فيبدو له. ويجب في الحكمة، ~~ترك ما تقدم، والأخذ بما أوجبه الرأي الحادث. وهذا لا يجوز على الله تعالى. # وأما النسخ، فقد كان الله عالما قبله، بأن الحال سيغير. فيجب في حكمه، ~~تغيير ما أمر به في المتقدم إلى أمر ثان. وليس يبدو له من ذلك، ما كان ~~خافيا عليه تعالى الله عن ذلك. وهذا معروف في الشاهد. # وذلك أن رجلا لو أمر عبيده بأمر، وهو مع ذلك عالم أن أحوالهم ستغير، وأنه ~~يأمرهم عند ذلك، بغير ما أمرهم به، ثم فعل ذلك ما قيل: إنه بدا له. وبالله ~~التوفيق. # الباب السابع والعشرون والمائة # في الرد على من قال بالأوصياء # بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms100 - # قال المؤلف: زعم المخالفون للحق: أن في الأرض بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أوصياء مفصوصين، يوحى إليهم وأن علم باطن القرآن عندهم، عن ~~الشيخ أبي الحسن البسياني رحمه الله. # وسأل عمن قال: إن الأوصياء يوحى إليهم، ولم تخل الأرض من نبي يوحى إليه، ~~وأنهم قد اهتدوا بوحي، قد ضل الناس عنه. PageV01P110 # قيل له: إن قال قائل هذا كافر، لأن الله تعالى قال: { وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل } ولم يقل: رسول بعده. وقال: { ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين } فجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده. # وقد أجمعت الأمة: أنه حجة الله إلى يوم القيامة. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »يا أيها الناس إنه لا نبي ~~بعدي، ولا أمة بعدكم. والحلال: ما أحل الله على لساني إلى يوم القيامة. ~~والحرام: ما حرم الله على لساني إلى يوم القيامة. نبي ختم الله النبوة. وبي ~~احتج على الخلق } . # وسأل عن من زعم أن القرآن ظاهرا وباطنا. فعلم ظاهره عند الناس، وعلم ~~باطنه عند الأوصياء. ما الحجة عليه؟ # قيل له: كتاب الله تعالى، يكذب قول القائل؛ لأن الله تعالى أنزل # كتابه وقال فيه: { تبيان لكل شيء } وقال: { إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل } وهي الأهواء. فالقرآن اتباعه واجب وهذا القائل خارج مما ~~نطق به القرآن، متبع للأهواء وذلك في حكم الأمة. فقائل هذا خارج من كتاب ~~الله، ومتبع ضلاله، قد عمى عن الحق. # وسأل فقال: ما الحجة على من قال: إن الله فرض معرفة الأوصياء والولاية ~~لهم، وإن كانوا أهل ضلال ومعصية. ومن أطاعهم وتولاهم، مغفور له؟ # وقيل له: إن الله لم ينزل في كتابه، بيان شيء من ذلك. وقد قال: { لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان } وقال: { ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } فحرم ولاية أهل ~~المعصية. PageV01P111 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم إني لا أغني عنكم من الله ~~شيئا؛ فإن ms101 لكل امرئ ما كسب. ولم نجد في التلاوة وصيا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. ولا اتفق الناس على أوصياء مخصوصين، منصوص عليهم وإنما وصف أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان. فثبت الاتباع لهم، ولمن ~~عمل بمثل عملهم، من الإحسان، ولم يقل: وصيا بعد وصي. فمن قال خلاف هذا خرج ~~من الحق، وولاه الله ما تولى. # الباب الثامن والعشرون والمائة # فيمن لم يصدق بالأخبار المذكورة من # معجزات الأنبياء عليهم السلام # إن قال قائل: إني لا أومن بهذه الأخبار، ولا أصدق أن نوحا كان نبيا، ولا ~~هلكت أمته. ولا أصدق أن عادا هلكت بريح صرصر، ولا أن صالحا جاء بناقة، ولا ~~أن إبراهيم طرح في النار فلم يحترق. # قيل له: هل تؤمن بشيء من الأخبار؟ # فإن قيل: لا أومن بشيء من الأخبار، ولا أصدق إلا ما عينت وظننت ولا أرضى ~~إلا ما عاينت وظننت. # قيل له: هل لما عاينت وظننت من خلف؟ # فإن قال: لا، فقد شهد على نفسه بالكذب، لأنه لم ينته إلى غاية الأرض. وإن ~~قال: نعم. # قيل له: هل لها اسم؟ وهل منها خبر؟ # فإن قال: لا، فقد رد القرآن، وكابر الحق. # وإن قال: نعم. # قيل له: من أين علمت أن مكة مكة، والمدينة مدينة؟ # فإن قال: عرفتها بالأخبار. # قيل له: وجبت عليك معرفتها بالأخبار. بحقيقة؟ أم باختيار؟ # فإن قال: باختيار. # قيل له: هل يجوز لك أن تختار بعضها، وتصدق به، وبعضها تكذب به؟ فمن أين ~~قام هذا في وهمك وعقلك؟ فهل للذي صدقت به خلف؟ # فإن قال: لا، صدق بما لم يعاين. # وإن قال: نعم، فقد رجع إلى ترك الأخبار. # وإن قال: صدقت الأخبار بحقيقة. # قيل له: كما صدقت معرفة الأرضين، التي لم تطأها، ولم تعاينها. فكذلك وجب ~~عليك التصديق. بالأخبار التي لا تدفع، ولا تنكر. # وكذلك وجبت عليك معرفة أبيك وأمك، وخالك وعمك. PageV01P112 # فإن قال: لا أعرف أبي وأمي ولا خالي وعمي، فقد أوجب على نفسه الهجنة، أن ~~أنكر ما هو معروف به، وأحال ms102 الأشياء. فما من جاحد ولا موحد، إلا وهو يعرف ~~أبويه إلا اللقيط. # ويقال له: من أين عرفت ولادتك، وأنت لم تعقل ولادتك، ولا وقوع أبيك بأمك، ~~فلا بد من أن تقر بتصديق الخبر. # فإذا أقر هذا، فقد وجب عليه التصديق بالأخبار. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والعشرون والمائة # في الأنبياء هل يجوز أن يقال فيهم: # إنهم يعصون الله أم لا؟ # قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لأحد أن يقول: إن أنبياء الله كانوا غير ~~مسلمين، وهم أصفياء الله، من قبل أن يخلقهم قال الله تعالى: { إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا } الآية. # مسألة: # عن محمد بن محبوب رحمه الله قال: إن أنبياء الله تعالى، لم يزالوا عند ~~الله مسلمين: وهم له أولياء. لا يسع أحد أن يقول: إن أنبياء الله ورسله، ~~كانوا عند الله في شيء من الحالات كفارا، وضلالا وهم أصفياء الله، قبل أن ~~يخلقهم. # وكذلك أخبرنا الله تعالى. فقال: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين } وقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { ووجدك ~~ضالا فهدى } يعني ضالا عن النبوة، لم تأته بعد. # كذلك قول موسى: { فعلتها إذا وأنا من الضالين } عن النبوة. # وما بعث الله نبيا إلا أعطاه خصلتين، يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويعصمه ~~فيما تأخر. # مسألة: # عن أبي سعيد ردا على من قال: إن آدم لم يعص الله. وقد قال الله تعالى: # { وعصى آدم ربه فغوى } فهذا مخالف للكتاب أيضا. وقد قال الله تعالى: { ~~وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين } . فكيف يكون من الظالمين، ولم يعص؟ # مسألة: # عن أبي الحسن البسياني: أن يوسف هم بالمعصية، فصرف الله عنه السوء ~~والفحشاء، بالبرهان الذي أراه إياه، ولم يفعل معصية، فيكتب عاصيا. PageV01P113 # قال: والناس مختلفون في ذنوب الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين. وقد اتفقوا ~~على أنها كلها صغائر وخطأ. # وقال: إن النبي دواد - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد إلى الخطيئة، ولا ms103 ~~تعمد عليها. وإنما هو قصد إلى ما هو جائز له. إنه خطب إلى القوم امرأة، قد ~~خطبها غيره. فأنزل الله تعالى عليه الملكين، كما أخبر الله. قال داود من ~~قبل أن يسأل الخصم { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } فلما قال: { لقد ~~ظلمك } ظن أنه قد فتن، ولم يعتمد، ولا أراد الخطيئة. وإنما الملكان سألاه: ~~أن ليس له أن يخطب على خطبة أخيه فعرف أنه قال للخصم قبل أن يستفهم قوله: { ~~لقد ظلمك } فتاب من ذلك، من غير عمد منه، ولا قصد للمعصية. فوقع في الخطيئة غلطا. # فتاب واستغفر ربه وأناب، أي رجع إلى الحق، وندم على ما فعل. # مسألة: # قال أبو عبدالله: لا يقال: إن النبي إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال ~~الكذب، في قوله: { إني سقيم } وقوله: { فعله كبيرهم هذا } . ولا قول يوسف ~~لإخوته: { إنكم لسارقون } ولا قول الملائكة لداود عليه السلام: { خصمان بغى ~~بعضنا على بعض } فلا يقال: إنهم قالوا الكذب. ولكن هذا بوحي من الله، أن ~~يقولوا فأطاعوه أمر الله عليهم الصلاة والسلام. # مسألة: # قال الشيخ أبو محمد: قتل موسى - صلى الله عليه وسلم - ، يتصرف على وجوه: # منها أنه يجوز أن يكون قتله، ولم يستأذن في قتله، لأن الأنبياء إذا ~~أرادوا فعلا، وإيجاب حكم، استأذنوا، في فعل ما أرادوا فعله؛ لئلا تلحقهم ~~هناك لائمة. فيجوز أن يكون لم يستأذن في قتله. وكان فعله خطأ. وكانت معصية ~~منه، يمحوها الاستغفار والندم والإنابة، لأن الإجماع من الكل: أن الأنبياء ~~لا يأتون الكبائر. ويجوز أن يكون غير متعمد في الظاهر، بدليل على قتل ذلك ~~الرجل؛ لأن العبادة مأخوذة عليه، في جملة الشريعة فتأول في قتله، فأخطأ ~~التأويل. فوقعت منه صغيرة، من جهة خطئه في التأويل. # مسألة: PageV01P114 # وإخوة يوسف فعلوا في يوسف، ما فعلوا فيه، قبل أن يستنبأوا. وإنما ~~استنبئوا من بعد ذلك. # وقيل: فعلوا قبل بلوغهم.ذ # وقيل: إن النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يأت الخطيئة، ولا كانت ~~منه. وبالله التوفيق. # الباب الثلاثون والمائة # في التوفيق والعصمة والخذلان ms104 والختم والطبع والأكنة والوقر # التوفيق والخذلان والختم: هو الطبع والأكنة والوقر، إنما يكون جميع ذلك، ~~عند فعل العبد، لا قبل ذلك ولا بعد. # وأما العصمة، فهو أن يعصمه الله فيما يستقبل، ممن نجا من الهلكة، فمن قبل ~~الله وعصمته إياه وتوفيقه ومنه وفضله. # ومن كتاب الأكلة: # قال: معنى الخذلان: هو القدرة على الكفر وكل من خلق له القدرة على الكفر، ~~فقد خذله والخاذل: هو الخالق القدرة على الكفر. # قال: ومعنى الحرمان: هو القدرة على المعاصي سوى الكفر. # والمحروم: من خلقت له القدرة على المعصية، والحيلولة هي المنع، والصرف ~~والحيلولة بمعنى واحد، وهي القدرة على الكفر والمعاصي، وهو معنى قوله ~~تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } . # والتوفيق: ما يكون عنده الطاعة، وفي الحقيقة: هو القدرة على الطاعة. # وقيل: التوفيق: ماله كان الموفق موفقا. # وأما الموفق فهو المقدر للخلق على الطاعة، لعله المقدور للخلق الطاعة ~~واللطف مما كان من المهلوم، أنه إذا وجد كانت الطاعة عنده لا محالة، وهو ~~القدرة على الإيمان عندنا، وكذا القدرة على سائر الطاعات ألطاف لها. # والعصمة هي الحراسة، من مواقعة المعصية. وهي القدرة على الطاعة. # ومعنى العاصم: الذي يحرس المكلف من إيقاع المعاصي. وهو في الحقيقة البارئ ~~عز وجل ومنه قوله عز وجل: { والله يعصمك من الناس } يعني يحرسك. # والمعصوم: هو المحروس. وبالله التوفيق. # انقضى الذي من كتاب الأكلة، تأليف القاضي نجاد بن موسى. # مسألة في الختم والطبع: # قال الله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم } الآية. # فقوله تعالى: { ختم } طبع. PageV01P115 # قال أبو علي: جعل الله أعمالهم السيئة، طبعا على قلوبهم. ركبوا الذنب على ~~الذنب، حتى ران القلب واسود. # ومن بعض كتب قومنا: # قال الطبع والختم واحد؛ لأنك تقول: طبعته، أي حتمته. والطابع: هو الخاتم. # وقال بعض أصحابنا في معنى الختم والطبع: إنه معنى الخذلان. وتركه ~~لهدايتهم. يدل على ذلك قوله تعالى: { ويذرهم في طغيانهم يعمهون } . وقوله: ~~{ ويذرهم في طغيانهم } راجع إلى معنى؛ به يصيرون ضالين. وهو الذي يوصف به ~~طبع وختم ms105 وغشاوة. # ومن كتاب الثعالبي: # إن معنى الآية : { طبع على قلوبهم } أغلقها وأقفلها، فلا تعى خيرا، ولا ~~تفهمه. يدل عليه قوله تعالى: { أم على قلوب أقفالها } . # قال المؤلف: والختم والطبع من الله يكون ذلك، عند فعل العبد المختوم، على ~~قلبه، المطبوع عليه، لا قبل ذلك ولا بعد؛ لأنه لو كان قبل ذلك، لكان حجة ~~للعبد على الله يوم القيامة، إذ قد ختم على قلبه وطبع، فلم يقدر أن يؤمن ~~فكيف يلزمه فعل شيء، صده عنه بالختم والطبع تعالى الله عن ذلك. وليس الختم ~~والطبع من الله، هو شهادة على العبد أنه لا يؤمن، كما قالت المعتزلة. # ومن كتاب الأكلة: # قال: حقيقة الطبع والختم والأكنة والأغشية: إنما هو فعل ما به يصير القلب ~~مطبوعا ومختوما عليه، ومغطى عن الحق، لأن الأكنة هي الأغطية. # ولا يجوز أن يكون قولنا: فلان قد طبع الكتاب، وطبع الشمع والطين، أي سماه ~~مطبوعا. وإنما هو فعل معنى، يصير القلب والكتاب والطين والدراهم والدينار ~~مطبوعا. هذا في كلام أهل اللغة. انقضى. # قال المؤلف: وهذا عند ضلال العبد، بسوء اختياره، لا قبل، ولا بعد، من ~~الطبع والختم والضلال. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والثلاثون والمائة # في الهدى والرد على القدرية في ذلك # الهدى على ضربين: هدى السعادة، وهدى البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق ~~فهدى السعادة، لا يستحقه إلا المؤمنون. PageV01P116 # وأما هدى البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق، فقد بين الله تعالى لعباده ~~المكلفين أجمع. قال الله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } فهذا هدى ~~البيان. # فهدى البيان قد آتاه الله الخلق أجمعين. # فإن قال: هل هدى الله الكفار؟ # قيل له: نعم. هداهم هدى البيان والدلالة، لا هدى السعادة. وقد قال الله ~~تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } . # وإنما ضلت الكفار وكفرت، باستحسانهم الكفر على الإيمان، بسوء اختيارهم. # قال المؤلف: وقوله تعالى: { يهدي من يشاء ويضل من يشاء } المعنى: فمن علم ~~الله أنه يهتدي لم يضل. ومن علم ms106 أنه يضل لم يهتد، من غير أن يكون العمل ساق ~~العباد إلى ما عملوا وقد بين الله مشيئة الهدى فقال: { ويهدي إليه من أناب ~~} ومشيئة الضلال، بقوله: { ويضل الله الظالمين } . # وإنما هدى الله من، اختار الإيمان على الكفر فبحسن اختياره، هداه الله. # وبسوء اختيار الكافر والمنافق، الكفر والنفق على الإيمان، أضله الله. ~~وكلا الفريقين يكون هدى الله للمهتدي، وضلاله للضال، عند عمل المهتدي ~~والضال، لا قبل ذلك، ولا بعد. قال الله تعالى: { فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم } عند إزاغتهم، لا قبل ذلك، ولا بعد. # ولا بد للمكلف أن يكون إما مهتديا أو ضالا. فلا تأتي على العبد طرفة عين، ~~إلا وهو إما مهتد، وإما ضال. فقيل: إما هداية من هداه الله من الله منة ~~وفضلا، يمن بها عليه. وإما هداية من عدل. فالله تعالى يحتج لها عليه. # فالمؤمنون والكافرون أجمعون قد هداهم الله تعالى، هدى البيان والدلالة. ~~فقد هداهم جميعا إلى الدين؛ لأنه قد دلهم جميعا على الدين. وضلال الله ~~تعالى، ليس كضلال الشيطان، يدعو ويزين، ويرغب في شيء من المعاصي. PageV01P117 # وإنما معنى أضل الله: أنه لم يهد، ولم يعصم، ولم يوفق. إنما هو فقدان ~~الهدى، ليس اختيار الكافر. كما يقال: خذل فلان فلانا. إنما يعني يخذلانه ~~إياه: أنه لم ينصره، ولم يعنه، لا أنه فعال به فعلا في خذلانه إياه شيئا، ~~أكثر من تره النصرة والمعونة. وليست الضلالة والخذلان ابتداء من الله تعالى ~~بوجودهما كان الكفر. لو كان كذلك، لكانت الحجة للكافرين يوم القيامة ~~يقولون: أضللتنا عن الهدى، وخذلتنا عن الإيمان، فلم نقدر أن نؤمن ونتقي ~~ونعمل صالحا. # وقوله تعالى: { وأضله الله على علم } معناه: على علم منه بضلال للعبد الضال. # وقيل في قوله: تعالى: { ويضل الله الظالمين } أي يهلكهم ويعاقبهم. ~~فالضلال. منه: الهلاك. ومنه: الذهاب عن الصواب. وقال الله تعالى: { وضلوا ~~عن سبيل الله } أي ذهبوا عن الحق فالله تعالى لا يبتدئ عبدا بضلال. يقال: ~~أضل الله وأضل الشيطان. وأضل الناس بعضهم بعضا. فأضل الشيطان: أي دعا وزين ms107 ~~ورغب في المعصية. # وكذلك ضلالة السامري، وضلالة الناس بعضهم بعضا وليس ضلال الله دعا وزين ~~الكفر. ولكن لم يهد، ولم يعصم، ولم يوفق وذلك عند فعل الكافر، كما قدمنا. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثاني والثلاثون والمائة # في الرضا والمحبة والسخط والغضب # من الله تعالى للعباد # الرضى والمحبة والسخط والغضب. كل ذلك صفة الله، من صفات فعله. لا شيء يحل ~~في ذاته عز وجل؛ لأن ذاته تعالى، إنما المراد بذلك إثباته. لا شيء ~~كالأشخاص، يحل فيه الرضى والمحبة، والسخط والغضب. وإنما الرضى والمحبة من ~~الله، إذا رضى على عبد، أثابه في الجنة، بقدر عمله. وإذا سخط وغضب على ~~عبده، عاقبه في النار، بقدر عمله. فلا يوصف البارئ تعالى، بالرضى والمحبة، ~~والسخط والعقوبة، بما يوصف المخلوقون، أنه يحل فيه كما يحل فيهم. PageV01P118 # قال بعض قومنا: إن محبة الله: إرادته لخصوص الإنعام، من القربى والزلفى ~~ورحمته: إرادته لعموم الأنعام، من التوفيق والخبر. وإرادة الله للعقاب ~~والشر: سخط، وإرادة غضب. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثلاثون والمائة # في حب العباد لله عز وجل # قال المؤلف: حب العباد لله عز وجل، إنما هو حب طاعته؛ لأن الله تعالى ليس ~~بشخص، فيقع عليه الوهم، لكي يحب ما يقع عليه وهمه. # وقيل: علامة حب الله للعبد: أن يوفقه لطاعته، ويعصمه عن معصيته. # وقال بعض قومنا: محبة العبد لله: حالة يحدثها البعد في قلبه. وهي ألطف من ~~أن يعبر عنها بلسان، وأشرف من أن يشار إليها ببنان ويستحيل أن تكون محبة ~~العبد لله، بالكيفية والإحاطة بالأبنية، لأن الله تعالى منزه عن هذه ~~الأوصاف الدنية. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والثلاثون والمائة # في تكليف من علم الله، أنه لا يؤمن # والرد والبيان لمن تشبه في ذلك # إن سأل سائل فقال: أليس الله تعالى، خلق الخلق للصلاح. فكيف حسن أن لكلف ~~من علم حاله أنه لا يؤمن، بل يئول أمره إلى الكون، في العذاب الدائم؟ # قيل له: إن الله تعالى، قدر فعل بهذا الذي اختار الكفر، غاية ما يصلحه، ~~فيما كلفه، إذا قدر ms108 كما قدر المؤمن، ومكنه فيما يتوصل به إلى الخلود في ~~جنات النعيم. وإنما أهلك هذا الكافر نفسه، حين عصى ربه، وركب هواه، وكفر ~~نعمة الله عليه، بفعله إقامة النعيم، لا فعل الله تعالى، وإحسان المحسن، لا ~~يصير إساءة، يجحد من جحده، وكفران من كفره ألا ترى أن عطشانا، لو مكناه من ~~الماء البارد، فامتنع من شربه، حتى مات من عطشه، لكان الذي يلحقه من إهلاكه ~~لنفسه دوننا. وكلنا في عقل كل عاقل، محسنين إليه، إذ مكناه مما ينجو به وهو ~~الذي أمات نفسه، وأحرم نفسه النجاة. # كذلك تكليف الله لما كان ممكنا مما ينجو به، لا يخرج عن أن يكون صلاحا ~~له، وإن جعله هو فسادا بعصيانه. PageV01P119 # فإن قال: وكيف يقدر أن يؤمن، وقد علم الله أنه لا يؤمن. ولئن قدر على ~~ذلك، إنه لقادر على تجهيل الله تعالى وعز عن ذلك. # قيل: هذا غلط ظاهر، لأنا ما زعمنا أن الله تعالى علم منه أنه لا يؤمن ولم ~~يعلم منه، أنه يقدر. بل قد علم الله تعالى منه الأمرين جميعا. فعلم منه أنه ~~يقدر أن يؤمن. ولا يؤمن، ليس لأنه لا يقدر. ولكن لسوء اختياره لنفسه. فليس ~~في الأمرين إلا ما قدر علمه الله. ولو كان أبو جهل، إذا علم الله أنه لا ~~يؤمن، وقدر على الإيمان،كان قادرا، على تجهيل الله تعالى، لكان الله تعالى، ~~لما أمره بالإيمان، مع علمه بأنه لا يؤمن، أمرا له بتجهيل بربه. ولكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما دعاه إلى الإيمان، دعاه إلى تجهيل الله. ~~هذا واضح السقوط. على أنا نقول: إن في تكليفه له لطفا لغيره، ممن علم الله ~~أنه لا يؤمن، إن لم يكلف هذا فمثاله مثال ما بينا في الإثنين، وتسليمها. ~~وإن شاء أحد الإثنين لنفسه. ولم يتعلم. # قال المؤلف: في المسألة غلط حروف وكلام، وشي من العاني، زالا عن الحق ~~يعرض على المسلمين؛ لأنها من كتب قومنا. والحق معنا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دعا من علم الله، ms109 أنه لا يؤمن إلى الخروج، من معلوم إلى معلوم. ~~وإنما لا يقدر أن يؤمن لشغله بالكفر عن الإيمان. # فالمؤمن الذي شغل نفسه بالإيمان، لا يقدر على الكفر، لشغله بغيره. فكذلك ~~الكافر، لشغله بالكفر، لا يقدر على الإيمان، لأن الإنسان لا يقدر أن يأتي ~~بشيء وهو مشغول بغيره، كالذي يكون قائما، فلا يقدر أن يأتي بالقعود في حال ~~القيام. والقاعد لا يقدر أن يأتي بالقيام، وهو في حال القعود. ولكن كل من ~~كان في شيء من الأمور، فهو قادر أن يأتي بغير ذلك، إذا ترك ما هو فيه، مما ~~هو مشغول به فحينئذ قدر أن يأتي بغيره فالبارئ عز وجل إذا علم من العبد، ~~أنه PageV01P120 لا يؤمن، فلا يترك التشاغل بالكفر، والأخذ في الإيمان. ~~فالعبد لا محالة، على ما علم الله منه، من غير أن يقال: إن علم الله ساق ~~أحدا إلى ما يعمل من خير وشر ونفع وضر. # وإنما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الكفرة أن يخرجوا من معلوم إلى ~~معلوم. من معلوم الكفر الذي هم له عاملون، إلى معلوم الإيمان، الذي هو ~~مشغولون بغيره. فدعاهم أن يتركوا ذلك التشاغل بالكفر، الذي قد اشتغلوا به، ~~ويشتغلوا بالإيمان. فمن راجع منهم، وآخذ في صلاح نفسه، وتارك الاشتغال ~~بالكفر، ومن مقيم على كفره. والخلق كلهم، يعلم الله أعمالهم، وما يئول إليه ~~أمرهم. يعمل الله ذلك كله، كقوله تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير } وبالله التوفيق. # الباب الخامس والثلاثون والمائة # في الوعد والوعيد # والرد على المرجئة # الوعد: وعد الله أهل الطاعة من الثواب، في الآخرة. وهو حق. والوعيد: ما ~~أوعد الله أهل الكفر والفسوق على المعاصي، العقاب في الآخرة. وهو حق. # قالت المرجئة في وعيد الله: إنا وجدنا الكريم فيما بيننا، إذا توعد ~~العقوبة، ثم عفا، كان أحسن في صفته. فإذا كانت العرب تفتخر، وتتبجح بالصفح ~~عن الجرائم. فالله تعالى أولى بالصفة الجميلة، وكل صفة حسنة. PageV01P121 # قلنا إن الله تعالى أولى بكل صفة حسنة. ولكن لا يجوز على الله، إذ ms110 ليس هو ~~بصفة حسنة. وذلك أن العرب كلما عفوا عن الأمر الذي هو أعظم، عمن بالغ في ~~عداوتهم، كان ذلك أحسن. فلو كان ذلك أيضا في صفة الله حسنا، لكان يحسن أن ~~يعفو عمن جحده، وكفر به. وجعل معه إلها غيره. وجعل له الصاحبة والولد، حتى ~~لقيه كافرا مشركا جاحدا. فلما أجمعوا جميعا، لا خلاف بينهم: أنه لا يعفوا ~~عن أحد من هؤلاء، ممن أشرك به وجحده، علمنا أن هذا لا يساوي فيه بين صفة ~~الخالق والمخلوق، مع أن الذي يعفو من الخلق، بعد أن توعد، إنما تبدو له ~~المصلحة في العفو، لما لم يكن علمه. وذلك لا يجوز على الله أن يبدو له شيء، ~~لم يكن علمه قبل ذلك. وأيضا فلا يخلو القول في وعيد أهل الكبائر، من أحد ~~وجوه ثلاثة: إما يكون الله تعالى قال: إنه يوقع بهم هذا الوعيد. فلا بد من ~~وقوعه بهم، # على كل حال، أو يكون قال ذلك، وهو لا يدري يوقعه بهم أم لا، أو يكون. قال ~~ذلك. وهو يعلم أنه لا يوقعه بهم. ولا يفعله. # فإن كان قاله، وهو يعلم أنه لا يوقعه بهم. فهذا هو الكذب على الله تعالى عنه. # وإن كان قال ذلك. وهو لا يدري يوقعه بهم أم لا؟ فهذه هي صفة الجاهل. ~~والجاهل ليس بإله علم تعالى الله عن ذلك. فلما بطل هذان الوجدهان، صح ما ~~قلنا: إنه إذا توعد بعقوبة أمضاها. # فمن زعم أن في الوعيد ناسخا ومنسوخا، فإن الله توعد أهل الكبائر بالنار. ~~ثم نسخ ذلك بقوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~} . فقد كذب، لأن النسخ إنما هو في الأمر والنهي. يأمر عادة بأمر، ثم يخفف ~~عنهم، أو ينهى عن أمر، ثم يرخص لهم فيه، لعلمه بصلاح عباده؛ لأن الناسخ ~~والمنسوخ في الأخبار: أن يخبر بخبر أنه كائن. ثم يقول: لا يكون. فذلك هو ~~الكذب تعالى الله عنه. PageV01P122 # وأما قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ms111 يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~} فقد أخبرنا الله تعالى: أين وقعت المشيئة في سورة طه. وهو قوله تعالى: { ~~وإني لغفار لمن تاب } في الدنيا { وعمل صالحا } يظهر العقب في الدنيا لمن ~~تاب، عند رؤية الجنة والنار يوم القيامة. لو كان كذلك ما عذب الله أحدا؛ ~~لأنهم كلهم يتوبون عند رؤية الجنة والنار. وبالله التوفيق. # الباب السادس والثلاثون والمائة # في الرد على من قال: إن الخلود في النار خاص لأهل الشرك # وأما الموحدون فلا # قال المؤلف: الدليل على أن الخلود في أهل الشرك وأهل النفاق والموحدين ~~كلهم جميعا : قوله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم خالدين فيها هي حسبهم } فقد جمع الله بين الكفار والمنافقين الموحدين، ~~في الخلود في النار. # فمن زعم أن أهل الإقرار من المنافقين ولامنافقات، يخرجون من النار، فقد ~~كذب كتاب الله، وأباح بقوله هذا ارتكاب المحارم؛ لأن اعم الكفر، قد جمع بين ~~كل من عصى الله من خلقه موحدا، أو غير موحد؛ لقوله تعالى: { إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا[2] إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا[3] } . # فمن لم يكن شاكرا، كان كافرا. وقال الله تعالى: { اشكروا لي ولا تكفرون } ~~فالخلق أجمعون، إما طائع، وإما عاص، وإما مؤمن، وإما كافر، وإما مهتد، وإما ~~ضال، لا غير ذلك. وقد قالت اليهود والنصارة: إنما نحن عند الله بمنزلة ~~الولد، إن عذبنا، فبقدر ذنوبنا. فأنزل الله فيهم: { وقالت اليهود والنصارى ~~نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء } وما شاء أن يغفر لليهود والنصارى، حتى ~~PageV01P123 يسلوا ولكن يغفر لمن تاب منهم، ودخل في الإسلام، ويعذب من أقام ~~على كفره، وتكذيبه بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ومن آثار ~~المسلمين. # وأما قوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~[107] } فكان جابر يقول: إن الله يعزم، ثم يستثني. وإنما شاء الخلود، كقوله ~~تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله } وقد ms112 شاء أن يدخلوه. وكقوله ~~تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقد بين ~~مشيئته لمن شاء أن يغفر له. فقال: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى } وقوله تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ~~فقال بعض المسلمين وهو أبو سعيد: إنما يكفر عنه الصغائر باجتناب الكبائر، ~~إذا لم يصر على الصغائر، لأن الإصرار عندهم كبيرة، كان الإصرار على كبير أو ~~صغير؛ لأن الله تعالى يقول: { ولم يصروا على ما فعلوا وهو يعلمون } ولم ~~يذكر فعلوا كبيرة، دون صغيرة. فدل أن ما فعله، من الصغير ولكبير، فأصر ~~عليه، فهو مستحق الخلود في النار؛ لقوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } فلو كانت الصغائر تغفر بلا توبة، إذا ~~اجتنبت الكبائر، كما قال بعض مخالفينا، لم يكن لقوله تعالى: { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } معنى. وبالله التوفيق. # الباب السابع والثلاثون والمائة # في المنزلة بين المنزلتين # قال المؤلف: اعلم أن الكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين والجائرين ~~كل أولئك لاحق لهم اسم الكفر وكل من مات على ما هو عليه مصرا، مات كافرا ~~على كفره. PageV01P124 # وقول: المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن، ولا كافر. فعلى قياد قولهم: إنه لا ~~موحد، ولا ملحد، ولا ولي ولا عدو، ولا شقي، ولا سعيد. فهذا خلاف الكتاب ~~المنزل من الله؛ لأن الله تعالى يقول: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } ~~فكيف لا يلحق به اسم الكفر. وقد جعل الله له النار، لأن الناس إما طائع، ~~وإما عاص، وإما مؤمن، وإما كافر، وإما مهتد، وإما ضال، لقوله تعالى: { إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا[2] إنا هديناه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا[3] } سورة الإنسان. فالشاكر: الطائع. فمن لم ~~يكن طائعا، كان كافرا. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والثلاثون والمائة # في التائب # هل يجوز أن يأمن العذاب أم لا؟ # الذي منا ونذهب إليه ونعتقد: أن ms113 أحدا من عباد الله المكلفين، لا يأمن ~~عطاب الله تعالى، وقد قال الله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا } وذكر ~~الملائكة فقال: { وهم من خشيته مشفقون } وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مع ما قد غفر الله له، ما تقدم من ذنبه وما تأخر، مشفقان من خشية الله، ~~باكيا حزينا. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والثلاثون والمائة # في الآجال # والرد على المعتزلة في ذلك # قال المؤلف: الذي نذهب نحن إليه: أن كل من مات، أو قتل، فقد مات بأجله. # وقول المعتزلة: إن من قتل لم يمت بأجله، تحريف لكتاب الله، لأن الله ~~تعالى يقول: { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فإذا جاء ~~أجله، لا يستأخر عنه ساعة، ولا يستقدم. PageV01P125 # ولا ينفع عمل للزيادة في الأجل، كما زعم المخالفون، من صدقة أو غيرها، من ~~صلة الأرحام، أو غير ذلك، لأن قول الله تعالى: { فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } خبر أخبر الله به والأخبار لا تناسخ فيها، ~~إذا كانت تئول إلى الكذب. إذا لحقها التناسخ، لم يكن المخبر صادقا، فيما ~~أخبر والله تعالى يقول: { ومن أصدق من الله قيلا } وقد قال الله تعالى في ~~يحيى بن زكريا: { وسلام عليه يوم ولد ويو يموت ويوم يبعث حيا } وهو لم يمت ~~على فراشه. بل قتل، ومات مقتولا. فسمى الله تعالى قتله موتا له فقد مات ~~بأجله الذي أجله الله له. # ولو أن إنسانا، حلف أنه يوم يموت زيد، فامرأته طالق. فقتل زيد، ولم يمتت ~~على فراشه، لطلقت امرأته، لأنه لم ينو: إن مات زيد على فراشه، بلا قاتل ~~يقتله. وأيما يذهب يوم تخرج روح زيد من جسده. وبالله التوفيق. # الباب الأربعون والمائة # في البعث والرد على الدهرية # ومن لا يعتقد الخلق وبعث المخلوقين # من كلام الشيخ أبي الحسن رحمه الله: # فإن قال قائل: ما الدليل على إعادة الخلق؟ # قيل له: الدليل أنه سبحانه وتعالى خلق الخلق أولا، على غير مثال سبق. ~~فإذا كان خلقه أولا، على غير مثال سبق، لم يعى أن ms114 يعيده خلقا آخر. وقد قال ~~عز من قائل: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } . # وقال سبحانه: وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } . # وقال سبحانه: مخبرا عن قولهم: { إئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون } ~~وفي آية أخرى: { مبعوثون } وقال: { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة } فدل في القرآن، في غير موضع، أنه يعيدهم. وقال سبحانه: { أئذا كنا ~~عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون } . # وقال سبحانه وتعالى: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا ~~دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } . PageV01P126 # وقال سبحانه: { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } . # وقال: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } فهذا دليل من كتاب ~~الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } . ~~وبالله التوفيق. # الباب الحادي والأربعون والمائة # في اختلاف الموحدين # هل يبعث الله الخلق أجمع أم بعضهم؟ # اختلف الموحدون، في بعث الخلق. # فقال من قال: إن كل شيء خلقه الله عز وجل، وأخرجه من العدم إلى الوجود ~~يبعث يوم القيامة. # وقال من قال: يبعث الله كل ذي روح. ويوجد أنه من اعتقد أن الله يبعث كل ~~ذي روح، فهو سالم. ومن اعتقد أن الله يبعث كل شيء خلقه، فهو سالم ما لم يخط ~~أحدهما الآخر. # فحجة من قال: إن الله يبعث كل ذي روح: قوله تعالى: { وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون } . # وقال الآخرون: إنه ليس في هذه الآية دلالة، على أنه لا يبعث إلا ذوات ~~الأرواح. وإن من كان من غير ذوات الأرواح، فلا يعاد. وقد قال الله: { وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } وهذه عامة. وما كان عاما، فهو على عمومه، إلا ~~أن تقوم دلالة على نسخه وتخصيصه، وحجة واضحة من كتاب الله، أو ms115 سنة، أو ~~إجماع. وقد قال الله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم } الآية. فهذا ليس من ذوات الأرواح. # وقال تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } . ~~وقال تعالى: { وأخرجت الأرض أثقالها } . وبالله التوفيق. # الباب الثاني والأربعون والمائة # في الرد على من قال: إن قبل يوم القيامة بعث # عن الشيخ أبي الحسن البسياني: PageV01P127 # وسأل عمن زعم أن قبل يوم القيامة بعثا، يقتل بعده من قد مات في الدنيا. ~~ويموت من قد قتل. وأن دولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم بعد ذلك البعث. ~~ما الحجة عليه؟ # قيل هل: هذا كاذب، مخالف لكتاب الله. والإجماع على خلاف قوله. وقد قال ~~الله تعالى ما يدل على تكذيبه: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة } وقال: { لئن متم أو قتلتم } وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما يروى عنه أنه قال: بعثت أنا والساعة كفرسي رهان. وإن كادت لتسبقني ~~فسبقتها. ولم يقل: مثل ما قال صاحب هذه المقالة، ولا عن الصحابة الذين هم ~~الحجة على شيء، مما ذكر هذا. وهذا كذب كله، ودعوى لا يصح لمن قال ذلك. ~~وقوله زور، ومخالف للقرآن. وبالله نستعين. # الباب الثالث والأربعون والمائة # في عذاب القبر ومنكر ونكير # الشيخ أبو الحسن البسياني: # فإن قال: فما تقول في عذاب القبر؟ # قيل له: ذلك إلى الله وهم عبيده -إن شاء- عذبهم في الدنيا، وفي القبر، ~~وفي الآخرة. # وأما عذاب الآخرة، فلا شك فيه. وقد قال الله تعالى في اليهود: } ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار } . # وأما عذاب النار، فلا بد لهم منه كما قال. وقد كتب عليهم في الدنيا ~~الإجلاء من المدينة. وقد قال تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر } فهو كذلك كما قال: إن شاء عذب في الدنيا بما شاء وعاقب ~~فيها، من شاء. وقد قال ms116 عز وجل: { فأخذهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أخزى وهو لا ينصرون } . # وقد اختلف الناس اختلافا كثيرا، في معنى عذاب القبر. وقولنا فيه، وفي ~~غيره قول المسلمين. ولا يعجز الله شيء من ذلك. # وحجة من قال بعذاب القبر: قوله تعالى: { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } الآية. # فالموتة الأولى: التي تقع بهم في الدنيا بعد الحياة. والحياة الأولى: ~~إحياء الله إياهم في القبر. # والموتة الثانية: إماتة الله إياهم بعد المسألة. PageV01P128 # والحياة الثانية: إحياؤهم الله للبعث. # وحجة من أنكر عذاب القبر: قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } . # قال: ولو كان هؤلاء الكفار أحياء في قبورهم ما قالوا: لبثنا يوما أو بعض ~~يوم. فهذا يدل أنهم لا حياة لهم في القبر بعد الموت. # وأما الخبر الذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن الميت ~~يعذب ببكاء أهله عليه. فهذا خبر غير موافق للكتاب، لأن الله تعالى يقول: { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقال: { وكلا أخذنا بذنبه } . # وأما منكر ونكير، فقد اختلف الناس فيهم وذلك غلى الله يفعل ما يشاء والله ~~هو أعلم بذلك. وإنما يجوز لنا القول في الحكم، على ناطق الكتاب والإجماع. # فأما ما فيه الاختلاف، ولم يقع فيه حكم بنص بنصره، فقولنا فيه قول ~~المسلمين ونحن سائلون إن شاء الله. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والأربعون والمائة # في ذكر ذهاب السموات السبع والأرضين السبع # يوم القيامة # قال المؤلف: قال الله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } فبين في هذه الآية ~~فناء الخلق أجمعين. # والدليل على أن السموات والأرض فانيات، قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } . ففي التفسير: أن السموات والأرض ~~ذاهبات يوم القيامة. # وقال تعالى: { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب } من غير طي بيد. # وقال في الأرض: { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } . # وأما الدليل على ذهاب ذوات الأرواح: فقوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } ~~فكل نفس منفوسة، ذائقة الموت، من دابة وبشر ms117 وملائكة وطير. فهو ميت. # والدليل على أن كل ما في الأرض من جماد يذهب: قوله تعالى: { كل من عليها ~~فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } . PageV01P129 # والدليل على أن جميع الخلق أجمع تذهب، مما ذرأ الله وبرأ، من جميع بريته، ~~ومما ذرأ من السموات والأرضين، وما فيها أجمعين، من حيوان، أو جماد ذاهب ~~فان: قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } فكل شيء ~~موجود مخلوق، يقع عليه اسم شيء، فذاهب من جميع السموات والأرض، وما فيهن ~~أجمعين. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والأربعون والمائة # في الحساب والجزاء يوم القيامة # ودخول الجنة والنار # قال الله تعالى: { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } ليس حساب ربنا كحساب ~~المخلوقين. وإنما هو حكم وعدل، وعلم بأعمالهم التي عملوها، وقوله: { وكفى ~~بنا حاسبين } الباء رفع. والمعنى: وكفينا حاسبين. وحاسبين منصوب على ~~التمييز وعلى الحال؛ لأن حسابه للخلق أجمعين، مثل حسابه لرجل واحد، لا ~~يشغله حساب واحد عن حساب آخر. وهو معنى قوله: { إن الله سريع الحساب } . # قال المؤلف: نعم لا يشغل الله شيء عن شيء. # والكتب. قيل: إنما هي تطاير طيرانا، يطير كل كتاب إلى صاحبه. وأنها تكون ~~قبل طيرانها تحت العرش. # قيل: إن الكتب تكون بأيدي الملائكة الذين كان يكتبون على بني آدم. فيعطون ~~بني آدم كلا منهم كتابه فيقرأوه فإن قرأه علم بحجة الله عليه، يلقى الله ~~ذلك على قلوبهم. # قال الشيخ أبو الحسن البسياني: أقول إن الله تعالى هو المحاسب لهم، وأنه ~~يسألهم عن أعمالهم من الخير والشر، ويريهم ذلك. فيعلم المؤمن فضل الله ~~عليه. ويعلم الكافر عدل الله عليه، لأنه ليس بظلام للعبيد وهو كأسرع ما ~~يكون. إنه قال تعالى: سريع الحساب وأسرع الحاسبين. انقضى. # قال: وأقول: إن هذا الكتاب يكون عند حفظته، الذين كانوا يكتبون عليه ~~حسناته وسيئاته. PageV01P130 # قال المؤلف: ولا أقول: إن الله يقضي بين الدواب كما قال قومنا: تنطح ~~الجماء يوم القيامة القرناء، بما نطحتها في دار الدنيا؛ لأن الدواب ليسوا ~~بمكلفين، حتى يقضى بينهم ms118 ويحاسبوا ويقتص منهم. وهذا شيء لا يصح في جهة ~~البارئ - عز وجل - يعاقب من لا تكليف عليه. ويحاسب ويقتص ويحكم، بين من لم ~~يأمره في الدنيا وينهاه، كالمكلفين من الثقلين. وإنما قيل: إنهم يحشرون يوم ~~القيامة فما استحسن منهم أهل الجنة، كان في الجنة ثوابا لأهل الجنة. ~~والباقي في النار، يكونون عذابا لأهل النار. ولا عذاب على البهائم. والله أعلم. # وقيل: إن البهائم يدخلون الجنة بالأعواض، في قول أبي محمد، لأن أبا محمد ~~قال: إن المكلفين يدخلون الجنة بالتفضيل والعمل. والأطفال يدخلون الجنة ~~بالتفضيل. والبهائم هم الذين يدخلون الجنة بالأعواض. # وقال: فالبهائم والحشرات، وجميع ما يجري هذا المجرى، لا عقاب عليهم. ولا ~~تدخل الجنة بالتفضيل، فلم يبق إلا بأعواض. # قال المؤلف: فإن قيل: كيف يدخل الجنة المكلفون بالتفضيل، وهم قد استحقوه ~~بعملهم؟ لو كان كذلك، لكان كل من دفع إلى أجير أجرته، فقد تفضل عليه؟ # قيل له: إن الأجير، قد نفع المستأدجر بعمله، كما نفعه المستأجر بأجرته. ~~والمكلفون لم ينفعوا الله تعالى بشيء، إنما كلفهم الله لينفعهم. فهذا فرق ~~بين ذلك وبالله التوفيق. # الباب السادس والأربعون والمائة # في الشفاعة ومن يستحقها # قال المؤلف: الشفاعة حق ولكنها للمؤمنين الذين رضي الله عملهم؛ لقوله ~~تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقال: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له } وقال سبحانه: { يؤمئذ لا تنفع الشفاعة إلا لم أذن له الرحمن ~~ورضي له قولا } . PageV01P131 # فمن قال: إن الشفاعة لأهل الكبائر، فقد كذب الله - عز وجل - في قوله. ولو ~~كانت لأهل الكبائر، ما قال الله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع } وقولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: شفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي. فهذه الرواية لا توافق كتاب الله، لما قدمنا من ذلك، مع أنه ~~عارضتها رواية أخرى، محبطة لها. وهي موافقة للكتاب. قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي. وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - : ما منكم من أحد يدخل الجنة يوم القيامة إلا بفضل ms119 الله، ثم بعلمه، ~~ثم بشفاعتي فشفاعته زيادة للمؤمن في أجره، ورفع درجته. ونحن نقول: اللهم ~~أدخلنا في شفاعته - صلى الله عليه وسلم - . ولا نسأله أن يجعلنا من أهل ~~الكبائر، لكي ندخل في شفاعته. ولا يجوز ذلك. وبالله التوفيق. # الباب السابع والأربعون والمائة # في الصراط # والرد على من قال: إنه صراط مستقيم # محدود كحد السيف # قال المؤلف: الصراط معنا: هو دين الإسلام. وهو الحق الذي دعا الله النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - . قال الله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } وقال ~~تعالى: { فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم } كل ذلك بمعنى ~~الدين والإسلام والحق القويم. فليس هناك يوم القيامة صراط موضوع. ولا ميزان ~~منصوب. بل هناك عدل من الله مبين، وحق ظاهر مستبين. # والدليل على أن الصراط هو الإسلام والدين والحق القويم: قوله تعالى: { ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } . # والسبل: هي الأهواء الضالة. والسبل هي الطريق. والسبل: هي طريق غير الحق. ~~كما قال الشاعر: # أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم # ولم يصفه بأنه قائم على شيء، كحد السيف، ولا قاعد عليه. وإنما وصفه أنه ~~على الدين القويم، والحق المستقيم؛ لأن الموارد الطرق. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والأربعون والمائة # في الميزان PageV01P132 والرد على من قال: إن يوم القيامة ميزان حقيقي # زعم أهل الضلال أن يوم القيامة ينصب الله للخلق ميزانا، يزن فيه أعمالهم ~~وأن سعة كفة الميزان، سعة السموات والأرض. وطول عمود، كطول الدنيا. واحتجوا ~~بقوله - عز وجل - : { فمن ثقلت موازينه } الآية. وأنكر هذا المسلمون. ~~وقالوا: إنما الوزن هو مجازة البارئ - عز وجل - على الأعمال. وذلك في ~~اللغة، كما قال الشاعر: # ... إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى والله ما اتزنا # إنما أراد التمييز ما يبنهما والتأويل، لا أنه وزن ذلك بميزان. ألا ترى ~~إلى قول الرجل لصاحبه: زن مجلسك. ولا يطيق أن يزن المجلس، وزن كلامك ولا ~~يطيق أن يزن كلامه، لأنه عرض. فإذا تكلم به، لم يقدر عليه ليزنه. وإنما ms120 ~~يريد التأمل والنظر والتسيير والحق. # وقوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } أي نضع العدل. يعرف ~~عباده أن عنده لهم حقائق العدل، وأنه لا يظلم الناس شيئا, وهو الحكم بينهم ~~يوم القيامة والفصل. وقوله تعالى: { فلا نقيم لهم يوم القيامة زونا } يعنى ~~لا نتقبل منهم يوم القيامة إيمانا، كما قال تعالى: { لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } فالوزن في هذا الموضع: ~~الإيمان، لا أن هناك # ميزانا، كما زعموا. وإنما قال الله تعالى: { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت ~~موازينه } يعني من جاء بالإيمان والإخلاص { ومن خفت موازينه } يعني إذا جاء ~~بالكفر. وإنما المعنى: أن الناس يجازون على أعمالهم، بالحق والقسط والعدل. # وقال بعض المسلمين: هو مقابلة الأعمال بالأعمال. وقد قال الله تعالى: { ~~الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } فقد رأينا الكتاب، ودلونا ~~بالميزان. أين أنزله، إن كان كما ذكرتم. وهذا موجود في اللغة. قال الشاعر: # ... وزن الكلام إذا نطقت فإنه ... ... يبدى عيوب ذوي الكلام المنطق # والكلام عرض لا يوزن بميزان وإنما مراده التأمل والمجازاة. PageV01P133 # قال المؤلف: يقال لهم: ما تقولون فيمن عاش مائة سنة، يعمل بالإيمان. ثم ~~كفر شهرا، أو يوما، أو لحظة. ومات على كفره أين يكون، لأن عمل شهر أو يوم، ~~أو لحظة، لا يوازن عمل مائة سنة؟ # فإن قالوا: في الجنة. # قيل لهم: خالفتم كتاب الله تعالى؛ لأنه تعالى يقول: { والذين كفروا لهم ~~نار جهنم } . # وإن قالوا: في النار، بطل قولهم بالميزان. # وكذلك يسألون عن رجل عاش مائة سنة، يعمل بالكفر، ثم تاب، وآمن وعمل ~~صالحا، وأخلص نيته لله شهرا، أو يوما، أو لحظة. ثم مات. # الباب التاسع والأربعون والمائة # في الورود وهو المرور بالنار # والرد على من قال: إنه الدخول نفه # قال الله تعالى: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا. ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } . # الدليل على أن الورود يوم القيامة: هو المرور بالنار، والاجتياز بها، لا ~~الدخول فيها: قول الله تعالى، لموسى ms121 - صلى الله عليه وسلم - : { ولما ورد ~~ماء مدين } وموسى عليه السلام إنما اجتاز بماء مدين، ومر عليه، ولم يدخله. # وقال بعض المسلمين في تفسير هذه الآية: { وإن منكم إلا واردها } يعني ~~جملة المشركين فالورود: الاجتياز، والمرور بالشيء. تقول العرب: ورد ماء ~~كذا، أي اجتاز به ولم يدخله. وورود الإبل والطير الماء. إنما هو انتهاؤها ~~إليه، لتشرب منه، لا الوقوع فيه. قال زهير: # ... فلما وردنا الماء زرقا حمامة ... ... وضعن عصى الخاصر المتخيم # والمعنى: انتهين إلى الماء وبلغنه، وقمن عليه، لا أن المؤمنين يدخلونها. # الحجة: أنهم لا يدخلونها. قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون } فكيف ~~يكونون فيها داخلين. والله تعالى يقول: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيها فيما اشتهت أنفسهم خالدون } . ~~والحسنى هي الجنة. وبالله التوفيق. # الباب الخمسون والمائة # في الخلود في النار PageV01P134 والرد على من قال بالخروج منها # قال المؤلف: يقال لمن قال: إن أهل التوحيد إنما يعذبون في النار، بقدر ~~أعمالهم، ثم يخرجون منها. وإنما الخلود لأهل الجحود من أهل الكفر يقال لهم: ~~فما الدليل على ذلك؟ فأهل التوحيد، لو كان يكفيهم التوحيد، عن العمل ~~بالإيمان، وموتهم عليه، ما قال الله تعالى: { وعد الله المنافقين ~~والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها أبدا } فالمنافقون والمنافقات، هم ~~أهل التوحيد؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فلم يغن ذلك عنهم شيئا من الخلود في النار، ولما قالت اليهود ~~والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } يعنون أنا عند الله بمنزلة الولد، إن ~~عذبنا فإنما يعذبنا بقدر ذنوبنا. وقالت اليهود: { نحن أبناء الله وأحباءه } ~~قال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : { قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وذكر لهم ~~الخلود في موضع آخر. فقال - عز وجل - : { وقالوا } يعني أهل الكتاب اليهود: ~~{ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ms122 قل أتخذتم عند الله عهدا لن يخلف الله ~~عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . # وقال في المقربين من هذه الأمة: { ليس بامانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوء يجز به } الآية. فسوى بينهم وبين أهل الكتاب { ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } . # وإن احتجوا بقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود، حيث قال: { خالدين فيها أبدا } لأنه تعالى ~~قد جمع الكفار والموحدين في آية واحدة جميعا، وأعد لهم الخلود. وقوله: { ~~إلا ما شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود، حيث أخبر بخلود أهل النار. PageV01P135 # وقال أيضا: { وما هم منها بمخرجين } فليس لهم فيما تعلقوا به حجة، لأن ~~الله تعالى يقول: { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك } فقد شاء لهم الخلود. # فإن زعموا أن أهل النار لا يخلدون فيها بهذا الاستثناء. فيلزمهم أن أهل ~~الجنة لا يخلدون فيها أيضا، بهذا الاستثناء. وهم لا يقولون بذلك. وبالله ~~التوفيق. # الباب الحادي والخمسون والمائة # في الحكمة في خلود أهل النار # والتفاضل في الثواب والعقاب # قال بشير: علة من يقول بالتخليد في النار بالقياس: إن المذنب العاصي، إذا ~~عصى بكبيرة، إنه عصى ربا عظيما، لا نهاية لعظمته. وكذلك يخلد في المذاب ~~خلودا، لا نهاية له. # قال المؤلف: وقول المسلمين في توحيدهم لربهم: إن لله ثوابا لا يشبهه ~~ثواب، وعقابا لا يشبهه عقاب. فلو كان في ثوابه وعقابه نهاية ومنتهى وأمد ~~ينقطع إلى وصوله، وينتهي إليه، لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم. # فإن قيل: كيف هذا، وقد قال تعالى: { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ~~والسيئة لها منتهى. # قيل له: إنه تعالى قال: { مثلها } في التعديل. والحق أنه لا يعذب الكافر ~~كعذاب المنافق. والمنافق أشد عذابا. وكل يعذب بقدر عمله، في الجزاء ~~والتفاضل؛ لأن للنار دركات، وللجنة درجات. قال الله ms123 تعالى: { ولكل درجات ~~مما عملوا ولوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون } وقال في أهل النار: { ولكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون } . وبالله التوفيق. # الباب الثاني والخمسون والمائة # في الجنة والنار أخلقنا أم لم تخلقا بعد؟ # قال المؤلف: اختلف الناس في ذلك. # وحجة من اقال: إنهما خلقتا. قول الله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } ~~والهبوط من الشيء لا يكون إلا وقد خلق. وقال في الجنة والنار: أعدت للمتقين ~~وأعدت للكافرين } والمعد: المهيأ الذي قد فرغ منه. PageV01P136 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اطلعت على الجنة، فرأيت أقل أهلها ~~الأغنياء والنساء. واطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء. ~~فلا يطلع إلا على شيء قد خلق وفرغ منه. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والخمسون والمائة # في خلود أهل الجنة والنار كيف يبقون كبقاء الله # والحكمة في بقائهم # قال المؤلف: الفرق بين بقاء أهل الجنة والنار، وبقاء البارئ تعالى: إنماء ~~هو - عز وجل - يبقى بنفسه، لا ببقاء مبق أبقاه. فبقى ببقائه باقيا. وأهل ~~الجنة والنار، إنما بقوا ببقاء مبق أبقاهم، فبقوا ببقائه. وهو الله - عز ~~وجل - بقاهم فبقوا ببقاء الله. فلا يقاس بقاءهم ببقاء الله، ولا خلودهم ~~كخلوده - عز وجل - لأنه تعالى خالد بنفسه، لا بخلود مخلد خلده، فخلد ~~بخلوده. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والخمسون والمائة # في سؤالات أهل العناد والعنت للمسلمين # إن قيل: هل يعلم الله بجملة نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار أم لا؟ # قلنا: يعلم الله تعالى نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، أنه لا نهاية ~~لذلك. فإذا لم يكن لهم أمد ونهاية، فلا يقال: أيعلم الله بأمدهم ونهايتهم؛ ~~لأنهم لا نهاية لهم. وقد علم الله أنهم لا نهاية لهم. فلا يعود ما سبق به ~~العلم أو أخره، إلى علم ثان. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والخمسون والمائة # في الرد على من قال: إن الجنة التي دخلها آدم # إنما كانت بستانا من بساتين الدنيا # الدليل على أنها كانت الجنة التي أعدها الله للمتقين: قوله تعالى: { ~~وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } بالألف واللام. ms124 فلا تكون إلا الجنة ~~المعدة للمتقين، لا غيرها. كما أن من أوصى المسجد، ولم يعرف لأي مسجد، كانت ~~الوصية للمسجد الجامع المعروف. # والدليل على ذلك: قوله تعالى: { اهبطا منها } يعني من الجنة السماوية إلى ~~الأرض السفلية. فأهبطا من السماء إلى الأرض. وبالله التوفيق. # الباب السادس الخمسون والمائة PageV01P137 في الرد على من قال من ~~الجهمية: إن الجنة والنار يفنيان في الآخرة # وأن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار يفنى # وأنه إلى مدة # قال المؤلف: الدليل على أنهما باقيتان لا تفنيان: قوله تعالى: { أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . # فالقائل بفناء الجنة والنار، قد نقض كتاب الله تعالى. فمن لم يؤمن بالجنة ~~والنار، وأنهما باقيتان كبقاء الآخرة،وأن أهلها لا يخرجون منها، فقد كفر. # وإن احتجوا بقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك } فقد شاء الله الخلود للفريقين؛ لأنه قد علمنا أنه قد شاء الخلود، ~~بقوله في أهل الجنة { خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } . وقوله ~~في أهل النار: { خالدين فيها أولئك هم شر البرية } والله تعالى، إنما خلق ~~الخلق لنعيم الآخرة، لا لسكونهم في الدنيا. وإنما كفر الكافر لسوء اختياره. ~~ولو لم يكفر، لكان في نعيم الآخرة كغيره ممن آمن، لأن الله تعالى إنما خلق ~~الخلق لينفعهم. فلا منفعة أعظم من خلودهم في النعيم. فلذلك لم يهلكهم ~~ويصرهم عدما. وبالله التوفيق. # الباب السابع والخمسون والمائة # في خلق الله الخلق # لم خلقهم ورزقهم وأمهاتهم وحاسبهم # وأثابهم وعذبهم؟ # خلق الله الخلق ليريهم حكمته. ورزقهم ليريهم نعمته. وأماتهم ليريهم قدرته ~~وبعثهم ليربهم رأفته. وحاسبهم ليريهم هيبيته. وغفر لهم ليريهم رحمته. ~~وعذبهم ليريهم عدله. # فإن قيل: لم خلقهم طورا طورا؟ # قيل له: ليكون ذلك أدل على كمال القدرة، لأن كل طور من تلك الأطوار يكون ~~في نفسه دلالة ظاهرة بالغة كاملة، على قدرته وتكوينه. وخلقه لهم دفعة ~~واحدة، دلالة واحدة. والله تعالى قادر أن يخلق السموات والأرض، وما ~~بينهما،وما فيهما دفعة واحدة، في أسرع من طرفة عين. فقد خلقهم ms125 في ستة أيام؛ ~~ليعلم أنه تعالى يريد التأني في الأمور. فلهذا قيل: العجلة من الشيطان، ~~والتأني من الله. وكانت أمور الدنيا على التراخي. PageV01P138 # والتأني: للشيء بعد الشيء. فجعل الله التأني رحمة للعباد، للآجال ~~والمعاملات وجميع الأمور. # قال الشيخ أبو الحسن البسياني: إن الله تعالى شاء أن يظهر قدرته، ويرى ~~العباد ملكه وعزته. فخلق الأشياء التي سبق في علمه أنه سيخلفها. فخلق ~~الأشياء لا من شيء. ثم خلق للشيء من الشيء. ولو شاء الخلق كل شيء لا من ~~شيء؛ لأنه إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون انقضى. # فخلق الله الخلق قسمين: منتفع ومنتفع به. ثم خلق المكلفات. فمن أحسن ~~فلنفسه، ومن أساء فعليها. # فإن قيل: فأي شيء أفنى الله الخلق من الآلاء، حتى يذكرهم بها؟ # قيل له: النعمة في ذلك التسوية بينهم في الموت، حتى لا يكون لأحدهم فضل ~~بالحياة على أحد. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والخمسون والمائة # في أن الله تعالى خلق الخلق لينفعهم # قال المؤلف: دليل ذلك: أنه لا يخلو من أن يكون خلقهم لينفعهم، أو لينتفع ~~هو بهم، أولا لهذا ولا لهذا. # فإن يكن خلقهم لينفعهم، فهو ما نقوله. وإن يكن لينتفع هو بهم، فقد لزمته ~~الحاجة والفقر العجز. والعاجز المحتاج الفقير، ليس بإله غني على كل شيء ~~قدير وبكل شيء عليم. # وإن يكن خلقهم، لا لهذا، ولا لهذا، فقد خلقهم عبثا، وتركهم سدى. والفاعل ~~لذلك ليس بحكيم. والله حكيم عليم. وبه التوفيق. # الباب التاسع والخمسون والمائة # في نعمة الله على العباد # قال المؤلف: أول نعمة الله على العباد: أن خلقهم أحياء غير أموات. لأن ~~الموات لا يجد لذة. وكمال نعمة الله على العباد العقل؛ لأن غير العاقل، لا ~~ينظر بعقله حكمة الله ونعمته عليه، وعلى سائر الخلق أجمعين. ثم إن الله ~~تعالى أتم نعمته عليهم بهذا الإسلام. فالإسلام هو تمام النعم. وبالله ~~التوفيق. # الباب الستون والمائة # في الرزق # والرد على المعتزلة # قال الله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } . # فمن قال: إنه يحصي نعمة ms126 الله ، فقد كفر بالله. # فإن قال قائل: أفيرزق الله الحرام؟ PageV01P139 # قيل له: إن الله تعالى أمر بكسب الرزق، والابتغاء من فضله، من الكسب ~~الحلال. ونهى عن الحرام وكسبه. # فكل من كسب الحلال، فقد كسب رزق الله الذي أمره به، ورزقه إياه حلالا ~~طيبا، كما قال. # ومن كسب الحرام، واتبع خطوات الشيطان، فقد أكل ما حرم الله عليه، وأكل ~~الحرام الذي نهاه عنه، وأكل رزق الله تعالى حراما فالله تعالى خلق الأرزاق ~~كلها. ثم نهى عن شيء منها. وأمر بشيء منها. # فمن أكل الحرام، فقد أكل ما غذي به جسده، من رزق الله حراما. وليس يحسن ~~أن يقال: إن الله يرزق الحرام، وإن كان ذلك الرزق الحرام خالقه الله تعالى ~~ولكن لا يوصف الله إلا بالصفة الحسنة، كما أنه لا يقال للمرأة: هذه امرأة ~~الله. والفعل: هذا فعل الله، وشبه ذلك. والله هو الخالق لتلك المرأة، وتلك ~~النعل والقميص والعذرة والكلب والقرد. ولكن لا يخص الله بشيء من ذلك، ~~فيقال: هذا لله. فافهم ذلك. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والستون والمائة # في الأسعار ممن هي الأسعار؟ # غلاها ورخصها من الله # من قبل أن الله القابض الباسط # معنى القابض: أن يقتر على من يشاء. والباسط: أن يوسع الزرق على من يشاء، ~~لا أنه تعالى قابض بأنامل أو باسطها، كما قالت المشبهة - تعالى الله عن ذلك. # فإن قيل: أليس لو حاصر السلطان بعض البلدان، غلت أسعارهم، وقل ما في ~~أيديهم. وصلح أن يقال: إن السلطان غلى أسعارهم؟ # قيل له: قد يقع ذلك من السلطان. ولكن يقال: إن السلطان غلى أسعارهم ~~مجازا، واتساعا. كما يقال: قد أماتهم السلطان جوعا وضرا وهزلا. وهو في ~~الحقيقة، لم يفعل بهم قتلا ولا موتا. وإنما فعل أفعالا، أحدث الله تعالى ~~عند ذلك، موتهم وهلاكهم، وإن نسب الموت والهلاك إلى السلطان مجازا وتوسعا. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثاني والستون ومائة # كيف جعل الله أبدان المكلفين تغتذي بالحلال والحرام؟ PageV01P140 # جعل الله أبدانهم، تغتذي بالحلال والحرام، كما جعل استطاعتهم تصلح ~~للإيمان والكفر. كذلك ms127 جعل أبدانهم تغتذي بالحلال والحرام، ابتلاء وامتحانا. ~~ولو جعل أبدانهم لا تغتذي إلا بالحلال فقط، لكانوا قد لجأوا واضطروا إلى ~~أكل الحلال. والملجأ المضطر، لا يستحق ثوابا ولا عقابا. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والستون والمائة # في الحكمة في ذبح الحيوانات وإيلامها # الحكمة في ذبح الحيوانات: أن الله تعالى له أن يميت كل ما خلق ويفنيهم. ~~فلما كانت الحيوانات خلقا من الله، فله أن يميتها، جعل الله موتها على ~~أيدينا، فذبحها منفعة لنا، بذبحها وإيلامها وركوبها. والله يعوضها على ذلك. # وكذلك تسليط البهائم والطيور، بعضها على بعض. فإن الله يعوضها، مما ينال ~~بعضها من بعض، ولا يفعل الله شيئا من ذلك عبثا ولله أن يأمر بذبح الحيوان. # وقد أمر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أن يصدق رؤياه، بذبح ولده، وأمر ~~الخضر -عليه السلام- بقتل الغلام. وأمر بني إسرائيل، بقتل تعضهم بعضا. وليس ~~ذلك بأكثر من أن يأمر ملك الموت، بقبض أرواحهم. ولو لم يكن لله ذلك، فله أن ~~يميتهم، بعد أن خلقهم، مع أن في قتلهم أهون إثما من موتهم. وأيضا فإن هذه ~~الحيوانات، لو لم تذبح وأهملت، لصارت من الكثرة إلى الضياع والموت،بالحوادث ~~الفظيعة التي هي أفظع من الذبح، لأنها ليست، أو ليس أكثرها ممن تحمى نفسها. ~~وهي إن لم تذبح، تموت لا محالة. ولسنا مع ما قد بينا، نجيز ذبح الحيوان، ~~للتلذذ والطرب، واللعب والعبث بلا منعفة، بل حرام عندنا، قبل الذر وما ~~فوقه، مما لا يؤذي. وحرام إضرار الدواب وإيلامها وضربها، والحمل عليها فوق ~~طاقتها، إلا ضربها لسوقها، بقدر ما تعرف أنها تساق بذلك. وهذا الباب منه ~~شيء عن قومنا. وهذا التعويض يسأل عنه. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والستون والمائة # في إيلام الدواب والبهائم والأطفال # والحكمة في ذلك PageV01P141 الحكمة في إيلام الدواب والبهائم والأطفال، ~~والهوام على معنيين: # الأول: أنه تعالى عوضهم، حتى خرج من أن يكون ظلمها؛ لأن حقيقة الظلم: هو ~~الضرر الذي لا يستحقه المفعول به عقابا، على قبيح فعله.فلا يكون في ذلك ~~الضرر وصول نفع، اعظم منه، ms128 ولا دفع ضرر أعظم منه. # الثاني: في إيلامهم اعتبار للمكلفين، حتى خرج من أن يكون عبثا. والمعلوم ~~عند الله: لو لم يؤلمهم لما صار المكلفون، يقربون إلى الطاعات، ويتجنبون عن ~~المعاصي. وتصديق ذلك: قوله تعالى في محكم كتابه: { وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } الآية. ففي قبل الغلام، حصل له ~~عوض يوم القيامة، وحصل للوالدين ألطاف كثيرة، لأن الوالدين كانا يحبان ~~الغلام، من كثرة التفقد له. # قال المؤلف: ولم أجد في آثار أصحابنا ذكر العوض. والذي سمعت بعض المسلمين ~~يقول: إن الحكمة في ألم الأطفال، لكي يعلموا فضل الآخرة، أنه ليس فيها ألم يؤذي. # مسألة: # سئل بعض العلماء عن المرض الذي يصيب الدواب والبهائم، يكون لهم بذلك عوض ~~في الآخرة أم لا؟ # قال: في هذا اختلاف بين قومنا ولا أعرف لأصحابنا منه قولا. وبالله ~~التوفيق. # الباب الخامس والستون والمائة # في إيلام المكلفين # والحكمة في ذلك # قال المؤلف: إيلام المكلفين البالغين على وجوه: # الوجه الأول: أن يؤمر الأنبياء، ومن لا ذنب له؛ لاستحقاق الثواب، كألم ~~الأطفال. # والوجه الثاني: ألم المؤمنين، من كسب الذنوب لم يأت منها. فلكي يكون حظه ~~ذلك، من عذاب النار. فجعل ذلك الإيلام والبلاء عقوبة، لما سلف من ذنوبه. PageV01P142 # والوجه الثالث: ألم الكافر، والصرين من الموحدين، على ما كسبت أيديهم، ~~كالمنافقين والفاسقين الظالمين والجائرين ونحوهم، ممن قد أصر. فذلك عقوبة ~~لما كسبت أيديهم، لا أنه ليكون ذلك حظه من العذاب. بل عقوبة في الدنيا ~~والآخرة إلا من تاب وآمن وعمل صالحا، فأولئك من المؤمنين. وقد يعمي الله ~~المؤمن ويصم أذنه. وذلك صلاح له. ولعله لو لم أعمي أو أصم، لاكتسب بتلك ~~الجارحة، ما يورد به جهنم. وكان في صممه أو عمائه، ارتفاع ذلك الذنب العظيم ~~الذي يورده عذاب الجحيم. وبالله التوفيق. # الباب السادس والستون والمائة # في خلق السباع والهوام والأمراض والأرانيج المكروهة والآلام # قال المؤلف: الحكمة في جعل أذى ذلك لنا في الدنيا، لكي نذكر عذاب جهنم، ~~أن الذي فيها أعظم مما أصابنا. ونذكر ms129 نعيم الجنة، نرى لها فضلا عظيما، إذ ~~ليس فيها ألم يؤذي، إلا لذة وسرورا. مع أن الذي يصيبنا من الآلام، ولسع ~~الدواب والأرانيج المكروهة، لو لم يصيبنا شيء من ذلك قط البتة، ما وقع في ~~قلوبنا الزجر، بذكر عذاب جهنم. كما يقع بقلوبنا، إذا أذاقنا الله طرفا من ~~ذلك في الدنيا، من لسع الدواب، وأمراض وأرانيج مكروهة. وبالله التوفيق. # الباب السابع والستون والمائة # في أطفال الكفار والمنافقين أمؤمنون هم؟أم كافرون؟ # فقيل: لا مؤمنون، ولا كافرون، لأنهم لم يكفروا بالله، ولم يؤمنوا بالله. # وقال أبو سعيد الكدمي: إنهم ولدوا على الفطرة والدين والإسلام. وإنما ~~يحكم عليهم بالكفر، إذا بلغوا وكفروا، بسوء اختيارهم. ومنهم من يكون سبب ~~كفرهم آباؤهم، كالذي يهوده أبواه، وينصره أبواه. والعابد للصنم. والذين ~~ولدوا من الكفار، يكفرهم آباؤهم. # وقال بعض المسلمين: إنهم في النار مع آبائهم. كما أن المؤمنين لحقوا ~~بآبائهم. وبعض قال بالوقوف عنهم. PageV01P143 # وبعض قال: إنهم في الجنة، وأن الله تعالى لا يعذب إلا من عصاه؛ لقوله ~~تعالى : { وكلا أخذنا بذنبه } فلا يؤاخذ الطفل بذنب أبويه. والله تعالى ~~يقول: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقال: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ~~وقال تعالى: { ذوقوا ما كنتم تكسبون } فهذا ما قيل في الأطفال. وبالله ~~التوفيق. # الباب الثامن والستون والمائة # في السؤال في الأطفال # كيف يدخلون الجنة ولا عمل لهم والجنة لا تدخل إلا بعمل؟ # قال المؤلف الجواب أنه قيل: إنهم دخلوا الجنة، بما يصيبهم من الآلام في ~~الدنيا، لو لم يكن أصابهم من الآلام إلا ألم الموت وحده، كفى ذلك. إن ألم ~~عرق واحد عند الموت، أعظم من سبعين ضربة بالسيف، على الأنف. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والستون والمائة # في النسيان أمن البارئ هو أم من الشيطان؟ # قيل إن الشيطان لا يقدر على الخلق والإبداع. فلا يقدر على شيء من أمر ~~الله ومخلوقاته، أن يخلقها كخلق الله به، ويقدر كقدرة الله. فلا يقدر ~~الشيطان أن ينسى أحدا، ولا يذكره. وإنما الشيطان يشغل الإنسان عن الطاعة، ~~فيكون سببا ms130 لكون المعصية من العبد. # وتفسير قول الله تعالى: { وما أنسانيه إلا الشيطان } يقول: وما أشغلني أن ~~أخبر بالحوت إلا الشيطان. وقوله تعالى: { وإما ينسينك فلا تقعد بعد الذكرى ~~} الآية. يقول: لا يشغلنك الشيطان. # قال ابن محبوب: من قال: إن النسيان من الشيطان، وليس من الله. يعني ليس ~~في علم الله. فقد كذب. وإن قال: ليس من الله. يعني أن الله لم يحمل العبد ~~على المعصية، ولم يأمره بها فقد صدق. # قال غيره: ولم يخرج ذلك من علم الله. وقالوا نسيان الغفلة من الشيطان. ~~فكل هؤلاء القوم، لم يقدحوا في الشيء غاية القدح، ما يثلج القلب. والله ~~نسأله التوفيق لما يحب ويرضى. # الباب السبعون والمائة # في حكم ما يوجبه العقل في التوحيد # هل يؤخذ به أم لا، إذا أوجبه عقل السامع له، والقارئ له، والفتيا بما ~~يؤجته عقل السامع والقارئ، ونحو ذلك. PageV01P144 # من جواب نجدة بن الفضل إلى الإمام راشد بن سعيد -رحمه الله-: # قلت: فما تقول فيمن يجد مسألة في بعض الآثار، من حلال أو حرام، من أمر أو ~~نهي، فيوجبها عقله. هل يجوز له الأخذ بها، والعمل بموجبها، والقيام بما ~~فيها، أم لا يجوز أن يفتي بها، على هذه الصفة؟ # الجواب: الذي عرفت أنه لا يجوز أن يفتي من الكتب، إلا بما عرف عدله. # قلت: فإن كانت المسألة في توحيد، فأوجبها عقله وقبلها. هل يجوز اعتقادها, ~~وتخطئة من خلفه فيها أم لا؟ # الذي عرفت: أنه لا يجوز اعتقاد شي، من حلال أو حرام، أو توحيد، حتى يعرف ~~جواز ذلك. وقد عرفت أن من قال قولا، أو فعل فعلا. لا يدري أمباح؟ أم محظور؟ ~~إنه إن واق المباح، كان إثما. وإن وافق المحجور، كان هالكا. وبالله ~~التوفيق. # الباب الحادي والسبعون والمائة # في الأسماء ومعانيها واشتقاقها # وما يدل على مسمياتها # يقال: إن الإسم مأخوذ من السمو والرفعة. ومن آثار قومنا قال أهل الحق: أن ~~الاسم مشتق من السمو. # وقالت المعتزلة وغيرها من أهل الأهواء: إنه مشتق من السمة. وهي العلامة- انقضى. # فالاسم: ms131 سمة الشيء. والصفة: ظهور الشيء. والاسم للنطق، والصفة للنظر. ~~والاسم للسان، والصفة للنفس. # مسألة: # عن أبي محمد قال: الاسم عبارة عن صفة الله. وهو من المتكلم، لأنه محدث. # وكذلك صفة الواصف، هي محدثة المعنى بصفته، هو الموصوف. فهو الموصوف. وهو ~~لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ذكرنا، من الذاتية والفعلية. والاسم ~~والصفة إنما هما عبارة عن ذكر المسمى، والموصوف. وهو المقصود. والمراد. ~~والمعنى بهذه الصفة والاسم، فهو الله. # وقال: الاسم دلالة على المسمى، وتعريف له، ودلالة إلى المقصود الله، أنه ~~الخالق الذي لم يزل- تعالى عما نحله المبطلون. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والسبعون والمائة # في أقسام أسماء الله - عز وجل - # أسماء الله تعالى على ثلاثة أوجه: # فمنها: أسماء ليست بصفات. # ومنها: صفات ليست بأسماء PageV01P145 ومنها: ما هي أسماء وصفات. فالآتي ~~أسماء ليست بصفات. الله، والرحمن. هذان الاسمان مخصوصان لله تعالى، ليسا بصفات. # واللاتي صفات ليست بأسماء: فخالق وبارئ ومصور، وما شاكل هذا. واللاتي ~~تجمع الأمرين جميعا: الرحيم القدير الغفور العالم القاهر الجبار المتكبر. ~~وما شاكل هذا، مما يخرج عن الفصلين، المتقدم ذكرهما. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والسبعون والمائة # في إثبات أقسام أسماء الله ووجوبها # أسماء الله ما هي هو أو وغيره # وما هي لا هي هو ولا غيره # أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام: # فمن أسمائه ما يقال: هي هو. وهي كل ما دلت التسمية به علىوجوده. # ومن أسمائه ما يقال: إنها غيره. وهي كل ما دلت التسمية به على فعل، ~~كالخالق والرازق. # ومن أسمائه ما لا يقال: هي هو. ولا يقال: هي غيره. وهي كل ما دلت التسمية ~~به على صفة قديمة، كالعالم والقادر والخالق. وهو الاسم. وهو الرب تبارك ~~وتعالى. # وليس الخالق اسما للخلق، ولا الخلق اسما للخالق. وذلك في جميع الأقسام. ~~وبالله التوفيق. # الباب الرابع والسبعون والمائة # في أسماء الله تعالى قديمة هي أم محدثة # سألت الشيخ أبا محمد عبدالله بن محمد بن بركة، عن أسماء الله تعالى: ~~أكلها محدثة هي؟ # قال: نعم. # قلت: أكان الله تبارك ms132 وتعالى، ولا اسم له؟ # قال: إن كنت تعني موجودا أحدث الأسماء فنعم. وإن كنت تعني كان الله، ولا ~~سام له معلوم، فلا. لم يزل الله تعالى له الأسماء المعلومة، لا يحصيها غيره ~~وبهذا فصل بين المعلوم والموجود. والاسم غير الله. ولو كان موجودا، كان مع ~~الله غيره. والله تعالى وجل عن ذلك- انقضى. PageV01P146 # قال المؤلف: حفظت أنه إنما يقال: كان لما لم يكن، ثم كان. والبارئ تعالى ~~لم يزل قبل كل شيء. إنما يقول السائل: لم يزل الله تعالى، ولا اسم له. ~~فيقول المجيب: إن كنت تعني لم يزل الله ولا اسم له فلا. والذي عرفت أن الله ~~تعالى لم تزل له الأسماء المعلومة. ولم يزل بجميع صفاته الذاتية. فلما أن ~~خلق الخلق أعلمهم كيف يصفونه ويسمونه. فأظهر من المعلوم لهم من ذلك، ما ~~سموه ووصفوه. فأظهره من المعلوم إلى الموجود. # مسألة: # فإن قال قائل: فالله تعالى لم يكن موصوفا، حتى وصفه العباد. # الجواب: إن كنت تعني لم يكن عالما ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا، حتى ~~وصفه بذلك العباد. فهذا خطأ؛ لأنه تعالى لم يزل عالما سميعا بصيرا، قادرا ~~حيا. وإن أردت أن أحدا لم يصفه، حتى خلق الواصفين له. هكذا نقول: إن الله ~~لم يكن موصوفا، حتى خلق من يصفه كما نقول: لم يكن معبودا، حتى خلق من ~~يعبده، ولا مذكورا، حتى خلق من يذكره. # قال المؤلف: والله تعالى لم يزل واصفا لنفسه في الأزل. فلما خلق من يصفه، ~~أعلمهم بأسمائه فسموه، وبصفاته، فوصفوه. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والسبعون والمائة # في تفسير اختلاف الناس # في أسماء الله - عز وجل - ما هي هي هو؟ أم غيره؟ # أم لا هي هو ولا غيره؟ # وتفسير جميع ذلك عن الشيخ أبي الحسن البسياني. # بعض يقول: إن الله ليس بمسمى. وهذا القول لا يصح مع أصحابنا؛ لأن قول ~~القائل: الله واسم الله، فقد سماه ووصفه. # ومنهم من قال: إن اسم الشيء لا هو هو، ولا غيره. # وقال الآخرون: الاسم صفة له. وهو غيره. # وقال ms133 آخرون: اسم الشيء هو. وإن الواصف للشيء، لا يقع إلا عليه. وإذا كان ~~لا يقع إلا عليه، كان هو. # وعلى قول من يقول: إن الاسم غير المسمى. وإنما هو تعريف له، ووصف يدل ~~عليه من الواصف، في حال وصفه له. فإنما هو تعبير عن صفته، ودلالة عليه. وهو ~~كلام من المتكلم به محدث. وبالله التوفيق. # الباب السادس والسبعون والمائة PageV01P147 في مذهب من قال: إن اسم الله ~~هو الله # قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } ولم يفصل بين الاسم والمسمى. كما ~~يقال: هذا محمد نفسه. وجاءني الأمير نفسه. وقول العرب في لغاتهم: وجه ~~الطريق ووجه الحق، ليس يعنون غير الطريق والحق. وقول الله تعالى: { أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. ~~وإلى الأرض كيف سطحت } أفتزعمون أنه أمرهم أن ينظروا إلى السماء التي زعمتم ~~أنهلا لا ترى إلا مكنونة. فلما لم يذكر إلا الأسماء، علمنا أنه لا فصل بين ~~الاسم والمسمى؛ لأنه لم يأمرهم، أن ينظروا ويعتبروا بما لا يرونه. ولكن لو ~~قال: أفلا ينظرون إلى المسمى كيف خلقت، وإلى المسمى كيف رفعت، وإلى المسمى ~~كيف نصبت، لكان القول ما قلتم. ثم قسم أسماء الله على هذا. فقلتم: أسماء ~~الله مخلوقة والأسماء غيره، حتى قلتم: إن اسم الله مخلوق. والرحمن مخلوق، ~~والرحيم مخلوق. فجئتم بأعظم الشرك، وأعظم الفرية، وأفحش الفحش، حيث زعمتم ~~أن الله مخلوق وقد قال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } فلم يفصل بين ~~الاسم والمسمى،كما يقال: هذا محمد نفسه. ووجه الطريق، ووجه الحق، ليس يعنون ~~بذلك، غير ما ذكرنا بعينه، دون غيره. # وكذلك قال غيره في اسم الله. أي هو الله؛ لأن اسم الشيء هو الشيء بعينه. ~~قال لبيد: # ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # الباب السابع والمائة # في قول من يقول: إن اسم الله هو غيره # اختصرت من كلام أبي المنذر بشير. # فإن قال: أسماء الله هي هو؟ أم غيره؟ PageV01P148 # قيل له: إن في قولك ms134 أسماء الله إثباتا لأسماء مسمى بها. وفي إثبات أسماء ~~العدد، ظاهر ذلك في اللفظ بها. وفي ذلك ثبوت الغيرية ووجوبها. فالمسموع ~~عالم غير المسموع قادر. والواحد المسمى بهذه الأسماء، ليس بمسموع ولا بذي ~~عدد، ولا غيرية فلو كان هو هذه الأسماء القائمة في أوهامنا، لكانت هذه ~~الأسماء التي لها هذه الصفة معبودنا، وإليها قاصدون، في اعتقادنا لعبادتنا. # وأيضا فلو كانت الأسماء هي المسميات، لكنا إذا وفقنا بين الاسمين، قد ~~وقفنا بين المسميين. فقلنا: إذا قلنا للقديم: قادر. وللمحدث: قادر، كنا قد ~~مسينا القديم بالمحدث، ولثبت فيهما ما ينفي به عنهما. لقولك للقديم: ليس ~~بحركة ولا جسم. وليست الحركة جسما، ولا الجسم حركة. فلو وجبت التسمية ~~بالتسمية، لوجب ذلك في النفي لهما، كالذي قلنا، فيما يقع به الاتفاق به، في ~~النفي له عن القديم والإعراض. ولا فرق في ذلك لمحتج. # فمن امتنع عن صفة المحدثات بذلك، لزمه أن لا يصفها بشيء من الصفات. وفي ~~ذلك الخروج، مما يتعارفه الناس بها من اللغات. # قال غيره: الاسم غير المسمى. وإن معنى قول لبيد، حيث قال: # ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # أنه ذكر الاسم، وأراد المسمى، على مجاز اللغة وسعتها. # قال غيره: وقد قال الله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } فلم ~~يأمرنا أن ندعو إلهين، بل أمرنا أن ندعو إلها واحد، بهذين الأسمين. # وقولنا: الله. وقولنا: الرحمن: اسمان لله. وهما غير الله. وأسماء الله ~~كثيرة. والله واحد. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والسبعون والمائة # في قول من يقول: إن اسم الله تعالى # لا هو هو، ولا هو غيره # عن محمد بن محبوب- لا يقال: إن أسماء الله تعالى محدثة. ولكنها لم تزل ~~لله. ولا يقال: إنها هو، ولا غيره، ولا شيء منه؛ لأنه تعالى غير محدود، ولا ~~متبعض تبارك وتعالى. PageV01P149 # قال الشيخ أبو محمد: أما صفات الله الذاتية فقديمة. ولا يجوز أن يقال: هي ~~غيره، ولا هي هو. # وأما الصفات الفعلية، فهي غيره. وهي محدثة. ولا يجوز ms135 أن يقال: لم يزل ~~الله موصوفا بها. # وقال: الاسم عبارة عن صفة الله. وهو من المتكلم به محدث. فصفة الواصف ~~محدثة، لأن اللفظ محدث. وهو غير الله فالموصوف قديم لم يزل. والمعنى بالصفة ~~هو الموصوف. وهذا لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ذكرنا من الذاتية ~~والفعلية. والاسم والصفة. إنما هي عبارة عن ذكر المسمى والموصوف هو المقصود ~~والمراد. والمعنى بهذه الصفة والاسم، فهو الله الذي لم يزل بصفات ذاته. # قال المؤلف: قوله: لم يزل موصوفا، قد أوردنا ذلك في غير هذا الكتاب. # قال غيره: أسماء الله وصفاته من ذاته. ولا يقال: هي غيره، ولا هو غيرها. ~~ولا يتبعض منها، ولا تتبعض منه. ولا يوصف بغير ما وصف به نفسه. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والسبعون والمائة # في بيان الأسماء من الصفات # قلت: فالاسم والصفة بينهما فرق في ذلك أم لا؟ # فالذي عرفنا أن الله الرحمن اسمان لله. ولا يقال: هما صفة. وما كان من ~~أسماء الذاتية، مثل قولك: الله عالم وسميع وبصير وقدير وغير ذلك. فما كان ~~من صفات الذات، فلا يجوز أن يقال: هي صفة لله، واسم له. وما كان من صفات ~~الذات، التي فيها الألف واللام. فهي صفة لله. واسم الله. وما كان من الصفات ~~الفعلية التي ليس فيها ألف، ولا لام، لم يجز أن يقال: إنها اسم لله. بل ~~يقال: إنها صفة له. وهي مثل خالق وبارئ ورازق. والفعلية التي بألف ولام، ~~فهي الخالق البارئ الرازق المصور. وهي أسماء وصفات. # مسألة: # أسماء الله على ثلاثة أوجه: # فمنها: أسماء ليست بصفات. # ومنها: صفات ليست بأسماء. # ومنها: ما هي أسماء وصفات. فالآتي أسماء ليست بصفات، فاسم الله الرحمن ~~فهذان الاسمان مخصوصان لله، ليسا بصفات. واللاتي صفات، ليست بأسماء.ذ ~~PageV01P150 فخالق وبارئ ومصور، وما شاكل هذا، واللاتي تجمع الأمرين جميعا: ~~الرحيم والقدير الغفور العليم القاهر الجبار المتكبر، وما شاكل هذا، مما ~~يخرج عن الفصلين المتقدم ذكرهما. وبالله التوفيق. # الباب الثمانون والمائة # في أسماء الله الذاتية والصفاتية # والفرق بين أسماء الذات وأسماء ms136 الصفات # وأسماء الله صفاته - عز وجل - من ذاته # فصفات الذاتية قديمة. ولا يجوز أن يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا هو غيرها. # وصفات الفعلية، فيه غيره وهي محدثة. والاسم عبارة عن صفة الله. وهو من ~~المتكلم به محدث. # وكذلك صفة الواصف محدثة؛ لأن اللفظ محدث وهو غير الله. والموصوف قديم، لم ~~يزل. والمعنى بالصفة، هي الموصوف. وهو لم يزل. وهو الله وصفاته، على ما ~~ذكرنا، من الذاتية والفعلية. # مسألة: # معرفة صفات الذات وأدلتها: أنه تعالى يوصف بها، ولا يوصف بضدها. وصفات ~~الفعل، يوصف بها وبضدها. # فصفات الذات، نحو قولك: لم يزل عالما وقادرا وسميعا وبصيرا وحيا وقاهرا. # وصفات الذات، لا يجوز أن يوصف بضدها. ألا ترى أنك تقول: لم يزل عالما. ~~ولا يجوز أن تقول: وقد كان غير عالم، ثم علم. وتقول: لم يزل قادرا. ولا ~~تقول: وقد كان غير قادر، ثم قدر. فما كان من صفات ذاته، فيوصف بها. ولا ~~يوصف بضدها. # وصفات الفعل، يوصف بها، ويوصف بضدها. ألا ترى أنك تقول: خلق ولم يخلق. ~~وتقول: خالق، وقد كان غير خالق. ثم خلق. وتقول: رازق، وقد كان غير رازق. ~~وأعطى ولم يعط، وأطعم ولم يطعم. # وإنما يجب له الوصف بهذا، وما كان مثله من صفات الفعل، بعد الفعل. ولا ~~يوصف بشيء من هذا، قبل أن يفعله. وكل صفة ذات فجائز أن يقال فيها: لم يزل، ~~كقولك: لم يزل عالما وقادرا وسميعا وبصيرا. وكل صفة فعل، فغير جائز أن يقال ~~فيها: لم يزل خالقا وبارئا ومصورا ورازقا؛ لأن هذه الصفات فعلية. فإذا وصف ~~بها فقلت: لم يزل، أوجبت قدم الفعل. والله لم يزل واحدا، ثم أحدث الأشياء، ~~فهي محدثة. فلذلك لم يجز أن يقال فيها: بلم يزل. PageV01P151 # مسألة: # فإذا اشتبه عليك شيء من الأسماء والصفات. أهي ذاتية؟ أم فعلية فأدخل فيها ~~الألف واللام، فإنك تصيب الصفة - إن شاء الله. # وذلك أن تقول: لم يزل الإله. ولم يزل الرب. ولم يزل الله، وهو العالم ~~والخالق والرازق والبارئ والمصور، وغير ذلك ms137 من الأسماء. # فإذا أدخلت الألف واللام، في الأسماء والصفات الذاتية، والصفات الفعلية. ~~فأنت تصيب -إن شاء الله- العدل من صفات الفعل. # فإن قال: فيقال: عدل، ولم يعدل. # قلنا: إنا نصفه بالقدرة على العدل. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والثمانون والمائة # في ذكر اسمه - عز وجل - # فأما الله، فالأصل الإله، فحذفت الهمزة، وأدغمت إحدى اللامين في الأخرى ~~فصار الله. # ومعناه: أنه تحق له العبادة، وتنبغي له. والعرب تسمي كل ما كانوا ~~يعبدونه، ويرون عبادته حقا إلها. # وقيل: إنه اسم، سمى الله به نفسه، على الاختصاص، كما قال تعالى: { هل ~~تعلم له سميا } . # قال المؤلف: أي هل تعلم أحدا، في البر والبحر، اسمه الله، غير الله؟ # قال: وأظن هذا الذي يذهب أليه أصحابنا. # قال المؤلف: ويوجد في تاب الثعلبي، في معنى اسم الله: أنه الخالق لكل شي. # وكذلك ذكر الشيخ أحمد بن النضر في شعره. وإنما غاب عن ابن وصاف تفسيره، ~~ففسر غير ما عني به الشيخ أحمد بن النضر. والشعر هو هذا البيت. قال رحمه الله: # ... قلت: معناه تعالى جده: ... أنه الخالق أصناف العبر # والبيت الذي يقول فيه أيضا: # ... فعلمنا أن تفسير اسمه ... خالق أجناس ما دب وذر # قال المؤلف: يقول: فعلمنا أن تفسير اسم الله: أنه الخالق لكل شيء. تعالى ~~الله لم يزل إلها. # فإن قيل: هو إله لمن لم يخلق؟ # قيل له: ليس الإله بمعدى إلى مفعول. وإنما الإله كان إلها، لأنه تحق له ~~العبادة. PageV01P152 # فإذا خلق من تجب عليه عبادته. قيل له: إنه إله لهم. وهو إله، قبل أن يخلق ~~أحدا؛ لأن هذا الوصف، لا يحق إلا له. وأن العبادة لا تحق إلا له. ولو كان ~~إلها، لأنه معبود، لكان كل معبود، يجب أن يسمى إلها ولكانت الأصنام يجب أن ~~تسمى آلهة على الحقيقة. فلما بطل ذلك، صح أن الإله لم يكن إلها؛ لأنه ~~معبود. وإنما كان إلها، لأن العبادة تحق له. فوجب أن يكون لم يزل إليها من ~~قبل أن يعبده أحد، وأنه إله، وإن لم يعبده أحد. وبالله ms138 التوفيق. # الباب الثاني والثمانون والمائة # في الرحمن الرحيم # قيل: معنى الرحمن: رحمن بجميع الخلق، في الدنيا والآخرة. والرحيم: ~~بالمؤمنين خاصة. # وقيل: هما اسمان لطيفان، من أسمائه - عز وجل - . # وقيل: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. # ولا يجوز لمخلوق أن يتسمى بالرحمن. # وقدم الرحمن على الرحيم؛ لأنه اسم خاص. # والرحيم: اسم مشترك يقال: رجل رحيم. ولا يقال: رحمن. # مسألة: # الدليل على أنه تعالى رحيم، قصده للتخفيف في أوامر التكليف. # وقيل: الرحمن: ذو الرحمة. وهو الذي وسعت رحمته كل شيء. # والرحيم: ذو الرحمة التي خص بها المؤمنين، خصهم بالهداية، والتوفيق في ~~الدنيا، والثواب والدرجات في العقبى. # مسألة: # ويوصف الله تعالى، بأنه راحم لعباده. # ومعنى راحم: أنه منعم، وأنه ناظر لعباده، وأنه محسن إليهم. قال الله ~~تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } وإرساله للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ، هو نعمة منه على # عباده. وهو رحمة لهم، كقوله تعالى، في وصف القرآن إنه: { هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } والقرآن نعمة من الله. # مسألة: # فإن قيل: أليست الرحمة إنما هي رقة القلب؟ # قيل له: لا. لأن رقة القلب ليست هي من فعل الرحم. والرحمة: فعل الراحم. PageV01P153 # وذلك أن الرقيق القلب ربما حمل نفسه، على قتل من يرق له قلبه. وإنما توهم ~~قوم، أن الرحمة هي رقة القلب. وسموا من كان رقيق القلب رحيما، لكثرة ما ~~توجد الرحمة، من رقيق القلب، كما سمى قوم الشهوة محبة، لكثرة ما توجد ~~المحبة، مع الشهوة. والشهوة في الحقيقة، خلاف المحبة. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثمانون # في ذكر اسمه - عز وجل - : الرب # الرب: ينقسم على ثلاثة أقسام: # يكون الرب: المالك، رب العباد. # ويكون الرب: السيد، كقوله تعالى: { يسقى ربه خمرا } أي سيده. # والرب: المصلح. # والمربوب: المصلح. قال الفرزدق: # ... كانوا كسائلة حمقاء إذ حقبت ... ... سلاءها في أديم غير مربوب # أي مصلح. # والعرب تسمي السيد: ربا. قال الحارث بن حلزة: # ... وهو الرب والشهيد على يوم ... ... الحوازين والبلاء بلاء # والرب: المالك. # قال الشاعر: # وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب. # يعني ms139 ملكني مملوك. # مسألة: # ولا يقال للمخلوق: هذا الرب، معرفا بالألف واللام. كما يقال لله - عز وجل ~~- . إنما يقال بالإضافة: رب الدار، ورب البيت، لأنه لا يملك غير ذلك. # فإن قيل: الرب معرفا بالألف واللام، دل ذلك على العموم. واستغنوا به عن ~~الإضافة؛ لأنه - عز وجل - ، رب كل شيء ومالكه. فلا يضاف إلى شيء خاص لا به، ~~فيخص به دون غيره. # وأما المخلوق، فيضاف إلى شيء خاص به؛ لأنه لا يملك غيره. فيقال: رب ~~الدار. ورب القوم، أي سيدهم. والإنسان لا يكون ربا على الحقيقة كما يكون ~~مالكا على الحقيقة. وجائز أن يقال لله: رب الأرباب؛ لأن الرب هو المالك. ~~وهاهنا أرباب ما لكون على الحقيقة: والله مالك لهذه الأرباب. ويقال: لم يزل ~~الله ربا للأشياء، على أنه مالك للأشياء. # قال الشيخ أبو الحسن البسياني: يقال: لم يزل ربا؛ لأنه لم يزل قادرا، ~~ومالكا لما يقدر عليه. والبارئ عز وجل رب على الحقيقة، كما كان مالكا على ~~الحقيقة. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والثمانون والمائة # في المالك والملك والمليك PageV01P154 مالك وملك ومليك، قد جاء بهذا ~~القرآن. وهي كلها مشتقة، من الملك. يوصف به المخلوق. يقال للرجل: مالك وملك ~~ومليك. ويقال: ملك أيضا بسكون اللام. # مسألة: # يقال لله تعالى: لم يزل مالكا للأشياء، كما أنه لم يزل قادرا عليها. # فإن قال: ما معنى ملكه، لما لم يوجد؟ # قيل: هو قدرته عليه. فلما كان قادرا، على ما لم يوجد، كان مالكا له. وقد ~~قال الله تعالى: { مالك يوم الدين } ويوم الدين، لم يوجد. وقد أخبر أنه ~~مالك له، إذ كان قادرا عليه. # ومعنى الملك والمالك: هو الذي له الملك. # وحقيقة الملك: القدرة على الخلق والاختراع. والبارئ لم يزل مليكا. وبالله ~~التوفيق. # الباب الخامس والثمانون والمائة # في السلام # معنى قوله السلام، فهو قريب من القدوس # وقيل: السلامة به ومنه. # فالسلام: اسم من أسماء الله. ومنه سمى الرجل عبدالسلام. فسمى نفسه ~~السلام، بالسلامة، مما يلحق المخلوقين من العيب والنقصان والفناء والموت، ~~والزوال والتغيير. # أبو الحسن: السلام ms140 ذكره سلامة على من كره. وهو الذي يسلم الناس من جوره. # مسألة: # قيل: وصف الله نفسه، بأنه السلام المؤمن المهيمن. والسلام: هو المصدر ~~المعقول. فوصف بذلك نفسه، على جهة التوسع، وإرادته هو المسلم الذي السلامة ~~تنال من قبله. فلما كان يعقل عند وصفه نفسه، بأنه السلام، ما أراد من كون ~~السلامة من قبله، جاز أن يصف نفسه بذلك، على جهة التوسع. وبالله التوفيق. # الباب السادس والثمانون والمائة # في المؤمن # أبو الحسن - المؤمن: الذي يؤمن منه الجور. ومنه الأمن. # قال غيره: وقيل: وصف نفسه بذلك: أنه آمن العباد، من أيضيع لأحد منهم عنده ~~حق، أو يعاقب أحدا منهم، بغير الحق. # وقيل: المؤمن: هو المصدق لعباده. والعبد مؤمن، أي يصدق الله بوعده ~~ووعيده. ويكون المؤمن الذي أمن أولياءه أن يظلمهم، أي أعطى الأمان على ذلك. # الباب السابع والثمانون والمائة # في المهيمن # المهيمن: هو الشاهد الذي لا يصح عليه الزوال. PageV01P155 # قال بعض المفسرين: المهيمن: الشاهد، من قوله: { ومهيمنا عليه } أي شاهدا ~~عليه. وروي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنه- وعنه أيضا أن قوله: ومهيمنا ~~عليه، أي مؤتمنا عليه. # ومن كتاب الزاهر: # المهيمن: القائم على خلقه. # ابن عباس - المهيمن: المؤمن. # أبو محمد- المهيمن: من صفات الفعل. والأسماء الحقيقية: هي المحكمة. وجائز ~~الدعاء بها. والأسماء الفعلية، إنما هي على سبيل المجاز. # فإن قيل: فما معنى وصفكم له، بأنه مهيمن؟ # قيل له: معناه هو الأمين على الأشياء. وإنما هذه الهاء التي في المهيمن ~~هي بدل من الهمزة التي في الأمين، عند أهل اللغة. # وكذلك معنى قوله في القرآن: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~} يعني به أنه أمين على هذه الكتب التي أنزلت قبله. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والثمانون والمائة # في العزيز # العزيز على وجوه: # يقال: عز: أي امتنع. فلم يقدر على شيء منه، فيلزمه هذا الاسم على ~~الحقيقة، إذ لم يقدر على كيفيته. ولم تخلص هذه الصفة إلا الله - عز وجل - ~~إذ كان كل عزيز من الأشياء، يوجد على حال ما هو متغير، من ms141 انقلاب الحالات، ~~وتصرف الأوقات من العز إلى الذل. والله - عز وجل - ممتنع من أن تدركه ~~الأوهام والصفات والخطرات. # والوجه الآخر: الغلبة والقهر. يقال: عز: إذا غلب، وقهر. قال الله تعالى: ~~{ وعزني في الخطاب } أي غلبني. # والوجه الثالث: العز والمنعة ممن يناوئه ويكيده، والاحتراز منه. يقال: ~~فلان في عز، أي في منعة. # ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: { عزيز حكيم } قال: عزيز في نقمه، ~~حكيم في ملكه. # مسألة: # معنى الوصف لله تعالى، بأنه عزيز: هو أن لا تلحقه ذاته، ولا يقهره أحد، ~~ولا يغلبه شيء. # فإن قال: أفتزعمون أنه لم يزل عزيزا وأن هذا الوصف، وجب له؟ # قيل له: نعم وذلك لقوله تعالى: { وكان الله عزيزا حكيما } يعني ممتنعا. # قال أبو الحسن: العزيز نفى المذلة عن نفسه في الأزل. PageV01P156 # والدليل على أنه عزيز: اقتداره على ما يريده، وإظهاره لكل خلق جديد، ~~وإعزازه لكل مؤمن رشيد، وقمعه لكل شيطان مريد، وقصمه لكل جبار عنيد. # فإن قال قائل: فقد قال الله تعالى: { رب العزة } فالعزة مربوبة، فكيف ~~تكون أزلية؟ # قيل له: إن قوله: { رب العزة } في هذا الموضع أن العزة ها هنا: الملائكة. ~~وأما العزيز الحكيم، فهو الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # قال المؤلف: قوله في أول الباب: إن الله عز أي امتنع، فلم يقدر على شيء ~~منه، فإنما يوصف بذلك لمن كان ذا أبعاض. فيقال: فلم يقدر على شيء من ~~أبعاضه. وأما البارئ فيوصف فيقال في هذا الموضع: فلم يقدر عليه. # الباب التاسع والثمانون والمائة # في الجبار # أبو الحسن البسياني: الجبار: هو الذي لا يقاوم في الحقيقة. # غيره الجبار: الممتنع، على معنى العزيز. والجبار: الذي لا يقدر عليه، ولا ~~يتوصل إليه. # قال الشيخ أبو الحسن البسياني: أيضا الجبار: الممتنع الذي لا يرام، ولا يضام. # الباب التسعون والمائة # في المتكبر # أبو محمد عن قول الله تعالى: { المتكبر } ما معناه؟ # قال: معناه الكبير، والعزيز الذي لا يرام، ولا يضام. والحكيم: صفة ذات ~~وصفة فعل. # فالذاتي هو العليم. والفعلي: الذي ms142 توجد أفعاله محكمة. # أبو الحسن البسياني- المتكبر: هو الكبير الشأن والمقدار والعظمة. # غيره- التكبر: التعظم. ومعنى المتكبر: أنه يستحق، أنه من صفات المدح، ~~التي هي أعلى رتبة من سائر المدائح. وكان متكبرا على الحقيقة، لأجل ذلك. # وقيل: المتكبر: القاهر للأشياء. # فإن قال قائل: أفتزعمون أنه متكبر؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: هذه الصفة، وجبت له لذاته؟ # قيل له: نعم، بأن وصفنا له، بأنه متكبر، ووصفنا له، بأنه كبير واحد. # وكذلك الوصف له: بأنه متوحد، وأنه واحد، هو معنى واحد. # وكذلك وصفنا له بأنه متجبر، وأنه جبار واحد، كما أن والوصف له، بأنه ~~متقدم، وأنه قديم، هو معنى واحد. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والتسعون والمائة PageV01P157 في ذكر الخالق والخلاق # الله تعالى: الخالق والخلاق. فالخالق: معناه: أنه ابتدأ الخلق أول مرة. # والخلاق: لأن من شأنه أن يخلق كل يوم خلقا، من بعد خلق. فالخالق، على وزن ~~فاعل، كقولك: قاتل. وخلاق، على وزن قتال. فالخلق: المصدر. قال تعالى: { هذا ~~خلق الله } معنى الخلق. فاشتقاقه التقدير. فسم نفسه خالقا؛ لأنه قدر ~~الأشياء كلها، ثم أمضاها. فهو الخالق في ابتدائه الخلق. والخلاق، في تتميمه ~~إياه إلى آخر الأبد، بعلم وحكمة. وخلقه تام مصلح، لا فساد فيه. # فالخالق: هو المقدربعلم وحكمة: يقال: خلق: إذا قدر بعلم وحكمة، وتدبير ~~ومعرفة. وخرق: إذا قدر بغير علم، ولا تدبير. ومنه قيل لمن لا يحسن العمل: ~~أخرق. والمرأة: خرقاء. قال الله تعالى: { وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم } . أي كان تقديره لهم، حين خلقهم بعلم وحكمة وقدر. # وأما ما نسبوا إليه، من البنين والبنات، كذبا بغير علم وحكمة. فسمى فعلهم ~~وخلقهم خرقا، إذا كان جهلا وفسادا. قال الله تعالى: { وتخلقون إفكا } . # قال أبو عبيدة: يقدرون كذبا. يقال: قد يخلق- كذبا. فقيل لله تعالى: خالق، ~~لأنه يفعل أفعاله مقدرة، على ما دبرها عليه. وهذا هو معنى الخالق في اللغة. # وقوله تبارك وتعالى: { تبارك الله احسن الخالقين } يقول: أحسن الفاعلين. # وذلك أن خلق وفعل ودبر وصنع وأنشأ وأحدث واخترع وقضى وقدر وصور، أسماء ~~مختلفة، ms143 معناها واحد في اللغة، غير أن المعنى في الفعل يختلف. والله يفعل ~~بأن يخرج الأشياء من العدم إلى الوجود، ويحدثها لا من شيء. ويجعلها على ما ~~هي عليه، من مخالفتها ما خالفت، وموافقتها ما وافقت. والخلق يفعلون بخلاف ~~ذلك المعنى. # وذلك أنهم يفعلون بأن يكتسبوا ويتحركوا، ويطيعوا ويعصوا، لا يمكنهم غير ذلك. # مسألة: # إن قالت الصابئة: ما الدليل على أن الله خالق موجود؟ PageV01P158 # قيل لهم: الدليل على ذلك تواتر الأفعال منه على الإدرار؛ لأنه سبحانه، لو ~~خلق الأشياء، ثم عدم بعد خلقه إياها، لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون ~~بحكمته متقنة، أو غير متقنة، أو غير محكمة. # فإن تكن حكمته متقنة، فواجب أن لا تدخلها الزيادة والنقصان؛ لأن الزيادة ~~والنقصان، لا تكون إلا على غير فاعل موجود. ألا ترون أن الحكيم -فيما ~~نشاهده- إذا كان باقيا يكون متقنا في أحكام صنعته. وإتقانها لا يزيد فيها، ~~ولا ينقص منها، علم أنه حكيم. فلما دل الدليل على أن أفعال الله محكمة، دل ~~أنه حكيم، خالق موجود. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والتسعون والمائة # في ذكر البارئ # قال أهل اللغة: يقال: برأ الله الخلق. والبارئ: الخالق قال الله تعالى: { ~~الخالق البارئ المصور } ففرق بين الصفتين. # قيل البارئ: الخالق. # وقيل: خلق الخلق فقدره، ثم برأه فسواه وعدله # والبرى: التسوية. يقال: برأ القلم، إذا سواه. # وقال أهل اللغة: برأ الله الخلق. فالبرية: الخلق. والبارئ: الخالق. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثالث والتسعون والمائة # في المصور # قال الله تعالى: { الخالق البارئ المصور } ابتدأ بالخالق ثم البارئ، ثم ~~المصور؛ لأنه خلق الخلق، ثم برأ لهم النسمات، ثم أظهر صورها. وقامت تامة ~~بتدبيره. فالحال الأول: الخلق، والثاني: برء. والثالث: تصوير. فقيل: إنه ~~تعالى سمى نفسه مصورا؛ لأنه ابتدأ تدبير الخلق في الدنيا، وهو يتمها حتى ~~تصير إلى غايتها التي خلقت في الآخرة، فتظهر صورة الخلائق التي خلقت، وصارت ~~إليه. فهو المصور جل وتعالى، لا صورة له، ولا مثال. بل هو منشيء الصورة ~~والأمثلة، على غايتها. تبارك الله المصور. # والصورة اشتقاقها، ms144 من صار يصير. ومعناه: والتمام والغاية. ومنه قولهم: ~~إلام صار أمرك؟ أي منتهاه وغايته. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والتسعون والمائة # في الرءوف # ابن الأنباري- قال أهل اللغة: الرءوف في كلامهم- معناه: الشديد الرحمة. PageV01P159 # غيره: فالله هو الرءوف؛ لأنه الراحم بعباده، ولا راحم أرحم منه. ولا غاية ~~وراء رحمته- تبارك وتعالى، الرءوف الرحيم. # الباب الخامس والتسعون والمائة # في الأول والآخر # قيل له - عز وجل - : الأول؛ لأنه لم يزل قبل كل شيء. وكانت الأشياء بعده محدثة. # ودل بأوليته، على أنه لا يزال؛ لأن الذي لا أول له، لا آخر له. فلما ثبت ~~أن الأشياء محدثة، وأن المبتدع لها، لم يزل قبلها. ولا يزال بعده، دل أن ~~الذي ابتدعها، ولم يزل قبلها، ولا يزال بعدها، هو الأول الذي لا يزال ~~قبلها، والآخر الذي يكون بعده أبديا. فقيل له: الأول والآخر. # وقيل: قوله تعالى: هو الأول، أنه لم يزل ولا شيء. والآخر: أنه يبقى ولا ~~شيء. يفنى الأشياء كلها. # وإنما اختلفت اللفظتان، في أول وآخر، لوجود العالم وعدمه؛ لأنه قيل له: ~~أول، يراد به لم يزل ولا شيء فلما أحدث العالم ثم أفناه. قيل له: آخر، يراد ~~به، أن العالم فني. والأول: هو الآخر.والآخر: هو الأول. # فإن قال قائل: لم يزل أولا آخرا؟ # قيل له: الأول والآخر، لم يزل. # وأما قوله: لم يزل أولا. فهو كلام صحيح؛ لأنه لم يزل ولا شيء. وأما قوله: ~~لم يزل آخرا، يريد أن الأشياء لم تزل، وفنيت. وهو آخر، أنه باق. وهذا كلام ~~خطأ، لأن الأشياء لا يقال لها: لم تزل ولا يقال: لم تزل فانية؛ لأن هذا ~~متناقض؛ لأن قولك: لم تزل إثبات لها أنها لم تزل موجودة. # وقولك لم تزل فانية. كأنك قلت: لم تزل موجودة معدومة. وهذا نقض. ولكن ~~يقال: لم يزل أولا. يراد أنه لم يزل أولا ولا شيء. فلما أحدث الأشياء، صارت ~~موجودة أوجدها. فقيل لها: موجودة إذا أوجدها. والأشياء صارت موجودة، إذا حدثت. # وليس قولهم: يكون آخرا، كما كان أولا. ولا أنه تعالى يحدث منه ms145 تغيير. ~~ولكن المراد في ذلك أن الأشياء تفنى، بعد أن كانت موجودة، ووجدت بعد أن لم ~~تكن شيئا. فاختلف التغيير؛ لاختلاف وجود الأشياء وعدمها. # والأول: هو الآخر. والآخر: هو الأول. وبالله التوفيق. PageV01P160 # الباب السادس والتسعون والمائة # في الظاهر والباطن # قيل لله تعالى: ظاهر؛ لظهور صنعته. كما يدل البناء على الباني. # وقال آخرون: معنى الظاهر: أن ما يظهر من الأشياء، ليس بأقرب إليه مما بطن ~~والباطن: العالم بما بطن. # وقيل: الباطن الذي ليس ما بطن من الأشياء، بأبعد إليه مما ظهر. # والظاهر: بمعنى الغالب. قال الله تعالى: { وإن تظاهرا عليه } أي تعاونا. ~~وقال: { والملائكة بعد ذلك ظهير } أي معين بقوة مقو. # وقيل: قيل له: الباطن؛ لأنه تعالى خفى عن أن يكون تدركه أبصار الخلائق ~~بكيفية، أو تحيط به أوهامهم، أو تبلغه صفاتهم، أو تدركه عقولهم. # وقيل: الظاهر: القادر القاهر، والباطن بكل شيء علما. # وقيل: الظاهر: العالم بما ظهر، والباطن: العالم بما بطن. وبالله التوفيق. # الباب السابع والتسعون والمائة # في الفتاح # ابن الأنباري: الفتاح -في كلامهم-: الحاكم. قال الله تعالى: { إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } معناه: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. # قال غيره- معناه: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. # وقال المفضل في قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق } ~~أي يحكم بيننا. # وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي الفتاح. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والتسعون والمائة # في الحكيم # الحكيم: صفة ذات، وصفة فعل. فالذاتية: هو العليم الذي توجد أفعاله محكمة. # والحكم: هو معنى العلم. والحكمة هي العلم. فيقال: لم يزل حكيما، على معنى ~~لم يزل عالما. # ولا يجوز أن يقال: لم يزل حكيما، على أنه فعل أفعالا محكمة متقنة، لأن ~~هذا هو من صفاته الفعلية. # مسألة: # والدليل على أنه حكيم: هو وضعه الأشياء مواضعها، وإحكامه لها، على حسب ~~مصلحتها، إذ لا يضع الشيء في موضعه، ويحكم له بمصلحته إلا عالم حكيم؛ لأنه ~~لو لم يكن حكيما، كان عابثا. والعابث لا يكون عالما. # والحكمة: حكمتان: حكمة في الذات، إذ لو لم يكن ms146 حكيما، لم تتأت منه أحكام ~~المحكمات. PageV01P161 # وحكمة: هي الفعل والتقدير، إذ ليس في حكمه تفاوت، ولا تغيير. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والتسعون والمائة # في العلم والعالم والعلام # يقال لله تعالى: علم وعالم وعلام، كله بمعنى. وقد جاء به القرآن كله ~~وجائز أن يقال: هو فوق عباده في العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: { وفوق ~~كل ذي علم عليم } يعني نفسه - عز وجل - . وهو أيضا على التوسع والمجاز. # مسألة: # الدليل على أنه تعالى عالم: أن كل صنعة محكمة لا تقع إلا من عالم بها؛ ~~لأنا لا نثبت في الفعل، ولا في الحسن صانعا، صنع صنعة محكمة، لا تقع إلا ~~وهو عالم بها؛ لأن في الشاهد أن الفاعل متى فعل فعلا حكيما، كنسج الديباج، ~~وصناعة الإكليل، وما أشبه ذلك، لا يصح وقوع هذه الأفاعيل منه، إلا أن يكون ~~عالما بها؛ لتعذر ما ذكرناه، ممن ليس بعالم. وغير الله تعالى يوصف في ~~الحقيقة، بأنه عالم. ولا يكون ذلك تشبيها به تعالى بخلقه؛ لأن الله تعالى ~~عالم بنفسه. فلا يثبت معه شيء غيره، يسمى علما، صار به عالما. # وقيل لغير الله: عالم. إنما هو عالم بعلم. وهو غيره، صار به عالما. # مسألة: # فإن قيل: أفتزعمون أن العلم من صفات الذات؟ # قيل له: ليس كذلك نقول. ولن نثبت مع الله معنى يسمى علما. فيجوز أن يقال: ~~إنه من صفات الذات. ولكن قولنا الله: عالم، هو صفة، وجبت له لذاته. # وقال أبو الحسن البسياني: العلم صفة ذات، لم يزل الله عالما بما يكون، ~~وما لا يكون. وبالله التوفيق. # الباب المائتان # في الحليم # الحليم: صفة ذات، وصفة فعل. فالذاتي بمعنى العليم. قال الله تعالى: { ~~فبشرناه بغلام حليم } يعني علما. والحليم الفعلي: من تأخير العقوبة صفة ~~للفعل. والله أعلم. فلا يقال بمعنى الحليم الذي بمعنى الفعلى، لم يزل ~~حليما. حتى يقال: لم يزل حليما عن العباد، مذ عصوه. فيرد ذلك إلى غاية وأول. # مسألة: PageV01P162 # فإن قال: أفليس لا تثبتون ترك الله الانتقام فعلا منه، إذ كان له الترك ms147 ~~من الله ليس بمعنى عندكم، لا يترك على الحقيقة. فما الحكم الذي تسمونه فعلا ~~لله على الحقيقة، إن لم يكن ذلك منه ترك الانتقام؟ # قيل له: حلم الله عن العصاة، هو ما يفعله بهم، من النعيم والعافية، التي ~~يضاد كونها كون الانتقام، لأنه تعالى لو انتقم، لم يجز أن ينعم عليهم، مع ~~الانتقام بهذه النعم. فلما كانت هذه النعم منتفية الانتقام، كما كان ترك ~~الانتقام منافيا للانتقام، كانت هذه النعم حلما من الله، إذ حدث منه، بدلا ~~من الانتقام. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والمائتان # في القديم # من صفاته - عز وجل-:أنه قديم بنفسه، وجب له هذا الوصف لتقدمه. وكل متقدم ~~من الأشياء، فواجب له هذا الاسم، إذا بولغ له بالوصف بالتقديم، غير أن سائر ~~الأشياء، إذا سميت بهذا الاسم فإنما يعني به أنه قديم إلى نهاية وغاية وأول ~~والله تعالى قديم، لا إلى أول، ولا إلى غاية. # فمن ذلك قوله تعالى: { حتى عاد كالعرجون القديم } معنى أنه المتقدم ~~والعرجون له أول، وغاية ونهاية، ينتهي إليها. وقال تعالى: { فسيقولون هذا ~~إفك قديم } ومنه قول أهل اللغة: هذا بناء قديم وملك فلان لهذه الدار، ملك ~~قديم، يريدون قدم البناء، وقدم الملك. وكل ذلك له بداية ونهاية. وقولنا ~~لله: قديم، هو صفة لذاته. وليس نثبت معه معنى يسمى قديما. ولسنا نقول: إن ~~القديم صفة؛ لأن القديم هو الموصوف. # وإنما قولنا: هو قديم صفة، وجبت له لذاته. وهو كقولنا: الله قديم. والله ~~عالم. والله قادر. # ومعنى قولنا: صفات الفعل. إنما أردنا به الصفات التي وجبت لله لأفعاله، ~~نحو قولنا: خالق وخلاق ومنعم. والصفة والوصف شيء واحد. وهو قول الواصف لما ~~يصفه. وليس بين أهل اللغة في ذلك اختلاف، لأنهم جميعا يجيزون أن الوعد ~~والعدة شيء واحد عندهم، وأن الوصف والصفة شيء واحد. PageV01P163 # وكذلك الوزن والزنة، والوجه والجهة. فجائز أن يقال لله تعالى: قديم أزلي؛ ~~لأن القديم المتقدم للأشياء. والأزلي الذي لم يزل قبل الأشياء. وبالله ~~التوفيق. # الباب الثاني والمائتان # في السميع # السميع البصير: من صفات ms148 الذات. يقال: لم يزل سميعا، ولم يزل بصيرا. ~~والدليل على أنه سميع: أنه لو لم يكن سمعيا، لكان مأووفا والآفة: هي التي ~~تنفي الألوهية عن البارئ- عز وجل. # وقيل له تعالى: سميع؛ لأنه عليم. وسمعه: علمه وعلمه: ذاته. ولو لم يكن ~~يوصف بأنه سميع بصير، وصف بضد ذلك. ولا يجوز أن يقال: لم يزل سامعا، ولا لم ~~يزل مبصرا. # فالبارئ سميع، لا يخفى عليه شيء من الأصوات. وليس سميع يتعدى إلى مفعول. ~~وإنما يتعدى إلى مفعول سامع. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والمائتان # في البصير # قيل له تعالى: سميع بصير، بمعنى العليم؛ لأن السميع والبصير، الذي وصف به ~~البارئ: هو العلم، لا أنه سميع بأصمخة، ولا بصير بحدقة- تعالى الله عن ذلك. ~~إنما ذلك كله العلم. فلذلك قيل له: لم يزل سميعا، ولم يزل بصيرا. # وقيل: البصير: صفة ذات، لم يزل الله بصيرا، كما وصف نفسه: { إنه هو ~~السميع البصير } . # فمعنى البصير: لا تخفى عليه المبصرات والمرئيات. ولا تغيب عنه المقدورات، ~~ولا تفوته. ولا يجوز أن يقال: لم يزل مبصرا، لأنه لا بد أن يكون معدى إلى ~~المبصر. فلما لم يجز أن يكون المبصر إلا وهو موجود، لم يجز أن يوصف الله ~~تعالى بأنه مبصر له، لأنه لا يكون مبصرا إلا وهو موجود. # مسألة: # والوصف لله تعالى، بأنه لم يزل رائيا، يتصرف على وجهين: # أحدهما أن يوصف الله بذلك. ويعني أنه عالم. فجائز أن يقال: لم يزل رائيا، ~~على أنه لم يزل عالما، إذا كانت الرؤية في اللغة علما. PageV01P164 # ووجه آخر: أن يوصف بأنه راء. ويعنى مبصرا للمبصرات، ومدركا للمدركات. فلا ~~يجوز من هذا الوجه أن يقال: إن الله لم يزل رائيا، كما لم يجز أن يقال: لم ~~يزل الله مبصرا، لأن المرئي المدرك، لا يكون مرئيا مدركا، إلا وهو موجود ~~كما لا يكون مبصرا إلا وهو موجود. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والمائتان # في ذكر سبوح # سبوح: هو اسم مبني على فعول من قولك: سبحان الله. قال تغلب: سبوح قدوس، ~~مضموم أولهما. # مسألة: ms149 # فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قدوسا. # قيل له: نعم. # فإن قيل: فما معنى وصفكم له، بأنه قدوس؟ # قيل له: معنى ذلك أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من ملامسة النساء ~~ومن اتخاذ الصاحبة والولد. ومن كل ما جاز على عباده، من أمثال ذلك. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أنه سبوح؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: وما معنى الوصف له، بأنه سبوح وقدوس؟ # قيل له: معنى ذلك معنى واحد. وهو أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من ~~اتخاذ الصاحبة والأولاد، ومن سائر الصفات، التي تجوز على المخلوقين. فيجب ~~أن لا تجوز على رب العالمين. # قال أبو محمد: وقوله: سبحان الله، هو على سبيل التنزيه. # مسألة: # وأما ما سألت عن قول الله -عز وجل-: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } فتلك ~~عندنا من الخلق كله، الإذعان لله بالطاعة. وأنه ليس يمتنع منه شيء يريده. ~~وبالله التوفيق. # الباب الخامس والمائتان # في ذكر قدوس # قدوس مبني على فعول، مثل سبوح. والتقديس قريب من التسبيح في المعنى. فمن ~~قدس الله، فقد نزهه، وأخلص له الواحدانية قال الله تعالى -حكاية عن ~~الملائكة-: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } أي نطهر لك. والتقديس: التطهير. # وقيل في قوله -عز وجل-: { الأرض المقدسة } أي المطهرة. وبيت المقدس: أي ~~المطهر. # فمعنى القدس: الطاهر. فهو الله الطاهر عن الأشباه والأمثال _ تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل قدوسا. # قيل له: نعم. PageV01P165 # فإن قال: فما معنى وصفكم له، بأنه قدس؟ # قيل له: معنى ذلك أنه يجب أن ينزه عما جاز على عباده، من ملامسة النساء، ~~ومن اتخاذ الصاحبة والأولاد. وكل ما جاز على عباده، من أمثال ذلك. وبالله ~~التوفيق. # الباب السادس والمائتان # في الجواد # الجواد في لغة العرب: هو الذي يتفضل على من لا يستحق، ويعطى من لا ~~يستوجب، الذي لا تحصى عطاياه. # فإن قال: أفليس يقال: فرس جواد، على غير معنى الإفضال؟ # قيل له: قد يقال: فرس جواد. ms150 وهم يريدون أنه سريع العدو. والبارئ تعالى، ~~لا يجوز أن يوصف من هذا المعنى، لأن العدو والحركات، لا يجوزان على الله. ~~ولا يجوز أن يوصف بالسرعة_ تعالى الله عن ذلك. وإنما يوصف بأنه جواد كما ~~يوصف ذو البذل والسخاء منا، بأنه جواد، بأنه يراد به إنعامه وأفضاله، وجوده ~~وكرمه. فلما وصف الله تعالى نفسه؛ بأنه جواد كريم، وصفناه به. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل جوادا؟ # قيل له: لا؛ لأن الجواد منه إنعامه وإفضاله، على عباده. وذلك فعل منه. ~~ولا يجوز أن يكون لم يزل موصوفا بذلك. # فإن قال: أفتزعمون أنه سخي؟ # قيل له: لا. # فإن قال: فما الفرق بين ذلك؟ # قيل له: إن السخاء في اللغة: إنما هو اللين. ومنه يقال: أرض سخاوية، إذا ~~كانت لينة. ويقال: قرطاس سخاوي: إذا كان لينا وإنما قيل للجواد من ~~المخلوقين: سخي؛ للينة عند الحوائج، إذا طلبت منه. وبالله التوفيق. # الباب السابع والمائتان # في الكريم # قال أبو محمد: الكريم: صفة ذات، وصفة فعل الذاتي بمعنى العزيز الممتنع. ~~والفعلي، بمعنى للفضل بالإعطاء فيجوز أن يقال: لم يزل كريما، على المعنى ~~الأول. ولا يجوز أن يقال: لم يزل كريما، على المعنى الثاني. # مسألة: # قال أهل اللغة: والكريم: المرتفع من كل شيء يقال: فلان أكرم قومه: أي ~~أرفعهم منزلة وقدرا. PageV01P166 # وكذلك كل شيء، ارتفع عن منزلة نظرائه. يقال: فرس كريم، إذا كان أشهر ~~الأفراس فراهة. وشجرة كريمة، أي ناعمة حسنة نضرة. وقوله تعالى: { إني ألقي ~~إلي كتاب كريم } أي شريف. # وقيل: مختوم. # ويقال: فاضل. وقال الله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } أي فاضل. # مسألة: # فإن قال قائل: ما الدليل على أنه كريم؟ # قيل له: إعطاؤه خلقه ابتداء ولا يريد على ذلك مكافأة، ولا أجرا. # والكريم على وجهين: ذات وفعل. وكرم ذات: هو المتنزه عن صفات المحدثين، ~~والتقديس عن أفعال المربوبين. # وكرم الفعل: هو البذل والإعطاء. وجميع ما تفضل به عليهم في الآخرة ~~والدنيا. # والحجة على كرم الذات: قوله تبارك وتعالى: { تبارك اسم ربك ذي ms151 الجلال ~~والإكرام } . # والحجة على كرم الفعل: قوله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم } والكريم: ~~الصفوح. وقوله تعالى: { إن ربي غني كريم } أي صفوح. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والمائتان # في الودود # الودود: المحب لعباده الصالحين. # وقيل: قوله: ودود، فيه معنيان يقال: فعول بمعنى مفعول، أي مودود. # ويقال: فعول، بمعنى فاعل، أي هو الله عز وجل، يود عباده الصالحين. ومنه: ~~شكور لعبده على عمله والعبد شكور لنعمة ربه. # وقوله تعالى: { الغفور الودود } يعني المتودد إلى عباده، بم يوليهم، ~~ويجري عليهم من نعمته، في دينهم ودنياهم. # قتال المؤلف: وحب الله لعباده الصالحين: هو ثوابه الذي يثيبهم به في ~~الجنة. وجائز أن يقال: إنه ودود. ويدعى: يا ودود. كما وصف نفسه، في كتابه، ~~أنه ودود. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والمائتان # في الحي # الحي من الحياة، أي أنه الدائم الذي لا يفنى، الحي الذي لا يموت. فهو عز ~~وجل الحي الذي له الحياة الدائمة، الذي لا يزال حيا، لا بحياة هي غيره. بل ~~حي بنفسه، يحي ويميت. وهو حي لا يموت. # وأثبتناه عز وجل حيا، لا بحياة هي غيره، بل حيا بنفسه؛ لأنه عالم قادر. ~~فلا يجوز أن يعلم إلا حي. ولا يجوز أن يقدر على الأشياء إلا حي. PageV01P167 # فلما كانت أفعاله دالة، على أنه عالم بها، وقادر عليها، كانت أيضا دالة ~~على أنه حي، ووصفنا غيره أيضا، بأنه حي على الحقيقة، إلا أنه حي بحياة هي غيره. # الدليل على أن الله حي: هو ما ظهر من أفعاله. وقد ثبت أنه لا تصح هذه ~~الأفعال، إلا من قادر عالم، والقادر العالم، لا يكون إلا حيا. وبالله ~~التوفيق. # الباب العاشر والمائتان # في العلي الجليل العظيم الرفيع الشريف # قد وصف الله تعالى نفسه: بأنه العلي العظيم. فقال: { وهو العلي العظيم } . # فالعلي الجليل العظيم: كل هذه الأسماء بمعنى واحد. وهو أنه سيد مالك ~~الأشياء، قاهر لها، وأنه على جميع الأشياء كلها مقتدر؛ لأن سيد القوم: ~~كبيرهم، وجليلهم وعظيمهم والعلي يكون بمعنى الغالب والقاهر، في اللغة، نحو ~~قوله تعالى: { ولعلا ms152 بعضهم على بعض } يعني بذلك غلب بعضهم بعضا وقهره. ~~ومثله قوله تعالى: { إن فرعون علا في الأرض } يعني قهر أهلها، وستولى عليهم. # وقال أبو محمد فيما أحسب قال في العلي الأعلى، يريد بذلك رفع المقدار، ~~وارتفاع المنزلة. لا يجوز أن يريد رفيع المكان. وإنما يريد رفيع المنزلة ~~والشأن. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أن الله لم يزل عليا؟ # قيل له: نعم؛ لأنه لما كان الله تعالى قاهرا مقتدرا على الأشياء كلها، ~~كما قلنا، وجب أن يقال: علي ومتعال. # وقد يوصف، بأنه متعال، على جهة، أنه متنزه جليل. نحو قوله تعالى عز وجل: ~~{ تعالى عما يشركون } ونحو قول المسلمين: تعالى الله عن وصف الجاهلين؛ لأن ~~معنى ذلك: أن الله تعالى يجل عن ذلك، وأنه منزه عنه. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أنة رفيع، وأنه شريف، كما زعمتم أنه علي؟ # قيل له: إن أصل الارتفاع في اللغة والشرف: هو ما يعقل، من ارتفاع مكان ~~الشيء وإشرافه. فلما لم يجز على الله، أن يوصف بارتفاع المكان، ولا ~~بالإشراف، لم يجز أن يقال: إنه شريف رفيع. # فإن قال: أفليس يقال: رفيع شريف. وإنما يعنون به سؤدده، وعظم قدوه وليس ~~يعنون بذلك ارتفاع مكانه؟ PageV01P168 # قيل له: بلى. ولكن أصل ذلك هو من الارتفاع والإشراف المعقولين، اللذين ~~وصفناهما.ووصفوا بذلك السيد، من هذا المعنى، توسعا. وأرادوا به أرفع من ~~غيره وأشرف. فلما كان أصل هذا المعنى، لا يجوز على الله، لم يجب أن يوصف به ~~الله عز وجل. ولو وجدنا في صفاته تعالى شيئا من هذا، لحملناه على المجاز، ~~دون الحقيقة. # فإن قال: أفليس العلو في اللغة، قد يكون بمعنى الارتفاع، وعلو المكان؟ # قيل له: بلى. وليس هذا من المعنى الذي وصفنا الله تعالى، بأنه علي. وإنما ~~وصفناه بذلك، على وجه ما ذكرنا. # فإن قال: أفليس قد قال الله تعالى: { رفيع الدرجات ذو العرش } ؟ # قيل له: بلى. # وقوله: { رفيع الدرجات } إنما هو للدرجات. وليس بصفة الله تعالى. ~~والدرجات هي غير الله. فدرجات الله رفيعة والله لا يوصف، بأنه رفيع. ms153 ولو ~~وجدنا ذلك في صفاته، لما كان معنى ذلك إلا مجازا، دون الحقيقة. # مسألة: # قال أبو محمد: العلي: هو العالي المنزلة. وبالله التوفيق. # الباب الحادي عشر والمائتان # في ذكر العظيم # معنى قولنا: الله عظيم: أنه عظيم الشأن والمنزلة. وقد سمى الله تعالى ~~نفسه، بأنه عظيم. فقال: { وهو العلي العظيم } والعظيم على وجهين: # عظيم على الحقيقة. وهو عظيم على ما يجوز مثل قول الله تعالى: { فكان كل ~~فرق كالطود العظيم } وقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: { وإنك لعلى خلق ~~عظيم } وقال: { عذاب يوم عظيم } . # مسألة: # فإن قال: فما الدليل على أنه تعالى عظيم؟ # قيل له: علوه على الأشياء. وقهره للأرض والسماء، وما بينهما من جميع ~~الأشياء، ودليل على عظمة الله تعالى العلي الأعلى. # مسألة: # قال الشيخ أبو محمد: العظيم: هو المستحق أن يعظم. # وكذلك الكبير والجليل. وهو العظيم الشأن. وكل شيء دونه صغير فقير. وبالله ~~التوفيق. # الباب الثاني عشر والمائتان # في القيوم PageV01P169 قال أبو عبيدة: القيوم: القائم على كل شيء وهو ~~الدائم الذي لا يزول وهو فيعول. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- القيوم: ~~القائم على العباد بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم. # وعنه أيضا قال: القيوم: الأول الذي لم يكن قبله شيء. # مسألة: # فإن قيل: أفتزعمون أن الله قيوم، وأنه لم يزل قيوما. # قيل له: نعم، على وصفنا له تعالى: بأنه قيوم، وأنه قائم، مثل وصفنا له، ~~بأنه دائم. # وقد يجوز أن يقال: لم يزل دائما، لا أول له. كما يقال: ما زال دائم ~~الوجود لا أول لوجوده. وليس يقصد بذلك، ما قصدنا بقولنا: دائم لا يفنى. # ويقال: لم يزل كبيرا، ولم يزل عليا، بمعنى الغالب ولم يزل فردا منفردا. ~~ولم يزل موجودا كائنا. ولا يقال: لم يزل دائما، لا يفنى كما يقال: لم يزل ~~دائما، لا أول له. وما زال دائم الوجود، لا أول لوجوده وليس يقصد بذلك ما ~~قصدناه، بقولنا: دائما لا يفنى؛ لأن قولهم: لم يزل دائما لا يفنى، ليس لهذا ~~الوجه معنى. ولكن يجب أن يوصف: لا يزال دائما لا ms154 يفنى. إن ما يضح على هذا ~~الوجه، إنما يستعمل على سبيل الفعل المستقبل، وإن لم يكن دوامه فعلا. # وقيل: القيوم: القائم بالقسط في خلقه. وبالله التوفيق. # الباب الثالث عشر والمائتان # في القادر والقدير والمقتدر # يقال لله تعالى: قادر وقدير بمعنى. # والقادر: هو الذي يصح أن يفعل، وأن لا يفعل، إن لم يكن ممنوعا. والله ~~سبحانه فعل فعل العالم. وكان يصح أن لا يفعل. فصح أنه قادر. # وقولنا: أن يفعل وأن لا يفعل، احترازا من النار؛ لأن النار يقع منها ~~احتراق فلا يجوز أن لا تحرق. فلذلك قلنا: إن النار ليست بقادرة. # مسألة: PageV01P170 # الدليل على أن الله تعالى قادر: وجود أفعاله، التي قد صح أنها باختبار، ~~قد ثبت في العقل، وقام في النفس أن الفعل الذي هو كذلك، لا يقع إلا من ~~قادر. كما ثبت أن الفعل المتقن المحكم لا يقع، إلا من عالم. ثم إن الدليل ~~على أن الله لم يزل قادرا، وأنه قادر بنفسه، لا بقدرة هي غيره. هو ما ~~قدمناه في باب العلم. # مسألة: # ويوصف الله تعالى، بأنه مقتدر، كما وصف نفسه. فقال: { في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر } . # والدليل على أنه قادر: إيجاده للأشياء من غير شيء؛ وأمانته لكل حي، دليل ~~على أنه قادر على كل شيء. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أن الله قادر؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: أفليس قادر من صفات الذات؟ # قيل له: إن القادر هو الموصوف. وليس هو الصفة. وإنما الصفة قولنا: الله ~~تعالى قادر. ولكن وجب هذا الوصف له، لذاته سبحانه، لأن ذاته ذات قادرة. ولم ~~تكن قادرة بقدرة، هي غيره. # فإن قال: أفتزعمون أن غير الله قادر، على الحقيقة؟ # قيل له: نعم؛ لأن غير الله لو لم يكن قادرا على الحقيقة لم يجز أن يصير ~~فاعلا بنفسه، لا بقدرة هي غيره ووصفنا غيره، بأنه قادر بقدرة، هي غيره، ~~لولاها لم يكن قادرا. وليسه قادرا بنفسه. هذا فرق ما بين القادرين. وبالله ~~التوفيق. # الباب الرابع عشر والمائتان # في ذكر القاهر والقهار # يقال ms155 لله تعالى: قاهر وقهار. ومعنى القاهر: أنه مالك للأشياء، مقتدر ~~عليها وأنها لا تطيق الامتناع، مما يريد إنفاذه فيها. # فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قاهرا، وأن هذا الوصف، وجب لله لذاته؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى لم يزل قاهرا للأشياء قبل أن يخلقها؟ # قيل له: نعم؛ لأنهلم يزل مقتدرا عليها. فاقتداره على ما لم يوجد، هو قهره ~~لذلك. وبالله التوفيق. # الباب الخامس عشر والمائتان # في الوتر # الوتر فيه لغتان: وتر ووتر، بفتح الواو وكسرها. # والوتر بمعنى الفرد. والشفع، بمعنى الزوج. PageV01P171 # قال المفسرون- في قوله تعالى: { والشفع والوتر } فالوتر: هو الله تعالى. ~~والشفع: هو الخلق. فالله تعالى لا شفع له، أي لا زوج له، من شكل أو ضد. # والأشكال والأضداد: هي شفع لبعضها البعض. والله تعالى فرد وتر، لا بمعنى ~~عدد. كما يقال للواحد: فرد وللاثنين: زوج وللثلاثة: فرد. وللأربعة: زوج. # فالله تعالى فرد، بمعنى الوحدية والفردية وليس هو متوجها، كتوجه الواحد ~~بالوحدانية. فاجتمعت في الواحد، بمعنى الوحدية والفردية؛ لأن الواحد اسم، ~~لا يلزم إلا الواحد، وللفرد اسم، يلزم الواحد والثلاثة والخمسة. فهذه أفراد ~~كلها اشتركت، في اسم الفردية. وتفرد الواحد بالوحدانية، واختص بها، ولم ~~يشركه في هذه الأسماء شيء من الأعداد. وبالله التوفيق. # الباب السادس عشر والمائتان # في البار # ويوصف الله تعالى: بأنه بادر بعباده؛ لأن بره وفضله، قد عمهم. # مسألة: # ولا يقال: ما أبره بخلقه. وبالله التوفيق. # الباب السابع عشر والمائتان # في اللطيف # اللطيف: هو القائم الذي لا تخفى عليه خافية. وهو الرحيم بعباده. # واللطيف من العباد: الرقيق النظر، العالم بغوامض الأمور. تقول العرب: لطف ~~به، أي رفق به. فسمي الله تعالى لطيفا؛ لأنه لطيف في صنعه، برأفته ورحمته. ~~فلم يدع شيئا من لطيف صنع إلا خلقه بلطفه وحكمته. # قال المفضل: اللطيف: الواسع العليم. واللطف: التوصل إلى علم الشيء. # والوصف لله تعالى، بأنه لطيف، بمعنى أنه منعم. وبمعنى أنه لطيف التدبير ~~والصنع؛ لأن تدبيره لطيف، لا يعرفه العباد للطفه. # وقد وصف الله تعالى ms156 نفسه، بأنه لطيف خبير. والنعمة تسمى في اللغة: لطفا. ~~ويقال: فلان هو ببعض ولده، ألطف منه بغير. يريدون أن نعمته عليه أكثر. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثامن عشر والمائتان # في ذكر القوي # وجائز أن يوصف الله تعالى، بأنه قوي على الحقيقة، كما يقال: إنه قادر على ~~الحقيقة. # الباب التاسع عشر والمائتان # في المقيت # قال ابن الأنباريب: المقيت قيه قولان: PageV01P172 # قال بعض: الحفيظ. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما المقيت: المقتدر. # وقال أبو عبيدة: المقيت أيضا عند العرب: الموقوف على الشيء. قال الشاعر: # ... ليت شعري وأشعرن إذا ما ... أخرجوها مطوية ودعيت # ... أإلى الفصل أم علي إذا حو ... سبت إن على الحساب مقيت # أي على حساب موقوف. والمقيت: الخالق للأقوات. # وجائز أن يقال: يا مقيت؛ لأن الله قد وصف نفسه بذلك. فقال تعالى: { وكان ~~الله على كل شيء مقيتا -وكفى بالله حسيبا- لك أواب حفيظ } . وبالله ~~التوفيق. # الباب العشرون والمائتان # في العفو (¬1) # الباب الحادي والعشرون والمائتان # في الغفور والعفار # يقال لله: غفور وغفار وغافر، ثلاث لغات وهو من المغفرة. والمغفرة: الستر. ~~كأنه تعالى ستر ذنوب العباد. # وأما الغافر فإنه يقال بالإضافة: غافر الذنوب ولا يجوز أن يقال: لم يزل ~~الله غفورا. ولكن يقال: لم يزل الله، وهو الغفور. ولم يزل الغفور؛ لأنها من ~~صفات فعله، لا يجوز أن يقال فيها لم يزل. وإذا وصف فيها بلم يزل، فقد أوجب ~~قدم الفعل والله تعالى، لم يزل واحدا، ثم أحدث الأشياء. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والعشرون والمائتين # في المجيب # المجيب: الذي يجيب من دعاه. وقوله تعالى: { ادعوني أستجب لكم } يقول: ~~ادعوني موحدين لأستجيب لكم، بما وعدتكم من الجنة. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والعشرون والمائتان # في ذكر الشكور # الشكور: بمعنى الشاكر ومعنى المشكور. # والشكر لله: هو الثناء عليه بنعمته وشكرته إذا أثبت عليه بمعروف أولاكه. ~~ومن شكر فقد حمد؛ لأن الشكر يجمع الحمد والشكر جميعا. # ومن كتاب الزينة: # قال: وكان الله سمى نفسه شكورا؛ لأنه يرضى من عباده بالقليل من العبادة. # مسألة: # والله تعالى وصف نفسه، بأنه ms157 الشكور، على جهة التوسع والمجاز، دون الحقيقة ~~فنحن نصفه بذلك، كما وصف نفسه. # فإن قيل: لم زعمتم أن ذلك مجاز؟ # ¬__________ # (¬1) بياض في الأصل. PageV01P173 # قيل له: لأن الشكر إنما هو شكر النعمة التي كانت للمشكور على الشاكر فلما ~~لم يكن للعباد على الله نعمة، لم يجز أن يكون شاكرا لهم على الحقيقة ولكن ~~لما كان مجازيا للمطيعين على طاعتهم، جعل مجازاته على هذه الطاعات، شكرا ~~منه لهم، على المجاز. # والشكور من الناس: الذي يرضى بالقليل من العطاء. # كذلك ويقال لمن قدر عليه الرزق: شكر الله، أي قنع بالقليل. وبالله ~~التوفيق. # الباب الرابع والعشرون والمائتان # في الحميد # أبو عبيدة: الحميد: معناه المحمود وحمد الله: هو الثناء عليه. وحميد: ~~معناه محمود على نعمته، وحسن تدبيره. # قال أبو محمد: الحميد: معناه أن كل من استحق الحمد، وكثر منه فعل، يستحق ~~عليه الحمد، سمى حميدا، أو محمودا. # مسألة: # فإن قال: أفتزعمون أن الله تعالى حمد نفسه، بقوله: الحمد لله. # قيل له: نعم. وإنما قوله: الحمد لله بيان لعباده، كيف يحمدونه. # وكذلك إن قال: أفتزعمون أن الحمد هو الشكر؟ # قيل له: لا؛ لأن الحمد هو ضد الذم. والشكر: هو الاعتراف بالنعم وضده ~~الكفر. وهما مختلفان. # وكذلك مدح الله نفسه، بصفات ذاته، بحسن نظره لعباده. وأراد أن يبين ذلك ~~للعباد صفاته ومدحه، ليمدحوه بمثل ما مدح نفسه. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والعشرون والمائتان # في الواسع # الواسع: المحيط بكل شيء. # وقيل: الواسع: الغني يقال: أعطى من سعة. أي من غنى. # قال الله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته } أي ذو غنى من غناه. # قال أبو عبيدة في قوله تعالى: { إن الله واسع عليم } أي جواد يسع ما سئل. ~~يقال: وسع الله على فلان، أي أغناه. # وقيل: يقال: الله الواسع؛ لأنه وسع على عباده في دينه، فلا يضطرهم إلى ما ~~يعجزون عن أدائه. # وقيل أيضا: إنه يسع علم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، من أفعال عباده، ~~يقوله تعالى: { وسع كل شيء علما } وبالله التوفيق؟. # الباب السادس والعشرون ms158 والمائتان # في الماجد والمجيد PageV01P174 وهو على ون فاعل وفعيل. وهو مأخوذ من ~~المجد والمجد: الجلالة والعظمة. # وقد يوصف الإنسان بالمجد. فيقال: ماجد. ولا يقال: مجيد. # فالماجد: هو الفاعل بالاكتساب المجد. والمجيد: هو معدن المجد. ومثله حكيم وحاكم. # فالحاكم: هو الذي يفعل بالحكمة. والحكيم: معدن الحكمة. # قال أبو عبيدة: المجيد. معناه الماجد. # قال غيره- معنىالمجيد: أي كريم عزيز وقوله تعالى: { بل هو قرآن مجيد } ~~معناه كريم عزيز. وماجد ومجيد. من صفاته لذاته. # ومن كتاب المنطق تأليف العتابي: # قال: والمجد: الفعال الذي يستحق صاحبه به الثناء الجميل. تقول: مجد يمجد ~~مجدا، فهو ماجد محيد. ومن الجود تقول: جاد يجود جودا. وهو جواد. # مسألة: # الماجد: الواسع في العطاء والرحمة. وبالله التوفيق. # الباب السابع والعشرون والمائتان # في الوكيل # قيل: الوكيل: الكافي. # وقيل: الوكيل: الكفيل. من قول الله تعالى: { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } أي الكفيل بأرزاقنا. # وقيل: الوكيل: الرب. ومنه قوله تعالى: { لا تتخذوا من دوني وكيلا } ، أي ربا. # وقيل: الوكيل: الكفيل بالأرزاق. # مسألة: # ويقال لله تعالى: بأنه وكيل عليها، بمعنى أنه متول لأمورنا، والقائم ~~بحفظنا وتصريفنا، فيما يريد. # ولا يجوز أن يقال لله تعالى: وكيل لنا، كما يقال: وكيل علينا؛ لأن معنى ~~وكيل علينا، قد بيناه. # ومعنى وكيل لنا: أن من كان وكيلا على شيء، فإنما كان وكيلا لنا، لإقامتنا ~~إياه في ذلك، ولأنه قام بأمرنا فلما لم يجز أن يكون الله تعالى وكيلا بأمر ~~خلقه، لم يجز أن يقال: إنه وكيل لهم. # وإنما يصح أن يقال: وكيل عليهم، كما قال تعالى: { وكان الله على كل شيء ~~وكيلا } ولا يقال: إن الخلق وكلاء على الله، كما يكونون يتوكلون عليه؛ ~~PageV01P175 لأن الوكيل ليس معناه التوكل؛ لأن مصدر الوكيل الوكالة، بمنزلة ~~الولاية. والوكيل خلاف ذلك المعنى. فنحن نتوكل على الله، ونعتمد عليه. ~~ومعنى ذلك واحد وليس ذلك ممن معنى الوكالة، في شيء. فلهذا لا يجوز أن يوصف ~~الله تعالى، بأنه متوكل علينا. وصح له الوصف، بأنه وكيل علينا. # والقول: بأنا نعتمد عليه، ونركن إليه، هو توسع؛ ms159 لأن أصل الاعتماد، هو ~~اعتماد الرجل، على ما يعتمد عليه، من شيء إذا مشى أو قام. فجعلوا هذا ~~المعنى، في معنى التوكل توسعا. ولهذا سموا بعض الخلفاء، بالمعتمد على الله. # وكذلك الركون، أصله من الاعتماد. ويستعملان في الله مجازا، على ما بيناه. ~~وبالله التوفيق. # الباب الثامن والعشرون والمائتان # في الكفيل # يقال لله تعالى: الكفيل؛ لأنه تكفل بأرزاق العباد، ولمن وحده، بالجنة في ~~الآخرة. فيقال لله تعالى: كفيل. معناه: أنه كفل لعباده، بأنه يثيبهم على ~~طاعتهم. # ومعنى أنه كفل بذلك، أنه ضمنه. والكفالة: هي الضمان. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والعشرون والمائتان # في الباعث # الباعث في كلام العرب: المثير المنهض. تقول: بعثت البعير، إذا أثرته ~~وأنهضته من مكانه. # وكذلك بعثت الرجل وأثرته من مكانه الذي تمكن فيه واضطجع. فقيل لله تعالى: ~~الباعث؛ لأنه يبعث الخلائق، بعد الموت، أي يثيرهم من القبور، وينثضهم من ~~مضاجعهم. قال الله تعالى: { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون } . # ويكون أيضا الباعث مأخوذا من بعث الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ~~إلى الناس. أثارهم الله تعالى، من بين القبائل والشعوب. والمعنيان صحيحان ~~جائزان، في صفة الله تعالى. وبالله التوفيق. # الباب الثلاثون والمائتان # في الديان # الديان من الدين: وهو الطاعة؛ لأن الخلق كلهم دانوا له وتذللوا، ولم يفته ~~شيء من خلقه. # ويقال: دان له: أي أطاعه. # وقيل في صفة الله تعالى: ديان يوم الدين، أي إليه حساب الخلائق يوم ~~الحساب. PageV01P176 # والديان: الذي بلى المجازاة، وهو قادر عليها. فيجازى كلا على استحقاقه. ~~فهو عز وجل ديان. يوم الدين؛ لأنه يجازيهم بأعمالهم. # والديان: المجازي. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والثلاثون والمائتان # في المنان # المنان: المعطي قال الله تعالى: { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } ~~أي يعطيهم من فضله. # والمنان: على وزن فعال.وكل ما جاء على هذا الوزن. فمعناه من شأنه أن يفعل ذلك. # فالمنان من شأنه الإعطاء تبارك الله المنان. # وقيل: إن المنان: هو المنعم على عباده؛ لأن المنة من الله: هي النعمة. ~~والمنة ms160 من الخلق: هي الامتنان. # وقيل: المنان: كثير الإحسان. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والثلاثون والمائتان # في الحنان # الحنان: لا يجوز في صفة الله تعالى؛ لأن معنى الحنان مأخوذ من حنين القلب ~~على الشيء. والله تعالى لا يجوز أن يوصف بأن له قلبا ولو سمعنا ذلك في بعض ~~صفاته، لكان يجب أن يحمل على المجاز.وكان لا يجوز معناه، على جهة الحقيقة. # وقول الله تعالى: { وحنانا من لدنا } يعني أن يحيى -عليه السلام- كان ~~حنانا، وأراد به: أنه كان رحمة من الله على عباده. # قال المؤلف: وقومنا يقولون: الحنان: المتعطف بالرحمة. # قال ابن عباس -ر ضي الله عنهما- والله ما أدري ما الحنان؟ وهو بحر العلم، ~~لا يدري ما الحنان. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثلاثون والمائتان # في السند # السند في جوازه اختلاف. فالذي يجيز ذلك يقول: السند: ظهر الخلق وملجؤهم؛ ~~لأن الخلق يسندون إليه، ويعتمدون عليه. # الباب الرابع والثلاثون والمائتان # في فالق الحب # فالق الحب: هو مشققه، ليخرج ثباته يقال: انفلق الصبح: إذا أسفر عن سواد الليل. # قال المؤلف: ولا يقال لله تعالى: يا فالق، حتى يقال: يا فالق الحب ~~والنوى. هكذا عرفت. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والثلاثون والمائتان # في ذي الطول PageV01P177 ذو الطول: الفضل والعطية. الطول: الفضل والإحسان ~~والعظمة، من قوله تعالى: { فمن لم يستطع منكم طولا } أي ما يعطى من المال. # قال المؤلف: ولا يقال الله تعالى: ذو الطول، بضم الطاء، لأنه ضد العرض. ~~فلا يجوز ذلك. بل يقال بفتح الطاء. وبالله التوفيق. # الباب السادس والثلاثون والمائتان # في الوهاب # قال الله تعالى: { وهو العزيز الوهاب } . # ومن كتاب الزينة لقومنا: # قال: ومن صفاته تعالى: الوهاب والواهب. فالواهب: الذي لا يبخل على خلقه، ~~فيهب لكل ما يحتاج إليه. فهو الوهاب؛ لأن من شأنه الهبة. فخلق الخلق كله، ~~فوهب بعضهم لبعض، ولم يبخل بشيء منه، فيحسبه لنفسه؛ لأنه غني عنه، غير ~~محتاج إليه. فيجود به على من لا يسأله، ويعطيه من لا يستوجبه فهو يهب بلا ~~مقدار لغنائه عنها. فهو الواهب الذي لا يبخل على خلقه، ms161 الوهاب الذي يهب ~~الكثير، الجواد الذي لا تخفى عطاياه، الغنى عن الأشياء كلها. تبارك الله ~~وتعالى. وبالله التوفيق. # الباب السابع والثلاثون والمائتان # في الرازق والرزاق # ويوصف الله تعالى بأنه الرازق والرزاق ولا يجوز أن يقال: لم يزل رازقا، ~~ولا رزاقا. # والدليل على أن الله رازق: تركيبه لخلقه معتدلين، وجعله لهم إلى ذلك ~~محتاجين، كما قال عز وجل: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا ~~خالدين } وبالله التوفيق. # الباب الثامن والثلاثون والمائتان # في الجليل # قال: الجليل: العلي العظيم. كل هذه الأسماء بمعنى واحد. وهو أنه سيد مالك ~~الأشياء قاهر، وأنه على جميع الأشياء مقتدر؛ لأن سيد القوم هو كبيرهم ~~وجليلهم. # قال أبو محمد: الكبير الجليل: هو العظيم الشأن. وكل شيء دونه صغير حقير. ~~وبالله التوفيق. # الباب التاسع والثلاثون والمائتان # في الحق المبين PageV01P178 ويوصف الله تعالى، بأنه الحق المبين. قال ~~الله تعالى: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين. وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل } فوصف نفسه بأنه الحق، على المجاز- ولأن الحق مصدر في أصل اللغة. ~~فأراد -عز وجل- بذلك أن عبادة الله هي الحق، وأن عبادة غير الله، هي ~~الباطل، وقد يجوز أيضا أن يعني بقوله: { أن الله هو الحق } أي أن الله هو ~~الباقي المحيي المميت، والمثيب والمعاقب { وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ~~} أراد أنه يبطل ويذهب. وأنه لا يملك أحد ثوابا ولا عقابا غير الله. # مسألة: # فإن قال: فالحق والعدل؟ # قيل له: نعم. الحق: هو العدل. والعدل: هو الحق. والعدل هو نفي الجود عنه ~~في الأزل. # فإن في الأزل. # فإن قال: فيقال: إنه عدل؟ # قيل له: نعم. ولا يقال: إنه عادل بشيء، لأن العادل بالله: هو الجائر، كما ~~قال تعالى: { والذين كفروا بربهم يعدلون } ولكن يقال: إنه الحق العدل؛ لأنه ~~ليس بجائر، ولا يجوز. وبالله التوفيق. # الباب الأربعون والمائتان # في الصادق # ويوصف الله تعالى: بأنه الصادق الوعد والصدق: من صفات الذات. # ومعنى الصدق: أن يكون مخبره على ما أخبره. وضده: أن يكون مخبره على خلاف ~~ما أخبر. ms162 # مسألة: # والدليل على أنه صادق: هو علمه بقبح الكذب واستغناؤه عنه. والكذب من صفات ~~المحدثين- تعالى الله عنه. # والحجة على أنه صادق: قوله تعالى: { ومن أصدق من الله قيلا } . # مسألة: # فإن قال: هل لله تعالى أن يقول الكذب؟ # قيل له: يستحيل ذلكم؛ لأن الصدق، قد دلت الدلالة على أنه من صفات ذاته. ~~ومن كان الصدق من صفات ذاته، لم يجز أن يوصف بالكذب، ولا بالقدرة عليه، كما ~~أن من كان العلم من صفات ذاته، لم يجز أن يوصف بالجهل، ولا بالقدرة عليه. ~~وبالله التوفيق. # الباب الحادي والأربعون والمائتان # في الغني PageV01P179 معنى الغني: أنه تعالى غني عن الأشياء كلها، فلا ~~يصير إليه منها نفع ولا ضرر. فهو الغني عنها. وقد قال الله تعالى: { يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } فهو الغني كما ~~وصف نفسه. وجميع خلقه فقراء إليه- عز وجل. # مسألة: # فإن قال قائل: فإذا كان من الخلق ما يوصف، بأنه غني والله تعالى بوصف، ~~بأنه غني فما الفرق؟ # قيل له: إن غنى الغني منا: هو غنى مستفاد. وليس يطلق عليه الوصف بالغنى، ~~كما يوصف الله تعالى، بأنه الغني الحميد، لأن غنى الخلق غنى حادث، بعد أن ~~لم يكن. وقد يزول، بعد أن كان. فلا يشبه الله بخلقه، وإن اشتبه اللفظ تعالى ~~الله عن ذلك. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والأربعون والمائتان # في المواريث # ومن صفاته عز وجل: الوارث. قال الله تعالى: { وكنا نحن الوارثين } . ~~والوارث مشتق من أرث. وإرث كل شيء: أصله وبقيته. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اثبتوا على مشاعركم، فإنكم ~~على إرث أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم. يعني على أصله وبقيته. # والميراث أخذ من ذلك فقيل له: إرث؛ لأنه بقية من سلف على خلف. وقيل لله ~~تعالى: وارث؛ لأنه تعالى يبقى بعد فناء الخلق، وإن كانوا وما يملكون في هذه ~~الدنيا، في ملكه؛ لأنه تعالى وهب لهم ممالك الدنيا؛ لغنائه عنه. فإذا بادوا ~~وهلكوا، وبقيت ممالكهم، فلا مالك غيره. وصارت ممالكهم ms163 إرثا، أي بقايا ~~بعدهم. ولا يكون لها من يحوزها. # قيل لله: وارث، لا وارث غيره. قال الله تعالى: { إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها وإلينا يرجعون } وبالله التوفيق. # الباب الثالث والأربعون والمائتان # في الشهيد (¬1) # ************************************** # الباب الرابع والأربعون والمائتان # في الخبير # ¬__________ # (¬1) بياض في الأصل. PageV01P180 # الخبير: العالم بالشيء. يقال: فلان يخبر عن هذا الأمر، أي يعلمه وهو خبير ~~به. قال الله تعالى: { فاسأل به خبيرا } أي عليما قال الله تعالى: { وهو ~~العليم الخبير } . وبالله التوفيق. # الباب الخامس والأربعون والمائتان # في آمين # فإن قال: أفتزعمون أن آمين من أسماء الله تعالى؟ # قيل له: إن قصد بقوله: آمين، يؤمن منه الجور. فعسى أن يكون. والله أعلم. ~~وإن كان قد قال به قوم، فلسنا نقدم عليه، إذا لم يصح معناه عندنا. # وفي كتاب قومنا: أن آمين من أسماء الله تعالى. # وفي تفسير قوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام } يعني قاصدين البيت ~~الحرام. # قال: ومعنى آمين: أي افعل. # وقيل: اللهم استجب. # وقيل: آمين: راجون منك إجابة الدعوة. # وقيل: آمين: راضون بما قضيت لنا وعلينا. # مسألة: # قال ابن عباس رضي الله عنهما آمين: معناها كذلك تقدر. # قال أبو علي: أي افعل بنا كما سألناك. # وفي آمين لغتان: آمين بالمد، وأمين بالقصر. والنون، في آمين مفتوحة، ~~لسكونها وسكون الياء قبلها. # الباب السادس والأربعون والمائتان # في الكبير # يوصف الله تعالى، بأنه كبير وعظيم وجليل، كله بمعنى واحد. وهو أنه سيد ~~مالك للأشياء كلها، لأن يسد القوم هو كبيرهم، وعظيمهم وجليلهم. وقد تعظم ~~لهذا الوصف، بقدرته أيضا على الأشياء، ولعلمه بها، ولأنه لا مثل له، ولا ~~نظير. ولهذا كان الواصف له معظما، ومكبرا له. # ويجوز الوصف له، بأنه لم يزل كبيرا، لا كبير جثة، ولا شخص - تعالى الله ~~عن ذلك. وبالله التوفيق. # الباب السابع والأربعون والمائتان # في الدائم # يقال: إن الحكيم إنما يقال له: دائم؛ لأنه لم يزل ولم يختلف أحد أنه ~~تعالى مبدع، إذ كان كل من أقرب، أقر أنه لم يزل. ومن أنكره، يقر أن العالم ~~لم ms164 يزل. فأثبت الصفة للعالم بالأزلية. ولم ينكر الأزلية. # فلما كانت الأزلية ثابتة، لا مخالف يقدر على إنكارها، ولا دفعها. كانت ~~عندنا لله- عز وجل. PageV01P181 # فثبت أنه عز وجل الدائم الخالق والوصف له تعالى: بأنه دائم، من صفات الذات. # ويوصف، بأنه لا يزال دائما لا يفنى ولا يوصف، بأنه لم يزل دائما لا يفنى، ~~لأن هذا القول، على هذا الوجه، لا معنى له. والوصف له على الوجه الآخر يصح؛ ~~لأنه مستعمل على الفعل المستقبل، وإن لم يكن دوامه فعلا. # ويجوز أن يقال: لم يزل دائما لا أول له، كما يقال: لا زال دائم الوجود، ~~لا أول لوجوده. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والأربعون والمائتان # في الباقي # فإن قال: أفتزعمون أنه تعالى، لم يزل باقيا؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: فما معنى وصفكم له، بأنه باق؟ # قيل له: إن معنى ذلك أنه كائن بلا حدوث. فواجب أن يوصف بأنه باق. فلما ~~كان الله لم يزل موجودا، بغير حدوث، وجب أن يكون لم يزل باقيا. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والأربعون والمائتان # في السيد # السيد: المالك. وسيد العبد: مالكه. والله سيد كل سيد. # والإنسان لا يسمى سيدا على الحقيقة. وإنما سمي سيدا بالإضافة. فيقال: سيد ~~كذا. ومجازا لا يطلق. فيقال لكل من سمي رب شيء: سيده. # فأما سيد الحقيقة، فهو الله. فيجوز أن يقال لكل سيد: رب، إذا أريد به ~~الإضافة. ولا يسمى بها مطلقا إلا الله. # وجائز أن يقال لله تعال: لم يزل ربا للأشياء، وسيدا لها وإلها. وجائز لم ~~يزل مالكا للأشياء، كما لم يزل قادرا عليها. # وجائز أن يقال: لم يزل الله سيدا. # ومعنى ذلك: أنه رب مالك، لأن المالك للعبد سيده. ولهذا قيل لأكبر ~~القبائل: سادة. أرادوا بذلك، أنهم مالكون لهم، ينفذ فيهم أمرهم. # وعن أبي محمد والسيد: الصمد. قال: هو الشريف، لأنه غاية السؤدد وهما ~~معناهما واحد. وبالله التوفيق. # الباب الخمسون والمائتان # في القريب PageV01P182 يوصف الله تعالى، بأنه قريب من الخلق، على جهة ~~التوسع. والمراد بذلك أنه عالم بهم وبأعمالهم، وأنه ms165 سامع لقول الخلق، وراء ~~لأعمالهم، لا ستر بينه وبينهم، ولا حجاب ولا مسافة. فلما كان على ما وصفنا ~~قيل -في سعة اللغة-: إنه قريب منا، إذا كان لا يشاهد أعمالنا من المخلوقين ~~إلا من كان منا قريبا. # وكذلك قرب العباد إلى الله بالطاعات، هو توسع ومجاز. ومعناه: طلب المحبة ~~والكرامة منه. فقيل: لذلك تقرب، لأنا في الشاهد إذا أحببنا شيئا قربناه ~~منا. وإذا أبغضناه أبعدنا منا. فلهذا قيل لذلك: تقرب إلى الله، على المجاز. ~~وبالله التوفيق. # الباب الحادي والخمسون والمائتان # في المقسط # من كتاب الزاهر: # اللفظ: معناه في كلامهم: العادل. يقال: أقسط الرجل يقسط، فهو مسقط، إذا ~~عدل. قال الله تعال: { إن الله يحب المقسطين } أي العادلين. # ويقال: قد قسط الرجل، فهو قاسط، إذا جار. قال الله تعالى: { وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } . أي الجائرون. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والخمسون والمائتان # في الطالب المدرك # وجائز أن يوصف الله تعالى، بأنه طالب ومدرك. # ومعنى الطالب: أن يطلب من الظالم حق المظلوم؛ لأنه لا يضيع للمظلوم عنده حق. # ومعنى المدرك: أنه لا يفرقه شيء طلبه. ولا يعجزه أحد، ولا يمتنع عليه شيء. # وليس الوصف له، بأنه مدرك، مثل الوصف له، بأنه غالب؛ لأن هذا الإدراك ~~إنما فعل منه. هو إنصافه للمظلوم من الظالم. وصفته تعالى، بأنه غالب، إنما ~~هو من صفات الذات؛ لأن معناه: أنه قاهر للأشياء، مقتدر عليها. # مسألة: # فإن قيل: أفليست الأشياء كلها، في قبضته وسلطانه؟ # وأليس هو بها جميعا عالما؟ # قيل له: بلا. # فإن قال: فكيف يجوز منه الطلبن لما هو عارف بمكانه، ومقتدر عليه؟ PageV01P183 # قيل له: هو وإن كان عالما بكل شيء، ومقتدرا على كل شيء، فقد سمى أخذه ~~للظالم بحق المظلوم، طلبا بحق المظلوم؛ لأن هذا يسمى في اللغة -منا- طلبا ~~وإن كان مقتدرين على من نطالبه بذلك. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والخمسون والمائتان # في المفضل # ويوصف الله تعالى، بأنه مفضل ما فضل به غيره ومن فعل الفضل، سمى مفضلا. ~~ولا يوصف بأنه فاضل، بما تفضل من الفعل ms166 على غيره. ولا يجوز أن بفضل هو ~~بذلك؛ لأنه متسغن عن الأفعال، أن يفضل بها. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والخمسون والمائتان # في المولى والولي # فالمولى: المعتق. والمولى: ابن العم. قال الله تعالى: { يوم لا يغني مولى ~~عن مولى شيئا } . # والمولى: الأولى. قال الله تعالى: { مأواكم النار هي مولاكم } يعني أولى بكم. # والمولى: الحليف. # والمولى: الولي. قال الله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم } معناه: لا ولي لهم. # والمولى: المالك. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والخمسون # في النصير # النصير والناصر: واحد. ويقال: إن الله ناصر المؤمنين. ومعنى ذلك: دفع ~~المكاره والشدائد والهوان عنهم، ليعزهم بذلك، ويكرمهم. وهذا هو النصرة ~~المعقولة بيننا في الشاهد. وبالله التوفيق. # الباب السادس والخمسون والمائتان # في المتين # لا يجوز أن يقال لله تعالى: متين؛ لأن المتين في حقيقة اللغة: الثخين. ~~والله تعالى لا يوصف بالثخن. وإنما قال الله تعالى: { ذو القوة المتين } ~~توسعا ومبالغة، في وصف نفسه بالقوة. وبالله التوفيق. # الباب السابع والخمسون والمائتان # في الهادي # الهادي: هو المبين لطرائق الخير. وقوله عز وجل في القرآن: { هدى للمتقين ~~} أي بيان لهم. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والخمسون والمائتان # في شديد العقاب PageV01P184 ولا يوصف الله تعالى، بأنه شديد على الحقيقة؛ ~~لأن الشدة بمعنى الصلابة. والله تعالى لا يوصف بالصلابة. وإن وجدنا في ~~صفاته في القرآن، أو غيره، أنه تعالى شديد، فهو مجاز، لكثرة استعمالهم في ~~القوة منا، هذا القول، على التوسع. ولكن يجوز أن يوصف، بأنه شديد العقاب ~~وما أشبه ذلك، من صفات الأفعال؛ لأن الشديد في صفات الأفعال، إنما هي ~~للأفعال والشدة في هذه الصفة: هي لها، لا لله عز وجل. # وقوله تعالى: { أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } على ~~التوسع والمجاز، ولم يكن مجازا، لأدى معناه إلى الإحالة. فصح بهذا أنما إذا ~~ذكر هذا القول، توسعا في اللغة، وأراد أنه أقوى منهم وأقدر. وبالله ~~التوفيق. # الباب التاسع والخمسون والمائتان # في الناصر للمؤمنين # ويقال: إن الله ناصر للمؤمنين. ms167 ومعنى ذلك: دفعه المكاره والشدائد والهوان ~~عنهم، ليعز بهم بذلك، ويكرمهم. وهذا هو النصر المعقول، فيما بيننا، في ~~الشاهد. بالله التوفيق. # الباب الستون والمائتان # في العدل والعادل # يقال لله تعالى: عدل وعادل. ولا يقال: إنه عادل بشيء، لأن العادل بالله ، ~~هو الجائز. كما قال الله تعالى: { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ولعله ~~أراد في هذه الآية، فوهم فيها، قوله تعالى: { والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم ~~بربهم يعدلون } . # مسألة: # وقال: والعدل غير العادل. ولا يجوز أن يقال لله: عادل. # مسألة من كتاب لقومنا: # قال: العدل على وجهين: الله عدل. وعدله على وجهين: عدل في ذاته، وعدل في ~~فعله. وهو مساويته بين خلقه، فيما تحب فيه المخالفة، وعدل من خلقه. وعدله: فعله. # والدليل على أنه عدل: العلم والغنى دليل على العدل، في كل معنى. ودليل ~~ثان علمه بقبح الجور، واستغناؤه عنه في جميع الأمور؛ لأنه لا يدخل في الجور ~~إلا من احتاج إليه، أو جهل قبحه، فأقدم عليه فلما كان الله عالما غنيا، كان ~~عن الجور والظلم متعاليا. # مسألة: PageV01P185 # يقال لله تعالى: عدل كريم. فالوصف له، بأنه عدل، هو توسع ومجاز؛ لأن ~~العدل في الحقيقة: هو المصدر. والله تعالى لا يشبه العدل ولا شيئا من ~~المصادر. # ولكن قالوا: هو عدل، وأرادوا العادل، توسعا في هذا القول، إذ كان يعقل ~~عنده ما أراد، وأنه من وصفه، بأنه عادل. # مسألة: # فإن قال: ما معنى العدل؟ # قيل له: أما في اللغة، فهو الحكم بالعدل والحق. تقول: هو يعدل في حكمه. # وأما قول الفقهاء، فهو فعل ما له أن يفعله في الحكمة، وإعطاء المستحق ما ~~يجب له. والجور: ضد العدل، ومنع المستحق ما يجب له فلما نفينا عنه الأضداد، ~~وصفناه، بأنه عادل. قال الله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة ولا يضلم ~~الناس شيئا وما الله يريد ظلما للعباد } ومثل هذا في القرآن كثير. فلا يجوز ~~على الله تعالى العادل الكريم الرؤوف الرحيم، إلا ما وصف به نفسه. ولو لم ~~نصفه بالعدل، لكان موصوفا بضده. ms168 فلما نفينا عنه الجور، وصفناه بالعدل. # قال المؤلف: فأجاز الشيخ أبو الحسن البسياني، أن يوصف الله، بأنه عادل. ~~وبالله التوفيق. # الباب الحادي والستون والمائتان # في الواحد الأحد # الواحد في الحقيقة: هو الذي لا ينقسم في وجود، ولا وهم. وهو الفود لا ~~ثاني له. والواحد أيضا، لا ثاني له في لفظه. ولا يقال: واحدان. # وقيل له عز وجل: واحد؛ لأنه لم يزل قبل الخلق متوحدا بالأزل، لا ثاني ~~معه. ثم خلق الخلق، فكان الخلق له ثانيا، محتاجا بعضهم، إلى بعض. # قال المؤلف: وليس يعني أن الخلق صار ثانيا لله، إليها كمثله عز وجل. # وتوحد هو تعالى بالغنى عن جميع خلقه؛ لأنه لم يزل قبل كل شيء. فالأولية ~~دلت على الوحدانية، إذ لم يكن قبله شيء، فيتوحد بالأولية،كما يتوحد هو بها. ~~فيكون ثانيا لذلك الشيء الذي نقدمه. بل لم يزل هو الأول السابق بالوحدانية. ~~فكان الخلق ثانيا بالابتداع. PageV01P186 # والواحد: اسم يدل على نظام واحد، يعلم باسمه، أنه واحد ليس قبله شيء من ~~العدد. وهو خارج من العدد. والواحد كيف ما أدرته وأجريته، لم يزد فيه شيء، ~~ولم ينقص منه شيء. تقول: واحد في واحد، لم يزد على الواحد شيء. # وتقول: نصف الواحد، لم يغير النصف الواحد. فدل على أنه محدث الشيء وإذا ~~دل أنه محدث الشيء، دل أنه مفني الشيء. وإذا دل أنه مفني الشيء، دل أنه لا ~~شيء بعده فإذا لم يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، فهو المتوحد بالأزل. فلذلك ~~قيل له: واحد. # فأما الواحد والأحد، فصفتان معروفتان، قد نطق بهما القرآن، في صفات الله تعالى. # والأحد: هو اسم أكثر من الواحد. ألا ترى أنك لو قلت: فلان لا يقوم له ~~واحد، لجاز في المعنى، أن يقوم له اثنان وثلاثة، فما فوقهما. # وإذا قلت: لا يقوم له أحد، فقد حرمت أنه لا يقوم له واحد، ولا اثنان. # وتقول: ليس في الدار واحد، يجوز أن يكون من الدواب أو الطيور، أو الوحوش ~~أو الإنس، فكان الواحد، لغير الدواب والناس. # وإذا قلت: ms169 ليس في الدار أحد، فهو مخصوص بالآدميين، دون غيرهم من سائرهم. ~~والأحد ممتنع في الحساب؛ لأنك تقول: واحد واثنان وثلاثة. فهذا العدد وإن لم ~~يكن في العدد، فعليه العدد. وهو داخل في العدد. والأحد ممتنع من هذا. فلا ~~يقال: أحد واثنان وثلاثة ولا يقال أحد في أحد، كما يقال: واحد في واحد. ~~والواحد وإن لم يتجزأ من الواحد، فهو يتجزأ من الاثنين، فما فوق ذلك والأحد ~~قد يجيء في الكلام، بمعنى الواحد، ومعنى الأول. # فالواحد والأحد، وغيرهما من الألفاظ التي مضت، كلها مشتقة من الواحد. ~~تبارك الله الواحد الأحد. # مسألة : # فإن قال قائل: من أين علمت أنه تعالى واحد؟ # فقل له: من قبل، أنه لا يكون قادرا إلا واحد؛ لأنه لا يكون الغالب إلا ~~واحدا؛ لأن الاثنين لا بد من أن يكون أحدهما يغلب صاحبه. والمغلوب عادز، ~~والعاجز ليس بإله قدير. PageV01P187 # ومعنى القول: بأنه واحد: أنه لا نظير له، ولا شبيه. فهو واحد، لم يزل ~~واحدا تعالى الله الواحد القهار. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والستون والمائتان # في الفرد # ويوصف الله تعالى: بأنه فرد. والفرد الواحد. # وأفردته: جعلته واحدا. فالله تعالى، هو الفرد. وقد تفرد بالأمر دون خلقه. # وسمي فردا، لأنه لا يختلط بالأشياء، ولا يمازجها. بل هو مستغن عنها؛ ~~لغنائه عنها. والأشياء مختلط بعضها ببعض. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والستون والمائتان # في الصمد # الصمد: هو السيد الذي ليس فوقه سيد. # قال الأسدي: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد. بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد. # وقال عمرو بن الأسلع في قتله حذيفة بن بدر: # علوته بحسامي ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد # قال الحسن: الصمد: السيد الذي لا يموت. # ويجوز أن يقال: لم يزل صمدا، على أنه لم يزل سيد مالكا للأشياء. # ولا يجوز أن يقال: لم يزل صمدا، على معنى أن الصمد: هو أن الخلائق يصمدون ~~إليه في حوائجهم. # فالصمد على هذين الوجهين. فأحدهما ما هو من صفاته لذاته، والآخر، من ~~صفاته، لحدوث القصد إليه من العباد. وبالله التوفيق. ms170 # الباب الرابع والستون والمائتان # في ذكر لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # لم يلد، فيكون موروثا. ولم يلد، فيكون محدثا مربوبا. ولم يكن له كفوا ~~أحد، فهو الله الذي لا كفو له، ولا شبيه له. ولا نظير، ولا عدل. ولم يكن له ~~كفوا أحد. ولم يكن له أحد كفوا- على التقديم والتأخير. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والستون والمائتان # في الإشارة # كقوله تعالى: { قل هو الله أحد } وفي قوله: { هو الله الذي لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة } . # قال: والإشارة على ضربين: إشارة إلى صفة، وإشارة إلى الحقيقة. # فالإشارة إلى الصفة هذا. وهو يعرف نظر العين. وإشارة إلى الحقيقة. وهو ~~إشارة حقيقة المعرفة. وذات الشيء: حقيقته. وبالله التوفيق. # الباب السادس والستون والمائتان # في ذكر الأسماء الحسنى PageV01P188 وتفضيل الأسماء بعضها على بعض # قوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } الرحمن الرحيم العزيز الحكيم. قال ~~الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } . # قيل: الصفات العلا. # ويقال: { له الأسماء } تسعة وتسعون اسما. من أحصاها دخل الجنة. # مسألة: # بعض الأسماء أعظم من بعض. وبعض الصفات أرجح من بعض. # ولا يقال: بعض الكلام أحسن من بعض، ولا أقبح. # وكذلك الأمر في الأسماء والصفات. ومن حد صفات الله، كمن حد الله. ويقال: ~~اسم الله الأعظم، لا من قبل أن له اسما ضميرا. # وذلك أن لله تعالى أسماء، فبعضها محظورة على البعض. وبعضها ليست بمحظورة. # فما ليست بمحظورة: فمؤمن وجبار وحي وواحد. # والمحظور: الله والرحمن والرحيم. ولا تصغر الأسماء التي حظرت؛ لأنه ليس ~~لله تعالى اسم صغير، لأن كل من كان صغيرا، ففيه تضعيف. ولا يكون اسمه ~~الأعظم إلا وهو محظور. ولا يجوز لخلق أن يتسمى به. وإنما ذكرنا ما ذكرنا، ~~لأنه قد أنكر قوم اسم الله الأعظم. # قال المؤلف: # واسم الله الأعظم: هو الله؛ لأنه قدم على جميع الأسماء كلها. # وقيل غير ذلك. تركت الاختلاف. وبالله التوفيق. # الباب السابع والستون والمائتان # في الدعاء وفضله ومدحه # وما يجوز فيه وما لا يجوز # والدعاء: مخ العبادة. وقد أمر ms171 الله تعالى عباده: أن يدعوه. فقال تعالى: { ~~ادعوا ربكم تضرعا } مستكينين { وخفية } في خفض وسكون، في حاجاتكم، من أمر ~~الآخرة. ولا تدعوا على مؤمن ولا مؤمنة بالشر. أن تقولوا: اللهم: العنه ~~وأخره. ونحو ذلك، فإنه عدوان: { إن الله لا يحب المعتدين } . وقال تعالى: { ~~ادعوني أستجب لكم } . وقال الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ~~وقد قدمنا ذكر الأسماء الحسنى، والقول فيها. # فالدعاء فرض، إذا خرج ذلك الدعاء، فيما أمر به العبد، ولم يدخل يه ما لا يجوز. # فصل # والناس مختلفون في الدعاء. # فمنهم: من أجاز على الشريطة والتقييد. # ومنهم: من لم يجز. PageV01P189 # فالذي وجدت في الأثر: أن يدعوه ويسأله الخير. فذلك حسن. # والذي يقول به: أن يسأل الله في الدعاء، على وجه التضرع إليه. ويسأله أن ~~يقضي له ما هو خير. # فإذا سألت ربك في الصلاة. فلا تقل: إن شئت يا رب، فعلت لي كذا وكذا. ~~ولكنك اعزم في المسألة، وألحح على ربك، وجد في الطلب. وقل: اللهم يسر لي ~~كذا وكذا، وأعطني كذا وكذا، واجعل لي فيه خيرا في ديني ومعاشي. ولا تقل: إن ~~كان خيرا. ولكن تسأله -ما شاء الله- ثم تقول: اجعل لي فيه خيرا. وبالله ~~التوفيق. # ************ # الباب الثامن والستون والمائتان # فيما يستحب أو يكره في الدعاء # من الحركات والأصوات # وقيل: رفع الصوت في الدعاء اعتداء. # أبو سعيد: رفع اليدين في الدعاء، لغير معنى التحديد لله تعالى. فإن فعل ~~ذلك فاعل، على صدق النية والمذهب، فلا مانع له. وليس ذلك ما يوجب التحديد ~~إلا على الإرادة، بسوء المذهب. # وقال: استحب بعض أصحابنا: أن لا يحدث الداعي في دعائه حالا، من رفع يدين ~~ولا خفضهما. فإن رفعهما فعلى هيئتهما- على ما قيل. # قال غيره: إن رفع يديه بحذاء وجهه، مبالغة منه في الطلب، في الدعاء إلى ~~الله، جاز له ذلك. ولا أعلم عليه شيئا. # وإن كان في رفعه يديه، على معنى التحديد لله، فلا يجوز. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والستون والمائتان # فيما يجوز أن يدعى الله به # وما لا يجوز ms172 # أبو الحسن البسياني- قلت: اللهم لا تدع لي عيبا إلا سترته، ولا كربا إلا ~~كشفته، ولا ذنبا إلا غفرته، وأمثال هذا من المطلوب من الدعاء، يجوز ذلك أم لا؟ # قال: أرجو أن هذا يجوز. وهذا من المطلوب من الله أن يفعله. # مسألة: # وعنه: وفيمن قال: يا غيائي ولجائي، ويا همي ومنائي، ويا نوري وضيائي. # قال: لم أعلم هذا من دعاء المسلمين. PageV01P190 # فأما غيائي ولجائي، فعسى أن لا يجوز. يقول: أستغيث بك وألتجئ بك. وأما ~~همي ومنائي ونوري وضيائي، فالله أعلم إلا أني أقول: إن كان يعني النور ~~نورا، يهتدى به من الضلالة. فإن قصد إلى ذلك، فأرجو أنه يجوز- انقضى. # مسألة: # ولا يجوز على الإطلاق: اللهم لا تغرض عني. ويجوز: اللهم يا عظيم الرجاء، ~~أي عظيم المرجو. # محمد بن الحسن-قلت: هل يجوز في الدعاء: يا رب ارض عنا برضاك وتب علينا ~~بتوبتك أم لا؟ # قال: إني أكره أن يتكلم المتكلم بذلك لوعوثة لفظه. # وأما إذا أراد: أثبنا بثوابك، وارحمنا برحمتك، فقد أصاب؛ لأن الرضى ~~والتوبة من الله، رحمة وثواب. # مسألة: # من قال: اللهم اكفنا ظلمة خلقك، يجوز. ومن قال: اعتمادنا بعد الله على ~~فلان، فإنها كلمة أكره المقال بها، إلا أن يقول: اعتمادنا على فلان، بعد ~~توكلنا على الله. # ومن قال: ذهب الله بأصل كذا. فإن كان شيئا قد أهلكه الله. فقال بذلك على ~~وجه الإخبار، فلا بأس. # وكذلك إذا دعا بذلك، على أحد من أعداء الله. فقال: ذهب الله بنفسه أو ~~بسمعه أو ببصره، فلا بأس بذلك. # ومن قال: كسح الله بأثر فلان، إذا كان ممن يظلم الناس ويؤذيهم. # قال: لا أرى ظاهر اللفظ يصلح. إذا أراد بذلك الهلكة، فلا أراه مأثوما. # ومن قال: طير الله، ولا طيرك، أي فعل الله وحكمه، لا فعلك وحكمك. # قال الفراء: الطائر عندهم: العمل. ومنه قول تعالى: { وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه } أي عمله. # مسألة: # سألت أبا معاوية: هل يجوز أن يقول الرجل: اللهم صل على محمد، كما صلت ~~عليه ملائكتك؟ # قال: نعم. ويقال: ms173 إنه يقال: اللهم صل على محمد، كما صليت وسلمت وباركت ~~على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد. وبالله ~~التوفيق. # ***************** # الباب السبعون والمائتان # في الحاجات والمآرب والأمور التي يجوز أن يسألها الله تعالى # ولا يجوز PageV01P191 ومن قال: اللهم اخترني، أو اللهم ردني. أو قال: ~~اللهم عالني على فلان حتى أنتصر منه. أو قال: اللهم ارزقني مال فلان، أو ~~زوجة فلان، أو خادم فلان، أو دابة فلان. فلا أرى عليه شيئا من ذلك، إذا كان ~~معناه ارزقني مال فلان بالثمن، من وجه الحلال والشراء، أو زوجة فلان، إن ~~طلقها، أو دابته، إن باعها. # وأما إذا تمنى على غير هذه الوجه، من وجه الحسد، فلا يجوز الحسد لمسلم. ~~وجائز في الكافر. # ومن لم يكن له ولد، فلا يجوز أن يدعو الله: أن يرزقه ولدا، يحمي ماله عن ~~ورثته. وذلك من كبائر الذنوب. وبالله التوفيق. # ************* # الباب الحادي والسبعون والمائتان # في سؤال المحال عن حقيقته # من قال: اللهم ارحم النار مني، فهذا محال؛ لأن النار لا عقوبة له عليها. ~~وهي عقوبة للظالمين. # ومن قال: اللهم إن حلمك أضر بنا. فهذا محال؛ لأن حلم الله عمن أساء، إذا ~~عفا عنه، ولم يعاقبه، ويعجل له العقوبة، فلا يكون هذا الحلم ضررا. # ************* # الباب الثاني والسبعون والمائتان # فيما يجوز في الدعاء # وما لا يجوز من أسماء الله الذاتية والفعلية وصفاته الذاتية والفعلية ولا ~~يجوز أن يقال: يا من ارتدى بالفخر والكبرياء. # ويجوز: اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا. # ومعنى الربيع: الغيث الدائم، بأنه دعا: أن يديم الذكر في قلبه. والقرآن كذلك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على ~~طاعتك. ولا يجوز أن يقال: يا رب، لا تجر علي. # مسألة: # أبو سعيد- قلت: هل يجوز أن يقال لله أو يدعى: يا حنان، أو يا برهان، أو ~~يا سلطان، أو يا عاقل. # قال: أما حنان، فقد عرفنا في ذلك اختلافا. فكره ذلك من كره. # وقال بعض المسلمين: لا بأس بذلك، لأن ذلك ms174 يخرج على وجه الرحمة. # وكذلك الحنان هو الرحمن، على هذا. # وأما البرهان، فالبرهان: هو الحجة. والله ذو الحجة برهان الله. ولا يقال: ~~هو الحجة، ولا البرهان. # وأما السلطان، فهو القدرة. والله ذو القدرة. وهو القادر. PageV01P192 # ولا أحب أن يقال لله: سلطان، ولا برهان. # ويقال: يا ذا السلطان، ويا ذا البرهان. # وأما يا عاقل، فلا يجوز، لأنه من أسماء المخلوقين. # ويجوز أن يقال: يا عظيم الرجاء. ولا يجوز أن يقال: إن الله يحتجب عن ~~خلقه، لأن المحتجب مستتر. # مسألة: # في قولهم: الله المعين والمسهل. # قال الشيخ أبو أحمد المنذر بن أحمد السري: المسهل جائز. ورفع عن الشيخ ~~أبي الحسن علي بن محمد: أن المعين صفة من صفات الله.وجائز بذلك. # مسألة: # فيا يوجد عن أبي عبدالله -في بعض دعائه-: يا من هو بكل مكان. ثم قال: ليس ~~المعنى في هذا بصورة، ولا بجنس. ولكن بعلمه، في كل مكان. # ولا يجوز أن يقال: يا من احتجب بقدرته عن أعين الناظرين، لأن القدرة ليست ~~هي. وليس هو ممن يتوارى بالحجب. # فإن قال: أفليس قد قال الله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب } فإن معنى الحجاب: المنع لهم عن رؤيته. وليس من دون ~~الله حجاب يستره. # ولا يجوز أن يقال: يا حنان. ويجوز: اللهم لا تنسنا ذكرك. # وجائز: يا ديان إن عنى به متعبد عباده بدين يعبدونه. # وجاز: يا جبار الجبابرة؛ لأن الجبار: هو الممتنع، وهو فوق كل جبار ~~وممتنع، وعلى كل جبار ممتنع قاهر. # وقيل: إنه على الإطلاق، لا يجوز. # وقلت: هل يجوز في الدعاء: يا حنان يا منان، يا آمين. # فأما يا حنان، فلا يجوز؛ لأن ذلك مأخوذ من حنين الناقة، على ولدها. # وأما ديان وآمين فعسى أن يجوز؛ إذا قصد بذلك أن يدان له، وآمين: أن يؤمن ~~منه الجور، ولا يقال: ديان لأحد، ولا آمين لأحد. # ولا يجوز: يا من ارتدى بالفخر والكبر. # مسألة: # ومن قال: يا رب باسمك الأعظم افعل لي كذا وكذا، فلا ms175 يجوز. # قال المؤلف: ويسأل الله بأسمائه الحسنى، وتأويل ذلك: أن يسأل الله ~~بالأسماء التي سمى بها نفسه، ولا يعنى بذلك: نسألك بحق أسمائك عليك، ولكن ~~يعني بأسمائه نفسه، بأنه الرحمن الرحيم الخالق البارئ. # مسألة: وجائز أن يسأل الخالق: نسألك بذلك. PageV01P193 # قال المؤلف: وسل عن ذلك، فإن فيها غير هذا، ولا يجوز أن يسأل الله. # فيقول: بحقك على نفسك افعل لي كذا. # ولا يجوز بحقك، ولا بسمواتك، ولا بوجهك، ولا بقدرتك، ولا بملائكتك ~~وأنبيائك والكعبة والقرآن وعرشك وكرسيك وبجميع خلقك، ولا بشيء من الحقوق. # ولا يجوز أن يقال: أسألك بأسمائك، ولكن أدعوك بأسمائك، ولا يجوز بحق ~~أسمائك. # واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله. # وجائز أن يدعى بأسمائه. # ولا يجوز أن يقال: اللهم بقدرتك، أو بعزتك، أو بحلمك، أو بعلمك، افعل لي ~~كذا وكذا وكذلك بحق قدرتك، وبحق عزتك ووجهك وأسمائك، فهذا لا يجوز، لأنك ~~تجعل قدرته وعزته غيره، لأن أسماءه الذاتية وصفاته الذاتية، لا هي هو ، ولا ~~هي غيره. # فإذا قلت: بحق قدرتك وعزتك، فكأنك سألته ببعضه، وتجعل للقدرة حقا عليه - ~~تعالى الله عن ذلك. # ومن قال: بأسمائك وملائكتك، ففيه اختلاف. # واختلفوا فيمن يسأله بأفعاله. # وجائز أن يسأله بأسمائه. # ومن سأل الله بصفات فعله، ففيه اختلاف. # ولا يجوز أن يقال: أسألك بلا إله إلا أنت، ولا بحق لا إله إلا أنت. ولا ~~أسألك بحق شهادة أن لا إله إلا الله، ولكن يقال: يا الله يا رحمان يا رحيم ~~يا رب يا خالق يا بارئ يا مصور يا مؤمن يا مهيمن، وأمثال ذلك من أسمائه ~~التي يجوز أن يسمى بها. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والسبعون والمائتان # في نفس البارئ وذاته يذكره الداعي في دعائه # وما يجوز من ذلك وما لا يجوز # البسياني: # قلت: هل يجوز أن يقال في الدعاء: يا ساكن السماء، يعني الله تعالى، فلا ~~يجوز أن يوصف الله بالسكون والنزول في السماء. # وجائز أن يقال: هو الله في السماء إله وفي الأرض إله، من غير أن يعتقد ~~أنه حال فيها، ولكن هو ms176 فيها بتدبيره واقتداره. والله أعلم. # وكذلك هل يجوز أن يقال: يا من كل مكان منه ملآن؟ # قال: جائز على وجه الإحاطة والتدبير والعلم، لا أنه فيه ملآن شخص ولا جثة. # قلت: فالرجل يقول في دعائه: الحمد لله حمدا يهنئه، ويحجرني عن معاصيه. PageV01P194 # هل يجوز في صفة الله التهنئة أم لا يجوز؟ # فذلك عندنا غير جائز على الله أن يهنأ بشيء، لأنه تعالى غني، والحمد ممن ~~حمده، لا يحجر عن معاصيه، إنما الحجر عن المعاصي، وبتوفيق الله. # قلت: فإن كان لا يجوز، فما يكون القائل مشركا، أو كافرا؟ # فما أقول: إنه يبلغ به إلى الشرك والله أعلم، وإن لم يتب، كان ما أقربه ~~إلى الخطأ والإثم. # قلت فإن قال: يا طاهر، يعني بذلك الله، هل يجوز هذا في صفة الله؟ وما ~~معنى الطاهر، من طريق الطهارة؟ # فأما إن كان القائل قصد إلى معنى أن الله طاهر عن الأشياء، فعسى؛ لأن ~~القدوس: هو الطاهر، والتقديس: هو التطهير، والأرض المقدسة: هي المطهرة، ~~فعلى هذا يجوز. # ولا يجوز أن يوصف الله بغير ما وصف به نفسه، في كتابه، أو يعرف معنى ~~تأويله. ومعنى ما يقول. # قلت: وكذلك يوجد في بعض الآثار: أنه يستحب أن يقول في الصلاة: أشهد أن ~~لله ما ادعى، وأنه برئ ممن تبرأ، هل يحسن هذا؟ وهل يجوز أن يوصف الله ~~بالادعاء، أو يضاف إليه الدعوى، وهو الصادق المصدق، وقوله الحق؟ وإن كان ~~ذلك لا يجوز، ولا يحسن، فما يخرج عندك تفسير ما ذكرت؛ لأنه يوجد في الأثر؟ # قال: الذي يجيز ذلك، وقال به فلعل معناه في ذلك لا يذهب إلى الدعاء ~~والدعوى وإنما يذهب أن الله الخلق والأمر، وله الحكم، كما ذكر في كتابه: أن ~~( له الخلق والأمر)، وأنا شاهد بذلك على ما قال وهذا عندي تفسيره، والله أعلم # وأما من لا يجيزه وكرهه، ولا يقول به، ولكن يقول: أشهد أن له الخلق ~~والأمر والحكم، كما ذكر في كتابه. # قلت: وكذلك إن قال: يا خير الأصحاب؟ # قال: إن عنى بذلك ms177 حافظا ومدبرا، جاز ولا يجوز على غير هذا المعنى، وبالله ~~التوفيق. # الباب الرابع والسبعون والمائتان # فيما يجوز في الدعاء ومالا يجوز # أبو الحسين البسياني - قلت: هل يجوز أن يقول الإنسان في دعائه: الحمد لله ~~الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين؟ # قال: بهذا نطق كتاب الله، وجائز القول به. PageV01P195 # والموجود في الأثر: انظر إلى من فضلت عليه، واحمد الله، ولا تنظر إلى من ~~فوقك، فيما أوتي من الدنيا، فقد أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ~~بقول داود وسليمان، إذ قال: { ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } فحمدا الله، على ما فضلهما في ~~الملك والنبوة، وآتاهما ما لم يؤت غيرهما من المؤمنين، فذلك يجوز على هذا، ~~إذا رأى رأي فضل الله عليه، حمد الله. # قلت: وكذلك يقول في دعائه، في آخر صلاته: أشهد أن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين، أم إنما هو خاص للأنبياء - صلوات الله عليهم - ~~ولمن صحت سعادته؛ لأنه مما يدخل في تزكية النفس، أم ما عندك في ذلك؟ # قال: عندي في ذلك أن ذلك جائز، إذا دعا به الداعي، على وجه التذلل لله، ~~وأنه قد أسلم ذلك لله في طاعته، لا يعتقد ذلك تزكية لنفسه، ولا يقول إلا ~~كما جاء به القرآن فلا يقول: أشهد على وجه العلم بالتزكية، ولكن على وجه: ~~إني أجعل ذلك لله في طاعته، لا شريك له، ولا أحب أن يقول: أشهد، ولكن يقول: ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - كما جاء به القرآن. # قلت: والداعي يقول في دعائه: اللهم لا تخزني بالبلاء، هل يجوز هذا في ~~الدعاء؟ وإن كان لا يجوز، فما يكون حال قائله؟ وما تكون منزلته؟ # فالذي أنا عليه: أن الله تعالى لا تضاف إليه التخزية بالبلاء، ولا غيره. ~~وإنما يفعل بعباده، ما قد علم وشاء، لا من وجه التخزية، والقائل لذلك جاف ~~في دينه، بقوله ذلك؛ إن لم يتب. # قال: جائز أن يقال لله تعالى: يا ms178 رب الأرباب - انقضني. # ولا يجوز على الإطلاق: اللهم لا تعرض عني. # ولا يجوز: اللهم لا تجر علي، ولا تظلمني، وإن كان معلوما: أن الله لا ~~يفعل شيئا من ذلك. # بشير - قال: يجوز أن يقول: اللهم حل بيني وبين الشيطان. # ويقال: إن الله حال بين المؤمنين، وبين الكفر. # ومعنى ذلك: أنه أمرهم بالإيمان، ونهاهم عن الكفر. PageV01P196 # ومن قال: اللهم لا تنسنا ذكرك، ولا تولنا غيرك، فليقل ذلك، على معنى: لا ~~تحل بيننا وبين طاعتك، كقوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ~~يقول: إن الله لم يحملهم ما لا طاقة لهم به، ولكن يقول: اللهم لا تفعل بنا ~~ما يحول بيننا وبين طاعتك، وقوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ~~إنما هو بأمرهم بالدعاء. # وقال في موضع آخر: لا تولنا غيرك، لا يجوز والله أعلم. # ويجوز أن يقال: اللهم لا تجعلنا خلقا خلقته للنار. # وجائز: اللهم اعزم لي على الخير. # ويقال: أنت عفو فاعف عني، فيسأل بالأفضل. # ولا يقال: أنت عدل فتفضل علي، ويجوز: أعوذ بالله من نقمه وابتلائه. # وقول من قال: اللهم أجرني من عذاب النار، أو أغثني من الظلمة، وأجرني ~~منهم، فكل ذلك ما عرفت به بأسا. والله أعلم. # ويجوز: اللهم يسر لنا، وكره من كره، ولا تعسر علينا. # ويجوز في صفة الله: أن يقال: ياذا المدعو، وأن يقال: ياذا الخلق، وذلك ~~مثل قوله: ياذا العرش. # ويجوز أن يدعى: اللهم تحمل عني ذنوبي، واحمل عني ذنوبي، على معنى العفو ~~عنه، ليس أن يشبه بالخلق، من الحمل - تعالى الله عن ذلك، وهذا يخرج عن ~~المجاز. # وكذلك يجوز أن يقال: اللهم زدني خيرا، على معنى المجاز؛ لأن هذا المعقول ~~من القول، وإرادة الله، قد تقدمت، فيما أراد - تبارك وتعالى. # مسألة: # هذا مما عرض على أبي سعيد، فرآه صوابا: # يا من هو تحت كل شيء؛ وليس له تحت، ويا من هو فوق كل شيء، وليس له فوق، ~~ويا من هو أول كل شيء، وليس له أول، ويا من ms179 هو آخر كل شيء، وليس له آخر. # قال المؤلف: سل عن الصفة لله، بأنه تحت، فإنها كلمة جافية، لأني وجدت ~~النهي عن القول: يا من هو تحت كل شيء، فلا يحسن أن يقال: إن الله تحت كل ~~شيء، كما يحسن أن يقال: فوق كل شيء. # مسألة: ومن جوابات لأبي عبدالله محمد بن الحسن بن غسان - قلت: هل يجوز في ~~الدعاء: يا رب ارض عنا برضاك، وتب علينا بتوبتك؟ أم لا يجوز ذلك؟ PageV01P197 # قال: إني لأكره أن يتكلم المتكلم بذلك لعثوثة لفظه، فأما إذا أراد أثبتنا ~~ثوابك، وأرحمنا برحمتك، فقد أصاب، لأن الرضى والتوبة من الله، رحمة وثواب. # ويجوز أن يقال: يا رب لا ترزقني الحرام، ولا تطعمني إياه أم لا؟ # بل جايز له ذلك أن يسأل الله: أن لا يجعله من أهل الكفر والمعاصي، لأن ~~الحرام هو رزق الله، فما أكله رزق الغذاء، لا رزق التمليك، ولا رازق غير ~~الله، ولا مطعم غيره. # مسألة: في من يقول: اللهم اعزم لنا بالخير: # قال: أرجو أنه يجوز، لسعة اللغة في معنى الإرادة، ومكروه أن يقال: فال ~~الله ولا فالك، وقوله: ما عندي قليل الله، ولا كثيره، من الجنس الذي طلب ~~إليه، فإذا صدق في إخباره، فلا أرى عليه بأسا. # مسألة: # وهل يجوز أن يقال لله: أرحم الرحماء، وأعلم العلماء أو لا؟ # لا أروى جواز الوصف له، إلا بما وصف نفسه: أنه أرحم الراحمين، وأما قوله: ~~أعلم العلماء، فقد أصاب، وإن أراد به يعلم، ولا يعلمون فجائز ولا يجوز ~~التشبيه له بخلقه. # ولا يجوز: يا غياث المستغيثين، ولكن يقول: يا من هو غياث المستغيثين، ويا ~~من يستغاث به. والله أعلم. # ولا يجوز أن يقال: اللهم اكفنا ظلمة خلقك. # وقيل: يجوز. # وعن أبي سعيد - في قول الداعي- : اللهم لا تطعمنا الحرام، إنها كلمة ~~جافية، لا تجوز، وأحب أن يدعى بغيرها. وبالله التوفيق. # الباب الخامس والسبعون والمائتان # في الاستخارة والاستشارة # أبو الحسن البسياني - وعن الداعي: هل يجوز أن يقول في دعائه: اللهم إن ~~كان هذا المر ms180 خيرا فاقضه لي، وإن كان شرا فاصرفه عني، في أمر قد خشى منه ~~الضرر، ورجا منه النفع؟ وهل يجوز أن يدعي على سبيل الشريطة؛ فإني قد وجدت ~~في بعض الآثار: ينهى عن ذلك، ويؤمر أن يدعى بالقطع ويسأله أن يجعل له في ~~ذلك الخيرة، ويقول: اللهم افعل لي كذا وكذا، واجعل لي فيه الخيرة، فما كان ~~معك في ذلك، أو سمعت فيه؟ PageV01P198 # قال: أرى أنه جائز أن يدعو على وجه السؤال، وقد قيل: بإجازته على ما ~~وصفت، إن كان خيرا، فاقضه، وإن كان شرا فاصرفه. # والناس مختلفون في أمر الدعاء. # فمنهم: من أجاز على الشريطة والتقييد. # ومنهم: من لم يجز ذلك. # والذي وجدت في الآثار: أن يدعو ويسأله في الخيرة، فذلك جائز حسن. # والذي أقول به: أن يسأل الله ويدعوه، على وجه التضرع والرغبة إليه، ~~ويسأله أن يقضي له مما هو خير. # وقوله اللهم إني أستخيرك فجائز. # ولا يجوز: اللهم إني أستشيرك، والاستشارة على الله لا تجوز؛ لأنها من ~~صفات المخلوقين. # قال غيره: إذا أردت أن تستخير الله تعالى، تقول: أستخير الله، ثم أستشير الناس. # قال المؤلف: أستخير - بالخاء العجمة لا بالجيم - وبالله التوفيق. # الباب السادس والسبعون والمائتان # في السؤال بأسمائه التي دعاه بها أنبياؤه - عليهم السلام # ومن قال في دعائه: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به موسى، وبالاسم ~~الذي دعاك به عيسى، فلا يجوز. # ومن قال: أسألك بما سألك به محمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم، فإن هذا لا ~~يجوز. وبالله التوفيق. # الباب السابع والسبعون والمائتان # فيما يدعى الله به على الحقيقة والمجاز # وأحكام ذلك # ومن قال: إنه تعالى ذخر، وسند له- بالنون، فمجاز وحقيقة. # ومن قال: يا خير الأصحاب، يعني بذلك، حافظا ومدبرا، جاز. ولا يجوز على ~~غير هذا المعنى. # ولا يجوز يا صاحب المؤمنين، على الحقيقة. وإنما يقال للإنسان: صحبك الله ~~- توسعا - يارد: سلمك الله. # ويقال: يا سيد كل سيد، ومولى كل مولى - على المجاز، ورب الأرباب - على ~~المجاز؛ لأن من ملك شيئا، سمى ربهم - في اللغة، ms181 والله تعالى هو المالك في ~~الحقيقة، ويوصف بأنه تعالى حافظ وراع وحارس، وإن كان استعماله قليلا، ~~والحراسة والرعاية حقيقتان، فلهذا وصفناه بهما، وكفيل وضامن صحيح يقال: ~~تكفل الله بأرزاق العباد، وضمن للمؤمن بالجنة. وبالله التوفيق. # الباب الثامن والسبعون والمائتان PageV01P199 فيمن يسأل الله برحمته ~~وفضله وكرمه # من قال: اللهم ارحمني برحمتك، ففيه اختلاف. # وكتب بعض المسلمين إلى بعض: # عافانا الله وإياك برحمته. # مسألة: # وما عندك. هل يجوز أن يسأل العبد خالقه بفضله ومنه، وكرمه ورحمته. فيقول: ~~وقنا برحمتك عذاب النار؟ ويقال: أنعم علينا بهدايتك، وتفضل علينا بعفوك؟ # الجواب: قد عرفت جواز ذلك؛ لقول الله تعالى: { وقنا عذاب النار } . # وقد قال: { واسألوا الله من فضله } وقال: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا } . # وإذا سأل الله: أن يمن بعفوه ورحمته وهدايته، على عبده، فذلك جائز؛ لأن ~~مسألته إنما يريد بذلك، أن يمن عليه بذلك، لا أنه يسأله برحمته وعفوه ~~وهدايته، متوسلا إلى الله تعالى. فذلك لا يجوز. والله أعلم. # وفيمن يقول: اللهم ارحمني برحمتك، وتب علي بتوبتك. # قال بعض: لا أرى بذلك بأسا، على استنباط المعنى، لأن المراد بذلك: الله ~~أصبني برحمتك، وأمسسني نعمتك. # قال الشيخ أحمد بن عبدالله بن موسى: وجدت في جواز ذلك اختلافا. # ولا يجوز أن يقال: اللهم ارحمني برحمتك. # قال المؤلف: قد تقدم الاختلاف في ذلك. ولعل ذلك إذا سأله مستشفا إليه ~~برحمته، ومتوسلا. # وأما إذا قال: أصبني برحمتك، يسأله أن يرحمه. فذلك جائز. والله أعلم. # قال الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة: وكل شيء يسأله السائل ربه ~~أن يفعله، فهو على ضربين: أحدهما: شيء من حكم الله، أن يفعله، دعا به ~~الداعي، أو لم يدع به. وشيء من حكم الله أن لا يفعله إلا بعد دعائه. # فأما الذي هو من حكمه، أن يفعله دعا به الداعي، أو لم يدع. فكالذي حكاه ~~الله، من دعاء الملائكة -عليهم السلام-: فقال: { ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } الآية. وقد ~~علمنا أن ms182 الله يدخل المؤمنين الجنة، وأنه يغفر للذين تابوا، دعا بذلك داع، ~~أو لم يدع. PageV01P200 # وأما الضرب الذي ليس من حكم الله، أن يفعله إلا بعد الدعاء، كدعاء ~~الأنبياء -صلوات الله عليهم- للأشياء التي لولا دعاؤهم بها، لم يتفق كونها، ~~على سبيل ما اتفقت عليه من الكثرة ومقادير الأوقات، لعلم الله تعالى، بأن ~~ذلك لا يكون موجبا للحجة. ولا واقعا للمصلحة، إلا بأن يكون بعد ذلك الدعاء. # وقد علمنا أن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله، في النصرة على المشركين، ~~وقي استسقاء الغيث، وفي كشف ما كان من المكاره، وفيما أشبه ذلك. وجرى # مجراه، رغبة إلى الله تعالى، وطمعا أن يكون اجتهادهم، سببا لاجتلاب ما سألوا. # فقد دل ذلك على أن من الدعاء، ما لو لم يكن الشيء المسئول فيه. وإن كنا ~~لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه، مما سواه. # ولكنا نعلم في الجملة: أن مما ندعو به: أن الله يفعله، دعونا به، أو لم ~~ندع به. # ومنه: ما نعلم أن الله تعالى، لا يفعله إلا بعد أن ندعو به. # ومنه: ما لا ندري، من أي الصنفين هو؟ فنحن ندعو به، لحسن الدعاء في ذلك، ~~من الوجهين جميعا. # قال المؤلف: ولعل ها هنا وجها ثالثا، أغفله أبو محمد، حتى قال: إن الدعاء ~~على وجهين. وهما اللذان ذكرهما. PageV01P201 # والوجه الثالث الذي عندي. وهو الذي غفل الشيخ أبو محمد أن يذكره: هو شيء ~~من حكم الله، في علمه أنه لا يفعله دعا به الداعي، أو لم يدع به، لأنه لو ~~أن أحدا دعا ربه: أن يزيل له البحور من أماكنها، لم يشأ الله ذلك، وأن يأتي ~~بالقيامة قبل وقتها، ويميت له من لم يشأ الله يميته بعد، أو يحيي له، من قد ~~مات، ممن سبق في علم الله: أنه لا يحييه إلا يوم القيامة، أو يسأله أن يسقط ~~السماء على الأرض، أو يجعل عمره مائة ألف سنة، أو نحو هذا، مما لم يكن ~~سابقا ذلك في علم الله تعالى، لم يجب السائل في ذلك. ms183 دعا به الداعي أو لم ~~يدع؛ لأنه ليس الدعاء إلا على الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ أبو محمد ~~عبدالله بن محمد بن بركة فقط؛ لأن هذا الوجه الثالث الذي ذكرناه، شاهر ~~ظاهر،لا يرده راد، لصحته وثبوته. وبالله التوفيق. # ************ # الباب التاسع والسبعون والمائتان # فيمن يسأل الله تعالى بحق أنبيائه عليه # أو بحرمتهم أو أحد من خلقه # من جوابات أبي الحواري: # وعمن دعا الله فقال: بحق محمد عليك، أو بحق الأنبياء والملائكة عليك هل ~~يجوز أن يدعو بهذا الدعاء؟ # فالذي بلغنا عن محمد بن محبوب -رحمه الله-: أنه كان يقول: يقال: بحرمة ~~الأنبياء والملائكة، بحرمتهم عليك. # ومن قال: بحق لم نقل: إنه أخطأ. # وأولى ما اتبع: قول العلماء: وبحرمة. وهو أحب إلينا. # قال المؤلف: بحق محمد، لا يجوز في قول بعض. # وكذلك من دعا الله فقال: بحق أنبيائك عليك، وبحق رسلك وملائكتك عليك. ~~فهذا لا يجوز. # قال الشيخ أبو بكر: إلا أن يريد بذلك الاستشفاع بهم إلى الله. فعلى هذا ~~الوجه يجوز. # مسألة: # قال أبو محمد: واختلفوا فيمن يسأله بفعله. # فأما أفعاله، فمثل بحق أنبيائك افعل لي كذا وكذا. # فعلى قول من أجاز ذلك قال: من فضل الشفيع على من يشفع إليه. # وأما قول من لا يرى ذلك. فيقول: لا حق لأحد عليه. وحقه على عباده. PageV01P202 # قال أبو سعيد: معي أنه يخرج نحو هذا، على بعض ما قيل: ولأنبيائه تبارك ~~وتعالى الحق في دينه، بما جعل لهم من الحق. وقد قال الله تعالى: { وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين } وليس لأحد من خلقه عليه حق، إلا ما جعل بفضله لهم. ~~والحق له تبارك وتعالى، على عباده وخلقه: أن يوجبوا حتى ما جعلهم لعباده، ~~من الحق في دينه، من نبي أو إمام، أو غيرهم، من ذوي الحقوق في دين الله. ~~وهذا جائز في مجاز الكلام. وغير متعلق، على معنى: أن على الله حقا لعباده، ~~على اللزوم به لمه جل الله عن ذلك وعز. # مسألة: # جائز يسأل الخالق. فيقال: نسألك، ونسألك بحق السائلين عليك. # وذلك أن ms184 حق الله أن يطيعوه. وحق الخلق على الله: أن يثيبهم، إذا أطاعوه. ~~فيسأل الخالق بذلك الحق، ويسأل الخلق بحق الله. # قيل: لا يجوز. # مسألة: # ومن قال: بحق يوم الجمعة، وبحق حرمة رمضان. # قبض أجاز ذلك. # وكرهه آخرون. ولم يروه. # ولا يقال: نسألك بحق محمد. ولكن بحرمة محمد. ولا يجوز أن يسأل الله. # بملائكته وأنبيائه والكعبة والقرآن وعرشه وكرسيه، وبجميع خلقه، ولا بشيء ~~من الحقوق. # وأما بحق أنبيائك ورسلك، وبحق محمد عليك، وبرحمتك وبلطفك. ففيه اختلاف. # فمنهم: من أجاز ذلك، على نحو ما يستشفع إلى الله، بصفات أفعاله برسله ~~وأنبيائه، من فضل الشفيع، على من يشفع له؛ لأنهم أجل شأنا عنده، وأعظم ~~مقدارا. والله أعلم. # وقال قوم: لا يجوز أن يسأل الله تعالى بشيء، من هذا؛ لأن الله ليس لمخلوق ~~وعليه حق، من النبيين والمرسلين،ولا الملائكة المقربين. فيسأل بحقهم. وإنما ~~الحق له على خلقه. والفضل منه عليهم -عز وجل- من أن يكون لمخلوق عليه حق. ~~فيكون ماناعليه بذلك. والله أعلم. وبه التوفيق. # الباب الثمانون والمائتان # في إجابة الدعاء ورده وسرعته وتأخيره # قال الله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان } . وقال: { ادعوني أستجب لكم } . # ومن كتاب الثعلبي: PageV01P203 # قال بعضهم - في معنى الآيتين: الدعاء -ها هنا- الطاعة ومعنى الإجابة: ~~الثواب. كأنه قال: أجيب دعوة الداعي، بالثواب، إذا أطاعني. # وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص. وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: أجيب دعوة ~~الداعي- إن شئت. وأجيب دعوة الداعي إذا وافق القضاء. وأجيب دعوة الداعي - ~~إذا لم يسأل محالا. وأجيب دعوة الداعي- إذا كانت الإجابة له. # قال المؤلف: هذا القول حسن أن يكون شيء، أو لا يكون، إلا بمشيئة الله، ~~وقضائه وقدره. # رجع:- يدل عليه: ما أخبرنا بإسناد، عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم دعا بدعوة، ليس فيها قطيعة رحم، ولا ~~إثم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخر له في ~~الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها. # قالوا: ms185 يا رسول الله إذا فكبر. # قال: الله أكبر. # وقال بعضهم: هو عام. وليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة. # فأما إعطاؤه المنية، وقضاء الحاجة، فليس بمذكور في الآية. وقد يجيب السيد ~~عبده، والوالد ولده، ثم لا يعطيه. فالإجابة كانت لا محالة، عند حصول ~~الدعوة؛ لأن قوله: أجيب وأستجيب خبر. والخبر لا يعترض عليه النسخ؛ لأنه إذ ~~نسخ صار المخبر كذابا. وتعالى الله عن ذلك. وأن الله تعالى يقول لداود عليه ~~الصلاة السلام: قل للظالمين أن لا يدعوني، فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من ~~دعاني، وأني إذا أجبت الظالمين لعنتهم. # وقيل: إن الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت، إلا أنه يؤخر عنه إعطاء. ~~مراده، ليدعوه، فيسمع صوته. يدل عليه، ما روى بإسناد عن جابر بن عبدالله. ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليدعو الله وهو يحبه ~~فيقول لجبريل عليه السلام: اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها؛ فإني أحب أن أسمع ~~صوته. وإن العبد ليدعو الله، وهو ببغضه. فيقول لجبريل عليه السلام: اقض ~~لعبدي هذا حاجته، وعجلها؛ فإني أكره أن أسمع صوته. PageV01P204 # وقال بعضهم: إن للغجابة أساسا وشرائط. هن أساس الإجابة، وقيل النية. فمن ~~راءاها واستكملها، كان من أهل الإجابة. ومن أغفلها وأخل بها، فهو من أهل ~~الاعتداء في الدعاء، وبالله التوفيق. # ************* # الباب الحادي والثمانون والمائتان # فيمن يذكر الله بلا معنى # ويدعوه بلا معنى # ويذكره في غير موضع الذكر # عن أبي المنذر سلمة بن مسلم- هل يجوز أن يذكر الله بلا معنى، ولا اعتقاد، ~~أو يتكلم بكلام بلا معنى، ولا اعتقاد؟ وإن فعل فعلا أو تكلم بلا نية، يأثم أم لا؟ # قال: لا يجوز أن يلفظ بشيء بلا معنى له. فإن ما لا معنى له، يكون لغوا، ~~لا طاعة. وما لم يكن طاعة، فقد قيل: يكون معصية. # قال المؤلف: حفظت في هذه المسألة نفسها من آثار المسلمين: أنه لا يجوز أن ~~يذكر الله بلا معنى، ولا يدعو بلا معنى، ويذكر بلا معنى. وأن لا يتخذ ~~البارئ- عز وجل، ولا آياته ms186 هزوا، وأن لا يدعو بكلام، لا يعرف معناه، ولا ~~جوازه والله أعلم. وبه التوفيق. # ************* # الباب الثاني والثمانون والمائتان # في الصفات ومعانيها وأقسامها # وأحكام الصفات # الصفة هي: الشيء الذي يوجد بالموصوف فيكتسبه الوصف، الذي هو النعت، ~~الصادر عن الصفة. # وقيل: الصفة: ما تخلص الموصوف من غيره، وتمييزه مما يلتبس به. # قال: والصحيح: ما أوجبت حكما للموصوف. # وحد الموصوف: ماله صفة؛ لأن ما ليس له صفة، فليس بموصوف. # مسألة: # في الصفة والوصف: # الوصف: قول الواصف لله تعالى، أو لغير الله: بأنه عالم قادر. وهو كلام ~~مسموع. وقد يكون عبارة عنه. # وقوله: زيد حي عالم، وصف له، وخبر عنه، عن كونه على ما اقتضاه. وهو قول ~~يدخله الصدق والكذب. والعلم والقدرة: صفتان موجودتان، بذات زيد. والوصف: ~~قول الواصف. # فإذا كان الواصف لنفسه، هو الله تعالى: بأنه حي عالم، كان وصفه لنفسه ~~معنى، ليس هو علمه وحياته. ولا هو غيرهما، لاستحالة وصف صفاته بالمغايرة. PageV01P205 # وإذا كان وصفه لنفسه، وصفا لصفات أفعاله، نحو قوله: إني خالق رازق محسن ~~فهذه صفات، التي هي الخلق والرزق والعدل، غير الموصوف؛ لأنها أفعال. وهي ~~محدثات. والوصف الذي هو: قول: خالق رازق محسن مفضل، من صفات الذات، موجودة ~~مع عدم الأفعال. # وإن كان الوصف لنفسه محدثا، فإن وصفه لنفسه، بأنه عالم، غير صفاته التي ~~هي أفعاله؛ لأن جميع صفات الإنسان محدثة. وكلامه الذي هو وصف لنفسه محدث. ~~وهما غيره. # مسألة: # كل وصف صفة، من حيث كان قولا وكلاما، ومكتسبا، للمتكلم المخبر عنه حكما ~~وإن لم يجب أن يكون كل صفة وصفا؛ لأن العلم والقدرة والسواد والبياض ليست ~~بوصف لشيء، ولا خبر عن معنى من المعاني. # وزعمت المعتزلة: أن الصفة والوصف، بمعنى واحد. هذا حق؛ لاجتماع أهل ~~اللغة: أن الصفة هي النعت. # وذلك على أضرب: صفة خلقة لازمة، نحو أسود وأبيض، وطويل وقصير. # وصفة حرفة، نحو كاتب وحداد وبزاز. # وصفة دين، نحو مؤمن وكافر. # وصفة لنسب، نحو عربي، وعجمي وفي هذا دليل، على أن الصفات هي المعاني. ~~ولأن قول القائل إذا ms187 قال: فلان له علم بالكتابة والفقه. وفلان له عقل حسن. ~~وفلان له خلق قبيح. تعالى وصفه بمعان موجودة، أولاها ما صح وصفه بها. # وقول الواصف، ليس بصفة على الحقيقة إذ لا يصح أن يعلم بمعنى يوجد بغيره ~~ولأن ما قالوه، يؤدي إلى أن يكون البارئ- تعالى فيما لم يزل بلا صفة، ولا ~~اسم حتى أحدث الخلق، وأحدثوا له أسماء وصفات. فإذا أفتى الخلق، يبقى سبحانه ~~بلا صفة ولا اسم - تعالى الله عن ذلك. # مسألة: # في دليل قول من قال: إن الصفة والوصف واحد. استدلوا على أن الصفة هي نفس ~~الوصف الذي هو القول: بأن أهل العربية قالوا: إن الوصف والصفة، بمعنى ~~واحد،وأنهما بمنزلة الوجه والجهة، والوزن والزنة، والوعد والعدة. PageV01P206 # قالوا: وأيضا دليل آخر: أن المعاني الموجودة بالذوات، من العلوم والقدر ~~والحركات، ليست بصفات في الحقيقة. وأن الصفة: هي قول الواصف، إجماع الأمة ~~على أن الله، إذا قال: إن الجسم عالم أسود متحرك، فقد وصفه بهذا القول. # وإذا خلق فيه العلم والقدرة والسواد والحركة، لم يكن واصفا له، عند أحد ~~من الأمة. فيجب أن تكون الصفة هي. فما يكون الواصف لها واصفا، دون ما لا ~~يكون كذلك. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والثمانون والمائتان # في الدليل على أن الله تعالى لا يوصف بصفة # إلا بعد أن يعرف # ما معنى ما يتكلم به ويوصف به البارئ تعالى أو غيره # وأحكام ذلك # لا يجوز أن يوصف الموصوف بصفة، إلا بعد أن يعرف معناها، وما يريد أن يصفه ~~بها. ألا ترى أنه لا يجوز أن يوصف زيد بأنه طويل، إلا بعد أن يعرف معنى ~~الطول. ما هو، ويعرف زيدا. # مسألة: # عن أبي محمد-إن قال قائل: هل له صفة تعرف؟ # فقال: نعم. من صفته عز وجل - التي يعرف بها: أنه واحد قادر عالم سميع ~~بصير عاقل، لم يزل موجودا، ليس كمثله شيء. فهذه صفته- تبارك وتعالى. # وأما إن قال: هل له هيئة، أو حد أو صورة؟ فهذا فاسد. ولا يجوز أن يوصف ~~الله بذلك. # مسألة: # قال الشيخ أبو ms188 الحسن البسياني: جائز أن يوصف الله تعالى، بما وصف به ~~نفسه، وإن لم يعرف معنى ذلك. ولا تفسيره وأجاز الوصف لله تعالى: بأنه حسيب ~~وحفيظ، وعلى كل شيء وكيل، بما ذكره الله تعالى وبالله التوفيق. # ********* # الباب الرابع والثمانون والمائتان # فيما يجوز من الصفات حقيقة ومجازا # وما يجوز أن يوصف الله تعالى به # وما لا يجوز # قال المؤلف: وإنما كتبنا في هذا الباب، ما لم نعلقه، في متقدم الكتاب. ~~وما كتبناه أولا، إلا وقد كفى عن إعادته، في هذا الباب. # الضياء: # وجائز أن يوصف الله تعالى: بأنه عارف بالأشياء، كما يقال إنه عالم بها، ~~لأن العلم هو المعرفة. والعالم بالشيء، في الشاهد: هو العارف به. # قال المؤلف: ورد هذا القول- أبو سعيد، في جامع ابن جعفر. PageV01P207 # مسألة: # وجائز أن يقال لله تعالى: يدري الأشياء، كما يقال: إنه يعلمها. # وقيل: لا يجوز ذلك. ويوصف الله تعالى، بأنه مطلع على العباد، وعلى ~~أعمالهم- توسعا. ويراد أنه عالم بهم، وبأعمالهم. # وقيل له: مطلع، على المجاز؛ لأن المطلع منا على الشيء، من فوقه، يكون ~~أعلم به، وأولى بأن لا يخفى عليه منه شيء. فلما أن كان الله بالأشياء كلها ~~عالما، بما لا يخفى عليه شيء منها. قيل له: إنه مطلع عليها، مجازا. # ********** # مسألة: # وجائز أن يوصف الله تعالى: بأنه يحب ويبغض. # ومعنى الوصف له بالمحبة: هو معنى الوصف له بالإرادة. # ومعنى الوصف له بالبغض: هو معنى الوصف له بالكراهية. # وذلك أن كل ما كره الله، كونه من العبادة، فهو مبغض كونه منهم. وكل ما ~~أراد الله كونه من العبادة، فقد أحب كونه منهم وكل من أراد إكرامه من ~~عباده، فهو له محب. # وإرادته لإكرامه ولتعظيمه: هي محبته لإكرامه ولتعظيمه. وهي محبته له. # وكراهيته لإكرامه ولتعظيمه: هي بغضه لإكرامه ولتعظيمه. وهي بغضه له؛ لأنه ~~ليس معنى حب الله للعباد، إلا حبه لإكرامهم ولتعظيمهم. وليس بغضه لهم إلا ~~ضد ذلك. # ويوصف الله: بأنه مصلح؛ لأن فاعل الصلاح، يسمى مصلحا. ويوصف بأنه مفضل، ~~بما فضل به غيره، من العباد. ومن ms189 فعل الفضل، سمى مفضلا. ويوصف بأنه خير، ~~لأن فاعل الخير إذا كثر منه، استحق أن يقال له: خير. فلما كان فعل الخير من ~~الله موجودا، وجب أن يسمى خيرا. # ويقال: إن الله أصلح لنا من غيره، وخير لنا من غيره. وهذا القول أيضا- ~~توسع والمراد به: نعمه وخيره وفضله ويقال: إن الله تعالى خير أفعال منك. # ويقال: إن الله قد فعل الشدائد والآلام. وليست بشر على الحقيقة. PageV01P208 # وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } وقوله: هل أنبئكم بشر من ذلك ~~} فهو شدائد ومصائب. وليس بشر على الحقيقة وقوله: شر - مجاز وتوسع. وإرادته ~~أنه ضرر وشدائد؛ لأن الشر هو عبث وفساد. وفاعله شرير، إذا كثر ذلك منه. ~~وجمع فاعل الشر، هو الأشرار. والله تعالى يجل عن أن يكون شريرا، ويكون مع ~~الأشرار فصح بهذا أن الله لا يفعل الشر، على الحقيقة. وسؤالهم عن عذاب جهنم ~~خير، أو شر. فهو عدل وحكمة. # مسألة: # ويوصف الله تعالى: بأنه مختار. ومعناه: أنه مريد له، إذ لم يكن ملجأ إلى ~~ما أراده، ولا مضطرا إليه. # والإرادة: هي الاختيار في اللغة، في وصفنا له تعالى بذلك، وفي وصفنا ~~لغيره إذا كانت على ما وصفنا، من زوال الإلجاء والاضطرار إليها. # ويقال: إن اختيار الله الذي اختاره، غير المختار، كما أن الإرادة غير ~~المراد، من الله تعالى، ومن العباد. # وقيل: إن الله لا يوصف، بأنه يختار، ومن وجه الجهل، لجهله وقلة علمه ~~بالأجود وفي القرآن، ما يؤيده القول الأول: قوله تعالى: { وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } ما كان لهم أن يختاروا هم. واختيار الله ~~للأنبياء عليهم السلام هو اختياره لإرسالهم إلى العباد، اختيارا لهم في سعة اللغة. # فإن قال: أفاصطفاء الله الأنبياء، هو اختياره لهم؟ # قيل له: اصطفاؤه إياهم: هو اختصاصه إياهم بها. فليس معنى الاصطفاء، معنى ~~الاختيار. # مسألة: # ويقال: إن الإنسان يكون خليلا لله. # ومعنى الخلة: الاختصاص. # فمن اختصه الله برسالته ووحيه، وأفضى إليه من ذلك، ما لم يفض به إلى غيره ~~من الناس، كان ms190 لله خليلا؛ لأن الله تعالى قد اختصه، بما وصفنا. # ولهذا كان إبراهيم خليلا لله، إذ كان قد اختصه، بما لم يؤته غيره من ~~الناس. ولهذا كان الرجلان، إذا اختص بعضهما ببعض، وأفضى كل واحد منهما إلى ~~صاحبه، بما لم يفض به إلى غيره، سمى خليلا له - في اللغة. PageV01P209 # ولا يجوز أن يقال: إن الله خليل لأحد من أنبيائه ورسله وخلقه - على ~~الحقيقة لأن الخليل في اللغة: إنما هو خاصته الذي يفضي إليه بأسراره وأمره، ~~دون غيره، لأنهم لم يختصوا الله تعالى بشيء، فيكون لذلك خليلا لهم، كما ~~كانوا أخلاءه، لما اختصهم به، من الوحي والرسالة. وجميع الأنبياء أخلاء ~~لله، لهذا المعنى. # ويقال للإنسان: خليل، على معنى حبيب في سعة اللغة. وهذا هو مجاز لا ~~حقيقة؛ لأنه لو كان الحبيب خليلا، على الحقيقة، لكان المؤمنون جميعا أخلاء ~~لله، كما أنهم أحباؤه. وهذا غير صحيح، ولا شائع في حقيقة اللغة. # ولا يجوز أن يتخذ الله صديقا من خلقه، فيكون صديقا للمؤمنين. والمؤمنون ~~له أصدقاء والفرق بينهما، يعني بين الصديق والخليل: أن الصديق في اللغة: أن ~~يصدق صاحبه، بالود والمحبة، وأن يكون ضمير كل واحد منهما لصاحبه، كعلانيته. # فلما لم يجز أن يوصف الله تعالى، بأن سريرته للأنبياء كعلانيته. وإنما ~~يظهر لهم كما يظهر، إذا كان الضمير والطوية، لا يجوزان عليه، لم يجز أن ~~يكون صديقا لهم، بتخفيف الدال. # ويقال: إن الله ناصر المؤمنين. # ومعنى ذلك: دفعه المكاره والشدائد والهوان عنهم، ليعزهم بذلك، ويكرمهم. ~~وهذا هو النصرة المعقولة بيننا في الشاهد. # ويقال: إن الله يخذل الكافرين والفساق. # ومعنى ذلك: هو ضد النصرة. وهو أن لا ينجيهم من الهوان والشدائد، وأن يفعل ~~بهم، ما يقعون معه، في الشدائد والهوان. # ويقال: إنه يوفق المؤمنين. # ومعنى ذلك: أنه فعل بهم فعلا، اتفق به لهم فعل الإيمان. # والتوفيق في اللغة: أن الشيء الذي هو توفيق، هو متفق لصاحبه لا محالة. # وذلك أنهم إذا قالوا: وفق الله لنا لقاء فلان، فلان فلا يجوز في كلامهم ~~أن يقول القائل: ms191 وفق الله لي لقاء فلان وهو لم يلقه، ولا أنه لم يوفق ~~لقاءه. وهو قد لقيه. فصح بهذا أن صفة التوفيق -على ما وصفنا- أن الفعل الذي ~~هو توفيق له، هو متفق لصاحبه. PageV01P210 # ويقال: إنه تعالى مسدد المؤمنين، ومرشد لهم، ومصلح لهم. # ومعنى ذلك واحد، إذا عنينا الصلاح الذي هو الإيمان، لأن الرشد هو ~~الإيمان. والصلاح: هو الإيمان. # فلما وصفنا الله تعالى بأنه أصلح المؤمن، بأنه أصلح المؤمن، بأن أضنا ~~صلاحه وسداده وإيمانه إلى الله، إذ كان إنما نال ذلك بالله عز وجل. # وكذلك وصفنا بأنه سدد المؤمنين، على هذا المعنى ونصفه بأنه أرشد المؤمنين ~~في هذا المعنى. ونصفه بأنه أرشد المؤمنين، في وقت وجود هذا السداد، وهذا ~~الرشاد وهذا الصلاح من الإنسان، كما إذا وصفناه من الهدى الذي هو الإيمان، ~~بأن هدى المؤمنين، فإنما نصفه بذلك، في حال وجود الإيمان. # ويجوز أن يرشد المؤمن من غير هذا المعنى، بأن يثيبه، كان الثواب رشادا. # قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: # حتى يقولوا وقد مروا على جدني ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا # فقوله: يا أرشد الله من غاز، يدل على أنه يدعو له بالثواب، لأنه ميت في ~~القبر. والميت لا يدعى له، بأن يرزقه الله الإيمان. # مسألة: # ويقال: إن الله تعالى يأبى الأشياء كما أنه يريدها. # والإباء في اللغة: هو المنع والامتناع؛ لأن معنى قولنا: أبى أن يفعل: أنه ~~امتنع أن يفعل. # ومعنى قولنا: أبى فلان أن يظلم: معناه: منع فلانا من ظلمه. وليس أبى أن ~~يظلمه، أي كره أن يظلمه. وإنما أريد به المنع. # قال عنترة: # أبينا أبينا أن تصيب لماتكم ... على مرشفات كالظباء عواطبا # أي منعناكم أن تسبوا نساءنا، فتبتذلوهن بالنظر، حتى تشتهوهن. # والمرشفات: التي تديم النظرة واللمة -مخففة-: الجماعة من الرجال والنساء. # مسألة: # ويقال: إن الله تعالى ثابت كما يقال: إن المقر به متثبت، إلا أن هذا في ~~صفاته عز وجل غير مستعمل. # ومعنى ثابت أنه تعالى لم يزل موجودا. # ويقال لله تعالى: الملكوت، ms192 والكبرياء. # ومعنى الملكوت: أنه المالك. والكبرياء: أنه عز وجل كبير. # مسألة: # اختلف في تسمية الله تعالى، بأنه غيور. PageV01P211 # والغيرة من الله تعالى: الزجر. فغيور. بمعنى زجور، ويزجر عن الحرام، ~~ويحظره، ويتوعد عليه أشد الوعيد. ولم يجزه آخرون. # وقال آخرون: إن الصفة له تعالى بذلك مجازا وتوسعا. والمراد بذلك: كراهيته ~~للفجور ولأسبابه؛ لأن الغيرة: هي جزع الرجل والمرأة، من أن يشارك أحدهما ~~أحد وهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى. يقال: غار الرجل على أهله بنار غيرة. # مسألة: # ويقال: إن الله أعرب كلامه. ويقال: أعقل وطبع. # ويقال: أعوذ بالله ثم بك. ولولا الله، ثم فلان. # واختلفوا في صفة الله بالفراغ. # فقال به هلال بن عطية في سيرته. ولم يجزه أبو الحسن. # ويقال: رفع الله بيده عن كذا وكذا. وسلط الله قوما على قوم. # ويقال: بصره في الخلق نافذ، وعلمه بهم محيط. # ويقال: يسمع ويرى. # ويقال: عرف ويعرف. # ويقال: يا إله كل مألوه والمألوه: هو العبد. # ويقال لله تعالى: يسبب الأرزاق لعباده. # ويقال: إن الله تعالى يعزم ثم يستثني. # ويقال: العزم لله. والله المعزم لي على الخير. ولا يجوز على الله العزم، ~~الذي هو المطلع على الشيء، بعد الرؤية فيه، وفي غيره، كما لا تجوز عليه ~~الروية والفكر. # وأما العزم الذي هو إيجاب فعل الشيء على غيرنا، فهذا يوصف الله تعالى به، ~~ويستعمل في صفاته، لأنه تعالى يقال: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن ~~يؤخذ بعزائمه. # ويقال: أتته عزيمة من ربه، يعني ما، أوجب الله عليه، ولم يرخص له في تركه ~~والعزم غير الإرادة. # قال أبوالحسن -فيمن قال- عزم الله لنا بخير. فقال: لا أراه جائزا. # مسألة: # ويجوز أن يقال: كل بالله لاحق. كما يقال: كل إلى الله صائر. # ويقال: ما أحسن هذا عند الله! وما أقبح هذا عند الله! والعند تأويله: العلم. # وقيل: إن العند غير العلم قال الله تعالى: { ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق } أي ما لديكم ينفد، وما لديه، مما أعد الله لأوليائه باق. # ويقال: ms193 قاسمت الله مالي. # ويقال: جعلت هذا لله. وأعطيت هذا لله، أي التماس الرضى. PageV01P212 # ومعنى ذلك: لولا الله ما أعطيت. ومعنى أعطيت الله، وأعطيت لله، يتقاربان. # مسألة: # ويقال لله تعالى، يبغض ويمقت، وينتظر ويمهل، ويستدرج ويترتقب. قال الله: ~~{ انتظروا إنا منتظرون- وارتقبوا إنا معكم مرتقبون } وذلك غير استيعاد. # ولا يقال: شيء يبعد عليه. # ويقال: علم وأدب والله معلمنا ومؤدبنا وفقه. ولا أعلمهم يقولون: الله ~~المفقه. وهذه أقرب من معلم ومؤدب. # ولا يجوز: الله القائم لي. # ويقال: الله عاصمي، والعاصم لي، وناصري. والناصر لي. # ويقال: الله تعالى جاء بي،وذهب بي، كما جاء الله بالمطر. وجاء بالفرج ~~وجاء بالسعة. وجاء بالخصب. # ويقال: لا جاء الله به. # ويقال: اللهم جيء به. وكذلك جاء الله بك، وذهب بك. # ويقال: رفع الله نفسه عن الظلم.والله تعالى يجل عن هذا الأمر، على ما قال ~~الله تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } . # ويقال: لا يتعذر على الله تدبيره. ولا أعلمهم يقولون: لا يعييه شيء. ولا ~~يبعد عليه شيء. قال الله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن } وقال: { أفعيينا بالخلق الأول } . # وقال المفضل: كل ما يقدر عليه، ولم يتوجه له، فقد عيي به. # ويقال: لا يقدحه، على معنى ما قال: { ولا يئوده حفظهما } يعني لا يثقل عليه. # الضياء: # عن نجاد بن موسى جائز أن يقال: بالله توفيقنا. وعليه اعتمادنا. وبه ~~عصمتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأقوى معين، وأهدى دليل. # وعنه: أن الله خبأ أربع: خبأ وليه في عباده، وخبأ رضاه في طاعته، وخبأ ~~غضبه في معصيته، وخبأ إجابته في دعائه. # مسألة: # ويجوز أن يقال: منفرد ومتوحد. # ولا يجوز أن يقال: المنفرد. # قيل: لا يجوز أن يقال: المنفرد والمتوحد وليس هذان من أسماء الله. # مسألة: # من سيرة أبي علي موسى بن علي، عن الإمام المهنأ بن جيفر-: ذو القدرة ~~القاهرة، والعظمة الظاهرة التي غلب بها كل غالب، وأدرك بها كل هارب. # مسألة: # محمد بن محبوب رحمه الله أعاذنا الله وإياكم، من سخطه وعقوبته. PageV01P213 # وعنه ms194 أيضا: الحمد لله المستولي على حقائق الحمد، وفضائل المجد، والمستغني ~~عن غناء أهل الأرض وأهل السماء. # قال أبو بكر أحمد بن النظر العماني -رحمه الله-: # وقال وجوه ناظرات لعطفه ... ورحمته يوم التغابن والندم # قال بعض المسلمين: إن التوبة يبسطها الله لعباده، رحمة منه لهم، وعاطفة ~~منه عليهم. # مسألة: # محمد بن الحسن وسألته عمن يقول: باسم الله، خير الأسماء. # قال: إن كان معنى قوله: إن لله اسما هو غيره. فذلك لا يجوز. # ويجوز أن يقال لله: بصره في الخلق نافذ، وعلمه بهم محيط. # ويقال: إن الله بيننا وبينكم بروحه. # ويجوز أن يقال: القاهر فوق عباده بعزته. # ويقال: أنشأ الله الخلق بحكمته، وأمضى الأمور بمشيئته. # ويقال: جعلك الله في حرزه وستره، وعاد عليك بفضله ومنه. # ويقال لله: عدل في قضائه، متفضل في عدله. له أحسن الأسماء، وأشرف المدح. # ويقال: الأمر لله، ثم لك. # مسألة: # ومن خطبة الإمام إبراهيم بن عبدالله الحضرمي -رحمه الله-: فإنا لله ~~الواحد المستعان. ومنها الظاهر والباطن، والنائي المتداني. ومنها: يا ألله ~~يا غياث المستغيثين، ويا مدرك المستدركين. ويا غياث من لا غياث له. # مسألة: # ولا يجوز أن يقال: إن الله خلق أرزاق العباد، قبل أن يخلقهم. # وجائز أن يقال: علمها قبل أن يخلقهم. # ويوصف الله تعالى، بأنه لم يزل متكلما. # وقيل: لا يجوز. ولكن يقال: لم يزل الله، وهو المتكلم. # ولا يجوز أن يقال: الله فوق كل شيء- على الحقيقة؛ لأن ما وصف أنه فوقن ~~إنما وصف، أنه في مكان مرتفع. وهذه حقيقة هذه الصفة، في اللغة. # فإن وجدنا ذلك، في صفة الله، فإنما هو مجاز.وقوله تعالى: { وهو القاهر ~~فوق عباده } أراد أنه القادر المستولي على العباد، والمستعلي عليهم. فجعل ~~قوله: "فوق" بدل قوله: مستعلي- في مجاز الكلام والتوسع. PageV01P214 # ويجوز أن يقال:فوق عباده، بالعلم والقدرة ويراد به، أنه أعلم منهم، ~~وأقدر، كما قال: { وفوق كل ذي علم عليم } وهو يعني نفسه. وهو أيضا على جهة ~~التوسع والمجاز. # مسألة: # قلت: وهل يجوز أن يقول الإنسان: إن الله حكيم في علمه، أو ms195 حكيم في حكمه، ~~أو لطيف في قدرته، أم لا؟ فإن هذا شبيه صفة الشيء في الشيء، فلا يجوز ذلك. ~~وبالله التوفيق. # ************ # الباب الخامس والثمانون والمائتان # فيما يجوز من الصفات وما لا يجوز # لا يوصف الله تعالى، بأنه موقن؛ لأن اليقين هو العلم، الذي يستدركه ~~العالم، بعد الشك والارتياب، وبعد أن لم يعلم، فيكون قد أيقن، بعد أن كان ~~فيه شاكا. فلما لم يجز أن يكون الله يعلم من بعد شك، لم يجز أن يقال: إنه موقن. # ولا يقال إنه مستبصر؛ لأن المستبصر في الشيء، هو من استبصر فيه، بعد شك. ~~فلما لم يجز الشك على الله، لم يجز أن يقال: مستبصر. # ولا يقال: إنه متحقق، لأنه في معنى مستبصر وموقن. وهذا لا يوصف به أحد ~~منا، في الشاهد، إلا بعد أن كان شاكا فيما تحققه، واستبصر فيه. # وكذلك لا يوصف، بأنه يشعر بالأشياء، ويفطن، لأن من يشعر ويفطن بالأشياء، ~~هو الذي لم يكن علمها، قبل ذلك. والله تعالى لم يزل عالما بالأشياء. فلا ~~تجوز عليه هذه الصفة. # ولا يوصف بأنه يحس بالأشياء، لأن الإحساس بالأشياء، إنما هو أول ما يدرك ~~من العلم بها. فلما لم يجز على الله، استدراك العلم شيئا بعد شيء، إذ كان ~~لم يزل عالما، لم يجز عليه تعالى هذا الوصف. PageV01P215 # وكذلك لا يوصف بأنه يعقل الأشياء، كما يوصف بأنه يعلمها؛ لأن علمنا أن ما ~~يسمى عقلا -على التوسع- تشبيها بالعقل الذي هو الشد والمنع، لأن علمنا يحسن ~~الحسن، وقبح القبيح، هو منع لنا من ركوب القبيح، وترك الحسن. فمسى العلم ~~عقلا، من هذا الوجه توسعا.وعلم الله. لا يجوز أن يكون منعا له عن الشيء؛ ~~لأنه لا يجوز عليه المنع، كما لا يجوز أن يكون محلا، لأن التحلية والمنع، ~~إنما يجوز على من تتوق نفسه إلى الأشياء، فيمتنع من ذلك، ويكف عنه، مثل ما ~~وصفنا. وهذا غير كائن على الله تعالى فلم يجز أن يقال: إنه تعالى عاقل. ولا ~~يوصف عز وجل بأنه يفهم الأشياء، كما يوصف بأنه ms196 يعلمها، لأن الفهم هو العلم، ~~بمعنى الكلام، الذي تسمعه، حتى يكون إذا سمعته، لم يخف عليك معناه. # وكذلك الفقه. إنما هو يفقه الكلام. ولهذا لا يوصف بالفهم، إلا للكلام وحده. # وكذلك لا يوصف بالفقه إلا للكلام. كما قال سبحانه: { ووجد من دونهما قوما ~~لا يكادون يفقهون قولا } . فلما كان البارئ تعالى، لم يزل عالما بالأشياء ~~كلها ومعانيها، لم يجز أن يوصف، بأنه يعرف معنى الكلام، إذا سمعه، كما نوصف ~~نحن بذلك. ولا أنه يفهمه، ولا يفقهه، ولا أنه فهم، ولا أنه فقيه. # ولا يوصف بأنه يشم، ولا يذوق؛ لأن الشم هو استنشاق الجسم المشموم، ودخوله ~~في الخياشيم، وممارسة الخياشيم به. والذوق هو: مماسة الجسم للذوق باللسان ~~واللهوات. فلما لم تجز على الله مماسة الأجسام، ولا مداخلتها إياه، لم يجز ~~عليه الشم والذوق. # ولا يوصف بأنه يحرد ويقنط؛ لأن القنط من الغيظ. والغيظ والحرد: عرضان ~~يحلان في الإنسان. # ولا يوصف بأنه يغتاظ، كما يوصف بأنه يغضب، لأنه ليس معنى الغيظ، معنى ~~الغضب؛ لأنه قد يغتاظ في الشاهد من أفعالنا. ولا يغضب في الشاهد منها. ~~والغيظ إنما هو بمنزلة الحسرة التي يلحقها، عند كون ما يكرهه. وليس الغضب ~~كذلك لأنا قد نغضب على العصاة لله تعالى، وإن لم نكن عليهم مغتاظين، في وقت غضبنا. PageV01P216 # فلما أن كان الله لا تجوز عليه الحسرة، ولا تغمه معاصي العباد له، لم يجز ~~أن يتغتاظ على عباده وإن كان قد يغضب عليهم لمعاصيهم. # وقوله تعالى: { يا حسرة على العباد } أراد أن كفر العباد، وتكذيبهم ~~بالرسل، يكون عليهم حسرة يوم القيامة. # وقوله: { فلما آسفونا انتقمنا منهم } يعني آسفوا رسلنا. ويجوز أن يكون ~~أغضبونا. وذكر الأسف، وهو يريد الغضب توسعا. وأما الأسف حقيقة، فلا يجوز ~~على الله. # ولا يوصف، بأنه يشتهي الأشياء، كما يوصف بأنه يحبها، لأن الشهوة منا ليست ~~من جنس المحبة، لأن الشهوة توقان النفس إلى ما تتوق إليه، كتوقان نفس ~~العطشان إلى شرب الماء، والجائع لأكل الطعام. ومحبة العطشان، لشرب الماء ~~غير توقان نفسه إلى ms197 الشرب؛ لأنه قد تتوق نفسه إلى ذلك، وهو صائم، فلا يريد ~~شربه. بل يكرهه لأجل صومه. فصح أن الشهوة ليست من جنس المحبة، فلم تجز على ~~الله الشهوة، كما جازت عليه المحبة والإرادة، إذا كانت الشهوة توقان النفس ~~إلى ما تشتهيه. وتوقان النفس على الله، لا يجوز. # ولا يوصف، بأنه عاشق ووامق، كما يوصف بالمحبة؛ لأن المحبة هي الإرادة. ~~والعشيق ليسه كالإرادة للشيء. إنما هو كالعلق، يصيب الإنسان، ويتعلق القلب ~~بما يعشقه. والوامق أيضا كالعاشق. وهذان لا يجوزان على الله تعالى. # ولا تجوز على الله الرقة؛ لأن الرقة إنما هي رقة الأجسام. وهي التي تكون ~~في القلب، يدلا من الغلظة والفظاظة. وهذان لا يجوزان على الله؛ لأنه تعالى ~~لا تحله الرقة، ولا الكثافة، ولا الفظاظة، ولا القسوة. # ولا يوصف، بأنه شفيق، ولا أنه يشفق على عباده، كما يوصف، بأنه يرحم ~~عباده؛ لأن الإشفاق: الحذر. والمشفق منا من الشيء: هو الحذر منه، والحذر ~~عليه. فلما كان الحذر على الله، لا يجوز، كما لا يجوز عليه الخوف، لم يجز ~~عليه الإشفاق. PageV01P217 # ولا يوصف بأنه رفيق؛ لأن الرفق في الأمور: هو الإحسان -خ-: الاحتيال، ~~لأصلاحها، وإتمامها. والبارئ لا يحتاج إلى احتيال، يتم به أفعاله ومراده. ~~فلم يجز أن يوصف بالرفق، ولا الترفق. ولا يوصف، بأنه فاضل ولكنه مفضل، بما ~~يفعل من الفضل على غيره. # ولا يجوز أن يفضل هو بذلك، لأنه مستغن عن الأفعال أن يفضل بها. ولا يوصف ~~بأنه شجاع؛ لأن الشجاعة إنما هي من الجراءة على المكاره، والأمور المخوفة. ~~والله تعالى، لا يجوز أن يخف شيئا، ولا يحذره. فلم يوصف بالشجاعة ولا ~~الجراءة. # ولا يوصف بأنه وزير، ولا مساعد لأحد من خلقه، ولا أنهم وزراء له؛ لأن ~~تأويل الوزير: هو أنه وازر صاحبه. # ومعنى الموازرة: هي أن كل واحد منهما، قد شد إزاره مع صاحبه، لعينه على ~~ما هو فيه، من شد الإزار، اشتق له اسم الموازر؛ لأن العرب كانت إذا توازرت، ~~فعلت هذا الفعل، وشدت على أنفسها الإزار. فلم يجز ms198 أن يكون الله تعالى وزيرا ~~لأحد من خلقه. ولا يكون له زير منهم. # وكذلك المساعدة. إنما تأويلها في اللغة: أن يجعل ساعده ويده في الأمر، ~~الذي جعل فيه صاحبه ساعده. فقالوا لمن تابع صاحبه، على الأمر الذي ساعده، ~~فذلك لا يجوز على الله. # ولا يوصف بالسكوت ولا الترك على الحقيقة؛ لأن الترك: هو كف النفس عن ~~الفعل، الذي يتركه، وضبط النفس عن ذلك. فلما كان الله تعالى لا تحل أفعاله ~~فيه، لم يجز أن يكف نفسه عنها. ولم يجز أن يكون تاركا لها. # ولا يوصف بأنه نبيل، لأن النبل عند أهل اللغة: إنما هو الحسن والجمال، مع ~~صيانة النفس، وتكامل الخلال المحمودة. فلما كان الله سبحانه، لا تجوز عليه ~~الأحوال، لم يجز أن يفضل، وأن ينبل بأفعاله، ولا يتكامل بالخلال، كما ينبل ~~النبيل منا. # ولا يوصف، بأنه حاذق؛ لأن الحذق في اللغة: أصله القطع. يقال: سكين حاذق ~~يراد به حاد. وخل حاذق: شديد الحموضة، كأنه يقطع. PageV01P218 # ولا يوصف، بأنه ذكي، لأن الذكاء: هو حدة القلب، وسرعة تلقنه. فلما لم تجز ~~على الله حدة القلب، إذ كان ليس بذي قلب، ولا جارحة، لم يجز أن يوصف ~~بالذكاء. يقال: قلب ذكي، إذا كان سريع الفطنة. # ولا يوصف بالذراية؛ لأن الذارية هي خفة اللسان، وسرعته في التحريك ~~للكلام. كما أن الذكاء هو حدة القلب، وسرعة تقلبه. فلما لم يكن لله تعالى ~~لسان لم يجز أن يوصف الذراية والذرب: الحاد من كل شيء. يقال: لسان ذرب، وسم ~~ذرب، وطعام مذروب. # ولا يوصف الله تعالى، بأنه يصف الأشياء، على معنى أنه يعلمها، كوصفنا ~~لأنفسنا، والحفظ لما علمناه من القرآن وغيره ولئن وصفناه بذلك توسعا ~~ومجازا. ومرادنا بذلك أنا إذا علمنا، لم يذهب عنا. # فلما كان الوصف لنا بالحفظ، من هذا المعنى مجازا، لم يجز أن يوصف الله ~~تعالى، بأنه حافظ للأشياء، على معنى أنه يعلمها. # وإنما يوصف بأنه يحفظ الأشياء، على معنى الحفظ المعقول في الشاهد، بأن ~~يصرف عنا الذهاب والضرر والفساد. # ولا يوصف الله ms199 تعالى بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم، ~~ومن تصل إليه المنافع والمضار. وهذا لا يجوز على الله وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن الله أفرح بتوبة العبد من العبد، إذا ضلت راحلته في أرض ~~فلاة. وعليها زاده وماؤه فلقيها الخبر. إنما وصف بذلك توسعا، وأرادوا به ~~أنه مريد لتوبة عبده، كاره لإصراره على ذنبه. # ولا يقال: إن الله تعالى عجب من كذا، لأن العجب إنما يحدث ممن لم يعلم ~~فعلم، فعجب عند ذلك. مما علم والله تعالى، لم يزل عالما بالأشياء. فلا يجوز ~~أن يعلم منها ما لم يكن علمه فيعجب منه. # وقال الأشعري: إنما عجبه، بأن عظم ذلك عنده. ومنه قوله تعالى: { بل عجبت ~~ويسخرون } أي بل عظم أمرهم. # وقول: معنى عجب: رضى وأناب فسماه عجبا. وليس بعجب في الحقيقة، كقوله: { ~~ويمكر الله } وإن المكر منفي عن الله. PageV01P219 # وقيل في قوله تعالى: { بل عجبت } أي جازيتهم على عجبهم؛ لأنهم عجبوا من ~~الحق، فقيل: إنما هو عجب بتشديد الجيم. وعجب الله ملائكته كما قالوا: أضحك ~~ربك، أي ضحك بالتشديد أي ضحك ملائكته. # قال المؤلف: وشرح جميع ذلك، في كتاب الضياء، تركناه اختصارا. وكتبناه ~~بكليته، في كتاب التاج. # ولا يقال: إن الله يهجر المعاصي، كما يقال: إنه يكرهها ويسخطها؛ لأن ~~هجراننا الشيء: هو الانقطاع عنه، وترك الاتصال به. وربما كان ذلك ترك ~~الكلام، لمن يهاجره. # وهذه المعاني لا تجوز على الله، أن يفعلها بالعاصي. # وإنما قيل: أفضل الهجر: أن يهجر ما كره الله. فإذا كان أصله في الناس ~~توسعا، لم يجز أن يوصف الله بذلك، إلا بعد أن يجد الناس، قد توسعوا في ~~اللغة في صفته تعالى. # وأما إذا لم يخرج بحد من ذلك، في صفاته عز وجل، فلا يجوز استعماله، إذا ~~كان لا يجب من جهة الحقيقة. # ولا يوصف الله بأنه زكى، لأن الزكي -معناه-: أنه بلغ حدا، لم يكن بلغه ~~قبل ذلك. وهذا لا يجوز على الله تعالى. وإنما قيل للإنسان: إنه زكى لأنه ms200 ~~بلغ مقدارا بعلمه لم يكن يبلغه قبل ذلك. ولا يوصف بأنه نظيف؛ لأن النظيف هو ~~المنظف وهو المنسول. وهذا لا يجوز على الله. ولا يقال: إنه تعالى يستطيع ~~كذا وكذا، لأن الطاقة معناها: الجهد، فيما يطيقه الإنسان، لم يجز أن يوصف ~~الله بذلك. وجائز أن يوصف بغيره، الذي معناه: أنه قادر وقوله تعالى:"هل ~~تستطيع ربك" بالتاء ونصف الباء من ربك. # وقيل: هل تستطيع أنت ربك. # وقيل: هل تستطيع أن تسأل ربك. ولا يقال: إنه تعالى يطمئن إلى أنبيائه ~~وملائكته، ويثق بهم، ويركن إليهم، لأن الاطمئنانة إلى الشيء والثقة به، ~~والركون إليه، إنما هو بمنزلة السكون إليه. وهو ضد النفور عنه والتهمة له. ~~والله تعالى لا يجوز عليه النفور، عن الأشياء. ولا التهمة لها؛ لأن هذا ~~يجوز على من لم يعلم، ما يكون، ولا يحيط بالأشياء علما. فصح أن ذلك لا يجوز ~~على الله. PageV01P220 # ولا يقال: إنه تعالى ذخر ولا سند، لأن الذخر ما ذخره الإنسان. والسند: ما ~~يسند الإنسان ظهره إليه. والله يتعالى عن ذلك. # فإن قيل هذا في صفاته. فإنما هو مجاز. ومعناه، ليس بحقيقة. وهذا لا يجب ~~له، من جهة الحقيقة، إلا أن يكون قد استعمل الناس ذلك مجازا، فنستعمله معهم. # مسألة: # ولا يجوز أن يقال: إن الله خير من كذا وكذا. وهذه صفة ذات. # فإن قيل: إن الله تعالى خير أفعال منك، فجائز. # قال الحسن في قوله تعالى: { والله خير وأبقى } أي خير منك يا فرعون ~~ثوابا، وأبقى، وأبقى عقابا. # ولا يقال: كذا وكذا، دين الله، بمعنى التفاضل والخيار؛ لأن الخيار لا يقع ~~إلا بين الأجناس. ألا ترى أنه يقال: فلان أحسن من فلان، يراد أنه أصلح منه، ~~لأنهم جنس واحد. وهذا لا يجوز على الله؛ لأنه ليس بذي جنس، ولا هو من جنس ~~غيره. فلا يقع الخيار بينه وبين غيره. # وقوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة } قال بعض: اتخذوا عبادة ~~الأصنام ليعتبروا بذلك. وهي دون عبادة الله. # ولا يقال: كان الله ولا شيء. ولكن يقال: ms201 لم يزل الله، ولا شيء. # ولا يقال: لم فعل ربنا كذا وكذا؛ لأنه تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون } . # ولا يجوز فيه: كان، ولا ما، ولا أين، ولا حيث؛ لأن كل ما يجوز فيه الأين، ~~فهو بمكان. والمكان أقوى منه، لأن المكان يحمله. والحامل أقوى من المحمول. ~~وبالله التوفيق. # ************** # الباب السابع والثمانون والمائتان # في التعجب # قال أبو محمد: لا يجوز أن يقال: ما أبصر الله بعباده، أو ما أعلم الله ~~بعباده، أو ما أقدر الله، أو ما أحكم الله بعباده، أو نحو هذا، من الصفات ~~الذاتية. # ولا يجوز أن يقال: ما أكرم الله بعباده، وما ألطفه، وما أعلمه، وما أشبه ~~هذا، لأنه تعجب. والتعجب عن الله منفي. # وقيل: إن التعجب جائز في الأفعال. ولا يجوز في صفات الذات. # يجوز أن يقال: ما أحسن صنع الله وتدبيره. PageV01P221 # ولا يجوز أن يقال: ما أحسن علم الله وقدرة الله وعزة الله. وإن الله لحسن ~~العلم والقدرة والعزة. هذا لا يجوز؛ لأنها صفات الله. وما حسن في الأفعال ~~مدح وتعظيم، وفي الذات تصغير وتهجين. والله أعلم بالصواب. # ولا يقال في صفة الله تعالى: المتعزز، ولا المتجبر. # ولا يقال: المفتخر، ولا افتخر، لأن الافتخار لا يكون إلا بين النظراء ~~المتضادين. # ولا يقال: يستمع. # ولا يقال: أعرض الله عنك. # ولا يجوز أن يقال: أقبل الله إليك. # ولا يقال: الله عنك. ولا يجوز أن يقال: تعالى الله بالعز والكبرياء. # ولا يقال: احتجب بقدرته، عن أعين الناظرين؛ لأن القدرة ليست هي غيره. ~~وليس هو ممن يتوارى ويحتجب. وقدمنا ذلك في موضعه. # ولا يجوز أن يوصف الله بالرأي؛ لأن الرأي أن ترى الشيء بعد الشيء. وهو ~~أيضا من البدا. وهو أن يبدو له الرأي، بعد أن لم يكن. والله تعالى لا يوصف ~~بالبدا. # وفي لكتاب: يذكر أنه فصل من كتاب: # ولا يقال: هذا حرام في رأي الله، ولا في اعتقاد الله، كما يقال: هذا حرام ~~في دين الله، وفي علم الله. # ولا يجوز أن يقال: معتقد كذا وكذا، ms202 ونوى كذا. # ولا يقال: له مذهب، كما يقال: له علم. # ولا يقال: رأى الله له، كما يقال: نظر الله له، واختار له. # كذلك في النفي، لا يقال: لم ير الله، كما يقال لم ينظر الله له. # مسألة: # لا يجوز في صفات الذات: لم كان. لا يجوز أن يقال: لم علم الله وعلم الله. # وكذلك لم قدر الله. ومتى قدر الله. # وكذلك لم أراد الله؟ هذا غير جائز في صفات الذات أجمع. # وأما في الأفعال فجائز أن يقال: لم أمر الله، ولم نهى، ولم أثاب، ولم ~~عاقب؟ فيقال: لمصالح العباد ولم يجز ذلك محمد بن محبوب. والله أعلم بالأصح. # قال المؤلف: لم في الأفعال جائز، إ ... ذا طلب السائل بذلك، الهداية ~~والبيان. وإن كان ذلك، على وجه الإنكار، لم يجز. # ومنه: ولا يجوز أن يقال: لو قدر الله على كذا وكذا. ولا: ولو أبصر الله، ~~كما قيل: لو علم الله، ولو شاء الله. PageV01P222 # ولا يقال: يمتلك، كما قيل: ملك وتملك. # ولا يقال: يتعزز، ولا يتعظم، ولا يتجبر، ولا يتكرم، ولا يتخلق. وما كان ~~فيه يتفعل، فلا يجوز. # ولا يقال: رغب، كما قيل: كلف وأمر، فطلب منا الطاعة. # قال صاحب الكتاب: واختلف في سأل وطلب الطاعة. وأما إن أراد منهم، فجائز، ~~لأن الرغبة إنما تكون على الحاجة. ألا ترى أنه أمر من غير رغب. # وكذلك طلب واستقرض، لأنه من غير عدم استقرض. فلذلك لم يكن راغبا. # والاستقراض على وجهين: يكون مستقرضا لحاجة. فذلك عن الله منفي، واستقراض ~~لا لحاجة. فهو ما ندب الله إليه، وأن يتقرب بذلك إليه. # ويقال: وهبت هذا لله تعالى، وتركته له، وأقرضت الله. # ولا يقال: تصدقت عليه، كما قيل: أقرضته. # واختلف في القول: بأن الله متصدق علينا. # فقال بعض الفقهاء: لا يقال: متصدق علينا. إنما يتصدق من يطلب الثواب. # وجوز ذلك بعضهم. # ولا يقال: أقرضنا الله، ولا أثابنا. # ولا يقال: جزانا الله، ولا كافأنا الله. # ويقال في ثوابه: كفانا لأعمالنا. ولا يقال: أخرج ما وهب من ملكه. # ومنه: ms203 ولا يقال: إن الله يحذر، ولا يخاف، ولا يخشى إلا على معنى العلم. ~~وقد قال الله تعالى: { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } قالوا في ذلك: ~~علمنا. فلا يجوز إلا على هذا التفسير. # ولا يقال: يظن. وإن كان الظن قد يجيء في موضع العلم. قال عز وجل: { الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم } قالوا: يعلمون. فالظن يكون شكا، ويكون علما. ~~فالشك لا يجوز على الله تعالى. # ومنه: ولا يقال: يتقى، ولا أنه يرجو؛ لأن الرجاء إنما قد يكون على الخوف ~~والطمع. وذلك منفي عن الله. # ولا يقال: يتجبر على عباده، ولا يتلطف، ولا يتودد، كما يقال: إنه لطيف بهم. # ولا يقال: شفق عليهم. # ولا يقال: إنه غليظ، ولا عنيف على الكفار، كما قيل: إنه غضب عليهم. # ولا يقال: شيء أشد عليه من شيء، ولا شيء أهون عليه من شي. ولا يوصف ~~بالعجلة. PageV01P223 # ومنه: ولا يجوز أن يقال: رأيت الله، حتى يصل ذلك بكلام. فيقول: رأيت الله ~~أهلك عادا وثمود. # وكذلك: سمعت الله، حتى يقول: سمعت الله يقول. ويقول: وجدت الله صنع كذا. # ولا يقال: أدركت الله صنع كذا. # ولا يوصف الله بالعناية، ولا بالنصح. # ولا يقال: ألزم نفسه. ويقال: أوجب. وكتب على نفسه. # ولا يجوز: يحرك بي، ولا سكن بي، كما يقال: جاء بي. # ولا يقال: قام الله بك، ولا قعد بك، وسكن بك، وحرك. وما كان مثله، فعل ى قياسه. # ولا يقال: ما دعا الله إلى كذا، ولا ما حمله على كذا. # ولا يجوز في شيء إن الله فيه شيء، إلا أن يقول: ما لله في إنعامه على ~~الخلق. فيقال: الثناء والشكر. فإذا خرج من هذا الوجه، بطل القول: بأن الله ~~في شيء. # ولا يقال: ما صيره إلى هذا الفعل، لأمر لا يفعله. ثم فعله. # ومنه: ولا يقال فيما نفى الله عن نفسه من الظلم: اعتذر؛ لن المعتذر: الذي ~~ليس له على ما أضيف إليه شواهد باقية. وقد جوز بعضهم: اعتذر على غير ما ~~يعقل، من اعتذار الخلق، على التعظيم، وإزالة ms204 التهمة. فقيل: كذب على الله. ~~وأخبر عنه بغير الحق، ما اعتذر. # ويقال: تبرأ. # ولا يقال: اعتذر. # ولا يقال في موضع تبرأ: ظهر نفسه، كما قيل: نزه نفسه. # ولا يقال: إنه مشغول، لقول الله: { كل يوم هو في شأن } لأن المشغول: ~~المانع له من غيره. والله تعالى لا يمنعه كثير ما دبر من أضعافه. وتفسير { ~~كل يوم هو في شأن } إن من شأنه أن يجيب سائلا، ويشفي مريضا، ويغني فقيرا. ~~وما يعرف منه، من طوله وفضله. # ومنه: ولا يقال: إن الله في صناعته. ولا هذا صناعة الله، يراد به صنعه. # ولا يقال: يمس شيئا، ولا يمسه شيء، ولا يحل فيه شيء، ولا يقرب هو من شيء، ~~قرب المسافة. ولا يقرب منه شيء، ذلك القرب. # وكذلك القول في البعد، على هذا المعنى. # ومنه: إن الله تعالى خالق كل شيء. PageV01P224 # ولا يجوز أن يقال لأحد: هذا ولد الله. وهذه زوجة الله، ولا هؤلاء بنوه ~~وبناته؛ لأنه خالقهم، كما يقال: سماؤه وأرضه وخلقه وكتبه ورسله. # ولا يقال: هذه قميص الله، ولا رداؤه، ولا فعله ولا خفه. وما أشبه هذا، ~~وإن كان الله تعالى، الخالق لذلك، والمالك له. # وكذلك هو خالق جميع الجوارح. فلا يقال: هذه عين الله، ولا يده، ولا رجله، ~~ولا ما أشبه هذا. فلا تجوز إضافته إليه. # ولا يجوز عليه ما استقبح، وإن كان محتمل المعنى؛ لأن القول في هذا إنما ~~هو تسليم، وأمور موضوعة، لا على قياس وتشبيه. فلا يجوز على الله، إلا ما ~~أجازه العلماء، وحسن من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا. # ومن غيره: # لا يوصف الله تعالى بالصعود، ولا النزول. # ولا يقال: حواه مكان، ولا خلا منه مكان، ولا لازقه مكان، ولا فارقه مكان- ~~سبحانه! لم يزل قبل المكان، فاستغنى ربنا عن المكان. # ولا يوصف بالقعود، ولا القيام، ولا الكسل، ولا التواني، ولا الخلوة، ولا ~~الفترة، والسهو، ولا الغفلة، ولا اللهو، ولا الشك، ولا الجهل، ولا الندم ~~ولا النطق، ولا السكوت. # ولا يقال: أفسد، إذ خلق الفساد. بل خلقه لجميع ما ms205 خلق، صلاح منه لا فساد، ~~وعدل منه لا جور. # ولا يقال جار، ولا أربى، ولا أزنى، ولا أسرق، ولا أقذر. وهو تعالى خلق ~~جميع ذلك { سبحانه له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } . # ولا يوصف بالضجر، لأن الضجر فيه اغتمام، فيه كلام وتضجر. ومنه: ضجر ~~الناقة. وهو أن تكثر الرغاء. ويقال: إنها الضجور. # ولا يوصف بالملل، ولا الملال ولا السآمة. وكله واحد. ومعناه: أن يمل شيئا ~~ويعرض عنه. يقال: رجل ماول، وامرأة كذلك. # فإن قيل بالخبر الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~»تكلفوا من العمل ما تطيقون؛ إن الله لا يمل حتى تملوا. فإن صح الخبر، فإن ~~معناه: إن الله لا يغضب عليكم، ولا يقطع عنكم ثوابه، حتى تتركوا العمل، ~~وتزهدوا في سؤاله، والرغبة إليه، مللا. وليس بملل الحقيقة«. PageV01P225 # ووجه ثان: أن الله لا يمل إذا مللتم. # ومثل هذا: قولك في كلام العرب: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، يريد ~~بذلك لا يفتر إذا فترت الخيل. ولو كان المراد هذا، ما كان له فضل عليها، ~~إذا فترت والمراد بهذا أنها لا تفتر، إذا فترت. # قال تأبط شرا. ويقال لخلف الأحمر: # ... صليت منى هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا # ولم يرد أنه يمل الشر، إذا ماوه. ولو أراد كذلك، ما كان فيه مدح، لأنه ~~بمنزلتهم. وإنما أراد أنهم يملوا الشر. وهو لم يمله. وقوله: يخرق الخرق: ~~الظريف، في سماحة ونجدة. # فصل # قال النقاش: لا يدخل في أسماء الله الحسنى كثير، مما وصف به نفسه. وإن ~~كان الفعل مضافا إليه، فليس يدعى زارعا ولا زراعا. وإن كان قال: { أم نحن ~~الزارعون } . ولا يدعى ما كرا ولا مكارا. وإن كان قال: { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين } . ولا يدعى خادع ولا خداعا. وإن كان قال: { يخادعون ~~الله وهو خادعهم } . ولا بانيا، ولا بناء، ولا فارشا، ولا فراشا، ولا ماهدا ~~ولا مهادا. وإن كان قال: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون } . ولا يدعى مستقرضا، ولا ms206 مشتريا. وإن كان تعالى ~~قال: وأقرضوا الله قرضا حسنا } . وقال: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } ونحو ذلك، مما يكثر إحصاؤه. # ولا يقال: يا جلد. # ومن غير الضياء: # ولا يقال: بقى فلان بين الله والشمس. # مسألة: # ولا يرقى الراقي بكلام لا يعرفه؛ لأنه لا تأمين له. # ولا يقول: أخذت بكذا وكذا، إلا أن يقول: أخذت بالله. # ولا يقال: المستعان بالله. ولكن يقال: الله المستعان. # ولا يجوز أن يقال: ليس وراء الله منتهى. فليس لله وراء ولا قدام. # ويكره أن يقال: لا والحمد لله. ولكن يقال: لا ولله الحمد. # ولا يقولن أحدكم: عبدي وعبدتي. ولكن يقول: فتاي وفتاتي. # ويكره أن يقول: قوس قزح. وقزح: اسم شيطان. ولكن يقول: قوس الله. PageV01P226 # ولا يقال: كنت في جنازة فلان. ولكن يقال: تبعت جنازة فلان. # ويقال لله: المنفرد وحده. # ولا يجوز أن يقال: ما أجرأ فلان على الله؛ فإن الله أعز من أن يجترأ عليه. # ولكن يقال: ما أغر فلانا بالله. # ولا بأس أن يقول الإنسان: إن الله عزيز في ملكه. وبالله التوفيق. # ************ # الباب السابع والثمانون والمائتان # في الكيفية والأينية واللمية والكمية # فلا تجوز على الله تعالى الأينية والكمية والكيفية. فهو كذلك؛ لأن ~~الأينية إنما هو سؤال عن المكان. ويقال: أين هو؟ والله يستحيل أن يكون في ~~مكان. كيف وهو الخالق للمكان؛ لأن من كان له مكان، فله حد والمحدود مخلوق. # وأما اللمية، فهو طلب العلة. ومعناه: لم كان كذلك؟ وأراد به: لم كان وجود ~~البارئ سبحانه؟ فهذا محال؛ لأنه تعالى واجب الوجود، لا أول لوجوده. وهذا ~~إنما يقال لمن لم يكن فكان. # وإن أراد أن الله لأي علة فعل هذه الأفعال؟ فمحال أيضا، لأنه لو كان ~~لفعله علة، لكان لا تخلو تلك العلة،إما أن تكون قديمة، فاقتضت قدم معلولها. ~~وهذا محال وجود الأفعال، فيما لم يزل. وإن كانت تلك العلة محدثة، اقتضت تلك ~~العلة إلى علة أخرى، لكونها فعلا، فيؤدي إلى ما لا نهاية له. وهذا محال. ~~وإن استغنت العلة ms207 عن العلة، استغنت الحوادث كلها عن العلة. وقال الله ~~تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } . # وأما الكيفية، فهو استخبار عن الهيئة والصورة واللون. والله تعالى لا ~~هيئة له، ولا لون لا يقدره فهم، ولا يصوره فكر. وما خطر في القلب، أنه ~~كذلك. فاعلم أنه تعالى بخلاف ذلك. # وأما الكيفية، فهو عبارة عن المقدار والعدد ومحال أن يكون البارئ سبحانه ~~ذا عدد ومقدار. وقد تقدم بطلان هذا. # قال المؤلف: لعل غلطا من الكاتب، في المسألة. # لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى مباين للعالم، ولا مفارق للعالم، ولا ~~مماس للعالم، ولا مجاز للعالم. PageV01P227 # قال أبو سعيد: لا يعجبني أن يقال: إن الله كلف العباد ما يكتسبونه. ولكن ~~يعجبني أن يقال: كلف العباد ما يطيقون. وبالله التوفيق. # ************* # الباب الثامن والثمانون والمائتان # في الحروف # لا يجوز أن يوصف الله تعالى،ولا أن يذكر بخمسة أشياء. وهي: كيف. وأين ~~وحيث، ولم، ولو. # فمن وصفه، أو ذكره بكيف، فقد طلب له عيانا. # ومن وصفه أو ذكره بأين، فقد طلب له مكانا. # ومن وصفه، أو ذكره بحيث، فقد أثبت له حلولا واستمكانا. # ومن وصفه، أو ذكره بلم، فقد سأله عن فعله. والله تعالى: لا يجوز أن يسأل ~~عن فعله، لأنه تعالى قال: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } . # ولا يجوز أن يقال لله: لم يزل، حتى يوصل ذلك بصفة من صفات الله؛ لأن هذا ~~الكلام، إذا لم يوصل، كان منثورا، لا معنى له. ولكن يقال: لم يزل الله ~~عالما. ولا يزال عالما. ولم يزل قادرا، حتى يصح الوصف له. ويكون له معنى. # مسألة: # لا يجوز أن يقال: إن الله غاب عن العيون، وحل مكنونا. إلا أن يقول: غابت ~~العيون عن نظره. # ولا يجوز أن يقول: مكنون. # مسألة: # الحمد لله، حمد الشاكرين. لا يجوز. # ويجوز: الحمد لله حق حمده. # وقيل: لا يجوز أن يقال: لم يزل إلها مطلقا، حتى يقول: لم يزل إلها لمألوه سيكون. # وقيل: جائز أن يقال: لم يزل إلها. # ولا يجوز أن يقال لله: ms208 يستمع. # مسألة: # العلي الأعلى: # قال: يريد بذلك،رفع المقدار، وارتفاع المنزلة. # لا يجوز أن يريد: في مكان رفيع. وإنما يريد رفع المنزلة والشأن. # مسألة: # ولا يجوز: يا عماد من لا عماد له، ويا ظل من لا ظل له، ويا كنز من لا كنز ~~له. وبالله التوفيق. # ********* # الباب التاسع والثمانون والمائتان # في ليت # وسألته عن قول القائل: يا ليت كان كذا وكذا. هل يجوز؟ # قال: هذا تمنى أن يفعل الله به الخير. # قلت: فالتمني المكروه ما هو؟ يتمنى ما رزق غيره، من المسلمين، أن يرزق ~~مثلهم. فجائز. # الدليل على إجازته: قول مريم - عليها السلام - : (يا ليتني متقبل هذا). # مسألة: PageV01P228 # وجائز للإنسان قول: ليت شعري عن كذا وكذا، لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي، فأنزل الله - عز وجل - عليه: ~~»ولا تسأل عن أصحاب الجحيم». # ومعنى ليت شعري: أي ليت عملي، وما يشعرك: أي وما يدريك. # وسمي الشاعر شاعرا، لأن الشاعر يفطن بما لا يفطن به غيره من معانيه، ~~وبالله التوفيق. # الباب التسعون والمائتان # في الملائكة وما جاء في ذلك # قيل: إن الله تعالى خلق الملائكة من نور. # وقيل: من ريح، والجان من نار، والنار من النور. # وسميت ملائكة، لتبليغها رسائل الله تعالى إلى أنبيائه - عليهم السلام - ~~أخذ من الألوك وهي الرسالة. # ومن الملائكة من لو أمره الله أن يبتلع السماوات والأرضين جميعا وما ~~فيهن، لابتلع ذلك. # مسألة: # واختلف الناس في الملائكة، هل هم مكلفون؟ أم لا؟ # فقال بعض المسلمين: مأمورون منهوون، لقوله تعالى: »ومن يقل منهم إني إله ~~من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين» وقوله تعالى: «يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون». # وقال بعضهم: هم مقصورون مضطرون إلى طاعة الله. # قال بعض المسلمين: وقولنا إنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما ~~أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبالله التوفيق. # الباب الحادي والتسعون # في الملائكة # هل يعصون الله أم لا؟ # قال بعض المسلمين: وقولنا: إنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما ~~أمرهم ms209 ويفعلون ما يؤمرون. # قال أبو سعيد: وقد عرفنا من قول الشيخ أبي الحسن، في قول الله تعالى: ~~«يعلمون الناس السحر» إنما أولئك الشياطين «وما أنزل على الملكين» يعني وما ~~أنزل السحر «على الملكين ببابل هاروت وماروت» أي لم ينزل عليهما «وما ~~يعلمان من أحد» وما يعلمان هما أحدا، وإنما كانا يقولان: السحر كذا وكذا، ~~«فلا تكفر» أي فلا تفعل كذا وكذا فتكفر. وبالله التوفيق. # الباب الثاني والتسعون والمائتان # في الملكين الحافظين # قال الله تعالى: «وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين». PageV01P229 # قيل: لكل واحد من بني آدم عليه السلام ملكان: عن يمينه ملك وعن شماله ملك. # فالذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات قلمهما: ~~لسانه، ومدادهما: ريقه. ومجلسهما: على شاربه. # فإذا عمل العبد حسنة، كتبها الملك، صاحب اليمين عشرا، ولم يشترط شيئا على ~~صاحب الشمال. # وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين: قف سبع ساعات، لعله يستغفر أو يتوب، فإذا ~~لم يستغفر ولم يتب من بعد سبع ساعات، كتبها واحدة. ووكل الله بكل عبد ملكين ~~بالنهار، وملكين بالليل، يتعاقبان. وبالله التوفيق. # الباب الثالث والتسعون والمائتان # في إبليس - لعنه الله - # والجن والشيطان وما جاء فيهم # قال المؤلف: إبليس - لعنه الله - أبو الجن، كما أن آدم - عليه السلام - ~~أبو البشر. # وقيل: إن أبا الجن غير إبليس، وإبليس ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا ~~يعصون الله، والجن مكلفون كالإنس. # ودليل تكليفهم - في سورة الرحمن - : قوله تعالى: «يا معشر الجن والإنس» ~~وقوله: «سنفرغ لكم أيها الثقلان» وهم الجن والإنس. والشياطين، وهم كفرة الجن. # وحجة المسلمين على تكليفهم قوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون» أي لأمرهم أن يعبدون. وبالله التوفيق. # الباب الرابع والتسعون والمائتان # في الجن # هل يدخلون في بني آدم أم لا؟ # قال بعض المسلمين: محال أن يدخل الجسم في الجسم، فيكون جسمان في حين ~~واحد، فيسكن الجنسان في حين واحد، محال سكون الجنس إلى غير جنسه. # وقال بعضهم: محال أن يكون أيضا جنسان من جنس واحد، في حين واحد. # وقال آخرون: ms210 يجوز دخول الجن في الناس، واحتجوا بقوله تعالى: «يتخبطه ~~الشيطان من المس» فله علم منهم بالتأويل. # وثقال آخرون: يجوز هذا، ويجوز هذا، إلا أنه لا علم لنا بذلك. وبالله ~~التوفيق. # الباب الخامس والتسعون والمائتان # في الجن # هل يعلمون الغيب أم لا؟ PageV01P230 # قال بعض المسلمين: إن ذلك محال، لأن في ذلك فساد دليل الأنبياء - عليهم ~~السلام - وقد قال الله تعالى فيهم: «أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين». # وقال بعضهم: يجوز ذلك في أحاديث لهم ذكروها. # واختلف الناس في الشياطين، هل يعلمون ما في قلوب الناس أم لا؟ # فقال بعض المسلمين: يعلمون ما يحدث في القلب، وليس ذلك بغيب؛ لأن الله ~~تعالى جعل عليه دليلا، ومحال أن يدخل قلب الإنسان مثل ذلك، فإذا حدثت نفسك ~~بالصدقة، عرفوا ذلك بالدلائل، فينهونك عن ذلك. # وقال آخرون: إن ذلك غيب، ولا يعرفونه، وأنت إذا حدثت نفسك بالصدقة، نهاك ~~عنها الظن بالتخصيص. # وقال بعض: يدخلون قلب ابن آدم، قيعرفون ما يريد فينهونه. وبالله التوفيق. # الباب السادس والتسعون والمائتان # في إلقاء الشياطين الكلام على الكهان # وأما إلقاء الشياطين الأحاديث على الكهان، فإنه قد قيل ذلك، أن يسترقوا ~~السمع، قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت الشياطين - لعنهم ~~الله - تسترق السمع من السماء، وتلقيه على الكهان، فتزيد الكهان فيه كلاما ~~من قبلهم. وبالله التوفيق. # الباب السابع والتسعون والمائتان # في رؤية الجن وغرورهم # قال المؤلف: قد قيل: إن أبا الجن سأل الله: أن يرى ولا يرى، وأن يكون ~~مسكنه تحت الثرى، فجعل له ذلك. # فمن قال: إن الجن يرون، فقد كذب القرآن، لأن الله تعالى يقول: «إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم». # مسألة: # ومن قال: إن الجن يراهم بنو آدم ويكلمونهم، وأن السحرة ينقلبون حماما. ~~قال أبو محمد: إن تاب وإلا برئ منه. # قال الشيخ أبو محمد: قد قال بعض: إن الجن يراهم بنو آدم ويكلمونهم، وأن ~~السحرة ينقلبون حماما. # قال: وأقول: من تاب، ورجع عن قوله هذا، وإلا برئ منه. ms211 # قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لأحد أن يقول: إن أحدا من بني آدم يرى إبليس ~~- لعنه الله - لأن الله تعالى يقول: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم» والله أعلم. وبه التوفيق. PageV01P231 # الباب الثامن والتسعون والمائتان # في ذكر انقلاب إبليس والشياطين والسحرة عن صورهم # قال الشيخ أبو سعيد: ومن قال: إن الجن يتصورون في صورة الدواب، فمعنى أن ~~ظواهر الأخبار: أن الجن قد يكون منهم ذلك، أن يتشبهوا بصور الإنس والدواب ~~والطير، وأنهم يطيرون، على معنى الطير، في معنى صور الطيور. # وكذلك بعض الإنس، ممن يضاف إليه السحر، ممكن يكون منهم نحو هذا، وليس ذلك ~~عندي بمعدوم من الجن، ولسنا ممن يدعي ذلك على الحقيقة، ولا ينفيه على ~~الحقيقة، إلا أن يصح معنا ذلك. وبالله التوفيق. # الباب التاسع والتسعون والمائتان # في اختفاء إبليس والجن # والحكمة في تغييبهم عن الأبصار # من كتاب المجالس: # الجواب: من ذلك أن الله تعالى خلق الشياطين، في أقبح صورة، وأشنع هيئة، ~~فلو جعله الله ظاهرا لخافه بنو آدم، فأخفاه لئلا يخافوه، وجعله بحيث استعان ~~بهم ونحو مكرهم، وأيضا فإن للمؤمنين أعداء ظاهرين وهم الكفار، فأمروا ~~بالجهاد معهم ظاهرين، وجعل الشياطين مستورين، فأمروا بالجهاد معه في السر، ~~لينالوا أجر الجهاد الظاهر، والجهاد الباطن. وبالله التوفيق. # الباب الثلاث المائة # في خلق إبليس - لعنه الله - # فإن قال قائل: أخبرني عن إبليس، من خلقه؟ # قلنا: الله خلقه. # فإن قال: هو خير، أم شر؟ # قلنا: إن كنت تعني أن بدن إبليس وخلقه شر، تعني أطاعه ذلك أم معصية؟ فبدن ~~إبليس ليس طاعة ولا معصية. # وإن كنت تعني أشر هو، تعني كثير الشر، ومحب للشر، فنعم فعله شر. PageV01P232 # قال المؤلف: وقد كان إبليس عبدا صالحا مؤمنا، فانتقل من الإيمان إلى ~~الكفر، بسوء اختياره، ولم ينتقل عن خلقته إلى غيرها، وأنه عبد الله تعال، ~~قبل خلق آدم بثمانين ألف سنة، يعبد الله، ثم كفر بسبب عدم سجوده لآدم، وتلك ~~السجدة كانت طاعة الله تعالى، لو سجد فكفر وتولى فولاه الله ما ms212 تولى، ~~وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وإنما خلقه الله، كما خلق غيره من الخلق؛ ~~ليأمرهم بعبادته أمرا اختياريا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وكلا الفريقين ~~من المؤمنين الكافرين، فعل ما فعل باختياره، من غير جبر من الله - تعالى ~~الله عن ذلك. به التوفيق. # الباب الحادي والثلاث المائة # في الاستعاذة من إبليس -لعنه الله- ومعانيها # والحكمة في ذلك. # قال الله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } . ~~ومعنى الاستعاذة في اللغة: هو الامتناع. وقوله تعالى: "قل أعوذ برب الناس ~~وبرب الفلق" أي امتنع به. فأعوذ بالله: ألوذ بالله. وأستعيذ بالله: أستعين ~~بالله. وقولهم: معاذ الله: أي أعوذ به. فأمرنا الله: أن نستعيذ من إبليس. ~~وأمر الله واجب. علينا أن نفعله. وبالله التوفيق. # ********** # الباب الثاني والثلاث المائة # في استدلال إبليس -لعنه الله- على العبد إذا هم بالطاعة # وكيفية ذلك # سألت بشيرا عمن بهم بالحسنة يفعلها. كيف يصل إبليس إلى علم ذلك، إن كان يصل؟ # قال: اختلف في ذلك. # فأما المعتزلة، فإنهم يقولون: إن إبليس إنما يصل إلى ذلك بالآلة. مثل أن ~~يتناول الرجل بالرمح وغيره. # وقال آخرون غير ذلك. # وأصح ما سمعت: أن قلب ابن آدم، مثل القارورة، في جوفها، أو قال: نور يبصر ~~من خارجها. فإذا هم العبد بالحسنة، سطع ذلك النور إلى دماغه، فيفترق على ~~ثلاثة أقسام. والشهوة مركبة في ابن آدم. وهي طبع فيه، على قدر الجوع. # فإذا كان كذلك، أظل إبليس على ذلك النور، وأعان الشهوة على تضعيف ذلك ~~النور، فغلبت الشهوة. PageV01P233 # وقال سعيد بن محمد: يوجد في الحديث: أن الإنسان إذا أراد فعل الطاعة، سطع ~~في جوفه إلى دماغه نور، فيراه إبليس. فيحول بينها وبينه، ويمنيه بالأماني، ~~حتى يمنعه من فعل الطاعة. # وقال: إن جوفه مثل القارورة. فإذا فعل الطاعة، انفتح لها فم، يطع منه ذلك النور. # قيل: فأجاب بهذا لما قيل: كيف يعلم إبليس بما في الإنسان، إذا أراد فعل ~~شيء من الطاعة؟ والله أعلم. وبه التوفيق. # *********** # الباب الثالث والثلاث المائة # في مكايد إبليس ووسواسه وتزيينه ms213 # ودعائه إلى المعاصي # قيل: إن الشيطان قاعد في جانب القلب الأيسر، واضع خرطومه على فم القلب ~~يوسوس. فإذا ذكر الله خنس. وإذا لم يذكر الله وسوس. فهذا الوسواس الخناس، ~~الذي ذكره الله تعالى. وخرطومه كخرطوم الكلب -فيما قيل- فمن أطاعه في ~~وسواسه، ضل وغوى. ومن خالفه، اهتدى، ورجع الشيطان منهزما. # ومعنى إضلال الشيطان: الدعاء إلى الضلالة، والتزيين للكفر. فمن أطاعه ضل ~~وغوى. ومن عصاه، سلم واهتدى. وليس إليه من الضلالة شيء، كما ليس للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من الهداية شيء. ولو كانت الضلالة إليه، لأضل الخلق ~~أجمعين. # فإذا أطاع العبد الشيطان في وسوسته، واتبع ذلك قيل: أضله الشيطان. كل ذلك ~~لأجل ما دعا إليه وزينه، من فعل الكفر. فإبليس داع لذلك الكفر. # فالبارئ تعالى، خالق أفعال العباد، من ذلك الكفر والضلال. فإذا ضل العبد، ~~بسوء اختياره، تركه الله تعالى، في ضلاله. ولم يوفقه ولم يعصمه. وخلق ~~الضلال على يديه، من فعله للضلال والكفر. فهذا إضلال الله للعبد. # وإضلال الشيطان: التزيين والدعاء والوسوسة. وقد تقدم ذلك وكفى. وبالله ~~التوفيق. # ******* # الباب الرابع والثلاث المائة # في إرسال إبليس على ابن آدم # وتسليطه عليه وبيان ذلك # الإرسال في كلام العرب على ثلاثة أوجه: # أحدها: إرسال الخبر، كإرسال الريح العقيم قال تعالى: { إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم } . PageV01P234 # وإرسال التخلية، كما يقول الرجل لصاحبه: أرسلت دوابك على هذا العلف، أي ~~لم تمنعها من بالحبس. # وإرسال إبليس -لعنه الله-: هو إرسال التخلية قال الله تعالى: { إنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي خليناهم، فلم نمنعهم بالقسر والاضطرار. # وذلك أنه عز وجل نهى إبليس وجنوده عن الكفر والدعاء إليه، والأمر به، من ~~غير جبر منه تعالى لذلك. # فالبارئ -تعالى- لم يأمر إبليس وجنوده، ويرسلهم على الناس، تسليطا عليهم ~~بالكفر والفساد؛ لأنه تعالى يقول: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية. ~~ولو سلطه وجنوده على العباد، آمرا لهم بذلك، كما يأمر عباده بالحذر من ~~الشيطان، بقوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } لأن الله ~~تعالى، لا يوقع العداوة بين إبليس وجنوده ms214 وبني آدم ويؤرش بينهم. هذا لا ~~يفعله حكيم عليم إله عظيم - تعالى الله عن ذلك. # مسألة: # وعن إبليس -لعنه الله- والعباد كيف يظفر بالعباد من الشرق إلى الغرب؟ # قال: قد ذكر الله: أن له قبيلا، وهم أعوانه. وقد سمى الشياطين أقرانه. # قلت: وعلى الجن، له دخول وسلطان، كما على الإنس؟ # قال: العصاة كلهم، له عليهم سلطان. وأما القرآن فلم يأت بفرق ذلك. وبالله ~~التوفيق. # *************** # الباب الخامس والثلاث المائة # في الفرق بين الوسواس والخاطر # قيل: إن الخاطر خاطران: خاطر الإلهام، وخاطر الوسواس. # فخاطر الإلهام: ما حملك على معالي الأخلاق والإصابة في جميع الأسباب. # وخاطر الوسواس: ما يوقعك في الأباطيل، ويصرفك عن الحق، ويلقيك في ~~الحسابات الكاذبة، والظنون الردية، والأخلاق الدنية. وبالله التوفيق. # ********** # الباب السادس والثلاث المائة # في كيفية الوسوسة والإلهام في القلب PageV01P235 الوسوسة إذا دخلت القلب، ~~فكالدخان في البيت. فما دام الدخان في البيت، فالبيت مظلم، حتى يخرج الدخان ~~منه فيضيء. فكذلك القلب. فما دامت الوسوسة فيه، فهو قلس مظلم فإذا خرجت ~~الوسوسة من القلب، وثبت فيه الإلهام، يكون القلب منورا، يبصر الحق من ~~الباطل. # والوسوسة من الشيطان. والإلهام من الملك الملهم، قاعد عن يمين القلب. ~~وإبليس نحو يسار القلب ومسكنهما: الصدر. وقد ذكرنا شرح ذلك، في كتاب التاج. ~~وبالله التوفيق. # ********** # الباب السابع والثلاث المائة # في الخواطر وأقسامها # من كتاب المجالس: # قال: الخواطر على أربعة: خاطر من الله، يدعو العبد إلى الانتباه. وخاطر ~~من الملك، يدعو إلى الطاعة. وخاطر من النفس: يدعو إلى التزين والتنعم في ~~الدنيا. وخاطر من الشيطان، يدعو إلى الحقد والحسد والعدواة. وبالله ~~التوفيق. # *********** # الباب الثامن والثلاث المائة # فيما يخطر على القلب من الإلحاد في الله # قال المؤلف: كل شيء خطر، أو تصور في الأوهام، فالبارئ بخلافه؛ فإن ذلك ~~مخلوق؛ لأن من اطمأنت نفسه إلى موجود، ينتهي إليه فكره، فهو كافر مشبه. وإن ~~اطمأنت نفسه إلى النفي المحض، فهو معطل كافر. # فمن اطمأنت نفسه إلى شيء، ينتهي غليه فكره وخاطره، مما يلحد في الله ~~ويكفره، فينفي ذلك عنه. وليغل ms215 { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } هذه ~~جملة التوحيد، يقولها ويعتقدها بعد نفيه، ما خطر في قلبه، من الكفر ~~والإلحاد. وإلا فهو هالك. وبالله التوفيق. # ********* # الباب التاسع والثلاث المائة # في ذكر طاعة الله تعالى وطاعة الشيطان # وشرح ذلك وأحكامه # قال القاضي أبو محمد نجاد بن موسى نجاد: وقد قيل: من أجاب ناطقا فقد عبده. # قال: إن كان الناطق عن الله، فقد عبد الله. وإن كان الناطق عن إبليس، فقد ~~عبد إبليس. # فمن قال غير هذا، فعليه إقامة الدليل. # مسألة: PageV01P236 # وأما قولك: إن قوما يعبدون الشيطان. فإن عنيت بالعبادة، أنهم يطيعون ~~الشيطان فصدق وإن كنت تزعم أنهم يتخذونه إلها بطاعتهم إياه، فكذب. ولكنه ~~وليهم. وهم أولياؤه، بطاعتهم إياه، فيما أعد الله عليه من النار. وزعم أنهم ~~لو كانوا يعبدون الله ما عذبهم. وبالله التوفيق. # الجواب: أنهم قد عبدوا الله، ببعض عبادته. وذلك أنهم وحدوه، وأطاعوه ببعض ~~طاعته ولم يعبدوه حق عبادته. وحق عبادته أن يطيعوه فيما أمرهم بتركه، مما ~~أعد لهم من النار، على فعله، ويعملوا ويقولوا جميع ما أمرهم به، مما أعد ~~لمن فعل ذلك الجنة. # غيره: # قال: إن عبادة إبليس ليست عبادة سجود ولكن عبادته طاعته. # فمن طاعته الكذب والزنا واللواطة وشرب الخمر، وأدق من ذلك، حتى الغيبة ~~والنميمة؛ وخيانتك لأخيك في ماله. وبالله التوفيق. # ******* # الباب العاشر والثلاث المائة # في خاتمة الكتاب ببداية الهداية وبداية الضلالة # قال المؤلف: فبداية الهداية: أن يطيع الله وحده، ويكفر بالشيطان وحزبه ~~ويخالفه في جميع ما يدعو إليه، مما يورد النار. وتنزه قولك وعملك واعتقادك، ~~من العيوب: دقيقها وجليلها، وأعظمها، وأصعبها، وأوضها. # وعلى المريد الهداية، رفض المدح، وحب السمعة. فما حب المدح والسمعة إلا ~~من الرياء. والله تعالى يقول: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } فما دام المرء في قلبه هذا، فهو غير مهتد. # وبداية الهداية في علاج ذلك: أنه إذا دخل قلبه حب المدح والسمعة. وعرف ~~ذلك من نفسه، نفى ذلك عن قلبه. وعلم أن ليس ms216 له عذر، في قبول حب المدح ~~والرياء والسمعة، وإن قل ذلك. ففريضة على المكلفين أجمعين، كراهية المدح ~~وحب السمعة. # وعلى من أحس بذلك، أو بشيء من ذلك في قلبه، أن ينفيه عن نفسه، ويستغفر ~~ربه، من حبه للمدح، وقبوله له. يقول: اللهم إني أستغفرك، وأتوب إليك، من كل ~~ما خالفت فيه رضاك. PageV01P237 # وبادية الضلالة والردى: هي ضد ما وصفنا، من بداية الهداية. ولهذا شرح ~~طويل، لو استقصينا عليه. والمريد قد يكفيه هذا ودونه، لمن أراد الله له ~~الهداية؛ لأن هذه النكتة التي نكتناها، في هذا الباب، تكفي عن كتب كثيرة، ~~من كتب الواعظين. # والحمد لله رب العالمين. # وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله. وسلم تسليما كثيرا. ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العي العظيم. # فصل # قيل: إن الليل والنهار والماء والنار والرياح كلها أجسام ميتة. وتحركها ~~القدرة. # ولهب النار. # قال بعض: إنه جسم. والريح من ابن آدم: عرض. والرماد جسم. # والسحاب والنجوم والشمس والقمر والسماء والأرض: أجسام. وهي مسخرة. # والبرق والنجاسات: أجسام. والهواء جسم. # قيل لأبي الحسن: مم هو؟ # قال: لا أدري. # والعلم: علمان. والعقل: عقلان. وكلاهما عرض. # والظل وظلام الليل وضوء النهار، والحركات في الإنسان. والسحر والمرض ~~والفعل والقوة والضعف والنوم والخدمة والأعمال، كلها أعراض. وكل ما كان من ~~أحداث الدهر، فهو عرض: مثل الموت والأمراض، وما أشبه ذلك. # وأجمعوا أن الشهوة مخلوقة وهي عرض. # عن سلمان الداري قال: لطف الله بعباده، أن قصر لهم كنه معرفته، حتى لا ~~تتكدر عليهم نعماؤه. # وذلك أنه لو لم ينزل عليهم في صفته إلا آية واحدة، ويجعلها جملة لهم ~~كافية. وهي قوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وأنزل في صفته ~~ألف سورة بسورة البقرة. وجعل لهم أن لا يسعهم إلا حفظها، وإلا كفروا بدون ~~ذلك، لهلكوا إلا أن يشاء الله منهم إن شاء نجاه آخر. ولتكدرت عليهم الحياة، ~~كما قال فلما كان في كل ذلك لا يبلغون إلى كنه معرفته، وكان في الاختصار ~~كذلك أيضا. فآل كله إلى معنى ms217 واحد، كان التخفيف على العباد في الحكمة، أولى ~~من التكليف، فيما لا يطاق. وبالله التوفيق. وهو حسبنا، ونعم الوكيل، نعم ~~المولى، ونعم النصير. # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # ************* PageV01P238 # وقع الفراغ، من كتابة هذا الكتاب وهو كتاب "النور" ومختصر في توحيد الله ~~الغفور الشكور. # ألفه الشيخ العالم الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم عن الفحشاء. # وكان سبب تأليفه: سأله إياه أخوه إبراهيم بن محمد السعالي، لما يشأ ولده ~~أحمد متعلما. # والحمد لله. # وكان تمامه يوم الخميس، لليلة بقيت من شهر جمادي الأولى، سنة ستة وسبعين ~~ومائة وألف سنة من الهجرة. # على يدي مالك قرطاسه، الفقير لله تعالى: عبدالله بن بشير بن مسعود بن ~~سعيد بن عمر الحضرمي الصحاري بيده.وقع الفراغ، من كتابة هذا الكتاب وهو ~~كتاب "النور" ومختصر في توحيد الله الغفور الشكور. # ألفه الشيخ العالم الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم عن الفحشاء. # وكان سبب تأليفه: سأله إياه أخوه إبراهيم بن محمد السعالي، لما يشأ ولده ~~أحمد متعلما. # والحمد لله. # وكان تمامه يوم الخميس، لليلة بقيت من شهر جمادي الأولى، سنة ستة وسبعين ~~ومائة وألف سنة من الهجرة. # على يدي مالك قرطاسه، الفقير لله تعالى: عبدالله بن بشير بن مسعود بن ~~سعيد بن عمر الحضرمي الصحاري بيده. # ----NO PAGE NO------ ms218