######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000324 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الآمدي #META# 010.AuthorNAME :: علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الآمدي #META# 011.AuthorBORN :: 551 #META# 011.AuthorDIED :: 631 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: غاية المرام في علم الكلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة في العقائد :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: غاية المرام #META# 030.LibURI :: JK_000324 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: حسن محمود عبد اللطيف #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: 1391 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | غاية المرام في علم الكلام لسيف الدين الآمدى PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذى زلزل بما أظهر من صنعته أقدام الجاحدين واستزل بما أبان ~~من حكمته ثبت المبطلين وأقوى قواعد الإلحاد بما أبدى من الآي والبراهين ~~واصطفى لصفوته من عباده عصابة الموحدين ووثقهم من أسبابه بعروته الوثقى ~~وحبله المتين فلم يزالوا للحق ناظرين وبه ظاهرين ولله ولرسوله ناصرين ~~وللباطل وأهله دامغين إلى أن فجر فجر الإيمان وأشرق ضوؤه للعالمين وخسف قمر ~~البهتان وأضحى كوكبه من الآفلين ذلك صنع الذي أتقن كل شئ @QB@ ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين @QE@ # فنحمده على ما أولى من مننه وأسبغ من جزيل نعمه حمدا تكل عن حصره ألسنة ~~الحاصرين ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مبوئة لقائلها ~~جنة الفوز والعقبى في يوم الدين ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى ~~الكافة أجمعين فأوضح بنوره سبل السالكين وشاد بهدايته أركان الدين صلى الله ~~عليه وعلى آله أجمعين وبعد # فإني لما تحققت أن العمر يتقاصر عن نيل المقاصد والنهايات ويضيق عن تحصيل ~~المطالب والغايات وتنبتر ببتره أسباب الأمنيات وتفل بفله غر الهمم والعزمات ~~مع استيلاء الفترة واستحكام الغفلة وركون النفس إلى الأمل واستنادها إلى ~~الفشل علمت أنه لا سبيل إلى ذروة ذراها ولا وصول إلى أقصاها ولا مطمع في ~~منتهاها فكان اللائق البحث والفحص عن الأهم فالأهم والنظر في تحصيل ما ~~الفائدة في تحصيله أعم PageV01P003 وأهم المطالب وأسنى المراتب من الأمور ~~العملية والعلمية ما كان محصلا للسعادة الأبدية وكمالا للنفس الناطقة ~~الإنسانية وهو اطلاعها على المعلومات وإحاطتها بالمعقولاوت لما كانت ~~المطلوبات متعددة والمعلومات متكثرة وكل منها فهو عارض لموضوع علم يستفاد ~~منه وتستنبط معرفته عنه كان الواجب الجزم واللازم الحتم على كل ذي عزم ~~البداية بتقديم النظر في الأشرف الأجل والأسنى منها في الرتبة والمحل # وأشرف العلوم إنما هو العلم الملقب بعلم الكلام الباحث عن ذات واجب ~~الوجود وصفاته وأفعاله ومتعلقاته إذ شرف كل علم إنما هو تابع لشرف ms001 موضوعه ~~الباحث عن أحواله العارضة لذاته ولا محالة أن شرف موضوع هذا العلم يزيد على ~~شرف كل موضوع ويتقاصر عن حلول ذراه كل موجود مصنوع إذ هو مبدأ الكائنات ~~ومنشأ الحادثات وهو بذاته مستغن عن الحقائق والذوات مبرأ في وجوده عن ~~الاحتياج إلى العلل والمعلولات كيف والعلم به أصل الشرائع والديانات ومرجع ~~النواميس الدينيات ومستند صلاح نظام المخلوقات # فلا جرم سرحت عنان النظر وأطلقت جواد الفكر في مسارح ساحاته ومطارح ~~غاياته وطرقت أبكار أسراره ووقفت منه على أغواره فلم تبق غمة ألا ورفعتها ~~ولا ظلمة إلا وقشعتها حتى تمهد سراحه واتسع براحه فكنت بصدد جنى ثمراته ~~والتلذذ بحلواته PageV01P004 ولم أزل على ذلك برهة من الزمن مجانبا للإخوان ~~إلى أن سألني من تعينت على إجابته وتحتمت على تلبيته أن أجمع له مشكلات ~~درره وأبين مغمصات غرره وأبوح بمطلقات فوائده وأكشف عن أسرار فرائده # فاستخرت الله تعالى في أسعافه بطلبه واستعنته في قضاء أربه فشرعت في ~~تأليف هذا الكتاب وترتيب هذا العجاب وأودعته أبكار الأفكار وضمنته غوامض ~~الأسرار منبها على مواضع مواقع زلل المحققين رافعا بأطراف استار عورات ~~المبطلين كاشفا لظلمات تهويلات الملحدين كالمعتزلة وغيرهم من طوائف ~~الإلهيين على وجه لا يخرجه زيادة التطويل إلى الملل ولا فرط الاختصار إلى ~~النقص والخلل تسهيلا على طالبيه وتيسيرا على راغبيه وسميته غاية المرام في ~~علم الكلام وقد جعلته مشتملا على ثمانية قوانين وضمنتها عدة مسائل قواعد ~~الدين وهو المسئول أن يعصمنا فيما نحاوله من كل خلل وزلل وأن يوفقنا لكل ~~صواب من قول وعمل إنه على ما يشاء قدير وبإجابة الدعاء جدير @ 6 ~~PageV01P005 PageV01P006 $ القانون الأول في إثبات الواجب بذاته ~~PageV01P007 # PageV01P008 طريق إثبات الواجب # ذهب المحققون من الإسلاميين وغيرهم من أهل الشرائع الماضيين وطوائف ~~الإلهيين إلى القول بوجوب وجود موجود وجوده له لذاته غير مفتقر إلى ما يسند ~~وجوده إليه وكل ما سواه فوجوده متوقف في إبداعه عليه ولم نخالفهم في ذلك ~~إلا سواد لا يعرفون وطوائف مجهولون فلا بد من الفحص عن مطلع نظر الفريقين ms002 ~~والكشف عن منتهى أقدم الطائفتين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون # ومبدأ النظر ومجال الفكر ينشأ من الحوادث الموجودة بعد العدم فإن وجودها ~~إما أن يكون لها لذاتها أو لغيرها لا جائز أن يكون لها لذاتها وإلا لما ~~كانت معدومة وإن كان لغيرها فالكلام فيها وإذ ذاك فإما أن يقف الأمر على ~~موجود هو مبدأ الكائنات ومنشأ الحادثات أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية ~~فإن قيل بالتسلسل فهو ممتنع # أما على الرأي الفلسفي فلأنا إذا فرضنا ممكنات لا نهاية لأعدادها يستند ~~بعضها إلى بعض في وجودها وفرضنا بالتوهم نقصان عشرة منها مثلا فإما أن يكون ~~عددها مع فرض النقصان مساويا لعددها قبله أو أنقص أو أزيد لا جائز أن يكون ~~مساويا إذ الناقص لا يساوى الزائد فإن قيل أنه أزيد فهو أيضا ظاهر الإحالة ~~وإن قيل أنها أنقص فأحدهما PageV01P009 لا محالة أزيد من الآخر بأمر متناه ~~وما زاد على المتناهى بأمر متناه فهو متناه إذ لا بد أن يكون للزيادة نسبة ~~إلى النامى بجهة ما من جهات النسب على نحو زيادة المتناهى على المتناهى ~~ومحال أن يحصل بين ما ليسا متناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين لكن هذا ~~مما لا يستقيم على موجب عقائدهم وتحقيق قواعدهم حيث قضوا بأن كل ماله ~~الترتيب الوضعي كالأبعاد والامتدادات أو ترتيب طبيعى و آحاده موجودة معا ~~كالعلل والمعلولات فالقول بأن لا نهاية له مستحيل وأما ما سوى ذلك فالقول ~~بأن لا نهاية له غير مستحيل وسواء كانت آحاده موجودة معا كالنفوس بعد ~~مفارقة الأبدان والذوات أو هي على التعاقب والتجدد كالحركات فإن ما ذكروه ~~وإن استمر لهم فيما قضوا عليه بالنهاية فهو لازم لهم فيما قضوا عليه بأن لا ~~نهاية وإذ ذاك فلا يجدون عن الخلاص من فساد أحد الاعتقاديين سبيلا إما في ~~صورة الإلزام أو فيما ذكروه في معرض الدلالة والبرهان # وليس لما ذكره الفيلسوف المتأخر من جهة الفرق بين القسمين قدح في الغرض ~~هو قوله أن ما لا ترتب له وضعا ولا ms003 آحاده موجودة معا وأن كان ترتبه طبعا لا ~~سبيل إلى فرض جواز قبوله الانطباق وفرض الزيادة والنقصان بخلاف نقيضه إذ ~~المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأوضاع وفيما له ~~الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معا ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة ~~والنقصان بين ما ليسا بمتناهيين وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض ~~الوقوف عنده من نقطة ما من البعد PageV01P010 المفروض أو وحدة ما من العدد ~~المفروض وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات أو ~~النفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها وجواز الزيادة عليها بالتوهم مما هو من ~~نوعها أو فرض نقصان جملة منها وإذ ذاك فالحدود المستعلمة في القياس في محل ~~الاستدلال هي بعينها مستعلمة في محل الإلزام مع اتحاد الصورة القياسية من ~~غير فرق # ثم إن فرض وقوع الزيادة والنقصان في محل النزاع وان كان جائزا ومع جوازه ~~واقعا فهو إنما يوجب النهاية في كل واحد من العددين أن لو كانت الزيادة ~~المتناهية التي فضل بها أحد العددين على الآخر لها نسبة إلى كل واحد منهما ~~نسبتها إلى ما هو متناه والخصم وإن سلم قبول المتناهى لنسبة ما هو المتناهى ~~إليه فقد لا يسلم قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه ولا محالة أن بيان ~~ذلك مما لا سبيل إليه كيف وأنه منتقض على الرأيين جمعا فإنه ليس كل جملتين ~~وقعت بينهما الزيادة بأمر متناه يكونان متناهيين فإن عقود الحساب مثلا لا ~~نهاية لأعدادها وإن كانت الأوائل اكثر من الثوانى والثوانى اكثر من الثوالث ~~بأمر متناه وهذه الأمور وان كانت تقديرية ذهنية فلا محالة أن وضع القياس ~~المذكور فيها على نحو وضعه في الأمور الموجودة في الفعل فلا تتوهمن أن ~~الفرق واقع من مجرد هذا الاختلاف # أما المتكلم فلعله قد سلك في القول بوجوب النهاية ههنا ما سلكه الفيلسوف ~~ولربما زاد عليه بقوله لو فرض أعداد لا نهاية لها لم يخل إما أن تكون شفعا ~~أو وترا أولا هي شفع ms004 ولا وتر أو شفعا ووترا معا فإن كانت شفعا فهي تصير ~~وترا بزيادة واحد وكذلك إن كانت وترا فهي تصير شفعا بزيادة واحد وإعواز ~~الواحد لما لا يتناهى محال ولا جائز أن يكون شفعا ووترا أو لا شفع ولا وتر ~~فإن ذلك ظاهر الإحالة وهذه المحالات كلها إنما لزمت من فرض عدد لا يتناهى ~~فهو أيضا محال وهو مع أنه محض استبعاد الشفعية ما لا يتناهى أو وتريته إنما ~~ينفع مع تسليم الخصم لقبولية ما لا يتناهى أن يكون شفعا أو وترا وذلك مما ~~لا سبيل إليه PageV01P011 # ثم بم الاعتذار عن هذا الإلزام إن ورد على ما سلم كونه غير متناه ~~كالأعداد من مراتب الحساب وكذلك ما يختص بمذهب المتكلم من اعتقاد عدم ~~النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته # وما قيل من أن المعنى بكون المعلومات والمقدورات غير متناهية صلاحية ~~العلم لكل ما يصح أن يعلم وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد وما ~~يصح أن يوجد ويصح أن يعلم غير متناه لكنه من قبيل التقديرات الوهمية ~~والتجويزات الخيالية وذلك مما لا يجب فيه القول بالنهاية ولا كونه غير ~~متناه مستحيل بل المستحيل إنما هو القول بأن لا نهاية فيما له وجود عينى ~~وهو في تعينه أمر حقيقى فلا أثر له في القدح فإن من نظر بعين التحقيق وأمعن ~~في التحديق علم أن هذه الأمور وإن كانت تقديرية ومعاني تجويزية وأنه لا ~~وجود لها في الأعيان فلا بد لها من تحقق وجود في الأذهان ولا محالة أن نسبة ~~ما فرض استعماله في القول بالنهاية فيما له وجود ذهنى على نحو استعماله ~~فيما له وجود عينى وأن ذلك بمجرده لا أثر لها فيما يرجع إلى الافتراق أصلا # ومما يلتحق بهذا النظم في الفساد أيضا قول القائل إن كل واحد من هذه ~~الأعداد محصور بالوجود فالجملة محصورة بالوجود وكل ما حصره الوجود فالقول ~~بأن لا نهاية له محال فإن ما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر ما وهو إنما يلزم أن ~~لو ms005 كان الحصر متناهيا ولا محالة أن الكلام في تناهى الوجود كالكلام فيما ~~يحصره الوجود هذا إن قيل بأن الوجود زائد على الموجود وإلا فلا حاصر أصلا # ولربما نظر في العلل والمعلولات إلى طرف الاستقبال فقيل ما من وقت نقدره ~~إلا والعلل والمعلولات منتهية بالنسبة إليه وانتهاء ما لا يتناهى محال وهو ~~أيضا غير مفيد فإن PageV01P012 الخصم قد سلم انتهاء العدد من أحد الطرفين ~~ومع ذلك يدعي أنه غير متناه من الطرف الآخر ومجرد الدعوى فيه غير مقبولة لا ~~سيما مع ما قد ظهر من أن عقود الحساب لا نهاية لها ولم يلزم من تناهيها من ~~جهة البدء أن تكون متناهية من جهة الآخر أو أن يوقف فيها على نهاية # فإذا الرأي الحق أن يقال لو افتقر كل موجود في وجوب وجوده إلى غيره إلى ~~غير نهاية فكل واحد بإعتبار ذاته ممكن لا محالة فإن ما وجب وجوده لغيره ~~فذاته لذاته إما أن تقتضى الوجوب أو الامتناع أو الإمكان لا جائز أن يقال ~~بالوجوب لأن عند فرض عدم ذلك الغير إن بقي وجوب وجوده فهو واجب بنفسه وليس ~~واجبا لغيره وإن لم يبق وجوب وجوده فليس واجبا لذاته إذ الواجب لذاته ما لو ~~فرض معدوما لزم منه المحال لذاته لا لغيره ولا جائز أن يقال بالامتناع وإلا ~~لما وجد ولا لغيره فبقى أن يكون لذاته ممكنا # وإذا كان كل واحد من الموجودات المفروضة ممكنا وهى غير متناهية فإما أن ~~تكون متعاقبة أو معا فان كانت متعاقبة فما من موجود نفرده بالنظر إلا وفرض ~~وجوده متعذر وانتهاء النوبة إليه في الوجود ممتنع فإنه مهما لم يفرض وجوب ~~وجود فلا وجود له وكذا الكلام في موجده بالنسبة إلى موجده وهلم جرا وما علق ~~وجوده على وجود غيره قبله وذلك الغير أيضا مشروط بوجود غيره قبله إلى ما لا ~~يتناهى فإن وجوده محال # ونظير ذلك ما لو قال القائل لا أعطيك درهما الا وقبله درهما وكذا إلى ما ~~لا يتناهى PageV01P013 فإنه لا سبيل إلى ms006 إعطائه درهما ما وهو على نحو قول ~~الخصم في تناهى الأبعاد باستحالة وجود بعدين غير متناهيين فرض أحدهما دائرا ~~على الآخر بحيث يلاقيه عند نقطة وينفصل عنه بأخرى بناء على أن ما من نقطة ~~إلا وقبلها نقطة إلى ما لا يتناهى فما من نقطة يفرض التلاقى عندها إلا ولا ~~بد أن يكونا قد تلاقيا قبلها عند نقطة أخرى إلى ما لا يتناهى وذلك محال كيف ~~وأن ما من واحد يفرض إلا وهو مسبوق بالعدم فالجملة مسبوقة بالعدم وكلى جملة ~~مسبوقة بالعدم ولوجودها أول تنتهى إليه فالقول بأن لا نهاية لأعدادها ممتنع # وما يخص مذهب القائلين بالإيجاد بالعلية والذات أن كل واحد إما ان يكون ~~موجدا لما أوجده في حال وجوده أو بعد عدمه لا جائز أن يكون موجدا له بعد ~~العدم إذ العدم لا يستدعي الوجود وان كان موجودا له في حال وجوده فوجود ~~المعلول يلازم وجود علته في الوجود وهما معا فيه وإن كان لأحدهما تقدم ~~بالعلية على الآخر على نحو تقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحوه فإذا ~~العلل والمعلولات وإن تكثرت فوجودها لا يكون إلا معا من غير تقدم وتأخر ~~بالزمان و أما إن كانت معا فالنظر إلى الجملة غير النظر إلى الآحاد إذ ~~حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من آحادها وان كان كذلك فالجملة إما أن ~~تكون بذاتها واجبة أو ممكنة لا جائز ان تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ~~ممكنة وان كانت ممكنة فهي لا محالة تفتقر إلى مرجح فالمرجح إما أن يكون ~~خارجا عن الجملة أو داخلا فيها لا جائز أن يكون من الجملة وإلا فهو مقوم ~~لنفسه إذ مقوم الجملة مقوم PageV01P014 لآحادها وذلك يفضى إلى تقوم الممكن ~~بذاته وهو متعذر إذ قد فرض كل واحد من آحاد الجملة ممكنا وإن كان خارجا عن ~~الجملة فهو إما واجب وإما ممكن فإن كان ممكنا فليس خارجا عن الجملة على ما ~~وقع به الفرض فبقى أن يكون واجبا بذاته لا محالة # فهو لا محالة واجب ms007 بذاته وإلا لافتقر إلى غيره وذلك الغير إن كان خارجا ~~عن الجملة المفروضة ففيه إبطال الفرض وإن كان داخلا فيها ففيه توقف كل واحد ~~على صاحبه وتقدمه بالذات وكل واحد من القسمين متعذر فقد تنخل من الجملة أنه ~~لا بد من القول بوجوب وجود موجود وجوده لذاته لا لغيره # فإن قيل ما ذكرتموه فرع إفضاء النظر إلى العلم وجعله مدركا وبم الرد على ~~من أنكر ذلك ولم يسوغ غير الحواس الظاهرة مدركا كيف وهو متعذر من جهة ~~المطلوب ومن جهة المبدأ أما من جهة المطلوب فهو أنه إما أن يكون معلوما أو ~~مجهولا فان كان معلوما فلا حاجة إلى طلبه إن كان مجهولا فتمتنع معرفته عند ~~الظفر به # وأما من جهة المبدأ فهو أن كل مطلوب فلا بد له عند التعريف من مبادئ ~~معلومة سابقة مناسبة وتلك المبادئ إما أن تكون بديهية أو مستندة إلى ما هو ~~في نفسه بديهي قطعا للتسلسل الممتنع والبديهي لا معنى له إلا ما يصدق العقل ~~به من غير توقف على أمر خارج عنه وهو ما لا حاصل له فإنه إما أن يكون حاصلا ~~لنا في مبدأ النشوء أو بعده لا جائز PageV01P015 أن يقال بالأول فإنا كنا ~~لا نشعر بها في مبدأ نشوئنا ولو كانت حاصلة لما وقع الذهول عنها إذ هو ~~متناقض وإن قيل بالثاني فإما يقال حصلت بالدليل أو بغير دليل فان كانت ~~بالدليل فليست بديهية وإن كانت من غير دليل فاختصاص حصولها بزمان دون زمان ~~هو مما لا حاصل له # وأما قولكم إن ما وجد بعد العدم لا بد وأن يكون وجوده لغيره وإلا لما كان ~~معدوما قبل فلو كان وجوده لغيره لم يخل إما أن يكون ذلك الغير دائما علة ~~أوحدث كونه علة فإن كان دائما علة وجب ألا يتأخر وجود معلوله عن وجوده وأن ~~لا يكون مسبوقا بالعدم وإن حدث كونه علة فالكلام في تلك العلة كالكلام في ~~معلولها وهلم جرا وهذا يؤدى إلى أن لا يكون معدوما ولا مسبوقا ms008 بالعدم وهو ~~محال أو إلى علل ومعلولات لا تتناهى ولم تقولوا به # وإنه لو افتقر الحادث في حال حدوثه إلى محدث لافتقر المعدوم في حال عدمه ~~إلى معدم وهو ممتنع لأن ما اقتضى العدم إما نفس ما اقتضى الوجود أو غيره لا ~~جائز أن يكون نفسه فإن ما اقتضى وجود شئ لا يقتضى عدمه وإن كان غيره فذلك ~~الغير إما واجب بذاته أو لغيره فإن كان واجبا بذاته أدى إلى اجتماع واجبين ~~وهو محال كما سيأتي كيف ويلزم أن يكون الشئ الواحد موجودا ومعدوما معا ~~لتحقق ما يقتضى كل واحد منهما وهو ممتنع وإن كان واجبا لغيره فذلك الغير ~~اما أن يكون هو نفس ما أوجب الحدوث أو غيره فإن كان نفسه فيستحيل أن يوجب ~~بذاته ما يقتضى عدم ما يقتضيه وجوده بذاته وإن كان غيره فيفضى إلى اجتماع ~~واجبين هو متعذر # وأيضا فإنه لو افتقر إلى موجد لم يخل إما أن يكون موجدا له في حال وجوده ~~أو في حال عدمه فإن كان موجدا له في حال وجوده فهو محال إذ الموجود لا يوجد ~~وإن كان موجدا له في حال عدمه فهو محال أيضا ظاهر الإحالة ولو سلمنا أن ما ~~وجد بعد العدم لا بد وأن يكون وجوده بغيره لكن لا إفضاء له إلى أثبات واجب ~~الوجود مع كون الخصم قائلا بعلل ومعلولات إلى غير النهاية PageV01P016 # وقولكم إنه لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية فكل واحد منها ممكن ~~باعتبار ذاته فبم الرد على من إشترط في ممكن الوجود أن لا يكون موجودا وأن ~~الشئ مهما اتصف بالوجود فهو ضرورى الوجود وضرورى الوجود لا يكون ممكنا فإن ~~قيل له ممكن فبالاشتراك وليس هذا تسليم المطلوب فإن كون الشئ ضرورى الوجود ~~أعم من الضرورة الثابتة لذاته ومع التسليم بكونها ممكنة فما ذكرتموه في أن ~~لا نهاية غير مستقيم أما ما ذكرتموه في طرف التعاقب فغير مطرد وذلك أنا لو ~~فرضنا حادثا بعد العدم فإما أن يقال إن له قبلا كان فيه ms009 معدوما أو ليس لا ~~جائز أن يقال انه لم يكن له قبل كان فيه معدوما وإلا لما كان له أول وهو ~~خلاف الفرض وإن كان له قبل هو فيه معدوم فذلك القبل إما موجود أو معدوم لا ~~جائز أن يكون معدوما وإلا لما كان له قبل إذ لا فرق بين قولنا إنه لا قبل ~~له وبين قولنا إن قبله معدوم فبقى أن يكون موجودا ثم ما قبل يفرض إلا وهو ~~مسبوق بقبل آخر إلى ما لا نهاية له على هذا النحو فإذا قد ثبت وجودات لا ~~نهاية لأعدادها وإن كانت متعاقبة وكل واحد مسبوق بعدمه وبه تبين كذب ما ~~ذكرتموه من القياس وأما معتمد القائلين بالإيجاد بالعلية فطريق الرد عليهم ~~ما هو طريق لكم في الرد عليهم كما يأتي فيما بعده # وأما ما ذكرتوه في طرف المعية ووجوب الانتهاء فيها إلى موجود وجوده لذاته ~~فذلك الموجود لا يخلو إما أن يكون ممكنا أو ليس بممكن فإن كان ممكنا فهو من ~~الجملة وليس بواجب وإن لم يكن ممكنا فما ليس بممكن ليس بواجب وبهذا يندفع ~~ما ذكرتموه في جانب الانتهاء إلى موجود هو مبدأ الموجودات أيضا PageV01P017 # والجواب أما طريق إفحام المنكر لكون النظر مدركا أن يقال نفى إفضاء النظر ~~إلى العلم إما معلوم أو غير معلوم فإن كان معلوما فإما أن يكون حصوله ~~متوقفا على مدرك يعلم به أو ليس فإن كان متوقفا فالمدرك إذا إما الحواس أو ~~النظر لا جائز أن يكون مدركه الحواس إذ هو غير محسوس فتعين أن يكون مدركه ~~النظر وإن لم يكن متوقفا على مدرك فهو بديهي ولو كان بديهيا لما وقع ~~الاختصاص به لطائفة دون طائفة كيف وأنه لو خلى الانسان ودواعى نفسه في مبدأ ~~نشوئه مع قطع النظر عن النظر لم يجد في نفسه الجزم بذلك أصلا وكل ما ليس ~~على هذه القضية من العلوم فليس ببديهي وإن اكتفى في ذلك بمجرد الدعوى فقد ~~لا تؤمن المعارضة بمثله في طرف النقيض وليس عنه محيص ms010 # وأما إن كان مجهولا غير معلوم فالجزم بنفيه متعذر لعدم الدليل المفضى ~~إليه وليس هذا مما ينقاس في طرف النقيض فإن من حصلت عنده المواد الصادقة ~~المقترنة بالصور الحقة التي يتولى بيانها المنطقى لم يجد في نفسه جحد ما ~~يلزم عنها وذلك كعلمنا بأن الأربعة زوج لعلمنا بأنها منقسمة بمتساويين وكل ~~منقسم بمتساويين فهو زوج كيف وأنا نجد من أنفسنا العلم بأمور كلية حصلت لنا ~~بعد ما لم تكن ولو خلينا على أصل الفطرة من غير طلب لها لم نعلمها فلا بد ~~لها من مدرك موصل PageV01P018 إليها فإنها غير بديهية وليس المدرك هو ~~الحواس إذ الكليات غير محسوسة فتعين أن يكون النظر ولولا أنه صحيح لما أفضى ~~إلى المطلوب # فإن قيل ما ذكرتموه في معرض إثبات النظر غير بديهي وإلا وقع اختصاصكم به ~~دوننا فبقى إن يكون نظريا وفيه إثبات النظر بالنظر وهو ممتنع # فالواجب أن يقال ما ذكرتموه في معرض الإبطال إما أن يكون صحيحا أو فاسدا ~~فإن كان صحيحا فقد أبطلتم النظر بالنظر أيضا وهو ممتنع وإن كان فاسدا فلا ~~حاجة إلى الجواب # وقولهم إن المطلوب في النظر إن كان معلوما فلا حاجة إلى طلبه وإن كان ~~مجهولا فلا فائدة لطلبه لعدم الوقوف عليه عند الظفر به # قلنا الشئ قد يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه أعنى معلوما بالقوة ~~ومجهولا بالفعل وذلك إنما يكون عند كون الانسان عالما بقضيه كلية وهو جاهل ~~بما يدخل تحتها بالجزئية أو عالم به لكنه غافل عن الارتباط الواقع بينهما ~~مثال الأول علمنا بأن كل اثنين زوج وجهلنا بزوجية ما في يد زيد مثلا لجهلنا ~~باثنينيته لكن جهلنا به إنما هو جهل بالفعل وإن كان معلوما بالقوة من جهة ~~علمنا بأن كل اثنين زوج # ومثال الثاني ظن كون البغلة المنتفخة البطن حبلى مع العلم بأنها بغلة وأن ~~كل بغلة عقيم فالعلم بكونها عقيما واقع بالقوة والجهل بذلك إنما هو بالفعل ~~فمستند الجهل في المثال الأول إنما هو عدم العلم بالمقدمة الجزئية وفي ms011 ~~الثاني الغفلة عن الارتباط بين المقدمتين فالطلب إذا إنما هو المثل هذا ~~المجهول فإنه مهما ظفر به وعرفه بالفعل PageV01P019 على الصفات التي كانت ~~معلومة بالقوة عرف أنه مطلوبه لا محالة أما أن يكون الطلب لما علم أو جهل ~~مطلقا فلا # وأما القضايا البديهية فهي كل قضية يصدق العقل بها عند التعقل لمفرداتها ~~من غير توقف على مبدأ غيرها فعلى هذا حصولها لنا في مبدأ النشوء إنما هو ~~بالقوة لا بالفعل وعدم حصولها بالفعل إنما كان لعدم حصول مفرداتها التي لا ~~تحصل إلا بكمال آلة الإدراك فإذا حصلت المفردات عند كمال آلة الادراك بادر ~~العقل إذ ذاك بالنسبة الواجبة لها من غير توقف اصلا فعلى هذا لم يلزم من ~~عدم حصولها لنا فى مبدأ النشوء بالفعل ان تكون غير بديهية ولا من تأخرها أن ~~تكون نظرية فبطل ما تخيلوه # وأما ما ذكروه في امتناع افتقار الحادث إلى المحدث فإنما يلزم أن لو لم ~~يكن مستنده القصد والإرادة بل الطبع والعلة وليس كذلك أما على الرأي ~~الفلسفي القائل بالايجاد بالعلية فهو أن الافلاك متحركة على الدوام لتحصيل ~~ما لها من الأوضاع الممكنة لها على وجه التعاقب والتجدد طلبا للتشبه ~~بمعشوقها والالتحاق بمطلوبها مقتضية للحركات الدورية بإرادات قديمة لأنفس ~~الأجرام الفلكية وبتوسط الحركات وجدت التأثيرات كالامتزاجات والاعتدالات ~~وغير ذلك من الأمور السفليات وقبول القابليات للصور الجوهرية والأنفس ~~الإنسانية فإن ما لم يوجد منها إنما هو لعدم القابلية لا لعدم الفاعلية إذ ~~الفاعل إنما هو العقل الفعال الموجود مع جرم فلك القمر PageV01P020 # وأما الرأي الإسلامي فمصدر الحوادث بأسرها ومستندها إنما هو صانع مريد ~~مختار اقتضى بإرادة قديمة وأنشأ بمشيئة أزلية كل واحد منها في الوقت الذي ~~اقتضى وجوده فيه كما يأتي تحقيقه فيما بعد إن شاء الله تعالى # فليس الموجد للحوادث محدثا حتى يفتقر إلى محدث ولا هو موجد لها إيجادا ~~بالعلية أو الطبع حتى يلزم قدم ما صدر عنه بقدمه # وقولهم لو افتقر الحادث في حال وجوده إلى محدث لافتقر في حال عدمه ms012 إلى ~~معدم قلنا مهما كان الشئ في نفسه ممكنا فلا بد له من مرجح لأحد طرفيه أعنى ~~الوجود والعدم وإلا فهو واجب أو ممتنع فكما أنه في حال وجوده يفتقر إلى ~~مرجح فكذا في جانب عدمه والمرجح للعدم هو المرجح للوجود لكن إن كان مرجحا ~~بالذات عند القائلين به فعدمه هو المرجح للعدم لا نفس وجوده وأما عند ~~القائلين بالإرادة فيصح أن يقال عدم المعدوم في حال عدمه مستند إلى عدم ~~تعلق القدرة بإيجاده والإرادة بتخصيصه في ذلك الوقت ولا يلزم من ضرورة وجود ~~القدرة والإدارة في القدم قدم ما يتخصص بها كما سنبينه فيما بعد # ويحتمل أن يقال بإسناده إلى قدرة قديمة اقتضت عدمه وإرادة أزليه اقتضت ~~تخصيص عدمه بذلك الوقت كما اقتضت تخصيص وجوده بوقت آخر والمرجح للطرفين ~~واحد لا تعدد فيه وإن وقع التعدد في متعلقة كما سيأتي بعد # وأما ما ذكروه من امتناع إحداث المحدث في حالي الوجود والعدم فلا يستقيم ~~وذلك أن ما وجد بعد العدم إما أن يكون وجوده لذاته أو لغيره لا جائز أن ~~يكون PageV01P021 # وجوده لذاته وإلا لما كان معدوما فبقي أن يكون وجوده لغيره كما قررنا ~~والإقتضاء لوجوده ليس هو له في حال عدمه وإلا لما كان معدوما فليس الاقتضاء ~~لوجوده إلا في حال وجوده لا بمعنى أنه أوجده بعد وجوده بل معنى اته لولا ~~المرجح لما كان موجودا في الحالة التى فرض كونه موجودا فيها وعند ذلك فلا ~~التفات إلى من اعتاص هذا القدر على فهمه واعترضت عقله مرامى وهمه # وأما اشتراط انتفاء الوجود عن ممكن الوجود فيعتذر جدا وذلك أن ممكن ~~الوجود هو بعينه ممكن العدم فإن اشترط في ممكن الوجود أن لا يكون موجودا ~~فليشترط في ممكن العدم أن لا يكون معدوما فإنه كما أن الخروج إلى الوجود ~~يخرجه إلى ضرورة الوجود فالخروج إلى العدم يخرجه إلى ضرورة العدم وذلك يفضى ~~إلى أن لا يكون الممكن موجودا ولا معدوما وهو محال # فإن قيل إن العدم لا يخرجه إلى ms013 ضرورة الوجود بالمعنى المشروط دون المطلق ~~فهو صحيح لكن لا منافاة بينه وبين الممكن # وأما ما ذكروه من القبليات الغير المتناهية فمندفع وذلك أنهم إن فسروا ~~القبلية بأمر زائد على عدمه كان عدمه فيها فغير مسلم بل لا معنى لقبلية ~~الشئ إلا أنه لم يكن فكان ومع هذا التفسير للقبلية فلا يتمهد ما ذكروه كيف ~~وأنه يستحيل القول بما ذكروه نظرا إلى ما أشرنا إليه من البرهان وأوضحناه ~~من البيان في عدم حوادث لا تتناهى # وأما ما ذكروه في بيان استحالة القول بوجوب واجب الوجود نظرا إلى ثبوت ~~الإمكان PageV01P022 له ونفيه عنه فمنشأ الغلط فيه إنما هو من اشتراك لفظ ~~الممكن إذ قد يطلق على ما ليس بممتنع وعلى ما لا ضرورة في وجوده ولا في ~~عدمه فالاعتبار الأول أعم من الواجب بذاته والثاني مباين له فعلى هذا إن ~~قضى عليه بكونه ممكنا فليس إلا بالاعتبار الأول ولا يلزم منه نفى الوجوب ~~لكونه أعم منه وإن سلب عنه الإمكان فليس إلا بالاعتبار الثانى و لا يلزم ~~منه نفى الوجوب ايضا بل ربيما كان الوجوب هو المعتبر أو الأمتناع لا محالة ~~نعم لو سلب عنه الإمكان بالاعتبار الأول أو أثبت له بالاعتبار الثاني لزم ~~ألا يكون واجبا فقد تقرر كما أشرنا إليه أنه لا بد من القول بوجوب وجود ~~موجود وجوده لذاته لا لغيره # @ 24 PageV01P023 PageV01P024 وهو حسبي ونعم الوكيل & القانون الثاني في ~~إثبات الصفات وابطال تعطيل من ذهب إلى نفيها من أهل المقالات ويشتمل على ~~قاعدتين @ 26 PageV01P025 PageV01P026 # | القاعدة الاولى # في مسأله الأحوال # وهو أنه لما كان النظر في الصفات النفسية قد تعلق نوعا من التعلق بالنظر ~~في الصفات الحالية ولربما توصل بعض المتكلمين من الأصحاب والمعتزلة منها ~~إلى إثبات الصفات النفسية فلا جرم وجب أن يقدم النظر في بيان الأحوال اولا ~~فنقول # ذهب أبو هاشم إلى القول بإثبات الأحوال ووافقه على ذلك جماعة من المعتزلة ~~والكرامية وجماعة من أصحابنا كالقاضى أبي بكر والإمام أبي المعالي ونفاها ~~من عدا هؤلاء من المتكلمين ms014 # وقبل النظر في تحقيق مذهب كل فريق يجب أن نعرف الحال ومعناها ليكون ~~التوارد بالنفى والإثبات على محز واحد من جهة واحدة ثم التعريف بماذا # قال بعض المتكلمين ليس إلا بذكر أقسامها ومراتبها لا بالحد والرسم إذ ~~الحد PageV01P027 والرسم لا بد وأن يكون متناولا لجميع مجارى الأحوال وإلا ~~فهو أخص منها والحد والرسم يجب أن يكونا مساويين للمحدود لا أخص منه ولا ~~أعم وإلا يفضى إلى ثبوت الحال اللحال من جهة أن الحد لا يتناولها إلا وقد ~~اشتركت كلها في معنى واحد وكب ما وقع به الاشتراك والافتراق من الذوات ~~والمعاني فهو حال زائد عليها لكن هذا القائل إما أن يفرق بين ما به تتفق ~~الذوات وتفترق وبين ما به تتفق الأحوال وتفترق على ما يقوله القائل ~~بالأحوال فإن عنده الذوات هي التي تتفق وتفترق بالأحوال أما اتفاق الأحوال ~~وافتراقها ليس إلا بذواتها كما يأتي أو أنه لا يعترف بالفرق فإن اعترف فلا ~~اتجاه لما ذكره وإن لم يعترف بالفرق فليس ما أبطله بأولى مما عينه فإنه كما ~~يتعذر التعريف بالحد لما فيه من إثبات الحال للحال كذا يمتنع التعريف بما ~~ذكره إذ في ضرورة الاعتراف بالأنقسام وقوع ما به الانقسام وإن ما أشار إليه ~~أشعر بجهل صناعة الحدود والرسوم # وذلك أن ما ذكروه وإن اتجه في الحدود التي لا يستعمل فيها غير الذاتيات ~~فهو غير متجه في الرسوم من جهة ان المقصود من الرسم ليس إلا تمييز الشئ عما ~~سواه تمييزا غير ذاتي والتمييز كما يحصل بالخواص والوجودية الثابتة للشئ ~~المرسوم دون غيره كذلك قد يحصل بالسلوب المختصة به دون غيره وإذ ذاك فلا ~~يلزم ثبوت الحال إذا ما عرفت بها إذ الحال صفة إضافية والسلب المحض ليس ~~بثبوتي فعلى هذا إن عرفت الحال بأمر سلبى وخاص عدمى كان التعريف صحيحا ولم ~~يكن ما ذكروه متجها وذلك ممكن لا محالة فإنه لا مانع من أن يقال الحال ~~عبارة عن صفة إثباتية لموجود غير متصفة بالوجود ولا بالعدم فإن ما ms015 تخيل ~~كونه صفة زائدة على المرسوم ليس إلا أمرا سلبيا ومعنى عدميا وهو سلب الوجود ~~والعدم PageV01P028 وأما ما سوى ذلك فليس بزائد على نفس المرسوم ولا هو ~~كالصفة له أصلا وهو على نحو قولنا في واجب الوجود انه الوجود الذي لا يفتقر ~~إلى غيره في وجوده فإن ما به التمييز ليس إلا سلب الافتقار إلى الغير لا ~~غير وأما مدلول اسم الوجود فإنه لا يستدعي من جهة اخذه في الرسم أن يكون ~~صفة داخلة في المرسوم و لا زائدة عليه خارجة عن معناه بل لو كان هو نفس ~~الذات المرسومه كان الرسم بالنظر إلى الصناعة الرسمية صحيحا # وعند هذا فلا بد من الإشارة إلى أقسامها وهي تنقسم إلى معللة وإلى غير ~~معللة # فأما المعللة منها فهي كل حكم يثبت للذات بسب معنى قام بالذات ككون ~~العالم عالما والقادر قادرا ونحوه وقد زاد أبو هاشم ومن تابعه من المعتزله ~~في ذلك اشتراط الحياة فعلى مذهبه إيجاب الأحوال المعللة ليس إلا للصفات ~~التي من شرطها الحياة كالعلم والقدرة ونحوه وأما ما لا تشترط فيه الحياة من ~~الصفات فلا وذلك كالسواد والبياض ونحوه والمستند له في الفرق أن ما من شرطه ~~الحياة كالعلم ونحوه أنما يتوصل إلى معرفته من معرفة كون ما قام به عالما ~~ولا كذلك السواد والبياض فإنه مشاهد مرئى فلا يفتقر إلى الاستدلال عليه ~~بكون ما قام به أسود وأبيض فلهذا جعل علة ثم ولم يجعل علة ههنا # والمحقق يعلم أن التوصل إلى معرفة وجود الشئ من حكمه أو ما يلزم من ~~الآثار إنما هو فرع كونه مؤثرا له وملزوما فإذا يجب جعله عله من ضرورة معنى ~~لا يتم إلا بالنظر إلى عليته ثم إن الحركة قد تكون طبيعية وليس من شرطها ~~الحياة وقد تكون إرادية من شرطها الحياة ولا محالة أن نسبة الحركة الطبيعية ~~إلى كون المحل متحركا كنسبة الحركة الإرادية إلى كون المحل متحركا فيما ~~يرجع إلى المعرفة والخفاء ومع PageV01P029 هذا فقد جعلوا الحركة الإرادية ~~علة كون المحل ms016 متحركا ولا كذلك الحركة الطبيعية فهل الفرق إلا تحكم # فإذا قد بان أنه لا وجه للفرق وهو الرأي الحق وإليه ذهب القائلون ~~بالأحوال من أصحابنا هذا تمام الكلام في القسم الأول # وأما الحال غير المعللة # فهي كل صفة ثبتت للذات غير معلله بصفة زائدة عليها كالوجود واللونية ~~ونحوها فهذه أقسام الأحوال # وهل هي عند من أثبتها معلومة بإنفرادها أو مع غيرها # قال أبو هاشم ومن تابعه من المعتزلة إنها لا تعلم إلا مع الذوات من حيث ~~إن العلم إنما يتعلق بطريق الإستقلال عندهم بما هو في نفسه ذات والذوات ~~ثابتة في العدم والأحوال متجددة # وأما من قال بها من أصحابنا فإنه لم يمنع من تعلق العلم بها على انفرادها ~~ولعل مستند الاختلاف في الاشتراط وعدمه إنما هو بالنظر إلى الحقيقة والثبوت ~~فرب من وقف تعلق العلم لها على الذوات نظر إلى جهة الثبوت والآخر إلى جهة ~~الحقيقة إذ هي غير إضافية وكل منهما إذ ذاك مصيب فيما يقول أما إن كان ~~توارد النفي والإثبات على جهة واحدة من هاتين الجهتين فلا محالة أن المثبت ~~لهذا الاشتراط يكون مصيبا بالنظر إلى الثبوت مخطئا بالنظر إلى الحقيقة ~~والثاني بعكسه # وإذا عرف معنى الحال وأقسامها فيجب أن نعود إلى المقصود وهو الكشف عن ~~مأخذ الفريقين والتنبيه على معتمد الطائفتين وقد اعتمد مثبتو الأحوال على ~~الدلالة والإلزام PageV01P030 أما الدلالة فهو أنهم قالوا الذوات المختلفة ~~كالسواد والبياض مثل لا محالة أنهما متفقان في شئ وهو اللونية ومختلفان في ~~شئ وهو السوادية والبياضية وليس ما به وقع الاتفاق هو ما به وقع الاختلاف ~~وإلا كان شيئا واحدا فإذا هما غيران وهو المقصود # وأما ما اعتمدوه إلزاما فهو أنهم قالوا القول بإنكار الأحوال يفضى إلى ~~إنكار القول بالحدود والبراهين وأن لا يتوصل أحد من معلوم إلى مجهول ولا ~~سيما صفات الرب تعالى إذ منشأ القول بها ليس إلا قياس الغائب على الشاهد ~~وهذا كله محال # ومما اعتمدوا عليه وهو محض الأحوال المعللة أن قالوا نحن نعقل الذات ms017 ثم ~~نعقل كونها متحركة بعد ذلك وليس ذلك إلا حالا زائدا عليها وليس ذلك هو نفس ~~الحركة فإنا نعقل المتحرك ونجهل قيام الحركة به ولو كان المتحرك وقيام ~~الحركة بالمحل شيئا واحدا لاستحال أن تكون معلومة مجهولة معا # والجواب أما ما ذكروه من الشبهة الاولى فالكلام فيها على ما به الاشتراك ~~والاختلاف يستدعى تفصيلا فنقول قولهم إن السواد والبياض يشتركان في اللونية ~~فإما أن يراد به الاشتراك في التسمية أي أنه يطلق على كل واحد منهما أنه ~~لون أو الاشتراك في مسمى اللونيه فإن أريد به الأول فهو خلاف أصلهم ومع ذلك ~~فإن الاسماء لا تكون صفات للذوات ثم إن اريد به الثاني فمسمى اللونية لا ~~محالة ينقسم إلى كلى أي صالح أن يشترك فيه كثيرون وإلى مشخص أي ليس له ~~صلاحية أن يشترك فيه كثيرون فالأول مثل اللونية الموجودة في الأذهان وتلك ~~لا تحقق لها في الأعيان والثاني كهذا اللون وكذا كل ما يصح أن يشار إليه ~~بسبب الإشارة إلى موضوعه فعلى هذا إن أريد به اللونية المشخصة فإما ~~PageV01P031 أن يقال إن ما ثبت للسواد من اللونية بعينها ثابتة للبياض أو ~~إن ما تخصص بكل واحد منهما غير الآخر لا حائز أن يقال بالأول كما ذهب إليه ~~مثبتو الأحوال إذ يلزم منه أن يتعدد المتحد أو يتحد المتعدد وكلا الأمرين ~~محال وإن قيل بالثاني فليس ذلك بحال ولا صفة زائدة على ذات السواد من حيث ~~هو سواد بل هو داخل في الذات والحقيقة ولهذا إن من أراد تعقل السواد لم ~~يمكنه أن يتعقله ما لم يكن قد عقل اللونية أولا وما لا تتم الذات إلا به ~~وهو مقوم لها كيف يكون زائدا عليها # ثم كيف يكون لا موجودا ولا معدوما وهو مقوم للموجود والموجود لا يتقوم ~~إلا بموجود ثم ولو قدر كونه زائدا فالذوات إما أن تكون متماثلة دونه أو ~~متمايزة فإن كانت متماثلة فتماثلها إن لم يكن بأنفسها فبزائد وذلك يفضى إلى ~~التسلسل من جهة ان الكلام فيما ms018 وقع به التماثل ثانيا كما في الأول وهو ~~ممتنع وإن كانت متمايزة فذلك أيضا إما لأنفسها أو بخارج عنها وكلاهما يجر ~~إلى إبطال الحال أما الأول فظاهر وأما الثاني فمن جهة أن الذوات إما أن ~~تكون متماثلة دونه أو متمايزة والكلام الأول بعينه عائد وهو محال وإن أريد ~~به اللونية العقلية المطلقة فتلك لا يتصور ان تكون صفة لما يتشخص من الذوات ~~ومعنى دخول جميع الشخصيات تحتها ليس إلا أن ما حصل في الذهن من معنى ~~اللونية مطابق لما يحصل من معنى أي لون كان من أشخاص اللون من غير زيادة ~~ولا نقصان وعند هذا إن أريد باشتراك اللونية بين السواد والبياض هذا النحو ~~من الاشتراك فلا إنكار بل هو الرأي الحق ولا مشاحة فيه # وعند هذا فليس لقائل أن يقول من نفاة الأحوال إن الاشتراك بين السواد ~~والبياض ليس إلا في مجرد التسمية فإنا نحن ندرك الاشتراك في الجملة وان ~~قطعنا النظر عن التسميات والعبارات ونشعر بالاشتراك وإن طاحت الاصطلاحات ~~والإطلاقات فليس ذلك الا بالنظر إلى قضية عقلية وصورة معنوية كيف وأنا نعقل ~~حقيقة الإنسان PageV01P032 مطلقة ونعقلها شخصة وليس تعقلها تعقلا كليا هو ~~نفس تعقلها تعقلا شخصيا ولهذا لو مات جميع أشخاص الإنسان الموجودة في ~~الأعيان لم تبطل الحقيقة المطلقة الموجودة في الأذهان # ثم لو قيل بذلك للزم منه إبطال القول بالحد والبرهان وأن لا يتوصل إحد من ~~معلوم إلى مجهول وذلك أن الأشياء إما كلية وإما شخصية على ما عرف بالقسمة ~~الحاصرة والحد والبرهان ليس إلا للأمور الكلية دون الشخصية وذلك لأن الحد ~~والبرهان ليسا من الأمور الظنية التخمينية بل من اليقينية القطعية والامر ~~الشخصى ماله من الصفات ليست يقينية بل هي على التغير والتبدل على الدوام ~~فلا يمكن أن يمكن أن يؤخذ منه ما هو في نفسه حقيقى يقينى وهذا بخلاف الأمور ~~الكلية فعلى هذا قد بان أن من أراد بإطلاق الحال على ما يقع به الاشتراك ~~النحو الذي أشرنا إليه كان محقا لكن لا ينبغى أن ms019 يقال إنها ليست موجودة ولا ~~معدومة بل الواجب أن يقال إنها موجودة في الأذهان معدومة في الأعيان وأما ~~من أراد به غير ما ذكرناه كان زائغا عن نهج السداد حائدا عن مسلك الرشاد # وأما الكلام على ما به يكون الافتراق فهو أن يقال ما به وقع الافتراق بين ~~السواد والبياض إما أن يكون في مجرد التسمية كما في قولنا سوادية وبياضية ~~وإما في مدلولهما لا سبيل إلى الاول كما ذهب إليه نفاة الاحوال فإنا لو ~~قطعنا النظر عن التسمية كما أشرنا إليه في جانب الاشتراك لقد كنا ندرك ~~الافتراق لا محالة فليس هو إذا إلا في قضية عقلية معنوية # وإن كان الافتراق بنفس مدلول لفظ السوادية والبياضية فإما أن يكون ذلك هو ~~نفس الذات المتميزة أو حاصلا فيها أو خارجا عنها فإن كان الاول فالتمايز ~~بين الذوات ليس إلا لأنفسها لا لأمور زائدة عليها وكذلك إن كان القسم ~~الثاني PageV01P033 أيضا وإن كان القسم الثالث فكيف يصح القول بأن كل ما ~~وقع به الافتراق بين ذاتين فهو زائد عليها خارج عنها والعقل الصحيح يقضى ~~بان الافتراق بين بعض الذوات قد يكون بأمور لا يتم تعقل تلك الذوات إلا بعد ~~تعقلها أولا وذلك كما وقع به الافتراق بين الإنسان والفرس والجوهر والعرض ~~وغير ذلك من الانواع والأجناس المختلفة وإذ ذاك فلا يكون ما وقع به ~~الافتراق خارجا ولا حالا زائدا كيف وأنه إما أن تكون تلك الذوات متمايزة ~~دونه أو غير متمايزة فإن كانت متمايزة فمن ضرورة تمايزها وقوع ما به التميز ~~فإن كان ذلك أيضا حالا زائدا على الذات فالكلام فيه كالكلام في الأول وذلك ~~يفضى إلى ما لا يتناهى وهو محال وإن لم تكن متمايزة دونه فهى لا محالة ~~متماثلة ومشتركة وما به التماثل والاشتراك على ما عرف من اصل القائل ~~بالأحوال حال زائد على المتماثلات فعند هذا إما أن يكون التماثل فيما هو ~~زائد على الذوات أو في نفس الذوات فإن كان في زائد على نفس الذوات فلا بد ms020 ~~أن تكون لا محالة متمايزة والكلام الاول بعينه لازم إلى غير النهاية وإن ~~كان ليس في زائد على نفس الذوات لزم أن لا يكون ما به التماثل حالا أو أن ~~تكون الذوات بأسرها أحوالا وهو خروج عن المعقول وإبطال لتحقيق الأحوال أيضا ~~إذ الأحوال من الصفات التي لا قوام لها بأنفسها دون ذوات تضاف إليها على ما ~~عرف من مذهب القائل بالأحوال # ثم إنه لو كان ما به يقع الاتفاق والافتراق بين الذوات حالا فلا محالة أن ~~بين الاحوال اتفاقا وافتراقا إذ ليس كلها حالا واحدة وعند ذلك فما يلزم في ~~الذوات من الاتفاق والافتراق بعينه لازم في الاحوال وذلك يفضي إلى إثبات ~~الحال للحال وذلك عندهم محال PageV01P034 # فإن قيل إنما لم تثبت الأحوال للأحوال من جهة أن الاحوال صفات والصفات لا ~~تثبت للصفات بخلاف الذوات وأيضا فإن ذلك مما يفضى إلى ثبوت الحال للحال إلى ~~غير النهاية وهو محال وليس يلزم من كون الاتفاق والافتراق بين الذوات لا ~~يقع إلا بالحال أن يكون الاتفاق والافتراق بين الاحوال بالأحوال وهذا كما ~~نقول في حقائق الأنواع كالإنسان والفرس ونحوه فإنها تشترك في الأجناس ~~وتفترق بالفصول ولم يلزم أن تكون للأجناس وإن تعددت جنس فإن الجوهر والكم ~~والكيف أجناس وما وقع به الاشتراك بينهما من الوجود ونحو فليس بجنس لها ~~وكذا لم يلزم أن تكون للفصول وإن تعددت فصول والا أفضى إلى التسلسل وهو ~~محال فكما قيل في الأجناس والفصول فلنقل مثله في الاحوال كيف وإن ما ~~ذكرتموه من الإشكال راجع عليكم بالمناقضة والإلزام فإنكم رمتم به نفى ~~الأحوال بطريق العموم والشمول وذلك مع قطع النظر عن معنى يعم محال وهو ~~بعينه اعتراف بالحال # فالجواب أما ما ذكروه من امتناع قيام الصفات بالصفات فهو يرجع عليهم ~~بالإبطال حيث أثبتوا الأحوال للأعراض وهي صفات ولم يتأبوا عن ذلك فإذن ما ~~ذكروا من الفرق لا معنى له وأما منع قيام الحال بالحال قطعا للتسلسل فليس ~~هذا بأولى من إبطال الاحوال أصلا ورأسا قطعا للتسلسل ms021 وهو أولى منعا للتحكم ~~والتهجم بمجرد الدعوى من غير دليل # وقولهم إن الأجناس تماثل بها الأنواع وما تتماثل به الأجناس لا يلزم أن ~~يكون جنسا فهو غلط فإن ما تماثلت به الأنواع لم يكن جنسا من حيث عمومه لها ~~فقط فإن الإنسان والفرس قد يشتركان مثلا في السواد والبياض ولا يقال إنه ~~جنس لهما فإذا الجنس هو ما تتماثل به الانواع ويقال عليها قولا أوليا في ~~جواب ما هو وذلك كالحيوان PageV01P035 بالنسبة إلى الإنسان والفرس فعلى هذا ~~إنما لم يكن ما وقع به الاشتراك بين الجوهر والعرض من الوجود وغيره جنسا ~~لهما من حيث إنه لم يكن مقولا عليهما على النحو الذي ذكرناه ولهذا يفهم كل ~~منهما دونه ولو كان الجنس هو ما تتماثل به الحقائق المختلفة في الجملة لقد ~~قلنا إن ما اشترك فيه الجوهر والعرض جنس لهما لكن لم يكن الامر هكذا وهذا ~~بخلاف الاحوال فإنها إنما كانت احوالا من حيث إنه وقع بها الاتفاق ~~والإفتراق وذلك بعينه متحقق في الأحوال وإن كان اسم الحال لا يطلق إلا على ~~ما به الاتفاق والافتراق بين الذوات فهو نزاع في التسمية لا في المعنى # وأما القول بأن الأنواع تتميز بالفصول وتمييز الفصول لا يكون بالفصول ~~فنقول إذا وقع الافتراق بالفصول فإما أن يقال هي نفس الاحوال أو الأحوال ~~زائدة عليها فإن قيل إنها نفس الاحوال التي بها يكون تميز الأشياء بعضها عن ~~بعض فهو محال إذ الفصول داخلة في الحقائق أي لا تعقل حقائق الأنواع إلا ~~بتعقلها اولا وما لا يعقل الشئ إلا بتعقله أولا فلا يكون صفة زائدة على ~~الحقيقة على ما قررناه ومع كونه محالا فلم يتوصلوا إلى المطلوب إلا بتعيينه ~~وهو ممتنع وإن قيل إن الاحوال غير الفصول وإنها زائدة عليها فلا محالة أنه ~~قد حصل التمييز بين الأشياء بالفصول لا بالأحوال # وأما ما ذكروه في معرض الإلزام آخرا فإنما يلزم القائل من نفاة الاحوال ~~إن التماثل بين الذوات ليس إلا في مجرد الأسماء فقط أما على ms022 رأينا فلا ~~وبهذا يندفع قولهم إن إنكار الاحوال يفضى إلى حسم باب القول بالحد والبرهان # وأما ما ذكروه من شبهة المتحرك والحركة وقولهم إنا نعلم وجود الذات ثم ~~نعلم كونها متحركة أو عالمة أو قادرة إلى غير ذلك فهو وإن كان صحيحا فالقول ~~بأن علمنا بكون PageV01P036 الذات متحركة أو عالمة أو قادرة غير قيام ~~الحركة بها العلم والقدرة بها هو موضع الخيال ومحز الإشكال بل ليس كون الشئ ~~متحركا يزيد على قيام الحركة به و لا كونه عالما يزيد على قيام العلم به ~~وكذلك في سائر إحكام الصفات فإذا ما ذكروه ليس إلا مجرد استرسال بدعوى ما ~~وقع الخلاف فيه وهو غير معقول # وإذا تحقق ما ذكرناه وتقرر ما مهدناه علم منه القول بنفي الاحوال إلا على ~~ما أشرنا إليه من الاحتمال ولقد كثرت طرق المتكلمين ههنا في طرفي النفي ~~والإثبات لكن آثرنا الإعراض عنها شحا على الزمان من التضييع فيما لا يتحقق ~~به كبير غرض # والله الموفق للصواب PageV01P037 # | القاعدة الثانية # في اثبات الصفات النفسية # مذهب أهل الحق أن الواجب بذاته مريد بإرادة عالم بعلم قادر بقدرة حي ~~بحياة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة ~~على الذات # وذهبت الفلاسفة والشيعة إلى نفيها ثم اختلفت آراء الشيعة فمنهم من لم ~~يطلق عليه شيئا ما الأسماء الحسنى ومنهم من لم يجوز خلوه عنها وأما ~~المعتزلة فموافقون للنفاة وإن كان لهم تفصيل مذهب في الصفات كما سيأتي # ونحن الآن نبتدئ بمعتمد أهل التعطيل وننبه على وجه إبطاله ثم نذكر بعد ~~ذلك مستند أهل الحق فنقول # قال النفاة لو قدر له صفات فهى إما ذاتية أو خارجية فإن كانت ذاتية فذات ~~واجب الوجود متقومة بمبادئ زائدة عليها ولا يكون إذ ذاك والوجود بنفسه ثم ~~إن تلك المبادئ إما أن تكون كلها واجبة أو ممكنة أو البعض واجب والبعض ممكن ~~فإن كانت كلها واجبة أفضى إلى الإشراك في واجب الوجود وهو ممتنع فإنا لو ~~قدرنا PageV01P038 وجود واجبين فإما أن ms023 يشتركا من كل وجه أو يختلفا من كل ~~وجه أو يشتركا من وجه ويختلفا في آخر فإن اشتركا من كل وجه فلا تعدد في ~~واجب الوجود إذ التعدد والتغاير مع قطع النظر عن التميز محال وإن اختلفا من ~~كل وجه فلم يشتركا في وجوب الوجود وان اشتركا من وجه دون وجه فما به ~~الاشتراك غير ما به الافتراق لا محالة وعند ذلك فما به الاشتراك إن لم يكن ~~وجوب الوجود فليسا بواجبين بل أحدهما دون الآخر وإن كان هو وجوب الوجود ~~فإما أن يتم في كل واحد منهما بدون ما به الافتراق أو لا يتم لا سبيل إلى ~~القول بالتمام إذ القول بتعدد ما اتحدت حقيقته من غير موجب للتغاير والتعدد ~~ممتنع جدا وإن لم تتم حقيقة وجوب الوجود في كل منهما إلا بما به الافتراق ~~فليس ولا واحد منهما واجبا بذاته إذ لا معنى لواجب الوجود بذاته إلا ما لا ~~يفتقر في وجوده إلى غيره وهذه المحالات كلها إنما لزمت من فرض الاشتراك في ~~وجوب الوجود والجمع بين واجبين لا محالة وكذا الكلام فيما إذا كان بعضها ~~واجبا وأما إن كانت ممكنة فهى لا محالة مفتقرة إلى مرجح خارج ولا يكون ما ~~جعل منها واجبا لذاته واجب الوجود من جميع جهاته وليس له فيما يتنظر فإذا ~~كان ممكنا من جهة فهو من تلك الجهة مفتقر إلى مرجح ويخرج عن كونه واجبا ~~بذاته مطلقا # وأما إن كانت الصفات خارجية غير ذاتية فإما أن تكون قائمة بذاته أو غير ~~قائمة بذاته فإن لم تكن قائمة بذاته فليست صفات وإن سميت بذلك فحاصل النزاع ~~يرجع إلى محض الإطلاقات وتلك لا مشاحة فيها وإن كانت قائمة بذاته فهى إما ~~واجبة أو ممكنة فإن كانت واجبة أدى إلى اجتماع واجبين وهو محال كما سبق ثم ~~القول بوجوبها مع افتقارها إلى ما تقوم به محال وان كانت ممكنة فواجب ~~الوجود لا يكون وجوبه مطلقا بل من جهة ما وهو ممتنع كما مضى فإذا لابد أن ms024 ~~يكون واجب الوجود واحدا من كل جهة من غير تعدد لا بأجزاء كمية و لا بأجزاء ~~حدية ولا يجوز عليه PageV01P039 ما وجب فيه التعدد والتكثر وان كل ما وصف ~~به واجب الوجود فليس حاصله يرجع إلا إلى سلب ما كقولنا إنه واجب أي لا ~~يفتقر إلى غيره في وجوده أو إلى إضافة ما وكقولنا إنه أول أي إنه مبدأ كل ~~موجود وعلى هذا النحو # ولربما قالت النفاة من المعتزلة إنه لو كان له صفات وجودية زائدة على ~~وجوده لم يخل إما أن تكون هي هو أو هي غيره فإن كانت هي هو فلا صفة له وان ~~كانت غيره فهي إما قديمة أو حادثة فإن كانت حادثة فهو ممتنع إذ البارى ~~تعالى ليس محلا للحوادث كما يأتي وإن كانت قديمة فالقدم أخص وصف الإلهية ~~وذلك يفضى إلى القول بتعدد الآلهة وهو ممتنع كما يأتي أيضا وأيضا فلو قامت ~~بذاته صفات وجودية لكانت مفتقرة إليها في وجودها وذلك سيؤدي إلى أثبات ~~خصائص الأعراض للصفات وهو محال # والجواب أما القول بأنه لو كانت له صفات ذاتية لكان متقوما بها وخرج عن ~~أن يكون واجب الوجود لذاته فالخبط فيه إنما نشأ من الجهل بمدلول لفظ الواجب ~~بذاته فإنه إن أريد به ما ليس له صفات ذاتية ولا خارجية فهو نفس المصادرة ~~على المطلوب وإن أريد به ما ليس له علة خارجية عن ذاته ولا افتقار إلى غير ~~ذاته وسواء كان ذلك صفة أم لا فهو الصواب فإن الدليل لم يدل إلا على ما يجب ~~انتهاء جميع الحادثات إليه وانقطاع تسلسل العلل والمعلولات عليه وهو غير ~~مفتقر إلى أمر خارج عنه لكن مثل هذا الواجب لا ينافى اتصافه بالصفات ~~الذاتية إن لم تكن مفتقرة إلى أمور خارجية ونحن وإن قلنا إنه PageV01P040 ~~ذو صفات ذاتية فهي غير مفتقرة إلى أمر خارج بل كل واحد منها واجب بذاته ~~متقوم بنفسه وما ذكروه من امتناع وجود واجبين فإنما يلزم أن لو كان ما به ~~الاشتراك بينهما معنى وجوديا ms025 وأمرا إثباتيا وليس كذلك بل ما وقع به ~~الاختلاف ليس عوده إلا إلى نفى الماهيات والذوات بناء على أصلنا في أن ~~الوجود نفس الموجود وأن إطلاق اسم الوجود والذات على الماهيات المتعدده ليس ~~إلا بطريق الاشتراك في اللفظ لا غير وما وقع به الاشتراك فليس إلا وجوب ~~الوجود وحاصله يرجع إلى أمر سلبى وهو عدم الافتقار في الوجود إلى علة ~~خارجية وليس في إضافة هذا السلب إلى الذات المعبر عنها بكونها واجبة الوجود ~~ما يوجب جعل الواجب مفتقرا إلى غيره ولو وجب ذلك للزم مثله في حق البارى ~~تعالى وهو محال # ثم ولو قدرنا أن الوجود الذي يضاف إليه الوجوب زائد على ما هية كل واحد ~~منهما فإنما يلزم منه المحال أيضا أن لو كان وجوب الوجود في كل واحد منهما ~~لنفس الوجود الزائد عليه ولو قيل لهم ما المانع من أن يكون واجبان كل واحد ~~منهما له ماهية ووجود مستند في وجوبه إلى تلك الماهية لا إلى معنى خارج ~~ويكون معنى كونه واجبا لذاته أن وجوده الزائد على ماهيته مستند إلى الماهية ~~لا إلى نفسه لم يجدوا إلى دفعه سبيلا بل ربما عولوا في إبطال ذلك على نفى ~~الصفات وانتقاؤها لا يتم إلا بامتناع اجتماع واجبين وذلك دور ممتنع # ولربما قالوا إذا جوزتم أن يكون الوجود في واجب الوجود زائدا على ذاته ~~وماهيته فهو لا محالة في وجوبه مفتقر إلى الذات القائم بها وكل ما افتقر ~~إلى غير نفسه في وجوبه فهو بذاته ممكن وأذا كان ممكنا كان وجود واجب الوجود ~~ممكنا وهو ما لا يتم إلا بمرجح خارجى إذ الذات يستحيل أن تكون هي المرجحة ~~والا لما كانت قابلة له إلا باعتبار جهة أخرى غير جهة كونها فاعلة أذ تاثير ~~العلة القابلة غير تأثير العلة الفاعلية واختلاف PageV01P041 التأثيرات ~~يستدعى اختلاف المؤثر إما في نفسه أو باعتبار جهات واختلاف تأثير ذات واجب ~~الوجود في وجوده بالفاعلية والقابلية يستدعى اختلافه في ذاته أو في جهاته ~~لكنه ليس مختلفا في ذاته ms026 فلم يبق الاختلاف إلا باعتبار جهاته والكلام في ~~تلك الجهات كالكلام في نفس الوجود وذلك يفضى إلى ما لا يتناهى وهو محال # قلنا ما ذكرتموه إنما يتم أن لو سلم أن طبيعة الممكن ما يفتقر إلى مرجح ~~فاعل ولا مانع من أن يقال إن الممكن ما لا يتم وجوده ولا عدمه إلا بأمر ~~خارج عن ذاته وهو متوقف في كلا طرفيه عليه وذلك قد يكون فاعليا وقد يكون ~~قابليا وهو اعم من الفاعل فعلى هذا إن قيل بأن الوجود ممكن باعتبار انه ~~يفتقر إلى القابل فقد وفى بجهة الإمكان ولا يلزم أن يفتقر إلى فاعل بل يجوز ~~أن يكون وجوده لنفسه وذاته وأن توقف على القابل والقول بأن وجوده لذاته مع ~~توقفه على القابل مما لا يتقاصر عنه قولكم أن العقل الفعال مؤثر في ايجاد ~~الصور الجوهرية والانفس الناطقه الانسانية بذاته وان كان تاثيره متوقفا على ~~القوابل لما تقتضيه ذاته # ثم إنه ما المانع من أن يكون تأثير ذات واجب الوجود بالفاعيله والقابلية ~~لا يتوقف على صفات وجودية حقيقية يلزم عنها التكثر والتسلسل بل على صفات ~~إضافية أو سلبية تكون تابعة لذات واجب الوجود من غير أن يكون محلا لها أو ~~فاعلا وهذا كما قلتم في صدور الكثرة عن المعلول الأول لذات واجب الوجود ~~فأنكم قلتم إن الصادر عنه نفس وعقل وجرم وذلك باعتبارات متعددة لضرورة أن ~~الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فأن كانت هذه الاعتبارات صفات وجودية وأمور ~~حقيقية فقد ناقضتم مذهبكم في قولكم الواحد لا يصدر عنه الا واحد وإن كانت ~~صفات إضافية أو سلبية لا توجب الكثرة والتعدد في الذات وهي كما قلتم مثل ~~كونه ممكنا ومثل كونه يعلم ذاته PageV01P042 ومبدأه فلم لا يجوز أن يكون ~~مما يجب فيه اختلاف التأثير أيضا باعتبار صفات أضافية أو سلبية ولو قيل لهم ~~ما الفرق بين الصورتين الميز بين الحالين لم يجدوا إلى الخلاص عن ذلك سبيلا # وعلى ما ذكرناه من التحقيق ههنا يندفع ما ذكروه أيضا وإن نزل ms027 الكلام في ~~الصفات على جهة الإمكان دون الوجوب # وما قيل من أن القدم أخص وصف الألهية فإن أريد به أنه خاص بالله تعالى ~~على وجه لا يشاركه غيره من الموجودات فيه فلا مرية فيه وإن اريد به انه غير ~~متصور أن يعم شيئين ولو كانا داخلين في مدلول اسم الإلهية فكفى به في ~~الإبطال كونه مصادرة على المطلوب وهو لا محالة أشد مناقضة لمذهب الخصم إن ~~كان ممن يعترف بكون المعدوم شيئا وأنه ذات ثابتة في القدم في حالة العدم ~~على ما لا يخفى # وليس لما يتخيله بعض الأصحاب في الجواب ههنا سداد وهو قوله لو كان القدم ~~اخص وصف الالهية فمفهومه لا محالة غير مفهوم كونه موجودا فالوجود إما أن ~~يكون وصفا أعم أو أخص فان كان أعم فقد تألفت ذات البارى من وصفين أعم وأخص ~~ولو كان أخص فيلزم أن يكون كل موجود إلها وينقلب الإلزام فإن الخصم قد لا ~~يسلم الاشتراك في معنى الوجود وان وقع الاشتراك في اسم الوجود وعند ذلك لا ~~يلزم أن يكون كل ما سمى موجودا إلها وليس يلزم من تعدد مفهوم اسمى الوجود ~~والقدم تكثر في مدلول اسم البارى تعإلى إلا أن يقدر نعتا وجوديا ووصفنا ~~حقيقيا وليس كذلك بل حالصه PageV01P043 إنما يرجع إلى سلب الأولية لا غير ~~وهذا يخلاف الصفات الوجودية التي سلب عنها الأولية # وأما القول بأن قيام الصفات بالذات يفضى إلى ثبوت خصائص الأعراض لها ~~فإنما يستقيم أن لو كان ما قامت به تفتقر إليه في وجودها وتتقوم به كافتقار ~~السواد والبياض وسائر الأوضاع إلى موضوعاتها وليس كذلك بل القيام بالشئ أعم ~~من الافتقار إليه فإن الشئ قد يكون قائما بالشئ وهو مفتقر إليه في وجوده ~~افتقار تقويم كأفتقار الأعراض إلى موضوعاتها وقد يكون قئم به وهو غير مفتقر ~~اليه افتقار تقويم وذلك كما يقوله الفيلسوف في الصور الجوهرية بالنسبة إلى ~~المواد وهي ليست بأعراض ولا لها خصائص الأعراض والمقصود من هذا ليس إلا ان ~~القيام بالشئ أعم من ms028 الافتقار إليه دفعا لما ذكروه من الإشكال ومن لم يتحاش ~~عن جعل هذا القدر خاصة للعرض فلا مشاحة معه في الاصطلاحات وانما الشأن في ~~نفيه لذلك عن الصفات ولا سبيل إليه بعد أن قلنا إن الصفات زائدة على الذات ~~وإلا فإن قلنا إنها عائدة إلى معنى واحد سيأتي تحقيقه وإن الاختلاف إنما هو ~~بسبب المتعلقات فقد اندفعت هذه الإشكالات وطاحت هذه الخيالات هذا ما اعتمد ~~عليه النفاة # وأما أهل الإثبات فقد سلك عامتهم في الإثبات مسلكا ضعيفا وهو أنهم تعرضوا ~~لإثبات أحكام الصفات أولا ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم بالصفات ثانيا ~~فقالوا PageV01P044 العالم لا محالة على غاية من الحكمة والاتقان وهو مع ~~ذلك جائز وجوده وجائز عدمه فما خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له قادر ~~عليه عالما به كما وقع به الاستقراء في الشاهد فإن من لم يكن قادرا لم يصح ~~منه صدور شئ عنه ومن لم يكن عالما وإن كان قادرا لم يكن ما صدر عنه على ~~نظام الحكمة والاتقان ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات عنه ~~باحوال وأوقات دون البعض بأولى من العكس إذ نسبتها إليه نسبة واحده قالوا # وإذا ثبت كونه قادرا مريدا عالما وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط هذه ~~الصفات على ما عرف في الشاهد أيضا وما كان له في وجوده أو في عدمه شرط لا ~~يختلف شاهدا ولا غائبا ويلزم من كونه حيا أن يكون سميعا بصيرا متكلما فإن ~~من لم تثبت له هذه الصفات من الأشياء فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى ~~والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد أيضا والبارى تعالى يتقدس عن أن يتصف ~~بما يوجب في ذاته نقصا # قالوا فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي لا محالة في الشاهد معللة بالصفات ~~فالعلم علة كون العالم عالما والقدرة علة كون القادر قادرا إلى غير ذلك من ~~الصفات والعلة لا تختلف شاهدا ولا غائبا أيضا # واعلم أن هذا المسلك ضعيف جدا فإن حاصله يرجع إلى الاستقراء في ms029 الشاهد ~~والحكم على الغائب بما حكم به على الشاهد وذلك فاسد # وقبل النظر في تحقيقه يجب أن نقدم قاعدة في تحقيق معنى الاستقراء وبيان ~~الصادق منه والكاذب أما الاستقراء فهو عبارة عن البحث والنظر في جزئيات كلى ~~ما عن مطلوب ما وهو لا محالة ينقسم إلى ما يكون الاستقراء فيه تاما أي قد ~~أتى فيه على جميع الجزئيات وذلك مثل معرفتنا بالاستقراء أن كل حادث فهو إما ~~جماد أو نبات PageV01P045 أو حيوان فحاصل هذا الاستقراء صادق يقينى وإلى ما ~~يكون الاستقراء فيه ناقصا أي قد أتى فيه على بعض الجزئيات دون البعض وحاصل ~~هذا الاستقراء كاذب غير يقينى إذ من الجائز أن يكون حكم ما استقرى على خلاف ~~ما لم يستقر وذلك كحكمنا أن كل حيوان يتحرك فكه الاسفل عند الاكل بناء على ~~ما استقريناه في أكثر الحيوانات وقد يقع الامر بخلافه مما لم يستقر وذلك ~~كما في التمساح فإنه إذا اكل تحرك فكه الأعلى فعلى هذا إن لم يكن الاستقراء ~~في الشاهد تاما فهو كاذب # وإن قدر كونه تاما فإما أن يكون الغائب والشاهد مشتركين في الحقيقة أو ~~مختلفين فإن قدر الاختلاف فلا يخفى أن ما حكم به على أحد المختلفين غير ~~لازم أن يحكم به على الآخر لجواز أن يكون من خصائص ما حكم به عليه دون ~~الآخر وذلك كما إذا حكمنا على الإنسان بأنه ضاحك مثلا أخذا من استقراء ~~جزئيات نوع الانسان فإنه لا يلزم مثله في الفرس المخالف له في حقيقته # وإن قدر الاشتراك في الحقيقة فهو محال وإلا للزم الاشتراك بينهما فيما ~~ثبت لذات كل واحد منهما وإذ ذاك فيجب أن يكون البارى والعالم واجبين أو ~~ممكنين أو كل واحد منهما واجبا وممكنا وهو ممتنع # ثم لو قدر أن ذلك غير محال فالاستقراء إما أن يتناول الغائب أو ليس فإن ~~تناوله فهو محل النزاع ولا حاجة إلى استقراء غيره وان لم يتناوله بل وقع ~~لغيره من الجزئيات فهو لا محالة استقراء ناقص وليس بصادق كما ms030 بيناه وهذا لا ~~محيص عنه ثم إن صح فيلزم أن يكون مشارا إليه والى جهته وأن يكون إما جوهرا ~~وإما عرضا كما في الشاهد وان لم يصح في هذه الأمور لم يصح فيما سواها أيضا ~~PageV01P046 # ثم إن من قاس الغائب على الشاهد ههنا فهو يعترف بأنه ليس في الشاهد فاعل ~~موجد على الحقيقة بل الموجود في حقه ليس إلا الاكتساب بخلاف ما في الغائب ~~فإذا ما وجد في الشاهد لم يوجد في الغائب وما وجد في الغائب لم يوجد في ~~الشاهد فأنى يصح القياس # وأما القول بأنه إذا ثبت هذه الأحكام فهى معلله بالصفات كما في الشاهد ~~فقد قيل في إبطاله إن هذه الاحكام واجبة للبارى وكل ما وجب فإنه لا يفتقر ~~إلى ما يعلل به وهذا كما في الشاهد فإن التحيز للجوهر وقبوله للعرض لما كان ~~واجبا لم يفتقر إلى علة وإنما المفتقر إلى العلة ما كان في نفسه جائزا غير ~~واجب وذلك مثل كون العالم عالما في الشاهد ومثل وجود الحادث ونحوه # وهذا غير صحيح فإنه إن أريد بكونها واجبة للبارى تعالى أنها لا تفتقر إلى ~~علة فهو عين المصادرة على المطلوب وإن اريد به انه لا بد منها لواجب الوجود ~~فذلك مما لا ينافى التعليل بالصفة والقول بأن التحيز للجوهر وقبوله للعرض ~~لما كان واجبا لم يفتقر إلى علة فهو مبنى على فاسد اصول المعتزلة في قولهم ~~إن هذه توابع الحدوث وتوابع الحدوث مما لا يدخل تحت القدرة ولا ينسب إلى ~~فعل فاعل وليس الرأي الصحيح عند أهل الحق هكذا بل كل ما يتخيل في الأذهان ~~ويخطر في الاوهام مما له وجود أصليا كان أو تابعا فهو مقدور له تعالى ~~ومخلوق له ومنتسب في وجوده إليه وليس شئ مما يفرض في الشاهد واجبا بنفسه ~~اللهم إلا أن يعنى بكونه واجبا أنه لازم لما هو ثابت له على وجه لا تقع ~~المفارقة له أصلا لكن الواجب بهذا الاعتبار غير ممتنع أن يكون معللا كما ~~سبق # فإن قيل هذه ms031 الامور اللازمة وان كانت مفتقرة إلى فاعل مرجح لكنها لا ~~تفتقر إلى صفة قائمة بمحلها تكون علة لها كما في افتقار العالمية في الشاهد ~~إلى صفة العلم PageV01P047 وهو المقصود بلفظ العلة وإذا لم تفتقر إلى علة ~~لكونها لازمة كذلك فيما نحن فيه قلنا # تفسير عدم افتقارها إلى العلة بالمعنى المذكور وإن كان صحيحا فقولهم إنها ~~لا تفتقر إلى علة لكونها لازمة دعوى مجردة وتحكم بارد بل لا مانع من أن ~~تكون معللة وإن كانت لازمة وتكون علتها ملازمة أيضا والقول بأنه لا يعلل ~~إلا ما كان جائزا فإنما ينفع أن لو كانت هذه الأحكام غير جائزة ولا يمنع ~~القول بجوازها من حيث إنه لا يمكن القول بعدمها إلا وقد لزم عنه المحال لأن ~~المحال قد يلزم عند فرض عدم الشئ لنفسه فيكون واجبا لذاته وقد يكون فرض ~~المحال لازما عن أمر خارج وان كان الشئ في نفسه ممكنا وذلك كما في فرض عدم ~~المعلول مع وجود علته كالكسر مع الانكسار ونحوه فمهما لم يتبين أن المحال ~~اللازم عند فرض عدم هذه الاحكام لازم لنفسها لا يلزم أن تكون واجبة لنفسها ~~فقد اندفع الاشكال وبطل ما أوردوه من الخيال # وليس من صحيح الجواب ما ذكره بعض الأصحاب ههنا وهو أن قال # قولكم بأن الواجب لا يعلل والجائز هو المعلل منتقض في كلا طرفيه أما ~~انتقاض طرف الجواز فهو أن الوجود الحادث جائز وليس بمعلل وأما انتقاض طرف ~~الوجوب فهو أن كون العالم عالما في الشاهد بعد أن ثبت واجب وهو معلل فإن ~~قوله ان الوجود الحادث جائز وليس بمعلل إنما يلزم أن لو قيل إن كل جائز ~~معلل بالصفة اما إذا قيل ان التعليل بالصفة ليس إلا للجائز فلا يلزم من كون ~~التعليل لا يكون الا للجائز أن لا يكون الجائز إلا معللا بالصفة إذ هو كلى ~~موجب ولا ينعكس مثل نفسه ألبتة # وأما القول بأن العالم بعد أن ثبت كونه عالما في الشاهد واجب وهو معلل ~~فالواجب لا محالة ينقسم ms032 إلى ما وجوبه بنفسه و إلى ما وجوبه مشروط بغيره فإن ~~أراد به أنه PageV01P048 واجب بالمعنى الاول فقد ناقض حيث جعله معللا إذ ~~الواجب بنفسه ما لا يفتقر إلى غيره وإن اراد به الاعتبار الثاني فلم يخرج ~~عن كونه جائزا فإن كل ما وجوبه بغيره فهو جائز بنفسه على ما عرف فيما مضى ~~وإذا كان جائزا فتعليله ليس بممتنع وما يمتنع تعليله ليس إلا ما كان واجبا ~~بنفسه أو ممتنعا وهذا وإن كان واجبا فليس وجوبه بنفسه فلا يتجه به النقض # فإذا الصحيح أن يقال في الإبطال ههنا ما قيل في ابطال الاحكام اولا كيف ~~والخصم له أ ان يسلم بثبوت هذه الاحكام للبارى تعإلى على وجه تكون النسبة ~~بينها وبين أحكام ذواتنا على نحو النسبة الواقعة بين ذاته وذواتنا وإذ ذاك ~~فلا يلزم من تعليل أحد المختلفين ان يكون الآخر معللا وإن وقع الاشتراك ~~بينهما في الإطلاقات والأسماء # ولا يلزم عليه أن يقال ما تذكره في العلة مع المعلول هو بعينه لازم لك في ~~الشرط مع المشروط حيث إنك جعلت البارى حيا لضرورة كونه شرطا لكونه عالما ~~وقادرا مريدا كما في الشاهد فما هو اعتذارك في الشرط هو اعتذارنا في العلة ~~فإن للخصم إلا يسلم أن طريق إثبات كونه حيا إثبات الاشتراط بل غيره من ~~الطرق كيف والبينة المخصوصة عنده شرط في الشاهد ومع ذلك لا يلتزم الاطراد ~~في الغائب فكيف يلتزم الاطراد في غيره وما قيل من أن حد العالم في الشاهد ~~من قام به العلم وكذا القادر من قامت به القدره والحد لا يختلف شاهدا ~~وغائبا فحالصه يرجع إلى محض الدعوى وقد لا يسلم عن منع أو معارضة وإذ ذاك ~~فلا سبيل إلى دفعه إلا بأمور ظنية وقضايا تخمينية لا حاصل لها # ثم إن من رام إثبات الصفات النفسية بطريق التوصل إليها من أحكامها فهي لا ~~محالة عنده أعرف من الصفات وإلا لما أمكن التوصل بها إلى معرفها وإذا كانت ~~الصفات PageV01P049 أخفى فكيف يوجد في حد الشئ ms033 أو رسمه ما هو أخفى منه وشرط ~~المعرف أن يكون أميز مما عرف به وإلا فإن كان اخفى منه أو مثله في الخفاء ~~فلا معنى للتعريف به ولما تخيل بعض الاصحاب عوص هذه الطريقة لم يستند في ~~إثبات احكام الصفات عند ظهور الإتقان في الكائنات وكذا في إثبات الصفات عند ~~ثبوت أحكامها إلى غير الضرورة والبديهة ولا يخفى ما فيه من التحكم وسمج ~~الدعوى ومع ذلك فقد لا يسلم من المعارضة بنقيضه وهو مما يضعف التمسك به جدا # وقولهم إنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات لكان متصفا بما قابلها وهو ~~يتعالى ويتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا فالكشف عن زيف هذا الكلام ~~إنما يتحقق ببيان حقيقة المتقابلين وبيان إقسامها أما المتقابلان فهما ما ~~لا يجتمعان في شئ واحد من جهة واحدة وهذا إما أن يكون في اللفظ أو في ~~المعنى فإن كان في المعنى فإما أن يكون بين وجود وعدم أو بين وجودين إذ ~~الأعدام المحضة لا تقابل بينها فإن كان القسم الأول فهو تقابل السلب ~~والإيجاب وذلك كقولنا الإنسان فرس الإنسان ليس بفرس وهو مما يستحيل اجتماع ~~طرفيه في الصدق أو الكذب # وإن كان من القسم الثانى فإما أن لا يعقل كل واحد منهما إلا مع تعقل ~~الآخر أو ليس فإن كان الأول فيسمى تقابل المتضايفين وذلك كما في الأبوة ~~والبنوة ونحوهما ومن خواص هذا التقابل ارتباط كل واحد من الطرفين بالآخر في ~~الفهم وإن كان الثانى فيسمى تقابل الضدين وذلك كالتقابل الواقع بين السواد ~~والبياض ونحوه ومن خواص هذا التقابل جواز انتقال طرفيه بالحركة إلى واسطة ~~تكون بينهما وأما إن كان من القسم الثالث فيسمى تقابل العدم والملكة ~~PageV01P050 والمراد بالملكة ههنا كل قوة على شئ ما مستحقة لما قامت به إما ~~لذاته أو لذاتى له وذلك كما في قوة السمع والبصر ونحوه للحيوان والمراد ~~بالعدم هو رفع هذه القوة على وجه لا تعود وسواء كان في وقت إمكان القوى ~~عليه أو قبله وذلك كما ms034 في العمى والطرش ونحوه للحيوان فعلى هذا إن اريد ~~بالتقابل ههنا تقابل السلب والإيجاب في اللفظ حتى إذا لم يقل إن البارى ذو ~~سمع وبصر لزم أن يقال إنه ليس بذى سمع ولا بصر فهو ما يقوله الخصم ولا يقبل ~~بعينه من غير دليل وإن أريد به ما هو من قبيل المتضايفين فهو غير متحقق ~~ههنا ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفى أحد المتضايفين وجود الآخر ألبته ~~بل ربما يصح انتفاؤهما ولهذا يقال زيد ليس بأب لعمرو ولا بابن له ايضا وإن ~~أريد به ما هو من قبيل تقابل الضدين فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود مما ~~هو قابل لتوارد الإضداد عليه وذلك مما لا يسلمه الخصم وليس عليه دليل كيف ~~وإنه لا يلزم من نفى أحد الضدين وجود الآخر بل من الجائز أن يجتمعا في ~~العدم والسلب ولهذا يصح أن يقال إن البارى تعالى ليس بأسود ولا أبيض ولو ~~لزم من نفى أحد الضدين وجود الآخر لما صدق قولنا بالنفى فيهما وأما إن أريد ~~به ما هو من قبيل تقابل العدم والملكة فلا يلزم أيضا من نفى الملكة تحقق ~~العدم ولا من نفى العدم تحقق الملكة ولهذا يصح أن يقال الحجر ليس باعمى ولا ~~بصير نعم إنما يلزم العدم المذكور من ارتفاع القوة الممكنة للشئ المتسحقة ~~له لذاته أو لذاتي له كما بينا والقول بارتفاع مثل هذه القوة في حق البارى ~~يجر إلى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وهو غير معقول # فإذا السبيل الذليل في إثبات الصفات إنما يتضح بالتفصيل وهو أن نرسم في ~~كل واحد منها طرفا ونذكر ما يتعلق به من البيان ويختص به من البرهان ونكشف ~~عما يشتمل عليه من الاقاويل الصحيحة والفاسدة ولتكن البداية بتقديم النظر ~~في صفة الإرادة أولا PageV01P051 # | الطرف الاول # في اثبات صفة الارادة # مذهب أهل الحق أن البارى تعالى مريد على الحقيقة وليس معنى كونه مريدا ~~إلا قيام الإرادة بذاته وذهب الفلاسفة والمعتزلة والشيعة إلى كونه غير مريد ms035 ~~على الحقيقة وإذا قيل إنه مريد فمعناه عند الفلاسفة لا يرجع إلى الا سلب أو ~~إضافة ووافقهم على ذلك النجار من المعتزلة حيث أنه فسر كونه مريدا بسلب ~~الكراهية والعلية عنه وأما النظام والكعبى فإنهما قالا إن وصف بالارادة ~~شرعا فليس معناه إن أضيف ذلك إلى افعاله إلا أنه خالقها وإن أضيف إلى افعال ~~العباد فالمراد به أنه امر بها وزاد الجاحظ على هؤلاء بإنكار وجود الإرادة ~~شاهدا وقال مهما كان الإنسان غير غافل ولا ساه عما يفعله بل كان عالما به ~~فهو معنى كونه مريدا وذهب البصريون من المعتزلة إلى أنه مريد بإرادة قائمة ~~لا في محل وذهب الكرامية إلى أنه مريد بإرادة حادثة في ذاته تعالى الله عن ~~قول الزائغين # والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ~~ليس بذى ارادة ولو صدق ذلك أنتج قلبه معدولا لضرورة وجود الموضوع وقلبه إلى ~~PageV01P052 المعدول يجعل حرف السلب متأخرا عن الرابطة الواقعة بين ~~المفردين وصورة ذلك أن يقال البارى هو ليس بذي إرادة ولو صح ذلك فلنا أن ~~نقول وكل ما ليس بذى إرادة فهو ناقص بالنسبة إلى من له إرادة فإن من كانت ~~له الصفة الإرادية فله أن يخصص الشئ وله أن لا يخصصه شاهدا فالعقل السليم ~~يقضى أن ذلك كمال له وليس بنقصان حتى إنه لو قدر بالنظر إلى الوهم سلب ذلك ~~الأمر عنه كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حاله ثانيا وعند ذلك فما سلب منه ~~هذا الكمال قدر ذلك المسلوب عنه شاهدا أو غائبا إما أن يكون بالنظر إلى ما ~~سلب عنه ووجب للآخر أنقص مما ثبت له هذا الكمال أو أكمل أو لا أكمل ولا ~~أنقص لا جائز أن يكون أكمل وإلا كان ما ثبت له ذلك الامر من جهة ما ثبت له ~~ناقصا وهو محال ولا جائز أن يكون لا أنقص ولا أكمل وإلا لما كان وجود ذلك ~~الأمر كمالا لما اتصف به بل وجوده وأن لا ms036 وجوده بالنظر إليه سيان لضرورة ~~مساواته ما لم يتصف به من جهة عدم اتصافه به وذلك محال فلم يبق إلا أن يكون ~~ما لم يتصف به أنقص مما هو متصف به وعند ذلك فيكون هذا الاقتران مؤلفا من ~~شرطية صغرى وحملية كبرى ناتجا نتيجة شرطية مقدمها مقدم الشرطية وتاليها هو ~~محمول الحملية وصورته أن يقال # لو لم يصدق كونه ذا كونه ذا إرادة للزم أن يكون أنقص ممن هو ذو إرادة ~~وهذا الإنتاج إنما يتم بقلب مقابل المطلوب معدولا وإلا فمع بقائه سالبا ~~فالمقدمة الكبرى تكون كاذبة لكونها موجبة والموجبة تستدعي وجود الموضوع ~~والموضوع في السالب إذا كان حدا أوسط غير متحقق الوجود وإذا عرف الإنتاج ~~ولا يخفى ما فيه من المحال فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق ~~والخالق أنقص منه والبديهة تقضى برده وإبطاله فإذا قد لزم المحال عن هذا ~~القياس وذلك إما أن يكون لازما لصورته أو لمادته الصورة صحيحة لا مراء فيها ~~وان كان لزومه عن المادة فإما أن يكون لازما عن المقدمة الصغرى PageV01P053 ~~أو الكبرى لا جائز أن يكون لازما عن الكبرى إذ هي صادقة مسلمة والصادق لا ~~يلزم عنه محال فبقى أن يكون لازما عن المقدمة الصغرى التي هي لازم نقيض ~~المطلوب فتكون كاذبة ومهما كان نقيض المطلوب كاذبا كان المطلوب هو الصادق ~~لضرورة أن القضية لا تخلو عن صدقها أو صدق نقيضها ويلزم منه ثبوت الإرادة # وإن شئت أن تلبس هذا المعنى صورة شرطية قلت لو لم يتصف بالإرادة لكان ~~أنقص مما اتصف بها لما بيناه والتالى باطل فالمقدم باطل # فإن قيل هذا اللزوم متوقف على تحقيق الإرادة شاهدا وبم الرد على الجاحظ ~~في إنكارها قلنا كل عاقل يجد من نفسه العزم والإرادة والقصد والتفرقة ~~الواقعة بين الفعل الواقع على وفق الإرادة والواقع على خلافها وذلك كما في ~~حركة المرتعش والمختار كما يجد من نفسه أن له علما وقدرة ونحو ذلك ولا يمكن ~~إسناد ذلك إلى العلم فان التفرقة قد تحصل ms037 بين الشيئين وإن كان تعلق العلم ~~بهما على السواء وهذا مما لا ينكره عاقل إلا عنادا ثم ولو جاز إنكار ذلك ~~شاهدا لجاز إنكار العلم والقدرة إذ لا فرق بينهما وبين الإرادة فيما يجده ~~الإنسان في نفسه ويحسه في باطنه # فإن قيل فلو سلم ذلك وسلم بثبوت صفة الأرادة شاهدا فما اعتمدتم عليه ~~منتقض بالشم والذوق واللمس وغير ذلك من كمالات الموجودات شاهدا كيف وأن ما ~~تنسبونه له من الصفة إما أن يكون من جنس ما في الشاهد أو ليس فإن كان الأول ~~فهو محال وإلا للزم أن تكون مشاركة للإرادة شاهدا في جهة العرضية والإمكان ~~ويلزم أن يكون البارى محلا للأعراض وهو متعذر وإن كان الثاني فهو غير معقول ~~وما ليس بمعقول PageV01P054 كيف نسلم كونه كمالا للرب تعالى وأن عدمه نقصان ~~وهل ذلك كله إلا خبط في عشواء # قلنا أما النقض فمندفع إذ المحصلون لم يمنعوا من إثباتها له لكن بشرط ~~انتفاء الاسباب المقترنة بها في الشاهد الموجبة للحدث والتجسيم ونحو ذلك ~~مما لا يجوز على الله تعالى كما جوزوا عليه الإدراك والسمع والبصر لكن لم ~~يتجاسر على إطلاقها في حق البارى تعالى لعدم ورود السمع بها والحاصل أنه ~~مهما ثبت من الكمالات شاهدا فلا مانع من القول بإثباتها غائبا مع هذا ~~الإشتراط وأما من فرق بين كمال وكمال من أهل الحق فلعله لم ير ما نفاة مما ~~يتم إلا بأمور موجبة للحدث والافتقار كاتصالات ومماسات وتقابلات إلى غير ~~ذلك بخلاف ما أثبته أو أنه مما ليس بكمال في نفسه وذلك مثل ما يتخيل من ~~معنى اللذة والألم والشهوة ونحوه والأغوص إنما هو الأول وهو القول بأن كل ~~ما ثبت كونه كمالا في الشاهد ولم يجر القول بإثباته في حق الغائب إلى نقص ~~أو افتقار فالقول به واجب وإن لم يصح إطلاقه من جهة التلفظ عليه لعدم ورود ~~السمع به # وأما ما ذكروه من المجانسة فلنا أن نقول بها تارة وننفيها أخرى فإن قلنا ~~بالمجانسة فغاية ما يلزم منه ms038 الافتقار إلى المحل المقوم إذ هو المعنى بكون ~~الشئ عرضا وذلك مما لا نأباه إلا أن يقول المقوم للصفة والمخصص بها امر ~~خارج عن ذات واجب الوجود وليس كذلك كما حققناه هذا إن قلنا بالمجانسة # وإن قلنا بنفيها فلا التفات إلى من قصر فهمه عن درك ما أثبتناه وزعم أنه ~~غير معقول فإنه وإن يكن من جنس صفات البشر فلا يلزم أن لا يكون معقولا وأن ~~لا يمكن PageV01P055 التعرض لإثباته ونفيه وإلا كان وجود البارى تعالى غير ~~معلوم ولتعذر القول بإثباته فصفة الإرادة لواجب الوجود وإن لم تكن مجانسة ~~لصفة الإرادة شاهدا فلا محالة أن نسبتها إلى ذات واجب الوجود كنسبة الإرادة ~~شاهدا إلى النفس الناطقة الإنسانية من التعلق والمتعلقات وكل عاقل يقضى ~~ببديهته إن الإراده شاهدا بالنسبة إلى محلها كمال له وان عدمها بالنسبة له ~~نقصان ( و ) يوجب ان ما كانت نسبته إلى واجب الوجود كنسبة الإرادة على ~~محلها شاهدا أن يكون كمالا لذات واجب الوجود وان عدمه يكون نقصانا فلو لم ~~نقل بثبوت لذات واجب الوجود لوجب أن يكون واجب الوجود ناقصا في رتبته ~~بالنسبة إلى رتبة المخلوق من جهة أن كمال المخلوق حاصل له وكمال الخالق غير ~~حاصل له # فإن قيل لو سلمنا بثبوت صفة الإرادة في حق البارى تعالى فما المانع من ان ~~تكون أمرا سلبيا ومعنى عدميا كما قاله الفلاسفة والنجار من المعتزلة # قلنا لأن السلب عدم محض وذلك لا تأثير له في التمييز والتخصيص إذ ما ليس ~~بشئ لا يكون مستوعبا لما هو شئ ولأنه لا فرق إذ ذاك بين قولنا إنه لا مميز ~~وبين قولنا إن المميز عدم ثم كيف يصح تفسير الإرادة بعدم الإكراه وهو منتقض ~~طردا وعكسا # أما الطرد فهو أن كثيرا ما الأشياء قد تنتفى عنه الكراهية ولا موجب لكونه ~~مريدا وذلك كما في الجماد بل الإنسان في غالب أحواله كما في حالة النوم ~~والغفلة فإنه لا يوصف فيها بكونه كارها ولا مريدا PageV01P056 # وأما العكس فهو أن الإنسان قد يوصف ms039 بالإرادة لما هو كاره له كما في حالة ~~شرب الدواء المسهل ونحوه # فإن قيل تفسيرها بالعدم وإن كان ممتنعا فما المانع من أن تكون لا موجودة ~~ولا معدومة كما يقوله مثبتو الأحوال # فقد أشرنا إلى وجه إفساده فيما مضى فلا حاجة إلى اعادته فإن قيل فلو سلم ~~أنها صفة وجودية فلم يجب أن تكون قائمة بذات الرب تعالى وما المانع من أن ~~تكون قائمة لا في ذاته كما هو مذهب البصريين من المعتزلة # قلنا لو لم تكن قائمة بذاته لم يخل إما أن تكون قائمة في محل أو لا في ~~محل فإن كانت قائمة في محل فالمحل إما قديم أو حادث فإن كان حادثا فهو لا ~~محالة مفتقر في وجوده إلى مخصص والمخصص إما نفس ما قام به من الإرادة أو ~~أخرى غيرها لا جائز أن تكون نفسها وإلا أفضى إلى الدور من جهة توقف كل واحد ~~منهما على صاحبه ولا جائز أن يقال بإرادة أخرى غيرها وإلا أفضى إلى التسلسل ~~من جهة أن الكلام في المخصص الثاني كالكلام في الأول ثم إنه ليس القول ~~بنسبتها إلى البارى بكونه مريدا لها بأولى من نسبتها إلى محلها بل هو أولى # وكذا الكلام فيما إذا كان قديما أيضا وأما إن كانت قائمة لا في محل فقد ~~قال PageV01P057 بعض الأصحاب في رده يلزم أن تكون إرادة في الشاهد هكذا إذ ~~ما ثبت للحقيقة في موضع لا يتخلف عنها أين وجدت وحقيقة الإرادة لا تختلف ~~شاهدا وغائبا فإن استغنت عن المحل غائبا وجب أن تكون مستغنية عنه شاهدا وهو ~~محال وهذا إنما يستقيم أن لو سلم اتحاد حقيقة الإرادة شاهدا وغائبا ولعل ~~الخصم قد يجعل نسبة الإرادة غائبا إلى الأرادة شاهدا على نحو النسبة ~~الواقعة بين الذات الواجبة غائبا والذوات الموجودة شاهدا وإذ ذاك فالإلزام ~~يكون به منقطعا لا بما قيل من إنكار وجود الإرادة شاهدا لما بيناه فالصحيح ~~أن يقال لو كانت قائمة لا في محل لم يخل إما أن تكون حادثة أو ms040 قديمة فإن ~~كانت حادثة فأما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة أو ممكنة لا جائز أن تكون ~~واجبة وإلا لما كانت معدومة وإن كانت ممكنة فإما أن تفتقر إلى مخصص آخر أو ~~لا تفتقر لا جائز أن يقال بالاول وإلا أفضى إلى التسلسل وهو محال ولا جائز ~~أن يقال بالثانى وإلا لما وجدت إذ لا مميز لها على ما يخصص بها من حيث هي ~~ممكنة وما نخصص بها إنما كان مفتقرا إليها من حيث هو ممكن لا من حيث إنه ~~ذات مخصوصة وحقيقة معينة # فإن قيل المخصص لا يستدعي مخصصا وإن كان حادثا كما في الشاهد فإن من وجد ~~له إرادة لا تستدعي تلك الإرادة أخرى وإلا أفضى إلى التسلسل وأن لا يتم ~~لأحد إراداة الا مع وجود إرادات لا تتناهى وذلك مما يحس من النفس بطلانه ~~وربما مهدوا ذلك بأمثلة أخرى مثل التمنى والشهوة ونحو ذلك # قلنا أما القول بأن المخصص لا يستدعى مخصصا فهو دعوى مجردة من غير دليل ~~كيف وقد بينا وجه الاحتياج والافتقار مما لا سبيل إلى أنكاره وما قيل من أن ~~الإرادة في الشاهد لا تفتقر إلى إرادة فغلط بل لا بد لها من مخصص من جهة ~~كونها ممكنة وحادثة PageV01P058 وإن لم يكن المخصص من جهة من له الإرادة ~~شاهدا وعلى هذا يخرج كل ما يهولونه من الأمثال غير هذا المثال # وأيضا فإنها لو كانت حادثة لا في محل لم تكن نسبتها إلى البارى تعالى ~~بكونه مريدا بأولى من نسبتها إلى غيره من الحوادث وليس يجب القول بتغير ~~نسبتها إليه لما بيناه من الاشتراك في نفي المحلية عنهما فإنه مع ما فيه من ~~انتفاء جهة اللزوم ليس هو بأولى من نسبتها إلى غيره من الحوادث لما بينهما ~~من الاشتراك في الحدوث بل وهو الاولى من حيث إن ما يتحقق بين الحوادث من ~~الاشتراك والنسب أكبر منها بين القديم والحادث على ما لا يخفى # ثم ولو وجب نسبتها إليه لما اشتركا فيه من نفى المحلية لوجب نسبتها ms041 إلى ~~سائر الجواهر والأجسام إذ هي مشاركة لها في هذا المعنى كيف وإنه لو جاز أن ~~يكون مريدا بإرادة قائمة لا في ذاته لجاز أن يكون عالما بعلم قائم لا في ~~ذاته وقادرا بقدرة قائمة لا في ذاته إلى غير ذلك من الصفات ولم يقولوا به ~~ولجاز أيضا ان يكون الواحد منا عالما وقادرا بعلم قائم لا في ذاته وقدرة ~~قائمة لا في ذاته ولم يقولوا به أيضا والتحكم بالفرق من غير دليل مما لا ~~سبيل إليه وبهذا تبين إبطال القول بالقسم الثاني أيضا كيف وإنه مما لا قائل ~~به فلم يبق إلا أن تكون قائمة بذات الرب تعالى # وإذا كانت قائمة بذاته فإما ان تكون قديمة أو حادثة لا جائز أن تكون ~~حادثة كما ذهب إليه الكرامية إذ قد بينا وجه إبطاله ولا حاجة إلى إعادته ~~وسنبين امتناع PageV01P059 قيام الحوادث بذات الرب تعالى فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى فتعين أن يكون الرب تعالى مريدا بإرادة قديمة قائمة بذاته وهو ~~ما أردناه # فإن قيل فلو كان المخصص قديما لانقلب ما ذكرتوه في امتناع إضافة التخصيص ~~إلى ذات واجب الوجود عليكم فيما تدعونه مخصصا فإنه إذا كان قديما فنسبة ~~الأحوال والأوقات والأضداد وكل ما يقدر بالإضافة إليه على وتيرة واحدة فما ~~خصصه بزمان الحدوث إن افتقر إلى مخصص آخر فالكلام في ذلك المخصص الثاني ~~كالكلام في الأول وذلك يفضى إلى التسلسل وهو ممتنع وإن لم يفتقر إلى مخصص ~~آخر فما هو جواب لكم في الإلزام ههنا أي في الإرادة هو جواب لنا في الذات # قلنا قد بينا أنه لابد من إرادة قديمة كان بها التخصيص وليس ما ذكرناه في ~~إبطال التخصيص بالذات مما ينقلب في الإرادة فإنه إذا قال القائل لم خصصت ~~الإرادة هذا الحادث بزمان حدوثه وليس هو بأولى مما قبله أو بعده كان السؤال ~~في نفسه خطأ من جهة أن الإرادة عبارة عما يتأتى به التخصيص للحادث بزمان ~~حدوثه لا ما يلازمه التخصيص فإذا قيل لم كانت الإرادة ms042 مخصصة فكأنه قال لم ~~كانت الإرادة إرادة وهو في نفسه محال وهذا كما لو قال لم كان الواجب بذاته ~~لا يفتقر إلى علة والممكن بذاته يفتقر إلى علة في كل واحد من طرفيه فإنه ~~يقبل من حيث إن سؤاله يتضمن القول بأنه لم كان الواجب واجبا ولم كان الممكن ~~ممكنا فإن الواجب هو عبارة عما لا يفتقر إلى غيره في وجوده والممكن بعكسه ~~وهو مما لا يخفى وجه فساده وهو لا محالة إن PageV01P060 ورد من الفلسفى ~~أظهر في الفساد من جهة اعترافه بإسناد جميع الحادثات والأمور المتجددات ~~كالحركات وغيرها إلى الإرادات النفسية الثابتة للأجرام الفلكية ولا مندوحة ~~عنه # فإن قيل لو سلم قيام المخصص بذات الرب تعإلى وكونه قديما لكنه مما يمتنع ~~تفسيره بإلإرادة لوجهين # الوجه الأول هو أنه لو كان مخصصا بالإرادة لما خصصه فلا بد من أن يكون ~~قاصدا لما خصصه وطالبا له بل يتعالى ويتقدس عن الأغراض وإنما هي عائدة إلى ~~المفعول PageV01P061 المرجح وذلك مما لا يوجب تحققه للغير ولا عدمه نقصا ما ~~والذي يوضح هذا هو أن ما ظهر من حكمة بعثة الرسل والأنبياء وتبليغهم ليس ~~إلا إصلاح الخلق وتقويم نظامهم وإن كنا نعلم أن عدم هذه الحكمة ووجودها ~~بالنسبة إلى حال النبى سيان فيما يرجع إلى نفس كماله ونقصانه وهذا مما لا ~~ينكره عاقل إلا عن عناد ثم إن هذا مما لا يصح إيراده ممن يعترف بكون البارى ~~تعالى مريدا من المعتزلة وغيرهم وإن ورد من الفلاسفة الإلهيين PageV01P062 ~~ومن تابعهم فهو لازم عليهم أيضا فإنهم قضوا بأن الترجيح في الوجود وغيره ~~إنما يستند إلى ذات واجب الوجود وإن ما وجب به لا يتأخر وجوده عن وجوده بل ~~هو ملازم له في الوجود كملازمة حركة الخاتم لحركة اليد كما سيأتي تفصيل ~~مذهبهم # وعند ذلك فنقول ملازمة ما وجد به ووجب عنه إما أن تكون وعدمها سيان أو أن ~~الملازمة أولى فإن كانت الملازمة وعدمها سيان فالقول بوجوب اللزوم في ~~الوجود متناقض وإن كانت الملازمة هي الأولى ms043 فلا محالة أن ما هو الأولى في ~~لزومه له أنه يستفيد بملازمته كمالا وبعدمه نقصانا فإذا ما هو اعتذارهم في ~~الذات هو اعتذارنا في الإرادة ولا محيص عنه # وما يلزمهم أيضا في ذلك أن تكون الأنفس الفلكية المخصصة للحركات الدورية ~~كما عرف من مذهبهم متوقفة في حصول كمالها على معلولها لكونها مخصصة له ~~بالإرادة وفي ذلك توقف كمال الأشرف على المشروف ولا خلاص لهم منه # وأما ما ذكروه من الوجه الثاني في قولهم لو كانت صفة نفسية قديمة لما ~~تعلقت ببعض المتعلقات دون البعض كما في العلم فمع أنهم قد نقضوا ما أبرموه ~~وحلوا ما عقدوه بالقدرة فإنهم قالوا إنها صفة قديمة نفسية ولا تعلق لها ~~بأفعال العباد فهو صحيح PageV01P063 # وسنبين فيما بعد إن شاء الله أنه لا خالق الا الله ولا مبدع إلا هو وأن ~~الإبداع والخلق لجميع الحادثات لا يكون إلا عن إرادة واختيار لا عن طبع ~~واضطرار كيف وإنه لو لم تتعلق إرادته بجميع الكائنات لكان كمال واجب الوجود ~~بالنسبة إلى ما لم تتعلق به إرادته من الكائنات أنقص بالنسبة إلى حال من ~~تعلقت به إرادته من المختارين وهو محال وما ذكروه من المحالات وأوردوه من ~~الإلزامات غير متجه # أما الأول وهو قولهم يلزم أن يكون مريدا لإرادة زيد وعمرو عند اختلاف ~~مراديهما فقد منع بعض الأصحاب من تصور اجتماع مثل هاتين الإرادتين وقال إن ~~ما علمه الله على ما هو عليه وإنه سيكون اولا يكون فهو المراد ونقيضه تشبه ~~غير مراد فعلى هذا تصور الإرادتين عند تعلقهما بنقيضين ممتنع وهو مما فيه ~~نظر فإن ما وجد من كل واحد منهما مماثل لما وجد من صاحبه فيما يرجع إلى ~~الميل والقصد والاختلاف ليس إلا في التعلق وكون أحدهما واقعا على الوفق ~~والآخر على خلافه فإن كان ذلك هو الموجب تسمية البعض إرادة والبعض شهوة ~~فحاصله يرجع إلى الاصطلاح في الأسماء لا الاختلاف في المعنى وهو ما يوجد في ~~كل واحد منهما # فالذي يتجه وله ثبات على محك ms044 النظر أن يقال إنما يلزم هذا المحال أن لو ~~لزم من تعلق إرادته بإرادتهما تعلقها بمراديهما وليس كذلك بل المدعى به ~~متحكم بما لا دليل عليه فالرأي الحق أن يقال إن تعلقها بالإرادتين إنما كان ~~بالنظر إلى حدوثها وتخصصها بالوجود دون العدم وذلك مما لا يوجب تضادا ولا ~~تناقضا والجمع بين متعلقيهما و إن كان محالا PageV01P064 فإنما يلزم أن لو ~~لزم تحققه في متعلقهما به أي من تعلق الإرادة القديمة بهما وليس كذلك بل ~~متعلق كل واحد منهما إنما يتم بتعلق الإرادة القديمة به وذلك غير لازم من ~~تعلقها بإحداث الإرادة الحادثة المتعلقة به # وأما المحال الثاني فقد أجاب عنه بعض الأصحاب بأن قال أفعال المكلفين وإن ~~انقسمت إلى خيرات وشرور لكن الإرادة إنما تتعلق بها من حيث وجودها وتحققها ~~وهي من هذا الوجه ليست بشرور بل خيرات محضة وإنما تلحقها الشرور باعتبار ~~الصفات التي هي منتسبة إلى فعل العبد وقدرته وهي ما قلتم انها توابع الحدوث ~~كما يأتى تحقيقه في مسألة خلق الأفعال وهى ما قلتم انها توابع الحدوث كما ~~يأتى تحقيقه في مسألة خلق الأفعال وهى من هذه الجهة ليست مرادة لله تعالى ~~على الاصلين فإن إرادة فعل العبد من حيث إنه فعله تمن وشهوة وذلك في حق ~~البارى محال فإذا ما هو مراد الله تعالى إنما هو التخصيص والإحداث وذلك هو ~~الخير وما هو الشر ومنه الشر فهو ما وقع مسندا إلى فعل العبد من حيث هو ~~فعله وذلك غير مراد الله تعالى # وسنبين إبطال هذا المقال في مسألة خلق الأعمال وأن ما من حادث إلا وهو ~~مضاف إلى البارى تعالى بأنه محدثه ومريد له وأنه لا خالق الا الله تعالى ~~ولا مبدع إلا هو وأنه لا يجرى في ملكه إلا ما هو مراد له ومن حيث هو مراد ~~له ليس بشر فإن تعلق الإرادة به إنما هو من جهة تخصصه بالوجود دون العدم أو ~~العدم دون الوجود و بالجملة من جهة تخصصه ببعض الاحوال دون البعض ms045 وذلك مما ~~لا يوصف بكونه شرا من حيث هو كذلك نعم إن وصف بعض الحادثات بكونه شرا فذلك ~~ليس هو لعينه ولا أن الشر وصف ذاتى له ولا هو في نفسه معنى وجودى بل معنى ~~نسبى وأمر إضافى كما يأتي تحقيقه في مسألة التحسين والتقبيح وذلك مما لا ~~يمنع من إضافته إلى الإرادة القديمة وإلا لما أضيف إليها ما في عالم ~~PageV01P065 الكون والفساد من التحريق والتغريق والخسف والزلازل والهدم ~~ونحو ذلك من الآفات الفادحة والأمراض المؤلمة وغير ذلك مما لا يقولون به # ثم إن مستندهم فيما ذكروه ليس إلا الشاهد ولو صح أن يقال الغائب باعتبار ~~إرادته للشر شرير كما في الشاهد لصح أن يقال إذا أراد الطاعة مطيع # فإن قيل تسمية الواحد منا مطيعا إنما كان بالنسبة إلى ما أراده وقصده مما ~~هو مأمور به وملجأ اليه والبارى تعالى منزه عن ذلك # قلنا فما المانع من أن تكون تسمية الواحد منا أيضا شريرا أو سفيها ~~بالنسبة إلى ما قصده من جهة أنه منهى عنه وممنوع منه كيف وأن هذا هو الحق ~~وأن الصبى والمجنون لو أتيا بمثل ما يأتي به المطيع والشرير فإنه لا يقال ~~لهما مطيع ولا شرير ولم يكن ذلك إلا لعدم ورود التكليف نحوه هذا إن ورد من ~~المعتزلة # وأما الفلاسفة فلهم تفصيل مذهب في معنى الخير والشر وهو ما لا تمس الحاجة ~~إلى ذكره وإن من حقق ما قررناه أمكنه التفصى عن كل ما يتخيلونه ههنا # وأما المحال الثالث # فإنما يلزم أن لو كان المأمور والمنهى مرادا وليس كذلك بل المأمور الذي ~~علم وقوعه والمنهى الذي علم الانتهاء عنه هو المراد أما ما علم إنتفاؤه ~~فليس بمراد الوجود وإن كان PageV01P066 مأمورا به وما علم وجوده فليس بمراد ~~الانتفاء وإن كان منهيا عنه وإلا كان فيه إبطال أخص وصف الإرادة وهو تاتي ~~التمييز بها وهو ممتنع وأما ما يطلق عليه اسم الإرادة مع عدم حصول التمييز ~~به فليس في الحقيقة إرادة بل شهوة وتمنيا فإذا الارادة ms046 اعم من الأمر من جهة ~~أنها توجد ولا أمر والأمر أعم منها من جهة أنه قد يكون ولا إرادة وليس ولا ~~واحد منهما يلزم الآخر لزوما معاكسا ولا غير معاكس وعند ذلك فلا يلزم من ~~الأمر بالوجود وإرادة العدم ما تخيلوه من التناقض وعلى هذا القول في النهى ~~أيضا # ثم كيف ينكر ذلك مع الاعتراف بتكليف أبى جهل بالإيمان من غير إرادة له ~~وبما ظهر من قصة إبراهيم في تكليفه بذبح ولده كما يأتي تحقيقه فيما بعد إن ~~شاء الله تعإلى فإذا ليس ثمرة الأمر امتثال ما أمر به بل من الجائز أن تكون ~~له ثمرة أخرى وعند ذلك فلا يكون عبثا ولا متناقضا كما في هذه الصور ولهذا ~~قال بعض الأصحاب إنه لو علم من أحد من الامة أنه لو كلف بخصله من خصال ~~الخير لم يأت بها ولو ضوعفت عليه لم يقصر عنها فإنه إذا امر بالضعف كان ~~امرا صحيحا وإن لم يكن ما أمر به مرادا وذلك على نحو امر النبى صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج بالصلوات هذا كله إن قيل برعاية الصلاح وإلا فلا ~~حاجة إلى هذا التكليف ولا غرض في هذا التعبد وما قيل من انه يفضى إلى ~~التكليف بما لا يطاق فذلك مما لا نأباه وسنبين وجه جوازه فيما بعد إن شاء ~~الله # وما أشير إليه من الظواهر الدالة على نفى الإرادة والرضى للقبح والفساد ~~مما لا يسوغ التمسك بها في مسائل الأصول إذ هي مع ما يقابلها من ظواهر أخرى ~~ممكنة التأويل جائزة التخصيص والمقطوع لا يستفاد من المظنون كيف وإن القول ~~بموجبها متجه ههنا فإنا لا نعترف PageV01P067 بأن إرادته ورضاه مما يتعلق ~~بالمعاصى على اختلاف أصنافها إذ هي من حيث هي شرور ومعاص امور إضافيه لا ~~ذوات حقيقية كما سنبين والإرادة لا تتعلق بها إنما تتعلق بها من حيث الحدوث ~~والتجدد كما سبق ومن تمسك بهذه القاعدة استغنى عن التأويل بطريق التفصيل ~~كيف وأنا سنقرر قاعدة في معنى المحبة والرضى و ms047 الإرادة يمكن أن نتوصل منها ~~إلى تأويل كل ما يرد من هذا القبيل # اما المحبوب والمرضى في حق الله تعالى فليس معناه إلا أنه ممدوح عليه في ~~العاجل ومثاب عليه في الآجل كما أن المسخوط المقابل له ليس معناه إلا نقيض ~~ما ذكرناه فعلى هذا معنى قوله ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) وقوله ~~@QB@ لا يحب الفساد @QE@ وقوله @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ أنه غير ~~ممدوح ولا مثاب عليه وهكذا تأويل كل ما يرد من هذا القبيل # وأما الإرادة فإنها قد تتعلق بالتكليف من الأمر والنهى وقد تتعلق بالمكلف ~~به أى إيجاده وإعدامه فإذا قيل إن الشئ مراد فقد يراد به إن التكليف به هو ~~المراد لاعينه وذاته وقد يراد به أنه في نفسه هو المراد أى إيجاده أو ~~إعدامه فعلى هذا ما وصف بكونه مرادا ولا وقوع له فليس المراد به إلا ~~التكليف به فقط وما قيل إنه غير مراد وهو واقع فليس المراد به إلا أنه لم ~~يرد التكيلف به فقط PageV01P068 # ومن حقق هذه القاعدة أمكنه التقصى عن قوله @QB@ وما الله يريد ظلما ~~للعباد @QE@ بأن يقال المراد به إنما هو نفى الإرادة بالتكليف به لا من حيث ~~حدوثه وكذا قوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ معناه ~~الأمر باليسر ونفيه عن العسر وعلى هذا يخرج قوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون @QE@ فإنه ليس المراد به وقوع العبادة بل الأمر بها # وقول بعض الأصحاب في تقرير الأمر بما ليس بمراد إن ما يتعلق به الأمر ~~والنهى إنما هو أخص وصف فعل المكلف وهو ما يصير به طائعا أو عاصيا وذلك ~~الأخص هو ما يتعلق بكسبه ويدخل تحت قدرته وبه يتحقق معنى التكليف وهو ما ~~جعلته المعتزلة من توابع الحدوث لا أن التكليف متعلق بأصل الفعل إذ هو فعل ~~الله تعالى وذلك لا يجوز التكليف به إذ هو من فعل الغير والتكليف بفعل ~~الغير تكليف بما لا يطاق فإذا ما يقع به التكليف إنما هو ما ينسب ms048 إلى فعل ~~العبد واكتسابه وليس ذلك مرادا لله تعالى ولا داخلا تحت قدرته غير صحيح على ~~ما سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله وأما ما ذكروه من المحال الرابع # فمبنى على فاسد قولهم إن ما سبق من الإرادة لا يكون إلا عزما مع سبق فكر ~~وتردد ولا يخفى ما به من التحكم وهو وإن أمكن تخيله في الشاهد فإنه غير ~~لازم في حق الغائب كما سلف PageV01P069 وما قيل من أنه لا حاجة إلى صفة ~~الإرادة مع وجود العلم والقدرة فممتنع إذ القدرة هي ما يتأتى بها الإيجاد ~~ولا محالة أن نسبتها إلى سائر الأوقات نسبة واحدة فتخصيصها للحادث بزمان ~~حدوثه من غير مخصص مع ان نسبة الأوقات إليها نسبة واحدة لا معنى له وهو كما ~~قيل في التخصيص بالذات من غير فرق وهذا لا ينعكس في الإرادة كما سلف فإذا ~~لا بد من المخصص ثم لو أغنت عن الإرادة لحصول الإيجاد بها لأغنت عن العلم ~~أيضا وكيف وأن القدرة عند الخصم في الشاهد ما يتأتى بها الإيجاد كما في ~~قدرة المختارين بالنبسة إلى أفعالهم ومع هذا ليست كافية عن الإرادة حتى إن ~~من كان قادرا ولم يكن مريدا فإنه وان حصل الإيجاد في حقه صح ان يقال ليس هو ~~أولى من عدمه وان فعله عبث فهلا قيل مثله في حق البارى تعالى # وليس العلم مما يصح الاكتفاء به عنها أيضا وإن لزم الحدوث في وقت الحدوث ~~من ضرورة تعلق العلم به إذ العلم لا يحصل به التمييز ومع قطع النظر عما به ~~التمييز فتخصيص الحادث بزمان حدوثه إذ ذاك لا يكون اولى به من غيره ثم إنه ~~لو اكتفى به عن الإرادة لضرورة وقوع الحادث على وفقه لاكتفى به عن القدرة ~~أيضا لهذا المعنى كيف وأنه من الجائز أن يحصل العلم في الشاهد لبعض ~~المختارين بإخبار صادق بأنه سيفعل كذا على كذا في وقت كذا ومع ذلك فالإرادة ~~لا تكون مستغنى عنها فقد بان من هذا أنه لا سبيل ms049 إلى القول بالإستغناء ~~بالعلم أو القدرة عن الإرادة أصلا ولا جائز أن يقال بأن معناها هو معنى ~~العلم أو القدرة إذ هما أعم منها من حيث أن كل مراد الله تعالى مقدور ~~ومعلوم وليس كل معلوم أو مقدور مرادا والقول بأن الأخص هو الأعم والأعم هو ~~الأخص محال PageV01P070 فقد بان انه لا بد من صفة زائدة على ذات واجب ~~الوجود يتأتى بها التخصيص بالحدوث وتلك الصفة هي الإرادة وأنها لا بد من ~~قدمها وأزليتها وقيامها بذات واجب الوجود وتعلقها بجميع الكائنات وهى مع ~~ذلك متحدة لا كثرة فيها ومع اتحادها فلا نهاية لها لا بالنظر إلى ذاتها ولا ~~بالنظر إلى متعلقاتها # أما بيان كونها واحدة فقد قال بعض الأصحاب لو كانت متعددة لكان تعددها ~~بتعدد متعلقاتها وما يصح أن تتعلق به الإرادة غير متناه تقديرا فلو تعددت ~~بتعدده لكانت غير متناهية اعدادها تحقيقا وقد قام الدليل على استحالة ذلك ~~وإن تعددت بسبب تعلقها ببعض المتعلقات التقديرية فذلك يستدعى مخصصا والقديم ~~لا تخصص له بجائز دون جائز # واعلم أن هذا غير صواب فإن ما ذكره من القسم الأول فمبنى على القول ~~بامتناع وجود أعداد لا نهاية لها وهي موجودة معا ولا ترتب لها وضعا ولا ~~طبعا وقد بينا وجه فساده فيما مضى وما ذكره من القسم الثاني فهو مع ما فيه ~~من التحكم كاذب في دعواه بجهة العموم والشمول استحالة تعلق القديم ببعض ~~المتعلقات الجائزة دون البعض فإن الممكنات منها ما هو مراد عنده ومنها ما ~~هو غير مراد والإرادة قديمة عنده لا محالة مع هذا التخصيص PageV01P071 # فالرأي الحق أن يقال لو كانت متعددة ومتكثرة لم تخل تلك المتكثرات إما أن ~~تختلف من كل وجه أو تتحد من كل وجه أو تتحد من وجه وتختلف من آخر فإن اتحدت ~~من كل وجه فلا محالة أن الإرادة التي أردناها ليست إلا واحدا منها والباقي ~~ليس إرادة وإن اختلفت من كل وجه فليس التكثر فيها في صفة الإرادة لضرورة أن ~~حقيقة الإرادة ليست ms050 إلا حقيقة واحدة وإن اختلفت من وجه دون وجه فما به ~~التكثر والاختلاف حينئذ لا بد أن يكون خارجا عن صفة الإرادة وإلا فهو القسم ~~الاول بعينه وعند ذلك فما اختص بكل واحد من المتكثرين إما أن يكون اختصاصه ~~به لذاته أو باعتبار مخصص خارج لا جائز أن يقال بالاول وإلا لما وقع ~~الاختلاف فيه بين أعداد الإرادات إذ لكل تحت إرادة واحدة ولا جائز أن يقال ~~بالثاني وإلا فالمخصص له بذلك إما أن يكون بالذات أو الإرادة فإن كان ~~بالذات فهو أيضا محال وإلا بما تخصص به أحد المتماثلين دون الآخر إذ لا ~~أولوية وإن كان ذلك بالإرادة فالكلام في تلك الإرادة وما به تميزت كالكلام ~~في الأول وذلك يفضى إلى التسلسل وهو ممتنع # فإن قيل إضافة التخصيص إلى ما يقتضيه لذاته وإن كان ممتنعا فلا يخفى ان ~~الإرادة عبارة عما يتأتى بها التخصص وإذ ذاك فلا فرق بينها وبين ما هو قائم ~~بها أو بغيرها فعلى هذا غير ممتنع أن يضاف التخصيص لما يخصص به كل واحد من ~~أقسام الإرادة نفسه ويكون تخصيصه له لا لذاته بل على النحو المفهوم من ~~تخصيصه لما هو خارج عنه وعند ذلك فليس يلزم الاشتراك على ما لا يخفى بل ~~ويجوز أن يكون تخصص كل واحد بما يخصص به مضافا إلى الآخر والتسلسل على هذا ~~يكون منقطعا PageV01P072 # قلنا أما الأول فمما لا يتجه اذ شرط التخصيص بالإرادة أن تكون مخصصة ~~بالوجود وهذا مما لا يتم بدون ما قيل إنه مميز لها و مخصص وهو دور ممتنع ~~وعلى هذا يظهر امتناع ما قيل به ثانيا فإنه كيف يتصور أن يكون كل واحد من ~~أقسام الإرادة مخصصا للآخر وهو إنما يكون مخصصا لغيره بعد القول بتخصصه وهو ~~أيضا دور محال كيف وأن ذلك يفضى إلى إثبات صفات لنفس واجب الوجود خارجة ~~عنها ليست من الصفات النفسية من غير دليل عقلى ولا نص شرعى وهو محال وهذه ~~المحالات كلها إنما لزمت من فرض كون الصفة ms051 الإرادية متكثرة # كيف وأن الطريق الموصل إلى ثبوت صفة الإرادة إنما هو كون الكائنات وذلك ~~إنما يدل على أنه لا بد من إرادة يكون بها التخصيص والقول بتعددها مما يزيد ~~على القول الواجب من غير دليل فإنه لا مانع من أن تكون الإرادة واحدة ~~والمتعلقات متعددة وذلك على نحو تعلق الشمس بما قابلها واستضاء بها فإنه ~~وإن كان متعددا لا يوجب تعددها في نفسها وإن أوجب تعدد متعلقاتها على ما لا ~~يخفى وهذا هو الأقرب إلى الإنصاف والأبعد عن الاعتساف من جهة أن العقل قد ~~دل على وجود اصل الإرادة فالقول بنفيها تقصير والقول بتكثرها إفراط وكل ~~خارج عن حوزة الاحتياط # ولعمري إن من رام نفى التكثر من صفة الإرادة أو غيرها من الصفات بغير ما ~~سلكناه لم يجد فيه كلاما محصلا # فإن قيل قولكم إن ما وقع به التعدد والاختلاف إن كان خارجا عن حقيقة صفة ~~الإرادة فلزم إثبات صفات للذات خارجا عن اصل الإرادة فإنما يستقيم أن لو لم ~~يصح التغاير بين الذوات إلا باعتبار صفات وجودية وامور حقيقة وما المانع ~~PageV01P073 من أن التغير بين الذوات باعتبار سلوب وإضافات ومتعلقات خارجة ~~عن الذوات بأن يكون متعلق كل واحد غير متعلق الأخرى مما نسب إليها أو سلب ~~عنها وتلك ليست امورا وجودية ولا صفات حقيقية وذلك على نحو ما يقوله ~~الفيلسوف في وجوب تكثر الانفس الإنسانية عند مقارنة الأبدان وبعد مفارقتها ~~أيضا فإن السبب الموجب للتكثر ليس إلا ملابسة النفس البدن واختصاصها بالنظر ~~إلى احواله وتدبيره لا ان اختصاصها به اختصاص الصفات بالموصوفات وأن ما حصل ~~لها من النسبة من حالة المقارنه هو الذي أوجب بقاءها متغايرة بعد المفارقة ~~فعلى هذا غير بعيد أن يكون التغاير بين الإرادات المتكثرة باعتبار النسب ~~والإضافات وتغير المتعلقات # قلنا قد بينا أن الاختلاف يستدعي مميزا وما قيل من أنه يجوز أن يسند ذلك ~~إلى السلوب والإضافات فمندفع وذلك أن السلب عن أحد المتكثرين إن وقعت ~~بينهما المشاركة فيه بأن يكون مسلوبا عن كل ms052 واحد منهما كسلب الحجر عن ~~الإنسان والفرس فذلك ما لا يوجب الاختلاف وإن لم تقع المشاركة بينهما فيه ~~بأن يكون ما سلب احدهما موجبا للآخر ففيه إثبات صفة زائدة وهو عود إلى ما ~~ابطلناه # وأما التغاير باعتبار الإضافة والتعلق فتلك الإضافات والتعلقات أما أن ~~توجب قيام صفات بالمتعلقات أو ليس فإن أوجبت قيام صفات بالمتعلقات فهو وإن ~~أوجب التغاير لكنه فيما نحن فيه متعذر لما بينا وإن لم يوجب قيام صفات ~~بالمتعلقات فهي غير موجبة للتغاير في التعلق أصلا بل يجوز أن يتحد الشئ ~~إتحادا مطلقا PageV01P074 وإن اختلفت إضافتة ونسبته إذا لم تجب له من تلك ~~الإضافات صفات زائدة على ذاته وهذا مما لا خفاء به # وعلى هذا الحقيق فالإرادة صفة واحدة لا انقسام فيها لا بالحد ولا بالكم ~~وإن وقع التعدد في متعلقاتها وتعلقها وذلك على نحو ما ذكرناه من تعلق الشمس ~~بما قابلها واستضاء بها فإنه وإن كان متعددا أو متغايرا لا يوجب وقوع ~~التعدد في الشمس نفسها وهو المعنى بسلب النهاية عن ذات واجب الوجود وكذا في ~~غير الإرادة من صفات الذات وأما سلب النهاية عنها بالنظر إلى متعلقاتها ~~فليس المعنى به أيضا إلا ان ما يصح ان تتعلق به الإرادة من الجائزات لا ~~نهاية له بالقوة لا انه غير متناه بالفعل # وهذا مما لا مراء فيه ولا دليل ينافيه وهذا آخر ما أردنا ذكره ههنا والله ~~الموفق للصواب PageV01P075 # | الطرف الثاني # في اثبات صفة العلم # مذهب أهل الحق أن البارى تعالى عالم بعلم واحد قائم بذاته قديم أزلى ~~متعلق بجميع المتعلقات # وأما الفلاسفة فمختلفون # ا فمنهم من نفى عنه العلم مطلقا ولم يجوز أن يكون له علم متعلق بذاته ولا ~~بغيره # ب ومنهم من أوجب له ذلك لكن منع أن يكون متعلقا بغيره بل بذاته # ج ومنهم من جوز عليه ذلك لكن بشرط كون المتعلق كليا واما الجزئيات فإن ~~تعلق بها فليس ذلك إلا على نحو كلى لا أنه متعلق بالجزئى من حيث هو جزئى # وأما المعتزلة ms053 فموافقون على العالمية دون العلمية كما مضى تفصيل مذهبهم # وأما الجهمية فقد ذهبوا إلى أنه عالم بعلم قائم لا في محل وهو مع ذلك ~~متجدد بتجدد الحادثات متعدد بتعدد الكائنات PageV01P076 # وعند ذلك فلا بد من إيضاح السبيل إلى زيف مذاهب أهل التعطيل # أما على رأي الإلهيين فإنه لما انحسم على من أثبت كونه عالما طريق التوصل ~~إليه بتوقف تخصيص الجائزات عليه كما سبق وصفه من مذهبهم ولم يمكنه ~~الاسترواح إلى ما استروح إليه المتكلمون أهل الحق لمناقضات تلزمه انتهج في ~~ذلك منهجا غريبا وهو أنه زعم أن الوجود من حيث إنه طبيعة الموجود غير ممتنع ~~عليه أن يعلم ويعقل وإنما يعرض له أنه لا يعلم ويعقل بسبب صاد ومانع راد ~~وهو كونه في المادة ومتعلقا بعلائق المادة وكل وجود مجرد عن المادة ~~وعلائقها فغير ممتنع عليه أن يعلم وهو وإن كان متوهما غير سديد وما قيل من ~~أن طبيعة الوجود غير ممتنع عليها أن تعقل فلا محالة أن إطلاق لفظ الوجود ~~على واجب الوجود وعلى غيره ليس إلا بطريق الاشتراك لا بالتواطؤ وإلا كان ~~مشاركا لها في طبيعتها ويلزم أن تكون ذات واجب الوجود ممكنة مفتقرة إلى ~~مرجح خارج وهو محال فعلى هذا إن أريد بلفظ الوجود كل مدلولاته بحيث تكون ~~ذات واجب الوجود مندرجة فيه وداخلة تحته فدعوى مجردة وإدراج لمحل النزاع في ~~كلية ما صادر على كونه مسلما ولا يخفى ما فيه من الزيف فإنه لو سلم أنه غير ~~ممتنع أن يعلم لوجب أن يكون العلم له إما واجبا وإما ممكنا والإمكان منتف ~~عن ذاته عنده مطلقا فبقى أن يكون واجبا وذلك محل النزاع # وإن أريد به طبيعة كل موجود سوى واجب الوجود فمع بعده غير مفيد ولا مؤد ~~للمقصود إذ الحكم على القضية الجزئية بمثل ما حكم به على الكلية إنما يلزم ~~أن لو كانت الجزئية داخلة فيها وليس كذلك وإن زال المانع فغير مفيد لعدم ~~القبولية والاقتضاء معا ثم ومع التقدير بكونه عالما فلا معنى للخوض ms054 في ~~التفصيل PageV01P077 بين ذاته وباقى الذوات ولا بين الكليات والجزئيات كما ~~سنبينه # فالحق ان مبدأ النظر في مبدأ أهل الحق مستمد من التخصيص والتمييز بصفة ~~الأرادة ومع ثبوت ذلك فالمتميز إما أن يكون محاطا به أو غير محاط به # لا يجائز ان يكون غير محاط به والا لما تصور تمييزه عن غيره فإذا لا بد ~~من الإحاطة به ثم كيف ينكر ذلك والعقل الصريح يقضى بيديه بأن صدور ما هو ~~على غاية من الإحكام والاتقان عمن لا إحاطة له محال كيف وأنه لو لم يكن ~~متصفا بالعلم لكان ناقصا بالنسبة إلى من له العلم من مخلوقاته كما سبق ~~بيانه وهو محال # وعند لزوم هذا العلم له إما أن يكون معنى عدميا أو لا وجوديا ولا عدميا ~~وإما أن يكون وصفا وجوديا # لا جائز أن يقال بكونه عدميا إذ لا فرق بين قولنا إنه لا علم له وبين ~~قولنا إن علمه معنى عدمى كيف و أن من فهم مدلول هذه اللفظة لم يجد من نفسه ~~أن فهمه لأمر سلبى عدمى ألبته # ولا جائز أن يقال بأنه لا موجود ولا معدوم إذ هو مبنى على القول بالأحوال ~~وقد أبطلناها وإذ ذاك فلا بد من أن يكون معنى وجوديا وهو مع ذلك قديم أزلى ~~قائم بذات الرب تعالى متعلق بجميع الكائنات متحد لا كثرة فيه غير متناه ~~PageV01P078 بالنظر إلى ذاته ومتعلقاته وبيان ذلك على نحو بيانه في الإرادة ~~وقد عرف فلا حاجة إلى إعادته لكن ربما أشكل وجه استعمال ما ذكرناه في بيان ~~اتحاد الإرادة في العلم والسبيل فيه أن يقال بعد إبطال الاقتضاء للتخصيص ~~بالذات وتعين الاقتضاء بالقدرة والارادة فإن شرط هذا الاقتضاء تعلق العلم ~~بالمقتضى كما سلف وإذ ذاك فإما أن يكون كل واحد من اقسام العلم هو المتعلق ~~بما تخصصه القدرة والأرادة أو غيره فإن كان هو فهو انما يتم تعلقه بغيره أن ~~لو كان متخصصا بالوجود وذلك يفضى إلى الدور كما دار في الإرادة وإن كان ~~غيره لزم منه ms055 التسلسل أو الدور كما حققناه في الإرادة وهو أيضا ممتنع # والذي يخص هذا الطرف من التشكيكات ويتجه عليه من الخيالات قولهم لو كان ~~له علم لما خرج عن أن يكون ضروريا أو نظريا وأن يكون تعلقه بالمعلومات على ~~نحو تعلق علومنا بها ويلزم إذ ذاك الاشتراك بين العلم الحادث والقديم في ~~الحقيقة لضرورة اشتراكهما في أخص صفات العلم الحادث وذلك في حق واجب الوجود ~~محال ثم ولو قدر كونه عالما فما المانع من أن يكون تعلقه بذاته دون غيره ~~وبم الرد على من زعم ذلك وقال لو علم غير ذاته لم يخل إما أن يكون علمه ~~بذاته هو علمه بغيره أو هما متغايران لا جائز أن يكونا واحدا إذ العقل يقضى ~~بإبطاله ولا جائز أن يكونا PageV01P079 متغايرين وإلا لزم التعدد في علم ~~البارى تعالى وهو محال ثم لو قدر تعلقه بغيره فما المانع من أن يكون ذلك ~~مختصا بالكليات دون الجزئيات وبم الرد على من ابطل ذلك وزعم أنه لو كان علم ~~البارى متعلقا بالجزئيات الكائنات الفاسدات لم يخل عند تعلقه بها إما أن ~~يكون سابقا عليها أو حادثا ومتجددا بتجددها لا جائز أن يكون أوليا وإلا كان ~~ذلك جهلا لا علما وإن كان حادثا فهو إما أن يكون في ذاته أو في غير ذاته ~~وعلى كل تقدير فهو محال لما سبق وأيضا فإنه إما أن يكون العلم بالكائنات ~~عبارة عن انطباع صورها في النفس أو عبارة عن إضافة تحصل بينها وبينه فإن ~~كان الأول لزم أن يكون ذات واجب الوجود متجزئة لانطباع المتجزئ فيها كما ~~يأتي وإن كان الثاني فالعلم إذ ذاك إما قديم أو حادث لا جائز ان يكون قديما ~~وإلا لوجب أن يكون الحادث الذي تعلق به قديما لضرورة أن الإضافة لا تحصل ~~إلا بين شيئين والقول بقدم الحادثات محال وإن كان حادثا فهو محال أيضا كما ~~سبق # ومستند ضلال الجهمية في القول بحدوث علم البارى تعالى لا في محل وتجدده ~~بتجدد المعلومات وتكثره بتكثرها ليس إلا ms056 هذه الخيالات والاعتماد على هذه ~~التمويهات والكشف عن وجه الحق فيها متوقف على الانفصال عنها فنقول # قد قدمنا أنه لا بد أن يكون له علم وما قيل من إنه اما ان يكون بديهيا أو ~~نظريا فإنما ينفع أن لو تبين قبوله لهذا الانقسام وإلا فلا ومجرد القياس ~~على الشاهد في ذلك مما لا يفيد كما أسلفناه ثم إن البديهي لا معنى له إلا ~~ما حصل من غير نظر ولا دليل ولا تصح مفارقته أصلا وهذا بعينه ما ثبت للرب ~~تعالى وإن لم يصح إطلاق اسم البديهة عليه من جهة الشرع لعدم وروده به ~~فالمنازعة إذا ليست الا في إطلاق اللفظ لا نفس المعنى ولا حاصل له اللهم ~~إلا أن يعنى بالبديهية غير ما ذكرناه PageV01P080 # والاشتراك بين العلم القديم والحادث إنما يلزم أن لو اشتركا فيما هو أخص ~~صفة لكل واحد منهما أو لأحدهما وليس كذلك بل صفة العلم الربانى وجوب تعلقه ~~بسائر المعلومات من غير تأخر على وجه التفصيل وأخص وصف العلم الحادث جواز ~~تعلقه بالمعلومات لا نفس وقوع التعلق ولا يخفى إذ ذاك انتفاء الاشتراك ~~بينهما ثم إن ذلك لازم على المعتزلى في العالمية أيضا إذ نسبة العالمية إلى ~~العلمية على نحو نسبة العلم إلى العلمية # وما قيل من أنه لو تعلق علمه بذاته وبغير ذاته لاتحدا أو تغايرا وهما ~~محالان ففاسد إذ لا مانع من أن يكون العلم في نفسه واحدا ومتعلقاته مختلفة ~~ومتغايرة # وهو متعلق بكل واحد منهما على نحو تعلق الشمس بما قابلها واستضاء بها بل ~~وعلى نحو ما يقوله الخصم في العقل الفعال لنفوسنا فإنه متحد وإن كانت ~~متعلقاته متكثرة ومتغايرة # وما اعتمد عليه في إختصاص التعلق بالكليات دون الجزئيات فباطل أيضا فإن ~~تعلق العلم بالكائنات مما لا يوجب تجدد العلم ولا الجهل من سبقه إذ السابق ~~هو العلم بأن سيكون والعلم بأن سيكون الشئ هو نفس العلم بكونه في وقت الكون ~~من غير تجدد ولا كثرة وإنما المتجدد هو نفس المتعلق والتعلق به وذلك ms057 مما لا ~~يوجب تجدد PageV01P081 المتعلق بعد سبق العلم بوقوعه في وقت الوقوع وفرض ~~استمراره إلى ذلك الوقت فإنا لو رفعنا كل علم حادث من النفس لم يكن في حال ~~حدوثه غير معلوم وإلا كان العلم بأن سيكون في وقت كونه مع القول بفرض ~~استمراره جهلا وهو محال # ولهذا إن من علم بالجزم بأن سيقوم زيد مثلا في الوقت الفلانى فإنه لا يجد ~~نفسه محتاجة إلى علم متجدد بوقوعه في ذلك الوقت اذا انتهى اليه وفرضنا بقاء ~~علمه السابق إلى ذلك الوقت وما يجده الإنسان من نفسه من التفرقة بين قبل ~~الكون وبعده فإنما هو عائد إلى إدراكات حسية وأمور خارجية عن العلم لم تكن ~~قبل الكون أما في نفس العلم فلا بل غاية ما يقدر ان تعلق العلم به عند ~~الكون لم يكن متحققا قبل الكون وغاية ما يلزم ذلك انتفاء تعلق العلم بوجوده ~~في حال عدمه وتجدد التعلق به في حال الوجود وذلك مما لا يلزمه القول بحدث ~~صفة العلم بل العلم قد يكون قديما وإن كان ما له من التعلقات والمتعلقات ~~متجدده ومتغيرة بناء على تجدد شروط التعلق وتغيرها # كيف وأن هذا مما لا يتجه من الخصم سواء كان نافيا كالمعتزلى والفلسفى أو ~~مثبتا له حادثا كالجهمى وذلك لأن سبق العلم بوجود الشئ في حالة عدمه إن كان ~~جه والجهلا قبيح فلا محالة ان القول بانتفاء العلم به أيضا جهل ويلزم أن ~~يكون قبيحا وليس انتفاء العلم أصلا ورأسا كما ظنه النفاة أو انتفاء قدمه ~~كما ظنه الجهمى لضرورة دفع ما يتحصل من تحقق الجهل بأولى من إثباته والقول ~~بقدمه دفعا لما يلزم من الجهل ولا محيص عنه وما يخص المعتزلة من النفاة ~~لزوم ما ألزموه عليهم في العالمية حيث قضوا بكون البارى تعالى عالما في ~~القدم وعند ذلك فإما ان يكون عالما بوجود الحادث قبل حدوثه أو تجددت له ~~العالمية بتجدد الحادث وعلى كل تقدير فما هو جواب لهم في حكم العلم هو جواب ~~لنا في نفس ms058 العلم PageV01P082 # وما يخص الجهمية هو أن يقال ولو كانت العلوم الربانية حادثه فتلك العلوم ~~إما أن تفتقر إلى علوم تتعلق بها في حال حدوثها أو لا تفتقر لا جائز ان ~~يقال بالأول وإلا أفضى إلى التسلسل وهو محال ولا جائز أن يقال بالثانى إذ ~~لو استغنت عن تعلق العلم بها مع كونها حادثا لكان كل حادث هكذا كيف وأن عند ~~الخصم ان العلم الحادث سابق على المعلوم بشئ يسير وكل علم سابق كان السبق ~~متناهيا أو غير متناه فإنه علم ما سيكون لا علم بالكون إذ العلم بالكون قبل ~~وقته يمتنع وعند هذا فلا فرق بين ان يكون حادثا أو قديما فيما يرجع إلى نفس ~~ما أوردوه من الإلزام وليس تعلق العلم بالعلوم عبارة عن انطباع صورة ~~المعلوم وشكله في نفس العالم به وإلا لما تصور القول بتعلق السواد والبياض ~~معا لما فيه من القول باجتماع الضدين في محل واحد وليس الاستحالة في ~~اجتماعها منوطة بالحدث والوجود العينى فإن ذلك مما لا يوجب التضاد لكونه ~~قضية واحدة لا اختلاف فيها فإذا ليس التضاد إلا لما أمكن تعلقه من معنى ~~السواد والبياض وما يلتحق بكل واحد منهما مما يكون به الاشتراك بينهما في ~~حالة الوجود العينى # كيف وأنه لو كان التعلق هو الانطباع لما تصور أيضا أن يتعلق العلم بما ~~يزيد في الكم على محل الانطباع ثم إن ذلك إنما يستند إلى أصل فلسفى وهو ~~مناقض لأصله في ذلك من جهة قضائه بإدراك القوة الوهمية بآلة جرمانية لما لا ~~تجزى له في نفسه وليس بمادى وذلك على نحو إدراك الشاة للمعنى PageV01P083 ~~الموجب لنفرتها عن الذئب فلو كان التعلق هو نفس الانطباع فكما يستحيل ~~انطباع المتجزى فيما لا تجزى له فكذا يستحيل انطباع غير المتجزى في المتجزي ~~فليس التعلق إذا إلا عبارة عن معنى إضافى يحصل بين العلم والمعلوم وذلك مما ~~لا يستدعي كون المعلوم معنى وجوديا ولا أمرا حقيقيا وإلا لما جاز تعلق ~~العلم باستحالة اجتماع الضدين # وبانتفاء كون الجسم الواحد ms059 في آن واحد في مكانين ولا بانتفاء الشريك ~~لواجب الوجود على ما لا يخفى ثم إن ذلك مما يلزم الخصوم من المعتزلة في ~~اعتقادهم قدم العالمية كما سلف # والله ولى التوفيق PageV01P084 # | الطرف الثالث # في اثبات صفة القدرة # ويجب أن يكون البارى تعالى قادرا بقدرة لضرورة ما أسلفناه من البيان ~~واوضحنا من البرهان في مسألة العلم و الإرادة ويجب أن تكون صفة وجودية ~~قديمة أزلية قائمة بذات الرب تعإلى متحدة لا كثرة فيها متعلقة بجميع ~~المقدورات غير متناهية بالنسبة إلى ذاتها ولا بالنظر إلى متعلقاتها لما ~~حققناه # وليست القدرة عبارة عما يلازمه الإيجاد بل ما يتأتى به الإيجاد على تقدير ~~تهيئه من غير استحالة ذلك على نحو ما في التمييز والتخصيص بالإرادة وبه ~~يتبين فساد قول من ألزم الإيجاد بالقدرة القديمة على من نفى الإيجاد بالذات ~~حيث ظن أن القدرة القديمة يلازمها الإيجاد لا ما يتأتى بها الإيجاد وإن لم ~~يلازمها # فإن قيل كيف تدعون أن كل ممكن مقدور لله تعالى وأكثر أفعال الحيوانات ~~بأسرها مقدورة لها كما سيأتى وإذ ذاك فلو كانت مقدورة لله تعالى للزم أن ~~يكون مقدور بين قادرين وذلك ممتنع كما يأتى أيضا وأيضا فإن أكثر الموجودات ~~متولدة بعضها عن بعض وهكذا ما نشاهده من تولد حركة الخاتم ضد حركة اليد ~~وكذا في حركة كل متحرك بحركة ما هو قائم به وملازم له فإنه لا يمكن أن يقال ~~إن حركة الخاتم مخلوقة لله تعالى وإنها غير تابعة لحركة اليد وإلا لجاز أن ~~يخلق حركة أحدهما مع سكون الأخرى وهو لا محالة ممتنع PageV01P085 # والجواب أما ما ذكروه من الشبهة الاولى فسيأتى الجواب عنها في مسألة خلق ~~الأفعال إن شاء الله تعالى # وأما ما ذكروه من الشبهة الثانية فإنهم إن أرادوا بالتولد ههنا أن الحركة ~~التي للخاتم كامنة في حركة اليد وهي تظهر عند حركة اليد منها كما يظهر ~~الجنين في بطن أمه وكما في كل ما يتوالد فهو الفهوم من لفظ التوالد لكنه ها ~~هنا غير مشاهد كما ms060 ادعوه ولا متصور أيضا بل الشاهد المتصور ليس إلا لزوم ~~حركة الخاتم لحركة اليد فإن أريد بالتولد هذا فلا مشاحة في التسمية وإن ~~كانت بالنسبة إلى الاصطلاح الوضعى خطأ لكنه مع ذلك مما لا يلزم أن يكون ~~وجوده عن وجود حركة اليد بل من الجائز أن يكون موجودان احدهما يلازم الآخر ~~إما عادة كملازمة التسخين للنار والتبريد للماء والأفيون وإما اشتراطا ~~كملازمة العلم للإرادة والحياة للعلم وليس ولا احدهما مستفادا من الآخر بل ~~كلاهما مخلوقان لله تعالى وبهذا يندفع ما ذكروه من أنه لو كان اللازم ~~مخلوقا لله تعالى لجاز خلق أحدهما مع سكون الآخر كيف وأنه كما تتوقف حركة ~~الخاتم على حركة اليد تتوقف حركة اليد على حركة الخاتم حتى إنه لو فرض عدم ~~انتقال الخاتم عن مكانه كان القول بحركة اليد مستحيلا فعلى هذا ليس جعل ~~حركة اليد علة لحركة الخاتم لتوقفها عليها بأولى من العكس بل الواجب أنهم ~~معلولان لعلة واحدة وإن قدر تلازمهما في الوجود # وعند هذا فلا بد من الإشارة إلى دقيقة وهي أن ما علمه الله تعالى ~~PageV01P086 أنه لا يكون منه ما هو ممتنع الكون لنفسه وذلك كاجتماع الضدين ~~وكون الشئ الواحد في آن واحد في مكانين ونحوه ومنه ما هو ممتنع الكون لا ~~باعتبار ذاته بل باعتبار أمر خارج وذلك مثل وجود عالم آخر وراء هذا العالم ~~أو قبله فما كان من القسم الأول فهو لا محالة غير مقدور من غير خلاف وما ~~كان من القسم الثانى وهو أن يكون ممتنعا لا باعتبار ذاته بل باعتبار تعلق ~~العلم بأنه لا يوجد أو غير ذلك فهو لا محالة ممكن باعتبار ذاته كما سلف ~~والممكن من حيث هو ممكن لا ينبو عن تعلق القدرة به والقدرة من حيث هي قدرة ~~لا يستحيل تعلقها بما هو في ذاته ممكن إذا قطع النظر عن غيره إذ الممكن من ~~حيث هو ممكن لا ينبو عن تعلق القدرة به والقدرة من حيث هى قدرة لا تتقاصر ~~عن التعلق به ms061 لقصور فيها ولا ضعف # فعلى هذا الممكن صالح أن تتعلق به القدرة من حيث هو كذلك ولا معنى لكونه ~~مقدورا غير هذا وإطلاق اسم المقدور عليه بالنظر إلى العرف وإلى الوضع ~~باعتبار هذا المعنى غير مستبعد وإن كان وجوده ممتنعا باعتبار غيره وأما إن ~~أريد به أنه غير مقدور بمعنى أنه يلزم منه المحال باعتبار أمر خارج أو أنه ~~لم تتعلق به القدرة بمعنى أنها لم تخصصه بالوجود بالفعل فهو وإن كان مخالفا ~~للاطلاق فلا مشاحة فيه إذ المنازعة فيه لا تكون إلا في إطلاق اللفظ لا في ~~نفس المعنى والله ولى التوفيق PageV01P087 # | الطرف الرابع # في اثبات صفة الكلام # ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون البارى تعالى متكلما بكلام قديم ازلى ~~نفسانى احدى الذات ليس بحروف ولا اصوات وهو مع ذلك ينقسم بانقسام المتعلقات ~~مغاير للعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات # وأما أهل الأهواء المختلفون فمنهم نافون للصفة الكلامية ومنهم مثبتون # ثم المثبتون منهم من زعم ان كلام الرب تعالى عن قول الزائغين مركب من ~~الحروف والأصوات مجانس للأقوال الدالة والعبارات كالمعتزلة والخوارج ~~والإمامية وغيرهم من طوائف الحشوية # ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قديم أزلى قائم بذات الرب تعالى ~~وذهب النافون إلى انه حادث موجود بعد العدم قائم لا في محل لكن منهم من لم ~~يجوز إطلاق اسم الحدث عليه مع كونه يقطع بحدثه ومنهم من لم يتحاش عن ذلك ~~PageV01P088 # ومن المثتبين من زعم أن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم وقد يطلق ~~على الأقوال والعبارات وعلى كلا الاعتبارين فهو قائم بذات الرب تعالى لكن ~~إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه وإن كان بالاعتبار ~~الثاني حادثا متكثرا # هؤلاء هم الكرامية ومنه تابعهم من اهل الضلال # ونحن الآن نبتدئ بذكر طرق عول عليها العامة من المتكلمين في إثبات الكلام ~~وننبه على مواضع الزلل فيها ثم نوضح بعد ذلك الاجود من الجانبين ونكشف عن ~~مستند الطائفتين إن شاء الله # فمن جملة ما اعتمد ms062 عليه أن قالوا العقل الصريح يقضى بتجويز تردد الخلق ~~بين الأمر والنهى ووقوعهم تحت التكليف فما وقع فيه التردد إما قديم أو حادث ~~فإن كان قديما فهو المطلوب وإن كان حادثا فكل صفة حادثة لابد أن تكون ~~مستندة إلى صفة قديمة للرب تعالى قطعا للتسلسل وإذا كان ذلك وجب أن يستند ~~تكليفهم إلى أمر ونهى هو صفة قديمة للرب تعالى # وهذا ما لا يصح التعويل عليه وذلك أنه إما أن يدعى أن الخلق جائز تكليفهم ~~وترددهم بين الامر والنهى من الخالق أو من المخلوق فإن كان الأول فهو عين ~~المصادرة على المطلوب وإن كان الثاني فغير مفيد ولا مجد للمقصود ولا يلزم ~~من كون ما وقع به التكليف من الاوامر والنواهى جائزا أن يستند إلى صفة ~~قديمة أن تكون أمرا ونهيا حتى لا يكون أمر حادث إلا عن أمر ولا نهى إلا عن ~~نهى فإن افتقار الجائز في الوجود لا يدل إلا على ما يجب الانتهاء إليه ~~والوقوف عليه ولا دلالة له على كونه أمرا أو نهيا ومن رام إثبات ذلك فقد ~~كلف نفسه شططا PageV01P089 # ثم لو وجب ذلك لكان البارى تعإلى مصنفا بمثل كل ما وجد في عالم الكون ~~والفساد من الكائنات وذلك محال # ولهذا انتهج بعض الأصحاب في الإثبات طريقا اخر فقال قد ثبت كون البارى ~~تعالى عالما ومن علم شيئا يستحيل أن لا يخبر عنه بل العلم والخبر متلازمان ~~فلا علم إلا بخبر ولا خبر إلا بعلم وهو من النمط الأول في الفساد فإنه إن ~~ادعى ذلك بطريق العموم والشمول في حق الخالق والمخلوق فهو نفسه مصادرة على ~~المطلوب ولا يخفى ما فيه من الركاكة والفهاهة وإن ادعى ذلك في حق المخلوق ~~فقط فإنه وإن سلم مع إمكان النزاع فيه فليس بحجة في حق الغائب على ما سلف # ولربما وقع الاعتماد ههنا ايضا على الطريق المشهور وهو أن البارى تعالى ~~حي فلو لم يكن متصفا بالكلام لكان متصفا بضده وهو الخرس وذلك في البارى ~~تعالى نقص وقد ms063 نبهنا على ما فيه من الخلل وأشرنا إلى ما يتضمنه من الزلل ~~فيما سلف فلا حاجة إلى إعادته # ولما تخيل بعض الأصحاب ما في طى هذه المسالك من الزيف واستبان ما في ~~ضمنها من الحيف جعل مستنده في ذلك جملا من الأحاديث الواردة من السنة ~~وأقاويل الأمة وهى مع تقاصرها عن ذروة اليقين وانحطاطها إلى درجة الظن ~~والتخمين من جهة المتن PageV01P090 والسند فالأحتجاع بها إنما هو فرع إثبات ~~الكلام إذ مستند قول الأمة ليس إلا قول الرسول والرسول لا معنى له إلا ~~المبلغ لكلام المرسل فإذا لم يكن للمرسل كلام لم يكن من ورد الامر والنهى ~~على لسانه رسولا بل هو الآمر والناهى وسواء كان ذلك مخلوقا له أو لغيره على ~~اختلاف المذاهب ولا يكون ذلك حجة وصار كما في الواحد إذا أمر غيره أو نهاه ~~فإذا حاصل الأستدلال على ثبوت الكلام يرجع إلى ما الاحتجاج به فرع ثبوت ~~الكلام وهو دور ممتنع ولا حاصل له عند منكرى النبوات وجاحدى الرسالات # فإذا ما هو أقرب إلى الصواب في هذا الباب إنما هو الاعتماد على ما وقع ~~عليه الاعتماد أولا من إثبات الصفات السابقة ثم كيف لا يكون له كلام وبه ~~يتحقق معنى الطاعة والعبودية لله تعالى فإن من لا أمر له ولا نهى له لا ~~يوصف بكونه مطاعا ولا حاكما وبه أيضا يتحقق معنى التبليغ والرسالة فإنه لا ~~معنى للرسول إلا المبلغ لكلام الغير فلو لم يكن لله تعالى كلام وراء كلام ~~الرسول المخلوق فيه إما له عندهم أو لله تعالى على أصلنا لما صح أن يقال ~~إنه مبلغ ولا رسول ولكان كاذبا في دعواه أنى رسول الله رب العالمين فيما ~~امرت به ونهيت وذلك كالواحد منا إذا امر غيره أو نهاه ولم يكن مبلغا عن ~~الغير فإنه لا يسمى رسولا وذلك لازم في حق المعترف بالنبوات المصدق ~~بالرسالات لا محالة وإذا تحقق ما ذكرناه فلا بد من الإشارة إلى الكشف عما ~~يختص بهذا الطرف من شبه الجاحدين ومعتمد المعطلين ms064 # أما الفلاسفة فإنهم قالوا ما ذكرتموه من الطريقة في إثبات الكلام فإنه ~~متوقف PageV01P091 على التصديق بكبراها وبم الرد على منكرها والجاحد لصدقها ~~في نفسها والذي يدل على كذبها في نفسها أنه لو كان لله كلام لم يخل إما أن ~~يكون من جنس كلام البشر أو ليس فإن كان من جنس كلام البشر فهو محال وإلا ~~لزم أن يكون مشاركا لكلام البشر في جهة الإمكان والعرضية ويلزم أن يكوى ~~البارى تعالى محلا للأعراض وهو معتذر ثم ان كان من جنس كلام البشر فأما ان ~~يكون من جنس كلام اللسان أو مما في النفس فإن كان من جنس كلام اللسان فإما ~~أن يكون بحروف وأصوات أولا بحروف ولا أصوات أو صوت بلا حرف أو حرف بلا صوت # لا جائز أن يقال بالأول إذ الصوت لا يكون إلا عن اصطكاكات أجرام والحروف ~~هي عبارة عن تقطيع الأصوات وذلك يستدعى أن يكون البارى جرما وهو ممتنع ولا ~~جائز أن يقال بالثانى وإلا فهو خارج عن جنس اللسان فإن كلام اللسان عبارة ~~عن الأصوات مقطعة دالة بالوضع على غرض مطلوب وعلى هذا يمتنع تفسيره بالثالث ~~والرابع أيضا ثم كيف يكون الكلام حروفا بلا أصوات وليست الحروف إلا عبارة ~~عن تقطيع الأصوات أو كيف يكون الصوت كلاما من غير حرف وكيف يقع الافتراق ~~بينه وبين هبوب الرياح ودوى الرعود ونقرات الطبول ونحوه # هذا إن قيل إنه من جنس كلام اللسان وإن قيل إنه من جنس ما في النفس فذلك ~~لا يسمى كلاما ولو سمى كلاما فالمعقول من كلام النفس ليس خارجا عن القدرة ~~والإرادة والتمييز الحاصل للنفس الحيوانية والحواس الباطنية وذلك كما ~~تتصوره القوة الخيالية من شكل الفرس عن شكل الحمار ونحوه وما تتصوره القوة ~~الوهمية PageV01P092 للشاة من المعنى الذي يوجب نفرتها عن الذئب ونحوه أو ~~للتمييز الحاصل للنفس والناطقة الإنسانية بالقوة النظرية التى بها إدراك ~~الأمور الكلية بالفكرة والروية وذلك كتصورنا معنى الإنسان من حيث هو إنسان ~~وكحكمنا عليه بأنه حيوان ونحوه # فإن إريد به ms065 القدرة أو الأرادة فذلك غير مباين لما أثبتموه أولا وإن إريد ~~التمييز والتصور الحاصل للنفس الحيوانية أو النفس الإنسانية فذلك أيضا غير ~~خارج عن قبيل العلوم كيف وأنه متعذر أن يراد به التمييز الحاصل بالحواس ~~الباطنية فإن إدراكها لذلك لا يكون صادقا إلا بأن تنطبع أولا الصورة ~~المحسوسة الخارجية في إحدى الحواس الظاهرة الخمسة ثم بتوسطها تنطبع في الحس ~~المشترك وهي القوة المرتبة في مقدم التجويف الأول من الدماغ على نحو انطباع ~~الصور في الأجرام الصقيلة المقابلة ثم بتوسطها في المصورة ثم في المفكرة ثم ~~في الوهمية ثم في الحافظة وبعض هذه القوى وإن لم يفتقر في الانطباع إلى ~~حضور المادة كما في المصورة والمفكرة والوهمية والحافظة فهى بأسرها لا تنفك ~~عن الانطباع عن علائق المادة وأن إدراكها لا يكون إلا بانطباع الأشكال ~~والصور الجزئية القابلة للتجزى وانطباع ما يقبل التجزى لا يكون إلا فيما هو ~~قابل للتجزى والبارئ يستحيل أن يكون متجزئا وأما إن أريد به غير هذا فهو ~~تفسير له بما ليس بمعقول وإن قيل إنه ليس من جنس كلام البشر فهو أيضا غير ~~معقول وما ليس بمعقول كيف نسلم كونه كمالا للرب تعالى وأن عدمه نقصان # وقولكم إنه لو لم يكن له أمر ولا نهى لما تحقق معنى الطاعة لله تعالى ~~ولما صحت الرسالة فليس كذلك بل صحة ذلك تستند إلى التسخير على وجه الطواعية ~~والإذعان PageV01P093 على وفق الإرادة والاختيار فإن تسخيره للمخلوقات ~~وإبداعه للكائنات بلا آلات ولا أدوات وتقليب الخلائق بين اطوار المرغبات ~~والمنفرات على وجه الطواعية حالة تنزل منزلة القول بالأمر والنهى حتى لو ~~عبر عن تلك الحالة بالقول كان ذلك أمرا ونهيا وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~@QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين @QE@ وليس ذلك عبارة إلا عن الانقياد والاستسخار إذ ~~يتعذر أن يكون ذلك خطابا في حق السماء أو قولا لها ولذلك قد يشتد صفاء بعض ~~الناس بحيث يقرب اتصالها بالعقول الكروبية والنفوس الروحانية ms066 بحيث يطلع على ~~الأشياء الغيبية من غير واسطة و لا تعلم يسمع من الأصوات ويرى من الصور ما ~~لا يراه من ليس من اهل منزلته من البشر على ما يراه النائم في منامه فتكون ~~حالته إذ ذاك نازلة منزلة ما لو أوحى إليه بأن الأمر الفلانى كذا وكذا ولا ~~مشاحة في الإطلاقات بعد انكشاف غور المعنى # واما المعتزلة فانهم لم يخالفوا في كون البارى تعالى متكلما وفي أن له ~~كلاما ولكنهم قالوا معنى كونه متكلما وأن له كلاما أنه فاعل للكلام وذلك ~~صفة فعلية لا صفة نفسية ثم كيف يكون متكلما بمعنى قيام الكلام به ولو كان ~~كذلك فالكلام لا محالة مشتمل على أمر ونهى وخبر واستخبار ونحوه وهو إما أن ~~يكون قديما أو حادثا فإن كان قديما أفضى إلى إثبات قديمين وهو ممتنع كما ~~سلف ثم إنه يفضى إلى الكذب في PageV01P094 الخبر من قوله @QB@ إنا أرسلنا ~~نوحا إلى قومه @QE@ وقوله @QB@ وإذ قال موسى لقومه @QE@ وقوله @QB@ كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين @QE@ ونحو ذلك من حيث إن الخبر قديم والمخبر عنه ~~مخدث ويلزم منه أن يكون أمر ونهى وخبر واستخبار ولا مأمور و لا منهى ولا ~~مستخبرا عنه وذلك كله ممتنع وإن كان حادثا لزم أن يكون الرب تعالى محلا ~~للحوادث وهو محال # وأيضا فإن الامة من السلف والخلف مجمعة على كون القرآن معجزة الرسول ~~والبرهان القاطع على صدقه وذلك يجب أن يكون من الأفعال الخارقة للعادات ~~المقارنه لتحدى الانبياء بالرسالات فإنه أن كان قديما ازليا لم يكن ذلك ~~مختصا ببعض المخلوقين دون البعض إذ القديم لا اختصاص له ولو جاز أن يجعل ~~بعض الصفات القديمة معجزا لجاز ذلك على باقى الصفات كالعلم والقدرة ~~والإرادة إذ الفرق تحكم لا حاصل له # ومما يدل على أنه فعل الله تعإلى ما ورد به التنزيل من قوله @QB@ ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ وقوله @QB@ وكان أمر الله مفعولا @QE@ ~~وقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ إلى غير ذلك من الآيات # وأيضا فإن الأمة من ms067 السلف مجمعة على أن القرآن كلام الله وهو منتظم من ~~الحروف والأصوات ومؤلف ومجموع من سور وآيات ومن ذلك سمى قرآنا أخذ من قول ~~العرب قرأت الناقة لبنها في ضرعنا أي جمعته ومنه قوله @QB@ إن علينا جمعه ~~وقرآنه @QE@ PageV01P095 ولولا ذلك لما تصور أن يسمعه موسى وهو لا محالة قد ~~سمعه وهو مع ذلك مقروء بألسنتنا محفوظ في صدورنا مسطور في مصاحفنا ملموس ~~بأيدينا مسموع بآذاننا منظور بأعيننا ولذلك وجب احترام المصحف وتبجيله حتى ~~لا يجوز للمحدث لمسه ولا القربان إليه ولا يجوز الجنب تلاوته وقد وردت ~~الظواهر من الكتاب والسنة تدل على كونه مسموعا وملموسا وأنه بحرف وصوت فمن ~~ذلك قوله سبحانه @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله @QE@ وقوله @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ وقول النبي عليه السلام لا ~~تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو فتتناوله أيديهم وقوله إذا تكلم الله بالوحى ~~سمع صوته كجر السلسلة على الصفا وقوله عليه السلام من قرأ القرآن وأعربه ~~فله بكل حرف منه عشر حسنات إلى غير ذلك من السمعيات # والجواب أما إنكار صدق المقدمة الكبرى فقد اوضحنا بطلانه وأما قولهم إنه ~~يستحيل أن يكون من جنس كلام البشر وإلا كان مشاركا له في العرضية والإمكان ~~PageV01P096 فقد سبق الجواب عنه بما فيه كفاية تغنى عن إعادته وليس مرادنا ~~من إطلاق لفظ الكلام غير المعنى القائم بالنفس وهو ما يجده الإنسان من نفسه ~~عند قوله لعبده ايتنى بطعام أو اسقنى بماء وكذا في سائر اقسام الكلام وهذه ~~المعانى هى التي يدل عليها بالعبارات وينبه عليها بالإشارات وإنكار تسميته ~~أو كونه كلاما مما لا يستقيم نظرا إلى الإطلاق الوضعى فإنه يصح أن يقال في ~~نفسى كلام وفي نفس فلان كلام ومنه قوله تعالى @QB@ ويقولون في أنفسهم @QE@ ~~ومنه قول الشاعر % إن الكلام لفى الفؤاد وإنما % جعل اللسان على الفؤاد ~~دليلا % $ وهذا الإطلاق والاشتهار دليل صحة إطلاق الكلام على ما في النفس ~~ولا نظر إلى كونه أصليا فيه أو فيما يدل عليه من العبارات أو فيهما ms068 كيف وإن ~~حاصل هذا النزاع ليس إلا في قضية لغوية وإطلاقات لفظية ولا حرج منها بعد ~~فهم المعنى # ثم لا سبيل إلى تفسير ذلك المعنى بالإرادة ولنفرض الكلام في الأمر فإنها ~~اما أ أن تكون الإرادة للامتثال أو لاحداث الصيغة أو لجعلها دالة على الأمر ~~على ما هو مذهبهم لا سبيل إلى القول بالأول فإنه قد يؤمر بما ليس بمراد أن ~~يمتثل وذلك كما في تكليف أبى جهل بالإيمان مع عدم إرادة وقوعه منه بل كما ~~في حالة السيد المتوعد من جهة السلطان على ضرب عبده إذا اعتذر إليه بأنه ~~يخالف امره وامره بين يدى السلطان طالبا بسط عذره وهربا من عذاب السلطان له ~~فإنا نعلم أنه لا يريد الامتثال من العبد لما يلزمه من المحذور المتوقع ~~PageV01P097 من السلطان ومع ذلك فإنه في نظر أهل العرف والوضع آمر ويعد ~~العبد بالمتثال مطيعا وبالإعراض عاصيا وبهذا يندفع قول القائل إنه متوهم ~~بالأمر وليس بأمر # ثم إن من الاحكام التكليفية ما هو مأمور به بالإجماع من المعترفين ~~بالتكاليف وذلك كالصلاة والحج ونحوهما من العبادات وقد لا يكون مرادا لكونه ~~غير واقع ولو كان مرادا فالإرادة عبارة عن معنى يوجب تخصيص الحادث بزمان ~~حدوثه فلو كان المعنى الذي يوجب تخصيصه بزمان ما متحققا لما تصور ان لا ~~يوجد مطلقا ولا يمكن أن يقال بكونه غير مأمور لعدم تعلق الإرادة به إذ ~~الأمة مجمعة على وجوب نية الفرضية في أول الصلاة مع جواز الاخترام في وسطها ~~ولو لم يكن مأمورا بها وإلا لكان القصد الجازم إلى الفرضية من العالم ~~بنفيها والمتشكك في وقوعها محالا بل ومن عزم في اول الوقت على فعل الصلاة ~~أو غيرها مما فرض من العبادات فالأمة أيضا مجمعة على أنه متقرب إلى الله ~~تعالى ولو لم يكن مأمورا وإلا لكان التقرب به إلى الله تعالى محالا # ومما يدل عليه ما اشتهر من قصة إبراهيم من أمره بذبح ولده مع عدم تعلق ~~الإرادة بوقوعه وما قيل من أن ذلك كان مناما ms069 لا أمرا وأن تعلق الأمر لم يكن ~~إلا بالعزم على الذبح أو الاتكاء وإمرار السكين أو أن الذبح مما وقع واندمل ~~الجرح فمندفع إذ أكثر الوحى إلى الأنبياء إنما كان مناما ولو لم يكن ذلك ~~بطريق الوحى وإلا كان إقدام النبى على فعل محرم مما لا أصل له وذلك محال ~~وحمل الامر على غير الذبح من العزم أو الاتكاء وإمرار السكين باطل وإلا لما ~~صح تسميته بلاء إذ لا بلاء فيه وتسمية الذبح بلاء لضرورة وقوع المأمور به ~~وبه يندفع القول بتحقق وقوع الذبح أيضا PageV01P098 # كيف وأن تفسير الأمر بالإرادة مع التسليم بكون البارى آمرا بأفعالنا مما ~~يستحيل على أصل المعتزلى لضرورة كونها مخلوقة لنا عنده وتعلق الإرادة بفعل ~~الغير تمن وشهوة لا أنها إرادة حقيقية وذلك على الله ممتنع فقد بان أن ~~مدلول صيغة الأمر ليس هو نفس إرادة الإمتثال وكذا يمكن إيضاح سائر أقسام ~~الكلام # ولا جائز أن تكون الإرادة لإحداث الصيغة فإنه ليس مدلولها ثم إن مدلولات ~~أقسام الكلام مختلفة ولا اختلاف في إرادة إحداث الصيغة من حيث هو كذلك # ولا جائز أن تكون الإرادة لجعل الصيغة دالة على الأمر فإنه تصريح بأن ~~الإرادة وراء الأمر الذي هو مدلول قوله أمرتك وأنت مأمور ثم إن الألفاظ ~~إنما هي دلائل وتراجم عن اشياء وكل ذى عقل سليم يقضى بأن قول القائل امرتك ~~ونهيتك ليس ترجمة عن إرادة جعلها دالة على شئ مخصص # وعند هذا فلا بد من العود إلى نفس مدلولها فإن كان نفس الإرادة فقد ~~أبطلناه وإن كان غيرها فهو المقصود كيف وأن الأنسان يجد من نفسه بقاء ما ~~دلت عليه لفظة أمرتك من الطلب والاقتضاء وإن عدمت اللفظة والإرادة جعلها ~~دالة على شئ ما فقد امتنع بهذا تفسيره بالإرادة # ولا سبيل إلى تفسيره إذ بالقدرة عبارة عن معنى يتأتى به الإيجاد بالنسبة ~~إلى كل ممكن والأمر والنهى لا يتعلق بكل ممكن فإذا القدرة أعم من الأمر ~~والنهى من وجه PageV01P099 # والأمر عند القائلين بجواز التكليف بما لا ms070 يطاق أعم من القدرة من جهة ~~أخرى وهو تعلقه بالممكن وغير الممكن # ولا سبيل إلى تفسيره بالعلم إذ العلم أعم من الأمر من حيث إنه قد يتعلق ~~بما لم يتعلق به الأمر وبما يتعلق به الأمر وكيف تكون حقيقة الأعم هي حقيقة ~~الأخص كيف وإن كل انسان منصف يجد من نفسه لما يتلفظ به من العبارت الدالة ~~مدلولات وراء كل ما يقدر من العلوم فإذا قدر لاح الحق واستبان وظهر أنه لا ~~بد من معنى زائد على ما ذكروه هو مدلول العبارات والإشارات الحادثة وإن كان ~~في نفسه قديما وذلك المعنى هو الذي يجده الإنسان من نفسه عند الإخبار عن ~~أمور رآها أو سمع بها و عند قوله لغيره إفعل أو لا تفعل وتوعده له ووعده ~~إياه إلى غير ذلك وهو الذي يعنى بالكلام القائم بالنفس ولولاه لقد كان يعد ~~المتلكم بهذه العبارات مجنونا ومعتوها # وليس ذلك أيضا هو ما سموه احاديث النفس التى هى تقديرات العبارات ~~اللسانية وهو تحدث النفس باللغات المختلفة كالعربية والعجمية ونحوها فإن ~~هذه الامور لا يتصور وجودها مع عدم العبارات اللسانية كما في حق الأبكم ~~وتلك المعانى التى عبرنا عنها بالكلام النفسانى تكون لديه حاضرة عتيدة وذلك ~~كما في الطلب والاقتضاء ونحوه وإن كان في نفسه أبكم لا تسوغ له عبارة ما ~~حتى لو قررنا وجود العبارات في حقه لقد كانت مطابقة لما في نفسه كما كانت ~~مطابقة لما في نفس غير الأبكم ثم إن هذه العبارات والتقديرات غير حقيقية أي ~~ليست أمورا عقلية PageV01P100 بل اصطلاحية مختلفة باختلاف الأعصار والأمم ~~ولهذا لو وقع التواضع من أهل الاصطلاح على أن يكون التفاهم بنقرات وزمرات ~~لقد كان ذلك جائزا ومدلولات هذه العبارات والتقديرات حقيقى لا يختلف ~~باختلاف الأعصار ولا باختلاف الاصطلاحات بل المدلول واحد وإن تغيرت تلك ~~الدلالات وتلك المدلولات هي التي يعبر عنها بالنطق النفسانى والكلام ~~الحقيقى وما سواه فليس بحقيقى # هذا كله ان قلنا إنه من جنس كلام البشر وإن نزلنا الكلام على أنه غير ms071 ~~مجانس له فقد سبق في تحقيقه ما يغنى عن إعادته # وأما ما أشاروا إليه من معنى الطاعة وتحقيق الرسالة فتمويه لا حاصل له ~~والا للزم أن يكون كل تسخير بفعل شئ ما امرا وتركه نهيا وأن يكون الانقياد ~~إلى ذلك التسخير طاعة كان ذلك في نفسه عبادة أو معصية ولا يخفى ما في طى ~~ذلك من المحال فإنه ليس كل ما يسخر به مأمورا ولا كل ما انقاد العبد إلى ~~فعله يكون طاعة على ما لا يخفى وإذا كان الامر على هذه المثابة لم يصح معنى ~~التبليغ والرسالة عن الله اللهم إلا أن يكون له أمر نهى على ما حققناه ~~والمنهاج الذي أوضحناه # وأما الانفصال عن قول المعتزلة إن المتكلم من فعل الكلام فهو ان الواحد ~~منا لو تكلم بكلام مفيد فهو كلامه لا محالة ولذلك يقال تكلم وهو متكلم وإذ ~~ذاك فما جائز أن تكون جهة نسبته إليه هو كونه فاعلا وإلا لما كان متكلما من ~~خلق الكلام فيه اضطرارا وذلك كما في حق المبرسم وكما في تسبيح الحصى وكلام ~~الذراع المسموم ونحوه PageV01P101 بل ويلزم على سياقه لمن اعترف منهم بأن ~~أفعال العباد مخلوقة لله تعالى كالنجارية أن يكون البارى تعالى هو المتكلم ~~بكلامنا لا نحن وذلك جحد للضرورة ومباهتة المعقول وهو غير مقبول # ثم لو كان كذلك لوجب أن يكون البارى تعالى مصونا لكونه فاعلا للصوت إذ ~~الكلام على ما هو معتمد الخصم مركب من الحرف والأصوات والصوت اعم من الكلام ~~ولهذا صح عنده أن يقال إن كل كلام صوت وليس كل صوت كلاما ومن ضرورة فعل ~~الأخص فعل ما يندرج في معناه من الأعم ويلزم أيضا أن يكون متحركا بما يفعله ~~من الحركات ويسمى بكل ما ينسب إليه من التكوينات والقائل بذلك منسلخ عن ~~ربقة العقول وليس له فيما يعتمده محصول كيف وأن الصفة الحادثه لها نسبة إلى ~~الفاعل ونسبة إلى المحل فنسبتها إلى الفاعل بأنه محدثها ونسبتها إلى المحل ~~بأنها فيه وهما لا محالة معنيان مختلفان ms072 وما نسب إلى الشئ بأنه فيه يقال ~~بأنه موصوف به لا محالة حتى أن من قامت به حركة يقال إنه متحرك وأن لم يخطر ~~بالذهن كونه فاعلا أم لا بل ونحكم عليه بذلك مع القطع بكونه غير فاعل لما ~~قام به وذلك مؤكد كما في حالة المرتعش ونحوه وعند ذلك فكيف يصح ان يقال إن ~~ما نسبة الفعل اليه بالإحداث يكون موصوفا به وكيف يؤثر الشيئان المختلفان ~~في حكم واحد من كل جهة ثم إن ما ذكرناه من أن قيام الصفة بالمحل يوجب اتصاف ~~محله به يظهر فساد ما ذكروه في رسم المتكلم بأنه من فعل الكلام حيث أنه لم ~~يكن شاملا لجميع مجارى المحدود والحد والرسم يجب أن يكون شاملا مطردا وإلا ~~كان المحدود أعم من الحد وهو محال PageV01P102 # وأيضا فانه لو كان المتكلم من فعل الكلام لوجب أن يكون المريد والقادر ~~والعالم من فعل الإرادة والقدرة والعلم وليس كذلك بالاجماع ولو طالبهم ~~مطالب بجهة الفرق لم يجدوا إلى ذلك سبيلا # ثم انه وإن تسومح في أن حقيقة مدلول اسم المتكلم بالنظر إلى الوضع من فعل ~~الكلام فغير مفيد بعد التسليم لما أوضحناه والموافقة لما قررناه من أن ~~المعنى بكونه متكلما قيام صفة نفسية به هي غير العلم والقدرة و الإرادة و ~~هي مدلول العبارات والمعنى بالإشارات كيف وإن ذلك مما يجب تسليمه على موجب ~~أصولهم فإنهم قالوا إن الكلام مركب من حروف منتظمة وأصوات مقطعة تتعاقب ~~وتتجدد منها تكون الكلمة ومن تركب الكلمات الكلام ومحلها الذي تقوم به انما ~~هو اللسان والمعانى المفهومة منها محلها إنما هو القلب والجنان وإن من وجدت ~~منه الأصوات والحروف بدون أن يكون لها عنده معنى في فهمه كان معتوها مجنونا ~~وإن سمى ما يجرى على لسانه كلاما فليس إلا بطريق التجوز والاستعارة وعند ~~ذلك فلو خلق الله تعالى كلاما مرتبا من حروف منظومة وأصوات مقطعة لم يخل ~~إما أن يكون لها مدلول عنده أو ليس لها مدلول عنده لا جائز أن يقال ms073 بأنه لا ~~مدلول لها وإلا كان ذلك جنونا وسفها وإن كان لها مدلولا فيجب أن يكون غير ~~العلم والقدرة و الإرادة لما أوضحناه وذلك هو المعنى بكلام النفس # ثم نقول إذا قلتم إن الكلام فعل من أفعاله وإن معنى كونه متكلما أنه فاعل ~~الكلام فما طريقكم في إثبات هذه الصفة الفعلية وما دليلكم فيها فإن قالوا ~~دليل وقوعها كونها مقدورة له تعالى فيلزم أن يكون كل مقدور واقعا وأن لا ~~يتأخر مقدور ما عن وجود القدرة ولا يخفى ما في طى ذلك من المحالات # وإن قالوا طريقنا في ذلك ليس إلا قول الأنبياء الذين دلت المعجزات على ~~صدقهم وقد قالوا إن الله تعالى متكلم بأمر ونهى وغيره # قلنا فلو لم يبعث الله رسولا فعندكم أنه يجب على العاقل معرفة الله تعالى ~~معرفة تتعلق بالذات والصفات فكيف يعرف كونه متكلما وذلك لا يعرف إلا ~~بالرسول ولا رسول PageV01P103 وهذا مما يلزمكم فيه المناقضة في أحد أمرين ~~إما في القول بإيجاب المعرفة بالعقل وإما في القول بأن المعرفة مناطة ~~بالرسول كيف وأن الرسول على الحقيقة ليس إلا المبلغ لكلام الغير كما حققناه ~~سالفا فلو لم يكن للبارى تعالى كلام غير كلام الرسول هو مدلول كلام الرسول ~~وكلام الرسول عبارة عنه لم يكن بذلك رسولا كما تقرر # وهذه المحالات كلها إنما لزمت من القول بأن المتكلم من فعل الكلام لا من ~~قام به الكلام فقد بطل ما تخيلوه وانقطع دابر ما توهموه وظهر كون البارى ~~متكلما بكلام قائم بذاته مختصا به كاختصاصه بباقى صفاته # ويلزم من ذلك أن يكون قديما أزليا وإلا كان البارى تعالى محلا للحوادث ~~وقد أبطلناه # وما قيل من أنه يلزم منه الكذب فيما يتضمنه من الأخبار فحاصله يرجع إلى ~~محض التشنيع ومجرد التهول وعند التحقيق تظهر مجانبته للذوق والتحصيل ولئن ~~سلكنا ما ذكره بعض الأصحاب من ان الكلام قضية واحدة ولا يتصف بكونه أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبار إلا عند وجود المخاطب واستكماله شرائط الخطاب زال ~~الشغب واندفع الإشكال ولئن توسعنا ms074 إلى ما سلكه الإمام أبو الحسن الأشعرى ~~رحمه الله من أنه متصف فيما لم يزل بكونه امرا ونهيا وخبرا إلى غير ذلك ~~فغير بعيد أن يكون في نفسه معنى واحدا PageV01P104 والاختلاف فيه إنما يرجع ~~إلى التعبيرات عنه بسبب تعلقه بالمعلومات فإن كان المعلوم محكوما بفعله عبر ~~عنه بالأمر وإن كان بالترك عبر عنه بالنهى وأما إن كان له نسبة إلى حالة ما ~~بأن كان وجد بعد العدم أو عدم بعد الوجود أو غير ذلك عبر عنه بالخبر وعلى ~~هذا النحو يكون انقسام الكلام القائم بالنفس فهو واحد وان كانت التعبيرات ~~عنه مختلفة بسبب اختلاف الاعتبارات # ومن فهم هذا التحقيق اندفع عنه الإشكال وزال عنه الخيال فإنه غير بعيد أن ~~يقوم بذات الله تعالى خبر عن إرسال نوح مثلا ويكون التعبير عنه قبل الإرسال ~~إنا نرسله وبعد الإرسال @QB@ إنا أرسلنا نوحا @QE@ فالمعبر عنه يكون واحدا ~~في نفسه على ممر الدهور وإن اختلف المعبر به وسببه اختلاف الأحوال والأزمنة ~~وذلك لا يفضى إلى الكذب بالنسبة إلى المعنى المعبر عنه وهو القائم بالنفس ~~أوليا بالنسبة إلى المعبر به أيضا فإن العرب قد تعبر بلفظ الماضى عن ~~المستقبل إذا لم يكن بد من وجوده حيث يعدونه بأنه وجد وذلك محض تجوز ~~واستعارة ولا بعد فيه # وكذلك أيضا يجوز أن يقوم بذاته طلب خلع النعل من موسى على جبل الطور ~~واقتضاؤه منه على تقدير وجوده ويكون المعبر عنه قبل الوجود بصيغة إنا سنأمر ~~وعند الوجود بصيغة اخلع الدالة على الطلب هو الاقتضاء القديم الأزلى ولهذا ~~لو قدر الواحد منا في نفسه اقتضاء فعل من شخص معدوم واستمر ذلك الاقتضاء ~~إلى حين وجود المقتضى منه فإنه إذا علم به إما بواسطة أو بغير واسطة وكان ~~الطالب يجب الانقياد له والإذغان لديه كان ذلك الاقتضاء بعينه امرا له ~~وموجبا لانقياده وطاعته من غير استئناف طلب آخر واقتضاء آخر فعلى هذا النحو ~~هو أمر الله تعالى للمعدوم وتعلقه به واشتراط فهم المأمور إنما يكون عند ~~تعلق الخطاب به ms075 في حال وجوده لا غير ومن فهم كلام النفس PageV01P105 ورفع ~~عن وهمه الأزمان المتعاقبة والاحوال المختلفة وحقق ما قررناه في مسألتى ~~العلم و الإرادة وجد الأمر ما ذكرناه ولم يخف عليه ما مهدناه # ولقد استروح بعض الأصحاب في تقرير هذا الكلام إلى طريق أورده في معرض ~~المناقضة والإلزام فقال كيف يصح استبعاد تعلق الأمر بمأمور معدوم وعندكم ~~أنه لا يتناول المأمور به إلا قبل حدوثه ومهما وجد خرج عن أن يكون مأمورا ~~به وهو أحد متعلقى الأمر فإذا لم يبعد تعلق الأمر بالفعل المعدوم لم يبعد ~~تعلقه بالفاعل المعدوم وأيضا فإن الأمة مجمعة على أننا في وقتنا هذا ~~مأمورون وعندكم لا أمر إذ الامر قد تقضى ومضى فإذا لم يبعد وجود مأمور ولا ~~أمر فلا يبعد وجود أمر بلا مأمور ولو لزم من وجود الأمر وجود المأمور للزم ~~من وجود القدرة وجود المقدور وذلك يفضى إلى قدم المقدور إذ قد سلم قدم ~~القدرة وذلك محال على كلا المذهبين # وهذا مما فيه نظر وذلك أن الأمر والنهى بالنسبة إلى المأمور والمنهى عند ~~الخصم تكليف والتكليف يستدعى مكلفا به والمكلف به يجب أن يكون معلوما ~~مفهوما ليصح قصده من أجل الإتيان به والانتهاء عنه إذ هو مقصود التكليف ~~فإذا الفهم شرط في التكليف ولهنا خرج من لا فهم له عن أن يكون داخلا في ~~دائرة التكليف كما في الجمادات وأنواع الحيوانات والصبيان والمجانين ونحو ~~ذلك لعدم شرط التكليف في حقهم وإذ ذاك فلا يلزم من تعلق الأمر بالمأمور به ~~مع عدم الفهم تعلقه بالمأمور مع عدم اشتراط الفهم فإن تعلقه بالمأمور به ~~ليس تعلق تكليف ولا كذلك تعلقه بالمأمور PageV01P106 # وأما القول بأنه إذا جاز وجود مأمور ولا أمر جاز وجود أمر لا مأمور فهذا ~~إنما يتحقق أن لو صح وجود مأمور ولا أمر والخصم ربما لا يسلم ذلك بل له أن ~~يقول كل مأمور فلا بد له من امر يتعلق به لكن ذلك الأمر قد يكون وجوده ~~تقديرا بالنسة إليه كما يقدر ms076 وجود العقد في البيع والنكاح بالنسبة إلى ~~تحقيق ثمراته وأحكامه أما أن يكون مأمور من غير أمر فلا وإذ ذاك فلا يلزم ~~من تقدير وجود الأمر عند وجود المأمور وتعلقه به تقدير وجود المأمور لأن ~~يتعلق به الأمر فإنه غير مفيد إلا مع وجود شرطه وهو العلم والفهم وذلك ~~متعذر في حق المعدوم وعلى هذا يخرج الإلزام بالقدرة إذ القدرة ليست عبارة ~~إلا عن معنى يتأتى به الإيجاد فيما هو ممكن أن يوجد وذلك متحقق بدون وجود ~~المقدور فلئن رجع في تقديرة جواز تعلق الأمر بالمعدوم ومن لا فهم له إلى ما ~~أسلفناه كان ذلك كافيا ووجب الاعتناء به # وأما ما قيل من أن القرآن معجزة الرسول فيمتنع أن يكون قديما فتهويل لا ~~حاصل له فإنا مجمعون على أن القرآن الحقيقى ليس بمعجزة الرسول وإنما ~~الاختلاف في أمر وراءه وهو أن ذلك القرآن الحقيقى ماذا هو فنحن نقول إنه ~~المعنى القائم بالنفس والخصم يقول إنه حروف وأصوات أوجدها الله تعالى وعند ~~وجودها انعدمت وانقضت وأن ما أتى به الرسول وما نتلوه نحن ليس هو ذلك وإنما ~~هو مثال له على نحو قراءتنا لشعر المتنبى وامرئ القيس فإنه ليس ما يجرى على ~~ألسنتنا هو كلام امرئ القيس وإنما هو مثله فمن الوجه الذي لزمنا القول ~~بمخالفة الإجماع هو أيضا لازم لهم # ولأجل ذلك فر الجبائي إلى مذهب خرق به حجاب العقل وارتكب فيه جحد ~~الضرورات والتزم به القول بالمحالات فقال إن الله تعالى يخلق كلامه عند ~~قراءة PageV01P107 كل قارئ وكتابة كل كاتب وزعم أن الكلام إنما هو حروف ~~منظومة تقارن الأصوات المتقطعة وليست الحروف نفس الأصوات المتقطعة ولا يخفى ~~ما في ذلك من مخالفة المعقول فإن عاقلا ما لا يمارى في أن ما نسمعه من ~~الأفواه إنما هو أصوات متقطعة منسقة منتظمة نوعا من الانتظام تخرج من مخارج ~~مخصوصة وأيضا فإنه لا يعقل معها مقارنة غيرها غيرها أصلا على ان لا تنازع ~~في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة ms077 والأصوات المقطعة معجزة له وأنه ~~يسمى قرآنا وكلاما وأن ذلك ليس بقديم وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات ~~هل هو صفة قديمة أزلية أم لا # وعلى التحقيق فالخبط إنما نشأ لأهل الضلال ههنا من جهة اشتراك لفظ القرآن ~~فإنه قد يطلق على المقروء وقد يطلق على القراءة التي هي حروف وأصوات ~~ودلالات وعبارات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشئ إذنه ~~لنبى حسن الترنم بالقرآن أي القراءة ومنه قول الشاعر % ضحوا بأشمط عنوان ~~السجود به % يقطع الليل تسبيحا وقراءنا % $ # معناه قراءة وذلك كما قد تطلق العرب اسم الكلام على المعنى تارة وعلى ~~العبارات أخرى ولذلك يقولون كلام صحيح حسن إذا كان مستقيما وإن كانت ~~العبارة غير مستقيمة بأن كانت ركيكة أو ملحونه أو مخبطة وقد يطلقونه على ~~العبارة عند كونها معبرة صحيحة وإن كان المعنى في نفسه فاسدا لا حاصل له ~~فلما وقع الاشتراك في الاسم ارتفع التوارد بالنفى والإثبات على محز واحد ~~فإن ما أثبتوه معجزة لا نثبت له القدم وما أثبتنا له القدم لا يثبتونه ~~معجزة PageV01P108 # وما أوردوه من الظواهر في معرض إثبات الحدث والأولية فظنية غير يقينية ~~كيف وإن قوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ يحتمل أن يكون معناه ~~الوعظ والتذكير الخارج عن القرآن وهو الأقرب فإن القرآن لم يحدث عندهم لعبا ~~وضحكا بل إفحاما وإشداها ثم القول بموجب الآية متجه لا محالة فإنها دلت على ~~الضحك واللعب عند ورود الذكر الحادث وليس فيها دلالة على حدث كل ما يرد من ~~الأذكار فلا يلزم أن يكون القرآن حادثا ثم إن المراد إنما هو العبارات ~~والدلالات دون المدلولات كما حققناه # وأما قوله @QB@ وكان أمر الله مفعولا @QE@ فيصح أن يقال المراد به فعله ~~من الثواب والعقاب ونحوه فإن الأمر قد يطلق بإزاء الفعل كما قال تعالى @QB@ ~~وما أمرنا إلا واحدة @QE@ أي فعلنا وقوله @QB@ وما أمر فرعون @QE@ يعنى ~~فعله # والمراد بقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ أي سميناه فإن الجعل قد ~~يطلق بمعنى التسمية ومنه ms078 قوله تعالى @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ أي ~~سموه كذبا وقوله @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا @QE@ ~~سموهم بذلك كيف وأنه يحتمل أنه اراد به القرآن بمعنى القراءة كما بيناه ~~وذلك لا يقدح في المقصود ثم إن هذه الآيات معارضة بمثلها وهو قوله تعالى ~~@QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ فقد أثبت له خلقا وأمرا فلو كان الأمر ~~مخلوقا لكان معنى الكلام ألا له الخلق والخلق وأيضا قوله @QB@ إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ PageV01P109 فلو كان الأمر ~~مخلوقا لاستدعى ذلك سابقة أمر آخر وذلك يفضى إلى التسلسل وهو محال وبما ~~قررناه يندفع قولهم أيضا إن الأمة من السلف مجمعة على ان القرآن مؤلف من ~~الحروف والأصوات فإن الإجماع إنما انعقد على ذلك بمعنى القراءة لا بمعنى ~~المقروء وإليه الإشارة بقوله @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه @QE@ # وقولهم لو لم يكن كذلك لما سمعه موسى قلنا الدليل إنما لزم المعطل ههنا ~~من حيث إنه لم يفهم معنى السماع وإنه بأى اعتبار يسمى سماعا وعند تحقيقه ~~يندفع الإشكال فنقول السماع قد يطلق ويراد به الإدراك كما في الإدراك بحاسة ~~الأذن وقد يطلق ويراد به الانقياد والطاعة وقد يطلق بمعنى الفهم والإحاطة ~~ومنه يقال سمعت فلانا وإن كان ذلك مبلغا على لسان غيره ولا يكون المراد به ~~غير الفهم لما هو قائم بنفسه والذي هو مدلول عبارة ذلك المبلغ وإذا عرف ذلك ~~فمن الجائز أن يكون قد سمع موسى كلام الله تعالى القديم بمعنى أنه خلق له ~~فهمه والإحاطة به إما بواسطة أو بغير واسطة والسماع بهذا الاعتبار لا ~~يستدعى صوتا ولا حرفا PageV01P110 # وما يطلق عليه من الحروف والأصوات أنه كلام الله تعالى فليس معناه إلا ~~أنه دال على ما في نفسه وذلك كما يقال نادى الأمير في البلد وإن كان ~~المنادى غيره ويقال لمن أنشد شعر الحطيئة إنه متكلم بكلام الحطيئة وشعره ~~ومن ذلك سمى الوحى كلاما لله تعالى حتى يقال تكلم الله بالوحى والوحى كلامه ~~ولا ننكر أن القرآن القديم مكتوب ms079 ومحفوظ ومسموع ومتلو لكن ليس معنى كونه ~~مكتوبا أو محفوظا أنه حال في المصاحف أو الصدور بل معناه أنه قد حصل فيها ~~ما هو دال عليه وهو مفهوم منه ومعلوم # وليس معنى كونه منزلا أنه منتقل من مكان إلى مكان فإن ذلك غير متصور على ~~كلا المذهبين بل معناه أن ما فهمه جبريل من كلام الله تعالى فوق سبع سموات ~~عند سدرة المنتهى ينزل بتفهيمه للأنبياء إلى بسيط الغبراء وكذلك ليس معنى ~~كونه مسموعا إلا ما ذكرناه فيما مضى ومن حقق ما مهدناه واحاط بما قررناه ~~هان عليه التفضى عن كل ما أوردوه من الظاهر الظنية واعتمدوه من الآثار ~~النبوية ولعل معتمد المعطلة في إثبات الحروف والأصوات هو ما قاد الحشوية ~~لعدم فهمهم كلام النفس إلى إثباتها صفة للذات فإنه لما لم يسعهم القول ~~بالتعطيل ولم يقدروا على التأويل لهذا التهويل جمعوا بين الطريقتين ~~وانتحلوا مذهبا ثالثا بين الذهبين ولم يعلموا ما في طى ذلك من السفاهة وفي ~~ضمنه من الفهاهة لما فيه من الهرب إلى التجسيم خوف الوقوع في التعطيل إذ ~~الحروف والأصوات إنما تتصور بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات وذلك في ~~حق البارى محال كما سلف PageV01P111 # فانظر إلى هاتين الطائفتين كيف التزم بعضهم التعطيل خوف التجسيم والتزم ~~بعضهم بعضهم التجسيم خوف التعطيل ولسان الحال ينشد على لسان الفريقين ويعبر ~~عن حال الجمعين @QB@ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء @QE@ # نعم لو قيل إن كلامه بحروف وأصوات لا كحروفنا وأصواتنا كما أن ذاته ~~وصفاته ليست كذاتنا وصفاتنا كما قال بعض السلف فالحق أن ذلك غير مستبعد ~~عقلا لكنه مما لم يدل الدليل القاطع على إثباته من جهة المعقول أو من جهة ~~المنقول فالقول به تحكم غير مقبول # وعند ظهور الحقائق وانكشاف الدقائق فلا مبالاة بتلويق المتحذلق المتعمق ~~الذي لا تحصيل لديه ولا معول في تحقيق الحقائق عليه إذ هو في حيز الجهال ~~وداخل في زمرة أهل الضلال # وإذا ثبتت الصفة الكلامية فهي متحدة لا ms080 كثرة فيها وما أشرنا إليه في ~~إثبات وحدة الإرادة والعلم من المزيف والمختار والاعتراض والانفصال فهو ~~بعينه يتجه ههنا لكن ربما زاد الخصم ههنا تشكيكا وخيالا وهو قوله ما ~~ذكرتموه وإن دل على عدم لزوم صفات خارجة فالقول بإثبات أصل الكلام مفض ~~إليها أيضا وذلك أن من PageV01P112 ضرورة وجود حقيقة الكلام أن يكون أمرا ~~ونهيا وخبرا واستخبارا ونحوه من أقسام الكلام وإلا فمع قطع النظر عن هذه ~~الأقسام لا سبيل إلى تعلق وجود الكلام وإذا كان الأمر على هذه المثابة فلا ~~محالة أن هذه الأقسام مختلفة الصفات متباينة في الخواص والمميزات وعند هذا ~~فإما أن تكون هذه الخواص المتمايزة والصفات المختلفة داخلة في حقيقة الكلام ~~أو خارجة عنه فإن كانت داخلة فيه فهو محال وإلا كانت الحقيقة الواحدة لها ~~ذاتيات مختلفة متنافرة إذ خاصة الأمر يتعذر القول بمجامعتها لخاصة النهى ~~وكذا في سائر خواص أقسامه وإن كانت خارجة عن حقيقة الكلام فقد لزم القول ~~بثبوت صفات زائدة على ما دل عليه الدليل ولزمكم المحذور # ثم إن هذه الصفات الزائدة لا جائز أن تكون لحقيقة واحدة لا تعدد فيها على ~~نحو ثبوت الضحك والبكاء للإنسان لكونها متنافرة متعاندة على ما سلف فبقى أن ~~تكون معتددة لا محالة وسواء كان تعددها تعدد الأشخاص أو الأجناس فإن ذلك ~~يوجب نقض ما ذكرتموه وإبطال ما سلكتموه ولربما استندوا في بيان التعدد إلى ~~ما أوردوه في نفى الكلام عن الذات من الإجماعات والظواهر من السنن والآيات ~~الدالة على كون القرآن مؤلفا من حروف وأصوات وأنه مرتب من سور وآيات ومجموع ~~من كلمات # والجواب أنا نقول تعدد أقسام الكلام واختلاف أسمائه من الأمر والنهى وغير ~~ذلك ليس هو له باعتبار تعدد في نفسه أو اختلاف صفات في ذاته أو لذاته ~~PageV01P113 بل هو النظر إلى نفسه من حيث هو كلام واحد وذلك ليس له إلا ~~باعتبار إضافات متعددة وتعلقات متكثرة لا توجب للمتعلق في ذاته صفة زائدة ~~ولا تعددا كما أسلفنا في الطرف الأول من التحقيق # وهو ms081 على نحو قول الفيلسوف في المبدأ الأول حيث قضى بوحدته وإن تكثرت ~~أسماؤه بسبب سلوب وإضافات وأمور لا توجب صفات زائدة على الذات هذا كله إن ~~سلكنا في التكثر مذهب الإمام أبى الحسن الأشعرى وإلا إن سلكنا مذهب عبد ~~الله ابن سعيد في أن الأمر والنهى وغير ذلك لا يكون إلا عند تحقق المتعلقات ~~وأن الكلام خارج عنها أو ما نقل عن بعض الأصحاب من أنه إثبت لله تعالى من ~~الكلام خمس كلمات هي خمس صفات وهى الأمر والنهى والخبر والإستخبار والنداء ~~فالإشكال يكون مندفعا # وعلى ما ذكرناه من التحقيق يتبين أن من قال من الأصحاب القائلين بنفى ~~التكثر إن الأوامر والنواهى وغيرها صفات خارجة عن الكلام ولم يرد به ما ~~أشرنا إليه فقد أخطأ # وأما ما اعتمدوه من الظواهر الظنية والأدلة السمعية فقد سبق وجه الانفصال ~~عنها فلا حاجة إلى التطويل وبإعادة # فإن قيل عاقل ما لا تمارى نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهى وغيره وأن ~~ما انقسم إليه حقائق مختلفة وأمور متنافرة متمايزة وأنها من أخص أوصاف ~~الكلام لا أن الأختلاف راجع إلى نفس العبارات والاعتبارات الحارجة فإنا لو ~~قطعنا النظر عن PageV01P114 الاعتبارات الخارجة والمتعلقات ورفعناها وهما ~~لم يخرج عن كونه منقسما ومع هذا التحقيق كيف يسوغ القول بالاتحاد ثم ان ما ~~اخبر عنه من القصص الماضية والأمور السالفة مختلفة متمايزة فإن ما جرى لكل ~~نبى من الانبياء غير ما جرى لغيره من الانبياء وكذلك المأمورات والمنهيات ~~المكلف بها مختلفة متغايرة فكيف يكون نفس الخبر عما جرى لآدم وإبراهيم هو ~~نفس الخبر عما جرى لموسى أو عيسى أم كيف يكون نفس الامر بالحج هو نفس الأمر ~~بالصلاة وأن ما توجه لزيد هو نفس ما توجه لعمرو وكيف هذا التداخل أم كيف ~~يجعل الخبر أو ما سمى خبرا هو عين الأمر أو ما سمى أمرا هو عين ما سمى خبرا ~~مع أن الأمر هو الطلب والاقتضاء والخبر لا يشتمل على شئ من ذلك وما اشتمل ~~عليه الخبر فالأمر ms082 أيضا غير مشتمل عليه فهل هذا إلا محض تحكم غير معقول وما ~~ليس بمعقول لا سبيل إلى إثباته فلم يبق إلا أنه أنواع متمايزة الخواص ~~مختلفة الذوات مشتركة في الجملة والكلام كالجنس لها # والتمثيل بالمبدأ الأول مما لا إليه سبيل فإن اتحاد الذات مع اختلاف ~~اسمائها باعتبار أمور إضافية أو سلبية مما لا امتناع فيه أما إثبات صفات ~~متضادة وخواص متنافرة وأقسام متعددة لذات واحدة لا تعدد فيها ولا تغاير فمن ~~أمحل المحالات وأشنع المقالات ولا سبيل إليه # قلنا قد بينا فيما سلف أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس وأن ~~اختلاف العبارات والتعبيرات عنه إنما هو بسبب اختلاف المتعلقات والنسب ~~والإضافات كما حققناه فما يقع به التضاد أو الاختلاف أو التعدد فليس إلا في ~~PageV01P115 المتعلقات والتعلقات لا في نفس المتعلق ولا أن ما وقع به ~~الاختلاف أو التضاد بين الأمر والنهى وغيره من أخص صفات الكلام بل كل ذلك ~~خارج عنه # وعلى هذا نقول لو قطع النظر عن المتعلقات الخارجة ورفعت عن الوهم فإنه لا ~~سبيل إلى القول بهذه العبارات والتعبيرات أصلا ولا يلزم من ذلك رفع فهم ~~الكلام وأن تزول حقيقته عن الوجود ايضا # وقولهم كيف يجوز أن يكون المخبر عنه متعددا مختلفا والخبر عنه واحدا أم ~~كيف يكون المأمور به مختلفا والأمر به واحدا وكيف تكون حقيقة واحدة هى أمر ~~ونهى وخبر مع أن هذه الامور مختلفة # قلنا هل هذا إلا محض استبعاد وخروج عن سبيل الرشاد فإنه إذا عرف أن ~~اختلاف العبارات والتعبيرات قد يكون باعتبار اختلاف التعلقات والنسب إلى ~~الأمور الخارجة والإطلاقات لم يمتنع أن يكون المتعلق له حقيقة واحدة ووجود ~~واحد وله متعلقات مختلفة ويعبر عنه بسبب تعلقة بكل واحد منها بعبارة مخصوصة ~~ولقب مخصوص وإن كان هو في نفسه واحدا وذلك على نحو ما ذكره الفيلسوف في ~~المبذأ الأول وعلى نحو ما ينعكس على الأرض من الألوان المختلفة من زجاجات ~~مختلفة الألوان بسبب شروق الشمس عليها ومقابلتها لها فإن التأثيرات مختلفة ~~بسبب ms083 المتعلقات لا غير وإن كان المتعلق في نفسه واحدا وقد يعبر عنها بسبب ~~هذا التقلق واختلاف المتقلقات والتأثيرت بأسماء مختلفة حتى يقال إنها مسودة ~~ومصفرة وغير ذلك وإن كانت الشمس في نفسها واحدة فكذلك ينبغى أن يفهم مثله ~~في الكلام فإن اختلاف هذه التعبيرات عنه ليس لتعدد في نفسه بل لتعدد ~~المتعلقات واختلاف PageV01P116 الإضافات وذلك ليس محالا نعم لو عبر عنه ~~بالنهى من جهة ما عبر عنه بالأمر ومن جهة ما عبر عنه بالخبر أو بالعكس كان ~~ذلك متناقضا # ومن حقق ما مهدناه زال عنه الخيال واندفع عنه الإشكال كيف وأن ما ذكروه ~~من أقسام الكلام وهى الخبر والاستخبار والأمر والنهى والوعد والوعيد أمكن ~~أن ترد إلى قسمين وهما الطلب والخبر فإن الوعيد والوعد داخلان في الخبر لكن ~~تعلق بأحدهما ثواب فسمى وعدا وتعلق بالآخر عقاب فسمى وعيدا وأما الأمر ~~والنهى فداخلان تحت الطلب والاقتضاء لكن إن تعلق بالفعل سمى امرا وإن تعلق ~~بالترك سمى نهيا وأما الاستخبار على الحقيقة فغير متصور في حق الله تعالى ~~بل حاصله يرجع إلى التقرير وهو نوع من الإخبار وذلك كما في قوله تعالى @QB@ ~~ألست بربكم قالوا بلى @QE@ وكما أمكن رد هذه الأقسام إلى قسمين أمكن ردها ~~إلى قسم واحد في حق الله تعالى حتى يكون على ما ذكرناه بأن يكون معنى واحدا ~~وقضية متحدة إن تعلق بما حكم بفعله أو تركه سمى طلبا وإن تعلق بغيره سمى ~~خبرا # فإذا المتعلقات متعددة والمتعلق في نفسه واحدا لا تعدد فيه وهذا كله إنما ~~هو في متصور البقاء والديمومة كما في كلام الله تعإلى وإلا فالكلام في ~~الشاهد إعنى كلام اللسان والنطق النفسانى ليس كذلك إذ هو من قبيل الأعراض ~~المتجددة والأغراض المتغيرة وذلك مما ينافى القول باتحاده ونفى أعداده # فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام في نفسه قضية واحدة وأن اختلاف التعبيرات ~~عنه إنما هو بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والعلم ~~والقدرة PageV01P117 وباقى الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف ~~التعبيرات ms084 عنه بسبب اختلاف متعلقاته لا بسبب اختلافه في ذاته وذلك بأن يسمى ~~إرادة عند تعلقه بالتخصيص في الزمان وقدرة عند تعلقه بالتخصيص في الوجود ~~وهكذا سائر الصفات وإن كان ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله إلى نفس الذات ~~من غير احتياج إلى الصفات # قلنا تمويه هذا الإشكال والتهويل بهذا الخيال هو ما اوقع جماعة من ~~الأصحاب في دائرة الاضطراب وكبع حذاقهم عن تحقيق الجواب # والذي يقطع دابره ويكشف عن الحق سرائره أن يقال إذا ثبت القول بكونه ~~محيطا بالموجودات وعالما بها ومخصصا لها في وجودها وحدوثها وثبت له غير ذلك ~~من الكمالات المعبر عنها بالصفات فهو ما طلبناه وغاية ما رمناه وأما إثبات ~~كونها متغايرة الذوات متباينة الذاتيات أو أنها راجعة إلى معنى واحد هو نفس ~~الذات والتخصيص والاختلاف فيها إنما هو عائد إلى المتعلقات والتغاير ~~بالعرضيات الخارجيات كما ذهب إليه بعض الأصحاب فما لم أر في ما ذكروه ~~لإفحام الخصم كلاما مخلصا عن مغالطات ومصادرات وأقاويل منحرفات وما يظهر ~~مأخذ المعتقد من الجانبين فإنما ينتفع به الناظر مع نفسه لا بالنظر إلى ~~غيره # وأظهر ما قيل في بيان الاختلاف أن تأثير القدرة في الإيجاد وتأثير ~~الإرادة PageV01P118 في التخصيص بالأحوال والأقات ومع اختلاف التأثيرات لا ~~بد ممن اختلاف المؤثرات وإلا كان صدور أحد المختلفين من جهة ما صدر المخالف ~~الآخر وهو محال وهذا خلاف الكلام فإن تعلقه بمتعلقاته لا يوجب تأثيرا ~~مختلفا وكذا كل صفة على انفرادها # وهو غير سديد فإنه لو وجب القول بمخالفة القدرة للإرادة لاختلاف ~~التأثيرات فذلك يوجب الاختلاف في نفس الإرادة ونفس القدرة وكل صفة من ~~الصفات وإنما كان كذلك من جهة أن تأثيرات الإرادة متعددة فإن تخصيص الحادث ~~في الأمس غير تخصيصه في اليوم أو الغد وكذلك ما يخص بالقدرة فإن إيجاد زيد ~~ليس هو نفس إيجاد عمرو لا سيما إذا قلنا إن الوجود ليس بزائد على الموجود ~~وإذا كانت التأثيرات متغايرة فإما أن تتحد من كل وجه أو تختلف من كل وجه ms085 أو ~~تتحد في وجه وتختلف في وجه اخر فإن اتحدت من كل وجه فلا تعدد وقد فرضت ~~متعددة فبقى أن تكون مختلفة إما من كل وجه أو من وجه وعلى التقديرين فهى ~~مختلفة فيجب أن يكون المؤثر لها مختلفا فإن لم يجب أن يكون مختلفا فلا أقل ~~من أن يكون معتددا # فإن قيل تاثير القدرة واحد قي حقيقتة ومعناه واحد في ماهيته فإن الإيجاد ~~من حيث هو إيجاد لا يختلف وكذلك تخصيص الإرادة بالوقت واحد لا يختلف من حيث ~~هو كذلك وما وقع به الاختلاف في تأثيرات القدرة أو الإرادة فليس اختلافا ~~ذاتيا داخلا في التأثير من حيث هو تأثير تلك الصفة المخصوصة وإنما هو عائد ~~إلى أمور خارجة عرضية وكذا في كل صفة على حدة وذلك مما يوجب الاختلاف في ~~نفس التعلق أصلا PageV01P119 # وهذا أيضا مما لا حاصل له فإنه إن صدر ممن لا يعترف بكون الوجود زائدا ~~على الموجود كان بطلانه ظاهرا وإن كان ممن يعترف به فالذوات عنده إما أن ~~تكون متعلق القدرة مع كون الوجود والحدوث متعلقا لها أيضا أو أنها لا تعلق ~~للقدرة بها فإن كان الأول فقد لزمه اختلاف التأثيرات وإن كان الثانى لزم أن ~~تكون الذوات ثابتة في القدم ومتحققة في العدم وسيأتي إبطاله كيف وان ذلك لو ~~صح في القدرة والأرادة فهو مما لا يأتى في غيرهما من الصفات ولا يتحقق في ~~باقى الكمالات بالنسبة إلى مالها من المتعلقات # وإذا لاحت الحقائق وظهرت الدقائق فلا التفات إلى شغب المشنع المتحذلق فإن ~~ذلك مما لا ينهض دليلا ولا يشفى غليلا وهو آخر ما أردناه من مسألة الكلام ~~وهو المستعان وعليه التكلان PageV01P120 # | الطرف الخامس # في اثبات الادراكات # مذهب أهل الحق أن البارى تعالى سميع بسمع بصير ببصر # وذهب الكعبى إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا أنه لا آفة به عالم بالمسموعات ~~والمبصرات لا غير # ومن المعتزلة من زاد عليه وقال معنى كونه سميعا بصيرا أنه مدرك ~~للمسمسوعات والمبصرات والإدراك يزيد على العلم # وذهب الجبائى ms086 ومن تابعه إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا أنه حى لا آفه به ~~وقد استروح بعض الأصحاب في الاستدلال على أهل الضلال إلى مسلك ضعيف وهو أن ~~قال البارى تعالى حى والحى إذا قبل معنى وله ضد ولا واسطة بينهما لم يخل ~~عنه أو عن ضده ولا محالة أن كونه حيا مما يوجب قبوله للسمح والبصر فلو لم ~~يتصف بالسمع والبصر لا تصف تضدها وذلك نقص في حق البارى تعإلى PageV01P121 ~~قال والدليل على أن الموجب لقبوله السمع والبصر كونه حيا ما نراه في الشاهد ~~فإن الموجب لقبوليه الإنسان وغيره من الحيوان للسمع والبصر كونه حيا إذ لو ~~قدر أن الموجب لذلك غير الحياة من الأوصاف لكان منتقضا وإذا كان الموجب ~~للقبول إنما هو الحياة فالبارى حي فيجب أن يكون متصفا بهما وإلا كان متصفا ~~بأضدادهما وذلك نقص في حق الله تعالى فيمتنع # ومن نظر فيما أسلفناه وأحاط بما مهدناه علم أن ذلك مما لا يقوى والذي ~~نزيده ههنا أنا نقول # حاصل الطريقة آيل إلى قياس التمثيل وهو الحكم على جزئى بما حكم به على ~~غيره لاشتراكهما في معنى عام لهما وهو إنما يستقيم أن لو لم يتبين أن الحكم ~~في الأصل الممثل به ثابت لمعنى لا أنه ثابت لنفسه أو بخلق الله له في ذلك ~~الامر الجزئى من غير افتقار إلى أمر خارج ثم لو ثبت أنه ثبت لمعنى لكن لا ~~بد من حصر جميع الأوصاف وذلك لا يتم إلا بالسبر وهو غير مفيد لليقين بل ~~حالصه انى بحثت فلم أطلع على غير المذكور وغاية فائدة البحث الظن بانتفاء ~~غير المعين لا العلم به # ثم وإن أفاد علما للساير فذلك ليس بحجة على غيره إذ بحث زيد لا يؤثر علما ~~في حق عمرو وإن أفاده ذلك ظنا وليس هذا كما يقال إن من كان بين يديه قيل ~~وليس بينه وبينه حائل وآلة الإدراك لديه حاضرة سليمة فإنه يستحيل ألا يبصره ~~فكذلك ههنا فإنه لو قدر وصف آخر فإنه إما معقول ms087 أو محسوس وأي الأمرين قدر ~~فأسباب مداركه عند الناظر عتيدة فيستحيل ان لا يظفر به إذا طلبه # وهذا وإن كان مخيلا لكنه مما لا يقوى فإنه لو كان الأمر على ما ذكره لما ~~وقع لأحد في نظره خبط ولا في فكره تناقض ولما وقع الخلاف بين العقلاء في ~~وجود شئ ونفيه إذ القواطع PageV01P122 لا تتوارد على شئ ونقيضه وكم من وقع ~~له التناقض في نظره حتى انه حكم بشئ بعد ما حكم بمقابله وكذلك كم من شئ ~~اختلف العقلاء فيه ولم يظفر ولا واحد منهم بمقصود أو ظفر به واحد دون ~~الباقين ولا كذلك ما ذكروه من المثال فإن وقوع مثل ذلك فيه مما يستحيل ~~بالنظر إلى حكم جرى العادة به ثم ولو سلم الحصر فلابد وأن يتعرض لابطال ~~تأثير كل واحد واحد على الخصوص وابطال تأثيره في كل رتبة تحصل له من إضافته ~~إلى غيره وذلك مما يعز ويشق لا محالة وما وقعت الإشارة به في إبطال غير ~~المستبقى فهو بعينه لازم في المستبقى فإنه منتقض بباقى اعضاء الأنسان ~~واعضاء غيره من الحيوان فإنها حية مع انتقاء السمع والبصر وانتفاء أضدادها ~~أيضا # ثم إنه وإن لم يكن الحكم لغير ما عين من الأوصاف لكن من الجائز أن يكون ~~ذلك باعتبار الشئ الموصوف به ومهما لم يتبين أن الموصوف به في محل النزاع ~~هو الموصوف به في محل الوفاق لم يلزم الحكم وهذا كله لا محيص عنه فقد بان ~~أن ما استروح إليه غير يقينى وإن كنا لا ننكر كونه ظنيا فالمطلوب ليس إلا ~~اليقين # ولربما استند بعض الأصحاب ههنا إلى السمعيات دون العقليات والمحصل يعلم ~~أن كل ما يتمحل من ذلك فغير خارج عن قبيل الظنيات والتخمنيات وذلك لا مدخل ~~له في اليقينيات وسيأتى إشباع القول في ذلك إن شاء الله تعالى PageV01P123 # فإذا السبيل في الدليل ههنا ليس إلا ما أشرنا إليه في مسألة الإرادة وقد ~~عرفت وجه تحقيقه وما يلزم عليه لكن ربما زاد الخصم ههنا تشكيكات وخيالات ms088 ~~لابد من الإشارة إليها والتنبيه على وجه الانفصال عنها # فمن ذلك قوله إن ما ذكرتموه إنما يستقيم أن لو ثبت أن السمع والبصر ~~إدراكان زائدان على نفس العلم وإلا فلا نقص إدراك ولا قصور لكون البارى ~~تعالى عالما # وبم الإنكار على الكعبى حيث ذهب إلى ان السمع والبصر ليسا بزائدين على ~~نفس العلم لا شاهدا ولا غائبا بل المدرك المسموع والمبصر هو السامع المبصر ~~بعلمه لا بحاسته التى كان حصول هذا العلم بواسطتها وهى المعبر عنها بالسمع ~~والبصر كيف وأنه لو كان المدرك مدركا بإدراك زائد على العلم لجاز أن يكون ~~بين يدى الإنسان سليم البصر والسمع مرئيات وأصوات وهو لا يراها ولا يسمعها ~~لجواز أن لا يخلق له ادراكها والأمر بخلافه ثم لو سلم أن الإدراك ليس هو ~~نفس العلم فبم الانكار على الجبائى في قوله إن المدرك هو الحى الذى لا آفة ~~به ولا نقص وأنه لا معنى له إلا هذا السلب # ثم لو سلم أنه معنى إيجابى وأمر إثباتى لكنه مما يمتنع ثبوته في حق ~~البارى تعالى من حيث إنه لا يخلو أن يكون قديما أو حادثا لا جائز أن يكون ~~حادثا وإلا كان البارى محلا للحوادث وهو ممتنع ولا جائز أن يكون قديما وإلا ~~للزم أن يكون له مسموع ومبصر في العدم إذ السمع والبصر من غير مسموع ومبصر ~~محال وذلك يفضى إلى القول العالم أو أن يكون ما فيه مسموعا ومبصرا في العدم ~~وكلا الأمرين PageV01P124 محال وأيضا فإنه إما أن يشترط البنية المخصوصة ~~للإدراك أو ليس فإن اشترط فإثبات الإدراك للبارى يوجب له البنية المخصوصة ~~وهو متعذر والقول بعدم الاشتراط ممتنع أيضا إذ يلزم منه الالتباس بين ~~الإدراكات وأن تكون حاسة واحدة مدركة بإدراكات مختلفة وهو ممتنع فإن البنية ~~المخصوصة لا بد منها فالسمع هو قوة مرئية في العصبة المنبسطة في السطح ~~الباطن من صماخ الأذن من شأنها أن تدرك الصوت المحرك للهواء الراكد في مقعر ~~صماخ الأذن عند وصوله إليه بسبب ما # والبصر هو ms089 عبارة عن قوه مرتبة في عصبة مجوفة من شأنها أن تدرك ما ينطبع ~~في الرطوبة الجليدية من أشباح صور الأجسام بتوسط المشف # والشم عبارة عن قوة مرتبة في زائدتى مقدم الدماغ من شأنها إدراك ما يتأدى ~~إليها بتوسط الهواء من الأراييح # والذوق عبارة عن قوة مرتبة في العصبة البسيطة على السطح الظاهر من اللسان ~~من شأنها إدراك ما يرد عليها من الطعوم يتوسط ما فيه من الرطوبة الغذائية # واللمس عبارة عن قوة منبثة في كل البدن من شأنها إدراك ما يرد عليه من ~~خارج من الكيفيات الملموسة وهى الحرارة والبرودة واليبوسة PageV01P125 # وإذا لم يكن في الإدراك بد من الآلات والأدوات امتنع القول بثبوتها في حق ~~البارى تعالى كيف وأن ما ذكرتموه ينتقض عليكم بباقى الادراكات وغيرها من ~~الكمالات كما سلف # والجواب أما ما قيل من أن السمع والبصر ليسا بزائدين على نفس العلم فقد ~~قال بعض الأصحاب في الجواب ههنا إنه لو لم يكن كذلك وإلا لما وقعت التفرقة ~~بين ما علم بالبرهان أو الخبر وبين ما حصل بالعين والبصر ولا محالة أن هذه ~~التفرقة مما يشهد بصفدقها نظر ذوى الألباب فإنكارها مما لا سبيل إليه إلا ~~عن جحد أو عناد # لكنه مما لا ثبوت له على محك النظر إذ الخصم يقول وإن سلم التفرقة بمنع ~~عودها إلى العلم والإدراك بل ما تشعر به النفس عند الخبر اليقينى بأن زيدا ~~مثلا على صورة كذا أو كذا ليس يختلف عند النظر والمشاهدة بالبصر وإنما ~~الاختلاف والتفرقة عائدان إلى نفس المحل الذى هو واسطة حصول العلم من البصر ~~وغيره أو إلى الجملة والتفصيل أو الاطلاق والتقييد أو العموم والخصوص ~~وبالجملة إلى المحل الذى هو متعلق العلم في الحالتين وذلك بأن يكون ما حصل ~~بالبصر أو السمع مفصلا أو مقيدا أو خاصا وما حصل بالبرهان والخبر لم يكن ~~إلا مجملا أو مطلقا أو غير ذلك وذلك مما لا يدل على أن ما حصل بالبصر أو ~~السمع خارج عن جنس العلم أو نوعه وهو ms090 كما لو علم بطريق خاص إما بالدليل أو ~~غيره أن كل منقسم بمتساويين فهو زوج واتفق أن ما في يد زيد مثلا منقسم ~~بمتساويين فأنه من جهة العموم معلوم PageV01P126 أنه زوج لضرورة العلم بأن ~~كل منقسم بمتساويين زوج وما علم بالبصر بعد ذلك ليس هو ما كان معلوما أولا ~~وإنما الحاصل ثانيا هو نفس العلم بخصوصه وبكونه منقسما بمتساويين واختلاف ~~متعلقات العلم واختلاف طرق تحصيلها مما لا يؤثر اختلافا في نفس العلم ~~المتعلق بها # فالطريق في الأنفصال أن يقال الإنسان قد يجد من نفسه معنى زائدا عند ~~السمع والبصر على ما كان قد علمه بالدليل أو الخبر وذلك مما لا مراء فيه ~~كما سبق فالمعنى بالإدراك ليس إلا هذا المعنى وسواء سمى ذلك علما أو إدراكا ~~وسواء كان متعلقه أمرا تقييديا أو تفصيليا أو معنى خاصا أو غير ذلك من ~~المتعلقات فإن حاصل ذلك ليس يرجع إلا إلى محض الاطلاقات ومجرد العبارات فلا ~~مشاحة فيها بعد فهم معانيها فإن ذلك مما لا يقدح في الغرض بإبطاله أو ~~تصحيحه وعند ذلك فلا مبالاة بمن اعتاص على فهمه قبول هذا الإعتقاد وشمخ ~~أنفه عن أن ينقاد بعد ظهور الحقائق وانكشاف غور الدقائق ومن رام في ~~الانفصال عن هذا الخيال غير ما أشرنا إليه فقد كلف نفسه شططا وذلك على ~~النبيه مما لا يخفى # وما قيل من أنه لو كان الإدراك زائدا على نفس العلم لجاز أن يكون بين يدى ~~إنسان سليم البصر فيل لا يدركه لجواز أن لا يخلق له الإدراك به وهو محال ~~قلنا ادعاء كونه محال إما أن ينظر فيه إلى الإحالة العقلية أو العادية فإن ~~كان الأول PageV01P127 فهو استرسال لما هو غير مسلم وإن كان الثانى فهو ~~بعينه لا محالة لازم في خلق الادراك فإنه كما يستحيل عادة انتفاء الإدراك ~~للفيل عند حضوره بين يدى ذى البصر السليم كذا يستحيل القول بانتفاء خلق ~~الادراك في مثل تلك الحالة ايضا وان نظر في ذلك إلى جهة الجواز العقلى فهو ~~ايضا ms091 ما نقوله في الأدراك فإنه كما يجوز أن لا يخلق له الأدراك عقلا يجوز ~~أن لا يدركه عقلا كيف وأن هذا لازم على الخصم في العلم أيضا فما هو عذره في ~~العلم هو عذرنا في الإدراك # وأما تفسير الإدراك بنفى الآفة عمن له الحياة فمما لا يستقيم إذ قد بينا ~~أن الإنسان يجد من نفسه تفرقة بين الإدراكات وذلك لا بد وأن يكون بأمر زائد ~~على الحياة وانتفاء الآفة وألا لما وقع الفرق ثم كيف يصح أن يقال السميع ~~والبصير هو الذي لا آفة به ويقال لمن يسمع وبصر وهو مئوف ناقص # فإن قيل ليس السميع هو من سلبت عنه الآفة مطلقا بل من سلبت عنه الآفة في ~~محل السمع وكذا في كل إدراك على حسبه فهو متهافت شنيع فإن من قال السمع هو ~~نفى الآفة في محل السمع فكأنه قال السميع هو من له السمع في محل السمع ولو ~~قال السميع هو من له السمع لقد كان ذلك كافيا عن ذكر المحل وإذا كان كافيا ~~فكأنه قال السميع هو الذي لا آفة به إذ ذاك فرجع الكلام الأول بعينه ثم ان ~~العقل السليم يقضى بوهاء قول من فسر السمع والبصر بنفى الآفة دون العلم ~~والقدرة وغيرها PageV01P128 من الصفات مع أنه لو سئل عن الفرق لم يجد عنه ~~مخلصا بل كل ما تخيل من منع تفسير العلم والقدرة بانتفاء الآفة فهو بعينه ~~في الإدراك حجة لنا # وأما القول بأن ذلك يفضى إلى قدم المبصرات والمسموعات فمن عرف كيفية تعلق ~~العلم بها في القدم كما أشرنا إليه لم يخف عليه دفع هذا الإشكال ههنا فإن ~~تعلق السمع والبصر بمتعلقاتهما الحادثة لا يتقاصر عن تعلق العلم بمتعلقاته ~~الحادثة فما به دفع الإشكال ثم به دفعه ههنا # وأما إشتراط البنية المخصوصة فمما لا سبيل إليه إذ القائل به معترف أن ~~الإدراك قائم بجزء واحد من جملة المدرك وعند ذلك فلا يخفى أنه لا أثر ~~لاتصال محله بما جاوره إذ الاجسام لا يؤثر بعضها ms092 في بعض فيما يرجع إلى ما ~~يقوم بها من الأعراض بل الجوهر الفرد يكون على صفته عند المجاورة به لغيره ~~في حال انفراده وإذا جاز قيام الإدراك بجزء واحد في حال انفراده واتصاله ~~لزم أن لا تكون البنية المخصوصة شرطا # ولا يلزم على ما ذكرناه الاجتماع وسائر الأعراض الإضافية حيث إنها تقوم ~~بالجوهر عند إضافته وضمه إلى غيره ولا تقوم به عند أنفراده لأنا نقول الكون ~~القائم بكل جرم في حالة الاجتماع هو بعينه قائم في حالة الافتراق مطلقا ~~والمختلف إنما هو الأسماء فإن ما هو قائم عند ضميمة غيره إليه يسمى اجتماعا ~~وبعد الافتراق لا يسمى كذلك وإن سلم أنه لا يبقى لكنه غير لازم وذلك أن ~~الصفات العرضية منها ما يقتضى لذاته الضم والاجتماع بين المحال كبعض الأمور ~~الإضافية ومنها ما لا يقتضى ذلك كما PageV01P129 في السواد والبياض ونحوها ~~مما ليس بصفة إضافية ولا يلزم من كون الصفات الإضافية على ما ذكر أن يكون ~~غيرها مثلها ولا يخفى أن الإدراك ليس من ذلك القبيل المفتقر إلى الجمع ~~والضم في الأجرام # ومما يدل على أن الإدراك غير مفتقر إلى البنية ويخص البصريين القائلين ~~بكون البارى مدركا أن يقال لو كانت البنية شرطا لوجب طردها شاهدا وغائبا ~~كما ذهبوا اليه واعتمدوا عليه في الاشتراط ولو كان كذلك لوجب كون البارى ذا ~~بنية مخصوصة لضرورة الأعتراف بكونه مدركا وإذا ذاك فينقلب الإلزام وتتساوى ~~فيه الأقدام # فإن قيل اشتراط البنية إنما هو في حق المدرك بادراك فلا يلزم البنية في ~~حقه تعالى فانظر إلى هؤلاء كيف ساقهم الغى إلى كشف عوراتهم وإبداء زلاتهم ~~ومناقضة أصولهم ومخالفة رسومهم وتحملهم بالجهالة فيما لا يعلمون وإصرارهم ~~على الباطل فيما يقولون حيث إنهم جعلوا الحياة شرطا في الشاهد لكون العالم ~~عالما بعلم ثم طردوا ذلك في حق الغائب حتى قالوا إن الحياة شرط كونه عالما ~~وإن لم يكن عالما بعلم ولم يجعلوا البنية شرطا لكون المدرك مدركا متى لم ~~يكن مدركا بإدراك لضرورة كونها شرطا لكون ms093 المدرك بإدراك ولم يعلموا أنهم في ~~ذلك متحكمون وبدعواه متجاهلون وأنهم لو سئلوا عن الفرق لم يجدوا إليه سبيلا # وأما القول بأن ذلك يفضى إلى الالتباس بين الإدراكات غير مستقيم وذلك من ~~جهة أن الالتباس فيها لا يكون بسبب اتحاد محلها وإلا لما تصور قيام عرضين ~~PageV01P130 متغايرين بمحل واحد وإلا وهما متشابهان ولا يخفى أن قيام الطول ~~مثلا والسواد وغيره من الكيفيات بمحل واحد جائز وإن قرر أنه لاشتباه فعلى ~~هذا ليس الالتباس بين الأشياء إلا لما يقع بينها من التشابه في أنفسها ولا ~~يخفى انتفاء التشابه بين الإدراكات في أنفسها وأن الحاصل من كل واحد غير ما ~~حصل من الآخر # وعلى ما أشرنا إليه من التحقيق يتبين أن ما ذكروه في السمع والبصر ~~وغيرهما من الإدراكات لم يخل إما أن يكون إدراكها لشئ بخروج شئ منها إليه ~~أو بإتصال شئ منه بها فإن قيل بالأول فالخارج اما جوهر وإما عرض لا جائز أن ~~يكون جوهرا وإلا فهو إما متصل أو منفصل لا جائز أن يكون متصلا وإلا لزم أن ~~يكون قد خرج من الجرم الصغير جرم ملأ نصف كرة العالم واتصل بالثوابت وهو ~~متعذر وإن كان منفصلا فهو باطل أيضا وإلا لأحس به الخارج منه وللزم ألا ~~يدرك المدرك بسبب أن ما به الإدراك خارج عنه وأن لا يختلف الشئ المدرك أو ~~المسموع بسبب القرب والبعد لكون ما به الإدراك قد أحاط بهما # هذا إن كان جوهرا وإن كان عرضا فهو ممتنع أيضا إذ العرض لا تحرك له بنفسه ~~وان تحرك بمحله أوجب المحالات السابق ذكرها فإن قيل إن ما بين البصر ~~والمبصر من الهواء المشف يستحيل آلة دراكه قلنا فيلزم أن تكون استحالته عند ~~اجتماع المبصرين أشد وإذ ذاك فيجب أن يكون إدراك الواحد للشئ عند الاجتماع ~~PageV01P131 أشد من حالة الانفراد لكون الاستحالة في الآلة الدراكة أشد ~~وللزم أن يضطرب الشئ المبصر عند تشويش الجو واضطراب الرياح بسبب تجدد الآلة ~~الدراكة وهو ممتنع هذا إن قيل بخروج شئ ms094 من البصر إلى المبصر # وإن قيل إن شيئا من المبصر يتصل بالبصر بحيث ينطبع فيه ويدركه فإما أن ~~يكون ذلك على جهة الانتقال والانفصال أو على الانطباع والتمثيل من غير ~~انفصال شئ من المبصر وعلى كلا التقديرين فهو باطل وإلا للزم ان لا يدرك ~~الشئ المرئى إلا على نحو ما انطبع منه في البصر من غير زيادة ولا نقصان ولو ~~كان كذلك لما رؤى الحمل أو الجبل على هيئته بل على نحو ما ينطبع منه في ~~البصر وهو هوس ثم إنه لا جائز أن يكون المنطبع منتقلا ولا فهو إما جوهر ~~وإما عرض لا جائز ان يكون جوهرا لما أسلفناه وأيضا فإنه يلزم منه أن تحترق ~~العين عند كون المرئى نارا وهو ممتنع وإن كان عرضا فهو أيضا باطل لما سلف ~~فتبين من هذا أن الادراك ليس إلا معنى يخلقه الله تعالى للمدرك مع قطع ~~النطر عن الانتقال والانطباع في الآلات والأدوات وحيث لم يكن للعين أو اليد ~~وغير ذلك من الجوارح قوة الإدراك فليس لعدم صلاحيته للإدراك بل لأن الله ~~تعإلى لم يخلق له الإدراك وهذا الأصلا عظيم مطرد عند المحققين من أهل الحق ~~في سائر الإدراكات PageV01P132 # وأما ما أشير إليه من النقض بسائر الإدراكات فقد سبق وجه الانفصال عنه ~~فلا حاجة إلى إعادته # وعند هذا فيجب أن يعلم أن المستند في إثبات صفة الحياة ما هو المستند في ~~الإدراكات وباقى الصفات PageV01P133 $ خاتمة جامعة لهذا القانون # إن قيل فهل للبارى تعالى أخص وصف يتميز به عن المخلوقات # وهل يجوز أن يكون له صفة زائدة على ما أثبتموه من الصفات # وهل الصفة نفس الوصف أم غيره # وإن كانت غيره فهل هى عين الموصوف أم غيره أم لا هى هو ولا هى غيره # قلنا أما السؤال الأول # فقد قال بعض الأصحاب فيه إنه لا بد من صفة وجودية إذ التمييز بين الذوات ~~غير حاصل بما يتخيل من الأمور السلبية النفيية كما في قولنا إنه لا حد له ~~ولا نهاية وليس بجسم ms095 ولا عرض ونحو ذلك # لكن هل يجوز ان يدرك أم لا اختلفوا فقال بعضهم إن استدعاء التمييز بالوصف ~~الأخص إنما يكون عند الاشتراك بين الذوات والبارى تعالى مباين بذاته لجميع ~~مخلوقاته وأنه ليس بمجانس لها وإلا للزم أن يشاركها في كونها جواهر وأعراضا ~~وكل ذلك محال كما سيأتى وهو الأغوص PageV01P134 # وأما السؤال الثانى # فمما اختلف فيه ايضا فقال بعضهم لا يجوز أن يكون له صفة زائدة على ما ~~أثبتناه من جهة أن الدليل الذى دل عليها لم يدل على غيرها وأيضا فإنه لو ~~جاز أن يكون له صفة أخرى لم يخل إما أن تكون صفة كمال أو نقصان فإن كانت ~~صفة كمال فعدمها في الحال نقصان وان كانت صفة نقصان فثبوتها له ممتنع وهذا ~~فيه نظر فإن غاية ما يلزم من انتفاء دلالة الدليل على الوصف انتفاء العلم ~~بوجوده وذلك مما لا يلازمه القو ل بنفى تجويزه وليس يلزم من كونه جائزا أن ~~يكون معدوما حتى يقال إن عدمه يكون نقصا نعم لو قيل إن له صفة جائزة له ~~وليست في الحال ثابتة له لقد كان ذلك ممتنعا # فإذا الأقرب ما ذكره بعض الأصحاب وهو أن ذلك جائز عقلا وان لم نقض بثبوته ~~لعدم العلم بوقوعه عقلا معلا وانتفاء الإطلاق به شرعا وذلك مما لا يوجب ~~لواجب الوجود في ذاته نقصا إلا أن يكون ما هو جائز له غير ثابت # ومن الأصحاب من زاد على هذا وأثبت العلم بوجود صفات زائدة على ما أثبتناه ~~وذلك مثل البقاء والوجه والعينين واليدين ومن الحشوية من زاد على ذلك حتى ~~PageV01P135 أثبت له نورا وجنبا وقدما والاستواء على العرش والنزول إلى ~~سماء الدنيا وعند التحقيق فهذه الصفات مما لا دليل على ثبوتها # أما البقاء فليس زائدا على معنى استمرار الوجود فمعنى قولنا إن الشئ باق ~~أنه مستمر الوجود وإنه ليس بباق أنه غير مستمر الوجود وذلك لا يزيد على نفس ~~الوجود فيما يعرض من الأحوال المعددة والمدد المسرمدة ثم ولو كان البقاء ~~صفة زائدة ms096 على نفس الوجود فإما أن يكون موجودا أو معدوما فإن كان معدوما ~~فلا صفة وان كان موجودا لزم ان يكون له بقاء وإلا فلا يكون مستمرا وذلك في ~~صفات البارى تعالى محال وإن كان له بقاء فالكلام في ذلك البقاء كالكلام في ~~الاول وهلم جرا وذلك يفضى إلى ما لا نهاية له وهو محال # ثم يلزم منه أن يكون البقاء قائما بالبقاء وذلك ممتنع إذ ليس قيام أحدهما ~~بالآخر بأولى من العكس لاشتراكهما في الحقيقة واتحادهما في الماهية وهذا ~~الذى ذكرناه مما لا يفرق فيه بين موجود وموجود لا شاهدا ولا غائبا فإذا ليس ~~البقاء صفة زائدة على نفس الباقى # وأما ما قيل بثبوته من باقى الصفات # فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول والمستند في ~~الوجه PageV01P136 قوله @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وفي ~~اليدين قوله تعالى موبخا لإبليس @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ~~وفي العينين قوله تعالى @QB@ فإنك بأعيننا @QE@ وقوله @QB@ تجري بأعيننا ~~@QE@ وفي النور قوله تعالى @QB@ نور السماوات والأرض @QE@ وفي الجنب قوله ~~تعالى @QB@ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ وفي الساق قوله تعالى ~~@QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ وفي القدم قوله عليه السلام وإذا كان يوم ~~القيامة واستقر أهل الجنان في نعيمهم وأهل النيران في حميمهم قالت النار هل ~~من مزيد فيضع الجبار قدمه فيها فتقول قط قط أي حسبى حسبى وفي النزول قوله ~~عليه السلام إن الله ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب ~~فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له وفي الاستواء قوله تعالى @QB@ ثم استوى ~~على العرش @QE@ و إلى غير ذلك من الآيات PageV01P137 # واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها بحيث يقال بمدلولاتها ظاهر من ~~جهة الوضع اللغوى والعرف الاصطلاحى فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام ~~التجسيم ودخول في طرف دائرة التشبيه وسنبين ما في ذلك من الضلال وفي طيه من ~~المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ms097 ~~البصير @QE@ # فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من ~~الصفات ليست على نحو صفاتنا ولا على ما نتخيل من احوال ذواتنا بل مخالفة ~~لصفاتنا كما ان ذاته مخالفة لذواتنا وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق ~~إلى التجسيم # فهذا وإن كان في نفسه جائزا لكن القول باثباته من جملة الصفات يستدعى ~~دليلا قطعيا وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن ~~حملها على غيرها أيضا ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع وما لا ~~قطع عليه من الصفات لا يصح إثباته للذات # فإن قيل وما هذه الاحتمالات التى بتدونها التى تعنونها قلنا PageV01P138 ~~أما لفظ اليدين فإنه يحتمل القدرة وهذا يصح أن يقال فلان في يدى فلان إذا ~~كان متعلق قدرته وتحت حكمه وقبضته وإن لم يكن في يديه اللتين هما بمعنى ~~الجارحتين أصلا وعلى هذا يحمل قوله عليه السلام قلب المؤمن بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن # فإن قيل يلزم من ذلك إبطال فائدة التخصيص بذكر خلق آدم باليدين من حيث إن ~~سائر المخلوقات إنما هى مخلوقة بالقدرة القديمة فإذا قال @QB@ ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي @QE@ أي بقدرتي لم يكن له معنى # قلنا لا يبعد أن تكون قائدة التخصيص بالذكر التشريف والاكرام كما خصص ~~المؤمنين بلفظ العباد واضافهم بالعبودية إلى نفسه وكما أضاف عيسى والكعبة ~~إلى نفسه ولم تكن فائدة التخصيص بالذكر اختصاص ما أضافه إلى نفسه بالإضافة ~~بل التشريف والاكرام لا غير ثم إنا قد بينا ان للبارى تعالى قدرة وهى معنى ~~يتأتى به الإيجاد واليدان اما ان يتأتى بهما الايجاد والخلق أو ليس فإن ~~تأتى بهما الايجاد فهى نفس القدرة لا زائدا عليها وإن اختلفت العبارات ~~الدالة عليها والقول بالتعدد في صفة القدرة مما لا سبيل إليه لما أشرنا ~~إليه وأما إن كانت مما لا يتأتى بها الإيجاد والخلق PageV01P139 فلا محالة ~~أن في حمل اليدين إلى غير القدرة ما يفضى إلى الكذب في الآية حيث أضاف ~~الخلق والإيجاد ms098 إليهما ولا محالة أن محذور إبطال فائدة التخصيص أدنى من ~~المحذور اللازم من الكذب وعلى تقدير التساوى فالاحتمال قائم والقطع منتف # وأما قوله @QB@ تجري بأعيننا @QE@ فإنه يحتمل الحفظ والرعاية ولهذا تقول ~~العرب فلان بمرأى من فلان ومسمع إذا كان ممن يحوط به حفظه ورعايته ويشمله ~~رفده ورعايته وقد قيل إنه يحتمل أن يراد بالأعين ههنا على الخص ما انفجر من ~~الأرض من المياه وأضافها إلى نفسه إضافة التملك # وقوله @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ فإنه يحتمل أن يكون المعنى بالوجه الذات ~~ومجموع الصفات وحمله عليه أولى من جهة أنه خصصه بالبقاء وذلك لا يختص بصفة ~~دون صفة بل هو بذاته ومجموع صفاته باق # وقوله @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ فإنه يحتمل أن يكون المراد به ~~أنه هادى أهل السموات والأرض ويكون اطلاق اسم النور عليه باعتبار هذا ~~المعنى PageV01P140 # وقوله @QB@ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ فيحتمل أن يكون المراد ~~به أمر الله ونهية فيكون تقدير ذلك يا حسرتا على ما فرطت في امتثال أوامر ~~الله ونواهيه ويحتمل ان يكون المراد به الجناب ومنه يقال فلان لائذ بجنب ~~فلان اى بجنابه وحرمه # واما قوله @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ فيحتمل أن يكون المراد به الكشف عن ~~ما في القيامة من الأهوال وما أعد للكفار من السلاسل والأغلال ولهذا يقال ~~قامت الحرب على ساق عند التحامها وتصادم أبطالها واشتداد اهوالها # وقوله عليه السلام فيضع الجبار قدمه فى النار فقد قيل يحتمل أن يراد به ~~بعض الامم المستوجبين النار وتكون إضافته القدم إلى الجبار تعالى إضافة ~~التمليك وقد قيل يحتمل أن يكون المراد به قدم بعض الجبارين المستحقين ~~للعذاب الأليم بأن يكون قد ألهم الله النار الاستزاده إلى حين استقرار قدمه ~~فيها # وأما آية الاستواء فإنه يحتمل أن يكون المراد التسخير والوقوع في قبضة ~~القدرة ولهذا تقول العرب استوى الأمير على مملكته عند دخول العباد تحت طوعه ~~في مراداته وتسخيرهم في مأموراته ومنهياته وإليه الإشارة بقول الشاعر % قد ~~استوى بشر على العراق % من غير سيف ms099 ودم مهراق % $ PageV01P141 وتكون فائدة ~~التخصيص بذكر العرش التنبيه بالأعلى على الأدنى فيما يرجع إلى الاستيلاء ~~والاستعلاء # وأما خبر النزول فانه يحتمل أن يكون المراد النزول بمعنى اللطف والرحمة ~~وترك ما يليق بعلو الرتبة وعظم الشأن والاستغناء الكامل المطلق ولهذا تقول ~~العرب نزل الملك مع فلان إلى أدنى الدرجات عند لطفه به وإحاطته بعنايته ~~وانبساطه في حضرة مملكته وتكون فائدة ذلك انبساط الخلق على حضرة المملكة ~~بالتضرع بالدعوات والتبتل بالعبادات وغير ذلك من الرياضات في تحصيل المقاصد ~~والمطلوبات وإلا فلو نظر إلى ما يليق بمملكته وعلو شأنه وعظمته لما وقع ~~التجاسر على خدمته والوقوف بعتبته فإن العباد وعباداتهم من صومهم وصلاتهم ~~بالنسبة إلى عظمته وجلاله دون تحريك أنملة بعض العباد في معرض الطاعة ~~والخدمة لبعض ملوك البلاد ومن فعل ذلك فإنه يعد في العرف مستهينا ومستهزئا ~~بالمملكة وخارجا عن إرادة التعظيم فما ظنك بما هو في دون من الرتبة # وأما التخصيص بسماء الدنيا فمن حيث إنها أدنى الدرجات بالنسبة إلى رتبه ~~العلى فلذلك جعل النزول إليها مبالغة في اللطف كما يقال للواحد منا صعد إلى ~~السماء PageV01P142 ونزل إلى الثرى إذ هى أدنى الدرجات بالنسبة إلى رتبته ~~في جانبى النزول والرفعة لما ذكرناه و خصص النزول بالليالى دون الأيام من ~~حيث إنها مظنة الخلوات ووقت التضرع والدعوات لخالق البريات وقد قيل إنه ~~يحتمل أن يكون المراد بنزول الله نزول ملك لله تجوزا واستعارة كما قال @QB@ ~~واسأل القرية @QE@ أي أهل القرية وكقوله @QB@ الذين يحادون الله ورسوله ~~@QE@ أي أولياءه ويقول على لسانه هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر ~~له وذلك كما يقال نادى الملك وقال الملك كذا على كذا وإن كان المنادى ~~والقائل بذلك القول غيره # وليس تأويل هذه الظواهر وحملها على هذه المحامل بمستبعد كما حمل قوله ~~تعالى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ وقوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ على معنى الحفظ والرعاية وكما ~~حمل قوله عز وجل على ما أخبر به ms100 نبيه عليه السلام من اتانى ماشيا أتيت إليه ~~هرولة على معنى التطول والإنعام فإن لم يقل بالتأويل ثم وجب الا يقال به ~~ههنا وإن قيل به ههنا وجب القول به ثم إذ لا فارق بين الصورتين ولا فاصل ~~بين الحالتين PageV01P143 # وأما السؤال الثالث # فقد اضطربت آراء المتكلمين فيه # فذهبت المعتزلة إلى أن الصفة هى نفس الوصف والوصف هو خبر الخبير عمن اخبر ~~عنه بأمر ما كقوله إنه عالم أو قادر أو أبيض أو أسود ونحوه وأنه لا مدلول ~~للصفة والوصف إلا هذا ولربما احتجوا في ذلك بأنه لو خلق الله تعالى العلم ~~أو القدرة أو غيرهما من الصفات لبعض المخلوقات لم يصح تسميته باعبتار ذلك ~~واصفا ولو أخبر عنه بأنه عالم أو قادر أو غير ذلك صح القول بتسميته واصفا ~~والصفة يجب أن تكون ما يكون بها الواصف واصفا وليس على هذا النحو غير القول ~~والإخبار ولعل منهم من يستند في ذلك إلى النقل عن أهل الوضع أنهم قالوا ~~الوصف والصفة بمعنى واحد كما يقال الوجه والجهة والوعد والعدة وإذا كان ~~كذلك فالوصف هو القول والصفة هى القول لكونها في معناه ثم بنوا على ذلك ~~انتفاء الصفات عن البارى تعالى في الأزل لضرورة استحالة القول بوجود الواصف ~~في القدم # وأما معتقد أهل الحق فالصفة هى ما وقع الوصف مشتقا منها وهو دال عليها ~~وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه فالمعنى بالصفة ليس إلا هذا المعنى والمعنى ~~بالوصف ليس PageV01P144 الا ما هو دال على هذا المعنى بطريق الاشتقاق ولا ~~يخفى ما بينهما من التغاير في الحقيقة والتنافر في الماهية فالخلاف إن وقع ~~فليس إلا في تسمية هذا المعنى صفة وحاصل النزاع في ذلك مما لا مطمع فيه ~~باليقين وانما هو مستند إلى الظن والتخمين ويكفى في ذلك ما نقل عن العرب ~~واشتهر استعماله في ألسنة أهل الأدب أن الصفة منقسمة إلى خلقية لازمة وغير ~~خلقية ثم فسروا الخلقية بالسواد والبياض ونحوه ولولا أن ذلك جائز وإلا لما ~~شاع ولا ذاع وعدم اشتقاق ms101 اسم منه لمن أبدعه وخلقه لا يدل على امتناع تسميته ~~صفة لجواز أن يكون اشتقاق ذلك الاسم من الوصف دون الصفة ثم ولو وجب اشتقاق ~~اسم الواصف من الصفة لكونه خالقها لوجب اشتقاق اسم الزانى والمؤذى والمفسد ~~للبارى تعإلى من الزنى والفساد والأذى لكونه خالقها وهو محال # وما نقل عن العرب من قولهم إن الوصف والصفة بمنزلة الوعد والعدة وهما ~~بمنزلة واحدة يحتمل أن يكون المراد بذلك التسوية بينهما في المصدرية فإنه ~~يصح أن يقال وصفته وصفا ووصفته صفة كما يقال وعدته وعدا ووعدته عدة أو أنهم ~~أرادوا بقولهم أن الوصف هو الصفة للواصف المخبر فإن قيامه به لا محالة صفة ~~له والواجب جعل ما صح نقله عنهم من هذا القبيل على مثل هذه المعانى أو ~~عينها جمعا بين النقلين وعملا بكلا الدليلين # وإذا عرف أن الصفة غير الوصف فهل هى نفس الموصوف أم غيره أم لا هى هو ولا ~~هى غيره فالذى ذهب إليه الشيخ أبو الحسن وعامة الاصحاب أن من الصفات ما يصح ~~أن يقال هى عينه وذلك كالوجود ومنها ما يقال إنها غيره وهى كل صفة أمكن ~~مفارقتها PageV01P145 للموصوف بجهة ما كما في صفات الفعال من كونه خالقا ~~ورازقا ونحوه ومنها ما لا يقال إنها عينه ولا غيره وهى كل صفة امتنع القول ~~بمفارقتها بوجه ما كالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات النفسية لذات واجب ~~الوجود بناء على أن معنى المتغايرين كل موجودين صحت مفارقة أحدهما للآخر ~~بجهة ما كالزمان والمكان ونحوه وهذا الكلام بعينه جار في تغاير الصفات ~~النفسية بعضها مع بعض أيضا وهذا مما لا أرى حاصله يرجع إلى أمر يقينى ولا ~~إلى معنى قطعى وإنما هو راجع إلى أمر اصطلاحى والواجب أن يجرد النظر إلى ~~التحقيق ويكشف عن غور مزلة الطريق فنقول # الواجب أن كل ذات قامت بها صفات واجبة زائدة عليها فالذات غير الصفات ~~وكذا كل واحد من الصفات غير الأخرى إن اختلفا بالذوات بمعنى أن حقيقة كل ~~واحد والمفهوم منه عند انفراده غير ms102 مفهوم الآخر لا محالة نعم إن لم يصح ~~اطلاق اسم الغيرين ولا القول به صفة عن ذات الله تعالى وصفاته مع الاعتراف ~~بكونها مختلفة الحقائق والذوات لعدم ورود السمع به فهو جواب لكنه مما لا ~~يقدح في المطلوب PageV01P146 # وعند ذلك فلا بد من التنبيه لدقيقة وهو أنه وان كانت الصفات غير ما قامت ~~به من الذات فالقول بأنها غير مدلول الاسم المشتق منها أو ما وضع لها ~~وللذات من غير اشتقاق وذلك مثل صفة العلم بالنسبة إلى مسمى العالم أو مسمى ~~الإله غير صحيح وكذلك لا يصح أن يقال بأنها عينه أيضا فإنها إدراك جزء ~~ومعنى ما قيل إنها ليست عينه أو غيره فعلى هذا وإن صح القول بأن علم الله ~~تعالى غير ما قارنه من الذات لا يصح أن يقال إن علم الله تعالى غير مدلول ~~اسم الله ولا عينه إذ ليس هو غير مجموع الذات مع الصفات وأيضا فإنه لو قطع ~~النظر عن الذات أو بعض الصفات لما كان الباقى هو مدلول اسم الإله ولعل هذا ~~ما أراده الحذاق من الأصحاب في أن الصفات النفسية لا هى هو ولا هى غيره # وهذا آخر ما أردناه ذكره من هذا القانون والله المستعان @ 148 ~~PageV01P147 PageV01P148 & القانون الثالث # | في وحدانية البارى تعإلى @ 150 PageV01P149 PageV01P150 # رأى الفلاسفة الإلهيين # وبيان استحالة القول باجتماع الإلهين لكل واحد من صفات الإلهية ما لصاحبه # وقد سلك الفلاسفة طريقا في التوحيد حاصله يرجع إلى امتناع وقوع الشركة في ~~نوع واجب الوجود واستحالة وجود واجبين وقد أشرنا إليها في مبدأ قانون ~~الصفات وإلى ما يرد عليها من الاعتراضات فلا حاجة إلى ذكرها ثانيا # وأما المتكلمون فقد سلك عامتهم في الإثبات مسلكين ضعيفين # المسلك الأول أنهم قالوا لو قدرنا وجود الإلهين وقدرنا أن أحدهما أراد ~~تحريك جرم ما والأخر أراد تسكينه فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما أو لا ~~تنفذ ولا لواحد منهما أو لأحدهما دون الأخر فإن نفذت إرادتهما أفضى ذلك إلى ~~اجتماع الحركة والسكون في شئ واحد في ms103 حالة واحدة وذلك محال وان لم تنفذ ~~ارادتهما أفضى إلى عجز كل واحد منهما و إلى أن يكون الجرم الواحد يخلو من ~~الحركة والسكون معا وهو محال ايضا PageV01P151 # وان نفذت ارادة أحدهما دون الآخر أفضى إلى تعجيز احدهما ولو عجر أحدهما ~~لكان عاجزا بعجز قديم والعجز لا يكون الا عن معجوز عنه وذلك يفضى إلى قدم ~~المعجوز عنه وهو ممتنع # لكن منشأ الخبط ومحز الغلط في هذا المسلك إنما هو في القول بتصور اجتماع ~~إرادتيهما للحركة وليس ذلك مما يسلمه الخصوم ولا يلزم من كون الحركة ~~والسكون ممكنين وتعلق الإرادة بكل واحد منهما حالة الانفراد أن تتعلق بهما ~~حالة الاجتماع ووزانه ما لو قدرنا ارادة الحركة والسكون من أحدهما معا فإنه ~~غير متصور ولو جاز تعلقها بكل واحد منهما منفردا وليس هذا إحالة لما كان ~~جائزا في نفسه فان ما كان جائزا هو إرادته منفردا والمحال إرادته في حال ~~كونه مجامعا وبهذا يندفع قول القائل إن ما جاز تعلق الارادة به حالة ~~الانفراد جاز تعلقها به حالة الاجتماع إذ الاجتماع لا يصير الجائز محالا ~~وهذا الكلام بعينه في الإرادة هو أيضا لازم في صفة القدرة وأما القول بأن ~~عجز احدهما يستدعى عجزا قديما ( و ) معجوزا عنه فيلزم مثله في القدرة فإن ~~القادر قادر بقدرة قديمة فإن استدعى العجز قدم المعجوز عنه وجب أن تستدعى ~~القدرة قدم المقدور # فإن قيل القدرة ليس معناها غير التهيؤ والاستعداد للإيجاد والإحداث وذلك ~~لا يستدعى قدم المقدور قيل والعجز لا معنى له إلا عدم القدرة على الإحداث ~~وذلك أيضا لا يوجب قدم شئ ما لا بل أولى فإن وجود القدرة إذا لم يستدع ~~مقدورا فعدمه بعدم الاستدعاء أولى PageV01P152 # المسلك الثانى هو أنهم قالوا الطريق الموصل إلى معرفة البارى تعالى ليس ~~إلا وجود الحادثات لضرورة افتقارها إلى مرجح ينتهى الأمر عنده وهى لا تدل ~~على أكثر من واحد # وهو أيضا مما لا يقوى فإن حاصلة يرجع إلى نفى الدليل الدال على وجود ~~الاثنين ولا بد فيه ms104 من الاستناد إلى البحث والتفتيش وذلك غير يقينى على ما ~~لا يخفى ثم ولو قدر انتفاء كل دليل فذلك مما لا يكفى من رام نفى المدلول ~~لجواز وجوده في نفسه وانتفاء دليله # فالصواب في هذا الباب # أن يقال لو قدرنا وجود الإلهين لم يخل اما أن يشتركا من كل وجه أو يختلفا ~~من كل وجه أو يشتركا من وجه دون وجه فإن كان الاول فلا تعدد ولا كثرة وان ~~كان الثانى فلا محالة أنهما لم يشتركا في وجوب الوجود ولا فيما يجب لله من ~~الكمالات ويستحيل عليه من الصفات وإذ ذاك فأدحهما لا يكون إلها وإن كان ~~الثالث فتخصيص ما به الاشتراك مما به الافتراق في كل واحد منهما اما أن ~~يستند اليه أو إلى خارج عنه فان استند اليه فإما أن يكون ذلك له بالذات أو ~~بالإرادة لا جائز أن يكون له لذاته والا لوجب الاشتراك فيه لضرورة أن ~~المقتضى له فيهما واحد وإن كان ذلك له بالإرادة استدعى كونه متحققا وموجودا ~~دون ما خصصه وهو محال وان كان ذلك مستندا إلى خارج لزم أن يستندا في ~~وجوبهما كل واحد على صاحبه وهو ممتنع ومع كونه ممتنعا فيلزم أن يكون كل ~~منهما ممكنا وجوده وهو محال PageV01P153 # وأيضا فإنا لو قدرنا وجود إلهين وقدرنا وجود حادث فإما أن يستند في وجوده ~~إليهما أو إلى أحدهما لا جائز أن يستند إليهما فإنه إما أن يضاف حدوثه ~~بكليته إلى كل واحد منهما بجهة الاستقلال أو يكون مضافا إليهما على وجه لو ~~قدر عدم أحدهما لم يكن موجودا فإن كان القسم الأول فهو ظاهر الإحالة ثم ~~يلزم إسقاط تأثير أحدهما وليس ما يفرض اسقاط تأثيره بأولى من الآخر وذلك ~~يفضى إلى إسقاط تأثيرهما معا لاستحالة الجمع بين التأثير واستقلال أحدهما ~~وان كان القسم الثانى فهو محال أيضا فإن إيجاد كل واحد منهما ليس إلا ~~بالإرادة والقصد لا بالطبع والذات لضرورة كون الموجود المفروض حادثا كما ~~سنبينه وإذ ذاك فيمتنع قصد كل واحد منهما ms105 إلى الإيجاد لتعذر استقلاله به ~~ويتعذر قصده أيضا إلى بعض الإيجاد لتعذر وقوعه به وعلى هذا يمتنع وقوع ~~الايجاد لتعذر وقوع قصديهما وقد فرض وقوع الإيجاد # ولا جائز أن يقال ما المانع من أن يقصد كل واحد منهما مشاركة الآخر لأن ~~القصد إما للمشاركة في نفس القدرة أو في نفس الفعل فان كان الأول فمستحيل ~~إذ القدرة الإلهية غير مخصصة له وإلا افضى إلى التسلسل فلا يتصور قصد ~~الشركة فيها وان كان الثانى فلا محالة أن قصد الشركة غير قصد نفس المشترك ~~فيه وقصد المشترك فيه يعنى أن يكون مضافا في الإيجاد والإحداث إلى أحدهما ~~على وجه الاستقلال من غير أن يكون للآخر تأثير ألبته وليس القول بإضافته ~~إلى احدهما على الخصوص بأولى من الآخر لكونهما مثلين وذلك يفضى إلى القول ~~بانتفاء الحوادث وهو محال PageV01P154 # فإن قيل قد صادفنا في العالم خيرا وشرا وكل واحد منهما يدل على مريد له ~~ولا محالة أن مريد الشر لا يكون مريدا للخير وكذا بالعكس واختلاف المرادات ~~يدل على اختلاف المريد # قلنا الاستدلال على وجود الإله إنما هو مستند إلى الجائزات وافتقارها إلى ~~المرجح من حيث هى جائزة ولا اختلاف بينها فيه والفاعل لها إنما يريدها من ~~حيث وجودها والوجود من حيث هو وجود خير محض لا شر فيه وهو ما يقع مرادا ~~للبارى تعالى وأما الشر من حيث هو شر فليس هو مستندا إلا إلى اختلاف ~~الأغراض أو إلى قول الشارع افعل أو لا تفعل كما سنبينه وذلك مما لا يوجب ~~كونه شرا في نفسه فإذا ليس الشر بما هو شر ذاتا يطلب حدوثها ولا عدمها حتى ~~يقال إن ما اقتضاه يجب أن يكون غير ما اقتضى نفس الخير ثم لو قدرنا أن ذلك ~~مما يصح قصده وأنه ذات وأنه حقيقة لكن لا يخفى التحكم بدعوى انتسابه في ~~الإيجاد إلى غير ما نسب إيجاد الخير له بل لا مانع من أن يكون إيجادهما ~~بإيجاد موجد واحد إلا على فاسد أصل القائل بالصلاح والأصلح ms106 وتحسين الفعل ~~لذاته وتقبيحه وسيأتى وجه إبطاله إن شاء الله # وهذا آخر ما أردنا ذكره ههنا والله الموفق للصواب @ 156 PageV01P155 ~~PageV01P156 & القانون الرابع # | في إبطال التشبيه وما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز ويشتمل على قاعدتين ~~أ في بيان ما يجوز على الله تعالى ب في بيان ما لا يجوز عليه سبحانه @ 158 ~~PageV01P157 PageV01P158 # القاعدة الأولى # في بيان ما يجوز على الله تعالى # وقد أطبقت الأشاعرة وغيرهم من أهل الحق على جواز رؤية البارى عقلا ~~ووقوعها شرعا واجمعت الفلاسفة وجماهير المعتزلة على انتفاء ذلك مطلقا # ومن أهل الضلال من فصل وقال إنه يرى نفسه وإنما يمتنع ذلك على غيره # والواجب البداية بتقديم النظر في طرف الجواز العقلى أولا ثم في وقوعه ~~شرعا ثانيا وقد سلك المتكلمون في ذلك من أهل الحق مسالك لا تقوى # المسلك الأول # هو ما اشتهر من قولهم الرؤية تتعلق بالموجودات المختلفة كالجواهر ~~والأعراض ولا محالة أن متعلق الرؤية فيها ليس إلا ما هو ذات ووجود وذلك لا ~~يختلف وان تعددت الموجودات وأما ما سوى ذلك مما يقع به الاتفاق والافتراق ~~فأحوال لا تتعلق بها الرؤية لكونها ليست بذوات ولا وجودات وإذا كان متعلق ~~الرؤية ليس إلا نفس الوجود وجب أن تتعلق الرؤية بالبارى لكونه لا محالة ~~موجودا PageV01P159 # ومن نظر بعين التحقيق علم أن المتعلق به منحرف عن سواء الطريق # وذلك أنه وإن سلم جواز تعلق الرؤية بالجواهر والأعراض مع امكان النزاع ~~فيه فهو لا محالة إما أن يكون من المعترف بالأحوال أو قائلا بنفيها فإذا ~~كان من القائل بها فالوجود الذى هو متعلق الرؤية حينئذ لا بد وأن يكون هو ~~نفس الموجود لا زائدا عليه وإلا كان حالا وخرج عن أن يكون متعلق الرؤية ~~وإذا كان هو نفس الموجود وليس بزائد على الذات فلا بد من بيان الاشتراك بين ~~الذوات الموجودة شاهدا وغائبا والا فلا يلزم من جواز تعلق الرؤية بأحد ~~المختلفين جواز تعلقها بالآخر ولا يخفى أن ذلك مما لا سبيل اليه والا كان ~~البارى ممكنا لمشاركته ms107 الممكنات بذواتها في حقائقها وهو متعذر # ثم ولو قيل ليس متعلق الإدراك هو نفس الوجود بل ما وقع به الافتراق ~~والاختلاف بين الذوات كما ذهب اليه بعض الخصوم من المعتزلة لم يجد في دفع ~~ذلك مستندا غير الاستناد إلى محض الدعوى وليس من الصحيح ما قيل في دفعه من ~~أن الإدراك اخص من العلم والعلم عند الخصم مما لا يصح تعلقه بالأحوال على ~~حيالها فيمتنع دعوى تعلق ما هو أخص بها فإنه لا يلزم من انتفاء تعلق العلم ~~بشئ على حياله وان كان أعم إنتفاء تعلق الأخص به اللهم الا ان يكون الأعم ~~جزءا من معنى الأخص ويكون تعلق الأخص به من جهة ما اشتمل عليه من حقيقة ما ~~تخصص به من المعنى العام إذ هو نفس حقيقة ما منع من تعلقه وهو تناقض اما ان ~~كان الأعم كالعرض العام للأخص أو هو داخل في معناه لكن تعلق المتعلق ليس ~~إلا من جهة خصوصه لا من جهة ما يتضمنه من المعنى PageV01P160 العام فلا ~~مانع من ان يكون تعلقه بالشئ على حياله وان كان تعلق المعنى العام به لا ~~على حياله # ثم ولو قدرنا امتناع تعلق الاخص بالشئ على حياله لضرورة امتناع تعلق ~~الأعم به على حياله فحاصله إنما هو راجع إلى مناقضة الخصم في مذهبه وهو غير ~~كاف فيما يرجع إلى الاستقلال بتحصيل المطلوب لضرورة تخطئة الخصم فيما وقع ~~مستندا له وهو من خصائص مذهبه ولهذا لو اعترف بخطئه فيما ذهب إليه لم يك ما ~~قيل مثمرا للمطلوب ولا لازما عليه كيف وأن ذلك وإن كان مناقضا لبعض الخصوم ~~كالجبائى ومن تابعه لضرورة منعه من تعلق العلم بما وقع به الاتفاق ~~والافتراق على حياله فهو غير لازم في حق غيره اللهم إلا أن يكون قائلا ~~بمقالته وذلك مما لا سبيل إلى دعوى عمومه # وان كان من القائلين بنفى الأحوال فما وقع به الاختلاف بين الذوات حينئذ ~~لا مانع من أن يكون من جملة المصحح للرؤية لكونه ذاتا وإذ ذاك فلا ms108 يلزم منه ~~جواز تعلق الرؤية بواجب الوجود إلا أن يبين أن ما كان مصححا للرؤية في باقى ~~الذوات متحقق في حق واجب الوجود وهو متعذر # ولما تخيل بعض الأصحاب زيغ هذه الطريقة عن الصواب انتهج منهجا آخر فقال ~~إن الجواهر والأعراض متعلق الرؤية ولا محالة أن بينهما اتفاقا وافتراقا ~~فمتعلق الرؤية ومصححها إما ما به وقع الاتفاق أو الافتراق أو هما معا لا ~~جائز أن يكون المصحح PageV01P161 ما به الاتفاق والافتراق معا أو الافتراق ~~فقط إذ المصحح يكون في الجملة مختلفا والحكم الواحد في المعقولات يستحيل أن ~~تكون له علل مختلفة أو يكون المعلول أعم منه فبقى أن يكون المصحح ما به ~~الإتفاق فقط وما تخيل الاشتراك فيه بين الجواهر والأعراض ليس إلا الوجود ~~والحدوث لا غير والحدوث لا يصلح أن يكون هو المصحح لتعلق الادراك بالشئ ~~فإنه قد يدرك لا في حالة حدوثه كيف وأن بعض الجواهر وبعض الإعراض حادثة عند ~~الخصم و لا يتعلق بها الإدراك فيمتنع أن يكون هو المصحح ثم إن معنى الحدوث ~~ليس إلا كون الشئ موجودا بعد العدم أي لم يكن فكان أو أنه ما لا يتم وجوده ~~بنفسه وكل هذه سلوب واعدام لا سبيل إلى القول بتعلق الإدراك بها فبقى أن ~~يكون المصحح للإدراك إنما هو الوجود فقط وواجب الوجود موجود فوجب القول ~~بجواز تعلق الإدراك به # وهذا الإسهاب أيضا مما لا يشفى غليلا إذ القول بأن الرؤية لا بد لها من ~~مصحح إما أن يراد به الفاعل أو القابل أو الغاية منه فلا معنى لحصره فيما ~~اختلفت فيه القوابل واتفقت بل جاز أن يكون الفاعل امرا خارجا وسواء كان ~~تأثيره وفعله بالطبع أو الارادة وعند ذلك فلا بد من أن يتبين تحقق مثله في ~~جانب تعلق الرؤية بواجب الوجود حتى يصح كيف وانه لا يصح ذلك بمجرد تحقق ~~الفاعل مع تعذر القابل ولهذا قالت الخصوم من الإلهيين إن العقل لنفوس ~~العالم علة فاعلية والمعلول متوقف على اعتدال المادة وتهيئها لقبوله فلا بد ms109 ~~مع الاشتراك في الفاعل من تحقق وجود القابل لا محالة ثم ولو قدر انحصار ~~الفاعل فيما وقع به الاختلاف والاتفاق في القوابل فلا يمتنع أن يكون ~~PageV01P162 ما وقع به الافتراق له مدخل في التأثير والقول بأن الحكم ~~الواحد العقلى لا يكون له علتان ولا يكون أعم من علته فيلزم عليه تعلق ~~العلم بمتعلقاته فإنها مختلفة من الواجب والجائز والمستحيل ولا محالة أنا ~~لا نجد معنى واحدا وقضية متحدة يقع بها الاشتراك بين هذه الأقسام الثلاثة ~~فان كان لابد وأن يكون الفاعل ما وقع به الاتفاق والافتراق بين القوابل ~~فيلزم أن يكون الفاعل ههنا مختلفا والمعلول متحدا لضرورة عدم الاشتراك في ~~معنى واحدا كما بيناه # ثم إن المعلول إنما يكون أعم من العلة عند القول بتعددها أن لو كان ~~المعلول في نفسه واحدا لا تكثر فيه أما إذا كان متعددا بتعدد محاله ~~ومتعلقاته فلا إذ لا مانع من ان يكون كل واحد من العلتين المختلفتين يؤثر ~~في أحد المعلولين دون الآخر ولا يترتب معلول كل واحد على العلة الأخرى كيف ~~وأن هذا القائل ممن يجوز صدور المختلفات عن الواحد فما بال الواحد مما ~~يمتنع صدوره عن المختلفات وما الذى يمكن أن يتخيل فارقا بين الصورتين ~~وقادحا بي الحالتين # ثم إن هذا القائل إن كان ممن يعترف بأن الوجود هو نفس الموجود وأنه ليس ~~بزائد على ذات الموجود فلا محالة أن الذوات مختلفة ولا محيص من الاعتراف ~~بكون المخصص مختلفا وعند ذلك فلا يلزم من جواز تعلق الرؤية بأحد المختلفين ~~جواز تعلقها بالآخر وان كان ممن يقول بكونه زائدا على ذات الموجود فإما أن ~~يكون قضية مطلقة مشتركة أو أن يكون له تخصيص بكل واحد من الذوات فإن كان ~~الأول فمحال أن يتعلق PageV01P163 به الإدراك وان كان الثانى فلا خلاف في ~~تغايره وإذ ذاك فلا بد من الاختلاف بين هذه الحودث في امر زائد على نفس ~~الوجود والا لما صح القول بالتغاير وعند ذلك فإما أن يكون الوجود متعلق ~~الرؤية أو مصححا ms110 لها مع قطع النظر عن المخصص فهو ممتنع وإما أن لا يكون ~~مصححا إلا بالنظر إلى المخصص فلا مانع من جعل المخصص من جملة المصحح ولا ~~مهرب منه هذا ان أريد به الفاعل # وإن أريد به القابل فالقابل لما اتحدت حقيقته لا يجب أن يكون هو في نفسه ~~متحدا كما في تعلق العلم بمتعلقاته ثم إنه لا خلاف في جواز تعدد المقبول ~~واتحاد القابل إذ الشئ الواحد قد يكون قابلا للكمية والكيفية والإضافة وغير ~~ذلك من الأغراض مع اختلافها وإذا لم يبعد اتحاد القابل لم يبعد اتحاد ~~المقبول وتعدد القابل أيضا ثم إنه إما أن يكون وجود الموجود الذى هو المصحح ~~هو نفس الوجود أو زائدا عليه وعلى كلا التقديرين فيلزم التعدد في المصحح ~~كما سلف # وإن أريد بالمصحح الغاية فهو إن سومح فيه فلا معنى لحصره فيما وقع به ~~الاتفاق والافتراق في القابل أيضا ثم يلزم عليه تعلق العلم بمتعلقاته كما ~~أسلفناه ولا محيص عنه وإن أريد به ما هو كالذاتى فلا يخفى أن قول القائل ما ~~وقع به الاتفاق والافتراق بين متعلقات الإدراك يكون ذاتيا لنفس الإدراك ~~تضليل وحيد عن واضح السبيل كيف ويلزم عليه أيضا تعلق العلم بمتعلقاته كما ~~سلف # ثم لو سلم أن ما وقع به الافتراق لا يصلح أن يكون مصححا فإن المصحح لا بد ~~وأن يكون أمرا مشتركا فلا بد من بيان أنه لا مشترك إلا الوجود والا فمع ~~جواز القول باشتراكهما في معنى آخر غير الوجود فيجوز أن يكون هو المصحح أو ~~داخلا في المصحح PageV01P164 وعند ذلك فلا يلزم جواز تعلق الرؤية بواجب ~~الوجود لجواز أن يكون المصحح غير شامل له كما في الوجود وذلك لا دليل عليه ~~غير البحث والسبر وهو ما لا يرقى إلى ذروة اليقين بل لعله مما يقصر عن ~~إفادة الظن والتخمين # كيف وأن ما سلم الخصم تعلق الرؤية به شاهدا ليس إلا الأجرام أو ما قام ~~بها دون الجواهر التى عنها تكون الأجرام بل أخص من ذلك فإنه ms111 لا يسلم تعلق ~~الرؤية بكل جرم وكل عرض بل بعضها مما لا تتعلق الرؤية عنده به كما في ~~الهواء والطعوم والأراييح ونحوه وإذا لم تتعلق الرؤية بغير الأجرام ~~والأكوان فلا محالة أن الاجرام عند أهل الحق هى كل ما ائتلف من جوهرين ~~فصاعدا ومع قطع النظر عن التأليف فالقول بتفهم معنى الجرم محال والتأليف لا ~~محالة عرض وبينه وبين الأعراض مجانسة ما واشتراك في معنى ما وعند ذلك فلا ~~مانع من أن يكون المصحح للرؤية هو ذلك المعنى ومع القول به فلا سببيل إلى ~~تعلق الرؤية بواجب الوجود لعدم مشاركته لغيره من المرئيات في ذلك المعنى # ثم إنه لو قدر أنه لا مشترك إلا الوجود فلا بد من بيان أن وجود واجب ~~الوجود مجانس للوجود الذى هو متعلق الرؤية شاهدا حتى يلزم تعلق الرؤية به ~~وذلك مما يعز ويشق جدا # PageV01P165 ومما اعتمد عليه أيضا أن قيل الرؤية معنى لا يتأثر به المرئى ~~ولا يتأثر منه لا بأفعال ولا بانفعال وما هذا حكمه في تعلقه فلا مانع من ~~تعلقة وصار حكمه حكم العلم من غير فرق # واعلم أن هذه الطريقة مع احتاجها إلى تقرير معنى التأثير وحصر الموانع ~~بأسرها ونفيها مما لا حالصل لها وذلك أنه لا يخفى ان تعلق الشئ بغيره ليس ~~مما يتم بانتفاء التأثير وزوال المانع بل لابد من بيان الصلاحية للتعلق بين ~~المتعلقين ولو انتفى كل ما يقدر من الموانع وعند العود إلى بيان الصلاحية ~~والقبولية يرجع الكلام إلى الوجود وتصحيحة للتعلق وقد انتهى القول فيه # فإذا التحقيق في إيضاح الطريق يتوقف على بيان معنى الإدراك والكشف عن ~~حقيقته فنقول الإدراك عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يخيل في النفس ~~من الشئ المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر ولهذا نجد التفرقة بين ~~كون الصورة معلومة للنفس مع قطع النظر عن تعلق الحاسة الظاهرة بها وبين ~~كونها معلومة مع تعلق الحاسة بها فإذا هذا الكمال الزائد على ما حصل في ~~النفس بكل واحدة من ms112 الحواس هو المسمى إدراكا كما مضى وقد بينا أن هذه ~~الإدراكات فيما مضى ليست بخروج شئ من الآلة الدراكة إلى الشئ المدرك ولا ~~بانطباع صورة المدرك فيها وانما هو معنى يخلقه الله تعالى في تلك الحاسة ~~وقد بينا أن البنية المخصوصة ليست بشرط له كما مضى بل لو خلق PageV01P166 ~~الله ذلك المعنى في القلب أو غيره من الأعضاء لقد كنا نسمى ذلك مدركا وإذا ~~جاز أن يخلق الله تعالى في الحاسة زيادة كشف وبيان بالنسبة إلى ما حصل في ~~النفس فلا محالة ان العقل لا يحيل أن يخلق الله تعالى للحاسة زيادة كشف ~~وايضاح بالنسبة إلى ما حصل في النفس من العلم به وأن تسمى تلك الزيادة من ~~الكشف إدراكا والجاحد لذلك خارج عن العدل والانصاف منتهج منهج الزيغ ~~والإنحراف # ومن عرف سر هذا الكلام عرف غور كلام أبى الحسن في قوله إن الإدراك نوع ~~مخصوص من العلوم لكنه لا يتعلق إلا بالموجودات وإذا عرف ذلك فالعقل يجوز أن ~~يخلق الله تعالى في الحاسة المبصرة بل وفى غيرها زيادة كشف بذاته وبصفاته ~~على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس من غير أن يوجب حدوثا ولا نقصا وذلك ~~هو الذى سماه أهل الحق إدراكا # فالمنازعة إذا بعد تحقيق هذا المعنى وإيضاحه إما أن تستند إلى فساد في ~~المزاج أو إلى محض الجحد والعناد # وعلى هذا نقول يجوز أن يتعلق بالإدراك والطعوم والأراييح والعلوم والقدر ~~والإرادات وغير ذلك مما لا تتعلق به الإدراكات في مجارى العادات وبما ~~حققناه يندفع ما يهول به الخصوم ويعتمدون عليه ويستندون في الإلزام اليه ~~وهو قولهم إن الرؤية تستدعى PageV01P167 المقابلة والمقابة تستدعى الجهة ~~والجهة توجب كونه جوهرا أو عرضا فإنهم لم يبنوا ذلك إلا على فاسد أصولهم في ~~أن الأدراك بالبصر لا يكون إلا بانبعاث الأشعة من العين واتصالها بالمبصر ~~أو انطباع المبصر في البصر بسبب المقابلة وتوسط المشف وذلك كله قد ابطلناه ~~وبينا أنه ليس الإدراك إلى نوعا من العلوم يخلقه الله تعالى في البصر ms113 وذلك ~~لا يوجب في تعلقه بالمدرك مقابلة ولا جهة أصلا كيف وأن هذا لا يسوغ من ~~المعترف من الخصوم بكون البارى تعالى يرى نفسه وغيره والا كان البارى تعإلى ~~في جهة ولكان الإزام عليه منعكسا # ومن الاصحاب من أورد في دفع ذلك رؤية الإنسان نفسه في المرآة وان لم يكن ~~في مقابلة نفسه لكن فيه نظر وهو مما لا يكاد يقوى وللخصوم على ما ذكرناه ~~خيالان # الخيال الأول أنهم قالوا ما ذكرتموه في إدراك البصر اما تعممونه بكل ~~الإدراكات أو توجبون تخصيصه بالبصر فقط فان قلتم بالتعميم فيلزمكم على ~~سياقه أن يكون البارى مسموعا ومشموما ومذاقا وملموسا وذلك مما يتحاشى عن ~~القول به ارباب العقول وان قلتم بالتخصيص فلا بد من وجه الافترق بينه وبين ~~باقى الإدراكات والا فهو تحكم غير معقول PageV01P168 # الخيال الثانى # أنهم قالوا لو جاز أن يكون مرئيا على النحو الذى حققتموه لجاز أن يكون ~~مرئيا في دار الدنيا في وقتنا هذا إذ الموانع من القرب المفرط والبعد ~~المفرط والحجب منفية فحيث لم ينفع انتفاء الموانع لم يكن ذلك إلا لكونه غير ~~مرئى في نفسه # قلنا أما الخيال الأول فقد قال بعض الأصحاب إنه إنما لم يجز تعلق باقى ~~الإدراكات به من جهة أن شرط حصول الإدراك بها اتصال الإجسام ومحاذاة ~~الأجرام ولا كذلك البصر وهو مما لا يكاد يفيد إذ الشغب فيه غير منقطع ~~واللجاج غير منحسم ولعل الخصم قد يقابل بمثل ذلك في البصر ودفعه عسير غير ~~يسير # فالحق في ذلك أن يقال إن كل الإدراكات من جهة كونها كمالات يحصل بها مزيد ~~كشف المدرك بالنسبة إلى ما تعلق به من العلم النفسانى وأنها مخلوقة لله ~~تعإلى في محال الإدراك من غير تأثير في المدرك والمدرك والاتصال والانفصال ~~فغير مختلفة وإنما الاختلاف فيها من جهات أخر وذلك أن ما يخلقه الله من ~~زيادة الكشف إن كان من ذات الشئ ووجوده بالنسبة إلى ما يحصل من تعلق علم ~~النفس به شرحا سمى ذلك نظرا وان تعلق ms114 العلم بكونه كلاما كان ذلك من الكلام ~~النفسانى أو اللسانى مما يحصل بخلق الله تعالى من زيادة الكشف بكونه كلاما ~~لا من جهة كونه موجودا سمى ذلك سماعا وبهذا المعنى سمى موسى سامعا لكلام ~~الله تعالى وما يحصل بخلق الله PageV01P169 تعالى من زيادة الكشف بطعم شئ ~~على ما حصل من العلم به لا من جهة كونه موجودا أو كلاما سمى ذلك الإدراك ~~ذوقا وعلى هذا النحو فيما يدرك من الكيفيات المحسوسة الأربعة أو الملموسات # ولا محالة أن هذه الإدراكات مختلفة النوعية متمايزة بالخواص فإن ما حصل ~~من الكشف والزيادة من كون الموجود موجودا امر يغاير بذاته ما حصل من مزيد ~~الكشف من كونه كلاما أو طعما أو رائحة أو غيره فامتناع كون البارى مسموعا ~~انما كان من جهة أنه ليس هو في نفسه كلاما ولا حقيقته نطقا فالعلم لم يتعلق ~~به بكونه كلاما فادراكه إذ ذاك بالسمع يكون ممتنعا بلى لو قيل إن كلامه ~~يكون مسموعا لقد كان ذلك جائزا وعلى هذا النحو امتناع كونه مشموما ومذوقا ~~وملموسا ولا كذلك البصر فإن البصر هو ما يخلقه الله من زيادة الكشف من كونه ~~ذاتا ووجودا وذلك مما لا يستحيل تعلق العلم به حتى لا يسمى ما حصل من مزيد ~~الكشف عيله بصرا ومن عرف ما نعنى بإدراك هان عليه الفرق وسهل لديه فهم معنى ~~الرؤية واندفع عنه الاشكال وزال عن ذهنه الخيال # وعلى هذا حصول مثل هذه الإدراكات لله تعالى واتصافه بها غير ممتنع في ~~نفسه عقلا وان لم يجز القول بإطلاقها عليه شرعا لعدم وروده بها فإن حصول ~~الإدراكات المختلفة لمدرك واحد جائز أما تعلق الإدراكات المختلفة بمدرك ~~واحد من جهة واحدة فممتنع كما بينا واما انتفاء وقوع الإدراك في وقتنا هذا ~~فإنما يلزم منه انتفاء جواز تعلق الإدراك به أن لو لم يقدر ثم مانع وصاد ~~وليس مستندهم في حصر ما ذكروه من الموانع غير البحث والسبر وأعلى درجاته أن ~~يفيد ظنا بعدم المانع لا علما كيف وأنه من ms115 المحتمل أن يكون المانع من ~~الإدراك تكدر النفس بالشواغل البدنية وانغماسها في الرذائل الشهوانية ~~وتعلقها بعالم الظلال وانهماكها في البدن وما يتعلق به من الأحوال فعند ~~صفوها في الدار PageV01P170 الأخرى وزوال كدورتها بانقطاع علائقها وانفصال ~~عوائقها يتحقق لها ما كانت مستعدة لقبوله ومتهيئة لإدراكه # ولا يهولنك ما يجعجع به الخصم ويشنع وهو قوله لو جاز أن يكون مدركا لا ~~متنع أن لا يتعلق به الإدراك مع سلامة آلة الإدراك والا جاز أن يكون ~~الإنسان بين يديه فيل واقف أو جبل شامخ وهو لا يراه # فذلك من السفسطة والتجاهل لأنه لما وقع الاشتراك في اسم الجواز بين ~~الجواز العقلى والعادى ورأى ان من حكم بذلك كان بالنظر إلى العادة مستقيما ~~ظن ذلك واقعا في القطعى أيضا وليس كذلك على ما سبق تحقيقه ثم وكيف ننكر ذلك ~~مع ما قد ورد من الأخبار وتواتر من الآثار المستندة إلى الشريعة الطاهرة ~~والرسالة الظاهرة مما أوجب لنا العلم بان محمدا صلى الله عليه كان يرى ~~جبريل ويسمع كلامه عند نزوله عليه ومن هو حاضر في مجلسه لا يدرك شيئا من ~~ذلك مع سلامة آلة الإدراك # ومما يلزم المعترف بالنبوات المصدق بالرسالات في جواز تعلق الإدراك ~~بالبارى PageV01P171 تعالى قول الكليم @QB@ أرني أنظر إليك @QE@ ولو كان ~~مستحيلا لكان الكليم الأمين على الرسالة المصطفى للنبوة جاهلا بالله ومما ~~يكون لو كان عليه لجاز أن يعتقده جسما أو عرضا أو غير ذلك وذلك مما تأباه ~~العقول ومراتب الإمامة حيث اعتقد بالله ما لا يليق به وذلك كفر ولا يلزم ~~عليه عدم معرفته لوقوع الرؤية في الدنيا فان الظن بذلك أو الجهل به لا يعد ~~كفرا # وقوله @QB@ تبت إليك @QE@ مما لا ينهض شبة في جواز خطئه وجهله بذلك إذ ~~التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع ومنه قوله @QB@ تاب عليهم ليتوبوا @QE@ أى رجع ~~عليهم بالفضل والإنعام وعند ذلك فيحتمل أنه أراد بالتوبة أن لا يرجع إلى ~~مثل تلك المسألة لما رأى من الأهوال لا لكونه غير جائز في نفسه ويحتمل أنه ms116 ~~لما رأى تلك الأهوال تذكر له ذنبا فأقلع عنه بالتوبة لا لأن ما سأل عنه ليس ~~جائزا في نفسه ولا يمكن حمل السؤال على طلب مثل ذلك الجواب لأجل دفع توقعهم ~~في قولهم @QB@ أرنا الله جهرة @QE@ ولا على العلم بالله والمعرفة به فانه ~~كيف يظن بالنبى سؤال المحال لأجل قومه بل لو علم أن ذلك مما لا يجوز لبادر ~~إلى دفعهم في الحال كما قال لهم @QB@ إنكم قوم تجهلون @QE@ عند PageV01P172 ~~قولهم @QB@ اجعل لنا إلها @QE@ كيف وقد وقع ردعهم وزجرهم عن مثل ذلك السؤال ~~بأخذ الصاعقة لهم والعذاب الأليم عقيبه كما قال تعالى @QB@ فأخذتهم الصاعقة ~~وهم ينظرون @QE@ وليس في أخذ الصاعقة لهم ما يدل على امتناع ما طلبوه بل ~~لأنهم طلبوا ذلك في معرض التشكيك في نبوة موسى وقصدوا إعجازه عن ذلك فأنكر ~~الله ذلك منهم كما انكر قولهم @QB@ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا @QE@ وقولهم @QB@ أنزل علينا مائدة من السماء @QE@ لا لأن ذلك ~~مستحيل بل بالنظر إلى ما قصد بالسؤال ههنا ثم الآية بظاهرها تدل على أن ~~السؤال لم يكن إلا لموسى عليه السلام بقوله @QB@ أرني @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني @QE@ ولو ~~كان المقصود من ذلك دفع قومه عن سؤال الرؤية لم ينتهض دفع موسى عن الرؤية ~~شبهة في دفع قومه # وأما حمل الطلب على المعرفة بالله فأبعد من الأول أيضا من جهة أن لفظ ~~النظر إذا أطلق فالمفهوم منه ظاهرا ليس إلا النظر بالعين ثم إن موسى عليه ~~السلام لم يكن جاهلا بربه ولا غير عارف به وإلا لما صح كونه نبيا فحمل ~~الرؤية على التعريف لما قد عرفه يكون من عبث الكلام وسمجه ولا يجوز أن ينسب ~~مثل ذلك إلى جاهل غبى فضلا عن نبى صفى # لكن قد يتخيل من @QB@ لن تراني @QE@ ما يدرأ القول بالجواز وهو بعيد فإنا ~~سنبين أن ذلك لم يكن منعا له إلا في الدنيا وان قيل إن ذلك للتأبيد فليس ~~منه ما ms117 يدل على نفى PageV01P173 الجواز بل لو قيل إنه يدل على الجواز لقد ~~كان ذلك سائغا واقعا من جهة انه لم يقل لست بمرئ بل احال ذلك على عجز ~~الرائى وضعفه عن الإدراك بقوله @QB@ لن تراني @QE@ ولو كان غير مرئى لكان ~~الجواب لست بمرئى كما لو قال أرنى أنظر إلى صورتك ومكانك فإنه لا يحسن أن ~~يقال لن ترى صورتى ولا مكانى بل لست بذى صورة ولا مكان # وعلى الجملة فلسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلى الذى ~~اوضحناه إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية والاستبصارات العقلية وهى ~~مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين فلا يذكر إلا على سبيل التقريب واستدراج ~~قانع بها إلى الإعتقاد الحقيقى إذ رب شخص يكون انقياده إلى ظواهر الكتاب ~~والسنة واتفاق الأمة اتم من انقياده إلى المسالك العقلية والطرق اليقينية ~~لخشونة معركها وقصوره عن مدركها # وإذا عرف جواز الرؤية عقلا فيدل على وقوعها شرعا قوله تعالى @QB@ وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ ووجه الاحتجاج منه أن النظر في لغة العرب ~~قد يطلق بمعنى PageV01P174 الانتظار ومنه قوله تعإلى @QB@ انظرونا @QE@ ان ~~انتظرونا وقوله @QB@ ما ينظرون إلا صيحة واحدة @QE@ أي ينتظرون ومنه قول ~~الشاعر % فإن يك صدر هذا اليوم ولى % فإن غد لناظره قريب % # | أي لمنتظره وهو إذا استعمل بهذا المعنى جاء من غير صلة وقد يطلق ويراد ~~به التفكر والاعتبار وإذا استعمل بإزائه وصل بفى ومنه يقال نظرت في المعنى ~~الفلانى أو في الكتاب وقد يطلق ويراد به العطف والرحمة وإذا استعمل بازائه ~~وصل باللام ومنه تقول العرب نظر فلان لفلان وقد يطلق بمعنى الإبصار بالبصر ~~وإذا استعمل بإزائه وصل بإلى ومنه قول الشاعر % إنى إليك لما وعدت لناظر % ~~نظر الذليل إلى العزيز القاهر % # ومقال العرب نظرت إلى فلان أى أبصرته ببصرى # والنظر المذكور في الآية موصول بإلى فوجب حمله لغة على النظر بالعين فإن ~~قيل قد يوصل النظر بإلى ولا يراد به الإبصار بالعين ومنه قول الشاعر % ويوم ~~بذى قار رأيت وجوهم % إلى ms118 الموت من وقع السيوف نواظرا % $ PageV01P175 ~~والموت لا يتصور ان يكون مرئيا بالعين ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بقوله ~~@QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ أى إلى ثواب ربها ناظرة ويكون ~~ذلك تجوزا بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كيف وهى معارضة بقوله ~~تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ وقوله لموسى @QB@ لن ~~تراني @QE@ وهى للتأبيد وليس العمل بأحد الظاهرين بأولى من الآخر بل ~~الترجيح لنا فإنه أورد ذلك في معرض التمدح والاستعلاء فلو جاز أن يكون ~~مدركا لزال عنه التمدح وهو محال # قلنا قد بينا أنه مهما اتصلت إلى بالنظر فإنه لا يراد به غير النظر ~~بالعين هو المراد من قول الشاعر % إلى الموت من وقع السيوف نواظرا % # | لكن يحتمل أنه أراد بالموت الكر والفر والطعن والضرب معبرا باسم المسبب ~~عن السبب ويحتمل أنه أراد به أهل الحرب الذين يجرى الموت والقتل على أيديهم ~~ولهذا قال الشاعر % أنا الموت الذى خبرت عنه % فليس لهارب منى نجاء % # وأما نسبة النظر إلى الثواب فمع مخالفته الظاهر فيمتنع حمله عليه فإن ذلك ~~إنما ورد في معرض الامتنان والإنعام والنظر إلى الثواب ليس بثواب ولا إنعام ~~فيكون فيه إبطال فائدة الانعام وهو ممتنع PageV01P176 # اما قوله @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ فيحتمل أنه اراد ~~به الإدراك الذى يتبادر إلى الأفهام ويغلب على الأوهام من الإحاطة بالغايات ~~والتحديد بالنهايات دفعا لوهم من يتوهم أنه يرى لصورة أو شكل مخصوص ويحتمل ~~أنه أراد بذلك في دار الدينا ويكون المراد من ذلك اللفظ العام المعنى الخاص ~~كما في قوله @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ وقوله @QB@ ما تذر من شيء أتت عليه ~~إلا جعلته كالرميم @QE@ إلى غير ذلك من الآيات والظواهر السمعيات وأما وجه ~~التمدح فليس إلا في قوله @QB@ يدرك الأبصار @QE@ لا في قوله @QB@ لا تدركه ~~الأبصار @QE@ ولا يمكن حمله على كلا القسمين فان بعض الموجودات عند الخصم ~~لا يدرك بالأبصار وليست ممدوحة بذلك وامتداحه لنفسه فيما وقع به الاشتراك ~~بينه وبين ما ليس بممدوح محال كما إذا ms119 قال أنا موجود أو ذات كيف لا وإن ~~الخصم لا يمكنه التمسك بهذه الآية فان ما ثبت للبارى تعالى يجب أن يكون نفس ~~ما نفى عن غيره وما ثبت للبارى عند الخصم ليس إلا نفس العلم بالأبصار لا ~~أمرا زائدا عليه فالمنفى عن الأبصار يجب أن يكون نفس العلم وليس ذلك حجة في ~~نفى الإدراك الذى هو زائد على العلم PageV01P177 # وقوله لموسى عليه السلام @QB@ لن تراني @QE@ فيحتمل أنه أراد ذلك في دار ~~الدنيا لا في العقبى وهو الأولى لآن يكون الجواب مطابقا للسؤال وهو لم يسأل ~~الرؤية في غير الدنيا # ولن فقد قيل المراد بها التأكيد لا التأبيد وإذ ذاك فالتخصيص جائز كما ~~مضى وإن قدر أن ذلك متأبد في حق موسى عليه السلام فليس ذلك حجة في نفى ~~الرؤية بالنسبة إلى غيره مطلقا والقول بتأويل هذه الظواهر على ما ذكرناه ~~أولى عملا بالظاهر من الجانبين وجمعا بين الدليلين وذلك لا ينعكس في تأويل ~~ما اعتمدنا عليه فإن ذلك لا يقع الا بصرفه إلى ما لا يعهد بالأجماع إطلاقه ~~عليه وبإبطال فائدة الإنعام وكلاهما بعيدان ولا كذلك ما ذكرناه من التأويل ~~إذ قد عهد مثله في الأدلة السمعية والظواهر الشرعية غالبا وهذا غاية ما ~~يعتمد عليه في طرف الوقوع ومن رام اليقين فيه إيجابا أو سلبا فقد كلف نفسه ~~حرجا # والله الموفق للرشاد PageV01P178 # | القاعدة الثانية # في ابطال التشبيه وبيان ما لا يجوز على الله تعالى # معتقد اهل الحق ان البارى لا يشبه شيئا من الحادثات ولا يماثله شئ من ~~الكائنات بل هو بذاته منفرد عن جميع المخلوقات وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا ~~عرض ولا تحله الكائنات ولا تمازجه الحادثات ولا له مكان يحويه ولا زمان هو ~~فيه اول لا قبل له وآخر لا بعد له ليس كمثله شئ وهو السميع البصير # وأما اختلاف مذهب أهل التشبيه فقد قالت الفلاسفة إنه جوهر بسيط لا تركيب ~~فيه بوجه من الوجوه ولم يتحاشوا من إطلاق اسم الجوهر عليه وفسروا الجوهر ~~بأنه الموجود ms120 لا فى موضوع والموضوع هو المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل ~~فيه ولربما تحاشى بعض الحذاق منهم عن إطلاق اسم الجوهر عليه وزعم أنه الذى ~~ما هيته إذا وجدت كانت لا فى موضوع والبارى تعالى ليس وجوده زائدا على ~~ماهيته بل ذاته وجوده ووجوده ذاته فلم يوجد فيه معنى الجوهر PageV01P179 # وأما الكرامية فمنهم من قال إنه جسم ومن أهل الاهواء من بالغ وقال إنه ~~صورة على صورة الإنسان ثم هؤلاء اختلفوا فمنهم من قال على صورة شاب أمرد ~~جعد قطط ومنهم من قال هو على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه ~~مركب من لحم ودم # واتفقت الكرامية على أن البارى تعالى محل للحوادث لكنهم لم يجوزوا قيام ~~كل حادث بذاته بل ما يفتقر إليه من الإيجاد والخلق ثم هؤلاء يختلفون في هذا ~~الحادث فمنهم من قال قوله كن ومنهم من قال هو الإرادة وخلق الإرادة أو ~~القول في ذاته يستند إلى القدرة القديمة لا انه حادث بإحداث وأما خلق سائر ~~المخلوقات فإنه مستند إلى الإرادة أو القول على نحو اختلافهم فالمخلوق ~~القائم بذاته يعبرون عنه بالحادث والمباين لذاته يعبرون عنه بالمحدث وقد ~~أطبق هؤلاء على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة لا يتجدد له منها اسم ~~ولا يعود إليه منها حكم حتى لا يقال إنه قائل بقول ولا مريد بإرادة بل قائل ~~بالقائلية مريد بالمريدية وهى المشيئة الأزلية فعلى هذا ما حدث وهو مباين ~~لذاته يسمى محدثا بإحداث وما حدث في ذاته من الصفات تسمى حادثة لا بإحداث ~~بل بالمشيئة القديمة # وقد اتفتق هؤلاء بأسرهم مع بعض الحشوية على أن البارى تعالى في جهة ~~وخصوها بجهة فوق دون غيرها من الجهات لكن اختلفوا في الجهة فقالت الكرامية ~~إن كونه في الجهة كون الأجسام وقالت الحشوية في الجهة ليس ككون شئ من ~~الحادثات فهذه تفاصيل مذاهب أهل الاهواء وتشعبها في التشبيه تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا PageV01P180 # ونحن الآن مشمرون للكشف عن زيف مآخذهم وإبطال مذاهبهم # وقد ms121 سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال لو كان البارى ~~مقدرا بقدر مصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة حادثة ~~في ذاته لكان محدثا إذ العقل الصريح يقضى بأن المقادير في تجويز العقل ~~متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا بغيره ~~فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعى مخصصا ولو استدعى ~~مخصصا لكان البارى تعالى حادثا # ولكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك أنه وإن سلم أن ما يفرض من المقادير ~~والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص لكن انما ~~يلزم أن يكون البارى حادثا أن لو كان المخصص خارجا عن ذاته ونفسه ولعل صاحب ~~هذه المقالة لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم أن يكون البارى حادثا ولا محتاجا ~~إلى غيره أصلا # فإن قيل إن ما اقتصاه بذاته ليس هو بأولى من غيره لتساوى الجميع بالنسبة ~~إليه من جهة الاقتضاء فهو محز التخيلات ولعل الخصم قد لا يسلم تساوى النسبة ~~من جهة الاقتضاء إلا أن يقدر انه لا اختلاف بين هذه الممكنات ولا محالة أن ~~بيان ذلك متعذر جدا كيف وأنه يحتمل أن ينتهج الخصم فى تخصيص هذه ~~PageV01P181 الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر الممكنات ~~وبه درء الإلزام فإذا الواجب التفصيل في إبطال مذاهب أهل الضلال # وأول مبدوء به إبطال القول بكونه جوهرا فنقول # لو كان جوهرا لم يخل إما ان يكون واجبا بذاته أو ممكنا أو ممتنعا لا جائز ~~أن يكون ممتنعا وإلا لما وجد ولا جائز أن يكون ممكنا وإلا لافتقر إلى مرجح ~~خارج عن ذاته وهو ممتنع كما سلف ولا جائز ان يكون واجبا لذاته وإلا لكان كل ~~جوهر واجبا لذاته إذ حقيقة الجوهر من حيث هو جوهر لا تختلف وهذه المحالات ~~انما لزمت من فرض كون البارى تعالى جوهرا فليس بجوهر فإن ما ليس لا يلزم من ~~فرضه محال # فإن ms122 قيل المعنى بكونه جوهرا ليس إلا أن وجوده لا فى موضوع وهذا القدر إما ~~أن يكون ممنوعا أو مسلما فإن كان ممنوعا فقد أوجبتم افتقار واجب الوجود إلى ~~غيره وهو ممتنع وإن كان مسلما فهو المقصود وأما قولكم إنه لو كان واجبا ~~لكان كل جوهر واجبا للزوم الاشتراك في حقيقة الجوهرية فإنما يلزم أن لو لزم ~~الاشتراك في حقيقة الجوهرية وما المانع من أن يكون جوهرا لا كالجواهر كما ~~أنه ذات لا كالذوات ثم وإن سلم أن الاشتراك في حقيقة الجهورية واقع فيلزمكم ~~مثله في سائر الموجودات لمشاركتها له في الوجود والذات فإن قلتم لم يكن ~~واجبا من حيث هو موجود ولا من حيث هو ذات بل من حيث هو ذات مخصوصة ووجود ~~مخصوص فاقبلوا منا مثله ههنا وهو أنه لم يكن واجبا من حيث هو جوهر مطلقا بل ~~من جهة كونه جوهرا مخصوصا PageV01P182 والجواب أن ما قيل من أن البارى جوهر ~~يعنى أن وجوده لا في موضوع فان أريد بمدلول اسم الجوهر سلب الموضوع عنه فقط ~~فذلك مما لا سبيل إلى انكاره من جهة المعنى وإن كان إطلاقه من جهة الشرع ~~والوضع خطأ وانما محز الإشكال وموضع الخيال دعوى تخصيص سلب الموضوع بحقيقة ~~الجوهر وجعل البارى تعالى جوهرا على النحو الموسوم من إطلاق لفظ الجوهر ولا ~~محالة أن دعوى ذلك مما يقود إلى الإلزام الذى ذكرناه ويسوق إلى المحال الذى ~~أسلفناه # وما قيل من أنه جوهر لا كالجواهر فتسليم للمطلوب من جهة المعنى وانا لا ~~ننكر كونه موجودا وحقيقة لا كالحقائق وانما ننكر كونه مشابها لها وعند ذلك ~~فحاصر الخلاف انما يرجع إلى مجرد إطلاق الأسماء ولا مشاحة فيها الا من جهة ~~ورود التعبير بها وأما ما ذكروه من الإلزام فإنما يتجه أن لو كان غير ~~البارى تعالى مثليا من جهة ما وليس كذلك بل الاشتراك ليس الا في التسمية ~~بكون كل واحد منهما ذاتا ووجودا ومجرد الاشتراك في التسمية لا يوجب ~~الاشتراك بينهما فيما يثبت لأحدهما وهذا بخلاف ms123 الجواهر فإنها من حيث هى ~~جواهر متماثلة فما ثبت لواحد منها ثبت لما هو مماثل له أيضا PageV01P183 # فإن قيل مثله فيما نحن فيه ولم يثبتوا لواجب الوجود من الحوادث مثلا فقد ~~تركوا مذهبهم وعاد الخلاف إلى مجرد التسمية ومطلق العبارة والخطب فيه يسير ~~كما مضى # وأيضا فإنه لو كان جوهر لم يكن القول بكونه مرجحا لغيره من الجواهر بأولى ~~من العكس إذ لا أولوية لأحدهما لتحقق المماثلة بينهما # فإن قيل إنه مرجح لا من حيث هو جوهر بل من جهة ما اختص به من الصفات عن ~~غيره # قلنا ما اختص به من الصفات اما داخلة في ذاته أو خارجة لازمة فان كانت ~~داخلة في ذاته فمن حيث ذاته لم يخالف غيره من الجواهر فإذا لا اختصاص ثم ~~يلزمهم القول بتركب ذات واجب الوجود ولا محيص عنه وان كانت خارجة عن ذاته ~~ملازمة له فهى مفتقرة إليه في وجودها والمفتقر إلى الشئ لا يصلح أن يقوم ما ~~هو من نوع ذلك الشئ # فان قيل ما ذكرتموه لازم على أصلكم أيضا حيث اعتقدتم أن تخصيص الحدوث ~~بإرادته والوجود بقدرته وهذه الصفات إما أن تكون داخلة في ذاته فيلزم أن ~~يكون مركبا وان كانت خارجة لازمة فهى عرضية والأعراض كيف تقوم الجواهر في ~~وجودها وجنسها مفتقر إلى جنسها # قلنا انقلاب هذا الإلزام مما لا يوجب على ما نعتقده مناقضة ولا إفحاما ~~فأما لو سلكنا اعتقاد كونها داخلة في مدلول اسم البارى فهو نفس ما اعتقدناه ~~وعين ما حققناه PageV01P184 وسواء قلنا إنها معتددة أو متحدة كما مضى وان ~~سلكنا كونها خارجة عن مدلول اسمه وذاته فذلك أيضا مما لا يوجب محالا على ~~أصلنا فإنا وان قلنا إنها مفتقرة إليه على نحو افتقار الأعراض إلى ما تقوم ~~به فلا نعتقد أن ذاته والمقوم لما قام بها جوهر حتى يلزمنا المحال لحكمنا ~~بافتقار الجوهر في إيجاده إلى ما لا يتم وجوده إلا مفتقرا إلى ما هو من جنس ~~الجوهر بل المعتقد أن ما قامت به هذه ms124 الصفات ليس من جنس ما هو مفتقر اليها ~~وإذ ذاك فالإشكال مندفع عنا # وإذا ثبت أنه ليس بجوهر لزم ألا يكون جسما فإنه مهما انتفى أعم الشيئين ~~لزم انتفاء الأخص قطعا مع أن ما ذكرناه من المسالك في نفى الجوهرية وما ~~يلزم عليها ووجوه الانفصال عنها يمكن إجراؤها بعينها ههنا # فإن قيل ما نشاهده من الموجودات ليس إلا أجساما واعراضا وإثبات قسم ثالث ~~مما لا نعقله وإذا كانت الموجودات منحصرة فيما ذكرناه فلا جائز أن يكون ~~البارى عرضا لأن العرض مفتقر إلى الجسم والبارى لا يفتقر إلى شئ والا كان ~~المفتقر إليه أشرف منه وهو محال وإذا بطل أن يكون عرضا بقى أن يكون جسما # قلنا منشأ الخبط ههنا انما هو من الوهم باعطاء الغائب حكم الشاهد والحكم ~~على غيرالمحسوس بما حكم به على المحسوس وهو كاذب غير صادق فان الوهم قد ~~PageV01P185 يرتمى إلى أنه لا جسم إلا في مكان بناء على الشاهد وإن شهد ~~العقل بأن العالم لا في مكان لكون البرهان قد دل على نهايته بل وقد يشتد ~~وهم بعض الناس بحيث يقضى به على العقل وذلك كمن ينفر عن المبيت في بيت فيه ~~ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم وان كان عقله يقضى بانتقاء ذلك فإذا اللبيب ~~من ترك الوهم جانبا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبا وإذا عرف أن مستند ~~ذلك ليس إلا مجرد الوهم فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان فإنا ~~قد بينا أنه لا بد من موجود هو مبدأ الكائنات وبينا أنه لا جائز أن يكون له ~~مثل من الموجودات شاهدا ولا غائبا ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبين أن ما ~~يفضى به الوهم لا حاصل له ثم ولو لزم أن يكون جسما كما في الشاهد للزم أن ~~يكون حادثا كما في الشاهد وهو ممتنع لما سبق # وليس هو أيضا عرضا وإلا لافتقر إلى مقوم يقومه في وجوده إذ العرض لا معنى ~~له إلا ما وجوده في موضوع وذلك أيضا محال ولا يتطرق ms125 إليه العدم لا سابقا ~~ولا لاحقا وإلا كان باعتبار ذاته ممكنا ولو كان ممكنا لافتقر في وجوده إلى ~~مرجح كما مضى # فإذا قد ثبت أن البارى تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا محدث ~~PageV01P186 بل أبدي لم يزل وسرمدى لا يزال وهو مع ذلك لا تحله الحادثات ~~ولا تقوم به الكائنات وللمتكلم في ذلك مسالك $ المسلك الاول # هو انهم قالوا لو حجز قيام الحوادث بذات البارى تعالى لاستحال خلوه عنها ~~وما استحال خلوه عن الحوادث فهو حادث والبارى مستحيل أن يكون حادثا # واعلم أن هذا المسلك ضعيف جدا وذلك أنه وان تسومح بتسليم أن مالا يخلو عن ~~الحوادث حادث لكن لا يلزم من كون البارى تعالى قابلا للحوادث أن لا يخلو ~~عنها # فإن قيل إن ما قبل شيئا من الحوادث فهو قابل لضده وضد الحادث حادث ومهما ~~كان قابلا لضده فهو لا يخلو عن أحدهما فلو كان البارى قابلا للارادة ~~الحادثة لم يخل عنها أو عن ضدها ومهما لم يخل عن احدهما وهما حادثان لم يخل ~~من الحوادث وكذا الكلام في القول الحادث أيضا # قلنا الغلط إنما نشأ من الجهل بمدلول لفظ الضد وعند الشكف عنه يتبين الحق ~~من الباطل فنقول الضدان في اصطلاح المتكلم عبارة عما لا يجتمعان في شئ واحد ~~من جهة واحدة وقد يكونان وجوديين كما في السواد والبياض وقد يكون أحدهما ~~سلبا وعدما كما في الوجود والعدم فعلى هذا إن قيل للإرادة ضد فليس ضدها إلا ~~عدمها وسلبها وكذا في القول أيضا والعدم المحض لا يوصف بكونه قديما ولا ~~حادثا PageV01P187 ولا شاهدا ولا غائبا فإذا ليس كل ما هو ضد للحادث يكون ~~حادثا ثم ولو قدر أن ضد الإرادة والقول ليس إلا أمرا وجوديا فلا يلزم أن ~~يكون حادثا بمعنى ان وجوده بعد العدم لكونه ضده حادثا بل جاز أن يكون قديما ~~بمعنى أنه لا أول لوجوده لا بمعنى أن وجوده ليس بمعلول ويكون منشأ وجوده ~~نقضا لوجوده إلى عدمه وذلك المنشأ هو منشأ وجود ms126 ضده وهذا مما لا يتقاصر عن ~~قول أهل الحق إن منشأ عدم العالم في القدم إلى حين وجوده هو منشأ وجوده في ~~وقت وجوده $ المسك الثانى # أنهم قالوا لو قامت بذاته صفة حادثة لا تصف بها وتعدى إليه حكمها وذلك ~~كالعلم فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالما وكذا في سائر الأعراض ~~القائمة بمحالها وسواء كان المحل قديما أو حادثا إد القول بالتفرقة بينهما ~~محض جهالة ولبس فإنه لا فرق بين القديم والحادث فيما يرجع إلى كونه موصوفا ~~قامت به صفة إلا فيما يرجع إلى الحدوث والقدم وذلك مما لا أثر له وإذا لزم ~~عود حكم الصفة إليه بحيث يصح القول بكونه مريدا بإرادة وقائلا بقول فقد ثبت ~~له ما لم يكن له أولا وذلك تغير وتبدل وإذا جاز عليه التغير استدعى مغير ~~وذلك يفضى إلى كون البارى مفتقرا إلى غيره وهو متعذر # قالوا ولا يلزم على ما ذكرناه الخلق فإنه غير قائم بذاته إذ لا فرق بينه ~~وبين المخلوق # وهذا الطريق أيضا من النمط الأول في الفساد وذلك ان قائله وان كان ممن ~~يقول PageV01P188 بالاحوال لكنه يعترف بكونها زائدة على الذات وحصول أمر ~~زائد على الذات للذات مما لا يوجب افتقار الذات إلى غيرها وان كان ذلك الشئ ~~الحاصل حادثا نعم غاية ما يقدر افتقار الحاصل إلى مرجح والمرجح لا يستدعى ~~أن يكون خارجا عن لذات بل للخصم أن يقول المرجح إنما هو الذات بالقدرة ~~والمشيئة الأزلية كما كانت مرجحة الصفة الموجبة لهذا الحكم الحاصل وهذا مما ~~لا محيص عنه إلا بالتعرض إلى ابطال القول بكون الذات مرجحة بالقدرة ~~والمشيئة بطريق آخر وفيه خروج عن خصوص هذا الطريق إلى ما هو مستقل بإفادة ~~المقصود # فإن قيل إذا صلح أن تكون ذات واجب الوجود مرجحة بالقدرة والمشيئة جاز أن ~~تجعل مرجحة لكل محدث إذ لا فرق بين الحادث والمحدث من حيث أنه لم يكن فكان ~~وإن افترق من حيث أن احدهما صفة والآخر خارج وذلك مما لا يثير خيالا ms127 وإذا ~~صلح أن يكون المرجح للمحدثات القدرة القديمة والمشيئة الأزلية فلا حاجة إلى ~~الحادث الذى هو القول والإرادة # قلنا وهذا ايضا مما لا يثير غبارا على وجه الكلام وذلك أنه وإن قدر ~~صلاحيته لإحداث المحدثات فلا يلزم أن لا يضاف إليه إحداث صفة في ذاته من ~~كونه صاحا أن يحدث المحدثات وليس هذا في ضرب المثال الا كما لو قال القائل ~~إنه إذا كان صالحا لإيجاد الإنسان ينبغى إلا يكون موجدا للفرس ولا يخفى ما ~~فيه من الركاكة والشناعة # وما قيل من أنه لا فائدة في إيجاده فمتهافت فم تهافت أيضا فإنه مع ما فيه ~~من الركاكة ومحض الدعوى والقول بوجوب رعاية الصلاح والغرض يلزم عليه سائر ~~المحدثات فإنه غير متقاصر في وحوده عنها فما هو الاعتذار عن أيجاد المحدثات ~~هو الاعتذار عن إيجاد الحادثات PageV01P189 # فإن قيل ولم لا وقع الاكتفاء في إيجاد المحدثات بما استند إليه الحادث ~~كان ذلك محض مطالبة واسترشاد وخروجا عما وقع الشروع في الكلام بصدده وهو ~~إبطال قيام الحوادث بذات الرب تعالى $ المسلك الثالث # هو أنهم قالوا إن كان قوله وارادته من نوع اقوالنا وإرادتنا فما يحصل ~~بقوله وإرادته وجب أن يحصل بأقوالنا وإرادتنا لكون الجميع من نوع واحد وحيث ~~لم يحصل بأقوالنا وإرادتنا وجب أن لا يحصل بقوله وارادته # قالوا ولا يصلح أن يفرق بأن أقواله وارادته حاصلة بالقدرة القديمة ~~والمشيئة الأزلية ولا كذلك أقوالنا وإرادتنا فان هذا في الحقيقة لا يصلح أن ~~يكون فرقا إذ الفرق بين الشيئين يجب أن يكون بأمر يعود إلى نفسيهما لا إلى ~~نسبتهما وان قيل إن الإيجاد إنما يحصل بالإرادة أو القول مع القدرة فالقدرة ~~كافية في الإيجاد فلا حاجة إلى غيرها ثم لم لا جائز أن تحصل إرادتنا ~~وأقوالنا مع ضميمة القدرة موجبة الإحداث أيضا إذ لا فرق بين أن يضاف إلى ~~القدرة قوله أو قولنا وارادته وارادتنا لكونهما من نوع واحد # وهذا المسلك أيضا مما لا يقوى وذلك لأن ما نثبته نحن من الصفات القديمة ~~للرب ms128 تعالى إن اعترفنا بأنها من نوع صفاتنا فالإلزام لخصومنا لازم علينا ~~أيضا وان لم نقل بكونها من نوع صفاتنا فقد بطل الإلزام أيضا وان قدر ~~اشتراكهما في الحدوث إذ ليس الاشتراك في شئ ما بين شيئين يوجب الاشتراك في ~~الحقيقة كما لا يخفى ثم ولو قدر امتناع اضافة المحدثات إلى الصفة الحادثة ~~فذلك لا يوجب امتناع قيام الحوادث بذات الرب تعالى PageV01P190 $ المسلك ~~الرابع # قالوا لو جاز قيام الحوادث بذات الرب فلا بد أن يكون قاصدا لمحل حدوثها ~~ومحل حدوثها ليس إلا ذاته فيجب أن يكون قاصدا لذاته والقصد إلى الشئ يستدعى ~~كونه في الجهة وهو محال ثم ولجاز قيام كل حادث به وهو متعذر # وهذا المسلك أيضا مما يلتحق بما مضى في الفساد وذلك أنه إن أريد بالقصد ~~العلم فذلك مما لا يوجب كون المقصود في الجهة وإن أريد به غير هذا فهو مما ~~لا يسلمه الخصم ثم انه ان افتقر القصد عند إيجاد الحوادث إلى كونها في جهة ~~فيلزم أن يكون القاصد أيضا في جهة لضرورة ان القصد إلى الجهة ممن ليس في ~~جهة أيضا محال وذلك يفضى إلى كون البارى تعالى في جهة عند خلق الأعراض ~~الخارجة عن ذاته ولا محيص عنه فما به الاعتذار ههنا يكون به الاعتذار للخصم ~~ثم والقول بأنه إذا قيل حادثا لزم قبوله لكل حادث لا يخفى ما فيه من التحكم ~~ومجرد الاسترسال مما ليس بمقبول ولا معقول # وقد ذكر في هذا الباب مسالك أخر فسادها أظهر من أن يخفى فلذا آثرنا ~~الاعراض عن ذكرها # فالرأى الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال لو جاز قيام ~~الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها اما أن توجب له نقصا أو كمالا أو لا نقص ~~ولا كمال لا جائز أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان فإن وجود ~~الشئ بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه فما اتصف بوجود الشئ له وهو مما لا ~~يوجب فوات PageV01P191 الموصوف ولا فوات كمال له وبالجملة لا ms129 يوجب له نقصا ~~فلا محالة أن اتصافه بوجود ذلك الوصف له أولى من اتصافه بعدمه لضرورة كون ~~العدم في نفسه مشروفا بالنسبة إلى مقابله من الوجود والوجود أشرف منه وما ~~أتصف بأشرف الأمرين من غير أن يوجب له في ذاته نقصا تكون نسبة الوجود إليه ~~فيما يرجع إلى النقص والكمال على نحو نسبة مقابله من العدم ولا محالة أن ~~كانت نسبته إلى وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه ولا جائز أن يقال ~~إنها موجبة لكماله والا لوجب قدمها لضرورة ان لا يكون البارى ناقص محتاجا ~~إلى ناحية كمال في حال عدمها فبقى أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه ~~بالنسبة إلى حاله قبل ان يتصف بها وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من ~~الموجودات ومحال أن يكون الخالق مشروفا أو ناقصا بالنسبة إلى المخلوق ولا ~~من جهة ما كما مضى # فإن قيل لو لم يكن قابلا للحوادث فعند وجود المسموعات والمبصرات إما أن ~~يسمعها ويبصرها أو ليس لا جائز أن يقال إنه لا يسمعها ولا يبصرها إذ هو ~~خلاف المذهبين وإن أبصرها وسمعها فلا محالة أن حصول ذلك له بعد ما لم يكن ~~والا كانت المسموعات والمبصرات قديمة لا محالة فلو لم يكن قابلا للحوادث ~~حتى يخلق في ذاته سمعا وبصرا يكون به الإدراك والا لما كان مدركا وهو محال # قلنا دعوى إدراكه المدركات بعد ما لم يكن مدركا إما أن يراد به أنه لم ~~يكن له إدراك فصار له إدراك أو يقال بقدم الإدراك وتجدد تعلقه بالمدرك فإن ~~قيل بالأول فهو محز الخلاف وموضع الاعتساف فما بال الخصم مسترسلا بالدعوى ~~من غير دليل مع PageV01P192 ما قد عرف أن من أصولنا كونه سميعا بصيرا فيما ~~لم يزل والمتجدد ليس إلا تعلق الإدراك بالمدركات إذ شرط تعلق الإدراك ~~بالمدركات وجود المدركات فإذا وجدت تعلق بها أما أن يكون المتجدد هو نفس ~~الإدراك فلا يخفى أن ما قضى بتجدده ليس صفة قائمة بذات الرب تعالى فتجدده ~~لا يلزم منه ms130 محال # وليس القول بوجود الإدراك مع عدم المدرك بمستبعد فانه لا يتقاصر عن قول ~~الخصم بأن ما يحصل به الإدراك من الصفة الحادثة في الذات يبقى وإن زالت ~~المدركات وعدمت على ما عرف من أصله ومع الاعتراف بجواز الاتصاف بالإدراك ~~وان زال المدرك لا يرد الإشكال إذ لا فرق عند كون الشئ مدركا مع عدم المدرك ~~بين ان يكون المدرك قد تحقق له وجود أم لا على نحو ما حققناه في العلم # وإذا ثبت امتناع قيام الحوادث بذات الرب تعالى فقد بنى بعض الأصحاب على ~~ذلك امتناع كونه في الجهة وصيغته أن قال # لو كان البارى في جهة لم تخل الجهة إما أن تكون موجودة أو معدومة فإن ~~كانت معدومة فلا جهة إذ لا فرق بين قولنا إنه في جهة معدومة وبين قولنا إنه ~~لا في جهة إلا في مجرد اللفظ ولا نظر إليه PageV01P193 # وأما إن كانت الجهة موجودة فهى إما قديمة أو حادثة لا جائز أن تكون قديمة ~~وإلا أفضى إلى اجتماع قديمين وهو محال ومع كونه محالا فهو خلاف مذهب الخصم ~~ولا جائز ان تكون حادثة وإلا كان البارى محلا للحوادث وهو محال # ولا يخفى ما في هذا المسلك من التهافت فإنه وإن سلم أن الجهة موجودة ~~وانها ليست قديمة بل حادثة وانه يستحيل قيام الحوادث بذات الرب تعالى فلا ~~يلزم من كونه في الجهة ومن كونها حادثة ان تكون حالة في ذاته وان تكون ذاته ~~محلا لها بل المعنى بكونه في الجهة عند الخصم غير خارج عن النسبة الإضافية ~~والأمور التقديرية وذلك مما لا يوجب قيام صفة بالذات إذ لا يلزم من كون ~~شيئين وجود أحدهما مضاف إلى وجود الآخر من جهة ما أن يكون أحدهما قائما ~~بالآخر أصلا وهو على نحو كونه خالقا ومبدعا وغير ذلك # ولهذا لما تخيل بعض الأصحاب فساد هذا الطريق وانحرافه عن جادة التحقيق مر ~~في القول بنفى الجهة إلى مسلك آخر وقال # لو كان في جهة لم يخل اما أن يكون ms131 في كل جهة أو في جهة واحدة فإن كان في ~~كل جهة فلا جهة لنا الا والرب فيها وهو محال وإن كان في جهة مخصوصة فإما أن ~~يستحقها لذاته أو لمخصص لا جائز أن يستحقها لذاته إذ نسبة سائر الجهات اليه ~~على وتيرة واحدة فإذا لا بد من مخصص وإذ ذاك فالمحال لازم من وجهين ~~PageV01P194 # الأول أن المخصص إما أن يكون قديما أو حادثا فان كان قديما لزم منه ~~اجتماع قديمين وهو محال وان كان حادثا استدعى في نفسه مخصصا آخر وذلك يفضى ~~إلى التسلسل وهو ممتنع # الوجه الثانى هو أن الاختصاص بالجهة صفة للرب تعالى قائمة بذاته ولو ~~افتقرت إلى مخصص لكانت في نفسها ممكنة لأن كل ما افتقر في وجوده إلى غيره ~~فهو باعتبار ذاته ممكن وذلك يوجب كون البارى ممكنا بالنسبة إلى بعض جهاته ~~والواجب بذاته يجب أن يكون واجبا من جميع جهاته # ولا يخفى ما في هذا المسلك من الاسترسال فإنه لا يلزم من كونه في جهة ~~امتناع وجودنا فيها إلا على رأى من يزعم ان كونه في الجهة كون الأجرام وأما ~~على رأى من لم يقل بذلك فلا ولا ينافى وجوده في أى جهة قدر وجود غيره بل ~~وقول الخصم ههنا لا يتقاصر عن القول بأنه لا منافاة بين وجود الجواهر ~~والاعراض في حيز واحد مع ان الوجود لهما عينى وهما متحيزان وان قدر أن ~~التحيز للعرض عارض # وما قيل من أنه لو كان بجهة معينة لاستدعى مخصصا فذلك مما لا ينكره الخصم ~~ولكن القول بأنه لو كان المخصص قديما لأفضى إلى اجتماع قديمين فإنما يلزم ~~أن لو لم يكن المخصص هو نفس واجب الوجود اما إذا كان نفسه فلا كما حققنا ~~فيما مضى ولا يلزم من كون المخصص قديما أن يكون ما خصص به أيضا قديما الا ~~أن يكون مخصصا له بذاته وذلك مما لا يقول به الخصم بل تخصيصه به انما هو ~~على نحو تخصيص سائر PageV01P195 المحدثات واستدعاء المخصص انما يلزم منه ~~كون ms132 البارى واجبا من جهة وممكنا من جهة أن لو قيل بأن الاختصاص بالجهة صفة ~~نفسية وليس كذلك بل لقائل أن يقول إنها صفة إضافية وكون الصفة الإضافية ~~تستدعى مخصصا لا يوجب أن يكون المضاف فى نفسه ممكنا ثم ولو قدر أنه ~~بالإضافة إلى بعض صفاته ممكن فالمحال انما يلزم أن لو كان المرجح له من تلك ~~الجهة امرا خارجا عن ذاته وليس كذلك كما أوضحناه ولا محالة ان هذه القوادح ~~مما يعسر الجواب عنها جدا # فإذا الواجب أن يقال لو كان البارى في جهة لم يخل إما أن يكون متحيزا بها ~~أو ليس فان لم يكن متحيزا بها ولا هو مما تحيطه الأبعاد والامتدادات ولا هو ~~واقع في مسامتة الغايات والنهايات فلا معنى لكونه فيها الا من جهة اللفظ ~~ولا حاصل له وان كان متحيزا بها لزم أن يكون جوهرا فإن من نظر إلى ما هو ~~قابل للتحيز بجهة من الجواهر علم أن قبوله لها اما لذواتها ولكونها جواهر ~~أو لصفة قائمة بها وعلى كلا التقديرين يجب أن يكون البارى قابلا للتحيز ~~باعتبار ما قبل به غيره التحيز من الجواهر فإنه إن قبله باعتبار أمر آخر ~~فذلك الأمر الآخر اما ان يكون مخالفا للقابل من كل وجه أو من وجه دون وجه ~~فإن كان مخالفا له من كل وجه فيستحيل أن PageV01P196 يتفقا في قبول حكم ~~واحد وتأثير واحد فإنه مهما لم يكن بين القابل والمقبول مناسبة طبيعية بها ~~يكون أحدهما قابلا والآخر مقبولا والا لما تصور من المبدع اقتضاء قيام ~~أحدهما بالآخر لا بالإرادة ولا بالطبع كما لا يتصور منه اقتضاء قيام الجوهر ~~بالعرض والسواد بالبياض والبياض ب بالسواد واذا لم يكن بد من المناسبة ~~الطبيعية بين القابل والمقبول فالشيئان المختلفات من كل وجه ان قامت ~~بأحدهما أى مناسبة طبيعية استحال أن يكون الآخر مناسبا له من تلك الجهة ~~والا كان مماثلا له من جهة ما فيه من المناسبة وهو خلاف الفرض وان كان ~~مخالفا له من وجه وموافقا له ms133 من وجه فلا بد وأن يكون القبول باعتبار ما به ~~الاشتراك والإ لزم المحال السابق وهو ممتنع # وعلى هذا فإن كان قبول ما فرض قبوله للتحيز من الجواهر لذاتها ولجوهرها ~~لزم أن يكون البارى جوهرا وهو ممتنع لما مضى وان كان باعتبار صفة قائمة به ~~وهو قابل لها فلا بد وأن تكون تلك الصفة قائمة بذات الرب لضرورة ما حققناه ~~وعند ذلك فقبول الجوهر لتلك الصفة إما لذاته أو لصفة أخرى فان كان لصفة ~~اخرى فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية أو ينتهى إلى صفة قبولها ليس ~~الا لذات ما قامت به من الجوهر لا جائز أن يقال بالأول لما فيه من الامتناع ~~وان قيل بالثانى لزم تناهى ذات واجب الموجود وذلك مع ما أوجبناه من ~~الاشتراك في القابل يوجب جعل ذات واجب الوجود جوهرا لكون ما انتهى إليه ~~قبول التحيز من الجواهر جوهرا لكن البارى ليس بجوهر كما سلف فليس في جهة # وما يخيل من الاشتراك في قبول الوجود وغيره من الصفات كالعلم والقدرة ~~ونحوه بين الخالق والمخلوق مع اختلاف حقيقة القابل فمؤذن بقصور المتمسك به ~~عن بلوغ كمال PageV01P197 آلات الإدراكات ومصوت عليه بعجزه عن الارتقاء إلى ~~درجة النظر في المعقولات فإنه إن اعتقد أن الوجود نفس الموجود وأنه ليس ~~بزائد عليه فلا يخفى أن الاشتراك ليس إلا في التسمية دون المعنى والإشكال ~~إذ ذاك يكون مندفعا وان قدر أنه زائد على نفس الموجود فالواجب أن يعتقد ~~اختلافه في نفسه عند اختلاف قوابله لما مهدناه وأن لا يلتفت إلى ما وقع به ~~الاشتراك في الاسم وكذا في كل صفة يتخيل المشاركة فيها بين الخالق والمخلوق ~~وان لا يعول على من قصر فهمه وتبلد طبعه عن درك كل ما أشرنا إليه من ~~التحقيق ونبهنا عليه من التدقيق # فإن قيل لا محالة ان كل شيئين قاما بانفسهما بحيث لا يكون احدهما محلا ~~للآخر فإما ان يكونا متصلين أو منفصلين وعلى كلا التقديرين فلا بد وان يكون ~~كل واحد منهما بجهة ms134 من الآخر والبارى والعالم كل واحد قائم بنفسه فإما أن ~~يكونا متصلين أو منفصلين وربما أورد عبارة أخرى فقيل إما أن يكون قد خلق ~~العالم في ذاته أو خارجا عن ذاته لا جائز أن يكون في ذاته والا كان محالا ~~للحوادث وان كان خارجا عن ذاته فهو في جهة منه وربما قيل إنه لو كان في غير ~~جهة لبطل أن يكون داخل العالم وخارجه وإثبات لوجود هذا حاله غير معقول ~~وأيضا فإنا اتفقنا على أنه ذو صفات قائمة بذاته ومن المعلوم أن الصفات ليس ~~حيثها الا حيث وجود الذات فإن القائم بغيره لا يكون له حيث الا حيث ما قام ~~به فاذا حيث الصفات انما هو حيث الذات وذلك يوجب كون واجب الوجود ذ ذا حيث ~~وجهة # والجواب أما الانفصال عما ذكر أولا من الاشكال فقد قال بعض المنتسبين إلى ~~التحقيق إن حاصله يرجع إلى المصادرة على المطلوب في الدليل مع تغيير في ~~اللفظ PageV01P198 وذلك أن المباينة والمجامعة لا تكون الا من لوازم ~~المتحيزات وذوات الجهات فاذا قيل إنه مباين أو مجامع فهو نفس المصادرة على ~~المطلوب # وليس هذا عند التحقيق مصادرة لأن المصادرة على المطلوب هو أن يؤخذ ~~المطلوب بعينه ويجعل مقدمة قياسية بلفظ مرادف مشعر بالمغيارة بين المقدمة ~~والمطلوب والمطلوب فيما عرضه إنما هو كونه في جهة أم لا وليس الجهة هى نفس ~~الاتصال ولا نفس الانفصال بل هى قابلة للاتصال والانفصال والانفصال ~~والاتصال كل واحد منهما لا يقبل الآخر ولهذا يصح أن نعقل الجهة ثم نعقل بعد ~~ذلك كونها متصلة أو منفصلة وإذا كان الاتصال والإنفصال غير الجهة التى هى ~~نفس المطلوب فالمأخوذ في الدليل إنما هو غير المطلوب لا عينه فإذا كان كذلك ~~فلا معنى للقول بالمصادرة ههنا فالواجب أن يقال # إنه إن اريد بالإتصال والانفصال قيام أحدهما بذات الآخر وامتناع القيام ~~فلا محالة أن البارى والعالم كل واحد منهما منفصل عن الآخر بهذا الاعتبار ~~وهو مما لا يوجب كون كل واحد منهما في جهة من ms135 الآخر مع امتناع قبولية كل ~~واحد منهما لها أو امتناع قبولية أحدهما ومع امتناع تلك القبولية فلا تلزم ~~الجهة وان أريد بالاتصال ما يلازمة الاتحاد في الحيز والجهة وبالانفصال ما ~~يلازمه الاختلاف فيهما ووقوع البعد والامتداد بينهما فذلك إنما يلزم على ~~البارى تعالى ان لو كان قابلا للتحيز والجهة والا فان لم يكن قابلا فلا ~~مانع من خلوه عنهما معا فإن راموا إثبات الجهة بالانفصال والاتصال والخصم ~~لا يسلم ذلك الا فيما هو قابل للجهة أفضى ذلك إلى الدور ولا محيص عنه وليس ~~لهذا مثال والا ما لو قال القائل وجود شئ ليس هو عالم ولا جاهل محال فيقال ~~PageV01P199 انما هو محال فيما هو قابل لهما وكذا في كل ما هو قابل لأخد ~~نقيضين فان خلوه عنهما محال أما وجود ما لا يقبل ولا لواحد منهما فخلوه ~~عنهما ليس بمحال وذلك كما في الحجر وغيره من الجمادات وبهذا يندفع ما ذكروه ~~من الخيال الآخر ايضا # وعدم التخيل لموجود هو لا داخل العالم ولا خارجه على نحو تخيل الصور ~~الجزئية مع كونه معلوما بالبرهان وواجبا التصديق به غير مضر إذ ليس ما وجب ~~التصديق به بالبرهان يكون حاصلا في الخيال والا لما صح القول بوجود الصفات ~~الغير المحسوسة كالعلم والقدرة والارادة ونحوه لعدم حصولها في الخيال ~~وامتناع وقوعها في المثال وما قيل من أن حيث الصفات لا يكون إلا حيث الذات ~~فذلك إنما هو لما كان من الصفات له حيث وجهة إذ يستحيل أن تكون الصفات في ~~جهة وحيث الا وهى في جهة ما قامت به من الذات ولا يتصور وقوع الجهة للصفات ~~دون الذات واما ما لا حيث له من الصفات فلا جهة له وعند ذلك فلزوم الجهة ~~والحيث لذات واجب الوجود بالنظر إلى حيث صفاته مع امتناع قبولها للحيث محال # ولعل الخصم قد يتمسك ههنا بظواهر من الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة وهى ~~بأسرها ظنية ولا يسوغ استعمالها في المسائل القطعية فلهذا آثرنا الإعراض ~~عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها ms136 # والله ولى التوفيق PageV01P200 & القانون الخامس # | في أفعال واجب الوجود ويشتمل على ثلاث قواعد @ 202 PageV01P201 ~~PageV01P202 # القاعدة الاولى $ في أنه لا خالق الا الله تعالى # فالذى إليه عصابة أهل الحق من الإسلاميين وغيرهم من الطوائف المحققين أنه ~~لا خالق الا الله تعالى وأن وجوب وجود ما سواه ليس إلا عنه # وخالفهم في ذلك طائفة من الالهيين وجماعة من الثنوية والمعتزلة والمنجمين # فأحرى مبدوء به إنما هو البحث عن تفصيل مذهب كل فريق والاشارة إلى إبطال ~~مآخذهم والكشف عن زيف مسالكهم # فمما ذهب اليه المعلم الأول ومن تابعه من الحكماء المتقدمين وقفا أثره من ~~فلاسفة الإسلاميين أن البارى تعالى واحد من كل جهة وأنه لا يلحقه الانقسام ~~والكم بوجه ما وانه ليس لذاته مبادئ يكون عنها ولا صفة زائدة عليها وبنوا ~~على ذلك PageV01P203 ان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وألا فلو صدر عنه ~~اثنان لم يخل إما ان يتماثلا من كل وجه أو يختلفا من كل وجه أو يتماثلا من ~~وجه ويختلف من وجه فان تماثلا من كل وجه فهما شئ واحد ولا تعدد ولا كثرة ~~وان اختلفا من كل وجه أو من وجه دون وجه فهما في الجملة مختلفان وإذ ذاك ~~فصدورهما عما هو واحد من كل وجه ممتنع لأن صدورهما عنه إما أن يكون باعتبار ~~جهة واحدة أو باعتبار جهتين لا جائز ان يقال بالأول إذ الاختلاف مع اتحاد ~~الموجب محال ولا جائز أن يقال بالثانى والا فالجهات إما خارجة عن ذاته أو ~~هى له في ذاته فإن كانت خارجة عن ذاته فالكلام فيها كالكلام في الأول وذلك ~~يفضى إلى التسلسل أو الدور وكلاهما محالان وان كانت لذاته وفي ذاته فممتنع ~~إذ هو واحد من كل وجه فلم يبق وإلا أن يكون الصادر عنه واحدا لا تعدد فيه ~~ولا كثرة # ولا يجوز ان يكون ذلك الواحد مادة ولا صورة مادة إذ كل واحدة لا وجود لها ~~دون الأخرى فإنا لو قدرنا وجود كل واحدة دون الأخرى لم تخل اما أن ms137 تكون ~~متحدة أو متكثرة فان كانت متحدة فهى لذاتها وما اتحد منهما لذاته فالكثرة ~~عليه مستحيلة والمواد والصور متكثرة وإن كانت متكثرة فتكثر كل واحدة مع قطع ~~النظر عن الأخرى محال كيف وإنه يلزم أن يكون التكثر لذاتها ويلزم ان لا ~~تتحد والوحدة عليها جائزة فإذا لا وجود لكل واحدة إلا بالأخرى ويمتنع ان ~~تكون إحداهما عله للأخرى إذ العلة وان كانت مع معلولها في الوجود فلا بد ~~وان تكون متقدمة عليه بالذات وليس ولا واحدة من المادة والصورة متقدمة على ~~الأخرى بالذات ولا بد ان تكونا مستندين إلى موجود خارج عنهما وذلك الخارج ~~لا يجوز ان يكون متعددا وإلا أفضى إلى اجتماع الإلهين ولا جائز أن يكون ~~متحدا لما سبق # وكما لا يجوز ان يكون مادة ولا صورة مادة فكذا لا يجوز أن يكون نفسا فإن ~~النفس وان لم يكن وجودها ماديا فليس إلا مع المادة وإلا فلو كان لها وجود ~~قبل مادة بدنها لم يخل إما أن تكون متحدة أو متكثرة لا جائز ان تكون متحدة ~~وإلا فعند وجود الأبدان المتعددة إما أن تنقسم وهو محال إذ المتحد لا ينقسم ~~واما ان تكون النفس الواحدة لأبدان متعددة وهو ممتنع أيضا وإلا لاتحد الناس ~~بأسرهم PageV01P204 في العلم بما يعلمه الواحد والجهل بما يجهله الواحد من ~~حيث إن النفس المدركة واحدة ولا جائز أن تكون متكثرة قبل الأبدان إذ الكثرة ~~والتعدد للنفس بدون النظر إلى الأبدان وعلائقها محال وإذا ثبت أنه لا وجود ~~للنفس إلا مع وجود مادة بدنها امتنع أن يقال بصدورها عن المبدأ الأول لما ~~حققناه في المادة والصورة فإذا لا بد وأن يكون ما صدر عنه ماهية مجردة عن ~~المادة وعلائقها وعبروا عنه بالعقل الأول # وبتوسط هذا العقل يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم الفلك الأقصى وبتوسط ~~العقل الثانى يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم فلك الكواكب وبتوسط العقل ~~الثالث يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم فلك زحل وبتوسط العقل الرابع يوجد ~~عقل آخر ms138 ونفس وجرم هو جرم فلك المشترى وبتوسط العقل الخامس يوجد عقل آخر ~~ونفس وجرم هو جرم فلك الشمس وبتوسط العقل السادس يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو ~~جرم فلك المريخ وبتوسط العقل السابع يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم فلك ~~الزهرة وبتوسط العقل الثامن يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم فلك عطارد ~~وبتوسط العقل التاسع يوجد عقل آخر ونفس وجرم هو جرم فلك القمر وبتوسط العقل ~~العاشر وجدت العناصر والمركبات وغير ذلك من الكائنات والفاسدات PageV01P205 # وأما المنجمون # فقد اعتقد فريق منهم أن صدور الكائنات وحدوث الحادثات وكل ما يجرى في ~~عالم الكون والفساد ليس إلا عن الأفلاك الدائرة والكواكب السائرة وأنه لا ~~مدبر سواها ولا مكون إلاها # وقد تحاشى فريق منهم عن سخف هذه الحالة وتشنيع هذه المقالة فقالوا المدبر ~~والخالق ليس إلا الله تعالى لكن بتوسط الأجرام الفلكية والكواكب السماوية # وأما الثنوية # فاعتقادهم ان مبدأ الكائنات وكل ما في العالم من خير وشر ونفع وضر ليس هو ~~إلا امتزاج النور والظلمة وأنهما أصل العلوم فما يحصل من الخير فمضاف إلى ~~النور وما يحصل من الشر فمضاف إلى الظلمة # لكن منهم من ذهب إلى أن النور قديم والظلمة حادثة عن فكرة ردية حصلت لبعض ~~أجزاء النور وعبروا عن النور بالبارى وعن الظملة بالشيطان # ومنهم من قال بأنهما قديمان # وأما المعتزلة # فمطبقون على أن أفعال العباد المختارين مخلوقة لهم وأنها غير داخلة في ~~مقدورات الرب تعالى كما أن مقدورات الرب غير داخلة في مقدوراتهم ~~PageV01P206 # وقد نقل عن القاضى رحمه الله انه لم يثبت للقدرة الحادثة أثر في الفعل بل ~~أثبت لها أثرا في صفة زائدة على الفعل كما سنبينه ثم اختلف قوله في الأثر ~~الزائد فقال تارة إنه لا اثر للقدرة القديمة فيه اصلا وقال تارة بالتأثير ~~وأثبت مخلوقا بين خالقين # وقد نقل عن الأسفرايينى أنه قال في نفس الفعل ما قاله القاضى في القول ~~الثانى في الاثر الزائد # وذهب إمام الحرمين في بعض تصانيفه إلى تأثير القدرة الحادثة ms139 في إيجاد ~~الفعل ولم يجعل للقدرة القديمة فيه تأثيرا إلا بواسطة إيجاد القدرة الحادثة ~~عليه # وذهب من عدا هؤلاء من أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم ~~بالاكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والاختراع وأنه لا أثر للقدرة الحادثة ~~فيها أصلا # وإذا عرف بالتحقيق مذهب كل فريق فلا بد من التعرض إلى إبطال مذاهب أهل ~~الضلال # وأول مبدوء به إنما هو الرد على طوائف الإلهيين القائلين بمنع صدور ~~الكثرة عن واجب الوجود # وهو أنا نقول عماد اعتقادكم ورأس اعتمادكم إنما هو آيل إلى نفى الصفات ~~الزائدة PageV01P207 على الذات وقد بينا فيما سلف سخف هذا المعتقد وتشنيع ~~هذا المعتمد ثم إن ما أوجب لكم القول بمنع صدور الكثرة عن واجب الوجود إنما ~~هو كونه واحدا وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ولا بد لكم في هذه الدعوى ~~من العود إلى هدم ما بنيتموه ونقض ما أبرمتموه وذلك أنه لو لزم من كونه ~~واحدا وحدة ما صدر عنه فيجب أن يكون ما صدر عن معلوله ايضا واحد لكونه واحد ~~وهكذا لا يزال الحكم بصدور الواحد دائماوهو مما يوجب امتناع وقوع الكثرة في ~~المعلولات وتناقض قولكم في صدور الكثرة عن المعلول الاول حيث قلتم إن ~~المعلول الاول يصدر عنه عقل آخر ونفس وجرم هو الفلك الأقصى ثم إن صدور ~~الكثرة عن المعلول الأول اما أن تكون وهو متحد أو متكثر فإن كان واحدا فقد ~~ناقض قولكم إن الواحد لا يصدر عنه الا واحد فهلا قلتم بصدور الكثرة عن واجب ~~الوجود وان كان واحدا كما قلتم بصدور الكثرة عما صدر عنه وهو واحد وان قلتم ~~إن ما صدر عنه الكثرة متكثر فقد قلتم بصدور الكثرة عن واجب الوجود وأفسدتم ~~ما ظننتم إحكامه وما رمتم إتقانه وذلك خسف القول والفعال # فإن قيل لا محالة أن المعلول الاول واجب الوجود بالواجب بذاته وكل ما هو ~~واجب بغيره فهو ممكن باعبتار ذاته من حيث أن ذاته لا جائز أن تكون واجبة ~~وإلا لما كن واجبا بغيره ms140 ولا جائز أن تكون ممتنعة وإلا لما وجدت ولا بالغير ~~فتعين أن يكون باعتبار ذاته ممكنا وهو لا محالة يعلم ذاته ويعلم مبدأه وهذه ~~الجهات كلها ليست له عن PageV01P208 عن غيره بل هى أمور لازمة تابعه لذاته ~~ما عدا وجوب وجوده فإنه له عن مبدئه ومبدأ صدور الكثرة إنما هو عن هذه ~~الجهات فإنه باعتبار إضافته إلى واجب موجب لوجوده يوجب عقلا وباعتبار صلته ~~بمدئه يوجب صورة وباعتبار كونه ممكنا يوجب مادة ترتيبا للأشرف على الأشرف ~~والأخس على الأخس وهذه هى مبادئ صدور الكثرة ولولاها لما كانت الكثرة # قلنا هذه العماية والجهالة قد تعظم نسبتها إلى الصبيان فضلا عن من ينسب ~~إلى شئ من التحقيق والغوص والتدقيق وذلك لأن الجهات إما ان توجب التعدد ~~والكثرة في ذات المعلول الأول أول توجب التعدد والكثرة كالأمور السلبية ~~والإضافية فإن أوجبت التعدد والكثرة فقد قيل بصدور الكثرة عن واجب الوجود ~~وان قيل لا توجب التعدد والكثرة فلم لا قيل بصدور الكثرة عن واجب الوجود ~~فإن السلوب والإضافات له أكثر من ان تحصى هذا من حيث الإجمال # وأما التفصيل فهو أن ما ذكروه من الجهات الموجبة للكثرة حاصلها يرجع إلى ~~سلوب وإضافات فإن وجوبه بغيره وعلمه بمبدئه وبذاته أمور إضافية وكونه ممكنا ~~بذاته إن فسرنا الممكن بما سلب عنه الضرورة في وجوده وعدمه كان أمرا سلبيا ~~وإن فسر بما يفتقر إلى المرجح في كلا طرفيه كان أمرا إضافيا وعند عودها إلى ~~السلوب والإضافات فيلزم عنها ما ذكر في الإجمال # كيف وأن قولهم إنه يعلم مبدأه ويعلم ذاته دعوى لو سئلوا عن الدليل عليها ~~لم يزد قولهم على أنه باعتبار ذاته ممكن أن يكون عالما والمانع من العلم ~~إنما هو المادة وعلائقها وهى بأسرها منتفية فإن ماهيته مجردة عن المادة ~~وعلائقها وهو أيضا من أقبح المقالات وأعظم الشناعات فإن إمكان كونه عالما ~~لا يوجب ولا يؤثر في إيجاب العلم له وإلا كانت جهة الإمكان هى المرجحة لأحد ~~الطرفين وهو ممتنع PageV01P209 # ونفى المانع مما لا يوجب ms141 أيضا فإن ثبوت الشئ إنما يستند إلى ما يقتضيه ~~أما إلى نفى المانع والمعارض فكلا ثم يلزمهم من ذلك مناقضة قولهم إن البارى ~~تعالى لا يعلم الجزئيات من حيث إن المانع هو المادة وعلائقها وقد انتفت في ~~حقه تعالى ثم إن كانت هذه الجهات مما توجب الكثرة فلم قيل بانحصار ما صدر ~~عنه في أربعة أشياء ولم لا كانت ازيد من ذلك فإن مثل هذه الجهات لديه أكثر ~~من ان تحصى فإذن حاصل ما ذكروه لا يرجع إلا إلى محض تحكمات باردة وخيالات ~~فاسدة لا يرضى بها لنفسه بعض المجانين فضلا عمن يزعم انه من المحصلين # ب وأما المنجمون # القائلون بصنع الكواكب والأفلاك وأنه لا خالق ولا صانع سواها # فقد أكثر الأصحاب في الرد عليهم بأسولة باردة واستفسارات جامدة وإلزامات ~~لا ثبوت لها على محك النظر تليق بمناظرة العامة والصبيان فسادها يظهر ~~ببديهة العقل لمن له أدنى تحصيل لا يليق أن يطول بذكرها ههنا فالسبيل الحق ~~أن يقال لمن زعم منهم أن لا خالق إلاها ولا مبدأ سواها # إما أن تكون باعتبار ذواتها واجبة أو ممكنة أو البعض منها واجب والبعض ~~ممكن فإن كانت واجبة فقد سلك الإلهيون في إبطال ذلك طريقة امتناع اجتماع ~~واجبين وهى غير مرضية كما سلف فالحق أنها لو كانت واجبة لكان وجودها سرمديا ~~ولو كان PageV01P210 سرمديا لوجب القول بأن لا نهاية لحركاتها إن كانت ~~متحركة في القدم ولمقادير حركاتها إن لم تكن متحركة وذلك ممتنع لما أسلفناه ~~في تناهى العلل والمعلولات # ثم إن الواجب لذاته هو ما لو فرض معدوما لزم المحال عنه لذاته لا لغيره ~~ولا يخفى أن القائل لو فرض بعقله عدم شئ من الكواكب والأفلاك لم يلزم في ~~عقله عن ذلك لذاته محال كما لا يلزم من فرض وجود فلك آخر وكوكب آخر وما هو ~~على هذا النحو كيف يكون الوجوب له لذاته بل إن فرض واجبا فليس ذلك له إلا ~~لغيره وكل ما وجوبه لغيره فهو بذاته ممكن كما سلف كيف ms142 وان ذلك على أصلهم ~~غير مستقيم لاعتقادهم ان تأليف الاجرام ليس إلا من المواد والصور وقد بان ~~أن كل واحد من المادة والصورة ليس وجوده الا بأمر خارج عنها فهما لا محالة ~~ممكنان وما مفرداته التى منها تأليفه ممكنة كيف يكون هو لنفسه واجبا # ثم لو كانت واجبة لوجب ان ما شاركها في معنى الجوهرية أن يكون واجبا إذ ~~يستحيل أن يكون وجوب الوجود لما به تخصص جواهر الأفلاك ومغايرتها لغيرها من ~~الجواهر فإن ذلك لا قوام له بنفسه دون المتخصص به وهو دور ممتنع وعند ذلك ~~فيلزم على أصله امتناع القول بحدث الجواهر الصورية الثابتة للأجرام ~~العنصرية وكذا في الجواهر الانسانية التى للأبدان الإنسانية على رأى من ~~اعترف منهم بحدثها وبكونها جوهرا وهو لا محالة تناقض وبما حققناه ههنا ~~يتبين إبطال كون البعض منها واجبا دون البعض فبقى أن تكون بأسرها ممكنة # وإذ ذاك فلا بد لها في وجودها من مرجح خارج عنها وبطل القول بأنه لا مبدأ ~~لها وأما من اعترف منهم بأن لها مبدأ خارجا عنها لكنه أضاف الخلق إليها ~~ووقف الإبداع والإحداث عليها فليس له في دعواه مستند غير الاستقراء بأنا ~~وجدنا التأثرات PageV01P211 # المختلفة والامتزاجات المتقاربة وجميع ما في عام الكون والفساد من خير ~~وشر لا يوجد إلا عند حركة كوكب مخصوص وذلك مما يوجب إسناده إليه وإحالة ~~وجوده عليه إذ لو كان اتفاقيا لما دام # ونحن نعلم أنهم لو طولبوا بصحة هذا الاستقراء لم يجدوا إلى اثباته سبيلا ~~ثم لو قدرت صحته وان وقوع الآثار الحادثة ملازم لحركات الكواكب والأفلاك ~~فغير لازم أن تكون هى عللها والأسباب الموجبة لها لما أنه لا مانع من أن ~~يكون الخالق والبارى هو الله تعالى وقد أجرى العادة بوجود الحادثات ووقوع ~~التأثيرات عندها وإن منع بعض الأصحاب من صحة هذا الاطلاق بناء على أن ما من ~~جيشين تلاقيا أو من نفسين تخاصما ألا وقد أخذ الطالع لكل واحد منهما ومع ~~ذلك فالمنصور والغالب لا يكون إلا أحدهما فلا معول ms143 عليه إذ لا مانع من ~~القول بخطأ الآخذ للطالع في الحساب أو الحكم وليس هذا موضع الاطناب ومحز ~~الإسهاب والذى يجب الاعتماد ههنا عليه ليس إلا ما أشرنا إليه # ج وأما الطريق # في الرد على الثنوية القائلين بالنور والظلمة وانه لا مبدأ للعالم سواهما ~~أن يقال إن النور والظلمة بالنظر إلى ذاتيهما واجبان أو ممكنان أو أحدهما ~~واجب والآخر ممكن فإن كانا واجبين لزم أن ما شاركهما في نوعيهما أن يكون ~~واجبا وأن لا يكون موجودا بعد العدم وهو خلاف ما نشاهده من الأنوار والظلم ~~وبه يتبين امتناع كون أحدهما واجبا والآخر ممكنا فبقى أن يكونا ممكنين ~~PageV01P212 # وعند ذلك إما أن يستند كل واحد منهما في وجوده إلى الآخر أو إلى أمر خارج ~~عنهما لا جائز أن يقال بالأول إذ هو دور ممتنع ومع كونه ممتنعا فغير مسلم ~~صدور الشر عن الخير والخير عن الشر لكون أحدهما خيرا والآخر شرا وهو تناقض ~~وإن كان المرجح لهما أمرا خارجا عنهما فقد بطل القول بأنه لا مبدا سواهما ~~ولا مرجح إلا هما ثم كفى بالخصم سخفا أنه لو سئل عن الدلالة على ما يعتقده ~~والإبانة عما يعتمده لم يزد على قوله # إنا وجدنا الموجودات لا تنفك عن أن تكون ثقيلة تطلب أقصى جهة السفل أو ~~خفيفة تطلب أقصى جهة العلو أو ذات ظل حاجبة كالأشياء الكثيفة الغليظة من ~~الحديد والحجارة ونحوها أو ما هو على نقيضها من الأشياء الشفافة التى لا ظل ~~لها كالزجاجة الصافية واليواقيت ونحوها وبالجملة لا ينفك عن خيرات وشرور ~~ولا بد من أن نرتب على كل واحد ما يليق به ترتيبا للأشرف على الأشرف والأخس ~~على الأخس وإلا كان الأخس صادرا عن الأشرف والقبيح صادرا عن الحسن # وهو خلاف المعقول فإنه مع ما يشتمل عليه من الركاكة والتحكم بتخصيص ~~المبدأ بالنور والظلمة لم يعلم أن مدلول اسم الشر ليس الا عبارة عن عدم ذات ~~أو عدم كمال ذات وأن الحسن والقبح ليس يستدعى اسناده إلى ما هو في ms144 نفسه ذات ~~ووجود حتى يلزم التثنية على مالا يخفى # ثم ولو كان الشر والقبح ذاتا واستدعى أن يكون مرجحه ذاتا فلا يخفى أن ~~العالم ينقسم إلى ما هو خير محض و إلى ما هو شر محض و إلى ما هو خير من وجه ~~وشر من وجه ولا يوصف بكونه خيرا محضا ولا شرا محضا ويجب من ذلك أن يكون من ~~المبادئ ما هو خير من وجه وشر من وجه إذ الخير المحض لا يصدر عنه إلا خير ~~محض والشر المحض لا يصدر عنه إلا شر محض وإن كان ذلك إنما يحصل بامتزاجهما ~~فامتزاج PageV01P213 كل واحد منهما بالآخر وحركته إليه إما لذاتيهما أو ~~لمعنى زائد عليهما كما قال فريق منهم إن الأصول ثلاثة نور محض وظلام محض ~~وأصل ثالث ليس بنور ولا ظلام وهو دون النور وفوق الظلام وهو الموجب ~~لامتزاجهما والمعدل بينهما فإن كان لذاتيهما فهو محال وإلا لما تصور ~~الافتراق بينهما وهو خلاف ما نشاهده كيف وأن النور والظلمة لذاتيهما ~~متباينان فكيف يكون أحدهما طالبا للآخر وان كان ذلك باعتبار امر ثالث فإما ~~ان يكون من نوعها أو من نوع احدهما أو هو نوع ثالث غيرهما فإن كان منهما ~~فهو دور فإن امتزاجهما لا يتم إلا به وهو لا يتم إلا بامتزاجهما وإن كان من ~~نوع أحدهما فليس بأصل ثالث غيرهما وإذ ذاك فيعود القسم الأول لا محالة وإن ~~لم يكن من نوعهما فهو إما بسيط أو مركب فإن كان بسيطا فهو إما خير محض أو ~~شر محض لعدم التركيب فيه وإذ ذاك فالصادر عنه يجب أن يكون حاذيا حذوه ~~وقافيا أثره وفي ذلك امتناع وجود قسم آخر غير الشر المحض والخير المحض وهو ~~ممتنع $ د وأما الرد على المعتزلة # في خلق الأعمال فهو موضع غمرة ومحز إشكال وهو يستدعى تقديم طرق المتكلمين ~~وإيضاح الصحيح منها والسقيم ثم الإشارة إلى شبه المخالفين وبيان الفرق بين ~~الخلق والكسب فيما بعد إن شاء الله تعالى فنقول ذهب المتكلمون ههنا إلى ~~مسالك ms145 لا ظهور لها عند من طهرت بصيرته واتقدت قريحته $ المسلك الأول # أنهم قالوا لو لم تكن مقدروات العباد مخلوقة لله تعالى لم يكن إلا ~~لاستحالة مقدور بين قادرين وهو غير مستقيم فإنه قبل أن يقدر عبده لم يكن ~~الفعل مقدورا PageV01P214 للعبد فيجب أن يكون مقدورا للرب إذ الفعل في نفسه ~~ممكن والمانع من كونه قادرا بعد إقدار العبد إنما هو استحالة اجتماع مقدور ~~بين قادرين وهذا المانع غير موجود قبل إقدار العبد وإذا كان مقدورا للرب ~~قبل إقدار العبد فبعد إقداره يستحيل أن يخرج ما كان مقدورا له عن كونه ~~مقدورا فإنه لو خرج عن كونه مقدورا للرب بسبب تعلق القدرة الحادثة به لم ~~يكن بأولى من امتناع تعلق القدرة الحادثة به واستبقاء تعلق القدرة القديمة ~~به بل بقاء ما كان على ما كان أولى من نفيه وإثبات ما لم يكن وإذا ثبت كونه ~~مقدورا للرب وجب أن يكون خالقه ومبدعه من حيث إنه يستحيل انفراد العبد بخلق ~~ما هو مقدور لله تعالى # واعلم أن هذا المسلك من ركيك القول إذ الخصم قد يمنع كونه مقدورا للرب ~~قبل تعلق القدرة الحادثه به وكون الفعل في نفسه ممكنا مما لا يوجب تعلق ~~القدرة القديمة به أصلا ولا يعترف بأن كل ممكن في نفسه مقدور للرب وما قدر ~~من زوال المانع فمتهافت أيضا فإن الخصم مهما لم يسلم إمكان تعلق القدرة ~~القديمة بالفعل فلا يلزم من عدم ما يتخيل في الجملة مانع أن يكون التعلق في ~~نفسه ثابتا ثم ولو قدر كونه ممكنا فلا يلزم التعلق من انتفاء المانع المعين ~~مهما لم يتبين انتفاء غيره من الموانع وذلك مما لا يتم إلا بالبحث وهو بعيد ~~عن اليقينات كيف وإنه ولو قدر مقدورا للرب فلا يلزم من حيث هو مقدور له أن ~~تكون نسبته إليه أولى من نسبته إلى العبد بكونه مقدورا له فإن قيل إنه يكون ~~مخلوقا لهما فهو خلاف المذهب ومع ذلك فهو محال لما سلف $ المسلك الثانى # لو جاز تأثير ms146 القدرة الحادثة في الفعل بالإيجاد والاختراع لجاز تأثيرها ~~في إيجاد كل موجود من حيث إن الوجود قضية واحدة لا يختلف وإن اختلفت محاله ~~وجهاته PageV01P215 والقول بجواز تأثيرها خلف فإنها لا تؤثر في إيجاد ~~الأجسام ولا فى شئ من الأعراض ما عدا الأفعال كالطعوم والألوان والأراييح ~~ونحو ذلك وإن كان التالى باطلا كان المقدم باطلا # وهو من الطراز الأول في الإبطال فإن ما ألزمناه في الخلق والإبداع بعينه ~~لازم لنا فيما أثبتناه من تعلق القدرة الحادثة بإيجاد بعض الأشياء دون ~~البعض وعند ذلك فجوابنا عنه هو جواب لما ألزمناه # وليس من السديد أن يقال ما ثبت تعلق القدرة الحادثة به لم يكن باعتبار ~~معنى يشاركه فيه ما لم يكن متعلقا للقدرة الحادثة بل ما هو متعلقها إنما هو ~~بخصوص ذاته ومجموع صفاته وإذ ذاك فلا يلزم أن تتعلق القدرة بغير تلك الذات ~~مما هو مخالف لها في الحقيقة والصفات فإن القدرة وإن تعلقت بالوجود وبغيره ~~من الصفات الخاصة بالذات فلا يخرجها ذلك عن أن تكون متعلقة بالوجود وعند ~~ذلك فالاشكال لازم من جهة تعلقها بالوجود لا من جهة تعلقها بغيره وإن قيل ~~إنها لا تتعلق إلا بإيجاد مخصوص هو لذات مخصوصة فلعل يوجد مثله في الخلق ~~والإيجاد # وهو لا محالة لازم على القاضى رحمه الله في قوله بتأثير القدرة في إيجاد ~~صفة زائدة على الفعل ولا محيص عنه لكن قد يبقى ههنا مناقشة جدلية ومؤاخذة ~~معنوية وهو أن يقال # غاية ما ذكرتموه وأقصى ما أثبتموه أن ألزمتمونا على سياق ما ذكرناه ما ~~ألزمناكم إياه وأدنى ما فيه كونه حجرا على الفريقين ولازم للطائفتين وذلك ~~ما لا يوجب كونه في نفسه باطلا بل الواجب أن يقضى به على كلا المذهبين ~~PageV01P216 # والجواب على التحقيق عن هذه المؤاخذة إنما يتهيأ مع من يعترف بالالزام ~~ويقول بالكسب ويعتقد صحته كما هو المنقول عن أهل الحق فإنه مهما اعترف صاحب ~~الدليل بمخالفته ووقوع مناقضته وكان مع ذلك جازما بالمخالفة معتقدا لها فقد ~~اعترف بأن ما ذكره ms147 لا يوجب الانقياد ولا يصلح للإرشاد وكفى مئونة الجواب ~~وأما من لا يعترف بذلك فلا # هذا كله إن قلنا إن الوجود زائد على ذات الموجود وإلا فإن كان هو نفس ~~الموجود فقد بطل القول بالاشتراك والاتحاد في قضية الوجود وامتنع الإلزام $ ~~المسلك الثالث # قالوا البارى تعالى قادر على مثل جميع الأجناس التى هى مقدورة للعبد وإذ ~~ذاك فيجب أن يكون قادرا عليها فإنه لو لم يكن يقدر عليها لم يكن قادرا على ~~مثلها وهو خلف وإذا ثبت أنه قادر على أفعال العباد فإذا حدثت وجب أن تكون ~~مخلوقة له # وهو قريب من المسلك الأول إذ الخصم قد يمنع كون الرب قادرا على مثل فعل ~~العبد وإن سلم فأما أن يكون في محل قدرة العبد أو خارجا عن محل قدرته فإن ~~كان في محل قدرة العبد فهو محل النزاع وموضع المنع وإن كان خارجا عن محل ~~قدرة العبد فهو غير مقدور للعبد فإذا قيل بكون الرب قادرا على فعل العبد ~~لكونه قادرا على مثله فيلزم أن يكون العبد قادرا على فعل الرب لكونه قادرا ~~على مثله وهو محال ثم ولو سلم أنه قادر على فعل العبد فلا يلزم أن يكون ~~خالقا له لم أسلفناه PageV01P217 # ربما تمسك بعض الأصحاب ههنا بظواهر الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة ولا ~~مطمع لها في القطعيات ولا معول عليها في اليقينيات فلذلك آثرنا الإعراض ~~عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها # والصواب في هذا الباب # أن يقال لو لم يكن فعل العبد بل غيره من الموجودات الحادثة مقدورا للرب ~~وداخلا تحت قدرته للزم أن يكون البارى تعالى ناقصا بالنسبة إلى من له ~~القدرة عليه كما مضى في الإرادة وهو محال # ولئن تشوفنا إلى بيان إمتناع إضافة الخلق إلى فعل العبد قلنا لم يخل إما ~~أن يكون موجدا له بالذات أو بالإرادة لا جائز أن يكون موجدا له بالذات وإلا ~~لما برح فاعلا له وهو محال خلاف ما نشاهده ومع ذلك فهو خلاف المذهبين ولا ~~جائز أن يكون موجدا له ms148 بالإرادة وإلا لما وجد دونها فكم من فعل يصدر من ~~العبد ويعتقد كونه مخلوقا له من غير إرادة وذلك كما في حالة الغفلة والذهول ~~ونحوه والقول بكونه مريدا في مثل هذه الحالة عين السفسطة فإنه لو سئل هل ~~أردت ما فعلت لم يكن الجواب إلا بلا كيف وأن الفعل بالإرادة من العبد ~~يستدعى القصد والقصد يستدعى مقصودا والمقصود يستدعى كونه معلوما وهو غير ~~عالم به لا محالة وإن علمه من وجه لم يعلمه من كل وجه ومع ذلك فصدوره عنه ~~يكون على غاية من الحكمة والإتقان وعلى سبيل PageV01P218 الكمال والتمام ~~فلو كان موجدا له بالإرادة لوجب كونه محيطا به عالما بأحواله إذ القصد و ~~الإرادة لا يكونان إلا مع العلم ولا جائز أن يكون متعلق قدرة العبد ما هو ~~معلوم له ومتعلق قدرة البارى منه ما ليس بمعلوم للعبد إذ مقدور كل واحد ~~منهما قد لا يتم إلا مع تحقق مقدور الآخر ويلزم من ذلك امتناع وجود الفعل ~~في نفسه لما أسلفناه في مسألة التوحيد كيف وأن ذلك مما لا قائل به وإذا جاز ~~صدور الفعل عن العبد في مثل هذه الأحوال وقيل انه مخلوق له من غير اراده ~~فقد بطل أخذ الإرادة شرطا في الخلق وإذا لم تكن الإرادة شرطا في الخلق ~~بالنسبة إلى بعض أفعاله لم تكن شرطا بالنسبة إلى سائر أفعاله وإن كان عالما ~~بها مريدا لها إذ لا أولوية لأحدهما ومع ذلك فلا قائل به ويلزم من إبطال ~~تالى الشرطية بطلان مقدمها وهو المقصود وما أشرنا إليه لازم على كل من جعل ~~للقدرة الحادثة تأثيرا ما في إيجاد الفعل أو في صفة زائدة عليه # فإن قيل إنا ندرك بالضرورة وقوع الأفعال على حسب الدواعى والأغراض ~~واختلاف المقاصد والإرادات ولولا صلاحية القدرة الحادثة للإيجاد وإلا لما ~~أحس من النفس ذلك وأيضا فإن الانسان يجد من نفسه تفرقة بين الحركة ~~الاضطرارية والحركة الاختيارية وليست التفرقة واقعة بالنسبة إلى الحركتين ~~من حيث هما ذاتان أو من حيث هما موجودان ms149 ولا غير ذلك بل التفرقة إنما هى ~~راجعة إلى كون إحداهما مقدورة PageV01P219 مرادة والأخرى ليست مقدورة ولا ~~مرادة وإذا لم تكن التفرقة إلا لتعلق القدرة بإحداهما دون الأخرى فلا يخلو ~~إما أن يكون لتعلق القدرة تأثير أو ليس لها تأثير لا جائز أن يقال بأنه لا ~~تأثير لها وإلا لما حصلت التفرقة إذ لا فرق بين انتفاء التعلق وبين ثبوته ~~مع انتفاء التأثير فيما يرجع إلى التفرقة فتعين القول بالتأثير # قال القاضى أبو بكر من أصحابنا رحمه الله ولا جائز أن يكون التأثير في ~~إيجاد الفعل وإلا لما وقع الفرق إذ الوجود من حيث هو وجود لا يختلف فيجب أن ~~يكون راجعا إلى صفة زائدة على إحداث الفعل لكنه قال تارة في الأمر الزائد ~~إنه مخلوق للرب وللعبد هربا من شنيع إفراد العبد بالخلق دون الرب وقال تارة ~~بإنفراد العبد به وهو ما بين شنيع القول بالإنفراد والقول بمخلوق بين ~~خالقين وسيأتى وجه الكلام عليه فيما بعد # وربما تمسك الخصم بأن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لغيرهم كان التكليف في ~~نفسه باطلا فإن حاصله يرجع إلى المطالبة بفعل الغير والتكيلف بالفعل لمن لا ~~يفعله وليس طلب ذلك منه إلا على نحو طلب إحداث الأجسام وأنواع الأكوان وهو ~~محال ولبطل أيضا معنى الثواب والعقاب على الأفعال والمجازاة على الأعمال من ~~حيث إن الحكم بذلك للشخص بسبب فعل غيره حارف عن مذاق العقول وما ورد به ~~الشرع المنقول وهذه الشبهة هى التى أوقعت إمام الحرمين والإسفرايينى رحمهما ~~الله فيما ذهب إليه واعتمدا عليه PageV01P220 والجواب # أما وقوع الأفعال على حسب الدواعى والأغراض فذلك مما لا يدل على صلاحية ~~القدرة الحادثة للإيجاد إذ الخلل لائح في خلاله والزلل واقع فى أرجائه من ~~حيث إن الأشياء منها ما يقع على حسب الدواعى ولا يضاف إلى القدرة الحادثة ~~ولا يدل على صلاحيتها للإيجاد وذلك كما فى حصول الرى عند الشرب والشبع عند ~~الأكل وحصول الألوان في صناعة الصبغ ونحو ذلك ومنها ما لا يقع على حسب ms150 ~~الداعية والغرض وذلك كما في أفعال النائم والغافل والساهى ونحو ذلك ومع ذلك ~~هى مضافة إلى القدرة الحادثة على أصلهم وحيث لم يصح ما عولوا عليه طردا ~~وعكسا لم يجز الاعتماد عليه أصلا # وما نجده من التفرقة بين الحركة الاضطرارية والاختيارية فهو سبيلنا في ~~إثبات الكسب على من أنكره من الجبرية وقال إن القدرة الحادثة لا تعلق لها ~~بالفعل أصلا ولزوم التأثير من وقوع التفرقة هو محز الخلاف وموضع الانحراف ~~بل التفرقة قد تحصل بمجرد تعلق القدرة بأحدهما دون الآخر وإن لم يكن لها ~~تأثير في إيجاده وذلك على نحو وقوع التفرقة بين ما تعلق به العلم وبين غيره ~~وبين ما تعلقت به الإرادة وبين غيره وإذ ذاك فلا يلزم أن يقال إذا جاز تعلق ~~القدرة الحادثة بالفعل من غير تأثير كما في العلم ونحوه جاز تعلقها بغيره ~~من الحوادث كما في العلم فإن حاصله يرجع إلى دعوى مجردة في المعقولات ومحض ~~استرسال في اليقينيات وهو غير مقبول # وكون الوجود قضية واحدة مما لا يوجب تعلق القدرة به بطريق العموم وما هو ~~اعتذارنا في تخصيص تعلق القدرة به من غير تأثير هو أن من موجب اعتقادهم ~~PageV01P221 أن الرؤية تتعلق بالموجود من غير تأثير ولا تتعلق بكل موجود ~~فما هو اعتذارهم ثم هو اعتذارنا ههنا أيضا # وما اعتمده القاضى أبو بكر رحمه الله في منع تعليق القدرة بحدوث الفعل من ~~حيث إن الوجود قضية عامة فإما ان يعترف ان نفس الوجود هو نفس الموجود أو ~~زائد عليه فإن كان الأول فقد بطل القول بالتعميم وإن كان الثانى فهو لازم ~~له في تعلقها بحدوث الصفة الزائدة أيضا اللهم إلا أن يجعل التعلق بحدوث ~~الصفة من حيث هو مخصوص بها وعند ذلك فيجب قبول القول بأن تعلق القدرة ~~الحادثة ليس إلا بحدوث مخصوص بفعل مخصوص ولا محيص عنه ثم ولو قدر تعلق ~~القدرة بزائد على نفس الفعل فلا يلزم أن يقال بتأثيرها فيه أيضا لما ~~أسلفناه في نفس الفعل وما اعتمد عليه بعض ms151 الأصحاب في إبطال قول القاضى في ~~أن ما ثبت تعلق القدرة به مجهول غير معلوم فلست أراه مرضيا # وما أشير إليه من امتناع وقوع التكليف وتعذر القول بالمجازاة على الأفعال ~~بالثواب والعقاب وأن ذلك تكليف بما لا يطاق فسيرد وجه الانفصال عنه فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى # وما يخص الإسفرايينى فيما ذهب إليه من إثبات مخلوق بين خالقين فقد سبق ~~وجه إحالته وظهر زيف مقالته فيما مضى فلا حاجة إلى إعادته PageV01P222 # وعند هذا فيجب أن نختم الكلام بذكر الكسب والخلق تمييزا لكل واحد منهما ~~عن الآخر # أما الكسب فأحسن ما قيل فيه إنه المقدور بالقدرة الحادثة وقيل هو المقدور ~~القائم بمحل القدرة # وأما الخلق فإنه وإن أطلق باعتبارات مختلفة كالتقدير والهم باشئ والعزم ~~عليه والإخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه فالمراد بالخلق المضاف إلى القدرة ~~القديمة إنما هو عبارة عن المقدور بالقدرة القديمة وإن شئت قلت هو المقدور ~~القائم بغير محل القدرة عليه # وما أشرنا إليه فكاف لمن لديه أدنى حظ من التفطن والله المستعان ~~PageV01P223 # | القاعدة الثانية # في نفى الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود # مذهب أهل الحق أن البارى تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع ~~إليها ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم ~~يكن لغرض قاده إليه ولا لمقصود أوجب الفعل عليه بل الخلق وأن لا خلق له ~~جائزان وهما بالنسبة إليه سيان # ووافقهم على ذلك طوائف الإلهيين وجهابذة الحكماء المتقدمين # وذهبت طوائف المعتزلة إلى أن البارى لا يخلو فعله عن غرض وصلاح للخلق إذ ~~هو يتعالى ويتقدس عن الأغراض وعن الضرر والانتقاع فرعاية الصلاح في فعله ~~واجبة نفيا للعبث في الحكم عن حكمته وابطالا للسفه عنه في إبداعه وصنعته ~~واما الأصلح فهم فيه مختلفون طائفة ألحقته بالصلاح في وجوب الرعاية وطائفة ~~أحالت القول بوجوبه بناء على أن ما من صالح إلا وفوقه ما هو أصلح منه إلى ~~غير نهاية ثم بنوا على وجوب رعاية الصلاح والأصلح ms152 باتفاق منهم وجوب الثواب ~~PageV01P224 على الطاعات والآلام الغير المستحقة كما في حق البهائم ~~والصبيان ووجوب العقاب وإحباط العمل على العصيان ووجوب قبول التوبة ~~والإرشاد بعد الخلق وإيصال العقل إلى وجوه المصالح بالإقدار عليها وإقامته ~~الآيات والحجج الداعية إليها # ثم التزموا على فاسد أصلهم أن ما ينال العبد في الحال أو المآل من الآلام ~~والأوجاع والنفع والضر والخير والشر ونحوه فهو الصالح له ولم يتحاشوا جحد ~~الضرورة ومكابرة العقل في أن خلود أهل النار في النار هو الصالح لهم ~~والأنفع لنفوسهم # ومما فارق به البغداديون البصريين القول بوجوب ابتداء خلق الخلق وتهيئة ~~أسباب التكليف من إكمال العقل واستعداد الآلات للتكليف إلى غير ذلك ~~والبصريون لا يرون أن شيئا من ذلك واجب بل ابتداؤه بفضل من الله تعالى ~~وإنعام من غير تحقق ولا تحتم ولا إلزام # ونحن الآن نبتدئ بمأخذ أهل الحق والكشف عنه ثم نشير بعد ذلك إلى مأخذ أهل ~~الضلال والإبانة عن معرضها في معرض الاعتراض والانفصال PageV01P225 # فمما اعتمد عليه أهل التحقيق # في هذا الطريق أن قالوا لو كان إبداع البارى تعالى لما أبدعه يستند إلى ~~غرض مقصود لم يخل إما ان يقال بعوده إلى الخالق أو إلى المخلوق فإن كان ~~عائدا إلى الخالق لم يخل إما أن يكون بالنسبة إليه كونه أولى من لا كونه أو ~~لا كونه أولى من كونه أو أن كونه وأن لا كونه بالنسبة إليه سيان # فإن قيل إن كونه أولى من لا كونه فلا محالة أن واجب الوجود يستفيد بذلك ~~الفعل كما لا وتماما لم يكن له قبله لكونه أولى بالنسبة إليه وتركه وأن لا ~~يفعله نقصانا وذلك يوجب افتقار الأشرف إلى الأخس في إفادة كمالاته له وأن ~~يكون ناقصا قبله ونعوذ بالله من هذا الضلال بل هو الغنى المطلق وله الكمال ~~الأتم والجمال الأعظم وهو مبدأ الكمالات ومنتهى المطالب والأمنيات وإليه ~~الافتقار في جميع الحالات وليس له في فعله مطلوب يكمله ولا له قصد إلى ثناء ~~أو مدح يحصله بل هو الغنى له ms153 ما في السموات والأرض وهو على كل شئ قدير # وإن قيل إن لا كونه أرجح من كونه أو أنهما متساويان فالقول بجعل مثل هذا ~~غرضا ومقصودا مع أنه لا فرق بين كونه وأن لا كونه أو أن لا كونه أولى من ~~كونه من أمحل المحالات PageV01P226 # وإن قيل برجوعه إلى المخلوق من صلاح أو نفع فأى فائدة في خلق ما في ~~العالم من الجمادات والعناصر والمعدنيات وغير ذلك من أنواع النباتات مع ~~أنها لا تجد بذلك لذة ولا ألما ولا فرق لها بين كونها وأن لا كونها بل وأى ~~فائدة لنوع الحيوان في ذلك أو لتكليف نوع الإنسان مع ما يجد فيه من الآلام ~~والأوصاب والمشاق والأوجاع وكل ما تجد النفس من تحلمه حرجا # وكل عاقل إذا راجع نفسه بين الوجود وأن لا وجود فإنه يود لو أنه لم يكن ~~موجودا لما أعد له في الأولى والعقبى ولهذا نقل عن الأنبياء المرسلين ~~والأولياء الصالحين التكره لذلك والتبرم به حتى إن بعضهم قال يا ليتنى كنت ~~نسيا منسيا وقال آخر يا ليتنى لم تلدنى أمى وقال آخر يا ليتنى لم أك شيئا # بل وأى نفع وصلاح للعبد في خلوده في الجحيم وإقامته في العذاب الأليم ~~وكذا اى مصلحة في انظار إبليس وإضلاله وإماتة الأنبياء مع هدايتهم وهل من ~~زعم ان في ذلك صلاحا أو نفعا إلا خارقا لحجاب الهيبة بارتكاب جحد الضروة # ثم الذى يقطع دابر هذا الخيال ودفع هذا الإشكال إبداء ما وقع من أفعال ~~الله تعالى PageV01P227 # مع تسليم الخصم ضرورة أنه لا صلاح فيه ولا أصلحية وذلك أنا لو فرضنا ~~ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم قبل البلوغ وبلغ الآخران ومات أحدهما مسلما ~~والآخر كافرا فمن مقتضى أصولهم على ما استدعاه التعديل ان تكون رتبة المسلم ~~البالغ فوق رتبة الصبى لكونه أطاع بالغا وتخليد الكافر في الجحيم لكونه كان ~~عاصيا فلو قال الصبى يا رب العالمين لم اخترمتنى دون المرتبة العلية ~~والرفعة السنية التى أعطيتها لأخى ولم تمنعه إياها و ms154 لم لا أحييتنى إلى حين ~~البلوغ لأطيعك فتحصل لى هذه الرتبة وأى مصلحة لى في إماتتى قبل البلوغ ~~وقطعى عن هذه الرتبة فلا جواب الا ان يقول له لأنى علمت منك انك لو بلغت ~~لعصيتنى فكان اخترامك هو الأنفع لك وانحطاطك إلى هذا الرتبة أصلح لنفسك لكن ~~ذلك مما يوجب اخترام كل من علم الله كفره عند البلوغ ولا يبقى لإحياء ذلك ~~الكافر البالغ معنى ولا يتجه عنه جواب # فقد بان من هذه الجملة أن الغرض في أفعال الله تعالى ووجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح عليه مستحيل # وما يخص رعاية الأصلح أن يقال # مقدورات الله تعالى في الأصلح غير متناهية ورعاية ما لا سبيل إلى الوقوف ~~فيه على حد وضابط ممتنع ثم ولو وجب في حقه رعاية الصلاح والأصلح للزم أن ~~تكون الهبات والنوافل بالنسبة إلى أفعالنا واجبة لما فيها من صلاحنا إذ ~~الرب تعالى لا يندب PageV01P228 إلى ما صلاح لنا فيه ولا معنى للفرق في ذلك ~~بين الغائب والشاهد أصلا كيف وأن أصل الخصم فيما يرجع إلى وجوب رعاية ~~الصلاح والأصلح في حق البارى تعالى ليس إلا بالنظر إلى الشاهد وهو ممتنع ~~لما حققناه في غير موضع # كيف وقد سلم أن الواحد منا لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح في حق نفسه ~~مع تمكنه من تحصيله فأنى يصح القياس على هذا الأصل مع تحقق هذا الفصل وهل ~~ذلك إلا خبط في عشواء # وإذا تحقق ما قررناه من امتناع الغرض في أفعاله ووجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح لزم منه هدم ما بنى عليه من وجوب الثواب والعقاب والخلق والتكليف ~~وغير ذلك مما عددناه من مذهبهم فإنهم لم يقضوا بوجوبه إلا بناء على رعاية ~~الصلاح والأصلح لا محالة # ثم إن الواجب قد يطلق على الساقط ومنه يقال للشمس والحائط إنهما واجبان ~~عند سقوطهما وقد يطلق على ما يلحق بتاركه ضرر وقد يطلق على ما يلزم من فرض ~~عدمه المحال والمفهوم من إطلاق اسم الوجب ليس الا ما ذكرناه وما سواه فليس ~~بمفهوم ولا ms155 محالة أن الواجب بالاعتبار الأول غير مراد والثانى فقد بان أنه ~~مستحيل في حق الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه والثالث أيضا لا سبيل إلى ~~القول به إذ الخصوم متفقون على وجوب التمكين مما كلف به العبد وكيف يمكن ~~حمل الوجوب PageV01P229 على هذا الاعتبار مع الاعتراف بتكليف أبى جهل ~~بالإيمان وهو ممنوع منه لعلم الله تعالى أن ذلك منه غير واقع ولا هو إليه ~~واصل # فإن قيل لو لم يكن فعل واجب الوجود لغرض مقصود مع ان الدليل قد دل على ~~كونه حكيما في أفعاله غير عابث في إبداعه لكان عابثا والعبث قبيح والقبيح ~~لا يصدر من الحكيم المطلق والخير المحض وإذا لا بد له في فعله من غرض يقصده ~~ومطلوب يعتمده نفيا للنقص عنه وتنزيها له عن صدور القبيح منه وما ذكرتموه ~~من تعلق النقص والكمال به بالنظر إلى الغرض والمقصود فإنما يلزم أن لو كان ~~ذلك الغرض عائدا اليه وكماله ونقصه متوقفا عليه وليس كذلك بل هو الغنى ~~المطلق واستغناء كل ما سواه ليس إلا به بل عوده إنما هو إلى المخلوق وذلك ~~مما لا يوجب كمالا ولا نقصانا بالنسبة إلى واجب الوجود وإذا ثبت أنه لا بد ~~من حكمة وفائدة ففائدة خلق العناصر والمركبات والمعدنيات وغير ذلك من ~~الجمادات العناية بنوع الحيوان لأجل انتظام أحواله في مهماته وأفعاله ~~والاستدلال بما في طيها من الآيات والدلائل الباهرات على وجود واجب الوجود ~~ووحدانية المعبود وإليه الإشارة بقوله عليه السلام كنت كنزا لم أعرف فخلقت ~~خلقا لأعرف به PageV01P230 # وما يلحق الإنسان من مشقة التكليف والآلام في الدنيا فبالنظر إلى ما ~~يناله على ذلك من الثواب في العقبى قليل من كثير @QB@ مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء @QE@ ولا محالة أن فوات الخير الكثير دفعا للشر اليسير شر ~~كثير والتزام الشر اليسير رعاية للخير الكثير خير كثير وفائدة خلود أهل ~~النار في النار كفهم عن الكفر والفساد والعناد ms156 والشقاق والنفاق @QB@ ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه @QE@ من ذلك فهو الأصلح لهم ثم لا ينكر أن العلة ~~قد تخفى وتدق عن أن تصل إليه أفهام الخلق كما في إماتة الأنبياء وإنظار ~~ابليس وإحياء من علم كفره إلى حيث البلوغ ونحوه فمجرد استبعاد العلة ~~لخفائها وعدم الاطلاع عليها مما لا يفيد لأنه لا يلزم من عدم الاطلاع عليها ~~القول بانتفائها في نفسها # ولا يلزم من وجوب رعاية الصلاح في حق الله تعالى وجوب النوافل بالنسبة ~~إلى أفعالنا لكونها صالحة فإن رعاية ذلك بطريق الوجوب بالنسبة إلى أفعالنا ~~مما يوجب الكد والجهد في حقنا ولا كذلك البارى تعالى فانه قادر على نفع ~~الغير وصلاحه من غير أن يلتحق به جهد ولا ضرر فلذلك جاز القول بإيجاب الفعل ~~الصلاح في حق البارى دون غيره ولهذا المعنى لم نقل بوجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح في حق الواحد منا مع تمكنه منه # وليس القول بوجوب رعاية الصلاح في حق الغائب بالقياس على الشاهد ليلزم ما ~~ذكرتموه بل هو مستند إلى ما ذكرناه من إحالة صدور القبيح والعبث عن واجب ~~الوجود كما بيناه PageV01P231 # وما ذكرتموه من امتناع رعاية الأصلح فإنما يلزم أن لو لم يكن ما تجب ~~رعايته مقدرا ومضبوطا وضبط ذلك وتقديره مما يعلم الله تعالى أن الزيادة ~~عليه مما يوجب للعبد العتو والطغيان والكفران والعناد ولا محالة أن رعاية ~~مثل ذلك لا يفضى إلى محال # وما وقعت الإشارة إليه من أقسام مدلولات الواجب مما لا ننكره ولا ننكر ~~امتناع الوجوب في حق الله تعالى بالإعتبار الأول والثانى إنما النزاع في ~~الاعتبار الثالث فإن معنى كون الفعل واجبا على الله تعالى ليس إلا أنه يلزم ~~من فرض عدمه المحال وذلك المحال ليس هو لازما من فرض عدم الفعل لذاته بل ~~لغيره فمعنى كون الصلاح في الفعل واجب الرعاية أنه يلزم من فرض عدمه العبث ~~في حق الله وهو محال ومعنى كون الثواب على إيلام الحيوان واجبا أنه يلزم ~~الظلم من فرض عدمه في حق الله ms157 تعالى وصدور القبيح منه وهو محال ولهذا صارت ~~التناسخية إلى أن ذلك لا يقع إلا جزاء منه لها على ما فرطت واقترفت من ~~الكبائر والجناية حين كانت أنفسها في قوالب أشرف وأحسن من قوالب الحيوان # ومن الناس من جعله قبيحا لعينه وذاته ثم منهم من اضافه إلى ظلمه ~~كالتناسخية ومنهم من لم يسلم وجوده كالبكرية فما ظنك به مع خلوه عن الجزاء ~~المقابل وعلى هذا كل ما يوصف بالوجود من أفعال الله تعالى PageV01P232 # أما قصة أبى جهل فلا احتجاج بها فإن ما كلفه به ممكن في نفسه ومتمكن منه ~~بكونه مقدورا له فلم يكن ما أوجبناه من التمكين غير واقع ولا متصور # والجواب # إننا لا ننكر كون البارى تعالى حكيما وذلك بتحقق ما يتقنه من صنعته ~~ويخلقه على وفق علمه به وبإرادته لا بأن يكون له فيما يفعله غرض ومقصود ~~والعبث إنما يكون لازما له بانتفاء الغرض عنه أن لو كان قابلا للفوائد ~~والاغراض وإلا فتسميته غرضا عن طريق التوسع والمجاز هو غير ممكن كمن يصف ~~الرياح في هبوبها والمياه عند خريرها والنار عند زئيرها بكونها عابثة إذ لا ~~غرض لها ولا غاية تستند إليها ولا يخفى ما في ذلك من التحجير بوضع ما أصل ~~له في الوضع # وأما تقبيح صدوره من البارى تعالى فمبنى على فاسد أصلهم في التحسين ~~والتقبيح والرد عليهم في ذلك يستدعى تقرير المذهب من الجانبين وتمهيد ~~القاعدة من كلا الطرفين فنقول # معتقد المعتزلة أن الحسن والقبح للحسن والقبيح صفات ذاتيات ووافقهم على ~~ذلك الفلاسفة ومنكروا النبوات ثم اختلف هؤلاء في مدارك الإدراك لذلك فقالت ~~المعتزلة PageV01P233 والفلاسفة المدرك قد يكون عقليا وقد يكون سمعيا فما ~~يدرك بالعقل منه بديهى كحسن العلم والإيمان وقبح الجهل والكفران ومنه نظرى ~~كحسن الصدق المضر وقبح الكذب النافع وما يدرك بالسمع فكحسن الطاعات وقبح ~~ارتكاب المنهيات # وأما منكرو النبوات فقد منعوا أن يكون إدراكها إلا بالعقول دون شرع ~~المنقول # وأما أهل الحق فليس الحسن والقبح عندهم من الأوصاف الذاتية للمحال بل ms158 إن ~~وصف الشئ بكونه حسنا أو قبيحا فليس الا لتحسين الشرع أو تقبيحه إياه بالإذن ~~فيه أو القضاء بالثواب عليه والمنع منه أو القضاء بالعقاب عليه أو تقبيح ~~العقل له باعتبار أمور خارجية ومعان مفارقة من الأعراض بسبب الأغراض ~~والتعلقات وذلك يختلف بإختلاف النسب والإضافات # فالحسن إذا ليس إلا ما أذن فيه أو مدح على فعله شرعا أو ما تعلق به غرض ~~ما عقلا # وكذا القبيح في مقابلته PageV01P234 # وإطلاق الأصحاب أن الحسن والقبيح ليس إلا ما حسنه الشرع أو قبحه فتوسع في ~~العبارة إذ لا سبيل إلى جحد أن ما وافق الغرض من جهة المعقول وأن لم يرد به ~~الشرع المنقول أنه يصح تسميته حسنا كما يسمى ما ورد الشرع بتسميته حسنا ~~كذلك وذلك كاستحسان ما وافق الأغراض من الجواهر والأعراض وغير ذلك وليس ~~المراد بإطلاقهم إن الحسن ما حسنه الشرع أنه لا يكون حسنا إلا ما أذن فيه ~~أو أخبر بمدح فاعله وكذا في جانب القبح أيضا # وبعد هذا فلم يبق إلا الرد على أهل الضلال وهو أن يقال # الحاكم بالحسن والقبح على ما حكم بكونه حسنا أو قبيحا إما العقل أو الشرع ~~لا محالة فإن كان الحاكم هو العقل فلا محالة أن ما حكم العقل به من التحسين ~~والتقبيح لو خلى ودواعى نفسه في مبدأ نشوئه إلى حين وفاته من غير التفات ~~إلى الشرائع والعادات والأمور الاصطلاحيات والموافقات للأغراض والمنافرات ~~لم يجد إلى الحكم الجزم بذلك سبيلا # وإذا لم يكن في الحكم بهذه الأمور بد من النظر إلى ما قدرناه فهى لا ~~محالة مختلفة بالنسبة والإضافة إذ رب شئ حكم عليه عقل إنسان ما بكونه حسنا ~~لكونه موافقا لغرضه أو لما فيه من مصلحته أو دفع مفسدته أو لكونه جاريا على ~~مقتضى عادته وعادة قومه عرفا أو شرعا وقد يحكم عليه عقل غيره بكونه قبيحا ~~لكونه مخالفا له فيما وافق غرضه وذلك كالحكم على ذبح الحيوان بالحسن والقبح ~~بالنسبة إلى أهل الشرائع المختلفة وكالحكم بالحسن PageV01P235 والقبح على ~~سمرة ms159 اللون مثل بالنسبة إلى من يستحسنها أو يستقبحها وكالحكم بقبح الكذب ~~الذى لا غرض فيه وحسنه إذا قصد به إحقان دم نبى أو ولى من غاشم يقصد قتله ~~وهلم جرا في كل ما يقضى العقل باعتباره على كون الشئ حسنا أو قبيحا ولو كان ~~ذلك ذاتيا لما اختلف باعتبار النسب والإضافات بل لوجب أن يكون متحققا مع ~~تحقق الذات وان تغيرت الحالات كما في سائر الذاتيات # وان كان الحاكم به الشرع فلا محالة أنه قد يحكم بكون القتل مثلا أو الكذب ~~قبيحا في حق العاقل القاتل لا لغرض ولا يحكم بقبح ذلك في حق الصبى والمجنون ~~بل وقد يحكم بحسن شريعة ما بالنسبة إلى قوم ويقبحها بالنسبة إلى آخرين ~~ولهذا صح القول بنسخ الشرائع ولو كان القضاء فيه بالحسن أو القبح على شئ ما ~~لذاته ونفسه لا لنفس الخطاب لما تصور أن يختلف ذلك باختلاف الأمم والأعصار ~~على ما حققناه # فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرتموه لوجب أن من أراد قضاء حاجة وكان ~~سبيله فيها إما الصدق وإما الكذب وهما بالنسبة إلى قضاء حاجته سيان أن لا ~~يرجح الصدق على الكذب وأن من رأى شخصا في الهلاك وهو قادر على إنقاذه ~~وخلاصه وليس له في إنقاذه غرض ولا هو متدين بدين بل ربما أوجب ذلك عنده ~~تعبا ونصبا أن لا يرجح عنده الإنقاذ على عدمه وهو مما تقضى العقول السليمة ~~برده وإبطاله وإذا ثبت الترجيح فلو لم يكن ذلك لحسنه في ذاته وإلا كان عبثا ~~وسفها ثم كيف ننكر ذلك والعقل الصريح PageV01P236 يقضى ببديهته على حسن ~~العلم والإيمان وقبح الجهل والكفران من غير توقف على أمر خارج أصلا ومن ~~أنكر ذلك فهو لا محالة معاند مجاحد مع أن اتفاق العقلاء على ذلك مما يخصمه # قلنا ما ذكرتموه من الإلزامات واعتمدتموه من الخيالات مهما قطع النظر ~~فيها عما ذكرناه من المقاصد والأغراض فالترجيح لا محالة يكون ممتنعا ~~والمحتج به يكون منقطعا ومهما لم يكن بد من الأغراض فيما حكم ms160 العقل بحسنه ~~أو قبحه امتنع أن يكون ذلك له ذاتيا كما مهدناه # ومن قضى بإطلاق التحسين لما حسنه أو التقبيح لما قبحه من غير اقتصار على ~~متعلق الغرض فليس ذلك إلا لذهوله عن محز الغلط ومثار الفرط وهو إما حبه ~~لنفسه وشغفه بما تعلق به غضه فإنه قد يحكم إذ ذاك قطعا بحسن ما وافق غرضه ~~وقبح ما خالفه من غير التفات إلى غرض الغير لكونه غير مشغوف به وذلك كمن ~~يحكم بحسن صورة ما أو قبحها لما وافق من غرضه أو خالف مطلقا وإن جاز أن ~~يكون غرض غيره مخالفا لغرضه # وقد يكون ذلك لكون ما يحكم بحسنه أو قبحه مما يوافق الأغراض غالبا ~~ومخالفة لها نادرا فيحكم عليه بكونه حسنا أو قبيحا مطلقا لخفاء موضع ~~المخالفة عليه وندرته في وقوعه وذلك كمن يحكم على الكذب بأنه قبيح مطلقا ~~فلا يلتفت إلى حسنه عندما يستفاد به عصمة دم نبى أو ولى لندرته وخفائه في ~~نفسه ومثارات الغلط في ذلك PageV01P237 متكثرة متعددة لا محالة ولا مستند ~~للحكم بجهة الإطلاق إلاها حتى لو فرض شخص ما متنبها عند حكمه على ما حكم ~~فيه لجميع مواضع الغلط ومواقع الزلل لما تصور منه القضاء بذلك مطلقا # وما ذكروه من ادعاء الضرورة للعلم بحسن العلم والإيمان وقبح الجهل ~~والكفران فمن أحاط بما ذكرناه وفهم ما قررناه بان له وجه فساده من غير توقف ~~ثم كيف يقنع بالاسترسال في ادعاء ذلك مع ان أكثر العقلاء في ذلك لهم ~~مخالفون وهم عما يدعونه مدافعون ولو كان مجرد ذلك كافيا لاكتفى به من جحد ~~الصانع وقضى بالتجسيد والتشبيه وذلك مما يبطل القضايا العقلية والأمور ~~النظرية وهو ممتنع وليس اتفاق بعض العقلاء عليه مما يوجب كونه ضروريا وإلا ~~للزم أن ما اتفق عليه الخصوم أيضا ضرورى لكونهم من جملة العقلاء بل أكثرهم ~~وذلك يفضى إلى كون الشئ لواحد معلوما نفيه وإثباته في حالة واحدة بالضرورة ~~وهو ممتنع # كيف وكم من شئ اتفق عليه أكثر العقلاء وليس بضرورى كما ms161 في حدث العالم ~~ووجود الصانع ونحوه بل لو قدر اتفاق المخالف لهم بحيث وقع الإطباق على ذلك ~~فإنه لا ينقلب ألبتة ضروريا على معنى أنه لو خلى الإنسان ودواعى نفسه يحكم ~~به من غير توقف على أمر ما # لم يبق إلا قولهم إن الاضطرار إلى معرفة كون الحسن والقبح ذاتيا واقع لا ~~محالة وإنما النزاع في مدركه ومن تنبه لما أشرنا إليه علم أن ذلك غلط من ~~قائله لوجهين # الوجه الأول أن ما حكموا بتقبيحه فنحن قد نحكم بتحسينه وذلك كإيلام ~~الحيوان وتعذيب الانسان من غير ثواب ولا لغرض مقصود فكيف يدعى الموافقة على ~~نفس الحسن والقبح وكونه ذاتيا PageV01P238 # الوجه الثانى أنه وإن وقع الاتفاق على تحسين كل ما حسنوه وتقبيح كل ما ~~قبحوه فلم يقع الاتفاق على كون الحسن والقبح ذاتيا ولا يلزم من الاتفاق على ~~كون الشئ الواحد حسنا أو قبيحا أن يكون قد سلم كون الحسن والقبح له ذا تبين # ولا يلزم من عدم جواز اتصاف البارى بكونه جاهلا أن يكون ذلك لكون القبح ~~للجهل وصفا لزاما وأنه لذاته قبيح بل لكون الدليل القاطع قد دل على وجوب ~~العلم له وكونه عالما ولو جوزنا أن يكون جاهلا لجوزنا أن لا يكون عالما ~~وذلك خلاف ما اقتضاه الدليل القاطع والا فلو جوزنا النظر إلى مجرد الجهل لم ~~يقتض ذلك كون القبح له ذاتيا فإنه وان صح تقبيحه بالنسبة إلى من خالف غرضه ~~بسبب عدم اطلاعه على المعلومات وإحاطته بالمعقولات فقد علم بحسنه من وافق ~~جهل هذا الجاهل غرضه وذلك كما نحكم على كون القتل قبيحا بالنسبة إلى ~~المقتول وأوليائه وتحسينه بالنسبة إلى حساده واعدائه وهذا واضح لا خفاء به ~~وبهذا التحقيق يقع التفصى عن كل ما يرد من هذا القبيل # وإذا بطل أن يكون الحسن والقبح ذاتيا لم يبق معنى للحسن والقبح إلا ما ~~ذكرناه ويلزم منه منع جواز إطلاق القبح على أفعال الله تعالى لعدم وروده ~~على لسان الشرع المنقول وعدم تأثير مخالفته لأغراض أصحاب العقول ~~PageV01P239 # ثم ms162 كيف السبيل إلى جحد انتفاء الغرض عن أفعاله مع وقوع ما بيناه من ~~الأفعال التى لا غرض فيها وما قيل من أن فائدة خلق الحادثات المعدنيات ~~وغيرها إنما هو انتظام حال نوع الانسان والاستدلال بها على وجوب وجوده وعظم ~~جلاله في وحدانيته فلا يصلح أن يكون غرضا وإلا لوجب حصوله من كل وجه على ~~نحو لا يختلف من وجه ما و الا عد عاجزا عن تحصيل غرضه من ذلك الوجه # ولم كان هلاكه لما خلق لأجل صلاحه وانتظام أحواله وذلك كما في حق الغرقى ~~والحرقى والمسمومين والهلكى بالرياح العاصفة كما مضى فيمن هلك من الأمم ~~السالفة بل وكم من تارك النظر في الآيات والدلائل الباهرات ولم يلتفت إلى ~~ما فيها من جهات الاستدلالات ولهذا لو نسبنا الناظر المؤمن إلى الجاحد ~~الكافر لم يجده إلا قليلا من كثير ثم لا محالة أن فائدة الاطلاع على وجوب ~~وجود واجب الوجود ومعرفة وحدانيته لا سبيل إلى القول بعودها إليه إذ هو ~~يتعالى ويتقدس عن الأغراض كما سبق فلا بد وأن يعود إلى الناظر وتلك الفائدة ~~عند البحث عنها لا تخرج عن الالتذاذ بنفس المعرفة والثواب عليها وذلك كله ~~مقدور أن يحصله الله تعالى للعبد من غير واسطة بأن يخلق له العلم بديا ~~بمعرفته وأن ينيله الثواب الجزيل بدون النظر إلى نظره وطاعته وعلى هذا يخرج ~~القول بوجوب التكليف أيضا # ولا يصح أن يقال إن الثواب على النظر والمشاق اللازمة بالفكر والتزام ~~الطاعات بفعل المأمورات واجتناب المنهيات ألذ من أن يكون بديا لانتفاء ~~المنة والامتنان فإنا نلوذ بجناب الجبروت ونستعيذ بعظمة الملكوت ممن يتجاسر ~~على PageV01P240 الإفصاح بهذا الافتضاح ويتفوه بالتكبر على الله تعالى ~~والتجنب من الدخول في منته والإشتمال بنعمته و كيف السبيل إلى الخروج عن ~~ذلك وأين المفر منه وهل أصاب إيجاده مبرأ من الآفات ممكنا من اللذات أو خلق ~~ما يصدر عنه من الطاعات وأنواع العبادات إلا بفضل من الله تعالى بديا من ~~غير سابقة طاعة أو فعل عبادة وهل نعمه السابقة ms163 إلينا المشتملة علينا مما ~~يمكن القول بعدها أو التعرض لحصرها # ثم إن الخصم معترف بأن ما يفعله العبد من الطاعات واجب عليه وملجأ إليه ~~شكرا منه لله تعالى على ما أولى من مننه وأسبغ من جزيل نعمه فكيف يستحق ~~الثواب على ما أدى من الواجبات والجزاء على ما حتم عليه من الطاعات وانواع ~~العبادات # أم كيف السبيل إلى الجمع بين القول بوجوب الطاعة على العبد شكرا والثواب ~~على البارى جزاء وهل ذاك إلا دور ممتنع من جهة أن الشكر لا يجب إلا بعد ~~سابقة الثواب المتطول به لا ما وقع بطريق الوجوب فإن ذلك لا يستحق شكرا ~~والجزاء الواجب لا يكون إلا بعد سابقة خدمة وطاعة متبرع بها لا ما وقع ~~بطريق الإيجاب # وقوله تعالى @QB@ ولتجزى كل نفس بما كسبت @QE@ وقوله @QB@ ليجزي الذين ~~أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى @QE@ فليس المراد بها التعليل ~~وإنما المراد بها PageV01P241 تعريف الحال في المآل كما في قوله تعالى @QB@ ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ وقوله @QB@ ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله @QE@ وعلى هذا يخرج كل ما ورد ~~في هذا الباب من الآيات والدلالات السمعيات ونحن لا ننكر أن ذلك مما يقع ~~وانما ننكر كونه مقصودا بالتكليفات والأمر بالطاعات حتى يقال إنه خلق لكذا ~~أو لعلة كذا بل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # بل ويكفى الخصم من سخف عقله وزيف رأيه أن عادت حكمة خلق السموات والأرض ~~والنجوم والشجر والجبال وإظهال الآيات والدلائل والمعجزات وإيجاب الطاعات ~~والعبادات وتصريف الخلائق بين المأمورات والمنهيات إلى لذة يجدها بعض ~~المخلوقين في مقابلة طاعته تزيد على اللذة التى يجدها بطريق الابتداء ~~والتفضل مع أن الله تعالى قادر على أن يخلق له أضعاف تلك اللذة في التفضل ~~الابتدائى من غير تعب ولا نصب إن الله على كل شئ قدير # ثم الذى يقطع به دابر العناد ويخمد ثائرة الإلحاد التزام خلود أهل النار ~~في النار بكبيرة واحدة إذا ماتوا قبل الإقلاع عنها والتوبة ms164 منهما وما قيل ~~من أن ذلك هو الأصلح لهم لعلمه بهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فغير ~~مفيد مع العلم بقدرة الله تعالى على منعهم منها وإماتتهم قبل الوصول إليها ~~وإقدارهم على التوبة قبل الأوبة فما الفائدة في تمكينهم من الكفران ~~وإقدارهم على العصيان ومنعهم من التوبة ولقد كان قادرا على التجاوز ~~والامتنان والصفح عنه والغفران فلو فعل ذلك لقد PageV01P242 كان أليق ~~بحكمته وأقرب إلى رأفته من أن يعذبهم بالنيران ويحرمهم نعيم الجنان فإنا قد ~~وجدنا المديح للغافر لا سيما في حق من لا يتضرر بالغفران ولا ينتفع ~~بالانتقام بل هما بالنسة إلى جلال عظمته وقدوس صمديته سيان فما باله استأثر ~~بالأنتقام على الإنعام بالغفران وبالعقاب على الامتنان # بل لا يحسن في العقل في معرض المجازاة مقابلة معصية واحدة بالخلود في ~~العذاب المقيم الأبدى السرمدى بل لو قيل إن العقل يقبح ذلك لقد كان هو ~~الأليق فانظر إلى هؤلاء كيف تخبطوا في الحقائق لقصور أفهامهم وضلوا في ~~ظلمات أوهامهم واشكر الله على ما منحك مما حرم منع غيرك إن الله يجزى ~~الشاكرين # وما هول به من أن انتفاء الحكمة غير لازم من عدم تعلق العلم بوجودها ~~فصحيح لكن المدعى ههنا إنما هو تعلق العلم بعدمها على ما شهد به العقل ~~الصريح وفرق بين عدم تعلق العلم بوجود الشئ وبين تعلق العلم بعدم الشئ إذ ~~الوجود مع الأول متصور ومع الثانى ممتنع # فقد تحقق من هذه الجمل أن الغرض والصلاح ووجوب رعايته ممتنع في حق واجب ~~الوجود والذى يشهد بذلك ويؤكده ما أسلفناه من الإلزامات وقدمناه من ~~الإشكالات في اعتبار إيجاب النوافل واعتبار إيجاب رعاية الصلاح والأصلح في ~~الشاهد وما ذكروه من الفرق فهو يرجع على قاعدتهم في إيجاب الطاعة والشكر ~~على العبيد بالإبطال وإن نظر إلى ما يستحقه من الثواب في مقابلته فهو باطل ~~لما أثبتناه ومع بطلانه فلم لا قيل به في محل الإلزام وما الفرق بين ~~الصورتين وما الفاصل PageV01P243 بين الحالين وهل ذلك إلا محض خيال ms165 لا أصل ~~له ومجرد استرسال لا سند له نعوذ بالله من الشيطان والتخبط في الأديان # وما قيل من أن مستند ذلك ليس إلا نفى العبث والقبح عن أفعال واجب الوجود ~~فمبنى على أصلهم في التحسين والتقبيح وقد أوضحنا فساده # وما قيل في تقرير الأصلح مما لا ثبوت له على محك النظر ولا مقر له في ~~ميدان العبر فإنه ما من أمر يقدر أن الانسان سيطغى عنه إلا والرب تعالى ~~قادر على أن يعصمه منه ويمنعه عنه وإذ ذاك فلا يطغى واعتبار الأصلح في حقه ~~يكون أولى كيف وأن هذا ينقض قاعدتهم في التكليف رعاية لمصلحة العبد مع ~~العلم بأنه يكفر ويفجر # فإذا يمتنع رعاية الأصلح نفيا للطغيان ويمتنع التكليف رعاية لدفع الكفران ~~وهو مما يعسر دفعه على الخصوم ويصعب حله على أرباب الفهوم وإذا ثبت ما ~~مهدناه لزم القول بانتفاء الوجوب عن جميع أفعال واجب الوجود لما سبق # ولا يروعنك تفسير وجوب فعل الله تعالى بلزوم الظلم والعبث عليه بفرض عدمه ~~كما في الثواب على الطاعة وإيلام الحيوان البرئ فإن ذلك يستدعى بيان ~~قبوليته لأن يتصف بالظلم والعبث وكل ما يوجب له في ذاته نقصا وذلك مما لا ~~سبيل إليه بل الظلم وكل صفة منقصة مسلوبة عنه لامتناع اتصافه بها وذلك على ~~نحو سلب الظلم والعبث عن الحيوانات والجمادات وغير ذلك من النباتات إذ ~~الظلم يتصور ممن يصادف PageV01P244 تصرفه ملك غيره من غير علمه أو مخالفة ~~من هو داخل تحت تصرفه وحكمه وذلك كله منفى عن البارى تعالى # ثم إن ذلك مبنى على أصولهم في التحسين والتقبيح وقد أبطلناه ثم كيف ~~السبيل إلى تفسير الواجب في حقه بما يلزم من فرض عدمه المحال مع ما أسلفناه ~~من قصة أبى جهل وتكليف غيره ممن مات على كفره بالإيمان ومجرد الإمكان غير ~~كاف في التمكين إلا مع القدرة عليه والاسترسال بكونه مقدورا له قبل الفعل ~~مع ما عرف من أصلنا في الاستطاعة وانها لا تكون إلا مع الفعل غير مفيد ثم ~~ولو ms166 كان مقدورا فلا بد وأن يكون وقوعه بالفعل متصورا ولو تصور وقوعه بالفعل ~~لانقلب العلم السابق جهلا وذلك محال في حق البارى تعالى لما سلف وامتناع ~~وقوع المحال لا فرق فيه بين أن يكون لازما عن الشئ باعتبار ذاته وبين أن ~~يكون لازما عنه باعتبار غيره فيما يرجع إلى نفس المقصود وهو الوقوع ومن جحد ~~ذلك فليسل الله تعالى أن يرزقه عقلا # ومن أنكر حلول الآلام بالحيوان وإلمامه بها فجحده لبديهيته يغنى عن ~~مكالمته ولسانه ينادى على نفسه بفضيحته فإن ذلك غير متقاصر عن جحد كونها ~~حية ومتحركة وغير ذلك مما لها من الصفات المحسوسة ومن زعم أن ذلك قبيح ~~لعينه فقد تبين فساد أصله في التحسن والتقبيح ثم ولو كان كذلك للزم أن من ~~شرب دواء كرها أو احتجم أو انفصد أملا لإزالة داء ممرض أن يعد ذلك منه ~~قبيحا على نحو ما إذا ألقى نفسه في تهلكة وهو خلاف المعقول # وأما الثنوية فقد أبطلنا عليهم قواعدهم والتناسخية فسنبين فيما يأتى زيف ~~عقائدهم إن شاء الله تعالى وهو الهادى لطرق الرشاد PageV01P245 # | القاعدة الثالثة # في حدوث المخلوقات وقطع تسلسل الكائنات # وقد اضطربت فيه الآراء واختلف فيه الأهواء # فذهبت طوائف من الإلهيين كالرواقيين والمشائيين ومن تابعهم من فلاسفة ~~الإسلاميين إلى القول بوجوب ما وجب عن الواجب بذاته مع وجوده وإن قيل له ~~حادث فليس إلا بمعنى أن وجوب وجوده لغيره وأن له مبدأ يستند إليه ويتقدم ~~عليه تقدما بالذات على نحو تقدم العلل والمعلولات لا بمعنى أن حدوثه من عدم ~~بل هو أزلى أبدى لم يزل ولا يزال وكذلك حكم ما وجب عما وجب وجوده بالواجب ~~بذاته وهلم جرا على ما ذكرناه من تفصيل مذاهبهم وإيضاح قواعدهم فيما لا ~~يقبل الفساد كالأجرام الفلكية ونفوسها والعقول التى هى مبادئ لها فهى قديمة ~~أزلية لم تزل ولا تزال # وما هو قابل للاستحالة كالحركات وامتزاجات أو الفساد كالصور الجوهرية ~~للعناصر والمركبات فهى وإن كان كل واحد منها حادثا لكنه لا أول لها ينتهى ~~إليه ms167 بل هى لا تتناهى مدة ولا عدة وما من كائن فاسد إلا وقبله كائن آخر إلى ~~مال يتناهى ولم يوجبوا التناهى على أصلهم إلا فما له ترتيب وضعى ~~كالامتدادات أو ترتيب طبيعى وآحاده موجوده معا كالعلل والمعلولات وأما ما ~~سواه فالحكم بأن PageV01P246 لا نهاية له غير مستحيل كالحركات الدورية ~~والنفوس الإنسانة بعد المفارقة للأجرام البدنية كما سلف # وذهب أهل الحق من الإسلاميين وغيرهم من أهل الشرائع الماضين وجماعة من ~~الحكماء المتقدمين إلى أن كل موجود سوى الواجب بذاته فموجود بعد العدم ~~وكائن بعد أن لم يكن وأن الحكم له بالمعية مع الواجب الأبدية واللازم ~~للسرمدية مما لا سبيل أليه ولا معول لأرباب العقول عليه بل البارى تعالى ~~كائن ولا كائن ومتقدم بالوجود ولا موجود وأن ما أبدعه لم يكن معه بل هو ~~المنفرد بالأبدية المتوحد بالسرمدية خالق الخلق بعد العدم ومعيدهم بعد ~~الرمم إن الله على كل شئ قدير # وعند هذا فلا بد من البحث عن مطمح نظر الفريقين والكشف عن مقصد الطائفتين # ولتكن البداية بتقديم النظر في طرق أهل الحق أولا وإبطال شبه أهل الضلال ~~والانفصال عنها ثانيا # والكلام في هذه المسألة يقع في طرفين # أ طرف في إبطال القول بلزوم القدم # ب وطرف في إثبات الحدوث بعد العدم PageV01P247 $ أما الطرف الأول # فقد سلك المتكلوم فيه بيان افتقار العالم إلى صانع مبدع أولا ثم بيان ~~إبطال الإيجاد بالذات ثانيا فقال بعضهم في بيان وجه الافتقار إلى الصانع ~~المبدع # إنا لو قدرنا قدم الجواهر فليس تخلو عن اجتماع وافتراق إذ لا جائز أن ~~تكون لا مجتمعة و لا مفترقة وعلى كل تقدير فنحن نعلم جواز تبدل الاجتماع ~~والافتراق عليها وعند ذلك فلا تخلو إما أن تكون مستحقة لذلك لذواتها أو ~~باعتبار أمر خارج لا جائز أن تكون مستحقة لذلك لذواتها فإن ما ثبت للذات ~~يدوم بدوام الذات ولا يتصور عليه التبدل أصلا فإذا لا بد أن يكون المخصص ~~لها بذلك أمرا خارجا لا محالة # واعلم أن التعرض لإظهار هذا المقدار ms168 ليس بمفيد لأن الخصم ما يدفعه أو ~~يمنعه وإنما هو لإسناد العلم به إلى الدليل ولدفع شغب معاند مجاحد خارج عن ~~هذا القبيل فإذا كان كذلك فالعلم بصحة مدلول هذا الدليل يتوقف على حصر ~~الجواهر والموجودات فيما هو قابل للاجتماع والافتراق إذ ربما يقول الخصم ~~بوجود جواهر مجردة عن المادة وعلائق المواد لا تقبل الاجتماع والافتراق ولا ~~يصح القول بكونها مجتمعة ولا متفرقة لكونها عقولا محضة PageV01P248 # وذلك أيضا مما لا يكفى بل لابد من بيان أن ما حصل بين الجواهر أو بعضها ~~من الاجتماع أو الافتراق مما لا تقتضيه بذواتها إذ ربما لا يسلمه الخصم ~~عنادا بالنسبة إلى بعض الجواهر كالاجتماع الكائن بين الأجرام الفلكية ~~والجواهر العلوية وكذلك بعض الافتراقات لبعض الأجرام أيضا فمجرد الدعوى في ~~ذلك غير كافية ولا شافية # وليس يلزم من جواز تبدل الاجتماع والافتراق على بعض الجواهر السفلية مثله ~~في الجواهر العلوية ولا كذلك بالعكس لما اشتركا فيه من الجوهرية أو الجسمية ~~فإنه لا مانع من أن يكون ذلك لها باعتبار خصوصياتها ولما وقع به الافتراق ~~بين ذواتها # وإن أمكن بيان ذلك فهو مما يطول ويصعب تحقيقه جدا على أرباب العقول # ولهذا انتهج إمام الحرمين هذا المنهج بعبارة أخرى فقال # نعلم قطعا أن اختصاص العالم بشكله المقدر مع جواز أن يكون أصغر من ذلك أو ~~أكبر وفرضه في مستقره من غير تيامن ولا تياسر واختصاص كل جزء من أجزائه ~~بمكانه من المحيط إلى المركز بحيث كانت الأفلاك محيطة بالنار والنار محيط ~~بالهواء والهواء بالماء والماء بالتراب إلى غير ذلك من وجوه التخصيصات مما ~~لا يستحيل القول بفرض وجود تلك الأجرام بذواتها مع غيرها كأن يكون العالم ~~أصغر أو أكبر مما هو عليه أو متيامنا أو متياسرا مما هو عليه من مستقره ~~أيضا ولو كان ذلك مما يثبت لها باعتبار PageV01P249 ذواتها لما تصور فرض ~~تبدله أصلا فإذا اختصاصها به إنما هو باعتبار مخصص خارج وما لزم الأول في ~~قضيته فهو أيضا لازم لهذا القائل على طريقته مع ms169 لزوم بيان تناهى الأبعاد ~~وفرض خلاء وراء العالم لضرورة صحة فرض التباين والتياسر # ولأجل ذلك فر بعض المحققين في ذلك إلى بيان جهة الإمكان فقال القسمة ~~العقلية حصرت المعلومات في ثلاثة أقسام واجب لذاته وممتنع لذاته وممكن ~~لذاته فالواجب هو الموجود الذى لو فرض معدوما لزم عنه المحال لذاته ~~والممتنع لو فرض موجودا لزم عنه لذاته المحال والممكن هو ما لو فرض موجودا ~~أو معدوما لم يعرض عنه محال # فالعالم إما أن يكون واجبا أو ممتنعا أو ممكنا لا جائز أن يكون واجبا لأن ~~أجزائه متغيرة عيانا وضرورى الوجود لا يتغير بحال ولا جائز أن يكون ممتنعا ~~وإلا لما وجد فتعين أن يكون لذاته ممكنا وكل ممكن فترجحه في جانب وجوده أو ~~عدمه ليس إلا بغيره وإلا كان واجبا ممتنعا فترجح العالم في جانب وجوده ليس ~~ألا بغيره PageV01P250 # ثم نظم لذلك قياسا مركبا منفصلا فقال العالم متغير ومتكثر وكل متكثر ~~ومتغير فهو ممكن الوجود بذاته وكل ممكن الوجود بذاته فوجوده بإيجاد غيره ~~فوجود العالم بإيجاد غيره وذلك الغير يستحيل أن يكون مرجحا بذاته لثلاثة ~~أوجه # الوجه الأول أن الوجود والذات لا اختلاف فيهما بين موجود وموجود وهما في ~~الواجب والجائز بمعنى واحد فلو أوجب الوجود من حيث إنه ذات ووجود لم يكن ~~إيجاده لغيره بذلك الاعتبار بأولى من وجوده هو بغيره بناء على ما اشتركا ~~فيه من ذلك الاعتبار # الوجه الثانى هو أن الجائزات بأسرها متماثلة من حيث هى جائزة وهى لم تكن ~~مفتقرة إلى المرجح إلا من حيث ما وقع بينها من الاشتراك في جهة الإمكان ~~والموجب بالذات لا يخصص مثلا عن مثل إذ نسبة سائر المتماثلات إليه على ~~وتيرة واحدة # والوجه الثالث هو أن الواجب بذاته مهما لم يكن بينه وبين الموجب مناسبة ~~أو تعلق ما بل انفرد كل واحد بحقيقته وخاصيته لم يقض العقل بصدور أحدهما عن ~~الآخر أصلا ولا محالة أن البارى تعالى منفرد بحقيقته عن جميع المناسبات ~~والتعلقات فإيجاده لغيره بالذات لا يكون معقولا # فإذا ms170 قد امتنع الإيجاد بالذات وتعين أن يكون بصفة زائدة بها التخصيص وهى ~~المعنى بالإرادة ومع ذلك فلا يلزم القول بلزوم القدم PageV01P251 # ولربما قرر بتقرير آخر وهو أن العالم ممكن والممكن جائز الوجود وجائز ~~العدم لا جائز الوجوب وجائز الامتناع فاستفادته من المرجح ليس إلا وجوده لا ~~وجوبه إذ الوجوب عارض للوجود ولهذا يصح أن يقال وجد فوجب ولا يصح أن يقال ~~وجب فوجد وإذا كان الوجوب عارضا للوجود فالمستند إلى المرجح إنما هو الوجود ~~لا ما عرض له فعلى هذا إذا قيل إن الممكن وجد بإيجاد غيره كان مستقيما لفظا ~~ومعنى وإذا قيل إنه وجب بايجاب بغيره كان مختلا لفظا ومعنى وإذا بطل أن ~~يكون المستفاد من المرجح هو الوجوب بطل الإيجاب الذاتى للملاءمة بين وجود ~~المفيد والمستفيد # ولقد فر مما لا طاقة له به إلى ما لا قبل له به وذلك أنه إن أراد بالتغير ~~التغير في كل أجزاء عالم الكون والفساد والتبدل بالوجود بعد العدم والعدم ~~وبعد الوجود فذلك مما لا سبيل إلى ادعائه غائبا بطريق العموم والشمول وإن ~~صح ذلك في بعض الجواهر الصورية وبعض الأمور العرضية ومع امتناع إسناد ذلك ~~إلى العيان لا بد فيه من البيان # وإن أراد به التغير في أحوال الموجودات وما يتعلق بها من التغيرات فقد ~~التزم في ذلك ما فر منه أولا وهو بيان انتفاء موجود لا يقبل التغير أصلا ~~وذلك كما أثبته الخصم من العقول الكروبية والنفوس الروحانية وبيان وجود ~~الأعراض وحدثها وانتهائها وامتناع عرو الجواهر عنها حتى يصح القول بحدث ~~الجواهر بأصلها وكونها ممكنة الوجود في نفسها وإلا فلا يلزم من قيام شئ ~~متغير بشئ أن يكون ذلك الشئ في نفسه متغيرا وإذا لم يكن متغيرا فقد انتفى ~~عنه ما جعله مستندا PageV01P252 # لبيان الإمكان أولا وعند ذلك فلا يلزم أن يكون العالم بجميع أجزائه ممكنا ~~على ما لا يخفى # وما قيل من أن الوجود بالذات في الواجب والجائز بمعنى واحد وليس إيجاب ~~أحدهما للآخر بأولى من العكس فمما لا ms171 سبيل إليه على الرأيين وذلك أنه لو ~~كان معنى الذات والوجود فيهما معنى واحدا للزم أن تكون ذات واجب الوجود ~~ووجوده ممكنا أو أن يكون وجود الجائز وذاته واجبا لضرورة الاشتراك فيما قيل ~~إنه واجب في أحدهما وممكن في الآخر فإن ما ثبت لشئ لنفسه كان لازما له مهما ~~وجد وإن اختلفت الجهات والمتعلقات ولا يخفى أن جعل الواجب بذاته ممكنا أو ~~الممكن واجبا من أمحل المحالات إذ الواجب لذاته ما لو فرض معدوما عرض عنه ~~المحال لذاته والممكن ما لا يعرض المحال لذاته لا من فرض وجوده ولا عدمه ~~فإذا ليس الاشتراك بين الوجب والجائز في غير اسم الوجود والذات والاشترك في ~~الاسم مع اختلاف الحقيقة لا يوجب الأولوية لعدم ارتباط الإيجاد والإحداث ~~بما وقع به الاشتراك من الاسم # وما قيل من أن الجائزات بأسرها متماثلة ومتساوية بالنسبة إلى الموجود ~~بالذات فتوسع في الدعوى وذلك أن الخصم وإن سلم أن وجود الجائزات متساو ~~بالنسبة إلى ذات الممكن بحيث لو اتصف بأى منهما كان لم يكن ذلك لاختصاصه ~~بمخصص من الذات القابلة له بل هى بالنسبة اليه و إلى غيره على السواء فليس ~~يسلم تساويهما بالنسبة إلى المخصص لا سيما إن كان مقتضيا لذلك بالذات ~~والطبع وذلك لأنه إذا كان المخصص مخصصا بالذات وكان له صلاحية تخصيص جميع ~~الجائزات من الوجود PageV01P253 والعدم من غير أولوية لأحدهما فهو إما أن ~~يكون مخصصا لكل واحد من جهة ما خصص الآخر منهما فهو محال إذ المخصصات ~~المختلفة مستحيل أن تستند في جانب مخصصها إلى شئ واحد من كل جهة وإن كان ~~ذلك باعتبار جهات فلا يكون الاقتضاء بالذات ولا يكون مستند سائر الممكنات ~~إلى مجرد الذات قضية واحدة بل الذات لا تكون مقتضية إلا لشئ واحد إن اقتضت ~~غيره فليس إلا باعتبار صفات زائدة عليها فإذا لفظ الإيجاب بالذات يلازمه ~~نفى الاشتراك فيه والتساوى في نسبة الموجبات المختلفة إليه فالقول بوجوب ~~التساوى إذ ذاك تناقض # والذى يوضح مأخذ هذا المنع ما اشتهر من ms172 معتقد الخصم من أن نسبة إيجاد ~~البارى تعالى لما أوجده بذاته كنسبة إيجاب حركة اليد لحركة الخاتم ولا يخفى ~~أنه وإن كانت حركة الخاتم وسكونها بالنسبة إلى ذات الخاتم سيان فليس يلزم ~~أن يكون سكون الخاتم وحركتها بالنسبة إلى حركة اليد سيان بل العقل يقضى ~~باستحالة سكون الخاتم مع حركة اليد ووجوب حركتها عند حركة اليد # وأما ادعاء المناسبة ووجوب التعلق بين الموجب بالذات وما أوجبه إن أريد ~~به أن يكون كل واحد منهما على حقيقته بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ~~فذلك مما لا نزاع فيه وإنما الشأن بيان أنه لم يثبت للبارى تعالى ولما ~~أوجبه الحقيقة التى يكون بها أحدهما علة والآخر معلولا ولا يخفى ما فيه من ~~التعسف وإن أريد بالمناسبة المساواة والمشابهة في أمر ما فذلك أيضا تحكم ~~غير مقبول ثم كيف يمكن القول بذلك ولو وقع لم يخل إما أن يكون الإيجاب ~~باعتباره أو باعتبار ما وقع الاختلاف فيه بين حقيقة الموجب والموجب فإن كان ~~باعتباره فليس جعل أحدهما عله للآخر بأولى من العكس لضرورة التساوى بينهما ~~في ذلك المعنى وإن كان باعتبار ما وقع به الاختلاف فلا حاجة إلى القول ~~بالمشابهة ولا المساواة في شئ ما PageV01P254 # وما قيل من أن المستفيد ليس له من المفيد غير الوجود وأما الوجوب فعارض ~~وتابع للوجود فلا يوجب مقارنة وجود المستفيد لوجود مفيده فهو يشعر بعدم ~~الإحاطة بمقصود الخصم من قوله العالم واجب الوجود للواجب بذاته ومنشأ ذلك ~~إنما هو اختلاف جهات حقيقة الوجوب مع اتحاد لفظ الوجوب فإن وجوب الوجود منه ~~ما هو ثابت لذات الوجود وهو غير مراد فيما نحن فيه ومنه ما هو مشروط بأمر ~~خارج عن الذات ثم ذلك منه ما هو مشروط بنفس الوجود كقولنا زيد واجب الوجود ~~فى حالة كونه موجودا ومنه ما هو مشروط بما هو متعلق علة الوجود في العقل ~~كما في قولنا بوجوب وجود المعلول بالنظر إلى علته ويكون معنى كون أنه واجب ~~الوجود بالنظر إلى علته أنه ms173 لو فرض معدوما عند وجود علته لزم المحال # ولا يخفى أن الوجوب بالاعتبار الأول تابع للوجود ولا يصح أن يقال بذلك ~~الاعتبار إنه وجب فوجب بل وجد فوجب وأما الوجوب بالإعتبار الثانى فإنه لا ~~محالة متعلق علة الوجود فإنه يصح أن نقول وإن قطعنا النظر عن الموجود إنه ~~واجب الوجود بمعنى أنه يلزم من فرض عدمه لوجود علته المحال وعلى هذا ~~الاعتبار يصح أن يقال أنه وجب فوجد أى لما لزم المحال من فرض عدمه عند وجود ~~علته وجد ولا يصح أن يقال وجد فوجب إذ يلزم المحال من فرض عدمه لوجود علته # وعلى هذا إن أريد بمتابعة الوجوب للوجود ما هو بالاعتبار الأول فلا خفاء ~~بصحته لكنه مما لا يفيد إذ هو غير مراد للخصم وإن أريد به الاعتبار الثانى ~~فلا خفاء بفساده ولا يخفى أن ذلك مما يوجب الملازمة بين الوجودين والمعية ~~بين الذاتين إذ يستحيل أن يقال إنه يلزم المحال من فرض عدمه مهما وجدت علته ~~مع جواز فرض تأخره عنها وليس المعنى بكونه واجبا بالواجب بذاته إلا هذا ولا ~~سبيل إلى مدافعته PageV01P255 # وليس من السديد ما قيل في معرض الإلزام للخصم وإبطال القول بالقدم # إنك موافق على تسمية البارى فاعلا والعالم حادثا فلو كان وجود العالم ~~ملازما لوجود البارى تعالى ملازمة لا يمكن القول بدفعها كملازمة الظل ~~للشجرة والمعلول للعلة لامتنع تسميته فاعلا كما يمتنع تسمية الشجرة فاعلة ~~للظل والعلة فاعلة للملعول من جهة أن الفاعل عبارة عمن يصدر منه الفعل مع ~~الإرادة للفعل وعلى سبيل الاختيار وأيضا لامتنع تسمية العالم حادثا إذ ~~الحادث هو ما له أول ووجوده بعد ما لم يكن # فإن الخصم إنما يعنى بكون البارى فاعلا للعالم أن وجوده لازم لوجوده لا ~~غير وذلك إن لم يوافق الوضع اللغوى فلا يرجع حاصل السؤال إلا إلى مناقشة ~~لفظية ومجادلة قولية ولا اعتبار به وتسمية العالم حادثا إنما هو عنده بمعنى ~~أنه في جانب وجوده مفتقر إلى غيره وإن لم يكن له أول ومعنى ms174 كونه قديما أنه ~~لا أول لوجوده إذ القديم قد يطلق عنده على ما لا أول لوجوده وإن كان وجوده ~~مفتقرا إلى غيره وقد يطلق على ما لا يفتقر في وجوده إلى غيره كما سبق من أن ~~تسمية العالم قديما ومحدثا إنما هو باعتبارين مختلفين ولا مشاحة في ~~الإطلاقات بعد فهم غور المعنى # ولا يلزم على هذا أن يقال إذا كان العالم لا أول لوجوده امتنع القول ~~بإيجاده بغيره إذ لقول بإيجاد الموجود محال فإن من حقق مواقع الإجماع من ~~إيجاد PageV01P256 الحادثات بعد العدم سلم أنه لا أثر في الإيجاد لسبق ~~العدم فإن ايجاد الموجد له إما أن يتعلق به في حال وجوده أو في حالة عدمه ~~أو في الحالتين جميعا لا جائز أن يكون متعلقا به في حال عدمه إذ هو المحال ~~وبه نفس فساد القسم الثالث أيضا فبقى أن يكون متعلق به في حال وجوده فإنه ~~لو قطع النظر في تلك الحالة عن الموجد لما وجد المعلول وليس استناد الموجد ~~إلى الموجد من جهة وجوده حتى يطرد ذلك في كل موجود بل الصحيح أن إسناده ~~إليه ليس إلا من جهة إمكانه وذلك وإن استدعى سبق الإمكان على الوجود بالذات ~~فهو لا يستدعى سبق العلة أصلا # ثم ولو قيل إنه مستند إلى الموجد من حيث وجوده فإنما يلزم القول بالاطراد ~~أن لو وقع القول بالاشتراك بين الموجودات في مسمى الوجود لا في مجرد ~~التسمية كما بيناه من قبل # فإذا القول بإبطال لزوم القدم إنما يلزم أن لو جاز صدور العالم عما صدر ~~عنه بجهة القدرة والإرادة ولا يخفى جواز ذلك لضرورة كون البارى قادرا مريدا ~~كما أسلفناه كيف وسنبين اندراجه في طرف سبق العدم بطريقة جامعة بينهما ~~وسبيل واحد موصل إليهما من غير احتياج إلى تخصيص دليل بكل واحد منهما ~~PageV01P257 # | الطرف الثانى # في اثبات الحدوث بعد العدم # ولقد سلك بعض المتأخرين هو محمد الشهرستانى في ذلك طريقة ظن أنه ممن حاز ~~بها قصب سبق المتقدمين فقال في معرض الحكاية عن ms175 القوم في أقسام التقدم ~~والتأخر ومعا # أن التقدم قد يطلق ويراد به التقدم بالزمان كتقدم آدم على إبراهيم وقد ~~يطلق ويراد به التقدم بالشرف كتقدم العالم على الجاهل وقد يطلق ويراد به ~~التقدم بالرتبة كتقدم الإمام على الصف في جهة المحراب إن جعل مبدأ وقد يطلق ~~ويراد به التقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين وقد يطلق ويراد به التقدم ~~بالعلية كتقدم الشمس على ضوئها وتقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحوه # ثم زعم أن هذه الأقسام مما لا دليل على حصرها ولا ضبط لعددها حتى إنه زاد ~~قسما سادسا وهو التقدم بالوجود من غير التفات إلى الزمان أو المكان أو ~~الشرف أو الطبع أو العلية فقال لا يبعد تصور شيئين وجود أحدهما لذاته ووجود ~~الآخر من غيره ثم ننظر بعد ذلك هل استفاد وجوده منه طبعا أو ذاتا أو غير ~~ذلك وعلى هذا النحو أقسام التأخر ومعا ثم قال إن المعية من كل رتبة لا ~~تجامع التقدم والتأخر PageV01P258 من تلك الرتبة بحيث تكون نسبة أحد ~~الشيئين إلى الآخر بالمعية والتقدم أو التأخر بالذات وإن جاز أن تكون ~~المعية من رتبتها مجامعة للتقدم والتأخر من رتبة أخرى كالمعية بالشرف ~~والتقدم بالزمان ونحوه ثم بين ذلك وحكى ما قرر من بيان إمكانه العالم ~~باعتبار ذاته وافتقاره إلى مرجح خارج ووجوب تقدم المرجح عليه ذاتا ووجودا ~~وامتناع تحقق المعية بكل حال بينهما فقال # إذا ثبت أن العالم مفتقر في جانب وجوده إلى مرجح وجب أن نفرض المفيد له ~~متقدما على وجوده ذاتا ووجودا إذ المفيد مستحيل أن يقارن وجوده وجود ~~المستفيد من حيث هما كذلك وان قدرت المقارنة بينهما في الوجود كما في حركة ~~اليد مع حركة الخاتم فليس يتصور إلا أن يكونا قد أخذا وجودهما عن امر خارج ~~عنهما لا أن يكون أحدهما سببا والآخر مسببا وإذا كان المفيد له سابقا عليه ~~ذاتا ووجودا فيستحيل أن يكون معه بالوجود والذات إذ قد بان أن المعية من كل ~~رتبة لا تجامع التقدم ولا ms176 التأخر من رتبتها بالنظر إلى جهة واحدة ولا جائز ~~أن يكون معه بالزمان ولا المكان والا كان وجود البارى زمانيا ومكانيا إذ ~~المعية من جهة المضافات كالأخوة والأبوة وإن كان أحد الشيئين مع الآخر ~~بالأخوة كان الآخر معه بها ولا يجوز أن يكون معه بالفضيلة والشرف إذ كيف ~~يكون الناقص المفتقر إلى غيره في وجوده مساويا في الفضيلة لما وجوده بذاته ~~غير مفتقر إلى غيره وكذا لا جائز أن يكون معه بالطبع والا كان وجوده مقارنا ~~لوجوده وقد فرض مقدما فإذا قد لزم القول بالتقدم وانتفاء المعية بكل حال ~~وثبت أن البارى كان ولم يكن معه شئ وأن كل ما أوجده فلا يكون إلا عن سبق ~~عدم عليه # ولربما اورد في سياق كلامه ما يشعر بزيادة تقرير لهذا المعنى وهو أن ~~العالم إذا كان ممكنا باعتبار ذاته فالوجود له عرض مأخوذ من الغير والعدم ~~له ذاتى مأخوذ من ذاته وما هو ذاتى للشئ يكون سابقا على ما هو عرضى بالنسبة ~~اليه فالعالم إذا في وجوده مسبوق بموجود هو واجب الوجود بذاته وتقدمه هو ~~ثابت لذاته وما له أول والعدم سابق على وجوده سبقا ذاتيا كيف يكون وجوده مع ~~وجود ما لا أول لوجوده ولا عدم يسبقه PageV01P259 # وهذا جملة ما أورده متفرقا في غضون كلامه لكنا كسوناه ترتيبا وزدناه إلى ~~الفهم تقريبا وهو عند التحقيق سراب غير حقيق # وذلك أن ما ذكره من القسم السادس الزائد على أقسام التقدم والتأخر ومعا ~~وان كان الحق على مذهب أهل الحق لكنه مما لا نفع فيه بمجرد المقال ومحض ~~الاسترسال إذ ربما يقول الخصم إن ذلك ليس بزائد على الأقسام المذكروة ~~والمراتب المحصورة بل هو داخل فيها وذلك أن ما فرض متقدما بوجوده إما أن ~~يكون بينه وبين المتأخر عنه مدة يمكن وجود ثالث بينهما فهو المتقدم بالزمان ~~وان لم تكن بينهما مثل هذه المدة فإما أن يفتقر إليه المتأخر في وجوده أم ~~لا يفتقر فإن لم يفتقر فالتقدم والتأخر بينهما اما بنسبة إلى ms177 امر يرجع ~~اليهما أو بالنسبة إلى امر خارج عنهما فإن كان الأول فهو التقدم بالفضيلة ~~والشرف وان كان الثانى فهو التقدم بالرتبة والمكان وان كان المتأخر مفتقرا ~~إليه في وجوده فإما أن يصح أن يفرض بينهما مدة أو لا يصح فإن كان الأول ~~فالمتقدم متقدم بالطبع وان كان الثانى فهو المتقدم بالعلية # وما فرض متقدما بالوجود وبينه وبين المتأخر عنه مدة كالمدة المفروضة وإن ~~افتقر الخصم إلى بيان كونه متقدما بالزمان لضرورة الحصر في الخمسة الأقسام ~~فلا بد من بيان نفيه أيضا عند من زاد قسما سادسا وهو التقدم بالوجود لضرورة ~~صحته وإلا فكل واحد من الفريقين يتحكم بالدعوى # ثم ولو قدر تسليم الخصم بجواز وقوع هذا القسم السادس مع تسليم افتقار ~~العالم إلى مرجح لوجوده على عدمه فليس يلزم من ذلك تسليم وجوب التقدم في ~~الوجود وإن سلم أنه لا بد من وجوب التقدم بأحد الأنحاء المذكورة بل له أن ~~يقول إذا فرض شيئان أحدهما مستفاد من الآخر فالواجب أن يفرض وجوب التقدم ~~لأحدهما على الآخر من غير تخصيص PageV01P260 بالوجود والزمان أو الذات ثم ~~ننظر بعد ذلك فإن كان بينهما مدة وجاز تأخر أحدهما عن الآخر قيل تقدم ~~بالوجود والزمان وان لم يكن بينهما مدة ولا يجوز تأخر أحدهما عن الآخر قيل ~~إنه متقدم بالعلة فقط وهما معا بالوجود وذلك كما في حركة الخاتم مع حركة ~~اليد ونحوها وعند ذلك فلا يلزم من كون العالم مفتقرا في وجوده إلى غيره أن ~~يكون الغير متقدما بالوجود ولا أولوية لإحدى الدعويين على الأخرى # وعند ذلك فلا يلزم التناقض من القول بوجوب تقدم البارى تعالى على العالم ~~بالعلية ومن كونه معه في الوجود إذ هما من مرتبتين مختلفتين وإنما يلزم ~~التناقض أن لو قيل إنه سابق عليه بالوجود ومعه بالوجود وليس كذلك بل المعية ~~عند الخصم بين العالم والبارى تعالى إنما هى في رتبة الوجود دون غيره ~~والتقدم إنما هو في رتبة العلية دونه غيرها # وما قيل من أن الخلق مستحق العدم ms178 باعتبار ذاته فغلط من قائله إذ لو استحق ~~العدم لذاته لكان ممتنعا ولما تصور وجوده ولا بغيره ولخرج عن كونه ممكنا بل ~~كما أن الوجود ليس له لذاته كذلك العدم ولا يكون أحدهما سابقا لكن قد يكون ~~ما هو علة ومرجح للوجود بوجوده هو علة ومرجح للعدم بعدمه فإن تحقق وجوده ~~لزم الوجود وان تحقق عدمه لزم العدم لا محالة # ومما اعتمد عليه أيضا في هذا الباب الجهابذة من المتكلمين وفضلاء ~~المقتدمين المسلك المشهور والطريق المذكور وهو أنهم حصروا العالم في ~~الجواهر والأعراض ثم قصدوا PageV01P261 لإثبات الحركة والسكون أولا ثم ~~لبيان حدثها ثانيا ثم لبيان تناهيها ثالثا ثم لبيان امتناع عرو الجواهر ~~عنها رابعا ثم بنوا على ذلك أن العالم لا يسبق الحوادث وكل ما لا يسبق ~~الحوادث حادث # وهذه الطريقة وإن أمكن فيها بيان وجود الأعراض وكونها زائدة على الجواهر ~~وإبطال القول بالكمون والانتقال فقد يصعب بيان امتناع عرو جوهر عنها بل وقد ~~يصعب بيان حدث كل ما لا يعرى الجوهر عنه في وجوده من الحركات والسكنات ~~وحدوث الحركة وان كان مسلما فليس يلزم منه حدث ما بطل به من السكون بل من ~~الجائز أن يقول الخصم بقدمه وأنه لا أول له وفواته لا يدل على حدثه وان دل ~~على انه لم يكن له ذلك لذاته # وقول القائل إن ما يثبت قدمه لو بطل لا فتقر إلى سبب إذ يستحيل أن يكون ~~ذلك له لذاته والا لما بطل وإذا افتقر إلى سبب فالسبب إما فاعل للعدم ~~بالقدرة أو ضد أو انقطاع لا جائز أن يكون بالقدرة إذ الفعل بالقدرة يستدعى ~~مقدورا والعدم ليس معنى فيستحيل أن يكون مقدورا ولا جائز أن يكون السبب هو ~~مانع فإنه إما قديم وإما حادث فإن كان قديما استحال أن يعدم في الآن ولا ~~يعدم في القدم وإن كان حادثا فليس ابطال ما كان بكونه أولى من إبطال كونه ~~عما كان ولا جائز أن يكون السبب هو فوات شرط فإنه إما حادث أو قديم ms179 لا جائز ~~أن يكون حادثا إذ الحادث لا يصلح شرطا للقديم وإن كان قديما فالكلام في ذلك ~~القديم كالكلام في الأول وهو يسلم للمحال وهو وان سومح في قوله بكون ~~الإعدام ليس بمقدور مع صحة النزاع فيه PageV01P262 فمن الجائز أن يكون دوام ~~السكون إلى حين وغاية يستند إلى إرادة قديمة اقتضت دوامه إلى ذلك الحين ~~وعند انقطاع تعلق الإرادة به انقطع دوامه وذل على نحو انقطاع سائر ~~الموجودات وإذ ذاك فلا تسلسل وليس يلزم من كونه متعلق الإرادة ومقتضى ~~القدرة أن يكون حادثا كما لا يلزم أن يكون قديما بل القدم والحدث إنما يعرض ~~لما هو متعلق الإرادة والقدرة بأمر خارج عنهما هذا كله إن سلم كون السكون ~~أمرا وجوديا ومعنى حقيقيا # وإلا فإن سلك القول بكونه أمرا سلبيا ومعلوما عدميا فإنه لا معنى له إلا ~~عدم الحركة ولا يلزم من القول بإبطاله بوجود الحركة أن يكون هو حادثا بمعنى ~~أن له أولا إذ الأولية لا تتحقق إلا بعد الوجود وإن سلك ذلك لزم منه القول ~~بسبق العدم على الوجود والوجود على العدم إلى ما لا يتناهى وفيه القول بقدم ~~الحادث قطعا وعند ذلك فالطريقة تكون منصوبة لنقيض المأخوذ # وإن قيل بالوقوف على عدم لا يلزم ثبوت الأولية له بسبب إبطاله بالوجود ~~بعده لم يلزم القول بأن الحركة الحادثة دالة على حدث السكون وليس المقصود ~~غير الإنصاف وتجنب طرق الاعتساف وإلا لما اهتممنا بالكشف عن هذه العورات ~~ولا الإبانة عن هذه الغمرات وهو إنما يعرفه الفطن الثبت الواعى لا الجاهل ~~العنيد المتعامى # فإذا الواجب فرض الدلالة في إثبات حدث الكائنات الفاسدات وما نجده على ~~سبيل الاستحالة كالأزمنة والحركات وغير ذلك من الأمور المتعاقبات والطريقة ~~الرشيقة في PageV01P263 إثبات حدثها وبيان وجودها بعد عدمها ما سلكناه في ~~قطع تسلسل العلل والمعلولات وقد سبق وجه تحقيقه فلا حاجة إلى إعادته ~~واللازم عن ذلك على معتقد الخصم حدث الأفلاك لضرورة الحدث والانتهاء لما ~~قام بها من الحركات وامتناع خلوها عنها عنده ويلزم من ذلك ms180 حدوث العقول التى ~~هى مبادئ الأفلاك عندهم وحدث المعلول الأول الصادر عن واجب الوجود لكون ما ~~وجد عنه وعنها حادثا وأن إيجادها لما وجد عنها ليس إلا بالذات وأن التقدم ~~والتأخر بينهما بغير هذه الرتبة من الممتنعات كما عرفنا من تفصيل مذهبهم ~~وأوضحناه من زيف معتقدهم # ويلزم من ذلك أن يكون وجود ما صدر عن واجب الوجود اختياريا وإبداعيا لا ~~واجبا إذ لو استند ذلك إلى ذات المرجح له لما تأخر عن وجوده لتساوى أوقات ~~الحدوث بالنسبة إليه # ولا يلزم على هذا أن يقال ولو كان وجوده إراديا لما تأخر وجوده عن وجود ~~الإرادة المخصصة له لتساوى أوقات الحدوث بالنسبة إليها أيضا إذ هو يتضمن ~~إبطال معنى الإرادة إذ الأرادة على ما وقع عليه الاتفاق ليست إلا عبارة عن ~~معنى يخصص الحادث بزمان حدوثه فإن قيل إن نسبة سائر أوقات الحدوث إلى ~~الإرادة على وتيرة واحدة فلم خصصته بالبعض دون البعض كان معناه لم كانت ~~الإرادة إرادة ولا يخفى ما فيه من الغباوة والحمق والجهالة وليس هو إلا كما ~~لو قيل الإنسان PageV01P264 مثلا حيوان ناطق فقيل ولم إذ ليس حاصله غير ~~القول لم كان الإنسان إنسانا وهو هو معنى وهذا ما أردنا ذكره في إبطال ~~القول بالقدم وإثبات سبق العدم # وعند ذلك فلا بد من الإشارة إلى شبه أهل التعطيل والإبانه عن معتمداتهم ~~بطريق التفصيل $ الشبهة الاولى # أنهم قالوا لو كان العالم حادثا لم يخل قبل الحدوث من أن يكون ممتنعا أو ~~ممكنا لا جائز أن يكون ممتنعا وإلا لما وجد ولا بغيره وان كان ممكنا فحدوثه ~~بعد ما لم يكن إما لمرجح أو لا لمرجح لا جائز أن يكون لا لمرج والا كان ~~بذاته واجبا ولما كان معدوما في وقت ما وقد فرض معدوما وذلك محال وان كان ~~له مرجح فإما أن يكون قديما أو حادثا فان كان قديما فإما أن يكون عند ~~الحدوث كهو قبل الحدوث أو أنه يحدث له أمر لم يكن فإن كان عند الحدوث كهو ms181 ~~قبله وجب أن يستمر العدم على ما كان وإن حدث له أمر لم يكن فالكلام في حدوث ~~ذلك الغير كالكلام فيما وقع الكلام فيه أولا وعند هذا فإما ان يتسلسل إلى ~~غير النهاية أو يقف الأمر عند مرجح قديم من كل وجه لم يحدث له أمر لا جائز ~~أن يقال بالتسلسل وان قيل بالثانى فيجب ان يستمر العدم أيضا ولا يقع به ~~الترجيح كما لم يقع به الترجيح اولا وهذا التقسيم بعينه لازم ان كان المرجح ~~برمته حادثا وهذه المحالات كلها انما لزمت من فرض العالم حادثا فلا حدوث $ ~~الشبهة الثانية # أنه لو كان العالم حادثا لم يخل إما أن يكون بينه وبين البارى تعإلى مدة ~~مفروضة أو لا مدة بينهما فإن لم يكن بينهما مدة لزمت مقارنة وجود العالم ~~لوجود PageV01P265 البارى تعالى ومع ذلك يستحيل ان يكون حادثا والا كان ~~البارى تعالى حادثا لضرورة مقارنته للحادث وان كان بينهما مدة فإما أن تكون ~~متناهية أو غير متناهية فإن مكانت متناهية لزم أن يكون وجود البارى تعالى ~~متناهيا أيضا وهو ممتنع وإن كانت غير متناهية فكما يلزم جواز وقوع مدة لا ~~تتناهى يلزم جواز وقوع عدة لا تتناهى $ الشبهة الثالثة # هو أن الوجود صفة كمال وعدمه نقصان فلو كان العالم قديما لكا البارى ~~تعالى فيما لم يزل جوادا ولو كان حادثا لما كان البارى تعإلى فيما لم يزل ~~جوادا وذلك نقص في حقه ولربما قرروا هذا بتقرير آخر وقالوا لو كان العالم ~~حادثا لما كان وجوده إلا بالإرادة وكل موجد بالإرادة فإنه لا بد وأن يكون ~~الوجود عنده أولى من أن لا وجود وإلا كان فعله للوجود عبثا وكل ما فعله ~~بالفاعل أولى من أن لا فعله فإنه يستفيد بفعله كمالا وبتركه نقصانا والبارى ~~يستحيل أن يستفيد كماله مما هو ناقص مفتقر اليه في وجوده أو أن يكون البارى ~~تعالى قبل حدوث العالم ناقصا $ الشبهة الرابعة # أنه لو كان العالم موجودا بعد أن لم يكن فكل موجود بعد ما لم ms182 يكن لا بد ~~له من زمان ومادة متقدمين عليه أما وجه تقدم الزمان فهو أن ما وجد بعد ~~العدم فله قبل كان معدوما فيه لا محالة وإلا لما كان له أول ثم ذلك القبل ~~إما أن يكون موجودا أو معدوما PageV01P266 لا جائز أن يكون معدوما والا لما ~~كان له قبل هو فيه معدوم فان كان موجودا فليس هو مع ولا بعد إذ القبلية لا ~~تجامع المعية ولا البعدية بحال وإذا فذلك القبل قد تقضى ومضى وهو المعنى ~~بالزمان ثم ما من قبل يفرض الا وهو في تجويز العقل مسبوق بقبل آخر إلى ما ~~لا يتناهى وفى القول بانتهائه إثبات العجز وإبطال التجويز وهو محال # واما وجه الافتقار إلى سبق المادة فمن وجهين احدهما أنه إذا ثبت سبق ~~الزمان فذلك مما لا يتم وجوده إلا بموضوع يقومه إذ هو معنى عرضى وأما الوجه ~~الثانى فهو أن كل حادث بعد ما لم يكون إما أن يكن واجبا أو ممتنعا أو ممكنا ~~لا جائز ان يكون واجبا والا لما زال موجودا ولا جائز ان يكون ممتنعا وإلا ~~لما وجد ولا بغيره فبقى أن يكون باعتبار ذاته ممكنا وإذ ذاك فاما أن يكون ~~إمكان كونه معنى موجودا أو معدوما لا جائز ان يكون معدوما ( والا لما ) كان ~~الإمكان على وجوده سابقا إذ لا فرق بين قولنا إن الإمكان معدوم وبين قولنا ~~إنه لا إمكان فبقى أن يكون موجودا وإذا كان موجودا فهو مما لا سبيل إلى ~~قيامه بنفسه فتعين افتقاره إلى مادة يقوم بها ويضاف إليها وهكذا في كل ما ~~يفرض من الحوادث إلى ما لا يتناهى لكن منهم من أثبت لها وجودا مجردا عن ~~الصورة نظرا إلى أن ما صورة تفرض الا ويمكن القول بفسادها وكون غيرها وما ~~جاز عروه عن كل واحد واحد من آحاد الصور جاز عروه عن الجميع ومنهم من لم ~~يثبت لها وجودا دون الصورة بناء على أنه لو كان لها وجود دون الصورة لم يخل ~~إما أن تكون ms183 متحدة أو متكثرة لا جائز أن تكون متحدة والا كان ذلك لها ~~لذاتها ولما تصور عليها نقيض الاتحاد ولا جائز أن تكون متكثرة إذ التكثر ~~لها مع قطع النظر عن الصور وهما يوجب التغاير والتمييز ممتنع PageV01P267 # قالوا وليس يلزم من جواز عروها في حالة الوجود عن كل واحدة من آحاد الصور ~~جواز عروها عن جميع الصور لجواز أن يكون الشرط في تحقق وجودها ليس إلا ~~واحدة من الصور على البدل كيف وأن القول بجواز عروها عن كل ما يقدر من ~~الصور في حالة الوجود غير مسلم فإن ما وقع به الاشتراك من الصورة الجسمية ~~وهى الأبعاد التى تشترك بها الأجسام فيما بينها من حيث هى اجسام لا يجوز ~~تبدلها أصلا وإن جاز القول بتبدل غيرها من الصور واتساع القول في ذلك لائق ~~بالقانون الحكمى وحقيق بالمنهج الفلسفى # وهذه الشبهة في إثبات المادة هى ما أوجبت للجمهور من المعتزلة اعتقاد كون ~~المعدوم شيئا وذاتا معينة من غير أن يصفوه بالوجود لكن منهم من أثبت له ~~خصائص الوجود بأسرها حتى التحيز للجوهر والقيام بالمحل إن كان عرضا ومنهم ~~من أثبت له خصائص الوجود غير هذين ومنهم من لم يطلق عليه اسم الشيئية إلا ~~لفظا وعبارة فقط وسنستقصى الكلام في الرد عليهم إذا انتهينا من الانفصال عن ~~شبه أهل الضلال إن شاء الله تعالى # | والجواب # أما الشبهة الاولى # فمندفعة من جهة أنه لا مانع من أن يكون حدوث العالم مستندا إلى إرادة ~~قديمة اقتضت حدوثه في الوقت الذى حدث فيه واقتضت استمرار عدمه إلى ذلك ~~الوقت أيضا فعند ذلك لا يكون الحدوث والتجدد لتجدد شئ ولا لعدمه ولا يلزم ~~من وجوده أن يكون مقتضاه موجودا مع وجوده ولا يلزم على هذا إلا ما ذكروه في ~~إبطال القول بالصفات أو استبعاد صلاحية الارادة للتخصيص بناء على أن نسبة ~~جميع الأوقات إليها نسبة واحدة PageV01P268 وقد تكلمنا على ذلك بما فيه ~~مقنع وكفاية كيف وان ذلك ما يصح استبعاده من الخصم والا لما ساغ له ~~الاعتراف ms184 بوجود حادث ما والا فما ذكره من الشبهة تكون إذ ذاك لازمة له من ~~غير محيص $ واما الشبهة الثانية # فإنهم ان أرادوا بالمدة معنى زمانيا وامرا وجوديا حقيقا فالتقسيم بذلك ~~انما يصح على ما هو قابل للتقدم والتأخر والمعية الزمانية وأما على ما ليس ~~بقابل فلا والبارى تعالى ليس بقابل للتقدم والتأخر بالزمان لكون وجوده غير ~~زمانى كما أنه غير قابل للتقدم والتأخر المكانى لكون وجوده غير مكانى فإذا ~~قيل إن تقدمه على العالم بمدة زمانية كان محالا كما أنه محال أن يتقدم على ~~العالم بالمكان وعلى ذلك فلا يلزم بنفى المدة والتقدم الزمانى القول ~~بالمعية بينهما كما لا يلزم القول بنفى المكان والتقدم به المعية أيضا فإذا ~~المعنى بكون البارى تعالى متقدما انه كان ولم يكن معه شئ والمعنى بكون ~~العالم حادثا أو متأخرا أنه كان بعد ما لم يكن وذلك لا يستوجب التقدم ~~بالزمان ولا ولا التأخر به # نعم لا ينكر أن الأوهام قد تنقطع عن الوقوف على مدة لا يرتمى الوهم إلى ~~تقدير مدة قبلها و إلى تقدير مدة بين وجود الواجب بذاته ووجود العالم لكن ~~ذلك كله من تقديرات الاوهام وتخييلاتها فلا يقضى بها على العقليات والأمور ~~اليقينيات بل يجب أن يقضى بكل منهما على تقديراتها ومنها تقدير أن العالم ~~إما خلاء أو ملاء إلى غير النهاية كيف وأنه لما أريد بلفظ المدة الزمان كان ~~التقسيم خطأ إذ الزمان من العالم والكلام أيضا PageV01P269 واقع فيه فإذا ~~قيل إما أن يكون بين البارى تعالى وبين العالم زمان أو ليس فهو محال إذ ~~الزمان الذى وقع الخلاف فيه لا يكون متقدما على نفسه بحيث يفرض أنه بين ~~نفسه وبين البارى تعالى اللهم إلا أن يفرض الكلام في بعض الأزمنة وهو غير ~~مقصود بالخلاف إذ ليس هو كل العالم وانما هو بعضه $ واما الشبهة الثالثة # فحاصل لفظ الجود فيها يرجع إلى الدلالة على صفة فعلية وهو كونه موجدا أو ~~فاعلا لا لغرض يعود إليه ولا لنفع يتوجه عليه وعند ms185 ذلك فادعاء كونه صفة ~~كمالية ليس هو بأولى من ادعاء كونه ليس بكمال إذا ليس هو من الضروريات ولا ~~من المعانى البديهيات كيف وأنه لو كان من الكمالات لقد كان كمال واجب ~~الوجود متوقفا على النظر إلى ما هو مشروف بالنسبة إليه ومتوقف في وجوده ~~عليه ومحال أن يستفيد الأشرف من مشروفه كماله كما في كونه موجدا بالإرادة # ثم ولو فرض ذلك فإنما يكون عدمه نقصا أن لو قدر جواز وجود الكائنات أزلا ~~إذ كون الشئ واقعا فرع كونه جائزا و إذ قد بينا أن ذلك ممتنع بما سلف فإذا ~~لا نقص بعدم إيجاد ما هو ممتنع وهذا على نحو قولهم في نفى النقص عنه بمنع ~~ايجاده للحوادث المركبات بناء على امتناع صدورها ووقوعا به من غير واسطة ~~ولا يلزم من عدم جوازه في القدم أن يكون ممتنعا بحيث لا يتصور وجوده ولا في ~~وقت ما وان كان يلزم من ذلك أن يكون في الأزل ممتنعا وذلك أن ما قضى ~~بامتناع وجوده في الأزل هو ما لا يتناهى وما قضى بجواز وجوده ما هو متناه ~~وليس يلزم من امتناع ما لا يتناهى امتناع ما هو متناه PageV01P270 # ثم ولو قدر أن وجوده في الأزل جائز لكن يجب القول بتناهيه كما يجب القول ~~بتناهى أبعاد العالم وإن كانت بالنظر إلى الجواز العقلى لا تتناهى # وأما ملازمة النقص للايجاد بالارادة والاختيار فمبنى على رعاية الصلاح ~~والأصلح ووجوب النظر إلى الأولى وقد بينا وجه إبطاله فيما سلف وبينا أن ~~الفعل وأن لا فعل بالنظر إلى واجب الوجود سيان وهما بالنسبة اليه متساويان ~~وأنه لا اولوية ولا ترجيح وان له ان يفعل وأن لا يفعل من غير أن يكون ~~المفعول أو المتروك نفسه حسنا ولا قبيحا وعلى هذا فهو لا يستفيد بالفعل ~~كمالا ولا بالترك نقصانا # ثم كيف يصح هذا الإلزام من الخصم مع اعترافه بأن ما في عالم الكون ~~والفساد من الحركات والامتزاجات وسائر الحادثات مستندة إلى الحركات الدورية ~~وهى بأسرها تستند إلى ارادة ms186 قديمة نفسية ثابتة للأجرام الفلكية ولا محالة ~~أن الجوهر النفسانى أشرف مما وجب به فإن كان الإيجاد بالارادة مما يوجب ~~توقف كمال المريد على المراد فكيف قال بذلك في النفس وهى أشرف مما وجد بها ~~وان كان ذلك مما لا يوجب التوقف فكيف صح إبعاده من الجملة فما يتحقق جوابا ~~للخصم عن الالزام عن إيجاد الأنفس الفلكية للحركات الدوريه فهو بعينه جواب ~~لنا ههنا وهذا كله مما قد نبهنا عليه فيما سلف $ وأما الشبهة الرابعة # فأما دعوى لزوم سبق الزمان على كل ما حدوثه بعد العدم بناء على قياسه ~~فمبنى على كون القبل أمرا وجوديا ومعنى حقيقيا وليس كذلك بل المعنى بكون ~~الحادث ذا قبل أنه لم يكن فكان وذلك إنما هو أمر سلبى لا معنى وجودى ومهما ~~قيل إنه ذو قبل موجود فلا يعنى به إلا هذا ومهما ورد السلب على القبلية فهو ~~وارد على السلب وذلك لا يجوز إذ سلب PageV01P271 السلب ايجاب الإيجاب وهو ~~محال لما أسلفناه لكن غاية ما يقدر وجود مدة سابقة بناء على تقدير وهمى ~~وتجويز خيالى وذلك مما لا يقضى به على العقول لما عرف # وبما حققناه ههنا يبطل ما ذكروه من بيان سبق المادة في الوجه الأول ايضا ~~وأما ما ذكروه في الوجه الثانى # فقد قيل في دفعه إن معنى كون الشئ ممكنا أنه مقدور عليه وذلك مما لا ~~يستدعى وجود مادة تقوم المقدورية بها وهو غير صواب فإنا لو جهلنا كون الشئ ~~مقدورا عليه أو ليس مقدورا لم يمكنا التوصل إلى معرفته إلا بكونه ممكنا أو ~~ليس بممكن فلو كان معنى كونه ممكنا أنه مقدور لقد كان ذلك تعريف الشئ بنفسه ~~في حالة كونه مجهولا وهو محال # فإذا الصواب أن يقال إن الإمكان أيضا ليس هو في نفسه حقيقة وجودية ولا ~~ذاتا حقيقية وانما حاصله يرجع إلى نفى لزوم المحال من فرض وجود الشئ وعدمه ~~وذلك لا يستدعى مادة يضاف اليها ولا يقوم بها إذ هو في المعنى ليس الا من ~~القضايا ms187 السلبية دون الإيجابية كيف وان ذلك مما لا يصح ادعاؤه من الخصم ~~والا كان واجبا لذاته أو لغيره فإن كان واجبا لذاته فقد لزم اجتماع واجبين ~~وهو خلاف ما مهدت قاعدته وان كان وجوبه لغيره لزم أن يكون لذاته ممكنا ثم ~~ولو استدعى الامكان مادة يضاف اليها سابقة على كون ما قيل له ممكن لكان كل ~~ممكن هكذا وذلك مما يخرم قاعدة المحققين من الالهيين في النفوس PageV01P272 ~~الإنسانية والجواهر الصورية فإنها في أنفسها ليست مادية وان كانت ممكنة ~~وجودها بعد ما لم تكن فإذا الواجب أن يتصور من إمكان كل موجود بعد العدم ما ~~يتصوره الخصم من إمكان النفوس الانسانية والجواهر الصورية وغير ذلك من ~~الأمور البسيطة الغير المادية # فان قيل الإمكان وان رجع حاصله إلى سلب المحال عن طرف الوجود والعدم فهو ~~لا محالة يستدعى ما يصح أن يضاف إليه الوجود والعدم الذين سلب المحال عن ~~فرضهما وذلك الذى يصح اتصافه بالوجود والعدم هو الذى يجب أن يكون سابقا وهو ~~المعنى بالمادة وعلى هذا القول فالإمكان السابق على النفوس الإنسانية ~~والجواهر الصورية إنما هو عائد إلى المواد فيقال إنها ممكن أن تدبرها النفس ~~الناطقة وممكن أن تحل بها الصورة أما ان يكون عائدا إلى نفس الصورة والنفس ~~فلا # قلنا ولو استدعى سلب المحال عن فرض الوجود والعدم مادة يضاف إليها الوجود ~~والعدم لاستدعى الامتناع وهو لزوم المحال من فرض الوجود مادة يضاف إليها ~~الوجود ولو كان كذلك للزم من فرض القول بامتناع إلهين ووجود مبدأين تحقق ~~المادة وهو محال ومن رام تفسير امتناع وجود الشريك أو مبدأ آخر بوجوب ~~انفراد واجب الوجود عن النظير إذ هو لازم امتناع وجود النظير حتى ترجع ~~الإضافة إلى ذات البارى تعالى فهو مع تعسفه وإهمال النظر فيما يستحقه ~~الشريك الممتنع لذاته قد لا يسلم عن المعارضة بنفس الإمكان السابق على ~~الوجود بعد العدم بما يوجب رده إلى ذات واجب الوجود أيضا وهو أن يقال ~~المعنى بكون الحادث ممكنا قبل وجوده جواز وجود البارى ms188 تعالى مع وجوده إذ هو ~~لازم قولنا ليس بواجب الانفراد ولا ممتنع ولا محيص عنه وأما رد الإمكان في ~~النفوس PageV01P273 والصور إلى المواد وكونها ممكنة أن تحل فيها الصور أو ~~تدبرها النفوس فلا يستقيم فإن الصور والنفوس بإعتبار ذواتها لا تخرج عن أن ~~تستحق الوجوب أو الامتناع أو الإمكان وقد بان أن الإيجاب والامتناع عليهما ~~ممتنعان فتعين الإمكان والامكان الثابت للشئ باعتبار ذاته لا يتصور أن يعود ~~إلى غيره ثم وإن صح ذلك فقد لا يبعد أيضا أن يفسر غيره الامكان في الحادث ~~بجواز إيجاد الموجد له وعند ذلك فتكون اضافة الإمكان إلى الموجد لا إلى ~~الموجد وبه يندفع ما ذكروه # فإذا قد ثبت ان الكائنات موجودة بعد ما لم تكن ومسبوقة بالعدم من غير سبق ~~مادة ولا زمان واندفع ما في ذلك من الخيالات وبطل ما فيه من الإشكالات $ ~~وأما الرد على المعتزلة # في اعتقادهم كون المعدوم شيئا # فقد سلك بعض المتكلمين في ذلك منهاجا ضعيفا فقال تقرر في أوائل العقول أن ~~النفى والإثبات متقابلان تقابل التناقض وكذلك المنفى والمثبت ولهذا ان من ~~نفى شيئا معينا في حال مخصوص بجهة لم يمكنه القول بإثباته من حيث نفاه قال ~~فإذا كان المنفى ثابتا على أصل من يقول بكون المعدوم شيئا فقد رفع هذه ~~القضية ثم نظم لذلك عبارة فقال كل معدوم منفى وكل منفى ليس بثابت فيترتب ~~عليه أن كل معدوم ليس بثابت PageV01P274 # واعلم أن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك أن الخصم وان سلم أن التقابل واقع ~~بين النفى والإثبات والوجود والعدم فهو لا يسلم ترادف النفى والعدم ولا ~~الوجود والثبوت حتى يلزم من تقابل الإثبات والنفى أو من تقابل الوجود ~~والعدم تقابل الإثبات والعدم بل مدلول لفظ الثبوت عنده أعم من مدلول لفظ ~~الوجود فكل موجود ثابت وليس كل ثابت موجود وعند ذلك فلا يلزم من العدم ~~النفى ولا التقابل من القضاء عليه بالإثبات لكنه قد وجه بعد ذلك خيالا رام ~~به دفع هذا الاشكال فقال إذا كان ms189 الاثبات أعم من الوجود وهو عام له وللعدم ~~فهلا قيل مثله في مقابله وهو النفى فيكون النفى أعم من العدم حتى يكون بصفة ~~عمومه حالا ووجها ثابتا للمنفى كما كانت صفة خصوص العدم حالا ووجها ثابتا ~~للمعدوم وذلك يفضى إلى تحقق الإثبات للنفى في الحال وان قلتم بأنه لا فرق ~~بين المنفى والمعدوم فيلزم من القضاء على كون المعدوم شيئا ومعنى ثابتا رفع ~~التقابل بين النفى والإثبات وهو محال # ولم يعلم أن ادعاء عموم النفى بالنسبة إلى المعدوم بعد تسليم عموم الثبوت ~~بالنسبة إلى الموجود والمعدوم مما يشعر بعدم اطلاعه على معنى التقابل ~~وأحكامه وذلك أن من أحكام التقابل أن يكون كل واحد من المتقابلين عند صدقه ~~أخص من مقابل ما هو أخص من مقابله ولا يجوز أن يكون مساويا له ولا اعم منه ~~صدقا ( وان ) كان اعم منه كذبا و لا يجوز ايضا ان يكون مساويا له و لا أخص ~~منه من جهة الكذب وذلك لأنه مهما صدق أحد المتقابلين كذب الآخر بالضرورة ~~فإذا كان الكاذب أعم من غيره لزم كذب ذلك الغير لأنه مهما كذب الأعم كذب ~~الأخص ضرورة من غير عكس ومهما كذب ذلك الأخص فمقابله صادق لا محالة وعند ~~ذلك فلو كان هذا المقابل المفروض صدقه ثانيا مساويا للمفروض صدقه أولا في ~~الصدق والكذب للزم منه مساواة نقيضه في الصدق والكذب لما PageV01P275 فرض ~~أعم منه أولا لضرورة كونهما نقيضين لمتلازمين في الصدق وأنه مهما صدق أحد ~~المتلازمين المتعاكسين صدق الآخر ويلزم من فرض صدقهما كذب نقيضهما أيضا ~~بجهة التلازم وكان قد فرض أحدهما أعم من الآخر ومحال ان يكون الأخص مساويا ~~لما هو أعم منه وكذا لو فرض أخص منه # وإذا عرف ذلك في حالة الصدق أمكن نقله إلى حالة الكذب بعينه أيضا ومن ~~اعتاص عليه فهم هذا الفصل ههنا فعليه بمراجعة كتبنا المختصة بهذه الصناعة ~~فمهما وقع التسليم بكون الثبوت اعم من الوجود المقابل للعدم فمهما صدق ~~الثبوت لزم أن يكون مقابله وهو النفى أخص ms190 من العدم الذى هو مقابل الوجود ~~لضرورة كونه أخص من الثبوت حتى يكون كل منفى معدوما ولا يلزم أن يكون كل ~~معدوم منفيا وإلا للزم منه مساواة الأعم للأخص كما بيناه وهو محال ثم إنه ~~وإن صدق كون النفى عاما أو خاصا فليس يلزم عند الخصم أن يكون كل ما خص أو ~~عم حالا ثابتة حتى يلزم الثبوت للمنفى بل الاشتراك قد يقع عنده في السلوب ~~وليست السلوب عنده أحوالا بل هى أعدام محضة والحال لا يوصف عنده بالعدم كما ~~لا يوصف بالوجود وكذلك قد يكون الافتراق بالسلوب كما يكون بالأحوال وذلك ~~بأن يكون ما ثبت لأحد الشيئين مسلوبا عن الآخر فيكون التمييز بينهما بثبوت ~~الحال في أحدهما ونفيها عن الآخر وذلك كما في التمييز بين الموجود في حال ~~وجوده وبينه في حال عدمه فليس العدم عنده حالا ثابتة للمعدوم حتى يقاس ~~عليها الثبوت أيضا # ولقد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقا آخر فقال نفرض الكلام في السواد ~~والبياض مثلا فإنه عند الخصم ذات ثابتة وحقيقة معنية فنقول ذات السواد في ~~حال العدم لا تخلو إما أن تكون لذاتها متحدة أو متكثرة فإن كانت متحدة لم ~~تقبل التكثر PageV01P276 فإن ما كان مستحقا للوحدة باعتبار ذاته استحال ~~عليه التكثر في نفسه وان كانت متكثرة فهو أيضا باطل من ثلاثة أوجه # الوجه الأول هو أن التكثر اما باعتبار صفات ذاتية أو باعتبار صفات عرضيه ~~لا جائز أن يكون التكثر باعتبار صفات ذاتية إذ الكلام واقع في نوع السواد ~~من حيث هو سواد ولا اختلاف فيه من حيث هو سواد وإن كان الاختلاف باعتبار ~~امور عرضية والأمور العرضية يخصصها قيامها بكل واحد من الآحاد النوع وهو ~~فرع تحقق ذلك الواحد بما خصصته من الأمور الذاتية وذلك يفضى إلى ان تكون ~~العرضيات سبب تكثر ما لا يتصور قيامها به إلا بعد تكثر وهو دور # الوجه الثانى هو ان المميزات المعلومة بأسرها ممتنعة في حال العدم وهى ~~الزمان والمكان والجهة وغير ذلك فالتكثر يكون غير ms191 معقول # الوجه الثالث هو أنها لو كانت متكثرة لم تخل إما أن تكون متناهية أو غير ~~متناهية فإن كانت متناهية فليس القول بثبوت بعض الجائزات بأولى من البعض إذ ~~الجائزات غير متناهية وان كانت غير متناهية فاذا أخذت مع ما خرج منها إلى ~~الأعيان أمكن فيها فرض الزيادة والنقصان بأمر متناه ووقوع ذلك بين ما ليسا ~~متناهين محال # وذلك أيضا غير مرضى وهو أن ما ذكره نفسه لازم له في الذوات الموجودة فإنه ~~يصح أن يقال اما أن تكون مستحقة لذواتها الكثرة أو التوحد لا جائز أن تكون ~~مستحقة للوحدة ولا لما تكثرت وان كانت متكثرة فالتكثر اما بأمور ذاتية أو ~~بأمور عرضية وهلم جرا إلى أخر الالزام ولا محيص عنه فما هو جواب له ههنا هو ~~جواب الخصم أيضا # وما ذكره في الوجه الثانى من أن الأسباب الموجبة للكثرة بأسرها ممتنعة في ~~حالة PageV01P277 # العدم فإنه إن أريد به انتقاء الوجود فصحيح وان أريد به انتفاء الإثبات ~~فذلك مما لا يسلمه الخصم بل ما وقع موجبا للتكثر في حالة الوجود بوجوده فهو ~~بعينه موجب للتكثر في حالة العدم بثبوته كيف وأنه مع ما فيه من الركاكة ~~مناقض للوجه الأول من جهة أنه يتضمن القول بجواز التمييز بالأمور العرضية ~~والوجه الأول يمنعه # وما ذكره في الوجه الثالث من امتناع ثبوت ذوات لا نهاية لها بناء على فرض ~~وقوع الزيادة والنقصان بأمر متناه فقد سبق وجه إفساده فيما مضى # فإذا الرأى الحق والسبيل الصدق أن يقال لو كانت الذوات ثابتة في العدم ~~فعند وجودها إما أن يتجدد لها أمر لم يكن لها في حال عدمها أو ليس فإن قيل ~~بالأول فهو أيضا إما جوهرا وإما عرضا وإما حالا زائدا عليهما لا جائز أن ~~يكون جوهرا ولا عرضا إذ قد فرضت ذواتهما ثابتة بديا إذ لا فرق في ذلك بين ~~جوهر وجوهر ولا بين عرض وعرض وان كان حالا زائدة فهو مبنى على القول ~~بالأحوال وقد سبق إبطالها # وإن قيل بالثانى لم يكن ms192 فرق بين الوجود والعدم وهو محال والقول إذا ~~بالحدوث والوجود محال وهذا المحال إنما لزم من فرض الذوات ثابتة في العدم ~~ومتحققة في القدم فلا ثبوت لها والتحقق بالحدوث والثبوت إنما هو لنفس ~~الذوات الجوهرية والعرضية لا غير # وأيضا فإنا نفرض الكلام في السواد والبياض فنقول لو كانت ذواتها ثابتة في ~~العدم فإما أن تكون مفتقرة إلى محال تقوم به أو غير مفتقرة لا جائز أن تكون ~~غير مفتقرة وإلا فعند وجودها إما أن تفتقر أو لا تفتقر القول بعدم الافتقار ~~محال والا لما وقع الفرق بين الجواهر والأعراض وان افتقرت فإما ان تفتقر ~~إلى المحل بإعتبار ذواتها PageV01P278 أو باعتبار أمر وجودها ولا جائز أن ~~تكون مفتقرة من حيث وجودها إذ الوجود من حيث هو وجود عند الخصم قضية واحدة ~~شاملة للجوهر والعرض فلو افتقر العرض إلى المحل من حيث وجوده لافتقر الجوهر ~~أيضا وهو ممتنع فبقى أن يكون الأفتقار إلى المحل من حيث ذواتها وإذ ذاك فلا ~~فرق بين أن تكون موجودة أو معدومة فان ما هو المفتقر في حالة الوجود هو ~~بعينه الثابت في حالة العدم # وإذا كانت مفتقرة إلى محل تقوم به فإذا فرضنا سوادا وبياضا متعاقبين على ~~محل واحد في طرف الوجود فإما أن يكونا قبل وجودهما قائمين بذلك المحل أو ~~أحدهما قائم به والآخر قائم بغيره لا جائز أن يكون أحدهما قائما به والآخر ~~قائما بغيره وإلا فعند وجوده فيه يلزم عليه الانتقال والانتقال على الأعراض ~~محال فبقى أن يكونا ثابتين فيه بصفة الاجتماع في حالة العدم ولو كان كذلك ~~لما استحال القول باجتماعهما فيه في حالة الوجود إذ الاستحالة إما ان تكون ~~باعتبار ذاتيهما أو باعتبار وجوديهما لا جائز أن تكون الاستحالة بينهما ~~والتنافر باعتبار وجوديهما إذ الوجود فيهما بمعنى واحد لا اختلاف فيه فتعين ~~أن تكون الاستحالة باعتبار ذاتيهما فإذا لم يكن بينهما تنافر في العدم لم ~~يكن بينهما تنافر في الوجود أيضا لكن الاستحالة والتنافر ثابت في الوجود ~~فيكون ثابتا في العدم ms193 فيلزم من كونهه ثابتا في حالة العدم امتناع قيامهما ~~بمحل واحد لضرورة التنافر أو بمحلين لضرورة استحالة الانتقال عند فرض ~~التعاقب ويلزم من امتناع قيامهما بالمحل امتناع ثبوتهما في نفسيهما لضرورة ~~أن لا قوام لها ولا ثبوت إلا بالمعدوم وهو المطلوب # فإن قيل تعلق العلم والاخبار عنه بكونه مقدورا أو ممكنا وصحة التصرف فيه ~~بالعموم والخصوص حتى انقسم إلى الجائز والمستحيل يستدعى متعلقا لهذه ~~العلاقات وصحة هذه التصرفات وذلك لا يتم الا أن يكون المتعلق شيئا ثابتا ~~وذاتا متعينة وإلا فإضافة العلم والإمكان والقدرة والعموم والخصوص وغير ذلك ~~من الأحكام لا إلى شئ وهو محال كيف وأنه لو لم تكن الذوات ثابتة في العدم ~~متميزة بذواتها في القدم لما تصور من الفاعل إيجادها ولا القصد إلى إحداثها ~~من جهة أن التخصيص بالوجود والقصد له فرع تميزه PageV01P279 عند الفاعل ولا ~~كان الإيجاد لموجود لا تعرف عينه وهويته في نفسه ولعله يقع جوهرا ولعله يقع ~~عرضا # وكل ذلك خبط في عشواء والجواب هو أنا نقول تعلق العلم بالمعدوم ليس يرجع ~~إلا إلى حكم النفس بانتفاء ما وقع متصورا للنفس من الذوات وسواء كان وجود ~~ذلك المتصور من الذوات حقيقيا أو تقديريا وذلك لا يستدعى ثبوت ذاته لتعلق ~~العلم بانتفائه والا كان المعلوم نفيه ثابتا وهو محال بل تعلق العلم بالعدم ~~وان كانت ذاته غير ثابتة على نحو تعلقه بما هو متعلق بالقدرة كالوجود ~~الزائد على الذات وبتوابعه كالجهات والحركات وغير ذلك من الصفات عند الخصم ~~فإن ذات الوجود وتوابعه غير ثابتة أزلا لضرورة القول بحدثه وبكونه مقدورا ~~والعلم متعلق بانتفائه قبل الحدوث لا محالة وما لزم من تعلق العلم بانتفائه ~~القول بثبوت ذاته أصلا # وعلى ما حققناه يتضح الجواب عن كونه مقدورا وممكنا أيضا وما وقع به ~~الاتفاق والافتراق بين المعدومات أيضا فإن ما وقع به الاشتراك بين الجائز ~~والمستحيل انما هو نفس لنفى والعدم وقد بان أن ذلك لا يستدعى ثبوت ذات يضاف ~~اليها وما وقع به الافتراق أيضا ابين الاستحالة ms194 والجواز غير مفتقر لذلك ~~أيضا أما الاستحالة فظاهر لا محالة وكذا الجواز لما أسلفناه في الرد على ~~شبهة معلم المشائين أيضا ثم كيف يمكن دعوى مع اعترافه بجواز تعلق القدرة مع ~~الوجود لضرورة انتفاء الوجوب والامتناع عنه ومع ذلك فلا ثبوت لذاته عند ~~الحكم بجوازه قبل حدوثه PageV01P280 # وأما ما ذكروه من فصل التمييز بين الجوهر والعرض فغايته استبعاد العلم ~~بما قصد إلى إيجاده وتصور حقيقته على وجه يتميز بخصوص وصفه عن غيره وذلك لا ~~يلزم منه تحقق الذات في نفسها أو ثبوتها قبل الحدوث لما سبق ثم ولو استدعى ~~ذلك ثبوتها قبل الحدوث لجاز أن ما كان منها مشارا إلى جهته بعد الحدوث أن ~~يكون مشارا إلى جهته قبل الحدوث أيضا وذلك أن ما له الجهة وهو الواقع في ~~امتداد الإشارة اما أن يكون نفس الوجود الذى هو متعلق القدرة فهو محال فإنه ~~ذات معقولة وليس بمحسوس بحيث يكون في الجهة ويقع في امتداد الإشارة وان كان ~~ذلك ثابتا للذات والذات ثابتة قبل الحدوث فوجب أن يكون أو جاز أن يكون في ~~الجهة وهو محال # ومثار الجهل ومنشأ الخيال ههنا لأهل الضلال في اعتقاد كون المعدوم شيئا ~~إنما هو من تطفلهم سلوك مسلك الهيولانين ونسجهم على منوال الفلاسفة ~~الالهيين وظنهم أن ذلك من اليقينيات وانه لا منافرة بينه وبين القول بحدث ~~الكائنات ولهذا لما تخيل بعضهم ما فيه من الجهالة وشحذ راية الضلال قال ~~إنما نطلق عليه اسم الشئ والذات من جهة الألفاظ والعبارات وربما تمسك في ~~ذلك بالسمع وظواهر واردة في الشرع مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا @QE@ وكذلك قوله @QB@ إن زلزلة الساعة شيء عظيم @QE@ فإنه قد ~~سمى الساعة والفعل قبل كونهما شيئا وهذا وإن كان نزاعا في اللفظ دون المعنى ~~وأنه أقل طغاوة من الأول لكنه مما لا عليه معول ومعنى قوله @QB@ ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل @QE@ أى فاعل غدا شيئ إلا أن يشاء الله وكذا تسميته زلزلة ~~الساعة شيئا إنما هو في وقت ms195 كونهما وهذا على رأى من لا يعترف منهم بكون ~~المعدوم متحركا أولى وأحرى من جهة PageV01P281 أن الزلزلة حركة على ما لا ~~يخفى ثم إن هذه الظواهر قد لا تسلم عن المعارضة بمثلها وذلك مثل قوله تعالى ~~@QB@ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ # وهذا آخر ما أردنا ذكره من القانون الخامس # والله ولى التوفيق PageV01P282 & القانون السادس # | فى المعادن وبيان ما يتعلق بحشر الأنفس والأجساد @ 284 PageV01P283 ~~PageV01P284 # رأى الفلاسفة الإلهيين # والذى ذهبت إليه الفلاسفة أن الأنفس الإنسانية باقية بعد الأبدان ولا ~~يلزم فواتها من فواتها ولا لسبب خارج # أما أنه لا يلزم فواتها من فواتها فلأن كل شيئين لزم فوات أحدهما من فوات ~~الآخر لا بد وأن يكون له به نوع تعلق والتعلق إما بالتقدم أو بالتأخر أو ~~المعية والتكافى فلو فاتت النفس بفوات البدن للزم أن يكون لها أحد هذه ~~الأقسام من التعلق # فإن تعلقت به تعلق المتقدم عليه فلا محالة أنه إن كان ذلك النوع من ~~التقدم بالزمان أو المكان أو الشرف أو الطبع أنه لا يلزم من فوات المتأخر ~~عنه في تلك الرتبة فواته وان كان التقدم بالذات وهو أن يلزم من وجوده وجود ~~ما هو متأخر عنه فلا محالة أنه يلزم عند فرض عدم المتأخر عدم المتقدم لكن ~~لا لأنه لزم من عدم المتأخر عدم المتقدم بل لأنه لا يكون إلا بعارض في ~~جوهره وعدم المتأخر يكون بسبب عدمه إذ هو المرجح له PageV01P285 # وان كان التعلق بالمكافأة في الوجود فهما متطابقان فإن كانا حقيقيين فلا ~~محالة أن ما وقع بينهما من التكافى انما هو بسبب عارض لهما كما في الأب ~~والابن ولا يخفى أن فساد أحدهما في ذاته لا يوجب فساد الآخر في ذاته وان ~~لزم من ذلك فساد العارض الذى أوجب الإضافة بينهما وان كان تعلقها تعلق ~~المتأخر في الوجود فلا محالة أنه لا يلزم من فواته فواتها الا أن يفرض ~~تقدمه بالذات كما بيناه ولو كان متقدما عليها بالذات لكان علة لها والعلل ~~أربعة إما فاعلية ms196 أو مادية أو صورية أو غائية لا جائز أن يكون فاعلا لها ~~فإنه إما أن يكون فاعلا بنفسه أو بقواه لا جائز أن يكون فاعلا بنفسه وإلا ~~كان كل جسم كذا ولا جائز أن يكون فاعلا بقواه والا كان الموجود في الموضوع ~~مقوما لما وجوده لا فى موضوع وهذا محال ولا جائز أن يكون لها كالمادة فإن ~~النفس ليست منطبعة في الجسم كما يلى ولا جائز أن يكون كالصورة أو الغاية إذ ~~الأولى أن يكون بالعكس وإذ ذاك فلا يلزم فوات النفس من فوات البدن # ولا يتصور فواتها بسبب خارج ايضا وإلا كانت قبل الفساد لها قوة قابلة ~~للفساد وقد كان لها إذ ذاك قوة قابلة للبقاء بالفعل فهاتان القوتان ~~مختلفتان الإضافة لا محالة فيستحيل اجتماعهما في شئ واحد لا تركيب فيه ~~والنفس بسيطة لا تركيب فيها ولا انقسام بوجه ما والا فإدراكها لما لا ~~انقسام له في ذاته من الامور الكلية والمعانى العقلية إما بجزء واحد أو بكل ~~جزء لا جائز أن يكون بجزء واحد والا كان باقى النفس معطلا PageV01P286 ولا ~~جائز أن يكون بكل واحد من الأجزاء والا فما أدرك بكل واحد إما نفس ما وقع ~~مدركا للآخر أو غيره فأن كان هو أفضى إلى أن يكون الشئ الواحد معلوما كرات ~~متعددة في حال واحدة وهو محال وان كان ما أدرك بكل واحد غير ما أدرك بالآخر ~~لزم أن يكون المدرك في نفسه متحيزا وقد فرض غير متحيز فإذا ليست النفس جرما ~~ولا قائما في جرم إذ الجرم متجرئ إلى غير النهاية وإلا كان ما فرض منه غير ~~منحاز إلى جهة ليس هو ما هو منه منحاز إلى جهة اخرى ولكان ما فرض منه على ~~ملتقى مثليه محاذيا لهما أو لأحدهما لضرورة ألا يكون محاذيا لبعض كل واحد ~~منهما وذلك كله محال فإذا اجتماع القوى المختلفة الإضافة فيها ممتنع # ولربما قالوا أن ما قبل البقاء والفساد فلا بد له عند تحقق كل واحد من ~~الأمرين من وجود القوة ms197 القابلة له وعند تحقق العدم لا بد من تحقق الحمل ~~للقوة القابلة والا فلا عدم كما ان ما كان قابلا للوجود فلا بد فيه من أن ~~يكون الحامل للقوة القابلة للوجود متحققا وإلا فلا وجود وان يكون ما طرأ ~~غير ما فقد وما فقد هو غير ما طرأ وذلك في غير المادة محال فلو قبلت النفس ~~الفساد للزم أن تكون مادية ومركبة وهو ممتنع لما مضى فإذا النفس لا فوات ~~فيها بعد فوات البدن PageV01P287 # ثم زعموا أن سعادة كل شئ إنما هو بحصول ماله من الكمالات المختلفة له ~~وذلك كما في البصر بالنسبة إلى العين والسمع بالنسبة إلى الأذن ونحوه وكذلك ~~شقاوته إنما هو بعدم ظفره بما له من تلك الكمالات فسعادة النفس الناطقة ~~انما هى بحصول ما لها من الكمال الممكن لها وهو مصيرها عالما عقليا متصلة ~~بالجواهر الروحانية ومطلعة على المعقولات محيطة بالمعلومات وكذلك أيضا ~~شقاوتها إنما هى بعدم ظفرها بهذا الكمال الممكن لها فحالها بعد المفارقة ~~للبدن ان كانت قد استعدت لقبول كمالها واستكملت بإشراف العقل الفاعلى عليها ~~فلها حالتان الحال الأول أن تكون في حال المفارقة قد عقلت شيئا من كمالها ~~ومطلوبها بالبحث عنه والاهتمام به فإن حصول ذلك لها ليس بطبعها والا كان ~~ذلك موجودا معها بالفعل حيث وجدت فحصول ذلك لها مع اشتغالها به عن الرذائل ~~و العوائق البدنية على الدوام هو نعيمها بعد المفارقة وفوزها باللذة ~~الدائمة في جوار رب العالمين ولا محالة أن على قدر تحصيلها تكون زيادة ~~سعادتها في الأخرى PageV01P288 # قالوا وليس ما يحصل لها من اللذة يحصل مثل المطلوب مما شاكل اللذة ~~الحاصلة من غيره من المطاعم والمشارب وغير ذلك من الكمالات الحاصلة ~~للحيوانات إذ الالتذاذ وزيادته إنما هو على حسب جمال الشئ المدرك وقوة ~~الإدراك له ودوامه ولا يخفى أن شرف كمال النفس بالنسبة إلى غيره من ~~الكمالات كنسبة شرف جوهر النفس بالنسبة إلى غيره من الجواهر وكذا أيضا ~~إدراك النفس لما تدركه ليس مثل إدراك غيرها من القوى ms198 من حيث إن إدراكها ~~للأمور الكليات والحقائق والماهيات ولا كذلك غيرها وكذا أيضا كمالها أدوم ~~من كمال غيرها فالتذاذها به ليس من التذاذ غيرها بكماله وليس التذاذها به ~~أيضا بعد المفارقة على نحو التذاذها به قبل المفارقة إذ النفس قبل المفارقة ~~مشغولة بالعوائق البدنية والموانع الدنيوية وقد زالت هذه الموانع بعد ~~المفارقة وغير خاف أن الالتذاذ بالشئ عند زوال المانع يكون أشد منه عند ~~وجوده واللذة الحاصلة منه أعظم وأتم وليس نسبة هذه اللذة إلى تلك اللذة إلا ~~على نحو نسبة لذة الأكل إلى لذى شم رائحة المأكول أو أشد # وهى وإن كنا لا نعرفها على ما هى عليه ولا نتشوقها غاية الشوق لكوننا ~~مشغولين بالعوائق والعلائق فإنا لا محالة نقطع بوجودها كما يقطع العنين ~~بلذة الجماع أو الأكمه بتخيل بعض الصور وإن كان لا يتشوقها ولا يعرفها على ~~نحو معرفة غيره بها وتشوقه إليها ممن ليس بعنين ولا أكمه فهذه هى اللذة ~~والنعيم الدائم الذى لا يشبهه شئ من أنواع الملاذ PageV01P289 # وإن كانت النفس مع ما حصل لها مشتغلة عنه بالفجور والانغماس في الرذائل ~~فهذه النفس تسمى المؤمنة الفاجرة فما استقر فيها من تلك الهيئات والشهوات ~~والقبيحات يجذبها إلى أسفل وما حصل لها في جوها من الكمالات يجذبها إلى ~~الملإ الأعلى فقد يحدث ذلك التجاذب والتضاد ألما عظيما وعذابا أليما وعلى ~~حسب رسوخ تلك الهيئات القبيحة في النفس يكون دوام هذه الآلام لكنها مما لا ~~يتسرمد لكون الموجب لها عارضا والعارض قد يزول على تطاول الزمان # الحال الثانى # ألا تكون قد حصلت شيئا من كمالها ولا اشتغلت بشئ من مطلوبها فهى إن كانت ~~مع ذلك زكية طاهرة مشتغلة بالرياضات وأنواع النسك والعبادات عن الرذائل ~~والشهوات فلا يبعد أن تتصل بعد المفارقة للأبدان ببعض الأجرام الفلكية ~~فتتخيل به على نحو تخيل يقظاننا ما كان قد استغرقها من صور الملاذ من ~~المطعومات والمشروبات وتكون لذة ذلك بالنسبة إليها تزيد على ما كانت تجده ~~من لذته في دار الدنيا على نحو ما ms199 يجد النائم في منامه في زيادة لذة ~~المنكوح أو المأكول بالنسبة إلى ما يجده من اللذة في حالة كونه يقظان ~~منتبها # وإن كانت في ذلك منغمسة في الشهوات البهيمية منهمكة على الرذائل ~~الدنياوية بحيث اشتدت إليه قوتها الرغبية فبعد المفارقة تجد من العذاب ~~الأليم على حسب ما تجده النفس PageV01P290 الزكية من لذة النعيم المقيم ~~وذلك بسبب تنبهها لفوات مطلبها وانجذابها إلى العالم السفلى بما استقر فيها ~~من تلك الرذائل واستحكم فيها من صور تلك القبائح # وإن كانت مع ذلك كله مستقرة على المجاحدة منكبة على اعتقادات فاسدة فإنها ~~تجد الألم ما يزيد ويربى على حالها أولا لاستحكام صورة نقيض الحق في جوهرها ~~وتكون حالها بالنسبة إلى هذا الألم كحالة من يرجح لفساد مزاجه الأشياء ~~الكريهة على المستلذة فإنه إذا صلح مزاجه وزال عنه المرض وهو مستمر على أكل ~~ذلك الشئ المستكره فإنه يجد من نفسه تألما لا يجده من لم تكن حاله كحاله # قالوا ويشبه ان تتصل هذه الأنفس الفاجرة بعد المفارقة ببعض الأجرام ~~الفلكية فتتصور به نقيض ما تتصور الأنفس الزكية الجاهلة فيحصل لها من الالم ~~إذ ذاك حسب ما يحصل لتلك النفوس الجاهلة الزكية من الالتذاذ والنعيم # هذا كله إن كانت النفس الناطقة قد استعدت لقبول كمالها قبل المفارقة ~~وتنبهت لمعشوقها وإن لم تكن قد استعدت له فهى لا تجد بعد المفارقة شيئا مما ~~ذكرناه وذلك كما في الأنفس الساذجة كأنفس الصبيان والمجانين ونحوهما بل ~~حالها بعد المفارقة وإن كانت حالة حصول الالتذاذ كحالها قبل المفارقة فهى ~~كمن خلق أكمه أو عنينا فإنه PageV01P291 عند بلوغ وقت الالتذاذ لا يجد ~~لفواته ألما ولا يحس من نفسه لذلك أثرا هذا حكم معاد الأنفس # وأما الأبدان فإنهم قضوا باستحالة إعادتها وزعموا أن ذلك مما يفضى إلى ~~القول بوجود أبعاد وامتدادات لا تتناهى لضرورة وجود أجسام لا تتناهى وبنوا ~~على ذلك فاسد أصلهم في القول بالقدم واستحالة سبق ما تجدد من الأبدان ~~بالعدم وما ورد به السمع من حشرها وأحكام معادها فإنما ms200 كان ذلك لأجل ~~الترغيب والترهيب بم يفهمونه ويعقلونه لأجل صلاح نظامهم وإلا فلا بد من ~~تأويل على نحو تأويل أخبار الصفات وما ورد فيها من الآيات جمعا بين قضيات ~~العقول وما ورد به الشرع المنقول $ وأما التناسخية # فإنهم وافقوا الفلاسفة في القول بوجوب بقاء الأنفس بعد مفارقة الأبدان ~~لكنهم زعموا أنه لا قوام لها بعد مفارقة بدنها إلا ببدن آخر كما أنه لا ~~وجود لها قبل البدن فالأبدان تتناسخها أبدا سرمدا وعلى حسب عملها يكون ما ~~تنتقل إليه فإنها إن عملت على مقتضى جوهر النفس الناطقة انتقلت إلى بدن نبى ~~أو ولى وإن عملت على مقتضى جوهر النفس الحيوانية انتقلت إلى بدن حيوان آخر ~~من فرس أو حمار أو غيره وهكذا لا تزال في الانتقال والارتفاع والانخفاض ~~وليس ثم حشر ولا معاد ولا جنة ولا نار ولا غير ذلك مما ورد به الرسول ~~PageV01P292 # ومذهب أهل الحق من الإسلاميين القول بالحشر والنشر وعذاب القبر ومساءلة ~~مكنر ونكير ونصب الصراط والميزان والجنة والنار والثواب والعقاب وقبل الخوض ~~في ذلك بالتفصيل يجب تقديم النظر في إبطال مذاهب أهل التعطيل $ أما ~~الفلاسفة الالهيون # فالخواص منهم متفقون على امتناع وجود الانفس قبل الأبدان وأنه لا وجود ~~لها إلا عند وجود الأبدان وسلكوا في ذلك طريقا شددوا به النكير على من قال ~~منهم بقدمها قالوا لو فرض قدم النفس على البدن لم يخل إما أن تكون متكثرة ~~أو متحدة لا جائز أن تكون متكثرة إذ التكثر من غير مميز حال وكل ما يفرض من ~~الفواصل والمميزات قبل وجود الأبدان محال ولا جائز أن تكون متحدة وإلا فعند ~~بدء الأبدان ووجودها بالفعل إما أن تبقى متحدة أو تتكثر لا جائز أن يقال ~~بأنها تبقى متحدة وإلا فنسبتها إلى بدن واحد أو كل الابدان لا جائز أن تكون ~~نسبتها إلى بدن واحد دون غيره من الأبدان إذ لا أولوية ثم وإن ذلك يفضى إلى ~~تعطيل باقى الأبدان عن الأنفس وهو محال PageV01P293 # فإن قيل نسبتها إلى كل الأبدان مع ms201 كونها متحدة فهو أيضا ممتنع وإلا فيلزم ~~أنها إذا علمت شيئا أو جهلته أن يشترك الناس بأسرهم فيه لاشتراكهم في نفس ~~واحدة ولا جائز أن يقال بتكثرها عند وجود الأبدان لأن تكثر ما لا يقبل ~~التكثر والانقسام أيضا محال وهذه المحالات كلها إنما هى لازمة من فرض وجود ~~الأنفس قبل وجود الأبدان فلا وجود لها قبلها # فعلى هذا ما ذكروه في امتناع لزوم فوات النفس من فوات البدن لو قلب عليهم ~~في طرف لزوم وجودها من وجوده لم يجدوا إلى الانفصال عنه سبيلا وذلك أن يقال ~~كل شيئين لزم وجود أحدهما من وجود الآخر لا بد وأن يكون بينهما علاقة ~~وارتباط وذلك التعلق إما على سبيل لزوم تقدم أحدهما على الآخر أو على سبيل ~~التكافؤ في الوجود فلو لزم وجود النفس من وجود البدن لكان بينهما تعلق على ~~النحو المذكور وما ذكروه من المحالات اللازمة من فرض فوات النفس بفوات ~~البدن تكون إذ ذاك بعينها لازمة ههنا فما هو الجواب عنها في لزوم الوجود هو ~~جوابنا في لزوم الفوات من الفوات # فإذا لا استبعاد في لزوم فوات النفس من فوات البدن ولا مانع من أن يكون ~~وجود البدن في كل حين شرطا لوحودها كما كان وجوده ابتداء شرطا في ابتداء ~~وجودها وما حصل لها من المميزات والمخصصات عند وجود الأبدان حتى قيل ~~بتكثرها ووجودها بناء عليها فلا محالة أنها بأسرها تفوت بفوات ما أوجبها ~~ولو جاز القول بوجودها وتكثرها بعد PageV01P294 الأبدان لما كان لها من ~~النسب إليها لجاز القول بتكثرها ووجودها قبل وجود الأبدان لما ستنسب إليها ~~ثم ولو قدر أن فواتها غير لازم من فوات البدن لكن لا مانع من أن يكون ~~فواتها مستندا إلى إرادة قديمة اقتضت عدمها عند فوات البدن كما اقتضت ~~وجودها عند وجوده إذ قد بينا أن كل كائن فاسد فإسناده إنما هو إلى إرادة ~~قديمة لا إلى طبع وعله # وما ذكر من امتناع قيام قوى القبول للكون والفساد بالنفس فإنهم إن فسروا ~~القوة القابلة ms202 للكون بإمكان الكون والقوة القابلة للفساد بإمكان الفساد ~~وفلا محالة ان معنى كون الشئ ممكنا أن يكون وممكنا أن يفسد ليس إلا أنه لا ~~يلزم عنه فى ذلك كله محال فحاصل الإمكان يعود إلى سلب محض وذلك وان تعدد ~~فلا يمتنع اجتماع كثير منه فى شئ واحد لا تعدد فيه إذ هو غير موجب للكثرة # وإن فسرت القوة القابلة بأمر موجب للتكثر فمع كونه غير مسلم هو لازم لهم ~~في الصور الجوهرية من التوالى فإنها قابلة للكون والفساد وذلك لا يكون ~~بقابل فلو كان القابل للكون والفساد مما يوجب التكثر أوجب في الصور ~~الجوهرية وهو ممتنع بل هو أيضا لازم في النفس في جانب قبولها للاتصال ~~بالبدن والانفصال عنه فكل ما يفرض من الجواب فهو بعينه جواب لنا في محل ~~النزاع كيف وأن ما ذكروه فمبنى على امتناع قبول النفس للتجزى وهو وإن كان ~~ممكنا ومقدورا لله تعالى فهو مما لا يدل على وقوعه عقل ولا أشار إليه نقل ~~PageV01P295 # وما اشاروا إليه فى ذلك فهو يناقض مذهبهم في إدراك القوة الوهمية لما ~~تدركه من المعنى الذى يوجب نفره الشاة من الذئب فإنه لا محالة غير متجزئ ~~وإن كانت لا تدركه إلا إدراكا جزئيا أى بحسب شكل شكل وصورة صورة ومع ذلك ~~فهى نفسها لا تدرك الا بآلة جرمانية ولهذا قضى بفواتها عند فوات البدن فما ~~هو الاعتذار لهم ايضا في إدراك القوة الوهمية بالآلة الجرمانية لما ليس ~~بمتجزئ هو اعتذارنا في إدراك ما ندركه مما ليس بمتجزئ # ثم كيف ينكر كون النفس مادية ممكنة مع ما عرف من أصلهم أن جهة الامكان لا ~~تقوم إلا بمادة والنفس ممكنة الوجود ولا محالة فإذا قد ظهر امتناع دلالة ~~العقل على بقاء النفس بعد فوات البدن # ثم ولو قدر بقاؤها بعد فوات البدن عقلا كما ثبت ذلك سمعا بقوله @QB@ ولا ~~تحسبن الذين قتلوا @QE@ الآية وقوله عليه السلام إن أرواح المؤمنين في ~~حواصل طيور خضر معلقة تحت العرش وقد بان لها من النعيم والألم ms203 بعد المفارقة ~~نحو ما تخيلوه فليس بمستبعد عقلا ولا شرعا إذ ليس فيه تناقض عقلى ولا محذور ~~شرعى والأمر فيه قريب والخطب فيه يسير وإنما الداهية الدهياء والمصيبة ~~الطخياء استنهاك جانب الشرع المنقول والرد لما جاء به الرسول من حشر ~~الأجساد وما أعد لها من النعيم والألم في المعاد PageV01P296 # وإنكار الجمع في الشقاء والنعيم بين الجسمية والروحانية من غير دليل عقلى ~~ولا نقل سمعى استند اليه من أنكر بعث الأجساد وأحكامها في المعاد فمبنى على ~~فاسد اصلهم في القول بالقدم وقد أبطلناه بما فيه كفاية $ وأما التناسخية # فقد سلكت الفلاسفة في الرد عليهم مسلكا وهو انهم قالوا كل بدن فإنه مستحق ~~لذاته نفسا تدبره وتنظر فى أحواله وتوجد عند وجوده بشوق جبلى وميل طبيعى ~~على نحو ميل الحديد إلى المغناطيس فلو صح التناسخ وانتقال نفس من بدن إلى ~~بدن لأدى إلى اجتماع نفسين في بدن واحد وهى النفس التى يستحقها لذاته ~~والنفس التى انتقلت إليه من غيره وذلك محال فإن الواحد منا لا يشعر بأن له ~~أكثر من واحدة وهى المدبرة له فلو كان لنا نفسان لقد كنا نشعر بهما وبتدبير ~~كل واحدة منهما فإنه لا معنى لوجود النفس في البدن إلا أنها مدبرة له ~~ومشغولة بالنظر في أحواله لا بمعنى أنها فيه منطبعة على نحو انطباع الأعراض ~~في الأجسام # وهو غير سديد فإن البدن وإن استحق لذاته نفسا فاجتماع نفسين فيه إنما ~~يلزم أن لو كان ما يستحقه يجب أن يكون بدء وجوده مع وجوده غير منتقل إليه ~~من بدن آخر وذلك مما لا يسلمه الخصم بل له أن يقول البدن وان استحق لذاته ~~نفسا تدبره فلا مانع PageV01P297 من أن تكون هى ما انتقلت إليه من البدن ~~الآخر وذلك لا يفضى إلى اجتماع نفسين أصلا ولا خلاص منه # فإذا الطريق العقلى اللائق بالمنهج الفسلفى أن يقال لو قيل بانتقال النفس ~~من بدن إلى بدن فلا بد وأن تكون موجودة فيما انتقلت عنه أولا وإلا فوجودها ~~لا محالة مع وجود ms204 ما قيل إنها منتقلة إليه وإذا كانت موجودة في البدن الأول ~~فإما أن يكون اختصاصها به لمخصص أو لا لمخصص فإن كان لا لمخصص فليس هو بنا ~~أولى من غيره وإن كان لمخصص فلا بد وان يكون تخصصها بما انتقلت إليه أيضا ~~بمخصص كما كان اختصاصها بالأول لمخصص وعند هذا فالمخصص لها بكل واحد من ~~البدنين إما أن يكون واحدا أو مختلفا فإن كان واحدا فلا يخفى أن فرض وجود ~~البدنين معا جائز وإن استحال وجودهما معا بالفعل من حيث إن أحدهما متقدم ~~والآخر متأخر وعند فرض اجتماعهما إما أن توجد تلك النفس لهما أو لأحدهما لا ~~جائز أن تكون لهما لما سبق ولا جائز أن تكون لأحدهما لعدم الأولوية # وعلى هذا التقسيم إن كان المخصص مختلفا فإنه إذا فرض وجود البدنين معا ~~فإما أن تكون النفس لهما أو لأحدهما لا جائز أن تكون لهما لما سبق وإن كانت ~~لأحدهما فالذى أوجب تخصصها ليس ذلك له أولى من إيجابه لتخصصها بالبدن الآخر ~~مع اتحاد النفس وفرض تساوى البدنين في جميع احوالهما لضرورة تساويهما ~~بالنسبة إليها وأن لا اولوية لأحدهما على الآخر ثم إنه إما أن يكون مساويا ~~لما يوجب تخصصها بالبدن الآخر أو أرجح منه في الاقتضاء والتخصيص فإن كان ~~مساويا فلا أولوية وإن كان راجحا فالبدن الآخر إما أن يبقى عريا عن النفس ~~وهو محال وإن وجد له نفس أخرى فسواء كان اختصاصها به بذلك المخصص المرجوح ~~أو بمخصص آخر فإنه يلزم أن يكون تنتقل إليه نفس البدن الآخر عند فرض عدمه ~~وذلك مفض PageV01P298 إلى اجتماع نفسين في بدن واحد وهو مما لا يشعر به أحد ~~وحصول نفس الإنسان وهو لا يشعر بها محال كما سبق وهذه المحالات كلها إنما ~~لزمت من فرض التناسخ $ وأما المسلك اللائق بالمنهاج الاسلامى # فهو أن ذلك إن وقع مسلسلا إلى غير النهاية أفضى إلى القول بقدم الكائنات ~~الفاسدات وقد عرف ما فيه وإن وقف الأمر في الابتداء على وجود نفس لبدن ما ~~خسيس ms205 أو نفيس لم تستحقه بناء على فعل لها سابق ووقف الأمر في الانتهاء على ~~بدن لا تستحق بعده غيره بناء على ما تفعله عند مفارقتها له فهو وان كان ~~مقدورا لله تعالى وجائزا في العقل فالقول به مخالف لما اعتقدوه ومجانب لما ~~أصلوه مع أنه لم يدل عليه عقل ولا ألجأ اليه نقل بل هو مخالف لما جاء به ~~السمع ومضاد لما ورد به الشرع من أحكام المعاد وحشر الأنفس والأجساد فلا ~~سبيل اليه # وعند ذلك فلا بد من الإشارة إلى تحقيق مذهب أهل الحق في أحكام المعاد من ~~الحشر والنشر ومساءلة منكر ونكير وعذاب القبر والصراط والميزان والجنة ~~والنار وغير ذلك $ فأما الحشر # فهو عبارة عن إعادة الخلق بعد العدم ونشئاتهم بعد الرمم وقد اختلف فيه ~~الإسلاميون PageV01P299 # فذهبت المعتزلة على موجب أصلهم في إنقسام الأعراض إلى باقية وغير باقية ~~إلى منع جواز إعادة الأعراض الغير الباقية كالحركات والأصوات ونحوها وزعموا ~~أنه لو تصور وجودها في وقتين يفصلهما عدم لجاز القول بوجودهما في وقتين ~~متتاليين وذلك في الأعراض الغير الباقية محال ومن الأصحاب من زاد على هؤلاء ~~لحيث منع من جواز إعادة الأعراض مطلقا وزعم أن الإعادة لمعنى فلو جاز إعادة ~~الأعراض للزم أن يقوم المعنى بالمعنى وهو ممتنع # ومذهب أهل الحق من الإسلاميين أن إعادة كل ما عدم من الحادثات فجائز عقلا ~~وواقع سمعا ولا فرق في ذلك بين أن يكون جوهرا أو عرضا فإنه لا إحالة في ~~القول بقبوله للوجود وإلا لما وجد بل ما قبل الوجود في وقت كان قابلا له في ~~غير ذلك الوقت أيضا ومن أنشأه في الأولى قادر على أن ينشئه في الأخرى كما ~~قال تعالى في كتابه المبين الوارد على لسان الصادق الأمين @QB@ قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ وقوله @QB@ وهو الذي أحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور @QE@ # وما قيل من استحالة إعادة الأعراض المتجددة شاهدا فمأخوذ من القول ~~باستحالة استمرارها وهو غير مسلم ثم لا يلزم ms206 من جواز وجودها في زمنين ~~منفصلين بينهما عدم أن يقال بوجودها PageV01P300 فيهما من غير انفصال بعدم ~~بل من الجائز أن يكون وجودها مشروطا بوقت مقدر كما كانت مشروطة بالمحل ~~إجماعا وسبق العدم على أصلهم مطلقا ومن قضى باستحالة إعادة الأعراض لما فيه ~~من قيام المعنى بالمعنى فإنما لزمه ذلك من الجهل بمعنى الإعادة والغفلة عن ~~معنى البعث وليس المعنى به غير الخلق ثانيا كما في الخلق الأول وتسميته ~~إعادة إنما كان بالإضافة إلى النشأة الأولى وذلك مما لا يوجب قيام المعنى ~~بالمعنى وإلا للزم القول باستحالة وجودها أولا وهو ممتنع فإذا قد ثبت مذهب ~~أهل الحق وفاز أهل السبق # ولم يبق إلا القول في العدم وهو أنه هل هو للجواهر والأعراض أم للأعراض ~~دون الجواهر # والجواب أن ذلك كله ممكن من جهة العقل وليس تعيين ذلك واقعا من ضرورة ~~عقلية ولا نقلية فتعيين شئ من ذلك يكون غباء # هذا حكم الحشر والنشر وعذاب القبر ومساءلته ونصب الصراط والميزان وخلق ~~النيران والجنان والحوض والشفاعة للمؤمن والعاصى والثواب والعقاب فكل ذلك ~~ممكن في نفسه أيضا وقد وردت به القواطع السمعية والأدلة الشرعية من الكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة من السلف ومن تابعهم من الخلف مما اشتهاره مغن عن ذكره ~~فوجب التصديق به PageV01P301 والإذعان لقبوله والانقياد إليه والتعويل عليه ~~على وفق ما اشتهر عن النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته والعلماء من أمته # فإن قال قائل من المعتزلة المقرين بالدين الخارقين لقواعد المسلمين كيف ~~يمكن القول بعذاب القبر ومساءلته مع أنا نرى الميت ونشاهده ولا نحس عند ~~وضعه في اللحد بصوت سؤال ولا جواب ولا نشاهد في حاله لا نعيما ولا عذابا لا ~~سيما إذا افترست لحمه الوحوش والسباع وأكلته طيور الهواء أو سمك الماء # أم كيف يمكن القول بوضع الصراط والميزان وخلق الجنة والنار في الآن فإنه ~~إما أن يكون ذلك كله لفائدة أو لا لفائدة فالفائدة المطلوبة من نصب الصراط ~~ليست إلا العبور عليه وذلك متعذر جدا بالنسبة إلى الطائع والعاص معا ms207 لكونه ~~كما قيل أحد من السيف وأدق من الشعرة والفائدة من نصب الميزان ليست إلا وزن ~~الأعمال وذلك أيضا متعذر لأنها إما أن توزن فى حال عدمها أو بعد إعدامها ~~القسم الأول محال جدا والقسم الثانى محال لما بيناه فيما مضى ثم ولو قدر ~~إعادة الأعراض المتجددة فوزنها لا محالة أيضا متعذر وحركة الميزان بها ~~ممتنعة وإن كانت حركة الميزان بسبب ثقل ما خلقت منه الحركة فليس ذلك وزن ~~الحركة وأما الفائدة في خلق الجنة والنار فليس إلا لأجل الثواب والعقاب ~~وذلك قبل يوم الحشر والحساب متعذر لا محالة PageV01P302 # بل وكيف يمكن القول بقبول الشفاعة وإثبات العفو للعاصى ومن اقترف شيئا من ~~المعاصى وبم الإنكار على الجبائى حيث زعم أن من زادت زلاته على طاعاته في ~~المقدار واخترم على الإصرار من غير توبة كان مسلوب الإيمان مخلدا في النار ~~وبم الرد على غيره من المعتزلة حيث أوجب ذلك باقتراف كبيرة واحدة كانت ~~ناقصة عن الطاعة أو زائدة أم بم الإنكار على الخوارج حيث أوجبوا التكفير ~~بإرتكاب ذنب واحد مستندين في ذلك إلى ما عرف من قضية إبليس وما ورد في ~~القرآن من الآيات الدالة على تخليد العاصى مثل قوله تعالى @QB@ من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ وقوله @QB@ ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها @QE@ وقوله @QB@ ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا @QE@ إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات ومن ~~استحق الخلود في النار وكان مغضوبا عليه كيف يستحق الغفران # قلنا أما إنكار عذاب القبر مع ما اشتهر من حال النبى صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة من الاستعاذة منه والخوف والحذر وقول النبى عليه السلام حيث عبر ~~على قبرين PageV01P303 فقال إنهما يعذبان وقول الله تعالى @QB@ وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب @QE@ فلا سبيل إليه ولا معول لأرباب العقول عليه ~~واستبعاد ذلك على أنه غير محسوس من الميت فمن أدرك بعقله حال النائم ms208 في ~~منامه و ما يناله من اللذات والتألمات بسبب ما يشاهده من حسن وقبيح مع ما ~~هو عليه من سكون ظاهر جسمه وخمود جوارحه بل وكذا حال المحموم والمريض في ~~حالة انغماره لم يتقاصر فهمه عن درك عذاب القبر ونعيمه ولا فرق في ذلك بين ~~أن تكون أجزاء البدن مجتمعة أو مفرقة فإن من أسكنه الألم في حالة الاجتماع ~~قادر أن يسكنه ذلك في حالة الافتراق وذلك لا يستدعى أن يكون محسوسا ولا ~~مشاهدا # وعلى هذا يخرج استبعاد سؤاله وجوابه أيضا # ومما يؤكد رفع هذا الاستبعاد ما علم من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حالة الوحى ومخاطبة جبريل له والناس حوله لا يسمعون وإنما كان كذلك لأن ~~الأجزاء المستقلة بالفهم والجواب من الإنسان إنما هى أجزاء باطنة يعلمها ~~الله تعالى في القلب فيجوز أن يخلق الله لها الحياة والفهم والجواب وإن كان ~~باقى الجسم معطلا لا يشعر به صاحبه وذلك كما نشاهده ونعلمه من حال النائم ~~والمغمى عليه لصرع أو مرض أو غيره عند مخاطبته أو محاورته لمن يتخيل له ~~فيما هو عليه من حالته # وليس الخطاب والسؤال لمجرد الروح المفارقة التى أجرى الله تعالى العادة ~~بوجود PageV01P304 حياة البدن عند مقارنتها والفوات عند فواتها إذ هو مخالف ~~للظواهر الواردة به ولا هو للبدن على هيئته إذ هو مخالف للحس والعيان وذلك ~~محال # وإنكار الصراط والميزان وخلق الجنة والنار في الآن بناء على إنكار حصول ~~الفائدة فمأخوذ من أصولهم الفاسدة في وجوب الغرض في أفعال الله تعالى وقد ~~أبطلناه ثم ولو قدر ذلك فلعل له فيه لطفا وصلاحا لا تقف العقول عليه ولا ~~تهتدى الأذهان إليه بل البارى تعالى هو المستأثر بعلمه وحده لا يعلم تأويله ~~غيره ثم كيف ينكر جواز العبور على الصراط والمشى عليه مع أن ذلك بالنسبة ~~إلى مقدورات الله تعالى وخلق السموات والأرض وما فيهن والمشى في الهواء ~~والوقوف على الماء وشق البحر وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات والأمور ~~الخارقة للعادات أيسر ms209 وأسهل فغير بعيد أن يخلق الله تعالى القدرة على ذلك ~~لما أطاعه ولا يخلقها لمن عصاه # وأما الوزن بالميزان فإنه يحتمل أن يكون للصحف المشتملة على الحسنات ~~والسيئات المكتوب فيها أفعال العبد من خيره وشره ونفعه وضره ويخلق الله ~~تعالى فيها ثقلا PageV01P305 وخفة على حسب التفاوت الذى يعلمه تعالى في ~~حسناته وسيئاته ويحتمل أن يكون ميزان الأفعال عند الله تعالى بما يليق ~~بالأفعال وهوالمستأثر بعلمه وحده لا على نحو الميزان اللائق بالكميات من ~~المدخرات والمعدودات وغيرها من الموزونات شاهدا # وأما إنكار الشفاعة للمذنبين والعصاة من المسلمين فذلك إنما هو فرع مذهب ~~أهل الضلال في القول بوجوب الثواب ولزوم العقاب على الله تعالى وقد بينا ما ~~في ذلك من الخلل وأوضحنا ما فيه من الزلل فإن الثواب من الله تعالى ليس إلا ~~بفضله والعقاب ليس إلا بعدله وهو المتحكم بما يشاء في خلقه @QB@ ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين @QE@ # وما ذكروه من الآيات والظواهر السمعيات فمحمول على الكافرين المستحلين ~~لما يأتونه المستوجبين لما يقترفونه دون العصاة من المؤمنين ومن أذنب ذنبا ~~من المسلمين ودليل التخصيص في ذلك قوله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ ومع قيام الدليل المخصص لها يمتنع القول ~~بتعميمها PageV01P306 # فإن قيل إن هذه الآية محمولة على حالة التوبة ومخصوصة بها وهذا وإن كان ~~على خلاف الظاهر لكن يجب القول به محافظة على ما ذكرناه من الظواهر إذ ليس ~~تخصيص ما ذكرناه محافظة على الظاهر بأولى من العكس بل هو الاولى لما فيه من ~~تخصيص ظاهر واحد بظواهر متعددة ثم إن في الآية ما يدل على أن المغفرة ~~والشفاعة لا تحصل إلا أن تتعلق المشيئة بمفغرته وإلا لما كان لتخصيص ~~المغفرة بحالة المشيئة معنى وذلك مما يوجب خلود بعض المذنبين وهو خلاف ما ~~تعتقده # قلنا أما ما ذكروه من جهة التخصيص فحمل دلالة الآية عليها ممتنع وذلك أن ~~العفو والغفران حالة التوبة عندهم واجب جزم ولازم حتم وهو مما ms210 يمنع تعليقه ~~بالمشيئة وأيضا فإنه فرق في الآية بين المعصية بالكفر وغيره في حالة التوبة ~~فالفرق غير متحقق لا محالة فلو صح ما ذكروه من جهة التخصيص لم يلزم تخصيص ~~عموم الآية بما دون الكفر من المعاصى وتأويل الظواهر لما ذكروه من الظواهر ~~كيف وأن ما ذكروه من الظواهر فمنهم من قيدها بفعل الكبائر دون الصغائر ~~ومنهم من زادها تقييدا حتى اشترط في ذلك زيادة مقدار الكبيرة على ما له من ~~الحسنات وبالجملة فلا ريب في تخصيصها بما بعد التوبة وليس شئ من ذلك متحققا ~~فيما ذكرنا من الظواهر فالمحافظة عليه يكون أولى لا سيما وأن ما من ظاهر ~~أبدوه إلا وقد اقترن بما يدل على تخصيصه بما نذكره فإن مخالفة جميع الحدود ~~وتعديها وإحاطة الخطيئة من كل وجه إنما يتحقق في حق الكافر PageV01P307 دون ~~المسلم وكذلك اللعنة والغضب في حق من قتل إنما يتحقق في حق من كان لذلك ~~مسحلا معتقدا # وبما حققناه يقع التقصى عن كل ما يهول به من هذا القبيل وليس في تعليق ~~الغفران لما دون الكفران بالمشيئة ما يوجب امتناع وقوع الغفران بالنسبة إلى ~~جملة المذنبين بما دون الشرك ولا يلزم منه مخالفة شئ من الآية أصلا لجواز ~~تعلق المشيئة بالمغفرة للجميع # فإن قيل فإن استمر لكم في هذه الظواهر ما ذكرتموه من التأويلات واستقام ~~ما أشرتم إليه من التخصيصات فكيف يحمل قوله عليه السلام لا ينال شفاعتى أهل ~~الكبائر من أمتى على معصية الكفر مع أنه قد أدرجهم في أمته وأدخلهم في ملته # قلنا هذا الحديث مع ضعفه في سنده فليس في إضافتهم إلى ملته ما ينافى كون ~~الكبيرة الصادرة منهم هى الكفران والشرك بعد الإيمان فإنه قد يسمى الشئ ~~باسم ما كان عليه تجوزا وتوسعا وهو الأولى فإنه قد روى عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم بالرواية الصحيحة المشهورة أنه قال ادخرت شفاعتى لأهل الكبائر من ~~أمتى فلو لم يكن PageV01P308 الحديث الأول محمولا على كبيرة الكفر للزم منه ~~تعطيل أحد الحديثين عن العمل ms211 به مطلقا ولا يخفى أن التعطيل أبعد من التأويل ~~على ما لا يخفى كيف وأن الأدلة الواردة في باب الشفاعة مع اختلاف ألفاظها ~~أكثر من أن تحصى فهى إلى التمسك بها أقرب وأولى فمن ذلك ما روى عن النبى ~~صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث مطول مشهور أنه قال إذا كان يوم القيامة ~~أخر ساجدا بين يدى ربى فيقول لى يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ~~فأقول يا رب أمتى أمتى فيقال انطلق من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ~~فأخرجه وأنطلق وأخرجه ثم أسجد ثانية وثالثة فإذا كان الرابعة قلت رب ائذن ~~لى فيمن قال لا إله إلا الله فيقول الرب وعزتى وجلالى لأخرجن منها كل من ~~قال لا إله إلا الله وهو حديث مروى في الصحاح # وأما القضاء بانتفاء إيمان من اخترم عاصيا قبل التوبة والقول بتكفيره ~~فالانفصال عنه يستدعى تحقيق معنى الإيمان والكفران والكشف عن معنى التوبة ~~وتحقيق الأوبة # وأما الإيمان فهو في اللغة عبارة عن التصديق ومنه قول بنى يعقوب وما أنت ~~بمؤمن لنا أى بمصدق وفي عرف استعمال أهل الحق من المتكلمين عبارة عن ~~التصديق بالله وصفاته وما جاءت به أنبياؤه ورسالاته وإليه الإشارة بقوله ~~عليه السلام الإيمان هو التصديق PageV01P309 بالله وباليوم الآخر كأنك تراه ~~فمن وفقه الله لهذا التصديق وأرشده إلى هذا التحقيق فهو المؤمن الحق عند ~~الله وعند الخلق وإلا فقد شقى الشقاوة الكبرى وحكم بكفره في الدنيا والأخرى ~~لأن الكفر وإن كان في اللغة عبارة عن التغطية والستر فهو فى عرف أهل الحق ~~من المتكلمين عبارة عن الستر والتغطية للقدر الذى يصير به المؤمن مؤمنا لا ~~غير وليس الإيمان هو الإقرار باللسان فقط كما زعمت الكرامية ولا إقامة ~~العبادات والتمسك بالطاعات كما زعمت الخارجية فإنا نعلم من حال النبى صلى ~~الله عليه وسلم عند إظهار الدعوة انه لم يكتف من الناس بمجرد الإقرار ~~باللسان ولا العمل بالأركان مع تكذيب الجنان بل كان يسمى من كانت حاله كذلك ~~كاذبا ms212 ومنافقا ومنه قوله تعالى تكذيبا للمنافقين عند قولهم @QB@ نشهد إنك ~~لرسول الله @QE@ @QB@ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ ومنه أيضا ~~شهادة الكتاب العزيز بكذبه وسلب إيمانه في قوله @QB@ ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وما ورد في الكتاب والسنة ~~وأقوال الأمة في ذلك أكثر من أن يحصى # ثم لا يخفى قبح القول بأن الإيمان مجرد الإقرار باللسان من حيث إفضائه ~~إلى تكفير من لم يظهر ما أبطنه من التصديق والطاعة وامتناع استحقاقه ~~للشفاعة والحكم PageV01P310 بنقيضه لمن أظهر ضد ما أبطن من الكفر بالله ~~تعالى ورسوله والطغاوة في الدين والعداوة للمسلمين بل أشد قبحا منه جعل ~~الإيمان مجرد الإتيان بالطاعات والتمسك بالعبادات لما فيه من الإفضاء إلى ~~هدم القواعد السمعية وحل نظام الأحكام الشرعية وإبطال ما ورد في الكتاب ~~والسنة من جواز خطاب العاصى بما دون الشرك قبل التوبة بالعبادات البدنية ~~وسائر الأحكام الشرعية وصحتها منه أن لو أتى بها وبإدخاله في زمرة المؤمنين ~~وإدراجه في جملة المسلمين حتى إنه لو مات فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في ~~مقابر المسلمين ولو لم يكن مؤمنا لما جاز القول بصحة ما أتى به من العبادات ~~ولا غير ذلك مما عددناه # وبهذا يتبين أيضا فساد قول الحشوية إن الإيمان هو التصديق بالجنان ~~والإقرار باللسان والعمل بالأركان نعم لا ننكر جواز إطلاق اسم الإيمان على ~~هذه الأفعال وعلى الإقرار باللسان كما قال تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم @QE@ أى صلاتكم وقوله عليه السلام الإيمان بضع وسبعون بابا أولها ~~شهادة أن لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق لكن إنما كان ذلك ~~لها من جهة أنها دالة على التصديق بالجنان PageV01P311 ظاهرا والعرب قد ~~تستعير اسم المدلول لدليله بجهة التجور التوسع كما تستعير اسم السبب لمسببه ~~فعلى هذا مهما كان مصدقا بالجنان على الوجه الذى ذكرناه وإن أخل بشئ من ~~الأركان فهو مؤمن حقا وانتفاء الكفر عنه واجب وإن صح تسميته فاسقا بالنسبة ~~إلى ما أخل به من الطاعات وارتكب من ms213 المنهيات ولذلك صح إدراجه في خطاب ~~المؤمنين وإدخاله في جملة تكليفات المسلمين بقوله @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ ونحو ذلك من الآيات # وقوله عليه السلام لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزنى حين يزنى ~~وهو مؤمن فإنه وإن صح لم يصح حمله على نفى الإيمان بمعنى الطاعة والإذعان ~~لتعذر الاشتقاق من اسم أيمان فيحتمل أنه أراد حالة الاستحلال ويحتمل أنه ~~أورده في معرض المبالغة في الزجر والردع وهو وإن كان خلاف الظاهر لكنه أولى ~~لما فيه من الجمع بينه وبين ما ذكرناه من الأدلة الدالة على كونه مؤمنا ~~وإبطال التعطيل لما ذكرناه مطلقا نعم لا ننكر إمكان دخول الشك والريبة لما ~~يحصل من التصديق بالجنان ثابتا بالنسبة إلى من ليس بمعصوم بناء على شبهة ~~وخيال ولذلك كان بعض السلف يقول أنا مؤمن إن شاء الله وليس المراد بما علقه ~~على المشيئة إلا استمرار ما هو حاصل عنده عند الله من التصديق والطمأنينة ~~لا نفس التصديق الحاصلة فإن تعليق PageV01P312 ما حصل بالمشيئة محال ولا بد ~~من هذا التأويل وإن فسر الإيمان بالطاعة أو القول أيضا وبهذا الاعتبار ايضا ~~يصح القول بزيادة إيمان النبى المعصوم على إيمان غيره أى من جهة تطرق الشك ~~إلى غير المعصوم دون المعصوم أما أن يكون من جهة تطرق الزيادة والنقصان ~~إليه من حيث هو تصديق فلا كما لا يصح ذلك بين علم وعلم أصلا # وأما التوبة # فهى وإن كانت في اللغة عبارة عن الرجوع فهى في عرف استعمال المتكلمين ~~عبارة عن الندم على ما وقع به التفريط من الحقوق من جهة كونه حقا ومنه قوله ~~عليه السلام الندم توبة فعلى هذا من ترك المعصية من غير عزم على ترك ~~معاودتها عند كونه لذلك أهلا والندم والتألم على ما اقترف أولا من جهة أنه ~~لم يكن له ذلك مستحقا لم يكن إطلاق اسم التوبة في حقه بالنظر إلى عرف ~~المتكلمين مما يجوز لكن ذلك مما لا يجب على العبد استدامته في سائر أوقاته ~~وتذكره في جميع ms214 حالاته وإلا لزم منه اختلال الصلوات أو لا يكون تائبا في ~~بعض الأوقات وهو خلاف PageV01P313 إجماع المسلمين وليس من شرط صحة التوبة ~~والإقلاع عن ذنب في زمن من الأزمان ألا يعاوده في زمن آخر إذ التوبة مهما ~~وجدت فهى عبادة ومأمور بها وليس من شرط صحة العبادة المأتى بها في زمن ألا ~~يتركها في زمن آخر # وليس من شرط صحة التوبة أيضا والاقلاع عن ذنب الإقلاع عن غيره من الذنوب ~~كما زعم أبو هاشم وإلا كان من أسلم بعد كفره وآمن بعد شقائه ونفاقه إذا ~~استدام زلة من الزلات وهفوة من الهفوات ألا يكون مقلعا عما التزمه من أوزار ~~كفره وألا يترقى على من هو على غيه وجحوده وذلك مما يخالف إجماع المسلمين ~~وما ورد به الشرع المنقول واتفق عليه أرباب العقول # وبهذا يندفع قول القائل إن ما وجبت التوبة عنه فإنما كان لقبحه وذلك لا ~~يختلف فيه ذنب وذنب فلا يصح الندم على قبيح مع الإصرار على قبيح غيره # والله الهادى إلى الرشاد PageV01P314 & القانون السابع فى النبوات ~~والأفعال الخارقة للعادات $ ويشتمل على طرفين PageV01P315 PageV01P316 # تمهيد # الطرف الأول من هذا القانون في بيان جوازها في العقل # والثانى في بيان وقوعها بالفعل # وقبل الخوض فى ذلك لا بد من تفسير معنى النبوة لكى يكون التوارد بالنفى ~~والاثبات على محز واحد فنقول # ليست النبوة هى معنى يعود إلى ذاتى من ذاتيات النبى ولا إلى عرض من ~~أعراضه استحقها بكسبه وعمله ولا إلى العلم بربه فإن ذلك مما يثبت قبل ~~النبوة ولا إلى علمه بنبوته إذ العلم بالشئ غير الشئ @QB@ ولكن الله يمن ~~على من يشاء من عباده @QE@ فليست إلا موهبة من الله تعالى ونعمة منه على ~~عبده وهو قوله لمن اصطفاه واجتباه إنك رسولى ونبيى # وإذا عرف محز الخلاف فنعود إلى بيان الأطراف PageV01P317 # 1 الطرف الاول في بيان الجواز العقلى # مذهب أهل الحق أن النبوات ليست واجبة أن تكون ولا ممتنعة أن تكون بل ~~الكون وأن لا كون بالنسبة إلى ذاتها و إلى ms215 مرجحها سيان وهما بالنظر إليه ~~سيان وأما أهل الطعان فحزبان حزب انتمى إلى القول بالوجوب عقلا كالفلاسفة ~~والمتعزلة # وحزب انتمى إلى القول بالأمتناع كالبراهمة والصابئة والتناسخية إلا أن من ~~البراهمة من اعترف برسالة آدم دون غيره ومنهم من لم يعترف بغير إبراهيم ~~وأما الصابئة فإنهم اعترفوا برسالة شيث وإدريس دون غيرهما ولا بد من ~~التفصيل في الرد على أهل التضليل # فأما الفلاسفة والمعتزلة # فإنهم قالوا لما كان نوع الإنسان أشرف موجود فى عالم الكون لكونه مستعدا ~~لقبول PageV01P318 النفس الناطقة القريبة النسبة من الجواهر الكروبية ~~والجواهر الروحانية لم يكن في العقل بد من حصول لطف المبدأ الأول وإضافة ~~الجود منه عليهم لتتم لهم النعمة في الدنيا والسعادة في الأخرى وكل واحد من ~~الناس قلما يستقل بنفسه وفكرته وحوله وقوته فى تحصيل أغراضه الدنياوية ~~ومقاصده الآخروية إلا بمعين ومساعد له من نوعه وإذ ذاك فلا بد من أن تكون ~~بينهم معاملات من عقود بياعات وإجارات ومناكحات إلى غير ذلك مما تتعلق به ~~الحاجات وذلك لا يتم إلا بالإنقياد والاستسخار من البعض للبعض و قلما يحصل ~~الانخضاع والانقياد من المرء لصاحبه بنفسه مع قطع النظر عن مخوفات ومرغبات ~~دينية وأخروية وسنن يتبعونها وآثر يقتدون بها وذلك كله إنما يتم ببيان ~~ومشرع يخاطبهم ويفهمهم من نوعهم وفاء بموجب عناية المبدأ الأول بهم # ثم يجب أن يكون البيان مؤيدا من عند الله تعالى بالمعجزات والأفعال ~~الخارقة للعادات التى تتقاصر عنها قوى غيره من نوعه بحيث يكون ذلك موجبا ~~لقبول قوله والانقياد له فيما يسنه ويشرعه ويدعو به إلى الله تعالى وإلى ~~عبادته والانقياد لطاعته وما الله عليه من وجوب الوجود له وما يليق به وما ~~لا يليق به وأحكام المعاد وأحكام المعاش ليتم لهم النظام ويتكامل لهم اللطف ~~والإنعام وذلك كله فالعقل يوجبه لكونه حسنا ويحرم انتفاءه لكونه قبيحا ~~PageV01P319 # وأعلم ان مبنى هذا الكلام إنما هو على فاسد أصول الخصوم في الحسن والقبح ~~ورعاية الصلاح والأصلح ووجوبه وقد سبق إبطاله بما فيه مقنع وكفاية # وأما ms216 الغلاة من النفاة # الجاحدين لوجوب الوجود فإنهم قالوا النبوة ليست من صفة راجعة إلى نفس ~~النبى بل لا معنى لها الا التنزيل من عند رب العالمين وعند ذلك فالرسول لا ~~بد له أن يعلم أنه من عند الله تعالى وذلك لا يكون الا بكلام ينزل عليه أو ~~بكتاب يلقى إليه إذ المرسل ليس بمحسوس ولا ملموس وما الذى يؤمنه من أن يكون ~~المخاطب له ملكا أو جنيا وما ألقى إليه ليس هو من عند الله تعالى ومع هذه ~~الاحتمالات فقد وقع شكه في رسالته وامتنع القول الجزم بنبوته # ثم إن ما يكلمه وينزل عليه إما أن يكون جرمانيا أو روحانيا فإن كان ~~جرمانيا وجب أن يكون مشاهدا مرئيا وإن كان روحانيا فذلك منه مستحيل كيف وأن ~~ما جاء به لم يخل إما أن يكون مدركا بالعقول أو غير مدرك بها فإن كان الأول ~~فلا حاجة إلى الرسول بل البعثة تكون عبثا وسفها وهو قبيح في الشرع وإن كان ~~الثانى فما يأتى لا يكون مقبولا لكونه غير معقول فالبعثة على كل حال لا ~~تفيد PageV01P320 # وأيضا فإن النفوس الإنسانية كلها من نوع واحد فوجب أن يستقل كل منها بدرك ~~ما أدركته الأخرى ولا تتوقف على من يحكم عليها فيما تهتدى إليه وما لا ~~تهتدى إليه فإن ذلك مما يقبح من الحكيم عقلا # ومما يدل على العبث في بعثته تعذر الوقوف على صدق مقالته فإن وجوب ~~التصديق له بنفس دعواه مع ان الخبر ما يصح دخول الصدق والكذب فيه مستحيل ~~وإن كان بأمر خارج إما بأن تقع المشافهة من الله تعالى بتصديقه أو باقتران ~~أمر ما بقوله يدل على صدقه فهو أيضا مستحيل إذ المشافهة من الله تعالى ~~بالخطاب متعذرة ولو لم تكن متعذرة لاستغنى عن الرسول وما يقترن بقوله إما ~~أن يكون مقدورا له أو لله تعالى فإن كان مقدورا له فهو أيضا مقدور لنا فلا ~~حجة له في صدقه وان كان مقدورا لله تعإلى فإما أن يكون معتادا أو غير معتاد ms217 ~~فإن كان معتاد فلا حجة فيه أيضا وإن كان غير معتاد بأن يكون خارقا للعادات ~~فليس في ذلك ما يدل على صدقه في دعوته إذ هو فعل الله تعالى وهو مشروط ~~بمشيئته وتخصصه منوط بإرادته وربما لا يتصور في جميع الحالات ولا يساعد في ~~سائر الأوقات وكم من نبى سأل إظهار المعجزات في بعض الأوقات فلم يتفق له ما ~~سأله فإذا كان كذلك فلعل اقترانها بدعوته في بعض الاوقات كان من قبيل ~~الاتفاقات لا بقصد التصديق له فيما يقوله والتحقيق له # ثم إن كان ظهور هذه الآيات و اقترانها بقوله في بعض الأوقات دليلا على ~~PageV01P321 فعدم اقترانها به فى بعض الأوقات دليل على كذبه وليس أحد ~~الأمرين بأولى من الآخر والذى يدل على ذلك أنا ألفينا كل مدع قد اباح ما ~~تحظره العقول مثل ذبح الحيوان وإيلامه وتسخيره ومثل السعى بين الصفا ~~والمروة والطواف بالبيت وتقبيل الحجر والعطش فى أيام الصيام والمنع من ~~الملاذ التى بها صلاح الأبدان وذلك كله قبيح والقبيح لا يأمر به الحكيم فهم ~~فيما ادعوه كاذبون وفيما انتحوه متخرصون # ثم وإن قارنت لدعواه في جميع الأوقات ولم توجد فى غيرها من الحالات فهى ~~مما لا تمييز فيها عن الكرامات والسحر والطلسمات وغير ذلك من العلوم كالسحر ~~والتنجيم من الأفعال العجيبة والأمور المعجزة الغريبة التى لا وقوع لها فى ~~جميع الاوقات ولا سبيل إليها في سائر الحالات بل هى على نمط المعجزات ~~والأمور الخارقة للعادات ومع جواز أن يكون ما أتى به من هذا القبيل فليس ~~على القول بصدقه تعويل # ثم وان تميز ما أتى به عن هذه الأحوال وتجرد عن هذه الأفعال فلا محالة أن ~~من أصلكم جواز انقلاب العوائد واطراد ما لم يعهد وعند اطرادها فلا يخفى ~~أنها تخرج عن أن تكون معجزة لكونها لا اختصاص لها به وإذا كان كذلك فما ~~الذى يؤمننا من اطراد معجزته وعموم وقوعها بعد تحديه بنبوته # ثم ولو قدر عدم اطرادها فذلك أيضا مما لا يدل على صدقة بل ms218 لعله كاذب في ~~دعوته والبارى تعالى مريد لضلالنا برسالته وأن ما يدعو اليه من الخير هو ~~عين الشر وما ينهى PageV01P322 عنه من الشر هو عين الخير فإنه لا إحالة فيه ~~على أصلكم حيث أحلتم كون الحسن والقبح ذاتيا # ثم وإن استحال ذلك فى حق الله تعالى فلا محالة أن العلم برسالة الرسول ~~والقول بتصديقه يتوقف على معرفة وجود المرسل وصفاته وما يجوز عليه وما لا ~~يجوز بتوسط الحادثات والكائنات والممكنات وذلك كله ليس هو مما يقع بديهة ~~فإنه لو خلى الانسان ودواعى نفسه في مبدأ نشوئه من غير التفات إلى أمر آخر ~~لم يحصل له العلم بشئ من ذلك أصلا فعند إرسال الرسول إما أن يجوز للمرسل ~~اليه النظر والابتهال بالفكر والاعتبار بالعبر أو لا يجوز له ذلك فإن قيل ~~بالجواز فلا يخفى أن زمان النظر غير مقدر بقدر بل هو مختلف باختلاف الاحوال ~~والاشخاص وتقلب أحوالهم والاشتداد والضعف في أفهامهم وذلك مما يفضى إلى ~~تعطيل النبى عن التبليغ لرسالاته وافحامه في دعوته ولا فائدة إذ ذاك فى ~~بعثته وإن لم يمهل فى النظر فذلك قبيح لا محالة من جهة أنه كلفه التصديق ~~بما لا يطيق أوجب عليه التقليد والانقياد من غير دليل إلى الإعتقاد وذلك ~~قبيح لا تستحسنه العقول # ثم إنه إما أن يكون مرسلا إلى من علم الله أنه لا يؤمن أو لا يكون مرسلا ~~إليه فإن كان مرسلا إليه فالعقاب على مخالفته ظلم وهو قبيح من الحكم العدل # وزادت التناسخية على هؤلاء فقالوا # الأفعال الانسانية إن كانت على منهاج قويم وسنن مستقيم ارتفعت نفس فاعلها ~~إلى الملكوت بحيث تصير نبيا أو ملكا وإن كانت أفعاله على منهاج أفعال ~~PageV01P323 الحيوانات والتشبه بالسفليات والانغماس في الرذائل والشهوات ~~انحطت نفسه إلى درجة الحيوانات أو أسفل منها وهكذا على الدوام كلما انقضى ~~عصر ودور وليس ثم عالم جزاء ولا حساب ولا كتاب ولا حشر ولا عقاب وذلك كله ~~مما عرف بالعقول على طول الدهر فلا حاجة بالإنسان إلى من هو مثله ms219 يحسن له ~~فعلا أو يقبح له فعلا إذ لا يزال فى فعل يجزى أو فى جزاء على فعل وهكذا على ~~الدوام # والطريق # في الانفصال عن كلمات أهل الضلال أن يقال أما ما أشاروا إليه من تعذر ~~علمه بمرسله فبعيد إذ لا مانع من أن يعلمه المرسل له أنه هو الله تعالى ~~وذلك بأن يجعل له على ذلك آيات ودلائل ومعجزات بحيث تتقاصر عنها قوى سائر ~~الحيوانات المخلوقات أو بأن يكون ما أنزل إليه وألقى عليه يتضمن الإخبار عن ~~الغائبات والأمور الخفيات التى لا يمكن معرفتها إلا لخالق البريات أو بأن ~~يخلق له العلم الضروري بذلك إن الله على كل شئ قدير # وليس المطلوب لهذا الشخص من قبل الله تعالى بمستحيل ولا نزول الوحى ~~PageV01P324 إليه مع الأمين جبريل فإنه غير بعيد أن تشمله العناية من ~~المبدأ الأول بتكميل فطرته وتصفية جوهر نفسه وتنقيته بحيث يتهيأ لقبول هذه ~~الأسرار ويستعد لدرك هذه الأنوار فيرى ملائكة الله على صور مختلفة ويسمع ~~وحيها وحدة دون غيره من الحاضرين ويختص به دونهم أجمعين إن الله تعالى @QB@ ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ # وليس ما يراه النبى من اختلاف صور الملك لتبدل حقيقته أو لتبدل صورته ~~وشكله بل الذى يظهر أنها أنوار روحانية وجواهر عقلية تظهر فى الخيال على ~~اختلاف تلك الأشكال ويكون تعلقها به فى ضرب المثال على نحو تعلق الأنفس ~~الناطقة بالأبدان فإذا اشتد صفاء نفسه بحيث صارت متصلة بعالم الغيب انطبعت ~~تلك الأشكال في القوة الخيالية وارتقمت فيها تلك الكمالات اللاهوتية ثم ~~انطبع ما حصل فى الخيال من الإدراكات الظاهرة في الحواس الباطنة فإذا ذاك ~~يرى من الأشخاص والصور ويسمع من الأصوات ما تتقاصر عن الإحاطة به قوى البشر ~~فما يراه من الصور هى ملائكة الله وما يسمعه من الكلام هو كلام الله ووحيه ~~الموحى به إليه # وأقرب مثال يقربه إلى الذهن ويصوره فى الوهم ما نشاهده فى بعض الناس فإنه ~~قد يقل شواغله البدنية وينصرف عن اشتغاله بمتعلقات حواسه الظاهرة بسبب ~~يبوسة ms220 تغلب على مزاجه أو لأمر ما بحيث يصير كالمبهوت وحينئذ قد يرى من ~~الصور ويسمع من الأصوات حسب ما يراه النائم فى منامه وإن كان مستيقظا بل ~~ومثل هذا قد وجد لبعض المرضى والمصروعين وبعض المتكهنين والمقصود من هذا ~~إنما هو التقريب بالمثال وإلا فهذه صفة نقص والأولى صفة تمام وكمال # وما أشير إليه من الشبهة الثانية فمندفعة وذلك أنه لا مانع من أن يرد ~~النبى بما هو في نفسه معقول ويكون تحذيره وترغيبه تأكيدا ويكون ذلك بمثابة ~~إقامة أدلة متعددة PageV01P325 المدلول واحد وهو لا يسمى عبثا كيف وإنا قد ~~بينا ان العبث والقبح منفى عن واجب الوجود في جميع افعاله # ثم نقول إن الرسول لا يأتى إلا بما لا تستقل به العقول بل هى متوقفة فيه ~~على المنقول وذلك كما في مسالك العبادات ومناهج الديانات والخفى مما يضر ~~وينفع من الأقوال والأفعال وغير ذلك مما تتعلق به السعادة والشقاوة فى ~~الأولى والأخرى وتكون نسبة النبى إلى تعريف هذه الأحوال كنسبة الطبيب إلى ~~تعريف خواص الادوية والعقاقير التى يتعلق بها ضرر الأبدان ونفعها فإن عقول ~~العوام قد لا تستقل بدركها وإن عقلتها عندما ينبه الطبيب عليها وكما لا ~~يمكن الاستغناء عن الطبيب في تعريف هذه الأمور مع أنه قد يمكن الوقوف عليها ~~والتوصل بطول التجارب إليها لما يفضى إليه من الوقوع في الهلاك والأضرار ~~لخفاء المسالك فكذلك النبى وبهذا التحقيق يندفع ما وقعت الإشارة إليه من ~~الشبهة الثالثة أيضا # فإن قيل إن تخصيص هذا الشخص بالتعريف دون غيره من نوعه ميل إليه وحيف على ~~غيره وهو قبيح قلنا فعلى هذا يلزم التسوية بين الخلائق فى أحوالهم وألا ~~تفاوت بين أفعالهم بحيث لا يكون هذا عالما وهذا جاهلا ولا هذا زمنا وهذا ~~ماشيا ولا هذا أعمى وهذا بصير إلى غير ذلك من أنواع التفاوت في الكمالات ~~وحصول الملاذ والشهوات وإلا عد PageV01P326 ذلك منه قبيحا وهو محال لكنه ~~واقع فإذا ما هو الاعتذار ههنا للخصم هو الاعتذار بعينه لنا في محز الخلاف ms221 # وأما ما ذكروه من تعذر الوقوف بالعقول على صدق الرسول فتصريح بتعجيز الله ~~تعالى عن تصديق من اصطفاه ونبأه واتخذه وسيلة إلى إصلاح نظام الخلق ~~بالإرشاد إلى السبيل الحق @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا @QE@ بل من له الخلق والأمر وله التصرف فى عباده بالبذل والمنع والشطر ~~والجمع كما كان قادرا على تعريف الخلائق بنفس ربوبيته والتصديق بإلهيته ~~قادر على أن يعرفهم صدق من اصطفاه واجتباه لحمل أمانته إما بأن يخلق لهم ~~علما ضروريا بذلك أو بالإخبار عن كونه رسولا كما قال تعالى فى حق آدم ~~للملائكة @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ ولا يلزم من تصور الخطاب من ~~المرسل الاستغناء عن الرسول فإن ذلك حجر وتحكم على الحاكم فى مملكته وهو ~~خلاف المعقول بل لله تعالى أن يصطفى من عباده @QB@ الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس @QE@ # وقد يكون التعريف للصدق بإظهار المعجزات على يد مدعى النبوات على وجه ~~تدين له العقول السليمة بالإذعان والقبول وذلك أنه إذا قال أنا رسول وآية ~~صدقى في قولى إتيانى بما لا تستطيعون الإتيان بمثله ولو كان بعضكم لبعض ~~ظهيرا من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وشق البحر وقلب العصا حية ~~وغير ذلك من الآيات فإذا ما ظهر ذلك على يده مقارنا لدعوته قطع كل عقل سليم ~~ولب مستقيم بتصدقيه فى قوله وتحقيقه وأذعن إلى اتباعه وتقليده إذ العقل ~~الصريح يقضى بأن ظهور الخارق للعادة مقارنا لدعوته وعجز الناس عن معارضته ~~مع توفر دواعيهم على PageV01P327 مقابلته وإفحامه فى رسالته ينهض دليلا ~~قاطعا على صدق مقالته وإظهار البارى تعالى ذلك على يده مقارنا لدعوته ينزل ~~منزلة الخطاب إنه رسول وإنه صادق فيما يقوله إذ لو كان ذلك اتفاقا لما وقع ~~على وفق إخباره وعلى حسب إيثاره واختياره إذ هو ممتنع بالنظر إلى الاستحالة ~~العادية ولا سيما إن وقع ذلك منه متكررا # وليس ذلك فى ضرب المثال إلا كما لو كان بعض الملوك جالسا فى رتبته قاعدا ~~على سرير مملكته والناس مجتمعون لخدمته ms222 قياما فى طاعته فقام واحد من عرض ~~الناس وقال يأيها الناس إنى رسول هذا الملك إليكم بكذا وكذا وآية صدقى على ~~ذلك أنى إذا طلبت منه أن يقوم ثلاث مرات أو يحرك كفه أو يده مثلا فعل ولو ~~أراد واحد منكم لم يجد إليه سبيلا فإنه إذا أتى له بذلك لم يتمار أحد من ~~الحضور ولا يداخله شك أو فتور أنه صادق فيما ادعاه حقيق فيما أتاه # والذى يؤكد ذلك إسناد تصديقه إلى متوقف على مشيئة البارى تعالى وإرادته ~~دون مشيئته هو إرادته سرعة اقترانها بدعوته وإلا فلو كانت المعجزة مستندة ~~إلى حوله وقوته لم ينتهض من ذلك دليل على كونه رسول رب العالمين فإنه لم ~~ينزل اقتران المعجزة بدعواه منزلة التصديق له من الله تعالى كما إذا كانت ~~المعجزة من خلق الله وفعله وداخلة تحت مشيئته وحوله والمكابر لذلك جاحد لما ~~أنعم الله عليه من العقل السنى والنطق النفسانى # وبعد ما تقترن المعجزة بدعواه على سبيل ما يجريه الله ويثبت صدقه فى ذلك ~~بطريق العلم بناء على ما احتفت به من القرائن الظاهرة والدلائل الباهرة فلا ~~ينتهض عدمها بعد ذلك دليلا على كذبه وإبطاله رسالته وإلا لوجب أن ينقلب ~~العلم جهلا PageV01P328 وذلك محال وليس انتفاء دليل الإثبات فى بعض الأوقات ~~دليلا على إيجاب النفى بخلاف دلالته فى حالة الإثبات فلا تعارض وعليك ~~بمراعاة هذه الدقيقة والإشارة إلى هذه الحقيقة # فإن قيل تعلق العلم بتصديق مثل هذا في الشاهد ينبنى على قرائن الأحوال ~~كالأفعال والأقوال من المرسل وذلك مما يتعذر الوقوف عليه في حق الغائب فلا ~~يصح التمثيل ثم وإن صح ذلك فى حق الغائب وأن ذلك نازل منه منزلة التصديق ~~بالقول لكن ذلك إنما يدل على صدقه أن لو استحال الكذب فى حكم الله تعالى ~~وذلك إما أن يدرك بالعقل أو السمع لا سبيل إلى القول باستحالته عقلا إذ قد ~~منعتم أن يكون الحسن والقبح ذاتيا ولا سبيل إلى إدراكه بالسمع إذ السمع ~~متوقف على صحة النبوة متوقفة على ms223 استحالة الكذب فى حكم الله فلو توقف ذلك ~~على السمع كان دورا ممتنعا # قلنا المقصود من ضرب المثال ليس إلا تقريب الصور من الخيال وإلا فالعلم ~~بصدق المتحدى بالنبوة عند اقتران المعجز الخارق للعادة بدعواه واقع لكل ~~عاقل بالضرورة فإنه إذا قال أنا رسول خالق الخلق إليكم ويعضد ذلك بما يعلم ~~أنه لا يقدر على إيجاده أحد من المخلوقين ولا يتمكن من إحداثه شئ ما ~~الحادثات علم أن مبدعه وصانعه ليس إلا مبدع العالم وصانعه وذلك عند كل لبيب ~~أريب منزل منزلة التصديق له بالقول على نحو ما ضربناه من المثال ومن جرد ~~نظره إلى هذا القدر من الاستدلال في الشاهد أيضا وجد من نفسه أن المدعى ~~صادق فى المقال وإن قطع النظر عن قرائن الأحوال PageV01P329 # ولهذا فإن من كان غائبا من مجلس الملك ولم يشاهد عرشه ولا حالة من ~~الأحوال لو نظر إلى مجرد هذا أوجب ذلك عنده التصديق والتحقيق من غير التفات ~~إلى شئ غيره # وأما ما ذكروه فى تطرق الكذب إلى حكم الله تعالى فتهويل ليس عليه تعويل ~~لكن من الاصحاب من قال فى الجواب إن إثبات الرسالة مما لا يفتقر إلى نفى ~~الكذب عن الله تعالى فى حالة الإرسال فإنه لا يتوقف تصحيح الرسالة على ~~الإخبار بأنه رسول فى الماضى حتى يصح أن يدخله الصدق والكذب بل ~~إظهارالمعجزة على يده واقترانها بدعوته ينزل منزلة الإنشاء لذلك والأمر به ~~وجعله رسولا فى الحال وهو كقول القائل وكلتك فى أمرى واستنبتك فى أشغالى ~~وذلك مما لا يستدعى تصديقا ولا تكذيبا # وهو غير مرضى فإن المعجزة لو ظهرت على يد شخص لم يسبق منه التحدى لم تكن ~~آية في النبوة ولا دليلا له فى الرسالة إجماعا فلو كان ظهور المعجزة على ~~يده ينزل منزلة الإنشاء للرسالة والأمر بالبعثة لوجب أن يكون مثل هذا هنا ~~وليس كذلك وإذا لم يكن بد من القول بالتحدى علم أن ذلك ليس ينزل منزلة ~~الانشاء المطلق بل لا بد فيه من الخبر لتصديقه فيما ms224 أخبر به أنه نبى ورسول ~~لضرورة اشتراط التحدى سابقا والتصديق بذلك والعلم به مع قطع النطر عن بيان ~~استحالة الكذب في حق الله تعالى محال # والذى يخمد تأثره هذا الإشكال ويقطع دابر هذا الخيال وإن كان عند الإنصاف ~~فى التحقيق عويصا هو أن يقال إن القول باستحالة الكذب فى حق الله تعالى مما ~~لا يستند إلى سمع ولا إلى التحسين والتقبيح وإن حصر مدرك ذلك في هذين باطل ~~بل المدرك فى ذلك أن يقال قد ثبت كون البارى تعالى عالما متكلما ~~PageV01P330 وأن كلامه فى نفسه واحد وذلك لا يقبل الصدق والكذب وإنما يقبل ~~ذلك من جهة كونه خبرا والخبرية له من جهة متعلقه لا غير فلو تعلق خبره بشئ ~~ما على خلاف ما هو عليه لم يخل إما أن يكون ذلك فى حالة الغفلة والذهول أو ~~مع العلم به فإن كان مع الغفلة فيلزم منه إبطال الدليل القاطع على كونه ~~عالما وإن كان ذلك مع العلم به على ما هو عليه فلا محالة ان تعلق الخبر بما ~~هو معلوم غير مستحيل بل واجب على نحو تعلق الإرادة والقدرة بمتعلقاتها كما ~~بيناه وعند ذلك فلو تعلق الخبر بالمعلوم على خلاف ما هو عليه لم يخل إما أن ~~يصح تعلق الخبر به على ما هو عليه أو لا يصح فإن لم يصح فهو محال وإن صح ~~لزم منه جواز تعلق الخبر بشئ واحد على ما هو به وعلى خلاف ما هو به وهو ~~محال إذ الخبر يستدعى مخبرا عنه إذ الخبر ولا مخبر محال وإذا استدعى مخبرا ~~فالواجب أن يكون متصورا فى نفسه فإن تعلق الخبر بمخبر غير متصور نازل منزلة ~~الخبر ولا مخبر وعند ذلك فلا يخفى أن المخبر عنه ههنا غير متصور إذ الجمع ~~بين الشئ ونقيضه محال فلا يتصور أن يقوم بنفس القائل الإخبار عنه فلو تعلق ~~خبر البارى تعالى بالشئ على خلاف ما هو عليه للزم منه هذا المحال وهو ممتنع ~~وهذا ظاهر لا مراء فيه ولا شبهة ms225 أو ظن يعتريه وإذا ثبت امتناع قيام الخبر ~~الكاذب بنفس البارى وأن إظهار المعجزة على يد النبى نازل منزلة الإخبار ~~بالتصديق فلو لم تكن دالة على وفق ما قام بالنفس من الخبر الصادق وإلا لما ~~كانت نازلة منزلة التصديق وهو ممتنع لما سبق # وأما ما ذكروه من جواز اطرادها وإظهارها على يد غيره أو يده فذلك مما لا ~~يقدح فى دلالتها على صدقه وأن اقترانها بدعوته وهى من قبيل الخوارق للعادات ~~نازل منزلة التصديق له فيما يقوله ويتحدى به بحيث تركن النفوس إليه وتطمئن ~~القلوب بما دعا إليه من غير مداخلة شك ولا ريب فإنه لم يتحد بأن معجزته مما ~~لا تطرد PageV01P331 ولا مما لا تظهر على يد غيره وإنما تحدى بما هو الخارق ~~واقترانه بدعوته ووقوعه على وفق مقالته وإرادته وذلك كما إذا قال أنا رسول ~~وآية صدقى نزول المطر فى هذه الحالة وليس ثم غيم ولا تصاعد أبخرة ولا علامة ~~دالة على نزول المطر فإنه إذا نزل المطر كان ذلك آية صدقه من حيث وقوعه على ~~وفق مقالته وعدم دخوله تحت قدرته وإن كان نزول المطر فى نفسه ليس بخارق ولا ~~نادر وكذلك الكلام فى حق كل من ظهر هذا الخارق على يديه مقترنا بالتحدى ~~فإنه يجب القول بتصديقه في قوله والأجابة لدعوته نعم ان تصور منه التحدى ~~والإخبار بأن آية صدقه أن ما ظهر على يده لا يظهر على يد غيره فإن معجزته ~~لا تتم إلا بعدم ظهور ذلك إلا على يده إذ الإعجاز ليس إلا فيه فإن ظهر على ~~يد غيره فإن ذلكم لا يكون آية على صدقه بل يتبين به كذبه فى مقالته # وأما الإشارة إلى عدم تمييز المعجزة عن الكرامات والسحر والطلسمات وغير ~~ذلك من الامور العجيبات فالجواب الإجمالى فيه هو أن ادعاء أن كل مقدور لله ~~تعالى مما يمكن تأتيه بهذه الأمور مما يعلم بطلانه بالضرورة فإن أحدا من ~~العقلاء لا يجوز انتهاء السحر والطلسم وغيره من الصنائع إلى فلق البحر ~~وإحياء الميت ms226 وإبراء الاكمه والأبرص # وإن قيل بالتفاوت فقد جوز من جهة العقل تصور تصديق للرسول بما لا يتأتى ~~من السحر ولا بغيره وهو ما وقع مقصودنا ههنا وليس تشوفنا إلا للفرق من جهة ~~التفصيل فيسدعى ذلك تحقيق المعجزة وبيان خواصها التى لا يشاركها فيها غيرها ~~فنقول PageV01P332 # المعجز فى الوضع مأخوذ من العجز وهو فى الحقيقة لا يطلق على غير البارى ~~تعالى لكونه خالق العجز وإن سمينا غيره معجزا كما فى فلق البحر وإحياء ~~الموتى فذلك إنما هو بطريق التجوز والتوسع من كونه سبب ظهور الإعجاز وهو ~~الإنباء عن امتناع المعارضة لا الانباء عن العجز عن الإتيان بمثل تلك ~~المعجزة كما يتوهمه بعض الناس فإن ذلك مما لا يتصور العجز عنه حقيقة فإن ~~دخلت تحت قدرته فالعجز عما لا يدخل تحت القدرة ايضا ممتنع فإن قيل إنه ~~معجوز عنه فليس إلا بطريق التوسع لا غير # وأما حقيقة المعجزة فهى كل ما قصد به ظهار صدق المتحدى بالنبوة المدعى ~~للرسالة فعلى هذا لا يجوز أن تكذب الرسول كما إذا قال أنا رسول وآية صدقى ~~أن ينطق الله يدى فلو نطقت يده قائلة إنه كاذب فيما يدعيه لم يكن ذلك آية ~~على صدقه لكن شرط ذلك أن المكذب مما يقع فى جنسه خرق العادة كما ذكرناه من ~~المثال وأما إن كان غير خارق للعادة فلا وذلك كما إذا قال آية صدقى إحياء ~~هذا الميت فأحياه الله وهو ينطق بتكذيبه فإنه لا يكون ذلك تكذيبا بل الواجب ~~تصديقه من جهة أن الإحياء خارق وكلام مثل ذلك إذا كان حيا غير خارق بخلاف ~~اليد وبه يتبين ضعف من لم يفرق بين الصورتين من الأصحاب # ولا يجوز أن تكون صفة قديمة ولا مخلوقة للرسول ولا عامة الوقوع بحيث ~~يستوى فيها البر والفاجر ولا أن تكون متقدمة على دعواه بأنى رسول وآيتى ما ~~ظهر على يدى PageV01P333 سابقا ولا متأخرا عنها الا أن تكون واقعة على ما ~~يخبر به عنها بأن يقول آية صدقى ظهور الشئ الفلانى فى وقت ms227 كذا على صفة كذا ~~فإن المعجزة إنما تدل على الصدق من حيث إنها تنزل منزلة الخطاب بالتصديق ~~وذلك لا يتم عند تحقق هذه الامور كما لا يخفى # بل لا بد وأن تكون خارقة للعادة مقترنه بالتحدى غير مكذبة له ولا متقدمة ~~عليه و لا متأخرة عنه إلا كما حققناه ولا يشكك فى منع تقدم المعجزة على ~~التحدى أن يقول آية صدقى أن فى هذا الصندوق المغلق كذا على كذا مع سبق ~~علمنا بخلوه عما اخبر به فانه إذا ظهر وإن جاز أن يكون مخلوقا لله قبل ~~التحدى فليس الإعجاز فى وجوده وإنما هو فى إخباره بالغيب # وإذا عرفت ما حققناه من المعجزة ووجود شرائطها فما سواها من الأفعال إن ~~لم يكن خارقا للعادة فلا إشكال وإن كان خارقا للعادة فإما أن يكون ذلك على ~~يدى نبى أو غير نبى فإن كان نبيا فلا إشكال أيضا وإن كان غير نبى بأن يكون ~~وليا أو ساحرا أو كاهنا أو غير ذلك فد اختلفت أجوبة المتكلمين ههنا # فذهبت المعتزلة وبعض الأصحاب إلى منع جواز ذلك على يدى من ليس بنبى ~~وقالوا لو جاز ظهور مثل ذلك على يدى من ليس بنبى أفضى ذلك إلى تكذيب النبى ~~وافترائه وألا نعرف النبى من غيره ولجوزنا فى وقتنا هذا وقوع ما جرى على ~~أيدى الانبياء من قبلنا وذلك يوجب لنا التشكك الأن فى كون البحر منفلقا ~~وانقلاب الموتى أحياء وذلك مما لا يستريب فى إبطاله عاقل PageV01P334 # وأما أهل التحقيق فلم يمنعوا من جواز إجراء مثل ذلك على يدى من ليس بنبى ~~لكن منهم من قال إن ذلك لا يقع إلا من غير إيثار واختيار بخلاف المجزة وذلك ~~كله مما لا نرتضيه فإنه ما من أمر يقدر من الأفعال الخارقة وغير الخارقة ~~إلا وهو مقدور لله تعالى أن يظهره على يدى من شاء من عباده على حسب إيثارة ~~واختيارة وإنكار ذلك يجر إلى التعجيز وإبطال كون الفعل مقدور لله تعالى وهو ~~مستحيل # ثم كيف ينكر وقوع مثل ms228 ذلك مع اشتهار ما جرى من قصة أصحاب الكهف وأمى موسى ~~وعيسى وما تم لهما من الآيات الغريبة والأمور العجيبة التى لم تجر العادة ~~بمثلها ولم يكونوا أنبياء إجماعا بل وما جرى للسحرة في أيام جرجيس وموسى ~~عليهما السلام وليس ذلك مما يفضى إلى تكذيب النبى إذ ليس شرط المعجزة إلا ~~يؤتى بمثلها وإلا لما جاز أن يأتى النبى بما أتى به الأول وهو خلاف ~~المذهبين بل شرطها أن تقع موقع التصديق له فيما يدعيه كما سلف # وما ذكروه من تجويز انخراق العادات فى زمننا فهو إنما يستحيل بالنظر إلى ~~العادات لا بالنظر إلى العقليات كما سبق تحقيقه فإذا الفرق المرضى ليس إلا ~~فى أن المعجزة واقعة على وفق الدعوى دون غيرها من الأفعال ولا افتراق ~~بينهما فى الجواز العقلى أو فى غير ذلك PageV01P335 # لم يبق إلا قولهم إن الاضلال على الله تعالى جائز وإظهار المعجزة على يد ~~الكاذب جائز أيضا وذلك أيضا موضع إشكال وقد أجاب عنه بعض الأصحاب فقال لو ~~توقف العلم بتصديقه على العلم بكون المصدق له غير قاصد للإغواء وعلى كونه ~~غير كاذب لوجب أن من حضر مجلس الملك وقد قام فيه واحد من عرض الناس فادعى ~~الرسالة ووقعت المعجزة له من الملك على النحو المفروض ألا يحصل له العلم ~~بصدقه مع قطع النظر عن كون الملك غير قاصد للإغواء وذلك مخالف للضرورة ~~ومكابر للبديهة وفيه نظر # فإذا السبيل فى الانفصال عن هذا الخيال أن يقال قد بينا أن إظهار المعجزة ~~على يده فى مقرن دعواه وحصولها على وفق مقالته ينزل منزلة التصديق بالقول ~~إنك صادق فيما تقول فلو كان الرسول كاذبا لكان المصدق له كاذبا وقد بينا ~~استحالة ذلك فى حق الله تعالى فهذا مع تقرير القول بأن مقصوده إنما هو ~~الإغواء وإلقاء الناس فى المضال والأهواء جمع بين النقيضين وذلك أنه إذا ~~ثبت استحالة الكذب فى حق الله تعالى وأن إظهار المعجزة على يده دليل على ~~تصديقه فى رسالته استحال كونه كاذبا مما لا ms229 معنى له إلا أنه رسول والجمع ~~بين كونه كاذبا أى ليس برسول وبين ما يدل على انه رسول مستحيل قطعا ~~PageV01P336 # وبهذا يتبين ضعف قول بعض الأصحاب بجواز ظهور المعجزة على يد الكذاب بل لو ~~قدر كذب من ظهرت المعجزة على يده من غير ما دلت المعجزة منه على صدقه لقد ~~كان ذلك بالنظر إلى العقل جائزا ولما كان وقوعه بالنظر إليه ممتنعا # وعند هذا فلا بد من التنيبه لدقيقة شدت عن مطولات الكتب وجهابذة ~~المتكلمين وهى أنه لو قال النبى آية صدقى ظهور جمل أو ناقة فى هذا الصندوق ~~أو هذه الصخرة وذكر من نعته وصفته مع سبق علمنا بعدم ذلك ثم ظهر على وفق ~~قوله ودعواه فعلى قولنا بجواز ظهور الخارق على يد من ليس بنبى يجوز ان يكون ~~قد أوتى بمخبر خبره قبل التحدى وعند ذلك فالخارق إنما هو علمه بذلك واطلاعه ~~عليه لا نفس خبره عند التحدى وبعد العلم به فإن ذلك ليس بمعجز وإلا كان كل ~~من أخبر عن ذلك بعد ما حصل له العلم به أن يكون خبره معجزا وهو هوس # وإذا لم يكن الخارق المعجز إلا ما قضى بجواز سبقه على التحدى فقد سبق إلى ~~فهم بعض المجوزين لذلك القاصرين عن الإحاطة بقواعد خواص المتكلمين أن ذلك ~~لا يكون آية ولا دليلا على الصدق ولا يعلم أن ذلك يجر إلى إبطال اعجاز ~~القرآن وجعله دليلا 129 أ مصدقا لتحقق هذا المعنى فيه بل ويلزم منه ابطال ~~سائر المعجزات لجواز أن يكون قد أعلم الله ذلك الشخص بأنه سيشق البحر فى ~~وقت كذا وسيقلب العصا حية إلى غير ذلك وأنى يكون ذلك والله تعالى بما منحه ~~من هذا لاطلاع الخارق والإحاطة بالمعجزة مع عمله بأنه سيتحدى ويستند فى ~~الاستدلال والإعجاز إلى ما أظفره به ينزل منزلة التصديق له بالقول وإن ~~تأخرت معرفة ذلك إلى حين وهل بين ذلك وبين ما لو كان حصوله مقارنا للدعوى ~~فرق فى هذا المعنى # نعم شرط ذلك ألا يكون هذا ms230 الخارق قبل التحدى قد ظهر للناس منه واشتهر عنه ~~PageV01P337 فإن إظهاره لهم عند دعوته لا ينزل فى نظر العقلاء منزلة ~~التصديق وهذا بخلافه إذ لم يكن ظهوره لهم على يده إلا مقارنا لدعوته ومن ~~نظر فيما قررناه بالتحقيق اندفع عنه خيال اشتراط عدم سبق المعجزة مطلقا فى ~~تنزيله منزلة التصديق # وما أشير اليه من إلزام إفحام الرسل فإنما يلزم أن لو قيل بوجوب الإمهال ~~فى النظر والاعتبار بالعبر وهو إنما يلزم المعتزلة حيث اعترفوا بوجوب ~~الامهال عند الاستمهال ولا محيص لهم عنه فأما على رأى أهل الحق فلا وأنى ~~يجب ذلك على من ظهر صدقه فى مقالته بالدلالات الواضحة والمعجزات الائحة لا ~~سيما وهو متصد للدعوة الشامخة والكلمة الباذخة وما فيها من صلاح نظام الخلق ~~والإرشاد إلى السبيل الحق الذى به يكون معاشهم فى الدنيا وحصول سعادتهم فى ~~الأخرى وإنما ذلك مبنى على فاسد أصول الخصوم فى التحسين والتقبيح وقد ~~أبطلناه بل ولو وقع الإلزام على أصلهم بقبح التأخر والإمهال فى النظر حيث ~~لم يرشدهم إلى المصالح ويحذرهم من المهالك ويعرفهم طريق السعادة ليسلكوها ~~ومفاوز المخافة ليرهبوها بعد ما ظهر صدقه واتضحت كلمته بالمعجزات القاطعة ~~والبراهين الساطعة لم يجدوا إلى دفع ذلك سبيلا # كيف وأن ما يجب النظر لأجله فالنبى قائم بصدده ومتكفل بأوده من تعريف ذات ~~البارى وصفاته وما يتعلق بأحكام الدنيا والأخرى ولهذا إذا فحص عن أحوال ~~الأنبياء والمرسلين وجدناهم فى الدعوة إلى الله تعالى و إلى معرفة وحدانيته ~~سابقين ولذلك على دعوى النبوة مقدمين # وعند ذلك فليس طلب الإمهال مع ما ظهر من صدق الرسول ودعوته إلى ما فيه ~~صلاح نظام المدعو مع إمكان وقوع الهلكة على تقدير التأخر إلا كما لو قال ~~الوالد لولده مع ما عرف من شفقته وحنوه ورأفته إن بين يديك فى هذا الطريق ~~سبعا PageV01P338 أو مهلكة وإياك وسلوكه وكان ذلك فى نفسه ممكنا فقال الولد ~~لا أمتنع من ذلك ما لم أعرف السبع أو المهلكة لقد كان ذلك مه فى نظر أهل ms231 ~~المعرفة يعد مستقبحا ومخالفا للواجب ولو لم ينته فهلك كان ملوما مذموما غير ~~معذور # وأما ما ذكروه من قبح البعثة إلى من علم الله أنه لا يؤمن فهو أيضا مبنى ~~على أصلهم فى التلكيف لما لا يطاق والقبح والحسن وقد أفسدناه # ثم يلزم الصابئة الملتزمين لتصديق شيث وإدريس ومن التزم من البراهمة ~~بتصديق آدم وابراهيم المنع من إحالة تصديق غيرهم من المرسلين فإنه مهما وجد ~~دليل يدل على صدق بعض المخبرين بطريق اليقين لم يمتنع وجود مثل ذلك فى حق ~~غيره أيضا # وما انفردت به التناسخية فهو فرع أصلهم فى التناسخ وقد أبطلناه وعند ذلك ~~فلا بد من معرف يعرف بالطرق الجيدة والأحوال السديدة التى يتعلق بها صلاح ~~الخلق فى مآلهم فإن ذلك مما لا يعرف العقل إذ الافعال مما لا تقبح ولا تحسن ~~لذواتها حتى يسبق العقل بدرك الصالح والفاسد منها بل لعل العقل قد يقبح مع ~~النفس بغض الأفعال التى تحصل بها الملاذ وتتعلق بها الأغراض إذا قطع النظر ~~عما يتعلق بها من الملاذ # ثم العبد إذا انتهى إلى العالم العلوى أو السفلى جزاء على فعله فما يفعله ~~فى حالة خسته أو في حالة رفعته مما يوجب اقتضاء زيادة فى حاله يبقى مما لا ~~مقابل له لانتهائه فى درجة الثواب إلى ما لا درجة للثواب بعدها وكذلك فى ~~درجة العقاب أيضا وهو مما يفضى إلى PageV01P339 تعطيل طاعة من هو فى الدرجة ~~العليا عن الثواب ومعصية من هو فى الدرجة السفلى عن العقاب وهو مما يقبح ~~على موجب اعتقاداتهم ولا محيص عنه # ولا يتخيلن أن إنكار الرسالة مما يستدعى الإقرار بها من جهة الخبر عن ~~الله تعالى بأن لا إرسال ولا رسول كما ظن بعض الأصحاب إذ الخير بذلك ونفيه ~~إنما يستند عندهم إلى الدليل العقلى لا إلى التوقيف السمعى وذلك لا يلزم ~~منه الاعتراف بالرسالة أصلا إلى غير ذلك من قضايا العقول # فإذا قد تنخل من مجموع ما ذكرناه عند النظر اللبيب والفهم الأريب جواز ~~الارسال وامتناع لزوم ms232 المحال وسيتضح ذلك زيادة إيضاح ببيان وقوعها بالفعل ~~إن شاء الله تعالى PageV01P340 # | 2 الطرف الثانى # فى بيان وقوعها بالفعل واثبات معرفتها بالنقل # ومن ثبتت نبوته واشتهرت رسالته بالمعجزات والدلالات القطعيات أكثر من أن ~~يحصى ولنقتصر من ذلك على إثبات نبوة سيد الأولين والآخرين وخاتم المرسلين ~~محمد صلى الله عليه وعلى آله اجمعين إذ الطوائف على إنكار بعثته متفقون وفى ~~مآخذهم مختلفون # فرب من أنكر رسالته بمجرد القدح في معجزاته والطعن فى آياته كالنصارى ~~وغيرهم من المعترفين بجواز نسخ الشرائع وبعثة الرسل # ورب من أنكر رسالته لاعتقاده إحالة نسخ الشرائع وتبدل الذرائع كبعض ~~اليهود لكن منهم من أحال ذلك عقلا كالشمعنية ومنهم من أحاله سمعا كالعنانية ~~ولم يوافق أهل الإسلام على كونه نبيا غير العيسوية فإنهم معترفون برسالته ~~لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة # والذى يدل على صحة رسالته وصدقه فى دعوته ما ظهر على يده من المعجزات ~~والآيات الباهرات PageV01P341 # فمن جملتها القرآن المجيد الذى @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ فإن من نظر بعين الاعتبار وله قدم راسخ فى ~~الاختبار اعلم أن القرآن من أظهر المعجزات وأبلغ ما تخرق به العادات وأن ~~ذلك مما لا يدخل تحت طوق البشر ولا يمكن تحصيله بفكر ولا نظر لما اشتمل من ~~النظم الغريب والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من الاوزان والأساليب ~~مع الجزالة والبلاغة وجمع الكثير من المعانى السديدة في الألفاظ الوجيزة ~~الرشيقة وإليه الاشارة بقوله عليه السلام أوتيت جوامع الكلم واختصرت لى ~~الحكمة اختصارا وذلك كما دل على وحدانيته وعظم صمديته والإرشاد لمن ضل إلى ~~معرفته بقوله @QB@ يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل @QE@ فانه ~~بينة على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته وأنه مقدور بقدرته وإلا فلو ~~كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف # ومما كثرت معانيه وقل لفظه على أتم بلاغة وأحسن فصاحة قوله تعالى @QB@ خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ فإنه مع قلة ms233 ألفاظه ورطوبتها قد ~~دل على العفو عن المذنبين وصلة القاطعين وإعطاء المانعين وتقوى الله وصلة ~~الأرحام وحبس اللسان وغض الطرف وغير ذلك من المعانى # ومن أراد زيادة الاختبار فعليه بالاعتبار والنظر فى مجمله ومفصله ومحكمه ~~ومتشابهه PageV01P342 فإنه يجد فى طى ذلك العجب العجاب ويحقق بما أمكنه من ~~إدراكه إعجازه لذوى العقول والألباب وان أبلغ وأحسن ما نطقت به بلغاء العرب ~~من ذوى الأحساب والرتب المختصين من بين الأمم المميزين عن سائر أصناف العجم ~~بما منحهم الله تعال به من اللسان العربى المبين إذا نسبه إلى الكلام ~~الربانى واللفظ اللاهوتى وجد النسبة بينهما على نحو ما بين اللسان العربى ~~والأعجمى ولعلم من نفسه ما اشتمل عليه من الإعجاز والبلاغة والايجاز وإن ~~ذلك مما تتقاصر عن الاتيان بمثله أرباب اللسان وتكل عن معارضته الانس ~~والجان @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ # فإنك ألا ترى إلى فصيح قول العرب فى معنى ارتداع سافك الدم بالقتل القتل ~~أنفى للقتل وفى قوله تعالى @QB@ في القصاص حياة @QE@ وما بينهما من الفرق ~~فى الجزالة والبلاغة والتفاوت فى الحروف الدالة على المعنى ومن كان أشد ~~تدربا ومعرفة بأوزان العرب ومذاهبها فى اللغات وأساليبها في العبارات كان ~~أشد معرفة بإعجاز القرآن وأسبق إلى التصديق والإيمان كما أن من كانت معرفته ~~بعلم الطبيعة فى زمن إبراهيم وعلم السحر فى زمن موسى والطب فى زمن عيسى أشد ~~كان أشد معرفة بالإعجاز وأسبق للتصديق والقبول لما جاء به الرسول # كيف والعرب مع شدة بأسها وعظم مراسها ومنعتهم عن أن يدخلوا فى حكم حاكم ~~ونبوتهم عن أن يقبلوا رسم راسم منهم من أجاب بالقبول وأذعن بالدخول ومنهم ~~من نكل عن الجواب واعتضد بالقبائل والأصحاب ولم يرض غير القيل والقال ~~والحرب والنزال فاستنزل بالعنف عن رتبته وأخذ بالقهر مع نبوته فلو أن ذلك ~~مما لهم سبيل إلى PageV01P343 معارضته أو إبداء سورة فى مقابلته مع أنهم ~~أهل اللسان وفصحاء الزمان لقد كانوا ms234 يبالغون فى ذلك ما يجدون إليه سبيلا ~~لإفحام من يدعى كونه نبيا أو رسولا إذ هو أقرب بالطرق إلى إفحامه وأبلغها ~~فى دحره وانحسامه وادراء لما ينالهم فى طاعته ومخالفته من الأوصاب وكفا لما ~~يلحقهم فى ذلك من الأنصاب وخراب البلاد ونهب الأموال واسترقاق الأولاد # لا سيما وقد تحدى بذلك تحدى التعجيز عن الاتيان بمثله فقال فأتوا بكتاب ~~مثله بل بعشر سور من مثله بل سورة واحدة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا إلا أن ~~منهم من وقف على معجزته وعرف وجه دلالته فواحد لم يسعه إلا الدخول فى ~~الإيمان والمبادرة إلى الاذعان وواحد غلبت عليه الشقاوة واستحكمت منه ~~الطغاوة فخذل بذنبه ونكص على عقبه وقال @QB@ أبشرا منا واحدا نتبعه @QE@ ~~@QB@ إن هذا إلا سحر مبين @QE@ # ومنهم من حمله فرط جهله وقصور عقله على المعارضة والإتيات بمثله كما نقل ~~من ترهات مسيلمة فى قوله الفيل والفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب طويل ~~وخرطوم وثيل وقوله والزارعات زراعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا إلى غير ~~ذلك من كلامه ولا يخفى ما فى ذلك من الركاكة والفهاهة وما فيه من الدلالة ~~على جهل قائله وضعف عقله وسخف رأيه حيث ظن أن هذا الكلام الغث الرث الذى هو ~~مضحكة العقلاء ومستهزأ الأدباء معارض لما أعجزت الفصحاء معارضته واعيه ~~الألباء مناقضته من حين البعثة إلى زماننا هذا PageV01P344 # بل لو نقر العاقل على ما فيه من الإخبار بقصص الماضين وأحوال الأولين على ~~نحو ما وردت به الكتب السالفة والتواريخ الماضية مع ما عرف من حال النبى ~~صلى الله عليه وسلم من الأمية وعدم الاشتغال بالعلوم والدراسات بل وما فيه ~~من الإخبار عما تحقق بعد ما أخبر به من الغائبات كما فى قوله تعالى @QB@ قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ وقوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام @QE@ وقوله ~~@QB@ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها @QE@ وقوله @QB@ الم غلبت الروم في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون @QE@ لقد كان ذلك ms235 كافيا له فى معرفة ~~إعجاز القرآن وصادا له عن المكابرة والبهتان # ومن جملة آياته ومعجزاته الظاهرة حنين الجذع اليابس إليه وسلام الغزالة ~~عليه وكلام الذراع المسموم له وتسبيح الحصى فى يده ولا محالة أن هذه كلها ~~من الخوارق للعادات وليست مما يدخل تحت وسع شئ من المخلوقات وانه نبى @QB@ ~~وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ PageV01P345 # وللخصوم على ما ذكرناه أسئلة # السؤال الأول # أنهم قالوا ما ذكرتموه من كون القرآن معجزا لا بد من أن تثبتوا بطريق ~~قطعى يقينى أنه مما ظهر على يده واقترن بدعوته اقتران التصديق والا فلا ~~نأمن أن ذلك من خلق الأولين أو تخرصات المتأخرين # ثم إن ذلك ولو كان مسلما فلا بد أن تبينوا وجه الإعجاز فيه وذلك يتعذر من ~~جهة أن القرآن قد يطلق بمعنى المقروء وقد يطلق بمعنى القراءة فإن كان ~~المقروء هو المعجز فذلك عندكم صفة قديمة قائمة بذات الرب تعالى والصفة ~~القديمة يستحيل أن تكون معجزا إذ لا اختصاص لها بحادث دون حادث وإن كان ~~المعجز هو القراءة التى هى فعله وكسبه فليست معجزة فانها لا تنزل منزلة ~~التصديق له فيما يقوله كما سلف # وأما ما ذكرتموه من وجه إعجازه فى النظم والبلاغة والفصاحة فأنتم فى ذلك ~~مختلفون فقائل إن المعجز هو النظم دون الفصاحة وقائل الفصاحة دون النظم ~~وقائل إن المعجز فيه صرف الدواعى عن الإتيان بمثله وقائل إن المعجز فيه هو ~~المجموع وهذا الاختلاف مما يوجب خفاء الاعجاز فيه والمعجز يجب أن يكون وجه ~~إعجازه ظاهرا بالنسبة إلى جل من هو معجزة بالنظر إليه ودليل عليه ظهورا لا ~~يكون فيه شك ولا ريبة # وما ذكرتموه من عجز بلغاء العرب عن مقابلته وكلالهم عن معارضته فإنما ~~يتحقق PageV01P346 أن لو ثبت أنه تحدى عليهم به ومنعهم من الإتيان بمثله ~~وذلك غير معلوم فلا بد من إثباته ثم ولو ثبت أنه تحداهم به فما الذى يؤمننا ~~من أن المعارضة وقعت واتفقت الأهواء على دفعها وإبطالها أو صرف الله دواعى ~~الخلق ms236 عن نقلها وأنساهم إياها أو أن خوف السيف منعهم من إظهارها أو أنهم لم ~~يتعرضوا بالمعارضة لإعراضهم عن النظر فى أن ذلك مما يوجب إفحامه وإبطال ~~دعوته أو أن إعراضهم كان قصدا لإهانته وإخماله بترك معارضته أو لاعتقادهم ~~أن السيف والسنان أقرب إلى إخماد ثائرته وإطفاء جمرته من الاتيان بمعارضته ~~والتطويل فى محاورته وإلا فكيف يعجزون عن الاتيان بمثله وهو غير خارج عن ~~حروف المعجم التى يتكلم بها العرب والعجم والأمكن والألسن # كيف وإنه ما من أحد إلا وهو قادر على أن يأتى منه بالكلمة والكلمات ~~والآية والآيات ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على كله لكن غاية ما يقدر ~~أنه يتميز عليهم بنوع فصاحة وجزالة وذلك غير مستحيل إذ التفاوت فيما بين ~~الناس في ذلك واقع لا محالة وليس له حد يوقف عنده إذ ما من فصيح إلا ولعل ~~ثم من هو أفصح منه فغير ممتنع أن تنتهى الفصاحة فى حق شخص إلى حد يعجز عن ~~الإتيان بمثله وذلك لا يوجب جعله نبيا وإلا للزم أن من كان دونه فى الدرجة ~~أن يكون نبيا وكلامه معجزا بالنسبة إلى من هو دونه وأن يكون هو متبوعا ~~بالنسبة إلى من هو دونه وتابعا بالنسبة إلى من هو أفصح منه PageV01P347 # ثم إنه يمتنع أن يكون معجزا من وجهين الوجه الأول أنه من الجائز أن يكون ~~ذلك قد حصل له قبل التحدى بالنبوة وادعاء الرسالة ولم يظهر عليه فإنه لا ~~مانع على أصلكم من إجراء الخوارق على يد من ليس بنبى وعلى تقدير جواز تقدمه ~~على التحدى يخرج عن أن يكون دالا على صدقه من حيث إن المعجزة لم تدل إلا من ~~جهة أنها نازلة منزلة التصديق بالقول وذلك لا يكون إلا مع وجودها عند ~~الدعوى لا قبلها كما سبق وليس إظهار ذلك عند الدعوى خارقا كما فى الإحياء ~~وشق البحر ونحوه بل هو محض تلاوة وتكرار ولا افتراق فيه بين إنسان وإنسان ~~وإنما الخارق إظهاره إليه وإطلاعه عليه ومع جواز سبقه ms237 يمتنع أن يكون دالا ~~على صدقه # والوجه الثانى أن من حفظه ومضى به إلى أهل بلد لم تبلغهم الدعوة ولم ~~يسمعوا بمثله ولا بمن ورد على يده فتحدى به عليهم فلا بد من أن يوجب ~~التصديق أو التكذيب فإن أوجب التصديق فهو معلوم كذبه وأن أوجب التكذيب مع ~~ما ظهر لهم على يده من الخارق أفضى إلى إفحام الرسل وإبطال المجزات وظهور ~~الآيات ولذلك لا سبيل إلى القول بمثل ما ينقل ويحفظ أن يكون معجزا دالا على ~~صدق الرسالة بل المعجزات يجب ان تكون كشق البحر وإحياء الموتى وقلب العصا ~~حية إلى غير ذلك مما لا سبيل إلى ظهوره على يد غير نبى # فإذا قد ثبت انه لا إعجاز في القرآن ثم ولو كان معجزا بناء على كونه ~~خارقا لوجب أن يكون ما ظهر من العلوم الرياضية كالهندسية والحسابية معجزا ~~وأن يجب التصديق لمن أتى به عند تحديه بالرسالة ودعواه للنبوة وهو محال ~~PageV01P348 # وما ذكرتموه من تسبيح الحصى وانشقاق القمر وتكليم الغزالة وحنين الجذع ~~ونحو ذلك فآحاد هذه الامور غير معلومة ولا منقولة بطريق التواتر وإنما هى ~~مستندة إلى الآحاد وهى مما لا سبيل إلى التمسك بها فى القطعيات و إثبات ~~النبوات # وزادت العنانية على هؤلاء فقالوا قد ثبت أن موسى الكليم كان نبيا صادقا ~~بما ظهر على يده من شق البحر وقلب العصا حية وبياض يده إلى غير ذلك وقد نقل ~~عنه بالتواتر خلق عن سلف أنه قال لقومه هذه الشريعة مؤبدة عليكم لازمة لكم ~~ما دامت السموات والأرض فقد كذب كل من أدعى نسخ شريعته وتبديل ملته فلو ~~قلنا إن محمدا كان نبيا وإن شرعه ناسخ بطريق الصدق للزم أن يكون موسى ~~الكليم فيما قاله كاذبا وهو محال # وزادت الشمعنية على العنانية بأن قالوا لو جاز أن يكون محمد نبيا لجاز ~~القول بنسخ الشرائع والنسخ فى نفسه محال فإنه اذا أمر بشئ فذلك يدل على ~~حسنه وكونه مرادا وأن فيه مصلحة فلو نهى عنه انقلب الحسن قبيحا والمصلحة ms238 ~~مفسدة وما كان مرادا غير مراد ويلزم من ذلك البداء والندم بعد الأمر والطلب ~~وهو ممتنع فى حق الله تعالى ثم إن مدلول النسخ فى الوضع ليس إلا الرفع وذلك ~~لا سبيل إلى تحققه فيما أمر به ونهى عنه فإنه أما أن يكون الرفع لما وقع أو ~~لما لم يقع فإن كان لما وقع فهو محال وإن كان لما لم يقع فرفع غير الواقع ~~محال أيضا كما وقع فى الواقع PageV01P349 # وأما العيسوية منهم فإنهم قالوا سلمنا ظهور المعجزات على يده واقترانها ~~بدعوته لكنه إنما ادعى الرسالة للعرب خاصة لا إلى الأمم كافة فلا بد لبيان ~~عموم دعواه من دليل قاطع ولا سبيل إليه # والجواب عن كلمات أهل الزيغ عن الصواب # أما إنكار ظهور القرآن على يده واقترانه بدعوته فمما لا سبيل إليه إلا فى ~~حق من رفع نقاب الحياء عن وجهه وارتكب جحد الضرورة الحاصلة من أخبار ~~التواتر بذلك فإن ما من عصر من الأعصار ولا قطر من الأقطار إلا والناس فيه ~~بأسرهم مطبقون الموافقون والمخالفون على أن ذلك مما لم يظهر إلا على يده ~~ولا صدر إلا من جهته واستقر ذلك فى الأنفس على نحو استقرار العلم بالملوك ~~الماضية والأمم السالفة والبلاد النائية فمن تفوه بإنكاره فقد ظهرت مخازيه ~~وسقطت مكالمته وكان كمن أنكر وجود مكة وبغداد ووجود من اشتهر من هؤلاء ~~العباد ونحو ذلك وبه يندفع تشكيك من شكك على نفى العلم الحاصل بالأخبار ~~الواردة على لسان الجمع الكثير والجم الغفير بأن ما من واحد إلا والكذب فى ~~حقه ممكن وحصول العلم بخبره ممتنع وذلك لا ينتفى عنه بسبب انظمامه إلى من ~~هو مثله فى الرتبة ولا حاجة إلى الإطناب # وأما جواز الإعجاز من جهة القراءة والمقروء فتهويل لا حاصل له فإنا لا ~~نقول PageV01P350 # إن المعجز هو الصفة القديمة القائمة بذات الرب تعالى ولا ما يتعلق من ~~القراءة بكسب القارئ بل وجه الإعجاز فيه قد يتقرر من وجهين # فتارة نقول إن المعجز هو إظهار ذلك المقروء القائم بالنفس ms239 على لسان ~~الرسول بما خلق الله من العبارات الدالة عليه فلا يكون كلامه الدال هو ~~المعجز ولا المدلول بل إظهار ذلك المدلول بكلامه عند تحديه بنبوته ولا ~~محالة أن ذلك مما يتقاصر عن تحصيله أرباب الفكر ويكل دونه حذاق أهل النظر ~~وذلك كما ذكرناه فى قضية المتحدى باظهار ما فى الصندوق ونحوه # وتارة نقول إن المعجز هو هذه العبارات وهذه الكلمات من جهة ما اشتملت ~~عليه من الفصاحة والبلاغة والنظم المخصوص وذلك مما لا يدخل تحت قدرة النبى ~~ولا هو متوقف على إرادته بل هو مقدور ومخلوق لله تعالى وما هو مقدور له ~~ومتعلق كسبه فليس إلا حفظه وتلاوته ونسبته إليه كنسبته إلينا فإنا نعلم من ~~أنفسنا عند قراءته والشروع فى تلاوته أن ما هو متعلق كسبنا منه ليس إلا ~~القراءة والتلاوة دون النظم والبلاغة وما اشتمل عليه من الفصاحة لكن لما ~~اختص بإظهار ذلك على لسانه بطريق الوحى عن ربه مقارنا لدعوته وكان ممن تكل ~~عن الإتيان بمثله قوى البشر ويعجز عن معارضته ذوو القدر كان ذلك دليلا على ~~صدقه كما سلف # ومن صفت فطرته واشتدت قريحته وكان ناظرا أريبا علم أن ما من آية من ~~القرآن إلا وهى لما اشتملت عليه من النظم البديع والترتيب البليغ والمعنى ~~معجزة وأنه من عند رب العالمين وعلى قدر سلامة الفطر وصحة النظر يقع ~~التفاوت PageV01P351 # بين الناظرين فى إعجاز القرآن العظيم فرب شخص يكون عنده بالنظر إلى نظمه ~~وحده معجزة و بالنظر إلى بلاغته معجزة ورب شخص يكون الإعجاز عنده من ~~الأمرين وعلى هذا التفاوت يكون الاختلاف بين الآية والسورة والكتاب برمته ~~فى الاعجاز فالخفاء إن وقع فى إعجازه بالنسبة إلى نظمه أو بلاغته أو بالنظر ~~إلى آيه وسوره فلا خفاء بأن مجموع ذلك يكون خارقا معجزا ولا اختلاف فيه عند ~~القائلين به # وأما إنكار تحديه بالقرآن للعرب وإفحامه ذوى الأدب فهو أيضا مما علم ~~بالضرورة والنقل المتواتر كما علم وجوده وظهور القرآن على يده ولا حجة ~~لإنكاره كيف والقرآن مشحون بقوارع ms240 من الآيات دالة على التحدى ونعى العرب ~~مثل قوله @QB@ فأتوا بكتاب من عند الله @QE@ @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ ~~وقوله @QB@ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله @QE@ إلى غير ذلك من الآيات فكيف يقال بإنكار وقوع التحدى # ثم ما من آية من هذه الآيات الا وهى منقولة على لسان التواتر وهو سواء فى ~~سائر الآيات وذلك مما يمتنع معه القول بكونها مؤلفة بعد النبى عليه السلام ~~أو أنها مجمعة لغيره من الأنام فإذا ثبت تحديه به العرب وأرباب الفضل منهم ~~والأدب فلو وقعت المعارضة منهم لاشتهر ذلك ولتوفرت الدواعى على نقله كما ~~توفرت على نقل غيره إما على لسان الموافق أو المخالف إذ السكوت عن مثل هذا ~~والتواطؤ على تركه مما تقضى العادة الجارية PageV01P352 بإحالته والمدعى ~~لذلك ليس هو فى ضرب المثال إلا كمن يدعى ظهور نبى آخر بعد النبى عليه ~~السلام أو وجود إمام قبل الأئمة الأربعة أو أن البحر نشف فى بعض الأوقات أو ~~الدجلة أو الفرات ولا يخفى ما فى ذلك من الإبطال # ولا يمكن أن يكون خوف السيف مانع من نقل ذلك وإظهاره فى العادة كما لم ~~يمنع دعوى المعارضة فى كل زمان وإن كان ذلك لما فى القرآن بل الواجب بالنظر ~~إلى العادات ومقتضى الطباع النقل لمثل ما هو من هذا القبيل ولو على سبيل ~~الإسرار كما قد جرت به عادة الناس في التحدث بمساوئ ملوكهم وإظهار معايبهم ~~وإن كان خوف السيف قائما فى حقهم لا سيما وبلاد الكفار متسعة وكلمة الكفر ~~فى غير موضع شائعة فلو كان ذلك مما له وقوع قد أشيع كما أشيع غيره مما ليس ~~بموافق للدين ولا يتقبله أحد من المسلمين # ولا جائز أن يقال إن ترك المعارضة محمول على الإهمال أو على الغفلة عن ~~كون المعارضة موجبة للإفحام أو على اعتقاد ان السيف أبلغ فى دحره وردعه ~~وإبطال جعوته فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد كان يقرعهم بالعى ويردد ~~عليهم تعجيزهم فى الأحياء ms241 ويقول @QB@ فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم ~~من دون الله @QE@ مع أن العرب قد كانت فى محافلها تتفاخر بمعارضة الركيك من ~~الشعر وتتناظر فى مجالسها بمقابلة السخيف من النثر ولا محالة أن القرآن فى ~~نظر من له أدنى ذوق من العربية وأقل نصاب من الأمور الأدبية لا يتقاصر عن ~~فصيح أقوال العرب وبديع فصولهم فى النظم PageV01P353 والنثر بل والخطب فكيف ~~يخطر بعقل عاقل أو يتوهم واهم أن العرب مع ما أتوه من العقل الغزير ومن حسن ~~التصرف والتدبير تتاركوا معارضة القرآن إخساسا به وإهمالا أو لغفلتهم أن ~~ذلك مما يدفع الضرر عنهم أو لأن السيف أنجع واوقع لهم مع ما كان المسلمون ~~عليه من شدة البأس وعظم المراس والقوة الباهرة والعزمة الحاضرة والنصرة ~~الحاصرة وهم يمكنهم دفع ذلك كله بفصل أو سورة يقولها واحد منهم إن هذا لهو ~~الخسران المبين # ولا ننكر أن هذه المثلات ووقوع هذه الاحتمالات بالنظر إلى العقل و إلى ~~ذواتها ممكنات لكنها كما اوضحناه بالنظر إلى العادة من المستحيلات ولا يلزم ~~أن ما كان ممكنا باعتبار ذاته أن لا يلزم المحال من فرض وجوده أو عدمه ~~باعتبار غيره كما حققناه فى غير موضع من هذا الكتاب ثم إن هذه الاحتمالات ~~إن كان الخصم كتابيا فهى أيضا لازمة له فى إثبات نبوة من انتمى إليه والقول ~~بتصحيح رسالة من اعتمد عليه وذلك كالنصارى واليهود وغيرهم من أهل الجحود ~~فما هو اعتذاره عنها هو اعتذارنا عنها ههنا # ولا يلزم من كون القرآن مركبا من الحروف والأصوات أن لا يكون خارقا ولا ~~معجزا لما بيناه من اشتماله على النظم البديع والكلام البليغ الذى عجزت عنه ~~بلغاء العرب وفصحاؤهم وقدرة بعض الناس على الإتيان بما شابه منه كلمة أو ~~كلمات لا توجب القدرة على ما وقع به الإعجاز وإلا كان لكل من أمكنه الإتيان ~~PageV01P354 بكلمة أو كلمتين من نظم أو نثر أن يكون شاعرا ناثرا وأو لا يقع ~~الفرق بين الألكن والألسن ولا يخفى ما فى ذلك من العبث والزلل ms242 فإنا نحس من ~~أنفسنا العجز عن بعض ما نقل عن فصحاء العرب من نظم أو نثر وإن كنا لا نجد ~~أنفسنا وقدرنا قاصرة عن الإتيان منه بكلمة أو كلمات بل وليس هذا إلا نظير ~~ما لو قيل بوجوب كون الجبل مقدورا حمله بالنسبة إلينا لكون بعضه مقدورا إذ ~~هو زيف وسفسطة ثم ولو كان ذلك مقدورا لهم لقد بادروا إلى الإتيان به ~~وسارعوا إلى دفع ما تحدى به على ما سلف # لكن لا ننكر أن من مقدورات الله تعالى أن يظهر على يد غيره ما يعجز عن ~~الإتيان بمثله وتكون نسبته إلى هذا المعجز كنسبة هذا المعجز إلى غيره من ~~الكلام وأن ذلك لو ظهر لكان مبطلا لرسالته أن لو كان التحدى بأنه لا سبيل ~~إلى الإتيان بمثله لا أن يكون التحدى بإظهار ما هو خارق للعادة على يده فقط ~~أى لم يعهد له فى العادة قبل ذلك مثال كما سبق تحقيقه وكذا الكلام فيما هو ~~دونه بالنسبة إليه أيضا # وأما منع جواز دلالته على الصدق بناء على جواز تقدمه على الدعوى فقد سبق ~~وجه إبطاله فيما مضى فلا حاجة إلى إعادته # وأما ما فرض من جواز تحدى من حفظه على أهل بلد لم تبلغهم الدعوة فمجرد ~~ظهوره على يده غير كاف مهما لم يعلم بطريق قطعى أن ذلك مما لم يظهر على يد ~~غيره وغاية ما فى الباب أنهم لو علموا ظهور ذلك على يد غيره فذلك لا يوجب ~~العلم بعدم ظهوره على يده هو لكن لعله لو تلاه عليهم لقد علم أنه مما لم ~~يظهر على يده من جهة اشتماله على شرح أحوال وأمور وأحكام اختصت بأسباب ~~ووقائع حدثت فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم PageV01P355 لو ذكرت بالنسبة ~~إلى غيره لقد كان في نفسه يعد لغوا من القول وسفها من الكلام ولا كذلك فى ~~حق النبى عليه السلام فإنه قد علم من جهة القطع أن ذلك مما لم يظهر على يد ~~غيره بناء على ما احتف به ms243 من القرائن القطعية والأمور اليقينية من نزوله ~~على وفق أحوالهم ومطابقته لأقوالهم وذلك كما قى قصة براءة عائشة وذم أبى ~~لهب وما ورد من الآيات في يوم بدر وأحد إلى غير ذلك مما يمتنع تصوره عند ~~كونه كاذبا فى دعواه بل البارى تعالى يطبع على قلبه وعقله ويختم على لسانه ~~بحيث لا يتمكن من إبيانه والتحدى به أصلا # وأما غيره من الكتب الغريبة والأمور العجيبة من الرياضيات والهندسيات ~~والحسابيات والأمور التى لا يمكن الإتيان بمثلها فقد قيل إن مستند إظهارها ~~وسبب اشتهارها ليس إلا من النبيين والمرسلين وغاية ما زيد فيها تتميم ~~وترتيب ولو قدر أنها مما لم يظهر على يدى نبى فلا إحالة فى ذلك لما سلف ~~وعند التحدى بها وثبوت كونها خارقة يجب القول بالتصديق والقبول بالتحقيق ~~لكون ما ظهر على يده نازلا منزلة التصديق له بخلق الله تعالى له ذلك على ~~يده واقترانه بدعوته كما سبق # ثم إن ذلك لازم للخصم إن كان كتابيا بالنسبة إلى ما ظهر على يد نبيه من ~~المعجزات والآيات ولا مخلص له منه # وما قيل من آحاد المعجزات التى أشرنا إليها من انشقاق القمر وتسبيح ~~PageV01P356 الحصى ونحوه لم يثبت بطريق متواتر فبعيد فإنا نعلم ضرورة أن ما ~~من عصر من الأعصار إلا وأصحاب الأخبار وأرباب الآثار وأهل السير والتواريخ ~~قوم لا يتصور منهم التواطؤ على الكذب عادة وهم بأسرهم متفقون على نقل آحاد ~~هذه الأعلام وكذا في كل عصر إلى الصدر الأول # ثم ولو سلم ذلك فى الآحاد فلا محالة أن عموم ورودها يوجب العلم بصدور ~~المعجزات عنه وظهور الخوارق عنه جملة كما نعلم بالضرورة شجاعة عنتر وكرم ~~حاتم لكثرة ما رواه النقلة عنهما من أحوال مختلفة تدل على كرم هذا وشجاعة ~~هذا وإن كان نقل كل حالة منهما نقل آحاد لا نقل تواتر # وأما الرد على العنانية فيما تقولوه وإبطالهم فيما تخرصوه فهو أنهم مع ~~عجزهم عن صحة السند فى متن الحديث مختلفون فإن منهم من قال الحديث هو قوله ~~إن ms244 أطعتمونى لما أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السموات والأرض ~~وليس فى ذلك ما يدل على دوام الملك فليس ذلك ينافى النسخ ثم هو مشروط ~~بطاعته والائتمار بمأموراته والإنتهاء عن منهياته وذلك مما لا يتحقق فى ~~حقهم بعده ثم وإن قدر أن المنقول هو قوله هذه الشريعة لازمة لكم خاتمة ~~عليكم PageV01P357 فلا مانع من أن يكون ذلك مشروطا بعدم ظهور نبى آخر ويكون ~~هو المراد باللفظ ومع تصور هذا الاحتمال فلا يقين # وأما استبعاد أن يكون الشئ الواحد حسنا قبيحا طاعة معصية مصلحة مفسدة ~~مرادا غير مراد فقد أشرنا إلى إبطال مستند هذه الأصول ونبهنا على زيف جميع ~~هذه الفصول من التحسين والتقبيح ورعاية الصلاح والأصلح ودلالة الأمر على ~~الإرادة بما فيه مقنع وكفاية # ثم إنه لا يبعد صدور الأمر من الله تعالى نحو المكلفين بفعل شئ مطلقا فى ~~وقت ويكون ذلك ممدودا فى علم الله إلى حين ما علم أنه ينسخه عنده لعلمه بأن ~~مصلحة المكلف فى ذلك الأمر لاعتقاده لموجبه وكف نفسه عما يغويه ثم يقطع عنه ~~التكليف فى الوقت الذى علم أنه سينسخه عنده لعلمه بما فيه من المصلحة وكف ~~المفسدة @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ ويكون ذلك الفعل نفسه بالإضافة ~~إلى وقت متعلق المصلحة والحسن و الإرادة و بالإضافة إلى غيره متعلق القبح ~~والمفسدة والكراهة وذلك كما أمر بالصيام نهارا ونهى عنه ليلا ونحو ذلك ~~PageV01P358 # وعلى هذا يندفع ما ذكروه من البداء والندم فإن ذلك إنما يكون أن لو انكشف ~~له فى ثانى الحال ما أوجب له المنع عن الفعل والنهى عنه ولم يكن قد حصل ذلك ~~له أولا ومن استعمل من الأصحاب لفظ الرفع فى النسخ فليس المعنى به غير قطع ~~استمرار ما كان له من القوة والاستحكام وأن يبقى لولا الناسخ وذلك على وزان ~~قطع حكم عقد البيع المطلق المستحكم بالنسبة إلى الفسخ وهذا ليس برفع لما ~~وجد ولا لما لم يوجد ولا معنى للنسخ عند الإطلاق به إلا هذا فقد بطل ms245 إذا ما ~~تخيلوه وفسد ما توهموه # ولا يتوهمن إضافة قطع الاستمرار إلى الكلام الذى هو صفة الرب الكريم فإن ~~العدم عليه مستحيل بل المراد إنما هو قطع تعلقه بالمكلف وكف الخطاب عنه ~~وذلك غير مستحيل # وأما العيسوية فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه فى دعوته إلا ~~الإذعان لكلمته إذ لا سبيل إلى القول بتخصيص بعثته إلى العرب دون غيرها من ~~الأمم مع ما اشتهر عنه وعلم بالضرورة والنقل المتواتر من دعوته إلى كلمته ~~طوائف الجبابرة وغيرهم من الاكاسرة وتنفيذه إلى أقاصى البلاد وملوك العباد ~~وقتال من عانده ونزال من جاحده ثم ذلك معتمد على سند الصدر الأول من ~~المسلمين PageV01P359 # مع علمنا بأن ذلك الجم الغفير والجمع الكثير ممن لا يتصور عليهم التواطؤ ~~على الباطل عادة لا سيما لما كانوا عليه من شدة اليقين ومراعاة الدين فلو ~~لم يعلموا منه ضرورة أنه مبعوث إلى الناس كافة و إلى الأمم عامة من الأسود ~~والأبيض وإلا لما نقلوا ذلك رعاية للدين مع أنه ترك الدين وكذلك أيضا من ~~جاء من بعدهم على سنتهم وهلم جرا إلى زمننا هذا ولو لم يكن نبيا على العموم ~~لزم أن يكون قد كذب فى دعواه وأبطل فيما أتاه وذلك محال فى حق الأنبياء وحق ~~من ثبت عصمتهم بالمعجزات وقواطع الآيات # وعلى هذا النحو ثبوت كونه خاتم النبيين وآخر المرسلين حيث قال لا نبى ~~بعدى وتنزل الكتاب العزيز بمصداق ذلك تشريفا له وتكريما فقال @QB@ وخاتم ~~النبيين @QE@ وعلم ذلك فيما مضى من أهل عصره ولم يزل تتناقلة الأمم ~~والأعصار فى سائر الأقطار ومن لا يتصور عليهم التواطؤ على الكذب واللهو ~~واللعب وعلم ذلك ضرورة من قوله وكتابته فلا سبيل إلى جحده سمعا وإن كان ذلك ~~جائزا عقلا # وهذا آخر ما أردنا ذكره من النبوات والأفعال الخارقة للعادات # والتوكل على رب الخيرات PageV01P360 & القانون الثامن فى الإمامة $ ~~ويشتمل على طرفين PageV01P361 PageV01P362 # تمهيد # واعلم أن الكلام فى الإمامة ليس من أصول الديانات ولا من الأمور اللا ~~بديات بحيث لا يسمع المكلف الإعراض ms246 عنها والجهل بها بل لعمرى إن المعرض ~~عنها لأرجى حالا من الواغل فيها فإنها قلما تنفك عن التعصب والأهواء وإثارة ~~الفتن والشحناء والرجم بالغيب فى حق الائمة والسلف بالإزراء وهذا مع كون ~~الخائض فيها سالكا سبيل التحقيق فكيف إذا كان خارجا عن سواء الطريق # لكن لما جرت العادة بذكرها فى أواخر كتب المتكلمين والإبانة عن تحقيقها ~~فى عامة مصنفات الأصوليين لم نر من الصواب خرق العادة بترك ذكرها فى هذا ~~الكتاب موافقة للمألوف من الصفات وجريا على مقتضى العادات # لكننا نشير إلى تحقيق أصولها على وجه الإيجاز وتنقيح فصولها من غير ~~احتياز # والكلام فيها يشتمل على طرفين # أطرف في وجوب الإمامة وشرائطها وبيان ما يتعلق بها # ب وطرف في بيان معتقد أهل السنة فى إمامة الخلفاء الراشدين والأئمة ~~المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون PageV01P363 $ الطرف الأول فى ~~وجوب الإماكة وما يتعلق بها # مذهب أهل الحق من الإسلاميين أن إقامة الإمام واتباعه فرض على المسلمين ~~شرعا لا عقلا وذهب أكثر طوائف الشيعة إلى وجوب ذلك عقلا لا شرعا وذهب بعض ~~القدرية والخوارج إلى أن ذلك ليس واجبا لا عقلا ولا شرعا # ونحن الآن نبتدئ بتقديم مذهب أهل الحق أولا ثم نشير إلى شبه المخالفين فى ~~معرض الإعتراض وإلى وجه إبطالها عند الانفصال ثانيا # قال أهل الحق الدليل القاطع على وجوب قيام الإمام واتبعاه شرعا ما ثبت ~~بالتواتر من إجماع المسلمين فى الصدر الأول بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على امتناع خلو الوقت عن خليفة وإمام حتى قال أبو بكر فى خطبته ~~المشهورة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن محمدا قد مات ولا بد ~~لهذا الدين ممن يقوم به فبادر الكل إلى تصديقه والإذغان إلى قبول قوله ولم ~~يخالف فى ذلك PageV01P364 أحد من المسلمين ولا تقاصر عنه أحد من أرباب ~~الدين بل كانوا مطبقين على الوفاق ومصرين على قتال الخوارج وأهل الزيع ~~والشقاق ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك وإن اختلفوا فى التعيين # ولم ms247 يزالوا على ذلك مع ما كانوا عليه من الخشونة فى الدين والصلابة في ~~اليقين وتأسيس القواقد وتصحيح العقائد من غير أن يرهبوا فى الله لومة لائم ~~حتى بادر بعضهم إلى قتل الآباء والأمهات والإخوة والأخوات كل ذلك محافظة ~~على الدين وذبا عن حوزة المسلمين والعقل من حيث العادة يحيل الاتفاق من مثل ~~هؤلاء القوم على وجوب ما ليس بواجب لا سيما مع ما ورد به الكتاب العزيز من ~~مدحهم والسنة الشريفة فى عصمتهم فقال تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~@QE@ وقال عليه السلام أمتى لا تجتمع على الخطإ لا تجتمع امتى على ضلالة لم ~~يكن الله بالذى يجمع أمتى على الضلالة وسألت الله ألا يجمع أمتى على ~~الضلالة فأعطانيها إلى غير ذلك من الأحاديث وهى وإن كانت آحادها آحادا فهى ~~مع اختلاف ألفاظها وكثرتها تنزل منزلة التواتر فى حصول العلم بما دلت عليه ~~من جهة العادة قطعا وذلك على نحو علمنا بكرم حاتم وشجاعة عنترة كما بينا ~~فيما سلف ثم كذلك العصر الثانى والثالث وهلم جرا إلى زماننا هذا لم يزل ~~الناس ينسجون على منوال أهل الصدر الأول ويتبعون آثارهم ويقتفون أخبارهم ~~على الخط القويم والمهج المستقيم PageV01P365 # ولذلك من نظر بعين الاعتبار وحلى نحره بالأخبار وسلك طريق الرشاد وجانب ~~الهوى والعناد لم يجد من نفسه الاختلاج بمخالفة شئ من ذلك أصلا # ثم والذى يؤكد ذلك النظر إلى مستند الإجماع فإنا نعلم أن مقصود الشارع من ~~أوامره ونواهيه فى جميع موارده ومصادره من شرح الحدود والمقاصات وشرع ما ~~شرع من المعاملات والمناكحات وأحكام الجهاد وإظهار شعائر الإسلام فى أيام ~~الجمع والأعياد إنما هو لاصلاح الخلق معاشا ومعادا وذلك كله لا يتم إلا ~~بإمام مطاع من قبل الشرع بحيث يفوضون أزمتهم فى جميع أمورهم إليه ويعتمدون ~~فى سائر أحوالهم عليه فأنفسهم مع ما هم عليه من اختلاف الاهواء وتشتت ~~الآراء وما بينهم من العداوة والشحناء قلما تنقاد بعضهم لبعض ولربما أدى ~~ذلك إلى هلاكهم جميعا # والذى يشهد لذلك وقوع الفتن واختباط الأمم ms248 عند موت ولاة الأمر من الأئمة ~~والسلاطين إلى حين نصب مطاع آخر وأن ذلك لو دام لزادت الهوشات وبطلت ~~المعيشات وعظم الفساد فى العباد وصار كل مشغولا بحفظ نفسه تحت قائم سيفه ~~وذلك مما يفضى إلى رفع الدين وهلاك الناس أجمعين ومنه قيل الدين أس ~~والسلطان حارس الدين والسلطان توأمان # فإذا نصب الإمام من أهم مصالح المسلمين وأعظم عمد الدين فيكون واجبا حيث ~~عرف بالسمع أن ذلك مقصود للشرع وليس مما يمكن القول بوجوبه عقلا ~~PageV01P366 كما بيناه اللهم إلا أن يعنى بكونه واجبا عقليا أن فى فعله ~~فائدة وفى تركه مضرة لذلك ما لا سبيل إلى إنكاره أصلا # فإن قيل الاحتجاج بإجماع الأمة فرع تصور الإجماع وكما زعمتم أن العادة ~~تحيل اجتماع الأمة على الخطإ فكذلك أيضا بالنظر إلى العلماء تحيل اجتماع ~~الكل على حكم واحد مع ما هم عليه من اختلاف الطباع وتفاوت الأزمان والسهولة ~~والصعوبة فى الانقياد كما يستحيل من حيث العادة اتفاقهم كافة على القيام أو ~~القعود فى لحظة واحدة فى يوم واحد # ثم وإن تصور ذلك فالاطلاع عليه لكل واحد من أهل العصر مع انقسام ~~المجتهدين إلى معروف و إلى غير معروف وتنائى البلدان وتباعد العمران أيضا ~~متعذر # ثم وإن قدر أن ذلك كله متصور لكن ما من واحد نفرضه منهم إلا ويجوز عند ~~تقديره منفردا أن يكون فى ذلك الحكم مخطئا وذلك الجواز لا ينتقض وإن انضاف ~~إليه فى ذلك الحكم من أعداد المجتهدين ما لا يحصى والذى يدل على جواز ذلك ~~ورود النهى بصفة العموم وهو قوله @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~@QE@ @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ولم لم يكن ذلك منهم ~~جائزا وإلا لما نهوا عنه PageV01P367 # ولو كان ذلك حجة قطعية فى الشرعيات لما ذكر للزم أن يكون ذلك حجة فى ~~العقليات وهو خلاف الإجماع # وما ذكرتموه من الأحاديث فجملتها آحاد لا معتبر بها فى القطعيات والأمور ~~اليقينات وإن استدل على صحتها بإجماع الكافة عليها يلزم الدور وامتنع ~~الاستدلال ثم وإن ms249 كانت يقينية فمدلول اسم الأمة كل من آمن به من حين البعثة ~~إلى يوم القيامة وذلك غير متصور فيما نحن فيه ومع حمله على أهل الحل والعقد ~~من أهل كل عصر فيحتمل أنه أراد بالضلال أو الخطأ الكفر أو ما يوجب الإعتقاد ~~الخبيث أو نوعا آخر من أنواع الخطأ إذ تناوله لكل ضلال وخطأ إن كان فليس ~~إلا بطريق الظن والتخمين دون القطع واليقين # ثم وإن قدر أن المراد به العصمة من كل خطأ والحفظ من كل زلل فلا بد أن ~~يبين وجود الإجماع فيما نحن فيه وما المانع من أن يكون ثم نكير وأنه لم ~~تتحقق الموافقة إلا من آحاد المسلمين والذى يدل على ذلك قول عمر رضى الله ~~عنه ألا إن بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها ~~فاقتلوه أى إن بيعة أبى بكر من غير مشورة وقد وقى الله شرها فلا نعود إلى ~~مثلها PageV01P368 # ثم إن الإجماع لا بد وأن يعود إلى مستند من الكتاب والسنة ولو كان ~~للإجماع مستند لقد كانت العادة تحيل أن لا ينقل مع توفر الدواعى إلى نقله ~~فحيث لم ينقل له مستند علم أنه غير واقع فى نفسه # وأيضا فإن تعاون الناس على أشغالهم وتوفرهم على إصلاح أحوالهم وأخذهم على ~~أيدى السفهاء منهم والقيام بما يجب عليهم فى دينهم ودنياهم مما تحدوهم إليه ~~طباعهم وأديانهم ويدل على ذلك انتظام حال العربان وأهل البوادى والقفار ~~الخارجين عن أحكام السلطان فإذا قاموا بذلك فيما بينهم لم يكن لإقامة واحد ~~منهم يحكم عليهم فيما يفعلونه ويتأمر عليهم فيما يصنعونه تعين # لا سيما وما من مسئلة اجتهادية إلا ويجوز لكل واحد من المجتهدين أن ~~يخالفه فيها بما يؤدى إليه اجتهاده وكيف يكون واجب الطاعة مع جواز المخالفة ~~وما الفائدة فى نصبه نعم إن أدى اجتهادهم إلى أن يقيموا أميرا ورئيسا عليهم ~~يتكلف أمورهم ويرتب جيوشهم ويحمى حوزتهم ويقوم بذلك على وجه العدل والإنصاف ~~فلهم ذلك من غير أن يلزمهم من تركه ms250 حرج فى الشرع أصلا ثم إن ذلك يستدعى كون ~~الطريق متواترا وقد عرف ما فيه فيما مضى PageV01P369 # والجواب هو أن وقوع الاتفاق من الأمة على وجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان ~~وغير ذلك من الأحكام يكر على مقالتهم فى منع تصوره بالإبطال وما يتخيل من ~~امتناع الاتفاق عليه كما فرض من القيام والقعود والأكل والشرب وغير ذلك ~~فليس إلا لعدم الصارف والباعث له وإلا فلو تحقق الصارف لهم إلى ذلك لم يكن ~~بالنظر إلى العادة ممتنعا ولا محالة أن الأمة متعبدون باتباع النصوص ~~والأدلة الورادة من الكتاب والسنة ومعرضون للعقاب على تركها وإهمال النظر ~~إليها فغير بعيد أن يجدوا أنها تصرف دواعيهم إلى الحكم بمدلوله وتبعثهم على ~~العمل بمقتضاه ويعرف ذلك منهم بمشافهة أو نقل متواتر كما عرف أن مذهب جميع ~~الفلاسفة الإلهيين نفى الصفات وكما عرف التثليث من مذهب النصارى والتثنية ~~من مذهب جميع المجوس إلى غير ذلك من الأمور المتفق عليها # وإن اتفق أن كان ذلك مستندا إلى قول واحد والكل فى اتفاقهم له مقلدون ~~وعليه معتمدون كما علم من أصحاب الشافعى الاتفاق على منع قتل المسلم بالذمى ~~والحر بالعبد ونحوه وكما علم من اتفاقهم ان ذلك هو مذهب إمامهم فكذلك نعرف ~~من اتفاق الأمة أن ذلك مستند إلى قول نبيهم بل ومعرفة ذلك من إجماع الصدر ~~الأول يكون أقرب وأولى فإنهم لم يكونوا بعد قد انتشروا فى البلاد ولا تناءت ~~بهم الأبعاد ولم يكن عددهم مما يخرج عن الحصر لا سيما أهل الحل والعقد منهم # وتخيل الرجوع من الأمة عما اتفقوا عليه متعذر لضرورة الخطأ فى أحد ~~الإجماعين وقد دل السمع والعقل على امتناعه ورجوع بعضهم وإن كان جائزا فغير ~~قادح لكونه مخصوما ومحجوجا بما تقدم من الإجماع السابق الذى دل العقل ~~والسمع على PageV01P370 تصويبه ومع جواز الاتفاق ووقوع الإجماع يمتنع أن ~~يكون على الحطأ وإن كان ذلك جائزا على كل واحد أن لو قدر منفردا لما تقرر ~~من قبل # وأقرب شاهد يخصم هذا القائل ما أشرنا إليه ms251 فى جانب حصول العلم بالتواتر ~~فى مسألة النبوات ولا معنى للتطويل بإعادته # وما أشير إليه من الأخبار الدلة على جواز الخطأ على الأمة فليست ناهية عن ~~الإجماع ليلزم ما ذكروه وإنما النهى فيها متوجه على الآحاد ثم ولو قدر ذلك ~~فليس النهى يستدعى وقوع المنهى عنه ولا جوازه فى نفسه فإنه تعالى قال لنبيه ~~@QB@ فلا تكونن من الجاهلين @QE@ وقال @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ مع ~~علمه بعصمته وأن ذلك لا يقع منه ولا يجوز عليه # ولا شك أن العادة كما تحيل اتفاق الأمة على الخطأ فى السمعيات كذلك فى ~~العقليات أيضا لكننا لا نحيل تجويز العقل لنقيض المتفق عليه من جهة العقل ~~وأن ذلك لا تعرف استحالته إلا من دليل عقلى أو أمر يقينى آخر ولم نتعبد ~~بإزاحه ذلك الاحتمال الواهى بالنظر إلى الدليل العقلى وإلا فالاجماع حجة فى ~~العقليات بسبب كونه فى الشرعيات وعليكم بمراعاة هذا المعنى فإنه كثيرا ما ~~يغلط فيه ويدل على الاحتجاج به ما أشرنا إليه من الأخبار والآثار وهى وإن ~~كانت آحادا فلا شك أن جملتها تنزل منزلة التواتر كما أسلفناه PageV01P371 # وأما حمل لفظ الأمة على من تابعه إلى يوم القيامة فهو وإن كان مقتضى ~~اللفظ من حيث الصيغة قد خولف إجماعا بإخراج المجانين والصبيان ومن لا تفهم ~~له عنه ومع صرف اللفظ عن ظاهره يجب أن ينزل على ما دل عليه الدليل وقد دلت ~~السمعيات والقواطع من الشرعيات على تهديد مخالف الجماعة الخارج عن السمع ~~لهم والطاعة بإخراجه من زمرة الموحدين وسلبه ثوب الدين مثل قوله عليه ~~السلام من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه وقوله من ~~فارق الجماعة ومات فقد مات ميتة جاهلية إلى غير ذلك من الآثار وقواطع ~~الأخبار والموافقة والمخالفة والتهديد بمثل هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم ~~إنما تتحقق أن لو كان المخالف معصوما فيما اتاه مصيبا فيما رآه وان تكون مم ~~وجد دون من لم يوجد فوجب حمل اللفظ عليه وإلا فالموافقة والمخالفة إنما ~~تتصور فى ms252 يوم القيامة وهو محال # وأما تخصيص الخطأ والبطلان بالكفران أو غيره من أنواع العصيان مع ما فيه ~~من مخالفة ظاهر اللفظ فهو مخالف لظاهر الإطلاق بالتهديد لمخالف الإجماع من ~~غير تفصيل ومبطل لفائدة التخصيص بالتنصيص على الأمة وإيراد ذلك فى معرض ~~الإكرم والإنعام والتفضل من جهة أن الواحد قد يشارك الأمة فى ترك كل ما ~~تقدم حمل الضلال والخطأ عليه من أنواع العصيان وإن لم يوافقهم فى أن كل ما ~~ذهبوا إليه واتفقوا عليه يكون صوابا وحسنا فلا سبيل إذا إليه PageV01P372 # وأما منع وقوع الإجماع فيما نحن فيه فبعيد لما أسلفناه والنكير وإن كان ~~وقوعه بالنظر إلى العقل جائزا لكنه بالنظر إلى العادة مستحيل من جهة امتناع ~~وقوع التواطؤ على ترك نقله مع توفر الدواعى والصوارف إليه وليس فى قول عمر ~~ما يدل على انتفاء وقوع الإجماع على وجوب الإمامة كما هو مقصدنا بل وليس ~~فيه أيضا دلالة على انتفاء وقوع الإجماع على تعيين أبى بكر أيضا فإنه لا ~~مانع من وقوع الإجماع على ذلك بعينه وإن قدر الاختلاف فى التعيين # وعدم الاطلاع على مستند الإجماع فإنما يكون قادحا أن لو كان ذلك مما ~~تدعوا الحاجة إليه وتتوفر الدواعى على نقله وليس كذلك فإنه مهما تحقق ~~الاتفاق واستقر الوفاق وظهر دليل وجوب اتباعه وقع الاكتفاء به عن مستنده ~~ولم يبق نظر إلا فى موافقته ومخالفته ومع عدم الحاجة إلى النظر فى المستند ~~لكون الوفاق قد صار واجبا حتما ولازما جزما لم تنصرف الدواعى إلى نقله ولم ~~تتوفر البواعث على اتباعه فلا يكون عدم الإطلاع عليه إذ ذاك قادحا كيف وإنه ~~لا يبعد أن يكون مما لا يمكن نقله بل يعلمه من كان فى زمن النبى عليه ~~السلام ومشاهدا له بقرائن أحوال وإشارات ثم أقوال وأفعال إلى غير ذلك من ~~الأمور التى لا يمكن معرفتها إلا بالمشاهدة والعيان PageV01P373 # وأما اتفاق الناس على ما لأجله نصب الإمام وإن كان ذلك جائزا فى العقل ~~لكنه بالنظر لما لا تقبله العادة الجارية والسنة المطردة ms253 فممتنع بدليل ما ~~ذكرناه من أوقات الفترات وموت الملوك والسلاطين وغير ذلك مما ذكرناه ولهذا ~~نرى العربان والخارجين عن حكم السلطان كالذئاب الشاردة والأسود الكاسرة لا ~~يبقى بعضهم على بعض ولا يحافظون فى الغالب على سنة ولا فرض ولم تك دواعيهم ~~إلى صلاح أمورهم وتشوفهم إلى العمل بموجب دينهم بمغن عن السلطان إذ السيف ~~والسنان قد يفعل ما لا يفعله البرهان # ومن نظر إلى ما قررناه من الفائدة المطلوبة من نصب الإمام والغاية ~~المقصودة من إقامته للإسلام علم أنه لا أثر لجواز المخالفة له فيما يقع من ~~مسائل الاجتهاد وأن ذلك غير مقصود فيه الانقياد # وإذا ثبت وجوب الإمامة بالسمع فهل التعيين فيها مستند إلى النص أو ~~الاختيار فذهبت الإمامية إلى أن مستند التعيين إنما هو النص وزعموا أن ~~خلافة على منصوص علها من قبل النبى صلى الله عليه وسلم بقوله أنت منى ~~كهارون من موسى وقوله عليه السلام بعد ما وجبت طاعة المؤمنين له وثبت أنه ~~أحق بهم من أنفسهم PageV01P374 من كنت مولاه فعلى مولاه وقوله أنت أخى ~~وخليفتى من بعدى على أهلى ومنجز عداتى إلى غير ذلك من الآثار والأخبار # ولربما قرروا ذلك بطريق معنوى وهو أن النبى عليه السلام إما أن يكون ~~عالما باحتياج الخلق إلى من يقوم بمهماتهم ويحفظ بيضتهم ويحمى حوزتهم ويقبض ~~على أيدى السفهاء منهم ويقيم فيهم الأحكام الشرعية على وفق ما وردت به ~~الأدلة السمعية على ما تقرر أو لم يكن عالما لا جائز أن يقال بكونه غير ~~عالم إذ هو إساءة ظن بالنبوة وقدح فى سر الرسالة وكذلك أيضا إن كان عالما ~~ولم ينص لا سيما والتنصيص ههنا آكد من التنصيص وإيجاب التعريف لما يتعلق ~~بباب الاستنجاء والتيمم على مالا يخفى وهذا وإن لزم منه صدور الخطأ من ~~الأمة تبع ما عينه وسومح من ادعاء انتفاء النكير فلا يخفى أن صيانة النبى ~~عن الخطأ أولى من صيانة الأمة التى عصمتها لم تثبت إلا بقوله وبعصمته فإذا ~~لا بد من التنصيص والإشارة إلى ms254 التخصيص # ولا جائز أن يقال إنه ترك الأمر شورى فيما بين الصحابة وفوض الأمر إلى ~~اجتهاداتهم وآرائهم ليعلم القاصر من الفاضل والمجتهد من العيى وألا لجاز ~~للصحابة PageV01P375 ألا ينصبوا إماما أيضا ليعلم الطائع من العاصى ~~والمنقاد للأوامر والنواهى من غيره بل ولجاز إهمال بعثة الرسل وتفويض الأمر ~~إلى أرباب العقول ليتميز أيضا المجتهد ومن له النظر فى المدارك واستنباط ~~المسالك ممن ليس كذلك وذلك مما لا يخفى فساده كيف وأن التعيين بعد ما ثبت ~~القول بوجوب الإمامة لازم لا محالة فهو إما أن يستند إلى النص أو الإختبار ~~والاجماع على التعيين لا مستند له ثم كيف يجب على الناس طاعته وهو إنما صار ~~إماما باقإمتهم له فإذا لابد وان يكون التعيين واردا من قبل الشرق وصادرا ~~من جهة السمع وهو إنما يثبت فى حق من يدعيه دون من ينفيه هذا معتقد الشيعة ~~وطوائف الإمامية # وأما معتقد أهل الحق من أهل السنة وأصحاب الحديث فهو أن التعيين غير ثابت ~~بالنص بل بالاختيار لأنه لو ورد نصا فهو إما أن يكون نصا قطعيا أو ظنيا لا ~~جائز أن يكون قطعيا إذ العادة تحيل الاتفاق من الأمة على تركه وإهمال النظر ~~لموجبه لما سبق وإن كان ظنيا بالنظر إلى المتن والسند أو بالنظر إلى أحدهما ~~فادعاء العلم بالتنصيص إذ ذاك يكون محالا والاكتفاء بمحض الظن أيضا مما لا ~~سبيل إليه ههنا لما فيه من مخالفة الإجماع القاطع من جهة العادة # كيف وأنه لم يرد فى ذلك شئ من الأخبار ولا نقل شئ من الآثار على لسان ~~الثقات PageV01P376 والمعتمد عليهم من الرواة لا متواترا و لا آحادا غير ما ~~نقل على لسان الخصوم وهم فيه مدعون وفيما نقلوه متهمون لا سيما مع ما ظهر ~~من كذبهم وفسقهم وبدعتهم وسلوكهم طرق الضلال والبهت بادعاء المحال ومخالفة ~~العقول وسب أصحاب الرسول وغير ذلك مما اشتهاره يغنى عن تعداده وإظهاره # ومما يؤكد القول بانتفاء التنصيص إنكاره من اكثر المعتقدين لتفضيل على ~~عليه السلام على غيره كالزيدية ومعتزله ms255 البغداديين وغيرهم مع زوال التهمة ~~عنهم والشك فى قولهم وقوله عليه السلام حين خرج إلى غزوة تبوك لعلى وقد ~~استخلفه على قومه أنت منى كهارون من موسى معناه فى الاستخلاف على عشيرتى ~~وقوى كما كان هارون مستخلفا على قوم موسى من بعده وليس فى ذلك دلالة على ~~استخلافه بعد موته فإن ذلك مما لا يثبت لهارون المشبه به بعد موسى لأنه مات ~~قبله فى التيه وما ورد فى مساق الحديث من قوله إلا أنه لا نبى بعدى ليس ~~المعنى به بعد موتى حتى يكون ما ذكرنها مخالفا لظاهر الحديث بل معناه بعد ~~نبوتى لا معى ولا بعدى وذلك كما يقال لا ناصر لك بعد فلان أى بعد نصرته لا ~~معه ولا قبله وهو وإن افتقر إلى إضمار النبوة فما ذكروه أيضا لا بد فيه من ~~إضمار الموت وليس إضماره بأولى من إضماره بل ما ذكرناه أولى نفيا لإبطال ~~فائدة التخصيص بما بعد الموت فإنه كما قد PageV01P377 عرف امتناع وجود نبى ~~آخر بعد وفاته عرف امتناع وجوده فى حياته والاستخلاف فى حالة الحياة مما لا ~~ينتهض دليلا على الاستخلاف بعد الموت وإلا كان ذلك دليلا فى حق الولاة ~~والقضاة وكل من تولى شيئا من أمر المسلمين فى حالة حياة النبى عليه السلام ~~وكل عذر ينقدح ههنا فهو بعينه منقدح فى قوله عليه السلام ثم الذى يؤكد ما ~~قلناه أنه لو صدرت هذا العبارة عن خليفة الوقت إلى واحد من المسلمين لم يكن ~~ذلك عهدا له بالخلافة بعد الموت إجماعا وإن كان ذلك مما يدل على فضله وعلو ~~رتبته وعلى هذا يخرج قوله عليه السلام أنت أخى وخليفتى على أهلى وقاضى دينى ~~ومنجز عداتى وكذا قوله من كنت مولاه فعلى مولاه ثم إن لفظ المولى قد يطلق ~~بمعنى المحب وقد يطلق بمعنى المعتق وبمعنى الظهر والخلف وبمعنى المكان ~~والمقر وبمعنى الناصر ومنه قوله تعالى @QB@ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين @QE@ أى ناصره ومنه قول الأخطل % فأصبحت مولاه من الناس كلهم % ~~وأحرى ms256 قريش أن يهاب ويحمدا % $ أى ناصرها فيحتمل أن يكون كلام النبى عليه ~~السلام منزلا على هذا المعنى وهو أظهر فى لفط المولى # ولا يمكن حمل لفظ المولى على الأولى فإن ذلك مما لا يرد فى اللغة أصلا ~~وقوله @QB@ مأواكم النار هي مولاكم @QE@ ليس المعنى به أولى بكم بل مستقركم ~~ومكانكم ثم PageV01P378 وإن كان ذلك محتملا فهو مما يمتنع حمل كلام النبى ~~عليه لما فيه من مراغمة الإجماع ومخالفة اتفاق المسلمين وهدم قواعد الدين # ثم إنه لو صح الاعتماد على مثل هذه الآثار فى التولية لقد كان ذلك بطريق ~~الأولى فيما تمسك به القائلون بالتنصيص على خلافة أبى بكر رضى الله عنه ~~فإنها مع ما واتاها من إجماع المسلمين أشهر وأولى وذلك مثل قوله يأبى الله ~~إلا أبا بكر وقوله اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر وقوله لا ينبغى ~~لقوم يكون فيهم أبو بكر أن يقدم عليه غيره وقال ايتونى بدواة وكتف أكتب إلى ~~أبى بكر كتابا وهو لا يختلف عليه اثنان وقوله إن تولوها أبا بكر تجدوه ~~ضعيفا فى بدنه قويا فى دينه وذلك مع ما قد ورد فى حقه من الأخبار الدالة ~~على فضله والآثار المشعرة بعلو PageV01P379 رتبته مثل قوله عليه السلام خير ~~أمتى أبو بكر ثم عمر وقوله من أفضل من أبى بكر زوجنى ابنته وجهزنى بماله ~~وجاهد معى فى ساعة الخوف وما روى عن على كرم الله وجهه أنه قال خير الناس ~~بعد النبى أبو بكر ثم عمر ثم الله اعلم وهذه النصوص كلها إن لم يتخيل كونها ~~راجحة فلا أقل من أن تكون معارضة ومساوية ومع التعارض يجب التساقط والعمل ~~بإجماع المسلمين والاستناد إلى اتفاق المجتهدين # وكون النبى عليه السلام لم ينص على التعيين مما لا يشعر بعدم علمه بحاجة ~~المسلمين إلى من يخلفه بعده ويقوم مقامه فى إلزام الناس بما يستمر به أمر ~~دينهم وأمر دنياهم ومع علمه فترك التنصيص عليه إنما يكون محذورا أن لو كان ~~به مكلفا ومأمورا وإلا فكم من حكم ms257 فى واقعة تدعوا حاجة الناس إلى بيانه مات ~~النبى عليه السلام ولم يبينه من الفرائض والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من ~~أحكام العبادات فإذا ترك التنصيص من النبى عليه السلام مما لا يستحيل شرعا ~~و لا عقلا ولا عادة بخلاف اتفاق الأمة على الخطأ كما بيناه # وليس التنصيص على من عقدت له الإمامة بالاختيار شرطا فى طاعته فإن طاعته ~~بعد ذلك إنما صارت واجبة بالإجماع المستند إلى الكتاب أو قول الرسول ~~PageV01P380 لا إلى نفس الاختيار له أولا فإذا اشتراط استناد الاختيار إلى ~~التنصيص إنما يلزم أن لو كان وجوب الطاعة مستند إليه ومعتمدا عليه وليس ~~كذلك وبهذا يندفع ما ذكروه من الخيال الآخر أيضا كيف وأنه لو قدر استناد ~~الطاعة إلى الاختيار فامتناعه واستبعاده إنما يستقيم أن لو كان ما يثبت ~~بالاختيار لا يتم الاختيار إلا به ولا يجب إلا بالنظر إليه لما فيه من ~~الدور الممتنع أما إذا كان ما يجب طاعة الإمام فيه هو غير ما يتوقف وجوب ~~الطاعة عليه فلا امتناع ولا استبعاد وقد تحقق بما قررناه إبطال النص وإثبات ~~الاختيار # وإذا ثبت أن مستند التعيين ليس إلا الاختبار فذلك مما لا يفتقر إلى ~~إجماعه أهل الحل والعقد فإن ذلك ما لم يقم عليه دليل عقلى ولا سمعى نقلى بل ~~الواحد من أهل الحل والعقد والاثنان كاف فى الانعقاد ووجوب الطاعة ~~والانقياد لعلمنا بأن السلف من الصحابة رضوان الله عليهم مع ما كانوا عليه ~~من الصلابة فى الدين والمحافظة على قواعد المسلمين اكتفوا فى عقد الإمامة ~~بالواحد والإثنين من اهل الحل والعقد كعقد عمر لأبى بكر وعبد الرحمن بن عوف ~~لعثمان ولم يشترطوا إجماع من فى المدينة من اهل الحل والعقد فضلا عن إجماع ~~الأمصار واتفاق من فى سائر الأقطار وكانون على ذلك من المتفقين وله من ~~المتبعين من غير مخالفة ولا نكير وعلى ذلك انطوت الأعصار فى عقد الإمامة فى ~~كل حين وعليه اتفاق كافة المسلمين PageV01P381 # قال بعض الأصحاب ويجب أن يكون ذلك بمحضر من الشهود وبينة ms258 عادلة كفا ~~للخصام ووقوع الخلاف بين الأنام وادعاء مدع عقد الإمامة له سرا متقدما على ~~عقد من كان له جهرا عيانا وهو لا محالة واقع فى محل الاجتهاد فعلى هذا لو ~~اتفق عقد الإمامة لأكثر من واحد فى بلدان متعددة أو فى بلد واحد من غير أن ~~يشعر كل فريق من العاقدين بعقد الفريق الآخر فالواجب أن نتصفح العقود فما ~~كان منها متقدما وجب إقراره وامر الباقون بالنزول عن الامر فإن أجابوا وإلا ~~قوتلوا وقتلوا وكانوا خوارج بغاة وإن لم يعلم السابق وجب إبطال الجميع ~~واستأنف عقد لمن يقع عليه الاختيار كما إذا زوج أحد الوليين موليته من شخص ~~وجهل العقد السابق منهما # ولا خلاف فى أنه لا يجوز عقد الإمامة لشخصين فى صقع واحد متضايق الأقطار ~~ومتقارب الأمصار لما فيه من الضراء ووقوع الفتن والشحناء وأما إن تباعدت ~~الأقطار وتناءت الديار بحيث لا يستقل إمام واحد بتدبيرها والنظر فى أحوالها ~~فقد قال بعض الأصحاب إن إقامة إمام آخر فى محل الاجتهاد PageV01P382 # وليس الاختيار لعقد الأمامة جائزا على التشهى والإيثار بل لا بد وأن يكون ~~للمعقود له صفات وخصوصيات وهى أن يكون من العلم بمنزلة قاض من قضاة ~~المسلمين وأن يكون له من قوة البأس وشدة المراس قدر ما لا يهوله إقامة ~~الحدود وضرب الرقاب وإنصاف المظلوم من الظالم وأن يكون بصيرا بأمور الحرب ~~وترتيب الجيوش وحفظ الثغور ذكرا حرا مسلما عدلا ثقة فيما يقول لاتفاق الأمة ~~على ذلك ومحافظة على ما لأجله نصب الأمام # ومما دل السمع على اشتراطه أن يكون قرشيا وذلك نحو قوله عليه السلام ~~الأئمة من قريش وقوله قدموا قريشا ولا تقدموا عليها وقوله إنما الناس ~~PageV01P383 تبع لقريش فبر الناس تابع لبرهم وفاجرهم تابع لفاجرهم وأيضا ~~فإن الأئمة من السلف مطبقون على ان الإمامة لا تصلح إلا لقريش وتلقيهم لهذه ~~الأخبار بالقبول واحتجاج بعضهم على بعض بها وقول عمر رضى الله عنه عن سالم ~~مولى أبى حذيفة لو كان حيا لما تخالجنى فيه شك فإنما كان ms259 لأنه قد قيل إنه ~~كان ينتسب إلى قريش ولعمرى إن مثل هذا الشرط واقع فى محال الاجتهاد # وقد زادت الشيعة شروطا أخر وهو أن يكون من بنى هاشم معصوما عالما بالغيب ~~لأنا نأمن بمبايعتهم من النيران وغضب الرحمن وهذه الشروط مما لم يدل عليها ~~عقل ولا نقل ثم إن اشتراط الهاشمية مما يخالف ظاهر النص وإجماع الأمة على ~~عقد الامامة لأبى بكر وعمر وبه يبطل اشتراط العصمة والعلم بالغيب أيضا ثم ~~ولو اشترطت العصمة فى الإمام لأمن متبعيه لوجب اشتراطها فى حق القضاة ~~والولاة ايضا فإنه ليس يلى ببيعته أشياء أكثر مما يلى خلفاؤه وأولياؤه # ثم كيف يدعى اشتراط العصمة فى الإمامة مع الاتفاق على عقد الإمامة ~~للخلفاء PageV01P384 الراشدين واعترافهم بأنهم ليسوا بمعصومين حتى إن كل ~~واحد منهم قد كان يرى الرأى ثم يرجع فيه ويطلب الآثار والأخبار كطلب آحاد ~~الناس وبعضهم يخالفه البعض وذلك كما نقل عن على عليه السلام أنه قال فى حق ~~أمهات الأولاد اتفق رأيى ورأى عمر على أن لا يبعن والآن فقد رأيت بيعهن ~~وبالضرورة عند اختلافهما لا بد من وقوع الخطأ فى حق أحدهما ويخرج عن أن ~~يكون معصوما # بل وفى ذلك دلالة على انتفاء العصمة عن على أيضا فإنه لا بد وأن يكون ~~مصيبا فى إحدى الحالتين مخطئا فى الأخرى ومع تطرق الخطأ إليه لا يكون ~~معصوما # فإذا قد بان أن ما ذكروه ليس بمتعين فى الشرع ولا وارد فى السمع بل مهما ~~ظهر بالإشارات والعلامات والبيان من الأفعال والأقوال ما يدل ظاهرا على ~~استجماع ما شرطناه فى شخص ما جاز عقد الإمامة له لما أشرنا إليه ونبهنا ~~عليه من قبل ويكون حكمه فى معرفة ذلك منه حكم القضاة والولاة وكل من يتولى ~~أمرا من أمور المسلمين # ولهم أن يخلعوه وإن شرط غير ذلك إذا وجد منه ما يوجب الاختلال فى أمور ~~الدين وأحوال المسلمين وما لأجله يقام الأمام وان لم يقدروا على خلعه ~~وإقامة غيره لقوة شوكته وعظم تأهبه وكان ذلك مما ms260 يفضى إلى فساد العالم ~~وهلاك النفوس PageV01P385 # وكانت المفسدة فى مقابله آكد من المفسدة اللازمة من طاعته أمكن ارتكاب ~~أدنى المحذورين دفعا لأعلاهما # وإن كان ما طرأ عليه هو الكفر بعد الإسلام والردة بعد الإيمان فحالهم فى ~~طاعته والانقياد إلى متابعته لا تتقاصر عن حال المكره على الردة أو القتل ~~بالنسبة إلى المكره # وعلى هذا إن لم يوجد فى العالم مستجمع لجميع شروط الإمامة بل من فقد فى ~~حقه شئ كالعلم أو العدالة ونحوها فالواجب أن ينظر إلى المفسدة اللازمة من ~~إقامته وعدم إقامته ويدفع أعلاهما بارتكاب أدناهما إذ الضرورات تبيح ~~المحظورات وذلك كما فى أكل الميتة بالنسبة إلى حالة الإضطرار ونحوه هذا ~~تمام الطرف الأول PageV01P386 # | الطرف الثانى # فى معتقد أهل السنة فى الصحابة وإمامة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين # ولا خلاف فيما بين أهل الحق أن أبا بكر كان إماما حقا وذلك باتفاق ~~المسلمين على إقامته واجتماع اهل الحق والعقد على إمامته واتباع الناس له ~~فى أيام حياته وموافقة الصحابة له فى غزواته ونصبه للولا والحكام وتنفيذ ~~أوامره ونواهيه فى البلدان وذلك مما لا قبل بمدافعته ولا سبيل إلى مجاحدته ~~وأن من تخلف عن بيعته فى مبدأ الأمر مثل على وغيره لم يكن عن شقاق ونفاق ~~وإنما كان لعذر وطروء أمر والإ فلو كان ذلك للشقاق والخروج عن الوفاق لأمر ~~يكرهونه ولا يرتضونه لقد كان ذلك مما يسارعونه إلى إنكاره ويبالغون فى ~~إظهاره لا سيما فى حق الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وكانوا ~~مع ما هم عليه من قوة اليقين والصلابة فى الدين لا يراقبون فى الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر لومة اللائمين ولا خوف المخوفين ولو كان ذلك مما ~~PageV01P387 ظهر لقد كانت العادة مما تحيل تطابق الأمة على ترك نقله مع ~~توفر الدواعى عليه وصرف الهمم إليه واتفاق الأمة على ذلك مما يدل ضرورة على ~~كونه أهلا للإمامة ومستجمعا لشرائطها أيضا # ثم كيف ينكر ذلك مع ما عرف من نسبه وعدالته وعمله وشجاعته وتصرفه فى ~~البلاد وإصلاح نظام العباد ms261 بالآثار الدالة عليها والعلامات الواضحة المشيرة ~~اليها على ما تواترت به الأخبار وتتالت به الآثار على ألسنة الثقات الأخيار ~~وغير ذلك مما يكل عنه اللسان ويتقاصر عن تسطيره البيان فوجب الاكتفاء ~~بشهرتها عن ذكرها # ولكن قد يشكك بعض أهل الضلال ومن لم يثبت له قدم راسخ فى الاستنباط ~~والاستدلال باستقالة أبى بكر من الامامة وبقوله وليتكم ولست بخيركم وقول ~~عمر إن بيعة أبى بمكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ~~هذا وأمثاله مما يتمسك به من لا خلاق له من الروافض والإمامية الخارجين عن ~~ربقة الدين # وليس ذلك عند من له أدنى حظ من التفطن مما يؤثر خيالا ولا إشكالا فإن ~~الاستقالة لا تدل على عدم الاستحقاق لا سيما مع اتفاق الأمة على كونه ~~مستحقا بل لعل ذلك لم يكن PageV01P388 إلا للفرار من حمل أعباء أمور ~~المسلمين والخوف من شدة التكليف والتقليد لتدبير أمور الدين أو الامتحان ~~لتعرف الموافق من المخالف أو غير ذلك من الاحتمالات ومع ذلك فلا ينهض ~~الاقتيال شبهة فى درء الاستحقاق وكذلك قوله وليتكم ولست بخيركم فإنه يحتمل ~~أنه أراد التولية فى الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~المعلوم أنه لم يكن إذ ذاك أخير من قوم فيهم الرسول ويكون فائدة ذكر ذلك ~~الاحتجاج على جواز توليته بعد الرسول بطريق التنبيه بالأدنى على الأعلى ~~ويحتمل أنه أرد بقوله ولست بخيركم أى فى العشيرة والقبيلة إذ الهاشمى أفضل ~~من القرشى وإن لم يكن شرطا فى الإمامة ويحتمل انه أراد ذلك قبل التولية وفى ~~الجملة ليس يلزم من نفى الأفضلية أن يكون مفضولا بل من الجائز أن يكون ~~مساويا ومع ذلك فعقد الإمامة له يكون جائزا بالاتفاق # وقول عمر رضى الله عنه مع ما كان يحتج على الناس بإمامته ويدعوهم إلى ~~طاعته وتمسكه فى ذلك بعهد أبى بكر وولايته لا يجوز أن يحمل على أن خلافته ~~كانت باطلة وإلا فان ذلك مما يوجب الخبط فى قوله والهجر فيه ولا يخفى ms262 على ~~أحد ما كان عمر عليه من الأمانة والديانة والعقل الكامل والرزانة فمعنى ~~قوله كانت فلتة أى عن غير مشورة وقوله وقى الله شرها أى شر الخلاف فيها ~~وقوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه أى إلى مثل مخالفة الأنصار فى نصبهم ~~إمامين وقولهم منا أمير ومنكم امير ومع هذه الاحتمالات وانقداح هذه ~~الخيالات يخرج ما ذكروه PageV01P389 عن أن يكون قادحا ويلزم القول بإمامته ~~والاعتراف بصحته توليته على ما وقع عليه اتفاق الأمة ومعتقد أهل السنة # وأما باقى الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم أجمعين ~~فالسبيل إلى إثبات إمامتهم وصحة توليتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كإثبات ~~ذلك فى حق أبى بكر رضى الله عنه وصحة عهد أبى بكر إلى عمر والشورى وعقد عبد ~~الرحمن ابن عوف لعثمان فإنها تستند إلى الإجماع أيضا وكذا الحكم على قتلة ~~عثمان ومقاتلى على بكونهم بغاة فإن أسباب حل القتل وجواز قتال الإمام ~~محصورة ولم يوجد شئ منها قى حق عثمان ولا على عليه السلام # ومع هذا كله فالواجب أن يحسن الظن بأصحاب الرسول وأن يكف عما جرا بينهم ~~وألا يحمل شئ مما فعلوه أو قالوه إلا على وجهة الخير وحسن القصد وسلامة ~~الإعتقاد وانه مستند إلى الاجتهاد لما استقر فى الأسماع وتمهد فى الطباع ~~ووردت به الأخبار والآثار متواترة وآحاد من غرر الكتاب والسنة واتفاق الأمة ~~على مدحهم والثناء عليهم بفضلهم مما هو فى اشتهاره يغنى عن إظهاره وأن أكثر ~~ما ورد فى حقهم من الأفعال الشنيعة والأمور الخارجة عن حكم الشريعة فلا أصل ~~لها إلا تخرصات أهل الأهواء وتصنعات الأعداء كالروافض والخوارج وغيرهم من ~~السفساف ومن لا خلاق له من الأطراف وما ثبت نقله ولا سبيل إلى الطعن فيه ~~فما كان يسوغ فيه الاحتمال والتأويل فيه بحال فالواجب أن يحمل على أحسن ~~الاحتمالات وأن ينزل على أشرف التنزيلات وإلا فالواجب PageV01P390 الكف عنه ~~والانقباض منه وان يعتقد أن له تأويلا لم يوصل إليه ولم يوقف عليه إذ هو ~~الأليق بأرباب الديانات وأصحاب المروءات وأسلم ms263 من الوقوع فى الزلات ولكون ~~سكوت الإنسان عما لا يلزمه الكلام فيه أرجى له من أن يخوض فيما لا يعنيه لا ~~سيما إذا احتمل ذلك الزلل والوقوع بالظن والرجم بالغيب فى الخطل # ويجب مع ذلك أن يعتقد أن أبا بكر أفضل من عمر وأن عمر أفضل من عثمان وان ~~عثمان أفضل من على وأن الأربعة أفضل من باقى العشرة والعشرة أفضل ممن عداهم ~~من أهل عصرهم وأن اهل ذلك العصر أفضل ممن بعدهم وكذلك من بعدهم أفضل من ~~يليهم وأن مستند ذلك ليس إلا الظن وما ورد فى ذلك من الآثار وأخبار الآحاد ~~والميل من الأمة إلى ذلك بطريق الاجتهاد # وفيما ذكرناه غنية للمبتدئين وشفاء للمنتهين عند من نظر بعين الاعتبار ~~وله قدم راسخ فى الاختبار # والمسئول من بارئ النسم ومعيد الرمم أن ينيلنا فائدته ويعقبنا عائدته حين ~~الفقر والفاقة وضعف الطاقة فى يوم القصاص حيث لات حين مناص وأن يصلى على ~~صفوته من الرسل محمد وآله وأصحابه إنه أرجى مسئول وأعطف مأمول PageV01P391 # والحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد الأولين ~~والآخرين محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وكان الفراغ من نسخه ~~الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وستمائة وذلك بثغر الإسكندرية بالمدرسة ~~العادلية والسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P392 ms264